######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_001039Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: ابن رشد الحفيد #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 595 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: بداية المجتهد ونهاية المقتصد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر فقهية مستقلة #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_001039Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/1039_بداية-المجتهد-ونهاية-المقتصد-ابن-رشد-الحفيد-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: تنقيح وتصحيح : خالد العطار / إشراف : مكتبة البحوث والدراسات #META# 041.EdNUMBER :: جديدة منقحة ومصححة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1415 - 1995 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بداية المجتهد ونهاية المقتصد PageV01P001 # بداية المجتهد ونهاية المقتصد للامام القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن ~~محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الأندلسي الشهير (بابن رشد الحفيد) المتوفى ~~سنة 595 ه‍ تنقيح وتصحيح خالد العطار الجزء الأول طبعة جديدة منقحة ومصححة ~~إشراف مكتب البحوث والدراسات دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ~~PageV01P003 # جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر 1415 ه‍ - 1995 م بيروت - لبنان دار ~~الفكر: حارة حريك - شارع عبد النور - برقيا: فكسيى - تلكس: 41392 فكر ص. ب: ~~7061 - 11 - تلفون: 643681 - 838053 - 837898 - دولي: 860962 فاكس: ~~00121241187875 PageV01P004 # (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) " حديث شريف " بسم الله الرحمن ~~الرحيم أما بعد حمد الله بجميع محامده، والصلاة السلام على محمد رسوله وآله ~~وأصحابه، فإن غرضي في هذا الكتاب أن أثبت (1) فيه لنفسي على جهة التذكرة من ~~مسائل الاحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها، والتنبيه على نكث ~~الخلاف فيها، ما يجري مجرى الأصول القواعد لما عسى أن يرد على المجتهد من ~~المسائل المسكوت عنها في الشرع، وهذه المسائل في الأكثر هي المسائل المنطوق ~~بها في الشرع أو تتعلق به تعلقا قريبا، وهي المسائل التي وقع الاتفاق ~~عليها، أو اشتهر الخلاف فيها بين الفقهاء الاسلاميين من لدن الصحابة رضي ~~الله عنهم إلى فشا التقليد. # وقبل ذلك، فلنذكر كم أصناف الطرق التي تتلقى منها الأحكام الشرعية، وكم ~~أصناف الأحكام الشرعية، وكم أصناف الأسباب التي أوجبت الاختلاف بأوجز ما ~~يمكننا في ذلك. فنقول: # إن الطرق التي منا تلقت الاحكام عن النبي عليه الصلاة والسلام بالجنس ~~ثلاثة: # إما لفظ، وإما فعل، وإما إقرار. وأما ما سكت عنه الشارع من الاحكام، فقال ~~الجمهور: # إن طريق الوقوف عليه هو القياس. وقال أهل الظاهر: القياس في الشرع باطل. ~~وما سكت عنه الشارع فلا حكم له ودليل العقد يشهد بثبوته، وذلك أن الوقائع ~~بين أشخاص الأناسي غير متناهية، والنصوص، والأفعال، والاقرارات متناهية، ~~ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى. وأصناف الألفاظ التي تتلقى منها ~~الاحكام من السمع أربعة: ms0001 ثلاثة متفق عليها، ورابع مختلف فيه. أما الثلاثة ~~المتفق عليها فلفظ عام يحمل على عمومه، أو خاص يحمل على خصوصه، أو لفظ عام ~~يراد به الخصوص، أو لفظ خاص يراد به العموم، وفي هذا يدخل التنبيه بالأعلى ~~على الأدنى، وبالأدنى على الأعلى، وبالمساوي على المساوي، # PageV01P005 # فمثال الأول قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) (1)، ~~فإن المسلمين اتفقوا على أن لفظ الخنزير متناول لجميع أصناف الخنازير ما لم ~~يكن مما يقال عليه الاسم بالاشتراك، مثل خنزير الماء، ومثال العام يراد به ~~الخاص، قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) (2). فإن ~~المسلمين اتفقوا على أن ليست الزكاة واجبة في جميع أنواع المال، ومثال ~~الخاص يراد به العام قوله تعالى: (فلا تقل لهما أف) (3)، وهو من باب ~~التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإنه يفهم من هذا تحريم الضرب والشتم وما فوق ~~ذلك، وهذه إما أن يأتي المستدعي بها فعله بصيغة الامر، وإما أن يأتي بصيغة ~~الخبر، يراد به الامر، وكذلك المستدعي تركه، إما أن يأتي بصيغة النهي، وإما ~~أن يأتي بصيغة الخبر، يراد به النهي، وإذا أتت هذه الألفاظ بهذه الصيغ، فهل ~~يحمل استدعاء الفعل بها على الوجوب أو على الندب على ما سيقال في حد الواجب ~~والمندوب إليه، أو يتوقف حتى يدل الدليل على أحدهما؟ فيه بين العلماء خلاف ~~مذكور في كتب أصول الفقه، وكذلك الحل في صيغ النهي هل تدل على الكراهية أو ~~التحريم، أو لا تدل على واحد منهما؟ فيه الخلاف المذكور أيضا، والأعيان ~~التي يتعلق بها الحك إما أن يدل عليها بلفظ يدل على معنى واحد فقط، وهو ~~الذي يعرف في صناعة أصول الفقه بالنص، ولا خلاف في وجوب العمل به، وإما أن ~~يدل عليها بلفظ يدل على أكثر من معنى واحد، وهذا قسمان: إما أن تكون دلالته ~~على تلك المعاني بالسواء، وهو الذي يعرف في أصول الفقه بالمجمل، ولا خلاف ~~في أنه لا يوجب حكما، وإما أن تكون دلالته على بعض تلك المعاني أكثر من ~~بعض، ms0002 وهذا يسمى بالإضافة إلى المعاني التي دلالته عليها أكثر ظاهرا، ويسمى ~~بالإضافة إلى المعاني التي دلالته عليها أقل محتملا، وإذا ورد مطلقا حمل ~~على تلك المعاني التي هو أظهر فيها حتى يقوم الدليل على حمله على حمله على ~~المحتمل، فيعرض الخلاف للفقهاء في أقاويل الشارع، لكن ذلك من قبل ثلاث ~~معان: من قبل الاشتراك في لفظ العين الذي علق به الحكم، ومن قبل الاشتراك ~~في الألف والأم المقرونة بجنس تلك العين، هل أريد بها الكل أو البعض؟ # ومن قبل الاشتراك الذي في ألفاظ الأوامر والنواهي، واما الطريق الرابع ~~فهو ان يفهم من ايجاب الحكم لشئ ما نفى ذلك الحكم عما عدا ذلك الشئ أو من ~~نفى الحكم عن شئ ما ايجابه لما عدا ذلك الشئ الذي نفى عنه، وهو الذي يعرف ~~بدليل الخطاب، وهو أصل مختلف فيه مثل قوله عليه الصلاة والسلام: " في سائمة ~~الغنم الزكاة "، فان قوما فهموا منه أن لا زكاة في غير السائمة، واما ~~القياس الشرعي فهو الحاق الحكم الواجب لشئ ما بالشرع # PageV01P006 # بالشئ المسكوت عنه لشبهه بالشئ الذي أوجب الشرع له ذلك الحكم أو لعلة ~~جامعة بينهما، ولذلك كان القياس الشرعي صنفين: قياس شبه، وقياس علة، والفرق ~~بين القياس الشرعي واللفظ الخاص يراد به العام: ان القياس يكون على الخاص ~~الذي أريد به الخاص فيلحق به غيره، أعني ان المسكوت عنه يلحق بالمنطوق به ~~من جهة الشبه الذي بينهما لا من جهة دلالة اللفظ، لان الحاق المسكوت عنه ~~بالمنطوق به من جهة تنبيه اللفظ ليس بقياس، وإنما هو من باب دلالة اللفظ، ~~وهذان الصنفان يتقاربان جدا لأنهما الحاق مسكوت عنه بمنطوق به، وهما ~~يلتبسان على الفقهاء كثيرا جدا. فمثال القياس الحاق شارب الخمر بالقاذف في ~~الحد، والصداق بالنصاب في القطع. واما الحاق الربويات بالمقتات أو بالمكيل ~~أو بالمطعوم من باب الخاص أريد به العام، فتأمل هذا فان فيه غموضا. والجنس ~~الأول هو الذي ينبغي للظاهرية ان تنازع فيه. واما الثاني فليس ينبغي لها ان ~~تنازع فيه ms0003 لأنه من باب السمع، والذي يرد ذلك يرد نوعا من خطاب العرب. واما ~~الفعل فإنه عند الأكثر من الطرق التي تتلقى منها الأحكام الشرعية، وقال ~~قوم: الأفعال ليست تفيد حكما إذ ليس لها صيغ، والذين قالوا إنها تتلقى منها ~~الاحكام اختلفوا في نوع الحكم الذي تدل عليه، فقال قوم: على الوجوب وقال ~~قوم: تدل على الندب، والمختار عند المحققين انها ان أتت بيانا لمجمل واجب ~~دلت على الوجوب، وان أتت بيانا لمجمل مندوب إليه دلت على الندب، وإن لم تأت ~~بيانا لمجمل، فان كانت من جنس القربة دلت على الندب، وان كانت من جنس ~~المباحات دلت على الإباحة، واما الاقرار فإنه يدل على الجواز، فهذه أصناف ~~الطرق التي تتلقى منها الاحكام أو تستنبط. # واما الاجماع فهو مستند إلى أحد هذه الطرق الأربعة، الا انه إذا وقع في ~~واحد منها ولم يكن قطعيا نقل الحكم من غلبة الظن إلى القطع، وليس الاجماع ~~أصلا مستقلا بذاته من غير استناد إلى واحد من هذه الطرق، لأنه لو كان كذلك ~~لكان يقتضى اثبات شرع زائد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، إذ كان لا يرجع ~~إلى أصل من الأصول المشروعة. واما المعاني المتداولة المتأدية من هذه الطرق ~~اللفظية للمكلفين، فهي بالجملة: اما امر بشئ واما نهى عنه، واما تخيير فيه. ~~والامر ان فهم منه الجزم وتعلق العقاب بتركه سمى واجبا، وان فهم منه الجزم ~~وتعلق العقاب بالفعل سمى محرما ومحظورا، وان فهم منه الحث على تركه من غير ~~تعلق عقاب بفعله سمى مكروها فتكون أصناف الأحكام الشرعية المتلقاة من هذا ~~الطرق خمسة: # واجب، ومندوب ومحظور، ومكروه، ومخير فيه وهو المباح. واما أسباب الاختلاف ~~بالجنس فستة، أحدها: تردد الألفاظ بين هذه الطرق الأربع: أعني بين أن يكون ~~اللفظ عاما يراد به الخاص، أو خاصا يراد به العام، أو عاما يراد به العام، ~~أو خاصا يراد به الخاص، PageV01P007 # أو يكون له دليل خطاب، أو لا يكون له. والثاني: الاشتراك الذي في ~~الألفاظ، وذلك اما في اللفظ ms0004 المفرد، كلفظ القرء الذي ينطلق على الأطهار ~~وعلى الحيض، وكذلك لفظ الامر هل يحمل على الوجوب أو الندب، ولفظ النهى هل ~~يحمل على التحريم أو الكراهية؟ واما في اللفظ المركب مثل قوله تعالى: (إلا ~~الذين تابوا) (1)، فإنه يحتمل ان يعود على الفاسق فقط، ويحتمل ان يعود على ~~الفاسق والشاهد، فتكون التوبة رافعة للفسق ومجيزة شهادة القاذف. والثالث: ~~اختلاف الاعراب. والرابع: تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو حمله على نوع ~~من أنواع المجاز، التي هي اما الحذف، واما الزيادة، واما التقديم، واما ~~التأخير، واما تردده على الحقيقة أو الاستعارة. والخامس: اطلاق اللفظ تارة ~~وتقييده تارة، مثل اطلاق الرقية في العتق تارة، وتقييدها بالايمان تارة. ~~والسادس: التعارض في الشيئين في جميع أصناف الألفاظ التي يتلقى منها الشرع ~~الاحكام بعضها مع بعض، وكذلك التعارض الذي يأتي في الأفعال أو في ~~الاقرارات، أو تعارض القياسات أنفسها، أو التعارض الذي يتركب من هذه ~~الأصناف الثلاثة، أعني: معارضة القول للفعل أو للاقرار أو للقياس، ومعارضة ~~الفعل للاقرار أو للقياس، ومعارضة الاقرار للقياس. # قال القاضي رضي الله عنه: وإذ قد ذكرنا بالجملة هذه الأشياء، فلنشرع فيما ~~قصدناه مستعينين بالله، ولنبدأ من ذلك بكتاب الطهارة على عاداتهم. # PageV01P008 # كتاب: الطهارة من الحدث فنقول: إنه اتفق المسلمون على أن الطهارة الشرعية ~~طهارتان: طهارة من الحدث، وطهارة من الخبث. واتفقوا على أن الطهارة من ~~الحدث ثلاثة أصناف: وضوء، وغسل، وبدل منهما وهو التيمم، وذلك لتضمن ذلك آية ~~الوضوء الواردة في ذلك، فلنبدأ من ذلك بالقول في الوضوء، فنقول: ~~PageV01P009 # كتاب الوضوء إن القول المحيط بأصول هذه العبادة ينحصر في خمسة أبواب: ~~الباب الأول في الدليل على وجوبها، وعلى من تجب، ومتى تجب؟ الثاني: في ~~معرفة أفعالها الثالث: في معرفة ما به تفعل وهو الماء. الرابع: في معرفة ~~نواقضها. الخام في معرفة الأشياء التي تفعل من أجلها. # الباب الأول فأما الدليل على وجوبها فالكتاب والسنة، والاجماع. أما ~~الكتاب: فقوله تعالى: # * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ms0005 ~~المرافق) * الآية. # فإن اتفق المسلمون على أن امتثال هذا الخطاب واجب على كل من لزمته الصلاة ~~إذا دخل وقتها. وأما السنة: فقوله عليه الصلاة والسلام لا يقبل الله صلاة ~~بغير طهور، ولا صدقة من غلول وقوله عليه الصلاة والسلام: لا يقبل الله صلاة ~~من أحدث حتى يتوضأ، وهذان الحديثان ثابتان عند أئمة النقل. وأما الاجماع: ~~فإنه لم ينقل عن أحد من المسلمين في ذلك خلاف، ولو كان هناك خلاف لنقل، إذ ~~العادات تقتضي ذلك. وأما من تجب عليه فهو البالغ العاقل، وذلك أيضا ثابت ~~بالسنة والاجماع. أما السنة: فقوله عليه الصلاة والسلام: رفع القلم عن ~~ثلاث، فذكر، الصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق. وأما الاجماع: فإنه لم ~~ينقل في ذلك خلاف. واختلف الفقهاء هل من شرط وجوبها الاسلام أم لا؟ وهي ~~مسألة قليلة الغناء في الفقه لأنها راجعة إلى الحكم الأخروي. وأما متى تجب؟ ~~فإذا دخل وقت الصلاة، وأراد الانسان الفعل الذي الوضوء شرط فيه وإن لم يكن ~~ذلك متعلقا بوقت. أما وجوبه عند دخول وقت الصلاة على المحدث، فلا خلاف فيه ~~لقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) * الآية. # فأوجب الوضوء عند القيام إلى الصلاة، ومن شروط الصلاة دخول الوقت. وأما ~~دليل وجوبه عند إرادة الأفعال التي هو شرط فيها فسيأتي ذلك عند ذكر الأشياء ~~التي يفعل الوضوء من أجلها، واختلاف الناس في ذلك. PageV01P010 # الباب الثاني وأما معرفة فعل الوضوء، فالأصل فيه ما ورد من صفته في قوله ~~تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ~~إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) * وما ورد من ذلك أيضا ~~في صفة وضوء النبي (ص) في الآثار الثابتة، ويتعلق بذلك مسائل: اثنتا عشرة ~~مشهورة تجري مجرى الأمهات، وهي راجعة إلى معرفة الشروط، والأركان، وصفة ~~الأفعال، وأعدادها، وتعيينها وتحديد محال أنواع أحكام جميع ذلك. # المسألة الأولى من الشروط: اختلف علماء الأمصار هل النية شرط في صحة ~~الوضوء أم لا بعد اتفاقهم على اشتراط النية في ms0006 العبادات لقوله تعالى: * ~~(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) *. ولقوله (ص): إنما الأعمال ~~بالنيات - الحديث المشهور، فذهب فريق منهم إلى أنها شرط، وهو مذهب الشافعي، ~~ومالك، وأحمد، وأبي ثور، وداود وذهب فريق آخر إلى أنها ليست بشرط، وهو مذهب ~~أبي حنيفة، والثوري. وسبب اختلافهم: تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة: ~~أعني غير معقولة المعنى، وإنما يقصد بها القربة له فقط كالصلاة، وغيرها، ~~وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى كغسل النجاسة، فإنهم لا يختلفون أن ~~العبادة المحضة مفتقرة إلى النية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى ~~النية، والوضوء فيه شبه من العبادتين، ولذلك وقع الخلاف فيه وذلك أنه يجمع ~~عبادة ونظافة. والفقه أن ينظر بأيهما هو أقوى شبها، فيلحق به. # المسألة الثانية من الاحكام: اختلف الفقهاء في غسل اليد قبل إدخالها في ~~إناء الوضوء، فذهب قوم إلى أنه من سنن الوضوء بإطلاق، وإن تيقن طهارة اليد، ~~وهو مشهور مذهب مالك، والشافعي. وقيل إنه مستحب للشاك في طهارة يده، وهو ~~أيضا مروي عن مالك. # وقيل إن غسل اليد واجب على المنتبه من النوم، وبه قال داود وأصحابه. وفرق ~~قوم بين نوم الليل، ونوم النهار. فأوجبوا ذلك في نوم الليل، ولم يوجبوه في ~~نوم النهار، وبه قال أحمد. فتحصل في ذلك أربعة أقوال: 1 - قول إنه سنة ~~بإطلاق. 2 - وقول إنه استحباب للشاك. # 3 - وقول إنه واجب على المنتبه من النوم. 4 - وقول إنه واجب على المنتبه ~~من نوم الليل دون نوم النهار. والسبب في اختلافهم في ذلك: اختلافهم في ~~مفهوم الثابت من حديث أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا استيقظ ~~أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن PageV01P011 # يدخلها الاناء، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده. وفي بعض رواياته: ~~فليغسلها ثلاثا. # فمن لم ير بين الزيادة الواردة في هذا الحديث على ما في آية الوضوء ~~معارضة، وبين آية الوضوء، حمل لفظ الامر ها ههنا على ظاهره من الوجوب، وجعل ~~ذلك فرضا من فروض الوضوء، ومن فهم من ms0007 هؤلاء من لفظ البيات نوم الليل، أوجب ~~ذلك من نوم الليل فقط، ومن لم يفهم منه ذلك، وإنما فهم منه النوم فقط أوجب ~~ذلك على كل مستيقظ من النوم نهارا أو ليلا، ومن رأى أن بين هذه الزيادة ~~والآية تعارضا، إذ كان ظاهر الآية المقصود منه حصر فروض الوضوء، كان وجه ~~الجمع بينهما عنده أن يخرج لفظ الامر عن ظاهره الذي هو الوجوب إلى الندب، ~~ومن تأكد عنده هذا الندب لمثابرته عليه الصلاة والسلام على ذلك، قال: إنه ~~من جنس السنن، ومن لم يتأكد عنده هذا الندب، قال: إن ذلك من جنس المندوب ~~المستحب وهؤلاء غسل اليد عندهم بهذه الحال إذا تيقنت طهارتها: أعني من يقول ~~إن ذلك سنة من يقول إنه ندب. ومن لم يفهم من هؤلاء من هذا الحديث علة توجب ~~عنده أن يكون من باب الخاص أريد به العام، كان ذلك عنده مندوبا للمستيقظ من ~~النوم فقط، ومن فهم منه علة الشك، وجعله من باب الخاص أريد به العام، كان ~~ذلك عند للشاك، لأنه في معنى النائم. والظاهر من هذا الحديث أنه لم يقصد به ~~حكم البدء في الوضوء، وإنما قصد به حكم الماء الذي يتوضأ به إذا كان الماء ~~مشترطا فيه الطهارة، أما من نقل من غسله (ص) يديه قبل إدخالهما في الاناء ~~في أكثر أحيانه، فيحتمل أن يكون من حكم اليد على أن يكون غسلها في الابتداء ~~من أفعال الوضوء، ويحتمل أن يكون من حكم الماء، أعني أن لا ينجس أو يقع فيه ~~شك إن قلنا إن الشك مؤثر. # المسألة الثالثة من الأركان: اختلفوا في المضمضة والاستنشاق في الوضوء ~~على ثلاثة أقوال: قول إنهما سنتان في الوضوء، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ~~حنيفة وقول إنهما فرض فيه، وبه قال ابن أبي ليلى وجماعة من أصحاب داود، ~~وقول إن الاستنشاق فرض، والمضمضة سنة، وبه قال أبو ثور، وأبو عبيدة وجماعة ~~من أهل الظاهر. # وسبب اختلافهم في كونها فرضا، أو سنة اختلافهم في السنن الواردة في ذلك، ms0008 ~~هل هي زيادة تقتضي معارضة آية الوضوء، أو لا تقتضي ذلك، فمن رأى أن هذه ~~الزيادة إن حملت على الوجوب، اقتضت معارضة الآية، إذ المقصود من الآية ~~تأصيل هذا الحكم، وتبيينه، أخرجها من باب الوجوب إلى باب الندب، ومن لم ير ~~أنها تقتضي معارضة، حملها على الظاهر من الوجوب، ومن استوت عنده هذه ~~الأقوال، والأفعال في حملها على الوجوب لم يفرق بين المضمضة، والاستنشاق، ~~ومن كان عنده القول محمولا على الوجوب، والفعل محمولا على الندب فرق بين ~~المضمضة والاستنشاق، وذلك أن المضمضة نقلت من فعله عليه الصلاة والسلام، ~~ولم تنقل من أمره، وأما الاستنشاق فمن أمره عليه الصلاة والسلام ~~PageV01P012 # وفعله وهو قوله عليه الصلاة والسلام: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ~~ثم لينثر، ومن استجمر، فليوتر خرجه مالك فموطئه، والبخاري في صحيحه من حديث ~~أبي هريرة. # المسألة الرابعة من تحديد المحال: اتفق العلماء، على أن غسل الوجه ~~بالجملة من فرائض الوضوء لقوله تعالى: * (فاغسلوا وجوهكم) * واختلفوا منه ~~في ثلاثة مواضع: # في غسل البياض الذي بين العذار والاذن، وفي غسل ما انسدل من اللحية، وفي ~~تخليل اللحية. فالمشهور من مذهب مالك أنه ليس البياض الذي بين العذار ~~والاذن من الوجه، وقد قيل في المذهب بين الأمرد والملتحي فيكون في المذهب ~~ثلاثة أقوال. وقال أبو حنيفة والشافعي هو من الوجه وأما ما انسدل من ~~اللحية، فذهب مالك إلى وجوب إمرار الماء عليه، ولم يوجبه أبو حنيفة، ولا ~~الشافعي في أحد قوليه. وسبب اختلافهم في هاتين المسألتين هو خفاء تناول اسم ~~الوجه لهذين الموضعين، أعني: هل يتناولهما، أو لا يتناولهما؟ وأما تخليل ~~اللحية، فمذهب مالك أنه ليس واجبا، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الوضوء ~~وأوجبه ابن عبد الحكم من أصحاب مالك. وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في صحة ~~الآثار التي ورد فيها الامر بتخليل اللحية، والأكثر على أنها غير صحيحة مع ~~أن الآثار الصحاح التي ورد فيها صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام ليس في شئ ~~منها التخليل. # المسألة الخامسة من التحديد: ms0009 اتفق العلماء على أن غسل اليدين والذراعين ~~من فروض الوضوء لقوله تعالى: * (وأيديكم إلى المرافق) * واختلفوا في إدخال ~~المرافق فيها، فذهب الجمهور ومالك والشافعي وأبو حنيفة إلى وجوب إدخالها ~~وذهب بعض أهل الظاهر، وبعض متأخري أصحاب مالك، والطبري إلى أنه لا يجب ~~إدخالها في الغسل، والسبب في اختلافهم في ذلك الاشتراك الذي في حرف إلى، ~~وفي اسم اليد في كلام العرب وذلك أن حرف إلى مرة يدل في كلام العرب على ~~الغاية، ومرة يكون بمعنى مع، واليد أيضا في كلام العرب تطلق على ثلاثة ~~معان: على الكف فقط، وعلى الكف والذراع، وعلى الكف والذراع والعضد، فمن جعل ~~إلى بمعنى مع، أو فهم من اليد مجموع الثلاثة الأعضاء أوجب دخولها في الغسل، ~~ومن فهم من إلى الغاية، ومن اليد ما دون المرفق، ولم يكن الحد عنده داخلا ~~في المحدود، لم يدخلهما في الغسل، وخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنه غسل ~~يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم اليسرى PageV01P013 # كذلك ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ثم غسل اليسرى كذلك، ثم قال: # هكذا رأيت رسول الله (ص) يتوضأ. وهو حجة لقول من أوجب إدخالها في الغسل، ~~لأنه إذا تردد اللفظ بين المعنيين على السواء، وجب أن لا يصار إلى أحد ~~المعنيين إلا بدليل، وإن كانت إلى في كلام العرب أظهر في معنى الغاية منها ~~في معنى مع، وكذلك اسم اليد أظهر فيما دون العضد منه فيما فوق العضد، فقول ~~من لم يدخلها من جهة الدلالة اللفظية أرجح، وقول من أدخلها من جهة هذا ~~الأثر أبين، إلا أن يحمل هذا الأثر على الندب، والمسألة محتملة كما ترى. ~~وقد قال قوم: إن الغاية إذا كانت من جنس ذي الغاية دخلت فيه، وإن لم تكن من ~~جنسه لم تدخل فيه. # المسألة السادسة من التحديد: اتفق العلماء على أن مسح الرأس من فروض ~~الوضوء، واختلفوا في القدر المجزئ منه. فذهب مالك إلى أن الواجب مسحه كله. # وذهب الشافعي، وبعض أصحاب مالك، وأبو ms0010 حنيفة إلى أن مسح بعضه هو الفرض، ~~ومن أصحاب مالك من حد هذا البعض بالثلث، ومنهم من حده بالثلثين وأما أبو ~~حنيفة فحده بالربع وحد مع هذا القدر من اليد الذي يكون به المسح، فقال: إن ~~مسحه بأقل من ثلاثة أصابع لم يجزه. وأما الشافعي فلم يحد في الماسح، ولا في ~~الممسوح حدا. وأصل هذا الاختلاف: الاشتراك الذي في الباء في كلام العرب، ~~وذلك أنها مرة تكون زائدة مثل قوله تعالى: * (تنبت بالدهن) * على قراءة من ~~قرأ تنبت بضم التاء وكسر الباء من أنبت، ومرة تدل على التبعيض مثل قول ~~القائل: أخذت بثوبه، وبعضده، ولا معنى لانكار هذا في كلام العرب، أعني: كون ~~الباء مبعضة، وهو قول الكوفيين من النحويين. فمن رآها زائدة، أوجب مسح ~~الرأس كله، ومعنى الزائدة ها هنا كونها مؤكدة، ومن رآها مبعضة، أوجب مسح ~~بعضه. وقد احتج من رجح هذا المفهوم بحديث المغيرة: أن النبي عليه الصلاة ~~والسلام توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة خرجه مسلم. وإن سلمنا أن الباء ~~زائدة بقي ها هنا أيضا احتمال آخر، وهو هل الواجب الاخذ بأوائل الأسماء، أو ~~بأواخرها. # المسألة السابعة من الاعداد: اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة ~~الأعضاء المغسولة هو مرة مرة إذا أسبغ، وأن الاثنين، والثلاث مندوب إليهما، ~~لما صح: أنه (ص) توضأ مرة مرة، وتوضأ مرتين مرتين وتوضأ ثلاثا ثلاثا ولان ~~الامر ليس يقتضي إلا الفعل مرة مرة أعني: الامر الوارد في الغسل في آية ~~الوضوء. واختلفوا في تكرير مسح الرأس هل هو فضيلة، أم ليس في تكريره فضيلة؟ ~~فذهب الشافعي إلى أنه من توضأ ثلاثا ثلاثا يمسح رأسه أيضا ثلاثا، وأكثر ~~الفقهاء يرون أن المسح لا فضيلة في تكريره. وسبب PageV01P014 # اختلافهم في ذلك: اختلافهم في قبول الزيادة الواردة في الحديث الواحد إذا ~~أتت من طريق واحد ولم يرها الأكثر، وذلك أن أكثر الأحاديث التي روي فيها ~~أنه توضأ ثلاثا ثلاثا من حديث عثمان وغيره لم ينقل فيها ألا أنه مسح واحدة ~~وفي بعض الروايات عن ms0011 عثمان في صفة وضوئه أنه عليه الصلاة والسلام مسح برأسه ~~ثلاثا وعضد الشافعي وجوب قبول هذه الزيادة بظاهر عموم ما روي أنه عليه ~~الصلاة والسلام توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، وذلك أن المفهوم ~~من عموم هذا اللفظ - وإن كان من لفظ الصحابي - هو حمله على سائر أعضاء ~~الوضوء، إلا أن هذه الزيادة ليست في الصحيحين، فإن صحت يجب المصير إليها، ~~لان من سكت عن شئ ليس هو بحجة على من ذكره. # وأكثر العلماء أوجب تجديد الماء لمسح الرأس قياسا على سائر الأعضاء. وروي ~~عن ابن الماجشون أنه قال: إذا نفد الماء، مسح رأسه ببلل لحيته، وهو اختيار ~~ابن حبيب، ومالك، والشافعي. # ويستحب في صفة المسح أن يبدأ بمقدم الرأس، فيمر يديه إلى قفاه، ثم يردهما ~~إلى حيث بدأ على ما في حديث عبد الله بن زيد الثابت. وبعض العلماء يختار أن ~~يبدأ من مؤخر الرأس، وذلك أيضا مروي من صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام من ~~حديث الربيع بنت معوذ إلا أنه لم يثبت في الصحيحين. # المسألة الثامنة من تعيين المحال: اختلف العلماء في المسح علة العمامة ~~فأجاز ذلك أحمد بن حنبل وأبو ثور والقاسم بن سلام وجماعة ومنع من ذلك جماعة ~~منهم مالك، والشافعي، وأبو حنيفة. وسبب اختلافهم في ذلك: اختلافهم في وجوب ~~العمل بالأثر الوارد في ذلك من حديث المغيرة، وغيره: أنه عليه الصلاة ~~والسلام مسح بناصيته، وعلى العمامة وقياسا على الخف، ولذلك اشترط أكثرهم ~~لبسها على طهارة. وهذا الحديث إنما رده من رده إما لأنه لم يصح عنده، وإما ~~لان ظاهر الكتاب عارضه عنده، أعني الامر فيه بمسح الرأس، وإما لأنه لم ~~يشتهر العمل به عند من يشترط اشتهار العمل فيما نقل من طريق الآحاد، وبخاصة ~~في المدينة على المعلوم من مذهب مالك أنه يرى اشتهار العمل، وهو حديث خرجه ~~مسلم وقال فيه أبو عمر بن عبد البر إنه حديث معلول، وفي بعض طرقه أنه مسح ~~على العمامة، ولم يذكر الناصية، ولذلك لم يشترط بعض العلماء ms0012 في المسح على ~~العمامة المسح على الناصية، إذ لا يجتمع الأصل والبدل في فعل واحد. # المسألة التاسعة من الأركان: اختلفوا في مسح الاذنين هل هو سنة أو فريضة، ~~وهل يجدد لهما الماء أم لا؟ فذهب بعض الناس إلى أنه فريضة، وأنه يجدد لهما ~~الماء، وممن قال بهذا القول جماعة من أصحاب مالك، ويتأولون مع هذا أنه مذهب ~~مالك لقوله فيهما إنهما PageV01P015 # من الرأس. وقال أبو حنيفة، وأصحابه مسحهما فرض كذلك، إلا أنهما يمسحان مع ~~الرأس بماء واحد. وقال الشافعي: مسحهما سنة ويجدد لهما الماء، وقال بهذا ~~القول جماعة أيضا من أصحاب مالك، ويتأولون أيضا أنه قوله لما روي عنه أنه ~~قال حكم مسحهما حكم المضمضة. وأصل اختلافهم في كون مسحهما سنة، أو فرضا: ~~اختلافهم في الآثار الواردة بذلك أعني مسحه عليه الصلاة والسلام أذنيه هل ~~هي زيادة على ما في الكتاب من مسح الرأس، فيكون حكمهما أن يحمل على الندب ~~لمكان التعارض الذي يتخيل بينها وبين الآية، إن حملت على الوجوب، أم هي ~~مبينة للمجمل الذي في الكتاب فيكون حكمهما حكم الرأس في الوجوب؟ فمن ~~أوجبهما جعلها مبينة لمجمل الكتاب، ومن لم يوجبهما جعلها زائدة كالمضمضة. ~~والآثار الواردة بذلك كثيرة، وإن كانت لم تثبت في الصحيحين، فهي قد اشتهر ~~العمل بها. وأما اختلافهم في تجديد الماء لهما، فسببه تردد الاذنين بين أن ~~يكونا عضوا مفردا بذاته من أعضاء الوضوء، أو يكونا جزءا من الرأس، وقد شذ ~~قوم فذهبوا إلى أنهما يغسلان مع الوجه، وذهب آخرون إلى أنه يمسح باطنهما مع ~~الرأس، ويغسل ظاهرهما مع الوجه، وذلك لتردد هذا العضو بين أن يكون جزءا من ~~الوجه أو جزءا من الرأس، وهذا لا معنى له مع اشتهار الآثار في ذلك بالمسح، ~~واشتهار العمل به. والشافعي يستحب فيهما التكرار كما يستحبه في مسح الرأس. # المسألة العاشرة من الصفات: اتفق العلماء على أن الرجلين من أعضاء ~~الوضوء، واختلفوا في نوع طهارتهما، فقال قوم: طهارتهما الغسل وهم الجمهور ~~وقال قوم: فرضهما المسح وقال قوم: بل ms0013 طهارتهما تجوز بالنوعين: الغسل ~~والمسح، وإن ذلك راجع إلى اختيار المكلف. وسبب اختلافهم: القراءتان ~~المشهورتان في آية الوضوء: أعني قراءة من قرأ وأرجلكم بالنصب عطفا على ~~المغسول وقراءة من قرأ وأرجلكم بالخفض عطفا على فض ظاهرة في المسح كظهور ~~تلك في الغسل، فمن ذهب إلى أن فرضهما واحد من هاتين الطهارتين على التعيين، ~~إما الغسل، وإما المسح: ذهب إلى ترجيح ظاهر إحدى القراءتين على القراءة ~~الثانية، وصرف بالتأويل ظاهر القراءة الثانية إلى معنى ظاهر القراءة التي ~~ترجحت عنده. ومن اعتقد أن دلالة كل واحدة من القراءتين على ظاهرها على ~~السواء، وأنه ليست إحداهما على ظاهرها أدل من الثانية على ظاهرها أيضا، جعل ~~ذلك من الواجب المخير ككفارة اليمين وغير ذلك. وبه قال الطبري وداود. # وللجمهور تأويلات في قراءة الخفض، أجودها أن ذلك عطف على اللفظ لا على ~~المعنى، إذ كان ذلك موجودا في كلام العرب مثل قول الشاعر: PageV01P016 # لعب الزمان بها وغيرها بعدي سوا في المحور والقطر بالخفض، ولو عطف على ~~المعنى لرفع القطر. # وأما الفريق الثاني: وهم الذين أوجبوا المسح، فإنهم تأولوا قراءة النصب ~~على أنها عطف على الموضع كما قال الشاعر: فلسنا بالجبال ولا الحديدا. وقد ~~رجح الجمهور قراءتهم هذه بالثابت عنه عليه الصلاة والسلام إذ قال في قوم لم ~~يستوفوا غسل أقدامهم في الوضوء: ويل للأعقاب من النار قالوا فهذا يدل على ~~أن الغسل هو الفرض لان الواجب هو الذي يتعلق بتركه العقاب. وهذا ليس فيه ~~حجة، لأنه إنما وقع الوعيد على أنهم تركوا أعقابهم دون غسل ولا شك أن من ~~شرع في الغسل ففرضه الغسل في جميع القدم، كما أن من شرع في المسح ففرضه ~~المسح عند من يخير بين الامرين، وقد يدل هذا على ما جاء في أثر آخر خرجه ~~أيضا مسلم أنه قال: فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى: ويل للأعقاب من النار. ~~وهذا الأثر وإن كانت العادة قد جرت بالاحتجاج به في منع المسح، فهو أدل على ~~جوازه منه على منعه، لان الوعيد إنما ms0014 تعلق فيه بترك التعميم لا بنوع ~~الطهارة، بل سكت لمسح أيضا مروي عن بعض الصحابة والتابعين، ولكن من طريق ~~المعنى، الغسل أشد مناسبة للقدمين من المسح كما أن المسح أشد مناسبة للرأس ~~من الغسل، إذ كانت القدمان لا ينقى دنسهما غالبا إلا بالغسل، وينقى دنس ~~الرأس بالمسح، وذلك أيضا غالب، والمصالح المعقولة لا يمتنع أن تكون أسبابا ~~للعبادات المفروضة حتى يكون الشرع لاحظ فيهما معنيين: معنى مصلحيا، ومعنى ~~عباديا، وأعني بالمصلحي ما رجع إلى الأمور المحسوسة، وبالعبادي ما رجع إلى ~~زكاة النفس. وكذلك اختلفوا في الكعبين هل يدخلان في المسح، أو في الغسل عند ~~من أجاز المسح؟ وأصل اختلافهم الاشتراك الذي في حرف] إلى أعني في قوله ~~تعالى: * (وأرجلكم إلى الكعبين) * وقد تقدم القول في اشتراك هذا الحرف في ~~قوله تعالى: * (إلى المرافق) * لكن الاشتراك وقع هنالك من جهتين من اشتراك ~~اسم اليد، ومن اشتراك حرف إلى وهنا من قبل اشتراك حرف إلى فقط. وقد اختلفوا ~~في الكعب ما هو: وذلك لاشتراك اسم الكعب، واختلاف أهل اللغة في دلالته. ~~فقيل: هما العظمان اللذان عند معقد الشراك، وقيل: هما العظمان الناتئان في ~~طرف الساق، ولا خلاف فيما أحسب في دخولهما في الغسل عند من يرى أنهما عند ~~معقد الشراك إذ كانا جزءا من القدم، لذلك قال قو: إنه إذا كان الحد من جنس ~~المحدود دخلت الغاية فيه: أعني الشئ الذي PageV01P017 # يدل علي حرف إلى وإذا لم يكن من جنس المحدود لم يدخل فيه مثل قوله تعالى: ~~* (ثم أتموا الصيام إلى الليل) *. # المسألة الحادية عشرة من الشروط: اختلفوا في وجوب ترتيب أفعال الوضوء على ~~نسق الآية. فقال قوم: هو سنة. وهو الذي حكاه المتأخرون من أصحاب مالك عن ~~المذهب وبه قال أبو حنيفة والثوري. وداود وقال قوم: هو فريضة، وبه قال ~~الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، وهذا كله في ترتيب المفروض مع المفروض. وأما ~~ترتيب الأفعال المفروضة مع الأفعال المسنونة، فهو عند مالك مستحب وقال أبو ~~حنيفة: هو سنة. وسبب اختلافهم شيئان: أحدهما: ms0015 الاشتراك الذي في واو العطف، ~~وذلك أنه قد المرتبة وذلك ظاهر من استقراء كلام العرب، ولذلك انقسم ~~النحويون فيها قسمين، فقال نحاة البصرة: ليس تقتضي نسقا، ولا ترتيبا، وإنما ~~تقتضي الجمع فقط، وقال الكوفيون: بل تقتضي النسق، والترتيب. فمن رأى أن ~~الواو في آية الوضوء تقتضي الترتيب، قال بإيجاب الترتيب ومن رأى أنها لا ~~تقتضي الترتيب لم يقل بإيجابه. والسبب الثاني: اختلافهم في أفعاله عليه ~~الصلاة والسلام. هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب، فمن حملها على ~~الوجوب قال بوجوب الترتيب، لأنه لم يرو عنه عليه الصلاة والسلام أنه توضأ ~~قط إلا مرتبا. ومن حملها على الندب، قال: إن الترتيب سنة، ومن فرق بين ~~المسنون، والمفروض من الأفعال قال: إن الترتيب الواجب إنما ينبغي أن يكون ~~في الأفعال الواجبة، ومن لم يفرق قال: إن الشروط الواجبة قد تكون في ~~الأفعال التي ليست واجبة. # المسألة الثانية عشرة من الشروط: اختلفوا في الموالاة في أفعال الوضوء، ~~فذهب مالك إلى أن الموالاة فرض مع الذكر، ومع القدرة، ساقطة مع النسيان، ~~ومع الذكر عند العذر ما لم يتفاحش التفاوت، وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن ~~الموالاة ليست من واجبات الوضوء. والسبب في ذلك: الاشتراك الذي في الواو ~~أيضا، وذلك قد يعطف بها الأشياء المتتابعة المتلاحقة بعضها على بعض وقد ~~يعطف بها الأشياء المتراخية بعضها عن بعض، وقد احتج قوم لسقوط الموالاة بما ~~ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يتوضأ في أول طهوره، ويؤخر غسل رجليه ~~إلى آخر الطهر، وقد يدخل الخلاف في هذه المسألة أيضا في الاختلاف في حمل ~~الأفعال على الوجوب، أو على الندب، وإنما فرق مالك بين العمد، والنسيان، ~~لان الناسي الأصل فيه في الشرع أنه معفو عنه إلى أن يقوم الدليل على غير ~~ذلك، لقوله عليه الصلاة والسلام: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان. وكذلك العذر ~~يظهر PageV01P018 # من أمر الشرع أن له تأثيرا في التخفيف. وقد ذهب قوم إلى أن التسمية من ~~فروض الوضوء واحتجوا لذلك بالحديث المرفوع، وهو قوله ms0016 عليه الصلاة والسلام: ~~لا وضوء لمن لم يسم الله وهذا الحديث لم يصح عند أهل النقل، وقد حمله بعضهم ~~على أن المراد به النية، وبعضهم حمله على الندب - فيما أحسب. فهذه مشهورات ~~المسائل التي تجري من هذا الباب مجرى الأصول، وهي كما قلنا متعلقة إما ~~بصفات أفعال هذه الطهارة، وإما بتحديد مواضعها، وإما بتعريف شروطها، ~~وأركانها وسائر ما ذكر. ومما يتعلق بهذا الباب مسح الخفين إذ كان من أفعال ~~الوضوء. # والكلام المحيط بأصوله يتعلق بالنظر في سبع مسائل بالنظر في جوازه، وفي ~~تحديد محله، وفي تعيين محله، وفي صفته: أعني صفة المحل، وفي توقيته، وفي ~~شروطه وفي نواقضه: # المسألة الأولى: فأما الجواز ففيه ثلاثة أقوال: القول المشهور: أنه جائز ~~على الاطلاق، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار. والقول الثاني: جوازه في السفر ~~دون الحضر. # والقول الثالث: منع جوازه بإطلاق، وهو أشدها، والأقاويل الثلاثة مروية عن ~~الصدر الأول، وعن مالك. والسبب في اختلافهم: ما يظن من معارضة آية الوضوء ~~الوارد فيها الامر بغسل الأرجل للآثار التي وردت في المسح مع تأخر آية ~~الوضوء. وهذا الخلاف كان بين الصحابة في الصدر الأول، فكان منهم من يرى أن ~~آية الوضوء ناسخة لتلك الآثار، وهو مذهب ابن عباس. واحتج القائلون بجوازه ~~بما رواه مسلم أنه كان يعجبهم حديث جرير، وذلك أنه روى: أنه رأى النبي عليه ~~الصلاة والسلام يمسح على الخفين فقيل له: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، ~~فقال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة. # وقال المتأخرون القائلون بجوازه: ليس بين الآية والآثار تعارض، لان الامر ~~بالغسل إنما هو متوجه إلى من لا خف له، والرخصة إنما هي للابس الخف. وقيل: ~~إن تأويل قراءة الأرجل بالخفض هو المسح على الخفين. وأما من فرق بين السفر ~~والحضر، فلان أكثر الآثار الصحاح الواردة في مسحه عليه الصلاة والسلام إنما ~~كانت في السفر، مع أن السفر مشعر بالرخصة والتخفيف، والمسح على الخفين هو ~~من باب التخفيف، فإن نزعه مما يشق على المسافر. # المسألة الثانية: وأما تحديد المحل ms0017 فاختلف فيه أيضا فقهاء الأمصار. فقال ~~قوم: إن الواجب من ذلك مسح أعلى الخف، وأن مسح الباطن - أعني أسفل الخف - ~~مستحب، ومالك أحد من رأى هذا، والشافعي. ومنهم من أوجب مسح ظهورهما، ~~وبطونهما وهو مذهب ابن نافع من أصحاب مالك، ومنهم من أوجب مسح الظهور فقط، ~~ولم يستحب مسح البطون، وهو مذهب أبي حنيفة وداود وسفيان وجماعة، وشذ أشهب ~~فقال: إن PageV01P019 # الواجب مسح الباطن، أو الأعلى أيهما مسح. وسبب اختلافهم: تعارض الآثار ~~الواردة في ذلك، وتشبيه المسح بالغسل، وذلك أن في ذلك أثرين متعارضين: ~~أحدهما: حديث المغيرة بن شعبة، وفيه: أنه (ص) مسح أعلى الخف، وباطنه. ~~والاخر: حديث علي: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من ~~أعلاه وقد رأيت رسول الله (ص) يمسح على ظاهر خفيه. فمن ذهب مذهب الجمع بين ~~الحديثين، حمل حديث المغيرة على الاستحباب، وحديث علي على الوجوب، وهي ~~طريقة حسنة. ومن ذهب مذهب الترجيح، أخذ إما بحديث علي، وإما بحديث المغيرة، ~~فمن رجح حديث المغيرة على حديث علي رجحه من قبل القياس، أعني قياس المسح ~~على الغسل، ومن رجح حديث علي رجحه من قبل مخالفته للقياس، أو من جهة السند ~~والأسد في هذه المسألة هو مالك. وأما من أجاز الاقتصار على المسح فقط فلا ~~أعلم له حجة، لأنه لا هذا الأثر اتبع، ولا هذا القياس استعمل - أعني قيا س ~~المسح على الغسل. # المسألة الثالثة: وأما نوع محل المسح فإن الفقهاء القائلين بالمسح اتفقوا ~~على جواز المسح على الخفين، واختلفوا في المسح على الجوربين، فأجاز ذلك قوم ~~ومنعه قوم. # وممن منع ذلك مالك والشافعي وأبو حنيفة، وممن أجاز ذلك أبو يوسف ومحمد ~~صاحبا أبي حنيفة وسفيان الثوري. وسبب اختلافهم في صحة الآثار الواردة عنه ~~عليه الصلاة والسلام أنه مسح على الجوربين، والنعلين. واختلافهم أيضا في هل ~~يقاس على الخف غيره، أم هي عبادة لا يقاس عليها، ولا يتعدى بها محلها؟ فمن ~~لم يصح عنده الحديث، أو لم يبلغه، ولم ير القياس على الخف، قصر ms0018 المسح عليه، ~~ومن صح عنده الأثر، أو جوز القياس على الخف أجاز المسح على الجوربين، وهذا ~~الأثر لم يخرجه الشيخان أعني البخاري ومسلم، وصححه الترمذي. ولتردد ~~الجوربين المجلدين بين الخف والجورب غير المجلد، عن مالك في المسح عليهما ~~روايتان: إحداهما بالمنع والأخرى بالجواز. # المسألة الرابعة: وأما صفة الخف، فإنهم اتفقوا على جواز المسح على الخف ~~الصحيح واختلفوا في المخرق، فقال مالك وأصحابه: يمسح عليه إذا كان الخرق ~~يسيرا. # أقل من ثلاثة أصابع. وقال قوم: بجواز المسح على الخف المنخرق ما دام يسمى ~~خفا، وإن تفاحش خرقه، وممن روي عنه ذلك الثوري. ومنع الشافعي أن يكون في ~~مقدم الخف خرق يظهر منه القدم، ولو كان يسيرا في أحد القولين عنه. وسبب ~~اختلافهم في ذلك: اختلافهم في انتقال الفرض من الغسل إلى المسح هل هو لموضع ~~الستر - أعني ستر خف القدمين - أم هو لموضع المشقة في نوع الخفين؟ فمن ~~PageV01P020 # رآه لموضع الستر لم يجز المسح على الخف المنخرق، لأنه إذا انكشف من القدم ~~شئ انتقل فرضها من المسح إلى الغسل، ومن رأى أن العلة في ذلك المشقة لم ~~يعتبر الخرق ما دام يسمى خفا. وأما التفريق بين الخرق الكثير واليسير، ~~فاستحسان ورفع للحرج. وقال الثوري: # كانت خفاف المهاجرين والأنصار لا تسلم من الخروق كخفاف الناس، فلو كان في ~~ذلك حظر لورد، ونقل عنهم. هذه المسألة هي مسكوت عنها، فلو كان فيها حكم مع ~~عموم الابتلاء به، لبينه (ص) وقد قال تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) ~~*. # المسألة الخامسة: وأما التوقيت فإن الفقهاء أيضا اختلفوا فيه، فرأى مالك ~~أن ذلك غير مؤقت، وأن لابس الخفين يمسح عليهما ما لم ينزعهما، أو تصيبه ~~جنابة وذهب أبو حنيفة، والشافعي إلى أن ذلك مؤقت. والسبب في اختلافهم: ~~اختلاف الآثار في ذلك، وذلك أنه ورد في ذلك ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث علي ~~عن النبي (ص) أنه قال: جعل رسول الله (ص) ثلاثة أيام، ولياليهن للمسافر، ~~ويوم وليلة للمقيم أخرجه مسلم. والثاني: حديث أبي بن عمارة: أنه قال: ms0019 يا ~~رسول الله أأمسح على الخف؟ قال: # نعم. قال وثلاثة؟ قال: نعم، حتى بلغ سبعا، ثم قال: امسح ما بدا لك خرجه ~~أبو داود والطحاوي. # الثالث: حديث صفوان بن عسال قال: كنا في سفر فأمرنا أن لا ننزع خفافنا ~~ثلاثة أيام، ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من بول، أو نوم، أو غائط.: أما ~~حديث علي فصحيح خرجه مسلم. وأما حديث أبي بن عمارة، فقال فيه أبو عمر ابن ~~عبد البر: إنه حديث لا يثبت، وليس له إسناد قائم، ولذلك ليس ينبغي أن يعارض ~~به حديث علي. وأما حديث صفوان بن عسال، فهو وإن كان لم يخرجه البخاري، ولا ~~مسلم، فإنه قد صححه قوم من أهل العلم بالحديث: الترمذي، وأبو محمد بن حزم، ~~وهو بظاهره معارض بدليل الخطاب لحديث أبي كحديث علي، وقد يحتمل أن يجمع ~~بينهما بأن يقال: إن حديث صفوان، وحديث علي خرجا مخرج السؤال عن التوقيت، ~~وحديث أبي بن عمارة نص في ترك التوقيت، لكن حديث أبي لم يثبت بعد، فعلى هذا ~~يجب العمل بحديثي علي وصفوان، وهو الأظهر، إلا أن دليل الخطاب فيهما يعارضه ~~القياس، وهو كون التوقيت غير مؤثر في نقض الطهارة، لان النواقض هي الاحداث. # المسألة السادسة: وأما شرط المسح على الخفين، فهو أن تكون الرجلان ~~طاهرتين بطهر الوضوء، وذلك شئ مجمع عليه إلا خلافا شاذا. وقد روي عن ابن ~~القاسم عن مالك، ذكره ابن لبابة في المنتخب، وإنما قال به الأكثر لثبوته في ~~حديث المغيرة، وغيره إذا PageV01P021 # أراد أن ينزع الخف عنه، فقال عليه الصلاة والسلام: دعهما فإني أدخلتهما ~~وهما طاهرتان. والمخالف حمل هذه الطهارة على الطهارة اللغوية، واختلف ~~الفقهاء من هذا الباب فيمن غسل. رجليه، ولبس خفيه ثم أتم وضوءه هل يمسح ~~عليهما؟ فمن لم ير أن الترتيب واجب، ورأي أن الطهارة تصح لكل عضو قبل أن ~~تكمل الطهارة لجميع الأعضاء قال بجواز ذلك، ومن رأى أن الترتيب واجب، وأنه ~~لا تصح طهارة العضو إلا بعد طهارة جميع أعضاء الطهارة لم يجز ذلك، ms0020 وبالقول ~~الأول قال أبو حنيفة وبالقول الثاني قال الشافعي، ومالك. إلا أن مالكا لم ~~يمنع ذلك من جهة الترتيب، وإنما منعه من جهة أنه يرى أن الطهارة لا توجد ~~للعضو إلا بعد كمال جميع الطهارة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: # وهما طاهرتان فأخبر عن الطهارة الشرعية، وفي بعض روايات المغيرة: إذا ~~أدخلت رجليك في الخف وهما طاهرتان فامسح عليهما. وعلى هذه الأصول يتفرع ~~الجواب فيمن لبس أحد خفيه بعد أن غسل إحدى رجليه وقبل أن يغسل الأخرى. فقال ~~مالك: لا يمسح على الخفين، لأنه لابس للخف قبل تمام الطهارة، وهو قول ~~الشافعي وأحمد وإسحق وقال أبو حنيفة، والثوري، والمزي، والطبري، وداود يجوز ~~له المسح، وبه قال جماعة من أصحاب مالك منهم مطرف، وغيره. وكلهم أجمعوا أنه ~~لو نزع الخف الأول بعد غسل الرجل الثانية، ثم لبسها، جاز له المسح، وهل من ~~شرط المسح على الخف أن لا يكون على خف آخر؟ عن مالك فيه قولان. وسبب ~~الخلاف: هل كما تنتقل طهارة القدم إلى الخف إذا ستره الخف، كذلك تنتقل ~~طهارة الخف الأسفل الواجبة إلى الخف الأعلى؟ فمن شبه النقلة الثانية ~~بالأولى، أجاز المسح على الخف الأعلى، ومن لم يشبهها بها، وظهر له الفرق، ~~لم يجز ذلك. # المسألة السابعة: فأما نواقض هذه الطهارة، فإنهم أجمعوا على أنها نواقض ~~الوضوء بعينها، واختلفوا هل نزع الخف ناقض لهذه الطهارة أم لا؟ فقال قوم: ~~إن نزعه وغسل، ما، وصلى، أعاد الصلاة بعد غسل قدميه، وممن قال بذلك مالك، ~~وأصحابه، والشافعي وأبو حنيفة إلا أن مالك رأى أنه إن أخر ذلك، استأنف ~~الوضوء على رأيه في وجوب الموالاة، على الشرط الذي تقدم. وقال قوم: طهارته ~~باقية حتى يحدث حدثا ينقض الوضوء، وليس عليه غسل، وممن قال بهذا القول ~~داود، وابن أبي ليلى. قال الحسن بن حي: إذا نزع خفيه فقد بطلت طهارته. وبكل ~~واحد من هذه الأقوال الثلاثة، قالت طائفة من فقهاء التابعين، وهذه المسألة ~~هي مسكوت عنها. وسبب اختلافهم: هل المسح على الخفين هو ms0021 أصل بذاته في ~~الطهارة، أو بدل من غسل القدمين عند غيبوبتهما في الخفين؟ فإن قلنا هو أصل ~~بذاته، فالطهارة باقية وإن نزع الخفين، كمن قطعت رجلاه بعد غسلهما، وإن ~~قلنا إنه بدل، فيحتمل أن يقال إذا نزع الخف بطلت PageV01P022 # الطهارة، وإن كنا نشترط الفور، ويحتمل أن يقال إن غسلهما، أجزأت الطهارة، ~~إذا لم يشترط الفور. وأما اشتراط الفور من حين نزع الخف فضعيف، وإنما هو شئ ~~يتخيل. فهذا ما رأينا أن نثبته في هذا الباب. # الباب الثالث: في المياه والأصل في وجوب الطهارة بالمياه قوله تعالى: * ~~(وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) * وقوله: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا) *. وأجمع العلماء على أن جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها ~~مطهرة لغيرها، إلا ماء البحر، فإن فيه خلافا في الصدر الأول شاذا. وهم ~~محجوجون بتناول الماء المطلق له، وبالأثر الذي خرجه مالك وهو قوله عليه ~~الصلاة والسلام في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته وهو وإن كان حديثا ~~مختلفا في صحته، فظاهر الشر يعضده وكذلك أجمعوا على أن كل ما يغير الماء ~~مما لا ينفك عنه غالبا أنه لا يسلب صفة الطهارة والتطهير إلا خلافا شاذا ~~روى في الماء الآجن عن ابن سيرين، وهو أيضا محجوج يتناول اسم الماء المطلق ~~له، واتفقوا على أن الماء الذي غيرت النجاسة، إما طعمه، أو لونه، أو ريحه ~~أو أكثر من واحدة من هذه الأوصاف أنه لا يجوز به الوضوء ولا الطهور واتفقوا ~~على أن الماء الكثير المستبحر لا تضره النجاسة التي لم تغير أحد أوصافه ~~وأنه طاهر، فهذا ما أجمعوا عليه من هذا الباب. # واختلفوا من ذلك في ست مسائل تجري مجرى القواعد والأصول لهذا الباب. # المسألة الأولى: اختلفوا في الماء إذا خالطته نجاسة، ولم تغير أحد ~~أوصافه. فقال قوم: هو طاهر سواء أكان كثيرا. أو قليلا، وهي إحدى الروايات ~~عن مالك، وبه قال أهل الظاهر. وقال قوم: بالفرق بين القليل والكثير، ~~فقالوا: إن كان قليلا كان نجسا، وإن كان كثيرا لم يكن ms0022 نجسا وهؤلاء اختلفوا ~~في الحد بين القليل، والكثير، فذهب أبو حنيفة، إلى أن الحد في هذا هو أن ~~يكون الماء من الكثرة بحيث إذا حركه آدمي من أحد طرفيه لم تسر الحركة إلى ~~الطرف الثاني منه وذهب الشافعي إلى أن الحد في ذلك هو قلتان من قلال هجر ~~وذلك نحو من خمسمائة رطل. ومنهم من لم يحد في ذلك حدا، ولكن قال: إن ~~النجاسة تفسد قليل الماء وإن لم تغير أحد أوصافه. وهذا أيضا مروي عن مالك ~~وقد روي أيضا أن هذا الماء مكروه، فيتحصل عن مالك في الماء اليسير تحله ~~النجاسة اليسيرة ثلاثة أقوال: قول إن النجاسة تفسده، وقول إنها لا تفسده ~~إلا أن يتغير أحد أوصافه، وقول إنه مكروه ويسبب اختلافهم. في ذلك: هو تعارض ~~ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك، PageV01P023 # وذلك أن حديث أبي هريرة المتقدم وهو قوله عليه الصلاة والسلام: إذا ~~استيقظ أحدكم من نومه الحديث يفهم من ظاهره أن قليل النجاسة ينجس قليل ~~الماء. وكذلك أيضا حديث أبي هرير الثابت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ~~لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه فإنه يوهب ظاهره أيضا أن قليل ~~النجاسة ينجس قليل الماء. وكذلك ما ورد من النهي عن اغتسال الجنب في الماء ~~الدائم. وأما حديث أنس الثابت: أن أعرابيا قام إلى ناحية من المسجد فبال ~~فيها، فصاح به الناس، فقال رسول الله (ص): دعوه. فلما فرغ أمر رسول الله ~~(ص) بذنوب ماء فصب على بوله فظاهره أن قليل النجاسة لا يفسد قليل الماء. إذ ~~معلوم أن ذلك الموضع قد طهر من ذلك الذنوب. وحديث أبي سعيد الخدري كذلك ~~أيضا خرجه أبو داود قال: سمعت رسول الله (ص) يقال له: إنه يستقي من بئر ~~بضاعة، وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلاب، والمحائض، وعذرة الناس، فقال النبي ~~عليه الصلاة والسلام: إن الماء لا ينجسه شئ. فرام العلماء الجمع بين هذه ~~الأحاديث، واختلفوا في طريق الجمع، فاختلفت لذلك مذاهبهم: فمن ذهب إلى ~~القول بظاهر حديث الاعرابي، ms0023 وحديث أبي سعيد قال: إن حديثي أبي هريرة غير ~~معقولي المعنى، وامتثال ما تضمناه عبادة، لا لان ذلك الماء بنجس، حتى أن ~~الظاهرية أفرطت في ذلك، فقالت: لو صب البول انسان في ذلك الماء من قدح، لما ~~كره الغسل به والوضوء. فجمع بينهما على هذا الوجه من قال هذا القول ومن كره ~~الماء القليل تحله النجاسة اليسيرة جمع بين الأحاديث، فإنه حمل حديثي أبي ~~هريرة على الكراهية، وحمل حديث الاعرابي وحديث أبي سعيد على ظاهرهما أعني ~~على الاجزاء. وأما الشافعي، وأبو حنيفة فجمعا بين حديثي أبي هريرة، وحديث ~~أبي سعيد الخدري بأن حملا حديثي أبي هريرة على الماء القليل، وحديث أبي ~~سعيد على الماء الكثير. وذهب الشافعي إلى أن الحد في ذلك الذي يجمع ~~الأحاديث هو ما ورد في حديث عبد الله ابن عمر عن أبيه وخرجه أبو داود ~~والترمذي، وصححه أبو محمد بن حزم قال: سئل رسول الله (ص) عن الماء، وما ~~ينوبه من السباع والدواب فقال: إن كان الماء قلتين لم يحمل خبثا. وأما أبو ~~حنيفة فذهب إلى أن الحد في ذلك من جهة القياس، وذلك أنه اعتبر سريان ~~النجاسة في جميع الماء بسريان الحركة، فإذا كان الماء بحيث يظن أن النجاسة ~~لا يمكن فيها أن تسري في جميعه، فالماء طاهر. لكن من ذهب هذين المذهبين ~~فحديث الاعرابي المشهور معارض له ولا بد، فلذلك لجأت الشافعية إلى أن فرقت ~~بين ورود الماء على النجاسة، وورودها على الماء، فقالوا: إن ورد عليها ~~الماء كما في حديث الاعرابي لم ينجس، وإن ورد ت النجاسة على الماء كما في ~~حديث أبي هريرة نجس. وقال جمهور الفقهاء: هذا تحكم، وله إذا تؤمل وجه من ~~النظر، وذلك أنهم إنما صاروا إلى الاجماع على أن النجاسة اليسيرة لا تؤثر ~~في الماء الكثير إذا PageV01P024 # كان الماء الكثير بحيث يتوهم أن النجاسة لا تسري في جميع أجزائه، وأنه ~~يستحيل عينها عن الماء الكثير، وإذا كان ذلك كذلك، فلا يبعد أن قدرا ما من ~~الماء لو حله ms0024 قدر ما من النجاسة، لسرت فيه، ولكان نجسا، فإذا ورد ذلك الماء ~~على النجاسة جزءا فجزءا فمعلوم أنه تفنى عين تلك النجاسة، وتذهب قبل فناء ~~ذلك الماء، وعلى هذا فيكون آخر جزء ورد من ذلك الماء قد طهر المحل، لان ~~نسبته إلى ما ورد عليه مما بقي من النجاسة نسبة الماء الكثير إلى القليل من ~~النجاسة، ولذلك كان العلم يقع في هذه الحال بذهاب عين النجاسة - أعني في ~~وقوع الجزء الأخير الطاهر على آخر جزء يبقى من عين النجاسة - ولهذا أجمعوا ~~على أن مقدار ما يتوضأ به يطهر قطرة البول الواقعة في الثوب، أو البدن، ~~واختلفوا إذا وقعت القطرة من البول في ذلك القدر من الماء. وأولى المذاهب ~~عندي، وأحسنها طريقة في الجمع، هو أن يحمل حديث أبي هريرة وما في معناه على ~~الكراهية. وحديث أبي سعيد، وأنس على الجواز، لان هذا التأويل يبقى مفهوم ~~الأحاديث على ظاهرها - أعني حديثي أبي هريرة - من أن المقصود بها تأثير ~~النجاسة في الماء. وحد الكراهية عندي هو ما تعافه النفس، وترى أنه ماء ~~خبيث، وذلك أن ما يعاف الانسان شربه يجب أن يجتنب استعماله في القربة إلى ~~الله تعالى، وأن يعاف وروده على ظاهر بدنه كما يعاف وروده على داخله. # وأما من احتج بأنه لو كان قليل النجاسة ينجس قليل الماء، لما كان الماء ~~يطهر أحدا أبدا، إذ كان يجب على هذا أن يكون المنفصل من الماء عن الشئ ~~النجس المقصود تطهيره أبدا نجسا، فقول لا معنى له، لما بيناه من أن نسبة ~~آخر جزء يرد من الماء على آخر جزء يبقى من النجاسة في المحل نسبة الماء ~~الكثير إلى النجاسة القليلة، وإن كان يعجب به كثير من المتأخرين فإنا نعلم ~~قطعا أن الماء الكثير يحيل النجاسة ويقلب عينها إلى الطهارة ولذلك أجمع ~~العلماء على أن الماء الكثير لا تفسده النجاسة القليلة، فإذا تابع الغاسل ~~صب الماء على المكان النجس، أو العضو النجس، فيحيل الماء ضرورة عين النجاسة ~~بكثرته، ولا فرق بين الماء ms0025 الكثير أن يرد على النجاسة الواحدة بعينها دفعة، ~~أو يرد عليها جزءا بعد جزء، فإذن هؤلاء إنما احتجوا بموضع الاجماع على موضع ~~الخلاف من حيث لم يشعروا بذلك، والموضعان في غاية التباين. لمسألة من سبب ~~اختلاف الناس فيها، وترجيح أقوالهم فيها، ولوددنا لو أن سلكنا في كل مسألة ~~هذا المسلك، لكن رأينا أن هذا يقتضي طولا، وربما عاق الزمان عنه، وأن ~~الأحوط هو أن نؤم الغرض الأول الذي قصدناه، فإن يسر الله تعالى فيه، وكان ~~لنا انفساح من العمر، فسيتم هذا الغرض. # المسألة الثانية: الماء الذي خالطه زعفران، أو غيره من الأشياء الطاهرة ~~التي تنفك منه غالبا متى غيرت أحد أوصافه، فإنه طاهر عند جميع العلماء غير ~~مطهر عند مالك والشافعي ومطهر عند أبي حنيفة ما لم يكن التغير عن طبخ. وسبب ~~اختلافهم: هو خفاء تناول اسم PageV01P025 # الماء المطلق للماء الذي خالطه أمثال هذه الأشياء، أعني هل يتناوله، أو ~~لا يتناوله؟ فمن رأى أنه لا يتناوله اسم الماء المطلق وإنما يضاف إلى الشئ ~~الذي خالطه، فيقال ماء كذا، لا ماء مطلق لم يجز الوضوء به، إذ كان الوضوء ~~إنما يكون بالماء المطلق، ومن رأى أنه يتناوله اسم الماء المطلق، أجاز به ~~الوضوء. ولظهور عدم تناول اسم الماء للماء المطبوخ مع شئ طاهر اتفقوا على ~~أنه لا يجوز الوضوء به، وكذلك في مياه النبات المستخرجة منه، إلا ما في ~~كتاب ابن شعبان من إجازة طهر الجمعة بماء الورد. والحق أن الاختلاط يختلف ~~بالكثرة، والقلة، فقد يبلغ من الكثرة إلى حد لا يتناوله اسم المطلق مثل ما ~~يقال ماء الغسل، وقد لا يبلغ إلى ذلك الحد، وبخاصة متى تغيرت منه الريح ~~فقط، ولذلك لم يعتبر الريح قوم ممن منعوا الماء المضاف، وقد قال عليه ~~الصلاة والسلام لام عطية عند أمره إياها بغسل ابنته: اغسلنها بماء وسدر ~~واجعلن في الأخيرة كافورا، أو شيئا من كافور. فهذا ماء مختلط، ولكنه لم ~~يبلغ من الاختلاط بحيث يسلب عنه اسم الماء المطلق وقد روي عن مالك ms0026 اعتبار ~~الكثرة في المخالطة والقلة والفرق بينهما، فأجازه مع القلة، وإن ظهرت ~~الأوصاف، ولم يجزه مع الكثرة. # المسألة الثالثة: الماء المستعمل في الطهارة اختلفوا فيه على ثلاثة ~~أقوال: فقوم لم يجيزوا الطهارة به على كل حال، وهو مذهب الشافعي، وأبي ~~حنيفة وقوم كرهوه، ولم يجيزوا التيمم مع وجوده، وهو مذهب مالك وأصحابه وقوم ~~لم يروا بينه، وبين الماء المطلق فرقا، وبه قال أبو ثور، وداود وأصحابه وشذ ~~أبو يوسف فقال إنه نجس. وسبب الخلاف في هذا: أيضا ما يظن من أنه لا يتناوله ~~اسم الماء المطلق، حتى إن بعضهم غلا، فظن أن اسم الغسالة أحق به من اسم ~~الماء، وقد ثبت: أن النبي (ص) كان أصحابه يقتتلون على فضل وضوئه. ولابد أن ~~يقع من الماء المستعمل في الاناء الذي بقي فيه الفضل، وبالجملة، فهو ماء ~~مطلق، لأنه في الأغلب ليس ينتهي إلى أن يتغير أحد أوصافه بدنس الأعضاء التي ~~تغسل به، فإن انتهى إلى ذلك، فحكمه حكم الماء الذي تغير أحد أوصافه بشئ ~~طاهر، وإن كان هذا تعافه النفوس أكثر، وهذا لحظ من كرهه، وأما من زعم أنه ~~نجس فلا دليل معه. # المسألة الرابعة: اتفق العلماء على طهارة أسئار المسلمين، وبهيمة الانعام ~~واختلفوا فيما عدا ذلك اختلافا كثيرا، فمنهم من زعم أن كل حيوان طاهر ~~السؤر، ومنهم من استثنى من ذلك الخنزير فقط، وهذان القولان مرويان عن مالك ~~ومنهم من استثنى من ذلك الخنزير والكلب، وهو مذهب الشافعي، ومنهم من استثنى ~~من ذلك السباع عامة وهو مذهب ابن القاسم، ومنهم من ذهب إلى أن الأسئار ~~تابعة للحوم، فإن كانت اللحوم محرمة، فالأسئار نجسة، وإن كانت مكروهة ~~فالأسئار مكروهة، وإن كانت مباحة PageV01P026 # فالأسئار طاهرة. وأما سؤر المشرك: فقيل إنه نجس، وقيل إنه مكروه إذا كان ~~يشرب الخمر، وهو مذهب ابن القاسم، وكذلك عنده جميع أسئار الحيوانات التي لا ~~تتوقى النجاسة غالبا مثل الدجاج المخلاة والإبل الجلالة والكلاب المخلاة. ~~وسبب اختلافهم في ذلك هو ثلاثة أشياء: أحدها: معارضة القياس لظاهر الكتاب. ~~والثاني: ms0027 معارضته لظاهر الآثار. والثالث: # معارضة الآثار بعضها بعضا في ذلك. أما القياس فهو أنه لما كان الموت من ~~غير ذكاة هو سبب نجاسة عين الحيوان بالشرع وجب أن تكون الحياة هي سبب طهارة ~~عين الحيوان، وإذا كان ذلك كذلك، فكل حي طاهر العين، وكل طاهر العين فسؤره ~~طاهر. وأما ظاهر الكتاب، فإنه عارض هذا القياس في الخنزير والمشرك، وذلك أن ~~الله تعالى يقول في الخنزير: * (فإنه رجس) * وما هو رجس في عينه فهو نجس ~~لعينه، ولذلك استثنى قوم من الحيوان الحي الخنزير فقط، ومن لم يستثنه حمل ~~قوله * (رجس) * على جهة الذم له. # وأما المشرك ففي قوله تعالى: * (إنما المشركون نجس) * فمن حمل هذا أيضا ~~على ظاهره، استثنى من مقتضى ذلك في القياس المشركين، ومن أخرجه مخرج الذم ~~لهم طرد قياسه. وأما الآثار فإنها عارضت هذا القياس في الكلب، والهر ~~والسباع: أما الكلب فحديث أبي هريرة المتفق على صحته، وهو قوله عليه الصلاة ~~والسلام: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، وليغسله سبع مرات وفي بعض طرقه ~~أولاهن بالتراب وفي بعضها: وعفروه الثامنة بالتراب. وأما الهر فما رواه قرة ~~عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): طهور الاناء إذا ولغ في ~~الهر أن يغسل مرة أو مرتين وقرة ثقة عند أهل الحديث. وأما السباع فحديث ابن ~~عمر المتقدم عن أبيه قال: سئل رسول الله (ص) عن الماء، وما ينوبه من السباع ~~والدواب؟ فقال: إن كان الماء قلتين لم يحمل خبثا. وأما تعارض الآثار في هذا ~~الباب، فمنها أنه روي عنه: أنه سئل (ص) عن الحياض التي بين مكة، والمدينة ~~تردها الكلاب والسباع؟ فقال: لها ما حملت في بطونها، ولكم ما غير شرابا، ~~وطهورا. ونحو هذا حديث عمر الذي رواه مالك في موطئه، يا وهو قوله: يا صاحب ~~الحوض لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع، وترد علينا. وحديث أبي قتادة أيضا ~~الذي خرجه مالك أن كبشة سكبت له وضوءا فجاءت هرة لتشرب منه، فأصغى لها ~~الاناء حتى شربت، ms0028 ثم قال إن رسول الله (ص) قال: إنها ليست بنجس إنما هي من ~~الطوافين عليكم، أو الطوافات. فاختلف العلماء في تأويل هذه الآثار، ووجه ~~جمعها مع القياس المذكور، فذهب مالك بالأمر بإراقة سؤر الكلب، وغسل الإناء ~~منه إلى أن ذلك عبادة غير معللة، وأن الماء الذي يلغ فيه ليس بنجس، ولم ير ~~إراقة ما عدا الماء من الأشياء التي يلغ فيها PageV01P027 # الكلب في المشهور عنه، وذلك كما قلنا لمعارضة ذلك القياس له، ولأنه ظن ~~أيضا أنه إن فهم منه أن الكلب نجس العين عارضه ظاهر الكتاب وهو قوله تعالى: ~~* (فكلوا مما أمسكن عليكم) * يريد أنه لو كان نجس العين لنجس الصيد ~~بمماسته، وأيد هذا التأويل بما جاء في غسله من العدد والنجاسات ليس يشترط ~~في غسلها العدد، فقال، إن هذا الغسل إنما هو عبادة، ولم يعرج على سائر تلك ~~الآثار لضعفها عنده. وأما الشافعي فاستثنى الكلب من الحيوان الحي ورأي أن ~~ظاهر هذا الحديث يوجب نجاسة سؤره، وأن لعابه هو النجس لا عينه فيما أحسب، ~~وأنه يجب أن يغسل الصيد منه وكذلك استثنى الخنزير لمكان الآية المذكورة ~~وأما أبو حنيفة فإنه زعم أن المفهوم من تلك الآثار الواردة بنجاسة سؤر ~~السباع، والهر، والكلب هو من قبل تحريم لحومها، وأن هذا من باب الخاص أريد ~~به العام، فقال: الأسئار تابعة للحوم الحيوان وأما بعض الناس فاستثنى من ~~ذلك الكلب والهر والسباع على ظاهر الأحاديث الواردة في ذلك. وأما بعضهم ~~فحكم بطهارة سؤر الكلب والهر، فاستثنى من ذلك السباع فقط، وأما سؤر الكلب ~~فللعدد المشترط في غسله، ولمعارضة ظاهر الكتاب له، ولمعارضة حديث أبي قتادة ~~له، إذ علل عدم نجاسة الهرة من قبل أنها من الطوافين والكلب طواف. وأما ~~الهرة فمصيرا إلى ترجيح حديث أبي قتادة على حديث قرة عن ابن سيرين وترجيح ~~حديث ابن عمر على حديث عمر، وما ورد في معناه لمعارضة حديث أبي قتادة له ~~بدليل الخطاب، وذلك أنه لما علل عدم النجاسة في الهرة بسبب الطواف، فهم منه ms0029 ~~أن ما ليس بطواف، وهي السباع، فأسآرها محرمة، وممن ذهب هذا المذهب ابن ~~القاسم. وأما أبو حنيفة فقال كما قلنا بنجاسة سؤر الكلب، ولم ير العدد في ~~غسله شرطا في طهارة الاناء الذي ولغ فيه لأنه عارض ذلك عنده القياس في غسل ~~النجاسات، أعني أن المعتبر فيها إنما هو إزالة العين فقط، وهذا على عادته ~~في رد أخبار الآحاد لمكان معارضة الأصول لها. قال القاضي: فاستعمل من هذا ~~الحديث بعضا - ولم يستعمل بعضا، أعني أنه استعمل منه ما لم تعارضه عنده ~~الأصول، ولم يستعمل ما عارضته منه الأصول وعضد ذلك بأنه مذهب أبي هريرة ~~الذي روى الحديث. فهذه هي الأشياء التي حركت الفقهاء إلى هذا الاختلاف ~~الكثير في هذه المسألة، وقادتهم إلى الافتراق فيها. والمسألة اجتهادية محضة ~~يعسر أن يوجد فيها ترجيح، ولعل الأرجح أن يستثنى من طهارة أسئار الحيوان ~~الكلب، والخنزير والمشرك لصحة الآثار الواردة في الكلب، ولان ظاهر الكتاب ~~أولى أن يتبع في القول بنجاسة عين الخنزير، والمشرك من القياس، وكذلك ظاهر ~~الحديث، وعليه أكثر الفقهاء أعني على القول بنجاسة سؤر الكلب، فإن الامر ~~بإراقة ما PageV01P028 # ولغ فيه الكلب مخيل ومناسب في الشرع لنجاسة الماء الذي ولغ فيه، أعني أن ~~المفهوم بالعادة في الشرع من الامر بإراقة الشئ، وغسل الإناء منه هو لنجاسة ~~الشئ. وما اعترضوا به من أنه لو كان ذلك لنجاسة الاناء لما اشترط فيه ~~العدد، فغير نكير أن يكون الشرع يخص نجاسة دون نجاسة بحكم دون حكم تغليظا ~~لها. قال القاضي: وقد ذهب جدي - رحمة الله عليه - في كتاب المقدمات إلى أن ~~هذا الحديث معلل معقول المعنى ليس من سبب النجاسة، بل من سبب ما يتوقع أن ~~يكون الكلب الذي ولغ في الاناء كلبا، فيخاف منه السم قال: ولذلك جاء هذا ~~العدد الذي هو السبع في غسله، فإن هذا العدد قد استعمل في الشرع في مواضع ~~كثيرة في العلاج، والمداواة من الأمراض. وهذا الذي قاله - رحمه الله - هو ~~وجه حسن على طريقة المالكية، فإنه إذا ms0030 قلنا إن ذلك الماء غير نجس، فالأولى ~~أن يعطي علة في غسله من أن يقول إنه غير معلل وهذا طاهر بنفسه. وقد اعترض ~~عليه فيما بلغني بعض الناس بأن قال: إن الكلب الكلب لا يقرب الماء في حين ~~كلبه. وهذا الذي قالوه هو عند استحكام هذه العلة بالكلاب، لا في مباديها، ~~وفي أول حدوثها فلا معنى لاعتراضهم. وأيضا فإنه ليس في الحديث ذكر الماء. ~~وإنما فيه ذكر الاناء. ولعل في سؤره خاصية من هذا الوجه ضارة أعني قبل أن ~~يستحكم به الكلب، ولا يستنكر ورود مثل هذا في الشرع. فيكون هذا من باب ما ~~ورد في الذباب إذا وقع في الطعام أن يغمس. # وتعليل ذلك أن في أحد جناحيه داء، وفي الاخر دواء. وأما ما قيل في المذهب ~~من أن هذا الكلب هو الكلب المنهي عن اتخاذه أو الكلب الحضري، فضعيف، وبعيد ~~من هذا التعليل، إلا أن يقول قائل: إن ذلك - أعني النهي - من باب التحريج ~~في اتخاذه. # المسألة الخامسة: اختلف العلماء في أسئار الطهر على خمسة أقوال: فذهب قوم ~~إلى أن أسئار الطهر طاهرة بإطلاق، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة ~~وذهب آخرون إلا أنه يجوز للرجل أن يتطهر بسؤر المرأة، ويجوز للمرأة أن ~~تتطهر بسؤر الرجل وذهب آخرون إلى أنه يجوز للرجل أن يتطهر بسؤر المرأة ما ~~لم تكن المرأة جنبا، أو حائضا وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز لواحد منهما أن ~~يتطهر بفضل صاحبه إلا أن يشرعا معا، وقال قوم: لا يجوز وإن شرعا معا، وهو ~~مذهب أحمد بن حنبل وسبب اختلافهم في هذا اختلاف الآثار، وذلك أن في ذلك ~~أربعة آثار: أحدها: أن النبي (ص) كان يغتسل من الجنابة هو وأزواجه من إناء ~~واحد. والثاني: حديث ميمونة أنه اغتسل من فضلها. والثالث: حديث الحكم ~~الغفاري أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة ~~أخرجه أبو داود والترمذي. والرابع: حديث عبد الله بن سرجس قال: نهى رسول ~~الله (ص) أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، ms0031 والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان ~~معا. فذهب العلماء في تأويل هذه الأحاديث مذهبين: مذهب الترجيح، ومذهب ~~الجمع في بعض والترجيح في بعض. # أما من رجح حديث اغتسال النبي (ص) مع أزواجه من إناء واحد على سائر ~~الأحاديث، لأنه PageV01P029 # مما اتفق الصحاح على تخريجه، ولم يكن عنده فرق بين أن يغتسلا، لان ~~المغتسلين معا كواحد منهما مغتسل بفضل صاحبه، وصحح حديث ميمونة مع هذا ~~الحديث، ورجحه على حديث الغفاري، فقال: بطهر الأسئار على الاطلاق. وأما من ~~رجح حديث الغفاري على حديث وحديث اغتسال النبي عليه الصلاة والسلام مع ~~أزواجه من إناء واحد بأن فرق بين الاغتسال معا، وبين أن يغتسل أحدهما بفضل ~~الاخر. وعمل على هذين الحديثين فقط، أجاز للرجل أن يتطهر مع المرأة من إناء ~~واحد، ولم يجز أن يتطهر هو من فضل طهرها، وأجاز أن تتطهر هي من فضل طهره. ~~وأما من ذهب مذهب الجمع بين الأحاديث كلها ما خلا حديث ميمونة، فإنه أخذ ~~بحديث عبد الله بن سرجس. لأنه يمكن أن يجتمع عليه حديث الغفاري، وحديث غسل ~~النبي (ص) مع أزواجه من إناء واحد، ويكون فيه زيادة، وهي ألا تتوضأ المرأة ~~أيضا بفضل الرجل. لكن يعارضه حديث ميمونة، وهو حديث خرجه مسلم، لكن قد علله ~~كما قلنا بعض الناس من أن بعض رواته قال فيه: أكثر ظني، وأكثر علمي أن أبا ~~الشعثاء حدثني. وأما من لم يجز لواحد منهما أن يتطهر بفضل صاحبه ولا يشرعان ~~معا، فلعله لم يبلغه من الأحاديث إلا حديث الحكم الغفاري، وقاس الرجل على ~~المرأة، وأما من نهى عن سؤر المرأة الجنب، والحائض فقط، فلست أعلم له حجة، ~~إلا أنه مروي عن بعض السلف أحسبه عن ابن عمر. # المسألة السادسة: صار أبو حنيفة من بين معظم أصحابه، وفقهاء الأمصار إلى ~~إجازة الوضوء بنبيذ التمر في السفر لحديث ابن عباس: أن ابن مسعود خرج مع ~~رسول الله (ص) ليلة الجن فسأله رسول الله (ص) فقال: هل معك من ماء؟ فقال: ~~معي نبيذ في إداوتي، فقال ms0032 رسول الله (ص): اصبب، فتوضأ به وقال شراب وطهور ~~وحديث أبي رافع مولى ابن عمر عن عبد الله ابن مسعود بمثله، وفيه فقال رسول ~~الله (ص): ثمرة طيبة وماء طهور وزعموا أنه منسوب إلى الصحابة علي وابن ~~عباس، وأنه لا مخالف لهم من الصحابة فكان كالاجماع عندهم. ورد أهل الحديث ~~هذا الخبر ولم يقبلوه لضعف رواته، ولأنه قد روي من طرق أوثق من هذه الطرق ~~أن ابن مسعود لم يكن مع رسول الله (ص) ليلة الجن. واحتج الجمهور لرد هذا ~~الحديث بقوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) *. قال فلم يجعل ~~ها هنا وسطا بين الماء والصعيد، وبقوله عليه الصلاة والسلام: # الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء إلى عشر حجيج، فإذا وجد ~~الماء، PageV01P030 # فليمسه بشرته. ولهم أن يقولوا إن هذا قد أطلق عليه في الحديث اسم الماء، ~~والزيادة لا تقتضي نسخا، فيعارضها الكتاب، لكن هذا مخالف لقولهم إن الزيادة ~~نسخ. # الباب الرابع: في نواقض الوضوء والأصل في هذا الباب قوله تعالى: * (أو ~~جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء) * وقوله عليه الصلاة والسلام: لا ~~يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ واتفقوا في هذا الباب على انتقاض الوضوء ~~من البول والغائط، والريح، والمذي، والودي لصحة الآثار في ذلك، إذا كان ~~خروجها على وجه الصحة. # ويتعلق بهذا الباب مما اختلفوا فيه سبع مسائل تجري منه مجرى القواعد لهذا ~~الباب. # المسألة الأولى: اختلف علماء الأمصار في انتقاض الوضوء مما يخرج من الجسد ~~من النجس على ثلاثة مذاهب، فاعتبر قوم في ذلك الخارج وحده من أي موضع خرج ~~وعلى أي جهة خرج، وهو أبو حنيفة وأصحابه، والثوري وأحمد وجماعة ولهم من ~~الصحابة السلف، فقالوا: كل نجاسة تسيل من الجسد، وتخرج منه يجب منها الوضوء ~~كالدم، والرعاف الكثير والفصد، والحجامة والقئ إلا البلغم عند أبي حنيفة ~~وقال أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة: إنه إذا ملا الفم ففيه الوضوء، ولم ~~يعتبر أحد من هؤلاء اليسير من الدم إلا مجاهد، واعتبر ms0033 قوم آخرون المخرجين: ~~الذكر والدبر فقالوا: كل ما خرج من هذين السبيلين، فهو ناقض للوضوء من أي ~~شئ خرج من دم، أو حصا أو بلغم، وعلى أي وجه خرج، كان خروجه على سبيل الصحة، ~~أو على سبيل المرض، وممن قال بهذا القول الشافعي وأصحابه، ومحمد بن الحكم ~~من أصحاب مالك، واعتبر قوم آخرون الخارج، والمخرج، وصفة الخروج، فقالوا: كل ~~ما خرج من السبيلين مما هو معتاد خروجه، وهو البول والغائط، والمذي، ~~والودي، والريح إذا كان خروجه على وجه الصحة، فهو ينقض الوضوء، فلم يروا في ~~الدم، والحصاة، والبول وضوءا، ولا في السلس، وممن قال بهذا القول مالك، وجل ~~أصحابه. والسبب في اختلافهم: أنه لما أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء مما ~~يخرج من السبيلين من غائط، وبول، وريح، ومذي لظاهر الكتاب، ولتظاهر الآثار ~~بذلك، تطرق إلى ذلك ثلاثة احتمالات: أحدها: أن يكون الحكم إنما علق بأعيان ~~هذه الأشياء فقط المتفق عليها على ما رآه مالك رحمه الله. الاحتمال الثاني: ~~أن يكون الحكم إنما علق بهذه من جهة أنها أنجاس خارجة من البدن، لكون ~~الوضوء طهارة والطهارة إنما يؤثر فيها PageV01P031 # النجس. والاحتمال الثالث: أن يكون الحكم أيضا إنما علق بها من جهة أنها ~~خارجة من هذين السبيلين، فيكون على هذين القولين الأخير ورود الامر بالوضوء ~~من تلك الاحداث المجمع عليها، إنما هو من باب الخاص أريد به العام، ويكون ~~عند مالك وأصحابه إنما هو من باب الخاص المحمول على خصوصه. فالشافعي، وأبو ~~حنيفة اتفقا على أن الامر بها هو من باب الخاص أريد به العام، واختلفا أي ~~عام هو الذي قصد به؟ # فمالك يرجح مذهبه بأن الأصل هو أن يحمل الخاص على خصوصه حتى يدل الدليل ~~على غير ذلك، والشافعي محتج بأن المراد به المخرج لا الخارج، باتفاقهم على ~~إيجاب الوضوء من الريح الذي يخرج من أسفل، وعدم إيجاب الوضوء منه إذا خرج ~~من فوق وكلاهما ذات واحدة والفرق بينهما اختلاف المخرجين. فكان هذا تنبيهما ~~على أن الحكم للمخرج وهو ضعيف لان ms0034 الريحين مختلفان في الصفة والرائحة. وأبو ~~حنيفة يحتج لان المقصود بذلك هو الخارج النجس لكون النجاسة مؤثرة في ~~الطهارة، وهذه الطهارة وإن كانت طهارة حكمية فإن فيها شبها من الطهارة ~~المعنوية، أعني طهارة النجس، وبحديث ثوبان: أن رسول الله (ص) قاء، فتوضأ ~~وبما روي عن عمر وابن عمر رضي الله عنهما من إيجابهما الوضوء من الرعاف، ~~وبما روي من: أمره (ص) المستحاضة بالوضوء لكل صلاة فكان المفهوم من هذا كله ~~عند أبي حنيفة الخارج النجس، وإنما اتفق الشافعي وأبو حنيفة على إيجاب ~~الوضوء من الاحداث المتفق عليها وإن خرجت على جهة المرض لامره (ص) بالوضوء ~~عند كل صلاة المستحاضة والاستحاضة مرض. وأما مالك: فرأى أن المرض له ها هنا ~~تأثير في الرخصة قياسا أيضا على ما روي من أن المستحاضة، لم تؤمر إلا ~~بالغسل فقط، وذلك أن حديث فاطمة بنت أبي حبيش هذا هو متفق على صحته ويختلف ~~في هذه الزيادة فيه، أعني الامر بالوضوء لكل صلاة ولكن صححها أبو عمر بن ~~عبد البر قياسا على من يغلبه الدم من جرح ولا ينقطع، مثل ما روي أن عمر رضي ~~الله عنه صلى وجرحه يثغب دما. # المسألة الثانية: اختلف العلماء في النوم على ثلاثة مذاهب: 1 - فقوم رأوا ~~أنه حدث، فأوجبوا من قليله وكثيره الوضوء. 2 - وقوم رأوا أنه ليس بحدث، فلم ~~يوجبوا منه الوضوء إلا إذا تيقن بالحدث على مذهب من لا يعتبر الشك، وإذا شك ~~على مذهب من يعتبر الشك، حتى إن بعض السلف كان يوكل بنفسه إذا نام من يتفقد ~~حاله، أعني هل يكون منه حدث أم لا؟ 3 - وقوم فرقوا بين النوم القليل ~~الخفيف، والكثير المستثقل فأوجبوا في الكثير المستثقل الوضوء دون القليل، ~~وعلى هذا فقهاء الأمصار، والجمهور. ولما كانت بعض الهيئات يعرض فيها ~~الاستثقال من النوم أكثر من بعض وكذلك خروج الحدث، اختلف الفقهاء في ذلك ~~فقال مالك: من نام مضطجعا أو ساجدا، فعليه الوضوء، طويلا كان النوم، أو ~~قصيرا، ومن نام جالسا PageV01P032 # فلا وضوء عليه ms0035 إلا أن يطول ذلك به واختلف القول في مذهبه في الراكع فمرة ~~قال حكمه حكم القائم، ومرة قال حكمه حكم الساجد. وأما الشافعي فقال: على كل ~~نائم كيفما نام الوضوء إلا على من نام جالسا وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا ~~وضوء إلا على من نام مضطجعا. وأصل اختلافهم في هذه المسألة: اختلاف الآثار ~~الواردة في ذلك، وذلك أن هاهنا أحاديث يوجب ظاهرها أنه ليس في النوم وضوء ~~أصلا، كحديث ابن عباس: أن النبي (ص) دخل على ميمونة، فنام عندها حتى سمعنا ~~غطيطه، ثم صلى، ولم يتوضأ وقوله عليه الصلاة والسلام: إذا نعس أحدكم في ~~الصلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنه لعله يذهب أن يستغفر ربه، فيسب ~~نفسه وما روي أيضا: أن أصحاب النبي (ص) كانوا ينامون في المسجد حتى تخفق ~~رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضأون وكلها آثار ثابتة، وها هنا أيضا أحاديث يوجب ~~ظاهرها أن النوم حدث، وأبينها في ذلك حديث صفوان بن عسال، وذلك أنه قال: ~~كنا في سفر مع النبي (ص) فأمرنا أن لا ننزع خفافنا من غائط، وبول، ونوم، ~~ولا ننزعها إلا من جنابة فسوى بين البول، والغائط والنوم، صححه الترمذي. ~~ومنها حديث أبي هريرة المتقدم وهو قوله عليه الصلاة والسلام: إذا استيقظ ~~أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن ظاهره أن النوم يوجب ~~الوضوء قليله وكثيره، وكذلك يدل ظاهر آية الوضوء عند من كان عنده المعنى في ~~قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) * أي إذا قمتم من ~~النوم على ما روي عن زيد بن أسلم، وغيره من السلف، فلما تعارضت ظواهر هذه ~~الآثار، ذهب العلماء فيها مذهبين: مذهب الترجيح، ومذهب الجمع. فمن ذهب مذهب ~~الترجيح، إما أسقط وجوب الوضوء من النوم أصلا على ظاهر الأحاديث التي ~~تسقطه، وإما أوجبه من قليله وكثيره على ظاهر الأحاديث التي تسقطه أيضا، ~~أعني على حسب ما ترجح عنده من الأحاديث الموجبة، أو من الأحاديث المسقطة. ~~ومن ذهب مذهب الجمع حمل الأحاديث ms0036 الموجبة للوضوء منه على الكثير، والمسقطة ~~للوضوء على القليل، وهو كما قلنا مذهب الجمهور، والجمع أولى من الترجيح ما ~~أمكن الجمع عند أكثر الأصوليين. وأما الشافعي، فإنما حملها على أن المستثنى ~~من هيئات النائم الجلوس فقط، لأنه قد صح ذلك عن الصحابة، أعني أنهم كانوا ~~ينامون جلوسا، ولا يتوضأون ويصلون، وإنما أوجبه أبو حنيفة في النوم في ~~الاضطجاع فقط لان ذلك، ورد في حديث مرفوع، وهو أنه عليه الصلاة والسلام ~~قال: إنما الوضوء على من نام مضطجعا والرواية بذلك ثابتة عن عمر. وأما مالك ~~فلما كان النوم عنده إنما ينقض الوضوء من حيث كان غالبا سببا للحدث، راعى ~~فيه ثلاثة أشياء: الاستثقال، أو الطول أو PageV01P033 # الهيئة، فلم يشترط في الهيئة التي يكون منها خروج الحدث غالبا لا الطول ~~ولا الاستثقال، واشترط ذلك في الهيئات التي لا يكون خروج الحدث منها غالبا. # المسألة الثالثة: اختلف العلماء في إيجاب الوضوء من لمس النساء باليد، أو ~~بغير ذلك من الأعضاء الحساسة، فذهب قوم إلى: أن من لمس امرأة بيده مفضيا ~~إليها ليس بينها وبينه حجاب، ولا ستر، فعليه الوضوء، وكذلك من قبلها، لان ~~القبلة عندهم لمس ما، سواء التذ أو لم يلتذ، وبهذا القول قال الشافعي ~~وأصحابه إلا أنه مرة فرق بين اللامس والملموس، فأوجب الوضوء على اللامس دون ~~الملموس، ومرة سوى بينهما، ومرة فرق أيضا بين ذوات المحارم والزوجة فأوجب ~~الوضوء على من لمس الزوجة دون ذوات المحارم ومرة سوى بينهما. وذهب آخرون ~~إلى إيجاب الوضوء من اللمس إذا فارقته اللذة، أو قصد اللذة في تفصيل لهم في ~~ذلك، وقع بحائل أو بغير حائل بأي عضو اتفق ما عدا القبلة، فإنهم لم يشترطوا ~~لذة في ذلك وهو مذهب مالك وجمهور أصحابه ونفى قوم إيجاب الوضوء لمن لمس ~~النساء، وهو مذهب أبي حنيفة ولكل سلف من الصحابة إلا اشتراط اللذة، فإني لا ~~أذكر أحدا من الصحابة اشترطها. وسبب اختلافهم: في هذه المسألة اشتراك اسم ~~اللمس في كلام العرب. فإن العرب تطلقه مرة على ms0037 اللمس الذي هو باليد، ومرة ~~تكني به عن الجماع فذهب قوم إلى أن اللمس الموجب للطهارة في آية الوضوء هو ~~الجماع في قوله تعالى: * (أو لامستم النساء * وذهب آخرون إلى أنه اللمس ~~باليد. ومن هؤلاء من رآه من باب العام، أريد به الخاص، فاشترط فيه اللذة، ~~ومنهم من رآه من باب العام أريد به العام، فلم يشترط اللذة فيه ومن اشترط ~~اللذة فإنما دعاه إلى ذلك ما عارض عموم الآية من أن النبي (ص) كان يلمس ~~عائشة عند سجوده بيده، وربما لمسته، وخرج أهل الحديث حديث حبيب بن أبي ثابت ~~عن عروة، عن عائشة، عن النبي (ص): أنه قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة، ~~ولم يتوضأ، فقلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت. قال أبو عمر هذا الحديث وهنه ~~الحجازيون، وصححه الكوفيون، وإلى تصحيحه مال أبو عمر بن عبد البر قال: وروي ~~هذا الحديث أيضا من طريق معبد بن نباتة، وقال الشافعي: إن ثبت حديث معبد بن ~~نباتة في القبلة لم أر فيها، ولا في اللمس وضوءا. وقد اجتمع من أوجب الوضوء ~~من اللمس باليد بأن اللمس ينطلق حقيقة على اللمس باليد. وينطلق مجازا على ~~الجماع وأنه إذا تردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز، فالأولى أن يحمل على ~~الحقيقة حتى يدل الدليل على المجاز، ولأولئك أن يقولوا: إن المجاز إذا كثر ~~استعماله كان أدل على المجاز منه على الحقيقة كالحال في PageV01P034 # اسم الغائط الذي هو أدل على الحدث الذي هو فيه مجاز، منه على المطمئن من ~~الأرض الذي هو فيه حقيقة، والذي أعتقده أن اللمس وإن كانت دلالته على ~~المعنيين بالسواء، أو قريبا من السواء أنه أظهر عندي في الجماع، وإن كان ~~مجازا، لان الله تبارك وتعالى قد كنى بالمباشرة والمس عن الجماع، وهما في ~~معنى اللمس، وعلى هذا التأويل في الآية يحتج بها في إجازة التيمم للجنب دون ~~تقدير تقديم فيها، ولا تأخير على ما سيأتي بعد، وترتفع المعارضة التي بين ~~الآثار والآية على التأويل الاخر. وأما من فهم من ms0038 الآية اللمسين معا فضعيف، ~~فإن العرب إذا خاطبت بالاسم المشترك إنما تقصد به معنى واحدا من المعاني ~~التي يدل عليها الاسم، لا جميع المعاني التي يدل عليها، وهذا بين بنفسه في ~~كلامهم. # المسألة الرابعة: مس الذكر: اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب: فمنهم من ~~رأى الوضوء فيه كيفما مسه، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، وأحمد، وداود ومنهم ~~من لم ير فيه وضوءا أصلا، وهو أبو حنيفة وأصحابه ولكلا الفريقين سلف من ~~الصحابة والتابعين. وقوم فرقوا بين أن يمسه بحال، أو لا يمسه بتلك الحال، ~~وهؤلاء افترقوا فيه فرقا: فمنهم من فرق فيه بين أن يلتذ، أو لا يلتذ، ومنهم ~~من فرق بين أن يمسه بباطن الكف، أو لا يمسه، فأوجبوا الوضوء مع اللذة، ولم ~~يوجبوه مع عدمها، وكذلك أوجبه قوم مع المس بباطن الكف، ولم يوجبوه مع المس ~~بظاهرها، وهذان الاعتبار ان مرويان عن أصحاب مالك، وكأن اعتبار باطن الكف ~~راجع إلى اعتبار سبب اللذة. وفرق قوم في ذلك بين العمد، والنسيان، فأوجبوا ~~الوضوء منه مع العمد، ولم يوجبوه مع النسيان. وهو مروي عن مالك وهو قول ~~داود وأصحابه. ورأي قوم أن الوضوء من مسه سنة لا واجب. قال أبو عمر: وهذا ~~الذي استقر من مذهب مالك عند أهل المغرب من أصحابه والرواية عنه فيه ~~مضطربة. وسبب اختلافهم في ذلك: أن فيه حديثين متعارضين: أحدهما الحديث ~~الوارد عن طريق بسرة انها سمعت رسول الله (ص) يقول إذا مس أحدكم ذكره، ~~فليتوضأ وهو أشهر الأحاديث الواردة في إيجاب الوضوء من مس الذكر، خرجه مالك ~~في الموطأ، وصححه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وضعفه أهل الكوفة، وقد روي ~~أيضا معناه من طريق أم حبيبة، وكان أحمد بن حنبل يصححه، وقد روي أيضا معناه ~~من طريق أبي هريرة، وكان ابن السكن أيضا يصححه، ولم يخرجه البخاري ولا ~~مسلم. والحديث الثاني المعارض له حديث طلق بن علي قال: قدمنا على رسول الله ~~(ص) وعنده رجل كأنه بدوي، فقال: يا رسول الله ما ترى في ms0039 مس الرجل ذكره بعد ~~أن يتوضأ؟ فقال: وهل هو إلا بضعة منك؟ خرجه أبو داود والترمذي وصححه كثير ~~من أهل العلم الكوفيون وغيرهم، فذهب العلماء في تأويل هذه الأحاديث ~~PageV01P035 # أحد مذهبين: إما مذهب الترجيح، أو النسخ، وإما مذهب الجمع، فمن رجح حديث ~~بسرة، أو رآه ناسخا لحديث طلق بن علي، قال: بإيجاب الوضوء من مس الذكر، ومن ~~رجح حديث طلق بن علي أسقط وجوب الوضوء من مسه، ومن رام أن يجمع بين ~~الحديثين أوجب الوضوء منه في حال، ولم يوجبه في حال، أو حمل حديث بسر على ~~الندب، وحديث طلق بن علي على نفي الوجوب، والاحتجاجات التي يحتج بها كل ~~واحد من الفريقين في ترجيح الحديث الذي رجحه كثيرة يطول ذكرها، وهي موجودة ~~في كتبهم، ولكن نكتة اختلافهم هو ما أشرنا إليه. # المسألة الخامسة: اختلف الصدر الأول في إيجاب الوضوء من أكل ما مسته ~~النار، لاختلاف الآثار الواردة في ذلك عن رسول الله (ص). واتفق جمهور فقهاء ~~الأمصار بعد الصدر الأول على سقوطه، إذ صح عندهم أنه كان آخر الامرين من ~~رسول الله (ص) ترك الوضوء مما مست النار خرجه أبو داود. ولكن ذهب قوم من ~~أهل الحديث أحمد وإسحاق، وطائفة غيرهم أن الوضوء يجب فقط من أكل لحم الجزور ~~لثبوت الحديث الوارد بذلك عنه عليه الصلاة والسلام. # المسألة السادسة: شذ أبو حنيفة، فأوجب الوضوء من الضحك في الصلاة لمرسل ~~أبي العالية، وهو أن قوما ضحكوا في الصلاة، فأمرهم النبي (ص) بإعادة ~~الوضوء، والصلاة ورد الجمهور هذا الحديث، لكونه مرسلا، ولمخالفته للأصول، ~~وهو أن يكون شئ ما ينقض الطهارة في الصلاة، ولا ينقضها في غير الصلاة، وهو ~~مرسل صحيح. # المسألة السابعة: وقد شذ قوم فأوجبوا الوضوء من حمل الميت وفيه أثر ضعيف: # من غسل ميتا، فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ. وينبغي أن تعلم أن جمهور ~~العلماء أوجبوا الوضوء من زوال العقل بأي نوع كان من قبل إغماء، أو جنون، ~~أو سكر، وهؤلاء كلهم قاسوه على النوم، أعني أنهم رأوا أنه إذا ms0040 كان النوم ~~يوجب الوضوء في الحالة التي هي سبب للحدث غالبا، وهو الاستثقال، فأحرى أن ~~يكون ذهاب العقل سببا لذلك، فهذه هي مسائل الباب المجمع عليها، والمشهورات ~~من المختلف فيها، وينبغي أن نصير إلى الباب الخامس. # الباب الخامس وهو معرفة الأفعال التي تشترط هذه الطهارة في فعلها والأصل ~~في هذا الباب قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) * ~~الآية. # وقوله عليه الصلاة والسلام: لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من ~~غلول. PageV01P036 # فاتفق المسلمون على أن الطهارة شرط من شروط الصلاة لمكان هذا، وإن كانوا ~~اختلفوا هل هي شرط من شروط الصحة، أو من شروط الوجوب ولم يختلفوا أن ذلك ~~شرط في جميع الصلوات إلا في صلاة الجنازة وفي السجود، أعني سجود التلاوة، ~~فإن فيه خلافا شاذا. والسبب في ذلك: الاحتمال العارض في انطلاق اسم الصلاة ~~على الصلاة على الجنائز، وعلى السجود، فمن ذهب إلى أن اسم الصلاة ينطلق على ~~صلاة الجنائز، وعلى السجود نفسه، وهم الجمهور اشترط هذه الطهارة فيهما ومن ~~ذهب إلى أنه لا ينطلق عليهما إذ كانت صلاة الجنائز ليس فيها ركوع. ولا سجود ~~وكان السجود أيضا ليس فيه قيام. ولا ركوع لم يشترط هذه الطهارة فيهما. ~~ويتعلق بهذا الباب مع هذه المسألة أربع مسائل: # المسألة الأولى: هل هذه الطهارة شرط في مس المصحف أم لا؟ فذهب مالك وأبو ~~حنيفة والشافعي إلى أنها شرط في مس المصحف وذهب أهل الظاهر إلى أنها ليست ~~بشرط في ذلك. والسبب في اختلافهم: تردد مفهوم قوله تعالى: * (لا يمسه إلا ~~المطهرون) * بين أن يكون المطهرون هم بني آدم، وبين أن يكونوا هم الملائكة، ~~وبين أن يكون هذا الخبر مفهومه النهي، وبين أن يكون خبرا لا نهيا، فمن فهم ~~من * (المطهرون) * بني آدم، وفهم من الخبر النهي قال: لا يجوز أن يمس ~~المصحف إلا طاهر ومن فهم منه الخبر فقط، وفهم من لفظ * (المطهرون) * ~~الملائكة قال: إنه ليس في الآية دليل على اشتراط هذه الطهارة في مس المصحف ms0041 ~~وإذا لم يكن هنالك دليل لا من كتاب، ولا من سنة ثابتة بقي الامر على ~~البراءة الأصلية، وهي الإباحة. احتج الجمهور لمذهبهم بحديث عمرو بن حزم: أن ~~النبي عليه الصلاة والسلام كتب: لا يمس القرآن إلا طاهر وأحاديث عمرو بن ~~حزم اختلف الناس في وجوب العمل بها، لأنها مصحفة، ورأيت ابن المفوز يصححها ~~إذا روتها الثقات، لأنها كتاب النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أحاديث ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأهل الظاهر يردونها. ورخص مالك للصبيان في ~~مس المصحف على غير طهر، لأنهم غير مكلفين. # المسألة الثانية: اختلف الناس في إيجاب الوضوء على الجنب في أحوال: ~~أحدها: # إذا أراد أن ينام وهو جنب، فذهب الجمهور إلى استحبابه دون وجوبه وذهب أهل ~~الظاهر إلى وجوبه لثبوت ذلك عن النبي (ص) من حديث عمر أنه ذكر لرسول الله ~~(ص) أنه تصيبه جنابة من الليل، فقال له رسول الله (ص): توضأ واغسل ذكرك، ثم ~~نم وهو أيضا مروي عنه من طريق عائشة. وذهب الجمهور إلى حمل الامر بذلك على ~~الندب والعدول به عن ظاهره PageV01P037 # لمكان عدم مناسبته وجوب الطهارة لإرادة النوم، أعني المناسبة الشرعية، ~~وقد احتجوا أيضا لذلك بأحاديث أثبتها حديث ابن عباس: أن رسول الله (ص) خرج ~~من الخلاء، فأتي بطعام، فقالوا: ألا نأتيك بطهر؟ فقال: أأصلي فأتوضأ؟ وفي ~~بعض رواياته: فقيل له: # ألا تتوضأ؟ فقال: ما أردت الصلاة، فأتوضأ. والاستدلال به ضعيف، فإنه من ~~باب مفهوم الخطاب من أضعف أنواعه، وقد احتجوا بحديث عائشة: أنه عليه الصلاة ~~والسلام كان ينام وهو جنب لا يمس الماء إلا أنه حديث ضعيف. وكذلك اختلفوا ~~في وجوب الوضوء على الجنب الذي يريد أن يأكل أو يشرب، وعلى الذي يريد أن ~~يعاود أهله، فقال الجمهور في هذا كله بإسقاط الوجوب لعدم مناسبة الطهارة ~~لهذه الأشياء، وذلك أن الطهارة إنما فرضت في الشرع لأحوال التعظيم كالصلاة. ~~وأيضا لمكان تعارض الآثار في ذلك، وذلك أنه روي عنه عليه الصلاة والسلام: ~~أنه أمر الجنب إذا أراد أن يعاود ms0042 أهله أن يتوضأ وروي عنه: أنه كان يجامع، ~~ثم يعاود، ولا يتوضأ وكذلك روي عنه منع الأكل، والشرب للجنب حتى يتوضأ. ~~وروي عنه إباحة ذلك. # المسألة الثالثة: ذهب مالك والشافعي إلى اشتراط الوضوء في الطواف وذهب ~~أبو حنيفة إلى إسقاطه. وسبب اختلافهم: تردد الطواف بين أن يلحق حكمه بحكم ~~الصلاة، أو لا يلحق، وذلك أنه ثبت: أن رسول الله (ص) منع الحائض الطواف، ~~كما منعها الصلاة فأشبه الصلاة من هذه الجهة. وقد جاء في بعض الآثار تسمية ~~الطواف صلاة وحجة أبي حنيفة أنه ليس كل شئ منعه الحيض، فالطهارة شرط في ~~فعله إذا ارتفع الحيض كالصوم عند الجمهور. # المسألة الرابعة: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز لغير المتوضئ أن يقرأ القرآن ~~ويذكر الله وقال قوم: لا يجوز ذلك له إلا أن يتوضأ. وسبب الخلاف: حديثان ~~متعارضان ثابتان. # أحدهما: حديث أبي جهم قال: أقبل رسول الله (ص) من نحو بئر جمل، فلقيه ~~رجل، فسلم عليه فلم يرد عليه حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم ~~إنه رد عليه الصلاة والسلام السلام. والحديث الثاني: حديث علي: أن رسول ~~الله (ص) كان لا يحجبه عن قراءة القرآن شئ إلا الجنابة فصار الجمهور إلى أن ~~الحديث الثاني ناسخ للأول، وصار من أوجب الوضوء لذكر الله إلى ترجيح الحديث ~~الأول. PageV01P038 # كتاب الغسل والأصل في هذه الطهارة قوله تعالى: * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) ~~* والكلام المحيط بقواعدها ينحصر - بعد المعرفة بوجوبها وعلى من تجب، ~~ومعرفة ما به تفعل، وهو الماء المطلق - في ثلاثة أبواب: الباب الأول: في ~~معرفة العمل في هذه الطهارة. والثاني: # في معرفة نواقض هذه الطهارة. والباب الثالث: في معرفة أحكام نواقض هذه ~~الطهارة. فأما على من تجب؟ فعلى كل من لزمته الصلاة ولا خلاف في ذلك، وكذلك ~~لا خلاف في وجوبها، ودلائل ذلك هي دلائل الوضوء بعينها، وقد ذكرناها، وكذلك ~~أحكام المياه وقد تقدم القول فيها. # الباب الأول: في معرفة العمل في هذه الطهارة وهذا الباب يتعلق به أربع ~~مسائل: # المسألة الأولى: اختلف العلماء ms0043 هل من شرط هذه الطهارة إمرار اليد على ~~جميع الجسد كالحال في طهارة أعضاء الوضوء، أم يكفي فيها إفاضة الماء على ~~جميع الجسد، وإن لم يمر يديه على بدنه؟ فأكثر العلماء على أن إفاضة الماء ~~كافية في ذلك، وذهب مالك وجل أصحابه، والمزني من أصحاب الشافعي إلى أنه إن ~~فات المتطهر موضع واحد من جسده، لم يمر يده عليه، أن طهره لم يكمل بعد. ~~والسبب في اختلافهم: اشتراك اسم الغسل، ومعارضة ظاهر الأحاديث الواردة في، ~~وذلك أن الأحاديث الثابتة التي وردت في صفة غسله عليه الصلاة والسلام من ~~حديث عائشة وميمونة ليس فيها ذكر التدلك، وإنما فيها إفاضة الماء فقط. ففي ~~حديث عائشة قالت: كان رسول الله (ص) إذا اغتسل من الجنابة يبدأ، فيغسل ~~يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم ~~يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات، ثم ~~يفيض الماء على جلده كله. والصفة الواردة في حديث ميمونة قريبة من هذا، إلا ~~أنه أخر غسل رجليه من أعضاء الوضوء إلى PageV01P039 # آخر الطهر، وفي حديث أم سلمة أيضا، وقد سألته عليه الصلاة والسلام: هل ~~تنقض ضفر رأسها لغسل الجنابة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إنما يكفيك أن ~~تحثي على رأسك الماء ثلاث حثيات، ثم تفيضي عليك الماء فإذا أنت قد طهرت وهو ~~أقوى في اسقاط التدلك، من تلك الأحاديث الاخر، لأنه لا يمكن هنالك أن يكون ~~الواصف لطهره قد ترك التدلك وأما هاهنا فإنما حصر لها شروط الطهارة، ولذلك ~~أجمع العلماء على أن صفة الطهارة الواردة من حديث ميمونة وعائشة هي أكمل ~~صفاتها، وأن ما ورد في حديث أم سلمة من ذلك، فهو من أركانها الواجبة، وأن ~~الوضوء في أول الطهر ليس من شرط الطهر إلا خلافا شاذا، روي عن الشافعي، ~~وفيه قوة من جهة ظواهر الأحاديث، وفي قول الجمهور قوة من جهة النظر، لأن ~~الطهارة ظاهر من أمرها أنها شرط في صحة الوضوء، لا أن الوضوء شرط في ms0044 صحتها، ~~فهو من باب معارضة القياس الأحاديث على القياس، فذهب قوم كما قلنا إلى ظاهر ~~الأحاديث، وغلبوا ذلك على قياسها على الوضوء، فلم يوجبوا التدلك، وغلب ~~آخرون قياس هذه الطهارة على الوضوء على ظاهر هذه الأحاديث، فأوجبوا التدلك ~~كالحال في الوضوء. فمن رجح القياس صار إلى إيجاب التدلك، ومن رجح ظاهر ~~الأحاديث على القياس صار إلى اسقاط التدلك، وأعني بالقياس، قياس الطهر على ~~الوضوء. وأما الاحتجاج من طريق الاسم ففيه ضعف إذ كان اسم الطهر والغسل ~~ينطلق في كلام العرب على المعنيين جميعا على حد سواء. # المسألة الثانية: اختلفوا هل من شروط هذه الطهارة النية أم لا؟ كاختلافهم ~~في الوضوء، فذهب مالك والشافعي، وأحمد، وأبو ثور وداود وأصحابه إلى أن ~~النية من شروطها وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى أنها تجزئ بغير نية ~~كالحال في الوضوء عندهم. # وسبب اختلافهم: في الطهر هو بعينه سبب اختلافهم في الوضوء، وقد تقدم ذلك. # المسألة الثالثة: اختلفوا في المضمضة والاستنشاق في هذه الطهارة أيضا ~~كاختلافهم فيهما في الوضوء، أعني هل هما واجبان فيها أم لا؟ فذهب قوم إلى ~~أنهما غير واجبين فيها، وذهب قوم إلى وجوبهما، وممن ذهب إلى عدم وجوبهما ~~مالك والشافعي وممن ذهب إلى وجوبهما أبو حنيفة وأصحابه. وسبب اختلافهم: ~~معارضة ظاهر حديث أم سلمة للأحاديث التي نقلت من صفة وضوئه عليه الصلاة ~~والسلام في طهره، وذلك أن الأحاديث التي نقلت من صفة وضوئه في الطهر فيها ~~المضمضة والاستنشاق وحديث أم سلمة ليس فيه أمر لا بمضمضة، ولا باستنشاق. ~~فمن جعل حديث عائشة وميمونة مفسرا لمجمل حديث أم سلمة، ولقوله تعالى: * ~~(وإن كنتم جنبا فاطهروا) * أوجب المضمضة PageV01P040 # والاستنشاق ومن جعله معارضا، جمع بينهما بأن حمل حديثي عائشة، وميمونة ~~على الندب، وحديث أم سلمة على الوجوب. ولهذا السبب بعينه اختلفوا في تخليل ~~الرأس هل هو واجب في هذه الطهارة أم لا؟ ومذهب مالك أنه مستحب، ومذهب غيره ~~أنه واجب وقد عضد مذهبه من أوجب التخليل بما روي عنه عليه الصلاة والسلام ~~أنه قال: ms0045 تحت كل شعرة جنابة، فأنقوا البشرة، وبلوا الشعر. # المسألة الرابعة: اختلفوا هل من شرط هذه الطهارة الفور، والترتيب؟ أم ~~ليسا من شروطها كاختلافهم من ذلك في الوضوء. وسبب اختلافهم في ذلك: هل فعله ~~عليه الصلاة والسلام محمول على الوجوب أو على الندب؟ فإنه لم ينقل عنه عليه ~~الصلاة والسلام أنه ما توضأ قط إلا مرتبا متواليا، وقد ذهب قوم إلى أن ~~الترتيب في هذه الطهارة أبين منها في الوضوء، وذلك بين الرأس وسائر الجسد، ~~لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أم سلمة: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ~~ثلاث حثيات، ثم تفيضي الماء على جسدك وحرف ثم يقتضي الترتيب بلا خلاف بين ~~أهل اللغة. # الباب الثاني: في معرفة نواقض هذه الطهارة والأصل في هذا الباب قوله ~~تعالى: * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) * وقوله: # * (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى) * الآية. واتفق العلماء على وجوب ~~الطهارة من حدثين: أحدهما: خروج المني على وجه الصحة في النوم، أو في ~~اليقظة من ذكر كان أو أنثى، إلا ما روي عن النخعي من أنه كان لا يرى على ~~المرأة غسلا من الاحتلام، وإنما اتفق الجمهور على مساواة المرأة في ~~الاحتلام للرجل لحديث أم سلمة الثابت أنها قالت: يا رسول الله المرأة ترى ~~في المنام مثل ما يرى الرجل هل عليها غسل؟ قال: # نعم إذا رأت الماء وأما الحديث الثاني الذي اتفقوا أيضا عليه، فهو دم ~~الحيض، أعني إذا انقطع. وذلك أيضا لقوله تعالى: * (ويسألونك عن المحيض قل ~~هو أذى) * الآية، ولتعليمه الغسل من الحيض لعائشة وغيرها من النساء، ~~واختلفوا في هذا الباب مما يجري مجرى الأصول في مسألتين مشهورتين. # المسألة الأولى: اختلف الصحابة رضي الله عنهم في سبب إيجاب الطهر من ~~الوطئ، فمنهم من رأى الطهر واجبا في التقاء الختانين أنزل أو لم ينزل، ~~وعليه أكثر فقهاء الأمصار: مالك وأصحابه و الشافعي وأصحابه وجماعة من أهل ~~الظاهر وذهب قوم من أهل الظاهر إلى إيجاب الطهر مع الانزال فقط. والسبب في ~~اختلافهم في ذلك: تعارض الأحاديث ms0046 في ذلك، لأنه ورد في ذلك حديثان ثابتان ~~اتفق أهل الصحيح على تخريجهما. PageV01P041 # قال القاضي رضي الله عنه: ومتى قلت ثابت، فإنما أعني به ما أخرجه البخاري ~~أو مسلم، أو ما اجتمعا عليه. أحدهما: حديث أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة ~~والسلام أنه قال: إذا قعد بين شعبها الأربع، وألزق الختان بالختان، فقد وجب ~~الغسل. والحديث الثاني: حديث عثمان أنه سئل فقيل له: أرأيت الرجل إذا جامع ~~أهله ولم يمن؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة سمعته من رسول الله (ص). ~~فذهب العلماء في هذين الحديثين مذهبين: أحدهما: مذهب النسخ. والثاني: مذهب ~~الرجوع إلى ما عليه الاتفاق عند التعارض الذي لا يمكن الجمع فيه، ولا ~~الترجيح، فالجمهور رأوا أن حديث أبي هريرة ناسخ لحديث عثمان، ومن الحجة لهم ~~على ذلك ما روى عن أبي بن كعب أنه قال: إن رسول الله (ص) إنما جعل ذلك رخصة ~~في أول الاسلام، ثم أمر بالغسل خرجه أبو داود. وأما من رأى أن التعارض بين ~~هذين الحديثين هو مما لا يمكن الجمع فيه بينهما، ولا الترجيح، فوجب الرجوع ~~عنده إلى ما عليه الاتفاق، وهو وجوب الماء من الماء. وقد رجح الجمهور حديث ~~أبي هريرة من جهة القياس، قالوا: وذلك أنه لما وقع الاجماع على أن مجاورة ~~الختانين توجب الحد، وجب أن يكون هو الموجب للغسل، وحكوا أن هذا القياس ~~مأخوذ عن الخلفاء الأربعة ورجح الجمهور ذلك أيضا من حديث عائشة لاخبارها ~~ذلك عن رسول الله (ص)، خرجه مسلم. # المسألة الثانية: اختلف العلماء في الصفة المعتبرة في كون خروج المني ~~موجبا للطهر فذهب مالك إلى اعتبار اللذة في ذلك وذهب الشافعي إلى أن نفس ~~خروجه هو الموجب للطهر سواء أخرج بلذة، أو بغير لذة. وسبب اختلافهم في ذلك: ~~هو شيئان: # أحدهما: هل اسم الجنب ينطلق على الذي أجنب على الجهة الغير المعتادة أم ~~ليس ينطلق عليه؟ فمن رأى أنه إنما ينطلق على الذي أجنب على طريق العادة لم ~~يوجب الطهر في خروجه من غير لذة، ms0047 ومن رأى أنه ينطلق على خروج المني كيفما ~~خرج أوجب منه الطهر، وإن لم يخرج من لذة. والسبب الثاني: تشبيه خروجه بغير ~~لذة بدم الاستحاضة، واختلافهم في خروج الدم على جهة الاستحاضة هل يوجب ~~طهرا، أم ليس يوجبه؟ فسنذكره في باب الحيض وإن كان من هذا الباب، وفي ~~المذهب في هذا الباب فرع، وهو إذا انتقل من أصل مجاريه بلذة، ثم خرج في وقت ~~آخر بغير لذة، مثل أن يخرج من المجامع بعد أن يتطهر، هذا النوع من الخروج ~~صحبته اللذة في بعض نقلته، ولم تصحبه في بعض، فمن غلب حال اللذة قال: يجب ~~الطهر، ومن غلب حال عدم اللذة قال: لا يجب عليه الطهر. # الباب الثالث: في أحكام هذين الحدثين أعني الجنابة والحيض أما أحكام ~~الحدث الذي هو الجنابة ففيه ثلاث مسائل: PageV01P042 # المسألة الأولى: اختلف العلماء في دخول المسجد للجنب على ثلاثة أقوال: ~~فقوم منعوا ذلك بإطلاق وهو مذهب مالك وأصحابه وقوم منعوا ذلك إلا لعابر فيه ~~لا مقيم، ومنهم الشافعي وقوم أباحوا ذلك للجميع، ومنهم داود وأصحابه فيما ~~أحسب. وسبب اختلاف الشافعي وأهل الظاهر هو تردد قوله تبارك وتعالى: * (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) * الآية. بين أن يكون في ~~الآية مجاز حتى يكون هناك محذوف مقدر وهو موضع الصلاة: أي لا تقربوا موضع ~~الصلاة، ويكون عابر السبيل استثناء من النهي عن قرب موضع الصلاة، وبين ألا ~~يكون هنالك محذوف أصلا وتكون الآية على حقيقتها ويكون عابر السبيل هو ~~المسافر الذي عدم الماء وهو جنب. فمن رأى أن في الآية محذوفا أجاز المرور ~~للجنب في المسجد، ومن لم ير ذلك لم يكن عنده في الآية دليل على منع الجنب ~~الإقامة في المسجد، وأما من منع العبور في المسجد، فلا أعلم له دليلا إلا ~~ظاهر ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ولا أحل المسجد لجنب ولا ~~حائض وهو حديث غير ثابت عند أهل الحديث، واختلافهم في الحائض في هذا المعنى ~~هو اختلافهم في الجنب. ms0048 # المسألة الثانية: مس الجنب المصحف: ذهب قوم إلى إجازته، وذهب الجمهور إلى ~~منعه وهم الذين منعوا أن يمسه غير متوضئ. وسبب اختلافهم: هو سبب اختلافهم ~~في منع غير المتوضئ أن يمسه أعني قوله تعالى: * (لا يمسه إلا المطهرون) * ~~وقد ذكرنا سبب الاختلاف في الآية فيما تقدم، وهو بعينه سبب اختلافهم في منع ~~الحائض مسه. # المسألة الثالثة: قراءة القرآن للجنب. اختلف الناس في ذلك، فذهب الجمهور ~~إلى منع ذلك، وذهب قوم إلى إباحته. السبب في ذلك الاحتمال المتطرق إلى حديث ~~على أنه قال: كان عليه الصلاة والسلام لا يمنعه من قراءة القرآن شئ إلا ~~الجنابة وذلك أن قوما قالوا: إن هذا لا يوجب شيئا، لأنه ظن من الراوي، ومن ~~أين يعلم أحد أن ترك القراءة كان لموضع الجنابة إلا لو أخبره بذلك؟ ~~والجمهور رأوا أنه لم يكن علي رضي الله عنه ليقول هذا عن توهم ولا ظن وإنما ~~قاله عن تحقق. وقوم جعلوا الحائض في هذا الاختلاف بمنزلة الجنب، وقوم فرقوا ~~بينهما، فأجازوا للحائض القراءة القليلة - استحسانا - لطول مقامها حائضا، ~~وهو مذهب مالك. فهذه هي أحكام الجنابة. # وأما أحكام الدماء الخارجة من الرحم: فالكلام المحيط بأصولها ينحصر في ~~ثلاثة أبواب: الأول: معرفة أنواع الدماء الخارجة من الرحم. والثاني: معرفة ~~العلامات التي تدل PageV01P043 # على انتقال الطهر إلى الحيض، والحيض إلى الطهر، أو الاستحاضة، والاستحاضة ~~أيضا إلى الطهر.. والثالث: معرفة أحكام الحيض والاستحاضة أعني موانعهما ~~وموجباتهما. # ونحن نذكر في كل باب من هذه الأبواب الثلاثة من المسائل ما يجري مجرى ~~القواعد، والأصول لجميع ما في هذا الباب على ما قصدنا إليه مما اتفقوا ~~عليه، واختلفوا فيه. # الباب الأول اتفق المسلمون على أن الدماء التي تخرج من الرحم ثلاثة: دم ~~حيض وهو الخارج على جهة الصحة، ودم استحاضة، وهو الخارج على جهة المرض، ~~وأنه غير دم الحيض لقوله عليه الصلاة والسلام، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة ~~ودم نفاس وهو الخارج مع الولد. # الباب الثاني أما معرفة علامات انتقال هذه الدماء بعضها إلى بعض، وانتقال ms0049 ~~وانتقال الطهر إلى الحيض، والحيض 5555 إلا لطهر، فإن معرفة ذلك في الأكثر ~~تنبني على معرفة أيام الدماء المعتادة وأيام الأطهار، ونحن نذكر منها ما ~~يجري مجرى الأصول وهي سبع مسائل. # المسألة الأولى: اختلف العلماء في أكثر أيام الحيض وأقلها، وأقل أيام ~~الطهر فروي عن مالك أن أكثر أيام الحيض خمسة عشر يوما، وبه قال الشافعي ~~وقال أبو حنيفة: أكثره عشرة أيام، وروي عنه ثمانية أيام، وروي خمسة عشر ~~يوما، وإلى هذه الرواية مال البغداديون من أصحابه، وبها قال الشافعي وأبو ~~حنيفة وقيل سبعة عشر يوما وهو أقصى ما انعقد عليه الاجماع فيما أحسب. وأما ~~أكثر الطهر فليس له عندهم حد، وإذا كان هذا موضوعا من أقاويلهم فمن كان ~~لأقل الحيض عنده قدر معلوم وجب أن يكون ما كان أقل من ذلك القدر إذا ورد في ~~سن الحيض عنده استحاضة، ومن لم يكن لأقل الحيض عنده قدر محدود وجب أن تكون ~~الدفعة عنده حيضا، ومن كان أيضا عنده أكثره محدودا وجب أن يكون ما زاد على ~~ذلك القدر عنده استحاضة ومن لم يكن لأقل الحيض عنده قدر محدود وجب أن تكون ~~الدفعة عنده حيضا، ومن كان أيضا عنده أكثره محدودا أوجب أن تكون ما زاد على ~~ذلك القدر عنده استحاضة، ولكن محصل مذهب مالك في ذلك أن النساء على ضربين ~~مبتدأة، ومعتادة: فالمبتدأة تترك الصلاة برؤية أول دم تراه إلى تمام خمسة ~~عشر يوما، فإن لم ينقطع صلت وكانت مستحاضة، وبه قال الشافعي أن مالكا قال: # تصلي من حين تتيقن الاستحاضة وعند الشافعي أنها تعيد صلاة ما سلف لها من ~~الأيام، إلا أقل الحيض عنده وهو يوم وليلة. وقيل عن مالك بل تعتد أيام ~~ولادتها، ثم تستظهر بثلاثة أيام، فإن لم ينقطع الدم، فهي مستحاضة. وأما ~~المعتادة ففيها روايتان عن مالك: إحداهما: # بناؤها على عادتها وزيادة ثلاثة أيام ما لم تتجاوز أكثر مدة الحيض. ~~والثانية: جلوسا إلى انقضاء أكثر مدة الحيض، أو تعمل على التمييز إن كانت ~~من أهل التمييز. ms0050 وقال الشافعي: PageV01P044 # تعمل على أيام عادتها. وهذه الأقاويل كلها المختلف فيها عند الفقهاء في ~~أقل الحيض، وأكثره، وأقل الطهر لا مستند لها إلا التجربة والعادة، وكل إنما ~~قال من ذلك ما ظن أن التجربة أوقفته على ذلك، ولاختلاف ذلك في النساء عسر ~~أن يعرف بالتجربة حدود هذه الأشياء في أكثر النساء ووقع في ذلك هذا الخلاف ~~الذي ذكرنا. وإنما أجمعوا بالجملة على أن الدم إذا تمادى أكثر من مدة الحيض ~~أنه استحاضة لقول رسول الله (ص) الثابت لفاطمة بنت أبي حبيش: فإذا أقبلت ~~الحيضة، فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي والمتجاوزة ~~لأمد أكثر أيام الحيض قد ذهب عنها قدرها ضرورة، وإنما صار الشافعي، ومالك ~~رحمه الله في المعتادة في إحدى الروايتين عنه إلى أنها تبني على عادتها ~~لحديث أم سلمة الذي رواه في الموطأ: أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد ~~رسول الله (ص)، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله (ص) فقال: لتنظر إلى عدد ~~الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، ~~فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر فإذا خلفت ذلك، فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ~~ثم لتصلي فألحقوا حكم الحائض التي تشك في الاستحاضة بحكم المستحاضة التي ~~تشك في الحيض، وإنما رأى أيضا في المبتدأة أن يعتبر أيام ولادتها، لان أيام ~~ولادتها هو شئ انفرد به مالك وأصحابه رحمهم الله، وخالفهم في ذلك جميع ~~فقهاء الأمصار ما عدا الأوزاعي، إذ لم يكن لذلك ذكر في الأحاديث الثابتة ~~وقد روي في ذلك أثر ضعيف. # المسألة الثانية: ذهب مالك وأصحابه في الحائض التي ينقطع حيضها - وذلك ~~بأن تحيض يوما أو يومين، وتطهر يوما، أو يومين - إلى أنها تجمع أيام الدم ~~بعضها إلى بعض، وتلغي أيام الطهر، وتغتسل في كل يوم ترى فيه الطهر أول ما ~~تراه وتصلي، فإنها لا تدري لعل ذلك طهر، فإذا اجتمع لها من أيام الدم خمسة ~~عشر يوما فهي مستحاضة وبهذا القول قال الشافعي وروي عن مالك أيضا أنها تلفق ms0051 ~~أيام الدم وتعتبر بذلك أيام عادتها، فإن ساوتها استظهرت بثلاثة أيام فإن ~~انقطع الدم، وإلا فهي مستحاضة. وجعل الأيام التي لا ترى فيها الدم غير ~~معتبرة في العدد لا معنى له، فإنه لا تخلو تلك الأيام أن تكون أيام حيض، أو ~~أيام طهر، فإن كانت أيام حيض، فيجب أن تلفقها إلى أيام الدم، وإن كانت أيام ~~طهر فليس يجب أن تلفق أيام الدم إذ كان قد تخللها طهر، والذي يجئ على أصوله ~~أنها أيام حيض لا أيام طهر، إذ أقل الطهر عنده محدود، وهو أكثر من اليوم ~~واليومين فتدبر هذا فإنه بين إن شاء الله تعالى. والحق أن دم الحيض ودم ~~النفاس يجري ثم ينقطع يوما أو يومين، ثم يعود حتى تنقضي أيام الحيض، أو ~~النفاس كما تجري ساعة أو ساعتين من النهار ثم تنقطع. # المسألة الثالثة: اختلفوا في أقل النفاس وأكثره، فذهب مالك إلى أنه لا حد ~~لأقله، PageV01P045 # وبه قال الشافعي وذهب أبو حنيفة وقوم إلى أنه محدود، فقال أبو حنيفة: هو ~~خمسة وعشرون يوما، وقال أبو يوسف صاحبه: أحد عشر يوما، وقال الحسن البصري: ~~عشرون يوما. وأما أكثره فقال مالك مرة: هو ستون يوما، ثم رجع عن ذلك، فقال: ~~يسأل عن ذلك النساء، وأصحابه ثابتون على القول الأول، وبه قال الشافعي. ~~وأكثر أهل العلم من الصحابة على أن أكثره أربعون يوما، وبه قال أبو حنيفة. ~~وقد قيل تعتبر المرأة في ذلك أيام أشباهها من النساء، فإذا جاوزتها فهي ~~مستحاضة، وفرق قوم بين ولادة الذكر وولادة الأنثى، فقالوا: للذكر ثلاثون ~~يوما، وللأنثى أربعون يوما. وسبب الخلاف: عسر الوقوف على ذلك بالتجربة ~~لاختلاف أحوال النساء في ذلك، ولأنه ليس هناك سنة يعمل عليها كالحال في ~~اختلافهم في أيام الحيض والطهر. # المسألة الرابعة: اختلف الفقهاء قديما وحديثا هل الدم الذي ترى الحامل هو ~~حيض أم استحاضة؟ فذهب مالك والشافعي في أصح قوليه وغيرهما إلى أن الحامل ~~تحيض وذهب أبو حنيفة وأحمد والثوري وغيرهم إلى أن الحامل لا تحيض، وأن الدم ~~الظاهر ms0052 لها دم فساد، وعلة إلا أن يصيبها الطلق، فإنهم أجمعوا على أنه دم ~~نفاس، وأن حكمه حكم الحيض في منعه الصلاة وغير ذلك من أحكامه. ولمالك ~~وأصحابه في معرفة انتقال الحائض الحامل إذا تمادى بها الدم من حكم الحيض ~~إلى حكم الاستحاضة أقوال مضطربة. أحدها: أن حكمها حكم الحائض نفسها أعني ~~إما أن تقعد أكثر أيام الحيض ثم هي مستحاضة، وإما أن تستظهر على أيامها ~~المعتادة بثلاثة أيام ما لم يكن مجموع ذلك أكثر من خمسة عشر يوما. وقيل: ~~إنها تقعد حائضا ضعف أكثر أيام الحيض. وقيل: إنها تضعف أكثر أيام الحيض ~~بعدد الشهور التي مرت لها، ففي الشهر الثاني من حملها تضعف أيام أكثر الحيض ~~مرتين، وفي الثالث ثلاث مرات، وفي الرابع أربع مرات، وكذلك ما زادت الأشهر. ~~وسبب اختلافهم في ذلك: عسر الوقوف على ذلك بالتجربة واختلاط الامرين، فإنه ~~مرة يكون الدم الذي تراه الحامل دم حيض، وذلك إذا كانت قوة المرأة وافرة ~~والجنين صغيرا، وبذلك أمكن أن يكون حمل على حمل، على ما حكاه بقراط، ~~وجالينوس وسائر الأطباء، ومرة يكون الدم الذي تراه الحامل لضعف الجنين، ~~ومرضه التابع لضعفها ومرضها في الأكثر، فيكون دم علة ومرض، وهو في الأكثر ~~دم علة المسألة الخامسة: اختلف الفقهاء في الصفرة والكدرة هل هي حيض أم لا؟ ~~فرات جماعة أنها حيض في أيام الحيض، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وروي مثل ~~ذلك عن مالك وفي المدونة عنه: أن الصفرة والكدرة حيض في أيام الحيض، وفي ~~غير أيام الحيض، رأت ذلك مع الدم، أو لم تره. وقال داود وأبو يوسف: إن ~~الصفرة والكدرة لا تكون PageV01P046 # حيضة إلا بأثر الدم. والسبب في اختلافهم: مخالفة ظاهر حديث أم عطية لحديث ~~عائشة. # وذلك أنه روي عن أم عطية أنها قالت: كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الغسل ~~شيئا، وروى عن عائشة: أن النساء كن يبعثن إليها بالدرجة فيها الكرسف فيه ~~الصفرة والكدرة من دم الحيض يسألنها عن الصلاة؟ فتقول: تجعلن حتى ترين ~~القصة البيضاء. فمن ms0053 رجح حديث عائشة جعل الصفرة والكدرة حيضا سواء طهرت في ~~أيام الحيض، أم في غير أيامه، مع الدم، أو بلا دم، فإن حكم الشئ الواحد في ~~نفسه ليس يختلف، ومن رام الجمع بين الحديثين قال: إن حديث أم عطية هو بعد ~~انقطاع الدم، وحديث عائشة في أثر انقطاعه، أو أن حديث عائشة هو في أيام ~~الحيض، وحديث أم عطية في أيام الحيض. وقد ذهب قوم إلى ظاهر حديث أم عطية، ~~ولم يروا الصفرة والكدرة شيئا، لا في أيام حيض، ولا في غيرها، ولا بأثر ~~الدم ولا بعد انقطاعه لقول رسول الله (ص): دم الحيض دم أسود يعرف ولان ~~الصفرة والكدرة ليست بدم، وإنما هي من سائر الرطوبات التي ترخيها الرحم، ~~وهو مذهب أبي محمد بن حزم. # المسألة السادسة: اختلف الفقهاء في علامة الطهر، فرأى قوم أن علامة الطهر ~~رؤية القصة البيضاء، أو الجفوف، وبه قال ابن حبيب من أصحاب مالك وسواء كانت ~~المرأة ممن عادتها أن تطهر بالقصة البيضاء أو بالجفوف أي ذلك رأت طهرت به، ~~وفرق قوم فقالوا: # إن كانت المرأة ممن ترى القصة البيضاء فلا تطهر حتى تراها، وإن كانت ممن ~~لا تراها فطهرها الجفوف، وذلك في المدونة عن مالك. وسبب اختلافهم: أن منهم ~~من راعى العادة، ومنهم من راعى انقطاع الدم فقط، وقد قيل إن التي عادتها ~~الجفوف تطهر بالقصة البيضاء ولا تطهر التي عادتها القصة البيضاء بالجفوف، ~~وقد قيل بعكس هذا، وكله لأصحاب مالك. # المسألة السابعة: اختلف الفقهاء في المستحاضة إذا تمادى بها الدم متى ~~يكون حكمها حكم الحائض؟ كما اختلفوا في الحائض إذا تمادى بها الدم متى يكون ~~حكمها حكم المستحاضة؟ وقد تقدم ذلك، فقال مالك في المستحاضة أبدا: حكمها ~~حكم الطاهرة إلى أن يتغير الدم إلى صفة الحيض، وذلك إذا مضى لاستحاضتها من ~~الأيام ما هو أكثر من أقل أيام الطهر، فحينئذ تكون حائضا: أعني إذا اجتمع ~~لها هذان الشيئان: تغير الدم، وأن يمر لها في الاستحاضة من الأيام ما يمكن ~~أن يكون طهرا، ms0054 وإلا فهي مستحاضة أبدا وقال أبو حنيفة تقعد أيام عادتها إن ~~كانت لها عادة، وإن كانت مبتدأة قعدت أكثر الحيض وذلك عنده عشرة أيام وقال ~~الشافعي: تعمل على التمييز إن كانت من أهل التمييز، وإن كانت من أهل العادة ~~عملت على العادة، وإن كانت من أهلهما معا، فله في ذلك قولان: أحدهما: # تعمل على التمييز. والثاني: على العادة. والسبب في اختلافهم: أن في ذلك ~~حديثين PageV01P047 # مختلفين أحدهما حديث عائشة عن فاطمة بنت أبي حبيش: أن النبي عليه الصلاة ~~والسلام أمرها - وكانت مستحاضة - أن تدع الصلاة قدر أيامها التي كانت تحيض ~~فيها قبل أن يصيبها الذي أصابها ثم تغتسل وتصلي. وفي معناه أيضا حديث أم ~~سلمة المتقدم الذي خرجه مالك، والحديث الثاني ما خرجه أبو داود من حديث ~~فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت استحيضت، فقال لها رسول الله (ص): إن دم ~~الحيضة أسود يعرف، فإذا كان ذلك فامكثي عن الصلاة وإذا كان الاخر فتوضئي ~~وصلي فإنما هو عرق وهذا الحديث صححه أبو محمد بن حزم. فمن هؤلاء من ذهب ~~مذهب الترجيح، ومنهم من ذهب مذهب الجمع، فمن ذهب مذهب ترجيح حديث أم سلمة ~~وما ورد في معناه قال باعتبار الأيام. # ومالك رضي الله عنه اعتبر عدد الأيام فقط في الحائض التي تشك في الحيض، ~~أعني لا عددها، ولا موضعها من الشهر إذ كان عندها ذلك معلوما، والنص إنما ~~جاء في المستحاضة التي تشك في الحيض، فاعتبر الحكم في الفرع، ولم يعتبره في ~~الأصل، وهذا غريب فتأمله. ومن رجح حديث فاطمة بنت أبي حبيش قال باعتبار ~~اللون، ومن هؤلاء من راعى مع اعتبار لون الدم مضي ما يمكن أن يكون طهرا من ~~أيام الاستحاضة وهو قول مالك فيما حكاه عبد الوهاب، ومنهم من لم يراع ذلك. ~~ومن جمع بين الحديثين قال: الحديث الأول هو في التي تعرف عدد أيامها من ~~الشهر وموضعها، والثاني في التي لا تعرف عددها ولا موضعها، وتعرف لون الدم. ~~ومنهم من رأى أنها إن لم تكن من ms0055 أهل التمييز، ولا تعرف موضع أيامها من ~~الشهر، وتعرف عددها، أو لا تعرف عددها أنها تتحرى على حديث حمنة بنت جحش - ~~صححه الترمذي وفيه أن رسول الله (ص) قال لها: إنما هي ركضة من الشيطان ~~فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي. وسيأتي الحديث بكماله ~~عند حكم المستحاضة في الطهر. فهذه هي مشهورات المسائل التي في هذا الباب، ~~وهي بالجملة واقعة في أربعة مواضع أحدها: معرفة انتقال الطهر إلى الحيض. ~~والثاني: معرفة انتقال الحيض إلى الطهر. والثالث: معرفة انتقال الحيض إلى ~~الاستحاضة. والرابع: معرفة انتقال الاستحاضة إلى الحيض، وهو الذي وردت فيه ~~الأحاديث، وأما الثلاثة فمسكوت عنها: أعني عن تحديدها وكذلك الامر في ~~انتقال النفاس إلى الاستحاضة. # الباب الثالث وهو معرفة أحكام الحيض والاستحاضة والأصل في هذا الباب قوله ~~تعالى: * (ويسألونك عن المحيض) * الآية والأحاديث الواردة في ذلك التي ~~سنذكرها. واتفق المسلمون على أن الحيض يمنع أربعة PageV01P048 # أشياء: أحدها: فعل الصلاة ووجوبها أعني أنه ليس يجب على الحائض قضاؤها ~~بخلاف الصوم. والثاني: أنه يمنع فعل الصوم لا قضاؤه وذلك لحديث عائشة ~~الثابت أنها قالت: # كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة وإنما قال بوجوب القضاء ~~عليها طائفة من الخوارج. والثالث: فيما أحسب الطواف لحديث عائشة الثابت: ~~حين أمرها رسول الله (ص) أن تفعل كل ما يفعل الحاج غير الطواف بالبيت ~~والرابع الجماع في الفرج لقوله تعالى: * (فاعتزلوا النساء في المحيض) * ~~الآية. واختلفوا من أحكامها في مسائل، نذكر منها مشهوراتها وهي خمس: # المسألة الأولى: اختلف الفقهاء في مباشرة الحائض وما يستباح منها، فقال ~~مالك والشافعي وأبو حنيفة: له منها ما فوق الإزار فقط وقال سفيان الثوري ~~وداود الظاهري: # إنما يجب عليه أن يجتنب موضع الدم فقط. وسبب اختلافهم: ظواهر الأحاديث ~~الواردة في ذلك، والاحتمال الذي في مفهوم الصلاة والسلام: كان يأمر إذا ~~كانت إحداهن حائضا أن تشد عليها إزارها ثم يباشرها وورد أيضا من حديث ثابت ~~بن قيس عن النبي (ص) أنه قال: اصنعوا كل شئ ms0056 بالحائض إلا النكاح وذكر أبو ~~داود عن عائشة أن رسول الله (ص) قال لها وهي حائض: اكشفي عن فخذك قالت: ~~فكشفت، فوضع خده وصدره على فخذي، وحنيت عليه حتى دفئ، وكان قد أوجعه البرد. ~~وأما الاحتمال الذي في آية الحيض، فهو تردد قوله تعالى: * (قل هو أذى ~~فاعتزلوا النساء في المحيض) * بين أن يحمل على عمومه إلا ما خصصه الدليل، ~~أو أن يكون من باب العام أريد به الخاص، بدليل قوله تعالى فيه: * (قل هو ~~أذى) * والأذى إنما يكون في موضع الدم. فمن كان المفهوم منه عنده العموم ~~أعني أنه إذا كان الواجب عنده أن يحمل هذا القول على عمومه حتى يخصصه ~~الدليل، استثنى من ذلك ما فوق الإزار بالسنة، إذ المشهور جواز تخصيص الكتاب ~~بالسنة عند الأصوليين. ومن كان عنده من باب العام أريد به الخاص رجح هذه ~~الآية على الآثار المانعة مما تحت الإزار، وقوى ذلك عنده بالآثار المعارضة ~~للآثار المانعة مما تحت الإزار. الجمع بين هذه الآثار، وبين مفهوم الآية ~~على هذا المعنى الذي نبه عليه الخطاب الوارد فيها، وهو كونه أذى فحمل ~~أحاديث المنع لما تحت الإزار على الكراهية، وأحاديث الإباحة ومفهوم الآية ~~على الجواز، ورجحوا تأويلهم هذا بأنه قد دلت السنة أنه ليس من جسم الحائض ~~شئ نجس إلا موضع الدم، وذلك: أن رسول الله (ص) سأل عائشة أن تناوله ~~PageV01P049 # الخمرة وهي حائض، فقالت: إني حائض، فقال عليه الصلاة والسلام: إن حيضتك ~~ليست في يدك وما ثبت أيضا من ترجيلها رأسه عليه الصلاة والسلام وهي حائض ~~وقوله عليه الصلاة والسلام: إن المؤمن لا ينجس. # المسألة الثانية: اختلفوا في وطئ الحائض في طهرها وقبل الاغتسال فذهب ~~مالك والشافعي والجمهور إلى أن ذلك لا يجوز حتى تغتسل. وذهب أبو حنيفة ~~وأصحابه إلى أن ذلك جائز إذا طهرت لأكثر أمد الحيض وهو حائض طهرت متى طهرت، ~~وبه قال أبو محمد بن حزم. وسبب اختلافهم: الاحتمال الذي في قوله تعالى: * ~~(فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) * هل المراد ms0057 به الطهر الذي هو ~~انقطاع دم الحيض أم الطهر بالماء؟ ثم إن كان الطهر بالماء، فهل المراد به ~~طهر جميع الجسد أم طهر الفرج؟ فإن الطهر في كلام العرب، وعرف الشرع اسم ~~مشترك يقال على هذه الثلاثة المعاني. وقد رجح الجمهور مذهبهم بأن صيغة ~~التفعل إنما تنطلق على ما يكون من فعل المكلفين، لا على ما يكون من فعل ~~غيرهم، فيكون قوله تعالى: * (فإذا تطهرن) * أظهر في معنى الغسل بالماء منه ~~في الطهر الذي هو انقطاع الدم، والأظهر يجب المصير إليه حتى يدل الدليل على ~~خلافه، ورجح أبو حنيفة مذهبه بأن لفظ يفعلن في قوله تعالى: * (حتى يطهرن) * ~~هو أظهر في الطهر الذي هو انقطاع دم الحيض منه في التطهر بالماء. والمسألة ~~كما ترى محتملة. ويجب على من فهم من لفظ الطهر في قوله تعالى: * (حتى ~~يطهرن) * معنى واحدا من هذه المعاني الثلاثة أن يفهم ذلك المعنى بعينه من ~~قوله تعالى: * (فإذا تطهرن) * لأنه مما ليس يمكن، أو مما يعسر أن يجمع في ~~الآية بين معنيين من هذه المعاني مختلفين حتى يفهم من لفظة يطهرن النقاء ~~ويفهم من لفظ تطهرن الغسل بالماء على ما جرت به عادة المالكيين في الاحتجاج ~~لمالك، فإنه ليس من عادة العرب أن يقولوا لا تعط فلانا درهما حتى يدخل ~~الدار، فإذا دخل المسجد فأعطه درهما، بل إنما يقولون وإذا دخل الدار فأعطه ~~درهما، لان الجملة الثانية هي مؤكدة لمفهوم الجملة الأولى. ومن تأول قوله ~~تعالى: # * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * على أنه النقاء، وقوله: * (فإذا تطهرن) * ~~على أنه الغسل بالماء، فهو بمنزلة من قال لا تعط فلانا درهما حتى يدخل ~~الدار فإذا دخل المسجد فأعطه درهما، وذلك غير مفهوم في كلام العرب، إلا أن ~~يكون هنالك ك محذوف، ويكون تقدير الكلام: ولا تقربوهن حتى يطهرن ويتطهرن ~~فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، وفي تقدير هذا الحذف بعد أما ولا ~~دليل عليه إلا أن يقول قائل: ظهور لفظ التطهر في PageV01P050 # معنى الاغتسال هو الدليل عليه، لكن ms0058 هذا يعارضه ظهور عدم الحذف في الآية، ~~فإن الحذف مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أظهر من حمله على المجاز، وكذلك ~~فرض المجتهد هاهنا إذا انتهى بنظره إلى مثل هذا الموضع أن يوازن بين ~~الظاهرين، فما ترجح عنده منهما على صاحبه عمل عليه، وأعني بالظاهرين أن ~~يقايس بين ظهور لفظ فإذا تطهرن في الاغتسال بالماء وظهور عدم الحذف في ~~الآية إن أحب أن يحمل لفظ يطهرن على ظاهره من النقاء، فأي الظاهرين كان ~~عنده أرجح عمل عليه أعني: إما أن لا يقدر في الآية حذفا ويحمل لفظ فإذا ~~تطهرن على الغسل بالماء، أو يقايس بين ظهور لفظ فإذا تطهرن في الاغتسال، ~~وظهور لفظ يطهرن في النقاء. فأي كان عنده أظهر أيضا صرف تأويل اللفظ الثاني ~~له، وعمل على أنهما يدلان في الآية على معنى واحد أعني: إما على معنى ~~النقاء، وإما على معنى الاغتسال بالماء وليس في طباع النظر الفقهي أن ينتهي ~~في هذه الأشياء إلى أكثر من هذا، فتأمله. وفي مثل هذه الحال يسوغ أن يقال: ~~كل مجتهد مصيب. وأما اعتبار أبي حنيفة أكثر الحيض في هذه المسألة فضعيف. # المسألة الثالثة: اختلف الفقهاء في الذي يأتي امرأته وهي حائض، فقال مالك ~~والشافعي وأبو حنيفة: يستغفر الله ولا شئ عليه. وقال أحمد بن حنبل: يتصدق ~~بدينار، أو بنصف دينار، وقالت فرقة من أهل الحديث: إن وطئ في الدم فعليه ~~دينار، وإن وطئ في انقطاع الدم فنصف دينا. وسبب اختلافهم في ذلك: اختلافهم ~~في صحة الأحاديث الواردة في ذلك، أو وهيها، وذلك أنه روي عن ابن عباس عن ~~النبي (ص) في الذي يأتي امرأته وهي حائض: أنه يتصدق بدينار وروي عنه: بنصف ~~دينار وكذلك روي أيضا في حديث ابن عباس هذا أنه إن وطئ في الدم فعليه ~~دينار، وإن وطئ في انقطاع الدم فنصف دينار. وروي في هذا الحديث يتصدق بخمسي ~~دينار وبه قال الأوزاعي، فمن صح عنده شئ من هذه الأحاديث صار إلى العمل ~~بها. ومن لم يصح عنده شئ منها ms0059 - وهم الجمهور - عمل على الأصل الذي هو سقوط ~~الحكم حتى يثبت بدليل. # المسألة الرابعة: اختلف العلماء فالمستحاضة، فقوم أوجبوا عليها طهرا ~~واحدا فقط، وذلك عندما ترى أنه قد انقضت حيضتها بإحدى تلك العلامات التي ~~تقدمت على حسب مذهب هؤلاء في تلك العلامات وهؤلاء الذين أوجبوا عليها طهرا ~~واحدا انقسموا قسمين: فقوم أوجبوا عليها أن تتوضأ لكل صلاة، وقوم استحبوا ~~ذلك لها ولم يوجبوه عليها، والذين أوجبوا عليها طهرا واحدا فقط هم: مالك ~~والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم PageV01P051 # وأكثر فقهاء 1 الأمصار، وأكثر هؤلاء أوجبوا عليها أن تتوضأ لكل صلاة، ~~وبعضهم لم يوجب عليها إلا استحبابا وهو مذهب مالك وقوم آخرون غير هؤلاء ~~رأوا أن على المستحاضة أن تتطهر لكل صلاة، وقوم رأوا أن الواجب أن تؤخر ~~الظهر إلى أول العصر، ثم تتطهر وتجمع بين الصلاتين، وكذلك تؤخر المغرب إلى ~~آخر وقتها وأول وقت العشاء، وتتطهر طهرا ثانيا وتجمع بينهما، ثم تتطهر طهرا ~~ثالثا لصلاة الصبح، فأوجبوا عليها ثلاثة أطهار في اليوم والليلة. وقوم رأوا ~~أن عليها طهرا واحدا في اليوم والليلة. ومن هؤلاء من لم يحد له وقتا، وهو ~~مروي عن علي. ومنهم من رأى أن تتطهر من طهر إلى طهر، فيتحصل في المسألة ~~بالجملة أربعة أقوال: قول إنه ليس عليها إلا طهر واحد فقط عند انقطاع دم ~~الحيض، وقول: إن عليها الطهر لكل صلاة. وقول إن عليها ثلاثة أطهار في اليوم ~~والليلة، وقول إن عليها طهرا واحدا في اليوم والليلة. والسبب في اختلافهم ~~في هذه المسألة: هو اختلاف ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك، وذلك أن الوارد ~~في ذلك من الأحاديث المشهورة أربعة أحاديث واحد منها متفق على صحته، وثلاثة ~~مختلف فيها. أما المتفق على صحته فحديث عائشة قالت: جاءت فاطمة ابنة أبي ~~حبيش إلى رسول الله (ص) فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، ~~أفأدع الصلاة؟ فقال لها عليه الصلاة والسلام: لا، إنما ذلك عرق وليس ~~بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي ms0060 ~~وفي بعض روايات هذا الحديث: # وتوضئي لكل صلاة وهذه الزيادة لم يخرجها البخاري ولا مسلم، وخرجها أبو ~~داود وصححها قوم من أهل الحديث. والحديث الثاني: حديث عائشة عن أم حبيبة ~~بنت جحش امرأة عبد الرحمن بن عوف: أنها استحاضت فأمرها رسول الله (ص) أن ~~تغتسل لكل صلاة. أسنده إسحاق عن الزهري، وأما سائر أصحاب الزهري، فإنما ~~رووا عنه: أنها استحيضت فسألت رسول الله (ص) فقال لها: إنما هو عرق وليست ~~بالحيضة وأمرها أن تغتسل وتصلي، فكانت تغتسل لكل صلاة على أن ذلك هو الذي ~~فهمت منه، لا أن ذلك منقول عن لفظه عليه الصلاة والسلام، ومن هذا الطريق ~~خرجه البخاري. وأما الثالث: فحديث أسماء بنت عميس أنها قالت: يا رسول الله ~~إن فاطمة ابنة أبي حبيش استحيضت، فقال رسول الله (ص): لتغسل للظهر والعصر ~~غسلا واحدا وللمغرب والغشاء غسلا واحدا وتغتسل للفجر وتتوضأ فيما بين ذلك ~~خرجه أبو داود وصححه أبو محمد بن حزم. وأما الرابع: فحديث حمنة ابنة جحش ~~وفيه: أن رسول الله (ص) خيرها بين أن تصلي الصلوات بطهر واحد عندما ترى أنه ~~قد انقطع دم الحيض، وبين أن تغتسل في اليوم والليلة ثلاث مرات على حديث ~~أسماء بنت عميس، إلا أن هنالك ظاهره على الوجوب وهنا على التخيير، فلما ~~اختلفت ظواهر هذه الأحاديث، PageV01P052 # ذهب الفقهاء في تأويلها أربعة مذاهب: مذهب النسخ، ومذهب الترجيح، ومذهب ~~الجمع ومذهب البناء، والفرق بين الجمع والبناء أن الباني ليس يرى أن هنالك ~~تعارضا، فيجمع بين الحديثين، وأما الجامع فهو يرى أن هنالك تعارضا في ~~الظاهر، فتأمل هذا، فإنه فرق بين. أما من ذهب مذهب الترجيح فمن أخذ بحديث ~~فاطمة ابنة أبي حبيش لمكان الاتفاق على صحته عمل على ظاهره أعني: من أنه لم ~~يأمرها (ص) أن تغتسل لكل صلاة، ولا أن تجمع بين الصلوات بغسل واحد ولا بشئ ~~من تلك المذاهب، وإلى هذا ذهب مالك، وأبو حنيفة والشافعي وأصحاب هؤلاء وهم ~~الجمهور، ومن صحت عن / ه من هؤلاء الزيادة الواردة فيه، وهو ms0061 الامر بالوضوء ~~لكل صلاة أوجب ذلك عليها، ومن لم تصح عنده لم يوجب ذلك عليها، وأما من ذهب ~~مذهب البناء فقال: إنه ليس بين حديث فاطمة وحديث أم حبيبة الذي من رواته ~~ابن إسحاق تعارض أصلا، وأن الذي في حديث أم حبيبة من ذلك زيادة على ما في ~~حديث فاطمة، فإن حديث فاطمة إنما وقع الجواب فيه عن السؤال، هل ذلك الدم ~~حيض يمنع الصلاة أم لا؟ فأخبرها عليه الصلاة والسلام أنها ليست بحيضة تمنع ~~الصلاة، ولم يخبرها بوجوب الطهر أصلا لكل صلاة إلا عند انقطاع دم الحيض، ~~وفي حديث أم حبيبة أمرها بشئ واحد وهو التطهر لكل صلاة، لكن للجمهور أن ~~يقولوا إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلو كان واجبا عليها الطهر ~~لكل صلاة لأخبرها بذلك، ويبعد أن يدعي مدع: أنها كانت تعرف ذلك مع أنها ~~كانت تجهل الفرق بين الاستحاضة والحيض. وأما تركه عليه الصلاة والسلام ~~إعلامها بالطهر الواجب عليها عند انقطاع دم الحيض، فمضمن في قوله: إنها ~~ليست بالحيضة لأنه كان معلوما من سنته عليه الصلاة والسلام أن انقطاع الحيض ~~يوجب الغسل، فإذا إنما لم يخبرها بذلك لأنها كانت عالمة به، وليس الامر ~~كذلك في وجوب الطهر لكل صلاة إلا أن يدعي مدع أن هذه الزيادة لم تكن قبل ~~ثابتة، وتثبت بعد فيتطرق إلى ذلك المسألة المشهورة؟ هل الزيادة نسخ أم لا؟ ~~وقد روي في بعض طرق حديث فاطمة أمره عليه الصلاة والسلام لها بالغسل، فهذا ~~هو حال من ذهب مذهب الترجيح ومذهب البناء. وأما من ذهب مذهب النسخ فقال: # إن حديث أسماء بنت عميس ناسخ لحديث أم حبيبة، واستدل على ذلك بما روي عن ~~عائشة: أن سهلة بنت سهيل استحيضت وأن رسول الله (ص) كان يأمرها بالغسل عند ~~كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر في غسل واحد، ~~والمغرب والعشاء في غسل واحد، وتغتسل ثالثا للصبح. وأما الذين ذهبوا مذهب ~~الجمع، فقالوا: # إن حديث فاطمة ابنة أبي حبيش محمول ms0062 على التي تعرف أيام الحيض من أيام ~~الاستحاضة، وحديث أم حبيبة محمول على التي لا تعرف ذلك، فأمرت بالطهر في كل ~~وقت احتياطا للصلاة، وذلك أن هذه إذا قامت إلى الصلاة يحتمل أن تكون طهرت، ~~فيجب عليها أن PageV01P053 # تغتسل لكل صلاة. وأما حديث أسماء ها أيام الحيض من أيام الاستحاضة، إلا ~~أنه قد ينقطع عنها في أوقات، فهذه إذا انقطع عنها الدم وجب عليها أن تغتسل، ~~وتصلي بذلك الغسل صلاتين، وهنا قوم ذهبوا مذهب التخيير بين حديثي أم حبيبة ~~وأسماء واحتجوا لذلك بحديث حمنة بنت جحش وفيه: أن رسول الله (ص) خيرها ~~وهؤلاء منهم من قال: إن المخيرة هي التي لا تعرف أيام حيضتها. # ومنهم من قال: بل هي المستحاضة على الاطلاق عارفة كانت أو غير عارفة، ~~وهذا هو قول خامس في المسألة، إلا أن الذي في حديث حمنة ابنة جحش إنما هو ~~التخيير بين أن تصلي الصلوات كلها بطهر واحد، وبين أن تتطهر في اليوم ~~والليلة ثلاث مرات. وأما من ذهب إلى أن الواجب أن تطهر في كل يوم مرة ~~واحدة، فلعله إنما أوجب ذلك عليها لمكان الشك، ولست أعلم في ذلك أثرا. # المسألة الخامسة: اختلف العلماء في جواز وطئ المستحاضة على ثلاثة أقوال. ~~فقال قوم: يجوز وطؤها، وهو الذي عليه فقهاء الأمصار، وهو مروي عن ابن عباس ~~وسعيد بن المسيب، وجماعة من التابعين وقال قوم: ليس يجوز وطؤها، وهو مروي ~~عن عائشة، وبه قال النخعي والحكم. وقال قوم: لا يأتيها زوجها إلا أن يطول ~~ذلك بها. وبهذا القول قال أحمد بن حنبل. وسبب اختلافهم: هل إباحة الصلاة ~~لها هي رخصة لمكان تأكيد وجوب الصلاة، أم إنما أبيحت لها الصلاة، لان حكمها ~~حكم الطاهر؟ فمن رأى أن ذلك رخصة لم يجز لزوجها أن يطأها، ومن رأى أن ذلك ~~لان حكمها حكم الطاهر، أباح لها ذلك، وهي بالجملة مسألة مسكوت عنها. وأما ~~التفريق بين الطول، ولا طول فاستحسان. PageV01P054 # كتاب التيمم والقول المحيط بأصول هذا الكتاب يشتمل بالجملة على سبعة ~~أبواب. ms0063 الباب الأول: # في معرفة الطهارة التي هذه الطهارة بدل منها. الثاني: معرفة من تجوز له ~~هذه الطهارة. # الثالث: في معرفة شروط جواز هذه الطهارة. الرابع: في صفة هذه الطهارة. ~~الخامس: # فيما تصنع به هذه الطهارة. السادس: في نواقض هذه الطهارة. السابع: في ~~الأشياء التي هذه الطهارة شرط في صحتها، أو في استباحتها. # الباب الأول: في معرفة الطهارة التي هذه الطهارة بدل منها اتفق العلماء ~~على أن هذه الطهارة هي بدل من هذه الطهارة الصغرى، واختلفوا في الكبرى، ~~فروي عن عمر وابن مسعود أنهما كانا لا يريانها بدلا من الكبرى، وكان علي ~~وغيره من الصحابة يرون أن التيمم يكون بدلا من الطهارة الكبرى، وبه قال ~~عامة الفقهاء. # والسبب في اختلافهم: الاحتمال الوارد في آية التيمم، وأنه لم تصح عندهم ~~الآثار الواردة بالتيمم للجنب. أما الاحتمال الوارد في الآية، فلان قوله ~~تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا) * يحتمل أن يعود الضمير الذي فيه على ~~المحدث حدثا أصغر فقط، ويحتمل أن يعود عليهما معا، لكن من كانت الملامسة ~~عنده في الآية الجماع، فالأظهر أنه عائد عليهما معا، ومن كانت الملامسة ~~عنده هي اللمس باليد، أعني في قوله تعالى: * (أو لامستم النساء) * فالأظهر ~~أنه إنما يعود الضمير عنده على المحدث حدثا أصغر فقط، إذ كانت الضمائر إنما ~~يحمل أبدا عودها على أقرب مذكور، إلا أن يقدر في الآية تقديما وتأخيرا حتى ~~يكون تقديرها هكذا: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة، أو جاء أحد ~~منكم من الغائط، أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ~~وامسحوا نبأ فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا. ومثل هذا ليس ينبغي أن يصار إليه إلا بدليل فإن PageV01P055 # التقديم والتأخير مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على ~~المجاز، وقد يظن أن في الآية شيئا يقتضي تقديما وتأخيرا، وهو أن حملها على ~~ترتيبها يوجب أن المرض والسفر حدثان، لكن هذا لا يحتاج إليه إذا قدرت أو ~~هاهنا بمعنى الواو، وذلك موجود ms0064 في كلام العرب في مثل قول الشاعر: # وكان سيان أن لا يسرحوا نعما أو يسرحوه بها واغبرت السرح فإنه إنما يقال: ~~سيان زيد وعمرو، وهذا هو أحد الأسباب التي أوجبت الخلاف في هذه المسألة. ~~وأما ارتيابهم في الآثار التي ورد ت في هذا المعنى، فبين مما خرجه البخاري ~~ومسلم: أن رجلا أتى عمر رضي الله عنه فقال: أجنبت فلم أجد الماء، فقال: لا ~~تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا، ~~فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فقال ~~النبي (ص): # إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك؟ # فقال عمر: اتق الله يا عمار، فقال: إن شئت لم أحدث به. وفي بعض الروايات: ~~أنه قال له عمر: نوليك ما توليت. وخرج مسلم عن شقيق قال: كنت جالسا مع عبد ~~الله بن مسعود وأبي موسى فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن أرأيت لو أن ~~رجلا أجنب، فلم يجد الماء شهرا كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله لأبي موسى: ~~لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرا، فقال أبو موسى فكيف بهذه الآية في سورة ~~المائدة: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) * فقال عبد الله: لو رخص ~~لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد، فقال أبو ~~موسى لعبد الله: ألم تسمع لقول عما؟ وذكر له الحديث المتقدم، فقال له عبد ~~الله: ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار لكن الجمهور رأوا أن ذلك قد ثبت من ~~حديث عمار وعمران بن الحصين، خرجهما البخاري، وإن نسيان عمر ليس مؤثرا في ~~وجوب العمل بحديث عمار، وأيضا فإنهم استدلوا بجواز التيمم للجنب والحائض ~~بعموم قوله عليه الصلاة والسلام جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا. وأما حديث ~~عمران بن الحصين فهو: أن رسول الله (ص) رأى رجلا معتزلا لم يصل مع القوم ~~فقال: يا فلان أما يكفيك أن تصلي مع القوم؟ # فقال يا ms0065 رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، فقال عليه الصلاة والسلام: ~~عليك بالصعيد فإنه يكفيك ولموضع هذا الاحتمال اختلفوا هل لمن ليس عنده ماء ~~أن يطأ أهله أم لا يطؤها؟ أعني من يجوز للجنب التيمم. PageV01P056 # الباب الثاني: في معرفة من تجوز له هذه الطهارة وأما من تجوز له هذه ~~الطهارة، فأجمع العلماء أنها تجوز لاثنين: للمريض وللمسافر إذا عدما الماء، ~~واختلفوا في أربع: المريض يجد الماء ويخاف من استعماله، وفي الحاضر يعدم ~~الماء وفي الصحيح المسافر يجد الماء، فيمنعه من الوصول إليه خوف، وفي الذي ~~يخاف من استعماله من شدة البرد فأما المريض الذي يجد الماء ويخاف من ~~استعماله، فقال الجمهور: يجوز التيمم له، وكذلك الصحيح الذي يخاف الهلاك، ~~أو المرض الشديد من برد الماء، وكذلك الذي يخاف من الخروج إلى الماء، إلا ~~أن معظمهم أوجب عليه الإعادة إذا وجد الماء. وقال عطاء: لا يتيمم المريض ~~ولا غير المريض إذا وجد الماء، وأما الحاضر الصحيح الذي يعدم الماء، فذهب ~~مالك والشافعي إلى جواز التيمم له وقال أبو حنيفة: # لا يجوز التيمم للحاضر الصحيح وإن عدم الماء. وسبب اختلافهم: في هذه ~~المسائل الأربع التي هي قواعد هذا الباب، أما في المريض الذي يخاف من ~~استعمال الماء، فهو اختلافهم هل في الآية محذوف مقدر في قوله تعالى: * (وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر) * فمن رأى أن في الآية حذفا، وأن تقدير الكلام وإن ~~كنتم مرضى لا تقدرون على استعمال الماء، وأن الضمير في قوله تعالى: * (فلم ~~تجدوا ماء) * إنما يعود على المسافر فقط أجاز التيمم للمريض الذي يخاف من ~~استعمال الماء. ومن رأى أن الضمير في * (فلم تجدوا ماء) * يعود على المريض، ~~والمسافر معا وأنه ليس في الآية حذف لم يجز للمريض إذا وجد الماء التيمم. ~~وأما سبب اختلافهم في الحاضر الذي يعدم الماء فاحتمال الضمير الذي في قوله ~~تعالى: * (فلم تجدوا ماء) * أن يعود على أصناف المحدثين: أعني الحاضرين ~~والمسافرين أو على المسافرين فقط فمن رآه عائدا على جميع أصناف المحدثين ~~أجاز ms0066 التيمم للحاضرين ومن رآه عائدا على المسافرين فقط أو على المرضى ~~والمسافرين لم يجز التيمم للحاضر الذي عدم الماء. وأما سبب اختلافهم في ~~الخائف من الخروج إلى الماء فاختلافهم في قياسه على من عدم الماء. وكذلك ~~اختلافهم في الصحيح يخاف من برد الماء، السبب فيه اختلافهم في قياسه على ~~المريض الذي يخاف من استعمال الماء، وقد رجح مذهبهم القائلون بجواز التيمم ~~للمريض بحديث جابر في المجروح الذي اغتسل فمات، فأجاز عليه الصلاة والسلام ~~المسح له وقال: قتلوه قتلهم الله وكذلك رجحوا أيضا قياس الصحيح الذي يخاف ~~من برد الماء على المريض بما روى أيضا في ذلك عن عمرو ابن العاص أنه أجنب ~~في ليلة باردة، فتيمم، وتلا قول الله تعالى: * (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله ~~كان بكم رحيما) * فذكر ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام فلم يعنف. ~~PageV01P057 # الباب الثالث: في معرفة شروط جواز هذه الطهارة وأما معرفة شروط هذه ~~الطهارة، فيتعلم بها ثلاث مسائل قواعد إحداها: هل النية من شرط هذه الطهارة ~~أم لا؟ والثانية: هل الطلب شرط في جواز التيمم عند عدم الماء أم لا؟ ~~والثالثة: هل دخول الوقت شرط في جواز التيمم أم لا؟ # أما المسألة الأولى: فالجمهور على أن النية فيها شرط لكونها عبادة غير ~~معقولة المعنى، وشذ زفر فقال: إن النية ليست بشرط فيها، وأنها لا تحتاج إلى ~~نية، وقد روي ذلك أيضا عن الأوزاعي والحسن بن حي، وهو ضعيف. # وأما المسألة الثانية: فإن مالكا رضي الله عنه اشترط الطلب، وكذلك ~~الشافعي ولم يشترطه أبو حنيفة. وسبب اختلافهم في هذا هو: هل يسمى من لم يجد ~~الماء دون طلب غير واجد للماء، أم ليس يسمى غير واجد للماء إلا إذا طلب ~~الماء، فلم يجده؟ لكن الحق في هذا أن يعتقد أن المتيقن لعدم الماء، إما ~~بطلب متقدم، وإما بغير ذلك هو عادم للماء، وأما الظان فليس بعادم للماء، ~~ولذلك يضعف القول بتكرر الطلب الذي في المذهب في المكان الواحد بعينه، ~~ويقوى اشتراطه ابتداء إذا لم يكن هنالك ms0067 علم قطعي بعدم الماء. PageV01P058 # الباب الرابع: في صفة هذه الطهارة وأما صفة هذه الطهارة، فيتعلق بها ثلاث ~~مسائل هي قواعد هذا الباب: # المسألة الأولى: اختلف الفقهاء في حد الأيدي التي أمر الله بمسحها في ~~التيمم في قوله وامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) * على أربعة أقوال: القول ~~الأول: أن الحد الواجب في ذلك هو الحد الواجب بعينه في الوضوء وهو إلى ~~المرافق، وهو مشهور المذهب، وبه قال فقهاء الأمصار. والقول الثاني: أن ~~الفرض هو مسح الكف فقط، وبه قال أهل الظاهر وأهل الحديث. والقول الثالث: ~~الاستحباب إلى المرفقين، والفرض الكفان وهو مروي عن مالك. والقول الرابع: ~~أن الفرض إلى المناكب، وهو شاذ، روي عن الزهري ومحمد بن مسلمة. والسبب في ~~اختلافهم: اشتراك اسم اليد في لسان العرب: وذلك أن اليد في كلام العرب يقال ~~على ثلاثة معان: على الكف فقط، وهو أظهرها استعمالا، ويقال على الكف ~~والذراع، ويقال على الكف والساعد والعضد. والسبب الثاني: اختلاف الآثار في ~~ذلك، وذلك أن حديث عمار المشهور فيه من طرقه الثابتة: # إنما يكفيك أن تضرب بيدك، ثم تنفخ فيها، ثم تمسح بها وجهك وكفيك. وورد في ~~بعض طرقه أنه قال له عليه الصلاة والسلام: وأن تمسح بيديك إلى المرفقين ~~وروي أيضا عن ابن عمر أن النبي (ص) قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة ~~لليدين إلى المرفقين وروي أيضا من طريق ابن عباس، ومن طريق غيره، فذهب ~~الجمهور إلى ترجيح هذه الأحاديث على حديث عمار الثابت من جهة عضد القياس ~~لها: PageV01P059 # أعني من جهة قياس التيمم على الوضوء وهو بعينه حملهم على أن عدلوا بلفظ ~~اسم اليد عن الكف الذي هو فيه أظهر إلى الكف والساعد، ومن زعم أنه ينطلق ~~عليهما بالسواء وأنه ليس في أحدهما أظهر منه في الثاني فقد أخطأ، فإن اليد ~~وإن كانت اسما مشتركا، فهي في الكف حقيقة، وفيما فوق الكف مجاز، وليس كل ~~اسم مشترك هو مجمل، وإنما المشترك المجمل الذي وضع من أول أمره مشتركا. وفي ~~هذا قال الفقهاء: إنه لا ms0068 يصح الاستدلال به، ولذلك ما نقول: إن الصواب هو أن ~~يعتقد أن الفرض إنما هو الكفان فقط، وذلك أن اسم اليد لا يخلو أن يكون في ~~الكف أظهر منه في سائر الأجزاء، أو يكون دلالته على سائر أجزاء الذراع ~~والعضد بالسواء، فإن كان أظهر فيجب المصير إليه على ما يجب المصير إلى ~~الاخذ بالظاهر وإن لم يكن أظهر فيجب المصير إلى الاخذ بالأثر الثابت، فأما ~~أن يغلب القياس هاهنا على الأثر فلا معنى له، ولا أن ترجح به أيضا أحاديث ~~لم تثبت بعد، فالقول في هذه المسألة بين من الكتاب والسنة فتأمله. وأما من ~~ذهب إلى الآباط، فإنما ذهب إلى ذلك لأنه قد روي في بعض طرق حديث عمار أنه ~~قال: # تيممنا مع رسول الله (ص) فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب. ومن ذهب ~~إلى أن يحمل تلك الأحاديث على الندب وحديث عمار على الوجوب فهو مذهب حسن ~~إذا كان الجمع أولى من الترجيح عند أهل الكلام الفقهي، إلا أن هذا إنما ~~ينبغي أن يصار إليه إن صحت تلك الأحاديث. # المسألة الثانية: اختلف العلماء في عدد الضربات على الصعيد للتيمم، فمنهم ~~من قال واحدة، ومنهم من قال اثنتين، والذين قالوا اثنتين منهم من قال: ضربة ~~للوجه وضربة لليدين، وهم الجمهور وإذا قلت الجمهور، فالفقهاء الثلاثة ~~معدودون فيهم: أعني مالكا والشافعي وأبا حنيفة. ومنهم من قال: ضربتان لكل ~~واحد منهما: أعني لليد ضربتان، وللوجه ضربتان. والسبب في اختلافهم: أن ~~الآية مجملة في ذلك، والأحاديث متعارضة، وقياس التيمم على الوضوء في جميع ~~أحواله غير متفق عليه، والذي في حديث عمار الثابت من ذلك إنما هو ضربة ~~واحدة للوجه والكفين معا، لكن ها هنا أحاديث فيها ضربتان، فرجح الجمهور هذه ~~الأحاديث لمكان قياس التيمم على الوضوء. # المسألة الثالثة: اختلف الشافعي مع مالك وأبي حنيفة وغيرهما في وجوب ~~توصيل التراب إلى أعضاء التيمم فلم ير ذلك أبو حنيفة واجبا ولا مالك ورأي ~~ذلك الشافعي واجبا. وسبب اختلافهم الاشتراك الذي في حرف من في قوله تعالى: ms0069 ~~* (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) * وذلك أن من ترد للتبعيض، وقد ترد لتمييز ~~الجنس، فمن ذهب إلى أنها هنا للتبعيض أوجب نقل التراب إلى أعضاء التيمم، ~~ومن رأى أنها لتمييز PageV01P060 # الجنس قال: ليس النقل واجبا. والشافعي إنما رجح حملها على التبعيض من جهة ~~قياس التيمم على الوضوء لكن يعارضه حديث عمار المتقدم، لان فيه: ثم تنفخ ~~فيها، وتيمم رسول الله (ص) على الحائط. وينبغي أن تعلم أن الاختلاف في وجوب ~~الترتيب في التيمم ووجوب الفور فيه، هو بعينه اختلافهم في ذلك في الوضوء، ~~وأسباب الخلاف هنالك هي أسبابه هنا، فلا معنى لإعادته. # الباب الخامس: فيما تصنع به هذه الطهارة وفيه مسألة واحدة، وذلك أنهم ~~اتفقوا على جوازها بتراب الحرث الطيب واختلفوا في جواز فعلها بما عدا ~~التراب من أجزاء الأرض المتولدة عنها كالحجارة، فذهب الشافعي إلى أنه لا ~~يجوز التيمم إلا بالتراب الخالص وذهب مالك وأصحابه إلى أنه يجوز التيمم بكل ~~ما صعد على وجه الأرض من أجزائها في المشهور عنه: الحصا والرمل والتراب ~~وزاد أبو حنيفة فقال: وبكل ما يتولد من الأرض من الحجارة مثل النورة ~~والزرنيخ والجص والطين والرخام ومنهم من شرط أن يكون التراب على وجه الأرض، ~~وهم الجمهور وقال أحمد بن حنبل: يتيمم بغبار الثوب واللبد. والسبب في ~~اختلافهم شيئان: أحدهما: # اشتراك اسم الصعيد في لسان العرب، فإنه مرة يطلق على التراب الخالص، ومرة ~~يطلق على جميع أجزاء الأرض الظاهرة، حتى أن مالكا وأصحابه حملهم دلالة ~~اشتقاق هذا الاسم - أعني الصعيد - أن يجيزوا في إحدى الروايات عنهم التيمم ~~على الحشيش وعلى الثلج قالوا: لأنه يسمى صعيدا في أصل التسمية، أعني من جهة ~~صعوده على الأرض، وهذا ضعيف. والسبب الثاني: إطلاق اسم الأرض في جواز ~~التيمم بها في بعض روايات الحديث المشهور، وتقييدها بالتراب في بعضها، وهو ~~قوله عليه الصلاة والسلام: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فإن في بعض رواياته. ~~جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وفي بعضها جعلت لي الأرض مسجدا وجعلت لي تربتها ~~طهورا وقد اختلف أهل ms0070 الكلام الفقهي: هل يقضى بالمطلق على المقيد، أو ~~بالمقيد على المطلق؟ والمشهور عندهم أن يقضى بالمقيد على المطلق، وفيه نظر، ~~ومذهب أبي محمد بن حزم أن يقضى بالمطلق على المقيد، لأن المطلق فيه زيادة ~~معنى، فمن كان رأيه القضاء بالمقيد على المطلق، وحمل اسم الصعيد الطيب على ~~التراب لم يجز التيمم إلا بالتراب، ومن قضى بالمطلق على المقيد، وحمل اسم ~~الصعيد على كل ما على وجه الأرض من أجزائها، أجاز التيمم بالرمل والحصى. ~~وأما إجازة التيمم بما يتولد منها، فضعيف إذ كان لا يتناوله اسم الصعيد، ~~فإن أعم دلالة اسم الصعيد أن يدل على ما تدل عليه الأرض، لا أن يدل على ~~الزرنيخ والنورة، ولا على الثلج والحشيش. والله الموفق للصواب، والاشتراك ~~الذي في اسم الطيب أيضا من أحد دواعي الخلاف. PageV01P061 # الباب السادس: في نواقض هذه الطهارة وأما نواقض هذه الطهارة، فإنهم ~~اتفقوا على أنه ينقضها ما ينقض الأصل الذي هو الوضوء، أو الطهر، واختلفوا ~~من ذلك في مسألتين: إحداهما هل ينقضها إرادة صلاة أخرى مفروضة غير المفروضة ~~التي تيمم لها؟ والمسألة الثانية هل ينقضها وجود الماء أم لا؟ # أما المسألة الأولى: فذهب مالك فيها إلى أن إرادة الصلاة الثانية تنقض ~~طهارة الأولى ومذهب غيره خلاف ذلك وأصل هذا الخلاف يدور على شيئين: أحدهما: ~~هل في قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلا الصلاة) * محذوف ~~مقدر: أعني إذا قمتم من النوم، أو قمتم محدثين أم ليس هنالك محذوف أصلا؟ ~~فمن رأى أن لا محذوف هنالك قال: ظاهر الآية وجوب الوضوء، أو التيمم عند ~~القيام لكل صلاة، لكن خصصت السنة من ذلك الوضوء، فبقي التيمم على أصله، لكن ~~لا ينبغي أن يحتج بهذا لمالك، فإن مالكا يرى أن في الآية محذوفا على ما ~~رواه عن زيد بن أسلم في موطأه. وأما السبب الثاني فهو تكرار الطلب عند دخول ~~وقت كل صلاة، وهذا هو ألزم لأصول مالك. # أعني أن يحتج له بهذا، وقد تقدم القول في هذه المسألة، ومن لم ms0071 يتكرر عنده ~~الطلب وقدر في الآية محذوفا لم ير إرادة الصلاة الثانية مما ينقض التيمم. # وأما المسألة الثانية: فإن الجمهور ذهبوا إلى أن وجود الماء ينقضها وذهب ~~قوم إلى أن الناقض لها هو الحدث وأصل هذا الخلاف: هل وجود الماء يرفع ~~استصحاب الطهارة التي كانت بالتراب، أو يرفع ابتداء الطهارة به؟ فمن رأى ~~أنه يرفع ابتداء الطهارة به، قال: لا ينقضها إلا الحدث، ومن رأى أنه يرفع ~~استصحاب الطهارة قال: إنه ينقضها، فإن حد الناقض هو الرافع للاستصحاب. وقد ~~احتج الجمهور لمذهبهم بالحديث الثابت وهو قوله عليه الصلاة والسلام: جعلت ~~لي الأرض مسجدا وطهورا ما لم يجد الماء والحديث محتمل، فإنه يمكن أن يقال: ~~إن قوله عليه الصلاة والسلام: ما لم يجد ا لماء يمكن أن يفهم منه: فإذا وجد ~~الماء انقطعت هذه الطهارة، وارتفعت، ويمكن أن يفهمنه: فإذا وجد الماء لم ~~تصح ابتداء هذه الطهارة، والأقوى في عضد الجمهور هو حديث أبي سعيد الخدري، ~~وفيه أنه عليه الصلاة والسلام قال: فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك فإن الامر ~~محمول عند جمهور المتكلمين على الفور وإن كان أيضا قد يتطرق إليه الاحتمال ~~المتقدم فتأمل هذا. وقد حمل الشافعي تسليمه أن وجود الماء يرفع هذه الطهارة ~~أن قال: # إن التيمم ليس رافعا للحدث: أي ليس مفيدا للمتيمم الطهارة الرافعة للحدث، ~~وإنما هو مبيح للصلاة فقط مع بقاء الحدث، وهذا لا معنى له، فإن الله قد ~~سماه طهارة، وقد ذهب PageV01P062 # قوم من أصحاب مالك هذا المذهب فقالوا: إن التيمم لا يرفع الحدث، لأنه لو ~~رفعه لم ينقضه إلا الحدث. والجواب أن هذه الطهارة وجود الماء في حقها هو ~~حدث خاص بها على القول بأن الماء ينقضهما، واتفق القائلون بأن وجود الماء ~~ينقضها على أنه ينقضها قبل الشروع في الصلاة وبعد الصلاة، واختلفوا هل ~~ينقضها طروه في الصلاة؟ فذهب مالك والشافعي وداود إلى أنه لا ينقض الطهارة ~~في الصلاة وذهب أبو حنيفة وأحمد وغيرهما إلى أنه ينقض الطهارة في الصلاة ~~وهم أحفظ للأصل، لأنه ms0072 أمر غير مناسب للشرع أن يوجد شئ واحد لا ينقض الطهارة ~~في الصلاة وينقضها في غير الصلاة، وبمثل هذا شنعوا على مذهب أبي حنيفة فيما ~~يراه من أن الضحك في الصلاة ينقض الوضوء، مع أنه مستند في ذلك إلى الأثر. ~~فتأمل هذه المسألة فإنها بينة، ولا حجة في الظواهر التي يرام الاحتجاج بها ~~لهذا المذهب من قوله تعالى: * (ولا تبطلوا أعمالكم) * فإن هذا لم يبطل ~~الصلاة بإرادته، وإنما أبطلها طرو الماء كما لو أحدث. # الباب السابع: في الأشياء التي هذه الطهارة شرط في صحتها، أو في ~~استباحتها واتفق الجمهور على أن الأفعال التي هذه الطهارة شرط في صحتها هي ~~الأفعال التي الوضوء شرط في صحتها من الصلاة ومس المصحف وغير ذلك. واختلفوا ~~هل يستباح بها أكثر من صلاة واحدة فقط؟ فمشهور مذهب مالك أنه لا يستباح بها ~~صلاتان مفروضتان أبدا واختلف قوله في الصلاتين المقضيتين، والمشهور عنه أنه ~~إذا كانت إحدى الصلاتين فرضا والأخرى نفلا أنه إن قدم الفرض جمع بينهما، ~~وإن قدم النفل لم يجمع بينهما. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز الجمع بين ~~صلوات مفروضة بتيمم واحد وأصل هذا الخلاف: هو هل التيمم لكل صلاة أم لا؟ ~~إما من قبل ظاهر الآية كما تقدم، وإما من قبل وجوب تكرار الطلب، وإما من ~~كليهما. PageV01P063 # كتاب الطهارة من النجس والقول المحيط بأصول هذه الطهارة وقواعدها ينحصر ~~في ستة أبواب: الباب الأول: # في معرفة حكم هذه الطهارة: أعني في الوجوب، أو في الندب إما مطلقا، وإما ~~من جهة أنها مشترط في الصلاة. الباب الثاني: في معرفة أنواع النجاسات. ~~الباب الثالث: في معرفة المحال التي يجب إزالتها عنها. الباب الرابع: في ~~معرفة الشئ الذي به تزال. الباب الخامس: في صفة إزالتها في محل محل. الباب ~~السادس: في آداب الاحداث. # الباب الأول: في معرفة حكم هذه الطهارة والأصل في هذا الباب أما من ~~الكتاب، فقوله تعالى: * (وثيابك فطهر) * وأما من السنة. فآثار كثيرة ثابتة: ~~منها قوله عليه الصلاة والسلام: من توضأ فليستنثر، ومن ms0073 استجمر فليوتر منها: ~~أمره (ص) بغسل دم الحيض من الثوب، وأمره بصب ذنوب من ماء على بول الاعرابي ~~وقوله عليه الصلاة والسلام في صاحبي القبر: إنهما ليعذبان وما يعذبان في ~~كبير أما أحدهما، فكان لا يستنزه من البول. واتفق العلماء لمكان هذه ~~المسموعات على أن إزالة النجاسة مأمور بها في الشرع، واختلفوا هل ذلك على ~~الوجوب، أو على الندب المذكور، وهو الذي يعبر عنه بالسنة؟ فقال قوم: إن ~~إزالة النجاسات واجبة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال قوم: إزالتها سنة ~~مؤكدة وليست بفرض. وقال قوم: # هي فرض مع الذكر ساقطة مع النسيان، وكلا هذين القولين عن مالك وأصحابه. ~~وسبب اختلافهم في هذه المسألة: راجع إلى ثلاثة أشياء: أحدها: اختلافهم في ~~قوله تبارك وتعالى: * (وثيابك فطهر) * هل ذلك محمول على الحقيقة، أو محمول ~~على المجاز. # والسبب الثاني: تعارض ظواهر الآثار في وجوب ذلك. والسبب الثالث: اختلافهم ~~في الأمر والنهي الوارد لعلة معقولة المعنى، هل تلك العلة المفهومة من ذلك ~~الامر، أو النهي قرينة تنقل الامر من الوجوب إلى الندب، والنهي من الحظر ~~إلى الكراهة؟ أم ليست قرينة؟ # وأنه لا فرق في ذلك بين العبادة المعقولة وغير المعقولة؟ وإنما صار من ~~صار إلى الفرق PageV01P064 # في ذلك، لان الاحكام المعقولة المعاني في الشرع أكثرها هي من باب محاسن ~~الأخلاق ، أو من باب المصالح وهذه في الأكثر هي مندوب إليها، فمن حمل قوله ~~تعالى وثيابك فطهر) * على الثياب المحسوسة قال: الطهارة من النجاسة واجبة، ~~ومن حملها على الكناية عن طهارة القلب لم ير فيها حجة، وأما الآثار ~~المتعارضة في ذلك، فمنها حديث صاحبي القبر المشهور، وقوله فيهما (ص): إنهما ~~ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله فظاهر هذا ~~الحديث يقتضي الوجوب، لان العذاب لا يتعلق إلا بالواجب، وأما المعارض لذلك ~~فما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من: أنه رمي عليه، وهو في الصلاة سلا جزور ~~بالدم والفرث، فلم يقطع الصلاة وظاهر هذا أنه لو كانت إزالة النجاسة واجبة ~~كوجوب ms0074 الطهارة من الحدث، لقطع الصلاة، ومنها ما روي: أن النبي عليه الصلاة ~~والسلام كان في صلاة من الصلوات يصلي في نعله. فطرح نعليه، فطرح الناس ~~لطرحه نعليه، فأنكر ذلك عليهم عليه الصلاة والسلام وقال: إنما خلعتها، لان ~~جبريل أخبرني أن فيها قذرا. فظاهر هذا أنه لو كانت واجبة لما بنى على ما ~~مضى من الصلاة. فمن ذهب في هذه الآثار مذهب ترجيح الظواهر، قال: إما ~~بالوجوب إن رجح ظاهر حديث الوجوب، أو بالندب إن رجح ظاهر حديثي الندب، أعني ~~الحديثين اللذين يقتضيان أن إزالتها من باب الندب المؤكد، ومن ذهب مذهب ~~الجمع، فمنهم من قال: هي فرض مع الذكر والقدرة ساقطة مع النسيان وعدم ~~القدرة. ومنهم من قال: هي فرض مطلقا، وليست من شروط صحة الصلاة، وهي قول ~~رابع في المسألة وهو ضعيف، لأن النجاسة إنما تزال في الصلاة وكذلك من فرق ~~بين العبادة المعقولة المعنى، وبين الغير معقولة أعني أنه جعل الغير معقولة ~~آكد في باب الوجوب فرق بين الامر الوارد في الطهارة من الحدث، وبين الامر ~~الوارد في الطهارة من النجس، لأن الطهارة من النجس معلوم أن المقصود بها ~~النظافة، وذلك من محاسن الأخلاق. وأما الطهارة من الحدث فغير معقولة المعنى ~~مع ما اقترن من صلاتهم في النعال مع أنها لا تنفعك من أن يوطأ بها النجاسات ~~غالبا، وما أجمعوا عليه من العفو عن اليسير في بعض النجاسات. # الباب الثاني في معرفة أنواع النجاسات وأما أنواع النجاسات، فإن العلماء ~~اتفقوا من أعيانها على أربعة: ميتة الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي، وعلى ~~لحم الخنزير بأي سبب اتفق أن تذهب حياته، وعلى الدم نفسه من الحيوان الذي ~~ليس بمائي انفصل من الحي أو الميت إذا كان مسفوحا، أعني كثيرا، وعلى بول ~~ابن آدم ورجيعه، وأكثرهم على نجاسة الخمر، وفي ذلك خلاف عن PageV01P065 # بعض المحدثين، واختلفوا في غير ذلك، والقواعد من ذلك سبع مسائل: # المسألة الأولى: اختلفوا في ميتة الحيوان الذي لا دم له، وفي ميتة ~~الحيوان البحري، فذهب قوم ms0075 إلى أن ميتة ما لا دم له طاهرة، وكذلك ميتة ~~البحر، وهو مذهب مالك وأصحابه وذهب قوم إلى التسوية بين ميتة ذوات الدم. ~~والتي لا دم لها في النجاسة، واستثنوا من ذلك ميتة البحر، وهو مذهب ~~الشافعي، إلا ما وقع الاتفاق على أنه ليس بميتة مثل دود الخل، وما يتولد في ~~المطعومات، وسوى قوم بين ميتة البر والبحر، واستثنوا ميتة ما لا دم له، وهو ~~مذهب أبي حنيفة. وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: * (حرمت ~~عليكم الميتة) * وذلك أنهم - فيما أحسب - اتفقوا أنه من باب العام أريد به ~~الخاص، واختلفوا أي خاص أريد به، فمنهم من استثنى من ذلك ميتة البحر. وما ~~لا دم له، ومنهم من استثنى من ذلك ميتة البحر فقط، ومنهم من استثنى من ذلك ~~ميتة ما لا دم له فقط. وسبب اختلافهم في هذه المستثنيات: هو سبب اختلافهم ~~في الدليل المخصوص. أما من استثنى من ذلك ما لا دم له، فحجته مفهوم الأثر ~~الثابت عنه عليه الصلاة والسلام من أمره بمقل الذباب إذا وقع في الطعام. ~~قالوا: فهذا يدل على طهارة الذباب، وليس لذلك علة إلا أنه غير ذي دم. وأما ~~الشافعي فعذره أن هذا خاص بالذباب لقوله عليه الصلاة والسلام: فإن في إحدى ~~جناحيه داء وفي الأخرى دواء ووهن الشافعي هذا المفهوم من الحديث بأن ظاهر ~~الكتاب يقتضي أن الميتة والدم نوعان من أنواع المحرمات: أحدهما تعمل فيه ~~التذكية، وهي الميتة، وذلك في الحيوان المباح الأكل باتفاق، والدم لا تعمل ~~فيه التذكية، فحكمهما مفترق فكيف يجوز أن يجمع بينهما حتى يقال: إن الدم هو ~~سبب تحريم الميتة؟ وهذا قوي كما ترى، فإنه لو كان الدم هو السبب في تحريم ~~الميتة، لما كانت ترتفع الحرمية عن الحيوان بالذكاة، وتبقى حرمية الدم الذي ~~لم ينفصل بعد عن المذكاة، وكانت الحلية إنما توجد بعد انفصال الدم عنه، ~~لأنه إذا ارتفع السبب ارتفع المسبب الذي يقتضيه ضرورة، لأنه إن وجد السبب ~~والمسبب غير موجود، فليس هو سببا، ومثال ms0076 ذلك أنه إذا ارتفع التحريم عن عصير ~~العنب، وجب ضرورة أن يرتفع الاسكار إن كنا نعتقد أن الاسكار هو سبب ~~التحريم. وأما من استثنى من ذلك ميتة البحر، فإنه ذهب إلى الأثر الثابت في ~~ذلك من حديث جابر وفيه: أنهم أكلوا من الحوت الذي رماه البحر أياما، ~~وتزودوا منه وأنهم أخبروا بذلك رسول الله (ص)، فاستحسن فعلهم وسألهم: هل ~~بقي منه شئ؟ وهو دليل على أنه لم يجوز لهم لمكان ضرورة خروج الزاد عنهم. ~~واحتجوا أيضا بقوله عليه الصلاة والسلام: هو PageV01P066 # الطهور ماؤه الحل ميتته. وأما أبو حنيفة فرجح عموم الآية على هذا الأثر، ~~إما لان الآية مقطوع بها، والأثر مظنون، وإما لأنه رأى أن ذلك رخصة لهم - ~~أعني حديث جابر أو لأنه احتمل عنده أن يكون الحوت مات بسبب، وهو رمي البحر ~~به إلى الساحل، لان الميتة هو ما مات من تلقاء نفسه من غير سبب خارج ~~ولاختلافهم في هذا أيضا سبب آخر، وهو احتمال عودة الضمير في قوله تعالى: * ~~(وطعامه متاعا لكم وللسيارة) * أعني أن يعود على البحر، أو على الصيد نفسه، ~~فمن أعاده على البحر، قال طعامه هو الطافي، ومن أعاده على الصيد، قال هو ~~الذي أحل فقط من صيد البحر، مع أن الكوفيين أيضا تمسكوا في ذلك بأثر ورد ~~فيه تحريم الطافي من السمك، وهو عندهم ضعيف. # المسألة الثانية: وكما اختلفوا في أنواع الميتات كذلك اختلفوا في أجزاء ~~ما اتفقوا عليه أنه ميتة، وذلك أنهم اتفقوا على أن اللحم من أجزاء الميتة ~~ميتة. واختلفوا في العظام والشعر، فذهب الشافعي إلى أن العظم والشعر ميتة، ~~وذهب أبو حنيفة إلى أنهما ليسا بميتة، وذهب مالك للفرق بين الشعر والعظم ~~فقال: إن العظم ميتة وليس الشعر ميتة. # وسبب اختلافهم: هو اختلافهم فيما ينطلق عليه اسم الحياة من أفعال ~~الأعضاء. فمن رأى أن النمو والتغذي هو من أفعال الحياة قال: إن الشعر ~~والعظام إذا فقدت النمو والتغذي فهي ميتة. ومن رأى أنه لا ينطلق اسم الحياة ~~إلا على الحس قال: ms0077 إن الشعر والعظام ليست بميتة، لأنها لا حس لها. ومن فرق ~~بينهما أوجب للعظام الحس، ولم يوجب للشعر. وفي حس العظام اختلاف، والامر ~~مختلف فيه بين الأطباء. ومما يدل على أن التغذي، والنمو ليسا هما الحياة ~~التي يطلق على عدمها اسم الميتة أن الجميع قد اتفقوا على أن ما قطع من ~~البهيمة وهي حية أنه ميتة لورود ذلك في الحديث وهو قوله عليه الصلاة ~~والسلام: ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة. واتفقوا على أن الشعر إذا ~~قطع من الحي أنه طاهر، ولو انطلق اسم الميتة على من فقد التغذي، والنمو ~~لقيل في النبات المقلوع إنه ميتة، وذلك أن النبات فيه التغذي الموت هو ~~التغذي الموجود في الحساس. # المسألة الثالثة: اختلفوا في الانتفاع بجلود الميتة، فذهب قوم إلى ~~الانتفاع بجلودها مطلقا. دبغت أو لم تدبغ، وذهب قوم إلى خلاف هذا، وهو ألا ~~ينتفع به أصلا، وإن دبغت وذهب قوم إلى الفرق بين أن تدبغ، وألا تدبغ، ورأوا ~~أن الدباغ مطهر لها، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وعن مالك في ذلك روايتان: ~~إحداهما: # مثل قول الشافعي. والثانية: أن الدباغ لا يطهرها. ولكن تستعمل في ~~اليابسات. PageV01P067 # والذين ذهبوا إلى أن الدباغ مطهر اتفقوا على أنه مطهر لما تعمل فيه ~~الذكاة من الحيوان: أعني المباح الأكل، واختلفوا فيما لا تعمل فيه الذكاة، ~~فذهب الشافعي إلى أنه مطهر لما تعمل فيه الذكاة فقط وأنه بدل منها في إفادة ~~الطهارة، وذهب أبو حنيفة إلى تأثير الدباغ في جميع ميتات الحيوان ما عدا ~~الخنزير وقال داود تطهر حتى جلد الخنزير. وسبب اختلافهم: تعارض الآثار في ~~ذلك، وذلك أنه ورد في حديث ميمونة إباحة الانتفاع بها مطلقا، وذلك أن فيه ~~أنه مر بميتة، فقال عليه الصلاة والسلام: # هلا انتفعتم بجلدها؟ وفي حديث ابن عكيم منع الانتفاع بها مطلقا وذلك أن ~~فيه: # أن رسول الله (ص) كتب ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب قال: وذلك ~~قبل موته بعام. بعد الدباغ، والمنع قبل الدباغ. والثابت في هذا ms0078 الباب هو ~~حديث ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا دبغ الإهاب فقد طهر. ~~فلمكان اختلاف هذه الآثار اختلف الناس في تأويلها، فذهب قوم مذهب الجمع على ~~حديث ابن عباس، أعني أنهم فرقوا في الانتفاع بها بين المدبوغ وغير المدبوغ. ~~وذهب قوم مذهب النسخ، فأخذوا بحديث ابن عكيم لقوله فيه: قبل موته بعام. ~~وذهب قوم مذهب الترجيح لحديث ميمونة، ورأوا أنه يتضمن زيادة على ما في حديث ~~ابن عباس، وأن تحريم الانتفاع ليس يخرج من حديث ابن عباس قبل الدباغ، لان ~~الانتفاع غير الطهارة، أعني كل طاهر ينتفع به، وليس يلزم عكس هذا المعنى: # أعني أن كل ما ينتفع به هو طاهر. # المسألة الرابعة: اتفق العلماء على أن دم الحيوان البري نجس، واختلفوا في ~~دم السمك وكذلك اختلفوا في الدم القليل من دم الحيوان غير البحري، فقال ~~قوم: دم السمك طاهر، وهو أحد قولي مالك، ومذهب الشافعي وقال قوم: هو نجس ~~على أصل الدماء، وهو قول مالك في المدونة وكذلك قال قوم: إن قليل الدماء ~~معفو عنه. وقال قوم: بل القليل منها والكثير حكمه واحد، والأول عليه ~~الجمهور. والسبب في اختلافهم: # في دم السمك هو اختلافهم في ميتته، فمن جعل ميتته داخلة تحت عموم ~~التحريم، جعل دمه كذلك، ومن أخرج ميتته، أخرج دمه قياسا على الميتة. وفي ~~ذلك أثر ضعيف، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: أحلت لنا ميتتان، ودمان: ~~الجراد، والحوت، والكبد والطحال. # وأما اختلافهم في كثير الدم وقليله، فسببه اختلافهم في القضاء بالمقيد ~~على المطلق، أو بالمطلق على المقيد، وذلك أنه ورد تحريم الدم مطلقا في قوله ~~تعالى: * (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) * وورد مقيدا في قوله ~~تعالى: * (قل لا أجد فيما أوحي إلي PageV01P068 # محرما) * إلى قوله: * (أو دما مسفوحا أو لحم خنزير) *. فمن قضى بالمقيد ~~على المطلق، وهم الجمهور قال: المسفوح هو النجس المحرم فقط، ومن قضى ~~بالمطلق على المقيد، لان فيه زيادة قال: المسفوح وهو الكثير وغير المسفوح، ~~وهو القليل كل ذلك حرام، وأيد هذا ms0079 بأن كل ما هو نجس لعينه، فلا يتبعض. # المسألة الخامسة: اتفق العلماء على نجاسة بول ابن آدم، ورجيعه إلا بول ~~الصبي الرضيع واختلفوا فيما سواه من الحيوان، فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى ~~أنها كلها نجسة وذهب قوم إلى طهارتها بإطلاق، أعني فضلتي سائر الحيوان ~~البول والرجيع وقال قوم: أبوالها، وأرواثها تابعة للحومها، فما كان منها ~~لحومها محرمة فأبوالها وأرواثها نجسة محرمة، وما كان منها لحومها مأكولة ~~فأبوالها وأرواثها طاهرة ما عدا التي تأكل النجاسة، وما كان منها مكروها، ~~فأبوالها وأرواثها مكروهة، وبهذا قال مالك كما قال أبو حنيفة بذلك في ~~الأسئار. وسبب اختلافهم شيئان: أحدهما: اختلافهم في مفهوم الإباحة الواردة ~~في الصلاة في مرابض الغنم، وإباحته عليه الصلاة والسلام للعرنيين شرب أبوال ~~الإبل وألبانها وفي مفهوم النهي عن الصلاة في أعطان الإبل. والسبب الثاني: ~~اختلافهم في قياس سائر الحيوان في ذلك على الانسان فمن قاس سائر الحيوان ~~على الانسان، ورأي أنه من باب قياس الأولى والأخرى، ولم يفهم من إباحة ~~الصلاة في مرابض الغنم طهارة أرواثها وأبوالها، جعل ذلك عبادة، ومن فهم من ~~للعرنيين أبوال الإبل لمكان المداواة على أصله في إجازة ذلك قال: كل رجيع ~~وبول فهو نجس، ومن فهم من حديث إباحة الصلاة في مرابض الغنم طهارة أرواثها، ~~وأبوالها وكذلك من حديث العرنيين، وجعل النهي عن الصلاة في أعطان الإبل ~~عبادة، أو لمعنى غير معنى النجاسة، وكان الفرق عنده بين الانسان وبهيمة ~~الانعام أن فضلتي الانسان مستقذرة بالطبع، وفضلتي بهيمة الأنعام ليست كذلك، ~~جعل الفضلات تابعة للحوم. والله أعلم. ومن قاس على بهيمة الأنعام غيرها جعل ~~الفضلات كلها ما عدا فضلتي الانسان غير نجسة، ولا محرمة، والمسألة محتملة. ~~ولولا أنه لا يجوز إحداث قول لم يتقدم إليه أحد في المشهور - وإن كانت ~~مسألة فيها خلاف - لقيل إن ما ينتن منها، ويستقذر بخلاف ما لا ينتن، ولا ~~يستقذر، وبخاصة ما كان منها رائحته حسنة لاتفاقهم على إباحة العنبر، وهو ~~عند أكثر الناس فضلة من فضلات حيوان البحر، وكذلك المسك، ms0080 وهو فضلة دم ~~الحيوان الذي يوجد المسك فيه فيما يذكر. # المسألة السادسة: اختلف الناس في قليل النجاسات على ثلاثة أقوال: فقوم ~~رأوا قليلها وكثيرها سواء، وممن قال بهذا القول الشافعي. وقوم رأوا أن قليل ~~النجاسات معفو PageV01P069 # عنه، وحددوه بقدر الدرهم البغلي، وممن قال بهذا القول أبو حنيفة وشذ محمد ~~بن الحسن فقال: إن كانت النجاسة ربع الثوب فما دونه، جازت به الصلاة. وقال ~~فريق ثالث: قليل النجاسات وكثيرها سواء إلا الدم على ما تقدم، وهو مذهب ~~مالك وعنه في دم الحيض روايتان، والأشهر مساواته لسائر الدماء. وسبب ~~اختلافهم: اختلافهم في قياس النجاسة على الرخصة الواردة في الاستجمار، ~~للعلم بأن النجاسة هناك باقية، فمن أجاز القياس على ذلك استجاز قليل ~~النجاسة، ولذلك حدده بالدرهم قياسا على قدر المخرج، ومن رأى أن تلك رخصة، ~~والرخص لا يقاس عليها منع ذلك. وأما سبب استثناء مالك من ذلك الدماء فقد ~~تقدم. وتفصيل مذهب أبي حنيفة أن النجاسات عنده تنقسم إلى مغلظة، ومخففة، ~~وأن المغلظة هي التي يعفى منها عن قدر الدرهم، والمخففة هي التي يعفى منها ~~عن ربع الثوب والمخففة عندهم (هي) مثل أرواث الدواب، وما لا تنفك منه الطرق ~~غالبا. وتقسيمهم إياها إلى مغلظة، ومخففة حسن جدا المسألة السابعة: اختلفوا ~~في المني هل هو نجس أم لا؟، فذهبت طائفة منهم مالك وأبو حنيفة إلى أنه نجس ~~وذهبت طائفة إلى أنه طاهر، وبهذا قال الشافعي وأحمد وداود. وسبب اختلافهم ~~فيه شيئان: أحدهما: اضطراب الرواية في حديث عائشة وذلك أن في بعضها: كنت ~~أغسل ثوب رسول الله (ص) من المني فيخرج إلى الصلاة، وإن فيه لبقع الماء وفي ~~بعضها: كنت أفركه من ثوب رسول الله (ص) وفي بعضها فيصلي فيه خرج هذه ~~الزيادة مسلم. والسبب الثاني: # تردد المني بين أن يشبه بالاحداث الخارجة من البدن، وبين أن يشبه بخروج ~~الفضلات الطاهرة كاللبن وغيره، فمن جمع الأحاديث كلها بأن حمل الغسل على ~~باب النظافة، واستدل من الفرك على الطهارة على أصله في أن الفرك لا يطهر ms0081 ~~نجاسة، وقاسه على اللبن وغيره من الفضلات الشريفة، لم يره نجسا، ومن رجح ~~حديث الغسل على الفرك، وفهم منه النجاسة، وكان بالاحداث عنده أشبه منه مما ~~ليس بحدث قال: إنه نجس، وكذلك أيضا من اعتقد أن النجاسة تزول بالفرك، قال: ~~الفرك يدل على نجاسته، كما يدل الغسل، وهو مذهب أبي حنيفة. وعلى هذا، فلا ~~حجة لأولئك في قولها: فيصلي فيه، بل فيه حجة لأبي حنيفة في أن النجاسة تزال ~~بغير الماء، وهو خلاف قول المالكية. # الباب الثالث: في معرفة المحال التي يجب إزالتها عنها وأما المحال التي ~~تزال عنها النجاسات فثلاثة، ولا خلاف في ذلك: أحدها: الأبدان، ثم الثياب، ~~ثم المساجد، ومواضع الصلاة، وإنما اتفق العلماء على هذه الثلاثة لأنها ~~منطوق بها في الكتاب والسنة. أما الثياب ففي قوله تعالى وثيابك فطهر على ~~مذهب من حملها PageV01P070 # على الحقيقة، وفي الثابت من أمره عليه الصلاة والسلام بغسل الثوب من دم ~~الحيض وصبه الماء على بول الصبي الذي بال عليه وأما المساجد، فلأمره عليه ~~الصلاة والسلام بصب ذنوب من ماء على بول الاعرابي الذي بال في المسجد وكذلك ~~ثبت عنه عليه الصلاة والسلام: أنه أمر بغسل المذي من البدن وغسل النجاسات ~~من المخرجين. واختلف الفقهاء: # هل يغسل الذكر كله من المذي أم لا؟ لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ~~علي المشهور، وقد سئل عن المذي، فقال: يغسل ذكره، ويتوضأ. وسبب الخلاف فيه: ~~هل هو الواجب هو الاخذ بأوائل الأسماء، أو بأواخرها؟ فمن رأى أنه بأواخرها: ~~أعني بأكثر ما ينطلق عليه الاسم، قال: بغسل الذكر كله، ومن رأى الاخذ بأقل ~~ما ينطلق عليه، قال: إنما يغسل موضع الأذى فقط. قياسا على البول، والمذي. # الباب الرابع في الشئ الذي تزال به وأما الشئ الذي به تزال، فإن المسلمين ~~اتفقوا على أن الماء الطاهر المطهر يزيلها من هذه الثلاثة المحال، واتفقوا ~~أيضا على أن الحجارة تزيلها من المخرجين، واختلفوا فيما سوى ذلك من ~~المائعات والجامدات التي تزيلها فذهب قوم إلى أن ما كان طاهرا يزيل ms0082 عين ~~النجاسة مائعا كان، أو جامدا في أي موضع كانت، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه ~~وقال قوم: لا تزال النجاسة بما سوى الماء إلا في الاستجمار فقط المتفق ~~عليه، وبه قال مالك والشافعي واختلفوا أيضا في إزالتها في الاستجمار بالعظم ~~والروث فمنع ذلك قوم، أجازه بغير ذلك مما ينقي واستثنى مالك من ذلك ما هو ~~مطعوم ذو حرمة كالخبز وقد قيل ذلك فيما في استعماله سرف كالذهب والياقوت. ~~وقوم قصروا الانقاء على الأحجار فقط، وهو مذهب أهل الظاهر وقوم أجازوا ~~الاستنجاء بالعظم دون الروث، وإن كان مكروها عندهم. وشذ الطبري، فأجاز ~~الاستجمار بكل طاهر، ونجس. وسبب اختلافهم: # في إزالة النجاسة بما عدا الماء فيما عدا المخرجين هو هل المقصود بإزالة ~~النجاسة بالماء هو إتلاف عينها فقط، فيستوي في ذلك مع الماء كل ما يتلف ~~عينها؟ أم للماء في ذلك مزيد خصوص ليس بغير الماء؟ فمن لم يظهر عنده للماء ~~مزيد خصوص، قال بإزالتها بسائر المائعات والجامدات الطاهرة، وأيد هذا ~~المفهوم بالاتفاق على إزالتها من المخرجين بغير الماء، وبما ورد من حديث أم ~~سلمة أنها قالت: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر، فقال لها ~~رسول الله (ص): يطهره ما بعده. وكذلك بالآثار التي خرجها أبو داود في هذا ~~مثل قوله عليه الصلاة والسلام: إذا وطئ أحدكم الأذى بنعليه، فإن التراب له ~~طهور إلى غير ذلك مما روي في هذا المعنى. ومن رأى أن الماء في ذلك مزيد ~~خصوص منع ذلك إلا في موضع الرخصة فقط، وهو المخرجان. ولما طالبت الحنفية ~~الشافعية بذلك الخصوص المزيد الذي للماء لجأوا في ذلك إلى أنها عبادة، إذ ~~لم يقدروا أن يعطوا في PageV01P071 # ذلك سببا معقولا، حتى أنهم سلموا أن الماء، لا يزيل النجاسة بمعنى معقول، ~~وإنما إزالته بمعنى شرعي حكمي، وطال الخطب، والجدل بينهم: هل إزالة النجاسة ~~بالماء عبادة، أو معنى معقول خلفا عن سلف؟ واضطرت الشافعية إلى أن تثبت أن ~~في الماء قوة شرعية في رفع أحكام النجاسات، ليست في غيره، وإن ms0083 استوى مع ~~سائر الأشياء في إزالة العين، وأن المقصود إنما هو إزالة ذلك الحكم الذي ~~اختص به الماء، لاذهاب عين النجاسة، بل قد يذهب العين ويبقى الحكم، فباعدوا ~~المقصد، وقد كانوا اتفقوا قبل مع الحنفيين أن طهارة النجاسة، ليست طهارة ~~حكمية أعني شرعية، ولذلك لم تحتج إلى نية، ولو راموا الانفصال عنهم بأنا ~~نرى أن للماء قوة إحالة للأنجاس والأدناس، وقلعها من الثياب، والأبدان ليست ~~لغيره، ولذلك اعتمده الناس في تنظيف الأبدان والثياب، لكان قولا جيدا، ~~وغيره بعيد بل لعله واجب أن يعتقد أن الشرع إنما اعتمد في كل موضع غسل ~~النجاسة بالماء لهذه الخاصية التي في الماء، ولو كانوا قالوا هذا لكانوا قد ~~قالوا في ذلك قولا هو أدخل في المذهب الفقه الجاري على المعاني، وإنما يلجأ ~~الفقيه إلى أن يقول عبادة إذا ضاق عليه المسلك مع الخصم، فتأمل ذلك، فإنه ~~بين من أمرهم في أكثر المواضع. وأما اختلافهم في الروث فسببه اختلافهم في ~~المفهوم من النهي الوارد في ذلك عنه عليه الصلاة والسلام، أعني أمره عليه ~~الصلاة والسلام: أن لا يستنجى بعظم، ولا روث فمن دل عنده النهي على الفساد، ~~لم يجز ذلك، ومن لم ير ذلك إذ كانت النجاسة معنى معقولا، حمل ذلك على ~~الكراهية، ولم يعده إلى إبطال الاستنجاء بذلك، ومن فرق بين العظام، والروث ~~فلان الروث نجس عنده. # الباب الخامس: في صفة إزالتها وأما الصفة التي تزول فاتفق العلماء على ~~أنها غسل ومسح ونضح لورود ذلك في الشرع وثبوته في الآثار، واتفقوا على أت ~~الغسل عام لجميع أنواع النجاسات ولجميع محال النجاسات، وأن المسح بالأحجار ~~يجوز في المخرجين ويجوز في الخفين وفي النعلين من العشب اليابس، وكذلك ذيل ~~المرأة الطويل اتفقوا على أن طهارته هي على ظاهر حديث أم سلمة من العشب ~~اليابس وكذلك ذيل المرأة الطويل اتفقوا على أن طهارته هي على ظاهر حديث أم ~~سلمة من العشب اليابس، واختلفوا من ذلك في ثلاثة مواضع هي أصول هذا الباب: ~~أحدها: في النضح لأي نجاسة ms0084 هو. والثاني: في المسح لأي محل هو، ولأي نجاسة ~~هو، بعد أن اتفقوا على ما ذكرناه. والثالث: اشتراط العدد في الغسل والمسح. ~~أما النضح، فإن قوما قالوا: # هذا خاص بإزالة بول الطفل الذي لم يأكل الطعام وقوم فرقوا بين بول الذكر ~~في ذلك والأنثى، فقالوا: ينضح بول الذكر ويغسل بول الأنثى وقوم قالوا: ~~الغسل طهارة ما يتيقن بنجاسته، والنضح طهارة ما شك فيه، وهو مذهب مالك بن ~~أنس رضي الله عنه. وسبب اختلافهم: تعارض ظواهر الأحاديث في ذلك أعني ~~اختلافهم في مفهومها وذلك أن هاهنا حديثين ثابتين في النضح: أحدهما: حديث ~~عائشة: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ~~ويحنكهم، فأتي بصبي، فبال عليه، فدعا بماء، فأتبعه بوله، ولم يغسله ~~PageV01P072 # وفي بعض رواياته: فنضحه ولم يغسله خرجه البخاري، والاخر حديث أنس المشهور ~~حين وصف صلاة رسول الله (ص) في بيته قال: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ~~ما لبث، فنضحته بالماء. فمن الناس من صار إلى العمل بمقتضى حديث عائشة، ~~وقال: هذا خاص ببول الصبي، واستثناه من سائر البول. ومن الناس من رجح ~~الآثار الواردة في الغسل على هذا الحديث، وهو مذهب مالك، ولم ير النضح إلا ~~الذي في حديث أنس، وهو الثوب المشكوك فيه على ظاهر مفهومه. وأما الذي فرق ~~في ذلك بين بول الذكر والأنثى، فإنه اعتمد على ما رواه أبو داود عن أبي ~~السمح من قوله عليه الصلاة والسلام: يغسل بول الجارية ويرش بول الصبي وأما ~~من لم يفرق، فإنما اعتمد قياس الأنثى على الذكر الذي ورد فيه الحديث ~~الثابت. وأما المسح فإن قوما أجازوه في أي محل كانت النجاسة إذا ذهب عينها ~~على مذهب أبي حنيفة وكذلك الفرك على قياس من يرى أن كل ما أزال العين، فقد ~~طهر، وقوم لم يجيزوه إلا في المتفق عليه، وهو المخرج، وفي ذيل المرأة، وفي ~~الخف، وذلك من العشب اليابس، لا من الأذى غير اليابس، وهو مذهب مالك وهؤلاء ~~لم يعدوا المسح إلى غير ms0085 المواضع التي جاءت في الشرع، وأما الفريق الاخر، ~~فإنهم عدوه. # والسبب في اختلافهم في ذلك: هل ما ورد من ذلك رخصة، أو حكم؟ فمن قال: ~~رخصة لم يعدها إلى غيرها: أعني لم يقس عليها، ومن قال: هو حكم من أحكام ~~إزالة النجاسة كحكم الغسل، عداه. فإن قوما اشترطوا الانقاء فقط في الغسل ~~والمسح، وقوم اشترطوا العدد في الاستجمار، وفي الغسل، والذين اشترطوه في ~~الغسل منهم من اقتصر على المحل الذي ورد فيه العدد في الغسل بطريق السمع، ~~ومنهم من عداه إلى سائر النجاسات، أما من لم يشترط العدد لا في غسل، ولا في ~~مسح، فمنهم مالك، وأبو حنيفة. # وأما من اشترط في الاستجمار العدد: أعني ثلاثة أحجار، لا أقل من ذلك، ~~فمنهم الشافعي، وأهل الظاهر وأما من اشترط العدد في الغسل، واقتصر به على ~~محله الذي ورد فيه، وهو غسل الإناء سبعا من ولوغ الكلب، فالشافعي، ومن قال ~~بقوله. وأما من عداه، واشترط السبع في غسل النجاسات، ففي أغلب ظني أن أحمد ~~بن حنبل منهم. وأبو حنيفة يشترط الثلاثة في إزالة النجاسة الغير محسوسة ~~العين أعني الحكمية. وسبب اختلافهم في هذا: تعارض المفهوم من هذه العبادة ~~لظاهر اللفظ في الأحاديث التي ذكر فيها العدد، وذلك أن من كان المفهوم عنده ~~من الامر بإزالة النجاسة إزالة عينها، لم يشترط العدد أصلا، وجعل العدد ~~الوارد من ذلك في الاستجمار في حديث سلمان الثابت الذي فيه الامر أن لا ~~يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار على سبيل الاستحباب، حتى يجمع بين المفهوم من ~~الشرع، والمسموع من هذه الأحاديث، وجعل العدد المشترط في غسل الإناء من ~~ولوغ الكلب عبادة، لا لنجاسة كما تقدم من مذهب مالك. وأما من صار إلى ظواهر ~~هذه الآثار، واستثناها من المفهوم، فاقتصر PageV01P073 # بالعدد على هذه المحال التي ورد العدد فيها. وأما من رجح الظاهر على ~~المفهوم، فإنه عدى ذلك إلى سائر النجاسات. وأما حجة أبي حنيفة في الثلاثة، ~~فقوله عليه الصلاة والسلام: # إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده ثلاث ms0086 قبل أن يدخلها في إنائه الباب ~~السادس في آداب الاستنجاء وأما آداب الاستنجاء ودخول الخلاء، فأكثرها ~~محمولة عند الفقهاء على الندب، وهي معلومة من السنة، كالبعد في المذهب إذا ~~أراد الحاجة، وترك الكلام عليها، والنهي عن الاستنجاء باليمين، وألا يمس ~~ذكره بيمينه، وغير ذلك مما ورد في الآثار، وإنما اختلفوا من ذلك في مسألة ~~واحدة مشهورة، وهي استقبال القبلة للغائط والبول، واستدبارها ، فإن للعلماء ~~فيها ثلاثة أقوال: إنه لا يجوز أن تستقبل القبلة لغائط، ولا بول أصلا، ولا ~~في موضع من المواضع وقول: إن ذلك يجوز بإطلاق. وقول إنه يجوز في المباني، ~~والمدن، ولا يجوز ذلك في الصحراء، وفي غير المباني والمدن. والسبب في ~~اختلافهم هذا: حديثان متعارضان ثابتان: أحدهما: حديث أبي أيوب الأنصاري أنه ~~قال عليه الصلاة والسلام: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا ~~تستدبروها، ولكن شرقوا، أو غربوا. الحديث الثاني حديث عبد الله بن عمر أنه ~~قال ارتقيت على ظهر بيت أختي حفصة، فرأيت رسول الله (ص) قاعدا لحاجته على ~~لبنتين مستقبل الشام مستدبر القبلة. فذهب الناس في هذين الحديثين ثلاثة ~~مذاهب. # أحدها: مذهب الجمع. والثاني: مذهب الترجيح. والثالث: مذهب الرجوع إلى ~~البراءة الأصلية إذا وقع التعارض، وأعني بالبراءة الأصلية عدم الحكم. فمن ~~ذهب مذهب الجمع حمل حديث أبي أيوب الأنصاري على الصحارى، وحيث لا سترة، ~~وحمل حديث ابن عمر على السترة، وهو مذهب مالك. ومن ذهب مذهب الترجيح، رجح ~~حديث أبي أيوب، لأنه إذا تعارض حديثان: أحدهما فيه شرع موضوع، والاخر موافق ~~للأصل الذي هو عدم الحكم، ولم يعلم المتقدم منهما من المتأخر، وجب أن يصار ~~إلى الحديث المثبت للشرع لأنه وقد وجب العمل بنقله من طريق العدول، وتركه ~~الذي ورد أيضا من طريق العدول، يمكن أن يكون ذلك قبل شرع ذلك الحكم، ويمكن ~~أن يكون بعده، فلم يجز أن نترك شرعا وجب العمل به بظن من لم نؤمر أن نوجب ~~النسخ به، إلا لو نقل أنه كان بعده فإن الظنون التي تستند إليها الاحكام ~~محدودة ms0087 بالشرع: أعني التي توجب رفعها، أو إيجابها، وليست هي أي ظن اتفق، ~~ولذلك يقولون إن العمل ما لم يجب بالظن، وإنما وجب بالأصل المقطوع به ، ~~يريدون بذلك الشرع المقطوع به الذي أوجب العمل بذلك النوع من الظن، وهذه ~~الطريقة التي قلنا ها هي طريقة أبي محمد بن حزم الأندلسي، وهي طريقة جيدة ~~مبنية على أصول أهل الكلام الفقهي، وهو راجع إلى أنه لا يرفع بالشك ما ثبت ~~بالدليل الشرعي. وأما من ذهب مذهب الرجوع إلى الأصل عند التعارض، فهو مبني ~~على أن الشك يسقط الحكم، PageV01P074 # ويرفعه، وأنه كلا حكم، وهو مذهب داود الظاهري، ولكن خالفه أبو محمد بن ~~حزم في هذا الأصل، مع أنه من أصحابه. قال القاضي: فهذا هو الذي رأينا أن ~~نثبته في هذا الكتاب من المسائل التي ظننا أنها تجري مجرى الأصول، وهي التي ~~نطق بها في الشرع أكثر ذلك، أعني أن أكثرها يتعلق بالمنطوق به، إما تعلقا ~~قريبا، أو قريبا من القريب، وإن تذكرنا لشئ من هذا الجنس أثبتناه في هذا ~~الباب، وأكثر ما عولت فيما نقلته من نسبة هذه المذاهب إلى أربابها هو كتاب ~~الاستذكار. وأنا قد أبحت لمن وقع من ذلك على وهم لي أن يصلحه. # والله المعين والموفق. PageV01P075 # كتاب الصلاة (بسم الله الرحمن الرحيم) وصلى الله على سيدنا محمد واله ~~وصحبه وسلم تسليما. # الصلاة تنقسم أولا وبالجملة إلى فرض، وندب: والقول المحيط بأصول هذه ~~العبادة ينحصر بالجملة في أربعة أجناس: أعني أر بجمل: الجملة الأولى: في ~~معرفة الوجوب وما يتعلق به. والجملة الثانية: في معرفة شروطها الثلاث: أعني ~~شروط الوجوب وشروط الصحة وشروط التمام والكمال. والجملة الثالثة: في معرفة ~~ما تشتمل عليه من أفعال وأقوال، وهي الأركان. والجملة الرابعة: في قضائها، ~~ومعرفة إصلاح ما يقع فيها من الخلل، وجبره، لأنه قضاء ما إذا كان استدراكا ~~لما فات. # الجملة الأولى وهذه الجملة فيها أربع مسائل، هي في معنى أصول هذا الباب: # المسألة الأولى: في بيان وجوبها. الثانية: في بيان عدد الواجبات منها. ~~الثالثة: في ms0088 بيان على من تجب. الرابعة: ما الواجب على من تركها متعمدا؟ # المسألة الأولى: أما وجوبها، فبين من الكتاب والسنة والاجماع، وشهرة ذلك ~~تغني عن تكلف القول فيه. # المسألة الثانية: وأما عدد الواجب منها ففيه قولان: أحدهما قول مالك ~~والشافعي والأكثر، وهو أن الواجب هي الخمس صلوات فقط لا غير. والثاني: قول ~~أبي حنيفة وأصحابه، وهو أن الوتر واجب مع الخمس واختلافهم هل يسمى ما ثبت ~~بالسنة واجبا، أو فرضا لا معنى له. وسبب اختلافهم الأحاديث المتعارضة. أما ~~الأحاديث التي مفهومها وجوب الخمس فقط، بل هي نص في ذلك فمشهورة، وثابتة، ~~ومن أبينها في ذلك ما ورد في حديث الاسراء المشهور: أنه لما بلغ الفرض إلى ~~خمس. قال له موسى: ارجع إلى ربك. # فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فراجعته فقال تعالى: هي خمس، وهي خمسون لا ~~يبدل القول لدي وحديث الاعرابي المشهور الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الاسلام، فقال له: خمس صلوات في اليوم والليلة قال: هل علي غيرها؟ قال: ~~لا، إلا أن تطوع. # وأما الأحاديث التي مفهومها وجوب الوتر، فمنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده أن PageV01P076 # رسول الله (ص) قال: إن الله قد زادكم صلاة، وهي الوتر فحافظوا عليها ~~وحديث حارثة بن حذافة قال: خرج علينا رسول الله (ص)، فقال: إن الله أمركم ~~بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، وجعلها لكم فيما بين صلاة ~~العشاء إلى طلوع الفجر وحديث بريدة الأسلمي أن رسول الله (ص) قال: الوتر ~~حق، فمن لم يؤثر فليس منا فمن رأى أن الزيادة هي نسخ ولم تقو عنده هذه ~~الأحاديث قوة تبلغ بها أن تكون ناسخة لتلك الأحاديث الثابتة المشهورة رجح ~~تلك الأحاديث، وأيضا فإنه ثبت من قوله تعالى في حديث الاسراء إنه لا يبدل ~~القول لدي وظاهره أنه لا يزاد فيها ولا ينقص منها وإن كان هو في النقصان ~~أظهر، والخبر ليس يدخله النسخ. ومن بلغت عنده قوة هذه الأخبار التي اقتضت ~~الزيادة على الخمس ms0089 إلى رتبة توجب العمل، أوجب المصير إلى هذه الزيادة، لا ~~سيما إن كان ممن يرى أن الزيادة لا توجب نسخا، لكن ليس هذا من رأي أبي ~~حنيفة. # المسألة الثالثة: وأما على من تجب، فعلى المسلم البالغ، ولا خلاف في ذلك. # المسألة الرابعة: وأما ما الواجب على من تركها عمدا، وأمر بها فأبى أن ~~يصليها، لا جحودا لفرضها، فإن قوما قالوا: يقتل، وقوما قالوا: يعزر، ويحبس، ~~والذين قالوا: يقتل منهم من أوجب قتله كفرا وهو مذهب أحمد وإسحاق وابن ~~المبارك، ومنهم من أوجبه حدا وهو مالك والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابه وأهل ~~الظاهر ممن رأى حبسه وتعزيره حتى يصلي. # والسبب في هذا الاختلاف: اختلاف الآثار. وذلك أنه ثبت عنه عليه الصلاة ~~والسلام أنه قال: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو ~~زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس. وروي عنه عليه الصلاة والسلام من حديث ~~بريدة أنه قال: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها، فقد كفر وحديث ~~جابر عن النبي (ص) أنه قال: ليس بين العبد، وبين الكفر أو قال الشرك إلا ~~ترك الصلاة. فمن فهم من الكفر هاهنا الكفر الحقيقي جعل هذا الحديث كأنه ~~تفسير لقوله عليه الصلاة والسلام كفر بعد إيمان ومن فهم هاهنا التغليظ ~~والتوبيخ أي أن أفعاله أفعال كافر، وأنه في صورة كافر، كما قال: لا يزني ~~الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن لم ير قتله ~~كفرا. # وأما من قال: يقتل حدا، فضعيف ولا مستند له، إلا قياس شبه ضعيف إن أمكن، ~~وهو تشبيه الصلاة بالقتل في كون الصلاة رأس المأمورات، والقتل رأس ~~المنهيات. وعلى الجملة، فاسم الكفر إنما يطلق بالحقيقة على التكذيب، وتارك ~~الصلاة معلوم أنه ليس بمكذب إلا أن يتركها معتقدا لتركها هكذا، فنحن إذن ~~بين أحد أمرين: إما إن أردنا أن نفهم من الحديث الكفر الحقيقي، فيجب علينا ~~أن نتأول أنه أراد عليه الصلاة والسلام من ترك الصلاة معتقدا لتركها، فقد ~~كفر. ms0090 وإما أن يحمل على أن اسم الكفر على غير موضوعه الأول، وذلك على أحد ~~معنيين: إما على أن حكمه حكم الكافر: أعني في القتل، وسائر أحكام الكفار، ~~وإن PageV01P077 # لم يكن مكذبا وإما على أن أفعاله أفعال كافر على جهة التغليظ، والردع له ~~أي أن فاعل هذا يشبه الكافر في الأفعال، إذ كان الكافر لا يصلي كما قال ~~عليه الصلاة والسلام: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وحمله على أن حكمه ~~حكم الكافر في أحكامه، لا يجب المصير إليه إلا بدليل، لأنه حكم لم يثبت بعد ~~في الشرع من طريق يجب المصير إليه، فقد يجب إذا لم يدل عندنا على الكفر ~~الحقيقي الذي هو التكذيب أن يدل على المعنى المجازي، لا على معنى يوجب حكما ~~لم يثبت بعد في الشرع، بل يثبت ضده، الذين نص عليهم الشرع، فتأمل هذا، فإنه ~~بين والله أعلم: # أعني أنه يجب علينا أحد أمرين: إما أن نقدر في الكلام محذوفا إن أردنا ~~حمله على المعنى الشرعي المفهوم من اسم الكفر، وإما أن نحمله على المعنى ~~المستعار، وأما حمله على أن حكمه حكم الكافر في جميع أحكامه مع أنه مؤمن، ~~فشئ مفارق للأصول، مع أن الحديث نص في حق من يجب قتله كفرا، أو حدا، ولذلك ~~صار هذا القول مضاهيا لقول من يكفر بالذنوب. # الجملة الثانية: في الشروط وهذه الجملة فيها ثمانية أبواب: الباب الأول: ~~في معرفة الأوقات. الثاني: في معرفة الأذان والإقامة. الثالث: في معرفة ~~القبلة. الرابع: في ستر العورة واللباس في الصلاة. الخامس: في اشتراط ~~الطهارة من النجس في الصلاة. # السادس: في تعيين المواضع التي يصلى فيها من المواضع التي لا يصلى فيها. ~~السابع: # في معرفة الشروط التي هي شروط في صحة الصلاة. الثامن: في معرفة النية ~~وكيفية اشتراطها في الصلاة. # الباب الأول: في معرفة الأوقات وهذا الباب ينقسم أولا إلى فصلين: الأول: ~~في معرفة الأوقات المأمور بها. الثاني: # في معرفة الأوقات المنهي عنها. # الفصل الأول: في معرفة الأوقات المأمور بها وهذا الفصل ينقسم ms0091 إلى قسمين ~~أيضا: القسم الأول: في الأوقات الموسعة والمختارة. # والثاني: في أوقات أهل الضرورة. # القسم الأول من الفصل الأول من الباب الأول من الجملة الثانية: # والأصل في هذا الباب قوله تعالى: * (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا) *. اتفق المسلمون على أن للصلوات الخمس أوقاتا خمسا، هي شرط في صحة ~~PageV01P078 # الصلاة، وأن منها أوقات فضيلة، وأوقات توسعة، واختلفوا في حدود أوقات ~~التوسعة، والفضيلة وفيه خمس مسائل: # المسألة الأولى: اتفقوا على أن أول وقت الظهر الذي لا تجوز قبله هو ~~الزوال، إلا خلافا شاذا روي عن ابن عباس، وإلا ما روي من الخلاف في صلاة ~~الجمعة على ما سيأتي. واختلفوا منها في موضعين: في آخر وقتها الموسع، وفي ~~وقتها المرغب فيه، فأما آخر وقتها الموسع، فقال مالك والشافعي وأبو ثور ~~وداود، هو أن يكون ظل كل شئ مثله. # وقال أبو حنيفة: آخر الوقت أن يكون ظل كل شئ مثليه في إحدى الروايتين ~~عنه، وهو عنده أول وقت العصر، وقد روي عنه أن آخر وقت الظهر هو المثل، وأول ~~وقت العصر المثلان، وأن ما بين المثل، والمثلين ليس يصلح لصلاة الظهر، وبه ~~قال صاحباه: أبو يوسف ومحمد. وسبب الخلاف في ذلك: اختلاف الأحاديث، وذلك ~~أنه ورد في إمامة جبريل: أنه صلى بالنبي (ص) الظهر في اليوم الأول حين زالت ~~الشمس، وفي اليوم الثاني حين كان ظل كل شئ مثله، ثم قال: الوقت ما بين هذين ~~وروي عنه (ص): إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم، كما بين صلاة العصر ~~إلى غروب الشمس. أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا حتى إذا انتصف النهار، ~~ثم عجزوا، فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتي أهل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة ~~العصر، ثم عجزوا، فأعطوا قيراطا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس، ~~فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب: أي ربنا أعطيت ونحن كنا أكثر ~~عملا؟ قال الله تعالى: هل ظلمتكم من أجركم من شئ؟ قالوا لا. قال: فهو فضلي ~~أوتيه من أشاء. فذهب مالك والشافعي إلى حديث إمامة جبريل، ms0092 وذهب أبو حنيفة ~~إلى مفهوم ظاهر هذا. وهو أنه إذا كان من العصر إلى الغروب أقصر من أول ~~الظهر إلى العصر على مفهوم هذا الحديث، فواجب أن يكون أول العصر أكثر من ~~قامة، وأن يكون هذا، هو آخر وقت الظهر. قال أبو محمد بن حزم: وليس كما ~~ظنوا، وقد امتحنت الامر، فوجدت القامة تنتهي من النهار إلى تسع ساعات وكسر. ~~قال القاضي: أنا الشاك في الكسر. وأظنه قال: وثلث. وحجة من قال باتصال ~~الوقتين: أعني اتصالا، لا بفصل غير منقسم قوله عليه الصلاة والسلام: لا ~~يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت أخرى وهو حديث ثابت. وأما وقتها المرغب فيه، ~~والمختار، فذهب مالك إلى أنه للمنفرد أول الوقت ويستحب تأخيرها عن أول ~~الوقت قليلا في مساجد الجماعات وقال الشافعي: أول الوقت أفضل إلا في شدة ~~الحر وروي مثل ذلك عن مالك. وقالت طائفة: أول الوقت أفضل بإطلاق للمنفرد ~~والجماعة وفي الحر والبرد. وإنما اختلفوا في ذلك لاختلاف الأحاديث، وذلك أن ~~في ذلك حديثين ثابتين: أحدهما: قوله عليه الصلاة والسلام: إذا اشتد الحر، ~~فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم والثاني: PageV01P079 # أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي الظهر بالهاجرة وفي حديث خباب ~~أنهم شكوا حر الرمضاء، فلم يشكهم، خرجه مسلم، قال زهير راوي الحديث قلت ~~لأبي إسحاق - شيخه - أفي الظهر؟ قال: نعم، قلت: أفي تعجيلها؟ قال نعم. فرجح ~~قوم حديث الابراد، إذ هو نص، وتأولوا هذه الأحاديث إذ ليست بنص، وقوم رجحوا ~~هذه الأحاديث لعموم ما روي من قوله عليه الصلاة والسلام: وقد سئل: أي ~~الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لأول ميقاتها والحديث متفق عليه، وهذه الزيادة ~~فيه، أعني لأول ميقاتها مختلف فيها. # المسألة الثانية: اختلفوا من صلاة العصر في موضعين: أحدهما: في اشتراك ~~أول وقتها مع آخر وقت صلاة الظهر. والثاني: في آخر وقتها، فأما اختلافهم في ~~الاشتراك فإنه اتفق مالك والشافعي، وداود، وجماعة على أن أول وقت العصر هو ~~بعينه آخر وقت الظهر وذلك إذا صار ظل كل ms0093 شئ مثله، إلا أن مالكا يرى أن آخر ~~وقت الظهر، وأول وقت العصر، هو وقت ركعات. وأما الشافعي وأبو ثور وداود، ~~فآخر وقت الظهر عندهم، هو الآن الذي هو أول وقت العصر، وهو زمان غير منقسم. # وقال أبو حنيفة - كما قلنا - أول وقت العصر أن يصير ظل كل شئ مثليه. وقد ~~تقدم سبب اختلاف أبي حنيفة معهم في ذلك. وأما سبب اختلاف مالك مع الشافعي، ~~ومن قال بقوله في هذه فمعارضة حديث جبريل في هذا المعنى لحديث عبد الله بن ~~عمر: وذلك أنه جاء في إمامة جبريل أنه صلى بالنبي عليه الصلاة والسلام ~~الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول. وفي ~~حديث ابن عمر أنه قال عليه الصلاة والسلام: # وقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر خرجه مسلم. فمن رجح حديث جبريل، جعل ~~الوقت مشتركا، ومن رجح حديث عبد الله، لم يجعل بينهما اشتراكا، وحديث جبريل ~~أمكن أن يصرف إلى حديث عبد الله من حديث عبد الله إلى حديث جبريل، لأنه ~~يحتمل أن يكون الراوي تجوز في ذلك لقرب ما بين الوقتين. وحديث إمامة جبريل ~~صححه الترمذي وحديث ابن عمر خرجه مسلم. وأما اختلافهم في آخر وقت العصر، ~~فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: أن آخر وقتها أن يصير ظل كل شئ مثليه، ~~وبه قال الشافعي. والثانية: أن آخر وقتها ما لم تصفر الشمس، وهذا قول أحمد ~~بن حنبل وقال أهل الظاهر: آخر وقتها قبل غروب الشمس بركعة. والسبب في ~~اختلافهم: أن في ذلك ثلاثة أحاديث متعارضة الظاهر. أحدها: حديث عبد الله بن ~~عمر خرجه مسلم وفيه: فإذا صليتم العصر، فإنه وقت إلى أن تصفر الشمس وفي بعض ~~رواياته: وقت العصر ما لم تصفر الشمس. والثاني: حديث ابن عباس في إمامة ~~جبريل وفيه: أنه صلى به العصر في اليوم الثاني حين كان ظل كل شئ مثليه. ~~والثالث حديث أبي هريرة المشهور من أدرك ركعة العصر قبل أن تغرب لا شمس، ~~فقد أدرك العصر، ومن ms0094 أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك ~~PageV01P080 # الصبح فمن صار إلى ترجيح حديث إمامة جبريل جعل اخر وقتها المختار ~~المثلين، ومن صار إلى ترجيح حديث ابن عمر جعل آخر وقتها المختار اصفرار ~~الشمس، ومن صار إلى ترجيح حديث أبي هريرة قال: وقت العصر إلى أن يبقى منها ~~ركعة قبل غروب الشمس، وهم أهل الظاهر كما قلنا. وأما الجمهور فسلكوا في ~~حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر مع حديث ابن عباس - إذ كان معارضا لهما كل ~~التعارض - مسلك الجمع، لان حديثي ابن عباس وابن عمر تتقارب الحدود المذكورة ~~فيهما ولذلك قال مالك مرة بهذا ومرة بذلك. وأما الذي في حديث أبي هريرة ~~فبعيد منهما ومتفاوت، فقالوا: حديث أبي هريرة إنما خرج مخرج أهل الاعذار. # المسألة الثالثة: اختلفوا في المغرب هل لها وقت موسع كسائر الصلوات أم ~~لا؟ # فذهب قوم إلى أن وقتها واحد غير موسع، وهذا هو أشهر الروايات عن مالك وعن ~~الشافعي. وذهب قوم إلى أن وقتها موسع، وهو ما بين غروب الشمس إلى غروب ~~الشفق وبه قال أبو حنيفة وأحمد وأبو ثور، وداود، وقد روي هذا القول عن مالك ~~والشافعي. وسبب اختلافهم في ذلك: معارضة حديث إمامة جبريل في ذلك لحديث عبد ~~الله بن عمر، وذلك أن في حديث إمامة جبريل: أنه صلى المغرب في اليومين في ~~وقت واحد وفي حديث عبد الله ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق فمن رجح حديث ~~إمامة جبريل جعل لها وقتا واحدا. ومن رجح حديث عبد الله جعل لها وقتا ~~موسعا، وحديث عبد الله خرجه مسلم. ولم يخرج الشيخان حديث إمامة جبريل أعني: ~~حديث ابن عباس الذي فيه: أنه صلى بالنبي عليه الصلاة والسلام عشر صلوات ~~مفسرة الأوقات، ثم قال له: الوقت ما بين هذين، والذي في حديث عبد الله من ~~ذلك هو موجود أيضا في حديث بريدة الأسلمي، خرجه مسلم، وهو أصل في هذا ~~الباب. قالوا: وحديث بريدة أولى لأنه كان بالمدينة عند سؤال السائل له عن ~~أوقات ms0095 الصلوات، وحديث جبريل كان في أول الفرض بمكة. # المسألة الرابعة: اختلفوا من وقت العشاء الآخرة في موضعين: أحدهما في ~~أوله، والثاني في آخره. أما أوله، فذهب مالك والشافعي وجماعة إلى أنه مغيب ~~الحمرة وذهب أبو حنيفة إلى أنه مغيب البياض الذي يكون بعد الحمرة. وسبب ~~اختلافهم في هذه المسألة: # اشتراك اسم الشفق في لسان العرب فإنه كما أن الفجر في لسانهم فجران، كذلك ~~الشفق شفقان: أحمر وأبيض، ومغيب الشفق الأبيض يلزم أن يكون بعده من أول ~~الليل، إما بعد الفجر المستدق من آخر الليل: أعني الفجر الكاذب، وإما بعد ~~الفجر الأبيض المستطير، PageV01P081 # وتكون الحمرة نظير الحمرة، فالطوالع إذن أربعة: الفجر الكاذب والفجر ~~الصادق، والأحمر، والشمس، وكذلك يجب أن تكون الغوار ب ولذلك ما ذكر عن ~~الخليل من أنه رصد الشفق الأبيض، فوجده يبقى إلى ثلث الليل كذب بالقياس ~~والتجربة، وذلك أنه لا خلاف بينهم أنه قد ثبت في حديث بريدة وحديث إمامة ~~جبريل أنه صلى العشاء في اليوم الأول حين غاب الشفق، وقد رجح الجمهور ~~مذهبهم بما ثبت: أن رسول الله (ص) كان يصلي العشاء عند مغيب القمر في ~~الليلة الثالثة، ورجح أبو حنيفة مذهبه بما ورد في تأخير العشاء واستحباب ~~تأخيره الصلاة إلى نصف الليل. وأما آخر وقتها فاختلفوا فيه على ثلاثة ~~أقوال: قول إنه ثلث الليل، وقول إنه نصف الليل، وقول إنه إلى طلوع الفجر، ~~وبالأول: أعني ثلث الليل قال الشافعي، وأبو حنيفة، وهو المشهور من مذهب ~~مالك وروي عن مالك القول الثاني: أعني نصف الليل، وأما الثالث فقول داود. # وسبب الخلاف في ذلك: تعارض الآثار، ففي حديث إمامة جبريل: أنه صلاها ~~بالنبي عليه الصلاة والسلام في اليوم الثاني ثلث الليل وفي حديث أنس أنه ~~قال: أخر النبي (ص) صلاة العشاء إلى نصف الليل خرجه البخاري. وروي أيضا من ~~حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ~~لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل وفي حديث أبي قتادة: ليس ~~التفريط ms0096 في النوم إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى. فمن ~~ذهب مذهب الترجيح لحديث إمامة جبريل قال: # ثلث الليل، ومن ذهب مذهب الترجيح لحديث أنس قال: شطر الليل. وأما أهل ~~الظاهر، فاعتمدوا حديث أبي قتادة، وقالوا: هو عام، وهو متأخر عن حديث إمامة ~~جبريل، فهو ناسخ، ولو لم يكن ناسخا، لكان تعارض الآثار يسقط حكمها، فيجب أن ~~يصار إلى استصحاب حال الاجماع وقد اتفقوا على أن الوقت يخرج لما بعد طلوع ~~الفجر، واختلفوا فيما قبل فإنا روينا عن ابن عباس أن الوقت عنده إلى طلوع ~~الفجر، فوجب أن يستصحب حكم الوقت، إلا حيث وقع الاتفاق على خروجه، وأحسب أن ~~به، قال أبو حنيفة المسألة الخامسة: واتفقوا على أن أول وقت الصبح طلوع ~~الفجر الصادق، وآخره طلوع الشمس إلا ما روي عن ابن القاسم، وعن بعض أصحاب ~~الشافعي من أن آخر وقتها الاسفار. واختلفوا في وقتها المختار، فذهب ~~الكوفيون، وأبو حنيفة وأصحابه و الثوري وأكثر العراقيين إلى أن الاسفار بها ~~أفضل وذهب مالك والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وأبو ثور وداود إلى أن ~~التغليس بها أفضل. وسبب اختلافهم: اختلافهم في طريقة جمع الأحاديث المختلفة ~~الظواهر في ذلك. وذلك أنه ورد عنه عليه الصلاة والسلام من طريق رافع بن ~~PageV01P082 # خديج أنه قال: أسفروا بالصبح، فكلما أسفرتم فهو أعظم للأجر وروي عنه عليه ~~الصلاة والسلام: أنه قال - وقد سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لأول ~~ميقاتها وثبت عنه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يصلي الصبح، فتنصرف النساء ~~متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس. وظاهر الحديث أنه كان عمله في الأغلب، ~~فمن قال: إن حديث رافع خاص وقوله: الصلاة لأول ميقاتها عام. والمشهور أن ~~الخاص يقضي عن العام إذا هو استثنى من هذا العموم صلاة الصبح، وجعل حديث ~~عائشة محمولا على الجواز، وأنه إنما تضمن الاخبار بوقوع ذلك منه، لا بأنه ~~كان ذلك غالب أحواله (ص) قال: الاسفار أفضل من التغليس، ومن رجح حديث ~~العموم لموافقة حديث عائشة له، ولأنه نص في ms0097 ذلك، أو ظاهر، وحديث رافع بن ~~خديج محتمل لأنه يمكن أن يريد بذلك تبين الفجر، وتحققه، فلا تكون بينه وبين ~~حديث عائشة، ولا العموم الوارد في ذلك تعارض قال: أفضل الوقت أوله. # وأما من ذهب إلى أن آخر وقتها الاسفار، فإنه تأول الحديث في ذلك أنه لأهل ~~الضرورات: # أعني قوله عليه الصلاة والسلام: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع ~~الشمس، فقد أدرك الصبح وهذا شبيه بما فعله الجمهور في العصر، والعجب أنهم ~~عدلوا عن ذلك في هذا، ووافقوا أهل الظاهر. ولذلك لأهل الظاهر أن يطالبوهم ~~بالفرق بين ذلك. # القسم الثاني من الفصل الأول من الباب الأول فأما أوقات الضرورة والعذر ~~فأثبتها كما قلنا فقهاء الأمصار، ونفاها أهل الظاهر، وقد تقدم سبب اختلافهم ~~في ذلك. اختلف هؤلاء الذين أثبتوها في ثلاثة مواضع: أحدها: لأي الصلوات ~~توجد هذه الأوقات ولأيها لا؟ والثاني: في حدود هذه الأوقات. والثالث: في من ~~هم أهل العذر الذين رخص لهم في هذه الأوقات، وفي أحكامهم في ذلك: أعني من ~~وجوب الصلاة، ومن سقوطها. # المسألة الأولى: اتفق مالك والشافعي على أن هذا الوقت هو لأربع صلوات: ~~للظهر والعصر مشتركا بينهما، والمغرب والعشاء كذلك. وإنما اختلفوا في جهة ~~اشتراكهما على ما سيأتي بعد. وخالفهم أبو حنيفة، فقال: إن هذا الوقت إنما ~~هو للعصر فقط، وإنه ليس هاهنا وقت مشترك. وسبب اختلافهم في ذلك: هو ~~اختلافهم في جواز الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما على ما سيأتي ~~بعد، فمن تمسك بالنص الوارد في صلاة العصر، أعني الثابت من قوله عليه ~~الصلاة والسلام من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل مغيب الشمس، فقد أدرك العصر ~~وفهم من هذا الرخصة، ولم يجز الاشتراك في الجمع لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~لا يفوت وقت صلاة حتى يدخل وقت الأخرى ولما سنذكره بعد في باب الجمع من حجج ~~الفريقين قال: إنه لا يكون هذا الوقت إلا لصلاة العصر فقط. ومن أجاز ~~الاشتراك في الجمع في السفر، قاس عليه أهل الضرورات، لان ms0098 المسافر أيضا صاحب ~~PageV01P083 # ضرورة وعذر، فجعل هذا الوقت مشتركا للظهر والعصر، والمغرب والعشاء. # المسألة الثانية: اختلف مالك والشافعي في آخر الوقت المشترك لهما، فقال ~~مالك: # هو للظهر والعصر من بعد الزوال بمقدار أربع ركعات للظهر للحاضر، وركعتين ~~للمسافر إلى أن يبقى للنهار مقدار أربع ركعات للحاضر أو ركعتين للمسافر، ~~وجعل الوقت الخاص للظهر إنما هو، مقدار أربع ركعات للحاضر بعد الزوال، وإما ~~ركعتان للمسافر، وجعل الوقت الخاص بالعصر إما أربع ركعات قبل المغيب ~~للحاضر، وإما ثنتان للمسافر: أعني أنه من أدرك الوقت الخاص فقط لم تلزمه ~~إلا الصلاة الخاصة بذلك الوقت إن كان ممن لم تلزمه الصلاة قبل ذلك الوقت، ~~ومن أدرك أكثر من ذلك أدرك الصلاتين معا، أو حكم ذلك الوقت وجعل آخر الوقت ~~الخاص لصلاة العصر مقدار ركعة قبل الغروب، وكذلك فعل في اشتراك المغرب ~~والعشاء، إلا أن الوقت الخاص مرة جعله للمغرب فقال: هو مقدار ثلاث ركعات ~~قبل أن يطلع الفجر، ومرة جعله للصلاة الأخيرة كما فعل في العصر، فقال هو ~~مقدار أربع ركعات - وهو القياس - وجعل آخر هذا الوقت مقدار ركعة قبل طلوع ~~الفجر. وأما الشافعي فجعل حدود أواخر هذه الأوقات المشتركة حدا واحدا، وهو ~~إدراك ركعة قبل غروب الشمس، وذلك للظهر والعصر معا، ومقدار ركعة أيضا قبل ~~انصداع الفجر، وذلك للمغرب والعشاء معا. وقد قيل عنه بمقدار تكبيرة: أعني ~~أنه من أدرك تكبيرة قبل غروب الشمس، فقد لزمته صلاة الظهر، والعصر معا. ~~وأما أبو حنيفة فوافق مالكا في أن آخر وقت العصر مقدار ركعة لأهل الضرورات ~~عنده قبل الغروب، ولم يوافق في الاشتراك والاختصاص. # وسبب اختلافهم: أعني مالكا والشافعي هل القول باشتراك الوقت للصلاتين معا ~~يقتضي أن لهما وقتين: وقت خاص بهما ووقت مشترك، أم إنما يقتضي أن لهما وقتا ~~مشتركا فقط؟ # وحجة الشافعي أن الجمع إنما دل على الاشتراك فقط، لا على وقت خاص. وأما ~~مالك فقاس الاشتراك عنده في وقت الضرورة على الاشتراك عنده في وقت التوسعة: ~~أعني أنه لما كان لوقت الظهر ms0099 والعصر الموسع وقتان، وقت مشترك، ووقت خاص، ~~وجب أن يكون الامر كذلك في أوقات الضرورة، والشافعي لا يوافق على اشتراك ~~الظهر والعصر في وقت التوسعة، فخلافهما في هذه المسألة إنما ينبني - والله ~~أعلم - على اختلافهم في تلك الأولى. # فتأمله، فإنه بين. والله أعلم. # المسألة الثالثة: وأما هذه الأوقات أعني أوقات الضرورة، فاتفقوا على أنها ~~لأربع: # للحائض تطهر في هذه الأوقات، أو تحيض في هذه الأوقات وهي لم تصل، ~~والمسافر يذكر الصلاة في هذه الأوقات، وهو حاضر، أو الحاضر يذكرها فيها وهو ~~مسافر، والصبي يبلغ فيها والكافر يسلم. واختلفوا في المغمى عليه: فقال مالك ~~والشافعي: هو كالحائض من أهل هذه الأوقات لأنه لا يقضي عندهم الصلاة التي ~~ذهب وقتها وعند أبي حنيفة أنه يقضي PageV01P084 # الصلاة فيما دون الخمس، فإذا أفاق عنده من إغمائه متى ما أفاق قضى الصلاة ~~وعند الاخر أنه إذا أفاق في أوقات الضرورة لزمته الصلاة التي أفاق في ~~وقتها، وإذا لم يفق فيها لم تلزمه الصلاة، وستأتي مسألة المغمى عليه فيما ~~بعد. واتفقوا على أن المرأة إذا طهرت في هذه الأوقات: إنما تجب عليها ~~الصلاة التي طهرت في وقتها، فإن طهرت عند مالك وقد بقي من النهار أربع ~~ركعات لغروب الشمس إلى ركعة، فالعصر فقط لازمة لها، وإن بقي خمس ركعات ~~فالصلاتان معا. وعند الشافعي إن بقي ركعة للغروب فالصلاتان معا كما قلنا، ~~أو تكبيرة على القول الثاني له، وكذلك الامر عند مالك في المسافر الناسي ~~يحضر في هذه الأوقات، أو الحاضر يسافر، وكذلك الكافر يسلم في هذه الأوقات: ~~أعني أنه تلزمهم الصلاة وكذلك الصبي يبلغ. والسبب في أن جعل مالك الركعة ~~جزءا لاخر الوقت، وجعل الشافعي جزء الركعة حدا مثل التكبيرة منها أن قوله ~~عليه الصلاة والسلام: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك ~~العصر. وهو عند مالك من باب التنبيه بالأقل على الأكثر، وعند الشافعي من ~~باب التنبيه بالأكثر على الأقل وأيد هذا بما روي: من أدرك سجدة من العصر ~~قبل أن ms0100 تغرب الشمس، فقد أدرك العصر فإنه فهم من السجدة هاهنا جزء من ~~الركعة، وذلك على قوله الذي قال فيه: من أدرك منهم تكبيرة قبل الغروب أو ~~الطلوع فقد أدرك الوقت. ومالك يرى أن الحائض إنما تعتد بهذا الوقت بعد ~~الفراغ من طهرها، وكذلك الصبي يبلغ. وأما الكافر يسلم، فيعتد له بوقت ~~الاسلام دون الفراغ من الطهر، وفيه خلاف، والمغمى عليه عند مالك كالحائض، ~~وعند عبد الملك كالكافر يسلم. ومالك يرى أن الحائض إذا حاضت في هذه ~~الأوقات، وهي لم تصل بعد أن القضاء ساقط عنها والشافعي يرى أن القضاء واجب ~~عليها. وهو لازم لمن يرى أن الصلاة تجب بدخول أول الوقت، لأنها إذا حاضت ~~وقد مضى من الوقت ما يمكن أن تقع فيه الصلاة، فقد وجبت عليها الصلاة إلا أن ~~يقال: إن الصلاة إنما تجب بآخر الوقت وهو مذهب أبي حنيفة، لا مذهب مالك، ~~فهذا كما ترى لازم لقول أبي حنيفة أعني جاريا على أصوله لا على أصول قول ~~مالك. # الفصل الثاني من الباب الأول: في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها وهذه ~~الأوقات اختلف العلماء فيها في موضعين: أحدهما: في عددها. والثاني: في ~~الصلوات التي يتعلق النهي عن فعلها فيها. # المسألة الأولى: اتفق العلماء على أن ثلاثة من الأوقات منهي عن الصلاة ~~فيها وهي: # وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، ومن لدن تصلي صلاة الصبح حتى تطلع الشمس. # واختلفوا في وقتين: في وقت الزوال، وفي الصلاة بعد العصر، فذهب مالك ~~وأصحابه إلى أن الأوقات المنهي عنها هي أربعة: الطلوع والغروب، وبعد الصبح ~~وبعد العصر، وأجاز PageV01P085 # الصلاة عند الزوال. أن هذه الأوقات الخمسة كلها منهي عنها إلا وقت الزوال ~~يوم الجمعة، فإنه أجاز فيه الصلاة. واستثنى قوم من ذلك الصلاة بعد العصر. ~~وسبب الخلاف في ذلك أحد شيئين: إما معارضة أثر لاثر، وإما معارضة الأثر ~~للعمل عند من راعى العمل: # أعني عمل أهل المدينة، وهو مالك بن أنس، فحيث ورد النهي ولم يكن هناك ~~معارض لا من قول، ولا من عمل، اتفقوا ms0101 عليه، وحيث ورد المعارض اختلفوا. أما ~~اختلافهم في وقت الزوال، فلمعارضة العمل فيه للأثر وذلك أنه ثبت من حديث ~~عقبة بن عامر الجهني أنه قال: ثلاث ساعات كان رسول الله (ص) ينهانا أن نصلي ~~فيها وأن نقبر فيها موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم ~~قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف الشمس للغروب خرجه مسلم وحديث أبي عبد ~~الله الصنابحي في معناه، ولكنه منقطع خرجه مالك في موطئه. فمن الناس من ذهب ~~إلى منع الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة كلها ومن الناس من استثنى من ذلك ~~وقت الزوال، إما بإطلاق، وهو مالك، وإما في يوم الجمعة فقط، وهو الشافعي. ~~أما مالك، فلان العمل عنده بالمدينة لما وجده على الوقتين فقط، ولم يجده ~~على الوقت الثالث: أعني الزوال، أباح الصلاة فيه، واعتقد أن ذلك النهي ~~منسوخ بالعمل. وأما من لم ير للعمل تأثيرا، فبقي على أصله في المنع. وقد ~~تكلمنا في العمل وقوته في كتابنا في الكلام الفقهي، وهو الذي يدعى بأصول ~~الفقه. وأما الشافعي، فلما صح عنده ما روى ابن شهاب عن ثعلبة بن أبي مالك ~~القرظي: # أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر ومعلوم ~~أن خروج عمر كان بعد زوال على ما صح ذلك من حديث الطنفسة التي كانت تطرح ~~إلى جدار المسجد الغربي، فإذا غشي الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر بن ~~الخطاب، مع ما رواه أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) نهى عن الصلاة نصف ~~النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة استثنى من ذلك النهي يوم الجمعة، ~~وقوى هذا الأثر عنده العمل في أيام عمر بذلك، وإن كان الأثر عنده ضعيفا. ~~وأما من رجح الأثر الثابت في ذلك. فبقي على أصله في النهي. وأما اختلافهم ~~في الصلاة بعد صلاة العصر، فسببه تعارض الآثار الثابتة في ذلك، وذلك أن في ~~ذلك حديثين متعارضين. أحدهما: حديث أبي هريرة المتفق على صحته: أن رسول ~~الله (ص) نهى عن الصلاة ms0102 بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح ~~حتى تطلع الشمس. والثاني: حديث عائشة قالت: ما ترك رسول الله (ص) صلاتين في ~~بيتي قط سرا، ولا علانية: ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر. فمن رجح ~~حديث أبي هريرة قال بالمنع، ومن رجح حديث عائشة، أو رآه ناسخا، لأنه العمل ~~الذي مات عليه (ص) قال بالجواز. وحديث أم سلمة يعارض حديث عائشة، وفيه: ~~أنها رأت رسول الله (ص) يصلي إنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن ~~الركعتين اللتين بعد الظهر، وهما هاتان. # المسألة الثانية: اختلف العلماء في الصلاة التي لا تجوز في هذه الأوقات، ~~فذهب أبو PageV01P086 # حنيفة وأصحابه إلى أنها لا تجوز في هذه الأوقات صلاة بإطلاق، لا فريضة ~~مقضية، ولا سنة، ولا نافلة إلا صر يومه، قالوا: فإنه يجوز أن يقضيه عند ~~غروب الشمس إذا نسيه. واتفق مالك والشافعي أنه يقضي الصلوات المفروضة في ~~هذه الأوقات. وذهب الشافعي إلى أن الصلوات التي لا تجوز في هذه الأوقات، هي ~~النوافل فقط التي تفعل لغير سبب، وأن السنن مثل صلاة الجنازة تجوز في هذه ~~الأوقات، ووافقه مالك فذلك بعد العصر، وبعد الصبح: # أعني في السنن، وخالفه في التي تفعل لسبب مثل ركعتي المسجد، فإن الشافعي ~~يجيز هاتين الركعتين بعد العصر، وبعد الصبح، ولا يجيز ذلك مالك، واختلف قول ~~مالك في جواز السنن عند الطلوع، والغروب. وقال الثوري في الصلوات التي لا ~~تجوز في هذه الأوقات هي ما عدا الفرض، ولم يفرق سنة من نفل، فيتحصل في ذلك ~~ثلاثة أقوال: قول هي الصلوات بإطلاق. وقول إنها ما عدا الفروض، سواء كانت ~~سنة، أو نفلا. وقول: إنها النفل دون السنن. وعلى الرواية التي منع مالك ~~فيها صلاة الجنائز عند الغروب قول رابع، وهو أنها النفل فقط بعد الصبح ~~والعصر، والنفل، والسنن معا عند الطلوع والغروب. وسبب الخلاف في ذلك: ~~اختلافهم في الجمع بين العمومات المتعارضة في ذلك: أعني الواردة في السنة، ~~وأي يخص بأي؟ وذلك أن عموم قوله عليه الصلاة والسلام: إذا ms0103 نسي أحدكم ~~الصلاة، فليصلها إذا ذكرها يقتضي استغراق جميع الأوقات وقوله في أحاديث ~~النهي في هذه الأوقات: نهى رسول الله (ص) عن الصلاة فيها يقتضي أيضا عموم ~~أجناس الصلوات المفروضات والسنن، والنوافل، فمتى حملنا الحديثين على العموم ~~في ذلك، وقع بينهما تعارض، هو من جنس التعارض الذي يقع بين العام، والخاص، ~~إما في الزمان، وإما في اسم الصلاة. فمن ذهب إلى الاستثناء في الزمان: أعني ~~استثناء الخاص من العام، منع الصلوات بإطلاق في تلك الساعات، ومن ذهب إلى ~~استثناء الصلاة المفروضة المنصوص عليها بالقضاء من عموم اسم الصلاة المنهي ~~عنها، منع ما عدا الفرض في تلك الأوقات. وقد رجح مالك مذهبه من استثناء ~~الصلوات المفروضة من عموم لفظ الصلاة بما ورد من قوله عليه الصلاة والسلام: ~~من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر ولذلك استثنى ~~الكوفيون عصر اليوم من الصلوات المفروضة، لكن قد كان يجب عليهم أن يستثنوا ~~من ذلك صلاة الصبح أيضا للنص الوارد فيها ولا يردوا ذلك برأيهم من أن ~~المدرك لركعة قبل الطلوع يخرج للوقت المحظور، والمدرك لركعة قبل الغروب ~~يخرج للوقت المباح. وأما الكوفيون فلهم أن يقولوا: إن هذا الحديث ليس يدل ~~على استثناء الصلوات المفروضة من عموم اسم الصلاة التي تعلق النهي بها في ~~تلك الأيام، لان عصر اليوم ليس في معنى سائر الصلوات المفروضة، وكذلك كان ~~لهم أن يقولوا في الصبح - لو سلموا أنه يقضي في الوقت المنهي عنه، فإذا ~~الخلاف بينهم آيل إلى أن المستثنى الذي ورد به اللفظ PageV01P087 # هل هو من باب الخاص، أريد به الخاص؟ أو من باب الخاص، أريد به العام؟ ~~وذلك أن من رأى أن المفهوم من ذلك هي صلاة العصر، والصبح فقط المنصوص ~~عليهما، فهو عنده من باب الخاص أريد به الخاص، ومن رأى أن المفهوم من ذلك ~~ليس هو صلاة العصر فقط، ولا الصبح، بل جميع الصلاة المفروض، فهو عنده من ~~باب الخاص أريد به العام، وإذا كان ذلك كذلك، فليس هاهنا ms0104 دليل قاطع على أن ~~الصلوات المفروضة هي المستثناة من اسم الصلاة الفائتة، كما أنه ليس هاهنا ~~دليل أصلا، لا قاطع، ولا غير قاطع على استثناء الزمان الخاص الوارد في ~~أحاديث النهي من الزمان العام الوارد في أحاديث الامر دون استثناء الصلاة ~~الخاصة المنطوق بها في أحاديث الامر من الصلاة العامة المنطوق بها في ~~أحاديث النهي. وهذا بين، فإنه إذا تعارض حديثان في كل واحد منهما عام وخاص ~~لم يجب أن يصار إلى تغليب أحدهما إلا بدليل: أعني استثناء خاص هذا من عام ~~ذاك، أو خاص ذاك من عام هذا، وذلك بين، والله أعلم. # الباب الثاني: في معرفة الأذان والإقامة هذا الباب ينقسم أيضا إلى فصلين: ~~الأول: في الأذان. والثاني: في الإقامة. # الفصل الأول هذا الفصل ينحصر الكلام فيه في خمسة أقسام. الأول: في صفته. ~~الثاني: في حكمه. # الثالث: في وقته. الرابع: في شروطه. الخامس: فيما يقوله السامع له. # القسم الأول من الفصل الأول من الباب الثاني: في صفة الأذان اختلف ~~العلماء في الأذان على أربع صفات مشهورة: إحداها: تثنية التكبير فيه، ~~وتربيع الشهادتين، وباقيه مثنى، وهو مذهب أهل المدينة مالك وغيره، واختار ~~المتأخرين من أصحاب مالك الترجيع وهو أن يثني الشهادتين أولا خفيا، ثم ~~يثنيهما مرة ثانية مرفوع الصوت. والصفة الثانية: أذان المكيين، وبه قال ~~الشافعي، وهو تربيع التكبير الأول والشهادتين وتثنية باقي الأذان. والصفة ~~الثالثة: أذان الكوفيين، وهو تربيع التكبير الأول، وتثنية باقي الأذان. وبه ~~قال أبو حنيفة. والصفة الرابعة: أذان البصريين، وهو تربيع التكبير الأول، ~~وتثليث الشهادتين وحي على الصلاة، وحي على الفلاح، يبدأ بأشهد أن لا إله ~~إلا الله حتى يصل إلى حي على الفلاح، ثم يعيد كذلك مرة ثانية: أعني الأربع ~~كلمات تبعا، ثم يعيدهن ثالثة، وبه قال الحسن البصري، وابن سيرين. السبب في ~~اختلاف كل واحد من هؤلاء الأربع: فرق اختلاف الآثار في ذلك، واختلاف اتصال ~~العمل عند كل واحد منهم، وذلك أن المدنيين يحتجون لمذهبهم بالعمل المتصل ~~بذلك في المدينة، والمكيون كذلك أيضا يحتجون ms0105 بالعمل المتصل عندهم بذاك، ~~وكذلك الكوفيون والبصريون، ولكل واحد منهم آثار تشهد لقوله. أما تثنية ~~التكبير في أوله على مذهب أهل الحجاز، فروي من طرق PageV01P088 # صحاح عن أبي محذورة، وعبد الله بن زيد الأنصاري، وتربيعه أيضا عن أبي ~~محذورة من طرق أخر، وعن عبد البن زيد. قال الشافعي: وهي زيادات يجب قبولها ~~مع اتصال العمل بذلك بمكة، وأما الترجيع الذي اختاره المتأخرون من أصحاب ~~مالك، فروي من طريق أبي قدامة. قال أبو عمر: وأبو قدامة عندهم ضعيف. وأما ~~الكوفيون فبحديث أبي ليلى، وفيه: أن عبد الله بن زيد رأى في المنام رجلا ~~قام على خرم حائط، وعليه بردان أخضران، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وأنه أخبر ~~بذلك رسول الله (ص) فقام بلال، فأذن مثنى، وأقام مثنى والذي خرجه البخاري ~~في هذا الباب إنما هو من حديث أنس فقط وهو: أن بلالا أمر أن يشفع الأذان، ~~ويوتر الإقامة، إلا قد قامت الصلاة، فإنه يثنيها وخرج مسلم عن أبي محذورة ~~على صفة أذان الحجازيين. ولمكان هذا التعارض الذي ورد في الأذان، رأى أحمد ~~بن حنبل وداود أن هذه لا على إيجاب واحدة منها، وأن الانسان مخير فيها. ~~واختلفوا في قول المؤذن في صلاة الصبح: الصلاة خير من النوم هل يقال فيها ~~أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه يقال ذلك فيها وقال آخرون: إنه لا يقال لأنه ~~ليس من الأذان المسنون، وبه قال الشافعي. وسبب اختلافهم: # اختلافهم هل قيل ذلك في زمان النبي (ص)؟ أو إنما قيل في زمان عمر؟ # القسم الثاني من الفصل الأول من الباب الثاني اختلف العلماء في حكم ~~الأذان هل واجب، أو سنة مؤكدة؟ وإن كان واجبا فهل هو من فروض الأعيان، أو ~~من فروض الكفاية؟ فقيل عن مالك: إن الأذان هو فرض على مساجد الجماعات، وقيل ~~سنة مؤكدة، ولم يره على المنفرد، لا فرضا، ولا سنة وقال بعض أهل الظاهر ~~واجب على وقال بعضهم: على الجماعة، كانت في سفر، أو في حضر، وقال بعضهم: في ~~الأعيان السفر. واتفق الشافعي، ms0106 وأبو حنيفة على أنه سنة للمنفرد، والجماعة، ~~إلا أنه آكد في حق الجماعة. قال أبو عمر: واتفق الكل على أنه سنة مؤكدة، أو ~~فرض على المصري، لما ثبت: أن رسول الله (ص) كان إذا سمع النداء لم يغر وإذا ~~لم يسمعه أغار. والسبب في اختلافهم معارضة المفهوم من ذلك لظواهر الآثار، ~~وذلك أنه ثبت أن رسول الله (ص) قال لمالك بن الحويرث، ولصاحبه: إذا كنتما ~~في سفر، فأذنا، وأقيما، وليؤمكما أكبركما. وكذلك ما روى من اتصال عمله به ~~(ص) في الجماعة. فمن فهم من هذا الوجوب مطلقا، قال: إنه فرض على الأعيان، ~~أو على الجماعة، وهو الذي حكاه ابن المفلس عن داود، ومن فهم منه الدعاء إلى ~~الاجتماع للصلاة، قال: إنه سنة في المساجد، أو فرض في المواضع التي يجتمع ~~إليها الجماعة. فسبب الخلاف: هو تردده بين أن يكون قولا من أقاويل الصلاة ~~المختصة بها، أو يكون المقصود به هو الاجتماع. PageV01P089 # القسم الثالث من الفصل الأول: في وقته وأما وقت الأذان، فاتفق الجميع على ~~أنه لا يؤذن للصلاة قبل وقتها، ما عدا الصبح، فإنهم اختلفوا فيها، فذهب ~~مالك، والشافعي إلى أنه يجوز أن يؤذن لها قبل الفجر ومنع ذلك أبو حنيفة ~~وقال قوم: لا بد للصبح إذا أذن لها قبل الفجر من أذان بعد الفجر، لان ~~الواجب عندهم هو الأذان بعد الفجر. وقال أبو محمد بن حزم: لا بد لها من ~~أذان بعد الوقت، وإن أذن قبل الوقت جاز إذا كان بينهما زمان يسير قدر ما ~~يهبط الأول، ويصعد الثاني. والسبب في اختلافهم: أنه ورد في ذلك حديثان ~~متعارضان: أحدهما: الحديث المشهور الثابت، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ~~إن بلالا ينادي بليل فكلوا، واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم وكان ابن أم ~~مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت. # والثاني: ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن بلالا أذن قبل طلوع ~~الفجر، فأمره النبي (ص) أن يرجع، فينادي: ألا إن العبد قد نام وحديث ~~الحجازيين ms0107 أثبت، وحديث الكوفيين أيضا خرجه أبو داود، وصححه كثير من أهل ~~العلم. فذهب الناس في هذين الحديثين، إما مذهب الجمع، وإما مذهب الترجيح. ~~الترجيح، فالحجازيون، فإنهم قالوا: حديث بلال أثبت، والمصير إليه أوجب. ~~وأما من ذهب مذهب الجمع، فالكوفيون، وذلك أنهم قالوا: # يحتمل أن يكون نداء بلال في وقت يشك فيه في طلوع الفجر، لأنه كان في بصره ~~ضعف، ويكون نداء ابن أم مكتوم في وقت يتيقن فيه طلوع الفجر، ويدل على ذلك ~~ما روي عن عائشة أنها قالت: لم يكن بين أذانيهما إلا بقدر ما يهبط هذا، ~~ويصعد هذا وأما من قال إنه يجمع بينهما: أعني أن يؤذن قبل الفجر، وبعده، ~~فعلى ظاهر ما روي من ذلك في صلاة الصبح خاصة، أعني أنه كان يؤذن لها في عهد ~~رسول الله (ص) مؤذنا: بلال، وابن أم مكتوم. # القسم الرابع من الفصل الأول: في الشروط وفي هذا القسم مسائل ثمانية: ~~إحداها: هل من شروط من أذن أن يكون هو الذي يقيم أم لا؟ والثانية: هل من ~~شروط الأذان ألا يتكلم في أثنائه أم لا؟ والثالثة: هل من شرطه أن يكون على ~~طهارة أم لا؟ والرابعة: هل من شرطه أن يكون متوجها إلى القبلة أم لا؟ # والخامسة: هل من شرطه أن يكون قائما أم لا؟ والسادسة: هل يكره أذان ~~الراكب أم ليس يكره؟ والسابعة: هل من شرطه البلوغ أم لا؟ والثامنة: هل من ~~شرطه ألا يأخذ على الأذان أجرا أم يجوز له أن يأخذه؟ فأما اختلافهم في ~~الرجلين يؤذن أحدهما ويقيم ا خر، فأكثر فقهاء الأمصار على إجازة ذلك، وذهب ~~بعضهم إلى أن ذلك لا يجوز. والسبب في ذلك أنه ورد في هذا حديثان متعارضان: ~~أحدهما حديث الصدائي قال أتيت رسول الله (ص) فلما كان أوان الصبح أمرني، ~~فأذنت، ثم قام إلى الصلاة، فجاء بلال ليقيم، فقال رسول الله (ص): # إن أخا صداء أذن، ومن أذن، فهو يقيم. والحديث الثاني: ما روي أن عبد الله ~~بن زيد حين PageV01P090 # أري الأذان، أمر رسول ms0108 الله (ص) بلالا، فأذن، ثم أمر عبد الله، فأقام. فمن ~~ذهب مذهب النسخ، قال: حديث عبد الله بن زيد متقدم، وحديث الصدائي متأخر، ~~ومن ذهب مذهب الترجيح، قال: حديث عبد الله بن زيد، أثبت لان حديث الصدائي ~~انفرد به عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وليس بحجة عندهم. وأما اختلافهم في ~~الأجرة على الأذان: فلمكان اختلافهم في تصحيح الخبر الوارد في ذلك: أعني ~~حديث عثمان بن أبي العاص أنه قال: إن من آخر ما عهد إلي رسول الله (ص) أن ~~أتخذ مؤذنا، لا يأخذ على أذانه أجرا. ومن منعه، قاس الأذان في ذلك على ~~الصلاة. وأما سائر الشروط الأخر، فسبب الخلاف فيها، هو قياسها على الصلاة، ~~فمن قاسها على الصلاة، أوجب تلك الشروط الموجودة في الصلاة، ومن لم يقسها، ~~لم يوجب ذلك. قال أبو عمر بن عبد البر: قد روينا عن أبي وائل بن حجر، قال: # حق، وسنة مسنونة أن لا يؤذن إلا وهو قائم، ولا يؤذن إلا على طهر، قال: ~~وأبو وائل هو من الصحابة، وقوله سنة يدخل في المسند، وهو أولى من القياس. ~~قال القاضي: وقد خرج الترمذي عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: لا ~~يؤذن إلا متوضئ. # القسم الخامس اختلف العلماء فيما يقوله السامع للمؤذن، فذهب قوم إلى أنه ~~يقول ما يقول المؤذن كلمة بكلمة إلى اخر النداء، وذهب آخرون إلى أنه يقول ~~مثل ما يقول المؤذن، إلا إذا قال حي على الصلاة حي علة الفلاح، فإنه يقول ~~لا حول ولا قوة إلا بالله. والسبب فالاختلاف في ذلك: تعارض الآثار، وذلك ~~أنه قد روي من حديث أبي سعيد الخدري أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا ~~سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول وجاء من طريق عمر بن الخطاب، وحديث ~~معاوية: أن السامع يقول عند حي على الصلاة حي على الفلاح: لا حول ولا قوة ~~إلا بالله. # فمن ذهب مذهب الترجيح، أخذ بعموم حديث أبي سعيد الخدري، ومن بنى العام في ~~ذلك على الخاص، جمع بين الحديثين، وهو ms0109 مذهب مالك بن أنس. # الفصل الثاني من الباب الثاني من الجملة الثانية: في الإقامة اختلفوا في ~~الإقامة في موضعين: في حكمها، وفي صفتها. أما حكمها، فإنها عند فقهاء ~~الأمصار في حق الأعيان، والجماعات سنة مؤكدة أكثر من الأذان، وهي عند أهل ~~الظاهر فرض ولا أدري هل هي فرض عندهم على الاطلاق أو فرض من فروض الصلاة؟ ~~والفرق بينهما أن على القول الأول لا تبطل الصلاة بتركها وعلى الثاني تبطل. ~~وقال ابن كنانة من أصحاب مالك: من تركها عامدا بطلت صلاته. وسبب هذا ~~الاختلاف: اختلافهم هل هي من الأفعال التي وردت بيانا لمجمل الامر بالصلاة، ~~فيحمل على الوجوب لقوله عليه الصلاة والسلام: صلوا كما رأيتموني أصلي أم هي ~~من الأفعال التي تحمل على الندب؟ وظاهر PageV01P091 # حديث مالك بن الحويرث يوجب كونها فرضا، إما في الجماعة، وإما على ~~المنفرد. وأما صفة الإقامة، فإنها عند مالك، والشافعي: أما التكبير الذي في ~~أولها فمثنى. وأما بعد ذلك، فمرة واحدة إلا قوله: قد قامت الصلاة، فإنها ~~عند مالك مرة واحدة وعند الشافعي مرتين. وأما الحنفية، فإن الإقامة عندهم ~~مثنى مثنى وخير أحمد بن حنبل بين الافراد، والتثنية على رأيه في التخيير في ~~النداء. وسبب الاختلاف: تعارض حديث أنس في هذا المعنى، وحديث أبي ليلى ~~المتقدم، وذلك أن في حديث أنس الثابت: أمر بلال أن يشفع الأذان، ويفرد ~~الإقامة إلا قد قامت الصلاة، وفي حديث أبي ليلى: أنه (ص) أمر بلالا، فأذن ~~مثنى، وأقام مثنى. والجمهور أنه ليس على النساء أذان، ولا إقامة. وقال ~~مالك: إن أقمن، فحسن، وقال الشافعي: إن أذن وأقمن، فحسن، وقال إسحاق: إن ~~عليهن الأذان والإقامة. وروي عن عائشة أنها كانت تؤذن، وتقيم - فيما ذكره ~~ابن المنذر: والخلاف آيل إلى هل تؤم المرأة، أو لا تؤم؟ وقيل الأصل أنها في ~~معنى الرجل في كل عبادة، إلا أن يقوم الدليل على تخصيصها، أم في بعضها، هي ~~كذلك، وفي بعضها يطلب الدليل. # الباب الثالث من الجملة الثانية: في القبلة اتفق المسلمون على أن التوجه ms0110 ~~نحو البيت شرط من شروط صحة الصلاة لقوله تعالى: * (ومن حيث خرجت فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام) * أما إذا أبصر البيت، فالفرض عندهم هو التوجه إلى عين ~~البيت، ولا خلاف في ذلك. أما إذا غابت الكعبة عن الابصار، فاختلفوا من ذلك ~~في موضعين. أحدهما: هل الفرض هو العين، أو الجهة؟ والثاني: هل فرضه الإصابة ~~أو الاجتهاد: أعني إصابة الجهة، أو العين عند من أوجب العين، فذهب قوم إلى ~~أن الفرض هو العين. وذهب آخرون إلى أنه الجهة. والسبب في اختلافهم: هل في ~~قوله تعالى: # * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) * محذوف، حتى يكون تقديره: ومن حيث خرجت ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام، أم ليس هاهنا محذوف أصلا، وأن الكلام على ~~حقيقته؟ فمن قدر هنالك محذوفا، قال: الفرض الجهة، ومن لم يقدر هنالك محذوفا ~~قال: الفرض العين. # والواجب حمل الكلام على الحقيقة حتى يدل الدليل على حمله على المجاز. وقد ~~يقال: إن الدليل على تقدير هذا المحذوف قوله عليه الصلاة والسلام: ما بين ~~المشرق، والمغرب قبلة، إذا توجه نحو البيت. قالوا: واتفاق المسلمين على ~~الصف الطويل خارج الكعبة، يدل على أن الفرض ليس هو العين، أعني إذا لم تكن ~~الكعبة مبصرة، والذي أقوله: إنه لو كان واجبا قصد العين، لكان حرجا، وقد ~~قال تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * فإن إصابة العين ~~PageV01P092 # شئ لا يدرك إلا بتقريب وتسامح بطريق الهندسة، واستعمال الارصاد في ذلك، ~~فكيف بغير ذلك من طرق الاجتهاد، ونحن لم نكلف الاجتهاد فيه بطريق الهندسة ~~المبني على الارصاد المستنبط منها طول البلاد، وعرضها. # وأما المسألة الثانية: فهي هل فرض المجتهد في القبلة الإصابة، أو ~~الاجتهاد فقط حتى يكون؟ إذا قلنا إن فرضه الإصابة، متى تبين له أنه أخطأ، ~~أعاد الصلاة، ومتى قلنا: إن فرضه الاجتهاد، لم يجب أن يعيد، إذا تبين له ~~الخطأ، وقد كان صلى قبل اجتهاده. أما الشافعي: # فزعم أن فرضه الإصابة، وأنه إذا تبين له أنه أخطأ، أعاد أبدا وقال قوم: ~~لا يعيد، وقد مضت ms0111 صلاته ما لم يتعمد أو صلى بغير اجتهاد، وبه قال مالك وأبو ~~حنيفة، إلا أن مالكا استحب له الإعادة في الوقت. وسبب الخلاف في ذلك: ~~معارضة الأثر للقياس مع الاختلاف أيضا في تصحيح أما القياس: فهو تشبيه ~~الجهة بالوقت: أعني بوقت الصلاة، وذلك أنهم أجمعوا على أن الفرض فيه، هو ~~الإصابة، وأنه إن انكشف للمكلف أنه صلى قبل الوقت، أعاد أبدا إلا خلافا ~~شاذا في ذلك عن ابن عباس وعن الشعبي، وما روي عن مالك من أن المسافر إذا ~~جهل، فصلى العشاء قبل غيبوبة الشفق، ثم انكشف له أنه صلاها قبل غيبوبة ~~الشفق أنه قد مضت صلاته، ووجه الشبه بينهما أن هذا ميقات وقت، وهذا ميقات ~~جهة. وأما الأثر فحديث عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله (ص) في ليلة ~~ظلماء في سفر، فخفيت علينا القبلة، فصلى كل واحد منا إلى مراجعة وعلمنا، ~~فلما أصبحنا، فإذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فسألنا رسول الله (ص)، ~~فقال: مضت صلاتكم ونزلت: * (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه ~~الله) * وعلى هذا، فتكون هذه الآية محكمة، وتكون فيمن صلى، فانكشف له أنه ~~صلى لغير القبلة والجمهور على أنها منسوخة بقوله تعالى: * (ومن حيث خرجت ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام) * فمن لم يصح عنده هذا الأثر قاس ميقات الجهة ~~على ميقات الزمان، ومن ذهب مذهب الأثر، لم تبطل صلاته. # وفي هذا الباب مسألة مشهورة، وهي جواز الصلاة في داخل الكعبة. وقد ~~اختلفوا في ذلك، فمنهم من منعه على الاطلاق، ومنهم من أجازه على الاطلاق، ~~ومنهم من فرق بين النفل في ذلك والفرض. وسبب اختلافهم: تعارض الآثار في ~~ذلك، والاحتمال المتطرق لمن استقبل أحد حيطانها من داخل، هل يسمى مستقبلا ~~للبيت، كما يسمى من استقبله من خارج أم لا؟ أما الأثر: فإنه ورد في ذلك ~~حديثان متعارضان كلاهما ثابت. أحدهما: حديث ابن عباس قال: لما دخل رسول ~~الله (ص) البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج، فلما خرج ركع ركعتين ~~في ms0112 قبل الكعبة، وقال: هذه القبلة. والثاني حديث عبد الله بن عمر. ~~PageV01P093 # أن رسول الله (ص) دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة، وبلال بن ~~رباح، فأغلقها عليه، ومكث فيها، فسألت بلالا حين خرج ماذا صنع رسول الله ~~(ص)؟ فقال: جعل عمودا عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه ثم صلى. ~~فمن ذهب مذهب الترجيح، أو النسخ قال: إما بمنع الصلاة مطلقا إن رجح حديث ~~ابن عباس، وإما بإجازتها مطلقا، إن رجح حديث ابن عمر، ومن ذهب مذهب الجمع ~~بينهما، حمل حديث ابن عباس على الفرض، وحديث ابن عمر على النفل، والجمع ~~بينهما فيه عسر، فإن الركعتين اللتين صلاهما عليه الصلاة والسلام خارج ~~الكعبة، وقال: هذه قبلة هي نفل. ومن ذهب مذهب سقوط الأثر عند التعارض، فإن ~~كان ممن يقول باستصحاب حكم الاجماع، والاتفاق، لم يجز الصلاة داخل البيت ~~أصلا، وإن كان ممن لا يرى استصحاب حكم الاجماع، عاد النظر في انطلاق اسم ~~المستقبل للبيت على من صلى داخل الكعبة، فمن جوزه، أجاز الصلاة، ومن لم ~~يجوزه، وهو الأظهر، لم يجز الصلاة في البيت. واتفق العلماء بأجمعهم على ~~استحباب السترة بين المصلي، والقبلة، إذا صلى منفردا كان أو إماما، وذلك ~~لقوله عليه الصلاة والسلام: إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فليصل ~~واختلفوا في الخط، إذا لم يجد سترة، فقال الجمهور: ليس عليه أن يخط. وقال ~~أحمد بن حنبل: يخط خطا بين يديه. # وسبب اختلافهم: اختلافهم في تصحيح الأثر الوارد في الخط، والأثر رواه أبو ~~هريرة: أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا صلى أحدكم، فليجعل تلقاء وجهه ~~شيئا، فإن لم يكن، فلينصب عصا، فإن لم تكن معه عصا فليخط خطا، ولا يضره من ~~مر بين يديه خرجه أبو داود. وكان أحمد بن حنبل يصححه، والشافعي لا يصححه، ~~وقد روي: أنه (ص) صلى لغير سترة والحديث الثابت أنه كان يخرج له العنزة. ~~فهذه جملة قواعد هذا الباب، وهي أربع مسائل . الباب الرابع من الجملة ~~الثانية وهذا الباب ينقسم ms0113 إلى فصلين: أحدهما: في ستر العورة. والثاني: فيما ~~يجزئ من اللباس في الصلاة. # الفصل الأول اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق، واختلفوا هل هو ~~شرط من شروط صحة الصلاة أم لا؟ وكذلك اختلفوا في حد العورة من الرجل ~~والمرأة، وظاهر مذهب مالك أنها من سنن الصلاة وذهب أبو حنيفة، والشافعي إلى ~~أنها من فروض الصلاة. # في ذلك: تعارض الآثار، واختلافهم في مفهوم قوله تعالى: * (يا بني آدم ~~خذوا زينتكم عند كل مسجد) * هل الامر بذلك على الوجوب، أو على الندب؟ فمن ~~حمله على PageV01P094 # الوجوب قال: المراد به ستر العورة. واحتج لذلك بأن سبب نزول هذه الآية ~~كان أن المرأة كانت تطوف بالبيت عريانة وتقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بدا منه، فلا أحله فنزلت هذه الآية، وأمر ~~رسول الله (ص): ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ومن حمله ~~على الندب قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغير ذلك من الملابس ~~التي هي زينة، واحتج لذلك بما جاء في الحديث من: أنه كان رجال يصلون مع ~~النبي (ص) عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن ~~رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا قالوا: ولذلك من لم يجد ما به يستر عورته، ~~لم يختلف في أنه يصلي، واختلف فيمن عدم الطهارة هل يصلي أم لا يصلي؟ # وأما المسألة الثانية: وهو حد العورة من الرجل، فذهب مالك والشافعي إلى ~~أن حد العورة منه ما بين السرة إلى الركبة، وكذلك قال أبو حنيفة وقال قوم: ~~العورة هما السوأتان فقط من الرجل. وسبب الخلاف في ذلك: أثران متعارضان، ~~كلاهما ثابت: أحدهما: حديث جرهد أن النبي (ص) قال: الفخذ عورة. والثاني ~~حديث أنس: أن النبي (ص) حسر عن فخذه، وهو جالس مع أصحابه. قال البخاري: ~~وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط وقد قال بعضهم: العورة: الدبر، والفرج، ~~والفخذ. # وأما المسألة الثالثة: وهي حد العورة من المرأة، فأكثر العلماء على أن ~~بدنها كله عورة، ما خلا الوجه، والكفين. وذهب ms0114 أبو حنيفة إلى أن قدمها ليست ~~بعورة. وذهب أبو بكر بن عبد الرحمن، وأحمد إلى أن المرأة كلها عورة. وسبب ~~الخلاف في ذلك: احتمال قوله تعالى: # * (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) * هل هذا المستثنى المقصود منه ~~أعضاء محدودة، أم إنما المقصود بما لا يملك ظهوره؟ فمن ذهب إلى أن المقصود ~~من ذلك ما لا يملك ظهوره عند الحركة قال: بدنها كله عورة حتى ظهرها واحتج ~~لذلك بعموم قوله تعالى: # * (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين) * الآية. ومن رأى أن ~~المقصود من ذلك ما جرت به العادة بأنه لا يستر وهو الوجه، والكفان، ذهب إلى ~~أنهما ليسا بعورة، واحتج لذلك بأن المرأة ليست تستر وجهها في الحج. # الفصل الثاني من الباب الرابع: فيما يجزئ في اللباس في الصلاة أما اللباس ~~فالأصل فيه قوله تعالى: * (خذوا زينتكم عند كل مسجد) * والنهي الوارد عن ~~هيئات بعض الملابس في الصلاة، وذلك أنهم اتفقوا فيما أحسب على أن ~~PageV01P095 # الهيئات من اللباس التي لهن على الصلاة فيها مثل: اشتمال الصماء، وهو أن ~~يحتبي الرجل في ثوب واحد، ليس على عاتقه منه شئ، وأن يحتبي الرجل في ثوب ~~واحد ليس على فرجه منه شئ. وسائر ما ورد من ذلك أن ذلك كله سد ذريعة ألا ~~تنكشف عورته، ولا أعلم أن أحدا قال: لا تجوز صلاة على إحدى هذه الهيئات إن ~~لم تنكشف عورته، وقد كان على أصول أهل الظاهر يجب ذلك. واتفقوا على أنه ~~يجزئ الرجل من اللباس في الصلاة الثوب الواحد، لقول النبي (ص): وقد سئل: ~~أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ فقال: أو لكلكم ثوبان؟. واختلفوا في الرجل هل ~~يصلي مكشوف الظهر والبطن، فالجمهور على جواز صلاته، لكون الظهر، والبطن من ~~الرجل ليسا بعورة، وشذ قوم، فقالوا: لا تجوز صلاته لنهيه (ص): أن يصلي ~~الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شئ وتمسك بوجوب قوله تعالى: # * (خذوا زينتكم عند كل مسجد) *. واتفق الجمهور على أن اللباس المجزئ ~~للمرأة في الصلاة، هو ms0115 درع وخمار، لما روي عن أم سلمة: أنها سألت رسول الله ~~(ص) ماذا تصلي فيه المرأة؟ فقال: في الخمار والدرع السابغ، إذا غيبت ظهور ~~قدميها ولما روي أيضا عن عائشة عن النبي (ص) أنه قال لا يقبل الله صلاة ~~حائض إلا بخمار وهو مروي عن عائشة، وميمونة، وأم سلمة أنهم كانوا يفتون ~~بذلك، وكل هؤلاء يقولون: إنها إن صلت مكشوفة أعادت في الوقت وبعده، إلا ~~مالكا، فإنه قال: إنها تعيد في الوقت فقط. # والجمهور على أن الخادم لها أن تصلي مكشوفة الرأس، والقدمين وكان الحسن ~~البصري يوجب عليها الخمار، واستحبه عطاء. وسبب الخلاف: الخطاب المتوجه إلى ~~الجنس الواحد هل يتناول الأحرار والعبيد معا، أم الأحرار فقط دون العبيد؟ ~~واختلفوا في صلاة الرجل في الثوب الحرير، فقال قوم: تجوز صلاته فيه. وقال ~~قوم: لا تجوز وقوم استحبوا له الإعادة في الوقت. وسبب اختلافهم في ذلك: هل ~~الشئ المنهي عنه مطلقا اجتنابه شرط في صحة الصلاة أم لا؟ فمن ذهب إلى أنه ~~شرط، قال: إن الصلاة لا تجوز به، ومن ذهب إلى أنه يكون بلباسه مأثوما، ~~والصلاة جائزة، قال: ليس شرطا في صحة الصلاة، كالطهارة التي هي شرط. وهذه ~~المسألة هي من نوع الصلاة في الدار المغصوبة، والخلاف فيها مشهور. # الباب الخامس وأما الطهارة من النجس، فمن قال: إنها سنة مؤكدة، فيبعد أن ~~يقول: إنها فرض في الصلاة، أي من شروط صحته. وأما من قال: إنها فرض بإطلاق، ~~فيجوز أن يقول: إنها فرض في الصلاة ويجوز ألا يقول ذلك. وحكى عبد الوهاب عن ~~المذهب في ذلك قولين: أحدهما: أن إزالة النجاسة شرط في صحة الصلاة في حال ~~القدرة والذكر. والقول الاخر: إنها ليست شرطا PageV01P096 # والذي حكاه من أنها شرط لا يتخرج على مشهور المذهب من أن غسل النجاسة سنة ~~مؤكدة، وإنما يتخرج على القول بأنها فرض مع كتاب الطهارة، وعرف هناك أسباب ~~الخلاف فيها، وإنما الذي يتعلق به هاهنا الكلام من ذلك هل ما هو فرض مطلق ~~مما يقع في الصلاة، يجب ms0116 أن يكون فرضا في الصلاة أم لا؟ # والحق أن الشئ المأمور به على الاطلاق، لا يجب أن يكون شرطا في صحة شئ ما ~~(آخر مأمور به - وإن وقع فيه - إلا بأمر آخر، وكذلك الامر في الشئ المنهي ~~عنه على الاطلاق، لا يجب أن يكون شرطا في صحة شئ ما) إلا بأمر آخر. # الباب السادس وأما المواضع التي يصلي فيها: فإن من الناس، من أجاز الصلاة ~~في كل موضع لا تكون فيه نجاسة ومنهم من استثنى من ذلك سبعة مواضع: المزبلة، ~~والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر بيت ~~الله ومنهم من استثنى من ذلك المقبرة فقط ومنهم من استثنى المقبرة والحمام ~~ومنهم من كره الصلاة في هذه المواضع المنهي عنها، ولم يبطلها وهو أحد ما ~~روي عن مالك، وقد روي عنه الجواز، وهذه رواية ابن القاسم. وسبب اختلافهم: ~~تعارض ظواهر الآثار في هذا الباب، وذلك أن هاهنا حديثين متفق على صحتهما، ~~وحديثين مختلف فيهما، فأما المتفق عليهما فقوله عليه الصلاة والسلام: أعطيت ~~خمسا لم يعطهن أحد قبلي، وذكر فيها: وجعلت لي الأرض مسجدا، وطهورا، فأينما ~~أدركتني الصلاة صليت. وقوله عليه الصلاة والسلام: اجعلوا من صلاتكم في ~~بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا وأما غير المتفق عليهما: روي: أنه عليه الصلاة ~~والسلام نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، ~~وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله خرجه ~~الترمذي. # والثاني: ما روي أنه قال عليه الصلاة والسلام: صلوا في مرابض الغنم، ولا ~~تصلوا في أعطان الإبل. فذهب الناس في هذه الأحاديث ثلاثة مذاهب: أحدها: ~~مذهب الترجيح، والنسخ. # والثاني: مذهب البناء: أعني بناء الخاص على العام، والثالث: مذهب الجمع. ~~فأما من ذهب مذهب الترجيح والنسخ، فأخذ بالحديث المشهور، وهو قوله عليه ~~الصلاة والسلام: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وقال: هذا ناسخ لغيره، لأن هذه ~~هي فضائل له عليه الصلاة والسلام، وذلك مما لا يجوز نسخه. وأما من ذهب مذهب ~~بناء الخاص على العام: فقال: # حديث الإباحة ms0117 عام وحديث النهي خاص، فيجب أن يبنى الخاص على العام، فمن ~~هؤلاء PageV01P097 # من استثنى السبعة مواضع. ومنهم من استثنى الحمام، والمقبرة، وقال: هذا هو ~~الثابت عنه عليه الصلاة والسلام، لأنه قد روي أيضا النهي عنهما مفردين. ~~ومنهم من استثنى المقبرة فقط للحديث المتقدم. وأما من ذهب مذهب الجمع، ولم ~~يستثن خاصا من عام، فقال: # أحاديث النهي محمولة على الكراهة، والأول علة الجواز. واختلفوا في الصلاة ~~في البيع والكنائس، فكرهها قوم، وأجازها قوم، بين أن يكون فيها صور أو لا ~~يكون ، وهو مذهب ابن عباس لقول عمر: لا تدخل كنائسهم من أجل التماثيل، ~~والعلة فيمن كرهها لا من أجل التصاوير، حملها على النجاسة واتفقوا على ~~الصلاة على الأرض، واختلفوا في الصلاة على الطنافس وغير ذلك مما يقعد عليه ~~على الأرض، والجمهور على إباحة السجود علة الحصير وما يشبهه مما تنبته ~~الأرض، والكراهية بعد ذلك، وهو مذهب مالك بن أنس في معرفة الشروط التي هي ~~شروط في صحة الصلاة وأما التروك المشترطة في الصلاة: فاتفق المسلمون على أن ~~منها قولا، ومنها فعلا، فأما الأفعال: فجميع الأفعال المباحة التي ليست من ~~أفعال الصلاة إلا قتل العقرب، والحية في الصلاة، فإنهم اختلفوا في ذلك ~~لمعارضة الأثر في ذلك للقياس واتفقوا فيما أحسب على جواز الفعل الخفيف. ~~وأما الأقوال: فهي أيضا الأقوال التي ليست من أقاويل الصلاة، وهذه أيضا لم ~~يختلفوا أنها تفسد الصلاة عمدا لقوله تعالى: * (وقوموا لله قانتين) * ولما ~~ورد من قوله عليه الصلاة والسلام: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، ومما أحدث ~~أن لا تكلموا في الصلاة، وهو حديث ابن مسعود، وحديث زيد بن أرقم أنه قال: ~~كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت * (وقوموا لله قانتين) * فأمرنا بالسكوت، ~~ونهينا عن الكلام إلا أنهم اختلفوا من ذلك في موضعين: أحدهما: إذا تكلم ~~ساهيا. والاخر: إذا تكلم عامدا لاصلاح الصلاة، وشذ الأوزاعي فقال: من تكلم ~~في الصلاة لاحياء نفس، أو لأمر كبير، فإنه يبني. والمشهور من مذهب مالك أن ~~التكلم عمدا على جهة ms0118 الاصلاح لا يفسدها، وقال الشافعي: يفسدها التكلم كيف ~~كان إلا مع النسيان. وقال أبو حنيفة يفسدها التكلم كيف كان. والسبب في ~~اختلافهم: تعارض ظواهر الأحاديث في ذلك، وذلك أن الأحاديث المتقدمة تقتضي ~~تحريم الكلام على العموم، وحديث أبي هريرة المشهور: أن رسول الله (ص) انصرف ~~من اثنتين ، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال ~~رسول الله (ص): أصدق PageV01P098 # ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فقام رسول الله (ص)، فصلى ركعتين أخريين، ثم ~~سلم. ظاهره أن النبي (ص) تكلم، والناس معه، وأنهم بنوا بعد التكلم، ولم ~~يقطع ذلك التكلم صلاتهم. # فمن أخذ بهذا الظاهر، ورأي أن هذا شئ يخص الكلام لاصلاح الصلاة، استثنى ~~هذا من ذلك العموم، وهو مذهب مالك بن أنس. ومن ذهب إلى أنه ليس في الحديث ~~دليل على أنهم تكلموا عمدا في الصلاة، وإنما يظهر منهم أنهم تكلموا، وهم ~~يظنون أن الصلاة قد قصرت، وتكلم النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يظن أن ~~الصلاة قد تمت، ولم يصح عنده أن الناس قد تكلموا بعد قول رسول الله (ص): ما ~~قصرت الصلاة، وما نسيت قال: إن المفهوم من الحديث، إنما هو إجازة الكلام ~~لغير العامد. فإذن السبب في اختلاف مالك، والشافعي في المستثنى من ذلك ~~العموم هو اختلافهم في مفهوم هذا الحديث، مع أن الشافعي اعتمد أيضا في ذلك ~~أصلا عاما، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان. ~~وأما أبو حنيفة، فحمل أحاديث النهي على عمومها، ورأي أنها ناسخة لحديث ذي ~~اليدين، وأنه متقدم عليها. # الباب الثامن: في معرفة النية، وكيفية اشتراطها في الصلاة وأما النية: ~~فاتفق العلماء على كونها شرطا في صحة الصلاة، لكون الصلاة هي رأس العبادات ~~التي وردت في الشرع لغير مصلحة معقولة: أعني من المصالح المحسوسة. # واختلفوا هل من شرط نية المأموم أن توافق نية الامام في تعيين الصلاة وفي ~~الوجوب حتى لا يجوز أن يصلي المأموم ظهرا بإمام يصلي عصرا؟ ولا يجوز أن ~~يصلي الامام ظهرا يكون في حقه ms0119 نفلا، وفي حق المأموم فرضا؟ فذهب مالك وأبو ~~حنيفة: إلى أنه يجب أن توافق نية المأموم نية الامام. وذهب الشافعي إلى أنه ~~ليس يجب. والسبب في اختلافهم: # معارضة مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: إنما جعل الامام ليؤتم به لما ~~جاء في حديث معاذ من: أنه كان يصلي مع النبي (ص) ثم يصلي بقومه. فمن رأى ~~ذلك خاصا لمعاذ وأن عموم قوله عليه الصلاة والسلام: إنما جعل الامام ليؤتم ~~به يتناول النية، اشترط موافقة نية الامام للمأموم. ومن رأى أن الإباحة ~~لمعاذ في ذلك، هي إباحة لغيره من سائر المكلفين - وهو الأصل - قال: لا يخلو ~~الامر في ذلك الحديث الثاني من أحد أمرين: إما أن يكون ذلك العموم الذي فيه ~~لا يتناول النية لان ظاهره إنما هو في الأفعال، فلا يكون بهذا الوجه معارضا ~~لحديث معاذ، وإما أن يكون يتناولها، فيكون حديث معاذ قد خصص في ذلك العموم. ~~وفي النية مسائل ليس لها تعلق بالمنطوق به من الشرع رأينا تركها، إذ كان ~~غرضنا على القصد الأول إنما هو الكلام في المسائل التي تتعلق بالمنطوق به ~~من الشرع. PageV01P099 # الجملة الثالثة: من كتاب الصلاة وهي معرفة ما تشتمل عليه من الأقوال، ~~والأفعال، وهي الأركان. والصلوات المفروضة تختلف في هذين بالزيادة، ~~والنقصان، إما من قبل الانفراد والجماعة وإما من قبل الزمان، مثل مخالفة ~~ظهر الجمعة لظهر سائر الأيام، وإما من قبل الحضر والسفر، وإما من قبل الامن ~~والخوف، وإما من قبل الصحة والمرض. فإذا أريد أن يكون القول في هذه صناعيا، ~~وجاريا على نظام، فيجب أن يقال أولا: فيما تشترك فيه هذه كلها، ثم يقال: ~~فيما يخص واحدة واحدة منها، أو يقال في واحدة واحدة منها، وهو الأسهل، وإن ~~كان هذا النوع من التعليم يعرض منه تكرار ما، وهو الذي سلكه الفقهاء، ونحن ~~نتبعهم في ذلك فنجعل هذا الجملة مقسمة إلى ستة أبواب. الباب الأول: في صلاة ~~المنفرد الآمن الصحيح. الباب الثاني: في صلاة الجماعة، أعني في أحكام ~~الامام، والمأموم في الصلاة. الباب الثالث: ms0120 في صلاة الجمعة. الباب الرابع: ~~في صلاة السفر. الباب الخامس: في صلاة الخوف. الباب السادس: في صلاة ~~المريض. # الباب الأول: في صلاة المنفرد الحاضر الامن الصحيح وهذا الباب فيه فصلان: ~~الفصل الأول: في أقوال الصلاة. والفصل الثاني: في أفعال الصلاة. # الفصل الأول: في أقوال الصلاة وفي هذا الفصل من قواعد المسائل تسع مسائل: # المسألة الأولى: اختلف العلماء في التكبير على ثلاثة مذاهب، فقوم قالوا: ~~إن التكبير كله واجب في الصلاة وقوم قالوا: إنه كله ليس بواجب، وهو شاذ. ~~وقوم أوجبوا تكبيرة الاحرام فقط، وهم الجمهور. وسبب اختلاف من أوجبه كله، ~~ومن أوجب منه تكبيرة الاحرام فقط: معارضة ما نقل من قوله لما نقل من فعله ~~عليه الصلاة والسلام. فأما ما نقل من قوله فحديث أبي هريرة المشهور أن ~~النبي عليه الصلاة والسلام قال للرجل الذي علمه الصلاة: إذا أردت الصلاة، ~~فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، ثم كبر ثم اقرأ. فمفهوم هذا هو أن ~~التكبيرة الأولى، هي الفرض فقط، ولو كان ما عدا ذلك من التكبير فرضا لذكره ~~له، كما ذكر سائر فروض الصلاة. وأما ما نقل من فعله فمنهما حديث أبي هريرة: ~~أنه كان يصلي، فيكبر كلما خفض، ورفع، ثم يقول: إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول ~~الله (ص) ومنها حديث مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: صليت أنا وعمران بن ~~الحصين خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه ~~من الركوع كبر، فلما قضى صلاته، وانصرفنا، أخذ عمران بيده، فقال: أذكرني ~~هذا صلاة محمد (ص). فالقائلون بإيجابه، تمسكوا بهذا العمل المنقول في هذه ~~الأحاديث وقالوا: الأصل أن تكون كل أفعاله التي PageV01P100 # أتت بيانا لواجب محمولة على الوجوب، كما قال (ص): صلوا كما رأيتموني أصلي ~~وخذوا عني مناسككم. وقالت الفرقة الأولى: ما في هذه الآثار يدل على أن ~~العمل عند الصحابة، إنما كان على إتمام التكبير، ولذلك كان أبو هريرة يقول: ~~إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله (ص). وقال عمران: أذكرني هذا بصلاته ms0121 صلاة ~~محمد (ص). وأما من جعل التكبير كله نفلا، فضعيف، ولعله قاسه على سائر ~~الأذكار التي في حرام على سائر التكبيرات. قال أبو عمر بن عبد البر: ومما ~~يؤيد مذهب الجمهور ما رواه شعبة بن الحجاج عن الحسن بن عمران عن عبد الله ~~بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: صليت مع النبي (ص) فلم يتم التكبير ~~وصليت مع عمر بن عبد العزيز، فلم يتم التكبير. وما رواه أحمد بن حنبل عن ~~عمر رضي الله عنه: أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده وكأن هؤلاء رأوا أن ~~التكبير إنما هو لمكان إشعار الامام للمأمومين بقيامه، وقعوده ويشبه أن ~~يكون إلى هذا ذهب من رآه كله نفلا. # المسألة الثانية: قال مالك: لا يجزئ من لفظ التكبير إلا الله أكبر وقال ~~الشافعي: # الله أكبر، والله الأكبر، اللفظان كلاهما يجزئ وقال أبو حنيفة: يجزئ من ~~لفظ التكبير كل لفظ في معناه مثل الله الأعظم والله الاجل. وسبب اختلافهم: ~~هل اللفظ هو المتعبد به في الافتتاح، أو المعنى؟ وقد استدل المالكيون، ~~والشافعيون بقوله عليه الصلاة والسلام: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها ~~التكبير، وتحليلها التسليم قالوا: والألف واللام هاهنا للحصر، والحصر يدل ~~على أن الحكم خاص بالمنطوق به وأنه لا يجوز بغيره، وليس يوافقهم أبو حنيفة ~~على هذا الأصل، فإن هذا المفهوم هو عنده من باب دليل الخطاب، وهو أن يحكم ~~للمسكوت عنه بضد حكم المنطوق به، ودليل الخطاب، عند أبي حنيفة غير معمول ~~به. # المسألة الثالثة: ذهب قوم إلى أن التوجيه في الصلاة واجب، وهو أن يقول ~~بعد التكبير: إما (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض) وهو مذهب الشافعي ~~وإما أن يسبح، وهو مذهب أبي حنيفة وإما أن يجمع بينهما وهو مذهب أبي يوسف ~~صاحبه. وقال مالك: ليس التوجيه بواجب في الصلاة، ولا بسنة. وسبب الاختلاف: ~~معارضة الآثار الواردة بالتوجيه للعمل عند مالك، أو الاختلاف في صحة الآثار ~~الواردة بذلك. قال القاضي: قد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة: أن رسول الله ~~(ص) كان ms0122 يسكت بين التكبير، والقراءة إسكاتة، قال: فقلت: يا رسول الله بأبي ~~أنت وأمي اسكاتك بين بين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني ~~من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء ~~والثلج، والبرد. وقد ذهب قوم إلى استحسان سكتات كثيرة في الصلاة، منها حين ~~يكبر، ومنها حين يفرغ من قراءة أم القرآن، وإذا فرغ من القراءة قبل الركوع، ~~وممن قال بهذا القول الشافعي، وأبو ثور، والأوزاعي. PageV01P101 # وأنكر ذلك مالك وأصحابه، وأبو حنيفة، وأصحابه. وسبب اختلافهم: اختلافهم ~~في تصحيح حديث أبي هريرة أنه قال: كانت له عليه الصلاة والسلام سكتات في ~~صلاته حين يكبر ويفتتح الصلاة، وحين يقرأ فاتحة الكتاب، وإذا فرغ من ~~القراءة قبل الركوع. # المسألة الرابعة: اختلفوا في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في افتتاح ~~القراءة في الصلاة، فمنع ذلك مالك في الصلاة المكتوبة جهرا كانت أو سرا، لا ~~في استفتاح أم القرآن، ولا في غيرها من السور، وأجاز ذلك في النافلة وقال ~~أبو حنيفة، والثوري، وأحمد يقرؤها مع أم القرآن في كل ركعة سرا وقال ~~الشافعي: يقرؤها، ولا بد في الجهر جهرا، وفي السر سرا، وهي عنده آية من ~~فاتحة الكتاب وبه قال أحمد وأبو ثور، وأبو عبيد. واختلف قول الشافعي هل هي ~~آية من كل سورة؟ أم إنما هي من سورة النمل فقط، ومن فاتحة الكتاب؟ فروي عنه ~~القولان جميعا. وسبب الخلاف في هذا: آيل إلى شيئين: أحدهما: # اختلاف الآثار في هذا الباب. والثاني: اختلافهم هل بسم الله الرحمن ~~الرحيم آية من فاتحة الكتاب أم لا؟ فأما الآثار: التي احتج بها من أسقط ~~ذلك، فمنها حديث ابن مغفل قال: # سمعني أبي، وأنا أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. فقال: يا بني: إياك ~~والحدث، فإني صليت مع سمع رجلا منهم يقرؤها قال أبو عمر بن عبد البر: ابن ~~مغفل رجل مجهول. ومنها ما رواه مالك من حديث أنس أنه قال: قمت وراء أبي ~~بكر، وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فكلهم كان لا يقرأ بسم ms0123 الله إذا افتتحوا ~~الصلاة. قال أبو عمر: وفي بعض الروايات أنه: قام خلف النبي (ص) فكان لا ~~يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. قال أبو عمر: إلا أن أهل الحديث قالوا في ~~حديث أنس هذا: إن النقل فيه مضطرب اضطرابا لا تقوم به حجة، وذلك أن مرة روي ~~عنه مرفوعا إلى النبي (ص)، ومرة لم يرفع، ومنهم من يذكر عثمان، ومن لا ~~يذكره، ومنهم من يقول: فكانوا يقرأون بسم الله الرحمن الرحيم، ومنهم من ~~يقول: فكانوا لا يقرأون بسم الله الرحمن الرحيم، ومنهم من يقول: فكانوا لا ~~يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. وأما الأحاديث المعارضة لهذا، فمنها حديث ~~نعيم بن عبد الله المجمر قال: صليت خلف أبي هريرة، فقرأ بسم الله الرحمن ~~الرحيم قبل أم القرآن، وقبل السورة، وكبر في الخفض، والرفع، وقال: # أنا أشبهكم بصلاة رسول الله (ص). ومنها حديث ابن عباس: أن النبي (ص) كان ~~يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ومنها حديث أم سلمة أنها قالت كان رسول الله ~~(ص) يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين. فاختلاف هذه ~~الآثار أحد ما أوجب اختلافهم في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة. ~~والسبب الثاني: كما قلنا هو هل بسم الله الرحمن الرحيم آية من أم الكتاب ~~وحدها أو من كل سورة، أم ليست آية لا من أم الكتاب، ولا من كل سورة؟ فمن ~~رأى أنها آية من أم الكتاب، أوجب قراءتها بوجوب قراءة PageV01P102 # أم الكتاب عنده في الصلاة، ومن رأى أنها آية من أول كل سورة، وجب عنده أن ~~يقرأها مع السورة. وهذه المسألة قد كثر الاختلاف فيها والمسألة محتملة، ~~ولكن من أعجب ما وقع في هذه المسألة أنهم يقولون: ربما اختلف فيه هل بسم ~~الله الرحمن الرحيم آية من القرآن في غير سورة النمل؟ أم إنما هي آية من ~~القرآن في سورة النمل فقط؟ ويحكون على جهة الرد على الشافعي أنها لو كانت ~~من القرآن في غير سورة النمل، لبينه رسول الله (ص)، لان القرآن نقل ms0124 تواترا، ~~وهذا الذي قاله القاضي في الرد على الشافعي، وظن أنه قاطع. وأما أبو حامد ~~فانتصر لهذا بأن قال: إنه أيضا لو كانت من غير القرآن، لوجب على رسول الله ~~(ص) أن يبين ذلك، وهذا كله تخبط وشئ غير مفهوم، فإنه كيف يجوز في الآية ~~الواحدة بعينها أن يقال فيها: إنها من القرآن في موضع، وإنها ليست من ~~القرآن في موضع آخر، بل يقال: إن بسم الله الرحمن الرحيم قد ثبت أنها من ~~القرآن حيثما ذكرت وأنها آية من سورة النمل، وهل هي آية من سورة أم القرآن، ~~ومن كل سورة يستفتح بها؟ مختلف فيه، والمسألة محتملة، وذلك أنها في سائر ~~السور فاتحة، وهي جزء من سورة النمل فتأمل هذا، فإنه بين، والله أعلم. # المسألة الخامسة: اتفق العلماء على أنه لا تجوز صلاة بغير قراءة، لا ~~عمدا، ولا سهوا إلا شيئا روي عن عمر رضي الله عنه أنه صلى، فنسي القراءة، ~~فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع، والسجود؟ فقيل حسن. فقال: لا بأس ~~إذا، وهو حديث غريب عندهم أدخله مالك في موطئه في بعض الروايات، وإلا شيئا ~~روي عن ابن عباس أنه لا يقرأ في صلاة السر، وأنه قال: قرأ رسول الله (ص) في ~~صلوات، وسكت في أخرى، في الظهر، والعصر قراءة؟ فقال: لا. وأخذ الجمهور ~~بحديث خباب: أنه (ص) كان يقرأ في الظهر والعصر قيل فبأي شئ كنتم تعرفون ~~ذلك، قال: باضطراب لحيته. وتعلق الكوفيون بحديث ابن عباس في ترك وجوب ~~القراءة في الركعتين الأخيرتين من الصلاة لاستواء صلاة الجهر، والسر في ~~سكوت النبي (ص) في هاتين الركعتين. واختلفوا في القراءة الواجبة في الصلاة، ~~فرأى بعضهم أن الواجب من ذلك أم القرآن لمن حفظها، وأن ما عداها ليس فيه ~~توقيت، ومن هؤلاء من أوجبها في كل ركعة، ومنهم من أوجبها في أكثر الصلاة، ~~ومنهم من أوجبها في نصف الصلاة، ومنهم من أوجبها في ركعة من الصلاة، ~~وبالأول قال الشافعي وهي أشهر الروايات عن مالك وقد روي عنه ms0125 أنه إن قرأها ~~في ركعتين من الرباعية، أجزأته. وأما من رأى أنها تجزئ في ركعة، فمنهم ~~الحسن البصري، وكثير من فقهاء البصرة وأما أبو حنيفة فالواجب عنده إنما هو ~~قراءة القرآن، أي آية اتفقت أن تقرأ، وحد أصحابه في ذلك ثلاث آيات قصار، أو ~~آية طويلة مثل آية الدين، وهذا في الركعتين الأوليين. وأما في الأخيرتين، ~~فيستحب عنده التسبيح فيهما دون القراءة وبه قال الكوفيون. والجمهور يستحبون ~~القراءة فيها كلها. والسبب في PageV01P103 # هذا الاختلاف: تعارض الآثار في هذا الباب، ومعارضة ظاهر الكتاب للأثر: ~~أما الآثار المتعارضة في ذلك، فأحدها: حديث أبي هريرة الثابت: أن رجلا دخل ~~المسجد، فصلى ثم جاء فسلم على النبي (ص)، فرد عليه النبي (ص) السلام وقال: ~~ارجع فصل، فإنك لم تصل، فصلى ثم، جاء فسلم فأمره بالرجوع، فعل ذلك ثلاث ~~مرات، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فقال عليه الصلاة والسلام: إذا ~~قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر، ثم اقرأ ما تيسر ~~معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد ~~حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تستوي قائما، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها. وأما ~~المعارض لهذا، فحديثان ثابتان متفق عليهما: أحدهما حديث عبادة بن الصامت ~~أنه عليه الصلاة والسلام قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وحديث أبي ~~هريرة أيضا أن رسول الله (ص) قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، ~~فهي خداج، فهي خداج فهي خداج ثلاثا. وحديث أبي هريرة المتقدم ظاهره أنه ~~يجزئ من القراءة في الصلاة ما تيسر من القرآن، وحديث عبادة، وحديث أبي ~~هريرة الثاني يقتضيان أن أم القرآن شرط في الصلاة، وظاهر قوله تعالى: * ~~(فاقرؤوا ما تيسر منه) * يعضد حديث أبي هريرة المتقدم. والعلماء المختلفون ~~في هذه المسألة، إما أن يكونوا ذهبوا في تأويل هذه الأحاديث مذهب الجمع، ~~وإما أن يكونوا ذهبوا مذهب الترجيح، وعلى كلا القولين يتصور هذا المعنى. ~~وذلك أنه من ذهب مذهب من ms0126 أوجب قراءة ما تيسر من القرآن له أن يقول: هذا ~~أرجح، لان ظاهر الكتاب يوافقه، وله أن يقول على طريق الجمع إنه يمكن أن ~~يكون حديث عبادة المقصود به نفي الكمال، لا نفي الاجزاء، وحديث أبي هريرة ~~المقصود منه الاعلام بالمجزئ من القراءة، إذا كان المقصود منه تعليم فرائض ~~الصلاة، ولأولئك أيضا أن يذهبوا هذين المذهبين بأن يقولوا: هذه الأحاديث ~~أوضح، لأنها أكثر، وأيضا، فإن حديث أبي هريرة المشهور يعضده: # وهو الحديث الذي فيه يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: ~~نصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد: الحمد لله رب ~~العالمين، يقول الله: # حمدني عبدي... الحديث. ولهم أن يقولوا أيضا إن قوله عليه الصلاة والسلام: ~~ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن مبهم، والأحاديث الاخر معينة، والمعين يقضي ~~على المبهم، وهذا فيه عسر، فإن معنى حرف ما هاهنا إنما هو معنى أي شئ تيسر، ~~وإنما يسوغ هذا إن دلت ما في كلام العرب على ما تدل عليه لام العهد، فكان ~~يكون تقدير الكلام: اقرأ الذي تيسر معك من القرآن، ويكون المفهوم منه أم ~~الكتاب، إذا كانت الألف واللام في PageV01P104 # الذي في الظاهر تدل على العهد، فينبغي أن يتأمل هذا في كلام العرب، فإن ~~وجدت العرب تفعل هذا، أعني تتجوز في موطن ما، فتدل بما على شئ معين، فليسغ ~~هذا التأويل، وإلا فلا وجه له، فالمسألة كما ترى محتملة، وإنما كان يرتفع ~~الاحتمال لو ثبت النسخ. وأما اختلاف من أوجب أم الكتاب في الصلاة في كل ~~ركعة أو في بعض الصلاة، فسببه احتمال عودة الضمير الذي في قوله عليه الصلاة ~~والسلام: لم يقرأ فيها بأم القرآن على كل أجزاء الصلاة أو على بعضها، وذلك ~~أن من قرأ في الكل منها، أو في الجزء: أعني في ركعة، أو ركعتين لم يدخل تحت ~~قوله عليه الصلاة والسلام: لم يقرأ فيها وهذا الاحتمال بعينه هو الذي أصار ~~أبا حنيفة إلى أن يترك القراءة أيضا في بعض الصلاة: أعني في ms0127 الركعتين ~~الأخيرتين. واختار مالك أن يقرأ في الركعتين الأوليين من الرباعية بالحمد، ~~وسورة، وفي الأخيرتين بالحمد فقط، فاختار الشافعي أن يقرأ في الأربع من ~~الظهر بالحمد، وسورة، إلا أن السورة التي تقرأ في الأوليين تكون أطول فذهب ~~مالك إلى حديث أبي قتادة الثابت: أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في ~~الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين منها بفاتحة ~~الكتاب فقط وذهب الشافعي إلى ظاهر حديث أبي سعيد الثابت أيضا: أنه كان يقرأ ~~في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة ~~آية. ولم يختلفوا في العصر لاتفاق الحديثين فيها، وذلك أن في حديث أبي سعيد ~~هذا: أنه كان يقرأ في الأوليين من العصر قدر خمس عشرة آية، وفي الأخريين ~~قدر النصف من ذلك. # المسألة السادسة: اتفق الجمهور على منع قراءة القرآن في الركوع والسجود ~~لحديث علي في ذلك قال: نهاني جبريل (ص) أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا. قال ~~الطبري: وهو حديث صحيح، وبه أخذ فقهاء الأمصار. وصار قوم من التابعين إلى ~~جواز ذلك، وهو مذهب البخاري، لأنه لم يصح الحديث عنده. والله أعلم. ~~واختلفوا هل الركوع، والسجود قول محدود يقوله المصلي، أم لا؟ فقال مالك: ~~ليس في ذلك قول محدود، وذهب الشافعي، وأبو حنيفة وأحمد، وجماعة غيرهم إلى ~~أن المصلي يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثا. وفي السجود سبحان ربي ~~الأعلى ثلاثا على ما جاء في حديث عقبة بن عامر، وقال الثوري: أحب إلي أن ~~يقولها الامام خمسا في صلاته حتى يدرك الذي خلفه ثلاث تسبيحات. والسبب في ~~هذا الاختلاف: معارضة حديث ابن عباس في هذا الباب لحديث عقبة بن عامر: وذلك ~~أن في حديث ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال: ألا وإني نهيت أن أقرأ ~~القرآن راكعا، أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود ~~فاجتهدوا فيه في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم وفي حديث عقبة بن عامر أنه ~~قال: لما نزلت * (فسبح باسم ربك العظيم) * قال لنا رسول ms0128 الله (ص): اجعلوها ~~في ركوعكم، ولما PageV01P105 # نزلت * (سبح اسم ربك الأعلى) * قال: اجعلوها في سجودكم. وكذلك اختلفوا في ~~الدعاء في الركوع بعد اتفاقهم على جواز الثناء على الله فكره ذلك مالك ~~لحديث علي أنه قال عليه الصلاة والسلام: أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما ~~السجود، فاجتهدوا فيه في الدعاء. وقالت طائفة يجوز الدعاء في الركوع، ~~واحتجوا بأحاديث جاء فيها: أنه عليه الصلاة والسلام دعا في الركوع وهو مذهب ~~البخاري، واحتج بحديث عائشة قالت: كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في ~~ركوعه، وسجوده: سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك، اللهم اغفر لي. وأبو حنيفة لا ~~يجيز الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن، ومالك والشافعي يجيزان ذلك. ~~والسبب في ذلك: اختلافهم فيه، هل هو كلام أم لا؟ # المسألة السابعة: اختلفوا في وجوب التشهد، وفي المختار منه، فذهب مالك، ~~وأبو حنيفة وجماعة إلى أن التشهد ليس بواجب وذهبت طائفة إلى وجوبه، وبه قال ~~الشافعي، وأحمد، وداود. وسبب اختلافهم معارضة القياس لظاهر الآثار، وذلك أن ~~القياس يقتضي إلحاقه بسائر الأركان التي ليست بواجبة في الصلاة، لاتفاقهم ~~على وجوب القرآن، وأن التشهد ليس بقرآن، فيجب. وحديث ابن عباس أنه قال: كان ~~رسول الله (ص) يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن يقتضي وجوبه مع ~~أن الأصل عند هؤلاء أن أفعاله، وأقواله في الصلاة يجب أن تكون محمولة على ~~الوجوب حتى يدل الدليل على خلاف ذلك. والأصل عند غيرهم على خلاف هذا، وهو ~~أن ما ثبت وجوبه في الصلاة مما اتفق عليه، أو صرح بوجوبه، فلا يجب أن يلحق ~~به إلا ما صرح به، ونص عليه، فهما - كما ترى - أصلا متعارضان. وأما المختار ~~من التشهد، فإن مالكا رحمه الله اختار تشهد عمر رضي الله عنه الذي كان ~~يعلمه الناس على المنبر، وهو: التحيات لله، الزاكيات لله الطيبات الصلوات ~~لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد ~~الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله. # واختار ms0129 أهل الكوفة: أبو حنيفة، وغيره تشهد عبد الله بن مسعود، قال أبو ~~عمر: وبه قال أحمد، وأكثر أهل الحديث، لثبوت نقله عن رسول الله (ص) وهو: ~~التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد ألا إله إلا الله. ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله واختار الشافعي ذي رواه عن النبي (ص) قال: كان ~~رسول الله (ص) يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن. فكان: التحيات ~~المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ~~سلام علينا وعلى عباد الله PageV01P106 # الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وسبب اختلافهم: ~~اختلاف ظنونهم في الأرجح منها، فمن غلب على ظنه رجحان حديث ما من هذه ~~الأحاديث الثلاثة مال إليه. وقد ذهب كثير من الفقهاء إلا أن هذا كله على ~~التخيير كالأذان، والتكبير على الجنائز، وفي العيدين، وفي غير ذلك مما ~~تواتر نقله. وهو الصواب. والله أعلم. وقد اشترط الشافعي الصلاة على النبي ~~(ص) في التشهد وقال: إنها فرض لقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما) * ذهب إلى أن هذا التسليم هو التسليم من الصلاة. وذهب ~~الجمهور إلى أنه التسليم الذي يؤتى به عقب الصلاة عليه. وذهب قوم من أهل ~~الظاهر إلى أنه واجب أن يتعوذ المتشهد من الأربع التي جاءت في الحديث من ~~عذاب القبر، ومن عذاب جهنم ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا ~~والممات، لأنه ثبت: أن رسول الله (ص) كان يتعوذ منها في آخر تشهده، وفي بعض ~~طرقه: إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير، فليتعوذ من أربع الحديث خرجه مسلم. # المسألة الثامنة: اختلفوا في التسليم من الصلاة، فقال الجمهور بوجوبه ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس بواجب، والذين أوجبوه منهم من قال: الواجب على ~~المنفرد والامام تسليمة واحدة ومنهم من قال: اثنتان، فذهب الجمهور مذهب ~~ظاهر حديث علي، وهو قوله عليه الصلاة والسلام فيه: وتحليلها التسليم ومن ~~ذهب إلى أن الواجب من ذلك ms0130 تسليمتان، فلما ثبت من أنه عليه الصلاة والسلام ~~كان يسلم تسليمتين وذلك عند من حمل فعله على الوجوب. واختار مالك للمأموم ~~تسليمتين، وللامام واحدة، وقد قيل عنه إن المأموم يسلم ثلاثا الواحدة ~~للتحليل، والثانية للامام، والثالثة لمن هو عن يساره وأما أبو حنيفة فذهب ~~إلى ما رواه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي أن عبد الرحمن بن رافع، وبكر بن ~~سوادة حدثاه عن عبد الله بن عمروا بن العاص قال: قال رسول الله (ص): إذا ~~جلس الرجل في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم، فقد تمت صلاته قال أبو عمر بن ~~عبد البر: # وحديث علي المتقدم أثبت عند أهل النقل، لان حديث عبد الله بن عمرو بن ~~العاص انفرد به الإفريقي، وهو عند أهل النقل ضعيف. قال القاضي: إن كان أثبت ~~من طريق النقل، فإنه محتمل من طريق اللفظ، وذلك أنه ليس يدل على أن الخروج ~~من الصلاة لا يكون بغير التسليم إلا بضرب من دليل الخطاب وهو مفهوم ضعيف ~~عند الأكثر، ولكن للجمهور أن يقولوا: إن الألف واللام التي للحصر أقوى من ~~دليل الخطاب في كون حكم المسكوت عنه بضد حكم المنطوق به. # المسألة التاسعة: اختلفوا في القنوت، فذهب مالك إلى أن القنوت في صلاة ~~الصبح PageV01P107 # مستحب، وذهب الشافعي إلى أنه سنة وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز القنوت ~~في صلاة الصبح، وأن القنوت إنما موضعه الوتر وقال قوم: بل يقنت في كل صلاة، ~~وقال قوم: لا قنوت إلا في رمضان، وقال قوم: بل في النصف الأخير منه وقال ~~قوم: بل في النصف الأول منه. والسبب في ذلك: اختلاف الآثار المنقولة في ذلك ~~عن النبي (ص)، وقياس بعض الصلوات في ذلك على بعض: أعني التي قنت فيها على ~~التي لم يقنت فيها قال أبو عمر بن عبد البر: والقنوت بلعن الكفرة في رمضان ~~مستفيض في الصدر الأول اقتداء برسول الله (ص) في دعائه على رعل وذكوان، ~~والنفر الذين قتلوا أصحاب بئر معونة وقال الليث بن سعد: ما قنت منذ ms0131 أربعين ~~عاما، أو خمسة وأربعين عاما، إلا وراء إمام يقنت. قال الليث: وأخذت في ذلك ~~بالحديث الذي جاء عن النبي (ص): أنه قنت شهرا، أو أربعين يدعو لقوم، ويدعو ~~على آخرين حتى أنزل الله تبارك وتعالى عليه معاتبا * (ليس لك من الامر شئ ~~أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) * فترك رسول الله (ص) القنوت فما ~~قنت بعدها حتى لقي الله قال: فمنذ حملت هذا الحديث لم أقنت، وهو مذهب يحيى ~~بن يحيى. قال القاضي: ولقد حدثني الأشياخ أنه كان العمل عليه بمسجده عندنا ~~بقرطبة، وأنه استمر إلى زماننا، أو قريب من زماننا. وخرج مسلم عن أبي ~~هريرة: أن النبي (ص) قنت في صلاة الصبح، ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت * ~~(ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم) * وخرج عن أبي هريرة: أنه قنت في ~~الظهر، والعشاء الأخيرة وصلاة الصبح وخرج عنه عليه الصلاة والسلام: أنه قنت ~~شهرا في صلاة الصبح يدعو على بني عصية. واختلفوا فيما يقنت به، فاستحب مالك ~~القنوت ب‍ اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك ونستهديك، ونؤمن بك، ونخنع لك ~~ونخلع، ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ~~نرجو رحمتك ونخاف عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق ويسميها أهل العراق ~~السورتين، ويروى أنها في مصحف أبي بن كعب. وقال الشافعي، وإسحاق: بل يقنت ~~به اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت، وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ~~ولا يقضى عليك، تباركت ربنا وتعاليت وهذا يرويه الحسن بن علي من طرق ثابتة ~~أن النبي عليه الصلاة والسلام علمه هذا الدعاء يقنت به في الصلاة. وقال عبد ~~الله بن داود: من لم يقنت بالسورتين، فلا يصلى خلفه، وقال قوم: ليس في ~~القنوت شئ موقوت. # الفصل الثاني: في الأفعال التي هي أركان وفي هذا الفصل من قواعد المسائل ~~ثمان مسائل: # المسألة الأولى: اختلف العلماء في رفع اليدين في الصلاة في ثلاثة مواضع: ~~PageV01P108 # أحدها: في حكمه، والثاني: في المواضع التي ترفع فيها من الصلاة. والثالث: ~~إلى ms0132 أين ينتهي برفعها. فأما الحكم، فذهب الجمهور إلا أنه سنة في الصلاة ~~وذهب داود، وجماعة من أصحابه إلى أن ذلك فرض وهؤلاء انقسموا أقساما فمنهم ~~من أوجب ذلك في تكبيرة الاحرام فقط ومنهم من أوجب ذلك في الاستفتاح، وعند ~~الركوع، أعني عند الانحطاط فيه، وعند الارتفاع منه ومنهم من أوجب ذلك في ~~هذين الموضعين، وعند السجود، وذلك بحسب اختلافهم في المواضع التي يرفع ~~فيها. وسبب اختلافهم: معارضة ظاهر حديث أبي هريرة الذي فيه تعليم فرائض ~~الصلاة لفعله عليه الصلاة والسلام، وذلك أن حديث أبي هريرة إنما فيه أنه ~~قال له: وكبر ولم يأمره برفع يديه وثبت عنه عليه الصلاة والسلام من حديث ~~ابن عمر وغيره: أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة. وأما اختلافهم في ~~المواضع التي ترفع فيها: فذهب أهل الكوفة: أبو حنيفة وسفيان الثوري، وسائر ~~فقهائهم إلى أنه لا يرفع المصلي يديه إلا عند تكبيرة الاحرام فقط، وهي ~~رواية ابن القاسم عن مالك. # وذهب الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، وأبو ثور وجمهور أهل الحديث، وأهل ~~الظاهر إلى الرفع عند تكبيرة الاحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع ~~وهو مروي عن مالك، إلا أنه عند بعض أولئك فرض، وعند مالك سنة، وذهب بعض أهل ~~الحديث إلى رفعها عند السجود، وعند الرفع منه. والسبب في هذا الاختلاف كله: ~~اختلاف الآثار الواردة في ذلك، ومخالفة العمل بالمدينة لبعضها، وذلك أن في ~~ذلك أحاديث: أحدها: حديث عبد الله بن مسعود وحديث البراء بن عازب: أنه كان ~~عليه الصلاة والسلام يرفع يديه عند الاحرام مرة واحدة لا يزيد عليها. ~~والحديث الثاني: حديث سالم بن عبد الله ابن عمر عن أبيه: أن رسول الله (ص) ~~كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما ~~أيضا كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. وكان لا يفعل ذلك في ~~السجود، وهو حديث متفق على صحته، وزعموا أنه روى ذلك عن النبي (ص) ثلاثة ~~عشر رجلا من أصحابه. حديث وائل بن ms0133 حجر وفيه زيادة على ما في حديث عبد الله ~~بن عمر: أنه كان يرفع يديه عند السجود. فمن حمل الرفع هاهنا على أنه ندب، ~~أو فريضة فمنهم من اقتصر به على الاحرام فقط ترجيحا لحديث عبد الله بن ~~مسعود وحديث البراء بن عازب وهو مذهب مالك لموافقة العمل به، ومنهم من رجح ~~حديث عبد الله بن عمر، فرأى الرفع في الموضعين: أعني في الركوع، وفي ~~الافتتاح لشهرته، واتفق الجميع عليه، ومن كان رأيه من هؤلاء أن الرفع ~~فريضة، حمل ذلك على الفريضة، ومن كان رأيه أنه ندب، حمل ذلك على الندب. ~~ومنهم من ذهب مذهب الجمع، وقال: إنه يجب أن تجمع هذه الزيادات بعضها إلى ~~بعض على ما في حديث وائل بن حجر، فإذن العلماء ذهبوا في هذه الآثار مذهبين: ~~إما مذهب الترجيح، وإما مذهب الجمع. والسبب في اختلافهم: في حمل رفع اليدين ~~في الصلاة هل هو على الندب، أو على الفرض، هو السبب الذي قلناه PageV01P109 # قبل من أن بعض الناس يرى أن الأصل في أفعاله (ص) أن تحمل على الوجوب حتى ~~يدل الدليل على غير ذلك، ومنهم من يرى أن الأصل أن لا يزاد فيما صح بدليل ~~واضح من قول ثابت، أو إجماع أنه من فرائض الصلاة إلا بدليل واضح. وقد تقدم ~~هذا من قولنا، ولا معنى لتكرير الشئ الواحد مرات كثيرة. وأما الحد الذي ~~ترفع إليه اليدان فذهب بعضهم إلى أنه المنكبان وبه قال مالك والشافعي ~~وجماعة، وذهب بعضهم إلى رفعها إلى الاذنين وبه قال أبو حنيفة وذهب بعضهم ~~إلى رفعها إلى الصدر. وكل ذلك مروي عن النبي (ص)، إلا أن أثبت ما في ذلك. ~~أنه كان يرفعهما حذو منكبيه وعليه الجمهور والرفع إلى الاذنين أثبت من ~~الرفع إلى الصدر، وأشهر. # المسألة الثانية: ذهب أبو حنيفة إلى أن الاعتدال من الركوع، وفي الركوع، ~~غير واجب وقال الشافعي: هو واجب واختلف أصحاب مالك هل ظاهر مذهبه يقتضي أن ~~في ذلك. والسبب في اختلافهم: هل الواجب الاخذ ببعض ما ينطلق ms0134 عليه الاسم أم ~~بكل ذلك الشئ الذي ينطلق عليه الاسم، فمن كان الواجب عنده الاخذ ببعض ما ~~ينطلق عليه الاسم: لم يشترط الاعتدال في الركوع، ومن كان الواجب عنده الاخذ ~~بالكل، اشترط الاعتدال. وقد صح عن النبي (ص) أنه قال في الحديث المتقدم ~~للرجل الذي علمه فروض الصلاة: اركع حتى تطمئن راكعا، وارفع حتى تطمئن رافعا ~~فالواجب اعتقاد كونه فرضا، وعلى هذا الحديث عول كل من رأى أن الأصل لا تحمل ~~أفعاله عليه الصلاة والسلام في سائر أفعال الصلاة، مما لم ينص عليها في هذا ~~الحديث على الوجوب حتى يدل الدليل على ذلك، ومن قبل هذا لم يروا رفع اليدين ~~فرضا ولا ما عدا تكبيرة الاحرام والقراءة من الأقاويل التي في الصلاة فتأمل ~~هذا، فإنه أصل مناقض للأصل الأول، وهو سبب الخلاف في أكثر هذه المسائل. # المسألة الثالثة: اختلف الفقهاء في هيئة الجلوس فقال مالك وأصحابه ويفضي ~~بأليتيه إلى الأرض، وينصب رجله اليمنى ويثني اليسرى، وجلوس المرأة عنده ~~كجلوس الرجل وقال أبو حنيفة وأصحابه: ينصب الرجل اليمنى، ويقعد على اليسرى ~~وفرق الشافعي بين الجلسة الوسطى، والأخيرة، فقال في الوسطى بمثل قول أبي ~~حنيفة وفي الأخيرة بمثل قول مالك. وسبب اختلافهم في ذلك: تعارض الآثار، ~~وذلك أن في ذلك ثلاثة آثار: أحدها: وهو ثابت باتفاق حديث أبي حميد الساعدي ~~الوارد في وصف صلاته عليه الصلاة والسلام. وفيه: وإذا جلس في الركعتين، جلس ~~على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله ~~اليسرى، ونصب اليمنى، وقعد على مقعدته. والثاني: حديث وائل بن حجر، وفيه ~~أنه كان إذا قعد في الصلاة نصب اليمنى، , أنه قال: إنما سنة الصلاة أن تنصب ~~رجلك اليمنى وتثني اليسرى وهو يدخل في المسند لقوله فيه: إنما سنة ~~PageV01P110 # الصلاة. وفي روايته عن القاسم بن محمد أنه أراهم الجلوس في التشهد، فنصب ~~رجله اليمنى، وثنى اليسرى، وجلس على وركه الأيسر، ولم يجلس على قدمه، ثم ~~قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثني أن ms0135 أباه كان يفعل ذلك. ~~فذهب مالك مذهب الترجيح لهذا الحديث. وذهب أبو حنيفة مذهب الترجيح لحديث ~~وائل. وذهب الشافعي مذهب الجمع على حديث أبي حميد. وذهب الطبري مذهب ~~التخيير. وقال: هذه الهيئات كلها جائزة وحسن فعلها لثبوتها عن رسول الله ~~(ص). وهو قول حسن فإن الأفعال المختلفة أولى أن تحمل على التخيير منها على ~~التعارض، وإنما يتصور ذلك التعارض أكثر في الفعل مع القول، أو في القول مع ~~القول. # المسألة الرابعة: اختلف العلماء في الجلسة الوسطى، والأخيرة، فذهب الأكثر ~~في الوسطى إلى أنها سنة، وليست بفرض وشذ قوم، وقالوا: إنها فرض وكذلك ذهب ~~الجمهور في الجلسة الأخيرة إلى أنها فرض وشذ قوم فقالوا: إنها ليست بفرض. # والسبب في اختلافهم: هو تعارض مفهوم الأحاديث، وقياس إحدى الجلستين على ~~الثانية، وذلك أن في حديث أبي هريرة المتقدم: اجلس حتى تطمئن جالسا فوجب ~~الجلوس على ظاهر هذا الحديث في الصلاة كلها، فمن أخذ بهذا، قال: إن الجلوس ~~كله فرض، ولما جاء في حديث ابن بحينة الثابت: أنه عليه الصلاة والسلام أسقط ~~الجلسة الوسطى، ولم يجبرها، وسجد لها وثبت عنه أنه أسقط ركعتين، فجبرها، ~~وكذلك ركعة. فهم الفقهاء من هذا الفرق بين حكم الجلسة الوسطى، وحكم الركعة، ~~وكانت عندهم الركعة فرضا بإجماع، فوجب أن لا تكون الجلسة الوسطى فرضا. فهذا ~~هو الذي أوجب أن فرق الفقهاء بين الجلستين، ورأوا أن سجود السهو إنما يكون ~~للسنن دون الفروض، ومن رأى أنها فرض، قال: السجود للجلسة الوسطى شئ يخصها ~~دون سائر الفرائض، وليس في ذلك دليل على أنها ليست بفرض. وأما من ذهب إلى ~~أنهما كليهما سنة، فقاس الجلسة الأخيرة على الوسطى بعد أن اعتقد في الوسطى ~~بالدليل الذي اعتقد به الجمهور أنها سنة. فإذن السبب في اختلافهم هو في ~~الحقيقة آيل إلى معارضة الاستدلال لظاهر القول، أو ظاهر الفعل، فإن من ~~الناس أيضا من اعتقد أن الجلستين كليهما فرض من جهة أن أفعاله عليه الصلاة ~~والسلام عنده الأصل فيها أن تكون في الصلاة محمولة على ms0136 الوجوب حتى يدل ~~الدليل على غير ذلك على ما تقدم، فإذن الأصلان جميعا يقتضيان هاهنا أن ~~الجلوس الأخير فرض، ولذلك عليه أكثر الجمهور من غير أن يكون لمعارض إلا ~~القياس، وأعني بالأصلين: القول والعمل، لذلك أضعف الأقاويل من رأى أن ~~الجلستين سنة. والله أعلم. وثبت عنه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يضع كف ~~اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه PageV01P111 # اليسرى على ركبته اليسرى، ويشير بأصبعه. واتفق العلماء على أن هذه الهيئة ~~من هيئات الجلوس المستحسنة في الصلاة، أنه كان يشير فقط. # المسألة الخامسة: اختلف العلماء في وضع اليدين إحداهما على الأخرى في ~~الصلاة، فكره ذلك مالك في الفرض، وأجازه في النفل ورأي قوم أن هذا الفعل من ~~سنن الصلاة، وهم الجمهور. والسبب في اختلافهم: أنه قد جاءت آثار ثابتة نقلت ~~فيها صفة صلاته عليه الصلاة والسلام، ولم ينقل فيها أنه كان يضع يده اليمنى ~~على اليسرى، وثبت أيضا أن الناس كانوا يؤمرون بذلك. وورد ذلك أيضا من صفة ~~صلاته عليه الصلاة والسلام في حديث أبي حميد فرأى قوم أن الآثار التي أثبتت ~~ذلك، اقتضت زيادة على الآثار التي لم تنقل فيها هذه الزيادة، وأن الزيادة ~~يجب أن يصار إليها. ورأي قوم أن الأوجب المصير إلى الآثار التي ليست فيها ~~هذه الزيادة، لأنها أكثر، ولكون هذه ليست مناسبة لأفعال الصلاة، وإنما هي ~~من باب الاستعانة، ولذلك أجازها مالك في النفل، ولم يجزها في الفرض، وقد ~~يظهر من أمرها أنها هيئة تقتضي الخضوع، وهو الأولى بها. # المسألة السادسة: اختار قوم إذا كان الرجل في وتر من صلاته أن لا ينهض ~~حتى يستوي قاعدا، واختار آخرون أن ينهض من سجود نفسه، وبالأول قال الشافعي، ~~وجماعة وبالثاني قال مالك، وجماعة. وسبب الخلاف: أن في ذلك حديثين مختلفين: ~~أحدهما حديث مالك بن الحويرث الثابت: أنه رأى رسول الله (ص) يصلي فإذا كان ~~في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا. وفي حديث أبي حميد في صفة صلاته ~~عليه الصلاة والسلام: # أنه لما رفع رأسه من ms0137 السجدة الثانية من الركعة الأولى، قام، ولم يتورك. ~~فأخذ بالحديث الأول الشافعي، وأخذ بالثاني مالك وكذلك اختلفوا إذا سجد هل ~~يضع يديه قبل ركبتيه، أو ركبتيه قبل يديه؟ ومذهب مالك وضع الركبتين قبل ~~اليدين. وسبب اختلافهم: أن في حديث ابن حجر قال: رأيت رسول الله (ص) إذا ~~سجد، وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه وعن أبي هريرة أن ~~النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، ~~وليضع يديه قبل ركبتيه. وكان عبد الله بن عمر يضع يديه قبل ركبتيه. وقال ~~بعض أهل الحديث حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة. # المسألة السابعة: اتفق العلماء على أن السجود يكون على سبعة أعضاء: ~~الوجه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء واختلفوا فيمن سجد على وجهه، ونقصه السجود على ~~عضو من تلك الأعضاء هل تبطل صلاته أم لا؟ فقال قوم: لا تبطل صلاته لان اسم ~~السجود إنما PageV01P112 # يتناول ضاء للحديث الثابت ولم يختلفوا أن من سجد على جبهته وأنفه فقد سجد ~~على وجهه، واختلفوا فيمن سجد على أحدهما، فقال مالك: إن سجد على جبهته دون ~~أنفه جاز، وإن سجد على أنفه دون جبهته لم يجز، وقال أبو حنيفة: بل يجوز ~~ذلك: وقال الشافعي: لا يجوز إلا أن يسجد عليهما جميعا. وسبب اختلافهم: هل ~~الواجب هو امتثال بعض ما ينطلق عليه الاسم أم كله؟ وذلك أن في حديث النبي ~~عليه الصلاة والسلام الثابت عن ابن عباس قال أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء ~~فذكر منها الوجه، فمن رأى أن الواجب هو بعض ما ينطلق عليه الاسم قال: إن ~~سجد على الجبهة، أو الانف أجزأه، ومن رأى أن اسم السجود يتناول من سجد على ~~الجبهة، ولا يتناول من سجد على الانف أجاز السجود على الجبهة دون الانف. # وهذا كأنه تحديد البعض الذي هو امتثاله هو الواجب مما ينطلق عليه الاسم، ~~وكان هذا على مذهب من يفرق ms0138 بين أبعاض الشئ، فرأى أن بعضها يقوم في امتثاله ~~مقام الوجوب، وبعضها لا يقوم مقامه، فتأمل هذا، فإنه أصل في هذا الباب، ~~وإلا جاز لقائل أن يقول: إنه إن مس من أنفه الأرض مثقال خردلة تم سجوده. ~~وأما من رأى أن الواجب هو امتثال كل ما ينطلق عليه الاسم، فالواجب عنده أن ~~يسجد على الجبهة، والأنف، والشافعي يقول: إن هذا الاحتمال الذي من قبل ~~اللفظ قد أزاله فعله عليه الصلاة والسلام، وبينه فإنه كان يسجد على الانف، ~~والجبهة لما جاء من: أنه انصرف من صلاة من الصلوات وعلى جبهته وأنفه أثر ~~الطين، والماء فوجب أن يكون فعله مفسرا للحديث المجمل. قال أبو عمر بن عبد ~~البر وقد ذكر جماعة من الحفاظ حديث ابن عباس، فذكروا فيه الانف والجبهة. ~~قال القاضي أبو الوليد: وذكر بعضهم الجبهة فقط، وكلا الروايتين في كتاب ~~مسلم، وذلك حجة لمالك، واختلفوا أيضا هل من شرط السجود أن تكون يد الساجد ~~بارزة، وموضوعة على الذي يوضع عليه الوجه، أم ليس ذلك من شرطه؟ شرط السجود. ~~أحسبه شرط تمامه. وقالت جماعة، ليس ذلك من شرط السجود. ومن هذا الباب ~~اختلافهم في السجود على طاقات العمامة. وللناس فيه ثلاثة مذاهب: قول بالمنع ~~وقول بالجواز وقول بالفرق بين أن يسجد على طاقات يسيرة من العمامة، أو ~~كثيرة، وقول بالفرق بين أن يمس من جبهته الأرض شئ، أو لا يمس منها شئ، وهذا ~~الاختلاف كله موجود في المذهب وعند فقهاء الأمصار، وفي البخاري: كانوا ~~يسجدون على القلانس والعمائم. واحتج من لم ير إبراز اليدين في السجود بقول ~~ابن عباس: أمر النبي ص) أن نسجد على سبعة أعضاء، ولا نكفت ثوبا، ولا شعرا ~~وقياسا على الركبتين، وعلى الصلاة في الخفين، ويمكن أن يحتج بهذا العموم في ~~السجود على العمامة. # المسألة الثامنة: اتفق العلماء على كراهية الاقعاء في الصلاة لما جاء في ~~الحديث من PageV01P113 # النهي: أن يقعي الرجل في صلاته، كما يقعي الكلب إلا أنهم اختلفوا فيما ~~يدل عليه الاسم، فبعضهم رأى أن ms0139 الاقعاء المنهي عنه هو جلوس الرجل على ~~أليتيه في الصلاة ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب، والسبع، ولا خلاف بينهم أن ~~هذه الهيئة ليست من هيئات الصلاة. # وقوم رأوا أن معنى الاقعاء الذي نهي عنه هو أن يجعل أليتيه على عقبيه بين ~~السجدتين، وهو أن يجلس على صدور قدميه، وهو مذهب مالك، لما روي عن ابن عمر ~~أنه ذكر أنه إنما كان يفعل ذلك، لأنه كان يشتكي قدميه، وأما ابن عباس فكان ~~يقول: الاقعاء على القدمين في السجود على هذه الصفة هو سنة نبيكم سبب ~~اختلافهم: هو تردد اسم الاقعاء المنهي عنه في الصلاة بين أن يدل على المعنى ~~اللغوي، أو يدل على معنى شرعي: أعني على هيئة خصها الشرع بهذا الاسم، فمن ~~رأى أنه يدل على المعنى اللغوي قال: هو إقعاء الكلب. ومن رأى أنه يدل على ~~معنى شرعي قال: إنما أريد بذلك إحدى هيئات الصلاة المنهي عنها، ولما ثبت عن ~~ابن عمر أن قعود الرجل على صدور قدميه ليس من سنة الصلاة سبق إلى اعتقاده ~~أن هذه الهيئة هي التي أريد بالاقعاء المنهي عنه، وهذا ضعيف، فإن الأسماء ~~التي لم تثبت لها معان شرعية يجب أن تحمل على المعنى اللغوي، حتى يثبت لها ~~معنى شرعي، بخلاف الامر في الأسماء التي تثبت لها معان شرعية: أعني أنه يجب ~~أن يحمل على المعاني الشرعية حتى يدل الدليل على المعنى اللغوي مع أنه قد ~~عارض حديث ابن عمر في ذلك حديث ابن عباس. # الباب الثاني من الجملة الثالثة وهذا الباب الكلام المحيط بقواعده فيه ~~فصول سبعة: أحدها: في معرفة حكم صلاة الجماعة. والثاني: في معرفة شروط ~~الإمامة، ومن أولى بالتقديم، وأحكام الامام الخاصة به. الثالث: في مقام ~~المأموم من الامام، والاحكام الخاصة بالمأمومين. الرابع: في معرفة ما يتبع ~~فيه المأموم الامام مما ليس يتبعه. الخامس: في صفة الاتباع. السادس: فيما ~~يحمله الامام عن المأمومين. السابع: في الأشياء التي إذا فسدت لها صلاة ~~الامام يتعدى الفساد إلى المأمومين. # الفصل الأول: في معرفة حكم ms0140 صلاة الجماعة في هذا الفصل مسألتان: إحداهما: ~~هل صلاة الجماعة واجبة على من سمع النداء أم ليست بواجبة؟ المسألة الثانية: ~~إذا دخل الرجل المسجد، وقد صلي هل يجب عليه أن يصلى مع الجماعة الصلاة التي ~~قد صلاها، أم لا؟: # أما المسألة الأولى: فإن العلماء اختلفوا فيها، فذهب الجمهور إلى أنها ~~سنة أو فرض على الكفاية وذهبت الظاهرية إلى أن صلاة الجماعة فرض متعين على ~~كل مكلف. PageV01P114 # والسبب في اختلافهم: تعارض مفهومات الآثار في ذلك، وذلك أن ظاهر قوله ~~عليه الصلاة والسلام: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة، أو ~~بسبع وعشرين درجة يعني أن الصلاة في جماعات من جنس المندوب إليه، وكأنها ~~كمال زائد على الصلاة الواجبة، فكأنه قال عليه الصلاة والسلام: صلاة ~~الجماعة أكمل من صلاة المنفرد. # والكمال إنما هو شئ زائد على الاجزاء، وحديث الأعمى المشهور حين استأذنه ~~في التخلف عن صلاة الجماعة، لأنه لا قائد له، فرخص له في ذلك، ثم قال له ~~عليه الصلاة والسلام: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: لا أجد لك رخصة هو ~~كالنص في وجوبها مع عدم العذر. خرجه مسلم. ومما يقوي هذا حديث أبي هريرة ~~المتفق على صحته، وهو أن رسول الله (ص) قال: والذي نفسي بيده لقد هممت أن ~~آمر بحطب، فيحطب ثم آمر بالصلاة، فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم ~~أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد ~~عظما سمينا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء وحديث ابن مسعود وقال فيه إن ~~رسول الله (ص) علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي ~~يؤذن فيه وفي بعض رواياته: ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. فسلك كل واحد من ~~هذين الفريقين مسلك الجمع بتأويل حديث مخالفه. وصرفه إلى ظاهر الحديث الذي ~~تمسك به. فأما أهل الظاهر، فإنهم قالوا: إن المفاضلة لا يمنع أن تقع في ~~الواجبات أنفسها: أي أن صلاة الجماعة في حق من فرضه صلاة الجماعة، تفضل ~~صلاة المنفرد في ms0141 حق من سقط عنه وجوب صلاة الجماعة، لكان العذر بتلك الدرجات ~~المذكورة. قالوا: وعلى هذا فلا تعارض بين الحديثين، واحتجوا لذلك بقوله ~~عليه الصلاة والسلام: صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم. وأما أولئك، ~~فزعموا أنه يمكن أن يحمل حديث الأعمى على نداء يوم الجمعة، إذ ذلك هو ~~النداء الذي يجب على من سمعه الاتيان إليه باتفاق، وهذا فيه بعد. والله ~~أعلم، لان نص الحديث هو أن أبا هريرة قال: أتى النبي (ص) رجل أعمى. فقال: ~~يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله (ص) أن ~~يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه ، فقال: هل تسمع النداء ~~بالصلاة؟ فقال: نعم، قال: فأجب. وظاهر هذا يبعد أن يفهم منه نداء الجمعة، ~~مع أن الاتيان إلى صلاة الجمعة واجب على كل من كان في المصر، وإن لم يسمع ~~النداء، ولا أعرف في ذلك خلافا. وعارض هذا الحديث أيضا حديث عتبان بن مالك ~~المذكور في الموطأ، وفيه أن عتبان بن مالك كان يأم وهو أعمى، وأنه قال ~~لرسول الله (ص) إنه تكون الظلمة والمطر والسيل وأنل رجل ضرير البصر فصل يا ~~رسول الله في بيتي مكانا، أتخذه مصلى فجاءه رسول الله (ص)، فقال: أين تحب ~~أن أصلي، فأشار له إلى مكان من البيت فصلى فيه رسول الله (ص). PageV01P115 # وأما المسألة الثانية: فإن الذي دخل المسجد، وقد صلى لا يخلو من أحد ~~وجهين: إما أن يكون صلى منفردا، وإما أن يكون صلى في جماعة. فإن كان صلى ~~منفردا، فقال قوم: # يعيد معهم كل الصلوات إلا المغرب فقط وممن قال بهذا القول: مالك وأصحابه، ~~وقال أبو حنيفة: يعيد الصلوات كلها إلا المغرب والعصر، وقال الأوزاعي: إلا ~~المغرب والصبح، وقال أبو ثور: إلا العصر والفجر، وقال الشافعي: يعيد ~~الصلوات كلها. وإنما اتفقوا على إيجاب إعادة الصلاة عليه بالجملة لحديث بشر ~~بن محمد عن أبيه: أن رسول الله (ص) قال له حين دخل المسجد، ولم يصل معه: ما ~~لك ms0142 لم تصل مع الناس، ألست برجل مسلم؟ فقال: بلى يا رسول الله، ولكني صليت ~~في أهلي، فقال عليه الصلاة والسلام إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت. ~~فاختلف الناس لاحتمال تخصيص هذا العموم بالقياس أو بالدليل، فمن حمله على ~~عمومه، أوجب عليه إعادة الصلوات كلها، وهو مذهب الشافعي وأما من استثنى من ~~ذلك صلاة المغرب فقط، فإنه خصص العموم بقياس الشبه، وهو مالك رحمه الله، ~~وذلك أنه زعم أن صلاة المغرب هي وتر، فلو أعيدت، لأشبهت صلاة الشفع التي ~~ليست بوتر، لأنها كانت تكون بمجموع ذلك ست ركعات، فكأنها كانت تنتقل من ~~جنسها إلى جنس صلاة أخرى، وذلك مبطل لها، وهذا القياس فيه ضعف، لان السلام ~~قد فصل بين الأوتار والتمسك بالعموم أقوى من الاستثناء بهذا النوع من ~~القياس. وأقوى من هذا ما قاله الكوفيون من أنه إذا أعادها يكون قد أوتر ~~مرتين، وقد جاء في الأثر:: " لا وتران في ليلة " وأما أبو حنيفة فإنه قال: ~~إن الصلاة الثانية تكون له نفلا، فإن أعاد العصر يكون قد تنفل بعد العصر. ~~وقد جاء النهي عن ذلك، فخصص العصر بهذا القياس، والمغرب بأنها وتر والوتر ~~لا يعاد، وهذا قياس جيد إن سلم لهم الشافعية أن الصلاة الأخيرة له نفل. ~~وأما من فرق بين العصر، والصبح في ذلك، فلانه لم تختلف الآثار في النهي عن ~~الصلاة بعد الصبح، واختلف في الصلاة بعد العصر كما تقدم، وهو قول الأوزاعي. ~~وأما إذا صلى في جماعة، فهل يعيد في جماعة أخرى؟ فأكثر الفقهاء على أنه لا ~~يعيد، منهم مالك، وأبو حنيفة. وقال بعضهم: بل يعيد، وممن قال بهذا القول ~~أحمد، وداود، وأهل الظاهر. والسبب في اختلافهم: تعارض مفهوم الآثار في ذلك. # وذلك أنه ورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا تصلى صلاة في يوم ~~مرتين وروي عنه: أنه أمر الذين صلوا في جماعة أن يعيدوا مع الجماعة الثانية ~~وأيضا فإن ظاهر حديث بسر يوجب الإعادة على كل مصل إذا جاء المسجد، فإن قوته ms0143 ~~قوة العموم، والأكثر على أنه إذا ورد العام على سبب خاص لا يقتصر به على ~~سببه، وصلاة معاذ مع النبي عليه الصلاة والسلام، ثم كان يؤم قومه في تلك ~~الصلاة فيه دليل على جواز إعادة الصلاة في الجماعة. # فذهب الناس في هذه الآثار مذهب الجمع، ومذهب الترجيح، أما من ذهب مذهب ~~PageV01P116 # الترجيح، فإنه أخذ بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: لا تصلى صلاة واحدة ~~في يوم مرتين ولم يستثن من ذلك إلا صلاة المنفرد فقط لوقوع الاتفاق عليها ~~وأما من ذهب لصلاة والسلام: لا تصلى صلاة واحدة في يوم مرتين إنما ذلك أن ~~لا يصلي الرجل الصلاة الواحدة بعينها مرتين، يعتقد في كل واحدة منهما أنها ~~فرض بل يعتقد في الثانية أنها زائدة على الفرض، ولكنه مأمور بها، وقال قوم: ~~بل معنى هذا الحديث إنما هو للمنفرد أعني ألا يصلي الرجل المنفرد صلاة ~~واحدة بعينها مرتين. # الفصل الثاني في معرفة شروط الإمامة، ومن أولى بالتقديم، وأحكام الامام ~~الخاصة به وفي هذا الفصل مسائل أربع: # المسألة الأولى: اختلفوا فيمن أولى بالإمامة، فقال مالك: يؤم القوم ~~أفقههم، لا أقرؤهم وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد يؤم القوم ~~أقرؤهم. والسبب في هذا الاختلاف: اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة ~~والسلام: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم ~~بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، ~~فأقدمهم إسلاما، ولا يؤم الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على ~~تكرمته إلا بإذنه. وهو حديث متفق على صحته، لكن اختلف العلماء في مفهومه، ~~فمنهم من حمله على ظاهره، وهو أبو حنيفة، ومنهم من فهم من الأقرأ هاهنا ~~الأفقه ، لأنه زعم أن الحاجة إلى الفقه في الإمامة أمس من الحاجة إلى ~~القراءة، وأيضا فإن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه ضرورة، وذلك بخلاف ما ~~عليه الناس اليوم. # المسألة الثانية: اختلف الناس في إمامة الصبي الذي لم يبلغ الحلم إذا كان ~~قارئا، فأجاز ذلك قوم لعموم هذا ms0144 الأثر، ولحديث عمرو بن سلمة أنه كان يؤم ~~قومه، وهو صبي، ومنع ذلك قوم مطلقا، وأجازه قوم في النفل. ولم يجيزوه في ~~الفريضة، وهو مروي عن مالك. وسبب الخلاف في ذلك هل يؤم أحد في صلاة غير ~~واجبة عليه من وجبت عليه، وذلك لاختلاف نية الامام، والمأموم. # المسألة الثالثة: اختلفوا في إمامة الفاسق، فردها قوم بإطلاق، وأجازها ~~قوم بإطلاق، وفرق قوم بين أن يكون فسقه مقطوعا به، أو غير مقطوع به، ~~فقالوا: إن كان فسقه مقطوعا به، أعاد الصلاة المصلي وراءه أبدا، وإن كان ~~مظنونا استحبت له الإعادة في الوقت، وهذا PageV01P117 # الذي اختاره الأبهري تأولا على المذهب. ومنهم من فرق بين أن يكون فسقه ~~بتأويل، أو يكون بغير تأويل مثل الذي يشرب النبيذ، ويتأول أقوال أهل ~~العراق، فأجازوا الصلاة وراء المتأول، ولم يجيزوها وراء غير المتأول. وسبب ~~اختلافهم في هذا: أنه شئ مسكوت عنه في الشرع، والقياس فيه متعارض، فمن رأى ~~أن الفسق لما كان لا يبطل صحة الصلاة، ولم يكن يحتاج المأموم من إمامه إلا ~~صحة صلاته فقط على قول من يرى أن الامام يحمل عن المأموم، أجاز إمامة ~~الفاسق، ومن قاس الإمامة على الشهادة، واتهم الفاسق أن يكون يصلي صلاة ~~فاسدة كما يتهم في الشهادة أن يكذب، لم يجز إمامته، ولذلك فرق قوم بين أن ~~يكون فسقه بتأويل أو بغير تأويل، وإلى قريب من هذا يرجع من فرق بين أن يكون ~~فسقه مقطوعا به، أو غير مقطوع به، لأنه إذا كان مقطوعا به، فكأنه غير معذور ~~في تأويله. وقد رام أهل الظاهر أن يجيزوا إمامة الفاسق بعموم قوله عليه ~~الصلاة والسلام: يؤم القوم أقرؤهم قالوا: فلم يستثن من ذلك فاسقا من غير ~~فاسق، والاحتجاج بالعموم في غير المقصود ضعيف. ومنهم من فرق بين أن يكون ~~فسقه في شروط صحة الصلاة، أو في أمور خارجة عن الصلاة بناء على أن الامام، ~~إنما يشترط فيه وقوع صلاته صحيحة. # المسألة الرابعة: اختلفوا في إمامة المرأة، فالجمهور على أنه لا يجوز أن ms0145 ~~تؤم الرجال، واختلفوا في إمامتها النساء، فأجاز ذلك الشافعي ومنع ذلك مالك ~~وشذ أبو ثور والطبري، فأجازا إمامتها على الاطلاق، وإنما اتفق الجمهور على ~~منعها أن تؤم الرجال، لأنه لو كان جائزا لنقل ذلك عن الصدر الأول، ولأنه ~~أيضا لما كانت سنتهن في الصلاة التأخير عن الرجال علم أنه ليس يجوز لهن ~~التقدم عليهم لقوله عليه الصلاة والسلام: # أخروهن حيث أخرهن الله ولذلك أجاز بعضهم إمامتها النساء إذ كن متساويات ~~في المرتبة في الصلاة، مع أنه أيضا نقل ذلك عن بعض الصدر الأول. ومن أجاز ~~إمامتها، فإنما ذهب إلى ما رواه أبو داود من حديث أم ورقة: أن رسول الله ~~(ص) كان يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل ~~دارها. وفي هذا الباب مسائل كثيرة: # أعني من اختلافهم في الصفات المشترطة في الامام تركنا ذكرها، لكونها ~~مسكوتا عنها في الشرع. قال القاضي: وقصدنا في هذا الكتاب إنما هو ذكر ~~المسائل المسموعة، أو ما له تعلق قريب بالمسموع. # وأما أحكام الامام الخاصة به فإن في ذلك أربع مسائل متعلقة بالسمع: ~~إحداها: # هل يؤمن الامام إذا فرغ من قراءة أم القرآن؟ أم المأموم هو الذي يؤمن ~~فقط؟ والثانية: متى يكبر تكبيرة الاحرام؟. والثالثة: إذا ارتج عليه هل يفتح ~~عليه أم لا؟ والرابعة: هل يجوز أن يكون موضعه أرفع من موضع المأمومين؟ فأما ~~هل يؤمن الامام إذا فرغ من قراءة أم الكتاب؟ فإن مالكا ذهب في رواية ابن ~~القاسم عنه والمصريين أنه لا يؤمن. وذهب جمهور PageV01P118 # الفقهاء إلى أنه يؤمن كالمأموم سواء وهي رواية المدنيين عن مالك. وسبب ~~اختلافهم: أن في ذلك حديثين متعارضي الظاهر: أحدهما: حديث أبي هريرة المتفق ~~عليه في الصحيح أنه قال: قال رسول الله (ص): إذا أمن الامام فأمنوا والحديث ~~الثاني ما خرجه مالك عن أبي هريرة أيضا أنه قال عليه الصلاة والسلام: إذا ~~قال الامام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين. فأما الحديث الأول، ~~فهو نص في تأمين الامام. وأما الحديث الثاني، ms0146 فيستدل منه على أن الامام لا ~~يؤمن، وذلك أنه لو كان يؤمن لما أمر المأموم بالتأمين عند الفراغ من أم ~~الكتاب قبل أن يؤمن الامام، لان الامام كما قال عليه الصلاة والسلام: إنما ~~جعل الامام ليؤتم به إلا أن يخص هذا من أقوال الامام: أعني أن يكون للمأموم ~~أن يؤمن معه، أو قبله، فلا يكون فيه دليل على حكم الامام في التأمين، ويكون ~~إنما تضمن حكم المأموم فقط، ولكن الذي يظهر أن مالكا ذهب مذهب الترجيح ~~للحديث الذي رواه لكون السامع هو المؤمن لا الداعي، وذهب الجمهور لترجيح ~~الحديث الأول، لكونه نصا، ولأنه ليس فيه شئ من حكم الامام، وإنما الخلاف ~~بينه، وبين الحديث الاخر في موضع تأمين المأموم فقط، لا في هل يؤمن الامام، ~~أو لا يؤمن فتأمل هذا. ويمكن أيضا أن يتأول الحديث الأول بأن يقال: إن معنى ~~قوله فإذا أمن الامام فأمنوا أي فإذا بلغ موضع التأمين. وقد قيل: إن ~~التأمين هو الدعاء، وهذا عدول عن الظاهر لشئ غير مفهوم من الحديث إلا ~~بقياس: أعني أن يفهم من قوله: فإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~فأمنوا، أنه لا يؤمن الامام. وأما متى يكبر الامام، فإن قوما قالوا: لا ~~يكبر إلا بعد تمام الإقامة واستواء الصفوف، وهو مذهب مالك والشافعي وجماعة ~~وقوم قالوا: إن موضع التكبير هو قبل أن يتم الإقامة، واستحسنوا تكبيره عند ~~قول المؤذن قد قامت الصلاة، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري، وزفر. وسبب الخلاف ~~في ذلك: تعارض ظاهر حديث أنس وحديث بلال: أما حديث أنس، فقال: أقبل علينا ~~رسول الله (ص) قبل أن يكبر في الصلاة فقال: أقيموا صفوفكم، وتراصوا، فإني ~~أراكم من وراء ظهري وظاهر هذا أن الكلام منه كان بعد الفراغ من تمت ~~الإقامة، واستوت الصفوف حينئذ يكبر. وأما حديث بلال، فإنه روى: أنه كان ~~يقيم للنبي (ص)، فكان يقول له: يا رسول الله لا تسبقني بآمين خرجه الطحاوي ~~قالوا فهذا يدل على أن رسول الله (ص) كان يكبر، والإقامة لم تتم. ms0147 وأما ~~اختلافهم في الفتح على الامام إذا ارتج عليه، فإن مالكا والشافعي وأكثر ~~العلماء أجازوا الفتح عليه ومنع ذلك الكوفيون. وسبب الخلاف في ذلك: اختلاف ~~الآثار، وذلك أنه روي: أن رسول الله (ص) تردد في آية، فلما انصرف قال: أين ~~أبي ألم يكن في القوم؟ أي يريد الفتح عليه، وروي عنه عليه الصلاة والسلام ~~أنه قال: لا يفتح على الامام. والخلاف في ذلك في الصدر الأول، والمنع ~~PageV01P119 # مشهور عن علي، والجواز عن ابن عمر مشهور. وأما موضع الامام، فإن قوما ~~أجازوا أن يكون أرفع من موضع المأمومين، وقوم منعوا ذلك، وقوم استحبوا من ~~ذلك اليسير، وهو مذهب مالك. وسبب الخلاف في ذلك: حديثان متعارضان: أحدهما: ~~الحديث الثابت: أنه عليه الصلاة والسلام أم الناس على المنبر ليعلمهم ~~الصلاة، وأنه كان إذا أراد أن يسجد نزل من على المنبر. والثاني: ما رواه ~~أبو داود أن حذيفة أم الناس على دكان، فأخذ ابن مسعود بقميصه فجذبه، فلما ~~فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك أو ينهى عن ذلك. وقد ~~اختلفوا هل يجب على الامام أن ينوي الإمامة أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه ليس ~~ذلك بواجب عليه لحديث ابن عباس: أنه قام إلى جنب رسول الله (ص) بعد دخوله ~~في الصلاة. ورأي قوم أن هذا محتمل، وأنه لا بد من ذلك إذا كان يحمل بعض ~~أفعال الصلاة عن المأمومين، وهذا على مذهب من يرى أن الامام يحمل فرضا، أو ~~نفلا عن المأمومين. # الفصل الثالث: في مقام المأموم من الامام والاحكام الخاصة بالمأمومين وفي ~~هذا الفصل خمس مسائل: # المسألة الأولى: اتفق جمهور العلماء على أن سنة الواحد المنفرد أن يقوم ~~عن يمين الامام لثبوت ذلك من حديث ابن عباس، وغيره، وأنهم إن كانوا ثلاثة ~~سوى الامام قاموا وراءه، واختلفوا إذا كانا اثنين سوى الامام، فذهب مالك ~~والشافعي إلى أنهما يقومان خلف الامام وقال أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون: ~~بل يقوم الامام بينهما. والسبب في اختلافهم: أن في ذلك حديثين متعارضين: ~~أحدهما: ms0148 حديث جابر بن عبد الله قال: قمت عن يسار رسول الله (ص)، فأخذ بيدي، ~~فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فتوضأ، ثم جاء فقام عن ~~يسار رسول الله (ص)، فأخذ بأيدينا خلفه. والحديث الثاني: حديث ابن مسعود: ~~أنه صلى بعلقمة والأسود، فقام وسطهما وأسنده إلى النبي (ص). قال أبو عمر: ~~واختلف رواة هذا الحديث، فبعضهم أوقفه، وبعضهم أسنده والصحيح أنه موقوف، ~~وأما أن سنة المرأة أن تقف خلف الرجل أو الرجال إن كان هنالك رجل سوى ~~الامام، أو خلف الامام إن كانت وحدها، فلا أعلم في ذلك خلافا لثبوت ذلك من ~~حديث أنس الذي خرجه البخاري: أن النبي (ص) صلى به، وبأمه، أو خالته، قال: ~~فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا والذي خرجه عنه أيضا مالك أنه قال: # فصففت أنا واليتيم وراءه عليه الصلاة والسلام، والعجوز من ورائنا. وسنة ~~الواحد عند الجمهور أن يقف عن يمين الامام لحديث ابن عباس حين بات عند ~~ميمونة. وقال قوم: # بل عن يساره، ولا خلاف في أن المرأة الواحدة تصلي خلف الامام، وأنها إن ~~كانت مع الرجل صلى إلى جانب الامام، والمرأة خلفه. PageV01P120 # المسألة الثانية: أجمع العلماء على أن الصف ف الأول مرغب فيه، وكذلك تراص ~~الصفوف وتسويتها لثبوت الامر بذلك عن رسول الله (ص)، واختلفوا إذا صلى ~~انسان خلف الصف وحده، فالجمهور على أن صلاته تجزئ وقال أحمد، وأبو ثور ~~وجماعة: صلاته فاسدة. يقول: ليس في ذلك حجة، لان سنة النساء هي القيام خلف ~~الرجال. وكان أحمد كما قلنا يصحح حديث وابصة. وقال غيره: هو من مضطرب ~~الاسناد لا تقوم به حجة. واحتج الجمهور بحديث أبي بكرة أنه ركع دون الصف ~~فلم يأمره رسول الله (ص) بالإعادة، وقال له: زادك الله حرصا، ولا تعد ولو ~~حمل هذا على الندب، لم يكن تعارض: أعني بين حديث وابصة، وحديث أبي بكرة. # المسألة الثالثة: اختلف الصدر الأول في الرجل يريد الصلاة، فيسمع الإقامة ~~هل يسرع المشي إلى المسجد أم لا، مخافة أن ms0149 يفوته جزء من الصلاة؟ فروي عن ~~عمر وابن عمر وابن مسعود أنهم كانوا يسرعون المشي إذا سمعوا الإقامة. وروي ~~عن زيد بن ثابت وأبي ذر وغيرهم من الصحابة أنهم كانوا لا يرون السعي، بل أن ~~تؤتى الصلاة بوقار وسكينة، وبهذا القول قال فقهاء الأمصار لحديث أبي هريرة ~~الثابت: إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها، وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة. ~~الخلاف في ذلك أنه لم يبلغهم هذا الحديث، أو رأوا أن الكتاب يعارضه لقوله ~~تعالى: * (فاستبقوا الخيرات) * وقوله: # * (والسابقون السابقون أولئك المقربون) * وقوله: * (وسارعوا إلى مغفرة من ~~ربكم) * وبالجملة فأصول الشرع تشهد بالمبادرة إلى الخير، ولكن إذا صح ~~الحديث، وجب أن تستثنى الصلاة من بين سائر أعمال القرب. # المسألة الرابعة: متى يستحب أن يقام إلى الصلاة، فبعض استحسن البدء في ~~أول الإقامة على الأصل في الترغيب في المسارعة، وبعض عند قوله: قد قامت ~~الصلاة، وبعضهم عند حي على الفلاح، وبعضهم قال: حتى يروا الامام، وبعضهم لم ~~يحد في ذلك حدا كمالك رضي الله عنه، فإنه وكل ذلك إلى قدر طاقة الناس، وليس ~~في هذا شرع مسموع إلا حديث أبي قتادة أنه قال عليه الصلاة والسلام: إذا ~~أقيمت الصلاة، فلا تقوموا PageV01P121 # حتى تروني فإن صح هذا وجب العمل به، وإلا فالمسألة باقية على أصلها ~~المعفو عنه: # أعني أنه ليس فيها شرع، وأنه متى قام كل فحسن. # المسألة الخامسة: ذهب مالك وكثير من العلماء إلى أن الداخل وراء الامام ~~إذا خاف فوات الركعة بأن يرفع الامام رأسه منها إن تمادى حتى يصل إلى الصف ~~الأول أن له أن يركع دون الصف الأول، ثم يدب راكعا. وكره ذلك الشافعي وفرق ~~أبو حنيفة بين الجماعة والواحد فكرهه للواحد، وأجازه للجماعة وما ذهب إليه ~~مالك مروي عن زيد بن ثابت وابن مسعود. وسبب اختلافهم: اختلافهم في تصحيح ~~حديث أبي بكرة، وهو: أنه دخل هم ركوع، فركع ثم سعى إلى الصف، فلما انصر ف ~~رسول الله (ص) قال: من الساعي؟ قال أبو بكرة: أنا قال: زادك الله حرصا، ms0150 ولا ~~تعد. # الفصل الرابع: في معرفة ما يجب على المأموم أن يتبع فيه الامام وأجمع ~~العلماء على أنه يجب على المأموم أن يتبع الامام في جميع أقواله وأفعاله ~~إلا في قوله سمع الله لمن حمده، وفي جلوسه إذا صلى جالسا لمرض عند من أجاز ~~إمامة الجالس. وأما اختلافهم في قوله سمع الله لمن حمده، فإن طائفة ذهبت ~~إلى أن الامام يقول إذا رفع رأسه من الركوع سمع الله لمن حمده فقط، ويقول ~~المأموم: ربنا ولك الحمد فقط، وممن قال بهذا القول مالك، وأبو حنيفة، ~~وغيرهما وذهبت طائفة أخرى إلى أن الامام، والمأموم يقولان جميعا سمع الله ~~لمن حمده ربنا ولك الحمد، وأن المأموم يتبع فيهما معا الامام كسائر التكبير ~~سواء وقد روي عن أبي حنيفة أن المنفرد، والامام يقول إنهما جميعا، ولا خلاف ~~في المنفرد: أعني أنه يقولهما جميعا. وسبب الاختلاف في ذلك: # حديثان متعارضان: أحدهما: حديث أنس أن النبي (ص) قال: إنما جعل الامام ~~ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع، فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن ~~حمده، فقولوا ربنا ولك الحمد والحديث الثاني: حديث ابن عمر: أنه (ص) كان ~~إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما ~~كذلك أيضا، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. فمن رجح مفهوم حديث ~~أنس قال: لا يقول المأموم سمع الله لمن حمده ، ولا الامام ربنا ولك الحمد، ~~وهو من باب دليل الخطاب، لأنه جعل حكم المسكوت عنه خلاف حكم المنطوق به. ~~ومن رجح حديث ابن عمر قال: يقول الامام ربنا ولك الحمد، ويجب على المأموم ~~أن يتبع الامام في قوله سمع الله لمن حمده لعموم قوله : إنما جعل الامام ~~ليؤتم به ومن جمع بين الحديثين فرق في ذلك بين الإمام والمأموم . والحق في ~~ذلك أن حديث أنس يقتضي بدليل الخطاب أن الامام لا يقول ربنا ولك الحمد، وأن ~~المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده وحديث ابن عمر يقتضي نصا أن PageV01P122 # الامام يقول ربنا ولك ms0151 الحمد، فلا يجب أن يترك النص بدليل الخطاب، فإن ~~النص أقوى من دليل الخطاب، وحديث أنس يقتضي بعمومه أن المأموم يقول: سمع ~~الله لمن حمده بعموم قوله: إنما جعل الامام ليؤتم به وبدليل خطابه ألا ~~يقولها، فوج أن يرجح بين العموم، ودليل الخطاب، ولا خلاف أن العموم أقوى من ~~دليل الخطاب، لكن العموم يختلف أيضا في القوة، والضعف، ولذلك ليس يبعد أن ~~يكون بعض أدلة الخطاب أقوم من بعض أدلة العموم، فالمسألة لعمري اجتهادية: ~~أعني في المأموم. # وأما المسألة الثانية: وهي صلاة القائم خلف القاعد، فإن حاصل القول فيها ~~أن العلماء اتفقوا على أنه ليس للصحيح أن يصلي فرضا قاعدا إذا كان منفردا، ~~أو إماما لقوله تعالى: * (وقوموا لله قانتين) * واختلفوا إذا كان المأموم ~~صحيحا فصلى خلف إمام مريض يصلي قاعدا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المأموم ~~يصلي خلفه قاعدا، وممن قال بهذا القول أحمد، وإسحاق. والقول الثاني: أنهم ~~يصلون خلفه قياما. قال أبو عمر بن عبد البر: وعلى هذا جماعة فقهاء الأمصار: ~~الشافعي، وأصحابه، وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الظاهر، وأبو ثور، وغيرهم، وزاد ~~هؤلاء، فقالوا: يصلون وراءه قياما، وإن كان لا يقوى على الركوع، والسجود، ~~بل يومئ إيماء. وروى ابن القاسم أنه لا تجوز إمامة القاعد، وأنه إن صلوا ~~خلفه قياما أو قعودا بطلت صلاتهم. وقد روي عن مالك أنهم يعيدون الصلاة في ~~الوقت، وهذا إنما بني على الكراهة، لا على المنع، والأول هو المشهور عنه. ~~وسبب الاختلاف: تعارض الآثار في ذلك، ومعارضة العمل للآثار: أعني عمل أهل ~~المدينة عند مالك، وذلك أن في ذلك حديثين متعارضين: أحدهما: حديث أنس، وهو ~~قوله عليه الصلاة والسلام: وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا وحديث عائشة في في ~~معناه، وهو أنه (ص) وهو شاك جالسا وصل وراءه قوم قياما، فأشار إليهم أن ~~اجلسوا، فلما انصرف قال: # إنما جعل الامام ليؤتم به، فإذا ركع، فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا ~~صلى جالسا، فصلوا جلوسا. والحديث الثاني: حديث عائشة: أن رسول الله (ص) خرج ~~في مرضه ms0152 الذي توفي منه، فأتى المسجد، فوجد أبا بكر، وهو قائم يصلي بالناس، ~~فاستأخر أبو بكر، فأشار إليه رسول الله (ص) أن كما أنت فجلس رسول الله (ص) ~~إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله (ص) وكان الناس يصلون ~~بصلاة أبي بكر. فذهب الناس في هذين الحديثين مذهبين: مذهب النسخ، ومذهب ~~الترجيح. فأما من ذهب مذهب النسخ، فإنهم قالوا: إن ظاهر حديث عائشة، وهو: ~~أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يؤم الناس، وأن أبا بكر كان مسمعا لأنه ~~لا يجوز أن يكون إمامان في صلاة واحدة، وإن الناس كانوا PageV01P123 # قياما وإن النبي عليه الصلاة والسلام كان جالسا، فوجب أن يكون هذا من ~~فعله عليه الصلاة والسلام، إذ كان آخر فعله ناسخا لقوله وفعله المتقدم. ~~وأما من ذهب مذهب الترجيح، فإنهم رجحوا حديث أنس بأن قالوا: إن هذا الحديث ~~قد اضطربت الرواية عن عائشة فيه فيمن كان الامام هل رسول الله (ص) أو أبو ~~بكر؟ وأما مالك فليس له مستند من السماع، لان كلا الحديثين اتفقا على جواز ~~إمامة القاعد، وإنما اختلفا في قيام المأموم أو قعوده حتى إنه لقد قال أبو ~~محمد بن حزم إنه ليس في حديث عائشة أن الناس صلوا، لا قياما، ولا قعودا، ~~وليس يجب أن يترك المنصوص عليه لشئ لم ينص عليه. قال أبو عمر: وقد ذكر أبو ~~المصعب في مختصره عن مالك أنه قال: لا يؤم الناس أحد قاعدا، فإن أمهم قاعدا ~~فسدت صلاتهم وصلاته، لان النبي (ص) قال: لا يؤمن بعدي قاعدا. قال أبو عمر: ~~وهذا حديث لا يصح عند أهل العلم بالحديث لأنه يرويه جابر الجعفي مرسلا، ~~وليس بحجة فيما أسند، فكيف فيما أرسل؟ وقد روى ابن القاسم عن مالك أنه كان ~~يحتج بما رواه ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أن رسول الله (ص) خرج وهو مريض، ~~فكان أبو بكر هو الامام، وكان رسول الله (ص) يصلي بصلاة أبي بكر، وقال: ما ~~مات نبي حتى يؤمه رجل من أمته. وهذا ms0153 ليس فيه حجة إلا أن يتوهم أنه ائتم ~~بأبي بكر لأنه لا تجوز صلاة الامام القاعد، وهذا ظن لا يجب أن يترك له النص ~~مع ضعف هذا الحديث. # الفصل الخامس: في صفة الاتباع وفيه مسألتان: إحداهما: في وقت تكبيرة ~~الاحرام للمأموم، والثانية: في حكم من رفع رأسه قبل الامام. أما اختلافهم ~~في وقت تكبيرة المأموم، فإن مالكا استحسن أن يكبر بعد فراغ الامام من ~~تكبيرة الاحرام، قال: وإن كبر معه، أجزأه، وقد قيل إنه لا يجزئه، وأما إن ~~كبر قبله، فلا يجزئه. وقال أبو حنيفة وغيره: يكبر مع تكبيرة الامام، فإن ~~فرغ قبله، لم يجزه. وأما الشافعي فعنه في ذلك روايتان: إحداهما مثل قول ~~مالك، وهو الأشهر، والثانية أن المأموم إن كبر قبل الامام أجزأه. وسبب ~~الخلاف: أن في ذلك حديثين متعارضين: أحدهما: قوله عليه الصلاة والسلام: ~~فإذا كبر، فكبروا، والثاني: ما روي: أنه عليه الصلاة والسلام كبر في صلاة ~~من الصلوات، ثم أشار إليهم أن امكثوا، فذهب ثم رجع، وعلى رأسه أثر الماء ~~فظاهر هذا أن تكبيره وقع بعد تكبيرهم، لأنه لم يكن له تكبير أولا لمكان عدم ~~الطهارة، وهو أيضا مبني على أصله في أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة ~~الامام، نفوه، فليس ينبغي أن يحمل على أحدهما إلا بتوقيف والأصل هو ~~الاتباع، وذلك لا يكون إلا بعد أن يتقدم الامام، إما بالتكبير وإما ~~بافتتاحه. وأما من رفع رأسه قبل الامام، فإن الجمهور يرون أنه أساء، ولكن ~~صلاته جائزة، وأنه يجب عليه أن يرجع، فيتبع الامام PageV01P124 # وذهب قوم إلى أن صلاته تبطل للوعيد الذي جاء في ذلك، وهو قوله عليه ~~الصلاة والسلام أما يخاف الذي يرفع رأسه قبل الامام أن يحول الله رأسه رأس ~~حمار؟. # الفصل السادس: فيما حمله الامام عن المأمومين واتفقوا على أنه لا يحمل ~~الامام عن المأموم شيئا من فرائض الصلاة ما عدا القراءة، فإنهم اختلفوا في ~~ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المأموم يقرأ مع الامام فيما أسر فيه، ولا ~~يقرأ معه فيما جهر ms0154 به. والثاني: أنه لا يقرأ معه أصلا. والثالث: أنه يقرأ ~~فيما أسر أم الكتاب وغيرها، وفيما جهر أم الكتاب فقط. وبعضهم فرق في الجهر ~~بين أن يسمع قراءة الإمام ، أو لا يسمع، فأوجب عليه القراءة إذا لم يسمع ~~ونهاه عنها إذا سمع، وبالأول قال مالك، إلا أنه يستحسن له القراءة فيما أسر ~~فيه الامام وبالثاني قال أبو حنيفة وبالثالث قال الشافعي والتفرقة بين أن ~~يسمع، أو لا يسمع هو قول أحمد بن حنبل. والسبب في اختلافهم: اختلاف ~~الأحاديث في هذا الباب، وبناء بعضها على بعض. وذلك أن في ذلك أربعة أحاديث: ~~أحدها: قوله عليه الصلاة والسلام: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وما ورد من ~~الأحاديث في هذا المعنى مما قد ذكرناه في باب وجوب القراءة. والثاني ما روى ~~مالك عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، ~~فقال: هل قرأ معي منكم أحد آنفا؟ فقال رجل: نعم أنا يا رسول الله، فقال ~~رسول الله: إني أقول ما لي أنازع القرآن فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر ~~فيه رسول الله (ص). والثالث حديث عبادة بن الصامت قال: صلى بنا رسول الله ~~(ص) صلاة الغداة، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: إني لأراكم تقرأون ~~وراء الامام، قلنا: نعم، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن قال أبو عمر، ~~وحديث عبادة بن الصامت هنا من رواية مكحول، وغيره متصل السند صحيح. الحديث ~~الرابع: حديث جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: من كان له إمام ~~فقراءته له قراءة. وفي هذا حديث خامس صححه أحمد بن حنبل، وهو ما روي أنه ~~قال عليه الصلاة والسلام: إذا قرأ الامام فأنصتوا. فاختلف الناس في وجه جمع ~~هذه الأحاديث، فمن الناس من استثنى من النهي عن القراءة فيما جهر فيه ~~الامام قراءة أم القرآن فقط على حديث عبادة بن الصامت. ومنهم من استثنى من ~~عموم قوله عليه الصلاة والسلام: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب المأموم فقط في ~~صلاة الجهر لمكان النهي الوارد عن ms0155 القراءة فيما جهر فيه الامام في حديث أبي ~~هريرة وأكد ذلك بظاهر قوله تعالى: * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ~~لعلكم ترحمون) *. قالوا: وهذا إنما ورد في الصلاة. ومنهم من استثنى القراءة ~~الواجبة على المصلى للمأموم فقط سرا كانت الصلاة أو جهرا، وجعل PageV01P125 # الوجوب الوارد في القراءة في حق الامام والمنفرد فقط مصيرا إلى حديث ~~جابر، وهو مذهب أبي حنيفة، فصار عنده حديث جابر مخصصا لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: واقرأ ما تيسر معك فقط لأنه لا يرى وجوب قراءة أم القرآن في ~~الصلاة، وإنما يرى وجوب القراءة مطلقا على ما تقدم. وحديث جابر لم يروه ~~مرفوعا إلا جابر الجعفي، ولا حجة في شئ مما ينفرد به. قال أبو عمر: وهو ~~حديث لا يصح إلا مرفوعا عن جابر. # الفصل السابع: # في الأشياء التي إذا فسدت لها صلاة الامام يتعدى الفساد إلى المأمومين ~~واتفقوا على أنه إذا طرأ عليه الحدث في الصلاة، فقطع، أن صلاة المأمومين ~~ليست تفسد، واختلفوا إذا صلى بهم وهو جنب وعلموا بذلك بعد الصلاة، فقال ~~قوم: صلاتهم صحيحة، وقال قوم: صلاتهم فاسدة، وفرق قوم بين أن يكون الامام ~~عالما بجنابته، أو ناسيا لها، فقالوا إن كان عالما فسدت صلاتهم، وإن كان ~~ناسيا لم تفسد صلاتهم، وبالأول قال الشافعي وبالثاني قال أبو حنيفة ~~وبالثالث قاما لك. وسبب اختلافهم: هل صحة انعقاد صلاة المأموم مرتبطة بصحة ~~صلاة الامام أم ليست مرتبطة؟ فمن لم يرها مرتبطة قال: صلاتهم جائزة، ومن ~~رآها مرتبطة قال: صلاتهم فاسدة، ومن فرق بين السهو، والعمد قصد إلى ظاهر ~~الأثر المتقدم وهو: أنه عليه الصلاة والسلام كبر في صلاة من الصلوات ثم ~~أشار إليهم أن امكثوا، فذهب ثم رجع وعلى جسمه أثر الماء. فإن ظاهر هذا أنهم ~~بنوا على صلاتهم، والشافعي يرى أنه لو كانت الصلاة مرتبطة للزم أن يبدؤوا ~~بالصلاة مرة ثانية. # الباب الثالث من الجملة الثالثة والكلام المحيط بقواعد هذا الباب منحصر ~~في أربعة فصول. الفصل الأول: في وجوب الجمعة، وعلى من تجب. الثاني: في ms0156 شروط ~~الجمعة. الثالث: في أركان الجمعة. الرابع: في أحكام الجمعة. # الفصل الأول: في وجوب الجمعة ومن تجب عليه أما وجوب صلاة الجمعة على ~~الأعيان، فهو الذي عليه الجمهور، لكونها بدلا من واجب، وهو الظهر، ولظاهر ~~قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا ~~إلى ذكر الله وذروا البيع) *. والامر على الوجوب، ولقوله عليه الصلاة ~~والسلام: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم وذهب ~~قوم إلى أنها من فروض الكفاية وعن مالك رواية شاذة أنها سنة. والسبب في هذا ~~PageV01P126 # الاختلاف: تشبيهها بصلاة العيد لقوله عليه الصلاة والسلام: إن هذا يوم ~~جعله الله عيدا وأما على من تجب فعلى من وجدت فيه شروط وجوب الصلاة ~~المتقدمة، ووجد فيها زائدا عليها أربعة شروط اثنان باتفاق واثنان مختلف ~~فيهما. أما المتفق عليهما فالذكورة والصحة، فلا تجب على امرأة ولا على مريض ~~باتفاق، ولكن إن حضروا كانوا من أهل الجمعة. وأما المختلف فيهما فهما ~~المسافر، والعبد، فالجمهور على أنه لا تجب عليهما الجمعة، وداود وأصحابه ~~على أنه تجب عليهما الجمعة. وسبب اختلافهم: اختلافهم في صحة الأثر الوارد ~~في ذلك، وهو قوله عليه الصلاة والسلام الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة ~~إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض وفي أخرى إلا خمسة وفيه ~~أو مسافر والحديث لم يصح عند أكثر العلماء. # الفصل الثاني: في شروط الجمعة وأما شروط الجمعة، فاتفقوا على أنها شروط ~~الصلاة المفروضة بعينها: أعني الثمانية المتقدمة، ما عدا الوقت والأذان، ~~فإنهم اختلفوا فيهما، وكذلك اختلفوا في شروطها المختصة بها. أما الوقت فإن ~~الجمهور على أن وقتها وقت الظهر بعينه: أعني وقت الزوال، وأنها لا تجوز قبل ~~الزوال، وذهب قوم إلى أنه يجوز أن تصلى قبل الزوال، وهو قول أحمد بن حنبل. ~~والسبب في هذا الاختلاف: الاختلاف في مفهوم الآثار الواردة في تعجيل الجمعة ~~مثل ما خرجه البخاري عن سهل بن سعد أنه قال: ما كنا نتغدى على عهد رسول ~~الله ms0157 (ص)، ولا نقيل إلا بعد الجمعة. ومثل ما روى أنهم كانوا يصلون، ~~وينصرفون وما للجدران أظلال. فمن فهم من هذه الآثار الصلاة قبل الزوال أجاز ~~ذلك، ومن لم يفهم منها إلا التبكير فقط لم يجز ذلك، لئلا تتعارض الأصول في ~~هذا الباب وذلك أنه قد ثبت من حديث أنس بن مالك: أن النبي (ص) كان يصلي ~~الجمعة حين تميل الشمس وأيضا فإنها لما كانت بدلا من الظهر، وجب أن يكون ~~وقتها وقت الظهر، فوجب من طريق الجمع بين هذه الآثار أن تحمل تلك على ~~التبكير، إذ ليست نصا في الصلاة قبل الزوال، وهو الذي عليه الجمهور. وأما ~~الأذان فإن جمهور الفقهاء اتفقوا على أن وقته هو إذا جلس الامام على ~~المنبر، واختلفوا هل يؤذن بين يدي الامام مؤذن واحد فقط أو أكثر من واحد؟ # فذهب بعضهم إلى أنه إنما يؤذن بين يدي الامام مؤذن واحد فقط، وهو الذي ~~يحرم به البيع والشراء. وقال آخرون: بل يؤذن اثنان فقط. وقال قوم: بل إنما ~~يؤذن ثلاثة. والسبب في اختلافهم: اختلاف الآثار في ذلك، وذلك أنه روى ~~البخاري عن السائب بن يزيد أنه قال: # كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الامام على المنبر على عهد، وكثر الناس ~~زاد النداء الثالث على الزوراء وروي أيضا عن PageV01P127 # السائب بن يزيد أنه قال: لم يكن يوم الجمعة لرسول الله (ص) إلا مؤذن واحد ~~وروي أيضا عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان الأذان يوم الجمعة على عهد رسول ~~الله (ص) وأبي بكر وعمر أذانا واحدا حين يخرج الامام، فلما كان زمان عثمان، ~~وكثر الناس، فزاد الأذان الأول ليتهيأ الناس للجمعة وروى ابن حبيب: أن ~~المؤذنين كانوا يوم الجمعة على عهد رسول الله (ص) ثلاثة. فذهب قوم إلى ظاهر ~~ما رواه البخاري، وقالوا: يؤذن يوم الجمعة مؤذنان وذهب آخرون إلى أن المؤذن ~~واحد، فقالوا: إن معنى قوله: فلما كان زمان عثمان، وكثر الناس، زاد النداء ~~الثالث أن النداء الثاني هو الإقامة، وأخذ آخرون بما رواه ابن حبيب، ms0158 ~~وأحاديث ابن حبيب عند أهل الحديث ضعيفة ولا سيما فيما انفرد به. وأما شروط ~~الوجوب والصحة المختصة بيوم الجمعة، فاتفق الكل على أن من شرطها الجماعة، ~~واختلفوا في مقدار الجماعة، فمنهم من قال: واحد مع الامام، وهو الطبري، ~~ومنهم من قال: اثنان سوى الامام. ومنهم من قال: ثلاثة دون الامام، وهو قول ~~أبي حنيفة، ومنهم من اشترط أربعين: وهو قول الشافعي، وأحمد وقال قوم ~~ثلاثين. ومنهم من لم يشترط عددا، ولكن رأى أنه يجوز بما دون الأربعين ولا ~~يجوز بالثلاثة، والأربعة، وهو مذهب مالك، وحدهم بأنهم الذين يمكن أن تتقرى ~~بهم قرية. وسبب اختلافهم في هذا: اختلافهم في أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع ~~هل ذلك ثلاثة، أو أربعة، أو اثنان، وهل الامام داخل فيهم أليس بداخل فيهم؟ ~~وهل الجمع المشترط في هذه الصلاة هو أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع في غالب ~~الأحوال؟ وذلك هو أكثر من الثلاثة والأربعة. فمن ذهب إلى أن الشرط في ذلك ~~هو أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع، وكان عنده أن أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع ~~اثنان، فإن كان ممن يعد الامام في الجمع المشترط في ذلك، قال تقوم الجمعة ~~باثنين: الامام، وواحد ثان، وإن كان ممن لا يرى أن يعد الامام في جملتهم، ~~قال: بثلاثة سوى الامام، وإن كان ممن يعد الامام في جملتهم وافق قول من ~~قال: أقل الجمع اثنان، ولم يعد الامام في جملتهم. وأما من راعى ما ينطلق ~~عليه في الأكثر، والعرف المستعمل اسم الجمع، قال: لا تنعقد بالاثنين، ولا ~~بالأربعة، ولم يحد في ذلك حدا. ولما كان من شرط الجمعة الاستيطان عنده حد ~~هذا الجمع بالقدر من الناس الذين يمكنهم أن يسكنوا على حدة من الناس، وهو ~~مالك رحمه الله. وأما من اشترط الأربعين، فمصيرا إلى ما روي أن هذا العدد ~~كان في أول جمعة صليت بالناس، فهذا هو أحد شروط صلاة الجمعة: أعني شروط ~~الوجوب وشروط الصحة، فإن من الشروط ما هي شروط وجوب فقط، ومنها ما ms0159 يجمع ~~الامرين جميعا: أعني أنها شروط وجوب، وشروط صحة. وأما الشرط الثاني، وهو ~~الاستيطان، فإن فقهاء الأمصار اتفقوا عليه، لاتفاقهم على أن الجمعة لا تجب ~~على المسافر وخالف في ذلك أهل الظاهر لايجابهم الجمعة على المسافر، واشترط ~~أبو حنيفة المصر PageV01P128 # والسلطان مع هذا، ولم يشترط العدد. وسبب اختلافهم في هذا الباب: هو ~~الاحتمال المتطرق إلى الأحوال الراتبة التي اقترنت بهذه الصلاة عند فعله ~~إياها (ص) هل هي شرط في صحتها، أو وجوبها، أليست بشرط؟ وذلك أنه لم يصلها ~~(ص) إلا في جماعة، ومصر، ومسجد جامع، فمن رأى أن اقتران هذه الأشياء بصلاته ~~مما يوجب كونها شرطا في صلاة الجمعة، اشترطها، ومن رأى بعضها دون بعض، ~~اشترط ذلك البعض دون غيره كاشتراط مالك المسجد وتركه اشتراط المصر ~~والسلطان. ومن هذا الموضوع اختلفوا في مسائل كثيرة من هذا الباب مثل ~~اختلافهم هل تقام جمعتان في مصر واحد، أو لا تقام؟ والسبب في اختلافهم في ~~اشتراط الأحوال والأفعال المقترنة بها: هو كون بعض تلك الأحوال أشد مناسبة ~~لأفعال الصلاة من بعض، ولذلك اتفقوا على اشتراط الجماعة، إذ كان معلوما من ~~الشرع أنها حال من الأحوال الموجودة في الصلاة، ولم ير مالك المصر ولا ~~السلطان شرطا في ذلك لكونه غير مناسب لأحوال الصلاة، ورأي المسجد شرطا ~~لكونه أقرب مناسبة حتى لقد اختلف المتأخرون من أصحابه هل من شرط المسجد ~~السقف أم لا؟ وهل من شرطه أن تكون الجمعة راتبة فيه أم لا؟ وهذا كله لعله ~~تعمق في هذا الباب ودين الله يسر، ولقائل أن يقول: إن هذه لو كانت شروطا في ~~صحة الصلاة، لما جاز أن يسكت عنها عليه الصلاة والسلام، ولا أن يترك بيانها ~~لقوله تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * ولقوله تعالى: * (لتبين لهم ~~الذي اختلفوا فيه) *. والله المرشد للصواب. # الفصل الثالث: في الأركان اتفق المسلمون على أنها خطبة، وركعتان بعد ~~الخطبة، واختلفوا من ذلك في خمس مسائل هي قواعد هذا الباب المسألة الأولى: ~~في الخطبة، هل هي شرط في صحة الصلاة، ms0160 وركن من أركانها أم لا؟ # فذهب الجمهور إلى أنها شرط، وركن وقال أقوام: إنها ليست بفرض، وجمهور ~~أصحاب مالك على أنها فرض إلا ابن الماجشون. وسبب اختلافهم: هو هل الأصل ~~المتقدم من احتمال كل ما اقترن بهذه الصلاة أن يكون من شروطها، أو لا يكون؟ ~~فمن رأى أن الخطبة حال من الأحوال المختصة بهذه الصلاة، وبخاصة إذا توهم ~~أنها عوض من الركعتين اللتين نقصتا من هذه الصلاة قال: إنها ركن من أركان ~~هذه الصلاة وشرط في صحتها، ومن رأى أن المقصود منها هو الموعظة المقصودة من ~~سائر الخطب، رأى أنها ليست شرطا من شروط الصلاة، وإنما وقع الخلاف في هذه ~~الخطبة هل هي فرض أم لا؟ لكونها راتبة من سائر الخطب، وقد PageV01P129 # احتج قوم لوجوبها بقوله تعالى: * (فاسعوا إلى ذكر الله) * وقالوا: هو ~~الخطبة. # المسألة الثانية: واختلف الذين قالوا بوجوبها في القدر المجزئ منها، فقال ~~ابن القاسم: هو أقل ما ينطلق عليه اسم خطبة في كلام العرب من الكلام المؤلف ~~المبدوء بحمد الله. وقال الشافعي: أقل ما يجزئ من ذلك خطبتان اثنتان يكون ~~في كل واحدة منهما قائما يفصل إحداهما من الاخر بجلسة خفيفة يحمد الله في ~~كل واحدة منهما في أولها، ويصلي على النبي (ص) ويوصي بتقوى الله ويقرأ شيئا ~~من القرآن في الأولى، ويدعو في الآخرة. والسبب في اختلافهم: هو هل يجزئ من ~~ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم اللغوي، أو الاسم الشرعي فمن رأى أن المجزئ ~~أقل ما ينطلق عليه الاسم اللغوي لم يشترط فيها شيئا من الأقوال التي نقلت ~~عنه (ص) فيها. ومن رأى أن المجزئ من ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم الشرعي ~~اشترط فيها أصول الأقوال التي نقلت من خطبه (ص): أعني الأقوال الراتبة غير ~~المتبدلة. والسبب في هذا الاختلاف: أن الخطبة التي نقلت عنه فيها أقوال ~~راتبة وغير راتبة، فمن اعتبر الأقوال الغير راتبة، وغلب حكمها، قال: يكفي ~~من ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم اللغوي، أعني اسم خطبة عند العرب. ومن ~~اعتبر ms0161 الأقوال الراتبة، وغلب حكمها قال: لا يجزئ من ذلك إلا أقل ما ينطلق ~~عليه اسم الخطبة في عرف الشرع واستعماله. وليس من شرط الخطبة عند مالك ~~الجلوس، وهو شرط كما قلنا عند الشافعي، وذلك أنه من اعتبر المعنى المعقول ~~منه من كونه استراحة للخطيب، لم يجعله شرطا، ومن جعل ذلك عبادة، جعله شرطا. # المسألة الثالثة: اختلفوا في الانصات يوم الجمعة والامام يخطب على ثلاثة ~~أقوال: # منهم من رأى أن الانصات واجب على كل حال، وأنه حكم لازم من أحكام الخطبة، ~~وهم الجمهور ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، وجميع فقهاء ~~الأمصار. وهؤلاء انقسموا ثلاثة أقسام: فبعضهم أجاز التشميت، ورد السلام في ~~وقت الخطبة، وبه قال الثوري، والأوزاعي، وغيرهم، وبعضهم لم يجز رد السلام، ~~ولا التشميت، وبعضهم فرق بين السلام، والتشميت، فقالوا: يرد السلام ولا ~~يشمت، والقول الثاني: مقابل القول الأول، وهو أن الكلام في حال الخطبة جائز ~~إلا في حين قراءة القرآن فيها، وهو مروي عن الشعبي، وسعيد بن جبير، ~~وإبراهيم النخعي. والقول الثالث: الفرق بين أن يسمع الخطبة، أو لا يسمعها، ~~فإن سمعها أنصت، وإن لم يسمع جاز له أن يسبح، أو يتكلم في مسألة من العلم، ~~وبه قال أحمد وعطاء، وجماعة، والجمهور على أنه إن تكلم لم تفسد صلاته، وروي ~~عن ابن وهب أنه قال: من لغا، فصلاته ظهر أربع. وإنما صار الجمهور لوجوب ~~الانصات PageV01P130 # لحديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا قلت لصاحبك أنصت ~~يوم الجمعة والامام يخط ب فقد لغوت. وأما من لم يوجبه، فلا أعلم لهم شبهة ~~إلا أن يكونوا يرون أن هذا الأمة قد عارضه دليل الخطاب في قوله تعالى: * ~~(وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) * أي أن ما عدا ~~القرآن، فليس يجب له الانصات، وهذا فيه ضعف والله أعلم. والأشبه أن يكون ~~هذا الحديث لم يصلهم. وأما اختلافهم في رد السلام وتشميت العاطس: فالسبب ~~فيه تعارض عموم الامر بذلك لعموم الامر بالانصات، واحتمال أن يكون كل واحد ms0162 ~~منهما مستثنى من صاحبه، فمن استثنى من عموم الامر بالصمت يوم الجمعة الامر ~~بالسلام وتشميت العاطس أجازهما، ومن استثنى من عموم الامر برد السلام ~~والتشميت الامر بالصمت في حين الخطبة لم يجز ذلك، ومن فرق، فإنه استثنى رد ~~السلام من النهي عن التكلم في الخطبة، واستثنى من عموم الامر التشميت وقت ~~الخطبة، وإنما ذهب واحد واحد من هؤلاء إلى واحد واحد من هذه المستثنيات لما ~~غلب على ظنه من قوة العموم في أحدها، وضعفه في الاخر، وذلك أن الامر بالصمت ~~هو عام في الكلام خاص في الوقت، والامر برد السلام، والتشميت هو عام في ~~الوقت خاص في الكلام، فمن استثنى الزمن الخاص من الكلام العام لم يجز رد ~~السلام، ولا التشميت في وقت الخطبة، ومن استثنى الكلام الخاص من النهي عن ~~الكلام العام، أجاز ذلك. # والصواب ألا يصار لاستثناء أحد العمومين بأحد الخصوصين إلا بدليل، فإن ~~عسر ذلك فبالنظر في ترجيح العمومات والخصوصات، وترجيح تأكيد الأوامر بها، ~~والقول از أنه إن كانت الأوامر قوتها واحدة، والعمومات والخصوصات قوتها ~~واحدة ولم يكن هناك دليل على أي يستثنى من أي وقع التمانع ضرورة، وهذا يقل ~~وجوده، وإن لم يكن فوجه الترجيح في العمومات والخصوصات الواقعة في أمثال ~~هذه المواضع هو النظر إلى جميع أقسام النسب الواقعة بين الخصوصين ~~والعمومين، وهي أربع: عمومان في مرتبة واحدة من القوة، وخصوصان في مرتبة ~~واحدة من القوة، فهذا لا يصار لاستثناء أحدهما إلا بدليل. الثاني: مقابل ~~هذا، وهو خصوص في نهاية القوة، وعموم في نهاية الضعف فهذا يجب أن يصار ~~إليه، ولا بد، أعني أن يستثنى من العموم الخصوص. الثالث: خصوصان في مرتبة ~~واحدة، وأحد العمومين أضعف من الثاني، فهذا ينبغي أن يخصص فيه العموم ~~الضعيف. الرابع: عمومان في مرتبة واحدة، وأحد الخصوصين أقوى من الثاني، ~~فهذا يجب أن يكون الحكم فيه للخصوص القوي، وهذا كله إذا تساوت الأوامر فيها ~~في مفهوم التأكيد، فإن اختلفت، حدثت من ذلك تراكيب مختلفة PageV01P131 # ووجبت المقايسة أيضا بين قوة الألفاظ، ms0163 وقوة الأوامر، ولعسر انضباط هذه ~~الأشياء قيل: # إن كل مجتهد مصيب، أو أقل ذلك غير مأثوم. # المسألة الرابعة: اختلفوا فيمن جاء يوم الجمعة والامام على المنبر هل ~~يركع أم لا؟ # فذهب بعض إلى أنه لا يركع، وهو مذهب مالك وذهب بعضهم إلى أنه يركع. ~~والسبب في اختلافهم: معارضة القياس لعموم الأثر، وذلك أن عموم قوله عليه ~~الصلاة والسلام: # إذا جاء أحدك المسجد، فليركع ركعتين يوجب أن يركع الداخل في المسجد يوم ~~الجمعة وإن كان الامام يخطب، والامر بالانصات إلى الخطيب يوجب دليله أن لا ~~يشتغل بشئ مما يشغل عن الانصات وإن كان عبادة. ويؤيد عموم هذا الأثر ما ثبت ~~من قوله عليه الصلاة والسلام: إذا جاء أحدكم المسجد والامام يخطب، فليركع ~~ركعتين خفيفتين خرجه مسلم، وفي بعض رواياته، وأكثر رواياته: أن النبي عليه ~~الصلاة والسلام أمر الرجل الداخل أن يركع ولم يقل: إذا جاء أحدكم الحديث. ~~فيتطرق إلى هذا الخلاف في: هل تقبل زيادة الراوي الواحد إذا خالفه أصحابه ~~عن الشيخ الأول الذي اجتمعوا في الرواية عنه أم لا؟ فإن صحت الزيادة وجب ~~العمل بها، فإنها نص في موضوع الخلاف، والنص لا يجب أن يعارض بالقياس لكن ~~يشبه أن يكون الذي راعاه مالك في هذا هو العمل. # المسألة الخامسة: أكثر الفقهاء على أن من سنة القراءة في صلاة الجمعة ~~قراءة سورة الجمعة في الركعة الأولى لما تكرر ذلك من فعله عليه الصلاة ~~والسلام، وذلك أنه خرج مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) كان يقرأ في ~~الركعة الأولى بالجمعة، وفي الثانية بإذا جاءك المنافقون وروى مالك: أن ~~الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير ماذا كان يقرأ به رسول الله (ص) يوم ~~الجمعة على أثر سورة الجمعة؟ قال: كان يقرأ ب‍ * (هل أتاك حديث الغاشية) *. ~~واستحب مالك العمل على هذا الحديث وإن قرأ عنده بسبح اسم ربك الأعلى كان ~~حسنا، لأنه مروي عن عمر بن عبد العزيز، وأما أبو حنيفة فلم يقف فيها شيئا. ~~والسبب في اختلافهم: معارضة حال ms0164 الفعل للقياس، وذلك أن القياس يوجب أن لا ~~يكون لها سورة راتبة كالحال في سائر الصلوات، ودليل الفعل يقتضي أن يكون ~~لها النعمان بن بشير: أن رسول الله (ص) كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة ~~بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية. قال: فإذا اجتمع العيد، ~~والجمعة فيوم واحد قرأ بهما في الصلاتين، وهذا يدل على أنه ليس هناك سورة ~~راتبة، وأن الجمعة ليس كان يقرأ بها دائما. PageV01P132 # الفصل الرابع: في أحكام الجمعة وفي هذا الباب أربع مسائل الأولى: في حكم ~~طهر الجمعة. الثانية: على من تجب ممن خارج المصر. الثالثة: في وقت الرواح ~~المرغب فيه إلى الجمعة. الرابعة: في جواز البيع يوم الجمعة بعد النداء. # المسألة الأولى: اختلفوا في طهر الجمعة، فذهب الجمهور إلى أنه سنة وذهب ~~أهل الظاهر إلى أنه فرض، ولا خلاف فيما أعلم أنه ليس شرطا في صحة الصلاة. # والسبب في اختلافهم: تعارض الآثار، وذلك أن في هذا لباب حديث أبي سعيد ~~الخدري، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: طهر يوم الجمعة واجب على كل محتلم ~~كطهر الجنابة وفيه حديث عائشة قالت: كان الناس عمال أنفسهم، فيروحون إلى ~~الجمعة بهيئتهم، فقيل لو اغتسلتم؟ والأول صحيح باتفاق، والثاني خرجه أبو ~~داود، ومسلم. # وظاهر حديث أبي سعيد يقتضي وجوب الغسل، وظاهر حديث عائشة أن ذلك كان ~~لموضع النظافة، وأنه ليس عبادة، وقد روي: من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ~~ومن اغتسل، فالغسل أفضل وهو نص في سقوط فرضيته إلا أنه حديث ضعيف. المسألة ~~الثانية: وأما وجوب الجمعة على من هو خارج المصر، فإن قوما قالوا: لا تجب ~~على من خارج المصر، وقوم قالوا: # بل تجب، وهؤلاء اختلفوا اختلافا كثيرا فمنهم من قال: من كان بينه، وبين ~~الجمعة مسيرة يوم وجب عليه الاتيان إليها، وهو شاذ، ومنهم من قال: يجب عليه ~~الاتيان إليها على ثلاثة أميال، ومنهم من قال: يجب عليه الاتيان من حيث ~~يسمع النداء، في الأغلب، وذلك من ثلاثة أميال من موضع النداء، وهذان ~~القولان عن مالك. ms0165 وهذه المسألة ثبتت في شروط الوجوب. وسبب اختلافهم في هذا ~~الباب: اختلاف الآثار، وذلك أنه ورد أن الناس كانوا يأتون الجمعة من ~~العوالي في زمان النبي (ص)، وذلك ثلاثة أميال من المدينة. وروى أبو داود أن ~~النبي عليه الصلاة والسلام قال: الجمعة على من سمع النداء وروي: # الجمعة على من آواه الليل إلى أهله وهو أثر ضعيف. المسألة الثالثة: وأما ~~اختلافهم في الساعات التي وردت في فضل الرواح، وهو قوله عليه الصلاة ~~والسلام: من راح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة ~~الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا، ~~ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة ~~فكأنما قرب بيضة. فإن الشافعي وجماعة من العلماء اعتقدوا أن هذه الساعات هي ~~ساعات النهار فندبوا إلى الرواح من أول النهار، وذهب مالك إلى أنها أجزاء ~~ساعة واحدة قبل الزوال، وبعده. وقال قوم: هي أجزاء ساعة قبل الزوال، وهو ~~الأظهر لوجوب السعي بعد الزوال إلا على مذهب من يرى أن الواجب يدخله ~~الفضيلة. المسألة الرابعة: وأما اختلافهم في البيع والشراء وقت النداء، فإن ~~قوما قالوا: يفسخ البيع إذا وقع النداء، وقوم قالوا: لا يفسخ. PageV01P133 # وسبب اختلافهم: هل النهي عن الشئ الذي أصله مباح إذا تقيد النهي بصفة، ~~يعود بفساد المنهي عنه أم لا؟ وآداب الجمعة ثلاثة: الطيب، والسواك، واللباس ~~الحسن، ولا خلاف فيه لورود الآثار بذلك. # الباب الرابع: في صلاة السفر وهذا الباب فيه فصلان: الفصل الأول: في ~~القصر، الفصل الثاني: في الجمع. # الفصل الأول: في القصر والسفر له تأثير في القصر باتفاق، وفي الجمع ~~باختلاف. أما القصر، فإنه اتفق العلماء على جواز قصر الصلاة للمسافر إلا ~~قول شاذ وهو قول عائشة، وهو أن القصر لا يجوز إلا للخائف لقوله تعالى: * ~~(إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) *. وقالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام ~~إنما قصر لأنه كان خائفا. واختلفوا من ذلك في خمسة مواضع: # أحدها: في حكم القصر، والثاني: في ms0166 المسافة التي يجب فيها القصر، والثالث: ~~في السفر الذي يجب فيه القصر، والرابع في الموضع الذي يبدأ منه المسافر ~~بالتقصير والخامس في مقدار الزمان الذي يجوز للمسافر فيه إذا أقام في موضع ~~أن يقصر الصلاة. فأما حكم القصر، فإنهم اختلفوا فيه على أربعة أقوال: فمنهم ~~من رأى أن القصر هو فرض المسافر المتعين عليه، ومنهم من رأى أن القصر ~~والاتمام، كلاهما فرض مخير له كالخيار في واجب الكفارة، ومنهم من رأى أن ~~القصر سنة، ومنهم من رأى أنه رخصة، وأن الاتمام أفضل. # وبالقول الأول قال أبو حنيفة، وأصحابه والكوفيون بأسرهم: أعني أنه فرض ~~متعين وبالثاني قال بعض أصحاب الشافعي وبالثالث - أعني أنه سنة - قال مالك ~~في أشهر الروايات عنه، وبالرابع أعني أنه رخصة قال الشافعي في أشهر ~~الروايات عنه، وهو المنصور عند أصحابه. والسبب في اختلافهم: معارضة المعنى ~~المعقول لصيغة اللفظ المنقول. # ومعارضة دليل الفعل أيضا للمعنى المعقول، ولصيغة اللفظ المنقول. وذلك أن ~~المفهوم من قصر الصلاة للمسافر إنما هو الرخصة لموضع المشقة، كما رخص له في ~~الفطر، وفي أشياء كثيرة، ويؤيد هذا حديث يعلى بن أمية قال: قلت لعمر: إنما ~~قال الله: * (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) * يريد في قصر الصلاة في ~~السفر، فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله (ص) عما سألتني عنه، ~~فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته فمفهوم هذا الرخصة. وحديث ~~أبي قلابة عن رجل من بني عامر أنه أتى النبي (ص)، فقال له النبي (ص): إن ~~الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وهما في PageV01P134 # الصحيح. التخفيف والرخصة، ورفع الحرج، لا أن القصر هو الواجب، ولا أنه ~~سنة. وأما الأثر الذي يعارض بصيغته المعنى المعقول ومفهوم هذه الآثار، ~~فحديث عائشة الثابت باتفاق قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة ~~السفر، وزيد في صلاة الحضر. وأما دليل الفعل الذي يعارض المعنى المعقول، ~~ومفهوم الأثر المنقول فإنه ما نقل عنه عليه الصلاة والسلام من قصر الصلاة ~~في كل أسفاره، وأنه لم يصح ms0167 عنه عليه الصلاة والسلام أنه أتم الصلاة قط. فمن ~~ذهب إلى أنه سنة، أو واجب مخير، فإنما حمله على ذلك أنه لم يصح عنده أن ~~النبي عليه الصلاة والسلام، أتم الصلاة، وما هذا شأنه فقد يجب أن يكون أحد ~~الوجهين: أعني إما واجبا مخيرا، وإما أن يكون سنة، وإما أن يكون فرضا ~~معينا، لكن كونه فرضا معينا يعارضه المعنى المعقول، وكونه رخصة يعارضه ~~اللفظ المنقول، فوجب أن يكون واجبا مخيرا، أو سنة وكان هذا نوعا من طريق ~~الجمع، وقد اعتلوا لحديث عائشة بالمشهور عنها من أنها كانت تتم، وروى عطاء ~~عنها: أن النبي (ص) كان يتم الصلاة في السفر، ويقصر، ويصوم ويفطر، ويؤخر ~~الظهر، ويعجل العصر، ويؤخر المغرب، ويعجل العشاء. ومما يعارضه أيضا حديث ~~أنس، وأبي نجيح المكي قال: اصطحبت أصحاب محمد (ص)، فكان بعضهم يتم، وبعضهم ~~يقصر، وبعضهم يصوم، وبعضهم يفطر، فلا يعيب هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على ~~هؤلاء. ولم يختلف في إتمام الصلاة عن عثمان وعائشة، فهذا هو اختلافهم في ~~الموضع الأول. أما اختلافهم في الموضع الثاني: وهي المسافة التي يجوز فيها ~~القصر، فإن العلماء اختلفوا في ذلك أيضا اختلافا كثيرا فذهب مالك والشافعي ~~وأحمد وجماعة كثيرة إلى أن الصلاة تقصر في أربعة برد وذلك مسيرة يوم بالسير ~~الوسط، وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والكوفيون: أقل ما تقصر فيه الصلاة ثلاثة ~~أيام، وإن القصر إنما هو لمن سار من أفق إلى أفق، وقال أهل الظاهر: # القصر في كل سفر قريبا أو بعيدا. والسبب في اختلافهم: معارضة المعنى ~~المعقول من ذلك اللفظ. وذلك أن المعقول من تأثير السفر في القصر أنه لمكان ~~المشقة الموجودة فيه مثل تأثيره في الصوم، وإذا كان الامر على ذلك، فيجب ~~القصر حيث المشقة. وأما من لا يراعي في ذلك إلا اللفظ فقط فقال قد قال ~~النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة فكل ~~من انطلق عليه اسم مسافر جاز له القصر، والفطر، وأيدوا ذلك بما رواه مسلم ~~عن عمر ms0168 بن الخطاب: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقصر في نحو السبعة ~~عشر ميلا وذهب قوم إلى خامس كما قلنا، وهو أن القصر لا يجوز إلا للخائف، ~~لقوله تعالى: * (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) * وقد قيل إنه مذهب ~~PageV01P135 # عائشة، وقالوا: إن النبي (ص) إنما قصر لأنه كان خائفا. الذين اعتبروا ~~المشقة فسببه اختلاف الصحابة في ذلك، وذلك أن مذهب الأربعة برد روي عن ابن ~~عمر، وابن عباس ورواه مالك، ومذهب الثلاثة أيام مروي أيضا عن ابن مسعود، ~~وعثمان وغيرهما. وأما الموضع الثالث، وهو اختلافهم في نوع السفر الذي تقصر ~~فيه الصلاة، فرأى بعضهم أن ذلك مقصور على السفر المتقرب به كالحج والعمرة ~~والجهاد، وممن قال بهذا القول أحمد ومنهم من أجازه في السفر المباح دون سفر ~~المعصية، وبهذا القول قال مالك والشافعي ومنهم من أجازه في كل سفر قربة كان ~~أو مباحا، أو معصية، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه والثوري وأبو ثور. والسبب ~~في اختلافهم: معارضة المعنى المعقول، أو ظاهر اللفظ لدليل الفعل وذلك أن من ~~اعتبر المشقة، أو ظاهر لفظ السفر لم يفرق بين سفر، وسفر. وأما من اعتبر ~~دليل الفعل قال: إنه لا يجوز إلا في السفر المتقرب به، لان النبي عليه ~~الصلاة والسلام لم يقصر قط إلا فسفر متقرب به. وأما من فرق بين المباح، ~~والمعصية فعلى جهة التغليظ، والأصل فيه هل تجوز الرخصة للعصاة أم لا؟ وهذه ~~مسألة عارض فيها اللفظ المعنى، فاختلف الناس فيها لذلك. وأما الموضع الرابع ~~وهو اختلافهم في الموضع الذي منه يبدأ المسافر بقصر الصلاة فإن مالكا قال ~~في الموطأ: # لا يقصر الصلاة الذي يريد السفر حتى يخرج من بيوت القرية ولا يتم حتى ~~يدخل أول بيوتها وقد روي عنه أنه لا يقصر إذا كانت قرية جامعة حتى يكون ~~منها بنحو ثلاثة أميال، وذلك عنده أقصى ما تجب في الجمعة على من كان خارج ~~المصر في إحدى الروايتين عنه. وبالقول الأول قال الجمهور. والسبب في هذا ~~الاختلاف: معارضة مفهوم الاسم لدليل ms0169 الفعل، وذلك أنه إذا شرع في السفر، فقد ~~انطلق عليه اسم مسافر، فمن راعى مفهوم الاسم قال: إذا خرج من بيوت القرية ~~قصر. ومن راعى دليل الفعل: أعني فعله عليه الصلاة والسلام قال: لا يقصر إلا ~~إذا خرج من بيوت القرية بثلاثة أميال، لما صح من حديث أنس قال: كان النبي ~~(ص) إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك - صلى ركعتين. ~~الذي يجوز للمسافر إذا أقام فيه في بلد أن يقصر فاختلاف كثير حكى فيه أبو ~~عمر نحوا من أحد عشر قولا. إلا أن الأشهر منها هو ما عليه فقهاء الأمصار، ~~ولهم في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: مذهب مالك والشافعي أنه إذا أزمع المسافر ~~على إقامة أربعة أيام أتم، والثاني: مذهب أبي حنيفة وسفيان الثوري أنه إذا ~~أزمع على إقامة خمسة عشر يوما أتم، والثالث: مذهب أحمد وداود أنه إذا أزمع ~~على أكثر من أربعة أيام أتم. وسبب الخلاف: أنه أمر مسكوت عنه في الشرع، ~~والقياس على التحديد ضعيف عند الجميع، ولذلك رام هؤلاء كلهم أن يستدلوا ~~لمذهبهم من الأحوال PageV01P136 # التي نقلت عنه عليه الصلاة والسلام أنه أقام فيها مقصرا، أو أنه جعل لها ~~حكم المسافر. # فالفريق الأول احتجوا بمذهبهم بما روي: أنه عليه الصلاة والسلام أقام ~~بمكة ثلاثا يقصر في عمرته وهذا ليس فيه حجة على أنه النهاية للتقصير، وإنما ~~فيه حجة على أنه يقصر في الثلاثة فما دونها. والفريق الثاني احتجوا لمذهبهم ~~بما روي: أنه أقام بمكة عام الفتح مقصرا، وذلك نحوا من خمسة عشر يوما في ~~بعض الروايات، وقد روي سبعة عشر يوما وثمانية عشر يوما، وتسعة عشر يوما. ~~رواه البخاري عن ابن عباس وبكل قال فريق. # والفريق الثالث احتجوا بمقامه في حجه بمكة مقصرا أربعة أيام وقد احتجت ~~المالكية لمذهبها: أن رسول الله (ص) جعل للمهاجر مقام (ثلاثة أيام بمكة ~~مقاما) بعد قضاء نسكه فدل هذا عندهم على أن إقامة ثلاثة أيام ليست تسلب عن ~~المقيم فيها اسم السفر، وهي النكتة التي ذهب ms0170 الجميع إليها، وراموا ~~استنباطها من فعله عليه الصلاة والسلام: أعني متى يرتفع عنه بقصد الإقامة ~~اسم السفر، ولذلك اتفقوا على أنه إن كانت الإقامة مدة لا يرتفع فيها عنه ~~اسم السفر بحسب رأي واحد منهم في تلك المدة، وعاقه عائق عن السفر أنه يقصر ~~أبدا، وإن أقام ما شاء الله. ومن راعى الزمان الأقل من مقامه تأول مقامه في ~~الزمان الأكثر مما ادعاه خصمه على هذه الجهة، فقالت المالكية مثلا: إن ~~الخمسة عشر يوما التي أقامها عليه الصلاة والسلام عام الفتح إنما أقامها، ~~وهو أبدا ينوي أنه لا يقيم أربعة أيام، وهذا بعينه يلزمهم في الزمان الذي ~~حدوه. والأشبه في المجتهد في هذا أن يسلك أحد أمرين: إما أن يجعل الحكم ~~لأكثر الزمان الذي روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه أقام فيه مقصرا، ويجعل ~~ذلك حدا من جهة أن الأصل هو الاتمام فوجب ألا يزاد على هذا الزمان إلا ~~بدليل، أو يقول: إن الأصل في هذا هو أقل الزمان الذي وقع عليه الاجماع، وما ~~ورد من أنه عليه الصلاة والسلام أقام مقصرا أكثر من ذلك الزمان، فيحتمل أن ~~يكون أقامه لأنه جائز للمسافر، ويحتمل أن يكون أقامه بنية الزمان الذي تجوز ~~إقامته فيه مقصرا باتفاق، فعرض له أن أقام أكثر من ذلك، وإذا كان الاحتمال، ~~وجب التمسك بالأصل، وأقل ما قيل في ذلك يوم وليلة، وهو قول ربيعة بن أبي ~~عبد الرحمن، وروي عن الحسن البصري أن المسافر يقصر أبدا إلا أن يقدم مصرا ~~من الأمصار، وهذا بناء على أن اسم السفر واقع عليه حتى يقدم مصرا من ~~الأمصار، فهذه أمهات المسائل التي تتعلق بالقصر. # الفصل الثاني: في الجمع وأما الجمع، فإنه يتعلق به ثلاث مسائل: إحداها: ~~جوازه. والثانية: في صفة الجمع. # والثالثة في مبيحات الجمع. # المسألة الأولى: أما جوازه فإنهم أجمعوا على أن الجمع بين الظهر والعصر ~~في وقت الظهر بعرفة سنة، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة أيضا في وقت العشاء ~~سنة أيضا. PageV01P137 # واختلفوا في الجمع في غير هذين المكانين، ms0171 فأجازه الجمهور على اختلاف ~~بينهم في المواضع التي يجوز فيها من التي لا يجوز، ومنع أبو حنيفة، وأصحابه ~~بإطلاق. وسبب اختلافهم: أولا: اختلافهم في تأويل الآثار التي رويت في الجمع ~~والاستدلال منها على جواز الجمع لأنها كلها أفعال، وليست أقوالا، والأفعال ~~يتطرق إليها الاحتمال كثيرا أكثر من تطرقه إلى اللفظ، وثانيا: اختلافهم ~~أيضا في تصحيح بعضها، وثالثا: اختلافهم أيضا في إجازة القياس في ذلك فهي ~~ثلاثة أسباب كما ترى. أما الآثار التي اختلفوا في تأويلها، فمنها حديث أنس ~~الثابت باتفاق أخرجه البخاري ومسلم قال: كان رسول الله (ص) إذا ارتحل قبل ~~أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل، فجمع بينهما، فإن زاغت ~~الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب ومنها حديث ابن عمر أخرجه الشيخان ~~أيضا قال: رأيت رسول الله (ص) إذا عجل به السير في السفر يؤخر المغرب حتى ~~يجمع بينها وبين العشاء والحديث الثالث حديث ابن عباس خرجه مالك ومسلم قال: ~~صلى رسول الله (ص) الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف، ~~ولا سفر فذهب القائلون بجواز الجمع في تأويل هذه الأحاديث إلى أنه أخر ~~الظهر إلى وقت العصر المختص بها، وجمع بينهما، وذهب الكوفيون إلى أنه إنما ~~أوقع صلاة الظهر في آخر وقتها، وصلاة العصر في أول وقتها على ما جاء في ~~حديث إمامة جبريل. قالوا: # وعلى هذا يصح حمل حديث ابن عباس، لأنه قد انعقد الاجماع أنه لا يجوز هذا ~~في الحضر لغير عذر أعني: أن تصلى الصلاتان معا في وقت إحداهما، واحتجوا ~~لتأويلهم أيضا بحديث ابن مسعود قال: والذي لا إله غيره ما صلى رسول الله ~~(ص) صلاة قط إلا في وقتها إلا صلاتين جمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين ~~المغرب والعشاء بجمع قالوا: # وأيضا فهذه الآثار محتملة أن تكون على ما تأولناه نحن، أو تأولتموه أنتم، ~~وقد صح توقيت الصلاة وتبيانها في الأوقات، فلا يجوز أن تنتقل عن أصل ثابت ~~بأمر محتمل. أما الأثر الذي اختلفوا في تصحيحه، ms0172 فما رواه مالك من حديث معاذ ~~بن جبل: أنهم خرجوا مع رسول الله (ص) عام تبوك، فكان رسول الله (ص) يجمع ~~بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال: فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى ~~الظهر والعصر جميعا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا. وهذا ~~الحديث لو صح، لكان أظهر من تلك الأحاديث في إجازة الجمع لان ظاهره أنه قدم ~~العشاء إلى وقت المغرب، وإن كان لهم أن يقولوا: إنه أخر المغرب إلى آخر ~~وقتها، وصلى العشاء في أول وقتها، لأنه ليس في الحديث أمر مقطوع به على ~~ذلك، بل لفظ الراوي محتمل. وأما اختلافهم في إجازة القياس في ذلك: # فهو أن يلحق سائر الصلوات في السفر بصلاة عرفة، والمزدلفة، أعني أن يجاز ~~الجمع قياسا على تلك، فيقال مثلا: صلاة وجبت في سفر، فجاز أن تجمع، أصله ~~جمع الناس بعرفة، PageV01P138 # والمزدلفة، وهو مذهب سالم بن عبد الله: أعني جواز هذا القياس، لكن القياس ~~في العبادات يضعف. فهذه هي أسباب الخلاف الواقع في جواز الجمع. # وأما المسألة الثانية: وهي صورة الجمع، فاختلف فيه أيضا القائلون بالجمع ~~أعني في السفر. فمنهم من رأى أن الاختيار أن تؤخر الصلاة الأولى وتصلى مع ~~الثانية، وإن جمعتا معا في أول وقت الأولى جاز، وهي إحدى الروايتين عن ~~مالك، ومنهم من سوى بين الامرين: أعني أن يقدم الآخرة إلى وقت الأولى، أو ~~يعكس الامر، وهو مذهب الشافعي وهي رواية أهل المدينة عن مالك، والأولى ~~رواية ابن القاسم عنه، وإنما كان الاختيار عند مالك هذا النوع من الجمع، ~~لأنه الثابت من حديث أنس، ومن سوى بينهما فمصيرا إلى أنه لا يرجح بالعدالة: ~~أعني أنه لا تفضل عدالة عدالة في وجوب العمل بها، ومعنى هذا أنه إذا صح ~~حديث معاذ، وجب العمل به كما وجب بحديث أنس إذ كان رواة الحديثين عدولا، ~~وإن كان رواة أحد الحديثين أعدل. # وأما المسألة الثالثة: وهي الأسباب المبيحة للجمع، فاتفق القائلون بجواز ~~الجمع على أن السفر منها، واختلفوا في الجمع في الحضر، ms0173 وفي شروط السفر ~~المبيح له، وذلك أن السفر منهم من جعله سببا مبيحا للجمع أي سفر كان، وبأي ~~صفة كان ومنهم من اشترط فيه ضربا من السير ونوعا من أنواع السفر. فأما الذي ~~اشترط فيه ضربا من السير، فهو مالك في رواية ابن القاسم عنه، وذلك أنه قال: ~~لا يجمع المسافر إلا أن يجد به السير ومنهم من لم يشترط ذلك، وهو الشافعي ~~وهي إحدى الروايتين عن مالك. ومن ذهب هذا المذهب، فإنما راعى قول ابن عمر: ~~كان رسول الله (ص) إذا عجل به السير راعى ظاهر حديث أنس وغيره. وكذلك ~~اختلفوا كما قلنا في نوع السفر الذي يجوز فيه الجمع. فمنهم من قال: هو سفر ~~القربة كالحج والغزو، وهو ظاهر رواية ابن القاسم. ومنهم من قال: هو السفر ~~المباح دون سفر المعصية، وهو قول الشافعي وظاهر رواية المدنيين عن مالك. ~~والسبب في اختلافهم في هذا: هو السبب في اختلافهم في السفر الذي تقصر فيه ~~الصلاة، وإن كان هنالك التعميم، لان القصر نقل قولا وفعلا، والجمع إنما نقل ~~فعلا فقط، فمن اقتصر به على نوع السفر الذي جمع فيه رسول الله (ص) لم يجزه ~~في غيره، ومن فهم منه الرخصة للمسافر عداه إلى غيره من الاسفار. وأما الجمع ~~في الحضر لغير عذر، فإن مالكا، وأكثر الفقهاء لا يجيزونه وأجاز ذلك جماعة ~~من أهل الظاهر، وأشهب من أصحاب مالك. وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم ~~حديث ابن عباس، فمنهم من تأوله على أنه كان في مطر كما قال مالك. ومنهم من ~~أخذ بعمومه مطلقا. وقد خرج مسلم زيادة في حديثه، وهو قوله عليه الصلاة ~~والسلام في غير خوف، ولا سفر، ولا مطر وبهذا تمسك أهل الظاهر. وأما الجمع ~~في الحضر PageV01P139 # لعذر المطر، فأجازه الشافعي ليلا كان أو نهارا ومنعه مالك في النهار، ~~وأجازه في الليل وأجازه أيضا في الطين دون المطر في الليل وقد عدل الشافعي ~~مالكا في تفريقه من صلاة النهار في ذلك، وصلاة الليل لأنه روى الحديث، ~~وتأوله: أعني خصص ms0174 عمومه من جهة القياس، وذلك أنه قال في قول ابن عباس جمع ~~رسول الله (ص) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر أرى ~~ذلك كان في مطر، قال: فلم يأخذ بعموم الحديث، ولا بتأويله: أعني تخصيصه، بل ~~رد بعضه، وتأول بعضه، وذلك شئ لا يجوز بإجماع، وذلك أنه لم يأخذ بقوله فيه ~~جمع بين الظهر والعصر، وأخذ بقوله، والمغرب والعشاء، وتأوله، وأحسب أن ~~مالكا رحمه الله إنما رد بعض هذا الحديث، لأنه عارضه العمل، فأخذ منه ~~بالبعض الذي لم يعارضه العمل، وهو الجمع في الحضر بين المغرب والعشاء على ~~ما روي أن ابن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء جمع معهم لكن ~~النظر في هذا الأصل لذي هو العمل كيف يكون دليلا شرعيا؟ فيه نظر، فإن ~~متقدمي شيوخ المالكية كانوا يقولون: إنه من باب الاجماع، وذلك لا وجه له ~~فإن إجماع البعض لا يحتج به، وكان متأخروهم يقولون: إنه من باب نقل ~~التواتر، ويحتجون في ذلك بالصاع، وغيره مما نقله أهل المدينة خلفا عن سلف، ~~والعمل إنما هو فعل والفعل لا يفيد التواتر إلا أن يقترن بالقول، فإن ~~التواتر طريقه الخبر، لا العمل وبأن جعل الأفعال تفيد التواتر عسير، بل ~~لعله ممنوع، والأشبه عندي أن يكون من باب عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو ~~حنيفة، وذلك أنه لا يجوز أن يكون أمثال هذه السنن مع تكررها، وتكرر وقوعها ~~أسبابها غير منسوخة، ويذهب العمل بها على أهل المدينة الذين تلقوا العمل ~~بالسنن خلفا عن سلف، وهو أقوى من عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة، ~~لان أهل المدينة أحرى أن لا يذهب عليهم ذلك من غيرهم من الناس الذين ~~يعتبرهم أبو حنيفة في طريق النقل، وبالجملة العمل لا يشك أنه قرينة إذا ~~اقترنت بالشئ المنقول إن وافقته، أفادت به غلبة الظن، وإن خالفته أفادت به ~~ضعف الظن. فأما هل تبلغ هذه القرينة مبلغا ترد به أخبار الآحاد الثابتة؟ ~~ففيه نظر. وعسى أنها تبلغ في بعض، ولا ms0175 تبلغ في بعض لتفاضل الأشياء في شدة ~~عموم البلوى بها، وذلك أنه كلما كانت السنة الحاجة إليها أمس، وهي كثيرة ~~التكرار على المكلفين كان نقلها من طريق الآحاد من غير أن ينتشر قولا، أو ~~عملا فيه ضعف، وذلك أنه يوجب ذلك أحد أمرين: إما أنها منسوخة، وإما أن ~~النقل فيه اختلال، وقد بين ذلك المتكلمون كأبي المعالي وغيره. وأما الجمع ~~في الحضر للمريض، فإن مالكا أباحه له إذا خاف أن يغمى عليه، أو كان به بطن ~~ومنع ذلك الشافعي. والسبب في اختلافهم: هو اختلافهم في تعدي علة الجمع في ~~السفر أعني المشقة، فمن طرد العلة رأى أن هذا من باب الأولى، والأحرى، وذلك ~~أن المشقة على المريض في إفراد الصلوات أشد منها على المسافر، ولم يعد هذه ~~PageV01P140 # العلو جعلها كما يقولون - قاصرة: أي خاصة بذلك الحكم دون غيره، لم يجز ~~ذلك . الباب الخامس من الجملة ثالثة: وهو القول في صلاة الخوف اختلف ~~العلماء في جواز صلاة الخوف بعد النبي عليه الصلاة والسلام، وفي صفتها ~~فأكثر العلماء على أن صلاة الخوف جائزة لعموم قوله تعالى: * (وإذا ضربتم في ~~الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) * الآية. ولما ثبت ذلك من فعله ~~عليه الصلاة والسلام، وعمل الأئمة والخلفاء بعده بذلك. وشذ أبو يوسف من ~~أصحاب أبي حنيفة فقال: لا تصلى صلاة الخوف بعد النبي (ص) بإمام واحد، وإنما ~~تصلى بعده بإمامين، يصلي واحد منهما بطائفة ركعتين، ثم يصلي الاخر بطائفة ~~أخرى، وهي الحارسة ركعتين أيضا، وتحرس التي قد صلت. والسبب في اختلافهم: هل ~~صلاة النبي (ص) بأصحابه صلاة الخوف هي عبادة، أو هي لمكان فضل النبي (ص)؟ ~~فمن رأى أنها عبادة لم ير أنها خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، ومن رآها ~~لمكان فضل النبي عليه الصلاة والسلام رآها خاصة بالنبي عليه الصلاة ~~والسلام، وإلا فقد كان يمكننا أن ينقسم الناس على إمامين، وإنما كان ضرورة ~~اجتماعهم على إمام واحد خاصة من خواص النبي عليه الصلاة والسلام، وتأيد ~~عنده هذا التأويل بدليل ms0176 الخطاب المفهوم من قوله تعالى: * (وإذا كنت فيهم ~~فأقمت لهم الصلاة) * الآية ومفهوم الخطاب أنه إذا لم يكن فيهم، فالحكم غير ~~هذا الحكم. وقد ذهبت طائفة من فقهاء الشام إلى أن صلاة الخوف تؤخر عن وقت ~~الخوف إلى وقت الامن، كما فعل رسول الله (ص) يوم الخندق، والجمهور على أن ~~ذلك الفعل يوم الخندق كان قبل نزول صلاة الخوف، وأنه منسوخ بها. وأما صفة ~~صلاة الخوف، فإن العلماء اختلفوا فيها اختلافا كثيرا، لاختلاف الآثار في ~~هذا الباب: أعني المنقولة من فعله (ص) في صلاة الخوف، والمشهور من ذلك سبع ~~صفات، فمن ذلك ما أخرجه مالك ومسلم من حديث صالح بن خوات عمن صلى مع رسول ~~الله (ص) يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وصفت طائفة وجاه ~~العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا ~~وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاتهم، ~~ثم ثبت هم، وبهذا الحديث قال الشافعي. وروى مالك هذا الحديث بعينه عن ~~القاسم بن محمد عن صالح بن خوات موقوفا كمثل حديث يزيد بن رومان أنه لما ~~قضى الركعة بالطائفة الثانية سلم، ولم ينتظرهم حتى يفرغوا من الصلاة، ~~واختار مالك هذه الصفة. فالشافعي آثر المسند على الموقوف، ومالك آثر ~~الموقوف، لأنه أشبه بالأصول: PageV01P141 # أعني أن لا يجلس الامام حتى تفرغ الطائفة الثانية من صلاتها، لان الامام ~~متبوع، لا متبع وغير مختلف عليه. والصفة الثالثة: ما ورد في حديث أبي عبيدة ~~بن عبد الله بن مسعود عن أبيه رواه الثوري، وجماعة، وخرجه أبو داود قال: ~~صلى رسول الله (ص) صلاة الخوف بطائفة، وطائفة مستقبلو العدو، فصلى بالذين ~~معه ركعة، وسجد سجدتين، وانصرفوا، ولم يسلموا، فوقفوا بإزاء العدو ثم جاء ~~الآخرون، فقاموا معه فصلى بهم ركعة، ثم سلم، فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ~~ركعة، ثم سلموا وذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو، ورجع أولئك إلى ~~مراتبهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا وبهذه الصفة قال أبو حنيفة، وأصحابه ~~ما خلا ms0177 أبا يوسف على ما تقدم. والصفة الرابعة: الواردة في حديث أبي عياش ~~الزرقي قال: كنا مع رسول الله (ص) بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد، ~~فصلينا الظهر، فقال المشركون: # لقد أصبنا غفلة لو كنا حملنا عليهم، وهم في الصلاة، فأنزل الله آية القصر ~~بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر، قام رسول الله (ص) مستقبل القبلة ~~والمشركون أمامه، فصلى خلف رسول الله (ص) صف واحد، وصف بعد ذلك صف آخر، ~~فركع رسول الله (ص)، وركعوا جميعا، ثم سجدوا سجد الصف الذي يليه، وقام ~~الاخر يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء سجدتين، وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا ~~خلفه، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الآخر إلى مقام ~~الصف الأول ثم ركع رسول الله (ص)، وركعوا جميعا، ثم سجد، وسجد الصف الذي ~~يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله (ص) والصف الذي يليه سجد ~~الآخرون، ثم جلسوا جميعا، فسلم بهم جميعا وهذه الصلاة صلاها بعسفان، وصلاها ~~يوم بني سليم. قال أبو داود: وروي هذا عن جابر، وعن ابن عباس، وعن مجاهد، ~~وعن أبي موسى، وعن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي (ص). قال: وهو قول ~~الثوري، وهو أحوطها يريد أنه ليس في هذه الصفة كبير عمل مخالف لأفعال ~~الصلاة المعروفة، وقال بهذه الصفة جملة من أصحاب مالك، وأصحاب الشافعي، ~~وخرجها مسلم عن جابر، وقال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائكم. والصفة ~~الخامسة: الواردة في حديث حذيفة قال ثعلبة بن زهدم: كنا مع سعيد بن العاصي ~~بطبرستان فقام فقال: # أيكم صلى مع رسول الله (ص) صلاة الخوف قال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة، ~~وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا شيئا وهذا مخالف للأصل مخالفة كثيرة. وخرج أيضا عن ~~ابن عباس في معناه أنه قال: الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع، وفي ~~السفر ركعتان، وفي الخوف ركعة واحدة وأجاز هذه الصفة الثوري. والصفة ~~السادسة: الواردة في حديث أبي بكرة وحديث جابر عن النبي (ص): أنه صلى بكل ~~طائفة من الطائفتين ركعتين ركعتين، ms0178 وبه PageV01P142 # كان يفتي الحسن وفيه دليل على اختلاف نية الإمام والمأموم لكونه متما وهم ~~مقصرون. خرجه مسلم عن جابر. والصفة السابعة: الواردة في حديث ابن عمر عن ~~النبي عليه الصلاة والسلام: أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال: يتقدم ~~الامام وطائفة من الناس، فيصلي بهم ركعة، وتكون طائفة منهم بينه وبين العدو ~~لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا معه، ولا ~~يسلمون، ويتقدم الذين لم يصلوا ، فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الامام وقد صلى ~~ركعتين تتقدم كل واحدة من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعة ركعة بعد أن ينصرف ~~الامام، فتكون كل واحدة من الطائفتين قد صلت ركعتين فإن كان خوف أشد من ذلك ~~صلوا رجالا قياما على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة، أو غير ~~مستقبليها. وممن قال بهذه الصفة أشهب عن مالك وجماعة. وقال أبو عمر: الحجة ~~لمن قال بحديث ابن عمر هذا أنه ورد بنقل الأئمة أهل المدينة، وهم الحجة في ~~النقل على من خالفهم، وهي أيضا مع هذا أشبه بالأصول، لان الطائفة الأولى ~~والثانية لم يقضوا الركعة إلا بعد خروج رسول الله (ص) من الصلاة وهو ~~المعروف من سنة القضاء المجتمع عليها في سائر الصلوات، وأكثر العلماء على ~~ما جاء في هذا الحديث من أنه إذا اشتد الخوف جاز أن يصلوا مستقبلي القبلة ~~وغير مستقبليها، وإيماء من غير ركوع، ولا سجود. وخالف في ذلك أبو حنيفة ~~قال: لا يصلي الخائف إلا إلى القبلة، ولا يصلي أحد في حال المسايفة. وسبب ~~الخلاف في ذلك: مخالفة هذا الفعل للأصول، وقد رأى قوم أن هذه الصفات كلها ~~جائزة، وأن للمكلف أن يصلي أيتها أحب، وقد قيل إن هذا الاختلاف إنما كان ~~بحسب اختلاف المواطن. # الباب السادس من الجملة الثالثة في صلاة المريض وأجمع العلماء على أن ~~المريض مخاطب بأداء الصلاة، وأنه يسقط عنه فرض القيام إذا لم يستطعه، ويصلي ~~جالسا، وكذلك يسقط عنه فرض الركوع والسجود إذا لم يستطعهما أو أحدهما، ~~ويومئ مكانهما. واختلفوا فيمن له ms0179 أن يصلي جالسا، وفي هيئة الجلوس، وفي هيئة ~~الذي لا يقدر على الجلوس، ولا على القيام، فأما من له أن يصلي جالسا، فإن ~~قوما قالوا: # هذا الذي لا يستطيع القيام أصلا، وقوم قالوا: هو الذي يشق عليه القيام من ~~المرض، وهو مذهب مالك. وسبب اختلافهم: هو هل يسقط فرض القيا مع المشقة، أو ~~مع عدم القدرة؟ وليس في ذلك نص. وأما صفة الجلوس فإن قوما قالوا: يجلس ~~متربعا: أعني الجلوس الذي هو بدل من القيام، وكره ابن مسعود الجلوس متربعا، ~~فمن ذهب إلى التربيع فلا فرق بينه وبين جلوس التشهد، ومن كرهه فلانه ليس من ~~جلوس الصلاة. وأما صفة صلاة الذي لا يقدر على القيام، ولا على الجلوس، فإن ~~قوما قالوا: يصلي مضطجعا، وقوم قالوا: يصلي كيفما تيسر له وقوم قالوا: يصلي ~~مستقبلا رجلاه إلى الكعبة، وقوم PageV01P143 # قالوا: إن لم يستطع الجلوس صلى على جنبه، فإن لم يستطع على جنبه صلى ~~مستلقيا ورجلاه إلى القبلة على قدر طاقته، وهو الذي اختاره ابن المنذر. # الجملة الرابعة وهذه الجملة تشتمل من أفعال الصلاة على التي ليست أداء، ~~وهذه هي إما إعادة، وإما قضاء، وإما جبر لما زاد، أو نقص بالسجود، ففي هذه ~~الجملة إذا ثلاثة أبواب. الباب الأول: في الإعادة. الباب الثاني: في ~~القضاء. الباب الثالث: في الجبران الذي يكون بالسجود. # الباب الأول: في الإعادة وهذا الباب الكلام فيه في الأسباب التي تقتضي ~~الإعادة، وهي مفسدات الصلاة. # واتفقوا على أن من صلى بغير طهارة أنه يجب عليه الإعادة عمدا كان أو ~~نسيانا، وكذلك من صلى لغير القبلة عمدا كان ذلك أو نسيانا. وبالجملة فكل من ~~أخل بشرط من شروط صحة الصلاة وجبت عليه الإعادة وإنما يختلفون من أجل ~~اختلافهم في الشروط المصححة. # وهاهنا مسائل تتعلق بهذا الباب خارجة عما ذكر من فروض الصلاة اختلفوا ~~فيها فمنها أنهم اتفقوا على أن الحدث يقطع الصلاة، واختلفوا هل يقتضي ~~الإعادة من أولها إذا كان قد ذهب منها ركعة أو ركعتان قبل طرو الحدث، أم ~~يبنى ms0180 على ما قد مضى من الصلاة؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يبنى لا في حدث، ~~ولا في غيره، مما يقطع الصلاة إلا في الرعاف فقط ومنهم من رأى أنه لا يبنى ~~لا في الحدث ولا في الرعاف، وهو الشافعي وذهب الكوفيون إلى أنه يبنى في ~~الاحداث كلها. وسبب اختلافهم: أنه لم يرد في جواز ذلك أثر عن النبي عليه ~~الصلاة والسلام، وإنما صح عن ابن عمر أنه رعف في الصلاة، فبنى ولم يتوضأ، ~~فمن رأى أن هذا الفعل من الصحابي يجري مجرى التوقيف إذ ليس يمكن أن يفعل ~~مثل هذا بقياس أجاز هذا الفعل، ومن كان عنده من هؤلاء أن الرعاف ليس بحدث ~~أجاز البناء في الرعاف فقط، ولم يعده لغيره، وهو مذهب مالك. ومن كان عنده ~~أنه حدث أجاز البناء في سائر الاحداث قياسا على الرعاف، ومن رأى أن مثل هذا ~~لا يجب أن يصار إليه إلا بتوقيف من النبي عليه الصلاة والسلام، إذ قد انعقد ~~الاجماع على أن المصلي إذا انصرف إلى غير القبلة أنه قد خرج من الصلاة، ~~وكذلك إذا فعل فيها فعلا كثيرا لم يجز البناء لا في الحدث ولا في الرعاف. # المسألة الثانية: اختلف العلماء هل يقطع الصلاة مرور شئ بين يدي المصلي ~~إذا صلى لغير سترة، أو مر بينه وبين السترة؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يقطع ~~الصلاة شئ وأنه ليس عليه إعادة، وذهبت طائفة إلى أنه يقطع الصلاة المرأة ~~والحمار، والكلب الأسود. # وسبب هذا الخلاف: معارضة القول للفعل، وذلك أنه خرج مسلم عن أبي ذر أنه ~~عليه الصلاة والسلام قال: يقطع الصلاة المرأة والحمار، والكلب الأسود وخرج ~~مسلم PageV01P144 # والبخاري عن عائشة أنها قالت: لقد رأيتني بين يدي رسول الله (ص) معترضة ~~كاعتراض الجنازة وهو يصلي وروي مثل قول الجمهور عن علي، وعن أبي. ولا خلاف ~~بينهم في كراهية المرور بين يدي المنفرد، والامام إذا صلى لغير سترة، أو مر ~~بينه وبين السترة، ولم يروا بأسا أن يمر خلف السترة، وكذلك لم يروا بأسا ms0181 أن ~~يمر بين يدي المأموم لثبوت حديث ابن عباس وغيره قال: أقبلت راكبا على أتان ~~وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله (ص) يصلي بالناس، فمررت بين يدي ~~بعض الصفوف، فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي ~~أحد وهذا عندهم يجري مجرى المسند، وفيه نظر، وإنما اتفق الجمهور على كراهية ~~المرور بين يدي المصلي لما جاء فيه من الوعيد في ذلك، ولقوله عليه الصلاة ~~والسلام فيه: فليقاتله، فإنما هو شيطان. # المسألة الثالثة: اختلفوا في النفخ في الصلاة على ثلاثة أقوال: فقوم ~~كرهوه، ولم يروا الإعادة على من فعله وقوم أوجبوا الإعادة على من نفخ وقوم ~~فرقوا بين أن يسمع أو لا يسمع. وسبب اختلافهم: تردد النفخ بين أن يكون ~~كلاما، أو لا يكون كلاما. # المسألة الرابعة: اتفقوا على أن الضحك يقطع الصلاة، واختلفوا في التبسم. ~~وسبب اختلافهم: تردد التبسم بين أن يلحق بالضحك، أو لا يلحق به. # المسألة الخامسة: اختلفوا في صلاة الحاقن، فأكثر العلماء يكرهون أن يصلي ~~الرجل وهو حاقن لما روي من حديث زيد بن أرقم قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ~~إذا أراد أحدكم الغائط، فليبدأ به قبل الصلاة ولما روي عن عائشة عن النبي ~~عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه ~~الأخبثان يعني الغائط والبول. ولما ورد من النهي عن ذلك عن عمر أيضا، وذهب ~~قوم إلى أن صلاته فاسدة، وأنه يعيد، وروى ابن القاسم عن مالك ما يدل على أن ~~صلاته فاسدة، وأنه يعيد، وروى ابن القاسم عن مالك ما يدل على أن صلاة ~~الحاقن فاسدة، وذلك أنه روى عنه أنه أمره بالإعادة في الوقت وبعد الوقت. ~~والسبب في اختلافهم: اختلافهم في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم ليس ~~يدل على فساده وإنما يدل على تأثيم من فعله فقط إذا كان أصل الفعل الذي ~~تعلق النهي به واجبا أو جائزا؟ وقد تمسك القائلون بفساد صلاته بحديث رواه ~~الشاميون منهم من يجعله عن ثوبان، ms0182 ومنهم من يجعله عن أبي هريرة عن النبي ~~(ص) قال: لا يحل لمؤمن أن يصلي وهو حاقن جدا قال أبو عمر بن عبد البر: هو ~~حديث ضعيف السند لا حجة فيه. # المسألة السادسة: اختلفوا في رد سلام المصلي على من سلم عليه، فرخصت فيه ~~طائفة منهم سعيد بن المسيب والحسن بن أبي الحسن البصري وقتادة ومنع ذلك قوم ~~بالقول، وأجازوا الرد بالإشارة، وهو مذهب مالك والشافعي ومنع آخرون رده ~~بالقول PageV01P145 # والإشارة وهو مذهب النعمان، وأجاز قوم الرد في نفسه، وقوم قالوا يرد إذا ~~فرغ من الصلاة. والسبب في اختلافهم: هل رد السلام من نوع التكلم في الصلاة ~~المنهي عنه أم لا؟ فمن رأى أنه من نوع الكلام المنهي عنه، وخصص الامر برد ~~السلام في قوله تعالى: # * (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها) * الآية بأحاديث النهي عن الكلام ~~في الصلاة قال: لا يجوز الرد في الصلاة، ومن رأى أنه ليس داخلا في الكلام ~~المنهي عنه، أو خصص أحاديث النهي بالأمر برد السلام أجازه في الصلاة. قال ~~أبو بكر بن المنذر: ومن قال: لا يرد ولا يشير، فقد خالف السنة فإنه قد أخبر ~~خبيب: أن النبي عليه الصلاة والسلام رد على الذين سلموا عليه وهو في الصلاة ~~بإشارة. # الباب الثاني: في القضاء والكلام في هذا الباب على من يجب القضاء، وفي ~~صفة أنواع القضاء، وفي شروطه. # فأما على من يجب القضاء، فاتفق المسلمون على أنه يجب على الناسي والنائم، ~~واختلفوا في العامد، والمغمى عليه. وإنما اتفق المسلمون على وجوب القضاء ~~على الناسي والنائم لثبوت قوله عليه الصلاة والسلام وفعله: وأعني بقوله ~~عليه الصلاة والسلام رفع القلم عن ثلاث فذكر النائم، وقوله: إذا نام أحدكم ~~عن الصلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها وما روي: أنه نام عن الصلاة حتى ~~خرج وقتها فقضاها. وأما تاركها عمدا حتى يخرج الوقت، فإن الجمهور على أنه ~~آثم وأن القضاء عليه واجب وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه لا يقضي وأنه آثم، ~~وأحد من ذهب إلى ذلك أبو ms0183 محمد بن حزم. وسبب اختلافهم: # اختلافهم في شيئين: أحدهما: في جواز القياس في الشرع. والثاني: في قياس ~~العامد على الناسي إذا سلم جواز القياس، فمن رأى أنه إذا وجب القضاء على ~~الناسي الذي قد عذره الشرع في أشياء كثيرة فالمتعمد أحرى أن يجب عليه، لأنه ~~غير معذور، أوجب القضاء عليه، ومن رأى أن الناسي والعامد ضدان، والأضداد لا ~~يقاس بعضها على بعض، إذ أحكامها مختلفة، وإنما تقاس الأشباه، لم يجز قيا س ~~العامد على الناسي. والحق في هذا أنه إذا جعل الوجوب من باب التغليظ كان ~~القياس سائغا. وأما إن جعل من باب الرفق بالناسي والعذر له، وأن لا يفوته ~~ذلك الخير، فالعامد في هذا ضد الناسي، والقياس غير سائغ لان الناسي معذور، ~~والعامد غير معذور. والأصل أن القضاء لا يجب بأمر الأداء، وإنما يجب بأمر ~~محدد على ما قال المتكلمون، لان القاضي قد فاته، وهو الوقت إذ كان شرطا من ~~شروط الصحة، والتأخير عن الوقت في قياس التقديم عليه، لكن قد ورد الأثر ~~بالناسي والنائم، وتردد العامد بين أن يكون شبيها، أو غير PageV01P146 # شبيه، والله الموفق للحق. وأما المغمى عليه، فإن قوما أسقطوا عنه القضاء ~~فيما ذهب وقته، وقوم أوجبوا عليه القضاء. ومن هؤلاء من اشترط القضاء في عدد ~~معلوم، وقالوا يقضي في الخمس فما دونها. والسبب في اختلافهم: تردده بين ~~النائم والمجنون، فمن شبهه بالنائم أوجب عليه القضاء، ومن شبهه بالمجنون ~~أسقط عنه الوجوب. وأما صفة القضاء: فإن القضاء نوعان: قضاء لجملة الصلاة، ~~وقضاء لبعضها: أما قضاء الجملة، فالنظر فيه في صفة القضاء وشروطه ووقته. ~~فأما صفة القضاء، فهي بعينها صفة الأداء إذا كانت الصلاتان في صفة واحدة من ~~الفرضية، وأما إذا كانت في أحوال مختلفة مثل أن يذكر صلاة حضرية في سفر، أو ~~صلاة سفرية في حضر، فاختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال : فقوم قالوا: إنما ~~يقضي مثل الذي عليه ولم يراعوا الوقت الحاضر، وهو مذهب مالك، وأصحابه وقوم ~~قالوا: إنما يقضي أبدا أربعا، سفرية كانت المنسية ms0184 أو حضرية، فعلى رأي هؤلاء ~~إن ذكر في السفر حضرية صلاها حضرية، وإن ذكر في الحضر سفرية صلاها حضرية، ~~وهو مذهب الشافعي وقال قوم: إنما يقضي أبدا فرض الحال التي هو فيها فيقضي ~~الحضرية في السفر سفرية، والسفرية في الحضر حضرية فمن شبه القضاء بالأداء ~~راعى الحال الحاضرة، وجعل الحكم لها قياسا على المريض يتذكر صلاة نسيها في ~~الصحة، أو الصحيح يتذكر صلاة نسيها في المرض: أعني أن فرضه هو فر ض الصلاة ~~في الحال الحاضرة، ومن شبه القضاء بالديون أوجب للمقضية صفة المنسية. وأما ~~من أوجب أن يقضي أبدا حضرية فراعى الصفة في إحداهما، والحال في الأخرى، ~~أعني أنه إذا ذكر الحضرية في السفر راعى صفة المقضية، وإذا ذكر السفرية في ~~الحضر راعى الحال، وذلك اضطراب جار على غير قياس إلا أن يذهب مذهب ~~الاحتياط، وذلك يتصور فيمن يرى القصر رخصة. # وأما شروط القضاء ووقته: فإن من شروطه الذي اختلفوا فيه الترتيب وذلك ~~أنهم اختلفوا في وجوب الترتيب في قضاء المنسيات: أعني بوجوب ترتيب المنسيات ~~مع الصلاة الحاضرة الوقت، وترتيب المنسيات بعضها مع بعض إذا كانت أكثر من ~~صلاة واحدة، فذهب مالك إلى أن الترتيب واجب فيها في الخمس الصلوات فما ~~دونها، وأنه يبدأ أنه قال: إن ذكر المنسية وهو في الحاضرة فسدت الحاضرة ~~عليه، وبمثل ذلك قال أبو حنيفة والثوري إلا أنهم رأوا الترتيب واجبا مع ~~اتساع وقت الحاضرة. واتفق هؤلاء على سقوط وجو ب الترتيب مع النسيان. وقال ~~الشافعي: # لا يجب الترتيب، وإن فعل ذلك - إذا كافي الوقت متسع - فحسن يعني في وقت ~~الحاضرة. والسبب في اختلافهم: اختلاف الآثار في هذا الباب واختلافهم في ~~تشبيه القضاء بالأداء، فأما الآثار فإنه ورد في ذلك حديثان متعارضان: ~~أحدهما: ما روي عنه PageV01P147 # عليه الصلاة والسلام أنه قال: من نسي صلاة وهو مع الامام في أخرى فليصل ~~مع الامام فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي، ثم ليعد الصلاة التي ~~صلى مع الامام وأصحاب الشافعي يضعفون هذا الحديث، ويصححون حديث ms0185 ابن عباس أن ~~النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا نسي أحدكم صلاة فذكرها، وهو في صلاة ~~مكتوبة، فليتم التي هو فيها، فإذا فرغ منها قضى التي نسي. والحديث الصحيح ~~في هذا الباب هو ما تقدم من قوله عليه الصلاة والسلام: إذا نام أحدكم عن ~~الصلاة أو نسيها الحديث. وأما اختلافهم في جهة تشبيه القضاء بالأداء فإن من ~~رأى أن الترتيب في الأداء إنما لزم من أجل أن أوقاتها المختصة بصلاة منها ~~هي مرتبة في نفسها إذ كان الزمان لا يعقل إلا مرتبا لم يلحق بها القضاء، ~~لأنه ليس للقضاء وقت مخصوص، ومن رأى أن الترتيب في الصلوات المؤداة هو في ~~الفعل، وإن كان الزمان واحدا مثل الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما شبه ~~القضاء بالأداء. وقد رأت المالكية أن توجب الترتيب للمقضية من جهة الوقت، ~~لا من جهة الفعل لقوله عليه الصلاة والسلام: فليصلها إذا ذكرها قالوا: فوقت ~~المنسية هو وقت الذكر ولذلك وجب أن تفسد عليه الصلاة التي هو فيها في ذلك ~~الوقت، وهذا لا معنى له، لأنه إن كان وقت الذكر وقتا للمنسية، فهو بعينه ~~أيضا وقت للحاضرة، أو وقت للمنسيات إذا كانت أكثر من صلاة واحدة، وإذا كان ~~الوقت واحدا، من قبل الترتيب بينها كالترتيب الذي يوجد في أجزاء الصلاة ~~الواحدة، فإنه ليس إحدى الصلاتين أحق بالوقت من صاحبتها إذ كان وقتا ~~لكليهما إلا أن يقوم دليل الترتيب، وليس هاهنا عندي شئ يمكن أن يجعل أصلا ~~في هذا الباب لترتيب المنسيات إلا الجمع عند من سلمه، فإن الصلوات المؤداة ~~أوقاتها مختلفة والترتيب في القضاء إنما يتصور في الوقت الواحد بعينه ~~للصلاتين معا، فافهم هذا فإن فيه غموضا. وأظن مالكا رحمه الله إنما قاس ذلك ~~على الجمع. وإنما صار الجميع إلى استحسان الترتيب في المنسيات إذا لم يخف ~~فوات الحاضرة لصلاته عليه الصلاة والسلام الصلوات الخمس يوم الخندق مرتبة. # وقد احتج بهذا من أوجب القضاء على العامد، ولا معنى لهذا، فإن هذا منسوخ، ~~وأيضا فإنه كان تركا لعذر. ms0186 وأما التحديد في الخمس فما دونها، فليس له وجه ~~إلا أن يقال: إنه إجماع، فهذا حكم القضاء الذي يكون في فوات جملة الصلاة. ~~وأما القضاء الذي يكون في فوات بعض الصلوات فمنه ما يكون سببه النسيان، ~~ومنه ما يكون سببه سبق الامام للمأموم: # أعني أن يفوت المأموم بعض صلاة الامام، فأما إذا فات المأموم بعض الصلاة ~~فإن فيه مسائل ثلاثا: إحداها: متى تفوت الركعة؟ والثانية: هل إتيانه بما ~~فاته بعد صلاة الامام أداء، أو قضاء؟ والثالث: متى يلزمه حكم صلاة الامام ~~ومتى لا يلزمه ذلك؟ أما متى تفوته الركعة، فإن في ذلك مسألتين: إحداهما: ~~إذا دخل والامام قد أهوى إلى PageV01P148 # الركوع، والثانية: إذا كان مع الامام في الصلاة، فسها أن يتبعه في ~~الركوع، أو منعه ذلك ما وقع من زحام أو غيره. # أما المسألة الأولى: فإن فيها ثلاثة أقوال: أحدها: وهو الذي عليه الجمهور ~~أنه إذا أدرك الامام قبل أن يرفع رأسه من الركوع، وركع معه فهو مدرك ~~للركعة، وليس عليه قضاؤها وهؤلاء اختلفوا هل من شرط هذا الداخل أن يكبر ~~تكبيرتين تكبيرة للاحرام، وتكبيرة للركوع، أو يجزيه تكبيرة الركوع؟ وإن ~~كانت تجزيه فهل من شرطها أن ينوي بها تكبيرة الاحرام، أم ليس ذلك من شرطها؟ ~~فقال بعضهم: بل تكبيرة واحدة تجزئه إذا نوى بها تكبيرة الافتتاح، وهو مذهب ~~مالك والشافعي، والاختيار عندهم تكبيرتان وقال قوم: # لا بد من تكبيرتين وقال قوم: تجزئ واحدة وإن لم ينو بها تكبيرة الافتتاح. ~~والقول الثاني: أنه إذا ركع الامام فقد فاتته الركعة، وأنه لا يدركها ما لم ~~يدركه قائما، وهو منسوب إلى أبي هريرة الثالث: أنه إذا انتهى إلى الصف ~~الاخر وقد رفع الامام رأسه، ولم يرفع بعضهم فأدرك ذلك أنه يجزيه، لان بعضهم ~~أئمة لبعض وبه قال الشعبي وسبب هذا الاختلاف: تردد اسم الركعة بين أن يدل ~~على الفعل نفسه الذي هو الانحناء فقط. أو على الانحناء والوقوف معا، وذلك ~~أنه قال عليه الصلاة والسلام: من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك ms0187 الصلاة قال ~~ابن المنذر: ثبت ذلك عن رسول الله (ص). فمن كان اسم الركعة ينطلق عنده على ~~القيام والانحناء معا قال: إذا فاته قيام الامام فقد فاتته الركعة، ومن كان ~~اسم الركعة ينطلق عنده على الانحناء نفسه جعل إدراك الانحناء إدراكا ~~للركعة. والاشتراك الذي عرض لهذا الاسم إنما هو من قبل تردده بين المعنى ~~اللغوي، والمعنى الشرعي، وذلك أن اسم الركعة ينطلق لغة على الانحناء، ~~وينطلق شرعا على القيام والركوع والسجود، فمن رأى أن اسم الركعة ينطلق في ~~قوله عليه الصلاة والسلام: من أدرك ركعة على الركعة الشرعية ولم يذهب مذهب ~~الاخذ ببعض ما تدل عليه الأسماء قال: لا بد أن يدرك مع الامام الثلاثة ~~الأحوال أعني القيام والانحناء والسجود. ويحتمل أن يكون من ذهب إلى اعتبار ~~الانحناء فقط أن يكون اعتبر أكثر ما يدل عليه الاسم هاهنا، لان من أدرك ~~الانحناء فقد أدرك منها جزأين، ومن فاته الانحناء إنما أدرك منها جزءا ~~واحدا فقط، فعلى هذا يكون الخلاف آيلا إلى اختلافهم في الاخذ ببعض دلالة ~~الأسماء، أو بكلها، فالخلاف يتصور فيها من الوجهين جميعا. وأما من اعتبر ~~ركوع من في الصف من المأمومين، فلان الركعة من الصلاة قد تضاف إلى الامام ~~فقط، وقد تضاف إلى الامام والمأمومين. فسبب الاختلاف: هو الاحتمال في هذه ~~الإضافة: أعني قوله عليه الصلاة والسلام: من أدرك ركعة من الصلاة وما عليه ~~الجمهور أظهر. وأما اختلافهم في هل تجزيه تكبيرة واحدة أو تكبيرتان: # أعني المأموم إذا دخل في الصلاة والامام راكع، فسببه هل من شرط تكبيرة ~~الاحرام أن PageV01P149 # يأتي بها واقفا أم لا؟ فمن رأى أن من شرطها الموضع الذي تفعل فيه تعلقا ~~بالفعل أعني بفعله عليه الصلاة والسلام، وكان يرى أن التكبير كله فرض، قال: ~~لا بد من تكبيرتين. ومن رأى أنه ليس الصلاة والسلام: # وتحريمها التكبير وكان عنده أن تكبيرة الاحرام هي فقط الفرض قال: يجزيه ~~أن يأتي بها وحدها، وأما من أجاز أن يأتي بتكبيرة واحدة، ولم ينو بها ~~تكبيرة الاحرام، فقيل ms0188 يبنى على مذهب من يرى أن تكبيرة الاحرام ليست بفرض، ~~وقيل: إنما يبنى على مذهب من يجوز تأخير نية الصلاة عن تكبيرة الاحرام، ~~لأنه ليس معنى أن ينوي تكبيرة الاحرام إلا مقارنة النية للدخول في الصلاة، ~~لان تكبيرة الاحرام لها وصفان: النية المقارنة والأولية أعني: وقوعها في ~~أول الصلاة، فمن اشترط الوصفين قال: لا بد من النية المقارنة ومن اكتفى ~~بالصفة الواحدة اكتفى بتكبيرة واحدة، ولم تقارنها النية. # وأما المسألة الثانية: وهي إذا سها عن اتباع الامام في الركوع حتى سجد ~~الإمام، فإن قوما قالوا: إذا فاته إدراك الركوع معه، فقد فاتته الركعة ووجب ~~عليه قضاؤها، وقوم قالوا: يعتد بالركعة إذا أمكنه أن يتم من الركوع قبل أن ~~يقوم الامام إلى الركعة الثانية، وقوم قالوا: يتبعه ويعتد بالركعة ما لم ~~يرفع الامام رأسه من الانحناء في الركعة الثانية، وهذا الاختلاف موجود ~~لأصحاب مالك، وفيه تفصيل واختلاف بينهم بين أن يكون عن نسيان، أو أن يكون ~~عن زحام، وبين أن يكون في جمعة، أو في غير جمعة، وبين اعتبار أن يكون ~~المأموم عرض له هذا في الركعة الأولى، أو في الركعة الثانية وليس قصدنا ~~تفصيل المذهب، ولا تخريجه، وإنما الغرض الإشارة إلى قواعد المسائل وأصولها، ~~فنقول: إن سبب الاختلاف في هذه المسألة: هو هل من شرط فعل المأموم أن يقارن ~~فعل الامام أو ليس من شرطه ذلك؟ وهل هذا الشرط هو في جميع أجزاء الركعة ~~الثلاثة؟ أعني القيام والانحناء والسجود، أم إنما هو شرط في بعضها؟ ومتى ~~يكون إذا لم يقارن فعله فعل الامام اختلافا عليه، أعني أن يفعل هو فعلا ~~والامام فعلا ثانيا؟ فمن رأى أنه شرط في كل جزء من أجزاء الركعة الواحدة ~~أعني: أن يقارن فعل المأموم فعل الامام، وإلا كان اختلافا عليه، وقد قال ~~عليه الصلاة والسلام: فلا تختلفوا عليه قال: متى لم لم يعتد بالركعة، ومن ~~اعتبره في بعضها قال: هو مدرك للركعة إذا أدرك فعل الركعة قبل أن يقوم إلى ~~الركعة الثانية، وليس ذلك اختلافا ms0189 عليه، فإذا قام إلى الركعة الثانية فإن ~~اتبعه فقد اختلف عليه في الركعة الأولى. وأما من قال إنه يتبعه ما لم ينحن ~~في الركعة الثانية، فإنه رأى أنه ليس من شرط فعل المأموم أن يقارن بعضه، ~~بعض فعل الامام، ولا كله، وإنما من شرطه أن يكون بعده فقط، وإنما اتفقوا ~~على أنه إذا قام من الانحناء في الركعة الثانية أنه لا يعتد بتلك الركعة إن ~~اتبعه فيها، لأنه يكون في حكم الأولى، والامام في حكم الثانية، وذلك غاية ~~الاختلاف عليه. PageV01P150 # وأما المسألة الثانية: من المسائل الثلاث الأول التي هي أصول هذا الباب ~~وهي هل إتيان المأموم بما فاته من الصلاة مع الامام أداء، أو قضاء، فإن في ~~ذلك ثلاثة مذاهب: # قوم قالوا: إن ما يأتي به بعد سلام الامام هو قضاء وإن ما أدرك ليس هو ~~أول صلاته وقوم قالوا: إن الذي يأتي به بعد سلام الامام هو أداء، وإن ما ~~أدرك هو أول صلاته وقوم فرقوا بين الأقوال والأفعال، فقالوا: يقضي في ~~الأقوال يعنون في القراءة، ويبني في الأفعال يعنون الأداء، فمن أدرك ركعة ~~من صلاة المغرب - على المذهب الأول: أعني مذهب القضاء - قام إذا سلم الامام ~~إلى ركعتين يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة من غير أن يجلس بينهما. وعلى ~~المذهب الثاني: أعني على البناء قام إلى ركعة واحدة يقرأ فيها بأم القرآن ~~وسورة ويجلس، ثم يقوم إلى ركعة يقرأ فيها بأم القرآن فقط. وعلى المذهب ~~الثالث يقوم إلى ركعة، فيقرأ فيها بأم القرآن وسورة ثم يجلس ثم يقوم إلى ~~ركعة ثانية يقرأ فيها أيضا بأم القرآن وسورة. وقد نسبت الأقاويل الثلاثة ~~إلى المذهب، والصحيح عن مالك أنه يقضى في الأقوال، ويبنى في الأفعال، لأنه ~~لم يختلف قوله في المغرب أنه إذا أدرك منها ركعة أن يقوم إلى الركعة ~~الثانية ثم يجلس، ولا اختلاف في قوله إنه يقضي بأم القرآن وسورة. وسبب ~~اختلافهم: أنه ورد في بعض روايات الحديث المشهور: فما أدركتم فصلوا وما ~~فاتكم فأتموا والاتمام يقتضي أن ms0190 يكون ما أدرك هو أول صلاته، وفي بعض فاقضوا ~~والقضاء يوجب أن ما أدرك هو آخر صلاته، فمن ذهب مذهب الاتمام قال: ما أدرك ~~هو أول صلاته، ومن ذهب مذهب القضاء قال: ما أدرك هو آخر صلاته، ومن ذهب ~~مذهب الجمع جعل القضاء في الأقوال ، والأداء في الأفعال، وهو ضعيف: أعني أن ~~يكون بعض الصلاة أداء وبعضها قضاء. # واتفاقهم على وجوب الترتيب في أجزاء الصلاة، وعلى أن موضع تكبيرة الاحرام ~~هو افتتاح الصلاة، ففيه دليل واضح على أن ما أدرك هو أول صلاته، لكن تختلف ~~نية المأموم والامام في الترتيب، فتأمل هذا. ويشبه أن يكون هذا هو أحد ما ~~راعاه من قال: ما أدرك فهو آخر صلاته. # وأما المسألة الثالثة: من المسائل الأول، وهي متى يلزم المأموم حكم صلاة ~~الامام في الاتباع، فإن فيها مسائل. إحداها: متى يكون مدركا لصلاة الجمعة. ~~والثانية: متى يكون مدركا معه لحكم سجود السهو: أعني سهو الامام. والثالثة: ~~متى يلزم المسافر الداخل وراء إمام يتم الاتمام إذا أدرك من صلاة الامام ~~بعضها؟ # فأما المسألة الأولى: فإن قوما قالوا: إذا أدرك ركعة من الجمعة، فقد أدرك ~~الجمعة ويقضي ركعة ثانية، وهو مذهب مالك والشافعي فإن أدرك أقل صلى ظهرا ~~أربعا. وقوم قالوا: بل يقضي ركعتين أدرك منها ما أدرك، وهو مذهب أبي حنيفة. ~~وسبب الخلاف في PageV01P151 # هذا: هو ما يظن من التعارض بين عموم قوله عليه الصلاة والسلام: ما أدركتم ~~فصلوا، وما فاتكم فأتموا وبين مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: من أدرك ~~ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة فإنه من صار إلى عموم قوله عليه الصلاة ~~والسلام: وما فاتكم فأتموا أوجب أن يقضي ركعتين، وإن أدرك منها أقل من ~~ركعتين، ومن كان المحذوف عنده في قوله عليه الصلاة والسلام: فقد أدرك ~~الصلاة أي فقد أدرك حكم الصلاة، وقال: دليل الخطاب يقتضي أن من أدرك أقل من ~~ركعة، فلم يدرك حكم الصلاة. والمحذوف في هذا القول محتمل فإنه يمكن أن يراد ~~به فضل الصلاة، ويمكن أن يراد ms0191 به وقت الصلاة، ويمكن أن يراد به حكم الصلاة، ~~ولعله ليس هذا المجاز في أحدهما أظهر منه في الثاني، فإن كان الامر كذلك ~~كان من باب المجمل الذي لا يقتضي حكما، وكان الاخر بالعموم أولى، وإن سلمنا ~~أنه أظهر في أحد هذه يرى ذلك، لم يكن هذا الظاهر معارضا للعموم، إلا من باب ~~دليل الخطاب والعموم أقوى من دليل الخطاب عند الجميع، ولا سيما الدليل ~~المبني على المحتمل أو الظاهر. وأما من يرى أن قوله عليه الصلاة والسلام: ~~فقد أدرك الصلاة أنه يتضمن جميع هذه المحذوفات فضعيف، وغير معلوم من لغة ~~العرب، إلا أن يتقرر أن هناك اصطلاحا عرفيا أو شرعيا. # وأما مسألة اتباع المأموم للامام في السجود: أعني في سجود السهو، فإن ~~قوما اعتبروا في ذلك الركعة: أعني أن يدرك من الصلاة معه ركعة وقوم لم ~~يعتبروا في ذلك فمن لم يعتبر ذلك فمصيرا إلى عموم قوله عليه الصلاة ~~والسلام: إنما جعل الامام ليؤتم به. ومن اعتبر ذلك فمصيرا إلى مفهوم قوله ~~عليه الصلاة والسلام: فقد أدرك الصلاة ولذلك اختلفوا في المسألة الثالثة، ~~فقال قوم: إن المسافر إذا أدرك من صلاة الامام الحاضر أقل من ركعة لم يتم ~~وإذا أدرك ركعة لزمه الاتمام. فهذا حكم القضاء الذي يكون لبعض الصلاة من ~~قبل سبق الامام له. وأما حكم القضاء لبعض الصلاة الذي يكون للامام، ~~والمنفرد من قبل النسيان، فإنهم اتفقوا على أن ما كان منها ركنا فهو يقضى: ~~أعني فريضة، وأنه ليس يجزي منه إلا الاتيان به، وفيه مسائل اختلفوا فيها، ~~بعضهم أوجب فيها القضاء، وبعضهم أوجب فيها الإعادة مثل من نسي أربع سجدات ~~من أربع ركعات: سجدة من كل ركعة، فإن قوما قالوا: يصلح الرابعة بأن يسجد ~~لها ويبطل ما قبلها من الركعات، ثم يأتي بها، وهو قول مالك وقوم قالوا: ~~تبطل الصلاة بأسرها، ويلزمه الإعادة، وهي إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، ~~وقوم قالوا: يأتي بأربع سجدات متوالية وتكمل بها صلاته وبه قال أبو حنيفة، ~~والثوري، والأوزاعي، وقوم ms0192 قالوا: يصلح الرابعة، ويعتد بسجدتين، وهو مذهب ~~الشافعي. وسبب الخلاف في هذا: مراعاة الترتيب، فمن راعاه في الركعات ~~والسجدات أبطل الصلاة، ومن راعاه في السجدات أبطل الركعات ما عدا الأخيرة ~~قياسا PageV01P152 # على قضاء ما الترتيب أجاز سجودها معا في ركعة واحدة لا سيما إذا اعتقد أن ~~الترتيب ليس هو واجبا في الفعل المكرر في كل ركعة: أعني السجود، وذلك أن كل ~~ركعة تشتمل على قيام وانحناء وسجود، والسجود مكرر: فزعم أصحاب أبي حنيفة أن ~~السجود لما كان مكررا لم يجب أن يراعى فيه التكرير في الترتيب. # ومن هذا الجنس اختلاف أصحاب مالك فيمن نسي قراءة أم القرآن من الركعة ~~الأولى، فقيل لا يعتد بالركعة ويقضيها، وقيل يعيد الصلاة، وقيل يسجد للسهو ~~وصلاته تامة. وفروع هذا الباب كثيرة، وكلها غير منطوق به، وليس قصدنا هاهنا ~~إلا ما يجري مجرى الأصول. # الباب الثالث من الجملة الرابعة في سجود السهو والسجود المنقول في ~~الشريعة في أحد موضعين: إما عند الزيادة أو النقصان اللذين يقعان في أفعال ~~الصلاة، وأقوالها من قبل النسيان، من قبل العمد، وإما عند الشك في أفعال ~~الصلاة. فأما السجود الذي يكون من قبل النسيان لا من قبل الشك، فالكلام فيه ~~ينحصر في ستة فصول: الفصل الأول: في معرفة حكم السجود. الثاني: في معرفة ~~مواضعه من الصلاة، الثالث: في معرفة الجنس من الأفعال، والأفعال التي يسجد ~~لها. # الرابع: في صفة سجود السهو. الخامس: في معرفة من يجب عليه سجود السهو. # السادس: بماذا ينبه المأموم الامام الساهي على سهوه. # الفصل الأول اختلفوا في سجود السهو هل هو فرض، أو سنة؟ فذهب الشافعي إلى ~~أنه سنة وذهب أبو حنيفة إلى أنه فرض، لكن من شروط صحة الصلاة، وفرق مالك ~~بين السجود للسهو في الأفعال، وبين السجود للسهو في الأقوال، وبين الزيادة ~~والنقصان، فقال: سجود السهو الذي يكون للأفعال الناقصة واجب، وهو عنده من ~~شروط صحة الصلاة هذا في المشهور، وعنه أن سجود السهو للنقصان واجب، وسجود ~~الزيادة مندوب. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في ms0193 حمل أفعاله عليه الصلاة ~~والسلام في ذلك على الوجوب أو على الندب فأما أبو حنيفة فحمل أفعاله عليه ~~الصلاة والسلام في السجود على الوجوب إذا كان هو الأصل عندهم، إذ جاء بيانا ~~لواجب كما قال عليه الصلاة والسلام: صلوا كما رأيتموني أصلي وأما الشافعي ~~فحمل أفعاله في ذلك على الندب وأخرجها عن الأصل بالقياس: وذلك أنه لما كان ~~السجود عند الجمهور ليس ينوب عن فرض، وإنما ينوب عن ندب رأى أن البدل عما ~~ليس بواجب ليس هو بواجب، وأما مالك فتأكدت عنده الأفعال أكثر من الأقوال ~~لكونها من صلب الصلاة أكثر من الأقوال: أعني أن الفروض التي هي أفعال هي ~~أكثر من فروض الأقوال، فكأنه رأى أن الأفعال آكد من الأقوال، وإن كان ليس ~~PageV01P153 # ينوب سجود السهو إلا عما كان منها ليس بفرض، وتفريقه أيضا بين سجود ~~النقصان، والزيادة على الرواية الثانية، ليكون سجود النقصان شرع بدلا مما ~~سقط من أجزاء الصلاة وسجود الزيادة كأنه استغفار لا بدل. # الفصل الثاني اختلفوا في مواضع سجود السهو على خمسة أقوال: فذهبت ~~الشافعية إلى أن سجود السهو موضعه أبدا قبل السلام وذهبت الحنفية إلى أن ~~موضعه أبدا بعد السلام وفرقت المالكية، فقالت: إن كان السجود لنقصان كان ~~قبل السلام، وإن كان لزيادة كان بعد السلام وقال أحمد بن حنبل: يسجد قبل ~~السلام في المواضع التي سجد فيها رسول الله (ص) قبل السلام. ويسجد بعد ~~السلام في المواضع التي سجد فيها رسول الله (ص) بعد السلام فما كان من سجود ~~في غير تلك المواضع يسجد له أبدا قبل السلام وقال أهل الظاهر: لا يسجد ~~للسهو إلا في المواضع الخمسة التي سجد فيها رسول الله (ص) فقط، وغير ذلك إن ~~كان فرضا أتى به وإن كان ندبا فليس عليه شئ. والسبب في اختلافهم: # أنه عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أنه سجد قبل السلام، وسجد بعد السلام ~~وذلك أنه ثبت من حديث ابن بحينة أنه قال: صلى لنا رسول الله (ص) ركعتين، ثم ~~قام فلم يجلس، ms0194 فقام الناس معه فلما قضى صلاته سجد سجدتين وهو جالس. وثبت ~~أيضا أنه سجد بعد السلام في حديث ذي اليدين المتقدم. إذ سلم من اثنتين، ~~فذهب الذين جوزوا القياس في سجود السهو أعني الذين رأوا تعدية الحكم في ~~المواضع التي سجد فيها عليه الصلاة والسلام إلى أشباهها في هذه الآثار ~~الصحيحة ثلاثة مذاهب: أحدها مذهب الترجيح، والثاني مذهب الجمع، والثالث ~~مذهب الجمع والترجيح: فمن رجح حديث ابن بحينة قال: السجود قبل السلام، ~~واحتج لذلك بحديث أبي سعيد الخدري الثابت أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا ~~شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى أثلاثا، أم أربعا، فليصل ركعة، وليسجد ~~سجدتين وهو جالس قبل التسليم، فإن كانت الركعة التي صلاها خامسة شفعها ~~بهاتين السجدتين وإن كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان. قالوا: ففيه ~~السجود للزيادة قبل السلام، لأنها ممكنة الوقوع خامسة واحتجوا لذلك أيضا ~~بما روي عن ابن شهاب أنه قال: كان آخر الامرين من رسول الله (ص) السجود قبل ~~السلام. وأما من رجح حديث ذي اليدين فقال السجود بعد السلام. واحتجوا ~~لترجيح هذا الحديث بأن حديث ابن بحينة قد عارضه حديث المغيرة بن شعبة: أنه ~~عليه الصلاة والسلام قام من اثنتين، ولم يجلس، ثم سجد بعد السلام قال أبو ~~عمر: ليس مثله في النقل، فيعارض به، واحتجوا أيضا لذلك بحديث ابن مسعود ~~الثابت: أن رسول الله (ص) صلى خمسا ساهيا، وسجد لسهوه بعد السلام. وأما من ~~ذهب مذهب الجمع، فإنهم قالوا: إن هذه الأحاديث PageV01P154 # لا تتناقض، وذلك أن السجود فيها بعد السلام إنما هو في الزيادة، والسجود ~~قبل السلام في النقصان، فوجب أن يكون حكم السجود في سائر المواضع، كما هو ~~في هذا الموضع، قالوا: وهو أولى من حمل الأحاديث على الجمع، والترجيح، ~~فقال: يسجد في المواضع التي سجد فيها رسول الله (التعارض ص) على النحو الذي ~~سجد فيها رسول الله (ص)، فإن ذلك هو حكم تلك المواضع، وأما المواضع التي لم ~~يسجد فيها رسول الله (ص)، فالحكم فيها السجود قبل ms0195 السلام، فكأنه قاس على ~~المواضع التي سجد فيها عليه الصلاة والسلام قبل السلام، ولم يقس على ~~المواضع التي سجد فيها بعد السلام، وأبقى سجود المواضع التي سجد فيها على ~~ما سجد فيها، فمن جهة أنه أبقى حكم هذه المواضع على ما وردت عليه وجعلها ~~متغايرة الاحكام هو ضرب من الجمع، ورفع للتعارض بين مفهومها، ومن جهة أنه ~~عدى مفهوم بعضها دون بعض، وألحق به المسكوت عنه، فذلك ضرب من الترجيح: أعني ~~أنه قاس على السجود الذي قبل السلام، ولم يقس على الذي بعده، وأما من لم ~~يفهم من هذه الأفعال حكما خارجا عنها، وقصر حكمها على أنفسها، وهم أهل ~~الظاهر، فاقتصروا بالسجود على هذه المواضع فقط. وأما أحمد بن حنبل فجاء ~~نظره مختلطا من نظر أهل الظاهر، ونظر أهل القياس، وذلك أنه اقتصر بالسجود ~~كما قلنا بعد السلام على المواضع التي ورد فيها الأثر ولم يعده، وعدي ~~السجود الذي ورد في المواضع التي قبل السلام، ولكل واحد من هؤلاء أدلة يرجح ~~بها مذهبه من جهة القياس: أعني لأصحاب القياس. وليس قصدنا في هذا الكتاب في ~~الأكثر ذكر الخلاف الذي يوجبه القياس، كما ليس قصدنا ذكر المسائل المسكوت ~~عنها في الشرع إلا في الأقل، وذلك إما من حيث هي مشهورة، وأصل لغيرها، وإما ~~من حيث هي كثيرة الوقوع. والمواضع الخمسة التي سها فيها رسول الله (ص): ~~أحدها: أنه قام من اثنتين على ما جاء في حديث ابن بحينة، والثاني: أنه سلم ~~من اثنتين على ما جاء في حديث ذي اليدين، والثالث: أنه صلى خمسا على ما في ~~حديث ابن عمر خرجه مسلم والبخاري. # والرابع: أنه سلم من ثلاث على ما في حديث عمران بن الحصين، والخامس ~~السجود عن الشك على ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري. وسيأتي بعد، واختلفوا ~~لماذا يجب سجود السهو؟ فقيل يجب للزيادة والنقصان، وهو الأشهر وقيل للسهو ~~نفسه، وبه قال أهل الظاهر والشافعي. # الفصل الثالث وأما الأقوال والأفعال التي يسجد لها، فإن القائلين بسجود ~~السهو لكل ms0196 نقصان، أو زيادة وقعت في الصلاة على طريق السهو اتفقوا على أن ~~السجود يكون عن سنن الصلاة دون الفرائض، ودون الرغائب فالرغائب لا شئ عندهم ~~فيها: أعني إذا سها عنها في الصلاة ما لم يكن أكثر من رغيبة واحدة، مثل ما ~~يرى مالك أنه لا يجب سجود من نسيان PageV01P155 # تكبيرة واحدة، ويجب من أكثر من واحدة. وأما الفرائض فلا يجزئ عنها إلا ~~الاتيان بها وجبرها إذا كان السهو عنها مما لا يوجب إعادة الصلاة بأسرها ~~على ما تقدم فيما يوجب الإعادة وما يوجب القضاء أعني على من ترك بعض أركان ~~الصلاة. وأما سجود السهو للزيادة، فإنه يقع عند الزيادة في الفرائض والسنن ~~جميعا فهذه الجملة لا اختلاف بينهم فيها، وإنما يختلفون من قبل اختلافهم ~~فيما هو منها فرض، أو ليس بفرض، وفيما هو منها سنة، أو ليس بسنة، وفيما هو ~~منها سنة، أو رغيبة: مثال ذلك أن عند مالك ليس يسجد لترك القنوت لأنه عنده ~~مستحب ويسجد له عند الشافعي، لأنه عنده سنة، وليس يخفى عليك هذا مما تقدم ~~القول فيه من اختلافهم بين ما هو سنة، أو فريضة، أو رغيبة، وعند مالك ~~وأصحابه سجود السهو للزيادة اليسيرة في الصلاة، وإن كانت من غير جنس ~~الصلاة، وينبغي أن تعلم أن السنة والرغيبة هي عندهم من باب الندب، وإنما ~~تختلفان عندهم بالأقل والأكثر: أعني في تأكيد الامر بها، وذلك راجع إلى ~~قرائن أحوال تلك العبادة، ولذلك يكثر اختلافهم في هذا الجنس كثيرا حتى إن ~~بعضهم يرى أن في بعض السنن ما إذا تركت عمدا إن كانت فعلا، أو فعلت عمدا إن ~~كانت تركا أن حكمها حكم الواجب أعني في تعلق الاثم بها، وهذا موجود كثيرا ~~لأصحاب مالك، وكذلك تجدهم قد اتفقوا ما خلا أهل الظاهر على أن تارك السنن ~~المتكررة بالجملة آثم، مثل ما لو ترك انسان الوتر، أو ركعتي الفجر دائما ~~لكان مفسقا آثما. فكأن العبادات بحسب هذا النظر منها ما هي فرض بعينها ~~وجنسها مثل الصلوات الخمس، ومنها ما ms0197 هي سنة بعينها فرض بجنسها مثل الوتر، ~~وركعتي الفجر وما أشبه ذلك من السنن، وكذلك قد تكون عند بعضهم الرغائب ~~رغائب بعينها سنن بجنسها مثل ما حكيناه عن مالك من إيجاب السجود لأكثر من ~~تكبيرة واحدة: أعني للسهو عنها، ولا تكون فيما أحسب عند هؤلاء سنة بعينها ~~وجنسها. وأما أهل الظاهر فالسنن عندهم هي سنن بعينها لقوله عليه الصلاة ~~والسلام للأعرابي الذي سأله عن فروض الاسلام: أفلح إن صدق، دخل الجنة إن ~~صدق وذلك بعد أن قال له: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه: يعني ~~الفرائض، وقد تقدم هذا الحديث. واتفقوا من هذا الباب على سجود السهو لترك ~~الجلسة الوسطى، واختلفوا فيها هل هي فرض، أو سنة وكذلك اختلفوا هل يرجع ~~الإمام إذا سبح به إليها، أو ليس يرجع؟ وإن رجع فمتى يرجع؟ قال الجمهور: ~~يرجع ما لم يستو قائما، وقال قوم: يرجع ما لم يعقد الركعة الثالثة، وقال ~~قوم : لا يرجع إن فارق الأرض قيد شبر، وإذا رجع عند الذين لا يرون رجوعه، ~~فالجمهور على أن صلاته جائزة، وقال قوم: تبطل صلاته. PageV01P156 # الفصل الرابع وأما صفة سجود السهو، فإنهم اختلفوا في ذلك، فرأى مالك أن ~~حكم سجدتي السهو إذا كانت بعد السلام أن يتشهد فيها ويسلم منها، وبه قال ~~أبو حنيفة، لان السجود كله عنده بعد السلام وإذا كانت قبل السلام أن يتشهد ~~لها فقط، وأن السلام من الصلاة هو سلام منها، وبه قال الشافعي إذ كان ~~السجود كله عنده قبل السلام، وقد روي عن مالك أنه لا يتشهد للتي قبل ~~السلام، وبه قال جماعة. قال أبو عمر: أما السلام من التي بعد السلام، فثابت ~~عن النبي (ص). وأما التشهد فلا أحفظه من وجه ثابت. وسبب هذا الاختلاف: هو ~~اختلافهم في تصحيح ما ورد من ذلك في حديث ابن مسعود أعني من أنه عليه ~~الصلاة والسلام: تشهد ثم سلم وتشبيه سجدتي السهو بالسجدتين الأخيرتين من ~~الصلاة، فمن شبهها بها، لم يوجب لها التشهد، وبخاصة إذا كانت في ms0198 نفس ~~الصلاة، وقال أبو بكر بن المنذر: اختلف العلماء في هذه المسألة على ستة ~~أقوال: فقالت طائفة: لا تشهد فيها ولا تسليم، وبه قال أنس بن مالك، والحسن، ~~وعطاء، وقال قوم: مقابل هذا، وهو أن فيها تشهدا وتسليما، وقال قوم: فيها ~~تشهد فقط بدون تسليم، وبه قال الحكم وحماد والنخعي، وقال قوم مقابل هذا وهو ~~أن فيها تسليما، وليس فيها تشهد، وهو قول ابن سيرين، والقول الخامس: إن شاء ~~تشهد وسلم، وإن شاء لم يفعل، وروي ذلك عن عطاء، والسادس: # قول أحمد بن حنبل أنه إن سجد بعد السلام تشهد، وإن سجد قبل السلام لم ~~يتشهد، وهو الذي حكيناه نحن عن مالك، قال أبو بكر: قد ثبت أنه (ص) كبر فيها ~~أربع تكبيرات وأنه سلم، وفي ثبوت تشهده فيها نظر. # الفصل الخامس اتفقوا على أن سجود السهو من سنة المنفرد والامام، واختلفوا ~~في المأموم يسهو وراء الامام هل عليه سجود، أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أن ~~الامام يحمل عنه السهو وشذ مكحول، فألزمه السجود في خاصة نفسه. وسبب ~~اختلافهم: اختلافهم فيما يحمل الامام من الأركان عن المأموم، وما لا يحمله. ~~واتفقوا على أن الامام إذا سها أن المأموم يتبعه في سجود السهو، وإن لم ~~يتبعه في سهوه واختلفوا متى يسجد المأموم إذا فاته مع الامام بعض الصلاة، ~~وعلى الامام سجود سهو، فقال قوم: يسجد مع الامام ثم يقوم لقضاء ما عليه، ~~وسواء أكان سجوده قبل السلام، أم بعده، وبه قال عطاء، والحسن، والنخعي، ~~والشعبي، وأحمد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال قوم: يقضي ثم يسجد، وبه قال ~~ابن سيرين وإسحاق. وقال قوم: إذا سجد قبل التسليم سجدهما معه، وإن سجد بعد ~~التسليم سجدهما بعد أن يقضي، وبه قال مالك والليث والأوزاعي. وقال قوم: ~~يسجدهما مع الامام، ثم يسجدهما ثانية بعد القضاء، وبه قال الشافعي. وسبب ~~اختلافهم: اختلافهم أي أولى، وأخلق PageV01P157 # أن يتبعه في السجود مصاحبا له، أو باع واجب لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~إنما جعل الامام ليؤتم به. واختلفوا هل موضعها ms0199 للمأموم هو موضع السجود أعني ~~في آخر الصلاة؟ أو موضعها هو وقت سجود الامام؟ فمن آثر مقارنة فعله لفعل ~~الامام على موضع السجود، ورأي ذلك شرطا في الاتباع، أعني أن يكون فعلهما ~~واحدا حقا، قال: يسجد مع الامام، وإن لم يأت بها في موضع السجود، ومن آثر ~~موضع السجود، قال: يؤخرها إلى آخر الصلاة. ومن أوجب عليه الامرين، أوجب ~~عليه السجود مرتين، وهو ضعيف. # الفصل السادس واتفقوا على أن السنة لمن سها في صلاته أن يسبح له، وذلك ~~للرجل لما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ما لي أراكم أكثرتم من ~~التصفيق، من نابه شئ في صلاته، فليسبح، فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما ~~التصفيق للنساء. فقال مالك وجماعة: إن التسبيح للرجال والنساء وقال الشافعي ~~وجماعة: للرجال التسبيح، وللنساء التصفيق. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في ~~مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: وإنما التصفيق للنساء فمن ذهب إلى أن معنى ~~ذلك أن التصفيق هو حكم النساء يصفقن، ولا يسبحن، ومن فهم من ذلك الذم ~~للتصفيق، قال: الرجال والنساء، في التسبيح سواء، وفيه ضعف، لأنه خروج عن ~~الظاهر بغير دليل، إلا أن تقاس المرأة في ذلك على الرجل، والمرأة كثيرا ما ~~يخالف حكمها في الصلاة حكم الرجل، ولذلك يضعف القياس. # وأما سجود السهو الذي هو لموضع الشك، فإن الفقهاء اختلفوا فيمن شك في ~~صلاته، فلم يدر كم صلى واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثا، أو أربعا على ثلاثة ~~مذاهب؟ فقال قوم: # يبني على اليقين، وهو الأقل، ولا يجزيه التحري، ويسجد سجدتي السهو وهو ~~قول مالك، والشافعي، وداود وقال أبو حنيفة: إن كان أول أمره، فسدت صلاته، ~~وإن تكرر ذلك منه، تحرى وعمل على غلبة الظن، ثم يسجد سجدتين بعد السلام. ~~وقالت طائفة: إنه ليس عليه إذا شك لا رجوع إلى يقين ولا تحر، وإنما عليه ~~السجود فقط إذا شك. والسبب في اختلافهم: تعارض ظواهر الآثار الواردة في هذا ~~الباب وذلك أن في هذا الباب ثلاثة آثار: # أحدها: حديث بالبناء على اليقين، وهو حديث ms0200 أبي سعيد الخدري قال: قال رسول ~~الله (ص): إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا، فليطرح ~~الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا ~~شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان خرجه مسلم. ~~والثاني: حديث ابن مسعود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا سها أحدكم ~~في صلاته، فليتحر، PageV01P158 # وليسجد سجدتين وفي رواية أخرى عنه: فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب ثم ليسلم ~~ثم ليسجد سجدتي السهو، ويتشهد ويسلم. والثالث: حديث أبي هريرة خرجه مالك، ~~والبخاري أن رسول الله (ص) قال: إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان، فلبس ~~عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين، وهو جالس وفي ~~هذا المعنى أيضا حديث عبد الله بن جعفر خرجه أبو داود أن رسول الله (ص) ~~قال: من شك في صلاته، فليسجد سجدتين بعدها ويسلم. الأحاديث مذهب الجمع، ~~ومذهب الترجيح، والذين ذهبوا مذهب الترجيح منهم من لم يلتفت إلى المعارض ~~ومنهم من رام تأويل المعارض، وصرفه إلى الذي رجح، ومنهم من جمع الامرين ~~أعني جمع بعضها ورجح بعضها وأول غير المرجح إلى معنى المرجح ومن من جمع بين ~~بعضها، وأسقط حكم البعض. فأما من ذهب مذهب الجمع في بعض، والترجيح في بعض ~~مع تأويل غير المرجح، وصرفه إلى المرجح، فمالك بن أنس، فإنه حمل حديث أبي ~~سعيد الخدري على الذي لم يستنكحه الشك، وحمل حديث أبي هريرة على الذي يغلب ~~عليه الشك، ويستنكحه، وذلك من باب الجمع، وتأول حديث ابن مسعود على أن ~~المراد بالتحري هنالك هو الرجوع إلى اليقين، فأثبت على مذهبه الأحاديث ~~كلها. وأما من ذهب مذهب الجمع بين بعضها، وإسقاط البعض، وهو الترجيح من غير ~~تأويل المرجح عليه، فأبو حنيفة، فإنه قال: # إن حديث أبي سعيد إنما هو حكم من لم يكن عنده ظن غالب يعمل عليه، وحديث ~~ابن مسعود على الذي عنده ظن غالب، وأسقط حكم حديث أبي ms0201 هريرة وذلك أنه قال ~~ما في حديث أبي سعيد وابن مسعود زيادة، والزيادة يجب قبولها، والاخذ بها، ~~وهذا أيضا كأنه ضرب من الجمع. وأما الذي رجح بعضها، وأسقط حكم البعض، ~~فالذين قالوا: إنما عليه السجود فقط، وذلك أن هؤلاء رجحوا حديث أبي هريرة ~~وأسقطوا حديث أبي سعيد، وابن مسعود، ولذلك كان أضعف الأقوال. فهذا ما رأينا ~~أن نثبته في هذا القسم من قسمي كتاب الصلاة، وهو القول في الصلاة المفروضة، ~~فلنصر بعد إلى القول في القسم الثاني من الصلاة الشرعية، وهي الصلوات التي ~~ليست فروض عين. PageV01P159 # كتاب الصلاة الثاني ولان الصلاة التي ليست بمفروضة على الأعيان، منها ما ~~هي سنة، ومنهما هي نفل، ومنها ما هي فرض على الكفاية، وكانت هذه الأحكام ~~منها ما هو مق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، رأينا أن نفرد القول في واحدة، ~~واحدة من هذه الصلوات، وهي بالجملة عشر: # ركعتا الفجر، والوتر، والنفل، وركعتا دخول المسجد، والقيام في رمضان، ~~والكسوف، والاستسقاء، والعيدان، وسجود القرآن، فإنه صلاة، فيشتمل هذا ~~الكتاب على عشرة أبواب. والصلاة على الميت نذكرها على حدة في باب أحكام ~~الميت على ما جرت به عادة الفقهاء وهو الذي يترجمونه بكتا ب الجنائز. # الباب الأول: القول في الوتر واختلفوا في الوتر في خمسة مواضع: منها في ~~حكمه، ومنها في صفته، ومنها في وقته، ومنها في القنوت فيه، ومنها في صلاته ~~على الراحلة. أما حكمه: فقد تقدم القول فيه عند بيان عدد الصلوات المفروضة. ~~وأما صفته: فإن مالكا رحمه الله استحب أن يوتر بثلاث يفصل بينها بسلام وقال ~~أبو حنيفة: الوتر ثلاث ركعات من غير أن يفصل بينها بسلام وقال الشافعي: ~~الوتر ركعة واحدة ولكل قول من هذه الأقوال سلف من الصحابة والتابعين. ~~والسبب في اختلافهم: اختلاف الآثار في هذا الباب، وذلك أنه ثبت عنه عليه ~~الصلاة والسلام من حديث عائشة: أنه كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر ~~منها بواحدة وثبت عن ابن عمر أن رسول الله (ص) قال: صلاة الليل مثنى ms0202 مثنى، ~~فإذا رأيت أن الصبح يدركك، فأوتر بواحدة وخرج مسلم عن عائشة: أنه عليه ~~الصلاة والسلام كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، ويوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شئ ~~إلا في آخرها وخرج أبو داود عن أبي أيوب الأنصاري أنه عليه الصلاة والسلام ~~قال: الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس، فليفعل، ومن أحب أن يوتر ~~بثلاث، فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة، فليفعل وخرج أبو داود: أنه كان ~~يوتر بسبع، وتسع، وخمس وخرج عن عبد الله بن قيس قال: قلت لعائشة بكم كان ~~رسول الله (ص) يوتر؟ قالت: # كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر ~~بأنقص PageV01P160 # من سبع، ولا بأكثر من ثلاث عشرة وحديث ابن عمر عن النبي عليه الصلاة ~~والسلام أنه قال: المغرب وتر صلاة النهار. فذهب العلماء في هذه الأحاديث ~~مذهب الترجيح: # فمن ذهب إلى أن الوتر ركعة واحدة، فمصيرا إلى قوله عليه الصلاة والسلام: ~~فإذا خشيت الصبح، فأوتر بواحدة وإلى حديث عائشة: أنه كان يوتر بواحدة. ومن ~~ذهب إلى أن الوتر ثلاث من غير أن يفصل بينها، وقصر حكم الوتر على الثلاث ~~فقط، فليس يصح له أن يحتج بشئ مما في هذا الباب، لأنها كلها تقتضي التخيير ~~ما عدا حديث ابن عمر أنه قال عليه الصلاة والسلام: المغرب وتر صلاة النهار ~~فإن لأبي حنيفة أن يقول: إنه إذا شبه شئ بشئ، وجعل حكمهما واحدا، كان ~~المشبه به أحرى أن يكون بتلك الصفة، ولما شبهت المغرب بوتر صلاة النهار ~~وكانت ثلاثا، وجب أن يكون وتر صلاة الليل ثلاثا، وأما مالك، فإنه تمسك في ~~هذا الباب بأنه عليه الصلاة والسلام لم يوتر قط إلا في أثر شفع، فرأى أن ~~ذلك من سنة الوتر، وأن أقل ذلك ركعتان فالوتر عنده على الحقيقة، إما إن ~~يكون ركعة واحدة ولكن من شرطها أن يتقدمها شفع، وإما أن يرى أن الوتر ~~المأمور به، هو يشتمل على شفع، ووتر، فإنه إذا زيد على الشفع ms0203 وتر صار الكل ~~وترا. # ويشهد لهذا المذهب حديث عبد الله بن قيس المتقدم، فإنه سمى الوتر فيه ~~العدد المركب من شفع، ووتر، ويشهد لاعتقاده أن الوتر هو الركعة الواحدة أنه ~~كان يقول: كيف يوتر بواحدة ليس قبلها شئ، وأي شئ يوتر له؟ وقد قال رسول ~~الله (ص): توتر له ما قد صلى فإن ظاهر هذا القول أنه كان يرى أن الوتر ~~الشرعي هو عدد الوتر بنفسه: # أعني الغير مركب من الشفع والوتر، ذلك أن هذا هو وتر لغيره وهذا التأويل ~~عليه أولى. والحق في هذا أن ظاهر هذه الأحاديث يقتضي التخيير في صفة الوتر ~~من الواحدة إلى التسع على ما روي ذلك من فعل رسول الله (ص). والنظر إنما هو ~~في هل من شرط الوتر أن يتقدمه شفع منفصل، أم ليس ذلك من شرطه، فيشبه أن ~~يقال ذلك من شرطه؟ # لأنه هكذا كان وتر رسول الله (ص)، ويشبه أن يقال ليس ذلك من شرطه لان ~~مسلما قد خرج: أنه عليه الصلاة والسلام، كان إذا انتهى إلى الوتر، أيقظ ~~عائشة فأوترت وظاهره أنها كانت توتر دون أن تقدم على وترها شفعا، وأيضا، ~~فإنه خرج من طريق عائشة: أن رسول الله (ص) كان يوتر بتسع ركعات يجلس في ~~الثامنة، والتاسعة، ولا يسلم إلا في التاسعة، ثم يصلي ركعتين، وهو جالس ~~فتلك إحدى عشرة ركعة، فلما أسن، وأخذ اللحم، أوتر بسبع ركعات، لم يجلس إلا ~~في السادسة، والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، ~~فتلك تسع ركعات، وهذا الحديث الوتر فيه متقدم على الشفع ففيه حجة على أنه ~~ليس من شرط الوتر أن يتقدمه شفع، وأن الوتر ينطلق على الثلاث، ومن الحجة في ~~ذلك ما روى أبو داود عن أبي بن كعب قال: كان PageV01P161 # رسول الله (ص) يوتر ب‍ * (سبح اسم ربك الأعلى) * و * (قل يا أيها ~~الكافرون) * و * (قل هو الله أحد) * وعن عائشة مثله، وقالت في الثالثة ب‍ * ~~(قل هو الله أحد) *، والمعوذتين. وأما وقته: فإن العلماء ms0204 اتفقوا على أن ~~وقته من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر لورود ذلك من طرق شتى عنه عليه ~~الصلاة والسلام، ومن أثبت ما في ذلك ما خرج مسلم عن أبي نضرة العوفي أن أبا ~~سعيد أخبرهم أنهم سألوا النبي (ص) عن الوتر، فقال: الوتر قبل الصبح. ~~واختلفوا في جواز صلاته بعد الفجر، فقوم منعوا ذلك، وقوم أجازوه ما لم يصلي ~~الصبح، وبالقول الأول قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة، وسفيان ~~الثوري، وبالثاني قال الشافعي ومالك وأحمد. وسبب اختلافهم: معارضة عمل ~~الصحابة في ذلك بالآثار، وذلك أن ظاهر الآثار الواردة في ذلك أن لا يجوز أن ~~يصلى بعد الصبح كحديث أبي نضرة المتقدم، وحديث أبي حذيفة العدوي في هذا ~~خرجه أبو داود وفيه: وجعلها لكم ما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر ولا ~~خلاف بين أهل الأصول أن ما بعد إلى بخلاف ما قبلها إذا كانت غاية، وأن هذا، ~~وإن كان من باب دليل الخطاب، فهو من أنواعه المتفق عليها، مثل قوله: * (ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل) * وقوله: * (إلى المرافق) * لا خلاف بين العلماء ~~أن ما بعد الغاية بخلاف ما قبل الغاية. وأما العمل المخالف في ذلك للأثر، ~~فإنه روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وعباده بن الصامت، وحذيفة، وأبي الدرداء ~~وعائشة أنهم كانوا يوترون بعد الفجر، وقبل صلاة الصبح، ولم يرو عن غيرهم من ~~الصحابة خلاف هذا وقد رأى قوم أن مثل هذا هو داخل في باب الاجماع ولا معنى ~~لهذا، فإنه ليس ينسب إلى ساكت قول قائل: أعني أنه ليس ينسب إلى الاجماع من ~~لم يعرف له قول في المسألة. وأما هذه المسألة فكيف يصح أن يقال إنه لم يرو ~~في ذلك خلاف عن الصحابة، وأي خلاف أعظم من خلاف الصحابة الذين رووا هذه ~~الأحاديث، أعني خلافهم لهؤلاء الذين أجازوا صلاة الوتر بعد الفجر؟ والذي ~~عندي في هذا أن هذا من فعلهم ليس مخالفا الآثار الواردة في ذلك، أعني في ~~إجازتهم الوتر بعد الفجر بل ms0205 إجازتهم ذلك هو من باب القضاء، لا من باب ~~الأداء، وإنما يكون قولهم خلاف الآثار لو جعلوا صلاته بعد الفجر من باب ~~الأداء، فتأمل هذا، وإنما يتطرق الخلاف لهذه المسألة من باب اختلافهم في هل ~~القضاء في العبادة المؤقتة يحتاج إلى أمر جديد أم لا؟ أعني غير أمر الأداء، ~~وهذا التأويل بهم أليق، فإن أكثر ما الوتر قبل الصلاة، وبعد الفجر، وإن كان ~~PageV01P162 # الذي نقل عن ابن مسعود في ذلك قول. أعني أنه كان يقول: إن وقت الوتر من ~~بعد العشاء الآخرة إلى صلاة الصبح، فليس يجب لمكان هذا أن يظن بجميع من ~~ذكرناه من الصحابة، أنه يذهب هذا المذهب من قبل أنه أبصر يصلي الوتر بعد ~~الفجر، فينبغي أن تتأمل صفة النقل في ذلك عنهم. وقد حكى ابن المنذر في وقت ~~الوتر عن الناس خمسة أقوال: منها القولان المشهوران اللذان ذكرتهما، والقول ~~الثالث أنه يصلي الوتر وإن صلى الصبح، وهو قول طاووس. والرابع أنه يصليها ~~وإن طلعت الشمس، وبه قال أبو ثور والأوزاعي، والخامس أنه يوتر من الليلة ~~القابلة، وهو قول سعيد بن جبير. وهذا الاختلاف إنما سببه اختلافهم في ~~تأكيده، وقربه من درجة الفرض، فمن رآه أقرب أوجب القضاء في زمان أبعد من ~~الزمان المختص به، ومن رآه أبعد أوجب القضاء في زمان أقرب، ومن رآه سنة ~~كسائر السنن ضعف عنده القضاء، إذ القضاء إنما يجب في الواجبات، وعلى هذا ~~يجئ اختلافهم في قضاء صلاة العيد لمن فاتته، وينبغي أن لا يفرق في هذا بين ~~الندب، والواجب: أعني أن من رأى أن القضاء في الواجب يكون بأمر متجدد أن ~~يعتقد مثل ذلك في الندب، ومن رأى أنه يجب بالأمر الأول أن يعتقد مثل ذلك في ~~الندب. وأما اختلافهم في القنوت فيه، فذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى أنه يقنت ~~فيه، ومنعه مالك وأجازه الشافعي في أحد قوليه في النصف الآخر من رمضان ~~وأجازه قوم في النصف الأول من رمضان، وقوم في رمضان كله. والسبب في ~~اختلافهم في ذلك: # اختلاف ms0206 الآثار، وذلك أنه روي عنه (ص) القنوت مطلقا، وروي عنه القنوت ~~شهرا، وروي عنه أنه آخر أمره لم يكن يقنت في شئ من الصلاة، وأنه نهى عن ~~ذلك. وقد تقدمت هذه المسألة. وأما صلاة الوتر على الراحلة حيث توجهت به، ~~فإن الجمهور على جواز ذلك لثبوت ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام أعني أنه ~~كان يوتر على الراحلة، وهو ما يعتمدونه في الحجة على أنها ليست بفرض، إذ ~~كان قد صح عنه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يتنفل على الراحلة ولم يصح عنه ~~أنه صلى قط مفروضة على الراحلة، وأما الحنفية فلمكان اتفاقهم معهم على هذه ~~المقدمة، وهو أن كل صلاة مفروضة لا تصلى على الراحلة واعتقادهم أن الوتر ~~فرض، وجب عندهم من ذلك أن لا تصلى على الراحلة وردوا الخبر بالقياس. وذلك ~~ضعيف. وذهب أكثر العلماء إلى أن المرء إذا أوتر، ثم نام، فقام يتنفل أنه لا ~~يوتر ثانية، لقوله عليه الصلاة والسلام: لا وتران في ليلة خرج ذلك أبو ~~داود. وذهب بعضهم إلى أنه يشفع الوتر الأول بأن يضيف إليه ركعة ثانية ويوتر ~~أخرى بعد التنفل شفعا وهي المسألة التي يعرفونها بنقض الوتر، وفيه ضعف من ~~وجهين: أحدهما: أن الوتر ليس ينقلب إلى النفل بتشفيعه، والثاني: أن التنفل ~~بواحدة غير معروف من الشرع. وتجويز هذا، ولا تجويزه، هو سبب الخلاف في ذلك، ~~PageV01P163 # فمن راعى من الوتر المعنى المعقول، وهو ضد الشفع، قال: ينقلب شفعا إذا ~~أضيف إليه ركعة ثانية، ومن راعى منه المعنى الشرعي، قال: ليس ينقلب شفعا، ~~لان الشفع نفل، والوتر سنة مؤكدة، أو واجبة. # الباب الثاني: في ركعتي الفجر واتفقوا على أن ركعتي الفجر سنة لمعاهدته ~~عليه الصلاة، والسلام على فعلها أكثر منه على سائر النوافل، ولترغيبه فيها، ~~ولأنه قضاها بعد طلوع الشمس حين نام عن الصلاة. واختلفوا من ذلك في مسائل: ~~إحداها: في المستحب من القراءة فيهما، فعند مالك المستحب أن يقرأ فيهما بأم ~~القرآن فقط، وقال الشافعي: لا بأس أن يقرأ فيهما بأم القرآن ms0207 مع سورة قصيرة، ~~وقال أبو حنيفة لا توقيف فيهما في القراءة يستحب، وأنه يجوز أن يقرأ فيهما ~~المرء حزبه من الليل. والسبب في اختلافهم: اختلاف قراءته عليه الصلاة ~~والسلام في هذه الصلاة، واختلافهم في تعيين القراءة في الصلاة، وذلك أنه ~~روي عنه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يخفف ركعتي الفجر على ما روته عائشة ~~قالت: حتى أني أقول أقرأ فيهما بأم القرآن أم لا؟. فظاهر هذا أنه كان يقرأ ~~فيهما بأم القرآن فقط. وروي عنه من طريق أبي هريرة خرجه أبو داود: أنه كان ~~يقرأ فيهما ب‍ * (قل هو الله أحد) *، و * (قل يا أيها الكافرون) * فمن ذهب ~~مذهب حديث عائشة، اختار قراءة أم القرآن فقط، ومن ذهب مذهب الحديث الثاني ~~اختار أم القرآن وسورة قصيرة، ومن كان على أصله في أنه لا تتعين القراءة في ~~الصلاة لقوله تعالى: * (فاقرءوا ما تيسر منه) * قال يقرأ فيهما ما أحب. # والثانية: في صفة القراءة المستحبة فيهما، فذهب مالك، والشافعي، وأكثر ~~العلماء إلى أن المستحب فيهما هو الاسرار وذهب قوم إلى أن المستحب فيهما هو ~~الجهر وخير قوم في ذلك بين الاسرار والجهر. والسبب في ذلك: تعارض مفهوم ~~الآثار، وذلك أن حديث عائشة المتقدم المفهوم من ظاهره: أنه عليه الصلاة ~~والسلام كان يقرأ فيهما سرا ولولا ذلك لم تشك عائشة هل قرأ فيهما بأم ~~القرآن، أم لا؟ وظاهر ما روى أبو هريرة: أنه كان يقرأ فيهما ب‍ * (قل يا ~~أيها الكافرون) *، و * (قل هو الله أحد) * أن قراءته عليه الصلاة والسلام ~~فيهما كانت جهرا، ولولا ذلك ما علم أبو هريرة ما كان يقرأ فيهما. فمن ذهب ~~مذهب الترجيح بين هذين الأثرين، قال: إما باختيار الجهر إن رجح حديث أبي ~~هريرة، وإما باختيار الاسرار إن رجح حديث عائشة، ومن ذهب مذهب ي الفجر، ~~وأدرك الامام في الصلاة، أو دخل المسجد ليصليهما، PageV01P164 # فأقيمت الصلاة، فقال مالك: إذا كان قد دخل المسجد فأقيمت الصلاة، فليدخل ~~مع الامام في الصلاة، ولا يركعهما في المسجد والامام يصلي الفرض، ms0208 وإن كان ~~لم يدخل المسجد، فإن لم يخف أن يفوته الامام بركعة، فليركعهما خارج المسجد، ~~وإن خاف فوات الركعة، فليدخل مع الامام، ثم يصليهما إذا طلعت الشمس. ووافق ~~أبو حنيفة مالكا في الفرق بين أن يدخل المسجد، أو لا يدخله، وخالفه في الحد ~~في ذلك، فقال: يركعهما خارج المسجد ما ظن أنه يدرك ركعة من الصبح مع الامام ~~وقال الشافعي: إذا أقيمت الصلاة المكتوبة، فلا يركعهما أصلا، لا داخل ~~المسجد ولا خارجه، وحكى ابن المنذر أن قوما جوزوا ركوعهما في المسجد، ~~والامام يصلي، وهو شاذ. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله عليه ~~الصلاة والسلام: إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة فمن حمل هذا على ~~عمومه، لم يجز صلاة ركعتي الفجر إذا أقيمت الصلاة المكتوبة لا خارج المسجد، ~~ولا داخله، ومن قصره على المسجد، فقد أجاز ذلك خارج المسجد، ما لم تفته ~~الفريضة، أو لم يفته منها جزء، ومن ذهب مذهب العموم، فالعلة عنده في النهي، ~~إنما هو الاشتغال بالنفل عن الفريضة، ومقصر ذلك على المسجد، فالعلة عنده ~~إنما هو أن تكون صلاتان معا في موضع واحد لمكان الاختلاف على الامام. كما ~~روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: سمع قوم الإقامة، فقاموا يصلون ~~فخرج عليهم رسول الله (ص)، فقال: أصلاتان معا أصلاتان معا قال: وذلك في ~~صلاة الصبح، والركعتين اللتين قبل الصبح. وإنما اختلف مالك وأبو حنيفة في ~~القدر الذي يراعى من فوات صلاة الفريضة من لجماعة للمشتغل بركعتي الفجر، ~~إذا كان فضل صلاة الجماعة عندهم أفضل من ركعتي الفجر فمن رأى أنه بفوات ~~ركعة منها يفوته فضل صلاة الجماعة قال يتشاغل بها ما لم تفته ركعة من ~~الصلاة المفروضة، ومن رأى أنه يدرك الفضل إذا أدرك ركعة من الصلاة لقوله ~~عليه الصلاة والسلام: من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة أي قد أدرك ~~فضلها وحمل ذلك على عمومه في تارك ذلك قصدا، أو بغير اختيار، قال: يتشاغل ~~بها ما ظن أنه يدرك ركعة منها. ms0209 ومالك إنما يحمل هذا الحديث والله أعلم على ~~من فاتته الصلاة دون قصد منه لفواتها، ولذلك رأى أنه إذا فاتته منها ركعة، ~~فقد فاته فضلها. وأما من أجاز ركعتي الفجر في المسجد، والصلاة تقام، فالسبب ~~في ذلك أحد أمرين: إما أنه لم يصح عنده هذا الأثر، أو لم يبلغه. قال أبو ~~بكر بن المنذر: هو أثر ثابت: أعني قوله عليه الصلاة والسلام: إذا أقيمت ~~الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة وكذلك صححه أبو عمر بن عبد البر، وإجازة ذلك ~~تروى عن ابن مسعود. والرابعة في وقت قضائها إذا فاتت حتى صلى الصبح، فإن ~~طائفة قالت يقضيه بعد صلاة الصبح. وبه قال عطاء وابن جريج، وقال قوم: ~~يقضيها بعد طلوع الشمس، ومن هؤلاء من جعل لها PageV01P165 # هذا الوقت غير المتسع، ومنهم من جعله لها متسعا، فقال: يقضيها من لدن ~~طلوع الشمس إلى وقت الزوال، ولا يقضيها بعد الزوال وهؤلاء الذين قالوا ~~بالقضاء، ومنهم من استحب ذلك، ومنهم من خير فيه. والأصل في قضائها صلاته ~~لها عليه الصلاة والسلام بعد طلوع الشمس حين نام عن الصلاة. # الباب الثالث: في النوافل واختلفوا في النوافل هل تثنى، أو تربع، أو ~~تثلث؟ فقال مالك، والشافعي: صلاة ركعتين وقال أبو حنيفة: إن شاء ثنى، أو ~~ثلث، أو ربع، أو سد س، أو ثمن دون أن يفصل بينها بسلام وفرق قوم بين صلاة ~~الليل، وصلاة النهار، فقالوا: صلاة الليل مثنى مثنى، وصلاة النهار أربع. ~~والسبب في اختلافهم: # اختلاف الآثار الواردة في هذا الباب، وذلك أنه ورد في هذا الباب من حديث ~~ابن عمر أن رجلا سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن صلاة الليل، فقال: صلاة ~~الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى ~~وثبت عنه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ~~ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد الجمعة ركعتين، وقبل العصر ركعتين. فمن ~~أخذ بهذين الحديثين قال: صلاة الليل، والنهار مثنى مثنى. وثبت أيضا من حديث ~~عائشة أنها ms0210 قالت، وقد وصفت صلاة رسول الله (ص): كان يصلي أربعا، فلا تسأل ~~عن حسنهن، وطولهن، ثم يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن، وطولهن، ثم يصلي ~~ثلاثا، قالت: فقلت يا رسول الله: أتنام قبل أن توتر؟ # قال: يا عائشة إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي. وثبت عنه أيضا من طريق أبي ~~هريرة أنه قال عليه الصلاة والسلام: من كان يصلي بعد الجمعة، فليصل أربعا ~~وروى الأسود عن عائشة: أن رسول الله (ص) كان يصلي من الليل تسع ركعات فلما ~~أسن صلى سبع ركعات فمن أخد أيضا بظاهر هذه الأحاديث جوز التنفل بالأربع ~~والثلاث دون أن يفصل بينها بسلام، والجمهور على أنه لا يتنفل بواحدة، وأحسب ~~أن فيه خلافا شاذا. # الباب الرابع في ركعتي دخول المسجد جمهور على أن ركعتي دخول المسجد مندوب ~~إليها من غير إيجاب، وذهب أهل الظاهر إلى وجوبها. وسبب الخلاف في ذلك: هل ~~الامر في قوله عليه الصلاة والسلام: # إذا جاء أحدكم المسجد، فليركع ركعتين محمول على الندب أو على الوجوب؟ فإن ~~الحديث متفق على صحته، فمن تمسك في ذلك بما اتفق عليه الجمهور من أن الأصل ~~هو حمل الأوامر المطلقة على الوجوب حتى يدل الدليل على الندب، ولم ينقدح ~~عنده دليل ينقل الحكم من الوجوب إلى الندب. قال: الركعتان واجبتان، ومن ~~انقدح عنده دليل على PageV01P166 # حمل الأوامر هاهنا على الندب، أو كان الأصل عنده في الأوامر أن تحمل على ~~الندب حتى يدل الدليل على الوجوب، فإن هذا قد قال به قوم، قال: الركعتان ~~غير واجبتين، لكن الجمهور إنما ذهبوا إلى حمل الامر هاهنا على الندب لمكان ~~التعارض الذي بينه، وبين الأحاديث التي تقتضي بظاهرها أو بنصها أن لا صلاة ~~مفروضة إلا الصلوات الخمس التي غيره، وذلك أنه إن حمل الامر هاهنا على ~~الوجوب، لزم أن تكون المفروضات أكثر من خمس، ولمن أوجبها أن الوجوب هاهنا، ~~إنما هو متعلق بدخول المسجد، لا مطلقا كالأمر بالصلوات المفروضة، وللفقهاء ~~أن تقييد وجوبها بالمكان شبيه بتقييد وجوبها بالزمان، ولأهل الظاهر أن ms0211 ~~المكان المخصوص ليس من شرط صحة الصلاة، والزمان من شرط صحة الصلاة ~~المفروضة. واختلف العلماء من هذا الباب فيمن جاء المسجد، وقد ركع ركعتي ~~الفجر في بيته هل يركع عند دخول المسجد، أم لا؟ فقال الشافعي: يركع، وهي ~~رواية أشهب عن مالك، وقال أبو حنيفة: # لا يركع، وهي رواية ابن القاسم عن مالك. وسبب اختلافهم: معارضة عموم قوله ~~عليه الصلاة والسلام: إذا جاء أحدكم المسجد، فليركع ركعتين وقوله عليه ~~الصلاة والسلام: # لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الصبح. فها هنا عمومان، وخصوصان: أحدهما في ~~الزمان، والاخر في الصلاة، وذلك أن حديث الامر بالصلاة عند دخول المسجد عام ~~في الزمان خاص في الصلاة، والنهي عن الصلاة بعد الفجر إلا ركعتي الصبح خاص ~~في الزمان عام في الصلاة، فمن استثنى خاص الصلاة من عامها رأى الركوع بعد ~~ركعتي الفجر، ومن استثنى خاص الزمان من عامه لم يوجب ذلك، وقد قلنا إن مثل ~~هذا التعارض إذا وقع، فليس يجب أن يصار إلى أحد التخصيصين إلا بدليل، وحديث ~~النهي لا يعارض به حديث الامر الثابت، والله أعلم. فإن ثبت الحديث، وجب طلب ~~الدليل من موضع آخر. # الباب الخامس: في قيام رمضان وأجمعوا على أن قيام شهر رمضان مرغب فيه ~~أكثر من سائر الأشهر لقوله عليه الصلاة والسلام: من قام رمضان، إيمانا، ~~واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وأن التراويح التي جمع عليها عمر بن ~~الخطاب الناس ورغب فيها، وإن كانوا اختلفوا أي أفضل؟ أهي، أو الصلاة آخر ~~الليل؟ أعني التي كانت صلاة رسول الله (ص)، لكن الجمهور على أن الصلاة آخر ~~الليل أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام: أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا ~~المكتوبة ولقول عمر فيها: والتي تنامون عنها أفضل. واختلفوا في المختار من ~~عدد الركعات التي يقوم بها الناس في رمضان، فاختار مالك في أحد قوليه، وأبو ~~حنيفة، والشافعي، وأحمد، وداود، القيام بعشرين ركعة سوى الوتر. وذكر ابن ~~القاسم عن مالك أنه كان يستحسن ستا وثلاثين ركعة، والوتر ثلاث. وسبب ~~اختلافهم: ms0212 اختلاف النقل في ذلك، وذلك PageV01P167 # أن مالكا روى عن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن ~~الخطاب بثلاث وعشرين ركعة وخرج ابن أبي شيبة عن داود ابن قيس قال: أدركت ~~الناس بالمدينة في زمان عمر بن عبد العزيز، وأبان بن عثمان يصلون ستا ~~وثلاثين ركعة، ويوترون بثلاث وذكر ابن القاسم عن مالك أنه الامر القديم: ~~يعني القيام بست وثلاثين ركعة. # الباب السادس: في صلاة الكسوف اتفقوا على أن صلاة كسوف الشمس سنة، وأنها ~~في جماعة، واختلفوا في صفتها، وفي صفة القراءة فيه، وفي الأوقات التي تجوز ~~فيها، وهل من شروطها الخطبة أم لا؟ وهل كسوف القمر ككسوف الشمس؟ ففي ذلك ~~خمس مسائل أصول في هذا الباب. # المسألة الأولى: ذهب مالك والشافعي، وجمهور أهل الحجاز، وأحمد أن صلاة ~~الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان وذهب أبو حنيفة والكوفيون إلى أن صلاة ~~الكسوف ركعتان على هيئة صلاة العيد والجمعة. والسبب في اختلافهم: اختلاف ~~الآثار الواردة في هذا الباب، ومخالفة القياس لبعضها، وذلك أنه ثبت من حديث ~~عائشة أنها قالت: خسفت الشمس في عهد رسول الله (ص)، فصلى بالناس فقام، ~~فأطال القيام، ثم ركع، فأطال الركوع، ثم قام، فأطال القيام، وهو دون القيام ~~الأول، ثم ركع، فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول ثم رفع فسجد، ثم رفع ~~فسجد، ثم فعل في الركعة الآخرة مثل ذلك ثم انصرف، وقد تجلت الشمس. ولما ثبت ~~أيضا من هذه الصفة في حديث ابن عباس أعني: من ركوعين في ركعة. قال أبو عمر: ~~هذان الحديثان من أصح ما روي في هذا الباب، فمن أخذ بهذين قبل النقل قال: ~~صلاة الكسوف ركعتان في ركعة. # وورد أيضا من حديث أبي بكرة، وسمرة بن جندب، وعبد الله بن عمر، والنعمان ~~بن بشير أنه صلى في الكسوف ركعتين كصلاة العيد. قال أبو عمر بن عبد البر، ~~وهي كلها آثار مشهورة صحاح، ومن أحسنها حديث أبي قلابة عن النعمان بن بشير ~~قال: صلى بنا رسول الله (ص) في الكسوف ms0213 نحو صلاتكم يركع، ويسجد ركعتين ~~ركعتين، ويسأل الله حتى تجلت الشمس. فمن رجح هذه الآثار لكثرتها، وموافقتها ~~للقياس: أعني موافقتها لسائر الصلوات، قال: صلاة الكسوف ركعتان. قال ~~القاضي: خرج مسلم حديث سمرة. قال أبو عمر: وبالجملة فإنما صار كل فريق منهم ~~إلى ما ورد عن سلفه، ولذلك رأى بعض أهل العلم أن هذا كله على التخيير، وممن ~~قال بذلك الطبري. قال القاضي: وهو الأولى، فإن الجمع أولى من الترجيح. قال ~~أبو عمر: وقد روي في صلاة الكسوف عشر ركعات في ركعتين وثمان ركعات في ~~ركعتين، وست ركعات في ركعتين، وأربع ركعات في ركعتين، لكن من طرق ضعيفة قال ~~أبو بكر بن المنذر، وقال إسحاق بن راهويه: كل ما ورد من PageV01P168 # ذلك، فمؤتلف غير مختلف لأن الاعتبار في ذلك، لتجلي الكسوف، فالزيادة في ~~الركوع إنما تقع بحسب اختلاف التجلي في الكسوفات التي صلى فيها. وروي عن ~~العلاء بن زياد أنه كان يرى أن المصلي ينظر إلى الشمس إذا رفع رأسه من ~~الركوع، فإن كانت قد تجلت: # سجد، وأضاف إليها ركعة ثانية، وإن كانت لم تنجل، ركع في الركعة الواحدة ~~ركعة ثانية: ثم نظر إلى الشمس، فإن كانت تجلت، سجد، وأضاف إليها ثانية، وإن ~~كانت لم تنجل، ركع ثالثة في الركعة الأولى، وهكذا حتى تنجلي وكان إسحاق بن ~~راهويه يقول: لا يتعدى بذلك أربع ركعات في كل ركعة، لأنه لم يثبت عن النبي ~~(ص) أكثر من ذلك. # وقال أبو بكر بن المنذر: وكان بعض أصحابنا يقول: الاختيار في صلاة الكسوف ~~ثابت عين، وإن شاء ثلاثة وإن شاء أربعة، ولم يصح عنده ذلك، قال: وهذا يدل ~~على أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى في كسوفات كثيرة. قال القاضي: هذا ~~الذي ذكره هو الذي خرجه مسلم، ولا أدري كيف قال أبو عمر فيها إنها وردت من ~~طرق ضعيفة، وأما عشر ركعا ت في ركعتين، فإنما أخرجه أبو داود فقط. # المسألة الثانية: واختلفوا في القراءة فيها، فذهب مالك والشافعي إلى أن ~~القراءة فيها سر وقال ms0214 أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق بن راهويه ~~يجهر بالقراءة فيها. # والسبب في اختلافهم: اختلاف الآثار في ذلك بمفهومها، وبصيغها، وذلك أن ~~مفهوم حديث ابن عباس الثابت أنه قرأ سرا لقوله فيه عنه عليه الصلاة ~~والسلام: فقام قياما نحوا من سورة البقرة وقد روي هذا المعنى نصا عنه أنه ~~قال: قمت إلى جنب رسول الله (ص)، فما سمعت منه حرفا. وقد روي أيضا من طريق ~~ابن إسحاق عن عائشة في صلاة الكسوف أنها قالت: تحريت قراءته فحزرت أنه قرأ ~~سورة البقرة. فمن رجح هذه الأحاديث قال: القراءة فيها سر. ولمكان ما جاء في ~~هذه الآثار، استحب مالك والشافعي أن يقرأ في الأولى البقرة، وفي الثانية آل ~~عمران، وفي الثالثة بقدر مائة وخمسين آية من البقرة، وفي الرابعة بقدر ~~خمسين آية من البقرة، وفي كل واحدة أم القرآن، ورجحوا أيضا مذهبهم هذا بما ~~روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: صلاة النهار عجماء. ووردت هاهنا أيضا ~~أحاديث مخالفة لهذه، فمنها أنه روي: أنه عليه الصلاة والسلام، قرأ في إحدى ~~الركعتين من صلاة الكسوف بالنجم مفهوم هدا أنه جهر وكان. أحمد، وإسحاق ~~يحتجان لهذا المذهب بحديث سفيان بن الحسن عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن ~~النبي عليه الصلاة والسلام جهر بالقراءة في كسوف الشمس. قال أبو عمر: سفيان ~~بن الحسن ليس بالقوي، وقال: وقد تابعه على ذلك عن الزهري عن عبد الرحمن بن ~~سليمان بن كثير، وكلهم ليس في حديث الزهري، مع أن حديث ابن إسحاق المتقدم ~~عن عائشة يعارضه. PageV01P169 # واحتج هؤلاء أيضا لمذهبهم بالقياس الشبهي، فقالوا: صلاة سنة تفعل في ~~جماعة نهارا، فوجب أن يجهر فيها أصله العيدان، والاستسقاء، وخير في ذلك كله ~~الطبري، وهي طريقة الجمع، وقد قلنا إنها أولى من طريقة الترجيح إذا أمكنت، ~~ولا خلاف في هذا أعلمه بين الأصوليين. # المسألة الثالثة: واختلفوا في الوقت الذي تصلى فيه. فقال الشافعي تصلى في ~~جميع الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وغير المنهي. وقال أبو حنيفة: لا تصلى ~~في ms0215 الأوقات المنهي عن الصلاة فيها. وأما مالك فروى عنه ابن وهب أنه قال: لا ~~يصلى لكسوف الشمس إلا في الوقت الذي تجوز فيه النافلة، وروى ابن القاسم أن ~~سنتها أن تصلى ضحى إلى الزوال. وسبب اختلافهم في هذه المسألة: اختلافهم في ~~جنس الصلاة التي لا تصلى في الأوقات المنهي عنها. فمن رأى أن تلك الأوقات ~~تختص بجميع أجناس الصلاة لم يجز فيها صلاة كسوف، ولا غيرها، ومن رأى أن تلك ~~الأحاديث تختص بالنوافل، وكانت الصلاة عنده في الكسوف سنة، أجاز ذلك، ومن ~~رأى أيضا أنها من النفل لم يجزها في أوقات النهي. وأما رواية ابن القاسم عن ~~مالك، فليس لها وجه إلا تشبيهها بصلاة العيد. # المسألة الرابعة: واختلفوا أيضا هل من شروطها الخطبة بعد الصلاة؟ فذهب ~~الشافعي إلى أن ذلك من شرطها وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا خطبة في صلاة ~~الكسوف. # والسبب في اختلافهم: اختلاف العلة التي من أجلها خطب رسول الله (ص) الناس ~~لما انصرف من صلاة الكسوف على ما في حديث عائشة، وذلك أنها روت: أنه لما ~~انصرف من الصلاة، وقد تجلت الشمس، حمد الله وأثنى عليه. ثم قال: إن الشمس ~~والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته الحديث. فزعم ~~الشافعي أنه إنما خطب، لان من سنة هذه الصلاة الخطبة، كالحال في صلاة ~~العيدين، والاستسقاء. وزعم بعض من قال بقول أولئك أن خطبة النبي عليه ~~الصلاة والسلام إنما كانت يومئذ، لان الناس زعموا أن الشمس إنما كسفت لموت ~~إبراهيم ابنه عليه السلام. # المسألة الخامسة: واختلفوا في كسوف القمر، فذهب الشافعي إلى أنه يصلى له ~~في جماعة، وعلى نحو ما يصلى في كسوف الشمس، وبه قال أحمد وداود وجماعة وذهب ~~مالك، وأبو حنيفة إلى أنه لا يصلى له في جماعة واستحبوا أن يصلي الناس له ~~أفذاذا ركعتين كسائر الصلوات النافلة. وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم ~~قوله عليه الصلاة والسلام: # إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد، ولا لحياته، ~~فإذا ms0216 رأيتموهما، فادعوا الله، وصلوا حتى يكشف ما بكم، وتصدقوا خرجه البخاري ~~ومسلم. فمن فهم هاهنا من الامر بالصلاة فيهما معنى واحدا، وهي الصفة التي ~~فعلها في كسوف الشمس، رأى الصلاة فيها في جماعة. ومن فهم من ذلك معنى ~~مختلفا، لأنه لم يرو عنه عليه الصلاة والسلام أنه PageV01P170 # صلى في كسوف القمر مع كثرة دورانه، قال: المفهوم من ذلك ك أقل ما ينطلق ~~عليه اسم صلاة في الشرع، وهي النافلة فذا، وكأن قائل هذا القول، يرى أن ~~الأصل هو أن يحمل اسم الصلاة في الشرع، إذا ورد الامر بها على أقل ما ينطلق ~~عليه هذا الاسم في الشرع، إلا أن يدل الدليل على غير ذلك، فلما دل فعله ~~عليه الصلاة والسلام في كسوف الشمس على غير ذلك، بقي المفهوم في كسوف القمر ~~على أصله، والشافعي يحمل فعله في كسوف الشمس بيانا لمجمل ما أمر به من ~~الصلاة فيهما، فوجب الوقوف عند ذلك. وزعم أبو عمر بن عبد البر أنه روي عن ~~ابن عباس، وعثمان أنهما صليا في القمر في جماعة ركعتين، في كل ركعة ركوعان ~~مثل قول الشافعي. وقد استحب قوم الصلاة للزلزلة، والريح، والظلمة، وغير ذلك ~~من الآيات قياسا على كسوف القمر، والشمس لنصه عليه الصلاة والسلام على ~~العلة في ذلك، وهو كونها آية، وهو من أقوى أجناس القياس عندهم، لأنه قياس ~~العلة التي نص عليها لكن لم ير هذا مالك، ولا الشافعي، ولا جماعة من أهل ~~العلم. وقال أبو حنيفة: إن صلى للزلزلة، فقد أحسن، وإلا فلا حرج، وروي عن ~~ابن عباس أنه صلى لها مثل صلاة الكسوف. # الباب السابع: في صلاة الاستسقاء أجمع العلماء على أن الخروج إلى ~~الاستسقاء، والبروز عن المصر، والدعاء إلى الله تعالى، والتضرع إليه في ~~نزول المطر سنة سنها رسول الله (ص)، واختلفوا في الصلاة في الاستسقاء، ~~فالجمهور على أن ذلك من سنة الخروج إلى الاستسقاء إلا أبا حنيفة، فإنه قال: ~~ليس من سنة الصلاة. وسبب الخلاف: أنه ورد في بعض الآثار أنه استسقى، ms0217 وصلى، ~~وفي بعضها لم يذكر فيها صلاة، ومن أشهر ما ورد في أنه صلى، وبه أخذ الجمهور ~~حديث عباد بن تميم عن عمه: أن رسول الله (ص) خرج بالناس يستسقي، فصلى بهم ~~ركعتين، جهر فيهما بالقراءة، ورفع يديه حذو منكبيه، وحول رداءه، واستقبل ~~القبلة، واستسقى خرجه البخاري ومسلم. وأما الأحاديث التي ذكر فيها ~~الاستسقاء، وليس فيها ذكر للصلاة، فمنها حديث أنس بن مالك خرجه مسلم أنه ~~قال: جاء رجل إلى رسول الله (ص)، فقال: يا رسول الله هلكت المواشي، وانقطعت ~~السبل فادع الله، فدعا رسول الله (ص)، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ومنها ~~حديث عبد الله بن زيد المازني وفيه أنه قال: خرج رسول الله (ص)، فاستسقى، ~~وحول رداءه حين استقبل القبلة ولم يذكر فيه صلاة، وزعم القائلون بظاهر هذا ~~الأثر أن ذلك مروي عن عمر بن الخطاب، أعني أنه خرج إلى المصلى، فاستسقى، ~~ولم يصل. والحجة للجمهور أنه من لم يذكر شيئا، فليس هو بحجة على من ذكره. ~~والذي يدل عليه اختلاف الآثار في ذلك ليس عندي فيه شئ أكثر من أن الصلاة ~~ليست من شرط صحة الاستسقاء، إذ قد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قد ~~PageV01P171 # استسقى على المنبر لا أنها ليست من سننه، كما ذهب إليه أبو حنيفة. وأجمع ~~القائلون بأن الصلاة من سننه على الخطبة أيضا من سننه، لورود ذلك في الأثر. ~~قال ابن المنذر: # ثبت أن رسول الله (ص) صلى صلاة الاستسقاء وخطب. واختلفوا هل هي قبل ~~الصلاة، أو بعدها؟ لاختلاف الآثار في ذلك فرأى قوم أنها بعد الصلاة قياسا ~~على صلاة العيدين، وبه قال الشافعي، ومالك. وقال الليث بن سعد: الخطبة قبل ~~الصلاة. قال ابن المنذر: قد روي عن النبي (ص): أنه استسقى فخطب قبل الصلاة ~~وروي عن عمر بن الخطاب مثل ذلك، وبه نأخذ. قال القاضي: وقد خرج ذلك أبو ~~داود من طرق. ومن ذكر الخطبة، فإنما ذكرها - في علمي - قبل الصلاة. واتفقوا ~~على أن القراءة فيها جهرا. واختلفوا هل يكبر فيها كما يكبر ms0218 في العيدين؟ ~~فذهب مالك إلى أنه يكبر فيها كما يكبر في سائر الصلوات. وذهب الشافعي إلى ~~أنه يكبر فيها كما يكبر في العيدين. وسبب الخلاف: اختلافهم في قياسها على ~~صلاة العيدين. وقد احتج الشافعي لمذهبه في ذلك بما روي عن ابن عباس: أن ~~رسول الله (ص) صلى فيها ركعتين، كما يصلى في العيدين. واتفقوا على أن من ~~سنتها أن يستقبل الامام القبلة واقفا، ويدعو ويحول رداءه رافعا يديه على ما ~~جاء في الآثار، واختلفوا في كيفية ذلك، ومتى يفعل ذلك. فأما كيفية ذلك، ~~فالجمهور على أنه يجعل أعلاه أسفله وما على يمينه على شماله، وما على شماله ~~على يمينه. وقال الشافعي: بل يجعل أعلاه أسفله، وما على يمينه منه على ~~يساره، وما على يساره على يمينه. وسبب الاختلاف: اختلاف الآثار في ذلك، ~~وذلك أنه جاء في حديث عبد الله بن زيد: أنه (ص) خرج إلى المصلى يستسقي ~~فاستقبل القبلة وقلب رداءه، وصلى ركعتين وفي بعض رواياته: قلت: أجعل الشمال ~~على اليمين، واليمين على الشمال، أم أجعل أعلاه أسفله؟ أنه قال: بل اجعل ~~الشمال على اليمين، واليمين على الشمال وجاء أيضا في حديث عبد الله هذا أنه ~~قال: استسقى رسول الله (ص)، وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها، ~~فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه. وأما متى يفعل الامام ذلك، ~~فإن مالكا والشافعي قالا: يفعل ذلك عند الفراغ من الخطبة وقال أبو يوسف: ~~يحول رداءه إذا مضى صدر من الخطبة وروي ذلك أيضا عن مالك. وكلهم يقول: إنه ~~إذا حول الامام رداءه قائما حول الناس أرديتهم جلوسا، لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: إنما جعل الامام ليؤتم به إلا محمد بن الحسن والليث بن سعد وبعض ~~أصحاب مالك، فإن الناس عندهم لا يحولون أرديتهم بتحويل الامام، لأنه لم ~~ينقل ذلك في صلاته عليه الصلاة والسلام بهم، وجماعة [من] العلماء على أن ~~الخروج لها وقت الخروج إلى صلاة العيدين إلا أبا بكر بن محمد ابن عمرو بن ~~حزم فإنه قال: إن ms0219 الخروج إليها عند الزوال. وروى أبو داود عن عائشة أن رسول ~~الله (ص) خرج إلى الاستسقاء حين بدا حاجب الشمس. PageV01P172 # الباب الثامن في صلاة العيدين أجمع العلماء على استحسان الغسل لصلاة ~~العيدين وأنهما بلا أذان ولا إقامة لثبوت ذلك عن رسول الله (ص) إلا من أحدث ~~من ذلك معاوية في أصح الأقاويل قاله أبو عمر وكذلك أجمعوا على أن السنة ~~فيها تقديم الصلاة على الخطبة لثبوت ذلك أيضا عن رسول الله (ص) إما روي عن ~~عثمان بن عفان أنه أخر الصلاة، وقدم الخطبة لئلا يفترق الناس قبل الخطبة. ~~وأجمعوا أيضا على أنه لا توقيت في القراءة في العيدين، وأكثرهم استحب أن ~~يقرأ في الأولى بسبح، وفي الثانية بالغاشية لتواتر ذلك عن رسول الله (ص)، ~~واستحب الشافعي القراءة فيهما ب‍ * (ق والقرآن المجيد) *، و * (اقتربت ~~الساعة) * لثبوت ذلك عنه عليه الصلاة والسلام. واختلفوا من ذلك في مسائل ~~أشهرها اختلافهم في التكبير، وذلك أنه حكى في ذلك أبو بكر بن المنذر نحوا ~~من اثني عشر قولا، إلا أنا نذكر من ذلك المشهور الذي يستند إلى صحابي، أو ~~سماع، فنقول: ذهب مالك إلى أن التكبير في الأولى من ركعتي العيدين سبع مع ~~تكبيرة الاحرام قبل القراءة، وفي الثانية ست مع تكبيرة القيام من السجود ~~وقال الشافعي في الأولى ثمان، وفي الثانية ست مع تكبيرة القيام من السجود. ~~وقال أبو حنيفة: يكبر في الأولى ثلاثا بعد تكبيرة الاحرام يرفع يديه فيها ~~ثم يقرأ أم القرآن، وسورة، ثم يكبر راكعا، ولا يرفع يديه، فإذا قام إلى ~~الثانية كبر ولم يرفع يديه، وقرأ فاتحة الكتاب وسورة، ثم كبر ثلاث تكبيرات ~~يرفع فيها يديه، ثم يكبر للركوع، ولا يرفع فيها يديه. وقال قوم: فيها تسع ~~في كل ركعة، وهو مروي عن ابن عباس، والمغيرة بن شعبة وأنس ابن مالك، وسعيد ~~بن المسيب، وبه قال النخعي. وسبب اختلافهم: اختلاف الآثار المنقولة في ذلك ~~عن الصحابة، فذهب مالك رحمه الله إلى ما رواه عن ابن عمر أنه قال: شهدت ms0220 ~~الأضحى والفطر مع أبي هريرة، فكبر في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي ~~الآخرة خمسا قبل القراءة لان العمل عنده بالمدينة كان على هذا، وبهذا الأثر ~~بعينه أخذ الشافعي، إلا أنه تأول في السبع أنه ليس فيها تكبيرة الاحرام، ~~كما ليس في الخمس تكبيرة القيام، ويشبه أن يكون مالك إنما أصاره إلى أن يعد ~~تكبيرة الاحرام في السبع، ويعد تكبيرة القيام زائدا على الخمس المروية أن ~~العمل ألفاه على ذلك، فكأنه عنده وجه من الجمع بين الأثر، والعمل، وقد ~~عائشة، وعن عمرو بن العاص وروي: أنه سئل أبو موسى الأشعري، وحذيفة بن ~~اليمان كيف كان PageV01P173 # رسول الله (ص) يكبر في الأضحى، والفطر؟ فقال أبو موسى كان يكبر أربعا على ~~الجنائز. # فقال حذيفة: صدق، فقال أبو موسى: كذلك كنت أكبر في البصرة حين كنت عليهم. # وقال قوم بهذا. وأما أبو حنيفة وسائر الكوفيين، فإنهم اعتمدوا في ذلك على ~~ابن مسعود وذلك أنه ثبت عنه أنه كان يعلمهم صلاة العيدين على الصفة ~~المتقدمة وإنما صار الجميع إلى الاخذ بأقاويل الصحابة في هذه المسألة، لأنه ~~لم يثبت فيها عن النبي عليه الصلاة والسلام شئ، ومعلوم أن فعل الصحابة في ~~ذلك هو توقيف، إذ لا مدخل للقياس في ذلك. وكذلك اختلفوا في رفع اليدين عند ~~كل تكبيرة، فمنهم من رأى ذلك وهو مذهب الشافعي ومنهم من لم ير الرفع إلا في ~~الاستفتاح فقط ومنهم من خير. واختلفوا فيمن تجب عليه صلاة العيد: أعني وجوب ~~السنة، فقالت طائفة يصليها الحاضر، والمسافر، وبه قال الشافعي، والحسن ~~البصري، وكذلك قال الشافعي إنه يصليها أهل البوادي، ومن لا يجمع حتى المرأة ~~في بيتها. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: إنما تجب صلاة الجمعة والعيدين على أهل ~~الأمصار، والمدائن وروي عن علي أنه قال: لا جمعة، ولا تشريق إلا في مصر ~~جامع، وروي عن الزهري أنه قال: لا صلاة فطر، ولا أضحى على مسافر. والسبب في ~~هذا الاختلاف: اختلافهم في قياسها على الجمعة فمن قاسها على الجمعة، كان ~~مذهبه فيها على ms0221 مذهبه في الجمعة، ومن لم يقسها رأى أن الأصل، هو أن كل مكلف ~~مخاطب بها حتى يثبت استثناؤه من الخطاب. قال القاضي: قد فرقت السنة بين ~~الحكم للنساء في العيدين والجمعة، وذلك أنه ثبت: أنه عليه الصلاة والسلام، ~~أمر النساء بالخروج للعيدين، ولم يأمر بذلك في الجمعة وكذلك اختلفوا في ~~الموضع الذي يجب منه المجئ إليهما كاختلافهم في صلاة الجمعة من الثلاثة ~~الأميال إلى مسيرة اليوم التام. واتفقوا على أن وقتها من شروق الشمس إلى ~~الزوال، واختلفوا فيمن لم يأتهم علم بأنه العيد إلا بعد الزوال، فقالت ~~طائفة: ليس عليهم أن يصلوا يومهم، ولا من الغد، وبه قال مالك، والشافعي، ~~وأبو ثور. وقال آخرون: يخرجون إلى الصلاة في غداة ثاني العيد، وبه قال ~~الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. قال أبو بكر بن المنذر: وبه نقول لحديث رويناه عن ~~النبي عليه الصلاة والسلام: # أنه أمرهم أن يفطروا فإذا أصبحوا أن يعودوا إلى مصلاهم قال القاضي: خرجه ~~أبو داود، إلا أنه عن صحابي مجهول، ولكن الأصل فيهم رضي الله عنهم حملهم ~~على العدالة. واختلفوا إذا اجتمع في يوم واحد عيد، وجمعة، هل يجزئ العيد عن ~~الجمعة؟ فقال قوم: يجزئ العيد عن الجمعة، وليس عليه في ذلك اليوم إلا العصر ~~فقط، وبه قال عطاء، وروي ذلك عن ابن الزبير، وعلي. وقال قوم: هذه رخصة لأهل ~~البوادي الذين يردون الأمصار للعيد والجمعة خاصة. كما روي عن عثمان أنه خطب ~~في يوم عيد وجمعة فقال: # من أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة، فلينتظر، ومن أحب أن يرجع، ~~فليرجع رواه PageV01P174 # مالك في الموطأ وروي نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وبه قال الشافعي. وقال ~~مالك وأبو حنيفة: إذا اجتمع عيد، وجمعة، فالمكلف مخاطب بهما جميعا العيد ~~على أنه سنة، والجمعة على أنها فرض، ولا ينوب أحدهما عن الاخر وهذا هو ~~الأصل إلا أن يثبت في ذلك شرع يجب المصير إليه. ومن تمسك بقول عثمان، فلانه ~~رأي أن مثل ذلك ليس هو بالرأي وإنما هو توفيق وليس هو ms0222 بخارج عن الأصول كل ~~الخروج. وأما اسقاط فرض الظهر والجمعة التي هي بدله لمكان صلاة العيد فخارج ~~عن الأصول جدا، إلا أن يثبت في ذلك شرع يجب المصير إليه. واختلفوا فيمن ~~تفوته صلاة العيد مع الامام، فقال قوم يصلي أربعا، وبه قال أحمد والثوري ~~وهو مروي عن ابن مسعود. وقال قوم: بل يقضيها على صفة صلاة الامام ركعتين ~~يكبر فيهما نحو تكبيره، ويجهر كجهره، وبه قال الشافعي، وأبو ثور وقال قوم: ~~بل ركعتين فقط لا يجهر فيهما ولا يكبر تكبير العيد وقال قوم: إن صلى الامام ~~في المصلى صلى ركعتين، وإن صلى في غير المصلى صلى أربع ركعات وقال قوم: لا ~~قضاء عليه أصلا، وهو قول مالك وأصحابه وحكى ابن المنذر عنه مثل قول ~~الشافعي. فمن قال: أربعا شبهها بصلاة الجمعة، وهو تشبيه ضعيف، ومن قال: ~~ركعتين، كما صلاهما الامام، فمصيرا إلى أن الأصل هو أن القضاء يجب أن يكون ~~على صفة الأداء، ومن منع القضاء، فلانه رأى أنها صلاة من شرطها الجماعة ~~والامام - كالجمعة - فلم يجب قضاؤها ركعتين، ولا أربعا إذ ليست هي بدلا من ~~شئ، وهذان القولان، هما اللذان يتردد فيهما النظر: أعني قول الشافعي، وقول ~~مالك. وأما سائر الأقاويل في ذلك فضعيف لا معنى له، لان صلاة الجمعة بدل من ~~الظهر، وهذه ليست بدلا من شئ، فكيف يجب أن تقاس إحداهما على الأخرى في ~~القضاء؟ # وعلى الحقيقة، فليس من فاتته الجمعة، فصلاته الظهر قضاء، بل هي أداء، ~~لأنه إذا فاته البدل، وجبت هي، والله الموفق للصواب. واختلفوا في التنفل ~~قبل صلاة العيد وبعدها، فالجمهور على أنه لا يتنفل لا قبلها ولا بعدها، وهو ~~مروي عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وحذيفة وجابر، وبه قال أحمد، وقيل: ~~يتنفل قبلها وبعدها. وهو مذهب أنس وعروة، وبه قال الشافعي، وفيه قول ثالث، ~~وهو أن يتنفل بعدها ولا يتنفل قبلها، وقال به الثوري ، والأوزاعي، وأبو ~~حنيفة، وهو مروي أيضا عن ابن مسعود، وفرق قوم بين أن تكون الصلاة في ~~المصلى، ms0223 أو في المسجد وهو مشهور مذهب مالك. وسبب اختلافهم: أنه ثبت: أن ~~رسول الله (ص) خرج يوم أضحى، فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما وقال ~~عليه الصلاة والسلام: إذا جاء أحدكم المسجد، فليركع ركعتين وترددها أيضا من ~~حيث هي مشروعة بين أن يكون حكمها في استحباب التنفل قبلها، وبعدها حكم ~~المكتوبة أو لا يكون ذلك حكمها؟ فمن رأى أن تركه الصلاة قبلها، وبعدها هو ~~من باب ترك الصلاة قبل السنن، وبعدها، ولم ينطلق اسم المسجد عنده على ~~المصلى لم يستحب تنفلا قبلها، ولا PageV01P175 # بعدها، ولذلك تردد المذهب في الصلاة قبلها إذا صليت في المسجد، لكون دليل ~~الفعل معارضا في ذلك القول: أعني أنه من حيث هو داخل في مسجد، يستحب له ~~الركوع، ومن حيث هو مصل صلاة العيد، يستحب له أن لا يركع تشبها بفعله عليه ~~الصلاة والسلام. # ومن رأى أن ذلك من باب الرخصة، ورأي أن اسم المسجد ينطلق على المصلى، ندب ~~إلى التنفل قبلها، ومن شبهها بالصلاة المفروضة استحب التنفل قبلها وبعدها ~~كما قلنا. ورأي قوم أن التنفل قبلها وبعدها من باب المباح الجائز، لا من ~~باب المندوب ولا من باب المكروه، وهو أقل اشتباها، إن لم يتناول اسم المسجد ~~المصلى. واختلفوا في وقت التكبير في عيد الفطر بعد أن أجمع على استحبابه ~~الجمهور لقوله تعالى: * (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) * ~~فقال جمهور العلماء: يكبر عند الغدو إلى الصلاة، وهو مذهب ابن عمر، وجماعة ~~من الصحابة والتابعين، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور . وقال قوم ~~يكبر من ليلة الفطر، إذا رأوا الهلال حتى يغدو إلى المصلى، وحتى يخرج ~~الامام، وكذلك في ليلة الأضحى عندهم، إن لم يكن حاجا وروي عن ابن عباس ~~إنكار التكبير جملة، إلا إذا كبر الامام. واتفقوا أيضا على التكبير في ~~أدبار الصلوات أيام الحج، واختلفوا في توقيت ذلك اختلافا كثيرا فقال قوم: ~~يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق، وبه قال ~~سفيان، وأحمد وأبو ثور. ms0224 وقيل يكبر من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة ~~الصبح من آخر أيام التشريق، وهو قول مالك والشافعي، وقال الزهري: # مضت السنة أن يكبر الامام في الأمصار دبر صلاة الظهر من يوم النحر إلى ~~العصر من آخر أيام التشريق. # وبالجملة، فالخلاف في ذلك كثير، حكى ابن المنذر فيها عشرة أقوال. وسبب ~~اختلافهم في ذلك: هو أنه نقلت بالعمل، ولم ينقل في ذلك قول محدود. فلما ~~اختلفت الصحابة في ذلك، اختلف من بعدهم. والأصل في هذا الباب قوله تعالى: * ~~(واذكروا الله في أيام معدودات) * فهذا الخطاب وإن كان المقصود به أولا أهل ~~الحج، فإن الجمهور رأوا أنه يعم أهل الحج وغيرهم، وتلقي ذلك بالعمل وإن ~~كانوا اختلفوا في التوقيت في ذلك، ولعل التوقيت في ذلك على التخيير، لأنهم ~~كلهم أجمعوا على التوقيت، واختلفوا فيه. وقال قوم: التكبير دبر الصلاة في ~~هذه الأيام، إنما هو لمن صلى في جماعة. وكذلك اختلفوا في صفة التكبير في ~~هذه الأيام، فقال مالك والشافعي يكبر ثلاثا: الله أكبر، الله أكبر، الله ~~أكبر، وقيل يزيد بعد هذا لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله ~~الحمد، وهو على كل شئ قدير. وروي عن ابن عباس أنه يقول: الله أكبر كبيرا ~~ثلاث مرات، ثم PageV01P176 # يقول الرابعة ولله الحمد. وقال جماعة ليس فيه شئ مؤقت. والسبب في هذا ~~الاختلاف: عدم التحديد في ذلك في الشرع مع فهمهم من الشرع في ذلك التوقيت ~~أعني فهم الأكثر. وهذا هو السبب في اختلافهم في توقيت زمان التكبير، أعني ~~فهم التوقيت مع عدم النص في ذلك. وأجمعوا على أنه يستحب أن يفطر في عيد ~~الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وأن لا يفطر يوم الأضحى، إلا بعد الانصراف من ~~الصلاة، وأنه يستحب أن يرجع من غير الطريق التي مشى عليها لثبوت ذلك من ~~فعله عليه الصلاة والسلام. # مالك والشافعي: هو مسنون، وليس بواجب. وسبب الخلاف: # اختلافهم في مفهوم الأوامر بالسجود، والاخبار التي معناها معنى الأوامر ~~بالسجود مثل قوله تعالى: * (إذا ms0225 تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا) * ~~هل هي محمولة على الوجوب، أو على الندب؟ فأبو حنيفة حملها على ظاهرها من ~~الوجوب، ومالك والشافعي اتبعا في مفهومهما الصحابة، إذ كانوا هم أقعد بفهم ~~الأوامر الشرعية، وذلك أنه لما ثبت أن عمر بن الخطاب قرأ السجدة يوم ~~الجمعة، فنزل، وسجد، وسجد الناس معه، فلما كان في الجمعة الثانية، وقرأها ~~تهيأ الناس للسجود، فقال: على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا، إلا أن نشاء. ~~قالوا وهذا بمحضر الصحابة، فلم ينقل عن أحد منهم خلاف، وهم أفهم بمغزى ~~الشرع، وهذا إنما يحتج به من يرى قول الصحابي - إذا لم يكن له مخالف - حجة. ~~وقد احتج أصحاب الشافعي في ذلك بحديث زيد بن ثابت أنه قال: كنت أقرأ القرآن ~~على رسول الله (ص)، فقرأت سورة الحج، فلم يسجد ولم نسجد. بما روي عنه عليه ~~الصلاة والسلام أنه: لم يسجد في المفصل وبما روي أنه سجد فيها، لان وجه ~~الجمع بين ذلك يقتضي أن لا يكون السجود واجبا، وذلك بأن يكون كل واحد منهم ~~حدث بما رأى: من قال: إنه سجد، ومن قال: إنه لم يسجد. وأما أبو حنيفة، ~~فتمسك في ذلك بأن الأصل، هو حمل الأوامر على الوجوب أو الاخبار التي تنزل ~~منزلة الأوامر. وقد قال أبو المعالي: إن احتجاج أبي حنيفة بالأوامر الواردة ~~بالسجود في ذلك لا معنى له، فإن PageV01P177 # إيجاب السجود مطلقا ليس يقتضي وجوبه مقيدا، وهو عند القراءة: أعني قراءة ~~آية السجود، قال: ولو كان الامر كما زعم أبو حنيفة، لكانت الصلاة تجب عند ~~قراءة الآية التي فيها الامر بالصلاة، وإذا لم يجب ذلك، فليس يجب السجود ~~عند قراءة الآية التي فيها الامر بالسجود من الامر بالسجود. ولأبي حنيفة أن ~~يقول: قد أجمع المسلمون على أن الأخبار الواردة في السجود عند تلاوة ~~القرآن، هي بمعنى الامر، وذلك في أكثر المواضع، وإذا كان ذلك كذلك، فقد ورد ~~الامر بالسجود مقيدا بالتلاوة أعني عن التلاوة، وورد الامر به مطلقا، فوجب ~~حمل المطلق على ms0226 المقيد، وليس الامر في ذلك بالسجود كالأمر بالصلاة، فإن ~~الصلاة قيد وجوبها بقيود أخر، وأيضا فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد سجد ~~فيها، فبين لنا بذلك معنى الامر بالسجود الوارد فيها: أعني أنه عند ~~التلاوة، فوجب أن يحمل مقتضى الامر في الوجوب عليه. وأما عدد عزائم سجود ~~القرآن، فإن مالكا قال في الموطأ: الامر عندنا أن عزائم سجود القرآن إحدى ~~عشرة سجدة ليس في المفصل منها شئ وقال أصحابه: أولها: # خاتمة الأعراف. وثانيها: في الرعد عند قوله تعالى: * (بالغدو والآصال) * ~~وثالثها: في النحل عند قوله تعالى: * (ويفعلون ما يؤمرون) * ورابعها: في ~~بني إسرائيل عند قوله تعالى: * (ويزيدهم خشوعا) * وخامسها: في مريم عند ~~قوله تعالى: * (خروا سجدا عند قوله تعالى: * (إن الله يفعل ما يشاء) * ~~وسابعها: في الفرقان عند قوله تعالى: * (وزادهم نفورا) * وثامنها: في النمل ~~عند قوله تعالى: # * (ر ب العرش العظيم) * وتاسعها: في آلم تنزيل عند قوله تعالى: * (وهم لا ~~يستكبرون) * وعاشرها: في ص عند قوله تعالى: * (وخر راكعا وأناب) * والحادية ~~عشر: في حم تنزيل عند قوله تعالى: * (إن كنتم إياه تعبدون) * وقيل عند قوله ~~تعالى: * (وهم لا يسأمون) * وقال الشافعي: أربع عشرة سجدة ثلاث منها في ~~المفصل: في الانشقاق، وفي النجم، وفي * (اقرأ باسم ربك) *، ولم ير في ص ~~سجدة، لأنها عنده من باب الشكر. وقال أحمد: هي خمس عشرة سجدة أثبت فيها ~~الثانية من الحج، وسجدة ص. # وقال أبو حنيفة: هي اثنتا عشرة سجدة قال الطحاوي: وهي كل سجدة جاءت بلفظ ~~الخبر. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في المذاهب التي اعتمدوها في تصحيح ~~عددها، PageV01P178 # وذلك أن منهم من اعتمد عمل أهل المدينة، ومنهم من اعتمد القيا س، ومنهم ~~من اعتمد السماع. أما الذين اعتمدوا العمل، فمالك وأصحابه، وأما الذين ~~اعتمدوا القياس، فأبو حنيفة وأصحابه، وذلك أنهم قالوا: وجدنا السجدات التي ~~أجمع عليها، جاءت بصيغة الخبر، وهي سجدة الأعراف، والنحل، والرعد، ~~والاسراء، ومريم، وأول الحج، والفرقان، والنمل، و * (آلم تنزيل) * فوجب أن ~~يلحق بها سائر السجدات التي جاءت بصيغة ms0227 الخبر، وهي التي في ص والانشقاق، ~~ويسقط ثلاث جاءت بلفظ الامر، وهي التي في * (والنجم) * وفي الثانية من ~~الحج. وفي * (أقرأ باسم ربك) *. وأما الذين اعتمدوا السماع، فإنهم صاروا ~~إلى ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من سجوده في الانشقاق، وفي * (اقرأ ~~باسم ربك) * وفي * (والنجم) * خرج ذلك الحج من سجدة؟ قال: # سجدتان. وصحيح حديث عقبة بن عامر عن النبي (ص) أنه قال: في الحج سجدتان ~~وهو قول عمر، وعلي. قال القاضي: خرجه أبو داود. وأما الشافعي، فإنه إنما ~~صار إلى اسقاط سجدة ص لما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري: أن النبي عليه ~~الصلاة والسلام قرأ، وهو على المنبر آية السجود من سورة ص فنزل، وسجد، فلما ~~كان يوم آخر، قرأها، فتهيأ الناس للسجود، فقال: # إنما هي توبة نبي، ولكن رأيتكم تشيرون للسجود، فنزلت فسجدت. وفي هذا ضرب ~~من الحجة لأبي حنيفة في قوله بوجوب السجود لأنه علل ترك السجود في هذه ~~السجدة بعلة انتفت في غيرها من السجدات، فوجب أن يكون حكم التي انتفت عنها ~~العلة بخلاف التي ثبتت لها العلة، وهو نوع من الاستدلال، وفيه اختلاف، لأنه ~~من باب تجويز دليل الخطاب. وقد احتج بعض من لم ير السجود في المفصل بحديث ~~عكرمة عن ابن عباس خرجه أبو داود: أن رسول الله (ص)، لم يسجد في شئ من ~~المفصل منذ هاجر إلى المدينة قال أبو عمر: وهو منكر، لان أبا هريرة الذي ~~روى سجوده في المفصل لم يصحبه عليه الصلاة والسلام إلا بالمدينة. وقد روى ~~الثقات عنه: أنه سجد عليه الصلاة والسلام في والنجم وأما وقت السجود فإنهم ~~اختلفوا فيه، فمنع قوم السجود في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وهو مذهب ~~أبي حنيفة على أصله في منع الصلوات المفروضة في هذه الأوقات ومنع مالك أيضا ~~ذلك في الموطأ لأنها عنده من النفل، والنفل ممنوع في هذه الأوقات عنده، ~~وروى ابن القاسم عنه أنه يسجد فيها بعد العصر ما لم تصفر الشمس، أو تتغير، ~~وكذلك بعد الصبح، ms0228 وبه قال الشافعي وهذا بناء على أنها سنة، وأن السنن تصلى ~~في هذه الأوقات ما لم تدن الشمس من الغروب أو الطلوع. وأما على من يتوجه ~~حكمها، فأجمعوا على أنه يتوجه على القارئ في صلاة كان، أو في غير صلاة، ~~PageV01P179 # واختلفوا في السامع هل عليه سجود أم لا؟ فقال أبو حنيفة: عليه السجود، ~~ولم يفرق بين الرجل والمرأة وقال مالك يسجد السامع بشرطين: أحدهما: إذا كان ~~قعد ليسمع القرآن، والاخر: أن يكون القارئ يسجد وهو مع هذا ممن يصح أن يكون ~~إماما للسامع وروى ابن القاسم عن مالك أنه يسجد السامع، وإن كان القارئ ممن ~~لا يصلح للإمامة إذا جلس إليه. وأما صفة السجود، فإن جمهور الفقهاء قالوا: ~~إذا سجد القارئ، كبر إذا خفض وإذا رفع، واختلف قول مالك في ذلك إذا كان في ~~غير صلاة، وأما إذا كان في الصلاة، فإنه يكبر قولا واحدا. PageV01P180 # بسم الله الرحمن الرحيم وصل الله على سيدنا محمد واله. # كتاب أحكام الميت والكلام في هذا الكتاب - وهي حقوق الأموات على الاحياء ~~- ينقسم إلى ست جمل: # الجملة الأولى: فيما يستحب أن يفعل به عند الاحتضار، وبعده. الثانية: في ~~غسله. # الثالثة: في تكفينه. الرابعة: في حمله واتباعه. الخامسة: في الصلاة عليه. ~~السادسة: في دفنه. # الباب الأول فيما يستحب أن يفعل به عند الاحتضار وبعده. # ويستحب أن يلقن الميت عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله، لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله وقوله: من كان آخر ~~قوله لا إله إلا الله، دخل الجنة. واختلفوا في استحبا ب توجيهه إلى القبلة، ~~فرأى ذلك قوم، ولم يره الآخرون. # وروي عن مالك أنه قال فالتوجيه: ما هو من الامر القديم، وروي عن سعيد بن ~~المسيب أنه أنكر ذلك، ولم يرو ذلك عن أحد من الصحابة، ولا من التابعين: ~~أعني الامر بالتوجيه، فإذا قضى الميت غمض عينيه، ويستحب تعجيل دفنه لورود ~~الآثار فنه مخافة أن يكون الماء قد غمره، فلم تتبين حياته، قال القاضي: ms0229 ~~وإذا قيل هذا في الغريق، فهو أولى في كثير من المرضى مثل الذين يصيبهم ~~انطباق العروق وغير ذلك مما هو معروف عند الأطباء. حتى لقد قال الأطباء: إن ~~المسكوتين لا ينبغي أن يدفنوا إلا بعد ثلاث. # الباب الثاني: في غسل الميت ويتعلق بهذا الباب فصول أربعة: منها في حكم ~~الغسل، ومنها فيمن يجب غسله من الموتى، ومن يجوز أن يغسل، وما حكم الغاسل، ~~ومنها في صفة الغسل. # الفصل الأول: في حكم الغسل فأما حكم الغسل، فإنه قيل فيه إنه فرض على ~~الكفاية، وقيل سنة على الكفاية والقولان كلاهما في المذهب. والسبب في ذلك ~~أنه نقل بالعمل، لا بالقول. والعمل ليس PageV01P181 # له صيغة تفهم الوجوب، أو لا تفهمه، وقد احتج عبد الوهاب لوجوبه بقوله ~~عليه الصلاة والسلام في ابنته: اغسلنها ثلاثا، أو خمسا. وبقوله في المحرم: ~~اغسلوه. فمن رأى أن هذا القول خرج مخرج تعليم لصفة أنه يتضمن الامر والصفة ~~قال: بوجوبه. # الفصل الثاني: فيمن يجب غسله من الموتى وأما الأموات الذين يجب غسلهم، ~~فإنهم اتفقوا من ذلك على غسل الميت المسلم الذي لم يقتل في معترك حرب ~~الكفار. واختلفوا في غسل الشهيد وفى الصلاة عليه، وفي غسل المشرك. فأما ~~الشهيد: أعني الذي قتله في المعترك المشركون، فإن الجمهور على ترك غسله، ~~لما روي: أن رسول الله (ص) أمر بقتلى أحد، فدفنوا بثيابهم، ولم يصل عليهم ~~وكان الحسن، وسعيد بن المسيب يقولان: يغسل كل مسلم، فإن كل ميت يجنب. ~~ولعلهم كانوا يرون أن ما فعل بقتلى أحد، كان لموضع الضرورة: أعني المشقة في ~~غسلهم، وقال بقولهم من فقهاء الأمصار عبيد الله بن الحسن العنبري. وسئل أبو ~~عمر فيما حكى ابن المنذر عن غسل الشهيد، فقال: قد غسل عمر، وكفن، وحنط، ~~وصلي عليه، وكان شهيدا يرحمه الله. واختلف الذين اتفقوا على أن الشهيد في ~~حرب المشركين لا يغسل - في الشهداء من قتل اللصوص، أو غير أهل الشرك، فقال ~~الأوزاعي، وأحمد، وجماعة حكمهم حكم من قتله أهل الشرك، وقال مالك والشافعي: ~~يغسل. وسبب ms0230 اختلافهم: هو هل الموجب لرفع حكم الغسل، هي الشهادة مطلقا أو ~~الشهادة على أيدي الكفار؟ فمن رأى أن سبب ذلك، هي الشهادة مطلقا، قال: لا ~~يغسل كل من نص عليه النبي (ص) أنه شهيد ممن قتل. ومن رأى أن سبب ذلك، هي ~~الشهادة من الكفار، قصر ذلك عليهم. وأمل غسل المسلم الكافر فكان مالك يقول: ~~لا يغسل المسلم والده الكافر ولا يقبره، إلا أن يخاف ضياعه، فيواريه وقال ~~الشافعي: لا بأس بغسل المسلم قرابته من المشركين، ودفنهم وبه قال أبو ثور ~~وأبو حنيفة وأصحابه. قال أبو بكر بن المنذر: ليس في غسل الميت المشرك سنة ~~تتبع، وقد روى: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بغسل عمه لما مات. وسبب ~~الخلاف: هل الغسل من باب العبادة، أو من باب النظافة؟ فإن كانت عبادة لم ~~يجز غسل الكافر، وإن كانت نظافة جاز غسله. # الفصل الثالث: فيمن يجوز أن يغسل الميت وأما من يجوز أن يغسل الميت، ~~فإنهم اتفقوا على أن الرجال يغسلون الرجال والنساء يغسلن النساء، واختلفوا ~~في المرأة تموت مع الرجال، أو الرجل يموت مع النساء، ما لم يكونا زوجين على ~~ثلاثة أقوال: فقال قوم: يغسل كل واحد منهما صاحبه من PageV01P182 # فوق الثياب، وقال قوم: ييمم كل واحد منهما صاحبه وبه قال الشافعي، وأبو ~~حنيفة، وجمهور العلماء. وقال قوم: لا يغسل واحد منهما صاحبه، ولا ييممه، ~~وبه قال الليث بن سعد، بل يدفن من غير غسل. وسبب اختلافهم: هو الترجيح بين ~~تغليب النهي على الامر، أو الامر على النهي، وذلك أن الغسل مأمور به، ونظر ~~الرجل إلى بدن المرأة، والمرأة إلى بدن الرجل منهي عنه فمن غلب النهي ~~تغليبا مطلقا، أعني لم يقس الميت على الحي في كون الطهارة التراب له بدلا ~~من طهارة الماء عند تعذرها، قال: لا يغسل كل واحد منهما صاحبه، ولا ييممه. ~~ومن غلب الامر على النهي قال: يغسل كل واحد منهما صاحبه: # أعني غلب الامر على النهي تغليبا مطلقا، ومن ذهب إلى التيمم، فلانه رأى ~~أنه ms0231 لا يلحق الامر، والنهي في ذلك تعارض، وذلك أن النظر إلى مواضع التيمم ~~يجوز لكلا الصنفين، ولذلك رأى مالك أن ييمم الرجل المرأة في يديها ووجهها ~~فقط، لكون ذلك منها ليسا بعورة، وأن تيمم المرأة الرجل إلى المرفقين، لأنه ~~ليس من الرجل عورة إلا من السرة إلى المسألة فمرة قال: ييمم كل واحد منهما ~~صاحبه قولا مطلقا، ومرة فرق في ذلك بين ذوي المحارم وغيرهم، ومرة فرق في ~~ذوي المحارم بين الرجال والنساء، فيتحصل عن أن له في ذوي المحارم ثلاثة ~~أقوال: أشهرها أنه يغسل كل واحد منهما صاحبه على الثياب، والثاني أنه لا ~~يغسل أحدهما صاحبه، ولكن ييممه مثل قول الجمهور في غير ذوي المحارم. # والثالث الفرق بين الرجال والنساء: أعني تغسل المرأة الرجل، ولا يغسل ~~الرجل المرأة. # فسبب المنع أن كل واحد منهما لا يحل له أن ينظر إلى موضع الغسل من صاحبه ~~كالأجانب سواء، وسبب الإباحة أنه موضع ضرورة، وهم أعذر في ذلك من الأجنبي. # وسبب الفرق أن نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال ~~بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن، ولم يحجب الرجال عن النساء. ~~وأجمعوا من هذا الباب على جواز غسل المرأة زوجها، واختلفوا في جواز غسله ~~إياها، فالجمهور على جواز ذلك وقال أبو حنيفة: لا يجوز غسل الرجل زوجته. ~~وسبب اختلافهم: هو تشبيه الموت بالطلاق، فمن شبهه بالطلاق قال: لا يحل أن ~~ينظر إليها بعد الموت، ومن لم يشبهه بالطلاق، وهم الجمهور قال: إن ما يحل ~~له من النظر إليها قبل الموت. يحل له بعد الموت. # وإنما دعا أبا حنيفة أن يشبه الموت بالطلاق، لأنه رأى أنه إذا ماتت إحدى ~~الأختين، حل له نكاح الأخرى كالحال فيها إذ طلقت. وهذا فيه بعد، فإن علة ~~منع الجمع مرتفعة بين الحي والميت، لذلك حلت، إلا أن يقال إن علة منع الجمع ~~غير معقولة، وأن منع الجمع PageV01P183 # بين الأختين عبادة محضة غير معقولة المعنى، فيقوى حينئذ مذهب أبي حنيفة. ~~وكذلك أجمعوا على ms0232 أن المطلقة المبتوتة لا تغسل زوجها، واختلفوا في الرجعية. ~~فروي عن مالك أنها تغسله، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه. وقال ابن القاسم: لا ~~تغسله، وإن كان الطلاق رجعيا. وهو قياس قول مالك، لأنه ليس يجوز عنده أن ~~يراها، وبه قال الشافعي. وسبب اختلافهم هو هل يحل للزوج أن ين ر إلى ~~الرجعية أو لا ينظر إليها؟ وأما حكم الغاسل فإنهم اختلفوا فيما يجب عليه، ~~فقال قوم: من غسل ميتا وجب عليه الغسل، وقال قوم لا غسل عليه. وسبب ~~اختلافهم: معارضة حديث أبي هريرة لحديث أسماء، وذلك أن أبا هريرة روى عن ~~النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: من غسل ميتا، فليغتسل ومن حمله، ~~فليتوضأ خرجه أبو داود. وأما حديث أسماء، فإنه، لما غسلت أبا بكر رضي الله ~~عنه خرجت، فسألت من حضرها من المهاجرين والأنصار، وقالت: إني صائمة، وإن ~~هذا يوم شديد البرد، فهل علي من غسل؟ قالوا: لا. وحديث أسماء في هذا صحيح، ~~وأما حديث أبي هريرة، فهو عند أكثر أهل العلم فيما حكى أبو عمر غير صحيح، ~~لكن حديث أسماء ليس فيه في الحقيقة معارضة له، فإن من أنكر الشئ يحتمل أن ~~يكون ذلك، لأنه لم تبلغه السنة في ذلك الشئ، وسؤال أسماء - والله أعلم - ~~يدل على الخلاف في ذلك في الصدر الأول ولهذا كله قال الشافعي رضي الله عنه ~~- على عادته في الاحتياط، والالتفات إلى الأثر -: لا غسل على من غسل الميت ~~إلا أن يثبت حديث أبي هريرة. # الفصل الرابع: في صفة الغسل وفي هذا الفصل مسائل: # إحداها: هل ينزع عن الميت قميصه إذا غسل؟ أم يغسل في قميصه؟ اختلفوا في ~~ذلك، فقال مالك: إذا غسل الميت تنزع ثيابه، وتستر عورته وبه قال أبو حنيفة، ~~وقال الشافعي يغسل في قميصه. وسبب اختلافهم: تردد غسله عليه الصلاة والسلام ~~في قميصه بين أن يكون خاصا يحرم من النظر إلى الميت إلا ما يحرم منه، وهو ~~حي قال: يغسل عريانا، إلا عورته فقط التي يحرم النظر إليها في حال الحياة. ms0233 ~~ومن رأى أن ذلك سنة يستند إلى باب الاجماع، أو إلى الامر الإلهي، لأنه روي ~~في الحديث أنهم سمعوا صوتا يقول لهم: لا تنزعوا القميص، وقد ألقي عليهم ~~النوم، قال: الأفضل أن يغسل الميت في قميصه. # المسألة الثانية: قال أبو حنيفة: لا يوضأ الميت. وقال الشافعي يوضأ وقال ~~مالك: إن وضئ فحسن. وسبب الخلاف في ذلك: معارضة القياس للأثر، وذلك أن ~~القياس يقتضي ألا وضوء على الميت، لان الوضوء طهارة مفروضة لموضع العبادة، ~~وإذا PageV01P184 # أسقطت العبادة عن الميت، سقط شرطها الذي هو الوضوء، ولولا أن الغسل ورد ~~في الآثار، لما وجب غسله. وظاهر حديث أم عطية الثابت أن الوضوء شرط في غسل ~~الميت، لان فيه أن رسول الله (ص) قال في غسل ابنته: ابدأن بميامنها، ومواضع ~~الوضوء منها وهذه الزيادة ثابتة خرجها البخاري ومسلم. ولذلك يجب أن تعارض ~~بالروايات التي فيها الغسل مطلقا لان المقيد يقضي على المطلق، إذ فيه زيادة ~~على ما يراه كثير من الناس، ويشبه أيضا أن يكون من أسباب الخلاف في ذلك ~~معارضة المطلق للمقيد، وذلك أنه وردت آثار كثيرة فيها الامر بالغسل مطلقا ~~من غير ذكر وضوء فيها، فهؤلاء رجحوا الاطلاق على التقييد لمعارضة القياس له ~~في هذا الموضع، والشافعي جرى على الأصل من حمل المطلق على المقيد. # المسألة الثالثة: اختلفوا في التوقيت في الغسل، فمنهم من أوجبه ومنهم من ~~استحسنه، واستحبه. والذين أوجبوا التوقيت منهم من أوجب الوتر، أي وتر كان، ~~وبه قال ابن سيرين ومنهم من أوجب الثلاثة فقط، وهو أبو حنيفة ومنهم من حد ~~أقل الوتر في ذلك فقال لا ينقص عن الثلاثة، ولم يحد الأكثر، وهو الشافعي، ~~ومنهم من حد الأكثر في ذلك، فقال: لا يتجاوز به السبعة، وهو أحمد بن حنبل، ~~وممن قال باستحباب الوتر ولم يحد فيه حدا: مالك بن أنس وأصحابه. وسبب ~~الخلاف: بين من شرط التوقيت، ومن لم يشترطه، بل استحبه معارضة القيا س ~~للأثر، وذلك أن ظاهر حديث أم عطية يقتضي التوقيت، لان فيه: اغسلنها ثلاثا ms0234 ~~أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن وفي بعض ر وآياته: أو سبعا. وأما قياس ~~الميت على الحي في الطهارة، فيقتضي أن لا توقيت فيها، كما ليس في طهارة ~~الحي توقيت. فمن رجح الأثر على النظر، قال بالتوقيت. ومن رأى الجمع بين ~~الأثر والنظر حمل التوقيت على الاستحباب. وأما الذين اختلفوا في التوقيت، ~~فسبب اختلافهم اختلاف ألفاظ الروايات في ذلك عن أم عطية. فأما الشافعي، ~~فإنه رأى أن لا ينقص عن ثلاثة، لأنه أقل وتر نطق به في حديث أم عطية، ورأي ~~أن ما فوق ذلك مباح، لقوله عليه الصلاة والسلام: أو أكثر من ذلك إن رأيتن ~~وأما أحمد فأخذ بأكثر وتر نطق به في بعض روايات الحديث، وهو قوله عليه ~~الصلاة والسلام أو سبعا. وأما أبو حنيفة، فصار في قصره الوتر على الثلاث، ~~لما روي أن محمد بن سيرين كان يأخذ الغسل عن أم عطية ثلاثا يغسل بالسدر ~~مرتين، والثالثة بالماء والكافور، وأيضا، فإن الوتر الشرعي عنده إنما ينطلق ~~على الثلاث فقط. وكان مالك يستحب أن يغسل في الأولى بالماء القراح، وفي ~~الثانية بالسدر وفي الثالثة بالماء والكافور. واختلفوا إذا خرج من بطنه ~~حدث، هل يعاد غسله أم لا؟ فقيل: لا يعاد، وبه قال مالك، وقيل: يعاد والذين ~~رأوا أنه يعاد اختلفوا في العدد الذي تجب به الإعادة إن تكرر خروج الحدث. ~~فقيل: يعاد الغسل عليه واحدة، وبه قال PageV01P185 # الشافعي، وقيل: يعاد ثلاثا، وقيل: يعاد سبعا. وأجمعوا على أنه لا يزاد ~~على السبع شئ. # واختلفوا في تقليم أظفار الميت، والاخذ من شعره، فقال قوم: تقلم أظفاره ~~ويؤخذ منه، وقال قوم: لا تقلم أظفاره ولا يؤخذ من شعره وليس فيه أثر وأما ~~سبب الخلاف في ذلك: فالخلاف الواقع في ذلك في الصدر الأول. ويشبه أن يكون ~~سبب الخلاف في ذلك قياس الميت على الحي، فمن قاسه أوجب تقليم الأظفار، وحلق ~~العانة لأنها من سنة الحي باتفاق. وكذلك اختلفوا في عصر بطنه قبل أيغسل، ~~فمنهم من رأى ذلك ومنهم من ms0235 لم يره. فمن رآه، رأى أن فيه ضربا من الاستنقاء ~~من الحدث عند ابتداء الطهارة، وهو مطلوب من الميت كما مطلوب من الحي ومن لم ~~ير ذلك رأى أنه من باب تكليف ما لم يشرع، وأن الحي في ذلك بخلاف الميت. # الباب الثالث: في الأكفان والأصل في هذا الباب: أن رسول الله (ص) كفن في ~~ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص، ولا عمامة وخرج أبو داود عن ليلى ~~بنت قائف الثقفية، قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله (ص)، فكان ~~أول ما أعطاني رسول الله (ص) الحقو، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم ~~أدرجت بعد في الثوب الاخر، قالت: ورسول الله (ص) جالس عند الباب معه ~~أكفانها، يناولناها ثوبا ثوبا. فمن العلماء من أخذ بظاهر هذين الأثرين، ~~فقال: يكفن الرجل في ثلاثة أثواب والمرأة في خمسة أثواب، وبه قال الشافعي، ~~وأحمد، وجماعة وقال أبو حنيفة: أقل ما تكفن فيه المرأة ثلاثة أثواب، والسنة ~~خمسة أثواب، وأقل ما يكفن فيه الرجل ثوبان، والسنة فيه ثلاثة أثواب، ورأي ~~مالك أنه لا حد في ذلك وأنه يجزئ ثوب واحد فيهما ، إلا أنه يستحب الوتر. ~~وسبب اختلافهم في التوقيت: # اختلافهم في مفهوم هذين الأثرين، فمن فهم منهما الإباحة لم يقل بتوقيت ~~إلا أنه استحب الوتر، لاتفاقهما في الوتر ولم يفرق في ذلك بين المرأة ~~والرجل، وكأنه فهم منهما الإباحة إلا في التوقيت، فإنه فهم منه شرعا ~~لمناسبته للشرع. ومن فهم من العدو أنه شرع لا إباحة قال بالتوقيت، إما على ~~جهة الوجوب، وإما على جهة الاستحباب، وكله واسع إن شاء الله، وليس فيه شرع ~~محدود، ولعله تكلف شرع فيما ليس فيه شرع، وقد كفن مصعب بن عمير يوم أحد ~~بنمرة، فكانوا إذا غطوا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطوا بها رجليه خرج رأسه ~~فقال رسول الله (ص): غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر. واتفقوا ~~على أن الميت يغطى رأسه، ويطيب، إلا المحرم إذا مات في إحرامه، فإنهم ~~اختلفوا ms0236 فيه، فقال مالك وأبو حنيفة: المحرم بمنزلة غير المحرم، وقال ~~الشافعي: لا يغطى رأس المحرم إذا مات، ولا يمس طيبا. وسبب اختلافهم: معارضة ~~العموم للخصوص. فأما الخصوص فهو حديث ابن عباس قال: أتي النبي (ص) برجل ~~وقصته راحلته، فمات وهو محرم، فقال: كفنوه في ثوبين، واغسلوه بماء وسدر ولا ~~تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبا، PageV01P186 # فإنه يبعث يوم القيامة يلبي. وأما العموم، فهو ما ورد من الامر بالغسل ~~مطلقا، فمن خص من الأموات المحرم بهذا الحديث كتخصيص الشهداء بقتلى أحد، ~~جعل الحكم منه عليه الصلاة والسلام على الواحد حكما على الجميع، وقال: لا ~~يغطى رأس المحرم، ولا يمس طيبا، ومن ذهب مذهب الجمع، لا مذهب الاستثناء ~~والتخصيص قال: حديث الاعرابي خاص به، لا يعدى إلى غيره. # الباب الرابع في صفة المشي مع الجنازة واختلفوا في سنة المشي مع الجنازة، ~~فذهب أهل المدينة إلى أن من سننها المشي أمامها وقال الكوفيون، وأبو حنيفة، ~~وسائرهم: إن المشي خلفها أفضل. وسبب اختلافهم: # اختلاف الآثار التي روى كل واحد من الفريقين عن سلفه، وعمل به، فروى مالك ~~عن النبي (ص) مرسلا المشي أمام الجنازة وعن أبي بكر، وعمر، وبه قال ~~الشافعي. # وأخذ أهل الكوفة بما رووا عن علي ابن أبي طالب من طريق عبد الرحمن بن ~~أبزى، قال: # كنت أمشي مع علي في جنازة وهو آخذ بيدي، وهو يمشي خلفها، و أبو بكر، وعمر ~~يمشيان أمامها، فقلت له فذلك، فقال: إن فضل الماشي خلفها على الماشي أمامها ~~كفضل صلاة المكتوبة على صلاة النافلة، وإنهما ليعلمان ذلك، ولكنهما سهلان ~~يسهلان على الناس. # وروي عنه رضي الله عنه أنه قال: قدمها بين يديك، واجعلها نصب عينيك فإنما ~~هي موعظة، وتذكرة، وعبرة، وبما روي أيضا عن ابن مسعود أنه كان يقول: سألنا ~~رسول الله (ص) عن السير مع الجنازة، فقال: الجنازة متبوعة، وليست بتابعة، ~~وليس معها من يقدمها وحديث المغيرة بن شعبة عن النبي (ص) قال: الراكب يمشي ~~أمام الجنازة والماشي خلفها، وأمامها، وعن يمينها، أو عن يسارها ms0237 قريبا منها ~~وحديث أبي هريرة أيضا في هذا المعنى قال: # امشوا خلف الجنازة وهذه الأحاديث صار إليها الكوفيون وهي أحاديث يصححونها ~~ويضعفها غيرهم الجنازة. وأكثر العلماء على أن القيام إلى الجنازة منسوخ بما ~~روى مالك من حديث علي بن أبي طالب: أن رسول الله (ص) كان يقوم في الجنائز ~~ثم جلس. وذهب قوم إلى وجوب القيام، وتمسكوا في ذلك بما روي من أمره (ص) ~~بالقيام لها، كحديث عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله (ص): إذا رأيتم ~~الجنائز، فقوموا إليها حتى تخلفكم، أو توضع. واختلف الذين رأوا أن القيام ~~منسوخ في القيام على القبر في وقت الدفن، فبعضهم رأى أنه لم يدخل تحت ~~النهي، وبعضهم رأى أنه داخل تحت النهي على ظاهر اللفظ ومن أخرجه من ذلك ~~احتج بفعل علي في ذلك، وذلك أنه روى النسخ، وقام على قبر ابن المكلف، فقيل ~~له: ألا تجلس يا أمير المؤمنين؟ فقال: قليل لأخينا قيامنا على قبره. ~~PageV01P187 # الباب الخامس: في الصلاة على الجنازة وهذه الجملة يتعلق بها بعد معرفة ~~وجوبها فصول: أحدها: في صفة صلاة الجنازة. # والثاني: على من يصلى ومن أولى بالصلاة. والثالث: في وقت هذه الصلاة. ~~والرابع: # في موضع هذه الصلاة. والخامس: في شروط هذه الصلاة. # الفصل الأول في صفة صلاة الجنازة فأما صفة الصلاة، فإنها يتعلق بها ~~مسائل: # المسألة الأولى: اختلفوا في عدد التكبير في الصدر الأول اختلافا كثيرا من ~~ثلاث إلى سبع: أعني الصحابة رضي الله عنهم، ولكن فقهاء الأمصار على أن ~~التكبير في الجنازة أربع إلا ابن أبي ليلى، وجابر بن زيد، فإنهما كانا ~~يقولان: إنها خمس. وسبب الاختلاف: اختلاف الآثار في ذلك، وذلك أنه روي من ~~حديث أبي هريرة: أن رسول الله (ص) نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج ~~بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربع تكبيرات. وهو حديث متفق على صحته، ~~ولذلك أخذ به جمهور فقهاء الأمصار. # وجاء في هذا المعنى أيضا من: أنه عليه الصلاة والسلام صلى على قبر ~~مسكينة، فكبر عليها أربعا. ms0238 وروى مسلم أيضا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ~~كان زيد بن أرقم يكبر على الجنائز أربعا، وأنه كبر على جنازة خمسا، ~~فسألناه، فقال: كان رسول الله (ص) يكبرها كان النبي (ص) يكبر على الجنائز ~~أربعا، وخمسا، وستا، وسبعا، وثمانيا حتى مات النجاشي، فصف الناس وراءه، ~~وكبر أربعا، ثم ثبت (ص) على أربع حتى توفاه الله وهذا فيه حجة لائحة ~~للجمهور. وأجمع العلماء على رفع اليدين في أول التكبير على الجنازة، ~~واختلفوا في سائر التكبير، فقال قوم: يرفع، وقال قوم: لا يرفع، وروى ~~الترمذي عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) كبر في جنازة، فرفع يديه في أول ~~التكبير، ووضع يده اليمنى على اليسرى فمن ذهب إلى ظاهر هذا الأثر، وكان ~~مذهبه في الصلاة أنه لا يرفع إلا في أول التكبير، قال: الرفع في أول ~~التكبير ومن قال: # يرفع في كل تكبير، شبه التكبير الثاني بالأول، لأنه كله يفعل في حال ~~القيام والاستواء. # المسألة الثانية: اختلف الناس في القراءة في صلاة الجنازة، فقال مالك ~~وأبو حنيفة: # ليس فيها قراءة، إنما هو الدعاء وقال مالك: قراءة فاتحة الكتاب فيها ليس ~~بمعمول به في بلدنا بحال، قال: وإنما يحمد الله، ويثنى عليه بعد التكبيرة ~~الأولى، ثم يكبر الثانية، فيصلي على النبي (ص)، ثم يكبر الثالثة، فيشفع ~~للميت، ثم يكبر الرابعة، ويسلم. وقال الشافعي: يقرأ بعد التكبيرة الأولى ~~بفاتحة الكتاب، ثم يفعل في سائر التكبيرات مثل ذلك وبه قال أحمد، وداود. ~~وسبب اختلافهم: معارضة العمل للأثر، وهل يتناول أيضا اسم الصلاة صلاة ~~PageV01P188 # الجنازة، أم لا؟ أما العمل فهو الذي حكاه مالك عن بلده. وأما الأثر فما ~~رواه البخاري عن طلحة بن عبد الله ابن عوف، قال: صليت خلف ابن عباس على ~~جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: لتعلموا أنها السنة. فمن ذهب إلى ترجيح ~~هذا الأثر على العمل وكان اسم الصلاة يتناول عنده صلاة الجنازة، وقد قال ~~(ص): لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب رأى قراءة فاتحة الكتاب فيها. ويمكن أن ~~يحتج لمذهب مالك ms0239 بظواهر الآثار التي نقل فيها دعاؤه عليه الصلاة والسلام في ~~الصلاة على الجنائز، ولم ينقل فيها أنه قرأ. وعلى هذا، فتكون تلك الآثار ~~كأنها معارضة لحديث ابن عباس، ومخصصة لقوله. لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ~~وذكر الطحاوي عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال - وكان من كبراء ~~الصحابة وعلمائهم، وأبناء الذين شهدوا بدرا -: إن رجلا من أصحاب النبي عليه ~~الصلاة والسلام أخبره أن السنة في الصلاة على الجنائز أن يكبر الامام، ثم ~~يقرأ فاتحة الكتاب سرا في نفسه، ثم يخلص الدعاء في التكبيرات الثلاث، قال ~~ابن شهاب: فذكرت الذي أخبر به أبو أمامة من ذلك لمحمد بن سويد الفهري، ~~فقال: وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث عن حبيب بن مسلمة في الصلاة على ~~الجنائز بمثل ما حدثك به أبو أمامة. # المسألة الثالثة: واختلفوا في التسليم من الجنازة هل هو واحد، أو اثنان؟ ~~فالجمهور على أنه واحد وقالت طائفة، وأبو حنيفة: يسلم تسليمتين، واختاره ~~المزني من أصحاب الشافعي، وهو أحد قولي الشافعي. وسبب اختلافهم: اختلافهم ~~في التسليم من الصلاة، وقياس صلاة الجنائز على الصلاة المفروضة، فمن كانت ~~عنده التسليمة واحدة في الصلاة المكتوبة، وقاس صلاة الجنازة عليها، قال: ~~بواحدة، ومن كانت عنده تسليمتين في الصلاة المفروضة قال هناك بتسليمتين، إن ~~كانت عنده تلك سنة، فهذه سنة، وإن كانت فرضا، فهذه فرض، وكذلك اختلف المذهب ~~هل يجهر فيها، أو لا يجهر بالسلام؟ # المسألة الرابعة: واختلفوا أين يقوم الامام من الجنازة، فقال جملة من ~~العلماء: يقوم في وسطها، ذكرا كان أو أنثى وقال قوم آخرون: يقوم من الأنثى ~~وسطها، ومن الذكر عند رأسه ومنهم من قال: يقوم من الذكر والأنثى عند ~~صدرهما، وهو قول ابن القاسم وقول أبي حنيفة وليس عند مالك، والشافعي في ذلك ~~حد وقال قوم: يقوم منهما أين شاء. # والسبب في اختلافهم: اختلاف الآثار في هذا الباب، وذلك أنه خرج البخاري، ~~ومسلم من حديث سمرة بن جندب قال: صليت خلف رسول الله (ص) على أم كعب ms0240 ماتت، ~~وهي نفساء، فقام رسول الله (ص) للصلاة على وسطها وخرج أبو داود من حديث ~~همام بن غالب قال: صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل، فقام حيال رأسه ثم ~~جاءوا بجنازة امرأة، فقالوا: يا أبا حمزة صل عليها، فقام حيال وسط السرير، ~~فقال العلاء بن زياد: هكذا رأيت رسول الله (ص) يصلي على الجنائز، كبر ~~أربعا، وقام على جنازة المرأة مقامك منها، PageV01P189 # ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم. فاختلف الناس في المفهوم من هذه الأفعال ~~فمنهم من رأى أن قيامه عليه الصلاة والسلام في هذه المواضع المختلفة يدل ~~على الإباحة، وعلى عدم التحديد، ومنهم من رأى أن قيامه على أحد هذه الأوضاع ~~أنه شرع، وأنه يدل على التحديد، وهؤلاء انقسموا قسمين: فمنهم من أخذ بحديث ~~سمرة بن جندب للاتفاق على صحته، فقال: المرأة والرجل سواء، لان الأصل أن ~~حكمهما واحد، إلا أن يثبت في ذلك فارق شرعي ومنهم من صحح حديث ابن غالب ~~وقال فيه زيادة على حديث سمرة بن جندب، فيجب المصير إليها، وليس بينهما ~~تعارض أصلا. وأما مذهب ابن القاسم وأبي حنيفة، فلا أعلم له من جهة السمع في ~~ذلك مسندا إلا ما روي عن ابن مسعود من ذلك. # المسألة الخامسة: واختلفوا في ترتيب جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعوا ~~عند الصلاة. فقال الأكثر: يجعل الرجال مما يلي الامام والنساء مما يلي ~~القبلة، وقال قوم: # بخلاف هذا: أي النساء مما يلي الامام والرجال مما يلي القبلة، وفيه قول ~~ثالث: إنه يصلي على كل على حدة: الرجال مفردون، والنساء مفردات. وسبب ~~الخلاف: ما يغلب على الظن باعتبار أحوال الشرع من أنه يجب أن يكون في ذلك ~~شرع محدود، مع أنه لم يرد في ذلك شرع يجب الوقوف عنده، ولذلك رأى كثير من ~~الناس أنه ليس في أمثال هذه المواضع شرع أصلا وأنه لو كان فيها شرع لبين ~~للناس، وإنما ذهب الأكثر لما قلناه من تقديم الرجال على النساء لما رواه ~~مالك في الموطأ من أن عثمان بن عفان، ms0241 وعبد الله بن عمر، وأبا هريرة كانوا ~~يصلون على الجنائز بالمدينة: الرجال والنساء معا، فيجعلون الرجال مما يلي ~~الامام، ويجعلون النساء مما يلي القبلة. وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن ~~نافع عن ابن عمر: أنه صلى كذلك على جنازة، فيها ابن عباس، وأبو هريرة، وأبو ~~سعيد الخدري، وأبو قتادة، والامام يومئذ سعيد بن العاص، فسألهم عن ذلك، أو ~~أمر من سألهم، فقالوا: هي السنة وهذا يدخل في المسند عندهم. ويشبه أن يكون ~~من قال بتقديم الرجال شبههم أمام الامام بحالهم خلف الامام في الصلاة، ~~ولقوله عليه الصلاة والسلام: أخروهن من حيث أخرهن الله. وأما من قال بتقديم ~~النساء على الرجال، فيشبه أن يكون اعتقد أن الأول هو المتقدم، ولم يجعل ~~التقديم بالقرب من الامام. وأما من فرق، فاحتياطا من أن لا يجوز ممنوعا، ~~لأنه لم ترد سنة بجواز الجمع فيحتمل أن يكون على أصل الإباحة، ويحتمل أن ~~يكون ممنوعا بالشرع، وإذا وجد الاحتمال، وجب التوقف، إذا وجد إليه سبيلا. # المسألة السادسة: اختلفوا في الذي يفوته بعض التكبير على الجنازة في ~~مواضع: # منها هل يدخل بتكبير أم لا؟ ومنها هل يقضي ما فاته أم لا؟، وإن قضى فهل ~~يدعو بين التكبير أم لا؟ فروى أشهب عن مالك أنه يكبر أول دخوله، وهو أحد ~~قولي الشافعي PageV01P190 # وقال أبو حنيفة: ينتظر حتى يكبر الامام، وحينئذ يكبر وهي رواية ابن ~~القاسم عن مالك والقياس التكبير قياسا على من دخل في المفروضة، واتفق مالك، ~~وأبو حنيفة، والشافعي على أنه يقضي ما فاته من التكبير، إلا أن أبا حنيفة ~~يرى أن يدعو بين التكبير المقضي، ومالك والشافعي يريان أن يقضيه نسقا، ~~وإنما اتفقوا على القضاء لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: ما أدركتم، ~~فصلوا، وما فاتكم، فأتموا فمن رأى أن هذا العموم يتناول التكبير، والدعاء، ~~قال: يقضي التكبير، وما فاته من الدعاء، ومن أخرج الدعاء من ذلك، إذا كان ~~غير مؤقت قال: يقضي التكبير فقط، إذا كان هو المؤقت، فكان تخصيص الدعاء من ~~ذلك العموم، هو ms0242 من باب تخصيص العام بالقياس، فأبو حنيفة أخذ بالعموم، ~~وهؤلاء بالخصوص. # المسألة السابعة: واختلفوا في الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على ~~الجنازة، فقال مالك: لا يصلي على القبر وقال أبو حنيفة: لا يصلي على القبر ~~إلا الولي فقط، إذا فاتته الصلاة على الجنازة، وكان الذي صلى عليها غير ~~وليها وقال الشافعي، وأحمد، وداود، وجماعة: يصلي على القبر من فاتته الصلاة ~~على الجنازة واتفق القائلون بإجازة الصلاة على القبر أن من شرط ذلك حدوث ~~الدفن، وهؤلاء اختلفوا في هذه المدة وأكثرها شهر. # وسبب اختلافهم: معارضة العمل للأثر. أما مخالفة العمل، فإن ابن القاسم ~~قال: قلت لمالك: فالحديث الذي جاء عن النبي (ص): أنه صلى على قبر امرأة؟ ~~قال: قد جاء هذا الحديث، وليس عليه العمل، والصلاة على القبر ثابتة باتفاق ~~من أصحاب الحديث. قال أحمد بن حنبل: رويت الصلاة على القبر عن النبي عليه ~~الصلاة والسلام من طرق ستة كلها حسان. وزاد بعض المحدثين ثلاثة طرق، فذلك ~~تسع. وأما البخاري، ومسلم فرويا ذلك من طريق أبي هريرة وأما مالك فخرجه ~~مرسلا عن أبي أمامة بن سهل وقد روى ابن وهب عن مالك مثل قول الشافعي. وأما ~~أبو حنيفة فإنه جرى في ذلك على عادته فيما أحسب، أعني من رد أخبار الآحاد ~~التي تعم بها البلوى، إذا لم تنتشر ولا انتشر العمل بها، وذلك أن عدم ~~الانتشار إذا كان خبرا شأنه الانتشار قرينة توهن الخبر، وتخرجه عن غلبة ~~الظن بصدقه إلى الشك فيه، أو إلى غلبة الظن بكذبه أو نسخه. قال القاضي: وقد ~~تكلمنا فيما سلف من كتابنا هذا في وجه الاستدلال بالعمل، وفي هذا النوع من ~~الاستدلال الذي يسميه الحنفية عموم البلوى، وقلنا إنها من جنس واحد. # الفصل الثاني: فيمن يصلى عليه، ومن أولى بالتقديم وأجمع أكثر أهل العلم ~~على إجازة الصلاة على كل من قال: لا إله إلا الله وفي ذلك أثر أنه قال عليه ~~الصلاة والسلام: صلوا على من قال لا إله إلا الله وسواء كان من أهل ms0243 ~~الكبائر، أو من أهل البدع، إلا أن مالكا كره لأهل الفضل الصلاة على أهل ~~البدع، ولم ير PageV01P191 # أن يصلي الامام على من قتل حدا. واختلفوا فيمن قتل نفسه، فرأى قوم أنه لا ~~يصلى عليه وأجاز آخرون الصلاة عليه ومن العلماء من لم يجز الصلاة على أهل ~~الكبائر، ولا على أهل البغي والبدع. والسبب في اختلافهم في الصلاة: أما في ~~أهل البدع، فلاختلافهم في تكفيرهم ببدعهم فمن كفرهم بالتأويل البعيد، لم ~~يجز الصلاة عليهم، ومن لم يكفرهم، إذ كان الكفر عنده إنما هو تكذيب الرسول، ~~لا تأويل أقواله عليه الصلاة والسلام، قال: # الصلاة عليهم جائزة، وإنما أجمع العلماء على ترك الصلاة على المنافقين مع ~~تلفظهم بالشهادة لقوله تعالى: * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم ~~على قبره) * الآية. # وأما اختلافهم في أهل الكبائر، فليس يمكن أن يكون له سبب إلا من جهة ~~اختلافهم في القول بالتكفير بالذنوب، لكن ليس هذا مذهب أهل السنة فلذلك ليس ~~ينبغي أن يمنع الفقهاء الصلاة على أهل الكبائر. وأما كراهية مالك الصلاة ~~على أهل البدع، فذلك لمكان الزجر، والعقوبة لهم وإنما لم ير مالك صلاة ~~الامام على من قتله حدا: لان رسول الله (ص) لم يصل على ماعز ولم ينه عن ~~الصلاة عليه خرجه أبو داود. وإنما اختلفوا في الصلاة على من قتل نفسه، ~~لحديث جابر بن سمرة: أن رسول الله (ص) أبى أن يصلي على رجل قتل نفسه فمن ~~صحح هذا الأثر قال: لا يصلى على قاتل نفسه، ومن لم يصححه، رأى أن حكمه حكم ~~المسلمين، وإن كان من أهل النار كما ورد به الأثر، لكن ليس هو من المخلدين، ~~لكونه من أهل الايمان، وقد قال عليه الصلاة والسلام حكاية عن ربه: أخرجوا ~~من النار من في قلبه مثقال حبة من الايمان واختلفوا أيضا في الصلاة على ~~الشهداء المقتولين في المعركة، فقال مالك والشافعي لا يصلى على الشهيد ~~المقتول في المعركة، ولا يغسل وقال أبو حنيفة: يصلى عليه، ولا يغسل. وسبب ~~اختلافهم: اختلاف ms0244 الآثار الواردة في ذلك، وذلك أنه خرج أبو داود من طريق ~~جابر: أنه صلى الله عليه وسلم أمر بشهداء أحد، فدفنوا بثيابهم، ولم يصل ~~عليهم، ولم يغسلوا وروى من طريق ابن عباس مسندا: أنه عليه الصلاة والسلام ~~صلى على قتلى أحد، وعلى حمزة، ولم يغسل ولم يتيمم وروى ذلك أيضا مرسلا من ~~حديث أبي مالك الغفاري، وكذلك روي أيضا أن أعرابيا جاءه سهم، فوقع في حلقه، ~~فمات، فصلى عليه النبي (ص)، وقال: إن هذا عبدك خرج مجاهدا في سبيلك، فقتل ~~شهيدا وأنا شهيد عليه. وكلا الفريقين يرجع الأحاديث التي أخذ بها وكانت ~~الشافعية تعتل بحديث ابن عباس هذا، وتقول: يرويه ابن أبي الزناد، وكان قد ~~اختل آخر عمره، وقد كان شعبة يطعن فيه. وأما المراسيل، فليست عندهم بحجة. ~~واختلفوا متى يصلى على الطفل، فقال مالك: لا يصلى على الطفل حتى يستهل ~~صارخا. وبه قال الشافعي وقال PageV01P192 # أبو حنيفة: يصلى عليه إذا نفخ فيه الروح، وذلك أنه إذا كان له في بطن أمه ~~أربعة أشهر فأكثر، وبه قال ابن أبي ليلى. وسبب اختلافهم في ذلك: معارضة ~~المطلق للمقيد، وذلك أنه روى الترمذي عن جابر بن عبد الله عن النبي (ص) أنه ~~قال: الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث، ولا يورث حتى يستهل صارخا وروي عن النبي ~~عليه الصلاة والسلام من حديث المغيرة بن شعبة أنه قال: الطفل يصلى عليه. ~~فمن ذهب مذهب حديث جابر قال: ذلك عام، وهذا مفسر، فالواجب أن يحمل ذلك ~~العموم على هذا التفسير فيكون معنى حديث المغيرة أن الطفل يصلى عليه إذا ~~استهل صارخا، ومن ذهب مذهب حديث المغيرة قال: معلوم أن المعتبر في الصلاة، ~~هو حكم الاسلام والحياة، والطفل إذا تحرك، فهو حي، وحكمه حكم المسلمين، وكل ~~مسلم حي إذا مات صلي عليه، فرجحوا هذا العموم على ذلك الخصوص لموضع موافقة ~~القياس له. ومن الناس من قال: # لا يصلى على الأطفال أصلا وروى أبو داود: أن النبي عليه الصلاة والسلام ~~لم يصل على ابنه إبراهيم، وهو ms0245 ابن ثمانية أشهر وروى فيه: أنه صلى عليه، وهو ~~ابن سبعين ليلة. # واختلفوا في الصلاة على الأطفال المسبيين، فذهب مالك في رواية البصريين ~~عنه عقل الاسلام، سواء سبي مع والديه، أو لم يسب معهما وأن حكمه حكم أبويه ~~إلا أن يسلم الأب، فهو عنده تابع له دون الأم. ووافقه الشافعي على هذا إلا ~~أنه إن أسلم أحد أبويه فهو عنده تابع لمن أسلم منهما، لا للأب وحده على ما ~~ذهب إليه مالك. وقال أبو حنيفة: يصلى على الأطفال المسبيين، وحكمهم حكم من ~~سباهم وقال الأوزاعي: إذا ملكهم المسلمون صلي عليهم: يعني إذ بيعوا في ~~السبي. # قال: وبهذا جرى العمل في الثغر، وبه الفتيا فيه. وأجمعوا على أنه إذا ~~كانوا مع آبائهم، ولم يملكهم مسلم، ولا أسلم أحد أبويهم أن حكمهم حكم ~~آبائهم. والسبب في اختلافهم: # اختلافهم في أطفال المشركين، هل هم من أهل الجنة، أو من أهل النار؟ وذلك ~~أنه جاء في بعض الآثار أنهم من آبائهم أي أن حكمهم حكم آبائهم، ودليل قوله ~~عليه الصلاة والسلام: كل مولود يولد على الفطرة أن حكمهم حكم المؤمنين. ~~وأما من أولى بالتقديم للصلاة على الجنازة؟ فقيل: الولي، وقيل الوالي: فمن ~~قال الوالي شبهه بصلاة الجمعة من حيث هي صلاة جماعة، ومن قال: الولي، شبهها ~~بسائر الحقوق التي الولي أحق بها، مثل مواراته، ودفنه، وأكثر أهل العلم على ~~أن الوالي بها أحق، قال أبو بكر بن المنذر: وقدم الحسين بن علي سعيد بن ~~العاص وهو والي المدينة، ليصلي على الحسن بن علي، وقال: لولا أنها سنة ما ~~تقدمت، قال أبو بكر: وبه أقول. وأكثر العلماء على أنه لا يصلى إلا على ~~الحاضر وقال بعضهم: يصلى على الغائب، لحديث النجاشي والجمهور على أن ذلك ~~خاص بالنجاشي وحده. واختلفوا هل يصلى على بعض الجسد؟ والجمهور PageV01P193 # على أنه يصلى على أكثره، لتناول اسم الميت له، ومن قال: إنه يصلى على ~~أقله، قال: لان حرمة البعض كحرمة الكل، لا سيما إن كان ذلك البعض محل ~~الحياة، وكان ms0246 ممن يجيز الصلاة على الغائب. # الفصل الثالث في وقت الصلاة على الجنازة واختلفوا في الوقت الذي تجوز فيه ~~الصلاة على الجنازة، فقال قوم: لا يصلى عليها في الأوقات الثلاثة التي ورد ~~النهي عن الصلاة فيها، وهي وقت الغروب والطلوع وزوال الشمس على ظاهر حديث ~~عقبة بن عامر ثلاث ساعات كان رسول الله (ص) ينهانا أن نصلي فيها، وأن نقبر ~~موتانا الحديث، وقال قوم: لا يصلى في الغروب والطلوع فقط، ويصلى بعد العصر ~~ما لم تصفر الشمس، وبعد الصبح ما لم يكن الاسفار. وقال قوم: لا يصلى على ~~الجنازة في الأوقات الخمسة التي ورد النهي عن الصلاة فيها وبه قال عطاء، ~~والنخعي، وغيرهم، وهو قياس قول أبي حنيفة. وقال الشافعي: يصلى على الجنازة ~~في كل وقت، لان النهي عنده إنما هو خارج على النوافل، لا على السنن على ما ~~تقدم. # الفصل الرابع: في مواضع الصلاة واختلفوا في الصلاة على الجنازة في ~~المسجد، فأجازها العلماء وكرهها بعضهم منهم أبو حنيفة وبعض أصحاب مالك، وقد ~~روي كراهية ذلك عن مالك وتحقيقه إذا كانت الجنازة خارج المسجد، والناس في ~~المسجد. وسبب الخلاف في ذلك: حديث عائشة، وحديث أبي هريرة. أما حديث عائشة ~~فما رواه مالك من أنها أمرت أن يمر عليها بسعد بن أبي وقاص في المسجد حين ~~مات، لتدعو له، فأنكر الناس عليها ذلك، فقالت عائشة: ما أسرع ما نسي الناس. ~~ما صلى رسول الله (ص) على سهل بن بيضاء إلا في المسجد. وأما حديث أبي ~~هريرة، فهو أن رسول الله (ص) قال: من صلى على جنازة في المسجد فلا شئ له ~~وحديث عائشة ثابت وحديث أبي هريرة غير ثابت أو غير متفق على ثبوته، ولكن ~~انكار الصحابة على عائشة يدل على اشتهار العمل بخلاف ذلك عندهم، ويشهد لذلك ~~بروزه (ص) للمصلى لصلاته على النجاشي. وقد زعم بعضهم أن سبب المنع في ذلك ~~هو أن ميت بني آدم ميتة، وفيه ضعف، لان حكم الميتة شرعي ولا يثبت لابن آدم ~~حكم الميتة إلا بدليل. ms0247 وكره بعضهم الصلاة على الجنائز في المقابر، للنهي ~~الوارد عن الصلاة فيها وأجازها الأكثر لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: ~~جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا. # الفصل الخامس: في شروط الصلاة على الجنازة واتفق الأكثر على أن من شرطها ~~الطهارة كما اتفق جميعهم على أن من شرطها PageV01P194 # القبلة، واختلفوا في جواز التيمم لها إذا خيف فواتها، فقال قوم: يتيمم ~~ويصلي لها، إذا خاف الفوات، وبه قال أبو حنيفة وسفيان والأوزاعي وجماعة. ~~وقال مالك والشافعي وأحمد: # لا يصلي عليها بتيمم. وسبب اختلافهم قياسها في ذلك على الصلاة المفروضة ~~فمن شبهها بها أجاز التيمم، أعني من شبه ذهاب الوقت بفوات الصلاة على ~~الجنازة، ومن لم يشبهها بها لم يجز التيمم لأنها عتده من فروض الكفاية أمن ~~سنن الكفاية على اختلافهم في ذلك، وشذ قوم فقالوا: يجوز أن يصلى على ~~الجنازة بغير طهارة، وهو قول الشعبي، وهؤلاء ظنوا أن اسم الصلاة لا يتناول ~~صلاة الجنازة، وإنما يتناولها اسم الدعاء، إذ كان ليس فيها ركوع ولا سجود. # الباب السادس: في الدفن وأجمعوا على وجوب الدفن، والأصل فيه قوله تعالى: ~~* (ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا) * وقوله: * (فبعث الله غرابا يبحث ~~في الأرض) * وكره مالك والشافعي تجصيص القبور وأجاز ذلك أبو حنيفة، وكذلك ~~كره قوم القعود عليها وقوم أجازوا ذلك وتأولوا النهي عن ذلك أنه القعود ~~عليها لحاجة الانسان. والآثار الواردة في النهي عن ذلك منها حديث جابر بن ~~عبد الله قال: نهى رسول الله (ص) عن تجصيص القبور، والكتابة عليها، والجلوس ~~عليها، والبناء عليها ومنها حديث عمرو بن حزم قال: رآني رسول الله (ص) على ~~قبر، فقال: انزل عن القبر، لا تؤذي صاحب القبر، ولا يؤذيك. واحتج من أجاز ~~القعود على القبر بما روي عن زيد بن ثابت أنه قال: إنما نهى رسول الله (ص) ~~عن الجلوس على القبر لحدث أو غائط، أو بول قالوا: ويؤيد ذلك ما روي عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله (ص): من جلس على قبر يبول. أو يتغوط، فكأنما جلس ms0248 ~~على جمرة من نار. وإلى ذلك ذهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعي. PageV01P195 # كتاب الزكاة والكلام المحيط بهذه العبادة بعد معرفة وجوبها ينحصر في خمس ~~جمل: الجملة الأولى: في معرفة من تجب عليه. الثانية: في معرفة ما تجب فيه ~~من الأموال. الثالثة: في معرفة كم تجب، ومن كم تجب. الرابعة: في معرفة متى ~~تجب، ومتى ولا تجب. الخامسة: # معرفة لمن تجب، وكم يجب له. # فأما معرفة وجوبها فمعلوم من الكتاب والسنة، والاجماع، ولا خلاف في ذلك. # الجملة الأولى وأما على من تجب، فإنهم اتفقوا على كل مسلم حر بالغ عاقل ~~مالك للنصاب ملكا تاما. واختلفوا فوجوبها على اليتيم، والمجنون، والعبيد، ~~وأهل الذمة، والناقص الملك، مثل الذي عليه دين، أو له دين، ومثال المال ~~المحبس الأصل. فأما الصغار، فإن قوما قالوا: تجب الزكاة في أموالهم، وبه ~~قال علي وابن عمر، وجابر، وعائشة من الصحابة، ومالك، والشافعي، والثوري، ~~وأحمد، وإسحق، وأبو ثور، وغيرهم من فقهاء الأمصار. وقال قوم: ليس في مال ~~اليتيم صدقة أصلا، وبه قال النخعي، والحسن وسعيد بن جبير من التابعين. وفرق ~~قوم بين ما تخرج الأرض، وبين ما لا تخرجه فقالوا: عليه الزكاة فيما تخرجه ~~الأرض، وليس عليه زكاة فيما عدا ذلك من الماشية، والناض، والعروض وغير ذلك، ~~وهو أبو حنيفة، وأصحابه وفرق آخرون بين الناض، وغيره، فقالوا: عليه الزكاة ~~إلا في الناض. وسبب اختلافهم في إيجاب الزكاة، أو لا إيجابها: هو اختلافهم ~~في مفهوم الزكاة الشرعية. هل هي عبادة، كالصلاة والصيام؟ أم هي حق واجب ~~للفقراء على الأغنياء؟ فمن قال: إنها عبادة، اشترط فيها البلوغ، ومن قال: ~~إنها حق واجب للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء، لم يعتبر ذلك بلوغا من ~~غيره. وأما من فرق بين ما تخرجه الأرض، أو لا تخرجه: وبين الخفي، والظاهر، ~~فلا أعلم له مستندا في هذا الوقت، PageV01P196 # وأما أهل الذمة، فإن الأكثر على ألا زكاة على جميعهم، إلا ما روت طائفة ~~من تضعيف الزكاة على نصارى بني تغلب، أعني أن يؤخذ منهم مثلا ما يؤخذ من ms0249 ~~المسلمين في كل شئ، وممن قال بهذا القول: الشافعي وأبو حنيفة، وأحمد، ~~والثوري وليس عن مالك في ذلك قول. وإنما صار هؤلاء لهذا لأنه أثبت أنه فعل ~~عمر بن الخطاب بهم وكأنه رأوا أن مثل هذا، هو توقيف ولكن الأصول تعارضه. ~~وأما العبيد، فإن الناس فيهم على ثلاثة مذاهب: فقوم قالوا: لا زكاة في ~~أموالهم أصلا، وهو قول ابن عمر، وجابر من الصحابة، ومالك، وأحمد، وأبي عبيد ~~من الفقهاء. # وقال آخرون: بل زكاة مال العبد على سيده، وبه قال الشافعي فيما حكاه ابن ~~المنذر، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه وأوجبت طائفة أخرى على العبد في ماله ~~الزكاة، وهو مروي عن ابن عمر من الصحابة، وبه قال عطاء من التابعين وأبو ~~ثور من الفقهاء، وأهل الظاهر وبعضهم. وجمهور من قال: لا زكاة في مال العبد ~~هم على ألا زكاة في مال المكاتب حتى يعتق وقال أبو ثور: في مال المكاتب ~~زكاة. وسبب اختلافهم في زكاة مال العبد: اختلافهم في هل يملك العبد ملكا ~~تاما، أو غير تام؟ فمن رأى أنه لا يملك ملكا تاما، وأن السيد هو المالك، ~~إذا كان لا يخلو مال من مالك، قال: الزكاة على السيد، ومن رأى أنه لواحد ~~منهما يملكه ملكا تاما، لا السيد، إذا كانت يد العبد، هي التي عليه لا يد ~~السيد، ولا العبد أيضا، لان للسيد انتزاعه منه، قال: لا زكاة في ماله أصلا. # ومن رأى أن اليد على المال توجب الزكاة فيه لمكان تصرفها فيه تشبيها ~~بتصرف يد الحر، قال: # الزكاة عليه، لا سيما من كان عنده أن الخطاب العام يتناول الأحرار ~~والعبيد، وأن الزكاة عبادة تتعلق بالمكلف لتصرف اليد في المال. وأما ~~المالكون الذين عليهم الديون التي تستغرق أموالهم أو تستغرق ما تجب فيه ~~الزكاة من أموالهم، وبأيديهم أموال تجب فيها الزكاة، فإنهم اختلفوا في ذلك ~~فقال قوم: لا زكاة في مال، حبا كان، أو غيره حتى تخرج منه الديون. فإن بقي ~~ما تجب فيه الزكاة، زكي، وإلا فلا، وبه قال الثوري، ms0250 وأبو ثور، وابن المبارك ~~وجماعة، وقال أبو حنيفة، وأصحابه: الدين لا يمنع زكاة الحبوب، ويمنع ما ~~سواها، وقال مالك: الدين يمنع زكاة الناض فقط، ألا أن يكون له عروض فيها ~~وفاء من دينه، فإنه لا يمنع وقال قوم: بمقابل القول الأول وهو أن الدين لا ~~يمنع زكاة أصلا. والسبب في اختلافهم: اختلافهم هل الزكاة عبادة؟ # أو حق مرتب في المال للمساكين؟ فمن رأى أنها حق لهم قال: لا زكاة في مال ~~من عليه الدين لان حق صاحب الدين متقدم بالزمان على حق المساكين، وهو في ~~الحقيقة مال صاحب الدين لا الذي المال بيده. ومن قال هي عبادة قال: تجب على ~~من بيده مال لان ذلك هو شرط التكليف، وعلامته المقتضية الوجوب على المكلف ~~سواء كان عليه دين، أو لم يكن، وأيضا، فإنه قد تعارض هنالك حقان: حق لله، ~~وحق للآدمي، وحق الله أحق أن يقضى، والأشبه بغرض الشرع اسقاط الزكاة عن ~~المديان لقوله عليه الصلاة والسلام: فيها صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد على ~~فقرائهم والمدين ليس بغني. وأما من فرق بين الحبوب، وغير PageV01P197 # الحبوب: وبين الناض، وغير الناض، فلا أعلم له شبهة بينة، وقد كان أبو ~~عبيد يقول: إنه إن كان لا يعلم أن عليه دينا، إلا بقوله لم يصدق وإن علم أن ~~عليه دينا لم يؤخذ منه وهذا ليس خلافا لمن يقول بإسقاط الدين الزكاة، وإنما ~~هو خلاف لمن يقول: يصدق في الدين، كما يصدق في المال. وأما المال الذي هو ~~في الذمة، أعني ذمة الغير، وليس هو بيد المالك، وهو الدين، فإنهم اختلفوا ~~فيه أيضا: فقوم قالوا: لا زكاة فيه، وإن قبض حتى يستكمل شرط الزكاة عند ~~القابض له، وهو الحول، وهو أحد قولي الشافعي وبه قال الليث، أو هو قياس ~~قوله، وقوم قالوا: إذا قبضه زكاه لما مضى من السنين وقال مالك: يزكيه لحول ~~واحد، وإن قام عند المديان سنين، إذا كان أصله عن عوض. وأما إذا كان عن غير ~~عوض مثل الميراث، فإنه يستقبل به الحول، ms0251 وفي المذهب تفصيل في ذلك. ومن هذا ~~الباب اختلافهم في زكاة الثمار المحبسة الأصول، وفي زكاة الأرض المستأجرة: ~~على من تجب زكاة ما يخرج منها، هل على صاحب الأرض أو صاحب الزرع؟ ومن ذلك ~~اختلافهم في أرض الخراج، إذا انتقلت من أهل الخراج إلى المسلمين، وهم أهل ~~العشر. وفي الأرض العشر، وهي أرض المسلمين، إذا انتقلت إلى الخراج، أعني ~~أهل الذمة، وذلك أنه يشبه أن يكون سبب الخلاف في هذا كله أنها أملاك ناقصة. # أما المسألة الأولى: وهي زكاة الثمار المحبسة الأصول، فإن مالكا، ~~والشافعي كانا يوجبان فيها الزكاة وكان مكحول، وطاووس يقولان: لا زكاة فيها ~~وفرق قوم بين أن تكون محبسة على المساكين، وبين أن تكون على قوم بأعيانهم، ~~فأوجبوا فيها الصدقة إذا كانت على قوم بأعيانهم، ولم يوجبوا فيها الصدقة، ~~إذا كانت على المساكين. ولا معنى لمن أوجبها على المساكين، لأنه يجتمع في ~~ذلك شيئان اثنان: أحدهما: أنها ملك ناقص. # والثانية: أنها على قوم غير معينين من الصنف الذين تصرف إليهم الصدقة لا ~~من الذين تجب عليهم. # وأما المسألة الثانية: وهي الأرض المستأجرة على من تجب زكاة ما تخرجه، ~~فإن قوما قالوا: الزكاة على صاحب الزرع. وبه قال مالك، والشافعي، والثوري، ~~وابن المبارك وأبو ثور، وجماعة وقال أبو حنيفة، وأصحابه: الزكاة على رب ~~الأرض، وليس على المستأجر منه شئ. والسبب في اختلافهم: هل العشر حق الأرض، ~~أو حق الزرع، أو حق مجموعهما؟ # إلا أنه لم يقل أحد إنه حق لمجموعهما، وهو في الحقيقة حق مجموعهما، فلما ~~كان عندهم أنه حق لاحد الامرين، اختلفوا في أيهما هو أولى أن ينسب إلى ~~الموضع الذي فيه الاتفاق، وهو كون الزرع، والأرض لمالك واحد، فذهب الجمهور ~~إلى أنه للشئ الذي تجب فيه الزكاة، وهو الحب، وذهب أبو حنيفة إلى أنه للشئ ~~الذي هو أصل الوجوب، وهو الأرض. وأما اختلافهم في أرض الخراج، إذا انتقلت ~~إلى المسلمين هل فيها عشر مع الخراج أم ليس فيها عشر؟ فإن الجمهور على أن ~~فيها العشر: أعني ms0252 الزكاة وقال أبو PageV01P198 # حنيفة وأصحابه: ليس فيها عشر. وسبب اختلافهم: كما قلنا هل الزكاة حق ~~الأرض، أو حق الحب؟ فإن قلنا: إنه حق الأرض، لم يجتمع فيها حقان: وهما ~~العشر، والخراج وإن قلنا: الزكاة حق الحب، كان الخراج حق الأرض، والزكاة حق ~~الحب، وإنما يجئ هذا الخلاف فيها، لأنها ملك ناقص كما قلنا، ولذلك اختلف ~~العلماء في جواز بيع أرض الخراج. وأما إذا انتقلت أرض العشر إلى الذمي ~~يزرعها، فإن الجمهور على أنه ليس فيها شئ. وقال النعمان: إذا اشترى الذمي ~~أرض عشر تحولت أرض خراج فكأنه رأى أن العشر هو حق أرض المسلمين، والخراج هو ~~حق أرض الذميين، لكن كان يجب على هذا الأصل، إذا انتقلت أرض الخراج إلى ~~المسلمين أن تعود أرض عشر، كما أن عنده إذا انتقلت أرض العشر إلى الذمي، ~~عادت أرض خراج. ويتعلق بالمالك مسائل أليق المواضع بذكرها هو هذا الباب: ~~أحدها: إذا أخرج المرء الزكاة، فضاعت. والثانية: إذا أمكن اخراجها، فهلك ~~بعض المال قبل الاخراج. والثالثة: إذا مات، وعليه زكاة. والرابعة: إذا باع ~~الزرع، أو الثمر، وقد وجبت فيه الزكاة على من الزكاة؟ وكذلك إذا وهبه. # فأما المسألة الأولى: وهي إذا أخرج الزكاة، فضاعت، فإن قوما قالوا: تجزئ ~~عنه، وقوم قالوا: هو لها ضامن حتى يضعها موضعها، وقوم فرقوا بين أن يخرجها ~~بعد أن أمكنه اخراجها، وبين أن يخرجها أول زمان الوجوب والامكان فقال ~~بعضهم: إن أخرجها بعد أيام من الامكان والوجوب، ضمن، وإن أخرجها في أول ~~الوجوب، ولم يقع منه تفريط، لم يضمن، وهو مشهور مذهب مالك وقول قالوا: إن ~~فرط ضمن، وإن لم يفرط زكى ما بقي، وبه قال أبو ثور والشافعي وقال قوم: بل ~~يعد الذاهب من الجميع، ويبقى المساكين ورب المال شريكين في الباقي بقدر ~~حظهما من حظ رب المال مثل الشريكين يذهب بعض المال المشترك بينهما، ويبقيان ~~شريكين على تلك النسبة في الباقي. فيتحصل في المسألة خمسة أقوال: 1 - قول: ~~إنه لا يضمن بإطلاق. 2 - وقول: إنه يضمن بإطلاق. ms0253 3 - وقول: إن فرط، ضمن، ~~وإن لم يفرط، لم يضمن. 4 - وقول: إن فرط، ضمن وإن لم يفرط زكى ما بقي. ~~والقول الخامس: يكونان شريكين في الباقي . وأما المسألة الثانية: إذا ذهب ~~بعض المال بعد الوجوب، وقبل تمكن اخراج الزكاة فقوم قالوا، يزكى ما بقي ~~وقوم قالوا: حال المساكين، وحال رب المال، حال الشريكين، يضيع بعض مالهما. ~~والسبب في اختلافهم: تشبيه الزكاة بالديون، أعني أن يتعلق الحق فيها بالذمة ~~لا بعين المال، أو تشبيهها بالحقوق التي تتعلق بعين المال، لا بذمة الذي ~~يده على المال، كالامناء، وغيرهم، فمن شبه مالكي الزكاة بالامناء قال: إذا ~~أخرج. فهلك المخرج، فلا شئ عليه، ومن شبههم بالغرماء قال: يضمنون ومن فرق ~~بين التفريط، واللا تفريط، ألحقهم بالامناء من جميع الوجوه، إذ كان الأمين ~~يضمن إذا فرط. وأما من قال: PageV01P199 # إذا لم يفرط زكى ما بقي، فإنه شبه من هلك بعض ماله بعد الاخراج بمن ذهب ~~بعض ماله قبل وجود الزكاة فيه، كما أنه إذا وجبت الزكاة عليه، فإنما يزكي ~~الموجود فقط، كذلك هذا إنما يزكي الموجود من ماله فقط. وسبب الاختلاف: هو ~~تردد شبه المالك بين الغريم، والأمين، والشريك، ومن هلك بعض ماله قبل ~~الوجوب. وأما إذا وجبت الزكاة، وتمكن من الاخراج فلم يخرج حتى ذهب بعض ~~المال، فإنهم متفقون فيما أحسب أنه ضامن إلا في الماشية عند من رأى أن ~~وجوبها، إنما يتم بشرط خروج الساعي مع الحول وهو مذهب مالك. # وأما المسألة الثالثة: وهي إذا مات بعد وجو ب الزكاة عليه، فإن قوما ~~قالوا: يخرج من رأس ماله، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحق، وأبو ثور. وقوم ~~قالوا: إن أوصى بها أخرجت عنه من الثلث، وإلا فلا شئ عليه ومن هؤلاء من ~~قال: يبدأ بها إن ضاق الثلث، ومنهم من قال لا يبدأ بها، وعن مالك القولان ~~جميعا، ولكن المشهور أنها بمنزلة الوصية. وأما اختلافهم في المال يباع بعد ~~وجود الصدقة فيه، فإن قوما قالوا: يأخذ المصدق الزكاة من المال نفسه ويرجع ~~المشتري ms0254 بقيمته على البائع، وبه قال أبو ثور. وقال قوم: البيع مفسوخ، وبه ~~قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: المشتري بالخيار بين إنفاذ البيع، ورده، ~~والعشر مأخوذ من الثمرة، أو من الحب الذي وجبت فيه الزكاة. وقال مالك: ~~الزكاة على البائع. وسبب اختلافهم: تشبيه بيع مال الزكاة بتفويته، وإتلاف ~~عينه، فمن شبهه بذلك قال: # الزكاة مترتبة في ذمة المتلف والمفوت، ومن قال: البيع ليس بإتلاف لعين ~~المال، ولا تفويت له، وإنما هو بمنزلة من باع ما ليس له، قال: الزكاة في ~~عين المال، ثم هل البيع مفسوخ، أو غير مفسوخ نظر آخر يذكر في باب البيوع إن ~~شاء الله تعالى. ومن هذا النوع اختلافهم في زكاة المال الموهوب، وفي بعض ~~هذه المسائل التي ذكرنا تفصيل في المذهب لم نر أن نتعرض له إذ كان غير ~~موافق لغرضنا مع أنه يسر فيها إعطاء أسباب تلك الفروق لأنها أكثرها ~~استحسانية مثل تفصيلهم الديون التي تزكى من التي لا تزكى، والديون المسقطة ~~للزكاة من التي لا تسقطها. فهذا ما رأينا أن نذكره في هذه الجملة، وهي ~~معرفة من تجب عليه الزكاة، وشروط الملك التي تجب به، وأحكام من تجب عليه. ~~وقد بقي من أحكامه حكم مشهور، وهو ماذا حكم من منع الزكاة، ولم يجحد ~~وجوبها؟ فذهب أبو بكر رضي الله عنه إلى أن حكمه حكم المرتد، وبذلك حكم في ~~مانع الزكاة من العرب، وذلك أنه قاتلهم، وسبى ذريتهم، وخالفه في ذلك عمر ~~رضي الله عنه وأطلق من كان استرق منهم، وبقول عمر قال الجمهور. وذهبت طائفة ~~إلى تكفير من منع فريضة من الفرائض، وإن لم يجحد وجوبها. وسبب اختلافهم: هل ~~اسم الايمان الذي هو ضد الكفر ينطلق على الاعتقاد دون العمل فقط، أو من ~~شرطه وجود العمل معه؟ فمنهم من رأى أن PageV01P200 # من شرطه وجود العمل معه، ومنهم من لم يشترط ذلك حتى لو لم يلفظ بالشهادة، ~~إذا صدق بها، فحكمه حكم المؤمن عند الله. والجمهور، وهم أهل السنة على أنه ~~ليس يشترط فيه، أعني ms0255 في اعتقاد الايمان الذي ضده الكفر من الأعمال إلا ~~التلفظ بالشهادة فقط، لقوله (ص) أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله، ويؤمنوا بي. فاشترط مع العلم القول، وهو عمل من الأعمال، فمن شبه ~~سائر الأفعال الواجبة بالقول، قال: جميع الأعمال المفروضة شرط في العلم ~~الذي هو الايمان، ومن شبه القول بسائر الأعمال التي اتفق الجمهور على أنها ~~ليست شرطا في العلم الذي هو الايمان قال: التصديق فقط هو شرط الايمان، وبه ~~يكون حكمه عند الله تعالى حكم المؤمن. والقولان شاذان، واستثناء التلفظ ~~بالشهادتين من سائر الأعمال، هو الذي عليه الجمهور. # الجملة الثانية وأما ما تجب فيه الزكاة من الأموال، فإنهم اتفقوا منها ~~على أشياء، واختلفوا في أشياء. أما ما اتفقوا عليه، فصنفان من المعدن: ~~الذهب، والفضة اللتين ليستا بحلي، وثلاثة أصناف من الحيوان الإبل، والبقر، ~~والغنم. وصنفان من الحبوب: الحنطة، والشعير، وصنفان من الثمر: التمر ~~والزبيب، وفي الزيت خلاف شاذ. والذي اختلفوا فيه من الذهب، هو الحلي فقط: ~~وذلك أنه ذهب فقهاء الحجاز: مالك، والليث، والشافعي إلى أنه لا زكاة فيه، ~~إذا أريد للزينة واللباس وقال أبو حنيفة وأصحابه فيه الزكاة. والسبب في ~~اختلافهم: تردد شبه بين العروض، وبين التبر، والفضة اللتين المقصود منهما ~~المعاملة في جميع الأشياء، شبهه بالتبر والفضة، فمن شبهه بالعروض التي ~~المقصود منها المنافع أولا، قال: ليس فيه زكاة، ومن شبهه بالتبر، والفضة ~~التي المقصود فيها المعاملة بها أولا، قال: فيه الزكاة. # ولاختلافهم أيضا سبب آخر: وهو اختلاف الآثار في ذلك، وذلك أنه روى جابر ~~عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ليس في الحلي زكاة وروى عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت إلى رسول الله (ص)، ومعها ابنة لها، وفي ~~يد ابنتها مسك من ذهب فقال لها: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن ~~يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ فخلعتهما، وألقتهما إلى النبي ~~(ص)، وقالت: هما لله ولرسوله والأثران ضعيفان، وبخاصة حديث جابر، ولكون ms0256 ~~السبب الا ملك، لاختلافهم تردد الحلي المتخذ للباس بين التبر، والفضة ~~اللذين المقصود منهما أولا المعاملة، لا الانتفاع وبين العروض المقصود منها ~~التي بالوضع الأول خلاف المقصود من التبر والفضة، أعني الانتفاع بها، لا ~~المعاملة، وأعني بالمعاملة كونها ثمنا. واختلف قول مالك في الحلي المتخذ ~~للكراء، فمرة شبهه بالحلي المتخذ من اللباس، ومرة شبهه بالتبر المتخذ ~~للمعاملة. # وأما ما اختلفوا فيه من الحيوان: فمنه ما اختلفوا في نوعه، ومنه ما ~~اختلفوا في صنفه. أما ما اختلفوا في نوعه: فالخيل، وذلك أن الجمهور على أن ~~لا زكاة في الخيل، فذهب أبو حنيفة PageV01P201 # إلى أنها إذا كانت سائمة، وقصد بها النسل أن فيها الزكاة، أعني إذا كانت ~~ذكرانا، وإناثا. والسبب في اختلافهم: معارضة القياس للفظ، وما يظن من ~~معارضة اللفظ للفظ فيها. أما اللفظ الذي يقتضي أن لا زكاة فيها، فقوله عليه ~~الصلاة والسلام ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقة وأما القياس الذي ~~عارض هذا العموم، فهو أن الخيل السائمة حيوان مقصود به النماء، والنسل، ~~فأشبه الإبل، والبقر. وأما اللفظ الذي يظن أنه معارض لذلك العموم، فهو قوله ~~عليه الصلاة والسلام وقد ذكر الخيل ولم ينس حق الله في رقابها، ولا ظهورها ~~فذهب أبو حنيفة إلى أن حق الله هو الزكاة، وذلك في السائمة منها. قال ~~القاضي: وأن يكون هذا اللفظ مجملا أحرى منه أن يكون عاما، فيحتج به في ~~الزكاة. وخالف أبا حنيفة في هذه المسألة صاحباه أبو يوسف، ومحمد. وصح عن ~~عمر رضي الله عنه أنه كان يأخذ منها الصدقة فقيل إنه كان باختيار منهم. ~~وأما ما اختلفوا في صنفه، فهي السائمة من الإبل، والبقر، والغنم من غير ~~السائمة منها، فإن قوما أوجبوا الزكاة في هذه الأصناف الثلاثة سائمة كانت، ~~أو غير سائمة، وبه قال الليث، ومالك. وقال سائر فقهاء الأمصار: لا زكاة في ~~غير السائمة من هذه الأنواع الثلاثة. وسبب اختلافهم: معارضة المطلق للمقيد، ~~ومعارضة القياس لعموم اللفظ أما المطلق، فقوله عليه الصلاة والسلام: في ~~أربعين ms0257 شاة شاة وأما المقيد، فقوله عليه الصلاة والسلام في سائمة الغنم ~~الزكاة. فمن غلب المطلق على المقيد، قال: الزكاة في السائمة، وغير السائمة، ~~ومن غلب المقيد، قال: الزكاة في السائمة منها فقط، ويشبه أن يقال: إن من ~~سبب الخلاف في ذلك أيضا معارضة دليل الخطاب للعموم، وذلك أن دليل الخطاب في ~~قوله عليه الصلاة والسلام في سائمة الغنم الزكاة يقتضي أن لا زكاة في غير ~~السائمة، وعموم قوله عليه الصلاة والسلام في كل أربعين شاة شاة يقتضي أن ~~السائمة في هذا بمنزلة غير السائمة، لكن العموم أقوى من دليل الخطاب، كما ~~أن تغليب المقيد على المطلق أشهر من تغليب المطلق على المقيد. وذهب أبو ~~محمد بن حزم إلى أن المطلق يقضي على المقيد، وأن في الغنم سائمة، وغير ~~سائمة الزكاة، وكذلك في الإبل لقوله عليه الصلاة والسلام ليس فيما دون خمس ~~ذود من الإبل صدقة وأن البقر لما لم يثبت فيها أثر، وجب أن يتمسك فيها ~~بالاجماع، وهو أن الزكاة في السائمة منها فقط فتكون التفرقة بين البقر، ~~وغيرها قولا ثالثا. وأما القياس المعارض لعموم قوله عليه الصلاة والسلام ~~فيها: في أربعين شاة شاة فهو أن السائمة هي التي المقصود منها النماء ~~والربح، وهو الموجود فيها أكثر ذلك، والزكاة إنما هي فضلات الأموال، ~~والفضلات إنما توجد أكثر ذلك في الأموال السائمة، ولذلك اشترط فيها الحول. ~~فمن خصص بهذا القياس ذلك العموم لم يوجب الزكاة في غير السائمة، ومن لم ~~يخصص ذلك، ورأي أن العموم أقوى، أوجب ذلك في الصنفين جميعا. فهذا هو ما ~~اختلفوا فيه من الحيوان التي تجب فيه الزكاة. # وأجمعوا: على أنه ليس فيما يخرج من الحيوان زكاة إلا العسل، فإنهم ~~اختلفوا فيه، فالجمهور PageV01P202 # على أنه لا زكاة فيه. وقال قوم: فيه الزكاة. وسبب اختلافهم: اختلافهم في ~~تصحيح الأثر الوارد في ذلك، وهو قوله عليه الصلاة والسلام في كل عشرة أزق ~~زق خرجه الترمذي وغيره. # وأما ما اختلفوا فيه من النبات بعد اتفاقهم على الأصناف الأربعة التي ~~ذكرناها ms0258 فهو: جنس النبات الذي تجب فيه الزكاة، فمنهم من لم ير الزكاة إلا ~~في تلك الأربع فقط، وبه قال ابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، وابن المبارك ~~ومنهم من قال الزكاة في جميع المدخر المقتات من النبات، وهو قول مالك ~~والشافعي ومنهم من قال: الزكاة في كل ما تخرجه الأرض ما عدا الحشيش، ~~والحطب، والقصب، وهو أبو حنيفة. وسبب الخلاف: إما بين من قصر الزكاة على ~~الأصناف المجمع عليها وبين من عداها إلى المدخر المقتات، فهو اختلافهم في ~~تعلق الزكاة بهذه الأصناف الأربعة، هل هو لعينها، أو لعلة فيها، وهي ~~الاقتيات فمن قال: لعينها، قصر الوجوب عليها، ومن قال: لعلة الاقتيات عدى ~~الوجوب لجميع المقتات. وسبب الخلاف: بين من قصر الوجوب على المقتات، وبين ~~من عداه إلى جميع ما تخرجه الأرض - إلا ما وقع عليه الاجماع من الحشيش، ~~والحطب والقصب - هو معارضة القياس لعموم اللفظ. أما اللفظ الذي يقتضي ~~العموم، فهو قوله عليه الصلاة والسلام فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي ~~بالنضح نصف العشر وما بمعنى الذي والذي من ألفاظ القوم وقوله تعالى: * (وهو ~~الذي أنشأ جنات معروشات) * الآية إلى وأما القياس: فهو أن الزكاة إنما ~~المقصود منها قوله: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * سد الخلة، وذلك لا يكون ~~غالبا إلا فيما هو قوت. فمن خصص العموم بهذا القياس، أسقط الزكاة مما عدا ~~المقتات، ومن غلب العموم، أوجبها فيما عدا ذلك، إلا ما أخرجه الاجماع، ~~والذين اتفقوا على المقتات، اختلفوا في أشياء من قبل اختلافهم فيها هل هي ~~مقتاتة، أم ليست بمقتاتة؟ وهل يقاس على ما اتفق عليه، أو ليس يقاس؟ مثل ~~اختلاف مالك، والشافعي في الزيتون، فإن مالكا ذهب إلى وجوب الزكاة فيه، ~~ومنع ذلك الشافعي في قوله الأخير بمصر. وسبب اختلافهم: هل هو قوت، أم ليس ~~بقوت؟. ومن هذا الباب اختلاف أصحاب مالك في إيجاب الزكاة في التين، أو لا ~~إيجابها. وذهب بعضهم: إلى أن الزكاة تجب في الثمار دون الخضر، وهو قول ابن ~~حبيب لقوله سبحانه: * (وهو الذي أنشأ ms0259 جنات معروشات وغير معروشات) * الآية ~~ومن فرق في الآية بين الثمار والزيتون. فلا وجه لقوله، إلا وجه ضعيف. # واتفقوا على ألا زكاة في العروض التي لم يقصد بها التجارة، واختلفوا في ~~إيجاب الزكاة فيما اتخذ منها للتجارة، فذهب فقهاء الأمصار إلى وجوب ذلك ~~ومنع ذلك أهل الظاهر. و لسبب في اختلافهم: اختلافهم في وجوب الزكاة ~~بالقياس، واختلافهم في تصحيح حديث سمرة بن PageV01P203 # جندب أنه قال: كان رسول الله (ص) يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع ~~وفيما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: أد زكاة البر. وأما القياس ~~الذي اعتمده الجمهور، فهو أن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية، ~~فأشبه الأجناس الثلاثة التي فيها الزكاة باتفاق، أعني الحرث، والماشية، ~~والذهب، والفضة. وزعم الطحاوي أن زكاة العروض ثابتة عن عمر، وابن عمر، ولا ~~مخالف لهما من الصحابة. وبعضهم يرى أن مثل هذا هو إجماع من الصحابة، أعني ~~إذا نقل عن واحد منهم قول، ولم ينقل عن غيره خلافه، وفيه ضعف. # الجملة الثالثة وأما معرفة النصاب في واحد واحد من هذه الأموال المزكاة، ~~وهو المقدار الذي فيه تجب الزكاة فيما له منها نصاب، ومعرفة الواجب من ذلك ~~أعني في عينه، وقدره، فإنا نذكر من ذلك ما اتفقوا عليه، واختلفوا فيه في ~~جنس جنس من هذه الأجناس المتفق عليها، والمختلف فيها عند الذين اتفقوا ~~عليه، ولنجعل هذا الكلام في ذلك في فصول: الفصل الأول: في الذهب، والفضة. ~~الثاني: في الإبل. الثالث: في الغنم. الرابع: # في البقر. الخامس: في النبات. السادس: في العروض. # الفصل الأول: في الذهب والفضة أما المقدار الذي تجب فيه الزكاة من الفضة، ~~فإنهم اتفقوا على أنه خمس أواق لقوله عليه الصلاة والسلام الثابت ليس فيما ~~دون خمس أواق من الورق صدقة ما عدا المعدن من الفضة، فإنهم اختلفوا في ~~اشتراط النصاب منه، وفي المقدار الواجب فيه، فإنهم اتفقوا على أن الواجب في ~~ذلك هو ربع العشر: أعني في الفضة، والذهب معا ما لم يكونا خرجا من معدن. ~~واختلفوا ms0260 من هذا الباب في مواضع خمسة: أحدها: في نصاب الذهب. والثاني: هل ~~فيهما أوقاص أم لا؟ # أعني هل فوق النصاب قدر لا تزيد الزكاة بزيادته؟ والثالث: هل يضم بعضها ~~إلى بعض في الزكاة، فيعدان كصنف واحد؟ أعني عند إقامة النصاب، أم هما صنفان ~~مختلفان؟ والرابع: هل من شرط النصاب أن يكون المالك واحدا لا اثنين؟ # الخامس: في اعتبار نصاب المعدن، وحوله، وقدر الواجب فيه. # أما المسألة الأولى: وهي اختلافهم في نصاب الذهب، فإن أكثر العلماء على ~~أن الزكاة تجب في عشرين دينارا وزنا، كما تجب في مائتي درهم، هذا مذهب ~~مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهم، وأحمد، وجماعة فقها الأمصار. وقالت ~~طائفة منهم الحسن بن أبي الحسن البصري، وأكثر أصحاب داود بعلي: ليس في ~~الذهب شئ حتى يبلغ أربعين دينارا، ففيها ربع عشرها دينار واحد. وقالت طائفة ~~ثالثة: ليس في الذهب زكاة حتى يبلغ صرفها مائتي درهم، أو قيمتها فإذا بلغت، ~~ففيها ربع عشرها، كان وزن ذلك من الذهب عشرين دينارا، أو أقل، أو أكثر، هذا ~~فيما كان منها دون الأربعين دينارا، فإذا بلغت أربعين دينارا كان ~~PageV01P204 # الاعتبار بها نفسه، لا بالدراهم، لا صرفا ولا قيمة. وسبب اختلافهم في ~~نصاب الذهب: أنه لم يثبت في ذلك شئ عن النبي (ص)، كما ثبت ذلك في نصاب ~~الفضة. وما روي عن الحسن بن عمارة من حديث علي أنه عليه الصلاة والسلام ~~قال: هاتوا زكاة الذهب من كل عشرين دينارا نصف دينار فليس عند الأكثر مما ~~يجب العمل به لانفراد الحسن بن عمارة به. فمن لم يصح عنده هذا الحديث اعتمد ~~في ذلك على الاجماع، وهو اتفاقهم على وجوبها في الأربعين. وأما مالك، ~~فاعتمد في ذلك على العمل، ولذلك قال في الموطأ: # السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارا، كما تجب ~~في مائتي درهم. وأما الذين جعلوا الزكاة فيما دون الأربعين تبعا للدراهم ~~فإنه لما كان عندهم من جنس واحد، جعلوا الفضة هي الأصل، إذ كان النص قد ثبت ms0261 ~~فيها، وجعلوا الذهب تابعا لها في القيمة، لا في الوزن وذلك فيما دون موضع ~~الاجماع، ولما قيل أيضا إن الرقة اسم يتناول الذهب والفضة، وجاء في بعض ~~الآثار: ليس فيما دون خمس أواق من الرقة صدقة. # المسألة الثانية: وأما اختلافهم فيما زاد على النصاب فيها، فإن الجمهور ~~قالوا: إن ما زاد على مائتي درهم من الوزن، ففيه بحساب ذلك، أعني ربع ~~العشر، وممن قال بهذا القول: مالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد صاحبا أبي ~~حنيفة، وأحمد بن حنبل، وجماعة. # وقالت طائفة من أهل العلم أكثرهم أهل العراق: لا شئ فيما زاد على المائتي ~~درهم حتى تبلغ الزيادة أربعين درهما، فإذا بلغتها كان فيها ربع عشرها وذلك ~~درهم، وبهذا القول قال أبو حنيفة، وزفر، وطائفة من أصحابهما. وسبب ~~اختلافهم: اختلافهم في تصحيح حديث الحسن بن عمارة، ومعارضة دليل الخطاب له، ~~وترددهما بين أصلين في هذا الباب مختلفين في هذا الحكم. وهي الماشية، ~~والحبوب. أما حديث الحسن بن عمارة، فإنه رواه عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة ~~عن علي عن النبي (ص) قال: قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق، فهاتوا من الرقة ~~ربع العشر من كل مائتي درهم خمسة دراهم، ومن كل عشرين دينارا نصف دينار، ~~وليس في مائتي درهم شئ حتى يحول عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، فما زاد ~~ففي كل أربعين درهما درهم، وفي كل أربعة دنانير تزيد على العشرين دينارا ~~درهم حتى تبلغ أربعين دينارا، ففي كل أربعين دينار، وفي كل أربعة وعشرين ~~نصف دينار، ودرهم. وأما دليل الخطاب المعارض له: فقوله عليه الصلاة ~~والسلام: ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة ومفهومه أن فيما زاد على ذلك ~~الصدقة، قل، أو كثر. # وأما ترددهما بين الأصلين اللذين هما الماشية، والحبوب، فإن النص على ~~الأوقاص ورد في الماشية. وأجمعوا على أنه لا أوقاص في الحبوب، فمن شبه ~~الفضة والذهب بالماشية، قال فيهما الأوقاص، ومن شبههما بالحبوب، قال: لا ~~وقص. PageV01P205 # وأما المسألة الثالثة: وهي ضم الذهب إلى الفضة في الزكاة، ms0262 فإن عند مالك، ~~وأبي حنيفة، وجماعة أنها تضم الدراهم إلى الدنانير، فإذا كمل من مجموعهما ~~نصاب وجبت فيه الزكاة. وقال الشافعي وأبو ثور وداود: لا يضم ذهب إلى فضة، ~~ولا فضة إلى ذهب. # وسبب اختلافهم: هل كل واحد منهما يجب فيها الزكاة لعينه، أم لسبب يعمهما، ~~وهو كونهما كما يقول الفقهاء رؤوس الأموال، وقيم المتلفات؟ فمن رأى أن ~~المعتبر في كل واحد منهما، هو عينه، ولذلك اختلف النصاب فيهما، قال: هما ~~جنسان لا يضم أحدهما إلى الثاني كالحال في البقر والغنم. ومن رأى أن ~~المعتبر فيهما هو ذلك الامر الجامع الذي قلناه، أوجب ضم بعضهما إلى بعض. ~~ويشبه أن يكون الأظهر اختلاف الاحكام حيث تختلف الأسماء، وتختلف الموجودات ~~أنفسها، وإن كان قد يوهم اتحادهما اتفاق المنافع، وهو الذي اعتمده مالك ~~رحمه الله في هذا الباب، وفي باب الربا. والذين أجازوا ضمهم اختلفوا في صفة ~~الضم، فرأى مالك ضمهما بصرف محدود، وذلك بأن ينزل الدينار بعشرة دراهم على ~~ما كانت عليه قديما، فمن كانت عنده عشرة دنانير ومائة درهم: وجبت عليه ~~فيهما الزكاة عنده، وجاز أن يخرج من الواحد عن الآخر. وقال من هؤلاء آخرون: ~~تضم بالقيمة في وقت الزكاة، فمن كانت عنده مثلا مائة درهم وتسعة مثاقيل ~~قيمتها مائة درهم، وجبت عليه فيهما الزكاة، ومن كانت عنده مائة درهم تساوي ~~أحد عشر مثقالا، وتسعة مثاقيل، وجبت عليه أيضا فيهما الزكاة، وممن قال بهذا ~~القول أبو حنيفة وبمثل هذا القول قال الثوري، إلا أنه يراعي الأحوط ~~للمساكين في الضم: أعني القيمة، أو الصرف المحدود. # ومنهم من قال: يضم الأقل منها إلى الأكثر، ولا يضم الأكثر إلى الأقل. ~~وقال آخرون: # تضم الدنانير بقيمتها أبدا، كانت الدنانير أقل من الدراهم، أو أكثر، ولا ~~تضم الدراهم إلى الدنانير، لان الدراهم أصل والدنانير فرع: إذ كان لم يثبت ~~في الدنانير حديث، ولا إجماع حتى تبلغ أربعين. وقال بعضهم: إذا كان عنده ~~نصاب من أحدهما ضم إليه قليل الآخر، وكثيره ولم ير الضم في تكميل النصاب، ms0263 ~~إذا لم يكن في واحد منهما نصاب، بل في مجموعهما. وسبب هذا الارتباك: ما ~~راموه من أن يجعلوا من شيئين نصابهما مختلف في الوزن نصابا واحدا. وهذا كله ~~لا معنى له، ولعل من رام ضم أحدهما إلى الآخر، فقد أحدث حكما في الشرع حيث ~~لا حكم، لأنه قد قال: بنصاب ليس هو بنصاب ذهب ب، ولا فضة، ويستحيل في عادة ~~التكليف، والامر بالبيان أن يكون في أمثال هذه الأشياء المحتملة حكم مخصوص ~~فيسكت عنه الشارع حتى يكون سكوته سببا لان يعرض فيه من الاختلاف ما مقداره ~~هذا المقدار، والشارع إنما بعث (ص) لرفع الاختلاف. # وأما المسألة الرابعة: فإن عند مالك، وأبي حنيفة أن الشريكين ليس يجب على ~~أحدهما زكاة حتى يكون لكل واحد منهما نصاب وعند الشافعي أن المال المشترك ~~حكمه حكم PageV01P206 # مال رجل واحد. وسبب اختلافهم: الاجماع الذي في قوله عليه الصلاة والسلام ~~ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة فإن هذا القدر يمكن أن يفهم منه أنه ~~إنما يخصه هذا الحكم، إذا كان لمالك واحد فقط، ويمكن أن يفهم منه أنه يخصه ~~هذا الحكم كان لمالك واحد أو أكثر من مالك واحد، إلا أنه لما كان مفهوم ~~اشتراط النصاب إنما هو الرفق، فواجب أن يكون النصاب من شرطه أن يكون لمالك ~~واحد، وهو الأظهر. والله أعلم. # والشافعي كأنه شبه الشركة بالخلطة، ولكن تأثير الخلطة في الزكاة غير متفق ~~عليه على ما سيأتي بعد. # وأما المسألة الخامسة: وهي اختلافهم في اعتبار النصاب في المعدن، وقدر ~~الواجب فيه، فإن مالكا، والشافعي راعيا النصاب في المعدن، وإنما الخلاف ~~بينهما أن مالكا لم يشترط الحول، واشترطه الشافعي على ما سنقول بعد في ~~الجملة الرابعة. وكذلك لم يختلف قولهما إن الواجب فيما يخرج منه هو ربع ~~العشر وأما أبو حنيفة فلم ير فيه نصابا، ولا حولا، وقال: الواجب هو الخمس. ~~وسبب الخلاف في ذلك: هل اسم الركاز يتناول المعدن، أم لا يتناوله؟ لأنه قال ~~عليه الصلاة والسلام وفي الركاز الخمس. وروى أشهب ms0264 عن مالك أن المعدن الذي ~~يوجد بغير عمل أنه ركاز، وفيه الخمس. فسبب اختلافهم في هذا هو اختلافهم في ~~دلالة اللفظ، وهو أحد أسباب الاختلافات العامة التي ذكرناها. # الفصل الثاني: في نصاب الإبل والواجب فيه وأجمع المسلمون على أن في كل ~~خمس من الإبل شاة إلى أربع وعشرين، فإذا كانت خمسا وعشرين، ففيها ابنة مخاض ~~إلى خمس وثلاثين، فإن لم تكن ابنة مخاض، فابن لبون ذكر، فإذا كانت ستا ~~وثلاثين، ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا كانت ستا وأربعين، ففيها ~~حقة إلى ستين فإذا كانت واحدا وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين فإذا كانت ~~ستا وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا كانت واحدا وتسعين، ففيها ~~حقتان إلى عشرين ومائة لثبوت هذا كله في كتاب الصدقة الذي أمر به رسول الله ~~(ص)، وعمل به بعده أبو بكر، وعمر. # واختلفوا منها في مواضع: منها فيما زاد على العشرين والمائة، ومنها إذا ~~عدم السن الواجبة عليه، وعنده السن الذي فوقه، أو الذي تحته ما حكمه؟ ومنها ~~هل تجب الزكاة في صغار الإبل؟ وإن وجبت فما الواجب؟. # فأما المسألة الأولى: وهي اختلافهم فيما زاد على المائة وعشرين، فإن ~~مالكا قال: # إذا زادت على عشرين ومائة واحدة، فالمصدق بالخيار إن شاء أخذ ثلاث بنات ~~لبون، وإن شاء أخذ حقتين إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة، فيكون فيها حقة، وابنتا ~~لبون. وقال ابن القاسم PageV01P207 # من أصحابه: بل يأخذ ثلاث بنات لبون من غير خيار إلى أن تبلغ ثمانين ومائة ~~فتكون فيها حقة، وابنتا لبون، وبهذا القول قال الشافعي. وقال عبد الملك بن ~~الماجشون من أصحاب مالك: بل يأخذ الساعي حقتين فقط من غير خيار إلى أن تبلغ ~~مائة وثلاثين. وقال الكوفيون أبو حنيفة، وأصحابه والثوري: إذا زادت على ~~عشرين ومائة عادت الفريضة على أولها ومعنى عودها أن يكون عندهم في كل خمس ~~ذود شاة، فإذا كانت الإبل مائة وخمسة وعشرين كان فيها حقتان وشاة: الحقتان ~~للمائة والعشرين، والشاة للخمس، فإذا بلغت ثلاثين ومائة. ففيها حقتان، ms0265 ~~وشاتان فإذا كانت خمسا وثلاثين ففيها حقتان وثلاث شياه إلى أربعين ومائة، ~~فإذا بلغتها ففيها حقتان وأربع شياه إلى خمس وأربعين ومائة، فإذا بلغتها ~~ففيها حقتان وابنة مخاض، الحقتان للمائة والعشرين، وابنة المخاض للخمس ~~وعشرين كما كانت في الفرض الأول إلى خمسين ومائة، فإذا بلغتها، ففيها ثلاث ~~حقاق، فإذا زادت على الخمسين ومائة، استقبل بها الفريضة الأولى إلى أن تبلغ ~~مائتين، فيكون فيها أربع حقاق، ثم يستقبل بها الفريضة. وأما عدا الكوفيين ~~من الفقهاء: فإنهم اتفقوا على أن ما زاد على المائة والثلاثين، ففي كل ~~أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. وسبب اختلافهم في عودة الفرض: أو لا ~~عودته اختلاف الآثار في هذا الباب، وذلك أنه ثبت في كتاب الصدقة أنه قال ~~عليه الصلاة والسلام: فما زاد على العشرين، ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون ~~وفي كل خمسين حقة وروي من طريق أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن ~~النبي عليه الصلاة والسلام أنه كتب كتاب الصدقة، وفيه إذا زادت الإبل على ~~مائة وعشرين، استؤنفت الفريضة. فذهب الجمهور إلى ترجيح الحديث الأول إذ هو ~~أثبت. وذهب الكوفيون إلى ترجيح حديث عمرو بن حزم، لأنه ثبت عندهم هذا من ~~قول علي، وابن مسعود قالوا: ولا يصح أن يكون مثل هذا إلا توقيفا إذ كان مثل ~~هذا لا يقال بالقياس. وأما سبب اختلاف مالك وأصحابه والشافعي فيما زاد على ~~المائة وعشرين إلى الثلاثين: فلانه لم يستقم لهم حساب الأربعينات، ولا ~~الخمسينات. فمن رأى أن ما بين المائة وعشرين إلى أن يستقيم الحساب وقص قال: ~~ليس فيما زاد على ظاهر الحديث الثابت شئ ظاهر حتى يبلغ مائة وثلاثين، وهو ~~ظاهر الحديث. وأما الشافعي، وابن القاسم، فإنما ذهبا إلى أن فيها ثلاث بنات ~~لبون، لأنه قد روي عن ابن شهاب في كتاب الصدقة أنها إذا بلغت إحدى وعشرين ~~ومائة، ففيها ثلاث بنات لبون، فإذا بلغت ثلاثين ومائة، ففيها بنتا لبون ~~وحقة. فسبب اختلاف ابن الماجشون، وابن القاسم هو معارضة ms0266 ظاهر الأثر الثابت ~~للتفسير الذي في هذا الحديث، فابن الماجشون رجح ظاهر الأثر للاتفاق على ~~ثبوته، وابن القاسم، والشافعي حملا المجمل على المفصل المفسر. وأما تخيير ~~مالك الساعي، فكأنه جمع بين الأثرين. والله أعلم. # وأما المسألة الثانية: وهو إذا عدم السن الواجب من الإبل الواجبة وعنده ~~السن الذي PageV01P208 # فوق هذا السن، أو تحته، فإن مالكا قال: يكلف شراء ذلك السن وقال قوم: بل ~~يعطي السن الذي عنده، وزيادة عشرين درهما، كان السن الذي عنده أحط، أو ~~شاتين، وإن كان أعلى دفع إليه المصدق عشرين درهما، أو شاتين وهذا ثابت في ~~كتاب الصدقة، فلا معنى للمنازعة فيه ولعل مالكا ليبلغه هذا الحديث. وبهذا ~~الحديث قال الشافعي، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: الواجب عليه القيمة، على ~~أصله في اخراج القيم في الزكاة وقال قوم: بل يعطي السن الذي عنده، وما ~~بينهما من القيمة. # وأما المسألة الثالثة: وهي هل تجب في صغار الإبل، وإن وجبت فماذا يكلف؟ ~~فإن قوما قالوا: تجب فيها الزكاة وقوم قالوا: لا تجب. وسبب اختلافهم: هل ~~يتناول اسم الجنس الصغار، أو لا يتناوله؟ والذين قالوا: لا تجب فيها زكاة ~~هو أبو حنيفة، وجماعة من أهل الكوفة وقد احتجوا بحديث سويد بن غفلة أنه ~~قال: أتانا مصدق النبي عليه الصلاة والسلام، فأتيته، فجلست إليه، فسمعته ~~يقول: إن في عهدي أن لا آخذ من راضع لبن، ولا أجمع بين متفرق، ولا نفرق بين ~~مجتمع. قال: وأتاه رجل بناقة كوماء، فأبى أن يأخذها. # والذين أوجبوا الزكاة فيها منهم من قال: يكلف شراء السن الواجبة عليهم، ~~ومنهم من قال: # يأخذ منها، وهو الأقيس. وبنحو هذا الاختلاف اختلفوا في صغار البقر، وسخال ~~الغنم. # الفصل الثالث: في نصاب البقر، وقدر الواجب في ذلك جمهور العلماء على أن ~~في ثلاثين من البقر تبيعا، وفي أربعين مسنة وقالت طائفة في كل عشر من البقر ~~شاة إلى ثلاثين، ففيها تبيع. وقيل إذا بلغت خمسا وعشرين، ففيها بقرة إلى ~~خمس وسبعين، ففيها بقرتان، إذا جاوزت ذلك، فإذا بلغت مائة ms0267 وعشرين، ففي كل ~~أربعين بقرة، وهذا عن سعيد بن المسيب. واختلف فقهاء الأمصار فيما بين ~~الأربعين والستين: # فذهب مالك والشافعي وأحمد، والثوري، وجماعة أن لا شئ فيما زاد على ~~الأربعين حتى تبلغ الستين فإذا بلغت ستين، ففيها تبيعان إلى سبعين، ففيها ~~مسنة وتبيع إلى ثمانين ففيها مسنتان إلى تسعين، ففيها ثلاثة أتبعة إلى ~~مائة، ففيها تبيعان ومسنة، ثم هكذا ما زاد، ففي كل ثلاثين تبيع، وفي كل ~~أربعين مسنة وسبب اختلافهم في النصاب: أن حديث معاذ غير متفق على صحته ~~ولذلك لم يخرجه الشيخان. وسبب اختلاف فقهاء الأمصار في الوقص في البقر أنه ~~جاء في حديث معاذ هذا أنه توقف في الأوقاص، وقال: حتى أسأل فيها النبي عليه ~~الصلاة والسلام، فلما قدم عليه، وجده قد توفي (ص). فلما لم يرد في ذلك نص ~~طلب حكمه من طريق القياس، فمن قاسها على الإبل والغنم لم ير في الأوقاص ~~شيئا، ومن قال: إن الأصل في الأوقاص الزكاة إلا ما استثناه الدليل من ذلك، ~~وجب أن لا يكون عنده في البقر وقص، إذ لا دليل هنالك من إجماع، ولا غيره. ~~PageV01P209 # الفصل الرابع: في نصاب الغنم وقدر الواجب من ذلك وأجمعوا من هذا الباب ~~على أن في سائمة الغنم إذا بلغت أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ~~على العشرين ومائة، ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت على المائتين، فثلاث ~~شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت على الثلاثمائة، ففي كل مائة شاة، وذلك عند ~~الجمهور إلا الحسن بن صالح فإنه قال: إذا كانت الغنم ثلاثمائة شاة وشاة ~~واحدة أن فيها أربع شياه، وإذا كانت أربعمائة شاة وشاة، ففيها خمس شياه، ~~وروى قوله هذا عن منصور عن إبراهيم، والآثار الثابتة المرفوعة في كتاب ~~الصدقة على ما قال الجمهور. واتفقوا على أن المعز تضم مع الغنم. واختلفوا ~~من أي صنف منها يأخذ المصدق فقال مالك: يأخذ من الأكثر عددا، فإن استوت خير ~~الساعي وقال أبو حنيفة بل الساعي يخير إذا اختلفت الأصناف. وقال الشافعي: ~~يأخذ الوسط ms0268 من الأصناف المختلفة لقول عمر رضي الله عنه: تعد عليهم السخلة ~~يحملها الراعي، ولا نأخذها ولا نأخذ الأكولة، ولا الربي ولا الماخض، ولا ~~فحل الغنم. # ونأخذ الجذعة، والثنية، وذلك عدل بين خيار المال ووسطه. وكذلك اتفق جماعة ~~فقهاء الأمصار على أنه لا يؤخذ في الصدقة تيس، ولا هرمة، ولا ذات عوار، ~~لثبوت ذلك في كتاب الصدقة إلا أن يرى المصدق أن ذلك خير للمساكين. واختلفوا ~~في العمياء، وذات العلة هل تعد على صاحب المال، أم لا؟ فرأى مالك، والشافعي ~~أن تعد وروي عن أبي حنيفة أنها لا تعد. وسبب اختلافهم: هل مطلق الاسم ~~يتناول الأصحاء، والمرضى أم لا يتناولهما؟ # واختلفوا من هذا الباب في نسل الأمهات هل تعد مع الأمهات، فيكمل النصاب ~~بها، إذا لم تبلغ نصابا؟ فقال مالك يعتد بها وقال الشافعي وأبو حنيفة، وأبو ~~ثور: لا يعتد بالسخال، إلا أن تكون الأمهات نصابا. وسبب اختلافهم: احتمال ~~قول عمر رضي الله عنه إذ أمر أن تعد عليهم بالسخال، ولا يؤخذ منها شئ، فإن ~~قوما فهموا من هذا إذا كانت الأمهات نصابا، وقوم فهموا هذا مطلقا. وأحسب أن ~~أهل الظاهر لا يوجبون في السخال شيئا، ولا يعدون بها لو كانت الأمهات ~~نصابا، ولو لم تكن، لان اسم الجنس لا ينطلق عليها عندهم. وأكثر الفقهاء على ~~أن للخلطة تأثيرا في قدر الواجب من الزكاة، واختلف القائلون بذلك، هل لها ~~تأثير في قدر النصاب، أم لا؟. وأما أبو حنيفة وأصحابه فلم يروا للخلطة ~~تأثيرا، لا في قدر الواجب، ولا فقدر النصاب وتفسير ذلك أن مالكا، والشافعي، ~~وأكثر فقهاء الأمصار اتفقوا على أن الخلطاء يزكون زكاة المالك الواحد. ~~واختلفوا من ذلك في موضعين: أحدهما: في نصاب الخلطاء هل يعد نصاب مالك ~~واحد، سواء أكان لكل واحد منهم نصاب، أولم يكن؟ أم إنما يزكون زكاة الرجل ~~الواحد، إذا كان لكل واحد منهم نصاب؟ الثاني: في صفة الخلطة التي لها تأثير ~~في ذلك. وأما اختلافهم أولا في هل للخلطة تأثير في النصاب، وفي الواجب، أو ms0269 ~~ليس لها تأثير؟ فسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم ما ثبت في كتاب الصدقة من ~~قوله عليه الصلاة والسلام: لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية ~~الصدقة، وما كان PageV01P210 # من خليطين، فإنهما يتراجعان بالسوية فإن كل واحد من الفريقين أنزل مفهوم ~~هذا الحديث على اعتقاده، وذلك أن الذين رأوا للخلطة تأثيرا ما في النصاب ~~والقدر الواجب، أو في القدر الواجب فقط، قالوا: إن قوله عليه الصلاة ~~والسلام وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بالسوية وقوله لا يجمع بين ~~مفترق، ولا يفرق بين مجتمع يدل دلالة واضحة أن ملك الخليطين كملك رجل واحد، ~~فإن هذا الأثر مخصص لقوله عليه الصلاة والسلام: ليس فيما دون خمس ذود من ~~الإبل صدقة إما في الزكاة عند مالك وأصحابه: أعني في قدر الواجب وإما في ~~الزكاة، والنصاب معا عند الشافعي، وأصحابه. وأما الذين لم يقولوا بالخلطة، ~~فقالوا: # إن الشريكين قد يقال لهما خليطان ويحتمل أن يكون قوله عليه الصلاة ~~والسلام: لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع إنما هو نهي للسعاة أن ~~يقسم ملك الرجل الواحد قسمة توجب عليه كثرة الصدقة: مثل رجل يكون له مائة ~~وعشرون شاة، فيقسم عليه إلى أربعين ثلاث شياة، أو يجمع ملك رجل واحد إلى ~~ملك رجل آخر حيث يوجب الجمع كثرة الصدقة، قالوا: وإذا كان هذا الاحتمال في ~~هذا الحديث، وجب أن لا تخصص به الأصول الثابتة المجمع عليها، أعني أن ~~النصاب، والحق الواجب في الزكاة يعتبر بملك الرجل الواحد. وأما الذين قالوا ~~بالخلطة، فقالوا: إن لفظ الخلطة، هو أظهر في الخلطة نفسها منه في الشركة، ~~وإذا كان ذلك كذلك، فقوله عليه الصلاة والسلام فيهما: أنهما يتراجعان ~~بالسوية مما يدل على أن الحق الواجب عليهما حكمه حكم رجل واحد، وأن قوله ~~عليه الصلاة والسلام: أنهما يتراجعان بالسوية يدل على أن الخليطين ليسا ~~بشريكين، لان الشريكين ليس يتصور بينهما تراجع، إذ المأخوذ هو من مال ~~الشركة. فمن اقتصر على هذا المفهوم، ولم يقس عليه النصاب، قال: الخليطان ~~إنما ms0270 يزكيان زكاة الرجل الواحد، إذا كان لكل واحد منهما نصاب، ومن جعل حكم ~~النصاب تابعا لحكم الحق الواجب، قال: # نصابهما نصاب الرجل الواحد، كما أن زكاتهما زكاة رجل واحد، وكل واحد من ~~هؤلاء أنزل قوله عليه الصلاة والسلام لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين ~~مجتمع على ما ذهب إليه. فأما مالك رحمه الله تعالى، فإنه قال: معنى قوله لا ~~يفرق بين مجتمع أن الخليطين يكون لكل واحد منهما مائة شاة، وشاة، فتكون ~~عليهما فيهما ثلاث شياه، فإذا افترقا، كان على كل واحد منهما شاة، ومعنى ~~قوله لا يجمع بين مفترق أن يكون النفر الثلاث لكل واحد منهم أربعون شاة ~~فإذا جمعوها، كان عليهم شاة واحدة، فعلى مذهبه النهي، إنما هو متوجه نحو ~~الخلطاء الذين لكل واحد منهم نصاب. وأما الشافعي، فقال: معنى قوله: ولا ~~يفرق بين مجتمع أن يكون رجلان لهما أربعون شاة، فإذا فرقا غنمهما، لم يجب ~~عليهما فيها زكاة، إذ كان نصاب الخلطاء عنده نصاب ملك رجل واحد في الحكم. ~~وأما القائلون بالخلطة، فإنهم اختلفوا فيما هي الخلطة المؤثرة في الزكاة، ~~فأما الشافعي، قال: إن من شرط الخلطة أن PageV01P211 # تختلط ماشيتهما، وتراحا لواحد وتحلبا لواحد، وتسرحا لواحد، وتسقيا معا، ~~وتكون فحولهما مختلطة، ولا فرق عنده بالجملة بين الخلطة، والشركة ولذلك ~~يعتبر كمال النصاب لكل واحد من الشريكين كما تقدم. وأما مالك، فالخليطان ~~عنده ما اشتركا في الدلو، والحوض، والمراح والراعي، والفحل واختلف أصحابه ~~في مراعاة بعض هذه الأوصاف، أو جميعها. وسبب اختلافهم: اشتراك اسم الخلطة ~~ولذلك لم ير قوم تأثير الخلطة في الزكاة وهو مذهب أبي محمد بن حزم ~~الأندلسي. # الفصل الخامس: في نصاب الحبوب، والثمار، والقدر الواجب في ذلك وأجمعوا ~~على أن الواجب في الحبوب أما ما سقي بالسماء، فالعشر، وأما ما سقي بالنضح، ~~فنصف العشر، لثبوت ذلك عنه (ص). وأما النصاب، فإنهم اختلفوا في وجوبه في ~~هذا الجنس من مال الزكاة. فصار الجمهور إلى إيجاب النصاب فيه، وهو خمسة ~~أوسق، والوسق ستون صاعا بإجماع، والصاع ms0271 أربعة أمداد بمد النبي عليه الصلاة ~~والسلام. والجمهور على أن مده رطل وثلث وزيادة يسيرة بالبغدادي، وإليه رجع ~~أبو يوسف حين ناظره مالك على مذهب أهل العراق، لشهادة أهل المدينة بذلك، ~~وكان أبو حنيفة يقول في المد إنه رطلان، وفي الصاع إنه ثمانية أرطال، وقال ~~أبو حنيفة: ليس في الحبوب والثمار نصاب. وسبب اختلافهم: معارضة العموم ~~للخصوص. أما العموم، فقوله عليه الصلاة والسلام: فيما سقت السماء العشر، ~~وفيما سقي بالنضح نصف العشر أما الخصوص، فقوله عليه الصلاة والسلام ليس ~~فيما دون خمسة أوسق صدقة. والحديثان ثابتان، فمن رأى أن الخصوص يبنى على ~~العموم قال: لا بد من النصاب وهو المشهور ومن رأى أن العموم، والخصوص ~~متعارضان، إذا جهل المتقدم فيهما والمتأخر، إذ كان قد ينسخ الخصوص بالعموم ~~عنده، وينسخ العموم بالخصوص، إذ كل ما وجب العمل به جاز نسخه، والنسخ قد ~~يكون للبعض وقد يكون للكل، ومن رجح العموم، قال: لا نصاب، ولكن حمل الجمهور ~~عندي الخصوص على العموم، هو من باب ترجيح الخصوص على العموم في الجزء الذي ~~تعارضا فيه، فإن العموم فيه ظاهر، والخصوص فيه نص، فتأمل هذا فإنه السبب ~~الذي صير الجمهور إلى أن يقولوا بني العام على الخاص وعلى الحقيقة ليس ~~بنيانا فإن التعارض بينهما موجود إلا أن يكون الخصوص متصلا بالعموم فيكون ~~استثناء. واحتجاج أبي حنيفة في النصاب بهذا العموم فيه ضعف فإن الحديث إنما ~~خرج مخرج تبيين القدر الواجب منه. واختلفوا من هذا الباب في النصاب في ثلاث ~~مسائل: المسألة الأولى: في ضم الحبوب بعضها إلى بعض في النصاب. الثانية: في ~~جواز تقدير النصاب في العنب، والتمر بالخرص. الثالثة: هل يحسب على الرجل ما ~~يأكله من ثمره، وزرعه قبل الحصاد، والجذاذ في النصاب، أم لا؟ PageV01P212 # أما المسألة الأولى: فإنهم أجمعوا على أن الصنف الواحد من الحبوب والثمر ~~يجمع جيده إلى رديئه، وتؤخذ الزكاة عن جميعه بحسب قدر كل واحد منهما: أعني ~~من الجيد والردئ، فإن كان الثمر أصنافا أخذ من وسطه. واختلفوا في ضم ms0272 ~~القطاني بعضها إلى بعض، وفي ضم الحنطة، والشعير والسلت فقال مالك: القطنية ~~كلها صنف واحد: الحنطة، والشعير والسلت أيضا. وقال الشافعي وأبو حنيفة، ~~وأحمد وجماعة: القطاني كلها أصناف كثيرة بحسب أسمائها، ولا يضم منها شئ إلى ~~غيره في حساب النصاب. وكذلك الشعير، والسلت، والحنطة عندهم أصناف ثلاثة، لا ~~يضم واحد منها إلى الآخر لتكميل النصاب. # وسبب الخلاف: هل المراعاة في الصنف الواحد، هو اتفاق المنافع أو اتفاق ~~الأسماء؟ # فمن قال اتفاق الأسماء، قال: كلما اختلفت ت أسماؤها: فهي أصناف كثيرة، ~~ومن قال اتفاق المنافع، قال: كلما اتفقت منافعها، فهي صنف واحد، وإن اختلفت ~~أسماؤها. فكل واحد منهما يروم أن يقرر قاعدته باستقراء الشرع، أعني أن ~~أحدهما يحتج لمذهبه بالأشياء التي اعتبر فيها الشرع الأسماء، والآخر ~~بالأشياء التي اعتبر الشرع فيها المنافع، ويشبه أن يكون شهادة الشرع ~~للأسماء في الزكاة أكثر من شهادته للمنافع، وإن كان كلا الاعتبارين موجودا ~~في الشرع. والله أعلم. # وأما المسألة الثانية: وهي تقدير النصاب بالخرص، واعتباره به دون الكيل ~~فإن جمهور العلماء على إجازة الخرص في النخيل والأعناب حين يبدو صلاحها ~~للضرورة أن يخلي بينها، وبين أهلها يأكلونها رطبا وقال داود: لا خرص إلا في ~~النخيل فقط. وقال أبو حنيفة، وصاحباه: الخرص باطل، وعلى رب المال أن يؤدي ~~عشر ما تحصل بيده، زاد على الخرص، أو نقص منه. والسبب في اختلافهم في جواز ~~الخرص: معارضة الأصول للأثر الوارد في ذلك: أما الأثر الوارد في ذلك، وهو ~~الذي تمسك به الجمهور، فهو ما روي أن رسول الله (ص كان يرسل عبد الله بن ~~رواحة، وغيره إلى خيبر، فيخرص عليهم النخل. وأما الأصول التي تعارضه، فلانه ~~من باب المزابنة المنهي عنها، وهو بيع الثمر في رؤوس النخل بالثمر كيلا، ~~ولأنه أيضا من باب بيع الرطب بالتمر نسيئة، فيدخله المنع من التفاضل، ومن ~~النسيئة، وكلاهما من أصول الربا، فلما رأى الكوفيون هذا مع أن الخرص الذي ~~كان يخرص على أهل خيبر، لم يكن للزكاة، إذ كانوا ليسوا بأهل زكا، ms0273 قالوا: ~~يحتمل أن يكون تخمينا، ليعلم ما بأيدي كل قوم من الثمار. قال القاضي: أما ~~بحسب خبر مالك، فالظاهر أنه كان في القسمة، لما روي أن عبد الله بن رواحة، ~~كان إذ فرغ من الخرص، قال: إن شئتم، فلكم، وإن شئتم، فلي، أعني في قسمة ~~الثمار، لا في قسمة الحب. وأما بحسب حديث عائشة الذي رواه أبو داود، فإنما ~~الخرص لموضع النصيب الواجب عليهم في ذلك، والحديث هو أنها قالت، وهي تذكر ~~شأن خيبر كان النبي (ص) يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر، PageV01P213 # فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه. وخرص الثمار لم يخرجه ~~الشيخان، وكيفما كان، فالخرص مستثنى من تلك الأصول هذا إن ثبت أنه كان منه ~~عليه الصلاة والسلام حكما منه على المسلمين، فإن الحكم لو ثبت على أهل ~~الذمة، ليس يجب أن يكون حكما عاما على المسلمين إلا بدليل، والله أعلم. ولو ~~صح حديث عتاب بن أسيد لكان جواز الخرص بينا، والله أعلم. وحديث عتاب بن ~~أسيد هو أنه قال: أمرني رسول الله (ص) أن أخرص العنب، وآخذ زكاته زبيبا، ~~كما تؤخذ زكاة النخل تمرا وحديث عتاب بن أسيد طعن فيه، لان راويه عنه هو ~~سعيد بن المسيب، وهو لم يسمع منه، ولذلك لم يجز داود خرص العنب. واختلف من ~~أوجب الزكاة في الزيتون في جواز خرصه. والسبب في اختلافهم: # اختلافهم في قياسه في ذلك على النخل، والعنب والمخرج عند الجميع من النخل ~~في الزكاة، هو التمر، لا الرطب، وكذلك الزبيب من العنب، لا العنب نفسه، ~~وكذلك عند القائلين بوجوب الزكاة في الزيتون، هو الزيت، لا الحب قياسا على ~~التمر، والزبيب. وقال مالك في العنب الذي لا يتزبب، والزيتون الذي لا ينعصر ~~أرى أن يؤخذ منه حبا. # وأما المسألة الثالثة: فإن مالكا، وأبا حنيفة قالا: يحسب على الرجل ما ~~أكل من ثمره، وزرعه قبل الحصاد في النصاب وقال الشافعي: لا يحسب عليه، ~~ويترك الخارص لرب المال ما يأكل هو، وأهله. والسبب في اختلافهم: ms0274 ما يعار ض ~~الآثار في ذلك من الكتاب والقياس: أما السنة في ذلك، فما رواه سهل بن أبي ~~حثمة أن النبي (ص) بعث أبا حثمة خارصا، فجاء رجل، فقال: يا رسول الله إن ~~أبا حثمة قد زاد علي، فقال رسول الله (ص): # إن ابن عمك يزعم أنك زدت عليه فقال: يا رسول الله لقد تركت له قدر عرية ~~أهله، وما يطعمه المساكين، وما تسقطه الريح، فقال: قد زادك ابن عمك، ~~وأنصفك. وروي أن رسول الله (ص) قال: إذا خرصتم، فدعوا الثلث، فإن لم تدعوا ~~الثلث، فدعوا الربع. وروي عن جابر أن رسول الله (ص) قال: خففوا في الخرص، ~~فإن في المال العرية، والآكلة، والوصية والعامل، والنوائب، وما وجب في ~~التمر من الحق. وأما الكتاب المعارض لهذه الآثار، والقياس فقوله تعالى: * ~~(كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) *. وأما القياس، فلانه مال، ~~فوجبت فيه الزكاة أصله سائر الأموال فهذه هي المسائل المشهورة التي تتعلق ~~بقدر الواجب في الزكاة. والواجب منه في هذه الأجناس الثلاثة التي الزكاة ~~مخرجة من أعيانها لم يختلفوا أنها إذا خرجت من الأعيان أنفسها أنها مجزئة. ~~واختلفوا هل يجوز فيها أن يخرج بدل العين القيمة، أو لا يجوز؟ فقال مالك ~~والشافعي: لا يجوز اخراج القيم في الزكوات بدل المنصوص عليه في الزكوات ~~وقال أبو حنيفة: يجوز، سواء قدر على PageV01P214 # المنصوص عليه أو لم يقدر. وسبب اختلافهم: هل الزكاة عبادة، أو حق واجب ~~للمساكين؟ فمن قال: إنها عبادة، قال: إن أخرج من غير تلك الأعيان، لم يجز ~~لأنه، إذا أتى بالعبادة على غير الجهة المأمور بها، فهي فاسدة، ومن قال: هي ~~حق للمساكين فلا فرق بين القيمة والعين عنده. وقد قالت الشافعية: لنا أن ~~نقول: - وإن سلمنا أنها حق للمساكين - إن الشارع إنما علق الحق بالعين، ~~قصدا منه لتشريك الفقراء مع الأغنياء في أعيان الأموال. # والحنفية تقول: إنما خصت بالذكر أعيان الأموال تسهيلا على أرباب الأموال، ~~لان كل ذي مال إنما يسهل عليه الاخراج من نوع المال ms0275 الذي بين يديه، ولذلك ~~جاء في بعض الأثر أنه جعل في الدية على أهل الحلل حللا على ما يأتي في كتاب ~~الحدود. # الفصل السادس: في نصاب العروض والنصاب في العروض على مذهب القائلين بذلك ~~إنما هو فيما اتخذ منها للبيع خاصة على ما يقدر قبل، والنصاب فيها على ~~مذهبهم هو النصاب في العين، إذا كانت هذه هي قيم المتلفات، ورؤوس الأموال، ~~وكذلك الحول في العروض عند الذين أوجبوا الزكاة في العروض، فإن مالكا قال: ~~إذا باع العروض، زكاه لسنة واحدة كالحال في الدين وذلك عنده في التاجر الذي ~~تضبط له أوقات شراء عروضه. وأما الذين لا ينضبط لهم وقت ما يبيعونه، ولا ~~يشترونه، وهم الذين يخصون باسم المدير، فحكم هؤلاء عند مالك، إذا حال عليهم ~~الحول من يوم ابتداء تجارتهم أن يقوم ما بيده من العروض، ثم يضم إلى ذلك ما ~~بيده من العين وماله من الدين الذي يرتجى قبضه، إن لم يكن عليه دين مثله: ~~وذلك بخلاف قوله في دين غير المدير، فإذا بلغ ما اجتمع عنده من ذلك نصابا ~~أدى زكاته، وسواء نض له في عامه شئ من العين، أو لم ينض، بلغ نصابا، أو لم ~~يبلغ نصابا، وهذه رواية ابن الماجشون عن مالك. وروى ابن القاسم عنه: إذا لم ~~يكن له ناض، وكان يتجر بالعروض، لم يكن عليه في العروض فمنهم من لم يشترط ~~وجود الناض عنده ومنهم من شرطه والذي شرطه منهم: فمنهم من اعتبر فيه ~~النصاب، ومنهم من لم يعتبر ذلك. وقال المزني: زكاة العروض تكون من أعيانها، ~~لا من أثمانها وقال الجمهور: الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، والثوري، ~~والأوزاعي، وغيرهم: المدير، وغير المدير حكمه واحد، وأنه من اشترى عرضا ~~للتجارة، فحال عليه الحول قومه وزكاه. وقال قوم: بل يزكي ثمنه الذي ابتاعه ~~به، لا قيمته وإنما لم يوجب الجمهور على المدير شيئا، لان الحول إنما يشترط ~~في عين المال، لا في نوعه وأما مالك، فشبه النوع ههنا بالعين، لئلا تسقط ~~الزكاة رأسا عن المدير وهذا ms0276 هو بأن يكون شرعا زائدا أشبه منه بأن يكون شرعا ~~مستنبطا من شرع ثابت، ومثل هذا، هو الذي يعرفونه بالقياس المرسل، وهو الذي ~~لا يستند إلى أصل منصوص عليه في الشرع، إلا ما يعقل من المصلحة الشرعية ~~فيه. ومالك رحمه الله يعتبر المصالح، وإن لم يستند إلى أصول منصوص عليها. ~~PageV01P215 # الجملة الرابعة: في وقت الزكاة وأما وقت الزكاة فإن جمهور الفقهاء ~~يشترطون في وجوب الزكاة في الذهب، والفضة، والماشية الحول، لثبوت ذلك عن ~~الخلفاء الأربعة، ولانتشاره في الصحابة رضي الله عنهم، ولانتشار العمل به، ~~ولاعتقادهم أن مثل هذا الانتشار من غير خلاف ولا يجوز أن يكون إلا عن ~~توقيف. وقد روي مرفوعا من حديث ابن عمر عن النبي (ص) أنه قال لا زكاة في ~~مال حتى يحول عليه الحول وهذا مجمع عليه عند فقهاء الأمصار، وليس فيه في ~~الصدر الأول خلاف إلا ما روي عن ابن عباس، ومعاوية. وسبب الاختلاف: أنه ~~ليرد في ذلك حديث ثابت. واختلفوا من هذا الباب في مسائل ثمانية مشهورة: ~~إحداها: هل يشترط الحول في المعدن إذا قلنا إن الواجب فيه ربع العشر؟ ~~الثانية: في اعتبار حول ربح المال. الثالثة: حول الفوائد الواردة على مال ~~تجب فيه الزكاة. الرابعة: في اعتبار حول الدين، إذا قلنا إن فيه الزكاة. ~~الخامسة: في اعتبار حول العروض، إذا قلنا إن فيها الزكاة. السادسة: في حول ~~فائدة الماشية. السابعة: في حول نسل الغنم إذا قلنا إنها تضم إلى الأمهات، ~~إما على رأي من يشترط أن تكون الأمهات نصابا، وهو الشافعي، وأبو حنيفة، ~~وإما على مذهب من لا يشترط ذلك، وهو مذهب مالك. # والثامنة: في جواز اخراج الزكاة قبل الحول. # أما المسألة الأولى: وهي المعدن، فإن الشافعي راعى فيه الحول مع النصاب ~~وأما مالك، فراعى فيه النصاب دون الحول. وسبب اختلافهم: تردد شبهه بين ما ~~تخرجه الأرض مما تجب فيه الزكاة، وبين التبر، والفضة المقتنيين، فمن شبهه ~~بما تخرجه الأرض، لم يعتبر الحول فيه، ومن شبهه بالتبر، والفضة المقتنيين، ~~أوجب الحول، وتشبيهه ms0277 بالتبر، والفضة أبين. # والله أعلم. # المسألة الثانية: وأما اعتبار حول ربح المال، فإنهم اختلفوا فيه على ~~ثلاثة أقوال: فرأى الشافعي أن حوله يعتبر من يوم استفيد سواء كان الأصل ~~نصابا، أو لم يكن وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب أن لا يعرض لأرباح ~~التجارة حتى يحول عليها الحول. وقال مالك: حول الربح، هو حول الأصل: أي إذا ~~كمل للأصول حول، زكى الربح معه، سواء كان الأصل نصابا، أو أقل من نصاب إذا ~~بلغ الأصل مع ربحه نصابا. قال أبو عبيد: ولم يتابعه عليه أحد من الفقهاء ~~إلا أصحابه. وفرق قوم بين أن يكون رأس المال الحائل عليه الحول نصابا، أو ~~لا يكون فقالوا: إن كان نصابا، زكى الربح مع رأس ماله، وإن لم يك نصابا، لم ~~يزك، وممن قال بهذا القول الأوزاعي، وأبو ثور، وأبو حنيفة. وسبب اختلافهم: ~~تردد الربح بين أن يكون حكمه حكم المال المستفاد، أو حكم الأصل، فمن شبهه ~~بالمال المستفاد ابتداء، قال: يستقبل به الحول، ومن شبهه بالأصل وهو رأس ~~المال، قال: حكمه حكم رأس المال، إلا أن من شروط هذا التشبيه أن يكون رأس ~~المال، قد وجبت فيه الزكاة، وذلك لا يكون إلا إذا كان نصابا، PageV01P216 # ولذلك يضعف قياس الربح على الأصل في مذهب مالك ويشبه أن يكون الذي اعتمده ~~مالك رضي الله عنه في ذلك، هو تشبيه ربح المال بنسل الغنم، لكن نسل الغنم ~~مختلف أيضا فيه، وقد روي عن مالك مثل قول الجمهور. # وأما المسألة الثالثة: وهي حول الفوائد، فإنهم أجمعوا على أن المال، إذا ~~كان أقل من نصاب، واستفيد إليه مال من غير ربحه يكمل من مجموعهما نصاب، أنه ~~يستقبل به الحول من يوم كمل. واختلفوا إذا استفاد مالا، وعنده نصاب مال آخر ~~قد حال عليه الحول فقال مالك: يزكي المستفاد، إن كان نصابا لحوله، ولا يضم ~~إلى المال الذي وجبت فيه الزكاة، وبهذا القول في الفوائد قال الشافعي وقال ~~أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري: الفوائد كلها تزكى بحول الأصل ms0278 إذا كان الأصل ~~نصابا، وكذلك الربح عندهم. وسبب اختلافهم: هل حكمه حكم المال الوارد عليه، ~~أم حكمه حكم مال لم يرد على مال آخر؟ فمن قال: حكمه حكم مال لم يرد على مال ~~آخر: أعني مالا فيه زكاة، قال: لا زكاة في الفائدة، ومن جعل حكمه حكم ~~الوارد عليه وأنه مال واحد، قال: إذ كان في الوارد عليه الزكاة بكونه ~~نصابا، اعتبر حوله بحول المال الوارد عليه. وعموم قوله عليه الصلاة ~~والسلام: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول يقتضي أن لا يضاف مال إلى ~~مال، إلا بدليل. وكأن أبا حنيفة اعتمد في هذا قياس الناض على الماشية، ومن ~~أصله الذي يعتمده في هذا الباب أنه ليس من شرط الحول أن يوجد المال نصابا ~~في جميع أجزائه، بل أن يوجد نصابا في طرفيه فقط، وبعضا منه في كله. فعنده ~~أنه إذا كان مال في أول الحول نصابا، ثم هلك بعضه، فصار أقل من نصا ب، ثم ~~استفاد مالا في آخر الحول، صار به نصابا، أنه تجب فيه الزكاة، وهذا عنده ~~موجود في هذا المال، لأنه لم يستكمل الحول، وهو في جميع أجزائه مال واحد ~~بعينه، بل زاد، ولكن ألفي في طرفي الحول نصابا، والظاهر أن الحول الذي ~~اشترط في المال إنما هو في مال معين، لا يزيد، ولا ينقص، لا بربح، ولا ~~بفائدة، ولا بغير ذلك، إذ كان المقصود بالحول، هو كون المال فضلة مستغنى ~~عنه، وذلك أن ما بقي حولا عند المالك لم يتغير عنده، فليس به حاجة إليه، ~~فجعل فيه الزكاة، فإن الزكاة، إنما هي فضول الأموال. وأما من رأى أن اشتراط ~~الحول في المال إنما سببه النماء، فواجب عليه أن يقول: تضم الفوائد فضلا عن ~~الأرباح إلى الأصول، وأن يعتبر النصاب في طرفي الحول فتأمل هذا فإنه بين ~~والله أعلم ولذلك رأى مالك أن من كان عنده في أول الحول ماشية تجب فيها ~~الزكاة، ثم باعها، وأبدلها في آخر الحول بماشية من نوعها، أنها تجب فيها ms0279 ~~الزكاة. # فكأنه اعتبر أيضا طرفي الحول على مذهب أبي حنيفة، وأخذ أيضا ما اعتمده ~~أبو حنيفة في فائدة الناض القياس على فائدة الماشية على ما قلناه. # وأما المسألة الرابعة: هي اعتبار حول الدين، إذا قلنا إن فيه الزكاة فإن ~~قوما قالوا: # يعتبر ذلك فيه من أول ما كان دينا يزكيه لعدة ذلك، إن كان حولا، فحول، ~~وإن كان أحوالا PageV01P217 # فأحوال، أعني أنه إن كان حولا تجب فيه زكاة واحدة، وإن أحوالا وجبت فيه ~~الزكاة لعدة تلك الأحوال. وقوم قالوا: يزكيه لعام واحد، وإن أقام الدين ~~أحوالا عند الذي عنده الدين وقوم قالوا: يستقبل به الحول وأما من قال ~~يستقبل بالدين الحول من يوم قبض فلم يقل بإيجاب الزكاة في الدين. ومن قال ~~فيه الزكاة بعدد الأحوال التي أقام، فمصيرا إلى تشبيه الدين بالمال الحاضر. ~~وأما من قال: الزكاة فيه لحول واحد، وإن أقام أحوالا فلا أعرف له مستندا في ~~وقتي هذا، لأنه لا يخلو ما دام دينا أن يقول إن فيه زكاة، أو لا يقول ذلك، ~~فإن لم يكن فيه زكاة، فلا كلام، بل يستأنف به، وإن كان فيه زكاة، فلا يخلو ~~أن يشترط فيها الحول، أو لا يشترط ذلك. فإن اشترطنا، وجب أن يعتبر عدد ~~الأحوال، إلا أن يقول كلما انقضى حول، فلم يتمكن من أدائه سقط عنه ذلك الحق ~~اللازم في ذلك الحول، فإن الزكاة وجبت بشرطين: حضور عين المال، وحلول ~~الحول، فلم يبق إلا حق العام الأخير. وهذا يشبهه مالك بالعروض التي ~~للتجارة، فإنها لا تجب عنده فيها زكاة إلا إذا باعها، وإن أقامت عنده ~~أحوالا كثيرة، وفيه ما شبه بالماشية التي لا يأتي الساعي أعواما إليها، ثم ~~يأتي، فيجدها قد انقضت، فإنه يزكي على مذهب مالك الذي وجد فقط، لأنه لما أن ~~حال عليها الحول فيما تقدم، ولم يتمكن من اخراج الزكاة، إذ كان مجئ الساعي ~~شرطا عنده في اخراجها مع حلول الحول، سقط عنه حق ذلك الحول الحاضر، وحوسب ~~به في الأعوام السالفة كان الواجب ms0280 فيها أقل، أو أكثر إذا كانت مما تجب فيه ~~الزكاة، وهو شئ يجري على غير قياس، وإنما اعتبر مالك فيه العمل. وأما ~~الشافعي، فيراه ضامنا، لأنه ليس مجئ الساعي شرطا عنده في الوجوب. وعلى هذا ~~كل من رأى أنه لا يجوز أن يخرج زكاة ماله إلا بأن يدفعها إلى الامام فعدم ~~الامام، أو عدم الإمام العادل إن كان ممن شرط العدالة في ذلك أنه إن هلكت ~~بعد انقضاء الحول، وقبل التمكن من دفعها إلى الامام، فلا شئ عليه. ومالك ~~تنقسم عنده زكاة الديون لهذه الأحوال الثلاثة، أعني أن من الديون عنده ما ~~يزكى لعام واحد فقط مثل ديون التجارة، ومنها ما يستقبل بها الحول مثل ديون ~~المواريث، والثالث دين المدير. وتحصيل قوله في الديون ليس بغرضنا. # المسألة الخامسة: وهي حول العروض، وقد تقدم القول فيها عند القول في نصاب ~~العروض. # وأما المسألة السادسة: وهي فوائد الماشية، فإن مذهب مالك فيها بخلاف ~~مذهبه في فوائد الناض، وذلك أنه يبني الفائدة على الأصل إذا كان الأصل ~~نصابا، كما يفعل أبو حنيفة في فائدة الدراهم، وفي فائدة الماشية. فأبو ~~حنيفة مذهبه في الفوائد حكم واحد: أعني أنها تبنى على الأصل، إذا كانت ~~نصابا، كانت فائدة غنم، أو فائدة ناض، والأرباح عنده والنسل كالفوائد وأما ~~مالك، فالربح، والنسل عنده حكمهما واحد، ويفرق بين فوائد الناض، ~~PageV01P218 # وفوائد الماشية. وأما الشافعي، فالأرباح، والفوائد عنده حكمهما واحد ~~باعتبار حولهما بأنفسهما وفوائد الماشية ونسلها واحد باعتبار حولهما ~~بالأصل، إذا كان نصابا فهذا هو تحصيل مذاهب هؤلاء الفقهاء الثلاثة، وكأنه ~~إنما فرق مالك بين الماشية، والناض اتباعا لعمر، وإلا فالقياس فيهما واحد، ~~أعني أن الربح شبيه بالنسل، والفائدة بالفائدة، وحديث عمر هذا، هو أنه أمر ~~أن يعد عليهم بالسخال، ولا يأخذ منها شيئا، وقد تقدم الحديث في باب النصاب. # المسألة السابعة: وهي اعتبار حول نسل الغنم، فإن مالكا قال: حول النسل هو ~~حول الأمهات كانت الأمهات نصابا، أو لم تكن، كما قال في ربح الناض. وقال ~~الشافعي، وأبو حنيفة، ms0281 وأبو ثور: لا يكون حول النسل حول الأمهات إلا أن تكون ~~الأمهات نصابا. وسبب اختلافهم: هو بعينه سبب اختلافهم في ربح المال. # وأما المسألة الثامنة: وهي جواز اخراج الزكاة قبل الحول، فإن مالكا منع ~~ذلك وجوزه أبو حنيفة، والشافعي. وسبب الخلاف: هل هي عبادة، أو حق واجب ~~للمساكين، فمن قال: عبادة، وشبهها بالصلاة، لم يجز اخراجها قبل الوقت، ومن ~~شبهها بالحقوق الواجبة المؤجلة، أجاز اخراجها قبل الاجل على جهة التطوع. ~~وقد احتج الشافعي لرأيه بحديث علي: أن النبي عليه الصلاة والسلام استسلف ~~صدقة العباس قبل محلها. # الجملة الخامسة] فيمن تجب له الصدقة. والكلام في هذا الباب في ثلاثة ~~فصول: # الأول: في عدد الأصناف الذين تجب لهم. الثاني: في صفتهم التي تقتضي ذلك. ~~الثالث: # كم يجب لهم؟ # الفصل الأول: في عدد الأصناف الذين تجب لهم الزكاة فأما عددهم، فهم ~~الثمانية الذين نص الله عليهم في قوله تعالى: * (إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين) * الآية. واختلفوا من العدد في مسألتين. إحداهما: هل يجوز أن ~~تصرف جميع الصدقة إلى صنف واحد من هؤلاء الأصناف؟ أم هم شركاء في الصدقة لا ~~يجوز أن يخص منهم صنف دون صنف؟. فذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه يجوز للامام ~~أن يصرفها في صنف واحد، أو أكثر من صنف واحد، إذا رأى ذلك بحسب الحاجة وقال ~~الشافعي: لا يجوز ذلك، بل يقسم على الأصناف الثمانية، كما سمى الله تعالى. ~~وسبب اختلافهم: معارضة اللفظ للمعنى، فإن اللفظ يقتضي القسمة بين جميعهم، ~~والمعنى يقتضي أن يؤثر بها أهل الحاجة، إذ كان المقصود به سد الخلة فكأن ~~تعديدهم في الآية عند هؤلاء، PageV01P219 # إنما ورد لتمييز الجنس، أعني أهل الصدقات لا تشريكهم في الصدقة، فالأول ~~أظهر من جهة اللفظ، وهذا أظهر من جهة المعنى. ومن الحجة للشافعي ما رواه ~~أبو داود عن الصدائي أن رجلا سأل النبي (ص) أن يعطيه من الصدقة، فقال له ~~رسول الله (ص): إن الله لم يرض بحكم نبي، ولا غيره في الصدقات حتى حكم ~~فيها، فجزأها ثمانية أجزاء فإن ms0282 كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك. # وأما المسألة الثانية: فهل المؤلفة قلوبهم حقهم باق إلى اليوم، أم لا؟ ~~فقال مالك: # لا مؤلفة اليوم وقال الشافعي وأبو حنيفة: بل حق المؤلفة باق إلى اليوم، ~~إذا رأى الامام ذلك، وهم الذين يتألفهم الامام على الاسلام. وسبب اختلافهم: ~~هل ذلك خاص بالنبي (ص)، أو عام له، ولسائر الأمة؟ والأظهر أنه عام، وهل ~~يجوز ذلك للامام في كل أحواله، أو في حال دون حال؟ أعني في حال الضعف، لا ~~في حال القوة، ولذلك قال مالك: # لا حاجة إلى المؤلفة الآن لقوة الاسلام، وهذا كما قلنا التفات منه إلى ~~المصالح. # الفصل الثاني: في الصفة التي تقتضي صرفها إليهم وأما صفاتهم التي ~~يستوجبون بها الصدقة، ويمنعون منها بأضدادها: فأحدها الفقر الذي هو ضد ~~الغنى لقوله تعالى: * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين..) *. واختلفوا في ~~الغني الذي تجوز له الصدقة من الذي لا تجوز، وما مقدار الغنى المحرم ~~للصدقة. فأما الغني الذي لا تجوز له الصدقة فإن الجمهور على أنه لا تجوز ~~الصدقة للأغنياء بأجمعهم إلا للخمس الذين نص عليهم النبي عليه الصلاة ~~والسلام في قوله: لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو ~~لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل له جار مسكين، فتصدق على المسكين، فأهدى ~~المسكين للغني. وروي عن ابن القاسم أنه لا يجوز أخذ الصدقة لغني أصلا ~~مجاهدا كان أو عاملا. والذين أجازوها للعامل، وإن كان غنيا، أجازوها للقضاة ~~ومن في معناهم ممن المنفعة بهم عامة للمسلمين ومن لم يجز ذلك فقياس ذلك ~~عنده هو أن لا تجوز لغني أصلا. وسبب اختلافهم: هو هل العلة في إيجاب الصدقة ~~للأصناف المذكورين هو الحاجة فقط، أو الحاجة، والمنفعة العامة؟ فمن اعتبر ~~ذلك بأهل الحاجة المنصوص عليهم في الآية قال: الحاجة فقط، ومن قال: الحاجة، ~~والمنفعة العامة توجب أخذ الصدقة اعتبر المنفعة للعامل، والحاجة بسائر ~~الأصناف المنصوص عليهم. وأما حد الغني الذي يمنع من الصدقة، فذهب الشافعي ~~إلى أن المانع من الصدقة، هو أقل ما ينطلق ms0283 عليه الاسم. وذهب أبو حنيفة إلى ~~أن الغني هو مالك النصاب، لأنهم الذين سماهم النبي PageV01P220 # عليه الصلاة والسلام أغنياء لقوله في حديث معاذ له فأخبرهم أن الله فرض ~~عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم وإذا كان الأغنياء هم ~~الذين، هم أهل النصاب وجب أن يكون الفقراء، وقال مالك: ليس في ذلك حد، إنما ~~هو راجع إلى الاجتهاد. وسبب ضدهم اختلافهم: هل الغنى المانع هو معنى شرعي، ~~أم معنى لغوي؟ فمن قال: # معنى شرعي قال وجود النصاب هو الغنى، ومن قال: معني لغوي اعتبر في ذلك ~~أقل ما ينطلق عليه الاسم، فمن رأى أن أقل ما ينطلق عليه الاسم هو محدود في ~~كل وقت، وفي كل شخص جعل حده هذا، ومن رأى أنه غير محدود، وأن ذلك يختلف ~~باختلاف الحالات، والحاجات، والاشخاص، والأمكنة، والأزمنة، وغير ذلك، قال: ~~هو غير محدود، وأن ذلك راجع إلى الاجتهاد. وقد روى أبو داود في حديث الغنى ~~الذي يمنع الصدقة عن النبي (ص) أنه ملك خمسين درهما. وفي أثر آخر أنه ملك ~~أوقية، وهي أربعون درهما وأحسب أن قوما قالوا بهذه الآثار في حد الغنى. ~~واختلفوا من هذا الباب في صفة الفقير، والمسكين، والفصل الذي بينهما فقال ~~قوم: الفقير أحسن حالا من المسكين، وبه قال البغداديون من أصحاب مالك وقال ~~آخرون: المسكين أحسن حالا من الفقير، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ~~في أحد قوليه وفي قوله الثاني أنهما اسمان دالان على معنى واحد وإلى هذا ~~ذهب ابن القاسم، وهذا النظر هو لغوي إن لم يكن له دلالة شرعية، والأشبه عند ~~استقراء اللغة أن يكونا اسمين دالين على معنى واحد، يختلف بالأقل، والأكثر ~~في كل واحد منهما، لا أن هذا راتب من أحدهما على قدر غير القدر الذي الآخر ~~راتب عليه. واختلفوا في قوله تعالى: * (وفي الرقاب) * فقال مالك: هم العبيد ~~يعتقهم الامام ويكون ولاؤهم للمسلمين وقال الشافعي، وأبو حنيفة: هم ~~المكاتبون. وابن السبيل هو عندهم المسافر في طاعة ينفذ زاده، فلا يجد ما ms0284 ~~ينفقه، وبعضهم يشترط فيه أن يكون ابن السبيل جار الصدقة. # وأما في سبيل الله فقال مالك: سبيل الله مواضع الجهاد، والرباط، وبه قال ~~أبو حنيفة وقال غيره: الحجاج والعمار وقال الشافعي: هو الغازي جار الصدقة، ~~وإنما اشترط جار الصدقة لان عند أكثرهم أنه لا يجوز تنقيل الصدقة من بلد ~~إلى بلد إلا من ضرورة. # الفصل الثالث: كم يجب لهم؟ # وأما قدر ما يعطى من ذلك، أما الغارم، فبقدر ما عليه إذا كان دينه في ~~طاعة وفي غير سرف، بل في أمر ضروري، وكذلك ابن السبيل يعطى ما يحمله إلى ~~بلده، ويشبه أن يكون ما يحمله إلى مغزاه عند من جعل ابن السبيل الغازي. ~~واختلفوا في مقدار ما يعطى PageV01P221 # المسكين الواحد من الصدقة، فلم يحد مالك في ذلك حدا، وصرفه إلى الاجتهاد ~~وبه قال الشافعي قال: وسواء كان ما يعطى من ذلك نصابا، أو أقل من نصاب. ~~وكره أبو حنيفة أن يعطى أحد من المساكين مقدار نصاب من الصدقة وقال الثوري: ~~لا يعطى أحد أكثر من خمسين درهما. وقال الليث: يعطى ما يبتاع به خادما إذا ~~كان ذا عيال، وكانت الزكاة كثيرة. # وكأن أكثرهم مجمعون على أنه لا يجب أن يعطى عطية يصبر بها من الغنى في ~~مرتبة من لا تجوز له الصدقة، لان ما حصل له من ذلك المال فوق القدر الذي هو ~~به من أهل الصدقة صار في أول مراتب الغنى، فهو حرام عليه وإنما اختلفوا في ~~ذلك لاختلافهم في هذا القدر فهذه المسألة كأنها تبنى على معرفة أول مراتب ~~الغنى. وأما العامل عليها، فلا خلاف عند الفقهاء أنه إنما يأخذ بقدر عمله. ~~فهذا ما رأينا أن نثبته في هذا الكتاب، وإن تذكرنا شيئا مما يشاكل غرضنا، ~~ألحقناه به إن شاء الله تعالى. PageV01P222 # كتاب زكاة الفطر والكلام في هذا الكتاب يتعلق بفصول: الأول: معرفة حكمها. ~~والثاني: في معرفة من تجب عليه. والثالث: كم تجب عليه، ومماذا تجب عليه؟ ~~والرابع: متى تجب عليه؟ والخامس: من تجوز له؟ # الفصل الأول: في ms0285 معرفة حكمها فأما زكاة الفطر، فإن الجمهور على أنها فرض ~~وذهب بعض المتأخرين من أصحاب مالك إلى أنها سنة وبه قال أهل العراق. وقال ~~قوم: هي منسوخة بالزكاة وسبب اختلافهم: تعارض الآثار في ذلك، وذلك بأنه ثبت ~~من حديث عبد الله بن عمر أنه قال: # فرض رسول الله (ص) زكاة الفطر على الناس من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من ~~شعير على كل حر، أو عبد، ذكر، أو أنثى من المسلمين. وظاهر هذا يقتضي الوجوب ~~على مذهب من يقلد الصاحب في فهم الوجوب أو الندب من أمره عليه الصلاة ~~والسلام إذا لم يحد لنا لفظه. وثبت أن رسول الله (ص) قال في حديث الاعرابي ~~المشهور، وذكر رسول الله (ص) الزكاة قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن ~~تطوع، فذهب الجمهور إلى أن هذه الزكاة داخلة تحت الزكاة المفروضة، وذهب ~~الغير إلى أنها غير داخلة، واحتجوا في ذلك بما روي عن قيس بن سعد بن عبادة ~~أنه قال: كان رسول الله (ص) يأمرنا بها قبل نزول الزكاة، فلما نزلت آية ~~الزكاة لم نؤمر بها، ولم ننه عنها، ونحن نفعله. # الفصل الثاني: فيمن تجب عليه، وعمن تجب؟ # وأجمعوا على أن المسلمين مخاطبون بها ذكرانا كانوا، أو إناثا، صغارا، أو ~~كبارا، عبيدا أو أحرارا لحديث ابن عمر المتقدم إلا ما شذ فيه الليث، فقال: ~~ليس على أهل العمود زكاة الفطر، وإنما هي على أهل القرى، ولا حجة له وما شذ ~~أيضا من قول من لم يوجبها على اليتيم. وأما عمن تجب؟ فإنهم اتفقوا على أنها ~~تجب على المرء في نفسه، وأنها زكاة بدن، لا زكاة مال، وأنها تجب في ولده ~~الصغار عليه، إذا لم يكن لهم مال وكذلك في عبيده، إذا لم يكن لهم مال، ~~واختلفوا فيما سوى ذلك. PageV01P223 # وتلخيص مذهب مالك في ذلك: أنها تلزم الرجال عمن ألزمه الشرع النفقة عليه، ~~ووافقه في ذلك الشافعي، وإنما يختلفا من قبل اختلافهم فيمن تلزم المرء ~~نفقته، إذا كان معسرا، ومن ليس تلزمه ms0286 وخالفه أبو حنيفة في الزوجة، وقال ~~تؤدي عن نفسها وخالفهم أبو ثور في العبد إذا كان له مال، فقال: إذا كان له ~~مال زكى عن نفسه، ولم يزك عنه سيده وبه قال أهل الظاهر. # والجمهور على أنه لا تجب على المرء في أولاده الصغار، إذا كان لهم مال ~~زكاة فطر، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك وقال الحسن هي على الأب، وإن ~~أعطاها من مال الابن، فهو ضامن وليس من شرط هذه الزكاة الغنى عند أكثرهم، ~~ولا نصاب، بل أن تكون فضلا عن قوته وقوت عياله. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: ~~لا تجب على من تجوز له الصدقة، لأنه لا يجتمع أن تجوز له، وأن تجب عليه ~~وذلك بين. والله أعلم. وإنما اتفق على أن هذه الزكاة ليست بلازمة لمكلف ~~مكلف في ذاته فقط، كالحال في سائر العبادات، بل ومن قبل غيره لايجابها على ~~الصغير، والعبيد. فمن فهم من هذا أن علة الحكم الولاية، قال: الولي يلزمه ~~اخراج الصدقة عن كل من يليه، ومن فهم من هذه النفقة، قال: المنفق يجب أن ~~يخرج الزكاة عن كل من ينفق عليه بالشرع. وإنما عرض هذا الاختلاف لأنه اتفق ~~في الصغير، والعبد، وهما اللذان نبها على أن هذه الزكاة ليست معلقة بذات ~~المكلف فقط، بل ومن قبل غيره إن وجدت الولاية فيها ووجوب النفقة، فذهب مالك ~~إلى أن العلة في ذلك وجوب النفقة، وذهب أبو حنيفة إلى أن العلة في ذلك ~~الولاية. ولذلك اختلفوا في الزوجة وقد روي مرفوعا أدوا زكاة الفطر عن كل من ~~تمونون ولكنه غير مشهور. واختلفوا من العبيد في مسائل: إحداها: كما قلنا ~~وجوب زكاته على السيد، إذا كان له مال، وذلك مبني على أنه يملك، أو لا ~~يملك. والثانية: في العبد الكافر هل يؤدى عنه زكاته أم لا؟ فقال مالك ~~والشافعي، وأحمد: ليس على السيد في العبد الكافر زكاة وقال الكوفيون: عليه ~~الزكاة فيه. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في الزيادة الواردة في ذلك في ~~حديث ابن عمر، وهو قوله ms0287 من المسلمين، فإنه قد خولف فيها نافع بكون ابن عمر ~~أيضا الذي هو راوي الحديث من مذهبه اخراج الزكاة عن العبيد الكفار وللخلاف ~~أيضا سبب آخر، وهو كون الزكاة الواجبة على السيد في العبد هل هي لمكان أن ~~العبد مكلف، أو أنه مال؟ فمن قال: لمكان أنه مكلف اشترط الاسلام ومن قال: ~~لمكان أنه مال لم يشترطه، قالوا: # ويدل على ذلك إجماع العلماء على أن العبد، إذا أعتق، ولم يخرج عنه مولاه ~~زكاة الفطر أنه لا يلزمه اخراجها عن نفسه بخلاف الكفارات. والثالثة في ~~المكاتب: فإن مالكا وأبا ثور قالا: # يؤدي عنه سيده زكاة الفطر وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد: لا زكاة عليه ~~فيه. والسبب في اختلافهم: تردد المكاتب بين الحر، والعبد. والرابعة في عبيد ~~التجارة: ذهب مالك والشافعي، وأحمد إلى أن على السيد فيهم زكاة الفطر وقال ~~أبو حنيفة، وغيره: ليس في عبيد التجارة صدقة. وسبب الخلاف: معارضة القياس ~~للعموم، وذلك أن عموم اسم العبد يقتضي PageV01P224 # وجوب الزكاة في عبيد التجارة وغيرهم، وعند أبي حنيفة أن هذا العموم مخصص ~~بالقياس، وذلك هو اجتماع زكاتين في مال واحد، وكذلك اختلفوا في عبيد ~~العبيد، وفروع هذا الباب كبيرة. # الفصل الثالث: مماذا تجب؟ # وأما مماذا تجب؟ فإن قوما ذهبوا إلى أنها تجب إما من البر، أو التمر، أو ~~الشعير أو الزبيب، أو الأقط، وأن ذلك على التخيير للذي تجب عليه وقوم ذهبوا ~~إلى أن الواجب عليه هو غالب قوت البلد، أو قوت المكلف، إذا لم يقدر على قوت ~~البلد، وهو الذي حكاه عبد الوهاب عن المذهب. والسبب في اختلافهم: اختلافهم ~~في مفهوم حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: كنا نخرج زكاة الفطر في عهد رسول ~~الله (ص) صاعا من الطعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من أقط، أو صاعا من ~~تمر. فمن فهم من هذا الحديث التخيير، قال: أي أخر من هذا، أجزأ عنه، ومن ~~فهم منه أن اختلاف المخرج ليس سببه الإباحة، وإنما سببه اعتبار قوت المخرج، ~~أو قوت غالب ms0288 البلد قال بالقول الثاني. وأما كم يجب؟ فإن العلماء اتفقوا على ~~أنه لا يؤدى في زكاة الفطر من التمر والشعير أقل من صاع لثبوت ذلك في حديث ~~ابن عمر. واختلفوا في قدر ما يؤدى من القمح. فقال مالك، والشافعي: لا يجزئ ~~منه أقل من صاع وقال أبو حنيفة، وأصحابه: يجزئ من البر نصف صاع. والسبب في ~~اختلافهم: تعارض الآثار، وذلك أنه جاء في حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: ~~كنا نخرج زكاة الفطر في عهد رسول الله (ص) صاعا مطعام، أو صاعا من شعير، أو ~~صاعا من أقط، أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب وظاهره أنه أراد بالطعام ~~القمح. # وروى الزهري أيضا عن أبي سعيد عن أبيه أن رسول الله (ص) قال: في صدقة ~~الفطر صاعا من بر بين اثنين، أو صاعا من شعير أو تمر عن كل واحد خرجه أبو ~~داود. وروي عن ابن المسيب أنه قال: كانت صدقة الفطر على عهد رسول الله (ص) ~~نصف صاع من حنطة، أو صاعا شعير، أو صاعا من تمر. فمن أخذ بهذه الأحاديث ~~قال: نصف صاع من البر، ومن أخذ بظاهر حديث أبي سعيد، وقاس البر في ذلك على ~~الشعير سوى بينهما في الوجوب. # الفصل الرابع: متى تجب زكاة الفطر؟ # وأما متى يجب اخراج زكاة الفطر؟ فإنهم اتفقوا على أنها تجب فآخر رمضان ~~لحديث ابن عمر فرض رسول الله (ص) زكاة الفطر من رمضان واختلفوا في تحديد ~~الوقت، فقال مالك في رواية ابن القاسم عنه تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر، ~~وروى عنه أشهب أنها تجب بغروب الشمس من آخر يوم رمضان وبالأول قال أبو ~~حنيفة PageV01P225 # وبالثاني قال الشافعي. وسبب اختلافهم: هل هي عبادة متعلقة بيوم العيد؟ أو ~~بخروج شهر رمضان؟ لان ليلة العيد ليست من شهر رمضان. وفائدة هذا الاختلاف ~~في المولود يولد قبل الفجر من يوم العيد، وبعد مغيب الشمس هل تجب عليه أم ~~لا تجب؟ # الفصل الخامس: في مصرفها وأما لمن تصرف، فأجمعوا على أنها تصرف لفقراء ms0289 ~~المسلمين لقوله عليه الصلاة والسلام: أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم. ~~واختلفوا هل تجوز لفقراء الذمة؟ # والجمهور على أنها لا تجوز لهم وقال أبو حنيفة: تجوز لهم. وسبب اختلافهم: ~~هل سبب جوازها هو الفقر فقط، أو الفقر مع الاسلام معا؟ فمن قال: الفقر، ~~والإسلام لم يجزها للذميين، ومن قال: الفقر فقط، أجازها لهم. واشترط قوم في ~~أهل الذمة الذين تجوز لهم أن يكونوا رهبانا وأجمع المسلمون على أن زكاة ~~الأموال لا تجوز لأهل الذمة لقوله عليه الصلاة والسلام صدقة تؤخذ من ~~أغنيائهم، وترد إلى فقرائهم. # بسم الله الرحمن الرحيم ... وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ~~تسليما. PageV01P226 # كتاب الصيام وهذا الكتاب ينقسم أولا قسمين: أحدهما: في الصوم الواجب. ~~والآخر: في المندوب إليه. والنظر في الصوم الواجب ينقسم إلى قسمين: أحدهما: ~~في الصوم. والآخر: في الفطر. أما القسم الأول: وهو الصيام، فإنه ينقسم أولا ~~إلى جملتين: إحداهما: معرفة أنواع الصيام الواجب. والأخرى: معرفة أركانه. ~~وأما القسم الذي يتضمن النظر في الفطر، فإنه ينقسم إلى معرفة المفطرات وإلى ~~معرفة المفطرين، وأحكامهم. فلنبدأ بالقسم الأول من هذا الكتاب. وبالجملة ~~الأولى منه، وهي: معرفة أنواع الصيام. فنقول: إن الصوم الشرعي منه واجب، ~~ومنه مندوب إليه، والواجب ثلاثة أقسام: منه ما يجب للزمان نفسه، وهو صوم ~~شهر رمضان بعينه. ومنه ما يجب لعلة، وهو صيام الكفارات ومنه ما يجب بإيجاب ~~الانسان ذلك على نفسه، وهو صيام النذر والذي يتضمن هذا الكتاب القول فيه من ~~أنواع هذه الواجبات، هو صوم شهر رمضان فقط. وأما صوم الكفارات، فيذكر عند ~~ذكر المواضع التي تجب منها الكفارة، وكذلك صوم النذر، ويذكر في كتاب النذر. # فأما صوم شهر رمضان: فهو واجب بالكتاب والسنة، والاجماع. فأما الكتاب ~~فقوله تعالى: * (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) ~~*. وأما السنة: ففي قوله عليه الصلاة والسلام بني الاسلام على خمس، وذكر ~~فيها الصوم وقوله للأعرابي وصيام شهر رمضان، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا ~~إلا أن تطوع. # وكان فرض ms0290 الصوم لشهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة. وأما الاجماع: ~~فإنه لم ينقل إلينا خلاف عن أحد من الأئمة في ذلك. وأما على من يجب وجوبا ~~غير مخير، فهو البالغ العاقل الحاضر الصحيح إذا لم تكن فيه الصفة المانعة ~~من الصوم. # وهي الحيض للنساء. هذا لا خلا ف فيه لقوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر، ~~فليصمه) *. PageV01P227 # الجملة الثانية في الأركان والأركان ثلاثة: اثنان متفق عليهما، وهما ~~الزمان والامساك عن المفطرات والثالث مختلف فيه، وهو النية. فأما الركن ~~الأول الذي هو الزمان: فإنه ينقسم إلى قسمين: أحدهما: زمان الوجوب، وهو شهر ~~رمضان، والآخر زمان الامساك عن المفطرات وهو أيام هذا الشهر دون الليالي، ~~ويتعلق بكل واحد من هذين الزمانين مسائل وقواعد، اختلفوا فيها، فلنبدأ بما ~~يتعلق من ذلك بزمان الوجوب وأول ذلك في تحديد طرفي هذا الزمان. وثانيا في ~~معرفة الطريق التي بها يتوصل إلى معرفة العلامة المحددة في حق شخص شخص، ~~وأفق أفق. فأما طرفا هذا الزمان، فإن العلماء أجمعوا على أن الشهر العربي ~~يكون تسعا وعشرين، ويكون ثلاثين، وعلى أن الاعتبار في تحديد شهر رمضان، ~~إنما هو الرؤية، لقوله عليه الصلاة والسلام صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته ~~وعنى بالرؤية أول ظهور القمر بعد السؤال. واختلفوا في الحكم، إذا غم الشهر، ~~ولم تمكن الرؤية، وفي وقت الرؤية المعتبر، فأما اختلافهم، إذا غم الهلال، ~~فإن الجمهور يرون أن الحكم في ذلك أن تكمل العدة ثلاثين، فإن كان الذي غم ~~هلال أول الشهر عن الشهر الذي قبله ثلاثين يوما، وكان أول رمضان الحادي ~~والثلاثين وإن كان الذي غم هلال آخر الشهر، صام الناس ثلاثين يوما وذهب ابن ~~عمر إلى أنه، إن كان المغمى عليه هلال أول الشهر، صيم اليوم الثاني، وهو ~~الذي يعرف بيوم الشك. وروي عن بعض السلف أنه إذا أغمي الهلال، رجع إلى ~~الحساب بمسير القمر، والشمس، وهو مذهب مطرف بن الشخير، وهو من كبار ~~التابعين وحكى ابن سريج عن الشافعي أنه قال: من كان مذهبه الاستدلال ~~بالنجوم ومنازل القمر، ثم ms0291 تبين له من جهة الاستدلال أن الهلال مرئي، وقد ~~غم، فإن له أن يعقد الصوم، ويجزيه. وسبب اختلافهم: الاجمال الذي في قوله ~~(ص) صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فاقدروا له. فذهب الجمهور ~~إلى أن تأويله أكملوا العدة ثلاثين. # ومنهم من رأى أن معنى التقدير له، هو عده بالحساب، ومنهم من رأى أن معنى ~~ذلك أن يصبح المرء صائما، وهو مذهب ابن عمر كما ذكرنا، وفيه بعد في اللفظ، ~~وإنما صار الجمهور إلى هذا التأويل لحديث ابن عبا س الثابت أنه قال عليه ~~الصلاة والسلام فإن غم عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين وذلك مجمل، وهذا مفسر، ~~فوجب أن يحمل المجمل على المفسر. وهي طريقة لا خلاف فيها بين الأصوليين، ~~فإنهم ليس عندهم بين المجمل، والمفسر تعارض أصلا، فمذهب الجمهور في هذا ~~لائح، والله أعلم. وأما اختلافهم في اعتبار وقت الرؤية، فإنهم اتفقوا على ~~أنه، إذا رئي من العشي أن الشهر من اليوم الثاني، واختلفوا إذا رئي في سائر ~~أوقات النهار، أعني أول ما رئي، فمذهب الجمهور أن القمر في أول وقت ت رئي ~~من النهار، أنه لليوم المستقبل كحلم رؤيته بالعشي، وبهذا القول قال مالك، ~~والشافعي، وأبو حنيفة، وجمهور أصحابهم. وقال أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة ~~PageV01P228 # والثوري، وابن حبيب من أصحاب مالك: إذا رؤي الهلال قبل الزوال، فهو لليلة ~~الماضية وإن رؤي بعد الزوال، فهو للآتية. وسبب اختلافهم: ترك اعتبار ~~التجربة فيما سبيله التجربة، والرجوع إلى الاخبار في ذلك، وليس في ذلك أثر ~~عن النبي عليه الصلاة والسلام يرجع إليه، لكن روي عن عمر رضي الله عنه ~~أثران: أحدهما عام، والآخر مفسر، فذهب قوم إلى العام، وذهب قوم إلى المفسر: ~~فأما العام فما رواه الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: أتانا كتاب عمر ~~ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا ~~تفطروا حتى يشهد رجلان أنهما رأياه بالأمس. وأما الخاص فما روى الثوري عنه ~~أنه بلغ عمر بن الخطاب أن قوما رأوا ms0292 الهلال بعد الزوال فأفطروا، فكتب إليهم ~~يلومهم، وقال: إذا رأيتم الهلال نهارا قبل الزوال فأفطروا، وإذا رأيتموه ~~بعد الزوال، فلا تفطروا. قال القاضي: الذي يقتضي القياس، والتجربة أن القمر ~~لا يرى والشمس بعد لم تغب إلا وهو بعيد منها، لأنه حينئذ يكون أكبر من قوس ~~الرؤية، وإن كان يختلف في الكبر، والصغر، فبعيد - والله أعلم - أن يبلغ من ~~الكبر أن يرى، والشمس بعد لم تغب ب، ولكن المعتمد في ذلك التجربة كما قلنا، ~~ولا فرق في ذلك قبل الزوال، ولا بعد. # وإنما المعتبر في ذلك مغيب الشمس، أو لا مغيبها. وأما اختلافهم في حصول ~~العلم بالرؤية، فإن له طريقين: أحدهما: الحس والآخر: الخبر، فأما طريق ~~الحس، فإن العلماء أجمعوا على أن من أبصر هلال الصوم وحده أن عليه أن يصوم ~~إلا عطاء بن أبي رباح، فإنه قال: لا يصوم إلا برؤية غيره معه. واختلفوا هل ~~يفطر برؤيته وحده؟ فذهب مالك، وأبو حنيفة، وأحمد إلى أنه لا يفطر وقال ~~الشافعي: يفطر، وبه قال أبو ثور وهذا لا معنى له، فإن النبي عليه الصلاة ~~والسلام قد أوجب الصوم والفطر للرؤية والرؤية إنما تكون بالحس، ولولا ~~الاجماع على الصيام بالخبر عن الرؤية لبعد وجوب الصيام بالخبر لظاهر هذا ~~الحديث، وإنما فرق من فرق بين هلال الصوم، والفطر لمكان سد الذريعة أن لا ~~يدعي الفساق أنهم رأوا الهلال فيفطرون، وهم بعد لم يروه، ولذلك قال ~~الشافعي: إن خاف التهمة، أمسك عن الأكل والشرب، واعتقد الفطر. وشذ مالك ~~فقال: من أفطر، وقد رأى الهلال وحده، فعليه القضاء والكفارة وقال أبو ~~حنيفة: عليه القضاء فقط. وأما طريق الخبر: # فإنهم اختلفوا في عدد المخبرين الذين يجب قبول خبرهم عن الرؤية في صفتهم، ~~فأما مالك، فقال: إنه لا يجوز أن يصام، ولا يفطر بأقل من شهادة رجلين عدلين ~~وقال الشافعي في رواية المزني: إنه يصام بشهادة رجل واحد على الرؤية، ولا ~~يفطر بأقل من شهادة رجلين وقال أبو حنيفة: إن كانت السماء مغيمة قبل واحد، ~~وإن كانت صاحية ms0293 بمصر كبير، لم يقبل إلا شهادة الجم الغفير، وروي عنه أنه ~~تقبل شهادة عدلين، إذا كانت السماء مصحية. وقد روي عن مالك أنه لا تقبل ~~شهادة الشاهدين إلا إذا كانت السماء مغيمة. # وأجمعوا على أنه لا تقبل في الفطر إلا اثنان إلا أبا ثور، فإنه لم يفرق ~~في ذلك بين الصوم، PageV01P229 # والفطر كما فرق الشافعي. وسبب اختلافهم: اختلاف الآثار في هذا الباب، ~~وتردد الخبر في ذلك بين أن يكون من باب الشهادة، أو من باب العمل بالأحاديث ~~التي لا يشترط فيها العدد. أما الآثار، فمن ذلك ما أخرجه أبو داود عن عبد ~~الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال: إني ~~جالست أصحاب رسول الله (ص)، وسألتهم. وكلهم حدثوني أن رسول الله (ص) قال: ~~صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فأتموا ثلاثين، فإن شهد ~~شاهدان فصوموا، وأفطروا. ومنها حديث ابن عباس أنه قال: جاء أعرابي إلى ~~النبي (ص)، فقال: أبصرت الهلال الليلة، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله، ~~وأن محمدا عبده ورسوله؟ قال: نعم. قال: يا بلال أذن في الناس، فليصوموا غدا ~~خرجه الترمذي قال: وفي إسناده خلاف، لأنه رواه جماعة مرسلا ومنها حديث ربعي ~~بن خراش خرجه أبو داود عن ربعي بن خراش عن رجل من أصحاب رسول الله (ص) قال: # كان الناس في آخر يوم من رمضان، فقام أعرابيان، فشهدا عند النبي (ص) لأهل ~~الهلال أمس عشية، فأمر رسول الله (ص) الناس أن يفطروا، وأن يعودوا إلى ~~المصلى. فذهب الناس في هذه الآثار مذهب الترجيح، ومذهب الجمع: فالشافعي: ~~جمع بين حديث ابن عباس، وحديث ربعي بن خراش على ظاهرهما، فأوجب الصوم ~~بشهادة واحد، والفطر باثنين، ومالك رجح حديث عبد الرحمن بن زيد لمكان ~~القياس: أعني تشبيه ذلك بالشهادة في الحقوق، ويشبه أن يكون أبو ثور لم ير ~~تعارضا بين حديث ابن عباس وحديث ربعي بن خراش، وذلك أن الذي في حديث ربعي ~~ابن خراش أنه قضى بشهادة اثنين، وفي حديث ms0294 ابن عباس أنه قضى بشهادة واحد، ~~وذلك مما يدل على جواز الامرين جميعا، لا أن ذلك تعارض ولا أن الفضاء الأول ~~مختص بالصوم، والثاني بالفطر، فإن القول بهذا إنما ينبني على توهم التعارض، ~~وكذلك يشبه أن لا يكون تعارض بين حديث عبد الرحمن بن زيد، وبين حديث ابن ~~عباس إلا بدليل الخطاب وهو ضعيف، إذا عارضه النص، فقد نرى أن قول أبي ثور ~~على شذوذه هو أبين، مع أن تشبيه الرائي بالراوي، هو أمثل من تشبيهه ~~بالشاهد، لان الشهادة، إما أن يقول إن اشتراط العدد فيها عبادة غير معللة، ~~فلا يجوز أن يقاس عليها، وإما أن يقول: إن اشتراط العدد فيها لموضع التنازع ~~الذي في الحقوق، والشبهة التي تعرض من قبل قول أحد الخصمين، فاشترط فيها ~~العدد، وليكون الظن أغلب والميل إلى حجة أحد الشخصين أقوى، ولم يتعد بذلك ~~الاثنين لئلا يعسر قيام الشهادة، فتبطل الحقوق، وليس في رؤية القمر شبهة من ~~مخالف توجب الاستظهار بالعدد، ويشبه أن يكون الشافعي إنما فرق بين هلال ~~الفطر، وهلال الصوم للتهمة التي تعرض للناس في هلال الفطر، ولا تعرض في ~~هلال الصوم، ومذهب أبي بكر بن المنذر، هو مذهب أبي ثور وأحسبه هو مذهب أهل ~~الظاهر وقد احتج أبو بكر بن المنذر لهذا الحديث بانعقاد الاجماع على وجوب ~~الفطر، PageV01P230 # والامساك عن الأكل بقول واحد، فوجب أن يكون الامر كذلك في دخول الشهر، ~~وخروجه، إذ كلاهما علامة تفصل زمان الفطر من زمان الصوم، وإذا قلنا إن ~~الرؤية تثبت بالخبر في حق من لم يره، فهل يتعدى ذلك من بلد إلى بلد؟ أعني ~~هل يجب على أهل بلد ما إذا لم يروه أن يأخذوا في ذلك برؤية بلد آخر، أم لكل ~~بلد رؤية؟ فيه خلاف، فأما مالك، فإن ابن القاسم، والمصريين رووا عنه أنه ~~إذا ثبت عند أهل بلد أن أهل بلد آخر رأوا الهلال أن عليهم قضاء ذلك اليوم ~~الذي أفطروه، وصامه غيرهم، وبه قال الشافعي، وأحمد. وروى المدنيون عن مالك ~~أن الرؤية لا ms0295 تلزم بالخبر عند غير أهل البلد الذي وقعت فيه الرؤية، إلا أن ~~يكون الامام يحمل الناس على ذلك، وبه قال ابن الماجشون، والمغيرة من أصحاب ~~مالك. وأجمعوا أنه لا يراعى ذلك في البلدان النائية كالأندلس، والحجاز. ~~والسبب في هذا الخلاف: # تعارض الأثر، والنظر، أما النظر، فهو أن البلاد إذا لم تختلف مطالعها كل ~~الاختلاف، فيجب أن يحمل بعضها على بعض لأنها في قياس الأفق الواحد. وأما ~~إذا اختلفت اختلافا كثيرا فليس يجب أن يحمل بعضها على بعض. وأما الأثر: فما ~~رواه مسلم عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام فقال ~~قدمت الشام، فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان، وأنا بالشام، فرأيت الهلال ~~ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ~~ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت رأيته ليلة الجمعة، فقال: أنت ~~رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا، وصام معاوية، قال: لكنا رأيناه ليلة ~~السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوما، أو نراه، فقلت: ألا تكتفي ~~برؤية معاوية؟ # فقال: لا. هكذا أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام. فظاهر هذا الأثر يقتضي ~~أن لكل بلد رؤيته قرب أو بعد، والنظر يعطي الفرق بين البلاد النائية، ~~والقريبة، وبخاصة ما كان نأيه في الطول، والعرض كثيرا، وإذا بلغ الخبر مبلغ ~~التواتر، لم يحتج فيه إلى شهادة. فهذه هي المسائل التي تتعلق بزمان الوجوب. ~~وأما التي تتعلق بزمان الامساك: فإنهم اتفقوا على أن آخره غيبوبة الشمس ~~لقوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * واختلفوا في أوله فقال ~~الجمهور: هو طلوع الفجر الثاني المستطير الأبيض لثبوت ذلك عن رسول الله ~~(ص)، أعني حده بالمستطير، ولظاهر قوله تعالى: * (حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض) * الآية وشذت فرقة، فقالوا: هو الفجر الأحمر الذي يكون بعد الأبيض ~~وهو نظير الشفق الأحمر وهو مروي عن حذيفة، وابن مسعود. وسبب هذا الخلاف: هو ~~اختلاف الآثار في ذلك، واشتراك اسم الفجر، أعني أنه يقال: على الأبيض، ~~والأحمر. وأما الآثار التي احتجوا بها، فمنها: ms0296 حديث زر عن حذيقة قال تسحرت ~~مع النبي (ص)، ولو أشاء أن أقول: هو النهار إلا PageV01P231 # أن الشمس لم تطلع وخرج أبو داود عن قيس بن طلق عن أبيه أنه عليه الصلاة ~~والسلام قال: كلوا واشربوا، ولا يهيدنكم الساطع المصعد، فكلوا واشربوا حتى ~~يعترض لكم الأحمر. قال أبو داود: هذا ما تفرد به أهل اليمامة وهذا شذوذ فإن ~~قوله تعالى: * (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض) * نص في ذلك، أو كالنص، والذين ~~رأوا أنه الفجر الأبيض المستطير، وهم الجمهور والمعتمد اختلفوا في الحد ~~المحرم للأكل فقال قوم: هو طلوع الفجر نفسه وقال قوم: هو تبينه عند الناظر ~~إليه ومن لم يتبينه، فالاكل مباح له حتى يتبينه، وإن كان قد طلع، وفائدة ~~الفرق أنه إذا انكشف أن ما ظن من أنه لم يطلع، كان قد طلع فمن كان الحد ~~عنده، هو الطلوع نفسه، أوجب عليه القضاء، ومن قال: هو العلم الحاصل به لم ~~يوجب عليه القضاء. وسبب الاختلاف في ذلك: الاحتمال الذي في قوله تعالى: * ~~(وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) * هل ~~على الامساك بالتبين نفسه، أو بالشئ المتبين؟ لان العرب تتجوز، فتستعمل ~~لاحق الشئ بدل الشئ على وجه الاستعارة، فكأنه قال تعالى: * (وكلوا واشربوا ~~حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) * لأنه إذا تبين في نفسه، ~~تبين لنا. فإذا إضافة التبين لنا هي التي أوقعت الخلاف لأنه قد يتبين في ~~نفسه، ويتميز، ولا يتبين لنا، وظاهر اللفظ يوجب تعلق الامساك بالعلم، ~~والقياس يوجب تعلقه بالطلوع نفسه أعني قياسا على الغروب، وعلى سائر حدود ~~الأوقات الشرعية كالزوال، وغيره، فإن الاعتبار في جميعها في الشرع، هو ~~بالأمر نفسه لا بالعلم المتعلق به. والمشهور عمالك، وعليه الجمهور أن الأكل ~~يجوز أن يتصل بالطلوع وقيل: بل يجب الامساك قبل الطلوع والحجة للقول الأول ~~ما في كتاب البخاري أظنه في بعض رواياته قال النبي (ص) وكلوا واشربوا حتى ~~ينادي ابن أم مكتوم، فإنه لا ينادي حتى يطلع الفجر وهو ms0297 نص في موضع الخلاف، ~~أو كالنص، والموافق لظاهر قوله تعالى: * (وكلوا واشربوا) * الآية. ومن ذهب ~~إلى أنه يجب الامساك قبل الفجر، فجريا على الاحتياط، وسدا للذريعة، وهو ~~أورع القولين والأول أقيس، والله أعلم. # الركن الثاني: وهو الامساك وأجمعوا على أنه يجب على الصائم الامساك زمان ~~الصوم عن المطعوم والمشروب، والجماع لقوله تعالى: * (فالآن باشروهن وابتغوا ~~ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر) *. واختلفوا من ذلك في مسائل: # منها مسكوت عنها، ومنها منطوق بها. أما المسكوت عنها: إحداها: فيما يرد ~~الجوف مما PageV01P232 # ليس بمغذ، وفيما يرد الجوف من غير منفذ الطعام، والشراب مثل الحقنة، ~~وفيما يرد باطن سائر الأعضاء، ولا يرد الجوف مثل أن يرد الدماغ، ولا يرد ~~المعدة. وسبب اختلافهم في هذه: # هو قيا س المغذي على غير المغذي، وذلك أن المنطوق به إنما هو المغذي، فمن ~~رأى أن المقصود بالصوم معنى معقول، لم يلحق المغذي بغير المغذي، ومن رأى ~~أنها عبادة غير معقولة، وأن المقصود منها، إنما هو الامساك فقط عما يرد ~~الجوف سوى بين المغذي، وغير المغذي. وتحصيل مذهب مالك أنه يجب الامساك عما ~~يصل إلى الحلق من أي المنافذ وصل مغذيا كان، أو غير مغذ. وأما ما عدا ~~المأكول، والمشروب من المفطرات، فكلهم يقولون: إن من قبل، فأمنى، فقد أفطر، ~~وإن أمذى فلم يفطر إلا مالك. واختلفوا في القبلة للصائم، فمنهم من أجازها، ~~ومنهم من كرهها للشاب، وأجازها للشيخ، ومنهم من كرهها على الاطلاق فمن رخص ~~فيها، فلما روي من حديث عائشة، وأم سلمة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ~~يقبل، وهو صائم. ومن كرهها، فلما يدعو إليه من الوقاع وشذ قوم، فقالوا: ~~القبلة تفطر. واحتجوا لذلك بما روي عن ميمونة بنت سعد، قالت: سئل رسول الله ~~(ص) عن القبلة للصائم، فقال: أفطرا جميعا خرج هذا الأثر الطحاوي، ولكن ~~ضعفه. وأما ما يقع من هذه من قبل الغلبة، ومن قبل النسيان، فالكلام فيه عند ~~الكلام في المفطرات، وأحكامها. ms0298 وأما ما اختلفوا فيه مما هو منطوق به، ~~فالحجامة، والقئ. أما الحجامة، فإن فيها ثلاثة مذاهب، قوم قالوا: إنها ~~تفطر، وأن الامساك عنها واجب، وبه قال أحمد، وداود، والأوزاعي، وإسحق بن ~~راهويه وقوم قالوا: إنها مكروهة للصائم، وليست تفطر وبه قال مالك، ~~والشافعي، والثوري وقوم قالوا: إنها غير مكروهة، ولا مفطرة، وبه قال أبو ~~حنيفة، وأصحابه. وسبب اختلافهم: تعارض الآثار الواردة في ذلك، وذلك أنه ورد ~~في ذلك حديثان: أحدهما: ما روي من طريق ثوبان، ومن طريق رافع بن خديج أنه ~~عليه الصلاة والسلام قال: أفطر الحاجم، والمحجوم وحديث ثوبان هذا كان يصححه ~~أحمد. # والحديث الثاني: حديث عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله (ص) احتجم، وهو ~~صائم وحديث ابن عباس هذا صحيح. فذهب العلماء في هذين الحديثين ثلاثة مذاهب: ~~أحدهما: # مذهب الترجيح. والثاني: مذهب الجمع. والثالث: مذهب الاسقاط عند التعارض، ~~والرجوع إلى البراءة الأصلية، إذا لم يعلم الناسخ من المنسوخ، فمن ذهب مذهب ~~الترجيح قال بحديث ثوبان وذلك أن هذا موجب حكما، وحديث ابن عباس رافعه، ~~والموجب مرجح عند كثير من العلماء على الرافع، لان الحكم إذا ثبت بطريق ~~يوجب العمل، لم يرتفع إلا بطريق يوجب العمل برفعه، وحديث ثوبان قد وجب ~~العمل به، وحديث ابن عباس يحتمل أن يكون ناسخا، ويحتمل أن يكون منسوخا، ~~وذلك شك، والشك لا يوجب عملا، ولا يرفع العلم الموجب للعمل، وهذا على طريقة ~~من لا يرى الشك مؤثرا في العلم، ومن رام PageV01P233 # الجمع بينهما، حمل حديث النهي على الكراهة، وحديث الاحتجام على رفع ~~الحظر، ومن أسقطهما للتعارض، قال بإباحة الاحتجام للصائم. وأما القئ، فإن ~~جمهور الفقهاء على أن من ذرعه القئ، فليس بمفطر إلا ربيعة، فإنه قال إنه ~~مفطر. وجمهورهم أيضا على أن من استقاء، فقاء، فإنه مفطر إلا طاووس. وسبب ~~اختلافهم: ما يتوهم من التعارض بين الأحاديث الواردة في هذه المسألة، ~~واختلافهم أيضا في تصحيحها، وذلك أنه ورد في هذا الباب حديثان: أحدهما حديث ~~أبي الدرداء أن رسول الله (ص) قاء، فأفطر ms0299 قال معدان: فلقيت ثوبان في مسجد ~~دمشق، فقلت له: إن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله (ص) قاء، فأفطر، قال: ~~صدق أنا صببت له وضوءه وحديث ثوبان هذا صححه الترمذي والآخر حديث أبي هريرة ~~أخرجه الترمذي، وأبو داود أيضا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال من ذرعه ~~القئ، وهو صائم فليس عليه القضاء وإن استقاء فعليه القضاء وروي موقوفا عن ~~ابن عمر. فمن لم يصح عنده الأثران كلاهما، قال: ليس فيه فطر أصلا، ومن أخذ ~~بظاهر حديث ثوبان، ورجحه على حديث أبي هريرة، أوجب الفطر من القئ بإطلاق، ~~ولم يفرق بين أن يستقئ، أو لا يستقئ، ومن جمع بين الحديثين، وقال حديث ~~ثوبان مجمل، وحديث أبي هريرة مفسر، والواجب حمل المجمل على المفسر، فرق بين ~~القئ، والاستقاء، وهو الذي عليه الجمهور. # الركن الثالث: وهو النية والنظر في النية في مواضع: منها هل هي شرط في ~~صحة هذه العبادة أم ليست بشرط؟ وإن كانت شرطا، فما الذي يجزي من تعيينها؟ ~~وهل يجب تجديدها في كل يوم من أيام رمضان، أم يكفي في ذلك النية الواقعة في ~~اليوم الأول؟ وإذا أوقعها المكلف، فأي وقت إذا وقعت فيه صح الصوم؟ وإذا لم ~~تقع فيه بطل الصوم؟ وهل رفض النية يوجب الفطر، وإن لم يفطر؟ وكل هذه ~~المطالب قد اختلف العلماء فيها. أما كون النية شرطا في صحة الصيام، فإنه ~~قول الجمهور وشذ زفر، فقال: لا يحتاج رمضان إلى نية، ألا أن يكون الذي ~~يدركه صيام شهر رمضان مريضا، أو مسافرا، فيريد الصوم. والسبب في اختلافهم: # الاحتمال المتطرق إلى الصوم هل هو عبادة معقولة المعنى، أو غير معقولة ~~المعنى؟ فمن رأى أنها غير معقولة المعنى، أوجب النية، ومن رأى أنها معقولة ~~المعنى قال: قد حصل المعنى، إذا صام، وإن لم ينو، لكن تخصيص زفر رمضان بذلك ~~من بين أنواع الصوم فيه ضعف، وكأنه لما رأى أن أيام رمضان لا يجوز فيها ~~الفطر، رأى أن كل صوم يقع فيها ينقلب صوما شرعيا وأن هذا شئ ms0300 يخص هذه ~~الأيام. وأما اختلافهم في تعيين النية المجزية في ذلك: فإن مالكا قال: لا ~~بد في ذلك من تعيين صوم رمضان ولا يكفيه اعتقاد الصوم مطلقا، ولا اعتقاد ~~صوم معين غير صوم رمضان وقال أبو حنيفة: إن اعتقد PageV01P234 # مطلق الصوم، أجزأه، وكذلك إن نوى فيه صيام غير رمضان أجزاه، وانقلب إلى ~~صيام رمضان، إلا أن يكون مسافرا، فإنه إذا نوى المسافر عنده في رمضان، صيام ~~غير رمضان، كان ما نوى، لأنه لم يجب عليه صوم رمضان وجوبا معينا، ولم يفرق ~~صاحباه بين المسافر، والحاضر وقالا: كل صوم نوي في رمضان، انقلب إلى رمضان. ~~وسبب اختلافهم: هل الكافي في تعيين النية في هذه العبادة، هو تعيين جنس ~~العبادة، أو تعيين شخصها، وذلك أن كلا الأمرين موجود في الشرع، مثال ذلك أن ~~النية في الوضوء يكفي منها اعتقاد الحد ث، لأي شئ كان من العبادة التي ~~الوضوء شرط في صحتها، وليس يختص عبادة عبادة بوضوء، وضوء. # وأما الصلاة، فلا بد فيها من تعيين شخص العبادة، فلا بد من تعيين الصلاة، ~~إن عصرا، فعصرا، وإن ظهرا، فظهرا. وهذا كله على المشهور عند العلماء، فتردد ~~الصوم عند هؤلاء بين هذين الجنسين فمن ألحقه بالجنس الواحد قال: يكفي في ~~ذلك اعتقاد الصوم فقط ومن ألحقه بالجنس الثاني، اشترط تعيين الصوم. ~~واختلافهم أيضا في إذا نوى في أيام رمضان صوما آخر هل ينقلب، أو لا ينقلب؟ ~~سببه أيضا أن من العبادة عندهم من ينقلب من قبل أن الوقت الذي توقع فيه ~~مختص بالعبادة التي تنقلب إليه، ومنها ما ليس ينقلب أما التي لا تنقلب، ~~فأكثرها، وأما التي تنقلب باتفاق، فالحج. وذلك أنهم قالوا: إذا ابتدأ الحج ~~تطوعا من وجب عليه الحج، انقلب التطوع إلى الفرض، ولم يقولوا ذلك في ~~الصلاة، ولا في غيرها. # فمن شبه الصوم بالحج، قال ينقلب، ومن شبهه بغيره من العبادات قال: لا ~~ينقلب. وأما اختلافهم في وقت النية، فإن مالكا رأى أنه لا يجزئ الصيام إلا ~~بنية قبل الفجر، وذلك في ms0301 جميع أنواع الصوم. وقال الشافعي: تجزئ النية بعد ~~الفجر في النافلة، ولا تجزئ في الفروض. وقال أبو حنيفة: تجزئ النية بعد ~~الفجر في الصيام المتعلق وجوبه بوقت معين مثل رمضان، ونذر أيام محدودة، ~~وكذلك في النافلة ولا يجزئ في الواجب في الذمة. # والسبب في اختلافهم: تعارض الآثار في ذلك. أما الآثار المتعارضة في ذلك، ~~فأحدها: ما خرجه البخاري عن حفصة أنه قال عليه الصلاة والسلام من لم يبيت ~~الليل من الصيام، فلا صيام له ورواه مالك موقوفا قال أبو عمر: حديث حفصة في ~~إسناده اضطراب. والثاني: # ما رواه مسلم عن عائشة قالت: قال لي رسول الله (ص) ذات يوم يا عائشة هل ~~عندكم شئ؟ قالت: قلت: يا رسول الله ما عندنا شئ، قال: فإني صائم ولحديث ~~معاوية أنه قال على المنبر: يا أهل المدينة أين علماؤكم سمعت رسول الله (ص) ~~يقول اليوم: # هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب علينا صيامه، وأنا صائم، فمن شاء منكم، فليصم، ~~وما شاء، فليفطر فمن ذهب مذهب الترجيح، أخذ بحديث حفصة، ومن ذهب مذهب ~~الجمع، فرق بين النفل، والفرض، أعني حمل حديث حفصة على الفرض وحديث عائشة، ~~ومعاوية على النفل، وإنما فرق أبو حنيفة بين الواجب المعين، والواجب في ~~الذمة، لان الواجب المعين له وقت مخصوص PageV01P235 # يقوم مقام النية في التعيين، والذي في الذمة ليس له وقت مخصوص فأوجب إذن ~~التعيين بالنية. وجمهور الفقهاء على أنه ليست الطهارة من الجنابة شرطا في ~~صحة الصوم، لما ثبت من حديث عائشة، وأم سلمة زوجي النبي (ص) أنهما قالتا ~~كان رسول الله (ص) يصبح جنبا من جماع غير احتلام في رمضان، ثم يصوم ومن ~~الحجة لهما الاجماع على أن الاحتلام بالنهار لا يفسد الصوم، وروي عن ~~إبراهيم النخعي وعروة بن الزبير، وطاووس أنه إن تعمد ذلك أفسد صومه. وسبب ~~اختلافهم: ما روي عن أبي هريرة أنه كان يقول: من أصبح جنبا في رمضان، أفطر ~~وروي عنه أنه قال: ما أنا قلته محمد (ص) قاله، ورب الكعبة. وذهب ابن ~~الماجشون ms0302 من أصحاب مالك أن الحائض، إذا ظهرت قبل الفجر، فأخرت الغسل أن ~~يومها يوم فطر، وأقاويل هؤلاء شاذة، ومردودة بالسنن المشهورة الثابتة. # القسم الثاني: من الصوم المفروض وهو الكلام في الفطر، وأحكامه، والمفطرون ~~في الشرع على ثلاثة أقسام: وصنف يجوز له الفطر، والصوم بإجماع، وصنف يجب ~~عليه الفطر على اختلاف في ذلك بين المسلمين. وصنف لا يجوز له الفطر، وكل ~~واحد من هؤلاء تتعلق به أحكام. أما الذين يجوز لهم الأمران: فالمريض ~~باتفاق، والمسافر باختلاف والحامل، والمرضع، والشيخ الكبير، وهذا التقسيم ~~كله مجمع عليه. فأما المسافر، فالنظر فيه في مواضع منها: هل إن صام، أجزأه ~~صومه، أم ليس يجزيه؟ وهل إن كان يجزي المسافر صومه الأفضل له الصوم أو ~~الفطر، أو هو مخير بينهما؟ وهل الفطر الجائز له هو في سفر محدود، أم في كل ~~ما ينطلق عليه اسم السفر في وضع اللغة؟ ومتى يفطر ومتى يمسك؟ وهل إذا مرض ~~بعض الشهر له أن ينشئ السفر أم لا؟ ثم إذا أفطر ما حكمه؟ وأما المريض ~~فالنظر فيه أيضا في تحديد المرض الذي يجوز له فيه الفطر، وفي حكم الفطر. # أما المسألة الأولى: وهي إن صام المريض، والمسافر هل يجزيه صومه عن فرضه، ~~أم لا؟ فإنهم اختلفوا في ذلك، فذهب الجمهور إلى أنه، إن صام، وقع صيامه، ~~وأجزأه وذهب أهل الظاهر إلى أنه لا يجزيه، وأن فرضه هو أيام أخر. والسبب في ~~اختلافهم: تردد قوله تعالى: * (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) ~~* بين أن يحمل على الحقيقة، فلا يكون هنالك محذوف أصلا، أو يحمل على ~~المجاز، فيكون التقدير فأفطر، فعدة من أيام أخر، وهذا الحذف في الكلام هو ~~الذي يعرفه أهل صناعة الكلام بلحن الخطاب . فمن حمل الآية على الحقيقة، ولم ~~يحملها على المجاز، قال: إن فرض المسافر عدة من أيام أخر لقوله تعالى: * ~~(فعدة من أيام أخر) * ومن قدر فأفطر قال: إنما فرضه عدة من PageV01P236 # أيام أخر، إذا أفطر، وكلا الفريقين يرجح تأويله بالآثار الشاهدة لكلا ms0303 ~~المفهومين، وإن كان الأصل، هو أن يحمل الشئ على الحقيقة حتى يدل الدليل على ~~حمله على المجاز. أما الجمهور: فيحتجون لمذهبهم بما ثبت من حديث أنس قال: ~~سافرنا مع رسول الله (ص) في رمضان، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر ~~على الصائم وبما ثبت عنه أيضا أنه قال: كان أصحاب رسول الله (ص) يسافرون، ~~فيصوم بعضهم، ويفطر بعضهم وأهل الظاهر يحتجون لمذهبهم بما ثبت عن ابن عباس ~~أن رسول الله (ص) خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم ~~أفطر، فأفطر الناس، وكانوا يأخذون بالأحدث، فالأحدث من أمر رسول الله (ص) ~~قالوا: وهذا يدل على نسخ الصوم، قال أبو عمر: والحجة على أهل الظاهر ~~إجماعهم على أن المريض إذا صام، أجزأه صومه. # وأما المسألة الثانية: وهي هل الصوم أفضل، أو الفطر؟ إذا قلنا: إنه من ~~أهل الفطر على مذهب الجمهور، فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة مذاهب: فبعضهم ~~رأى أن الصوم أفضل، وممن قال بهذا القول مالك وأبو حنيفة وبعضهم رأى أن ~~الفطر أفضل، وممن قال بهذا القول أحمد، وجماعة، وبعضهم رأى أن ذلك على ~~التخيير، وأنه ليس أحدهما أفضل. # والسبب في اختلافهم: معارضة المفهوم من ذلك لظاهر بعض المنقول، ومعارضة ~~المنقول بعضه لبعض، وذلك أن المعنى المعقول من إجازة الفطر للصائم إنما هو ~~الرخصة له، لمكان رفع المشقة عنه، وما كان رخصة، فالأفضل ترك الرخصة ويشهد ~~لهذا حديث حمزة عن عمرو الأسلمي خرجه مسلم أنه قال يا رسول الله أجد في قوة ~~على الصيام في السفر، فهل علي من جناح؟ فقال رسول الله (ص): هي رخصة من ~~الله فمن أخذ بها، فحسن ومن أحب أن يصوم، فلا جناح عليه. وأما ما ورد من ~~قوله عليه الصلاة والسلام ليس من البر أن تصوم في السفر ومن أن آخر فعله ~~عليه الصلاة والسلام كان الفطر. فيوهم أن الفطر أفضل، لكن الفطر، لما كان ~~ليس حكما، وإنما هو من فعل المباح، عسر على الجمهور أن يضعوا المباح ms0304 أفضل ~~من الحكم. وأما من خير في ذلك، فلمكان حديث عائشة قالت: # سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رسول الله (ص) عن الصيام في السفر فقال إن شئت، ~~فصم، وإن شئت، فأفطر خرجه مسلم. # وأما المسألة الثالثة: وهي هل الفطر الجائز للمسافر هو في سفر محدود، أو ~~في سفر غير محدود؟ فإن العلماء اختلفوا فيها، فذهب الجمهور إلى أنه إنما ~~يفطر في السفر الذي تقصر فيه الصلاة وذلك على حسب اختلافهم في هذه المسألة، ~~وذهب قوم إلى أنه يفطر في كل ما ينطلق عليه اسم السفر، وهم أهل الظاهر. ~~والسبب في اختلافهم: معارضة ظاهر اللفظ للمعنى، وذلك أن ظاهر اللفظ أن كل ~~من ينطلق عليه اسم مسافر، فله أن يفطر لقوله تعالى: * (ومن كان مريضا أو ~~على سفر فعدة PageV01P237 # من أيام أخر) * وأما المعنى المعقول من إجازة الفطر في السفر، فهو ~~المشقة، ولما كان الصحابة كأنهم مجمعون على الحد في ذلك وجب أن يقاس في ذلك ~~على الحد في تقصير الصلاة. وأما المرض الذي يجوز فيه الفطر، فإنهم اختلفوا ~~فيه أيضا، فذهب قوم إلى أنه المرض الذي يلحق من الصوم فيه مشقة وضرورة، وبه ~~قال مالك وذهب قوم إلى أنه المرض الغالب وبه قال أحمد. وقال قوم: إذا انطلق ~~عليه اسم المريض، أفطر وسبب اختلافهم: هو بعينه سبب اختلافهم في حد السفر. # وأما المسألة الخامسة: وهي متى يفطر المسافر، ومتى يمسك، فإن قوما قالوا: ~~يفطر يومه الذي خرج فيه مسافرا، وبه قال الشعبي والحسن، وأحمد. وقالت ~~طائفة: لا يفطر يومه ذلك، وبه قال فقهاء الأمصار واستحبت جماعة العلماء لمن ~~علم أنه يدخل المدينة أول يومه ذلك أن يدخل صائما وبعضهم في ذلك أكثر ~~تشديدا من بعض، وكلهم لم يوجبوا علمن دخل مفطرا كفارة. واختلفوا فيمن دخل: ~~وقد ذهب بعض النهار، فذهب مالك الشافعي إلى أنه يتمادى على فطره وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه: يكف عن الأكل، وكذلك الحائض عنده تطهر، تكف عن الأكل. ~~والسبب في اختلافهم في الوقت الذي يفطر فيه المسافر: ms0305 هو معارضة الأثر ~~للنظر. أما الأثر، فإنه ثبت من حديث ابن عباس أن رسول الله (ص) صام حتى بلغ ~~الكديد، ثم أفطر، وأفطر الناس معه وظاهر هذا أنه أفطر بعد أن بيت الصوم. ~~وأما الناس، فلا شك أنهم أفطروا بعد تبييتهم الصوم وفي هذا المعنى أيضا ~~حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله (ص) خرج عام الفتح إلى مكة، فسار حتى ~~بلغ كراع الغميم وصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس ~~إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة، ~~أولئك العصاة. وخرج أبو داود عن أبي نضرة الغفاري أنه لما تجاوز البيوت دعا ~~بالسفرة، قال جعفر راوي الحديث، فقال: ألست تؤم البيوت؟ فقال: أترغب عن سنة ~~رسول الله (ص)؟ قال جعفر: # فأكل. وأما النظر، فلما كان المسافر لا يجوز له إلا أن يبيت الصوم ليلة ~~سفره، لم يجز له أن يبطل صومه، وقد بيته لقوله تعالى: * (ولا تبطلوا ~~أعمالكم) *. وأما اختلافهم في إمساك الداخل في أثناء النهار عن الأكل، أو ~~لا إمساكه: فالسبب فيه اختلافهم في تشبيه من يطرأ عليه في يوم شك أفطر فيه ~~الثبوت أنه من رمضان، فمن شبهه به، قال: يمسك عن الأكل، ومن لم يشبهه به، ~~قال: لا يمسك عن الأكل، لان الأول، أكل موضع الجهل، وهذا أكل لسبب مبيح، أو ~~موجب للأكل، والحنفية تقول: كلاهما سببان موجبان للامساك عن الأكل بعد ~~إباحة الأكل. PageV01P238 # وأما المسألة السادسة: وهي هل يجوز للصائم في رمضان أن ينشئ سفرا، ثم لا ~~يصوم فيه، فإن الجمهور على أنه يجوز ذلك له. وروي عن بعضهم، وهو عبيدة ~~السلماني، وسويد بن غفلة وابن مجلز أنه إن سافر فيه صام، ولم يجيزوا له ~~الفطر. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: * (فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه) * وذلك أنه يحتمل أن يفهم منه أن من شهد بعض الشهر، فالواجب ~~عليه أن يصومه كله، ويحتمل أن يفهم منه أن من شهد أن ms0306 الواجب أن يصوم ذلك ~~البعض الذي شهده، وذلك أنه لما كان المفهوم باتفاق أن من شهده كله، فهو ~~يصومه كله، كان من شهد بعضه، فهو يصوم بعضه ويؤيد تأويل الجمهور إنشاء رسول ~~الله (ص) السفر في رمضان. وأما حكم المسافر إذا أفطر، فهو القضاء باتفاق، ~~وكذلك المريض لقوله تعالى: * (فعدة من أيام أخر) * ما عدا المريض بإغماء أو ~~جنون، فإنهم اختلفوا في وجوب القضاء عليه، وفقهاء الأمصار على وجوبه على ~~المغمى عليه. واختلفوا في المجنون ومذهب مالك وجوب القضاء عليه وفيه ضعف ~~لقوله عليه الصلاة والسلام... وعن المجنون حتى يفيق والذين أوجبوا عليهما ~~القضاء اختلفوا في كون الاغماء، والجنون مفسدا للصوم، فقوم قالوا: إن مفسد، ~~وقوم قالوا: ليس بمفسد، وقوم فرقوا بين أن يكون أغمي عليه بعد الفجر، أو ~~قبل الفجر، وقوم قالوا: إن أغمي عليه بعد مضي أكثر النهار أجزأه وإن أغمي ~~عليه في أول النهار قضى، وهو مذهب مالك، وهذا كله فيه ضعف فإن الاغماء، ~~والجنون يرتفع بها التكليف وبخاصة الجنون، وإذا ارتفع التكليف لم يوصف ~~بمفطر، ولا صائم، فكيف يقال في الصفة التي ترفع التكليف إنها مبطلة للصوم، ~~إلا كما يقال في الميت، أو فيمن لا يصح منه العمل إنه قد بطل صومه، وعمله؟! ~~ويتعلق بقضاء المسافر، والمريض مسائل: # منها هل يقضيان ما عليهما متتابعا، أم لا؟ ومنها ماذا عليهما، إذا أخرا ~~القضاء بغير عذر إلى أن يدخل رمضان آخر، ومنها إذا ماتا، ولم يقضيا هل يصوم ~~عنهما وليهما، أو لا يصوم؟ # أما المسألة الأولى: فإن بعضهم أوجب أن يكون القضاء متتابعا على صفة ~~الأداء، وبعضهم لم يوجب ذلك، وهؤلاء منهم من خير، ومنهم من استحب التتابع، ~~والجماعة على ترك إيجاب التتابع. وسبب اختلافهم: تعارض ظواهر اللفظ ~~والقياس، وذلك أن القياس يقتضي أن يكون الأداء على صفة القضاء أصل ذلك ~~الصلاة والحج، أما ظاهر قوله تعالى: * (فعدة من أيام أخر) * فإنما يقتضي ~~إيجاب العدد فقط. لا إيجاب التتابع. وروي عن عائشة أنها قالت: نزلت * (فعدة ~~من أيام ms0307 أخر) * متتابعات فسقطت متتابعات. وأما إذا أخر القضاء حتى دخل ~~رمضان آخر، فقال قوم: يجب عليه بعد صيام رمضان الداخل القضاء، والكفارة، ~~وبه قال مالك، والشافعي PageV01P239 # وأحمد وقال قوم: لا كفارة عليه، وبه قال الحسن البصري، وإبراهيم النخعي. ~~وسبب اختلافهم: هل تقاس الكفارات بعضها على بعض أم لا؟ فمن لم يجز القياس ~~في الكفارات قال: إنما عليه القضاء فقط، ومن أجاز القياس في الكفارات قال: ~~عليه الكفارة قياسا على من أفطر متعمدا، لان كليهما مستهين بحرمة الصوم: ~~أما هذا، فبترك القضاء زمان القضاء، وأما ذلك، فبالأكل في يوم لا يجوز فيه ~~الأكل، وإنما كان يكون القياس مستندا لو ثبت أن للقضاء زمانا محدودا بنص من ~~الشارع، لان أزمنة الأداء، هي محدودة في الشرع. وقد شذ قوم، فقالوا: إذا ~~اتصل مرض المريض حتى يدخل رمضان آخر أنه لا قضاء عليه، وهذا مخالف للنص. ~~وأما إذا مات، وعليه صوم، فإن قوما قالوا: لا يصوم أحد عن أحد. وقوم قالوا: ~~يصوم عنه وليه، والذين لم يوجبوا الصوم قالوا: يطعم عنه وليه، وبه قال ~~الشافعي. وقال بعضهم: لا صيام، ولا إطعام، إلا أن يوصي به، وهو قول مالك. ~~وقال أبو حنيفة: يصوم، فإن لم يستطع أطعم وفرق قوم بين النذر، والصيام ~~المفروض، فقالوا: يصوم عنه وليه في النذر، ولا يصوم عنه في الصيام المفروض. # والسبب في اختلافهم: معارضة القياس للأثر، وذلك أنه ثبت عنه من حديث ~~عائشة أنه قال عليه الصلاة والسلام من مات وعليه صيام، صام عنه وليه خرجه ~~مسلم، وثبت عنه أيضا من حديث ابن عباس أنه قال: جاء رجل إلى النبي (ص)، ~~فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: لو ~~كان على أمك دين أكنت قاضيته عنها؟ قال: # نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء فمن رأى أن الأصول تعارضه، وذلك أنه كما ~~لا يصلي أحد عن أحد، ولا يتوضأ أحد عن أحد، كذلك لا يصوم أحد عن أحد، قال: ~~لا صيام على الولي. ومن أخذ ms0308 بالنص في ذلك وقال بإيجاب الصيام عليه، ومن لم ~~يأخذ بالنص في ذلك، قصر الوجوب على النذر، ومن قاس رمضان عليه، قال: يصوم ~~عنه في رمضان. وأما من أوجب الاطعام، فمصيرا إلى قراءة من قرأ * (وعلى ~~الذين يطيقونه فدية) * الآية ومن خير في ذلك، فجمعا بين الآية، والأثر فهذه ~~هي أحكام المسافر، والمريض من الصنف الذين يجوز لهم الفطر، والصوم فهذه هي ~~أحكام المسافر والمريض من الصنف الذين يجوز لهم الفطر والصوم. وأما باقي ~~هذا الصنف، وهو المرضع، والحامل، والشيخ الكبير، فإن فيه مسألتين مشهورتين: ~~إحداهما: الحامل، والمرضع إذا أفطرتا ماذا عليهما؟ وهذه المسألة للعلماء ~~فيها أربعة مذاهب: أحدها: أنهما يطعمان، ولا قضاء عليهما، وهو مروي عن ابن ~~عمر وابن عباس. # والقول الثاني: أنهما يقضيان فقط، ولا إطعام عليهما، وهو مقابل الأول. ~~وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه وأبو عبيد، وأبو ثور. والثالث: أنهما يقضيان، ~~ويطعمان، وبه قال الشافعي. # والقول الرابع: أن الحامل تقضي، ولا تطعم، والمرضع تقضي وتطعم. وسبب ~~اختلافهم: # تردد شبههما بين الذي يجهده الصوم، وبين المريض فمن شبههما بالمريض قال: ~~PageV01P240 # عليهما القضاء فقط، ومن شبههما بالذي يجهده الصوم قال: عليهما الاطعام ~~فقط، بدليل قراءة من قرأ * (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين) * الآية. ~~وأما من جمع عليهما الامرين، فيشبه أن يكون رأى فيهما من كل واحد شبها، ~~فقال: عليهما القضاء من جهة ما فيهما من من شبه المريض وعليهما الفدية من ~~جهة ما فيهما من شبه الذين يجهدهم الصيام ويشبه أن يكون شبههما بالمفطر ~~الصحيح، لكن يضعف هذا، فإن الصحيح لا يباح له الفطر. ومن فرق بين الحامل، ~~والمرضع، ألحق الحامل بالمريض، وأبقى حكم المرضع مجموعا من حكم المريض، ~~وحكم الذي يجهده الصوم، أو شبهها بالصحيح. ومن أفرد لهما أحد الحكمين أولى ~~- والله أعلم - ممن جمع كما أن من أفردهما بالقضاء أولى ممن أفردهما ~~بالاطعام فقط، لكون القراءة غير متواترة فتأمل هذا، فإنه بين. وأما الشيخ ~~الكبير، والعجوز اللذان لا يقدران على الصيام، فإنهم أجمعوا على أن لهما ms0309 أن ~~يفطرا، واختلفوا فيما عليهما، إذا أفطرا، فقال قوم: عليهما الاطعام، وقال ~~قوم: ليس عليهما إطعام، وبالأول قال الشافعي وأبو حنيفة وبالثاني قال مالك ~~ألا أنه استحبه وأكثر من رأى الاطعام عليهما، يقول مد عن كل يوم، وقيل إن ~~حفن حفنات كما كان أنس يصنع أجزأه. وسبب اختلافهم: اختلافهم في القراءة ~~التي ذكرنا، أعني قراءة من قرأ * (وعلى الذين يطوقونه) * فمن أوجب العمل ~~بالقراءة التي لم تثبت في المصحف إذا وردت من طريق الآحاد العدول، قال: ~~الشيخ منهم، ومن لم يوجب بها عملا، جعل حكمه حكم المريض الذي يتمادى به ~~المرض حتى يموت، فهذه هي أحكام الصنف من الناس الذين يجوز لهم الفطر، أعني ~~أحكامهم المشهورة التي أكثرها منطوق به، أو لها تعلق بالمنطوق به في الصنف ~~الذي يجوز له الفطر. وأما النظر في أحكام الصنف الذي لا يجوز له الفطر، إذا ~~أفطر، فإن النظر في ذلك يتوجه إلى من يفطر بجماع، وإلى من يفطر بغير جماع، ~~وإلى من يفطر بأمر متفق عليه، وإلى من يفطر بأمر مختلف فيه، أعني بشبهة أو ~~بغير شبهة، وكل واحد من هذين: إما أن يكون على طريق السهو أو طريق العمد، ~~أو طريق الاختيار، أو طريق الاكراه. أما من أفطر بجماع متعمدا في رمضان: ~~فإن الجمهور على أن الواجب عليه القضاء، والكفارة لما ثبت من حديث أبي ~~هريرة أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله (ص)، فقال: هلكت يا رسول الله: قال: ~~وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: هل تجد ما تعتق به رقبة؟ ~~قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم الشهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ~~ما تطعم به ستين مسكينا؟ قال: لا، ثم جلس، فأتي النبي (ص) بفرق فيه تمر، ~~فقال: تصدق بهذا، فقال: أعلى أفقر مني؟ فما PageV01P241 # بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منه قال: فضحك النبي (ص) حتى بدت أنيابه، ~~ثم قال: # اذهب فأطعمه أهلك. واختلفوا من ذلك فمواضع: منها هل الافطار متعمدا ~~بالأكل، والشرب حكمه ms0310 حكم الافطار بالجماع في القضاء، والكفارة، أم لا؟، ~~ومنها إذا جامع ساهيا ماذا عليه؟ ومنها ماذا على المرأة، إذا لم تكن مكرهة؟ ~~ومنها هل الكفارة واجبة فيه مترتبة، أو على التخيير؟ ومنها كم المقدار الذي ~~يجب أن يعطى كل مسكين، إذا كفر بالاطعام؟ ومنها هل الكفارة متكررة بتكرر ~~الجماع، أم لا؟ ومنها إذا لزمه الاطعام. وكان معسرا هل يلزمه الاطعام، إذا ~~أثرى أم لا؟. وشذ قوم: فلم يوجبوا على المفطر عمدا بالجماع إلا القضاء فقط، ~~إما لأنه لم يبلغهم هذا الحديث، وإما لأنه لم يكن الامر عزمة في هذا ~~الحديث، لأنه لو كان عزمة، لوجب إذا لم يستطع الاعتاق، أو الاطعام أن يصوم ~~ولا بد، إذا كان صحيحا على ظاهر الحديث، وأيضا لو كان عزمة، لأعلمه عليه ~~الصلاة والسلام أنه إذا صح أنه يجب عليه الصيام أن لو كان مريضا. وكذلك شذ ~~قوم أيضا، فقالوا: ليس عليه الكفارة فقط، إذ ليس في الحديث ذكر القضاء، ~~والقضاء الواجب بالكتاب إنما هو لمن أفطر ممن يجوز له الفطر، أو ممن لا ~~يجوز له الصوم على الاختلاف الذي قررناه قبل في ذلك، فأما من أفطر متعمدا، ~~فليس في إيجاب القضاء عليه نص، فيلحق في قضاء المتعمد الخلاف الذي لحق في ~~قضاء تارك الصلاة عمدا حتى خرج وقتها، إلا أن الخلاف في هاتين المسألتين ~~شاذ. وأما الخلاف المشهور، فهو في المسائل التي عددناها قبل. # وأما المسألة الأولى: وهي هل تجب الكفارة بالافطار بالأكل، والشرب ~~متعمدا، فإن مالكا، وأصحابه وأبا حنيفة، وأصحابه، والثوري، وجماعة ذهبوا ~~إلى أن من أفطر متعمدا بأكل، أو شر ب أن عليه القضاء، والكفارة المذكورة في ~~هذا الحديث. وذهب الشافعي وأحمد، وأهل الظاهر إلى أن الكفارة، إنما تلزم في ~~الافطار من الجماع فقط. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في جواز قياس المفطر ~~بالأكل والشرب، وعلى المفطر بالجماع، فمن رأى أن شبههما فيه واحد، وهو ~~انتهاك حرمة الصوم، جعل حكمهما واحدا. ومن رأى أنه، وإن كانت الكفارة عقابا ~~لانتهاك الحرمة فإنها أشد مناسبة ms0311 للجماع منها لغيره، وذلك أن العقاب ~~المقصود به الردع، والعقاب الأكبر قد يوضع لما إليه النفس أميل، وهو لها ~~أغلب من الجنايات وإن كانت الجناية متقاربة، إذ كان المقصود من ذلك التزام ~~الناس الشرائع وأن يكونوا أخيارا عدولا، كما قال تعالى: * (كتب عليكم ~~الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) * قال: هذه الكفارة ~~المغلظة خاصة بالجماع، وهذا إذا كان PageV01P242 # ممن يرى القياس. وأما من لا يرى القياس فأمره بين، أنه ليس يعدي حكم ~~الجماع إلى الأكل والشرب. وأما ما روى مالك في الموطأ أن رجلا أفطر في ~~رمضان، فأمره النبي (ص) بالكفارة المذكورة فليس بحجة، لان قول الراوي، ~~فأفطر هو مجمل، والمجمل ليس له عموم، فيؤخذ به، لكن هذا قول على أن الراوي ~~كان يرى أن الكفارة كانت لموضع الافطار، ولولا ذلك، لما عبر بهذا اللفظ، ~~ولذكر النوع من الفطر الذي أفطر به. # وأما المسألة الثانية: وهو إذا جامع ناسيا لصومه، فإن الشافعي، وأبا ~~حنيفة يقولان: لا قضاء عليه، ولا كفارة. وقال مالك: عليه القضاء دون ~~الكفاءة. وقال أحمد، وأهل الظاهر: عليه القضاء، والكفارة. وسبب اختلافهم في ~~قضاء الناسي: معارضة ظاهر الأثر في ذلك القياس. # وأما القياس، فهو تشبيه ناسي الصوم بناسي الصلاة فمن شبهه بناسي الصلاة، ~~أوجب عليه القضاء كوجوبه بالنص على ناسي الصلاة. وأما الأثر المعارض بظاهره ~~لهذا القياس، فهو ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ~~(ص) من نسي - وهو صائم - فأكل، أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه ~~وهذا الأثر يشهد به عموم قوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان، وما استكرهوا عليه. ومن هذا الباب اختلافهم فيمن ظن أن الشمس قد ~~غربت، فأفطر، ثم ظهرت الشمس بعد ذلك هل عليه قضاء أم لا؟ # وذلك أن هذا مخطئ والمخطئ، والناسي حكمهما واحد، فكيفما قلنا، فتأثير ~~النسيان في اسقاط القضاء بين. والله أعلم. وذلك أنا إن قلنا: إن الأصل هو ~~أن لا يلزم الناس قضاء حتى يدل الدليل ms0312 على ذلك، وجب أن يكون النسيان لا ~~يوجب القضاء في الصوم، إذ لا دليل ههنا على ذلك بخلاف الامر في الصلاة، وإن ~~قلنا إن الأصل، هو إيجاب القضاء حتى يدل الدليل على رفعه عن الناسي، فقد دل ~~الدليل في حديث أبي هريرة على رفعه عن الناسي، اللهم إلا أن يقول قائل: إن ~~الدليل الذي استثنى ناسي الصوم من الناسي سائر العبادات والكفارة على ~~المجامع ناسيا، فضعيف، فإن تأثير النسيان في اسقاط العقوبات بين في الشرع، ~~والكفارة من أنواع العقوبات، وإنما أصارهم إلى ذلك أخذهم بمجمل الصفة ~~المنقولة في الحديث أعني من أنه لم يذكر فيه أنه فعل ذلك عمدا، ولا نسيانا، ~~لكن من أوجب الكفارة على قاتل الصيد نسيانا، لم يحفظ أصله في هذا، مع أن ~~النص إنما جاء في المتعمد، وقد كان يجب على أهل الظاهر أن يأخذوا بالمتفق ~~عليه، وهو إيجاب الكفارة على العامد إلى أن يدل الدليل على إيجابها على ~~الناسي، أو يأخذوا بعموم قوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ، ~~والنسيان حتى يدل الدليل على التخصيص، ولكن كلا الفريقين، لم يلزم أصله، ~~وليس في مجمل ما نقل من حديث الاعرابي حجة، ومن قال من أهل الأصول إن ترك ~~التفصيل في اختلاف الأحوال من الشارع بمنزلة العموم في الأقوال، فضعيف، فإن ~~الشارع لم يحكم قط إلا على مفصل، وإنما الاجمال في حقنا. PageV01P243 # وأما المسألة الثالثة: وهو اختلافهم في وجوب الكفارة على المرأة، إذا ~~طاوعته على الجماع، فإن أبا حنيفة، وأصحابه، ومالكا، وأصحابه، أوجبوا عليها ~~الكفارة وقال الشافعي، وداود: لا كفارة عليها. وسبب اختلافهم: معارضة ظاهر ~~الأثر للقياس، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر المرأة في الحديث ~~بكفارة، والقياس أنها مثل الرجل، إذ كان كلاهما مكلفا. # وأما المسألة الرابعة: وهي هل هذه الكفارة متربة ككفارة الظهار، أو على ~~التخيير؟ # وأعني بالترتيب أن لا ينتقى المكلف إلى واحد من الواجبات المخيرة، إلا ~~بعد العجز عن الذي قبله، وبالتخيير أن يفعل منها ما شاء ابتداء من غير عجز ms0313 ~~عن الآخر، فإنهم أيضا اختلفوا في ذلك، فقال الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، ~~وسائر الكوفيين: هي غير مرتبة فالعتق أولا، فإن لم يجد، فالصيام، فإن لم ~~يستطع، فالاطعام وقال مالك: هي على التخيير. وروى عنه ابن القاسم مع ذلك ~~أنه يستحب الاطعام أكثر من العتق، ومن الصيام. # وسبب اختلافهم في وجوب الترتيب: تعارض ظواهر الآثار في ذلك والأقيسة، ~~وذلك أن ظاهر حديث الاعرابي المتقدم يوجب أنها على الترتيب إذ سأله النبي ~~عليه الصلاة والسلام عن الاستطاعة عليها مرتبا، وظاهر ما رواه مالك من أن ~~رجلا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله (ص) أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين ~~متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا أنها على التخيير، إذ (أو) إنما تقتضي في ~~لسان العرب التخيير، وإن كان ذلك من لفظ الراوي الصاحب، إذ كانوا هم أقعد ~~بمفهوم الأحوال، ودلالات الأقوال. وأما الأقيسة المعارضة في ذلك، فتشبيهها ~~تارة بكفارة الظهار، وتارة بكفارة اليمين، لكنها أشبه بكفارة الظهار منها ~~بكفارة اليمين، وأخذ الترتيب من حكاية لفظ الراوي. وأما استحباب الابتداء ~~بالاطعام، فمخالف لظواهر الآثار، وإنما ذهب إلى هذا من طريق القياس، لأنه ~~رأى الصيام قد وقع بدله الاطعام في مواضع شتى من الشرع، وأنه مناسب له أكثر ~~من غيره بدليل قراءة من قرأ * (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين) * ~~ولذلك استحب هو وجماعة من العلماء لمن مات، وعليه صوم أن يكفر بالاطعام ~~عنه، وهذا كأنه من باب ترجيح القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لا ~~تشهد له الأصول. # وأما المسألة الخامسة: وهو اختلافهم في مقدار الاطعام، فإن مالكا، ~~والشافعي وأصحابهما قالوا: يطعم لكل مسكين مدا بمد النبي (ص) وقال أبو ~~حنيفة: لا يجزئ أقل من مدين بمد النبي (ص)، وذلك صاع لكل مسكين. وسبب ~~اختلافهم: # معارضة القياس للأثر: أما القياس، فتشبيه هذه الفدية بفدية الأذى المنصوص ~~عليها. وأما الأثر، فما روي في بعض طرق حديث الكفارة أن الفرق كان فيه خمسة ~~عشر صاعا، لكن PageV01P244 # ليس يدل كونه فيه خمسة عشر صاعا على ms0314 الواجب من ذلك لكل مسكين إلا دلالة ~~ضعيفة، وإنما يدل على أن بدل الصيام في هذه الكفارة، هو هذا القدر. # وأما المسألة السادسة: وهي تكرر الكفارة بتكرر الافطار، فإنهم أجمعوا على ~~أن من وطئ في يوم رمضان، ثم كفر، ثم وطئ في يوم آخر أن عليه كفارة أخرى. ~~وأجمعوا على أنه من وطئ مرارا في يوم واحد أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة ~~واختلفوا فيمن وطئ في يوم من رمضان، ولم يكفر حتى وطئ في يوم ثان، فقال ~~مالك، والشافعي، وجماعة: عليه لكل يوم كفارة وقال أبو حنيفة، وأصحابه: عليه ~~كفارة واحدة ما لم يكفر عن الجماع الأول. والسبب في اختلافهم: تشبيه ~~الكفارات بالحدود، فمن شبهها بالحدود قال: كفارة واحدة تجزئ في ذلك عن ~~أفعال كثيرة، كما يلزم الزاني جلد واحد، وإن زنى ألف مرة، إذا لم يحد لواحد ~~منها، ومن لم يشبهها بالحدود، جعل لكل واحد من الأيام حكما منفردا بنفسه في ~~هتك الصوم فيه، أوجب في كل يوم كفارة. قالوا: والفرق بينهما أن الكفارة ~~فيها نوع من القربة، والحدود زجر محض. # وأما المسألة السابعة: وهي هل يجب عليه الاطعام إذا أيسر، وكان معسرا في ~~وقت الوجوب؟ فإن الأوزاعي قال: لا شئ عليه إن كان معسرا وأما الشافعي، ~~فتردد في ذلك. # والسبب في اختلافهم في ذلك: أنه حكم المسكوت عنه، فيحتمل أن يشبه ~~بالديون، فيعود الوجوب عليه في وقت الاثراء ويحتمل أن يقال: لو كان ذلك ~~واجبا عليه، لبينه له عليه الصلاة والسلام. فهذه أحكام من أفطر متعمدا في ~~رمضان مما أجمع على أنه مفطر. وأما من أفطر مما هو مختلف فيه، فإن بعض من ~~أوجب فيه، أوجب فيه القضاء، والكفارة، وبعضهم أوجب فيه القضاء فقط مثل من ~~رأى الفطر من الحجامة، ومن الاستقاء، ومن بلع الحصاة، ومثل المسافر يفطر ~~أول يوم يخرج عند من يرى أنه ليس له أن يفطر في ذلك اليوم، فإن مالكا أوجب ~~فيه القضاء، والكفارة، وخالفه في ذلك سائر فقهاء الأمصار، وجمهور أصحابه. ~~وأما ms0315 من أوجب القضاء، والكفارة على من استقاء، فأبو ثور، والأوزاعي وسائر ~~من يرى أن الاستقاء مفطر، لا يوجبون إلا القضاء فقط والذي أوجب القضاء، ~~والكفارة في الاحتجام من القائلين بأن الحجامة تفطر، هو عطاء وحده. وسبب ~~هذا الخلاف: أن المفطر بشئ فيه اختلاف فيه شبه من غير المفطر، ومن المفطر، ~~فمن غلب أحد الشبهين، أوجب له ذلك الحكم، وهذان الشبهان الموجودان فيه، هما ~~اللذان أوجبا فيه الخلاف، أعني هل هو مفطر، أو غير مفطر؟ ولكون الافطار ~~شبهة لا يوجب الكفارة عند الجمهور، وإنما يوجب القضاء فقط. نزع أبو حنيفة ~~إلى أنه من أفطر متعمدا الفطر، ثم طرأ عليه في ذلك اليوم سبب مبيح للفطر ~~أنه لا كفارة عليه كالمرأة تفطر عمدا، ثم تحيض باقي النهار، والصحيح يفطر ~~عمدا، ثم يمرض، والحاضر يفطر، ثم يسافر، فمن اعتبر الامر في نفسه، أعني أنه ~~مفطر في يوم جاز PageV01P245 # له الافطار فيه، لم يوجب عليهم كفارة، وذلك أن كل واحد من هؤلاء قد كشف ~~الغيب أنه أفطر في يوم جاز له الافطار فيه، ومن اعتبر الاستهانة بالشرع ~~أوجب عليه الكفارة، لأنه حين أفطر، لم يكن عنده علم بالإباحة، وهو مذهب ~~مالك، والشافعي. ومن هذا الباب إيجاب مالك القضاء فقط على من أكل، وهو شاك ~~في الفجر، وإيجابه القضاء، والكفارة على من أكل، وهو شاك في الغروب على ما ~~تقدم من الفرق بينهما. واتفق الجمهور: على أنه ليس في الفطر عمدا في قضاء ~~رمضان كفارة لأنه ليس له حرمة زمان الأداء: أعني رمضان، إلا قتادة، فإنه ~~أوجب عليه القضاء، والكفارة. وروي عن ابن القاسم، وابن وهب أن عليه يومين ~~قياسا على الحج الفاسد. وأجمعوا: على أن من سنن الصوم تأخير السحور، وتعجيل ~~الفطر لقوله عليه الصلاة والسلام لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر، ~~وأخروا السحور وقال: # تسحروا فإن في السحور بركة وقال عليه الصلاة والسلام: فصل ما بين صيامنا، ~~وصيام أهل الكتاب أكلة السحر. وكذلك جمهورهم على أن من سنن الصوم، ومرغباته ~~كف اللسان ms0316 عن الرفث والخنا لقوله عليه الصلاة والسلام إنما الصوم جنة، فإذا ~~أصبح أحدكم صائما، فلا يرفث، ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه، فليقل إني صائم ~~وذهب أهل الظاهر إلى أن الرفث يفطر، وهو شاذ. فهذه مشهورات ما يتعلق بالصوم ~~المفروض من المسائل، وبقي القول في الصوم المندوب إليه، وهو القسم الثاني ~~من هذا الكتاب. PageV01P246 # كتاب الصيام الثاني وهو المندوب إليه والنظر في الصيام المندوب إليه، هو ~~في تلك الأركان الثلاثة، وفي حكم الافطار فيه. فأما الأيام التي يقع فيها ~~الصوم المندوب إليه، وهو الركن الأول، فإنها على ثلاثة أقسام: # 1 - أيام مرغب فيها. 2 - وأيام منهي عنها. 3 - وأيام مسكوت عنها. ومن هذه ~~ما هو مختلف فيه، ومنها ما هو متفق عليه. أما المرغب فيه المتفق عليه، ~~فصيام يوم عاشوراء. وأما المختلف فيه، فصيام يوم عرفة وست من شوال، والغرر ~~من كل شهر، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. أما صيام يوم ~~عاشوراء فلانه ثبت أن رسول الله (ص) صامه، وأمر بصيامه وقال فيه من كان ~~أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرا، فليتم بقية يومه. واختلفوا فيه ~~هل هو التاسع، أو العاشر. والسبب في ذلك: اختلاف الآثار خرج مسلم عن ابن ~~عباس قال: إذا رأيت هلال المحرم، فاعدد، وأصبح يوم التاسع صائما، قلت: هكذا ~~كان محمد رسول الله (ص) يصومه؟ قال: نعم وروي أنه حين صام رسول الله (ص) ~~يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم يعظمه اليهود، ~~والنصارى فقال رسول الله (ص): فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا ~~اليوم التاسع قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله (ص). وأما ~~اختلافهم في يوم عرفة، فلان النبي عليه الصلاة والسلام أفطر يوم عرفة وقال ~~فيه صيام يوم عرفة يكفر السنة الماضية والآتية ولذلك اختلف الناس في ذلك، ~~واختار الشافعي الفطر فيه للحاج وصيامه لغير الحاج جمعا بين الأثرين. وخرج ~~أبو داود أن رسول الله (ص) نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة. وأما ms0317 الست من شوال، ~~فإنه ثبت أن رسول الله (ص) قال: من صام رمضان، ثم أتبعه ستا من شوال، كان ~~كصيام الدهر إلا أن مالكا كره ذلك إما مخافة أن يلحق الناس برمضان ما ليس ~~في رمضان، وإما لأنه لعله لم يبلغه الحديث، أو لم يصح عنده، وهو الأظهر، ~~وكذلك كره مالك تحري صيام الغرر، مع ما جاء فيها من الأثر مخافة أن يظن ~~الجهال بها أنها واجبة وثبت أن رسول الله (ص) كان يصوم من كل شهر ثلاثة ~~أيام غير PageV01P247 # معينة وأنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص لما أكثر الصيام: أما يكفيك ~~من كل شهر ثلاثة أيام؟ قال: فقلت: يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك، قال: ~~خمسا قلت: # يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك قال: سبعا قلت: يا رسول الله إني أطيق ~~أكثر من ذلك، قال تسعا، قلت: يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك قال أحد ~~عشر قلت يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: لا ~~صوم فوق صيام داود، شطر الدهر صيام يوم وإفطار يوم. وخرج أبو داود أنه كان ~~يصوم يوم الاثنين، ويوم الخميس وثبت أنه لم يستتم قط شهرا بالصيام غير ~~رمضان، وأن أكثر صيامه كان في شعبان. وأما الأيام المنهي عنها: فمنها أيضا ~~متفق عليها، ومنها مختلف فيها، أما المتفق عليها، فيوم الفطر، ويوم الأضحى ~~لثبوت النهي عن صيامهما. وأما المختلف فيها فأيام التشريق ويوم الشك ويوم ~~الجمعة ويوم السبت والنصف الآخر من شعبان وصيام الدهر، أما أيام التشريق، ~~فإن أهل الظاهر، لم يجيزوا الصوم فيها وقوم أجازوا ذلك فيها، وقوم كرهوه، ~~وبه قال مالك إلا أنه أجاز صيامها لمن وجب عليه الصوم في الحج، وهو المتمتع ~~وهذه الأيام هي الثلاثة الأيام التي بعد يوم النحر. والسبب في اختلافهم: ~~تردد قوله عليه الصلاة والسلام في أنها أيام أكل وشرب بين أن يحمل على ~~الوجوب، أو على الندب، فمن حمله على الوجوب قال: الصوم ms0318 يحرم، ومن حمله على ~~الندب قال: الصوم مكروه، ويشبه أن يكون من حمله على الندب، إنما صار إلى ~~ذلك، وغلبه على الأصل الذي هو حمله على الوجوب، لأنه رأى أنه إن حمله على ~~الوجوب عارضه حديث أبي سعيد الخدري الثابت بدليل الخطاب، وهو أنه قال: سمعت ~~رسول الله (ص) يقول: لا يصح الصيام في يومين: يوم الفطر من رمضان، ويوم ~~النحر. # فدليل الخطاب يقتضي أن ما عدا هذين اليومين يصح الصيام فيه، وإلا كان ~~تخصيصهما عبثا، لا فائدة فيه. وأما يوم الجمعة: فإن قوما لم يكرهوا صيامه، ~~ومن هؤلاء مالك وأصحابه، وجماعة، وقوم كرهوا صيامه إلا أن يصام قبله، أو ~~بعده. والسبب في اختلافهم: اختلاف الآثار في ذلك، فمنها حديث ابن مسعود أن ~~النبي (ص) كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، قال: وما رأيته يفطر يوم الجمعة ~~وهو حديث صحيح. ومنها حديث جابر أن سائلا سأل جابرا: أسمعت رسول الله (ص) ~~نهى أن يفرد يوم الجمعة بصوم؟ قال: نعم ورب هذا البيت خرجه مسلم. ومنها ~~حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن ~~يصوم قبله، أو يصوم بعده خرجه أيضا مسلم فمن أخذ بظاهر حديث ابن مسعود، ~~أجاز صيام يوم الجمعة مطلقا، ومن أخذ بظاهر حديث جابر، كرهه مطلقا، ومن أخذ ~~بحديث أبي هريرة، جمع بين الحديثين، أعني حديث جابر، وحديث ابن مسعود. وأما ~~يوم الشك: فإن جمهور العلماء على النهي عن صيام يوم الشك على أنه من رمضان، ~~لظواهر الأحاديث التي يوجب مفهومها تعلق الصوم بالرؤية، أو بإكمال العد إلا ~~PageV01P248 # ما حكيناه عن ابن عمر. واختلفوا في تحري صيامه تطوعا، فمنهم من كرهه على ~~ظاهر حديث عمار من صام يوم الشك، فقد عصى أبا القاسم ومن أجازه، فلانه قد ~~روي أنه عليه الصلاة والسلام صام شعبان كله ولما قد روي أنه عليه الصلاة ~~والسلام قال: # لا تتقدموا رمضان بيوم، ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه ~~أحدكم فليصمه. # كان ms0319 الليث بن سعد يقول: إنه إن صامه على أنه من رمضان، ثم جاءه الثبت أنه ~~من رمضان، أجزأه، وهذا دليل على أن النية تقع بعد الفجر في التحول من نية ~~التطوع إلى نية الفرض. # وأما يوم السبت، فالسبب في اختلافهم فيه: اختلافهم في تصحيح ما روي عنه ~~أنه عليه الصلاة والسلام قال: لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ~~خرجه أبو داود قالوا: والحديث منسوخ نسخه حديث جويرية بنت الحارث أن النبي ~~عليه الصلاة والسلام دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة، فقال: صمت أمس؟ ~~فقالت: لا، فقال: تريدين أن تصومي غدا؟ قالت: لا، قال: فأفطري. وأما صيام ~~الدهر، فإنه قد ثبت النهي عن ذلك، لكن مالكا لم ير بذلك بأسا، وعسى رأي ~~النهي في ذلك، إنما هو من باب خوف الضعف، والمرض. وأما صيام النصف الآخر من ~~شعبان: فإن قوما كرهوه، وقوما أجازوه، فمن كرهوه، فلما روي من أنه عليه ~~الصلاة والسلام قال: لا صوم بعد النصف من شعبان حتى رمضان. ومن أجازه، فلما ~~روي عن أم سلمة قالت ما رأيت رسول الله (ص) صام شهرين متتابعين إلا شعبان، ~~ورمضان ولما روي عن ابن عمر قال: كان رسول الله (ص) يقرن شعبان برمضان وهذه ~~الآثار خرجها الطحاوي. وأما الركن الثاني: وهو النية، فلا أعلم أن أحدا لم ~~يشترط النية في صوم التطوع، وإنما اختلفوا في وقت النية على ما تقدم. # وأما الركن الثالث: وهو الامساك عن المفطرات، فهو بعينه الامساك الواجب ~~في الصوم المفروض، والاختلاف الذي هنالك لاحق هنا. وأما حكم الافطار في ~~التطوع، فإنهم أجمعوا على أنه ليس على من دخل في صيام تطوع، فقطعه لعذر ~~قضاء. واختلفوا إذا قطعه لغير عذر عامدا، فأوجب مالك، وأبو حنيفة عليه ~~القضاء، وقال الشافعي، وجماعة: ليس عليه قضاء. والسبب في اختلافهم: اختلاف ~~الآثار في ذلك، وذلك أن مالكا روى أن حفصة وعائشة زوجي النبي عليه الصلاة ~~والسلام أصبحتا صائمتين متطوعتين، فأهدي لهما طعام ، فأفطرتا عليه، فقال ~~رسول الله (ص): اقضيا يوما ms0320 مكانه. وعارض هذا حديث أم هانئ قالت: لما كان ~~يوم الفتح فتح مكة جاءت فاطمة، فجلست عن يسار رسول الله (ص) وأم هانئ عن ~~يمينه، قالت: فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب فناولته، فشرب منه، ثم ناول أم ~~هانئ: فشربت منه، قالت: يا رسول الله لقد أفطرت، وكنت صائمة، فقال لها عليه ~~الصلاة والسلام: أكنت تقضين شيئا؟ قالت: لا. قال: فلا يضرك إن كان تطوعا. ~~واحتج الشافعي في هذا المعنى بحديث عائشة أنها قالت: دخل علي رسول الله ~~(ص)، فقلت: أنا PageV01P249 # خبأت لك خبئا، فقال: أما إني كنت أريد الصيام، ولكن قربيه وحديث عائشة، ~~وحفصة غير مسند ولاختلافهم أيضا في هذه المسألة سبب آخر، وهو تردد الصوم ~~للتطوع بين قياسه على صلاة التطوع، أو على حج التطوع، وذلك أنهم أجمعوا على ~~أن من دخل في الحج، والعمرة متطوعا، يخرج منهما، أن عليه القضاء. وأجمعوا: ~~على أن من خرج من صلاة التطوع، فليس عليه قضاء فيما علمت، وزعم من قاس ~~الصوم على الصلاة، أنه أشبه بالصلاة منه بالحج، لان الحج له حكم خاص في هذا ~~المعنى، وهو أنه يلزم المفسد له المسير فيه إلى آخره. وإذا أفطر في التطوع ~~ناسيا، فالجمهور على أن لا قضاء عليه، وقال ابن علية عليه القضاء قياسا على ~~الحج. ولعل مالكا حمل حديث أم هانئ على النسيان وحديث أم هانئ خرجه أبو ~~داود، وكذلك خرج حديث عائشة بقريب من اللفظ الذي ذكرناه، وخرج حديث عائشة، ~~وحفصة بعينه. PageV01P250 # بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاعتكاف والاعتكاف مندوب إليه بالشرع، واجب ~~بالنذر، ولا خلاف في ذلك، إلا ما روي عن مالك أنه كره الدخول فيه مخافة أن ~~لا يوفي شرطه، وهو في رمضان أكثر منه في غيره، وبخاصة في العشر الأواخر ~~منه، إذ كان ذلك، هو آخر اعتكافه (ص). وهو بالجملة يشتمل على عمل مخصوص في ~~موضع مخصوص، وفي زمان مخصوص بشروط مخصوصة، وتروك مخصوصة. فأما العمل الذي ~~يخصه، ففيه قولان: قيل إنه الصلاة، وذكر الله وقراءة القرآن، لا غير ms0321 ذلك من ~~أعمال البر، والقرب، وهو مذهب ابن القاسم. وقيل: جميع أعمال القرب، والبر ~~المختصة بالآخرة، وهو مذهب ابن وهب فعلى هذا المذهب يشهد الجنائز، ويعود ~~المرضى، ويدرس العلم، وعلى المذهب الأول لا. وهذا هو مذهب الثوري، والأول ~~هو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة. وسبب اختلافهم: أن ذلك شئ مسكوت عنه، أعني ~~أنه ليس فيه حد مشروع بالقول، فمن فهم من الاعتكاف حبس النفس على الأفعال ~~المختصة بالمساجد قال: لا يجوز للمعتكف إلا الصلاة، والقراءة. ومن فهم منه ~~حبس النفس على القرب الأخروية كلها، أجاز له غير ذلك مما ذكرناه. وروي عن ~~علي رضي الله عنه أنه قال: من اعتكف لا يرفث، ولا يساب وليشهد الجمعة، ~~والجنازة، ويوصي أهله إذا كانت له حاجة وهو قائم ولا يجلس، ذكره عبد الرزاق ~~وروي عن عائشة خلاف هذا، وهو أن السنة للمعتكف أن لا يشهد جنازة، ولا يعود ~~مريضا وهذا أيضا أحد ما أوجب الاختلاف فهذا المعنى. وأما المواضع التي فيها ~~يكون الاعتكاف، فإنهم اختلفوا فيها، فقال قوم: لا اعتكاف إلا في المساجد ~~الثلاثة: بيت الله الحرام، وبيت المقدس، ومسجد النبي عليه الصلاة والسلام، ~~وبه قال حذيفة وسعيد بن المسيب. وقال آخرون: الاعتكاف عام في كل مسجد، وبه ~~قال الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وهو مشهور مذهب مالك. وقال آخرون: # لا اعتكاف إلا في مسجد فيه جمعة، وهي رواية ابن عبد الحكم عن مالك. وأجمع ~~الكل على أن من شرط الاعتكاف المسجد، إلا ما ذهب إليه ابن لبابة من أنه يصح ~~في غير PageV01P251 # المسجد، وأن مباشرة النساء إنما حرمت على المعتكف، إذا اعتكف في المسجد ~~وإلا ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن المرأة إنما تعتكف في مسجد بيتها. وسبب ~~اختلافهم في اشتراط المسجد، أو ترك اشتراطه: هو الاحتمال الذي في قوله ~~تعالى: * (ولا تباشر وهن وأنتم عاكفون في المساجد) * بين أن يكون له دليل ~~خطاب. أم لا يكون له؟ فمن قال له دليل خطاب، قال: لا اعتكاف إلا في مسجد، ~~وإن من شرط الاعتكاف ms0322 ترك المباشرة، ومن قال: ليس له دليل خطاب، قال: ~~المفهوم منه أن الاعتكاف جائز في غير المسجد، وأنه لا يمنع المباشرة، لان ~~قائلا، لو قال: لا تعط فلانا شيئا، إذا كان داخلا في الدار، لكن مفهوم دليل ~~الخطاب يوجب أن تعطيه، إذا كان خارج الدار، ولكن هو قول شاذ. والجمهور: # على أن العكوف إنما أضيف إلى المساجد، لأنها من شرطه. وأما سبب اختلافهم ~~في تخصيص بعض المساجد، أو تعميمها، فمعارضة العموم للقياس المخصص له، فمن ~~رجح العموم قال: في كل مسجد على ظاهر الآية، ومن انقدح له تخصيص بعض ~~المساجد من ذلك العموم بقياس، اشترط أن يكون مسجدا فيه جمعة لئلا ينقطع عمل ~~المعتكف بالخروج إلى الجمعة، أو مسجدا تشد إليه المطي، مثل مسجد النبي (ص) ~~الذي وقع فيه اعتكافه، ولم يقس سائر المساجد عليه، إذ كانت غير مساوية له ~~في الحرمة. وأما سبب اختلافهم في اعتكاف المرأة: فمعارضة القياس أيضا ~~للأثر، وذلك أنه ثبت أن حفصة، وعائشة، وزينب أزواج النبي (ص)، استأذن رسول ~~الله (ص) في الاعتكاف في المسجد، فأذن لهن حين ضربن أخبيتهن فيه فكان هذا ~~الأثر دليلا على جواز اعتكاف المرأة في المسجد. وأما القياس المعارض لهذا، ~~فهو قياس الاعتكاف على الصلاة، وذلك أنه لما كانت صلاة المرأة في بيتها ~~أفضل منها في المسجد على ما جاء في الخبر، وجب أن يكون الاعتكاف في بيتها ~~أفضل، قالوا: وإنما يجوز للمرأة أن تعتكف في المسجد مع زوجها فقط. على نحو ~~ما جاء في الأثر من اعتكاف أزواجه عليه الصلاة والسلام معه، كما تسافر معه، ~~ولا تسافر مفردة، وكأنه نحو من الجمع بين القياس، والأثر. وأما زمان ~~الاعتكاف، فليس لأكثره عندهم حد واجب، وإن كان كلهم يختار العشر الأواخر من ~~رمضان، بل يجوز الدهر كله: إما مطلقا عند من لا يرى الصوم من شروطه، وإما ~~ما عدا الأيام التي لا يجوز صومها عند من يرى الصوم من شروطه. وأما أقله، ~~فإنهم اختلفوا فيه: وكذلك اختلفوا في الوقت الذي يدخل ms0323 فيه المعتكف ~~لاعتكافه، وفي الوقت الذي يخرج فيه منه، أما أقل زمان الاعتكاف، فعند ~~الشافعي، وأبي حنيفة، وأكثر الفقهاء أنه لاحد له. واختلف عن مالك في ذلك، ~~فقيل ثلاثة أيام، وقيل: يوم، وليلة. وقال ابن القاسم عنه: أقله عشرة أيام. ~~وعند البغدادين من أصحابه أن PageV01P252 # العشرة استحباب، وأن أقله يوم، وليلة. والسبب في اختلافهم: معارضة القياس ~~للأثر. أما القياس، فإنه من اعتقد أن من شرطه الصوم، قال: لا يجوز اعتكاف ~~ليلة، وإذا لم يجز اعتكافه ليلة، فلا أقل من يوم، وليلة، إذ انعقاد صوم ~~النهار، إنما يكون بالليل. وأما الأثر المعارض، فما خرجه البخاري من أن عمر ~~رضي الله عنه نذر أن يعتكف ليلة، فأمره رسول الله (ص) أن يفي بنذره. ولا ~~معنى للنظر مع الثابت من هذا الأثر. وأما اختلافهم في الوقت الذي يدخل فيه ~~المعتكف إلى اعتكافه، إذا نذر أياما معدودة، أو يوما واحدا، فإن مالكا، ~~والشافعي، وأبا حنيفة اتفقوا على أنه من نذر اعتكاف شهر أنه يدخل المسجد ~~قبل غروب الشمس. وأما من نذر أن يعتكف يوما: فإن الشافعي قال: من أراد أن ~~يعتكف يوما واحدا دخل قبل طلوع الفجر، وخرج بعد غروبها. وأما مالك فقوله في ~~اليوم والشهر واحد بعينه. وقال زفر، والليث: يدخل قبل طلوع الفجر، واليوم، ~~والشهر عندهما سواء. وفرق أبو ثور بين نذر الليالي، والأيام، فقال: إذا نذر ~~أن يعتكف عشرة أيام، دخل قبل طلوع الفجر، وإذا نذر عشر ليال، دخل قبل ~~غروبها. وقال الأوزاعي: يدخل في اعتكافه بعد صلاة الصبح. والسبب في ~~اختلافهم: معارضة الأقيسة بعضها بعضا، ومعارضة الأثر لجميعها، وذلك أنه من ~~رأى أن أول الشهر ليله واعتبر الليالي قال: يدخل قبل مغيب الشمس، ومن لم ~~يعتبر الليال، قال: يدخل قبل الفجر، ومن رأى أن اسم اليوم يقع على الليل ~~والنهار معا أوجب إن نذر يوما أن يدخل قبل غروب الشمس، ومن رأى أنه إنما ~~ينطبق على النهار، أوجب الدخول قبل طلوع الفجر، ومن رأى أن اسم اليوم خاص ~~بالنهار واسم ms0324 الليل بالليل فرق بين أن ينذر أياما أو ليالي. والحق أن اسم ~~اليوم في كلام العرب قد يقال على النهار مفردا وقد يقال على الليل، والنهار ~~معا، لكن يشبه أن يكون دلالته الأولى إنما هي على النهار، ودلالته على ~~الليل بطريق اللزوم. وأما الأثر المخالف لهذه الأقيسة كلها: فهو ما خرجه ~~البخاري، وغيره من أهل الصحيح عن عائشة قالت: كان رسول الله (ص) يعتكف في ~~رمضان، وإذا صلى الغداة، دخل مكانه الذي كان يعتكف فيه. وأما وقت خروجه: ~~فإن مالكا رأى أن يخرج المعتكف العشر الأواخر من رمضان من المسجد إلى صلاة ~~العيد على جهة الاستحباب، وأنه إن خرج بعد غروب الشمس، أجزأ. وقال الشافعي، ~~وأبو حنيفة: بل يخرج بعد غروب الشمس وقال سحنون، وابن الماجشون: إن رجع إلى ~~بيته قبل صلاة العيد، فسد اعتكافه. وسبب الاختلاف: هل الليلة الباقية، هي ~~من حكم العشر، أم لا؟ وأما شروطه فثلاثة: 1 - النية، 2 - والصيام، 3 - وترك ~~مباشرة النساء. أما النية، فلا أعلم فيها اختلافا، وأما الصيام، فإنهم ~~اختلفوا فيه فذهب مالك، وأبو حنيفة، وجماعة إلى أنه لا اعتكاف إلا بالصوم ~~وقال الشافعي: الاعتكاف جائز بغير صوم. وبقول مالك قال من الصحابة ابن عمر، ~~وابن عباس على خلاف عنه في ذلك. وبقول الشافعي قال علي، وابن مسعود. والسبب ~~في اختلافهم: PageV01P253 # أن اعتكاف رسول الله (ص) إنما وقع في رمضان فمن رأى أن الصوم المقترن ~~باعتكافه، هو شرط في الاعتكاف، وإن لم يكن الصوم للاعتكاف نفسه قالا: لا بد ~~من الصوم مع الاعتكاف، ومن رأى أنه إنما اتفق ذلك اتفاقا، لا على أن ذلك ~~كان مقصودا له عليه الصلاة والسلام في الاعتكاف قال: ليس الصوم من شرطه، ~~ولذلك أيضا سبب آخر، وهو اقترانه مع الصوم في آية واحدة وقد احتج الشافعي ~~بحديث عمر المتقدم، وهو أنه أمره عليه الصلاة والسلام أن يعتكف ليلة، ~~والليل ليس بمحل للصيام. واحتجت المالكية بما روى عبد الرحمن بن إسحاق عن ~~عروة عن عائشة أنها قالت: السنة للمعتكف ms0325 أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة ~~ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج إلا ما لا بد له منه، ولا اعتكاف إلا ~~بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع. قال أبو عمر بن عبد البر: لم يقل أحد ~~في حديث عائشة هذا السنة إلا عبد الرحمن بن إسحاق، ولا يصح هذا الكلام ~~عندهم إلا من قول الزهري وإن كان الامر هكذا، بطل أن يجري مجرى المسند. ~~وأما الشرط الثالث، وهي المباشرة، فإنهم أجمعوا: على أن المعتكف إذا جامع ~~عامدا بطل اعتكافه، إلا ما روي عن ابن لبابة في غير المسجد واختلفوا فيه ~~إذا جامع ناسيا. واختلفوا أيضا: في فساد الاعتكاف بما دون الجماع من ~~القبلة، واللمس، فرأى مالك أن جميع ذلك يفسد الاعتكاف وقال أبو حنيفة: وليس ~~في المباشرة فساد إلا أن ينزل وللشافعي قولا: أحدهما: مثل قول مالك، ~~والثاني: مثل قول أبي حنيفة. وسبب اختلافهم: هل الاسم المتردد بين الحقيقة، ~~والمجاز، له عموم، وخصوص؟ وهو أحد أنواع الاسم المشترك، فمن ذهب إلى أن له ~~عموما قال: إن المباشرة في قوله تعالى: * (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في ~~المساجد) * ينطلق على الجماع، وما دون الجماع، ومن لم ير عموما، وهو الأشهر ~~الأكثر قال: يدل إما على الجماع، وإما على ما دون الجماع، فإذا قلنا: إنه ~~يدل على الجماع بإجماع بطل أن يدل على غير الجماع، لان الاسم الواحد لا يدل ~~على الحقيقة، والمجاز معا، ومن أجرى الانزال بمنزلة الوقاع فلانه في معناه، ~~ومن خالف، فلانه لا ينطلق عليه الاسم حقيقة. واختلفوا فيما يجب على ~~المجامع، فقال الجمهور: لا شئ عليه وقال قوم: عليه كفارة، فبعضهم قال: # كفارة المجامع في رمضان وبه قال الحسن وقال قوم: يتصدق بدينارين، وبه قال ~~مجاهد وقال قوم يعتق رقبة، فإن لم يجد، أهدى بدنة، فإن لم يجد، تصدق بعشرين ~~صاعا من تمر. وأصل الخلاف هل يجوز القياس في الكفارة، أم لا؟ والأظهر أنه ~~لا يجوز. # واختلفوا في مطلق النذر بالاعتكاف: هل من شرطه التتابع أم ms0326 لا؟ فقال مالك، ~~وأبو حنيفة ذلك من شرطه وقال الشافعي: ليس من شرطه ذلك. والسبب في ~~اختلافهم: قياسه على PageV01P254 # نذر الصوم المطلق. وأما موانع الاعتكاف، فاتفقوا على أنها ما عدا الأفعال ~~التي هي أعمال المعتكف، وأنه لا يجوز للمعتكف الخروج من المسجد إلا لحاجة ~~الانسان، أو ما هو في معناها مما تدعو إليه الضرورة لما ثبت من حديث عائشة ~~أنها قالت: كان رسول الله (ص) إذا اعتكف يدني إلي رأسه، وهو في المسجد ~~فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الانسان. واختلفوا إذا خرج لغير حاجة ~~متى ينقطع اعتكافه؟: فقال الشافعي: ينتقض اعتكافه عند أول خروجه، وبعضهم ~~رخص في الساعة، وبعضهم في اليوم. واختلفوا هل له أن يدخل بيتا غير بيت ~~مسجده؟ فرخص فيه بعضهم وهو الأكثر: مالك والشافعي، وأبو حنيفة ورأي بعضهم ~~أن ذلك يبطل اعتكافه. وأجاز مالك له البيع، والشراء، وأن يلي عقد النكاح ~~وخالفه غيره في ذلك. وسبب اختلافهم: أنه ليس في ذلك حد منصوص عليه إلا ~~الاجتهاد وتشبيه ما لم يتفقوا عليه بما اتفقوا عليه. واختلفوا أيضا هل ~~للمعتكف أن يشترط فعل شئ مما يمنعه الاعتكاف فينفعه شرطه في الإباحة أم ليس ~~ينفعه ذلك مثل أن يشترط شهود جنازة، أو غير ذلك؟ فأكثر الفقهاء على أن شرطه ~~لا ينفعه، وأنه إن فعل، بطل اعتكافه وقال الشافعي: ينفعه شرطه. والسبب في ~~اختلافهم: تشبيههم الاعتكاف بالحج في أن كليهما عبادة مانعة لكثير من ~~المباحات، والاشتراط في الحج، إنما صار إليه من رآه، لحديث ضباعة أن رسول ~~الله (ص) قال لها: أهلي بالحج، واشترطي أن تحلي حيث حبستني لكن هذا الأصل ~~مختلف فيه في الحج، فالقياس فيه ضعيف عند الخصم المخالف له. واختلفوا إذا ~~اشترط التتابع في النذر: أو كان التتابع لازما، فمطلق في النذر عند من يرى ~~ذلك ما هي الأشياء التي إذا قطعت الاعتكاف، أوجبت الاستئناف، أو البناء مثل ~~المرض، فإن منهم من قال: إذا قطع المرض الاعتكاف، بنى المعتكف، وهو قول ~~مالك، وأبي حنيفة، والشافعي ومنهم ms0327 من قال: يستأنف الاعتكاف، وهو قول ~~الثوري. ولا خلاف فيما أحسب عندهم أن الحائض تبني واختلفوا هل يخرج من ~~المسجد، أم ليس يخرج وكذلك اختلفوا إذا جن المعتكف، أو أغمي عليه، هل يبني، ~~أو ليس يبني، بل يستقبل. والسبب في اختلافهم في هذا الباب: أنه ليس في هذه ~~الأشياء شئ محدود من قبل السمع، فيقع التنازع من قبل تشبيههم ما اتفقوا ~~عليه بما اختلفوا فيه، أعني بما اتفقوا عليه في هذه العبادة، أو في ~~العبادات التي من شرطها التتابع، مثل صوم الطهارة، وغيره. والجمهور: على أن ~~اعتكاف المتطوع، إذا قطع لغير عذر أنه يجب فيه القضاء لما ثبت أن رسول الله ~~(ص) أراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف، فاعتكف عشرا من ~~شوال. وأما الواجب بالنذر، فلا خلاف في قضائه فيما أحسب. والجمهور: على أن ~~من أتى كبيرة انقطع اعتكافه. فهذه جملة ما رأينا أن نثبته في أصول هذا ~~الباب، وقواعده. والله الموفق، والمعين، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله، ~~وصحبه وسلم تسليما. PageV01P255 # بسم الله الرحمن الرحيم على محمد واله وسلم تسليما كتاب الحج والنظر في ~~هذا الكتاب في ثلاثة أجناس: الجنس الأول: يشتمل على الأشياء التي تجري من ~~هذه العبادة مجرى المقدمات التي تجب معرفتها لعمل هذه العبادة. الجنس ~~الثاني: في الأشياء التي تجري مجرى الأركان، وهي الأمور المعمولة أنفسها، ~~والأشياء المتروكة. الجنس الثالث: في الأشياء التي تجري منها مجرى الأمور ~~اللاحقة، وهي أحكام الأفعال، وذلك أن كل عبادة فإنها توجد مشتملة على هذه ~~الثلاثة الأجناس. # الجنس الأول وهذا الجنس يشتمل على شيئين: على معرفة الوجوب، وشروطه، وعلى ~~من يجب، ومتى يجب؟ فأما وجوبه فلا خلاف فيه لقوله سبحانه: * (ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) *. وأما شروط الوجوب: فإن الشروط ~~قسمان: شروط صحة، وشروط وجو ب. فأما شروط الصحة: فلا خلاف بينهم أن من ~~شروطه الاسلام، إذ لا يصح حج من ليس بمسلم، واختلفوا في صحة وقوعه من ~~الصبي، فذهب مالك والشافعي إلى جواز ms0328 ذلك، ومنه منع أبو حنيفة. وسبب الخلاف: ~~معارضة الأثر في ذلك للأصول، وذلك أن من أجاز ذلك، أخذ فيه بحديث ابن عباس ~~المشهور، وخرجه البخاري، ومسلم، وفيه أن امرأة رفعت إليه عليه الصلاة ~~والسلام صبيا، فقالت: ألهذا حج يا رسول الله؟ قال: نعم، ولك أجر. ومن منع ~~ذلك تمسك بأن الأصل هو أن العبادة لا تصح من غير عاقل، وكذلك اختلف أصحاب ~~مالك في صحة وقوعها من الطفل الرضيع، وينبغي أن لا يختلف في صحة وقوعه ممن ~~يصح وقوع الصلاة منه. وهو كما قال عليه الصلاة والسلام من السبع إلى العشر. ~~وأما شروط الوجوب: فيشترط فيها الاسلام على القول بأن الكفار مخاطبون ~~بشرائع الاسلام، ولا خلاف في اشتراط الاستطاعة في ذلك لقوله تعالى: * (من ~~استطاع إليه سبيلا) * وإن كان في تفصيل ذلك اختلاف، وهي بالجملة تتصور على ~~PageV01P256 # نوعين: 1 - مباشرة، 2 - ونيابة. فأما المباشرة: فلا خلاف عنهم أن من ~~شروطها الاستطاعة بالبدن، والمال مع الامن. واختلفوا في تفصيل الاستطاعة ~~بالبدن والمال، فقال الشافعي، وأبو حنيفة وأحمد، وهو قول ابن عباس، وعمر بن ~~الخطاب: أن من شرط ذلك الزاد، والراحلة. وقال مالك: من استطاع المشي، فليس ~~وجود الراحلة من شرط الوجوب في حقه، بل يجب عليه الحج، وكذلك ليس الزاد ~~عنده من شرط الاستطاعة، إذا كان ممن يمكنه الاكتساب في طريقه، ولو بالسؤال. ~~والسبب فهذا الخلاف: معارضة الأثر الوارد في تفسير الاستطاعة لعموم لفظها، ~~وذلك أنه ورد أثر عنه عليه الصلاة والسلام أنه سئل: ما الاستطاعة؟ # فقال: الزاد، والراحلة. فحمل أبو حنيفة، والشافعي ذلك على كل مكلف، وحمله ~~مالك على من لا يستطيع المشي، ولا له قوة على الاكتساب في طريقه وإنما ~~اعتقد الشافعي هذا الرأي، لان من مذهبه إذا ورد الكتاب مجملا، فوردت السنة ~~بتفسير ذلك المجمل أنه ليس ينبغي العدول عن ذلك التفسير. وأما وجوبه ~~باستطاعة النيابة مع العجز عن المباشرة، فعند مالك وأبي حنيفة أنه لا تلزمه ~~النيابة، إذا استطيعت مع العجز عن المباشرة. وعند الشافعي أنها تلزم، ms0329 فليزم ~~على مذهبه الذي عنده مال بقدر أن يحج به عنه غيره، إذا لم يقدر هو ببدنه أن ~~يحج عنه غيره بماله، وإن وجد من يحج عنه بماله، وبدنه من أخ، أو قريب سقط ~~عنه ذلك وهي المسألة التي يعرفونها بالمعضوب، وهو الذي لا يثبت على الراحلة ~~وكذلك عنده الذي يأتيه الموت، ولم يحج يلزم ورثته عنده أن يخرجوا من ماله ~~مما يحج به عنه. وسبب الخلاف في هذا: معارضة القياس للأثر، وذلك أن القياس ~~يقتضي أن العبادات لا ينوب فيها أحد عن أحد، فإنه لا يصلي أحد عن أحد ~~باتفاق، ولا يزكي أحد عن أحد، وأما الأثر المعارض لهذا، فحديث ابن عباس ~~المشهور خرجه الشيخان، وفيه أن امرأة من خثعم قالت لرسول الله (ص): يا رسول ~~الله فريضة الله في الحج على عباده، أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع أن ~~يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم. وذلك في حجة الودع ... فهذا في ~~الحي. وأما في الميت فحديث ابن عباس أيضا خرجه البخاري قال: جاءت امرأة من ~~جهينة إلى النبي (ص)، فقالت: يا رسول الله: إن أمي نذرت الحج، فماتت، أفأحج ~~عنها؟ قال: حجي عنها أرأيت لو كان عليها دين، أكنت قاضيته؟ دين الله أحق ~~بالقضاء ولا خلاف بين المسلمين أنه يقع عن الغير تطوعا، وإنما الخلاف في ~~وقوعه فرضا. # واختلفوا من هذا الباب في الذي يحج عن غيره سواء كان حيا، أو ميتا هل من ~~شرطه أن يكون قد حج عن نفسه أم لا؟ فذهب بعضهم إلى أن ذلك ليس من شرطه، وإن ~~كان قد أدى الفرض عنه نفسه، فذلك أفضل، وبه قال مالك فيمن يحج عن الميت، ~~لان الحج عنده عن الحي لا يقع، وذهب آخرون إلى أن من شرطه أن يكون قد قضى ~~فريضة نفسه، وبه قال الشافعي وغيره، أنه إن حج عن غيره من لم يقض فرض نفسه، ~~انقلب إلى فرض نفسه. PageV01P257 # وعمدة هؤلاء حديث ابن عباس أن النبي (ص) سمع رجلا يقول: لبيك عن ms0330 شبرمة، ~~قال: # ومن شبرمة؟ فقال: أخ لي، أو قال: قريب لي، قال: أفحججت عن نفسك؟ قال: لا، ~~قال: # فحج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة. والطائفة الأولى عللت هذا الحديث بأنه قد ~~روي موقوفا على ابن عباس. واختلفوا من هذا الباب في الرجل يؤاجر نفسه في ~~الحج، فكر ذلك مالك، والشافعي، وقالا: إن وقع ذلك جاز ولم يجز ذلك أبو ~~حنيفة وعمدته أنه قربة إلى الله عز وجل، فلا تجوز الإجارة عليه، وعمدة ~~الطائف الأولى إجماعهم على جواز الإجارة في كتب المصاحف، وبناء المساجد، ~~وهي قربة. والإجارة في الحج عند مالك نوعان: أحدهما: الذي يسميه أصحابه على ~~البلاغ، وهو الذي يؤاجر نفسه على ما يبلغه من الزاد، والراحلة فإن نقص ما ~~أخذه عن البلاغ، وفاه ما يبلغه، وإن فضل عن ذلك شئ، رده. والثاني: على سنة ~~الإجارة، وإن نقص شئ، وفاه من عنده، وإن فضل شئ، فله. # والجمهور على أن العبد لا يلزمه الحج حتى يعتق، وأوجبه عليه بعض أهل ~~الظاهر. فهذه معرفة على من تجب هذه الفريضة، وممن تقع. وأما متى تجب، فإنهم ~~اختلفوا هل هي على الفور، أو على التراخي؟ والقولان متأولان على مالك، ~~وأصحابه، والظاهر عند المتأخرين من أصحابه أنها على التراخي، وبالقول إنها ~~على الفور قال البغداديون من أصحابه واختلف في ذلك قول أبي حنيفة وأصحابه، ~~والمختار عندهم أنه على الفور. # وقال الشافعي: هو على التوسعة وعمدة من قال هو على التوسعة أن الحج فرض ~~قبل حج النبي (ص) بسنين. فلو كان على الفور لما أخره النبي (ص)، ولو أخره ~~لعذر، لبينه. وحجة الفريق الثاني: أنه لما كان مختصا بوقت، كان الأصل تأثيم ~~تاركه حتى يذهب الوقت، أصله وقت الصلاة، والفرق عند الفريق الثاني بينه، ~~وبين الامر بالصلاة أنه لا يتكرر وجوبه بتكرار الوقت، والصلاة بتكرر وجوبها ~~بتكرار الوقت. وبالجملة فمن شبه أول وقت من أوقات الحج الطارئة على المكلف ~~المستطيع بأول الوقت من الصلاة قال: هو على التراخي، ومن شبهه بآخر الوقت ~~من الصلاة قال: ms0331 هو على الفور، ووجه شبهه بآخر الوقت أنه ينقضي بدخول وقت لا ~~يجوز فيه فعله، كما ينقضي وقت الصلاة بدخول وقت ليس يكون فيه المصلي مؤديا، ~~ويحتج هؤلاء بالضرر الذي يلحق المكلف بتأخيره إلى عام آخر بما يغلب على ~~الظن من إمكان وقوع الموت في مدة من عام. ويرون أنه بخلاف تأخير الصلاة من ~~أول الوقت إلى آخره، لان الغالب أنه لا يموت أحد في مقدار ذلك الزمان إلا ~~نادرا، وربما قالوا: إن التأخير في الصلاة يكون مع مصاحبة الوقت الذي يؤدي ~~فيه الصلاة والتأخير ههنا يكون مع دخول وقت لا تصح فيه العبادة، فهو ليس ~~يشبهه في هذا الامر المطلق، وذلك أن الامر المطلق عند من يقول: إنه على ~~التراخي ليس يؤدي التراخي فيه إلى دخول وقت لا يصح فيه وقوع المأمور فيه ~~كما يؤدي التراخي في الحج، إذا دخل PageV01P258 # وقته، فأخره المكلف إلى قابل، فليس الاختلاف في هذه المسألة من باب ~~اختلافهم في مطلق الامر هل على الفور، أو على التراخي كما قد يظن. واختلفوا ~~من هذا الباب هل من شرط وجوب الحج على المرأة أن يكون معها زوج: أو ذو محرم ~~منها يطاوعها على الخروج معها إلى السفر للحج؟ فقال مالك والشافعي: ليس من ~~شرط الوجوب ذلك. # وتخرج المرأة إلى الحج إذا وجدت رفقة مأمونة. وقال أبو حنيفة، وأحمد، ~~وجماعة: وجود ذي المحرم، ومطاوعته لها شرط في الوجوب. وسبب الخلاف: معارضة ~~الامر بالحج، والسفر إليه للنهي عن سفر المرأة ثلاثا إلا مع ذي محرم، وذلك ~~أنه ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة وابن ~~عباس، وابن عمر أنه قال عليه الصلاة والسلام: لا يحل لامرأة تؤمن بالله، ~~واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم فمن غلب عموم الامر قال: تسافر للحج، ~~وإن لم يكن معها ذو محرم ومن خصص العموم بهذا الحديث، أو رأى أنه من باب ~~تفسير الاستطاعة قال: لا تسافر للحج إلا مع ذي محرم. # فقد قلنا في وجوب ms0332 هذا النسك الذي هو الحج، وبأي شئ يجب، وعلى من يجب، ~~ومتى يجب؟. وقد بقي من هذا الباب القول في حكم النسك الذي هو العمرة، فإن ~~قوما قالوا: إنه واجب، وبه قال الشافعي وأحمد، وأبو ثور، وأبو عبيد، ~~والثوري، والأوزاعي وهو قول ابن عباس من الصحابة، وابن عمر، وجماعة من ~~التابعين. وقال مالك، وجماعة هي سنة، وقال أبو حنيفة: هي تطوع، وبه قال أبو ~~ثور، وداود. فمن أوجبها احتج بقوله تعالى: * (وأتموا الحج والعمرة لله) * ~~وبآثار مروية منها ما روي عن ابن عمر عن أبيه قال دخل أعرابي حسن الوجه ~~أبيض الثياب على رسول الله (ص)، فقال ما الاسلام يا رسول الله؟ فقال: أن ~~تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ~~وتصوم شهر رمضان، وتحج، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة وذكر عبد الرزاق قال: ~~أخبرنا معمر عن قتادة أنه كان يحدث أنه لما نزلت * (ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا) * قال رسول الله (ص): باثنتين حجة، وعمرة، فمن ~~قضاهما، فقد قضى الفريضة وروي عن زيد بن ثابت عنه عليه الصلاة والسلام أنه ~~قال: الحج والعمرة فريضتان، لا يضرك بأيهما بدأت وروي عن ابن عباس العمرة ~~واجبة. وبعضهم يرفعه إلى النبي (ص). # وأما حجة الفريق الثاني: وهم الذين يرون أنها ليست واجبة، فالأحاديث ~~المشهورة الثابتة الواردة في تعديد فرائض الاسلام من غير أن يذكر معها ~~العمرة مثل حديث ابن عمر بني الاسلام على خمس ذكر الحج مفردا، ومثل حديث ~~السائل عن الاسلام، فإن في بعض طرقه وأن يحج البيت وربما قالوا: إن الامر ~~بالاتمام ليس يقتضي الوجوب، لان هذا يخص السنن، والفرائض، أعني: إذا شرع ~~فيها أن تتم، ولا تقطع. واحتج هؤلاء أيضا أعني: من PageV01P259 # قال: إنها سنة بآثار: منها حديث الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن ~~جابر بن عبد الله قال: سأل رجل النبي (ص) عن العمرة، أواجبة هي؟ قال: لا، ~~ولان تعتمر خير لك قال أبو عمر بن عبد ms0333 البر: وليس هو حجة فيما انفرد به، ~~وربما احتج من قال: إنها تطوع بما روي عن أبي صالح الحنفي قال: قال رسول ~~الله (ص) الحج واجب، والعمرة تطوع وهو حديث منقطع. فسبب الخلاف في هذا: ~~تعارض الآثار في هذا الباب، وتردد الامر بالتمام بين أن يقتضي الوجوب، أم ~~لا يقتضيه. # القول الأول في الجنس الثاني وهو تعريف أفعال هذه العبادة في نوع منها، ~~والتروك المشترطة فيها وهذه العبادة كما قلنا صنفان: حج، وعمرة. والحج ~~ثلاثة أصناف: إفراد، وتمتع، وقران، وهي كلها تشتمل على أفعال محدودة في ~~أمكنة محدودة، وأوقات محدودة، ومنها فرض، ومنها غير فرض، وعلى تروك تشترط ~~في تلك الأفعال، ولكل من هذه أحكام محدودة إما عند الاحلال بها، وإما عند ~~الطوارئ المانعة منها، فهذا الجنس ينقسم أولا إلى القول في الأفعال، وإلى ~~القول في التروك. وأما الجنس الثالث فهو الذي يتضمن القول في الاحكام، ~~فلنبدأ بالأفعال، وهذه منها ما تشترك فيه هذه الأربعة الأنواع من النسك ~~أعني أصناف الحج الثلاث، والعمرة، ومنها ما يختص بواحد واحد منها فلنبدأ من ~~القول فيها بالمشترك، ثم نصير إلى ما يخص واحدا واحدا منها فنقول: إن الحج، ~~والعمرة أول أفعالهما الفعل الذي يسمى الاحرام. # القول في شروط الاحرام والاحرام شروطه الأول: المكان، والزمان. أما ~~المكان، فهو الذي يسمى مواقيت الحج، فلنبدأ بهذا، فنقول: إن العلماء ~~بالجملة مجمعون على أن المواقيت التي منها يكون الاحرام، أما لأهل المدينة ~~فذو الحليفة، وأما لأهل الشام فالجحفة، ولأهل نجد قرن. # وأهل اليمن يلملم لثبوت ذلك عن رسول الله (ص) من حديث ابن عمر، وغيره. ~~واختلفوا في ميقات أهل العراق: فقال جمهور فقها الأمصار ميقاتهم من ذات عرق ~~وقال الشافعي، والثوري: إن أهلوا من العقيق كان أحب. واختلفوا فيمن أقته ~~لهم، فقالت طائفة: عمر بن الخطاب، وقالت طائف: بل رسول الله (ص) هو الذي ~~أقت لأهل العراق ذات عرق، والعقيق، وروي ذلك من حديث جابر، وابن عباس ~~وعائشة. وجمهور العلماء على أن من يخطئ هذه، وقصده الاحرام، ms0334 فلم يحرم إلا ~~بعدها أن عليه دما، وهؤلاء منهم من قال: إن رجع إلى الميقات فأحرم منه، سقط ~~عنه الدم، ومنهم الشافعي ومنهم من قال: لا يسقط عنه الدم، وإن رجع، وبه قال ~~مالك وقال قوم: ليس عليه دم وقال آخرون إن لم يرجع إلى الميقات، ~~PageV01P260 # فسد حجه، وأنه يرجع إلى الميقات، فيهل منه بعمرة. وهذا يذكر في الاحكام. ~~وجمهور العلماء على أن من كان منزله دونهن، فميقات إحرامه من منزله. ~~واختلفوا هل الأفضل إحرام الحاج منهن، أو من منزله، إذا كان منزله خارجا ~~منهن؟ فقال قوم: الأفضل له من منزله، والاحرام منها رخصة، وبه قال الشافعي، ~~وأبو حنيفة، والثوري، وجماعة. وقال مالك، وإسحق، وأحمد: إحرامه من المواقيت ~~أفضل. وعمدة هؤلاء الأحاديث المتقدمة، وأنها السنة التي سنها رسول الله ~~(ص)، فهي أفضل، وعمدة الطائفة الأخرى أن الصحابة قد أحرمت من قبل الميقات - ~~ابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود وغيرهم - قالوا: وهم أعرف بالسنة. وأصول ~~أهل الظاهر تقتضي أن لا يجوز الاحرام إلا من الميقات إلا أن يصح إجماع على ~~خلافه. # واختلفوا فيمن ترك الاحرام من ميقاته، وأحرم من ميقات آخر غير ميقاته، ~~مثل أن يترك أهل المدينة الاحرام من ذي الحليفة ويحرموا من الجحفة، فقال ~~قوم: عليه دم، وممن قال به مالك وبعض أصحابه وقال أبو حنيفة: ليس عليه شئ. ~~وسبب الخلاف: هل هو من النسك الذي يجب في تركه الدم، أم لا؟ ولا خلاف أنه ~~يلزم الاحرام من مر بهذه المواقيت ممن أراد الحج، أو العمرة، وأما من لم ~~يردهما، ومر بهما، فقال قوم: كل من مر بهما، يلزمه الاحرام، إلا من يكثر ~~ترداده مثل الحطابين، وشبههم، وبه قال مالك وقال قوم: # لا يلزم الاحرام بها إلا لمريد الحج أو العمرة وهذا كله لمن ليس من أهل ~~مكة. وأما أهل مكة فإنهم يحرمون بالحج منها، أو بالعمرة يخرجون إلى الحل، ~~ولابد. وأما متى يحرم بالحج أهل مكة فقيل: إذا رأوا الهلال، وقيل: إذا خرج ~~الناس إلى منى، فهذا هو ms0335 ميقات المكان المشترط لأنواع هذه العبادة. # القول في ميقات الزمان وأما ميقات الزمان، فهو محدود أيضا في أنواع الحج ~~الثلاث، وهو شوال، وذو القعدة، وتسع من ذي الحجة باتفاق، وقال مالك: الثلاث ~~الأشهر كلها محل للحج وقال الشافعي: الشهران، وتسع من ذي الحجة وقال أبو ~~حنيفة: عشر فقط. ودليل قول مالك عموم قوله سبحانه وتعالى: * (الحج أشهر ~~معلومات) * فوجب أن يطلق على جميع أيام ذي الحجة أصله انطلاقه على جميع ~~أيام شوال، وذي القعدة. ودليل الفريق الثاني انقضاء الاحرام قبل تمام الشهر ~~الثالث بانقضاء أفعاله الواجبة. وفائدة الخلاف تأخر طواف الإفاضة إلى آخر ~~الشهر، وإن أحرم بالحج قبل أشهر الحج، كرهه مالك، ولكن صح إحرامه عنده وقال ~~غيره: لا يصح إحرامه وقال الشافعي: ينعقد إحرامه إحرام عمرة. فمن شبهه بوقت ~~الصلاة قال: لا يقع قبل الوقت، ومن اعتمد عموم قوله تعالى: * (وأتموا الحج ~~والعمرة PageV01P261 # لله) * قال متى أحرم، انعقد إحرامه، لأنه مأمور بالاتمام وربما شبهوا ~~الحج في هذا المعنى بالعمرة، وشبهوا ميقات الزمان بميقات العمرة. فأما مذهب ~~الشافعي، فهو مبني على أن من التزم عبادة في وقت نظيرتها انقلبت إلى ~~النظير، مثل أن يصوم نذرا في أيام رمضان، وهذا الأصل فيه اختلاف في المذهب. ~~وأما العمرة، فإن العلماء اتفقوا على جوازها في كل أوقات السنة، لأنها كانت ~~في الجاهلية لا تصنع في أيام الحج، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ~~دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. وقال أبو حنيفة: تجوز في كل السنة ~~إلا يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق فإنها تكره. واختلفوا في تكريرها ~~في السنة الواحدة مرارا، فكان مالك يستحب عمرة في كل سنة، ويكره وقوع ~~عمرتين عنده، وثلاثا في السنة الواحدة وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لا كراهية ~~في ذلك. فهذا هو القول في شروط الاحرام الزمانية، والمكانية. وينبغي بعد ~~ذلك أن نصير إلى القول في الاحرام. # وقبل ذلك ينبغي أن نقول في تروكه، ثم نقول بعد ذلك في الأفعال الخاصة ~~بالمحرم إلى حين إحلاله وهي أفعال ms0336 الحج كلها، وتروكه، ثم نقول في أحكام ~~الاخلال بالتروك والأفعال، ولنبدأ بالتروك. # القول في التروك وهو ما يمنع الاحرام من الأمور المباحة للحلال والأصل في ~~هذا الباب ما ثبت من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رجلا سأل ~~رسول الله (ص) ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله (ص): لا تلبسوا ~~القمص، ولا العمائم ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد لا ~~يجد نعلين فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب ~~شيئا مسه الزعفران، ولا الورس. فاتفق العلماء على بعض الأحكام الواردة في ~~هذا الحديث، واختلفوا في بعضها، فمما اتفقوا عليه أنه لا يلبس المحرم ~~قميصا، ولا شيئا مما ذكر في هذا الحديث، ولا ما كان في معناه من مخيط ~~الثياب، وأن هذا مخصوص بالرجال، أعني تحريم لبس المخيط، وأنه لا بأس للمرأة ~~بلبس القميص، والدرع، والسراويل، والخفاف، والخمر. واختلفوا فيمن لم يجد ~~غير السراويل هل له لباسها؟ فقال مالك، وأبو حنيفة: لا يجوز له لباس ~~السراويل، وإن لبسها، افتدى. وقال الشافعي، والثوري، وأحمد، وأبو ثور، ~~وداود: لا شئ عليه إذا لم يجد إزارا. وعمدة مذهب مالك ظاهر لحديث ابن عمر ~~المتقدم قال: ولو كان في ذلك رخصة لاستثناها رسول الله (ص)، كما استثنى في ~~لبس الخفين. وعمدة الطائفة الثانية حديث عمرو بن دينار عن جابر، وابن عباس ~~قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: السراويل لمن PageV01P262 # لم يجد الإزار، والخف لمن لم يجد النعلين. وجمهور العلماء على إجازة لباس ~~الخفين مقطوعين لمن لم يجد النعلين، وقال أحمد: جائز لمن لم يجد النعلين أن ~~يلبس الخفين غير مقطوعين أخذا بمطلق حديث ابن عباس. وقال عطاء: في قطعهما ~~فساد، والله لا يحب الفساد. واختلفوا فيمن لبسهما مقطوعين مع وجود النعلين، ~~فقال مالك: عليه الفدية، وبه قال أبو ثور وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه. ~~والقولان عن الشافعي وسنذكر هذا في الاحكام. # وأجمع العلماء على أن المحرم لا يلبس الثوب المصبوغ بالورس، والزعفران ~~لقوله ms0337 عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر لا تلبسوا من الثياب شيئا مسه ~~الزعفران، ولا الورس واختلفوا في المعصفر، فقال مالك ليس به بأس، فإنه ليس ~~بطيب، وقال أبو حنيفة، والثوري: هو طيب، وفيه الفدية. وحجة أبي حنيفة ما ~~خرجه مالك عن علي أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن لبس القسي، وعن لبس ~~المعصفر. وأجمعوا على أن إحرام المرأة في وجهها، وأن لها أن تغطي رأسها ~~وتستر شعرها، وأن لها أن تسدل ثوبها على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا، ~~تستر به عن نظر الرجال إليها، كنحو ما روي عن عائشة أنها قالت: كنا مع رسول ~~الله (ص)، ونحن محرمون، فإذا مر بنا ركب، سدلنا على وجوهنا الثوب من قبل ~~رؤوسنا، وإذا جاوز الركب، رفعناه. ولم يأت تغطية وجوههن إلا ما رواه مالك ~~عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت: كنا نخمر وجوهنا، ونحن محرمات مع أسماء بنت ~~أبي بكر الصديق. واختلفوا في تخمير المحرم وجهه بعد إجماعهم على أنه لا ~~يخمر رأسه، فروى مالك عن ابن عمر أن ما فوق الذقن من الرأس لا يخمره المحرم ~~وإليه ذهب مالك وروي عنه أنه إن فعل ذلك، ولم ينزعه من مكانه، افتدى. وقال ~~الشافعي والثوري، وأحمد، وأبو داود، وأبو ثور. يخمر المحرم وجهه إلى ~~الحاجبين وروي من الصحابة عن عثمان، وزيد بن ثابت وجابر، وابن عبا س، وسعد ~~بن أبي وقاص. واختلفوا في لبس القفازين للمرأة، فقال مالك: إن لبست المرأة ~~القفازين افتدت، ورخص فيه الثوري، وهو مروي عن عائشة. # والحجة لمالك ما خرجه أبو داود عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن ~~النقاب، والقفازين وبعض الرواة يرويه موقوفا عن ابن عمر، وصححه بعض رواة ~~الحديث، أعني رفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا هو مشهور اختلافهم، ~~واتفاقهم في اللباس. # وأصل الخلاف في هذا كله: اختلافهم في قياس بعض المسكوت عنه على المنطوق ~~به، واحتمال اللفظ المنطوق به، وثبوته، أو لا ثبوته. وأما الشئ الثاني من ~~المتروكات، فهو الطيب، وذلك ms0338 أن العلماء أجمعوا على أن الطيب كله يحرم على ~~المحرم بالحج، والعمرة في حال إحرامه. واختلفوا في جوازه للمحرم عند ~~الاحرام قبل أن يحرم لما يبقى من أثره عليه بعد الاحرام، فكرهه قوم وأجازه ~~آخرون، وممن كرهه مالك، ورواه عن عمر بن الخطاب وهو قول عثمان، وابن عمر، ~~وجماعة من التابعين، وممن أجازه أبو حنيفة والشافعي، والثوري، وأحمد، ~~وداود. والحجة لمالك رحمه الله من جهة الأثر حديث صفوان بن يعلى ثبت في ~~PageV01P263 # الصحيحين، وفيه أن رجلا جاء إلى النبي (ص) بجبة مضمخة بطيب، فقال: يا ~~رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب؟ فأنزل الوحي ~~على رسول الله (ص) فلما أفاق قال: أين السائل عن العمرة آنفا؟ فالتمس ~~الرجل، فأتي به، فقال عليه الصلاة والسلام: أما الطيب الذي بك فاغسله عنك ~~ثلاث مرات، وأما الجبة، فانزعها، ثم اصنع ما شئت في عمرتك كما تصنع في حجتك ~~اختصرت الحديث، وفقهه هو الذي ذكرت. وعمدة الفريق الثاني ما رواه مالك عن ~~عائشة أنها قالت: كنت أطيب رأس رسول الله (ص) لاحرامه قبل أن يحرم، ولحله ~~قبل أن يطوف بالبيت. واعتل الفريق الأول بما روي عن عائشة أنها قالت: وقد ~~بلغها إنكار ابن عمر تطيب المحرم قبل إحرامه يرحم الله أبا عبد الرحمن طيبت ~~رسول الله (ص)، فطاف على نسائه، ثم أصبح محرما قالوا: # وإذا طاف على نسائه، اغتسل، فإنما يبقى عليه أثر ريح الطيب لا جرمه نفسه، ~~قالوا: ولما كان الاجماع قد انعقد على أن كل ما لا يجوز للمحرم ابتداؤه، ~~وهو محرم، مثل لبس الثياب، وقتل الصيد لا يجوز له استصحابه وهو محرم، فوجب ~~أن يكون الطيب كذلك. فسبب الخلاف: تعارض الآثار في هذا الحكم. وأما المتروك ~~الثالث، فهو مجامعة النساء، وذلك أنه أجمع المسلمون على أن وطئ النساء على ~~الحاج حرام من حين يحرم لقوله تعالى: # * (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) *. وأما الممنوع الرابع، فهو ~~إلقاء التفث، وإزالة الشعر، وقتل القمل ولكن ms0339 اتفقوا على أنه يجوز له غسل ~~رأسه من الجنابة، واختلفوا في كراهية غسله من غير الجنابة، فقال الجمهور: ~~لا بأس بغسله رأسه وقال مالك: # بكراهية ذلك وعمدته أن عبد الله بن عمر كان لا يغسل رأسه، وهو محرم إلا ~~من الاحتلام. # وعمدة الجمهور ما رواه مالك عن عبد الله بن جبير أن ابن عبا س والمسور بن ~~مخرمة اختلفا بالأبواء فقال عبد الله: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور بن ~~مخرمة: لا يغسل المحرم رأسه، قال: فأرسلني عبد الله بن عباس إلى أبي أيوب ~~الأنصاري قال: فوجدته يغتسل بين القرنين: وهو مستتر بثوب، فسلمت عليه، ~~فقال: من هذا؟ فقلت: عبد الله بن جبير، أرسلني إليك عبد الله بن عباس أسألك ~~كيف كان رسول الله (ص) يغسل رأسه، وهو محرم، فوضع أبو أيوب يده على الثوب، ~~فتطأطأ حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان يصب عليه، اصبب فصب على رأسه، ثم ~~حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله (ص) يفعل. ~~وكان عمر يغسل رأسه، وهو محرم، ويقول: ما يزيده الماء إلا شعثا رواه مالك ~~في الموطأ، وحمل مالك حديث أبي أيوب على غسل الجنابة، والحجة له إجماعهم ~~على أن المحرم ممنوع من قتل القمل، ونتف الشعر، وإلقاء التفث، وهو الوسخ، ~~PageV01P264 # والغاسل رأسه، هو إما أن يفعل هذه كلها، أو بعضها. واتفقوا على منع غسله ~~رأسه بالخطمي وقال مالك، وأبو حنيفة: إن فعل ذلك افتدى. وقال أبو ثور ~~وغيره: لا شئ عليه. واختلفوا في الحمام، فكان مالك يكره ذلك، ويرى أن على ~~من دخله الفدية وقال أبو حنيفة، والشافعي، والثوري، وداود: لا بأس بذلك. ~~وروي عن ابن عباس دخول الحمام. # وهو محرم من طريقين. والأحسن أن يكره دخوله، لان المحرم منهي عن إلقاء ~~التفث. # وأما المحظور الخامس: فهو الاصطياد، وذلك أيضا مجمع عليه لقوله سبحانه ~~وتعالى * (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) * وقوله تعالى: * (لا تقتلوا ~~الصيد وأنتم حرم) *. وأجمعوا على أنه لا يجوز له صيده، ولا ms0340 أكل ما صاد هو ~~منه واختلفوا إذا صاده حلال هل يجوز للمحرم أكله؟ على ثلاثة أقوال: قول: ~~إنه يجوز له أكله على الاطلاق، وبه قال أبو حنيفة وهو قول عمر بن الخطاب ~~والزبير. وقال قوم: هو محرم عليه على كل حال، وهو قول ابن عباس وعلي، وابن ~~عمر، وبه قال الثوري. وقال مالك: ما لم يصد من أجل المحرم، أو من أجل قوم ~~محرمين، فهو حلال، وما صيد من أجل المحرم، فهو حرام على المحرم. وسبب ~~اختلافهم: تعارض الآثار في ذلك، فأحدها ما خرجه مالك من حديث أبي قتادة أنه ~~كان مع رسول الله (ص) حتى إذا كانوا ببعض طرق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين، ~~وهو غير محرم، فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يناولوه ~~سوطه، فأبوا عليه فسألهم رمحه، فأبوا عليه، فأخذه، ثم شد على الحما، فقتله، ~~فأكل منه بعض أصحاب رسول الله (ص)، وأبى بعضهم، فلما أدركوا رسول الله (ص) ~~سألوه عن ذلك، فقال: إنما هي طعمة أطعمكموها الله. وجاء أيضا في معناه حديث ~~طلحة بن عبيد الله، ذكره النسائي: أن عبد الرحمن التميمي قال: كنا مع طلحة ~~بن عبيد الله، ونحن محرمون، فأهدي له ظبي وهو راقد، فأكل بعضنا، فاستيقظ ~~طلحة، فوافق على أكله، وقال: أكلناه مع رسول الله (ص). والحديث الثاني حديث ~~ابن عباس خرجه أيضا مالك أنه أهدى لرسول الله (ص) حمارا وحشيا، وهو ~~بالأبواء، أو بودان، فرده عليه، وقال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم. ~~وللاختلاف سبب آخر، وهو هل يتعلق النهي عن الأكل بشرط القتل أو يتعلق بكل ~~واحد منهما النهي عن الانفراد؟ فمن أخذ بحديث أبي قتادة قال: إن النهي إنما ~~يتعلق بالأكل مع القتل ومن أخذ بحديث ابن عباس قال: النهي يتعلق بكل واحد ~~منهما على انفراده، فمن ذهب في هذه الأحاديث مذهب الترجيح قال: # إما بحديث أبي قتادة، وإما بحديث ابن عباس، ومن جمع بين الأحاديث قال ~~بالقول الثالث، قالوا: والجمع أولى، وأكدوا ذلك بما ms0341 روي عن جابر عن النبي ~~(ص) PageV01P265 # أنه قال صيد البر حلال لكم، وأنتم حرم ما لم تصيدوه، أو يصد لكم. ~~واختلفوا في المضطر هل يأكل الميتة، أو يصيد في الحرم، فقال مالك، وأبو ~~حنيفة، والثوري وزفر، وجماعة: إذا اضطر، أكل الميتة، ولحم الخنزير دون ~~الصيد وقال أبو يوسف: يصيد، ويأكل، وعليه الجزاء، والأول أحسن للذريعة، ~~وقول أبي يوسف: أقيس، لان تلك محرمة لعينها، والصيد محرم لغرض من الأغراض، ~~وما حرم لعلة أخف مما حرم لعينه، وما هو محرم لعينه أغلظ. فهذه الخمسة اتفق ~~المسلمون على أنها من محظورات الاحرام. واختلفوا في نكاح المحرم، فقال مالك ~~والشافعي والليث والأوزاعي: لا ينكح المحرم ولا ينكح، فإن نكح فالنكاح ~~باطل. وهو قول عمر، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وزيد بن ثابت. وقال أبو ~~حنيفة، والثوري: لا بأس بأن ينكح المحرم، أو أن ينكح والسبب في اختلافهم: ~~اختلاف الآثار في ذلك، فأحدها ما رواه مالك من حديث عثمان بن عفان أنه قال: ~~قال رسول الله (ص): لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب والحديث المعارض ~~لهذا حديث ابن عباس أن رسول الله (ص) نكح ميمونة، وهو محرم خرجه أهل ~~الصحاح، إلا أنه عارضته آثار كثيرة عن ميمونة أن رسول الله (ص) تزوجها، وهو ~~حلال رويت عنها من طرق شتى عن أبي رافع، وعن سليمان بن يسار، وهو مولاها، ~~وعن زيد بن الأصم ويمكن الجمع بين الحديثين بأن يحمل الواحد على الكراهية، ~~والثاني على الجواز، فهذه هي مشهورا ت ما يحرم على المحرم. وأما متى يحل، ~~فسنذكره عند ذكرنا أفعال الحج، وذلك أن المعتمر يحل، إذا طاف، وسعى، وحلق. ~~واختلفوا في الحاج على ما سيأتي بعد، وإذ قد قلنا في تروك المحرم، فلنقل في ~~أفعاله. # القول في أنواع هذا النسك والمحرمون إما محرم بعمرة مفردة، أو محرم بحج ~~مفرد، أو جامع بين الحج، والعمرة وهذان ضربان: إما متمتع، وإما قارن، ~~فينبغي أولا أن نجرد أصناف هذه المناسك الثلاث، ثم نقول ما يفعل المحرم في ms0342 ~~كلها، وما يخص واحدا واحدا منها، إن كان هنالك ما يخص، وكذلك نفعل فيما بعد ~~الاحرام من أفعال الحج إن شاء الله تعالى. # القول في شرح أنواع هذه المناسك فنقول: إن الافراد هو ما يتعرى عن صفات ~~التمتع والقران، فلذلك يجب أن نبدأ أولا بصفة التمتع، ثم نردف ذلك بصفة ~~القران. # القول في التمتع فنقول: إن العلماء اتفقوا على أن هذا النوع من النسك ~~الذي هو المعني بقوله PageV01P266 # سبحانه: * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) * هو أن يهل ~~الرجل بالعمرة في أشهر الحج من الميقات، وذلك إذا كان مسكنه خارجا عن ~~الحرم، ثم يأتي حتى يصل البيت، فيطوف لعمرته ويسعى، ويحلق في تلك الأشهر ~~بعينها، ثم يحل بمكة، ثم ينشئ الحج في ذلك العام بعينه، وفي تلك الأشهر ~~بعينها من غير أن ينصرف إلى بلده، إلا ما روي عن الحسن أنه كان يقول: هو ~~متمتع، وإن عاد إلى بلده، ولم يحج: أي عليه هدي المتمتع المنصوص عليه في ~~قوله تعالى: * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) * لأنه كان ~~يقول: عمرة في أشهر الحج متعة. وقال طاووس: من اعتمر في غير أشهر الحج، ~~أقام حتى الحج، وحج من عامه أنه متمتع. واتفق العلماء على أن من لم يكن من ~~حاضري المسجد الحرام، فهو متمتع. واختلفوا في المكي هل يقع منه التمتع، أم ~~لا يقع؟ والذين قالوا: إنه يقع منه اتفقوا على أنه ليس عليه دم لقوله ~~تعالى: * (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) *. واختلفوا فيمن هو ~~حاضر المسجد الحرام ممن ليس هو، فقال مالك: حاضر والمسجد الحرام هم أهل ~~مكة. وذي طوى، وما كان مثل ذلك من مكة وقال أبو حنيفة: هم أهل المواقيت فمن ~~دونهم إلى مكة وقال الشافعي بمصر: من كان بينه، وبين مكة ليلتان، وهو أكمل ~~المواقيت. وقال أهل الظاهر: من كان ساكن الحرم وقال الثوري: هم أهل مكة ~~فقط. وأبو حنيفة يقول: إن حاضري المسجد الحرام لا يقع منهم ms0343 التمتع وكره ذلك ~~مالك. وسبب الاختلاف: اختلاف ما يدل عليه اسم حاضري المسجد الحرام بالأقل ~~والأكثر، ولذلك لا يشك أن أهل مكة، هم من حاضري المسجد الحرام كما لا يشك ~~أن من خارج المواقيت ليس منهم، فهذا هو نوع التمتع المشهور، ومعنى التمتع ~~أنه تمتع بتحلله بين النسكين، وسقوط السفر عنه مرة ثانية إلى النسك الثاني ~~الذي هو الحج، وهنا نوعان من التمتع اختلف العلماء فيهما: أحدهما: # فسخ الحج في عمرة، وهو تحويل النية من الاحرام بالحج إلى العمرة، فجمهور ~~العلماء يكرهون ذلك في الصدر الأول، وفقهاء الأمصار، وذهب ابن عباس إلى ~~جواز ذلك وبه قال أحمد، وداود. وكلهم متفقون أن رسول الله (ص) أمر أصحابه ~~عام حج بفسخ الحج في العمرة، وهو قوله عليه الصلاة والسلام لو استقبلت من ~~أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة وأمره لمن لم يسق الهدي من ~~أصحابه أن يفسخ إهلاله في العمرة، وبهذا تمسك أهل الظاهر. والجمهور رأوا ~~ذلك من باب الخصوص لأصحاب رسول الله (ص) واحتجوا بما روي عن ربيعة بن أبي ~~عبد الرحمن عن الحارث بن بلال بن الحارث المدني عن أبيه قال قلت يا رسول ~~الله أفسخ لنا خاصة، أم لمن بعدنا؟ قال: PageV01P267 # لنا خاصة. وهذا لم يصح عند أهل الظاهر صحة يعارض بها العمل المتقدم. وروي ~~عن عمر أنه قال: متعتان كانت على عهد رسول الله (ص) أنا أنهى عنهما، وأعاقب ~~عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج. وروي عن عثمان أنه قال: متعة الحج كانت ~~لنا، وليست لكم. # وقال أبو ذر: ما كان لاحد بعدنا أن يحرم بالحج، ثم يفسخه في عمرة. هذه ~~كله مع ظاهر قوله تعالى: * (وأتموا الحج والعمرة لله) *. والظاهرية على أن ~~الأصل اتباع فعل الصحابة حتى يدل دليل من كتاب الله أو سنة ثابتة على أنه ~~خاص. فسبب الاختلاف: هل فعل الصحابة محمول على العموم، أو على الخصوص. وأما ~~النوع الثاني التمتع: فهو ما كان يذهب إليه ابن الزبير من أن التمتع الذي ~~ذكره الله ms0344 تعالى، هو تمتع المحصر بمرض، أو عدو، وذلك إذا خرج الرجل حاجا، ~~فحبسه عدو، أو أمر تعذر به عليه الحج حتى تذهب أيام الحج، فيأتي البيت، ~~فيطوف، ويسعى بين الصفا والمروة ويحل، ثم يتمتع بحله إلى العام المقبل، ثم ~~يحج، ويهدي، وعلى هذا القول ليس يكون التمتع المشهور إجماعا. وشذ طاووس ~~أيضا، فقال: إن المكي إذا تمتع من بلد غير مكة، كان عليه الهدي. واختلف ~~العلماء فيمن أنشأ عمرة في غير أشهر الحج، ثم عملها في أشهر الحج، ثم حج من ~~عامه ذلك، فقال مالك: عمرته في الشهر الذي حل فيه، فإن كان حل في أشهر ~~الحج، فهو متمتع، وإن كان حل في غير أشهر الحج، فليس بمتمتع وبقريب منه قال ~~أبو حنيفة، والشافعي والثوري إلا أن الثوري اشترط أن يوقع طوافه كله في ~~شوال وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: إن طاف ثلاثة أشواط في رمضان، وأربعة ~~في شوال، كان متمتعا، وإن كان عكس ذلك، لم يكن متمتعا أعني أن يكون طاف ~~أربعة أشواط في رمضان، وثلاثة في شوال وقال أبو ثور: # إذا دخل في العمرة في غير أشهر الحج، فسواء طاف لها في غير أشهر الحج، أو ~~في أشهر الحج لا يكون متمتعا. وسبب الاختلاف: هل يكون متمتعا بإيقاع إحرام ~~العمرة في أشهر الحج فقط، أم بإيقاع الطواف معه؟ ثم إن كان بإيقاع الطواف ~~معه، فهل بإيقاعه كله أم أكثره؟ فأبو ثور يقول: لا يكون متمتعا إلا بإيقاع ~~الاحرام في أشهر الحج، لان بالاحرام تنعقد العمرة. والشافعي يقول: الطواف ~~هو أعظم أركانها، فوجب أن يكون به متمتعا، فالجمهور على أن من أوقع بعضها ~~في أشهر الحج كمن أوقعها كلها. وشروط التمتع عند مالك ستة: أحدها: أن يجمع ~~بين الحج والعمرة في شهر واحد. والثاني: أن يكون ذلك في عام واحد، والثالث: ~~أن يفعل شيئا من العمرة في أشهر الحج، والرابع: أن يقدم العمرة على الحج، ~~والخامس: أن ينشئ الحج بعد الفراغ من العمرة وإحلاله منها. # والسادس: أن يكون ms0345 وطنه غير مكة. فهذه هي صورة التمتع، والاختلاف المشهور ~~فيه، والاتفاق. PageV01P268 # القول في القارن وأما القران، فهو أن يهل بالنسكين معا، أو يهل بالعمرة ~~في أشهر الحج، ثم يردف ذلك بالحج قبل أن يهل من العمرة. واختلف أصحاب مالك ~~في الوقت الذي يكون ذلك له فيه، فقيل ذلك له ما لم يشرع في الطواف، ولو ~~شوطا واحدا، وقيل ما لم يطف، ويركع، ويكره بعد الطواف، وقبل الركوع، فإن ~~فعل، لزمه، وقيل له ذلك ما بقي عليه شئ من عمل العمرة من طواف، أو سعي، ما ~~خلا أنهم اتفقوا على أنه إذا أهل بالحج ولم يبق عليه من أفعال العمرة إلا ~~الحلاق، فإنه ليس بقارن، والقارن الذي يلزمه هدي المتمتع، هو عند الجمهور ~~من غير حاضري المسجد الحرام إلا ابن الماجشون من أصحاب مالك، فإن القارن من ~~أهل مكة عنده عليه الهدي. وأما الافراد، فهو ما تعرى من هذه الصفات، وهو ~~ألا يكون متمتعا ولا قارنا، بل أن يهل بالحج فقط. وقد اختلف العلماء أي ~~أفضل هل الافراد، أو القران، أو التمتع؟ والسبب في اختلافهم: اختلافهم فيما ~~فعل رسول الله (ص) من ذلك، وذلك أنه روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان ~~مفردا وروي أنه تمتع وروي عنه أنه كان قارنا. فاختار مالك الافراد، واعتمد ~~في ذلك على ما روي عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله (ص) عام حجة ~~الوداع، فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج، وعمرة، وأهل رسول الله (ص) ~~بالحج ورواه عن عائشة من طرق كثيرة. قال أبو عمر بن عبد البر: وروي الافراد ~~عن النبي (ص) عن جابر بن عبد الله من طرق شتى متواترة صحاح، وهو قول أبي ~~بكر، وعمر، وعثمان، وعائشة، وجابر، والذين رأوا أن النبي (ص) كان متمتعا ~~احتجوا بما رواه الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر قال: # تمتع رسول الله (ص) في عام حجة الوداع بالعمرة إلى الحج. وأهدى، وساق ~~الهدي معه من ذي الحليفة ms0346 وهو مذهب عبد الله بن عمر، وابن عباس، وابن ~~الزبير، واختلف عن عائشة في التمتع، والافراد. واعتمد من رأى أنه عليه ~~الصلاة والسلام كان قارنا أحاديث كثيرة: # منها حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله (ص) يقول وهو ~~بوادي العقيق أتاني الليلة آت من ربي، فقال: أهل في هذا الوادي المبارك، ~~وقل: عمرة في حجة خرجه البخاري، وحديث مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان ~~وعليا، وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما، فلما رأى ذلك علي أهل ~~بهما: لبيك بعمرة، وحجة، وقال: ما كنت لأدع سنة رسول الله (ص) لقول أحد ~~خرجه البخاري، وحديث أنس خرجه البخاري أيضا قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ~~لبيك عمرة، وحجة وحديث مالك بن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول ~~الله عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله (ص) من كان معه هدي، ~~فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا واحتجوا فقالوا: ~~ومعلوم أنه كان معه PageV01P269 # (ص) هدي، ويبعد أن يأمر بالقران من معه هدي، ويكون معه هدي ولا يكون ~~قارنا. وحديث مالك أيضا عن نافع عن ابن عمر عن حفصة عن النبي (ص) أنه قال: ~~إني قلدت هديي، ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أنحر هديي وقال أحمد: لا أشك أن ~~رسول الله (ص) كان قارنا، والتمتع أحب إلي، واحتج في اختياره بقوله عليه ~~الصلاة والسلام لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها ~~عمرة. واحتج من طريق المعنى من رأى أن الافراد الأفضل أن التمتع، والقران ~~رخصة، ولذلك وجب فيهما الدم. وإذ قلنا في وجوب هذا النسك وعلى من يجب، وما ~~شروط وجوبه، ومتى يجب، وفي أي وقت يجب، ومن أي مكان يجب، وقلنا بعد ذلك ~~فيما يجتنبه المحرم بما هو محرم، ثم قلنا أيضا في أنواع هذا النسك، يجب أن ~~نقول في أول أفعال الحاج، أو المعتمر، وهو الاحرام. # القول في الاحرام واتفق جمهور العلماء على أن ms0347 الغسل للاهلال سنة، وأنه من ~~أفعال المحرم حتى قال ابن نوار: إن هذا الغسل للاهلال عند مالك أوكد من غسل ~~الجمعة، وقال أهل الظاهر، هو واجب، وقال أبو حنيفة، والثوري: يجزئ منه ~~الوضوء. وحجة أهل الظاهر مرسل مالك من حديث أسماء بنت عميس أنها ولدت محمد ~~بن أبي بكر بالبيداء، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله (ص)، فقال: مرها، ~~فتغتسل، ثم لتهل والامر عندهم على الوجوب. وعمدة الجمهور أن الأصل هو براءة ~~الذمة حتى يثبت الوجوب بأمر لا مدفع فيه. وكان عبد الله بن عمر يغتسل ~~لاحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية يوم عرفة ومالك يرى هذه ~~الاغتسالات الثلاث من أفعال المحرم. واتفقوا على أن الاحرام لا يكون إلا ~~بنية واختلفوا هل تجزئ النية فيه من غير التلبية؟ فقال مالك والشافعي: تجزئ ~~النية من غير التلبية. # وقال أبو حنيفة: التلبية في الحج كالتكبيرة في الاحرام بالصلاة، إلا أنه ~~يجزئ عنده كل لفظ يقوم مقام التلبية، كما يجزئ عنده في افتتاح الصلاة كل ~~لفظ يقوم مقام التكبير، وهو كل ما يدل على التعظيم. واتفق العلماء على أن ~~لفظ تلبية رسول الله (ص) لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد ~~والنعمة لك والملك لا شريك لك وهي من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر عن ~~النبي (ص)، وهو أصح سندا. واختلفوا في هل هي واجبة بهذا اللفظ أم لا؟ فقال ~~أهل الظاهر: هي واجبة بهذا اللفظ. ولا خلاف عند الجمهور في استحباب هذا ~~اللفظ، وإنما اختلفوا في الزيادة عليه، أو في تبديله. وأوجب أهل الظاهر رفع ~~الصوت بالتلبية، وهو مستحب عند الجمهور لما رواه مالك أن رسول الله (ص) ~~قال: # أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي، ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، ~~وبالاهلال. # وأجمع أهل العلم على أن تلبية المرأة فيما حكاه أبو عمر، هو أن تسمع ~~نفسها بالقول. وقال PageV01P270 # مالك: لا يرفع المحرم صوته في مساجد الجماعة، بل يكفيه أن يسمع من يليه، ~~إلا في ms0348 المسجد الحرام، ومسجد منى، فإنه يرفع صوته فيهما. # واستجب الجمهور رفع الصوت عند التقاء الرفاق، وعند الاطلال على شرف من ~~الأرض، وقال أبو حازم: كان أصحاب رسول الله (ص) لا يبلغون الروحاء حتى تبح ~~حلوقهم. وكان مالك لا يرى التلبية من أركان الحج، ويرى على تاركها دما، ~~وكان غيره يراها من أركانه. وحجة من رآها واجبة أن أفعاله (ص)، إذا أتت ~~بيانا لواجب أنها محمولة على الوجوب حتى يدل الدليل على غير ذلك، لقوله ~~عليه الصلاة والسلام خذوا عني مناسككم وبهذا يحتج من أوجب لفظه فيها فقط، ~~ومن لم ير وجوب لفظه، فاعتمد في ذلك على ما روي من حديث جابر قال أهل رسول ~~الله (ص)، فذكر التلبية التي في حديث ابن عمر، وقال في حديثه والناس يزيدون ~~على ذلك لبيك ذا المعارج، ونحوه من الكلام، والنبي يسمع، ولا يقول شيئا وما ~~روي عن ابن عمر أنه كان يزيد في التلبية، وعن عمر بن الخطاب، وعن أنس ~~وغيره. واستحب العلماء أن يكون ابتداء المحرم بالتلبية بأثر صلاة يصليها ~~فكان مالك يستحب ذلك بأثر نافلة لما روى من مرسله عن هشام بن عروة عن أبيه ~~أن رسول الله (ص) كان يصلي في مسجد ذي الحليفة ركعتين، فإذا استوت به ~~راحلته أهل. واختلفت الآثار في الموضع الذي أحرم منه رسول الله (ص) بحجته ~~من أقطار ذي الحليفة، فقال قوم: من مسجد ذي الحليفة بعد أن صلى فيه، وقال ~~آخرون: إنما أحرم حين أطل على البيداء، وقال قوم: إنما أهل حين استوت به ~~راحلته. وسئل ابن عباس عن اختلافهم في ذلك، فقال: كل حدث لا عن أول إهلاله ~~عليه الصلاة والسلام، بل عن أول إهلال سمعه. وذلك أن الناس يأتون متسابقين. ~~فعلى هذا لا يكون في هذا اختلاف ويكون الاهلال إثر الصلاة. وأجمع فقهاء ~~الأمصار على أن المكي لا يلزمه الاهلال، حتى إذا خرج إلى منى، ليتصل له عمل ~~الحج. وعمدتهم ما رواه مالك عن ابن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر: ms0349 رأيتك ~~تفعل هنا أربعا لم أر أحدا يفعلها فذكر منها: # ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس، إذا رأوا الهلال، ولم تهل أنت إلى يوم ~~التروية، فأجابه ابن عمر: أما الاهلال، فإني لم أر رسول الله (ص) يهل حتى ~~تنبعث به راحلته، يريد حتى يتصل له عمل الحج. وروى مالك أن عمر بن الخطاب ~~كان يأمر أهل مكة أن يهلوا، إذ رأوا الهلال. ولا خلاف عندهم أن المكي لا ~~يهل إلا من جوف مكة، إذا كان حاجا وأما إذا كان معتمرا، فإنهم أجمعوا على ~~أنه يلزمه أن يخرج إلى الحل، ثم يحرم منه، ليجمع بين الحل، والحرم، كما ~~يجمع الحاج، أعني لأنه يخرج إلى عرفة، وهو حل وبالجملة، فاتفقوا على أنها ~~سنة المعتمر، واختلفوا إن لم يفعل، فقال قوم: يجزيه، وعليه دم، وبه قال أبو ~~حنيفة، وابن القاسم، وقال آخرون: لا يجزيه، وهو قول الثوري، وأشهب. ~~PageV01P271 # (وأما متى يقطع المحرم التلبية) فإنهم اختلفوا في ذلك، فروى مالك أن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقطع التلبية، إذا زاغت الشمس من يوم عرفة. ~~وقال مالك: # وذلك الامر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا. وقال ابن شهاب: كانت ~~الأئمة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي يقطعون التلبية عند زوال الشمس من يوم ~~عرفة قال أبو عمر بن عبد البر: واختلف في ذلك عن عثمان، وعائشة. وقال جمهور ~~فقهاء الأمصار وأهل الحديث: # وأبو حنيفة، والشافعي، والثوري، وأحمد، وإسحق وأبو ثور، وداود، وابن أبي ~~ليلى، وأبو عبيد، والطبري، والحسن بن حيي: إن المحرم لا يقطع التلبية حتى ~~يرمي جمرة العقبة لما ثبت أن رسول الله (ص) لم يزل يلبي حتى رمى جمرة ~~العقبة إلا أنهم اختلفوا متى يقطعها، فقال قوم: إذا رماها بأسرها لما روي ~~عن ابن عباس أن الفضل بن عباس كان رديف رسول الله (ص) وأنه لبى حتى رمى ~~جمرة العقبة وقطع التلبية في آخر حصاة. وقال قوم: بل يقطعها في أول جمرة ~~يلقيها، روي ذلك عن ابن مسعود. وروي في ms0350 وقت قطع التلبية أقاويل غير هذه إلا ~~أن هذين القولين، هما المشهوران. واختلفوا في وقت قطع التلبية بالعمرة، ~~فقال مالك: يقطع التلبية إذا انتهى إلى الحرم وبه قال أبو حنيفة. وقال ~~الشافعي: إذا افتتح الطواف وسلف مالك في ذلك ابن عمر، وعروة وعمدة الشافعي ~~أن التلبية معناها إجابة إلى الطواف بالبيت، فلا تنقطع حتى يشرع في العمل. ~~وسبب الخلاف: # معارضة القياس لفعل بعض الصحابة، وجمهور العلماء كما قلنا متفقون على ~~إدخال المحرم الحج على العمرة، ويختلفون في إدخال العمرة على الحج. وقال ~~أبو ثور: لا يدخل حج على عمرة، ولا عمرة على حج، كما لا تدخل صلاة على ~~صلاة. فهذه هي أفعال المحرم بما هو محرم، وهو أول أفعال الحج. وأما الفعل ~~الذي بعد هذا فهو الطواف عند دخول مكة، فلنقل في الطواف. # القول في الطواف بالبيت والكلام في الطواف في صفته، وشروطه، وحكمه في ~~الوجوب أو الندب، وفي أعداده القول في الصفة والجمهور مجمعون على أن صفة كل ~~طواف واجبا كان، أو غير واجب أن يبتدئ من الحجر الأسود. فإن استطاع أن ~~يقبله، قبله، أو يلمسه بيده، ويقبلها إن أمكنه، ثم يجعل البيت على يساره، ~~ويمضي على يمينه فيطوف سبعة أشواط يرمل في الثلاثة الأشواط الأول، ثم يمشي ~~في الأربعة، وذلك في طواف القدوم على مكة، وذلك للحاج، والمعتمر دون ~~المتمتع، وأنه لا رمل على النساء، ويستلم الركن اليماني، وهو الذي على قطر ~~الركن الأسود لثبوت هذه الصفة من فعله (ص). واختلفوا في حكم الرمل في ~~الثلاثة الأشواط PageV01P272 # الأول للقادم هل هو سنة أو فضيلة؟ فقال ابن عباس: هو سنة، وبه قال ~~الشافعي، وأبو حنيفة، وإسحق، وأحمد، وأبو ثور واختلف قول مالك في ذلك ~~وأصحابه. والفرق بين القولين أن من جعله سنة أوجب في تركه الدم، ومن لم ~~يجعله سنة لم يوجب في تركه شيئا. # واحتج من لم ير الرمل سنة بحديث أبي الطفيل عن ابن عباس قال: قلت لابن ~~عباس زعم قومك أن رسول الله (ص) حين طاف ms0351 بالبيت، رمل، وأن ذلك سنة، فقال: ~~صدقوا وكذبوا، قال: قلت: ما صدقوا، وما كذبوا؟ قال: صدقوا رمل رسول الله ~~(ص) حين طاف بالبيت، وكذبوا ليس بسنة. إن قريشا زمن الحديبية قالوا: إن به، ~~وبأصحابه هزلا وقعدوا على قعيقعان ينظرون إلى النبي (ص) وأصحابه فبلغ ذلك ~~النبي (ص). فقال لأصحابه أرملوا، أروهم أن بكم قوة فكان رسول الله (ص) يرمل ~~من الحجر الأسود إلى اليماني، فإذا توارى عنهم مشى. وحجة الجمهور حديث جابر ~~أن رسول الله (ص) رمل في الثلاثة الأشواط في حجة الوداع، ومشى أربعا وهو ~~حديث ثابت من رواية مالك وغيره، قالوا: وقد اختلف على أبي الطفيل عن ابن ~~عباس، فروي عنه أن رسول الله (ص) رمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود ~~وذلك بخلاف الرواية الأولى. وعلى أصول الظاهرية يجب الرمل لقوله: خذوا عني ~~مناسككم وهو قولهم، أو قول بعضهم الآن فيما أظن. وأجمعوا على أنه لا رمل ~~على من أحرم بالحج من مكة من غير أهلها، وهم المتمتعون، لأنهم قد رملوا في ~~حين دخولهم حين طافوا للقدوم واختلفوا في أهل مكة هل عليهم، إذا حجوا رمل، ~~أم لا؟ # فقال الشافعي: كان طواف قبل عرفة مما يوصل بينه، وبين السعي، فإنه يرمل ~~فيه وكان مالك يستحب ذلك، وكان ابن عمر لا يرى عليهم رملا، إذا طافوا ~~بالبيت على ما روى عنه مالك. وسبب الخلاف: هل الرمل كان لعلة، أو لغير علة؟ ~~وهل هو مختص بالمسافر، أم لا؟ وذلك أنه كان عليه الصلاة والسلام حين رمل ~~واردا على مكة. واتفقوا على أن من سنة الطواف استلام الركنين: الأسود، ~~واليماني للرجال دون النساء واختلفوا هل تستلم الأركان كلها أم لا؟ فذهب ~~الجمهور إلى أنه إنما يستلم الركنان فقط لحديث ابن عمر أن رسول الله (ص) لم ~~يكن يستلم إلا الركنين فقط واحتج من رأى استلام جميعها بما روي عن جابر ~~قال: كنا نرى إذا طفنا أن نستلم الأركان كلها. وكان بعض السلف لا يحب أن ~~يستلم الركنين إلا في الوتر ms0352 من الأشواط. وكذلك أجمعوا على أن تقبيل الحجر ~~الأسود خاصة من سنن الطواف إن قدر، وإن لم يقدر على الدخول إليه، قبل يده، ~~وذلك لحديث عمر بن الخطاب الذي رواه مالك أنه قال وهو يطوف بالبيت حين بلغ ~~الحجر الأسود: # إنما أنت حجر، ولولا أني رأيت رسول الله قبلك، ما قبلتك، ثم قبله. ~~وأجمعوا على أن من سنة الطواف ركعتين بعد انقضاء الطواف، وجمهورهم على أنه ~~يأتي بها الطائف عند انقضاء كل أسبوع إن طاف أكثر من أسبوع واحد، وأجاز بعض ~~السلف ألا يفرق بين PageV01P273 # الأسابيع وألا يفصل بينها بركوع، ثم يركع لكل أسبوع ركعتين، وهو مروي عن ~~عائشة أنها كانت تفرق بين ثلاثة الأسابيع، ثم تركع ست ركعات، وحجة الجمهور: ~~أن رسول الله (ص) طاف بالبيت سبعا، وصلى خلف المقام ركعتين، وقال: خذوا عني ~~مناسككم وحجة من أجاز الجمع أنه قال: المقصود إنما هو ركعتان لكل أسبوع ~~والطواف ليس له وقت معلوم، ولا الركعتان المسنونتان بعده فجاز الجمع بين ~~أكثر من ركعتين لأكثر من أسبوعين. وإنما استحب من يرى أن يفرق بين ثلاثة ~~أسابيع، لان رسول الله (ص) انصرف إلى الركعتين بعد وتر من طوافه، ومن طاف ~~أسابيع غير وتر، ثم عاد إليها، لم ينصرف عن وتر من طوافه. # القول في شروطه وأما شروطه، فإن منها حد موضعه، وجمهور العلماء على أن ~~الحجر من البيت وأن من طاف بالبيت، لزمه إدخال الحجر فيه، وأنه شرط في صحة ~~طواف الإفاضة وقال أبو حنيفة، وأصحابه هو سنة. وحجة الجمهور ما رواه مالك ~~عن عائشة أن رسول الله (ص) قال: لولا حدثان قومك بالكفر، لهدمت الكعبة، ~~ولصيرتها على قواعد إبراهيم فإنهم تركوا منها سبعة أذرع من الحجر، ضاقت بهم ~~النفقة والخشب وهو قول ابن عباس، وكان يحتج بقوله تعالى: * (وليطوفوا ~~بالبيت العتيق) * ثم يقول: طاف رسول الله (ص) من وراء الحجر وحجة أبي حنيفة ~~ظاهر الآية. وأما وقت جوازه، فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال. أحدها: ~~إجازة الطواف بعد الصبح، والعصر، ms0353 ومنعه وقت الطلوع، والغروب وهو مذهب عمر ~~بن الخطاب، وأبي سعيد الخدري، وبه قال مالك، وأصحابه وجماعة. والقول ~~الثاني: كراهيته بعد الصبح، والعصر، ومنعه عند الطلوع، والغروب، وبه قال ~~سعيد بن جبير، ومجاهد، وجماعة. والقول الثالث: إباحة ذلك في هذه الأوقات ~~كلها، وبه قال الشافعي وجماعة. وأصول أدلتهم راجعة إلى منع الصلاة في هذه ~~الأوقات، أو إباحتها: أما وقت الطلوع والغروب، فالآثار متفقة على منع ~~الصلاة فيها، والطواف هل هو ملحق بالصلاة؟ في ذلك الخلاف. ومما احتجت به ~~الشافعية حديث جبير بن مطعم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا بني عبد ~~مناف، أو يا بني عبد المطلب: إن وليتم من هذا الامر شيئا، فلا تمنعوا أحدا ~~طاف بهذا البيت أن يصلي فيه أي ساعة شاء من ليل، أو نهار رواه الشافعي ~~وغيره عن ابن عيينة بسنده إلى جبير بن مطعم. واختلفوا في جواز الطواف بغير ~~طهارة، مع إجماعهم على أن من سنته الطهارة، فقال مالك، والشافعي: لا يجزئ ~~طواف بغير طهارة، لا عمدا، ولا سهوا وقال أبو حنيفة: يجزئ ويستحب له ~~الإعادة، وعليه دم وقال أبو ثور: إذا طاف PageV01P274 # على غير وضوء أجزأه طوافه، إن كان لا يعلم، ولا يجزئه إن كان يعلم. ~~والشافعي يشترط طهارة ثوب الطائف كاشتراط ذلك للمصلي. وعمدة من شرط الطهارة ~~في الطواف قوله (ص) للحائض وهي أسماء بنت عميس اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا ~~تطوفي بالبيت وهو حديث صحيح. وقد يحتجون أيضا بما روي أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه النطق، فلا ينطق إلا ~~بخير. وعمدة من أجاز الطواف بغير طهارة إجماع العلماء على جواز السعي بين ~~الصفا، والمروة من غير طهارة وأنه ليس كل عبادة يشترط فيها الطهر من الحيض ~~من شرطها الطهر من الحدث، أصله الصوم. # القول في أعداده، وأحكامه وأما أعداده، فإن العلماء أجمعوا على أن الطواف ~~ثلاثة أنواع: طواف القدوم على مكة، وطواف الإفاضة بعد رمي جمرة العقبة يوم ~~النحر، وطواف ms0354 الوداع. وأجمعوا على أن الواجب منها الذي يفوت الحج بفواته، ~~هو طواف الإفاضة، وأنه المعني بقوله تعالى: * (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا ~~نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق) *. وأنه لا يجزئ عنه دم. # وجمهورهم على أنه لا يجزئ طواف القدوم على مكة عن طواف الإفاضة إذا نسي ~~طواف الإفاضة لكونه قبل يوم النحر. وقالت طائفة من أصحاب مالك: إن طواف ~~القدوم يجزئ عن طواف الإفاضة كأنهم رأوا أن الواجب إنما هو طواف واحد، ~~وجمهور العلماء على أن طواف الوداع يجزئ عن طواف الإفاضة إن لم يكن طاف ~~طواف الإفاضة لأنه طواف بالبيت معمول في وقت طواف الوجوب الذي هو طواف ~~الإفاضة بخلاف طواف القدوم الذي هو قبل وقت طواف الإفاضة. وأجمعوا فيما ~~حكاه أبو عمر بن عبد البر أن طواف القدوم والوداع من سنة الحاج إلا لخائف ~~فوات الحج فإنه يجزئ عنه طواف الإفاضة. # واستحب جماعة من العلماء لمن عرض له هذا أن يرمل في الأشواط الثلاثة من ~~طواف الإفاضة، على سنة طواف القدوم من الرمل، وأجمعوا على أن المكي ليس ~~عليه إلا طواف الإفاضة كما أجمعوا على أنه ليس على المعتمر إلا طواف ~~القدوم. وأجمعوا أن من تمتع بالعمرة إلى الحج أن عليه طوافين طوافا للعمرة ~~لحله منها وطوافا للحج يوم النحر على ما في حديث عائشة المشهور. وأما ~~المفرد للحج فليس عليه إلا طواف واحد كما قلنا يوم النحر. واختلفوا في ~~القارن فقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور: يجزئ القارن طواف واحد وسعي ~~واحد، وهو مذهب عبد الله بن عمر وجابر، وعمدتهم حديث عائشة المتقدم. # وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وابن أبي ليلى: على القارن طوافان ~~وسعيان، ورووا هذا عن علي وابن مسعود لأنهما نسكان من شرط كل واحد منهما ~~إذا انفرد طوافه وسعيه، PageV01P275 # فوجب أن يكون الامر كذلك إذا اجتمعا. فهذا هو القول في وجوب هذا الفعل ~~وصفته وشروطه وعدده ووقته وصفته، والذي يتلو هذا الفعل من أفعال الحج - ~~أعني طواف القدوم - هو السعي بين الصفا والمروة وهو الفعل الثالث ms0355 للاحرام ~~فلنقل فيه. # القول في السعي بين الصفا والمروة والقول في السعي وحكمه وفي صفته وفي ~~شروطه وفي ترتيبه القول في حكمه: # أما حكمه، فقال مالك والشافعي، هو واجب، وإن لم يسع كان عليه حج قابل، ~~وبه قال أحمد وإسحاق. وقال الكوفيون: سنة، وإذا رجع إلى بلاده ولم يسع كان ~~عليه دم. # وقال بعضهم: هو تطوع ولا شئ على تاركه، فعمدة من أوجبه ما روي أن رسول ~~الله (ص) كان يسعى ويقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي روى هذا الحديث ~~الشافعي عن عبد الله بن المؤمل، وأيضا فإن الأصل أن أفعاله عليه الصلاة ~~والسلام في هذه العبادة محمولة على الوجوب، إلا ما أخرجه الدليل من سماع أو ~~إجماع أو قياس عند أصحاب القياس. وعمدة من لم يوجبه قوله تعالى: * (إن ~~الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف ~~بهما) * قالوا: إن معناه أن لا يطوف وهي قراءة ابن مسعود، وكما قال سبحانه ~~* (يبين الله لكم أن تضلوا) * معناه: أي لئلا تضلوا، وضعفوا حديث ابن ~~المؤمل. وقالت عائشة: الآية على ظاهرها وإنما نزلت في الأنصار تحرجوا أن ~~يسعوا بين الصفا والمروة على ما كانوا يسعون عليه في الجاهلية لأنه كان ~~موضع ذبائح المشركين، وقد قيل إنهم كانوا لا يسعون بين الصفا والمروة ~~تعظيما لبعض الأصنام، فسألوا عن ذلك فنزلت هذه الآية مبيحة لهم وإنما صار ~~الجمهور إلى أنها من أفعال الحج، لأنها صفة فعله (ص) تواترت بذلك الآثار، ~~أعني وصل السعي بالطواف. # القول في صفته: # وأما صفته فإن جمهور العلماء على أن من سنة السعي بين الصفا والمروة أن ~~ينحدر الراقي على الصفا بعد الفراغ من الدعاء، فيمشي على جبلته حتى يبلغ ~~بطن المسيل فيرمل فيه حتى يقطعه إلى ما يلي المروة، فإذا قطع ذلك وجاوزه ~~مشى على سجيته حتى يأتي المروة فيرقى عليها حتى يبدو له البيت ثم يقول ~~عليها نحوا مما قاله من الدعاء والتكبير على الصفا، وإن وقف أسفل المروة ms0356 ~~أجزأه عند جميعهم، ثم ينزل عن المروة فيمشي على PageV01P276 # سجيته حتى ينتهي إلى بطن المسيل فإذا انتهى إليه رمل حتى يقطعه إلى ~~الجانب الذي يلي الصفا، يفعل ذلك سبع مرات يبدأ في كل ذلك بالصفا ويختم ~~بالمروة، فإن بدأ بالمروة قبل الصفا الغي ذلك الشوط لقول رسول الله (ص) ~~نبدأ بما بدأ الله به: نبدأ بالصفا يريد قوله تعالى: * (إن الصفا والمروة ~~من شعائر الله) * وقال عطاء: إن جهل فبدأ بالمروة أجزأ عنه. وأجمعوا على ~~أنه ليس في وقت السعي قول محدود فإنه موضع دعاء. وثبت من حديث جابر أن رسول ~~الله (ص) كان إذ وقف على الصفا يكبر ثلاثا ويقول: لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، يصنع ذلك ثلاث مرات، ~~ويدعو ويصنع على المروة مثل ذلك. # القول في شروطه: # وأما شروطه فإنهم اتفقوا على أن من شرطه الطهارة من الحيض كالطواف سواء ~~لقوله (ص) في حديث عائشة افعلي كل ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ~~ولا تسعي بين الصفا والمروة انفرد بهذه الزيادة يحيى عن مالك دون من روى ~~عنه هذا الحديث، والخلاف بينهم أن الطهارة ليست من شروطه إلا الحسن فإنه ~~شبهه بالطواف. # القول في ترتيبه: # وأما ترتيبه فإن جمهور العلماء اتفقوا على أن السعي إنما يكون بعد ~~الطواف، وأن من سعى قبل أن يطوف بالبيت يرجع فيطوف وإن خرج عن مكة، فإن جهل ~~ذلك حتى أصاب النساء في العمرة أو في الحج كان عليه حج قابل والهدي أو عمرة ~~أخرى. وقال الثوري: إن فعل ذلك فلا شئ عليه. وقال أبو حنيفة إذا خرج من مكة ~~فليس عليه أن يعود، وعليه دم. فهذا هو القول في حكم السعي وصفته وشروطه ~~المشهورة وترتيبه. # الخروج إلى عرفة وأما الفعل الذي يلي هذا الفعل للحاج، فهو الخروج يوم ~~التروية إلى منى والمبيت بها ليلة عرفة. واتفقوا على أن الامام يصلي بالناس ~~بمنى يوم التروية الظهر والعصر والمغرب والعشاء ms0357 بها مقصورة، إلا أنهم ~~أجمعوا على أن هذا الفعل ليس شرطا في صحة الحج لمن ضاق عليه الوقت، ثم إذا ~~كان يوم عرفة مشى الامام مع الناس من منى إلى عرفة ووقفوا بها. # الوقوف بعرفة والقول في هذا الفعل ينحصر في معرفة حكمه وفي صفته وفي ~~شروطه. أما حكم PageV01P277 # الوقوف بعرفة: فإنهم أجمعوا على أنه ركن من أركان الحج، وأن من فاته ~~فعليه حج قابل والهدي في قول أكثرهم، لقوله عليه الصلاة والسلام: الحج ~~عرفة. وأما صفته: فهو أن يصل الامام إلى عرفة يوم عرفة قبل الزوال، فإذا ~~زالت الشمس خطب الناس ثم جمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر، ثم وقف ~~حتى تغيب الشمس. وإنما اتفقوا على هذا لأن هذه الصفة هي مجمع عليها من فعله ~~(ص) ولا خلاف بينهم أن إقامة الحج هي للسلطان الأعظم أو لمن يقيمه السلطان ~~الأعظم لذلك وأنه يصلى وراءه برا كان السلطان أو فاجرا أو مبتدعا، وأن ~~السنة في ذلك أن يأتي المسجد بعرفة يوم عرفة مع الناس، فإذا زالت الشمس خطب ~~الناس كما قلنا وجمع بين الظهر والعصر. واختلفوا في وقت أذان المؤذن بعرفة ~~للظهر والعصر، فقال مالك: يخطب الامام حتى يمضي صدر من خطبته أو بعضها، ثم ~~يؤذن المؤذن، وهو يخطب. وقال الشافعي: يؤذن إذا أخذ الامام في الخطبة ~~الثانية. وقال أبو حنيفة: إذا صعد الامام المنبر أمر المؤذن بالأذان فأذن ~~كالحال في الجمعة، فإذا فرغ المؤذن قام الامام يخطب ثم ينزل ويقيم المؤذن ~~الصلاة، وبه قال أبو ثور تشبيها بالجمعة. # وقد حكى ابن نافع عن مالك أنه قال: الأذان بعرفة بعد جلوس الامام للخطبة ~~وفي حديث جابر أن النبي (ص) لما زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له وأتى بطن ~~الوادي فخطب الناس ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم ~~يصل بينهما شيئا ثم راح إلى الموقف. واختلفوا هل يجمع بين هاتين الصلاتين ~~بأذانين وإقامتين أو بأذان واحد وإقامتين فقال مالك: يجمع بينهما بأذانين ~~وإقامتين. ms0358 وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأبو ثور وجماعة: يجمع بينهما ~~بأذان واحد وإقامتين. وروي عن مالك مثل قولهم. # وروي عن أحمد أنه جمع بينهما بإقامتين، والحجة للشافعي حديث جابر الطويل ~~في صفة حجه عليه الصلاة والسلام وفيه أنه صلى الظهر والعصر بأذان واحد ~~وإقامتين كما قلنا. وقول مالك مروي عن ابن مسعود، وحجته أن الأصل هو أن ~~تفرد كل صلاة بأذان وإقامة، ولا خلاف بين العلماء أن الامام لو لم يخطب يوم ~~عرفة قبل الظهر أن صلاته جائزة بخلاف الجمعة، وكذلك أجمعوا أن القراءة في ~~هذه الصلاة سرا، وأنها مقصورة إذا كان الامام مسافرا. واختلفوا إذا كان ~~الامام مكيا هل يقصر بمنى الصلاة يوم التروية وبعرفة يوم عرفة وبالمزدلفة ~~ليلة النحر إن كان من أحد هذه المواضع؟ فقال مالك والأوزاعي وجماعة: سنة ~~هذه المواضع التقصير سواء أكان من أهلها أو لم يكن. وقال الثوري وأبو حنيفة ~~والشافعي وأبو ثور وداود: لا يجوز أن يقصر من كان من أهل تلك المواضع، وحجة ~~مالك أنه لم يرو أن أحدا أتم الصلاة معه (ص) أعني بعد سلامه منها. وحجة ~~الفريق الثاني البقاء على الأصل المعروف أن القصر لا يجوز إلا للمسافر حتى ~~يدل الدليل على PageV01P278 # التخصيص. واختلف العلماء في وجوب الجمعة بعرفة ومنى، فقال مالك: لا تجب ~~الجمعة بعرفة ولا بمنى إلا أيام الحج لا لأهل مكة ولا لغيرهم إلا أن يكون ~~الامام من أهل عرفة. وقال الشافعي مثل ذلك، إلا أنه يشترط في وجوب الجمعة ~~أن يكون هنالك من أهل عرفة أربعون رجلا على مذهبه في اشتراط هذا العدد في ~~الجمعة. وقال أبو حنيفة: إذا كان أمير الحج ممن لا يقصر الصلاة بمنى ولا ~~بعرفة صلبهم فيها الجمعة إذا صادفها. # وقال أحمد: إذا كان والي مكة يجمع بهم، وبه قال أبو ثور. # وأما شروطه: فهو الوقوف بعرفة بعد الصلاة، وذلك أنه لم يختلف العلماء أن ~~رسول الله (ص) بعد ما صلى الظهر والعصر بعرفة ارتفع فوقف بجبالها داعيا إلى ~~الله تعالى، ووقف ms0359 معه كل من حضر إلى غروب الشمس، وأنه لما استيقن غروبها ~~وبان له ذلك دفع منها إلى المزدلفة ولا خلاف بينهم أن هذا هو سنة الوقوف ~~بعرفة. وأجمعوا على أن من وقف بعرفة قبل الزوال وأفاض منها قبل الزوال أنه ~~لا يعتد بوقوفه ذلك، وأنه إن لم يرجع فيقف بعد الزوال أو يقف من ليلته تلك ~~قبل طلوع الفجر فقد فاته الحج. وروي عن عبد الله بن معمر الديلي قال: سمعت ~~رسول الله (ص) يقول: الحج عرفات، فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك ~~وهو حديث انفرد به هذا الرجل من الصحابة إلا أنه مجمع عليه، واختلفوا فيمن ~~وقف بعرفة بعد الزوال ثم دفع منها قبل غروب الشمس، فقال مالك: عليه حج قابل ~~إلا أن يرجع قبل الفجر، وإن دفع منها قبل الامام وبعد الغيبوبة أجزأه ~~وبالجملة فشرط صحة الوقوف عنده هو أن يقف ليلا. وقال جمهور العلماء: من وقف ~~بعرفة بعد الزوال فحجه تام وإن دفع قبل الغروب، إلا أنهم اختلفوا في وجوب ~~الدم عليه، وعمدة الجمهور حديث عروة بن مضرس، وهو حديث مجمع على صحته قال: # أتيت رسول الله (ص) بجمع فقلت له: هل لي من حج؟ فقال: من صلى هذه الصلاة ~~معنا ووقف هذا الموقف حتى نفيض أو أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا فقد ~~تم حجه وقضى تفثه وأجمعوا على أن المراد بقوله في هذا الحديث نهارا أنه بعد ~~الزوال، ومن اشترط الليل احتج بوقوفه بعرفة (ص) حين غربت الشمس، لكن ~~للجمهور أن يقولوا إن وقوفه بعرفة إلى المغيب قد نبأ حديث عروة بن مضرس أنه ~~على جهة الأفضل إذ كان مخيرا بين ذلك. وروي عن النبي (ص) من طرق أنه قال: ~~عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر، ~~ومنى كلها منحر، وفجاج مكة منحر ومبيت واختلف العلماء فيمن وقف من عرفة ~~بعرنة فقيل حجه تام وعليه دم، وبه قال مالك، وقال الشافعي: لا حج له. ms0360 وعمدة ~~من أبطل الحج النهي الوارد عن ذلك في الحديث. وعمدة من لم يبطله أن الأصل ~~أن الوقوف بكل عرفة جائز إلا ما قام عليه الدليل، قالوا: ولم يأت هذا ~~الحديث من وجه تلزم به الحجة والخروج عن الأصل، فهذا PageV01P279 # هو القول في السنن التي في يوم عرفة. وأما الفعل الذي يلي الوقوف بعرفة ~~من أفعال الحج فهو النهوض إلى المزدلفة بعد غيبة الشمس وما يفعل بها فلنقل ~~فيه. # القول في أفعال المزدلفة والقول الجملي أيضا في هذا الموضع ينحصر في ~~معرفة حكمه وفي صفته وفي وقته. فأما كون هذا الفعل من أركان الحج فالأصل ~~فيه قوله سبحانه: * (فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم) * ~~وأجمعوا على أن من بات بالمزدلفة ليلة النحر وجمع فيها بين المغر ب والعشاء ~~مع الامام ووقف بعد صلاة الصبح إلى الاسفار بعد الوقوف بعرفة أن حجه تام، ~~وأن ذلك الصفة التي فعل رسول الله (ص). واختلفوا هل الوقوف بها بعد صلاة ~~الصبح، والمبيت بها من سنن الحج أو من فروضه؟ فقال الأوزاعي، وجماعة من ~~التابعين: هو من فروض الحج، ومن فاته كان عليه حج قابل والهدي. وفقهاء ~~الأمصار يرون أنه ليس من فروض الحج، وأن من فاته الوقوف بالمزدلفة والمبيت ~~به فعليه دم. # وقال الشافعي: إن دفع منها إلى بعد نصف الليل الأول ولم يصل بها فعليه دم ~~وعمدة الجمهور ما صح عنه أنه (ص) قدم ضعفة أهله ليلا فلم يشاهدوا معه صلاة ~~الصبح بها، وعمدة الفريق الأول قوله (ص) في حديث عروة بن المضرس وهو حديث ~~متفق على صحته من أدرك معنا هذه الصلاة - يعني صلاة الصبح بجمع، وكان قد ~~أتى قبل ذلك عرفات - ليلا أو نهارا - فقد تم حجه وقضى تفثه وقوله تعالى: * ~~(فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم) ~~*. ومن حجة الفريق الأول أن المسلمين قد أجمعوا على ترك الاخذ بجميع ما في ~~هذا الحديث، وذلك أن أكثرهم على أن من وقف بالمزدلفة ليلا ودفع ms0361 منها إلى ~~قبل الصبح أن حجه تام، وكذلك من بات فيها ونام عن الصلاة وكذلك أجمعوا على ~~أنه لو وقف بالمزدلفة ولم يذكر الله أن حجه تام. وفي ذلك أيضا ما يضعف ~~احتجاجهم بظاهر الآية، والمزدلفة وجمع هما اسمان لهذا الموضوع وسنة الحج ~~فيها كما قلنا أن يبيت الناس بها ويجمعون بين المغرب والعشاء في أول وقت ~~العشاء ويغلسوا بالصبح فيها. # القول في رمي الجمار وأما الفعل الذي بعدها فهو رمي الجمار، وذلك أن ~~المسلمين اتفقوا على أن النبي (ص) وقف بالمشعر الحرام وهي المزدلفة بعدما ~~صلى الفجر ثم دفع منها قبل طلوع الشمس إلى منى، وأنه في هذا اليوم وهو يوم ~~النحر رمى جمرة العقبة من بعد طلوع PageV01P280 # الشمس، وأجمع المسلمون أن من رماها في هذا اليوم في ذلك الوقت: أعني بعد ~~طلوع الشمس إلى زوالها فقد رماها في وقته، وأجمعوا أن رسول الله (ص) لم يرم ~~يوم النحر من الجمرات غيرها واختلفوا فيمن رمى جمرة العقبة قبل طلوع الفجر، ~~فقال مالك: لم يبلغنا أن رسول الله (ص) رخص لاحد أن يرمي قبل طلوع الفجر، ~~ولا يجوز ذلك، فإن رماها قبل الفجر أعادها، وبه قال أبو حنيفة وسفيان ~~وأحمد. وقال الشافعي: لا بأس به وإن كان المستحب هو بعد طلوع الشمس. فحجة ~~من منع ذلك فعله (ص) مع قوله خذوا عني مناسككم وما روي عن ابن عباس أن رسول ~~الله (ص) قدم ضعفة أهله وقال: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس وعمدة من جوز ~~رميها قبل الفجر حديث أم سلمة خرجه أبو داود وغيره وهو أن عائشة قالت: أرسل ~~رسول الله (ص) لام سلمة يوم النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ومضت فأفاضت، وكان ~~ذلك اليوم الذي يكون رسول الله (ص) عندها وحديث أسماء أنها رمت الجمرة بليل ~~وقالت: إنا كنا نصنعه على عهد رسول الله (ص). وأجمع العلماء أن الوقت ~~المستحب لرمي جمرة العقبة هو من لدن طلوع الشمس إلى وقت الزوال، وأنه إن ~~رماها قبل غروب الشمس من ms0362 يوم النحر أجزأ عنه ولا شئ عليه، إلا مالكا فإنه ~~قال: استحب له أن يريق دما. واختلفوا فيمن لم يرمها حتى غابت الشمس فرماها ~~من الليل أو من الغد. فقال مالك: عليه دم. وقال أبو حنيفة: إن رمى من الليل ~~فلا شئ عليه، وإن أخرها إلى الغد فعليه دم. وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: ~~لا شئ عليه إن أخرها إلى الليل أو إلى الغد، وحجتهم أن رسول الله (ص) رخص ~~لرعاة الإبل في مثل ذلك: # أعني أن يرموا ليلا وفي حديث ابن عباس أن رسول الله (ص) قال له السائل: # يا رسول الله (ص) - رميت بعد ما أمسيت، قال له: لا حرج وعمدة مالك أن ذلك ~~الوقت المتفق عليه الذي رمى فيه رسول الله (ص) هو السنة، ومن خالف سنة من ~~سنن الحج فعليه دم، على ما روي عن ابن عباس وأخذ به الجمهور. وقال مالك: ~~ومعنى الرخصة للرعاة إنما ذلك إذا مضى يوم النحر ورموا جمرة العقبة ثم كان ~~اليوم الثالث وهو أول أيام النفر، فرخص لهم رسول الله (ص) أن يرموا في ذلك ~~اليوم له ولليوم الذي بعده، فإن نفروا فقد فرغوا، وإن أقاموا إلى الغد رموا ~~مع الناس يوم النفر الأخير ونفروا، ومعنى الرخصة للرعاة عند جماعة العلماء ~~هو جمع يومين في يوم واحد، إلا أن مالكا إنما يجمع عنده ما وجب مثل أن يجمع ~~في الثالث فيرمي عن الثاني والثالث، لأنه لا يقضى عنده إلا ما وجب، ورخص ~~كثير من العلماء في جمع يومين في يوم، سواء تقدم ذلك اليوم الذي أضيف إلى ~~غيره أو تأخر ولم يشبهوه بالقضاء، وثبت أن رسول الله (ص) رمى في حجته ~~الجمرة يوم النحر، ثم نحر بدنه، ثم حلق رأسه، ثم طاف طواف الإفاضة وأجمع ~~العلماء على أن هذا سنة الحج. واختلفوا فيمن قدم من هذه ما أخره النبي عليه ~~الصلاة والسلام أو بالعكس، فقال مالك: من حلق قبل أن يرمي جمرة العقبة ~~فعليه الفدية. وقال الشافعي وأحمد وداود وأبو ms0363 ثور: لا شئ عليه. وعمدتهم ما ~~رواه مالك من حديث عبد الله بن عمر أنه قال وقف PageV01P281 # رسول الله (ص) للناس بمنى والناس يسألونه، فجاء رجل فقال: يا رسول الله.. ~~لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر، فقال عليه الصلاة والسلام: انحر ولا حرج، ثم ~~جاءه آخر فقال: # يا رسول الله.. لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال عليه الصلاة والسلام: ~~ارم ولا حرج، قال: فما سئل رسول الله (ص) يومئذ عن شئ؟ قدم أو أخر إلا قال: ~~افعل ولا حرج وروى هذا من طريق ابن عباس عن النبي (ص). وعمدة مالك أن رسول ~~الله (ص) حكم على من حلق قبل محله من ضرورة بالفدية فكيف من غير ضرورة؟ مع ~~أن الحديث لم يذكر فيه حلق الرأس قبل رمي الجمار، وعند مالك أن من حلق قبل ~~أن يذبح فلا شئ عليه وكذلك من ذبح قبل أن يرمي. وقال أبو حنيفة: إن حلق قبل ~~أن ينحر أو يرمي فعليه دم وإن كان قارنا فعليه دمان. وقال زفر: عليه ثلاثة ~~دماء دم القران ودمان للحلق قبل النحر وقبل الرمي. وأجمعوا على أن من نحر ~~قبل أن يرمي فلا شئ عليه لأنه منصوص عليه، إلا ما روي عن ابن عباس أنه كان ~~يقول: من قدم من حجه شيئا أو أخر فليهرق دما، وأنه من قدم الإفاضة قبل ~~الرمي والحلق أنه يلزمه إعادة الطواف. وقال الشافعي ومن تابعه: # لا إعادة عليه. وقال الأوزاعي: إذا طاف للإفاضة قبل أن يرمي جمرة العقبة ~~ثم واقع أهله أراق دما. واتفقوا على أن جملة ما يرميه الحاج سبعون حصاة ~~منها في يوم النحر جمرة العقبة بسبع، وأن رمي هذه الجمرة من حيث تيسر من ~~العقبة من أسفلها أو من أعلاها أو من وسطها كل ذلك واسع، والموضع المختار ~~منها بطن الوادي لما جاء في حديث ابن مسعود أنه استبطن الوادي ثم قال: من ~~ههنا والذي لا إله غيره رأيت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يرمي. وأجمعوا ~~على أنه يعيد ms0364 الرمي إذا لم تقع الحصاة في العقبة وأنه يرمي في كل يوم من ~~أيام التشريق ثلاث جمار بواحد وعشرين حصاة كل جمرة منها بسبع، وأنه يجوز أن ~~يرمي منها يومين وينفر في الثالث لقوله تعالى: * (فمن تعجل في يومين فلا ~~إثم عليه) * وقدرها عندهم أن يكون في مثل حصى الخذف لما روي من حديث جابر ~~وابن عباس وغيرهم أن النبي عليه الصلاة والسلام رمى الجمار بمثل حصى الخذف ~~والسنة عندهم في رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق أن يرمي الجمرة الأولى ~~فيقف عندها ويدعو، وكذلك الثانية ويطيل المقام، ثم يرمي الثالثة ولا يقف ~~لما روي في ذلك عن رسول الله (ص) أنه كان يفعل ذلك في رميه والتكبير عندهم ~~عن رمي كل جمرة حسن لأنه يروى عنه عليه الصلاة والسلام. وأجمعوا على أن من ~~سنة رمي الجمار الثلاث في أيام التشريق أن يكون ذلك بعد الزوال. واختلفوا ~~إذا رماها قبل الزوال في أيام التشريق، فقال جمهور العلماء: من رماها قبل ~~الزوال أعاد رميها بعد الزوال وروي عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: رمي ~~الجمار من طلوع الشمس إلى غروبها. وأجمعوا على أن من لم يرم PageV01P282 # الجمار أيام التشريق حتى تغيب الشمس من آخرها أنه لا يرميها بعد واختلفوا ~~في الواجب من الكفارة، فقال مالك: إن من ترك رمي الجمار كلها أو بعضها أو ~~واحدة منها فعليه دم، وقال أبو حنيفة: إن ترك كلها كان عليه دم، وإن ترك ~~جمرة واحدة فصاعدا كان عليه لكل جمرة إطعام مسكين نصف صاع حنطة إلى أن يبلغ ~~دما بترك الجميع، إلا جمرة العقبة فمن تركها فعليه دم. وقال الشافعي: عليه ~~في الحصاة مد من طعام، وفي حصاتين مدان وفي ثلاث دم. وقال الثوري مثله، إلا ~~أنه قال: في الرابعة الدم. ورخصت طائفة من التابعين في الحصاة الواحدة ولم ~~يروا فيها شيئا، والحجة لهم حديث سعد بن أبي وقاص قال: # خرجنا مع رسول الله (ص) في حجته، فبعضنا يقول: رميت بسبع، وبعضنا ms0365 يقول: ~~رميت بست، فلم يعب بعضنا على بعض وقال أهل الظاهر: لا شئ في ذلك والجمهور ~~على أن جمرة العقبة ليست من أركان الحج. وقال عبد الملك من أصحاب مالك: هي ~~من أركان الحج. فهذه هي جملة أفعال الحج من حين الاحرام إلى أن يحل، ~~والتحلل تحللان: تحلل أكبر، وهو طواف الإفاضة، وتحلل أصغر وهو رمي جمرة ~~العقبة، وسنذكر ما في هذا من الاختلاف. # القول في الجنس الثالث وهو الذي يتضمن القول في الاحكام، وقد نفى القول ~~في حكم الاختلافات التي تقع في الحج. وأعظمها في حكم من شرع في الحج فمنعه ~~بمرض أو بعدو أو فاته وقت الفعل الذي هو شرط في صحة الحج أو أفسد حجه ~~بإتيانه بعض المحظورات المفسدة للحج أو للأفعال التي هي تروك أو أفعال، ~~فلنبتدئ من هذه بما هو نص في الشريعة وهو حكم المحصر وحكم قاتل الصيد وحكم ~~الحالق رأسه قبل محل الحلق وإلقائه التفث قبل أن يحل، وقد يدخل في هذا ~~الباب حكم المتمتع وحكم القارن على القول بأن وجوب الهدي في هذه هو لمكان ~~الرخصة. # القول في الاحصار وأما الاحصار، فالأصل فيه قوله سبحانه: * (فإن أحصرتم ~~فما استيسر من الهدي) * إلى قوله: * (فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ~~فما استيسر من الهدي) * فنقول: اختلف العلماء في هذه الآية اختلافا كثيرا، ~~وهو السبب في اختلافهم في حكم المحصر بمرض أو بعدو، فأول اختلافهم في هذه ~~الآية هل المحصر ههنا هو المحصر بالعدو أو المحصر بالمرض؟ فقال قوم: المحصر ~~ههنا هو المحصر بالعدو، PageV01P283 # وقال آخرون: بل المحصر بالمرض. فأما من قال إن المحصر ههنا هو المحصر ~~بالعدو فاحتجوا بقوله تعالى: * (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه) * ~~قالوا: فلو كان المحصر بمرض لما كان لذكر المرض بعد ذلك فائدة، واحتجوا ~~أيضا بقوله سبحانه: * (فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) * وهذه حجة ~~ظاهرة. ومن قال: إن الآية إنما وردت في المحصر بالمر ض فإنه زعم أن المحصر ~~هو من أحصر، ms0366 ولا يقال أحصر في العدو، وإنما يقال حصره العد وأحصره المرض، ~~قالوا: وإنما ذكر المرض بعد ذلك لان المرض صنفان: صنف محصر وصنف غير محصر، ~~وقالوا معنى قوله: * (فإذا أمنتم) * معناه من المرض. وأما الفريق الأول ~~فقالوا عكس هذا، وهو أن أفعل أبدا وفعل في الشئ الواحد إنما يأتي لمعنيين: ~~أما فعل فإذا أوقع بغيره فعلا من الأفعال وأما أفعل فإذا عرضه لوقوع ذلك ~~الفعل به يقال: قتله إذا فعل به فعل القتل، وأقتله إذا عرضه للقتل، وإذا ~~كان هذا هكذا فأحصر أحق بالعدو وحصر أحق بالمرض، لان العدو إنما عرض ~~للاحصار، والمرض فهو فاعل الاحصار. # وقالوا: لا يطلق الامن إلا في ارتفاع الخوف من العدو وإن قيل في المرض ~~فباستعارة ولا يصار إلى الاستعارة إلا لأمر يوجب الخروج عن الحقيقة، وكذلك ~~ذكر حكم المريض بعد الحصر الظاهر منه أن المحصر غير المريض، وهذا هو مذهب ~~الشافعي. والمذهب الثاني مذهب مالك وأبي حنيفة وقال قوم: بل المحصر ههنا ~~الممنوع من الحج بأي نوع امتنع إما بمرض أو بعدو أو بخطأ في العدد أو بغير ~~ذلك وجمهور العلماء على أن المحصر عن الحج ضربان: إما محصر بمرض وإما محصر ~~بعدو. فأما المحصر بالعدو فاتفق الجمهور على أنه يحل من عمرته أو حجه حيث ~~أحصر. وقال الثوري والحسن بن صالح لا يتحلل إلا في يوم النحر، والذين ~~قالوا: يتحلل حيث أحصر اختلفوا في إيجاب الهدي عليه وفي موضع نحره إذا قيل ~~بوجوبه وفي إعادة ما حصر عنه من حج أو عمرة، فذهب مالك إلى أنه لا يجب عليه ~~هدي وأنه إن كان معه هدي نحره حيث حل وذهب الشافعي إلى إيجاب الهدي عليه، ~~وبه قال أشهب. واشترط أبو حنيفة ذبحه في الحرم وقال الشافعي: حيثما حل. ~~وأما الإعادة فإن مالكا يرى أن لا إعادة عليه. وقال قوم: عليه الإعادة وذهب ~~أبو حنيفة إلى أنه إن كان أحرم بالحج عليه حجة وعمرة. وإن كان قارنا فعليه ~~حج وعمرتان، وإن كان معتمرا قضى عمرته، ms0367 وليس عليه عند أبي حنيفة ومحمد بن ~~الحسن تقصير، واختار أبو يوسف تقصيره وعمدة مالك في أن لا إعادة عليه أن ~~رسول الله (ص) حل هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي وحلقوا رؤوسهم وحلوا ~~من PageV01P284 # كل شئ قبل أن يطو ف بالبيت، وقبل أن يصل إليه الهدي، ثم لم يعلم أن رسول ~~الله (ص) أمر أحدا من الصحابة ولا ممن كان معه أن يقضي شيئا ولا أن يعود ~~لشئ وعمدة من أوجب عليه الإعادة أن رسول الله (ص) اعتمر في العام المقبل من ~~عام الحديبية قضاء لتلك العمرة ولذلك قيل لها عمرة القضاء. وإجماعهم أيضا ~~على أن المحصر بمرض أو ما أشبهه عليه القضاء. فسبب الخلاف هو هل قضى رسول ~~الله (ص) أو لم يقض؟ وهل يثبت القضاء بالقياس أم لا؟ وذلك أن جمهور العلماء ~~على أن القضاء يجب بأمر ثان غير أمر الأداء. وأما من أوجب عليه الهدي فبناء ~~على أن الآية وردت في المحصر بالعدو، أو على أنها عامة لان الهدي فيها نص، ~~وقد احتج هؤلاء بنحر النبي (ص) وأصحابه الهدي عام الحديبية حين أحصروا. ~~وأجاب الفريق الآخر أن ذلك الهدي لم يكن هدي تحلل، وإنما كان هديا سبق ~~ابتداء، وحجة هؤلاء أن الأصل هو أن لا هدي عليه إلا أن يقوم الدليل. وأما ~~اختلافهم في مكان الهدي عند من أوجبه فالأصل فيه اختلافهم في موضع نحر رسول ~~الله (ص) هديه عام الحديبية، فقال ابن إسحاق: نحره في الحرم، وقال غيره: # إنما نحره في الحل، واحتج بقوله تعالى: * (هم الذين كفروا وصدوكم عن ~~المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله) * وإنما ذهب أبو حنيفة إلى أن ~~من أحصر عن الحج أن عليه حجا وعمرة لان المحصر قد فسخ الحج في عمرة ولم يتم ~~واحدا منهما، فهذا هو حكم المحصر بعدو عند الفقهاء. وأما المحصر بمرض، فإن ~~مذهب الشافعي وأهل الحجاز أنه لا يحله إلا الطواف بالبيت والسعي ما بين ~~الصفا والمروة، وأنه بالجملة يتحلل بعمرة، لأنه إذا فاته الحج ms0368 بطول مرضه ~~انقلب عمرة، وهو مذهب ابن عمر وعائشة وابن عباس وخالف في ذلك أهل العراق ~~فقالوا: يحل مكانه وحكمه حكم المحصر بعدو، أعني أن يرسل هديه ويقدر يوم ~~نحره ويحل في اليوم الثالث وبه قال ابن مسعود. # واحتجوا بحديث الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: من ~~كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى وباجماعهم على أن المحصر بعدو ليس من شرط ~~إحلاله الطواف بالبيت. والجمهور على أن المحصر بمرض عليه الهدي. وقال أبو ~~ثور وداود: لا هدي عليه اعتمادا على ظاهر هذا المحصر. وعلى أن الآية ~~الواردة في المحصر هو حصر العدو، وأجمعوا على إيجاب القضاء عليه، وكل من ~~فاته الحج بخطأ من العدد في الأيام أو بخفاء الهلال عليه أو غير ذلك من ~~الاعذار فحكمه حكم المحصر بمرض عند مالك. وقال أبو حنيفة: من فاته الحج ~~بعذر غير المرض يحل بعمرة ولا هدي عليه، وعليه إعادة الحج، والمكي المحصر ~~بمرض عند مالك كغير المكي يحل بعمرة وعليه PageV01P285 # الهدي وإعادة الحج. وقال الزهري: لا بد أن يقف بعمرة وإن نعش نعشا. وأصل ~~مذهب مالك أن المحصر بمرض إن بقي على إحرامه إلى العام المقبل حتى يحج حجة ~~القضاء فلا هدي عليه، فإن تحلل بعمرة فعليه هدي المحصر، لأنه حلق رأسه قبل ~~أن ينحر في حجة القضاء، وكل من تأول قوله سبحانه: * (فإذا أمنتم فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج) * أنه خطاب للمحصر وجب عليه أن يعتقد على ظاهر الآية أن ~~عليه هديين هديا لحلقه عند التحلل قبل نحره في حجة القضاء، وهديا لتمتعه ~~بالعمرة إلى الحج، وإن حل في أشهر الحج من العمرة وجب عليه هدي ثالث، وهو ~~هدي التمتع الذي هو أحد أنواع نسك الحج. وأما مالك رحمه الله، فكان يتأول ~~لمكان هذا أن المحصر إنما عليه هدي واحد، وكان يقول: إن الهدي الذي في قوله ~~سبحانه: * (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) * هو بعينه الهدي الذي في ~~قوله: * (فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة ms0369 إلى الحج فما استيسر من الهدي) * ~~وفيه بعد في التأويل، والأظهر أن قوله سبحانه: * (فإذا أمنتم فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج) * أنه في غير المحصر بل هو في التمتع الحقيقي، فكأنه ~~قال: # فإذا لم تكونوا خائفين لكن تمتعتم بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي، ~~ويدل على هذا التأويل قوله سبحانه: * (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد ~~الحرام) * والمحصر يستوي فيها حاضر المسجد الحرام وغيره بإجماع وقد قلنا في ~~أحكام المحصر الذي نص الله عليه، فلنقل في أحكام القاتل للصيد. # القول في أحكام جزاء الصيد فنقول: إن المسلمين أجمعوا على أن قوله تعالى: ~~* (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا ~~فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة ~~طعام مساكين أو عدل ذلك صياما) * هي آية محكمة، واختلفوا في تفاصيل أحكامها ~~وفيما يقاس على مفهومها مما لا يقاس عليه، فمنها أنهم اختلفوا هل الواجب في ~~قتل الصيد قيمته أو مثله؟ فذهب الجمهور إلى أن الواجب المثل، وذهب أبو ~~حنيفة إلى أنه مخير بين القيمة أعني قيمة الصيد وبين أن يشتري بها المثل ~~ومنها أنهم اختلفوا في استئناف الحكم على قاتل الصيد فيما حكم فيه السلف من ~~الصحابة، مثل حكمهم أن من قتل نعامة فعليه بدنة تشبيها بها، ومن قتل غزالا ~~فعليه شاة، PageV01P286 # ومن قتل بقرة وحشية فعليه إنسية، فقال مالك: يستأنف في كل ما وقع من ذلك ~~الحكم به، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: إن اجتزأ بحكم الصحابة مما ~~حكموا فيه جاز، ومنها هل الآية على التخيير أو على الترتيب؟ فقال مالك: هي ~~على التخيير، وبه قال أبو حنيفة، يريد أن الحكمين يخيران الذي عليه الجزاء. ~~وقال زفر: هي على الترتيب، واختلفوا هل يقوم الصيد أو المثل إذا اختار ~~الاطعام إن وجب على القول بالوجوب فيشتري بقيمته طعاما؟ فقال مالك: يقوم ~~الصيد، وقال الشافعي: يقوم المثل، ولم يختلفوا في تقدير الصيام بالطعام ~~بالجملة، وإن ms0370 كانوا اختلفوا في التفصيل، فقال مالك: يصوم لكل مد يوما وهو ~~الذي يطعم عندهم كل مسكين، وبه قال الشافعي وأهل الحجاز. وقال أهل الكوفة: ~~يصوم لكل مدين يوما، وهو القدر الذي يطعم كل مسكين عندهم. واختلفوا في قتل ~~الصيد خطأ هل فيه جزاء أم لا؟ فالجمهور على أن فيه الجزاء وقال أهل الظاهر: # لا جزاء عليه. واختلفوا في الجماعة يشتركون في قتل الصيد، فقال مالك: إذا ~~قتل جماعة محرمون صيدا فعلى كل واحد منهم جزاء كامل، وبه قال الثوري وجماعة ~~وقال الشافعي: # عليهم جزاء واحد وفرق أبو حنيفة بين المحرمين يقتلون الصيد وبين المحلين ~~يقتلونه في الحرم فقال: على كل واحد من المحرمين جزاء وعلى المحلين جزاء ~~واحد واختلفوا هل يكون أحد الحكمين قاتل الصيد، فذهب مالك إلى أنه لا يجوز ~~وقال الشافعي: يجوز واختلف أصحاب أبي حنيفة على القولين جميعا واختلفوا في ~~موضع الاطعام، فقال مالك: في الموضع الذي أصاب فيه الصيد إن كان ثم طعام، ~~وإلا ففي أقرب المواضع إلى ذلك الموضع. وقال أبو حنيفة: حيثما أطعم. وقال ~~الشافعي: لا يطعم إلا مساكين مكة. وأجمع العلماء على أن المحرم إذا قتل ~~الصيد أن عليه الجزاء للنص في ذلك. واختلفوا في الحلال يقتل الصيد في ~~الحرم. فقال جمهور فقهاء الأمصار: عليه الجزاء. وقال داود وأصحابه: لا جزاء ~~عليه. ولم يختلف المسلمون في تحريم قتل الصيد في الحرم وإنما اختلفوا في ~~الكفارة وذلك لقوله سبحانه: * (أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا) * وقول ~~رسول الله (ص): إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض وجمهور فقهاء ~~الأمصار على أن المحرم إذا قتل الصيد وأكله أنه ليس عليه كفارة واحدة. وروي ~~عن عطاء وطائفة أن فيه كفارتين فهذه هي مشهورات المسائل المتعلقة بهذه ~~الآية. # (وأما الأسباب التي دعتهم إلى هذا الاختلاف): فنحن نشير إلى طرق منها ~~فنقول: # أما من اشترط في وجوب الجزاء أن يكون القتل عمدا فحجته أن اشتراط ذلك نص ~~في الآية، وأيضا فإن العمد هو الموجب للعقاب والكفارات ms0371 عقابا ما. وأما من ~~أوجب الجزاء PageV01P287 # مع النسيان فلا حجة له، إلا أن يشبه الجزاء عند إتلاف الصيد بإتلاف ~~الأموال، فإن الأموال عند الجمهور تضمن خطا ونسيانا. لكن يعارض هذا القياس ~~اشتراط العمد في وجوب الجزاء، فقد أجاب بعضهم عن هذا: أي العمد إنما اشترط ~~لمكان تعلق العقاب المنصوص عليه في قوله تعالى: * (ليذوق وبال أمره) * وذلك ~~لا معنى له لان الوبال المذوق هو في الغرامة فسواء قتله مخطئا أو متعمدا قد ~~ذاق الوبال، ولا خلاف أن الناسي غير معاقب، وأكثر ما تلزم هذه الحجة لمن ~~كان من أصله أن الكفارات لا تثبت بالقياس، فإنه لا دليل لمن أثبتها على ~~الناسي إلا القياس. وأما اختلافهم في المثل هل هو الشبيه أو المثل في ~~القيمة، فإن سبب الاختلاف أن المثل يقال على الذي هو مثل وعلى الذي هو مثل ~~في القيمة، لكن حجة من رأى أن الشبيه أقوى من جهة دلالة اللفظ أن انطلاق ~~لفظ المثل على الشبيه في لسان العرب أظهر، وأظهر منه على المثل في القيمة، ~~لكن لمن حمل ههنا المثل على القيمة دلائل حركته إلى اعتقاد ذلك: أحدها أن ~~المثل الذي هو العدل هو منصوص عليه في الاطعام والصيام. وأيضا فإن المثل ~~إذا حمل ههنا على التعديل كان عاما في جميع الصيد، فإن من الصيد ما لا يلقى ~~له شبيه، وأيضا فإن المثل فيما لا يوجد له شبيه هو التعديل، وليس يوجد ~~للحيوان المصيد في الحقيقة شبيه إلا من جنسه، وقد نص أن المثل الواجب فيه ~~هو من غير جنسه، فوجب أن يكون مثله في التعديل والقيمة، وأيضا فإن الحكم في ~~الشبيه قد فرغ منه. فأما الحكم بالتعديل فهو شئ يختلف باختلاف الأوقات، ~~ولذلك هو كل وقت يحتاج إلى الحكمين المنصوص عليهما، وعلى هذا يأتي التقدير ~~في الآية بمشابه، فكأنه قال: ومن قتله منكم متعمدا فعليه قيمة ما قتل من ~~النعم أو عدل القيمة طعاما أو عدل ذلك صياما. وأما اختلافهم هل المقدر هو ~~الصيد أو مثله من ms0372 النعم إذا قدر بالطعام، فمن قال المقدر هو الصيد قال: ~~لأنه الذي لما لم يوجد مثله رجع إلى تقديره بالطعام، ومن قال إن المقدر هو ~~الواجب من النعم قال: لان الشئ إنما تقدر قيمته إذا عدم بتقدير مثله أعني ~~شبيه. وأما من قال إن الآية على التخيير فإنه التفت إلى حرف أو إذ كان ~~مقتضاها في لسان العرب التخيير. وأما من نظر إلى ترتيب الكفارات في ذلك ~~فشبهها في الكفارات التي فيها الترتيب باتفاق، وهي كفارة الظهار والقتل. ~~وأما اختلافهم في هل يستأنف الحكم في الصيد الواحد الذي قد وقع الحكم فيه ~~من الصحابة. فالسبب في اختلافهم: هو هل الحكم شرعي غير معقول المعنى أم هذا ~~معقول المعنى؟ فمن قال هو معقول المعنى قال: ما قد حكم فيه فليس يوجد شئ ~~أشبه به منه، مثل النعامة فإنه لا يوجد أشبه بها من البدنة فلا معنى لإعادة ~~الحكم، ومن قال PageV01P288 # هو عبادة قال: يعاد ولا بد منه، وبه قال مالك. وأما اختلافهم في الجماعة ~~يشتركون في قتل الصيد الواحد، فسببه هل الجزاء موجبه هو التعدي فقط أو ~~التعدي على جملة الصيد؟ فمن قال التعدي فقط أوجب على كل واحد من الجماعة ~~القاتلة للصيد جزاء، ومن قال التعدي على جملة الصيد قال: عليهم جزاء واحد. ~~وهذه المسألة شبيهة بالقصاص فالنصاب في السرقة وفي القصاص في الأعضاء وفي ~~الأنفس، وستأتي في مواضعها من هذا الكتاب إن شاء الله. وتفريق أبي حنيفة ~~بين المحرمين وبين غير المحرمين القاتلين في الحرم على جهة التغليظ على ~~المحرمين، ومن أوجب على كل واحد من الجماعة جزاء فإنما نظر إلى سد الذرائع، ~~فإنه لو سقط عنهم الجزاء جملة لكان من أراد أن يصيد في الحرم صاد في جماعة، ~~وإذا قلنا إن الجزاء هو كفارة للإثم فيشبه أنه لا يتبعض إثم قتل الصيد ~~بالاشتراك فيه، فيجب أن لا يتبعض الجزاء فيجب على كل واحد كفارة. # وأما اختلافهم في هل يكون أحد الحكمين قاتل الصيد، فالسبب في معارضة ~~مفهوم الظاهر ms0373 لمفهوم المعنى الأصلي في الشرع، وذلك أنه لم يشترطوا في ~~الحكمين إلا العدالة، فيجب على ظاهر هذا أن يجوز الحكم ممن يوجد فيه هذا ~~الشرط، سواء أكان قاتل الصيد أو غير قاتل. وأما مفهوم المعنى الأصلي في ~~الشرع فهو أن المحكوم عليه لا يكون حاكما على نفسه. وأما اختلافهم في ~~الموضع، فسببه الاطلاق أعني أنه لم يشترط فيه موضع، فمن شبهه بالزكاة في ~~أنه حق للمساكين فقال لا ينقل من موضعه. وأما من رأى أن المقصود بذلك إنما ~~هو الرفق بمساكين مكة قال: لا يطعم إلا مساكين مكة، ومن اعتمد ظاهر الاطلاق ~~قال: يطعم حيث شاء. وأما اختلافهم في الحلال يقتل الصيد في الحرم هل عليه ~~كفارة أم لا؟ فسببه هل يقاس في الكفارات عند من يقول بالقياس؟ وهل القياس ~~أصل من أصول الشرع عند الذين يختلفون فيه؟ فأهل الظاهر ينفون قياس قتل ~~الصيد في الحرم على المحرم لمنعهم القياس في الشرع، ويحق على أصل أبي حنيفة ~~أن يمنعه لمنعه القياس في الكفارات، ولا خلاف بينهم في تعلق الاسم به لقوله ~~سبحانه وتعالى: * (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم) * ~~وقول رسول الله (ص) إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض. وأما ~~اختلافهم فيمن قتله ثم أكله هل عليه جزاء واحد أم جزاءان؟ فسببه هل أكله ~~تعد ثان عليه سوى تعدي القتل أم لا؟ وإن كان تعديا عليه فهل هو مساو للتعدي ~~الأول أم لا؟ وذلك أنهم اتفقوا على أنه إن أكل أثم، ولما كان النظر في ~~كفارة الجزاء يشتمل على أربعة أركان: معرفة الواجب في ذلك، ومعرفة من تجب ~~عليه، ومعرفة الفعل الذي لأجله يجب، ومعرفة محل الوجوب. وكان قد تقدم ~~PageV01P289 # الكلام في أكثر هذه الأجناس، وبقي من ذلك أمران: أحدهما: اختلاف في بعض ~~الواجبات من الأمثال في بعض المصيدات، والثاني: ما هو صيد مما ليس بصيد يجب ~~أن ينظر فيما بقي علينا من ذلك. فمن أصول هذا الباب ما روي عن عمر بن ~~الخطاب ms0374 أنه قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب، وفي اليربوع ~~بجفرة واليربوع: دويبة لها أربع قوائم وذنب تجتر كما تجتر الشاة، وهي من ~~ذوات الكروش، والعنز عند أهل العلم من المعز ما قد ولد أو لد مثله، والجفرة ~~والعناق من المعز، فالجفرة ما أكل واستغنى عن الرضاع، والعناق قيل فوق ~~الجفرة وقيل دونها وخالف مالك هذا الحديث فقال: في الأرنب واليربوع لا ~~يقومان إلا بما يجوز هديا وأضحية، وذلك الجذع فما فوقه من الضأن، والثني ~~لها فوقه من الإبل والبقر. وحجة مالك قوله تعالى: * (هديا بالغ الكعبة) * ~~ولم يختلفوا أن مجعل على نفسه هديا أنه لا يجزيه أقل من الجذع فما فوقه من ~~الضأن، والثني مما سواه، وفي صغار الصيد عند مالك مثل ما في كباره. وقال ~~الشافعي: يفدى صغار الصيد بالمثل من صغار النعم وكبار الصيد بالكبار منها، ~~وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود، وحجته أنها حقيقة المثل، فعنده في ~~النعامة الكبيرة بدنة، وفي الصغيرة فصيل، وأبو حنيفة على أصله في القيمة، ~~واختلفوا من هذا الباب في حمام مكة وغيرها، فقال مالك في حمام مكة: شاة، ~~وفي حمام الحل حكومة. واختلف قول ابن القاسم في حمام الحرم غير مكة، فقال ~~مرة شاة كحمام مكة، ومرة قال حكومة كحمام الحل. وقال الشافعي: في كل حمام ~~شاة، وفي حمام سوى الحرم قيمته. وقال داود: كل شئ لا مثل له من الصيد فلا ~~جزاء فيها إلا الحمام فإن فيه شاة، ولعله ظن ذلك إجماعا، فإنه روى عن عمر ~~بن الخطاب ولا مخالف له من الصحابة. وروي عن عطاء أنه قال: في كل شئ من ~~الطير شاة. واختلفوا من هذا الباب في بيض النعامة، فقال مالك: أرى في بيض ~~النعامة عشر ثمن البدنة، وأبو حنيفة على أصله في القيمة. ووافقه الشافعي في ~~هذه المسألة. وبه قال أبو ثور. وقال أبو حنيفة: إن كان فيها فرخ ميت فعليه ~~الجزاء: أعني جزاء النعامة واشترط أبو ثور في ذلك أن يخرج حيا ms0375 ثم يموت، ~~وروي عن علي أنه قضى في بيض النعامة بأن يرسل الفحل على الإبل فإذا تبين ~~لقاحها سميت ما أصبت من البيض، فقلت: وهذا هدي، ثم ليس عليك ضمان ما فسد من ~~الجمل. وقال عطاء: من كانت له إبل فالقول قول علي، وإلا في كل بيضة درهمان، ~~قال أبو عمر: وقد روي عن ابن عباس عن كعب عن عجرة عن النبي عليه الصلاة ~~والسلام في بيض النعامة يصيبه المحرم ثمنه من وجه ليس بالقوي. وروي عن ابن ~~مسعود أن فيه القيمة، وقال: PageV01P290 # وفيه أثر ضعيف. وأكثر العلماء على أن الجراد من صيد البر يجب على المحرم ~~فيه الجزاء واختلفوا في الواجب من ذلك، فقال عمر رضي الله عنه: قبضة من ~~طعام وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: تمرة خير من جرادة. وقال ~~الشافعي: في الجراد قيمته، وبه قال أبو ثور إلا أنه قال: كل ما تصدق به من ~~حفنة طعام أو تمرة فهو له قيمة وروي عن ابن عباس أن فيها تمرة مثل قول أبي ~~حنيفة: وقال ربيعة: فيها صاع من طعام وهو شاذ وقد روي عن ابن عمر أن فيها ~~شويهة وهو أيضا شاذ، فهذه هي مشهورات ما اتفقوا على الجزاء فيه، واختلفوا ~~فيما هو الجزاء فيه. وأما اختلافهم فيما هو صيد مما ليس بصيد، وفيما هو من ~~صيد البحر مما ليس منه فإنهم اتفقوا على أن صيد البر محرم على المحرم إلا ~~الخمس الفواسق المنصوص عليها. واختلفوا فيما يلحق بها مما ليس يلحق. وكذلك ~~اتفقوا على أن صيد البحر حلال كله للمحرم، واختلفوا فيما هو من صيد البحر ~~مما ليس منه، وهذا كله لقوله تعالى: * (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم ~~وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) * ونحن نذكر مشهور ما اتفقوا ~~عليه من هذين الجنسين وما اختلفوا فيه، فنقول: ثبت من حديث ابن عمر وغيره ~~أن رسول الله (ص) قال: خمس من الدواب ليس على المحرم جناح في قتلهن: الغراب ~~والحدأة والعقرب ms0376 والفأرة والكلب العقور واتفق العلماء على القول بهذا ~~الحديث، وجمهورهم على القول بإباحة قتل ما تضمنه لكونه ليس بصيد وإن كان ~~بعضهم اشترط في ذلك أوصافا ما. # واختلفوا هل هذا باب من العام أريد به الخاص. أو باب من الخاص أريد به ~~العام، والذين قالوا هو من باب الخاص أريد به العام اختلفوا في أي عام أريد ~~بذلك، فقال مالك: الكلب العقور الوارد في الحديث إشارة إلى كل سبع عاد، وأن ~~ما ليس بعاد من السباع فليس للمحرم قتله ولم ير قتل صغارها التي لا تعدو ~~ولا ما كان منها أيضا لا يعدو. ولا خلاف بينهم في قتل الحية والأفعى ~~والأسود، وهو مروي عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث أبي سعيد الخدري ~~قال: قال رسول الله (ص) تقتل الأفعى والأسود وقال مالك: لا أرى قتل الوزغ، ~~والاخبار بقتلها متواترة، لكن مطلقا لا في الحرم ولذلك توقف فيها مالك في ~~الحرم. وقال أبو حنيفة: لا يقتل من الكلاب العقورة إلا الكلب الانسي ~~والذئب، وشذت طائفة فقالت: لا يقتل إلا الغراب الأبقع. وقال الشافعي: كل ~~محرم الأكل فهو معني في الخمس. وعمدة الشافعي أنه إنما حرم على المحرم ما ~~أحل للحلال، وأن المباحة الأكل لا يجوز قتلها بإجماع لنهي رسول الله (ص) عن ~~صيد البهائم. وأما أبو حنيفة فلم يفهم من اسم الكلب الانسي فقط بل من معناه ~~كل ذئب وحشي. واختلفوا في الزنبور فبعضهم شبهه بالعقرب، وبعضهم رأى أنه ~~أضعف نكاية من PageV01P291 # العقرب. وبالجملة فالمنصوص عليها تتضمن أنواعا من الفساد، فمن رأى أنه من ~~باب الخاص أريد به العام ألحق بواحد واحد منها ما يشبهه إن كان له شبه، ومن ~~لم ير ذلك قصر النهي على المنطوق به. وشذت طائفة فقالت: لا يقتل إلا الغراب ~~الأبقع، فخصصت عموم الاسم الوارد في الحديث الثابت بما روي عن عائشة أنه ~~عليه الصلاة والسلام قال خمس يقتلن في الحرم، فذكر فيهن الغراب الأبقع وشذ ~~النخعي فمنع المحرم قتل الصيد إلا الفأرة. وأما اختلافهم ms0377 فيما هو من صيد ~~البحر مما ليس هو منه، فإنهم اتفقوا على أن السمك من صيد البحر، واختلفوا ~~فيما عدا السمك، وذلك بناء منهم على أن ما كان منه يحتاج إلى ذكاة فليس من ~~صيد البحر، وأكثر ذلك ما كان محرما، ولا خلاف بين من يحل جميع ما في البحر ~~في أن صيده حلال، وإنما اختلف هؤلاء فيما كان من الحيوان يعيش في البر وفي ~~الماء بأي الحكمين يلحق؟ وقياس قول أكثر العلماء أنه يلحق بالذي عيشه فيه ~~غالبا، وهو حيث يولد، والجمهور على أن طير الماء محكوم له بحكم حيوان البر. ~~وروي عن عطاء أنه قال في طير الماء: حيث يكون أغلب عيشه يحكم له بحكمه ~~واختلفوا في نبات الحرم هل فيه جزاء أم لا؟ فقال مالك: لا جزاء فيه، وإنما ~~فيه الاثم فقط للنهي الوارد في ذلك. وقال الشافعي: فيه الجزاء في الدوحة ~~بقرة، وفيما دونها شاة وقال أبو حنيفة: كل ما كان من غرس الانسان فلا شئ ~~فيه، وكل ما كان نابتا بطبعه ففيه قيمة. وسبب الخلاف: هل يقاس النبات في ~~هذا على الحيوان لاجتماعهما في النهي عن ذلك في قوله عليه الصلاة والسلام ~~لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها فهذا هو القول في مشهور مسائل هذا الجنس ~~فلنقل في حكم الحالق رأسه قبل محل الحلق. # القول في فدية الأذى وحكم الحالق رأسه قبل محل الحلق وأما فدية الأذى ~~فمجمع أيضا عليها لورود الكتاب بذلك والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: * ~~(فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) *. ~~وأما السنة فحديث كعب بن عجرة الثابت أنه كان مع رسول الله (ص) محرما، ~~فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله (ص) أن يحلق رأسه وقال: صم ثلاثة ~~أيام أو أطعم ستة مساكين مدين لكل انسان، أو انسك بشاة، أي ذلك فعلت أجزأ ~~عنك والكلام في هذه الآية على من تجب الفدية، وعلى من لا تجب، وإذا وجبت ~~فما هي الفدية ms0378 الواجبة؟ وفي أي شئ تجب الفدية، ولمن تجب ومتى تجب وأين تجب؟ ~~فأما على من تجب الفدية، فإن العلماء أجمعوا على أنها واجبة على كل من أماط ~~الأذى من ضرورة لورود النص بذلك، واختلفوا فيمن أماطه بغير ضرورة، فقال ~~مالك: عليه الفدية PageV01P292 # المنصوص عليها. وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن حلق دون ضرورة فإنما عليه دم ~~فقط واختلفوا هل من شرط من وجبت عليه الفدية بإماطة الأذى أن يكون متعمدا ~~أو الناسي في ذلك والمتعمد سواء، فقال مالك: العامد في ذلك والناسي واحد، ~~وهو قول أبي حنيفة والثوري والليث. وقال الشافعي في أحد قوليه وأهل الظاهر: ~~لا فدية على الناسي فمن اشترط في وجوب الفدية الضرورة فدليله النص، ومن ~~أوجب ذلك على غير المضطر فحجته أنه إذا وجبت على المضطر فهي على غير المضطر ~~أوجب، ومن فرق بين العامد والناسي فلتفريق الشرع في ذلك بينهما في مواضع ~~كثيرة، ولعموم قوله تعالى: * (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما ~~تعمدت قلوبكم) * ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان ومن لم يفرق بينهما فقياسا على كثير من العبادات التي لم يفرق ~~الشرع فيها بين الخطأ والنسيان. وأما ما يجب في فدية الأذى، فإن العلماء ~~أجمعوا على أنها ثلاث خصال على التخيير: الصيام والاطعام والنسك لقوله ~~تعالى: * (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) * والجمهور على أن الاطعام هو ~~لستة مساكين، وأن النسك أقله شاة. وروي عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا: ~~الاطعام لعشرة مساكين والصيام عشرة أيام، ودليل الجمهور حديث كعب عجرة ~~الثابت. وأما من قال: الصيام عشرة أيام فقياسا على صيام التمتع وتسوية ~~الصيام مع الاطعام، ولما ورد أيضا في جزاء الصيد في قوله سبحانه: * (أو عدل ~~ذلك صياما) * وأما كم يطعم لكل مسكين من المساكين الستة التي ورد فيها ~~النص. فإن الفقهاء اختلفوا في ذلك لاختلاف الآثار في الاطعام في الكفارات، ~~فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم: الاطعام في ذلك مدان بمد النبي ~~(ص) لكل مسكين. وروي ms0379 عن الثوري أنه قال: من البر نصف صاع ومن التمر والزبيب ~~صاع وروي أيضا عن أبي حنيفة مثله وهو أصله في الكفارات. وأما ما تجب فيه ~~الفدية، فاتفقوا على أنها تجب على من حلق رأسه لضرورة مرض أو حيوان يؤذيه ~~في رأسه. قال ابن عباس: المرض أن يكون برأسه قروح. والأذى: القمل وغيره. # وقال عطاء: المرض: الصداع، والأذى: القمل وغيره: والجمهور على أن كل ما ~~منعه المحرم من لباس الثياب المخيطة وحلق الرأس وقص الأظفار أنه إذا ~~استباحه فعليه الفدية: # أي دم على اختلاف بينهم في ذلك أو إطعام، ولم يفرقوا بين الضرر وغيره في ~~هذه الأشياء، وكذلك استعمال الطيب. وقال قوم: ليس في قص الأظفار شئ وقال ~~قوم: فيه دم. وحكى ابن المنذر أن من منع المحرم قص الأظفار إجماع. واختلفوا ~~فيمن أخذ بعض PageV01P293 # أظفاره، فقال الشافعي وأبو ثور: إن أخذ واحدا أطعم مسكينا واحدا، وإن أخذ ~~ظفرين أطعم مسكينين، وإن أخذ ثلاثا فعليه دم في مقام واحد. وقال أبو حنيفة ~~في أحد أقواله: لا شئ عليه حتى يقصها كلها. وقال أبو محمد بن حزم: يقص ~~المحرم أظفاره وشاربه. وهو شذوذ، وعنده أن لا فدية إلا من حلق الرأس فقط ~~للعذر الذي ورد فيه النص. # وأجمعوا على منع حلق شعر الرأس، واختلفوا في حلق الشعر من سائر الجسد، ~~فالجمهور على أن فيه الفدية. وقال داود: لا فدية فيه. واختلفوا فيمن نتف من ~~رأسه الشعرة والشعرتين أو من لحمه. فقال مالك: ليس على من نتف الشعر اليسير ~~شئ إلا أن يكون أماط به أذى فعليه الفدية. وقال الحسن: في الشعرة مد وفي ~~الشعرتين مدان. وفي الثلاثة دم، وبه قال الشافعي وأبو ثور. وقال عبد الملك ~~صاحب مالك: فيما قل من الشعر إطعام وفيما كثر فدية. فمن فهم من منع المحرم ~~حلق الشعر أنه عبادة سوى بين القليل والكثير. # ومن فهم من ذلك منع النظافة والزين والاستراحة التي في حلقه فرق بين ~~القليل والكثير، لان القليل ليس في إزالته زوال أذى. ms0380 أما موضع الفدية ~~فاختلفوا فيه، فقال مالك: يفعل من ذلكما شاء أين شاء بمكة وبغيرها وإن شاء ~~ببلده، وسواء عنده في ذلك ذبح النسك والاطعام والصيام، وهو قول مجاهد، ~~والذي عند مالك ههنا هو نسك وليس بهدي، فإن الهدي لا يكون إلا بمكة أو ~~بمنى. وقال أبو حنيفة والشافعي: الدم والاطعام لا يجزيان إلا بمكة والصوم ~~حيث شاء. وقال ابن عباس: ما كان من دم فبمكة، وما كان من إطعام وصيام فحيث ~~شاء، وعن أبي حنيفة مثله، ولم يختلف قول الشافعي أن دم الاطعام لا يجزئ إلا ~~لمساكين الحرم. وسبب الخلاف: استعمال قياس دم النسك على الهدي، فمن قاسه ~~على الهدي أوجب فيه شروط الهدي من الذبح في المكان المخصوص به وفي مساكين ~~الحرم، وإن كان مالك يرى أن الهدي يجوز إطعامه لغير مساكين الحرم. والذي ~~يجمع النسك والهدي هو أن المقصود بهما منفعة المساكين المجاورين لبيت الله، ~~والمخالف يقول: إن الشرع لما فرق بين اسمهما فسمى أحدهما نسكا وسمى الآخر ~~هديا وجب أن يكون حكمهما مختلفا. وأما الوقت فالجمهور على أن هذه الكفارة ~~لا تكون إلا بعد إماطة الأذى ولا يبعد أن يدخله الخلاف قياسا على كفارة ~~الايمان، فهذا هو القول في كفارة إماطة الأذى. واختلفوا في حلق الرأس هو من ~~مناسك الحج أو هو مما يتحلل به منه؟ ولا خلاف بين الجمهور في أنه من أعمال ~~الحج، وأن الحلق أفضل من التقصير لما ثبت من حديث ابن عمر أن رسول الله (ص) ~~قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: اللهم ارحم ~~المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: اللهم ارحم المحلقين، ~~قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: # والمقصرين وأجمع العلماء على أن النساء لا يحلقن وأن سنتهن التقصير. ~~واختلفوا هل PageV01P294 # هو نسك يجب على الحاج والمعتمر أو لا؟ فقال مالك: الحلاق نسك للحاج ~~وللمعتمر وهو أفضل من التقصير، ويجب على كل من فاته الحج وأحصر بعدو أو مرض ~~أو بعذر، وهو قول جماعة الفقهاء إلا ms0381 في المحصر بعدو، فإن أبا حنيفة قال: ~~ليس عليه حلاق ولا تقصير. وبالجملة فمن جعل الحلاق أو التقصير نسكا أوجب في ~~تركه الدم، ومن لم يجعله من النسك لم يوجب فيه شيئا. # القول في كفارة المتمتع وأما كفارة المتمتع التي نص الله عليها في قوله ~~سبحانه: * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) * الآية، فإنه ~~لا خلاف في وجوبها، وإنما الخلاف في المتمتع من هو؟ وقد تقدم ما في ذلك من ~~الخلاف. والقول في هذه الكفارة أيضا يرجع إلى تلك الأجناس بعينها على من ~~تجب، وما الواجب فيها؟ ومتى تجب ولمن تجب وفي أي مكان تجب؟ فأما على من تجب ~~فعلى المتمتع باتفاق، وقد تقدم الخلاف في المتمتع من هو. وأما اختلافهم في ~~الواجب، فإن الجمهور من العلماء على أن ما استيسر من الهدي هو شاة، واحتج ~~مالك في أن اسم الهدي قد ينطلق على الشاة بقوله تعالى في جزاء الصيد: * ~~(هديا بالغ الكعبة) * ومعلوم بالاجماع أنه قد يجب في جزاء الصيد شاة، وذهب ~~ابن عمر إلى أن اسم الهدي لا ينطلق إلا على الإبل والبقر، وأن معنى قوله ~~تعالى: # (فما استيسر من الهدي) * أي بقرة أدون من بقرة، وبدنة أدون من بدنة. ~~وأجمعوا أن هذه الكفارة على الترتيب، وأن من لم يجد الهدي فعليه الصيام. ~~واختلفوا في حد الزمان الذي ينتقل بانقضائه فرضه من الهدي إلى الصيام، فقال ~~مالك: إذا شرع في الصوم فقد انتقل واجبه إلى الصوم وإن وجد الهدي في أثناء ~~الصوم. وقال أبو حنيفة: إن وجد الهدي في صوم الثلاثة الأيام لزمه، وإن وجده ~~في صوم السبعة لم يلزمه. وهذه المسألة نظير مسألة من طلع عليه الماء في ~~الصلاة وهو متيمم. وسبب الخلاف: هو هل ما هو شرط ابتداء العبادة هو شرط في ~~استمرارها. وإنما فرق أبو حنيفة بين الثلاثة والسبعة. لان الثلاثة الأيام ~~هي عنده بدل من الهدي والسبعة ليست ببدل. وأجمعوا على أنه إذا صام الثلاثة ~~الأيام في العشر الأول من ذي ms0382 الحجة أنه قد أتى بها في محلها لقوله سبحانه: ~~* (فصيام ثلاثة أيام في الحج) * ولا خلاف أن العشر الأول من أيام الحج. ~~واختلفوا فيمن صامها في أيام عمل العمرة قبل أن يهل بالحج أو صامها في أيام ~~منى، فأجاز مالك صيامها في أيام منى، ومنعه أبو حنيفة وقال: إذا فاتته ~~الأيام الأولى وجب الهدي في ذمته. ومنعه PageV01P295 # مالك قبل الشروع في عمل الحج وأجازه أبو حنيفة. وسبب الخلاف: هل ينطلق ~~اسم الحج على هذه الأيام المختلف فيها أم لا؟ وإن انطلق فهل من شرط الكفارة ~~أن لا تجزئ إلا بعد وقوع موجبها؟ فمن قال: لا تجزي كفارة إلا بعد وقوع ~~موجبها قال: لا يجزي الصوم إلا بعد الشروع في الحج، ومن قاسها على كفارة ~~الايمان قال: يجزي. # واتفقوا أنه إذا صام السبعة الأيام في أهله أجزأه، واختلفوا إذا صامها في ~~الطريق فقال مالك: يجزي الصوم، وقال الشافعي: لا يجزي. وسبب الخلاف: ~~الاحتمال الذي في قوله سبحانه: * (إذا رجعتم) * فإن اسم الراجع ينطلق على ~~من فرغ من الرجوع، وعلى من هو في الرجوع نفسه، فهذه هي الكفارة التي ثبتت ~~بالسمع وهي من المتفق عليها. ولا خلاف أن من فاته الحج بعد أن شرع فيه إما ~~بفوت ركن من أركانه، وإما من قبل غلطه في الزمان، أو من قبل جهله أو نسيانه ~~أو إتيانه في الحج فعلا مفسدا له، فإن عليه القضاء إذا كان حجا واجبا، وهل ~~عليه هدي مع القضاء؟ اختلفوا فيه، وإن كان تطوعا فهل عليه قضاء أم لا؟ ~~الخلاف في ذلك كله، لكن الجمهور على أن عليه الهدي لكون النقصان الداخل ~~عليه مشعرا بوجوب الهدي وشذ قوم فقالوا: لا هدي أصلا ولا قضاء إلا أن يكون ~~في حج واجب، ومما يخص الحج الفاسد عند الجمهور دون سائر العبادات أنه يمضي ~~فيه المفسد له ولا يقطعه، وعليه دم وشذ قوم فقالوا هو كسائر العبادات، ~~وعمدة الجمهور ظاهر قوله تعالى: * (وأتموا الحج والعمرة لله) * فالجمهور ~~عمموا والمخالفون خصصوا قياسا على غيرها ms0383 من العبادات إذا وردت عليها ~~المفسدات، واتفقوا على أن المفسد للحج أما من الأفعال المأمور بها فترك ~~الأركان التي هي شرط في صحته على اختلافهم فيما هو ركن مما ليس بركن. وأما ~~من التروك المنهي عنها فالجماع، وإن كانوا اختلفوا في الوقت الذي إذا وقع ~~فيه الجماع كان مفسدا للحج. فأما إجماعهم على إفساد الجماع للحج فلقوله ~~سبحانه: * (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) * ~~واتفقوا على أن من وطئ قبل الوقوف بعرفة فقد أفسد حجه، وكذلك من وطئ من ~~المعتمرين قبل أن يطوف ويسعى. واختلفوا في فساد الحج بالوطئ بعد الوقوف ~~بعرفة وقبل رمي جمرة العقبة وبعد رمي الجمرة وقبل طواف الإفاضة الذي هو ~~الواجب، فقال مالك: من وطئ قبل رمي جمرة العقبة فقد فسد حجه وعليه الهدي ~~والقضاء، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة والثوري: عليه الهدي بدنة وحجة ~~تام. وقد روي مثل هذا عن مالك. وقال مالك: من وطئ بعد رمي جمرة العقبة وقبل ~~طواف الإفاضة فحجه تام، وبقول مالك في أن الوطئ قبل طواف الإفاضة لا يفسد ~~الحج قال الجمهور: ويلزمه عندهم PageV01P296 # الهدي. وقالت طائفة: من وطئ قبل طواف الإفاضة فسد حجه، وهو قول ابن عمر. # وسبب الخلاف: أن للحج تحللا يشبه السلام في الصلاة وهو التحلل الأكبر وهو ~~الإفاضة، وتحللا أصغر، وهل يشترط في إباحة الجماع تحللان أو أحدهما؟ ولا ~~خلاف بينهم أن التحلل الأصغر الذي هو رمي الجمرة يوم النحر أنه يحل به ~~الحاج من كل شئ حرم عليه بالحج إلا النساء والطيب والصيد، فإنهم اختلفوا ~~فيه، والمشهور عن مالك أنه يحل له كل شئ إلا النساء والطيب، وقيل عنه: إلا ~~النساء والطيب والصيد، لأن الظاهر من قوله: # * (وإذا حللتم فاصطادوا) * أنه التحلل الأكبر. واتفقوا أيضا على أن ~~المعتمر يحل من عمرته إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وإن لم يكن ~~حلق ولا قصر لثبوت الآثار في ذلك إلا خلافا شاذا. وروي عن ابن عباس أنه يحل ~~بالطواف. ms0384 وقال أبو حنيفة: # لا يحل إلا بعد الحلاق، وإن جامع قبله فسدت عمرته. واختلفوا في صفة ~~الجماع الذي يفسد الحج وفي مقدماته، فالجمهور على أن التقاء الختانين يفسد ~~الحج، ويحتمل من يشترطه في وجوب الطهر الانزال مع التقاء الختانين أن يشترط ~~في الحج. واختلفوا في إنزال الماء فيما دون الفرج، فقال أبو حنيفة: لا يفسد ~~الحج إلا الانزال في الفرج. وقال الشافعي ما يوجب الحد يفسد الحج. وقال ~~مالك: الانزال نفسه يفسد الحج، وكذلك مقدماته من المباشرة والقبلة. واستحب ~~الشافعي فيمن جامع دون الفرج أن يهدي. واختلفوا فيمن وطئ مرارا، فقال مالك: ~~ليس عليه إلا هدي واحد. وقال أبو حنيفة: إن كرر الوطئ في مجلس واحد كان ~~عليه هدي واحد، وإن كرره في مجالس كان عليه لكل وطئ هدي. وقال محمد بن ~~الحسن: يجزيه هدي واحد، وإن كرر الوطئ ما لم يهد لوطئه الأول. # وعن الشافعي الثلاثة الأقوال، إلا أن الأشهر عنه مثل قول مالك. واختلفوا ~~فيمن وطئ ناسيا، فسوى مالك في ذلك بين العمد والنسيان وقال الشافعي في ~~الجديد لا كفارة عليه واختلفوا هل على المرأة هدي؟ فقال مالك: إن طاوعته ~~فعليها هدي، وإن أكرهها فعليه هديان. وقال الشافعي: ليس عليه إلا هدي واحد ~~كقوله في المجامع في رمضان. # وجمهور العلماء على أنهما إذا حجا من قابل تفرقا أعني الرجل والمرأة، ~~وقيل لا يفترقان، والقول بأن لا يفترقا مروي عن بعض الصحابة والتابعين، وبه ~~قال أبو حنيفة. # واختلف قول مالك والشافعي من أين يفترقان؟ فقال الشافعي: يفترقان من حيث ~~أفسدا الحج، وقال مالك يفترقان من حيث أحرما، إلا أن يكونا أحرما قبل ~~الميقات فمن آخذهما بالافتراق فسدا للذريعة وعقوبة، ومن لم يؤاخذها به ~~فجريا على الأصل، وأنه لا يثبت حكم في هذا الباب إلا بسماع. واختلفوا في ~~الهدي الواجب في الجماع ما هو؟ PageV01P297 # قال مالك وأبو حنيفة: هو شاة وقال الشافعي: لا تجزئه إلا بدنة وإن لم يجد ~~قومت البدنة دراهم وقومت الدراهم طعاما، فإن لم يجد صام عن ms0385 كل مد يوما، ~~قال: والاطعام والهدي لا يجزي إلا بمكة أو بمنى، والصوم حيث شاء. وقال ~~مالك: كل نقص دخل الاحرام من وطئ أو حلق شعر أو إحصار فإن صاحبه إن ليجد ~~الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ولا يدخل الاطعام فيه، فمالك ~~شبه الدم اللازم ههنا بدم المتمتع، والشافعي شبهه بالدم الواجب في الفدية، ~~والاطعام عند مالك لا يكون إلا في كفارة الصيد وكفارة إزالة الأذى، ~~والشافعي يرى أن الصيام والاطعام قد وقعا بدل الدم في موضعين، ولم يقع ~~بدلهما إلا في موضع واحد. فقياس المسكوت عنه على المنطوق به في الاطعام ~~أولى، فهذا ما يخص الفساد بالجماع. وأما الفساد بفوات الوقت، وهو أن يفوته ~~الوقوف بعرفة يوم عرفة، فإن العلماء أجمعوا أن من هذه صفته لا يخرج من ~~إحرامه إلا بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، أعني أنه يحل ولا بد ~~بعمرة، وأن عليه حج قابل. # واختلفوا هل عليه هدي أم لا؟ فقال مالك والشافعي وأحمد والثوري وأبو ثور: ~~عليه الهدي. وعمدتهم إجماعهم على أن من حبسه مرض حتى فاته الحج أن عليه ~~الهدي. # وقال أبو حنيفة: يتحلل بعمرة ويحج من قابل ولا هدي عليه وحجة الكوفيين أن ~~الأصل في الهدي إنما هو بدل من القضاء، فإذا كان القضاء فلا هدي إلا ما ~~خصصه الاجماع. # واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة فيمن فاته الحج وكان قارنا هل يقضي حجا ~~مفردا أو مقرونا بعمرة؟ فذهب مالك والشافعي إلى أنه يقضي قارنا لأنه إنما ~~يقضي مثل الذي عليه. وقال أبو حنيفة ليس عليه إلا الافراد لأنه قد طاف ~~لعمرته فليس يقضي إلا ما فاته وجمهور العلماء على أن من فاته الحج أنه لا ~~يقيم على إحرامه ذلك إلى عام آخر وهذا هو الاختيار عند مالك، إلا أنه أجاز ~~ذلك ليسقط عنه الهدي ولا يحتاج أن يتحلل بعمرة. وأصل اختلافهم في هذه ~~المسألة: اختلافهم فيمن أحرم بالحج في غير أشهر الحج، فمن لم يجعله محرما ~~لم يجز للذي فاته ms0386 الحج أن يبقى محرما إلى عام آخر، ومن أجاز الاحرام في غير ~~أيام الحج أجاز له البقاء محرما. قال القاضي: فقد قلنا في الكفارات الواجبة ~~بالنص في الحج وفي صفة القضاء في الحج الفائت والفاسد وفي صفة إحلال من ~~فاته الحج، وقلنا قبل ذلك في الكفارات المنصوص عليها، وما ألحق الفقهاء ~~بذلك من كفارة المفسد حجه، وبقي أن نقول في الكفارات التي اختلفوا فيها في ~~ترك نسك منها من مناسك الحج مما لم ينص عليه. # القول في الكفارات المسكوت عنها فنقول: إن الجمهور اتفقوا على أن النسك ~~ضربان: نسك هو سنة مؤكدة ونسك هو مرغب فيه. فالذي هو سنة يجب على تاركه ~~الدم لأنه حج ناقص أصله المتمتع والقارن. PageV01P298 # وروي عن ابن عباس أنه قال: من فاته من نسكه شئ فعليه دم، وأما الذي هو ~~نفل فلم يروا فيه دما، ولكنهم اختلف اختلافا كثيرا في ترك نسك نسك هل فيه ~~دم أم لا؟ وذلك لاختلافهم فيه هل هو سنة أو نفل؟ وأما ما كان فرضا فلا خلاف ~~عندهم أنه لا يجبر بالدم، وإنما يختلفون في الفعل الواحد نفسه من قبل ~~اختلافهم هل هو فرض أم لا؟ وأما أهل الظاهر فإنهم لا يرون دما إلا حيث ورد ~~النص لتركهم القياس وبخاصة في العبادات. وكذلك اتفقوا على أن ما كان من ~~التروك مسنونا ففعل ففيه فدية الأذى، وما كان مرغبا فيه فليس فيه شئ. # واختلفوا في ترك فعل لاختلافهم هل هو سنة أم لا؟ وأهل الظاهر لا يوجبون ~~الفدية إلا في المنصوص عليه ونحن نذكر المشهور من اختلاف الفقهاء في ترك ~~نسك نسك: أعني في وجوب الدم أو لا وجوبه من أول المناسك إلى آخرها، وكذلك ~~في فعل محظور محظور. فأول ما اختلفوا فيه من المناسك من جاوز الميقات فلم ~~يحرم هل عليه دم؟ فقال قوم: لا دم عليه. وقال قوم: عليه الدم وإن رجع، وهو ~~قول مالك وابن المبارك. وروي عن الثوري. وقال قوم: إن رجع إليه فليس عليه ~~دم، وإن ms0387 لم يرجع فعليه دم، وهو قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد ومشهور قول ~~الثوري. وقال أبو حنيفة: إن رجع ملبيا فلا دم، وإن رجع غير ملب كان عليه ~~الدم. وقال قوم: هو فرض ولا يجبره بالدم. واختلفوا فيمن غسل رأسه بالخطمي. ~~فقال مالك وأبو حنيفة يفتدي. وقال الثوري وغيره لا شئ عليه. ورأي مالك أن ~~في الحمام الفدية. # وأباحه الأكثرون وروي عن ابن عباس من طريق ثابت دخوله. والجمهور على أنه ~~يفتدي من لبس من المحرمين ما نهي عن لباسه. واختلفوا إذا لبس السراويل لعدم ~~الإزار هل يفتدي أم لا؟ فقال مالك وأبو حنيفة: يفتدي، وقال الثوري وأحمد ~~وأبو ثور وداود: لا شئ عليه إذا لم يجد إزارا. وعمدة من منع النهي المطلق ~~وعمدة من لم ير فيه فدية حديث عمرو بن دينار عن جابر وابن عباس قال: سمعت ~~رسول الله (ص) يقول السراويل لمن لم يجد الإزار والخف لمن لم يجد النعلين ~~واختلفوا فيمن ليس الخفين مقطوعين مع وجود النعلين، فقال مالك عليه الفدية، ~~وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه. والقولان عن الشافعي. واختلفوا في لبس ~~المرأة القفازين هل فيه فدية أم لا؟ وقد ذكرنا كثيرا من هذه الأحكام في باب ~~الاحرام، وكذلك اختلفوا فيمن ترك التلبية هل عليه دم أم لا؟ وقد تقدم. ~~واتفقوا على أن من نسي الطواف أو نسي شوطا من أشواطه أنه يعيده ما دام ~~بمكة. واختلفوا إذا بلغ إلى أهله، فقال قوم منهم أبو حنيفة: يجزيه الدم، ~~وقال قوم: بل يعيد ويجبر ما نقصه ولا يجزيه الدم. وكذلك اختلفوا في وجوب ~~الدم على من ترك الرمل في الثلاثة الأشواط، وبالوجوب قال ابن عباس والشافعي ~~وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور واختلف في ذلك قول مالك وأصحابه. والخلاف في هذه ~~الأشياء كلها مبناه على أنه هل هو سنة أم لا؟ وقد تقدم القول في ذلك. ~~وتقبيل الحجر أو تقبيل يده بعد وضعها عليه إذا لم يصل الحجر عند كل من لم ~~يوجب الدم قياسا على المتمتع إذا ms0388 تركه فيه دم. PageV01P299 # وكذلك اختلفوا فيمن نسي ركعتي الطواف حتى رجع إلى بلده هل عليه دم أم لا؟ ~~فقال مالك: # عليه دم. وقال الثوري: يركعهما ما دام في الحرم. وقال الشافعي وأبو ~~حنيفة: يركعهما حيث شاء، والذين قالوا في طواف الوداع أنه ليس بفرض اختلفوا ~~فيمن تركه ولم تتمكن له العودة إليه هل عليه دم أم لا؟ فقال مالك: ليس عليه ~~شئ إلا أن يكون قريبا فيعود. وقال أبو حنيفة والثوري: عليه دم إن لم يعد، ~~وإنما يرجع عندهم ما لم يبلغ المواقيت، وحجة من لم يره سنة مؤكدة سقوطه عن ~~المكي والحائض. وعند أبي حنيفة أنه إذا لم يدخل الحجر في الطواف أعاد ما لم ~~يخرج من مكة، فإن خرج فعليه دم. واختلفوا هل من شرط صحة الطواف المشي فيه ~~مع القدرة عليه؟ فقال مالك: هو من شرطه كالقيام في الصلاة، فإن عجز كان ~~كصلاة القاعد ويعيد عنده أبدا، إلا إذا رجع إلى بلده فإن عليه دما. وقال ~~الشافعي: الركوب في الطواف جائز لان النبي (ص) طاف بالبيت راكبا من غير مرض ~~لكنه أحب أن يستشرف الناس إليه ومن لم ير السعي واجبا فعليه فيه دم إذا ~~انصرف إلى بلده، ومن رآه تطوعا لم يوجب فيه شيئا، وقد تقدم اختلافهم أيضا ~~فيمن قدم السعي على الطواف هل فيه دم إذا لم يعد حتى يخرج من مكة أم ليس ~~فيه دم؟ واختلفوا في وجوب الدم على من دفع من عرفة قبل الغروب فقال الشافعي ~~وأحمد: إن عاد فدفع بعد غروب الشمس فلا دم عليه، وإن لم يرجع حتى طلع الفجر ~~وجب عليه الدم. # وقال أبو حنيفة والثوري: عليه الدم رجع أو لم يرجع، وقد تقدم هذا. ~~واختلفوا فيمن وقف من عرفة بعرنة، فقال الشافعي: لا حج له، وقال مالك: عليه ~~دم. وسبب الاختلاف: هل النهي عن الوقوف بها من باب الحظر أو من باب ~~الكراهية، وقد ذكرنا في باب أفعال الحج إلى انقضائها كثيرا من اختلافهم ~~فيما في تركه دم ms0389 وما ليس فيه دم، وإن كان الترتيب يقتضي ذكره في هذا ~~الموضع، والأسهل ذكره هنالك. قال القاضي: فقد قلنا في وجوب هذه العبادة ~~وعلى من تجب؟ وشروط وجوبها ومتى تجب؟ وهي التي تجري مجرى المقدمات لمعرفة ~~هذه العبادة، وقلنا بعد ذلك في زمان هذه العبادة ومكانها ومحظوراتها وما ~~اشتملت عليه أيضا من الأفعال في مكان مكان من أماكنها وزمان زمان من ~~أزمنتها الجزئية إلى انقضاء زمانها. ثم قلنا في أحكام التحلل الواقع في هذه ~~العبادة، وما يقبل من ذلك الاصلاح بالكفارات وما لا يقبل الاصلاح بل يوجب ~~الإعادة، وقلنا أيضا في حكم الإعادة بحسب موجباتها. وفي هذا الباب يدخل من ~~شرع فيها فأحصر بمرض أو عدو أو غير ذلك، والذي بقي من أفعال هذه العبادة هو ~~القول في الهدي، وذلك أن هذا النوع من العبادات هو جزء من هذه العبادة، وهو ~~مما ينبغي أن يفرد بالنظر فلنقل فيه. # القول في الهدي فنقول: إن النظر في الهدي يشتمل على معرفة وجوبه وعلى ~~معرفة جنسه وعلى معرفة سنه وكيفية سوقه ومن أين يساق وإلى أين ينتهي بسوقه، ~~وهو موضع نحره PageV01P300 # وحكم لحمه بعد النحر، فنقول: إنهم قد أجمعوا على أن الهدي المسوق في هذه ~~العبادة منه واجب ومنه تطوع، فالواجب منه ما هو واجب بالنذر، ومنه ما هو ~~واجب في بعض أنواع هذه العبادة، ومنه ما هو واجب لأنه كفارة. فأما ما هو ~~واجب في بعض أنواع هذه العبادة فهو هدي المتمتع باتفاق وهدي القارن ~~باختلاف. وأما الذي هو كفارة فهدي القضاء على مذهب من يشترط فيه الهدي، ~~وهدي كفارة الصيد، وهدي إلقاء الأذى والتفث وما أشبه ذلك من الهدي الذي ~~قاسه الفقهاء في الاخلال بنسك نسك منها على المنصوص عليه. فأما جنس الهدي ~~فإن العلماء متفقون على أنه لا يكون الهدي إلا من الأزواج الثمانية التي نص ~~الله عليها. وأن الأفضل في الهدايا هي الإبل ثم البقر ثم الغنم ثم المعز. ~~وإنما اختلفوا في الضحايا. وأما الأسنان فإنهم أجمعوا أن الثني ms0390 فما فوقه ~~يجزي منها، وأنه لا يجزي الجذع من المعز في الضحايا والهدايا لقوله عليه ~~الصلاة والسلام لأبي بردة: # تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك واختلفوا في الجذع من الضأن، فأكثر أهل ~~العلم يقولون بجوازه في الهدايا والضحايا. وكان ابن عمر يقول: لا يجزي في ~~الهدايا إلا الثني من كل جنس، ولا خلاف في أن الأغلى ثمنا من الهدايا أفضل. ~~وكان الزبير يقول لبنيه: # يا بني لا يهدين أحدكم لله من الهدي شيئا يستحي أن يهديه لكريمه، فإن ~~الله أكرم الكرماء وأحق من اختير له. وقال رسول الله (ص): في الرقاب. وقد ~~قيل له أيها أفضل فقال: # أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها وليس في عدد الهدي حد معلوم، وكان هدي ~~رسول الله (ص) مائة. وأما كيفية سوق الهدي فهو التقليد والاشعار بأنه هدي ~~لان رسول الله (ص) خرج عام الحديبية، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي ~~وأشعره وأحرم وإذا كان الهدي من الإبل والبقر فلا خلاف أنه يقلد نعلا أو ~~نعلين أو ما أشبه ذلك لمن لم يجد النعال. واختلفوا في تقليد الغنم، فقال ~~مالك وأبو حنيفة: لا تقلد الغنم. وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود: تقلد ~~لحديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبي (ص) أهدى إلى البيت ~~مرة غنما فقلده واستحبوا توجيهه إلى القبلة في حين تقليده، واستحب مالك ~~الاشعار من الجانب الأيسر لما رواه عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا أهدى ~~هديا من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة قلده قبل أن يشعره، وذلك في مكان ~~واحد وهو موجه للقبلة يقلده بنعلين ويشعره من الشق الأيسر، ثم يساق معه حتى ~~يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يدفع به معهم إذا دفعوا، وإذا قدم منى غداة ~~النحر نحره قبل أن يحلق أو يقصر، وكان هو ينحر هديه بيده يصفهن قياما ~~ويوجههن للقبلة ثم يأكل ويطعم واستحب الشافعي وأحمد وأبو ثور الاشعار من ~~الجانب الأيمن لحديث ابن عباس أن رسول الله (ص) صلى الظهر بذي ms0391 الحليفة، ثم ~~دعا ببدنة فأشعرها من صفحة سنامه الأيمن ثم سلت الدم عنها وقلدها بنعلين ثم ~~ركب راحلته، فلما استوت على البيداء أهل بالحج. PageV01P301 # وأما من أين يساق الهدي؟ فإن مالكا يرى أن من سنته أن يساق من الحل، ~~ولذلك ذهب إلى أن من اشترى الهدي بمكة ولم يدخله من الحل أن عليه أن يقفه ~~بعرفة، وإن ليفعل فعليه البدل. وأما إن كان أدخله من الحل فيستحب له أن ~~يقفه بعرفة، وهو قول ابن عمر وبه قال الليث. وقال الشافعي والثوري وأبو ~~ثور: وقوف الهدي بعرفة سنة، ولا حرج على من لم يقفه كان داخلا من الحل أو ~~لم يكن. وقال أبو حنيفة: ليس توقيف الهدي بعرفة من السنة. وحجة مالك في ~~إدخال الهدي من الحل إلى الحرم أن النبي عليه الصلاة والسلام كذلك فعل ~~وقال: خذوا عني مناسككم وقال الشافعي: التعريف سنة مثل التقليد. وقال أبو ~~حنيفة: ليس التعريف بسنة، وإنما فعل ذلك رسول الله (ص) لان مسكنه كان خارج ~~الحرم. وروي عن عائشة التخيير في تعريف الهدي أو لا تعريفه. وأما محله فهو ~~البيت العتيق كما قال تعالى: * (ثم محلها إلى البيت العتيق) * وقال: # * (هديا بالغ الكعبة) * وأجمع العلماء على أن الكعبة لا يجوز لاحد فيها ~~ذبح، وكذلك المسجد الحرام. وأن المعنى في قوله: (هديا بالغ الكعبة) * أنه ~~إنما أراد به النحر بمكة إحسانا منه لمساكينهم وفقرائهم. وكان مالك يقول: ~~إنما المعنى في قوله: * (هديا بالغ الكعبة) * مكة، وكان لا يجيز لمن نحر ~~هديه في الحرم إلا أن ينحره بمكة. وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن نحره في غير ~~مكة من الحرم أجزأه وقال الطبري: يجوز نحر الهدي حيث شاء المهدي إلا هدي ~~القران، وجزاء الصيد فإنهما لا ينحران إلا بالحرم. # وبالجملة فالنحر بمنى إجماع من العلماء وفي العمرة بمكة. إلا ما اختلفوا ~~فيه من نحر المحصر وعند مالك إن نحر للحج بمكة والعمرة بمنى أجزأه، وحجة ~~مالك في أنه لا يجوز النحر بالحرم إلا بمكة قوله (ص): وكل ms0392 فجاج مكة وطرقها ~~منحر واستثنى مالك من ذلك هدي الفدية، فأجاز ذبحه بغير مكة. وأما متى ينحر ~~فإن مالكا قال: إن ذبح هدي التمتع أو التطوع قبل يوم النحر لم يجزه، وجوزه ~~أبو حنيفة في التطوع، وقال الشافعي: يجوز في كليهما قبل يوم النحر، ولا ~~خلاف عند الجمهور أن ما عدل من الهدي بالصيام أنه يجوز حيث شاء، لأنه لا ~~منفعة في ذلك لا لأهل الحرم ولا لأهل مكة، وإنما اختلفوا في الصدقة ~~المعدولة عن الهدي فجمهور العلماء على أنها لمساكين مكة والحرم. # لأنها بدل من جزاء الصيد الذي هو لهم، وقال مالك: الاطعام كالصيام يجوز ~~بغير مكة. # وأما صفة النحر فالجمهور مجمعون على أن التسمية مستحبة فيها لأنها زكاة، ~~ومنهم من استحب مع التسمية التكبير. ويستحب للمهدي أن يلي نحر هديه بيده، ~~وإن استخلف جاز. وكذلك PageV01P302 # فعل رسول الله (ص) في هديه، ومن سنتها أن تنحر قياما لقوله سبحانه ~~وتعالى: * (فاذكروا اسم الله عليها صواف) * وقد تكلم في صفة النحر في كتاب ~~الذبائح. وأما ما يجوز لصاحب الهدي من الانتفاع به وبلحمه فإن في ذلك مسائل ~~مشهورة: أحدها: هل يجوز له ركوب الهدي الواجب أو التطوع؟ فذهب أهل الظاهر ~~إلى أن ركوبه جائز من ضرورة ومن غير ضرورة، وبعضهم أوجب ذلك، وكره جمهور ~~فقهاء الأمصار ركوبها من غير ضرورة. # والحجة للجمهور ما خرجه أبو داود عن جابر وقد سئل عن ركوب الهدي فقال: ~~سمعت رسول الله (ص) يقول: اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا ~~ومن طريق المعنى أن الانتفاع بما قصد به القربة إلى الله تعالى منعه مفهوم ~~من الشريعة. وحجة أهل الظاهر ما رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي ~~هريرة أن رسول الله (ص) رأى رجلا يسوق بدنة فقال: اركبها، فقال: يا رسول ~~الله إنها هدي. فقال: اركبها... ويلك. # في الثانية أو الثالثة. وأجمعوا أن هدي التطوع إذا بلغ محله أنه يأكل منه ~~صاحبه كسائر الناس. وأنه إذا عطب قبل أن يبلغ محله ms0393 خلى بينه وبين الناس ولم ~~يأكل منه. وزاد داود: ولا يطعم منه شيئا أهل رفقته لما ثبت أن رسول الله ~~(ص) بعث بالهدي مع ناجية الأسلمي وقال له: إن عطب منها شئ فانحره ثم اصبغ ~~نعليه في دمه وخل بينه وبين الناس وروي عن ابن عباس هذا الحديث فزاد فيه ~~ولا تأكل منه أنت ولا أهل رفقتك وقال بهذه الزيادة داود وأبو ثور. واختلفوا ~~فيما يجب على من أكل منه، فقال مالك: إن أكل منه وجب عليه بدله. وقال ~~الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وابن حبيب من أصحاب مالك: عليه قيمة ما ~~أكل أو أمر بأكله طعاما يتصدق به. وروي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس ~~وجماعة من التابعين. وما عطب في الحرم قبل أن يصل مكة فهل بلغ محله أم لا؟ ~~فيه الخلاف مبني على الخلاف المتقدم هل المحل هو مكة أو الحرم؟ # وأما الهدي الواجب إذا عطب قبل محله فإن لصاحبه أن يأكل منه لان عليه ~~بدله. ومنهم من أجاز له بيع لحمه وأن يستعين به في البدل. وكره ذلك مالك. ~~واختلفوا في الأكل من الهدي الواجب إذا بلغ محله. فقال الشافعي لا يؤكل من ~~الهدي الواجب كله، ولحمه كله للمساكين. وكذلك جله إن كان مجللا والنعل الذي ~~قلد به. وقال مالك: يؤكل من كل الهدي الواجب إلا جزاء الصيد ونذر المساكين ~~وفدية الأذى. وقال أبو حنيفة: لا يؤكل من الهدي الواجب إلا هدي المتعة وهدي ~~القران. وعمدة الشافعي تشبيه جميع أصناف الهدي الواجب بالكفارة وأما من فرق ~~فلانه يظهر في الهدي معنيان: أحدهما: أنه عبادة مبتدأة. # والثاني: أنه كفارة، وأحد المعنيين في بعضها أظهر، فمن غلب شبهه بالعبادة ~~على شبهه PageV01P303 # بالكفارة في نوع من أنواع الهدي كهدي القران وهدي التمتع وبخاصة عند من ~~يقول إن التمتع والقران أفضل لم يشترط أن لا يأكل. لان هذا الهدي عنده هو ~~فضيلة لا كفارة تدفع العقوبة. ومن غلب شبهه بالكفارة قال: لا يأكله ~~لاتفاقهم على أنه لا يأكل صاحب ms0394 الكفارة من الكفارة. ولما كان هدي جزاء ~~الصيد وفدية الأذى ظاهر من أمرهما أنهما كفارة لم يختلف هؤلاء الفقهاء في ~~أنه لا يأكل منها. قال القاضي: فقد قلنا في حكم الهدي وفي جنسه وفي سنه ~~وكيفية سوقه. وشروط صحته من الزمان والمكان. وصفة نحره وحكم الانتفاع به، ~~وذلك ما قصدناه والله الموفق للصواب. وبتمام القول في هذا بحسب ترتيبنا تم ~~القول في هذا الكتاب بحسب غرضنا، ولله الشكر والحمد كثيرا على ما وفق وهدى ~~ومن به من التمام والكمال. وكان الفراغ منه يوم الأربعاء التاسع من جمادى ~~الأولى الذي هو عام أربعة وثمانين وخمسمائة. وهو جزء من كتاب المجتهد الذي ~~وضعته منذ أزيد من عشرين عاما أو نحوها، والحمد لله رب العالمين. كان رضي ~~الله عنه عزم حين تأليف الكتاب أولا ألا يثبت كتاب الحج. ثم بدا له بعد ~~فأثبته. PageV01P304 # بسم الله الرحمن الرحيم وصل الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم ~~تسليما كتاب الجهاد والقول المحيط بأصول هذا الباب ينحصر في جملتين: الجملة ~~الأولى: في معرفة أركان الحرب. الثانية: في أحكام أموال المحاربين إذا ~~تملكها المسلمون . الجملة الأولى وفي هذه الجملة فصول سبعة: أحدها: معرفة ~~حكم هذه الوظيفة ولمن تلزم. والثاني: معرفة الذين يحاربون. والثالث: معرفة ~~ما يجوز من النكاية في صنف صنف من أصناف أهل الحرب مما لا يجوز. والرابع: ~~معرفة جواز شروط الحرب. # والخامس: معرفة العدد الذين لا يجوز الفرار عنهم. والسادس: هل تجوز ~~المهادنة؟ # والسابع: لماذا يحاربون؟ # الفصل الأول: في معرفة حكم هذه الوظيفة فأما حكم هذه الوظيفة فأجمع ~~العلماء على أنها فرض على الكفاية لا فرض عين، إلا عبد الله بن الحسن، فإنه ~~قال إنها تطوع، وإنما صار الجمهور لكونه فرضا لقوله تعالى: * (كتب عليكم ~~القتال وهو كره لكم) * الآية: وأما كونه فرضا على الكفاية، أعني إذا قام به ~~البعض سقط عن البعض فلقوله تعالى: * (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) * ~~الآية، وقوله: * (وكلا وعد الله الحسنى) * ولم يخرج قط رسول الله (ص) للغزو ~~إلا ms0395 وترك بعض الناس. فإذا اجتمعت هذه اقتضى ذلك كون هذه الوظيفة فرضا على ~~الكفاية. وأما على من يجب؟ فهم الرجال الأحرار البالغون الذين يجدون بما ~~يغزون الأصحاء إلا المرضى وإلا الزمني، وذلك لا خلاف فيه لقوله تعالى: * ~~(ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) وقوله: * (ليس ~~على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حر) * الآية. ~~وأما كون هذه الفريضة تختص بالأحرار فلا PageV01P305 # أعلم فيها خلافا، وعامة الفقهاء متفقون على أن من شرط هذه الفريضة إذن ~~الأبوين فيها، إلا أن تكون عليه فرض عين مثل أن لا يكون هنالك من يقوم ~~بالفرض إلا بقيام الجميع به. # والأصل في هذا ما ثبت أن رجلا قال لرسول الله (ص): إني أريد الجهاد، قال: ~~أحي والداك؟ قال نعم، قال: ففيهما فجاهد واختلفوا في إذن الأبوين المشركين. ~~وكذلك اختلفوا في إذن الغريم إذا كان عليه دين لقوله عليه الصلاة والسلام ~~وقد سأله الرجل: # أيكفر الله عني خطاياي إن مت صابرا محتسبا في سبيل الله؟ قال: نعم.. إلا ~~الدين كذلك قال لي جبريل آنفا والجمهور على جواز ذلك. وبخاصة إذا تخلف وفاء ~~من دينه. # الفصل الثاني: في معرفة الذين يحاربون فأما الذين يحاربون فاتفقوا على ~~أنهم جميع المشركين لقوله تعالى: * (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ~~كله لله) * إلا ما روي عن مالك أنه قال: لا يجوز ابتداء الحبشة بالحرب ولا ~~الترك، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال ذروا الحبشة ما وذرتكم وقد سأل ~~مالك عن صحة هذا الأثر فلم يعترف بذلك، لكن قال: لم يزل الناس يتحامون ~~غزوهم. # الفصل الثالث: في معرفة ما يجوز من النكاية في العدو وأما ما يجوز من ~~النكاية في العدو، فإن النكاية لا تخلو أن تكون في الأموال أو في النفوس أو ~~في الرقاب، أعني الاستعباد والتملك. فأما النكاية التي هي الاستعباد فهي ~~جائزة بطريق الاجماع في جميع أنواع المشركين، أعني ذكرانهم وإناثهم وشيوخهم ~~وصبيانهم صغارهم وكبارهم إلا ms0396 الرهبان، فإن قوما رأوا أن يتركوا ولا يؤسروا ~~بل يتركوا دون أن يعرض إليهم لا بقتل ولا باستعباد لقول رسول الله (ص) ~~فذرهم وما حبسوا أنفسهم إليه واتباعا لفعل أبي بكر. وأكثر العلماء على أن ~~الامام مخير في الأسارى في خصال: منها أن يمن عليهم، ومنها أن يستعبدهم، ~~ومنها أن يقتلهم، ومنها أن يأخذ منهم الفداء، ومنها أن يضرب عليهم الجزية. ~~وقال قوم: لا يجوز قتل الأسير. وحكى الحسن بن محمد التميمي أنه إجماع ~~الصحابة. والسبب في اختلافهم: تعارض الآية في هذا المعنى، وتعارض الأفعال، ~~ومعارضة ظاهر الكتاب لفعله عليه الصلاة والسلام، وذلك أن ظاهر قوله تعالى: # * (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) * الآية أنه ليس للامام بعد ~~الأسر إلا المن أو الفداء وقوله تعالى: * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض) * الآية. PageV01P306 # والسبب الذي نزلت فيه من أسارى بدر يدل على أن القتل أفضل من الاستعباد، ~~وأما هو عليه الصلاة والسلام فقد قتل الأسارى في غير ما موطن وقد من ~~واستعبد النساء. وقد حكى أبو عبيد أنه لم يستعبد أحرار ذكور العرب، وأجمعت ~~الصحابة بعده على استعباد أهل الكتاب ذكرانهم وإناثهم. فمن رأى أن الآية ~~الخاصة بفعل الأسارى ناسخة لفعله قال: لا يقتل الأسير، ومن رأى أن الآية ~~ليس فيها ذكر لقتل الأسير ولا المقصود منها حصر ما يفعل بالأسارى بل فعله ~~عليه الصلاة والسلام وهو حكم زائد على ما في الآية ويحط العتب الذي وقع في ~~ترك قتل أسارى بدر قال بجواز قتل الأسير، والقتل إنما يجوز إذا لم يكن يوجد ~~بعد تأمين، وهذا ما لا خلاف فيه بين المسلمين، وإنما اختلفوا فيمن يجوز ~~تأمينه ممن لا يجوز، واتفقوا على جواز تأمين الامام. وجمهور العلماء على ~~جواز أمان الرجل الحر المسلم إلا ما كان من ابن الماجشون يرى أنه موقوف على ~~إذن الإمام. واختلفوا في أمان العبد وأمان المرأة. فالجمهور على جوازه. ~~وكان ابن الماجشون وسحنون يقولان: أمان المرأة موقوف على إذن الإمام. وقال ms0397 ~~أبو حنيفة: لا يجوز أمان العبد إلا أن يقاتل. والسبب في اختلافهم: معارضة ~~العموم للقياس. أما العموم فقوله عليه الصلاة والسلام المسلمون تتكافأ ~~دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم فهذا يوجب أمان العبد ~~بعمومه. وأما القياس المعارض له فهو أن الأمان من شرطه الكمال، والعبد ناقص ~~بالعبودية. فوجب أن يكون للعبودية تأثير في إسقاطه قياسا على تأثيرها في ~~اسقاط كثير من الأحكام الشرعية وأن يخصص ذلك العموم بهذا القياس. وأما ~~اختلافهم في أمان المرأة، فسببه اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة ~~والسلام قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ وقياس المرأة في ذلك على الرجل وذلك ~~أن من فهم من قوله عليه الصلاة والسلام قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ إجازة ~~أمانها لا صحته في نفسه، وأنه لولا إجازته لذلك لم يؤثر قال: لا أمان ~~للمرأة إلا أن يجيزه الامام. ومن فهم من ذلك أن إمضاءه أمانها كان من جهة ~~أنه قد انعقد وأثر لا من جهة أن إجازته هي التي صححت عقده قال: أمان المرأة ~~جائز، وكذلك من قاسها على الرجل ولم ير بينهما فرقا في ذلك أجاز أمانها، ~~ومن رأى أنها ناقصة عن الرجل لم يجز أمانها، وكيفما كان فالأمان غير مؤثر ~~في الاستعباد وإنما يؤثر في القتل، وقد يمكن أن ندخل الاختلاف في هذا من ~~قبل اختلافهم في ألفاظ جموع المذكر هل تتناول النساء أم لا؟ أعني بحسب ~~العرف الشرعي. وأما النكاية التي تكون في النفوس فهي القتل ولا خلاف بين ~~المسلمين أنه يجوز في الحرب قتل المشركين الذكران البالغين المقاتلين. وأما ~~القتل بعد الأسر ففيه الخلاف الذي ذكرنا، وكذلك لا خلاف بينهم في أنه لا ~~يجوز قتل صبيانهم ولا قتل نسائهم ما لم تقاتل المرأة والصبي، فإذا قاتلت ~~المرأة استبيح دمها، وذلك لما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل ~~النساء والولدان وقال في PageV01P307 # امرأة مقتولة: ما كانت هذه لتقاتل واختلفوا في أهل الصوامع المنتزعين عن ~~الناس والعميان والزمني والشيوخ الذين ms0398 لا يقاتلون والمعتوه والحراث ~~والعسيف، فقال مالك: لا يقتل الأعمى ولا المعتوه ولا أصحاب الصوامع، ويترك ~~لهم من أموالهم بقدر ما يعيشون به، وكذلك لا يقتل الشيخ الفاني عنده، وبه ~~قال أبو حنيفة وأصحابه. وقال الثوري والأوزاعي: # لا تقتل الشيوخ فقط. وقال الأوزاعي: لا تقتل الحراث. وقال الشافعي في ~~الأصح عنه: تقتل جميع هذه الأصناف. والسبب في اختلافهم: معارضة بعض الآثار ~~بخصوصها لعموم الكتاب، ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام الثابت: أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله الحديث، وذلك في قوله تعالى: * ~~(فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) * يقتضي قتل كل ~~مشرك راهبا كان أو غيره، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. وأما الآثار التي وردت باستبقاء هذه ~~الأصناف، فمنها ما رواه داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي (ص) ~~كان إذا بعث جيوشه قال: لا تقتلوا أصحاب الصوامع ومنه أيضا ما روي عن أنس ~~بن مالك عن النبي (ص) قال: لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة ~~ولا تغلوا أخرجه أبو داود، ومن ذلك أيضا ما رواه مالك عن أبي بكر أنه قال: ~~ستجدون قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فدعهم وما حبسوا أنفسهم له وفيه: ~~ولا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ويشبه أن يكون السبب الا ملك في ~~الاختلاف في هذه المسألة معارضة قوله تعالى: * (وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين) * لقوله تعالى: * (فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) * الآية فمن رأى أن هذه ~~ناسخة لقوله تعالى: * (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) * لان القتال ~~أولا إنما أبيح لمن يقاتل قال: الآية على عمومها، ومن رأى أن قوله تعالى: # * (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) * وهي محكمة وأنها تتناول ~~هؤلاء الأصناف الذين لا يقاتلون استثناها من عموم تلك، وقد احتج الشافعي ~~بحديث سمرة ان رسول الله (ص) قال: ms0399 اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم ~~وكأن العلة الموجبة للقتل عنده إنما هي للكفر، فوجب أن تطرد هذه العلة في ~~جميع الكفار. وأما من ذهب إلى أنه لا يقتل الحراث، فإنه احتج في ذلك بما ~~روي عن زيد بن وهب قال: أتانا كتاب عمر رضي PageV01P308 # الله عنه وفيه: لا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا واتقوا الله في ~~الفلاحين وجاء في حديث رباح بن ربيعة النهي عن قتل العسيف المشرك وذلك أنه ~~خرج مع رسول الله (ص) في غزوة غزاها، فمر رباح وأصحاب رسول الله (ص) على ~~امرأة مقتولة، فوقف رسول الله (ص) عليها ثم قال: ما كانت هذه لتقاتل، ثم ~~نظر في وجوه القوم فقال لأحدهم: الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذرية ولا ~~عسيفا ولا امرأة والسبب الموجب بالجملة لاختلافهم: اختلافهم في العلة ~~الموجبة للقتل، فمن زعم أن العلة الموجبة لذلك هي الكفر لم يستثن أحدا من ~~المشركين، ومن زعم أن العلة في ذلك إطاقة القتال للنهي عن قتل النساء مع ~~أنهن كفار استثنى من لم يطق القتال، ومن لم ينصب نفسه إليه كالفلاح ~~والعسيف. وصح النهي عن المثلة، واتفق المسلمون على جواز قتلهم بالسلاح. ~~واختلفوا في تحريقهم بالنار، فكره قوم تحريقهم بالنار ورميهم بها وهو قول ~~عمر ويروى عن مالك، وأجاز ذلك سفيان الثوري، وقال بعضهم إن ابتدأ العدو ~~بذلك جاز وإلا فلا. # والسبب في اختلافهم: معارضة العموم للخصوص. أما العموم فقوله تعالى: * ~~(فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) * ولم يستثن قتلا من قتل. وأما الخصوص فما ~~ثبت أن رسول الله (ص) قال في رجل إن قدرتم عليه فاقتلوه ولا تحرقوه بالنار ~~فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار واتفق عوام الفقهاء على جواز رمي الحصون ~~بالمجانيق سواء كان فيها نساء وذرية أو لم يكن لما جاء أن النبي عليه ~~الصلاة والسلام نصب المنجنيق على أهل الطائف وأما إذا كان الحصن فيه أسارى ~~من المسلمين وأطفال من المسلمين فقالت طائفة: يكف عن رميهم بالمنجنيق وبه ~~قال الأوزاعي وقال الليث: ذلك ms0400 جائز. ومعتمد من لم يجزه قوله تعالى: * (لو ~~تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما) * الآية. وأما من أجاز ذلك ~~فكأنه نظر إلى المصلحة. فهذا هو مقدار النكاية التي يجوز أن تبلغ بهم في ~~نفوسهم ورقابهم، وأما النكاية التي تجوز في أموالهم وذلك في المباني ~~والحيوان والنبات فإنهم اختلفوا في ذلك: فأجاز مالك قطع الشجر والثمار ~~وتخريب العامر، ولم يجز قتل المواشي ولا تحريق النخل. وكره الأوزاعي قطع ~~الشجر المثمر وتخريب العامر كنيسة كان أو غير ذلك. وقال الشافعي: تحرق ~~البيوت والشجر إذا كانت لهم معاقل. وكره تخريب البيوت وقطع الشجر إذا لم ~~يكن لهم معاقل. والسبب في اختلافهم: مخالفة فعل أبي بكر في ذلك لفعله عليه ~~الصلاة والسلام، وذلك أنه ثبت أنه عليه الصلاة والسلام حرق نخل بني النضير ~~وثبت عن أبي بكر أنه قال: لا تقطعن شجرا ولا تخربن عامرا فمن ظن أن فعل أبي ~~بكر هذا إنما كان لمكان علمه بنسخ ذلك الفعل منه (ص)، إذ لا يجوز على أبي ~~بكر أن يخالفه مع علمه PageV01P309 # بفعله، أو رأى أن ذلك كان خاصا ببني النضير لغزوهم قال بقول أبي بكر، ومن ~~اعتمد فعله عليه الصلاة والسلام ولم ير قول أحد ولا فعله حجة عليه قال ~~بتحريق الشجر. وإنما فرق مالك بين الحيوان والشجر لان قتل الحيوان مثلة وقد ~~نهى عن المثلة، ولم يأت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قتل حيوانا. فهذا هو ~~معرفة النكاية التي يجوز أن تبلغ من الكفار في نفوسهم وأموالهم. # الفصل الرابع: في شرط الحرب فأما شرط الحرب فهو بلوغ الدعوة باتفاق، أعني ~~أنه لا يجوز حرابتهم حتى يكونوا قد بلغتهم الدعوة، وذلك شئ مجتمع عليه من ~~المسلمين لقوله تعالى: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * وأما هل يجب ~~تكرار الدعوة عند تكرار الحرب فإنهم اختلفوا في ذلك، فمنهم من أوجبها، ~~ومنهم من استحبها ومنهم من لم يوجبها ولا استحبها. والسبب في اختلافهم: ~~معارضة القول للفعل، وذلك أنه ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا ms0401 بعث ~~سرية قال لأميرها: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال ~~فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم، أدعهم إلى الاسلام فإن أجابوك ~~فاقبل منهم وكف عنهم، ثم أدعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ~~وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن ~~أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم ~~الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفئ والغنيمة نصيب إلا أن ~~يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا ~~فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم وثبت من فعله عليه ~~الصلاة والسلام أنه كان يبيت العدو ويغير عليهم مع الغدوات فمن الناس - وهم ~~الجمهور - من ذهب إلى أن فعله ناسخ لقوله وأن ذلك إنما كان في أول الاسلام ~~قبل أن تنتشر الدعوة بدليل دعوتهم فيه إلى الهجرة. ومن الناس من رجح القول ~~على الفعل، وذلك بأن حمل الفعل على الخصوص، ومن استحسن الدعاء فهو وجه من ~~الجمع. # الفصل الخامس: في معرفة العدد الذين لا يجوز الفرار عنهم وأما معرفة ~~العدد الذين لا يجوز الفرار عنهم فهم الضعف، وذلك مجمع عليه لقوله تعالى: * ~~(الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا) * الآية. وذهب ابن الماجشون ورواه ~~عن مالك أن الضعف إنما يعتبر في القوة لا في العدد، وأنه يجوز أن يفر ~~الواحد عن PageV01P310 # واحد إذا كان أعتق جوادا منه وأجود سلاحا وأشد قوة. # الفصل السادس في جواز المهادنة فأما هل تجوز المهادنة؟ فإن قوما أجازوها ~~ابتداء من غير سبب إذا رأى في ذلك الامام مصلحة للمسلمين، وقوم لم يجيزوها ~~إلا لمكان الضرورة الداعية لأهل الاسلام من فتنة أو غير ذلك إما بشئ ~~يأخذونه منهم لا على حكم الجزية إذ كانت الجزية إنما شرطها أن تؤخذ منهم ~~وهم بحيث تنفذ عليهم أحكام المسلمين، وإما بلا شئ يأخذونه منهم، وكان ~~الأوزاعي يجيز أن يصالح الامام الكفار على شئ ms0402 يدفعه المسلمون إلى الكفار ~~إذا دعت إلى ذلك ضرورة فتنة أو غير ذلك من الضرورات. وقال الشافعي: لا يعطي ~~المسلمون الكفار شيئا إلا أن يخافوا أن يصطلموا لكثرة العدو وقلتهم أو ~~لمحنة نزلت بهم، وممن قال بإجازة الصلح إذا رأى الامام ذلك مصلحة مالك ~~والشافعي وأبو حنيفة، إلا أن الشافعي لا يجوز عنده الصلح لأكثر من المدة ~~التي صالح عليها رسول الله (ص) الكفار عام الحديبية. وسبب اختلافهم في جواز ~~الصلح من غير ضرورة: معارضة ظاهر قوله تعالى: * (فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) * وقوله تعالى: * (قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر) * لقوله تعالى: * (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ~~وتوكل على الله) * فمن رأى أن آية الامر بالقتال حتى يسلموا أو يعطوا ~~الجزية ناسخة لآية الصلح قال: لا يجوز الصلح إلا من ضرورة، ومن رأى أن آية ~~الصلح مخصصة لتلك قال: الصلح جائز إذا رأى ذلك الامام وعضد تأويله بفعله ~~ذلك (ص)، وذلك أن صلحه (ص) عام الحديبية لم يكن لموضع الضرورة. وأما ~~الشافعي فلما كان الأصل عنده الامر بالقتال حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، ~~وكان هذا مخصصا عند بفعله عليه الصلاة والسلام عام الحديبية لم ير أن يزداد ~~على المدة التي صالح عليها رسول الله (ص)، وقد اختلف في هذه المدة، فقيل ~~كانت أربع سنين وقيل ثلاثا، وقيل عشر سنين، وبذلك قال الشافعي. وأما من ~~أجاز أن يصالح المسلمون المشركين بأن يعطوا لهم المسلمون شيئا إذا دعت إلى ~~ذلك ضرورة فتنة أو غيرها فمصيرا إلى ما روي أنه كان عليه الصلاة والسلام قد ~~هم أن يعطي بعض تمر المدينة لبعض الكفار الذين كانوا في جملة الأحزاب ~~لتخبيبهم، فلم يوافقه على القدر الذي كان سمح له به من تمر المدينة حتى ~~أفاء الله بنصره. وأما من لم يجز ذلك إلا أن يخاف المسلمون أن يصطلموا ~~فقياسا على إجماعهم على جواز فداء أسارى المسلمين لان المسلمين إذا صاروا ~~في هذا الحد فهم بمنزلة الأسارى. PageV01P311 # الفصل السابع: لماذا ms0403 يحاربون؟ # فأما لماذا يحاربون؟ فاتفق المسلمون على أن المقصود بالمحاربة لأهل ~~الكتاب ما عدا أهل الكتاب من قريش ونصارى العرب هو أحد أمرين: إما الدخول ~~في الاسلام، وإما إعطاء الجزية لقوله تعالى: * (قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق ~~من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * وكذلك اتفق ~~عامة الفقهاء على اخذها من المجوس لقوله (ص): سنوا بهم سنة أهل الكتاب ~~واختلفوا فيما سوى أهل الكتاب من المشركين هل تقبل منهم الجزية أم لا؟ فقال ~~قوم: تؤخذ الجزية من كل مشرك، وبه قال مالك. # وقوم استثنوا من ذلك مشركي العرب. وقال الشافعي وأبو ثور وجماعة: لا تؤخذ ~~إلا من أهل الكتاب والمجوس. والسبب في اختلافهم: معارضة العموم للخصوص، أما ~~العموم فقوله تعالى: * (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) * ~~وقوله عليه الصلاة والسلام: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ~~وأما الخصوص فقوله لأمراء السرايا الذين كان يبعثهم إلى مشركي العرب - ~~ومعلوم أنهم كانوا غير أهل كتاب - فإذا لقيت عدوك فادعهم إلى ثلاث خصال، ~~فذكر الجزية فيها وقد تقدم الحديث. فمن رأى أن العموم إذا تأخر عن الخصوص ~~فهو ناسخ له قال: لا تقبل الجزية من مشرك ما عدا أهل الكتاب لان الآية ~~الآمرة بقتالهم على العموم هي متأخرة عن ذلك الحديث وذلك أن الامر بقتال ~~المشركين عامة وهو في سورة براءة، ذلك عام الفتح، وذلك الحديث إنما هو قبل ~~الفتح بدليل دعائهم فيه للهجرة. ومن رأى أن العموم يبنى على الخصوص تقدم أو ~~تأخر أو جهل التقدم والتأخر بينهما قال: تقبل الجزية من جميع المشركين. ~~وأما تخصيص أهل الكتاب من سائر المشركين فخرج من ذلك العموم باتفاق بخصوص ~~قوله تعالى: * (من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ~~* وسيأتي القول في الجزية وأحكامها في الجملة ms0404 الثانية من هذا الكتاب، فهذه ~~هي أركان الحرب. ومما يتعلق بهذه الجملة من المسائل المشهورة: النهي عن ~~السفر بالقرآن إلى أرض العدو، وعامة الفقهاء على أن ذلك غير جائز لثبوت ذلك ~~عن رسول الله (ص) وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك إذا كان في العساكر المأمونة. ~~والسبب في اختلافهم: هل النهي عام أريد به العام، أو عام أريد به الخاص. ~~PageV01P312 # الجملة الثانية والقول المحيط بأصول هذه الجملة ينحصر أيضا في سبعة فصول: # الأول: في حكم الخمس. الثاني: في حكم الأربعة الأخماس. الثالث: في حكم ~~الأنفال. # الرابع: في حكم ما وجد من أموال المسلمين عند الكفار. الخامس: في حكم ~~الأرضين. # السادس: في حكم الفئ. السابع: في أحكام الجزية والمال الذي يؤخذ منهم على ~~طريق الصلح. # الفصل الأول: في حكم خمس الغنيمة واتفق المسلمون على أن الغنيمة التي ~~تؤخذ قسرا من أيدي الروم ما عدا الأرضين أن خمسها للامام وأربعة أخماسها ~~للذين غنموها لقوله تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه ~~وللرسول) * الآية. واختلفوا في الخمس على أربعة مذاهب مشهورة. # أحدها: أن الخمس يقسم على خمسة أقسام على نص الآية، وبه قال الشافعي. ~~والقول الثاني: أنه يقسم على أربعة أخماس، وأن قوله تعالى: * (فأن لله ~~خمسه) * هو افتتاح كلام وليس هو قسما خامسا، والقول الثالث: أنه يقسم اليوم ~~ثلاثة أقسام، وأن سهم النبي وذي القربى سقطا بموت النبي (ص). والقول ~~الرابع: أن الخمس بمنزلة الفئ يعطى منه الغني والفقير، وهو قول مالك وعامة ~~الفقهاء. والذين قالوا يقسم أربعة أخماس أو خمسة اختلفوا فيما يفعل بسهم ~~رسول الله (ص) وسهم القرابة بعد موته. فقال قوم: يرد على سائر الأصناف ~~الذين لهم الخمس. وقال قوم: بل يرد على باقي الجيش. وقال قوم: بل سهم رسول ~~الله (ص) للامام، وسهم ذوي القربى لقرابة الامام. وقال قوم: بل يجعلان في ~~السلاح والعدة. واختلفوا في القرابة من هم؟ فقال قوم: بنو هاشم، وقال قوم: ~~بنو عبد المطلب وبنو هاشم. وسبب اختلافهم: في هل الخمس يقصر على ms0405 الأصناف ~~المذكورين أم يعدى لغيرهم هو: هل ذكر تلك الأصناف في الآية المقصود منها ~~تعيين الخمس لهم أم قصد التنبيه بهم على غيرهم فيكون ذلك من باب الخاص أريد ~~به العام؟ # فمن رأى أنه من باب الخاص أريد به الخاص قال: لا يتعدى بالخمس تلك ~~الأصناف المنصوص عليها وهو الذي عليه الجمهور، ومن رأى أنه من باب الخاص ~~أريد به العام قال يجوز للامام أن يصرفها فيما يراه صلاحا للمسلمين، واحتج ~~من رأى أن سهم النبي (ص) للامام بعده بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه ~~قال: إذا أطعم الله نبيا طعمة فهو للخليفة بعده. وأما من صرفه على الأصناف ~~الباقين أو على الغانمين فتشبيها بالصنف المحبس عليهم. وأما من قال: ~~القرابة هم بنو هاشم وبنو المطلب فإنه احتج بحديث جبير بن مطعم قال: قسم ~~رسول الله (ص) سهم ذوي القربى لبني هاشم وبني PageV01P313 # المطلب من الخمس قال: وإنما بنو هاشم وبنو المطلب صنف واحد، ومن قال بنو ~~هاشم صنف فلأنهم الذين لا يحل لهم الصدقة. واختلف العلماء في سهم النبي (ص) ~~من الخمس، فقال قوم: الخمس فقط، ولا خلاف عندهم في وجوب الخمس له غاب عن ~~القسمة أو حضرها. وقال قوم: بل الخمس والصفي وهو سهم مشهور له (ص) وهو شئ ~~كان يصطفيه من رأس الغنيمة: فرس أو أمة أو عبد. وروي أن صفية كانت من ~~الصفي. # وأجمعوا على أن الصفي ليس لأحد من بعد رسول الله (ص) إلا أبا ثور فإنه ~~قال: يجري مجرى سهم النبي (ص). # الفصل الثاني: في حكم الأربعة الأخماس أجمع جمهور العلماء على أن أربعة ~~أخماس الغنيمة للغانمين إذا خرجوا بإذن الامام. # واختلفوا في الخارجين بغير إذن الإمام وفيمن يجب له سهمه من الغنيمة ومتى ~~يجب، وكم يجب، وفيما يجوز له من الغنيمة قبل القسم؟ فالجمهور على أن أربعة ~~أخماس الغنيمة للذين غنموها خرجوا بإذن الامام أو بغير ذلك، لعموم قوله ~~تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ) * الآية. وقال قوم: إذا خرجت السرية ~~أو ms0406 الرجل الواحد بغير إذن الإمام فكل ما ساق نفل يأخذه الامام، وقال قوم: ~~بل يأخذه كله الغانم. فالجمهور تمسكوا بظاهر الآية، وهؤلاء كأنهم اعتمدوا ~~صورة الفعل الواقع من ذلك في عهد رسول الله (ص)، وذلك أن جميع السرايا إنما ~~كانت تخرج عن إذنه عليه الصلاة والسلام، فكأنهم رأوا أن إذن الإمام شرط في ~~ذلك، وهو ضعيف. وأما من له السهم من الغنيمة؟ فإنهم اتفقوا على الذكران ~~الأحرار البالغين، واختلفوا في أضدادهم: أعني في النساء والعبيد ومن لم ~~يبلغ من الرجال ممن قارب البلوغ فقال قوم: ليس للعبيد ولا للنساء حظ من ~~الغنيمة ولكن يرضخ لهم، وبه قال مالك، وقال قوم: لا يرضخ ولا لهم حظ ~~الغانمين، وقال قوم: بل لهم حظ واحد من الغانمين، وهو قول الأوزاعي. وكذلك ~~اختلفوا في الصبي المراهق، فمنهم من قال: يقسم له وهو مذهب الشافعي، ومنهم ~~من اشترط في ذلك أن يطيق القتال، وهو مذهب مالك، ومنهم من قال: يرضخ له. ~~وسبب اختلافهم في العبيد: هو هل عموم الخطاب يتناول الأحرار والعبيد معا أم ~~الأحرار فقط دون العبيد؟ وأيضا فعمل الصحابة معارض لعموم الآية، وذلك أنه ~~انتشر فيهم رضي الله عنهم أن الغلمان لا سهم لهم، وروي ذلك عن عمر بن ~~الخطاب وابن عباس، ذكره ابن أبي شيبة من طرق عنهما. قال أبو عمر بن عبد ~~البر: أصح ما روي من ذلك عن عمر ما رواه سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار ~~عن ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قال عمر: ليس أحد إلا وله في ~~هذا PageV01P314 # المال حق إلا ما ملكت أيمانكم، وإنما صار الجمهور إلى أن المرأة لا يقسم ~~بها ويرضخ بحديث أم عطية الثابت قالت: كنا نغزو مع رسول الله (ص) فنداوي ~~الجرحى ونمرض المرضى وكان يرضخ لنا من الغنيمة. وسبب اختلافهم: هو اختلافهم ~~في تشبيه المرأة بالرجل في كونها إذا عزت لها تأثير في الحرب أم لا؟ فإنهم ~~اتفقوا على أن النساء مباح لهن الغزو، فمن شبههن ms0407 بالرجال أوجب لهن نصيبا في ~~الغنيمة، ومن رآهن ناقصات عن الرجال في هذا المعنى إما لم يوجب لهم شيئا ~~وإما أوجب لهم دون حظ الغانمين وهو الارضاخ، والأولى اتباع الأثر، وزعم ~~الأوزاعي أن رسول الله ص) أسهم للنساء بخيبر وكذلك اختلفوا في التجار ~~والاجراء: هل يسهم لهم أم لا؟ فقال مالك: لا يسهم لهم إلا أن يقاتلوا، وقال ~~قوم: بل يسهم لهم إذا شهدوا القتال. وسبب اختلافهم: هو تخصيص عموم قوله ~~تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) * بالقياس الذي يوجب ~~الفرق بين هؤلاء وسائر الغانمين، وذلك أن من رأى أن التجار والاجراء حكمهم ~~حكم خلاف سائر المجاهدين لأنهم لم يقصدوا القتال وإنما قصدوا إما التجارة ~~وإما الإجارة استثناهم من ذلك العموم ومن رأى أن العموم أقوى من هذا القياس ~~أجرى العموم على ظاهره، ومن حجة من استثناهم ما خرجه عبد الرزاق أن عبد ~~الرحمن بن عوف قال لرجل من فقراء المهاجرين أن يخرج معهم، فقال نعم فوعده، ~~فلما حضر الخروج دعاه فأبى أن يخرج معه واعتذر له بأمر عياله وأهله، فأعطاه ~~عبد الرحمن ثلاثة دنانير على أن يخرج معه، فلما هزموا العدو سأل الرجل عبد ~~الرحمن نصيبه من المغنم فقال عبد الرحمن: سأذكر أمرك لرسول الله (ص). فذكره ~~له. فقال رسول الله (ص): تلك الثلاثة دنانير حظه ونصيبه من غزوه في أمر ~~دنياه وآخرته وخرج مثله أبو داود عن يعلى بن منبه. ومن أجاز له القسم شبهه ~~بالجعائل أيضا وهو أن يعين أهل الديوان بعضهم بعضا. أعني يعين القاعد منهم ~~الغازي. وقد اختلف العلماء في الجعائل، فأجازها مالك ومنعها غيره، ومنهم من ~~أجاز ذلك من السلطان فقط أو إذا كانت ضرورة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. ~~وأما الشرط الذي يجب به للمجاهد السهم من الغنيمة، فإن الأكثر على أنه إذا ~~شهد القتال وجب له السهم وإن لم يقاتل، وأنه إذا جاء بعد القتال فليس له ~~سهم في الغنيمة، وبهذا قال الجمهور. وقال قوم: إذا لحقهم قبل أن ms0408 يخرجوا إلى ~~دار الاسلام وجب له حظه من الغنيمة إن اشتغل في شئ من أسبابها، وهو قول أبي ~~حنيفة. والسبب في اختلافهم: سببان: القياس والأثر. أما القياس فهو هل يلحق ~~تأثير الغازي في الحفظ بتأثيره في الاخذ؟ وذلك أن الذي شهد القتال له تأثير ~~في الاخذ: أعني في أخذ الغنيمة وبذلك استحق السهم، والذي PageV01P315 # جاء قبل أن يصلوا إلى بلاد المسلمين له تأثير في الحفظ، فمن شبه التأثير ~~في الحفظ بالتأثير في الاخذ قال: يجب له السهم وإن لم يحضر القتال، ومن رأى ~~أن الحفظ أضعف لم يوجب له، وأما الأثر فإن في ذلك أثرين متعارضين: أحدهما: ~~ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) بعث أبان بن سعيد على سرية من ~~المدينة قبل نجد، فقدم أبان وأصحابه على النبي (ص) بخيبر بعدما فتحوها فقال ~~أبان: أقسم لنا يا رسول الله، فلم يقسم له رسول الله (ص) منها والأثر ~~الثاني: ما روي أن رسول الله (ص) قال يوم بدر: عثمان انطلق في حاجة الله ~~وحاجة رسوله، فضرب له رسول الله (ص) بسهم ولم يضرب لاحد غاب عنها قالوا: ~~فوجب له السهم لان اشتغاله كان بسبب الامام. # قال أبو بكر بن المنذر: وثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: الغنيمة ~~لمن شهد الوقيعة. وأما السرايا التي تخرج من العساكر فتغنم، فالجمهور على ~~أن أهل العسكر يشاركونهم فيما غنموا وإن لم يشهدوا الغنيمة ولا القتال، ~~وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام وترد سراياهم على قعدتهم خرجه أبو داود. ~~ولان لهم تأثيرا أيضا في أخذ الغنيمة. وقال الحسن البصري: إذا خرجت السرية ~~بإذن الامام من عسكره خمسها وما بقي فلأهل السرية، وإن خرجوا بغير إذنه ~~خمسها، وكان ما بقي بين أهل الجيش كله. وقال النخعي: الامام بالخيار إن شاء ~~خمس ما ترد السرية وإن شاء نفله كله. والسبب أيضا في هذا الاختلاف: هو ~~تشبيه تأثير العسكر في غنيمة السرية بتأثير من حضر القتال بها وهم أهل ~~السرية، فإذن الغنيمة إنما تجب ms0409 عند الجمهور للمجاهد بأحد شرطين: إما أن ~~يكون ممن حضر القتال، وإما أن يكون ردءا لمن حضر القتال، وأما كم يجب ~~للمقاتل فإنهم اختلفوا في الفارس، فقال الجمهور: للفارس ثلاثة أسهم: سهم ~~له، وسهمان لفرسه. وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان: سهم لفرسه، وسهم له. ~~والسبب في اختلافهم: اختلاف الآثار ومعارضة القياس للأثر، وذلك أن أبا داود ~~خرج عن ابن عمر أن النبي (ص) أسهم لرجل وفرسه ثلاثة أسهم: سهمان للفرس، ~~وسهم لراكبه وخرج أيضا عن مجمع بن حارثة الأنصاري مثل قول أبي حنيفة. وأما ~~القياس المعارض لظاهر حديث ابن عمر فهو أن يكون سهم الفرس أكبر من سهم ~~الانسان. هذا الذي اعتمده أبو حنيفة في ترجيح الحديث الموافق لهذا القياس ~~على الحديث المخالف له، وهذا القياس ليس بشئ، لان سهم الفرس إنما استحقه ~~الانسان الذي هو الفارس بالفرس وغير بعيد أن يكون تأثير الفارس بالفرس في ~~الحرب ثلاثة أضعاف تأثير الراجل بل لعله واجب مع أن حديث ابن عمر أثبت. ~~وأما ما يجوز للمجاهد أن يأخذ من الغنيمة قبل القسم فإن المسلمين اتفقوا ~~على تحريم الغلول لما ثبت في ذلك عن رسول الله (ص) مثل قوله عليه الصلاة ~~والسلام: أد الخائط والمخيط، فإن الغلول عار وشنار على أهله يوم القيامة ~~إلى غير ذلك من الآثار الواردة في هذا الباب. واختلفوا في إباحة الطعام ~~للغزاة ما داموا في أرض الغزو فأباح ذلك PageV01P316 # الجمهور، ومنع من ذلك قوم وهو مذهب ابن شهاب. والسبب في اختلافهم: معارضة ~~الآثار التي جاءت في تحريم الغلول للآثار الواردة في إباحة أكل الطعام من ~~حديث ابن عمر وابن المغفل وحديث ابن أبي أوفى، فمن خصص أحاديث تحريم الغلول ~~بهذه أجاز أكل الطعام للغزاة، ومن رجح أحاديث تحريم الغلول على هذا لم يجز ~~ذلك، وحديث ابن مغفل هو قال: أصبت جراب شحم يوم خيبر، فقلت لا أعطي منه ~~شيئا، فالتفت فإذا رسول الله (ص) يتبسم خرجه البخاري ومسلم. وحديث ابن أبي ~~أوفى قال: كنا نصيب في مغازينا العسل ms0410 والعنب فنأكله ولا ندفعه خرجه أيضا ~~البخاري. واختلفوا في عقوبة الغال، فقال قوم: يحرق رحله، وقال بعضهم: ليس ~~له عقاب إلا التعزير. وسبب اختلافهم: اختلافهم في تصحيح حديث صالح بن محمد ~~بن زائدة عن سالم عن ابن عمر أنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: من غل ~~فأحرقوا متاعه. # الفصل الثالث: في حكم الأنفال وأما تنفيل الامام من الغنيمة لمن شاء، ~~أعني أن يزيده على نصيبه، فإن العلماء اتفقوا على جوا ذلك، واختلفوا من أي ~~شئ يكون النفل وفي مقداره وهل يجوز الوعد به قبل الحرب؟ وهل يجب السلب ~~للقاتل أم ليس يجب إلا أن ينفله له الامام؟ فهذه أربع مسائل هي قواعد هذا ~~الفصل. # أما المسألة الأولى: فإن قوما قالوا: النفل يكون من الخمس الواجب لبيت ~~مال المسلمين، وبه قال مالك. وقال قوم: بل النفل إنما يكون مخمس الخمس وهو ~~حظ الامام فقط، وهو الذي اختاره الشافعي. وقال قوم: بل النفل من جملة ~~الغنيمة، وبه قال أحمد وأبو عبيدة. ومن هؤلاء من أجاز تنفيل جميع الغنيمة. ~~والسبب في اختلافهم: هو هل بين الآيتين الواردتين في المغانم تعارض أم هما ~~على التخيير؟ أعني قوله تعالى: # * (واعلموا أنما غنمتم من شئ) * الآية، وقوله تعالى: * (يسألونك عن ~~الأنفال) * الآية. # فمن رأى أن قوله تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) * ~~ناسخا لقوله تعالى: * (يسألونك عن الأنفال) * قال: لا نفل إلا من الخمس أو ~~من خمس الخمس. # ومن رأى أن الآيتين لا معارضة بينهما وأنها على التخيير، أعني أن للامام ~~أن ينفل من رأس الغنيمة من شاء، وله إلا ينفل بأن يعطي جميع أرباع الغنيمة ~~للغانمين قال بجواز النفل من رأس الغنيمة. ولاختلافهم أيضا سبب آخر وهو ~~اختلاف الآثار في هذا الباب، وفي ذلك أثران: أحدهما: ما روى مالك عن ابن ~~عمر أن PageV01P317 # رسول الله (ص) بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة، ~~فكان سهمانهم اثني عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا وهذا يدل على أن النفل كان ms0411 ~~بعد القسمة من الخمس والثاني: حديث حبيب بن مسلمة أن رسول الله (ص) كان ~~ينفل الربع من السرايا بعد الخمس في البداءة وينفلهم الثلث بعد الخمس في ~~الرجعة يعني في بداءة غزوه عليه الصلاة والسلام وفي انصرافه. # وأما المسألة الثانية: وهي ما مقدار ما للامام أن ينفل من ذلك؟ عند الذين ~~أجازوا النفل من رأس الغنيمة فإن قوما قالوا: لا يجوز أن ينفل أكثر من ~~الثلث أو الربع على حديث حبيب بن مسلمة. وقال قوم: إن نفل الامام السرية ~~جميع ما غنمت جاز مصيرا إلى أن آية الأنفال غير منسوخة بل محكمة، وأنها على ~~عمومها غير مخصصة. ومن رأى أنها مخصصة بهذا الأثر قال لا يجوز أن ينفل أكثر ~~من الربع أو الثلث. # وأما المسألة الثالثة: وهي هل يجوز الوعد بالتنفيل قبل الحرب أم ليس يجوز ~~ذلك؟ # فإنهم اختلفوا فيه، فكره ذلك مالك وأجازه جماعة. وسبب اختلافهم: معارضة ~~مفهوم مقصد الغزو لظاهر الأثر، وذلك أن الغزو إنما يقصد به وجه الله ~~العظيم، ولتكون كلمة الله هي العليا، فإذا وعد الامام بالنفل قبل الحرب خيف ~~أن يسفك دماءهم الغزاة في حق غير الله. # وأما الأثر الذي يقتضي ظاهره جواز الوعد بالنفل فهو حديث حبيب بن مسلمة ~~أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ينفل في الغزو السرايا الخارجة من العسكر ~~الربع وفي القفول الثلث ومعلوم أن المقصود من هذا إنما هو التنشيط على ~~الحرب. # وأما المسألة الرابعة: وهي هل يجب سلب المقتول للقاتل أو ليس يجب إلا إن ~~نفله له الامام؟ فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك: لا يستحق القاتل سلب ~~المقتول إلا أن ينفله له الامام على جهة الاجتهاد وذلك بعد الحرب، وبه قال ~~أبو حنيفة والثوري. وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وجماعة من السلف: ~~واجب للقاتل قال ذلك الامام أو لم يقله. # ومن هؤلاء من جعل السلب له على كل حال ولم يشترط في ذلك شرطا. ومنهم من ~~قال لا يكون له السلب إلا إذا قتله مقبلا غير مدبر، ms0412 وبه قال الشافعي. ومنهم ~~من قال: # إنما يكون السلب للقاتل إذا كان القتل قبل معمعة الحرب أو بعدها وبه قال ~~الأوزاعي. وأما إن قتله في حين المعمعة فليس له سلب. وبه قال الأوزاعي: ~~وقال قوم: إن استكثر الامام السلب جاز أن يخمسه. وسبب اختلافهم: هو احتمال ~~قوله عليه الصلاة والسلام يوم حنين بعد ما برد القتال من قتل قتيلا فله ~~سلبه أن يكون ذلك منه عليه الصلاة والسلام على جهة النفل أو على جهة ~~الاستحقاق للقاتل، ومالك رحمه الله قوي عنده أنه على جهة النفل من قبل أنه ~~لم يثبت عنده أنه قال ذلك عليه الصلاة والسلام ولا قضى به إلا أيام حنين، ~~ولمعارضة PageV01P318 # آية الغنيمة له إن حمل ذلك على الاستحقاق: أعني قوله تعالى: * (واعلموا ~~أنما غنمتم من شئ) * الآية. فإنه لما نص في الآية على أن الخمس لله علم أن ~~أربعة الأخماس واجبة للغانمين كما أنه لما نص على الثلث للأم في المواريث ~~علم أن الثلثين للأب. قال أبو عمر: وهذا القول محفوظ عنه (ص) في حنين وفي ~~بدر. وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: كنا لا نخمس السلب على عهد رسول الله ~~(ص). وخرج أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن رسول الله ~~(ص) قضى بالسلب للقاتل وخرج ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك أن البراء بن مالك ~~حمل على مرزبان يوم الدارة فطعنه طعنة على قربوس سرجه فقتله فبلغ سلبه ~~ثلاثين ألفا، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال لأبي طلحة: إنا كنا لا نخمس ~~السلب وإن سلب البراء قد بلغ مالا كثيرا ولا أراني إلا خمسته قال: قال ابن ~~سيرين: فحدثني أنس بن مالك أنه أول سلب خمس في الاسلام، وبهذا تمسك من فرق ~~بين السلب القليل والكثير. واختلفوا في السلب الواجب، ما هو؟ فقال قوم: له ~~جميع ما وجد على المقتول، واستثنى قوم من ذلك الذهب والفضة. # الفصل الرابع: في حكم ما وجد من أموال المسلمين عند الكفار وأما ms0413 أموال ~~المسلمين التي تسترد من أيدي الكفار فإنهم اختلفوا في ذلك على أربعة أقوال ~~مشهورة: أحدها: أن ما استرد المسلمون من أيدي الكفار من أموال المسلمين فهو ~~لأربابها من المسلمين وليس للغزاة المستردين لذلك منها شئ وممن قال بهذا ~~القول الشافعي وأصحابه وأبو ثور، والقول الثاني: أن ما استرد المسلمون من ~~ذلك هو غنيمة الجيش ليس لصاحبه منه شئ، وهذا القول قاله الزهري وعمرو بن ~~دينار، وهو مروي عن علي بن أبي طالب. والقول الثالث: أن ما وجد من أموال ~~المسلمين قبل القسم فصاحبه أحق به بلا ثمن، وما وجد من ذلك بعد القسم ~~فصاحبه أحق به بالقيمة، وهؤلاء انقسموا قسمين: فبعضهم رأى هذا الرأي في كل ~~ما استرده المسلمون من أيدي الكفار بأي وجه صار ذلك إلى أيدي الكفار، وفي ~~أي موضع صار، وممن قال بهذا القول مالك والثوري وجماعة، وهو مروي عن عمر بن ~~الخطاب. وبعضهم فرق بين ما صار من ذلك إلى أيدي الكفار غلبة وحازوه حتى ~~أوصلوه إلى دار المشركين، وبين ما أخذ منهم قبل أن يحوزوه ويبلغوا به دار ~~الشرك، فقالوا: ما حازوه فحكمه إن ألفاه صاحبه قبل القسم فهو له، وإن ألفاه ~~بعد القسم فهو أحق به بالثمن. قالوا: وأما ما لم يحزه العدو بأن يبلغوا ~~دارهم به فصاحبه أحق به قبل القسم وبعده، وهذا هو القول الرابع. واختلافهم ~~راجع إلى اختلافهم في: هل يملك الكفار على المسلمين أموالهم إذا غلبوهم ~~عليها أم ليس يملكونها؟ وسبب PageV01P319 # اختلافهم في هذه المسألة: تعارض الآثار في هذا الباب والقياس، وذلك أن ~~حديث عمران بن حصين يدل على أن المشركين ليس يملكون على المسلمين شيئا، وهو ~~قال: # أغار المشركون على سرح المدينة وأخذوا العضباء ناقة رسول الله (ص) وامرأة ~~من المسلمين، فلما كانت ذات ليلة قامت المرأة وقد ناموا، فجعلت لا تضع يدها ~~على بعير إلا أرغى حتى أتت ناقة ذلولا فركبتها ثم توجهت قبل المدينة ونذرت ~~لئن نجاها الله لتنحرنها، فلما قدمت المدينة عرفت الناقة، فأتوا بها ms0414 رسول ~~الله (ص)، فأخبرته المرأة بنذرها، فقال: بئس ما جزيتها، لا نذر فيما لا ~~يملك ابن آدم، ولا نذر في معصية وكذلك يدل ظاهر حديث ابن عمر على مثل هذا، ~~وهو أنه أغار له فرس فأخذها العدو فظهر عليه المسلمون، فردت عليه في زمان ~~رسول الله (ص) وهما حديثان ثابتان. # وأما الأثر الذي يدل على ملك الكفار على المسلمين فقوله عليه الصلاة ~~والسلام وهل ترك لنا عقيل من منزل يعني أنه باع دوره التي كانت له بمكة بعد ~~هجرته منها عليه الصلاة والسلام إلى المدينة. وأما القياس فإن من شبه ~~الأموال بالرقاب قال: الكفار كما لا يملكون رقابهم فكذلك لا يملكون أموالهم ~~كحال الباغي مع العادل، أعني أنه لا يملك عليهم الامرين جميعا، ومن قال: من ~~ليس يملك فهو ضامن للشئ إن فاتت عينه، وقد أجمعوا على أن الكفار غير ضامنين ~~لاموا المسلمين، فلزم عن ذلك أن الكفار ليسوا بغير مالكين للأموال فهم ~~مالكون، إذ لو كانوا غير مالكين لضمنوا. وأما من فرق بين الحكم قبل الغنم ~~وبعده، وبين ما أخذه المشركون بغلبة أو بغير غلبة بأن صار إليهم من تلقائه ~~مثل العبد الآبق والفرس العائد فليس له حظ من النظر، وذلك أنه ليس يجد وسطا ~~بين أن يقول إما أن يملك المشرك على المسلم شيئا أو لا يملكه إلا أن يثبت ~~في ذلك دليل سمعي، لكن أصحاب هذا المذهب إنما صاروا إليه لحديث الحسن بن ~~عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس أن رجلا وجد بعيرا له ~~كان المشركون قد أصابوه، فقال رسول الله (ص): إن أصبته قبل أن يقسم فهو لك، ~~وإن أصبته بعد القسم أخذته بالقيمة. لكن الحسن بن عمارة مجتمع على ضعفه ~~وترك الاحتجاج به عند أهل الحديث، والذي عول عليه مالك فيما أحسب من ذلك هو ~~قضاء عمر بذلك، ولكن ليس يجعل له أخذه بالثمن بعد القسم على ظاهر حديثه. ~~واستثناء أبي حنيفة أم الولد والمدبر من سائر الأموال لا معنى ms0415 له، وذلك أنه ~~يرى أن الكفار يملكون على المسلمين سائر الأموال ما عدا هذين، وكذلك قول ~~مالك في أم الولد إنه إذا أصابها مولاها بعد القسم أن على الامام أن يفديها ~~فإن لم يفعل أجبر سيدها على فدائها، فإن لم يكن له مال أعطيت له، واتبعه ~~الذي أخرجت في نصيبه بقيمتها دينا متى أيسر، هو قول أيضا ليس له حظ من ~~النظر، لأنه إن لم يملكها الكفار فقد يجب أن يأخذها بغير ثمن، وإن ملكوها ~~فلا PageV01P320 # سبيل له عليها، وأيضا فإنه لا فرق بينها وبين سائر الأموال إلا أن يثبت ~~في ذلك سماع، ومن هذا الأصل، أعني من اختلافهم هل يملك المشرك مال المسلم ~~أو لا يملك؟ # واختلف الفقهاء في الكافر يسلم وبيده مال مسلم هل يصح له أم لا؟ فقال ~~مالك وأبو حنيفة: يصح له. وقال الشافعي: على أصله لا يصح له. واختلف مالك ~~وأبو حنيفة إذا دخل مسلم إلى الكفار على جهة التلصص وأخذ مما في أيديهم مال ~~مسلم: فقال أبو حنيفة: هو أولى به وإن أراده صاحبه أخذه بالثمن، وقال مالك: ~~هو لصاحبه، فلم يجر على أصله. ومن هذا الباب اختلافهم في الحربي يسلم ~~ويهاجر ويترك في دار الحرب ولده وزوجه وماله هل يكون لما ترك حرمة مال ~~المسلم وزوجه وذريته فلا يجوز تملكهم للمسلمين إن غلبوا على ذلك أم ليس لما ~~ترك حرمة؟ فمنهم من قال: لكل ما ترك حرمة الاسلام، ومنهم من قال: ليس له ~~حرمة، ومنهم من فرق بين المال والزوجة والولد فقال: # ليس للمال حرمة، وللولد والزوجة حرمة، وهذا جار على غير قياس وهو قول ~~مالك ، والأصل أن المبيح للمال هو الكفر، وأن العاصم له هو الاسلام، كما ~~قال عليه الصلاة والسلام: فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم فمن زعم ~~أن ههنا مبيحا للمال غير الكفر من تملك عدو أو غيره فعليه الدليل، وليس ~~ههنا دليل تعارض به هذه القاعدة، والله أعلم. # الفصل الخامس: في حكم ما افتتح المسلمون من الأرض عنوة واختلفوا ms0416 فيما ~~افتتح المسلمون من الأرض عنوة. # فقال مالك: لا تقسم الأرض وتكون وقفا يصرف خراجها في مصالح المسلمين من ~~أرزاق المقاتلة وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير إلا أن يرى ~~الامام في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة، فإن له أن يقسم الأرض. ~~وقال الشافعي: الأرضون المفتتحة تقسم كما تقسم الغنائم: يعني خمسة أقسام. ~~وقال أبو حنيفة: الامام مخير بين أن يقسمها على المسلمين أو يضرب على أهلها ~~الكفارة فيها الخراج ويقرها بأيديهم. وسبب اختلافهم: ما يظن من التعارض بين ~~آية سورة الأنفال وآية سورة الحشر، وذلك أن آية الأنفال تقتضي بظاهرها أن ~~كل ما غنم يخمس، وهو قوله تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم) * وقوله تعالى في ~~آية الحشر: * (والذين جاءوا من بعدهم) * عطفا على ذكر الذين أوجب لهم الفئ ~~يمكن أن يفهم منه أن جميع الناس الحاضرين والآتين شركاء في الفئ كما روي عن ~~عمر رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى: * (والذين جاءوا من بعدهم) *: ما ~~أرى هذه الآية إلا قد عمت الخلق حتى الراعي بكداء أو كلاما هذا معناه. ~~ولذلك لم تقسم الأرض التي PageV01P321 # افتتحت في أيامه عنوة من أر ض العراق ومصر. فمن رأى أن الآيتين متواردتان ~~على معنى واحد وأن آية الحشر مخصصة لآية الأنفال استثنى من ذلك الأرض، ومن ~~رأى أن الآيتين ليستا متواردتين على معنى واحد، بل رأى أن آية الأنفال في ~~الغنيمة وآية الحشر في الفئ على ما هو الظاهر من ذلك قال: تخمس الأرض ولا ~~بد ولا سيما أنه قد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قسم خيبر بين الغزاة. ~~قالوا: فالواجب أن تقسم الأرض لعموم الكتاب وفعله عليه الصلاة والسلام الذي ~~يجري مجرى البيان للمجمل فضلا عن العام. وأما أبو حنيفة فإنما ذهب إلى ~~التخيير بين القسمة وبين أن يقر الكفار فيها على خراج يؤدونه، لأنه زعم أنه ~~قد روي أن رسول الله (ص) أعطى خيبر بالشطر ثم أرسل ابن رواحة فقاسمهم ~~قالوا: فظهر من هذا أن رسول ms0417 الله (ص) لم يكن قسم جميعها ولكنه قسم طائفة من ~~الأرض وترك طائفة لم يقسمها، قالوا: فبان بهذا أن الامام بالخيار بين ~~القسمة والاقرار بأيديهم، وهو الذي فعل عمر رضي الله عنه. وإن أسلموا بعد ~~الغلبة عليهم كان مخيرا بين المن عليهم أو قسمتها على ما فعل رسول الله (ص) ~~بمكة: أعني من المن، وهذا إنما يصح على رأي من رأى أنه افتتحها عنوة، فإن ~~الناس اختلفوا في ذلك وإن كان الأصح أنه افتتحها عنوة لأنه الذي خرجه مسلم. ~~وينبغي أن تعلم أن قول من قال: إن آية الفئ وآية الغنيمة محمولتان على ~~الخيار، وأن آية الفئ ناسخة لآية الغنيمة أو مخصصة لها أنه قول ضعيف جدا ~~إلا أن يكون اسم الفئ والغنيمة يدلان على معنى واحد، فإن كان ذلك فالآيتان ~~متعارضتان، لان آية الأنفال توجب التخميس، وآية الحشر توجب القسمة دون ~~التخميس فوجب أن تكون إحداهما ناسخة للأخرى أو يكون الامام مخيرا بين ~~التخميس وترك التخميس، وذلك في جميع الأموال المغنومة. وذكر بعض أهل العلم ~~أنه مذهب لبعض الناس وأظنه حكاه عن المذهب ويجب على مذهب من يريد أن يستنبط ~~من الجمع بينهما ترك قسمة الأرض وقسمة ما عدا الأرض أن تكون كل واحدة من ~~الآيتين مخصصة بعض ما في الأخرى أو ناسخة له حتى تكون آية الأنفال خصصت من ~~عموم آية الحشر ما عدا الأرضين فأوجبت فيها الخمس، وآية الحشر خصصت من آية ~~الأنفال الأرض فلم توجب فيها خمسا، وهذا لدعوى لا تصح إلا بدليل مع أن ~~الظاهر من آية الحشر أنها تضمنت القول في نوع من الأموال مخالف الحكم للنوع ~~الذي تضمنته آية الأنفال وذلك أن قوله تعالى: * (فما أوجفتم عليه من خيل ~~ولا ركاب) * هو تنبيه على العلة التي من أجلها لم يوجب حق للجيش خاصة دون ~~الناس، والقسمة بخلاف ذلك إذ كانت تؤخذ بالايجاف. PageV01P322 # الفصل السادس: في قسمة الفئ وأما الفئ عند الجمهور فهو كل ما صار ~~للمسلمين من الكفار من قبل الرعب والخوف من ms0418 غير أن يوجف عليه بخيل أو رجل. ~~واختلف الناس في الجهة التي يصرف إليها، فقال قوم: إن الفئ لجميع المسلمين: ~~الفقير والغني، وإن الامام يعطي منه للمقاتلة وللحكام وللولاة، وينفق منه ~~في النوائب التي تنو ب المسلمين كبناء القناطر واصلاح المساجد وغير ذلك ولا ~~خمس في شئ منه، وبه قال الجمهور، وهو الثابت عن أبي بكر وعمر. وقال ~~الشافعي: بل فيه الخمس، والخمس مقسوم على الأصناف الذين ذكروا في آية ~~الغنائم وهم الأصناف الذين ذكروا في الخمس بعينه من الغنيمة، وإن الباقي هو ~~مصروف إلى اجتهاد الامام ينفق منه على نفسه وعلى عياله ومن رأى، وأحسب أن ~~قوما قالوا: إن الفئ غير مخمس، ولكن يقسم على الأصناف الخمسة الذين يقسم ~~عليهم الخمس، وهو أحد أقوال الشافعي فيما أحسب. وسبب اختلاف من رأى أنه ~~يقسم جميعه على الأصناف الخمسة: أو هو مصروف إلى اجتهاد الامام هو سبب ~~اختلافهم في قسمة الخمس من الغنيمة وقد تقدم ذلك، أعني أن من جعل ذكر ~~الأصناف في الآية تنبيها على المستحقين له قال: هو لهذه الأصناف المذكورين ~~ومن فوقهم، ومن جعل ذكر الأصناف تعديدا للذين يستوجبون من هذا المال قال: ~~لا يتعدى به هؤلاء الأصناف، أعني أنه جعله من باب الخصوص لا من باب ~~التنبيه. وأما تخميس الفئ فلم يقل به أحد قبل الشافعي، وإنما حمله على هذا ~~القول أنه رأى الفئ قد قسم في الآية على عدد الأصناف الذين قسم عليهم ~~الخمس، فاعتقد لذلك أن فيه الخمس، لأنه ظن أن هذه القسمة مختصة بالخمس وليس ~~ذلك بظاهر، بل الظاهر أن هذه القسمة تخص جميع الفئ لا جزءا منه، وهو الذي ~~ذهب إليه فيما أحسب قوم. وخرج مسلم عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما ~~أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي ~~(ص) خالصة، فكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع ~~والسلاح عدة في سبيل الله، وهذه يدل على مذهب مالك. # الفصل ms0419 السابع: في الجزية والكلام المحيط بأصول هذا الفصل ينحصر في ست ~~مسائل. المسألة الأولى: ممن يجوز أخذ الجزية؟ الثانية: على أي الأصناف منهم ~~تجب الجزية؟ الثالثة: كم تجب؟ # الرابعة: متى تجب ومتى تسقط؟ الخامسة: كم أصناف الجزية؟ السادسة: فيماذا ~~يصرف مال الجزية؟ # المسألة الأولى: فأما من يجوز أخذ الجزية منه؟ فإن العلماء مجمعون على ~~أنه يجوز أخذها من أهل الكتاب العجم ومن المجوس كما تقدم، واختلفوا في ~~أخذها ممن PageV01P323 # لا كتاب له وفيمن هو من أهل الكتاب من العرب بعد اتفاقهم فيما حكى بعضهم ~~أنها لا تؤخذ من قرشي كتابي، وقد تقدمت هذه المسألة. # وأما المسألة الثانية: وهي أي الأصناف من الناس تجب عليهم؟ فإنهم اتفقوا ~~على أنها إنما تجب بثلاثة أوصاف: الذكورية والبلوغ والحرية، وأنها لا تجب ~~على النساء ولا على الصبيان إذا كانت إنما هي عوض من القتل، والقتل إنما هو ~~متوجه بالأمر نحو الرجال البالغين إذ قد نهي عن قتل النساء والصبيان، وكذلك ~~أجمعوا أنها لا تجب على العبيد. # واختلفوا في أصناف من هؤلاء: منها في المجنون وفى المقعد، ومنها في ~~الشيخ، ومنها في أهل الصوامع، ومنها في الفقير هل يتبع بها دينا متى أيسر ~~أم لا؟ وكل هذه مسائل اجتهادية ليس فيها توقيت شرعي. وسبب اختلافهم: مبني ~~على هل يقتلون أم لا؟ أعني هؤلاء الأصناف. # وأما المسألة الثالثة: وهي كم الواجب؟ فإنهم اختلفوا في ذلك، فرأى مالك ~~أن القدر الواجب في ذلك هو ما فرضه عمر رضي الله عنه وذلك على أهل الذهب ~~أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعون درهما، ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ~~ثلاثة أيام لا يزاد على ذلك ولا ينقص منه وقال الشافعي: أقله محدود وهو ~~دينار وأكثره غير محدود وذلك بحسب ما يصالحون عليه وقال قوم: لا توقيت في ~~ذلك، وذلك مصروف إلى اجتهاد الامام وبه قال الثوري، وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه: الجزية اثنا عشر درهما وأربعة وعشرون درهما وثمانية وأربعون لا ~~ينقص الفقير من اثني عشر درهما ولا يزاد الغني على ms0420 ثمانية وأربعين درهما، ~~والوسط أربعة وعشرون درهما، وقال أحمد: دينار أو عدله معافر لا يزاد عليه ~~ولا ينقص منه. وسبب اختلافهم: اختلاف الآثار في هذا الباب وذلك أنه روي أن ~~رسول الله (ص) بعث معاذا إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو ~~عدله معافر وهي ثياب باليمن، وثبت عن عمر أنه ضرب الجزية على أهل الذهب ~~أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما مع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ~~ثلاثة أيام وروي عنه أيضا أنه بعث عثمان بن حنيف فوضع الجزية على أهل ~~السواد ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثني عشر. فمن حمل هذه الأحاديث كلها ~~على التخيير وتمسك في ذلك بعموم ما ينطلق عليه اسم جزية إذ ليس في توقيت ~~ذلك حديث عن النبي (ص) متفق على صحته، وإنما ورد الكتاب في ذلك عاما، قال: ~~لا حد في ذلك وهو الأظهر. والله أعلم. ومن جمع بين حديث معاذ والثابت عن ~~عمر قال: أقله محدود ولا حد لأكثره. ومن رجح أحد حديثي عمر قال إما بأربعين ~~درهما وأربعة دنانير، وإما بثمانية وأربعين درهما وأربعة وعشرين واثني عشر ~~على ما تقدم. ومن رجح حديث معاذ لأنه مرفوع قال: دينار فقط أو عدله معافر ~~لا يزاد على ذلك ولا ينقص منه. PageV01P324 # وأما المسألة الرابعة: وهي متى تجب الجزية؟ فإنهم اتفقوا على أنها لا تجب ~~إلا بعد الحول، وأنه تسقط عنه إذا أسلم قبل انقضاء الحول، واختلفوا إذا ~~أسلم بعد ما يحول عليه الحول هل تؤخذ منه جزية للحول الماضي بأسره أو لما ~~مضى منه؟ فقال قوم: إذا أسلم فلا جزية عليه بعد انقضاء الحول كان بعد ~~إسلامه أو قبل انقضائه، وبهذا القول قال الجمهور، وقالت طائفة: إن أسلم بعد ~~الحول وجبت عليه الجزية، وإن أسلم قبل حلول الحول لم تجب عليه، وإنهم ~~اتفقوا على أنه لا تجب عليه قبل انقضاء الحول، لان الحول، شرط في وجوبها، ~~فإذا وجد الرافع لها وهو الاسلام قبل تقرر الوجوب، أعني قبل وجود شرط ~~الوجوب لم ms0421 تجب، وإنما اختلفوا بعد انقضاء الحول لأنها قد وجبت، فمن رأى أن ~~الاسلام يهدم هذا الواجب في الكفر كما يهدم كثيرا من الواجبات قال: تسقط ~~عنه وإن كان إسلامه بعد الحول، ومن رأى أنه لا يهدم الاسلام هذا الواجب كما ~~لا يهدم كثيرا من الحقوق المرتبة مثل الديون وغير ذلك قال: لا تسقط بعد ~~انقضاء الحول. فسبب اختلافهم: هو هل الاسلام يهدم الجزية الواجبة أو لا ~~يهدمها. # وأما المسألة الخامسة: وهي كم أصناف الجزية؟ فإن الجزية عندهم ثلاثة ~~أصناف: # جزية عنوية: وهي هذه التي تكلمنا فيها، أعني التي تفرض على الحربيين بعد ~~غلبتهم. # وجزية صلحية: وهي التي يتبرعون بها ليكف عنهم، وهذه ليس فيها توقيت لا في ~~الواجب، ولا فيمن يجب عليه ولا متى يجب عليه وإنما ذلك كله راجع إلى ~~الاتفاق الواقع في ذلك بين المسلمين وأهل الصلح إلا أن يقول قائل: إنه إن ~~كان قبول الجزية الصلحية واجبا على المسلمين فقد يجب أن يكون ههنا قدر ما ~~إذا أعطاه من أنفسهم الكفار وجب على المسلمين قبول ذلك منهم فيكون أقلها ~~محدودا وأكثرها غير محدود. وأما الجزية الثالثة فهي العشرية: وذلك أن جمهور ~~العلماء على أنه ليس على أهل الذمة عشر ولا زكاة أصلا في أموالهم إلا ما ~~روي عن طائفة منهم أنهم ضاعفوا الصدقة على نصارى بني تغلب، أعني أنهم ~~أوجبوا إعطاء ضعف ما على المسلمين من الصدقة في شئ شئ من الأشياء التي تلزم ~~فيها المسلمين الصدقة. وممن قال بهذا القول الشافعي وأبو حنيفة وأحمد ~~والثوري، وهو فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بهم، وليس يحفظ عن مالك في ~~ذلك نص فيما حكوا، وقد تقدم ذلك في كتاب الزكاة. واختلفوا هل يجب العشر ~~عليهم في الأموال التي يتجرون بها إلى بلاد المسلمين بنفس التجارة أو الاذن ~~إن كانوا حربيين أم لا تجب إلا بالشرط؟ فرأى مالك وكثير من العلماء أن تجار ~~أهل الذمة الذين لزمتهم بالاقرار في بلدهم الجزية يجب أن يؤخذ منهم مما ~~يجلبونه من ms0422 بلد إلى بلد العشر، إلا ما يسوقون إلى المدينة خاصة فيؤخذ منه ~~فيه نصف العشر. ووافقه أبو حنيفة في وجوبه بالاذن في التجارة أو بالتجارة ~~نفسها وخالفه في القدر فقال: الواجب عليهم نصف العشر. ومالك PageV01P325 # لم يشترط عليهم في العشر الواجب عنده نصابا ولا حولا وأما أبو حنيفة ~~فاشترط في وجوب نصف العشر عليهم الحول والنصاب وهو نصاب المسلمين نفسه ~~المذكور في كتاب الزكاة، وقال الشافعي: ليس يجب عليهم عشر أصلا ولا نصف عشر ~~في نفس التجارة ولا في ذلك شئ محدود إلا ما اصطلح عليه أو اشترط، فعلى هذا ~~تكون الجزية العشرية من نوع الجزية الصلحية، وعلى مذهب مالك وأبي حنيفة ~~تكون جنسا ثالثا من الجزية غير الصلحية والتي على الرقاب. وسبب اختلافهم: ~~أنه لم يأت في ذلك عن رسول الله (ص) سنة يرجع إليها، وإنما ثبت أن عمر بن ~~الخطاب فعل ذلك بهم، فمن رأى أن فعل عمر هذا إنما فعله بأمر كان عنده في ~~ذلك من رسول الله (ص) أوجب أن يكون ذلك سنتهم، ومن رأى أن فعله هذا كان على ~~وجه الشرط، إذ لو كان على غير ذلك لذكره قال: ليس ذلك بسنة لازمة لهم إلا ~~بالشرط. وحكى أبو عبيد في كتاب الأموال عن رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة ~~والسلام لا أذكر اسمه الآن أنه قيل له: لم كنتم تأخذون العشر من مشركي ~~العرب؟ فقال: لأنهم كانوا يأخذون منا العشر إذا دخلنا إليهم. قال الشافعي: ~~وأقل ما يجب أن يشارطوا عليه هو ما فرضه عمر رضي الله عنه، وإن شورطوا على ~~أكثر فحسن قال: وحكم الحربي إذا دخل بأمان حكم الذمي. # وأما المسألة السادسة: وهي فيماذا تصرف الجزية؟ فإنهم اتفقوا على أنها ~~مشتركة لمصالح المسلمين من غير تحديد كالحال في الفئ عند من رأى أنه مصروف ~~إلى اجتهاد الامام، حتى لقد رأى كثير من الناس أن اسم الفئ إنما ينطلق على ~~الجزية في آية الفئ، وإذا كان الامر هكذا. فالأموال الاسلامية ثلاثة أصناف: ~~صدقة، وفي، ms0423 وغنيمة، وهذا القدر كاف في تحصيل قواعد هذا الكتاب والله الموفق ~~للصواب. PageV01P326 # كتاب الايمان وهذا الكتاب ينقسم أولا إلى جملتين: الجملة الأولى: في ~~معرفة ضروب الايمان وأحكامها. والجملة الثانية: في معرفة الأشياء الرافعة ~~للايمان اللازمة وأحكامها (الجملة الأولى) وهذه الجملة فيها ثلاثة فصول: ~~الفصل الأول: في معرفة الايمان المباحة وتمييزها من غير المباحة. الثاني: ~~في معرفة الايمان اللغوية والمنعقدة. الثالث: # في معرفة الايمان التي ترفعها الكفارة والتي لا ترفعها. # الفصل الأول: في معرفة الايمان المباحة وتمييزها من غيرها واتفق الجمهور ~~على أن الأشياء منها ما يجوز في الشرع أن يقسم به، ومنها ما لا يجوز أن ~~يقسم به. واختلفوا أي الأشياء التي هي بهذه الصفة، فقال قوم: إن الحلف ~~المباح في الشرع هو الحلف بالله، وأن الحالف بغير الله عاص، وقال قوم: بل ~~يجوز الحلف بكل معظم بالشرع، والذين قالوا إن الايمان المباحة هي الايمان ~~بالله اتفقوا على إباحة الايمان التي بأسمائه، واختلفوا في الايمان التي ~~بصفاته وأفعاله. وسبب اختلافهم: # في الحلف بغير الله من الأشياء المعظمة بالشرع معارضة ظاهر الكتاب في ذلك ~~للأثر، وذلك أن الله قد أقسم في الكتاب بأشياء كثيرة مثل قوله: * (والسماء ~~والطارق) * وقوله: # * (والنجم إذا هوى) * إلى غير ذلك من الأقسام الواردة في القرآن. وثبت أن ~~النبي عليه الصلاة والسلام قال: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم... من ~~كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت فمن جمع بين الأثر والكتاب بأن قال: إن ~~الأشياء الواردة في الكتاب المقسوم بها فيها محذوف وهو الله تبارك وتعالى، ~~وأن التقدير ورب النجم. ورب السماء قال: # الايمان المباحة هي الحلف بالله فقط، ومن جمع بينهما بأن المقصود بالحديث ~~إنما هو أن لا يعظم من لم يعظم الشرع بدليل قوله فيه إن الله ينهاكم أن ~~تحلفوا بآبائكم وأن هذا من باب الخاص أريد به العام، أجاز الحلف بكل معظم ~~في الشرع. فإذا سبب اختلافهم: هو PageV01P327 # اختلافهم في بناء الآي والحديث. وأما من منع الحلف بصفات الله وبأفعاله ~~فضعيف. # وسبب اختلافهم: هو ms0424 هل يقتصر بالحديث على ما جاء من تعليق الحكم فيه ~~والاسم فقط، أو يعدى إلى الصفات والأفعال لكن تعليق الحكم في الحديث بالاسم ~~فقط جمود كثير، وهو أشبه بمذهب أهل الظاهر وإن كان مرويا في المذهب حكاه ~~اللخمي عن محمد بن المواز. وشذت فرقة فمنعت اليمين بالله عز وجل، والحديث ~~نص في مخالفة هذا المذهب. # الفصل الثاني: في معرفة الايمان اللغوية والمنعقدة واتفقوا أيضا على أن ~~الايمان منها لغو، ومنها منعقدة لقوله تعالى: * (لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانك ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) * واختلفوا فيما هي اللغو؟ # فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها اليمين على الشئ يظن الرجل أنه على يقين ~~منه فيخرج الشئ على خلاف ما حلف عليه وقال الشافعي: لغو اليمين ما لم تنعقد ~~عليه النية مثل ما جرت به العادة من قول الرجل في أثناء المخاطبة: لا ~~والله، لا بالله، مما يجري على الألسنة بالعادة من غير أن يعتقد لزومه، ~~وهذا القول رواه مالك في الموطأ عن عائشة والقول الأول: مروي عن الحسن ابن ~~أبي الحسن وقتادة ومجاهد وإبراهيم النخعي. وفيه قول ثالث، وهو أن يحلف ~~الرجل وهو غضبان. وبه قال إسماعيل القاضي من أصحاب مالك. # وفيه قول رابع، وهو الحلف على المعصية وروي عن ابن عباس. وفيه قول خامس، ~~وهو أن يحلف الرجل على أن لا يأكل شيئا مباحا له بالشرع. والسبب في ~~اختلافهم في ذلك: هو الاشتراك الذي في اسم اللغو، وذلك أن اللغو قد يكون ~~الكلام الباطل مثل قوله تعالى: * (والغوا فيه لعلكم تغلبون) * وقد يكون ~~الكلام الذي لا تنعقد عليه نية المتكلم به، ويدل على أن اللغو في الآية هو ~~هذا أن هذه اليمين هي ضد اليمين المنعقدة وهي المؤكدة، فوجب أن يكون الحكم ~~المضاد للشئ المضاد. والذين قالوا إن اللغو هو الحلف في إغلاق أو الحلف على ~~ما يوجب الشرع فيه شيئا بحسب ما يعتقد في ذلك قوم، فإنما ذهبوا إلى أن ~~اللغو ههنا يدل على معنى عرفي في الشرع وهي ms0425 الايمان التي بين الشرع في ~~مواضع أخرى سقوط حكمها مثل ما روي أنه: لا طلاق في إغلاق وما أشبه ذلك، لكن ~~الأظهر هما القولان الأولان: أعني قول مالك والشافعي. # الفصل الثالث: في معرفة الايمان التي ترفعها الكفارة والتي لا ترفعها ~~وهذا الفصل أربع مسائل: PageV01P328 # المسألة الأولى: اختلفوا في الايمان بالله المنعقدة هل يرفع جميعها ~~الكفارة سواء أكان حلفا على شئ ماض أنه كان فلم يكن وهي التي تعرف باليمين ~~الغموس، وذلك إذا تعمد الكذب، أو على شئ مستقبل أنه يكون من قبل الحالف أو ~~من قبل من هو بسببه فلم يكن، فقال الجمهور: ليس في اليمين الغموس كفارة، ~~وإنما الكفارة في الايمان التي تكون في المستقبل إذا خالف اليمين الحالف، ~~وممن قال بهذا القول مالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل. وقال الشافعي وجماعة: ~~يجب فيها الكفارة أي تسقط الكفارة الاثم فيها كما تسقطه في غير الغموس. ~~وسبب اختلافهم: معارضة عموم الكتاب للأثر، وذلك أن قوله تعالى: * (ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الايمان، فكفارته إطعام عشرة مساكين) * الآية توجب أن ~~يكون في اليمين الغموس كفارة لكونها من الايمان المنعقدة، وقوله عليه ~~الصلاة والسلام: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب ~~له النار يوجب أن اليمين الغموس ليس فيها كفارة، ولكن للشافعي أن يستثني من ~~الايمان الغموس ما لا يقتطع بها حق الغير، وهو الذي ورد فيه النص، أو يقول: ~~إن الايمان التي يقتطع بها حق الغير قد جمعت الظلم والحنث، فوجب ألا تكون ~~الكفارة تهدم الامرين جميعا، أو ليس يمكن فيها أن تهدم الحنث دون الظلم لان ~~رفع الحنث بالكفارة إنما هو من باب التوبة، وليس تتبعض التوبة في الذنب ~~الواحد بعينه، فإن تاب ورد المظلمة وكفر سقط عنه جميع الاثم. # المسألة الثانية: واختلف العلماء فيمن قال: أنا كافر بالله أو مشرك بالله ~~أو يهودي أو نصراني إن فعلت كذا ثم يفعل ذلك، هل عليه كفارة أم لا؟ فقال ~~مالك والشافعي: ليس عليه كفارة ولا هذه يمين، وقال ms0426 أبو حنيفة: هي يمين ~~وعليه فيها الكفارة إذا خالف اليمين وهو قول أحمد بن حنبل أيضا. وسبب ~~اختلافهم: هو اختلافهم في هل يجوز اليمين بكل ما له حرمة أم ليس يجوز إلا ~~بالله فقط؟ ثم إن وقعت فهل تنعقد أم لا؟ # فمن رأى أن الايمان المنعقدة: أعني التي هي بصيغ القسم إنما هي الايمان ~~الواقعة بالله عز وجل وبأسمائه قال: لا كفارة فيها إذ ليست بيمين، ون رأى ~~أن الايمان تنعقد بكل ما عظم الشرع حرمته قال: فيها الكفارة، لان الحلف ~~بالتعظيم كالحلف بترك التعظيم، وذلك أنه كما يجب التعظيم يجب أن لا يترك ~~التعظيم، فكما أن من حلف بوجوب حق الله عليه لزمه، كذلك من حلف بترك وجوبه ~~لزمه. # المسألة الثالثة: واتفق الجمهور في الايمان التي ليست إقساما بشئ وإنما ~~تخرج مخرج الالزام الواقع بشرط من الشروط، مثل أن يقول القائل: فإن فعلت ~~كذا فعلي مشي إلى PageV01P329 # بيت الله، أو إن فعلت كذا وكذا فغلامي حر أو امرأتي طالق: أنها تلزم في ~~القرب، وفيما إذا التزمه الانسان لزمه بالشرع مثل الطلاق والعتق، واختلفوا ~~هل فيها كفارة أم لا؟ فذهب مالك إلى أن لا كفارة فيها، وأنه إن لم يفعل ما ~~حلف عليه أثم ولا بد، وذهب الشافعي وأحمد وأبو عبيد وغيرهم إلى أن هذا ~~الجنس من الايمان فيها الكفارة إلا الطلاق والعتق، وقال أبو ثور: يكفر من ~~حلف بالعتق، وقول الشافعي مروي عن عائشة. وسبب اختلافهم: # هل هي يمين أو نذر. فمن قال إنها يمين أوجب فيها الكفارة لدخولها تحت ~~عموم قوله تعالى: * (فكفارته إطعام عشرة مساكين) * الآية. ومن قال إنها من ~~جنس النذر: أي من جنس الأشياء التي نص الشرع على أنه إذا التزمها الانسان ~~لزمته قال: لا كفارة فيها لكن يعسر هذا على المالكية لتسميتهم إياها ~~أيمانا، لكن لعلهم إنما سموها أيمانا على طريق التجوز والتوسع. والحق أنه ~~ليس يجب أن تسمى بحسب الدلالة اللغوية أيمانا، فإن الايمان في لغة العرب ~~لها صيغ مخصوصة. وإنما يقع اليمين ms0427 بالأشياء التي تعظم وليست صيغة الشرط هي ~~صيغة اليمين، فأما هل تسمى أيمانا بالعرف الشرعي وهل حكمها حكم الايمان؟ ~~ففيه نظر، وذلك أنه قد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قال: كفارة النذر كفارة ~~يمين وقال تعالى: * (لم تحرم ما أحل الله لك) * إلى قوله: * (قد فرض الله ~~لكم تحلة أيمانكم) * فظاهر هذا أنه قد سمى بالشرع القول الذي مخرجه مخرج ~~الشرط أو مخرج الالزام دون شرط ولا يمين، فيجب أن تحمل على ذلك جميع ~~الأقاويل التي تجري هذا المجرى إلا ما خصصه الاجماع من ذلك مثل الطلاق، ~~فظاهر الحديث يعطي أن النذر ليس بيمين وأن حكمه حكم اليمين، وذهب داود وأهل ~~الظاهر إلى أنه ليس يلزم من مثل هذه الأقاويل، أعني الخارجة مخرج الشرط إلا ~~ما ألزمه الاجماع من ذلك وذلك أنها ليست بنذور فيلزم فيها النذر، ولا ~~بأيمان فترفعها الكفارة، فلم يوجبوا على من قال: إن فعلت كذا كذا فعلي ~~المشي إلى بيت الله مشيا ولا كفارة بخلاف ما لو قال: علي المشي إلى بيت ~~الله لان هذا نذر باتفاق، وقد قال عليه الصلاة والسلام: من نذر أن يطيع ~~الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه لا يعصه. فسبب هذا الخلاف: في هذه الأقاويل ~~التي تخرج مخرج الشرط هو هل هي أيمان أو نذور؟ أو ليست أيمانا ولا نذورا؟ ~~فتأمل هذا فإنه بين إن شاء الله تعالى. # المسألة الرابعة: اختلفوا في قول القائل: أقسم أو أشهد أن كان كذا وكذا ~~هل هو يمين أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فقيل إنه ليس بيمين، وهو أحد قولي ~~الشافعي، وقيل PageV01P330 # إنها أيمان ضد القول الأول، وبه قال أبو حنيفة، وقيل إن أراد الله بها ~~فهو يمين، وإن لم يرد الله بها فليست بيمين، وهو مذهب مالك. وسبب اختلافهم: ~~هو هل المراعى اعتبار صيغة اللفظ أو اعتبار مفهومه بالعادة أو اعتبار ~~النية؟ فمن اعتبر صيغة اللفظ قال: # ليست بيمين إذ لم يكن هنالك نطق بمقسوم به، ومن اعتبر صيغة اللفظ بالعادة ~~قال: هي يمين ms0428 وفي اللفظ محذوف ولا بد وهو الله تعالى، ومن لم يعتبر هذين ~~الامرين واعتبر النية إذ كان اللفظ صالحا للامرين فرق في ذلك كما تقدم. # الجملة الثانية وهذه الجملة تنقسم أولا قسمين: القسم الأول: النظر في ~~الاستثناء. # القسم الثاني: النظر في الكفارات. # القسم الأول وفي هذا القسم فصلان: الفصل الأول: في شروط الاستثناء المؤثر ~~في اليمين. # الفصل الثاني: في تعريف الايمان التي يؤثر فيها الاستثناء من التي لا ~~يؤثر. # الفصل الأول: في شروط الاستثناء المؤثر في اليمين وأجمعوا على أن ~~الاستثناء بالجملة له تأثير في حل الايمان واختلفوا في شروط الاستثناء الذي ~~يجب له هذا الحكم بعد أن أجمعوا على أنه إذا اجتمع في الاستثناء ثلاثة شروط ~~أن يكون متناسقا مع اليمين وملفوظا به ومقصودا من أول اليمين أنه لا ينعقد ~~معه اليمين، واختلفوا في هذه الثلاثة مواضع أعني إذا فرق الاستثناء من ~~اليمين أو نواه ولم ينطق به أو حدثت له نية الاستثناء بعد اليمين وإن أتى ~~به متناسقا مع اليمين. # فأما المسألة الأولى: وهي اشتراط اتصاله بالقسم فإن قوما اشترطوا ذلك ~~فيه، وهو مذهب مالك، وقال الشافعي: لا بأس بينهما بالسكتة الخفيفة كسكتة ~~الرجل للتذكر أو للتنفس أو لانقطاع الصوت. وقال قوم من التابعين يجوز ~~للحالف الاستثناء ما لم يقم من مجلسه، وكان ابن عباس يرى أنه له الاستثناء ~~أبدا على ما ذكر منه متى ما ذكر، وإنما اتفق الجميع على أن استثناء مشيئة ~~الله في الامر المحلوف على فعله إن كان فعلا أو على تركه إن كان تركا رافع ~~لليمين، لان الاستثناء هو رفع للزوم اليمين. قال أبو بكر بن المنذر: # ثبت أن رسول الله (ص) قال: من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث وإنما ~~اختلفوا هل يؤثر في اليمين إذا لم توصل بها أو لا يؤثر؟ لاختلافهم هل ~~الاستثناء حال للانعقاد أم هو مانع له؟ فإذا قلنا إنه مانع للانعقاد لا حال ~~له اشترط أن يكون متصلا باليمين، وإذا قلنا إنه حال لم يلزم فيه ms0429 ذلك. ~~والذين اتفقوا على أنه حال اختلفوا هي هو حال بالقرب أو بالبعد على ما ~~حكينا، وقد احتج من رأى أنه حال بالقرب بما رواه سعد عن سماك بن حرب عن ~~عكرمة قال: قال رسول الله (ص): والله لأغزون قريش، قالها ثلاثة مرات ثم ~~سكت، ثم قال: PageV01P331 # إن شاء الله فدل هذا أن الاستثناء حال لليمين لا مانع لها من الانعقاد. ~~قالوا: ومن الدليل على أنه حال بالقرب أنه لكان حالا بالبعد على ما رواه ~~ابن عباس لكان الاستثناء يغني عن الكفارة. والذي قالوه بين. وأما اشتراط ~~النطق باللسان فإنه اختلف فيه، فقيل لا بد فيه من اشتراط اللفظ أي لفظ كان ~~من ألفاظ الاستثناء وسواء أكان بألفاظ الاستثناء أو بتخصيص العموم أو ~~بتقييد المطلق، هذا هو المشهور. وقيل إنما ينفع الاستثناء بالنية بغير لفظ ~~في حرف إلا فقط: أي بما يدل عليه لفظ إلا وليس ينفع ذلك فيما سواه من ~~الحروف. وهذه التفرقة ضعيفة. والسبب في هذا الاختلاف: هو هل تلزم العقود ~~اللازمة بالنية فقط دون اللفظ أو باللفظ والنية معا مثل الطلاق والعتق ~~واليمين وغير ذلك. # وأما المسألة الثانية: وهي هل تنفع النية الحادثة في الاستثناء بعد ~~انقضاء اليمين؟ # فقيل أيضا في المذهب إنها تنفع إذا حدثت متصلة باليمين، وقيل بل إذا حدثت ~~قبل أن يتم النطق باليمين. وقيل بل استثناء على ضربين: استثناء من عدد، ~~واستثناء من عموم بتخصيص أو من مطلق بتقييد، فالاستثناء من العدد لا ينفع ~~فيه إلا حدوث النية قبل النطق باليمين، والاستثناء من العموم ينفع فيه حدوث ~~النية بعد اليمين إذا وصل الاستثناء نطقا باليمين. وسبب اختلافهم: هل ~~الاستثناء مانع للعقد أو حال له؟ فإن قلنا إنه مانع فلا بد من اشتراط حدوث ~~النية في أول اليمين، وإن قلنا إنه حال لم يلزم ذلك، وقد أنكر عبد الوهاب ~~أن يشترط حدوث النية في أول اليمين للاتفاق وزعم على أن الاستثناء حال ~~لليمين كالكفارة سواء. # الفصل الثاني من القسم الأول في تعريف الايمان التي ms0430 يؤثر فيها الاستثناء ~~وغيرها وقد اختلفوا في الايمان التي يؤثر فيها استثناء مشيئة الله من التي ~~لا يؤثر فيها. فقال مالك وأصحابه: لا تؤثر المشيئة إلا في الايمان التي ~~تكفر وهي اليمين بالله عندهم أو النذر المطلق على ما سيأتي. وأما الطلاق ~~والعتاق فلا يخلو أن يعلق الاستثناء في ذلك بمجرد الطلاق أو العتق فقط مثل ~~أن يقول: هي طالق إن شاء الله أو عتيق إن شاء الله. # وهذه ليست عندهم يمينا. وإما أن يعلق الطلاق بشرط من الشروط مثل أن يقول: ~~إن كان كذا فهي طالق إن شاء الله، أو إن كان كذا فهو عتيق إن شاء الله. ~~فأما القسم الأول: فلا خلاف في المذهب أن المشيئة غير مؤثرة فيه. وأما ~~القسم الثاني: وهو اليمين بالطلاق ففي المذهب فيه قولان أصحهما إذا صرف ~~الاستثناء إلى الشرط الذي علق به الطلاق صح وإن صرفه إلى نفس الطلاق لم ~~يصح، قال أبو حنيفة والشافعي: الاستثناء يؤثر في ذلك كله سواء قرنه بالقول ~~الذي مخرجه الشرط، أو بالقول الذي مخرجه مخرج PageV01P332 # الخبر. وسبب الخلا ف: ما قلناه من أن الاستثناء هل هو حال أو مانع؟ فإذا ~~قلنا مانع وقرن بلفظ مجرد الطلاق فلا تأثير له فيه إذ قد وقع الطلاق، أعني ~~إذا قال الرجل لزوجته: هي طالق إن شاء الله، لان المانع إنما يقوم لما لم ~~يقع وهو المستقبل، وإن قلنا إنه حال للعقود وجب أن يكون له تأثير في الطلاق ~~وإن كان وقد وقع، فتأمل هذا فإنه بين، ولا معنى لقول المالكية إن الاستثناء ~~في هذا مستحيل لان الطلاق قد وقع، إلا أن يعتقدوا أن الاستثناء هو مانع لا ~~حال، فتأمل هذا فإنه ظاهر إن شاء الله. # الفصل الثاني من الجملة الثانية وهذا القسم فيه فصول ثلاثة. الفصل الأول: ~~في موجب الحنث وشروطه وأحكامه. الفصل الثاني: في رافع الحنث وهي الكفارات. ~~الفصل الثالث: متى ترفع، وكم ترفع؟ # الفصل الأول: في موجب الحنث وشروطه وأحكامه واتفقوا على أن موجب الحنث هو ~~المخالفة ms0431 لما انعقدت عليه اليمين، وذلك إما فعل ما خلف على ألا يفعله وإما ~~ترك ما حلف على فعله إذا علم أنه قد تراخى عن فعل ما حلف على فعله إلى وقت ~~ليس يمكنه فيه فعله وذلك في اليمين بالترك المطلق، مثل أن يحلف ليأكلن هذا ~~الرغيف فيأكله غيره، أو إلى وقت هو غير الوقت الذي اشترط في وجود الفعل ~~عنده، وذلك في الفعل المشترط فعله في زمان محدود، مثل أن يقول: والله ~~لأفعلن اليوم كذا وكذا، فإنه إذا انقضى النهار ولم يفعل حنث ضرورة. ~~واختلفوا من ذلك في أربعة مواضع: أحدها: إذا أتى بالمخالف ناسيا أو مكرها. ~~والثاني: هل يتعلق موجب اليمين بأقل ما ينطلق عليه الاسم أو بجميعه؟ ~~والموضع الثالث: هل يتعلق اليمين بالمعنى المساوي لصيغة اللفظ أو بمفهومه ~~المخصص للصيغة والمعمم لها. والموضع الرابع: هل اليمين على نية الحالف أو ~~المستحلف؟ # فأما المسألة الأولى: فإن مالكا يرى الساهي والمكره بمنزلة العامد، ~~والشافعي يرى أن لا حنث على الساهي ولا على المكره. وسبب اختلافهم: معارضة ~~عموم قوله تعالى: # * (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) * ولم يفرق بين عامد وناس لعموم قوله ~~عليه الصلاة والسلام: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فإن ~~هذين العمومين يمكن أن يخصص كل واحد منهما بصاحبه. # وأما الموضع الثاني: فمثل أن يحلف أن لا يفعل شيئا ففعل بعضه أو أنه يفعل ~~شيئا PageV01P333 # فليفعل بعضه، فعند مالك إذا حلف ليأكلن هذا الرغيف فأكل بعضه لا يبرأ إلا ~~بأكله كله، وإذا قال: لا آكل هذا الرغيف أنه يحنث إن أكل بعضه، وعند ~~الشافعي وأبي حنيفة أنه لا يحنث في الوجهين جميعا حملا على الاخذ بأكثر ما ~~يدل عليه الاسم. وأما تفريق مالك بين الفعل والترك فلم يجر في ذلك على أصل ~~واحد لأنه أخذ في الترك بأقل ما يدل عليه الاسم وأخذ في الفعل بجميع ما يدل ~~عليه الاسم، وكأنه ذهب إلى الاحتياط. # وأما المسألة الثالثة: فمثل أن يحلف على شئ بعينه يفهم منه القصد إلى ms0432 ~~معنى أعم من ذلك الشئ الذي لفظ به أو أخص، أو يحلف على شئ وينوي به معنى ~~أعم أو أخص، أو يكون للشئ الذي حلف عليه اسمان أحدهما لغوي والآخر عرفي ~~وأحدهما أخص من الآخر. # وأما إذا حلف على شئ بعينه فإنه لا يحنث عند الشافعي وأبي حنيفة إلا ~~بالمخالفة الواقعة في ذلك الشئ بعينه الذي وقع عليه الحلف وإن كان المفهوم ~~منه معنى أعم أو أخص من قبل الدلالة العرفية. وكذلك أيضا فيم أحسب لا ~~يعتبرون النية المخالفة للفظ، وإنما يعتبرون مجرد الألفاظ فقط. وأما مالك ~~فإن المشهور من مذهبه أن المعتبر أولا عنده في الايمان التي لا يقضى على ~~حالفها هو النية، فإن عدمت فقرينة الحال فإن عدمت فعرف اللفظ، فإن عدم ~~فدلالة اللغة، وقيل لا يراعى إلا النية أو ظاهر اللفظ اللغوي فقط، وقيل ~~يراعى النية وبساط الحال ولا يراعى العرف. وأما الايمان التي يقضى بها على ~~صاحبها فإنه إن جاء الحالف مستفتيا كان حكمه حكم اليمين التي لا يقضى بها ~~على صاحبها من مراعاة هذه الأشياء فيها على هذا الترتيب وإن كان مما يقضى ~~بها عليه لم يراع فيها إلا اللفظ إلا أن يشهد لما يدعي من النية المخالفة ~~لظاهر اللفظ قرينة الحال أو العرف. # وأما المسألة الرابعة: فإنهم اتفقوا على أن اليمين على نية المستحلف في ~~الدعاوي واختلفوا في غير ذلك مثل الايمان على المواعيد، فقال قوم: على نية ~~الحالف، وقال قوم: على نية المستحلف. وثبت أن رسول الله (ص) قال: اليمين ~~على نية المستحلف وقال عليه الصلاة والسلام: يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك ~~خرج هذين الحديثين مسلم. ومن قال: اليمين على نية الحالف، فإنما اعتبر ~~المعنى القائم بالنفس من اليمين لا ظاهر اللفظ. وفي هذا الباب فروع كثيرة، ~~لكن هذه المسائل الأربع هي أصول هذا الباب إذ يكاد أن يكون جميع الاختلاف ~~الواقع في هذا الباب راجعا إلى الاختلاف في هذه، وذلك في الأكثر مثل ~~اختلافهم فيمن حلف أن لا يأكل رؤوسا فأكل ms0433 رؤوس حيتان هل يحنث أم لا؟ فمن ~~راعى العرف قال لا يحنث، ومن راعى دلالة اللغة قال يحنث. ومثل اختلافهم ~~فيمن حلف أن لا يأكل لحما فأكل شحما، فمن اعتبر دلالة اللفظ الحقيقي قال لا ~~يحنث، ومن رأى أن اسم الشئ قد ينطلق على ما يتولد منه قال يحنث. # بالجملة فاختلافهم في المسائل الفروعية التي في هذا الباب هي راجعة إلى ~~PageV01P334 # اختلافهم في هذه المسائل التي ذكرنا، وراجعة إلى اختلافهم في دلالات ~~الألفاظ التي يحلف بها، وذلك أن منها ما هي مجملة، ومنها ما هي ظاهرة، ~~ومنها ما هي نصوص. # الفصل الثاني: في رافع الحنث واتفقوا على أن الكفارة في الايمان هي ~~الأربعة الأنواع التي ذكر الله في كتابه في قوله تعالى: * (فكفارته) * ~~الآية. وجمهورهم على أن الحالف إذا حنث مخير بين الثلاثة منها: أعني ~~الاطعام أو الكسوة أو العتق، وأنه لا يجوز له الصيام إلا إذا عجز عن هذه ~~الثلاثة لقوله تعالى: * (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) * إلا ما روي عن ابن ~~عمر أنه كان إذا غلظ اليمين أعتق أو كسا، وإذا لم يغلظها أطعم. واختلفوا من ~~ذلك في سبع مسائل مشهورة: المسألة الأولى: في مقدار الاطعام لكل واحد من ~~العشرة مساكين. الثانية: في جنس الكسوة إذا اختار الكسوة وعددها. الثالثة: ~~في اشتراط التتابع في صيام الثلاثة الأيام أو لا اشتراطه. الرابعة: في ~~اشتراط العدد في المساكين. الخامسة: في اشتراط الاسلام فيهم والحرية. ~~السادسة: في اشتراط السلامة في الرقبة المعتقة من العيوب. السابعة: في ~~اشتراط الايمان فيها. # المسألة الأولى: أما مقدار الاطعام، فقال مالك والشافعي وأهل المدينة: ~~يعطى لكل مسكين مد من حنطة بمد النبي (ص)، إلا أن مالكا قال: المد خاص بأهل ~~المدينة فقط لضيق معايشهم، وأما سائر المدن فيعطون الوسط من نفقتهم. وقال ~~ابن القاسم: يجري المد في كل مدينة مثل قول الشافعي، وقال أبو حنيفة: ~~يعطيهم نصف صاع من حنطة، أو صاعا من شعير أو تمر، قال: فإن غداهم وعشاهم ~~أجزأه. والسبب في اختلافهم في ms0434 ذلك: # اختلافهم في تأويل قوله تعالى: * (من أوسط ما تطعمون أهليكم) * هل المراد ~~بذلك أكلة واحدة أو قوت اليوم وهو غداء وعشاء؟ فمن قال أكلة واحدة قال: ~~المد وسط في الشبع، ومن قال غداء وعشاء قال: نصف صاع. ولاختلافهم أيضا سبب ~~آخر، وهو تردد هذه الكفارة بين كفارة الفطر متعمدا في رمضان وبين كفارة ~~الأذى، فمن شبهها بكفارة الفطر قال مد واحد، ومن شبهها بكفارة الأذى قال ~~نصف صاع. واختلفوا هل يكون مع الخبز في ذلك إدام أم لا؟ وإن كان فما هو ~~الوسط فيه؟ فقيل يجزي الخبز قفارا، وقال ابن حبيب: لا يجزي، وقيل: الوسط من ~~الادام الزيت، وقيل اللبن والسمن والتمر. واختلف أصحاب مالك من الأهل الذين ~~أضاف إليهم الوسط من الطعام في قوله تعالى: * (من أوسط ما تطعمون أهليكم) * ~~فقيل أهل المكفر وعلى هذا إنما يخرج الوسط PageV01P335 # من الشئ الذي منه يعيش إن قطنية فقطنية وإن حنطة فحنطة، وقيل بل هم أهل ~~البلد الذي هو فيهم، وعلى هذا فالمعتبر في اللازم له هو الوسط من عيش أهل ~~البلد لا من عيشه: أعني الغالب، وعلى هذين القولين يحمل قدر الوسط من ~~الاطعام، أعني الوسط من قدر ما يطعم أهله، أو الوسط من قدر ما يطعم أهل ~~البلد أهليهم إلا في المدينة خاصة. # وأما المسألة الثانية: وهي المجزئ من الكسوة، فإن مالكا رأى أن الواجب في ~~ذلك هو أن يكسي ما يجزي فيه الصلاة، فإن كسا الرجل كسا ثوبا وإن كسا النساء ~~كسا ثوبين درعا وخمارا. وقال الشافعي وأبو حنيفة: يجزئ في ذلك أقل ما ينطلق ~~عليه الاسم إزار أو قميص أو سراويل أو عمامة، وقال أبو يوسف: لا تجزي ~~العمامة ولا السراويل. وسبب اختلافهم: هل الواجب الاخذ بأقل دلالة الاسم ~~اللغوي أو المعنى الشرعي. # وأما المسألة الثالثة: وهي اختلافهم في اشتراط تتابع الأيام الثلاثة في ~~الصيام فإن مالكا والشافعي لم يشترطا في ذلك وجوب التتابع وإن كانا استحباه ~~واشترط ذلك أبو حنيفة. وسبب اختلافهم في ذلك: شيئان: أحدهما: ms0435 هل يجوز العمل ~~بالقراءة التي ليست في المصحف؟ وذلك أن في قراءة عبد الله بن مسعود: فصيام ~~ثلاثة أيام متتابعات. والسبب الثاني: اختلافهم هل يحمل الامر بمطلق الصوم ~~على التتابع أم ليس يحمل إذا كان الأصل في الصيام الواجب بالشرع إنما هو ~~التتابع. # وأما المسألة الرابعة: وهي اشتراط العدد في المساكين، فإن مالكا والشافعي ~~قالا: # لا يجزيه ألا أن يطعم عشرة مساكين، وقال أبو حنيفة: إن أطعم مسكينا واحدا ~~عشرة أيام أجزأه. والسبب في اختلافهم: هل الكفارة حق واجب للعدد المذكور أو ~~حق واجب على المكفر فقدر بالعدد المذكور، فإن قلنا إنه حق واجب للعدد ~~كالوصية، فلا بد من اشتراط العدد، وإن قلنا حق واجب على المكفر لكنه قدر ~~بالعدد أجزأ من ذلك إطعام مسكين واحد على عدد المذكورين. والمسألة محتملة. # وأما المسألة الخامسة: وهي اشتراط الاسلام والحرية في المساكين، فإن ~~مالكا والشافعي اشترطاهما ولم PageV01P336 # الفصل الثالث: متى ترفع الكفارة الحنث، وكم ترفع؟ # وأما متى ترفع الكفارة الحنث وتمحوه، فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال ~~الشافعي: إذا كفر بعد الحنث أو قبله فقد ارتفع الاثم، وقال أبو حنيفة: لا ~~يرتفع الحنث إلا بالتكفير الذي يكون بعد الحنث لا قبله، وروي عن مالك في ~~ذلك القولان جميعا. وسبب اختلافهم: # شيئان: أحدهما: اختلاف الرواية في قوله عليه الصلاة والسلام: من حلف على ~~يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه فإن قوما ~~رووه هكذا، وقوم رووه فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير وظاهر هذه الرواية ~~أن الكفارة تجوز قبل الحنث، وظاهر الثانية أنها بعد الحنث. والسبب الثاني: ~~اختلافهم في هل يجزي تقديم الحق الواجب قبل وقت وجوبه، لأنه من الظاهر أن ~~الكفارة إنما تجب بعد الحنث كالزكاة بعد الحول. ولقائل أن يقول: إن الكفارة ~~إنما تجب بإرادة الحنث والعزم عليه كالحال في كفارة الظهار فلا يدخله ~~الخلاف من هذه الجهة، وكان سبب الخلاف من طريق المعنى هو: هل الكفارة رافعة ~~للحنث إذا وقع أو مانعة له؟ فمن قال ms0436 مانعة أجاز تقديمها على الحنث. ومن قال ~~رافعة لم يجزها إلا بعد وقوعه. وأما تعدد الكفارات بتعدد الايمان فإنهم ~~اتفقوا - فيما علمت - أن من حلف على أمور شتى بيمين واحدة أن PageV01P337 # كفارته كفارة يمين واحدة. وكذلك - فيما أحسب - لا خلاف بينهم أنه إذا حلف ~~بأيمان شتى على شئ واحد أن الكفارات الواجبة في ذلك بعدد الايمان كالحالف ~~إذا حلف بأيمان شتى على أشياء شتى. اختلفوا إذا حلف على شئ واحد بعينه ~~مرارا كثيرة، فقال قوم: # في ذلك كفارة يمين واحدة، وقال قوم: في كل يمين كفارة إلا أن يريد ~~التأكيد، وهو قول مالك، وقال قوم: فيها كفارة واحدة، إلا أن يريد التغليظ ~~وسبب اختلافهم: هل الموجب للتعدد هو تعدد الايمان بالجنس أو بالعدد؟ فمن ~~قال اختلافها بالعدد قال: # لكل يمين كفارة إذا كرر، ومن قال اختلافها بالجنس قال: في هذه المسألة ~~يمين واحدة. واختلفوا إذا حلف في يمين واحدة بأكثر من صفتين من صفات الله ~~تعالى هل تعدد الكفارات بتعدد الصفات التي تضمنت اليمين أم في ذلك كفارة ~~واحدة؟ فقال مالك: الكفارة في هذه اليمين متعددة بتعدد الصفات. فمن حلف ~~بالسميع العليم الحكيم كان عليه ثلاث كفارات عنده، وقال قوم: إن أراد ~~الكلام الأول وجاء بذلك على أنه قول واحد فكفارة واحدة إذا كانت يمينا ~~واحدة. والسبب في اختلافهم: هل مراعاة الواحدة أو الكثرة في اليمين هو راجع ~~إلى صيغة القول أو إلى تعدد الأشياء التي يشتمل عليها القول الذي مخرجه ~~مخرج يمين، فمن اعتبر الصيغة قال كفارة واحدة، ومن اعتبر عدد ما تضمنته ~~صيغة القول من الأشياء التي يمكن أن يقسم بكل واحد منها على انفراده قال: ~~الكفارة متعددة بتعددها. وهذا القدر كاف في قواعد هذا الكتاب وسبب الاختلاف ~~في ذلك، والله المعين برحمته. PageV01P338 # كتاب النذور وهذا الكتاب فيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: في أصناف النذور. ~~الفصل الثاني: # فيما يلزم من النذور وما لا يلزم، وجملة أحكامها. الفصل الثالث: في معرفة ~~الشئ الذي يلزم عنها وأحكامها. # الفصل الأول: في ms0437 أصناف النذور والنذور تنقسم أولا قسمين: قسم من جهة ~~اللفظ وقسم من جهة الأشياء التي تنذر. فأما من جهة اللفظ فإنه ضربان: مطلق ~~وهو المخرج مخرج الخبر. ومقيد وهو المخرج مخرج الشرط. والمطلق على ضربين: ~~مصرح فيه بالشئ المنذور به، وغير مصرح، فالأول: مثل قول القائل: لله علي ~~نذر أن أحج، والثاني: مثل قوله: لله علي نذر، دون أن يصرح بمخرج النذر، ~~والأول ربما صرح فيه بلفظ النذور، وربما لم يصرح فيه به، مثل أن يقول: لله ~~علي أن أحج. وأما المقيد المخرج مخرج الشرط فكقول القائل: إن كان كذا فعلي ~~لله نذر كذا وأن أفعل كذا وهذا ربما علقه بفعل من أفعال الله تعالى مثل أن ~~يقول: إن شفى الله مريضي فعلي نذر كذا وكذا، وربما علقه بفعل نفسه، مثل أن ~~يقول: إن فعلت كذا فعلي نذر كذا، وهذا هو الذي يسميه الفقهاء أيمانا، وقد ~~تقدم من قولنا أنها ليست بأيمان، فهذه هي أصناف النذور من جهة الصيغ. # وأما أصنافه من جهة الأشياء التي من جنس المعاني المنذور بها، فإنها ~~تنقسم إلى أربعة أقسام: نذر بأشياء من من جنس القرب، ونذر بأشياء من جنس ~~المعاصي، ونذر بأشياء من جنس المكروهات، ونذر بأشياء من جنس المباحات، وهذه ~~الأربعة تنقسم قسمين: نذر بتركها، ونذر بفعلها. # الفصل الثاني: فيما يلزم من النذور وما لا يلزم وأما ما يلزم من هذه ~~النذور وما لا يلزم، فإنهم اتفقوا على لزوم النذر المطلق في القرب إلا ما ~~حكي عن بعض أصحاب الشافعي أن النذر المطلق لا يجوز، وإنما اتفقوا على لزوم ~~النذر المطلق إذا كان على وجه الرضا لا على وجه اللجاج وصرح فيه بلفظ ~~PageV01P339 # النظر لا إذا لم يصرح، وسواء كان النذر مصرحا فيه بالشئ المنذور أو كان ~~غير مصرح وكذلك أجمعوا على لزوم النذر الذي مخرجه مخرج الشرط إذا كان نذرا ~~بقربة وإنما صاروا لوجوب النذر لعموم قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا ~~أوفوا بالعقود) * ولان الله تعالى قد مدح به فقال: * (يوفون ms0438 بالنذر) * ~~وأخبر بوقوع العقاب بنقضه فقال: * (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله) ~~* الآية، إلى قوله: * (وبما كانوا يكذبون) *. والسبب في اختلافهم: في ~~التصريح بلفظ النذر في النذر المطلق هو اختلافهم في هل يجب النذر بالنية ~~واللفظ معا أو بالنية فقط؟ فمن قال بهما معا إذا قال لله علي كذا وكذا ولم ~~يقل نذرا لم يلزمه شئ لأنه إخبار بوجوب شئ لم يوجبه الله عليه إلا أن يصرح ~~بجهة الوجوب، ومن قال ليس من شرطه اللفظ قال: ينعقد النذر، وإن لم يصرح ~~بلفظه، وهو مذهب مالك، أعني أنه إذا لم يصرح بلفظ النذر أنه يلزم، وإن كان ~~من مذهبه أن النذر لا يلزم إلا بالنية واللفظ لكن رأى أن حذف لفظ النذر من ~~القول غير معتبر إذ كان المقصود بالأقاويل التي مخرجها مخرج النذر النذر ~~وإن لم يصرح فيها بلفظ النذر، وهذا مذهب الجمهور، والأول مذهب سعيد بن ~~المسيب، ويشبه أن يكون من لم ير لزوم النذر المطلق إنما فعل ذلك من قبل أنه ~~حمل الامر بالوفاء على الندب، وكذلك من اشترط فيه الرضا، فإنما اشترطه لان ~~القربة إنما تكون على جهة الرضا لا على جهة اللجاج، وهو مذهب الشافعي. وأما ~~مالك فالنذر عنده لازم على أي جهة وقع، فهذا ما اختلفوا في لزومه من جهة ~~اللفظ، وأما ما اختلفوا في لزومه من جهة الأشياء المنذور بها فإن فيه من ~~المسائل الأصول اثنتين: # المسألة الأولى: اختلفوا فيمن نذر معصية، فقال مالك والشافعي وجمهور ~~العلماء: # ليس يلزمه في ذلك شئ. وقال أبو حنيفة وسفيان والكوفيون: بل هو لازم، ~~واللازم عندهم فيه هو كفارة يمين لا فعل المعصية. وسبب اختلافهم: تعارض ~~ظواهر الآثار في هذا الباب، وذلك أنه روي في هذا الباب حديثان: حديث عائشة ~~عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر ~~أن يعصي الله فلا يعصه فظاهر هذا أنه لا يلزم النذر بالعصيان. والحديث ~~الثاني حديث عمران بن حصين وحديث أبي هريرة ms0439 الثابت عن النبي عليه الصلاة ~~والسلام أنه قال: لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين وهذا نص في معنى ~~اللزوم، فمن جمع بينهما في هذا قال: # الحديث الأول تضمن الاعلام بأن المعصية لا تلزم وهذا الثاني تضمن لزوم ~~الكفارة، فمن رجح ظاهر حديث عائشة إذ لم يصح عنده حديث عمران وأبي هريرة ~~قال: ليس يلزم في PageV01P340 # المعصية شئ، ومن ذهب مذهب الجمع بين الحديثين أوجب في ذلك كفارة يمين. ~~قال أبو عمر بن عبد البر: ضعف أهل الحديث حديث عمران وأبي هريرة قالوا: لان ~~حديث أبي هريرة يدور على سليمان بن أرقم وهو متروك الحديث. وحديث عمران بن ~~الحصين يدور على زهير بن محمد عن أبيه وأبوه مجهول لم يرو عنه غير ابنه، ~~وزهير أيضا عنده مناكير، ولكنه خرجه مسلم من طريق عقبة بن عامر، وقد جرت ~~عادة المالكية أن يحتجوا لمالك في هذه المسألة بما روي أن رسول الله (ص) ~~رأى رجلا قائما في الشمس، فقال: # ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن لا يتكلم ولا يستظل ولا يجلس ويصوم، فقال رسول ~~الله (ص): # مروه فليتكلم وليجلس وليتم صيامه قالوا: فأمره أن يتم ما كان طاعة لله ~~ويترك ما كان معصية، وليس بالظاهر أن ترك الكلام معصية، وقد أخبر الله أنه ~~نذر مريم، وكذلك يشبه أن يكون القيام في الشمس ليس بمعصية، إلا ما يتعلق ~~بذلك من جهة إتعاب النفس. فإن قيل فيه معصية فبالقياس لا بالنص، فالأصل فيه ~~أنه من المباحات. # المسألة الثانية: واختلفوا فيمن حرم على نفسه شيئا من المباحات فقال ~~مالك: # لا يلزم ما عدا الزوجة، وقال أهل الظاهر: ليس في ذلك شئ، وقال أبو حنيفة: ~~في ذلك كفارة يمين. وسبب اختلافهم: معارضة مفهوم النظر لظاهر قوله تعالى: * ~~(يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك، تبتغي مرضاة أزواجك) * وذلك أن ~~النذر ليس هو اعتقاد خلاف الحكم الشرعي أعني من تحريم محلل أو تحليل محرم، ~~وذلك أن التصرف في هذا إنما هو للشارع فوجب أن ms0440 يكون لمكان هذا المفهوم أن ~~من حرم على نفسه شيئا أباحه الله له بالشرع أنه لا يلزمه كما لا يلزم إن ~~نذر تحليل شئ حرمه الشرع، وظاهر قوله تعالى: * (قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم) * أثر العتب عل التحريم يوجب أن تكون الكفارة تحل هذا العقد، وإذا ~~كان ذلك كذلك فهو غير لازم، والفرقة الأولى تأولت التحريم المذكور في الآية ~~أنه كان العقد بيمين. وقد اختلف في الشئ الذي نزلت فيه هذه الآية. وفي كتاب ~~مسلم أن ذلك كان في شربة عسل، وفيه عن ابن عباس أنه قال: إذا حرم الرجل ~~عليه امرأته فهو يمين يكفرها، وقال: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة) *. # الفصل الثالث: في معرفة الشئ الذي يلزم عنها وأحكامها وأما اختلافهم في ~~ماذا يلزم في نذر نذر من النذور وأحكام ذلك فإن فيه اختلافا كثيرا. لكن ~~نشير نحن من ذلك إلى مشهورات المسائل في ذلك وهي التي تتعلق بأكثر ذلك ~~بالنطق الشرعي على عادتنا في هذا الكتاب. وفي ذلك مسائل خمس: PageV01P341 # المسألة الأولى: اختلفوا في الواجب في النذر المطلق الذي ليس يعين فيه ~~الناذر شيئا سوى أن يقول: لله علي نذر، فقال كثير من العلماء: في ذلك كفارة ~~يمين لا غير، وقال قوم: بل فيه كفارة الظهار، وقال قوم: أقل ما ينطلق عليه ~~الاسم من القرب صيام يوم أو صلاة ركعتين. وإنما صار الجمهور لوجوب كفارة ~~اليمين فيه للثابت من حديث عقبة بن عامر أنه عليه الصلاة والسلام قال: ~~كفارة النذر كفارة يمين خرجه مسلم. وأما من قال صيام يوم أو صلاة ركعتين ~~فإنما ذهب مذهب من يرى أن المجزئ أقل ما ينطلق عليه الاسم، وصلاة ركعتين أو ~~صيام يوم أقل ما ينطلق عليه اسم النذر. وأما من قال فيه كفارة الظهار فخارج ~~عن القياس والسماع. # المسألة الثانية: اتفقوا على لزوم النذر بالمشي إلى بيت الله، أعني إذا ~~نذر المشي راجلا. واختلفوا إذا عجز في بعض الطريق فقال قوم: لا شئ عليه، ~~وقال قوم: عليه ms0441 . واختلفوا في ماذا على ثلاثة أقوال: فذهب أهل المدينة إلى ~~أن عليه أن يمشي مرة أخرى من حيث عجز، وإن شاء ركب وأجزأه وعليه دم، وهذا ~~مروي عن علي. وقال أهل مكة: عليه هدي دون إعادة مشي. وقال مالك: عليه ~~الأمران جميعا. يعني أنه يرجع فيمشي من حيث وجب، وعليه هدي، والهدي عنده ~~بدنة أو بقرة أو شاة إن لم يجد بقرة أو بدنة. # وسبب اختلافهم: منازعة الأصول لهذه المسألة ومخالفة الأثر لها، وذلك أن ~~من شبه العاجز إذا مشى مرة ثانية بالمتمتع والقارن من أجل أن القارن فعل ما ~~كان عليه في سفرين في سفر واحد، وهذا فعل ما كان عليه في سفر واحد في سفرين ~~قال: يجب عليه هدي القارن أو المتمتع، ومن شبهه بسائر الأفعال التي تنوب ~~عنها في الحج إراقة الدم قال: فيه دم، ومن أخذ بالآثار الواردة في هذا ~~الباب قال: إذا عجز فلا شئ عليه. قال أبو عمر: # والسنن الواردة الثابتة في هذا الباب دليل على طرح المشقة. وهو كما قال، ~~وأحدها حديث عقبة بن عامر الجهني قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله عز ~~وجل فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله (ص)، فاستفتيت لها النبي (ص) فقال: ~~لتمش ولتركب خرجه مسلم. وحديث أنس بن مالك: أن رسول الله (ص) رأى رجلا ~~يهادي بين ابنتيه، فسأل عنه فقالوا: نذر أن يمشي، فقال عليه الصلاة ~~والسلام: إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه، وأمره أن يركب وهذا أيضا ثابت. # المسألة الثالثة: اختلفوا بعد اتفاقهم على لزوم المشي في حج أو عمرة فيمن ~~نذر أن يمشي إلى مسجد النبي (ص) أو إلى بيت المقدس يريد بذلك الصلاة فيهما، ~~فقال مالك والشافعي: يلزمه المشي، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه شئ وحيث صلى ~~أجزأه، وكذلك عنده إن نذر الصلاة في المسجد الحرام، وإنما وجب عنده المشي ~~إلى المسجد الحرام لمكان الحج والعمرة وقال أبو يوسف صاحبه: من نذر أن يصلي ~~في بيت PageV01P342 # المقدس أو في مسجد النبي ms0442 عليه الصلاة والسلام لزمه، وإن صلى في البيت ~~الحرام أجزأه عن ذلك، وأكثر الناس على أن النذر لما سوى هذه المساجد ~~الثلاثة لا يلزم لقوله عليه الصلاة والسلام: لا تسرج المطي إلا لثلاث فذكر ~~المسجد الحرام، ومسجده وبيت المقدس وذهب بعض الناس إلى أن النذر إلى ~~المساجد التي يرجى فيها فضل زائد واجب، واحتج في ذلك بفتوى ابن عباس لولد ~~المرأة التي نذرت أن تمشي إلى مسجد قباء فماتت أن يمشي عنها. وسبب ~~اختلافهم: في النذر إلى ما عدا المسجد الحرام اختلافهم في المعنى الذي إليه ~~تسرج المطي إلى هذه الثلاث مساجد، هل ذلك لموضع صلاة الفرض فيما عدا البيت ~~الحرام أو لموضع صلاة النفل؟ فمن قال لموضع صلاة الفرض وكان الفرض عنده لا ~~ينذر إذ كان واجبا بالشرع قال: النذر بالمشي إلى هذين المسجدين غير لازم، ~~ومن كان عنده أن النذر قد يكون في الواجب أو أنه أيضا قد يقصد هذان ~~المسجدان لموضع صلاة النفل لقوله عليه الصلاة والسلام: صلاة في مسجدي هذا ~~أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام واسم الصلاة يشمل الفرض ~~والنقل، قال: هو واجب، لكن أبو حنيفة حمل هذا الحديث على الفرض مصيرا إلى ~~الجمع بينه وبين قوله عليه الصلاة والسلام: صلاة أحدكم في بيته أفضل من ~~صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة وإلا وقع التضاد بين هذين الحديثين، وهذه ~~المسألة هي أن تكون من الباب الثاني أحق من أن تكون من هذا الباب. # المسألة الرابعة: واختلفوا في الواجب على من نذر أن ينحر ابنه في مقام ~~إبراهيم، فقال مالك: ينحر جزورا فداء له، وقال أبو حنيفة: ينحر شاة، وهو ~~أيضا مروي عن ابن عباس، وقال بعضهم: بل ينحر مائة من الإبل، وقال بعضهم ~~يهدي ديته، وروي ذلك عن علي، وقال بعضهم: بل يحج له، وبه قال الليث، وقال ~~أبو يوسف والشافعي، لا شئ عليه لأنه نذر معصية ولا نذر في معصية. وسبب ~~اختلافهم: قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أعني هل ما تقرب ms0443 به إبراهيم هو ~~لازم للمسلمين أم ليس بلازم؟ فمن رأى أن ذلك شرع خص به إبراهيم قال: لا ~~يلزم النذر، ومن رأى أنه لازم لنا قال: النذر لازم. # والخلاف في هل يلزمنا شرع من قبلنا مشهور، لكن يتطرق إلى هذا خلاف آخر، ~~وهو أن الظاهر من هذا الفعل أنه كان خاصا بإبراهيم ولم يكن شرعا لأهل ~~زمانه، وعلى هذا فليس ينبغي أن يختلف هل هو شرع لنا أم ليس بشرع؟ والذين ~~قالوا إنه شرع إنما اختلفوا في الواجب في ذلك من قبل اختلافهم أيضا في هل ~~يحمل الواجب في ذلك على الواجب على إبراهيم، أم يحمل على غير ذلك من القرب ~~الاسلامية، وذلك إما صدقة بديته، وإما حج به، وإما هدي بدنة. وأما الذين ~~قالوا مائة من الإبل. فذهبوا إلى حديث عبد المطلب. # المسألة الخامسة: واتفقوا على أن من نذر أن يجعل ماله كله في سبيل الله ~~أو في PageV01P343 # سبيل من سبل البر أنه يلزمه وأنه ليس ترفعه الكفارة وذلك إذا كان نذرا ~~على جهة الخبر على جهة الشرط وهو الذي يسمونه يمينا. واختلفوا فيمن نذر ذلك ~~على جهة الشرط مثل أن يقول: مالي للمساكين إن فعلت كذا ففعله، فقال قوم ذلك ~~لازم كالنذر على جهة الخبر ولا كفارة فيه وهو مذهب مالك في النذور التي ~~صيغها هذه الصيغة. أعني أنه لا كفارة فيه وقال قوم: الواجب في ذلك كفارة ~~يمين فقط. وهو مذهب الشافعي في النذور التي مخرجها مخرج الشرط لأنه ألحقها ~~بحكم الايمان. وأما مالك فألحقها بحكم النذور على ما تقدم من قولنا في كتاب ~~الايمان، والذين اعتقدوا وجوب اخراج ماله في الموضع الذي اعتقدوه اختلفوا ~~في الواجب عليه، فقال مالك: يخرج ثلث ماله فقط. وقال قوم: بل يجب عليه ~~اخراج جميع ماله، وبه قال إبراهيم النخعي وزفر، وقال أبو حنيفة: يخرج جميع ~~الأموال التي تجب الزكاة فيها، وقال بعضهم: إن أخرج مثل زكاة ماله أجزأه. ~~وفي المسألة قول خامس: وهو إن كان المال كثيرا أخرج خمسه وإن ms0444 كان وسطا أخرج ~~سبعه وإن كان يسيرا أخرج عشره، وحد هؤلاء الكثير بألفين، والوسط بألف، ~~والقليل بخمسمائة، وذلك مروي عن قتادة. والسبب في اختلافهم: في هذه ~~المسألة، أعني من قال المال كله أو ثلثه معارضة الأصل في هذا الباب للأثر، ~~وذلك أن ما جاء في حديث أبي لبابة بن عبد المنذر حين تاب الله عليه وأراد ~~أن يتصدق بجميع ماله، فقال رسول الله (ص): يجزيك من ذلك الثلث هو نص في ~~مذهب مالك. وأما الأصل فيوجب أن اللازم له إنما هو جميع ماله حملا على سائر ~~النذر، أعني أنه يجب الوفاء به على الوجه الذي قصده. لكن الواجب هو استثناء ~~هذه المسألة من هذه القاعدة، إذ قد استثناها النص، إلا أن مالكا لم يلزم في ~~هذه المسألة أصله، وذلك أنه قال: إن حلف أو نذر شيئا معينا لزمه وإن كان كل ~~ماله، وكذلك يلزم عنده إن عين جزءا من ماله وهو أكثر من الثلث، وهذا مخالف ~~لنص ما رواه في حديث أبي لبابة وفي قول رسول الله (ص) للذي جاء بمثل بيضة ~~من ذهب فقال: أصبت هذا من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض عنه ~~رسول الله (ص)، ثم جاءه عن يمينه ثم عن يساره ثم من خلفه، فأخذها رسول الله ~~(ص) فحذفه بها، فلو أصابه بها لأوجعه، وقال عليه الصلاة والسلام: يأتي ~~أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يتكفف الناس، خير الصدقة ما كان عن ~~ظهر غنى وهذا نص في أنه لا يلزم المال المعين إذا تصدق به وكان جميع ماله، ~~ولعل مالكا لم تصح عنده هذه الآثار. وأما سائر الأقاويل التي قيلت في هذه ~~المسألة فضعاف، وبخاصة من حد في ذلك غير الثلث، وهذا القدر كاف في أصول هذا ~~الكتاب، والله الموفق للصواب. PageV01P344 # كتاب الضحايا وهذا كتاب في أصوله أربعة أبواب: الباب الأول: في حكم ~~الضحايا ومن المخاطب بها. الباب الثاني: في أنواع الضحايا وصفاتها وأسنانها ~~وعددها. الباب الثالث: # في أحكام الذبح. الباب الرابع: ms0445 في أحكام لحوم الضحايا. # الباب الأول: في حكم الضحايا، ومن المخاطب بها؟ # اختلف العلماء في الأضحية هل هي واجبة أم هي سنة؟ فذهب مالك والشافعي إلى ~~أنها من السنن المؤكدة، ورخص مالك للحاج في تركها بمنى. ولم يفرق الشافعي ~~في ذلك بين الحاج وغيره، وقال أبو حنيفة: الضحية واجبة على المقيمين في ~~الأمصار الموسرين، ولا تجب على المسافرين، وخالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد ~~فقالا: إنها ليست بواجبة، وروي عن مالك مثل قول أبي حنيفة. وسبب اختلافهم: ~~شيئان: أحدهما: هل فعله عليه الصلاة والسلام في ذلك محمول على الوجوب أو ~~على الندب، وذلك أنه لم يترك (ص) الضحية قط فيما روي عنه حتى في السفر على ~~ما جاء في حديث ثوبان قال: ذبح رسول الله (ص) أضحيته ثم قال: يا ثوبان أصلح ~~لحم هذه الضحية، قال: فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة. والسبب الثاني: ~~اختلافهم في مفهوم الأحاديث الواردة في أحكام الضحايا، وذلك أنه ثبت عنه ~~عليه الصلاة والسلام من حديث أم سلمة أنه قال: إذا دخل العشر فأراد أحدكم ~~أن يضحي فلا يأخذ من شعره شيئا ولا من أظفاره قالوا: فقوله إذا أراد أحدكم ~~أن يضحي فيه دليل على أن الضحية ليست بواجبة، ولما أمر عليه الصلاة والسلام ~~أبا بردة بإعادة أضحيته إذ ذبح قبل الصلاة فهم قوم من ذلك الوجوب، ومذهب ~~ابن عباس أن لا وجوب. قال عكرمة: بعثني ابن عباس بدرهمين أشتري بهما لحما ~~وقال: # من لقيت فقل له هذه ضحية ابن عباس. وروي عن بلال أنه ضحى بديك، وكل حديث ~~ليس بوارد في الغرض الذي يحتج فيه به فالاحتجاج به ضعيف. واختلفوا هل يلزم ~~الذي يريد التضحية أن لا يأخذ من العشر الأول من شعره وأظفاره؟ والحديث ~~بذلك ثابت. # الباب الثاني: في أنواع الضحايا وصفاتها وأسنانها وعددها وفي هذا الباب ~~أربع مسائل مشهورة: إحداها: في تمييز الجنس. والثانية: في تمييز الصفات. ~~والثالثة: في معرفة السن. والرابعة: في العدد. PageV01P345 # المسألة الأولى: أجمع العلماء على جواز الضحايا من ms0446 جميع بهيمة الأنعام، ~~واختلفوا في الأفضل من ذلك. فذهب مالك إلى أن الأفضل في الضحايا: الكباش ثم ~~البقر ثم الإبل، بعكس الامر عنده في الهدايا، وقد قيل عنه: الإبل ثم البقر ~~ثم الكباش، وذهب الشافعي إلى عكس ما ذهب إليه مالك في الضحايا: الإبل ثم ~~البقر ثم الكباش، وبه قال أشهب وابن شعبان. وسبب اختلافهم: معارضة القياس ~~لدليل الفعل، وذلك أنه لم يرو عنه عليه الصلاة والسلام أنه ضحى إلا بكبش، ~~فكان ذلك دليلا على أن الكباش في الضحايا أفضل، وذلك فيما ذكر بعض الناس، ~~وفي البخاري عن ابن عمر ما يدل على خلاف ذلك وهو أنه قال: # كان رسول الله (ص) يذبح وينحر بالمصلى وأما القياس فلان الضحايا قربة ~~بحيوان فوجب أن يكون الأفضل فيها الأفضل في الهدايا، وقد احتج الشافعي ~~لمذهبه بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: من راح في الساعة الأولى فكأنما ~~قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة ~~الثالثة فكأنما قرب كبشا الحديث، فكان الواجب حمل هذا على جميع القرب ~~بالحيوان. وأما مالك فحمله على الهدايا فقط لئلا يعارض الفعل القول وهو ~~الأولى. وقد يمكن أن يكون لاختلافهم سبب آخر، وهو هل الذبح العظيم الذي فدى ~~به إبراهيم سنة باقية إلى اليوم وأنها الأضحية، وأن ذلك معنى قوله - تعالى ~~- * (وتركنا عليه في الآخرين) * فمن ذهب إلى هذا قال: الكباش أفضل، ومن رأى ~~أن ذلك ليست سنة باقية لم يكن عنده دليل على أن الكباش أفضل، مع أنه قد ثبت ~~أن رسول الله (ص) ضحى بالامرين جميعا. وإذا كان ذلك كذلك فالواجب المصير ~~إلى قول الشافعي، وكلهم مجمعون على أنه لا تجوز الضحية بغير بهيمة الأنعام ~~إلا ما حكي عن الحسن بن الصالح أنه قال: تجوز التضحية ببقرة الوحش عن سبعة، ~~والظبي عن واحد. # المسألة الثانية: أجمع العلماء على اجتناب العرجاء البين عرجها في ~~الضحايا والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقى مصيرا لحديث البراء بن ~~عازب أن رسول الله (ص) ms0447 سئل ماذا ينقى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال: أربع - ~~وكان البراء يشير بيده ويقول: يدي أقصر من يد رسول الله (ص) - العرجاء ~~البين عرجها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي ~~لا تنقى وكذلك أجمعوا على أن ما كان من هذه الأربع خفيفا فلا تأثير له في ~~منع الاجزاء. واختلفوا في موضعين: أحدهما: فيما كان من العيوب أشد من هذه ~~المنصوص عليها مثل العمى وكسر الساق، والثاني: فيما كان مساويا لها في ~~إفادة النقص وشينها، أعني ما كان من العيوب في الاذن والعين والذنب والضرس ~~وغير PageV01P346 # ذلك من الأعضاء ولم يكن يسيرا. فأما الموضع الأول: فإن الجمهور على أن ما ~~كان أشد من هذه العيوب المنصوص عليها فهي أحرى أن تمنع الاجزاء. وذهب أهل ~~الظاهر إلى أنه لا تمنع الاجزاء ولا يتجنب بالجملة أكثر من هذه العيوب التي ~~وقع النص عليها. وسبب اختلافهم: هل هذا اللفظ الوارد هو خاص أريد به ~~الخصوص، أو خاص أريد به العموم؟ # فمن قال أريد به الخصوص ولذلك أخبر بالعدد قال: لا يمنع الاجزاء إلا هذه ~~الأربعة فقط، ومن قال هو خاص أريد به العموم وذلك من النوع الذي يقع فيه ~~التنبيه بالأدنى على الأعلى قال: ما هو أشد من المنصوص عليها فهو أحرى أن ~~لا يجزي. وأما الموضع الثاني: أعني ما كان من العيوب في سائر الأعضاء مفيدا ~~للنقص على نحو إفادة هذه العيوب المنصوص عليها له فإنهم اختلفوا في ذلك على ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تمنع الاجزاء كمنع المنصوص عليها، وهو المعروف من ~~مذهب مالك في الكتب المشهورة، والقول الثاني: أنها لا تمنع الاجزاء وإن كان ~~يستحب اجتنابها، وبه قال ابن القصار وابن الجلاب وجماعة من البغداديين من ~~أصحاب مالك. والقول الثالث: أنها لا تمنع الاجزاء ولا يستحب تجنبها، وهو ~~قول أهل الظاهر. وسبب اختلافهم: شيئان أحدهما: اختلافهم في مفهوم الحديث ~~المتقدم. والثاني: تعارض الآثار في هذا الباب. أما الحديث المتقدم: فمن رآه ~~من باب الخاص أريد به الخاص قال: لا يمنع ms0448 ما سوى الأربع مما هو مساو لها أو ~~أكثر منها. وأما من رآه من باب الخاص أريد به العام وهم الفقهاء، فمن كان ~~عنده أنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فقط، لا من باب التنبيه ~~بالمساوي على المساوي قال: # يلحق بهذه الأربع ما كان أشد منها، ولا يلحق بها ما كان مساويا لها في ~~منع الاجزاء إلا على وجه الاستحباب، ومن كان عنده أنه من باب التنبيه على ~~الامرين جميعا أعني على ما هو أشد من المنطوق به أو مساو له قال: تمنع ~~العيوب الشبيهة بالمنصوص عليها الاجزاء كما يمنعه العيوب التي هي أكبر ~~منها، فهذا هو أحد أسباب الخلاف في هذه المسألة، وهو من قبل تردد اللفظ بين ~~أن يفهم منه المعنى الخاص أو المعنى العام، ثم إن من فهم منه العام، فأي ~~عام هو؟ هل الذي هو أكثر من ذلك؟ أو الذي هو أكثر والمساوي معا على المشهور ~~من مذهب مالك؟ وأما السبب الثاني: فإنه ورد في هذا الباب من الأحاديث ~~الحسان حديثان متعارضان فذكر النسائي عن أبي بردة أنه قال: يا رسول الله ~~أكره النقص يكون في القرن والاذن، فقال له النبي (ص): ما كرهته فدعه ولا ~~تحرمه على غيرك وذكر علي بن أبي طالب قال: أمرنا رسول الله (ص) أن نستشرف ~~العين والاذن ولا يضحى بشرقاء ولا خرقاء ولا مدابرة ولا بتراء والشرقاء: ~~المشقوقة الاذن. والخرقاء: المثقوبة الاذن. # والمدابرة: التي قطع من جنبتي أذنها من خلف. فمن رجح حديث أبي بردة قال: ~~لا يتقي إلا العيوب الأربع أو ما هو أشد منها، ومن جمع بين الحديثين بأن ~~حمل حديث أبي بردة على اليسير الذي هو غير بين وحديث علي على الكثير الذي ~~هو بين ألحق بحكم المنصوص عليها ما PageV01P347 # هو مساو لها، ولذلك جرى أصحاب هذا المذهب ب إلى التحديد فيما يمنع ~~الاجزاء مما يذهب من هذه الأعضاء، فاعتبر بعضهم ذهاب الثلث من الاذن ~~والذنب، وبعضهم اعتبر الأكثر، وكذلك الامر في ذهاب الأسنان وأطباء الثدي. ms0449 ~~وأما القرن فإن مالكا قال: ليس ذهاب جزء منه عيبا إلا أن يكون يدمى فإنه ~~عنده من باب المرض، ولا خلاف في أن المرض البين يمنع الاجزاء. وخرج أبو ~~داود أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن أعضب الاذن والقرن واختلفوا في ~~الصكاء وهي التي خلقت بلا أذنين، فذهب مالك والشافعي إلى أنها لا تجوز، ~~وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا كان خلقة جاز كالأجم. ولم يختلف الجمهور أن قطع ~~الاذن كله أو أكثره عيب. وكل هذا الاختلاف راجع إلى ما قدمناه. # واختلفوا في الأبتر، فقوم أجازوه لحديث جابر الجعفي عن محمد بن قرظة عن ~~أبي سعيد الخدري أنه قال: اشتريت كبشا لأضحي به، فأكل الذئب ذنبه، فسألت ~~رسول الله (ص)، فقال: ضح به وجابر عند أكثر المحدثين لا يحتج به وقوم أيضا ~~منعوه لحديث علي المتقدم. # وأما المسألة الثالثة: وهي معرفة السن المشترطة في الضحايا فإنهم أجمعوا ~~على أنه لا يجوز الجذع من المعز بل الثني فما فوقه لقوله عليه الصلاة ~~والسلام لأبي بردة لما أمره بالإعادة يجزيك، ولا يجزي جذع عن أحد غيرك ~~واختلفوا في الجذع من الضأن ، فالجمهور على جوازه، وقال قوم: بل الثني من ~~الضأن. وسبب اختلافهم: معارضة العموم للخصوص، فالخصوص هو حديث جابر قال: ~~قال رسول الله (ص): لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من ~~الضأن خرجه مسلم. والعموم هو ما جاء في حديث أبي بردة بن نيار خرجه من قوله ~~عليه الصلاة والسلام ولا تجزي جذعة عن أحد بعدك فمن رجح هذا العموم على ~~الخصوص، وهو مذهب أبي محمد بن حزم في هذه المسألة لأنه زعم أن أبا الزبير ~~مدلس عند المحدثين، والمدلس عندهم من ليس يجري العنعنة من قوله مجرى المسند ~~لتسامحه في ذلك، وحديث أبي بردة لا مطعن فيه. وأما من ذهب إلى بناء الخاص ~~على العام على ما هو المشهور عند جمهور الأصوليين فإنه استثنى من ذلك ~~العموم جذع الضأن المنصوص عليها وهو الأولى، وقد صحح هذا ms0450 الحديث أبو بكر بن ~~صفور، وخطأ أبا محمد بن حزم فيما نسب إلى أبي الزبير في غالب ظني في قول له ~~رد فيه على ابن حزم. # وأما المسألة الرابعة: وهي عدد ما يجزي من الضحايا عن المضحين فإنهم ~~اختلفوا في ذلك، فقال مالك: يجوز أن يذبح الرجل الكبش أو البقرة أو البدنة ~~مضحيا عن نفسه PageV01P348 # وعن أهل بيته الذين تلزمه نفقتهم بالشرع، وكذلك عنده الهدايا، وأجاز ~~الشافعي وأبو حنيفة وجماعة أن ينحر الرجل البدنة عن سبع، وكذلك البقرة ~~مضحيا أو مهديا، وأجمعوا على أن الكبش لا يجزي إلا عن واحد، إلا ما رواه ~~مالك من أنه يجزي أن يذبحه الرجل عن نفسه وعن أهل بيته لا على جهة الشركة ~~بل إذا اشتراه مفردا، وذلك لما روي عن عائشة أنها قالت: كنا بمنى فدخل ~~علينا بلحم بقر، فقلنا ما هو؟ فقالوا: ضحى رسول الله (ص) عن أزواجه وخالفه ~~في ذلك أبو حنيفة والثوري على وجه الكراهة لا على وجه عدم الاجزاء. # وسبب اختلافهم: معارضة الأصل في ذلك للقياس المبني على الأثر الوارد في ~~الهدايا، وذلك أن الأصل هو أن لا يجزي إلا واحد عن واحد، ولذلك اتفقوا على ~~منع الاشتراك في الضأن، وإنما قلنا: إن الأصل هو أن لا يجزي إلا واحد عن ~~واحد، لان الامر بالتضحية لا يتبعض إذ كان من كان له شرك في ضحية ليس ينطلق ~~عليه اسم مضح إلا إن قام الدليل الشرعي على ذلك. وأما الأثر الذي انبنى ~~عليه القياس المعارض لهذا الأصل فما روي عن جابر أنه قال: نحرنا مع رسول ~~الله (ص) عام الحديبية البدنة عن سبع وفي بعض روايات الحديث سن رسول الله ~~(ص) البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة فقاس الشافعي وأبو حنيفة الضحايا في ~~ذلك على الهدايا، وأما مالك فرجح الأصل على القياس المبني على هذا الأثر ~~لأنه اعتل لحديث جابر بأن ذلك كان حين صد المشركون رسول الله (ص) عن البيت، ~~وهدي المحصر بعدو ليس هو عنده واجبا وإنما هو ms0451 تطوع، وهدي التطوع يجوز عنده ~~فيه الاشتراك، ولا يجوز الاشتراك في الهدي الواجب، لكن على القول بأن ~~الضحايا غير واجبة فقد يمكن قيامها على هذا الهدي، وروى عنه ابن القاسم أنه ~~لا يجوز الاشتراك لا في هدي تطوع ولا في هدي وجوب، وهذا كأنه رد للحديث ~~لمكان مخالفته للأصل في ذلك، وأجمعوا على أنه لا يجوز أن يشترك في النسك ~~أكثر من سبعة، وإن كان قد روي من حديث رافع بن خديج ومن طريق ابن عباس ~~وغيره البدنة عن عشرة. وقال الطحاوي: # وإجماعهم على أنه لا يجوز أن يشترك في النسك أكثر من سبعة دليل على أن ~~الآثار في ذلك غير صحيحة، وإنما صار مالك لجواز تشريك الرجل أهل بيته في ~~أضحيته أو هديه لما رواه عن ابن شهاب أنه قال: ما نحر رسول الله (ص) عن أهل ~~بيته إلا بدنة واحدة أو بقرة واحدة وإنما خولف مالك في الضحايا في هذا ~~المعنى، أعني في التشريك لان الاجماع انعقد على منع التشريك فيه في ~~الأجانب، فوجب أن يكون الأقارب في ذلك في قياس الأجانب، وإنما فرق مالك في ~~ذلك بين الأجانب والأقارب لقياسه الضحايا على الهدايا في الحديث الذي احتج ~~به: أعني حديث ابن شهاب، فاختلافهم في هذه المسألة إذا رجع إلى تعارض ~~الأقيسة في هذا الباب: أعني إما إلحاق الأقارب بالأجانب، وإما قياس الضحايا ~~على الهدايا. PageV01P349 # الباب الثالث: في أحكام الذبح ويتعلق بالذبح المختص بالضحايا النظر في ~~الوقت والذبح، أما الوقت فإنهم اختلفوا فيه في ثلاثة مواضع: في ابتدائه وفي ~~انتهائه وفي الليالي المتخللة له. فأما في ابتدائه، فإنهم اتفقوا على أن ~~الذبح قبل الصلاة لا يجوز لثبوت قوله عليه الصلاة والسلام من ذبح قبل ~~الصلاة فإنما هي شاة لحم وأمره بالإعادة لمن ذبح قبل الصلاة وقوله: أول ما ~~نبدأ به في يومنا هذا هو أن نصلي ثم ننحر إلى غير ذلك من الآثار الثابتة ~~التي في هذا المعنى. # واختلفوا فيمن ذبح قبل ذبح الامام وبعد الصلاة. فذهب مالك ms0452 إلى أنه لا ~~يجوز لاحد ذبح أضحيته قبل ذبح الامام. وقال أبو حنيفة والثوري: يجوز الذبح ~~بعد الصلاة وقبل ذبح الامام. وسبب اختلافهم: اختلاف الآثار في هذا الباب، ~~وذلك أنه جاء في بعضها أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر لمن ذبح قبل ~~الصلاة أن يعيد الذبح، وفي بعضها أنه أمر لمن ذبح قبل ذبحه أن يعيد خرج هذا ~~الحديث الذي فيه هذا المعنى مسلم، فمن جعل ذلك موطنين اشترط ذبح الامام في ~~جواز الذبح ومن جعل ذلك موطنا واحدا قال: إنما يعتبر في إجزاء الذبح الصلاة ~~فقط. وقد اختلفت الرواية في حديث أبي بردة بن نيار، وذلك أن في بعض رواياته ~~أنه ذبح قبل الصلاة فأمره رسول الله (ص) أن يعيد الذبح وفي بعضها أنه ذبح ~~قبل ذبح رسول الله (ص) فأمره بالإعادة وإذا كان ذلك كذلك فحمل قول الراوي ~~أنه ذبح قبل رسول الله (ص)، وقول الآخر ذبح قبل الصلاة على موطن واحد أولى، ~~وذلك أن من ذبح قبل الصلاة فقد ذبح قبل رسول الله (ص)، فيجب أن يكون المؤثر ~~في عدم الاجزاء إنما هو الذبح قبل الصلاة كما جاء في الآثار الثابتة في ذلك ~~من حديث أنس وغيره أن من ذبح قبل الصلاة فليعد وذلك أن تأصيل هذا الحكم منه ~~(ص) يدل بمفهوم الخطاب دلالة قوية أن الذبح بعد الصلاة يجزئ، لأنه لو كان ~~هنالك شرط آخر مما يتعلق به إجزاء الذبح لم يسكت عنه رسول الله (ص) مع أن ~~فرضه التبيين. ونص حديث أنس هذا قال: قال رسول الله (ص) يوم النحر من كان ~~ذبح قبل الصلاة فليعد. واختلفوا من هذا الباب في فرع مسكوت عنه وهو متى ~~يذبح من ليس له إمام من أهل القرى؟ فقال مالك: # يتحرون ذبح أقر ب الأئمة إليهم. وقال الشافعي: يتحرون قدر الصلاة والخطبة ~~ويذبحون. # وقال أبو حنيفة: من ذبح من هؤلاء بعد الفجر أجزأه، وقال قوم بعد طلوع ~~الشمس، وكذلك اختلف أصحاب مالك في فرع آخر وهو إذا لم يذبح ms0453 الامام في ~~المصلى، فقال قوم: يتحرى ذبحه بعد انصرافه، وقال قوم: ليس يجب ذلك وأما آخر ~~زمان الذبح فإن مالكا قال: آخره اليوم الثالث من أيام النحر وذلك مغيب ~~الشمس، فالذبح عنده هو في الأيام المعلومات يوم النحر ويومان بعده، وبه قال ~~أبو حنيفة وأحمد وجماعة، وقال الشافعي والأوزاعي: الأضحى أربعة أيام: يوم ~~النحر وثلاثة أيام بعده. وروي عن جماعة أنهم قالوا: PageV01P350 # الأضحى يوم واحد وهو يوم النحر خاصة، وقد قيل الذبح إلى آخر يوم من ذي ~~الحجة وهو شاذ لا دليل عليه، وكل هذه الأقاويل مروية عن السلف. وسبب ~~اختلافهم: شيئان: # أحدهما: اختلافهم في الأيام المعلومات ما هي في قوله تعالى: * (ليشهدوا ~~منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام) * فقيل يوم النحر ويومان بعده وهو المشهور، وقيل العشر الأول من ~~ذي الحجة، والسبب الثاني: معارضة دليل الخطاب في هذه الآية لحديث جبير بن ~~مطع، وذلك أنه ورد فيه عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: كل فجاج مكة منحر ~~وكل أيام التشريق ذبح فمن قال في الأيام المعلومات إنها يوم النحر ويومان ~~بعده في هذه الآية ورجح دليل الخطاب فيها على الحديث المذكور قال: لا نحر ~~إلا في هذه الأيام، ومن رأى الجمع بين الحديث والآية وقال لا معارضة بينهما ~~إذ الحديث اقتضى حكما زائدا على ما في الآية، مع أن الآية ليس المقصود منها ~~تحديد أيام الذبح، والحديث المقصود منه ذلك قال: يجوز الذبح في اليوم ~~الرابع إذا كان باتفاق من أيام التشريق. ولا خلاف بينهم أن الأيام ~~المعدودات هي أيام التشريق وأنها ثلاثة بعد يوم النحر، إلا ما روي عن سعيد ~~بن جبير أنه قال: يوم النحر من أيام التشريق. وإنما اختلفوا في الأيام ~~المعلومات على القولين المتقدمين. وأما من قال يوم النحر فقط فبناء على أن ~~المعلومات هي العشر الأول قال: وإذا كان الاجماع قد انعقد أنه لا يجوز ~~الذبح منها إلا في اليوم العاشر وهي محل الذبح المنصوص عليها ms0454 فواجب أن يكون ~~الذبح إنما هو يوم النحر فقط. # وأما المسألة الثالثة: وهي اختلافهم في الليالي التي تتخلل أيام النحر، ~~فذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه لا يجوز الذبح في ليالي أيام التشريق ولا ~~النحر. وذهب الشافعي وجماعة إلى جواز ذلك. وسبب اختلافهم: الاشتراك الذي في ~~اسم اليوم، وذلك أن مرة يطلقه العرب على النهار والليلة مثل قوله تعالى: * ~~(تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) * ومرة يطلقه على الأيام دون الليالي مثل ~~قوله تعالى: * (سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما) * فمن جعل اسم ~~اليوم يتناول الليل مع النهار في قوله تعالى: * (ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات) * قال: يجوز الذبح بالليل والنهار في هذه الأيام، ومن قال ليس ~~يتناول اسم اليوم الليل في هذه الآية قال: لا يجوز الذبح ولا النحر بالليل. ~~والنظر هل اسم اليوم أظهر في أحدهما من الثاني؟ ويشبه أن يقال إنه أظهر في ~~النهار منه في الليل، لكن إن سلمنا أن دلالته في الآية هي على النهار فقط ~~لم يمنع الذبح بالليل إلا بنحو ضعيف من PageV01P351 # إيجاب دليل الخطاب، وهو تعليق ضد الحكم بضد مفهوم الاسم، وهذا النوع من ~~أنواع الخطاب هو من أضعفها أنهم قالوا: ما قال به أحد من المتكلمين إلا ~~الدقاق فقط إلا أن يقول القائل إن الأصل هو الحظر في الذبح، وقد ثبت جوازه ~~بالنهار، فعلى من جوزه بالليل الدليل. وأما الذابح فإن العلماء استحبوا أن ~~يكون المضحي هو الذي يلي ذبح أضحيته بيده، واتفقوا على أنه يجوز أن يوكل ~~غيره على الذبح. واختلفوا هل تجوز الضحية إن ذبحها غيره بغير إذنه، فقيل لا ~~تجوز، وقيل بالفرق بين أن يكون صديقا أو ولدا أو أجنبيا، أعني أنه يجوز إن ~~كان صديقا أو ولدا، ولم يختلف المذهب فيما أحسب أنه إن كان أجنبيا أنها لا ~~تجوز. # الباب الرابع: في أحكام لحوم الضحايا واتفقوا على أن المضحي مأمور أن ~~يأكل من لحم أضحيته ويتصدق لقوله تعالى: # * (فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير) * وقوله تعالى: ms0455 * (وأطعموا القانع ~~والمعتر) * ولقوله (ص) في الضحايا كلوا وتصدقوا وادخروا واختلف مذهب مالك ~~هل يؤمر بالأكل والصدقة معا، أم هو مخير بين أن يفعل أحد الامرين؟ أعني أن ~~يأكل الكل أو يتصدق بالكل؟ وقال ابن المواز: له أن يفعل أحد الامرين، ~~واستحب كثير من العلماء أن يقسمها أثلاثا: ثلثا للادخار، وثلثا للصدقة، ~~وثلثا للأكل لقوله عليه الصلاة والسلام: فكلوا وتصدقوا وادخروا وقال عبد ~~الوهاب في الأكل إنه ليس بواجب في المذهب خلافا لقوم أوجبوا ذلك، وأظن أهل ~~الظاهر يوجبون تجزئة لحوم الضحايا إلى الأقسام الثلاثة التي يتضمنها الحديث ~~والعلماء متفقون - فيما علمت - أنه لا يجوز بيع لحمها، واختلفوا في جلدها ~~وشعرها وما عدا ذلك مما ينتفع به منها، فقال الجمهور: لا يجوز بيعه، وقال ~~أبو حنيفة: يجوز بيعه بغير الدراهم والدنانير : أي العروض. وقال عطاء: يجوز ~~بكل شئ دراهم ودنانير وغير ذلك، وإنما فرق أبو حنيفة بين الدراهم وغيرها، ~~لأنه رأى أن المعاوضة بالعروض هي من باب الانتفاع لإجماعهم على أنه يجوز أن ~~ينتفع به. وهذا القدر كاف في قواعد هذا الكتاب والحمد لله. PageV01P352 # كتاب الذبائح والقول المحيط بقواعد هذا الكتاب ينحصر في خمسة أبواب: ~~الباب الأول: في معرفة محل الذبح والنحر، وهو المذبوح أو المنحور الباب ~~الثاني: في معرفة الذبح والنحر. الباب الثالث: في معرفة الآلة التي بها ~~يكون الذبح والنحر. الباب الرابع: في معرفة شروط الذكاة. الباب الخامس: في ~~معرفة الذابح والناحر. والأصول هي الأربعة، والشروط يمكن أن تدخل في الأربع ~~الأبواب والأسهل في التعليم أن يجعل بابا على حدته. # الباب الأول: في معرفة محل الذبح والنحر والحيوان في اشتراط الذكاة في ~~أكله على قسمين: حيوان لا يحل إلا بذكاة، وحيوان يحل بغير ذكاة. ومن هذه ما ~~اتفقوا عليه ومنها ما اختلفوا فيه. واتفقوا على أن الحيوان الذي يعمل فيه ~~الذبح هو الحيوان البري ذو الدم الذي ليس بمحرم ولا منفوذ المقاتل ولا ~~ميئوس منه: بوقذ أو نطح أو ترد أو افتراس سبع أو مرض، وأن الحيوان البحري ms0456 ~~ليس يحتاج إلى ذكاة. واختلفوا في الحيوان الذي ليس يدمى مما يجوز أكله مثل ~~الجراد وغيره هل له ذكاة أم لا؟ وفي الحيوان المدمى الذي يكون تارة في ~~البحر وتارة في البر مثل السلحفاة وغيره. واختلفوا في تأثير الذكاة في ~~الأصناف التي نص عليها في آية التحريم وفي تأثير الذكاة فيما لا يحل أكله. ~~أعني في تحليل الانتفاع بجلودها وسلب النجاسة عنها. ففي هذا الباب إذا ست ~~مسائل أصول: المسألة الأولى: في تأثير الذكاة في الأصناف الخمسة التي نص ~~عليها في الآية إذا أدركت حية. المسألة الثانية: في تأثير الذكاة في ~~الحيوان المحرم الأكل. المسألة الثالثة: في تأثير الذكاة في المريضة. ~~المسألة الرابعة: في هل ذكاة الجنين ذكاة أمه أم لا؟ المسألة الخامسة: هل ~~للجراد ذكاة أم لا؟ المسألة السادسة: هل للحيوان الذي يأوي في البر تارة ~~وفي البحر تارة ذكاة أم لا؟ # المسألة الأولى: أما المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل ~~السبع فإنهم اتفقوا فيما أعلم أنه إذا لم يبلغ الخنق منها أو الوقذ منها ~~إلى حالة لا يرجى فيها أن الذكاة عاملة فيها، أعني أنه إذا غلب على الظن ~~أنها تعيش، وذلك بأن لا يصاب لها مقتل. PageV01P353 # واختلفوا إذا غلب على الظن أنها تهلك من ذلك بإصابة مقتل أو غيره، فقال ~~قوم: تعمل الذكاة فيها. وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من قول الشافعي، وهو ~~قول الزهري وابن عباس، وقال قوم: لا تعمل الذكاة فيها. وعن مالك في ذلك ~~الوجهان، ولكن الأشهر أنها لا تعمل في الميؤوس منها. وبعضهم تأول من المذهب ~~أن الميؤوس منها على ضربين ميؤوسة مشكوك فيها وميؤوسة مقطوع بموتها وهي ~~المنفوذة المقاتل على اختلاف بينهم أيضا في المقاتل قال: فأما الميؤوسة ~~المشكوك فيها ففي المذهب فيها روايتان مشهورتان. وأما المنفوذة المقاتل فلا ~~خلاف في المذهب المنقول أن الذكاة لا تعمل فيها وإن كان يتخرج فيها الجواز ~~على وجه ضعيف. وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: * (إلا ما ~~ذكيتم) * هل هو استثناء متصل فيخرج من ms0457 الجنس بعض ما يتناوله اللفظ وهو ~~المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع على عادة الاستثناء ~~المتصل، أم هو استثناء منقطع لا تأثير له في الجملة المتقدمة؟ إذ كان هذا ~~أيضا شأن الاستثناء المنقطع في كلام العرب، فمن قال إنه متصل قال: الذكاة ~~تعمل في هذه الأصناف الخمسة. وأما من قال الاستثناء منقطع فإنه قال: لا ~~تعمل الذكاة فيها. وقد احتج من قال إن الاستثناء متصل بإجماعهم على أن ~~الذكاة تعمل في المرجو منها قال: # فهذا يدل على أن الاستثناء له تأثير فيها فهو متصل. وقد احتج أيضا من رأى ~~أنه منقطع بأن التحريم لم يتعلق بأعيان هذه الأصناف الخمسة وهي حية وإنما ~~يتعلق بها بعد الموت، وإذا كان ذلك كذلك فالاستثناء منقطع، وذلك أن معنى ~~قوله تعالى: * (حرمت عليكم الميتة) * إنما هو لحم الميتة، وكذلك لحم ~~الموقوذة والمتردية والنطيحة وسائرها: # أي لحم الميتة بهذه الأسباب سوى التي تموت من تلقاء نفسها، وهي التي تسمى ~~ميتة أكثر ذلك من كلام العرب أو بالحقيقة قالوا: فلما علم أن المقصود لم ~~يكن تعليق التحريم بأعيان هذه وهي حية، وإنما علق بها بعد الموت، لان لحم ~~الحيوان محرم في حال الحياة بدليل اشتراط الذكاة فيها، وبدليل قوله عليه ~~الصلاة والسلام ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة وجب أن يكون قوله: * ~~(إلا ما ذكيتم) * استثناء منقطعا، لكن الحق في ذلك أن كيفما كان الامر في ~~الاستثناء فواجب أن تكون الذكاة تعمل فيها، وذلك أنه إن علقنا التحريم بهذه ~~الأصناف في الآية بعد الموت وجب أن تدخل في التذكية من جهة ما هي حية ~~الأصناف الخمسة وغيرها. لأنها ما دامت حية مساوية لغيرها في ذلك من ~~الحيوان، أعني أنها تقبل الحلية من قبل التذكية التي الموت منها هو سبب ~~الحلية، وإن قلنا إن الاستثناء متصل فلا خفاء بوجوب ذلك، ويحتمل أن يقال: ~~إن عموم التحريم PageV01P354 # يمكن أن يفهم منه تناول أعيان هذه الخمسة بعد الموت وقبله كالحال في ~~الخنزير الذي لا تعمل فيه ms0458 الذكاة، فيكون الاستثناء على هذا رافعا لتحريم ~~أعيانها بالتنصيص على عمل الذكاة فيها، وإذا كان ذلك كذلك لم يلزم ما اعتر ~~ض به ذلك المعترض من الاستدلال على كون الاستثناء منقطعا. وأما من فرق بين ~~المنفوذة المقاتل والمشكوك فيها فيحتمل أن يقال إن مذهبه أن الاستثناء ~~منقطع وأنه إنما جاز تأثير الذكاة في المرجوة بالاجماع، وقاس المشكوكة على ~~المرجوة. ويحتمل أن يقال إن الاستثناء متصل، ولكن استثناء هذا الصنف من ~~الموقوذة بالقياس، وذلك أن الذكاة إنما يجب أن تعمل في حين يقطع أنها سبب ~~الموت. فأما إذا شك هل كان موجب الموت الذكاة أو الوقذ أو النطح أو سائرها ~~فلا يجب أن تعمل في ذلك وهذه هي حال المنفوذة المقاتل. وله أن يقول إن ~~المنفوذة المقاتل في حكم الميتة والذكاة من شرطها أن ترفع الحياة الثابتة ~~لا الحياة الذاهبة. # المسألة الثانية: وأما هل تعمل الذكاة في الحيوانات المحرمات الأكل حتى ~~تطهر بذلك جلودهم، فإنهم أيضا اختلفوا في ذلك، فقال مالك: الذكاة تعمل في ~~السباع وغيرها ما عدا الخنزير، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه اختلف المذهب ~~فكون السباع فيه محرمة أو مكروهة على ما سيأتي في كتاب الأطعمة والأشربة. ~~وقال الشافعي: الذكاة تعمل في كل حيوان محرم الأكل فيجوز بيع جميع أجزائه ~~والانتفاع بها ما عدا اللحم. وسبب الخلاف: هل جميع أجزاء الحيوان تابعة ~~للحم في الحلية والحرمة، أم ليست بتابعة للحم؟ # فمن قال إنها تابعة للحم قال: إذا لم تعمل الذكاة في اللحم لم تعمل فيما ~~سواه، ومن رأى أنها ليست بتابعة قال: وإن لم تعمل في اللحم فإنها تعمل في ~~سائر أجزاء الحيوان، لان الأصل أنها تعمل في جميع الأجزاء، فإذا ارتفع ~~بالدليل المحرم للحم عملها في اللحم بقي عملها في سائر الأجزاء إلا أن يدل ~~الدليل على ارتفاعه. # المسألة الثالثة: واختلفوا في تأثير الذكاة في البهيمة التي أشرفت على ~~الموت من شدة المرض بعد اتفاقهم على عمل الذكاة في التي تشرف على الموت، ~~فالجمهور على أن الذكاة ms0459 تعمل فيها وهو المشهور عن مالك. وروي عنه أن الذكاة ~~لا تعمل فيها. وسبب الخلاف: معارضة القياس للأثر. فأما الأثر فهو ما روي أن ~~أمة لكعب بن مالك كانت ترعى غنما بسلع فأصيبت شاة منها فأدركتها فذكتها ~~بحجر، فسئل رسول الله (ص) فقال: # كلوها أخرجه البخاري ومسلم. وأما القياس فلان المعلوم من الذكاة أنها ~~إنما تفعل في الحي وهذه في حكم الميت وكل من أجاز ذبحها فإنهم اتفقوا على ~~أنه لا تعمل الذكاة فيها إلا إذا كان فيها دليل على الحياة. واختلفوا فيما ~~هو الدليل المعتبر في ذلك. PageV01P355 # فبعضهم اعتبر الحركة وبعضهم لم يعتبرها، والأول مذهب أبي هريرة والثاني ~~مذهب زيد بن ثابت، وبعضهم اعتبر فيها ثلاث حركات: طرف العين وتحريك الذنب ~~والركض بالرجل، وهو مذهب سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم، وهو الذي اختاره ~~محمد بن المواز، وبعضهم شرط مع هذه التنفس، وهو مذهب ابن حبيب. # المسألة الرابعة: واختلفوا هل تعمل ذكاة الأم في جنينها أم ليس تعمل فيه؟ ~~وإنما هو ميتة، أعني إذا خرج منها بعد ذبح الأم، فذهب جمهور العلماء إلى أن ~~ذكاة الأم ذكاة لجنينها، وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: إن خرج ~~والذين قالوا: إن ذكاة الأم ذكاة له حيا ذبح وأكل، وإن خرج ميتا فهو ميتة ~~بعضهم اشترط في ذلك تمام خلقته ونبات شعره، وبه قال مالك، وبعضهم لم يشترط ~~ذلك، وبه قال الشافعي. وسبب اختلافهم: اختلافهم في صحة الأثر المروي في ذلك ~~من حديث أبي سعيد الخدري مع مخالفته للأصول، وحديث أبي سعيد هو قال: سألنا ~~رسول الله ص) عن البقرة أو الناقة أو الشاة ينحرها أحدنا فنجد في بطنها ~~جنينا أنأكله أو نلقيه؟ فقال: كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه وخرج مثله ~~الترمذي وأبو داود عن جابر. واختلفوا في تصحيح هذا الأثر فلم يصححه بعضهم ~~وصححه بعضهم، وأحد من صححه الترمذي. وأما مخالفة الأصل في هذا الباب للأثر، ~~فهو أن الجنين إذا كان حيا ثم مات بموت أمه فإنما يموت ms0460 خنقا فهو من ~~المنخنقة التي ورد النص بتحريمها، وإلى تحريمه ذهب أبو محمد بن حزم ولم يرض ~~سند الحديث. وأما اختلاف القائلين بحليته في اشتراطهم نبات الشعر فيه أو لا ~~اشتراطه فالسبب فيه معارضة العموم للقياس، وذلك أن عموم قوله عليه الصلاة ~~والسلام: ذكاة الجنين ذكاة أمه يقتضي أن لا يقع هنالك تفصيل، وكونه محلا ~~للذكاة يقتضي أن يشترط فيه الحياة قياسا على الأشياء التي تعمل فيها ~~التذكية، والحياة لا توجد فيه إلا إذا نبت شعره وتم خلقه، ويعضد هذا القياس ~~أن هذا الشرط مروي عن ابن عمر وعن جماعة من الصحابة. وروى معمر عن الزهري ~~عند عبد الله بن كعب بن مالك قال: كان أصحاب رسول الله (ص) يقولون: إذا ~~أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه. وروى ابن المبارك عن ابن أبي ليلى قال: قال ~~رسول الله (ص) ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر إلا أن ابن أبي ليلى ~~سيئ الحفظ عندهم، والقياس يقتضي أن تكون ذكاته في ذكاة أمه من قبل أنه جزء ~~منها، وإذا كان ذلك كذلك، فلا معنى لاشتراط الحياة فيه، فيضعف أن يخصص ~~العموم الوارد في ذلك، بالقياس الذي تقدم ذكره عن أصحاب مالك. # المسألة الخامسة: واختلفوا في الجراد، فقال مالك: لا يؤكل من غير ذكاة، ~~وذكاته عنده هو أن يقتل إما بقطع رأسه أو بغير ذلك. وقال عامة الفقهاء: ~~يجوز أكل ميتته، وبه قال PageV01P356 # مطرف، وذكاة ما ليس بذي دم عند مالك كذكاة الجراد. وسبب اختلافهم في ميتة ~~الجراد: هو هل يتناوله اسم الميتة أم لا في قوله تعالى: * (حرمت عليكم ~~الميتة) * وللخلاف سبب آخر وهو هل هو نثرة حوت أو حيوان بري؟ # المسألة السادسة: واختلفوا في الذي يتصرف في البر والبحر هل يحتاج إلى ~~ذكاة أم لا؟ فغلب قوم فيه حكم البر وغلب آخرون حكم البحر، واعتبر آخرون حيث ~~يكون عيشه ومتصرفه منهما غالبا. # الباب الثاني: في الذكاة وفي قواعد هذا الباب مسألتان: المسألة الأولى: ~~في أنواع الذكاة المختصة بصنف صنف من ms0461 بهيمة الأنعام. الثانية: في صفة ~~الذكاة. # المسألة الأولى: واتفقوا على أن الذكاة في بهيمة الأنعام نحر وذبح، وأن ~~من سنة الغنم والطير الذبح، وأن من سنة الإبل النحر، وأن البقرة يجوز فيها ~~الذبح والنحر. واختلفوا هل يجوز النحر في الغنم والطير، والذبح في الإبل؟ ~~فذهب مالك إلى أنه لا يجوز النحر في الغنم والطير ولا الذبح في الإبل، وذلك ~~في غير موضع الضرورة. وقال قوم: يجوز جميع ذلك من غير كراهة، وبه قال ~~الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجماعة من العلماء. وقال أشهب: إن نحر ما يذبح ~~أو ذبح ما ينحر أكل ولكنه يكره. وفرق ابن بكير بين الغنم والإبل فقال: يؤكل ~~البعير بالذبح ولا تؤكل الشاة بالنحر، ولم يختلفوا في جواز ذلك في موضع ~~الضرورة. وسبب اختلافهم: معارضة الفعل للعموم. فأما العموم فقوله عليه ~~الصلاة والسلام: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا وأما الفعل، فإنه ~~ثبت أن رسول الله (ص) نحر الإبل والبقر وذبح الغنم، وإنما اتفقوا على جواز ~~ذبح البقر لقوله تعالى: * (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) * وعلى ذبح ~~الغنم لقوله تعالى في الكبش: # * (وفديناه بذبح عظيم) *. # المسألة الثانية: وأما صفة الذكاة فإنهم اتفقوا على أن الذبح الذي يقطع ~~فيه الودجان والمرئ والحلقوم مبيح للأكل. واختلفوا من ذلك في مواضع: أحدها: ~~هل الواجب قطع الأربعة كلها أو بضعها؟ وهل الواجب في المقطوع منها قطع الكل ~~أو الأكثر؟ وهل من شرط القطع أن لا تقع الجوزة إلى جهة البدن بل إلى جهة ~~الرأس، وهل إن قطعها من جهة PageV01P357 # العنق جاز أكلها أم لا؟ وهل إن تمادى في قطع هذه حتى قطع النخاع جاز ذلك ~~أم لا؟ # وهل من شرط الذكاة أن لا يرفع يده حتى يتم الذكاة أم لا؟ فهذه ست مسائل ~~في عدد المقطوع وفي مقداره وفي موضعه وفي نهاية القطع وفي جهته - أعني من ~~قدام أو خلف - وفي صفته. # أما المسألة الأولى والثانية: فإن المشهور عن مالك في ذلك هو قطع الودجين ~~والحلقوم وأنه لا ms0462 يجزئ أقل من ذلك: وقيل عنه بل الأربعة، وقيل بل الودجين ~~فقط. ولم يختلف المذهب في أن الشرط في قطع الودجين هو استيفاؤهما. واختلف ~~في قطع الحلقوم على القول بوجوبه فقيل كله، وقيل أكثره. وأما أبو حنيفة ~~فقال: الواجب في التذكية هو قطع ثلاثة غير معينة من الأربعة، إما الحلقوم ~~والودجان، وإما المرئ والحلقوم وأحد الودجين، أو المرئ والودجان. وقال ~~الشافعي: الواجب قطع المرئ والحلقوم فقط. # وقال محمد بن الحسن: الواجب قطع أكثر كل واحد من الأربعة. وسبب اختلافهم: ~~أنه لم يأت في ذلك شرط منقول، وإنما جاء في ذلك أثران: أحدهما: يقتضي إنهار ~~الدم فقط، والآخر يقتضي قطع الأوداج مع إنهار الدم، ففي حديث رافع بن خديج ~~أنه قال عليه الصلاة والسلام: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل وهو ~~حديث متفق على صحته. # وروي عن أبي أمامة عن النبي (ص) أنه قال: ما فرى الأوداج فكلوا ما لم يكن ~~رض ناب أو نحر ظفر فظاهر الحديث الأول يقتضي قطع بعض الأوداج فقط لان إنهار ~~الدم يكون بذلك، وفي الثاني قطع جميع الأوداج، فالحديثان والله أعلم متفقان ~~على قطع الودجين، إما أحدهما أو البعض من كليهما أو من واحد منهما، ولذلك ~~وجه الجمع بين الحديثين أن يفهم من لام التعريف في قوله عليه الصلاة ~~والسلام: ما فرى الأوداج البعض لا الكل، إذ كانت لام التعريف في كلام العرب ~~قد تدل على البعض، وأما من اشترط قطع الحلقوم والمرئ فليس له حجة من ~~السماع، وأكثر من ذلك من اشترط المرئ والحلقوم دون الودجين، ولهذا ذهب قوم ~~إلى أن الواجب هو قطع ما وقع الاجماع على جوازه، لان الذكاة لما كانت شرطا ~~في التحليل ولم يكن في ذلك نص فيما يجري وجب أن يكون الواجب في ذلك ما وقع ~~الاجماع على جوازه، إلا أن يقوم الدليل على جواز الاستثناء من ذلك. وهو ~~ضعيف لان ما وقع الاجماع على إجزائه ليس يلزم أن يكون شرطا في الصحة. # وأما المسألة الثالثة: في ms0463 موضع القطع وهي إن لم يقطع الجوزة في نصفها ~~وخرجت إلى جهة البدن فاختلف فيه في المذهب، فقال مالك وابن القاسم: لا ~~تؤكل، وقال أشهب وابن عبد الحكم وابن وهب: تؤكل. وسبب الخلاف: هل قطع ~~الحلقوم شرط في الذكاة أو ليس بشرط؟ فمن قال إنه شرط قال: لا بد أن تقطع ~~الجوزة، لأنه إذا قطع فوق الجوزة فقد خرج الحلقوم سليما، ومن قال إنه ليس ~~بشرط قال: إن قطع فوق الجوزة جاز. PageV01P358 # وأما المسألة الرابعة: وهي إن قطع أعضاء الذكاة من ناحية العنق، فإن ~~المذهب لا يختلف أنه لا يجوز وهو مذهب سعيد بن المسيب وابن شهاب وغيرهم. ~~وأجاز ذلك الشافعي وأبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور، وروي ذلك عن ابن عمر وعلي ~~وعمران بن الحصين. وسبب اختلافهم: هل تعمل الذكاة في المنفوذة المقاتل أم ~~لا تعمل؟ وذلك أن القاطع لأعضاء الذكاة من القفا لا يصل إليها بالقطع إلا ~~بعد قطع النخاع وهو مقتل من المقاتل، فترد الذكاة على حيوان قد أصيب مقتله، ~~وقد تقدم سبب الخلاف في هذه المسألة. # وأما المسألة الخامسة: وهي أن يتمادى الذابح بالذبح حتى يقطع النخاع، فإن ~~مالكا كره إذا تمادى في القطع ولم ينو قطع النخاع من أول الأمر، لأنه إن ~~نوى ذلك فكأنه نوى التذكية على غير الصفة الجائزة. وقال مطرف وابن ~~الماجشون: لا تؤكل إن قطعها متعمدا دون جهل، وتؤكل إن قطعها ساهيا أو ~~جاهلا. # وأما المسألة السادسة: وهي هل من شروط الذكاة أن تكون في فور واحد فإن ~~المذهب لا يختلف أن ذلك من شرط الذكاة، وأنه إذا رفع يده قبل تمام الذبح ثم ~~أعادها، وقد تباعد ذلك أن تلك الذكاة لا تجوز. واختلفوا إذا أعاد يده بفور ~~ذلك بالقرب، فقال ابن حبيب: إن أعاد يده بالفور أكلت، وقال سحنون: لا تؤكل، ~~وقيل إن رفعها لمكان الاختبار هل تمت الذكاة أم لا فأعادها على الفور إن ~~تبين له أنها لم تتم أكلت وهو أحد ما تؤول على سحنون وقد تؤول قوله على ms0464 ~~الكراهة. قال أبو الحسن اللخمي: ولو قيل عكس هذا لكان أجود، أعني أنه إذا ~~رفع يده وهو يظن أنه قد أتم الذكاة فتبين له غير ذلك فأعادها أنها تؤكل، ~~لان الأول وقع عن شك وهذا عن اعتقاد ظنه يقينا وهذا مبني على أن من شرط ~~الذكاة قطع كل أعضاء الذكاة، فإذا رفع يده قبل أن تستتم كانت منفوذة ~~المقاتل غير مذكاة، فلا تؤثر فيها العودة، لأنها بمنزلة ذكاة طرأت على ~~المنفوذة المقاتل . الباب الثالث: فيما تكون به الذكاة أجمع العلماء على أن ~~كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج من حديد أو صخر أو عود أو قضيب أن التذكية به ~~جائزة. واختلفوا في ثلاثة: في السن والظفر والعظم، فمن الناس من أجاز ~~التذكية بالعظم ومنعها بالسن والظفر، والذين منعوها بالسن والظفر منهم من ~~فرق بين أن يكونا منزوعين أو لا يكونا منزوعين، فأجاز التذكية بهما إذا ~~كانا منزوعين ولم يجزها إذا كانا متصلين، ومنهم من قال: إن الذكاة بالسن ~~والعظم مكروهة غير ممنوعة، ولا خلاف في المذهب أن الذكاة بالعظم جائزة إذا ~~أنهر الدم، واختلف في السن والظفر فيه على الأقاويل الثلاثة، أعني بالمنع ~~مطلقا والفرق فيهما بين الانفصال والاتصال وبالكراهية لا بالمنع. ~~PageV01P359 # وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم النهي الوارد في قوله عليه الصلاة ~~والسلام في حديث رافع بن خديج، وفيه قال يا رسول الله (ص) إنا لاقوا العدو ~~غدا وليس معنا مدى فنذبح بالقصب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ما أنهر الدم ~~وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر وسأحدثكم عنه، أما السن فعظم، ~~وأما الظفر فمدى الحبشة. فمن الناس من فهم منه أن ذلك لمكان أن هذه الأشياء ~~ليس في طبعها أن تنهر الدم غالبا، ومنهم من فهم من ذلك أنه شرع غير معلل، ~~والذين فهموا منه أنه شرع غير معلل: منهم من اعتقد أن النهي في ذلك يدل على ~~فساد المنهي عنه ومنهم من اعتقد أنه لا يدل على فساد المنهي عنه، ومنهم من ~~اعتقد أن النهي في ms0465 ذلك على وجه الكراهة لا على وجه الحظر. فمن فهم أن ~~المعنى في ذلك أنه لا ينهر الدم غالبا قال: إذا وجد منهما ما ينهر الدم ~~جاز، ولذلك رأى بعضهم أن يكونا منفصلين إذ كان إنهار الدم منهما إذا كانا ~~بهذه الصفة أمكن، وهو مذهب أبي حنيفة. ومن رأى أن النهي عنهما هو مشروع غير ~~معلل وأنه يدل على فساد المنهي عنه قال: إن ذبح بهما لم تقع التذكية، وإن ~~أنهر الدم. ومن رأى أنه لا يدل على فساد المنهي عنه قال: إن فعل وأنهر الدم ~~أثم وحلت الذبيحة. ومن رأى أن النهي على وجه الكراهية كره ذلك. ولم يحرمه. ~~ولا معنى لقول من فرق بين العظم والسن، فإنه عليه الصلاة والسلام قد علل ~~المنع في السن بأنه عظم، ولا يختلف المذهب أنه يكره غير الحديد من ~~المحدودات مع وجود الحديد لقوله عليه الصلاة والسلام: إن الله كتب الاحسان ~~على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة. وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد ~~أحدكم شفرته وليرح ذبيحته خرجه مسلم. # الباب الرابع: في شروط الذكاة وفي هذا الباب ثلاث مسائل: المسألة الأولى: ~~في اشتراط التسمية. الثانية: في اشتراط استقبال القبلة. الثالثة: في اشتراط ~~النية. # المسألة الأولى: واختلفوا في حكم التسمية على الذبيحة على ثلاثة أقوال: ~~فقيل هي فرض على الاطلاق: وقيل بل هي فرض مع الذكر ساقطة مع النسيان، وقيل ~~بل هي سنة مؤكدة. وبالقول الأول: قال أهل الظاهر وابن عمر والشعبي وابن ~~سيرين، وبالقول الثاني: قال مالك وأبو حنيفة والثوري، بالقول الثالث: قال ~~الشافعي وأصحابه، وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة. وسبب اختلافهم: معارضة ~~ظاهر الكتاب في ذلك للأثر. فأما الكتاب فقوله تعالى: * (ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) *. وأما السنة PageV01P360 # المعارضة لهذه الآية فما رواه مالك عن هشام عن أبيه أنه قال: سئل رسول ~~الله (ص) فقيل: يا رسول الله.. إن ناسا من البادية يأتوننا بلحمان ولا ندري ~~أسموا الله عليها أم لا؟ # فقال رسول الله ms0466 (ص): سموا الله عليها ثم كلوها فذهب مالك إلى أن الآية ~~ناسخة لهذا الحديث وتأول أن هذا الحديث كان في أول الاسلام. ولم ير ذلك ~~الشافعي، لان هذا الحديث ظاهره أنه كان بالمدينة وآية التسمية مكية، فذهب ~~الشافعي لمكان هذا مذهب الجمع بأن حمل الامر بالتسمية على الندب. وأما من ~~اشترط الذكر في الوجوب فمصيرا إلى قوله عليه الصلاة والسلام: رفع عن أمتي ~~الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. # المسألة الثانية: وأما استقبال القبلة بالذبيحة، فإن قوما استحبوا ذلك، ~~وقوما أجازوا ذلك، وقوما أوجبوه، وقوما كرهوا أن لا يستقبل بها القبلة، ~~والكراهية والمنع موجودان في المذهب، وهي مسألة مسكوت عنها. والأصل فيها ~~الإباحة إلا أن يدل الدليل على اشتراط ذلك، وليس في الشرع شئ يصلح أن يكون ~~أصلا تقاس عليه هذه المسألة إلا أن يستعمل فيها قياس مرسل وهو القياس الذي ~~لا يستند إلى أصل مخصوص عند من أجازه أو قياس شبه بعيد وذلك أن القبلة هي ~~جهة معظمة وهذه عبادة، فوجب أن يشترط فيها الجهة لكن هذا ضعيف لأنه ليس كل ~~عبادة تشترط فيها الجهة ما عدا الصلاة، وقياس الذبح على الصلاة بعيد، وكذلك ~~قياسه على استقبال القبلة بالميت. # المسألة الثالثة: وأما اشتراط النية فيها فقيل في المذهب بوجوب ذلك، ولا ~~أذكر فيها خارج المذهب في هذا الوقت خلافا في ذلك، ويشبه أن يكون في ذلك ~~قولان: قول بالوجوب، وقول بترك الوجوب، فمن أوجب قال: عبادة لاشتراط الصفة ~~فيها والعدد، فوجب أن يكون من شرطها النية، ومن لم يوجبها قال: فعل معقول ~~يحصل عنه فوات النفس الذي هو المقصود منه، فوجب أن لا تشترط فيها النية كما ~~يحصل من غسل النجاسة إزالة عينها. # الباب الخامس: فيمن تجوز تذكيته ومن لا تجوز والمذكور في الشرع ثلاثة ~~أصناف: صنف اتفق على جواز تذكيته، وصنف اتفق على منع ذكاته، وصنف اختلف ~~فيه، فأما الصنف الذي اتفق على ذكاته فمن جمع خمسة شروط: الاسلام والذكورية ~~والبلوغ والعقل وترك تضييع الصلاة. وأما الذي اتفق على ms0467 منع تذكيته ~~فالمشركون عبدة الأصنام لقوله تعالى: * (وما ذبح على النصب) * ولقوله: * ~~(وما أهل لغير الله به) * وأما الذين اختلف فيهم فأصناف كثيرة، لكن المشهور ~~PageV01P361 # منها عشرة: أهل الكتاب والمجوس والصابئون والمرأة والصبي والمجنون ~~والسكران، والذي يضيع الصلاة، والسارق والغاصب. فأما أهل الكتاب فالعلماء ~~مجمعون على جواز ذبائحهم لقوله تعالى: * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم خل لهم) * ومختلفون في التفصيل، فاتفقوا على أنهم إذا لم يكونوا من ~~نصارى بني تغلب ولا مرتدين وذبحوا لأنفسهم وعلى أنهم سموا الله تعالى على ~~ذبيحتهم وكانت الذبيحة مما لم تحرم عليهم في التوراة ولا حرموها على أنفسهم ~~أنه يجوز منها ما عدا الشحم. واختلفوا في مقابلات هذه الشروط، أعني إذا ~~ذبحوا لمسلم باستنابته أو كانوا من نصارى بني تغلب أو مرتدين، وإذا لم يعلم ~~أنهم سموا الله أو جهل مقصود ذبحهم أو علم أنهم سموا غير الله مما يذبحونه ~~لكنائسهم وأعيادهم أو كانت الذبيحة مما حرمت عليهم بالتوراة كقوله تعالى: * ~~(كل ذي ظفر) * أو كانت مما حرموها على أنفسهم مثل الذبائح التي تكون عند ~~اليهود فاسدة من قبل خلقة إلهية، وكذلك اختلفوا في الشحوم. فأما إذا ذبحوا ~~باستنابة مسلم فقيل في المذهب عن مالك يجوز وقيل لا يجوز. وسبب الاختلاف: ~~هل من شرط ذبح المسلم اعتقاد تحليل الذبيحة على الشروط الاسلامية في ذلك أم ~~لا؟ فمن رأى أن النية شرط في الذبيحة قال: لا تحل ذبيحة الكتابي لمسلم، ~~لأنه لا يصح منه وجود هذه النية. ومن رأى أن ذلك ليس بشرط وغلب عموم ~~الكتاب: أعني قوله تعالى: * وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) * قال: يجوز، ~~وكذلك من اعتقد أن نية المستنيب تجزي، وهو أصل قول ابن وهب. # وأما المسألة الثانية: وهي ذبائح نصارى بني تغلب والمرتدين، فإن الجمهور ~~على أن ذبائح النصارى من العرب حكمها حكم ذبائح أهل الكتاب، وهو قول ابن ~~عباس، ومنهم من لم يجز ذبائحهم، وهو أحد قولي الشافعي، وهو مروي عن علي رضي ~~الله عنه. # وسبب الخلاف: هل ms0468 يتناول العرب المتنصرين اسم الذين أوتوا الكتاب كما ~~يتناول ذلك الأمم المختصة بالكتاب وهم بنو إسرائيل والروم؟ وأما المرتد فإن ~~الجمهور على أن ذبيحته لا تؤكل. وقال إسحاق: ذبيحته جائزة، وقال الثوري: ~~مكروهة. وسبب الخلاف: هل المرتد لا يتناوله اسم أهل الكتاب إذ كان ليس له ~~حرمة أهل الكتاب أو يتناوله؟ # وأما المسألة الثالثة: وهي إذا لم يعلم أن أهل الكتاب سموا الله على ~~الذبيحة فقال الجمهور تؤكل، وهو مروي عن علي، ولست أذكر فيه في هذا الوقت ~~خلافا، ويتطرق إليه الاحتمال بأن يقال إن الأصل هو أن لا يؤكل من تذكيتهم ~~إلا ما كان على شروط PageV01P362 # الاسلام، فإذا قيل على هذا إن التسمية من شرط التذكية وجب أن لا تؤكل ~~ذبائحهم بالشك في ذلك. وأما إذا علم أنهم ذبحوا ذلك لأعيادهم وكنائسهم فإن ~~من العلماء من كرهه، وهو قول مالك، ومنهم من أباحه، وهو قول أشهب، ومنهم من ~~حرمه، وهو الشافعي. # وسبب اختلافهم: تعارض عمومي الكتاب في هذا الباب، وذلك أن قوله تعالى: * ~~(وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) * يحتمل أن يكون مخصصا لقوله تعالى: * ~~(وما أهل لغير الله به) * ويحتمل أن يكون قوله تعالى: * (وما أهل لغير الله ~~به) * مخصصا لقوله تعالى: # * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) * إذ كان كل واحد منهما يصح أن ~~يستثنى من الآخر، فمن جعل قوله تعالى: * (وما أهل لغير الله به) * مخصصا ~~لقوله تعالى: * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) * قال: لا يجوز ما أهل ~~به للكنائس والأعياد، ومن عكس الامر قال: # يجوز. وأما إذا كانت الذبيحة مما حرمت عليهم، فقيل يجوز، وقيل لا يجوز، ~~وقيل بالفرق بين أن تكون محرمة عليهم بالتوراة أو من قبل أنفسهم، أعني ~~بإباحة ما ذبحوا مما حرموا على أنفسهم ومنع ما حرم الله عليهم، وقيل يكره ~~ولا يمنع. والأقاويل الأربعة موجودة في المذهب: المنع عن ابن القاسم، ~~والإباحة عن ابن وهب وابن عبد الحكم، والتفرقة عن أشهب. وأصل الاختلاف: ~~معارضة عموم الآية لاشتراط نية الذكاة: أعني ms0469 اعتقاد تحليل الذبيحة ~~بالتذكية، فمن قال ذلك شرط في التذكية قال: لا تجوز هذه الذبائح لأنهم لا ~~يعتقدون تحليلها بالتذكية، ومن قال ليس بشرط فيها وتمسك بعموم الآية ~~المحللة قال: تجوز هذه الذبائح. وهذا بعينه هو سبب اختلافهم في أكل الشحوم ~~من ذبائحهم، ولم يخالف في ذلك أحد غير مالك وأصحابه، فمنهم من قال: # إن الشحوم محرمة وهو قول أشهب، ومنهم من قال مكروهة، والقولان عن مالك، ~~ومنهم من قال مباحة. ويدخل في الشحوم سبب آخر من أسباب الخلاف سوى معارضة ~~العموم لاشتراط اعتقاد تحليل الذبيحة بالذكاة، وهو هل تتبعض التذكية أو ~~تتبعض؟ فمن قال تتبعض قال: لا تؤكل الشحوم، ومن قال لا تتبعض قال: يؤكل ~~الشحم. ويدل على تحليل شحوم ذبائحهم حديث عبد الله بن مغفل إذ أصاب جراب ~~الشحم يوم خيبر، وقد تقدم في كتاب الجهاد. ومن فرق بين ما حرم عليهم من ذلك ~~في أصل شرعهم وبين ما حرموا على أنفسهم قال: ما حرم عليهم هو أمر حق فلا ~~تعمل فيه الذكاة، وما حرموا على أنفسهم هو أمر باطل فتعمل فيه التذكية. قال ~~القاضي: والحق أن ما حرم عليهم أو حرموا على أنفسهم هو في وقت شريعة ~~الاسلام أمر باطل إذ كانت ناسخة لجميع الشرائع، PageV01P363 # فيجب أن لا يراعي اعتقادهم في ذلك، ولا يشترط أيضا أن يكون اعتقادهم في ~~تحليل الذبائح اعتقاد المسلمين ولا اعتقاد شريعتهم لأنه لو اشترط ذلك لما ~~جاز أكل ذبائحهم بوجه من الوجوه، لكون اعتقاد شريعتهم في ذلك منسوخا، ~~واعتقاد شريعتنا لا يصح منهم، وإنما هذا حكم خصهم الله تعالى به، فذبائحهم ~~والله أعلم جائزة لنا على الاطلاق وإلا ارتفع حكم آية التحليل جملة، فتأمل ~~هذا فإنه بين والله أعلم. وأما المجوس فإن الجمهور على أنه لا تجوز ذبائحهم ~~لأنهم مشركون، وتمسك قوم في إجازتها بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: سنوا ~~بهم سنة أهل الكتاب. وأما الصابئون فالاختلاف فيهم من قبل اختلافهم في هل ~~هم من أهل الكتاب أم ليسوا من أهل الكتاب ms0470 وأما المرأة والصبي فإن الجمهور ~~على أن ذبائحهم جائزة غير مكروهة، وهو مذهب مالك، وكره ذلك أبو المصعب. ~~والسبب في اختلافهم: نقصان المرأة والصبي، وإنما لم يختلف الجمهور في ~~المرأة لحديث معاذ بن سعيد أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى بسلع فأصيبت ~~شاة فأدركتها فذكتها بحجر، فسئل رسول الله (ص) عن ذلك فقال: لا بأس بها ~~فكلوها وهو حديث صحيح. وأما المجنون والسكران فإن مالكا لم يجز ذبيحتهما، ~~وأجاز ذلك الشافعي. وسبب الخلاف: اشتراط النية في الذكاة، فمن اشترط النية ~~منع ذلك إلا يصح من المجنون ولا من السكران وبخاصة الملتخ. وأما جواز تذكية ~~السارق والغاصب، فإن الجمهور على جواز ذلك، ومنهم من منع ذلك ورأي أنها ~~ميتة، وبه قال داود وإسحاق بن راهويه. وسبب اختلافهم: هل النهي يدل على ~~فساد المنهي عنه أو لا يدل؟ فمن قال يدل قال: السارق والغاصب منهي عن ~~ذكاتها وتناولها وتملكها، فإذا كان ذكاها فسدت التذكية، ومن قال لا يدل إلا ~~إذا كان المنهي عنه شرطا من شروط ذلك الفعل قال: # تذكيتهم جائزة لأنه ليس صحة الملك شرطا من شروط التذكية. وفي موطأ ابن ~~وهب أنه سئل رسول الله (ص) عنها فلم ير بها بأسا وقد جاء إباحة ذلك مع ~~الكراهية فيما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام في الشاة التي ذبحت بغير ~~إذن ربها، فقال رسول الله (ص): # أطعموها الأسارى وهذا القدر كاف في أصول هذا الكتاب والله أعلم. ~~PageV01P364 # كتاب الصيد وهذا الكتاب في أصوله أيضا أربعة أبواب: الباب الأول: في حكم ~~الصيد وفي محل الصيد. الثاني: فيما به يكون الصيد. الثالث: في صفة ذكاة ~~الصيد والشرائط المشترطة في عمل الذكاة في الصيد. الرابع: فيمن يجوز صيده. # الباب الأول: في حكم الصيد ومحله فأما حكم الصيد فالجمهور على أنه مباح ~~لقوله تعالى: * (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة، وحرم عليكم ~~صيد البر ما دمتم حرما) * ثم قال: * (وإذا حللتم فاصطادوا) * واتفق العلماء ~~على أن الامر بالصيد في هذه الآية بعد ms0471 النهي يدل على الإباحة كما اتفقوا ~~على ذلك في قوله تعالى: * (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من ~~فضل الله) * أعني أن المقصود به الإباحة لوقوع الامر به بعد النهي وإن كان ~~اختلفوا هل الامر بعد النهي يقتضي الإباحة أو لا يقتضيه وإنما يقتضي على ~~أصله الوجوب؟ وكره مالك الصيد الذي يقصد به السرف. وللمتأخرين من أصحابه ~~فيه تفصيل محصول قولهم فيه أن منه ما هو في حق بعض الناس واجب، وفي حق ~~بعضهم مندوب، وفي حق بعضهم مكروه، وهذا النظر في الشرع تغلغل في القيا س ~~وبعد عن الأصول المنطوق بها في الشرع، فليس يليق بكتابنا هذا إذ كان قصدنا ~~فيه إنما هو ذكر المنطوق به من الشرع أو ما كان قريبا من المنطوق به. وأما ~~محل الصيد فإنهم أجمعوا على أن محله من الحيوان البحري وهو السمك وأصنافه، ~~ومن الحيوان البري الحلال الأكل الغير مستأنس. واختلفوا فيما استوحش من ~~الحيوان المستأنس فلم يقدر على أخذه ولا ذبحه أو نحره، فقال مالك: لا يؤكل ~~إلا أن ينحر من ذلك ما ذكاته النحر، ويذبح ما ذكاته الذبح، أو يفعل به ~~أحدهما إن كان مما يجوز فيه الأمران جميعا، وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا ~~لم يقدر على ذكاة البعير الشارد فإنه يقتل كالصيد. وسبب اختلافهم: معارضة ~~الأصل في ذلك للخبر، وذلك أن الأصل في هذا الباب هو أن الحيوان PageV01P365 # الانسي لا يؤكل إلا بالذبح أو النحر، وأن الوحشي يؤكل بالعقر. وأما الخبر ~~المعارض لهذه الأصول، فحديث رافع بن خديج وفيه قال: فند منها بعير وكان في ~~القوم خيل يسيرة فطلبوه فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله تعالى به، ~~فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما ~~ند عليكم فاصنعوا به هكذا. # والقول بهذا الحديث أولى لصحته، لأنه لا ينبغي أن يكون هذا مستثنى من ذلك ~~الأصل مع أن لقائل أن يقول إنه جار مجرى الأصل في هذا الباب، وذلك أن العلة ~~في كون العقر ذكاة ms0472 في بعض الحيوان ليس شيئا أكثر من عدم القدرة عليه، لا ~~لأنه وحشي فقط، فإذا وجد هذا المعنى من الانسي جاز أن تكون ذكاته ذكاة ~~الوحشي، فيتفق القياس والسماع. # الباب الثاني: فيما يكون به الصيد والأصل في هذا الباب آيتان وحديثان: ~~الآية الأولى قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من ~~الصيد تناله أيديكم ورماحكم) * والثانية قوله تعالى: * (قل أحل لكم الطيبات ~~وما علمتم من الجوارح مكلبين) * الآية. وأما الحديثان: فأحدهما: حديث عدي ~~بن حاتم، وفيه أن رسول الله (ص) قال له: إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم ~~الله عليها فكل مما أمسكن عليك. وإن أكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون ~~إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلاب غيرها فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ~~ولم تسم على غيره وسأله عن المعراض فقال: إذا أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه ~~وقيذ وهذا الحديث هو أصل في أكثر ما في هذا الكتاب. والحديث الثاني: حديث ~~أبي ثعلبة الخشني، وفيه من قوله عليه الصلاة والسلام: ما أصبت بقوسك فسم ~~الله ثم كل، وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم وأدركت ذكاته فكل وهذان الحديثان ~~اتفق أهل الصحيح على اخراجهما. والآلات التي يصاد بها منها ما اتفقوا عليها ~~بالجملة، ومنها ما اختلفوا فيها وفي صفاتها، وهي ثلاث: حيوان جارح، ومحدد، ~~ومثقل. فأما المحدد فاتفقوا عليه كالرماح والسيوف والسهام للنص عليها في ~~الكتاب والسنة، وكذلك بما جرى مجراها مما يعقر ما عدا الأشياء التي اختلفوا ~~في عملها في ذكاة الحيوان الانسي وهي السن والظفر والعظم وقد تقدم اختلافهم ~~في ذلك فلا معنى لإعادته. وأما المثقل فاختلفوا في الصيد به مثل الصيد ~~بالمعراض والحجر، فمن العلماء من لم يجز من ذلك إلا ما أدركت ذكاته، ومنهم ~~من أجازه على الاطلاق، ومنهم من فرق بين ما قتله المعراض أو الحجر بثقله أو ~~بحده إذا خرق جسد PageV01P366 # الصيد فأجازه إذا خرق ولم يجزه إذا لم يخرق. وبهذا القول قال مشاهير ~~فقهاء الأمصار: # الشافعي ومالك وأبو ms0473 حنيفة وأحمد والثوري وغيرهم، وهو راجع إلى أنه لا ~~ذكاة إلا بمحدد. # وسبب اختلافهم: معارضة الأصول في هذا الباب بعضها بعضا، ومعارضة الأثر ~~لها، وذلك أن من الأصول في هذا الباب أن الوقيذ محرم بالكتاب والاجماع، ومن ~~أصوله أن العقر ذكاة الصيد، فمن رأى أن ما قتل المعراض وقيذ منعه على ~~الاطلاق، ومن رآه عقر مختصا بالصيد وأن الوقيذ غير معتبر فيه أجازه على ~~الاطلاق، ومن فرق بين ما خرق من ذلك أو لم يخرق فمصيرا إلى حديث عدي بن ~~حاتم المتقدم. وهو الصواب. وأما الحيوان الجارح فالاتفاق والاختلاف فيه منه ~~متعلق بالنوع والشرط، ومنه ما يتعلق بالشرط. فأما النوع الذي اتفقوا عليه ~~فهو الكلاب ما عدا الكلب الأسود، فإنه كرهه قوم منهم الحسن البصري وإبراهيم ~~النخعي وقتادة، وقال أحمد: ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما، وبه قال ~~إسحاق. وأما الجمهور فعلى إجازة صيده إذا كان معلما. وسبب اختلافهم: معارضة ~~القياس للعموم، وذلك أن عموم قوله تعالى: * (وما علمتم من الجوارح مكلبين) ~~* يقتضي تسوية جميع الكلاب في ذلك وأمره عليه الصلاة والسلام بقتل الكلب ~~الأسود البهيم يقتضي في ذلك القياس أن لا يجوز اصطياده على رأي من رأى أن ~~النهي يدل على فساد المنهي عنه. وأما الذي اختلفوا فيه من أنواع الجوارح ~~فيما عدا الكلب ومن جوارح الطيور وحيواناتها الساعية، فمنهم من أجاز جميعها ~~إذا علمت حتى السنور كما قال ابن شعبان، وهو مذهب مالك وأصحابه، وبه قال ~~فقهاء الأمصار وهو مروي عن ابن عباس، أعني أن ما قبل التعليم من جميع ~~الجوارح فهو آلة لذكاة الصيد. وقال قوم: لا اصطياد بجارح ما عدا الكلب لا ~~باز ولا صقر ولا غير ذلك إلا ما أدركت ذكاته، وهو قول مجاهد، واستثنى بعضهم ~~من الطيور الجارحة البازي فقط: يجوز صيده وحده. وسبب اختلافهم في هذا ~~الباب: شيئان: أحدهما: قياس سائر الجوارح على الكلاب، وذلك أنه قد يظن أن ~~النص إنما ورد في الكلاب، أعني قوله تعالى: * (وما علمتم من الجوارح ms0474 ~~مكلبين) * إلا أن يتأول أن لفظة مكلبين مشتقة من كلب الجارح لا من لفظ ~~الكلب، ويدل على هذا عموم اسم الجوارح الذي في الآية، فعلى هذا يكون سبب ~~الاختلاف الاشتراك الذي فلفظة مكلبين. والسبب الثاني: هل من شرط الامساك ~~الامساك على صاحبه أم لا؟ وإن كان من شرطه فهل يوجد في غير الكلب أو لا ~~يوجد؟ فمن قال لا يقاس سائر الجوارح على الكلاب وأن لفظة مكلبين هي مشتقة ~~من اسم الكلب لا من اسم غير الكلب أو أنه لا يوجد الامساك إلا في الكلب - ~~أعني على صاحبه - وأن ذلك PageV01P367 # شرط قال: لا يصاد بجارح سوى الكلب، ومن قاس على الكلب سائر الجوارح ولم ~~يشترط في الامساك الامساك على صاحبه قال: يجوز صيد سائر الجوارح إذا قبلت ~~التعليم. وأما من استثنى من ذلك البازي فقط فمصيرا إلى ما روي عن عدي بن ~~حاتم أنه قال سألت رسول الله (ص) عن صيد البازي فقال: ما أمسك عليك فكل. ~~خرجه الترمذي. فهذه هي أسباب اتفاقهم في أنواع الجوارح. وأما الشروط ~~المشترطة في الجوارح فإن منها ما اتفقوا عليه وهو التعليم بالجملة لقوله ~~تعالى: * (وما علمتم من الجوارح مكلبين) * وقوله عليه الصلاة والسلام إذا ~~أرسلت كلبك المعلم واختلفوا في صفة التعليم وشروطه، فقال قوم: التعليم ~~ثلاثة أصناف: أحدها: أن تدعو الجارح فيجيب. والثاني: أن تشليه فينشلي. ~~والثالث: أن تزجره فيزدجر. ولا خلاف بينهم في اشتراط هذه الثلاثة في الكلب، ~~وإنما اختلفوا في اشتراط الانزجار في سائر الجوارح ، فاختلفوا أيضا في هل ~~من شرطه أن لا يأكل الجارح؟ فمنهم من اشترطه على الاطلاق، ومنهم من اشترطه ~~في الكلب فقط، وقول مالك: إن هذه الشروط الثلاثة شرط في الكلاب وغيرها، ~~وقال ابن حبيب من أصحابه: ليس يشترط الانزجار فيما ليس يقبل ذلك من شرط ~~الجوارح مثل البزاة والصقور، وهو مذهب مالك، أعني أنه ليس من شرط الجارح لا ~~كلب ولا غيره أن لا يأكل، واشترطه بعضهم في الكلب ولم يشترطه فيما عداه من ~~جوارح الطيور، ms0475 ومنهم من اشترطه كما قلنا في الكل، والجمهور على جواز أكل ~~صيد البازي والصقر وإن أكل، لان تضريته إنما تكون بالأكل. فالخلاف في هذا ~~الباب راجع إلى موضعين: أحدهما: هل من شرط التعليم أن ينزجر إذا زجر؟ ~~والثاني: هل من شرطه ألا يأكل؟ وسبب الخلاف في اشتراط الأكل أو عدمه شيئان: ~~أحدهما: اختلاف الآثار في ذلك والثاني: هل إذا أكل فهو ممسك أم لا؟ فأما ~~الآثار فمنها حديث عدي بن حاتم المتقدم وفيه فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن ~~يكون إنما أمسك على نفسه والحديث المعارض لهذا حديث أبي ثعلبة الخشني قال: ~~قال رسول الله (ص): إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل، قلت: وإن ~~أكل منه يا رسول الله؟ قال: وإن أكل فمن جمع بين الحديثين بأن حمل حديث عدي ~~بن حاتم على الندب وهذا على الجواز قال: ليس من شرطه ألا يأكل، ومن رجح ~~حديث عدي بن خاتم إذ هو حديث متفق عليه وحديث أبي ثعلبة مختلف فيه، ولذلك ~~لم يخرجه الشيخان البخاري ومسلم، وقال: من شرط الامساك أن لا يأكل بدليل ~~الحديث المذكور قال: إن أكل من الصيد لم يؤكل، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ~~وأحمد وإسحق والثوري، وهو قول ابن عباس ورخص في أكل ما أكل الكلب كما قلنا ~~مالك وسعيد بن مالك وابن عمر وسليمان. وقالت المالكية المتأخرة إنه ليس ~~الأكل بدليل على أنه لم يمسك لسيده ولا الامساك لسيده بشرط في الذكاة، لان ~~نية PageV01P368 # الكلب غير معلومة، وقد يمسك لسيده ثم يبدو له فيمسك لنفسه، وهذا الذي ~~قالوه خلاف النص في الحديث وخلاف ظاهر الكتاب، وهو قوله تعالى: * (فكلوا ~~مما أمسكن عليكم) * وللامساك على سيد الكلب طريق تعرف به، وهو العادة، ~~ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما ~~أمسك على نفسه. وأما اختلافهم في الازدجار فليس له سبب إلا اختلافهم في ~~قياس سائر الجوار في ذلك على الكلب، لان الكلب الذي لا يزدجر لا يسمى ms0476 معلما ~~باتفاق، فأما سائر الجوارح إذا لم تنزجر هل تسمى معلمة أم لا؟ ففيه التردد ~~وهو سبب الخلاف. # الباب الثالث: في معرفة الذكاة المختصة بالصيد وشروطها واتفقوا على أن ~~الذكاة المختصة بالصيد هي العقر. واختلفوا في شروطها اختلافا كثيرا، وإذا ~~اعتبر ت أصولها التي هي أسباب الاختلاف سوى الشروط المشترطة في الآلة وفي ~~الصائد وجدتها ثمانية شروط: اثنان يشتركان في الذكاتين أعني ذكاة المصيد ~~وغير المصيد وهي النية والتسمية. وستة تختص بهذه الذكاة: أحدها: أنها إن لم ~~تكن الآلة أو الجارح الذي أصاب الصيد قد أنفذ مقاتله فإنه يجب أن يذكى ~~بذكاة الحيوان الانسي إذا قدر عليه قبل أن يموت مما أصابه من الجارح أو من ~~الضرب. وأما إن كان قد أنفذ مقاتله فليس يجب ذلك وإن كان قد يستحب. ~~والثاني: أن يكون الفعل الذي أصيب به الصيد مبدؤه من الصائد لا من غيره: ~~أعني لا من الآلة كالحال في الحبالة، ولا من الجارح كالحال فيما يصيب الكلب ~~الذي ينشلي من ذاته. والثالث: أن لا يشاركه في العقر من ليس عقره ذكاة. ~~والرابع: أن لا يشك في عين الصيد الذي أصابه وذلك عند غيبته عن عينه. # والخامس: أن لا يكون الصيد مقدورا عليه في وقت الارسال عليه. والسادس: أن ~~لا يكون موته من رعب من الجارح أو بصدمة منه. فهذه هي أصول الشروط التي من ~~قبل اشتراطها أو لا اشتراطها عرض الخلاف بين الفقهاء، وربما اتفقوا على ~~وجوب بعض هذه الشروط. # ويختلفون في وجودها في نازلة نازلة، كاتفاق المالكية على أن من شرط الفعل ~~أن يكون مبدؤه من الصائد. واختلافهم إذا أفلت الجارح من يده أو خرج بنفسه، ~~ثم أغراه هل يجوز ذلك الصيد أم لا لتردد هذه الحال بين أن يوجد لها هذا ~~الشرط أو لا يوجد كاتفاق أبي حنيفة ومالك على أن من شرطه إذا أدرك غير ~~منفوذ المقاتل أن يذكى إذا قدر عليه قبل أن يموت. واختلافهم بين أن يخلصه ~~حيا فيموت في يده قبل أن يتمكن ms0477 من ذكاته، فإن أبا حنيفة منع هذا وأجازه ~~مالك ورآه مثل الأول، أعني إذا لم يقدر على تخليصه من الجارح حتى مات لتردد ~~هذه الحال بين أن يقال أدركه غير منفوذ المقاتل وفي غير يد PageV01P369 # الجارح فأشبه المفرط أو لم يشبهه فلم يقع منه تفريط. وإذا كانت هذه ~~الشروط هي أصول الشروط المشترطة في الصيد مع سائر الشروط المذكورة في الآلة ~~والصائد نفسه على ما سيأتي يجب أن يذكر منها ما اتفقوا عليه وما اختلفوا ~~فيه، وأسباب الخلاف في ذلك وما يتفرع عنها من مشهور مسائلهم. فنقول: أما ~~التسمية والنية فقد تقدم الخلاف فيهما، وسببه في كتاب الذبائح، ومن قبل ~~اشتراط النية في الذكاة لم يجز عند من اشترطها إذا أرسل الجارح على صيد ~~وأخذ آخر ذكاة ذلك الصيد الذي لم يرسل عليه، وبه قال مالك، وقال الشافعي ~~وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور ذلك جائز ويؤكل، ومن قبل هذا أيضا اختلف أصحاب ~~مالك في الارسال على صيد غير مرئي، كالذي يرسل على ما في غيضة أو من وراء ~~أكمة ولا يدري هل هنالك شئ أم لا؟ لان القصد في هذا يشوبه شئ من الجهل. # وأما الشرط الأول: الخاص بذكاة الصيد من الشروط الستة التي ذكرناها وهو ~~أن عقر الجارح له إذا لم ينفذ مقاتله، إنما يكون إذا لم يدركه المرسل حيا، ~~فباشتراطه قال جمهور العلماء لما جاء في حديث عدي بن حاتم في بعض رواياته ~~أنه قال عليه الصلاة والسلام: وإن أدركته حيا فاذبحه وكان النخعي يقول: إذا ~~أدركته حيا ولم يكن معك حديدة فأرسل عليه الكلاب حتى تقتله، وبه قال الحسن ~~البصري مصيرا لعموم قوله تعالى: * (فكلوا مما أمسكن عليكم) * ومن قبل هذا ~~الشرط قال مالك: لا يتوانى المرسل في طلب الصيد، فإن توانى فأدركه ميتا، ~~فإن كان منفوذ المقاتل بسهم حل أكله وإلا لم يحل من أجل أنه لو لم يتوان ~~لكان يمكن أن يدركه حيا غير منفوذ المقاتل. وأما الشرط الثاني: وهو أن يكون ~~الفعل مبدؤه من ms0478 القانص ويكون متصلا حتى يصيب الصيد، فمن قبل اختلافهم فيه ~~اختلفوا فيما تصيبه الحبالة والشبكة إذا أنفذت المقاتل بمحدد فيها، فمنع ~~ذلك مالك والشافعي والجمهور، ورخص فيه الحسن البصري، ومن هذا الأصل لم يجز ~~مالك الصيد الذي أرسل عليه الجارح فتشاغل بشئ آخر ثم عاد إليه من قبل نفسه. # وأما الشرط الثالث: وهو أن لا يشاركه في العقر من ليس عقره ذكاة له، فهو ~~شرط مجمع عليه فيما أذكر، لأنه لا يدري من قتله. وأما الشرط الرابع: وهو أن ~~لا يشك في عين الصيد ولا في قتل جارحه له، فمن قبل ذلك اختلفوا في أكل ~~الصيد إذا غاب مصرعه، فقال مالك مرة: لا بأس بأكل الصيد إذا غاب عنك مصرعه ~~إذا وجدت به أثرا من كلبك أو كان به سهمك ما لم يبت، فإذا بات فإني أكرهه. ~~وبالكراهية قال الثوري، وقال عبد الوهاب: إذا بات الصيد من الجارح لم يؤكل، ~~وفي السهم خلاف، وقال ابن الماجشون: يؤكل فيهما جميعا إذا وجد منفوذ ~~المقاتل، وقال مالك في المدونة: لا يؤكل PageV01P370 # فيهما جميعا إذا بات وإن وجد منفوذ المقاتل، وقال الشافعي: القياس أن لا ~~تأكله إذا غاب عنك مصرعه، وقال أبو حنيفة: إذا توارى الصيد والكلب في طلبه ~~فوجده المرسل مقتولا جاز أكله ما لم يترك الكلب الطلب، فإن تركه كرهنا ~~أكله. والسبب الثاني: اختلاف الآثار في هذا الباب، فروى مسلم والنسائي ~~والترمذي وأبو داود عن أبي ثعلبة عن النبي عليه الصلاة والسلام في الذي ~~يدرك صيده بعد ثلاث فقال: كل ما لم ينتن وروى مسلم عن أبي ثعلبة أيضا عن ~~النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا رميت سهمك فغاب عنك مصرعه فكل ما لم ~~يبت وفي حديث عدي بن حاتم أنه قال عليه الصلاة والسلام: إذا وجدت سهمك فيه ~~ولم تجد فيه أثر سبع وعلمت أن سهمك قتله فكل. ومن هذا الباب اختلافهم في ~~الصيد يصاد بالسهم أو يصيبه الجارح فيسقط في ماء أو يتردى من مكان عال، ~~فقال مالك: لا ms0479 يؤكل لأنه لا يدرى من أي الامرين مات، ألا أن يكون السهم قد ~~أنفذ مقاتله ولا يشك أن منه مات، وبه قال الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يؤكل ~~إن وقع في ماء منفوذ المقاتل، ويؤكل إن تردى. # وقال عطاء: لا يؤكل أصلا إذا أصيبت المقاتل وقع في ماء أو تردى من موضع ~~عال لامكان أن يكون زهوق نفسه من قبل التردي أو من الماء قبل زهوقها من قبل ~~إنفاذ المقاتل. وأما موته من صدم الجارح له، فإن ابن القاسم منعه قياسا على ~~المثقل وأجازه أشهب لعموم قوله تعالى: * (فكلوا مما أمسكن عليكم) * ولم ~~يختلف المذهب أن ما مات من خوف الجارح أنه غير مذكى. وأما كونه في حين ~~الارسال غير مقدور عليه، فإنه شرط فيما علمت متفق عليه. وذلك يوجد إذا كان ~~الصيد مقدورا على أخذه باليد دون خوف أو غرر. إما من قبل أنه قد نشب في شئ ~~أو تعلق بشئ أو رماه أحد فكسر جناحه أو ساقه، وفي هذا الباب فروع كثيرة من ~~قبل تردد بعض الأحوال بين أن يوصف فيها الصيد بأنه مقدور عليه أو غير مقدور ~~عليه. مثل أن تضطره الكلاب فيقع في حفرة، فقيل في المذهب يؤكل وقيل لا ~~يؤكل. واختلفوا في صفة العقر إذا ضرب الصيد فأبين منه عضو فقال قوم: يؤكل ~~الصيد إلا ما بان منه، وقال قوم: يؤكلان جميعا، وفرق قوم بين أن يكون ذلك ~~العضو مقتلا أو غير مقتل، فقالوا: إن كان مقتلا أكلا جميعا وإن كان غير ~~مقتل أكل الصيد ولم يؤكل العضو. # وهو معنى قول مالك، وإلى هذا يرجع خلافهم في أن يكون القطع بنصفين أو ~~يكون أحدهما أكبر من الثاني. وسبب اختلافهم: معارضة قوله عليه الصلاة ~~والسلام ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة لعموم قوله تعالى: * (فكلوا ~~مما أمسكن عليكم) * ولعموم قوله تعالى: * (تناله أيديكم ورماحكم) * فمن غلب ~~حكم الصيد وهو العقر مطلقا قال: يؤكل PageV01P371 # الصيد والعضو المقطوع من الصيد، وحمل الحديث على الانسي، ومن حمله ms0480 على ~~الوحشي والانسي معا واستثنى من ذلك العموم بالحديث العضو المقطوع فقال: كل ~~الصيد دون العضو البائن، ومن اعتبر في ذلك الحياة المستقرة، أعني في قوله ~~وهي حية فرق بين أن يكون العضو مقتلا أو غير مقتل. # الباب الرابع: في شروط القانص وشروط القانص هي شروط الذابح نفسه، وقد ~~تقدم ذلك في كتاب الذبائح المتفق عليها والمختلف فيها، ويخص الاصطياد في ~~البر شرط زائد وهو أن لا يكون محرما، ولا خلاف في ذلك لقوله تعالى: * (وحرم ~~عليكم صيد البر ما دمتم حرما) * فإن اصطاد محرم فهل يحل ذلك الصيد للحلال ~~أم هو ميتة لا يحل لاحد أصلا؟ اختلف فيه الفقهاء. # فذهب مالك إلى أنه ميتة، وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور إلى أنه يجوز ~~لغير المحرم أكله. وسبب اختلافهم: هو الأصل المشهور وهو هل النهي يعود ~~بفساد المنهي أم لا؟ # وذلك بمنزلة ذبح السارق والغاصب. واختلفوا من هذا الباب في كلب المجوس ~~المعلم، فقال مالك: الاصطياد به جائز، فإن المعتبر الصائد لا الآلة، وبه ~~قال الشافعي وأبو حنيفة وغيرهم، وكرهه جابر بن عبد الله والحسن وعطاء ~~ومجاهد والثوري، لان الخطاب في قوله تعالى: * (وما علمتم من الجوارح ~~مكلبين) * متوجه نحو المؤمنين. وهذا كاف بحسب المقصود من هذا الكتاب، والله ~~الموفق للصواب. PageV01P372 # كتاب العقيقة والقول المحيط بأصول هذا الكتاب ينحصر في ستة أبواب: الأول: ~~في معرفة حكمها. والثاني: في معرفة محلها. والثالث: في معرفة من يعق عنه ~~وكم يعق. الرابع: في معرفة وقت هذا النسك. الخامس: في سن هذا النسك وصفته. ~~السادس: حكم لحمها وسائر أجزائها. # فأما حكمها: فذهبت طائفة منهم الظاهرية إلى أنها واجبة، وذهب الجمهور إلى ~~أنها سنة، وذهب أبو حنيفة إلى أنها ليست فرضا ولا سنة وقد قيل إن تحصيل ~~مذهبه أنها عنده تطوع. وسبب اختلافهم: تعارض مفهوم الآثار في هذا الباب، ~~وذلك أن ظاهر حديث سمرة وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام: كل غلام مرتهن ~~بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويماط عنه الأذى يقتضي الوجوب، وظاهر قوله ms0481 عليه ~~الصلاة والسلام وقد سئل عن العقيقة فقال: لا أحب العقوق ومن ولد له ولد ~~فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل يقتضي الندب أو الإباحة، فمن فهم منه الندب ~~قال: العقيقة سنة، ومن فهم الإباحة قال: ليست بسنة ولا فرض، وخرج الحديثين ~~أبو داود. ومن أخذ بحديث سمرة أوجبها. # وأما محلها: فإن جمهور العلماء على أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز ~~في الضحايا من الأزواج الثمانية. وأما مالك فاختار فيها الضأن على مذهبه في ~~الضحايا، واختلف قوله هل يجزي فيها الإبل والبقر أو لا يجزي؟ وسائر الفقهاء ~~على أصلهم أن الإبل أفضل من البقر والبقر أفضل من الغنم. وسبب اختلافهم: ~~تعارض الآثار في هذا الباب والقياس. أما الأثر فحديث ابن عباس أن رسول الله ~~(ص) عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا وقوله: عن الجارية شاة وعن الغلام شاتان ~~خرجهما أبو داود. وأما القياس فلأنها نسك، فوجب أن يكون الأعظم فيها أفضل ~~قياسا على الهدايا. # وأما من يعق عنه، فإن جمهورهم على أنه يعق عن الذكر والأنثى الصغيرين ~~فقط، وشذ الحسن فقال: لا يعق عن الجارية، وأجاز بعضهم أن يعق عن الكبير. ~~ودليل الجمهور على تعلقها بالصغير قوله عليه الصلاة والسلام: يوم سابعه. ~~ودليل من خالف ما روي عن أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام عق عن نفسه بعد ~~ما بعث بالنبوة ودليلهم أيضا على تعلقها بالأنثى قوله عليه الصلاة والسلام ~~عن الجارية شاة وعن PageV01P373 # الغلام شاتان. ودليل من اقتصر بها على الذكر قوله عليه الصلاة والسلام كل ~~غلام مرتهن بعقيقته. وأما العدد فإن الفقهاء اختلفوا أيضا في ذلك، فقال ~~مالك: يعق عن الذكر والأنثى بشاة شاة، وقال الشافعي وأبو ثور وأبو داود ~~وأحمد: يعق عن الجارية شاة وعن الغلام شاتان. وسبب اختلافهم: اختلاف الآثار ~~في هذا الباب. فمنها حديث أم كرز الكعبية خرجه أبو داود قال: سمعت رسول ~~الله (ص) يقول في العقيقة عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة ~~والمكافأتان: المتماثلتان. وهذا يقتضي الفرق في ذلك بين ms0482 الذكر والأنثى، وما ~~روي أنه عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا يقتضي الاستواء بينهما. # وأما وقت هذا النسك فإن جمهور العلماء على أنه يوم سابع المولود، ومالك ~~لا يعد في الأسبوع اليوم الذي ولد فيه إن ولد نهارا، وعبد الملك بن ~~الماجشون يحتسب به. وقال ابن القاسم في العتبية: إن عق ليلا لم يجزه. ~~واختلاف أصحاب مالك في مبدأ وقت الاجزاء، فقيل وقت الضحايا: أعني ضحى، وقيل ~~بعد الفجر قياسا على قول مالك في الهدايا، ولا شك أن من أجاز الضحايا ليلا ~~أجاز هذه ليلا، وقد قيل يجوز في السابع الثاني والثالث. # وأما سن هذا النسك وصفته فسن الضحايا وصفتها الجائزة، أعني أنه يتقى فيها ~~من العيوب ما يتقي في الضحايا، ولا أعلم في هذا خلافا في المذهب ولا خارجا ~~منه. # وأما حكم لحمها وجلدها وسائر أجزائها فحكم لحم الضحايا في الأكل والصدقة ~~ومنع البيع، وجميع العلماء على أنه كان يدمى رأس الطفل في الجاهلية بدمها ~~وأنه نسخ في الاسلام. وذلك لحديث بريدة الأسلمي قال: كنا في الجاهلية إذا ~~ولد لأحدنا غلام ذبح له شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الاسلام كنا نذبح ~~ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران وشذ الحسن وقتادة فقالا: يمس رأس الصبي بقطنة قد ~~غمست في الدم، واستحب كسر عظامها لما كانوا في الجاهلية يقطعونها من ~~المفاصل. واختلف في حلاق رأس المولود يوم السابع، والصدقة بوزن شعره فضة، ~~فقيل هو مستحب، وقيل هو غير مستحب، والقولان عن مالك، والاستحباب أجود، وهو ~~قول ابن حبيب لما رواه مالك في الموطأ أن فاطمة بنت رسول الله (ص) حلقت شعر ~~الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم. وتصدقت بزنة ذلك فضة. PageV01P374 # كتاب الأطعمة والأشربة والكلام في أصول هذا الكتاب يتعلق بجملتين: الجملة ~~الأولى: نذكر فيها المحرمات في حال الاختيار. الجملة الثانية: نذكر فيها ~~أحوالها في حال الاضطرار. # الجملة الأولى والأغذية الانسانية: نبات وحيوان. فأما الحيوان الذي يغتذى ~~به، فمنه حلال في الشرع، ومنه حرام، وهذا منه بري ومنه بحري. والمحرمة منها ~~ما تكون ms0483 محرمة لعينها، ومنها ما تكون لسبب وارد عليها. وكل هذه منها ما ~~اتفقوا عليه، ومنها ما اختلفوا فيه. فأما المحرمة لسبب وارد عليها فهي ~~بالجملة تسعة: الميتة، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل ~~السبع، وكل ما نقصه شرط من شروط التذكية من الحيوان الذي التذكية شرط في ~~أكله، والجلالة، والطعام الحلال يخالطه نجس. فأما الميتة فاتفق العلماء على ~~تحريم ميتة البر، واختلفوا في ميتة البحر على ثلاث أقوال: فقال قوم: # هي حلال بإطلاق، وقال قوم: هي حرام بإطلاق، وقال قوم: ما طفا من السمك ~~حرام، وما جزر عنه البحر فهو حلال. وسبب اختلافهم: تعارض الآثار في هذا ~~الباب، ومعارضة عموم الكتاب لبعضها معارضة كلية وموافقته لبعضها موافقة ~~جزئية، ومعارضة بعضها لبعض معارضة جزئية. فأما العموم فهو قوله تعالى: * ~~(حرمت عليكم الميتة) *. وأما الآثار المعارضة لهذا العموم معارضة كلية ~~فحديثان الواحد متفق عليه، والآخر مختلف فيه. أما المتفق عليه فحديث جابر، ~~وفيه أن أصحاب رسول الله (ص) وجدوا حوتا يسمى العنبر، أو دابة قد جزر عنه ~~البحر فأكلوا منه بضعة وعشرين يوما أو شهرا، ثم قدموا على رسول الله (ص) ~~فأخبروه فقال: هل معكم من لحمه شئ؟ فأرسلوا منه إلى رسول الله (ص) فأكله ~~وهذا إنما يعارض الكتاب معارضة كلية بمفهومه لا بلفظه. وأما الحديث الثاني ~~المختلف فيه، فما رواه مالك عن أبي هريرة أنه سئل عن ماء البحر فقال: هو ~~الطهور ماؤه الحل ميتته. وأما الحديث الموافق للعموم موافقة جزئية فما روى ~~إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ~~ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما طفا فلا تأكلوه وهو حديث أضعف عندهم ~~من حديث PageV01P375 # مالك. وسبب ضعف حديث مالك أن في رواته من لا يعرف، وأنه ورد في طريق ~~واحد، قال أبو عمر بن عبد البر: بل رواته معروفون وقد ورد من طرق. وسبب ضعف ~~حديث جابر أن الثقات أوقفوه على جابر، فمن رجح حديث جابر هذا على حديث أبي ~~هريرة ms0484 لشهادة عموم الكتاب له لم يستثن من ذلك إلا ما جزر عنه البحر إذ لم ~~يرد في ذلك تعارض، ومن رجح حديث أبي هريرة قال بالإباحة مطلقا. وأما من قال ~~بالمنع مطلقا فمصيرا إلى ترجيح عموم الكتاب، وبالإباحة مطلقا قال مالك ~~والشافعي. وبالمنع مطلقا قال أبو حنيفة وقال قوم غير هؤلاء بالفرق. وأما ~~الخمسة التي ذكر الله مع الميتة فلا خلاف أن حكمها عندهم حكم الميتة، وأما ~~الجلالة وهي التي تأكل النجاسة فاختلفوا في أكلها. # وسبب اختلافهم: معارضة القياس للأثر. أما الأثر فما روي أنه عليه الصلاة ~~والسلام نهى عن لحوم الجلالة وألبانها خرجه أبو داود عن ابن عمر. وأما ~~القياس المعارض لهذا، فهو أن ما يرد جوف الحيوان ينقلب إلى لحم ذلك الحيوان ~~وسائر أجزائه، فإذا قلنا إن لحم الحيوان حلال، وجب أن يكون لما ينقلب من ~~ذلك حكم ما ينقلب إليه، وهو اللحم كما لو انقلب ترابا، أو كانقلاب الدم ~~لحما، والشافعي يحرم الجلالة، ومالك يكرهها. وأما النجاسة تخالط الحلال ~~فالأصل فيه الحديث المشهور من حديث أبي هريرة وميمونة أنه سئل عليه الصلاة ~~والسلام عن الفأرة تقع في السمن فقال: إن كان جامدا فاطرحوها وما حولها ~~وكلوا الباقي وإن كان ذائبا فأريقوه أو لا تقربوه. وللعلماء في النجاسة ~~تخالط المطعومات الحلال مذهبان: أحدهما: من يعتبر في التحريم المخالطة فقط ~~وإن لم يتغير للطعام لون ولا رائحة ولا طعم من قبل النجاسة التي خالطته وهو ~~المشهور والذي عليه الجمهور. والثاني: مذهب من يعتبر في ذلك التغير، وهو ~~قول أهل الظاهر ورواية عن مالك. وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم الحديث، ~~وذلك أن منهم من جعله من باب الخاص أريد به الخاص، وهم أهل الظاهر فقالوا: ~~هذا الحديث يمر على ظاهره، وسائر الأشياء يعتبر فيها تغيرها بالنجاسة أو لا ~~تغيرها بها، ومنهم من جعله من باب الخاص أريد به العام وهم الجمهور فقالوا: ~~المفهوم منه أن بنفس مخالطة النجس ينجس الحلال، إلا أنه لم يتعلل لهم الفرق ~~بين أن يكون جامدا ms0485 أو ذائبا لوجود المخالطة في هاتين الحالتين وإن كانت في ~~إحدى الحالتين أكثر: أعني في حالة الذوبان، ويجب على هذا أن يفرق بين ~~المخالطة القليلة والكثيرة، فلما لم يفرقوا بينهما فكأنهم اقتصروا من بعض ~~الحديث على ظاهره، ومن بعضه على القيا س عليه، ولذلك أقرته الظاهرية كله ~~على ظاهره. وأما المحرمات لعينها، فمنها ما اتفقوا عليه، ومنها ما اختلفوا ~~فيه. فأما المتفق منها عليه فاتفق المسلمون منها على اثنين: لحم الخنزير، ~~والدم. فأما الخنزير فاتفقوا على تحريم شحمه ولحمه وجلده، واختلفوا في ~~الانتفاع بشعره وفي طهارة جلده مدبوغا وغير مدبوغ، PageV01P376 # وقد تقدم ذلك في كتاب الطهارة. وأما الدم فاتفقوا على تحريم المسفوح منه ~~من الحيوان المذكى، واختلفوا في غير المسفوح منه. وكذلك اختلفوا في دم ~~الحوت، فمنهم من رآه نجسا، ومنهم من لم يره نجسا، والاختلاف في هذا كله ~~موجود في مذهب مالك وخارجا عنه. وسبب اختلافهم: في غير المسفوح معارضة ~~الاطلاق للتقييد، وذلك أن قوله تعالى: # * (حرمت عليكم الميتة والدم) * يقتضي تحريم مسفوح الدم وغيره، وقوله ~~تعالى: * (أو دما مسفوحا) * يقتضي بحسب دليل الخطاب تحريم المسفوح فقط، فمن ~~رد المطلق إلى المقيد اشترط في التحريم السفح، ومن رأى أن الاطلاق يقتضي ~~حكما زائدا على التقييد، وأن معارضة المقيد للمطلق إنما هو من باب دليل ~~الخطاب، والمطلق عام، والعام أقوى من دليل الخطاب قضى بالمطلق على المقيد، ~~وقال: يحرم قليل الدم وكثيره والسفح المشترط في حرمية الدم إنما هو دم ~~الحيوان المذكى، أعني أنه الذي يسيل عند التذكية من الحيوان الحلال الأكل. ~~وأما أكل دم يسيل من الحيوان الحي فقليله وكثيره حرام، وكذلك الدم من ~~الحيوان المحرم الأكل، وإن ذكي فقليله وكثيره حرام، ولا خلاف في هذا. وأما ~~سبب اختلافهم: في دم الحوت فمعارضة العموم للقياس. أما العموم فقوله تعالى: ~~* (والدم) * وأما القياس فما يمكن أن يتوهم من كون الدم تابعا في التحريم ~~لميتة الحيوان، أعني أن ما حرم ميتته حرم دمه، وما حل ميتته حل دمه، ولذلك ~~رأى مالك ms0486 أن ما لا دم له فليس بميتة. قال القاضي: وقد تكلمنا في هذه ~~المسألة في كتاب الطهارة، ويذكر الفقهاء في هذا حديثا مخصصا لعموم الدم ~~قوله عليه الصلاة والسلام: أحلت لنا ميتتان ودمان وهذا الحديث في غالب ظني ~~ليس هو في الكتب المشهورة من كتب الحديث. وأما المحرمات لعينها المختلف ~~فيها فأربعة: أحدها: لحوم السباع من الطير ومن ذوات الأربع. والثاني: ذوات ~~الحافر الانسية. والثالث: لحو الحيوان المأمور بقتله في الحرم والرابع: ~~لحوم الحيوانات التي تعافها النفوس وتستخبثها بالطبع. وحكى أبو حامد عن ~~الشافعي أنه يحرم لحم الحيوان المنهي عن أكله قال: كالخطاف والنحل فيكون ~~هذا جنسا خامسا من المختلف فيه. # فأما المسألة الأولى: وهي السباع ذوات الأربع، فروى ابن القاسم عن مالك ~~أنها مكروهة، وعلى هذا القول عول جمهور أصحابه وهو المنصور عندهم، وذكر ~~مالك في الموطأ ما دليله أنها عنده محرمة، وذلك أنه قال - بعقب حديث أبي ~~هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: أكل كل ذي ناب من السباع حرام ~~- وعلى ذلك الامر عندنا، PageV01P377 # وإلى تحريمها ذهب الشافعي وأشهب وأصحاب مالك وأبو حنيفة، إلا أنهم ~~اختلفوا في جنس السباع المحرمة فقال أبو حنيفة: كل ما أكل اللحم فهو سبع ~~حتى الفيل والضبع، واليربوع عنده من السباع، وكذلك السنور، وقال الشافعي: ~~يؤكل الضبع والثعلب، وإنما السباع المحرمة التي تعدو على الناس كالأسد ~~والنمر والذئب، وكلا القولين في المذهب، وجمهورهم على أن القرد لا يؤكل ولا ~~ينتفع به، وعند الشافعي أيضا أن الكلب حرام لا ينتفع به، لأنه فهم من النهي ~~عن سؤره نجاسة عينه. وسبب اختلافهم: في تحريم لحوم السباع من ذوات الأربع ~~معارضة الكتاب للآثار، وذلك أن ظاهر قوله: * (قل لا أجد في ما أوحي إلي ~~محرما على طاعم يطعمه) * الآية، أن ما عدا المذكور في هذه الآية حلال، ~~وظاهر حديث أبي ثعلبة الخشني أنه قال: نهى رسول الله (ص) عن أكل كل ذي ناب ~~من السباع أن السباع محرمة. هكذا رواه البخاري ومسلم. وأما مالك ms0487 فما رواه ~~في هذا المعنى من طريق أبي هريرة هو أبين في المعارضة وهو أن رسول الله (ص) ~~قال: أكل كل ذي ناب من السباع حرام وذلك أن الحديث الأول قد يمكن الجمع ~~بينه وبين الآية بأن يحمل النهي المذكور فيه عل الكراهية. وأما حديث أبي ~~هريرة فليس يمكن الجمع بينه وبين الآية إلا أن يعتقد أنه ناسخ للآية عند من ~~رأى أن الزيادة نسخ وأن القرآن ينسخ بالسنة المتواترة. فمن جمع بين حديث ~~أبي ثعلبة والآية حمل حديث لحوم السباع على الكراهية. ومن رأى أن حديث أبي ~~هريرة يتضمن زيادة على ما في الآية حرم لحوم السباع، ومن اعتقد أن الضبع ~~والثعلب محرمان فاستدلالا بعموم لفظ السباع، ومن خصص من ذلك العادية فمصيرا ~~لما روى عبد الرحمن بن عمار قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع آكلها؟ ~~قال: نعم، قلت: أصيد هي؟ قال: نعم، قلت: فأنت سمعت ذلك من رسول الله (ص)؟ ~~قال: نعم. وهذا الحديث وإن كان انفرد به عبد الرحمن فهو ثقة عند جماعة أئمة ~~الحديث، ولما ثبت من إقراره عليه الصلاة والسلام على أكل الضب بين يديه. ~~وأما سباع الطير، فالجمهور على أنها حلال لمكان الآية المتكررة، وحرمها قوم ~~لما جاء في حديث ابن عباس أنه قال: نهى رسول الله (ص) عن أكل كل ذي ناب من ~~السباع وكل مخلب من الطير إلا أن هذا الحديث لم يخرجه الشيخان، وإنما ذكره ~~أبو داود. # وأما المسألة الثانية: وهي اختلافهم في ذوات الحافر الانسي: أعني الخيل ~~والبغال والحمير، فإن جمهور العلماء على تحريم لحوم الحمر الانسية، إلا ما ~~روي عن ابن عباس وعائشة أنهما كانا يبيحانها، وعمالك أنه كان يكرهها، رواية ~~ثانية مثل قول الجمهور، وكذلك الجمهور على تحريم البغال، وقوم كرهوها ولم ~~يحرموها، وهو مروي عن مالك PageV01P378 # وأما الخيل فذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة إلى أنها محرمة، وذهب الشافعي ~~وأبو يوسف ومحمد وجماعة إلى إباحتها. والسبب في اختلافهم: في الحمر الانسية ~~معارضة الآية المذكورة للأحاديث الثابتة ms0488 في ذلك من حديث جابر وغيره قال: ~~نهى رسول الله (ص) يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل فمن ~~جمع بين الآية وهذا الحديث حملها على الكراهية، ومن رأى النسخ قال بتحريم ~~الحمر أو قال بالزيادة دون أن يوجب عنده نسخا، وقد احتج من لم ير تحريمها ~~بما روي عن أبي إسحاق الشيباني عن ابن أبي أوفى قال أصبنا حمرا مع رسول ~~الله (ص) بخيبر وطبخناها، فنادى منادي رسول الله (ص) أن أكفئوا القدور بما ~~فيها. قال ابن إسحاق: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال: إنما نهى عنها لأنها ~~كانت تأكل الجلة. وأما اختلافهم في البغال: فسببه معارضة دليل الخطاب في ~~قوله تعالى: * (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة) * وقوله مع أن ذلك ~~في الانعام * (لتركبوا منها ومنها تأكلون) * للآية الحاصرة للمحرمات، لأنه ~~يدل مفهوم الخطاب فيها أن المباح في البغال إنما هو الركوب مع قياس البغل ~~أيضا على الحمار. وأما سبب اختلافهم في الخيل: فمعارضة دليل الخطاب في هذه ~~الآية لحديث جابر، ومعارضة قياس الفرس على البغل والحمار له، لكن إباحة لحم ~~الخيل نص في حديث جابر فلا ينبغي أن يعارض بقياس ولا بدليل خطاب. # وأما المسألة الثالثة: وهي اختلافهم في الحيوان المأمور بقتله في الحرم ~~وهي الخمس المنصوص عليها: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور ~~فإن قوما فهموا من الامر بالقتل لها مع النهي عن قتل البهائم المباحة الأكل ~~ان العلة في ذلك هو كونها محرمة، وهو مذهب الشافعي، وقوما فهموا من ذلك ~~معنى التعدي لا معنى التحريم، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وجمهور أصحابهما. ~~وأما الجنس الرابع: وهو الذي تستخبثه النفوس كالحشرات والضفادع والسرطانات ~~والسلحفاة وما في معناها، فإن الشافعي حرمها، وأباحها الغير، ومنهم من ~~كرهها فقط. وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم ما ينطلق عليه اسم الخبائث في ~~قوله تعالى: * (ويحرم عليهم الخبائث) * فمن رأى أنها المحرمات بنص الشرع لم ~~يحرم من ذلك ما تستخبثه النفوس مما لم يرد فيه نص، ومن رأى أن الخبائث ms0489 هي ~~ما تستخبثه النفوس قال: هي محرمة. وأما ما حكاه أبو حامد عن الشافعي في ~~تحريمه الحيوان المنهي عن قتله كالخطاف والنحل زعم، فإني لست أدري أين وقعت ~~الآثار الواردة في ذلك، ولعلها في غير الكتب المشهورة عندنا. وأما ~~PageV01P379 # الحيوان البحري، فإن العلماء أجمعوا على تحليل ما لم يكن منه موافقا ~~بالاسم لحيوان في البر محرم، فقال مالك: لا بأس بأكل جميع حيوان البحر، إلا ~~أنه كره خنزير الماء وقال أنتم تسمونه خنزيرا، وبه قال ابن أبي ليلى ~~والأوزاعي ومجاهد وجمهور العلماء، إلا أن منهم من يشترط في غير السمك ~~التذكية، وقد تقدم ذلك. وقال الليث بن سعد أما انسان الماء وخنزير الماء ~~فلا يؤكلان على شئ من الحالات. وسبب اختلافهم: هو هل يتناول لغة أو شرعا ~~اسم الخنزير والانسان خنزير الماء وإنسانه؟ وعلى هذا يجب أن يتطرق الكلام ~~إلى كل حيوان في البحر مشارك بالاسم في اللغة أو في العرف لحيوان محرم في ~~البر مثل الكلب عند من يرى تحريمه. والنظر في هذه المسألة يرجع إلى أمرين: ~~أحدهما: هل هذه الأسماء لغوية؟ والثاني: هل للاسم المشترك عموم أم ليس له؟ ~~فإن انسان الماء وخنزيره يقالان مع خنزير البر وإنسانه باشتراك الاسم فمن ~~سلم أن هذه الأسماء لغوية ورأي أن للاسم المشترك عموما لزمه أن يقول ~~بتحريمها، ولذلك توقف مالك في ذلك وقال: أنتم تسمونه خنزيرا. فهذه حال ~~الحيوان المحرم الأكل في الشرع والحيوان المباح الأكل. وأما النبات الذي هو ~~غذاء فكله حلال إلا الخمر وسائر الأنبذة المتخذة من العصارات التي تتخمر، ~~ومن العسل نفسه، أما الخمر فإنهم اتفقوا على تحريم قليلها وكثيرها: أعني ~~التي هي من عصير العنب. وأما الأنبذة فإنهم اختلفوا في القليل منها الذي لا ~~يسكر، وأجمعوا على أن المسكر منها حرام، فقال جمهور فقهاء الحجاز وجمهور ~~المحدثين: قليل الأنبذة وكثيرها المسكرة حرام. وقال العراقيون: إبراهيم ~~النخعي من التابعين وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وشريك وابن شبرمة وأبو ~~حنيفة وسائر فقهاء الكوفيين وأكثر علماء البصريين: إن المحرم ms0490 من سائر ~~الأنبذة المسكرة هو السكر نفسه لا العين. وسبب اختلافهم: تعارض الآثار ~~والأقيسة في هذا الباب، فللحجازيين في تثبيت مذهبهم طريقتان: الطريقة ~~الأولى: الآثار الواردة في ذلك. والطريقة الثانية: تسمية الأنبذة بأجمعها ~~خمرا، فمن أشهر الآثار التي تمسك بها أهل الحجاز ما رواه مالك عن ابن شهاب ~~عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت: سئل رسول الله (ص) عن البتع ~~وعن نبيذ العسل؟ فقال: كل شراب أسكر فهو حرام خرجه البخاري. وقال يحيى بن ~~معين: هذا أصح حديث روي عن النبي عليه الصلاة والسلام في تحريم المسكر، ~~ومنها أيضا ما خرجه مسلم عن ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: كل ~~مسكر خمر، وكل خمر حرام فهذان حديثان صحيحان. أما الأول: فاتفق الكل عليه. ~~وأما الثاني: فانفرد بتصحيحه مسلم. وخرج الترمذي وأبو داود والنسائي عن ~~جابر بن عبد الله أن رسول الله (ص) قال: ما أسكر كثيره فقليله حرام وهو نص ~~في موضع الخلاف. وأما الاستدلال الثاني من أن الأنبذة كلها تسمى خمرا، فلهم ~~في ذلك طريقتان: إحداهما: من PageV01P380 # جهة إثبات الأسماء بطريق الاشتقاق، والثاني: من جهة السماع، فأما التي من ~~جهة الاشتقاق فإنهم قالوا إنه معلوم عند أهل اللغة الخمر إنما سميت خمرا ~~لمخامرتها العقل، فوجب لذلك أن ينطلق اسم الخمر لغة على كل ما خامر العقل. ~~وهذه الطريقة من إثبات الأسماء فيها اختلاف بين الأصوليين، وهي غير مرضية ~~عند الخراسانيين. وأما الطريقة الثانية التي من جهة السماع، فإنهم قالوا ~~إنه وإن لم يسلم لنا أن الأنبذة تسمى في اللغة خمرا فإنها تسمى خمرا شرعا، ~~واحتجوا في ذلك بحديث ابن عمر المتقدم، وبما روي أيضا عن أبي هريرة أن رسول ~~الله (ص) قال: الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة وما روي أيضا عن ~~ابن عمر أن رسول الله (ص) قال: إن من العنب خمرا، وإن من العسل خمرا، ومن ~~الزبيب خمرا، ومن الحنطة خمرا وأنا أنهاكم عن كل مسكر فهذه هي عمدة ~~الحجازيين في ms0491 تحريم الأنبذة. وأما الكوفيون فإنهم تمسكوا لمذهبهم بظاهر ~~قوله تعالى: * (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) * ~~وبآثار رووها في هذا الباب، وبالقياس المعنوي. أما احتجاجهم بالآية فإنهم ~~قالوا: # السكر هو المسكر، ولو كان محرم العين لما سماه الله رزقا حسنا. وأما ~~الآثار التي اعتمدوها في هذا الباب، فمن أشهرها عندهم حديث أبي عون الثقفي ~~عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: حرمت ~~الخمر لعينها والسكر من غيرها وقالوا: هذا نص لا يحتمل التأويل. وضعفه أهل ~~الحجاز لان بعض رواته روى والمسكر من غيرها. ومنها حديث شريك عن سماك بن ~~حرب بإسناده عن أبي بردة بن نيار قال: قال رسول الله (ص) إني كنت نهيتكم عن ~~الشراب في الأوعية فاشربوا فيما بدا لكم ولا تسكروا خرجها الطحاوي، ورووا ~~عن ابن مسعود أنه قال: شهدت تحريم النبيذ كما شهدتم، ثم شهدت تحليله فحفظت ~~ونسيتم. ورووا عن أبي موسى قال: بعثني رسول الله (ص) أنا ومعاذا إلى اليمن، ~~فقلنا: يا رسول الله إن بها شرابين يصنعان من البر والشعير: أحدهما: يقال ~~له المزر، والآخر يقال له البتع، فما نشرب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ~~اشربا ولا تسكرا خرجه الطحاوي أيضا، إلى غير ذلك من الآثار التي ذكروها في ~~هذا الباب. وأما احتجاجهم من جهة النظر فإنهم قالوا: قد نص القرآن أن علة ~~التحريم في الخمر إنما هي الصد عن ذكر الله ووقوع العداوة والبغضاء كما قال ~~تعالى: # * (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ~~ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة) * وهذه العلة توجد في القدر المسكر فيما ~~دون ذلك، فوجب أن يكون ذلك القدر هو الحرام إلا ما انعقد عليه الاجماع من ~~تحريم قليل الخمر وكثيرها، PageV01P381 # قالوا: وهذا النوع من القياس يلحق بالنص، وهو القياس الذي ينبه الشرع على ~~العلة فيه. # وقال المتأخرون من أهل النظر: حجة الحجازيين من طريق السمع أقوى وحجة ~~العراقيين من طريق القياس أظهر، وإذا كان ms0492 هذا كما قالوا فيرجع الخلاف إلى ~~اختلافهم في تغليب الأثر على القياس، أو تغليب القياس على الأثر إذا تعارضا ~~وهي مسألة مختلف فيها، لكن الحق أن الأثر إذا كان نصا ثابتا، فالواجب أن ~~يغلب على القياس، وأما إذا كان ظاهر اللفظ محتملا للتأويل فهنا يتردد ~~النظر: هل يجمع بينهما بأن يتأول اللفظ أو يغلب ظاهر اللفظ على مقتضى ~~القياس؟ وذلك مختلف بحسب قوة لفظ من الألفاظ الظاهرة، وقوة قياس من ~~القياسات التي تقابلها ولا يدرك الفرق بينهما إلا بالذوق العقلي كما يدرك ~~الموزون من الكلام من غير الموزون، وربما كان الذوقان على التساوي، ولذلك ~~كثر الاختلاف في هذا النوع حتى قال كثير من الناس: كل مجتهد مصيب.. قال ~~القاضي: والذي يظهر لي والله أعلم أن قوله عليه الصلاة والسلام كل مسكر ~~حرام وإن كان يحتمل أن يراد به القدر المسكر لا الجنس المسكر، فإن ظهوره في ~~تعليق التحريم بالجنس أغلب على الظن من تعليقه بالقدر لمكان معارضة ذلك ~~القياس له على ما تأوله الكوفيون، فإنه لا يبعد أن يحرم الشارع قليل المسكر ~~وكثيره سدا للذريعة وتغليظا، مع أن الضرر إنما يوجد في الكثير، وقد ثبت من ~~حال الشرع بالاجماع أنه اعتبر في الخمر الجنس دون القدر الواجب، فوجب كل ما ~~وجدت فيه علة الخمر أن يلحق بالخمر، وأن يكون على من زعم وجود الفرق إقامة ~~الدليل على ذلك، هذا إن لم يسلموا لنا صحة قوله عليه الصلاة والسلام ما ~~أسكر كثيره فقليله حرام فإنهم إن سلموه لم يجدوا انفكاكا فإنه نص في موضع ~~الخلاف، ولا يصح أن تعارض النصوص بالمقاييس، وأيضا فإن الشرع قد أخبر أن في ~~الخمر مضرة ومنفعة، فقال تعالى: * (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس) * وكان ~~القياس إذا قصد الجمع بين انتفاء المضرة ووجود المنفعة أن يحرم كثيرها ~~ويحلل قليلها، فلما غلب الشرع حكم المضرة على المنفعة في الخمر ومنع القليل ~~منها والكثير، وجب أن يكون الامر كذلك في كل ما يوجد فيه علة تحريم الخمر، ~~إلا ms0493 أن يثبت في ذلك فارق شرعي. # واتفقوا على أن الانتباذ حلال ما لم تحدث فيه الشدة المطربة الخمرية ~~لقوله عليه الصلاة والسلام فانتبذوا وكل مسكر حرام، ولما ثبت عنه عليه ~~الصلاة والسلام أنه كان ينتبذ، وأنه كان يريقه في اليوم الثاني أو الثالث ~~واختلفوا من ذلك في مسألتين: إحداهما: # في الأواني التي ينتبذ فيها، والثانية: في انتباذ شيئين مثل البسر ~~والرطب، والتمر والزبيب. # فأما المسألة الأولى: فإنهم أجمعوا على جواز الانتباذ في الأسقية، ~~واختلفوا فيما PageV01P382 # سواها، فروى ابن القاسم عن مالك أنه كره الانتباذ في الدباء والمزفت ولم ~~يكره غيره ذلك، وكره الثوري الانتباذ في الدباء والحنتم والنقير والمزفت، ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا بأس بالانتباذ في جميع الظروف والأواني. وسبب ~~اختلافهم: اختلاف الآثار في هذا الباب. وذلك أنه ورد من طريق ابن عباس ~~النهي عن الانتباذ في الأربع التي كرهها الثوري، وهو حديث ثابت. وروى مالك ~~عن ابن عمر في الموطأ أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الانتباذ في ~~الدباء، والمزفت وجاء في حديث جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام من طريق ~~شريك عن سماك أنه قال: كنت نهيتكم أن تنبذوا في الدباء والحنتم والنقير ~~والمزفت فانتبذوا ولا أحل مسكرا وحديث أبي سعيد الخدري الذي رواه مالك في ~~الموطأ، وهو أنه عليه الصلاة والسلام قال: كنت نهيتكم عن الانتباذ ~~فانتبذوا. وكل مسكر حرام. فمن رأى أن النهي المتقدم الذي نسخ إنما كان نهيا ~~عن الانتباذ في هذه الأواني إذ لم يعلم ههنا نهي متقدم غير ذلك قال: يجوز ~~الانتباذ في كل شئ. ومن قال إن النهي المتقدم الذي نسخ إنما كان نهيا عن ~~الانتباذ مطلقا قال: بقي النهي عن الانتباذ في هذه الأواني، فمن اعتمد في ~~ذلك حديث ابن عمر قال بالآيتين المذكورتين فيه، ومن اعتمد في ذلك حديث ابن ~~عباس قال: بالأربعة، لأنه يتضمن مزيدا، والمعارضة بينه وبين حديث ابن عمر ~~إنما هي من باب دليل الخطاب. وفي كتاب مسلم النهي عن الانتباذ في الحنتم، ~~وفيه أنه ms0494 رخص لهم فيه إذا كان غير مزفت. # وأما المسألة الثانية: وهي انتباذ الخليطين، فإن الجمهور قالوا بتحريم ~~الخليطين من الأشياء التي من شأنها أن تقبل الانتباذ، وقال قوم: بل ~~الانتباذ مكروه، وقال قوم: هو مباح، وقال قوم: كل خليطين فهما حرام وإن لم ~~يكونا مما يقبلان الانتباذ فيما أحسب الآن. والسبب في اختلافهم: ترددهم في ~~هل النهي الوارد في ذلك هو على الكراهة أو على الحظر؟ وإذا قلنا إنه على ~~الحظر، فهل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ وذلك أنه ثبت عنه عليه الصلاة ~~والسلام أنه نهى عن أن يخلط التمر والزبيب، والزهو والرطب، والبسر والزبيب ~~وفي بعضها أنه قال عليه الصلاة والسلام لا تنتبذوا الزهو والزبيب جميعا، ~~ولا التمر والزبيب جميعا، وانتبذوا كل واحد منهما على حدة فيخرج في ذلك ~~بحسب التأويل الأقاويل الثلاثة: قول بتحريمه. وقول بتحليله مع الاثم في ~~الانتباذ. وقول بكراهية ذلك. وأما من قال إنه مباح، فلعله اعتمد في ذلك ~~عموم الأثر بالانتباذ في حديث أبي سعيد الخدري، وأما من منع كخليطين، فإما ~~أن يكون ذهب إلى أن علة المنع هو الاختلاط لا ما يحدث من الاختلاط من الشدة ~~في النبيذ، وإما أن يكون قد تمسك بعموم ما ورد أنه نهى عن الخليطين. ~~وأجمعوا على أن الخمر إذا تخللت من ذاتها جاز أكلها. واختلفوا إذا قصد ~~تخليلها على ثلاثة أقوال: التحريم، والكراهية، والإباحة. وسبب اختلافهم: # معارضة القياس للأثر واختلافهم في مفهوم الأثر، وذلك أن أبا داود خرج من ~~حديث PageV01P383 # أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن أيتام ورثوا ~~خمرا، فقال أهرقها، قال: أفلا أجعلها خلا؟ قال: لا فمن فهم من المنع سد ~~ذريعة حمل ذلك على الكراهية، ومن فهم النهي لغير علة قال بالتحريم، ويخرج ~~على هذا أن لا تحريم أيضا على مذهب من يرى أن النهي لا يعود بفساد المنهي. ~~والقياس المعارض لحمل الخل على التحريم أنه قد علم من ضرورة الشرع أن ~~الاحكام المختلفة إنما هي للذوات ms0495 المختلفة، وأن الخمر غير ذات الخل، والخل ~~بإجماع حلال، فإذا انتقلت ذات الخمر إلى ذات الخل وجب أن يكون حلالا كيفما ~~انتقل. # الجملة الثانية: في استعمال المحرمات في حال الاضطرار. والأصل في هذا ~~الباب قوله تعالى: * (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) * ~~والنظر في هذا الباب في السبب المحلل وفي جنس الشئ المحلل وفي مقداره. فأما ~~السبب، فهو ضرورة التغذي: أعني إذا لم يجد شيئا حلالا يتغذى به، وهو لا ~~خلاف فيه. وأما السبب الثاني: طلب البرء، وهذا المختلف فيه، فمن أجازه احتج ~~بإباحة النبي عليه الصلاة والسلام الحرير لعبد الرحمن بن عوف لمكان حكة به، ~~ومن منعه فلقوله عليه الصلاة والسلام: إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم ~~عليها. وأما جنس الشئ المستباح فهو كل شئ محرم مثل الميتة وغيرها، ~~والاختلاف في الخمر عندهم هو من قبل التداوي بها لا من قبل استعمالها في ~~التغذي، ولذلك أجازوا للعطشان أن يشربها إن كان منها ري، وللشرق أن يزيل ~~شرقه بها. وأما مقدار ما يؤكل من الميتة وغيرها فإن مالكا قال: حد ذلك ~~الشبع والتزود منها حتى يجد غيرها، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يأكل منها ~~إلا ما يمسك الرمق، وبه قال بعض أصحاب مالك. وسبب الاختلاف: هل المباح له ~~في حال الاضطرار هو جميعها أم ما يمسك الرمق فقط؟ والظاهر أنه جميعها لقوله ~~تعالى: * (فمن اضطر غير باغ ولا عاد) * واتفق مالك والشافعي على أنه لا يحل ~~للمضطر أكل الميتة إذا كان عاصيا بسفره لقوله تعالى: * (غير باغ وعاد) * ~~وذهب غيره إلى جواز ذلك. PageV01P384 # بداية المجتهد و نهاية المقتصد للامام القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن ~~محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الأندلسي الشهير (بابن رشد الحفيد) المتوفى ~~سنة 595 ه‍ تنقيح وتصحيح خالد العطار الجزء الثاني طبعة جديدة منقحة ومصححة ~~إشراف مكتب البحوث والدراسات دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ~~PageV02P001 # جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر 1415 ه‍ - 1995 م بيروت - لبنان دار ~~الفكر: ms0496 حارة حريك - شارع عبد النور - برقيا: فكسي - تلكس: 41392 فكر ص. ب: ~~61. 7 / 11 - تلفون: 643681 - 838053 - 837898 - دولي: 860962 فاكس: ~~2124187875 - 001 PageV02P002 # من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين حديث شريف بسم الله الرحمن الرحيم ~~كتاب النكاح وأصول هذا الكتاب تنحصر في خمسة أبواب: الباب الأول: في مقدمات ~~النكاح. # الباب الثاني: في موجبات صحة النكاح. الباب الثالث: في موجبات الخيار في ~~النكاح. # الباب الرابع: في حقوق الزوجية. الباب الخامس: في الأنكحة المنهي عنها ~~والفاسدة. # الباب الأول: في مقدمات النكاح وفي هذا الباب أربع مسائل في حكم النكاح ~~وفي حكم خطبة النكاح، وفي الخطبة على الخطبة، وفي النظر إلى المخطوبة قبل ~~التزويج. فأما حكم النكاح فقال قوم: هو مندوب إليه، وهم الجمهور، وقال أهل ~~الظاهر: هو واجب وقال المتأخرة من المالكية: هو في حق بعض الناس واجب وفي ~~حق بعضهم مندوب إليه، وفي حق بعضهم مباح، وذلك بحسب ما يخاف على نفسه من ~~العنت. وسبب اختلافهم: هل تحمل صيغة الامر به في قوله تعالى: * (فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء) * وفي قوله عليه الصلاة والسلام تناكحوا فإني مكاثر بكم ~~الأمم وما أشبه ذلك من الأخبار الواردة في ذلك على الوجوب أم على الندب أم ~~على الإباحة؟. فأما من قال إنه في حق بعض الناس واجب وفي حق بعضهم مندوب ~~إليه، وفي حق بعضهم مباح، فهو التفات إلى المصلحة، وهذا النوع من القياس هو ~~الذي يسمى المرسل، وهو الذي ليس له أصل معين يستند إليه، وقد أنكره كثير من ~~العلماء، والظاهر من مذهب مالك القول به. # وأما خطبة النكاح المروية عن النبي (ص) فقال الجمهور إنها ليست واجبة، ~~وقال داود هي واجبة. وسبب الخلاف: هل يحمل فعله في ذلك عليه الصلاة والسلام ~~على الوجوب أو على الندب؟ فأما الخطبة على الخطبة، فإن النهي في ذلك ثابت ~~عن النبي عليه الصلاة PageV02P003 # والسلام. واختلفوا هل يدل ذلك على فساد النهي عنه أو لا يدل، وإن كان يدل ~~ففي أي حالة يدل؟ فقال ms0497 داود يفسخ، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يفسخ، وعن ~~مالك القولان جميعا، وثالث وهو أن يفسخ قبل الدخول ولا يفسخ بعده، وقال ابن ~~القاسم: إنما معنى النهي إذا خطب رجل صالح على خطبة رجل صالح، وأما إن كان ~~الأول غير صالح والثاني صالح جاز. وأما الوقت عند الأكثر فهو إذا ركن بعضهم ~~إلى بعض لا في أول الخطبة، بدليل حديث فاطمة بنت قيس، جاءت إلى النبي (ص) ~~فذكرت له أن أبا جهم بن حذيفة ومعاوية بن أبي سفيان خطباها، فقال: أما أبو ~~جهم فرجل لا يرفع عصاه عن النساء، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، ولكن ~~انكحي أسامة. وأما النظر إلى المرأة عند الخطبة، فأجاز ذلك مالك إلى الوجه ~~والكفين فقط، وأجاز ذلك غيره إلى جميع البدن عدا السوأتين. ومنع ذلك قوم ~~على الاطلاق، وأجاز أبو حنيفة النظر إلى القدمين مع الوجه والكفين. # والسبب في اختلافهم: أنه ورد الامر بالنظر إليهن مطلقا، وورد بالمنع ~~مطلقا، وورد مقيدا: # أعني بالوجه والكفين على ما قاله كثير من العلماء في قوله تعالى: * (ولا ~~يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) * أنه الوجه والكفان، وقياسا على جواز ~~كشفهما في الحج عند الأكثر، ومن منع تمسك بالأصل وهو تحريم النظر إلى ~~النساء. # الباب الثاني: في موجبات صحة النكاح وهذا الباب ينقسم إلى ثلاثة أركان: ~~الركن الأول: في معرفة كيفية هذا العقد. الركن الثاني: في معرفة محل هذا ~~العقد. الثالث: في معرفة شروط هذا العقد. # الركن الأول: في الكيفية. والنظر في هذا الركن في مواضع: في كيفية الاذن ~~المنعقد به، ومن المعتبر رضاه في لزوم هذا العقد، وهل يجوز عقده على الخيار ~~أم لا يجوز؟ وهل إن تراخى القبول من أحد المتعاقدين لزم ذلك العقد، أم من ~~شرط ذلك الفور؟ # الموضع الأول: الاذن في النكاح على ضربين: فهو واقع في حق الرجال والثيب ~~من النساء بالألفاظ. وهو في حق الابكار المستأذنات واقع بالسكوت: أعني ~~الرضا. وأما الرد فباللفظ ولا خلاف في هذه الجملة إلا ما حكي عن ms0498 أصحاب ~~الشافعي أن إذن البكر إذا كان المنكح غير أب ولا جد بالنطق، وإنما صار ~~الجمهور إلى أن إذنها بالصمت للثابت من قوله عليه الصلاة والسلام الأيم أحق ~~بنفسها من وليها. والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها واتفقوا على أن ~~انعقاد النكاح بلفظ النكاح ممن إذنه اللفظ وكذلك بلفظ التزويج. واختلفوا في ~~انعقاده بلفظ الهبة أو بلفظ البيع أو بلفظ الصدقة، فأجازه قوم، وبه قال ~~مالك وأبو حنيفة. # وقال الشافعي: لا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج. وسبب اختلافهم: هل ~~هو عقد يعتبر فيه PageV02P004 # مع النية اللفظ الخاص به؟ أم ليس من صحته اعتبار اللفظ؟ فمن ألحقه ~~بالعقود التي يعتبر فيها الأمران قال: لا نكاح منعقد إلا بلفظ النكاح أو ~~التزويج، ومن قال: إن اللفظ ليس من شرطه اعتبارا بما ليس من شرطه اللفظ ~~أجاز النكاح بأي لفظ اتفق إذا فهم المعنى الشرعي من ذلك، أعني أنه إذا كان ~~بينه وبين المعنى الشرعي مشاركة. # الموضع الثاني: وأما من المعتبر قبوله في صحة هذا العقد، فإنه يوجد في ~~الشرع على ضربين: أحدهما: يعتبر فيه رضا المتناكحين أنفسهما: أعني الزوج ~~والزوجة، إما مع الولي، وإما دونه على مذهب من لا يشترط الولي في رضا ~~المرأة المالكة أمر نفسها. # والثاني: يعتبر فيه رضا الأولياء فقط، وفي كل واحد من هذين الضربين مسائل ~~اتفقوا عليها، ومسائل اختلفوا فيها، ونحن نذكر منها قواعدها وأصولها فنقول: ~~أما الرجال البالغون الأحرار المالكون لأمر أنفسهم فإنهم اتفقوا على اشتراط ~~رضاهم وقبولهم في صحة النكاح، واختلفوا هل يجبر العبد على النكاح سيده ~~والوصي محجوره البالغ أم ليس يجبره؟ # فقال مالك: يجبر السيد عبده على النكاح، وبه قال أبو حنيفة. وقال ~~الشافعي: لا يجبره. # والسبب في اختلافهم: هل النكاح من حقوق السيد أم ليس من حقوقه؟ وكذلك ~~اختلفوا في جبر الوصي محجوره، والخلاف في ذلك موجود في المذهب. وسبب ~~اختلافهم: هل النكاح مصلحة من مصالح المنظور له أم ليس بمصلحة وإنما طريقه ~~الملاذ؟ وعلى القول بأن النكاح واجب ينبغي أن ms0499 لا يتوقف في ذلك. وأما النساء ~~اللاتي يعتبر رضاهن في النكاح، فاتفقوا على اعتبار رضا الثيب البالغ لقوله ~~عليه الصلاة والسلام والثيب تعرب عن نفسها إلا ما حكي عن الحسن البصري. ~~واختلفوا في البكر البالغ وفي الثيب الغير البالغ ما لم يكن ظهر منها ~~الفساد. فأما البكر البالغ فقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى: # للأب فقط أن يجبرها على النكاح، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأبو ~~ثور وجماعة: لا بد من اعتبار رضاها، ووافقهم مالك في البكر المعنسة على أحد ~~القولين عنه. وسبب اختلافهم: معارضة دليل الخطاب في هذا للعموم، وذلك أن ما ~~روي عنه عليه الصلاة والسلام من قوله: لا تنكح اليتيمة إلا بإذنها وقوله ~~تستأمر اليتيمة في نفسها خرجه أبو داود، والمفهوم منه بدليل الخطاب أن ذات ~~الأب بخلاف اليتيمة، وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس المشهور ~~والبكر تستأمر يوجب بعمومه استئمار كل بكر. والعموم أقوى من دليل الخطاب، ~~مع أنه خرج مسلم في حديث ابن عباس زيادة، وهو أنه قال عليه الصلاة والسلام: ~~والبكر يستأذنها أبوها وهو نص في موضع الخلاف. وأما الثيب الغير البالغ، ~~فإن مالكا وأبا حنيفة قالا: يجبرها الأب على النكاح، وقال الشافعي: لا ~~يجبرها، وقال المتأخرون: إن في المذهب فيها ثلاثة أقوال: قول إن الأب ~~يجبرها ما لم تبلغ بعد الطلاق، وهو قول أشهب، وقول إنه يجبرها وإن بلغت، ~~وهو قول سحنون، وقول PageV02P005 # إنه لا يجبرها وإن لم تبلغ، وهو قول أبي تمام، والذي حكيناه عن مالك هو ~~الذي حكاه أهل مسائل الخلاف كابن القصار، وغيره عنه. وسبب اختلافهم: معارضة ~~دليل الخطاب للعموم، وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام تستأمر اليتيمة في ~~نفسها ولا تنكح اليتيمة إلا بإذنها يفهم منه أن ذات الأب لا تستأمر إلا ما ~~أجمع عليه الجمهور من استئمار الثيب البالغ، وعموم قوله عليه الصلاة ~~والسلام الثيب أحق بنفسها من وليها يتناول البالغ وغير البالغ، وكذلك قوله ~~لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح حتى تستأذن يدل بعمومه ms0500 على ما قاله ~~الشافعي. ولاختلافهم في هاتين المسألتين سبب آخر: وهو استنباط القياس من ~~موضع الاجماع، وذلك أنهم لما أجمعوا على أن الأب يجبر البكر غير البالغ، ~~وأنه لا يجبر الثيب البالغ إلا خلافا شاذا فيهما جميعا كما قلنا اختلفوا في ~~موجب الاجبار هل هو البكارة أو الصغر؟ فمن قال الصغر قال: لا تجبر البكر ~~البالغ، ومن قال البكارة قال: تجبر البكر البالغ ولا تجبر الثيب الصغيرة، ~~ومن قال كل واح منهما يوجب الاجبار إذا انفرد قال: # تجبر البكر البالغ والثيب الغير البالغ، والتعليل الأول تعليل أبي حنيفة، ~~والثاني تعليل الشافعي، والثالث تعليل مالك، والأصول أكثر شهادة لتعليل أبي ~~حنيفة. واختلفوا في الثيوبة التي ترفع الاجبار وتوجب النطق بالرضا أو الرد، ~~فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها الثيوبة التي تكون بنكاح صحيح أو شبهة نكاح ~~أو ملك، وأنها لا تكون بزنا ولا بغصب، وقال الشافعي: كل ثيوبة ترفع ~~الاجبار. وسبب اختلافهم هل يتعلق الحكم بقوله عليه الصلاة والسلام: (الثيب ~~أحق بنفسها من وليها) بالثيوبة الشرعية أم بالثيوبة اللغوية؟ واتفقوا على ~~أن الأب يجبر ابنه الصغير على النكاح، وكذلك ابنته الصغيرة البكر، ولا ~~يستأمرها لما ثبت: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله ~~عنها بنت ست أو سبع وبنى بها وهي بنت تسع بإنكاح أبي بكر رضي الله عنه إلا ~~ما روي من الخلاف عن ابن شبرمة. واختلفوا من ذلك في مسألتين: إحداهما: هل ~~يزوج الصغيرة غير الأب؟ والثانية: هل يزوج الصغير غير الأب؟ فأما هل يزوج ~~الصغيرة غير الأب أم لا؟ فقال الشافعي: يزوجها الجد أبو الأب والأب فقط، ~~وقال مالك: لا يزوجها إلا الأب فقط، أو من جعل الأب له ذلك إذا عين الزوج ~~إلا أن يخاف عليها الضيعة والفساد، وقال أبو حنيفة: يزوج الصغيرة كل من له ~~عليها ولاية من أب وقريب وغير ذلك، ولها الخيار إذا بلغت. وسبب اختلافهم: ~~معارضة العموم للقياس، وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام والبكر تستأمر ~~وإذنها صماتها يقتضي ms0501 العموم في كل بكر إلا ذات الأب التي خصصها الاجماع، ~~إلا الخلاف الذي ذكرناه، وكون سائر الأولياء معلوما منهم النظر والمصلحة ~~لولايتهم يوجب أن يلحقوا بالأب في هذا المعنى، فمنهم من ألحق به جميع ~~الأولياء ومنهم من ألحق به الجد فقط، لأنه فمعنى الأب إذ كان أبا أعلى، وهو ~~الشافعي، ومن قصر ذلك على الأب رأى أن ما للأب في ذلك غير موجود ~~PageV02P006 # لغيره، إما من قبل أن الشرع خصه بذلك وإما من قبل أن ما يوجد فيه من ~~الرأفة والرحمة لا يوجد في غيره، وهو الذي ذهب إليه مالك رضي الله عنه، وما ~~ذهب إليه أظهر والله أعلم إلا أن يكون هناك ضرورة. وقد احتج الحنفية بجواز ~~إنكاح الصغار غير الآباء بقوله تعالى: * (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء) * قال: # واليتيم لا ينطلق إلا على غير البالغة. والفريق الثاني قالوا: إن اسم ~~اليتيم قد ينطلق على بالغة بدليل قوله عليه الصلاة والسلام تستأمر اليتيمة ~~والمستأمرة هي من أهل الاذن وهي البالغة، فيكون لاختلافهم سبب آخر، وهو ~~اشتراك اسم اليتيم، وقد احتج أيضا من لم يجز نكاح غير الأب لها بقوله عليه ~~الصلاة والسلام تستأمر اليتيمة في نفسها قالوا: # والصغيرة ليست من أهل الاستئمار باتفاق، فوجب المنع، ولأولئك أن يقولوا: ~~أن هذا حكم اليتيمة التي هي من أهل الاستئمار، وأما الصغيرة فمسكوت عنها. ~~وأما: هل يزوج الولي غير الأب الصغير؟ فإن مالكا أجازه للوصي، وأبا حنيفة ~~أجازه للأولياء، إلا أن أبا حنيفة أوجب الخيار له إذا بلغ، ولم يوجب ذلك ~~مالك. وقال الشافعي: ليس لغير الأب إنكاحه. # وسبب اختلافهم: قياس غير الأب في ذلك على الأب. فمن رأى أن الاجتهاد ~~الموجود فيه الذي جاز للأب به أن يزوج الصغير من ولده لا يوجد في غير الأب ~~لم يجز ذلك ومن رأى أنه يوجد فيه أجاز ذلك. ومن فرق بين الصغير في ذلك ~~والصغيرة فلان الرجل يملك الطلاق إذا بلغ ولا تملكه المرأة، ولذلك جعل ms0502 أبو ~~حنيفة لهما الخيار إذا بلغا. # وأما الموضع الثالث: وهو هل يجوز عقد النكاح على الخيار، فإن الجمهور على ~~أنه لا يجوز، وقال أبو ثور يجوز. والسبب في اختلافهم: تردد النكاح بين ~~البيوع التي لا يجوز فيها الخيار، والبيوع التي يجوز فيها الخيار، أو نقول ~~إن الأصل في العقود أن لا خيار إلا ما وقع عليه النص وعلى المثبت للخيار ~~الدليل، أو نقول إن أصل منع الخيار في البيوع هو الغرر والأنكحة لا غرر ~~فيها، لان المقصود بها المكارمة لا المكايسة، ولان الحاجة إلى الخيار ~~والرؤية في النكاح أشد منه في البيوع. وأما تراخي القبول من أحد الطرفين عن ~~العقد، فأجاز مالك من ذلك التراخي اليسير، ومنعه قوم، وأجازه قوم وذلك مثل ~~أن ينكح الولي امرأة بغير إذنها، فيبلغها النكاح فتجيزه، وممن منعه مطلقا ~~الشافعي، وممن أجازه مطلقا أبو حنيفة وأصحابه، والتفرقة بين الامر الطويل ~~والقصير لمالك. وسبب الخلاف: هل من شرط الانعقاد وجود القبول من المتعاقدين ~~في وقت واحد معا، أم ليس ذلك من شرطه؟ ومثل هذا الخلاف عرض في البيع. ~~PageV02P007 # الركن الثاني: في شروط العقد، وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: في ~~الأولياء، والثاني: في الشهود، والثالث: في الصداق. # الفصل الأول: في الأولياء والنظر في الأولياء في مواضع أربعة: الأول: في ~~اشتراط الولاية في صحة النكاح. # الموضع الثاني: في صفة الولي. الثالث: في أصناف الأولياء وترتيبهم في ~~الولاية. وما يتعلق بذلك. الرابع: في عضل الأولياء من يلونهم، وحكم ~~الاختلاف الواقع بين الولي والمولى عليه. # الموضع الأول: اختلف العلماء هل الولاية شرط من شروط صحة النكاح أم ليست ~~بشرط؟ فذهب مالك إلى أنه لا يكون النكاح إلا بولي، وأنها شرط في الصحة في ~~رواية أشهب عنه، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة وزفر والشعبي والزهري: ~~إذا عقدت المرأة نكاحها بغير ولي وكان كفؤا جاز، وفرق داود بين البكر ~~والثيب فقال باشتراط الولي في البكر وعدم اشتراطه في الثيب. ويتخرج على ~~رواية ابن القاسم عن مالك في الولاية قول رابع: أن ms0503 اشتراطها سنة لا فرض، ~~وذلك أنه روي عنه أنه كان يرى الميراث بين الزوجين بغير ولي، وأنه يجوز ~~للمرأة غير الشريفة أن تستخلف رجلا من الناس على إنكاحها، وكان يستحب أن ~~تقدم الثيب وليها ليعقد عليها، فكأنه عنده من شروط التمام لا من شروط الصحة ~~بخلاف عبارة البغداديين من أصحاب مالك. أعني أنهم يقولون إنها من شروط ~~الصحة لا من شروط التمام. وسبب اختلافهم: أنه لم تأت آية ولا سنة هي ظاهرة ~~في اشتراط الولاية في النكاح فضلا عن أن يكون في ذلك نص، بل الآيات والسنن ~~التي جرت العادة بالاحتجاج بها عند من يشترطها هي كلها محتملة. وكذلك ~~الآيات والسنن التي يحتج بها من يشترط اسقاطها هي أيضا محتملة في ذلك، ~~والأحاديث مع كونها محتملة في ألفاظها مختلف في صحتها إلا حديث ابن عباس ~~وإن كان المسقط لها ليس عليه دليل، لان الأصل براءة الذمة. ونحن نورد مشهور ~~ما احتج به الفريقان ونبين وجه الاحتمال في ذلك. فمن أظهر ما يحتج به من ~~الكتاب من اشترط الولاية قوله تعالى: # * (فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) * قالوا: وهذا خطاب ~~للأولياء، ولو لم يكن لهم في الولاية لما نهوا عن العضل. وقوله تعالى: * ~~(ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) * قالوا: وهذا خطاب للأولياء أيضا. ومن ~~أشهر ما احتج به هؤلاء من الأحاديث ما رواه الزهري عن عروة عن عائشة قالت: ~~قال رسول الله (ص) أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل (ثلاث ~~مرات) وإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها. فإن اشتجروا فالسلطان ~~PageV02P008 # ولي من لا ولي له خرجه الترمذي وقال فيه: حديث حسن وأما ما احتج به من لم ~~يشترط الولاية من الكتاب والسنة. فقوله تعالى: * (فلا جناح عليكم فيما فعلن ~~في أنفسهن بالمعروف) * قالوا: وهذا دليل على جواز تصرفها في العقد على ~~نفسه. قالوا وقد أضاف إليهن في غير ما آية من الكتاب الفعل فقال: * (أن ~~ينكحن أزواجهن) * وقال * (حتى تنكح زوجا غيره) * وأما من السنة فاحتجوا ms0504 ~~بحديث ابن عباس المتفق على صحته، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: الأيم أحق ~~بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها وبهذا الحديث احتج ~~داود في الفرق عنده بين الثيب والبكر في هذا المعنى، فهذا مشهور ما احتج به ~~الفريقان من السماع. فأما قوله تعالى: * (فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن) * فليس ~~فيه أكثر من نهي قرابة المرأة وعصبتها من أن يمنعوها النكاح، وليس نهيهم عن ~~العضل مما يفهم منه اشتراط إذنهم في صحة العقد، لا حقيقة ولا مجازا، أعني ~~بوجه من وجوه أدلة الخطاب الظاهرة أو النص بل قد يمكن أن يفهم منه ضد هذا، ~~وهو أن الأولياء ليس لهم سبيل على من يلونهم، وكذلك قوله تعالى: * (ولا ~~تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) * هو أن يكون خطابا لأولي الامر من المسلمين ~~أو لجميع المسلمين أحرى منه أن يكون خطابا للأولياء، وبالجملة فهو متردد ~~بين أن يكون خطابا للأولياء أو لأولي الامر. فمن احتج بهذه الآية فعليه ~~البيان أنه أظهر في خطاب الأولياء منه في أولي الامر، فإن قيل إن هذا عام ~~والعام يشمل ذوي الامر والأولياء قيل إن هذا الخطاب إنما هو خطا ب بالمنع، ~~والمنع بالشرع، فيستوي فيه الأولياء وغيرهم، وكون الولي مأمورا بالمنع ~~بالشرع لا يوجب له ولاية خاصة في الاذن أصله الأجنبي، ولو قلنا إنه خطاب ~~للأولياء يوجب اشتراط إذنهم في صحة النكاح لكان مجملا لا يصح به عمل، لأنه ~~ليس فيه ذكر أصناف الأولياء ولا صفاتهم ولا مراتبهم، والبيان لا يجوز ~~تأخيره عن وقت الحاجة، ولو كان في هذا كله شرع معروف لنقل تواترا أو قريبا ~~من التواتر. لان هذا مما تعم به البلوى، ومعلوم أنه كان في المدينة من لا ~~ولي له. ولم ينقل عنه (ص) أنه كان يعقد أنكحتهم ولا ينصب لذلك من يعقدها، ~~وأيضا فإن المقصود من الآية ليس هو حكم وإنما المقصود منها تحريم نكاح ~~المشركين والمشركات وهذا ظاهر، والله أعلم. وأما حديث عائشة فهو حديث مختلف ~~في وجوب العمل به، والأظهر أن ms0505 ما لا يتفق على صحته أنه ليس يجب العمل به. ~~وأيضا فإن سلمنا صحة الحديث فليس فيه إلا اشتراط إذن الولي لمن لها ولي: ~~أعني المولى عليها، وإن سلمنا أنه عام في كل امرأة فليس فيه أن المرأة لا ~~تعقد PageV02P009 # على نفسها، أعني أن لا تكون هي التي تلي العقد بل الأظهر منه أنه إذا أذن ~~الولي لها جاز أن تعقد على نفسها دون أن تشترط في صحة النكاح إشهاد الولي ~~معها. وأما ما احتج به الفريق الآخر من قوله تعالى: * (فلا جناح عليكم فيما ~~فعلن في أنفسهن من معروف) * فإن المفهوم منه النهي عن التثريب عليهن فيما ~~استبددن بفعله دون أوليائهن، وليس ههنا شئ يمكن أن تستبد به المرأة دون ~~الولي إلا عقد النكاح. فظاهر هذه الآية - والله أعلم - أن لها أن تعقد ~~النكاح وللأولياء الفسخ إذا لم يكن بالمعروف وهو الظاهر من الشرع إلا أن ~~هذا لم يقل به أحد، وأن يحتج ببعض ظاهر الآية على رأيهم ولا يحتج ببعضها ~~فيه ضعف. وأما إضافة النكاح إليهن فليس فيه دليل على اختصاصهن بالعقد، لكن ~~الأصل هو الاختصاص إلا أن يقوم الدليل على خلاف ذلك. وأما حديث ابن عباس ~~فهو لعمري ظاهر في الفرق بين الثيب والبكر، لأنه إذا كان كل واحد منهما ~~يستأذن ويتولى العقد عليهما الولي فبماذا ليت شعري تكون الأيم أحق بنفسها ~~من وليها؟ وحديث الزهري هو أن يكون موافقا هذا الحديث أحرى من أن يكون ~~معارضا له، ويحتمل أن تكون التفرقة بينهما في السكوت والنطق فقط، ويكون ~~السكوت كافيا في العقد والاحتجاج بقوله تعالى: * (فلا جناح عليكم فيما فعلن ~~في أنفسهن بالمعروف) * هو أظهر في أن المرأة تلي العقد من الاحتجاج بقوله: ~~* (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) * على أن الولي هو الذي يلي العقد. وقد ~~ضعفت الحنفية حديث عائشة، وذلك أنه حديث رواه جماعة عن ابن جريج عن الزهري. # وحكى ابن علية عن ابن جريج أنه سأل الزهري عنه فلم يعرفه، قالوا: والدليل ~~على ذلك أن ms0506 الزهري لم يكن يشترط الولاية، ولا الولاية من مذهب عائشة. وقد ~~احتجوا أيضا بحديث ابن عباس أنه قال لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ولكنه ~~مختلف في رفعه. وكذلك اختلفوا أيضا في صحة الحديث الوارد في نكاح النبي ~~عليه الصلاة والسلام أم سلمة وأمره لابنها أن ينكحها إياه. وأما احتجاج ~~الفريقين من جهة المعاني فمحتمل، وذلك أنه يمكن أن يقال إن الرشد إذا وجد ~~في المرأة اكتفي به في عقد النكاح كما يكتفى به في التصرف في المال، ويشبه ~~أن يقال إن المرأة مائلة بالطبع إلى الرجال أكثر من ميلها إلى تبذير ~~الأموال، فاحتاط الشرع بأن جعلها محجوزة في هذا المعنى على التأبيد، مع أن ~~ما يلحقها من العار في إلقاء نفسها في غير موضع كفاءة يتطرق إلى أوليائها، ~~لكن يكفي في ذلك أن يكون للأولياء الفسخ أو الحسبة، والمسألة محتملة كما ~~ترى، ولكن الذي يغلب على الظن أنه لو قصد الشارع اشتراط الولاية لبين جنس ~~الأولياء وأصنافهم ومراتبهم، فإن تأخر البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فإذا ~~كان لا يجوز عليه - عليه الصلاة والسلام - تأخير البيان عن وقت PageV02P010 # الحاجة وكان عموم البلوى في هذه المسألة يقتضي أن ينقل اشتراط الولاية ~~عنه (ص) تواترا أو قريبا من التواتر ثم لم ينقل، فقد يجب أن يعتقد أحد ~~أمرين: إما أنه ليست الولاية شرطا في صحة النكاح وإنما للأولياء الحسبة في ~~ذلك، وإما إن كان شرطا فليس من صحتها تمييز صفات الولي وأصنافهم ومراتبهم، ~~ولذلك يضعف قول من يبطل عقد الولي الأبعد مع وجود الأقرب. # الموضع الثاني: وأما النظر في الصفات الموجبة للولاية والسالبة لها، ~~فإنهم اتفقوا على أن من شرط الولاية: الاسلام والبلوغ والذكورية، وأن ~~سوالبها أضداد هذه: أعني الكفر والصغر والأنوثة. واختلفوا في ثلاثة: في ~~العبد والفاسق والسفيه. فأما العبد فالأكثر على منع ولايته، وجوزها أبو ~~حنيفة. وأما الرشد فالمشهور في المذهب: أعني عند أكثر أصحاب مالك أن ذلك ~~ليس من شرطها، وقد روي عن مالك مثل قول الشافعي، وبقول ms0507 الشافعي قال أشهب ~~وأبو معصب. وسبب الخلاف: تشبيه هذه الولاية بولاية المال، فمن رأى أنه قد ~~يوجب الرشد في هذه الولاية مع عدمه في المال قال: ليس من شرطه أن يكون ~~رشيدا في المال، ومن رأى أن ذلك ممتنع الوجود قال: لا بد من الرشد في ~~المال، وهما قسمان كما ترى. أعني أن الرشد في المال غير الرشد في اختيار ~~الكفاءة لها. وأما العدالة فإنما اختلفوا فيها من جهة أنها نظر للمعنى: ~~أعني هذه الولاية فلا يؤمن مع عدم العدالة أن لا يختار لها الكفاءة. # وقد يمكن أن يقال إن الحالة التي بها يختار الأولياء لمولياتهم الكفء غير ~~حالة العدالة وهي خوف لحوق العار بهم، وهذه هي موجودة بالطبع وتلك العدالة ~~الأخرى مكتسبة، ولنقص العبد يدخل الخلاف في ولايته كما يدخل في عدالته. # الموضع الثالث: وأما أصناف الولاية عند القائلين بها فهي نسب وسلطان ~~ومولى أعلى وأسفل. ومجرد الاسلام عند مالك صفة تقتضي الولاية على الدنيئة. ~~واختلفوا في الوصي، فقال مالك: يكون الوصي وليا، ومنع ذلك الشافعي. وسبب ~~اختلافهم: هل صفة الولاية مما يمكن أن يستناب فيها، أم ليس يمكن ذلك؟ ولهذا ~~السبب بعينه اختلفوا في الوكالة في النكاح، لكن الجمهور على جوازها، إلا ~~أبا ثور، ولا فرق بين الوكالة والايصاء، لان الوصي وكيل بعد الموت، ~~والوكالة تنقطع بالموت. واختلفوا في ترتيب الولاية من النسب. فعند مالك أن ~~الولاية معتبرة بالتعصيب إلا الابن، فمن كان أقرب عصبة كان أحق بالولاية، ~~والأبناء عنده أولى وإن سفلوا ثم الآباء ثم الإخوة للأب والأم. ثم للأب ثم ~~بنو الإخوة للأب والأم ثم للأب فقط ثم الأجداد للأب وإن علوا. وقال ~~المغيرة: الجد وأبوه أولى من الأخ، وابنه ليس من أصل، ثم العمومة على ترتيب ~~الاخوة وإن سفلوا ثم المولى PageV02P011 # ثم السلطان. والمولى الأعلى عنده أحق من الأسفل، والوصي عنده أولى من ولي ~~النسب: # أعني وصي الأب. واختلف أصحابه فيمن هو أولى: وصي الأب أو ولي النسب؟ فقال ~~ابن القاسم: الوصي أولى، مثل قول ms0508 مالك، وقال ابن الماجشون وابن عبد الحكم: ~~الولي أولى. # وخالف الشافعي مالكا في ولاية البنوة فلم يجزها أصلا، وفي تقديم الاخوة ~~على الجد فقال: لا ولاية للابن، وروي عن مالك أن الأب أولى من الابن وهو ~~أحسن، وقال أيضا: # الجد أولى من الأخ، وبه قال المغيرة، والشافعي اعتبر التعصيب، أعني أن ~~الولد ليس من عصبتها لحديث عمر لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي ~~من أهلها أو السلطان ولم يعتبره مالك في الابن لحديث أم سلمة أن النبي (ص) ~~أمر ابنها أن ينكحها إياه ولأنهم اتفقوا: أعني مالكا والشافعي على أن الابن ~~يرث الولاء الواجب للأم، والولاء عندهم للعصبة. وسبب اختلافهم في الجد: هو ~~اختلافهم فيمن هو أقرب: هل الجد أو الأخ؟ # ويتعلق بالترتيب ثلاث مسائل مشهورة: أحدها: إذا زوج الأبعد مع حضور ~~الأقرب. # والثانية: إذا غاب الأقرب هل تنتقل الولاية إلى الأبعد أو إلى السلطان؟ ~~والثالثة: إذا غاب الأب عن ابنته البكر هل تنتقل الولاية أو لا تنتقل؟ # فأما المسألة الأولى: فاختلف فيها قول مالك، فمرة قال: إن زوج الأبعد مع ~~حضور الأقرب فالنكاح مفسوخ، ومرة قال: النكاح جائز، ومرة قال: للأقرب أن ~~يجيز أو يفسخ، وهذا الخلاف كله عنده فيما عدا الأب في ابنته البكر والوصي ~~في محجورته، فإنه لا يختلف قوله أن النكاح في هذين مفسوخ، أعني تزويج غير ~~الأب البنت البكر مع حضور الأب أو غير الوصي المحجورة مع حضور الوصي، وقال ~~الشافعي: لا يعقد أحد مع حضور الأب لا في بكر ولا في ثيب. وسبب هذا ~~الاختلاف: هو هل الترتيب حكم شرعي: أعني ثابتا بالشرع في الولاية، أم ليس ~~بحكم شرعي؟ وإن كان حكما فهل ذلك حق من حقوق الولي الأقرب، أم ذلك حق من ~~حقوق الله؟ فمن لم ير الترتيب حكما شرعيا قال: يجوز نكاح الأبعد مع حضور ~~الأقرب، ومن رأى أنه حكم شرعي ورأي أنه حق للولي قال: النكاح منعقد، فإن ~~أجازه الولي جاز، وإن لم يجزه انفسخ، ومن رأى أنه ms0509 حق لله قال: النكاح غير ~~منعقد، وقد أنكر قوم هذا المعنى في المذهب: أعني أن يكون النكاح منفسخا غير ~~منعقد. # وأما المسألة الثانية: فإن مالكا يقول: إذا غاب الولي الأقرب انتقلت ~~الولاية إلى الأبعد، وقال الشافعي: تنتقل إلى السلطان. وسبب اختلافهم: هل ~~الغيبة في ذلك بمنزلة الموت أم لا؟ وذلك أنه لا خلاف عندهم في انتقالها في ~~الموت. # وأما المسألة الثالثة: وهي غيبة الأب عن ابنته البكر، فإن في المذهب فيها ~~تفصيلا واختلافا، وذلك راجع إلى بعد المكان وطول الغيبة أو قربه والجهل ~~بمكانه أو العلم به. PageV02P012 # وحاجة البنت إلى النكاح إما لعدم النفقة، وإما لما يخاف عليها من عدم ~~الصون. وإما للامرين جميعا، فاتفق المذهب على أنه إذا كانت الغيبة بعيدة أو ~~كان الأب مجهول الوضع أو أسيرا وكانت في صون وتحت نفقة، أنها إن لم تدع إلى ~~التزويج لا تزوج وإن دعت فتزوج عند الأسر وعند الجهل بمكانه. واختلفوا هل ~~تزوج مع العلم بمكانه أم لا إذا كان بعيدا، فقيل تزوج وهو قول مالك، وقيل ~~لا تزوج، وهو قول عبد الملك وابن وهب. وأما إن عدمت النفقة أو كانت في غير ~~صون فإنها تزوج أيضا في هذه الأحوال الثلاثة: أعني في الغيبة البعيدة، وفي ~~الأسر، والجهل بمكانه، وكذلك إن اجتمع الأمران فإذا كانت في غير صون تزوج ~~وإن لم تدع إلى ذلك، ولم يختلفوا فيما أحسب أنها لا تزوج في الغيبة القريبة ~~المعلومة لمكان إمكان مخاطبته، وليس يبعد بحسب النظر المصلحي الذي انبنى ~~عليه هذا النظر أن يقال إن ضاق الوقت وخشي السلطان عليها الفساد زوجت وإن ~~كان الموضع قريبا. وإذا قلنا إنه تجوز ولاية الأبعد مع حضور الأقرب، فإن ~~جعلت امرأة أمرها إلى وليين فزوجها كل واحد منهما، فإنه لا يخلو أن يكون ~~تقدم أحدهما في العقد على الآخر أو يكونا عقدا معا، ثم لا يخلو ذلك من أن ~~يعلم المتقدم أو لا يعلم، فأما إذا علم المتقدم منهما فأجمعوا على أنها ~~للأول إذا لم يدخل بها ms0510 واحد منهما واختلفوا إذا دخل الثاني، فقال قوم: هي ~~للأول، وقال قوم هي للثاني، وهو قول مالك وابن القاسم، وبالأول قال الشافعي ~~وابن عبد الحكم، وأما إن أنكحاها معا فلا خلاف في فسخ النكاح فيما أعرف. ~~وسبب الخلاف: في اعتبار الدخول أولا اعتباره معارضة العموم للقياس، وذلك ~~أنه قد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: أيما امرأة أنكحها وليان فهي ~~للأول منهما فعموم هذا الحديث يقتضي أنها للأول دخل بها الثاني أو لم يدخل، ~~ومن اعتبر الدخول فتشبيها بفوات السلعة في البيع المكروه وهو ضعيف. وأما إن ~~لم يعلم الأول فإن الجمهور على الفسخ، وقال مالك: يفسخ ما لم يدخل أحدهما، ~~وقال شريح: تخير فأيهما اختار ت كان هو الزوج، وهو شاذ، وقد روي عن عمر بن ~~عبد العزيز. # الموضع الرابع: في عضل الأولياء: واتفقوا على أنه ليس للولي أن يعضل ~~وليته إذا دعت إلى كفء وبصداق مثلها وأنها ترفع أمرها إلى السلطان فيزوجها ~~ما عدا الأب، فإنه اختلف فيه المذهب. واختلفوا بعد هذا الاتفاق فيما هي ~~الكفاءة المعتبرة في ذلك وهل صداق المثل منها أم لا؟ وكذلك اتفقوا على أن ~~للمرأة أن تمنع نفسها من إنكاح من له من الأولياء جبرها إذا لم تكن فيها ~~الكفاءة موجودة كالأب في ابنته البكر، أما غير البالغ باتفاق، والبالغ ~~والثيب الصغيرة باختلاف على ما تقدم، وكذلك الوصي في محجوره على القول ~~بالجبر. فأما الكفاءة فإنهم اتفقوا على أن الدين معتبر في ذلك إلا ما روي ~~عن محمد بن الحسن من اسقاط اعتبار الدين، ولم يختلف المذهب أن البكر إذا ~~زوجها الأب من شارب الخمر وبالجملة من فاسق أن لها أن تمنع نفسها من النكاح ~~وينظر الحاكم في PageV02P013 # ذلك فيفرق بينهما، وكذلك إن زوجها ممن ماله حرام. أو ممن هو كثير الحلف ~~بالطلاق. # واختلفوا في النسب هل هو من الكفاءة أم لا؟ وفي الحرية وفي اليسار وفي ~~الصحة من العيوب، فالمشهور عن مالك أنه يجوز نكاح الموالي من العرب وأنه ~~احتج لذلك بقوله ms0511 تعالى: * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) * وقال سفيان الثوري ~~وأحمد: لا تزوج العربية من مولى، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تزوج قرشية ~~إلا من قرشي، ولا عربية إلا من عربي. # والسبب في اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام تنكح ~~المرأة لدينها وجمالها ومالها وحسبها فاظفر بذات الدين تربت يمينك فمنهم من ~~رأى أن الدين هو المعتبر فقط لقوله عليه الصلاة والسلام فعليك بذات الدين ~~تربت يمينك، ومنهم من رأى أن الحسب في ذلك هو بمعنى الدين وكذلك المال، ~~وأنه لا يخرج من ذلك إلا ما أخرجه الاجماع. وهو كون الحسن ليس من الكفاءة، ~~وكل من يقول برد النكاح من العيوب يجعل الصحة منها من الكفاءة، وعلى هذا ~~فيكون الحسن يعتبر لجهة ما، ولم يختلف المذهب أيضا أن الفقر مما يوجب فسخ ~~إنكاح الأب ابنته البكر، أعني إذا كان فقيرا غير قادر على النفقة عليها ~~فالمال عنده من الكفاءة، ولم ير ذلك أبو حنيفة. أما الحرية فلم يختلف ~~المذهب أنها من الكفاءة لكون السنة الثابتة لتخيير الأمة إذا عتقت. وأما ~~مهر المثل فإن مالكا والشافعي يريان أنه ليس من الكفاءة، وأن للأب أن ينكح ~~ابنته بأقل من صداق المثل: # أعني البكر، وأن الثيب الرشيدة إذا رضيت به لم يكن للأولياء مقال، وقال ~~أبو حنيفة: مهر المثل من الكفاءة. وسبب اختلافهم: أما في الأب فلاختلافهم ~~هل له أن يضع من صداق ابنته البكر شيئا أم لا؟ وأما في الثيب فلاختلافهم هل ~~ترتفع عنها الولاية في مقدار الصداق إذا كانت رشيدة كما ترتفع في سائر ~~تصرفاتهم المالية أم ليس ترتفع الولاية عن مقدار الصداق إذ كانت لا ترتفع ~~عنها في التصرف في النكاح، والصداق من أسبابه؟ وقد كان هذا القول أخلق بمن ~~يشترط الولاية ممن لم يشترطها، لكن أتى الامر بالعكس. ويتعلق بأحكام ~~الولاية مسألة مشهورة، وهي هل يجوز للولي أن ينكح وليته من نفسه أم لا يجوز ~~ذلك؟ فمنع ذلك الشافعي قياسا على الحاكم والشاهد، أعني أنه لا يحكم لنفسه ms0512 ~~ولا يشهد لنفسه، وأجاز ذلك مالك ولا أعلم له حجة في ذلك إلا ما روي من أنه ~~عليه الصلاة والسلام تزوج أم سلمة بغير ولي لان ابنها كان صغيرا، وما ثبت ~~أنه عليه الصلاة والسلام أعتق صفية فجعل صداقها عتقها. والأصل عند الشافعي ~~في أنكحة النبي (ص) أنها على الخصوص حتى يدل الدليل على العموم لكثرة ~~خصوصيته في هذا المعنى (ص)، ولكن تردد قوله في الامام الأعظم. PageV02P014 # الفصل الثاني: في الشهادة واتفق أبو حنيفة والشافعي ومالك على أن الشهادة ~~من شرط النكاح واختلفوا هل هي شرط تمام يؤمر به عند الدخول أو شرط صحة يؤمر ~~به عند العقد، واتفقوا على أنه لا يجوز نكاح السر. واختلفوا إذا أشهد ~~شاهدين ووصيا بالكتمان هل هو سر أو ليس بسر؟ # فقال مالك: هو سر ويفسخ، وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس بسر. وسبب ~~اختلافهم: هل الشهادة في ذلك حكم شرعي أم إنما المقصود منها سد ذريعة ~~الاختلاف أو الانكار؟ فمن قال حكم شرعي قال: هي شرط من شروط الصحة، ومن قال ~~توثق قال: من شروط التمام. والأصل في هذا ما روي عن ابن عباس لا نكاح إلا ~~بشاهدي عدل وولي مرشد ولا مخالف له من الصحابة، وكثير من الناس رأى هذا ~~داخلا في باب الاجماع وهو ضعيف، وهذا الحديث قد روي مرفوعا ذكره الدارقطني، ~~وذكر أن في سنده مجاهيل. وأبو حنيفة ينعقد النكاح عنده بشهادة فاسقين، لان ~~المقصود عنده بالشهادة هو الاعلان فقط، والشافعي يرى أن الشهادة تتضمن ~~المعنيين: أعني الاعلان والقبول، ولذلك اشترط فيها العدالة، وأما مالك فليس ~~تتضمن عنده الاعلان إذا وصي الشاهدان بالكتمان. وسبب اختلافهم: هل ما تقع ~~فيه الشهادة ينطلق عليه اسم السر أم لا؟ والأصل في اشتراط الاعلان قول ~~النبي عليه الصلاة والسلام أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدفوف خرجه ~~أبو داود، وقال عمر فيه: هذا نكاح السر، ولو تقدمت فيه لرجمت. وقال أبو ثور ~~وجماعة: ليس الشهود من شرط النكاح، لا شرط صحة ولا شرط تمام، وفعل ذلك ms0513 ~~الحسن بن علي، روي عنه أنه تزوج بغير شهادة ثم أعلن النكاح. # الفصل الثالث: في الصداق والنظر في الصداق في ستة مواضع: الأول: في حكمه ~~وأركانه. الموضع الثاني: # في تقرر جميعه للزوجة. الموضع الثالث في تشطيره. الموضع الرابع: في ~~التفويض وحكمه. الموضع الخامس: الأصدقة الفاسدة وحكمها. الموضع السادس: في ~~اختلاف الزوجين في الصداق. # الموضع الأول: وهذا الموضع فيه أربع مسائل: الأولى: في حكمه. الثانية: في ~~قدره. الثالثة: في جنسه ووصفه. الرابعة: في تأجيله. # المسألة الأولى: أما حكمه فإنهم اتفقوا على أنه شرط من شروط الصحة وأنه ~~لا يجوز التواطؤ على تركه لقوله تعالى: * (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) * ~~وقوله تعالى: # * (فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن) *. PageV02P015 # المسألة الثانية: وأما قدره فإنهم اتفقوا على أنه ليس لأكثره حد واختلفوا ~~في أقله، فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وفقهاء المدينة من التابعين: ~~ليس لأقله حد، وكل ما جاز أن يكون ثمنا وقيمة لشئ جاز أن يكون صداقة، وبه ~~قال ابن وهب من أصحاب مالك، وقالت طائفة بوجوب تحديد أقله، وهؤلاء اختلفوا، ~~فالمشهور في ذلك مذهبان: أحدهما: مذهب مالك وأصحابه. والثاني مذهب أبي ~~حنيفة وأصحابه، فأما مالك فقال: أقله ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم ~~كيلا من فضة، أو ما يساوي الدراهم الثلاثة، أعني دراهم الكيل فقط في ~~المشهور، وقيل أو ما يساوي أحدهما، وقال أبو حنيفة: عشرة دراهم أقله، وقيل ~~خمسة دراهم. وقيل أربعون درهما. وسبب اختلافهم: # في التقدير سببان: أحدهما: تردده بين أن يكون عوضا من الأعواض يعتبر فيه ~~التراضي بالقليل كان أو بالكثير كالحال في البيوعات، وبين أن يكون عبادة ~~فيكون مؤقتا، وذلك أنه من جهة أنه يملك به على المرأة منافعها على الدوام ~~يشبه العوض، ومن جهة أنه لا يجوز التراضي على إسقاطه يشبه العبادة. والسبب ~~الثاني: معارضة هذا القياس، فالمقتضى التحديد لمفهوم الأثر الذي لا يقتضي ~~التحديد. أما القياس الذي يقتضي التحديد فهو كما قلنا إنه عبادة والعبادات ~~مؤقتة. وأما الأثر الذي يقتضي مفهومه عدم التحديد فحديث سهل بن ms0514 سعد الساعدي ~~المتفق على صحته، وفيه أن رسول الله (ص) جاءته امرأة فقالت: # يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك. فقامت قياما طويلا فقام رجل فقال: يا ~~رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله (ص): هل معك من ~~شئ تصدقها إياه؟ فقال: ما عندي إلا إزاري. فقال رسول الله (ص): إن أعطيتها ~~إياه جلست لا إزار لك فالتمس شيئا، فقال: لا أجد شيئا، فقال عليه الصلاة ~~والسلام: التمس ولو خاتما من حديد فالتمس فلم يجد شيئا، فقال رسول الله ~~(ص): هل معك شئ من القرآن؟ # قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا - لسور سماها - فقال رسول الله (ص): قد ~~أنكحتكها بما معك من القرآن قالوا: فقوله عليه الصلاة والسلام التمس ولو ~~خاتما من حديد دليل على أنه لا قدر لأقله لأنه لو كان له قدر لبينه إذ لا ~~يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا الاستدلال بين كما ترى مع أن القياس ~~الذي اعتمده القائلون بالتحديد ليس تسلم مقدماته، وذلك أنه انبنى على ~~مقدمتين: إحداهما: أن الصداق عبادة. والثانية: أن العبادة مؤقتة، وفي ~~كليهما نزاع للخصم، وذلك أنه قد يلغي في الشرع من العبادات ما ليست مؤقتة، ~~بل الواجب فيها هو أقل ما ينطلق عليه الاسم. وأيضا فإنه ليس فيه شبه ~~العبادات خالصا وإنما صار المرجحون لهذا القياس على مفهوم الأثر لاحتمال أن ~~يكون ذلك الأثر خاصا بذلك الرجل لقوله فيه قد أنكحتكها بما معك من القرآن ~~وهذا خلاف للأصول، وإن كان قد جاء في بعض رواياته أنه قال قم فعلمها لما ~~ذكر أنه معه من القرآن، فقام فعلمها، فجاء نكاحا بإجارة، لكن لما التمسوا ~~أصلا يقيسون عليه قدر PageV02P016 # الصداق لم يجدوا شيئا أقرب شبها به من نصاب القطع على بعد ما بينهما. ~~وذلك أن القياس الذي استعملوه في ذلك هو أنهم قالوا: عضو مستباح بمال، فوجب ~~أن يكون مقدرا أصله القطع، وضعف هذا القياس هو من قبل الاستباحة فيهما هي ~~مقولة باشتراك الاسم، وذلك ms0515 أن القطع غير الوطئ، وأيضا فإن القطع استباحة ~~على جهة العقوبة والأذى ونقص خلقه، وهذا استباحة على جهة اللذة والمودة، ~~ومن شأنه قياس الشبه على ضعفه أن يكون الذي به تشابه الفرع والأصل شيئا ~~واحدا لا باللفظ بل بالمعنى، وأن يكون الحكم إنما وجد للأصل من جهة الشبه، ~~وهذا كله معدوم في هذا القياس، ومع هذا فإنه من الشبه الذي لم ينبه عليه ~~اللفظ، وهذا النوع من القياس مردود عند المحققين، لكن لم يستعملوا هذا ~~القياس في إثبات التحديد المقابل لمفهوم الحديث إذ هو في غاية الضعف، وإنما ~~استعملوه في تعيين قدر التحديد. وأما القياس الذي استعملوه في معارضة مفهوم ~~الحديث فهو أقوى من هذا. ويشهد لعدم التحديد ما خرجه الترمذي أن امرأة ~~تزوجت على نعلين، فقال لها رسول الله (ص): أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ ~~فقالت: نعم، فجوز نكاحها وقال حديث حسن صحيح. ولما اتفق القائلون بالتحديد ~~على قياسه على نصاب السرقة اختلفوا في ذلك بحسب اختلافهم في نصاب السرقة، ~~فقال مالك: هو ربع دينار أو ثلاثة دراهم، لأنه النصاب في السرقة عنده، وقال ~~أبو حنيفة: هو عشرة دراهم، لأنه النصاب في السرقة عنده، وقال ابن شبرمة: هو ~~خمسة دراهم، لأنه النصاب عنده أيضا في السرقة وقد احتجت الحنفية لكون ~~الصداق محددا بهذا القدر بحديث يروونه عن جابر عن النبي عليه الصلاة ~~والسلام أنه قال لا مهر بأقل من عشرة دراهم. ولو كان ثابتا لكان رافعا ~~لموضع الخلاف لأنه كان يجب لموضع هذا الحديث أن يحمل حديث سهل ابن سعد على ~~الخصوص، لكن حديث جابر هذا ضعيف عند أهل الحديث فإنه يرويه، قال مبشر ابن ~~عبيد عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن جابر، ومبشر والحجاج ضعيفان، وعطاء ~~أيضا لم يلق جابرا، ولذلك لا يمكن أن يقال إن هذا الحديث معارض لحديث سهل ~~بن سعد المسألة الثالثة: أما جنسه فكل ما جاز أن يتملك وأن يكون عوضا. ~~واختلفوا من ذلك في مكانين: في النكاح بالإجارة، وفي جعل عتق أمته ms0516 صداقها. ~~أما النكاح على الإجارة ففي المذهب فيه ثلاثة أقوال: قول بالإجازة، وقول ~~بالمنع، وقول بالكراهة: والمشهور عن مالك الكراهة، ولذلك رأى فسخه قبل ~~الدخول، وأجازه من أصحابه أصبغ وسحنون، وهو قول الشافعي، ومنعه ابن القاسم ~~وأبو حنيفة إلا في العبد فإن أبا حنيفة أجازه. وسبب اختلافهم: سببان: ~~أحدهما: هل شرع من قبلنا لازم لنا حتى يدل الدليل على ارتفاعه أم الامر ~~بالعكس؟ فمن قال: هو لازم أجازه لقوله تعالى: * (إني أريد أن أنكحك إحدى ~~ابنتي PageV02P017 # هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) * الآية، ومن قال ليس بلازم قال: لا يجوز ~~النكاح بالإجارة. والسبب الثاني: هل يجوز أن يقاس النكاح في ذلك على ~~الإجارة؟ وذلك أن الإجارة هي مستثناة من بيوع الغرر المجهول، ولذلك خالف ~~فيها الأصم وابن علية، وذلك أن أصل التعامل إنما هو على عين معروفة ثابتة ~~في عين معروفة ثابتة، والإجارة هي عين ثابتة في مقابلتها حركات وأفعال غير ~~ثابتة ولا مقدرة بنفسها. ولذلك اختلف الفقهاء متى تجب الأجرة على المستأجر. ~~وأما كون العتق صداقا فإنه منعه فقهاء الأمصار ما عدا داود وأحمد. وسبب ~~اختلافهم: معارضة الأثر الوارد في ذلك للأصول. أعني ما ثبت من أنه عليه ~~الصلاة والسلام أعتق صفية وجعل عتقها صداقها مع احتمال أن يكون هذا خاصا به ~~عليه الصلاة والسلام لكثرة اختصاصه في هذا الباب. ووجه مفارقته للأصول أن ~~العتق إزالة ملك، والإزالة لا تتضمن استباحة الشئ بوجه آخر لأنها إذا أعتقت ~~ملكت نفسها، فكيف يلزمها النكاح؟ ولذلك قال الشافعي: إنها إن كرهت زواجه ~~غرمت له قيمتها، لأنه رأى أنها قد أتلفت عليه قيمتها إذا كان إنما أتلفها ~~بشرط الاستمتاع بها، وهذا كله لا يعارض به فعله عليه الصلاة والسلام ولو ~~كان غير جائز لغيره لبينه عليه الصلاة والسلام والأصل أن أفعاله لازمة لنا، ~~إلا ما قام الدليل على خصوصيته. وأما صفة الصداق فإنهم اتفقوا على انعقاد ~~النكاح على العوض المعين الموصوف، أعني المنضبط جنسه وقدره بالوصف، ~~واختلفوا في العوض الغير موصوف ولا معين، ms0517 مثل أن يقول أنكحتكها على عبد أو ~~خادم، من غير أن يصف ذلك وصفا يضبط قيمته، فقال مالك وأبو حنيفة يجوز، وقال ~~الشافعي: لا يجوز، وإذا وقع النكاح على هذا الوصف عند مالك كان لها الوسط ~~مما سمى. وقال أبو حنيفة: يجبر على القيمة. وسبب اختلافهم: هل يجري النكاح ~~في ذلك مجرى البيع من القصد في التشاح، أو ليس يبلغ ذلك المبلغ بل القصد ~~منه أكثر ذلك المكارمة؟ فمن قال يجري في التشاح مجرى البيع قال: كما لا ~~يجوز البيع على شئ غير موصوف كذلك لا يجوز النكاح، ومن قال ليس يجري مجراه ~~إذ المقصود منه إنما هو المكارمة قال: يجوز. # وأما التأجيل فإن قوما لم يجيزوه أصلا، وقوم أجازوه واستحبوا أن يقدم ~~شيئا منه إذا أراد الدخول وهو مذهب مالك، والذين أجازوا التأجيل منهم من لم ~~يجزه إلا لزمن محدود وقدر هذا البعد، وهو مذهب مالك، ومنهم من أجازه لموت ~~أو فراق، وهو مذهب الأوزاعي. # وسبب اختلافهم: هل يشبه النكاح البيع في التأجيل أو لا يشبهه؟ فمن قال ~~يشبهه لم يجز التأجيل لموت أو فراق، ومن قال لا يشبهه أجاز ذلك، ومن منع ~~التأجيل فلكونه عبادة. # الموضع الثاني: في النظر في التقرر. واتفق العلماء على أن الصداق يجب كله ~~PageV02P018 # بالدخول أو الموت. أما وجوبه كله بالدخول فلقوله تعالى: * (وإن أردتم ~~استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) * الآية. ~~وأما وجوبه بالموت فلا أعلم الآن فيه دليلا مسموعا إلا انعقاد الاجماع على ~~ذلك. واختلفوا هل من شرط وجوبه مع الدخول المسيس أم ليس ذلك من شرطه. بل ~~يجب بالدخول والخلوة، وهو الذي يعنون بإرخاء الستور؟ فقال مالك والشافعي ~~وداود: لا يجب بإرخاء الستور إلا نصف المهر ما لم يكن المسيس، وقال أبو ~~حنيفة: يجب المهر بالخلوة نفسها إلا أن يكون محرما أو مريضا أو صائما في ~~رمضان أو كانت المرأة حائضا، وقال ابن أبي ليلى: يجب المهر كله بالدخول ولم ~~يشترط في ذلك شيئا. وسبب اختلافهم ms0518 في ذلك معارضة حكم الصحابة في ذلك لظاهر ~~الكتاب، وذلك أنه نص تبارك وتعالى في المدخول بها المنكوحة أنه ليس يجوز أن ~~يؤخذ من صداقها شئ في قوله تعالى: * (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض) ~~*، ونص في المطلقة قبل المسيس أن لها نصف الصداق، فقال تعالى: * (وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) * وهذا نص ~~كما ترى في حكم كل واحدة من هاتين الحالتين: أعني قبل المسيس وبعد المسيس ~~ولا وسط بينهما، فوجب بهذا إيجابا ظاهرا أن الصداق لا يجب إلا بالمسيس، ~~والمسيس ههنا الظاهر من أمره أنه الجماع، وقد يحتمل أن يحمل على أصله في ~~اللغة وهو المس، ولعل هذا هو الذي تأولت الصحابة، ولذلك قال مالك في العنين ~~المؤجل: إنه قد وجب لها الصداق عليه إذا وقع الطلاق لطول مقامه معها، فجعل ~~له دون الجماع تأثيرا في إيجاب الصداق. وأما الاحكام الواردة في ذلك عن ~~الصحابة فهو أن من أغلق بابا أو أرخى سترا فقد وجب عليه الصداق، لم يختلف ~~عليهم في ذلك فيما حكموا. واختلفوا من هذا الباب ففرع، وهو إذا اختلفا في ~~المسيس أعني القائلين باشتراط المسيس، وذلك مثل أن تدعي هي المسيس وينكر ~~هو، فالمشهور عن مالك أن القول قولها، وقيل: إن كان دخول بناء صدقت، وإن ~~كان دخول زيارة لم تصدق، وقيل إن كانت بكرا نظر إليها النساء، فيتحصل فيها ~~في المذهب ثلاثة أقوال. وقال الشافعي وأهل الظاهر: القول قوله، وذلك لأنه ~~مدعى عليه، ومالك ليس يعتبر في وجوب اليمين على المدعى عليه من جهة ما هو ~~مدعى عليه، بل من جهة ما هو أقوى شبهة في الأكثر، ولذلك يجعل القول في ~~مواضع كثيرة قول المدعي إذ كان أقوى شبهة. وهذا الخلاف يرجع إلى: هل إيجاب ~~اليمين على المدعى عليه: # معلل أو غير معلل؟ وكذلك القول في وجوب البينة على المدعي، وسيأتي هذا في ~~مكانه. PageV02P019 # الموضع الثالث: في التشطير واتفقوا اتفاقا مجملا أنه إذا طلق قبل الدخول ms0519 ~~وقد فرض صداقا أنه يرجع عليها بنصف الصداق لقوله تعالى: * (فنصف ما فرضتم) ~~* الآية والنظر في التشطير في أصول ثلاثة: في محله من الأنكحة، وفي موجبه ~~من أنواع الطلاق: أعني الواقع قبل الدخول، وفي حكم ما يعرض له من التغيرات ~~قبل الطلاق. أما محله من النكاح عند مالك فهو النكاح الصحيح، أعني أن يكون ~~يقع الطلاق الذي قبل الدخول في النكاح الصحيح، وأما النكاح الفاسد، فإن لم ~~تكن الفرقة فيه فسخا وطلق قبل الفسخ ففي ذلك قولان. وأما موجب التشطير فهو ~~الطلاق الذي يكون باختيار من الزوج لا باختيار منها مثل الطلاق الذي يكون ~~من قبل قيامها بعيب يوجد فيه. واختلفوا من هذا الباب في الذي يكون سببه ~~قيامها عليه بالصداق أو النفقة مع عسره، ولا فرق بينه وبين القيام بالعيب، ~~وأما الفسوخ التي ليست طلاقا فلا خلاف أنها ليست توجب التشطير إذا كان فيها ~~الفسخ من قبل العقد أو من قبل الصداق، وبالجملة من قبل عدم موجبات الصحة، ~~وليس لها في ذلك اختيار أصلا. # وأما الفسوخ الطارئة على العقد الصحيح مثل الردة والرضاع، فإن لم يكن ~~لأحدهما فيه اختيار أو كان لها دونه لم يوجب التشطير وإن كان له فيه اختيار ~~مثل الردة أوجب التشطير. والذي يقتضيه مذهب أهل الظاهر أن كل طلاق قبل ~~البناء فواجب أن يكون فيه التنصيف سواء كان من سببها أو سببه، وأن ما كان ~~فسخا ولم يكن طلاقا فلا تنصيف فيه. وسبب الخلاف: هل هذه السنة معقولة ~~المعنى أم ليست بمعقولة. فمن قال إنها معقولة المعنى وأنه إنما وجب لها نصف ~~الصداق عوض ما كان لها لمكان الجبر على رد سلعتها وأخذ الثمن كالحال في ~~المشتري فلما فارق النكاح في هذا المعنى البيع جعل لها هذا عوضا من ذلك ~~الحق قال: # إذا كان الطلاق من سببها لم يكن لها شئ لأنها أسقطت ما كان لها من جبره ~~على دفع الثمن وقبض السلعة، ومن قال إنها سنة غير معقولة واتبع ظاهر اللفظ ~~قال: يلزم التشطير ms0520 في كل طلاق كان من سببه أو سببها. فأما حكم ما يعرض ~~للصداق من التغيرات قبل الطلاق فإن ذلك لا يخلو أن يكون من قبلها أو من ~~الله، فما كان من قبل الله فلا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يكون تلفا للكل، ~~وإما أن يكون نقصا، وإما أن يكون زيادة، وإما أن يكون زيادة ونقصا معا. # وما كان من قبلها فلا يخلو أن يكون تصرفها فيه بتفويت مثل البيع والعتق ~~والهبة، أو يكون تصرفها فيه في منافعها الخاصة بها أو فيما تتجهز به إلى ~~زوجها، فعند مالك أنهما في التلف وفي الزيادة وفي النقصان شريكان، وعند ~~الشافعي أنه يرجع في النقصان والتلف عليها بالنصف ولا يرجع بنصف الزيادة. ~~وسبب اختلافهم: هل تملك المرأة الصداق قبل الدخول أو الموت ملكا مستقرا أو ~~لا تملكه؟ فمن قال إنها لا تملكه ملكا مستقرا قال: هما فيه شريكان ما لم ~~تتعد فتدخله في منافعها، ومن قال تملكه ملكا مستقرا والتشطير حق واجب تعين ~~عليها عند الطلاق وبعد استقرار الملك أوجب الرجوع عليها بجميع ما ذهب عندها ~~ولم يختلفوا أنها إذا PageV02P020 # صرفته في منافعها ضامنة للنصف. واختلفوا إذا اشترت به ما يصلحها للجهاز ~~مما جرت به العادة هل يرجع عليها بنصف ما اشترته أم بنصف الصداق الذي هو ~~الثمن؟ فقال مالك: يرجع عليها بنصف ما اشترته، وقال أبو حنيفة والشافعي: ~~يرجع عليها بنصف الثمن الذي هو الصداق. واختلفوا من هذا الباب في فرع مشهور ~~متعلق بالسماع وهو هل للأب أن يعفو عن نصف الصداق في ابنته البكر؟ أعني إذا ~~طلقت قبل الدخول، وللسيد في أمته؟ فقال مالك: # ذلك له، وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس ذلك له. وسبب اختلافهم: هو ~~الاحتمال الذي في قوله تعالى: * (إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة ~~النكاح) * وذلك في لفظة يعفو فإنها تقال في كلام العرب مرة بمعنى يسقط ومرة ~~بمعنى يهب، وفي قوله: * (الذي بيده عقدة النكاح) * على من يعود هذا الضمير ~~هل على الولي أو على ms0521 الزوج، فمن قال على الزوج جعل يعفو بمعنى يهب ومن قال ~~على الولي جعل يعفو بمعنى يسقط، وشذ قوم فقالوا: لكل ولي أن يعفو عن نصف ~~الصداق الواجب للمرأة، ويشبه أن يكون هذان الاحتمالان اللذان في الآية على ~~السواء، لكن من جعله الزوج فلم يوجب حكما زائدا في الآية: أي شرعا زائدا، ~~لأن جواز ذلك معلوم من ضرورة الشرع. ومن جعله الولي، إما الأب وإما غيره ~~فقد زاد شرعا، فلذلك يجب عليه أن يأتي بدليل يبين به أن الآية أظهر في ~~الولي منها في الزوج وذلك شئ يعسر، والجمهور على أن المرأة الصغير ~~والمحجورة ليس لها أن تهب من صداقها النصف الواجب لها، وشذ قوم فقالوا: ~~يجوز أن تهب مصيرا لعموم قوله تعالى: * (إلا أن يعفون) * واختلفوا من هذا ~~الباب في المرأة إذا وهبت صداقها لزوجها ثم طلقت قبل الدخول، فقال مالك: ~~ليس يرجع عليها بشئ، وقال الشافعي: يرجع عليها بنصف الصداق. وسبب الخلاف: ~~هل النصف الواجب للزوج بالطلاق هو في عين الصداق أو في ذمة المرأة؟ فمن قال ~~في عين الصداق قال: لا يرجع عليها بشئ لأنه قبض الصداق كله، ومن قال هو في ~~ذمة المرأة قال: يرجع وإن وهبته له كما لو وهبت له غير ذلك من مالها. وفرق ~~أبو حنيفة في هذه المسألة بين القبض ولا قبض. فقال: إن قبضت فله النصف وإن ~~لم تقبض حتى وهبت فليس له شئ كأنه رأى أن الحق في العين ما لم تقبض، فإذا ~~قبضت صار في الذمة. # الموضع الرابع: في التفويض وأجمعوا على أن نكاح التفويض جائز، وهو أن ~~يعقد النكاح دون صداق لقوله تعالى: * (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم ~~تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) *. واختلفوا من ذلك في موضعين: أحدهما: إذا ~~طلبت الزوجة فرض الصداق واختلفا في القدر. الموضع الثاني: إذا مات الزوج ~~ولم يفرض هل لها صداق أم لا؟. # فأما المسألة الأولى: وهي إذا قامت المرأة تطلب أن يفرض لها مهرا، فقالت ~~طائفة: PageV02P021 # يفرض لها ms0522 مهر مثلها، وليس للزوج في ذلك خيار، فإن طلق بعد الحكم، فمن ~~هؤلاء من قال: # لها نصف الصداق، ومنهم من قال: ليس لها شئ، لان أصل الفرض لم يكن في عقدة ~~النكاح، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وقال مالك وأصحابه: الزوج بين خيارات ~~ثلاث: إما أن يطلق ولا يفرض، وإما أن يفرض ما تطلبه المرأة به، وإما أن ~~يفرض صداق المثل ويلزمها. # وسبب اختلافهم: - أعني بين من يوجب مهر المثل من غير خيار للزوج إذا طلق ~~بعد طلبها الفرض، ومن لا يوجب - اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: * (لا جناح ~~عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) * هل هذا محمول ~~على العموم في سقوط الصداق سواء أكان سبب الطلاق اختلافهم في فرض الصداق أو ~~لم يكن الطلاق سببه الخلاف في ذلك، وأيضا فهل يفهم من رفع الجناح عن ذلك ~~سقوط المهر في كل حال أو لا يفهم ذلك؟ فيه احتمال وإن كان الأظهر سقوطه في ~~كل حال لقوله تعالى: * (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) *، ولا ~~خلاف أعلمه في أنه إذا طلق ابتداء أنه ليس عليه شئ. وقد كان يجب على من ~~أوجب لها المتعة مع شطر الصداق إذا طلق قبل الدخول في نكاح غير التفويض ~~وأوجب لها مهر المثل في نكاح التفويض أن يوجب لها مع المتعة فيه شطر مهر ~~المثل، لان الآية لم تتعرض بمفهومها لاسقاط الصداق في نكاح التفويض، وإنما ~~تعرضت لإباحة الطلاق قبل الفرض فإن كان يوجب نكاح التفويض مهر المثل إذا ~~طلب فواجب أن ينشطر إذا وقع الطلاق كما ينشطر في وأما المسمى، ولهذا قال ~~مالك: إنه ليس يلزم فيه مهر المثل مع خيار الزوج المسألة الثانية: وهي إذا ~~مات الزوج قبل تسمية الصداق وقبل الدخول بها، فإن مالكا وأصحابه والأوزاعي ~~قالوا: ليس لها صداق ولها المتعة والميراث. وقال أبو حنيفة: # لها صداق المثل والميراث، وبه قال أحمد وداود، وعن الشافعي القولان ~~جميعا، إلا أن المنصور عند أصحابه هو مثل قول ms0523 مالك. وسبب اختلافهم: معارضة ~~القياس للأثر: أما الأثر فهو ما روي عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه المسألة ~~فقال: أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني: أرى لها ~~صداق امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل ~~بن يسار الأشجعي فقال: أشهد لقضيت فيها بقضاء رسول الله (ص) في بروع بنت ~~واشق، خرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه. وأما القياس المعارض لهذا ~~فهو أن الصداق عوض، فلما لم يقبض المعوض لم يجب العوض قياسا على البيع، ~~وقال المزني عن الشافعي في هذه المسألة: إن ثبت حديث بروع فلا حجة في قول ~~أحد مع السنة. والذي قاله هو الصواب والله أعلم. # الموضع الخامس: في الأصدقة الفاسدة والصداق يفسد إما لعينه وإما لصفة فيه ~~من PageV02P022 # جهل أو عذر، فالذي يفسد لعينه فمثل الخمر والخنزير وما لا يجوز أن يتملك، ~~والذي يفسد من قبل العذر والجهل فالأصل فيه بالبيوع، وفي ذلك خمس مسائل ~~مشهورة: # المسألة الأولى: إذا كان الصداق خمرا أو خنزيرا أو ثمرة لم يبد صلاحها أو ~~بعيرا شاردا، فقال أبو حنيفة: العقد صحيح إذا وقع فيه مهر المثل. وعن مالك ~~في ذلك روايتان: إحداهما: # فساد العقد وفسخه قبل الدخول وبعده وهو قول أبي عبيد. والثانية: أنه إن ~~دخل ثبت ولها صداق المثل. وسبب اختلافهم: هل حكم النكاح في ذلك حكم البيع ~~أم ليس كذلك؟ فمن قال حكمه حكم البيع قال: يفسد النكاح بفساد الصداق كما ~~يفسد البيع بفساد الثمن، ومن قال ليس من شرط صحة عقد النكاح صحة الصداق ~~بدليل أن ذكر الصداق ليس شرطا في صحة العقد قال: # يمضي النكاح ويصحح بصداق المثل. والفرق بين الدخول وعدمه ضعيف، والذي ~~تقتضيه أصول مالك أن يفرق بين الصداق المحرم العين وبين المحرم لصفة فيه ~~قياسا على البيع، ولست أذكر الآن فيه نصا. # المسألة الثانية: واختلفوا إذا اقترن بالمهر بيع مثل أن تدفع إليه عبدا ~~ويدفع ألف درهم عن الصداق وعن ثمن ms0524 العبد، ولا يسمى الثمن من الصداق، فمنعه ~~مالك وابن القاسم، وبه قال أبو ثور. وأجازه أشهب، وهو قول أبي حنيفة. وفرق ~~عبد الله فقال: إن كان الباقي بعد البيع ربع دينار فصاعدا بأمر لا يشك فيه ~~جاز، واختلف فيه قول الشافعي، فمرة قال: ذلك جائز، ومرة قال: فيه مهر ~~المثل. وسبب اختلافهم: هل النكاح في ذلك شبيه بالبيع أم ليس بشبيه؟ فمن ~~شبهه في ذلك بالبيع منعه، ومن جوز في النكاح من الجهل ما لا يجوز في البيع ~~قال يجوز. # المسألة الثالثة: واختلف العلماء فيمن نكح امرأة واشترط عليه في صداقها ~~حباء يحابي به الأب على ثلاثة أقوال: فقال أبو حنيفة وأصحابه: الشرط لازم ~~والصداق صحيح، وقال الشافعي: المهر فاسد ولها صداق المثل، وقال مالك: إذا ~~كان الشرط عند النكاح فهو لابنته، وإن كان بعد النكاح فهو له. وسبب ~~اختلافهم: تشبيه النكاح في ذلك بالبيع، فمن شبهه بالوكيل يبيع السلعة ~~ويشترط لنفسه حباء قال: لا يجوز النكاح كما لا يجوز البيع، ومن جعل النكاح ~~في ذلك مخالفا للبيع قال: يجوز. وأما تفريق مالك فلانه اتهمه إذا كان الشرط ~~في عقد النكاح أن يكون ذلك الذي اشترطه لنفسه نقصانا من صداق مثلها، ولم ~~يتهمه إذا كان بعد انعقاد النكاح والاتفاق على الصداق. وقول مالك هو قول ~~عمر بن عبد العزيز والثوري وأبي عبيد. وخرج أبو داود والنسائي وعبد الرزاق ~~عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله (ص) أيما امرأة نكحت ~~على حباء قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه، ~~وأحق ما أكرم الرجل عليه ابنته وأخته وحديث عمرو بن شعيب مختلف فيه من قبل ~~أنه صحفه، ولكنه نص في قول مالك، وقال أبو عمر بن عبد البر: إذا روته ~~PageV02P023 # الثقات وجب العمل به. المسألة الرابعة: واختلفوا في الصداق يستحق، ويوجد ~~به عيب، فقال الجمهور: # النكاح ثابت. واختلفوا هل ترجع بالقيمة أو بالمثل أو بمهر المثل؟ واختلف ~~في ذلك قول الشافعي، ms0525 فقال مرة بالقيمة، وقال مرة بمهر المثل، وكذلك اختلف ~~المذهب في ذلك، فقيل ترجع بالقيمة، وقيل ترجع بالمثل. قال أبو الحسن ~~اللخمي: ولو قيل ترجع بالأقل من القيمة أو صداق المثل لكان ذلك وجها. وشذ ~~سحنون فقال: النكاح فاسد. ومبنى الخلاف: هل يشبه النكاح في ذلك البيع أو لا ~~يشبهه؟ فمن شبهه قال: ينفسخ، ومن لم يشبهه قال: لا ينفسخ. المسألة الخامسة: ~~واختلفوا في الرجل ينكح المرأة على أن الصداق ألف إن لم يكن له زوجة، وإن ~~كانت له زوجة فالصداق ألفان، فقال الجمهور بجوازه، واختلفوا في الواجب في ~~ذلك، فقال قوم: الشرط جائز، ولها من الصداق بحسب ما اشترط، وقالت طائفة: ~~لها مهر المثل، وهو قول الشافعي وبه قال أبو ثور، إلا أنه قال: إن طلقها ~~قبل الدخول لم يكن لها إلا المتعة، وقال أبو حنيفة: إن كانت له امرأة فلها ~~ألف درهم، وإن لم تكن له امرأة فلها مهر مثلها ما لم يكن أكثر من الألفين ~~أو أقل من الألف، ويتخرج في هذا قول إن النكاح مفسوخ لمكان الغرر ولست أذكر ~~الآن نصا فيها في المذهب. فهذه مشهور مسائلهم في هذا الباب وفروعه كثيرة.. ~~واختلفوا فيما يعتبر به مهر المثل إذا قضى به في هذه المواضع وما أشبهها، ~~فقال مالك: يعتبر في جمالها ونصابها ومالها. وقال الشافعي: يعتبر بنساء ~~عصبتها فقط، وقال أبو حنيفة: يعتبر في ذلك نساء قرابتها من العصبة وغيرهم، ~~ومبنى الخلاف هل المماثلة في المنصب فقط أو في المنصب والمال والجمال، ~~لقوله عليه الصلاة والسلام تنكح المرأة لدينها وجمالها وحسبها الحديث. # الموضع السادس: في اختلاف الزوجين في الصداق واختلافهم لا يخلو أن يكون ~~في القبض أو في القدر أو في الجنس أو في الوقت: أعني وقت الوجوب، فأما إذا ~~اختلفا في القدر فقالت المرأة مثلا بمائتين وقال الزوج بمائة، فإن الفقهاء ~~اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا، فقال مالك: إنه إن كان الاختلاف قبل الدخول ~~وأتى الزوج بما يشبه والمرأة بما يشبه أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وإن ms0526 حلف ~~أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف، وإن نكلا جميعا كان بمنزلة ما إذا ~~حلفا جميعا، ومن أتى بما يشبه منهما كان القول قوله، وإن كان الاختلاف بعد ~~الدخول فالقول قول الزوج. وقالت طائفة: القول قول الزوج مع يمينه، وبه قال ~~أبو ثور وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة، وقالت طائفة: القول قول الزوجة ~~إلى مهر مثلها، وقول الزوج فيما زاد على مهر مثلها. وقالت طائفة: إذا ~~اختلفا تحالفا ورجع PageV02P024 # إلى مهر المثل، ولم تر الفسخ كمالك، وهو مذهب الشافعي والثوري وجماعة، ~~وقد قيل إنها ترد إلى صداق المثل دون يمين ما لم يكن صداق المثل أكثر مما ~~ادعت وأقل مما ادعى هو. واختلافهم مبني: على اختلافهم في مفهوم قوله عليه ~~الصلاة والسلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر هل ذلك معلل أو غير ~~معلل؟ فمن قال معلل قال: يحلف أبدا أقواهما شبهة، فإن استويا تحالفا ~~وتفاسخا، ومن قال غير معلل قال: يحلف الزوج لأنها تقر له بالنكاح وجنس ~~الصداق وتدعي عليه قدرا زائدا فهو مدعى عليه، وقيل أيضا يتحالفان أبدا، لان ~~كل واحد منهما مدعى عليه، وذلك عند من لم يراع الأشباه. والخلاف في ذلك في ~~المذهب ومن قال القول قولها إلى مهر المثل، والقول قوله فيما زاد على مهر ~~المثل رأى أنهما لا يستويان أبدا في الدعوى، بل يكون أحدهما ولا بد أقوى ~~شبهة، وذلك أنه لا يخلو دعواها من أن يكون فيما يعادل صداق مثلها فما دونه ~~فيكون القول قولها، أو يكون فيما فوق ذلك فيكون القول قوله. وسبب اختلاف ~~مالك والشافعي في التفاسخ بعد التحالف والرجوع إلى صداق المثل، هو هل يشبه ~~النكاح بالبيع في ذلك أم ليس يشبه؟ # فمن قال يشبه به قال بالتفاسخ، ومن قال لا يشبه لان الصداق ليس من شرط ~~صحة العقد قال بصداق المثل بعد التحالف. وكذلك من زعم من أصحاب مالك أنه لا ~~يجوز لهما بعد التحالف أن يتراضيا على شئ ولا أن يرجع أحدهما إلى قول ms0527 الآخر ~~ويرضى به فهو في غاية الضعف. ومن ذهب إلى هذا فإنما يشبه اللعان. وهو تشبيه ~~ضعيف مع أن وجود هذا الحكم للعان مختلف فيه. وأما إذا اختلفا في القبض ~~فقالت الزوجة لم أقبض، وقال الزوج قد قبضت فقال الجمهور: القول قول المرأة ~~وبه قال الشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور، وقال مالك: القول قولها قبل ~~الدخول، والقول قوله بعد الدخول. وقال بعض أصحابه: إنما قال ذلك مالك لان ~~العرف بالمدينة كان عندهم أن لا يدخل الزوج حتى يدفع الصداق، فإن كان بلد ~~ليس فيه هذا العرف كان القول قولها أبدا، والقول بأن القول قولها أبدا أحسن ~~لأنها مدعى عليها، ولكن مالك راعى قوة الشبهة التي له إذا دخل بها الزوج، ~~واختلف أصحاب مالك إذا طال الدخول هل يكون القول قوله بيمين أو بغير يمين ~~أحسن. وأما إذا اختلف في جنس الصداق فقال هو مثلا زوجتك على هذا العبد، ~~وقالت هي زوجتك على هذا الثوب، فالمشهور في المذهب أنهما يتحالفان ~~ويتفاسخان إن كان الاختلاف قبل البناء. وإن كان بعد البناء ثبت وكان لها ~~صداق مثل ما لم يكن أكثر مما ادعت أو أقل مما اعترف به. وقال ابن القصار: ~~يتحالفان قبل الدخول، والقول قول الزوج بعد الدخول، وقال أصبغ: القول قول ~~الزوج إن كان يشبهه سواء أشبه قولهما أو لم يشبه، فإن لم يشبه قول الزوج ~~فإن كان قولها مشبها كان القول قولها، وإن لم يكن قولها مشبها تحالفا وكان ~~لها صداق المثل. وقول الشافعي في هذه المسألة مثل قوله عند اختلافهما في ~~القدر: أعني يتحالفان ويتراجعان إلى PageV02P025 # مهر المثل. وسبب قول الفقهاء بالتفاسخ في البيع ستعرف أصله في كتاب ~~البيوع إن شاء الله. وأما اختلافهم في الوقت فإنه يتصور في الكالئ. والذي ~~يجئ على أصل قول مالك فيه في المشهور عنه أن القول في الاجل قول الغارم ~~قياسا على البيع وفيه خلاف، ويتصور أيضا متى يجب هل قبل الدخول أو بعده؟ ~~فمن شبه النكاح بالبيوع قال: لا يجب إلا بعد ms0528 الدخول قياسا على البيع إذ لا ~~يجب الثمن على المشتري إلا بعد قبض السلعة، ومن رأى أن الصداق عبادة يشترط ~~في الحلية قال: يجب قبل الدخول. ولذلك استحب مالك أن يقدم الزوج قبل الدخول ~~شيئا من الصداق. # الركن الثالث: في معرفة محل العقد وكل امرأة فإنها تحل في الشرع بوجهين: ~~إما بنكاح، أو بملك يمين. والموانع الشرعية بالجملة تنقسم أولا إلى قسمين: ~~موانع مؤبدة، وموانع غير مؤبدة. والموانع المؤبدة تنقسم إلى متفق عليها، ~~ومختلف فيها. فالمتفق عليها ثلاث: نسب، وصهر، ورضاع. واختلف فيها الزنا، ~~واللعان. والغير مؤبدة تنقسم إلى تسعة: أحدها: مانع العدد. والثاني: مانع ~~الجمع. والثالث: مانع الرق. الرابع: مانع الكفر. والخامس: مانع الاحرام. ~~والسادس: مانع المرض. والسابع: مانع العدة على اختلاف في عدم تأبيده. ~~والثامن: مانع التطليق ثلاثا للمطلق. والتاسع: مانع الزوجية. # فالموانع الشرعية بالجملة أربعة عشر مانعا، ففي هذا الباب أربعة عشر ~~فصلا. # الفصل الأول: في مانع النسب واتفقوا على أن النساء اللائي يحرمن من قبل ~~النسب السبع المذكورات في القرآن: # الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، ~~واتفقوا على أن الأم ههنا: اسم لكل أنثى لها عليك ولادة من جهة الأم أو من ~~جهة الأب، والبنت: اسم لكل أنثى لك عليها ولادة من قبل الابن أو من قبل ~~البنت أو مباشرة، وأما الأخت: فهي اسم لكل أنثى شاركتك في أحد أصليك أو ~~مجموعيهما أعني الأب أو الأم أو كليهما، والعمة: اسم لكل أنثى هي أخت لأبيك ~~أو لكل ذكر له عليك ولادة، وأما الخالة: فهي اسم لأخت أمك أو أخت كل أنثى ~~لها عليك ولادة، وبنات الأخ: اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة من قبل أمها ~~أو من قبل أبيها أو مباشرة، وبنا ت الأخت: اسم لكل أنثى لأختك عليها ولادة ~~مباشرة أو من قبل أمها أو من قبل أبيها فهؤلاء الأعيان السبع محرمات، ولا ~~خلاف أعلمه في هذه الجملة. والأصل فيها قوله تعالى: * (حرمت عليكم) * إلى ~~آخر الآية. وأجمعوا على أن النسب الذي ms0529 يحرم الوطئ يحرم الوطئ بملك اليمين. ~~PageV02P026 # الفصل الثاني: في المصاهرة وأما المحرمات بالمصاهرة فإنهن أربع: زوجات ~~الآباء والأصل فيه قوله تعالى: * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) * ~~الآية. وزوجات الأبناء والأصل في ذلك أيضا قوله تعالى: * (وحلائل أبنائكم ~~الذين من أصلابكم) * وأمهات النساء أيضا، والأصل في ذلك قوله تعالى: * ~~(وأمهات نسائكم) * وبنات الزوجات، والأصل فيه قوله تعالى: * (وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) * فهؤلاء الأربع اتفق ~~المسلمون على تحريم اثنتين منهن بنفس العقد، وهو تحريم زوجات الآباء ~~والأبناء، وواحدة بالدخول وهي ابنة الزوجة واختلفوا منها في موضعين: أحدهما ~~هل من شرطها أن تكون في حجر الزوج، والثانية هل تحرم بالمباشرة للأم للذة ~~أو بالوطئ؟. وأما أم الزوجة فإنهم اختلفوا هل تحرم بالوطئ أو بالعقد على ~~البنت فقط؟ واختلف أيضا من هذا الباب في مسألة رابعة، وهي هل يوجب الزنا في ~~هذا التحريم ما يوجبه النكاح الصحيح أو النكاح بشبهة؟ فهنا أربع مسائل: # المسألة الأولى: وهي هل من شرط تحريم بنت الزوجة أن تكون في حجر الزوج أم ~~ليس ذلك من شرطه؟ فإن الجمهور على أن ذلك ليس من شرط التحريم، وقال داود: ~~ذلك من شرطه، ومبنى الخلاف هل قوله تعالى: * (اللاتي في حجوركم) * وصف له ~~تأثير في الحرمة أو ليس له تأثير، وإنما خرج مخرج الموجود أكثر؟ فمن قال ~~خرج مخرج الموجود الأكثر وليس هو شرطا في الربائب، إذ لا فرق في ذلك بين ~~التي في حجره أو التي ليست في حجره. قال: تحرم الربيبة بإطلاق، ومن جعله ~~شرطا غير معقول المعنى قال: لا تحرم إلا إذا كانت في حجره. # المسألة الثانية: وأما هل تحرم البنت بمباشرة الأم فقط أو بالوطئ؟ فإنهم ~~اتفقوا على أن حرمتها بالوطئ. واختلفوا فيما دون الوطئ من اللمس والنظر إلى ~~الفرج لشهوة أو لغير شهوة هل ذلك يحرم أم لا؟ فقال مالك والثوري وأبو حنيفة ~~والأوزاعي والليث بن سعد: إن اللمس لشهوة يحرم الأم. وهو أحد قولي الشافعي، ~~وقال داود والمزني: ms0530 لا يحرمه إلا الوطئ وهو أحد قولي الشافعي المختار عنده، ~~والنظر عند مالك كاللمس إذا كان نظر تلذذ إلى أي عضو كان، وفيه عنه خلاف، ~~ووافقه أبو حنيفة في النظر إلى الفرج فقط، وحمل الثوري النظر محمل اللمس ~~ولم يشترط اللذة، وخالفهم في ذلك ابن أبي ليلى والشافعي في أحد قوليه فلم ~~يوجب في النظر شيئا. وأوجب في اللمس. ومبنى الخلاف: هل المفهوم من اشتراط ~~الدخول في قوله تعالى: * (اللاتي دخلتم بهن) * الوطئ أو التلذذ بما دون ~~الوطئ؟ فإن كان التلذذ فهل يدخل فيه النظر أم لا؟ PageV02P027 # المسألة الثالثة: وأما الأم فذهب الجمهور من كافة فقهاء الأمصار إلى أنها ~~تحرم بالعقد على البنت دخل بها أو لم يدخل، وذهب قوم إلى أن الأم لا تحرم ~~إلا بالدخول على البنت كالحال في البنت: أعني أنها لا تحرم إلا بالدخول على ~~الأم، وهو مروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما من طرق ضعيفة. ومبنى ~~الخلاف: هل الشرط في قوله تعالى: * (اللاتي دخلتم بهن) * يعود إلى أقرب ~~مذكور وهم الربائب فقط أو إلى الربائب والأمهات المذكورات قبل الربائب في ~~قوله تعالى: * (وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي ~~دخلتم بهن) * فإنه يحتمل أن يكون قوله - تعالى - * (اللاتي دخلتم بهن) * ~~يعود على الأمهات والبنات، ويحتمل أن يعود إلى أقرب مذكور وهم البنات. ومن ~~الحجة للجمهور ما روى المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ~~النبي عليه الصلاة والسلام قال أيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل فلا ~~تحل له أمها. # وأما المسألة الرابعة: فاختلفوا في الزنا هل يوجب من التحريم في هؤلاء ما ~~يوجب الوطئ في نكاح صحيح أو بشبهة؟ أعني الذي يدرأ فيه الحد، فقال الشافعي: ~~الزنا بالمرأة لا يحرم نكاح أمها ولا ابنتها ولا نكاح أبي الزاني لها ولا ~~ابنه. وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: يحرم الزنا ما يحرم النكاح، وأما ~~مالك ففي الموطأ عنه مثل قول الشافعي أنه لا يحرم، وروى ms0531 عنه ابن القاسم مثل ~~قول أبي حنيفة أنه يحرم، وقال سحنون: أصحاب مالك يخالفون ابن القاسم فيها، ~~ويذهبون إلى ما في الموطأ، وقد روي عن الليث أن الوطئ بشبهة لا يحرم وهو ~~شاذ. وسبب الخلاف: الاشتراك في اسم النكاح: أعني في دلالته على المعنى ~~الشرعي واللغوي، فمن راعى الدلالة اللغوية في قوله تعالى: * (ولا تنكحوا ما ~~نكح آباؤكم) * قال: يحرم الزنا، ومن راعى الدلالة الشرعية قال: لا يحر ~~الزنا. ومن علل هذا الحكم بالحرمة التي بين الأم والبنت وبين الأب والابن ~~قال يحرم الزنا أيضا، ومن شبهه بالنسب قال: لا يحرم لاجماع الأكثر على أن ~~النسب لا يلحق بالزنا. واتفقوا فيما حكى ابن المنذر على أن الوطئ بملك ~~اليمين يحرم منه ما يحرم الوطئ بالنكاح. واختلفوا في تأثير المباشرة في ملك ~~اليمين كما اختلفوا في النكاح. # الفصل الثالث: في مانع الرضاع واتفقوا على أن الرضاع بالجملة يحرم منه ما ~~يحرم منه النسب. أعني أن المرضعة تنزل منزلة الأم، فتحرم على المرضع هي وكل ~~من يحرم على الابن من قبل أم النسب واختلفوا من ذلك في مسائل كثيرة، ~~القواعد منها تسع: إحداها: في مقدار المحرم من PageV02P028 # اللبن. والثانية: في سن الرضاع. والثالثة: في حل المرضع في ذلك الوقت عند ~~من يشترط للرضاع المحرم وقتا خاصا. والرابعة: هل يعتبر فيه وصوله برضاع ~~والتقام الثدي أو لا يعتبر. والخامسة: هل يعتبر فيه المخالطة أم لا يعتبر. ~~والسادسة: هل يعتبر فيه الوصول من الحلق أو لا يعتبر. والسابعة: هل ينزل ~~صاحب اللبن - أعني الزوج - من المرضع منزلة أب: وهو الذي يسمونه لبن الفحل ~~أم ليس ينزل منه بمنزلة أب. والثامنة: الشهادة على الرضاع. والتاسعة: صفة ~~المرضعة. # المسألة الأولى: أما مقدار المحرم من اللبن فإن قوما قالوا فيه بعدم ~~التحديد وهو مذهب مالك وأصحابه، وروي عن علي وابن مسعود وهو قول ابن عمر ~~وابن عباس، وهؤلاء يحرم عندهم أي قدر كان، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ~~والثوري والأوزاعي، وقالت طائفة: بتحديد القدر المحرم، وهؤلاء انقسموا ms0532 إلى ~~ثلاث فرق، فقالت طائفة: لا تحرم المصة ولا المصتان وتحرم الثلاث رضعات فما ~~فوقها، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور، وقالت طائفة: المحرم خمس رضعات، وبه قال ~~الشافعي، وقالت طائفة: عشر رضعات. # والسبب في اختلافهم في هذه المسألة: معارضة عموم الكتاب للأحاديث الواردة ~~في التحديد ومعارضة الأحاديث في ذلك بعضها بعضا. فأما عموم الكتاب فقوله ~~تعالى: # * (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) * الآية، وهذا يقتضي ما ينطلق عليه اسم ~~الارضاع، والأحاديث المتعارضة في ذلك راجعة إلى حديثين في المعنى: أحدهما: ~~حديث عائشة وما في معناه أنه قال عليه الصلاة والسلام لا تحرم المصة ولا ~~المصتان أو الرضعة والرضعتان خرجه مسلم من طريق عائشة، ومن طريق أم الفضل، ~~ومن طريق ثالث، وفيه قال: قال رسول الله (ص) لا تحرم الاملاجة ولا ~~الاملاجتان والحديث الثاني: حديث سهلة في سالم أنه قال لها النبي (ص) ~~أرضعيه خمس رضعات وحديث عائشة في هذا المعنى أيضا قالت كان فيما نزل من ~~القرآن عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله (ص) وهن ~~مما يقرأ من القرآن فمن رجح ظاهر القرآن على هذه الأحاديث قال: تحرم المصة ~~والمصتان. ومن جعل الأحاديث مفسرة للآية وجمع بينها وبين الآية ورجح مفهوم ~~دليل الخطاب في قوله عليه الصلاة والسلام لا تحرم المصة ولا المصتان على ~~مفهوم دليل الخطاب في حديث سالم قال: الثلاثة فما فوقها هي التي تحرم، وذلك ~~أن دليل الخطاب في قوله لا تحرم المصة ولا المصتان يقتضي أن ما فوقها يحرم، ~~ودليل الخطاب في قوله أرضعيه خمس رضعات يقتضي أن ما دونها لا يحرم والنظر ~~في ترجيح أحد دليلي الخطاب. PageV02P029 # المسألة الثانية: واتفقوا على أن الرضاع يحرم في الحولين. واختلفوا في ~~رضاع الكبير فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وكافة الفقهاء: لا يحرم رضاع ~~الكبير، وذهب داود وأهل الظاهر إلى أنه يحرم، وهو مذهب عائشة، ومذهب ~~الجمهور هو مذهب ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وابن عباس وسائر أزواج ~~النبي عليه الصلاة والسلام. وسبب اختلافهم: تعارض الآثار ms0533 في ذلك، وذلك أنه ~~ورد في ذلك حديثان: أحدهما: حديث سالم، وقد تقدم. والثاني: حديث عائشة خرجه ~~البخاري ومسلم قالت دخل رسول الله (ص) وعندي رجل، فاشتد ذلك عليه ورأيت ~~الغضب في وجهه، فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة فقال عليه الصلاة ~~والسلام: انظرن من إخوانكن من الرضاعة، فإن الرضاعة من المجاعة. فمن ذهب ~~إلى ترجيح هذا الحديث قال: لا يحرم اللبن الذي لا يقوم للمرضع مقام الغذاء، ~~إلا أن حديث سالم نازلة في عين، وكان سائر أزواج النبي (ص) يرون ذلك رخصة ~~لسالم، ومن رجح حديث سالم وعلل حديث عائشة بأنها لم تعمل به قال: يحرم رضاع ~~الكبير. # المسألة الثالثة: واختلفوا إذا استغنى المولود بالغذاء قبل الحولين وفطم ~~ثم أرضعته امرأة فقال مالك: لا يحرم ذلك الرضاع، وقال أبو حنيفة والشافعي: ~~تثبت الحرمة به. # وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام فإنما ~~الرضاعة من المجاعة فإنه يحتمل أن يريد بذلك الرضاع الذي يكون في سن ~~المجاعة كيفما كان الطفل وهو سن الرضاع، ويحتمل أن يريد إذا كان الطفل غير ~~مفطوم، فإن فطم في بعض الحولين لم يكن رضاعا من المجاعة، فالاختلاف آيل إلى ~~أن الرضاع الذي سببه المجاعة والافتقار إلى اللبن هل يعتبر فيه الافتقار ~~الطبيعي للأطفال وهو الافتقار الذي سببه سن الرضاع أو افتقار المرضع نفسه ~~وهو الذي يرتفع بالفطم ولكنه موجود بالطبع؟ والقائلون بتأثير الارضاع في ~~مدة الرضاع سواء من اشترط منهم الفطام أو لم يشترطه اختلفوا في هذه المدة، ~~فقال هذه بالمدة حولان فقط. وبه قال زفر، واستحسن مالك التحريم في الزيادة ~~اليسيرة على العامين، وفي قول الشهر عنه. وفي قول عنه إلى ثلاثة أشهر، وقال ~~أبو حنيفة: حولان وستة شهور. وسبب اختلافهم: ما يظن من معارضة آية الرضاع ~~لحديث عائشة المتقدم، وذلك أن قوله تعالى: * (والوالدات يرضعن أولادهن ~~حولين كاملين) * يوهم أن ما زاد على هذين الحولين ليس هو رضاع مجاعة من ~~اللبن، وقوله PageV02P030 # عليه الصلاة والسلام إنما الرضاعة من المجاعة ms0534 يقتضي عمومه أن ما دام ~~الطفل غذاؤه اللبن أن ذلك الرضاع يحرم. # المسألة الرابعة: وأما هل يحرم الوجور واللدود، وبالجملة ما يصل إلى ~~الحلق من غير رضاع، فإن مالكا قال: يحرم الوجور واللدود، وقال عطاء وداود: ~~لا يحرم. وسبب اختلافهم: هل المعتبر وصول اللبن كيفما وصل إلى الجوف، أو ~~وصوله على الجهة المعتادة؟ فمن راعى وصوله على الجهة المعتادة وهو الذي ~~ينطلق عليه اسم الرضاع قال: # لا يحرم الوجور ولا اللدود، ومن راعى وصول اللبن إلى الجوف كيفما وصل ~~قال: يحرم. # المسألة الخامسة: وأما هل من شرط اللبن المحرم إذا وصل إلى الحلق أن يكون ~~غير مخالط لغيره، فإنهم اختلفوا في ذلك أيضا، فقال ابن القاسم: إذا استهلك ~~اللبن في ماء أو غيره ثم سقيه الطفل لم تقع الحرمة، وبه قال أبو حنيفة ~~وأصحابه، وقال الشافعي وابن حبيب ومطرف وابن الماجشون من أصحاب مالك: تقع ~~به الحرمة بمنزلة ما لو انفرد اللبن أو كان مختلطا لم تذهب عينه. وسبب ~~اختلافهم: هل يبقى للبن حكم الحرمة إذا اختلط بغيره، أم لا يبقى به حكمها ~~كالحال في النجاسة إذا خالطت الحلال الطاهر. والأصل المعتبر في ذلك انطلاق ~~اسم اللبن عليه كالماء هل يطهر إذا خالطه شئ طاهر؟ # المسألة السادسة: وأما هل يعتبر فيه الوصول إلى الحلق أو لا يعتبر فإنه ~~يشبه أن يكون هذا هو سبب اختلافهم في السعوط باللبن والحقنة به. ويشبه أن ~~يكون اختلافهم في ذلك لموضع الشك هل يصل اللبن من هذه الأعضاء أو لا يصل؟ # المسألة السابعة: وأما هل يصير الرجل الذي له اللبن: أعني زوج المرأة أبا ~~للمرضع حتى بينهما ومن قبلهما ما يحرم من الآباء والأبناء الذين من النسب ~~وهي التي يسمونها لبن الفحل، فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك وأبو حنيفة ~~والشافعي وأحمد والأوزاعي والثوري: # لبن الفحل يحرم، وقالت طائفة: لا يحرم لبن الفحل، وبالأول قال علي وابن ~~عباس، وبالقول الثاني قالت عائشة وابن الزبير وابن عمر. وسبب اختلافهم: ~~معارضة ظاهر الكتاب لحديث عائشة المشهور: ms0535 أعني آية الرضاع، وحديث عائشة هو ~~قالت جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن علي بعد أن أنزل الحجاب فأبيت أن آذن ~~له، وسألت رسول الله (ص) فقال: إنه عمك فأذني له، فقلت يا رسول الله.. إنما ~~أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال: إنه عمك فليلج عليك خرجه البخاري ~~ومسلم ومالك. فمن رأى أن ما في الحديث شرع زائد على ما في الكتاب، وهو قوله ~~تعالى: * (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) * وعلى قوله (ص) ~~يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة قال: لبن الفحل محرم، ومن رأى أن آية ~~PageV02P031 # الرضاع وقوله يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة إنما ورد على جهة ~~التأصيل لحكم الرضاع، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة قال: ذلك ~~الحديث إن عمل بمقتضاه أوجب أن يكون ناسخا لهذه الأصول، لان الزيادة ~~المغيرة للحكم ناسخة، من أن عائشة لم يكن مذهبها التحريم بلبن الفحل، وهي ~~الرواية للحديث، ويصعب رد الأصول المنتشرة التي يقصد بها التأصيل والبيان ~~عند وقت الحاجة بالأحاديث النادرة وبخاصة التي تكون في عين، ولذلك قال عمر ~~رضي الله عنه في حديث فاطمة بنت قيس: لا نترك كتاب الله لحديث امرأة. # المسألة الثامنة: وأما الشهادة على الرضاع فإن قوما قالوا: لا تقبل فيه ~~إلا شهادة امرأتين، وقوما قالوا: لا تقبل فيه إلا شهادة أربع، وبه قال ~~الشافعي وعطاء، وقوم قالوا: # تقبل فيه شهادة امرأة واحدة. والذين قالوا تقبل فيه شهادة امرأتين منهم ~~من اشترط في ذلك فشو قولهما بذلك قبل الشهادة، وهو مذهب مالك وابن القاسم، ~~ومنهم من لم يشترطه، وهو قول مطرف وابن الماجشون. والذين أجازوا أيضا شهادة ~~امرأة واحدة منهم من لم يشترط فشو قولها قبل الشهادة، وهو مذهب أبي حنيفة، ~~ومنهم من اشترط ذلك، وهي رواية عن مالك، وقد روي عنه أنه لا تجوز فيه شهادة ~~أقل من اثنتين. والسبب في اختلافهم: أما بين الأربع والاثنتين فاختلافهم في ~~شهادة النساء هل عديل كل رجل هو امرأتان فيما ليس يمكن فيه ms0536 شهادة الرجل أو ~~يكفي في ذلك امرأتان، وستأتي هذه المسألة في كتاب الشهادات إن شاء الله ~~تعالى. وأما اختلافهم في قبول شهادة المرأة الواحدة فمخالفة الأثر الوارد ~~في ذلك للأصل المجمع عليه، أعني أنه لا يقبل من الرجال أقل من اثنين، وأن ~~حال النساء في ذلك إما أن يكون أضعف من حال الرجال، وإما أن تكون أحوالهم ~~في ذلك مساوية للرجال، والاجماع منعقد على أنه لا يقضى بشهادة واحدة. ~~والامر الوارد في ذلك هو حديث عقبة بن الحارث قال يا رسول الله إني تزوجت ~~امرأة فأتت امرأة فقالت: قد أرضعتكما، فقال رسول الله (ص): كيف وقد قيل؟ ~~دعها عنك وحمل بعضهم هذا الحديث على الندب جمعا بينه وبين الأصول، وهو ~~أشبه، وهي رواية عن مالك. # المسألة التاسعة: وأما صفة المرضعة فإنهم اتفقوا على أنه يحرم لبن كل ~~امرأة بالغ وغير بالغ، واليائسة من المحيض كان لها زوج أو لم يكن، حاملا ~~كانت أو غير حامل، وشذ بعضهم فأوجب حرمة للبن الرجل، وهذا غير موجود فضلا ~~عن أن يكون له حكم شرعي، وإن وجد فليس لبنا إلا باشتراك الاسم واختلفوا من ~~هذا الباب في لبن الميتة. # وسبب الخلاف: هل يتناولها العموم أو لا يتناولها؟ ولا لبن للميتة إن وجد ~~لها إلا باشتراك الاسم، ويكاد أن تكون مسألة غير واقعة فلا يكون لها وجود ~~إلا في القول. # الفصل الرابع: في مانع الزنا واختلفوا في زواج الزانية، فأجاز هذا ~~الجمهور، ومنعها قوم. وسبب اختلافهم: PageV02P032 # اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: * (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، ~~وحرم ذلك على المؤمنين) * هل خرج مخرج الذم أو مخرج التحريم؟ وهو الإشارة ~~في قوله: * (وحرم ذلك على المؤمنين) * إلى الزنا أو إلى النكاح؟ وإنما صار ~~الجمهور لحمل الآية على الذم لا على التحريم لما جاء في الحديث أن رجلا قال ~~للنبي (ص) في زوجته أنها لا ترد يد لامس. فقال له النبي عليه الصلاة ~~والسلام: طلقها، فقال له إني أحبها. فقال له: # فأمسكها وقال قوم أيضا: ms0537 إن الزنا يفسخ النكاح بناء على هذا الأصل. وبه ~~قال الحسن: وأما زواج الملاعنة من زوجها الملاعن فسنذكرها في كتاب اللعان. # الفصل الخامس: في مانع العدد واتفق المسلمون على جواز نكاح أربعة من ~~النساء معا، وذلك للأحرار من الرجال. واختلفوا في موضعين: في العبيد، وفيما ~~فوق الأربع. أما العبيد فقال مالك في المشهور عنه: يجوز أن ينكح أربعا. وبه ~~قال أهل الظاهر. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز له الجمع إلا بين اثنتين ~~فقط. وسبب اختلافهم: هل العبودية لها تأثير في اسقاط هذا العدد كما لها ~~تأثير في اسقاط نصف الحد الواجب على الحر في الزنا؟ وكذلك الطلاق عند من ~~رأى ذلك. وذاك أن المسلمين اتفقوا على تنصيف حده في الزنا: أعني أن حده نصف ~~حد الحر، واختلفوا في غير ذلك. وأما ما فوق الأربع فإن الجمهور على أنه لا ~~تجوز الخامسة لقوله تعالى: * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع) * ولما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لغيلان لما أسلم وتحته ~~عشرة نسوة أمسك أربعا وفارق سائرهن وقالت فرقة: يجوز تسع، ويشبه أن يكون من ~~أجاز التسع ذهب مذهب الجمع في الآية المذكورة، أعني جمع الاعداد في قوله ~~تعالى: * (مثنى وثلاث ورباع) *. # الفصل السادس: في مانع الجمع واتفقوا على أنه لا يجمع بين الأختين بعقد ~~نكاح لقوله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الأختين) * واختلفوا في الجمع بينهما ~~بملك اليمين، والفقهاء على منعه، وذهبت طائفة إلى إباحة ذلك. وسبب ~~اختلافهم: معارضة عموم قوله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الأختين) * لعموم ~~الاستثناء في آخر الآية، وهو قوله تعالى * (إلا ما ملكت أيمانكم) * وذلك أن ~~هذا الاستثناء يحتمل أن يعود لأقرب مذكور، ويحتمل أن يعود لجميع ما تضمنته ~~الآية من التحريم إلا ما وقع الاجماع على أنه لا تأثير له فيه، فيخرج ~~PageV02P033 # من عموم قوله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الأختين) * ملك اليمين، ويحتمل أن ~~لا يعود إلا إلى أقرب مذكور، فيبقى قوله * (وأن تجمعوا بين الأختين) * على ~~عمومه، ولا سيما إن ms0538 عللنا ذلك بعلة الاخوة أو بسبب موجود فيهم. واختلف ~~الذين قالوا بالمنع في ملك اليمين إذا كانت إحداهما بنكاح والأخرى بملك ~~يمين، فمنعه مالك وأبو حنيفة وأجازه الشافعي، وكذلك اتفقوا فيما أعلم على ~~تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها لثبوت ذلك عنه عليه ~~الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة وتواتره عنه عليه الصلاة والسلام من أنه ~~قال عليه الصلاة والسلام لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ~~واتفقوا على أن العمة ههنا هي كل أنثى هي أخت لذكر له عليك ولادة إما بنفسه ~~وإما بواسطة ذكر آخر، وأن الخالة: هي كل أنثى هي أخت لكل أنثى لها عليك ~~ولادة إما بنفسها وإما بتوسط أنثى غيرها وهن الحرات من قبل الأم، واختلفوا ~~هل هذا من باب الخاص أريد به الخاص، أم هو من باب الخاص أريد به العام؟ ~~والذين قالوا هو من باب الخاص أريد به العام اختلفوا أي عام هو المقصود به؟ ~~فقال قوم - وهم الأكثر وعليه الجمهور من فقهاء الأمصار -: هو خاص أريد به ~~الخصوص فقط، وأن التحريم لا يتعدى إلى غير من نص عليه. وقال قوم: هو خاص ~~والمراد به العموم، وهو الجمع بين كل امرأتين بينهما رحم محرمة أو غير ~~محرمة، فلا يجوز الجمع عند هؤلاء بين ابنتي عم أو عمة، ولا بين ابنتي خال ~~أو خالة، ولا بين المرأة وبنت عمها أو بنت ت عمتها، أو بينها وبين بنت ~~خالتها، وقال قوم: إنما يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة محرمة، ~~أعني لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى لم يجز لهما أن يتناكحا، ومن هؤلاء من ~~اشترط في هذا المعنى أن يعتبر هذا من الطرفين جميعا، أعني إذا جعل كل واحد ~~منهما ذكرا والآخر أنثى فلم يجز لهما أن يتناكحا، فهؤلاء لا يحل الجمع ~~بينهما، وأما إن جعل في أحد الطرفين ذكر يحرم التزويج ولم يحرم من الطرف ~~الآخر فإن الجمع يجوز كالحال في الجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها، ~~فإنه ms0539 إن وضعنا البنت ذكرا لم يحل نكاح المرأة منه لأنها زوج أبيه، وإن ~~جعلنا المرأة ذكرا حل لها نكاح ابنة الزوج لأنها تكون ابنة الأجنبي وهذا ~~القانون هو الذي اختاره أصحاب مالك، وأولئك يمنعون الجمع بين زوج الرجل ~~وابنته من غيرها. # الفصل السابع: في موانع الرق واتفقوا على أنه يجوز للعبد أن ينكح الأمة، ~~وللحرة أن تنكح العبد إذا رضيت بذلك هي وأولياؤها. واختلفوا في نكاح الحر ~~الأمة فقال قوم: يجوز بإطلاق، وهو PageV02P034 # المشهور من مذهب ابن القاسم، وقال قوم: لا يجوز إلا بشرطين: عدم الطول، ~~وخوف العنت، وهو المشهور من مذهب مالك، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. ~~والسبب في اختلافهم: معارضة دليل الخطاب في قوله تعالى * (ومن لم يستطع ~~منكم طولا أن ينكح) * الآية، لعموم قوله: * (وأنكحوا الأيامى منكم ~~والصالحين) * الآية، وذلك أن مفهوم دليل الخطاب في قوله تعالى: * (ومن لم ~~يستطع منكم طولا) * الآية، يقتضي أنه لا يحل نكاح الأمة إلا بشرطين: ~~أحدهما: عدم الطول إلى الحرة، والثاني: خوف العنت. # وقوله تعالى: * (وأنكحوا الأيامى منكم) * يقتضي بعمومه إنكاحهن من حر أو ~~عبد، واجدا كان الحر أو غير واجد، خائفا للعنت أو غير خائف، لكن دليل ~~الخطاب أقوى ههنا - والله أعلم - من العموم، لان هذا العموم لم يتعرض فيه ~~إلى صفات الزوج المشترطة في نكاح الإماء، وإنما المقصود به الامر بإنكاحهن ~~وألا يجبرن على النكاح، وهو أيضا محمول على الندب عند الجمهور مع ما في ذلك ~~من إرهاق الرجل ولده. # واختلفوا من هذا الباب في فرعين مشهورين، أعني الذين لم يجيزوا النكاح ~~إلا بالشرطين المنصوص عليهما: أحدهما: إذا كانت تحته حرة هل هي طول أو ليست ~~بطول؟ فقال أبو حنيفة: هي طول، وقال غيره: ليست بطول، وعن مالك في ذلك ~~القولان. والمسألة الثانية: هل يجوز لمن وجد فيه هذان الشرطان نكاح أكثر من ~~أمة واحدة ثلاث أو أربع أو ثنتان؟ فمن قال إذا كانت تحته حرة فليس يخاف ~~العنت لأنه غير عزب قال: إذا كانت تحته حرة لم يجز ms0540 له نكاح الأمة، ومن قال ~~خوف العنت، إنما يعتبر بإطلاق سواء كان عزبا أو متأهلا لأنه قد لا تكون ~~الزوجة الأولى مانعة من العنت، وهو لا يقدر على حرة تمنعه من العنت، فله أن ~~ينكح أمة، لان حاله مع هذه الحرة في خوف العنت كحالة قبلها، وبخاصة إذا خشي ~~العنت من الأمة التي يريد نكاحها. وهذا بعينه السبب في اختلافهم: هل ينكح ~~أمة ثانية على الأمة الأولى أو لا ينكحها؟ وذلك أن من اعتبر خوف العنت مع ~~كونه عزبا إذ كان الخوف على العزب أكثر قال: لا ينكح أكثر من أمة واحدة، ~~ومن اعتبره مطلقا قال: ينكح أكثر من أمة واحدة، وكذلك يقول إنه ينكح على ~~الحرة. # واعتباره مطلقا فيه نظر، وإذا قلنا إن له أن يتزوج على الحرة أمة فتزوجها ~~بغير إذنها فهل لها الخيار في البقاء معه أو في فسخ النكاح؟ اختلف في ذلك ~~قول مالك، واختلفوا إذا وجد طولا بحرة: هل يفارق الأمة أم لا؟ ولم يختلفوا ~~أنه إذا ارتفع عنه خوف العنت أنه لا يفارقها. أعني أصحاب مالك، واتفقوا من ~~هذا الباب على أنه لا يجوز أن تنكح المرأة من ملكته وأنها إذا ملكت زوجها ~~انفسخ النكاح. PageV02P035 # الفصل الثامن: في مانع الكفر واتفقوا على أنه لا يجوز للمسلم أن ينكح ~~الوثنية لقوله تعالى: * (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) * واختلفوا في نكاحها ~~بالملك. واتفقوا على أنه يجوز أن ينكح الكتابية الحرة، إلا ما روي في ذلك ~~عن ابن عمر. واختلفوا في إحلال الكتابية الأمة بالنكاح، واتفقوا على ~~إحلالها بملك اليمين. والسبب في اختلافهم: في نكاح الوثنيات بملك اليمين ~~معارضة عموم قوله تعالى: * (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) * وعموم قوله تعالى: ~~* (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * لعموم قوله: * (والمحصنات من النساء ~~إلا ما ملكت أيمانكم) * وهن المسبيات، وظاهر هذا يقتضي العموم، سواء كانت ~~مشركة أو كتابية، والجمهور على منعها. وبالجواز قال طاوس ومجاهد، ومن الحجة ~~لهم ما روي من نكاح المسبيات في غزوة أوطاس إذ استأذنوه في العزل فأذن لهم. ms0541 ~~وإنما صار الجمهور لجواز نكاح الكتابيات الأحرار بالعقد، لان الأصل بناء ~~الخصوص على العموم، أعني أن قوله تعالى: * (والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب) * هو خصوص، وقوله: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * هو عموم، ~~فاستثنى الجمهور الخصوص من العموم، ومن ذهب إلى تحريم ذلك جعل العام ناسخا ~~للخاص، وهو مذهب بعض الفقهاء. وإنما اختلفوا في إحلال الأمة الكتابية ~~بالنكاح لمعارضة العموم في ذلك القياس، وذلك أن قياسها على الحرة يقتضي ~~إباحة تزويجها، وباقي العموم إذا استثني منه الحرة يعارض ذلك، لأنه يوجب ~~تحريمها على قول من يرى أن العموم إذا خصص بقي الباقي على العموم، فمن خصص ~~العموم الباقي بالقياس، أو لم ير الباقي من العموم المخصوص عموما قال: يجوز ~~نكاح الأمة الكتابية. ومن رجح باقي العموم بعدم التخصيص على القياس قال: لا ~~يجوز نكاح الأمة الكتابية، وهنا أيضا سبب آخر لاختلافهم، وهو معارضة دليل ~~الخطاب للقياس. وذلك أن قوله تعالى: * (من فتياتكم المؤمنات) * يوجب أن لا ~~يجوز نكاح الأمة الغير مؤمنة بدليل الخطاب، وقياسها على الحرة يوجب ذلك، ~~(والقياس من كل جنس يجوز فيه النكاح بالتزويج، ويجوز فيه النكاح بملك ~~اليمين أصله PageV02P036 # المسلمات، والطائفة الثانية أنه ثم لم يجز نكاح الأمة المسلمة بالتزويج ~~إلا بشرط فأحرى أن لا يجوز نكاح الأمة الكتابية بالتزويج)، وإنما اتفقوا ~~على إحلالها بملك اليمين لعموم قوله تعالى: * (إلا ما ملكت أيمانكم) * ~~ولاجماعهم على أن السبي يحل المسبية الغير متزوجة. # وإنما اختلفوا في المتزوجة هل يهدم السبي نكاحها، وإن هدم فمتى يهدم؟ ~~فقال قوم: إن سبيا معا - أعني الزوج والزوجة - لم يفسخ نكاحهما وإن سبي ~~أحدهما قبل الآخر انفسخ النكاح، وبه قال أبو حنيفة، وقال قوم: بل السبي ~~يهدم سبيا معا أو سبي أحدهما قبل الآخر، وبه قال الشافعي، وعن مالك قولان: ~~أحدهما: أن السبي لا يهدم النكاح أصلا. # والثاني: أنه يهدم بإطلاق مثل قول الشافعي. والسبب في اختلافهم: هل يهدم ~~أو لا يهدم هو تردد المسترقين الذين أمنوا من القتل بين نساء الذميين أهل ~~العهد ms0542 وبين الكافرة التي لا زوج لها أو المستأجرة من كافر، وأما تفريق أبي ~~حنيفة بين أن يسبيا معا وبين أن يسبى أحدهما فلان المؤثر عنده في الاحلال ~~هو اختلاف الدار بهما لا الرق، والمؤثر في الاحلال عند غيره هو الرق، وإنما ~~النظر هل هو الرق مع الزوجية أو مع عدم الزوجية؟ والأشبه أن لا يكون ~~للزوجية ههنا حرمة لان محل الرق وهو الكفر سبب الاحلال: وأما تشبيهها ~~بالذمية فبعيد لان الذمي إنما أعطى الجزية بشرط أن يقر على دينه فضلا عن ~~نكاحه. # الفصل التاسع: في مانع الاحرام واختلفوا في نكاح المحرم فقال مالك ~~والشافعي والليث والأوزاعي وأحمد: لا ينكح المحرم ولا ينكح، فإن فعل ~~فالنكاح باطل، وهو قول عمر بن الخطاب وعلي وابن عمر وزيد بن ثابت. وقال أبو ~~حنيفة: لا بأس بذلك. وسبب اختلافهم: تعارض النقل في هذا الباب: فمنها حديث ~~ابن عباس أن رسول الله (ص) نكح ميمونة وهو محرم وهو حديث ثابت النقل خرجه ~~أهل الصحيح وعارضه أحاديث كثيرة عن ميمونة أن رسول الله (ص) تزوجها وهو ~~حلال قال أبو عمر: رويت عنها من طرق شتى: من طريق أبي رافع، ومن طريق ~~سليمان بن يسار وهو مولاها، وعن يزيد بن الأصم. وروى مالك أيضا من حديث ~~عثمان بن عفان مع هذا أنه قال: قال رسول الله (ص) لا ينكح المحرم ولا ينكح ~~ولا يخطب فمن رجح هذه الأحاديث على حديث ابن عباس قال: لا ينكح المحرم ولا ~~ينكح، ومن رجح حديث ابن عباس أو جمع بينه وبين حديث عثمان بن عفان بأن حمل ~~النهي الوارد في ذلك على الكراهية قال: ينكح وينكح، وهذا راجع إلى تعارض ~~الفعل والقول والوجه الجمع أو تغليب القول. PageV02P037 # الفصل العاشر: في مانع المرض واختلفوا في نكاح المريض. فقال أبو حنيفة ~~والشافعي: يجوز وقال مالك في المشهور عنه: إنه لا يجوز، ويتخرج ذلك من قوله ~~أنه يفرق بينهما وإن صح ويتخرج من قوله أيضا أنه لا يفرق بينهما أن التفريق ~~مستحب غير واجب. ms0543 وسبب اختلافهم: تردد النكاح بين البيع وبين الهبة، وذلك ~~أنه لا تجوز هبة المريض إلا من الثلث ويجوز بيعه ولاختلافهم أيضا سبب آخر، ~~وهو هل يتهم على إضرار الورثة بإدخال وارث زائد أو لا يتهم؟ وقياس النكاح ~~على الهبة غير صحيح، لأنهم اتفقوا على أن الهبة تجوز إذا حملها الثلث، ولم ~~يعتبروا بالنكاح هنا بالثلث، ورد جواز النكاح بإدخال وارث قياس مصلحي لا ~~يجوز عند أكثر الفقهاء، وكونه يوجب مصالح لم يعتبرها الشرع إلا في جنس بعيد ~~من الجنس الذي يرام فيه إثبات الحكم بالمصلحة، حتى أن قوما رأوا القول بهذا ~~القول شرع زائد وإعمال هذا القياس يوهن ما في الشرع من التوقيف، وأنه لا ~~تجوز الزيادة فيه كما لا يجوز النقصان. والتوقف أيضا عن اعتبار المصالح ~~تطرق للناس أن يتسرعوا لعدم السنن التي في ذلك الجنس إلى الظلم، فلنفوض ~~أمثال هذه المصالح إلى العلماء بحكمة الشرائع الفضلاء الذين لا يتهمون ~~بالحكم بها، وبخاصة إذا فهم من أهل ذلك الزمان أن في الاشتغال بظواهر ~~الشرائع تطرقا إلى الظلم، ووجه عمل الفاضل العالم في ذلك أن ينظر إلى شواهد ~~الحال، فإن دلت الدلائل على أنه قصد بالنكاح خيرا لا يمنع النكاح، وإن دلت ~~على أنه قصد الاضرار بورثته منع من ذلك كما في أشياء كثيرة من الصنائع يعرض ~~فيها للصناع الشئ وضده مما اكتسبوا من قوة مهنتهم إذ لا يمكن أن يحد في ذلك ~~حد مؤقت صناعي، وهذا كثيرا ما يعرض في صناعة الطب وغيرها من الصنائع ~~المختلفة. # الفصل الحادي عشر: في مانع العدة واتفقوا على أن النكاح لا يجوز في العدة ~~كانت عدة حيض أو عدة حمل أو عدة أشهر. واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها ~~ودخل بها، فقال مالك والأوزاعي والليث: # يفرق بينهما ولا تحل له أبدا، وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري: يفرق ~~بينهما، وإذا انقضت العدة بينهما فلا بأس في تزويجه إياها مرة ثانية. وسبب ~~اختلافهم: على قول الصاحب حجة أم ليس بحجة؟ وذلك أن مالكا روى عن ms0544 ابن شهاب ~~عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب فرق بين طليحة الأسدية ~~وبين زوجها راشدا الثقفي لما تزوجها في العدة من زوج ثان وقال: أيما امرأة ~~نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت ~~بقية عدتها من الأول، ثم كان الآخر خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق ~~بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان ~~أبدا قال سعيد: ولها مهرها بما استحل منها. وربما عضدوا هذا القياس ~~PageV02P038 # بقياس شبه ضعيف مختلف في أصله، وهو أنه أدخل في النسب شبهة فأشبه ~~الملاعن. # وروي عن علي وابن مسعود مخالفة عمر في هذا. والأصل أنها لا تحرم إلا أن ~~يقوم على ذلك دليل من كتاب أو سنة أو إجماع من الأمة. وفي بعض الروايات أن ~~عمر كان قضى بتحريمها، وكون المهر في بيت المال، فلما بلغ ذلك عليا أنكره ~~فرجع عن ذلك عمر، وجعل الصداق على الزوج ولم يقض بتحريمها عليه، رواه ~~الثوري عن أشعث عن الشعبي عن مسروق. وأما من قال بتحريمها بالعقد فهو ضعيف. ~~وأجمعوا على أنه لا توطأ حامل مسبية حتى تضع، لتواتر الاخبار بذلك عن رسول ~~الله (ص). واختلفوا إن وطئ هل يعتق عليه الولد أو لا يعتق، والجمهور على ~~أنه لا يعتق. وسبب اختلافهم: هل ماؤه مؤثر في خلقته أو غير مؤثر؟ فإن قلنا ~~إنه مؤثر كان له ابنا بجهة ما، وإن قلنا إنه ليس بمؤثر لم يكن ذلك. وروي عن ~~النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: كيف يستعبده وقد غذاه في سمعه وبصره. ~~وأما النظر في مانع التطليق ثلاثا. فسيأتي في كتاب الطلاق. # الفصل الثاني عشر: في مانع الزوجية وأما مانع الزوجية فإنهم اتفقوا على ~~أن الزوجية بين المسلمين مانعة وبين الذميين. # واختلفوا في المسبية على ما تقد، واختلفوا أيضا في الأمة إذا بيعت هل ~~يكون بيعها طلاقا؟ فالجمهور على أنه ليس بطلاق. وقال قوم: هو طلاق. ms0545 وهو ~~مروي عن ابن عباس وجابر وابن مسعود وأبي بن كعب. وسبب اختلافهم: معارضة ~~مفهوم حديث بريرة لعموم قوله تعالى: * (إلا ما ملكت أيمانكم) * وذلك أن ~~قوله تعالى: * (إلا ما ملكت أيمانكم) * يقتضى المسبيات وغيرهن. وتخيير ~~بريرة يوجب أن لا يكون بيعها طلاقا. لأنه لو كان بيعها طلاقا لما خيرها ~~رسول الله (ص) بعد العتق. ولكان نفس شراء عائشة لها طلاقا من زوجها. والحجة ~~للجمهور ما خرجه ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ص) بعث يوم ~~حنين سرية فأصابوا حيا من العرب يوم أوطاس فهزموهم وقتلوهم وأصابوا نساء ~~لهن أزواج. وكان ناس من أصحاب رسول الله (ص) تأثموا من غشيانهن من أجل ~~أزواجهن، فأنزل الله عز وجل * (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) * ~~وهذه المسألة هي أليق بكتاب الطلاق. فهذه هي جملة الأشياء المصححة للأنكحة ~~في الاسلام، وهي كما قلنا راجعة إلى ثلاثة أجناس: صفة العاقد والمعقود ~~عليها، وصفة العقد، وصفة الشروط في العقد. وأما الأنكحة التي انعقدت قبل ~~الاسلام ثم طرأ عليها الاسلام، فإنهم اتفقوا على أن الاسلام إذا كان منهما ~~معا - أعني من الزوج والزوجة - وقد كان عقد النكاح على من يصح ابتداء العقد ~~عليها في الاسلام أن الاسلام يصحح ذلك، واختلفوا في PageV02P039 # موضعين: أحدهما: إذا انعقد النكاح على أكثر من أربع أو على من لا يجوز ~~الجمع بينهما في الاسلام. والموضع الثاني: إذا أسلم أحدهما قبل الآخر. # فأما المسألة الأولى: وهي إذا أسلم الكافر وعنده أكثر من أربع نسوة أو ~~أسلم وعنده أختان، فإن مالكا قال: يختار منهن أربعا ومن الأختين واحدة ~~أيتهما شاء، وبه قال الشافعي وأحمد وداود: وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ~~ليلى: يختار الأوائل منهن في العقد، فإن تزوجهن في عقد واحد فرق بينه ~~وبينهن، وقال ابن الماجشون من أصحاب مالك: إذا أسلم وعنده أختان فارقهما ~~جميعا ثم استأنف نكاح أيتهما شاء، ولم يقل بذلك أحد من أصحاب مالك غيره. ~~وسبب اختلافهم: معارضة القياس للأثر، وذلك أنه ورد ms0546 في ذلك أثران: أحدهما: ~~مرسل مالك أن غيلان بن سلامة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة أسلمن معه، فأمره ~~رسول الله (ص) أن يختار منهن أربعا الحديث الثاني: حديث قيس بن الحارث أنه ~~أسلم على الأختين، فقال له رسول الله (ص) اختر أيتهما شئت. وأما القياس ~~المخالف لهذا الأثر فتشبيه العقد على الأواخر قبل الاسلام بالعقد عليهن بعد ~~الاسلام: أعني أنه كما أن العقد عليهن فاسد في الاسلام كذلك قبل الاسلام ~~وفيه ضعف. وأما إذا أسلم أحدهما قبل الآخر. وهي المسألة الثانية ثم فقال ~~مالك وأبو حنيفة والشافعي: أنه إذا أسلم الآخر، فإنهم اختلفوا في ذلك أسلمت ~~المرأة قبله فإنه إن أسلم في عدتها كان أحق بها، وإن أسلم هو وهي فنكاحها ~~ثابت لما ورد في ذلك من حديث صفوان بن أمية، وذلك أن زوجه عاتكة ابنة ~~الوليد بن المغيرة أسلمت قبله، ثم أسلم هو فأقره رسول الله (ص) على نكاحه ~~قالوا: وكان بين إسلام صفوان وبين إسلام امرأته نحو من شهر. قال ابن شهاب: # ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله (ص) وزوجها كافر مقيم بدار ~~الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن ~~تنقضي عدتها. وأما إذا أسلم الزوج قبل إسلام المرأة فإنهم اختلفوا في ذلك، ~~فقال مالك: إذا أسلم الزوج قبل المرأة وقعت الفرقة إذا عرض عليها الاسلام ~~فأبت، وقال الشافعي: سواء أسلم الرجل قبل المرأة أو المرأة قبل الرجل إذا ~~وقع إسلام المتأخر في العدة ثبت النكاح. وسبب اختلافهم: # معارضة العموم للأثر والقياس، وذلك أن عموم قوله تعالى: * (ولا تمسكوا ~~بعصم الكوافر) * يقتضي المفارقة على الفور. وأما الأثر المعارض لمقتضى هذا ~~العموم فما روي من أن أبا سفيان بن حرب أسلم قبل هند بنت عتبة امرأته، وكان ~~إسلامه بمر الظهران، ثم رجع إلى مكة وهند بها كافرة، فأخذت بلحيته وقالت: ~~اقتلوا الشيخ الضال، ثم أسلمت بعده بأيام فاستقرا على نكاحهم. وأما القياس ~~المعارض للأثر فلانه يظهر أنه لا فرق بين ms0547 PageV02P040 # أن تسلم هي قبله أو هو قبلها، فإن كانت العدة معتبرة في إسلامها قبل فقد ~~يجب أن تعتبر في إسلامه أيضا قبل. # الباب الثالث: في موجبات الخيار في النكاح وموجبات الخيار أربعة: العيوب، ~~والاعسار بالصداق أو بالنفقة والكسوة. والثالث: # الفقد - أعني فقد الزوج -. والرابع: العتق للأمة المزوجة.. فيعقد في هذا ~~الباب أربعة فصول: # الفصل الأول: في خيار العيوب اختلف العلماء في موجب الخيار بالعيوب لكل ~~واحد من الزوجين، وذلك في موضعين: أحدهما: هل يرد بالعيوب أو لا يرد؟ ~~والموضع الثاني: إذا قلنا إنه يرد فمن أيها يرد، وما حكم ذلك؟ فأما الموضع ~~الأول فإن مالكا والشافعي وأصحابهما قالوا: العيوب توجب الخيار في الرد أو ~~الامساك: وقال أهل الظاهر: لا توجب خيار الرد والامساك، وهو قول عمر بن عبد ~~العزيز. وسبب اختلافهم: شيئان: أحدهما: هل قول الصاحب حجة، والآخر: قياس ~~النكاح في ذلك على البيع؟ فأما قول الصاحب الوارد في ذلك فهو ما روي عن عمر ~~بن الخطاب أنه قال: أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص - وفي ~~بعض الروايات: أو قرن - فلها صداقها كاملا وذلك غرم لزوجها على وليها. وأما ~~القياس على البيع فإن القائلين بموجب الخيار للعيب في النكاح قالوا: النكاح ~~في ذلك شبيه بالبيع، وقال المخالفون لهم: ليس شبيها بالبيع لاجماع المسلمين ~~على أنه لا يرد النكاح بكل عيب ويرد به البيع. وأما الموضع الثاني في الرد ~~بالعيوب فإنهم اختلفوا في أي العيوب يرد بها وفي أيها لا يرد وفي حكم الرد، ~~فاتفق مالك والشافعي على أن الرد يكون من أربعة عيوب: الجنون والجذام ~~والبرص وداء الفرج الذي يمنع الوطئ: إما قرن أو رتق في المرأة أو عنة في ~~الرجل أو خصا، واختلف أصحاب مالك في أربع: في السواد والقرع وبخر الفرج ~~وبخر الفم، فقيل ترد بها، وقيل لا ترد، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: لا ~~ترد المرأة في النكاح إلا بعيبين فقط: القرن والرتق. فأما أحكام الرد فإن ~~القائلين بالرد اتفقوا على أن الزوج ms0548 إذا علم بالعيب قبل الدخول طلق ولا شئ ~~عليه. واختلفوا إن علم بعد الدخول والمسيس، فقال مالك: إن كان وليها الذي ~~زوجها ممن يظن به لقربه منها أنه عالم بالعيب مثل الأب والأخ فهو غار يرجع ~~عليه الزوج بالصداق وليس يرجع على المرأة بشئ، وإن كان بعيدا رجع الزوج على ~~المرأة بالصداق كله إلا ربع دينار فقط. وقال الشافعي: إن دخل لزمه الصداق ~~كله بالمسيس ولا رجوع له عليها ولا على ولي. وسبب اختلافهم: تردد تشبيه ~~النكاح بالبيع أو بالنكاح الفاسد الذي وقع فيه المسيس، أعني اتفاقهم على ~~وجوب المهر في PageV02P041 # الأنكحة الفاسدة بنفس المسيس، لقوله عليه الصلاة والسلام: أيما امرأة ~~نكحت بغير إذن سيدها فنكاحها باطل ولها المهر بما استحل منها فكان موضع ~~الخلاف تردد هذا الفسخ بين حكم الرد بالعيب في البيوع، وبين حكم الأنكحة ~~المفسوخة: أعني بعد الدخول، واتفق الذين قالوا بفسخ نكاح العنين أنه لا ~~يفسخ حتى يؤجل سنة يخلى بينه وبينها بغير عائق. واختلف أصحاب مالك في العلة ~~التي من أجلها قصر الرد على هذه العيوب الأربعة، فقيل لان ذلك شرع غير ~~معلل، وقيل لان ذلك مما يخفى، ومحمل سائر العيوب على أنها مما تخفى، وقيل ~~لأنها يخاف سرايتها إلى الأبناء، وعلى هذا التعليل يرد بالسواد والقرع، ~~وعلى الأول يرد بكل عيب إذا علم أنه مما خفي على الزوج. # الفصل الثاني: في خيار الاعسار بالصداق والنفقة واختلفوا في الاعسار ~~بالصداق، فكان الشافعي يقول: تخير إذا لم يدخل بها، وبه قال مالك. واختلف ~~أصحابه في قدر التلوم له، فقيل ليس له في ذلك حد، وقيل سنة، وقيل سنتين، ~~وقال أبو حنيفة: هي غريم من الغرماء لا يفرق بينهما ويؤخذ بالنفقة، ولها أن ~~تمنع نفسها حتى يعطيها المهر. وسبب اختلافهم: تغليب شبه النكاح في ذلك ~~بالبيع أو تغليب الضرر اللاحق للمرأة في ذلك من عدم الوطئ تشبيها بالايلاء ~~والعنة. وأما الاعسار بالنفقة فقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأبو عبيد ~~وجماعة: يفرق بينهما، وهو مروي عن أبي ms0549 هريرة وسعيد بن المسيب، وقال أبو ~~حنيفة والثوري: لا يفرق بينهما، وبه قال أهل الظاهر. وسبب اختلافهم: تشبيه ~~الضرر الواقع من ذلك بالضرر الواقع من العنة، لان الجمهور على القول ~~بالتطليق على العنين حتى لقد قال ابن المنذر إنه إجماع. وربما قالوا النفقة ~~في مقابلة الاستمتاع، بدليل أن الناشز لا نفقة لها عند الجمهور. فإذا لم ~~يجد النفقة سقط الاستمتاع فوجب الخيار. وأما من لا يرى القياس فإنهم قالوا ~~قد ثبتت العصمة بالاجماع فلا تنحل إلا بإجماع أو بدليل من كتاب الله أو سنة ~~نبيه فسبب اختلافهم معارضة استصحاب الحال للقياس. # الفصل الثالث: في خيار الفقد واختلفوا في المفقود الذي تجهل حياته أو ~~موته في أرض الاسلام، فقال مالك: # يضرب لامرأته أجل أربع سنين من يوم ترفع أمرها إلى الحاكم، فإذا انتهى ~~الكشف عن حياته أو موته فجهل ذلك ضرب لها الحاكم الاجل، فإذا انتهى اعتدت ~~عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا وحلت، قال: وأما ماله فلا يورث حتى يأتي عليه ~~من الزمان ما يعلم أن المفقود لا يعيش إلى مثله غالبا، فقيل سبعون وقيل ~~ثمانون، وقيل تسعون، وقيل مائة فيمن غاب وهو دون هذه الأسنان، وروي هذا ~~القول عن عمر بن الخطاب، وهو مروي أيضا عن عثمان وبه قال الليث، وقال ~~الشافعي وأبو حنيفة والثوري: لا تحل امرأة المفقود PageV02P042 # حتى يصح موته، وقولهم مروي عن علي وابن مسعود. والسبب في اختلافهم: ~~معارضة استصحاب الحال للقياس، وذلك أن استصحاب الحال يوجب أن لا تنحل عصمة ~~إلا بموت أو طلاق حتى يدل الدليل على غير ذلك. وأما القياس فهو تشبيه الضرر ~~اللاحق لها من غيبته بالايلاء والعنة، فيكون لها الخيار كما يكون في هذين ~~والمفقودون عند المحصلين من أصحاب مالك أربعة: مفقود في أرض الاسلام وقع ~~الخلاف فيه، ومفقود في أرض الحرب، ومفقود في حروب الاسلام، أعني فيما ~~بينهم، ومفقود في حروب الكفار، والخلاف عن مالك وعن أصحابه في الثلاثة ~~الأصناف من المفقودين كثير. فأما المفقود في بلاد الحرب فحكمه عندهم حكم ms0550 ~~الأسير لا تتزوج امرأته ولا يقسم ماله حتى يصح موته، ما خلا أشهب، فإنه حكم ~~له بحكم المفقود في أرض المسلمين. وأما المفقود في حروب المسلمين فقال: إن ~~حكمه حكم المقتول دون تلوم، وقيل يتلوم له بحسب بعد الموضع الذي كانت فيه ~~المعركة وقربه وأقصى الاجل في ذلك سنة. وأما المفقود في حروب الكفار ففيه ~~في المذهب أربعة أقوال: قيل حكمه حكم الأسير، وقيل حكمه حكم المقتول بعد ~~تلوم سنة، إلا أن يكون بموضع لا يخفى أمره فيحكم له بحكم المفقود في حروب ~~المسلمين وفتنهم، والقول الثالث أن حكمه حكم المفقود في بلاد المسلمين، ~~والرابع حكمه حكم المقتول في زوجته، وحكم المفقود في أرض المسلمين في ماله ~~أعني يعمر وحينئذ يورث، وهذه الأقاويل كلها مبناها على تجويز النظر بحسب ~~الأصلح في الشرع، وهو الذي يعرف بالقياس المرسل، وبين العلماء فيه اختلاف: ~~أعني بين القائلين بالقياس. # الفصل الرابع: في خيار العتق واتفقوا على أن الأمة إذا عتقت تحت عبد أن ~~لها الخيار، واختلفوا إذا عتقت تحت الحر هل لها خيار أم لا؟ فقال مالك ~~والشافعي وأهل المدينة والأوزاعي وأحمد والليث: لا خيار لها. وقال أبو ~~حنيفة والثوري: لها الخيار حرا كان أو عبدا. وسبب اختلافهم: تعارض النقل في ~~حديث بريرة، واحتمال العلة الموجبة للخيار أن يكون الجبر الذي كان في ~~إنكاحها بإطلاق إذا كانت أمة، أو الجبر على تزويجها من عبد، فمن قال: العلة ~~الجبر على النكاح بإطلاق قال: تخير تحت الحر والعبد، ومن قال الجبر على ~~تزويج العبد فقط قال: # تخير تحت العبد فقط. وأما اختلاف النقل فإنه روي عن ابن عباس أن زوج ~~بريرة كان عبدا أسود. وروي عن عائشة أن زوجها كان حرا. وكلا النقلين ثابت ~~عند أصحاب الحديث، واختلفوا أيضا في الوقت الذي يكون لها الخيار فيه، فقال ~~مالك والشافعي: يكون لها الخيار ما لم يمسها، وقال أبو حنيفة: خيارها على ~~المجلس، وقال الأوزاعي: إنما يسقط خيارها بالمسيس إذا علمت أن المسيس يسقط ~~خيارها. PageV02P043 # الباب الرابع: في ms0551 حقوق الزوجية واتفقوا على أن من حقوق الزوجة على الزوج ~~النفقة والكسوة لقوله تعالى: * (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) * ~~الآية. ولما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام: ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف ولقوله لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف. فأما النفقة فاتفقوا ~~على وجوبها. واختلفوا في أربعة مواضع: في وقت وجوبها، ومقدارها، ولمن تجب؟ ~~وعلى من تجب؟ فأما وقت وجوبها فإن مالكا قال: لا تجب النفقة على الزوج حتى ~~يدخل بها أو يدعى إلى الدخول بها وهي ممن توطأ وهو بالغ، وقال أبو حنيفة ~~والشافعي: يلزم غير البالغ النفقة إذا كانت هي بالغا. وأما إذا كان هو ~~بالغا والزوجة صغيرة فللشافعي قولان: أحدهما مثل قول مالك، والقول الثاني ~~أن لها النفقة بإطلاق. وسبب اختلافهم: هل النفقة لمكان الاستمتاع أو لمكان ~~أنها محبوسة على الزوج كالغائب والمريض. وأما مقدار النفقة فذهب مالك إلى ~~أنها غير مقدرة بالشرع وأن ذلك راجع إلى ما يقتضيه حال الزوج وحال الزوجة، ~~وأن ذلك يختلف بحسب اختلاف الأمكنة والأزمنة والأحوال، وبه قال أبو حنيفة، ~~وذهب الشافعي إلى أنها مقدرة، فعلى الموسر مدان، وعلى الأوسط مد ونصف، وعلى ~~المعسر مد. وسبب اختلافهم: تردد حمل النفقة في هذا الباب على الاطعام في ~~الكفارة أو على الكسوة، وذلك أنهم اتفقوا أن الكسوة غير محدودة وأن الاطعام ~~محدود. واختلفوا من هذا الباب في هل يجب على الزوج نفقة خادم الزوجة؟ وإن ~~وجبت فكم يجب؟ والجمهور على أن على الزوج النفقة لخادم الزوجة إذا كانت ممن ~~لا تخدم نفسها، وقيل بل على الزوجة خدمة البيت، واختلف الذين أوجبوا النفقة ~~على خادم الزوجة على كم تجب نفقته؟ فقالت طائفة: ينفق على خادم واحدة، وقيل ~~على خادمين إذا كانت المرأة ممن لا يخدمها إلا خادمان وبه قال مالك وأبو ~~ثور. # ولست أعرف دليلا شرعيا لايجاب النفقة على الخادم إلا تشبيه الاخدام ~~بالاسكان. فإنهم اتفقوا على أن الاسكان على الزوج للنص الوارد في وجوبه ~~للمطلقة الرجعية، وأما لمن تجب النفقة فإنهم اتفقوا على ms0552 أنها تجب للحرة ~~الغير ناشز. واختلفوا في الناشز والأمة. فأما الناشز فالجمهور على أنها لا ~~تجب لها نفقة، وشذ قوم فقالوا تجب لها النفقة. وسبب الخلاف: معارضة العموم ~~للمفهوم. وذلك أن عموم قوله عليه الصلاة والسلام ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف يقتضي أن الناشز وغير الناشز في ذلك سواء، والمفهوم من أن النفقة ~~هي في مقابلة الاستمتاع يوجب أن لا نفقة للناشز. وأما الأمة فاختلف فيها ~~أصحاب مالك اختلافا كثيرا، فقيل: لها النفقة كالحرة، وهو المشهور، وقيل ~~PageV02P044 # لا نفقة لها وقيل أيضا إن كانت تأتيه فلها النفقة، وإن كان يأتيها فلا ~~نفقة لها، وقيل لها النفقة في الوقت الذي تأتيه، وقيل إن كان الزوج حرا ~~فعليه النفقة، وإن كان عبدا فلا نفقة عليه. وسبب اختلافهم: معارضة العموم ~~للقياس، وذلك أن العموم يقتضي لها وجوب النفقة، والقياس يقتضي أن لا نفقة ~~لها إلا على سيدها الذي يستخدمها، وتكون النفقة بينهما لان كل واحد منهما ~~ينتفع بها ضربا من الانتفاع، ولذلك قال قوم: عليه النفقة في اليوم الذي ~~تأتيه. وقال ابن حبيب: يحكم على مولى الأمة المزوجة أن تأتي زوجها في كل ~~أربعة أيام. وأما على من تجب، فاتفقوا أيضا أنها تجب على الزوج الحر ~~الحاضر، واختلفوا في العبد والغائب. فأما العبد فقال ابن المنذر: أجمع كل ~~من يحفظ عنه من أهل العلم أن على العبد نفقة زوجته. وقال أبو المصعب من ~~أصحاب مالك: لا نفقة عليه. # وسبب الخلاف: معارضة العموم لكون العبد محجورا عليه في ماله. وأما الغائب ~~فالجمهور على وجوب النفقة عليه، وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا بإيجاب ~~السلطان. وإنما اختلفوا فيمن القول قوله إذا اختلفوا في الاتفاق، وسيأتي ~~ذلك في كتاب الأحكام إن شاء الله. # وكذلك اتفقوا على أن من حقوق الزوجات العدل بينهن في القسم لما ثبت من ~~قسمه (ص) بين أزواجه ولقوله عليه الصلاة والسلام: إذا كان للرجل امرأتان ~~فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل ولما ثبت أنه عليه الصلاة ~~والسلام كان إذا ms0553 أراد السفر أقرع بينهن واختلفوا في مقام الزوج عند البكر ~~والثيب وهل يحتسب به أو لا يحتسب إذا كانت له زوجة أخرى؟ فقال مالك ~~والشافعي وأصحابهما: يقيم عند البكر سبعا وعند الثيب ثلاثا، ولا يحتسب إذا ~~كان له امرأة أخرى بأيام التي تزوج، وقال أبو حنيفة: الإقامة عندهن سواء ~~بكرا كانت أو ثيبا. ويحتسب بالإقامة عندها إن كانت له زوجة أخرى. وسبب ~~اختلافهم: # معارضة حديث أنس لحديث أم سلمة، وحديث أنس هو: أن النبي (ص) كان إذا تزوج ~~البكر أقام عندها سبعا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا وحديث أم سلمة هو ~~أن النبي (ص) تزوجها فأصبحت عنده فقال: ليس بك على أهلك هوا إن شئت سبعت ~~عندك وسبعت عندهن وإن شئت ثلثت عندك ودرت فقالت: ثلث وحديث أم سلمة هو مدني ~~متفق عليه خرجه مالك والبخاري ومسلم، وحديث أنس حديث بصري خرجه أبو داود، ~~فصار أهل المدينة إلى ما خرجه أهل البصرة، وصار أهل الكوفة إلى ما خرجه أهل ~~المدينة. واختلف أصحاب مالك في هل مقامه عند البكر سبعا وعند الثيب ثلاثا ~~واجب أو مستحب؟ فقال ابن القاسم: هو واجب: وقال ابن عبد الحكم: يستحب. وسبب ~~الخلاف: # حمل فعله عليه الصلاة والسلام على الندب أعلى الوجوب. وأما حقوق الزوج ~~على الزوجة بالرضاع وخدمة البيت على اختلاف بينهم في ذلك، وذلك أن قوما ~~أوجبوا عليها الرضاع على الاطلاق، وقوم لم يوجبوا ذلك عليها بإطلاق وقوم ~~أوجبوا ذلك على الدنيئة PageV02P045 # ولم يوجبوا ذلك على الشريفة، إلا أن يكون الطفل لا يقبل إلا ثديها، وهو ~~مشهور قول مالك. وسبب اختلافهم: هل آية الرضاع متضمنة حكم الرضاع: أعني ~~إيجابه، أو متضمنة أمره فقط؟ فمن قال أمره قال: لا يجب عليها الرضاع إذ لا ~~دليل هنا على الوجوب، ومن قال تتضمن الامر بالرضاع وإيجابه وأنها من ~~الاخبار التي مفهومها مفهوم الامر قال: يجب عليها الارضاع. وأما من فرق بين ~~الدنيئة والشريفة فاعتبر في ذلك العرف والعادة. وأما المطلقة فلا رضاع ~~عليها إلا أن لا ms0554 يقبل ثدي غيرها فعليها الارضاع وعلى الزوج أجر الرضاع، هذا ~~إجماع لقوله سبحانه وتعالى: * (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) * والجمهور ~~على أن الحضانة للأم إذا طلقها الزوج وكان الولد صغيرا لقوله عليه الصلاة ~~والسلام من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ~~ولان الأمة والمسبية إذا لم يفرق بينها وبين ولدها فأخص بذلك الحرة. ~~واختلفوا إذا بلغ الولد حد التمييز فقال قوم: يخير، ومنهم الشافعي واحتجوا ~~بأثر ورد في ذلك، وبقي قوم على الأصل لأنه لم يصح عندهم هذا الحديث، ~~والجمهور على أن تزويجها لغير الأب يقطع الحضانة لما روي أن رسول الله (ص) ~~قال أنت أحق به ما لم تنكحي ومن لم يصح عنده هذا الحديث طرد الأصل. (وأما ~~نقل الحضانة من الأم إلى غير الأب فليس في ذلك شئ يعتمد عليه). # الباب الخامس: # في الأنكحة المنهي عنها بالشرع والأنكحة الفاسدة وحكمها والأنكحة التي ~~ورد النهي فيها مصرحا أربعة: نكاح الشغار، ونكاح المتعة، والخطبة على خطبة ~~أخيه، ونكاح المحلل. فأما نكاح الشغار فإنهم اتفقوا على أن صفته هو أن ينكح ~~الرجل وليته رجلا آخر على أن ينكح الآخر وليته ولا صداق بينهما إلا بضع هذه ~~ببضع الأخرى، واتفقوا على أنه نكاح غير جائز لثبوت النهي عنه، واختلفوا إذا ~~وقع هل يصحح بمهر المثل أم لا؟ فقال مالك: # لا يصحح ويفسخ أبدا قبل الدخول وبعده، وبه قال الشافعي إلا أنه قال: إن ~~سمى لإحداهما صداقا أو لهما معا فالنكاح ثابت بمهر المثل، والمهر الذي ~~سمياه فاسد، وقال أبو حنيفة: # نكاح الشغار يصح بفرض صداق المثل، وبه قال الليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور ~~والطبري. # وسبب اختلافهم: هل النهي المعلق بذلك معلل بعدم العوض أو PageV02P046 # غير معلل؟ فإن قلنا غير معلل لزم الفسخ على الاطلاق، وإن قلنا العلة عدم ~~الصداق صح بفرض صداق المثل مثل العقد على خمر أو على خنزير، وقد أجمعوا على ~~أن النكاح المنعقد على الخمر والخنزير لا يفسخ إذا فات بالدخول. ويكون فيه ~~مهر ms0555 المثل، وكأن مالكا رضي الله عنه رأى أن الصداق وإن لم يكن من شرط صحة ~~العقد ففساد العقد ههنا من قبل فساد الصداق مخصوص لتعلق النهي به، أو رأى ~~أن النهي إنما يتعلق بنفس تعيين العقد، والنهي يدل على فساد المنهي. # أما نكاح المتعة، فإنه وإن تواترت الاخبار عن رسول الله (ص) بتحريمه إلا ~~أنها اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم، ففي بعض الروايات أنه حرمها ~~يوم خيبر، وفي بعضها يوم الفتح، وفي بعضها في غزوة تبوك، وفي بعضها في حجة ~~الوداع، وفي بعضها في عمرة القضاء، وفي بعضها في عام أوطاس، وأكثر الصحابة ~~وجميع فقهاء الأمصار على تحريمها، واشتهر عن ابن عباس تحليلها، وتبع ابن ~~عباس على القول بها أصحابه من أهل مكة وأهل اليمن، ورووا أن ابن عباس كان ~~يحتج لذلك لقوله تعالى: * (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا ~~جناح عليكم) * وفي حرف عنه: إلى أجل مسمى. وروي عنه أنه قال: ما كانت ~~المتعة إلا رحمة من الله عز وجل رحم بها أمة محمد (ص)، ولولا نهي عمر عنها ~~ما اضطر إلى الزنا إلا شقي. وهذا الذي روي عن ابن عباس رواه عنه ابن جريج ~~وعمرو بن دينار. وعن عطاء قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: تمتعنا على عهد ~~رسول الله (ص) وأبي بكر ونصفا من خلافة عمر ثم نهى عنها عمر الناس. # وأما اختلافهم في النكاح الذي تقع فيه الخطبة على خطبة غيره، فقد تقدم أن ~~فيه ثلاثة أقوال: قول بالفسخ، وقول بعدم الفسخ. وفرق بين أن ترد الخطبة على ~~خطبة الغير بعد الركون والقرب من التمام أو لا ترد وهو مذهب مالك. # وأما نكاح المحلل: أعني الذي يقصد بنكاحه تحليل المطلقة ثلاثا، فإن مالكا ~~قال: # هو نكاح مفسوخ، وقال أبو حنيفة والشافعي: هو نكاح صحيح. وسبب اختلافهم: ~~اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام لعن الله المحلل الحديث. فمن ~~فهم من اللعن التأثيم فقط قال: النكاح صحيح، ومن فهم من التأثيم فساد ms0556 العقد ~~تشبيها بالنهي الذي يدل على فساد النهي عنه قال: النكاح فاسد. فهذه هي ~~الأنكحة الفاسدة بالنهي. وأما الأنكحة الفاسدة بمفهوم الشرع فإنها تفيد إما ~~بإسقاط شرط من شروط صحة النكاح. أو لتغيير حكم واجب بالشرع من أحكامه مما ~~هو عن الله عز وجل، وإما بزيادة تعود إلى إبطال شرط من شروط PageV02P047 # الصحة. وأما الزيادات التي تعرض من هذا المعنى فإنها لا تفسد النكاح ~~باتفاق، وإنما اختلف العلماء فلزوم الشروط التي بهذه الصفة أو لا لزومها، ~~مثل أن يشترط عليه أن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى أو لا ينقلها من بلدها، ~~فقال مالك: إن اشترط ذلك لم تلزمه إلا أن يكون في ذلك يمين بعتق أو طلاق، ~~فإن ذلك يلزمه إلا أن يطلق أو يعتق من أقسم عليه، فلا يلزم الشرط الأول ~~أيضا، وكذلك قال الشافعي وأبو حنيفة. وقال الأوزاعي وابن شبرمة: لها شرطها ~~وعليه الوفاء، وقال ابن شهاب: كان من أدركت من العلماء يقضون بها، وقول ~~الجماعة مروي عن علي، وقول الأوزاعي مروي عن عمر. وسبب اختلافهم: معارضة ~~العموم للخصوص. فأما العموم فحديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي (ص) خطب ~~الناس فقال في خطبته كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط ~~وأما الخصوص فحديث عقبة بن عامر عن النبي (ص) أنه قال أحق الشروط أن يوفى ~~به ما استحللتم به الفروج والحديثان صحيحان خرجهما البخاري ومسلم، إلا أن ~~المشهور عند الأصوليين القضاء بالخصوص على العموم وهو لزوم الشروط وهو ظاهر ~~ما وقع في العتبية وإن كان المشهور خلاف ذلك. وأما الشروط المقيدة بوضع من ~~الصداق فإنه قد اختلف فيها المذهب اختلافا كثيرا: أعني في لزومها أو عدم ~~لزومها، وليس كتابنا هذا موضوعا على الفروع. # وأما حكم الأنكحة الفاسدة إذا وقعت فمنها ما اتفقوا على فسخه قبل الدخول ~~وبعده. وهو ما كان منها فاسدا بإسقاط شرط متفق على وجوب صحة النكاح بوجوده، ~~مثل أن ينكح محرمة العين، ومنها ما اختلفوا فيه بحسب اختلافهم ms0557 في ضعف علة ~~الفساد وقوتها ولماذا يرجع من الاخلال بشروط الصحة ومالك في هذا الجنس - ~~وذلك في الأكثر - يفسخه قبل الدخول ويثبته بعده والأصل فيه عنده أن لا فسخ، ~~ولكنه يحتاط بمنزلة ما يرى في كثير من البيع الفاسد أنه يفوت بحوالة ~~الأسواق وغير ذلك، ويشبه أن تكون هذه عنده هي الأنكحة المكروهة، وإلا فلا ~~وجه للفرق بين الدخول وعدم الدخول، والاضطراب في المذهب في هذا الباب كثير، ~~وكأن هذا راجع عنده إلى قوة دليل الفسخ وضعفه: فمتى كان الدليل عنده قويا ~~فسخ قبله وبعده، ومتى كان ضعيفا فسخ قبل ولم يفسخ بعد، وسواء كان الدليل ~~القوي متفقا عليه أو مختلفا فيه. ومن قبل هذا أيضا اختلف المذهب في وقوع ~~الميراث في الأنكحة الفاسدة إذا وقع الموت قبل الفسخ وكذلك وقوع الطلاق ~~فيه، فمرة اعتبر فيه الاختلاف والاتفاق، ومرة اعتبر فيه الفسخ بعد الدخول ~~أو عدمه، وقد نرى أن نقطع ههنا القول في هذا الكتاب، فإن ما ذكرنا منه ~~كفاية بحسب غرضنا المقصود. PageV02P048 # كتاب الطلاق والكلام في هذا الباب ينحصر في أربع جمل: الجملة الأولى: في ~~أنواع الطلاق. الجملة الثانية: في أركان الطلاق. الجملة الثالثة: في ~~الرجعة. الجملة الرابعة: في أحكام المطلقات. # الجملة الأولى وفي هذه الجملة خمسة أبواب: الباب الأول: في معرفة الطلاق ~~البائن والرجعي. الباب الثاني: في معرفة الطلاق السني من البدعي. الباب ~~الثالث: في الخلع. # الباب الرابع: في تمييز الطلاق من الفسخ. الباب الخامس: في التخيير ~~والتمليك. # الباب الأول: في معرفة الطلاق البائن والرجعي واتفقوا على أن الطلاق ~~نوعان: بائن ورجعي. وأن الرجعي هو الذي يملك فيه الزوج رجعتها من غير ~~اختيارها وأن من شرطه أن يكون في مدخول بها، وإنما اتفقوا على هذا لقوله ~~تعالى: * (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة) * ~~إلى قوله تعالى: # * (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) * وللحديث الثابت أيضا من حديث ابن عمر ~~أنه (ص) أمره أن يراجع زوجته لما طلقها حائضا. ولا خلاف في هذا. وأما ~~الطلاق ms0558 البائن، فإنهم اتفقوا على أن البينونة إنما توجد للطلاق من قبل عدم ~~الدخول ومن قبل عدد التطليقات ومن قبل العوض في الخلع على اختلاف بينهم هل ~~الخلع طلاق أو فسخ على ما سيأتي بعد. واتفقوا على أن العدد الذي يوجب ~~البينونة في طلاق الحر ثلاث تطليقات إذا وقعت مفترقات لقوله تعالى: * ~~(الطلاق مرتان) * الآية. واختلفوا إذا وقعت ثلاثا في اللفظ دون الفعل، ~~وكذلك اتفق الجمهور على أن الرق مؤثر في اسقاط أعداد الطلاق، وأن الذي يوجب ~~البينونة في الرق اثنتان. واختلفوا هل هذا معتبر برق الزوج أو برق الزوجة ~~أم برق من رق منهما، ففي هذا الباب إذن ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: جمهور فقهاء الأمصار على أن الطلاق بلفظ الثلاث حكمه حكم ~~الطلقة الثالثة، وقال أهل الظاهر وجماعة: حكمه حكم الواحدة ولا تأثير للفظ ~~في ذلك، وحجة هؤلاء ظاهر قوله تعالى: * (الطلاق مرتان) * إلى قوله في ~~الثالثة * (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) * والمطلق ~~بلفظ الثلاث مطلق واحدة لا مطلق PageV02P049 # ثلاث، واحتجوا أيضا بما خرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: كان الطلاق ~~على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ~~فأمضاه عليهم عمر واحتجوا أيضا بما رواه ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس ~~قال طلق ركانة زوجه ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله رسول ~~الله (ص): كيف طلقتها؟ # قال: طلقتها ثلاثا في مجلس س واحد، قال: إنما تلك طلقة واحدة فارتجعها ~~وقد احتج من انتصر لقول الجمهور بأن حديث ابن عباس الواقع في الصحيحين إنما ~~رواه عنه من أصحابه طاوس، وأن جلة أصحابه رووا عنه لزوم الثلاث منهم سعيد ~~بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وجماعة غيرهم، وأن حديث ابن إسحاق ~~وهم، وإنما روى الثقات أنه طلق ركانة زوجه البتة لا ثلاثا. وسبب الخلاف: هل ~~الحكم الذي جعله الشرع من البينونة للطلقة الثالثة يقع بإلزام المكلف نفسه ~~هذا الحكم في طلقة واحدة أم ms0559 ليس يقع؟ ولا يلزم من ذلك إلا ما ألزم الشرع؟ ~~فمن شبه الطلاق بالأفعال التي يشترط في صحة وقوعها كون الشروط الشرعية فيها ~~كالنكاح والبيوع قال: لا يلزم، ومن شبهه بالنذور والايمان التي ما التزم ~~العبد منها لزمه على أي صفة كان ألزم الطلاق كيفما ألزمه المطلق نفسه، وكأن ~~الجمهور غلبوا حكم التغليظ في الطلاق سدا للذريعة ولكن تبطل بذاك الرخصة ~~الشرعية والرفق المقصود في ذلك أعني في قوله تعالى: * (لعل الله يحد ث بعد ~~ذلك أمرا) *. # المسألة الثانية: وأما اختلافهم في اعتبار نقص عدد الطلاق البائن بالرق ~~فمنهم من قال المعتبر فيه الرجال، فإذا كان الزوج عبدا كان طلاقه البائن ~~الطلقة الثانية، سواء كانت الزوجة حرة أو أمة، وبهذا قال مالك والشافعي، ~~ومن الصحابة عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وابن عباس، وإن كان اختلف عنده في ~~ذلك، لكن الأشهر عنه هو هذا القول. ومنهم من قال: إن الاعتبار في ذلك هو ~~بالنساء، فإذا كانت الزوجة أمة كان طلاقها البائن الطلقة الثانية سواء كان ~~الزوج عبدا أو حرا. وممن قال بهذا القول من الصحابة: علي وابن مسعود، ومن ~~فقهاء الأمصار أبو حنيفة وغيره. وفي المسألة قول أشذ من هذين، وهو أن ~~الطلاق يعتبر برق من رق منهما، قال ذلك عثمان البتي وغيره وروي عن ابن عمر. ~~وسبب هذا الاختلاف: هل المؤثر في هذا هو رق المرأة أو رق الرجل، فمن قال ~~التأثير في هذا هو لمن بيده الطلاق قال: يعتبر بالرجال ومن قال التأثير في ~~هذا الذي يقع عليه الطلاق قال: هو حكم من أحكام المطلقة فشبهوها بالعدة. ~~وقد أجمعوا على أن العدة بالنساء: أي نقصانها تابع لرق النساء. واحتج ~~الفريق الأول بما روي عن ابن عباس مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ~~أنه قال الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء إلا أنه حديث لم يثبت في الصحاح. ~~PageV02P050 # وأما من اعتبر من رق منهما فإنه جعل سبب ذلك هو الرق مطلقا ولم يجعل سبب ~~ذلك لا الذكورية ولا الأنوثية مع الرق. ms0560 # المسألة الثالثة: وأما كون الرق مؤثرا في نقصان عدد الطلاق فإنه حكى قوم ~~أنه إجماع، وأبو محمد بن حزم وجماعة من أهل الظاهر مخالفون فيه، ويرون أن ~~الحر والعد في هذا سواء. وسبب الخلاف: معارضة الظاهر في هذا للقياس، وذلك ~~أن الجمهور صاروا إلى هذا المكان قياس طلاق العبد والأمة على حدودهما، وقد ~~أجمعوا على كون الرق مؤثرا في نقصان الحد. أما أهل الظاهر فلما كان الأصل ~~عندهم أن حكم العبد في التكاليف حكم الحر إلا ما أخرجه الدليل، والدليل ~~عندهم هو نص أو ظاهر من الكتاب أو السنة، ولم يكن هناك دليل مسموع صحيح وجب ~~أن يبقى العبد على أصله، ويشبه أن يكون قياس الطلاق على الحد غير سديد، لان ~~المقصود بنقصان الحد رخصة للعبد لمكان نقصه، وأن الفاحشة ليست تقبح منه ~~قبحها من الحر. وأما نقصان الطلاق فهو من باب التغليظ، لان وقوع التحريم ~~على الانسان بتطليقتين أغلظ من وقوعه بثلاث لما عسى أن يقع في ذلك من الندم ~~والشرع إنما سلك في ذلك سبيل الوسط، وذلك أنه لو كانت الرجعة دائمة بيد ~~الزوجة لعنتت المرأة وشقيت، ولو كانت البينونة واقعة في الطلقة الواحدة ~~لعنت الزوج من قبل الندم، وكان ذلك عسرا عليه، فجمع الله بهذه الشريعة بين ~~المصلحتين، ولذلك ما نرى - والله أعلم - أن من ألزم الطلاق الثلاث في ~~واحدة، فقد رفع الحكمة الموجودة في هذه السنة المشروعة. # الباب الثاني: في معرفة الطلاق السني من البدعي أجمع العلماء على أن ~~المطلق للسنة في المدخول بها هو الذي يطلق امرأته في طهر لم يمسها فيه طلقة ~~واحدة، وأن المطلق في الحيض أو الطهر الذي مسها فيه غير مطلق للسنة وإنما ~~أجمعوا على هذا لما ثبت من حديث ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد ~~رسول الله (ص)، فقال عليه الصلاة والسلام: مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ~~ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله ~~أن تطلق ms0561 لها النساء. واختلفوا من هذا الباب في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: ~~هل من شرطه أن لا يتبعها طلاقا في العدة؟ والثاني: هل المطلق ثلاثا: أعني ~~بلفظ الثلاث مطلق للسنة أم لا؟ والثالث: في حكم من طلق في وقت الحيض. # أما الموضع الأول: فإنه اختلف فيه مالك وأبو حنيفة ومن تبعهما، فقال ~~مالك: من شرطها أن لا يتبعها في العدة طلاقا آخر. وقال أبو حنيفة: إن طلقها ~~عند كل طهر طلقة واحدة كان مطلقا للسنة. وسبب هذا الاختلاف: هل من شرط هذا ~~الطلاق أن يكون في حال PageV02P051 # الزوجية بعد رجعة أم ليس من شرطه؟ فمن قال هو من شرطه قال: لا يتبعها فيه ~~طلاقا، ومن قال ليس من شرطه أتبعها الطلاق ولا خلاف بينهم في وقوع الطلاق ~~المتبع. # وأما الموضع الثاني: فإن مالكا ذهب إلى أن المطلق ثلاثا بلفظ واحد مطلق ~~لغير سنة وذهب الشافعي إلى أنه مطلق للسنة. وسبب الخلاف: معارضة إقراره ~~عليه الصلاة والسلام للمطلق بين يديه ثلاثا في لفظة واحدة لمفهوم الكتاب في ~~حكم الطلقة الثالثة. والحديث الذي احتج به الشافعي هو ما ثبت من أن ~~العجلاني طلق زوجته ثلاثا بحضرة رسول الله (ص) بعد الفراغ من الملاعنة قال: ~~فلو كان بدعة لما أقره رسول الله (ص). وأما مالك فلما رأى أن المطلق بلفظ ~~الثلاث رافع للرخصة التي جعلها الله في العدد قال فيه إنه ليس للسنة. # واعتذر أصحابه عن الحديث بأن المتلاعنين عنده قد وقعت الفرقة بينهما من ~~قبل التلاعن نفسه، فوقع الطلاق على غير محله، فلم يتصف لا بسنة ولا ببدعة، ~~وقول مالك - والله أعلم - أظهر ههنا من قول الشافعي. # وأما الموضع الثالث: في حكم من طلق في وقت الحيض فإن الناس اختلفوا من ~~ذلك في مواضع: منها أن الجمهور قالوا يمضي طلاقه، وقالت فرقة: لا ينفذ ولا ~~يقع، والذين قالوا ينفذ قالوا: يؤمر بالرجعة وهؤلاء افترقوا فرقتين فقوم ~~رأوا أن ذلك واجب وأنه يجبر على ذلك، وبه قال مالك وأصحابه. وقالت فرقة بل ~~يندب إلى ms0562 ذلك ولا يجبر، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد والذين ~~أوجبوا الاجبار اختلفوا في الزمان الذي يقع فيه الاجبار، فقال مالك وأكثر ~~أصحابه ابن القاسم وغيره يجبر ما لم تنقض عدتها، وقال أشهب: لا يجبر إلا في ~~الحيضة الأولى. والذين قالوا بالأمر بالرجعة اختلفوا متى يوقع الطلاق بعد ~~الرجعة إن شاء، فقوم اشترطوا في الرجعة أن يمسكها حتى تطهر من تلك الحيضة ~~ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلقها وإن شاء أمسكها، وبه قال مالك والشافعي ~~وجماعة، وقوم قالوا: بل يراجعها، فإن طهرت من تلك الحيضة التي طلقها فيها ~~فإن شاء أمسك وإن شاء طلق، وبه قال أبو حنيفة والكوفيون، وكل من اشترط في ~~طلاق السنة أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه لم ير الامر بالرجعة إذا طلقها ~~في طهر مسها فيه، فهنا إذن أربع مسائل: أحدها: هل يقع هذا الطلاق أم لا؟ ~~والثانية: إن وقع فهل يجبر على الرجعة أم يؤمر فقط؟ والثالثة: متى يوقع ~~الطلاق بعد الاجبار أو الندب. # والرابعة: متى يقع الاجبار. # أما المسألة الأولى: فإن الجمهور إنما صاروا إلى أن الطلاق إن وقع في ~~الحيض اعتد به، وكان طلاقا لقوله (ص) في حديث ابن عمر مره فليراجعها قالوا: ~~والرجعة لا تكون إلا بعد طلاق، وروى الشافعي عن مسلم بن خالد عن ابن جريج ~~أنهم أرسلوا إلى نافع يسألونه هل حسبت تطليقة ابن عمر على عهد رسول الله ~~(ص)؟ قال نعم، وروى أنه PageV02P052 # الذي كان يفتي به ابن عمر. وأما من لم ير هذا الطلاق واقعا فإنه اعتمد ~~عموم قوله (ص): # كل فعل أو عمل ليس عليه أمرنا فهو رد وقالوا: أمر رسول الله (ص) برده ~~يشعر بعدم نفوذه ووقوعه. وبالجملة فسبب الاختلاف: هل الشروط التي اشترطها ~~الشرع في الطلاق السني هي شروط صحة وإجزاء. أم شروط كمال وتمام؟ فمن قال ~~شروط إجزاء قال: لا يقع الطلاق الذي عدم هذه الصفة، ومن قال: شروط كمال ~~وتمام قال يقع ويندب إلى أن يقع كاملا، ولذلك ms0563 من قال بوقوع الطلاق وجبره ~~على الرجعة فقد تناقض، فتدبر ذلك. # وأما المسألة الثانية: وهي هل يجبر على الرجعة أو لا يجبر؟ فمن اعتمد ~~ظاهر الامر وهو الوجوب على ما هو عليه عند الجمهور قال: يجبر، ومن لحظ هذا ~~المعنى الذي قلناه من كون الطلاق واقعا قال: هذا الامر هو على الندب. # وأما المسألة الثالثة: وهي متى يوقع الطلاق بعد الاجبار فإن من اشترط في ~~ذلك أن يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإنما صار لذلك لأنه المنصوص عليه ~~في حديث ابن عمر المتقدم قالوا: والمعنى في ذلك لتصح الرجعة بالوطئ في ~~الطهر الذي بعد الحيض لأنه لو طلقها في الطهر الذي بعد الحيضة لم يكن عليها ~~من الطلاق الآخر عدة لأنه كان يكون كالمطلق قبل الدخول. وبالجملة فقالوا إن ~~من شرط الرجعة وجود زمان يصح فيه الوطئ، وعلى هذا التعليل يكون من شروط ~~طلاق السنة أن يطلقها في طهر لم يطلق في الحيضة التي قبله، وهو أحد الشروط ~~المشترطة عند مالك في طلاق السنة فيما ذكره عبد الوهاب، وأما الذين لم ~~يشترطوا ذلك، فإنهم صاروا إلى ما روى يونس بن جبير وسعيد بن جبير وابن ~~سيرين ومن تابعهم عن ابن عمر في هذا الحديث أنه قال: يراجعها فإذا طهرت ~~طلقها إن شاء، وقالوا: المعنى في ذلك أنه إنما أمر بالرجوع عقوبة له لأنه ~~طلق في زمان كره له فيه الطلاق، فإذا ذهب ذلك الزمان وقع منه الطلاق على ~~وجه غير مكروه فسبب اختلافهم تعارض الآثار في هذه المسألة وتعارض مفهوم ~~العلة. # وأما المسألة الرابعة: وهي متى يجبر؟ فإنما ذهب مالك إلى أنه يجبر على ~~رجعتها لطول زمان العدة لأنه الزمان الذي له فيه ارتجاعها. وأما أشهب فإنه ~~إنما صار في هذا إلى ظاهر الحديث، لان فيه مره فليراجعها حتى تطهر فدل ذلك ~~على أن المراجعة كانت في الحيضة، وأيضا فإنه قال: إنه أمر بمراجعتها لئلا ~~تطول عليها العدة، فإنه إذا وقع عليها الطلاق في الحيضة لم تعتد بها ms0564 بإجماع ~~فإن قلنا إن يراجعها في غير الحيضة كان ذلك عليها أطول، وعلى هذا التعليل ~~فينبغي أن يجوز إيقاع الطلاق في الطهر الذي بعد الحيضة. # فسبب الاختلاف هو سبب اختلافهم في علة الامر بالرد. PageV02P053 # الباب الثالث: في الخلع واسم الخلع والفدية والصلح والمبارأة كلها تؤول ~~إلى معنى واحد، وهو بذل المرأة العوض على طلاقها، إلا أن اسم الخلع يختص ~~ببذلها له جميع ما أعطاها والصلح ببعضه والفدية بأكثره والمبارأة بإسقاطها ~~عنه حقا لها عليه - على ما زعم الفقهاء -. والكلام ينحصر في أصول هذا النوع ~~من الفراق في أربعة فصول: في جواز وقوعه أولا، ثم ثانيا: في شروط وقوعه: ~~أعني جواز وقوعه، ثم ثالثا: في نوعه: أعني هل هو طلاق أو فسخ؟ ثم رابعا: ~~فيما يلحقه من الاحكام. # الفصل الأول: في جواز وقوعه فأما جواز وقوعه فعليه أكثر العلماء. والأصل ~~في ذلك الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: * (فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به) *. وأما السنة فحديث ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ~~(ص) فقالت: يا رسول الله.. ثابت بن قيس لا أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكن ~~أكره الكفر بعد الدخول في الاسلام، فقال رسول الله (ص): أتردين عليه ~~حديقته؟ قالت: نعم. قال رسول الله (ص): اقبل الحديقة وطلقها طلقة واحدة ~~خرجه بهذا اللفظ البخاري وأبو داود والنسائي، وهو حديث متفق على صحته، وشذ ~~أبو بكر ابن عبد الله المزيني عن الجمهور فقال: لا يحل للزوج أن يأخذ من ~~زوجته شيئا، واستدل على ذلك بأنه زعم أن قوله تعالى: * (فلا جناح عليهما ~~فيما افتدت به) * منسوخ بقوله تعالى: # * (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا) * الآية. # والجمهور على أن معنى ذلك بغير رضاها، وأما برضاها فجائز. فسبب الخلاف ~~حمل هذا اللفظ على عمومه أو على خصوصه. # الفصل الثاني: في شروط وقوعه فأما شروط جوازه فمنها ما يرجع إلى القدر ~~الذي يجوز فيه، ومنها ما يرجع إلى صفة الشئ الذي يجوز ms0565 به ومنها ما يرجع إلى ~~الحال التي يجوز فيها، ومنها ما يرجع إلى صفة من يجوز له الخلع من النساء ~~أو من أوليائهن ممن لا تملك أمرها، ففي هذا الفصل أربع مسائل: # المسألة الأولى: أما مقدار ما يجوز لها أن تختلع به فإن مالكا والشافعي ~~وجماعة قالوا: جائز أن تختلع المرأة بأكثر مما يصير لها من الزوج في صداقها ~~إذا كان النشوز من PageV02P054 # قبلها وبمثله وبأقل منه. وقال قائلون: ليس له أن يأخذ أكثر مما أعطاها ~~على ظاهر حديث ثابت. فمن شبهه بسائر الأعواض في المعاملات رأى أن القدر فيه ~~راجع إلى الرضا، ومن أخذ بظاهر الحديث لم يجز أكثر من ذلك. وكأنه رآه من ~~باب أخذ المال بغير حق. # المسألة الثانية: وأما صفة العوض، فإن الشافعي وأبا حنيفة يشترطان فيه أن ~~يكون معلوم الصفة ومعلوم الوجوب. ومالك يجيز فيه المجهول الوجود والقدر ~~والمعدوم، مثل الآبق والشارد والثمرة التي لم يبد صلاحها والعبد غير ~~الموصوف. وحكي عن أبي حنيفة جواز الغرر ومنع المعدوم. وسبب الخلاف: تردد ~~العوض ههنا بين العوض في البيوع أو الأشياء الموهوبة والموصى بها. فمن ~~شبهها بالبيوع اشترط فيه ما يشترط في البيوع وفي أعواض البيوع. ومن شبهه ~~بالهبات لم يشترط ذلك. واختلفوا إذا وقع الخلع بما لا يحل كالخمر والخنزير ~~هل يجب لها عوض أم لا بعد اتفاقهم على أن الطلاق يقع؟ فقال مالك: # لا يستحق عوضا. وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يجب لها مهر المثل. # المسألة الثالثة: وأما ما يرجع إلى الحال التي يجوز فيها الخلع من التي ~~لا يجوز فإن الجمهور على أن الخلع جائز مع التراضي إذا لم يكن سبب رضاها ~~بما تعطيه إضراره بها. # والأصل في ذلك قوله تعالى: * (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا ~~أن يأتين بفاحشة مبينة) * وقوله تعالى: * (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ~~فلا جناح عليهما فيما افتدت به) * وشذ أبو قلابة والحسن البصري فقالا: لا ~~يحل للرجل الخلع عليها حتى يشاهدها تزني، وحملوا الفاحشة في ms0566 الآية على ~~الزنا، وقال داود: لا يجوز إلا بشرط الخوف أن لا يقيما حدود الله على ظاهر ~~الآية، وشذ النعمان فقال: يجوز الخلع مع الاضرار، والفقه أن الفداء إنما ~~جعل للمرأة في مقابلة ما بيد الرجل من الطلاق، فإنه لما جعل الطلاق بيد ~~الرجل إذا فرك المرأة جعل الخلع بيد المرأة إذا فركت الرجل، فيتحصل في ~~الخلع خمسة أقوال: قول إنه لا يجوز أصلا. وقول إنه يجوز على كل حال: أي مع ~~الضرر. # وقول إنه لا يجوز إلا مع مشاهدة الزنا. وقول مع خوف أن لا يقيما حدود ~~الله. وقول إنه يجوز في كل حال إلا مع الضرر، وهو المشهور. # المسألة الرابعة: وأما من يجوز له الخلع ممن لا يجوز فإنه لا خلاف عند ~~الجمهور أن الرشيدة تخالع عن نفسها، وأن الأمة لا تخالع عن نفسها إلا برضا ~~سيدها، وكذلك السفيهة مع وليها عند من يرى الحجر، وقال مالك: يخالع الأب ~~على ابنته الصغيرة كما PageV02P055 # ينكحها وكذلك على ابنه الصغير لأنه عنده يطلق عليه والخلاف في الابن ~~الصغير، قال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز لأنه لا يطلق عليه عندهم والله ~~أعلم. وخلع المريضة يجوز عند مالك إذا كان بقدر ميراثه منها، وروى ابن نافع ~~عن مالك أنه يجوز خلعها بالثلث كله، وقال الشافعي: لو اختلعت بقدر مهر ~~مثلها جاز، وكان من رأس المال، وإن زاد على ذلك كانت الزيادة من الثلث. ~~وأما المهملة التي لا وصي لها ولا أب فقال ابن القاسم: يجوز خلعها إذا كان ~~خلع مثلها، والجمهور على أنه يجوز خلع المالكة لنفسها، وشذ الحسن وابن ~~سيرين فقالا: لا يجوز الخلع إلا بإذن السلطان. # الفصل الثالث: في نوعه وأما نوع الخلع فجمهور العلماء على أنه طلاق، وبه ~~قال مالك، وأبو حنيفة سوى بين الطلاق والفسخ، وقال الشافعي: هو فسخ، وبه ~~قال أحمد وداود ومن الصحابة ابن عباس. وقد روي عن الشافعي أنه كناية، فإن ~~أراد به الطلاق كان طلاقا وإلا كان فسخا، وقد قيل عنه في قوله الجديد ms0567 إنه ~~طلاق. وفائدة الفرق هل يعتد به في التطليقات أم لا؟ # وجمهور من رأى أنه طلاق يجعله بائنا، لأنه لو كان للزوج في العدة منه ~~الرجعة عليها لم يكن لافتدائها معنى، وقال أبو ثور: إن لم يكن بلفظ الطلاق ~~لم يكن له عليها رجعة، وإن كان بلفظ الطلاق كان له عليها الرجعة. فاحتج من ~~جعله طلاقا بأن الفسوخ إنما هي التي تقتضي الفرقة الغالبة للزوج في الفراق ~~مما ليس يرجع إلى اختياره، وهذا راجع إلى الاختيار فليس بفسخ، واحتج من لم ~~يره طلاقا بأن الله تبارك وتعالى ذكر في كتابه الطلاق فقال: * (الطلاق ~~مرتان) * ثم ذكر الافتداء ثم قال: * (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره) * فلو كان الافتداء طلاقا لكان الطلاق الذي لا تحل له فيه إلا ~~بعد زوج هو الطلاق الرابع، وعند هؤلاء أن الفسوخ تقع بالتراضي قياسا على ~~فسوخ البيع: أعني الإقالة، وعند المخالف أن الآية إنما تضمنت حكم الافتداء ~~على أنه شئ يلحق جميع أنواع الطلاق لا أنه شئ غير الطلاق. فسبب الخلاف: هل ~~اقتران العوض بهذه الفرقة يخرجها من نوع فرقة الطلاق إلى نوع فرقة الفسخ أم ~~ليس يخرجها؟ # الفصل الرابع: فيما يلحقه من الاحكام وأما لواحقه ففروع كثيرة، لكن نذكر ~~منها ما شهر: فمنها هل يرتدف على المختلعة طلاق أم لا؟ فقال مالك: لا يرتدف ~~إلا إن كان الكلام متصلا، وقال الشافعي: لا يرتدف وإن كان الكلام متصلا، ~~وقال أبو حنيفة: يرتدف، ولم يفرق بين الفور والتراخي. وسبب PageV02P056 # الخلاف: أن العدة عند الفريق الأول من أحكام الطلاق، وعند أبي حنيفة من ~~أحكام النكاح، ولذلك لا يجوز عنده أن ينكح مع المبتوتة أختها. فمن رآها من ~~أحكام النكاح ارتدف الطلاق عنده، ومن لم ير ذلك لم يرتدف، ومنها أن جمهور ~~العلماء أجمعوا على أنه لا رجعة للزوج على المختلعة في العدة. إلا ما روي ~~عن سعيد بن المسيب وابن شهاب أنهما قالا: # إن رد لها ما أخذ منها في العدة أشهد ms0568 على رجعتها. والفرق الذي ذكرناه عن ~~أبي ثور بين أن يكون بلفظ الطلاق أو لا يكون. ومنها أن الجمهور أجمعوا على ~~أن له أن يتزوجها برضاها في عدتها، وقالت فرقة من المتأخرين: لا يتزوجها هو ~~ولا غيره في العدة. وسبب اختلافهم: هل المنع من النكاح في العدة عبادة أو ~~ليس بعبادة بل معلل؟ واختلفوا في عدة المختلعة وسيأتي بعد. واختلفوا إذا ~~اختلف الزوج والزوجة في مقدار العدد الذي وقع به الخلع فقال مالك: القول ~~قوله إن لم يكن هنالك بينة. وقال الشافعي: يتحالفان ويكون عليها مهر المثل ~~شبه الشافعي اختلافها باختلاف المتبايعين، وقال مالك: هي مدعى عليها وهو ~~مدع. ومسائل هذا الباب كثيرة وليس مما يليق بقصدنا. # الباب الرابع: في تمييز الطلاق من الفسخ واختلف قول مالك رحمه الله في ~~الفرق بين الفسخ الذي لا يعتد به في التطليقات الثلاث وبين الطلاق الذي ~~يعتد به في الثلاث إلى قولين: أحدهما: أن النكاح إن كان فيه خلاف خارج عن ~~مذهبه: أعني في جوازه. وكان الخلاف مشهورا فالفرقة عنده فيه لكلامه مثل ~~الحكم بتزويج المرأة نفسها والمحرم، فهذه على هذه الرواية هي طلاق لا فسخ. # والقول الثاني: أن الاعتبار في ذلك هو بالسبب الموجب لا للتفرق. فإن كان ~~غير راجع إلى الزوجين مما لو أراد الإقامة على الزوجية معه لم يصح كان فسخا ~~مثل نكاح المحرمة بالرضاع أو النكاح أو العدة وإن كان مما لهما أن يقيما ~~عليه مثل الرد بالعيب كان طلاقا. # الباب الخامس: في التخيير والتمليك ومما يعد من أنواع الطلاق مما يرى أن ~~له أحكاما خاصة: التمليك والتخيير، والتمليك عن مالك في المشهور غير ~~التخيير، وذلك أن التمليك هو عنده تمليك المرأة إيقاع الطلاق، فهو يحتمل ~~الواحدة فما فوقها، ولذلك له أن يناكرها عنده فيما فوق الواحدة، والخيار ~~بخلاف ذلك لأنه يقتضي إيقاع طلاق تنقطع معه العصمة إلا أن يكون تخييرا ~~مقيدا مثل أن يقول لها اختاري نفسك أو اختاري تطليقة أو تطليقتين. ففي ~~الخيار المطلق عند مالك ليس ms0569 لها إلا أن تختار زوجها أو تبين منه بالثلاث. ~~وإن اختارت واحدة لم يكن لها ذلك، والمملكة لا يبطل تمليكها عنده إن لم ~~توقع الطلاق حتى يطول الامر بها على إحدى الروايتين أو يتفرقا من المجلس. ~~والرواية الثانية أنه يبقى لها التمليك إلى أن ترد أو تطلق. والفرق عند ~~مالك بين التمليك وتوكيله إياها على تطليق نفسها أن في PageV02P057 # التوكيل له أن يعزلها قبل أن تطلق، وليس له ذلك في التمليك. وقال ~~الشافعي: اختاري وأمرك بيدك سواء، ولا يكون ذلك طلاقا إلا أن ينويه، وإن ~~نواه فهو ما أراد إن واحدة فواحدة وإن ثلاثا فثلاث، فله عنده أن يناكرها في ~~الطلاق نفسه، وفي العدد في الخيار أو التمليك، وهي عنده إن طلقت نفسها ~~رجعية، وكذلك هي عند مالك في التمليك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: الخيار ليس ~~بطلاق، فإن طلقت نفسها في التمليك. واحدة فهي بائنة، وقال الثوري: الخيار ~~والتمليك واحد لا فرق بينهما، وقد قيل: القول قولها في أعداد الطلاق في ~~التمليك، وليس للزوج مناكرتها، وهذا القول مروي عن علي وابن المسيب وبه قال ~~الزهري وعطاء وقد قيل إنه ليس للمرأة في التمليك إلا أن تطلق نفسها تطليقة ~~واحدة، وذلك مروي عن ابن عباس وعمر رضي الله عنهما، روي أنه جاء ابن مسعود ~~رجل فقال: كان بيني وبين امرأتي بغض ما يكون بين الناس، فقالت: لو أن الذي ~~بيدك من أمري بيدي لعلمت كيف أصنع، قال: فإن الذي بيدي من أمرك بيدك، قالت: ~~فأنت طالق ثلاثا، قال: أراها واحدة وأنت أحق بها ما دامت في عدتها، وسألقى ~~أمير المؤمنين عمر، ثم لقيه فقص عليه القصة فقال: صنع الله بالرجال وفعل، ~~يعمدون إلى ما جعل الله في أيديهم فيجعلونه بأيدي النساء بفيها التراب، ~~ماذا قلت فيها؟ قال: قلت أراها واحدة وهو أحق بها قال: وأنا أرى ذلك، ولو ~~رأيت غير ذلك علمت أنك لم تصب. وقد قيل ليس التمليك بشئ لان ما جعل الشرع ~~بيد الرجل ليس يجوز أن يرجع إلى ms0570 يد المرأة بجعل جاعل. وكذلك التخيير وهو ~~قول أبي محمد بن حزم وقول مالك في المملكة أن لها الخيار في الطلاق أو ~~البقاء على العصمة ما دامت في المجلس وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي ~~وجماعة فقهاء الأمصار، وعند الشافعي أن التمليك إذا أراد به الطلاق ~~كالوكالة. ولو أن يرجع في ذلك متى أحب ذلك ما لم يوقع الطلاق وإنما صار ~~الجمهور للقضاء بالتمليك أو التخيير، وجعل ذلك للنساء لما ثبت من تخيير ~~رسول الله (ص) نساءه، قالت عائشة: خيرنا رسول الله (ص) فاخترناه فلم يكن ~~طلاقا، لكن أهل الظاهر يرون أن معنى ذلك أنهن لو اخترن أنفسهن طلقهن رسول ~~الله (ص) لا أنهن كن يطلقن بنفس اختيار الطلاق. وإنما صار جمهور الفقهاء ~~إلى أن التخيير والتمليك واحد في الحكم، لان من عرف دلالة اللغة أن من ملك ~~إنسانا أمرا من الأمور إن شاء أن يفعله أو لا يفعله فإنه قد خيره. وأما ~~مالك فيرى أن قوله لها اختاريني أو اختاري نفسك أنه ظاهر بعرف الشرع في ~~معنى البينونة بتخيير رسول الله (ص) نساءه لان المفهوم منه إنما كان ~~البينونة. وإنما رأى مالك أنه لا يقبل قول الزوج في التمليك أنه لم يرد به ~~طلاقا إذا زعم ذلك لأنه لفظ ظاهر في معنى جعل الطلاق بيدها. وأما الشافعي ~~فلما لم يكن اللفظ عنده نصا اعتبر فيه النية. # فسبب الخلاف: هل يغلب ظاهر اللفظ أو دعوى النية. وكذلك فعل في التخيير، ~~وإنما PageV02P058 # اتفقوا على أن له مناكرتها في العدد: أعني في لفظ التمليك، لأنه لا يدل ~~عليه دلالة محتملة فضلا عن ظاهره. وإنما رأى مالك والشافعي أنه إذا طلقت ~~نفسها بتمليكه إياها طلقة واحدة أنها تكون رجعية، لان الطلاق إنما يحمل على ~~العرف الشرعي وهو طلاق السنة. وإنما رأى أبو حنيفة أنها بائنة لأنه إذا كان ~~له عليها رجعة لم يكن لما طلبت من التمليك فائدة ولما قصد هو من ذلك. وأما ~~من رأى أن لها أن تطلق نفسها في التمليك ms0571 ثلاثا وأنه ليس للزوج مناكرتها في ~~ذلك، فلان معنى التمليك عنده إنما هو تصيير جميع ما كان بيد الرجل من ~~الطلاق بيد المرأة فهي مخيرة فيما توقعه من أعداد الطلاق. وأما من جعل ~~التمليك طلقة واحدة فقط أو التخيير، فإنما ذهب إلى أنه أقل ما ينطلق عليه ~~الاسم، واحتياطا للرجال لان العلة في جعل الطلاق بأيدي الرجال دون النساء ~~هو لنقصان عقلهن وغلبة الشهوة عليهن مع سوء المعاشرة، وجمهور العلماء على ~~أن المرأة إذا اختارت زوجها أنه ليس بطلاق لقول عائشة المتقدم. وروي عن ~~الحسن البصري أنها إذا اختارت زوجها فواحدة، وإذا اختارت نفسها فثلاث، ~~فيتحصل في هذه المسألة الخلاف في ثلاثة مواضع، أحدها: أنه لا يقع بواحد ~~منهما طلاق. والثاني: أنه تقع بينهما فرقة. والثالث: الفرق بين التخيير ~~والتمليك فيما تملك به المرأة، أعني أن تملك بالتخيير البينونة، وبالتمليك ~~ما دون البينونة، وإذا قلنا بالبينونة فقيل تملك واحدة، وقيل تملك الثلاث، ~~وإذا قلنا إنها تملك واحدة فقيل رجعية، وقيل بائنة. وأما حكم الألفاظ التي ~~تجيب بها المرأة في التخيير والتمليك فهي ترجع إلى حكم الألفاظ التي يقع ~~بها الطلاق في كونها صريحة أو كناية أو محتملة، وسيأتي تفصيل ذلك عند ~~التكلم في ألفاظ الطلاق. # الجملة الثانية وفي هذه الجملة ثلاثة أبواب: الباب الأول: في ألفاظ ~~الطلاق وشروطه. الباب الثاني: في تفصيل من يجوز طلاقه ممن لا يجوز. الباب ~~الثالث: في تفصيل من يقع عليها الطلاق من النساء ممن لا يقع. # الباب الأول: في ألفاظ الطلاق وشروطه وهذا الباب فيه فصلان: الفصل الأول: ~~في أنواع ألفاظ الطلاق المطلقة. الفصل الثاني: في أنواع ألفا الطلاق ~~المقيدة. # الفصل الأول: في أنواع ألفاظ الطلاق المطلقة أجمع المسلمون على أن الطلاق ~~يقع إذا كان بنية وبلفظ صريح. واختلفوا هل يقع بالنية مع اللفظ الذي ليس ~~بصريح أو بالنية دون اللفظ، أو باللفظ دون النية، فمن اشترط فيه النية ~~واللفظ الصريح فاتباعا لظاهر الشرع، وكذلك من أقام الظاهر مقام الصريح، ومن ~~شبهه بالعقد في النذر ms0572 وفي اليمين أوقعه بالنية فقط، ومن أعمل التهمة أوقعه ~~باللفظ فقط. # واتفق الجمهور على أن ألفاظ الطلاق المطلقة صنفان: صريح، وكناية. ~~واختلفوا في PageV02P059 # تفصيل الصريح من الكناية وفي أحكامها وما يلزم فيها، ونحن إنما قصدنا من ~~ذلك ذكر المشهور وما يجري مجرى الأصول، فقال مالك وأصحابه: الصريح هو لفظ ~~الطلاق فقط، وما عدا ذلك كناية، وهي عنده على ضربين ظاهرة ومحمولة وبه قال ~~أبو حنيفة، وقال الشافعي: ألفاظ الطلاق الصريحة ثلاث: الطلاق، والفراق ~~والسراح، وهي المذكورة في القرآن، وقال بعض أهل الظاهر: لا يقع طلاق إلا ~~بهذه الثلاث. فهذا هو اختلافهم في صريح الطلاق من غير صريحه. وإنما اتفقوا ~~على أن لفظ الطلاق صريح لان دلالته على هذا المعنى الشرعي دلالة وضعية ~~بالشرع فصار أصلا في هذا الباب. وأما ألفاظ الفراق والسراح فهي مترددة بين ~~أن يكون للشرع فيها تصرف أعني أن تدل بعرف الشرع على المعنى الذي يدل عليه ~~الطلاق، أو هي باقية على دلالتها اللغوية، فإذا استعملت في هذا المعنى: ~~أعني في معنى الطلاق كانت مجازا إذ هذا هو معنى الكناية أعني اللفظ الذي ~~يكون مجازا في دلالته، وإنما ذهب مذهب إلى أنه لا يقع الطلاق إلا بهذه ~~الألفاظ الثلاث، لان الشرع إنما ورد بهذه الألفاظ الثلاثة وهي عبادة، ومن ~~شرطها اللفظ، فوجب أن يقتصر بها على اللفظ الشرعي الوارد فيها. فأما ~~اختلافهم في أحكام صريح ألفاظ الطلاق ففيه مسألتان مشهورتان: إحداهما: اتفق ~~مالك والشافعي وأبو حنيفة عليها. # والثانية: اختلفوا فيها. فأما التي اتفقوا عليها فإن مالكا والشافعي وأبا ~~حنيفة قالوا: لا يقبل قول المطلق إذا نطق بألفاظ الطلاق إنه لم يرد به ~~طلاقا إذا قال لزوجته أنت طالق. وكذلك السراح والفراق عند الشافعي. واستثنت ~~المالكية بأن قالت: إلا أن تقترن بالحالة أو المرأة قرينة تدل على صدق ~~دعواه، مثل أن تسأله أن يطلقها من وثاق هي فيه وشبهه، فيقول لها أنت طالق. ~~وفقه المسألة عند الشافعي وأبي حنيفة أن الطلاق لا يحتاج عندهم إلى نية، ~~وأما مالك ms0573 فالمشهور عنه أن الطلاق عنده يحتاج إلى نية، لكن لم ينوه ههنا ~~لموضع التهم، ومن رأيه الحكم بالتهم سدا للذرائع، وذلك مما خالفه فيه ~~الشافعي وأبو حنفية. فيجب على رأي من يشترط النية في ألفاظ الطلاق ولا يحكم ~~بالتهم أن يصدقه فيما ادعى. # وأما المسألة الثانية: فهي: اختلفوا فيمن قال لزوجته أنت طالق، وادعى أنه ~~أراد بذلك أكثر من واحدة إما اثنتين وإما ثلاثا، فقال مالك: هو ما نوى وقد ~~لزمه، وبه قال الشافعي إلا أن يقيد فيقول طلقة واحدة، وهذا القول هو ~~المختار عند أصحابه، وأما أبو حنيفة فقال: لا يقع ثلاثا بلفظ الطلاق لان ~~العدد لا يتضمنه لفظ الافراد، لا كناية ولا تصريحا. وسبب اختلافهم: هل يقع ~~الطلاق بالنية دون اللفظ أو بالنية مع اللفظ المحتمل؟ # فمن قال بالنية أوجب الثلاث، وكذلك من قال بالنية واللفظ المحتمل ورأي أن ~~لفظ الطلاق يحتمل العدد، ومن رأى أنه لا يحتمل العدد وأنه لا بد من اشتراط ~~اللفظ في الطلاق مع النية قال: لا يجب العدد وإن نواه، وهذه المسألة ~~اختلفوا فيها، وهي من مسائل شروط PageV02P060 # ألفاظ الطلاق: أعني اشتراط النية مع اللفظ، أو بانفراد أحدهما، فالمشهور ~~عن مالك أن الطلاق لا يقع إلا باللفظ والنية، وبه قال أبو حنيفة، وقد روي ~~عنه أنه يقع باللفظ دون النية، وعند الشافعي أن لفظ الطلاق الصريح لا يحتاج ~~إلى نية، فمن اكتفى بالنية احتج بقوله (ص) إنما الأعمال بالنيات ومن لم ~~يعتبر النية دون اللفظ احتج بقوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان وما حدثت به أنفسها والنية دون قول حديث نفس. قال: وليس يلزم من ~~اشتراط النية في العمل في الحديث المتقدم أن تكون النية كافية بنفسها. ~~واختلف المذهب هل يقع بلفظ الطلاق في المدخول بها طلاق بائن إذا قصد ذلك ~~المطلق ولم يكن هنالك عوض؟ فقيل يقع، وقيل لا يقع، وهذه المسألة من مسائل ~~أحكام صريح ألفا الطلاق وأما ألفاظ الطلاق التي ليست بصريح، فمنها ما هي ~~كناية ظاهرة ms0574 عند مالك، ومنها ما هي كناية محتملة. ومذهب مالك أنه إذا ادعى ~~في الكناية الظاهرة أنه لم يرد طلاقا لم يقبل قوله إلا أن تكون هنالك قرينة ~~تدل على ذلك كرأيه في الصريح، وكذلك لا يقبل عنده ما يدعيه من دون الثلاث ~~في الكنايات الظاهرة وذلك في المدخول بها إلا أن يكون قال ذلك في الخلع. ~~وأما غير المدخول بها فيصدقه في الكناية الظاهرة فيما دون الثلاث، لان طلاق ~~غير المدخول بها بائن، وهذه هي مثل قولهم: حبلك على غاربك، ومثل البتة، ~~ومثل قولهم: أنت خلية وبرية. وأما مذهب الشافعي في الكنايات الظاهرة فإنه ~~يرجع في ذلك إلى ما نواه، فإن كان نوى طلاقا كان طلاقا وإن كان نوى ثلاثا ~~كان ثلاثا أو واحدة كان واحدة، ويصدق في ذلك. وقول أبي حنيفة في ذلك مثل ~~قول الشافعي، إلا أنه على أصله واحدة أو اثنتين وقع عنده طلقة واحدة بائنة، ~~وإن اقترنت به قرينة تدل على الطلاق وزعم أنه لم ينوه لم يصدق، وذلك إذا ~~كان عنده في مذاكراته الطلاق. وأبو حنيفة يطلق بالكنايات كلها إذا اقترنت ~~بها هذه القرينة إلا أربع: حبلك على غاربك، واعتدي، واستبرئي. وتقنعي، ~~لأنها عنده من المحتملة غير الظاهرة. # وأما ألفاظ الطلاق المحتملة غير الظاهرة فعند مالك أنه يعتبر فيها نيته ~~كالحال عند الشافعي في الكناية الظاهرة، وخالفه في ذلك جمهور العلماء ~~فقالوا: ليس فيها شئ وإن نوى طلاقا فيحصل في الكنايات الظاهرة ثلاثة أقوال: ~~قول أن يصدق بإطلاق. وهو قول الشافعي، وقول إنه لا يصدق بإطلاق إلا أن يكون ~~هنالك قرينة وهو قول مالك، وقول إنه يصدق إلا أن يكون في مذاكرة الطلاق، ~~وهو قول أبي حنيفة. وفي المذهب خلاف في مسائل يتردد حملها بين الظاهر ~~والمحتمل، وبين قوتها وضعفها في الدلالة على صفة البينونة فوقع فيها ~~الاختلاف وهي راجعة إلى هذه الأصول، وإنما صار مالك إلى أن لا يقبل قوله في ~~الكنايات الظاهرة إنه لم يرد به طلاقا، لان العرف اللغوي والشرعي ~~PageV02P061 # شاهد عليه، ms0575 وذلك أن هذه الألفاظ إنما تلفظ بها الناس غالبا. والمراد بها ~~الطلاق، إلا أن يكون هنالك قرينة تدل على خلاف ذلك وإنما صار إلى أنه لا ~~يقبل قوله فيما يدعيه دون الثلاث، لأن الظاهر من هذه الألفاظ هو البينونة، ~~والبينونة لا تقع إلا خلعا عنده في المشهور أو ثلاثا، وإذا لم تقع خلعا ~~لأنه ليس هناك عوض فبقي أن يكون ثلاثا، وذلك في المدخول بها. ويتخرج على ~~القول في المذهب بأن البائن تقع من دون عوض ودون عدد أن يصدق في ذلك وتكون ~~واحدة بائنة، وحجة الشافعي أنه إذا وقع الاجماع على أنه يقبل قوله فيما دون ~~الثلاث في صريح ألفاظ الطلاق كان أحرى أن يقبل قوله في كنايته لان دلالة ~~الصريح أقوى من دلالة الكناية. ويشبه أن تقول المالكية إن لفظ الطلاق وإن ~~كان صريحا في الطلاق فليس بصريح في العدد، ومن الحجة للشافعي حديث ركانة ~~المتقدم، وهو مذهب عمر في حبلك على غاربك، وإنما صار الشافعي إلى أن الطلاق ~~في الكنايات الظاهرة إذا نوى ما دون الثلاث يكون رجعيا لحديث ركانة ~~المتقدم، وصار أبو حنيفة إلى أنه يكون بائنا لأنه المقصود به قطع العصمة ~~ولم يجعله ثلاثا لان الثلاث معنى زائد على البينونة عنده. فسبب اختلافهم: ~~هل يقدم عرف اللفظ على النية أو النية على عرف اللفظ؟ وإذا غلبنا عرف اللفظ ~~فهل يقتضي البينونة فقط أو العدد؟ فمن قدم النية لم يقض عليه بعرف اللفظ ~~ومن قدم العرف الظاهر لم يلتفت إلى النية. ومما اختلف فيه الصدر الأول ~~وفقهاء الأمصار من هذا الباب: أعني من جنس المسائل الداخلة في هذا الباب ~~لفظ التحريم: أعني من قال لزوجته أنت علي حرام وذلك أن مالكا قال: يحمل في ~~المدخول بها على البت: أي الثلاث وينوي في غير المدخول بها، وذلك على قياس ~~قوله المتقدم في الكنايات الظاهرة، وهو قول ابن أبي ليلى، وزيد بن ثابت ~~وعلي من الصحابة، وبه قال أصحابه إلا ابن الماجشون فإنه قال: لا ينوي في ~~غير ms0576 المدخول بها وتكون ثلاثا فهذا هو أحد الأقوال في هذه المسألة، والقول ~~الثاني: أنه إن نوى بذلك ثلاثا فهي ثلاث وإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة، ~~وإن نوى يمينا فهو يمين يكفرها وإن لم ينو به طلاقا ولا يمينا فليس بشئ، هي ~~كذبة، وقال بهذا القول الثوري والقول الثالث: أن يكون أيضا ما نوى بها وإن ~~نوى واحدة فواحدة أو ثلاثا فثلاث، وإن لم ينو شيئا فهو يمين يكفرها، وهذا ~~القول قاله الأوزاعي. والقول الرابع: أن ينوي فيها في الموضعين في إرادة ~~الطلاق وفي عدده، فما نوى كان ما نوى، فإن نوى واحدة كان رجعيا، وإن أراد ~~تحريمها بغير طلاق فعليه كفارة يمين وهو قول الشافعي. والقول الخامس: أنه ~~ينوي أيضا في الطلاق وفي العدد، فإن نوى واحدة كانت بائنة، فإن لم ينو ~~طلاقا كان يمينا وهو مول، فإن نوى الكذب فليس بشئ، وهذا القول قاله أبو ~~حنيفة وأصحابه. والقول السادس: أنها يمين يكفرها ما يكفر اليمين، إلا أن ~~بعض هؤلاء قال يمين مغلظة، وهو قول عمر وابن PageV02P062 # مسعود وابن عباس وجماعة من التابعين، وقال ابن عباس وقد سئل عنها: لقد ~~كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، خرجه البخاري ومسلم ذهب إلى الاحتجاج ~~بقوله تعالى: # * (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) * الآية. والقول السابع: أن ~~تحريم المرأة كتحريم الماء، وليس فيه كفارة ولا طلاق لقوله تعالى: * (لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) * وهو قول مسروق والأجدع وأبي سلمة بن عبد ~~الرحمن والشعبي وغيرهم. ومن قال فيها إنها غير مغلظة بعضهم أوجب فيها ~~الواجب في الظهار. وبعضهم أوجب فيها عتق رقبة. وسبب الاختلاف: هل هو يمين ~~أو كناية؟ أو ليس بيمين ولا كناية؟ فهذه أصول ما يقع من الاختلاف في ألفاظ ~~الطلاق. # الفصل الثاني: في ألفاظ الطلاق المقيدة والطلاق المقيد لا يخلو من قسمين: ~~إما تقييد اشتراط، أو تقييد استثناء، والتقيد المشترط لا يخلو أن يعلق ~~بمشيئة من له اختيار أو بوقوع فعل من الأفعال المستقبلة ms0577 أو بخروج شئ مجهول ~~العلم إلى الوجود على ما يدعيه المعلق للطلاق به مما لا يتوصل إلى علمه إلا ~~بعد خروجه إلى الحس، أو إلى الوجود أو بما لا سبيل إلى الوقوف عليه مما هو ~~ممكن أن يكون أو لا يكون. فأما تعليق الطلاق بالمشيئة فإنه لا يخلو أن ~~يعلقه بمشيئة الله أو بمشيئة مخلوق، فإذا علقه بمشيئة الله وسواء علقه على ~~جهة الشرط مثل أن يقول أنت طالق إن شاء الله، أو على جهة الاستثناء مثل أن ~~يقول أنت طالق إلا أن يشاء الله، فإن مالكا قال: لا يؤثر الاستثناء في ~~الطلاق شيئا وهو واقع ولا بد. وقال أبو حنيفة والشافعي إذا استثنى المطلق ~~مشيئة الله لم يقع الطلاق. وسبب الخلاف: هل يتعلق الاستثناء بالأفعال ~~الحاضرة الواقعة كتعلقه بالأفعال المستقبلة أو لا يتعلق؟ وذلك أن الطلاق هو ~~فعل حاضر، فمن قال لا يتعلق به قال: لا يؤثر الاستثناء ولا اشتراط المشيئة ~~في الطلاق، ومن قال يتعلق به قال: يؤثر فيه، وأما إن علق الطلاق بمشيئة من ~~تصح مشيئته ويتوصل إلى علمها فلا خلاف في مذهب مالك أن الطلاق يقف على ~~اختيار الذي علق الطلاق بمشيئته. وأما تعليق الطلاق بمشيئة من لا مشيئة له، ~~ففي خلاف في المذهب، قيل يلزمه الطلاق، وقيل لا يلزمه، والصبي والمجنون ~~داخلان في هذا المعنى فمن شبهه بطلاق الهزل وكان الطلاق بالهزل عنده يقع ~~قال: يقع هذا الطلا، ومن اعتبر وجود الشرط قال: لا يقع لان الشرط قد عدم ~~ههنا. وأما تعليق الطلاق بالأفعال المستقبلة، فإن الأفعال التي يعلق بها ~~توجد على ثلاثة أضرب: أحدها: ما يمكن PageV02P063 # أن يقع أو لا يقع على السواء كدخول الدار وقدوم زيد، فهذا يقف وقوع ~~الطلاق فيه على وجود الشرط بلا خلاف. وأما ما لا بد من وقوعه كطلوع الشمس ~~غدا، فهذا يقع ناجزا عند مالك، ويقف وقوعه عند الشافعي وأبي حنيفة على وجود ~~الشرط، فمن شبهه بالشرط الممكن الوقوع قال: لا يقع إلا بوقوع الشرط، ومن ~~شبهه بالوطئ ms0578 الواقع في الاجل بنكاح المتعة لكونه وطئا مستباحا إلى أجل قال: ~~يقع الطلاق، الثالث هو الأغلب منه بحسب العادة وقوع الشرط، وقد لا يقع ~~كتعليق الطلاق بوضع الحمل ومجئ الحيض والطهر، ففي ذلك روايتان عن مالك: # إحداهما: وقوع الطلاق ناجزا، والثانية: وقوعه على وجود شرطه، وهو الذي ~~يأتي على مذهب أبي حنيفة والشافعي، والقول بإنجاز الطلاق في هذا يضعف لأنه ~~مشبه عنده بما يقع ولا بد، والخلاف فيه قوي. وأما تعليق الطلاق بالشرط ~~المجهول الوجود فإن كان لا سبيل إلى علمه مثل أن يقول: إن كان خلق الله ~~اليوم في بحر القلزم حوتا بصفة كذا فأنت طالق. فلا خلاف أعلمه في المذهب أن ~~الطلاق يقع في هذا، وأما إن علقه بشئ يمكن أن يعلم بخروجه إلى الوجود مثل ~~أن يقول: إن ولدت أنثى فأنت طالق فإن الطلاق يتوقف على خروج ذلك الشئ إلى ~~الوجود. وأما إن حلف بالطلاق أنها تلد أنثى، فإن الطلاق في الحين يقع عنده ~~وإن ولدت أنثى، وكان هذا من باب التغليظ، والقياس يوجب أن يوقف الطلاق على ~~خروج ذلك الشئ أو ضده. ومن قول مالك إنه إذا أوجب الطلاق على نفسه بشرط أن ~~يفعل فعلا من الأفعال أنه لا يحنث حتى يفعل ذلك الفعل، وإذا أوجب الطلاق ~~على نفسه بشرط ترك فعل من الأفعال فإنه على الحنث حتى يفعل ويوقف عنده عن ~~وطئ زوجته، فإن امتنع عن ذلك الفعل أكثر من مدة أجل الايلاء ضرب له أجل ~~الايلاء ولكن لا يقع عنده حتى يفوت الفعل إن كان مما يقع فوته، ومن العلماء ~~من يرى أنه على بر حتى يفوت الفعل، وإن كان مما لا يفوت كان على البر حتى ~~يموت. ومن هذا الباب اختلافهم في تبعيض المطلقة، أو تبعيض الطلاق وارداف ~~الطلاق على الطلاق. فأما مسألة تبعيض المطلقة، فإن مالكا قال إذا قال يدك ~~أو رجلك أو شعرك طالق طلقت عليه، وقال أبو حنيفة: لا تطلق إلا بذكر عضو ~~يعبر به عن جملة البدن كالرأس والقلب ms0579 والفرج، وكذلك تطلق عنده إذا طلق ~~الجزء منها، مثل الثلث أو الربع، وقال داود: لا تطلق، وكذلك إذا قال عند ~~مالك: طلقتك نصف تطليقة طلقت، لان هذا كله عنده لا يتبعض، وعند المخالف إذا ~~تبعض لم يقع وأما إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق ~~نسقا، فإنه يكون ثلاثا عند مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: يقع واحدة فمن ~~شبه تكرار اللفظ بلفظه بالعدد، أعني بقوله طلقتك ثلاثا قال: يقع الطلاق ~~ثلاثا، ومن رأى أنه باللفظة الواحدة قد بانت منه قال: لا يقع عليها الثاني ~~والثالث. ولا خلاف بين المسلمين في ارتدافه في الطلاق الرجعي. وأما الطلاق ~~المقيد بالاستثناء فإنما يتصور في العدد فقط، فإذا طلق أعدادا من الطلاق، ~~فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يستثني ذلك العدد بعينه، مثل أن يقول: أنت ~~طالق PageV02P064 # ثلاثا إلا ثلاثا، أو اثنتين إلا اثنتين، وإما أن يستثني ما هو أقل، فإما ~~أن يستثني ما هو أقل مما هو أكثر، وإما أن يستثني ما هو أكثر مما هو أقل، ~~فإذا استثنى الأقل من الأكثر، فلا خلاف أعلمه أن الاستثناء يصح ويسقط ~~المستثنى، مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة، وأما إن استثنى الأكثر ~~من الأقل فيتوجه فيه قولان: أحدهما: أن الاستثناء لا يصح وهو مبني على من ~~منع أن يستثني الأكثر من الأقل. والآخر: أن الاستثناء يصح، وهو قول مالك. ~~وأما إذا استثنى ذلك العدد بعينه مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا، ~~فإن مالكا قال: يقع الطلاق لأنه اتهمه على أنه رجوع منه. وأما إذا لم يقل ~~بالتهمة وكان قصده بذلك استحالة وقوع الطلاق فلا طلاق عليه. كما لو قال أنت ~~طالق لا طالق معا. فإن وقوع الشئ مع ضده مستحيل. # وشذ أبو محمد بن حزم فقال: لا يقع طلاق بصفة لم تقع بعد ولا بفعل لم يقع، ~~لان الطلاق لا يقع في وقت وقوعه إلا بإيقاع من يطلق في ذلك الوقت ولا دليل ~~من كتاب ولا ms0580 سنة ولا إجماع على وقوع طلاق في وقت لم يوقعه فيه المطلق، ~~وإنما ألزم نفسه إيقاعه فيه، فإن قلنا باللزوم لزم أن يوقف عند ذلك الوقت ~~حتى يوقع. هذا قياس قوله عندي وحجته. وإن كنت لست أذكر في هذا الوقت ~~احتجاجه في ذلك. # الفصل الثاني: في المطلق الجائز الطلاق واتفقوا على أنه الزوج العاقل ~~البالغ الحر غير المكره، واختلفوا في طلاق المكره والسكران وطلاق المريض ~~وطلاق المقارب للبلوغ. واتفقوا على أنه يقع طلاق المريض إن صح واختلفوا هل ~~ترثه إن مات أم لا؟ فأما طلاق المكره فإنه غير واقع عند مالك والشافعي ~~وأحمد وداود وجماعة، وبه قال عبد الله بن عمر وابن الزبير وعمر بن الخطاب ~~وعلي بن أبي طالب وابن عباس وفرق أصحاب الشافعي بين أن ينوي الطلاق أولا ~~ينوي شيئا، فإن نوى الطلاق فعنهم قولان أصحهما لزومه، وإن لم ينو فقولان ~~أصحهما أنه لا يلزم، وقال أبو حنيفة وأصحابه: هو واقع. وكذلك عتقه دون ~~بيعه، ففرقوا بين البيع والطلاق والعتق. وسبب الخلاف: هل المطلق من قبل ~~الاكراه مختار أم ليس بمختار؟ لأنه ليس يكره على اللفظ إذ كان اللفظ إنما ~~يقع باختياره. والمكره على الحقيقة هو الذي لم يكن له اختيار في إيقاع الشئ ~~أصلا، وكل واحد من الفريقين يحتج بقوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي ~~الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولكن الأظهر أن المكره على الطلاق وإن ~~كان موقعا للفظ باختياره أنه ينطلق عليه في الشرع اسم المكره لقوله تعالى: ~~* (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) * وإنما فرق أبو حنيفة بين البيع ~~والطلاق، لان الطلاق مغلظ فيه، ولذلك استوى جده وهزله. وأما طلاق الصبي، ~~فإن المشهور عن مالك أنه لا يلزمه PageV02P065 # حتى يبلغ، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: إنه يلزمه إذا ناهز ~~الاحتلام، وبه قال أحمد بن حنبل إذا هو أطاق صيام رمضان، وقال عطاء: إذا ~~بلغ اثنتي عشرة سنة جاز طلاقه، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وأما ~~طلاق السكران، فالجمهور ms0581 من الفقهاء على وقوعه، وقال قوم: لا يقع، منهم ~~المزني وبعض أصحاب أبي حنيفة. والسبب في اختلافهم: هل حكمه حكم المجنون أم ~~بينهما فرق؟ فمن قال هو والمجنون سواء إذ كان كلاهما فاقدا للعقل، ومن شرط ~~التكليف العقل قال: لا يقع، ومن قال الفرق بينهما أن السكران أدخل الفساد ~~على عقله بإرادته والمجنون بخلاف ذلك ألزم السكران الطلاق، وذلك من باب ~~التغليظ عليه، واختلف الفقهاء فيما يلزم السكران بالجملة من الاحكام وما لا ~~يلزمه، فقال مالك: يلزمه الطلاق والعتق والقود من الجراح والقتل، ولم يلزمه ~~النكاح ولا البيع، وألزمه أبو حنيفة كل شئ، وقال الليث: كل ما جاء من منطق ~~السكران فموضوع عنه، ولا يلزمه طلاق ولا عتق ولا نكاح ولا بيع ولا حد في ~~قذف، وكل ما جنته جوارحه فلازم له، فيحد في الشرب والقتل والزنا والسرقة ~~وثبت عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه كان لا يرى طلاق السكران، وزعم بعض ~~أهل العلم أنه لا مخالف لعثمان في ذلك من الصحابة. وقول من قال: إن كل طلاق ~~جائز إلا طلاق المعتوه ليس نصا في إلزام السكران الطلاق لان السكران معتوه ~~ما، وبه قال داود وأبو ثور وإسحاق وجماعة من التابعين: أعني أن طلاقه ليس ~~يلزم، وعن الشافعي القولان في ذلك، واختار أكثر أصحابه قوله الموافق ~~للجمهور واختار المزني من أصحابه أن طلاقه غير واقع. وأما المريض الذي يطلق ~~طلاقا بائنا ويموت من مرضه، فإن مالكا وجماعة يقول: ترثه زوجته، والشافعي ~~وجماعة لا يورثها، والذين قالوا بتوريثها انقسموا ثلاث فرق: ففرقة قالت لها ~~الميراث ما دامت في العدة، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه والثوري. وقال ~~قوم: لها الميراث ما لم تتزوج، وممن قال بهذا أحمد وابن أبي ليلى، وقال ~~قوم: بل ترث كانت في العدة أو لم تكن، تزوجت أم لم تتزوج، وهو مذهب مالك ~~والليث. وسبب الخلاف: اختلافهم في وجوب العمل بسد الذرائع، وذلك أنه لما ~~كان المريض يتهم في أن يكون إنما طلق في مرضه ms0582 زوجته ليقطع حظها من الميراث، ~~فمن قال بسد الذرائع أوجب ميراثها، ومن لم يقل بسد الذرائع ولحظ وجوب ~~الطلاق لم يوجب له ميراثا، وذلك أن هذه الطائفة تقول: إن كان الطلاق قد وقع ~~فيجب أن يقع بجميع أحكامه لأنهم قالوا: إنه لا يرثها إن ماتت. وإن كان لم ~~يقع فالزوجية باقية بجميع أحكامها، ولا بد لخصومهم من أحد الجوابين، لأنه ~~يعسر أن يقال إن في الشرع نوعا من الطلاق توجد له بعض أحكام الطلاق وبعض ~~أحكام الزوجية، وأعسر من ذلك القول بالفرق بين أن يصح أو لا يصح، لان هذا ~~يكون طلاقا موقوف الحكم إلى أن يصح أو لا يصح وهذا كله مما يعسر القول به ~~في الشرع، ولكن PageV02P066 # إنما أنس القائلون به أنه فتوى عثمان وعمر حتى زعمت المالكية أنه إجماع ~~الصحابة، ولا معنى لقولهم فالخلاف فيه عن ابن الزبير مشهور. وأما من رأى ~~أنها ترث في العدة، فلان العدة عنده من بعض أحكام الزوجية، وكأنه شبهها ~~بالمطلقة الرجعية، وروي هذا القول عن عمر وعن عائشة. وأما من اشترط في ~~توريثها ما لم تتزوج فإنه لحظ في ذلك إجماع المسلمين على أن المرأة الواحدة ~~لا ترث زوجين، ولكون التهمة هي العلة عند الذين أوجبوا الميراث. واختلفوا ~~إذا طلبت هي الطلاق أو ملكها أمرها الزوج فطلقت نفسها، فقال أبو حنيفة: لا ~~ترث أصلا، وفرق الأوزاعي بين التمليك والطلاق فقال: ليس لها الميراث في ~~التمليك، ولها في الطلاق. وسوى مالك في ذلك كله حتى لقد قال: إن ماتت لا ~~يرثها، وترثه هي إن مات، وهذا مخالف للأصول جدا. # الباب الثالث: فيمن يتعلق به الطلاق من النساء ومن لا يتعلق وأما من يقع ~~طلاقه من النساء، فإنهم اتفقوا على أن الطلاق يقع على النساء اللاتي في ~~عصمة أزواجهن، أو قبل أن تنقضي عددهن في الطلاق الرجعي، وأنه لا يقع على ~~الأجنبيات: أعني الطلاق المعلق. وأما تعليق الطلاق على الأجنبيات بشرط ~~التزويج مثل أن يقول: إن نكحت فلانة فهي طالق فإن للعلماء في ms0583 ذلك ثلاثة ~~مذاهب: قول إن الطلاق لا يتعلق بأجنبية أصلا عم المطلق أو خص، وهو قول ~~الشافعي وأحمد وداود وجماعة، وقول إنه يتعلق بشرط التزويج عم المطلق جميع ~~النساء أو خصص، وهو قول أبي حنيفة وجماعة، وقول إنه إن عم جميع النساء لم ~~يلزمه، وإن خصص لزمه، وهو قول مالك وأصحابه، أعني مثل أن يقول: كل امرأة ~~أتزوجها من بني فلان أو من بلد كذا فهي طالق، وكذلك في وقت كذا، فإن هؤلاء ~~يطلقن عند مالك إذا زوجن. وسبب الخلاف: هل من شرط وقوع الطلاق وجود الملك ~~متقدما بالزمان على الطلاق أم ليس ذلك من شرطه؟ فمن قال هو من شرطه قال: لا ~~يتعلق الطلاق بالأجنبية، ومن قال ليس من شرطه إلا وجود الملك فقط قال: يقع ~~بالأجنبية. وأما الفرق بين التعميم والتخصيص فاستحسان مبني على المصلحة، ~~وذلك أنه إذا عمم فأوجبنا عليه التعميم لم يجد سبيلا إلى النكاح الحلال، ~~فكان ذلك عنتا به وحرجا، وكأنه من باب نذر المعصية، وأما إذا خصص فليس ~~الامر كذلك إذا ألزمناه الطلاق، واحتج الشافعي بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده قال: قال رسول الله (ص) لا طلاق إلا من بعد نكاح وفي رواية أخرى لا ~~طلاق فيما لا يملك ولا عتق فيما لا يملك وثبت ذلك عن علي ومعاذ وجابر بن ~~عبد الله وابن عباس وعائشة، وروي مثل قول أبي حنيفة عن عمر وابن مسعود، ~~وضعف قوم الرواية بذلك عن عمر رضي الله عنهم. # الجملة الثالثة في الرجعة بعد الطلاق. ولما كان الطلاق على ضربين: بائن، ~~PageV02P067 # ورجعي، وكانت أحكام الرجعة بعد الطلاق البائن غير أحكام الرجعة بعد ~~الطلاق الرجعي وجب أن يكون في هذا الجنس بابان: الباب الأول: في أحكام ~~الرجعة في الطلاق الرجعي. # الباب الثاني: في أحكام الارتجاع في الطلاق البائن. # الباب الأول: في أحكام الرجعة في الطلاق الرجعي وأجمع المسلمون على أن ~~الزوج يملك رجعة الزوجة في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة من غير اعتبار ~~رضاه لقوله تعالى: ms0584 * (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) * وأن من شرط هذا الطلاق ~~تقدم المسيس له. واتفقوا على أنها تكون بالقول والاشهاد. # واختلفوا هل الاشهاد شرط في صحتها أم ليس بشرط؟ وكذلك اختلفوا هل تصح ~~الرجعة بالوطئ؟ فأما الاشهاد فذهب مالك إلى أنه مستحب، وذهب الشافعي إلى ~~أنه واجب. وسبب الخلاف: معارضة القياس للظاهر، وذلك أن ظاهر قوله تعالى: * ~~(وأشهدوا ذوي عدل منكم) * يقتضي الوجوب، وتشبيه هذا الحق بسائر الحقوق التي ~~يقبضها الانسان يقتضي أن لا يجب الاشهاد. فكان الجمع بين القياس والآية حمل ~~الآية على الندب. وأما اختلافهم فيما تكون به الرجعة، فإن قوما قالوا: لا ~~تكون الرجعة إلا بالقول فقط، وبه قال الشافعي، وقوم قالوا: تكون رجعتها ~~بالوطئ. وهؤلاء انقسموا قسمين: # فقال قوم: لا تصح الرجعة بالوطئ إلا إذا نوى بذلك الرجعة، لان الفعل عنده ~~يتنزل منزلة القول مع النية، وهو قول مالك. وأما أبو حنيفة فأجاز الرجعة ~~بالوطئ إذا نوى بذلك الرجعة ودون النية. فأما الشافعي فقاس الرجعة على ~~النكاح وقال: قد أمر الله بالاشهاد، ولا يكون الاشهاد إلا على القول. وأما ~~سبب الاختلاف بين مالك وأبي حنيفة فإن أبا حنيفة يرى أن الرجعية محللة ~~الوطئ عنده قياسا على المولى منها وعلى المظاهرة ولان الملك لم ينفصل عنده، ~~ولذلك كان التوارث بينهما، وعند مالك أن وطئ الرجعية حرام حتى يرتجعها، فلا ~~بد عنده من النية، فهذا هو اختلافهم في شروط صحة الرجعة. واختلفوا في مقدار ~~ما يجوز للزوج أن يطلع عليه من المطلقة الرجعية ما دامت في العدة، فقال ~~مالك: لا يخلو معها ولا يدخل عليها إلا بإذنها ولا ينظر إلى شعرها، ولا بأس ~~أن يأكل معها إذا كان معهما غيرهما. وحكى ابن القاسم أنه رجع عن إباحة ~~الأكل معها، وقال أبو حنيفة: لا بأس أن تتزين الرجعية لزوجها وتتطيب له ~~وتتشوف وتبدي البنان والكحل، وبه قال الثوري وأبو يوسف والأوزاعي، وكلهم ~~قالوا: لا يدخل عليها إلا أن تعلم بدخوله بقول أو حركة من تنحنح أو خفق نعل ~~واختلفوا في ms0585 هذا PageV02P068 # الباب في الرجل يطلق زوجته طلقة رجعية وهو غائب ثم يراجعها فيبلغها ~~الطلاق ولا يبلغها الرجعة فتتزوج إذا انقضت عدتها، فذهب مالك إلى أنها للذي ~~عقد عليها النكاح دخل بها أو لم يدخل، هذا قوله في الموطأ، وبه قال ~~الأوزاعي والليث. وروى عنه ابن القاسم أنه رجع عن القول الأول، وأنه قال: ~~الأول أولى بها إلا أن يدخل الثاني، وبالقول الأول قال المدنيون من أصحابه. ~~قالوا: ولم يرجع عنه لأنه أثبته في موطئه إلى يوم مات وهو يقرأ عليه، وهو ~~قول عمر بن الخطاب ورواه عنه مالك في الموطأ، وأما الشافعي والكوفيون وأبو ~~حنيفة وغيرهم فقالوا: زوجها الأول الذي ارتجعها أحق بها دخل بها الثاني أو ~~لم يدخل، وبه قال داود وأبو ثور، وهو مروي عن علي وهو الأبين. وقد روي عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في هذه المسألة: إن الزوج الذي ارتجعها ~~مخير بين أن تكون امرأته أو أن يرجع عليها بما كان أصدقها، وحجة مالك في ~~الرواية الأولى ما رواه ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه ~~قال: مضت السنة في الذي يطلق امرأته ثم يراجعها فيكتمها رجعتها حتى تحل ~~فتنكح زوجا غيره أنه ليس له من أمرها شئ ولكنها لمن تزوجها، وقد قيل إن هذا ~~الحديث إنما يروى عن ابن شهاب فقط. وحجة الفريق الأول أن العلماء قد أجمعوا ~~على أن الرجعة صحيحة وإن لم تعلم بها المرأة، بدليل أنهم قد أجمعوا على أن ~~الأول أحق بها قبل أن تتزوج، وإذا كانت الرجعة صحيحة كان زواج الثاني ~~فاسدا، فإن نكاح الغير لا تأثير له في إبطال الرجعة لا قبل الدخول ولا بعد ~~الدخول وهو الأظهر إن شاء الله، ويشهد لهذا ما خرجه الترمذي عن سمرة بن ~~جندب أن النبي (ص) قال أيما امرأة تزوجها اثنان فهي للأول منهما، ومن باع ~~بيعا من رجلين فهو للأول منهما. # الباب الثاني: في أحكام الارتجاع في الطلاق البائن والطلاق البائن، إما ms0586 ~~بما دون الثلاث فذلك يقع في غير المدخول بها بلا خلاف، وفي المختلعة ~~باختلاف، وهل يقع أيضا دون عوض؟ فيه خلاف. وحكم الرجعة بعد هذا الطلاق حكم ~~ابتداء النكاح أعني في اشتراط الصداق والولي والرضا، إلا أنه لا يعتبر فيه ~~انقضاء العدة عند الجمهور، وشذ قوم فقالوا: المختلعة لا يتزوجها زوجها في ~~العدة ولا غيره، وهؤلاء كأنهم رأوا منع النكاح في العدة عبادة. وأما ~~البائنة بالثلاث، فإن العلماء كلهم على أن المطلقة ثلاثا لا تحل لزوجها ~~الأول إلا بعد الوطئ لحديث رفاعة بن سموأل أنه طلق امرأته تميمة بنت وهب في ~~عهد رسول الله (ص) ثلاثا فنكحت عبد الرحمن بن الزبير. فاعترض عنها فلم ~~يستطع أن يمسها ففارقها، فأراد رفاعة زوجها الأول أن ينكحها، فذكر ذلك ~~لرسول الله (ص) فنهاه عن تزويجها وقال: لا تحل لك حتى تذوق العسيلة. وشذ ~~سعيد بن المسيب فقال: إنه جائز أن ترجع إلى PageV02P069 # زوجها الأول بنفس العقد لعموم قوله تعالى: * (حتى تنكح زوجا غيره) * ~~والنكاح ينطلق على العقد، وكلهم قال: التقاء الختانين يحلها، إلا الحسن ~~البصري فقال: لا تحل إلا بوطئ إنزال. وجمهور العلماء على أن الوطئ الذي ~~يوجب الحد ويفسد الصوم والحج ويحل المطلقة ويحصن الزوجين ويوجب الصداق هو ~~التقاء الختانين. وقال مالك وابن القاسم: لا يحل المطلقة إلا الوطئ المباح ~~الذي يكون في العقد الصحيح في غير صوم أو حج أو حيض أو اعتكاف، ولا يحل ~~الذمية عندهما وطئ زوج ذمي لمسلم، ولا وطئ ملم يكن بالغا، وخالفهما في ذلك ~~كله الشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي فقالوا: يحل الوطئ وإن وقع في ~~عقد فاسد أو وقت غير مباح. وكذلك وطئ المراهق عندهم يحل، ويحل وطئ الذمي ~~الذمية للمسلم، وكذلك المجنون عندهم، والخصي الذي يبقى له ما يغيبه في فرج ~~والخلاف في هذا كله آيل إلى هل يتناول اسم النكاح أصناف الوطئ الناقص أم لا ~~يتناوله؟ واختلفوا من هذا الباب في نكاح المحلل: # أعني إذا تزوجها على شرط أن يحللها لزوجها الأول، فقال ms0587 مالك: النكاح فاسد ~~يفسخ قبل الدخول وبعده، والشرط فاسد لا تحل به، ولا يعتبر في ذلك عنده ~~إرادة المرأة التحليل، وإنما يعتبر عنده إرادة الرجل، وقال الشافعي وأبو ~~حنيفة: النكاح جائز، ولا تؤثر النية في ذلك، وبه قال داود وجماعة وقالوا: ~~هو محلل للزوج المطلق ثلاثا، وقال بعضهم: النكاح جائز والشرط باطل: أي ليس ~~يحللها، وهو قول ابن أبي ليلى، وروي عن الثوري واستدل مالك وأصحابه بما روي ~~عن النبي (ص) من حديث علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي هريرة وعقبة بن عامر ~~أنه قال (ص) لعن الله المحلل والمحلل له فلعنه إياه كلعنه آكل الربا وشارب ~~الخمر. وذلك يدل على النهي، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، واسم النكاح ~~الشرعي لا ينطلق على النكاح المنهي عنه. وأما الفريق الآخر فتعلق بعموم ~~قوله تعالى: * (حتى تنكح زوجا غيره) * وهذا ناكح، وقالوا: وليس في تحريم ~~قصد التحليل ما يدل على أن عدمه شرط في صحة النكاح، كما أنه ليس النهي عن ~~الصلاة في الدار المغصوبة، مما يدل على أن من شرط صحة الصلاة صحة مالك ~~البقعة أو الاذن من مالكها في ذلك، قالوا وإذا لم يدل النهي على فساد عقد ~~النكاح فأحرى أن لا يدل على بطلان التحليل. وإنما لم يعتبر مالك قصد المرأة ~~لأنه إذا لم يوافقها على قصدها لم يكن لقصدها معنى مع أن الطلاق ليس بيدها. ~~واختلفوا في هل يهدم الزوج ما دون الثلاث؟ # فقال أبو حنيفة يهدم، وقال مالك والشافعي لا يهدم: أعني إذا تزوجت قبل ~~الطلقة الثالثة غير الزوج الأول ثم راجعها هل يعتد بالطلاق الأول أم لا؟ ~~فمن رأى أن هذا شئ يخص الثالثة بالشرع قال: لا يهدم ما دون الثالثة عنده، ~~ومن رأى أنه إذا هدم الثالثة فهو أحرى أن يهدم ما دونها قال: يهدم ما دون ~~الثلاث، والله أعلم. PageV02P070 # الجملة الرابعة وهذه الجملة فيها بابان: الأول: في العدة. الثاني: في ~~المتعة. # الباب الأول: في العدة والنظر في هذا الباب في فصلين: الفصل ms0588 الأول: في ~~عدة الزوجات. الفصل الثاني: # في عدة ملك اليمين. # الفصل الأول: في عدة الزوجات والنظر في عدة الزوجات ينقسم إلى نوعين: ~~أحدهما: في معرفة العدة. والثاني: في معرفة أحكام العدة. # النوع الأول: وكل زوجة فهي إما حرة وإما أمة، وكل واحدة من هاتين إذا ~~طلقت فلا يخلو أن تكون مدخولا بها أو غير مدخول بها، فأما غير المدخول بها ~~فلا عدة عليها بإجماع لقوله تعالى: * (فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) *. ~~وأما المدخول بها فلا يخلو أن تكون من ذوات الحيض أو من غير ذوات الحيض ~~وغير ذوات الحيض إما صغار، وإما يائسات، وذوات الحيض إما حوامل وإما جاريات ~~على عاداتهن في الحيض، وإما مرتفعات الحيض، وإما مستحاضات. والمرتفعات ~~الحيض في سن الحيض إما مرتابات بالحمل: # أي يحس في البطن، وإما غير مرتابات. وغير المرتابات إما معروفات سبب ~~انقطاع الحيض من رضاع أو مرض، وإما غير معروفات. فأما ذوات الحيض الأحرار ~~الجاريات في حيضهن على المعتاد فعدتهن ثلاثة قروء، والحوامل منهن عدتهن وضع ~~حملهن، واليائسات منهن عدتهن ثلاثة أشهر، ولا خلاف في هذا لأنه منصوص عليه ~~في قوله تعالى: # * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * الآية، وفي قوله تعالى: * ~~(واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم) * الآية. واختلفوا من هذه ~~الآية في الأقراء ما هي؟ فقال قوم: هي الأطهار: أعني الأزمنة التي بين ~~الزمنين: وقال قوم: هي الدم نفسه، وممن قال إن الأقراء هي الأطهار: أما من ~~فقهاء الأمصار فمالك والشافعي وجمهور أهل المدينة وأبو ثور وجماعة، وأما من ~~الصحابة فابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة، وممن قال إن الأقراء هي الحيض أما ~~من فقهاء الأمصار فأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى وجماعة، وأما ~~من الصحابة فعلي وعمر بن الخطاب وابن مسعود وأبو موسى الأشعري. # وحكى الأثرم عن أحمد أنه قال: الأكابر من أصحاب رسول الله (ص) يقولون: ~~الأقراء هي الحيض. وحكى أيضا عن الشعبي أنه قول أحد عشر أو اثني عشر من ~~أصحاب PageV02P071 # رسول الله (ص). وأما ms0589 أحمد بن حنبل فاختلفت الرواية عنه. فروي عنه أنه كان ~~يقول: إنها الأطهار على قول زيد ابن ثابت وابن عمر وعائشة، ثم توقفت الآن ~~من أجل قول ابن مسعود وعلي: هو أنها الحيض والفرق بين المذهبين هو أن من ~~رأى أنها الأطهار رأى أنها إذا دخلت الرجعية عنده في الحيضة الثالثة لم يكن ~~للزوج عليها رجعة وحلت للأزواج، ومن رأى أنها الحيض لم تحل عنده حتى تنقضي ~~الحيضة الثالثة. وسبب الخلاف: اشتراك اسم القرء، فإنه يقال في كلام العرب ~~على حد سواء على الدم وعلى الأطهار، وقد رام كلا الفريقين أن يدل أن اسم ~~القرء في الآية ظاهر في المعنى الذي يراه، فالذين قالوا إنها الأطهار ~~قالوا: إن هذا الجمع خاص بالقرء الذي هو الطهر، وذلك أن القر الذي هو الحيض ~~يجمع على أقراء لا على قروء، وحكوا ذلك عن ابن الأنباري، وأيضا فإنهم ~~قالوا: إن الحيضة مؤنثة والطهر مذكر، فلو كان القرء الذي يراد به الحيض لما ~~ثبت في جمعه الهاء لان الهاء لا تثبت في جمع المؤنث فيما دون العشرة، ~~وقالوا أيضا: إن الاشتقاق يدل على ذلك، لان القرء مشتق من قرأت الماء في ~~الحوض: أي جمعته، فزمان اجتماع الدم هو زمان الطهر، فهذا هو أقوى ما تمسك ~~به الفريق الأول من ظاهر الآية. وأما ما تمسك به الفريق الثاني من ظاهر ~~الآية فإنهم قالوا: إن قوله تعالى: * (ثلاثة قروء) * ظاهر في تمام كل قرء ~~منها لأنه ليس ينطلق اسم القرء على بعضه إلا تجوزا، وإذا وصفت الأقراء ~~بأنها هي الأطهار أمكن أن تكون العدة عندهم بقرأين وبعض قرء، لأنها عندهم ~~تعتد بالطهر الذي تطلق فيه وإن مضى أكثره، وإذا كان ذلك كذلك فلا ينطلق ~~عليها اسم الثلاثة إلا تجوزا، واسم الثلاثة ظاهر في كمال كل قرء منها، وذلك ~~لا يتفق إلا بأن تكون الأقراء هي الحيض لان الاجماع منعقد على أنها إن طلقت ~~في حيضة أنها لا تعتد بها، ولكل واحد من الفريقين احتجاجات متساوية من جهة ms0590 ~~لفظ القرء، والذي رضيه الحذاق أن الآية مجملة في ذلك. وأن الدليل ينبغي أن ~~يطلب من جهة أخرى، فمن أقوى ما تمسك به من رأى أن الأقراء هي الأطهار حديث ~~ابن عمر المتقدم، وقوله (ص) مره فليراجعها حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم ~~تطهر، ثم يطلقها إن شاء قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق ~~لها النساء قالوا: وإجماعهم على أن طلاق السنة لا يكون إلا في طهر لم تمس ~~فيه، وقوله عليه الصلاة والسلام فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها ~~النساء دليل واضح على أن العدة هي الأطهار لكي يكون الطلاق متصلا بالعدة. ~~ويمكن أن يتأول قوله فتلك العدة PageV02P072 # أي فتلك مدة استقبال العدة لئلا يتبعض القرء بالطلاق في الحيض. وأقوى ما ~~تمسك به الفريق الثاني أن العدة إنما شرعت لبراءة الرحم، وبراءتها إنما ~~تكون بالحيض لا بالأطهار، ولذلك كان عدة من ارتفع الحيض عنها بالأيام، ~~فالحيض هو سبب العدة بالأقراء، فوجب أن تكون الأقراء هي الحيض، واحتج من ~~قال الأقراء هي الأطهار بأن المعتبر في براءة الرحم هو النقلة من الطهر إلى ~~الحيض لا انقضاء الحيض، فلا معنى لاعتبار الحيضة الأخيرة، وإذا كان ذلك ~~فالثلاث المعتبر فيهن التمام: أعني المشترط هي الأطهار التي بين الحيضتين، ~~ولكلا الفريقين احتجاجات طويلة. ومذهب الحنفية أظهر من جهة المعنى، وحجتهم ~~من جهة المسموع متساوية أو قريب من متساوية، ولم يختلف القائلون أن العدة ~~هي الأطهار أنها تنقضي بدخولها في الحيضة الثالثة. واختلف الذين قالوا إنها ~~الحيض، فقيل تنقضي بانقطاع الدم من الحيضة الثالثة، وبه قال الأوزاعي، وقيل ~~حين تغتسل من الحيضة الثالثة، وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب وعلي وابن ~~مسعود، ومن الفقهاء الثوري وإسحاق بن عبيد، وقيل حتى يمضي وقت الصلاة التي ~~طهرت في وقتها، وقيل إن للزوج عليها الرجعة وإن فرطت في الغسل عشرين سنة، ~~حكي هذا عن شريك. وقد قيل تنقضي بدخولها في الحيضة الثالثة. وهو أيضا شاذ. ~~فهذه هي حال الحائض ms0591 التي تحيض. وأما التي تطلق فلا تحيض وهي في سن الحيض ~~وليس هناك ريبة حمل ولا سبب من رضاع ولا مرض، فإنها تنتظر عند مالك تسعة ~~أشهر فإن لم تحض فيهن اعتدت بثلاثة أشهر، فإن حاضت قبل أن تستكمل الثلاثة ~~الأشهر اعتبرت الحيض واستقبلت انتظاره، فإن مر بها تسعة أشهر قبل أن تحيض ~~الثانية اعتدت ثلاثة أشهر، فإن حاضت قبل أن تستكمل الثلاثة أشهر من العام ~~الثاني انتظرت الحيضة الثالثة، فإن مر بها تسعة أشهر قبل أن تحيض اعتدت ~~ثلاثة أشهر، فإن حاضت الثالثة في الثلاثة الأشهر كانت قد استكملت عدة الحيض ~~وتمتد عدتها، ولزوجها عليها الرجعة ما لم تحل. واختلف عن مالك متى تعتد ~~بالتسعة أشهر؟ فقيل من يوم طلقت، وهو قوله في الموطأ، وروى ابن القاسم عنه: ~~من يوم رفعها حيضتها. وقال أبو حنيفة والشافعي والجمهور في التي ترتفع ~~حيضتها وهي لا تيأس منها في المستأنف: إنها تبقى أبدا تنتظر حتى تدخل في ~~السن الذي تيأس فيه من المحيض، وحينئذ تعتد بالأشهر وتحيض قبل ذلك، وقول ~~مالك مروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس. وقول الجمهور قول ابن مسعود وزيد. # وعمدة مالك عن طريق المعنى هو أن المقصود بالعدة إنما هو ما يقع به براءة ~~الرحم ظنا غالبا بدليل أنه قد تحيض الحامل، وإذا كان ذلك كذلك فعدة الحمل ~~كافية في العلم ببراءة الرحم هي قاطعة على ذلك، ثم تعتد بثلاثة أشهر عدة ~~اليائسة. فإن حاضت قبل تمام السنة حكم لها بحكم ذوات الحيض، واحتسبت بذلك ~~القرء، ثم تنتظر القرء الثاني أو السنة إلى أن يمضي لها ثلاثة أقراء. وأما ~~الجمهور فصاروا إلى ظاهر قوله تعالى: * (واللائي يئسن PageV02P073 # من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر) * والتي هي من أهل ~~الحيض ليست بيائسة، وهذا الرأي فيه عسر وحرج، ولو قيل إنها تعتد بثلاثة ~~أشهر لكان جيدا إذا فهم من اليائسة التي لا يقطع بانقطاع حيضتها. وكان قوله ~~* (إن ارتبتم) * راجعا إلى الحكم لا إلى الحيض على ما ms0592 تأوله مالك ك عليه، ~~فكأن مالكا لم يطابق مذهبه تأويله الآية، فإنه فهم من اليائسة هنا من تقطع ~~على أنها ليست من أهل الحيض، وهذا لا يكون إلا من قبل السن، ولذلك جعل قوله ~~* (إن ارتبتم) * راجعا إلى الحكم لا إلى الحيض، أي إن شككتم في حكمهن، ثم ~~قال في التي تبقى تسعة أشهر لا تحيض وهي في سن من تحيض أنها تعتد بالأشهر. ~~وأما إسماعيل وابن بكير من أصحابه، فذهبوا إلى أن الريبة ههنا في الحيض، ~~وأن اليائس في كلام العرب هو ما لم يحكم عليه بما يئس منه بالقطع، فطابقوا ~~تأويل الآية مذهبهم الذي هو مذهب مالك، ونعم ما فعلوا لأنه إن فهم ههنا من ~~اليائس القطع فقد يجب أن تنتظر الدم وتعتد به حتى تكون في هذا السن: أعني ~~سن اليائس، وإن فهم من اليائس ما لا يقطع بذلك فقد يجب أن تعتد التي انقطع ~~دمها عن العادة وهي في سن من تحيض بالأشهر، وهو قياس قول أهل الظاهر، لان ~~اليائسة في الطرفين ليس هي عندهم من أهل العدة لا بالأقراء ولا بالشهور. ~~أما الفرق في ذلك بين ما قبل التسعة وما بعدها فاستحسان. # وأما التي ارتفعت حيضتها لسبب معلوم مثل رضاع أو مرض، فإن المشهور عند ~~مالك أنها تنتظر الحيض، قصر الزمان أم طال، وقد قيل إن المريضة مثل التي ~~ترتفع حيضتها لغير سبب، وأما المستحاضة فعدتها عند مالك سنة إذا لم تميز ~~بين الدمين، فإن ميزت بين الدمين فعنه روايتان: إحداهما أن عدتها السنة. ~~والأخرى أنها تعمل على التمييز فتعتد بالأقراء، وقال أبو حنيفة عدتها ~~الأقراء إن تميزت لها، وإن لم تتميز لها فثلاثة أشهر، وقال الشافعي: عدتها ~~بالتمييز إذا انفصل عنها الدم، فيكون الأحمر ألقاني من الحيضة، ويكون ~~الأصفر من أيام الطهر فإن طبق عليها الدم اعتدت بعدد أيام حيضتها في صحتها. ~~وإنما ذهب مالك إلى بقاء السنة لأنه جعلها مثل التي لا تحيض وهي من أهل ~~الحيض، والشافعي إنما ذهب في العارفة أيامها ms0593 أنها تعمل على معرفتها قياسا ~~على الصلاة لقول (ص) للمستحاضة: اتركي الصلاة أيام أقرائك فإذا ذهب عنك ~~قدرها فاغسلي الدم. وإنما اعتبر التمييز لقوله (ص) لفاطمة بنت حبيش إذا كان ~~دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان ~~الآخر فتوضئ وصلى فإنما هو عرق خرجه أبو داود، وإنما ذهب من ذهب إلى عدتها ~~بالشهور إذا اختلط عليها الدم، لأنه معلوم في الأغلب أنها في كل شهر تحيض، ~~وقد جعل الله العدة بالشهور عند ارتفاع الحيض، وخفاؤه كارتفاعه. وأما ~~المسترابة: أعني التي PageV02P074 # تجد حسا في بطنها تظن به أنه حمل فإنها تمكث أكثر مدة الحمل، وقد اختلف ~~فيه فقيل في المذهب أربع سنين، وقيل خمس سنين، وقال أهل الظاهر: تسعة أشهر. ~~ولا خلاف أن انقضاء عدة الحوامل لوضع حملهن: أعني المطلقات لقوله تعالى: * ~~(وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * وأما الزوجات غير الحرائر فإنهن ~~ينقسمن أيضا بتلك الأقسام بعينها، أعني حيضا ويائسات ومستحاضات ومرتفعات ~~الحيض من غير يائسات. فأما الحيض اللاتي يأتيهن حيضهن، فالجمهور على أن ~~عدتهن حيضتان، وذهب داود وأهل الظاهر إلى أن عدتهن ثلاث حيض كالحرة، وبه ~~قال ابن سيرين. فأهل الظاهر اعتمدوا عموم قوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء) * وهي ممن ينطلق عليها اسم المطلقة. # واعتمد الجمهور تخصيص هذا العموم بقياس الشبه وذلك أنهم شبهوا الحيض ~~بالطلاق والحد أعني كونه متنصفا مع الرق. وإنما جعلوها حيضتين لان الحيضة ~~الواحدة لا تتبعض. وأما الأمة المطلقة اليائسة من المحيض أو الصغيرة فإن ~~مالكا وأكثر أهل المدينة قالوا: عدتها ثلاثة أشهر، وقال الشافعي وأبو حنيفة ~~والثوري وأبو ثور وجماعة عدتها شهر ونصف شهر نصف عدة الحرة وهو القياس إذا ~~قلنا بتخصيص العموم، فكأن مالكا اضطرب قوله، فمرة أخذ بالعموم، وذلك في ~~اليائسات، ومرة أخذ بالقياس وذلك في ذوات الحيض، والقياس في ذلك واحد. وأما ~~التي ترتفع حيضتها من غير سبب فالقول فيها هو القول في الحرة والخلاف في ~~ذلك، وكذلك المستحاضة، واتفقوا على أن ms0594 المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها. ~~واختلفوا فيمن راجع امرأته في العدة من الطلاق الرجعي ثم فارقها قبل أن ~~يمسها هل تستأنف عدة أم لا؟ فقال جمهور فقهاء الأمصار: # تستأنف، وقالت فرقة: تبقى في عدتها من طلاقها الأول وهو أحد قولي ~~الشافعي، وقال داود: ليس عليها أن تتم عدتها ولا عدة مستأنفة. وبالجملة ~~فعند مالك أن كل رجعة تهدم العدة وإن لم يكن مسيس، ما خلا رجعة المولي. ~~وقال الشافعي: إذا طلقها بعد الرجعة وقبل الوطئ ثبتت على عدتها الأولى، ~~وقول الشافعي أظهر. وكذلك عند مالك رجعة المعسر بالنفقة تقف صحتها عنده على ~~الانفاق فإن أنفق صحت الرجعة وهدمت العدة إن كان طلاقا، وإن لم ينفق بقيت ~~على عدتها الأولى، وإذا تزوجت ثانيا في العدة فعن مالك في ذلك روايتان: ~~إحداهما تداخل العدتين، والأخرى نفيه. فوجه الأولى اعتبار براءة الرحم، لان ~~ذلك حاصل مع التداخل. ووجه الثانية كون العدة عبادة، فوجب أن تتعدد بتعدد ~~الوطئ الذي له حرمة، وإذا عتقت الأمة في عدة الطلاق مضت على عدة الأمة عند ~~مالك، ولم تنتقل إلى عدة الحرة، وقال أبو حنيفة: تنتقل في الطلاق الرجعي ~~دون البائن PageV02P075 # وقال الشافعي تنتقل في الوجهين معا. وسبب الخلاف: هل العدة من أحكام ~~الزوجية أم من أحكام انفصالها؟ فمن قال من أحكام الزوجية قال: لا تنتقل ~~عدتها، ومن قال من أحكام انفصال الزوجية قال: تنتقل كما لو أعتقت وهي زوجة ~~ثم طلقت، وأما من فرق بين البائن والرجعي فبين، وذلك أن الرجعي فيه شبه من ~~أحكام العصمة، ولذلك وقع فيه الميراث باتفاق إذا مات وهي في عدة من طلاق ~~رجعي، وأنها تنتقل إلى عدة الموت، فهذا هو القسم الأول من قسمي النظر في ~~العدة. # القسم الثاني: وأما النظر في أحكام العدد، فإنهم اتفقوا على أن للمعتدة ~~الرجعية النفقة والسكنى، وكذلك الحامل لقوله تعالى في الرجعيات: * (أسكنوهن ~~من حيث سكنتم من وجدكم) * الآية ولقوله تعالى: * (وإن كن أولات حمل فأنفقوا ~~عليهن حتى يضعن حملهن) *. واختلفوا في سكنى المبتوتة ms0595 ونفقتها إذا لم تكن ~~حاملا على ثلاثة أقوال: أحدها: # أن لها السكنى والنفقة، وهو قول الكوفيين. والقول الثاني: أنه لا سكنى ~~لها ولا نفقة، وهو قول أحمد وداود وأبي ثور وإسحاق وجماعة. الثالث: أن لها ~~السكنى ولا نفقة لها، وهو قول مالك والشافعي وجماعة. وسبب اختلافهم: اختلاف ~~الرواية في حديث فاطمة بنت قيس ومعارضة ظاهر الكتاب له، فاستدل من لم يوجب ~~لها نفقة ولا سكنى بما روي في حديث فاطمة بنت قيس أنها قالت طلقني زوجي ~~ثلاثا على عهد رسول الله (ص)، فأتيت النبي (ص) فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة ~~خرجه مسلم، وفي بعض الروايات أن رسول الله (ص) قال: إنما السكنى والنفقة ~~لمن لزوجها عليها الرجعة وهذا قول مروي عن علي وابن عباس وجابر بن عبد ~~الله. وأما الذين أوجبوا لها السكنى دون النفقة فإنهم احتجوا بما رواه مالك ~~في موطئه من حديث فاطمة المذكورة، وفيه: فقال رسول الله (ص) ليس لك عليه ~~نفقة وأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، ولم يذكر فيها اسقاط السكنى، ~~فبقي على عمومه في قوله تعالى: * (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) * وعللوا ~~أمره عليه الصلاة والسلام بأن تعتد في بيت ابن أم مكتوم بأنه كان في لسانها ~~بذاء. وأما الذين أوجبوا لها السكنى والنفقة فصاروا إلى وجوب السكنى لها ~~بعموم قوله تعالى: * (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) * وصاروا إلى وجوب ~~النفقة لها لكون النفقة تابعة لوجوب الاسكان في الرجعية وفي الحامل وفي نفس ~~الزوجية. وبالجملة فحيثما وجبت السكنى في الشرع وجبت النفقة، وروي عن عمر ~~أنه قال في حديث فاطمة هذا: لا ندع كتاب نبينا وسنته لقول امرأة، يريد قوله ~~تعالى: * (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) * الآية. # ولان المعروف من سنته عليه الصلاة والسلام أنه أوجب النفقة حيث تجب ~~السكنى، فلذلك PageV02P076 # الأولى في هذه المسألة إما أن يقال إن لها الامرين جميعا مصيرا إلى ظاهر ~~الكتاب والمعروف من السنة، وإما أن يخصص هذا العموم بحديث فاطمة المذكور. ~~وأما ms0596 التفريق بين إيجاب النفقة والسكنى فعسير ووجه عسره ضعف دليله. وينبغي ~~أن تعلم أن المسلمين اتفقوا على أن العدة تكون في ثلاثة أشياء: في طلاق، أو ~~موت، أو اختيار الأمة نفسها إذا أعتقت. واختلفوا فيها في الفسوخ، والجمهور ~~على وجوبها. # ولما كان الكلام في العدة يتعلق فيه أحكام عدة الموت رأينا أن نذكرها ~~ههنا فنقول: # إن المسلمين اتفقوا على أن عدة الحرة من زوجها الحر أربعة أشهر وعشرا ~~لقوله تعالى: # * (يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) *. واختلفوا في عدة الحامل وفي عدة ~~الأمة إذا لم تأتها حيضتها في الأربعة الأشهر وعشرا ماذا حكمها؟ فذهب مالك ~~إلى أن من شرط تمام هذه العدة أن تحيض حيضة واحدة في هذه المدة، فإن لم تحض ~~فهي عنده مسترابة فتمكث مدة الحمل، وقيل عنه إنها قد لا تحيض وقد لا تكون ~~مسترابة، وذلك إذا كانت عادتها في الحيض أكثر من مدة العدة، وهذا إما غير ~~موجود، أعني من تكون عادتها أن تحيض أكثر من أربعة أشهر إلى أكثر من أربعة ~~أشهر، وإما نادر. واختلف عنه فيمن هذه حالها من النساء إذا وجدت، فقيل ~~تنتظر حتى تحيض، وروى عنه ابن القاسم: تتزوج إذا انقضت عدة الوفاة ولم يظهر ~~بها حمل. وعلى هذا جمهور فقهاء الأمصار: أبي حنيفة والشافعي والثوري. # وأما المسألة الثانية: وهي الحامل التي يتوفى عنها زوجها، فقال الجمهور ~~وجميع فقهاء الأمصار: عدتها أن تضع حملها مصيرا إلى عموم قوله تعالى: * ~~(وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * وإن كانت الآية في الطلاق وأخذا ~~أيضا بحديث أم سلمة أن سبيعة الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر وفيه ~~فجاءت رسول الله (ص) فقال لها: قد حللت فانكحي من شئت وروى مالك عن ابن ~~عباس أن عدتها آخر الأجلين، يريد أنها تعتد بأبعد الأجلين، إما الحمل، وإما ~~انقضاء العدة عدة الموت، وروي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ~~والحجة لهم أن ذلك هو الذي يقتضيه الجمع بين عموم آية الحوامل وآية الوفاة. ~~وأما ms0597 الأمة المتوفى عنها من تحل له، فإنها لا تخلو أن تكون زوجة أو ملك ~~يمين أو أم ولد أو غير أم ولد، فأما الزوجة فقال الجمهور: إن عدتها نصف عدة ~~الحرة قاسوا ذلك على الدية. وقال أهل الظاهر: بل عدتها عدة الحرة، وكذلك ~~عندهم عدة الطلاق مصيرا إلى التعميم. وأما أم الولد فقال مالك والشافعي ~~وأحمد والليث وأبو ثور وجماعة: عدتها حيضة، وبه قال ابن عمر. وقال مالك: ~~وإن كانت ممن لا تحيض PageV02P077 # اعتدت ثلاثة أشهر، ولها السكنى، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: عدتها ~~ثلاث حيض، وهو قول علي وابن مسعود، وقال قوم: عدتها نصف عدة الحرة المتوفى ~~عنها زوجها، وقال قوم: عدتها عدة الحرة أربعة أشهر وعشرا، وحجة مالك أنها ~~ليست زوجة فتعتد عدة الوفاة ولا مطلقة فتعتد ثلاث حيض، فلم يبق إلا استبراء ~~رحمها، وذلك يكون بحيضة تشبيها بالأمة يموت عنها سيدها، وذلك ما لا خلاف ~~فيه، وحجة أبي حنيفة أن العدة إنما وجبت عليها وهي حرة، وليست بزوجة فتعتد ~~عدة الوفاة، ولا بأمة فتعتد عدة أمة، فوجب أن تستبرئ رحمها بعدة الأحرار. ~~أما الذين أوجبوا لها عدة الوفاة فاحتجوا بحديث روي عن عمرو بن العاص قال: ~~لا تلبسوا علينا سنة نبينا، عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر ~~وعشرا، وضعف أحمد هذا الحديث ولم يأخذ به. وأما من أوجب عليها نصف عدة ~~الحرة تشبيها بالزوجة الأمة. فسبب الخلاف: أنها مسكوت عنها، وهي مترددة ~~الشبه بين الأمة والحرة، وأما من شبهها بالزوجة الأمة فضعيف، وأضعف منه من ~~شبهها بعدة الحرة المطلقة، وهو مذهب أبي حنيفة. # الباب الثاني: في المتعة والجمهور على أن المتعة ليست واجبة في كل مطلقة، ~~وقال قوم من أهل الظاهر: # هي واجبة في كل مطلقة، وقال قوم: هي مندوب إليها وليست واجبة، وبه قال ~~مالك والذين قالوا بوجوبها في بعض المطلقات اختلفوا في ذلك، فقال أبو ~~حنيفة: هي واجبة على كل من طلق قبل الدخول، ولم يفرض لها صداقا مسمى، وقال ~~الشافعي: هي ms0598 واجبة لكل مطلقة إذا كان الفراق من قبله إلا التي سمى لها ~~وطلقت قبل الدخول، وعلى هذا جمهور العلماء. واحتج أبو حنيفة بقوله تعالى: * ~~(يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما ~~لكم عليهن من عدة تعتدونها، فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا) * فاشترط المتعة ~~مع عدم المسيس، وقال تعالى: * (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم ~~لهن فريضة فنصف ما فرضتم) * فعلم أنه لا متعة لها مع التسمية والطلاق قبل ~~المسيس، لأنه إذا لم يجب لها الصداق فأحرى أن لا تجب لها المتعة، وهذا ~~لعمري مخيل، لأنه حيث لم يجب لها صداق أقيمت المتعة مقامه، وحيث ردت من ~~يدها نصف الصداق لم يجب لها شئ. وأما الشافعي فيحمل الأوامر الواردة ~~بالمتعة في قوله تعالى: * (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) * ~~على العموم في كل مطلقة إلا التي سمي لها وطلقت قبل الدخول، وأما أهل ~~الظاهر فحملوا الامر على PageV02P078 # العموم، والجمهور على أن المختلعة لا متعة لها لكونها معطية من يدها ~~كالحال في التي طلقت قبل الدخول وبعد فرض الصداق، وأهل الظاهر يقولون: هو ~~شرع فتأخذ وتعطي. # وأما مالك فإنه حمل الامر بالمتعة على الندب لقوله تعالى في آخر الآية * ~~(حقا على المحسنين) * أعلى المتفضلين المتجملين، وما كان من باب الاجمال ~~والاحسان فليس بواجب. واختلفوا في المطلقة المعتدة هل عليها إحداد؟ فقال ~~مالك: ليس عليها إحداد. # باب: في بعث الحكمين اتفق العلماء على جواز بعث الحكمين إذا وقع التشاجر ~~بين الزوجين وجهلت أحوالهما في التشاجر: أعني المحق من المبطل لقوله تعالى: ~~* (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) * الآية، ~~وأجمعوا على أن الحكمين لا يكونان إلا من أهل الزوجين: أحدهما: من قبل ~~الزوج، والآخر من قبل المرأة، إلا أن لا يوجد في أهلهما من يصلح لذلك فيرسل ~~من غيرهما، وأجمعوا على أن الحكمين إذا اختلفا لم ينفذ قولهما، وأجمعوا على ~~أن قولهما في الجمع بينهما نافذ بغير توكيل من الزوجين. ms0599 واختلفوا في تفريق ~~الحكمين بينهما إذا اتفقا على ذلك هل يحتاج إلى إذن من الزوج أو لا يحتاج ~~إلى ذلك؟ فقال مالك وأصحابه: يجوز قولهما في الفرقة والاجتماع بغير توكيل ~~الزوجين ولا إذن منهما في ذلك. وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما: ليس ~~لهما أن يفرقا، إلا أن يجعل الزوج إليهما التفريق وحجة مالك ما رواه من ذلك ~~عن علي بن أبي طالب أنه قال في الحكمين: إليهما التفرقة بين الزوجين، ~~والجمع. وحجة الشافعي وأبي حنيفة أن الأصل أن الطلاق ليس بيد أحد سوى الزوج ~~أو من يوكله الزوج. واختلف أصحاب مالك في الحكمين يطلقان ثلاثا، فقال أبو ~~القاسم: تكون واحدة، وقال أشهب والمغيرة تكون ثلاثا إن طلقاها ثلاثا، ~~والأصل أن الطلاق بيد الرجل إلا أن يقوم دليل على غير ذلك وقد احتج الشافعي ~~وأبو حنيفة بما روي في حديث علي هذا أنه قال للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟ ~~إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: ~~رضيت بكتاب الله وبما فيه لي وعلي، فقال الرجل: أما الفرق فلا، فقال علي: ~~لا، والله لا تنقلب حتى تقر بمثل ما أقرت به المرأة، قال: فاعتبر في ذلك ~~إذنه. ومالك يشبه الحكمين بالسلطان، والسلطان يطلق بالضرر عند مالك إذا ~~تبين. PageV02P079 # بسم الله الرحمن الرحيم وصل الله على سيدنا محمد واله وصحبه وسلم تسليما. # كتاب الايلاء والأصل في هذا الباب قوله تعالى: * (للذين يولون من نسائهم ~~تربص أربعة أشهر) * والايلاء: هو أن يحلف الرجل أن لا يطأ زوجته إما مدة هي ~~أكثر من أربعة أشهر أو أربعة أشهر أو بإطلاق، على الاختلاف المذكور في ذلك ~~فيما بعد. واختلف فقهاء الأمصار في الايلاء في مواضع: فمنها هل تطلق المرأة ~~بانقضاء الأربعة الأشهر المضروبة بالنص للمولي، أم إنما تطلق بأن يوقف بعد ~~الأربعة الأشهر؟ فإما فاء وإما طلق؟ ومنها هل الايلاء يكون بكل يمين، أم ~~بالايمان المباحة في الشرع فقط؟ ومنها إذا أمسك عن الوطئ بغير يمين هل يكون ~~موليا أم لا؟ ms0600 ومنها هل المولي هو الذي قيد يمينه بمدة من أربعة أشهر فقط أو ~~أكثر من ذلك؟ أو المولي هو الذي لم يقيد يمينه بمدة أصلا؟ ومنها هل طلاق ~~الايلاء بائن أو رجعي؟ ومنها إن أبى الطلاق والفئ هل يطلق القاضي عليه أم ~~لا؟ ومنها هل يتكرر الايلاء إذا طلقها ثم راجعها من غير إيلاء حادث في ~~الزواج الثاني؟ ومنها هل من شرط رجعة المولي أن يطأ في العدة أم لا؟ ومنها ~~هل إيلاء العبد حكمه أن يكون مثل إيلاء الحر أم لا؟ ومنها هل إذا طلقها بعد ~~انقضاء مدة الايلاء تلزمها عدة أم لا؟ فهذه هي مسائل الخلاف المشهورة في ~~الايلاء بين فقهاء الأمصار التي تتنزل من هذا الباب منزلة الأصول، ونحن ~~نذكر خلافهم في مسألة مسألة منها، وعيون أدلتهم وأسباب خلافهم على ما ~~قصدنا. # المسألة الأولى: أما اختلافهم هل تطلق بانقضاء الأربعة الأشهر نفسها أم ~~لا تطلق وإنما الحكم أن يوقف فإما فاء وإما طلق؟ فإن مالكا والشافعي وأحمد ~~وأبا ثور وداود والليث ذهبوا إلى أنه يوقف بعد انقضاء الأربعة الأشهر، فإما ~~فاء وإما طلق، وهو قول علي وابن عمر، وإن كان قد روي عنهما غير ذلك، لكن ~~الصحيح هو هذا، وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وبالجملة الكوفيون إلى أن ~~الطلاق يقع بانقضاء الأربعة الأشهر إلا أن يفئ فيها، وهو قول ابن مسعود ~~PageV02P080 # وجماعة من التابعين. وسبب الخلاف: هل قوله تعالى: * (فإن فاءوا فإن الله ~~غفور رحيم) * أي فإن فاءوا قبل انقضاء الأربعة الأشهر أو بعدها؟ فمن فهم ~~منه قبل انقضائها قال: يقع الطلاق، ومعنى العزم عنده في قوله تعالى: * (وإن ~~عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم) * أن لا يفئ حتى تنقضي المدة. فمن فهم من ~~اشتراط الفيئة اشتراطها بعد انقضاء المدة قال: معنى قوله * (وإن عزموا ~~الطلاق) * أي باللفظ * (فإن الله سميع عليم) *. وللمالكية في الآية أربعة ~~أدلة: أحدها: أنه جعل مدة التربص حقا للزوج دون الزوجة، فأشبهت مدة الاجل ~~في الديون المؤجلة، الدليل الثاني: أن الله تعالى ms0601 أضاف الطلاق إلى فعله. ~~وعندهم ليس يقع من فعله إلا تجوزا: أعني ليس ينسب إليه على مذهب الحنفية ~~إلا تجوزا، وليس يصار إلى المجاز عن الظاهر إلا بدليل. # الدليل الثالث: قوله تعالى: * (وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم) * ~~قالوا: فهذا يقتضي وقوع الطلاق على وجه يسمع، وهو وقوعه باللفظ لا بانقضاء ~~المدة. الرابع: أن الفاء في قوله تعالى: * (فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم) ~~* ظاهرة في معنى التعقيب، فدل ذلك على أن الفيئة بعد المدة، وربما شبهوا ~~هذه المدة بمدة العتق. وأما أبو حنيفة فإنه اعتمد في ذلك تشبيه هذه المدة ~~بالعدة الرجعية إذ كانت العدة إنما شرعت لئلا يقع منه ندم، وبالجملة فشبهوا ~~الايلاء بالطلاق الرجعي، وشبهوا المدة بالعدة وهو شبه قوي، وقد روي ذلك عن ~~ابن عباس. # المسألة الثانية: وأما اختلافهم في اليمين التي يكون بها الايلاء، فإن ~~مالكا قال: يقع الايلاء بكل يمين، وقال الشافعي: لا يقع إلا بالايمان ~~المباحة في الشرع وهي اليمين بالله أو بصفة من صفاته، فمالك اعتمد العموم: ~~أعني عموم قوله تعالى: * (للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر) * ~~والشافعي يشبه الايلاء بيمين الكفارة، وذلك أن كلا اليمينين يترتب عليهما ~~حكم شرعي، فوجب أن تكون اليمين التي ترتب عليها حكم الايلاء هي اليمين التي ~~يترتب عليها الحكم الذي هو الكفارة. # المسألة الثالثة: وأما لحوق حكم الايلاء للزوج إذا ترك الوطئ بغير يمين، ~~فإن الجمهور على أنه لا يلزمه حكم الايلاء بغير يمين، ومالك يلزمه وذلك إذا ~~قصد الاضرار بترك الوطئ، وإن لم يحلف على ذلك، فالجمهور اعتمدوا الظاهر، ~~ومالك اعتمد المعنى، لان الحكم إنما لزمه باعتقاده ترك الوطئ، وسواء شد ذلك ~~الاعتقاد بيمين أو بغير يمين، لان الضرر يوجد في الحالتين جميعا. # المسألة الرابعة: وأما اختلافهم في مدة الايلاء، فإن مالكا ومن قال بقوله ~~يرى أن مدة الايلاء يجب أن تكون أكثر من أربعة أشهر إذ كان الفئ عندهم إنما ~~هو بعد الأربعة PageV02P081 # الأشهر، وأما أبو حنيفة فإن مدة الايلاء عنده هي ms0602 الأربعة الأشهر فقط إذ ~~كان الفئ عنده إنما هو فيها، وذهب الحسن وابن أبي ليلى إلى أنه إذا حلف ~~وقتا ما وإن كان أقل من أربعة أشهر كان موليا يضرب له الاجل إلى انقضاء ~~الأربعة الأشهر من وقت اليمين. وروي عن ابن عباس أن المولي هو من حلف أن لا ~~يصيب امرأته على التأبيد. والسبب في اختلافهم في المدة إطلاق الآية، ~~فاختلافهم في وقت الفئ، وفي صفة اليمين ومدته هو كون الآية عامة في هذه ~~المعاني أو مجملة، وكذلك اختلافهم في صفة المولي والمولى منها ونوع الطلاق ~~على ما سيأتي بعد. وأما ما سوى ذلك فسبب اختلافهم فيه هو سبب السكوت عنها. ~~وهذه هي أركان الايلاء: أعني معرفة نوع اليمين ووقت الفئ، والمدة، وصفة ~~المولى منها، ونوع الطلاق الواقع فيه. # المسألة الخامسة: فأما الطلاق الذي يقع بالايلاء فعند مالك والشافعي أنه ~~رجعي، لان الأصل أن كل طلاق وقع بالشرع أنه يحمل على أنه رجعي إلى أن يدل ~~الدليل على أنه بائن، وقال أبو حنيفة وأبو ثور: هو بائن، وذلك أنه إن كان ~~رجعيا لم يزل الضرر عنها بذلك لأنه يجبرها على الرجعة. فسبب الاختلاف: ~~معارضة المصلحة المقصودة بالايلاء للأصل المعروف في الطلاق، فمن غلب الأصل ~~قال: رجعي، ومن غلب المصلحة قال بائن. # المسألة السادسة: وأما هل يطلق القاضي إذا أبى الفئ أو الطلاق أو يحبس ~~حتى يطلق، فإن مالكا قال: يطلق القاضي عليه، وقال أهل الظاهر: يحبس حتى ~~يطلقها بنفسه. # وسبب الخلاف: معارضة الأصل المعروف في الطلاق للمصلحة، فمن راعى الأصل ~~المعروف في الطلاق قال: لا يقع طلاق إلا من الزوج، ومن راعى الضرر الداخل ~~من ذلك على النساء قال: يطلق السلطان وهو نظر إلى المصلحة العامة، وهذا هو ~~الذي يعرف بالقياس المرسل، والمنقول عن مالك العمل به، وكثير من الفقهاء ~~يأبى ذلك. # المسألة السابعة: وأما هل يتكرر الايلاء إذا طلقها ثم راجعها؟ فإن مالكا ~~يقول: إذا راجعها فلم يطأها تكرر الايلاء عليه، وهذا عنده في الطلاق الرجعي ~~والبائن. وقال ms0603 أبو حنيفة: # الطلاق البائن يسقط الايلاء وهو أحد قولي الشافعي، وهذا القول هو الذي ~~اختاره المزني. # وجماعة العلماء على أن الايلاء لا يتكرر بعد الطلاق إلا بإعادة اليمين. ~~والسبب في اختلافهم: # معارضة المصلحة لظاهر شرط الايلاء. وذلك أنه لا إيلاء في الشرع إلا حيث ~~يكون يمين في ذلك النكاح بنفسه لا في نكاح آخر، ولكن إن راعينا هذا وجد ~~الضرر المقصود إزالته بحكم الايلاء، ولذلك رأى مالك أنه يحكم بحكم الايلاء ~~بغير يمين إذا وجد معنى الايلاء. # المسألة الثامنة: وأما هل تلزم الزوجة المولى منها عدة أو ليس تلزمها؟ ~~فإن الجمهور على أن العدة تلزمها، وقال جابر بن زيد: لا تلزمها عدة إذا ~~كانت قد حاضت في مدة الأربعة الأشهر ثلاث حيض. وقال بقوله طائفة، وهو مروي ~~عن ابن عباس. وحجته أن العدة إنما PageV02P082 # وضعت لبراءة الرحم، وهذه قد حصلت لها البراءة. وحجة الجمهور أنها مطلقة ~~فوجب أن تعتد كسائر المطلقات. وسبب الخلاف: أن العدة جمعت عبادة ومصلحة. ~~فمن لحظ جانب المصلحة لم ير عليها عدة، ومن لحظ جانب العبادة أوجب عليها ~~العدة. # المسألة التاسعة: وأما إيلاء العبد، فإن مالكا قال: إيلاء العبد شهران ~~على النصف من إيلاء الحر، قياسا على حدوده وطلاقه. وقال الشافعي وأهل ~~الظاهر: إيلاؤه مثل إيلاء الحر أربعة أشهر تمسكا بالعموم. والظاهر أن تعلق ~~الايمان بالحر والعبد سواء، والايلاء يمين، وقياسا أيضا على مدة العنين، ~~وقال أبو حنيفة: النقص الداخل على الايلاء معتبر بالنساء لا بالرجال ~~كالعدة، فإن كانت المرأة حرة كان الايلاء إيلاء الحر وإن كان الزوج عبدا، ~~وإن كانت أمة فعلى النصف. وقياس الايلاء على الحد غير جيد، وذلك أن العبد ~~إنما كان حده أقل من حد الحر، لان الفاحشة منه أقل قبحا، ومن الحر أعظم ~~قبحا، ومدة الايلاء إنما ضربت جمعا بين التوسعة على الزوج وبين إزالة الضرر ~~عن الزوجة، فإذا فرضنا مدة أقصر من هذه كان أضيق على الزوج وأنفى للضرر على ~~الزوجة، والحر أحب التوسعة ونفي الضرر عنه، فلذلك كان يجب ms0604 على هذا القياس ~~أن لا ينقص من الايلاء إلا إذا كان الزوج عبدا والزوجة حرة فقط، وهذا لم ~~يقل به أحد، فالواجب التسوية. والذين قالوا بتأثير الرق في مدة الايلاء ~~اختلفوا في زوال الرق بعد الايلاء، هل ينتقل إلى إيلاء الأحرار أم لا؟ فقال ~~مالك: لا ينتقل من إيلاء العبيد إلى إيلاء الأحرار، وقال أبو حنيفة: ينتقل، ~~فعنده أن الأمة إذا عتقت وقد آلى زوجها منها انتقلت إلى إيلاء الأحرار، ~~وقال ابن القاسم: الصغيرة التي لا يجامع مثلها لا إيلاء عليها، فإن وقع ~~وتمادى حسبت الأربعة الأشهر من يوم بلغت، وإنما قال ذلك لأنه لا ضرر عليها ~~في ترك الجماع، وقال أيضا لا إيلاء على خصي ولا على من لا يقدر على الجماع. # المسألة العاشرة: وأما هل من شرط رجعة المولي أن يطأ في العدة أم لا؟ فإن ~~الجمهور ذهبوا إلى أن ذلك ليس من شرطها، وأما مالك فإنه قال: إذا لم يطأ ~~فيها من غير عذر: مرض أو ما أشبه ذلك فلا رجعة عنده له عليها وتبقى على ~~عدتها، ولا سبيل له إليها إذا انقضت العدة. # وحجة الجمهور أنه لا يخلو أن يكون الايلاء يعود برجعته إياها في العدة أو ~~لا يعود، فإن عاد لم يعتبر واستؤنف الايلاء من وقت الرجعة، أعني تحسب مدة ~~الايلاء من وقت الرجعة، وإن لم يعد إيلاء لم يعتبر أصلا إلا على مذهب من ~~يرى أن الايلاء يكون بغير يمين، وكيفما كان فلا بد من اعتبار الأربعة ~~الأشهر من وقت الرجعة، وأما مالك فإنه قال: كل رجعة من طلاق كان لرفع ضرر، ~~فإن صحة الرجعة معتبرة فيه بزوال ذلك الضرر، وأصله المعسر بالنفقة إذا طلق ~~عليه ثم ارتجع، فإن رجعته تعتبر صحتها بيساره. فسبب الخلاف: قياس الشبه، ~~وذلك أن من شبه الرجعة بابتداء النكاح أوجب فيها تجدد الايلاء، ومن شبه هذه ~~الرجعة برجعة المطلق لضرر لم يرتفع منه ذلك الضرر قال: يبقى على الأصل. ~~PageV02P083 # كتاب الظهار والأصل في الظهار: الكتاب والسنة. فأما الكتاب فقوله ms0605 تعالى: ~~* (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة) * الآية. ~~وأما السنة فحديث خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت ظاهر مني زوجي أويس بن ~~الصامت، فجئت رسول الله (ص) أشكو إليه، ورسول الله يجادلني فيه ويقول: اتقي ~~الله فإنه ابن عمك، فما خرجت حتى أنزل الله * (قد سمع الله قول التي تجادلك ~~في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما) * الآيات، فقال: ليعتق ~~رقبة، قالت: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت: يا رسول الله إنه ~~شيخ كبير ما به صيام، قال: فليطعم ستين مسكينا. قالت: ما عنده من شئ يتصدق ~~به، قال فإني سأعينه بعرق من تمر. قالت: وأنا أعينه بعرق آخر، قال لقد ~~أحسنت.. اذهبي فأطعمي عنه ستين مسكينا خرجه أبو داود. وحديث سلمة بن صخر ~~البياضي عن النبي (ص). # والكلام في أصول الظهار ينحصر في سبعة فصول. منها في ألفاظ الظهار، ومنها ~~في شروط وجوب الكفارة فيه، ومنها فيمن يصح فيه الظهار، ومنها فيما يحرم على ~~المظاهر، ومنها هل يتكرر الظهار بتكرر النكاح؟ ومنها هل يدخل الايلاء ~~عليه؟. ومنها القول في أحكام كفارة الفصل الأول: في ألفاظ الظهار واتفق ~~الفقهاء على أن الرجل إذا قال الظهار لزوجته: أنت علي كظهر أمي أنه ظهار، ~~واختلفوا إذا ذكر عضوا غير الظهر، أو ذكر ظهر من تحرم عليه من المحرمات ~~النكاح على التأبيد غير الأم، فقال مالك: هو ظهار، وقال جماعة من العلماء: ~~لا يكون ظهارا إلا بلفظ الظهر والأم. وقال أبو حنيفة: يكون بكل عضو يحرم ~~النظر إليه. وسبب اختلافهم: معارضة المعنى للظاهر، وذلك أن معنى التحريم ~~تستوي فيه الأم وغيرها من المحرمات، والظهر PageV02P084 # وغيره من الأعضاء، وأما الظاهر من الشرع، فإنه يقتضي أن لا يسمى ظهارا ~~إلا ما ذكر فيه لفظ الظهر والأم. وأما إذا قال: هي علي كأمي ولم يذكر ~~الظهر، فقال أبو حنيفة والشافعي: ينوي في ذلك لأنه قد يريد بذلك الاجلال ~~لها وعظم منزلتها عنده، وقال مالك: هو ظهار. وأما من شبه زوجته ms0606 بأجنبية لا ~~تحرم عليه على التأبيد، فإنه ظهار عند مالك، وعن ابن الماجشون: ليس بظهار. ~~وسبب الخلاف: هل تشبيه الزوجة بمحرمة غير مؤبدة التحريم كتشبيهها بمؤبدة ~~التحريم؟. # الفصل الثاني: في شروط وجوب الكفارة فيه وأما شروط وجو ب الكفارة، فإن ~~الجمهور على أنها لا تجب دون العود، وشذ مجاهد وطاوس فقالا: لا تجب دون ~~العود، ودليل الجمهور قوله تعالى: * (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون ~~لما قالوا فتحرير رقبة) * وهو نص في معنى وجوب تعلق الكفارة بالعود، وأيضا ~~فمن طريق القياس، فإن الظهار يشبه الكفارة في اليمين، فكما أن الكفارة إنما ~~تلزم بالمحافظة أو بإرادة المخالفة، كذلك الامر في الظهار. وحجة مجاهد ~~وطاوس أنه معنى يوجب الكفارة العليا فوجب أن يوجبها بنفسه لا بمعنى زائد ~~تشبيها بكفارة القتل والفطر، وأيضا قالوا: إنه طلاق الجاهلية فنسخ تحريمه ~~بالكفارة وهو معنى قوله تعالى: * (ثم يعودون لما قالوا) * والعود عندهم هو ~~العود في الاسلام. فأما القائلون باشتراط العود في إيجاب الكفارة، فإنهم ~~اختلفوا فيه ما هو؟ فعن مالك في ذلك ثلاث روايات: إحداهن: أن العود هو أن ~~يعزم على إمساكها والوطئ معا. والثانية: أن يعزم على وطئها فقط، وهي ~~الرواية الصحيحة المشهورة عن أصحابه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد. والرواية ~~الثالثة: أن العود هو نفس الوطئ. وهي أضعف الروايات عند أصحابه. # وقال الشافعي: العود هو الامساك نفسه. قال: ومن مضى له زمان يمكنه أن ~~يطلق فيه ولم يطلق ثبت أنه عائد ولزمته الكفارة، لان إقامته زمانا يمكن أن ~~يطلق فيه من غير أن يطلق يقوم مقام إرادة الامساك منه، أو هو دليل ذلك. ~~وقال داود وأهل الظاهر: العود هو أن يكرر لفظ الظهار ثانية، ومتى لم يفعل ~~ذلك فليس بعائد ولا كفارة عليه. فدليل الرواية المشهورة لمالك ينبني على ~~أصلين: أحدهما: أن المفهوم من الظهار هو أن وجوب الكفارة فيه إنما يكون ~~بإرادته العود إلى ما حرم على نفسه بالظهار وهو الوطئ. وإذا كان ذلك كذلك ~~وجب أن تكون العودة هي إما الوطئ ms0607 نفسه، وإما العزم عليه وإرادته. والأصل ~~الثاني: ليس يمكن أن يكون العود نفسه هو وطئ لقوله تعالى في الآية: * ~~(فتحرير رقبة PageV02P085 # من قبل أن يتماسا) * ولذلك كان الوطئ محرما حتى يكفر. قالوا: ولو كان ~~العود نفسه هو الامساك لكان الظهار نفسه يحرم الامساك فكان الظهار يكون ~~طلاقا. وبالجملة فالمعول عليه عندهم في هذه المسألة هو الطريق الذي يعرفه ~~الفقهاء بطريق السبر والتقسيم، وذلك أن معنى العود لا يخلو أن يكون تكرار ~~اللفظ على ما يراه داود، أو الوطئ نفسه، أو الامساك نفسه، أو إرادة الوطئ. ~~ولا يكون تكرار اللفظ، لان ذلك تأكيد والتأكيد لا يوجب الكفارة، ولا يكون ~~إرادة الامساك للوطئ، فإن الامساك موجود بعد، فقد بقي أن يكون إرادة الوطئ، ~~وإن كان إرادة الامساك للوطئ فقد أراد الوطئ، فثبت أن العود هو الوطئ. # ومعتمد الشافعية في إجرائهم إرادة الامساك، أو الامساك للوطئ مجرى إرادة ~~الوطئ أن الامساك يلزم عنه الوطئ فجعلوا لازم الشئ مشبها بالشئ، وجعلوا ~~حكمهما واحدا، وهو قريب من الرواية الثانية، وربما استدلت الشافعية على أن ~~إرادة الامساك هو السبب في وجوب الكفارة أن الكفارة ترتفع بارتفاع الامساك، ~~وذلك إذا طلق إثر الظهار، ولهذا احتاط مالك في الرواية الثانية، فجعل العود ~~هو إرادة الامرين جميعا: أعني الوطئ والامساك، وأما أن يكون العود الوطئ ~~فضعيف ومخالف للنص، والمعتمد فيها تشبيه الظهار باليمين: أي كما أن كفارة ~~اليمين إنما تجب بالحنث كذلك الامر ههنا، وهو قياس شبه عارضه النص. # وأما داود فإنه تعلق بظاهر اللفظ في قوله تعالى: * (ثم يعودون لما قالوا) ~~* وذلك يقتضي الرجوع إلى القول نفسه، وعند أبي حنيفة أنه العود في الاسلام ~~إلى ما تقدم من ظهارهم في الجاهلية. وعند مالك والشافعي أن المعنى في ~~الآية: ثم يعودون فيما قالوا. # وسبب الخلاف: بالجملة إنما هو مخالفة الظاهر للمفهوم، فمن اعتمد المفهوم ~~جعل العودة إرادة الوطئ أو الامساك، وتأول معنى اللام في قوله تعالى: * (ثم ~~يعودون لما قالوا) * بمعنى الفاء، وأما من اعتمد الظاهر فإنه جعل العودة ms0608 ~~تكرير اللفظ، وأن العودة الثانية إنما هي ثانية للأولى التي كانت منهم في ~~الجاهلية. ومن تأول أحد هذين، فالأشبه له أن يعتقد أن بنفس الظهار تجب ~~الكفارة كما اعتقد ذلك مجاهد، إلا أن يقدر في الآية محذوفا وهو إرادة ~~الامساك، فهنا إذن ثلاثة مذاهب: إما أن تكون العودة هي تكرار اللفظ، وإما ~~أن تكون إرادة الامساك، وإما أن تكون العودة التي هي في الاسلام، وهذان ~~ينقسمان قسمين: أعني الأول والثالث: # أحدهما: أن يقدر في الآية محذوفا، وهو إرادة الامساك فيشترط هذه الإرادة ~~في وجوب الكفارة، وإما ألا يقدر فيها محذوفا فتجب الكفارة بنفس الظهار. ~~واختلفوا من هذا الباب في فروع وهو: هل إذا طلق قبل إرادة الامساك أو ماتت ~~عنه زوجته هل تكون عليه كفارة أم لا؟ فجمهور العلماء على أن لا كفارة عليه ~~إلا أن يطلق بعد إرادة العودة أو بعد PageV02P086 # الامساك بزمان طويل على ما يراه الشافعي وحكي عن عثمان البتي أن عليه ~~الكفارة بعد الطلاق، وأنها إذا ماتت قبل إرادة العودة لم يكن له سبيل إلى ~~ميراثها إلا بعد الكفارة. # وهذا شذوذ مخالف للنص. والله أعلم. # الفصل الثالث: فيمن يصح فيه الظهار واتفقوا على لزوم الظهار من الزوجة ~~التي في العصمة، واختلفوا في الظهار من الأمة ومن التي في غير العصمة، ~~وكذلك اختلفوا في ظهار المرأة من الرجل. فأما الظهار من الأمة فقال مالك ~~والثوري وجماعة: الظهار منها لازم كالظهار من الزوجة الحرة، وكذلك المدبرة ~~وأم الولد، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور: لا ظهار من أمة، وقال ~~الأوزاعي: إن كان يطأ أمته فهو منها مظاهر، وإن لم يطأها فهي يمين وفيها ~~كفارة يمين، وقال عطاء: هو مظاهر لكن عليه نصف كفارة. فدليل من أوقع ظهار ~~الأمة عموم قوله تعالى: * (والذين يظاهرون من نسائهم) * والإماء من النساء. ~~وحجة من لم يجعله ظهارا أنهم قد أجمعوا أن النساء في قوله تعالى: * (للذين ~~يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر) * هن ذوات الأزواج، فكذلك اسم النساء في ~~آية الظهار. ms0609 فسبب الخلاف: معارضة قياس الشبه للعموم: أعني تشبيه الظهار ~~بالايلاء وعموم لفظ النساء، أعني أن عموم اللفظ يقتضي دخول الإماء في ~~الظهار وتشبيهه بالايلاء يقتضي خروجهن من الظهار. وأما هل من شرط الظهار ~~كون المظاهر منها في العصمة أم لا؟ # فمذهب مالك أن ذلك ليس من شرطه، وأن من عين امرأة ما بعينها وظاهر منها ~~بشرط التزويج كان مظاهرا منها، وكذلك إن لم يعين وقال: كل امرأة أتزوجها ~~فهي مني كظهر أمي، وذلك بخلاف الطلاق وبقول مالك في الظهار قال أبو حنيفة ~~والثوري والأوزاعي، وقال قائلون: لا يلزم الظهار إلا فيما يملك الرجل، وممن ~~قال بهذا القول الشافعي وأبو ثور وداود، وفرق قوم فقالوا: إن أطلق لم يلزمه ~~ظهار وهو أن يقول: كل امرأة أتزوجها فهي مني كظهر أمي، فإن قيد لزمه وهو أن ~~يقول: إن تزوجت فلانة أو سمى قرية أو قبيلة، وقائل هذا القول هو ابن أبي ~~ليلى والحسن بن حي. ودليل الفريق الأول قوله تعالى: # * (أوفوا بالعقود) * ولأنه عقد على شرط الملك فأشبه إذا ملك، والمؤمنون ~~عند شروطهم، وهو قول عمر. وأما حجة الشافعي فحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده أن النبي (ص) قال لا طلاق إلا فيما يملك ولا عتق إلا فيما يملك، ولا ~~بيع إلا فيما يملك، ولا وفاء بنذر إلا فيما يملك خرجه أبو داود والترمذي. ~~والظهار شبيه بالطلاق، وهو قول ابن عباس. وأما الذين فرقوا بين التعميم ~~والتعيين، فإنهم رأوا أن التعميم في الظهار من باب الحرج، وقال الله تعالى: ~~* (وما جعل عليكم في الدين من PageV02P087 # حرج) *. واختلفوا أيضا من هذا لباب في: هل تظاهر المرأة من الرجل؟ فعن ~~العلماء في ذلك ثلاثة أقوال: أشهرها: أنه لا يكون منها ظهار، وهو قول مالك ~~والشافعي. والثاني: # أن عليها كفارة يمين. والثالث: أن عليها كفارة الظهار. ومعتمد الجمهور ~~تشبيه الظهار بالطلاق، ومن ألزم المرأة الظهار فتشبيها للظهار باليمين، ومن ~~فرق فلانه رأى أن أقل اللازم لها في ذلك المعنى هو كفارة يمين وهو ms0610 ضعيف. ~~وسبب الخلاف: تعارض الأشياء في هذا المعنى. # الفصل الرابع: فيما يحرم على المظاهر واتفقوا على أن المظاهر يحرم عليه ~~الوطئ. واختلفوا فيما دونه من ملامسة ووطئ في غير الفرج ونظر اللذة، فذهب ~~مالك إلى أنه يحرم الجماع وجميع أنواع الاستمتاع مما دون الجماع من الوطئ ~~فيما دون الفرج واللمس والتقبيل والنظر للذة ما عدا وجهها وكفيها ويديها من ~~سائر بدنها ومحاسنها، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه إنما كره النظر للفرج فقط، ~~وقال الشافعي: إنما يحرم الظهار الوطئ في الفرج فقط المجمع عليه لا ما عدا ~~ذلك، وبه قال الثوري وأحمد وجماعة. ودليل مالك قوله تعالى: * (من قبل أن ~~يتماسا) * وظاهر لفظ التماس يقتضي المباشرة فما فوقها، ولأنه أيضا لفظ حرمت ~~ت به عليه فأشبه لفظ الطلاق، ودليل قول الشافعي أن المباشرة كناية ههنا عن ~~الجماع بدليل إجماعهم على أن الوطئ محرم عليه، وإذا دلت على الجماع لم تدل ~~على ما فوق الجماع لأنها إما أن تدل على ما فوق الجماع، وإما أن تدل على ~~الجماع، وهي الدلالة المجازية، ولكن قد اتفقوا على أنها دالة على الجماع ~~فانتفت الدلالة المجازية، إذ لا يدل لفظ واحد دلالتين: حقيقة ومجازا. قلت: # الذين يرون أن اللفظ المشترك له عموم لا يبعد أن يكون اللفظ الواحد عندهم ~~يتضمن المعنيين جميعا: أعني الحقيقة والمجاز، وإن كان لم تجر به عادة ~~للعرب، ولذلك القول به في غاية من الضعف، ولو علم أن للشرع فيه تصرفا لجاز، ~~وأيضا فإن الظهار مشبه عندهم بالايلاء، فوجب أن يختص عندهم بالفرج. # الفصل الخامس: هل يتكرر الظهار بتكرر النكاح؟ # وأما تكرر الظهار بعد الطلاق: أعني إذا طلقها بعد الظهار قبل أن يكفر ثم ~~راجعها هل يتكرر عليها الظهار فلا يحل له المسيس حتى يكفر؟ فيه خلاف. قال ~~مالك: إن طلقها دون الثلاث ثم راجعها في العدة أو بعدها فعليه الكفارة، ~~وقال الشافعي: إن راجعها في العدة فعليه الكفارة، وإن راجعها في غير العدة ~~فلا كفارة عليه، وعنه قول آخر مثل ms0611 قول PageV02P088 # مالك. وقال محمد ابن الحسن: الظهار راجع عليها نكحها بعد الثلاث أو بعد ~~واحدة، وهذه المسألة شبيهة بمن يحلف بالطلاق ثم يطلق ثم يراجع هل تبقى تلك ~~اليمين عليه أم لا؟ وسبب الخلاف: هل الطلاق يرفع جميع أحكام الزوجية ~~ويهدمها، أو لا يهدمها؟ فمنهم من رأى أن البائن الذي هو الثلاث يهدم، وأن ~~ما دون الثلاث لا يهدم، ومنهم من رأى أن الطلاق كله غير هادم، وأحسب أن من ~~الظاهرية من يرى أنه كله هادم. # الفصل السادس: في دخول الايلاء عليه وأما هل يدخل الايلاء على الظهار إذا ~~كان مضارا، وذلك بأن لا يكفر مع قدرته على الكفارة؟ فإن فيه أيضا اختلافا، ~~فأبو حنيفة والشافعي يقولان: لا يتداخل الحكمان، لان حكم الظهار خلاف حكم ~~الايلاء، وسواء أكان عندهم مضارا أو لم يكن، وبه قال الأوزاعي وأحمد ~~وجماعة. وقال مالك: يدخل الايلاء على الظهار بشرط أن يكون مضارا وقال ~~الثوري: يدخل الايلاء على الظهار، وتبين منه بانقضاء الأربعة الأشهر من غير ~~اعتبار المضارة، ففيه ثلاثة أقوال: قول إنه يدخل بإطلاق، وقول إنه لا يدخل ~~بإطلاق، وقول إنه يدخل مع المضارة ولا يدخل مع عدمها. وسبب الخلاف: مراعاة ~~المعنى واعتبار الظاهر، فمن اعتبر الظاهر قال: لا يتداخلان، ومن اعتبر ~~المعنى قال: يتداخلان إذا كان القصد الضرر. # الفصل السابع: في أحكام كفارة الظهار والنظر في كفارة الظهار في أشياء، ~~منها في عدد أنواع الكفارة وترتيبها، وشروط نوع منها: أعني الشروط المصححة. ~~ومتى تجب كفارة واحدة، ومتى تجب أكثر من واحدة؟ # فأما أنواعها فإنهم أجمعوا على أنها ثلاثة أنواع: إعتاق رقبة. أو صيام ~~شهرين، أو إطعام ستين مسكينا، وأنها على الترتيب، فالاعتاق أولا، فإن ليكن ~~فالصيام، فإن لم يكن فالاطعام، هذا في الحر، واختلفوا في العبد يكفر بالعتق ~~أو بالاطعام بعد اتفاقهم أن الذي يبدأ به الصيام أعني إذا عجز عن الصيام، ~~فأجاز للعبد العتق إن أذن له سيده: أبو ثور وداود، وأبى ذلك سائر العلماء. ~~وأما الاطعام فأجازه له مالك إن أطعم ms0612 بإذن سيده، ولم يجز ذلك أبو حنيفة ~~والشافعي. ومبنى الخلاف: في هذه المسألة هل يملك العبد أو لا يملك؟ وأما ~~اختلافهم في الشروط المصححة: فمنها اختلافهم إذا وطئ في صيام الشهرين هل ~~عليه استئناف الصيام أم لا؟ فقال مالك وأبو حنيفة: يستأنف الصيام، إلا أن ~~أبا حنيفة شرط في ذلك العمد، ولم يفرق مالك بين العمد في ذلك والنسيان، ~~وقال الشافعي لا يستأنف على حال. وسبب الخلاف: تشبيه كفارة الظهار بكفارة ~~اليمين والشرط الذي ورد في كفارة الظهار: أعني أن تكون قبل المسيس، فمن ~~اعتبر هذا الشرط قال: يستأنف PageV02P089 # الصوم، ومن شبهه بكفارة اليمين قال: لا يستأنف، لان الكفارة في اليمين ~~ترفع الحنث بعد وقوعه باتفاق. ومنها هل من شرط الرقبة أن تكون مؤمنة أم لا؟ ~~فذهب مالك والشافعي إلى أن ذلك شرط في الاجزاء، وقال أبو حنيفة: يجزئ في ~~ذلك رقبة الكافر، ولا يجزئ عندهم إعتاق الوثنية والمرتدة ودليل الفريق ~~الأول أنه إعتاق على وجه القربة فوجب أن تكون مسلمة أصله الاعتاق في كفارة ~~القتل، وربما قالوا إن هذا ليس من باب القياس، وإنما هو من باب حمل المطلق ~~على المقيد، وذلك أنه قيد الرقبة بالايمان في كفارة القتل وأطلقها في كفارة ~~الظهار فيجب صرف المطلق إلى المقيد. وهذا النوع من حمل المطلق على المقيد ~~فيه خلاف، والحنفية لا يجيزونه، وذلك أن الأسباب في القضيتين مختلفة. وأما ~~حجة أبي حنيفة فهو ظاهر العموم، ولا معارضة عنده بين المطلق والمقيد، فوجب ~~عنده أن يحمل كل على لفظه. ومنها اختلافهم هل من شرط الرقبة أن تكون سالمة ~~من العيوب أم لا؟ ثم إن كانت سليمة فمن أي العيوب تشترط سلامتها؟ فالذي ~~عليه الجمهور أن للعيوب تأثيرا في منع إجزاء العتق، وذهب قوم إلى أنه ليس ~~لها تأثير في ذلك، وحجة الجمهور تشبيهها بالأضاحي والهدايا لكون القربة ~~تجمعهما وحجة الفريق الثاني إطلاق اللفظ في الآية. فسبب الخلاف: معارضة ~~الظاهر لقياس الشبه. والذين قالوا إن للعيوب تأثيرا في منع الاجزاء اختلفوا ~~في عيب ms0613 عيب مما يعتبر في الاجزاء أو عدمه. أما العمى وقطع اليدين أو ~~الرجلين فلا خلاف عندهم في أنه مانع للاجزاء، واختلفوا فيما دون ذلك، فمنها ~~هل يجوز قطع اليد الواحدة؟ أجازه أبو حنيفة، ومنعه مالك والشافعي. وأما ~~الأعور فقال مالك: # لا يجزئ، وقال عبد الملك: يجزئ: وأما قطع الاذنين فقال مالك: لا يجزئ، ~~وقال أصحاب الشافعي: يجزئ. وأما الأصم فاختلف فيه في مذهب مالك، فقيل يجزئ. ~~وقيل لا يجزئ. وأما الأخرس فلا يجزئ عند مالك، وعن الشافعي في ذلك قولان. ~~أما المجنون فلا يجزئ. أما الخصي فقال ابن القاسم: لا يعجبني الخصي، وقال ~~غيره لا يجزئ، وقال الشافعي: يجزئ. وإعتاق الصغير جائز في قوله عامة فقهاء ~~الأمصار، وحكي عن بعض المتقدمين منعه. والعرج الخفيف في المذهب يجزئ، أما ~~البين العرج فلا. والسبب في اختلافهم: في قدر النقص المؤثر في القربة، وليس ~~له أصل في الشرع إلا الضحايا. وكذلك لا يجزئ في المذهب ما فيه شركة أو طرف ~~حرية كالكتابة والتدبير لقوله تعالى: * (فتحرير رقبة) * والتحرير هو ابتداء ~~الاعتاق، وإذا كان فيه عقد من عقود الحرية كالكتابة كان تنجيزا لا إعتاقا، ~~وكذلك الشركة لان بعض الرقبة ليس برقبة. وقالوا أبو حنيفة: إن كان المكاتب ~~أدى شيئا من مال الكتابة لم يجز. وإن كان لم يؤد جاز، واختلفوا PageV02P090 # هل يجزيه عتق مدبره؟ فقال مالك: لا يجزيه تشبيها بالكتابة لأنه عقد ليس ~~له حلة، وقال الشافعي: يجزيه، ولا يجزي عند مالك إعتاق أم ولده ولا المعتق ~~إلى أجل مسمى. وأما عتق أم الولد فلان عقدها آكد من عقد الكتابة والتدبير، ~~بدليل أنهما قد يطرأ عليهما الفسخ. أما في الكتابة فمن العجز عن أداء ~~النجوم. وأما التدبير فإذا ضاق عنه الثلث. وأما العتق إلى أجل فإنه عقد عتق ~~لا سبيل إلى حله. واختلف مالك والشافعي مع أبي حنيفة في إجزاء عتق من يعتق ~~عليه بالنسب، فقال مالك والشافعي: لا يجزئ عنه وقال أبو حنيفة: # إذا نوى به عتقه عن ظهار أجزأ. فأبو حنيفة شبهه ms0614 بالرقبة التي لا يجب ~~عتقها، وذلك أن كل واحدة من الرقبتين غير واجب عليه شراؤها وبذل القيمة ~~فيها على وجه العتق، فإذا نوى بذلك التكفير جاز، والمالكية والشافعية رأت ~~أنه إذا اشترى من يعتق عليه عتق عليه من غير قصد إلى إعتاقه فلا يجزيه، ~~فأبو حنيفة أقام القصد للشراء مقام العتق، وهؤلاء قالوا: لا بد أن يكون ~~قاصدا للعتق نفسه، فكلاهما يسمى معتقا باختياره، ولكن أحدهما معتق ~~بالاختيار الأول، والآخر معتق بلازم الاختيار، فكأنه معتق على القصد الثاني ~~ومشتر على القصد الأول، والآخر بالعكس. واختلف مالك والشافعي فيمن أعتق ~~نصفي عبدين. فقال مالك: # لا يجوز ذلك، وقال الشافعي: يجوز لأنه في معنى الواحد ومالك تمسك بظاهر ~~دلالة اللفظ. فهذا ما اختلفوا فيه من شروط الرقبة المعتقة. وأما شروط ~~الاطعام فإنهم اختلفوا من ذلك في القدر الذي يجزي لمسكين مسكين من الستين ~~مسكينا الذين وقع عليهم النص، فعن مالك في ذلك روايتان أشهرهما أن ذلك مد ~~بمد هشام لكل واحد، وذلك مدان بمد النبي (ص)، وقد قيل هو أقل، وقد قيل هو ~~مد وثلث. وأما الرواية الثانية فمد مد لكل مسكين بمد النبي (ص)، وبه قال ~~الشافعي. فوجه الرواية الأولى اعتبار الشبع غالبا: أعني الغداء والعشاء، ~~ووجه الرواية الثانية اعتبار هذه الكفارة بكفارة اليمين. فهذا هو اختلافهم ~~في شروط الصحة في الواجبات في هذه الكفارة. وأما اختلافهم في مواضع تعددها ~~ومواضع اتحادها، فمنها إذا ظاهر بكلمة واحدة من نسوة أكثر من واحدة هل يجزي ~~في ذلك كفارة واحدة، أم يكون عدد الكفارات على عدد النسوة؟ فعند مالك أنه ~~يجزي في ذلك كفارة واحدة، وعند الشافعي وأبي حنيفة أن فيها من الكفارات ~~بعدد المظاهر منهن إن اثنتين فاثنتين. وإن ثلاثا فثلاثا، وإن أكثر فأكثر، ~~فمن شبهه بالطلاق أوجب في كل واحدة كفارة، ومن شبهه بالايلاء أوجب فيه ~~كفارة واحدة، وهو بالايلاء أشبه. ومنها إذا ظاهر من امرأته في مجالس شتى هل ~~عليه كفارة واحدة، أو على عدد المواضع التي ظاهر فيها؟ فقال ms0615 مالك: ليس عليه ~~إلا كفارة واحدة، إلا أن يظاهر ثم يكفر ثم يظاهر فعليه كفارة ثانية، وبه ~~قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة والشافعي: لكل ظهار كفارة. وأما ~~إذا كان ذلك في مجلس واحد فلا خلاف عند مالك أن في ذلك كفارة واحدة. وعند ~~أبي حنيفة أن PageV02P091 # ذلك راجع إلى نيته، فإن قصد التأكيد كانت الكفارة واحدة، وإن أراد ~~استئناف الظهار كان ما أراد ولزمه من الكفارات على عدد الظهار. وقال يحيى ~~بن سعيد: تلزم الكفارة على عدد الظهار سواء أكان في مجلس واحد أو في مجالس ~~شتى. والسبب في هذا الاختلاف: أن الظهار الواحد بالحقيقة هو الذي يكون بلفظ ~~واحد من امرأة واحدة في وقت واحد، والمتعدد بلا خلاف هو الذي يكون بلفظين ~~من امرأتين في وقتين، فإن كرر اللفظ من امرأة واحدة، فهل يوجب تعدد اللفظ ~~تعدد الظهار، أم لا يوجب ذلك فيه تعددا؟ وكذلك إن كان اللفظ واحدا والمظاهر ~~منها أكثر من واحدة؟ وذلك أن هذه بمنزلة المتوسطات بين ذينك الطرفين، فمن ~~غلب شبه الطرف الواحد أوجب له حكمه، ومن غلب شبه الطرف الثاني أوجب له ~~حكمه. ومنها إذا ظاهر من امرأته ثم مسها قبل أن يكفر هل عليه كفارة واحدة ~~أم لا؟ فأكثر فقهاء الأمصار: مالك والشافعي وأبو حنيفة والثور والأوزاعي ~~وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري وأبو عبيد أن في ذلك كفارة واحدة ~~والحجة لهم حديث سلمة بن صخر البياضي أنه ظاهر من امرأته في زمان رسول الله ~~(ص) ثم وقع بامرأته قبل أن يكفر، فأتى رسول الله (ص) فذكر له ذلك فأمره أن ~~يكفر تكفيرا واحدا. وقال قوم: عليه كفارتان: كفارة العزم على الوطئ، وكفارة ~~الوطئ، لأنه وطئ وطأ محرما، وهو مروي عن عمرو بن العاص وقبيصة بن ذؤيب ~~وسعيد بن جبير وابن شهاب، وقد قيل: إنه لا يلزمه شئ لا عن العود ولا عن ~~الوطئ، لان الله تعالى اشترط صحة الكفارة قبل المسيس، فإذا مس فقد خرج ~~وقتها فلا تجب إلا بأمر ms0616 مجدد، وذلك معدوم في مسألتنا. وفيه شذوذ. # وقال أبو محمد ابن حزم: من كان فرضه الاطعام فليس يحرم عليه المسيس قبل ~~الاطعام، وإنما يحرم المسيس على من كان فرضه العتق أو الصيام. PageV02P092 # كتاب اللعان والقول فيه يشتمل على خمسة فصول بعد القول بوجوبه. الفصل ~~الأول: في أنواع الدعاوي الموجبة له وشروطها. الفصل الثاني: في صفات ~~المتلاعنين. الفصل الثالث: في صفة اللعان. الفصل الرابع: في حكم نكول ~~أحدهما أو رجوعه. الفصل الخامس: في الاحكام اللازمة لتمام اللعان. فأما ~~الأصل في وجوب اللعان: أما من الكتاب فقوله تعالى: * (والذين يرمون أزواجهم ~~ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) * الآية. وأما من السنة فما رواه مالك وغيره ~~من مخرجي الصحيح من حديث عويمر العجلاني إذ جاء إلى عاصم بن عدي العجلاني ~~رجل من قومه فقال له: يا عاصم.. أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله ~~فتقتلوه؟ أم كيف يفعل؟ سل يا عاصم عن ذلك رسول الله (ص)، فسأل عاصم عن ذلك ~~رسول الله (ص)، فلما رجع عاصم إلى أهله جاء عويمر فقال: يا عاصم.. ماذا قال ~~لك رسول الله (ص)؟ فقال: لم تأتني بخير، قد كره رسول الله (ص) المسألة التي ~~سألت عنها، فقال: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى أتى رسول ~~الله (ص) وسط الناس فقال: يا رسول الله.. أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا ~~أيقتله فتقتلوه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله (ص): قد نزل فيك وفي صاحبتك ~~قرآن فاذهب فائت بها، وقال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله (ص)، ~~فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، ~~فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره بذلك رسول الله (ص). قال مالك: قال ابن شهاب: ~~فلم تزل تلك سنة المتلاعنين. وأيضا من جهة المعنى لما كان الفراش موجبا ~~للحوق النسب كان بالناس ضرورة إلى طريق ينفونه به إذا تحققوا فساده وتلك ~~الطريق هي اللعان. فاللعان حكم ثابت بالكتاب والسنة والقياس والاجماع، إذ ~~لا خلاف في ms0617 ذلك أعلمه، فهذا هو القول في إثبات حكمه. # الفصل الأول: في أنواع الدعاوي الموجبة له وشروطها وأما صور الدعاوي التي ~~يجب بها اللعان فهي أولا صورتان: إحداهما: دعوى الزنا، والثانية: نفي ~~الحمل، ودعوى الزنا لا يخلو أن تكون مشاهدة: أعني أن يدعي أنه PageV02P093 # شاهدها تزني كما يشهد الشاهد على الزنا، أو تكون دعوى مطلقة. وإذا نفى ~~الحمل فلا يخلو أن ينفيه أيضا نفيا مطلقا، أو يزعه انه لم يقربها بعد ~~استبرائها، فهذه أربعة أحوال بسائط، وسائر الدعاوي تتركب عن هذه، مثل أن ~~يرميها بالزنا وينفي الحمل، أو يثبت الحمل ويرميها بالزنى. فأما وجوب ~~اللعان بالقذف بالزنا إذا ادعى الرؤية فلا خلاف فيه، قالت المالكية: إذا ~~زعم أنه لم يطأها بعد، وأما وجوب اللعان بمجرد القذف، فالجمهور على جوازه: ~~الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وداود وغيرهم. وأما المشهور عن مالك، ~~فإنه لا يجوز اللعان عنده بمجرد القذف، وقد قال ابن القاسم أيضا: # إنه يجوز، وهي أيضا رواية عن مالك. وحجة الجمهور عموم قوله تعالى: * ~~(والذين يرمون أزواجهم) * الآية، ولم يخص في الزنا صفة دون صفة، كما قال في ~~إيجاب حد القذف، وحجة مالك ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك، منها قوله في ~~حديث سعد أرأيت لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا وحديث ابن عباس، وفيه فجاء ~~رسول الله (ص) فقال: والله يا رسول الله لقد رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره ~~رسول الله (ص) ما جاء به واشتد عليه، فنزلت * (والذين يرمون أزواجهم) * ~~الآية وأيضا فإن الدعوى يجب أن تكون ببينة كالشهادة. وفي هذا الباب فرع ~~اختلف فيه قول مالك، وهو إذا ظهر بها حمل بعد اللعان، فعن مالك في ذلك ~~روايتان: إحداهما: سقوط الحمل عنه، والأخرى لحوقه به. واتفقوا فيما أحسب أن ~~من شرط الدعوى الموجبة اللعان برؤية الزنا أن تكون في العصمة. واختلفوا ~~فيمن قذف زوجته بدعوى الزنا ثم طلقها ثلاثا هل يكون بينهما لعان أم لا؟ ~~فقال مالك والشافعي والأوزاعي وجماعة: بينهما لعان، وقال أبو حنيفة: لا ~~لعان بينهما ms0618 إلا أن ينفي ولدا ولا حد، وقال مكحول والحكم وقتادة يحد ولا ~~يلاعن. وأما إن نفى الحمل فإنه كما قلنا على وجهين: # أحدهما: أن يدعي أنه استبرأها ولم يطأها بعد الاستبراء، وهذا ما لا خلاف ~~فيه. # واختلف قول مالك في الاستبراء، فقال مرة: ثلاث حيض، وقال مرة: حيضة. وأما ~~نفيه مطلقا، فالمشهور عن مالك أنه لا يجب بذلك لعان، وخالفه في هذا الشافعي ~~وأحمد وداود، وقالوا: لا معنى لهذا لأن المرأة قد تحمل مع رؤية الدم، وحكى ~~عبد الوهاب عن أصحاب الشافعي أنه لا يجوز نفي الحمل مطلقا من غير قذف ~~واختلفوا من هذا الباب في فرع، وهو وقت نفي الحمل، فقال الجمهور: ينفيه وهي ~~حامل، وشرط مالك أنه متى لم ينفه وهو حمل لم يجز له أن ينفيه بعد الولادة ~~بلعان، وقال الشافعي: إذا علم الزوج بالحمل فأمكنه الحاكم من اللعان فلم ~~يلاعن لم يكن له PageV02P094 # أن ينفيه بعد الولادة، وقال أبو حنيفة: لا ينفي الولد حتى تضع. وحجة مالك ~~ومن قال بقوله الآثار المتواترة من حديث ابن عباس وابن مسعود وأنس وسهل بن ~~سعد أن النبي عليه الصلاة والسلام حين حكم باللعان بين المتلاعنين قال: إن ~~جاءت به على صفة كذا فما أراه إلا قد صدق عليها قالوا: وهذا يدل على أنها ~~كانت حاملا في وقت اللعان. # وحجة أبي حنيفة أن الحمل قد ينفش ويضمحل، فلا وجه للعان إلا على يقين. ~~ومن حجة الجمهور أن الشرع قد علق بظهور الحمل أحكاما كثيرة: كالنفقة والعدة ~~ومنع الوطئ، فوجب أن يكون قياس اللعان كذلك، وعند أبي حنيفة أنه يلاعن وإن ~~لم ينف الحمل إلا وقت الولادة، وكذلك ما قرب من الولادة ولم يوقت في ذلك ~~وقتا، ووقت صاحباه أبو يوسف ومحمد فقالا: له أن ينفيه ما بين أربعين ليلة ~~من وقت الولادة. # والذين أوجبوا اللعان في وقت الحمل اتفقوا على أن له نفيه في وقت العصمة، ~~واختلفوا في نفيه بعد الطلاق، فذهب مالك إلى أن له ذلك في جميع المدة ms0619 التي ~~يلحق الولد فيها بالفراش، وذلك هو أقصى زمان الحمل عنده وذلك نحو من أربع ~~سنين عنده أو خمس سنين، وكذلك عنده حكم نفي الولد بعد الطلاق إذا لم يزل ~~منكرا له. وبقريب من هذا المعنى قال الشافعي. وقال قوم: ليس له أن ينفي ~~الحمل إلا في العدة فقط وإن نفاه في غير العدة حد وألحق به الولد، فالحكم ~~يجب به عند الجمهور إلى انقضاء أطول مدة الحمل على اختلافهم في ذلك. فإن ~~الظاهرية ترى أن أقصر مدة الحمل التي يجب بها الحكم هو المعتاد من ذلك، وهي ~~التسعة أشهر وما قاربها، ولا اختلاف بينهم أنه يجب الحكم به في مدة العصمة، ~~فما زاد على أقصر مدة الحمل وهي الستة أشهر، أعني أن يولد المولود لستة ~~أشهر من وقت الدخول أو إمكانه. لا من وقت العقد، وشذ أبو حنيفة فقال: من ~~وقت العقد، وإن علم أن الدخول غير ممكن حتى أنه إن تزوج عنده رجل بالمغرب ~~الأقصى امرأة بالمشرق الأقصى فجاءت بولد لرأس ستة أشهر من وقت العقد أنه ~~يلحق به إلا أن ينفيه بلعان، وهو في هذه المسألة ظاهري محض، لأنه إنما ~~اعتمد في ذلك عموم قوله عليه الصلاة والسلام الولد للفراش وهذه المرأة قد ~~صارت فراشا له بالعقد، فكأنه رأى أن هذه عبادة غير معللة، وهذا شئ ضعيف. ~~واختلف قول مالك من هذا الباب في فرع، وهو أنه إذا ادعى أنها زنت واعترف ~~بالحمل فعنه في ذلك ثلاث روايات: إحداها: أنه يحد ويلحق به الولد ولا ~~يلاعن. والثانية: أنه يلاعن وينفي الولد. # والثالثة: أنه يلحق به الولد ويلاعن ليدرأ الحد عن نفسه. وسبب الخلاف: هل ~~يلتفت إلى إثباته مع موجب نفيه وهو دعواه الزنا؟ واختلفوا أيضا من هذا ~~الباب في فرع، وهو إذا أقام الشهود على الزنا هل له أن يلاعن أم لا؟ فقال ~~أبو حنيفة وداود لا يلاعن لان اللعان إنما جعل عوض الشهود لقوله تعالى: * ~~(والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم PageV02P095 # شهداء إلا أنفسهم) الآية. وقال ms0620 مالك والشافعي: يلاعن، لان الشهود لا ~~تأثير لهم في دفع الفراش. # الفصل الثاني: في صفات المتلاعنين وأما صفة المتلاعنين، فإن قوما قالوا: ~~يجوز اللعان بين كل زوجين حرين كانا أو عبدين، أو أحدهما حر والآخر عبد ~~محدودين كانا أو عدلين أو أحدهما، مسلمين كانا أو كان الزوج مسلما والزوجة ~~كتابية، ولا لعان بين كافرين إلا أن يترافعا إلينا، وممن قال بهذا القول ~~مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا لعان إلا بين مسلمين حرين ~~عدلين، وبالجملة فاللعان عندهم إنما يجوز لمن كان من أهل الشهادة. وحجة ~~أصحاب القول الأول عموم قوله تعالى: * (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم ~~شهداء إلا أنفسهم) * ولم يشترط في ذلك شرطا. ومعتمد الحنفية أن اللعان ~~شهادة، فيشترط فيها ما يشترط في الشهادة، إذ قد سماهم الله شهداء لقوله: * ~~(فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) * ويقولون إنه لا يكون لعان إلا بين من ~~يجب عليه الحد في القذف الواقع بينهما. وقد اتفقوا على أن العبد لا يحد ~~بقذفه، وكذلك الكافر، فشبهوا من يجب عليه اللعان بمن يجب في قذفه الحد، إذ ~~كان اللعان إنما وضع لدرء الحد مع نفي النسب. وربما احتجوا بما روى عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله (ص) قال لا لعان بين أربعة: العبدين، ~~والكافرين والجمهور يرون أنه يمين وإن كان يسمى شهادة، فإن أحدا لا يشهد ~~لنفسه، وأما أن الشهادة قد يعبر عنها باليمين فذلك بين في قوله تعالى: * ~~(إذا جاءك المنافقون قالوا) * الآية، ثم قال: # * (اتخذوا أيمانهم جنة) *. وأجمعوا على جواز لعان الأعمى، واختلفوا في ~~الأخرس، فقال مالك والشافعي يلاعن الأخرس إذا فهم عنه، وقال أبو حنيفة: لا ~~يلاعن لأنه ليس من أهل الشهادة. وأجمعوا على أن من شرطه العقل والبلوغ. # الفصل الثالث: في صفة اللعان فأما صفة اللعان فمتقاربة عند جمهور ~~العلماء، وليس بينهم في ذلك كبير خلاف، وذلك على ظاهر ما تقتضيه ألفاظ ~~الآية، فيحلف الزوج أربع شهادات بالله لقد رأيتها تزني وأن ذلك الحمل ليس ms0621 ~~مني، ويقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تشهد هي ~~أربع شهادات بنقيض ما شهد هو به ثم تخمس بالغضب، هذا كله متفق عليه. # واختلف الناس هل يجوز أن يبدل مكان اللعنة الغضب، ومكان الغضب اللعنة، ~~ومكان PageV02P096 # أشهد أقسم، ومكان قوله بالله غيره من أسمائه؟ والجمهور على أنه لا يجوز ~~من ذلك إلا ما نص عليه من هذه الألفاظ أصله عدد الشهادات وأجمعوا على أن ~~شرط صحته أن يكون بحكم حاكم. # الفصل الرابع: في حكم نكول أحدهما أو رجوعه فأما إذا نكل الزوج فقال ~~الجمهور: إنه يحد، وقال أبو حنيفة: إنه لا يحد، ويحبس وحجة الجمهور عموم ~~قوله تعالى: * (والذين يرمون المحصنات) * الآية، وهذا عام في الأجنبي ~~والزوج، وقد جعل الالتعان للزوج مقام الشهود، فوجب إذا نكل أن يكون بمنزلة ~~من قذف ولم يكن له شهود: أعني أنه يحد، وما جاء أيضا من حديث ابن عمر وغيره ~~في قصة العجلاني من قوله عليه الصلاة والسلام إن قتلت قتلت، وإن نطقت جلدت، ~~وإن سكت سكت على غيظ. واحتج الفريق الثاني بأن آية اللعان لم تتضمن إيجاب ~~الحد عليه عند النكول والتعريض لايجابه زيادة في النص، والزيادة عندهم نسخ، ~~والنسخ لا يجوز بالقياس ولا بأخبار الآحاد، قالوا: وأيضا لو وجب الحد لم ~~ينفعه الالتعان ولا كان له تأثير في إسقاطه، لان الالتعان يمين فلم يسقط به ~~الحد عن الأجنبي، فكذلك الزوج. والحق أن الالتعان يمين مخصوصة، فوجب أن ~~يكون لها حكم مخصوص، وقد نص على المرأة أن اليمين يدرأ عنها العذاب، ~~فالكلام فيما هو العذاب الذي يندرئ عنها باليمين، وللاشتراك الذي في اسم ~~العذاب اختلفوا أيضا في الواجب عليها إذا نكلت، فقال الشافعي ومالك وأحمد ~~والجمهور: إنها تحد، وحدها الرجم إن كان دخل بها ووجدت فيها شروط الاحصان، ~~وإن لم يكن دخل بها فالجلد. وقال أبو حنيفة: إذا نكلت وجب عليها الحبس حتى ~~تلاعن، وحجته قوله عليه الصلاة والسلام لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ~~ثلاث: زنى ms0622 بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفس بغير نفس وأيضا فإن سفك ~~الدم بالنكول حكم ترده الأصول، فإنه إذا كان كثير من الفقهاء لا يوجبون غرم ~~المال بالنكول فكان بالحري أن يجب بذلك سفك الدماء. # وبالجملة فقاعدة الدماء مبناها في الشرع على أنها لا تراق إلا بالبينة ~~العادلة أو بالاعتراف. ومن الواجب ألا تخصص هذه القاعدة بالاسم المشترك، ~~فأبو حنيفة في هذه المسألة أولى بالصواب إن شاء الله. وقد اعترف أبو ~~المعالي في كتابه البرهان بقوة أبي حنيفة في هذه المسألة وهو شافعي. ~~واتفقوا على أنه إذا أكذب نفسه حد وألحق به الولد إن كان نفى ولدا. ~~واختلفوا هل له أن يراجعها بعد اتفاق جمهورهم على أن الفرقة تجب باللعان، ~~إما بنفسه وإما بحكم حاكم على ما نقوله بعد: فقال مالك والشافعي والثوري ~~وداود وأحمد وجمهور فقهاء الأمصار: إنهما لا يجتمعان أبدا وإن أكذب نفسه، ~~وقال أبو حنيفة وجماعة: إذا أكذب نفسه جلد الحد وكان خاطبا من الخطاب، وقد ~~قال PageV02P097 # قوم: ترد إليه امرأته. وحجة الفريق الأول قول رسول الله (ص) لا سبيل لك ~~عليها ولم يستثن فأطلق التحريم. وحجة القول الثاني أنه إذا أكذب نفسه فقد ~~بطل حكم اللعان، فكما يلحق به الولد كذلك ترد المرأة عليه، وذلك أن السبب ~~الموجب للتحريم إنما هو الجهل بتعيين صدق أحدهما مع القطع بأن أحدهما كاذب، ~~فإذا انكشف ارتفع التحريم . الفصل الخامس: في الاحكام اللازمة لتمام اللعان ~~فأما موجبات اللعان، فإن العلماء اختلفوا من ذلك في مسائل: منها هل تجب ~~الفرقة أم لا؟ وإن وجبت فمتى تجب؟ وهل تجب بنفس اللعان أم بحكم حاكم؟ وإذا ~~وقعت فهل هي طلاق أو فسخ؟ فذهب الجمهور إلى أن الفرقة تقع باللعان لما ~~اشتهر من ذلك في أحاديث اللعان من أن رسول الله (ص) فرق بينهما وقال ابن ~~شهاب فيما رواه مالك عنه: فكانت تلك سنة المتلاعنين، ولقوله (ص): لا سبيل ~~لك عليها. وقال عثمان البتي وطائفة من أهل البصرة: لا يعقب اللعان فرقة، ms0623 ~~واحتجوا بأن ذلك حكم لم تتضمنه آية اللعان، ولا هو صريح في الأحاديث، لان ~~في الحديث المشهور أنه طلقها بحضرة النبي (ص) فلم ينكر ذلك عليه. وأيضا فإن ~~اللعان إنما شرع لدرء حد القذف. فلم يوجب تحريما تشبيها بالبينة، وحجة ~~الجمهور أنه قد وقع بينهما من التقاطع والتباغض والتهاتر وإبطال حدود الله ~~ما أوجب أن لا يجتمعا بعدها أبدا، وذلك أن الزوجية مبناها على المودة ~~والرحمة وهؤلاء قد عدموا ذلك كل العدم، ولا أقل من أن تكون عقوبتهما ~~الفرقة. # وبالجملة فالقبح الذي بينهما غاية القبح. وأما متى تقع الفرقة فقال مالك ~~والليث وجماعة: إنها تقع إذا فرغا جميعا من اللعان. وقال الشافعي: إذا أكمل ~~الزوج لعانه وقعت الفرقة. وقال أبو حنيفة: لا تقع إلا بحكم حاكم، وبه قال ~~الثوري وأحمد. وحجة مالك على الشافعي حديث ابن عمر قال: فرق رسول الله (ص) ~~بين المتلاعنين وقال: حسابكما على الله، أحدهما كاذب، لا سبيل لك عليها وما ~~روي أنه لم يفرق بينهما إلا بعد تمام اللعان. وحجة الشافعي أن لعانها تدرأ ~~به الحد عن نفسها فقط، ولعان الرجل هو المؤثر في نفي النسب، فوجب إن كان ~~للعان تأثير في الفرقة أن يكون لعان الرجل تشبيها بالطلاق. وحجتهما جميعا ~~على أبي حنيفة أن النبي (ص) أخبرهما بوقوع الفرقة عند وقوع اللعان منهما، ~~فدل ذلك على أن اللعان هو سبب الفرقة. وأما أبو حنيفة فيرى أن الفراق إنما ~~نفذ بينهما بحكمه وأمره (ص) بذلك حين قال لا سبيل لك عليها فرأى أن حكمه ~~شرط في وقوع الفرقة كما أن حكمه شرط في صحة اللعان. فسبب الخلاف: بين من ~~رأى أنه تقع به فرقة، وبين من لم ير ذلك أن تفريق النبي (ص) بينهما ليس هو ~~بينا في الحديث المشهور، لأنه بادر بنفسه فطلق قبل أن يخبره بوجوب الفرقة، ~~والأصل أن لا PageV02P098 # فرقة إلا بطلاق، وأنه ليس في الشرع تحريم يتأبد: أعني متفقا عليه، فمن ~~غلب هذا الأصل على المفهوم لاحتماله نفي وجوب الفرقة قال ms0624 بإيجابها. وأما ~~سبب اختلاف من اشترط حكم الحاكم أو لم يشترطه فتردد هذا الحكم بين أن يغلب ~~عليه شبه الاحكام التي يشترط في صحتها حكم الحاكم أو التي لا يشترط ذلك ~~فيها. وأما المسألة الرابعة: # وهي إذا قلنا إن الفرقة تقع فهل ذلك فسخ أو طلاق، فإن القائلين بالفرقة ~~اختلفوا في ذلك، فقال مالك والشافعي: هو فسخ، وقال أبو حنيفة: هو طلاق ~~بائن. وحجة مالك تأبيد التحريم به فأشبه ذات المحرم. # وأما أبو حنيفة فشبهها بالطلاق قياسا على فرقة العنين إذ كانت عنده بحكم ~~حاكم. PageV02P099 # كتاب الاحداد أجمع المسلمون على أن الاحداد واجب على النساء الحرائر ~~المسلمات في عدة الوفاة إلا الحسن وحده. واختلفوا فيما سوى ذلك من الزوجات، ~~وفيما سوى عدة الوفاة، وفيما تمتنع الحادة منه مما لا تمتنع، فقال مالك: ~~الاحداد على المسلمة والكتابية والصغيرة والكبيرة. وأما الأمة يموت عنها ~~سيدها سواء كانت أم ولد أولم تكن فلا إحداد عليها عنده، وبه قال فقهاء ~~الأمصار. وخالف قول مالك المشهور في الكتابية ابن نافع وأشهب، وروياه عن ~~مالك، وبه قال الشافعي: أعني أنه لا إحداد على الكتابية، وقال أبو حنيفة: ~~ليس على الصغيرة ولا على الكتابية إحداد، وقال قوم: ليس على الأمة المزوجة ~~إحداد، وقد حكي ذلك عن أبي حنيفة. فهذا هو اختلافهم المشهور فيمن عليه ~~إحداد من أصناف الزوجات ممن ليس عليه إحداد. وأما اختلافهم من قبل العدد ~~فإن مالكا قال: لا إحداد إلا في عدة الوفاة. وقال أبو حنيفة والثوري: ~~الاحداد في العدة من الطلاق البائن واجب، وأما الشافعي فاستحسنه للمطلقة ~~ولم يوجبه. وأما الفصل الثالث وهو ما تمتنع الحادة منه مما لا تمتنع عنه، ~~فإنها تمتنع عند الفقهاء بالجملة من الزينة الداعية للرجال إلى النساء، ~~وذلك كالحلي والكحل - إلا ما لم تكن فيه زينة - ولباس الثياب المصبوغة إلا ~~السواد، فإنه لم يكره مالك لها لبس السواد، ورخص كلهم في الكحل عند ~~الضرورة، فبعضهم اشترط فيه ما لم يكن فيه زينة، وبعضهم لم يشترطه، وبعضهم ~~اشترط جعله ms0625 بالليل دون النهار. وبالجملة، فأقاويل الفقهاء فيما تجتنب ~~الحادة متقاربة، وذلك ما يحرك الرجال بالجملة إليهن. وإنما صار الجمهور ~~لايجاب الاحداد في الجملة لثبوت السنة بذلك عن رسول الله (ص). فمنها حديث ~~أم سلمة زوج النبي عليه الصلاة والسلام أن امرأة جاءت إلى رسول الله (ص) ~~فقالت: يا رسول الله.. إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينيها ~~أفتكتحلهما، فقال رسول الله (ص): لا، مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول لها لا، ~~ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن ترمى بالبعرة على رأس ~~الحول. # وقال أبو محمد فعلى هذا الحديث يجب التعويل على القول بإيجاب الاحداد. ~~وأما حديث أم حبيبة حين دعت بالطيب فمسحت به عارضيها، ثم قالت: والله ما لي ~~به من حاجة غير أني سمعت رسول الله (ص) يقول لا يحل لامرأة مؤمنة تؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت PageV02P100 # فوق ثلاث ليال، إلا على زواج أربعة أشهر وعشرا فليس فيه حجة، لأنه ~~استثناء من حظر فهو يقتضي الإباحة دون الايجاب. وكذلك حديث زينب بنت جحش. ~~قال القاضي: وفي الامر إذا ورد بعد الحظر خلاف بين المتكلمين: أعني هل ~~يقتضي الوجوب أو الإباحة. # وسبب الخلاف: بين من أوجبه على المسلمة دون الكافرة أن من رأى أن الاحداد ~~عبادة لم يلزمه الكافرة، ومن رأى أنه معنى معقول، وهو تشوف الرجال إليها ~~وهي إلى الرجال، سوى بين الكافرة والمسلمة، ومن راعى تشوف الرجال دون تشوف ~~النساء فرق بين الصغيرة والكبيرة إذا كانت الصغيرة لا يتشوف الرجال إليها، ~~ومن حجة من أوجبه على المسلمات دون الكافرات قوله عليه الصلاة والسلام لا ~~يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد إلا على زوج قال: وشرطه الايمان ~~في الاحداد يقتضي أنه عبادة. وأما من فرق بين الأمة والحرة وكذلك الكتابية، ~~فلانه زعم أن عدة الوفاة أوجبت شيئين باتفاق: أحدهما: الاحداد، والثاني: ~~ترك الخروج، فلما سقط ترك الخروج عن الأمة بتبذلها والحاجة إلى استخدامها ~~سقط عنها منع الزينة. وأما اختلافهم ms0626 في المكاتبة فمن قبل ترددها بين الحرة ~~والأمة، وأما الأمة بملك اليمين وأم الولد، فإنما صار الجمهور إلى اسقاط ~~الاحداد عنها لقوله عليه الصلاة والسلام لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم ~~الآخر أن تحد إلا على زوج فعلم بدليل الخطاب أن من عدا ذات الزوج لا يجب ~~عليها إحداد، ومن أوجبه على المتوفى عنها زوجها دون المطلقة تعلق بالظاهر ~~المنطوق به، ومن ألحق المطلقات بهن فمن طريق المعنى، وذلك أنه يظهر من معنى ~~الاحداد أن المقصود به أن لا تتشوف إليها الرجال في العدة ولا تتشوف هي ~~إليهم. وذلك سدا للذريعة لمكان حفظ الأنساب، والله أعلم. كمل كتاب الطلاق ~~والحمد لله على آلائه، والشكر على نعمه، ويتلوه كتاب البيوع إن شاء الله ~~تعالى. PageV02P101 # كتاب البيوع الكلام في البيوع ينحصر في خمس جمل: في معرفة أنواعها. وفي ~~معرفة شروط الصحة في واحد واحد منها. وفي معرفة شروط الفساد. وفي معرفة ~~أحكام البيوع الصحيحة. وفي معرفة أحكام البيوع الفاسدة. فنحن نذكر أنواع ~~البيوع المطلقة، ثم نذكر شروط الفساد والصحة في واحد واحد منها. وأحكام ~~بيوع الصحة، وأحكام البيوع الفاسدة. ولما كانت أسباب الفساد والصحة في ~~البيوع منها عامة لجميع أنواع البيوع أو لأكثرها، ومنها خاصة، وكذلك الامر ~~في أحكام الصحة والفساد اقتضى النظر الصناعي أن نذكر المشترك في هذه ~~الأصناف الأربعة: أعني العام من أسباب الفساد وأسباب الصحة وأحكام الصحة ~~وأحكام الفساد لجميع البيوع، ثم نذكر الخاص من هذه الأربعة بواحد واحد من ~~البيوع، فينقسم هذا الكتاب باضطرار إلى ستة أجزاء: الجزء الأول: تعرف فيه ~~أنواع البيوع المطلقة. والثاني: تعرف فيه أسباب الفساد العامة في البيوع ~~المطلقة أيضا: أعني في كلها أو أكثرها إذ كانت أعرف من أسباب الصحة. ~~الثالث: تعرف فيه أسباب الصحة في البيوع المطلقة أيضا. الرابع: نذكر فيه ~~أحكام البيوع الصحيحة، أعني الأحكام المشتركة لكل البيوع الصحيحة أو ~~لأكثرها. الخامس: نذكر فيه أحكام البيوع الفاسدة المشتركة: أعني إذا وقعت. ~~السادس: نذكر فيه نوعا نوعا من البيوع بما يخصه من ms0627 الصحة والفساد وأحكامها. # الجزء الأول إن كل معاملة وجدت بين اثنين، فلا يخلو أن تكون عينا بعين، ~~أو عينا بشئ في الذمة، أو ذمة بذمة، وكل واحد من هذه الثلاث إما نسيئة وإما ~~ناجز، وكل واحد من هذه أيضا إما ناجز من الطرفين وإما نسيئة من الطرفين، ~~وإما ناجز من الطرف الواحد نسيئة من الطرف الآخر، فتكون أنواع البيوع تسعة. ~~فأما النسيئة من الطرفين فلا يجوز بإجماع لا في العين ولا في الذمة لأنه ~~الدين بالدين المنهي عنه. وأسماء هذه البيوع منها ما يكون من قبل صفة العقد ~~وحال العقد، ومنها ما يكون من قبل صفة العين المبيعة، وذلك أنها إذا كانت ~~عينا بعين فلا تخلو أن تكون ثمنا بمثمون أو ثمنا بثمن، فإن كانت ثمنا بثمن ~~سمي صرفا، وإن كانت ثمنا بمثمون سمي بيعا مطلقا وكذلك مثمونا بمثمون على ~~الشروط التي تقال بعد، وإن كان عينا بذمة سمي سلما، وإن كان على الخيار سمي ~~بيع خيار، وإن كان على المرابحة سمي بيع مرابحة. وإن كان على المزايدة سمي ~~بيع مزايدة. PageV02P102 # الجزء الثاني وإذا اعتبرت الأسباب التي من قبلها ورد النهي الشرعي في ~~البيوع، وهي أسباب الفساد العامة وجدت أربعة: أحدها: تحريم عين المبيع. ~~والثاني: الربا. # والثالث: الغرر. والرابع: الشروط التي تؤول إلى أحد هذين أو لمجموعهما. ~~وهذه الأربعة هي بالحقيقة أصول الفساد، وذلك أن النهي إنما تعلق فيها ~~بالبيع من جهة ما هو بيع لا لأمر من خارج. وأما التي ورد النهي فيها لأسباب ~~من خارج. فمنها الغش ومنها الضرر، ومنها لمكان الوقت المستحق بما هو أهم ~~منه، ومنها لأنها محرمة البيع، ففي هذا الجزء أبواب: # الباب الأول: في الأعيان المحرمة البيع وهذه على ضربين: نجاسات، وغير ~~نجاسات. فأما بيع النجاسات فالأصل في تحريمها حديث جابر، ثبت في الصحيحين ~~قال: قال رسول الله (ص) إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير ~~والأصنام، فقيل: يا رسول الله.. أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ~~ويستصبح بها؟ فقال: لعن الله ms0628 اليهود.. حرمت الشحوم عليهم فباعوها وأكلوا ~~أثمانها وقال في الخمر إن الذي حرم شربها حرم بيعها والنجاسات على ضربين: ~~ضرب اتفق المسلمون على تحريم بيعها وهي الخمر وأنها نجسة، إلا خلافا شاذا ~~في الخمر: أعني في كونها نجسة، والميتة بجميع أجزائها التي تقبل الحياة، ~~وكذلك الخنزير بجميع أجزائه التي تقبل الحياة. واختلف في الانتفاع بشعره، ~~فأجازه ابن القاسم ومنعه أصبغ. وأما القسم الثاني: وهي النجاسات التي تدعو ~~الضرورة إلى استعمالها كالرجيع والزبل الذي يتخذ في البساتين، فاختلف في ~~بيعها في المذهب فقيل بمنعها مطلقا، وقيل بإجازتها مطلقا، وقيل بالفرق بين ~~العذرة والزبل: أعني إباحة الزبل ومنع العذرة. واختلفوا فيما يتخذ من أنياب ~~الفيل لاختلافهم هل هو نجس أم لا؟ فمن رأى أنه ناب جعله ميتة، ومن رأى أنه ~~قرن معكوس جعل حكمه حكم القرن، والخلاف فيه في المذهب. وأما ما حرم بيعه ~~مما ليس بنجس أو مختلف في نجاسته، فمنها الكلب والسنور. أما الكلب فاختلفوا ~~في بيعه، فقال الشافعي: لا يجوز بيع الكلب أصلا. وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك. ~~وفرق أصحاب مالك بين كلب الماشية والزرع المأذون في اتخاذه وبين ما لا يجوز ~~اتخاذه، فاتفقوا على أن ما لا يجوز اتخاذه لا يجوز بيعه للانتفاع به ~~وإمساكه. فأما من أراده للأكل فاختلفوا فيه، فمن أجاز أكله أجاز بيعه، ومن ~~لم يجزه على رواية ابن حبيب لم يجز بيعه. واختلفوا أيضا في المأذون في ~~اتخاذه، فقيل هو حرام، وقيل مكروه. فأما الشافعي فعمدته شيئان: أحدهما: ~~ثبوت النهي الوارد عن ثمن الكلب عن النبي (ص). والثاني: أن الكلب عنده نجس ~~العين كالخنزير، وقد ذكرنا دليله في ذلك في كتاب الطهارة. وأما من أجاز ~~فعمدته أنه طاهر العين غير محرم الأكل، PageV02P103 # فجاز بيعه كالأشياء الطاهرة العين، وقد تقدم أيضا في كتاب الطهارة ~~استدلال من رأى أنه طاهر العين، وفي كتاب الأطعمة استدلال من رأى أنه حلال. ~~ومن فرق أيضا فعمدته أنه غير مباح الأكل ولا مباح الانتفاع به، إلا ما ~~استثناه الحديث من ms0629 كلب الماشية أو كلب الزرع وما في معناه، ورويت أحاديث ~~غير مشهورة اقترن فيها بالنهي عن ثمن الكلب استثناء أثمان الكلاب المباحة ~~الاتخاذ. وأما النهي عن ثمن السنور فثابت، ولكن الجمهور على إباحته لأنه ~~طاهر العين مباح المنافع. فسبب اختلافهم: في الكلاب تعارض الأدلة. ومن هذا ~~الباب اختلافهم في بيع الزيت النجس وما ضارعه بعد اتفاقهم على تحريم أكله، ~~فقال مالك: لا يجوز بيع الزيت النجس، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ~~يجوز إذا بين، وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك. وحجة من حرمه حديث جابر ~~المتقدم أنه سمع رسول الله (ص) عام الفتح يقول: إن الله ورسوله حرما الخمر ~~والميتة والخنزير وعمدة من أجازه أنه إذا كان في الشئ أكثر من منفعة واحدة ~~وحرم منه واحدة من تلك المنافع أنه ليس يلزمه أن يحرم منه سائر المنافع، ~~ولا سيما إذا كانت الحاجة إلى المنفعة غير المحرمة كالحاجة إلى المحرمة، ~~فإذا كان الأصل هذا يخرج منه الخمر والميتة والخنزير وبقيت سائر محرمات ~~الأكل على الإباحة: أعني أنه إن كان فيها منافع سوى الأكل فبيعت لهذا جاز. ~~ورووا عن علي وابن عباس وابن عمر أنهم أجازوا بيع الزيت النجس ليستصبح به، ~~وفي مذهب مالك جواز الاستصباح به وعمل الصابون مع تحريم بيعه، وأجاز ذلك ~~الشافعي أيضا مع تحريم ثمنه، وهذا كله ضعيف، وقد قيل إن في المذهب رواية ~~أخرى تمنع الاستصباح به وهو ألزم للأصل: أعني لتحريم البيع. # واختلف أيضا في المذهب في غسله وطبخه هل هو مؤثر في عين النجاسة ومزيل ~~لها على قولين: أحدهما: جواز ذلك، والآخر: منعه، وهما مبنيان على أن الزيت ~~إذا خالطته النجاسة هل نجاسته نجاسة عين أو نجاسة مجاورة؟ فمن رآه نجاسة ~~مجاورة طهره عند الغسل والطبخ، ومن رآه نجاسة عين لم يطهره عند الطبخ ~~والغسل. # ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب اختلافهم في جواز بيع لبن الآدمية إذا ~~حلب، فمالك والشافعي يجوزانه، وأبو حنيفة لا يجوزه وعمدة من أجاز بيعه أنه ~~لبن أبيح ms0630 شربه فأبيح بيعه قياسا على لبن سائر الانعام. وأبو حنيفة يرى أن ~~تحليله إنما هو لمكان ضرورة الطفل إليه، وأنه في الأصل محرم، إذ لحم ابن ~~آدم محرم، والأصل عندهم أن الألبان تابعة للحوم، فقالوا في قياسهم هكذا ~~الانسان حيوان لا يؤكل لحمه، فلم يجز بيع لبنه أصله لبن الخنزير والأتان. ~~فسبب اختلافهم في هذا الباب: تعارض أقيسة الشبه، وفروع هذا الباب كثيرة، ~~وإنما نذكر من المسائل في كل باب المشهور ليجري ذلك مجرى الأصول. # الباب الثاني: في بيوع الربا واتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين: ~~في البيع، وفيما تقرر في الذمة من بيع PageV02P104 # أو سلف أو غير ذلك. فأما الربا فيما تقرر في الذمة فهو صنفان: صنف متفق ~~عليه وهو ربا الجاهلية الذي نهي عنه، وذلك أنهم كانوا يسلفون بالزيادة ~~وينظرون فكانوا يقولون: # أنظرني أزدك، وهذا هو الذي عناه عليه الصلاة والسلام بقوله في حجة الوداع ~~ألا وإن ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب ~~والثاني ضع وتعجل وهو مختلف فيه وسنذكره فيما بعد. وأما الربا في البيع فإن ~~العلماء أجمعوا على أنه صنفان: # نسيئة وتفاضل، إلا ما روي عن ابن عباس من إنكاره الربا في التفاضل لما ~~رواه عن النبي (ص) أنه قال لا ربا إلا في النسيئة وإنما صار جمهور الفقهاء ~~إلى أن الربا في هذين النوعين لثبوت ذلك عنه (ص). والكلام في الربا ينحصر ~~في أربعة فصول: الفصل الأول: # في معرفة الأشياء التي لا يجوز فيها التفاضل، ولا يجوز فيها النساء، ~~وتبيين علة ذلك. # الثاني: معرفة الأشياء التي يجوز فيها التفاضل ولا يجوز فيها النساء. ~~الثالث: في معرفة ما يجوز فيه الأمران جميعا. الرابع: في معرفة ما يعد صنفا ~~واحدا مما لا يعد صنفا واحدا. # الفصل الأول: في معرفة الأشياء التي لا يجوز فيها التفاضل ولا يجوز فيها ~~النساء وتبيين علة ذلك فنقول: أجمع العلماء على أن التفاضل والنساء مما لا ~~يجوز واحد منهما في الصنف الواحد من الأصناف التي ms0631 نص عليها في حديث عبادة ~~بن الصامت، إلا ما حكي عن ابن عباس، وحديث عبادة هو قال: سمعت رسول الله ~~(ص) ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير ~~والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين، فمن زاد أو ازداد ~~فقد أربى فهذا الحديث نص في منع التفاضل في الصنف الواحد من هذه الأعيان. ~~وأما منع النسيئة فيها فثابت من غير ما حديث، أشهرها حديث عمر بن الخطاب ~~قال: # قال رسول الله (ص) الذهب بالذهب ربا، إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا ~~هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء ~~وهاء فتضمن حديث عبادة منع التفاضل في الصنف الواحد، وتضمن أيضا حديث عبادة ~~منع النساء في الصنفين من هذه، وإباحة التفاضل، وذلك في بعض الروايات ~~الصحيحة، وذلك أن فيها بعد ذكره منع التفاضل في تلك الستة وبيعوا الذهب ~~بالورق كيف شئتم يدا بيد والبر بالشعير كيف شئتم يدا بيد وهذا كله متفق ~~عليه من الفقهاء إلا البر بالشعير. واختلفوا فيما سوى هذه الستة المنصوص ~~عليها، فقال قوم منهم أهل الظاهر: إنما يمتنع التفاضل في صنف صنف من هذه ~~الأصناف الستة فقط، وأن ما عداها لا يمتنع في الصنف الواحد منها التفاضل، ~~وقال هؤلاء أيضا: إن النساء ممتنع في هذه الستة فقط اتفقت الأصناف أو ~~اختلفت، وهذا أمر متفق عليه: أعني امتناع النساء فيها مع اختلاف الأصناف، ~~إلا ما حكي عن ابن علية أنه قال: إذا اختلف الصنفان جاز التفاضل والنسيئة ~~ما عدا الذهب والفضة. فهؤلاء جعلوا النهي المتعلق بأعيان هذه الستة من ~~PageV02P105 # باب الخاص أريد به الخاص. وأما الجمهور من فقهاء الأمصار، فإنهم اتفقوا ~~على أنه من باب الخاص أريد به العام، واختلفوا في المعنى العام الذي وقع ~~التنبيه عليه بهذه الأصناف: # أعني في مفهوم علة التفاضل ومنع النساء فيها. فالذي استقر عليه حذاق ~~المالكية أن سبب منع التفاضل أما في الأربعة، فالصنف الواحد من المدخر ~~المقتات، وقد قيل ms0632 الصنف الواحد المدخر وإن لم يكن مقتاتا. ومن شرط الادخار ~~عندهم أن يكون في الأكثر، وقال بعض أصحابه: الربا في الصنف المدخر وإن كان ~~نادر الادخار. وأما العلة عندهم في منع التفاضل في الذهب والفضة فهو الصنف ~~الواحد أيضا مع كونهما رؤوسا للأثمان وقيما للمتلفات، وهذه العلة هي التي ~~تعرف عندهم بالقاصرة، لأنها ليست موجودة عندهم في غير الذهب والفضة. أما ~~علة منع النساء عند المالكية في الأربعة المنصوص عليها فهو الطعم والادخار ~~دون اتفاق الصنف، ولذلك إذا اختلفت أصنافها جاز عندهم التفاضل دون النسيئة، ~~ولذلك يجوز التفاضل عندهم في المطعومات التي ليست مدخرة أعني في الصنف ~~الواحد منها، ولا يجوز النساء. أما جواز التفاضل، فلكونها ليست مدخرة، وقد ~~قيل إن الادخار شرط في تحريم التفاضل في الصنف الواحد. وأما منع النساء ~~فيها فلكونها مطعومة مدخرة، وقد قلنا إن الطعم بإطلاق علة لمنع النساء في ~~المطعومات. وأما الشافعية فعلة منع التفاضل عندهم في هذه الأربعة هو الطعم ~~فقط مع اتفاق الصنف الواحد. وأما علة النساء فالطعم دون اعتبار الصنف مثل ~~قول مالك، وأما الحنفية فعلة منع التفاضل عندهم في الستة واحدة وهو الكيل ~~أو الوزن مع اتفاق الصنف، وعلة النساء فيها اختلاف الصنف ما عدا النحاس ~~والذهب، فإن الاجماع انعقد على أنه يجوز فيها النساء، ووافق الشافعي مالكا ~~في علة منع التفاضل والنساء في الذهب والفضة، أعني أن كونهما رؤوسا للأثمان ~~وقيما للمتلفات هو عندهم علة مع النسيئة إذا اختلف الصنف، فإذا اتفقا منع ~~التفاضل. والحنفية تعتبر في المكيل قدرا يتأتى فيه الكيل، وسيأتي أحكام ~~الدنانير والدراهم بما يخصها في كتاب الصرف، وأما ههنا فالمقصود هو تبيين ~~مذاهب الفقهاء في علل الربا المطلق في هذه الأشياء، وذكر عمدة دليل كل فريق ~~منهم، فنقول: إن الذين قصروا صنف الربا على هذه الأصناف الستة فهم أحد ~~صنفين: إما قوم نفوا القياس في الشرع: أعني استنباط العلل من الألفاظ وهم ~~الظاهرية، وإما قوم نفوا قياس الشبه وذلك أن جميع من ألحق المسكوت عنه ms0633 ههنا ~~بالمنطوق به، فإنما ألحقه بقياس الشبه لا بقياس العلة، إلا ما حكي عن ابن ~~الماجشون أنه اعتبر في ذلك المالية وقال: علة منع الربا إنما هي حياطة ~~الأموال، يريد منع العين. وأما القاضي أبو بكر الباقلاني فلما كان قياس ~~الشبه عنده ضعيفا، وكان قياس المعنى عنده أقوى منه اعتبر في هذا الموضع ~~قياس المعنى، إذ لم يتأت له قياس علة، فألحق الزبيب فقط بهذه الأصناف ~~الأربعة، لأنه زعم أنه في معنى التمر. ولكل واحد من هؤلاء: أعني من ~~القائلين دليل في استنباط الشبه الذي اعتبره في إلحاق المسكوت PageV02P106 # عنه بالمنطوق به من هذه الأربعة. أما الشافعية فإنهم قالوا في تثبيت ~~علتهم الشبهية: إن الحكم إذا علق باسم مشتق دل على أن ذلك المعنى الذي اشتق ~~منه الاسم هو علة الحكم مثل قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما) * فلما علق الحكم بالاسم المشتق وهو السارق علم أن الحكم متعلق ~~بنفس السرقة. قالوا: وإذا كان هذا هكذا، وكان قد جاء من حديث سعيد بن عبد ~~الله أنه قال: كنت أسمع رسول الله (ص) يقول: الطعام بالطعام مثلا بمثل فمن ~~البين أن الطعم هو الذي علق به الحكم. وأما المالكية فإنها زادت على الطعم ~~إما صفة واحدة وهو الادخار على ما في الموطأ، وإما صفتين وهو الادخار ~~والاقتيات على ما اختاره البغداديون وتمسكت في استنباط هذه العلة بأنه لو ~~كان المقصود الطعم وحده لاكتفي بالتنبيه على ذلك بالنص على واحد من تلك ~~الأربعة الأصناف المذكورة، فلما ذكر منها عددا علم أنه قصد بكل واحد منها ~~التنبيه على ما في معناه، وهي كلها يجمعها الاقتيات والادخار، أما البر ~~والشعير فنبه بهما على أصناف الحبوب المدخرة، ونبه بالتمر على جميع أنواع ~~الحلاوات المدخرة كالسكر والعسل والزبيب، ونبه بالملح على جميع التوابل ~~المدخرة لاصلاح الطعام، وأيضا فإنهم قالوا: لما كان معقول المعنى في الربا ~~إنما هو أن لا يغبن بعض الناس بعضا وأن تحفظ أموالهم، فواجب أن يكون ذلك في ~~أصول المعايش وهي الأقوات. وأما ms0634 الحنفية فعمدتهم في اعتبار المكيل والموزون ~~أنه (ص) لما علق التحليل باتفاق الصنف واتفاق القدر، وعلق التحريم باتفاق ~~الصنف واختلاف القدر في قوله (ص) لعامله بخيبر من حديث أبي سعيد وغيره إلا ~~كيلا بكيل يدا بيد رأوا أن التقدير أعني الكيل أو الوزن هو المؤثر في الحكم ~~كتأثير الصنف، وربما احتجوا بأحاديث ليست مشهورة فيها تنبيه قوي على اعتبار ~~الكيل أو الوزن. منها أنهم رووا في بعض الأحاديث المتضمنة المسميات المنصوص ~~عليها في حديث عبادة زيادة، وهي كذلك ما يكال ويوزن. وفي بعضها: وكذلك ~~المكيال والميزان، هذا نص لو صحت الأحاديث، ولكن إذا تؤمل الامر من طريق ~~المعنى ظهر - والله أعلم - أن علتهم أولى العلل، وذلك أنه يظهر من الشرع أن ~~المقصود بتحريم الربا إنما هو لمكان الغبن الكثير الذي فيه، وأن العدل في ~~المعاملات إنما هو مقاربة التساوي ولذلك لما عسر إدراك التساوي في الأشياء ~~المختلفة الذوات جعل الدينار والدرهم لتقويمها: # أعني تقديرها، ولما كانت الأشياء المختلفة الذوات: أعني غير الموزونة ~~والمكيلة العدل فيها إنما هو في وجود النسبة، أعني أن تكون نسبة قيمة أحد ~~الشيئين إلى جنسه نسبة قيمة الشئ الآخر إلى جنسه، مثال ذلك أن العدل إذا ~~باع انسان فرسا بثياب هو أن تكون نسبة قيمة ذلك الفرس إلى الأفراس هي نسبة ~~قيمة ذلك الثوب إلى الثياب، فإن كان ذلك الفرس قيمته PageV02P107 # خمسون فيجب أن تكون تلك الثياب قيمتها خمسون، فليكن مثلا الذي يساوي هذا ~~القدر عددها هو عشر أثواب، فإذا اختلاف هذه المبيعات بعضها ببعض في العدد ~~واجبة في المعاملة العدالة، أعني أن يكون عديل فرس عشرة أثواب في المثل. ~~وأما الأشياء المكيلة والموزونة، فلما كانت ليست تختلف كل الاختلاف، وكانت ~~منافعها متقاربة ولم تكن حاجة ضرورية لمن كان عنده منها صنف أن يستبدله ~~بذلك الصنف بعينه إلا على جهة السرف كان العدل في هذا إنما هو بوجود ~~التساوي في الكيل أو الوزن إذ كانت لا تتفاوت في المنافع، وأيضا فإن منع ~~التفاضل في هذه الأشياء ms0635 يوجب أن لا يقع فيها تعامل لكون منافعها غير ~~مختلفة، والتعامل إنما يضطر إليه في المنافع المختلفة، فإذا منع التفاضل في ~~هذه الأشياء، أعني المكيلة والموزونة علتان: إحداهما: # وجود العدل فيها، والثاني: منع المعاملة إذا كانت المعاملة بها من باب ~~السرف. وأما الدينار والدرهم فعلة المنع فيها أظهر إذ كانت هذه ليس المقصود ~~منها الربح، وإنما المقصود بها تقدير الأشياء التي لها منافع ضرورية. وروى ~~مالك عن سعيد بن المسيب أنه كان يعتبر في علة الربا في هذه الأصناف الكيل ~~والطعم، وهو معنى جيد لكون الطعم ضروريا في أوقات الناس، فإنه يشبه أن يكون ~~حفظ العين وحفظ السرف فيما هو قوت أهم منه فيما ليس هو قوتا. وقد روي عن ~~بعض التابعين أنه اعتبر في الربا الأجناس التي تجب فيها الزكاة، وعن بعضهم ~~الانتفاع مطلقا: أعني المالية، وهو مذهب أين الماجشون. # الفصل الثاني: في معرفة الأشياء التي يجوز فيها التفاضل ولا يجوز فيها ~~النساء فيجب من هذا أن تكون علة امتناع النسيئة في الربويات هي الطعم عند ~~مالك والشافعي. وأما في غير الربويات مما ليس بمطعوم، فإن علة منع النسيئة ~~فيه عند مالك هو الصنف الواحد المتفق المنافع مع التفاضل، وليس عند الشافعي ~~نسيئة في غير الربويات. وأما أبو حنيفة فعلة منع النساء عنده هو الكيل في ~~الربويات، وفي غير الربويات الصنف الواحد متفاضلا كان أو غير متفاضل، وقد ~~يظهر من ابن القاسم عن مالك أنه يمنع النسيئة في هذه، لأنه عنده من باب ~~السلف الذي يجر منفعة. # الفصل الثالث: في معرفة ما يجوز فيه الأمران جميعا وأما ما يجوز فيه ~~الأمران جميعا: # أعني التفاضل والنساء، فما لم يكن ربويا عند الشافعي. # وأما عند مالك فما لم يكن ربويا ولا كان صنفا واحدا متماثلا أو صنفا ~~واحدا بإطلاق على مذهب أبي حنيفة، ومالك يعتبر في الصنف المؤثر في التفاضل ~~في الربويات، وفي النساء في غير الربويات اتفاق المنافع واختلافها، فإذا ~~اختلفت جعلها صنفين، وإن كان الاسم واحدا، وأبو حنيفة يعتبر ms0636 الاسم وكذلك ~~الشافعي، وإن كان الشافعي ليس الصنف PageV02P108 # عنده مؤثرا إلا في الربويات فقط: أعني أنه يمنع التفاضل فيه، وليس هو ~~عنده علة للنساء أصلا. فهذا هو تحصيل مذاهب هؤلاء الفقهاء الثلاثة في هذه ~~الفصول الثلاث. فأما الأشياء التي لا تجوز فيها النسيئة فإنها قسمان: منها ~~ما لا يجوز فيها التفاضل وقد تقدم ذكرها، ومنها ما يجوز فيها التفاضل. فأما ~~الأشياء التي لا يجوز فيها التفاضل فعلة امتناع النسيئة فيها هو الطعم عند ~~مالك، وعند الشافعي الطعم فقط، وعند أبي حنيفة معلومات الكيل والوزن، فإذا ~~اقترن بالطعم اتفاق الصنف حرم التفاضل عند الشافعي، وإذا اقترن وصف ثالث ~~وهو الادخار حرم التفاضل عند مالك، وإذا اختلف الصنف جاز التفاضل وحرمت ~~النسيئة. وأما الأشياء التي ليس يحرم التفاضل فيها عند مالك فإنها صنفان: ~~إما مطعومة، وإما غير مطعومة. فأما المطعومة فالنساء عنده لا يجوز فيها. ~~وعلة المنع الطعم، وأما غير المطعومة فإنه لا يجوز فيها النساء عنده فيما ~~اتفقت منافعه مع التفاضل، فلا يجوز عنده شاة واحدة بشاتين إلى أجل إلا أن ~~تكون إحداهما حلوبة والأخرى أكولة، هذا هو المشهور عنه، وقد قيل إنه يعتبر ~~اتفاق المنافع دون التفاضل فعلى هذا لا يجوز عنده شاة حلوبة بشاة حلوبة إلى ~~أجل. فأما إذا اختلفت المنافع فالتفاضل والنسيئة عنده جائزان وإن كان الصنف ~~واحدا، وقيل يعتبر اتفاق الأسماء مع اتفاق المنافع، والأشهر أن لا يعتبر، ~~وقد قيل يعتبر. # وأما أبو حنيفة فالمعتبر عنده في منع النساء ما عدا التي لا يجوز عنده ~~فيها التفاضل هو اتفاق الصنف اتفقت المنافع أو اختلفت، فلا يجوز عنده شاة ~~بشاة ولا بشاتين نسيئة وإن اختلفت منافعها. وأما الشافعي فكل ما لا يجوز ~~التفاضل عنده في الصنف الواحد يجوز فيه النساء، فيجيز شاة بشاتين نسيئة ~~ونقدا، وكذلك شاة بشاة، ودليل الشافعي حديث عمرو بن العاص أن رسول الله (ص) ~~أمره أن يأخذ في قلائص الصدقة البعير بالبعيرين إلى الصدقة قالوا فهذا ~~التفاضل في الجنس الواحد مع النساء. وأما الحنفية ms0637 فاحتجت بحديث الحسن عن ~~سمرة أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الحيوان بالحيوان قالوا: وهذا يدل على ~~تأثير الجنس على الانفراد في النسيئة. وأما مالك فعمدته في مراعاة منع ~~النساء عند اتفاق الأغراض سد الذريعة، وذلك أنه لا فائدة في ذلك إلا أن ~~يكون من باب سلف يجر نفعا وهو يحرم، وقد قيل عنه إنه أصل بنفسه، وقد قيل عن ~~الكوفيين إنه لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة اختلف الجنس أو اتفق على ~~ظاهر حديث سمرة، فكأن الشافعي ذهب مذهب الترجيح لحديث عمرو بن العاص، ~~والحنفية لحديث سمرة مع التأويل له، لان ظاهره يقتضي أن لا يجوز الحيوان ~~بالحيوان نسيئة اتفق الجنس أو اختلف، وكأن مالكا ذهب مذهب الجمع، فحمل حديث ~~سمرة على اتفاق الاعراض. وحديث عمرو بن العاص على اختلافهما. وسماع الحسن ~~من سمرة مختلف فيه، ولكن صححه الترمذي، ويشهد لمالك ما رواه الترمذي عن ~~جابر قال: قال رسول الله (ص) الحيوان اثنان بواحد لا يصلح PageV02P109 # النساء ولا بأس به يدا بيد وقال ابن المنذر: ثبت: أن رسول الله (ص) اشترى ~~عبدا بعبدين أسودين، واشترى جارية بسبعة أرؤس وعلى هذا الحديث يكون بيع ~~الحيوان بالحيوان يشبه أن يكون أصلا بنفسه لا من قبل سد ذريعة. واختلفوا ~~فيما لا يجوز بيعه نساء، هل من شرطه التقابض في المجلس قبل الافتراق في ~~سائر الربويات بعد اتفاقهم في اشتراط ذلك في المصارفة لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: لا تبيعوا منها غائبا بناجز فمن شرط فيها التقابض في المجلس شبهها ~~بالصرف، ومن لم يشترط ذلك قال: إن القبض قبل التفرق ليس شرطا في البيوع إلا ~~ما قام الدليل عليه، ولما قام الدليل على الصرف فقط بقيت سائر الربويات على ~~الأصل. # الفصل الرابع: في معرفة ما يعد صنفا واحدا، وما لا يعد صنفا واحدا ~~واختلفوا من هذا الباب فيما يعد صنفا واحدا وهو المؤثر في التفاضل مما لا ~~يعد صنفا واحدا في مسائل كثيرة، لكن نذكر منها أشهرها، وكذلك اختلفوا في ~~صفات الصنف الواحد ms0638 المؤثر في التفاضل، هل من شرطه أن لا يختلف بالجودة ~~والرداءة، ولا باليبس والرطوبة؟ فأما اختلافهم فيما يعد صنفا واحدا مما لا ~~يعد صنفا واحدا، فمن ذلك القمح والشعير، صار قوم إلى أنه مصنف واحد، وصار ~~آخرون إلى أنهما صنفان، فبالأول قال مالك والأوزاعي، وحكاه مالك في الموطأ ~~عن سعيد بن المسيب، وبالثاني قال الشافعي أما السماع فقوله (ص) لا تبيعوا ~~وأبو حنيفة، وعمدتهما السماع والقياس البر بالبر والشعير بالشعير إلا مثلا ~~بمثل فجعلهما صنفين، وأيضا فإن في بعض طرق حديث عبادة بن الصامت وبيعوا ~~الذهب بالفضة كيف شئتم، والبر بالشعير كيف شئتم، والملح بالتمر كيف شئتم ~~يدا بيد ذكره عبد الرزاق ووكيع عن الثوري وصحح هذه الزيادة الترمذي. # وأما القياس فلأنهما شيئان اختلفت أسماؤهما ومنافعهما، فوجب أن يكونا ~~صنفين، أصله الفضة والذهب وسائر الأشياء المختلفة في الاسم والمنفعة. وأما ~~عمدة مالك فإنه عمل سلفه بالمدينة. وأما أصحابه فاعتمدوا في ذلك أيضا ~~السماع والقياس. أما السماع فما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ~~الطعام بالطعام مثلا بمثل فقالوا: اسم الطعام يتناول البر والشعير، وهذا ~~ضعيف، فإن هذا عام يفسره الأحاديث الصحيحة. وأما من طريق القياس فإنهم ~~عددوا كثيرا من اتفاقهما في المنافع، والمتفقة المنافع لا يجوز التفاضل ~~فيها باتفاق، والسلت عند مالك والشعير صنف واحد، وأما القطنية فإنها عنده ~~صنف واحد في الزكاة، وعنه في البيوع روايتان: إحداهما أنها صنف واحد، ~~والأخرى أنها أصناف. # وسبب الخلاف: تعارض اتفاق المنافع فيها واختلافها، فمن غلب الاتفاق قال: ~~صنف واحد، ومن غلب الاختلاف قال: صنفان أو أصناف، والأرز والدخن والجاورس ~~عنده صنف واحد. PageV02P110 # مسألة: واختلفوا من هذا الباب في الصنف الواحد من اللحم الذي لا يجوز فيه ~~التفاضل، فقال مالك: اللحوم ثلاثة أصناف: فلحم ذوات الأربع، ولحم ذوات ~~الماء صنف، ولحم الطير كله صنف واحد أيضا، وهذه الثلاثة الأصناف مختلفة ~~يجوز فيها التفاضل، وقال أبو حنيفة: كل واحد من هذه هو أنواع كثيرة، ~~والتفاضل فيه جائز إلا في النوع الواحد بعينه، وللشافعي ms0639 قولان: أحدهما مثل ~~قول أبي حنيفة، والآخر أن جميعها صنف واحد. # وأبو حنيفة يجيز لحم الغنم بالبقر متفاضلا، ومالك لا يجيزه والشافعي لا ~~يجيز بيع لحم الطير بلحم الغنم متفاضلا، ومالك يجيزه. وعمدة الشافعي قوله ~~عليه الصلاة والسلام: الطعام بالطعام مثلا بمثل ولأنها إذا فارقتها الحياة ~~زالت الصفات التي كانت بها تختلف، ويتناولها اسم اللحم تناولا واحدا. وعمدة ~~المالكية أن هذه أجناس مختلفة، فوجب أن يكون لحمها مختلفا. والحنفية تعتبر ~~الاختلاف الذي في الجنس الواحد من هذه، وتقول إن الاختلاف الذي بين الأنواع ~~التي في الحيوان، أعني في الجنس الواحد منه كأنك قلت الطائر هو وزان ~~الاختلاف الذي بين التمر والبر والشعير. وبالجملة فكل طائفة تدعي أن وزان ~~الاختلاف الذي بين الأشياء المنصوص عليها هو الاختلاف الذي تراه في اللحم، ~~والحنفية أقوى من جهة المعنى، لان تحريم التفاضل إنما هو عند اتفاق ~~المنفعة. # مسألة: واختلفوا من هذا الباب في بيع الحيوان بالميت على ثلاثة أقوال: ~~قول إنه لا يجوز بإطلاق، وهو قول الشافعي والليث، وقول إنه يجوز في الأجناس ~~المختلفة التي يجوز فيها التفاضل، ولا يجوز ذلك في المتفقة: أعني الربوية ~~لمكان الجهل الذي فيها من طريق التفاضل، وذلك في التي المقصود منها الأكل، ~~وهو قول مالك، فلا يجوز شاة مذبوحة بشاة تراد للأكل، وذلك عنده في الحيوان ~~المأكول: حتى أنه لا يجيز الحي بالحي إذا كان المقصود الأكل من أحدهما، فهي ~~عنده من هذا الباب، أعني أن امتناع ذلك عنده من جهة الربا والمزابنة، وقول ~~ثالث أنه يجوز مطلقا، وبه قال أبو حنيفة. وسبب الخلاف: معارضة الأصول في ~~هذا الباب لمرسل سعيد بن المسيب، وذلك أن مالكا روى عن زيد بن أسلم عن سعيد ~~بن المسيب أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الحيوان باللحم فمن لم تنقدح عنده ~~معارضة هذا الحديث لأصل من أصول البيوع التي توجب التحريم قال به، ومن رأى ~~أن الأصول معارضة له وجب عليه أحد أمرين: إما أن يغلب الحديث فيجعله أصلا ~~زائدا بنفسه ms0640 أو يرده لمكان معارضة الأصول له، فالشافعي غلب الحديث وأبو ~~حنيفة غلب الأصول، ومالك رده إلى أصوله في البيوع، فجعل البيع فيه من باب ~~الربا، أعني بيع الشئ الربوي بأصله، مثل بيع الزيت بالزيتون وسيأتي الكلام ~~على هذا الأصل فإنه الذي يعرفه الفقهاء بالمزابنة، وهي داخلة في الربا ~~بجهة، وفي الغرر بجهة، وذلك أنها ممنوعة في الربويات من جهة الربا والغرر، ~~وفي غير الربويات من جهة الغرر فقط الذي سببه الجهل بالخارج عن الأصل. ~~PageV02P111 # مسألة: ومن هذا البا ب اختلافهم في بيع الدقيق بالحنطة مثلا بمثل، ~~فالأشهر عن مالك جوازه، وهو قول مالك في موطئه، وروي عنه أنه لا يجوز، وهو ~~قول الشافعي وأبي حنيفة وابن الماجشون من أصحاب مالك، وقال بعض أصحاب مالك: ~~ليس هو اختلافا من قوله، وإنما رواية المنع إذا كان اعتبار المثلية بالكيل، ~~لان الطعام إذا صار دقيقا اختلف كيله، ورواية الجواز إذا كان الاعتبار ~~بالوزن، وأما أبو حنيفة فالمنع عنده في ذلك من قبل أن أحدهما مكيل والآخر ~~موزون. ومالك يعتبر الكيل أو الوزن فيما جرت العادة أن يكال أو يوزن، ~~والعدد فيما لا يكال ولا يوزن. واختلفوا من هذا الباب فيما تدخله الصنعة ~~مما أصله منع الربا فيه مثل الخبز بالخبز، فقال أبو حنيفة: لا بأس ببيع ذلك ~~متفاضلا ومتماثلا، لأنه قد خرج بالصنعة عن الجنس الذي فيه الربا، وقال ~~الشافعي: لا يجوز متماثلا فضلا عن متفاضل، لأنه قد غيرته الصنعة تغيرا جهلت ~~به مقاديره التي تعتبر فيها المماثلة. وأما مالك فالأشهر في الخبز عنده أنه ~~يجوز متماثلا. وقد قيل فيه إنه يجوز فيه التفاضل والتساوي. وأما العجين ~~بالعجين فجائز عنده مع المماثلة. وسبب الخلاف: هل الصنعة تنقله من جنس ~~الربويات أو ليس تنقله، وإن لم تنقله فهل تمكن المماثلة فيه أو لا تمكن؟ ~~فقال أبو حنيفة: تنقله، وقال مالك والشافعي: لا تنقله واختلفوا في إمكان ~~المماثلة فيهما، فكان مالك يجيز اعتبار المماثلة في الخبز واللحم بالتقدير ~~والحزر فضلا عن الوزن. وأما إذا كان ms0641 أحد الربويين لم تدخله صنعة والآخر قد ~~دخلته الصنعة، فإن مالكا يرى في كثير منها أن الصنعة تنقله من الجنس: أعني ~~من أن يكون جنسا واحدا فيجيز فيها التفاضل، وفي بعضها ليس يرى ذلك، وتفصيل ~~مذهبه في ذلك عسير الانفصال، فاللحم المشوي والمطبوخ عنده من جنس واحد، ~~والحنطة المقلوة عنده وغير المقلوة جنسان، وقد رام أصحابه التفصيل في ذلك، ~~والظاهر من مذهبه أن ليس في ذلك قانون من قوله حتى تنحصر فيه أقواله فيها، ~~وقد رام حصرها الباجي في المنتقى، وكذلك أيضا يعسر حصر المنافع التي توجب ~~عنده الاتفاق في شئ شئ من الأجناس التي يقع بها التعامل، وتمييزها من التي ~~لا توجب ذلك: أعني في الحيوان والعروض والنبات، وسبب العسر أن الانسان إذا ~~سئل عن أشياء متشابهة في أوقات مختلفة ولم يكن عنده قانون يعمل عليه في ~~تمييزها إلا ما يعطيه بادئ النظر في الحال جاوب فيها بجوابات مختلفة، فإذا ~~جاء من بعده أحد فرام أن يجري تلك الأجوبة على قانون واحد وأصل واحد عسر ~~ذلك عليه، وأنت تتبين ذلك من كتبهم، فهذه هي أمهات هذا الباب. # فصل: وأما اختلافهم في بيع الربوي الرطب بجنسه من اليابس مع وجود التماثل ~~في القدر والتناجز، فإن السبب في ذلك ما روى مالك عن سعد بن أبي وقاص أنه ~~قال: # سمعت رسول الله (ص) يسأل عن شراء التمر بالرطب، فقال رسول الله (ص): ~~أينقص الرطب PageV02P112 # إذا جف؟ فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك فأخذ به أكثر العلماء وقال: لا يجوز ~~بيع التمر بالرطب على حال: مالك والشافعي وغيرهما، وقال أبو حنيفة: يجوز ~~ذلك، وخالفه في ذلك صاحباه محمد بن الحسن وأبو يوسف. وقال الطحاوي بقول أبي ~~حنيفة. وسبب الخلاف: # معارضة ظاهر حديث عبادة وغيره له، واختلافهم في تصحيحه، وذلك أن حديث ~~عبادة اشترط في الجواز فقط المماثلة والمساواة، وهذا يقتضي بظاهره حال ~~العقد لا حال المآل، فمن غلب ظواهر أحاديث الربويات رد هذا الحديث، ومن جعل ~~هذا الحديث أصلا بنفسه قال: هو أمر ms0642 زائد ومفسر لأحاديث الربويات. والحديث ~~أيضا اختلف الناس في تصحيحه ولم يخرجه الشيخان. قال الطحاوي: خولف فيه عبد ~~الله، فرواه يحيى بن كثير عنه أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الرطب بالتمر ~~نسيئة وقال: إن الذي يروي عنه هذا الحديث عن سعد بن أبي وقاص هو مجهول، لكن ~~جمهور الفقهاء صاروا إلى العمل به. وقال مالك في موطئه قياسا به على تعليل ~~الحكم في هذا الحديث، وكذلك كل رطب بيابس من نوعه حرام: يعني منع المماثلة ~~كالعجين بالدقيق واللحم اليابس بالرطب وهو أحد قسمي المزابنة عند مالك ~~المنهي عنها عنده، والعرية عنده مستثناة من هذا الأصل، وكذلك عند الشافعي، ~~والمزابنة المنهي عنها عند أبي حنيفة هو بيع التمر على الأرض بالتمر في ~~رؤوس النخيل لموضع الجهل بالمقدار الذي بينهما أعني بوجود التساوي. وطرد ~~الشافعي هذه العلة في الشيئين الرطبين، فلم يجز بيع الرطب بالرطب، ولا ~~العجين بالعجين مع التماثل لأنه زعم أن التفاضل يوجد بينهما عند الجفاف، ~~وخالفه في ذلك جل من قال بهذا الحديث. وأما اختلافهم في بيع الجيد بالردئ ~~في الأصناف الربوية، فذلك يتصور بأن يباع منها صنف واحد وسط في الجودة ~~بصنفين: أحدهما أجود من ذلك الصنف، والآخر أردأ، مثل أن يبيع مدين من تمر ~~وسط بمدين من تمر أحدهما أعلى من الوسط، والآخر أدون منه، فإن مالكا يرد ~~هذا لأنه يتهمه أن يكون إنما قصد أن يدفع مدين من الوسط في مد من الطيب، ~~فجعل معه الردئ ذريعة إلى تحليل ما لا يجب من ذلك، ووافقه الشافعي في هذا، ~~ولكن التحريم عنده ليس هو فيما أحسب لهذه التهمة لأنه لا يعمل التهم، ولكن ~~يشبه أن يعتبر التفاضل في الصفة، وذلك أنه متى لم تكن زيادة الطيب على ~~الوسط مثل نقصان الردئ عن الوسط، وإلا فليس هناك مساواة في الصفة. ومن هذا ~~الباب اختلافهم في جواز بيع صنف من الربويات بصنف مثله وعرض أو دنانير أو ~~دراهم إذا كان الصنف الذي يجعل معه العرض أقل من ms0643 ذلك الصنف المفرد أو يكون ~~مع كل واحد منهما عرض والصنفان مختلفان في القدر، فالأول: مثل أن يبيع ~~كيلين من التمر بكيل من التمر ودرهم. والثاني: مثل أن يبيع كيلين من التمر ~~وثوب بثلاثة أكيال من التمر ودرهم. # فقال مالك والشافعي والليث: إن ذلك لا يجوز، وقال أبو حنيفة والكوفيون: ~~إن ذلك PageV02P113 # جائز. فسبب الخلاف: هل ما يقابل العرض من الجنس الربوي ينبغي أن يكون ~~مساويا له في القيمة أو يكفي فذلك رضا البائع؟ فمن قال الاعتبار بمساواته ~~في القيمة قال: لا يجوز لمكان الجهل بذلك، لأنه إذا لم يكن العرض مساويا ~~لفضل أحد الربويين على الثاني كان التفاضل ضرورة، مثال ذلك أنه إن باع ~~كيلين من تمر بكيل وثوب فقد يجب أن تكون قيمة الثوب تساوي الكيل، وإلا وقع ~~التفاضل ضرورة. وأما أبو حنيفة فيكتفي في ذلك بأن يرضى به المتبايعان، ~~ومالك يعتبر أيضا في هذا سد الذريعة، لأنه إنما جعل جاعل ذلك ذريعة إلى بيع ~~الصنف الواحد متفاضلا، فهذه مشهورات مسائلهم في هذا الجنس. # باب: في بيوع الذرائع الربوية وهنا شئ يعرض للمتبايعين: إذا قال أحدهما ~~للآخر بزيادة أو نقصان، وللمتبايعين إذا اشترى أحدهما من صاحبه الشئ الذي ~~باعه بزيادة أو نقصان وهو أن يتصور بينهما من غير قصد إلى ذلك تبايع ربوي، ~~مثل أن يبيع انسان من انسان سلعة بعشرة دنانير نقدا ثم يشتريها منه بعشرين ~~إلى أجل، فإذا أضيفت البيعة الثانية إلى الأولى استقر الامر على أن أحدهما ~~دفع عشرة دنانير في عشرين إلى أجل، وهذا هو الذي يعرف ببيوع الآجال. فنذكر ~~من ذلك مسألة في الإقالة، ومسألة من بيوع الآجال إذ كان هذا الكتاب ليس ~~المقصود به التفريع، وإنما المقصود فيه تحصيل الأصول. # مسألة: لم يختلفوا أن من باع شيئا ما كأنك قلت: عبدا بمائة دينار مثلا ~~إلى أجل، ثم ندم البائع فسأل المبتاع أن يصرف إليه مبيعه ويدفع إليه عشرة ~~دنانير مثلا نقدا أو إلى أجل أن ذلك يجوز وأنه لا بأس بذلك، وأن ms0644 الإقالة ~~عندهم إذا دخلتها الزيادة والنقصان هي بيع مستأنف، ولا حرج في أن يبيع ~~الانسان الشئ بثمن ثم يشتريه بأكثر منه، لأنه في هذه المسألة اشترى منه ~~البائع الأول العبد الذي باعه بالمائة التي وجبت له وبالعشرة مثاقيل التي ~~زادها نقدا أو إلى أجل، وكذلك لا خلاف بينهم لو كان البيع بمائة دينار إلى ~~أجل والعشرة مثاقيل نقدا أو إلى أجل. وأما إن ندم المشتري في هذه المسألة ~~وسأل الإقالة على أن يعطي البائع العشرة المثاقيل نقدا أو إلى أجل أبعد من ~~الاجل الذي وجبت فيه المسألة، فهنا اختلفوا، فقال مالك: لا يجوز. وقال ~~الشافعي: يجوز ووجه ما كره من ذلك مالك أن ذلك ذريعة إلى قصد بيع الذهب ~~بالذهب إلى أجل وإلى بيع ذهب وعرض بذهب. لان المشتري دفع العشرة مثاقيل ~~والعبد في المائة دينار التي عليه، وأيضا يدخله بيع وسلف كأن المشتري باعه ~~العبد بتسعين وأسلفه عشرة إلى الاجل الذي يجب عليه قبضها من نفسه لنفسه. ~~وأما الشافعي فهذا عنده كله جائز لأنه شراء مستأنف، ولا فرق عنده بين هذه ~~المسألة وبين أن تكون لرجل على رجل مائة دينار مؤجلة، فيشتري منه غلاما ~~بالتسعين دينارا التي عليه ويتعجل له عشرة دنانير، وذلك جائز بإجماع. قال: ~~وحمل الناس على التهم PageV02P114 # لا يجوز. وأما إن كان البيع الأول نقدا فلا خلاف في جواز ذلك، لأنه ليس ~~يدخله بيع ذهب بذهب نسيئة إلا أن مالكا كره ذلك لمن هو من أهل العينة: أعني ~~الذي يداين الناس، لأنه عنده ذريعة لسلف في أكثر منه يتوصلان إليه بما أظهر ~~من البيع من غير أن تكون له حقيقة. وأما البيوع التي يعرفونها ببيوع ~~الآجال، فهي أن يبيع الرجل سلعة بثمن إلا أجل، ثم يشتريها بثمن آخر إلى أجل ~~آخر، أو نقدا. # (وهنا تسع مسائل، إذا لم تكن هناك زيادة عرض اختلف منها في مسألتين، ~~واتفق في الباقي) وذلك أنه من باع شيئا إلى أجل ثم اشتراه، فإما أن يشتريه ~~إلى ذلك الاجل بعينه أو ms0645 قبله أو بعده، وفي كل واحد من هذه الثلاثة إما أن ~~يشتريه بمثل الثمن الذي باعه به منه، وإما بأقل، وإما بأكثر يختلف من ذلك ~~في اثنين، وهو أن يشتريها قبل الاجل نقدا بأقل من الثمن أو إلى أبعد من ذلك ~~الاجل بأكثر من ذلك الثمن. فعند مالك وجمهور أهل المدينة أن ذلك لا يجوز. ~~وقال الشافعي وداود وأبو ثور: يجوز، فمن منعه فوجه منعه اعتبار البيع ~~الثاني بالبيع الأول، فاتهمه أن يكون إنما قصد دفع دنانير في أكثر منها إلى ~~أجل، وهو الربا المنهي عنه فزور لذلك هذه الصورة ليتصلا بها إلى الحرام مثل ~~أن يقول قائل لآخر: # أسلفني عشرة دنانير إلى شهر وأرد إليك عشرين دينارا، فيقول: هذا لا يجوز، ~~ولكن أبيع منك هذا الحمار بعشرين إلى شهر، ثم أشتريه منك بعشرة نقدا. وأما ~~في الوجوه الباقية فليس يتهم فيها لأنه إن أعطى أكثر من الثمن في أقل من ~~ذلك الاجل لم يتهم، وكذلك إن اشتراها بأقل من ذلك الثمن إلى أبعد من ذلك ~~الاجل، ومن الحجة لمن رأى هذا الرأي حديث أبي العالية عن عائشة أنها سمعتها ~~وقد قالت لها امرأة كانت أم ولد لزيد بن أرقم: يا أم المؤمنين إني بعت من ~~زيد عبدا إلى العطاء بثمانمائة فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته منه قبل محل الاجل ~~بستمائة، فقالت عائشة: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، أبلغي زيدا أنه قد أبطل ~~جهاده مع رسول الله (ص) إن لم يتب. قالت: أرأيت إن تركت وأخذت الستمائة ~~دينار؟ # قالت: فهو * (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف) * وقال الشافعي ~~وأصحابه: لا يثبت حديث عائشة، وأيضا فإن زيدا قد خالفها، وإذا اختلفت ~~الصحابة فمذهبنا القياس. # وروي مثل قول الشافعي عن ابن عمر. وأما إذا حدث بالمبيع نقص عند المشتري ~~الأول، فإن الثوري وجماعة من الكوفيين أجازوا لبائعه بالنظرة أن يشتريه ~~نقدا بأقل من ذلك الثمن. # وعن مالك في ذلك روايتان. والصور التي يعتبرها مالك في الذرائع في هذه ~~البيوع هي أن ms0646 يتذرع منها إلى: أنظرني أزدك، أو إلى بيع ما لا يجوز متفاضلا ~~أو بيع ما لا يجوز نساء، أو إلى بيع وسلف. أو إلى ذهب وعرض بذهب أو إلى: ضع ~~وتعجل، أو بيع الطعام قبل أن يستوفى، أو بيع وصرف، فإن هذه هي أصول الربا. ~~ومن هذا الباب اختلافهم فيمن باع طعاما بطعام قبل أن يقبضه. فمنعه مالك ~~وأبو حنيفة وجماعة. وأجازه الشافعي والثوري PageV02P115 # والأوزاعي وجماعة. وحجة من كرهه أنه شبيه ببيع الطعام بالطعام نساء، ومن ~~أجازه لم ير ذلك فيه اعتبارا بترك القصد إلى ذلك. ومن ذلك اختلافهم فيمن ~~اشترى طعاما بثمن إلى أجل معلوم، فلما حل الاجل لم يكن عند البائع طعام ~~يدفعه إليه، فاشترى من المشتري طعاما بثمن يدفعه إليه مكان طعامه الذي وجب ~~له، فأجاز ذلك الشافعي وقال: لا فرق بين أن يشتري الطعام من غير المشتري ~~الذي وجب له عليه أو من المشتري نفسه، ومنع من ذلك مالك ورآه من الذريعة ~~إلى بيع الطعام قبل أن يستوفى. لأنه رد إليه الطعام الذي كان ترتب في ذمته، ~~فيكون قد باعه منه قبل أن يستوفيه. وصورة الذريعة في ذلك أن يشتري رجل من ~~آخر طعاما إلى أجل معلوم، فإذا حل الاجل قال الذي عليه الطعام: ليس عندي ~~طعام. ولكن أشتري منك الطعام الذي وجب لك علي، فقال: هذا لا يصح، لأنه بيع ~~الطعام قبل أن يستوفى فيقول له: فبع طعاما مني وأرده عليك، فيعرض من ذلك ما ~~ذكرناه، أعني أن يرد عليه ذلك الطعام الذي أخذ منه ويبقى الثمن المدفوع ~~إنما هو ثمن الطعام الذي هو في ذمته. وأما الشافعي فلا يعتبر التهم كما ~~قلنا، وإنما يراعي فيما يحل ويحرم من البيوع ما اشترطا وذكراه بألسنتهما ~~وظهر من فعلهما لاجماع العلماء على أنه إذا قال: أبيعك هذه الدراهم بدراهم ~~مثلها وأنظرك بها حولا أو شهرا أنه لا يجوز، ولو قال له: أسلفني دراهم ~~وأمهلني بها حولا أو شهرا جاز، فليس بينهما إلا اختلاف لفظ البيع وقصده ~~ولفظ ms0647 القرض وقصده، ولما كانت أصول الربا كما قلنا خمسة: أنظرني أزدك، ~~والتفاضل، والنساء، وضع وتعجل، وبيع الطعام قبل قبضه، فإنه يظن أنه من هذا ~~الباب إذ فاعل ذلك يدفع دنانير ويأخذ أكثر منها من غير تكلف فعل ولا ضمان ~~يتعلق بذمته، فينبغي أن نذكر ههنا هذين الأصلين. أما: ضع وتعجل، فأجازه ابن ~~عباس من الصحابة وزفر من فقهاء الأمصار، ومنعه جماعة منهم ابن عمر من ~~الصحابة ومالك وأبو حنيفة والثوري وجماعة من فقهاء الأمصار، واختلف قول ~~الشافعي في ذلك، فأجاز مالك وجمهور من ينكر: ضع وتعجل، أن يتعجل الرجل في ~~دينه المؤجل عرضا يأخذه وإن كانت قيمته أقل من دينه. وعمدة من لم يجز: ضع ~~وتعجل، أنه شبيه بالزيادة مع النظرة المجتمع على تحريمها، ووجه شبهه بها ~~أنه جعل للزمان مقدارا من الثمن بدلا منه في الموضعين جميعا، وذلك أنه ~~هنالك ما زاد له في الزمان زاد له عرضه ثمنا، وهنا لما حط عنه الزمان حط ~~عنه في مقابلته ثمنا، وعمدة من أجاز ما روي عن ابن عباس أن النبي (ص) لما ~~أمر باخراج بني النضير جاءه ناس منهم فقالوا: يا نبي الله.. إنك أمرت ~~باخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال رسول الله (ص): ضعوا وتعجلوا. # فسبب الخلاف: معارضة قياس الشبه لهذا الحديث. وأما بيع الطعام قبل قبضه. ~~فإن العلماء مجمعون على منع ذلك إلا ما يحكى عن عثمان البتي. وإنما أجمع ~~العلماء على ذلك لثبوت النهي عنه عن رسول الله (ص) من حديث مالك عن نافع عن ~~عبد الله بن عمر أن رسول الله (ص) PageV02P116 # قال: من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه. واختلف من هذه المسألة في ثلاثة ~~مواضع: # أحدها: فيما يشترط فيه القبض من المبيعات. والثاني: في الاستفادات التي ~~يشترط في بيعها القبض من التي لا يشترط. والثالث: في الفرق بين ما يباع من ~~الطعام مكيلا وجزافا. # ففيه ثلاثة فصول: # الفصل الأول: فيما يشترط فيه القبض من المبيعات وأما بيع ما سوى الطعام ~~قبل القبض ms0648 فلا خلاف في مذهب مالك في إجازته وأما الطعام الربوي فلا خلاف في ~~مذهبه أن القبض شرط في بيعه. وأما غير الربوي من الطعام فعنه في ذلك ~~روايتان: إحداهما: المنع وهي الأشهر. وبها قال أحمد وأبو ثور، إلا أنهما ~~اشترطا مع الطعام الكيل والوزن. والرواية الأخرى: الجواز. وأما أبو حنيفة ~~فالقبض عنده شرط في كل بيع ما عدا المبيعات التي لا تنتقل ولا تحول من ~~الدور والعقار. وأما الشافعي فإن القبض عنده شرط في كل مبيع، وبه قال ~~الثوري. وهو مروي عن جابر بن عبد الله وابن عباس، وقال أبو عبيد وإسحاق: كل ~~شئ لا يكال ولا يوزن فلا بأس ببيعه قبل قبضه، فاشترط هؤلاء القبض في المكيل ~~والموزون، وبه قال ابن حبيب وعبد العزيز بن أبي سلمة وربيعة، وزاد هؤلاء مع ~~الكيل والوزن المعدود. فيتحصل في اشتراط القبض سبعة أقوال: الأول: في ~~الطعام الربوي فقط. # والثاني: في الطعام بإطلاق. الثالث: في الطعام المكيل والموزون. الرابع: ~~في كل شئ ينقل. الخامس: في كل شئ. السادس: في المكيل والموزون. السابع: في ~~المكيل والموزون والمعدود. أما عمدة مالك في منعه ما عدا المنصوص عليه ~~فدليل الخطاب في الحديث المتقدم. وأما عمدة الشافعي في تعميم ذلك في كل بيع ~~فعموم قوله عليه الصلاة والسلام لا يحل بيع وسلف ولا ربح ما لم يضمن ولا ~~بيع ما ليس عندك وهذا من باب بيع ما لم يضمن. وهذا مبني على مذهبه من أن ~~القبض شرط في دخول المبيع في ضمان المشترط، واحتج أيضا بحديث حكيم بن حزام ~~قال: قلت يا رسول الله.. إني أشتري بيوعا فما يحل لي منها وما يحرم؟ فقال: ~~يا ابن أخي.. إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه قال أبو عمر: حديث حكيم ~~بن حزام رواه يحيى بن أبي كثير عن يوسف بن ماهك أن عبد الله بن عصمة حدثه ~~أن حكيم بن حزام قال: ويوسف بن ماهك وعبد الله بن عصمة لا أعرف لهما جرحة ~~إلا أنه لم يرو عنهما ms0649 إلا رجل واحد فقط، وذلك في الحقيقة ليس بجرحة وإن ~~كرهه جماعة من المحدثين. # ومن طريق المعنى أن بيع ما لم يقبض يتطرق منه إلى الربا، وإنما استثنى ~~أبو حنيفة ما يحول وينقل عنده مما لا ينقل، لان ما ينقل القبض عنده فيه هي ~~التخلية، وأما من اعتبر الكيل والوزن، فلاتفاقهم أن المكيل والموزون لا ~~يخرج من ضمان البائع إلى ضمان المشتري إلا بالكيل أو الوزن وقد نهي عن بيع ~~ما لم يضمن. PageV02P117 # الفصل الثاني: # في الاستفادات التي يشترط في بيعها القبض من التي لا يشترط وأما ما يعتبر ~~ذلك فيه مما لا يعتب، فإن العقود تنقسم أولا إلى قسمين: قسم يكون بمعاوضة، ~~وقسم يكون بغير معاوضة كالهبات والصدقات، والذي يكون بمعاوضة ينقسم ثلاثة ~~أقسام: أحدها: يختص بقصد المغابنة والمكايسة وهي البيوع والإجارات والمهور ~~والصلح والمال المضمون بالتعدي وغيره. والقسم الثاني: لا يختص بقصد ~~المغابنة، وإنما يكون على جهة الرفق وهو القرض. والقسم الثالث: فهو ما يصح ~~أن يقع على الوجهين جميعا. أعني على قصد المغابنة وعلى قصد الرفق كالشركة ~~والإقالة والتولية. وتحصيل أقوال العلماء في هذه الأقسام: أما ما كان بيعا ~~وبعوض فلا خلاف في اشتراط القبض فيه، وذلك في الشئ الذي يشترط فيه القبض ~~واحد واحد من العلماء، وأما ما كان خالصا للرفق، أعني القرض، فلا خلاف أيضا ~~أن القبض ليس شرطا في بيعه أعني أنه يجوز للرجل أن يبيع القرض قبل أن ~~يقبضه. واستثنى أبو حنيفة مما يكون بعوض المهر والخلع، فقال: يجوز بيعهما ~~قبل القبض. وأما العقود التي تتردد بين قصد الرفق والمغابنة وهي التولية ~~والشركة والإقالة. فإذا وقعت على وجه الرفق من غير أن تكون الإقالة أو ~~التولية بزيادة أو نقصان. فلا خلاف أعلمه في المذهب أن ذلك جائز قبل القبض ~~وبعده. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تجوز الشركة ولا التولية قبل القبض. ~~وتجوز الإقالة عندهما لأنها قبل القبض فسخ بيع، لا بيع. فعمدة من اشترط ~~القبض في جميع المعاوضات أنها في معنى البيع المنهي ms0650 عنه، وإنما استثنى مالك ~~من ذلك التولية والإقالة والشركة للأثر والمعنى. أما الأثر فما رواه من ~~مرسل سعيد بن المسيب أن رسول الله (ص) قال: من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى ~~يستوفيه إلا ما كان من شركة أو تولية أو إقالة وأما من طريق المعنى فإن هذه ~~إنما يراد بها الرفق لا المغابنة إذا لم تدخلها زيادة أو نقصان. وإنما ~~استثنى من ذلك أبو حنيفة الصداق والخلع والجعل، لان العوض في ذلك ليس بينا ~~إذا لم يكن عينا. # الفصل الثالث: # في الفرق بين ما يباع من الطعام مكيلا وجزافا وأما اشتراط القبض فيما بيع ~~من الطعام جزافا، فإن مالكا رخص فيه وأجازه وبه قال الأوزاعي، ولم يجز ذلك ~~أبو حنيفة والشافعي وحجتهما عموم الحديث المتضمن للنهي عن بيع الطعام قبل ~~قبضه لان الذريعة موجودة في الجزاف وغير الجزاف. ومن الحجة لهما ما روي عن ~~ابن عمر أنه قال: كنا في زمان رسول الله (ص) نبتاع الطعام جزافا، فبعث ~~PageV02P118 # إلينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل ~~أن نبيعه قال أبو عمر: وإن كان مالك لم يرو عن نافع في هذا الحديث ذكر ~~الجزاف، فقد روته جماعة وجوده عبد الله بن عمر وغيره، وهو مقدم في حفظ حديث ~~نافع. وعمدة المالكية أن الجزاف ليس فيه حق توفية، فهو عندهم من ضمان ~~المشتري بنفس العقد، وهذا من باب تخصيص العموم بالقياس المظنون العلة، وقد ~~يدخل في هذا الباب إجماع العلماء على منع بيع الرجل شيئا لا يملكه، وهو ~~المسمى عينة عند من يرى نقله من باب الذريعة إلى الربا. # وأما من رأى منعه من جهة أنه قد لا يمكنه نقله فهو داخل في بيوع الغرر، ~~وصورة التذرع منه إلى الربا المنهي عنه أن يقول رجل لرجل: أعطني عشرة ~~دنانير على أن أدفع لك إلى مدة كذا ضعفها، فيقول له: هذا لا يصلح، ولكن ~~أبيع منك سلعة كذا لسلعة يسميها ليست عنده بهذا العدد، ثم يعمد هو فيشتري ms0651 ~~تلك السلعة فيقبضها له بعد أن كمل البيع بينهما، وتلك السلعة قيمتها قريب ~~مما كان سأله أن يعطيه من الدراهم قرضا فيرد عليه ضعفها، وفي المذهب في هذا ~~تفصيل ليس هذا موضع ذكره، ولا خلاف في هذه الصورة التي ذكرنا أنها غير ~~جائزة في المذهب: أعني إذا تقارا على الثمن الذي يأخذ به السلعة قبل ~~شرائها، وأما الدين بالدين، فأجمع المسلمون على منعه. واختلفوا في مسائل هل ~~هي منه أم ليست منه؟ مثل ما كان ابن القاسم لا يجيز أن يأخذ الرجل من غريمه ~~في دين له عليه تمرا قد بدا صلاحه ولا سكنى دار ولا جارية تتواضع، ويراه من ~~باب الدين بالدين. وكان أشهب يجيز ذلك ويقول: ليس هذا من باب الدين بالدين، ~~وإنما الدين بالدين ما لم يشرع في أخذ شئ منه. وهو قياس عند كثير من ~~المالكيين. وهو قول الشافعي وأبي حنيفة. # ومما أجازه مالك من هذا الباب وخالفه فيه جمهور العلماء ما قاله في ~~المدونة من أن الناس كانوا يبيعون اللحم بسعر معلوم والثمن إلى العطاء، ~~فيأخذ المبتاع كل يوم وزنا معلوما قال: ولم ير الناس بذلك بأسا، وكذلك كل ~~ما يبتاع في الأسواق. وروى ابن القاسم أن ذلك لا يجوز إلا فيما خشي عليه ~~الفساد من الفواكه إذا أخذ جميعه. وأما القمح وشبهه فلا، فهذه هي أصول هذا ~~الباب، وهذا الباب كله إنما حرم في الشرع لمكان الغبن الذي يكون طوعا وعن ~~علم. # الباب الثالث: # في البيوع المنهي عنها وهي البيوع المنهي عنها من قبل الغبن الذي سببه ~~الغرر، والغرر يوجد في المبيعات من جهة الجهل على أوجه: إما من جهة الجهل ~~بتعيين المعقود عليه، أو تعيين العقد، أو من جهة الجهل بوصف الثمن والمثمون ~~المبيع، أو بقدره أو بأجله إن كان هنالك أجل، وإما من جهة الجهل بوجوده أو ~~تعذر القدرة عليه، وهذا راجع إلى تعذر التسليم، وإما من جهة الجهل بسلامته: ~~أعني بقاءه، وههنا بيوع تجمع أكثر هذه أو بعضها. ومن البيوع التي ms0652 ~~PageV02P119 # توجد فيها هذه الضروب من الغرر بيوع منطوق بها وبيوع مسكوت عنها، ~~والمنطوق به أكثره متفق عليه، وإنما يختلف في شرح أسمائها، والمسكوت عن ~~مختلف فيه، ونحن نذكر أولا المنطوق به في الشرع، وما يتعلق به من الفقه، ثم ~~نذكر بعد ذلك من المسكوت عنه ما شهر الخلاف فيه بين فقهاء الأمصار ليكون ~~كالقانون في نفس الفقه: أعني في رد الفروع إلى الأصول. فأما المنطوق به في ~~الشرع فمنه نهيه (ص) عن بيع حبل الحبلة ومنها نهيه عن بيع ما لم يخلق، وعن ~~بيع الثمار حتى تزهى، وعن بيع الملامسة والمنابذة، وعن بيع الحصاة ومنها ~~نهيه عن المعاومة، وعن بيعتين في بيعة. وعن بيع وشرط، وعن بيع وسلف، وعن ~~بيع السنبل حتى يبيض والعنب حتى يسود ونهيه عن المضامين والملاقيح. # أما بيع الملامسة فكانت صورته في الجاهلية أن يلمس الرجل الثوب ولا ~~ينشره، أو يبتاعه ليلا، ولا يعلم ما فيه وهذا مجمع على تحريمه، وسبب تحريمه ~~الجهل بالصفة. وأما بيع المنابذة فكان أن ينبذ كل واحد من المتبايعين إلى ~~صاحبه الثوب من غير أن يعين أن هذا بهذا، بل كانوا يجعلون ذلك راجعا إلى ~~الاتفاق. وأما بيع الحصاة، فكانت صورته عندهم أن يقول المشتري: أي ثوب وقعت ~~عليه الحصاة التي أرمي بها فهو لي، وقيل أيضا إنهم كانوا يقولون: إذا وقعت ~~الحصاة من يدي فقد وجب البيع. وهذا قمار. وأما بيع حبل الحبلة ففيه ~~تأويلان: أحدهما: أنها كانت بيوعا يؤجلونها إلى أن تنتج الناقة ما في بطنها ~~ثم ينتج ما في بطنها، والغرر من جهة الاجل في هذا بين، وقيل إنما هو بيع ~~جنين الناقة، وهذا من باب النهي عن بيع المضامين والملاقيح. والمضامين: هي ~~ما في بطون الحوامل، والملاقيح ما في ظهور الفحول، فهذه كلها بيوع جاهلية ~~متفق على تحريمها، وهي محرمة من تلك الأوجه التي ذكرناها. وأما بيع الثمار، ~~فإنه ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيعها حتى يبدو صلاحها وحتى ~~تزهى ويتعلق بذلك مسائل مشهورة ms0653 نذكر منها نحن عيونها. وذلك أن بيع الثمار ~~لا يخلو أن تكون قبل أن تخلق أو بعد أن تخلق، ثم إذا خلقت لا يخلو أن تكون ~~بعد الصرام أو قبله. ثم إذا كان قبل الصرام فلا يخلو أن تكون قبل أن تزهى ~~أو بعد أن تزهى، وكل واحد من هذين لا يخلو أن يكون بيعا مطلقا أو بشرط ~~التبقية أو بشرط القطع، أما القسم الأول: وهو بيع الثمار قبل أن تخلق فجميع ~~العلماء مطبقون على منع ذلك، لأنه من باب النهي عن بيع ما لم يخلق، ومن باب ~~بيع السنين والمعاومة. وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيع ~~السنين وعن بيع المعاومة وهي بيع الشجر أعواما، إلا ما روي عن عمر بن ~~الخطاب وابن الزبير أنهما كانا يجيزان بيع الثمار سنين. وأما بيعها بعد ~~الصرام فلا خلا ف في جوازه، وأما بيعها بعد أن خلقت فأكثر العلماء على جواز ~~ذلك على التفصيل الذي نذكره، إلا ما روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. وعن ~~عكرمة أنه لا يجوز إلا بعد الصرام، فإذا قلنا بقول الجمهور: إنه ~~PageV02P120 # يجوز قبل الصرام، فلا يخلو أن تكون بعد أن تزهى أو قبل أن تزهى. وقد قلنا ~~إن ذلك لا يخلو أن يكون بيعا مطلقا أو بيعا بشرط القطع أو بشرط التبقية. ~~فأما بيعها قبل الزهو بشرط القطع فلا خلاف في جوازه إلا ما روي عن الثوري ~~وابن أبي ليلى من منع ذلك. وهي رواية ضعيفة. وأما بيعها قبل الزهو بشرط ~~التبقية فلا خلاف في أنه لا يجوز إلا ما ذكره اللخمي من جوازه تخريجا على ~~المذهب. وأما بيعها قبل الزهو مطلقا، فاختلف في ذلك فقهاء الأمصار. ~~فجمهورهم على أنه لا يجوز: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والليث والثوري ~~وغيرهم. وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك إلا أنه يلزم المشتري عنده فيه القطع لا ~~من جهة ما هو بيع ما لم يره بل من جهة أن ذلك شرط عنده في بيع الثمر على ما ms0654 ~~سيأتي بعد. # أما دليل الجمهور على منع بيعها مطلقا قبل الزهو، فالحديث الثابت عن ابن ~~عمر أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع ~~والمشتري فعلم أن ما بعد الغاية بخلاف ما قبل الغاية، وأن هذا النهي يتناول ~~البيع المطلق بشرط التبقية، ولما ظهر للجمهور أن المعنى في هذا خوف ما يصيب ~~الثمار من الجائحة غالبا قبل أن تزهى لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ~~أنس بن مالك بعد نهيه عن بيع الثمرة قبل الزهو أرأيت إن منع الله الثمرة ~~فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ لم يحمل العلماء النهي في هذا على الاطلاق: أعني ~~النهي عن البيع قبل الازهاء بل رأى أن معنى النهي هو بيعه بشرط التبقية إلى ~~الازهاء، فأجازوا بيعها قبل الازهاء بشرط القطع. واختلفوا إذا ورد البيع ~~مطلقا في هذه الحال: هل يحمل على القطع وهو الجائز، أو على التبقية ~~الممنوعة؟ فمن حمل الاطلاق على التبقية، أو رأى أن النهي يتناوله بعمومه ~~قال: لا يجوز، ومن حمله على القطع قال: يجوز، والمشهور عن مالك أن الاطلاق ~~محمول على التبقية، وقد قيل عنه إنه محمول على القطع. # وأما الكوفيون فحجتهم في بيع الثمار مطلقا قبل أن تزهى حديث ابن عمر ~~الثابت أن رسول الله (ص) قال: من باع نخلا قد أبرت، فثمرتها للبائع إلا أن ~~يشترطها المبتاع قالوا: # فلما جاز أن يشترطه المبتاع جاز بيعه مفردا، وحملوا الحديث الوارد بالنهي ~~عن بيع الثمار قبل أن تزهى على الندب، واحتجوا لذلك بما روي عن زيد بن ثابت ~~قال: كان الناس في عهد رسول الله (ص) يتبايعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها، ~~فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: أصاب الثمر الزمان، أصابه ما أضر ~~به قشام ومراض - لعاهات يذكرونها - فلما كثرت خصومتهم عند النبي قال ~~كالمشورة يشير بها عليهم: لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحها وربما قالوا: إن ~~المعنى الذي دل عليه الحديث في قوله حتى يبدو صلاحه هو ظهور الثمرة بدليل ~~قوله عليه ms0655 الصلاة والسلام أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال ~~أخيه؟ وقد كان يجب على من قال من الكوفيين بهذا القول ولم يكن يرى رأي أبي ~~حنيفة في أن من ضرورة بيع الثمار القطع أن يجيز بيع الثمار قبل بدو صلاحها ~~على شرط التبقية، PageV02P121 # فالجمهور يحملون جواز بيع الثمار بالشرط قبل الازهاء على الخصوص: أعني ~~إذا بيع الثمر مع الأصل. وأما شراء الثمر مطلقا بعد الزهو فلا خلاف فيه، ~~والاطلاق فيه عند جمهور فقهاء الأمصار يقتضي التبقية، بدليل قوله عليه ~~الصلاة والسلام: أرأيت إن منع الله الثمرة... الحديث. ووجه الدليل منه أن ~~الجوائح إنما تطرأ في الأكثر على الثمار قبل بدو الصلاح، وأما بعد بدو ~~الصلاح فلا تظهر إلا قليلا، ولو لم يجب في المبيع بشرط التبقية لم يكن ~~هنالك جائحة تتوقع، وكان هذا الشرط باطلا. وأما الحنفية فلا يجوز عندهم بيع ~~الثمر بشرط التبقية، والاطلاق عندهم كما قلنا محمول على القطع، وهو خلاف ~~مفهوم الحديث، وحجتهم أن نفس بيع الشئ يقتضي تسليمه وإلا لحقه الغرر، ولذلك ~~لم يجز أن تباع الأعيان إلى أجل. والجمهور على أن بيع الثمار مستثنى من بيع ~~الأعيان إلى أجل لكون الثمر ليس يمكن أن ييبس كله دفعة، فالكوفيون خالفوا ~~الجمهور في بيع الثمار في موضعين: أحدهما: في جواز بيعها قبل أن تزهى. ~~والثاني: في منع تبقيتها بالشرط بعد الازهاء أو بمطلق العقد، وخلافهم في ~~الموضع الأول أقوى من خلافهم في الموضع الثاني: أعني في شرط القطع وإن ~~أزهى، وإنما كان خلافهم في الموضع الأول أقرب لأنه من باب الجمع بين حديثي ~~ابن عمر المتقدمين، لان ذلك أيضا مروي عن عمر بن الخطاب وابن الزبير، وأما ~~بدو الصلاح الذي جوز رسول الله (ص) البيع بعده، فهو أن يصفر فيه البسر ~~ويسود فيه العنب إن كان مما يسود، وبالجملة أن تظهر في الثمر صفة الطيب، ~~هذا هو قول جماعة فقهاء الأمصار، لما رواه مالك عن حميد عن أنس أنه (ص) سئل ~~عن قوله حتى يزهى، ms0656 فقال: حتى يحمر وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن ~~بيع العنب حتى يسود، والحب حتى يشتد. وكان زيد بن ثابت في رواية مالك عنه ~~لا يبيع ثماره حتى تطلع الثريا، وذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من أيار وهو ~~مايو، وهو قول ابن عمر أيضا سئل عن قول رسول الله (ص) إنه نهى عن بيع ~~الثمار حتى تنجو من العاهات، فقال عبد الله وأما الأنواع المتقاربة الطيب ~~فيجوز عنده PageV02P122 # بيع بعضها بطيب البعض، وبدو الصلاح المعتبر عن مالك في الصنف الواحد من ~~الثمر هو وجود الازهاء في بعضه لا في كله، إذا لم يكن ذلك الازهاء مبكرا في ~~بعضه تبكيرا يتراخى عنه البعض بل إذا كان متتابعا، لان الوقت الذي تنجو ~~الثمرة فيه في الغالب من العاهات هو إذا بدأ الطيب في الثمرة ابتداء ~~متناسقا غير منقطع. وعند مالك أنه إذا بدا الطيب في نخلة بستان جاز بيعه ~~وبيع البساتين المجاورة له إذا كان نخل البساتين من جنس واحد. # وقال الشافعي، لا يجوز إلا بيع نخل البستان الذي يظهر فيه الطيب فقط. ~~ومالك اعتبر الوقت الذي تؤمن فيه العاهة إذا كان الوقت واحدا للنوع الواحد. ~~والشافعي اعتبر نقصان خلقة الثمر، وذلك أنه إذا لم يطب كان من بيع ما لم ~~يخلق، وذلك أن صفة الطيب فيه وهي مشتراة لم تخلق بعد، لكن هذا - كما قال - ~~لا يشترط في كل ثمرة بل في بعض ثمرة جنة واحدة وهذا لم يقل به أحد، فهذا هو ~~مشهور ما اختلفوا فيه من بيع الثمار. ومن المسموع الذي اختلفوا فيه من هذا ~~الباب ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام من النهي عن بيع السنبل حتى يبيض ~~والعنب حتى يسود، وذلك أن العلماء اتفقوا على أنه لا يجوز بيع الحنطة في ~~سنبلها دون السنبل، لأنه بيع ما لم تعلم صفته ولا كثرته. واختلفوا في بيع ~~السنبل نفسه مع الحب، فجوز ذلك جمهور العلماء: مالك وأبو حنيفة وأهل ~~المدينة وأهل الكوفة، وقال الشافعي: لا يجوز بيع ms0657 السنبل نفسه وإن اشتد، ~~لأنه من باب الغرر وقياسا على بيعه مخلوطا بتبنه بعد الدرس. وحجة الجمهور ~~شيئان: الأثر والقياس. فأما الأثر فما روي عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ~~(ص) نهى عن بيع النخيل حتى تزهى، وعن السنبل حتى تبيض وتأمن العاهة، نهى ~~البائع والمشتري وهي زيادة على ما رواه مالك من هذا الحديث، والزيادة إذا ~~كانت من الثقة مقبولة وروي عن الشافعي أنه لما وصلته هذه الزيادة رجع عن ~~قوله، وذلك أنه لا يصح عنده قياس مع وجود الحديث. وأما بيع السنبل إذا أفرك ~~ولم يشتد فلا يجوز عند مالك، إلا على القطع. وأما بيع السنبل غير محصود. ~~فقيل عن مالك يجوز، وقيل لا يجوز، إلا إذا كان في حزمه. وأما بيعه في تبنه ~~بعد الدرس فلا يجوز بلا خلاف فيما أحسب، هذا إذا كان جزافا، فأما إذا كان ~~مكيلا فجائز عند مالك، ولا أعرف فيه قولا لغيره. واختلف الذين أجازوا بيع ~~السنبل إذا طاب على من يكون حصاده ودرسه، فقال الكوفيون: على البائع حتى ~~يعمله حبا للمشتري، وقال غيرهم: هو على المشتري. ومن هذا الباب ما ثبت أن ~~رسول الله (ص) نهى عن بيعتين في بيعة وذلك من حديث ابن عمر وحديث ابن مسعود ~~وأبي هريرة. قال أبو عمر: وكلها من نقل العدول. # فاتفق الفقهاء على القول بموجب هذا الحديث عموم، واختلفوا في التفصيل، ~~أعني في الصورة التي ينطلق عليها هذا الاسم من التي لا ينطلق عليها. ~~واتفقوا أيضا على بعضها، وذلك يتصور على وجوه ثلاثة: أحدها: إما في مثمونين ~~بثمنين، أو مثمون واحد بثمنين، PageV02P123 # أو مثمونين بثمن واحد على أن أحد البيعين قد لزم. أما في مثمونين بثمنين، ~~فإن ذلك يتصور على وجهين: أحدهما: أن يقول له: أبيعك هذه السلعة بثمن كذا ~~على أن تبيعني هذه الدار بثمن كذا، والثاني: أن يقول له: أبيعك هذه السلعة ~~بدينار أو هذه الأخرى بدينارين. # وأما بيع مثمون واحد بثمنين، فإن ذلك يتصور أيضا على وجهين: أحدهما: أن ms0658 ~~يكون أحد الثمنين نقدا والآخر نسيئة، مثل أن يقول له: أبيعك هذا الثوب نقدا ~~بثمن كذا على أن أشتريه منك إلى أجل كذا بثمن كذا، وأما مثمونان بثمن واحد، ~~فمثل أن يقول له: أبيعك أحد هذين بثمن كذا. أما الوجه الأول: وهو أن يقول ~~له: أبيعك هذه الدار بكذا على أن تبيعني هذا الغلام بكذا، فنص الشافعي على ~~أنه لا يجوز، لان الثمن في كليهما يكون مجهولا، لأنه لو أفرد المبيعين لم ~~يتفقا في كل واحد منهما على الثمن الذي اتفقا عليه في المبيعين في عقد ~~واحد، وأصل الشافعي في رد بيعتين في بيعة إنما هو جهل الثمن أو المثمون. ~~وأما الوجه الثاني: وهو أن يقول: أبيعك هذه السلعة بدينار أو هذه الأخرى ~~بدينارين على أن البيع قد لزم في أحدهما فلا يجوز عند الجميع، وسواء أكان ~~النقد واحدا أو مختلفا، وخالف عبد العزيز بن أبي سلمة في ذلك، فأجازه إذا ~~كان النقد واحدا أو مختلفا، وعلة منعه عند الجميع الجهل، وعند مالك من باب ~~سد الذرائع لأنه ممكن أن يختار في نفسه أحد الثوبين، فيكون قد باع ثوبا ~~ودينارا بثوب ودينار، وذلك لا يجوز على أصل مالك. وأما الوجه الثالث: وهو ~~أن يقول له: أبيعك هذا الثوب نقدا بكذا أو نسيئة بكذا، فهذا إذا كان البيع ~~فيه واجبا فلا خلاف في أنه لا يجوز وأما إذ لم يكن البيع لازما في أحدهما ~~فأجازه مالك، ومنعه أبو حنيفة والشافعي، لأنهما افترقا على ثمن غير معلوم، ~~وجعله مالك من باب الخيار، لأنه إذا كان عنده على الخيار لم يتصور فيه ندم ~~يوجب تحويل أحد الثمنين في الآخر، وهذا عند مالك هو المانع، فعلة امتناع ~~هذا الوجه الثالث عند الشافعي وأبي حنيفة من جهة جهل الثمن، فهو عندهما من ~~بيوع الغرر التي نهي عنها، وعلة امتناعه عند مالك سد الذريعة الموجبة للربا ~~لامكان أن يكون الذي له الخيار قد اختار أولا إنفاذ العقد بأحد الثمنين ~~المؤجل أو المعجل ثم بدا له ولم ms0659 يظهر ذلك، فيكون قد ترك أحد الثمنين للثمن ~~الثاني، فكأنه باع أحد الثمنين بالثاني، فيدخله ثمن بثمن نسيئة، أو نسيئة ~~ومتفاضلا، وهذا كله إذا كان الثمن نقدا، وإن كان الثمن غير نقد بل طعاما ~~دخله وجه آخر، وهو بيع الطعام بالطعام متفاضلا. وأما إذا قال: أشتري منك ~~هذا الثوب نقدا بكذا على أن تبيعه مني إلى أجل. فهو عندهم لا يجوز بإجماع، ~~لأنه من باب العينة وهو بيع الرجل ما ليس عنده، ويدخله أيضا علة جهل الثمن. ~~وأما إذا قال له: أبيعك أحد هذين الثوبين بدينار وقد لزمه أحدهما أيهما ~~يختار وافترقا قبل الخيار، فإذا كان الثوبان من صنفين وهما مما يجوز أن ~~يسلم أحدهما في الثاني فإنه لا خلاف بين مالك والشافعي في أنه PageV02P124 # لا يجوز، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: إنه يجوز، وعلة المنع الجهل ~~والغرر. وأما إن كانا من صنف واحد فيجوز عند مالك، ولا يجوز عند أبي حنيفة ~~والشافعي وأما مالك فإنه أجازه لأنه يجيز الخيار بعد عقد البيع في الأصناف ~~المستوية لقلة الغرر عنده في ذلك. وأما من لا يجيزه فيعتبره بالغرر الذي لا ~~يجوز. لأنهما افترقا على بيع غير معلوم. وبالجملة فالفقهاء متفقون على أن ~~الغرر الكثير في المبيعات لا يجوز. وأن القليل يجوز. ويختلفون في أشياء من ~~أنواع الغرر. فبعضهم يلحقها بالغرر الكثير، وبعضهم يلحقها بالغرر القليل ~~المباح لترددها بين القليل والكثير، فإذا قلنا بالجواز على مذهب مالك، فقبض ~~الثوبين من المشتري على أن يختار فهلك أحدهما أو أصابه عيب فمن يصيبه ذلك؟ ~~فقيل تكون المصيبة بينهما. وقيل بل يضمنه كله المشتري. إلا أن تقوم البينة ~~على هلاكه. وقيل فرق في ذلك بين الثياب وما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه ~~كالعبد فيضمن فيما يغاب عليه ولا يضمن فيما لا يغاب عليه. وأما هل يلزمه ~~أخذ الباقي؟ قيل يلزم. وقيل لا يلزم. وهذا يذكر في أحكام البيوع. وينبغي أن ~~نعلم أن المسائل الداخلة في هذا المعنى هي: أما عند فقها الأمصار ms0660 فمن باب ~~الغرر، وأما عند مالك فمنها ما يكون عنده من باب ذرائع الربا، ومنها ما ~~يكون من باب الغرر. فهذه هي المسائل التي تتعلق بالمنطوق به في هذا الباب. ~~وأما نهيه عن بيع الثنيا وعن بيع وشرط فهو وإن كان سببه الغرر فالأشبه أن ~~نذكرها في المبيعات الفاسدة من قبل الشروط. # فصل: وأما المسائل المسكوت عنها في هذا الباب المختلف فيها بين فقهاء ~~الأمصار فكثيرة، لكن نذكر منها أشهرها لتكون كالقانون للمجتهد النظار. # مسألة: المبيعات على نوعين: مبيع حاضر مرئي، فهذا لا خلاف في بيعه. ومبيع ~~غائب أو متعذر الرؤية، فهنا اختلف العلماء، فقال قوم: بيع الغائب لا يجوز ~~بحال من الأحوال لا ما وصف ولا ما لم يوصف. وهذا أشهر قولي الشافعي وهو ~~المنصوص عند أصحابه، أعني أن بيع الغائب على الصفة لا يجوز، وقال مالك ~~وأكثر أهل المدينة: يجوز بيع الغائب على الصفة إذا كانت غيبته مما يؤمن أن ~~تتغير فيه قبل القبض صفته، وقال أبو حنيفة: # يجوز بيع العين الغائبة من غير صفة، ثم له إذا رآها الخيار، فإن شاء أنفذ ~~البيع وإن شاء رده. # وكذلك المبيع على الصفة من شرطه عندهم خيار الرؤية وإن جاء على الصفة ~~وعند مالك أنه إذا جاء على الصفة فهو لازم، وعند الشافعي لا ينعقد البيع ~~أصلا في الموضعين، وقد قيل في المذهب: يجوز بيع الغائب من غير صفة على شرط ~~الخيار خيار الرؤية، وقع ذلك في المدونة، وأنكره عبد الوهاب وقال: هو مخالف ~~لأصولنا. وسبب الخلاف: هل نقصان العلم المتعلق بالصفة عن العلم المتعلق ~~بالحس هو جهل مؤثر في بيع الشئ فيكون من الغرر الكثير، أم ليس بمؤثر وأنه ~~من الغرر اليسير المعفو عنه؟ فالشافعي رآه من الغرر الكثير، PageV02P125 # ومالك رآه من الغرر اليسير، وأما أبو حنيفة فإنه رأى أنه إذا كان له خيار ~~الرؤية أنه لا غرر هناك وإن لم تكن رؤية، وأما مالك فرأى أن الجهل المقترن ~~بعدم الصفة مؤثر في انعقاد البيع، ولا خلاف عند مالك ms0661 أن الصفة إنما تنوب عن ~~المعاينة لمكان غيبة المبيع أو لمكان المشقة التي في نشره، وما يخاف أن ~~يلحقه من الفساد بتكرار النشر عليه، ولهذا أجاز البيع على البرنامج على ~~الصفة، ولم يجز عنده بيع السلاح في جرابه ولا الثوب المطوي في طيه حتى ينشر ~~أو ينظر إلى ما في جرابها. واحتج أبو حنيفة بما روي عن ابن المسيب أنه قال: ~~قال أصحاب النبي (ص): وددنا أن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف تبايعا ~~حتى نعلم أيهما أعظم جدا في التجارة، فاشترى عبد الرحمن من عثمان بن عفان ~~فرسا بأرض له أخرى بأربعين ألفا أو أربعة آلاف. فذكر تمام الخبر. وفيه بيع ~~الغائب مطلقا، ولا بد عند أبي حنيفة من اشتراط الجنس. ويدخل البيع على ~~الصفة أو على خيار الرؤية من جهة ما هو غائب غرر آخر ، وهو هل هو موجود وقت ~~العقد أو معدوم؟ ولذلك اشترطوا فيه أن يكون قريب الغيبة إلا أن يكون مأمونا ~~كالعقار. ومن ههنا أجاز مالك بيع الشئ برؤية متقدمة، أعني إذا كان من القرب ~~بحيث يؤمن أن لا تتغير فيه. فاعلمه. # مسألة: وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل، وأن من شرطها تسليم ~~المبيع إلى المبتاع بأثر عقد الصفقة، إلا أن مالكا وربيعة وطائفة من أهل ~~المدينة أجازوا بيع الجارية الرفيعة على شرط المواضعة، ولم يجيزوا فيها ~~النقد كما لم يجزه مالك في بيع الغائب. وإنما منع ذلك الجمهور لما يدخله من ~~الدين بالدين، ومن عدم التسليم، ويشبه أن يكون بيع الدين بالدين من هذا ~~الباب، أعني لما يتعلق بالغرر من عدم التسليم من الطرفين لا من باب الربا، ~~وقد تكلمنا في علة الدين بالدين، ومن هذا الباب ما كان يرى ابن القاسم أنه ~~لا يجوز أن يأخذ الرجل من غريمه في دين له عليه ثمرا قد بدا صلاحه ويراه من ~~باب الدين بالدين، وكان أشهب يجيز ذلك ويقول: إنما الدين بالدين ما لم يشرع ~~في قبض شئ منه، أعني أنه ms0662 كان يرى أن قبض الأوائل من الأثمان يقوم مقام قبض ~~الأواخر، وهو القياس عند كثير من المالكيين، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة. # مسألة: أجمع فقهاء الأمصار على بيع الثمر الذي يثمر بطنا واحدا يطيب بعضه ~~وإن لم تطب جملته معا، واختلفوا فيما يثمر بطونا مختلفة، وتحصيل مذهب مالك ~~في ذلك أن البطون المختلفة لا تخلو أن تتصل أو لا تتصل فإن لم تتصل لم يكن ~~بيع ما لم يخلق منها داخلا فيما خلق كشجر التين يوجد فيه الباكور والعصير، ~~ثم إن اتصلت فلا يخلو أن تتميز البطون أو لا تتميز، فمثال المتميز جز ~~القصيل الذي يجز مدة بعد مدة. ومثال غير المتميز المطابخ والمقاثئ ~~والباذنجان والقرع، ففي الذي يتميز عنه وينفصل روايتان: إحداهما الجواز ~~والأخرى المنع. وفي الذي يتصل ولا يتميز قول واحد وهو الجواز، وخالفه ~~PageV02P126 # الكوفيون وأحمد وإسحق والشافعي في هذا كله، فقالوا: لا يجوز بيع بطن منها ~~بشرط بطن آخر، وحجة مالك فيما لا يتميز أنه لا يمكن حبس أوله على آخره، ~~فجاز أن يباع ما لم يخلق منها مع ما خلق وبدا صلاحه، أصله جواز بيع ما لم ~~يطب من الثمر مع ما طاب، لان الغرر في الصفة شبهه بالغرر في عين الشئ. ~~وكأنه رأى أن الرخصة ههنا يجب أن تقاس على الرخصة في بيع الثمار، أعني ما ~~طاب مع ما لم يطب لموضع الضرورة، والأصل عنده أن من الغرر ما يجوز لموضع ~~الضرورة، ولذلك منع على إحدى الروايتين عنده بيع القصيل بطنا أكثر من واحد ~~لأنه لا ضرورة هناك إذا كان متميزا. وأما وجه الجواز في القصيل فتشبيها له ~~بما لا يتميز وهو ضعيف. وأما الجمهور فإن هذا كله عندهم من بيع ما لم يخلق، ~~ومن باب النهي عن بيع الثمار معاومة. واللفت والجزر والكرنب جائز عند مالك ~~بيعه إذا بدا صلاحه وهو استحقاقه للأكل، ولم يجزه الشافعي إلا مقلوعا، لأنه ~~من باب بيع المعيب، ومن هذا الباب بيع الجوز واللوز والباقلا في قشره، ~~أجازه مالك، ms0663 ومنعه الشافعي. والسبب في اختلافهم: هل هو من الغرر المؤثر في ~~البيوع أم ليس من المؤثر؟ وذلك أنهم اتفقوا أن الغرر ينقسم بهذين القسمين، ~~وأن غير المؤثر هو اليسير أو الذي تدعو إليه الضرورة، أو ما جمع الامرين. ~~ومن هذا الباب بيع السمك في الغدير أو البركة اختلفوا فيه أيضا، فقال أبو ~~حنيفة: يجوز، ومنعه مالك والشافعي فيما أحسب، وهو الذي تقتضي أصوله. ومن ~~ذلك بيع الآبق أجازه قوم بإطلاق، ومنعه قوم بإطلاق ومنهم الشافعي، وقال ~~مالك: إذا كان معلوم الصفة معلوم الموضع عند البائع والمشتري جاز، وأظنه ~~اشترط أن يكون معلوم الإباق، ويتواضعان الثمن أعني أنه لا يقبضه البائع حتى ~~يقبضه المشتري، لأنه يتردد عند العقد بين بيع وسلف، وهذا أصل من أصوله يمنع ~~به النقد في بيع المواضعة وفي بيع الغائب غير المأمون، وفيما كان من هذا ~~الجنس. وممن قال بجواز بيع الآبق والبعير الشارد عثمان البتي. والحجة ~~للشافعي: حديث شهر بن حوشب عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله (ص) نهى عن ~~شراء العبد الآبق، وعن شراء ما في بطون الانعام حتى تضع، وعن شراء ما في ~~ضروعها، وعن شراء الغنائم حتى تقسم وأجاز مالك بيع لبن الغنم أياما معدودة ~~إذا كان ما يحلب منها معروفا في العادة. ولم يجز ذلك في الشاة الواحدة، ~~وقال سائر الفقهاء: لا يجوز ذلك إلا بكيل معلوم بعد الحلب. ومن هذا الباب ~~منع مالك بيع اللحم في جلده. ومن هذا الباب بيع المريض، أجازه مالك إلا أن ~~يكون ميؤوسا منه، ومنعه الشافعي وأبو حنيفة، وهي رواية أخرى عنه ومن هذا ~~الباب بيع تراب المعدن والصواغين، فأجاز مالك بيع تراب المعدن بنقد يخالفه ~~أو بعرض، ولم يجز بيع تراب الصاغة، ومنع الشافعي البيع في الامرين جميعا، ~~وأجازه قوم في الامرين جميعا، وبه قال الحسن البصري، فهذه هي البيوع ~~PageV02P127 # التي يختلف فيها أكثر ذلك من قبل الجهل بالكيفية. وأما اعتبار الكمية ~~فإنهم اتفقوا على أنه لا يجوز أن يباع شئ من المكيل أو ms0664 الموزون أو المعدود ~~أو الممسوح إلا أن يكون معلوم القدر عند البائع والمشتري، واتفقوا على أن ~~العلم الذي يكون بهذه الأشياء من قبل الكيل المعلوم أو الصنوج المعلومة ~~مؤثر في صحة البيع، وفي كل ما كان غير معلوم الكيل والوزن عند البائع ~~والمشتري من جميع الأشياء المكيلة والموزونة والمعدودة والممسوحة، وأن ~~العلم بمقادير هذه الأشياء التي تكون من قبل الحزر والتخمين وهو الذي ~~يسمونه الجزاف يجوز في أشياء ويمنع في أشياء. وأصل مذهب مالك في ذلك أنه ~~يجوز في كل ما المقصود منه الكثرة لا آحاد وهو عنده على أصناف: منها ما ~~أصله الكيل ويجوز جزافا، وهي المكيلات والموزونات، ومنها ما أصله الجزاف ~~ويكون مكيلا، وهي الممسوحات كالأرضين والثياب، ومنها ما لا يجوز فيها ~~التقدير أصلا بالكيل والوزن، بل إنما يجوز فيها العدد فقط ولا يجوز بيعها ~~جزافا، وهي كما قلنا التي المقصود منها آحاد أعيانها. وعند مالك أن التبر ~~والفضة الغير المسكوكين يجوز بيعهما جزافا ولا يجوز ذلك في الدراهم ~~والدنانير، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز ويكره. ويجوز عند مالك أن تباع ~~الصبرة المجهولة على الكيل: أي كل كيل منها بكذا، فما كان فيها من الأكيال ~~وقع من تلك القيمة بعد كيلها والعلم بمبلغها، وقال أبو حنيفة: لا يلزم إلا ~~في كيل واحد وهو الذي سمياه. ويجوز هذا البيع عند مالك في العبيد والثياب ~~وفي الطعام، ومنعه أبو حنيفة في الثياب والعبيد، ومنع ذلك غيره في الكل ~~فيما أحسب للجهل بمبلغ الثمن. ويجوز عند مالك أن يصدق المشتري البائع في ~~كيلها إذا لم يكن البيع نسيئة، لأنه يتهمه أن يكون صدقه لينظره بالثمن، ~~وعند غيره لا يجوز ذلك حتى يكتالها المشتري لنهيه (ص) عن بيع الطعام حتى ~~تجرى فيه الصيعان وأجازه قوم على الاطلاق، وممن منعه أبو حنيفة والشافعي ~~وأحمد، وممن أجازه بإطلاق عطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة، ولا يجوز عند ~~مالك أن يعلم البائع الكيل ويبيع المكيل جزافا ممن يجهل الكيل، ولا يجوز ~~عند الشافعي وأبي ms0665 حنيفة. والمزابنة المنهي عنها هي عند مالك من هذا الباب، ~~وهي بيع مجهول الكمية بمجهول الكمية، وذلك أما في الربويات فلموضع التفاضل، ~~وأما في غير الربويات فلعدم تحقق القدر. # الباب الرابع: في بيوع الشروط والثنيا وهذه البيوع الفساد الذي يكون فيها ~~هو راجع إلى الفساد الذي يكون من قبل الغرر، ولكن لما تضمنها النص وجب أن ~~تجعل قسما من أقسام البيوع الفاسدة على حدة. والأصل في اختلاف الناس في هذا ~~الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث جابر قال: ابتاع مني رسول الله (ص) بعيرا ~~وشرط ظهره إلى المدينة وهذا الحديث في الصحيح. والحديث الثاني: # حديث بريرة أن رسول الله (ص) قال كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو ~~كان مائة PageV02P128 # شرط والحديث متفق على صحته. والثالث: حديث جابر قال: نهى رسول الله (ص) ~~عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاومة والثنيا، ورخص في العرايا وهو ~~أيضا في الصحيح خرجه مسلم. ومن هذا الباب ما روي عن أبي حنيفة أنه روى أن ~~رسول الله (ص) نهى عن بيع وشرط فاختلف العلماء لتعارض هذه الأحاديث في بيع ~~وشرط، فقال قوم: البيع فاسد والشرط جائز. وممن قال بهذا القول الشافعي وأبو ~~حنيفة، وقال قوم: البيع جائز والشرط جائز، وممن قال بهذا القول ابن أبي ~~شبرمة، وقال قوم: البيع جائز والشرط باطل، وممن قال بهذا القول ابن أبي ~~ليلى، وقال أحمد: البيع جائز مع شرط واحد، وأما مع شرطين فلا فمن أبطل ~~البيع والشرط أخذ بعموم نهيه عن بيع وشرط، ولعموم نهيه عن الثنيا، ومن ~~أجازهما جميعا أخذ بحديث عمر الذي ذكر فيه البيع والشرط، ومن أجاز البيع ~~وأبطل الشرط أخذ بعموم حديث بريرة، ومن لم يجز الشرطين وأجاز الواحد احتج ~~بحديث عمرو بن العاص خرجه أبو داود قال: قال رسول الله (ص) لا يحل سلف ~~وبيع، ولا يجوز شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس هو عندك. ~~وأما مالك فالشروط عنده تنقسم ثلاثة أقسام: # شروط تبطل هي والبيع معا، ms0666 وشروط تجوز هي والبيع معا، وشروط تبطل ويثبت ~~البيع. وقد يظن أن عنده قسما رابعا وهو أن من الشروط ما إن يمسك المشترط ~~بشرطه بطل البيع، وإن تركه جاز البيع، وإعطاء فروق بينة في مذهبه بين هذه ~~الأصناف الأربعة عسير، وقد رام ذلك كثير من الفقهاء، وإنما هي راجعة إلى ~~كثرة ما يتضمن الشروط من صنفي الفساد الذي يخل بصحة البيوع وهما الربا ~~والغرر وإلى قلته وإلى التوسط بين ذلك، أو إلى ما يفيد نقصا في الملك، فما ~~كان دخول هذه الأشياء فيه كثيرا من قبل الشرط أبطله وأبطل الشرط، وما كان ~~قليلا أجازه وأجاز الشرط فيها، وما كان متوسطا أبطل الشرط وأجاز البيع. ~~ويرى أصحابه أن مذهبه هو أولى المذاهب، إذ بمذهبه تجتمع الأحاديث كلها، ~~والجمع عندهم أحسن من الترجيح. وللمتأخرين من أصحاب مالك في ذلك تفصيلات ~~متقاربة، وأحد من له ذلك جدي والمازري والباجي، وتفصيله في ذلك أن قال: إن ~~الشرط في المبيع يقع على ضربين أولين: # أحدهما: أن يشترطه بعد انقضاء الملك مثل من يبيع الأمة أو العبد، ويشترط ~~أنه متى عتق كان له ولاؤه دون المشتري، فمثل هذا قالوا: يصح فيه العقد ~~ويبطل الشرط لحديث بريرة. # والقسم الثاني: أن يشترط عليه شرطا يقع في مدة الملك، وهذا قالوا: ينقسم ~~إلى ثلاثة أقسام: إما أن يشترط في المبيع منفعة لنفسه، وإما أن يشترط على ~~المشتري منعا من تصرف عام أو خاص، وإما أن يشترط إيقاع معنى في المبيع، ~~وهذا أيضا ينقسم إلى قسمين: # أحدهما: أن يكون معنى من معاني البر. # والثاني: أن يكون معنى ليس فيه من البر شئ. فأما إذا اشترط لنفسه منفعة ~~يسيرة لا تعود بمنع التصرف في أصل المبيع، مثل أن يبيع الدار ويشترط سكناها ~~مدة يسيرة مثل PageV02P129 # الشهر، وقيل السنة، فذلك جائز على حديث جابر. وأما أن يشترط منعا من تصرف ~~خاص أو عام، فذلك لا يجوز لأنه من الثنيا، مثل أن يبيع الأمة على أن لا ~~يطأها أو لا يبيعها، وأما أن ms0667 يشترط معنى من معاني البر مثل العتق، فإن كان ~~اشترط تعجيله جاز عنده، وإن تأخر لم يجز لعظم الغرر فيه. وبقول مالك في ~~إجازة البيع بشرط العتق المعجل قال الشافعي على أن من قوله منع بيع وشرط، ~~وحديث جابر عنده مضطرب اللفظ، لان في بعض رواياته أنه باعه واشترط ظهره إلى ~~المدينة، وفي بعضها أنه أعاره ظهره إلى المدينة. # ومالك رأى هذا من باب الغرر اليسير فأجازه في المدة القليلة ولم يجزه في ~~الكثيرة. وأما أبو حنيفة فعلى أصله في منع ذلك. وأما إن اشترط معنى في ~~المبيع ليس ببر مثل أن لا يبيعها، فذلك لا يجوز عند مالك، وقيل عنه: البيع ~~مفسوخ، وقيل: بل يبطل الشرط فقط. # وأما من قال له البائع: متى جئتك بالثمن رددت علي المبيع فإنه لا يجوز ~~عند مالك، لأنه يكون مترددا بين البيع والسلف، إن جاء بالثمن كان سلفا، وإن ~~لم يجئ كان بيعا. # واختلف في المذهب هل يجوز ذلك في الإقالة أم لا؟ فمن رأى أن الإقالة بيع ~~فسخها عنده ما يفسخ سائر البيوع، ومن رأى أنها فسخ فرق بينها وبين البيوع. ~~واختلف أيضا فيمن باع شيئا بشرط أن لا يبيعه حتى ينتصف من الثمن، فقيل عن ~~مالك يجوز ذلك لان حكمه حكم الرهن، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الرهن هو ~~المبيع أو غيره، وقيل عن ابن القاسم: # لا يجوز ذلك، لأنه شرط يمنع المبتاع التصرف في المبيع المدة البعيدة التي ~~لا يجوز للبائع اشتراط المنفعة فيها، فوجب أن يمنع صحة البيع، ولذلك قال ~~ابن المواز إنه جائز في الأمد القصير. ومن المسموع في هذا الباب نهيه (ص) ~~عن بيع وسلف، اتفق الفقهاء على أنه من البيوع الفاسدة واختلفوا إذا ترك ~~الشرط قبل القبض، فمنعه أبو حنيفة والشافعي وسائر العلماء، وأجاز مالك ~~وأصحابه إلا محمد بن عبد الحكم، وقد روي عن مالك مثل قول الجمهور، وحجة ~~الجمهور أن النهي يتضمن فساد المنهي عنه مع أن الثمن يكون في المبيع مجهولا ~~لاقتران ms0668 السلف به. وقد روي أن محمد بن أحمد بن سهل البرمكي سأل عن هذه ~~المسألة إسماعيل بن إسحاق المالكي فقال له: ما الفرق بين السلف والبيع، ~~وبين رجل باع غلاما بمائة دينار وزق خمر فلما عقد البيع قال: أنا أدع الزق، ~~قال: وهذا البيع مفسوخ عند العلماء بإجماع، فأجاب إسماعيل عن هذا بجواب لا ~~تقوم به حجة، وهو أن قال له: الفرق بينهما أن مشترط السلف هو مخير في تركه، ~~أو عدم تركه، وليس كذلك مسألة زق الخمر وهذا الجواب هو نفس الشئ الذي طولب ~~فيه بالفرق، وذلك أنه يقال له: لم كان هنا مخيرا ولم يكن هنالك مخيرا في أن ~~يترك الزق ويصح البيع؟ والأشبه أن يقال إن التحريم ههنا لم يكن لشئ محرم ~~بعينه وهو السلف لان السلف مباح، وإنما وقع التحريم من أجل الاقتران: أعني ~~اقتران البيع به، وكذلك البيع في نفسه جائز، وإنما امتنع من قبل اقتران ~~PageV02P130 # الشرط به، وهنالك إنما امتنع البيع من أجل اقتران شئ محرم لعينه به، لا ~~أنه شئ محرم من قبل الشرط. ونكتة المسألة هل إذا لحق الفساد بالبيع من قبل ~~الشرط يرتفع الفساد إذا ارتفع الشرط أم لا يرتفع كما لا يرتفع الفساد ~~اللاحق للبيع الحلال من أجل اقتران المحرم العين به؟ وهذا أيضا ينبني على ~~أصل آخر هو هل هذا الفساد حكمي أو معقول؟ # فإن قلنا حكمي لم يرتفع بارتفاع الشرط، وإن قلنا معقول ارتفع بارتفاع ~~الشرط. فمالك رآه معقولا، والجمهور رأوه غير معقول. والفساد الذي يوجد في ~~بيوع الربا والغرر هو أكثر ذلك حكمي ولذلك ليس ينعقد عندهم أصلا، وإن ترك ~~الربا بعد البيع أو ارتفع الغرر. واختلفوا في حكمه إذا وقع على ما سيأتي في ~~أحكام البيوع الفاسدة. ومن هذا الباب بيع العربان، فجمهور علماء الأمصار ~~على أنه غير جائز. وحكي عن قوم من التابعين أنهم أجازوه، منهم مجاهد وابن ~~سيرين ونافع بن الحار ث وزيد بن أسلم. وصورته: أن يشتري الرجل شيئا فيدفع ~~إلى المبتاع من ms0669 ثمن ذلك المبيع شيئا على أنه إن نفذ البيع بينهما كان ذلك ~~المدفوع من ثمن السلعة، وإن لم ينفذ ترك المشتري بذلك الجزء من الثمن عند ~~البائع ولم يطالبه به، وإنما صار الجمهور إلى منعه لأنه من باب الغرر ~~والمخاطرة وأكل المال بغير عوض، وكان زيد يقول: أجازه رسول الله (ص). وقال ~~أهل الحديث: ذلك غير معروف عن رسول الله (ص). وفي الاستثناء مسائل مشهورة ~~من هذا الباب اختلف الفقهاء فيها أعني هل تدخل تحت النهي عن الثنيا، أم ~~ليست تدخل؟ فمن ذلك أن يبيع الرجل حاملا ويستثني ما في بطنها، فجمهور فقهاء ~~الأمصار مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري على أنه لا يجوز، وقال أحمد وأبو ~~ثور وداود ذلك جائز، وهو مروي عن ابن عمر. وسبب الخلاف: هل المستثنى مبيع ~~مع ما استثنى منه، أم ليس بمبيع وإنما هو باق على ملك البائع؟ فمن قال مبيع ~~قال: لا يجوز وهو من الثنيا المنهي عنها لما فيها من الجهل بصفته وقلة ~~الثقة بسلامة خروجه؟ ومن قال هو باق على ملك البائع أجاز ذلك، وتحصيل مذهب ~~مالك فيمن باع حيوانا واستثنى بعضه أن ذلك البعض لا يخلو أن يكون شائعا أو ~~معينا أو مقدرا، فإن كان شائعا فلا خلاف في جوازه مثل أن يبيع عبدا إلا ~~ربعه. وأما إن كان معينا فلا يخلو أن يكون مغيبا مثل الجنين، أو يكون غير ~~مغيب، فإن كان مغيبا فلا يجوز، وإن كان غير مغيب كالرأس واليد والرجل، فلا ~~يخلو الحيوان أن يكون مما يستباح ذبحه أو لا يكون، فإن كان مما لا يستباح ~~ذبحه فإنه لا يجوز، لأنه لا يجوز أن يبيع أحد غلاما ويستثني رجله، لان حقه ~~غير متميز، ولا متبعض وذلك مما لا خلاف فيه، وإن كان الحيوان مما يستباح ~~ذبحه، فإن باعه واستثنى منه عضوا له قيمة بشرط الذبح، ففي المذهب فيه ~~قولان: أحدهما: أنه لا يجوز وهو المشهور، والثاني: يجوز، وهو قول ابن حبيب ~~جوز بيع الشاة مع استثناء القوائم والرأس. ms0670 وأما إذا لم يكن المستثنى قيمة ~~فلا خلاف في جوازه في المذهب، ووجه قول مالك أنه إن كان استثناؤه بجلده فما ~~تحت الجلد مغيب وإن كان لم يستثنه بجلده فإنه لا يدري بأي صفة يخرج له بعد ~~كشط الجلد PageV02P131 # عنه. ووجه قول ابن حبيب أنه استثنى عضوا معينا معلوما، فلم يضره ما عليه ~~من الجلد أصله شراء الحب في سنبله والجوز في قشره. وأما إن كان المستثنى من ~~الحيوان بشرط الذبح إما عرفا وإما ملفوظا به جزءا مقدرا مثل أرطال من جزور، ~~فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: المنع، وهي رواية ابن وهب، والثانية: ~~الإجازة في الأرطال اليسيرة فقط، وهي رواية ابن القاسم. وأجمعوا من هذا ~~الباب على جواز بيع الرجل ثمر حائطه واستثناء نخلات معينات منه قياسا على ~~جواز شرائها. واتفقوا على أنه لا يجوز أن يستثني من حائط له عدة نخلات غير ~~معينات إلا بتعيين المشتري لها بعد البيع، لأنه بيع ما لم يره المتبايعان ~~واختلفوا في الرجل يبيع الحائط ويستثنى منه عدة نخلات بعد البيع، فمنعه ~~الجمهور لمكان اختلاف صفة النخيل، وروي عن مالك إجازته، ومنع ابن القاسم ~~قوله في النخلات وأجازه في استثناء الغنم. وكذلك اختلف قول مالك وابن ~~القاسم في شراء نخلات معدودة من حائطه على أن يعينها بعد الشراء المشتري ~~فأجازه مالك ومنعه ابن القاسم. وكذلك اختلفوا إذا استثنى البائع مكيلة من ~~حائط، قال أبو عمر بن عبد البر: فمنع ذلك فقهاء الأمصار الذين تدور الفتوى ~~عليهم، وألفت الكتاب على مذاهبهم لنهيه (ص) عن الثنيا في البيع، لأنه ~~استثناء مكيل من جزاف، وأما مالك وسلفه من أهل المدينة فإنهم أجازوا ذلك ~~فيما دون الثلث ومنعوه فيما فوقه، وحملوا النهي عن الثنيا على ما فوق ~~الثلث، وشبهوا بيع ما عدا المستثنى ببيع الصبرة التي لا يعلم مبلغ كيلها ~~فتباع جزافا ويستثنى منها كيل ما، وهذا الأصل أيضا مختلف فيه، أعني إذا ~~استثني منها كيل معلوم واختلف العلماء من هذا الباب في بيع وإجارة معا في ms0671 ~~عقد واحد، فأجازه مالك وأصحابه، ولم يجزه الكوفيون ولا الشافعي، لان الثمن ~~يرون أنه يكون حينئذ مجهولا، ومالك يقول إذا كانت الإجارة معلومة لم يكن ~~الثمن مجهولا، وربما رآه الذين منعوه من باب بيعتين في بيعة. # وأجمعوا على أنه لا يجوز السلف أو البيع كما قلنا. واختلف قول مالك في ~~إجازة السلف والشركة، فمرة أجاز ذلك ومرة منعه، وهذه كلها اختلف العلماء ~~فيها لاختلافهم بالأقل والأكثر في وجود علل المنع فيها المنصوص عليها، فمن ~~قويت عنده علة المنع في مسألة منها منعها، ومن لم تقو عنده أجازها، وذلك ~~راجع إلى ذوق المجتهد، لأن هذه المواد يتجاذب القول فيها إلى الضدين على ~~السواء عند النظر فيها، ولعل في أمثال هذه المواد يكون القول بتصويب كل ~~مجتهد صوابا، ولهذا ذهب بعض العلماء في أمثال هذه المسائل إلى التخيير. ~~PageV02P132 # الباب الخامس: # في البيوع المنهي عنها من أجل الضرر أو الغبن والمسموع من هذا الباب ما ~~ثبت من نهيه (ص) عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وعن أن يسوم أحد على سوم ~~أخيه، ونهيه عن تلقي الركبان، ونهيه عن أن يبيع حاضر لباد، ونهيه عن النجش. ~~وقد اختلف العلماء في تفصيل معاني هذه الآثار اختلافا ليس بمتباعد، فقال ~~مالك: معنى قوله عليه الصلاة والسلام لا يبع بعضكم على بيع بعض ومعنى نهيه ~~عن أن يسوم أحد على سوم أخيه واحد، وهي في الحالة التي إذا ركن البائع فيها ~~إلى السائم ولم يبق بينهما إلا شئ يسير مثل اختيار الذهب أو اشتراط العيوب ~~أو البراءة منها، وبمثل تفسير مالك فسر أبو حنيفة هذا الحديث. وقال الثوري ~~معنى لا يبع بعضكم على بيع بعض أن لا يطرأ رجل آخر على المتبايعين فيقول: ~~عندي خير من هذه السلعة. ولم يحد وقت ركون ولا غيره. وقال الشافعي: معنى ~~ذلك إذا تم البيع باللسان ولم يفترقا فأتى أحد يعرض عليه سلعة له هي خير ~~منها، وهذا بناء على مذهبه في أن البيع إنما يلزم بالافتراق، فهو ومالك ~~متفقان ms0672 على أن النهي إنما يتناول حالة قرب لزوم البيع على ما سنذكره بعد، ~~وفقهاء الأمصار على أن هذا البيع يكره، وإن وقع مضى لأنه سوم على بيع لم ~~يتم، وقال داود وأصحابه: إن وقع فسخ في أي حالة وقع تمسكا بالعموم، وروي عن ~~مالك وعن بعض أصحابه فسخه ما لم يفت، وأنكر ابن الماجشون ذلك في البيع ~~فقال: وإنما قال بذلك مالك في النكاح وقد تقدم ذلك. واختلفوا في دخول الذمي ~~في النهي عن سوم غيره، فقال الجمهور: لا فرق في ذلك بين الذمي وغيره وقال ~~الأوزاعي: # لا بأس بالسوم على سوم الذمي لأنه ليس بأخي المسلم، وقد قال (ص) لا يسم ~~أحد على سوم أخيه ومن هنا منع قوم بيع المزايدة وإن كان الجمهور على جوازه. ~~وسبب الخلاف: بينهم هل يحمل هذا النهي على الكراهة أو على الحظر، ثم إذا ~~حمل على الحظر فهل يحمل على جميع الأحوال، أو في حالة دون حالة؟. # فصل: وأما نهيه عن تلقي الركبان للبيع، فاختلفوا في مفهوم النهي ما هو، ~~فرأى مالك أن المقصود بذلك أهل الأسواق لئلا ينفرد المتلقي برخص السلعة، ~~دون أهل الأسواق، ورأي أنه لا يجوز أن يشتري أحد سلعة حتى تدخل السوق، هذا ~~إذا كان التلقي قريبا، فإن كان بعيدا فلا بأس به، وحد القرب في المذهب بنحو ~~من ستة أميال، ورأي أنه إن وقع جاز، ولكن يشرك المشتري أهل الأسواق في تلك ~~السلعة التي من شأنها أن يكون ذلك سوقها. وأما الشافعي فقال: إن المقصود ~~بالنهي إنما هو لأجل البائع لئلا يغبنه المتلقي، لان البائع يجهل سعر ~~البلد، وكان يقول: إذا وقع فرب السلعة بالخيار إن شاء PageV02P133 # أنفذ البيع أو رده. ومذهب الشافعي هو نص في حديث أبي هريرة الثابت عن ~~رسول الله (ص) أنه قال عليه الصلاة والسلام لا تتلقوا الجلب، فمن تلقى منه ~~شيئا فاشتراه، فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق أخرجه مسلم وغيره. # فصل: وأما نهيه (ص) عن بيع الحاضر للباد، فاختلف العلماء في معنى ذلك، ms0673 ~~فقال قوم: لا يبع أهل الحضر لأهل البادية قولا واحدا. واختلف عنه في شراء ~~الحضري للبدوي، فمرة أجازه، وبه قال ابن حبيب. ومرة منعه، وأهل الحضر عنده ~~هم أهل الأمصار، وقد قيل عنه إنه لا يجوز أن يبيع أهل القرى لأهل العمود ~~المنتقلين، وبمثل قول مالك قال الشافعي والأوزاعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه، ~~لا بأس أن يبيع الحاضر للبادي ويخبره بالسعر، وكرهه مالك، أعني أن يخبر ~~الحضري البادي بالسعر، وأجازه الأوزاعي. والذين منعوه اتفقوا على أن القصد ~~بهذا النهي هو إرفاق أهل الحضر، لان الأشياء عند أهل البادية أيسر من أهل ~~الحاضرة، وهي عندهم أرخص، بل أكثر ما يكون مجانا عندهم: أي بغير ثمن، ~~فكأنهم رأوا أنه يكره أن ينصح الحضري للبدوي، وهذا مناقض لقوله عليه الصلاة ~~والسلام الدين النصيحة وبهذا تمسك في جوازه أبو حنيفة. وحجة الجمهور حديث ~~جابر عند مسلم وأبو داود قال: قال رسول الله (ص) لا يبع حاضر لباد، ذروا ~~الناس يرزق الله بعضهم من بعض وهذه الزيادة انفرد بها أبو داود فيما أحسب، ~~والأشبه أن يكون من باب غبن البدوي لأنه يرد والسعر مجهول عنده، إلا أن ~~تثبت هذه الزيادة، ويكون على هذا معنى الحديث معنى النهي عن تلقي الركبان ~~على ما تأوله الشافعي: إذا وقع فقد تم وجاز البيع لقوله عليه الصلاة ~~والسلام دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض واختلف في هذا المعنى أصحاب ~~مالك، فقال بعضهم: يفسخ، وقال بعضهم: لا يفسخ. # فصل: وأما نهيه عليه الصلاة والسلام عن النجش، فاتفق العلماء على منع ~~ذلك، وأن النجش هو أن يزيد أحد في سلعة وليس في نفسه شراؤها، يريد بذلك أن ~~ينفق البائع ويضر المشتري، واختلفوا إذا وقع هذا البيع، فقال أهل الظاهر: ~~هو فاسد، وقال مالك: # هو كالعيب والمشتري بالخيار، إن شاء أن يرد رد، وإن شاء أن يمسك أمسك، ~~وقال أبو حنيفة والشافعي: وإن وقع أتم وجاز البيع. وسبب الخلاف: هل يتضمن ~~النهي فساد المنهي، وإن كان النهي ليس في نفس الشئ ms0674 بل من خارج، فمن قال ~~يتضمن فسخ البيع لم يجزه، ومن قال ليس يتضمن أجازه. والجمهور على أن النهي ~~عن الربا والغرر إذا ورد لمعنى في المنهي عنه أنه يتضمن الفساد، مثل النهي ~~عن الربا والغرر، وإذا ورد الامر من خارج لم يتضمن الفساد، ويشبه أن يدخل ~~في هذا الباب نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الماء لقوله عليه الصلاة ~~والسلام في بعض ألفاظه إنه نهى عن بيع فضل الماء ليمنع به الكلأ وقال أبو ~~بكر بن المنذر: ثبت أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الماء، ونهى عن بيع فضل ~~الماء ليمنع PageV02P134 # به الكلأ وقال: لا يمنع وهو بئر ولا بيع ماء. واختلف العلماء في تأويل ~~هذا النهي، فحمله جماعة من العلماء على عمومه، فقالوا: لا يحل بيع الماء ~~بحال كان من بئر أو غدير أو عين في أرض مملكة أو غير مملكة، غير أنه إن كان ~~متملكا كان أحق بمقدار حاجته منه، وبه قال يحيى بن يحيى قال: أربع لا أرى ~~أن يمنعن: الماء، والنار، والحطب، والكلأ. وبعضهم خصص هذه الأحاديث بمعارضة ~~الأصول لها، وهو أنه لا يحل مال أحد إلا بطيب نفس منه كما قال عليه الصلاة ~~والسلام، وانعقد عليه الاجماع، والذين خصصوا هذا المعنى اختلفوا في جهة ~~تخصيصه، فقال قوم: معنى ذلك أن البئر يكون بين الشريكين يسقي هذا يوما، ~~فيروي زرع أحدهما في بعض يومه، ولا يروي في اليوم الذي لشريكه زرعه، فيجب ~~عليه أن لا يمنع شريكه من الماء بقية ذلك اليوم. وقال بعضهم: # إنما تأويل ذلك في الذي يزرع على مائه فتنهار بئره ولجاره فضل ماء أنه ~~ليس لجاره أن يمنعه فضل مائه إلى أن يصلح بئره، والتأويلان قريبان، ووجه ~~التأويلين أنهم حملوا المطلق في هذين الحديثين على المقيد وذلك أنه نهى عن ~~بيع الماء مطلقا، ثم نهى عن منع فضل الماء، فحملوا المطلق في هذا الحديث ~~على المقيد وقالوا: الفضل هو الممنوع في الحديثين. وأما مالك فأصل مذهبه أن ~~الماء متى كان ms0675 في أرض متملكة منيعة فهو لصاحب الأرض له بيعه ومنعه، إلا أن ~~يرد عليه قوم لا ثمن معهم ويخاف عليهم الهلاك، وحمل الحديث على آبار ~~الصحراء التي تتخذ في الأرضين الغير متملكة، فرأى أن صاحبها - أعني الذي ~~حفرها - أولى بها، فإذا روت ماشيته ترك الفضل للناس، وكأنه رأى أن البئر لا ~~تتملك بالاحياء. ومن هذا الباب التفرقة بين الوالدة وولدها، وذلك أنهم ~~اتفقوا على منع التفرقة في المبيع بين الأم وولدها، لثبوت قوله عليه الصلاة ~~والسلام من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ~~واختلفوا من ذلك في موضعين في وقت جواز التفرقة وفي حكم البيع إذا وقع. ~~فأما حكم البيع فقال مالك: يفسخ، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يفسخ وأثم ~~البائع والمشتري. وسبب الخلاف: هل النهي يقتضي فساد المنهي إذا كان لعلة من ~~خارج؟ وأما الوقت الذي ينتقل فيه المنع إلى الجواز، فقال مالك: حد ذلك ~~الاثغار، وقال الشافعي: حد ذلك سبع سنين أو ثمان، وقال الأوزاعي: حده فوق ~~عشر سنين: وذلك أنه إذا نفع نفسه واستغنى في حياته عن أمه. ويلحق بهذا ~~الباب إذا وقع في البيع غبن لا يتغابن الناس بمثله هل يفسخ البيع أم لا؟ ~~فالمشهور في المذهب أن لا يفسخ. وقال عبد الوهاب: إذا كان فوق الثلث رد، ~~وحكاه عن بعض أصحاب مالك، وجعله عليه الصلاة والسلام الخيار لصاحب الجلب ~~إذا تلقي خارج المصر دليل على اعتبار الغبن، وكذلك ما جعل لمنقذ بن حبان من ~~الخيار ثلاثا لما ذكر أنه يغبن في البيوع، ورأي قوم من السلف الأول أن حكم ~~الوالد في ذلك حكم الوالدة، وقوم رأوا ذلك في الاخوة. PageV02P135 # الباب السادس: في النهي من قبل وقت العبادات وذلك إنما ورد في الشرع في ~~وقت وجوب المشي إلى الجمعة فقط لقوله تعالى: # * (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) * ~~وهذا أمر مجمع عليه فيما أحسب، أعني منع البيع عند الأذان الذي يكون بعد ~~الزوال والامام على ms0676 المنبر. # واختلفوا في حكمه إذا وقع هل يفسخ أو لا يفسخ؟ فإن فسخ فعلى من يفسخ؟ وهل ~~يلحق سائر العقود في هذا المعنى بالبيع أم لا يلحق؟ فالمشهور عند مالك أنه ~~يفسخ، وقد قيل لا يفسخ، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة. وسبب الخلاف: كما ~~قلنا غير ما مرة هل النهي الوارد لسبب من خارج يقتضي فساد المنهي عنه أو لا ~~يقتضيه؟ وأما على من يفسخ؟ فعند مالك على من تجب عليه الجمعة لا على من لا ~~تجب عليه. وأما أهل الظاهر فتقتضي أصولهم أن يفسخ على كل بائع. وأما سائر ~~العقود فيحتمل أن تلحق بالبيوع، لان فيها المعنى الذي في البيع من الشغل به ~~عن السعي إلى الجمعة ويحتمل أن لا يلحق به لأنها تقع في هذا الوقت نادرا ~~بخلاف البيوع. وأما سائر الصلوات فيمكن أن تلحق بالجمعة على جهة الندب ~~لمرتقب الوقت، فإذا فات فعلى جهة الحظر، وإن كان لم يقل به أحد في مبلغ ~~علمي، ولذلك مدح الله تاركي البيوع لمكان الصلاة، فقال تعالى: * (رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) *. وإذ قد ~~أثبتت أسباب الفساد العامة للبيوع فلنصر إلى ذكر الأسباب والشروط المصححة ~~له وهو القسم الثاني من النظر العام في البيوع. # القسم الثاني: والأسباب والشروط المصححة للبيع هي بالجملة ضد الأسباب ~~المفسدة له، وهي منحصرة في ثلاثة أجناس: النظر الأول: في العقد. والثاني: ~~في المعقود عليه. والثالث: في العاقدين، ففي هذا القسم ثلاثة أبواب. # الباب الأول: في العقد والعقد لا يصح إلا بألفاظ البيع والشراء التي ~~صيغتها ماضية مثل أن يقول البائع: قد بعت منك، ويقول المشتري: قد اشتريت ~~منك، وإذا قال له: بعني سلعتك بكذا وكذا فقال: # قد بعتها. فعند مالك أن البيع قد وقع وقد لزم المستفهم إلا أن يأتي في ~~ذلك بعذر، وعند الشافعي أنه لا يتم البيع حتى يقول المشتري: قد اشتريت، ~~وكذلك إذا قال المشتري للبائع: # بكم تبيع سلعتك؟ فيقول للمشتري بكذا وكذا، فقال: قد ms0677 اشتريت منك. اختلف هل ~~يلزم البيع أم لا حتى يقول: قد بعتها منك، وعند الشافعي أنه يقع البيع ~~بالألفاظ الصريحة وبالكناية، ولا PageV02P136 # أذكر لمالك في ذلك قولا، ولا يكفي عند الشافعي المعاطاة دون قول، ولا ~~خلاف فيما أحسب أن الايجاب والقبول المؤثرين في اللزوم لا بتراخي أحدهما عن ~~الثاني حتى يفترق المجلس، أعني انه متى قال البائع قد بعت سلعتي بكذا وكذا ~~فسكت المشتري ولم يقبل البيع حتى افترقا ثم أتى بعد ذلك فقال: قد قبلت أنه ~~لا يلزم ذلك البائع. واختلفوا متى يكون اللزوم. فقال مالك وأبو حنيفة ~~وأصحابهما وطائفة من أهل المدينة: إن البيع يلزم في المجلس بالقول وإن لم ~~يفترقا، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود، وابن عمر من الصحابة ~~رضي الله عنهم: البيع لازم بالافتراق من المجلس وأنهما مهما لم يفترقا، ~~فليس يلزم البيع ولا ينعقد، وهو قول ابن أبي ذئب في طائفة من أهل المدينة ~~وابن المبارك وسوار القاضي وشريح القاضي وجماعة من التابعين وغيرهم، وهو ~~مروي عن ابن عمر وأبي برزة الأسلمي من الصحابة ولا مخالف لهما من الصحابة. ~~وعمدة المشترطين لخيار المجلس حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ~~(ص) قال المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا إلا بيع ~~الخيار وفي بعض روايات هذا الحديث إلا أن يقول أحدهما لصاحبه اختر وهذا ~~حديث إسناده عند الجميع من أوثق الأسانيد وأصحها، حتى لقد زعم أبو محمد أن ~~مثل هذا الاسناد يوقع العلم وإن كان من طريق الآحاد. وأما المخالفون فقد ~~اضطرب بهم وجه الدليل لمذهبهم في رد العمل بهذا الحديث: فالذي اعتمد عليه ~~مالك رحمه الله في رد العمل به أنه لم يلف عمل أهل المدينة عليه مع أنه قد ~~عارضه عنده ما رواه من منقطع حديث ابن مسعود أنه قال: أيما بيعين تبايعا ~~فالقول قول البائع أو يترادان فكأنه حمل هذا على عمومه، وذلك يقتضي أن يكون ~~في المجلس وبعد المجلس. ولو كان المجلس شرطا ms0678 في انعقاد البيع لم يكن يحتاج ~~فيه إلى تبيين حكم الاختلاف في المجلس لان البيع بعد لم ينعقد ولا لزم بل ~~بالافتراق من المجلس، وهذا الحديث منقطع ولا يعارض به الأول، وبخاصة أنه لا ~~يعارضه إلا مع توهم العموم فيه، والأولى أن ينبني هذا على ذلك، وهذا الحديث ~~لم يخرجه أحد مسندا فيما أحسب، فهذا هو الذي اعتمده مالك رحمه الله في ترك ~~العمل بهذا الحديث. وأما أصحاب مالك فاعتمدوا في ذلك على ظواهر سمعية، وعلى ~~القياس، فمن أظهر الظاهر في ذلك قوله عز وجل: * (يا أيها الذين آمنوا أوفوا ~~بالعقود) * والعقد هو الايجاب والقبول، والامر على الوجوب، وخيار المجلس ~~يوجب ترك الوفاء بالعقد، لان له عندهم أن يرجع في البيع بعد ما أنعم ما لم ~~يفترقا. وأما القياس فإنهم قالوا: عقد معاوضة، فلم يكن لخيار المجلس فيه ~~أثر أصله سائر العقود مثل النكاح والكتابة والخلع والرهون والصلح على دم ~~PageV02P137 # العمد، فلما قيل لهم إن الظواهر التي تحتجون بها يخصصها الحديث المذكور، ~~فلم يبق لكم في مقابلة الحديث إلا القياس، فيلزمكم على هذا أن تكونوا ممن ~~يرى تغليب القياس على الأثر، وذلك مذهب مهجور عند المالكية، وإن كان قد روي ~~عن مالك تغليب القياس على السماع مثل قول أبي حنيفة، فأجابوا عن ذلك بأن ~~هذا ليس من باب رد الحديث بالقياس ولا تغليب، وإنما هو من باب تأويله وصرفه ~~عن ظاهره. قالوا: وتأويل الظاهر بالقياس متفق عليه عند الأصوليين. قالوا: ~~ولنا فيه تأويلان: أحدهما: أن المتبايعين في الحديث المذكور هما المتساومان ~~اللذان لم ينفذ بينهما البيع، فقيل لهم إنه يكون الحديث على هذا لا فائدة ~~فيه لأنه معلوم من دين الأمة أنهما بالخيار إذ لم يقع بينهما عقد بالقول. ~~وأما التأويل الآخر: فقالوا: إن التفرق ههنا إنما هو كناية عن الافتراق ~~بالقول لا التفرق بالأبدان كما قال الله تعالى: * (وإن يتفرقا يغن الله كلا ~~من سعته) * والاعتراض على هذا أن هذا مجاز لا حقيقة، والحقيقة هي التفرق ~~بالأبدان. ووجه الترجيح ms0679 أن يقاس بين ظاهر هذا اللفظ والقياس، فيغلب الأقوى. ~~والحكمة في ذلك هي لموضع الندم، فهذه هي أصول الركن الأول الذي هو العقد. # وأما الركن الثاني: الذي هو المعقود عليه، فإنه يشترط فيه سلامته من ~~الغرر والربا، وقد تقدم المختلف في هذه من المتفق عليه وأسباب الاختلاف في ~~ذلك، فلا معنى لتكراره. والغرر ينتفي عن الشئ بأن يكون معلوم الوجود، معلوم ~~الصفة، معلوم القدر، مقدورا على تسليمه، وذلك في الطرفين: الثمن والمثمون ~~معلوم الاجل أيضا إن كان بيعا مؤجلا. # وأما الركن الثالث: وهما العاقدان، فإنه يشترط فيهما أن يكونا مالكين ~~تامي الملك أو وكيلين تامي الوكالة بالغين، وأن يكونا مع هذا غير محجور ~~عليهما أو على أحدهما، إما لحق أنفسهما كالسفيه عند من يرى التحجير عليه أو ~~لحق الغير كالعبد إلا أن يكون العبد مأذونا له في التجارة. واختلفوا من هذا ~~في بيع الفضولي، هل ينعقد أم لا؟ وصورته أن يبيع الرجل مال غيره بشرط إن ~~رضي به صاحب المال أمضى البيع، وإن لم يرض فسخ، وكذلك في شراء الرجل للرجل ~~بغير إذنه، على أنه إن رضي المشتري صح الشراء وإلا لم يصح، فمنعه الشافعي ~~في الوجهين جميعا، وأجازه مالك في الوجهين جميعا، وفرق أبو حنيفة بين البيع ~~والشراء فقال: يجوز في البيع ولا يجوز في الشراء. وعمدة المالكية ما روي أن ~~النبي (ص) دفع إلى عروة البارقي دينارا وقال: اشتر لنا من هذا الجلب شاة، ~~قال: فاشتريت شاتين بدينار وبعت إحدى الشاتين بدينار وجئت بالشاة والدينار، ~~فقلت: يا رسول الله هذه PageV02P138 # شاتكم وديناركم، فقال اللهم بارك له في صفقة يمينه ووجه الاستدلال منه أن ~~النبي (ص) لم يأمره في الشاة الثانية لا بالشراء ولا بالبيع، فصار ذلك حجة ~~على أبي حنيفة في صحة الشراء للغير، وعلى الشافعي في الامرين جميعا. وعمدة ~~الشافعي النهي الوارد عن بيع الرجل ما ليس عنده، والمالكية تحمله على بيعه ~~لنفسه لا لغيره، قالوا: والدليل على ذلك أن النهي إنما ورد في حكيم بن حزام ms0680 ~~وقضيته مشهورة، وذلك أنه كان يبيع لنفسه ما ليس عنده. وسبب الخلاف: المسألة ~~المشهورة، هل إذا ورد النهي على سبب حمل على سببه أو يعم؟ فهذه هي أصول هذا ~~القسم، وبالجملة فالنظر في هذا القسم هو منطوق بالقوة في الجزء الأول، ولكن ~~النظر الصناعي الفقهي يقتضي أن يفرد بالتكلم فيه. وإذ قد تكلمنا في هذا ~~الجزء بحسب غرضنا فلنصر إلى القسم الثالث، وهو القول في الاحكام العامة ~~للبيوع الصحيحة. # القسم الثالث: في الاحكام العامة للبيوع الصحيحة. وهذا القسم تنحصر أصوله ~~التي لها تعلق قريب بالمسموع في أربع جمل: الجملة الأولى: في أحكام وجود ~~العيب في المبيعات. والجملة الثانية: في الضمان في المبيعات متى ينتقل من ~~ملك البائع إلى ملك المشتري. والثالثة: في معرفة الأشياء التي تتبع المبيع ~~مما هي موجودة فيه في حين البيع من التي لا تتبعه. والرابعة: في اختلاف ~~المتبايعين، وإن كان الأليق به كتاب الأقضية. وكذلك أيضا من أبواب أحكام ~~البيوع: الاستحقاق، وكذلك الشفعة هي أيضا من الاحكام الطارئة عليه، لكن جرت ~~العادة أن يفرد لها كتاب. # الجملة الأولى وهذه الجملة فيها بابان: الباب الأول: في أحكام وجود ~~العيوب في البيع المطلق. والباب الثاني: في أحكامهما في البيع بشرط ~~البراءة. # الباب الأول: في أحكام العيوب في البيع المطلق والأصل في وجود الرد ~~بالعيب قوله تعالى: * (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) *. وحديث المصراة ~~المشهور. ولما كان القائم بالعيب لا يخلو أن يقوم في عقد يوجب الرد، أو ~~يقوم في عقد لا يوجب ذلك، ثم إذا قام في عقد يوجب الرد، فلا يخلو أيضا أن ~~يقوم بعيب يوجب حكما أو لا يوجبه، ثم إن قام بعيب يوجب حكما فلا يخلو ~~المبيع أيضا أن يكون قد حدث فيه تغير بعد البيع أو لا يكون، فإن كان لم ~~يحدث فما حكمه؟ وإن كان حدث فيه فكم أصناف التغييرات وما حكمها؟ كانت ~~الفصول المحيطة بأصول هذا الباب خمسة: الفصل الأول: في معرفة العقود التي ~~يجب فيها بوجود العيب PageV02P139 # حكم، من ms0681 التي لا يجب ذلك فيها. الثاني: في معرفة العيوب التي توجب الحكم، ~~وما شرطها الموجب للحكم فيها. الثالث: في معرفة حكم العيب الموجب إذا كان ~~المبيع لم يتغير. الرابع: في معرفة أصناف التغييرات الحادثة عند المشتري. ~~وحكمها. الخامس: في القضاء في هذا الحكم عند اختلاف المتبايعين، وإن كان ~~أليق بكتاب الأقضية. # الفصل الأول: # في معرفة العقود التي يجب فيها بوجود العيب حكم من التي لا يجب فيها أما ~~العقود التي يجب فيها بالعيب حكم بلا خلاف، فهي العقود التي المقصود منها ~~المفاوضة، كما أن العقود التي ليس المقصود منها المعاوضة لا خلاف أيضا في ~~أنه لا تأثير للعيب فيها، كالهبات لغير الثواب والصدقة، وأما ما بين هذين ~~الصنفين من العقود، أعني ما جمع قصد المكارمة والمعاوضة مثل هبة الثواب، ~~فالأظهر في المذهب أنه لا حكم فيها بوجود العيب، وقد قيل يحكم به إذا كان ~~العيب مفسدا. # الفصل الثاني: # في معرفة العيوب التي توجب الحكم، وما شرطها الموجب للحكم فيها وفي هذا ~~الفصل نظران: أحدهما: في العيوب التي توجب الحكم. والنظر الثاني: # في الشرط الموجب له. # النظر الأول: فأما العيوب التي توجب الحكم: فمنها عيوب في النفس، ومنها ~~عيوب في البدن، وهذه منها ما هي عيوب بأن تشترط أضدادها في المبيع وهي التي ~~تسمى عيوبا من قبل الشرط، ومنها ما هي عيوب توجب الحكم وإن لم يشترط وجود ~~أضدادها في المبيع، وهذه هي التي فقدها نقص في أصل الخلقة، وأما العيوب ~~الاخر فهي التي أضدادها كمالات، وليس فقدها نقصا مثل الصنائع، وأكثر ما ~~يوجد هذا الصنف في أحوال النفس، وقد يوجد في أحوال الجسم. والعيوب ~~الجسمانية، منها ما هي في أجسام ذوات الأنفس ومنها ما هي في غير ذوات ~~الأنفس. والعيوب التي لها تأثير في العقد، هي عند الجميع، ما نقص عن الخلقة ~~الطبيعية أو عن الخلق الشرعي نقصانا له تأثير في ثمن المبيع، وذلك يختلف ~~بحسب اختلاف الأزمان والعوائد والأشخاص، فربما كان النقص في الخلقة فضيلة ~~في الشرع، كالخفاض في ms0682 الإماء، والختان في العبيد، ولتقارب هذه المعاني في ~~شئ شئ مما يتعامل الناس به وقع الخلاف بين الفقهاء في ذلك، ونحن نذكر من ~~هذه المسائل ما اشتهر الخلاف فيه بين الفقهاء ليكون ما يحصل من ذلك في نفس ~~الفقيه يعود كالقانون والدستور الذي يعمل عليه فيما لم يجد فيه نصا عمن ~~تقدمه أو فيما لم يقف على نص فيه لغيره، فمن ذلك وجود الزنا في العبيد. ~~اختلف العلماء فيه، فقال مالك والشافعي هو عيب، وقال أبو حنيفة ليس بعيب ~~وهو نقص في الخلق الشرعي الذي هو PageV02P140 # العفة. والزواج عند مالك عيب، وهو من العيوب العائقة عن الاستعمال، وكذلك ~~الدين، وذلك أن العيب بالجملة هو ما عاق فعل النفس أو فعل الجسم وهذا ~~العائق قد يكون في الشئ وقد يكون من خارج. وقال الشافعي ليس الدين ولا ~~الزواج بعيب فيما أحسب والحمل في الرائعة عيب عند مالك وفي كونه عيبا في ~~الوخش خلاف في المذهب. # والتصرية عند مالك والشافعي عيب وهو حقن اللبن في الثدي أياما حتى يوهم ~~ذلك أن الحيوان ذو لبن غزير، وحجتهم حديث المصراة المشهور، وهو قوله (ص) لا ~~تصروا الإبل والبقر، فمن فعل ذلك فهو بخير النظرين إن شاء أمسكها وإن شاء ~~ردها وصاعا من تمر قالوا: فأثبت له الخيار بالرد مع التصرية، وذلك دال على ~~كونه عيبا مؤثرا. قالوا: وأيضا فإنه مدلس، فأشبه التدليس بسائر العيوب، ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه ليست التصرية عيبا للاتفاق على أن الانسان إذا ~~اشترى شاة فخرج لبنها قليلا أن ذلك ليس بعيب. قالوا: # وحديث المصراة يجب أن لا يوجب عملا لمفارقته الأصول، وذلك أنه مفارق ~~للأصول من وجوه، فمنها أنه معارض لقوله عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان ~~وهو أصل متفق عليه، ومنها أن فيه معارضة منع بيع طعام بطعام نسيئة، وذلك لا ~~يجوز باتفاق، ومنها أن الأصل في المتلفات إما القيم وإما المثل، وإعطاء صاع ~~من تمر في لبن ليس قيمة ولا مثلا. ومنها بيع الطعام المجهول: أي الجزاف ~~بالمكيل المعلوم، ms0683 لان اللبن الذي دلس به البائع غير معلوم القدر، وأيضا ~~فإنه يقل ويكثر، والعوض ههنا محدود، ولكن الواجب أن يستثنى هذا من هذه ~~الأصول كلها لموضع صحة الحديث، وهذا كأنه ليس من هذا الباب وإنما هو حكم ~~خاص. ولكن اطرد إليه القول فلنرجع إلى حيث كنا فنقول: إنه لا خلاف عندهم في ~~العور والعمى وقطع اليد والرجل أنها عيوب مؤثرة، وكذلك في المرض في أي عضو ~~كان، أو كان في جملة البدن، والشيب في المذهب عيب في الرائعة، وقيل لا بأس ~~باليسير منه فيها، وكذلك الاستحاضة عيب في الرقيق والوخش وكذلك ارتفاع ~~الحيض عيب في المشهور من المذهب، والزعر عيب، وأمراض الحواس والأعضاء كلها ~~عيب باتفاق. # وبالجملة، فأصل المذهب أن كل ما أثر في القيمة: أعني نقص منها فهو عيب، ~~والبول في الفراش عيب، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ترد الجارية به، ~~ولا يرد العبد به، والتأنيث في الذكر، والتذكير في الأنثى عيب هذا كله في ~~المذهب إلا ما ذكرنا فيه الاختلاف. # النظر الثاني: وأما شرط العيب الموجب للحكم به فهو أن يكون حادثا قبل أمد ~~التبايع باتفاق، أو في العهدة عند من يقول بها، فيجب ههنا أن نذكر اختلاف ~~الفقهاء في العهدة فنقول: انفرد مالك بالقول بالعهدة دون سائر فقهاء ~~الأمصار، وسلفه في ذلك أهل المدينة الفقهاء السبعة وغيرهم. ومعنى العهدة أن ~~كل عيب حدث فيها عند المشتري فهو PageV02P141 # من البائع. وهي عند القائلين بها عهدتان: عهدة الثلاثة الأيام، وذلك من ~~جمع العيوب الحادثة فيها عند المشتري. وعهدة السنة، وهي من العيوب الثلاثة: ~~الجذام والبرص والجنون. فما حدث في السنة من هذه الثلاث بالمبيع فهو من ~~البائع. وما حدث من غيرها من العيوب كان من ضمان المشتري على الأصل. وعهدة ~~الثلاث عند المالكية بالجملة بمنزلة أيام الخيار وأيام الاستبراء، والنفقة ~~فيها والضمان من البائع. وأما عهدة السنة فالنفقة فيها والضمان من المشتري ~~إلا من الأدواء الثلاثة، وهذه العهدة عند مالك في الرقيق، وهي أيضا واقعة ~~في أصناف البيوع ms0684 في كل ما القصد منه المماكسة والمحاكرة وكان بيعا لا في ~~الذمة. هذا ما لا خلاف فيه في المذهب. واختلف في غير ذلك. وعهدة السنة تحسب ~~عنده بعد عهدة الثلاث في الأشهر من المذهب. وزمان المواضعة يتداخل مع عهدة ~~الثلاث إن كان زمان المواضعة أطول من عهدة الثلاث. وعهدة السنة لا تتداخل ~~مع عهدة الاستبراء، هذا هو الظاهر من المذهب، وفيه اختلاف. وقال الفقهاء ~~السبعة: لا يتداخل منها عهدة مع ثانية فعهدة الاستبراء أولا، ثم عهدة ~~الثلاث، ثم عهدة السنة. # واختلف أيضا عن مالك هل تلزم العهدة في كل البلاد من غير أن يحمل أهلها ~~عليها؟ # فروي عنه الوجهان، فإذا قيل لا يلزم أهل هذه البلد إلا أن يكونوا قد ~~حملوا على ذلك، فهل يجب أن يحمل عليها أهل كل بلد أم لا؟ فيه قولان في ~~المذهب، ولا يلزم النقد في عهدة الثلاث وإن اشترط، ويلزم في عهدة السنة، ~~والعلة في ذلك أنه يكمل تسليم البيع فيها للبائع قياسا على بيع الخيار ~~لتردد النقد فيها بين السلف والبيع، فهذه كلها مشهورات أحكام العهدة في ~~مذهب مالك وهي كلها فروع مبنية على صحة العهدة، فلنرجع إلى تقرير حجج ~~المثبتين لها والمبطلين. وأما عمدة مالك رحمه الله في العهدة وحجته التي ~~عول عليها، فهي عمل أهل المدينة. وأما أصحابه المتأخرون فإنهم احتجوا بما ~~رواه الحسن عن عقبة بن عامر عن النبي (ص) قال: عهدة الرقيق ثلاثة أيام وروى ~~أيضا لا عهدة بعد أربع وروى هذا الحديث أيضا الحسن عن سمرة بن جندب الفزاري ~~رضي الله عنه، وكلا الحديثين عند أهل العلم معلول، فإنهم اختلفوا في سماع ~~الحسن عن سمرة، وإن كان الترمذي قد صححه. وأما سائر فقهاء الأمصار فلم يصح ~~عندهم في العهدة أثر، ورأوا أنها لو صحت مخالفة للأصول، وذلك أن المسلمين ~~مجمعون على أن كل مصيبة تنزل بالمبيع قبل قبضه فهي من المشتري، فالتخصيص ~~لمثل هذا الأصل المتقرر إنما يكون بسماع ثابت، ولهذا ضعف عند مالك في إحدى ~~الروايتين عنه ms0685 أن يقضى بها في كل بلد إلا أن يكون ذلك عرفا في البلد أو ~~وروى الشافعي عن ابن جريج يشترط وبخاصة عهدة السنة، فإنه لم يأت في ذلك أثر ~~قال: سألت ابن شهاب عن عهدة السنة والثلاث فقال: ما علمت فيها أمرا سالفا. ~~وإذ قد تقرر القول في تمييز العيوب التي PageV02P142 # توجب حكما من التي لا توجبه وتقرر الشرط في ذلك، وهو أن يكون العيب حادثا ~~قبل البيع أو في العهدة عند من يرى العهدة، فلنصر إلى ما بقي. # الفصل الثالث: في معرفة حكم العيب الموجب إذا كان المبيع لم يتغير وإذا ~~وجدت العيوب، فإن لم يتغير المبيع بشئ من العيوب عند المشتري فلا يخلو أن ~~يكون في عقار أو عروض أو في حيوان، فإن كان في حيوان فلا خلاف أن المشتري ~~مخير بين أن يرد المبيع ويأخذ ثمنه أو يمسك ولا شئ له. وأما إن كان عقار ~~فمالك يفرق في ذلك بين العيب اليسير والكثير فيقول: إن كان العيب يسيرا لم ~~يجب الرد، ووجبت قيمة العيب وهو الأرش، وإن كان كثيرا وجب الرد. هذا هو ~~الموجود المشهور في كتب أصحابه، ولم يفصل البغداديون هذا التفصيل. وأما ~~العروض فالمشهور في المذهب أنها ليست في هذا الحكم بمنزلة الأصول، وقد قيل ~~إنها بمنزلة الأصول في المذهب، وهذا الذي كان يختاره الفقيه بكر بن رزق شيخ ~~جدي رحمة الله عليهما، وكان يقول: إنه لا فرق في هذا المعنى بين الأصول ~~والعروض. وهذا الذي قاله يلزم من يفرق بين العيب الكثير والقليل في الأصول: ~~أعني أن يفرق في ذلك أيضا في العروض، والأصل أن كل ما حط القيمة أنه يجب به ~~الرد، وهو الذي عليه فقهاء الأمصار، ولذلك لم يعول البغداديون فيما أحسب ~~على التفرقة التي قلت في الأصول، ولم يختلف قولهم في الحيوان أنه لا فرق ~~فيه بين العيب القليل والكثير. # 2 <فصل: وإذ قد قلنا إن المشتري يخير بين أن يرد المبيع ويأخذ ثمنه أو ~~يمسك ولا شئ له، فإن اتفقا ms0686 على أن يمسك المشتري سلعته ويعطيه البائع قيمة ~~العيب، فعامة فقهاء الأمصار يجيزون ذلك. إلا ابن سريج من أصحاب الشافعي ~~فإنه قال: ليس لهما ذلك لأنه خيار في مال، فلم يكن له إسقاطه بعوض كخيار ~~الشفعة. قال القاضي عبد الوهاب: وهذا غلط، لان ذلك حق للمشتري فله أن ~~يستوفيه: أعني أن يرد ويرجع بالثمن، وله أن يعارض على تركه، وما ذكره من ~~خيار الشفعة فإنه شاهد لنا، فإن له عندنا تركه إلى عوض يأخذه، وهذا لا خلاف ~~فيه. وفي هذا الباب فرعان مشهوران من قبل التبعيض: أحدهما: # هل إذا اشترى المشتري أنواعا من المبيعات في صفقة واحدة فوجد أحدهما ~~معيبا، فهل يرجع بالجميع؟ أو بالذي وجد فيه العيب؟ فقال قوم: ليس له إلا أن ~~يرد الجميع أو يمسك، وبه قال أبو ثور والأوزاعي، إلا أن يكون قد سمى ما لكل ~~واحد من تلك الأنواع من القيمة، فإن هذا مما لا خلاف فيه أنه يرد المبيع ~~بعينه فقط، وإنما الخلاف إذا لم يسم. وقال قوم: يرد المعيب بحصته من الثمن ~~وذلك بالتقدير، وممن قال بهذا القول سفيان الثوري وغيره. وروي عن الشافعي ~~القولان معا. وفرق مالك فقال: ينظر في PageV02P143 # المعيب، فإن كان ذلك وجه الصفقة والمقصود بالشراء رد الجميع، وإن لم يكن ~~وجه الصفقة رده بقيمته، وفرق أبو حنيفة تفريقا آخر وقال: إن وجد العيب قبل ~~القبض رد الجميع، وإن وجده بعد القبض رد المعيب بحصته من الثمن. ففي هذه ~~المسألة أربعة أقوال: فحجة من منع التبعيض في الرد أن المردود يرجع فيه ~~بقيمة لم يتفق عليها المشتري والبائع، وكذلك الذي يبقى إنما يبق بقيمة لم ~~يتفقا عليها ويمكن أنه لو بعضت السلعة لم يشتر البعض بالقيمة التي أقيم ~~بها. وأما حجة من رأى الرد في البعض المعيب ولا بد فلانه موضع ضرورة، فأقيم ~~فيه التقويم والتقدير مقام الرضا قياسا على أن ما فات في البيع فليس فيه ~~إلا القيمة. وأما تفريق مالك بين ما هو وجه الصفقة أو غير وجهها ms0687 فاستحسان ~~منه، لأنه رأى أن ذلك المعيب إذا لم يكن مقصودا في المبيع فليس كبير ضرر في ~~أن لا يوافق الثمن الذي أقيم به إرادة المشتري أو البائع، وأما عندما يكون ~~مقصودا أو جل المبيع فيعظم الضرر في ذلك. واختلف عنه هل يعتبر تأثير العيب ~~في قيمة الجميع أو في قيمة المعيب خاصة. وأما تفريق أبي حنيفة بين أن يقبض ~~أو لا يقبض، فإن القبض عنده شرط من شروط تمام البيع، وما لم يقبض المبيع ~~فضمانه عنده من البائع، وحكم الاستحقاق في هذه المسألة حكم الرد بالعيب. # وأما المسألة الثانية: فإنهم اختلفوا أيضا في رجلين يبتاعان شيئا واحدا ~~في صفقة واحدة فيجدان به عيبا فيريد أحدهما الرجوع ويأبى الآخر، فقال ~~الشافعي: لمن أراد الرد أن يرد، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وقيل ليس له ~~أن يرد، فمن أوجب الرد شبهه بالصفقتين المفترقتين لأنه قد اجتمع فيها ~~عاقدان ومن لم يوجبه شبهه بالصفقة الواحدة إذا أراد المشتري فيها تبعيض رد ~~المبيع بالعيب. # الفصل الرابع: في معرفة أصناف التغيرات الحادثة عند المشتري وحكمها وأما ~~إن تغير المبيع عند المشتري ولم يعلم بالعيب إلا بعد تغير المبيع عنده ~~فالحكم في ذلك يختلف عند فقهاء الأمصار بحسب التغير. فأما إن تغير بموت أو ~~فساد أو عتق، ففقهاء الأمصار على أنه فوت، ويرجع المشتري على البائع بقيمة ~~العيب. وقال عطاء بن أبي رباح: لا يرجع في الموت والعتق بشئ. وكذلك عندهم ~~حكم من اشترى جارية فأولدها. # وكذلك التدبير عندهم، وهو القياس في الكتابة. وأما تغيره في البيع فإنهم ~~اختلفوا فيه، فقال أبو حنيفة والشافعي: إذا باعه لم يرجع بشئ، وكذلك قال ~~الليث. وأما مالك فله في البيع تفصيل، وذلك أنه لا يخلو أن يبيعه من بائعه ~~منه أو من غير بائعه، ولا يخلو أيضا أن يبيعه بمثل الثمن أو أقل أو أكثر، ~~فإن باعه من بائعه منه بمثل الثمن فلا رجوع له بالعيب، وإن باعه منه بأقل ~~من الثمن رجع عليه بقيمة العيب، وإن ms0688 باعه بأكثر من الثمن نظر، فإن كان ~~البائع PageV02P144 # الأول مدلسا رجع الأول على الثاني في الثمن والثاني على الأول أيضا، ~~وينفسخ البيعان، ويعود المبيع إلى ملك الأول، فإن باعه من عند بائعه منه، ~~فقال ابن القاسم: لا رجوع له بقيمة العيب، مثل قول أبي حنيفة والشافعي، ~~وقال ابن عبد الحكم: له الرجوع بقيمة العيب، وقال أشهب: يرجع بالأقل من ~~قيمة العيب أو بقيمة الثمن، هذا إذا باعه بأقل مما اشتراه، وعلى هذا لا ~~يرجع إذا باعه بمثل الثمن أو أكثر، وبه قال عثمان البتي. # ووجه قول ابن القاسم والشافعي وأبي حنيفة أنه إذا فات بالبيع فقد أخذ ~~عوضا من غير أن يعتبر تأثيرا بالعيب في ذلك العوض الذي هو الثمن، ولذلك متى ~~قام عليه المشتري منه بعيب رجع على البائع الأول بلا خلاف. ووجه القول ~~الثاني تشبيهه البيع بالعتق. ووجه قول عثمان وأشهب أنه لو كان عنده المبيع ~~لم يكن له إلا الامساك أو الرد للجميع، فإذا باعه فقد أخذ عوض ذلك الثمن، ~~فليس له إلا ما نقص إلا أن يكون أكثر من قيمة العيب. وقال مالك: # إن وهب أو تصدق رجع بقيمة العيب، وقال أبو حنيفة لا يرجع، لان هبته أو ~~صدقته تفويت للملك بغير عوض ورضى منه بذلك طلبا للأجر، فيكون رضاه بإسقاط ~~حق العيب أولى وأحرى بذلك. وأما مالك فقاس الهبة على العتق، وقد كان القياس ~~أن لا يرجع في شئ من ذلك إذا فات ولم يمكنه الرد، لان إجماعهم على أنه إذا ~~كان في يده فليس يجب له إلا الرد أو الامساك دليل على أنه ليس للعيب تأثير ~~في اسقاط شئ من الثمن، وإنما له تأثير في فسخ البيع فقط. وأما العقود التي ~~يتعاقبها الاسترجاع كالرهن والإجارة فاختلف في ذلك أصحاب مالك، فقال ابن ~~القاسم: لا يمنع ذلك من الرد بالعيب إذا رجع إليه المبيع، وقال أشهب: # إذا لم يكن زمان خروجه عن يده زمانا بعيدا كان له الرد بالعيب، وقول ابن ~~القاسم أولى، والهبة للثواب ms0689 عند مالك كالبيع في أنها فوت. فهذه هي الأحوال ~~التي تطرأ على المبيع من العقود الحادثة فيها وأحكامها. # باب: في طرو النقصان وأما إن طرأ على المبيع نقص فلا يخلو أن يكون نقص في ~~قيمته أو في البدن أو في النفس. فأما نقصان القيمة لاختلاف الأسواق، فغير ~~مؤثر في الرد بالعيب بإجماع. وأما النقصان الحادث في البدن، فإن كان يسيرا ~~غير مؤثر في القيمة فلا تأثير له في الرد بالعيب، وحكمه حكم الذي لم يحدث، ~~وهذا نص مذهب مالك وغيره. وأما النقص الحادث في البدن المؤثر في القيمة، ~~فاختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ليس له أن يرجع إلا بقيمة ~~العيب فقط وليس له غير ذلك إذا أبى البائع من الرد، وبه قال الشافعي في ~~قوله الجديد وأبو حنيفة، وقال الثوري: ليس له إلا أن يرد، ويرد مقدار العيب ~~الذي حدث عنده، وهو قول الشافعي الأول. والقول الثالث قول مالك: إن المشتري ~~بالخيار بين أن يمسك ويضع عنه البائع من الثمن قدر العيب أو يرده على ~~البائع ويعطيه ثمن العيب الذي حدث عنده، وأنه PageV02P145 # إذا اختلف البائع والمشتري، فقال البائع للمشتري أنا أقبض المبيع وتعطي ~~أنت قيمة العيب الذي حدث عندك، وقال المشتري: بل أنا أمسك المبيع، وتعطي ~~أنت قيمة العيب الذي حدث عندك، فالقول قول المشتري والخيار له، وقد قيل في ~~المذهب القول قول البائع، وهذا إنما يصح على قول من يرى أنه ليس للمشتري ~~إلا أن يمسك أو يرد، وما نقص عنده. وشذ أبو محمد بن حزم فقال: له أن يرد ~~ولا شئ عليه. وأما حجة من قال: إنه ليس للمشتري إلا أن يرد ويرد قيمة ~~العيب، أو يمسك، فلانه قد أجمعوا على أنه إذا لم يحدث بالمبيع عيب عند ~~المشتري فليس إلا الرد، فوجب استصحاب حال هذا الحكم، وإن حدث عند المشتري ~~عيب مع إعطائه قيمة العيب الذي حدث عنده. وأما من رأى أنه لا يرد المبيع ~~بشئ وإنما قيمة العيب الذي كان عند البائع، ms0690 فقياسا على العتق والموت لكون ~~هذا الأصل غير مجمع عليه، وقد خالف فيه عطاء. وأما مالك فلما تعارض عنده حق ~~البائع وحق المشتري غلب المشتري وجعل له الخيار، لان البائع لا يخلو من أحد ~~أمرين: إما أن يكون مفرطا في أنه لم يستعلم العيب ويعلم به المشتري، أو ~~يكون علمه فدلس به على المشتري. وعند مالك أنه إذا صح أنه دلس بالعيب وجب ~~عليه الرد من غير أن يدفع إليه المشتري قيمة العيب الذي حدث عنده، فإن مات ~~من ذلك العيب كان ضمانه على البائع بخلاف الذي لم يثبت أنه دلس فيه. وأما ~~حجة أبي محمد: فلانه أمر حدث من عند الله كما لو حدث في ملك البائع. فإن ~~الرد بالعيب دال على أن البيع لم ينعقد في نفسه. وإنما انعقد في الظاهر، ~~وأيضا فلا كتاب ولا سنة يوجب على مكلف غرم ما لم يكن له تأثير في نقصه إلا ~~أن يكون على جهة التغليظ عند من ضمن الغاصب ما نقص عنده بأمر من الله، فهذا ~~حكم العيوب الحادثة في البدن. # وأما العيوب التي في النفس كالإباق والسرقة، فقد قيل في المذهب إنها تفيت ~~الرد كعيوب الأبدان، وقيل لا، ولا خلاف أن العيب الحادث عند المشتري إذا ~~ارتفع بعد حدوثه أنه لا تأثير له في الرد إلا أن لا تؤمن عاقبته. واختلفوا ~~من هذا الباب في المشتري يطأ الجارية، فقال قوم: إذا وطئ فليس له الرد وله ~~الرجوع بقيمة العيب. وسواء كانت بكرا أو ثيبا، وبه قال أبو حنيفة. وقال ~~الشافعي: يرد قيمة الوطئ في البكر ولا يردها في الثيب، وقال قوم: بل يردها ~~ويرد مهر مثلها، وبه قال ابن أبي شبرمة وابن أبي ليلى، وقال سفيان الثوري: ~~إن كانت ثيبا رد نصف العشر من ثمنها، وإن كانت بكرا رد العشر من ثمنها، ~~وقال مالك: ليس عليه في وطئ الثيب شئ لأنه غلة وجبت له بالضمان. وأما البكر ~~فهو عيب يثبت عنده للمشتري الخيار على ما سلف من رأيه، وقد ms0691 روي مثل هذا ~~القول عن الشافعي، وقال عثمان: # الوطئ معتبر في العرف في ذلك النوع من الرقيق، فإن كان له أثر في القيمة ~~رد البائع ما نقص، وإن لم يكن له أثر لم يلزمه شئ، فهذا هو حكم النقصان ~~الحادث في المبيعات. # وأما الزيادة الحادثة في المبيع، أعني المتولدة المنفصلة منه، فاختلف ~~العلماء فيها، فذهب الشافعي إلى أنها غير مؤثرة في الرد وأنها للمشتري ~~لعموم قوله عليه الصلاة والسلام PageV02P146 # الخراج بالضمان. وأما مالك فاستثنى من ذلك الولد فقال: يرد للبائع، وليس ~~للمشتري إلا الرد الزائد مع الأصل أو الامساك. قال أبو حنيفة: الزوائد كلها ~~تمنع الرد وتوجب أرش العيب الغلة والكسب، وحجته أن ما تولد عن المبيع داخل ~~في العقد، فلما لم يكن رده ورد ما تولد عنه كان ذلك فوتا يقتضي أرش العيب ~~إلا ما نصصه الشرع من الخراج والغلة. وأما الزيادة الحادثة في نفس المبيع ~~الغير منفصلة عنه فإنها إن كانت مثل الصبغ في الثوب والرقم في الثوب فإنها ~~توجب الخيار في المذهب: إما الامساك والرجوع بقيمة العيب، وإما في الرد ~~وكونه شريكا مع البائع بقيمة الزيادة. وأما النماء في البدن مثل السمن. فقد ~~قيل في المذهب يثبت به الخيار، وقيل لا يثبت. وكذلك النقص الذي هو الهزال. ~~فهذا هو القول في حكم التغيير. # الفصل الخامس: في القضاء في اختلاف الحكم عند اختلاف المتبايعين وأما صفة ~~الحكم في القضاء بهذه الأحكام فإنه إذا تقار البائع والمشتري على حالة من ~~هذه الأحوال المذكورة ههنا وجب الحكم الخاص بتلك الحال، فإن أنكر البائع ~~دعوى القائم، فلا يخلو أن ينكر وجود العيب أو ينكر حدوثه عنده. فإن أنكر ~~وجود العيب بالمبيع فإن كان العيب يستوي في إدراكه جميع الناس كفى في ذلك ~~شاهدان عدلان ممن اتفق من الناس، وإن كان مما يختص بعلمه أهل صناعة ما، شهد ~~به أهل تلك الصناعة، فقيل في المذهب عدلان. وقيل لا يشترط في ذلك العدالة ~~ولا العدد ولا الاسلام، وكذلك الحال إن اختلفوا في كونه ms0692 مؤثرا في القيمة، ~~وفي كونه أيضا قبل أمد التبايع أو بعده، فإنه إن لم يكن للمشتري بينة حلف ~~البائع أنه ما حد ث عنده، وإن لم تكن له بينة على وجود العيب بالمبيع لم ~~يجب له يمين على البائع. وأما إذا وجب الأرش فوجه الحكم في ذلك أن يقوم ~~الشئ سليما ويقوم معيبا ويرد المشتري ما بين ذلك، فإن وجب الخيار قوم ثلاث ~~تقويمات: تقويم وهو سليم، وتقويم بالعيب الحادث عند البائع، وتقويم بالعيب ~~الحادث عند المشتري، فيرد البائع من الثمن ويسقط عنه ما قدر منه قدر ما ~~تنقص به القيمة المعيبة عن القيمة السليمة، وإن أبى المشتري الرد وأحب ~~الامساك رد البائع من الثمن ما بين القيمة الصحيحة والمعيبة عنده. ~~PageV02P147 # الباب الثاني: في بيع البراءة اختلف العلماء في جواز هذا البيع، وصورته ~~أن يشترط البائع على المشتري التزام كل عيب يجده في المبيع على العموم، ~~فقال أبو حنيفة: يجوز البيع بالبراءة من كل عيب سواء علمه البائع أو لم ~~يعلمه، سماه أو لم يسمه، أبصره أو لم يبصره، وبه قال أبو ثور. # وقال الشافعي في أشهر قوليه وهو المنصور عند أصحابه: لا يبرأ البائع إلا ~~من عيب يريه للمشتري، وبه قال الثوري. وأما مالك فالأشهر عنه أن البراءة ~~جائزة مما يعلم البائع من العيوب، وذلك في الرقيق خاصة، إلا البراءة من ~~الحمل في الجواري الرائعات، فإنه لا يجوز عنده لعظم الغرر فيه، ويجوز في ~~الوخش، وفي رواية ثانية: أنه يجوز في الرقيق والحيوان. وفي رواية ثالثة مثل ~~قول الشافعي. وقد روي عنه أن بيع البراءة إنما يصح من السلطان فقط وقيل في ~~بيع السلطان وبيع المواريث، وذلك من غير أن يشترطوا البراءة. # وحجة من رأى القول بالبراءة على الاطلاق أن القيام بالعيب حق من حقوق ~~المشتري قبل البائع، فإذا أسقطه سقط، أصله سائر الحقوق الواجبة. وحجة من لم ~~يجزه على الاطلاق أن ذلك من باب الغرر فيما لم يعلمه البائع، ومن باب الغبن ~~والغش فيما علمه، ولذلك اشترط جهل ms0693 البائع مالك. وبالجملة فعمدة مالك ما ~~رواه في الموطأ أن عبد الله بن عمر باع غلاما له بثمانمائة درهم وباعه على ~~البراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء لم تسمه، فاختصما ~~إلى عثمان، فقال الرجل: باعني عبدا وبه داء لم يسمه لي. وقال عبد الله: ~~بعته بالبراءة، فقضى عثمان على عبد الله أن يحلف لقد باع العبد وما به من ~~داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد. وروي أيضا أن زيد بن ثابت ~~كان يجيز بيع البراءة. # وإنما خص مالك بذلك الرقيق لكون عيوبهم في الأكثر خافية. وبالجملة خيار ~~الرد بالعيب حق ثابت للمشتري، ولما كان ذلك يختلف اختلافا كثيرا كاختلاف ~~المبيعات في صفاتها وجب إذا اتفقا على الجهل به أن لا يجوز أصله إذا اتفقا ~~على جهل صفة المبيع المؤثرة في الثمن. ولذلك حكى ابن القاسم في المدونة عن ~~مالك أن آخر قوله كان إنكار بيع البراءة إلا ما خفف فيه السلطان. وفي قضاء ~~الديون خاصة. وذهب المغيرة من أصحاب مالك إلى أن البراءة إنما تجوز فيما ~~كان من العيوب لا يتجاوز فيها ثلث المبيع، والبراءة بالجملة إنما تلزم عند ~~القائلين بالشرط: أعني إذا اشترطها إلا بيع السلطان والمواريث عند مالك ~~فقط. فالكلام بالجملة في بيع البراءة هو في جوازه وفي شرط جوازه، وفيما ~~يجوز من العقود والمبيعات والعيوب، ولمن يجوز بالشرط أو مطلقا، وهذه كلها ~~قد تقدمت بالقوة في قولنا فاعلمه. # الجملة الثانية: في وقت ضمان المبيعات. واختلفوا في الوقت الذي يضمن فيه ~~المشتري المبيع أنى تكون خسارته إن هلك منه. فقال أبو حنيفة والشافعي: لا ~~يضمن PageV02P148 # المشتري إلا بعد القبض. وأما مالك فله في ذلك تفصيل، وذلك أن المبيعات ~~عنده في هذا الباب ثلاثة أقسام: بيع يجب على البائع فيه حق توفية من وزن أو ~~كيل أو عدد. وبيع ليس فيه حق توفية. وهو الجزاف أو ما لا يوزن ولا يكال ولا ~~يعد. فأما ما كان فيه حق توفية فلا يضمن المشتري ms0694 إلا بعد القبض. وأما ما ~~ليس فيه حق توفية وهو حاضر فلا خلاف في المذهب أن ضمانه من المشتري وإن لم ~~يقبضه. وأما المبيع، فعن مالك في ذلك ثلاث روايات: أشهرها: أن الضمان من ~~البائع إلا أن يشترطه على المبتاع. # والثانية: أنه من المبتاع إلا أن يشترطه على البائع. والثالثة: الفرق بين ~~ما ليس بمأمون البقاء إلى وقت الاقتضاء كالحيوان والمأكولات، وبين ما هو ~~مضمون البقاء. والخلاف في هذه المسألة: مبني على هل القبض شرط من شروط ~~العقد، أو حكم من أحكام العقد، والعقد لازم دون القبض؟ فمن قال القبض من ~~شروط صحة العقد أو لزومه أو كيفما شئت أن تعبر في هذا المعنى كان الضمان ~~عنده من البائع حتى يقبضه المشتري، ومن قال هو حكم لازم من أحكام المبيع ~~والبيع، وقد انعقد ولزم قال: العقد يدخل في ضمان المشتري. # وتفريق مالك بين الغائب والحاضر، والذي فيه حق توفية والذي ليس فيه حق ~~توفية استحسان، ومعنى الاستحسان في أكثر الأحوال هو الالتفات إلى المصلحة ~~والعدل. # وذهب أهل الظاهر إلى أن بالعقد يدخل في ضمان المشتري فيما أحسب، وعمدة من ~~رأى ذلك اتفاقهم على أن الخراج قبل القبض للمشتري، وقد قال عليه الصلاة ~~والسلام الخراج بالضمان وعمدة المخالف حديث عتاب بن أسيد أن رسول الله (ص) ~~لما بعثه إلى مكة قال له انههم عن بيع ما لم يقبضوا وربح ما لم يضمنوا وقد ~~تكلمنا في شرط القبض في المبيع فيما سلف، ولا خلاف بين المسلمين أنه من ~~ضمان المشتري بعد القبض إلا في العهدة والجوائح. وإذ قد ذكرنا العهدة ~~فينبغي أن نذكر ههنا الجوائح. # القول في الجوائح اختلف العلماء في وضع الجوائح في الثمار. فقال بالقضاء ~~بها مالك وأصحابه. # ومنعها أبو حنيفة والثور والشافعي - في قوله الجديد - والليث. فعمدة من ~~قال بوضعها حديث جابر أن رسول الله (ص) قال من باع ثمرا فأصابته جائحة فلا ~~يأخذ من أخيه شيئا. على ماذا يأخذ أحدكم مال أخيه؟ خرجه مسلم عن جابر. وما ~~روي ms0695 عنه أنه قال أمر رسول الله (ص) بوضع الجوائح. فعمدة من أجاز الجوائح ~~حديثا جابر هذان، وقياس الشبه أيضا. وذلك أنهم قالوا: إنه مبيع بقي على ~~البائع فيه حق توفية، بدليل ما عليه من سقيه إلى أن يكمل، فوجب أن يكون ~~ضمانه منه أصله سائر المبيعات التي بقي لها حق توفية، والفرق عندهم بين هذا ~~المبيع وبين سائر البيوع أن هذا بيع وقع في الشرع والمبيع لم يكمل بعد. ~~فكأنه مستثنى من النهي عن بيع ما لم يخلق، PageV02P149 # فوجب أن يكون في ضمانه مخالفا لسائر المبيعات. وأما عمدة من لم يقل ~~بالقضاء بها فتشبيه هذا البيع بسائر المبيعات وأن التخلية في هذا المبيع هو ~~القبض. وقد اتفقوا على أن ضمان المبيعات بعد القبض من المشتري، ومن طريق ~~السماع أيضا حديث أبي سعيد الخدري قال أجيح رجل في ثمار ابتاعها وكثر دينه، ~~فقال رسول الله (ص): # تصدقوا عليه، فتصدق عليه فلم يبلغ وفاء دينه. فقال رسول الله (ص): خذوا ~~ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك قالوا: فلم يحكم بالجائحة. فسبب الخلاف: في هذه ~~المسألة هو تعارض الآثار فيها وتعارض مقاييس الشبه، وقد رام كل واحد من ~~الفريقين صرف الحديث المعارض للحديث الذي هو الأصل عنده بالتأويل، فقال من ~~منع الجائحة: # يشبه أن يكون الامر بها إنما ورد من قبل النهي عن بيع الثمار حتى يبدو ~~صلاحها، قالوا: ويشهد لذلك أنه لما كثر شكواهم بالجوائح أمروا أن لا يبيعوا ~~الثمر إلا بعد أن يبدو صلاحه، وذلك في حديث زيد بن ثابت المشهور، وقال من ~~أجازها في حديث أبي سعيد: يمكن أن يكون البائع عديما فلم يقض عليه بجائحة ~~أو أن يكون المقدار الذي أصيب من الثمر مقدارا لا يلزم فيه جائحة، أو أن ~~يكون أصيب في غير الوقت الذي تجب فيه الجائحة، مثل أن يصاب بعد الجذاذ أو ~~بعد الطيب. وأما الشافعي فروى حديث جابر عن سليمان بن عتيق عن جابر، وكان ~~يضعفه ويقول: إنه اضطرب في ذكر وضع الجوائح فيه ولكنه ms0696 قال: إن ثبت الحديث ~~وجب وضعها في القليل والكثير، ولا خلاف بينهم في القضاء بالجائحة بالعطش، ~~وقد جعل القائلون بها اتفاقهم في هذا حجة على إثباتها. والكلام في أصول ~~الجوائح على مذهب مالك ينحصر في أربعة فصول: الأول: في معرفة الأسباب ~~الفاعلة للجوائح. والثاني: في محل الجوائح من المبيعات. الثالث: في مقدار ~~ما يوضع منه فيه. الرابع: في الوقت الذي توضع فيه. # الفصل الأول: في معرفة الأسباب الفاعلة للجوائح وأما ما أصاب الثمرة من ~~السماء مثل البرد والقحط وضده والعفن، فلا خلاف في المذهب أنه جائحة. وأما ~~العطش - كما قلنا - فلا خلاف بين الجميع أنه جائحة. وأما ما أصاب من صنع ~~الآدميين فبعض من أصحاب مالك رآه جائحة، وبعض لم يره جائحة. # والذين رأوه جائحة انقسموا قسمين: فبعضهم رأى منه جائحة ما كان غالبا ~~كالجيش ولم ير ما كان منه بمغافصة جائحة مثل السرقة، وبعضهم جعل كل ما يصيب ~~الثمرة من جهة PageV02P150 # الآدميين جائحة بأي وجه كان، فمن جعلها في الأمور السماوية فقط اعتمد ~~ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام أرأيت إن منع الله الثمرة؟ ومن جعلها في ~~أفعال الآدميين شبهها بالأمور السماوية، ومن استثني اللص قال: يمكن أن ~~يتحفظ منه. # الفصل الثاني في محل الجوائح من المبيعات ومحل الجوائح هي الثمار ~~والبقول. فأما الثمار فلا خلاف فيها في المذهب، وأما البقول ففيها خلاف، ~~والأشهر فيها الجائحة. وإنما اختلفوا في البقول لاختلافهم في تشبيهها ~~بالأصل الذي هو الثمر. # الفصل الثالث: # في مقدار ما يوضع منه فيه وأما المقدار الذي تجب فيه الجائحة، أما في ~~الثمار فالثلث، وأما في البقول فقيل في القليل والكثير وقيل في الثلث. وابن ~~القاسم يعتبر ثلث الثمر بالكيل وأشهب يعتبر الثلث في القيمة. فإذا ذهب من ~~الثمر عند أشهب ما قيمته الثلث من الكيل وضع عنه الثلث من الثمن. وسواء كان ~~ثلثا في الكيل أو لم يكن. وأما ابن القاسم فإنه إذا ذهب من الثمر الثلث من ~~الكيل، فإن كان نوعا واحدا ليس تختلف قيمة بطونه حط ms0697 عنه من الثمن الثلث، ~~وإن كان الثمر أنواعا كثيرة مختلفة القيم، أو كان بطونا مختلفة القيم أيضا ~~اعتبر قيمة ذلك الثلث الذاهب من قيمة الجميع، فما كان قدره حط بذلك القدر ~~من الثمن، ففي موضع يعتبر المكيلة فقط، حيث تستوي القيمة في أجزاء الثمرة ~~وبطونها، وفي موضع يعتبر الامرين جميعا حيث تختلف القيمة، والمالكية يحتجون ~~في مصيرهم إلى التقدير في وضع الحوائج - وإن كان الحديث الوارد فيها مطلقا ~~- بأن القليل في هذا معلوم من حكم العادة أنه يخالف الكثير إذ كان معلوما ~~أن القليل يذهب من كل ثمر، فكأن المشتري دخل على هذا الشرط بالعادة وإن لم ~~يدخل بالنطق، وأيضا فإن الجائحة التي علق الحكم بها تقتضي الفرق بين القليل ~~والكثير. قالوا: وإذا وجب الفرق وجب أن يعتبر فيه، إذ قد اعتبره الشرع في ~~مواضع كثيرة، وأن كان المذهب يضطرب في هذا الأصل، فمرة يجعل الثلث من حيز ~~الكثير كجعله إياه ههنا، ومرة يجعله في حيز القليل. ولم يضطرب في أنه الفرق ~~بين القليل والكثير، والمقدرات يعسر إثباتها بالقياس عند جمهور الفقهاء، ~~ولذلك قال الشافعي: لو قلت بالجائحة لقلت فيها بالقليل والكثير، وكون الثلث ~~فرقا بين القليل والكثير هو نص في الوصية في قوله عليه الصلاة والسلام: ~~الثلث، والثلث كثير. PageV02P151 # الفصل الرابع: في الوقت الذي توضع فيه وأما زمان القضاء بالجائحة، فاتفق ~~المذهب على وجوبها في الزمان الذي يحتاج فيه إلى تبقية الثمر على رؤوس ~~الشجر حيث يستوفى طيبه. واختلفوا إذا أبقاه المشتري في الثمار ليبيعه على ~~النضارة وشيئا شيئا، فقيل فيه الجائحة تشبيها بالزمان المتفق عليه، وقيل ~~ليس فيه جائحة تفريقا بينه وبين الزمان المتفق على وجوب القضاء بالجائحة ~~فيه، وذلك أن هذا الزمان يشبه المتفق عليه من جهة ويخالفه من جهة، فمن غلب ~~الاتفاق أوجب فيه الجائحة، ومن غلب الاختلاف لم يوجب فيه جائحة، أعني من ~~رأى أن النضارة مطلوبة بالشراء كما الطيب مطلوب قال بوجوب الجائحة فيه، ومن ~~لم ير الامر فيهما واحدا قال: ليس فيه الجائحة، ms0698 ومن ههنا اختلفوا في وجوب ~~الجوائح في البقول. # الجملة الثالثة من جمل النظر في الاحكام وهو في تابعات المبيعات. ومن ~~مسائل هذا الباب المشهورة اثنتان: الأولى: بيع النخيل وفيها الثمر متى يتبع ~~بيع الأصل ومتى لا يتبعه؟ فجمهور الفقهاء على أن من باع نخلا فيها ثمر قبل ~~أن يؤبر فإن الثمر للمشتري، وإذا كان البيع بعد الابار فالثمر للبائع إلا ~~أن يشترطه المبتاع، والثمار كلها في هذا المعنى في معنى النخيل، وهذا كله ~~لثبوت حديث ابن عمر أن رسول الله (ص) قال من باع نخلا قد أبرت فثمرها ~~للبائع إلا أن يشترطه المبتاع قالوا: فلما حكم (ص) بالثمن للبائع بعد ~~الابار علمنا بدليل الخطاب أنها للمشتري قبل الابار بلا شرط، وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه: هي للبائع قبل الابار وبعده، ولم يجعل المفهوم ههنا من باب ~~دليل الخطاب بل من باب مفهوم الأحرى والأولى، قالوا: وذلك أنه إذا وجبت ~~للبائع بعد الابار فهي أحرى أن تجب له قبل الابار. وشبهوا خروج الثمر ~~بالولادة وكما أن من باع أمة لها ولد فولدها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ~~كذلك الامر في الثمن. وقال ابن أبي ليلى: سواء أبر أو لم يؤبر إذا بيع ~~الأصل فهو للمشتري اشترطها أو لم يشترطها، فرد الحديث بالقياس، لأنه رأى أن ~~الثمر جزء من المبيع، ولا معنى لهذا القول إلا إن كان لم يثبت عنده الحديث. ~~وأما أبو حنيفة فلم يرد الحديث، وإنما خالف مفهوم الدليل فيه. فإذا سبب ~~الخلاف: في هذه المسألة بين أبي حنيفة والشافعي ومالك ومن قال بقولهم ~~معارضة دليل الخطاب لدليل مفهوم الأحرى والأولى. وهو الذي يسمى فحوى الخطاب ~~لكنه ههنا ضعيف، وإن كان في الأصل أقوى من دليل الخطاب. وأما سبب مخالفة ~~ابن أبي ليلى فمعارضة القياس للسماع، وهو كما قلنا ضعيف. والآبار عند ~~العلماء أن يجعل طلع ذكور النخل في طلع إناثها، وفي سائر الشجر أن تنور ~~وتعقد، والتذكير في شجر التين التي تذكر في معنى الابار، وإبار الزرع مختلف ~~فيه في ms0699 المذهب، فروى ابن القاسم عن مالك أن إباره أن يفرك قياسا على سائر ~~الثمر، وهل الموجب لهذا الحكم هو الابار أو وقت الابار؟ قيل الوقت، وقيل ~~الابار، PageV02P152 # وعلى هذا ينبني الاختلاف إذا أبر بعض النخل ولم يؤبر البعض، هل يتبع ما ~~لم يؤبر ما أبر أو لا يتبعه؟ واتفقوا فيما أحسبه على أنه إذا بيع ثمر وقد ~~دخل الابار فلم يؤبر أن حكمه حكم المؤبر. # المسألة الثانية: وهي اختلافهم فبيع مال العبد، وذلك أنهم اختلفوا في مال ~~العبد هل يتبعه في البيع والعتق؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ماله في البيع ~~والعتق لسيده، وكذلك في المكاتب، وبه قال الشافعي والكوفيون. والثاني: أن ~~ماله تبع له في البيع والعتق، وهو قول داود وأبي ثور. والثالث: أنه تبع له ~~في العتق لا في البيع إلا أن يشترطه المشتري، وبه قال مالك والليث. فحجة من ~~رأى أن ماله في البيع لسيده إلا أن يشترطه المبتاع حديث ابن عمر المشهور عن ~~النبي (ص) أنه قال: من باع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه ~~المبتاع ومن جعله لسيده في العتق فقياسا على البيع. وحجة من رأى أنه تبع ~~للعبد في كل حال انبنت على كون العبد مالكا عندهم وهي مسألة اختلف العلماء ~~فيها اختلافا كثيرا: أعني هل يملك العبد أو لا يملك؟ ويشبه أن يكون هؤلاء ~~إنما غلبوا القياس على السماع لان حديث ابن عمر هو حديث خالف فيه نافع ~~سالما، لان نافعا رواه عن ابن عمر وسالم رواه عن ابن عمر عن النبي (ص) وأما ~~مالك فغلب القياس في العتق والسماع في البيع. وقال مالك في الموطأ الامر ~~المجتمع عليه عندنا أن المبتاع إذا اشترط مال العبد فهو له نقدا كان أو ~~عرضا أو دينا. وقد روي عن النبي (ص) أنه قال من أعتق غلاما فماله له إلا أن ~~يستثنيه سيده ويجوز عند مالك أن يشتري العبد وماله بدراهم، وإن كان مال ~~العبد دراهم أو فيه دراهم. وخالفه أبو حنيفة والشافعي ms0700 إذا كان مال العبد ~~نقدا، وقالوا: العبد وماله بمنزلة من باع شيئين لا يجوز فيهما إلا ما يجوز ~~في سائر البيوع. واختلف أصحاب مالك في اشتراط المشتري لبعض مال العبد في ~~صفقة البيع، فقال ابن القاسم: لا يجوز، وقال أشهب: جائز أن يشترط بعضه، ~~وفرق بعضهم فقال: إن كان ما اشترى به العبد عينا وفي مال العبد عين لم يجز ~~ذلك لأنه يدخله دراهم بعرض ودراهم، وإن كان ما اشترى به عروضا أو لم يكن في ~~مال العبد دراهم جاز. ووجه قول ابن القاسم أنه لا يجوز أن يشترط بعضه ~~تشبيهه بثمر النخل الابار. ووجه قول أشهب تشبيهه الجزء بالكل، وفي هذا ~~الباب مسائل مسكوت عنها كثيرة ليست مما قصدناه. ومن مشهور مسائلهم في هذا ~~الباب الزيادة والنقصان اللذان يقعان في الثمن الذي انعقد عليه البيع بما ~~يرضى به المتبايعان أعني أن يزيد المشتري البائع بعد البيع على الثمن الذي ~~انعقد عليه البيع أو يحط منه البائع هل يتبع حكم الثمن أم لا؟ وفائدة الفرق ~~أن من قال هي من الثمن أوجب ردها في الاستحقاق وفي الرد بالعيب وما أشبه ~~ذلك، وأيضا من جعلها في حكم الثمن الأول إن كانت فاسدة البيع، ومن لم ~~يجعلها من الثمن: أعني PageV02P153 # الزيادة لم يوجب شيئا من هذا، فذهب أبو حنيفة إلى أنها من الثمن إلا أنه ~~قال لا تثبت الزيادة في حق الشفيع ولا في بيع المرابحة، بل الحكم للثمن ~~الأول، وبه قال مالك، وقال الشافعي: لا تلحق الزيادة والنقصان بالثمن أصلا ~~وهو في حكم الهبة. واستدل من ألحق الزيادة بالثمن بقوله عز وجل: * (ولا ~~جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) * قالوا: وإذا لحقت الزيادة في ~~الصداق بالصداق لحقت في البيع بالثمن. # واحتج الفريق الثاني باتفاقهم على أنها لا تلحق في الشفعة، وبالجملة من ~~رأى أن العقد الأول قد تقرر قال: الزيادة هبة، ومن رأى أنها فسخ للعقد ~~الأول وعقد ثان عدها من الثمن. # الجملة الرابعة وإذا اتفق المتبايعان على البيع ms0701 واختلفا في مقدار الثمن ~~ولم تكن هناك بينة، ففقهاء الأمصار متفقون على أنهما يتحالفان ويتفاسخان ~~بالجملة، ومختلفون في التفصيل، أعني في الوقت الذي يحكم فيه بالايمان ~~والتفاسخ. فقال أبو حنيفة وجماعة: # إنهما يتحالفان ويتفاسخان ما لم تفت عين السلعة، فإن فاتت فالقول قول ~~المشتري مع يمينه. وقال الشافعي ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وأشهب صاحب ~~مالك: # يتحالفان في كل وقت. وأما مالك فعنه روايتان: إحداهما: أنهما يتحالفان ~~ويتفاسخان قبل القبض، وبعد القبض القول قول المشتري. والرواية الثانية: مثل ~~قول أبي حنيفة، وهي رواية ابن القاسم، والثانية رواية أشهب، والفوت عنده ~~يكون بتغيير الأسواق وبزيادة المبيع ونقصانه. وقال داود وأبو ثور: القول ~~قول المشتري على كل حال، وكذلك قال زفر، إلا أن يكونا اختلفا في جنس الثمن، ~~فحينئذ يكون التفاسخ عندهم والتحالف ولا خلاف أنهم إذا اختلفوا في جنس ~~الثمن أو المثمون أن الواجب هو التحالف والتفاسخ، وإنما صار فقهاء الأمصار ~~إلى القول على الجملة بالتحالف والتفاسخ عند الاختلاف في عدد الثمن لحديث ~~ابن مسعود أن رسول الله (ص) قال أيما بيعين تبايعا فالقول قول البائع أو ~~يترادان فمن حمل هذا الحديث على وجوب التفاسخ وعمومه قال: يتحالفان في كل ~~حال ويتفاسخان، والعلة في ذلك عنده أن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه. وأما ~~من رأى أن الحديث إنما يجب أن يحمل على الحالة التي يجب أن يتساوى فيها ~~دعوى البائع والمشتري قال: إذا قبض السلعة أو فاتت فقد صار القبض شاهدا ~~للمشتري وشبهة لصدقه، واليمين إنما يجب على أقوى المتداعيين شبهة، وهذا هو ~~أصل مالك في الايمان، ولذلك يوجب في مواضع اليمين على المدعي، وفي مواضع ~~على المدعى عليه، وذلك أنه لم يجب اليمين بالنص على المدعى عليه من حيث هو ~~مدعى عليه، وإنما وجبت عليه من حيث هو في PageV02P154 # الأكثر أقوى شبهة، فإذا كان المدعي في مواطن أقوى شبهة وجب أن يكون ~~اليمين في حيزه. وأما من رأى القول قول المشتري، فإنه رأى أن البائع مقر ~~للمشتري بالشراء ms0702 ومدع عليه عددا ما في الثمن. وأما داود ومن قال بقوله ~~فردوا حديث ابن مسعود لأنه منقطع ولذلك لم يخرجه الشيخان البخاري ومسلم، ~~وإنما خرجه مالك. وعن مالك: إذا نكل المتبايعان عن الايمان روايتان: ~~إحداهما الفسخ، والثانية أن القول قول البائع. وكذلك من يبدأ باليمين في ~~المذهب فيه خلاف، فالأشهر البائع على ما في الحديث، وهل إذا وقع التفاسخ ~~يجوز لأحدهما أن يختار قول صاحبه؟ فيه خلاف في المذهب. # القسم الرابع: من النظر المشترك في البيوع: وهو النظر في حكم البيع ~~الفاسد إذا وقع، فنقول: اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت ولم ~~تفت بإحداث عقد فيها أو نماء أو نقصان أو حوالة سوق أن حكمها الرد أعني أن ~~يرد البائع الثمن والمشتري المثمون. واختلفوا إذا قبضت وتصرف فيها بعتق أو ~~هبة أو رهن أو غير ذلك من سائر التصرفات هل ذلك فوت يوجب القيمة؟ وكذلك إذا ~~نمت أو نقصت فقال الشافعي: # ليس ذلك كله فوتا ولا شبهة ملك في البيع الفاسد وأن الواجب الرد، وقال ~~مالك: كل ذلك فوت يوجب القيمة إلا ما روى عنه ابن وهب في الربا أنه ليس ~~بفوت، ومثل ذلك قال أبو حنيفة والبيوع الفاسدة عند مالك تنقسم إلى محرمة ~~وإلى مكروهة. فأما المحرمة فإنها إذا فاتت مضت بالقيمة. وأما المكروهة ~~فإنها إذا فاتت صحت عنده، وربما صح عنده بعض البيوع الفاسدة بالقبض لخفة ~~الكراهة عنده في ذلك. فالشافعية تشبه المبيع الفاسد لمكان الربا والغرر ~~بالفاسد لمكان تحريم عينه كبيع الخمر والخنزير فليس عندهم فيه فوت، ومالك ~~يرى أن النهي في هذه الأمور إنما هو لمكان عدم العدل فيها، أعني بيوع الربا ~~والغرر، فإذا فاتت السلعة فالعدل فيها هو الرجوع بالقيمة، لأنه قد تقبض ~~السلعة وهي تساوي ألفا وترد وهي تساوي خمسمائة أو بالعكس، ولذلك يرى مالك ~~حوالة الأسواق فوتا في المبيع الفاسد، ومالك يرى في البيع والسلف أنه إذا ~~فات وكان البائع هو المسلف رد المشتري القيمة ما لم تكن أزيد من الثمن ms0703 لان ~~المشتري قد رفع له في الثمن لمكان السلف فليس من العدل أن يرد أكثر من ذلك، ~~وإن كان المشتري هو الذي أسلف البائع فقد حط البائع عنه من الثمن لمكان ~~السلف، فإذا وجبت على المشتري القيمة ردها ما لم تكن أقل من الثمن، لأن هذه ~~البيوع إنما وقع المنع فيها لمكان ما جعل فيها من العوض مقابل السلف الذي ~~هو موضوع لعون الناس بعضهم لبعض، ومالك في هذه المسألة أفقه من الجميع. ~~واختلفوا إذا ترك الشرط قبل القبض: أعني شرط السلف، هل يصح البيع أم لا؟ ~~فقال أبو حنيفة والشافعي وسائر العلماء: البيع مفسوخ، وقال مالك وأصحابه: ~~البيع غير مفسوخ إلا ابن عبد الحكم قال: البيع مفسوخ. وقد روي عن مالك ~~PageV02P155 # مثل قول الجمهور. وحجة الجمهور أن النهي يتضمن فساد المنهي فإذا انعقد ~~البيع فاسدا لم يصححه بعد رفع الشرط الذي من قبله وقع الفساد، كما أن رفع ~~السبب المفسد في المحسوسات بعد فساد الشئ ليس يقتضي عودة الشئ إلى ما كان ~~عليه قبل الفساد من الوجود، فاعلمه. وروي أن محمد بن أحمد بن سهل البرمكي ~~سأل عن هذه المسألة إسماعيل بن إسحاق المالكي فقال له: ما الفرق بين السلف ~~والبيع وبين رجل باع غلاما بمائة دينار وزق خمر، فلما انعقد البيع بينهما ~~قال: أنا أدع الزق، وهذا البيع مفسوخ عند العلماء بإجماع، فوجب أن يكون بيع ~~السلف كذلك، فجاوب عن ذلك بجواب لا تقوم به حجة، وقد تقدم القول في ذلك. ~~وإذ قد انقضى القول في أصول البيوع الفاسدة وأصول البيوع الصحيحة، وفي أصول ~~أحكام البيوع الصحيحة، وأصول الاحكام الفاسدة المشتركة العامة لجميع البيوع ~~أو لكثير منها فلنصر إلى ما يخص واحدا واحدا من هذه الأربعة الأجناس، وذلك ~~بأن نذكر منها ما يجري مجرى الأصول. PageV02P156 # كتاب الصرف ولما كان يخص هذا البيع شرطان: أحدهما: عدم النسيئة وهو ~~الفور، والآخر: عدم التفاضل وهو اشتراط المثلية كان النظر في هذا الباب ~~ينحصر في خمسة أجناس: الأول: # في معرف ما هو ms0704 نسيئة مما ليس بنسيئة. الثاني: في معرفة ما هو مماثل مما ~~ليس بمماثل، إذ هذان القسمان ينقسمان بفصول كثيرة فيعرض هنالك الخلاف. ~~الثالث: فيما وقع أيضا من هذا البيع بصورة مختلف فيها هل هو ذريعة إلى أحد ~~هذين أعني الزيادة والنسيئة أو كليهما عند من قال بالذرائع وهو مالك ~~وأصحابه، وهذا ينقسم أيضا إلى نوعين كانقسام أصله. الخامس: # في خصائص أحكام هذا البيع من جهة ما يعتبر فيه هذان الشرطان: أعني عدم ~~النساء والتفاضل أو كليهما، وذلك أنه يخالف هذا البيع البيوع لمكان هذين ~~الشرطين فيه في أحكام كثيرة. وأنت إذا تأملت الكتب الموضوعة في فروع الكتاب ~~الذي يوسمونه بكتاب الصرف وجدتها كلها راجعة إلى هذه الأجناس الخمسة، أو ~~إلى ما تركب منها ما عدا المسائل التي يدخلون في الكتاب الواحد بعينه مما ~~ليس هو من ذلك الكتاب مثل إدخال المالكية في الصرف مسائل كثيرة هي من باب ~~الاقتضاء في السلف، ولكن لما كان الفاسد منها يؤول إلى أحد هذين الأصلين، ~~أعني إلى صرف بنسيئة أو بتفاضل أدخلوها في هذا الكتاب، مثل مسائلهم في ~~اقتضاء القائمة والمجموعة والفرادى بعضها من بعض، لكن لما كان قصدنا إنما ~~هو ذكر المسائل التي هي منطوق بها في الشرع أو قريب من المنطوق بها رأينا ~~أن نذكر في هذا الكتاب سبع مسائل مشهورة تجري مجرى الأصول لما يطرأ على ~~المجتهد من مسائل هذا الباب. # فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة ~~الاجتهاد إذا حصل ما يجب له أن يحصل قبله من القدر الكافي له في علم النحو ~~واللغة وصناعة أصول الفقه ويكفي من ذلك ما هو مساو لجرم هذا الكتاب أو أقل. ~~وبهذه الرتبة يسمى فقيها لا بحفظ مسائل الفقه ولو بلغت في العدد أقصى ما ~~يمكن أن يحفظه انسان كما نجد متفقهة زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ ~~مسائل أكثر، وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظن أن الخفاف هو الذي عنده ~~خفاف كثيرة لا الذي ms0705 يقدر على عملها، وهو بين أن الذي عنده خفاف كثيرة ~~سيأتيه انسان بقدم لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه، فيلجأ إلى صانع الخفاف ~~ضرورة، وهو الذي يصنع لكل قدم خفا يوافقه، فهذا هو مثال أكثر المتفقهة في ~~هذا الوقت. PageV02P157 # وإذ قد خرجنا عما كنا بسبيله فلنرجع إلى حيث كنا من ذكر المسائل التي ~~وعدنا بها. # المسألة الأولى: أجمع العلماء على أن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة لا ~~يجوز إلا مثلا بمثل يدا بيد، إلا ما روي عن ابن عباس ومن تبعه من المكيين ~~فإنهم أجازوا بيعه متفاضلا ومنعوه نسيئة فقط، وإنما صار ابن عباس لذلك لما ~~رواه عن أسامة بن زيد عن النبي (ص) أنه قال لا ربا إلا في النسيئة وهو حديث ~~صحيح، فأخذ ابن عباس بظاهر هذا الحديث فلم يجعل الربا إلا في النسيئة. وأما ~~الجمهور فصاروا إلى ما رواه مالك عن نافع عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ~~(ص) قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض ~~ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا ~~تبيعوا منها شيئا غائبا بناجز وهو من أصح ما روي في هذا الباب. وحديث عبادة ~~بن الصامت حديث صحيح أيضا في هذا الباب، فصار الجمهور إلى هذه الأحاديث إذ ~~كانت نصا في ذلك. وأما حديث ابن عباس فإنه ليس بنص في ذلك لأنه روي فيه ~~لفظان: أحدهما: أنه قال إنما الربا في النسيئة وهذا ليس يفهم منه إجازة ~~التفاضل إلا من باب دليل الخطاب وهو ضعيف ولا سيما إذا عارضه النص. وأما ~~اللفظ الآخر وهو لا ربا إلا في النسيئة فهو أقوى من هذا اللفظ لان ظاهره ~~يقتضي أن ما عدا النسيئة فليس بربا، لكن يحتمل أن يريد بقوله لا ربا إلا في ~~النسيئة من جهة أن الواقع في الأكثر، وإذا كان هذا محتملا والأول نص وجب ~~تأويله على الجهة التي يصح الجمع بينهما. وأجمع الجمهور على أن مسكوكه ~~وتبره ms0706 ومصوغه سواء في منع بيع بعضه ببعض متفاضلا لعموم الأحاديث المتقدمة ~~في ذلك، إلا معاوية فإنه كان يجيز التفاضل بين التبر والمصوغ لمكان زيادة ~~الصياغة، وإلا ما روي عن مالك أنه سئل عن الرجل يأتي دار الضرب بورقه ~~فيعطيهم أجرة الضرب ويأخذ منهم دنانير ودراهم وزن ورقه أو دراهمه، فقال: ~~إذا كان ذلك لضرورة خروج الرفقة ونحو ذلك فأرجو أن لا يكون به بأس، وبه قال ~~ابن القاسم من أصحابه، وأنكر ذلك ابن وهب من أصحابه وعيسى بن دينار وجمهور ~~العلماء، وأجاز مالك بدل الدينار الناقص بالوازن أو بالدينارين على اختلاف ~~بين أصحابه في العدد الذي يجوز فيه ذلك من الذي لا يجوز على جهة المعروف. # المسألة الثانية: اختلف العلماء في السيف والمصحف المحلى يباع بالفضة ~~وفيه حلية فضة، أو بالذهب وفيه حلية ذهب، فقال الشافعي: لا يجوز ذلك لجهل ~~المماثلة المشترطة في بيع الفضة بالفضة في ذلك والذهب بالذهب، وقال مالك: ~~إن كان قيمة ما فيه من الذهب أو الفضة الثلث فأقل جاز بيعه، أعني بالفضة إن ~~كانت حليته فضة، أو بالذهب إن كانت حليته ذهبا وإلا لم يجز، وكأنه رأى أنه ~~إذا كانت الفضة قليلة لم تكن مقصودة في البيع وصارت كأنها هبة، وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه: لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة إذا كانت الفضة أكثر من ~~PageV02P158 # الفضة التي في السيف. وكذلك الامر في بيع السيف المحلى بالذهب، لأنهم ~~رأوا أن الفضة التي فيه أو الذهب يقابل مثله من الذهب أو الفضة المشتراة ~~به، ويبقى الفضل قيمة السيف. # وحجة الشافعي عموم الأحاديث والنص الوارد في ذلك من حديث فضالة بن عبد ~~الله الأنصاري أنه قال أتي رسول الله (ص) وهو بخيبر بقلادة فيها ذهب وخرز ~~وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله (ص) بالذهب الذي في القلادة ينزع ~~وحده، ثم قال لهم رسول الله (ص): # الذهب بالذهب وزنا بوزن خرجه مسلم وأما معاوية كما قلنا فأجاز ذلك على ~~الاطلاق. # وقد أنكره عليه أبو سعيد وقال: لا أسكن ms0707 في أرض أنت فيها.. لما رواه من ~~الحديث. # المسألة الثالثة: اتفق العلماء على أن من شرط الصرف أن يقع ناجزا. ~~واختلفوا في الزمان الذي يحد هذا المعنى، فقال أبو حنيفة والشافعي: الصرف ~~يقع ناجزا ما لم يفترق المتصارفان تعجل أو تأخر القبض، وقال مالك: إن تأخر ~~القبض في المجلس بطل الصرف وإن لم يفترقا حتى كره المواعدة فيه. وسبب ~~الخلاف: ترددهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام إلا هاء وهاء وذلك أن ~~هذا يختلف بالأقل والأكثر، فمن رأى أن هذا اللفظ صالح لمن لم يفترق من ~~المجلس، أعني أنه يطلق عليه أنه باع هاء وهاء قال: يجوز التأخير في المجلس. ~~ومن رأى أن اللفظ لا يصح إلا إذا وقع القبض من المتصارفين على الفور قال: ~~إن تأخر القبض عن العقد في المجلس بطل الصرف لاتفاقهم على هذا المعنى لم ~~يجز عندهم في الصرف حوالة ولا حمالة ولا خيار، إلا ما حكي عن أبي ثور أنه ~~أجاز فيه الخيار. واختلف في المذهب في التأخير الذي يغلب عليه المتصارفان ~~أو أحدهما، فمرة قيل فيه إنه مثل الذي يقع بالاختيار، ومرة قيل إنه ليس ~~كذلك في تفاصيل لهم في ذلك ليس قصدنا ذكرها في هذا الكتاب. # المسألة الرابعة: اختلف العلماء فيمن اصطرف دراهم بدنانير ثم وجد فيها ~~درهما زائفا، فأراد رده، فقال مالك ينتقض الصرف، وإن كانت دنانير كثيرة ~~انتقض منها دينار للدرهم فما فوقه إلى صرف دينار فإن زاد درهم على دينار ~~انتقض منها دينار آخر، وهكذا ما بينه وبين أن ينتهي إلى صرف دينار. قال: ~~وإن رضي بالدرهم الزائف لم يبطل من الصرف شئ. وقال أبو حنيفة: لا يبطل ~~الصرف بالدرهم الزائف، ويجوز تبديله إلا أن تكون الزيوف نصف الدراهم أو ~~أكثر، فإن ردها بطل الصرف في المردود. وقال الثوري: # إذا رد الزيوف كان مخيرا إن شاء أبدلها أو يكون شريكا له بقدر ذلك في ~~الدنانير: أعني لصاحب الدنانير. وقال أحمد: لا يبطل الصرف بالرد قليلا كان ~~أو كثيرا. وابن وهب ms0708 من أصحاب مالك يجيز البدل في الصرف، وهو مبني على أن ~~الغلبة على النظرة في الصرف ليس لها تأثير ولا سيما في البعض، وهو أحسن. ~~وعن الشافعي في بطلان الصرف بالزيوف قولان، فيتحصل لفقهاء الأمصار في هذه ~~المسألة أربعة أقوال: قول بإبطال الصرف مطلقا PageV02P159 # عند الرد، وقول بإثبات الصرف ووجوب البدل، وقول بالفرق بين القليل ~~والكثير، وقول بالتخيير بين بدل الزائف أيكون شريكا له. وسبب الخلاف في هذا ~~كله: هل الغلبة على التأخير في الصرف مؤثرة فيه أو غير مؤثرة؟ وإن كانت ~~مؤثرة فهل هي مؤثرة في القليل أو في الكثير؟ وأما وجود النقصان فإن المذهب ~~اضطرب فيه، فمرة قال فيه إنه إن رضي بالنقصان جاز الصرف، وإن طلب البدل ~~انتقض الصرف قياسا على الزيوف، ومرة قال: # يبطل الصرف وإن رضي به، وهو ضعيف. واختلفوا أيضا إذا قبض بعض الصرف وتأخر ~~بعضه، أعني الصرف المنعقد على التناجز، فقيل يبطل الصرف كله، وبه قال ~~الشافعي، وقيل يبطل منه المتأخر فقط، وبه قال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف، ~~والقولان في المذهب. ومبنى الخلاف: في الصفقة الواحدة يخالطها حرام وحلال ~~هل تبطل الصفقة كلها، أو الحرام منها فقط؟ # المسألة الخامسة: أجمع العلماء على أن المراطلة جائزة في الذهب بالذهب ~~وفي الفضة بالفضة، وإن اختلف العدد لاتفاق الوزن، وذلك إذا كانت صفة ~~الذهبين واحدة. واختلفوا في المراطلة في الموضعين: أحدهما: أن تختلف صفة ~~الذهبين. والثاني: أن ينقص أحد الذهبين عن الآخر. فيريه الآخر أن يزيد بذلك ~~عرضا أو دراهم إن كانت المراطلة بذهب، أو ذهبا إن كانت المراطلة بدراهم، ~~فذهب مالك: أما في الموضع الأول، وهو أن يختلف جنس المراطل بهما في الجودة ~~والرداءة أنه متى راطل بأحدهما بصنف من الذهب الواحد وأخرج الآخر ذهبين، ~~أحدهما أجود من ذلك الصنف الواحد والآخر أردأ، فإن ذلك عنده لا يجوز، وإن ~~كان الصنف الواحد من الذهبين، أعني الذي أخرجه وحده أجود من الذهبين ~~المختلفين اللذين أخرجهما الآخر أو أردأ منهما معا، أو مثل أحدهما وأجود من ms0709 ~~الثاني جازت المراطلة عنده. وقال الشافعي: إذا اختلف الذهبان فلا يجوز ذلك. ~~وقال أبو حنيفة وجميع الكوفيين والبصريين: يجوز جميع ذلك. وعمدة مذهب مالك ~~في منعه ذلك الاتهام، وهو مصير إلى القول بسد الذرائع، وذلك أنه يتهم أن ~~يكون المراطل إنما قصد بذلك بيع الذهبين متفاضلا، فكأنه أعطى جزءا من الوسط ~~بأكثر منه من الأردأ، أو بأقل منه من الأعلى، فيتذرع من ذلك إلى بيع الذهب ~~بالذهب متفاضلا، مثال ذلك أن إنسانا قال لآخر: خذ مني خمسة وعشرين مثقالا ~~وسطا بعشرين من الأعلى، فقال: لا يجوز هذا لنا، ولكن أعطيك عشرين من الأعلى ~~وعشرة أدنى من ذهبك، وتعطيني أنت ثلاثين من الوسط، فتكون العشرة الأدنى ~~يقابلها خمسة من ذهبك، ويقابل العشرين من ذهب الوسط العشرين من ذهبك ~~الأعلى. وعمدة الشافعي اعتبار التفاضل الموجود في القيمة. وعمدة أبي حنفية ~~اعتبار وجود الوزن من الذهبين ورد القول بسد الذرائع، وكمثل اختلافهم في ~~المصارفة التي تكون بالمراطلة اختلفوا في هذا الموضع في المصارفة التي تكون ~~بالعدد، أعني إذا اختلفت جودة الذهبين أو الا ذهاب. وأما اختلافهم ~~PageV02P160 # إذا نقصت المراطلة. فأراد أحدهما أن يزيد شيئا آخر مما فيه الربا، أو مما ~~لا ربا فيه، فقريب من هذا الاختلاف، مثل أن يراطل أحدهما صاحبه ذهب بذهب، ~~فينقص أحد الذهبين عن الآخر، فيريد الذي نقص ذهبه أن يعطي عوض الناقص دراهم ~~أو عرضا، فقال مالك والشافعي والليث: إن ذلك لا يجوز والمراطلة فاسدة، ~~وأجاز ذلك كله أبو حنيفة والكوفيون. # وعمدة الحنفية تقدير وجود المماثلة من الذهبين وبقاء الفضل مقابل للعرض. ~~وعمدة مالك التهمة في أن يقصد بذلك بيع الذهب بالذهب متفاضلا. وعمدة ~~الشافعي عدم المماثلة بالكيل أو الوزن أو العدد الذي بالفضل. ومثل هذا ~~يختلفون إذا كانت المصارفة بالعدد. # المسألة السادسة: واختلفوا في الرجلين يكون لأحدهما على صاحبه دنانير ~~وللآخر عليه دراهم، هل يجوز أن يتصارفاها وهي في الذمة؟ فقال مالك: ذلك ~~جائز إذا كانا قد حلا معا، وقال أبو حنيفة يجوز في الحال وفي غير ms0710 الحال، ~~وقال الشافعي والليث: لا يجوز ذلك حلا أو لم يحلا. وحجة من لم يجزه أنه ~~غائب بغائب، وإذا لم يجز غائب بناجز كان أحرى أن لا يجوز غائب بغائب. وأما ~~مالك فأقام حلول الأجلين في ذلك مقام الناجز بالناجز، وإنما اشترط أن يكونا ~~حالين معا، لئلا يكون ذلك من بيع الدين بالدين. ويقول الشافعي قال ابن وهب ~~وابن كنانة من أصحاب مالك. وقريب من هذا اختلافهم في جواز الصرف على ما ليس ~~عندهما إذا دفعه أحدهما إلى صاحبه قبل الافتراق مثل أن يستقرضاه في المجلس ~~فتقابضاه قبل الافتراق فأجاز ذلك الشافعي وأبو حنيفة، وكرهه ابن القاسم من ~~الطرفين واستخفه من الطرف الواحد، أعني إذا كان أحدهما هو المستقرض فقط. ~~وقال زفر: لا يجوز ذلك إلا أن يكون من طرف واحد. ومن هذا الباب اختلافهم في ~~الرجل يكون له على الرجل دراهم إلى أجل هل يأخذ فيها إذا حل الاجل ذهبا أو ~~بالعكس؟ # فذهب مالك إلى جواز ذلك إذا كان القبض قبل الافتراق، وبه قال أبو حنيفة ~~إلا أنه أجاز ذلك وإن لم يحل الاجل، ولم يجز ذلك جماعة من العلماء، سواء ~~أكان الاجل حالا أو لم يكن، وهو قول ابن عباس وابن مسعود. وحجة من أجاز ذلك ~~حديث ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، أبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، ~~وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فسألت عن ذلك رسول الله (ص) فقال: لا بأس ~~بذلك إذا كان بسعر يومه خرجه أبو داود. وحجة من لم يجزه ما جاء في حديث أبي ~~سعيد وغيره ولا تبيعوا منها غائبا بناجز. # المسألة السابعة: اختلف في البيع والصرف في مذهب مالك فقال: إنه لا يجوز ~~إلا أن يكون أحدهما الأكثر والآخر تبع لصاحبه، وسواء أكان الصرف في دينار ~~واحد أو في دنانير، وقيل إن كان الصرف في دينار واحد جاز كيفما وقع، وإن ~~كان في أكثر اعتبر كون أحدهما تابعا للآخر في الجواز، فإن كانا معا مقصودين ~~لم يجز، وأجاز أشهب الصرف والبيع وهو أجود، ms0711 لأنه ليس في ذلك ما يؤدي إلى ~~ربا ولا إلى غرر. PageV02P161 # كتاب السلم وفي هذا الكتاب ثلاثة أبواب: الباب الأول: في محله وشروطه. ~~الباب الثاني: فيما يجوز أن يقتضي من المسلم إليه بدل ما انعقد عليه ~~السلام، وما يعرض في ذلك من الإقالة والتعجيل والتأخير. الباب الثالث: في ~~اختلافهم في السلم. # الباب الأول: في محله وشرطه أما محله: فإنهم أجمعوا على جوازه في كل ما ~~يكال أو يوزن لمثبت من حديث ابن عباس المشهور قال: قدم النبي (ص) المدينة ~~وهم يسلمون في التمر السنتين والثلاث، فقال رسول الله (ص): من أسلف فليسلف ~~في ثمن معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم واتفقوا على امتناعه فيما لا يثبت ~~في الذمة، وهو الدور والعقار. وأما سائر ذلك من العروض والحيوان فاختلفوا ~~فيها، فمنع ذلك داود وطائفة من أهل الظاهر مصيرا إلى ظاهر هذا الحديث. ~~والجمهور على أنه جائز في العروض التي تنضبط بالصفة والعدد. واختلفوا من ~~ذلك فيما ينضبط مما لا ينضبط بالصفة، فمن ذلك الحيوان والرقيق، فذهب مالك ~~والشافعي والأوزاعي والليث إلى أن السلم فيهما جائز، وهو قول ابن عمر من ~~الصحابة. # وقال أبو حنيفة والثوري وأهل العراق: لا يجوز السلم في الحيوان، وهو قول ~~ابن مسعود. # وعن عمر في ذلك قولان. وعمدة أهل العراق في ذلك ما روي عن ابن عباس أن ~~النبي (ص) نهى عن السلف في الحيوان وهذا الحديث ضعيف عند الفريق الأول. ~~وربما احتجوا أيضا بنهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الحيوان بالحيوان ~~نسيئة. وعمدة من أجاز السلم في الحيوان ما روي عن ابن عمر أن رسول الله (ص) ~~أمره أن يجهز جيشا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلاص الصدقة، فأخذ ~~البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة وحديث أبي رافع أيضا أن النبي (ص) استسلف ~~بكرا قالوا: وهذا كله يدل على ثبوته في الذمة. # فسبب اختلافهم: شيئان: أحدهما: تعارض الآثار في هذا المعنى. والثاني: ~~تردد الحيوان بين أن يضبط بالصفة أو لا يضبط، فمن نظر إلى تباين الحيوان ms0712 في ~~الخلق والصفات وبخاصة صفات النفس قال: لا تنضبط. ومن نظر إلى تشابهها قال: ~~تنضبط. ومنها اختلافهم في البيض والدر وغير ذلك، فلم يجز أبو حنيفة السلم ~~في البيض وأجازه مالك PageV02P162 # بالعدد، وكذلك في اللحم أجازه مالك والشافعي، ومنعه أبو حنيفة، وكذلك ~~السلم في الرؤوس والأكارع، أجازه مالك، ومنعه أبو حنيفة، واختلف في ذلك قول ~~أبي حنيفة والشافعي، وكذلك السلم في الدر والفصوص، أجازه مالك، ومنعه ~~الشافعي، وقصدنا من هذه المسائل إنما هو الأصول الضابطة للشريعة لا إحصاء ~~للفروع، لان ذلك غير منحصر. # وأما شروطه: فمنها مجمع عليها ومنها مختلف فيها، فأما المجمع عليها فهي ~~ستة: # منها أن يكون الثمن والمثمون مما يجوز فيه النساء، وامتناعه فيما لا يجوز ~~فيه النساء، وذلك إما اتفاق المنافع على ما يراه مالك رحمه الله، وإما ~~اتفاق الجنس على ما يراه أبو حنيفة، وإما اعتبار الطعم مع الجنس على ما ~~يراه الشافعي في علة النساء. ومنها أن يكون مقدرا إما بالكيل أو بالوزن أو ~~بالعدد إن كان مما شأنه أن يلحقه التقدير، أو منضبطا بالصفة إن كان مما ~~المقصود منه الصفة. ومنها أن يكون موجودا عند حلول الأجل. ومنها أن يكون ~~الثمن غير مؤجل أجلا بعيدا، لئلا يكون من باب الكالئ بالكالئ، هذا في ~~الجملة. واشترطوا في اشتراط اليومين والثلاثة في تأخير نقد الثمن بعد ~~اتفاقهم على أن لا يجوز في المدة الكثيرة ولا مطلقا، فأجاز مالك اشتراط ~~تأخير اليومين والثلاثة، وأجاز تأخيره بلا شرط. وذهب أبو حنيفة إلى أن من ~~شرطه التقابض في المجلس كالصرف فهذه ستة متفق عليها. واختلفوا في أربعة: # أحدها: الاجل. هل هو شرط فيه أم لا؟. والثاني: هل من شرطه أن يكون جنس ~~المسلم فيه موجودا في حال عقد السلم أم لا؟ والثالث: اشتراط مكان دفع ~~المسلم فيه. والرابع: # أن يكون الثمن مقدرا إما مكيلا وإما موزونا وإما معدودا فأما الاجل: فإن ~~أبا حنيفة هو عنده شرط صحة بلا خلاف عنه وأن لا يكون جزافا في ذلك. وأما ~~مالك ms0713 فالظاهر من مذهبه والمشهور عنه، أنه من شرط السلم، وقد قيل إنه يتخرج ~~من بعض الروايات عنه جواز السلم الحال. وأما اللخمي فإنه فصل الامر في ذلك ~~فقال: إن السلم في المذهب يكون على ضربين: سلم حال، وهو الذي يكون من شأنه ~~بيع تلك السلعة. وسلم مؤجل، وهو الذي يكون ممن ليس من شأنه بيع تلك السلعة. ~~وعمدة من اشترط الاجل شيئان: ظاهر حديث ابن عباس. والثاني: أنه إذ لم يشترط ~~فيه الاجل كان من باب بيع ما ليس عند البائع المنهي عنه. وعمدة الشافعي أنه ~~إذا جاز الاجل فهو حالا أجوز لأنه أقل غررا. # وربما استدلت الشافعية بما روي أن النبي (ص) اشترى جملا من أعرابي بوسق ~~تمر، فلما دخل البيت لم يجد التمر، فاستقرض النبي (ص) تمرا وأعطاه إياه ~~قالوا: فهذا هو شراء حال بتمر في الذمة، والمالكية من طريق المعنى أن السلم ~~إنما جوز لموضع الارتفاق، ولان المسلف يرغب في تقديم الثمن لاسترخاء المسلم ~~فيه والمسلم إليه يرغب فيه لموضع النسيئة، وإذا لم يشترط الاجل زال هذا ~~المعنى. واختلفوا في الاجل في موضعين: # أحدهما: هل يقدر بغير الأيام والشهور مثل الجذاذ والقطاف والحصاد ~~والموسم؟. والثاني: PageV02P163 # في مقداره من الأيام. وتحصيل مذهب مالك في مقداره من الأيام أن المسلم ~~فيه على ضربين: ضرب يقتضى بالبلد المسلم فيه، وضرب يقتضى بغير البلد الذي ~~وقع فيه المسلم، فإن اقتضاه في البلد المسلم فيه، فقال ابن القاسم إن ~~المعتبر في ذلك أجل تختلف فيه الأسواق، وذلك خمسة عشر يوما أو نحوها. وروى ~~ابن وهب عن مالك أنه يجوز اليومين والثلاثة، وقال ابن عبد الحكم: لا بأس به ~~إلى اليوم الواحد. وأما ما يقتضى ببلد آخر، فإن الاجل عندهم فيه هو قطع ~~المسافة التي بين البلدين قلت أو كثرت، وقال أبو حنيفة: لا يكون أقل من ~~ثلاثة أيام، فمن جعل الاجل شرطا غير معلل اشترط منه أقل ما ينطلق عليه ~~الاسم، ومن جعله شرطا معللا باختلاف الأسواق، اشترط من الأيام ما تختلف ms0714 فيه ~~الأسواق غالبا. وأما الاجل إلى الجذاذ والحصاد وما أشبه ذلك فأجازه مالك ~~ومنعه أبو حنيفة والشافعي فمن رأى أن الاختلاف الذي يكون في أمثال هذه ~~الآجال يسير: أجاز ذلك إذ الغرر اليسير معفو عنه في الشرع، وشبهه بالاختلاف ~~الذي يكون في الشهور من قبل الزيادة والنقصان، ومن رأى أنه كثير، وأنه أكثر ~~من الاختلاف الذي يكون من قبل نقصان الشهور وكمالها لم يجزه. وأما اختلافهم ~~في هل شرط السلم أن يكون جنس المسلم فيه موجودا في حين عقد السلم؟: فإن ~~مالكا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور لم يشترطوا ذلك وقالوا: يجوز السلم ~~في غير وقت إبانه. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي لا يجوز السلم ~~إلا في إبان الشئ المسلم فيه. فحجة من لم يشترط الا بان ما ورد في حديث ابن ~~عباس أن الناس كانوا يسلمون في التمر السنتين والثلاث فأقروا على ذلك ولم ~~ينهوا عنه. وعمدة الحنفية: ما روي من حديث ابن عمر أن النبي (ص) قال لا ~~تسلموا في النخل حتى يبدو صلاحها وكأنهم رأوا أن الغرر يكون فيه أكثر إذا ~~لم يكن موجودا في حال العقد، وكأنه يشبه بيع ما لم يخلق أكثر، وإن كان ذلك ~~معينا وهذا في الذمة، وبهذا فارق السلم بيع ما لم يخلق. # وأما الشرط الثالث: وهو مكان القبض، فكان أبا حنيفة اشترطه تشبيها ~~بالزمان ولم يشترطه غيره وهم الأكثر. وقال القاضي أبو محمد: الأفضل ~~اشتراطه. وقال ابن المواز: # ليس يحتاج إلى ذلك. # وأما الشرط الرابع: وهو أن يكون الثمن مقدرا مكيلا أو موزونا أو معدودا ~~أو مذروعا لا جزافا، فاشترط ذلك أبو حنيفة، ولم يشترطه الشافعي، ولا صاحبا ~~أبي حنيفة: # أبو يوسف ومحمد، قالوا: وليس يحفظ عن مالك في ذلك نص، إلا أنه يجوز عنده ~~بيع الجزاف، إلا فيما يعظم الغرر فيه على ما تقدم من مذهبه. وينبغي أن تعلم ~~أن التقدير في السلم يكون بالوزن فيما يكون فيه الوزن، وبالكيل فيما يكون ~~فيه الكيل، وبالذرع فيما يكون فيه الذرع ms0715 وبالعدد فيما يكون فيه العدد. وإن ~~لم يكن فيه أحد من هذه التقديرات PageV02P164 # انضبط بالصفا ت المقصودة من الجنس مع ذكر الجنس إن كان أنواعا مختلفة، أو ~~مع تركه إن كان نوعا واحدا، ولم يختلفوا أن السلم لا يكون إلا في الذمة ~~وأنه لا يكون في معين. # وأجاز مالك السلم في قرية معينة إذا كانت مأمونة، وكأنه رآها مثل الذمة. # الباب الثاني: # فيما يجوز أن يقتضي من المسلم إليه بدل ما انعقد عليه السلام وما يعرض في ~~ذلك من الإقالة والتعجيل والتأخير وفي هذا الباب فروع كثيرة، لكن نذكر ~~المشهور منها: # مسألة: اختلف العلماء فيمن أسلم في شئ من الثمر، فلما حل الاجل تعذر ~~تسليمه حتى عدم ذلك المسلم فيه وخرج زمانه، فقال الجمهور: إذا وقع ذلك كان ~~المسلم بالخيار بين أن يأخذ الثمن أو يصبر إلى العام القابل، وبه قال ~~الشافعي وأبو حنيفة وابن القاسم، وحجتهم أن العقد وقع على موصوف في الذمة ~~فهو باق على أصله، وليس من شرط جوازه أن يكون من ثمار هذه السنة، وإنما هو ~~شئ شرطه المسلم فهو في ذلك بالخيار. وقال أشهب من أصحاب مالك: ينفسخ السلم ~~ضرورة ولا يجوز التأخير، وكأنه رآه من باب الكالئ بالكالئ. وقال سحنون: ليس ~~له أخذ الثمن، وإنما له أن يصبر إلى القابل، واضطرب قول مالك في هذا ~~والمعتمد عليه في هذه المسألة ما رآه أبو حنيفة والشافعي وابن القاسم، وهو ~~الذي اختاره أبو بكر الطرطوشي، والكالئ بالكالئ مسألة: اختلف العلماء ~~المنهي عنه إنما هو المقصود - لا الذي يدخل اضطرارا في بيع المسلم فيه إذا ~~حان الاجل من المسلم إليه قبل قبضه، فمن العلماء من لم يجز ذلك أصلا، وهم ~~القائلون بأن كل شئ لا يجوز بيعه قبل قبضه، وبه قال أبو حنيفة وإسحاق. ~~وتمسك أحمد وإسحاق في منع هذا بحديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: ~~قال رسول الله (ص) من أسلم في شئ فلا يصرفه في غيره. وأما مالك فإنه منع ~~شراء المسلم فيه ms0716 قبل قبضه في موضعين: أحدهما: إذا كان المسلم فيه طعاما، ~~وذلك بناء على مذهبه في أن الذي يشترط في بيعه القبض هو الطعام على ما جاء ~~عليه النص في الحديث. والثاني: إذا لم يكن السلم فيه طعاما فأخذ عوضه ~~المسلم ما لا يجوز أن يسلم فيه رأس ماله مثل أن يكون المسلم فيه عرضا ~~والثمن عرضا مخالفا له فيأخذ المسلم من المسلم إليه إذا حان الاجل شيئا من ~~جنس ذلك العرض الذي هو الثمن، وذلك أن هذا يدخله إما سلف وزيادة إن كان ~~العرض المأخوذ أكثر من رأس مال السلم، وإما ضمان وسلف إن كان مثله أو أقل. ~~وكذلك إن كان رأس مال السلم طعاما لم يجز أن يأخذ فيه طعام آخر أكثر، لا من ~~جنسه ولا من غير جنسه، فإن كان مثل طعامه في الجنس والكيل والصفة ~~PageV02P165 # فيما حكاه عبد الوهاب جاز، لأنه يحمله على العروض، وكذلك يجوز عنده أن ~~يأخذ من الطعام المسلم فيه طعاما من صفته وإن كان أقل جودة، لأنه عنده من ~~باب البدل في الدنانير. # والاحسان مثل أن يكون له عليه قمح فيأخذ بمكيلته شعيرا، وهذا كله من شرطه ~~عند مالك أن لا يتأخر القبض لأنه يدخله الدين بالدين. وإن كان رأس مال ~~المسلم عينا وأخذ المسلم فيه عينا من جنسه جاز ما لم يكن أكثر منه، ولم ~~يتهمه على بيع العين بالعين نسيئة إذا كان مثله أو أقل، وإن أخذ دراهم في ~~دنانير لم يتهمه على الصرف المتأخر، وكذلك إن أخذ فيه دنانير من غير صنف ~~الدنانير التي هي رأس مال السلم. وأما بيع السلم من غير المسلم إليه، فيجوز ~~بكل شئ يجوز التبايع به ما لم يكن طعاما، لأنه لا يدخله بيع الطعام قبل ~~قبضه. وأما الإقالة فمن شرطها عند مالك أن لا يدخلها زيادة ولا نقصان، فإن ~~دخلها زيادة أو نقصان كان بيعا من البيوع ودخلها ما يدخل البيوع، أعني أنها ~~تفسد عنده بما يفسد بيوع الآجال مثل أن يتذرع إلى بيع ms0717 وسلف، أو إلى: ضع ~~وتعجل، أو إلى بيع السلم بما لا يجوز بيعه. مثال ذلك في دخول بيع وسلف به ~~إذا حل الاجل، فأقاله على أن أخذ البعض وأقال من البعض فإنه لا يجوز عنده ~~فإنه يدخله التذرع إلى بيع وسلف، وذلك جائز عند الشافعي وأبي حنيفة، لأنهما ~~لا يقولان بتحريم بيوع الذرائع. # مسألة: اختلف العلماء في الشراء برأس مال السلم من المسلم إليه شيئا بعد ~~الإقالة بما لا يجوز قبل الإقالة، فمن العلماء من لم يجزه أصلا، ورأي أن ~~الإقالة ذريعة إلى أن يجوز من ذلك ما لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ~~ومالك وأصحابه، إلا أن عند أبي حنيفة لا يجوز على الاطلاق، إذ كان لا يجوز ~~عنده بيع المسلم فيه قبل القبض على الاطلاق، ومالك يمنع ذلك في المواضع ~~التي يمنع بيع المسلم فيه قبل القبض على ما فصلناه قبل هذا من مذهبه. ومن ~~العلماء من أجازه، وبه قال الشافعية والثوري. وحجتهم أن بالإقالة قد ملك ~~رأس ماله، فإذا ملكه جاز له أن يشتري به ما أحب، والظن الردئ بالمسلمين غير ~~جائز. قال: وأما حديث أبي سعيد فإنه إنما وقع النهي فيه قبل الإقالة. # مسألة: اختلفوا إذا ندم المبتاع في السلم فقال البائع: أقلني وأنظرك ~~بالثمن الذي دفعت إليك، فقال مالك وطائفة: ذلك لا يجوز وقال قوم: يجوز، ~~واعتل مالك في ذلك مخافة أن يكون المشتري لما حل له الطعام على البائع أخره ~~عنه على أن يقيله، فكان ذلك من باب بيع الطعام إلى أجل قبل أن يستوفى، وقوم ~~اعتلوا لمنع ذلك بأنه من باب فسخ الدين بالدين، والذين رأوه جائزا رأوا أنه ~~باب المعروف والاحسان الذي أمر الله تعالى به. قال رسول الله (ص) من أقال ~~مسلما صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة، ومن أنظر معسرا أظله الله في ظله ~~يوم لا ظل إلا ظله. # مسألة: أجمع العلماء على أنه إذا كان لرجل على رجل دراهم أو دنانير إلى ~~أجل PageV02P166 # فدفعها إليه عند الاجل وبعده ms0718 أنه يلزمه أخذها. واختلفوا في العروض ~~المؤجلة من السلم وغيره، فقال مالك والجمهور: إن أتى بها قبل محل الاجل لم ~~يلزم أخذها. وقال الشافعي: إن كان مما لا يتغير ولا يقصد به النظارة لزمه ~~أخذه كالنحاس والحديد، وإن كان مما يقصد به النظارة كالفواكه لم يلزمه. ~~وأما إذا أتى به بعد محل الاجل فاختلف في ذلك أصحاب مالك فروي عنه أنه ~~يلزمه قبضه مثل أن يسلم في قطائف الشتاء فيأتي بها في الصيف، فقال ابن وهب ~~وجماعة: لا يلزمه ذلك وحجة الجمهور في أنه لا يلزمه قبض العروض قبل محل ~~الاجل من قبل أنه من ضمانه إلى الوقت المضروب الذي قصده، ولما عليه من ~~المؤنة في ذلك، وليس كذلك الدنانير والدراهم، إذ لا مؤنة فيها، ومن لم ~~يلزمه بعد الاجل فحجته أنه رأى أن المقصود من العروض إنما كان وقت الاجل لا ~~غيره. # وأما من أجاز ذلك في الوجهين، أعني بعد الاجل أو قبله فشبهه بالدنانير ~~والدراهم. # مسألة: اختلف العلماء فيمن أسلم إلى آخر أو باع منه طعاما على مكيلة ما ~~فأخبر البائع أو المسلم إليه المشترى بكيل الطعام، هل للمشتري أن يقبضه منه ~~دون أن يكيله وأن يعمل في ذلك على تصديقه؟ فقال مالك: ذلك جائز في السلم ~~وفي البيع بشرط النقد. # وإلا خيف أن يكون من باب الربا، كأنه إنما صدقه في الكيل لمكان أنه أنظره ~~بالثمن. # وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي والليث: لا يجوز ذلك حتى ~~يكيله البائع للمشتري مرة ثانية بعد أن كاله لنفسه بحضرة البائع. وحجتهم ~~أنه لما كان ليس للمشتري أن يبيعه إلا بعد أن يكيله، لم يكن له أن يقبضه ~~إلا بعد أن يكيله البائع له، لأنه لما كان من شرط البيع الكيل فكذلك القبض ~~واحتجوا بما جاء في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الطعام حتى ~~يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري. واختلفوا إذا هلك الطعام في ~~يد المشتري، قبل الكيل، فاختلفا في الكيل، فقال الشافعي: القول قول ms0719 ~~المشتري، وبه قال أبو ثور، وقال مالك: القول قول البائع لأنه قد صدقه ~~المشتري عند قبضه إياه، وهذا مبني عنده على أن البيع يجوز بنفس تصديقه. # الباب الثالث: في اختلاف المتبايعين في السلم والمتبايعين في السلم إما ~~أن يختلفا في قدر الثمن أو المثمون. وإما في جنسهما، وأما في الاجل، وإما ~~في مكان قبض السلم، فأما اختلافهم في قدر المسلم فيه، فالقول فيه قول ~~المسلم إليه إن أتى بما يشبه، وإلا فالقول أيضا قول المسلم إن أتى أيضا بما ~~يشبه، فإن أتيا بما لا يشبه فالقياس أن يتحالفا ويتفاسخا. وأما اختلافهم في ~~جنس المسلم فيه، فالحكم في ذلك التحالف والتفاسخ، مثل أن يقول أحدهما: ~~أسلمت في تمر، ويقول الآخر: في قمح. وأما اختلافهم في الاجل فإن كان في ~~حلوله فالقول قول المسلم إليه، وإن كان في قدره فالقول أيضا قول المسلم ~~إليه إلا أن يأتي بما لا يشبه، مثل أن يدعي PageV02P167 # المسلم وقت إبان المسلم فيه، ويدعي المسلم إليه غير ذلك الوقت، فالقول ~~قول المسلم. وأما اختلافهم في موضع القبض، فالمشهور، أن من ادعى موضع عن ~~السلم فالقول قوله، وإن لم يدعه واحد منهما فالقول قول المسلم إليه. وخالف ~~سحنون في الوجه الأول فقال: القول قول المسلم إليه وإن ادعى القبض في موضع ~~العقد تحالفا وتفاسخا. # وأما اختلافهم في الثمن فحكمه حكم اختلاف المتبايعين قبل القبض، وقد تقدم ~~ذلك. PageV02P168 # كتاب بيع الخيار والنظر في أصول هذا الباب، أما أولا فهل يجوز أم لا؟ وإن ~~جاز فكم مدة الخيار؟ # وهل يشترط النقدية فيه أم لا؟ وممن ضمان المبيع في مدة الخيار؟ وهل يورث ~~الخيار أم لا؟ # ومن يصح خياره ممن لا يصح؟ وما يكون من الأفعال خيارا كالقول؟ أما جواز ~~الخيار فعليه الجمهور. إلا الثوري وابن أبي شبرمة وطائفة من أهل الظاهر. ~~وعمدة الجمهور حديث حبان بن منقذ وفيه ولك الخيار ثلاثا وما روي في حديث ~~ابن عمر البيعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار. وعمدة من منعه أنه ~~غرر ms0720 وأن الأصل هو اللزوم في البيع إلا أن يقوم دليل على جواز البيع على ~~الخيار من كتاب الله أو سنة ثابتة أو إجماع. قالوا: وحديث حبان إما أنه ليس ~~بصحيح، وإما أنه خاص لما شكى إليه (ص) أنه يخدع في البيوع. قالوا: وأما ~~حديث ابن عمر وقوله فيه إلا بيع الخيار فقد فسر المعنى المراد بهذا اللفظ، ~~وهو ما ورد فيه من لفظ آخر وهو: أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر وأما مدة ~~الخيار عند الذين قالوا بجوازه فرأى مالك أن ذلك ليس له قدر محدود في نفسه ~~وأنه إنما يتقدر بتقدر الحاجة إلى اختلاف المبيعات، وذلك يتفاوت بتفاوت ~~المبيعات: فقال: مثل اليوم واليومين في اختيار الثوب، والجمعة والخمسة ~~الأيام في اختيار الجارية، والشهر ونحوه في اختيار الدار. وبالجملة فلا ~~يجوز عنده الاجل الطويل الذي فيه فضل عن اختيار المبيع، وقال الشافعي وأبو ~~حنيفة: أجل الخيار ثلاثة أيام، لا يجوز أكثر من ذلك. وقال أحمد وأبو يوسف ~~ومحمد بن الحسن يجوز الخيار لأي مدة اشترطت، وبه قال داود. واختلفوا في ~~الخيار المطلق دون المقيد بمدة معلومة، فقال الثوري والحسن بن جني وجماعة ~~بجواز اشتراط الخيار مطلقا ويكون له الخيار أبدا، وقال مالك يجوز الخيار ~~المطلق ولكن السلطان يضرب فيه أجل مثله. وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز ~~بحال الخيار المطلق ويفسد البيع. واختلف أبو حنيفة والشافعي إن وقع الخيار ~~في الثلاثة أيام زمن الخيار المطلق، فقال أبو حنيفة: إن وقع في الثلاثة ~~الأيام جاز، وإن مضت الثلاثة فسد البيع، وقال الشافعي: بل هو فاسد على كل ~~حال، فهذه هي أقاويل فقهاء الأمصار في مدة الخيار، وهي هل يجوز مطلقا أو ~~مقيدا؟ # وإن جاز مقيدا فكم مقداره؟ وإن لم يجز مطلقا فهل من شرط ذلك أن لا يقع ~~الخيار في الثلاث أم لا يجوز بحال؟ وإن وقع في الثلاث؟. فأما أدلتهم فإن ~~عمدة من لم يجز الخيار هو ما قلناه. وأما عمدة من لم يجز الخيار إلا ثلاثا ~~فهو أن الأصل هو ms0721 أن لا يجوز الخيار فلا يجوز منه PageV02P169 # إلا ما ورد فيه النص في حديث منقذ بن حبان أو حبان بن منقذ، وذلك كسائر ~~الرخص المستثناة من الأصول مثل استثناء العرايا من المزابنة وغير ذلك. ~~قالوا: وقد جاء تحديد الخيار بالثلاث في حديث المصراة وهو قوله: من اشترى ~~مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام وأما حديث منقذ، فأشبه طرقه المتصلة ما رواه ~~محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله (ص) قال لمنقذ وكان يخدع في ~~البيع إذا بعت فقل لا خلابة وأنت بالخيار ثلاثا. # وأما عمدة أصحاب مالك، فهو أن المفهوم من الخيار هو اختيار المبيع، وإذا ~~كان ذلك كذلك وجب أن يكون ذلك محدودا بزمان إمكان اختيار المبيع، وذلك ~~يختلف بحسب مبيع مبيع، فكأن النص إنما ورد عندهم تنبيها على هذا المعنى، ~~وهو عندهم من باب الخاص أريد به العام، وعند الطائفة الأولى من باب الخاص ~~أريد به الخاص. وأما اشتراط النقد فإنه لا يجوز عند مالك وجميع أصحابه ~~لتردده عندهم بين السلف والبيع، وفيه ضعف. وأما ممن ضمان المبيع في مدة ~~الخيار؟ فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك وأصحابه والليث والأوزاعي: مصيبته ~~من البائع، والمشتري أمين، وسواء أكان الخيار لهما أو لأحدهما، وقد قيل في ~~المذهب أنه إن كان هلك بيد البائع فلا خلاف في ضمانه إياه، وإن كان هلك بيد ~~المشتري فالحكم كالحكم في الرهن والعارية إن كان مما يغلب عليه فضمانه منه، ~~وإن كان مما لا يغلب فضمانه من البائع. وقال أبو حنيفة: إن كان شرط الخيار ~~لكليهما أو للبائع وحده فضمانه من البائع والمبيع عن ملكه، أما إن كان شرطه ~~المشتري وحده فقد خرج المبيع عن ملك البائع ولم يدخل ملك المشتري الثمن، ~~وبقي معلقا حتى ينقضي الخيار، وقد قيل عنه أن على المشتري الثمن، وهذا يدل ~~على أنه قد دخل عنده في ملك المشتري. # وللشافعي قولان: أشهرهما: أن الضمان من المشتري لأيهما كان الخيار. فعمدة ~~من رأى أن الضمان من البائع على ms0722 كل حال أنه عقد غير لازم فلم ينقل الملك عن ~~البائع كما لو قال بعتك ولم يقل المشتري قبلت. وعمدة من رأى أنه من المشتري ~~تشبيهه بالبيع اللازم وهو ضعيف لقياسه موضع الخلاف على موضع الاتفاق. وأما ~~من جعل الضمان لمشترط الخيار إذا شرطه أحدهما ولم يشترطه الثاني فلانه إن ~~كان البائع هو المشترط فالخيار له في إبقاء المبيع على ملكه، وإن كان ~~المشتري هو المشترط له فقط فقد صرفه البائع من ملكه وأبانه فوجب أن يدخل في ~~ملك المشتري إذا كان المشتري هو الذي شرطه فقط قال: قد خرج عن ملك البائع ~~لأنه لم يشترط خيارا ولم يلزم أن يدخل في ملك المشتري لأنه شرط الخيار في ~~رد الآخر له، ولكن القول يمانع الحكم، فإنه لا بد أن تكون مصيبته من ~~أحدهما، والخلاف آيل إلى هل الخيار مشترط لايقاع الفسخ في البيع أو لتتميم ~~البيع؟ فإذا قلنا لفسخ البيع فقد خرج من ضمان البائع، وإن قلنا لتتميمه فهو ~~في ضمانه. # وأما المسألة الخامسة: وهي: هل يورث خيار المبيع أم لا؟ فإن مالكا ~~والشافعي PageV02P170 # وأصحابهما قالوا: يورث. وأنه إذا مات صاحب الخيار فلورثته من الخيار مثل ~~ما كان له، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يبطل الخيار بموت من له الخيار ويتم ~~البيع، وهكذا عنده خيار الشفعة وخيار قبول الوصية وخيار الإقالة. وسلم لهم ~~أبو حنيفة خيار الرد بالعيب: أعني أنه قال يورث، وكذلك خيار استحقاق ~~الغنيمة قبل القسم وخيار القصاص وخيار الرهن. # وسلم لهم مالك خيار رد الأب ما وهبه لابنه، أعني أنه لم ير لورثة الميت ~~من الخيار في رد الأب ما وهبه لابنه ما جعل له الشرع من ذلك: أعني للأب، ~~وكذلك خيار الكتابة والطلاق واللعان. ومعنى خيار الطلاق أن يقول الرجل لرجل ~~آخر طلق امرأتي متى شئت، فيموت الرجل المجعول له الخيار، فإن ورثته لا ~~يتنزلون منزلته عند مالك. وسلم الشافعي ما سلمت المالكية للحنفية من هذه ~~الخيارات، وسلم زائدا خيار الإقالة والقبول فقال: لا يورثان. وعمدة ~~المالكية ms0723 والشافعية أن الأصل هو أن تورث الحقوق والأموال إلا ما قام دليل ~~على مفارقة الحق في هذا المعنى للمال. وعمدة الحنفية أن الأصل هو أن يورث ~~المال دون الحقوق إلا ما قام دليله من إلحاق الحقوق بالأموال. فموضع ~~الخلاف: هل الأصل هو أن تورث الحقوق كالأموال أم لا؟ وكل واحد من الفريقين ~~يشبه من هذا ما لم يسلمه له خصمه منها بما يسلمه منها له ويحتج على خصمه ~~فالمالكية والشافعية تحتج على أبي حنيفة بتسليمه وراثة خيار الرد بالعيب، ~~ويشبه سائر الخيارات التي يورثها به، والحنفية تحتج أيضا على المالكية ~~والشافعية بما تمنع من ذلك وكل واحد منهم يروم أن يعطي فارقا فيما يختلف ~~فيه قوله ومشابها فيما يتفق فيه قوله، ويروم في قول خصمه بالضد، أعني أن ~~يعطي فارقا فيما يضعه الخصم متفقا، ويعطي اتفاقا فيما يضعه الخصم متباينا، ~~مثل ما تقول المالكية: إنما قلنا إن خيار الأب في رد هبته لا يورث، لان ذلك ~~خيار راجع إلى صفة في الأب لا توجد في غيره وهي الأبوة، فوجب أن لا تورث لا ~~إلى صفة في العقد. وهذا هو سبب اختلافهم في خيار خيار. أعني أنه من انقدح ~~له في شئ منها أنه صفة للعقد ورثه. ومن انقدح له أنه صفة خاصة بذي الخيار ~~لم يورثه. # وأما المسألة السادسة: وهي من يصح خياره فإنهم اتفقوا على صحة خيار ~~المتبايعين. واختلفوا في اشتراط خيار الأجنبي. فقال مالك: يجوز ذلك والبيع ~~صحيح. # وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يجوز إلا أن يوكله الذي جعل له الخيار ولا ~~يجوز الخيار عنده على هذا القول لغير العاقد. وهو قول أحمد. وللشافعي قول ~~آخر مثل مالك. # وبقول مالك قال أبو حنيفة واتفق المذهب على أن الخيار للأجنبي إذا جعله ~~له المتبايعان وأن قوله لهما. واختلف المذهب إذا جعله أحدهما فاختلف البائع ~~ومن جعل له البائع الخيار أو المشتري، ومن جعل له المشتري الخيار، فقيل ~~القول في الامضاء، والرد قول الأجنبي سواء اشترط خياره البائع أو ms0724 المشتري، ~~وقال عكس هذا القول من جعل خياره هنا PageV02P171 # كالمشورة. وقيل بالفرق بين البائع والمشتري: أي أن القول في الامضاء ~~والرد قول البائع دون الأجنبي، وقول الأجنبي دون المشتري إن كان المشتري هو ~~المشترط الخيار، وقيل القول قول من أراد منهما الامضاء، وإن أراد البائع ~~الامضاء، وأراد الأجنبي الذي اشترط خياره الرد ووافقه المشتري، فالقول قول ~~البائع في الامضاء، وإن أراد البائع الرد وأراد الأجنبي الامضاء ووافقه ~~المشتري فالقول قول المشتري، وكذلك إن اشترط الخيار للأجنبي المشتري، ~~فالقول فيهما قول من أراد الامضاء. وكذلك الحال في المشتري، وقيل بالفرق في ~~هذا بين البائع والمشتري: أي إن اشترطه البائع فالقول قول من أراد الامضاء ~~منهما، وإن اشترطه المشتري فالقول قول الأجنبي، وهو ظاهر ما في المدونة، ~~وهذا كله ضعيف. # واختلفوا فيمن اشترط من الخيار ما لا يجوز، مثل أن يشترط أجلا مجهولا ~~وخيارا فوق الثلاث عند من لا يجوز الخيار فوق الثلاث أو خيار رجل بعيد ~~الموضع بعينه: أعني أجنبيا، فقال مالك والشافعي: لا يصح البيع وإن أسقط ~~الشرط الفاسد. وقال أبو حنيفة: # يصح البيع مع اسقاط الشرط الفاسد. فأصل الخلاف: هل الفساد الواقع في ~~البيع من قبل الشرط يتعدى إلى العقد أم لا يتعدى، وإنما هو في الشرط فقط؟ ~~فمن قال يتعدى أبطل البيع وإن أسقطه، ومن قال لا يتعدى قال: البيع يصح إذا ~~أسقط الشرط الفاسد لأنه يبقى العقد صحيحا. # كتاب بيع المرابحة أجمع جمهور العلماء على أن البيع صنفان: مساومة ~~ومرابحة، وأن المرابحة هي أن يذكر البائع للمشتري الثمن الذي اشترى به ~~السلعة ويشترط عليه ربحا ما للدينار أو الدرهم. واختلفوا من ذلك بالجملة في ~~موضعين: أحدهما: فيما للبائع أن يعده من رأس مال السلعة مما أنفق على ~~السلعة بعد الشراء مما ليس له أن يعده من رأس المال. والموضع الثاني: إذا ~~كذب البائع للمشتري فأخبره أنه اشتراه بأكثر مما اشترى السلعة به. أو وهم ~~فأخبر بأقل مما اشترى به السلعة ثم ظهر له أنه اشتراها بأكثر، ففي ms0725 هذا ~~الكتاب بحسب اختلاف فقهاء الأمصار بابان: الباب الأول: فيما يعد من رأس ~~المال مما لا يعد، وفي صفة رأس المال الذي يجوز أن يبنى عليه الربح. ~~الثاني: في حكم ما وقع من الزيادة أو النقصان في خبر البائع بالثمن. # الباب الأول: # فيما يعد من رأس المال مما لا يعد، وفي صفة رأس المال الذي يجوز أن يبنى ~~عليه الربح فأما ما يعد في الثمن مما لا يعد. فإن تحصيل مذهب مالك في ذلك ~~أن ما ينوب البائع على السلعة زائدا على الثمن ينقسم ثلاثة أقسام: قسم يعد ~~في أصل الثمن ويكون له PageV02P172 # حظ من الربح. وقسم يعد في أصل الثمن ولا يكون له حظ من الربح. وقسم لا ~~يعد في أصل الثمن ولا يكون له حظ من الربح. فأما الذي يحسبه في رأس المال ~~ويجعل له حظا من الربح فهو ما كان مؤثرا في عين السلعة مثل الخياطة والصبغ. ~~وأما الذي يحسبه في رأس المال ولا يجعل له حظا من الربح فما لا يؤثر في عين ~~السلعة مما لا يمكن البائع أن يتولاه بنفسه كحمل المتاع من بلد إلى بلد ~~وكراء البيوت التي توضع بها. وأما ما لا يحتسب فيه في الامرين جميعا. فما ~~ليس له تأثير في عين السلعة مما يمكن أن يتولاه صاحب السلعة بنفسه كالسمسرة ~~والطي والشد. وقال أبو حنيفة: بل يحمل على ثمن السلعة كل ما نابه عليها. ~~وقال أبو ثور: لا يجوز المرابحة إلا بالثمن الذي اشترى به السلعة فقط إلا ~~أن يفصل ويفسخ عنده إن وقع قال لأنه كذب، لأنه يقول له: ثمن سلعتي كذا وكذا ~~وليس الامر كذلك. وهو عنده من باب الغش. وأما صفة رأس الثمن الذي يجوز أن ~~يخبره به فإن مالكا والليث قالا فيمن اشترى سلعة بدنانير والصرف يوم ~~اشتراها صرف معلوم ثم باعها بدراهم والصرف قد تغير إلى زيادة أنه ليس له أن ~~يعلم يوم باعها بالدنانير التي اشتراها لأنه من باب الكذب والخيانة. وكذلك ~~إن اشتراها بدراهم ms0726 ثم باعها بدنانير وقد تغير الصرف. # واختلف أصحاب مالك من هذا الباب فيمن ابتاع سلعة بعروض هل يجوز له أن ~~يبيعها مرابحة أم لا يجوز؟ فإذا قلنا بالجواز فهل يجوز بقيمة العرض أو ~~بالعرض نفسه؟ فقال ابن القاسم: يجوز له بيعها على ما اشتراه به من العروض ~~ولا يجوز على القيمة. وقال أشهب: # لا يجوز لمن اشترى سلعة بشئ من العروض أن يبيعها مرابحة لأنه يطالبه ~~بعروض على صفة عرضه، وفي الغالب ليس يكون عنده فهو من باب بيع ما ليس عنده. ~~واختلف مالك وأبو حنيفة فيمن اشترى سلعة بدنانير فأخذ في الدنانير عروضا أو ~~دراهم هل يجوز له بيعها مرابحة دون أن يعلم بما نقد أم لا يجوز؟ فقال مالك ~~لا يجوز إلا أن يعلم ما نقد. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يبيعها منه مرابحة ~~على الدنانير التي ابتاع بها السلعة دون العروض التي أعطى فيها أو الدراهم، ~~قال مالك أيضا فيمن اشترى سلعة بأجل فباعها مرابحة أنه لا يجوز حتى يعلم ~~بالأجل. وقال الشافعي إن وقع كان للمشتري مثل أجله. وقال أبو ثور: هو ~~كالعيب وله الرد به. وفي هذا الباب في المذهب فروع كثيرة ليست مما قصدناه. # الباب الثاني: في حكم ما وقع من الزيادة أو النقصان في خبر البائع بالثمن ~~واختلفوا فيمن ابتاع سلعة مرابحة على ثمن ذكره، ثم ظهر بعد ذلك إما بإقراره ~~وإما ببينة أن الثمن كان أقل والسلعة قائمة، فقال مالك وجماعة: المشتري ~~بالخيار، إما أن يأخذ بالثمن الذي صح أو يترك إذا لم يلزمه البائع أخذها ~~بالثمن الذي صح وإن ألزمه لزمه، وقال أبو حنيفة وزفر: بل المشتري بالخيار ~~على الاطلاق، ولا يلزمه الاخذ بالثمن الذي إن ألزمه البائع لزمه، وقال ~~الثوري وابن أبي ليلى وأحمد وجماعة: بل يبقى البيع لازما لهما PageV02P173 # بعد حط الزيادة، وعن الشافعي القولان: القول بالخيار مطلقا، والقول ~~باللزوم بعد الحط. # فحجة من أوجب البيع بعد الحط أن المشتري إنما أربحه على ما ابتاع به ~~السلعة لا غير ms0727 ذلك، فلما ظهر خلاف ما قال وجب أن يرجع إلى الذي ظهر، كما لو ~~أخذ بكيل معلوم فخرج بغير ذلك الكيل أنه يلزمه توفية ذلك الكيل. وحجة من ~~رأى أن الخيار مطلقا تشبيه الكذب في هذه المسألة بالعيب، أعني أنه كما يوجب ~~العيب الخيار كذلك يوجب الكذب. وأما إذا فاتت السلعة فقال الشافعي: يحط ~~مقدار ما زاد من الثمن وما وجب له من الربح، وقال مالك: إن كانت قيمتها يوم ~~القبض أو يوم البيع - على خلاف عنه في ذلك - مثل ما وزن المبتاع أو أقل فلا ~~يرجع عليه المشتري بشئ، وإن كانت القيمة أقل خير البائع بين رده للمشتري ~~القيمة أو رده الثمن أو إمضائه السلعة بالثمن الذي صح. وأما إذا باع الرجل ~~سلعته مرابحة ثم أقام البينة أن ثمنها أكثر مما ذكره وأنه وهم في ذلك وهي ~~قائمة، فقال الشافعي: لا يسمع من تلك البينة لأنه كذبها وقال مالك: يسمع ~~منها ويجبر المبتاع على ذلك الثمن، وهذا بعيد لأنه بيع آخر. وقال مالك في ~~هذه المسألة: إذا فاتت السلعة أن المبتاع مخير بين أن يعطى قيمة السلعة يوم ~~قبضها أو أن يأخذها بالثمن الذي صح فهذه هي مشهورات مسائلهم في هذا الباب. ~~ومعرفة أحكام هذا البيع تنبني في مذهب مالك على معرفة أحكام ثلاثة مسائل ~~وما تركب منها: حكم مسألة الكذب، وحكم مسألة الغش، وحكم مسألة وجود العيب. ~~فأما حكم الكذب فقد تقدم. وأما حكم الرد بالعيب فهو حكمه في البيع المطلق. ~~وأما حكم الغش عنده فهو تخيير البائع مطلقا، وليس للبائع أن يلزمه البيع ~~وإن حط عنه مقدار الغش كما له ذلك في مسألة الكذب، هذا عند ابن القاسم. # وأما عند أشهب، فإن الغش عنده ينقسم قسمين: قسم مؤثر في الثمن، وقسم غير ~~مؤثر. # فأما غير المؤثر فلا حكم عنده فيه. وأما المؤثر فحكمه عنده حكم الكذب. ~~وأما التي تتركب فهي أربع مسائل: كذب وغش، وكذب وتدليس، وغش وتدليس بعيب، ~~وكذب وغش وتدليس بعيب، وأصل مذهب ابن القاسم ms0728 فيها أنه يأخذ بالذي بقي حكمه ~~إن كان فات بحكم أحدهما أو بالذي بقي حكمه أو بالذي هو أرجح له إن لم يفت ~~حكم أحدهما، إما على التخيير حيث يمكن التخيير، أو الجمع حيث يمكن الجمع، ~~وتفصيل هذا لائق بكتب الفروع، أعني مذهب ابن القاسم وغيره. PageV02P174 # كتاب بيع العرية اختلف الفقهاء في معنى العرية والرخصة التي أتت فيها في ~~السنة، فحكى القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي أن العرية في مذهب مالك هي ~~أن يهب الرجل ثمرة نخلة أو نخلات من حائطه لرجل بعينه، فيجوز للمعري شراؤها ~~من المعرى له بخرصها تمرا على شروط أربعة: أحدها: أن تزهى. والثاني: أن ~~تكون خمسة أوسق فما دون، فإن زادت فلا يجوز. والثالث: أن يعطيه التمر الذي ~~يشتريها به عند الجذاذ، فإن أعطاه نقدا لم يجز. # الرابع: أن يكون التمر من صنف تمر العرية ونوعها، فعلى مذهب مالك الرخصة ~~في العرية إنما هي في حق المعرى فقط، والرخصة فيها إنما هي استثناؤها من ~~المزابنة، وهي بيع الرطب بالتمر الجاف الذي ورد النهي عنه، ومن صنفي الربا ~~أيضا: أعني التفاضل والنساء، وذلك أن بيع ثمر معلوم الكيل بثمر معلوم ~~بالتخمين وهو الخرص، فيدخله بيع الجنس الواحد متفاضلا، وهو أيضا بثمر إلى ~~أجل. فهذا هو مذهب مالك فيما هي العرية، وما هي الرخصة فيها، ولمن الرخصة ~~فيها؟ وأما الشافعي فمعنى الرخصة الواردة عنده فيها ليست للمعري خاصة، ~~وإنما هي لكل أحد من الناس أراد أن يشتري هذا القدر من الثمر: أعني الخمسة ~~أوسق أو ما دون ذلك بتمر مثلها، وروي أن الرخصة فيها إنما هي معلقة بهذا ~~القدر من التمر لضرورة الناس أن يأكلوا رطبا وذلك لمن ليس عنده رطب ولا تمر ~~يشتري به الرطب. والشافعي يشترط في إعطاء التمر الذي تباع به العرية أن ~~يكون نقدا، ويقول: إن تفرقا قبل القبض فسد البيع. والعرية جائزة عند مالك ~~في كل ما ييبس ويدخر، وهي عند الشافعي في التمر والعنب فقط ولا خلاف في ~~جوازها فيما ms0729 دون الخمسة الأوسق عند مالك والشافعي، وعنهما الخلاف إذا كانت ~~خمسة أوسق، فروي الجواز عنهما والمنع والأشهر عند مالك الجواز. فالشافعي ~~يخالف مالكا في العرية في أربعة مواضع: أحدها: في سبب الرخصة كما قلنا. ~~والثاني: أن العرية التي رخص فيها ليست هبة، وإنما سميت هبة على التجوز. ~~والثالث: في اشتراط النقد عند البيع. والرابع: PageV02P175 # في محلها. فهي عنده كما قلنا في التمر والعنب فقط، وعند مالك في كل ما ~~يدخر وييبس. وأما أحمد بن حنبل فيوافق مالكا في أن العرية عنده هي الهبة، ~~ويخالفه في أن الرخصة إنما هي عنده فيها للموهوب له أعني المعرى له لا ~~المعري، وذلك أنه يرى أن له أن يبيعها ممن شاء بهذه الصفة لا من المعري ~~خاصة كما ذهب إليه مالك. وأما أبو حنيفة فيوافق مالكا في أن العرية هي ~~الهبة، ويخالفه في صفة الرخصة، وذلك أن الرخصة عنده فيها ليست هي من باب ~~استثنائها من المزابنة ولا هي في الجملة في البيع، وإنما الرخصة فيها عنده ~~من باب رجوع الواهب في هبته إذا كان الموهوب له لم يقبضها وليست عنده ببيع، ~~وإنما هي رجوع في الهبة على صفة مخصوصة، وهو أن يعطى بدلها تمرا بخرصها. ~~وعمدة مذهب مالك في العرية أنها بالصفة التي ذكر سنتها المشهورة عندهم ~~بالمدينة، قالوا: وأصل هذا أن الرجل كان يهب النخلات من حائطه فيشق عليه ~~دخول الموهوب له عليه، فأبيح له أن يشتريها بخرصها تمرا عند الجذاذ. ومن ~~الحجة له في أن الرخصة إنما هي للمعري حديث سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ~~(ص) نهى عن بيع التمر بالرطب إلا أنه رخص في العرية أن تباع بخرصها يأكلها ~~أهلها رطبا قالوا: فقوله يأكلها رطبا دليل على أن ذلك خاص بمعريها، لأنهم ~~في ظاهر هذا القول أهلها. ويمكن أن يقال إن أهلها هم الذين اشتروها كائنا ~~من كان، لكن قوله رطبا هو تعليل لا يناسب المعرى، وعلى مذهب الشافعي هو ~~مناسب، وهم الذين ليس عندهم رطب ولا تمر ms0730 يشترونها به، ولذلك كانت الحجة ~~للشافعي. وأما أن العرية عنده هي الهبة فالدليل على ذلك من اللغة، فإن أهل ~~اللغة قالوا: العرية هي الهبة، واختلف في تسميتها بذلك، فقيل لأنها عريت من ~~الثمن، وقيل إنها مأخوذة من عروت الرجل أعروه إذا سألته، ومنه قوله تعالى: ~~* (وأطعموا القانع والمعتر) * وإنما اشترط مالك نقد الثمن عند الجذاذ أعني ~~تأخيره إلى ذلك الوقت، لأنه تمر ورد الشرع بخرصه، فكان من سنته أن يتأجل ~~إلى الجذاذ أصله الزكاة، وفيه ضعف، لأنه مصادمة بالقياس لأصل السنة. وعنده ~~أنه إذا تطوع بعد تمام العقد بتعجيل التمر جاز، وأما اشتراطه جوازها في ~~الخمسة الأوسق أو فيما دونها، فلما رواه عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) ~~أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق وإنما كان ~~عن مالك في الخمسة الأوسق روايتان لأن الشك الواقع في هذا الحديث من ~~الراوي. وأما اشتراطه أن يكون من ذلك الصنف بعينه إذا يبس، فلما روي عن زيد ~~بثابت أن رسول الله (ص) رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها تمرا خرجه مسلم. ~~وأما الشافعي فعمدته حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة عن النبي (ص) أنه ~~PageV02P176 # نهى عن المزابنة التمر بالتمر إلا أصحاب العرايا، فإنه أذن لهم فيه وقوله ~~فيها: يأكلها أهلها رطبا. والعرية عندهم هي اسم لما دون الخمسة الأوسق من ~~التمر، وذلك أنه لما كان العرف عندهم أن يهب الرجل في الغالب من نخلاته هذا ~~القدر فما دونه، خص هذا القدر الذي جاءت فيه الرخصة باسم الهبة لموافقته في ~~القدر للهبة، وقد احتج لمذهبه بما رواه بإسناد منقطع عن محمود بن لبيد أنه ~~قال لرجل من أصحاب رسول الله (ص) - أما زيد بن ثابت وإما غيره -: ما ~~عراياكم هذه؟ قال: فسمى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله (ص) ~~أن الرطب أتى وليس بأيديهم نقد يبتاعون به الرطب فيأكلونه مع الناس، وعندهم ~~فضل من قوتهم من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا ms0731 بخرصها من التمر الذي ~~بأيديهم يأكلونها رطبا وإنما لم يجز تأخير نقد التمر لأنه بيع الطعام ~~بالطعام نسيئة. وأما أحمد فحجته ظاهر الأحاديث المتقدمة أنه رخص في العرايا ~~ولم يخص المعري من غيره. وأما أبو حنيفة فلما لم تجز عنده المزابنة وكانت ~~إن جعلت بيعا نوعا من المزابنة رأى أن انصرافها إلى المعري ليس هو من باب ~~البيع وإنما هو من باب رجوع الواهب فيما وهب بإعطاء خرصها تمرا، أو تسميته ~~إياها بيعا عنده مجاز، وقد التفت إلى هذا المعنى مالك في بعض الروايات عنه، ~~فلم يجز بيعها بالدراهم ولا بشئ من الأشياء سوى الخرص، وإن كان المشهور عنه ~~جواز ذلك وقد قيل إن قول أبي حنيفة هذا هو من باب تغليب القياس على الحديث، ~~وذلك أنه خالف الأحاديث في مواضع: منها أنه لم يسمها بيعا، وقد نص الشارع ~~على تسميتها بيعا. ومنها أنه جاء في الحديث أنه نهى عن المزابنة ورخص في ~~العرايا، وعلى مذهبه لا تكون العرية استثناء من المزابنة، لان المزابنة هي ~~في البيع. # والعجب منه أنه سهل عليه أن يستثنيها من النهي عن الرجوع في الهبة التي ~~لم يقع فيها الاستثناء بنص الشرع، وعسر عليه أن يستثنيها مما استثنى منه ~~الشارع، وهي المزابنة، والله أعلم. PageV02P177 # بسم الله الرحمن الرحيم وصل الله على سيدنا محمد واله وصحبه وسلم تسليما ~~كتاب الإجارات والنظر في هذا الكتاب شبيه بالنظر في البيوع: أعني أن أصوله: ~~تنحصر بالنظر في أنواعها وفي شروط الصحة فيها والفساد وفي أحكامها، وذلك في ~~نوع نوع منها، أعني فيما يخص نوعا نوعا منها، وفيما يعم أكثر من واحد منها ~~فهذا الكتاب ينقسم أولا إلى قسمين: القسم الأول: في أنواعها وشروط الصحة ~~والفساد. والثاني: في معرفة أحكام الإجارات وهذا كله بعد قيام الدليل على ~~جوازها. فلنذكر أولا ما في ذلك من الخلاف ثم نصير إلى ذكر ما في ذينك ~~القسمين من المسائل المشهورة. إذ كان قصدنا إنما هو ذكر المسائل التي تجري ~~من هذه الأشياء مجرى الأمهات، ms0732 وهي التي اشتهر فيها الخلاف بين فقهاء ~~الأمصار، فنقول: إن الإجارة جائزة عند جميع فقهاء الأمصار والصدر الأول. ~~وحكي عن الأصم وابن علية منعها. ودليل الجمهور قوله تعالى: * (إني أريد أن ~~أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني) * الآية، وقوله: * (فإن أرضعن لكم ~~فآتوهن أجورهن) *. ومن السنة الثابتة ما خرجه البخاري عن عائشة قالت: ~~استأجر رسول الله (ص) وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا وهو على دين ~~كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما ~~وحديث جابر أنه باع من النبي (ص) بعيرا وشرط ظهره إلى المدينة. وما جاز ~~استيفاؤه بالشرط جاز استيفاؤه بالأجر. وشبهة من منع ذلك أن المعاوضات إنما ~~يستحق فيها تسليم الثمن بتسليم العين كالحال في الأعيان المحسوسة. والمنافع ~~في الإجارات في وقت العقد معدومة، فكان ذلك غررا ومن بيع ما لم يخلق، ونحن ~~نقول: # إنها وإن كانت معدومة في حال العقد فهي مستوفاة في الغالب، والشرع إنما ~~لحظ من هذه المنافع ما يستوفي في الغالب، أو يكون استيفاؤه وعدم استيفائه ~~على السواء. # القسم الأول: وهذا القسم النظر فيه في جنس الثمن وجنس المنفعة التي يكون ~~الثمن مقابلا له وصفتها. فأما الثمن فينبغي أن يكون مما يجوز بيعه، وقد ~~تقدم ذلك في باب البيوع. PageV02P178 # وأما المنفعة فينبغي أن تكون من جنس ما لم ينه الشرع عنه، وفي كل هذه ~~المسائل اتفقوا عليها واختلفوا فيها، فما اجتمعوا على إبطال إجارته: كل ~~منفعة كانت لشئ محرم العين، كذلك كل منفعة كانت محرمة بالشرع، مثل أجر ~~النوائح وأجر المغنيات، وكذلك كل منفعة كانت فرض عين على الانسان بالشرع ~~مثل الصلاة وغيرها، واتفقوا على إجارة الدور والدواب والناس على الأفعال ~~المباحة، وكذلك الثياب والبسط. واختلفوا في إجارة الأرضين وفي إجارة المياه ~~وفي إجارة المؤذن وفي الإجارة على تعليم القرآن، وفي إجارة نزو الفحول، ~~فأما كراء الأرضين فاختلفوا فيها اختلافا كثيرا، فقوم لم يجيزوا ذلك بتة ~~وهم الأقل، وبه قال طاو س وأبو بكر بن عبد ms0733 الرحمن، وقال الجمهور بجواز ذلك. ~~واختلف هؤلاء فيما يجوز به كراؤها، فقال قوم: لا يجوز كراؤها إلا بالدراهم ~~والدنانير فقط، وهو مذهب ربيعة وسعيد بن المسيب، وقال قوم: يجوز كراء الأرض ~~بكل شئ ما عدا الطعام، وسواء كان ذلك بالطعام الخارج منها أو لم يكن، وما ~~عدا ما ينبت فيها كان طعاما أو غيره، وإلى هذا ذهب مالك وأكثر أصحابه. وقال ~~آخرون: يجوز كراء الأرض بما عدا الطعام فقط، وقال آخرون: يجوز كراء الأرض ~~بكل العروض والطعام وغير ذلك ما لم يكن بجزء مما يخرج منها من الطعام، وممن ~~قال بهذا القول سالم بن عبد الله وغيره من المتقدمين، وهو قول الشافعي ~~وظاهر قول مالك في الموطأ، وقال قوم: يجوز كراؤها بكل شئ وبجزء مما يخرج ~~منها، وبه قال أحمد والثوري والليث وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وابن ~~أبي ليلى والأوزاعي وجماعة. # وعمدة من لم يجز كراءها بحال ما رواه مالك بسنده عن رافع بن خديج: أن ~~رسول الله (ص) نهى عن كراء المزارع قالوا: وهذا عام، وهؤلاء لم يلتفتوا إلى ~~ما روى مالك من تخصيص الراوي له حين روى عنه، قال حنظلة، فسألت رافع بن ~~خديج عن كرائها بالذهب والورق فقال: لا بأس به. وروى هذا عن رافع ابن عمر ~~وأخذ بعمومه، وكان ابن عمر قبل يكري أرضه فترك ذلك، وهذا بناء على رأي من ~~يرى أنه لا يخص العموم بقول الراوي. وروي عن رافع بن خديج عن أبيه قال: نهى ~~رسول الله (ص) عن إجارة الأرضين قال أبو عمر بن عبد البر: واحتجوا أيضا ~~بحديث ضمرة عن ابن شوذب عن مطرف عن عطاء عن جابر قال: # خطبنا رسول الله (ص) فقال: من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا ~~يؤاجرها فهذه هي جملة الأحاديث التي تمسك بها من لم يجز كراء الأرض. وقالوا ~~أيضا من جهة المعنى: إنه لم يجز كراؤها لما في ذلك من الغرر، لأنه ممكن أن ~~يصيب الزرع جائحة من نار أو قحط ms0734 أو غرق، فيكون قد لزم كراؤها من غير أن ~~ينتفع من ذلك بشئ. قال القاضي: ويشبه أن يقال في هذا المعنى في ذلك قصد ~~الرفق بالناس لكثرة وجود الأرض كما نهى عن بيع الماء، ووجه الشبه بينهما ~~أنهما أصلا الخلقة، وأما عمدة من لم يجز كراءها إلا بالدراهم والدنانير ~~فحديث طارق بن عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب عن رافع بن خديج عن النبي (ص) ~~أنه قال: PageV02P179 # إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فيزرعها، ورجل منح أرضا فهو يزرع ما منح، ~~ورجل اكترى بذهب أو فضة قالوا: فلا يجوز أن يتعدى ما في هذا الحديث ~~والأحاديث الاخر مطلقة وهذا مقيد، ومن الواجب حمل المطلق على المقيد. وعمدة ~~من أجاز كراءها بكل شئ ما عدا الطعام، وسواء أكان الطعام مدخرا أو لم يكن: ~~حديث يعلى بن حكيم عن سليمان بن يسار عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله ~~(ص): من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكرها بثلث ولا ربع ولا ~~بطعام معين قالوا: وهذا هو معنى المحاقلة التي نهى رسول الله (ص) عنها، ~~وذكروا حديث سعيد بن المسيب مرفوعا وفيه: والمحاقلة استكراء الأرض بالحنطة. # قالوا: وأيضا فإنه من بيع الطعام بالطعام نسيئة. وعمدة من لم يجز كراءها ~~بالطعام ولا بشئ مما يخرج منها، أما بالطعام فحجته حجة من لو يجز كراءها ~~بالطعام. وأما حجته على منع كرائها مما تنبت فهو ما ورد من نهيه (ص) عن ~~المخابرة، قالوا: وهي كراء الأرض بما يخرج منها وهذا قول مالك وكل أصحابه. ~~وعمدة من أجاز كراءها بجميع العروض والطعام وغير ذلك مما يخرج منها أنه ~~كراء منفعة معلومة بشئ معلوم، فجاز قياسا على إجارة سائر المنافع، وكأن ~~هؤلاء ضعفوا أحاديث رافع. روي عن سالم بن عبد الله وغيره في حديث رافع أنهم ~~قالوا: اكترى رافع. قالوا: وقد جاء في بعض الروايات عنه ما يجب أن يحمل ~~عليها سائرها قال: كنا أكثر أهل المدينة حقلا، قال: وكان أحدنا يكري أرضه ~~ويقول: ms0735 هذه القطعة لي وهذه لك، وربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهاهم النبي ~~(ص) خرجه البخاري. وأما من لم يجز كراءها بما يخرج منها، فعمدته النظر ~~والأثر. أما الأثر: فما ورد من النهي عن المخابرة، وما ورد من حديث ابن ~~خديج عن ظهير بن رافع قال: نهانا رسول الله (ص) عن أمر كان رفقا بنا، فقلت ~~ما قال رسول الله (ص) فهو حق قال: دعاني رسول الله (ص) فقال: ما تصنعون ~~بمحاقلكم؟ قلنا: نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير، فقال ~~رسول الله (ص): لا تفعلوا، ازرعوها أو زارعوها أو أمسكوها وهذا الحديث اتفق ~~على تصحيحه الامام البخاري ومسلم. وأما من أجاز كراءها بما يخرج منها ~~فعمدته حديث ابن عمر الثابت: أن رسول الله (ص) دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر ~~وأرضها على أن يعملوها من أموالهم على نصف ما تخرجه الأرض والثمرة قالوا: ~~وهذا الحديث أولى من أحاديث رافع لأنها مضطربة المتون، وإن صحت أحاديث رافع ~~حملناها على الكراهية لا على الحظر، بدليل ما خرجه البخاري ومسلم عن ابن ~~عباس أنه قال: إن النبي (ص) لم ينه عنها ولكن قال: إن يمنح أحدكم أخاه يكن ~~له خيرا من أن يأخذ منه شيئا قالوا: وقدم معاذ بن جبل اليمن حين بعثه رسول ~~الله (ص) وهم يخابرون فأقرهم. # وأما إجارة المؤذن: فإن قوما لم يروا في ذلك بأسا، وقوما كرهوا ذلك. ~~والذين كرهوا ذلك وحرموه احتجوا بما روي عن عثمان بن أبي العاص قال: قال ~~PageV02P180 # رسول الله (ص): اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا والذين أباحوه قاسوه ~~على الأفعال غير الواجبة، وهذا هو سبب الاختلاف، أعني هل هو واجب أم ليس ~~بواجب؟ # وأما الاستئجار على تعليم القرآن فقد اختلفوا فيه أيضا، وكرهه قوم، ~~وأجازه آخرون. والذين أباحوه قاسوه على سائر الأفعال، واحتجوا بما روي عن ~~خارجة بن الصامت عن عمه قال: أقبلنا من عند رسول الله (ص)، فأتينا على حي ~~من أحياء العرب فقالوا: إنكم جئتم من عند هذا ms0736 الرجل فهل عندكم دواء أو ~~رقية، فإن عندنا معتوها في القيود، فقلنا لهم نعم، فجاؤوا به، فجعلت أقرأ ~~عليه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية أجمع بريقي ثم أتفل عليه، فكأنما ~~أنشط من عقال، فأعطوني جعلا، فقلت لا حتى أسأل رسول الله (ص)، فسألته فقال: ~~كل فلعمري لمن أكل برقية باطل فلقد أكلت برقية حقا وبما روي عن أبي سعيد ~~الخدري أن أصحاب رسول الله (ص) كانوا في غزاة، فمروا بحي من أحياء العرب، ~~فقالوا: هل عندكم من راق، فإن سيد الحي قد لدغ أو قد عرض له، قال: فرقى رجل ~~بفاتحة الكتاب فبرئ، فأعطي قطيعا من الغنم، فأبى أن يقبلها، فسأل عن ذلك ~~رسول الله (ص) فقال: بم رقيته؟ قال: بفاتحة الكتاب. قال: وما يدريك أنها ~~رقية؟ # قال: ثم قال رسول الله (ص): خذوها واضربوا لي معكم فيها بسهم. وأما الذين ~~كرهوا الجعل على تعليم القرآن فقالوا: هو من باب الجعل على تعليم الصلاة. ~~قالوا: ولم يكن الجعل المذكور في الإجارة على تعليم القرآن وإنما كان على ~~الرقي، وسواء أكان الرقي بالقرآن أو غيره الاستئجار عليه عندنا جائز ~~كالعلاجات. قالوا: وليس واجبا على الناس، وأما تعليم القرآن فهو واجب على ~~الناس. # وأما إجارة الفحول من الإبل والبقر والدواب، فأجاز مالك أن يكري الرجل ~~فحله على أن ينزو أكواما معلومة. ولم يجز ذلك أبو حنيفة ولا الشافعي. وحجة ~~من لم يجز ذلك ما جاء من النهي عن عسيب الفحل ومن أجازه شبهه بسائر ~~المنافع، وهذا ضعيف لأنه تغليب القياس على السماع. واستئجار الكلب أيضا هو ~~من هذا الباب، وهو لا يجوز عند الشافعي ولا عند مالك، والشافعي يشترط في ~~جواز استئجار المنفعة أن تكون متقومة على انفرادها، فلا يجوز استئجار تفاحة ~~للشم، ولا طعام لتزيين الحانوت، إذ هذه المنافع ليس لها قيم على انفرادها، ~~فهو لا يجوز عند مالك ولا عند الشافعي. ومن هذا الباب اختلاف المذهب في ~~إجارة الدراهم والدنانير، وبالجملة كل ما لا يعرف بعينه، فقال ابن القاسم: ms0737 ~~لا يصح إجارة هذا الجنس وهو قرض، وكان أبو بكر الأبهري وغيره يزعم أن ذلك ~~يصح وتلزم الأجرة فيه، وإنما منع من إجارتها، لأنه لم يتصور فيها منفعة إلا ~~بإتلاف عينها، ومن أجاز إجارتها تصور فيها منفعة، مثل أن يتجمل بها أو ~~يتكثر أو غير PageV02P181 # ذلك مما يمكن أن يتصور في هذا الباب فهذه هي مشهورات مسائل الخلاف ~~المتعلقة بجنس المنفعة. وأما مسائل الخلاف المتعلقة بجنس الثمن فهي مسائل ~~الخلاف المتعلقة بما يجوز أن يكون ثمنا في المبيعات وما لا يجوز، ومما ورد ~~النهي فيه من هذه الباب ما روى أنه (ص) نهي عن عسيب الفحل وعن كسب الحجام ~~وعن قفيز الطحان قال الطحاوي: ومعنى نهى النبي (ص) عن قفيز الطحان هو ما ~~كانوا يفعلونه في الجاهلية من دفع القمح إلى الطحان بجزء من الدقيق الذي ~~يطحنه، قالوا: وهذا لا يجوز عندنا، وهو استئجار من المستأجر بعين ليس عنده، ~~ولا هي من الأشياء التي تكون ديونا على الذمم، ووافقه الشافعي على هذا. ~~وقال أصحابه: # لو استأجر السلاخ بالجلد والطحان بالنخالة أو بصاع من الدقيق فسد لنهيه ~~(ص) عن قفيز الطحان، وهذا على مذهب مالك جائز، لأنه استأجره على جزء من ~~الطعام معلوم، وأجرة الطحان ذلك الجزء وهو معلوم أيضا. وأما كسب الحجام، ~~فذهب قوم إلى تحريمه، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: كسبه ردئ يكره للرجل، ~~وقال آخرون بل هو مباح. والسبب في اختلافهم: تعارض الآثار في هذا الباب، ~~فمن رأى أنه حرام احتج بما روي عن أبي هريرة قال: رسول الله (ص): من السحت ~~كسب الحجام وبما روي عن أنس بن مالك قال: حرم رسول الله (ص) كسب الحجام ~~وروي عن عون بن أبي جحيفة قال: اشترى أبي حجاما فكسر محاجمه، فقلت له: لم ~~يا أبت كسرتها؟ فقال: إن رسول الله (ص) نهى عن ثمن الدم. وأما من رأى إباحة ~~ذلك، فاحتج بما روي عن ابن عباس قال: الحجام رسول الله (ص) وأعطى الحجام ~~أجره قالوا: ولو كان حراما لم ms0738 يعطه، وحديث جابر أن رسول الله (ص) دعا أبا ~~طيبة فحجمه فسأله كم ضريبتك، فقال: # ثلاثة آصع، فوضع عنه صاعا وعنه أيضا أنه أمر للحجام بصاع من طعام، وأمر ~~مواليه أن يخففوا عنه. وأما الذين قالوا بكراهيته فاحتجوا بما روي أن رفاعة ~~بن رافع أو رافع بن رفاعة جاء إلى مجلس الأنصار فقال: نهى رسول الله (ص) عن ~~كسب الحجام وأمرنا أن نطعمه ناضحنا وبما روي عن رجل من بني حارثة كان له ~~حجام، وسأل رسول الله (ص) عن ذلك فنهاه، ثم عاد فنهاه، ثم عاد فنهاه، فلم ~~يزل يراجعه حتى قال له رسول الله (ص): أعلف كسبه ناضحك وأطعمه رقيقك. ومن ~~هذا الباب أيضا اختلافهم في إجارة دار بسكنى دار أخرى. فأجاز ذلك مالك ~~ومنعه أبو حنيفة، ولعله رآها من باب الدين بالدين وهذا ضعيف، فهذه مشهورات ~~مسائلهم فيما يتعلق بجنس الثمن وبجنس المنفعة. وأما ما يتعلق بأوصافها ~~فنذكر أيضا المشهور منها، فمن ذلك أن جمهور فقهاء الأمصار: مالك وأبو حنيفة ~~والشافعي اتفقوا بالجملة أن من شرط الإجارة أن يكون الثمن معلوما والمنفعة ~~معلومة القدر، وذلك إما بغايتها مثل خياطة الثوب وعمل الباب، وإما بضرب ~~الاجل إذا لم تكن لها غاية مثل خدمة الأجير، وذلك PageV02P182 # إما بالزمان إن كان عملا واستيفاء منفعة متصلة الوجود مثل كراء الدور ~~والحوانيت، وإما بالمكان أن كان مثليا مثل كراء الرواحل. وذهب أهل الظاهر ~~وطائفة من السلف إلى جواز إجارات المجهولات مثل أن يعطي الرجل حماره لمن ~~يسقي عليه أو يحتطب عليه بنصف ما يعود عليه. وعمدة الجمهور أن الإجارة بيع ~~فامتنع فيها من الجهل - لمكان الغبن - ما امتنع في المبيعات. واحتج الفريق ~~الثاني بقياس الإجارة على القراض والمساقاة، والجمهور على أن القراض ~~والمساقاة مستثنيان بالسنة فلا يقاس عليهما لخروجهما عن الأصول. واتفق مالك ~~والشافعي على أنهما إذا ضربا للمنفعة التي ليس لها غاية أمدا من الزمان ~~محدودا. وحددوا أيضا أول ذلك الأمد، وكان أوله عقب العقد أذلك جائز. # واختلفوا إذا لم يحددوا أول ms0739 الزمان أو حددوه ولم يكن عقب العقد، فقال ~~مالك: يجوز إذا حدد الزمان ولم يحدد أوله، مثل أن يقول له استأجرت منك هذه ~~الدار سنة بكذا أو شهرا بكذا، ولا يذكر أول ذلك الشهر ولا أول تلك السنة. ~~وقال الشافعي: لا يجوز، ويكون أول الوقت عند مالك وقت عقد الإجارة، فمنعه ~~الشافعي لأنه غرر، وأجازه مالك لأنه معلوم بالعادة، وكذلك لم يجز الشافعي ~~إذا كان أول العقد متراخيا عن العقد، وأجازه مالك. واختلف قول أصحابه في ~~استئجار الأرض غير المأمونة، والتغيير فيما بعد من الزمان، وكذلك اختلف ~~مالك والشافعي في مقدار الزمان الذي تقدر به هذه المنافع، فمالك يجيز ذلك ~~السنين الكثيرة، مثل أن يكري الدار لعشرة أعوام أو أكثر، مما لا تتغير ~~الدار في مثله، وقال الشافعي: لا يجوز ذلك لأكثر من عام واحد. واختلف قول ~~ابن القاسم وابن الماجشون في أرض المطر وأرض السقي بالعيون وأرض السقي ~~بالآبار والأنهار، فأجاز ابن القاسم فيها الكراء السنين الكثيرة، وفصل ابن ~~الماجشون فقال: لا يجوز الكراء في أرض المطر إلا لعام واحد، وأما أرض السقي ~~بالعيون فلا يجوز كراؤها إلا لثلاثة أعوام وأربعة، وأما أرض الآبار ~~والأنهار فلا يجوز إلا لعشرة أعوام فقط. فالاختلاف ههنا في ثلاثة مواضع: في ~~تحديد أول المدة، وفي طولها، وفي بعدها من وقت العقد. # وكذلك اختلف مالك والشافعي إذا لم يحدد المدة وحدد القدر الذي يجب لأقل ~~المدة. مثل أن يقول: أكتري منك هذه الدار الشهر بكذا، ولا يضربان لذلك أمدا ~~معلوما، فقال الشافعي: لا يجوز، وقال مالك وأصحابه: يجوز على قياس: أبيعك ~~من هذه الصبرة بحساب القفيز بدرهم، وهذا لا يجوز غيره. وسبب الخلاف: اعتبار ~~الجهل الواقع في هذه الأشياء هل هو من الغرر المعفو عنه أو المنهي عنه؟ ومن ~~هذا الباب اختلافهم في البيع والإجارة، إجارة مالك، ومنعه الشافعي وأبو ~~حنيفة، ولم يجز مالك أن يقترن بالبيع إلا الإجارة فقط. ومن هذه الباب ~~اختلافهم في إجارة المشاع، فقال مالك والشافعي: هي جائزة، وقال أبو ms0740 حنيفة: ~~لا تجوز، لان عنده أن الانتفاع بها مع الإشاعة متعذر، وعند PageV02P183 # مالك والشافعي أن الانتفاع بها ممكن مع شريكه كانتفاع المكري بها مع ~~شريكه: أعني رب المال. ومن هذا الباب استئجار الأجير بطعامه وكسوته، وكذلك ~~الظئر، فمنع الشافعي ذلك على الاطلاق، وأجاز ذلك مالك على الاطلاق: أعني في ~~كل أجير، وأجاز ذلك أبو حنيفة في الظئر فقط. وسبب الخلاف: هل هي إجارة ~~مجهولة، أم ليست مجهولة؟ فهذه هي شرائط الإجارة الراجعة إلى الثمن ~~والمثمون. وأما أنواع الإجارة فإن العلماء على أن الإجارة على ضربين: إجارة ~~منافع أعيان محسوسة، وإجارة منافع في الذمة قياسا على البيع. والذي في ~~الذمة من شرطه الوصف. والذي في العين من شرطه الرؤية أو الصفة عنده كالحال ~~في المبيعات، ومن شرط الصفة عنده ذكر الجنس والنوع، وذلك في الشئ الذي ~~تستوفي منافعه، وفي الشئ الذي تستوفي به منافعه فلا بد من وصف المركوب ~~مثلا، والحمل الذي تستوفي به منفعة المركوب. وعند مالك أن الراكب لا يحتاج ~~أن يوصف، وعند الشافعي يحتاج إلى الوصف، وعند ابن القاسم أنه إذا استأجر ~~الراعي على غنم بأعيانها أن من شرط صحة العقد اشتراط الخلف، وعند غيره تلزم ~~الجملة بغير شرط. ومن شرط إجارة الذمة أن يعجل النقد عند مالك ليخرج من ~~الدين بالدين. كما أن من شرط إجارة الأرض غير المأمونة السقي عنده أن لا ~~يشترط فيها النقد إلا بعد الري. واختلفوا في الكراء هل يدخل في أنواعه ~~الخيار أم لا؟ فقال مالك: يجوز الخيار في الصنفين من الكراء المضمون ~~والمعين، وقال الشافعي: لا يجوز. فهذه هي المشهورات من المسائل الواقعة في ~~هذا القسم الأول من هذا الكتاب، وهو الذي يشتمل على النظر في مجال هذا ~~العقد وأوصافه وأنواعه، وهي الأشياء التي تجري من هذا العقد مجرى الأركان، ~~وبها يوصف العقد إذا كان على الشروط الشرعية بالصحة، وبالفساد إذا لم يكن ~~على ذلك، وبقي النظر في الجزء الثاني، وهو أحكام هذا العقد. # الجزء الثاني من هذا الكتاب وهو النظر ms0741 في أحكام الإجارات وأحكام الإجارات ~~كثيرة، ولكنها بالجملة تنحصر في جملتين: الجملة الأولى: في موجبات هذا ~~العقد ولوازمه من غير حدوث طارئ عليه. الجملة الثانية: في أحكام الطوارئ. ~~وهذه الجملة تنقسم في الأشهر إلى معرفة موجبات الضمان وعدمه، ومعرفة وجوب ~~الفسخ وعدمه، ومعرفة حكم الاختلاف. # الجملة الأولى ومن مشهورات هذا الباب متى يلزم المكري دفع الكراء إذا ~~أطلق العقد ولم يشترط قبض الثمن؟ فعند مالك وأبي حنيفة: أن الثمن إنما يلزم ~~جزءا فجزءا بحسب ما يقبض من المنافع، إلا أن يشترط ذلك أو يكون هنالك ما ~~يوجب التقديم، مثل أن يكون عوضا معينا أو يكون كراء في الذمة. وقال ~~الشافعي: يجب عليه PageV02P184 # الثمن بنفس العقد. فمالك رأى أن الثمن إنما يستحق منه بقدر ما يقبض من ~~العوض، والشافعي كأنه رأى أن تأخره من باب الدين بالدين. ومن ذلك اختلافهم ~~فيمن اكترى دابة أو دارا وما أشبه ذلك، هل له أن يكري ذلك بأكثر مما ~~اكتراه؟ فأجازه مالك والشافعي وجماعة قياسا على البيع، ومنع ذلك أبو حنيفة ~~وأصحابه. وعمدتهم أنه من باب ربح ما لم يضمن، لان ضمان الأصل هو من ربه: ~~أعني من المكري. وأيضا فإنه من باب بيع ما لم يقبض، وأجاز ذلك بعض العلماء ~~إذا أحدث فيها عملا. وممن لم يكره ذلك إذا وقع بهذه الصفة سفيان الثوري، ~~والجمهور رأوا أن الإجارة في هذا شبيهة بالبيع. ومنها أن يكري الدار من ~~الذي أكراها منه، فقال مالك: يجوز، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وكأنه رأى أنه ~~إذا كان التفاضل بينهما في الكراء فهو من باب أكل المال بالباطل. ومنها إذا ~~اكترى أرضا ليزرعها حنطة فأراد أن يزرعها شعيرا أو ما ضرره مثل ضرر الحنطة ~~أو دونه، فقال مالك: # له ذلك، وقال داود: ليس له ذلك. ومنها اختلافهم في كنس مراحيض الدور ~~المكتراة، فالمشهور عن ابن القاسم أنه على أرباب الدور، وروي عنه أنه على ~~المكتري، وبه قال الشافعي، واستثنى ابن القاسم من هذه الفنادق التي تدخلها ~~قوم وتخرج قوم ms0742 فقال: الكنس في هذه على رب الدار. ومنها اختلاف أصحاب مالك ~~في الانهدام اليسير من الدار، هل يلزم رب الدار إصلاحه، أم ليس يلزم؟ وينحط ~~عنه من الكراء ذلك القدر؟ فقال ابن القاسم: # لا يلزمه، وقال غيره من أصحابه يلزمه. وفروع هذا الباب كثيرة، وليس قصدنا ~~التفريع في هذا الكتاب. # الجملة الثانية: وهي النظر في أحكام الطوارئ الفصل الأول منه: وهو النظر ~~في الفسوخ فنقول: إن الفقهاء اختلفوا في عقد الإجارة، فذهب الجمهور إلى أنه ~~عقد لازم، وحكي عن قوم أنه عقد جائز تشبيها بالجعل والشركة. والذين قالوا ~~إنه عقد لازم اختلفوا فيما ينفسخ به، فذهب جماعة فقهاء الأمصار: مالك ~~والشافعي وسفيان الثوري وأبو ثور وغيرهم إلى أنه لا ينفسخ إلا بما تنفسخ به ~~العقود اللازمة من وجود العيب بها أو ذهاب محل استيفاء المنفعة. وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه: يجوز فسخ عقد الإجارة للعذر الطارئ على المستأجر، مثل أن ~~يكري دكانا يتجر فيه فيحترق متاعه أو يسرق. وعمدة الجمهور قوله تعالى: * ~~(أوفوا بالعقود) * لان الكراء عقد على منافع فأشبه النكاح، ولأنه عقد على ~~معارضة فلم ينفسخ أصله البيع. وعمدة أبي حنيفة أنه شبه ذهاب ما به تستوفي ~~المنفعة بذهاب العين التي فيها المنفعة. وقد اختلف قول مالك إذا كان الكراء ~~في غير مخصوص PageV02P185 # على استيفاء من جنس مخصوص، فقال عبد الوهاب: الظاهر من مذهب أصحابنا أن ~~محل استيفاء المنافع لا يتعين في الإجارة، وإن عين فذلك كالوصف لا ينفس ~~ببيعها أو ذهابه، بخلاف العين المستأجرة إذا تلفت قال: وذلك مثل أن يستأجر ~~على رعاية غنم بأعيانها أو خياطة قميص بعينه فتهلك الغنم ويحترق الثوب فلا ~~ينفسخ العقد، وعلى المستأجر أن يأتي بغنم مثلها ليرعاها أو قميص مثله ~~ليخيطه قال: وقد قيل إنها تتعين بالتعيين فينفسخ العقد بتلف المحل. وقال ~~بعض المتأخرين: إن ذلك ليس اختلافا في المذهب وإنما ذلك على قسمين: أحدهما: ~~أيكون المحل المعين لاستيفاء المنافع مما تقصد عينه أو مما لا تقصد عينه، ~~فإن كان مما تقصد عينه ms0743 انفسخت الإجارة كالظئر إذا مات الطفل، وإن كان مما ~~لا يقصد عينه لم تنفسخ الإجارة على رعاية الغنم بأعيانها أو بيع طعام في ~~حانوت وما أشبه ذلك. واشتراط ابن القاسم في المدونة أنه إذا استأجر على غنم ~~بأعيانها فإنه لا يجوز إلا أن يشترط الخلف هو التفات منه إلى أنها تنفسخ ~~بذهاب محل استيفاء المعين، لكن لما رأى التلف سائقا إلى الفسخ رأى أنه من ~~باب الغرر، فلم يجز الكراء عليها إلا باشتراط الخلف. ومن نحو هذا اختلافهم ~~في: هل ينفسخ الكراء بموت أحد المتعاقدين أعني المكري أو المكتري؟ فقال ~~مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: لا ينفسخ ويورث عقد الكراء، وقال أبو ~~حنيفة والثوري والليث: ينفسخ، وعمدة من لم يقل بالفسخ أنه عقد معاوضة، فلم ~~ينفسخ بموت أحد المتعاقدين أصله البيع. # وعمدة الحنفية أن الموت نقله لأصل الرقبة المكتراة من ملك إلى ملك، فوجب ~~أن يبطل أصله البيع في العين المستأجرة مدة طويلة: أعني أنه لا يجوز، فلما ~~كان لا يجتمع العقدان معا غلب ههنا انتقال الملك وإلا بقي الملك ليس له ~~وارث، وذلك خلاف الاجماع، وربما شبهوا الإجارة بالنكاح إذ كان كلاهما ~~استيفاء منافع، والنكاح يبطل بالموت وهو بعيد. # وربما احتجوا على المالكية فقط بأن الأجرة عندهم تستحق جزءا فجزءا بقدر ~~ما يقبض من المنفعة، قالوا: وإذا كان هذا هكذا فإن مات الملك وبقيت ~~الإجارة، فإن المستأجر يستوفي في ملك الوارث حقا بموجب عقد في غير ملك ~~العاقد وذلك لا يصح، وإن مات المستأجر فتكون الأجرة مستحقة عليه بعد موته، ~~والميت لا يثبت عليه دين بإجماع بعد موته. وأما الشافعية فلا يلزمهم هذا ~~لان استيفاء الأجرة يجب عندهم بنفس العقد على ما سلف من ذلك، وعند مالك أن ~~أرض المطر إذا أكريت فمنع القحط من زراعتها أو زرعها فلم ينبت الزرع لمكان ~~القحط أن الكراء ينفسخ، وكذلك إذا استعذرت بالمطر حتى انقضى زمن الزراعة، ~~فلم يتمكن المكتري من أن يزرعها، وسائر الجوائح التي تصيب الزرع لا يحط عنه ms0744 ~~من الكراء شئ، وعنده أن الكراء الذي بوقت ما أنه إن كان ذلك الوقت مقصودا ~~مثل كراء الرواحل في أيام الحج فغاب المكري عن ذلك الوقت أنه ينفسخ الكراء. ~~وأما إن PageV02P186 # لم يكن الوقت مقصودا فإنه لا ينفسخ، هذا كله عنده في الكراء الذي يكون في ~~الأعيان. # فأما الكراء الذي يكون في الذمة فإنه لا ينفسخ عنده بذهاب العين التي قبض ~~المستأجر ليستوفي منها المنفعة إذ كان لم ينعقد الكراء على عين بعينها ~~وإنما انعقد على موصوف في الذمة. وفروع هذا الباب كثيرة، وأصوله هي هذه ~~التي ذكرناها. # الفصل الثاني: وهو النظر في الضمان والضمان عند الفقهاء على وجهين: ~~بالتعدي، أو لمكان المصلحة وحفظ الأموال. فأما بالتعدي فيجب على المكري ~~باتفاق، والخلاف إنما هو في نوع التعدي الذي يوجب ذلك أو لا يوجبه وفي ~~قدره، فمن ذلك اختلاف العلماء في القضاء فيمن اكترى دابة إلى موضع ما فتعدى ~~بها إلى موضع زائد على الموضع الذي انعقد عليه الكراء، فقال الشافعي وأحمد: ~~عليه الكراء الذي التزمه إلى المسافة المشترطة ومثل كراء المسافة التي تعدى ~~فيها، وقال مالك: # رب الدابة بالخيار في أن يأخذ كراء دابته في المسافة التي تعدى فيها أو ~~يضمن له قيمة الدابة، وقال أبو حنيفة: لا كراء عليه في المسافة المتعداة، ~~ولا خلاف أنها إذا تلفت في المسافة المتعداة أنه ضامن لها. فعمدة الشافعي ~~أنه تعدى على المنفعة فلزمه أجرة المثل أصله التعدي على سائر المنافع. وأما ~~مالك فكأنه لما حبس الدابة عن أسواقها رأى أنه قد تعدى عليها فيها نفسها ~~فشبهه بالغاصب، وفيه ضعف، وأما مذهب أبي حنيفة فبعيد جدا عما تقتضيه الأصول ~~الشرعية، والأقرب إلى الأصول في هذه المسألة هو قول الشافعي. وعند مالك أن ~~عثار الدابة لو كانت عثور تعد من صاحب الدابة يضمن بها الحمل، وكذلك إن ~~كانت الحبال رثة، ومسائل هذا الباب كثيرة. وأما الذين اختلفوا في ضمانهم من ~~غير تعد إلا من جهة المصلحة فهم الصناع، ولا خلاف عندهم أن الأجير ليس ms0745 ~~بضامن لما هلك عنده مما استؤجر عليه إلا أن يتعدى ما عدا حامل الطعام ~~والطحان، فإن مالكا ضمنه ما هلك عنده، إلا أن تقوم له بينة على هلاكه من ~~غير سببه. وأما تضمين الصناع ما ادعوا هلاكه من المصنوعات المدفوعة إليهم، ~~فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك وابن أبي ليلى وأبو يوسف: يضمنون ما هلك ~~عندهم، وقال أبو حنيفة: لا يضمن من عمل بغير أجر ولا الخاص، ويضمن المشترك ~~ومن عمل بأجر. وللشافعي قولان في المشترك. والخاص عندهم هو الذي يعمل في ~~منزل المستأجر، وقيل هو الذي لم ينتصب للناس، وهو مذهب مالك في الخاص، وهو ~~عنده غير ضامن، وتحصيل مذهب مالك على هذا أن الصانع المشترك يضمن، وسواء ~~عمل بأجر أو بغير أجر، وبتضمين الصناع قال علي وعمر، وإن كان قد اختلف عن ~~علي في ذلك. وعمدة من لم ير الضمان عليهم أنه شبه الصانع بالمودع عنده ~~والشريك والوكيل وأجير الغنم، ومن ضمنه فلا دليل له إلا النظر إلى المصلحة ~~وسد الذريعة. وأما من فرق بين أن يعملوا بأجر أو لا يعملوا بأجر، فلان ~~العامل بغير أجر إنما قبض المعمول لمنفعة صاحبه فقط فأشبه المودع، وإذا ~~قبضها بأجر فالمنفعة لكليهما، فغلبت PageV02P187 # منفعة القابض، أصله القرض والعارية عند الشافعي، وكذلك أيضا من لم ينصب ~~نفسه لم يكن في تضمينه سد ذريعة، والأجير عند مالك كما قلنا لا يضمن إلا ~~أنه استحسن تضمين حامل القوت وما يجري مجراه، وكذلك الطحان وما عدا غيرهم ~~فلا يضمن إلا بالتعدي، وصاحب الحمام لا يضمن عنده، هذا هو المشهور عنه، وقد ~~قيل يضمن. وشذ أشهب فضمن الصناع ما قامت البينة على هلاكه عندهم من غير تعد ~~منهم ولا تفريط وهو شذوذ، ولا خلاف أن الصناع لا يضمنون ما لم يقبضوا في ~~منازلهم. واختلف أصحاب مالك إذا قامت البينة على هلاك المصنوع وسقط الضمان ~~عنهم هل تجب لهم الأجرة أم لا، إذا كان هلاكه بعد إتمام الصنعة أو بعد تمام ~~بعضها؟ فقال ابن القاسم: لا أجرة ms0746 لهم، وقال ابن المواز: لهم الأجرة، ووجه ~~ما قال ابن المواز أن المصيبة إذا نزلت بالمستأجر فوجب أن لا يمضي عمل ~~الصانع باطلا، ووجه ما قال ابن القاسم أن الأجرة إنما استوجبت في مقابلة ~~العمل، فأشبه ذلك إذا هلك بتفريط من الأجير، وقول ابن المواز أقيس، وقول ~~ابن القاسم أكثر نظرا إلى المصلحة لأنه رأى أن يشتركوا في المصيبة. ومن هذا ~~الباب اختلافهم في ضمان صاحب السفينة، فقال مالك: لا ضمان عليه، وقال أبو ~~حنيفة: عليه الضمان إلا من الموج، وأصل مذهب مالك أن الصناع يضمنون كل ما ~~أتى على أيديهم من حرق أو كسر في المصنوع أو قطع إذا عمله في حانوته، وإن ~~كان صاحبه قاعدا معه، إلا فيما كان فيه تغرير من الأعمال، مثل ثقب الجوهر ~~ونقش الفصوص وتقويم السيوف واحتراق الخبز عند الفران، والطبيب يموت العليل ~~من معالجته وكذلك البيطار إلا أن يعلم أنه تعدى فيضمن حينئذ. وأما الطبيب ~~وما أشبهه إذا أخطأ في فعله، وكان من أهل المعرفة فلا شئ عليه في النفس، ~~والدية على العاقلة فيما فوق الثلث وفي ماله فيما دون الثلث، وإن لم يكن من ~~أهل المعرفة فعليه الضرب والسجن والدية قيل في ماله، وقيل على العاقلة. # الفصل الثالث: في معرفة حكم الاختلاف وهو النظر في الاختلاف، وفي هذا ~~الباب أيضا مسائل: فمنها أنهم اختلفوا إذا اختلف الصانع ورب المصنوع في صفة ~~الصنعة فقال أبو حنيفة: القول قول رب المصنوع، وقال مالك وابن أبي ليلى: ~~القول قول الصانع. وسبب الخلاف: من المدعي منهما على صاحبه، ومن المدعى ~~عليه؟ ومنها إذا ادعى الصناع رد ما استصنعوا فيه، وأنكر ذلك الدافع، فالقول ~~عند مالك قول الدافع، وعلى الصناع البينة لأنهم كانوا ضامنين لما في ~~أيديهم، وقال ابن الماجشون: القول قول الصناع إن كان ما دفع إليهم دفع بغير ~~بينة، وإن كان دفع إليهم ببينة فلا يبرؤون إلا ببينة. وإذا اختلف الصانع ~~ورب المتاع في دفع الأجرة، فالمشهور في المذهب أن القول قول الصانع مع ~~يمينه ms0747 إن قام بحدثان ذلك، وإن تطاول فالقول قول رب المصنوع، وكذلك إذا ~~اختلف المكري والمكتري، وقيل بل القول قول PageV02P188 # الصانع وقول المكري وإن طال، وهو الأصل. وإذا اختلف المكري والمكتري أو ~~الأجير والمستأجر في مدة الزمان الذي وقع فيه استيفاء المنفعة إذا اتفقا ~~على أن المنفعة لم تستوف في جميع الزمان المضروب في ذلك، فالمشهور في ~~المذهب أن القول قول المكتري والمستأجر لأنه الغارم، والأصول على أن القول ~~قول الغارم، وقال ابن الماجشون: القول قول المكتري له والمستأجر إذا كانت ~~العين مستوفاة منها المنافع في قبضهما مثل الدار وما أشبه ذلك. وأما ما لم ~~يكن في قبضه مثل الأجير فالقول قول الأجير. ومن مسائل المذهب المشهورة في ~~هذا الباب اختلاف المتكاريين في الدواب وفي الرواحل، وذلك أن اختلافهما لا ~~يخلو أن يكون في قدر المسافة، أو نوعها. أو قدر الكراء أو نوعه، فإن كان ~~اختلافهما في نوع المسافة، أو في نوع الكراء، فالتحالف والتفاسخ كاختلاف ~~المتبايعين في نوع الثمن، قال ابن القاسم: انعقد أو لم ينعقد، وقال غيره: ~~القول قول رب الدابة إذا انعقد وكان يشبه ما قال. وإن كان اختلافهما في قدر ~~المسافة، فإن كان قبل الركوب أو بعد ركوب يسير، فالتحالف والتفاسخ، وإن كان ~~بعد ركوب كثير، أو بلوغ المسافة التي يدعيها رب الدابة فالقول قول رب ~~الدابة في المسافة إن انعقد وكان يشبه ما قال، وإن لم ينعقد وأشبه قوله ~~تحالفا ويفسخ الكراء على أعظم المسافتين، فما جعل منه للمسافة التي ادعاها ~~رب الدابة أعطيه. وكذلك إن انعقد ولم يشبه قوله، وإن اختلفا في الثمن ~~واتفقا على المسافة فالقول قول المكتري نقد أو لم ينقد لأنه مدعى عليه. وإن ~~اختلفا في الامرين جميعا في المسافة والثمن مثل أن يقول والدابة بقرطبة: ~~اكتريت منك إلى قرمونة بدينارين ويقول المكتري: بل بدينار إلى إشبيلية، فإن ~~كان أيضا قبل الركوب أو بعد ركوب لا ضرر عليهما في الرجوع تحالفا وتفاسخا، ~~وإن كان بعد سير كثير أو بلوغ المسافة التي يدعيها ms0748 رب الدابة، فإن كان لم ~~ينقد المكتري شيئا كان القول قول رب الدابة في المسافة، والقول قول المكتري ~~في الثمن، ويغرم من الثمن ما يجب له من قرطبة إلى قرمونة، على أنه لو كان ~~الكراء به إلى إشبيلية وذلك أنه قول المكتري، وإن لم يشبه ما قال رب الدابة ~~غرم دينارين وإن كان المكتري نقد الثمن الذي يدعي أنه للمسافة الكبرى وأشبه ~~قول رب الدابة كان القول قول رب الدابة في المسافة ويبقى له ذلك الثمن الذي ~~قبضه لا يرجع عليه بشئ منه إذ هو مدعى عليه في بعضه، وهو يقول: بل هو لي ~~وزيادة، فيقبل قوله فيه لأنه قبضه، ولا يقبل قوله في الزيادة ويسقط عنه ما ~~لم يقرب به من المسافة أشبه ما قال أو لم يشبه، إلا أنه إذا لم يشبه قسم ~~الكراء الذي أقر به المكتري على المسافة، فيأخذ رب الدابة من ذلك ما ناب ~~المسافة التي ادعاها. وهذا القدر كاف لي في هذا الباب. PageV02P189 # بسم الله الرحمن الرحيم وصل الله على سيدنا محمد واله وصحبه وسلم تسليما ~~كتاب الجعل والجعل هو الإجارة على منفعة مظنون حصولها، مثل مشارطة الطبيب ~~على البرء والمعلم على الحذاق والناشد على وجود العبد الآبق. وقد اختلف ~~العلماء في منعه وجوازه، فقال مالك: يجوز ذلك في اليسير بشرطين: أحدهما أن ~~لا يضرب لذلك أجلا. والثاني: أن يكون الثمن معلوما، وقال أبو حنيفة: لا ~~يجوز، وللشافعي قولان. وعمدة من أجازه قوله تعالى: * (ولمن جاء به حمل بعير ~~وأنا به زعيم) * وإجماع الجمهور على جوازه في الإباق والسؤال، وما جاء في ~~الأثر من أخذ الثمن على الرقية بأم القرآن. وقد تقدم ذلك. وعمدة من منعه ~~الغرر الذي فيه قياسا على سائر الإجارات، ولا خلاف في مذهب مالك أن الجعل ~~لا يستحق شئ منه إلا بتمام العمل وأنه ليس بعقد لازم. واختلف مالك وأصحابه ~~في هذا الباب في كراء السفينة، هل هو جعل أو إجارة؟ فقول مالك: ليس لصاحبها ~~كراء إلا بعد البلوغ، وهو ms0749 قول ابن القاسم ذهابا إلى أن حكمها حكم الجعل. ~~وقال ابن نافع من أصحابه: له قدر ما بلغ من المسافة، فأجرى حكمه مجرى ~~الكراء. وقال أصبغ: إن لجج فهو جعل وإن لم يلجج فهو إجارة له بحسب الموضع ~~الذي وصل إليه. والنظر في هذا الباب في جوازه ومحله وشروطه وأحكامه. ومحله ~~هو ما كان من الأفعال لا ينتفع الجاعل بجزء منه، لأنه إذا انتفع الجاعل ~~بجزء مما عمل الملتزم للجعل، ولم يأت بالمنفعة التي انعقد الجعل عليها، ~~وقلنا على حكم الجعل أنه إذا لم يأت بالمنفعة التي انعقد الجعل عليها لم ~~يكن له شئ، فقد انتفع الجاعل بعمل المجعول من غير أن يعوضه من عمله بأجر ~~وذلك ظلم، ولذلك يختلف الفقهاء في كثير من المسائل هل هو جعل أو إجارة مثل ~~مسألة السفينة المتقدمة هل هي مما يجوز فيها الجعل أو لا يجوز مثل اختلافهم ~~في المجاعلة على حفر الآبار، وقالوا في المغارسة إنها تشبه الجعل من جهة ~~والبيع من جهة، وهي عند مالك أن يعطي الرجل أرضه لرجل على أن يغرس فيه عددا ~~من الثمار معلوما، فإذا استحق الثمر كان للغارس جزء الأرض متفق عليه. ~~PageV02P190 # كتاب القراض ولا خلاف بين المسلمين في جواز القراض، وأنه مما كان في ~~الجاهلية فأقره الاسلام. # وأجمعوا على أن صفته أن يعطي الرجل الرجل المال على أن يتجر به على جزء ~~معلوم يأخذه العامل من ربح المال، أي جزء كان مما يتفقان عليه ثلثا أو ربعا ~~أو نصفا، وأن هذا مستثنى من الإجارة المجهولة، وأن الرخصة في ذلك إنما هي ~~لموضع الرفق بالناس، وأنه لا ضمان على العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم ~~يتعد، وإن كان اختلفوا فيما هو تعد مما ليس بتعد. # وكذلك أجمعوا بالجملة على أنه لا يقترن به شرط يزيد في مجهلة الربح أو في ~~الغرر الذي فيه، وإن كان اختلفوا فيما يقتضي ذلك من الشروط مما لا يقتضي. ~~وكذلك اتفقوا على أنه يجوز بالدنانير والدراهم، واختلفوا في غير ms0750 ذلك. ~~وبالجملة فالنظر فيه: في صفته وفي محله وفي شروطه وفي أحكامه، ونحن نذكر في ~~باب باب من هذه الثلاثة الأبواب مشهورات مسائله. # الباب الأول: في محله أما صفته فقد تقدمت وأنهم أجمعوا عليها، وأما محله ~~فإنهم أجمعوا على أنه جائز بالدنانير والدراهم، واختلفوا في العروض فجمهور ~~فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز القراض بالعروض، وجوزه ابن أبي ليلى، وحجة ~~الجمهور أن رأس المال إذا كان عروضا كان غررا لأنه يقبض العرض وهو يساوي ~~قيمة ما ويرده وهو يساوي قيمة غيرها، فيكون رأس المال والربح مجهولا. وأما ~~إن كأنه رأس المال ما به يباع العروض، فإن مالكا منعه والشافعي أيضا، ~~وأجازه أبو حنيفة. وعمدة مالك أنه قارضه على ما بيعت به السلعة وعلى بيع ~~السلعة نفسها، فكأنه قراض ومنفعة، مع أن ما يبيع به السلعة مجهول، فكأنه ~~إنما قارضه على رأس مال مجهول. # ويشبه أن يكون أيضا إنما منع المقارضة على قيم العروض لمكان ما يتكلف ~~المقارض في ذلك من البيع، وحينئذ ينض رأس مال القراض، وكذلك إن أعطاه العرض ~~الذي اشتراه به، ولكنه أقرب الوجوه إلى الجواز، ولعل هذا هو الذي جوزه ابن ~~أبي ليلى، بل هو الظاهر من قولهم، فإنهم حكوا عنه أنه يجوز أن يعطى الرجل ~~ثوبا يبيعه، فما كان فيه من ربح فهو بينهما، وهذا إنما هو على أن يجعلا أصل ~~المال الثمن الذي اشترى به الثوب، ويشبه أيضا إن جعل رأس PageV02P191 # المال الثمن أن يتهم المقارض في تصديقه رب المال بحرصه على أخذ القراض ~~منه. واختلف قول مالك في القراض بالنقد من الذهب والفضة، فروى عنه أشهب منع ~~ذلك، وروى ابن القاسم جوازه، ومنه في المصوغ، وبالمنع في ذلك قال الشافعي ~~والكوفي، فمن منع القراض بالنقد شبهها بالعروض، ومن أجازه شبهها بالدراهم ~~والدنانير لقلة اختلاف أسواقها. واختلف أيضا أصحاب مالك في القراض بالفلوس، ~~فمنعه ابن القاسم، وأجازه أشهب، وبه قال محمد بن الحسن، وجمهور العلماء ~~مالك والشافعي وأبو حنيفة على أنه إذا كان لرجل على ms0751 رجل دين لم يجز أن ~~يعطيه له قراضا قبل أن يقبضه: أما العلة عند مالك فمخافة أن يكون أعسر ~~بماله، فهو يريد أن يؤخره عنه على أن يزيد فيه، فيكون الربا المنهي عنه، ~~وأما العلة عند الشافعي وأبي حنيفة، فإن ما في الذمة لا يتحول ويعود أمانة. ~~واختلفوا فيمن أمر رجلا أن يقبض دينا له على رجل آخر، ويعمل فيه على جهة ~~القراض فلم يجز ذلك مالك وأصحابه، لأنه رأى إذا ازداد على العامل كلفة، وهو ~~ما كلفه من قبضه، وهذا على أصله أن من اشترط منفعة زائدة في القراض أنه ~~فاسد، وأجاز ذلك الشافعي والكوفي، قالوا: لأنه وكله على القبض، لا أنه جعل ~~القبض شرطا في المصارفة، فهذا هو القول في محله. وأما صفته فهي الصفة التي ~~قدمناها. # الباب الثاني: في مسائل الشروط وجملة ما لا يجوز من الشروط عند الجميع هي ~~ما أدى عنده إلى غرر أو إلى مجهلة زائدة. ولا خلاف بين العلماء أنه إذا ~~اشترط أحدهما لنفسه من الربح شيئا زائدا غير ما انعقد عليه القراض أن ذلك ~~لا يجوز، لأنه يصير ذلك الذي انعقد عليه القراض مجهولا، وهذا هو الأصل عند ~~مالك في أن لا يكون مع القراض بيع ولا كراء ولا سلف ولا عمل ولا مرفق ~~يشترطه أحدهما لصاحبه مع نفسه، فهذه جملة ما اتفقوا عليه وإن كانوا قد ~~اختلفوا في التفصيل، فمن ذلك اختلافهم إذا شرط العامل الربح كله له، فقال ~~مالك: يجوز، وقال الشافعي: لا يجوز، وقال أبو حنيفة: هو قرض لا قراض، فمالك ~~رأى أنه إحسان من رب المال وتطوع، إذ كان يجوز له أن يأخذ منه الجزء القليل ~~من المال الكثير، والشافعي رأى أنه غرر، لأنه إن كان خسران فعلى رب المال ~~وبهذا يفارق القرض، وإن كان ربح فليس لرب المال فيه شئ. ومنها إذا شرط رب ~~المال الضمان على العامل، فقال مالك: لا يجوز القراض وهو فاسد، وبه قال ~~الشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه: القراض جائز والشرط باطل. وعمدة ms0752 مالك أن ~~اشتراط الضمان زيادة غرر في القراض نفسه، وأما أبو حنيفة فشبهه بالشرط ~~الفاسد في البيع على رواية أن البيع جائز والشرط باطل اعتمادا على حديث ~~بريرة المتقدم. واختلفوا في المقارض يشترط رب المال عليه خصوص التصرف، مثل ~~أن يشترط عليه تعيين جنس ما من السلع، أو تعيين جنس ما من البيع، أو تعيين ~~موضع ما للتجارة، أو تعيين صنف ما من الناس يتجر معهم فقال مالك ~~PageV02P192 # والشافعي في اشتراط جنس من السلع: لا يجوز ذلك إلا أن يكون ذلك الجنس من ~~السلع لا يختلف وقتا ما من أوقات السنة، وقال أبو حنيفة: يلزمه من اشترط ~~عليه، وإن تصرف في غير ما اشترط عليه ضمن. فمالك والشافعي رأيا أن هذا ~~الاشتراط من باب التضييق على المقارض فيعظم الغرر بذلك، وأبو حنيفة استخف ~~الغرر الموجود في ذلك، كما لو اشترط عليه أن لا يشتري جنسا ما من السلع ~~لكان على شرطه في ذلك بإجماع. ولا يجوز القراض المؤجل عند الجمهور، وأجازه ~~أبو حنيفة إلا أن يتفاسخا. فمن لم يجزه رأى أن في ذلك تضييقا على العامل ~~يدخل عليه مزيد غرر، لأنه ربما بارت عنده سلع فيضطر عند بلوغ الاجل إلى ~~بيعها فيلحقه في ذلك ضرر، ومن أجاز الاجل شبه القراض بالإجارة. ومن هذا ~~الباب اختلافهم في جواز اشتراط رب المال زكاة الربح على العامل في حصته من ~~الربح، فقال مالك في الموطأ: لا يجوز، ورواه عنه أشهب، وقال ابن القاسم: ~~ذلك جائز، ورواه عن مالك، وبقول مالك قال الشافعي وحجة من لم يجزه أنه تعود ~~حصة العامل ورب المال مجهولة، لأنه لا يدري كم يكون المال في حين وجوب ~~الزكاة فيه، وتشبيها باشتراط زكاة أصل المال عليه - أعني على العامل - فإنه ~~لا يجوز باتفاق. وحجة ابن القاسم أنه يرجع إلى جزء معلوم النسبة وإن لم يكن ~~معلوم القدر، لان الزكاة معلومة النسبة من المال المزكى، فكأنه اشترط عليه ~~في الربح الثلث إلا ربع العشر، أو النصف إلا ربع العشر، أو ms0753 الربع إلا ربع ~~العشر، وذلك جائز وليس مثل اشتراطه زكاة رأس المال، لان ذلك معلوم القدر ~~غير معلوم النسبة، فكان ممكنا أن يحيط بالربح فيبقى عمل المقارض باطلا، وهل ~~يجوز أن يشترط ذلك المقارض على رب المال؟ في المذهب فيه قولان: قيل بالفرق ~~بين العامل ورب المال، وقيل يجوز أن يشترطه العامل على رب المال، ولا يجوز ~~أن يشترطه رب المال على العامل، وقيل عكس هذا. واختلفوا في اشتراط العامل ~~على رب المال غلاما بعينه على أن يكون للغلام نصيب من المال، فأجازه مالك ~~والشافعي وأبو حنيفة. وقال أشهب من أصحاب مالك: لا يجوز ذلك فمن أجاز ذلك ~~شبهه بالرجل يقارض الرجلين، ومن لم يجز ذلك رأى أنها زيادة ازدادها العامل ~~على رب المال. فأما إن اشترط العامل غلامه، فقال الثوري: لا يجوز، وللغلام ~~فيما عمل أجرة المثل، وذلك أن حظ العامل يكون عنده مجهولا. # القول في أحكام القراض والاحكام، منها ما هي أحكام القراض الصحيح، ومنها ~~ما هي أحكام القراض الفاسد، وأحكام القراض الصحيح، منها ما هي من موجبات ~~العقد، أعني أنها تابعة لموجب العقد، وتختلف فيها هل هي تابعة أو غير ~~تابعة؟ ومنها أحكام طوارئ تطرأ على العقد مما لم يكن موجبه من نفس العقد، ~~مثل التعدي والاختلاف وغير ذلك. ونحن نذكر من هذه الأوصاف ما اشتهر عند ~~فقهاء الأمصار. ونبدأ من ذلك بموجبات العقد فنقول: إنه أجمع العلماء على أن ~~اللزوم ليس من موجبات عقد القراض، وإن لكل واحد منهما فسخه ما لم يشرع ~~العامل في القراض. واختلفوا إذا شرع العامل، فقال مالك: هو لازم، وهو عقد ~~يورث، فإن مات وكان PageV02P193 # للمقارض بنون أمناء كانوا في القراض مثل أبيهم، وإن لم يكونوا أمناء كان ~~لهم أن يأتوا بأمين، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لكل واحد منهم الفسخ إذا ~~شاء، وليس هو عقد يورث. فمالك ألزمه بعد الشروع في العمل لما فيه من ضرر، ~~ورآه من العقود المورثة. والفرقة الثانية شبهت الشروع في العمل بما بعد ~~الشروع في العمل. ms0754 ولا خلاف بينهم أن المقارض إنما يأخذ حظه من الربح بعد أن ~~ينض جميع رأس المال، وأنه إن خسر ثم اتجر ثم ربح جبر الخسران من الربح. # واختلفوا في الرجل يدفع إلى رجل مالا قراضا فيهلك بعضه قبل أن يعمل فيه، ~~ثم يعمل فيه فيربح، فيريد المقارض أن يجعل رأس المال بقيمة المال بعد الذي ~~هلك، هل له ذلك أم لا؟ فقال مالك وجمهور العلماء: إن صدقه رب المال، أو دفع ~~رجل مالا قراضا لرجل فهلك منه جزء قبل أن يعمل فأخبره بذلك فصدقه ثم قال له ~~يكون الباقي عندك قراضا على الشرط المتقدم لم يجز حتى يفاصله ويقبض منه رأس ~~ماله وينقطع القراض الأول. وقال ابن حبيب من أصحاب مالك: # إنه يلزمه في ذلك القول، ويكون الباقي قراضا، وهذه المسألة هي من أحكام ~~الطوارئ، ولكن ذكرناها هنا لتعلقها بوقت وجوب القسمة، وهي من أحكام العقد، ~~واختلفوا هل للعامل نفقته من المال المقارض عليه أم لا؟ على ثلاثة أقوال: ~~فقال الشافعي في أشهر أقواله: لا نفقة له أصلا إلا أن يأذن له رب المال، ~~وقال قوم: له نفقته، وبه قال إبراهيم النخعي والحسن، وهو أحد ما روي عن ~~الشافعي، وقال آخرون: له النفقة في السفر من طعامه وكسوته، وليس له شئ في ~~الحضر، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري وجمهور العلماء إلا أن مالكا قال: ~~إذا كان المال يحمل ذلك، وقال الثوري: ينفق ذاهبا ولا ينفق راجعا. وقال ~~الليث: يتغدى في المصر ولا يتعشى، وروي عن الشافعي أن له نفقته في المرض، ~~والمشهور عنه مثل قول الجمهور: أن لا نفقة له في المرض. وحجة من لم يجزه أن ~~ذلك زيادة منفعة في القراض فلم يجز. أصله المنافع. وحجة من أجازه أن عليه ~~العمل في الصدر الأول، ومن أجازه في الحضر شبهه بالسفر. وأجمع علماء ~~الأمصار على أنه لا يجوز للعامل أن يأخذ نصيبه من الربح إلا بحضرة رب ~~المال، وأن حضور رب المال شرط في قسمة المال وأخذ العامل حصته، ms0755 وأنه ليس ~~يكفي في ذلك أن يقسمه بحضور بينة ولا غيرها. # القول في أحكام الطوارئ واختلفوا إذا أخذ المقارض حصته من غير حضور رب ~~المال، ثم ضاع المال أو بعضه، فقال مالك: إن أذن له رب المال في ذلك ~~فالعامل مصدق فيما ادعاه من الضياع، وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري: ما ~~أخذ العامل يرده ويجبر به رأس المال، ثم يقتسمان فضلا إن كان هنالك. ~~واختلفوا إذا هلك مال القراض بعد أن اشترى العامل به سلعة ما وقبل أن ينقده ~~البائع. # فقال مالك: البيع لازم للعامل، ورب المال مخير إن شاء دفع قيمة السلعة ~~مرة ثانية، ثم تكون بينهما على ما شرطا من المقارضة، وإن شاء تبرأ عنها، ~~وقال أبو حنيفة: بل يلزم ذلك الشراء PageV02P194 # رب المال، شبهه بالوكيل، إلا أنه قال: يكون رأس المال في ذلك القراض ~~الثمنين، ولا يقتسمان الربح إلا بعد حصوله عينا: أعني ثمن تلك السلعة التي ~~تلفت أولا، والثمن الثاني الذي لزمه بعد ذلك. واختلفوا في بيع العامل من رب ~~المال بعض سلع القراض، فكره ذلك مالك، وأجازه أبو حنيفة على الاطلاق، ~~وأجازه الشافعي بشرط أن يكونا قد تبايعا بما لا يتغابن الناس بمثله. ووجهه ~~ما كره من ذلك مالك أن يكون يرخص له في السلعة من أجل ما قارضه، فكأن رب ~~المال أخذ من العامل منفعة سوى الربح الذي اشترط عليه. ولا أعرف خلافا بين ~~فقهاء الأمصار أنه إن تكارى العامل على السلع إلى بلد فاستغرق الكراء قيم ~~السلع وفضل عليه فضلة أنها على العامل لا على رب المال، لان رب المال إنما ~~دفع ماله إليه ليتجر به، فما كان من خسران في المال فعليه، وكذلك ما زاد ~~على المال واستغرقه. واختلفوا في العامل يستدين مالا فيتجر به مع مال ~~القراض، فقال مالك: ذلك لا يجوز، وقال الشافعي وأبو حنيفة: ذلك جائز، ويكون ~~الربح بينهما على شرطهما وحجة مالك أنه كما لا يجوز أن يستدين على ~~المقارضة، كذلك لا يجوز أن يأخذ دينا فيها. واختلفوا ms0756 هل للعامل أن يبيع ~~بالدين إذا لم يأمره به رب المال؟ # فقال مالك: ليس له ذلك، فإن فعل ضمن، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ~~له ذلك. # والجميع متفقون على أن العامل إنما يجب له أن يتصرف في عقد القراض ما ~~يتصرف فيه الناس غالبا في أكثر الأحوال، فمن رأى أن التصرف بالدين خارج عما ~~يتصرف فيه الناس في الأغلب لم يجزه، ومن رأى أنه مما يتصرف فيه الناس ~~أجازه. واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة والليث في العامل يخلط ماله بمال ~~القراض من غير إذن رب المال، فقال هؤلاء كلهم ما عدا مالكا: هو تعد ويضمن، ~~وقال مالك: ليس بتعد. ولم يختلف هؤلاء المشاهير من فقهاء الأمصار أنه إن ~~دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر أنه ضامن إن كان خسران، وإن كان ~~ربح فذلك على شرطه، ثم يكون للذي عمل شرطه على الذي دفع إليه، فيوفيه حظه ~~مما بقي من المال، وقال المزني عن الشافعي: ليس له إلا أجرة مثله، لأنه عمل ~~على فساد. # القول في حكم القراض الفاسد واتفقوا على أن حكم القراض الفاسد فسخه ورد ~~المال إلى صاحبه ما لم يفت بالعمل. # واختلفوا إذا فات بالعمل ما يكون للعامل فيه في واجب عمله على أقوال: ~~أحدها: أنه يرد جميعه إلى قراض مثله، وهي رواية ابن الماجشون عن مالك، وهو ~~قوله وقول أشهب. والثاني: أنه يرد جميعه إلى إجارة مثله، وبه قال الشافعي ~~وأبو حنيفة وعبد العزيز بن أبي سلمة من أصحاب مالك، وحكى عبد الوهاب أنها ~~رواية عن مالك. والثالث: أنه يرد إلى قراض مثله ما لم يكن أكثر مما سماه، ~~وإنما له الأقل مما سمى أو قراض مثله إن كان رب المال هو مشترط الشرط على ~~المقارض، أو الأكثر من قراض مثله، أو من الجزء الذي سمي له إن كان المقارض ~~هو مشترط الشرط الذي يقتضي الزيادة التي من قبلها فسد القراض، وهذا القول ~~يتخرج رواية عن PageV02P195 # مالك. والرابع: أنه يرد إلى قراض مثله في ms0757 كل منفعة اشترطها أحد ~~المتقارضين على صاحبه في المال مما ليس ينفرد أحدهما بها عن صاحبه، وإلى ~~إجارة مثله في كل منفعة اشترطها أحد المتقارضين خالصة لمشترطها مما ليست في ~~المال وفي كل قراض فاسد من قبل الغرر والجهل، وهو قول مطرف وابن نافع وابن ~~عبد الحكم وأصبغ، واختاره ابن حبيب. وأما ابن القاسم فاختلف قوله في ~~القراضات الفاسدة، فبعضها وهو الأكثر قال: إن فيها أجرة المثل، وفي بعضها ~~قال: فيها قراض المثل. فاختلف الناس في تأويل قوله، فمنهم من حمل اختلاف ~~قوله فيها على الفرق الذي ذهب إليه ابن عبد الحكم ومطرف، وهو اختيار ابن ~~حبيب واختيار جدي - رحمة الله عليه. ومنهم من لم يعلل قوله وقال: إن مذهبه ~~أن كل قراض فاسد ففيه أجرة المثل إلا تلك التي نص فيها قراض المثل وهي ~~سبعة: القراض بالعروض، والقراض بالضمان، والقراض إلى أجل، والقراض المبهم، ~~وإذا قال له اعمل على أن لك في المال شركاء، وإذا اختلف المتقارضان وأتيا ~~بما لا يشبه فحلفا على دعواهما، وإذا دفع إليه المال على أن لا يشتري به ~~إلا بالدين فاشترى بالنقد، أو على أن لا يشتري إلا سلعة كذا وكذا والسلعة ~~غير موجودة فاشترى غير ما أمر به. وهذه المسائل يجب أن ترد إلى علة واحدة، ~~وإلا فهو اختلاف من قول ابن القاسم، وحكى عبد الوهاب عن ابن القاسم أنه فصل ~~فقال: إن كان الفساد من جهة العقد رد إلى قراض المثل، وإن كان من جهة زيادة ~~ازدادها أحدهما على الآخر رد إلى أجرة المثل، والأشبه أن يكون الامر في هذا ~~بالعكس. والفرق بين الأجرة وقراض المثل أن الأجرة تتعلق بذمة رب المال سواء ~~أكان في المال ربح أو لم يكن، وقراض المثل هو على سنة القراض إن كان فيه ~~ربح كان للعامل منه، وإلا فلا شئ له. # القول في اختلاف المتقارضين واختلف الفقهاء إذا اختلف العامل ورب المال ~~في تسمية الجزء الذي تقارضا عليه، فقال مالك: القول قول العامل لأنه عنده ~~مؤتمن، ms0758 وكذلك الامر عنده في جميع دعاويه إذا أتى بما يشبه، وقال الليث: ~~يحمل على قراض مثله، وبه قال مالك إذا أتى بما لا يشبه، وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه: القول قول رب المال، وبه قال الثوري، وقال الشافعي: # يتحالفان ويتفاسخان، ويكون له أجرة مثله. وسبب اختلاف مالك وأبي حنيفة: ~~اختلافهم في سبب ورود النص بوجوب اليمين على المدعى عليه، هل ذلك لأنه مدعى ~~عليه، أو لأنه في الأغلب أقوى شبهة؟ فمن قال لأنه مدعى عليه قال: القول قول ~~رب المال، ومن قال لأنه أقواهما شبهة في الأغلب قال: القول قول العامل لأنه ~~عنده مؤتمن وأما الشافعي فقاس اختلافهما على اختلاف المتبايعين في ثمن ~~السلعة. وهذا كاف في هذا الباب. PageV02P196 # كتاب المساقاة القول في المساقاة أما أولا: ففي جوازها. والثاني: في ~~معرفة الفساد والصحة فيها. والثالث: في أحكامها. # القول في جواز المساقاة فأما جوازها فعليه جمهور العلماء: مالك والشافعي ~~والثوري وأبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة وأحمد وداود، وهي عندهم ~~مستثناة بالسنة من بيع ما لم يخلق، ومن الإجارة المجهولة، قال أبو حنيفة: ~~لا تجوز المساقاة أصلا. وعمدة الجمهور في إجازتها حديث ابن عمر الثابت أن ~~رسول الله (ص) دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من ~~أموالهم، ولرسول الله (ص) شطر ثمرها خرجه البخاري ومسلم وفي بعض رواياته ~~أنه (ص) ساقاهم على نصف ما تخرجه الأرض والثمرة وما رواه مالك أيضا من مرسل ~~سعيد بن المسيب أن رسول الله (ص) قال ليهود خيبر يوم افتتح خيبر أقركم على ~~ما أقركم الله، على أن الثمر بيننا وبينكم قال وكان رسول الله (ص) يبعث عبد ~~الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي ~~وكذلك مرسله أيضا عن سليمان بن يسار في معناه. وأما أبو حنيفة ومن قال ~~بقوله فعمدتهم مخالفة هذا الأثر للأصول، مع أنه حكم مع اليهود، واليهود ~~يحتمل أن يكون أقرهم على أنهم عبيد، ويحتمل أن يكون أقرهم على أنهم ms0759 ذمة، ~~إلا أنا إذا أنزلنا أنهم ذمة كان مخالفا للأصول، لأنه بيع ما لم يخلق، ~~وأيضا فإنه من المزابنة، وهو بيع التمر بالتمر متفاضلا، لان القسمة بالخرص ~~بيع الخرص، واستدلوا على مخالفته للأصول بما روي في حديث عبد الله بن رواحة ~~أنه كان يقول لهم عند الخرص: إن شئتم فلكم وتضمنون نصيب المسلمين، وإن شئتم ~~فلي وأضمن نصيبكم وهذا حرام بإجماع. وربما قالوا إن النهي الوارد عن ~~المخابرة هو ما كان من هذا الفعل بخيبر. والجمهور يرون أن المخابرة هي كراء ~~الأرض ببعض ما يخرج منها، قالوا: ومما يدل على نسخ هذا الحديث، أو أنه خاص ~~باليهود ما ورد من حديث رافع وغيره من النهي عن كراء الأرض بما يخرج منها، ~~PageV02P197 # لان المساقاة تقتضي جواز ذلك، وهو خاص أيضا في بعض روايات أحاديث ~~المساقاة، ولهذا المعنى لم يقل بهذه الزيادة مالك ولا الشافعي، أعني بما ~~جاء من أنه (ص) ساقاهم على نصف ما تخرجه الأرض والثمرة وهي زيادة صحيحة ~~وقال بها أهل الظاهر. # القول في صحة المساقاة والنظر في الصحة راجع إلى النظر في أركانها، وفي ~~وقتها، وفي شروطها المشترطة في أركانها. وأركانها أربعة: المحل المخصوص ~~بها، والجزء الذي تنعقد عليه. وصفة العمل الذي تنعقد عليه. والمدة التي ~~تجوز فيها وتنعقد عليها. # الركن الأول: في محل المساقاة: واختلفوا في محل المساقاة، فقال داود: لا ~~تكون المساقاة إلا في النخيل فقط، وقال الشافعي: في النخل والكرم فقط، وقال ~~مالك: تجوز في كل أصل ثابت كالرمان والتين والزيتون وما أشبه ذلك من غير ~~ضرورة، وتكون في الأصول غير الثابتة كالمقاثئ والبطيخ مع عجز صاحبها عنها، ~~وكذلك الزرع، ولا تجوز في شئ من البقول عند الجميع إلا ابن دينار، فإنه ~~أجازها فيه إذا نبتت قبل أن تستغل. فعمدة من قصره على النخل أنها رخصة، ~~فوجب أن لا يتعدى بها محلها الذي جاءت فيه السنة. وأما مالك فرأى أنها رخصة ~~ينقدح فيها سبب عام، فوجب تعدية ذلك إلى الغير. وقد يقاس على الرخص عند ms0760 قوم ~~إذا فهم هنالك أسباب أعم من الأشياء التي علقت الرخص بالنص بها، وقوم منعوا ~~القيا س على الرخص، وأما داود فهو يمنع القياس على الجملة، فالمساقاة على ~~أصوله مطردة، وأما الشافعي فإنما أجازها في الكرم من قبل أن الحكم في ~~المساقاة هو بالخرص، وقد جاء في حديث عتاب بن أسيد الحكم بالخرص في النخل ~~والكرم وإن كان ذلك في الزكاة، فكأنه قاس المساقاة في ذلك على الزكاة، ~~والحديث الذي ورد عن عتاب بن أسيد هو أن رسول الله (ص) بعثه وأمره أن يخرص ~~العنب وتؤدي زكاته زبيبا، كما تؤدي زكاة النخل تمرا ودفع داود حديث عتاب بن ~~أسيد لأنه مرسل، ولأنه انفرد به عبد الرحمن بن إسحاق وليس بالقوي. واختلفوا ~~إذا كان مع النخل أرض بيضاء أو مع الثمار، هل يجوز أن تساقى الأرض مع النخل ~~بجزء من النخل أو بجزء من النخل وبجزء مما يخرج من الأرض؟ فذهب إلى جواز ~~ذلك طائفة، وبه قال صاحبا أبي حنيفة والليث وأحمد والثوري وابن أبي ليلى ~~وجماعة، وقال الشافعي وأهل الظاهر: لا تجوز المساقاة إلا في الثمر فقط، ~~وأما مالك فقال: إذا كانت الأرض تبعا للثمر وكان الثمر أكثر ذلك، فلا بأس ~~بدخولها في المساقاة، اشترط جزءا خارجا منها أو لم يشترطه، وحد ذلك الجزء ~~بأن يكون الثلث فما دونه، أعني أن يكون مقدار كراء الأرض الثلث من الثمر ~~فما دونه، ولم يجز أن يشترط رب الأرض أن يزرع البياض لنفسه، لأنها زيادة ~~ازدادها PageV02P198 # عليه، وقال الشافعي: ذلك جائز. وحجة من أجاز المساقاة عليهما جميعا - ~~أعني على الأرض بجزء مما يخرج منها - حديث ابن عمر المتقدم، وحجة من لم يجز ~~ذلك ما روي من النهي عن كراء الأرض بما يخرج منها في حديث رافع بن خديج، ~~وقد تقدم ذلك، وقال أحمد بن حنبل: أحاديث رافع مضطربة الألفاظ، وحديث ابن ~~عمر أصح. وأما تحديد مالك ذلك بالثلث فضعيف، وهو استحسان مبني على غير ~~الأصول، لان الأصول تقتضي أنه لا يفرق بين الجائز ms0761 من غير الجائز بالقليل ~~والكثير من الجنس الواحد. ومنها اختلافهم في المساقاة في البقل، فأجازها ~~مالك والشافعي وأصحابه ومحمد بن الحسن، وقال الليث: لا تجوز المساقاة في ~~البقل، وإنما أجازها الجمهور لان العامل وإن كان ليس عليه فيها سقي فيبقى ~~عليه أعمال أخر، مثل الابار وغير ذلك، وأما الليث فيرى السقي بالماء هو ~~الفعل الذي تنعقد عليه المساقاة ولمكانه وردت الرخصة فيها. # الركن الثاني: وأما الركن الذي هو العمل، فإن العلماء بالجملة أجمعوا على ~~أن الذي يجب على العامل هو السقي والآبار. واختلفوا في الجذاذ على من هو؟ ~~وفي سد الضار وتنقية العين والسانية. أما مالك فقال في الموطأ: السنة في ~~المساقاة التي يجوز لرب الحائط أن يشترطه سد الحظار وخم العين وشرب الشراب ~~وإبار النخل وقطع الجريد وجذ الثمر، هذا وأشباهه هو على العامل، وهذا ~~الكلام يحتمل أن يفهم منه دخول هذه في المساقاة بالشرط، ويمكن أن يفهم منه ~~دخولها فيها بنفس العقد. وقال الشافعي: ليس عليه سد الحظار لأنه ليس من جنس ~~ما يؤثر في زيادة الثمرة مثل الابار والسقي. وقال محمد بن الحسن: ليس عليه ~~تنقية السواني والأنهار. وأما الجذاذ فقال مالك والشافعي: هو على العامل، ~~إلا أن مالكا قال: إن اشترطه العامل على رب المال جاز، وقال الشافعي: لا ~~يجوز شرطه وتنفسخ المساقاة إن وقع، وقال محمد بن الحسن: الجذاذ بينهما ~~نصفان، وقال المحصلون من أصحاب مالك: إن العمل في الحائط على وجهين: عمل ~~ليس في إصلاح الثمرة، وعمل له تأثير في إصلاحها، والذي له تأثير في إصلاحها ~~منه ما يتأبد ويبقى بعد الثمر ومنه ما لا يبقى بعد الثمر. فأما الذي ليس له ~~تأثير في إصلاح الثمر فلا يدخل في المساقاة لا بنفس العقد ولا بالشرط إلا ~~الشئ اليسير منه. وأما ما له تأثير في إصلاح الثمر ويبقى بعد الثمر فيدخل ~~عنده بالشرط في المساقاة لا بنفس العقد، مثل إنشاء حفر بئر، أو إنشاء ظفيرة ~~للماء، أو إنشاء غرس، أو إنشاء بيت يجنى فيه الثمر. ms0762 وأما ما له تأثير في ~~إصلاح الثمر ولا يتأبد، فهو لازم بنفس العقد، وذلك مثل الحفر والسقي وزبر ~~PageV02P199 # الكرم وتقليم الشجر والتذكير والجذاذ وما أشبه ذلك، وأجمعوا على أن ما ~~كان في الحائط من الدواب والعبيد أنه ليس من حق العامل. واختلفوا في شرط ~~العامل ذلك على المساقي، فقال مالك: يجوز ذلك فيما كان منها في الحائط قبل ~~المساقاة. وأما إن اشترط فيها ما لم يكن في الحائط فلا يجوز، وقال الشافعي: ~~لا بأس بذلك وإن لم يكن في الحائط، وبه قال ابن نافع من أصحاب مالك، وقال ~~محمد بن الحسن: لا يجوز أن يشترطه العامل على رب المال، ولو اشترطه رب ~~المال على العامل جاز ذلك. ووجه كراهيته ذلك ما يلحق في ذلك من الجهل بنصيب ~~رب المال، ومن أجازه رأى أن ذلك تافه ويسير، ولتردد الحكم بين هذين الأصلين ~~استحسن مالك ذلك في الرقيق الذي يكون في الحائط في وقت المساقاة ومنعه في ~~غيرهم، لان اشتراط المنفعة في ذلك أظهر، وإنما فرق محمد بن الحسن لان ~~اشتراطهما على العامل هو من جنس ما وجب عليه من المساقاة، وهو العمل بيده. ~~واتفق القائلون بالمساقاة على أنه إن كانت النفقة كلها على رب الحائط وليس ~~على العامل إلا ما يعمل بيده أن ذلك لا يجوز، لأنها إجارة بما لم يخلق، ~~فهذه هي صفات هذا الركن والشروط الجائزة فيه وغير الجائزة. # الركن الثالث: وأجمعوا على أن المساقاة تجوز بكل ما اتفقا عليه من أجزاء ~~الثمر، فأجاز مالك أن تكون الثمرة كلها للعامل كما فعل في القراض، وقد قيل ~~إن ذلك منحه لا مساقاة، وقيل لا يجوز. واتفقوا على أنه لا يجوز فيها اشتراط ~~منفعة زائدة، مثل أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة دارهم أو دنانير ولا ~~شيئا من الأشياء الخارجة عن المساقاة إلا الشئ اليسير عند مالك مثل سد ~~الحظار واصلاح الظفيرة وهي مجتمع الماء، ولا يجوز عند مالك أن يساقى على ~~حائطين: أحدهما على جزء، والآخر على جزء آخر، واحتج ms0763 بفعله عليه الصلاة ~~والسلام في خيبر، وذلك أنه سقى على حوائط مختلفة بجزء واحد، وفيه خلاف. ~~وأكثر العلماء على أن القسمة بين العامل والمساقي في الثمر لا تكون إلا ~~بالكيل، وكذلك في الشركة، وأنها لا تجوز بالخرص، وأجاز قوم قسمتها بالخرص. ~~واختلف في ذلك أصحاب مالك، واختلفت الرواية عنه، فقيل يجوز، وقيل لا يجوز ~~من الثمار في الربوية ويجوز في غير ذلك، وقيل يجوز بإطلاق إذا اختلفت حاجة ~~الشريكين. وحجة الجمهور أن ذلك يدخله الفساد من جهة المزابنة ويدخله بيع ~~الرطب بالتمر، وبيع الطعام بالطعام نسيئة. # وحجة من أجاز قسمتها بالخرص تشبيهها بالعرية وبالخرص في الزكاة، وفيه ~~ضعف. # وأقوى ما اعتمدوا عليه في ذلك ما جاء من الخرص في مساقاة خيبر من مرسل ~~سعيد بن المسيب وعطاء بن يسار. # الركن الرابع: وأما اشتراط الوقت في المساقاة فهو صنفان: وقت هو مشترط في ~~جواز المساقاة، ووقت هو شرط في صحة العقد، وهو المحدد لمدتها. فأما الوقت ~~PageV02P200 # المشترط في جواز عقدها فإنهم اتفقوا على أنها تجوز قبل بدو الصلاح. ~~واختلفوا في جواز ذلك بعد بدو الصلاح، فذهب الجمهور من القائلين بالمساقاة ~~على أنه لا يجوز بعد بدو الصلاح. وقال سحنون من أصحاب مالك: لا بأس بذلك. ~~واختلف قول الشافعي في ذلك، فمرة قال: لا يجوز، ومرة قال: يجوز، وقد قيل ~~عنه إنها لا تجوز إذا خلق الثمر. # وعمدة الجمهور أن مساقاة ما بدا صلاحه من الثمر ليس فيه عمل ولا ضرورة ~~داعية إلى المساقاة إذ كان يجوز بيعه في ذلك الوقت. قالوا: وإنما هي إجارة ~~إن وقعت. وحجة من أجازها أنه إذا جازت قبل أن يخلق الثمر فهي بعد بدو ~~الصلاح أجوز، ومن هنا لم تجز عندهم مساقاة البقول لأنه يجوز بيعها، أعني ~~عند الجمهور. وأما الوقت الذي هو شرط في مدة المساقاة، فإن الجمهور على أنه ~~لا يجوز أن يكون مجهولا - أعني مدة غير مؤقتة - وأجاز طائفة أن يكون إلى ~~مدة غير مؤقتة منهم أهل الظاهر. وعمدة الجمهور ما يدخل في ms0764 ذلك من الغرر ~~قياسا على الإجارة، وعمدة أهل الظاهر ما وقع في مرسل مالك من قوله (ص) ~~أقركم على ما أقركم الله وكره مالك المساقاة فيما طال من السنين، وانقضاء ~~السنين فيها هو بالجذ لا بالأهلة. وأما هل اللفظ شرط في هذا العقد؟ ~~فاختلفوا في ذلك، فذهب ابن القاسم إلى أن من شرط صحتها أن لا تنعقد إلا ~~بلفظ المساقاة، وأنه ليس تنعقد بلفظ الإجارة، وبه قال الشافعي، وقال غيرهم: ~~تنعقد بلفظ الإجارة، وهو قياس قول سحنون. # القول في أحكام الصحة والمساقاة عند مالك من العقود اللازمة باللفظ لا ~~بالعمل بخلاف القراض عنده الذي ينعقد بالعمل لا باللفظ، وهو عند مالك عقد ~~موروث، ولورثة المساقي أن يأتوا بأمين يعمل إن لم يكونوا أمناء، وعليه ~~العمل إن أبى الورثة من تركته، وقال الشافعي إذا لم يكن له تركة سلم إلى ~~الورثة رب المال أجرة ما عمل وفسد العقد، وإن كانت له تركة لزمته المساقاة. ~~وقال الشافعي: تنفسخ المساقاة بالعجز، ولم يفصل. وقال مالك: # إذا عجز وقد حل بيع الثمر لم يكن له أن يساقي غيره ووجب عليه أن يستأجر ~~من يعمل، وإن يكن له شئ استؤجر من حظه من الثمر، وإذا كان العامل لصا أو ~~ظالما لم ينفسخ العقد بذلك عند مالك. وحكي عن الشافعي أنه قال: يلزمه أن ~~يقيم غيره للعمل، وقال الشافعي: إذا هرب العامل قبل تمام العمل استأجر ~~القاضي عليه من يعمل عمله. ويجوز عند مالك أن يشترط كل واحد منهما على ~~صاحبه الزكاة بخلاف القراض ونصابهما عنده نصاب الرجل الواحد بخلاف قوله في ~~الشركاء. وإذا اختلف رب المال والعامل في مقدار ما وقعت عليه المساقاة من ~~الثمر، فقال مالك: القول قول العامل مع يمينه إذا أتى بما يشبه، وقال ~~الشافعي: يتحالفان ويتفاسخان، وتكون للعامل الأجرة شبههه بالبيع وأوجب مالك ~~اليمين في حق العامل لأنه مؤتمن، ومن PageV02P201 # أصله أن اليمين تجب على أقوى المتداعيين شبهة. وفروع هذا الباب كثيرة، ~~لكن التي اشتهر الخلاف فيها بين الفقهاء هي هذه ms0765 التي ذكرناها. # أحكام المساقاة الفاسدة واتفقوا على أن المساقاة إذا وقعت على غير الوجه ~~الذي جوزها الشرع أنها تنفسخ ما لم تفت بالعمل. واختلفوا إذا فاتت بالعمل ~~ماذا يجب فيها؟ فقيل إنها ترد إلى إجارة المثل في كل نوع من أنواع الفساد، ~~وهو قياس قول الشافعي وقياس إحدى الروايتين عن مالك، وقيل إنها ترد إلى ~~مساقاة المثل بإطلاق، وهو قول ابن الماجشون وروايته عن مالك، وأما ابن ~~القاسم فقال في بعضها: ترد إلى مساقاة مثلها، وفي بعضها: إلى إجارة المثل. ~~واختلف التأويل عنه في ذلك، فقيل في مذهبه إنها ترد إلى إجارة المثل إلا في ~~أربع مسائل فإنها ترد إلى مساقاة مثلها: إحداها: المساقاة في حائط فيه تمر ~~قد أطعم. # والثانية: إذا اشترط المساقي على رب المال أن يعمل معه. والثالثة: ~~المساقاة مع البيع في صفقة واحدة. والرابعة: إذا ساقاه في حائط سنة على ~~الثلث وسنة على النصف. وقيل إن الأصل عنده في ذلك أن المساقاة إذا لحقها ~~الفساد من قبل ما دخلها من الإجارة الفاسدة أو من بيع الثمر من قبل أن يبدو ~~صلاحه، وذلك مما يشترطه أحدهما على صاحبه من زيادة رد فيها إلى أجرة المثل، ~~مثل أن يساقيه على أن يزيد أحدهما صاحبه دنانير أو دراهم، وذلك أن هذه ~~الزيادة إن كانت من رب الحائط كانت إجارة فاسدة، وإن كانت من العامل كانت ~~بيع الثمر قبل أن يخلق. وأما فساده من قبل الغرر مثل المساقاة على حوائط ~~مختلفة فيرد إلى مساقاة المثل، وهذا كله استحسان جار على غير قياس. وفي ~~المسألة قول رابع، وهو أنه يرد إلى مساقاة مثله ما لم يكن أكثر من الجزء ~~الذي شرط عليه إن كان للمساقي، أو أقل إن كان الشرط للمساقي، وهذا كاف بحسب ~~غرضنا. PageV02P202 # كتاب الشركة والنظر في الشركة، في أنواعها، وفي أركانها الموجبة للصحة في ~~الاحكام ونحن نذكر من هذه الأبواب ما اتفقوا عليه، وما اشتهر الخلاف فيه ~~بينهم على ما قصدناه في هذا الكتاب. والشركة بالجملة عند فقهاء ms0766 الأمصار على ~~أربعة أنواع: شركة العنان: وشركة الأبدان وشركة المفاوضة. وشركة الوجوه. ~~واحدة منها متفق عليها، وهي شركة العنان، وإن كان بعضهم لم يعرف هذا اللفظ، ~~وإن كانوا اختلفوا في بعض شروطها على ما سيأتي بعد. والثلاثة مختلف فيها، ~~ومختلف في بعض شروطها عند من اتفق منهم عليها. # القول في شركة العنان وأركان هذه الشركة ثلاثة: الأول: محلها من الأموال. ~~والثاني: في معرفة قدر الربح من قدر المال المشترك فيه. الثالث: في معرفة ~~قدر المال من الشريكين من قدر المال. # الركن الأول: فأما محل الشركة، فمنه ما اتفقوا عليه، ومنه ما اختلفوا ~~فيه، فاتفق المسلمون على أن الشركة تجوز في الصنف الواحد من العين: أعني ~~الدنانير والدراهم، وإن كانت في الحقيقة بيعا لا تقع فيه مناجزة، ومن شرط ~~البيع في الذهب وفي الدارهم المناجزة، لكن الاجماع خصص هذا المعنى في ~~الشركة، وكذلك اتفقوا فيما أعلم على الشركة بالعرضين يكونان بصفة واحدة ~~واختلفوا في الشركة بالعرضين المختلفين وبالعيون المختلفة، مثل الشركة ~~بالدنانير من أحدهما، والدراهم من الآخر، وبالطعام الربوي إذا كان صنفا ~~واحدا، فههنا ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: فأما إذا اشتركا في صنفين من العروض، أو في عروض ودراهم ~~أو دنانير، فأجاز ذلك ابن القاسم، وهو مذهب مالك، وقد قيل عنه إنه كره ذلك ~~وسبب الكراهية اجتماع الشركة فيها والبيع، وذلك أن يكون العرضان مختلفين ~~كأن كل واحد PageV02P203 # منهما باع جزءا من عرضه بجزء من العرض الآخر، ومالك يعتبر في العروض إذا ~~وقعت فيها الشركة القيم، والشافعي يقول: لا تنعقد الشركة إلا على أثمان ~~العروض، وحكى أبو حامد أن ظاهر مذهب الشافعي يشير إلى أن الشركة مثل القراض ~~لا تجوز إلا بالدراهم والدنانير، قال: والقياس أن الإشاعة فيها تقوم مقام ~~الخلط. # المسألة الثانية: وأما إن كان الصنفان مما لا يجوز فيهما النساء مثل ~~الشركة بالدنانير من عند أحدهما والدراهم من عند الآخر، أو بالطعامين ~~المختلفين، فاختلف في ذلك قول مالك، فأجازه مرة، ومنعه مرة، وذلك لما يدخل ~~الشركة بالدراهم من عند ms0767 أحدهما والدنانير من عند الآخر من الشركة والصرف ~~معا وعدم التناجز، ولما يدخل الطعامين المختلفين من الشركة وعدم التناجز، ~~وبالمنع قال ابن القاسم، ومن لم يعتبر هذه العلل أجازها. # المسألة الثالثة: وأما الشركة بالطعام من صنف واحد، فأجازها ابن القاسم ~~قياسا على إجماعهم على جوازها في الصنف الواحد من الذهب أو الفضة ومنعها ~~مالك في أحد قوليه - وهو المشهور - بعدم المناجزة الذي يدخل فيه، إذ رأى أن ~~الأصل هو أن لا يقاس على موضع الرخصة بالاجماع، وقد قيل إن وجه كراهية مالك ~~لذلك أن الشركة تفتقر إلى الاستواء في القيمة، والبيع يفتقر إلى الاستواء ~~في الكيل، فافتقرت الشركة بالطعامين من صنف واحد إلى استواء القيمة والكيل ~~وذلك لا يكاد يوجد، فكره مالك ذلك، فهذا هو اختلافهم في جنس محل الشركة. ~~واختلفوا هل من شرط مال الشركة أن يختلط، أو لا يختلط؟ فقال مالك: إن من ~~شرط الشركة: أن يختلطا: إما حسا وإما حكما، مثل أن يكونا في صندوق واحد ~~وأيديهما مطلقة عليهما، وقال الشافعي: لا تصح الشركة حتى يخلطا ماليهما ~~خلطا لا يتميز به مال أحدهما من مال الآخر، وقال أبو حنيفة: تصح الشركة وإن ~~كان مال كل واحد منهما بيده. فأبو حنيفة اكتفى في انعقاد الشركة بالقول، ~~ومالك اشترط إلى ذلك اشتراك التصرف في المال، والشافعي اشترط إلى هذين ~~الاختلاط، والفقه أن بالاختلاط يكون عمل الشريكين أفضل وأتم، لان النصح ~~يوجد منه لشريكه كما يوجد لنفسه، فهذا هو القول في هذا الركن وفي شروطه. # فأما الركن الثاني: وهو وجه اقتسامها الربح، فإنهم اتفقوا على أنه إذا ~~كان الربح تابعا لرؤوس الأموال، أعني إن كان أصل مال الشركة متساويين كان ~~الربح بينهما نصفين. # واختلفوا هل يجوز أن يختلف رؤوس أموالهما ويستويان في الربح؟ فقال مالك ~~والشافعي: # ذلك لا يجوز، وقال أهل العراق: يجوز ذلك. وعمدة من منع ذلك أن تشبيه ~~الربح بالخسران، فكما أنه لو اشترط أحدهما جزءا من الخسران لم يجز، كذلك ~~إذا اشترط جزءا من الربح خارجا عن ms0768 ماله وربما شبهوا الربح بمنفعة العقار ~~الذي بين الشريكين: أعني أن PageV02P204 # المنفعة بينهما تكون على نسبة أصل الشركة. وعمدة أهل العراق تشبيه الشركة ~~بالقراض، وذلك أنه لما جاز في القراض أن يكون للعامل من الربح ما اصطلحا ~~عليه، والعامل ليس يجعل مقابله إلا عملا فقط كان في الشركة أحرى أن يجعل ~~للعمل جزء من المال إذا كانت الشركة مالا من كل واحد منهما وعملا، فيكون ~~ذلك الجزء من الربح مقابلا لفضل عمله على عمل صاحبه، فإن الناس يتفاوتون في ~~العمل كما يتفاوتون في غير ذلك. # وأما الركن الثالث: الذي هو العمل، فإنه تابع كما قلنا عند مالك للمال ~~فلا يعتبر بنفسه، وهو عند أبي حنيفة يعتبر مع المال، وأظن أن من العلماء من ~~لا يجيز الشركة إلا أن يكون مالاهما متساويين التفاتا إلى العمل. فإنهم ~~يرون أن العمل في الغالب مستو فإذا لم يكن المال بينهما على التساوي كان ~~هنالك غبن على أحدهما في العمل، ولهذا قال ابن المنذر: أجمع العلماء على ~~جواز الشركة التي يخرج فيها كل واحد من الشريكين مالا مثل مال صاحبه من ~~نوعه: أعني دراهم أو دنانير، ثم يخلطانهما حتى يصيرا مالا واحدا لا يتميز. ~~على أن يبيعا ويشتريا ما رأيا من أنواع التجارة، وعلى أن ما كان من فضل فهو ~~بينهما بنصفين، وما كان من خسارة فهو كذلك، وذلك إذا باع كل واحد منهما ~~بحضرة صاحبه، واشتراطه هذا الشرط يدل على أن فيه خلافا، والمشهور عند ~~الجمهور أنه ليس من شرط الشركاء أن يبيع كل واحد منهما بحضرة صاحبه. # القول في شركة المفاوضة واختلفا في شركة المفاوضة، فاتفق مالك وأبو حنيفة ~~بالجملة على جوازها، وإن كان اختلفوا في بعض شروطها، وقال الشافعي: لا ~~تجوز. ومعنى شركة المفاوضة أن يفوض كل واحد من الشريكين إلى صاحبه التصرف ~~في ماله مع غيبته وحضوره، وذلك واقع عندهم في جميع أنواع الممتلكات. وعمدة ~~الشافعي أن اسم الشركة إنما ينطلق على اختلاط الأموال، فإن الأرباح فروع، ~~ولا يجوز أن تكون ms0769 الفروع مشتركة إلا باشتراك أصولها، وأما إذا اشترط كل ~~واحد منهما ربحا لصاحبه في ملك نفسه فذلك من الغرر ومما لا يجوز، وهذه صفة ~~شركة المفاوضة. # وأما مالك فيرى أن كل واحد منهما قد باع جزءا من ماله بجزء من مال شريكه، ~~ثم وكل واحد منهما صاحبه على النظر في الجزء الذي بقي في يده. والشافعي يرى ~~أن الشركة ليست هي بيعا ووكالة. وأما أبو حنيفة فهو ههنا على أصله في أنه ~~لا يراعى في شركة العنان إلا النقد فقط. وأما ما يختلف فيه مالك وأبو حنيفة ~~من شروط هذه الشركة، فإن أبا حنيفة يرى أن من شرط المفاوضة التساوي في رؤوس ~~الأموال، وقال مالك: ليس من شرطها ذلك تشبيها بشركة العنان، وقال أبو ~~حنيفة، لا يكون لأحدهما شئ إلا أن يدخل في الشركة. وعمدتهم أن اسم المفاوضة ~~يقتضي هذين الامرين، أعني تساوي المالين وتعميم ملكهما. PageV02P205 # القول في شركة الأبدان وشركة الأبدان بالجملة عند أبي حنيفة والمالكية ~~جائزة، ومنع منها الشافعي. وعمدة الشافعية أن الشركة إنما تختص بالأموال لا ~~بالاعمال، لان ذلك لا ينضبط فهو غرر عندهم، إذ كان عمل كل واحد منهما ~~مجهولا عند صاحبه. وعمدة المالكية اشتراك الغانمين في الغنيمة، وهم إنما ~~استحقوا ذلك بالعمل. وما روي من أن ابن مسعود شارك سعدا يوم بدر، فأصاب سعد ~~فرسين ولم يصب ابن مسعود شيئا، فلم ينكر النبي (ص) عليهما. وأيضا فإن ~~المضاربة إنما تنعقد على العمل فجاز أن تنعقد عليه الشركة، وللشافعي أن ~~المفاوضة خارجة عن الأصول فلا يقاس عليها، وكذلك يشبه أن يكون حكم الغنيمة ~~خارجا عن الشركة، ومن شرطها عند مالك اتفاق الصنعتين والمكان، وقال أبو ~~حنيفة: # تجوز مع اختلاف الصنعتين، فيشترك عنده الدباغ والقصار، ولا يشتركان عند ~~مالك. # وعمدة مالك زيادة الغرر الذي يكون عند اختلاف الصنعتين أو اختلاف المكان. ~~وعمدة أبي حنيفة جواز الشركة على العمل. # القول في شركة الوجوه وشركة الوجوه عند مالك والشافعي باطلة، وقال أبو ~~حنيفة: جائزة وهذه الشركة هي الشركة على ms0770 الذمم من غير صنعة ولا مال. وعمدة ~~مالك والشافعي أن الشركة إنما تتعلق على المال أو على العمل، وكلاهما ~~معدومان في هذه المسألة مع ما في ذلك من الغرر، لان كل واحد منهما عارض ~~صاحبه بكسب غير محدود بصناعة ولا عمل مخصوص، وأبو حنيفة يعتمد أنه عمل من ~~الأعمال فجاز أن تنعقد عليه الشركة. # القول في أحكام الشركة الصحيحة وهي من العقود الجائزة لا من العقود ~~اللازمة: أي لاحد الشريكين أن ينفصل من الشركة متى شاء، وهي عقد موروث، ~~ونفقتهما وكسوتهما من مال الشركة إذا تقاربا في العيال ولم يخرجا عن نفقة ~~مثلهما ويجوز لاحد الشريكين أن يبضع وأن يقارض وأن يودع إذا دعت إلى ذلك ~~ضرورة، ولا يجوز له أن يهب شيئا من مال الشركة، ولا أن يتصرف فيه إلا تصرفا ~~يرى أنه نظر لهما. وأما من قصر في شئ أو تعدى فهو ضامن مثل أن يدفع مالا من ~~التجارة فلا يشهد وينكره القابض، فإنه يضمن لأنه قصر إذ لم يشهد، وله أن ~~يقبل الشئ المعيب في الشراء وإقرار أحد الشريكين في مال لمن يتهم عليه لا ~~يجوز، وتجوز إقالته وتوليته، ولا يضمن أحد الشريكين ما ذهب من مال التجارة ~~باتفاق، ولا يجوز للشريك المفاوض أن يقارض غيره إلا بإذن شريكه ويتنزل كل ~~واحد منهما منزلة صاحبه فيما له وفيما عليه في مال التجارة، وفروع هذا ~~الباب كثيرة. PageV02P206 # كتاب الشفعة والنظر في الشفعة أولا في قسمين: القسم الأول: في تصحيح هذا ~~الحكم وفي أركانه. القسم الثاني: في أحكامه. # القسم الأول: فأما وجوب الحكم بالشفعة، فالمسلمون متفقون عليه، لما ورد ~~في ذلك من الأحاديث الثابتة، إلا ما يتأمل على من يرى بيع الشقص المشاع، ~~وأركانها أربعة: الشافع، والمشفوع عليه، والمشفوع فيه، وصفة الاخذ بالشفعة. # الركن الأول: وهو الشافع، ذهب مالك والشافعي، وأهل المدينة إلى أن لا ~~شفعة إلا للشريك ما لم يقاسم، وقال أهل العراق: الشفعة مرتبة، فأولى الناس ~~بالشفعة الشريك الذي لم يقاسم، ثم الشريك المقاسم إذا بقيت في ms0771 الطرق أو في ~~الصحن شركة، ثم الجار الملاصق، وقال أهل المدينة: لا شفعة للجار ولا للشريك ~~المقاسم. وعمدة أهل المدينة: # مرسل مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب أن ~~رسول الله (ص) قضى بالشفعة فيما لم يقسم بين الشركاء، فإذا وقعت الحدود فلا ~~شفعة وحديث جابر أيضا أن رسول الله (ص) قضى بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا ~~وقعت الحدود فلا شفعة خرجه مسلم والترمذي وأبو داود وكان أحمد بن حنبل ~~يقول: حديث معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أصح ما روي في ~~الشفعة. وكان ابن معين يقول: مرسل مالك أحب إلي إذ كان مالك إنما رواه عن ~~ابن شهاب موقوفا وقد جعل قوم هذا الاختلاف على ابن شهاب في إسناده توهينا ~~له، وقد روي عن مالك في غير الموطأ عن ابن شهاب عن أبي هريرة، ووجه ~~استدلالهم من هذا الأثر ما ذكر فيه من أنه إذا وقعت الحدود فلا شفعة، وذلك ~~أنه لما كانت الشفعة غير واجبة للشريك المقاسم، فهي أحرى أن لا تكون واجبة ~~للجار، وأيضا فإن الشريك المقاسم هو جار إذا قاسم. وعمدة أهل العراق حديث ~~أبي رافع عن النبي (ص) أنه قال: الجار أحق بصقبه وهو حديث متفق عليه، وخرج ~~الترمذي وأبو داود عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: جار الدار أحق بدار ~~PageV02P207 # الجار وصححه الترمذي ومن طريق المعنى لهم أيضا أنه لما كانت الشفعة إنما ~~المقصود منها دفع الضرر الداخل من الشركة، وكان هذا المعنى موجودا في الجار ~~وجب أن يلحق به، ولأهل المدينة أن يقولوا: وجود الضرر في الشركة أعظم منه ~~في الجوار. # وبالجملة فعمدة المالكية أن الأصول تقتضي أن لا يخرج ملك أحد من يده إلا ~~برضاه، وأن من اشترى شيئا فلا يخرج من يده إلا برضاه حتى يدل الدليل على ~~التخصيص، وقد تعارضت الآثار في هذا الباب، فوجب أن يرجح ما شهدت له الأصول، ~~ولكلا القولين سلف متقدم لأهل العراق من التابعين، ولأهل المدينة ms0772 من ~~الصحابة. # الركن الثاني: وهو المشفوع فيه، اتفق المسلمون على أن الشفعة واجبة في ~~الدور والعقار والأرضين كلها، واختلفوا فيما سوى ذلك، فتحصيل مذهب مالك ~~أنها في ثلاثة أنواع: أحدها: مقصود، وهو العقار من الدور والحوانيت ~~والبساتين. والثاني: ما يتعلق بالعقار مما هو ثابت لا ينقل ولا يحول، وذلك ~~كالبئر ومحال النخل، ما دام الأصل فيها على صفة تجب فيها الشفعة عنه، وهو ~~أن يكون الأصل هو الأرض مشاعا بينه وبين شريكه غير مقسوم. والثالث: ما تعلق ~~بهذه كالثمار، وفيها عنه خلاف، وكذلك كراء الأرض للزرع وكتابة المكاتب. ~~واختلف عنه في الشفعة في الحمام والرحا، وأما ما عدا هذا من العروض ~~والحيوان فلا شفعة فيها عنده، وكذلك لا شفعة عنده في الطريق ولا في عرصة ~~الدار. واختلف عنه في أكرية الدور، وفي المساقاة وفي الدين، هل يكون الذي ~~عليه الدين أحق به؟ وكذلك الذي عليه الكتابة، وبه قال عمر بن عبد العزيز. ~~وروي أن رسول الله (ص) قضى بالشفعة في الدين وبه قال أشهب من أصحاب مالك، ~~وقال ابن القاسم: لا شفعة في الدين. ولم يختلفا في إيجابها في الكتابة ~~لحرمة العتق. وفقهاء الأمصار على أن شفعة إلا في العقار فقط. وحكي عن قوم ~~أن الشفعة في البئر وفي كل شئ ما عدا المكيل والموزون، ولم يجز أبو حنيفة ~~الشفعة في البئر والفحل، وأجازها في العرصة والطريق، ووافق الشافعي مالكا ~~في العرصة وفي الطريق وفي البئر، وخالفاه جميعا في الثمار. وعمدة الجمهور ~~في قصر الشفعة على العقار ما ورد في الحديث الثابت من قوله عليه الصلاة ~~والسلام: الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة فكأنه ~~قال: الشفعة فيما تمكن فيه القسمة ما دام لم يقسم، وهذا استدلال بدليل ~~الخطاب، وقد أجمع عليه في هذا الموضع فقهاء الأمصار مع اختلافهم في صحة ~~الاستدلال به. وأما عمدة من أجازها في كل شئ فما خرجه الترمذي عن ابن عباس: ~~أن رسول الله (ص) قال: # الشريك شفيع في كل شئ ms0773 ولان معنى ضرر الشركة والجوار موجود في كل شئ وإن ~~كان العقار أظهر، ولما لحظ هذا مالك أجرى ما يتبع العقار مجرى العقار. # واستدل أبو حنيفة على منع الشفعة في البئر بما روي لا شفعة في بئر ومالك ~~حمل هذا PageV02P208 # الأثر على آبار الصحارى التي تعمل في الأرض الموات، لا التي تكون في أرض ~~متملكة. # الركن الثالث: وأما المشفوع عليه فإنهم اتفقوا على أنه من انتقل إليه ~~الملك بشراء من شريك غير مقاسم أو من جار عند من يرى الشفعة للجار. ~~واختلفوا فيمن انتقل إليه الملك بغير شراء، فالمشهور عند مالك أن الشفعة ~~إنما يجب إذا كان انتقال الملك بعوض كالبيع والصلح والمهر وأرش الجنايات ~~وغير ذلك، وبه قال الشافعي، وعنه رواية ثانية أنها تجب بكل ملك انتقل بعوض ~~أو بغير عوض، كالهبة لغير الثواب والصدقة، ما عدا الميراث فإنه لا شفعة عند ~~الجميع فيه اتفاق. وأما الحنفية فالشفعة عندهم في المبيع فقط، وعمدة ~~الحنفية ظاهر الأحاديث وذلك أن مفهومها يقتضي أنها في المبيعات، بل ذلك نص ~~فيها لا في بعضها فلا بيع حتى يستأذن شريكه. وأما المالكية فرأت أن كل ما ~~انتقل بعوض فهو في معنى البيع، ووجه الرواية الثانية أنها اعتبرت الضرر ~~فقط. وأما الهبة للثواب فلا شفعة فيها عند أبي حنيفة ولا الشافعي، أما أبو ~~حنيفة فلان الشفعة عنده في المبيع، وأما الشافعي فلان هبة الثواب عنده ~~باطلة، وأما مالك، فلا خلاف عنده وعند أصحابه في أن الشفعة فيها واجبة. ~~واتفق العلماء على أن المبيع الذي بالخيار أنه إذا كان الخيار فيه للبائع ~~أن الشفعة لا تجب حتى يجب البيع. واختلفوا إذا كان الخيار للمشتري؟ # فقال الشافعي والكوفيون: الشفعة واجبة عليه لان البائع قد صرم الشقص عن ~~ملكه وأبانه منه، وقيل إن الشفعة غير واجبة عليه لأنه غير ضامن وبه قال ~~جماعة من أصحاب مالك. # واختلف في الشفعة في المساقاة، وهي تبديل أرض بأرض، فعن مالك في ذلك ثلاث ~~روايات: الجواز، والمنع، والثالث أن تكون المناقلة بين ms0774 الاشراك أو الأجانب ~~فلم يرها في الاشراك ورآها في الأجانب. # الركن الرابع: في الاخذ بالشفعة والنظر في هذا الركن بماذا يأخذ الشفيع، ~~وكم يأخذ، ومتى يأخذ، فإنهم اتفقوا على أنه يأخذ في البيع بالثمن إن كان ~~حالا، واختلفوا إذا كان البيع إلى أجل هل يأخذه الشفيع بالثمن إلى ذلك ~~الاجل، أو يأخذ المبيع بالثمن حالا وهو مخير؟ فقال مالك: يأخذه بذلك الاجل ~~إذا كان مليا أو يأتي بضامن ملئ، وقال الشافعي: الشفيع مخير، فإن عجل تعجلت ~~الشفعة وإلا تتأخر إلى وقت الاجل، وهو نحو قول الكوفيين، وقال الثوري لا ~~يأخذها إلا بالنقد لأنها قد دخلت في ضمان الأول قال: ومنا من يقول تبقى في ~~يد الذي باعها، فإن بلغ الاجل أخذها الشفيع. # والذين رأوا الشفعة في سائر المعاوضات مما ليس ببيع، فالمعلوم عنهم أنه ~~يأخذ الشفعة بقيمة الشقص إن كان العوض مما ليس يتقدر، مثل أن يكون معطى في ~~خلع. وأما أن يكون معطى في شئ يتقدر ولم يكن دنانير ولا دراهم ولا بالجملة ~~مكيلا ولا موزونا، فإنه يأخذه بقيمة ذلك الشئ الذي دفع الشقص فيه، وإن كان ~~ذلك الشئ محدود القدر بالشرع PageV02P209 # أخذ ذلك القدر، مثل أن يدفع الشقص في موضحة وجبت عليه أو منقلة، فإنه ~~يأخذه بدية الموضحة أو المنقلة. # وأما كم يأخذ؟ فإن الشفيع لا يخلو أن يكون واحدا أو أكثر، والمشفوع عليه ~~أيضا لا يخلو أن يكون واحدا أو أكثر، فأما أن الشفيع واحد والمشفوع عليه ~~واحد فلا خلاف في أن الواجب على الشفيع أن يأخذ الكل أو يدع، وأما إذا كان ~~المشفوع عليه واحدا والشفعاء أكثر من واحد فإنهم اختلفوا من ذلك في موضعين: # أحدهما: في كيفية قسمة المشفوع فيه بينهم. والثاني: إذا اختلف أسباب ~~شركتهم هل يحجب بعضهم بعضا عن الشفعة أم لا؟ مثل أن يكون بعضهم شركاء في ~~المال الذي ورثوه لأنهم أهل سهم واحد، وبعضهم لأنهم عصبة. # فأما المسألة الأولى: وهي كيفية توزيع المشفوع فيه، فإن مالكا والشافعي ~~وجمهور أهل المدينة يقولون: ms0775 إن المشفوع فيه يقتسمونه بينهم على قدر حصصهم، ~~فمن كان نصيبه من أصل المال الثلث مثلا أخذ من الشقص بثلث الثمن، ومن كان ~~نصيبه الربع أخذ الربع. وقال الكوفيون: هي على عدد الرؤوس على السواء، ~~وسواء فذلك الشريك ذو الحظ الأكبر وذو الحظ الأصغر. وعمدة المدنيين أن ~~الشفعة حق يستفاد وجوبه بالملك المتقدم، فوجب أن يتوزع على مقدار الأصل، ~~أصله الأكرية في المستأجرات المشتركة والربح في شركة الأموال، وأيضا فإن ~~الشفعة إنما هي لإزالة الضرر، والضرر داخل على كل واحد منهم على غير ~~استواء، لأنه إنما يدخل على كل واحد منهم بحسب حصته، فوجب أن يكون ~~استحقاقهم لدفعه على تلك النسبة. وعمدة الحنفية أن وجوب الشفعة إنما يلزم ~~بنفس الملك فيستوفي ذلك أهل الحظوظ المختلفة لاستوائهم في نفس الملك، وربما ~~شبهوا ذلك بالشركاء في العبد يعتق بعضهم نصيبه أنه يقوم على المعتقين على ~~السوية: أعني حظ من لم يعتق. # وأما المسألة الثانية: فإن الفقهاء اختلفوا في دخول الاشراك الذين هم ~~عصبة في الشفعة مع الاشراك الذين شركتهم من قبل السهم الواحد فقال مالك: ~~أهل السهم الواحد أحق بالشفعة إذا باع أحدهم من الاشراك معهم في المال من ~~قبل التعصيب، وأنه لا يدخل ذو العصبة في الشفعة على أهل السهام المقدرة ~~ويدخل ذوو السهام على ذوي التعصيب ، مثل أن يموت ميت فيترك عقارا ترثه عنه ~~بنتان وابنا عم ثم تبيع البنت الواحدة حظها، فإن البنت الثانية عند مالك هي ~~التي تشفع في ذلك الحظ الذي باعته أختها فقط دون ابني العم، وإن باع أحد ~~ابني العم نصيبه يشفع فيه البنات وابن العم الثاني، وبهذا القول قال ابن ~~القاسم. وقال أهل الكوفة: لا يدخل ذوو السهام على العصبات ولا العصبات على ~~ذوي السهام، ويتشافع أهل السهم الواحد فيما بينهم خاصة، وبه قال أشهب. وقال ~~الشافعي في أحد قوليه: يدخل ذوو السهام على العصبات والعصبات على ذوي ~~السهام، وهو الذي PageV02P210 # اختاره المزني، وبه قال المغيرة من أصحاب مالك. وعمدة مذهب الشافعي عموم ~~قضائه ms0776 (ص) بالشفعة بين الشركاء، ولم يفصل ذوي السهم من عصبة. ومن خصص ذوي ~~السهام من العصبات فلانه رأى الشركة مختلفة الأسباب: أعني بين ذوي السهام ~~وبين العصبات فشبه الشركات المختلفة الأسباب بالشركات المختلفة من قبل ~~محالها - الذي هو المال - بالقسمة بالأموال. ومن أدخل ذوي السهام على ~~العصبة ولم يدخل العصبة على ذوي السهام فهو استحسان على غير قياس، ووجه ~~الاستحسان أنه رأى أن ذوي السهام أقعد من العصبة. وأما إذا كان المشفوع ~~عليهما اثنين فأكثر فأراد الشفيع أن يشفع على أحدهما دون الثاني، فقال ابن ~~القاسم: إما أن يأخذ الكل أو يدع، وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي: له أن ~~يشفع على أيهما أحب، وبه قال أشهب، فأما إذا باع رجلان شقصا من رجل، فأراد ~~الشفيع أن يشفع على أحدهما دون الثاني، فإن أبا حنيفة منع ذلك، وجوزه ~~الشافعي. وأما إذا كان الشافعون أكثر من واحد، أعني الاشراك، فأراد بعضهم ~~أن يشفع ويسلم له الباقي في البيوع، فالجمهور على أن للمشتري أن يقول ~~للشريك إما أن تشفع في الجميع أو تترك، وأنه ليس له أن يشفع بحسب حظه إلا ~~أن يوافقه المشتري على ذلك، وأنه ليس له أن يبعض الشفعة على المشتري إن لم ~~يرض بتبعيضها. وقال أصبغ من أصحاب مالك: إن كان ترك بعضهم الاخذ بالشفعة ~~رفقا بالمشتري لم يكن للشفيع إلا أن يأخذ حصته فقط. ولا خلاف في مذهب مالك ~~أنه إذ كان بعض الشفعاء غائبا وبعضهم حاضرا، فأراد الحاضر أن يأخذ حصته فقط ~~أنه ليس له ذلك، إلا أن يأخذ الكل أو يدع، فإذا قدم الغائب فإن شاء أخذ وإن ~~شاء تر ك. واتفقوا على أن من شرط الاخذ بالشفعة أن تكون الشركة متقدمة على ~~البيع. واختلفوا هل من شرطها أن تكون موجودة في حال البيع، وأن تكون ثابتة ~~قبل البيع؟ # فأما المسألة الأولى: وهي إذا لم يكن شريكا في حال البيع، وذلك يتصور بأن ~~يكون يتراخى عن الاخذ بالشفعة بسبب من الأسباب التي لا يقطع له الاخذ ms0777 ~~بالشفعة حتى يبيع الحظ الذي كان به شريكا، فروى أشهب أن قول مالك اختلف في ~~ذلك، فمرة قال: له الاخذ بالشفعة، ومرة قال: ليس له ذلك، واختار أشهب أنه ~~لا شفعة له، وهو قياس قول الشافعي والكوفيين، لان المقصود بالشفعة إنما هو ~~إزالة الضرر من جهة الشركة، وهذا ليس بشريك. وقال ابن القاسم: له الشفعة ~~إذا كان قيامه في أثره، لأنه يرى أن الحق الذي وجب له لم يرتفع ببيعه حظه. # وأما المسألة الثانية: فصورتها أن يستحق انسان شقصا في أرض قد بيع منها ~~قبل وقت الاستحقاق شقص ما، هل له أن يأخذ بالشفعة أم لا؟ فقال قوم: له ذلك، ~~لأنه وجبت له الشفعة بتقدم شركته قبل البيع، ولا فرق في ذلك كانت يده عليه ~~أو لم تكن، PageV02P211 # وقال قوم: لا تجب له الشفعة: لأنه إنما ثبت له مال الشركة يوم الاستحقاق، ~~قالوا: ألا ترى أنه يأخذ الغلة من المشتري؟ فأما مالك فقال: إن طال الزمان ~~فلا شفعة، وإن لم يطل ففيه الشفعة، وهو استحسان. وأما متى يأخذ وهل له ~~الشفعة؟ فإن الذي له الشفعة رجلان: حاضر أو غائب. فأما الغائب فأجمع ~~العلماء على أن الغائب على شفعته ما لم يعلم ببيع شريكه. واختلفوا إذا علم ~~وهو غائب، فقال قوم: تسقط شفعته، وقال قوم: لا تسقط، وهو مذهب مالك والحجة ~~له ما روي عن النبي (ص) من حديث جابر أنه قال: # الجار أحق بصقبه أو قال: بشفعته ينتظر بها إذا كان غائبا وأيضا فإن ~~الغائب في الأكثر معوق عن الاخذ بالشفعة، فوجب عذره. وعمدة الفريق الثاني ~~أن سكوته مع العلم قرينة تدل على رضاه بإسقاطها. وأما الحاضر، فإن الفقهاء ~~اختلفوا في وقت وجوب الشفعة له، فقال الشافعي وأبو حنيفة: هي واجبة له على ~~الفور بشرط العلم وإمكان الطلب، فإن علم وأمكن ولم يطلب بطلت شفعته، إلا أن ~~أبا حنيفة قال: إن أشهد بالأخذ لم تبطل وإن تراخى. وأما مالك فليست عنده ~~على الفور، بل وقت وجوبها متسع. واختلف قوله في ms0778 هذا الوقت هل هو محدود أم ~~لا؟ فمرة قال: هو غير محدود وأنها لا تنقطع أبدا إلا أن يحدث المبتاع بناء ~~أو تغييرا كثيرا بمعرفته وهو حاضر عالم ساكت، ومرة حدد هذا الوقت، فروي عنه ~~السنة وهو الأشهر، وقيل أكثر من سنة، وقد قيل عنه أن الخمسة أعوام لا تنقطع ~~فيها الشفعة. واحتج الشافعي بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: الشفعة ~~كحل العقال وقد روي الشافعي أن أمدها ثلاثة أيام. وأما من لم يسقط الشفعة ~~بالسكوت واعتمد على أن السكوت لا يبطل حق امرئ مسلم ما لم يظهر من قرائن ~~أحواله ما يدل على إسقاطه، وكان هذا أشبه بأصول الشافعي، لان عنده أنه ليس ~~يجب أن ينسب إلى ساكت قول قائل، وإن اقترنت به أحوال تدل على رضاه، ولكنه ~~فيما أحسب اعتمد الأثر. # فهذا هو القول في أركان الشفعة وشروطها المصححة لها وبقي القول في ~~الاحكام. # القسم الثاني: القول في أحكام الشفعة وهذه الأحكام كثيرة، ولكن نذكر منها ~~ما اشتهر فيه الخلاف بين فقهاء الأمصار، فمن ذلك اختلافهم في ميراث حق ~~الشفعة، فذهب الكوفيون إلى أنه لا يورث كما أنه لا يباع، وذهب مالك ~~والشافعي وأهل الحجاز إلى أنها موروثة قياسا على الأموال وقد تقدم. # سبب الخلاف في هذه المسائل في مسألة الرد بالعيب. ومنها اختلافهم في عهدة ~~الشفيع هل هي على المشتري أو على البائع، فقال مالك والشافعي: هي على ~~المشتري: وقال ابن أبي ليلى: هي على البائع وعمدة مالك أن الشفعة إنما وجبت ~~للشريك بعد حصول ملك المشتري وصحته، فوجب أن تكون عليه العهدة. وعمدة ~~الفريق الآخر أن الشفعة إنما وجبت للشريك بنفس البيع، فطروها على البيع فسخ ~~له وعقد لها. وأجمعوا على أن الإقالة PageV02P212 # لا تبطل الشفعة من رأى أنها بيع، ومن رأى أنها فسخ - أعني الإقالة - ~~واختلف أصحاب مالك على من عهدة الشفيع في الإقالة؟ فقال ابن القاسم: على ~~المشتري، وقال أشهب: # هو مخير. ومنها اختلافهم إذا أحدث المشتري بناء أو غرسا أو ما يشبه ms0779 في ~~الشقص قبل قيام الشفيع بطلب شفعته، فقال مالك: لا شفعة إلا أن يعطي المشتري ~~قيمة ما بنى وما غرس، وقال الشافعي وأبو حنيفة: هو متعد وللشفيع أن يعطيه ~~قيمة بنائه مقلوعا أو يأخذه بنقضه. والسبب في اختلافهم: تردد تصرف المشفوع ~~عليه العالم بوجوب الشفعة عليه بين شبهة تصرف الغاصب وتصرف المشتري الذي ~~يطرأ عليه الاستحقاق وقد بني في الأرض وغرس، وذلك أنه وسط بينهما، فمن غلب ~~عليه شبه الاستحقاق لم يكن له أن يأخذ القيمة، ومن غلب عليه شبه التعدي ~~قال: له أيأخذه بنقضه أو يعطيه قيمته منقوضا. # ومنها اختلافهم إذا اختلف المشتري والشفيع في مبلغ الثمن، فقال المشتري: ~~اشتريت الشقص بكذا، وقال الشفيع: بل اشتريته بأقل، ولم يكن لواحد منهما ~~بينة، فقال جمهور الفقهاء: القول قول المشتري، لان الشفيع مدع والمشفوع ~~عليه مدعى عليه. وخالف في ذلك بعض التابعين فقالوا: القول قول الشفيع، لان ~~المشتري قد أقر له بوجوب الشفعة وادعى عليه مقدارا من الثمن لم يعترف له ~~به. وأما أصحاب مالك فاختلفوا في هذه المسألة، فقال ابن القاسم: القول قول ~~المشتري إذا أتى بما يشبه باليمين، فإن أتى بما لا يشبه فالقول قول الشفيع. ~~وقال أشهب: إذا أتى بما يشبه فالقول قول المشتري بلا يمين وفيما لا يشبه ~~باليمين. وحكي عن مالك أنه قال: إذا كان المشتري ذا سلطان يعلم بالعادة أنه ~~يزيد في الثمن قبل قول المشتري بغير يمين، وقيل إذا أتى المشتري بما لا ~~يشبه رد الشفيع إلى القيمة، وكذلك فيما أحسب إذا أتى كل واحد منهما بما لا ~~يشبه واختلفوا إذا أتى كل واحد ببينة وتساوت العدالة فقال ابن القاسم: ~~يسقطان معا ويرجع إلى الأصل من أن القول قول المشتري مع يمينه. وقال أشهب: ~~البينة بينة المشتري لأنها زادت علما. PageV02P213 # كتاب القسمة والأصل في هذا الكتاب قوله تعالى: * (وإذا حضر القسمة أولوا ~~القربى) * وقوله: * (مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) * وقول رسول الله ~~(ص): أيما دار قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية ms0780 وأيما دار أدركها ~~الاسلام ولم تقسم فهي على قسم الاسلام. # والنظر في هذا الكتاب في القاسم والمقسوم عليه والقسمة، والنظر في القسمة ~~في أبواب: الباب الأول: في أنواع القسمة، الثاني: في تعيين محل نوع نوع من ~~أنواعها: # أعني ما يقبل القسمة وما لا يقبلها، وصفة القسمة فيها وشروطها أعني فيما ~~يقبل القسمة، الثالث: # في معرفة أحكامها. # الباب الأول: في أنواع القسمة والنظر في القسمة ينقسم أولا إلى قسمين: ~~قسمة رقاب الأموال. والثاني: منافع الرقاب. # القسم الأول من هذا الباب: فأما قسمة الرقاب التي لا تكال ولا توزن، ~~فتنقسم بالجملة إلى ثلاثة أقسام: قسمة قرعة بعد تقويم وتعديل. وقسمة مراضاة ~~بعد تقويم وتعديل. وقسمة مراضاة بغير تقويم ولا تعديل. وأما ما يكال أو ~~يوزن فبالكيل والوزن. # القسم الثاني: وأما الرقاب، فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ما لا ينقل ولا ~~يحول، وهي الرباع والأصول. ما ينقل ويحول، وهذان قسمان: وإما غير مكيل ولا ~~موزون، وهو الحيوان والعروض، وإما مكيل أو موزون. ففي هذا الباب ثلاثة ~~فصول: الأول: في الرباع. # والثاني: في العروض. والثالث: في المكيل والموزون. PageV02P214 # الفصل الأول: في الرباع فأما الرباع والأصول، فيجوز أن تقسم بالتراضي ~~وبالسهمة إذا عدلت بالقيمة، اتفق أهل العلم على ذلك اتفاقا مجملا، وإن ~~كانوا اختلفوا في محل ذلك وشروطه، والقسمة لا تخلو أن تكون في محل واحد أو ~~في محال كثيرة، فإذا كانت في محل واحد فلا خلاف في جوازها إذا انقسمت إلى ~~أجزاء متساوية بالصفة ولم تنقص منفعة الاجزاء بالانقسام، ويجيز الشركاء على ~~ذلك. وأما إذا انقسمت إلى ما لا منفعة فيه، فاختلف في ذلك مالك وأصحابه ~~فقال مالك: إنها تنقسم بينهم إذا دعا أحدهم إلى ذلك ولو لم يصر لواحد منهم ~~إلا ما لا منفعة فيه مثل قدر القدم، وبه قال ابن كنانة من أصحابه فقط، وهو ~~قول أبي حنيفة والشافعي. وعمدتهم في ذلك قوله تعالى: * (مما قل منه أو كثر ~~نصيبا مفروضا) * وقال ابن القاسم: لا يقسم إلا أن يصير لكل واحد في ms0781 حظه ما ~~ينتفع به من غير مضرة داخلة عليه في الانتفاع من قبل القسمة، وإن كان لا ~~يراعى في ذلك نقصان الثمن. وقال ابن الماجشون: يقسم إذا صار لكل واحد منهم ~~ما ينتفع به، وإن كان من غير جنس المنفعة التي كانت في الاشتراك أو كانت ~~أقل. وقال مطرف من أصحابه: إن لم يصر في حظ كل واحد ما ينتفع به لم يقسم ~~وإن صار في حظ بعضهم ما ينتفع به، وفي حظ بعضهم ما لا ينتفع به قسم وجبروا ~~على ذلك سواء دعا إلى ذلك صاحب النصيب القليل أو الكثير، وقيل يجبر إن دعا ~~صاحب النصيب القليل، ولا يجبر إن دعا صاحب النصيب الكثير، وقيل بعكس هذا ~~وهو ضعيف. واختلفوا من هذا الباب فيما إذا قسم انتقلت منفعته إلى منفعة ~~أخرى مثل الحمام. فقال مالك: يقسم إذا طلب ذلك أحد الشريكين، وبه قال أشهب، ~~وقال ابن القاسم: لا يقسم، وهو قول الشافعي. فعمدة من منع القسمة قوله (ص): ~~لا ضرر ولا ضرار وعمدة من رأى القسمة قوله تعالى: * (مما قل منه أو كثر ~~نصيبنا مفروضا) * ومن الحجة لمن لم ير القسمة: حديث جابر عن أبيه " لا ~~تعضية على أهل الميراث إلا ما حمل القسم " والتعضية: التفرقة، يقول: لا ~~قسمة بينهم. وأما إذا كان الرباع أكثر من واحد فإنها لا تخلو أيضا أن تكون ~~من نوع واحد أو مختلفة الأنواع، فإذا كانت متفقة الأنواع فإن فقهاء الأمصار ~~في ذلك مختلفون، فقال مالك: إذا كانت متفقة الأنواع قسمت بالتقويم والتعديل ~~والسهمة، وقال أبو حنيفة والشافعي: بل يقسم كل عقار على حدته فعمدة مالك ~~أنه أقل للضرر الداخل على الشركاء من القسمة. وعمدة الفريق الثاني أن كل ~~عقار تعينه بنفسه لأنه تتعلق به الشفعة. واختلف أصحاب مالك إذا اختلفت ~~الأنواع في النفاق وإن تباعدت مواضعها على ثلاثة أقوال، وأما إذا كانت ~~الرباع مختلفة مثل أن يكون منها دور PageV02P215 # ومنها حوائط ومنها أرض، فلا خلاف أنه لا يجمع في القسمة بالسهمة. ومن شرط ms0782 ~~قسمة الحوائط المثمرة أن لا تقسم مع الثمرة إذا بدأ صلاحها باتفاق في ~~المذهب، لأنه يكون بيع الطعام بالطعام على رؤوس الثمر، وذلك مزابنة. وأما ~~قسمتها قبل بدو الصلاح ففيه اختلاف بين أصحاب مالك: أما ابن القاسم فلا ~~يجيز ذلك قبل الابار بحال من الأحوال، ويعتل لذلك لأنه يؤدي إلى بيع طعام ~~بطعام متفاضلا، ولذلك زعم أنه لم يجز مالك شراء الثمر الذي لم يطب بالطعام ~~لا نسيئه ولا نقدا، وأما إن كان بعد الابار، فإنه لا يجوز عنده إلا بشرط أن ~~يشترط أحدهما على الآخر أن ما وقع من الثمر في نصيبه فهو داخل في القسمة، ~~وما لم يدخل في نصيبه فهم فيه على الشركة. والعلة في ذلك عنده أنه يجوز ~~اشتراط المشتري الثمر بعد الابار ولا يجوز قبل الابار، فكأن أحدهما اشترى ~~حظ صاحبه من جميع الثمرات التي وقعت له في القسمة بحظه من الثمرات التي ~~وقعت لشريكه واشترط الثمر. وصفة القسم بالقرعة: أن تقسم الفريضة وتحقق ~~وتضرب إن كان في سهامهم كسر إلى أن تصح السهام، ثم يقوم كل موضع منها وكل ~~نوع من غراساتها، ثم يعدل على أقل السهام بالقيمة، فربما عدل جزء من موضع ~~ثلاثة أجزاء من موضع آخر على قيم الأرضين ومواضعها، فإذا قسمت على هذه ~~الصفات وعدلت كتبت في بطائق أسماء الاشراك وأسماء الجهات، فمن خرج اسمه في ~~جهة أخذ منها، وقيل يرمى بالأسماء في الجهات، فمن خرج اسمه في جهة أخذ ~~منها، فإن كان أكثر من ذلك السهم ضوعف له حتى يتم حظه، فهذه هي حال قرعة ~~السهم في الرقاب. والسهمة إنما جعلها الفقهاء في القسمة تطيبا لنفوس ~~المتقاسمين، وهي موجودة في الشرع في مواضع: منها قوله تعالى: * (فساهم فكان ~~من المدحضين) * وقوله: * (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) ~~* ومن ذلك الأثر الثابت الذي جاء فيه أن رجلا أعتق ستة أعبد عند موته، ~~فأسهم رسول الله (ص) بينهم، فأعتق ثلث ذلك الرقيق. وأما القسمة بالتراضي ~~سواء أكانت بعد تعديل ms0783 وتقويم، أو بغير تقويم وتعديل، فتجوز في الرقاب ~~المتفقة والمختلفة لأنه بيع من البيوع، وإنما يحرم فيها ما يحرم في البيوع. # الفصل الثاني: في العروض وأما الحيوان والعروض، فاتفق الفقهاء على أنه لا ~~يجوز قسمة واحد منهما للفساد الداخل في ذلك. واختلفوا إذا تشاح الشريكان في ~~العين الواحدة منهما، ولم يتراضيا بالانتفاع بها على الشياع، وأراد أحدهما ~~أن يبيع صاحبه معه، فقال مالك وأصحابه: يجبر على ذلك، فإن أراد أحدهما أن ~~يأخذه بالقيمة التي أعطي فيها أخذه، وقال أهل الظاهر: لا PageV02P216 # يجبر، لان الأصول تقتضي أن لا يخرج ملك أحد من يده إلا بدليل من كتاب أو ~~سنة أو إجماع. وحجة مالك أن في ترك الاجبار ضررا، وهذا من باب القياس ~~المرسل وقد قلنا في غير ما موضع إنه ليس يقول به أحد من فقهاء الأمصار إلا ~~مالك، ولكنه كالضروري في بعض الأشياء. وأما إذا كانت العروض أكثر من جنس ~~واحد، فاتفق العلماء على قسمتها على التراضي، واختلفوا في قسمتها بالتعديل ~~والسهمة، فأجازها مالك وأصحابه في الصنف الواحد ومنع من ذلك عبد العزيز بن ~~أبي سلمة وابن الماجشون. واختلف أصحاب مالك في تمييز الصنف الواحد الذي ~~تجوز فيه السهمة من التي لا تجوز فاعتبره أشهب بما لا يجوز تسليم بعضه في ~~بعض. وأما ابن القاسم فاضطرب، فمرة أجاز القسم بالسهمة فيما لا يجوز تسليم ~~بعضه في بعض، فجعل القسمة أخف من السلم، ومرة منع القسمة فيما منع فيه ~~السلم، وقد قيل إن مذهبه أن القسمة في ذلك أخف، وأن مسألة التي يظن من ~~قبلها أن القسمة عنده أشد من السلم تقبل التأويل على أصله الثاني. وذهب ابن ~~حبيب إلى أنه يجمع في القسمة ما تقارب من الصنفين مثل الخز والحرير والقطن ~~والكتان. وأجاز أشهب جمع صنفين في القسمة بالسهمة مع التراضي، وذلك ضعيف ~~لان الغرر لا يجوز بالتراضي. # الفصل الثالث: في معرفة أحكامها فأما المكيل والموزون فلا تجوز فيه ~~القرعة باتفاق إلا ما حكى اللخمي، والمكيل أيضا لا يخلو أن ms0784 يكون صبرة واحدة ~~أو صبرتين فزائدا، فإن كان صنفا واحد، فلا يخلو أن تكون قسمته على الاعتدال ~~بالكيل أو الوزن إذا دعا إلى ذلك أحد الشريكين، ولا خلاف في جواز قسمته على ~~التراضي على التفضيل البين كان ذلك من الربوي أو من غير الربوي: أعني الذي ~~لا يجوز فيه التفاضل، ويجوز ذلك بالكيل المعلوم والمجهول، ولا يجوز قسمته ~~جزافا بغير كيل ولا وزن. وأما إن كانت قسمته تحريا، فقيل لا يجوز في المكيل ~~ويجوز في الموزون، ويدخل في ذلك من الخلاف ما يدخل في جواز بيعه تحريا، ~~وأما إن لم يكن ذلك من صبرة واحدة وكانا صنفين، فإن كان ذلك مما لا يجوز ~~فيه التفاضل فلا تجوز قسمتها على جهة الجمع إلا بالكيل المعلوم فيما يكال، ~~وبالوزن بالصنجة المعروفة فيما يوزن، لأنه إذا كان بمكيال مجهول لم يدر كم ~~يحصل فيه من الصنف الواحد إذا كانا مختلفين من الكيل المعلوم، وهذا كله على ~~مذهب مالك، لان أصل مذهبه أنه يحرم التفاضل في الصنفين إذا تقاربت منافعهما ~~مثل القمح والشعير، وأما إن كان مما يجوز فيه التفاضل فيجوز قسمته على ~~الاعتدال والتفاضل البين المعروف بالمكيال المعروف أو الصنجة المعروفة: ~~أعني على جهة الجمع وإن كانا صنفين، وهذا الجواز كله في المذهب على جهة ~~الرضا. وأما في واجب الحكم فلا تنقسم كل صبرة إلا على حدة، وإذا قسمت كل ~~صبرة على حدة جازت قسمتها بالمكيال المعلوم والمجهول، فهذا كله هو حكم ~~القسمة التي تكون في الرقاب. PageV02P217 # القول في القسم الثاني: وهو قسمة المنافع فأما قسمة المنافع، فإنها لا ~~تجوز بالسهمة على مذهب ابن القاسم ولا يجبر عليها من أباها، ولا تكون ~~القرعة على قسمة المنافع. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يجبر على قسمة ~~المنافع، وقسمة المنافع هي عند الجميع بالمهايأة، وذلك إما بالأزمان وإما ~~بالأعيان. أما قسمة المنافع بالأزمان فهو أن ينتفع كل واحد منهما بالعين ~~مدة مساوية لمدة انتفاع صاحبه. وأما قسم الأعيان بأن يقسما الرقاب على أن ~~ينتفع كل ms0785 واحد منهما بما حصل له مدة محدودة والرقاب باقية على أصل الشركة. ~~وفي المذهب في قسمة المنافع بالزمان اختلاف في تحديد المدة التي تجوز فيها ~~القسمة لبعض المنافع دون بعض للاغتلال أو الانتفاع مثل استخدام العبد وركوب ~~الدابة وزراعة الأرض، وذلك أيضا فيما ينقل ويحول، أو لا ينقل ولا يحول. ~~فأما فيما ينقل ويحول فلا يجوز عند مالك وأصحابه في المدة الكثيرة ويجوز في ~~المدة اليسيرة، وذلك في الاغتلال والانتفاع. وأما فيما لا ينقل ولا يحول، ~~فيجوز في المدة البعيدة والأجل البعيد، وذلك في الاغتلال والانتفاع. ~~واختلفوا في المدة اليسيرة فيما ينقل ويحول في الاغتلال فقيل: اليوم لواجد ~~ونحوه، وقيل: لا يجوز ذلك في الدابة والعبد. وأما الاستخدام فقيل يجوز في ~~مثل الخمسة الأيام، وقيل في الشهر وأكثر من الشهر قليلا. وأما التهايؤ في ~~الأعيان بأن يستعمل هذا دارا مدة من الزمان، وهذا دارا تلك المدة بعينها، ~~فقيل يجوز في سكني الدار وزراعة الأرضين، ولا يجوز ذلك في الغلة والكراء ~~إلا في الزمان اليسير، وقيل يجوز على قياس التهايؤ بالأزمان، وكذلك القول ~~في استخدام العبد والدواب يجري القول فيه علل الاختلاف في قسمتها بالزمان. ~~فهذا هو القول في أنواع القسمة في الرقاب، وفي المنافع وفي الشروط المصححة ~~والمفسدة. # وبقي من هذا الكتاب القول في الاحكام. # القول في الاحكام والقسمة من العقود اللازمة لا يجوز للمتقاسمين نقضها ~~ولا الرجوع فيها إلا بالطوارئ عليها. والطوارئ ثلاثة: غبن، أو وجود عيب، أو ~~استحقاق. فأما الغبن فلا يوجب الفسخ إلا في قسمة القرعة باتفاق في المذهب ~~إلا على قياس من يرى له تأثيرا في البيع، فيلزم على مذهبه أن يؤثر في ~~القسمة. وأما الرد بالعيب، فإنه لا يخلو على مذهب ابن القاسم أن يجد العيب ~~في جل نصيبه أو في أقله، فإن وجده في جل نصيبه، فإنه لا يخلو أن يكون ~~النصيب الذي حصل لشريكه قد فات أو لم يفت، فإن كان قد فات رد الواجد للعيب ~~نصيبه على الشركة وأخذ من شريكه نصف ms0786 قيمة نصيبه يوم قبضه، وإن كان لم يفت ~~انفسخت القسمة وعادت الشركة إلى أصلها، وإن كان العيب في أقل ذلك رد ذلك ~~الأقل على أصل الشركة فقط، سواء فات نصيب صاحبه أو لم يفت، ورجع على شريكه ~~بنصف PageV02P218 # قيمة الزيادة ولا يرجع في شئ مما في يده وإن كان قائما بالعيب. وقال ~~أشهب: والذي يفيت الرد قد تقدم في كتاب البيوع. وقال عبد العزيز بن ~~الماجشون: وجود العيب يفسخ القسمة التي بالقرعة ولا يفسخ التي بالتراضي، ~~لان التي بالتراضي هي بيع. وأما التي بالقرعة فهي تمييز حق، وإذا فسخت ~~بالغبن وجب إن تفسخ بالرد بالعيب. وحكم الاستحقاق عند ابن القاسم حكم وجود ~~العيب أن كان المستحق كثيرا وحظ الشريك لم يفت رجع معه شريكا فيما في يديه، ~~وإن كان قد فات رجع عليه بنصف قيمة ما في يديه، وإن كان يسيرا رجع عليه ~~بنصف قيمة ذلك الشئ. وقال محمد: إذا استحق ما في يد أحدهما بطلت القسمة في ~~قسمة القرعة، لأنه قد تبين أن القسمة لم تقع على عدل كقول ابن الماجشون في ~~العيب. وأما إذا طرأ أعلى المال حق فيه مثل طوارئ الدين على التركة بعد ~~القسمة أو طرو الوصية أو طرو وارث، فإن أصحاب مالك اختلفوا في ذلك. فأما إن ~~طرأ الدين قيل في المشهور في المذهب وهو قول ابن القاسم: إن القسمة تنتقض ~~إلا أن يتفق الورثة على أن يعطوا الدين من عندهم، وسواء أكانت حظوظهم باقية ~~بأيديهم أو لم تكن، هلكت بأمر من السماء أو لم تهلك. وقد قيل أيضا إن ~~القسمة إنما تنتقض بيد من بقي في يده حظه ولم تهلك بأمر من السماء، وأما من ~~هلك حظه بأمر من السماء فلا يرجع هو على الورثة بما بقي بأيديهم بعد أداء ~~الدين، وقيل بل تنتقض القسمة ولا بد لحق الله تعالى لقوله: * (من بعد وصية ~~يوصي بها أو دين) * وقيل بل تنقض إلا في حق من أعطي منه ما ينوي به من ~~الدين، وهكذا الحكم ms0787 في طرو الموصى له على الورثة. وأما طرو الوارث على ~~الشركة بعد القسمة وقبل أن يفوت حظ كل واحد منهم فلا تنتقض القسمة وأخذ من ~~كل واحد حظه إن كان ذلك مكيلا أو موزونا وإن كان حيوانا أو عروضا انتقضت ~~القسمة. وهل يضم كل واحد منهم ما تلف في يده بغير سبب منه؟ فقيل يضمن، وقيل ~~لا يضمن. PageV02P219 # كتاب الرهون والأصل في هذا الكتاب قوله تعالى: * (ولم تجدوا كاتبا فرهان ~~مقبوضة) والنظر في هذا الكتاب في الأركان وفي الشروط وفي الاحكام، والأركان ~~هي النظر في الراهن والمرهون والمرتهن والشئ الذي فيه الرهن وصفة عقد ~~الرهن. # الركن الأول: فأما الراهن فلا خلاف أن من صفته أن يكون غير محجور عليه من ~~أهل السداد، والوصي يرهن لمن يلي النظر عليه إذا كان ذلك سدادا ودعت إليه ~~الضرورة عند مالك وقال الشافعي: يرهن لمصلحة ظاهرة ويرهن المكاتب والمأذون ~~عند مالك. # قال سحنون: فإن ارتهن في مال أسلفه لم يجز، وبه قال الشافعي. واتفق مالك ~~والشافعي على أن المفلس لا يجوز رهنه، وقال أبو حنيفة: يجوز، واختلف قول ~~مالك في الذي أحاط المدين بماله هل يجوز رهنه؟ أعني هل يلزم أم لا يلزم؟ ~~فالمشهور عنه أنه يجوز، أعني قبل أن يفلس. والخلاف آيل إلى هل المفلس محجور ~~عليه أم لا؟ وكل من صح أن يكون راهنا صح أن يكون مرتهنا. # الركن الثاني: وهو الرهن، قالت الشافعية: يصح بثلاثة شروط: الأول: أن ~~يكون عينا، فإنه لا يجوز أن يرهن الدين. الثاني: أن لا يمتنع إثبات يد ~~الراهن على المرتهن عليه كالمصحف، ومالك يجيز رهن المصحف ولا يقرأ فيه ~~المرتهن، والخلاف مبني على البيع. # الثالث: أن تكون العين قابلة للبيع عند حلول الأجل، ويجوز عند مالك أن ~~يرتهن ما لا يحل بيعه في وقت الارتهان كالزرع والثمر لم يبد صلاحه ولا يباع ~~عنده في أداء الدين إلا إذا بدا صلاحه وإن حل أجل الدين، وعن الشافعي قولان ~~في رهن الثمر الذي لم يبد صلاحه، ويباع عنده ms0788 عند حلول الدين على شرط القطع، ~~قال أبو حامد. والأصح جوازه ويجوز عند مالك رهن ما لم يتعين كالدنانير ~~والدراهم إذا طبع عليها، وليس من شرط الرهن أن يكون PageV02P220 # ملكا للراهن لا عند مالك ولا عند الشافعي، بل قد يجوز عندهما أن يكون ~~مستعارا. واتفقوا على أن من شرطه أن يكون إقراره في يد المرتهن من قبل ~~الراهن. واختلفوا إذا كان قبض المرتهن له بغصب ثم أقره المغصوب منه في يده ~~رهنا، فقال مالك: يصح أن ينقل الشئ المغصوب من ضمان الغصب إلى ضمان الرهن، ~~فيجعل المغصوب منه الشئ المغصوب رهنا في يد الغاصب قبل قبضه منه وقال ~~الشافعي: لا يجوز بل يبقى على ضمان الغصب إلا أن يقبضه. واختلفوا في رهن ~~المشاع، فمنعه أبو حنيفة وأجازه مالك والشافعي والسبب في الخلاف: هل تمكن ~~حيازة المشاع أم لا تمكن؟ # الركن الثالث: وهو الشئ المرهون فيه، وأصل مذهب مالك في هذا أنه يجوز أن ~~يؤخذ الرهن في جميع الأثمان الواقعة في جميع البيوعات إلا الصرف ورأس المال ~~في السلم المتعلق بالذمة، وذلك لان الصرف من شرطه التقابض. فلا يجوز فيه ~~عقدة الرهن، وكذلك رأس مال السلم وإن كان عنده دون الصرف في هذا المعنى. ~~وقال قوم من أهل الظاهر: # لا يجوز أخذ الرهن إلا في السلم خاصة: أعني في المسلم فيه، وهؤلاء ذهبوا ~~إلى ذلك لكون آية الرهن واردة في الدين في المبيعات وهو السلم عندهم، ~~فكأنهم جعلوا هذا شرطا من شروط صحة الرهن، لأنه قال في أول آية: * (يا أيها ~~الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) * ثم قال: * (وإن كنتم ~~على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) * فعلى مذهب مالك يجوز أخذ الرهن في ~~السلم وفي القرض وفي قيم المتلفات وفي أروش الجنايات في الأموال، وفي جراح ~~العمد الذي لا قود فيه كالمأمومة والجائفة. وأما قتل العمد والجراح التي ~~يقاد منها فيتخرج في جواز أخذ الرهن في الدية فيها إذا عفا الولي قولان: ~~أحدهما: أن ذلك يجوز، ms0789 وذلك على القول بأن الولي مخير في العمد بين الدية ~~والقود. والقول الثاني: أما ذلك لا يجوز، وذلك أيضا مبني على أن ليس للولي ~~إلا القود فقط إذا أبى الجاني من إعطاء الدية. ويجوز في قتل الخطأ أخذ ~~الرهن ممن يتعين من العاقلة وذلك بعد الحلول، ويجوز في العارية التي تضمن، ~~ولا يجوز فيما لا يضمن، ويجوز أخذه في الإجارات، ويجوز في الجعل بعد العمل، ~~ولا يجوز قبله، ويجوز الرهن في المهر، ولا يجوز في الحدود ولا في القصاص ~~ولا في الكتابة، وبالجملة فيما لا تصح فيه الكفالة. وقالت الشافعية: ~~المرهون فيه له شرائط ثلاث: أحدها: أن يكون دينا، فإنه لا يرهن في عين. ~~والثاني: أن يكون واجبا، فإنه لا يرهن قبل الوجوب، مثل أن يسترهنه بما ~~يستقرضه، ويجوز ذلك عند مالك. والثالث: أن لا يكون لزمه متوقعا أن يجب، وأن ~~لا يجب كالرهن في الكتابة، وهذا المذهب قريب من مذهب مالك. PageV02P221 # القول في الشروط وأما شروط الرهن، فالشروط المنطوق بها في الشرع ضربان: ~~شروط صحة، وشروط فساد. فأما شروط الصحة المنطوق بها في الرهن: أعني في كونه ~~رهنا فشرطان: # أحدهما: متفق عليه بالجملة ومختلف في الجهة التي بها شرط وهو القبض. ~~والثاني: # مختلف في اشتراطه. فأما القبض فاتفقوا بالجملة على أنه شرط في الرهن ~~لقوله تعالى: # * (فرهان مقبوضة) * واختلفوا هل هو شرط تمام أو شرط صحة؟ وفائدة الفرق أن ~~من قال شرط صحة قال: ما لم يقع القبض لم يلزم الرهن الراهن، ومن قال شرط ~~تمام قال: يلزم العقد ويجبر الراهن على الاقباض إلا أن يتراخى المرتهن عن ~~المطالبة حتى يفلس الراهن أو يمرض أو يموت، فذهب مالك إلى أنه من شروط ~~التمام، وذهب أبو حنيفة والشافعي وأهل الظاهر إلى أنه من شروط الصحة. وعمدة ~~مالك قياس الرهن على سائر العقود اللازمة بالقول. وعمدة الغير قوله تعالى: ~~* (فرهان مقبوضة) * وقال بعض أهل الظاهر: لا يجوز الرهن إلا أن يكون هنالك ~~كاتب لقوله تعالى: * (ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) * لا ms0790 يجوز أهل الظاهر ~~أن يوضع الرهن على يدي عدل، وعند مالك أن من شرط صحة الرهن استدامه القبض، ~~وأنه متى عاد إلى يد الراهن بإذن المرتهن بعارية أو وديعة أو غير ذلك، فقد ~~خرج من اللزوم. وقال الشافعي: ليس استدامة القبض من شرط الصحة، فمالك عم ~~الشرط على ظاهره، فألزم من قوله تعالى: * (فرهان مقبوضة) * وجود القبض ~~واستدامته. والشافعي يقول: إذا وجد القبض فقد صح الرهن وانعقد، فلا يحل ذلك ~~إعارته ولا غير ذلك من التصرف فيه كالحال في البيع، وقد كان الأولى بمن ~~يشترط القبض في صحة العقد أن يشترط الاستدامة، ومن لم يشترطه في الصحة أن ~~لا يشترط الاستدامة. # واتفقوا على جوازه في السفر. واختلفوا في الحضر، فذهب الجمهور إلى جوازه. ~~وقال أهل الظاهر ومجاهد: لا يجوز في الحضر لظاهر قوله تعالى: * (وإن كنتم ~~على سفر) * الآية. وتمسك الجمهور بما ورد من: أنه (ص) رهن في الحضر والقول ~~في استنباط منع الرهن في الحضر من الآية هو من باب دليل الخطاب. وأما الشرط ~~المحرم الممنوع بالنص فهو أن يرهن الرجل رهنا على أنه إن جاء بحقه عند أجله ~~وإلا فالرهن له فاتفقوا على أن هذا الشرط يوجب الفسخ، وأنه معنى قوله عليه ~~الصلاة والسلام: لا يغلق الرهن. # القول في الجزء الثالث من هذا الكتاب وهو القول في الاحكام وهذا الجزء ~~ينقسم إلى معرفة ما للراهن من الحقوق في الرهن وما عليه، وإلى PageV02P222 # معرفة ما للمرتهن وما عليه، اختلافهما في ذلك، وذلك إما من نفس العقد، ~~وإما لأمور طارئة على الرهن، ونحن نذكر من ذلك ما اشتهر الخلاف فيه بين ~~فقهاء الأمصار، والاتفاق. أما حق المرتهن في الرهن فهو أن يمسكه حتى يؤدي ~~الراهن ما عليه، فإن لم يأت به عند الاجل كان له أن يرفعه إلى السلطان، ~~فيبيع عليه الرهن وينصفه منه إن لم يجبه الراهن إلى البيع، وكذلك إن كان ~~غائبا. وإن وكل الراهن المرتهن على بيع الرهن عند حلول الأجل جاز، وكرهه ~~مالك إلا أن يرفع ms0791 الامر إلى السلطان. والرهن عند الجمهور يتعلق بجملة الحق ~~المرهون فيه وببعضه، أعني أنه إذا رهنه في عدد ما فأدى منه بعضه، فإن الرهن ~~بأسره يبقى بعد بيد المرتهن حتى يستوفي حقه، وقال قوم: بل يبقى من الرهن ~~بيد المرتهن بقدر ما يبقى من الحق وحجة الجمهور أنه محبوس بحق، فوجب أن ~~يكون محبوسا بكل جزء منه أصله حبس التركة على الورثة حتى يؤدوا الدين الذي ~~على الميت، وحجة الفريق الثاني أن جميعه محبوس بجميعه، فوجب أن يكون أبعاضه ~~محبوسة بأبعاضه، أصله الكفالة. # ومن مسائل هذا الباب المشهورة اختلافهم في نماء الرهن المنفصل مثل الثمرة ~~في الشجر المرهون، ومثل الغلة، ومثل الولد هل يدخل في الرهن أم لا؟ فذهب ~~قوم إلى أن نماء الرهن المنفصل لا يدخل شئ منه في الرهن: أعني الذي يحدث ~~منه في يد المرتهن، وممن قال بهذا القول الشافعي، وذهب آخرون إلى أن جميع ~~ذلك يدخل في الرهن، وممن قال بهذا القول أبو حنيفة والثوري وفرق مالك فقال: ~~ما كان من نماء الرهن المنفصل على خلقته وصورته، فإنه داخل في الرهن كولد ~~الجارية مع الجارية وأما ما لم يكن على خلقته فإنه لا يدخل في الرهن كان ~~متولدا عنه كثمر النخل أو غير متولد ككراء الدار وخراج الغلام. وعمدة من ~~رأى أن نماء الرهن وغلته للراهن قوله عليه الصلاة والسلام: # الرهن محلوب ومركوب قالوا: ووجه الدليل من ذلك أنه لم يرد بقوله مركوب ~~ومحلوب أي يركبه الراهن ويحلبه، لأنه كأن يكون غير مقبوض، وذلك مناقض لكونه ~~رهنا، فإن الرهن من شرطه القبض، قالوا: ولا يصح أن يكون معناه أن المرتهن ~~يحلبه ويركبه، فلم يبق إلا أن يكون المعنى في ذلك أن أجرة ظهره لربه ونفقته ~~عليه. واستدلوا أيضا بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: الرهن ممن رهنه له ~~غنمه وعليه غرمه قالوا: # ولأنه نماء زائد على ما رضيه رهنا، فوجب أن لا يكون له إلا بشرط زائد. ~~وعمدة أبي حنيفة أن الفروع تابعة للأصول فوجب لها حكم ms0792 الأصل، ولذلك حكم ~~الولد تابع لحكم أمه في التدبير والكتابة، وأما مالك فاحتج بأن الولد حكمه ~~حكم أمه في البيع: أي هو تابع لها، وفرق بين الثمر والولد في ذلك بالسنة ~~المفرقة في ذلك، وذلك أن الثمر لا يتبع بيع الأصل إلا بالشرط وولد الجارية ~~يتبع بغير شرط. والجمهور على أن ليس للمرتهن أن ينتفع PageV02P223 # بشئ من الرهن، وقال قوم: إذا كان الرهن حيوانا فللمرتهن أن يحلبه ويركبه ~~بقدر ما يعلفه وينفق عليه، وهو قول أحمد وإسحاق، واحتجوا بما وراء أبو ~~هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: الرهن محلوب ومركوب. ومن هذا ~~الباب اختلافهم في الرهن يهلك عند المرتهن: ممن ضمانه؟ فقال قم: الرهن ~~أمانة وهو من الراهن، والقول قول المرتهن مع يمينه أنه ما فرط فيه وما جنى ~~عليه، وممن قال بهذا القول الشافعي وأحمد وأبو ثور وجمهور أهل الحديث، وقال ~~قوم الرهن من المرتهن ومصيبته منه، وممن قال بهذا القول أبو حنيفة وجمهور ~~الكوفيين. والذين قالوا بالضمان انقسموا قسمين: فمنهم من رأى أن الرهن ~~مضمون بالأقل من قيمته أو قيمة الدين، وبه قال أبو حنيفة وسفيان وجماعة. ~~ومنهم من قال: هو مضمون بقيمته قلت أو كثرت. وأنه إن فضل للراهن شئ فوق ~~دينه أخذه من المرتهن، وبه قال علي بن أبي طالب وعطاء وإسحاق. وفرق قوم بين ~~ما لا يغاب عليه مثل الحيوان والعقار مما لا يخفى هلاكه، وبين ما يغاب عليه ~~من العروض، فقالوا: هو ضامن فيما يغاب عليه ومؤتمن فيما لا يغاب عليه. وممن ~~قال بهذا القول مالك والأوزاعي وعثمان البتي، إلا أن مالكا يقول: إذا شهد ~~الشهود بهلاك ما يغاب عليه من غير تضييع ولا تفريط. # فإنه لا يضمن وقال الأوزاعي وعثمان البتي: بل يضمن على كل حال قامت بينة ~~أو لم تقم، ويقول مالك قال ابن القاسم. ويقول عثمان والأوزاعي قال أشهب. ~~وعمدة من جعله أمانة غير مضمونة حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي ~~(ص) قال: لا يغلق الرهن ms0793 وهو ممن رهنه: له غنمه وعليه غرمه: أي له غلته ~~وخراجه. وعليه افتكاكه ومصيبته منه. قالوا: وقد رضي الراهن أمانته فأشبه ~~المودع عنده. وقال المزني من أصحاب الشافعي محتجا له: قد قال مالك ومن ~~تابعه إن الحيوان وما ظهر هلاكه أمانة، فوجب أن يكون كله كذلك. وقد قال أبو ~~حنيفة: إن ما زاد من قيمة الرهن على قيمة الدين فهو أمانة فوجب أن يكون كله ~~أمانة، ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام عند مالك ومن قال بقوله: وعليه غرمه ~~أي نفقته. قالوا ومعنى ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: الرهن مركوب ومحلوب ~~أي أجرة ظهره لربه. ونفقته عليه. وأما أبو حنيفة وأصحابه فتأولوا قوله عليه ~~الصلاة والسلام: له غنمه وعليه غرمه أن غنمه ما فضل منه على الدين. وغرمه ~~ما نقص. وعمدة من رأى أنه مضمون من المرتهن أنه عين تعلق بها حق الاستيفاء ~~ابتداء فوجب أن تسقط بتلفه، أصله تلف المبيع عند البائع إذا أمسكه حتى ~~يستوفي الثمن، وهذا متفق عليه من الجمهور، وإن كان عند مالك كالرهن، وربما ~~احتجوا بما روي عن النبي (ص) أن رجلا ارتهن فرسا من رجل، فنفق في يده، فقال ~~عليه الصلاة والسلام للمرتهن: ذهب حقك. # وأما تفريق مالك بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه فهو استحسان، ~~ومعنى ذلك أن التهمة تلحق فيما يغاب عليه، ولا تلحق فيما لا يغاب عليه. وقد ~~اختلفوا في معنى PageV02P224 # الاستحسان الذي يذهب إليه مالك كثيرا، فضعفه قوم وقالوا: إنه مثل استحسان ~~أبي حنيفة، وحددوا الاستحسان بأنه قول بغير دليل. ومعنى الاستحسان عند مالك ~~هو جمع بين الأدلة المتعارضة، وإذا كان ذلك كذلك فليس هو قول بغير دليل. ~~والجمهور على أنه لا يجوز للراهن بيع الرهن ولا هبته. وأنه إن باعه ~~فللمرتهن الإجازة أو الفسخ. قال مالك: وإن زعم أن إجازته ليتعجل حقه حلف ~~على ذلك وكان له. وقال قوم: يجوز بيعه. وإذا كان الرهن غلاما أو أمة ~~فأعتقها الراهن فعند مالك أنه إن كان الراهن موسرا جاز ms0794 عتقه وعجل للمرتهن ~~حقه، وإن كان معسرا بيعت وقضى الحق من ثمنها. وعند الشافعي ثلاثة أقوال: # الرد، والإجازة، والثالث مثل قول مالك. وأما اختلاف الراهن والمرتهن في ~~قدر الذي وجب به الرهن، فإن الفقهاء اختلفوا في ذلك، فقال مالك: القول قول ~~المرتهن فيما ذكره من قدر الحق ما لم تكن قيمة الرهن أقل من ذلك، فما زاد ~~على قيمة الرهن فالقول قول الراهن. وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجمهور ~~فقهاء الأمصار القول في قدر الحق قول الراهن. وعمدة الجمهور أن الراهن مدعى ~~عليه، والمرتهن مدع، فوجب أن تكون اليمين على الراهن على ظاهر السنة ~~المشهورة. وعمدة مالك ههنا أن المرتهن وإن كان مدعيا فله ههنا شبهة بنقل ~~اليمين إلى حيزه، وهو كون الرهن شاهدا له، ومن أصوله أن يحلف أقوى ~~المتداعيين شبهة، وهذا لا يلزم عند الجمهور، لأنه قد يرهن الراهن الشئ ~~وقيمته أكثر من المرهون فيه. وأما إذا تلف الرهن - واختلفوا في صفته - ~~فالقول ههنا عند مالك قول المرتهن لأنه مدعى عليه، وهو مقر ببعض ما ادعي ~~عليه وهذا على أصوله، فإن المرتهن أيضا هو الضامن فيما يغاب عليه. وأما على ~~أصول الشافعي، فلا يتصور على المرتهن يمين إلا أن يناكره الراهن في إتلافه. ~~وأما عند أبي حنيفة فالقول قول المرتهن في قيمة الرهن، وليس يحتاج إلى صفة، ~~لان عند مالك يحلف على الصفة وتقويم تلك الصفة. # وإذا اختلفوا في الامرين جميعا، أعني في صفة الرهن وفي مقدار الرهن كان ~~القول قول المرتهن في صفة الرهن وفي الحق ما كانت قيمته الصفة التي حلف ~~عليها شاهدة له، وفيه ضعف. وهل يشهد الحق لقيمة الرهن إذا اتفقا في الحق ~~واختلفا في قيمة الرهن؟ في المذهب فيه قولان، والأقيس الشهادة، لأنه إذا ~~شهد الرهن للدين شهد الدين للمرهون. # وفروع هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية في غرضنا. PageV02P225 # كتاب الحجر والنظر في هذا الكتاب في ثلاثة أبواب: الباب الأول: في أصناف ~~المحجورين الثاني: متى يخرجون من الحجر، ومتى يحجر عليهم، وبأي شروط ms0795 ~~يخرجون. الثالث: في معرفة أحكام أفعالهم في الرد والإجازة. # الباب الأول: في أصناف المحجورين أجمع العلماء على وجوب الحجر على ~~الأيتام الذين لم يبلغوا الحلم لقوله تعالى: # * (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح) * الآية. واختلفوا في الحجر ~~على العقلاء الكبار إذا ظهر منهم تبذير لأموالهم، فذهب مالك والشافعي وأهل ~~المدينة وكثير من أهل العراق إلى جواز ابتداء الحجر عليهم بحكم الحاكم، ~~وذلك إذا ثبت عنده سفههم وأعذر إليهم فلم يكن عندهم مدفع، وهو رأي ابن عباس ~~وابن الزبير. وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل العراق إلى أنه لا يبتدأ الحجر ~~على الكبار، وهو قول إبراهيم وابن سيرين وهؤلاء انقسموا قسمين: فمنهم من ~~قال: الحجر لا يجوز عليهم بعد البلوغ بحال وإن ظهر منهم التبذير. # ومنهم من قال: إن استصحبوا التبذير من الصغر يستمر الحجر عليهم وإن ظهر ~~منهم رشد بعد البلوغ ثم ظهر منهم سفه، فهؤلاء لا يبدأ بالحجر عليهم. وأبو ~~حنيفة يحد في ارتفاع الحجر وإن ظهر سفهه خمسة وعشرين عاما. وعمدة من أوجب ~~على الكبار ابتداء الحجر أن الحجر على الصغار إنما وجب لمعنى التبذير الذي ~~يوجد فيهم غالبا، فوجب أن يجب الحجر على من وجد فيه هذا المعنى وإن لم يكن ~~صغيرا، قالوا: ولذلك اشترط في رفع الحجر عنهم مع ارتفاع الصغر إيناس الرشد، ~~قال الله تعالى: * (فإن آنستم رشدا فادفعوا إليها أموالهم) * فدل هذا على ~~أن السبب المقتضي للحجر هو السفه. وعمدة الحنفية حديث حبان بن منقذ إذ ذكر ~~فيه لرسول الله (ص) أنه يخدع. فجعل له PageV02P226 # رسول الله (ص) الخيار ثلاثا ولم يحجر عليه وربما قالوا: الصغر هو المؤثر ~~في منع التصرف بالمال، بدليل تأثيره في اسقاط التكليف، وإنما اعتبر الصغر ~~لأنه الذي يوجد فيه السفه غالبا كما يوجد فيه نقص العقل غالبا ولذلك جعل ~~البلوغ علامة وجوب التكليف وعلامة الرشد، إذا كانا يوجدان فيه غالبا، أعني ~~العقل والرشد، وكما لم يعتبر النادر في التكليف، أعني أن يكون قبل البلوغ ~~عاقلا فيكلف، كذلك لم يعتبر ms0796 النادر في السفه، وهو أن يكون بعد البلوغ سفيها ~~فيحجر عليه، كما لم يعتبر كونه قبل البلوغ رشيدا. قالوا: # وقوله تعالى: * (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) * الآية، ليس فيها أكثر من ~~منعهم من أموالهم، وذلك لا يوجب فسخ بيوعها وإبطالها. # والمحجورون عن مالك ستة: الصغير، والسفيه، والعبد، والمفلس، والمريض، ~~والزوجة. وسيأتي ذكر كل واحد منهم في بابه. # الباب الثاني: # متى يخرجون من الحجر، ومتى يحجر عليهم وبأي شروط يخرجون؟ # والنظر في هذا الباب في موضعين: في وقت خروج الصغار من الحجر، ووقت خروج ~~السفهاء. فنقول: إن الصغار بالجملة صنفان: ذكور، وإناث، وكل واحد من هؤلاء ~~إما ذو أب، وإما ذو وصي، وإما مهمل، وهم الذين يبلغون ولا وصي لهم ولا أب. ~~فأما الذكور الصغار ذوو الآباء فاتفقوا على أنهم لا يخرجون من الحجر إلا ~~ببلوغ سن التكليف وإيناس الرشد منهم، وإن كانوا قد اختلفوا في الرشد ما هو، ~~وذلك لقوله تعالى: * (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) * واختلفوا في الإناث، فذهب الجمهور إلى أن ~~حكمهن في ذلك حكم الذكور أعني بلوغ المحيض وإيناس الرشد، وقال مالك: هي في ~~ولاية أبيها في المشهور عنه حتى تتزوج ويدخل بها زوجها ويؤنس رشدها. وروي ~~عنه مثل قول الجمهور، ولأصحاب مالك في هذا أقوال غير هذه قيل إنها في ولاية ~~أبيها حتى يمر بها سنة بعد دخول زوجها بها، وقيل حتى يمر بها عامان، وقيل ~~حتى تمر بها سبعة أعوام. وحجة مالك أن إيناس الرشد لا يتصور من المرأة إلا ~~بعد اختبار الرجال. وأما أقاويل أصحابه فضعيفة مخالفة للنص والقياس، أما ~~مخالفتها للنص، فإنهم لم يشترطوا الرشد، وأما مخالفتها للقياس، فلان الرشد ~~ممكن تصوره منها قبل هذه المدة المحدودة، وإذا قلنا على قول مالك لا على ~~قول الجمهور إن الاعتبار في الذكور ذوي الآباء البلوغ وإيناس الرشد، فاختلف ~~قول مالك إذا بلغ ولم يعلم سفهه من رشده وكان مجهول الحال، فقيل عنه إنه ~~محمول على السفه حتى يتبين ms0797 PageV02P227 # رشده، وهو المشهور، وقيل عنه إنه محمول على الرشد حتى يتبين سفهه. فأما ~~ذوو الأوصياء فلا يخرجون من الولاية في المشهور عن مالك إلا بإطلاق وصية له ~~من الحجر: أي يقول فيه إنه رشيد إن كان مقدما من قبل الأب بلا خلاف أو بإذن ~~القاضي مع الوصي إن كان مقدما من غير الأب على اختلاف في ذلك. وقد قيل في ~~وصي الأب إنه لا يقبل قوله في أنه رشيد إلا حتى يعلم رشده وقد قيل إن حاله ~~مع الوصي كحاله مع الأب يخرجه من الحجر إذا آنس منه الرشد وإن لم يخرجه ~~وصيه بالاشهاد، وأن المجهول الحال في هذا حكمه حكم المجهول الحال ذي الأب. ~~وأما ابن القاسم فمذهبه أن الولاية غير معتبر ثبوتها إذا علم الرشد، ولا ~~سقوطها إذا علم السفه. وهي رواية عن مالك، وذلك من قوله في اليتيم لا في ~~البكر، والفرق بين المذهبين أن من يعتبر الولاية يقول أفعاله كلها مردودة ~~وإن ظهر رشده حتى يخرج من الولاية، وهو قول ضعيف، فإن المؤثر هو الرشد لا ~~حكم الحاكم. وأما اختلافهم في الرشد ما هو؟ فإن مالكا يرى أن الرشد هو ~~تثمير المال واصلاحه فقط، والشافعي يشترط مع هذا صلاح الدين. وسبب ~~اختلافهم: هل ينطلق اسم الرشد على غير صالح الدين؟. وحال البكر مع الوصي ~~كحال الذكر لا تخرج من الولاية إلا بالاخراج ما لم تعنس على اختلاف في ذلك. ~~وقيل حالها مع الوصي كحالها مع الأب وهو قول بن الماجشون. ولم يختلف قولهم: ~~وإنه لا يعتبر فيها الرشد كاختلافهم في اليتيم. وأما المهمل من الذكور فإن ~~المشهور أن أفعاله جائزة إذا بلغ الحلم كان سفيها متصل السفه أو غير متصل ~~السفه، معلنا به أو غير معلن. وأما ابن القاسم فيعتبر نفس فعله إذا وقع، ~~فإن كان رشدا جاز وإلا رده. فأما اليتيمة التي لا أب لها ولا وصي فإن فيها ~~في المذهب قولين: أحدهما: أن أفعالها جائزة إذا بلغت المحيض. والثاني: ~~أفعالها مردودة ما لم تعنس ms0798 وهو المشهور. # الباب الثالث: في معرفة أحكام أفعالهم في الرد والإجازة والنظر في هذا ~~الباب في شيئين: أحدهما ما يجوز لصنف صنف من المحجورين من الأفعال، وإذ ~~فعلوا فكيف حكم أفعالهم في الرد والإجازة؟، وكذلك أفعال المهملين الذين ~~بلغوا الحلم من غير أب ولا وصي، وهؤلاء كما قلنا إما صغار وإما كبار متصلو ~~الحجر من الصغر وإما مبتدأ حجرهم. فأما الصغار الذين لم يبلغوا الحلم من ~~الرجال ولا المحيض من النساء فلا خلاف في المذهب في أنه لا يجوز له في ماله ~~معروف من هبة ولا صدقة ولا عطية ولا عتق وإن أذن له الأب في ذلك أو الوصي، ~~فإن أخرج من يده شيئا بغير عوض كان موقوفا على نظر وليه إن كان له ولي، فإن ~~رآه رشدا أجازه وإلا أبطله، وإن لم يكن له ولي قدم له ولي ينظر في ذلك، وإن ~~عمل في ذلك حتى يلي أمره كان النظر إليه في الإجازة أو الرد. واختلف إذا ~~كان فعله سدادا ونظرا فيما كان يلزم الولي أن يفعله هل له أن ينقضه إذا آل ~~الامر إلى خلاف بحوالة الأسواق أو نماء فيما باعه أو نقصان فيما ابتاعه؟، ~~فالمشهور أن ذلك له، وقيل إن ذلك ليس له، ويلزم الصغير ما أفسد في ماله مما ~~لم يؤتمن عليه. واختلف فيما أفسد وكسر مما اؤتمن عليه، PageV02P228 # ولا يلزمه بعد بلوغه ورشده عتق ما حلف بحريته في صغره وحنث به في صغره. ~~واختلف فيما حنث فيه في كبره وحلف به في صغره، فالمشهور أنه لا يلزمه. وقال ~~ابن كنانة: يلزمه ولا يلزمه فيما ادعي عليه يمين. واختلف إذا كان له شاهد ~~واحد هل يحلف معه؟ فالمشهور أنه لا يحلف، وروي عن مالك والليث أنه يحلف. ~~وحال البكر ذات الأب والوصي كالذكر ما لم تعنس على مذهب من يعتبر تعنيسها. ~~فأما السفيه البالغ، فجمهور العلماء على أن المحجور إذا طلق زوجته أو ~~خالعها مضى طلاقه وخلعه، إلا ابن أبي ليلى وأبا يوسف، وخالف ابن أبي ms0799 ليلى ~~في العتق فقال: إنه ينفذ، وقال الجمهور: إنه لا ينفذ. وأما وصيته فلا أعلم ~~خلافا في نفوذها، ولا تلزمه هبة ولا صدقة ولا عطية ولا عتق ولا شئ من ~~المعروف إلا أن يعتق أم ولده، فيلزمه عتقها، وهذا كله في المذهب، وهل ~~يتبعها مالها؟ فيه خلاف، قيل يتبع، وقيل لا يتبع، وقيل بالفرق بين القليل ~~والكثير. وأما ما يفعله بعوض، فهو أيضا موقوف على نظر وليه إن كان له ولي، ~~فإن لم يكن له ولي قدم له ولي. فإن رد بيعه الولي وكان قد أتلف الثمن لم ~~يتبع من ذلك بشئ، وكذلك إن أتلف عين المبيع. # وأما أحكام أفعال المحجورين أو المهملين على مذهب مالك فإنها تنقسم إلى ~~أربعة أحوال: فمنهم من تكون أفعاله كلها مردودة، وإن كان فيها ما هو رشد. ~~ومنهم ضد هذا، وهو أن تكون أفعاله كلها محمولة على الرشد وإن ظهر فيها ما ~~هو سفه. ومنهم من تكون أفعاله كلها محمولة على السفه ما لم يتبين رشده، ~~وعكس هذا أيضا أن تكون أفعاله كلها محمولة الرشد حتى يتبين سفهه. فأما الذي ~~يحكم له بالسفه وإن ظهر رشده فهو الصغير الذي لم يبلغ، والبكر ذات الأب ~~والوصي ما لم تعنس على مذهب من يعتبر التعنيس. واختلف في حده اختلافا كثيرا ~~من دون الثلاثين إلى الستين، والذي يحكم له بحكم الرشد وإن علم سفهه، فمنها ~~السفيه إذا لم تثبت عليه ولاية من قبل أبيه، ولا من قبل السلطان على مشهور ~~مذهب مالك، خلافا لابن القاسم الذي يعتبر نفس الرشد لا نفس الولاية، والبكر ~~اليتيمة المهملة على مذهب سحنون. وأما الذي يحكم عليه بالسفه بحكم ما لم ~~يظهر رشده: فالابن بعد بلوغه في حياة أبيه على المشهور في المذهب، وحال ~~البكر ذات الأب التي لا وصي لها إذا تزوجت ودخل بها زوجها ما لم يظهر رشدها ~~وما لم تبلغ الحد المعتبر في ذلك من السنين عند من يعتبر ذلك، وكذلك ~~اليتيمة التي لا وصي لها على مذهب من ms0800 يرى أن أفعالها مردودة. وأما الحال ~~التي يحكم فيها بحكم الرشد حتى يتبين السفه: فمنها حال البكر المعنس عند من ~~يعتبر التعنيس، أو التي دخل بها زوجها ومضى لدخوله الحد المعتبر من السنين ~~عند من يعتبر الحد، وكذلك حال الابن ذي الأب إذا بلغ وجهلت حاله على إحدى ~~الروايتين، والابنة البكر بعد بلوغها على الرواية التي لا تعتبر فيها ~~دخولها مع زوجها. فهذه هي جمل ما في هذا الكتاب والفروع كثيرة. PageV02P229 # كتاب التفليس والنظر في هذا الكتاب فيما هو الفلس، وفي أحكام المفلس، ~~فنقول: إن الافلاس في الشرع يطلق على معنيين: أحدهما: أن يستغرق الدين مال ~~المدين، فلا يكون في ماله وفاء بديونه. والثاني: أن لا يكون له مال معلوم ~~أصلا، وفي كلا الفلسين قد اختلف العلماء في أحكامهما. فأما الحالة الأولى: ~~وهي إذا ظهر عند الحاكم من فلسه ما ذكرنا، فاختلف العلماء في ذلك هل للحاكم ~~أن يحجر عليه التصرف في ماله حتى يبيعه عليه ويقسمه على الغرماء على نسبة ~~ديونهم، أم ليس له ذلك؟ بل يحبس حتى يدفع إليهم جميع ماله على أي نسبة ~~اتفقت أو لمن اتفق منهم، وهذا الخلاف بعينه يتصور فيمن كان له مال يفي ~~بدينه، فأبى أن ينصف غرماءه، هل يبيع عليه الحاكم فيقسمه عليهم، أم يحسبه ~~حتى يعطيهم بيده ما عليه؟ فالجمهور يقولون: يبيع الحاكم ماله عليه، فينصف ~~منه غرماءه أو غريمه إن كان مليا، أو يحكم عليه بالافلاس إن لم يف ماله ~~بديونه ويحجر عليه التصرف فيه، وبه قال مالك والشافعي، بالقول الآخر قال ~~أبو حنيفة وجماعة من أهل العراق. # وحجة مالك والشافعي حديث معاذ بن جبل أنه كثر دينه في عهد رسول الله (ص) ~~فلم يزد غرماءه على أن جعله لهم من ماله، وحديث أبي سعيد الخدري أن رجلا ~~أصيب على عهد رسول الله في ثمر ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله (ص): ~~تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء بدينه، فقال رسول الله ~~(ص): خذوا ما وجدتم وليس ms0801 لكم إلا بذلك وحديث عمر في القضاء على الرجل ~~المفلس في حبسه وقوله فيه: أما بعد، فإن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه ~~وأمانته بأن يقال سبق الحاج، وأنه أدان معرضا فأصبح قدرين عليه، فمن كان له ~~عليه دين فليأتنا. وأيضا من طريق المعنى فإنه إذا كان المريض محجورا عليه ~~لمكان ورثته، فأحرى أن يكون المدين محجورا عليه لمكان الغرماء، وهذا القول ~~هو الأظهر، لأنه أعدل. والله أعلم. وأما حجج الفريق الثاني الذين قالوا ~~بالحبس حتى يعطي ما عليه أو يموت محبوسا، فيبيع القاضي حينئذ ماله ويقسمه ~~على الغرماء، فمنها حديث جابر بن عبد الله حين استشهد أبوه بأحد وعليه دين، ~~فلما طالبه PageV02P230 # الغرماء قال جابر: فأتيت النبي (ص) فكلمته، فسألهم أن يقبلوا مني حائطي، ~~ويحللوا أبي، فأبوا، فلم يعطهم رسول الله (ص) حائطي، قال: ولكن سأغدو عليك، ~~قال: فغدا علينا حين أصبح فطاف بالنخل فدعا في ثمرها بالبركة قال: فجذذتها ~~فقضيت منها حقوقهم، وبقي من ثمرها بقية وربما روي أيضا أنه مات أسيد بن ~~الحضير وعليه عشرة آلاف درهم، فدعا عمر بن الخطاب غرماءه، فقبلهم أرضه ~~وأربع سنين مما لهم عليه. قالوا: فهذه الآثار كلها ليس فيها أنه بيع أصل في ~~دين. قالوا: ويدل على حبسه قوله (ص): لي الواجد يحل عرضه وعقوبته قالوا: ~~والعقوبة هي حبسه. وربما شبهوا استحقاق أصول العقار عليه باستحقاق إجازته، ~~وإذا قلنا إن المفلس محجور عليه، فالنظر في ماذا يحجر عليه؟ وبأي ديون تكون ~~المحاصة في ماله؟ وفي أي شئ من ماله تكون المحاصة؟ وكيف تكون؟. فأما المفلس ~~فله حالان: حال في وقت الفلس قبل الحجر عليه، وحال بعد الحجر. فأما قبل ~~الحجر فلا يجوز له إتلاف شئ من ماله عند مالك بغير عوض إذا كان مما لا ~~يلزمه ومما لا تجري العادة بفعله، وإنما اشترط إذا كان مما لا يلزمه، لان ~~له أن يفعل ما يلزم بالشرع وإن لم يكن بعوض كنفقته على الآباء المعسرين أو ~~الأبناء، وإنما قيل مما لم تجر العادة ms0802 بفعله، لان له إتلاف اليسير من ماله ~~بغير عوض كالأضحية والنفقة في العيد والصدقة اليسيرة، وكذلك تراعى العادة ~~في إنفاقه في عوض كالتزوج والنفقة على الزوجة ويجوز بيعه وابتياعه ما لم ~~تكن فيه محاباة، وكذلك يجوز إقراره بالدين لمن لا يتهم عليه. واختلف قول ~~مالك في قضاء بعض غرمائه دون بعض وفي رهنه. وأما جمهور من قال بالحجر على ~~المفلس فقالوا: هو قبل الحكم كسائر الناس، وإنما ذهب الجمهور لهذا لان ~~الأصل هو جواز الأفعال حتى يقع الحجر، ومالك كأنه اعتبر المعنى نفسه، وهو ~~إحاطة الدين بماله لكن لم يعتبره في كل حال، لأنه يجوز بيعه وشراؤه إذا لم ~~يكن فيه محاباة، ولا يجوزه للمحجور عليه. وأما حاله بعد التفليس فلا يجوز ~~له فيها عند مالك بيع ولا شراء ولا أخذ ولاعطاء، ولا يجوز إقراره بدين في ~~ذمته لقريب ولا بعيد. قيل إلا إن يكون لواحد منهم بينة، وقيل يجوز لمن يعلم ~~منه إليه تقاض. واختلف في إقراره بمال معين مثل القراض والوديعة على ثلاثة ~~أقوال في المذهب: بالجواز، والمنع. والثالث: بالفرق بين أن يكون على أصل ~~القراض أو الوديعة ببينة أو لا تكون، فقيل إن كانت صدق وإن لم تكن لم يصدق. ~~واختلفوا من هذا الباب في ديون المفلس المؤجلة هل تحل بالتفليس أم لا؟ # فذهب مالك إلى أن التفليس في ذلك كالموت، وذهب غيره إلى خلاف ذلك. وجمهور ~~العلماء على أن الديون تحل بالموت، وقال ابن شهاب مضت السنة بأن دينه قد حل ~~حين مات. وحجتهم أن الله تبارك وتعالى لم يبح التوارث إلا بعد قضاء الدين، ~~فالورثة في ذلك بين أحد أمرين: إما أن لا يريد وأن يؤخروا حقوقهم في ~~المواريث إلى محل أجل الدين PageV02P231 # فيلزم أن يجعل الدين حالا، وإما أن يرضوا بتأخير ميراثهم حتى تحل الديون ~~فتكون الديون حينئذ مضمونة في التركة خاصة لا في ذممهم، بخلاف ما كان عليه ~~الدين قبل الموت، لأنه كان في ذمة الميت، وذلك يحسن في حق ذي الدين. ولذلك ms0803 ~~رأى بعضهم أنه إن رضي الغرماء بتحمله في ذممهم أبقيت الديون إلى أجلها، ~~وممن قال بهذا القول ابن سيرين، واختاره أبو عبيد من فقهاء الأمصار، لكن لا ~~يشبه الفلس في هذا المعنى الموت كل الشبه، وإن كانت كلا الذمتين قد خرجت ~~فإن ذمة المفلس يرجى المال لها بخلاف ذمة الميت. # وأما النظر فيما يرجع به أصحاب الديون من مال المفلس فإن ذلك يرجع إلى ~~الجنس والقدر. أما ما كان قد ذهب عين العوض الذي استوجب من قبله الغريم على ~~المفلس فإن دينه في ذمة المفلس. وأما إذا كان عين العوض باقيا بعينه لم يفت ~~إلا أنه لم يقبض ثمنه، فاختلف في ذلك فقهاء الأمصار على أربعة أقوال: ~~الأول: أن صاحب السلعة أحق بها على كل حال إلا أن يتركها ويختار المحاصة، ~~وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور. القول الثاني: # ينظر إلى قيمة السلعة يوم الحكم بالتفليس فإن كانت أقل من الثمن خير صاحب ~~السلعة بين أن يأخذها أو يحاص الغرماء، وإن كانت أكثر أو مساوية للثمن ~~أخذها بعينها، وبه قال مالك وأصحابه. القول الثالث: تقوم السلعة بين ~~التفليس، فإن كانت قيمتها مساوية للثمن أو أقل منه قضي له بها: أعني ~~للبائع، وإن كانت أكثر دفع إليه مقدار ثمنه ويتحاصون في الباقي، وبهذا ~~القول قال جماعة من أهل الأثر. والقول الرابع: أنه أسوة الغرماء فيها على ~~كل حال، وهو قول أبي حنيفة وأهل الكوفة، والأصل في هذه المسألة ما ثبت من ~~حديث أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال: أيما رجل أفلس فأدرك الرجل ماله ~~بعينه فهو أحق به من غيره وهذا الحديث خرجه مالك والبخاري ومسلم، وألفاظهم ~~متقاربة، وهذا اللفظ لمالك، فمن هؤلاء من حمله على عمومه وهو الفريق الأول، ~~ومنهم من خصصه بالقياس وقالوا: إن معقوله إنما هو الرفق بصاحب السلعة لكون ~~سلعته باقية، وأكثر ما في ذلك أن يأخذ الثمن الذي باعها به، فأما أن يعطى ~~في هذه الحال الذي اشترك فيها مع الغرماء أكثر من ثمنها فذلك ms0804 مخالف لأصول ~~الشرع، وبخاصة إذا كان للغرماء أخذها بالثمن كما قال مالك. وأما أهل الكوفة ~~فردوا هذا الحديث بجملته لمخالفته للأصول المتواترة على طريقتهم في رد خبر ~~الواحد إذا خالف الأصول المتواترة لكون خبر الواحد مظنونا، والأصول يقينية ~~مقطوع بها، كما قال عمر في حديث فاطمة بنت قيس: ما كنا لندع كتاب الله وسنة ~~نبينا لحديث امرأة. ورواه عن علي أنه قضى بالسلعة للمفلس، وهو رأي ابن ~~سيرين وإبراهيم من التابعين. وربما احتجوا بأن حديث أبي هريرة مختلف فيه، ~~وذلك أن الزهري روى عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله ~~(ص) قال: أيما رجل مات أو أفلس فوجد بعض غرمائه ماله بعينه فهو أسوة ~~الغرماء وهذا الحديث أولى لأنه PageV02P232 # موافق للأصول الثابتة. قالوا وللجمع بين الحديثين وجه، وهو حمل ذلك ~~الحديث على الوديعة والعارية. إلا أن الجمهور دفعوا هذا التأويل بما ورد في ~~لفظ حديث أبي هريرة في بعض الروايات من ذكر البيع. وهذا كله عند الجميع بعد ~~قبض المشتري السلعة، فأما قبل القبض فالعلماء متفقون - أهل الحجاز وأهل ~~العراق - أن صاحب السلعة أحق بها لأنها في ضمانه. واختلف القائلون بهذا ~~الحديث إذا قبض البائع بعض الثمن، فقال مالك: إن شاء أن يرد ما قبض ويأخذ ~~السلعة كلها، وإن شاء حاص الغرماء فيما بقي من سلعته، وقال الشافعي: بل ~~يأخذ ما بقي من سلعته بما بقي من الثمن، وقالت جماعة من أهل العلم داود ~~وإسحاق وأحمد: إن قبض من الثمن شيئا فهو أسوة الغرماء. وحجتهم ما روى مالك ~~عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله (ص) قال: أيما رجل باع ~~متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به ~~وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع أسوة الغرماء وهو حديث وإن أرسله مالك ~~فقد أسنده عبد الرزاق، وقد روي من طريق الزهري عن أبي هريرة فيه زيادة ~~بيان. وهو قوله، فيه: فإن كان قبض من ثمنه ms0805 شيئا فهو أسوة الغرماء ذكره أبو ~~عبيد في كتابه في الفقه وخرجه. وحجة الشافعي أن كل السلعة أو بعضها في ~~الحكم واحد، ولم يختلفوا أنه إذا فوت المشتري بعضها أن البائع أحق بالمقدار ~~الذي أدرك من سلعته، إلا عطاء فإنه قال: إذا فوت المشتري بعضها كان البائع ~~أسوة الغرماء. واختلف الشافعي ومالك في الموت هل حكمه حكم الفلس أم لا؟ # فقال مالك: هو في الموت أسوة الغرماء، بخلاف الفلس، وقال الشافعي، الامر ~~في ذلك واحد. وعمدة مالك ما رواه عن ابن شهاب عن أبي بكر - وهو نص في ذلك - ~~وأيضا من جهة النظر أن فرقا بين الذمة في الفلس والموت، وذلك أن الفلس ممكن ~~أن تثري حاله فيتبعه غرماؤه بما بقي عليه وذلك غير متصور في الموت. وأما ~~الشافعي فعمدته ما رواه ابن أبي ذئب بسنده عن أبي هريرة قال: قال: رسول ~~الله (ص): أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق به فسوى في هذه الرواية ~~بين الموت والفلس. وقال: وحديث ابن أبي ذئب أولى من حديث ابن شهاب. لان ~~حديث ابن شهاب مرسل وهذا مسند، ومن طريق المعنى فهو مال لا تصرف فيه لمالكه ~~إلا بعد أداء ما عليه، فأشبه مال المفلس، وقياس مالك أقوى من قياس الشافعي، ~~وترجيح حديثه على حديث ابن أبي ذئب من جهة أن موافقة القياس له أقوى، وذلك ~~أن ما وافق من الأحاديث المتعارضة قياس المعنى فهو أقوى مما وافقه قياس ~~الشبه: أعني أن القياس الموافق لحديث الشافعي هو قياس شبه، والموافق لحديث ~~مالك قياس معنى، ومرسل مالك خرجه عبد الرزاق. فسبب الخلاف: تعارض الآثار في ~~هذا المعنى والمقاييس، وأيضا فإن الأصل يشهد لقول مالك في الموت أعني من ~~باع شيئا فليس يرجع إليه، فمالك رحمه الله أقوى في هذه المسألة، والشافعي ~~إنما ضعف PageV02P233 # عنده فيها قول مالك لما روي من المسند المرسل عنده لا يجب العمل به. ~~واختلف مالك والشافعي فيمن وجد سلعته بعينها عند المفلس وقد أحدث زيادة مثل ~~أن تكون ms0806 أرضا يغرسها أو عرصة يبنيها، فقال مالك: العمل الزائد فيها هو فوت ~~ويرجع صاحب السلعة شريك الغرماء. وقال الشافعي: بل يخير البائع بين أن يعطي ~~قيمة ما أحدث المشتري في سلعته ويأخذها، أو أن يأخذ أصل السلعة ويحاص ~~الغرماء في الزيادة، وما يكون فوتا مما لا يكون فوتا في مذهب مالك منصوص في ~~كتبه المشهورة. وتحصيل مذهب مالك فيما يكون الغريم به أحق من سائر الغرماء ~~في الموت والفلس، أو في الفلس دون الموت أن الأشياء المبيعة بالدين تنقسم ~~في التفليس ثلاثة أقسام: عرض يتعين، وعين اختلف فيه هل يتعين فيه أم لا؟ ~~وعمل لا يتعين. فأما العرض فإن كان في يد بائعه لم يسلمه حتى أفلس المشتري، ~~فهو أحق به في الموت والفلس، وهذا ما لا خلاف فيه. وإن كان قد دفعه إلى ~~المشتري ثم أفلس وهو قائم) بيده فهو أحق به من الغرماء في الفلس دون الموت. ~~ولهم عند أن يأخذوا سلعته بالثمن. وقال الشافعي: ليس لهم. وقال أشهب: لا ~~يأخذونها إلا بزيادة يحطونها عن المفلس، وقال ابن الماجشون: إن شاءوا كان ~~الثمن من أموالهم أو من مال الغريم، وقال ابن كنانة: بل يكون من أموالهم ~~وأما العين فهو أحق بها في الموت أيضا، والفلس ما كان بيده. واختلف إذا ~~دفعه إلى بائعه فيه ففلس أو مات وهو قائم بيده يعرف بعينه، فقيل إنه أحق به ~~كالعروض في الفلس دون الموت وهو قول ابن القاسم، وقيل إنه لا سبيل له عليه، ~~وهو أسوة الغرماء، وهو قول أشهب، والقولان جاريان على الاختلاف في تعيين ~~العين، وأما إن لم يعرف بعينه فهو أسوة الغرماء في الموت والفلس. # وأما العمل الذي لا يتعين فإن أفلس المستأجر قبل أن يستوفي عمل الأجير ~~كان الأجير أحق بما عمله في الموت والفلس جميعا، كالسلعة إذا كانت بيد ~~البائع في وقت الفلس، وإن كان فلسه بعد أن استوفى عمل الأجير فالأجير أسوة ~~الغرماء بأجرته التي شارطه عليها في الفلس والموت جميعا على أظهر الأقوال، ~~إلا ms0807 أن تكون بيده السلعة التي استؤجر على عملها، فيكون أحق بذلك في الموت ~~والفلس جميعا، لأنه كالرهن بيده، فإن أسلمه كان أسوة الغرماء بعمله إلا أن ~~يكون له فيه شئ أخرجه فيكون أحق به في الفلس دون الموت، وكذلك الامر عنده ~~في فلس مكتري الدواب إن استكرى أحق بما عليه من المتاع في الموت والفلس ~~جميعا، وكذلك مكتري السفينة، وهذا كله شبهه مالك بالرهن. # وبالجملة فلا خلاف في مذهبه أن البائع أحق بما في يديه في الموت والفلس، ~~وأحق بسلعته القائمة الخارجة عن يده في الفلس دون الموت. وأنه أسوة الغرماء ~~في سلعته إذا فاتت، وعندما يشبه حال الأجير عند أصحاب مالك. وبالجملة ~~البائع منفعة بالبائع الرقبة. # فمرة يشبهون المنفعة التي عمل بالسلعة التي لم يقبضها المشتري فيقولون: ~~هو أحق بها في PageV02P234 # الموت والفلس، ومرة يشبهونه بالتي خرجت من يده ولم يمت فيقولون: هو أحق ~~بها في الفلس دون الموت. ومرة يشبهون ذلك بالموت الذي فاتت فيه فيقولون: هو ~~أسوة الغرماء. ومثال ذلك اختلافهم فيمن استؤجر على سقي حائط فسقاه حتى أثمر ~~الحائط ثم أفلس المستأجر فإنهم قالوا فيه الثلاثة الأقوال. وتشبيه بيع ~~المنافع في هذا الباب ببيع الرقاب هو شئ - فيما أحسب - انفرد به مالك دون ~~فقهاء الأمصار، وهو ضعيف لان قياس الشبه المأخوذ من الموضع المفارق للأصول ~~يضعف، ولذلك ضعف عند قوم القياس على موضع الرخص، ولكن انقدح هنالك قياس ~~علة، فهو أقوى، ولعل المالكية تدعي وجود هذا المعنى في القياس، ولكن هذا ~~كله ليس يليق بهذا المختصر. # ومن هذا الباب اختلافهم في العبد المفلس المأذون له في التجارة هل يتبع ~~بالدين في رقبته أم لا؟ فذهب مالك وأهل الحجاز إلى أنه إنما يتبع بما في ~~يده لا في رقبته، ثم إن أعتق أتبع بما بقي عليه. ورأي قوم أنه يباع. ورأي ~~قوم أن الغرماء يخيرون بين بيعه وبين أن يسعى فيما بقي عليه من الدين، وبه ~~قال شريح. وقالت طائفة: بل يلزم سيده ما عليه وإن لم ms0808 يشترطه. فالذين لم ~~يروا بيع رقبته قالوا: إنما عامل الناس على ما في يده فأشبه الحر، والذين ~~رأوا بيعه شبهوا ذلك بالجنايات التي يجني، وأما الذين رأوا الرجوع على ~~السيد بما عليه من الدين فإنهم شبهوا ماله بمال السيد إذ كان له انتزاعه. ~~فسبب الخلاف: هو تعارض أقيسة الشبه في هذه المسألة، ومن هذا المعنى إذا ~~أفلس العبد والمولى معا بأيهما يبدأ، هل بدين العبد، أم بدين المولى؟ ~~فالجمهور يقولون: بدين العبد، لان الذين داينوا العبد إنما فعلوا ذلك ثقة ~~بما رأوا عند العبد من المال، والذين داينوا المولى لم يعتدوا بمال العبد، ~~ومن رأى البدء بالمولى قال: لان مال العبد هو في الحقيقة للمولى. فسبب ~~الخلاف: تردد مال العبد بين أن يكون حكمه حكم مال الأجنبي أو حكم مال ~~السيد. وأما قدر ما يترك للمفلس من ماله فقيل في المذهب: يترك له ما يعيش ~~به هو وأهله وولده الصغار الأيام، وقال في الواضحة والعتبية: الشهر ونحو، ~~ويترك له كسوة مثله، وتوقف مالك في كسوة زوجته لكونها هل تجب لها بعوض ~~مقبوض، وهو الانتفاع بها أو بغير عوض، وقال سحنون: لا يترك له كسوة زوجته، ~~وروى ابن نافع عن مالك أنه لا يترك له إلا ما يواريه، وبه قال ابن كنانة. ~~واختلفوا في بيع كتب العلم عليه على قولين: وهذا مبني على كراهية بيع كتب ~~الفقه أو لا كراهية ذلك. # وأما معرفة الديون التي يحاص بها من الديون التي لا يحاص بها على مذهب ~~مالك فإنها تنقسم أولا إلى قسمين: أحدهما: أن تكون واجبة عن عوض. والثاني: ~~أن تكون واجبة من غير عوض. فأما الواجبة عن عوض، فإنها تنقسم إلى عوض مقبوض ~~وإلى عوض غير مقبوض، فأما ما كانت عن عوض مقبوض، وسواء أكانت مالا أو أرش ~~جناية، PageV02P235 # فلا خلاف في المذهب أن محاصة الغرماء بها واجبة. وأما ما كان عن عوض غير ~~مقبوض، فإن ذلك ينقسم خمسة أقسام: أحدها أن لا يمكنه دفع العوض بحال كنفقة ~~الزوجات لما يأتي ms0809 من المدة، والثاني: أن لا يمكنه دفع العوض، ولكن يمكنه ~~دفع ما يستوفي فيه، مثل أن يكتري الرجل الدار بالنقد، أو يكون العرف فيه ~~النقد، ففلس المكتري قبل أن يسكن أو بعد ما سكن بعض السكنى وقبل أن يدفع ~~الكراء. والثالث: أن يكون دفع العوض يمكن ويلزمه كرأس مال السلم إذا أفلس ~~المسلم إليه قبل دفع رأس المال. # والرابع: أن يمكنه دفع العوض، ولا يلزمه مثل السلعة إذا باعها ففلس ~~المبتاع قبل أن يدفعها إليه البائع. والخامس: أن لا يكون إليه تعجيل دفع ~~العوض، مثل أن يسلم الرجل إلى رجل دنانير في عروض إلى أجل فيفلس المسلم قبل ~~أن يدفع رأس المال وقبل أن يحل أجل السلم. فأما الذي لا يمكنه دفع العوض ~~بحال فلا محاصة في ذلك إلا في مهور الزوجات إذا أفلس الزوج قبل الدخول. ~~وأما الذي لا يمكنه دفع العوض ويمكنه دفع ما يستوفي منه، مثل المكتري يفلس ~~قبل دفع الكراء، فقيل للمكري المحاصة بجميع الثمن وإسلام الدار للغرماء، ~~وقيل ليس له إلا المحاصة بما سكن ويأخذ داره، وإن كان لم يسكن فليس له إلا ~~أخذ داره. وأما ما يمكنه دفع العوض يلزمه وهو إذا كان العوض عينا، فقيل ~~يحاص به الغرماء في الواجب له بالعوض ويدفعه، وقيل هو أحق به وعلى هذا لا ~~يلزمه دفع العوض. وأما ما يمكنه دفع العوض ولا يلزمه فهو بالخيار بين ~~المحاصة والامساك وذلك هو إذا كان العوض عينا. وأما إذا لم يكن إليه تعجيل ~~العوض مثل أن يفلس المسلم قبل أن يدفع رأس المال، وقبل أن يحل أجل السلم، ~~فإن رضي المسلم إليه أن يعجل العروض ويحاصص الغرماء برأس مال السلم فذلك ~~جائز إن رضي بذلك الغرماء، فإن أبى ذلك أحد الغرماء حاص الغرماء برأس المال ~~الواجب له فيما وجد للغريم من مال، وفي العروض التي عليه إذا حلت لأنها من ~~مال الفلس، وإن شاءوا أن يبيعوها بالنقد ويتحاصوا فيها كان ذلك لهم. وأما ~~ما كان من الحقوق الواجبة عن ms0810 غير عوض فإن ما كان منها غير واجب بالشرع بل ~~بالالتزام كالهبات والصدقات فلا محاصة فيها. وأما ما كان منها واجبا بالشرع ~~كنفقة الآباء والأبناء، ففيها قولان: أحدهما: أن المحاصة لا تجب بها، وهو ~~قول ابن القاسم، والثاني: أنها تجب بها إذا لزمت بحكم من السلطان، وهو قول ~~أشهب. وأما النظر الخامس: وهو معرفة وجه التحاص، فإن الحكم في ذلك أن يصرف ~~مال الغريم من جنس ديون الغرماء، وسواء أكان مال الغرماء من جنس واحد أو من ~~أجناس مختلفة، إذ كان لا يقتضي في الديون إلا ما هو من جنس الدين إلا أن ~~يتفقوا من ذلك على شئ يجوز. واختلفوا من هذا الباب في فرع طارئ، وهو إذا ~~هلك مال المحجور عليه بعد الحجر وقبل قبض الغرماء: ممن مصيبته؟ فقال أشهب: ~~مصيبته من المفلس، وقال ابن PageV02P236 # الماجشون: مصيبته من الغرماء إذا وقفه السلطان. وقال ابن القاسم: ما ~~يحتاج إلى بيعه فضمانه من الغريم لأنه إنما يباع على ملكه، وما لا يحتاج ~~إلى بيعه فضمانه من الغرماء مثل أن يكون المال عينا والدين عينا، وكلهم روى ~~قوله عن مالك، وفرق أصبغ بين الموت والفلس فقال: المصيبة في الموت من ~~الغرماء، وفي الفلس من المفلس. فهذا هو القول في أصول أحكام المفلس الذي له ~~من المال ما لا يفي بديونه. وأما المفلس الذي لا مال له أصلا، فإن فقهاء ~~الأمصار مجمعون على أن العدم له تأثير في اسقاط الدين إلى وقت ميسرته، إلا ~~ما حكي عن عمر بن عبد العزيز أن لهم أن يؤاجروه، وقال به أحمد من فقهاء ~~الأمصار، وكلهم مجمعون على أن المدين إذا ادعى الفلس ولم يعلم صدقه أنه ~~يحبس حتى يتبين صدقه أو يقر له بذلك صاحب الدين، فإذا كان ذلك خلي سبيله. ~~وحكي عن أبي حنيفة أن لغرمائه أن يدوروا معه حيث دار، وإنما صار الكل إلى ~~القول بالحبس في الديون، وإن كان لم يأت في ذلك أثر صحيح، لان ذلك أمر ~~ضروري في استيفاء الناس حقوقهم ms0811 بعضهم من بعض، وهذا دليل على القول بالقياس ~~الذي يقتضي المصلحة، وهو الذي يسمى بالقياس المرسل. وقد روي أن النبي عليه ~~الصلاة والسلام حبس رجلا في تهمة خرجه - فيما أحسب - أبو داود. والمحجورون ~~عند مالك: السفهاء والمفلسون والعبيد والمرضى والزوجة فيما فوق الثلث لأنه ~~يرى أن للزوج حقا في المال، وخالفه في ذلك الأكثر. وهذا القدر كاف بحسب ~~غرضنا في هذا الكتاب. PageV02P237 # كتاب الصلح والأصل في هذا الكتاب قوله تعالى: * (والصلح خير) * وما روي ~~عن النبي عليه الصلاة والسلام مرفوعا وموقوفا على عمر إمضاء الصلح جائز بين ~~المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا واتفق المسلمون على جوازه على ~~الاقرار، واختلفوا في جوازه على الانكار، فقال مالك وأبو حنيفة: يجوز على ~~الانكار، وقال الشافعي: لا يجوز على الانكار لأنه من أكل المال بالباطل من ~~غير عوض. والمالكية تقول فيه عوض، وهو سقوط الخصومة واندفاع اليمين عنه، ~~ولا خلاف في مذهب مالك أن الصلح الذي يقع على الاقرار يراعي في صحته ما ~~يراعي في البيوع، فيفسد بما تفسد به البيوع من أنواع الفساد الخاص بالبيوع ~~ويصح بصحته، وهذا هو مثل أن يدعي انسان على آخر دراهم فيصالحه عليها بعد ~~الاقرار بدنانير نسيئة، وما أشبه هذا من البيوع الفاسدة من قبل الربا ~~والغرر. وأما الصلح على الانكار فالمشهور فيه عن مالك وأصحابه أنه يراعي ~~فيه من الصحة ما يراعي في البيوع، مثل أن يدعي انسان على آخر دراهم فينكر ~~ثم يصالحه عليها بدنانير مؤجلة، فهذا لا يجوز عند مالك وأصحابه، وقال أصبغ: # هو جائز، لان المكروه فيه من الطرف الواحد، وهو من جهة الطالب لأنه يعترف ~~أنه أخذ دنانير نسيئة في دراهم حلت له. وأما الدافع فيقول: هي هبة مني. ~~وأما إن ارتفع المكروه من الطرفين، مثل أن يدعي كل واحد منهما على صاحب ~~دنانير أو دراهم فينكر كل واحد منهما صاحبه، ثم يصطلحان على أن يؤخر كل ~~واحد منهما صاحبه فيما يدعيه قبله إلى أجل، فهذا عندهم هو مكروه. أما ms0812 ~~كراهيته فمخافة أن يكون كل واحد منهما. فيكون كل واحد منهما قد أنظر صاحبه ~~لانظار الآخر إياه فيدخله أسلفني وأسلفك. وأما وجه جوازه فلان كل واحد ~~منهما إنما يقول ما فعلت، إنما هو تبرع مني، وما كان يجب علي شئ، وهذا ~~النحو من البيوع قيل إنه يجوز إذا وقع، وقال ابن الماجشون: يفسخ إذا وقع ~~عليه أثر عقده، فإن طال مضى، فالصلح الذي يقع فيه مما لا يجوز في البيوع هو ~~في مذهب مالك على ثلاثة أقسام: صلح يفسخ باتفاق، وصلح يفسخ باختلاف، وصلح ~~لا يفسخ باتفاق إن طال، وإن لم يطل فيه اختلاف. PageV02P238 # كتاب الكفالة واختلف العلماء في نوعها وفي وقتها، وفي الحكم اللازم عنها، ~~وفي شروطها، وفي صفة لزومها، وفي محلها، ولها أسماء: كفالة، وحمالة، ~~وضمانة، وزعامة، فأما أنواعها فنوعان: حمالة بالنفس، وحمالة بالمال. أما ~~الحمالة بالمال فثابتة بالسنة ومجمع عليها من الصدر الأول ومن فقهاء ~~الأمصار. وحكي عن قوم أنها ليست لازمة تشبيها بالعدة وهو شاذ. والسنة التي ~~صار إليها الجمهور في ذلك هو قوله عليه الصلاة والسلام: الزعيم غارم. وأما ~~الحمالة بالنفس وهي التي تعرف بضمان الوجه، فجمهور فقهاء الأمصار على جواز ~~وقوعها شرعا إذا كانت بسبب المال. # وحكي عن الشافعي في الجديد أنها لا تجوز، وبه قال داود، وحجتهما قوله ~~تعالى: * (قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) * ولأنها كفالة ~~بنفس فأشبهت الكفالة في الحدود. وحجة من أجازها عموم قوله عليه الصلاة ~~والسلام: الزعيم غارم وتعلقوا بأن ذلك مصلحة، وأنه مروي عن الصدر الأول. ~~وأما الحكم اللازم عنها، فجمهور القائلين بحمالة النفس متفقون على أن ~~المتحمل عنه إذا مات لم يلزم الكفيل بالوجه شئ، وحكي عن بعضهم لزوم ذلك. ~~وفرق ابن القاسم بين أن يموت الرجل حاضرا أو غائبا فقال: إن مات حاضرا لم ~~يلزم الكفيل شئ، وإن مات غائبا نظر، فإن كانت المسافة التي بين البلدين ~~مسافة يمكن الحميل فيها إحضاره في الاجل المضروب له في إحضاره، وذلك في نحو ~~اليومين ms0813 إلى الثلاثة ففرط غرم وإلا لم يغرم. واختلفوا إذا غاب المتحمل عنه ~~ما حكم الحميل بالوجه؟ على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يلزمه أن يحضره ~~أو يغرم، وهو قول مالك وأصحابه وأهل المدينة. والقول الثاني: أنه يحبس ~~الحميل إلى أن يأتي به أو يعلم موته، وهو قول أبي حنيفة وأهل العراق. ~~والقول الثالث: أنه ليس عليه إلا أن يأتي به إذا علم موضعه، ومعنى ذلك أن ~~لا يكلف إحضاره إلا مع العلم بالقدرة على إحضاره، فإن ادعى الطالب معرفة ~~موضعه على الحميل، وأنكر الحميل كلف الطالب بيان ذلك. قالوا: ولا يحبس ~~الحميل إلا إذا كان المحتمل عنه معلوم الموضع، فيكلف حينئذ إحضاره، وهذا ~~القول حكاه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه في الفقه عن جماعة من الناس، ~~واختاره. وعمدة مالك أن المتحمل PageV02P239 # بالوجه غار لصاحب الحق فوجب عليه الغرم إذا غاب، وربما احتج لهم بما روي ~~عن ابن عباس: أن رجلا سأل غريمه أن يؤدي إليه ماله أو يعطيه حميلا، فلم ~~يقدر حتى حاكمه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فتحمل عنه رسول الله (ص) ثم ~~أدى المال إليه قالوا: فهذا غرم في الحمالة المطلقة. وأما أهل العراق ~~فقالوا: إنما يجب عليه إحضار ما تحمل به وهو النفس، فليس يجب أن يعدى ذلك ~~إلى المال إلا لو شرطه على نفسه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: # المؤمنون عند شروطهم فإنما عليه أن يحضر المال أو يحبس فيه، كذلك الامر ~~في ضمان الوجه. وعمدة الفريق الثالث أنه إنما يلزمه إحضاره إذا كان إحضاره ~~له مما يمكن، وحينئذ يحبس إذا لم يحضره، وأما إذا علم أن إحضاره له غير ~~ممكن فليس يجب عليه إحضاره كما أنه إذا مات ليس عليه إحضاره. قالوا: # ومن ضمن الوجه فأغرم المال فهو أحرى أن يكون مغرورا من أن يكون غارا. ~~فأما إذا اشترط الوجه دون المال وصرح بالشرط فقد قال مالك: إن المال لا ~~يلزمه، ولا خلاف في هذا فيما أحسب، لأنه كان يكون قد ألزم ضد ms0814 ما اشترط، ~~فهذا هو حكم ضمان الوجه. وأما حكم ضمان المال فإن الفقهاء متفقون على أنه ~~إذا عدم المضمون أو غاب أن الضامن غارم. # واختلفوا إذا حضر الضامن والمضمون وكلاهما موسر. فقال الشافعي وأبو حنيفة ~~وأصحابهما والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق: للطالب أن يؤاخذ من شاء من ~~الكفيل أو المكفول. # وقال مالك في أحد قوليه: ليس له أن يأخذ الكفيل مع وجود المتكفل عنه. وله ~~قول آخر مثل قول الجمهور. وقال أبو ثور: الحمالة والكفالة واحدة، ومن ضمن ~~عن رجل مالا لزمه وبرئ المضمون، ولا يجوز أن يكون مال واحد على اثنين، وبه ~~قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة. ومن الحجة لمن رأى أن الطالب يجوز له مطالبة ~~الضامن، كان المضمون عنه غائبا أو حاضرا، غنيا أو عديما، حديث قبيصة بن ~~المخارقي قال: تحملت حمالة فأتيت النبي (ص) فسألت عنها، فقال: نخرجها عنك ~~من إبل الصدقة... يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا في ثلاث، وذكر رجلا تحمل ~~حمالة رجل حتى يؤديها. ووجه الدليل من هذا أن النبي (ص) أباح المسألة ~~للمتحمل دون اعتبار حال المتحمل عنه. وأما محل الكفالة فهي الأموال عند ~~جمهور أهل العلم لقوله عليه الصلاة والسلام: الزعيم غارم أعني كفالة المال ~~وكفالة الوجه، وسواء تعلقت الأموال من قبل أموال أو من قبل حدود، مثل المال ~~الواجب في قتل الخطأ أو الصلح في قتل العمد أو السرقة التي ليس يتعلق بها ~~قطع وهي ما دون النصاب أو من غير ذلك. وروي عن أبي حنيفة إجازة الكفالة في ~~الحدود والقصاص، أو في القصاص دون الحدود وهو قول عثمان البتي: أعني كفالة ~~النفس. وأما وقت وجوب الكفالة بالمال أعني مطالبته بالكفيل، فأجمع العلماء ~~على أن ذلك بعد ثبوت الحق على المكفول إما بإقرار وإما ببينة. وأما وقت ~~وجوب الكفالة بالوجه، فاختلفوا هل تلزم قبل إثبات الحق أم لا؟ فقال ~~PageV02P240 # قوم: إنها لا تلزم قبل إثبات الحق بوجه من الوجوه، وهو قول شريح القاضي ~~والشعب وبه قال سحنون من أصحاب مالك. ms0815 وقال قوم: بل يجب أخذ الكفيل بالوجه ~~على إثبات الحق، وهؤلاء اختلفوا متى يلزم ذلك؟ وإلى كم من المدة يلزم؟ فقال ~~قوم: إن أتى بشبهة قوية مثل شاهد واحد لزمه أن يعطي ضامنا بوجهه حتى يلوح ~~حقه وألا لم يلزمه الكفيل إلا أن يذكر بينة حاضرة في المصر فيعطيه حميلا من ~~الخمسة الأيام إلى الجمعة، وهو قول ابن القاسم من أصحاب مالك، وقال أهل ~~العراق: لا يؤخذ عليهم حميل قبل ثبوت الحق إلا أن يدعي بينة حاضرة في المصر ~~نحو قول ابن القاسم، وإلا أنهم حدوا ذلك بالثلاثة الأيام يقولون إنه إن أتى ~~بشبهة لزمه أن يعطيه حميلا حتى يثبت دعواه أو تبطل، وقد أنكروا الفرق في ~~ذلك والفرق بين الذي يدعي البينة الحاضرة والغائبة، وقالوا: لا يؤخذ حميل ~~على أحد إلا ببينة، وذلك إلى بيان صدق دعواه أو إبطالها. وسبب هذا ~~الاختلاف: تعارض وجه العدل بين الخصمين في ذلك، فإنه إذا لم يؤخذ عليه ضامن ~~بمجرد الدعوى لم يؤمن أن يغيب بوجهه فيعنت طالبه، وإذا أخذ عليه لم يؤمن أن ~~تكون الدعوى باطلة فيعنت المطلوب، ولهذا فرق من فرق بين دعوى البينة ~~الحاضرة والغائبة. وروي عن عراك بن مالك قال: أقبل نفر من الاعراب معهم ظهر ~~فصحبهم رجلان فباتا معهم، فأصبح القوم وقد فقدوا كذا وكذا من إبلهم، فقال ~~رسول الله (ص) لاحد الرجلين: اذهب واطلب وحبس الآخر، فجاء بما ذهب، فقال ~~رسول الله (ص) لاحد الرجلين: استغفر لي، فقال: غفر الله لك، قال: وأنت فغفر ~~الله لك وقتلك في سبيله خرج هذا الحديث أبو عبيد في كتابه في الفقه، قال: ~~وحمله بعض العلماء على أن ذلك كان رسول الله (ص) حبسا قال: ولا يعجبني ذلك، ~~لأنه لا يجب الحبس بمجرد الدعوى، وإنما هو عندي من باب الكفالة بالحق الذي ~~لم يجب إذ كانت هنالك شبهة لمكان صحبتهما لهم. فأما أصناف المضمونين فليس ~~يلحق من قبل ذلك اختلاف مشهور لاختلافهم في ضمان الميت إذا كان عليه دين ~~ولم يترك ms0816 وفاء بدينه، فأجازه مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز. ~~واستدل أبو حنيفة من قبل أن الضمان لا يتعلق بمعدوم قطعا، وليس كذلك ~~المفلس. واستدل من رأى أن الضمان يلزمه بما روي أن النبي عليه الصلاة ~~والسلام كان في صدر الاسلام لا يصلي على من مات وعليه دين حتى يضمن عنه ~~والجمهور يصح عندهم كفالة المحبوس والغائب، ولا يصح عند أبي حنيفة. وأما ~~شروط الكفالة فإن أبا حنيفة والشافعي يشترطان في وجوب رجوع الضامن على ~~المضمون بما أدى عنه أن يكون الضمان بإذنه، ومالك لا يشترط ذلك ولا تجوز ~~عند الشافعي كفالة المجهول ولا الحق الذي لم يجب بعد، وكل ذلك لازم وجائز ~~عند مالك وأصحابه. وأما ما تجوز فيه الحمالة بالمال مما لا تجوز، فإنها ~~تجوز عند مالك بكل مال ثابت في الذمة إلا الكتابة وما لا يجوز فيه التأخير، ~~وما يستحق شيئا فشيئا مثل النفقات على الأزواج، وما شاكلها. PageV02P241 # كتاب الحوالة والحوالة معاملة صحيحة مستثناة من الدين بالدين، لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: # مطل الغني ظلم وإذا أحيل أحدكم على غني فليستحل. والنظر في شروطها وفي ~~حكمها، فمن الشروط اختلافهم في اعتبار رضا المحال والمحال عليه، فمن الناس ~~من اعتبر رضا المحال ولم يعتبر رضا المحال عليه، وهو مالك، ومن الناس من ~~اعتبر رضاهما معا، ومن الناس من لم يعتبر رضا المحال واعتبر رضا المحال ~~عليه، وهو نقيض مذهب مالك، وبه قال داود، فمن رأى أنها معاملة اعتبر رضا ~~الصنفين، ومن أنزل المحال عليه من المحال منزلته من المحيل لم يعتبر رضاه ~~معه كما لا يعتبره مع المحيل إذا طلب منه حقه ولم يحل عليه أحدا. وأما داود ~~فحجته ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: إذا أحيل أحدكم على ملئ فليتبع ~~والامر على الوجوب، وبقي المحال عليه على الأصل، وهو اشتراط اعتبار رضاه. ~~ومن الشروط التي اتفق عليها في الجملة كون ما على المحال عليه مجانسا لما ~~على المحيل قدرا ووصفا، إلا أن منهم من أجازها في الذهب والدراهم فقط ms0817 ~~ومنعها في الطعام، والذين منعوها في ذلك رأوا أنها من باب الطعام قبل أن ~~يستوفي، لأنه باع الطعام الذي كان له على غريمه بالطعام الذي كان عليه، ~~وذلك قبل أن يستوفيه من غريمه، وأجاز ذلك مالك إذا كان الطعامان كلاهما من ~~قرض إذا كان دين المحال حالا. وأما إن كان أحدهما من سلم فإنه لا يجوز إلا ~~أن يكون الدينان حالين، وعند ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك يجوز ذلك إذا ~~كان الدين المحال به حالا، ولم يفرق بين ذلك الشافعي، لأنه كالبيع في ضمان ~~المستقرض وإنما رخص مالك في القرض لأنه يجوز عنده بيع القرض قبل أن يستوفي. ~~وأما أبو حنيفة فأجاز الحوالة بالطعام وشبهها بالدراهم وجعلها خارجة عن ~~الأصول كخروج الحوالة بالدراهم. والمسألة مبنية على أن ما شذ عن الأصول هل ~~يقاس عليه أم لا؟ والمسألة مشهورة في أصول الفقه، وللحوالة عند مالك ثلاثة ~~شروط: أحدها: # أن يكون دين المحال حالا، لأنه إن لم يكن حالا كان دينا بدين. والثاني: ~~أن يكون الدين PageV02P242 # الذي يحيله به مثل الذي يحيله عليه في القدر والصفة، لأنه إذا اختلفا في ~~أحدهما كان بيعا ولم يكن حوالة، فخرج من باب الرخصة إلى باب البيع، وإذا ~~خرج إلى باب البيع دخله الدين بالدين. والشرط الثالث: أن لا يكون الدين ~~طعاما من سلم أو أحدهما ولم يحل الدين المستحال به على مذهب ابن القاسم، ~~وإذا كان الطعامان جميعا من سلم فلا تجوز الحوالة بأحدهما على الآخر حلت ~~الآجال أو لم تحل، أو حل أحدهما ولم يحل الآخر، لأنه يدخله بيع الطعام قبل ~~أن يستوفي كما قلنا لكن أشهب يقول: إن استوت رؤوس أموالهما جازت الحوالة ~~وكانت تولية، وابن القاسم لا يقول ذلك كالحال إذا اختلفت ويتنزل المحال في ~~الدين الذي أحيل عليه منزلة من أحاله، ومنزلته في الدين الذي أحال به، وذلك ~~فيما يريد أن يأخذ بدله منه أو يبيعه له من غيره، أعني أنه لا يجوز له من ~~ذلك إلا ما يجوز له ms0818 مع الذي أحاله وما يجوز للذي أحال مع الذي أحاله عليه، ~~ومثال ذلك إن احتال بطعام كان له من قرض في طعام من سلم، أو بطعام من سلم ~~في طعام من قرض لم يجز له أن يبيعه من غيره قبل قبضه منه، لأنه إن كان ~~احتال بطعام كان من قرض في طعام من سلم نزل منزلة المحيل في أنه لا يجوز له ~~بيع ما على غريمه قبل أن يستوفيه لكونه طعاما من بيع، وإن كان احتال بطعام ~~من سلم في طعام من قرض نزل من المحتال عليه منزلته مع من أحاله، أعني أنه ~~ما كان يجوز له أن يبيع الطعام الذي كان على غريمه المحيل له قبل أن ~~يستوفيه، كذلك لا يجوز أن يبيع الطعام الذي أحيل عليه وإن كان من قرض، وهذا ~~كله مذهب مالك، وأدلة هذه الفروق ضعيفة. وأما أحكامها فإن جمهور العلماء ~~على أن الحوالة ضد الحمالة، في أنه إذا أفلس المحال عليه لم يرجع صاحب ~~الدين على المحيل بشئ، قال مالك وأصحابه: إلا أن يكون المحيل غره فأحاله ~~على عديم، وقال أبو حنيفة: يرجع صاحب الدين على المحيل إذا مات عليه مفلسا ~~أو جحد الحوالة وإن لم تكن له بينة، وبه قال شريح وعثمان البتي وجماعة. ~~وسبب اختلافهم: مشابهة الحوالة للحمالة. PageV02P243 # كتاب الوكالة وفيها ثلاث أبواب: الباب الأول: في أركانها، وهي النظر فيما ~~فيه التوكيل، وفي الموكل. والثاني: في أحكام الوكالة. والثالث: في مخالفة ~~الموكل للوكيل. # الباب الأول: في أركانها وهي النظر فيما فيه التوكيل، وفي الموكل، وفي ~~الموكل الركن الأول: في الموكل. واتفقوا على وكالة الغائب والمريض والمرأة ~~المالكين لأمور أنفسهم. واختلفوا في وكالة الحاضر الذكر الصحيح. فقال مالك: ~~تجوز وكالة الحاضر الصحيح الذكر، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تجوز ~~وكالة الصحيح الحاضر ولا المرأة إلا أن تكون برزة. فمن رأى أن الأصل لا ~~ينوب فعل الغير عن فعل الغير إلا ما دعت إليه الضرورة وانعقد الاجماع عليه ~~قال: لا تجوز نيابة من ms0819 اختلف في نيابته. ومن رأى أن الأصل هو الجواز قال: ~~الوكالة في كل شئ جائزة إلا فيما أجمع على أنه لا تصح فيه من العبادات وما ~~جرى مجراها. # الركن الثاني: في الوكيل. وشرط الوكيل أن لا يكون ممنوعا بالشرع من تصرفه ~~في الشئ الذي وكل فيه، فلا يصح توكيل الصبي ولا المجنون ولا المرأة عند ~~مالك والشافعي على عقد النكاح. أما عند الشافعي فلا بمباشرة ولا بواسطة: أي ~~بأن توكل هي من يلي عقد النكاح. ويجوز عند مالك بالواسطة الذكر. # الركن الثالث: فيما فيه التوكيل. وشرط محل التوكيل أن يكون قابلا للنيابة ~~مثل البيع والحوالة والضمان وسائر العقود والفسوخ والشركة والوكالة ~~والمصارفة والمجاعلة والمساقاة والطلاق والنكاح والخلع والصلح ولا تجوز في ~~العبادات البدنية وتجوز في المالية كالصدقة والزكاة والحج. وتجوز عند مالك ~~في الخصومة على الاقرار والانكار، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا تجوز على ~~الاقرار، وشبه ذلك بالشهادة والايمان، وتجوز الوكالة على استيفاء العقوبات ~~عند مالك، وعند الشافعي مع الحضور قولان. PageV02P244 # والذين قالوا إن الوكالة تجوز على الاقرار اختلفوا في مطلق الوكالة على ~~الخصومة هل يتضمن الاقرار أم لا؟ فقال مالك: لا يتضمن. وقال أبو حنيفة: ~~يتضمن. # الركن الرابع: وأما الوكالة فهي عقد يلزم بالايجاب والقبول كسائر العقود، ~~وليست هي من العقود اللازمة بل الجائزة على ما نقوله في أحكام هذا العقد. ~~وهي ضربان عند مالك: عامة وخاصة، فالعامة هي التي تقع عنده بالتوكيل العام ~~الذي لا يسمى فيه شئ دون شئ، وذلك أنه إن سمى عنده لم ينتفع بالتعميم ~~والتفويض، وقال الشافعي: لا تجوز الوكالة بالتعميم وهي غرر، وإنما يجوز ~~منها ما سمي وحدد ونص عليه، وهو الأقيس إذ كان الأصل فيها المنع، إلا ما ~~وقع عليه الاجماع. # الباب الثاني: في الاحكام وأما الاحكام: فمنها أحكام العقد، ومنها أحكام ~~فعل الوكيل. فأما هذا العقد فهو كما قلنا عقد غير لازم للوكيل أن يدع ~~الوكالة متى شاء عند الجميع، لكن أبو حنيفة يشترط في ذلك حضور الموكل، ~~وللموكل أن ms0820 يعزله متى شاء قالوا: إلا أن تكون وكالة في خصومة. وقال أصبغ: ~~له ذلك ما لم يشرف على تمام الحكم، وليس للوكيل أن يعزل نفسه في الموضع ~~الذي لا يجوز أن يعزله الموكل، وليس من شروط انعقاد هذا العقد حضور الخصم ~~عند مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: ذلك من شروطه. وكذلك ليس من شرط ~~إثباتها عند الحاكم حضوره عند مالك. وقال الشافعي: من شرطه. واختلف أصحاب ~~مالك هل تنفسخ الوكالة بموت الموكل على قولين. فإذا قلنا تنفسخ بالموت كما ~~تنفسخ بالعزل، فمتى يكون الوكيل معزولا، والوكالة منفسخة في حق من عامله؟ ~~في المذهب فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنها تنفسخ في حق الجميع بالموت والعزل. ~~والثاني: أنها تنفسخ في حق كل واحد منهم بالعلم. فمن علم انفسخت في حقه ومن ~~لم يعلم لم تنفسخ في حقه. # والثالث: أنها تنفسخ في حق عامل الوكيل بعلم الوكيل وإن لم يعلم هو، ولا ~~تنفسخ في حق الوكيل بعلم الذي عامله إذا لم يعلم الوكيل، ولكن من دفع إليه ~~شيئا بعد العلم بعزله ضمنه، لأنه دفع إلى من يعلم أنه يعلم أنه ليس بوكيل. # وأما أحكام الوكيل ففيها مسائل مشهورة: أحدها إذا وكل على بيع شئ هل يجوز ~~له أن يشتريه لنفسه؟ فقال مالك: يجوز. وقد قيل عنه: لا يجوز، وقال الشافعي: ~~لا يجوز، وكذلك عند مالك الأب والوصي ومنها إذا وكله في البيع وكالة مطلقة ~~لم يجز له عند مالك أن يبيع إلا بثمن مثله نقدا بنقد البلد، ولا يجوز إن ~~باع نسيئة، أو بغير نقد البلد، أو بغير ثمن المثل، وكذلك الامر عنده في ~~الشراء، وفرق أبو حنيفة بين البيع والشراء لمعين فقال: يجوز في البيع أن ~~يبيع بغير ثمن المثل، وأن يبيع نسيئة، ولم يجز إذا وكله في شراء ~~PageV02P245 # عبد بعينه أن يشتريه إلا بثمن المثل نقدا ويشبه أن يكون أبو حنيفة إنما ~~فرق بين الوكالة على شراء شئ بعينه، لان من حجته أنه كما أن الرجل قد يبيع ~~بأقل من ثمن ms0821 مثله ونساء لمصلحة يراها في ذلك كله، كذلك حكم الوكيل إذ قد ~~أنزله منزلته، وقول الجمهور أبين، وكل ما يعتدي فيه الوكيل ضمن عند من يرى ~~أنه تعدى، وإذا اشترى الوكيل شيئا وأعلم أن الشراء للموكل فالملك ينتقل إلى ~~الموكل، وقال أبو حنيفة: إلى الوكيل أولا ثم إلى الموكل. وإذا دفع الوكيل ~~دينا عن الموكل ولم يشهد فأنكر الذي له الدين القبض ضمن الوكيل. # الباب الثالث: مخالفة الموكل للوكيل وأما اختلاف الوكيل مع الموكل، فقد ~~يكون في ضياع المال الذي استقر عند الوكيل، وقد يكون في دفعه إلى الموكل، ~~وقد يكون في مقدار الثمن الذي باع به أو اشترى إذا أمره بثمن محدود، وقد ~~يكون في المثمون، وقد يكون في تعيين من أمره بالدفع إليه، وقد يكون في دعوى ~~التعدي. فإذا اختلفا في ضياع المال فقال الوكيل ضاع مني وقال الموكل لم ~~يضع، فالقول قول الوكيل إن كان لم يقبضه ببينة، فإن كان المال قد قبضه ~~الوكيل من غريم الموكل ولم يشهد الغريم على الدفع لم يبرأ الغريم بإقرار ~~الوكيل عند مالك وغرم ثانية، وهل يرجع الغريم على الوكيل؟ فيه خلاف، وإن ~~كان قد قبضه ببينة برئ ولم يلزم الوكيل شئ. وأما إذا اختلفا في الدفع فقال ~~الوكيل دفعته إليك، وقال الموكل: لا، فقيل القول قول الوكيل. وقيل القول ~~قول الموكل. وقيل إن تباعد ذلك فالقول قول الوكيل. وأما اختلافهم في مقدار ~~الثمن الذي به أمره بالشراء، فقال ابن القاسم: إن لم تفت السلعة قالقول قول ~~المشتري، وإن فاتت فالقول قول الوكيل، وقيل يتحالفان وينفسخ البيع ~~ويتراجعان وإن فاتت بالقيمة. وإن كان اختلافهم في مقدار الثمن الذي أمره به ~~في البيع، فعند ابن القاسم أن القول فيه قول الموكل، لأنه جعل دفع الثمن ~~بمنزلة فوات السلعة في الشراء. وأما إذا اختلفا فيمن أمره بالدفع ففي ~~المذهب فيه قولان: # المشهور أن القول قول المأمور، وقيل القول قول الآمر. وأما إذا فعل ~~الوكيل فعلا هو تعد وزعم أن الموكل أمره، فالمشهور أن ms0822 القول قول الموكل وقد ~~قيل إن القول قول الوكيل إنه قد أمره لأنه قد ائتمنه على الفعل. ~~PageV02P246 # كتاب اللقطة والنظر في اللقطة في جملتين: الجملة الأولى: في أركانها. ~~والثانية: في أحكامها. # الجملة الأولى: والأركان ثلاثة: الالتقاط، والملتقط، واللقطة. فأما ~~الالتقاط فاختلف العلماء هل هو أفضل أم الترك؟ فقال أبو حنيفة: الأفضل ~~الالتقاط، لأنه من الواجب على المسلم أن يحفظ مال أخيه المسلم. وبه قال ~~الشافعي، وقال مالك وجماعة بكراهية الالتقاط، وروي عن ابن عمر وابن عباس، ~~وبه قال أحمد، وذلك لامرين: أحدهما ما روي أنه (ص) قال: ضالة المؤمن حرق ~~النار ولما يخاف أيضا من التقصير في القيام بما يجب لها من التعريف وترك ~~التعدي عليها، وتأول الذين رأوا الالتقاط أول الحديث وقالوا: # أراد بذلك الانتفاع بها لا أخذها للتعريف، وقال قوم: بل لقطها واجب. وقد ~~قيل إن هذا الاختلاف إذا كانت اللقطة بين قوم مأمونين والامام عادل. قالوا: ~~وإن كانت اللقطة بين قوم غير مأمونين والامام عادل فواجب التقاطها. وإن ~~كانت بين قوم مأمونين والامام جائز فالأفضل إن لا يلتقطها. وإن كانت بين ~~قوم غير مأمونين والامام غير عادل فهو مخير بحسب ما يغلب على ظنه من ~~سلامتها أكثر من أحد الطرفين، وهذا كله ما عدا لقطة الحاج، فإن العلماء ~~أجمعوا على أنه لا يجوز التقاطها لنهيه عليه الصلاة والسلام عن ذلك، ولقطة ~~مكة أيضا لا يجوز التقاطها إلا لمنشد لورود النص في ذلك، والمروي في ذلك ~~لفظان: # أحدهما: أنه لا ترفع لقطتها إلا لمنشد. والثاني: لا يرفع لقطتها إلا ~~منشد، فالمعنى الواحد أنها لا ترفع إلا لمن ينشدها، والمعنى الثاني لا ~~يلتقطها إلا من ينشدها ليعرف الناس. وقال مالك: تعرف هاتان اللقطتان أبدا. ~~فأما الملتقط فهو كل حر مسلم بالغ لأنها ولاية، واختلف عن الشافعي في جواز ~~التقاط الكافر. قال أبو حامد: والأصح جواز ذلك في دار الاسلام. قال: وفي ~~أهلية العبد والفاسق له قولان: فوجه المنع عدم أهلية الولاية، ووجه الجواز ~~عموم أحاديث اللقطة. وأما اللقطة بالجملة ms0823 فإنها كل مال لمسلم معرض للضياع ~~كان ذلك في عامر الأرض أو غامرها، والجماد والحيوان في ذلك سواء إلا الإبل ~~باتفاق. والأصل في اللقطة حديث يزيد بن خالد الجهني. وهو متفق على صحته أنه ~~قال: جاء رجل إلى PageV02P247 # رسول الله (ص) فسأله عن اللقطة. فقال: اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، ~~فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها، قال: فضالة الغنم يا رسول الله؟ قال: هي لك ~~أو لأخيك أو للذئب. قال: فضالة الإبل؟. قال: ما لك ولها معها سقاؤها ~~وحذاؤها وترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها وهذا الحديث يتضمن معرفة ~~ما يلتقط مما لا يلتقط. ومعرفة حكم ما يلتقط كيف يكون في العام وبعده ~~وبماذا يستحقها مدعيها. فأما الإبل فاتفقوا على أنها لا تلتقط. واتفقوا على ~~الغنم أنها تلتقط. وترددوا في البقر. والنص عن الشافعي أنها كالإبل. وعن ~~مالك أنها كالغنم. وعنه خلاف. # الجملة الثانية: وأما حكم التعريف، فاتفق العلماء على تعريف ما كان منها ~~له بال سنة ما لم تكن من الغنم. واختلفوا في حكمها بعد السنة. فاتفق فقهاء ~~الأمصار مالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وأبو عبيد وأبو ~~ثور: إذا انقضت كان له أن يأكلها إن كان فقيرا، أو يتصدق بها إن كان غنيا. ~~فإن جاء صاحبها كان مخيرا بين أن يجيز الصدقة فينزل على ثوابها أو يضمنه ~~إياها. واختلفوا في الغني هل له أن يأكلها أو ينفقها بعد الحول؟ فقال مالك ~~والشافعي: له ذلك، وقال أبو حنيفة: ليس له أن يأكلها أو يتصدق بها، وروي ~~مثل قوله عن علي وابن عباس وجماعة من التابعين، وقال الأوزاعي: إن كان مالا ~~كثيرا جعله في بيت المال، وروي مثل قول مالك والشافعي عن عمرو ابن مسعود ~~وابن عمر وعائشة. وكلهم متفقون على أنه إن أكلها ضمنها لصاحبها إلا أهل ~~الظاهر. واستدل مالك والشافعي بقوله عليه الصلاة والسلام: فشأنك بها ولم ~~يفرق بين غني وفقير. ومن الحجة لهما ما رواه البخاري والترمذي عن سويد بن ~~غفلة قال: لقيت أويس ms0824 بن كعب فقال: وجدت صرة فيها مائة دينار، فأتيت النبي ~~(ص) فقال: عرفها حولا، فعرفتها فلم أجد، ثم أتيته ثلاثا فقال: احفظ وعاءها ~~ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها وخرج الترمذي وأبو داود ~~فاستنفقها. فسبب الخلاف: معارضة ظاهر لفظ حديث اللقطة لأصل الشرع، وهو أنه ~~لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه، فمن غلب هذا الأصل على ظاهر ~~الحديث، وهو قوله بعد التعريف فشأنك بها قال: لا يجوز فيها تصرف إلا ~~بالصدقة فقط على أن يضمن إن لم يجز صاحب اللقطة الصدقة، ومن غلب ظاهر ~~الحديث على هذا الأصل ورأي أنه مستثنى عنه قال تحل له بعد العام وهي مال من ~~ماله لا يضمنها إن جاء صاحبها، ومن توسط قال: يتصرف بعد العام فيها وإن ~~كانت عينا على جهة الضمان. وأما حكم دفع القطة لمن ادعاها، فاتفقوا على ~~إنها لا تدف إليه إذا لم يعرف العفاص ولا الوكاء، واختلفوا إذا عرف ذلك هل ~~يحتاج إلى بينة أم لا؟ فقال مالك: يستحق بالعلامة، ولا يحتاج إلى بينة، ~~وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يستحق إلا ببينة. وسبب الخلاف: معارضة الأصل ~~في اشتراط الشهادة في صحة الدعوى لظاهر هذا PageV02P248 # الحديث، فمن غلب الأصل قال: لا بد من البينة، ومن غلب ظاهر الحديث قال: ~~لا يحتاج إلى بينة. وإنما اشترط الشهادة في ذلك الشافعي وأبو حنيفة لان ~~قوله عليه الصلاة والسلام: اعرف عفاصها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك ~~بها يحتمل أن يكون إنما أمره بذلك ليدفعها لصاحبها بالعفاص والوكاء، فلما ~~وقع الاحتمال وجب الرجوع إلى الأصل، فإن الأصول لا تعارض بالاحتمالات ~~المخالفة لها إلا أن تصبح الزيادة التي نذكرها بعد، وعند مالك وأصحابه أن ~~على صاحب اللقطة أن يصف مع العفاص والوكاء صفة الدنانير والعدد، قالوا: ~~وذلك موجود في بعض روايات الحديث، ولفظه فإن جاء صاحبها ووصف عفاصها ~~ووكاءها وعددها فادفعها إليه قالوا: لكن لا يضره الجهل بالعدد إذا عرف ~~العفاص والوكاء. وكذلك إن زاد فيه. واختلفوا إن نقص ms0825 من العدد على قولين. ~~وكذلك اختلفوا إذا جهل الصفة وجاء بالعفاص والوكاء. وأما إذا غلط فيها فلا ~~شئ له. وأما إذا عرف إحدى العلامتين اللتين وقع عليهما وجهل الأخرى فقيل ~~إنه لا شئ له إلا بمعرفتهما جميعا، وقيل يدفع إليه بعد الاستبراء. وقيل إن ~~ادعى الجهالة استبرئ وإن غلط لم تدفع إليه. # واختلف المذهب إذا أتى بالعلامة المستحقة هل يدفع إليه بيمين أو بغير ~~يمين؟ فقال ابن القاسم: بغير يمين. وقال أشهب: بيمين. وأما ضالة الغنم. فإن ~~العلماء اتفقوا على أن لواجد ضالة الغنم في المكان القفر البعيد من العمران ~~أن يأكلها لقوله عليه الصلاة والسلام في الشاة: هي لك أو لأخيك أو للذئب ~~واختلفوا هل يضمن قيمتها لصاحبها أم لا؟ فقال جمهور العلماء: إنه يضمن ~~قيمتها، وقال مالك في أشهر الأقاويل عنه: إنه لا يضمن. # وسبب الخلاف: معارضة الظاهر كما قلنا للأصل المعلوم من الشريعة، إلا أن ~~مالكا هنا غلب الظاهر فجرى على حكم الظاهر، ولم يجز كذلك التصرف فيما وجب ~~تعريفه بعد العام لقوة اللفظ ههنا. وعنه رواية أخرى أنه يضمن. وكذلك كل ~~طعام لا يبقى إذا خشي عليه التلف إن تركه. وتحصيل مذهب مالك عند أصحابه في ~~ذلك أنها على ثلاثة أقسام: # قسم يبقى في يد ملتقطه ويخشى عليه التلف إن ترك كالشاة في القفر، والطعام ~~الذي يسرع إليه الفساد. # وقسم لا يخشى عليه التلف. فأما القسم الأول: وهو ما يبقى في يد ملتقطه ~~ويخشى عليه التلف. فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون يسيرا لا ~~بال له ولا قدر لقيمته ويعلم أن صاحبه لا يطلبه لتفاهته، فهذا لا يعرف عنده ~~وهو لمن وجده. والأصل في ذلك ما روي: # أن رسول الله (ص) مر بتمرة في الطريق فقال: لولا أن تكون من الصدقة ~~لأكلتها ولم يذكر فيها تعريفا، وهذا مثل العصا والسوط، وإن كان أشهب قد ~~استحسن تعريف ذلك. # والثاني: أن يكون يسيرا إلا أن له قدرا ومنفعة، فهذا لا خلاف في المذهب ~~في تعريفه. PageV02P249 # واختلفوا ms0826 في قدر ما يعرف، فقيل سنة، وقيل أياما. وأما الثالث: فهو أن ~~يكون كثيرا أو له قدر. فهذا لا اختلاف في وجوب تعريفه حولا. وأما القسم ~~الثاني: وهو ما لا يبقى بيد ملتقطه ويخشى عليه التلف، فإن هذا يأكله غنيا ~~كان أم فقيرا، وهل يضمن، فيه روايتان كما قلنا الأشهر أن لا ضمان عليه، ~~واختلفوا إن وجد ما يسرع إليه الفساد في الحاضرة فقيل لا ضمان عليه، وقيل ~~عليه الضمان، وقيل بالفرق بين أن يتصدق به فلا يضمن أو يأكله فيضمن. وأما ~~القسم الثالث: فهو كالإبل، أعني أن الاختيار عنده فيه الترك للنص الوارد في ~~ذلك، فإن أخذها وجب تعريفها، والاختيار تركها، وقيل في المذهب هو عام في ~~جميع الأزمنة، وقيل إنما هو زمان العدل، وأن الفضل في زمان غير العدل ~~التقاطها وأما ضمانها في الذي تعرف فيه، فإن العلماء اتفقوا على أن من ~~التقطها وأشهد على التقاطها فهلكت عنده أنه غير ضامن واختلفوا إذا لم يشهد، ~~فقال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن لا ضمان عليه إن لم يضيع وإن ~~لم يشهد، وقال أبو حنيفة وزفر: # يضمنها إن هلكت ولم يشهد. واستدل مالك والشافعي بأن اللقطة وديعة فلا ~~ينقلها ترك الاشهاد من الأمانة إلى الضمان، قالوا: وهي وديعة بما جاء من ~~حديث سليمان بن بلال وغيره أنه قال: إن جاء صاحبها وإلا فلتكن وديعة عندك. ~~واستدل أبو حنيفة وزفر بحديث مطرف بن الشخير عن عياض بن حمار قال: قال رسول ~~الله (ص): من التقط لقطة فليشهد ذوي عدل عليه ولا يكتم ولا يعنت، فإن جاء ~~صاحبها فهو أحق بها، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء. وتحصيل المذهب في ~~ذلك أن واجد اللقطة عند مالك لا يخلو التقاطه لها من ثلاثة أوجه: أحدها: أن ~~يأخذها على جهة الاغتيال لها. والثاني: أن يأخذها على جهة الالتقاط. ~~والثالث: أن يأخذها لا على جهة الالتقاط ولا على جهة الاغتيال، فإن أخذها ~~على جهة الالتقاط فهي أمانة عنده عليه حفظها وتعريفها، فإن ms0827 ردها بعد أن ~~التقطها فقال ابن القاسم: يضمن، وقال أشهب: لا يضمن إذا ردها في موضعها، ~~فإن ردها في غير موضعها ضمن كالوديعة، والقول قوله في تلفها دون يمين إلا ~~أن يتهم. وأما إذا قبضها مغتالا لها فهو ضامن لها، ولكن لا يعرف هذا الوجه ~~إلا من قبله. وأما الوجه الثالث فهو مثل أن يجد ثوبا فيأخذه، وهو يظنه لقوم ~~بين يديه ليسألهم عنه، فهذا إن لم يعرفوه ولا ادعوه كان له أن يرده حيث ~~وجده ولا ضمان عليه باتفاق عند أصحاب مالك. وتتعلق بهذا الباب مسألة اختلف ~~العلماء فيها، وهو العبد يستهلك اللقطة، فقال مالك: إنها في رقبته إما إن ~~يسلمه سيده فيها، وإما أن يفديه بقيمتها، هذا إذا كان استهلاكه قبل الحول، ~~فإن استهلكها بعد الحول كانت دينا عليه ولم تكن في رقبته، وقال الشافعي: إن ~~علم بذلك السيد فهو الضامن، وإن لم يعلم بها السيد كانت في رقبة العبد. ~~واختلفوا هل يرجع الملتقط بما أنفق على اللقطة على صاحبها أم لا؟ فقال ~~الجمهور: ملتقط اللقطة متطوع PageV02P250 # بحفظها فلا يرجع بشئ من ذلك على صاحب اللقطة. وقال الكوفيون: لا يرجع بما ~~أنفق إلا أن تكون النفقة عن إذن الحاكم، وهذه المسألة هي من أحكام ~~الالتقاط، وهذا القدر كاف بحسب غرضنا في هذا الباب. # باب: في اللقيط والنظر في أحكام الالتقاط وفي الملتقط واللقيط وفي أحكامه ~~وقال الشافعي: كل شئ ضائع لا كافل له فالتقاطه من فروض الكفايات، وفي وجوب ~~الاشهاد عليه خيفة الاسترقاق خلاف. والخلاف فيه: مبني على الاختلاف في ~~الاشهاد على اللقطة. واللقيط: # هو الصبي الصغير غير البالغ، وإن كان مميزا، ففيه في مذهب الشافعي تردد، ~~والملتقط: # هو كل حر عدل رشيد، وليس العبد والمكاتب بملتقط، والكافر دون المسلم، ~~لأنه لا ولاية له عليه، ويلتقط المسلم الكافر، وينزع من يد الفاسق والمبذر، ~~وليس من شرط الملتقط الغنى، ولا تلزم نفقة الملتقط على من التقطه، وإن أنفق ~~لم يرجع عليه بشئ. وأما أحكامه فإنه يحكم له بحكم الاسلام ms0828 إن التقطه في دار ~~المسلمين ويحكم للطفل بالاسلام بحكم أبيه عند مالك، وعند الشافعي بحكم من ~~أسلم منهما، وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك. وقد اختلف في اللقيط فقيل إنه ~~عبد لمن التقطه، وقيل إنه حر وولاؤه لمن التقطه، وقيل إنه حر وولاؤه ~~للمسلمين، وهو مذهب مالك، والذي تشهد له الأصول إلا أن يثبت في ذلك أثر ~~تخصص به الأصول مثل قوله عليه الصلاة والسلام: # ترث المرأة ثلاثة: لقيطها وعتيقها وولدها الذي لاعنت عليه. PageV02P251 # كتاب الوديعة وجل المسائل المشهورة بين فقهاء الأمصار هي في أحكام ~~الوديعة: فمنها أنهم اتفقوا على أنها أمانة لا مضمونة، إلا ما حكي عن عمر ~~بن الخطاب. قال المالكيون: والدليل على أنها أمانة أن الله أمر برد ~~الأمانات وليأمر بالاشهاد، فوجب أن يصدق المستودع في دعواه رد الوديعة مع ~~يمينه إن كذبه المودع، قالوا: إلا أن يدفعها إليه ببينة فإنه لا يكون القول ~~قوله، قالوا: لأنه إذا دفعها إليه ببينة فكأنه ائتمنه على حفظها ولم يأتمنه ~~على ردها، فيصدق في تلفها ولا يصدق على ردها، هذا هو المشهور عن مالك ~~وأصحابه، وقد قيل عن ابن القاسم إن القول قوله وإن دفعها إليه ببينة، وبه ~~قال الشافعي وأبو حنيفة، وهو القياس، لأنه فرق بين التلف ودعوى الرد، ويبعد ~~أن تنتقض الأمانة، وهذا فيمن دفع الأمانة إلى اليد التي دفعتها إليه. وأما ~~من دفعها إلى غير اليد التي دفعتها إليه، فعليه ما على ولي اليتيم من ~~الاشهاد عند مالك وإلا ضمن، يريد قول الله عز وجل: * (فإذا دفعتم إليهم ~~أموالهم فأشهدوا عليهم) * فإن أنكر القابض القبض فلا يصدق المستودع في ~~الدفع عند مالك وأصحابه إلا ببينة، وقد قيل إنه يتخرج من المذهب أنه يصدق ~~في ذلك، وسواء عند مالك أمر صاحب الوديعة بدفعها إلى الذي دفعها أو لم ~~يأمر، وقال أبو حنيفة: إن كان ادعى دفعها إلى أمره بدفعها فالقول قول ~~المستودع مع يمينه، فإن أقر المدفوع إليه بالوديعة، أعني إذا كان غير ~~المودع وادع التلف فلا ms0829 يخلو أن يكون المستودع دفعها إلى أمانة وهو وكيل ~~المستودع أو إلى ذمة، فإن كان القابض أمينا فاختلف في ذلك قول ابن القاسم ~~فقال مره: يبرأ الدافع بتصديق القابض، وتكون المصيبة من الآمر الوكيل ~~بالقبض، ومرة قال: لا يبرأ الدافع إلا بإقامة البينة على الدفع أو يأتي ~~القابض بالمال. وأما إن دفع إلى ذمة، مثل أن يقول رجل للذي عنده الوديعة ~~ادفعها إلي سلفا PageV02P252 # أو تسلفا في سلعة أو ما أشبه ذلك، فإن كانت الذمة قائمة برئ الدافع في ~~المذهب من غير خلاف، وإن كانت الذمة خربة فقولان. والسبب في هذا الاختلاف ~~كله: أن الأمانة تقوي دعوى المدعي حتى يكون القول قوله مع يمينه، فمن شبه ~~أمانة الذي أمره المودع أن يدفعها إليه، أعني الوكيل بأمانة المودع عنده ~~قال: يكون القول قوله في دعواه التلف كدعوى المستودع عنده، ومن رأى أن تلك ~~الأمانة أضعف قال: لا يبرأ الدافع بتصديق القابض مع دعوى التلف، ومن رأى ~~المأمور بمنزله الآمر قال: القول قول الدافع للمأمور كما كان القول قوله مع ~~الآمر، وهو مذهب أبي حنيفة، ومن رأى أنه أضعف منه قال: الدافع ضامن إلا أن ~~يحضر القابض المال، وإذا أودعها بشرط الضمان فالجمهور على أنه لا يضمن، ~~وقال الغير: يضمن. وبالجملة فالفقهاء يرون بأجمعهم أنه لا ضمان على صاحب ~~الوديعة إلا أن يتعدى ويختلفون في أشياء هل هي تعد أم ليس بتعد؟ فمن ~~مسائلهم المشهورة في هذا البا ب إذا أنفق الوديعة ثم رد مثلها أو أخرجها ~~لنفقته ثم ردها فقال مالك: يسقط عنه الضمان بحالة مثل إذا ردها، وقال أبو ~~حنيفة: إن ردها بعينها قبل أن ينفقها لم يضمن، وإن رد مثلها ضمن، وقال عبد ~~الملك والشافعي: يضمن في الوجهين جميعا، فمن غلظ الامر ضمنه إياها بتحريكها ~~ونية استنفاقها، ومن رخص لم يضمنها إذا أعاد مثلها. ومنها اختلافهم في ~~السفر بها، فقال مالك: ليس له أن يسافر بها إلا أن تعطى له في سفر، وقال ~~أبو حنيفة: له أن يسافر بها ms0830 إذا كان الطريق آمنا ولم ينهه صاحب الوديعة. ~~ومنها أنه ليس للمودع عنده أن يودع الوديعة غيره من غير عذر، فإن فعل ضمن، ~~وقال أبو حنيفة: إن أودعها عند من تلزمه نفقته لم يضمن، لأنه شبهه بأهل ~~بيته، وعند مالك له أن يستودع ما أودع عند عياله الذين يأمنهم وهم تحت غلقه ~~من زوج أو ولد أو أمة ومن أشبههم. وبالجملة فعند الجميع أنه يجب عليه أن ~~يحفظها مما جرت به عادة الناس أن تحفظ أموالهم، فما كان بينا من ذلك أنه ~~حفظ اتفق عليه، وما كان غير بين أنه حفظ اختلف فيه، مثل اختلافهم في المذهب ~~فيما جعل وديعة في جيبه فذهبت، والأشهر أنه يضمن، وعند ابن وهب أن من أودع ~~وديعة في المسجد فجعلها على نعله فذهبت أنه لا ضمان عليه. ويختلف في المذهب ~~ضمانها بالنسيان مثل أن ينساها في موضع أو ينسى من دفعها إليه، أو يدعيها ~~رجلان، فقيل يحلفان وتقسم بينهما، وقيل إنه يضمن لكل واحد منهما. وإذا أراد ~~السفر فله عند مالك أن يودعها عند ثقة من أهل البلد ولا ضمان عليه قدر على ~~دفعها إلى الحاكم أولم يقدر. واختلف في ذلك أصحاب الشافعي، فمنهم من يقول: ~~إن أودعها لغير الحاكم ضمن، وقبول الوديعة عند مالك لا يجب في حال، ومن ~~العلماء من يرى أنه واجب إذا لم يجد المودع من يودعها عنده، PageV02P253 # ولا أجر للمودع عنده على حفظ الوديعة، وما تحتاج إليه من مسكن أو نفقة ~~فعلى ربها. واختلفوا من هذا الباب في فرع مشهور، وهو فيمن أودع مالا فتعدى ~~فيه واتجر به فربح فيه، هل ذلك الربح حلال له أم لا؟ فقال مالك والليث وأبو ~~يوسف وجماعة إذا رد المال طاب له الربح وإن كان غاصبا للمال فضلا عن أن ~~يكون مستودعا عنده. # وقال أبو حنيفة وزفر ومحمد بن الحسن: يؤدي الأصل ويتصدق بالربح، وقال ~~قوم: # لرب الوديعة الأصل والربح. وقال قوم: هو مخير بين الأصل والربح، وقال ~~قوم: البيع الواقع في تلك ms0831 التجارة فاسد، وهؤلاء هم الذين أوجبوا التصدق ~~بالربح إذا مات. فمن اعتبر التصرف قال الربح للمتصرف، ومن اعتبر الأصل قال: ~~الربح لصاحب المال.. # ولذلك لما أمر عمر رضي الله عنه ابنيه عبد الله وعبيد الله أن يصرفا ~~المال الذي أسلفهما وأبو موسى الأشعري من بيت المال فاتجرا فيه فربحا، قيل ~~له: لو جعلته قراضا، فأجاب إلى ذلك، لأنه قد روي أنه قد حصل للعامل جزء ~~ولصاحب المال جزء، وأن ذلك عدل. PageV02P254 # كتاب العارية والنظر في العارية في أركانها وأحكامها، وأركانها خمسة: ~~الإعارة، والمعير والمستعير، والمعار، والصيغة، أما الإعارة فهي فعل خير ~~ومندوب إليه، وقد شدد فيها قوم من السلف الأول: روي عن عبد الله بن عباس و ~~عبد الله بن مسعود أنهما قالا في قوله تعالى: * (ويمنعون الماعون) * أنه ~~متاع البيت الذي يتعاطاه الناس بينهم من الفأس والدلو والحبل والقدر وما ~~أشبه ذلك، وأما المعير فلا يعتبر فيه إلا كونه مالكا للعارية إما لرقبتها ~~وإما لمنفعتها، والأظهر أنها لا تصلح من المستعير أعني أن يعيرها. وأما ~~العارية فتكون في الدور والأرضين والحيوان، وجميع ما يعرف بعينه إذا كانت ~~منفعته مباحة الاستعمال، ولذلك لا تجوز إباحة الجواري للاستمتاع ويكره ~~للاستخدام إلا أن تكون ذات محرم. وأما صيغة الإعارة، فهي كل لفظ يدل على ~~الاذن، وهي عقد جائز عند الشافعي وأبي حنيفة: # أي للمعير أن يسترد عاريته إذا شاء، وقال مالك في المشهور: ليس له ~~استرجاعها قبل الانتفاع، وإن شرط مدة لزمته من المدة ما يرى الناس أنه مدة ~~لمثل تلك العارية. وسبب الخلاف: ما يوجد فيها من شبه العقود اللازمة وغير ~~اللازمة. وأما الاحكام فكثيرة، وأشهرها هل هي مضمونة أو أمانة؟ فمنهم من ~~قال: إنها مضمونة وإن قامت البينة على تلفها، وهو قول أشهب والشافعي، وأحد ~~قولي مالك، ومنهم من قال نقيض هذا، وهو أنها ليست مضمونة أصلا وهو قول أبي ~~حنيفة، ومنهم من قال: يضمن فيما يغاب عليه إذا لم يكن على التلف بينة، ولا ~~يضمن فيما لا يغاب عليه، ms0832 ولا فيما قامت البينة على تلفه، وهو مذهب مالك ~~المشهور وابن القاسم وأكثر أصحابه. وسبب الخلاف: تعارض الآثار في ذلك، وذلك ~~أنه ورد في الحديث الثابت أنه قال عليه الصلاة والسلام لصفوان بن أمية بل ~~عارية مضمونة مؤداة وفي بعضها بل عارية مؤداة وروي عنه أنه قال: ليس على ~~المستعير ضمان فمن رجح وأخذ بهذا أسقط PageV02P255 # الضمان عنه، ومن أخذ بحديث صفوان بن أمية ألزمه الضمان، ومن ذهب مذهب ~~الجمع فرق بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه، فحمل هذا الضمان على ما ~~يغاب عليه، والحديث الآخر على ما لا يغاب عليه، إلا أن الحديث الذي فيه ليس ~~على المستعير ضمان غير مشهور، وحديث صفوان صحيح، ومن لم ير الضمان شبهها ~~بالوديعة، ومن فرق قال: الوديعة مقبوضة لمنفعة الدافع، والعارية لمنفعة ~~القابض. واتفقوا في الإجارة على أنها غير مضمونة: أعني الشافعي وأبا حنيفة ~~ومالكا، ويلزم الشافعي إذا سلم أنه لا ضمان عليه في الإجارة أن لا يكون ~~ضمان في العارية إن سلم أن سبب الضمان هو الانتفاع، لأنه إذا لم يضمن حيث ~~قبض لمنفعتهما فأحرى أن لا يضمن حيث قبض لمنفعته إذا كانت منفعة الدافع ~~مؤثرة في اسقاط الضمان. واختلفوا إذا شرط الضمان، فقال قوم: # يضمن، وقال قوم: لا يضمن، والشرط باطل، ويجئ على قول مالك إذا اشترط ~~الضمان في الموضع الذي لا يجب فيه عليه الضمان أن يلزم إجارة المثل في ~~استعماله العارية لان الشرط يخرج العارية عن حكم العارية إلى باب الإجارة ~~الفاسدة إذا كان صاحبها لم يرض أن يعير إلا بأن يخرجها في ضمانه، فهو عوض ~~مجهول فيجب أن يرد إلى معلوم. # واختلف عن مالك والشافعي إذا غرس المستعير وبنى ثم انقضت المدة التي ~~استعار إليها، فقال مالك: المالك بالخيار وإن شاء أخذ المستعير بقلع غراسته ~~وبنائه، وإن شاء أعطاه قيمته مقلوعا إذا كان مما له قيمة بعد القلع، وسواء ~~عند مالك انقضت المدة المحدودة بالشرط أو بالعرف أو العادة، وقال الشافعي: ~~إذا لم يشترط ms0833 عليه القلع فليس له مطالبته بالقلع، بل يخير المعير بأن يبقيه ~~بأجر يعطاه، أو ينقض بأرش، أو يتملك ببدل، فأيها أراد المعير أجبر عليه ~~المستعير، فإن أبى كلف تفريغ الملك. وفي جواز بيعه للنقض عنده خلاف، لأنه ~~معرض للنقض، فرأ الشافعي أخذه المستعير بالقلع دون أرش هو ظلم، ورأي مالك ~~أن عليه إخلاء المحل، وأن العرف في ذلك يتنزل منزلة الشروط، وعند مالك أنه ~~إن استعمل العارية استعمالا ينقصها عن استعمال المأذون فيه ضمن ما نقصها ~~بالاستعمال. واختلفوا من هذا الباب في الرجل يسأل جاره أن يعيره جداره ~~ليغرز فيه خشبة لمنفعته ولا تضر صاحب الجدار، وبالجملة في كل ما ينتفع به ~~المستعير ولا ضرر على المعير فيه، فقال مالك وأبو حنيفة: لا يقضى عليه به ~~إذ العارية لا يقضى بها، وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود وجماعة أهل ~~الحديث: يقضى بذلك. وحجتهم ما خرجه مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي ~~هريرة أن رسول الله (ص) قال: لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره ثم ~~يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافهم. ~~واحتجوا أيضا بما رواه مالك عن عمر بن الخطاب أن الضحاك بن قيس) ساق خليجا ~~له من العريض، فأرادوا أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة، فأبى محمد، فقال له ~~PageV02P256 # الضحاك: أنت تمنعني وهو لك منفعة، تسقي منه أولا وآخرا ولا يضرك؟ فأبى ~~محمد، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا عمر محمد بن مسلمة، فأمره أن ~~يخلي سبيله، قال محمد: لا، فقال عمر: لا تمنع أخاك ما ينفعه ولا يضرك، فقال ~~محمد: لا، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك، فأمره عمر أن يمر به، ~~ففعل الضحاك. وكذلك حديث عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه قال: كان في ~~حائط جدي ربيع لعبد الرحمن بن عوف، فأراد أن يحوله إلى ناحية من الحائط، ~~فمنعه صاحب الحائط، فكلم عمر بن الخطاب، فقضى لعبد الرحمن بن عوف ms0834 بتحويله. ~~وقد عذل الشافعي مالكا لادخاله هذه الأحاديث في موطئه، وتركه الاخذ بها. ~~وعمدة مالك وأبي حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام: لا يحل مال امرئ مسلم إلا ~~عن طيب نفس منه وعند الغير أن عموم هذا مخصص بهذه الأحاديث، وبخاصة حديث ~~أبي هريرة. وعند مالك أنها محمولة على الندب، وأنه إذا أمكن أن تكون مختصة ~~وأن تكون على الندب فحملها على الندب أولى، لان بناء العام على الخاص إنما ~~يجب إذا لم يمكن بينهما جمع، ووقع التعارض. وروى أصبغ عن ابن القاسم: أنه ~~لا يؤخذ بقضاء عمر على محمد بن مسلمة في الخليج. ويؤخذ بقضائه لعبد الرحمن ~~بن عوف في تحويل الربيع، وذلك أنه رأى أن تحويل الربيع أيسر من أن يمر عليه ~~بطريق لم يكن قبل. وهذا القدر كاف بحسب غرضنا. PageV02P257 # كتاب الغصب وفيه بابان: الأول: في الضمان، وفيه ثلاثة أركان: الأول: ~~الموجب للضمان. # والثاني: ما فيه الضمان. والثالث: الواجب. وأما الباب الثاني: فهو في ~~الطوارئ على المغصوب. # الباب الأول: في الضمان الركن الأول: وأما الموجب للضمان، فهو إما ~~المباشرة لاخذ المال المغصوب أو لاتلافه، وإما المباشرة للسبب المتلف، وإما ~~إثبات اليد عليه. واختلفوا في السبب الذي يحصل بمباشرته الضمان إذا تناول ~~التلف بواسطة سبب آخر هل يحصل به ضمان أم لا؟ # وذلك مثل أن يفتح قفصا فيه طائر فيطير بعد الفتح. فقال مالك: يضمنه، هاجه ~~على الطيران أو لم يهجه وقال أبو حنيفة لا يضمن على حال، وفرق الشافعي بين ~~أن يهيجه على الطيران أو لا يهيجه، فقال: يضمن إن هاجه: ولا يضمن إن لم ~~يهجه. ومن هذا من حفر بئرا فسقط فيه شئ فهلك، فمالك والشافعي يقولان: إن ~~حفرة بحيث إن يكون حفره تعديا ضمن ما تلف فيه وإلا لم يضمن، ويجئ على أصل ~~أبي حنيفة أنه لا يضمن في مسألة الطائر، وهل يشترط في المباشرة العمد أو لا ~~يشترط؟ فالأشهر أن الأموال تضمن عمدا وخطأ، وإن كانوا قد اختلفوا في مسائل ~~جزئية من هذا الباب، وهل ms0835 يشترط فيه أن يكون مختارا؟ فالمعلوم عند الشافعي ~~أنه يشترط أن يكون مختارا، ولذلك رأى على المكره الضمان: أعني المكره على ~~الاتلاف. # الركن الثاني: وأما ما يجب فيه الضمان فهو كل مال أتلفت عينه أو تلفت عند ~~الغاصب عينه بأمر من السماء أو سلطت اليد عليه وتملك، وذلك فيما ينقل ويحول ~~باتفاق، واختلفوا فيما لا ينقل ولا يحول مثل العقار، فقال الجمهور: إنها ~~تضمن بالغصب. أعني أنها إن انهدمت الدار ضمن قيمتها، وقال أبو حنيفة: لا ~~يضمن. PageV02P258 # الركن الثالث: وهو الواجب في الغصب، والواجب على الغاصب إن كان المال ~~قائما عنده بعينه لم تدخله زيادة ولا نقصان أن يرده بعينه، وهذا لا اختلاف ~~فيه، فإذا ذهبت عينه فإنهم اتفقوا على أنه إذا كان مكيلا أو موزونا أن على ~~الغاصب المثل، أعني مثل ما استهلك صفة ووزنا. واختلفوا في العروض فقال ~~مالك: لا يقضي في العروض من الحيوان وغيره إلا بالقيمة يوم استهلك. وقال ~~الشافعي وأبو حنيفة وداود: الواجب في ذلك المثل، ولا تلزم القيمة إلا عند ~~عدم المثل. وعمدة مالك حديث أبي هريرة المشهور عن النبي (ص): من أعتق شقصا ~~له في عبد قوم عليه الباقي قيمة العدل الحديث، ووجه الدليل منه أنه لم ~~يلزمه المثل وألزمه القيمة. وعمدة الطائفة الثانية قوله تعالى: * (فجزاء ~~مثل ما قتل من النعم) * ولان منفعة الشئ قد تكون هي المقصودة عند المتعدى ~~عليه، ومن الحجة لهم ما خرجه أبو داود من حديث أنس وغيره أن رسول الله (ص) ~~كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين جارية بقصعة لها فيها طعام، ~~قال: فضربت بيدها فكسرت القصعة، فأخذ النبي (ص) الكسرتين فضم إحداهما إلى ~~الأخرى وجعل فيها جميع الطعام وهو يقول: غارت أمكم كلوا كلوا، حتى جاءت ~~قصعتها التي في بيتها، وحبس رسول الله (ص) القصعة حتى فرغوا، فدفع الصفحة ~~الصحيحة إلى الرسول، وحبس المكسورة في بيته وفي حديث آخر: أن عائشة كانت هي ~~التي غارت وكسرت الاناء، وأنها قالت لرسول الله (ص): ما كفار ms0836 ما صنعت؟ قال: ~~إناء مثل إناء، وطعام مثل طعام. # الباب الثاني: في الطوارئ والطوارئ على المغصوب إما بزيادة وإما بنقصان، ~~وهذان إما من قبل المخلوق، وإما من قبل الخالق. فأما النقصان الذي يكون ~~بأمر من السماء فإنه ليس له إلا أن يأخذه ناقصا، أو يضمنه قيمته يوم الغصب، ~~وقيل إن له أن يأخذه ويضمن الغاصب قيمة العيب. وأما إن كان النقص بجناية ~~الغاصب فالمغصوب مخير في المذهب بين ان يضمنه القيمة يوم الغصب أو يأخذه، ~~وما نقصته الجناية يوم الجناية عند ابن القاسم. وعند سحنون ما نقصته ~~الجناية يوم الغصب، وذهب أشهب إلى أنه مخير بين أن يضمنه القيمة أو يأخذه ~~ناقصا، ولا شئ له في الجناية كالذي يصاب بأمر من السماء، وإليه ذهب ابن ~~المواز. والسبب في هذا الاختلاف: أن من جعل المغصوب مضمونا على الغاصب ~~بالقيمة يوم الغصب جعل ما حدث فيه من نماء أو نقصان، كأن حدث في ملك صحيح، ~~فأوجب له الغلة ولم يوجب عليه في النقصان شيئا سواء PageV02P259 # كان من سببه أو من عند الله، وهو قياس قول أبي حنيفة. وبالجملة فقياس قول ~~من يضمنه قيمته يوم الغصب فقط، ومن جعل المغصوب مضمونا على الغاصب بقيمته ~~في كل أوان كانت يده عليه آخذه بأرفع القيم، وأوجب عليه رد الغلة وضمان ~~النقصان سواء أكان من فعله أو من عند الله، وهو قول الشافعي أو قياس قوله. ~~ومن فرق بين الجناية التي تكون من الغاصب، وبين الجناية التي تكون بأمر من ~~السماء، وهو مشهور مذهب مالك وابن القاسم، فعمدته قياس الشبه، لأنه رأى أن ~~جناية الغاصب على الشئ الذي غصبه هو غصب ثان متكرر منه، كما لو جنى عليه ~~وهو في ملك صاحبه، فهذا هو نكتة الاختلاف في هذا الباب فقف عليه. وأما إن ~~كانت الجناية عند الغاصب من غير فعل الغاصب، فالمغصوب مخير بين أن يضمن ~~الغاصب القيمة يوم الغصب ويتبع الغاصب الجاني، وبين أن يترك الغاصب ويتبع ~~الجاني بحكم الجنايات، فهذا حكم الجنايات على العين ms0837 في يد الغاصب. وأما ~~الجناية على العين من غير أن يغصبها غاصب، فإنها تنقسم عند مالك إلى قسمين: ~~جناية تبطل يسيرا من المنفعة، والمقصود من الشئ باق، فهذا يجب فيه ما نقص ~~يوم الجناية، وذلك بأن يقوم صحيحا ويقوم بالجناية، فيعطى ما بين القيمتين. ~~وأما إن كانت الجناية مما تبطل الغرض المقصود، فإن صاحبه يكون مخيرا إن شاء ~~أسلمه للجاني وأخذ قيمته، وإن شاء أخذ قيمة الجناية، وقال الشافعي وأبو ~~حنيفة: ليس له إلا قيمة الجناية. وسبب الاختلاف: الالتفات إلى الحمل على ~~الغاصب، وتشبيه إتلاف أكثر المنفعة بإتلاف العين. وأما النماء فإنه على ~~قسمين: أحدهما: أن يكون بفعل الله كالصغير يكبر والمهزول يسمن والعيب يذهب. ~~والثاني: أن يكون مما أحدثه الغاصب. فأما الأول فإنه ليس يفوت. وأما النماء ~~بما أحدثه الغاصب في الشئ المغصوب فإنه ينقسم فيما رواه ابن القاسم عن مالك ~~إلى قسمين: أحدهما: أن يكون قد جعل فيه من ماله، ما له عين قائمة كالصبغ في ~~الثوب والنقش في البناء وما أشبه ذلك. والثاني: أن لا يكون قد جعل فيه من ~~ماله سوى العمل كالخياطة والنسج وطحن الحنطة والخشبة يعمل منها توابيت. ~~فأما الوجه الأول: وهو أن يجعل فيه من ماله ما له عين قائمة، فإنه ينقسم ~~إلى قسمين: أحدهما: أن يكون ذلك الشئ مما يمكنه إعادته على حاله كالبقعة ~~يبنيها وما أشبه ذلك. والثاني: أن لا يقدر على إعادته كالثوب يصبغه والسويق ~~يلته. فأما الوجه الأول: فالمغصوب منه مخير بين أن يأمر الغاصب بإعادة ~~البقعة على حالها وإزالة ما له فيها مما جعله من نقيض أو غيره، وبين أن ~~يعطي الغاصب قيمة ماله فيها من النقض مقلوعا بعد حط أجر القلع، وهذا إن كان ~~الغاصب ممن لا يتولى ذلك بنفسه ولا بغيره، وإنما يستأجر عليه، وقيل إنه لا ~~يحط من ذلك أجر القلع، هذا إن كانت له قيمة، وأما إن لم تكن له قيمة لم يكن ~~للغاصب على المغصوب فيه شئ، لان من حق المغصوب أن يعيد ms0838 له الغاصب ما غصب ~~منه على هيئته، فإن لم يطالبه بذلك لم يكن له مقا. وأما الوجه الثاني: فهو ~~فيه مخير بين أن يدفع قيمة الصبغ وما أشبه ويأخذ ثوبه وبين أن يضمنه قيمة ~~الثوب يوم غصبه، PageV02P260 # إلا في السويق الذي يلته في السمن وما أشبه ذلك من الطعام، فلا يخير فيه ~~لما يدخله من الربا ويكون ذلك فوتا يلزم الغاصب فيه المثل، أو القيمة فيما ~~لا مثل له. وأما الوجه الثاني: من التقسيم الأول، وهو أن لا يكون أحدث ~~الغاصب فيما أحدثه في الشئ المغصوب سوى العمل، فإن ذلك أيضا ينقسم قسمين: ~~أحدهما: أن يكون ذلك يسيرا لا ينتقل به الشئ عن اسمه بمنزلة الخياطة في ~~الثوب أو الرفولة. والثاني: أن يكون العمل كثيرا ينتقل به الشئ المغصوب عن ~~اسمه كالخشبة يعمل منها تابوتا والقمح يطحنه والغزل ينسجه والفضة يصوغها ~~حليا أو دراهم. فأما الوجه الأول: فلا حق فيه للغاصب، ويأخذ المغصوب منه ~~الشئ المغصوب معمولا. وأما الوجه الثاني: فهو فوت يلزم الغاصب قيمة الشئ ~~المغصوب يوم غصبه أو مثله فيما له مثل، هذا تفصيل مذهب ابن القاسم في هذا ~~المعنى، وأشهب يجعل ذلك كله للمغصوب، أصله مسألة البنيان فيقول: إنه لا حق ~~للغاصب فيما لا يقدر على أخذه من الصبغ والرفولة والنسج والدباغ والطحين. ~~وقد روي عن ابن عباس أن الصبغ تفويت يلزم الغاصب فيه القيمة يوم الغصب، وقد ~~قيل إنهما يكونان شريكين، هذا بقيمة الصبغ، وهذا بقيمة الثوب إن أبى رب ~~الثوب أن يدفع قيمة الصبغ، وإن أبى الغاصب أن يدفع قيمة الثوب، وهذا القول ~~أنكره ابن القاسم في المدونة في كتاب اللقطة وقال: إن الشركة لا تكون إلا ~~فيما كان بوجه شبهة جلية. # وقول الشافعي في الصبغ مثل قول ابن القاسم إلا أنه يجيز الشركة بينهما ~~ويقول: إنه يؤمر الغاصب بقلب الصبغ إن أمكنه وإن نقص الثوب، ويضمن للمغصوب ~~مقدار النقصان، وأصول الشرع تقتضي أن لا يستحل مال الغاصب من أجل غصبه. ~~وسواء أكان منفعة أو ms0839 عينا، إلا أن يحتج محتج بقوله عليه الصلاة والسلام: ~~ليس عرق ظالم حق لكن هذا مجمل، ومفهومه الأول أنه ليس له منفعة متولدة بين ~~ماله وبين الشئ الذي غصبه، أعني ماله المتعلق بالمغصوب، فهذا هو حكم الواجب ~~في غير المغصوب تغير أو لم يتغير. وأما حكم غلته، فاختلف في ذلك في المذهب ~~على قولين: أحدهما: أن حكم الغلة حكم الشئ المغصوب. # والثاني: أن حكمها بخلاف الشئ المغصوب، فمن ذهب إلى أن حكمها حكم الشئ ~~المغصوب، وبه قال أشهب من أصحاب مالك يقول: إنما تلزمه الغلة يوم قبضها أو ~~أكثر مما انتهت إليه قيمتها على قول من يرى أن الغاصب يلزمه أرفع القيم من ~~يوم غصبها لا قيمة الشئ المغصوب يوم الغصب. وأما الذين ذهبوا إلى أن حكم ~~الغلة بخلاف حكم الشئ المغصوب، فاختلفوا في حكمها اختلافا كثيرا بعد ~~اتفاقهم على أنها إن تلفت ببينة أنه لا ضمان على الغاصب، وإنه إن ادعى ~~تلفها لم يصدق وأن كان مما لا يغلب عليه. وتحصيل مذهب هؤلاء في حكم الغلة ~~هو أن الغلال تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: غلة متولدة عن الشئ المغصوب ~~على نوعه وخلقته وهو الولد، وغلة متولدة عن الشئ لا على صورته، وهو مثل ~~الثمر ولبن PageV02P261 # الماشية وجبنها وصوفها، وغلال غير متولدة بل هي منافع، وهي الأكرية ~~والخراجات وما أشبه ذلك. فأما ما كان على خلقته وصورته فخلاف أعلمه أن ~~الغاصب يرده كالولد مع الأم المغصوبة وإن كان ولد الغاصب. وإنما اختلفوا في ~~ذلك إذا ماتت الأم، فقال مالك: هو مخير بين الولد وقيمة الأم وقال الشافعي: ~~بل يرد الولد وقيمة الأم وهو القياس. وأما إن كان متولدا على غير خلقة ~~الأصل وصورته ففيه قولان: أحدهما: أن للغاصب ذلك المتولد. والثاني: أنه ~~يلزمه رده مع الشئ المغصوب إن كان قائما أو قيمتها إن ادعى تلفها ولم يعرف ~~ذلك إلا من قوله، فإن تلف الشئ المغصوب كان مخيرا بين أن يضمنه بقيمته ولا ~~شئ له في الغلة، وبين أن يأخذه بالغلة ms0840 ولا شئ له من القيمة. وأما ما كان ~~غير متولد، فاختلفوا فيه على خمسة أقوال: # أحدها: أنه لا يلزمه رده جملة من غير تفصيل. والثاني: أنه يلزمه رده من ~~غير تفصيل أيضا. # والثالث: أنه يلزمه الرد إن أكرى، ولا يلزمه الرد إن انتفع أو عطل. ~~والرابع: يلزمه إن أكرى أو انتفع، ولا يلزمه إن عطل. والخامس: الفرق بين ~~الحيوان والأصول، أعني أنه يرد قيمة منافع الأصول، ولا يرد قيمة منافع ~~الحيوان، وهذا كله فيما اغتل من العين المغصوبة مع عينها وقيامها. وأما ما ~~اغتل منها بتصريفها وتحويل عينها كالدنانير فيغتصبها فيتجر بها فيربح، ~~فالغلة له قولا واحدا في المذهب، وقال قوم: الربح للمغصوب وهذا أيضا إذا ~~قصد غصب الأصل. # وأما إذا قصد غصب الغلة دون الأصل فهو ضامن للغلة بإطلاق، ولا خلاف في ~~ذلك سواء عطل أو انتفع أو أكرى، كان مما يزال به أو بما لا يزال به. # وقال أبو حنيفة: إنه من تعدى على دابة رجل فركبها أو حمل عليها فلا كراء ~~عليه في ركوبه إياها ولا في حمله، لأنه ضامن لها إن تلفت في تعديه، وهذا ~~قوله في كل ما ينقل ويحول، فإنه لما رأى أنه قد ضمنه بالتعدي وصار فذمته ~~جازت له المنفعة كما تقول المالكية فيما اتجر به من المال المغصوب، وإن كان ~~الفرق بينهما أن الذي اتجر به تحولت عينه، وهذا لم تتحول عينه. وسبب ~~اختلافهم: في هل يرد الغاصب الغلة أو لا يردها اختلافهم في تعميم قوله عليه ~~الصلاة والسلام: الخراج بالضمان وقوله عليه الصلاة والسلام: ليس لعرق ظالم ~~حق وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام هذا خرج على سبب، وهو في غلام قيم فيه ~~بعيب، فأراد الذي صرف عليه أن يرد المشتري غلته، وإذا خرج العام على سبب هل ~~يقصر على سببه أم يحمل على عمومه؟ فيه خلاف فقهاء الأمصار مشهور، فمن قصر ~~ههنا هذا الحكم على سببه قال إنما تجب الغلة من قبل الضمان فيما صار إلى ~~الانسان بشبهة، مثل أن ms0841 يشتري شيئا فيستغله فيستحق منه. وأما ما صار إليه ~~بغير وجه شبهة فلا تجوز له الغلة لأنه ظالم، وليس لعرق ظالم حق، فعمم هذا ~~الحديث في الأصل والغلة: أعني عموم هذا الحديث وخصص الثاني. وأما من عكس ~~الامر فعمم قوله عليه الصلاة والسلام: الخراج بالضمان على أكثر من السبب ~~الذي خرج عليه، وخصص قوله عليه الصلاة والسلام: ليس لعرق ظالم حق بأن جعل ~~ذلك في الرقبة دون الغلة قال: لا يرد الغلة الغاصب. وأما من المعنى كما ~~تقدم من قولنا PageV02P262 # فالقياس أن تجري المنافع والأعيان المتولدة مجرى واحدا، وأن يعتبر التضمن ~~أو لا يعتبر. # وأما سائر الأقاويل التي بين هذين فهي استحسان. وأجمع العلماء على أن من ~~اغترس نخلا أو ثمرا بالجملة وبنيانا في غير أرضه أنه يؤمر بالقلع لما ثبت ~~من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله (ص) قال: من أحيا أرضا ~~ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق والعرق الظالم عندهم هو ما اغترس في أرض ~~الغير. وروى أبو داود في هذا الحديث زيادة: قال عروة: ولقد حدثني الذي ~~حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله (ص) غرس أحدهما نخلا في ~~أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها ~~قال: فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفؤوس وإنها لنخل عم حتى أخرجت ~~منها. # إلا ما روي في المشهور عن مالك أن من زرع زرعا في أرض غيره وفات أوان ~~زراعته لم يكن لصاحب الأرض أن يقلع زرعه، وكان على الزارع كراء الأرض. وقد ~~روي عنه ما يشبه قياس قول الجمهور، وعلى قوله: إن كل ما لا ينتفع الغاصب به ~~إذا قلعه وأزاله أنه للمغصوب يكون الزرع على هذا للزارع. وفرق قوم بين ~~الزرع والثمار فقالوا: الزارع في أرض غيره له نفقته وزريعته، وهو قول كثير ~~من أهل المدينة، وبه قال أبو عبيد. وروي عن رافع بن خديج أنه قال عليه ~~الصلاة والسلام: من زرع في أرض قوم ms0842 بغير إذنهم فله نفقته وليس له من الزرع ~~شئ. # واختلف العلماء في القضاء فيما أفسدته المواشي والدواب على أربعة أقوال: ~~أحدها: أن كل دابة مرسلة فصاحبها ضامن لما أفسدته. والثاني: أن لا ضمان ~~عليه. والثالث: أن الضمان على أرباب البهائم بالليل، ولا ضمان عليهم فيما ~~أفسدته بالنهار. والرابع: وجوب الضمان في غير المنفلت ولا ضمان في المنفلت، ~~وممن قال: يضمن بالليل ولا يضمن بالنهار مالك والشافعي، وبأن لا ضمان عليهم ~~أصلا قال أبو حنيفة وأصحابه، وبالضمان بإطلاق، قال الليث، إلا أن الليث ~~قال: لا يضمن أكثر من قيمة الماشية، والقول الرابع مروي عن عمر رضي الله ~~عنه. فعمدة مالك والشافعي في هذا الباب شيئان: أحدهما: قوله تعالى: * ~~(وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم) * والنفش عند ~~أهل اللغة لا يكون إلا بالليل، وهذا الاحتجاج على مذهب من يرى أنا مخاطبون ~~بشرع من قبلنا، والثاني: مرسله عن ابن شهاب أن ناقة للبراء بن عازب دخلت ~~حائط قوم فأفسدت فيه، فقضى رسول الله (ص) أن على أهل الحوائط بالنهار ~~حفظها، وأن ما أفسدته المواشي بالليل ضامن على أهلها أي مضمون. # وعمدة أبي حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام: العجماء جرحها جبار وقال ~~الطحاوي: وتحقيق مذهب أبي حنيفة أنه لا يضمن إذا أرسلها محفوظة فأما إذا لم ~~يرسلها محفوظة فيضمن، والمالكية تقول: من شرط قولنا أن تكون الغنم في ~~المسرح وأما إذا كانت في أرض مزرعة لا مسرح فيها فهم يضمنون ليلا ونهارا. ~~وعمدة من رأى الضمان فيما أفسدت ليلا ونهارا شهادة الأصول له، وذلك أنه تعد ~~PageV02P263 # من المرسل، والأصول على أن على المعتدي الضمان، ووجه من فرق بين المنفلت ~~وغير المنفلت بين، فإن المنفلت لا يملك. فسبب الخلاف في هذا الباب: معارضة ~~الأصل للسمع، ومعارضة السماع بعضه لبعض، أعني أن الأصل يعارض جرح العجماء ~~جبار ويعارض أيضا التفرقة التي في حديث البراء، وكذلك التفرقة التي في حديث ~~البراء تعارض أيضا قوله: جرح العجماء جبار. ومن مسائل هذا الباب المشهورة ms0843 ~~اختلافهم في حكم ما يصاب من أعضاء الحيوان، فروي عن عمر بن الخطاب أنه قضى ~~في عين الدابة بربع ثمنها، وكتب إلى شريح فأمره بذلك، وبه قال الكوفيون، ~~وقضى به عمر بن عبد العزيز، وقال الشافعي ومالك: يلزم فيما أصيب من البهيمة ~~ما نقص في ثمنها قياسا على التعدي في الأموال، والكوفيون اعتمدوا في ذلك ~~على قول عمر رضي الله عنه وقالوا: إذا قال الصاحب قولا ولا مخالف له من ~~الصحابة وقوله مع هذا مخالف للقياس وجب العمل به لأنه يعلم أنه إنما صار ~~إلى القول به من جهة التوقيف. فسبب الخلاف إذن: معارضة القياس لقول الصاحب. ~~ومن هذا الباب اختلافهم في الجمل الصؤول وما أشبهه يخاف الرجل على نفسه ~~فيقتله، هل يجب عليه غرمه أم لا؟ فقال مالك والشافعي: لا غرم عليه إذا بان ~~أنه خافه على نفسه، وقال أبو حنيفة والثوري: يضمن قيمته على كل حال. وعمدة ~~من لم ير الضمان القياس على من قصد رجلا فأراد قتله، فدافع المقصود عن نفسه ~~فقتل في المدافعة القاصد المتعدي أنه ليس عليه قود، وإذا كان ذلك في النفس ~~كان في المال أحرى، لان النفس أعظم حرمة من المال، وقياسا أيضا على إهدار ~~دم الصيد الحرمي إذا صال، وتمسك به حذاق أصحاب الشافعي. وعمدة أبي حنيفة أن ~~الأموال تضمن بالضرورة إليها، أصله المضطر إلى طعام الغير ولا حرمة للبعير ~~من جهة ما هو ذو نفس. # ومن هذا الباب اختلافهم في المكرهة على الزنا، هل على مكرهها مع الحد ~~صداق أم لا؟ فقال مالك والشافعي والليث: عليه الصداق والحد جميعا وقال أبو ~~حنيفة والثوري: عليه الحد ولا صداق عليه، وهو قول ابن شبرمة. وعمدة مالك ~~أنه يجب عليه حقان: حق الله وحق للآدمي، فلم يسقط أحدهما الآخر، أصله ~~السرقة التي يجب بها عندهم غرم المال والقطع. وأما من لم يوجب الصداق، ~~فتعلق في ذلك بمعنيين: أحدهما: أنه إذا اجتمع حقان: حق لله وحق للمخلوق سقط ~~حق المخلوق لحق الله، وهذا على رأي ms0844 الكوفيين في أنه لا يجمع على السارق غرم ~~وقطع. والمعنى الثاني: أن الصداق ليس مقابل البضع، وإنما هو عبادة إذ كان ~~النكاح شرعيا، وإذا كان ذلك كذلك فلا صداق في النكاح الذي على غير الشرع. ~~ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب من غصب أسطوانة فبنى عليها بناء يساوي ~~قائما أضعاف قيمة الأسطوانة، فقال مالك والشافعي: يحكم على الغاصب بالهدم ~~ويأخذ المغصوب منه أسطوانته، وقال أبو حنيفة: تفوت بالقيمة كقول مالك فيمن ~~غير المغصوب بصناعة لها قيمة كثيرة، وعند الشافعي لا يفوت المغصوب بشئ من ~~الزيادة. وهنا انقضى هذا الكتاب. PageV02P264 # كتاب الاستحقاق وجل النظر في هذا الكتاب هو في أحكام الاستحقاق، وتحصيل ~~أصول أحكام هذا الكتاب أن الشئ المستحق من يد انسان بما تثبت به الأشياء في ~~الشرع لمستحقها إذا صار إلى ذلك الانسان الذي استحق من يده الشئ المستحق ~~بشراء أنه لا يخلو من أن يستحق من ذلك الشئ أقله أو كله أو جله، ثم إذا ~~استحق منه كله أو جله فلا يخلو أن يكون قد تغير عند الذي هو بيده بزيادة أو ~~نقصان أو يكون لم يتغير، ثم لا يخلو أيضا أن يكون المستحق منه قد اشتراه ~~بثمن أو مثمون. فأما إن كان استحق منه أقله، فإنه إنما يرجع عند مالك على ~~الذي اشتراه منه بقيمة ما استحق من يده، وليس له أن يرجع بالجملة. وأما إن ~~كان استحق كله أو جله، فإن كان لم يتغير أخذه المستحق ورجع المستحق من يده ~~على الذي اشتراه منه بثمن ما اشتراه منه، وإن كان اشتراه بالمثمون رجع ~~بالمثمون بعينه إن كان لم يتغير، فإن تغير تغيرا يوجب اختلاف قيمته رجع ~~بقيمته يوم الشراء، وإن كان المال المستحق قد بيع، فإن للمستحق أن يمضي ~~البيع ويأخذ الثمن أو يأخذه بعينه، فهذا حكم المستحق من يده ما لم يتغير ~~الشئ المستحق، فإن تغير الشئ المستحق فلا يخلو أن يتغير بزيادة أو نقصان: ~~فأما إن كان تغير بزيادة فلا يخلو أن يتغير بزيادة من ms0845 قبل الذي استحق من ~~يده الشئ، أو بزيادة من ذات الشئ، فأما الزيادة من ذات الشئ فيأخذها ~~المستحق، مثل أن تسمه الجارية أو يكبر الغلام. وأما الزيادة من قبل المستحق ~~منه، فمثل أن يشتري الدار فبنى فيها فتستحق من يده، فإنه مخير بين أن يدفع ~~قيمة الزيادة ويأخذ ما استحقه وبين أن يدفع إليه المستحق من يده قيمة ما ~~استحق أو يكونا شريكين، هذا بقدر قيمة ما استحق من يده، وهذا بقدر قيمة ما ~~بنى أو غرس، وهو قضاء عمر بن الخطاب. وأما إن كانت الزيادة ولادة من قبل ~~المستحق منه، مثل أن يشتري أمة فيولدها ثم تستحق منه أو يزوجها على أنها ~~حرة فتخرج أمة، فإنهم اتفقوا على أن المستحق ليس له أن يأخذ أعيان الولد، ~~واختلفوا في أخذ قيمتهم. وأما الأم فقيل يأخذها بعينها، وقيل يأخذ قيمتها، ~~وأما إن كان الولد بنكاح فاستحقت بعبودية فلا خلاف أن PageV02P265 # لسيدها أن يأخذها ويرجع الزوج بالصداق على من غره، وإذا ألزمناه قيمة ~~الولد لم يرجع بذلك على من غره، لان الغرر لم يتعلق بالولد. وأما غلة الشئ ~~المستحق، فإنه إذا كان ضامنا بشبهة ملك فلا خلاف أن الغلة للمستحق منه، ~~وأعني بالضمان أنها تكون من خسارته إذا هلكت عنده. وأما إذا كان غير ضامن، ~~مثل أن يكون وارثا فيطرأ عليه وارث آخر فيستحق بعض ما في يده فإنه يرد ~~الغلة. وأما إن كان غير ضامن إلا أنه ادعى في ذلك ثمنا مثل العبد يستحق ~~بحرية، فإنه وإن هلك عنده يرجع بالثمن ففيه قولان: إنه لا يضمن إذا لم يجد ~~على من يرجع، ويضمن إذا وجد على من يرجع. وأما من أي وقت تصح الغلة ~~للمستحق؟ فقيل يوم الحكم، وقيل من يوم ثبوت الحق، وقيل من يوم توقيفه. وإذا ~~قلنا إن الغلة تجب للمستحق في أحد هذه الأوقات الثلاثة فإذا كانت أصولا ~~فيها ثمرة فأدرك هذا الوقت الثمر ولم يقطف بعده، فقيل إنها للمستحق ما لم ~~تيبس، وقيل ما لم يطب ويرجع ms0846 عليه بما سقى، وعالج المستحق من يديه، وهذا إن ~~كان اشترى الأصول قبل الابار. وأما إن اشتراها بعد الابار فالثمرة للمستحق ~~عند ابن القاسم إن جذت ويرجع بالسقي والعلاج، وقال أشهب: هي للمستحق ما لم ~~تجذ. والأرض إذا استحقت، فالكراء إنما هو للمستحق إن وقع الاستحقاق في إبان ~~زريعة الأرض. وأما إذا خرج الا بان فقد وجب كراء الأرض للمستحق منه. وأما ~~إن كان بغير نقصان، فإن كان من غير سبب المستحق من يديه فلا شئ على المستحق ~~من يديه. وأما إن كان أخذ له ثمنا مثل أن يهدم الدار فيبيع نقضها ثم ~~يستحقها من يده رجل آخر، فإنه يرجع عليه بثمن ما باع من النقض. قال القاضي: ~~ولم أجد في هذا الباب خلافا يعتمد عليه فيما نقلته فيه من مذهب مالك ~~وأصحابه، وهي أصولهم في هذا الباب، ولكن يجئ على أصول الغير أنه إذا كان ~~المستحق مشترى بعرض، وكان العرض قد ذهب أن يرجع المستحق من يده بعرض مثله ~~لا بقيمته، وهم الذين يرون في جميع المتلفات المثل، وكذلك يجئ على أصول ~~الغير أن يرجع على المشتري إذا استحق منه قليل أو كثير، لأنه لم يدخل على ~~الباقي ولا انعقد عليه بيع ولا وقع به تراض. كمل كتاب الاستحقاق بحمد الله. ~~PageV02P266 # كتاب الهبات والنظر في الهبة: في أركانها، وفي شروطها، وفي أنواعها، وفي ~~أحكامها. ونحن إنما نذكر من هذه الأجناس ما فيها من المسائل المشهورة. # فنقول: أما الأركان فهي ثلاثة: الواهب، والموهوب له، والهبة. أما الواهب ~~فإنهم اتفقوا على أنه تجوز هبته إذا كان مالكا للموهوب صحيح الملك، وذلك ~~إذا كان في حال الصحة وحال إطلاق اليد، واختلفوا في حال المرض وفي حال ~~السفه والفلس. وأما المريض فقال الجمهور: إنها في ثلثه تشبيها بالوصية، ~~أعني الهبة التامة بشروطها، وقالت طائفة من السلف وجماعة أهل الظاهر: إن ~~هبته تخرج من رأس ماله إذا مات، ولا خلاف بينهم أنه إذا صح من مرضه أن ~~الهبة صحيحة. وعمدة الجمهور حديث عمران بن ms0847 حصين عن النبي عليه الصلاة ~~والسلام: في الذي أعتق ستة أعبد عند موته، فأمره رسول الله (ص) فأعتق ثلثهم ~~وأرق الباقي وعمدة أهل الظاهر استصحاب الحال: أعني حال الاجماع، وذلك أنهم ~~لما اتفقوا على جواز هبته في الصحة وجب استصحاب حكم الاجماع في المرض إلا ~~أن يدل الدليل من كتاب أو سنة بينة، والحديث عندهم محمول على الوصية، ~~والأمراض التي يحجر فيها عند الجمهور هي الأمراض المخوفة، وكذلك عند مالك ~~الحالات المخوفة، مثل الكون بين الصفين، وقرب الحامل من وأما الأمراض ~~المزمنة فليس عندهم الوضع، وراكب البحر المرتج، وفيه اختلاف فيها تحجير، ~~وقد تقدم هذا في كتاب الحجر. وأما السفهاء والمفلسون فلا خلاف عند من يقول ~~بالحجر عليهم أن هبتهم غير ماضية. وأما الموهوب فكل شئ صح ملكه. واتفقوا ~~على أن للانسان أن يهب جميع ماله للأجنبي. واختلفوا فتفضيل الرجل بعض ولده ~~على بعض في الهبة، أو في جميع ماله لبعضهم دون بعض، فقال جمهور فقهاء ~~الأمصار بكراهية ذلك له، ولكن إذا وقع عندهم جاز، وقال أهل الظاهر: لا يجوز ~~التفضيل فضلا عن أن يهب جميع ماله، وقال مالك: يجوز التفضيل ولا يجوز أن ~~يهب بعضهم جميع المال دون بعض. ودليل أهل الظاهر حديث النعمان بن بشير، وهو ~~حديث متفق على صحته، وإن كان قد اختلف في ألفاظه، والحديث أنه قال: إن أباه ~~بشيرا أتى به إلى رسول الله (ص) فقال: إني نحلت ابني هذا PageV02P267 # غلاما كان لي، فقال رسول الله (ص): أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ قال: لا، قال ~~رسول الله (ص): # فارتجعه. واتفق مالك والبخاري ومسلم على هذا اللفظ، قالوا: والارتجاع ~~يقتضي بطلان الهبة. وفي بعض ألفاظ روايات هذا الحديث أنه قال عليه الصلاة ~~والسلام: هذا جور. # وعمدة الجمهور أن الاجماع منعقد على أن للرجل أن يهب في صحته جميع ماله ~~للأجانب دون أولاده، فإن كان ذلك للأجنبي فهو للولد أحرى. واحتجوا بحديث ~~أبي بكر المشهور أنه كان نحل عائشة جذاذ عشرين وسقا من مال الغابة فلما ~~حضرته ms0848 الوفاة قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك، ~~ولا أعز علي فقرا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا فلو كنت جذذتيه ~~واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث. قالوا: وذلك الحديث المراد به ~~الندب، والدليل على ذلك أن في بعض رواياته: ألست تريد أن يكونوا لك في البر ~~واللطف سواء؟ قال: نعم، قال: فأشهد على هذا غيري. وأما مالك فإنه رأى أن ~~النهي عن أن يهب الرجل جميع ماله لواحد من ولده هو أحرى أن يحمل على ~~الوجوب، فأوجب عنده مفهوم هذا الحديث النهي عن أن يخص الرجل بعض أولاده ~~بجميع ماله. فسبب الخلاف: في هذه المسألة معارضة القياس للفظ النهي الوارد، ~~وذلك أن النهي يقتضي عند الأكثر بصيغته التحريم، كما يقتضي الامر الوجوب، ~~فمن ذهب إلى الجمع بين السماع والقياس حمل الحديث على الندب، أو خصصه في ~~بعض الصور كما فعل مالك، ولا خلاف عند القائلين بالقياس أنه يجوز تخصيص ~~عموم السنة بالقياس، وكذلك العدول بها عن ظاهرها أعني أن يعدل بلفظ النهي ~~عن مفهوم الحظر إلى مفهوم الكراهية. وأما أهل الظاهر فلما لم يجز عندهم ~~القياس في الشرع اعتمدوا ظاهر الحديث وقالوا: بتحريم التفضيل في الهبة. ~~واختلفوا من هذا الباب في جواز هبة المشاع غير المقسوم، فقال مالك والشافعي ~~وأحمد وأبو ثور: تصح، وقال أبو حنيفة: # لا تصح. وعمدة الجماعة أن القبض فيها يصح كالقبض في البيع. وعمدة أبي ~~حنيفة أن القبض فيها لا يصح إلا مفردة كالرهن، ولا خلاف في المذهب في جواز ~~هبة المجهول والمعدوم المتوقع الوجود، وبالجملة كل ما لا يصح بيعه في الشرع ~~من جهة الغرر، وقال الشافعي: ما جاز بيعه جازت هبته كالدين، وما لم يجز ~~بيعه لم تجز هبته، وكل ما لا يصح قبضه عند الشافعية لا تصح هبته كالدين ~~والرهن، وأما الهبة فلا بد من الايجاب فيها والقبول عند الجميع. ومن شرط ~~الموهوب له أن يكون ممن يصح قبوله وقبضه. وأما الشروط ms0849 فأشهرها القبض، أعني ~~أن العلماء اختلفوا هل القبض شرط صحة في صحة العقد أم لا؟ فاتفق الثوري ~~والشافعي وأبو حنيفة أن من شرط صحة الهبة القبض، وأنه إذا لم يقبض لم يلزم ~~الواهب، وقال مالك: ينعقد بالقبول ويجبر على القبض كالبيع سواء، فإن تأنى ~~الموهوب له عن طلب القبض حتى أفلس الواهب أو مرض بطلت الهبة، وله إذا باع ~~تفصيل: إن علم فتوانى لم يكن له إلا الثمن، وإن قام في الفور كان له ~~الموهوب. فمالك: القبض عنده في الهبة من شروط التمام لا من شروط الصحة، وهو ~~عند PageV02P268 # الشافعي وأبي حنيفة من شروط الصحة. وقال أحمد وأبو ثور: تصح الهبة ~~بالعقد، وليس القبض من شروطها أصلا، لا من شرط تمام ولا من شرط صحة، وهو ~~قول أهل الظاهر. وقد روي عن أحمد بن حنبل أن القبض من شروطها في المكيل ~~والموزون. فعمدة من لم يشترط القبض في الهبة تشبيهها بالبيع، وأن الأصل في ~~العقود أن لا قبض مشترط في صحتها حتى يقوم الدليل على اشتراط القبض. وعمدة ~~من اشترط القبض أن ذلك مروي عن أبي بكر رضي الله عنه في حديث هبته لعائشة ~~المتقدم. وهو نص في اشتراط القبض في صحة الهبة. وما روى مالك عن عمر أيضا ~~أنه قال: ما بال رجال ينحلون أبناءهم نحلا ثم يمسكونها، فإن مات ابن أحدهم ~~قال: # مالي بيدي لم أعطه أحدا وإن مات قال: هو لابني قد كنت أعطيته إياه فمن ~~نحل نحلة فلم يجزها الذي نحلها للمنحول له وأبقاها حتى تكون إن مات لورثته ~~فهي باطلة، وهو قول علي، قالوا: وهو إجماع من الصحابة، لأنه لم ينقل عنهم ~~في ذلك خلاف. وأما مالك فاعتمد الامرين جميعا: أعني القياس وما روي عن ~~الصحابة، وجمع بينهما، فمن حيث هي عقد من العقود لم يكن عنده شرطا من شروط ~~صحتها القبض، ومن حيث شرطت الصحابة فيه القبض لسد الذريعة التي ذكرها عمر ~~جعل القبض فيها من شرط التمام، ومن حق الموهوب له، وأنه إن ms0850 تراخى حتى يفوت ~~القبض بمرض أو إفلاس على الواهب سقط حقه. وجمهور فقهاء الأمصار على أن الأب ~~يحوز لابنه الصغير الذي في ولاية نظره وللكبير السفيه الذي ما وهبه كما ~~يجوز لهما ما وهبه غيره لهما، وأنه يكفي في الحيازة له إشهاده بالهبة ~~والاعلان بذلك، وذلك كله فيما عدا الذهب والفضة وفيما لا يتعين. والأصل في ~~ذلك عندهم ما رواه مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن عثمان بن عفان ~~قال: من نحل ابنا له صغيرا لم يبلغ أن يحوز نحلته فأعلن ذلك وأشهد عليه فهي ~~حيازة وإن وليها. وقال مالك وأصحابه: لا بد من الحيازة في المسكون ~~والملبوس، فإن كانت دارا سكن فيها خرج منها، وكذلك الملبوس إن لبسه بطلت ~~الهبة، وقالوا في سائر العروض بمثل قول الفقهاء، أعني أنه يكفي في ذلك ~~إعلانه وإشهاده. وأما الذهب والورق فاختلفت الرواية فيه عمالك، فروي عنه ~~أنه لا يجوز إلا أن يخرجه الأب عن يده إلى يد غيره، وروي عنه أنه يجوز إذا ~~جعلها في ظرف أو إناء وختم عليها بخاتم وأشهد على ذلك الشهود. ولا خلاف بين ~~أصحاب مالك أن الوصي يقوم في ذلك مقام الأب. واختلفوا في الأم، فقال ابن ~~القاسم: لا تقوم مقام الأب، ورواه عن مالك، وقال غيره من أصحابه: تقوم، وبه ~~قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: الجد بمنزلة الأب، والجدة عند ابن وهب أم ~~الأم تقوم مقام الأم، والأم عنده تقوم مقام الأب. # القول في أنواع الهبات والهبة منها ما هي هبة عين، ومنها ما هي هبة ~~منفعة. وهبة العين منها ما يقصد بها الثواب، ومنها ما لا يقصد بها الثواب. ~~والتي يقصد بها الثواب منها ما يقصد بها وجه الله، ومنها ما يقصد ~~PageV02P269 # به وجه المخلوق. فأما الهبة لغير الثواب فلا خلاف في جوازها، وإنما ~~اختلفوا في أحكامها. # وأما هبة الثواب فاختلفوا فيها، فأجازها مالك وأبو حنيفة، ومنعها ~~الشافعي، وبه قال داود وأبو ثور. وسبب الخلاف: هل هي بيع مجهول الثمن أو ~~ليس ms0851 بيعا مجهول الثمن؟ فمن رآه بيعا مجهول الثمن قال هو من بيوع الغرر التي ~~لا تجوز، ومن لم ير أنها بيع مجهول قال: يجوز . وكأن مالكا جعل العرف فيها ~~بمنزلة الشرط وهو ثواب مثلها، ولذلك اختلف القول عندهم إذا لم يرض الواهب ~~بالثواب ما الحكم؟ فقيل تلزمه الهبة إذا أعطاه الموهوب القيمة، وقيل لا ~~تلزمه إلا أن يرضيه، وهو قول عمر على ما سيأتي بعد، فإذا اشترط فيه الرضا ~~فليس هنالك بيع انعقد، والأول هو المشهور عن مالك. وأما إذا ألزم القيمة ~~فهنالك بيع انعقد، وإنما يحمل مالك الهبة على الثواب إذا اختلفوا في ذلك، ~~وخصوصا إذا دلت قرينة الحال على ذلك مثل أن يهب الفقير للغني، أو لمن يرى ~~أنه إنما قصد بذلك الثواب. وأما هبات المنافع فمنها ما هي مؤجلة، وهذه تسمى ~~عارية ومنحة وما أشبه ذلك، ومنها ما يشترط فيها ما بقيت حياة الموهوب له ~~هذه تسمى العمرى، مثل أن يهب رجل رجلا سكنى دار، حياته، وهذه اختلف العلماء ~~فيها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها هبة مبتوتة: أي أنها هبة للرقبة، وبه ~~قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وجماعة. والقول الثاني: أنه ليس ~~للمعمر فيها إلا المنفعة، فإذا مات عادت الرقبة للمعمر أو إلى ورثته، وبه ~~قال مالك وأصحابه، وعنده أنه إن ذكر العقب عادت إذ انقطع العقب إلى المعمر ~~أو إلى ورثته. والقول الثالث: أنه إذا قال: هي عمري لك ولعقبك كانت الرقبة ~~ملكا للمعمر، فإذا لم يذكر العقب عادت الرقبة بعد موت المعمر للمعمر أو ~~لورثته، وبه قال داود وأبو ثور. وسبب الخلاف: في هذا الباب اختلاف الآثار ~~ومعارضة الشرط والعمل للأثر. أما الأثر ففي ذلك حديثان: أحدهما: متفق على ~~صحته، وهو ما رواه مالك عن جابر أن رسول الله (ص) قال: أيما رجل أعمر عمري ~~له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها أبدا لأنه أعطى عطاء ~~وقعت فيه المواريث. والحديث الثاني: حديث أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول ~~الله (ص): ms0852 يا معشر الأنصار أمسكوا عليكم أموالكم ولا تعمروها فمن أعمر شيئا ~~حياته فهو له حياته ومماته وقد روي عن جابر بلفظ آخر: لا تعمروا ولا ترقبوا ~~فمن أعمر شيئا أو أرقبه فهو لورثته فحديث أبي الزبير عن جابر مخالف لشرط ~~المعمر. وحديث مالك عنه مخالف أيضا لشرط المعمر إلا أنه يخيل أنه أقل في ~~المخالفة، وذلك أن ذكر العقب يوهم تبتيت العطية، فمن غلب الحديث على الشرط ~~قال بحديث أبي الزبير عن جابر، وحديث مالك عن جابر، ومن غلب الشرط قال بقول ~~مالك، وأما من قال إن العمرى تعود إلى المعمر إن لم يذكر العقب، ولا تعود ~~إن ذكر، فإنه أخذ بظاهر الحديث. وأما حديث أبي الزبير عن جابر فمختلف فيه، ~~أعني رواية أبي الزبير عن جابر. وأما إذا أتى بلفظ الاسكان فقال: أسكنتك ~~هذه الدار حياتك، فالجمهور على أن الاسكان عندهم أو الاخدام بخلاف العمرى ~~وإن لفظ بالعقب، PageV02P270 # فسوى مالك بين التعمير والاسكان. وكان الحسن وعطاء وقتادة يسوون بين ~~السكنى والتعمير في أنها لا تنصرف إلى المسكن أبدا على قول الجمهور في ~~العمرى. والحق أن الاسكان والتعمير معنى مفهوم منهما واحد، وأنه يجب أن ~~يكون الحكم إذا لم يصرح بذكر العقب على ما ذهب إليه أهل الظاهر. # القول في الاحكام ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب جواز الاعتصار في ~~الهبة، وهو الرجوع فيها، فذهب مالك وجمهور علماء المدينة أن للأب أن يعتصر ~~ما وهبه لابنه ما لم يتزوج الابن أو لم يستحدث دينا أو بالجملة ما لم يترتب ~~عليه حق للغير، وأن للأم أيضا أن تعتصر ما وهبت إن كان الأب حيا، وقد روي ~~عن مالك أنها لا تعتصر، وقال أحمد وأهل الظاهر: لا يجوز لاحد أن يعتصر ما ~~وهبه، وقال أبو حنيفة: يجوز لكل أحد أن يعتصر ما وهبه إلا ما وهب لذي محرم ~~محرمة عليه. وأجمعوا على أن الهبة التي يراد بها الصدقة أي وجه الله أنه لا ~~يجوز لاحد الرجوع فيها. وسبب الخلاف: في هذا الباب ms0853 تعارض الآثار، فمن لم ير ~~الاعتصار أصلا احتج بعموم الحديث الثابت، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ~~العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه ومن استثنى الأبوين احتج بحديث طاوس ~~أنه قال عليه الصلاة والسلام: لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد ~~وقاس الأم على الوالد، وقال الشافعي: لو اتصل حديث طاوس لقلت به، وقال ~~غيره: قد اتصل من طريق حسين المعلم، وهو ثقة. وأما من أجاز الاعتصار إلا ~~لذوي الرحم المحرمة، فاحتج بما رواه مالك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~أنه قال: من وهب هبة لصلة رحم أو على جهة صدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب ~~هبة يرى أنه إنما أراد الثواب بها فهو على هبته يرجع فيها إذا لم ير ض منها ~~قالوا: وأيضا فإن الأصل أن من وهب شيئا عن غير عوض أنه لا يقضى عليه به كما ~~لو وعد، إلا ما اتفقوا عليه من الهبة على وجه الصدقة. وجمهور العلماء على ~~أن من تصدق على ابنه فمات الابن بعد أن حازها فإنه يرثها، وفي مرسلات مالك ~~أن رجلا أنصاريا من الخزرج تصدق على أبويه بصدقة فهلكا فورث ابنهما المال ~~وهو نخل، فسأل عن ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فقال: قد أجرت في صدقتك ~~وخذها بميراثك وخرج أبو داود عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن امرأة أتت ~~رسول الله (ص) فقالت: كنت قد تصدقت على أمي بوليدة، وإنها ماتت وتركت تلك ~~الوليدة، فقال (ص): وجب أجرك ورجعت إليك بالميراث وقال أهل الظاهر: لا يجوز ~~الاعتصار لاحد لعموم قوله عليه الصلاة والسلام لعمر: لا تشتره - في الفرس ~~الذي تصدق به - فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه والحديث متفق على ~~صحته. قال القاضي: # والرجوع في الهبة ليس من محاسن الأخلاق، والشارع عليه الصلاة والسلام ~~إنما بعث ليتمم محاسن الأخلاق، وهذا القدر كاف في هذا الباب. PageV02P271 # كتاب الوصايا والنظر فيها ينقسم أولا قسمين: القسم الأول: النظر في ~~الأركان. والثاني: في الاحكام. ونحن ms0854 فإنما نتكلم من هذه فيما وقع فيها من ~~المسائل المشهورة. # القول في الأركان والأركان أربعة: الموصي، والموصى له، والموصى به، ~~والوصية. أما الموصي فاتفقوا على أنه كل مالك صحيح الملك، ويصح عند مالك ~~وصية السفيه والصبي الذي يعقل القرب، وقال أبو حنيفة لا تجوز وصية الصبي ~~الذي لم يبلغ، وعن الشافعي القولان. وكذلك وصية الكافر تصح عندهم إذا لم ~~يوص بمحرم. وأما الموصى له فإنهم اتفقوا على أن الوصية لا تجوز لوارث لقوله ~~عليه الصلاة والسلام: لا وصية لوارث واختلفوا هل تجوز لغير القرابة؟ فقال ~~جمهور العلماء: إنها تجوز لغير الأقربين مع الكراهية، وقال الحسن وطاوس: # ترد الوصية على القرابة، وبه قال إسحاق. وحجة هؤلاء ظاهر قوله تعالى: * ~~(الوصية للوالدين والأقربين) * والألف واللام تقتضي الحصر. واحتج الجمهور ~~بحديث عمران بن حصين المشهور وهو: أن رجلا أعتق ستة أعبد له في مرضه عند ~~موته لا مال له غيرهم، فأقرع رسول الله (ص) بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة ~~والعبيد غير القرابة، وأجمعوا - كما قلنا - أنها لا تجوز لوارث إذا لم ~~يجزها الورثة. واختلفوا - كما قلنا - إذا أجازتها الورثة، فقال الجمهور: ~~تجوز، وقال أهل الظاهر والمزني: لا تجوز. وسبب الخلاف: هل المنع لعلة ~~الورثة أو عبادة؟ فمن قال عبادة قال: لا تجوز وإن أجازها الورثة، ومن قال ~~بالبيع لحق الورثة أجازها إذا أجازها الورثة، وتردد هذا الخلاف راجع إلى ~~تردد المفهوم من قوله عليه الصلاة والسلام: لا وصية لوارث هل هو معقول ~~المعنى أم ليس بمعقول؟ واختلفوا في الوصية للميت، فقال قوم: تبطل بموت ~~الموصى له، وهم الجمهور، وقال قوم: لا تبطل، وفي PageV02P272 # الوصية للقائل خطأ وعمدا في هذا الباب فرع مشهور، وهو إذا أذن الورثة ~~للميت هل لهم أن يرجعوا في ذلك بعد موته؟ فقيل لهم، وقيل ليس لهم، وقيل ~~بالفرق بين أن يكون الورثة في عيال الميت أو لا يكونوا، أعني أنهم إن كانوا ~~في عياله كان لهم الرجوع، والثلاثة الأقوال في المذهب. # القول في الموصى به والنظر في جنسه وقدره ms0855 أما جنسه فإنهم اتفقوا على جواز ~~الوصية في الرقاب، واختلفوا في المنافع فقال جمهور فقهاء الأمصار: ذلك ~~جائز، وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأهل الظاهر: الوصية بالمنافع باطلة. ~~وعمدة الجمهور أن المنافع في معنى الأموال، وعمدة الطائفة الثانية أن ~~المنافع منتقلة إلى ملك الورثة، لان الميت لا ملك له فلا تصح له وصية بما ~~يوجد في ملك غيره، وإلى هذا القول ذهب أبو عمر بن عبد البر. وأما القدر فإن ~~العلماء اتفقوا على أنه لا تجوز الوصية في أكثر من الثلث لمن ترك ورثة. ~~واختلفوا فيمن لم يترك ورثة، وفي القدر المستحب منها، هل هو الثلث أو دونه؟ ~~وإنما صار الجميع إلى أن الوصية لا تجوز في أكثر من الثلث لمن له وارث بما ~~ثبت عنه (ص) أنه عاد سعد بن أبي وقاص قال له: يا رسول الله. # قد بلغ مني الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثي إلا ابنة لي، أفأتصدق ~~بثلثي مالي؟ فقال له رسول الله (ص): لا، فقال له سعد: فالشطر؟ قال: لا، ثم ~~قال رسول الله (ص): الثلث، والثلث كثير.. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من ~~أن تذرهم عالة يتكففون الناس فصار الناس لمكان هذا الحديث إلى أن الوصية لا ~~تجوز بأكثر من الثلث. واختلفوا في المستحب من ذلك، فذهب قوم إلى أنه ما دون ~~الثلث، لقوله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: والثلث كثير وقال بهذا ~~كثير من السلف. قال قتادة: أوصى أبو بكر بالخمس، وأوصى عمر بالربع، والخمس ~~أحب إلي. وأما من ذهب إلى أن المستحب هو الثلث فإنهم اعتمدوا على ما روي عن ~~النبي (ص) أنه قال: إن الله جعل لكم في الوصية ثلث أموالكم زيادة في ~~أعمالكم وهذا الحديث ضعيف عند أهل الحديث. وثبت عن ابن عباس أنه قال: لو غض ~~الناس في الوصية من الثلث إلى الربع لكان أحب إلي، لان رسول الله (ص) قال: ~~الثلث، والثلث كثير. وأما اختلافهم في جواز الوصية بأكثر من الثلث لمن لا ms0856 ~~وارث له، فإن مالكا لا يجيز ذلك والأوزاعي، واختلف فيه قول أحمد، وأجاز ذلك ~~أبو حنيفة وإسحاق، وهو قول ابن مسعود. # وسبب الخلاف: هل هذا الحكم خاص بالعلة التي علله بها الشارع أم ليس بخاص، ~~وهو أن لا يترك ورثته عالة يتكففون الناس كما قال عليه الصلاة والسلام: إنك ~~إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس؟ فمن جعل هذا ~~السبب خاصا وجب أن يرتفع الحكم بارتفاع هذه العلة، ومن جعل الحكم عبادة وإن ~~كان قد علل بعلة، أو جعل جميع المسلمين في هذا المعنى بمنزلة الورثة قال: ~~لا تجوز الوصية بإطلاق بأكثر من الثلث. PageV02P273 # القول في المعنى الذي يدل عليه لفظ الوصية والوصية بالجملة هي هبة الرجل ~~ما له لشخص آخر أو لاشخاص بعد موته أو عتق غلامه سواء صرح بلفظ الوصية أو ~~لم يصرح به، وهذا العقد هو من العقود الجائزة باتفاق، أعني أن للموصي أن ~~يرجع فيما أوصى به، إلا المدبر فإنهم اختلفوا فيه على ما سيأتي في كتاب ~~التدبير، وأجمعوا على أنه لا يجب للموصى له إلا بعد موت الموصي. # واختلفوا في قبول الموصى له هل هو شرط في صحتها أم لا؟ فقال مالك: قبول ~~الموصى له إياها شرط في صحة الوصية، وروي عن الشافعي أنه ليس القبول شرطا ~~في صحتها، ومالك شبهها بالهبة. # القول في الاحكام وهذه الأحكام منها لفظية، ومنها حسابية، ومنها حكمية، ~~فمن مسائلها المشهورة الحكمية اختلافهم في حكم من أوصى بثلث ماله لرجل وعين ~~ما أوصى له به في ماله مما هو الثلث، فقال الورثة: ذلك الذي عين أكثر من ~~الثلث، فقال مالك: الورثة مخيرون بين أن يعطوه ذلك الذي عينه الموصي أو ~~يعطوه الثلث من جميع مال الميت، وخالفه في ذلك أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور ~~وأحمد وداود. وعمدتهم أن الوصية قد وجبت للموصى له بموت الموصي وقبوله ~~إياها باتفاق، فكيف ينقل عن ملكه ما وجبله بغير طيب نفس منه وتغير الوصية؟ ~~وعمدة مالك إمكان صدق الورثة فيما ms0857 ادعو، وما أحسن ما رأى أبو عمر بن عبد ~~البر في هذه المسألة، وذلك أنه قال: إذا ادعى الورثة ذلك كلفوا بيان ما ~~ادعوا، فإن ثبت ذلك أخذ منه الموصى له قدر الثلث من ذلك الشئ الموصى به ~~وكان شريكا للورثة، وإن كان الثلث فأقل جبروا على اخراجه، وإذا لم يختلفوا ~~في أن ذلك الشئ الموصى به هو فوق الثلث، فعند مالك أن الورثة مخيرون بين أن ~~يدفعوا إليه ما أوصي له به، أو يفرجوا له عن جميع ثلث مال الميت، إما في ~~ذلك الشئ بعينه، وإما في جميع المال على اختلاف الرواية عن مالك في ذلك، ~~وقال أبو حنيفة والشافعي: له ثلث تلك العين ويكون بباقيه شريكا للورثة في ~~جميع ما ترك الميت حتى يستوفي تمام الثلث. <ش 6 <وسبب الخلاف: أن ~~الميت لما تعدى في أن جعل وصيته في شئ بعينه، فهل الأعدل في حق الورثة أن ~~يخيروا بين إمضاء الوصية أو يفرجوا له إلى غاية ما يجوز للميت أن يخرج عنهم ~~من ماله، أو يبطل التعدي ويعود ذلك الحق مشتركا؟ وهذا هو الأولى إذا قلنا ~~إن التعدي هو التعيين لكونه أكثر من الثلث، أعني أن الواجب أن يسقط ~~التعيين. وأما أن يكلف الورثة أن يمضوا التعيين أو يتخلوا عن جميع الثلث ~~فهو حمل عليهم. ومن هذا الباب اختلافهم فيمن وجبت عليه زكاة فمات ولم يوص ~~بها فعل هي من الثلث، أو من رأس المال؟ فقال مالك: # إذا لم يوص بها لم يلزم الورثة اخراجها. وقال الشافعي: يلزم الورثة ~~اخراجها من رأس PageV02P274 # المال، وإذا وصى فعند مالك يلزم الورثة اخراجها وهي عنده من الثلث، وهي ~~عند الشافعي في الوجهين من رأس المال شبهها بالدين لقول رسول الله (ص): ~~فدين الله أحق أن يقضى وكذلك الكفارات الواجبة والحج الواجب عنده، ومالك ~~يجعلها من جنس الوصايا بالتوصية بإخراجها بعد الموت، ولا خلاف أنه لو ~~أخرجها في الحياة أنها من رأس المال ولو كان في السياق، وكأن مالكا اتهمه ~~هنا على ms0858 الورثة، أعني في توصيته بإخراجها، قال: # ولو أجيز هذا لجاز للانسان أن يؤخر جميع زكاته طول عمره حتى إذا دنا من ~~الموت وصى بها فإذا زاحمت الوصايا الزكاة قدمت عند مالك على ما هو أضعف ~~منها، وقال أبو حنيفة: هي وسائر الوصايا سواء، يريد في المحاصة. واتفق مالك ~~وجميع أصحابه على أن الوصايا التي يضيق عنها الثلث إذا كانت مستوية أنها ~~تتحاص في الثلث، وإذا كان بعضها أهم من بعض قدم الأهم. واختلفوا في الترتيب ~~على ما هو مسطور في كتبهم، ومن مسائلهم الحسابية المشهورة في هذا الباب إذا ~~أوصى لرجل بنصف ماله ولآخر بثلثيه ورد الورثة الزائد، فعند مالك والشافعي ~~أنهما يقتسمان الثلث بينهما أخماسا، وقال أبو حنيفة: بل يقتسمان الثلث ~~بالسوية. وسبب الخلاف: هل الزائد على الثلث الساقط هل يسقط الاعتبار به في ~~القسمة كما يسقط في نفسه بإسقاط الورثة؟ فمن قال يبطل في نفيه ولا يبطل ~~الاعتبار به في القسمة إذ كان مشاعا قال: يقتسمون المال أخماسا، ومن قال ~~يبطل الاعتبار به كما لو كان معينا قال: يقتسمون الباقي على السواء. ومن ~~مسائلهم اللفظية في هذا الباب إذا أوصى بجزء من ماله يعلم به ومال لا يعلم ~~به، فعند مالك أن الوصية تكون فيما علم به دون ما لم يعلم، وعند الشافعي ~~تكون في المالين. وسبب الخلاف: هل اسم المال الذي نطق به يتضمن ما علم وما ~~لم يعلم، أو ما علم فقط؟ والمشهور عن مالك أن المدبر يكون في المالين إذا ~~لم يخرج من المال الذي يعلم. وفي هذا الباب فروع كثيرة وكلها راجعة إلى هذه ~~الثلاثة الأجناس، ولا خلاف بينهم أن للرجل أن يوصي بعد موته بأولاده وأن ~~هذه خلافة جزئية كالخلافة العظمى الكلية التي للامام أن يوصي بها. ~~PageV02P275 # كتاب الفرائض والنظر في هذا الكتاب. فيمن يرث، وفيمن لا يرث، ومن يرث هل ~~يرث دائما، أو مع وارث دون وارث، وإذا ورث مع غيره فكم يرث وكذلك إذا ورث ~~وحده كم يرث؟ # وإذا ورث مع ms0859 وارث، فهل يختلف ذلك بحسب وارث وارث أو لا يختلف؟. والتعليم ~~في هذا يمكن على وجوه كثيرة قد سلك أكثرها أهل الفرائض، والسبيل الحاضرة في ~~ذلك بأن يذكر حكم جنس جنس من أجناس الورثة إذا انفرد ذلك الجنس وحكمه مع ~~سائر الأجناس الباقية، مثال ذلك أن ينظر إلى الولد إذا انفرد كم ميراثه، ثم ~~ينظر حاله مع سائر الأجناس الباقية من الوارثين. فأما الأجناس الوارثة فهي ~~ثلاثة: ذو نسب، وأصهار، وموالي، فأما ذو النسب، فمنها متفق عليها، ومنها ~~مختلف فيها. فأما المتفق عليها فهي الفروع: أعني الأولاد، والأصول: أعني ~~الاباء والأجداد، ذكورا كانوا أو إناثا، وكذلك الفروع المشاركة للميت في ~~الأصل الأدنى: أعني الاخوة ذكورا أو إناثا، أو المشاركة الأدنى أو الأبعد ~~في أصل واحد، وهم الأعمام وبنو الأعمام، وذلك الذكور من هؤلاء خاصة فقط، ~~وهؤلاء إذا فصلوا كانوا من الرجال عشرة ومن النساء سبعة، أما الرجال: ~~فالابن، وابن الابن وإن سفل، والأب، والجد أبو الأب - وإن علا - والأخ من ~~أي جهة كان: أعني للأم والأب أو لأحدهما، وابن الأخ - وإن سفل - وابن العم ~~- وإن سفل - والزوج ومولى النعمة. وأما النساء: فالابنة، وابنة الابن: وإن ~~سفلت، والأم، والجدة: وإن علت، والأخت، والزوجة، والمولاة. وأما المختلف ~~فيهم فهم ذوو الأرحام، وهم من لا فرض لهم في كتاب الله، ولا هم عصبة، وهم ~~بالجملة بنو البنات، وبنات الاخوة، وبنو الأخوات، وبنات الأعمام، والعم أخو ~~الأب للأم فقط، وبنو الاخوة للأم، والعمات، والخالات، والأخوال. فذهب مالك، ~~والشافعي، وأكثر فقهاء الأمصار، وزيد بن ثابت من الصحابة إلى أنه لا ميراث ~~لهم، وذهب سائر الصحابة، وفقهاء العراق، والكوفة، والبصرة، وجماعة العلماء ~~من سائر الآفاق إلى توريثهم. والذين قالوا بتوريثهم اختلفوا في صفة ~~توريثهم، فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى توريثهم على ترتيب العصبات. # وذهب سائر من ورثهم إلى التنزيل، وهو أن ينزل كل من أدلى بذي سهم أو عصبة ~~PageV02P276 # بمنزلة السبب الذي أدلى به. وعمدة مالك ومن قال بقوله أن الفرائض لما ~~كانت لا مجال للقياس ms0860 فيها كان الأصل أن لا يثبت فيها شئ إلا بكتاب أو سنة ~~ثابتة أو إجماع، وجميع ذلك معدوم في هذه المسألة. وأما الفرقة الثانية، ~~فزعموا أن دليلهم على ذلك من الكتاب والسنة والقياس. أما الكتاب فقوله ~~تعالى: * (وأولوا الأرحام) * و * (الوالدان والأقربون) * واسم القرابة ~~ينطلق على ذوي الأرحام، ويرى المخالف أن هذه مخصوصة بآيات المواريث. وأما ~~السنة فاحتجوا بما خرجه الترمذي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي عبيدة أن ~~رسول الله (ص) قال: الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا ~~وارث له. وأما من طريق المعنى فإن القدماء من أصحاب أبي حنيفة قالوا: إن ~~ذوي الأرحام أولى من المسلمين لأنهم قد اجتمع لهم سببان: القرابة والإسلام، ~~فأشبهوا تقديم الأخ الشقيق على الأخ للأب، أعني أن من اجتمع له سببان أولى ~~ممن له سبب واحد. وأما أبو زيد، ومتأخرو أصحابه فشبهوا الإرث بالولاية ~~وقالوا: لما كانت ولاية التجهيز والصلاة والدفن للميت عند فقد أصحاب الفروض ~~والعصبات لذوي الأرحام، وجب أن يكون لهم ولاية الإرث، وللفريق الأول ~~اعتراضات في هذه المقاييس فيها ضعف. وإذ قد تقرر هذا فلنشرع في ذكر جنس جنس ~~من أجناس الوارثين، ونذكر من ذلك ما يجري مجرى الأصول من المسائل المشهورة، ~~المتفق عليها، والمختلف فيها. # ميرا ث الصلب: وأجمع المسلمون على أن ميراث الأولاد من والدهم، ووالدتهم ~~إن كانوا ذكورا وإناثا معا هو أن للذكر منهم مثل حظ الأنثيين، وأن الابن ~~الواحد إذا انفرد فله جميع المال، وأن البنات إذا انفردن فكانت واحدة أن ~~لها النصف، وإن كن ثلاثا فما فوق فلهن الثلثان. واختلفوا في الاثنتين فذهب ~~الجمهور إلى أن لهما الثلثين، وروي عن ابن عباس أنه قال: للبنتين النصف. ~~والسبب في اختلافهم: تردد المفهوم في قوله تعالى: * (فإن كن نساء فوق ~~اثنتين فلهن ثلثا ما ترك) * هل حكم الاثنتين المسكوت عنه يلحق بحكم الثلاثة ~~أو بحكم الواحدة؟ والأظهر من باب دليل الخطاب أنهما لاحقان بحكم الثلاثة أو ~~بحكم الواحدة، وقد قيل ms0861 إن المشهور عن ابن عباس مثل قول الجمهور. وقد روي عن ~~عبد الله بن محمد بن عقيل عن حاتم بن عبد الله وعن جابر أن النبي (ص) أعطى ~~البنتين الثلثين قال - فيما أحسب - أبو عمر بن عبد البر: وعبد الله بن عقيل ~~قد قبل جماعة من أهل العلم حديثه، وخالفهم آخرون. وسبب الاتفاق في هذه ~~الجملة قوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم، للذكر مثل حظ الأنثيين) * ~~إلى قوله: * (وإن كانت واحدة فلها PageV02P277 # النصف) * وأجمعوا من هذا الباب على أن بني البنين يقومون مقام البنين عند ~~فقد البنين، يرثون كما يرثون، ويحجبون كما يحجبون، إلا شئ روي عن مجاهد أنه ~~قال: ولد الابن لا يحجبون الزوج من النصف إلى الربع كما يحجب الولد نفسه ~~ولا الزوجة من الربع إلى الثمن، ولا الأم من الثلث إلى السدس. وأجمعوا على ~~أنه ليس لبنات الابن ميراث مع بنات الصلب إذا استكمل بنات المتوفى الثلثين. ~~واختلفوا إذا كان مع بنات الابن ذكر ابن ابن في مرتبتهن أو أبعد منهن، فقال ~~جمهور فقهاء الأمصار: إنه يعصب بنات الابن فيما فضل عن بنات الصلب فيقسمون ~~المال للذكر مثل حظ الأنثيين، وبه قال علي (رضي الله عنه) وزيد بن ثابت من ~~الصحابة، وذهب أبو ثور وداود أنه إذا استكمل البنات الثلثين أن الباقي لابن ~~الابن دون بنات الابن كن في مرتبة واحدة مع الذكر، أو فوقه، أو دونه. وكان ~~ابن مسعود يقول في هذه: * (للذكر مثل حظ الأنثيين) * إلا أن يكون الحاصل ~~للنساء أكثر من السدس فلا تعطى إلا السدس. وعمدة الجمهور عموم قوله تعالى: ~~* (يوصيكم الله في أولادكم، للذكر مثل حظ الأنثيين) *، وأن ولد الولد ولد ~~من طريق المعنى، وأيضا لما كان ابن الابن يعصب من في درجته في جملة المال ~~فواجب أن يعصب في الفاضل من المال. وعمدة داود وأبي ثور حديث ابن عباس أن ~~النبي (ص) قال: اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله عز وجل، فما ~~أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر ومن طريق ms0862 المعنى أيضا أن بنت الابن لما لم ترث ~~مفردة من الفاضل عن الثلثين كان أحرى أن لا ترث مع غيرها. وسبب اختلافهم: # تعارض القياس، والنظر في الترجيح، وأما قول ابن مسعود فمبني على أصله في ~~أن بنات الابن لما كن لا يرثن مع عدم الابن أكثر من السدس، لم يجب لهن مع ~~الغير أكثر مما وجب لهن مع الانفراد وهي حجة قريبة من حجة داود، والجمهور ~~على أن ذكر ولد الابن يعصبهن كان في درجتهن أو أطرف منهن. وشذ بعض ~~المتأخرين فقال: لا يعصبهن إلا إذا كان في مرتبتهن، وجمهور العلماء على أنه ~~إذا ترك المتوفى بنتا لصلب، وبنت ابن، أو بنات ابن ليس معهن ذكر أن لبنات ~~الابن السدس تكملة الثلثين، وخالفت الشيعة في ذلك فقالت لا ترث بنت الابن ~~مع البنت شيئا كالحال في ابن الابن مع الابن، فالاختلاف في بنات الابن في ~~موضعين: مع بني الابن، ومع البنات فيما دون الثلثين وفوق النصف. فالمتحصل ~~فيهن إذا كن مع بني الابن أنه قيل يرثن، وقيل لا يرثن، وإذا قيل يرثن فقيل ~~يرثن تعصيبا مطلقا، وقيل يرثن تعصيبا إلا أن يكون أكثر من السدس، وإذا قيل ~~يرثن فقيل أيضا إذا كان ابن الابن في درجتهن وقيل كيفما كان، والمتحصل في ~~وراثتهن مع عدم ابن الابن فيما فضل عن النصف إلى تكملة الثلثين، قيل: يرثن، ~~وقيل لا يرثن. PageV02P278 # ميراث الزوجات: وأجمع العلماء على أن ميرا ث الرجل من امرأته - إذا لم ~~تترك ولدا ولا ولد ابن -: النصف، ذكرا كان الولد، أو أنثى، إلا ما ذكرنا عن ~~مجاهد، وأنها إن تركت ولدا فله الربع، وأن ميراث المرأة من زوجها - إذا لم ~~يترك الزوج ولدا ولا ولد ابن -: الربع، فإن ترك ولدا أو ولد ابن فالثمن، ~~وأنه ليس يحجبهن أحد عن الميراث ولا ينقصهن إلا الولد ، وهذا لورود النص في ~~قوله تعالى: * (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد) * الآية. # ميراث الأب والأم: وأجمع العلماء على أن الأب إذا ms0863 انفرد كان له جميع ~~المال، وأنه إذا انفرد الأبوان كان للأم الثلث، وللأب الباقي لقوله تعالى: ~~* (وورثه أبواه فلأمه الثلث) * وأجمعوا على أن فرض الأبوين من ميراث ابنهما ~~إذا كان للابن ولد أو ولد ابن: السدسان، أعني أن لكل واحد منهما السدس ~~لقوله تعالى: * (ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد) * ~~والجمهور على أن الولد هو الذكر دون الأنثى، وأجمعوا على أن الأب لا ينقص ~~مع ذوي الفرائض من السدس وله ما زاد، وأجمعوا من هذا الباب على أن الأم ~~يحجبهما الاخوة من الثلث إلى السدس لقوله تعالى: * (فإن كان له إخوة فلأمه ~~السدس) *. واختلفوا في أقل ما يحجب الأم من الثلث إلى السدس من الاخوة، ~~فذهب علي رضي الله عنه وابن مسعود إلى أن الاخوة الحاجبين هما اثنان فصاعدا ~~وبه قال مالك، وذهب ابن عباس إلى أنهم ثلاثة فصاعدا، وأن الاثنين لا يحجبان ~~الأم من الثلث إلى السدس، والخلاف آيل إلى أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع، ~~فمن قال أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع ثلاثة قال: الاخوة الحاجبون ثلاثة فما ~~فوق، ومن قال أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع اثنان قال: الاخوة الحاجبون هما ~~اثنان أعني في قوله تعالى: * (فإن كان له إخوة) * ولا خلاف أن الذكر ~~والأنثى يدخلان تحت اسم الاخوة في الآية وذلك عند الجمهور. # وقال بعض المتأخرين لا أنقل الأم من الثلث إلى السدس بالأخوات المنفردات، ~~لأنه زعم أنه ليس ينطلق عليهن اسم الاخوة إلا أن يكون معهن أخ لموضع تغليب ~~المذكر على المؤنث، إذ اسم الاخوة هو جمع أخ، والأخ مذكر. واختلفوا من هذا ~~الباب فيمن يرث السدس الذي تحجب عنه الأم بالاخوة وذلك إذا ترك المتوفى ~~أبوين وإخوة، فقال الجمهور: ذلك السدس للأب مع الأربعة الأسداس. وروي عن ~~ابن عباس أن ذلك السدس للاخوة الذين حجبوا، وللأب الثلثان لأنه ليس في ~~الأصول من يحجب ولا يأخذ ما حجب إلا الاخوة مع الآباء، وضعف قوم الاسناد ~~بذلك عن ابن عباس، ms0864 وقول ابن عباس هو القياس. واختلفوا من هذا الباب في التي ~~تعرف بالغراوين، وهي فيمن ترك زوجة PageV02P279 # وأبوين، أو زوجا وأبوين، فقال الجمهور في الأولى للزوجة الربع، وللأم ثلث ~~ما بقي، وهو الربع من رأس المال، وللأب ما بقي وهو النصف، وقالوا في ~~الثانية: للزوج النصف وللأم ثلث ما بقي، وهو السدس من رأس المال، وللأب ما ~~بقي وهو السدسان، وهو قول زيد، والمشهور من قول علي رضي الله عنه. وقال ابن ~~عباس في الأولى: للزوجة الربع من رأس المال، وللأم الثلث منه أيضا لأنها ~~ذات فرض، وللأب ما بقي لأنه عاصب، وقال أيضا في الثانية: للزوج النصف، ~~وللأم الثلث، لأنها ذات فرض مسمى، وللأب ما بقي، وبه قال شريح القاضي، ~~وداود، وابن سيرين، وجماعة. وعمدة الجمهور أن الأب والأم لما كانا إذا ~~انفردا بالمال كان للأم الثلث وللأب الباقي، وجب أن يكون الحال كذلك فيما ~~بقي من المال، كأنهم رأوا أن يكون ميراث الأم أكثر من ميراث الأب خروجا عن ~~الأصول. # وعمدة الفريق الآخر أن الأم ذات فرض مسمى والأب عاصب، والعاصب ليس له فرض ~~محدود مع ذي الفروض، بل يقل ويكثر، وما عليه الجمهور من طريق التعليل أظهر، ~~وما عليه الفريق الثاني مع عدم التعليل أظهر، وأعني بالتعليل ههنا أن يكون ~~أحق سببي الانسان أولى بالإيثار: أعني الأب من الأم. # ميراث الإخوة للأم: وأجمع العلماء على أن الاخوة للأم إذا انفرد الواحد ~~منهم أن له السدس ذكرا كان أو أنثى وأنهم إن كانوا أكثر من واحد فهم شركاء ~~في الثلث على السوية، للذكر منهم مثل حظ الأنثى سواء. وأجمعوا على أنهم لا ~~يرثون مع أربعة: وهم الأب، والجد أو الأب وإن علا، والبنون ذكرانهم ~~وإناثهم، وبنو البنين وإن سفلوا ذكرانهم وإناثهم، وهذا كله لقوله تعالى: * ~~(وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت) * الآية، وذلك أن الاجماع ~~انعقد على أن المقصود بهذه الآية هم الاخوة للأم فقط، وقد قرئ وله أخ أو ~~أخت من أمه ms0865 وكذلك أجمعوا فيما أحسب ههنا على أن الكلالة هي فقد الأصناف ~~الأربعة التي ذكرنا من النسب: أعني الآباء، والأجداد، والبنين، وبني ~~البنين. # ميراث الإخوة للأب والأم أو للأب: وأجمع العلماء على أن الإخوة للأب، ~~والأم، أو للأب فقط يرثون في الكلالة أيضا. أما الأخت إذا انفردت فإن لها ~~النصف، وإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان، كالحال في البنات، وأنهم إن كانوا ~~ذكورا وإناثا فللذكر مثل حظ الأنثيين كحال البنين مع البنات، وهذا لقوله ~~تعالى: * (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) * إلا أنهم اختلفوا في معنى ~~الكلالة ههنا في أشياء واتفقوا منها في أشياء يأتي ذكرها إن شاء الله ~~تعالى. فمن ذلك أنهم أجمعوا من هذا الباب على أن الإخوة للأب والأم ذكرانا ~~أو إناثا PageV02P280 # أنهم لا يرثون مع الولد الذكر شيئا، ولا مع ولد الولد ولا مع الأب شيئا. ~~واختلفوا فيما سوى ذلك، فمنها أنهم اختلفوا في ميراث الإخوة للأب والأم مع ~~البنت أو البنات، فذهب الجمهور إلى أنهن عصبة يعطون ما فضل عن البنات، وذهب ~~داود بن علي الظاهري وطائفة إلى أن الأخت لا ترث مع البنت شيئا. وعمدة ~~الجمهور في هذا الحديث ابن مسعود عن النبي (ص) أنه قال في ابنة وابنة ابن ~~وأخت أن للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت. ~~وأيضا من جهة النظر لما أجمعوا على توريث الاخوة مع البنات، فكذلك الأخوات. ~~وعمدة الفريق الآخر ظاهر قوله تعالى: * (إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت) * ~~فلم يجعل للأخت شيئا إلا مع عدم الولد، والجمهور حملوا اسم الولد ههنا على ~~الذكور دون الإناث. وأجمع العلماء من هذا الباب على أن الإخوة للأب والأم ~~يحجبون الإخوة للأب عن الميراث قياسا على بني الأبناء مع بني الصلب. قال ~~أبو عمر: # وقد روي ذلك في حديث حسن من رواية الآحاد العدول عن علي رضي الله عنه ~~قال: # قضى رسول الله (ص) أن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات وأجمع ~~العلماء على أن الأخوات للأب والأم ms0866 إذا استكملن الثلثين فإنه ليس للأخوات ~~للأب معهن شئ، كالحال في بنات الابن مع بنات الصلب، وأنه إن كانت الأخت ~~للأب والأم واحدة فللأخوات للأب ما كن بقية الثلثين وهو السدس. واختلفوا ~~إذا كان مع الأخوات للأب ذكر، فقال الجمهور: # يعصبهن ويقتسمون المال للذكر مثل حظ الأنثيين، كالحال في بنات الابن مع ~~بنات الصلب، واشترط مالك أن يكون في درجتهن، وقال ابن مسعود: إذا استكمل ~~الأخوات الشقائق الثلثين فالباقي للذكور من الإخوة للأب دون الإناث، وبه ~~قال أبو ثور، وخالفه داود في هذه المسألة، مع موافقته له في مسألة بنات ~~الصلب وبني البنين، فإن لم يستكملن الثلثين، فللذكر عنده من بني الأب مثل ~~حظ الأنثيين، إلا أن يكون الحاصل للنساء أكثر من السدس كالحال في بنت الصلب ~~مع بني الابن. وأدلة الفريقين في هذه المسألة هي تلك الأدلة بأعيانها. ~~وأجمعوا على أن الإخوة للأب يقومون مقام الإخوة للأب والأم عند فقدهم، ~~كالحال في بني البنين مع البنين، وأنه إذا كان معهن ذكر عصبهن، بأن يبدأ ~~بمن له فرض مسمى، ثم يرثون الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين كالحال في البنين ~~إلا في موضع واحد وهي الفريضة التي تعرف بالمشتركة، فإن العلماء اختلفوا ~~فيها، وهي امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وإخوتها لأمها وإخوتها لأبيها ~~وأمها، فكان عمر، وعثمان، وزيد بن ثابت يعطون للزوج النصف، وللأم السدس، ~~وللاخوة للأم الثلث، فيستغرقون المال فيبقى الإخوة للأب والأم بلا شئ، ~~فكانوا يشركون الإخوة للأب والأم في الثلث مع الاخوة للأم يقتسمونه بينهم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين، وبالتشريك قال من فقهاء الأمصار مالك والشافعي ~~PageV02P281 # والثوري. وكان علي رضي الله عنه، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري لا ~~يشركون إخوة الأب والأم في الثلث مع إخوة الأم في هذه الفريضة، ولا يوجبون ~~لهم شيئا فيها، وقال به من فقهاء الأمصار: أبو حنيفة وابن أبي ليلى وأحمد ~~وأبو ثور وداود وجماعة. وحجة الفريق الأول أن الإخوة للأب والأم يشاركون ~~الاخوة للأم في السبب الذي به يستوجبون الإرث وهي ms0867 الأم، فوجب أن لا ينفردوا ~~به دونهم، لأنه إذا اشتركوا في السبب الذي به يورثون وجب أن يشتركوا في ~~الميراث. وحجة الفريق الثاني أن الاخوة الشقائق عصبة، فلا شئ لهم إذا أحاط ~~ت فرائض ذوي السهام بالميراث. وعمدتهم باتفاق الجميع على أن من ترك زوجا ~~وأما وأخا واحدا لأم وإخوة شقائق عشرة أو أكثر أن الأخ للأم يستحق ههنا ~~السدس كاملا، والسدس الباقي بين الباقين مع أنهم مشاركون له في الأم. فسبب ~~الاختلاف: في أكثر مسائل الفرائض، هو تعارض المقاييس، واشتراك الألفاظ فيما ~~فيه نص. # ميراث الجد: وأجمع العلماء على أن الأب يحجب الجد، وأنه يقوم مقام الأب ~~عند عدم الأب مع البنين، وأنه عاصب مع ذوي الفرائض، واختلفوا هل يقوم مقام ~~الأب في حجب الاخوة الشقائق، أو حجب الإخوة للأب؟ فذهب ابن عباس، وأبو بكر ~~رضي الله عنهما وجماعة إلى أنه يحجبهم، وبه قال أبو حنيفة، وأبو ثور، ~~والمزني، وابن سريج من أصحاب الشافعي، وداود، وجماعة، واتفق علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه وزيد بن ثابت، وابن مسعود على توريث الاخوة مع الجد، إلا ~~أنهم اختلفوا في كيفية ذلك على ما أقوله بعد. وعمدة من جعل الجد بمنزلة ~~الأب اتفاقهما في المعنى، أعني من قبل أن كليهما أب للميت، ومن اتفاقهما في ~~كثير من الاحكام التي أجمعوا على اتفاقهما فيها، حتى إنه قد روي عن ابن ~~عباس (رضي الله عنه) أنه قال: أما يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ~~ابنا، ولا يجعل أب الأب أبا؟!. وقد أجمعوا أنه مثله في أحكام أخرى سوى ~~الفروض، منها أن شهادته لحفيده كشهادة الأب وأن الجد يعتق على حفيده كما ~~يعتق الأب على الابن، وأنه لا يقتص له من جد كما لا يقتص له من أب. وعمدة ~~من ورث الأخ مع الجد، أن الأخ أقرب إلى الميت من الجد، لان الجد أبو أبي ~~الميت، والأخ ابن أبي الميت، والابن أقرب من الأب، وأيضا فما أجمعوا عليه ~~من أن ابن الأخ ms0868 يقدم على العم، وهو يدلي بالأب، والعم يدلي بالجد. # فسبب الخلاف: تعارض القياس في هذا الباب. فإن قيل: فأي القياسين أرجح ~~بحسب النظر الشرعي؟ قلنا: قياس من ساوى بين الأب والجد، فإن الجد أب في ~~المرتبة الثانية أو الثالثة، كما أن ابن الابن ابن في المرتبة الثانية أو ~~الثالثة. وإذا لم يحجب الابن الجد وهو يحجب الإخوة فالجد يجب أن يحجب من ~~يحجب الابن، والأخ ليس بأصل للميت ولا فرع، وإنما هو مشارك له في الأصل، ~~والأصل أحق بالشئ من المشارك له في الأصل، والجد ليس هو أصلا للميت من قبل ~~الأب بل هو أصل أصله، والأخ يرث من قبل أنه فرع لأصل PageV02P282 # الميت، فالذي هو أصل لأصله أولى من الذي هو فرع لأصله، ولذلك لا معنى ~~لقول من قال إن الأخ يدلي بالبنوة، والجد يدلي بالأبوة، فإن الأخ ليس ابنا ~~للميت وإنما هو ابن أبيه، والجد أبو الميت، والبنوة إنما هي أقوى في ~~الميراث من الأبوة في الشخص الواحد بعينه أعني الموروث. وأما البنوة التي ~~تكون لأب موروث، فليس يلزم أن تكون في حق الموروث أقوى من الأبوة التي تكون ~~لأب الموروث، لان الأبوة التي لأب الموروث هي أبوة ما للموروث أعني بعيدة ~~وليس البنوة التي لأب الموروث بنوة ما للموروث لا قريبة ولا بعيدة، فمن ~~قال: الأخ أحق من الجد، لان يدلي بالشئ الذي من قبله كان الميراث بالبنوة ~~وهو الأب والجد يدلي بالأبوة هو قول غالط مخيل، لان الجد أب ما، وليس الأخ ~~ابنا ما. وبالجملة الأخ لاحق من لواحق الميت، وكأنه أمر عارض والجد سبب من ~~أسبابه، والسبب أملك للشئ من لاحقه. واختلف الذين ورثوا الجد مع الاخوة في ~~كيفية ذلك. فتحصيل مذهب زيد في ذلك أنه لا يخلو أن يكون معه سوى الاخوة ذو ~~فرض مسمى أو لا يكون، فإن لم يكن معه ذو فرض مسمى، أعطي الأفضل له من ~~اثنين: إما ثلث المال، وإما أن يكون كواحد من الاخوة الذكور، وسواء أكان ~~الاخوة ذكرانا ms0869 أو إناثا أو الامرين جميعا فهو مع الأخ الواحد يقاسمه المال، ~~وكذلك مع الاثنين، ومع الثلاثة والأربعة يأخذ الثلث، وهو مع الأخت الواحدة ~~إلى الأربع يقاسمهن للذكر مثل حظ الأنثيين، ومع الخمس أخوات له الثلث، لأنه ~~أفضل له من المقاسمة، فهذه هي حاله مع الاخوة فقط دون غيرهم. وأما إن كان ~~معهم ذو فرض مسمى فإنه يبدأ بأهل الفروض فيأخذون فروضهم، فما بقي أعطي الا ~~فضله من ثلاث: إما ثلث ما بقي بعد حظوظ ذوي الفرائض، وإما أن يكون بمنزلة ~~ذكر من الاخوة، وإما أن يعطى السدس من رأس المال لا ينقص منه، ثم ما بقي ~~يكون للاخوة للذكر مثل حظ الأنثيين في الأكدرية - على ما سنذكر مذهبه فيها ~~مع سائر مذاهب العلماء. وأما علي (رضي الله عنه) فكان يعطي الجد الا حظي له ~~من السدس، أو المقاسمة، وسواء أكان مع الجد والاخوة غيرهم من ذوي الفرائض ~~أو لم يكن، وإنما لم ينقصه من السدس شيئا، لأنهم لما أجمعوا أن الأبناء لا ~~ينقصونه منه شيئا كان أحرى أن لا ينقصه الاخوة. وعمدة قول زيد أنه لما كان ~~يحجب الإخوة للأم فلم يحجب عما يجب لهم وهو الثلث، وبقول زيد قال مالك، ~~والشافعي، والثوري، وجماعة، وبقول علي (رضي الله عنه) قال أبو حنيفة. وأما ~~الفريضة التي تعرف بالأكدرية وهي امرأة توفيت وتركت زوجا وأما وأختا شقيقة ~~وجدا فإن العلماء اختلفوا فيها، فكان عمر رضي الله عنه وابن مسعود يعطيان ~~للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخت النصف، وللجد السدس، وذلك على جهة العول. # وكان علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وزيد يقولان: للزوج النصف، وللأم ~~الثلث، وللأخت النصف، وللجد السدس فريضة، إلا أن زيدا يجمع سهم الأخت ~~والجد، فيقسم ذلك بينهم PageV02P283 # للذكر مثل حظ الأنثيين، وزعم بعضهم أن هذا ليس من قول زيد، وضعف الجميع ~~التشريك الذي قال به زيد في هذه الفريضة، وبقول زيد قال مالك، وقيل: إنما ~~سميت الأكدرية لتكدر قول زيد فيها، وهذا كله على مذهب من يرى العول، ms0870 ~~وبالعول قال جمهور الصحابة وفقهاء الأمصار، إلا ابن عباس فإنه روي عنه أنه ~~قال: أعال الفرائض عمر بن الخطاب، وأيم الله لو قدم من قدم الله وأخر من ~~أخر الله ما عالت فريضة، قيل له: وأيها قدم الله، وأيها أخر الله؟ قال: كل ~~فريضة لم يهبطها الله عز وجل عن موجبها إلا إلى فريضة أخرى فهي ما قدم ~~الله، وكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقي فتلك التي أخر ~~الله فالأول مثل الزوجة والأم، والمتأخر مثل الأخوات والبنات، قال: فإذا ~~اجتمع الصنفان بدئ من قدم الله، فإن بقي شئ فلمن أخر الله، وإلا فلا شئ له، ~~قيل له: فهلا قلت هذا القول لعمر، قال: هبته. وذهب زيد إلى أنه إذا كان مع ~~الجد والاخوة الشقائق إخوة لأب، أن الاخوة الشقائق يعادون الجد بالاخوة ~~للأب، فيمنعونه بهم كثرة الميراث، ولا يرثون مع الاخوة الشقائق شيئا إلا أن ~~يكون الشقائق أختا واحدة، فإنها تعاد الجد بإخوتها للأب ما بينهما وبين أن ~~تستكمل فريضتها، وهي النصف، وإن كان فيما يحاز لها ولاخوتها لأبيها فضل عن ~~نصف رأس المال كله، فهو لاخوتها لأبيها للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن لم يفضل ~~شئ على النصف فلا ميراث لهم، فأما علي (رضي الله عنه) فكان لا يلتفت هنا ~~للاخوة للأب للاجماع على أن الاخوة الشقائق يحجبونهم، ولان هذا الفعل أيضا ~~مخالف للأصول، أعني أن يحتسب بمن لا يرث. واختلف الصحابة (رضي الله عنهم) ~~من هذا الباب في الفريضة التي تدعى الخرقاء، وهي أم وأخت وجد على خمسة ~~أقوال. فذهب أبو بكر رضي الله عنه وابن عباس إلى أن للأم الثلث والباقي ~~للجد وحجبوا به الأخت، وهذا على رأيهم في إقامة الجد مقام الأب. وذهب علي ~~رضي الله عنه إلى أن للأم الثلث وللأخت النصف وما بقي للجد. وذهب عثمان إلى ~~أن للأم الثلث وللأخت الثلث وللجد الثلث. وذهب ابن مسعود إلى أن للأخت ~~النصف وللجد الثلث وللأم السدس، وكان يقول معاذ الله ms0871 أن أفضل أما على جد. ~~وذهب زيد إلى أن للأم الثلث وما بقي بين الجد والأخت للذكر مثل حظ ~~الأنثيين. # ميراث الجدات: وأجمعوا على أن للجدة أم الأم السدس، مع عدم الأم، وأن ~~للجدة أيضا أم الأب عند فقد الأب السدس، فإن اجتمعا كان السدس بينهما. ~~واختلفوا فيما سوى ذلك، فذهب زيد وأهل المدينة إلى أن الجدة أم الأم يفرض ~~لها السدس فريضة، فإذا اجتمعت الجدتان كان السدس بينهما إذا كان تعددهما ~~سواء، أو كانت أم الأب أقعد، فإن كانت أم الأم أقعد: أي أقرب إلى الميت كان ~~لها السدس، ولم يكن للجدة أم الأب PageV02P284 # شئ، وقد روي عنه أيهما أقعد كان لها السدس، وبه قال علي (رضي الله عنه)، ~~ومن فقهاء الأمصار أبو حنيفة، والثوري، وأبو ثور، وهؤلاء ليس يورثون إلا ~~هاتين الجدتين المجتمع على توريثهما، وكان الأوزاعي وأحمد يورثان ثلاث جدات ~~واحدة من قبل الأم واثنتان من قبل الأب: أم الأب وأم أبي الأب أعني الجد ~~وكان ابن مسعود يورث أربع جدات: أم الأم وأم الأب وأم أبي الأب أعني الجد ~~وأم أبي الأم أعني الجد، وبه قال الحسن وابن سيرين. وكان ابن مسعود يشرك ~~بين الجدات في السدس دنياهن وقصواهن ما لم تكن تحجبها بنتها أو بنت بنتها. ~~وقد روي أنه كان يسقط القصوى بالدنيا إذا كانتا من جهة واحدة. وروي عن ابن ~~عباس أن الجدة كالأم إذا لم تكن أم، وهو شاذ عند الجمهور، ولكن له حظ من ~~القياس. فعمدة زيد، وأهل المدينة، والشافعي، ومن قال بمذهب زيد ما رواه ~~مالك أنه قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر رضي الله عنه تسأله عن ميراثها، فقال ~~أبو بكر: مالك في كتاب الله عز وجل شئ وما علمت لك في سنة رسول الله (ص) ~~شيئا فارجعي حتى أسأل الناس، فقال له المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله (ص) ~~أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقال: محمد بن مسلمة، فقال مثل ~~ما قال المغيرة، فأنفذه أبو بكر ms0872 لها، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن ~~الخطاب تسأله ميراثها، فقال لها: ما لك في كتاب الله عز وجل شئ، وما كان ~~القضا الذي قضى به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض، ولكنه ذلك السدس، ~~فإن اجتمعتما فيه فهو لكما، وأيتكما انفردت به فهو لها. وروى مالك أيضا أنه ~~أتت الجدتان إلى أبي بكر، فأراد أن يجعل السدس للتي من قبل الأم، فقال له ~~رجل: أما إنك تترك التي لو ماتت وهو حي كان إياها يرث، فجعل أبو بكر السدس ~~بينهما قالوا: فواجب أن لا يتعدى في هذا هذه السنة وإجماع الصحابة. وأما ~~عمدة من ورث الثلاث جدات فحديث ابن عيينة عن منصور عن إبراهيم: أن النبي ~~(ص) ورث ثلاث جدات: اثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم وأما ابن مسعود ~~فعمدته القياس في تشبيهها بالجدة للأب لكن الحديث يعارضه. واختلفوا هل يحجب ~~الجدة للأب ابنها وهو الأب، فذهب زيد إلى أنه يحجب، وبه قال مالك، ~~والشافعي، وأبو حنيفة، وداود، وقال آخرون: ترث الجدة مع ابنها، وهو مروي عن ~~عمر، وابن مسعود، وجماعة من الصحابة، وبه قال شريح، وعطاء، وابن سيرين، ~~وأحمد، وهو قول الفقهاء المصريين. وعمدة من حجب الجدة بابنها أن الجد لما ~~كان محجوبا بالأب وجب أن تكون الجدة أولى بذلك، وأيضا فلما كانت أم الأم لا ~~ترث بإجماع مع الأم شيئا كان كذلك أم الأب مع الأب. وعمدة الفريق الثاني ما ~~روى الشعبي عن مسروق عن عبد الله قال: أول جدة أعطاها رسول الله (ص) سدسا ~~جدة مع ابنها وابنها حي قالوا: ومن طريق النظر لما كانت الأم وأم الأم لا ~~يحجبن بالذكور كان كذلك حكم جميع PageV02P285 # الجدات، وينبغي أن يعلم أن مالكا لا يخالف زيدا إلا في فريضة واحدة، وهي ~~امرأة هلكت وتركت زوجا، وأما، وإخوة لأم، وإخوة لأب وأم وجدا، فقال مالك: ~~للزوج النصف، وللأم السدس وللجد ما بقي وهو الثلث، وليس للاخوة الشقائق شئ، ~~وقال زيد: للزوج النصف. وللأم السدس، وما ms0873 بقي للاخوة الشقائق، فخالف مالك ~~في هذه المسألة أصله من أن الجد لا يحجب الإخوة الشقائق ولا الأخوات للأب. ~~وحجته أنه لما حجب الاخوة للأم عن الثلث الذي كانوا يستحقونه دون الشقائق ~~كان هو أولى به. وأما زيد فعلى أصله في أنه لا يحجبهم. # باب: في الحجب وأجمع العلماء على أن الأخ الشقيق يحجب الأخ للأب، وأن ~~الأخ للأب يحجب بني الأخ الشقيق، وأن بني الأخ الشقيق يحجبون أبناء الأخ ~~للأب، وبنو الأخ للأب أولى من بني ابن الأخ للأب والأم، وبنو الأخ للأب ~~أولى من العم أخي الأب، وابن العم أخي الأب الشقيق أولى من ابن العم أخي ~~الأب للأب، وكل واحد من هؤلاء يحجبون بنيهم، ومن حجب منهم صنفا فهو يحجب من ~~يحجبه ذلك الصنف. وبالجملة، أما الاخوة فالأقرب منهم يحجب الأبعد، فإذا ~~استووا حجب منهم من أدلى بسببين أم وأب من أدلى بسبب واحد وهو الأب فقط، ~~وكذلك الأعمام الأقرب منهم يحجب الأبعد، فإن استووا حجب منهم من يدلي منهم ~~إلى الميت بسببين من يدلي بسبب واحد أعني أنه يحجب العم أخو الأب لأب وابن ~~العم الذي هو أخو الأب لأب فقط. وأجمعوا على أن الاخوة الشقائق والإخوة ~~للأب يحجبون الأعمام، لان الاخوة بنو أب المتوفى، والأعمام بنو جده، ~~والأبناء يحجبون بنيهم، والآباء أجدادهم، والبنون وبنوهم يحجبون الاخوة، ~~والجد يحجب من فوقه من الأجداد بإجماع، والأب يحجب الإخوة ويحجب من تحجبه ~~الاخوة، والجد يحجب الأعمام بإجماع والاخوة للأم، ويحجب بنو الاخوة الشقائق ~~بني الإخوة للأب. والبنات، وبنات البنين يحجبن الاخوة للأم. واختلف العلماء ~~فيمن ترك ابني عم أحدهما أخ للأم، فقال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، ~~والثوري: # للأخ للأم السدس من جهة ما هو أخ لأم وهو في باقي المال مع ابن العم ~~الآخر عصبة يقتسمونه بينهم على السواء، وهو قول علي (رضي الله عنه) وزيد ~~وابن عباس، وقال قوم: # المال كله لابن العم الذي هو أخ لأم يأخذ سدسه بالاخوة وبقيته بالتعصيب، ~~لأنه قد أدلى بسببين. وممن ms0874 قال بهذا القول من الصحابة ابن مسعود، ومن ~~الفقهاء داود وأبو ثور والطبري، وهو قول الحسن، وعطاء. واختلف العلماء في ~~رد ما بقي من مال الورثة على ذوي الفرائض إذا بقيت من المال فضلة لم ~~تستوفها الفرائض ولم يكن هناك من يعصب، فكان زيد لا يقول بالرد ويجعل ~~الفاضل في بيت المال، وبه قال مالك، والشافعي، PageV02P286 # وقال جل الصحابة بالرد على ذوي الفروض ما عدا الزوج والزوجة، وإن كانوا ~~اختلفوا في كيفية ذلك، وبه قال فقهاء العراق من الكوفيين، والبصريين. وأجمع ~~هؤلاء الفقهاء على أن الرد يكون لهم بقدر سهامهم، فمن كان له نصف أخذ النصف ~~مما بقي، وهكذا في جزء جزء. وعمدتهم أن قرابة الدين والنسب أولى من قرابة ~~الدين فقط: أي أن هؤلاء اجتمع لهم سببان وللمسلمين سبب واحد. وهنا مسائل ~~مشهورة الخلاف بين أهل العلم فيها تعلق بأسباب المواريث يجب أن نذكرها هنا، ~~فمنها أنه أجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم لقوله تعالى: * (ولن ~~يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) * ولما ثبت من قوله عليه الصلاة ~~والسلام: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم واختلفوا في ميراث ~~المسلم الكافر، وفي ميراث المسلم المرتد، فذهب جمهور العلماء من الصحابة ~~والتابعين وفقهاء الأمصار إلى أنه لا يرث المسلم الكافر بهذا الأثر الثابت، ~~وذهب معاذ بن جبل ومعاوية من الصحابة وسعيد بن المسيب ومسروق من التابعين ~~وجماعة إلى أن المسلم يرث الكافر، وشبهوا ذلك بنسائهم، فقالوا: كما يجوز ~~لنا أن ننكح نساءهم ولا يجوز لنا أن ننكحهم نساءنا كذلك الإرث، ورووا في ~~ذلك حديثا مسندا، قال أبو عمر: وليس بالقوي عند الجمهور، وشبهوه أيضا ~~بالقصاص في الدماء التي لا تتكافأ. وأما مال المرتد إذا قتل أو مات، فقال ~~جمهور فقهاء الحجاز هو لجماعة المسلمين ولا يرثه قرابته، وبه قال مالك، ~~والشافعي، وهو قول زيد من الصحابة. وقال أبو حنيفة، والثوري، وجمهور ~~الكوفيين، وكثير من البصريين يرثه ورثته من المسلمين، وهو قول ابن مسعود من ~~الصحابة، وعلي (رضي الله ms0875 عنهما). # وعمدة الفريق الأول عموم الحديث، وعمدة الحنفية تخصيص العموم بالقياس، ~~وقياسهم في ذلك هو أن قرابته أولى من المسلمين لأنهم يدلون بسببين: ~~بالاسلام والقرابة، والمسلمون بسبب واحد، وهو الاسلام، وربما أكدوا بما ~~يبقى لماله حكم الاسلام بدليل أنه لا يؤخذ في الحال حتى يموت فكانت حياته ~~معتبرة في بقاء ماله على ملكه، وذلك لا يكون إلا بأن يكون لماله حرمة ~~إسلامية، ولذلك لم يجز أن يقر على الارتداد، بخلاف الكافر - وقال الشافعي، ~~وغيره: يؤخذ بقضاء الصلاة إذا تاب من الردة في أيام الردة، والطائفة الأخرى ~~تقول: يوقف ماله لان له حرمة إسلامية، وإنما وقف رجاء أن يعود إلى الاسلام، ~~وأن استيجاب المسلمين لماله ليس على طريق الإرث. وشذت طائفة فقالت: # ماله للمسلمين عندما يرتد، وأظن أن أشهب ممن يقول بذلك. وأجمعوا على ~~توريث أهل الملة الواحدة بعضهم بعضا. واختلفوا في توريث الملل المختلفة، ~~فذهب مالك وجماعة إلى أن أهل الملل المختلفة لا يتوارثون كاليهود والنصارى، ~~وبه قال أحمد وجماعة، وقال الشافعي PageV02P287 # وأبو حنيفة وأبو ثور والثوري وداود وغيرهم: الكفار كلهم يتوارثون، وكان ~~شريح وابن أبي ليلى وجماعة يجعلون الملل التي لا تتوارث ثلاثا: النصارى ~~واليهود والصابئين ملة، والمجوس ومن لا كتاب له ملة، والإسلام ملة. وقد روي ~~عن ابن أبي ليلى مثل قول مالك. وعمدة مالك ومن قال بقوله ما روى الثقات عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي (ص) قال: لا يتوارث أهل ملتين، وعمدة ~~الشافعية والحنفية قوله عليه الصلاة والسلام: لا يرث المسلم الكافر ولا ~~الكافر المسلم وذلك أن المفهوم من هذا بدليل الخطاب أن المسلم يرث المسلم ~~والكافر يرث الكافر. والقول بدليل الخطاب فيه ضعف وخاصة هنا. واختلفوا في ~~توريث الحملاء، والحملاء هم الذين يتحملون بأولادهم من بلاد الشرك إلى بلاد ~~الاسلام وهم يدعون الولادة الموجبة للنسب، وذلك على ثلاثة أقوال: قول إنهم ~~يتوارثون بما يدعون من النسب، وهو قول جماعة من التابعين وإليه ذهب إسحاق. ~~وقول إنهم لا يتوارثون إلا ببينة تشهد ms0876 على أنسابهم، وبه قال شريح والحسن ~~وجماعة. # وقول إنهم لا يتوارثون أصلا وروي عن عمر الثلاثة الأقوال، إلا أن الأشهر ~~عنه أنه كان لا يورث إلا من ولد في بلاد العرب وهو قول عثمان وعمر بن عبد ~~العزيز. وأما مالك وأصحابه فاختلف في ذلك قولهم، فمنهم من رأى أن لا يورثون ~~إلا ببينة، وهو قول ابن القاسم: ومنهم من رأى أن لا يورثون أصلا ولا ~~بالبينة العادلة، وممن قال بهذا القول من أصحاب مالك عبد الملك ابن ~~الماجشون، وروى ابن القاسم عن مالك في أهل حصن نزلوا على حكم الاسلام، فشهد ~~بعضهم لبعض أنهم يتوارثون، وهذا يتخرج منه أنهم يتوارثون بلا بينة. لان ~~مالكا لا يجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض قال: فأما إن سبوا فلا يقبل ~~قولهم في ذلك. # وبنحو هذا التفصيل قال الكوفيون والشافعي وأحمد وأبو ثور، وذلك أنهم ~~قالوا: إن خرجوا إلى بلاد الاسلام وليس لاحد عليهم يد قبلت دعواهم في ~~أنسابهم، وأما إن أدركهم السبي والرق فلا يقبل قولهم إلا ببينة. ففي ~~المسألة أربعة أقوال: اثنان طرفان، واثنان مفرقان. وجمهور العلماء من فقهاء ~~الأمصار ومن الصحابة علي وزيد وعمر أن من لا يرث لا يحجب مثل الكافر ~~والمملوك والقاتل عمدا، وكان ابن مسعود يحجب بهؤلاء الثلاثة دون أن يورثهم ~~أعني بأهل الكتاب وبالعبيد وبالقاتلين عمدا، وبه قال داود وأبو ثور. وعمدة ~~الجمهور أن الحجب في معنى الإرث وأنهما متلازمان. وحجة الطائفة الثانية أن ~~الحجب لا يرتفع إلا بالموت. واختلف العلماء في الذين يفقدون في حرب أو غرق ~~أو هدم ولا يدرى من مات منهم قبل صاحبه كيف يتوارثون إذا كانوا أهل ميراث؟ ~~فذهب مالك وأهل المدينة إلى أنهم لا يورث بعضهم من بعض، وأن ميراثهم جميعا ~~لمن بقي من قرابتهم الوارثين أو لبيت المال إن لم تكن لهم قرابة ترث، وبه ~~قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه فيما حكى عنه الطحاوي. وذهب علي وعمر (رضي ~~الله عنهما) وأهل الكوفة وأبو حنيفة - فيما ذكر غير الطحاوي عنه - وجمهور ms0877 ~~البصريين إلى أنهم يتوارثون وصفة PageV02P288 # توريثهم عندهم أنهم يورثون كل واحد من صاحبه في أصل ماله دون ما ورث ~~بعضهم من بعض، أعني أنه لا يضم إلى مال المورث ما ورث من غيره، فيتوارثون ~~الكل على أنه مال واحد كالحال في الذين يعلم تقدم موت بعضهم على بعض، مثال ~~ذلك زوج وزوجته توفيا في حرب أو غرق أو هدم ولكل واحد منهما ألف درهم، ~~فيورث الزوج من المرأة خمسمائة درهم، وتورث المرأة من الألف التي كانت بيد ~~الزوج دون الخمسمائة التي ورث منها ربعها وذلك مائتان وخمسون. ومن مسائل ~~هذا لباب اختلاف العلماء في ميراث ولد الملاعنة وولد الزنا، فذهب أهل ~~المدينة وزيد بن ثابت إلى أن ولد الملاعنة يورث كما يورث غير ولد الملاعنة، ~~وأنه ليس لامه إلا الثلث والباقي لبيت المال، إلا أن يكون له إخوة لأم، ~~فيكون لهم الثلث أو تكون أمه مولاة فيكون باقي المال لمواليها، وإلا ~~فالباقي لبيت مال المسلمين، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه، إلا ~~أن أبا حنيفة - على مذهبه - يجعل ذوي الأرحام أولى من جماعة المسلمين. ~~وأيضا على قياس من يقول بالرد يرد على الأم بقية المال، وذهب علي وعمر وابن ~~مسعود إلى أن عصبته عصبة أمه أعني الذين يرثونها. وروي عن علي وابن مسعود ~~أنهم كانوا لا يجعلون عصبته عصبة أمه إلا مع فقد الأم وكانوا ينزلون الأم ~~بمنزلة الأب، وبه قال الحسن وابن سيرين والثوري وابن حنبل وجماعة. وعمدة ~~الفريق الأول عموم قوله تعالى: * (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه ~~الثلث) * فقالوا: هذه أم وكل أم لها الثلث، فهذه لها الثلث. وعمدة الفريق ~~الثاني ما روي من حديث ابن عمر عن النبي (ص) أنه ألحق ولد الملاعنة بأمه ~~وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جعل النبي (ص) ميراث ابن الملاعنة ~~لامه ولورثته وحديث واثلة بن الأسقع عن النبي (ص) قال: المرأة تحوز ثلاثة ~~أموال: عتيقها، ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه وحديث مكحول عن النبي ms0878 (ص) ~~بمثل ذلك، خرج جميع ذلك أبو داود وغيره. قال القاضي: هذه الآثار المصير ~~إليها واجب لأنها قد خصصت عموم الكتاب. والجمهور على أن السنة يخصص بها ~~الكتاب، ولعل الفريق الأول لم تبلغهم هذه الأحاديث أو لم تصح عندهم، وهذا ~~القول مروي عن ابن عباس وعثمان، وهو مشهور في الصدر الأول، واشتهاره في ~~الصحابة دليل على صحة هذه الآثار، فإن هذا ليس يستنبط بالقياس. والله أعلم. # ومن مسائل ثبوت النسب الموجب للميراث اختلافهم فيمن ترك ابنين وأقر أحدهم ~~بأخ ثالث وأنكر الثاني، فقال مالك وأبو حنيفة: يجب عليه أن يعطيه حقه من ~~الميراث يعنون المقر، ولا يثبت بقوله نسبه، وقال الشافعي: لا يثبت النسب ~~ولا يجب على المقر أن يعطيه من الميراث شيئا. واختلف مالك وأبو حنيفة في ~~القدر الذي يجب على الأخ المقر، فقال مالك يجب عليه ما كان يجب عليه لو أقر ~~الا الثاني وثبت النسب. وقال أبو حنيفة: يجب عليه أن يعطيه نصف ما بيده، ~~وكذلك الحكم عند مالك وأبي حنيفة فيمن ترك ابنا واحدا PageV02P289 # فأقر بأخ له آخر، أعني أنه لا يثبت النسب ويجب الميراث، وأما الشافعي ~~فعنه في هذه المسألة قولا أحدهما: أنه لا يثبت النسب ولا يجب الميراث. ~~والثاني: يثبت النسب ويجب الميراث، وهو الذي عليه تناظر الشافعية في ~~المسائل الطبلولية ويجعلها مسألة عامة، وهو أن كل من يحوز المال يثبت النسب ~~بإقراره وإن كان واحدا أخا أو غير ذلك. وعمدة الشافعية في المسألة الأولى، ~~وفي أحد قوليه في هذه المسألة - أعني القول الغير المشهور - أن النسب لا ~~يثبت إلا بشاهدي عدل، وحيث لا يثبت فلا ميراث، لان النسب أصل والميراث فرع، ~~وإذا لم يوجد الأصل لم يوجد الفرع. وعمدة مالك وأبي حنيفة أن ثبوت النسب هو ~~حق متعد إلى الأخ المنكر، فلا يثبت عليه إلا بشاهدين عدلين، وأما حظه من ~~الميراث الذي بيد المقر فإقراره فيه عامل لأنه حق أقر به على نفسه. والحق ~~أن القضاء عليه لا يصح من الحاكم إلا بعد ms0879 ثبوت النسب وأنه لا يجوز له بين ~~الله تعالى وبين نفسه أن يمنع من يعرف أنه شريكه في الميراث حظه منه. وأما ~~عمدة الشافعية في إثباتهم النسب بإقرار الواحد الذي يجوز له الميراث ~~فالسماع والقياس. أما السماع فحديث مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ~~المتفق على صحته قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص ~~أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك، فلما كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي ~~وقاص وقال: ابن أخي قد كان عهد إلي فيه، فقام إليه عبد بن زمعة، فقال: أخي ~~وابن وليدة: أبي ولد على فراشه، فتساوقاه إلى رسول الله (ص)، فقال سعد: يا ~~رسول الله.. ابن أخي قد كان عهد إلي فيه، فقام إليه عبد بن زمعة فقال: أخي ~~وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقال رسول الله (ص): هو لك يا عبد بن زمعة، ~~ثم قال رسول الله (ص): الولد للفراش وللعاهر الحجر، ثم قال لسودة بنت زمعة: ~~احتجبي منه، لما رأى من شبهه بعتبة بن أبي وقاص قالت: فما رآها حتى لقي ~~الله عز وجل، فقضى رسول الله (ص) لعبد بن زمعة بأخيه وأثبت نسبه بإقراره إذ ~~لم يكن هنالك وارث منازع له. وأما أكثر الفقهاء فقد أشكل عليهم معنى هذا ~~الحديث لخروجه عندهم عن الأصل المجمع عليه في إثبات النسب، ولهم في ذلك ~~تأويلات، وذلك أن ظاهر هذا الحديث أنه أثبت نسبه بإقرار أخيه به، والأصل أن ~~لا يثبت نسب إلا بشاهدي عدل، ولذلك تأول الناس في ذلك تأويلا ت، فقالت ~~طائفة: إنه إنما أثبت نسبه عليه الصلاة والسلام بقول أخيه، لأنه يمكن أن ~~يكون قد علم أن تلك الأمة كان يطؤها زمعة بن قيس، وأنها كانت فراشا له ~~قالوا: ومما يؤكد ذلك أنه كان صهره، وسودة بنت زمعة كانت زوجته عليه الصلاة ~~والسلام، فيمكن أن لا يخفى عليه أمرها، وهذا على القول بأن للقاضي أن يقضي ~~بعلمه، ولا يليق هذا التأويل بمذهب ms0880 مالك، لأنه لا يقضي القاضي عنده بعلمه، ~~ويليق بمذهب الشافعي على قوله الآخر، أعني الذي لا يثبت فيه النسب. والذين ~~قالوا بهذا التأويل قالوا: إنما أمر سودة بالحجبة احتياطا لشبهة ~~PageV02P290 # الشبه، لا أن ذلك كان واجبا، وقال لمكان هذا بعض الشافعية: إن للزوج أن ~~يحجب الأخت عن أخيها وقالت طائفة: أمره بالاحتجاب لسودة دليل على أنه لم ~~يلحق نسبه بقول عتبة ولا بعلمه بالفراش. وافترق هؤلاء في تأويل قوله عليه ~~الصلاة والسلام: هو لك فقال طائفة: إنما أراد هو عبدك إذ كان ابن أمة ~~وأبيك، وهذا غير ظاهر لتعليل رسول الله (ص) حكمه في ذلك بقوله: الولد ~~للفراش وللعاهر الحجر وقال الطحاوي: إنما أراد بقوله عليه الصلاة والسلام: ~~هو لك يا عبد بن زمعة أي يدك عليه بمنزلة ما هو يد اللاقط على اللقطة، وهذه ~~التأويلات تضعف لتعليله عليه الصلاة والسلام حكمه بأن قال: الولد للفراش ~~وللعاهر الحجر. وأما المعنى الذي يعتمده الشافعية في هذا المذهب، فهو أن ~~إقرار من يحوز الميراث هو إقرار خلافه: أي إقرار من حاز خلافة الميت، وعند ~~الغير أنه إقرار شهادة لا إقرار خلافة، يريد أن الاقرار الذي كان للميت ~~انتقل إلى هذا الذي حاز ميراثه. واتفق الجمهور على أن أولاد الزنا لا ~~يلحقون بآبائهم إلا في الجاهلية على ما روي عن عمر بن الخطاب على اختلاف في ~~ذلك بين الصحابة، وشذ قوم فقالوا: يلتحق ولد الزنا في الاسلام، أعني الذي ~~كان عن زنا في الاسلام. واتفقوا على أن الولد لا يلحق بالفراش في أقل من ~~ستة أشهر، إما من وقت العقد، وإما من وقت الدخول، وأنه يلحق من وقت الدخول ~~إلى قصر زمان الحمل، أو إن كان قد فارقها واعتزلها. واختلفوا في أطول زمان ~~الحمل الذي يلحق به الوالد الولد، فقال مالك: خمس سنين، وقال بعض أصحابه: ~~سبع، وقال الشافعي: أربع سنين، وقال الكوفيون: سنتان. وقال محمد بن الحكم: ~~سنة، وقال داود: ستة أشهر. وهذه المسألة مرجوع فيها إلى العادة والتجربة. # ويقول ابن عبد ms0881 الحكم والظاهرية هو أقرب إلى المعتاد، والحكم إنما يجب أن ~~يكون بالمعتاد لا بالنادر، ولعله أن يكون مستحيلا. وذهب مالك والشافعي إلى ~~أن من تزوج امرأة ولم يدخل بها أو دخل بها بعد الوقت وأتت بولد لستة أشهر ~~من وقت العقد لا من وقت الدخول أنه لا يلحق به إلا إذا أتت به لستة أشهر ~~فأكثر من ذلك من وقت الدخول. # وقال أبو حنيفة: هي فراش له ويلحقه الولد. وعمدة مالك أنها ليست بفراش ~~إلا بإمكان الوطئ وهو مع الدخول. وعمدة أبي حنيفة عموم قوله عليه الصلاة ~~والسلام: الولد للفراش وكأنه يرى أن هذا تعبد بمنزلة تغليب الوطئ الحلال ~~على الوطئ الحرام في إلحاق الولد بالوطئ الحلال. واختلفوا من هذا الباب في ~~إثبات النسب بالقافة، وذلك عندما يطأ رجلان في طهر واحد بملك يمين أو ~~بنكاح، ويتصور أيضا بالقافة في اللقيط الذي يدعيه رجلان أو ثلاثة. والقافة ~~عند العرب: هم قوم كانت عندهم معرفة بفصول تشابه أشخاص الناس، فقال بالقافة ~~من فقهاء الأمصار مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور والأوزاعي، وأبى الحكم ~~بالقافة وأكثر أهل العراق، والحكم عند هؤلاء أنه PageV02P291 # إذا ادعى رجلان ولدا كان الولد بينهما، وذلك إذا لم يكن لأحدهما فراش، ~~مثل أن يكون لقيطا، أو كانت المرأة الواحدة لكل واحد منهما فراشا مثل الأمة ~~أو الحرة يطؤها رجلان في طهر واحد، وعند الجمهور من القائلين بهذا القول ~~إنه يجوز أن يكون عندهم للابن الواحد أبوان فقط، وقال محمد صاحب أبي حنيفة: ~~يجوز أن يكون ابنا لثلاثة إن ادعوه، وهذا كله تخليط وإبطال للمعقول ~~والمنقول. وعمدة استدلال من قال بالقافة ما رواه مالك عن سليمان بن يسار أن ~~عمر بن الخطاب كان يليط أولاد الجاهلية بمن استلاطهم: أي بمن ادعاهم في ~~الاسلام فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة، فدعا قائفا فنظر إليه فقال ~~القائف: لقد اشتركا فيه، فضربه عمر بالدرة، ثم دعا المرأة فقال: # أخبريني بخبرك، فقالت: كان هذا - لاحد الرجلين - يأتي في إبل لأهلها فلا ~~يفارقها حتى يظن ms0882 ونظن أنه قد استمر بها حمل، ثم انصرف عنها فأهريقت عليه ~~دما، ثم خلف هذا عليها، تعني الآخر. فلا أدري أيهما هو، فكبر القائف، فقال ~~عمر للغلام: وال أيهما شئت. قالوا: فقضاء عمر بمحضر من الصحابة بالقافة من ~~غير إنكار من واحد منهم هو كالاجماع. وهذا الحكم عند مالك إذا قضى القافة ~~بالاشتراك أن يؤخر الصبي حتى يبلغ، ويقال له: وال أيهما شئت، ولا يلحق واحد ~~باثنين، وبه قال الشافعي، وقال أبو ثور: يكون ابنا لهما إذا زعم القائف ~~أنهما اشتركا فيه، وعند مالك أنه ليس يكون ابنا للاثنين لقوله تعالى: * (يا ~~أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) * واحتج القائلون بالقافة أيضا بحديث ~~ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: دخل رسول الله (ص) مسرورا تبرق أسارير ~~وجهه فقال: ألم تسمعي ما قال محرز المدلجي لزيد وأسامة ورأي أقدامهما فقال: ~~إن هذه الاقدام بعضها من بعض قالوا: وهذا مروي عن ابن عباس وعن أنس بن ~~مالك، ولا مخالف لهم من الصحابة. وأما الكوفيون فقالوا: الأصل أن لا يحكم ~~لاحد المتنازعين في الولد إلا أن يكون هنالك فراش لقوله عليه الصلاة ~~والسلام: الولد للفراش فإذا عدم الفراش أو اشتركا للفراش كان ذلك بينهما، ~~وكأنهم رأوا ذلك بنوة شرعية لا طبيعية، فإنه ليس يلزم من قال: إنه لا يمكن ~~أن يكون ابن واحد عن أبوين بالعقل أن لا يجوز وقوع ذلك في الشرع وروي مثل ~~قولهم عن عمر، ورواه عبد الرازق عن علي، وقال الشافعي: لا يقبل في القافة ~~إلا رجلان. وعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما مثل قول الشافعي، والثانية ~~أنه يقبل قول قائف واحد. # والقافة في المشهور عن مالك إنما يقضى بها في ملك اليمين فقط لا في ~~النكاح، وروى ابن وهب عنه مثل قول الشافعي، وقال أبو عمر بن عبد البر: في ~~هذا حديث PageV02P292 # حسن مسند أخذ به جماعة من أهل الحديث وأهل الظاهر، رواه الثوري عن صالح ~~بن حي عن الشعبي عن زيد بن أرقم قال: كان ms0883 علي باليمن فأتي بامرأة وطئها ~~ثلاثة أناس في طهر واحد، فسأل كل واحد منهم أن يقر لصاحبه بالولد فأبى، ~~فأقرع بينهم وقضى بالولد للذي أصابته القرعة وجعل عليه ثلثي الدية، فرفع ~~ذلك إلى النبي (ص) فأعجبه وضحك حتى بدت نواجذه وفي هذا القول إنفاذ الحكم ~~بالقافة وإلحاق الولد بالقرعة. # واختلفوا في ميراث القاتل على أربعة أقوال: فقال قوم: لا يرث القاتل أصلا ~~من قتله. # وقال آخرون: يرث القاتل وهم الأقل. وفرق قوم بين الخطأ والعمد فقالوا: لا ~~يرث في العمد شيئا ويرث في الخطأ إلا من الدية، وهو قول مالك وأصحابه. وفرق ~~قوم بين أن يكون في العمد قتل بأمر واجب أو بغير واجب، مثل أن يكون من له ~~إقامة الحدود، وبالجملة بين أن يكون ممن يتهم أو لا يتهم. وسبب الخلاف: ~~معارضة أصل الشرع في هذا المعنى للنظر المصلحي، وذلك أن النظر المصلحي ~~يقتضي أن لا يرث لئلا يتذرع الناس من المواريث إلى القتل، واتباع الظاهر، ~~والتعبد يوجب أن لا يلتفت إلى ذلك، فإنه لو كان ذلك مما قصد لالتفت إليه ~~الشارع * (وما كان ربك نسيا) كما تقول الظاهرية. واختلفوا في الوارث الذي ~~ليس بمسلم يسلم بعد موت مورثه المسلم وقبل قسم الميراث، كذلك إن كان مورثه ~~على غير دين الاسلام، فقال الجمهور: إنما يعتبر في ذلك وقت الموت، فإن كان ~~اليوم الذي مات فيه المسلم وارثه ليس بمسلم لم يرثه أصلا سواء قبل قسم ~~الميراث أو بعده، وكذلك إن كان مورثه على غير دين الاسلام وكان الوارث يوم ~~مات غير مسلم ورثه ضرورة سواء أكان إسلامه قبل القسم أو بعده. وقالت طائفة ~~منهم الحسن وقتادة وجماعة: المعتبر في ذلك يوم القسم، وروي ذلك عن عمر بن ~~الخطاب. وعمدة كلا الفريقين قوله (ص): # أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية، وأيما دار أو ~~أرض أدركها الاسلام ولم تقسم فهي على ما قسم الاسلام فمن اعتبر وقت القسمة ~~حكم للمقسوم في ذلك الوقت بحكم الاسلام ومن ms0884 اعتبر وجوب القسمة حكم في وقت ~~الموت للمقسوم بحكم الاسلام. وروي من حديث عطاء: أن رجلا أسلم على ميراث ~~على عهد رسول الله (ص) قبل أن يقسم، فأعطاه رسول الله (ص) نصيبه، وكذلك ~~الحكم عندهم فيمن أعتق من الورثة بعد الموت وقبل القسمة. فهذه هي المسائل ~~المشهورة التي تتعلق بهذا الكتاب. # قال القاضي: ولما كان الميراث إنما يكون بأحد ثلاثة أسباب: إما بنسب، أو ~~صهر، PageV02P293 # أو ولاء، وكان قد قيل في الذي يكون بالنسب والصهر، فيجب أن نذكر ههنا ~~الولاء. # ولمن يجب فيه ممن لا يجب، وما أحكامه؟. # باب في الولاء فأما من يجب له الولاء، ففيه مسائل مشهورة تجري مجرى ~~الأصول لهذا الباب. # المسألة الأولى: أجمع العلماء على أن من أعتق عبده عن نفسه فإن ولاءه له ~~وأنه يرثه إذا لم يكن له وارث، وأنه عصبة له إذا كان هنالك ورثة لا يحيطون ~~بالمال. فأما كون الولاء للمعتق عن نفسه، فلما ثبت من قوله عليه الصلاة ~~والسلام في حديث بريرة: # إنما الولاء لمن أعتق واختلفوا إذا أعتق عبدا عن غيره، فقال مالك الولاء ~~للمعتق عنه لا الذي باشر العتق، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن أعتقه عن علم ~~المعتق عنه، فالولاء للمعتق عنه، وإن أعتقه عن غير علمه، فالولاء للمباشر ~~للعتق. وعمدة الحنفية والشافعية ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: الولاء لمن ~~أعتق وقوله عليه الصلاة والسلام: الولاء لحمة كلحمة النسب قالوا: فلما لم ~~يجز أن يلتحق نسب بالحر بغير إذنه، فكذلك الولاء، ومن طريق المعنى فلان ~~عتقه حرية وقعت في ملك المعتق، فوجب أن يكون الولاء له، أصله إذا أعتقه من ~~نفسه. وعمدة مالك أنه إذا أعتقه عنه فقد ملكه إياه، فأشبه الوكيل، ولذلك ~~اتفقوا على أنه إذا أذن له المعتق عنه كان ولاؤه له لا للمباشر وعند مالك ~~أنه من قال لعبده: أنت حر لوجه الله وللمسلمين أن الولاء يكون للمسلمين، ~~وعندهم يكون للمعتق. # المسألة الثانية: اختلف العلماء فيمن أسلم على يديه رجل هل يكون ولاؤه ~~له؟ # فقال مالك ms0885 والشافعي والثوري وداود وجماعة: لا ولاء له، وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه: له ولاؤه إذا والاه، وذلك أن مذهبهم أن للرجل أن يوالي رجلا آخر ~~فيرثه ويعقل عنه، وأن له أن ينصرف من ولاؤه إلى ولاء غيره ما لم يعقل عنه، ~~وقال غيره: بنفس الاسلام على يديه يكون له ولاؤه. فعمدة الطائفة الأولى ~~قوله (ص): إنما الولاء لمن أعتق وإنما هذه هي التي يسمونها الحاصرة، وكذلك ~~الألف واللام هي عندهم للحصر ومعنى الحصر هو أن يكون الحكم خاصا بالمحكوم ~~عليه لا يشاركه فيه غيره: أعني أن لا يكون ولاء بحسب مفهوم هذا القول إلا ~~للمعتق فقط المباشر. # وعمدة الحنفية في إثبات الولاء بالموالاة قوله تعالى: * (ولكل جعلنا ~~موالي مما ترك الوالدان والأقربون) * وقوله تعالى: * (والذين عقدت أيمانكم ~~فآتوهم نصيبهم) * PageV02P294 # وحجة من قال: الولاء يكون بنفس الاسلام فقط حديث تميم الداري قال: سألت ~~رسول الله (ص) عن المشرك يسلم على يد مسلم؟ فقال: هو أحق الناس وأولاهم ~~بحياته ومماته وقضى عمر بن عبد العزيز. وعمدة الفريق الأول أن قوله تعالى: ~~* (والذين عقدت أيمانكم) * منسوخة بآية المواريث، وأن ذلك كان في صدر ~~الاسلام. وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الولاء ولا هبته لثبوت نهيه عليه ~~الصلاة والسلام عن ذلك إلا ولاء السائبة. # المسألة الثالثة: اختلف العلماء إذا قال السيد لعبده أنت سائبة، فقال ~~مالك: ولاؤه وعقله للمسلمين وجعله بمنزلة من أعتق عن المسلمين إلا أن يريد ~~به معنى العتق فقط، فيكون ولاؤه له، وقال الشافعي وأبو حنيفة: ولاؤه للمعتق ~~على كل حال، وبه قال أحمد وداود وأبو ثور، وقالت طائفة: له أن يجعل ولاءه ~~حيث شاء، وإن لم يوال أحدا كان ولاؤه للمسلمين، وبه قال الليث والأوزاعي، ~~وكان إبراهيم والشعبي يقولان: لا بأس ببيع ولاء السائبة وهبته، وحجة هؤلاء ~~هي الحجج المتقدمة في المسألة التي قبلها. وأما من أجاز بيعه فلا أعرف له ~~حجة في هذا الوقت. # المسألة الرابعة: اختلف العلماء في ولاء العبد المسلم إذا أعتقه النصراني ~~قبل أن يباع لمن يكون؟ ms0886 فقال مالك وأصحابه: ولاؤه للمسلمين، فإن أسلم مولاه ~~بعد ذلك لم يعد إليه ولاؤه ولا ميراثه وقال الجمهور ولاؤه لسيده فإن أسلم ~~كان له ميراثه. وعمدة الجمهور أن الولاء كالنسب، وأنه إذا أسلم الأب بعد ~~إسلام الابن أنه يرثه، فكذلك العبد، وأما عمدة مالك فعموم قوله تعالى: * ~~(ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) * فهو يقول: إنه لما لم يجب ~~له الولاء يوم العتق لم يجب له فيما بعد. وأما إذا وجب له يوم العتق ثم طرأ ~~عليه مانع من وجوبه فلم يختلفوا أنه إذا ارتفع ذلك المانع أنه يعود الولاء ~~له. ولذلك اتفقوا أنه إذا أعتق النصراني الذمي عبده النصراني قبل أن يسلم ~~أحدهما ثم أسلم العبد أن الولاء يرتفع، فإن أسلم المولى عاد إليه. وإن ~~كانوا اختلفوا في الحربي يعتق عبده وهو على دينه، ثم يخرجان إلينا مسلمين، ~~فقال مالك: هو مولاه يرثه، وقال أبو حنيفة: لا ولاء بينهما، وللعبد أن ~~يوالي من شاء على مذهبه في الولاء والتحالف. وخالف أشهب مالكا فقال: إذا ~~أسلم العبد قبل المولى لم يعد إلى المولى ولاؤه أبدا، وقال ابن القاسم: ~~يعود. وهو معنى قول مالك، لان مالكا يعتبر وقت العتق. وهذه المسائل كلها هي ~~مفروضة في القول لا تقع بعد. فإنه ليس من دين النصارى أن يسترق بعضهم بعضا. ~~ولا من دين اليهود فيما يعتقدونه في هذا الوقت ويزعمون أنه من مللهم. # المسألة الخامسة: أجمع جمهور العلماء على أن النساء ليس لهن مدخل في ~~وراثة PageV02P295 # الولاء إلا من باشرن عتقه بأنفسهن أو هاجر إليهن من باشرن عتقه، إما ~~بولاء أو بنسب، مثل معتق معتقها أو ابن معتقها، وأنهن لا يرثن معتق من ~~يرثنه أو ما حكي عن شريح. # وعمدته أنه لما كان لها ولاء ما أعتقه بنفسها كان لها ولاء ما أعتقه ~~مورثها قياسا على الرجل، وهذا هو الذي يعرفونه بقياس المعنى، وهو أرفع ~~مراتب القياس، وإنما الذي يوهنه الشذوذ. وعمدة الجمهور أن الولاء إنما وجب ~~للنعمة التي كانت للمعتق على ms0887 المعتق، وهذه النعمة إنما توجد فيمن باشر ~~العتق، أو كان من سبب قوي من أسبابه وهم العصبة. قال القاضي: وإذ قد تقرر ~~من له ولاء ممن ليس له ولاء، فبقي النظر في ترتيب أهل الولاء في الولاء. ~~فمن أشهر مسائلهم في هذا الباب المسألة التي يعرفونها بالولاء للكبر، مثال ~~ذلك: رجل أعتق عبدا ثم مات ذلك الرجل وترك أخوين أو ابنين، ثم مات أحد ~~الأخوين وترك ابنا، أو أحد الابنين، فقال الجمهور في هذه المسألة: إن حظ ~~الأخ الميت من الولاء لا يرثه ابنه، وهو راجع إلى أخيه لأنه أحق به من ابنه ~~بخلاف الميراث، لان الحجب في الميراث يعتبر بالقرب من الميت، وهنا بالقرب ~~من المباشر للعتق، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وعلي وعثمان وابن مسعود وزيد ~~بن ثابت من الصحابة، وقال شريح وطائفة من أهل البصرة: حق الأخ الميت في هذه ~~وعمدة هؤلاء تشبيه الولاء بالميراث. وعمدة الفريق الأول أن المسألة لبنيه ~~الولاء نسب مبدؤه من المباشر. ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب المسألة ~~التي تعرف بجر الولاء. وصورتها أن يكون عبد له بنون من أمة، فأعتقت الأمة ~~ثم أعتق العبد بعد ذلك، فإن العلماء اختلفوا لمن يكون ولاء البنين إذا أعتق ~~الأب. وذلك أنهم اتفقوا على أن ولاءهم بعد عتق الأم إذا لم يمس المولود ~~الرق في بطن أمه، وذلك يكون إذا تزوجها العبد بعد العتق وقبل عتق الأب هو ~~لموالي الأم. واختلفوا إذا أعتق الأب هل يجر ولاء بنيه لمواليه أم لا يجر؟ ~~فذهب الجمهور ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم إلى أنه يجر، وبه قال علي ~~رضي الله عنه وابن مسعود والزبير وعثمان بن عفان. وقال عطاء وعكرمة وابن ~~شهاب وجماعة: لا يجر ولاءه. وروي عن عمر، وقضى به عبد الملك بن مروان لما ~~حدثه قبيصة بن ذؤيب عن عمر بن الخطاب، وإن كان قد روي عن عمر مثل قول ~~الجمهور. وعمدة الجمهور أن الولاء مشبه بالنسب، والنسب للأب دون الأم. ~~وعمدة الفريق الثاني أن ms0888 البنين لما كانوا في الحرية تابعين لأمهم كانوا في ~~موجب الحرية تابعين لها، وهو الولاء - وذهب مالك إلى أن الجد يجر ولاء ~~حفدته إذا كان أبوهم عبدا، إلا أن يعتق الأب، وبه قال الشافعي وخالفه في ~~ذلك الكوفيون واعتمدوا في ذلك على أن ولاء الجد إنما يثبت لمعتق الجد على ~~البنين من جهة الأب، وإذا لم يكن للأب ولاء فأحرى أن لا يكون للجد. وعمدة ~~الفريق الثاني أن عبودية الأب هي كموته فوجب أن ينتقل الولاء إلى أبي الأب، ~~ولا خلاف بين من يقول PageV02P296 # بأن الولاء للعصبة فيما أعلم أن الأبناء أحق من الآباء، وأنه لا ينتقل ~~إلى العمود الأعلى إلا إذا فقد العمود الأسفل بخلاف الميراث، لان البنوة ~~عندهم أقوى تعصيبا من الأبوة، والأب أضعف تعصيبا، والاخوة وبنوهم أقعد عند ~~مالك من الجد. وعند الشافعي وأبي حنيفة الجد أقعد منهم. وسبب الخلاف: من ~~أقرب نسبا وأقوى تعصيبا؟ وليس يورث بالولاء جزء مفروض وإنما يورث تعصيبا، ~~فإذا مات المولى الأسفل ولم يكن له ورثة أصلا، أو كان له ورثة لا يحيطون ~~بالميراث كان عاصبه المولى الأعلى، وكذلك يعصب لولي الأعلى كل من للمولى ~~الأعلى عليه ولادة نسب: أعني بناته وبنيه وبني بنيه. وفي هذا الباب مسألة ~~مشهورة وهي: إذا ماتت امرأة ولها ولاء وولد وعصبة لمن ينتقل الولاء، فقالت ~~طائفة: # لعصبتها أنهم الذين يعقلون عنها، والولاء العصبة، وهو قول علي بن أبي ~~طالب، وقال قوم: لابنها، وهو قول عمر بن الخطاب، وعليه فقهاء الأمصار، وهو ~~مخالف لأهل هذا السلف، لان ابن المرأة ليس من عصبتها. # ثم كتاب الفرائض والولاء والحمد لله حق حمده. PageV02P297 # كتاب العتق والنظر في هذا الكتاب فيمن يصح عتقه ومن لا يصح، ومن يلزمه ~~ومن لا يلزمه: # أعني بالشرع، وفي ألفاظه العتق، وفي الايمان به، وفي أحكامه وفي الشروط ~~الواقعة فيه. # ونحن فإنما نذكر من هذه الأبواب ما فيها من المسائل المشهورة التي يتعلق ~~أكثرها بالمسموع. فأما من يصح عتقه، فإنهم أجمعوا على أنه يصح عتق المالك ms0889 ~~التام الملك الصحيح الرشيد القوي الجسم الغني غير العديم. واختلفوا في عتق ~~من أحاط الدين بماله وفي عتق المريض وحكمه. فأما من أحاط الدين بماله، فإن ~~العلماء اختلفوا في جواز عتقه، فقال أكثر أهل المدينة، مالك وغيره: لا يجوز ~~ذلك، وبه قال الأوزاعي والليث. وقال فقهاء العراق: وذلك جائز حتى يحجر عليه ~~الحاكم وذلك عند من يرى التحجير منهم، وقد يتخرج عن مالك في ذلك الجواز ~~قياسا على ما روي عنه في الرهن أنه يجوز، وإن أحاط الدين بمال الراهن ما لم ~~يحجر عليه الحاكم. وعمدة من منع عتقه أن ماله في تلك الحال مستحق للغرماء، ~~فليس له أن يخرج منه شيئا بغير عوض، وهي العلة التي بها يحجر الحاكم عليه ~~التصرف، والاحكام يجب أن توجد مع وجود عللها، وتحجير الحاكم ليس بعلة إنما ~~هو حكم واجب من موجبات العلة فلا اعتبار بوقوعه. وعمدة الفريق الثاني أنه ~~قد انعقد الاجماع على أن له أن يطأ جاريته ويحبلها ولا يرد شيئا مما أنفقه ~~من ماله على نفسه وعياله حتى يضرب الحاكم على يديه فوجب أن يكون حكم ~~تصرفاته هذا الحكم وهذا هو قول الشافعي. ولا خلاف عند الجميع أنه لا يجوز ~~أن يعتق غير المحتلم ما لم تكن وصية منه، وكذلك المحجور، ولا يجوز عند ~~العلماء عتقه لشئ من مماليكه إلا مالكا وأكثر أصحابه، فإنهم أجازوا عتقه ~~لأم ولده. وأما المريض فالجمهور على أن عتقه إن صح وقع وإن مات كان من ~~الثلث، وقال أهل الظاهر: هو مثل عتق الصحيح. وعمدة الجمهور حديث عمران بن ~~الحصين أن رجلا أعتق ستة أعبد له... الحديث على ما تقدم. وأما من يدخل ~~عليهم العتق كرها فهم ثلاثة: من بعض العتق - وهذا متفق عليه في أحد قسميه - ~~واثنان مختلف فيهما وهما من ملك من يعتق عليه ومن مثل بعبده. فأما من بعض ~~العتق فإنه ينقسم PageV02P298 # قسمين: أحدهما: من وقع تبعيض العتق منه وليس له من العبد إلا الجزء ~~المعتق. والثاني: # أن يكون يملك العبد كله ms0890 ولكن بعض عتقه اختيارا منه. فأما العبد بين ~~الرجلين يعتق أحدهما حظه منه فإن الفقهاء اختلفوا في حكم ذلك، فقال مالك ~~والشافعي وأحمد بن حنبل: إن كان المعتق موسرا قوم عليه نصيب شريكه قيمة ~~العدل، فدفع ذلك إلى شريكه وعتق الكل عليه وكان ولاؤه له، وإن كان المعتق ~~معسرا لم يلزمه شئ وبقي المعتق بعضه عبدا وأحكامه أحكام العبد، وقال أبو ~~يوسف ومحمد: إن كان معسرا سعى العبد في قيمته للسيد الذي لم يعتق حظه منه ~~وهو حر يوم أعتق حظه منه الأول ويكون ولاؤه للأول، وبه قال الأوزاعي وابن ~~شبرمة وابن أبي ليلى وجماعة الكوفيين، إلا أن ابن شبرمة وابن أبي ليلى جعلا ~~للعبد أن يرجع على المعتق بما سعى فيه متى أيسر. وأما شريك المعتق فإن ~~الجمهور على أن له الخيار في أن يعتق أو يقوم نصيبه على المعتق، وقال أبو ~~حنيفة: # لشريك الموسر ثلاث خيارات: أحدها: أن يعتق كما أعتق شريكه ويكون الولاء ~~بينهما، وهذا لا خلاف فيه بينهم، والخيار الثاني: أن تقوم عليه حصته. ~~والثالث: أن يكلف العبد السعي في ذلك إن شاء ويكون الولاء بينهما للسيد ~~المعتق عبده عنده إذا قوم عليه شريكه نصيبه أن يرجع على العبد فيسعى فيه ~~ويكون الولاء كله للمعتق. وعمدة مالك والشافعي حديث ابن عمر أن رسول الله ~~(ص) قال: من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة ~~العدل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق. وعمدة ~~محمد وأبي يوسف صاحبي أبي حنيفة ومن يقول بقولهم حديث أبي هريرة أن النبي ~~(ص) قال: من أعتق شقصا له في عبد فخلاصه ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له ~~مال استسعى العبد غير مشقوق عليه وكلا الحديثين خرجه أهل الصحيح البخاري ~~ومسلم وغيرهما، ولكل طائفة منهم قول في ترجيح حديثه الذي أخذ به، فمما وهنت ~~به الكوفية حديث ابن عمر أن بعض رواته شك في الزيادة المعارضة فيه ms0891 لحديث ~~أبي هريرة، وهو قوله: وإلا فقد عتق منه ما عتق فهل هو من قوله عليه الصلاة ~~والسلام، أم من قول نافع، وأن في ألفاظه أيضا بين رواته اضطرابا، ومما وهن ~~به المالكيون حديث أبي هريرة أنه اختلف أصحاب قتادة فيه على قتادة في ذكر ~~السعاية. وأما من طريق المعنى فاعتمدت المالكية في ذلك على أنه إنما لزم ~~السيد التقويم إن كان له مال للضرر أدخله على شريكه، والعبد لم يدخل ضررا ~~فليس يلزمه شئ. وعمدة الكوفيين من طريق المعنى أن الحرية حق شرعي لا يجوز ~~تبعيضه، فإذا كان الشريك المعتق موسرا عتق الكل عليه، وإذا كان معسرا سعى ~~العبد في قيمته وفيه مع هذا رفع الضرر الداخل على الشريك وليس فيه ضرر على ~~العبد، وربما أتوا بقياس شبهي وقالوا: لما كان العتق يوجد منه في الشرع ~~نوعان: نوع يقع بالاختيار، وهو إعتاق السيد عبده ابتغاء ثواب الله. ونوع ~~يقع بغير اختيار، PageV02P299 # وهو أن يعتق على السيد من لا يجوز له بالشريعة ملكه وجب أن يكون العتق ~~بالسعي كذلك. فالذي بالاختيار منه هو الكتابة والذي هو داخل بغير اختيار هو ~~السعي. واختلف مالك والشافعي في أحد قوليه إذا كان المعتق موسرا هل يعتق ~~عليه نصيب شريكه بالحكم أو بالسراية؟ أعني أنه يسري وجوب عتقه عليه بنفس ~~العتق؟ فقالت الشافعية: يعتق بالسراية، وقالت المالكية بالحكم، واحتجت ~~المالكية بأنه لو كان واجبا بالسراية لسرى مع العدم واليسر. واحتجت ~~الشافعية باللازم عن مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: قوم عليه قيمة العدل ~~فقالوا: ما يجب تقويمه فإنما يجب بعد إتلافه فإذن بنفس العتق أتلف حظ صاحبه ~~فوجب عليه تقويمه في وقت الاتلاف، وإن لم يكن عليه بذلك حاكم، وعلى هذا ~~فليس للشريك أن يعتق نصيبه، لأنه قد نفذ العتق وهذا بين. وقول أبي حنيفة في ~~هذه المسألة مخالف لظاهر الحديثين، وقد روي فيها خلاف شاذ، فقيل عن ابن ~~جبرين أنه جعل حصة الشريك في بيت المال، وقيل عن ربيعة فيمن أعتق نصيبا له ~~في ms0892 عبد أن العتق باطل. # وقال قوم: لا يقوم على المعسر الكل، وينفذ العتق فيما أعتق، وقال قوم ~~بوجوب التقويم على المعتق موسرا أو معسرا ويتبعه شريكه، وسقط العسر في بعض ~~الروايات في حديث ابن عمر، وهذا كله خلاف الأحاديث، ولعلهم لم تبلغهم ~~الأحاديث. واختلف قول مالك من هذا في فرع وهو إذا كان معسرا فأخر الحكم ~~عليه بإسقاط التقويم حتى أيسر، فقيل يقوم، وقيل لا يقوم. واتفق القائلون ~~بهذه الآثار على أن من ملك باختياره شقصا يعتق عليه من عبد: أنه يعتق عليه ~~الباقي أن كان موسرا إلا إذا ملكه بوجه لا اختيار له فيه، وهو إن يملكه ~~بميراث - فقال قوم، يعتق عليه في حال اليسر - وقال قوم: لا يعتق عليه، وقال ~~قوم: في حال اليسر بالسعاية، وقال قوم: لا. وإذا ملك السيد جميع العبد ~~فأعتق بعضه، فجمهور علماء الحجاز والعراق مالك والشافعي والثوري والأوزاعي ~~وأحمد وابن أبي ليلى ومحمد بن الحسن وأبو يوسف يقولون: يعتق عليه كله، وقال ~~أبو حنيفة وأهل الظاهر: # يعتق منه ذلك القدر الذي عتق ويسعى العبد في الباقي وهو قول طاوس وحماد. ~~وعمدة استدلال الجمهور أنه لما ثبت السنة في إعتاق نصيب الغير على الغير ~~لحرمة العتق كان أحرى أن يجب ذلك عليه في ملكه. وعمدة أبي حنيفة أن سبب ~~وجوب العتق على المبعض للعتق هو الضرر الداخل على شريكه، فإذا كان ذلك كله ~~ملكا له لم يكن هنالك ضرر. فسبب الاختلاف: من طريق المعنى هل علة هذا الحكم ~~حرمة العتق، أعني أنه لا يقع فيه تبعيض، أو مضرة الشريك؟. واحتجت الحنفية ~~بما رواه إسماعيل بن أمية عن أبيه عن جده أنه أعتق نصف عبده، فلم ينكر رسول ~~الله (ص) عتقه. ومن عمدة الجمهور ما رواه النسائي وأبو داود عن أبي المليح ~~عن أبيه: أن رجلا من هذيل أعتق شقصا له من مملوك فتمم النبي عليه الصلاة ~~والسلام عتقه وقال: ليس لله شريك وعلى هذا فقد نص على PageV02P300 # العلة التي تمسك بها الجمهور، وصارت علتهم ms0893 أولى، لان العلة المنصوص عليها ~~أولى من المستنبطة. فسبب اختلافهم: تعارض الآثار في هذا الباب وتعارض ~~القياس. وأما الاعتاق الذي يكون بالمثلة، فإن العلماء اختلفوا فيه، فقال ~~مالك والليث والأوزاعي، من مثل بعبده أعتق عليه، وقال أبو حنيفة والشافعي: ~~لا يعتق عليه وشذ الأوزاعي فقال: من مثل بعبد غيره أعتق عليه والجمهور على ~~أنه يضمن ما نقص من قيمة العبد، فمالك ومن قال بقوله اعتمد حديث عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده أن زنباعا وجد غلاما مع جارية، فقطع ذكره وجدع أنفه، ~~فأتى النبي (ص) فذكر ذلك له، فقال له النبي (ص): ما حملك على ما فعلت؟ ~~فقال: فعل كذا وكذا، فقال النبي (ص): اذهب فأنت حر. وعمدة الفريق الثاني ~~قوله (ص) في حديث ابن عمر: من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته عتقه قالوا: فلم ~~يلزم العتق في ذلك وإنما ندب إليه، ولهم من طريق المعنى أن الأصل في الشرع ~~هو أنه لا يكره السيد على عتق عبده إلا ما خصصه الدليل. وأحاديث عمرو بن ~~شعيب مختلف في صحتها، فلم تبلغ من القوة أن يخصص بها مثل هذه القاعدة. وأما ~~هل يعتق على الانسان أحد من قرابته، وإن عتق فمن يعتق؟ فإنهم اختلفوا في ~~ذلك، فجمهور العلماء على أنه يعتق على الرجل بالقرابة، إلا داود وأصحابه، ~~فإنهم لم يروا أن يعتق أحد على أحد من قبل قربى، والذين قالوا بالعتق ~~اختلفوا فيمن يعتق ممن لا يعتق بعد اتفاقهم على أنه يعتق على الرجل أبوه ~~وولده، فقال مالك: يعتق على الرجل ثلاثة. أحدها: أصوله وهم الآباء والأجداد ~~والجدات والأمهات وآباؤهم وأمهاتهم، وبالجملة كل من كان له على الانسان ~~ولادة. والثاني: فروعه، وهم: الأبناء والبنات وولدهم مهما سلفوا، سواء في ~~ذلك ولد البنين وولد البنات، وبالجملة كل من للرجل عليه ولادة بغير توسط أو ~~بتوسط، ذكر أو أنثى. والثالث: الفروع المشاركة له في أصله القريب وهم ~~الاخوة، وسواء أكانوا لأب وأم، أو لأب فقط، أو لأم فقط، واقتصر من هذا ~~العمود ms0894 على القريب فقط، فلم يوجب عتق بني الاخوة. وأما الشافعي فقال مثل ~~قول مالك في العمودين الأعلى والأسفل، وخالفه في الاخوة فلم يوجب عتقهم. ~~وأما أبو حنيفة فأوجب عتق كل ذي رحم محرم بالنسب كالعم والعمة والخال ~~والخالة وبنات الأخ، ومن أشبههم ممن هو من الانسان ذو محرم. وسبب اختلاف: ~~أهل الظاهر مع الجمهور اختلافهم في مفهوم الحديث الثالث، وهو قوله عليه ~~الصلاة والسلام: لا يجزي ولد عن والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ~~خرجه مسلم والترمذي وأبو داود وغيرهم، فقال الجمهور: يفهم من هذا أنه إذا ~~اشتراه وجب عليه عتقه، وأنه ليس يجب عليه شراؤه. وقالت الظاهرية: المفهوم ~~من الحديث أنه ليس يجب عليه شراؤه ولا عتقه إذا اشتراه، قالوا: لان إضافة ~~عتقه إليه دليل على صحة ملكه له، ولو كان ما قالوا صوابا، لكان اللفظ: إلا ~~أن يشتريه فيعتق عليه. وعمدة الحنفية ما رواه قتادة PageV02P301 # عن الحسن عن سمرة أن النبي (ص) قال: من ملك ذا رحم محرم فهو حر وكأن هذا ~~الحديث لم يصح عند مالك والشافعي، وقاس مالك الاخوة على الأبناء والآباء، ~~ولم يلحقهم بهم الشافعي واعتمد الحديث المتقدم فقط، وقاس الأبناء على ~~الآباء. وقد رامت المالكية أن تحتج لمذهبها بأن البنوة صفة هي ضد العبودية، ~~وأنه ليس تجتمع معها لقوله تعالى: * (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا. إن كل ~~من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا) *. وهذه العبودية هي معنى غير ~~العبودية التي يحتجون بها، فإن هذه العبودية معقولة وبنوة معقولة. ~~والعبودية التي بين المخلوقين وللولاية هي عبودية بالشرع ولا بالطبع أعني ~~بالوضع لا مجال للعقل كما يقولون فيها عندهم، وهو احتجاج ضعيف. وإنما أراد ~~الله تعالى أن البنوة تساوي الأبوة في جنس الوجود أو في نوعه أعني أن ~~الموجودين اللذين أحدهما أب والآخر ابن هما متقاربان جدا، حتى أنهما إما أن ~~يكونا من نوع واحد أو جنس واحد، وما دون الله من الموجودات فليس يجتمع معه ~~سبحانه في جنس قريب ولا بعيد، ms0895 بل التفاوت بينهما غاية التفاوت، فلم يصح أن ~~يكون في الموجودات التي ههنا شئ نسبته إليه نسبة الأب إلى الابن، بل إن كان ~~نسبة الموجودات إليه نسبة العبد إلى السيد كان أقرب إلى حقيقة الامر من ~~نسبة الابن إلى الأب لان التباعد الذي بين السيد والعبد في المرتبة أشد من ~~التباعد الذي بين الأب والابن، وعلى الحقيقة فلا شبه بين النسبتين، لكن لما ~~لم يكن في الموجودات نسبة أشد تباعدا من هذه النسبة، أعني تباعد طرفيهما في ~~الشرف والخسة ضرب المثال بها، أعني نسبة العبد للسيد، ومن لحظ المحبة التي ~~بين الأب والابن والرحمة والرأفة والشفقة أجاز أن يقول في الناس إنهم أبناء ~~الله على ظاهر شريعة عيسى. فهذه جملة المسائل المشهورة التي تتعلق بالعتق ~~الذي يدخل على الانسان بغير اختياره. وقد اختلفوا من أحكام العتق في مسألة ~~مشهورة تتعلق بالسماع، وذلك أن الفقهاء اختلفوا فيمن أعتق عبيدا له في مرضه ~~أو بعد موته ولا مال له غيرهم، فقال مالك والشافعي وأصحابهما وأحمد وجماعة: ~~إذا أعتق في مرضه ولا مال له سواهم قسموا ثلاثة أجزاء وعتق منهم جزء ~~بالقرعة بعد موته، وكذلك الحكم في الوصية بعتقهم. وخالف أشهب وأصبغ مالكا ~~في العتق المبتل في المرض، فقالا جميعا: إنما القرعة في الوصية. وأما حكم ~~العتق المبتل فهو كحكم المدبر. ولا خلاف في مذهب مالك أن المدبرين في كلمة ~~واحدة إذا ضاق عنهم الثلث أنه يعتق من كل واحد منهم بقدر حظه من الثلث. ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه في العتق المبتل: إذا ضاق عنه الثلث أنه يعتق من كل ~~واحد منه ثلثه. # وقال الغير: بل يعتق من الجميع ثلثه. فقوم من هؤلاء اعتبروا في ثلث ~~الجميع القيمة، PageV02P302 # وهو مذهب مالك والشافعي، وقوم اعتبروا العدد. فعند مالك إذا كانوا ستة ~~أعبد مثلا، عتق منهم الثلث بالقيمة كان الحاصل في ذلك اثنين منهم أو أقل أو ~~أكثر، وذلك أيضا بالقرعة بعد أن يجبروا على القسمة أثلاثا، وقال قوم: بل ~~المعتبر العدد، فإن كانوا ستة ms0896 عتق منهم اثنان وإن كانوا مثلا سبعة عتق منهم ~~اثنان وثلث. فعمدة أهل الحجاز ما رواه أهل البصرة عن عمران بن الحصين: أن ~~رجلا أعتق ستة مملوكين عند موته ولم يكن له مال غيرهم فدعا رسول الله (ص) ~~فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة خرجه البخاري ومسلم ~~مسندا، وأرسله مالك. وعمدة الحنفية ما جرت به عادتهم من رد الآثار التي ~~تأتي بطريق الآحاد إذا خالفتها الأصول الثابتة بالتواتر. وعمدتهم أنه قد ~~أوجب السيد لكل واحد منهم العتق تاما، فلو كان له (مال) لنفذ بإجماع، فإذا ~~لم يكن له مال وجب أن ينفذ لكل واحد منهم بقدر الثلث الجائز فعل السيد فيه، ~~وهذا الأصل ليس بينا من قواعد الشرع في هذا الوضع، وذلك أنه يمكن أن يقال ~~له إنه إذا أعتق من كل واحد منهم الثلث دخل الضرر على الورثة والعبيد ~~المعتقين، وقد ألزم الشرع مبعض العتق أن يتم عليه، فلما لم يمكن ههنا أن ~~يتمم عليه جمع في أشخاص بأعيانهم لكن متى اعتبرت القيمة في ذلك دون العدد ~~أفضت إلى هذا الأصل، وهو تبعيض العتق، فلذلك كان الأولى أن يعتبر العدد وهو ~~ظاهر الحديث، وكان الجزء المعتق في كل واحد منهم هو حق لله فوجب أن يجمع في ~~أشخاص بأعيانهم أصله حق الناس. واختلفوا في مال العبد إذا أعتق لمن يكون، ~~فقالت طائفة: # المال للسيد، وقالت طائفة: ماله تبع له، وبالأول قال ابن مسعود من ~~الصحابة، ومن الفقهاء أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق، وبالثاني قال ابن ~~عمر وعائشة والحسن وعطاء ومالك وأهل المدينة. والحجة لهم حديث ابن عمر أن ~~النبي (ص): من أعتق فماله له إلا أن يشترط السيد ماله. # وأما ألفاظ العتق، فإن منها شريحا ومنها كناية عند أكثر فقهاء الأمصار، ~~وأما الألفاظ الصريحة، فهو أن يقول أنت حر، أو أنت عتيق وما تصرف من هذه، ~~فهذه الألفاظ تلزم السيد بإجماع من العلماء. وأما الكناية فهي مثل قول ~~السيد لعبده: لا سبيل لي عليك، أو لا ms0897 ملك لي عليك، فهذه ينوي فيها سيد ~~العبد، هل أراد به العتق أم لا عند الجمهور. ومما اختلفوا فيه في هذا الباب ~~إذا قال السيد لعبده: يا بني، أو قال: يا أبي، أو يا أمي، فقال قوم وهم ~~الجمهور: لا عتق يلزمه، وقال أبو حنيفة: يعتق عليه، وشذ زفر فقال: لو قال ~~السيد لعبده: هذا ابني، عتق عليه وإن كان العبد له عشرون سنة وللسيد ثلاثون ~~سنة. ومن هذا الباب اختلافهم فيمن قال لعبده: ما أنت إلا حر. فقال قوم: هو ~~ثناء عليه وهم الأكثر، وقال قوم: هو حر، وهو قول الحسن البصري. ومن هذا ~~الباب من نادى عبدا من عبيده باسمه، فاستجاب له عبد آخر، فقال له: أنت حر، ~~وقال: إنما أردت الأول، PageV02P303 # فقيل: يعتقان عليه جميعا، وقيل: ينوي. واتفقوا على أن من أعتق ما في بطن ~~أمته فهو حر دون الأم. واختلفوا فيمن أعتق أمة واستثنى ما في بطنها فقالت ~~طائفة: له استثناؤه وقالت طائفة: هما حران واختلفوا في سقوط العتق ~~بالمشيئة، فقالت طائفة: لا استثناء فيه كالطلاق، وبه قال مالك، وقال قوم: ~~يؤثر فيه الاستثناء كالطلاق، أعني قول القائل لعبده: أنت حر إن شاء الله. ~~وكذلك اختلفوا في وقوع العتق بشرط الملك، فقال مالك: يقع، وقال الشافعي ~~وغيره: لا يقع، وحجتهم قوله عليه الصلاة والسلام: لا عتق فيما لا يملك ابن ~~آدم وحجة الفرقة الثانية تشبيههم إياه باليمين. وألفاظ هذا الباب شبيهة ~~بألفاظ الطلاق، وشروطه كشروطه، وكذلك الايمان فيه تشبيهه بأيمان الطلاق. ~~وأما أحكامه فكثيرة: منها أن الجمهور على أن الأبناء تابعون في العتق ~~والعبودية للأم، وشذ قوم فقالوا: إلا أن يكون الأب عربيا. ومنها اختلافهم ~~في العتق إلى أجل، فقال قوم: ليس له أن يطأها إن كانت جارية ولا يبيع ولا ~~يهب، وبه قال مالك، وقال قوم: له جميع ذلك، وبه قال الأوزاعي والشافعي. ~~واتفقوا على جواز اشتراط الخدمة على المعتق مدة معلومة بعد العتق وقبل ~~العتق. واختلفوا فيمن قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، فقال ms0898 قوم: لا يقع عليه ~~العتق لأنه إذا باعه لم يملك عتقه، وقال: إن باعه يعتق عليه، أعني من مال ~~البائع إذا باعه، وبه قال مالك والشافعي، وبالأول قال أبو حنيفة وأصحابه ~~والثوري. وفروع هذا الباب كثيرة، وفي هذا كفاية. PageV02P304 # كتاب الكتابة والنظر الكلي في الكتابة ينحصر في أركانها وشروطها ~~وأحكامها. وأما الأركان فثلاثة: # العقد وشروطه وصفته، والعاقد، والمعقود عليه وصفاتهما. ونحن نذكر المسائل ~~المشهورة لأهل الأمصار في جنس جنس من هذه الأجناس. # القول في مسائل العقد فمن مسائل هذا الجنس المشهورة اختلافهم في عقد ~~الكتابة: هل هو واجب أو مندوب إليه؟ فقال فقهاء الأمصار: إنه مندوب. وقال ~~أهل الظاهر: هو واجب، واحتجوا بظاهر قوله تعالى: * (فكاتبوهم إن علمتم فيهم ~~خيرا) * والامر على الوجوب. وأما الجمهور فإنهم لما رأوا أن الأصل هو أن لا ~~يجبر أحد على عتق مملوكه حملوا هذه الآية على الندب لئلا تكون معارضة لهذا ~~الأصل، وأيضا فإنه لم يكن للعبد أن يحكم له على سيده بالبيع له وهو خروج ~~رقبته عن ملكه بعوض، فأحرى أن لا يحكم له عليه بخروجه عن غير عوض هو مالكه، ~~وذلك أن كسب العبد هو للسيد. وهذه المسألة هي أقرب أن تكون من أحكام العقد ~~من أن تكون من أركانه، وهذا العقد بالجملة هو أن يشتري العبد نفسه وماله من ~~سيده بمال يكتسبه العبد. فأركان هذا العقد الثمن والمثمون والأجل والألفاظ ~~الدالة على هذا العقد. فأما الثمن، فإنهم اتفقوا على أنه يجوز إذا كان ~~معلوما بالعلم الذي يشترط في البيوع. واختلفوا إذا كان في لفظه إبهام ما، ~~فقال أبو حنيفة ومالك: يجوز أن يكاتب عبده على جارية أو عبد من غير أن ~~يصفهما ويكون له الوسط من العبيد، وقال الشافعي: لا يجوز حتى يصفه، فمن ~~اعتبر في هذا طلب المعاينة شبهه بالبيوع، ومن رأى أن هذا العقد مقصوده ~~المكارمة وعدم التشاح جوز فيه الغرر اليسير كحال اختلافهم في الصداق، ومالك ~~يجيز بين العبد وسيده من جنس الربا ما لا يجوز بين الأجنبي ms0899 والأجنبي من ~~PageV02P305 # مثل بيع الطعام قبل قبضه، وفسخ الدين في الدين، وضع وتعجل، ومنع ذلك ~~الشافعي وأحمد، وعن أبي حنيفة القولان جميعا. وعمدة من أجازه أنه ليس بين ~~السيد وعبده ربا، لأنه وماله له، وإنما الكتابة سنة على حدتها. وأما الاجل ~~فإنهم اتفقوا على أنه يجوز أن تكون مؤجلة، واختلفوا في هل تجوز حالة، وذلك ~~أيضا بعد اتفاقهم على أنها تجوز حالة على مال موجود عند العبد: وهي التي ~~يسمونها قطاعه لا كتابة. وأما الكتابة فهي التي يشتري العبد فيها ماله ~~ونفسه من سيده بمال يكتسبه. فموضع الخلاف: إنما هو هل يجوز أن يشتري نفسه ~~من سيده بمال حال ليس هو بيده؟ فقال الشافعي: هذا الكلام لغو، وليس يلزم ~~السيد شئ منه، وقال متأخر وأصحاب مالك: قد لزمت الكتابة للسيد ويرفعه العبد ~~إلى الحاكم فينجم عليه المال بحسب حال العبد. وعمدة المالكية أن السيد قد ~~أوجب لعبده الكتابة، إلا أنه اشترط فيها شرطا يتعذر غالبا، فصح العقد وبطل ~~الشرط. وعمدة الشافعية أن الشرط الفاسد يعود ببطلان أصل العقد كمن باع ~~جاريته واشترط أن لا يطأها، وذلك أنه إذا لم يكن له مال حاضر أدى إلى عجزه، ~~وذلك ضد مقصود الكتابة. وحاصل قول المالكية يرجع إلى أن الكتابة من أركانها ~~أن تكون منجمة، وأنه إذا اشترط فيها ضد هذا الركن بطل الشرط وصح العقد. ~~واتفقوا على أنه إذا قال السيد لعبده: لقد كاتبتك على ألف درهم فإذا أديتها ~~فأنت حر أنه إذا أداها فهو حر. واختلفوا إذا قال له: قد كاتبتك على ألف ~~درهم وسكت هل يكون حرا دون أن يقول له: فإذا أديتها فأنت حر؟ فقال مالك ~~وأبو حنيفة: # هو حر. لان اسم الكتابة لفظ شرعي، فهو يتضمن جميع أحكامه. وقال قوم: لا ~~يكون حرا حتى يصر بلفظ الأداء، واختلف في ذلك قول الشافعي. ومن هذا الباب ~~اختلاف قول ابن القاسم ومالك فيمن قال لعبده: أنت حر وعليك ألف دينار. ~~فاختلف المذهب في ذلك، فقال مالك يلزمه وهو حر، وقال ms0900 ابن القاسم: هو حر ولا ~~يلزمه. وأما إن قال: # أنت حر على أن عليك ألف دينار، فاختلف المذهب في ذلك، فقال مالك: هو حر ~~والمال عليه كغريم من الغرماء، وقيل: العبد بالخيار، فإن اختار الحرية لزمه ~~المال ونفذت الحرية وإلا بقي عبدا، وقيل: إن قبل كانت كتابة: يعتق إذا أدى، ~~والقولان لابن القاسم. وتجوز الكتابة عند مالك على عمل محدود، وتجوز عنده ~~الكتابة المطلقة، ويرد إلى أن الكتابة مثله كالحال في النكاح، وتجوز ~~الكتابة عنده على قيمة العبد، أعني كتابة مثله في الزمان والثمن، ومن هنا ~~قيل: إنه تجوز عنده الكتابة الحالة. # واختلف هل من شرط هذا العقد أن يضع السيد من آخر أنجم الكتابة شيئا عن ~~المكاتب لاختلافهم في مفهوم قوله تعالى: * (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) ~~* وذلك أن PageV02P306 # بعضهم رأى أن السادة هم المخاطبون بهذه الآية، ورأي بعضهم أنهم جماعة ~~المسلمين ندبوا لعون المكاتبين، والذين رأوا ذلك اختلفوا هل ذلك على الوجوب ~~أو على الندب؟ والذين قالوا بذلك اختلفوا في القدر الواجب، فقال بعضهم: ما ~~ينطلق عليه اسم شئ، وبعضهم حده. وأما المكاتب ففيه مسائل: إحداها: هل تجوز ~~كتابة المراهق؟ وهل يجمع في الكتابة الواحدة أكثر من عبد واحد؟ وهل تجوز ~~كتابة من يملك في العبد بعضه بغير إذن شريكه؟ # وهل تجوز كتابة من لا يقدر على السعي؟ وهل تجوز كتابة من فيه بقيه رق؟ ~~فأما كتابة المراهق القوي على السعي الذي لم يبلغ الحلم، فأجازها أبو ~~حنيفة، ومنعها الشافعي إلا للبالغ، وعن مالك القولان جميعا. فعمدة من اشترط ~~البلوغ تشبيهها بسائر العقود. وعمدة من لم يشترطه أنه يجوز بين السيد وعبده ~~ما لا يجوز بين الأجانب، وأن المقصود من ذلك هو القوة على السعي، وذلك ~~موجود في غير البالغ. وأما هل يجمع في الكتابة الواحدة أكثر من عبد واحد؟ ~~فإن العلماء اختلفوا في ذلك، ثم إذا قلنا بالجمع فهل يكون بعضهم حملاء عن ~~بعض بنفس الكتابة حتى لا يعتق واحد منهم إلا بعتق جميعهم؟ فيه أيضا ms0901 خلاف. # فأما هل يجوز الجمع؟ فإن الجمهور على جواز ذلك، ومنعه قوم، وهو أحد قولي ~~الشافعي. أما هل يكون بعضهم حملاء عن بعض؟ فإن فيه لمن أجاز الجمع ثلاثة ~~أقوال: # فقالت طائفة: ذلك واجب بمطلق عقد الكتابة، أعني حمالة بعضهم عن بعض، وبه ~~قال مالك وسفيان، وقال آخرون: لا يلزمه ذلك بمطلق العقد ويلزم بالشرط، وبه ~~قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال الشافعي: لا يجوز ذلك لا بالشرط ولا بمطلق ~~العقد، ويعتق كل واحد منهم إذا أدى قدر حصته. فعمدة من منع الشركة ما في ~~ذلك من الغرر، لان قدر ما يلزم واحدا من ذلك مجهول. وعمدة من أجازه أن ~~الغرر اليسير يستخف في الكتابة، لأنه بين السيد وعبده، والعبد وماله لسيده، ~~وأما مالك فحجته أنه لما كانت الكتابة واحدة وجب أن يكون حكمهم كحكم الشخص ~~الواحد. وعمدة الشافعية أن حمالة بعضهم عن بعض لا فرق بينها وبين حمالة ~~الأجنبيين فمن رأى حمالة الأجنبيين في الكتابة لا تجوز قال: لا تجوز في هذا ~~الموضع. وإنما منعوا حمالة الكتابة لأنه إذا عجز المكاتب لم يكن للحميل شئ ~~يرجع عليه، وهذا كأنه ليس يظهر في حمالة العبيد بعضهم عن بعض، وإنما الذي ~~يظهر في ذلك أن هذا الشرط هو سبب لان يعجز من يقدر على السعي بعجز من لا ~~يقدر عليه، فهو غرر خاص بالكتابة، إلا أن يقال أيضا: إن الجمع يكون سببا ~~لان يخرج حرا من لا يقدر من نفسه أن يسعى حتى يخرج حرا فهو كما يعود برق من ~~يقدر على السعي، كذلك يعود بحرية من لا يقدر على السعي. وأما أبو حنيفة ~~فشبهها بحمالة الأجنبي مع الأجنبي في الحقوق التي تجوز فيها الحمالة، ~~فألزمها بالشرط، ولم يلزمها بغير شرط، وهو مع هذا أيضا لا يجيز حمالة ~~الكتابة. وأما العبد بين الشريكين فإن العلماء اختلفوا هل لأحدهما أن يكاتب ~~نصيبه دون إذن PageV02P307 # صاحبه، فقال بعضهم: ليس له ذلك والكتابة مفسوخة. وما قبض منها هي بينهم ~~على قدر حصصهم، وقالت طائفة: لا ms0902 يجوز أن يكاتب الرجل نصيبه من عبده دون ~~نصيب شريكه، وفرقت فرقة فقالت: يجوز بإذن شريكه ولا يجوز بغير إذن شريكه، ~~وبالقول الأول قال مالك، وبالتالي قال ابن أبي ليلى وأحمد، وبالثالث قال ~~أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وله قول آخر مثل قول مالك. وعمدة مالك ~~أنه لو جاز ذلك لأدى إلى أن يعتق العبد كله بالتقويم على الذي كاتب حظه ~~منه، وذلك لا يجوز إلا في تبعيض العتق، ومن رأى أن له أن يكاتبه رأى أن ~~عليه أن يتم عتقه إذا أدى الكتابة إذا كان موسرا، فاحتجاج مالك هنا هو ~~احتجاج بأصل لا يوافقه عليه الخصم، لكن ليس يمنع من صحة الأصل أن لا يوافقه ~~عليه الخصم. وأما اشتراط الاذن فضعيف، وأبو حنيفة يرى في كيفية أداء المال ~~للمكاتب إذا كانت الكتابة عن إذن شريكه أن كل ما أدى للشريك الذي كاتبه ~~يأخذ منه الشريك الثاني نصيبه، ويرجع بالباقي على العبد فيسعى له فيه حتى ~~يتم له ما كان كاتبه عليه، وهذا فيه بعد عن الأول. وأما هل تجوز مكاتبة من ~~لا يقدر على السعي فلا خلاف فيما أعلم بينهم أن يكون قويا على السعي لقوله ~~تعالى: * (إن علمتم فيهم خيرا) *. وقد اختلف العلماء ما الخير الذي اشترطه ~~الله في الكاتبين في قوله: * (إن علمتم فيهم خيرا) * فقال الشافعي: ~~الاكتساب والأمانة، وقال بعضهم: المال والأمانة، وقال آخرون الصلاح والدين. ~~وأنكر بعض العلماء أن يكاتب من لا حرفة له مخافة السؤال، وأجاز ذلك بعضهم ~~لحديث بريرة أنها كوتبت أن تسأل الناس وكره أن تكاتب الأمة التي لا اكتساب ~~لها بصناعة مخافة أن يكون ذلك ذريعة إلى الزنا، وأجاز مالك كتابة المدبرة ~~وكل من فيه بقية رق إلا أم الولد إذ ليس له عند مالك أن يستخدمها. # القول في المكاتب وأما المكاتب فاتفقوا على أن شرطه أن يكون مالكا صحيح ~~الملك غير محجور عليه صحيح الجسم. واختلفوا هل للمكاتب أن يكاتب عبده أم ~~لا؟ وسيأتي هذا فيما يجوز من أفعال ms0903 المكاتب مما لا يجوز، ولم يجز مالك أن ~~يكاتب العبد المأذون له في التجارة لان الكتابة عتق ولا يجوز له أن يعتق، ~~وكذلك لا يجوز كتابة من أحاط الدين بماله، إلا أن يجيز الغرماء ذلك إذا كان ~~في ثمن كتابته إن بيعت مثل ثمن رقبته. وأما كتابة المريض، فإنها عنده في ~~الثلث توقف حتى يصح فتجوز أو يموت فتكون من الثلث كالعتق سواء، وقد قيل: # إن حابى كان كذلك وإن لم يحاب سعى، فإن أدى وهو في المرض عتق، وتجوز عنده ~~PageV02P308 # كتابة النصراني المسلم ويباع عليه كما يباع عليه العبد المسلم عنده. فهذه ~~هي مشهورات المسائل التي تتعلق بالأركان، أعني المكاتب والمكاتب والكتابة. ~~وأما الاحكام فكثيرة، وكذلك الشروط التي تجوز فيها من التي لا تجوز. ويشبه ~~أن تكون أجناس الاحكام الأولى في هذا العقد هو أن يقال متى يعتق المكاتب ~~ومتى يعجز فيرق، وكيف حاله إن مات قبل أن يعتق أو يرق، ومن يدخل معه في حال ~~الكتابة ممن لا يدخل، وتمييز ما بقي عليه من حجر الرق مما لم يبق عليه. ~~فلنبدأ بذكر مسائل الاحكام المشهورة التي في جنس جنس من هذه الأجناس ~~الخمسة. # الجنس الأول فأما متى يخرج من الرق؟ فإنهم اتفقوا على أنه يخرج من الرق ~~إذا أدى جميع الكتابة، واختلفوا إذا عجز عن البعض وقد أدى البعض، فقال ~~الجمهور: هو عبد ما بقي من كتابته شئ، وإنه يرق إذا عجز عن البعض. وروي عن ~~السلف المتقدم سوى هذه القول الذي عليه الجمهور أقوال أربعة: أحدها: أن ~~المكاتب يعتق بنفس الكتابة. والثاني: أنه يعتق منه بقدر ما أدى. والثالث: ~~أنه يعتق إن أدى النصف فأكثر. والرابع: إن أدى الثلث وإلا فهو عبد. وعمدة ~~الجمهور ما خرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي (ص) ~~قال: أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشرة أواق فهو عبد، وأيما ~~عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة فهو عبد. وعمدة من رأى أنه ms0904 يعتق ~~بنفس عقد الكتابة تشبيهه إياه بالبيع، فكأن المكاتب اشترى نفسه من سيده، ~~فإن عجز لم يكن له إلا أن يتبعه بالمال، كما لو أفلس من اشتراه منه إلى أجل ~~وقد مات. وعمدة من رأى أنه يعتق منه بقدر ما أدى ما رواه يحيى بن كثير عن ~~عكرمة عن ابن عباس أن النبي (ص) قال: يؤدي المكاتب بقدر ما أدى دية حر ~~وبقدر ما رق منه دية عبد خرجه النسائي، والخلاف فيه من قبل عكرمة، كما أن ~~الخلاف في أحاديث عمرو بن شعيب من قبل أنه روى عن صحيفة، وبهذا القول قال ~~علي، أعني بحديث ابن عباس. وروي عن عمر بن الخطاب أنه إذا أدى الشطر عتق. ~~وكان ابن مسعود يقول: إذا أدى الثلث. وأقوال الصحابة وإن لم تكن حجة، ~~فالظاهر أن التقدير إذا صدر منهم أنه محمول على أن في ذلك سنة بلغتهم. وفي ~~المسألة قول خامس: إذا أدى الثلاثة الأرباع عتق. وبقي عديما في باقي المال. ~~وقد قيل إن أدى القيمة فهو غريم، وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت، ~~والأشهر عن عمر وأم سلمة وهو قول الجمهور، وقول هؤلاء هو الذي اعتمده فقهاء ~~الأمصار، وذلك أنه صحت الرواية في ذلك عنهم صحة لا شك فيها، روى ذلك مالك ~~في موطئه. وأيضا فهو أحوط لأموال السادات، ولان المبيعات يرجع في عين ~~المبيع له إذا أفلس المشتري. PageV02P309 # الجنس الثاني وأما متى يرق، فإنهم اتفقوا على أنه إنما يرق إذا عجز إما ~~عن البعض وإما عن الكل بحسب ما قدمنا اختلافهم. واختلفوا هل للعبد أن يعجز ~~نفسه إذا شاء من غير سبب، أم ليس له ذلك إلا بسبب؟ فقال الشافعي: الكتابة ~~عقد لازم في حق العبد وهي في حق السيد غير لازمة، وقال مالك وأبو حنيفة: ~~الكتابة عقد لازم من الطرفين: أي بين العبد والسيد. وتحصيل مذهب مالك في ~~ذلك أن العبد والسيد لا يخلو أن يتفقا على التعجيز أو يختلفا، ثم إذا ~~اختلفا فإما أن يريد السيد التعجيز ms0905 ويأباه العبد، أو بالعكس، أعني أنه يريد ~~به السيد البقاء على الكتابة، ويريد العبد التعجيز. فأما إذا اتفقا على ~~التعجيز فلا يخلو الامر من قسمين: أحدهما: أن يكون دخل في الكتابة ولد أو ~~لا يكون، فإن كان دخل ولد في الكتابة فلا خلاف عنده أنه لا يجوز التعجيز. ~~وإن لم يكن له ولد ففي ذلك روايتان: إحداهما أنه لا يجوز إذا كان له مال، ~~وبه قال أبو حنيفة. والأخرى: أنه يجوز له ذلك. فأما إن طلب العبد التعجيز ~~وأبى السيد لم يكن ذلك للعبد إن كان معه مال أو كانت له قوة على السعي. # وأما إن أراد السيد التعجيز وأباه العبد. فإنه لا يعجزه عنده إلا بحكم ~~حاكم. وذلك بعد أن يثبت السيد عند الحاكم أنه لا مال له ولا قدرة على ~~الأداء. # ويرجع إلى عمدة أدلتهم في أصل الخلاف في المسألة، فعمدة الشافعي ما روي ~~أن بريرة جاءت إلى عائشة تقول لها: إني أريد أن تشتريني وتعتقيني، فقالت ~~لها: إن أراد أهلك، فجاءت أهلها فباعوها وهي مكاتبة خرجه البخاري. وعمدة ~~المالكية تشبيههم الكتابة بالعقود اللازمة. ولان حكم العبد في هذا المعنى ~~يجب أن يكون كحكم السيد وذلك أن العقود من شأنها أن يكون اللزوم فيها أو ~~الخيار مستويا في الطرفين. وأما أن يكون لازما من طرف وغير لازم من الطرف ~~الثاني فخارج عن الأصول. وعللوا حديث بريرة بأن الذي باع أهلها كانت ~~كتابتها لا رقبتها. والحنفية تقول: لما كان المغلب في الكتابة حق العبد، ~~وجب أن يكون العقد لازما في حق الآخر المغلب عليه وهو السيد أصله النكاح، ~~لأنه غير لازم في حق الزوج لمكان الطلاق الذي بيده وهو لازم في حق الزوجة، ~~والمالكية تعترض على هذا بأن تقول: # إنه عقد لازم فيما وقع به العوض إذ كان ليس له أن يسترجع الصداق. # الجنس الثالث وأما حكمه إذا مات قبل أن يؤدي الكتابة، فاتفقوا على أنه ~~إذا مات دون ولد قبل أن PageV02P310 # يؤدي من الكتابة شيئا أنه يرق. واختلفوا ms0906 إذا مات عن ولد فقال مالك: حكم ~~ولده كحكمه، فإن ترك مالا فيه وفاء للكتابة أدوه وعتقوا، وإن لم يترك مالا ~~وكانت لهم قوة على السعي بقوا على نجوم أبيهم حتى يعجزوا أو يعتقوا، وإن لم ~~يكن عندهم لا مال ولا قدرة على السعي رقوا، وأنه إن فضل عن الكتابة شئ من ~~ماله ورثوه على حكم ميراث الأحرار، وأنه ليس يرثه إلا ولده الذين هم في ~~الكتابة معه دون سواهم من وارثيه إن كان له وارث غير الولد الذي معه في ~~الكتابة. وقال أبو حنيفة: إنه يرثه بعد أداء كتابته من المال الذي ترك جميع ~~أولاده الذين كاتب عليهم أو ولدوا في الكتابة وأولاده الأحرار وسائر ورثته. ~~وقال الشافعي: لا يرثه بنوه الأحرار ولا الذين كاتب عليهم أو ولدوا في ~~الكتابة، وماله لسيده، وعلى أولاده الذين كاتب عليهم أن يسعوا من الكتابة ~~في مقدار حظوظهم منها، وتسقط حصة الأب عنهم، وبسقوط حصة الأب عنهم قال أبو ~~حنيفة وسائر الكوفيين. والذين قالوا بسقوطها قال بعضهم: تعتبر القيمة، وهو ~~قول الشافعي، وقيل: # بالثمن، وقيل: حصته على مقدار الرؤوس. وإنما قال هؤلاء بسقوط حصة الأب عن ~~الأبناء الذين كاتب عليهم لا الذين ولدوا في الكتابة، لان من ولد له أولاد ~~في الكتابة فهم تبع لأبيهم. وعمدة مالك أن المكاتبين كتابة واحدة بعضهم ~~حملاء عن بعض، ولذلك من عتق منهم أو مات لم تسقط حصته عن الباقي. وعمدة ~~الفريق الثاني أن الكتابة لا تضمن. # وروى مالك عن عبد الملك بن مروان في موطئه مثل قول الكوفيين. وسبب ~~اختلافهم: ماذا يموت عليه المكاتب؟ فعند مالك أنه يموت مكاتبا، وعند أبي ~~حنيفة أنه يموت حرا، وعند الشافعي أنه يموت عبدا. وعلى هذه الأصول بنوا ~~الحكم فيه. فعمدة الشافعي أن العبودية والحرية ليس بينهما وسط، وإذا مات ~~المكاتب فليس حرا بعد، لان حريته إنما تجب بأداء كتابته وهو لم يؤدها بعد، ~~فقد بقي أنه مات عبدا لأنه لا يصح أن يعتق الميت. وعمدة الحنفية أن العتق ~~قد ms0907 وقع بموته مع وجود المال الذي كاتب عليه، لأنه ليس له أن يرق نفسه، ~~والحرية يجب أن تكون حاصلة له بوجود المال لا بدفعه إلى السيد. وأما مالك ~~فجعل موته على حالة متوسطة بين العبودية والحرية وهي الكتابة، فمن حيث لم ~~يورث أولاده الأحرار منه جعل له حكم العبيد، ومن حيث لم يورث سيده ماله حكم ~~له بحكم الأحرار، والمسألة في حد الاجتهاد. ومما يتعلق بهذا الجنس اختلافهم ~~في أم ولد المكاتب إذا مات المكاتب وترك بنين لا يقدرون على السعي، وأرادت ~~الأم أن تسعى عليهم، فقال مالك: لها ذلك، وقال الشافعي والكوفيون: ليس لها ~~ذلك. وعمدتهم أن أم الولد - إذا مات المكاتب - مال من مال السيد، وأما مالك ~~فيرى أن حرمة الكتابة التي لسيدها صائرة إليها وإلى بنيها. ولم يختلف قول ~~مالك أن المكاتب إذا ترك بنين صغارا لا يستطيعون السعي، وترك أم ولد لا ~~تستطيع السعي أنها تباع ويؤدي منها باقي الكتابة. وعند أبي PageV02P311 # يوسف ومحمد بن الحسن أنه لا يجوز بيع المكاتب لأم ولده، ويجوز عند أبي ~~حنيفة والشافعي. واختلف أصحاب مالك في أم ولد المكاتب إذا مات المكاتب وترك ~~بنين ووفاه كتابته، هل تعتق أم ولده أم لا؟ فقال ابن القاسم: إذا كان معها ~~ولد عتقت وإلا رقت، وقال أشهب: تعتق على كل حال، وعلى أصل الشافعي كل ما ~~ترك المكاتب مال من مال سيده لا ينتفع به البنون في أداء ما عليه من ~~كتابته، كانوا معه في عقد الكتابة أو كانوا ولدوا في الكتابة، وإنما عليهم ~~السعي، وعلى أصل أبي حنيفة يكون حرا ولا بد، ومذهب ابن القاسم كأنه ~~استحسان. # الجنس الرابع وهو النظر فيمن يدخل معه في عقد الكتابة ومن لا يدخل. ~~واتفقوا من هذا الباب على أولد المكاتب لا يدخل في كتابة المكاتب إلا ~~بالشرط، لأنه عبد آخر لسيده، وكذلك اتفقوا على دخول ما ولد له في الكتابة ~~فيها، واختلفوا في أم الولد على ما تقدم. وكذلك اختلفوا في دخول ماله أيضا ~~بمطلق ms0908 العقد، فقال مالك: يدخل ماله في الكتابة، وقال الشافعي وأبو حنيفة: ~~لا يدخل، وقال الأوزاعي: يدخل بالشرط، أعني إذا اشترطه المكاتب. وهذه ~~المسألة مبنية على: # هل يملك العبد أو لا يملك، وعلى هل يتبعه ماله في العتق أم لا؟ وقد تقدم ~~ذلك. # الجنس الخامس وهو النظر فيما يحجر فيه على المكاتب مما لا يحجر، وما بقي ~~من أحكام العبد فيه. # فنقول: إنه قد أجمع العلماء من هذا الباب على أنه ليس للمكاتب أن يهب من ~~ماله شيئا له قدر ولا يعتق ولا يتصدق بغير إذن سيده، فإنه محجور عليه في ~~هذه الأمور وأشباهها، أعني أنه ليس له أن يخرج من يده شيئا من غير عوض، ~~واختلفوا من هذا الباب في فروع منها أنه إذا لم يعلم السيد بهبته أو بعتقه ~~إلا بعد أداء كتابته، فقال مالك وجماعة من العلماء إن ذلك نافذ، ومنعه ~~بعضهم. وعمدة من منعه أن ذلك وقع في حالة لا يجوز وقوعه فيها فكان فاسدا. ~~وعمدة من أجازه أن السبب المانع من ذلك قد ارتفع وهو مخافة أن يعجز العبد. ~~وسبب اختلافهم: هل إذن السيد من شرط لزوم العقد أو من شرط صحته؟ # فمن قال من شرط الصحة لم يجزه وإن عتق، ومن قال من شرط لزومه قال يجوز ~~إذا عتق لأنه وقع عقدا صحيحا، فلما ارتفع الاذن المرتقب فيه صح العقد كما ~~لو أذن. هذا كله عند من أجاز عتقه إذا أذن السيد، فإن الناس اختلفوا أيضا ~~في ذلك بعد اتفاقهم على أنه لا يجوز عتقه إذا لم يأذن السيد، فقال قوم: ذلك ~~جائز، وقال قوم: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة، وبالجواز قال مالك، وعن ~~الشافعي في ذلك القولان جميعا: والذين أجازوا ذلك اختلفوا في ولاء المعتق ~~لمن يكون، فقال مالك: إن مات المكاتب قبل أن يعتق كان ولاء PageV02P312 # عبده لسيده، وإن مات وقد عتق المكاتب كان ولاؤه له، وقال قوم من هؤلاء: ~~بل ولاؤه على كل حال سيده. وعمدة من لم يجز عتق المكاتب ms0909 أن الولاء يكون ~~للمعتق، لقوله عليه الصلاة والسلام: إنما الولاء لمن أعتق ولا ولاء للمكاتب ~~في حين كتابته فلم يصح عتقه. وعمدة من رأى أن الولاء للسيد أن عبد عبده ~~بمنزلة عبده، ومن فرق بين ذلك فهو استحسان. ومن هذا الباب اختلافهم في هل ~~للمكاتب أن ينكح أو يسافر بغير إذن سيده؟ # فقال جمهورهم: ليس له أن ينكح إلا بإذن سيده، وأباح بعضهم النكاح له. ~~وأما السفر فأباحه له جمهورهم ومنعه بعضهم، وبه قال مالك وأباحه سحنون من ~~أصحاب مالك، ولم يجز للسيد أن يشترطه على المكاتب، وأجازه ابن القاسم في ~~السفر القريب. والعلة في منع النكاح أنه يخاف أن يكون ذلك ذريعة إلى عجزه، ~~والعلة في جواز السفر أن به يقوى على التكسب في أداء كتابته، وبالجملة ~~فللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن للمكاتب أن يسافر بإذن ~~سيده وبغير إذنه، ولا يجوز أن يشترط عليه أن لا يسافر، وبه قال أبو حنيفة ~~والشافعي. والقول الثاني: أنه ليس له أن يسافر إلا بإذن سيده، وبه قال ~~مالك. # والثالث: أن بمطلق عقد الكتابة له أن يسافر إلا أن يشترط عليه سيده أن لا ~~يسافر، وبه قال أحمد والثوري وغيرهما. ومن هذا الباب اختلافهم في هل ~~للمكاتب أن يكاتب عبدا له؟ # فأجاز ذلك مالك ما لم يرد به المحاباة، وبه قال أبو حنيفة والثوري. ~~وللشافعي قولان: # أحدهما: إثبات الكتابة، والآخر إبطالها. وعمدة الجماعة: أنها عقد معاوضة ~~المقصود منه طلب الربح فأشبه سائر العقود المباحة من البيع والشراء. وعمدة ~~الشافعية: أن الولاء لمن أعتق ولا ولاء للمكاتب، لأنه ليس بحر. واتفقوا على ~~أنه لا يجوز للسيد انتزاع شئ من ماله ولا الانتفاع منه بشئ. واختلفوا في ~~وطئ السيد أمته المكاتبة، فصار الجمهور إلى منع ذلك، وقال أحمد وداود وسعيد ~~بن المسيب من التابعين: ذلك جائز إذا اشترطه عليها وعمدة الجمهور: أنه وطئ ~~تقع الفرقة فيه إلى أجل آت فأشبه النكاح إلى أجل. وعمدة الفريق الثاني: ~~تشبيهها بالمدبرة. وأجمعوا على أنها إن ms0910 عجزت حل وطؤها. واختلف الذين منعوا ~~ذلك إذا وطئها هل عليه حد أو لا؟ فقال جمهورهم: لا حد عليه لأنه وطئ بشبهة، ~~وقال بعضهم: عليه الحد. واختلفوا في إيجاب الصداق لها، والعلماء - فيما ~~أعلم - على أنه في أحكامه الشرعية على حكم العبد مثل الطلاق والشهادة والحد ~~وغير ذلك مما يختص به العبيد. ومن هذا الباب اختلافهم في بيعه، فقال ~~الجمهور: لا يباع المكاتب إلا بشرط أن يبقى على كتابته عند مشتريه، وقال ~~بعضهم: بيعه جائز ما لم يؤد شيئا من كتابته، لان بريرة بيعت ولم تكن أدت من ~~كتابتها شيئا، وقال بعضها: إذا رضي المكاتب بالبيع جاز، وهو قول الشافعي، ~~لان الكتابة عنده ليست بعقد لازم في حق العبد، واحتج بحديث بريرة إذ بيعت ~~وهي مكاتبة. وعمدة من لم يجز بيع المكاتب ما في ذلك من نقض العهد، وقد أمر ~~PageV02P313 # الله تعالى بالوفاء به. وهذه المسألة مبينة على: هل الكتابة عقد لازم أم ~~لا؟ وكذلك اختلفوا في بيع الكتابة، فقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز ذلك، ~~وأجازها مالك ورأي الشفعة فيها للمكاتب، ومن أجاز ذلك شبه بيعها ببيع ~~الدين، ومن لم يجز ذلك رآه من باب الغرر، وكذلك شبه مالك الشفعة فيها ~~بالشفعة في الدين، وفي ذلك أثر عن النبي (ص)، أعني في الشفعة في الدين، ~~ومذهب مالك في بيع الكتابة أنها إن كانت بذهب أنها تجوز بعرض معجل لا مؤجل ~~لما يدخل في ذلك من الدين بالدين. وإن كانت الكتابة بعرض كان شراؤها بذهب ~~أو فضة معجلين أو بعرض مخالف، وإذا أعتق فولاؤه للمكاتب لا للمشتري. # ومن هذا الباب اختلافهم هل للسيد أن يجبر العبد على الكتابة أم لا؟ # وأما شروط الكتابة فمنها شرعية هي من شروط صحة العقد، وقد تقدمت عند ذكر ~~أركان الكتابة، ومنها شروط بحسب التراضي، وهذه الشروط منها ما يفسد العقد، ~~ومنها ما إذا تمسك به أفسدت العقد وإذا تركت صح العقد، ومنها شروط جائزة ~~غير لازمة، ومنها شروط لازمة، وهذه كلها هي مبسوطة في ms0911 كتب الفروع، وليس ~~كتابنا هذا كتاب فروع، وإنما هو كتاب أصول. والشروط التي تفسد العقد ~~بالجملة هي الشروط التي هي ضد شروط الصحة المشروعة في العقد. والشروط ~~الجائزة هي التي لا تؤدي إلى إخلال بالشروط المصححة للعقد ولا تلازمها، ~~فهذه الجملة ليس يختلف الفقهاء فيها، وإنما يختلفون في الشروط لاختلافهم ~~فيما هو منها شرط من شروط الصحة أو ليس منها، وهذا يختلف بحسب القرب والبعد ~~من إخلالها بشروط الصحة، ولذلك جعل مالك جنسا ثالثا من الشروط، وهي الشروط ~~التي إن تمسك بها المشترط فسد العقد، وإن لم يتمسك بها جاز، وهذا ينبغي أن ~~تفهمه في سائر العقود الشرعية. فمن مسائلهم المشهورة في هذا الباب إذا ~~اشترط في الكتابة شرطا من خدمة أو سفر أو نحوه وقوي على أداء نجومه قبل محل ~~أجل الكتابة هل يعتق أم لا؟ فقال مالك وجماعة: ذلك الشرط باطل، ويعتق إذا ~~أدى جميع المال، وقالت طائفة: لا يعتق حتى يؤدي جميع المال، ويأتي بذلك ~~الشرط وهو مروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه أعتق رقيق الامارة ~~وشرط عليهم أن يخدموا الخليفة بعد ثلاث سنين. ولم يختلفوا أن العبد إذا ~~أعتقه سيده على أن يخدمه سنين أنه لا يتم عتقه إلا بخدمة تلك السنين، ولذلك ~~القياس قول من قال: إن الشرط لازم، فهذه المسائل الواقعة المشهورة في أصول ~~هذا الكتاب. # وههنا مسائل تذكر في هذا الكتاب وهي من كتب أخرى، وذلك أنها إذا ذكرت في ~~هذا الكتاب ذكرت على أنها فروع تابعة للأصول فيه، وإذا ذكرت في غيره ذكرت ~~على أنها أصول، ولذلك كان الأولى ذكرها في هذا الكتاب. فمن ذلك اختلافهم ~~إذا زوج السيد بنته من مكاتبه ثم مات السيد وورثته البنت، فقال مالك ~~والشافعي: ينفسخ النكاح لأنها ملكت جزءا منه، وملك يمين المرأة محرم عليها ~~بإجماع، وقال أبو حنيفة: يصح النكاح، لان الذي ورثت إنما هو مال في ذمة ~~المكاتب لا رقبة المكاتب، وهذه المسألة هي أحق بكتاب النكاح. ومن هذا الباب ~~PageV02P314 # اختلافهم ms0912 إذا مات المكاتب وعليه دين وبعض الكتابة هل يحاص سيده الغرماء ~~أم لا؟ فقال الجمهور: لا يحاص الغرماء، وقال شريح وابن أبي ليلى: يضرب ~~السيد مع الغرماء. # وكذلك اختلفوا إذا أفلس وعليه دين يستغرق ما بيده، هل يتعدى ذلك إلى ~~رقبته؟ فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: لا سبيل لهم إلى رقبته، وقال الثوري ~~وأحمد: يأخذونه إلا أن يفتكه السيد. واتفقوا على أنه إذا عجز عن عقل ~~الجنايات أنه يسلم فيها إلا أن يعقل عنه سيده، والقول في هل يحاص سيده ~~الغرماء أو لا يحاص هو من كتاب التفليس، والقول في جنايته هو من باب ~~الجنايات. ومن مسائل الأقضية التي هي فروع في هذا الباب وأصل في باب ~~الأقضية اختلافهم في الحكم عند اختلاف السيد والمكاتب في مال الكتابة، فقال ~~مالك وأبو حنيفة: القول قول المكاتب، وقال الشافعي ومحمد وأبو يوسف ~~يتحالفان ويتفاسخان قياسا على المتبايعين وفروع هذا الباب كثيرة، لكن الذي ~~حضر منها الآن في الذكر هو ما ذكرناه، ومن وقعت له من هذا الباب مسائل ~~مشهورة الخلاف بين فقهاء الأمصار وهي قريبة من المسموع، فينبغي أن تثبت في ~~هذا الموضع إذ كان القصد إنما هو إثبات المسائل المشهورة التي وقع الخلاف ~~فيها بين فقهاء الأمصار مع المسائل المنطوق بها في الشرع وذلك أن قصدنا في ~~هذا الكتاب كما قلنا غير مرة: إنما هو أن نثبت المسائل المنطوق بها في ~~الشرع المتفق عليها والمختلف فيها، ونذكر من المسائل المسكوت عنها التي شهر ~~الخلاف فيها بين فقهاء الأمصار، فإن معرفة هذين الصنفين من المسائل هي التي ~~تجري للمجتهد مجرى الأصول في المسكوت عنها وفي النوازل التي لم يشتهر ~~الخلاف فيها بين فقهاء الأمصار سواء نقل فيها مذهب عن واحد منهم أو لم ~~ينقل، ويشبه أن يكون من تدرب في هذه المسائل وفهم أصول الأسباب التي أوجبت ~~خلاف الفقهاء فيها أن يقول ما يجب في نازلة من النوازل، أعني أن يكون ~~الجواب فيها على مذهب فقيه من فقهاء الأمصار، أعني في المسألة ms0913 الواحدة ~~بعينها، ويعلم حيث خالف ذلك الفقيه أصله وحيث لم يخالف، وذلك إذا نقل عنه ~~في ذلك فتوى. فأما إذا لم ينقل عنه في ذلك فنوى أو لم يبلغ ذلك الناظر في ~~هذه الأصول فيمكنه أن يأتي بالجواب بحسب أصول الفقيه الذي يفتي على مذهبه، ~~وبحسب الحق الذي يؤديه إليه اجتهاده، ونحن نروم إن شاء الله بعد فراغنا من ~~هذا الكتاب أن نضع في مذهب مالك كتابا جامعا لأصول مذهبه ومسائله المشهورة ~~التي تجري في مذهبه مجرى الأصول للتفريع عليها، وهذا هو الذي عمله ابن ~~القاسم في المدونة، فإن جاوب فيما لم يكن عنده فيها قول مالك على قياس ما ~~كان عنده في ذلك الجنس من مسائل مالك التي هي فيها جارية مجرى الأصول لما ~~جبل عليه الناس من الاتباع والتقليد في الاحكام والفتوى، بيد أن في قوة هذا ~~الكتاب أن يبلغ به الانسان كما قلنا رتبة الاجتهاد إذا تقدم، فعلم من اللغة ~~العربية وعلم من أصول الفقه ما يكفيه في ذلك، ولذلك رأينا أن أخص الأسماء ~~بهذا الكتاب أن نسميه كتاب: (بداية المجتهد وكفاية المقتصد) PageV02P315 # كتاب التدبير والنظر في التدبير، في أركانه، وفي أحكامه. وأما الأركان ~~فهي أربعة: المعنى، واللفظ، والمدبر والمدبر. وأما الاحكام فصنفان: أحكام ~~العقد، وأحكام المدبر. # الركن الأول: فنقول: أجمع المسلمون على جواز التدبير، وهو أن يقول السيد ~~لعبده: # أنت حر عن دبر مني، أو يطلق فيقول: أنت مدبر، وهذان هما عندهم لفظا ~~التدبير باتفاق. # والناس في التدبير والوصية على صنفين: منهم من لم يفرق بينهما، ومنهم من ~~فرق بين التدبير والوصية بأن جعل التدبير لازما والوصية غير لازمة. والذين ~~فرقوا بينهما اختلفوا في مطلق لفظ الحرية بعد الموت هل يتضمن معنى الوصية؟ ~~أو حكم التدبير؟ أعني إذا قال: أنت حر بعد موتي، فقال مالك: إذا قال وهو ~~صحيح: أنت حر بعد موتي فالظاهر أنه وصية، والقول قوله في ذلك، ويجوز رجوعه ~~فيها إلا أن يريد التدبير. وقال أبو حنيفة: الظاهر من هذا القول التدبير ~~وليس ms0914 له أن يرجع فيه، وبقول مالك قال ابن القاسم، وبقول أبي حنيفة قال أشهب ~~قال: إلا أن يكون هنالك قرينة تدل على الوصية، مثل أن يكون على سفر أو يكون ~~مريضا، وما أشبه ذلك من الأحوال التي جرت العادة أن يكتب الناس فيها ~~وصاياهم، فعلى قول من لا يفرق بين الوصية والتدبير - وهو الشافعي ومن قال ~~بقوله - هذا اللفظ هو من ألفاظ صريح التدبير. وأما على مذهب من يفرق فهو ~~إما من كنايات التدبير، وإما ليس من كناياته ولا من صريحه، وذلك أن ما ~~يحمله على الوصية فليس هو عنده من كناياته ولا من صريحه. ومن يحمله على ~~التدبير وينويه يقبل هذا العقد هو كل عبد صحيح العبودية ليس يعتق على سيده ~~سواء ملك كله أو بعضه. واختلفوا في حكم من ملك بعضا فدبره، فقال مالك: يجوز ~~ذلك، وللذي لم يدبر حظه خياران: أحدهما: أن يتقاوماه، فإن اشتراه الذي دبره ~~كان مدبرا كله، وإن لم يشتره انتقض التدبير. والخيار الثاني: أن يقومه عليه ~~الشريك، وقال أبو حنيفة: للشريك PageV02P316 # الذي لم يدبر ثلاث خيارات: إن شاء استمسك بحصته، وإن شاء استسعى العبد في ~~قيمة الحصة التي له فيه وإن شاء قومها على شريكه إن كان موسرا، وإن كان ~~معسرا استسعى العبد، وقال الشافعي: يجوز التدبير ولا يلزم شئ من هذا كله، ~~ويبقى العبد المدبر نصفه أو ثلثه على ما هو عليه، فإذا مات مدبره عتق منه ~~ذلك الجزء ولم يقوم الجزء الباقي منه على السيد على ما يفعل في سنة العتق، ~~لان المال قد صار لغيره وهم الورثة. وهذه المسألة هي من الاحكام لامن ~~الأركان، أعني أحكام المدبر فلتثبت في الاحكام. وأما المدبر فاتفقوا على أن ~~من شروطه أن يكون مالكا تام الملك غير محجور عليه سواء أكان صحيحا أو ~~مريضا، وأن من شرطه أن لا يكون ممن أحاط الدين بماله، لأنهم اتفقوا على أن ~~الدين يبطل التدبير. واختلفوا في تدبير السفيه. فهذه هي أركان هذا الباب. ~~وأما أحكامه فأصولها راجعة ms0915 إلى أجناس خمسة: أحدها: ماذا يخرج المدبر، هل من ~~رأس المال أو الثلث؟. والثاني: ما يبقى فيه من أحكام الرق مما ليس يبقى ~~فيه، أعني ما دام مدبرا. والثالث: ما يتبعه في الحرية مما ليس يتبعه. ~~الرابع: مبطلات التدبير الطارئة عليه. والخامس: في أحكام تبعيض التدبير. # الجنس الأول فأما مماذا يخرج المدبر إذا مات المدبر؟ فإن العلماء اختلفوا ~~في ذلك، فذهب الجمهور إلى أنه يخرج من الثلث، وقالت طائفة: هو من رأس المال ~~معظمهم أهل الظاهر، فمن رأى أنه من الثلث شبهه بالوصية، لأنه حكم يقع بعد ~~الموت. وقد روي حديث عن النبي (ص) أنه قال: المدبر من الثلث إلا أنه أثر ~~ضعيف عند أهل الحديث، لأنه رواه علي بن ظبيان عن نافع عن عبد الله بن عمر، ~~وعلي بن ظبيان متروك الحديث عند أهل الحديث. ومن رآه من رأس المال شبهه ~~بالشئ يخرجه الانسان من ماله في حياته فأشبه الهبة. واختلف القائلون بأنه ~~من الثلث في فروع، وهو إذا دبر الرجل غلاما له في صحته، وأعتق في مرضه الذي ~~مات عنه غلاما آخر فضاق الثلث عن الجمع بينهما، فقال مالك: يقدم المدبر ~~لأنه كان في الصحة، وقال الشافعي: يقدم العتق المبتل، لأنه لا يجوز له رده، ~~ومن أصله أنه يجوز عنده رد التدبير. وهذه المسألة هي أحق بكتاب الوصايا. # وأما الجنس الثاني فأشهر مسألة فيه هي هل للمدبر أن يبيع المدبر أم لا؟ ~~فقال مالك وأبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة: ليس للسيد أن يبيع مدبره، وقال ~~الشافعي وأحمد وأهل الظاهر وأبو ثور: له أن يرجع فيبيع مدبره، وقال ~~الأوزاعي: لا يباع إلا من رجل يريد عتقه واختلف أبو حنيفة ومالك من هذه ~~المسألة في فروع وهو إذا بيع فأعتقه المشتري، فقال مالك: ينفذ العتق، وقال ~~أبو حنيفة والكوفيون البيع مفسوخ سواء أعتقه المشتري أو لم يعتقه. وهو أقيس ~~من جهة أنه ممنوع عبادة. فعمدة من أجاز بيعه ما ثبت من حديث جابر: أن النبي ~~(ص) باع مدبرا PageV02P317 # وربما ms0916 شبهوه بالوصية. وأما عمدة المالكية فعموم قوله تعالى: * (يا أيها ~~الذين آمنوا أوفوا بالعقود) لأنه عتق إلى أجل فأشبه أم الولد أو أشبه العتق ~~المطلق. فكان سبب الاختلاف ههنا: معارضة القياس للنص، أو العموم للخصوص. ~~ولا خلاف بينهم أن المدبر أحكامه في حدوده وطلاقه وشهاداته وسائر أحكامه ~~أحكام العبيد. واختلفوا من هذا الباب في جواز وطئ المدبرة، فجمهور العلماء ~~على جواز وطئها، وروي عن ابن شهاب منع ذلك، وعن الأوزاعي كراهية ذلك إذا لم ~~يكن وطئها قبل التدبير. وعمدة الجمهور: تشبيهها بأم الولد، ومن لم يجز ذلك ~~شبهها بالمعتقة إلى أجل، ومنع وطئ المعتقة إلى أجل شبهها بالمنكوحة إلى ~~أجل، وهي المتعة، واتفقوا على أن للسيد في المدبر الخدمة، ولسيده أن ينتزع ~~ماله منه متى شاء كالحال في العبد، قال مالك: إلا أن يمرض مرضا مخوفا فيكره ~~له ذلك. # الجنس الثالث فأما ما يتبعه في التدبير ممالا يتبعه، فإن من مسائلهم ~~المشهورة في هذا الباب اختلافهم في ولد المدبرة الذين تلدهم بعد تدبير ~~سيدها من نكاح أو زنا، فقال الجمهور: # ولدها بعد تدبيرها بمنزلتها يعتقون بعتقها ويرقون برقها، وقال الشافعي في ~~قوله المختار عند أصحابه إنهم لا يعتقون بعتقها، وأجمعوا على أنه إذا ~~أعتقها سيدها في حياته أنهم يعتقون بعتقها. وعمدة الشافعية: أنهم إذا لم ~~يعتقوا في العتق المنجز فأحرى أن لا يعتقوا في العتق المؤجل بالشرط. واحتج ~~أيضا بإجماعهم على أن الموصى لها بالعتق لا يدخل فيه بنوها. # والجمهور رأوا: أن التدبير حرمة ما، فأوجبوا اتباع الولد تشبيها ~~بالكتابة، وقول الجمهور مروي عن عثمان وابن مسعود وابن عمر، وقول الشافعي ~~مروي عن عمر بن عبد العزيز وعطاء بن أبي رباح ومكحول. وتحصيل مذهب مالك في ~~هذا أن كل امرأة فولدها تبع لها، إن كانت حرة فحر، وإن كانت مكاتبة فمكاتب ~~وإن كانت مدبرة فمدبر، أو معتقة إلى أجل فمعتق إلى أجل، وكذلك أم الولد ~~ولدها بمنزلتها - وخالف في ذلك أهل الظاهر - وكذلك المعتق بعضه عند مالك، ~~وأجمع العلماء عن ms0917 أن كل ولد من تزويج فهو تابع لامه في الرق والحرية وما ~~بينهما من العقود المفضية إلى الحرية إلا ما اختلفوا فيه من التدبير ومن ~~أمة زوجها عربي. وأجمعوا على أن كل ولد من ملك يمين أنه تابع لأبيه، إن حرا ~~فحرا، وإن عبدا فعبدا، وإن مكاتبا فمكاتبا. واختلفوا في المدبر إذا تسرى ~~فولد له فقال مالك: حكمه حكم الأب: يعني أنه مدبر، وقال الشافعي وأبو ~~حنيفة: ليس يتبعه ولده في التدبير، وعمدة مالك: الاجماع على الولد من ملك ~~اليمين تابع للأب ما عدا المدبر، وهو باب قياس موضع الخلاف على موضع ~~الاجماع. وعمدة الشافعية: أن ولد المدبر مال من PageV02P318 # ماله، ومال المدبر للسيد انتزاعه منه وليس يسلم له أنه مال من ماله، ~~ويتبعه في الحرية ماله عند مالك. # الجنس الرابع وأما النظر في تبعيض التدبير فقد قلنا فيمن دبر له حظا في ~~عبده دون أن يدبر شريكه ونقله إلى هذا الموضع أولى، فلينقل إليه. وأما من ~~دبر جزءا من عبد هو له كله. # فإنه يقضي عليه بتدبير الكل، قياسا على من بعض العتق عند مالك. # وأما الجنس الخامس وهو مبطلات التدبير فمن هذا الباب اختلافهم في إبطال ~~الدين للتدبير، فقال مالك والشافعي: الدين يبطله، وقال أبو حنيفة: ليس ~~يبطله ويسعى في الدين، وسواء أكان الدين مستغرقا للقيمة أو لبعضها. ومن هذا ~~الباب اختلافهم في النصراني يدبر عبدا له نصرانيا، فيسلم العبد قبل موت ~~سيده، فقال الشافعي: يباع عليه ساعة يسلم ويبطل تدبيره، وقال مالك: يحال ~~بينه وبين سيده ويخارج على سيده النصراني، ولا يباع عليه حتى يبين أمر ~~سيده، فإن مات عتق المدبر ما لم يكن عليه دين يحيط بماله، وقال الكوفيون: ~~إذا أسلم مدبر النصراني قوم وصفي العبد في قيمته، ومدبر الصحة يقدم عند ~~مالك على مدبر المرض إذا ضاق الثلث عنهما. PageV02P319 # كتاب أمهات الأولاد وأصول هذا الباب النظر في هل تباع أم الولد أم لا؟ ~~وإن كانت لا تباع فمتى تكون أم ولد، وبماذا تكون أم ولد، ms0918 وما يبقى فيها ~~لسيدها من أحكام العبودية، ومتى تكون حرة؟ # أما المسألة الأولى: فإن العلماء اختلفوا فيها سلفهم وخلفهم، فالثابت عن ~~عمر رضي الله عنه أنه قضى بأنها لا تباع وأنها حرة من رأس مال سيدها إذا ~~مات. وروي مثل ذلك عن عثمان، وهو قول أكثر التابعين وجمهور فقهاء الأمصار. ~~وكان أبو بكر الصديق وعلي رضوان الله عليهما وابن عباس وابن الزبير وجابر ~~بن عبد الله وأبو سعيد الخدري يجيزون بيع أم الولد، وبه قالت الظاهرية من ~~فقهاء الأمصار. وقال جابر وأبو سعيد: كنا نبيع أمهات الأولاد والنبي عليه ~~الصلاة والسلام فينا لا يرى بذلك بأسا. واحتجوا بما روي عن جابر أنه قال: ~~كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، ~~ثم نهانا عمر عن بيعهن ومما اعتمد عليه أهل الظاهر في هذه المسألة النوع من ~~الاستدلال الذي يعرف باستصحاب حال الاجماع، وذلك أنهم قالوا: لما انعقد ~~الاجماع على أنها مملوكة قبل الولادة، وجب أن تكون كذلك بعد الولادة إلى أن ~~يدل الدليل على غير ذلك، وقد تبين في كتب الأصول قوة هذا الاستدلال، وأنه ~~لا يصح عند من يقول بالقياس، وإنما يكون ذلك دليلا بحسب رأي من ينكر ~~القياس، وربما احتج الجمهور عليهم بمثل احتجاجهم، وهو الذي يعرفونه بمقابلة ~~الدعوى بالدعوى، وذلك أنهم يقولون: أليس تعرفون أن الاجماع قد انعقد على ~~منع بيعها في حال حملها، فإذا كان ذلك وجب أن يستصحب حال هذا الاجماع بعد ~~وضع الحمل، إلا أن المتأخرين من أهل الظاهر أحدثوا في هذا الأصل نقضا، وذلك ~~أنهم لا يسلمون منع بيعها حاملا. ومما اعتمده الجمهور في هذا الباب من ~~الأثر ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في مارية سريته لما ولدت ~~إبراهيم: أعتقها ولدها ومن ذلك حديث ابن عباس عن النبي (ص) أنه قال: # أيما امرأة ولدت من سيدها فإنها حرة إذا مات وكلا الحديثين لا يثبت عند ~~أهل الحديث، PageV02P320 # حكى ذلك أبو عمر بن عبد ms0919 البر رحمه الله، وهو من أهل هذا الشأن، وربما ~~قالوا أيضا من طريق المعنى إنها قد وجبت لها حرمة وهو اتصال الولد بها ~~وكونه بعضا منها، وحكوا هذا التعليل عن عمر رضي الله عنه حين رأى أن لا ~~يبعن فقال: خالطت لحومنا لحومهن، ودماؤنا دماءهن. وأما متى تكون أم ولد، ~~فإنهم اتفقوا على أنها تكون أم ولد إذا ملكها قبل حملها منه. واختلفوا إذا ~~ملكها وهي حامل منه أو بعد أن ولدت منه، فقال مالك: لا تكون أم ولد إذا ~~ولدت منه قبل أن يملكها ثم ملكها وولدها، وقال أبو حنيفة: تكون أم ولد. # واختلف قول مالك إذا ملكها وهي حامل، والقياس أن تكون أم ولد في جميع ~~الأحوال إذ كان ليس من مكارم الأخلاق أن يبيع المرء أم ولده، وقد قال عليه ~~الصلاة والسلام: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق وأما بماذا تكون أم ولد؟ فإن ~~مالكا قال: كل ما وضعت مما يعلم أنه ولد كانت مضغة أو علقة، وقال الشافعي: ~~لا بد أن يؤثر في ذلك شئ مثل الخلقة والتخطيط. واختلافهم راجع إلى ما ينطلق ~~عليه اسم الولادة أو ما يتحقق أنه مولد. وأما ما بقي فيها من أحكام ~~العبودية، فإنهم اتفقوا على أنها في شهادتها وحدودها وديتها وأرش جراحها ~~كالأمة. وجمهور من منع بيعها ليس يرون ههنا سببا طارئا عليها يوجب بيعها ~~إلا ما روي عن عمر بن الخطأ ب أنها إذا زنت رقت. واختلف قول الشافعي هل ~~لسيدها استخدامها طول حياته واغتلاله إياها؟ فقال مالك: ليس له ذلك، وإنما ~~له فيها الوطئ فقط، وقال الشافعي: له ذلك. وعمدة مالك: أنه لما لم يملك ~~رقبتها بالبيع لم يملك إجارتها، إلا أنه يرى أن إجارة بنيها من غيره جائزة، ~~لان حرمتهم عنده أضعف. وعمدة الشافعي: انعقاد الاجماع على أنه يجوز له ~~وطؤها. فسبب الخلاف: تردد إجارتها بين أصلين: # أحدهما: وطؤها. والثاني: بيعها. فيجب أن يرجح أقوى الأصلين شبها. وأما ~~متى تكون حرة؟ فإنه لا خلاف بينهم أن آن ذلك الوقت ms0920 هو إذا مات السيد، ولا ~~أعلم الآن أحدا قال تعتق من الثلث، وقياسها على المدبر ضعيف على قول من ~~يقول: إن المدبر يعتق من الثلث. PageV02P321 # كتاب الجنايات والجنايات التي لها حدود مشروعة أربع جنايات على الأبدان ~~والنفوس والأعضاء وهو المسمى قتلا وجرحا، وجنايات على الفروج وهو المسمى ~~زنا وسفاحا، وجنايات على الأموال، وهذه ما كان منها مأخوذا بحرب سمي حرابة ~~إذا كان بغير تأويل، وإن كان بتأويل سمي بغيا، وإن كان مأخوذا على وجه ~~المنافسة من حرز يسمى سرقة، وما كان منها يعلو مرتبة وقوة وسلطان سمي غصبا، ~~وجنايات على الاعراض، وهي المسمى قذفا، وجنايات بالتعدي على استباحة ما ~~حرمه الشرع من المأكول والمشروب، وهذه إنما يوجد فيها حد في هذه الشريعة في ~~الخمر فقط، وهو حد متفق عليه بعد صاحب الشرع صلوات الله عليه، فلنبتدئ منها ~~بالحدود التي في الدماء فنقول: إن الواجب في إتلاف النفوس والجوارح هو إما ~~قصاص وإما مال، وهو الذي يسمى الدية، فإذن النظر أولا في هذا الكتاب ينقسم ~~إلى قسمين: النظر في القصاص، والنظر في الدية. والنظر في القصاص ينقسم إلى ~~القصاص في النفوس، وإلى القصاص في الجوارح، والنظر أيضا في الديات ينقسم ~~إلى النظر في ديات النفوس، وإلى النظر في ديات قط الجوارح والجراح. فينقسم ~~أولا هذا الكتاب إلى كتابين: أولهما: يرسم عليه كتاب القصاص، والثاني: يرسم ~~عليه كتاب الديات. PageV02P322 # كتاب القصاص وهذا الكتاب ينقسم إلى قسمين: الأول: النظر في القصاص في ~~النفوس، والثاني: # النظر في القصاص في الجوارح، فلنبدأ من القصاص في النفوس. # كتاب القصاص في النفوس والنظر أولا في هذا الكتاب ينقسم إلى قسمين: إلى ~~النظر في الموجب، أعني الموجب للقصاص. وإلى النظر في الواجب. أعني القصاص ~~وفي أبداله إن كان له بدل. # فلنبدأ أولا بالنظر في الموجب. والنظر في الموجب يرجع إلى النظر في صفة ~~القتل والقاتل التي يجب بمجموعها والمقتول القصاص. فإنه ليس أي قاتل اتفق ~~يقتص منه، ولا بأي قتل اتفق، ولا من أي مقتول اتفق. بل من ms0921 قاتل محدود، ~~ومقتول محدود، إذ كان المطلوب في هذا الباب إنما هو العدل. فلنبدأ من النظر ~~في القاتل. ثم في القتل. ثم في المقتول. # القول في شروط القاتل فنقول: إنهم اتفقوا على أن القاتل الذي يقاد منه ~~يشترط فيه باتفاق أن يكون عاقلا بالغا مختارا للقتل مباشرا غير مشارك له ~~فيه غيره. واختلفوا في المكره والمكره، وبالجملة الآمر والمباشر، فقال مالك ~~والشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور وجماعة: القتل على المباشر دون الآمر، ~~ويعاقب الآمر، وقالت طائفة: يقتلان جميعا، وهذا إذا لم يكن هنالك إكراه ولا ~~سلطان للآمر على المأمور. وأما إذا كان للآمر سلطان على المأمور، أعني ~~المباشر، فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: فقال قوم: يقتل الآمر دون ~~المأمور، ويعاقب المأمور، وبه قال داود وأبو حنيفة، وهو أحد قولي الشافعي، ~~وقال قوم: يقتل المأمور دون الآمر، وهو أحد قولي الشافعي. وقال قوم: يقتلان ~~جميعا، وبه قال مالك. فمن لم يوجب حدا على المأمور اعتبر تأثير الاكراه في ~~اسقاط كثير من الواجبات في الشرع، لكون المكره يشبه من لا اختيار له. ومن ~~رأى عليه القتل غلب عليه حكم الاختيار، وذلك أن المكره يشبه من جهة ~~المختار، ويشبه من جهة المضطر المغلوب، مثل الذي يسقط من علو، والذي تحمله ~~الريح من موضع إلى موضع. ومن رأى قتلهم جميعا لم يعذر المأمور بالاكراه ولا ~~الآمر بعدم المباشرة. ومن رأى قتل الآمر PageV02P323 # فقط شبه المأمور بالآلة التي لا تنطق، ومن رأى الحد على غير المباشر ~~اعتمد أنه ليس ينطلق عليه اسم قاتل إلا بالاستعارة. وقد اعتمدت المالكية في ~~قتل المكره على القتل بالقتل بإجماعهم على أنه لو أشرف على الهلاك من مخمصة ~~لم يكن له أن يقتل إنسانا فيأكله. وأما المشارك للقاتل عمدا في القتل، فقد ~~يكون القتل عمدا وخطأ، وقد يكون القاتل مكلفا وغير مكلف، وسنذكر العمد عند ~~قتل الجماعة بالواحد. وأما إذا اشترك في القتل عامد ومخطئ أو مكلف وغير ~~مكلف، مثل عامد وصبي أو مجنون، أو حر وعبد في ms0922 قتل عبد عند من لا يقيد من ~~الحر بالعبد، فإن العلماء اختلفوا في ذلك، فقال مالك والشافعي: على العامد ~~القصاص وعلى المخطئ والصبي نصف الدية، إلا أن مالكا يجعله على العاقلة، ~~والشافعي في ماله على ما يأتي، وكذلك قالا في الحر والعبد يقتلان العبد ~~عمدا أن العبد يقتل، وعلى الحر نصف القيمة، وكذلك الحال في المسلم والذمي ~~يقتلان جميعا. وقال أبو حنيفة إذا اشترك من يجب عليه القصاص مع من لا يجب ~~عليه القصاص، فلا قصاص على واحد منهما وعليهما الدية. وعمدة الحنفية: أن ~~هذه شبهة، فإن القتل لا يتبعض وممكن أن تكون إفاتة نفسه من فعل الذي لا ~~قصاص عليه كامكان ذلك ممن عليه القصاص، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ~~ادرأوا الحدود بالشبهات وإذا لم يكن الذم وجب بدله، وهو الدية. وعمدة ~~الفريق الثاني: النظر إلى المصلحة التي تقتضي التغليظ لحوطة الدماء، فكأن ~~كل واحد منهما انفرد بالقتل فله حكم نفسه، وفيه ضعف في القياس. وأما صفة ~~الذي يجب به القصاص، فاتفقوا على أنه العمد، وذلك أنهم أجمعوا على أن القتل ~~صنفان: عمد، وخطأ. واختلفوا في هل بينهما وسط أم لا؟ وهو الذي يسمونه شبه ~~العمد، فقال به جمهور فقهاء الأمصار. والمشهور عن مالك نفيه إلا في الابن ~~مع أبيه، وقد قيل: إنه يتخرج عنه في ذلك رواية أخرى. وباثباته قال عمر بن ~~الخطاب وعلي وعثمان وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري والمغيرة، ولا مخالف ~~لهم من الصحابة، والذين قالوا به فرقوا فيما هو شبه العمد مما ليس بعمد، ~~وذلك راجع في الأغلب إلى الآلات التي يقع بها القتل، وإلى الأحوال التي كان ~~من أجلها الضرب. # فقال أبو حنيفة: كل ما عدا الحديد من القضب أو النار وما يشبه ذلك فهو ~~شبه العمد، وقال أبو يوسف ومحمد أشبه العمد ما لا يقتل مثله وقال الشافعي: ~~شبه العمد ما كان عمدا في الضرب خطأ في القتل: أي ما كان ضربا لم يقصد به ~~القتل فتولد عنه القتل. # والخطأ ما كان ms0923 خطأ فيهما جميعا، والعمد ما كان عمدا فيهما جميعا وهو حسن ~~فعمدة من نفى شبه العمد أنه لا واسطة بين الخطأ والعمد، أعني بين أن يقصد ~~القتل أو لا يقصده. وعمدة من أثبت الوسط أن النيات لا يطلع عليها إلا الله ~~تبارك وتعالى وإنما الحكم بما ظهر. فمن قصد ضرب آخر بآلة تقتل غالبا كان ~~حكمه كحكم الغالب، أعني PageV02P324 # حكم من قصد القتل فقتل بلا خلاف. ومن قصد ضرب رجل بعينه بآلة لا تقتل ~~غالبا كان حكمه مترددا بين العمد والخطأ وهذا في حقنا لا في حق الآمر نفسه ~~عند الله تعالى. أما شبهه العمد فمن جهة ما قصد ضربه. وأما شبهه للخطأ فمن ~~جهة أنه ضرب بما لا يقصد به القتل. وقد روي حديث مرفوع إلى النبي (ص) أنه ~~قال: ألا إن قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا والحجر ديته مغلظة ~~مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها إلا أنه حديث مضطرب عند أهل ~~الحديث لا يثبت من جهة الاسناد فيما ذكره أبو عمر بن عبد البر، وإن كان أبو ~~داود وغيره قد خرجه. فهذا النحو من القتل عند من لا يثبته يجب به القصاص، ~~وعند من أثبته تجب به الدية، ولا خلاف في مذهب مالك أن الضرب يكون على وجه ~~الغضب والنائرة يجب به القصا ص. واختلف في الذي يكون عمدا على جهة اللعب، ~~أو على جهة الأدب لمن أبيح له الأدب. وأما الشرط الذي يجب به القصاص في ~~المقتول، فهو أن يكون مكافئا لدم القاتل. والذي به تختلف النفوس هو الاسلام ~~والكفر والحرية والعبودية والذكورية والأنوثية والواحد والكثير. # واتفقوا على أن المقتول إذا كان مكافئا للقاتل في هذه الأربعة أنه يجب ~~القصاص. # واختلفوا في هذه الأربعة إذا لم تجتمع، أم الحر إذا قتل العبد عمدا، فإن ~~العلماء اختلفوا فيه، فقال مالك والشافعي والليث وأحمد وأبو ثور: لا يقتل ~~الحر بالعبد، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقتل الحر بالعبد إلا عبد نفسه، وقال ~~قوم: يقتل الحر ms0924 بالعبد سواء أكان عبد القاتل أو عبد غير القاتل وبه قال ~~النخعي فمن قال لا يقتل الحر بالعبد احتج بدليل الخطاب المفهوم من قوله ~~تعالى: * (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد) * ومن ~~قال: بقتل الحر بالعبد احتج بقوله عليه الصلاة والسلام: # المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم فسبب ~~الخلاف: معارضة العموم لدليل الخطاب، ومن فرق فضعيف. ولا خلاف بينهم أن ~~العبد يقتل بالحر، وكذلك الأنقص بالأعلى. ومن الحجة أيضا لمن قال: يقتل ~~الحر بالعبد ما رواه الحسن عن سمرة أن النبي (ص) قال: من قتل عبده قتلناه ~~به ومن طريق المعنى قالوا: ولما كان قتله محرما كقتل الحر، وجب أن يكون ~~القصاص فيه كالقصاص في الحر. وأما قتل المؤمن بالكافر الذمي، فاختلف ~~العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: فقال قو: لا يقتل مؤمن بكافر، وممن قال به ~~الشافعي والثوري وأحمد وداود وجماعة. وقال قوم: يقتل به، وممن قال بذلك أبو ~~حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى. وقال مالك والليث: لا يقتل به إلا أن يقتله ~~غيلة، وقتل الغيلة أن يضجعه فيذبحه وبخاصة على PageV02P325 # ماله. فعمدة الفريق الأول ما روي من حديث علي أنه سأله قيس بن عبادة ~~والأشتر هل عهد إليه رسول الله (ص) عهدا لم يعهده إلى الناس قال: لا، إلا ~~ما في كتابي هذا، وأخرج كتابا من قراب سيفه فإذا فيه: المؤمنون تتكافأ ~~دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم. ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ~~ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين خرجه أبو داود. وروي أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ~~النبي (ص) قال: لا يقتل مؤمن بكافر واحتجوا في ذلك بإجماعهم على أنه لا ~~يقتل مسلم بالحربي الذي أمن. وأما أصحاب أبي حنيفة فاعتمدوا في ذلك آثار ~~منها حديث يرويه ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الرحمن السلماني قال: قتل ~~رسول الله ms0925 (ص) رجلا من أهل القبلة برجل من أهل الذمة وقال: أنا أحق من وفى ~~بعهده ورووا ذلك عن عمر، قالوا: وهذا مخصص لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: ~~لا يقتل مؤمن بكافر أي أنه أريد بالكافر الحربي دون الكافر المعاهد، وضعف ~~أهل الحديث حديث عبد الرحمن السلماني وما رووا من ذلك عن عمر. وأما من طريق ~~القياس فإنهم اعتمدوا على إجماع المسلمين في أن يد المسلم تقطع إذا سرق من ~~مال الذمي، قالوا: فإذا كانت حرمة ماله كحرمة مال المسلم فحرمة دمه كحرمة ~~دمه. # فسبب الخلاف: تعارض الآثار والقياس. وأما قتل الجماعة بالواحد، فإن جمهور ~~فقهاء الأمصار قالوا تقتل الجماعة بالواحد، منهم مالك وأبو حنيفة والشافعي ~~والثوري وأحمد وأبو ثور وغيرهم، سواء كثرت الجماعة أو قلت، وبه قال عمر، ~~حتى روي أنه قال: لو تمالا عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا. وقال داود وأهل ~~الظاهر لا تقتل الجماعة بالواحد، وهو قول ابن الزبير، وبه قال الزهري، وروي ~~عن جابر. وكذلك عند هذه الطائفة لا تقطع أيد بيد، أعني إذا اشترك اثنان فما ~~فوق ذلك في قطع يد، وقال مالك والشافعي: تقطع الأيدي باليد، وفرقت الحنفية ~~بين النفس والأطراف فقالوا: تقتل الأنفس بالنفس، ولا يقطع بالطرف إلا طرف ~~واحد، وسيأتي هذا في باب القصاص من الأعضاء. فعمدة من قتل بالواحد الجماعة ~~النظر إلى المصلحة، فإنه مفهوم أن القتل إنما شرع لنفي القتل كما نبه عليه ~~الكتاب في قوله تعالى: * (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) * وإذا كان ~~ذلك كذلك فلو لم تقتل الجماعة بالواحد لتذرع الناس إلى القتل بأن يتعمدوا ~~قتل الواحد بالجماعة، ولكن للمعترض أن يقول: إن هذا إنما كان يلزم لو لم ~~يقتل من الجماعة أحد، فأما إن قتل منهم واحد وهو الذي من قتله يظن إتلاف ~~النفس غالبا على الظن، فليس يلزم أن يبطل الحد حتى يكون سببا للتسليط على ~~إذهاب PageV02P326 # النفوس. وعمدة من قتل الواحد بالواحد قوله تعالى: * (وكتبنا عليهم فيها ~~أن النفس بالنفس والعين بالعين) * وأما قتل ms0926 الذكر بالأنثى، فإن ابن المنذر ~~وغيره ممن ذكر الخلاف حكى أنه إجماع إلا ما حكي عن علي من الصحابة، وعن ~~عثمان البتي أنه إذ قتل الرجل بالمرأة كان على أولياء المرأة نصف الدية. ~~وحكى القاضي أبو الوليد الباجي في المنتقى عن الحسن البصري، أنه لا يقتل ~~الذكر بالأنثى، وحكاه الخطابي في معالم السنن، وهو شاذ، ولكن دليله قوي ~~لقوله تعالى: * (والأنثى بالأنثى) * وإن كان يعارض دليل الخطاب ههنا العموم ~~الذي في قوله تعالى: * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) * لكن يدخله أن ~~هذا الخطاب وارد في غير شريعتنا، وهي مسألة مختلف فيها، أعني هل شرع من ~~قبلنا شرع لنا أم لا؟ والاعتماد في قتل الرجل بالمرأة هو النظر إلى المصلحة ~~العامة. واختلفوا من هذا الباب في الأب والابن، فقال مالك: لا يقاد الأب ~~بالابن إلا أن يضجعه فيذبحه، فأما إن حذفه بسيف أو عصا فقتله لم يقتل، ~~وكذلك الجد عنده مع حفيده. وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري: لا يقاد ~~الوالد بولده ولا الجد بحفيده إذا قتله بأي وجه كان من أوجه العمد، وبه قال ~~جمهور العلماء. وعمدتهم حديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ~~لا تقام الحدود في المساجد ولا يقاد بالولد الوالد. وعمدة مالك عموم القصاص ~~بين المسلمين. # وسبب اختلافهم: ما رووه عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب أن رجلا من بني ~~مدلج يقال له قتادة حذف ابنا له بالسيف فأصاب ساقه، فنزف جرحه فمات، فقدم ~~سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب فذكر له، فقال له عمر: أعدد على ماء قديد ~~عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك، فلما قدم عليه عمر أخذ من تلك الإبل ~~ثلاثين حقه وثلاثين وأربعين خلفة، ثم قال: أين أخو المقتول؟ فقال: ها أنا ~~ذا، قال: خذها، فإن رسول الله (ص) قال: # ليس لقاتل شئ فإن مالكا حمل هذا الحديث على أنه لم يكن عمدا محضا، وأثبت ~~منه شبه العمد فيما بين الابن والأب. وأما الجمهور فحملوه على ظاهره من ms0927 أنه ~~عمد لإجماعهم أن من حذف آخر بسيف فقتله فهو عمد. وأما مالك فرأى لما للأب ~~من التسلط على تأديب ابنه ومن المحبة له أن حمل القتل الذي يكون في أمثال ~~هذه الأحوال على أنه ليس بعمد ولم يتهمه إذ كان ليس بقتل غيلة فإنما يحمل ~~فاعله على أنه قصد القتل من جهة غلبة الظن وقوة التهمة، إذ كانت النيات لا ~~يطلع عليها إلا الله تعالى، فمالك لم يتهم الأب حيث اتهم الأجنبي، لقوة ~~المحبة التي بين الأب والابن. والجمهور إنما عللوا درء الحد عن الأب لمكان ~~حقه على الابن. والذي يجئ على أصول أهل الظاهر أن يقاد، فهذا هو القول في ~~الموجب. PageV02P327 # وأما القول في الواجب فاتفقوا على أن لولي الدم أحد شيئين: القصاص، أو ~~العفو إما على الدية وإما على غير الدية. واختلفوا هل الانتقال من القصاص ~~إلى العفو على أخذ الدية هو حق واجب لولي الدم دون أن يكون في ذلك خيار ~~للمقتص منه أم لا تثبت الدية إلا بتراضي الفريقين أعني الولي والقاتل وأنه ~~إذا لم يرد المقتص منه أن يؤدي الدية لم يكن لولي الدم إلا القصاص مطلقا أو ~~العفو، فقال مالك: لا يجب للولي إلا أن يقتص أو يعفو عن غير دية إلا أن ~~يرضى بإعطاء الدية القاتل، وهي رواية ابن القاسم عنه، وبه قال أبو حنيفة ~~والثوري والأوزاعي وجماعة، وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود وأكثر فقهاء ~~المدينة من أصحاب مالك وغيره: ولي الدم بالخيار إن شاء اقتص وإن شاء أخذ ~~الدية، رضي القاتل أو لم يرض، وروى ذلك أشهب عن مالك، إلا أن المشهور عنه ~~هي الرواية الأولى. فعمدة مالك في الرواية المشهورة حديث أنس بن مالك في ~~قصة سن الربيع أن رسول الله (ص) قال: كتاب الله القصاص فعلم بدليل الخطاب ~~أنه ليس له إلا القصاص. وعمدة الفريق الثاني حديث أبي هريرة الثابت من قتل ~~له قتيل فهو بخير النظرين بين أن يأخذ الدية وبين أن يعفو هما حديثان متفق ~~على ms0928 صحتهما، لكن الأول ضعيف الدلالة في أنه ليس له إلا القصاص. والثاني نص ~~في أن له الخيار. والجمع بينهما يمكن إذا رفع دليل الخطاب من ذلك، فإن كان ~~الجمع واجبا وممكنا فالمصير إلى حديث الثاني واجب، والجمهور على أن الجمع ~~واجب إذا أمكن وأنه أولى من الترجيح، وأيضا فإن الله عز وجل يقول: * (ولا ~~تقتلوا أنفسكم) * وإذا عرض على المكلف فداء نفسه بمال فواجب عليه أن ~~يفديها، أصله إذا وجد الطعام في مخمصة بقيمة مثله وعنده ما يشتريه، أعني ~~أنه يقضي عليه بشرائه فكيف بشراء نفسه؟ ويلزم على هذه الرواية إذا كان ~~للمقتول أولياء صغار وكبار أن يؤخر القتل إلى أن يكبر الصغار فيكون لهم ~~الخيار. ولا سيما إذا كان الصغار يحجبون الكبار مثل البنين مع الاخوة. قال ~~القاضي: وقد كانت وقعت هذه المسألة بقرطبة حياة جدي - رحمه الله - فأفتى ~~أهل زمانه بالرواية المشهورة، وهو أن لا ينتظر الصغير، فأفتى هو - رحمه ~~الله - بانتظاره على القياس، فشنع أهل زمانه ذلك عليه لما كانوا عليه من ~~شدة التقليد حتى اضطر أن يضع في ذلك قولا ينتصر فيه لهذا المذهب وهو موجود ~~بأيدي الناس. والنظر في هذا الباب هو في قسمين: في العفو والقصاص. والنظر ~~في العفو في شيئين: أحدهما: فيمن له العفو ممن ليس له، وترتيب أهل الدم في ~~ذلك، وهل يكون له العفو على الدية أم لا؟ وقد تكلمنا في: هل له العفو على ~~الدية. وأما من لهم العفو بالجملة فهم الذين لهم القيام بالدم، والذين لهم ~~القيام بالدم هم العصبة عند مالك، وعند غيره: كل من يرث، وذلك أنهم أجمعوا ~~PageV02P328 # على أن المقتول عمدا إذا كان له بنون بالغون فعفا أحدهم أن القصاص قد بطل ~~ووجبت الدية. واختلفوا في اختلاف البنات مع البنين في العفو أو القصاص. ~~وكذلك الزوجة أو الزوج والأخوات، فقال مالك: ليس للبنات ولا الأخوات قول مع ~~البنين والاخوة في القصاص أو ضده، ولا يعتبر قولهن مع الرجال، وكذلك الامر ~~في الزوجة والزوج، وقال * (فهو كفارة ms0929 له) * قيل على القاتل لمن رأى له ~~توبة، وقيل على المقتول من ذنوبه وخطاياه. وأما اختلافهم في عفو المقتول ~~خطأ عن الدية فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة، وجمهور فقهاء الأمصار: إن ~~عفوه من ذلك في ثلثه إلا أن يجيزه الورثة، وقال قوم: يجوز في جميع ماله. ~~وممن قال به طاوس والحسن. وعمدة الجمهور: أنه واهب مالا له بعد موته فلم ~~يجز إلا في الثلث. أصله الوصية. # وعمدة الفرقة الثانية: إذا كان له أن يعفو عن الدم فهو أحرى أن يعفو عن ~~المال، وهذه المسألة هي أخص بكتاب الديات. واختلف العلماء إذا عفا المجروح ~~عن الجراحات، فمات منها هل للأولياء أن يطالبوا بدمه أم لا؟ فقال مالك: لهم ~~ذلك إلا أن يقول عفوت عن الجراحات وعما تؤول إليه. وقال أبو يوسف ومحمد: ~~إذا عفا عن الجراحة ومات فلا حق لهم. والعفو عن الجراحات عفو عن الدم. وقال ~~قوم: بل تلزمهم الدية إذا عفا عن الجراحات مطلقا، وهؤلاء اختلفوا، فمنهم من ~~قال: تلزم الجارح الدية كلها، واختاره المزني من أقوال الشافعي. ومنهم من ~~قال: يلزم من الدية ما بقي منها بعد اسقاط دية الجرح الذي PageV02P329 # عفا عنه. وهو قول الثوري. وأما من يرى أنه لا يعفو عن الدم فليس يتصور ~~معه خلاف في أنه لا يسقط ذلك طلب الولي الدية، لأنه إذا كان عفوه عن الدم ~~لا يسقط حق الولي، فأحرى أن لا يسقط عفوه عن الجرح. واختلفوا في القاتل ~~عمدا يعفى عنه، هل يبقى للسلطان فيه أم لا؟ فقال مالك والليث: إنه يجلد ~~مائة ويسجن سنة. وبه قال أهل المدينة، وروي ذلك عن عمر، وقالت طائفة: ~~الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: لا يجب عليه ذلك. وقال أبو ثور: إلا أن ~~يكون يعرف بالشر فيؤدبه الامام على قدر ما يرى. ولا عمدة الطائفة الأولى ~~إلا أثر ضعيف. وعمدة الطائفة الثانية ظاهر الشرع وأن التحديد في ذلك لا ~~يكون إلا بتوقيف، ولا توقيف ثابت في ذلك. # القول في القصاص والنظر في القصاص هو ms0930 في صفة القصاص، وممن يكون؟ ومتى ~~يكون؟ فأما صفة القصاص في النفس، فإن العلماء اختلفوا في ذلك فمنهم من قال: ~~يقتص من القاتل على الصفة التي قتل، فمن قتل تغريقا قتل تغريقا، ومن قتل ~~بضرب بحجر قتل بمثل ذلك، وبه قال مالك والشافعي، قالوا: إلا أن يطول تعذيبه ~~بذلك فيكون السيف له أروح. واختلف أصحاب مالك فيمن حرق آخر، هل يحرق - مع ~~موافقتهم لمالك في احتذاء صورة القتل؟ وكذلك فيمن قتل بالسهم، وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه: بأي وجه قتله لم يقتل إلا بالسيف، وعمدتهم ما روى الحسن عن ~~النبي (ص) أنه قال: لا قود إلا بحديدة. وعمدة الفريق الأول حديث أنس أن ~~يهوديا رضخ رأس امرأة بحجر، فرضخ النبي (ص) رأسه بحجر، أو قال: بين حجرين ~~وقوله تعالى: * (كتب عليكم القصاص في القتلى) * والقصاص يقتضي المماثلة. ~~وأما ممن يكون القصاص فالظاهر أنه يكون من ولي الدم، وقد قيل إنه لا يمكن ~~منه لمكان العدواة ومخافة أن يجور فيه. أما متى يكون القصاص؟ فبعد ثبوت ~~موجباته، والاعذار إلى القاتل في ذلك إن لم يكن مقرا. # واختلفوا هل من شرط القصاص أن لا يكون الموضع الحرم. وأجمعوا على أن ~~الحامل إذا قتلت عمدا أنه لا يقاد منها حتى تضع حملها. واختلفوا في القاتل ~~بالسم والجمهور على وجوب القصاص، وقال بعض أهل الظاهر: لا يقتص منه من أجل ~~أنه عليه الصلاة والسلام سم هو وأصحابه، فلم يتعرض لمن سمه. # كمل كتاب القصاص في النفس. PageV02P330 # كتاب الجراح والجراح صنفان: منها ما فيه القصاص أو الدية أو العفو. ومنها ~~ما فيه الدية أو العفو. ولنبدأ بما فيه القصاص، والنظر أيضا ههنا في شروط ~~الجارح والجرح الذي به يحق القصاص والمجروح، وفي الحكم الواجب الذي هو ~~القصاص، وفي بدله إن كان له بدل. # القول في الجارح ويشترط في الجارح أن يكون مكلفا كما يشترط ذلك في ~~القاتل، وهو أيكون بالغا عاقلا، والبلوغ يكون بالاحتلام والسن بلا خلاف، ~~وإن كان الخلاف في مقداره، فأقصاه ثماني عشرة سنة، ms0931 وأقله خمس عشرة سنة، وبه ~~قال الشافعي، ولا خلاف أن الواحد إذا قطع عضو انسان واحد اقتص منه إذا كان ~~مما فيه القصاص. واختلفوا إذا قطعت جماعة عضوا واحدا، فقال أهل الظاهر: لا ~~تقطع يدان في يد، وقال مالك والشافعي: تقطع الأيدي باليد الواحدة، كما تقتل ~~عندهم الأنفس بالنفس الواحدة، وفرقت الحنفية بين النفس والأطراف، فقالوا: ~~لا تقطع أعضاء بعضو، وتقتل أنفس بنفس، وعندهم أن الأطراف تتبعض، وإزهاق ~~النفس لا يتبعض. واختلف في الانبات، فقال الشافعي: هو بلوغ بإطلاق. واختلف ~~المذهب فيه في الحدود، هل هو بلوغ فيها أم لا؟ والأصل في هذا كله حديث بني ~~قريظة: أنه (ص) قتل منهم من أنبت وجرت عليه المواسي كما أن في الأصل في ~~السن حديث ابن عمر أنه عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يقبله وقبله ~~يوم الخندق وهو ابن القول في المجروح وأما المجروح فإنه يشترط فيه أن يكون ~~دمه خمس عشرة سنة مكافئا لدم الجارح والذي يؤثر في التكافؤ العبودية ~~والكفر. أما العبد والحر فإنهم اختلفوا في وقوع القصاص بينهما في الجرح ~~كاختلافهم في النفس، فمنهم من رأى أنه لا يقتص من الحر للعبد، ويقتص للحر ~~من PageV02P331 # العبد كالحال في النفس، ومنهم من رأى أنه يقتص لكل واحد منهما من كل ~~واحد، ولم يفرق بين الجرح والنفس، ومنهم من فرق: فقال يقتص من الأعلى ~~للأدنى في النفس والجرح ومنهم من قال: يقتص من النفس دون الجرح، وعن مالك ~~الروايتان. # الصواب كما يقتص من النفس أن يقتص من الجر. فهذه هي حال العبيد مع ~~الأحرار. # وأما حال العبيد بعضهم مع بعض، فإن للعلماء فيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أن ~~القصاص بينهم في النفس وما دونها، وهو قول الشافعي وجماعة، وهو مروي عن عمر ~~بن الخطاب، وهو قول مالك. والقول الثاني: أنه لا قصاص بينهم لا في النفس ~~ولا في الجرح وأنهم كالبهائم، وهو قول الحسن وابن شبرمة وجماعة. والثالث: ~~أن القصاص بينهم في النفس دون ما دونها، وبه قال ms0932 أبو حنيفة والثوري، وروي ~~ذلك عن ابن مسعود. # وعمدة الفريق الأول: قوله تعالى: * (والعبد بالعبد) *. وعمدة الحنفية: ما ~~روي عن عمران بن الحصين: أن عبدا لقوم فقراء قطع أذن عبد لقوم أغنياء، ~~فأتوا رسول الله (ص) فلم يقتص منه فهذا هو حكم النفس. # القول في الجرح وأما الجرح فيشترط فيه أن يكون على وجه العمد أعني الجرح ~~الذي يجب فيه القصاص، والجرح لا يخلو أن يكون يتلف جارحة من جوارح المجروح ~~أو لا يتلف، فإن كان مما يتلف جارحة فالعمد فيه هو أن يقصد ضرب على وجه ~~الغضب بما جرح غالبا. وأما إن جرحه على وجه اللعب، أو اللعب بما يجرح به ~~غالبا أو على وجه الأدب، فيشبه أن يكون فيه الخلاف الذي يقع في القتل الذي ~~يتولد عن الضرب في اللعب والأدب بما لا يقتل غالبا، فإن أبا حنيفة يعتبر ~~الآلة حتى يقول إن القاتل بالمثقل لا يقتل وهو شذوذ منه، أعني بالخلاف هل ~~فيه القصاص أو الدية إن كان الجرح مما فيه الدية. وأما إن كان الجرح قد ~~أتلف جارحة من جوارح المجروح، فمن شرط القصاص فيه العمد أيضا بلا خلاف، وفي ~~تمييز العمد منه من غير العمد خلاف. أما إذا ضربه على العضو نفسه فقطعه ~~وضربه بآلة تقطع العضو غالبا، أو ضربة على وجه النائرة فلا خلاف أن فيه ~~القصاص. وأما إن ضربه بلطمة أو سوط أو ما أشبه ذلك مما الظاهر منه أنه لم ~~يقصد إتلاف العضو مثل أن يلطمه فيفقأ عينه، فالذي عليه الجمهور أنه شبه ~~العمد ولا قصاص فيه، وفيه الدية مغلظة في ماله، وهي رواية العراقيين عن ~~مالك، والمشهور في المذهب أن ذلك عمد وفيه القصاص، إلا في الأدب مع ابنه، ~~وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى أن شبه العمد إنما هو في النفس لا في ~~الجرح. وأما إن جرحه فأتلف عضوا على وجه اللعب ففيه قولان: أحدهما: وجوب ~~القصاص، والثاني: نفيه. وما يجب على هذين القولين ففيه القولان قيل: الدية ~~مغلظة، ms0933 وقيل دية الخطأ، أعني فيما فيه PageV02P332 # دية، وكذلك إذا كان على وجه الأدب ففيه الخلاف. وأما ما يجب في جراح ~~العمد إذا وقعت على الشروط التي ذكرنا فهو القصاص لقوله تعالى: * (والجروح ~~قصاص) * وذلك فيما أمكن القصاص فيه منها، وفيما وجد منه محل القصاص ولم يخش ~~منه تلف النفس، وإنما صاروا لهذا لما روي أن رسول الله (ص) رفع القود في ~~المأمومة والمنقلة والجائفة فرأى مالك ومن قال بقوله أن هذا حكم ما كان في ~~معنى هذه من الجراح التي هي متالف، مثل كسر عظم الرقبة والصلب والصدر ~~والفخذ وما أشبه ذلك. وقد اختلف قول مالك في المنقلة، فمرة قال بالقصاص، ~~ومرة قال بالدية، وكذلك الامر عند مالك فيما لا يمكن فيه التساوي في القصاص ~~مثل الاقتصاص من ذهاب بعض النظر أو بعض السمع، ويمنع القصاص أيضا عند مالك ~~عدم المثل مثل أن يفقأ أعمى عين بصير. واختلف من هذا في الأعور يفقأ عين ~~الصحيح عمدا، فقال الجمهور: إن أحب الصحيح أن يستقيد منه فله القود، ~~واختلفوا إذا عفا عن القود، فقال قوم: إن أحب فله الدية كاملة ألف دينار، ~~وهو مذهب مالك، وقيل ليس له إلا نصف الدية، وبه قال الشافعي، وهو أيضا ~~منقول عن مالك، وبقول الشافعي قال ابن القاسم، وبالقول الآخر قال المغيرة ~~من أصحابه وابن دينار. وقال الكوفيون: ليس للصحيح الذي فقئت عينه إلا القود ~~أو ما اصطلحا عليه، وقد لا يستقيد من الأعور وعليه الدية كاملة، روي هذا عن ~~ابن المسيب وعن عثمان وعمدة صاحب هذا القول أن عين الأعور بمنزلة عينين، ~~فمن فقأها في واحدة فكأنه اقتص من اثنين في واحدة، وإلى نحو هذا ذهب من رأى ~~أنه إذا ترك القود أن له دية كاملة، ويلزم حامل هذا القول أن لا يستقيد ~~ضرورة، ومن قال بالقود وجعل الدية نصف الدية فهو أحرز لأصله، فتأمله فإنه ~~بين نفسه، والله أعلم. وأما هل المجروح مخير بين القصاص وأخذ الدية، أم ليس ~~له إلا القصاص فقط إلا ms0934 أن يصطلحا على أخذ الدية ففيه القولان عن مالك مثل ~~القولين في القتل، وكذلك أحد قولي مالك في الأعور يفقأ عين الصحيح: أن ~~الصحيح يخير بين أن يفقأ عين الأعور أو يأخذ الدية ألف دينار أو خمسمائة ~~على الاختلاف في ذلك. # وأما متى يستقاد من الجرح؟ فعند مالك أنه لا يستقاد من جرح إلا بعد ~~اندماله، وعند الشافعي على الفور، فالشافعي تمسك بالظاهر. ومالك رأى أن ~~يعتبر ما يؤول إليه أمر الجرح مخافة أن يقضي إلى إتلاف النفس. اختلف ~~العلماء في المقتص من الجرح يموت المقتص منه من ذلك الجرح، فقال مالك ~~والشافعي وأبو يوسف ومحمد: لا شئ على المقتص، وروي عن علي وعمر مثل ذلك، ~~وبه قال أحمد وأبو ثور وداود، وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى ~~وجماعة: إذا مات وجب على عاقلة المقتص الدية، وقال PageV02P333 # بعضهم: هي في ماله. وقال عثمان البتي: يسقط عنه من الدية قدر الجراحة ~~التي اقتص منها، وهو قول ابن مسعود. فعمدة الفريق الأول: إجماعهم على أن ~~السارق إذا مات من قطع يده أنه لا شئ على الذي قطع يده. وعمدة أبي حنيفة: ~~أنه قتل خطأ وجبت فيه الدية، ولا يقاد عند مالك في الحر الشديد ولا البرد ~~الشديد ويؤخر ذلك مخافة أن يموت المقاد منه، وقد قيل: إن المكان شرط في ~~جواز القصاص وهو غير الحرم. فهذا هو حكم العمد في الجنايات على النفس وفي ~~الجنايات على أعضاء البدن، وينبغي أن نصير إلى حكم الخطأ في ذلك. ونبتدئ ~~بحكم الخطأ في النفس. PageV02P334 # كتاب الديات في النفوس والأصل في هذا الباب قوله تعالى: * (ومن قتل مؤمنا ~~خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا) * والديات تختلف ~~في الشريعة بحسب اختلاف الدماء، وبحسب اختلاف الذين تلزمهم الدية، وأيضا ~~تختلف بحسب العمد إذا رضي بها الفريقان، وأما من له القود على ما تقدم من ~~الاختلاف. والنظر في الدية هو في موجبها، أعني في أي قتل تجب، ثم في نوعها ~~وفي قدرها، وفي ms0935 الوقت الذي تجب فيه، وعلى من تجب. فأما في أي قتل تجب، ~~فإنهم اتفقوا على أنها تجب في قتل الخطأ وفي العمد الذي يكون من غير مكلف ~~مثل المجنون والصبي، وفي العمد الذي تكون حرمة المقتول فيه ناقصة عن حرمة ~~القاتل، مثل الحر والعبد. ومن قتل الخطأ ما اتفقوا على أنه خطأ، ومنه ما ~~اختلفوا فيه، وقد تقدم صدر من ذلك، وسيأتي بعد ذلك اختلافهم في تضمين ~~الراكب والسائق والقائد. # وأما قدرها ونوعها، فإنهم اتفقوا على أن دية الحر المسلم على أهل الإبل ~~مائة من الإبل، وهي في مذهب مالك ثلاث ديات: دية الخطأ، ودية العمد إذا ~~قبلت، ودية شبه العمد. وهي عند مالك في الأشهر عنه مثل فعل المدلجي بابنه. ~~وأما الشافعي فالدية عنده اثنان فقط: مخففة ومغلظة. فالمخففة دية الخطأ، ~~والمغلظة دية العمد ودية شبه العمد. وأما أبو حنيفة فالديات عنده اثنان ~~أيضا: دية الخطأ ودية شبه العمد، وليس عنده دية في العمد وإنما الواجب عنده ~~في العمد ما اصطلحا عليه وهو حال عليه غير مؤجل، وهو معنى قول مالك ~~المشهور، لأنه إذا لم تلزمه الدية عنده إلا باصطلاح فلا معنى لتسميتها دية، ~~إلا ما روي عنه أنها تكون مؤجلة كدية الخطأ فهنا يخرج حكمها عن حكم المال ~~المصطلح عليه، ودية العمد عنده أرباع: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون ~~بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وهو قول ابن شهاب وربيعة، ~~والدية المغلظة عنده أثلاثا: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة وهي ~~الحوامل، ولا تكون المغلظة عنده في المشهور إلا في مثل فعل المدلجي بابنه، ~~وعند الشافعي أنها تكون في شبه العمد أثلاثا PageV02P335 # أيضا، وروي ذلك أيضا عن عمر وزيد بن ثابت، وقال أبو ثور: الدية في العمد ~~إذا عفا ولي الدم أخماسا كدية الخطأ. واختلفوا في أسنان الإبل في دية ~~الخطأ، فقال مالك والشافعي: # هي أخماس: عشرون ابنة مخاض، وعشرون ابنة لبون، وعشرون ابن لبون ذكرا، ~~وعشرون حقة، وعشر وجذعة، وهو مروي عن ابن شهاب ms0936 وربيعة، وبه قال أبو حنيفة ~~وأصحابه، أعني التخميس، إلا أنهم جعلوا مكان ابن لبون ذكر: ابن مخاض ذكرا، ~~وروي عن ابن مسعود الوجهان جميعا، وروي عن سيدنا علي أنه جعلها أرباعا، ~~أسقط منها الخمس والعشرين بني لبون. وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز، ولا حديث ~~في ذلك مسند، فدل على الإباحة - والله أعلم - كما قال أبو عمر بن عبد البر. ~~وخرج البخاري والترمذي عن ابن مسعود عن النبي (ص) أنه قال: في دية الخطأ ~~عشرون ابن مخاض ذكور وعشرون بنات لبون وعشرون جذعة وعشرون حقة واعتل لهذا ~~الحديث أبو عمر بأنه روي عن حنيف بن مالك عن ابن مسعود وهو مجهول قال: وأحب ~~إلي في ذلك الرواية عن علي، لأنه لم يختلف في ذلك عليه كما اختلف على ابن ~~مسعود. وخرج أبو داود عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله (ص) قضى ~~أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، ~~وثلاثون حقة، وعشرة بني لبون ذكر قال أبو سليمان الخطابي: هذا الحديث لا ~~أعرف أحدا من الفقهاء المشهورين قال به وإنما قال أكثر العلماء إن دية ~~الخطأ أخماس، وإن كانوا اختلفوا في الأصناف، وقد روي أن دية الخطأ مربعة عن ~~بعض العلماء وهم الشعبي والنخعي والحسن البصري، وهؤلاء جعلوها: # خمسا وعشرين جذعة، وخمسا وعشرين حقة، وخمسا وعشرين بنات لبون، وخمسا ~~وعشرين بنات مخاض، كما روي عن علي وخرجه أبو داود. وإنما صار الجمهور إلى ~~تخميس دية الخطأ: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت ~~لبون، وعشرون بني مخاض ذكر، وإن كان لم يتفقوا على بني المخاض، لأنها لم ~~تذكر في أسنان فيها، وقياس من أخذ بحديث التخميس في الخطأ وحديث التربيع في ~~شبه العمد إن ثبت هذا. النوع الثالث أن يقول في دية العمد بالتثليث كما قد ~~روي ذلك عن الشافعي، ومن لم يقل بالتثليث شبه العمد بما دونه. # فهذا هو مشهور أقاويلهم في الدية التي تكون من ms0937 الإبل على أهل الإبل. وأما ~~أهل الذهب والورق فإنهم اختلفوا أيضا فيما يجب من ذلك عليهم، فقال مالك: ~~على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم، وقال أهل ~~العراق: على أهل الورق عشرة آلاف درهم، وقال الشافعي بمصر: لا يؤخذ من أهل ~~الذهب ولا من أهل الورق إلا قيمة الإبل بالغة ما بلغت، وقوله بالعراق مثل ~~قول مالك. وعمدة مالك: تقويم عمر بن الخطاب المائة من الإبل على أهل الذهب ~~بألف دينار، وعلى أهل الورق باثني PageV02P336 # عشر ألف درهم. وعمدة الحنفية: ما رووا أيضا عن عمر أنه قوم الدينار بعشرة ~~دراهم، وإجماعهم على تقويم المثقال بها في الزكاة. وأما الشافعي فيقول: إن ~~الأصل في الدية إنما هو مائة بعير، وعمر إنما جعل فيها ألف دينار على أهل ~~الذهب، واثني عشر ألف درهم على أهل الورق، لان ذلك كان قيمة الإبل من الذهب ~~والورق في زمانه، والحجة له ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه ~~قال: كانت الديات على عهد رسول الله (ص) ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم، ~~ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك حتى استخلف عمر، ~~فقام خطيبا فقال: إن الإبل غلت، ففرضها عمر على أهل الورق اثني عشر ألف ~~درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل ~~الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وترك دية أهل الذمة لم يرفع ~~فيها شيئا. واحتج بعض الناس لمالك لأنه لو كان تقويم عمر بدلا لكان ذلك ~~دينا بدين، لإجماعهم أن الدية في الخطأ مؤجلة لثلاث سنين، ومالك وأبو حنيفة ~~وجماعة متفقون على أن الدية لا تؤخذ إلا من الإبل أو الذهب أو الورق. وقال ~~أبو يوسف ومحمد بن الحسن والفقهاء السبعة المدنيون: يوضع على أهل الشاة ~~ألفا شاة، وعلى أهل البقر مائتا بقرة، وعلى أهل البرود مائتا حلة وعمدتهم ~~حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المتقدم، وما أسنده أبو بكر ms0938 بن أبي شيبة ~~عن عطاء أن رسول الله (ص) وضع الدية على الناس في أموالهم ما كانت على أهل ~~الإبل مائة بعير، وعلى أهل الشاة ألف شاة، وعلى أهل البقر مائتا بقرة، وعلى ~~أهل البرود مائة حلة وما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الأجناد أن ~~الدية كانت على عهد رسول الله (ص) مائة بعير. قال: فإن كان الذي أصابه من ~~الاعراب فديته من الإبل لا يكلف الاعرابي الذهب ولا الورق، فإن لم يجد ~~الاعرابي مائة من الإبل فعدلها من الشاة ألف شاة. ولان أهل العراق أيضا ~~رووا عن عمر مثل حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نصا. وعمدة الفريق ~~الأول: أنه لو جاز أن تقوم بالشاة والبقر لجاز أن تقوم بالطعام على أهل ~~الطعام، وبالخيل على أهل الخيل، وهذا لا يقول به أحد. والنظر في الدية كما ~~قلت هو في نوعها، وفي مقدارها، وعلى من تجب، وفيما تجب، ومتى تجب؟ أما ~~نوعها ومقدارها فقد تكلمنا فيه في الذكور الأحرار المسلمين. وأما على من ~~تجب؟ فلا خلاف بينهم أن دية الخطأ تجب على العاقلة وأنه حكم مخصوص من عموم ~~قوله تعالى: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * ومن قوله عليه الصلاة والسلام ~~لأبي رمثة وولده: لا يجني عليك ولا تجني عليه. وأما دية العمد فجمهورهم على ~~أنها ليست على العاقلة لما روي عن ابن عباس - ولا مخالف له من PageV02P337 # الصحابة - أنه قال: لا تحمل العاقلة عمدا ولا اعترافا ولا صلحا في عمد. ~~وجمهورهم على أنها لا تحمل من أصاب نفسه خطأ، وشذ الأوزاعي فقال: من ذهب ~~يضرب العدو فقتل نفسه فعلى عاقلته الدية، وكذلك عندهم في قطع الأعضاء. وروي ~~عن عمر أن رجلا فقأ عين نفسه خطأ، فقضى له عمر بديتها على عاقلته. واختلفوا ~~في دية شبه العمد، وفي الدية المغلظة على قولين: واختلفوا في دية ما جناه ~~المجنون والصبي على من تجب؟ # فقال مالك وأبو حنيفة وجماعة: إنه كله يحمل على العاقلة، وقال الشافعي ~~عمد ms0939 الصبي في ماله. وسبب اختلافهم: تردد فعل الصبي بين العامد والمخطئ، فمن ~~غلب عليه شبه العمد أوجب الدية في ماله، ومن غلب عليه شبه الخطأ أوجبها على ~~العاقلة، وكذلك اختلفوا إذا اشترك في القتل عامد وصبي، والذين أوجبوا على ~~العامد القصاص وعلى الصبي الدية اختلفوا على من تكون؟ فقال الشافعي: على ~~أصله في مال الصبي، وقال مالك: على العاقلة، وأما أبو حنيفة فيرى أن لا ~~قصاص بينهما. وأما متى تجب؟ فإنهم اتفقوا على أن دية الخطأ مؤجلة في ثلاث ~~سنين، وأما دية العمد فحالة إلا أن يصطلحا على التأجيل. وأما من هم ~~العاقلة؟ فإن جمهور العلماء من أهل الحجاز اتفقوا على أن العاقلة هي ~~القرابة من قبل الأب، وهم العصبة دون أهل الديوان، وتحمل الموالي العقل عند ~~جمهورهم إذا عجزت عنه العصبة، إلا داود فإنه لم ير الموالي عصبة، وليس فيما ~~يجب على واحد واحد منهم حد عند مالك، وقال الشافعي: على الغني دينار وعلى ~~الفقير نصف دينار، وهي عند الشافعي مرتبة على القرابة بحسب قربهم، فالأقرب ~~من بني أبيه، ثم من بني جده، ثم من بني بني أبيه، وقال أبو حنيفة وأصحاب: ~~العاقلة هم أهل ديوانه إن كان من أهل ديوان. وعمدة أهل الحجاز: أنه تعاقل ~~الناس في زمان رسول الله (ص) وفي زمان أبي بكر ولم يكن هناك ديوان، وإنما ~~كان الديوان في زمن عمر بن الخطاب. # واعتمد الكوفيون حديث جبير بن مطعم عن النبي (ص) أنه قال: لا حلف في ~~الاسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الاسلام إلا قوة. وبالجملة ~~فتمسكوا في ذلك بنحو تمسكهم في وجوب الولاء للحلفاء. واختلفوا في جناية من ~~لا عصبة له ولا موالي وهم السائبة إذا جنوا خطأ هل يكون عليه عقل أم لا؟ ~~وإن كان فعلى من يكون؟ فقال من لم يجعل لهم موالي: ليس على السائبة عقل، ~~وكذلك من لم يجعل العقل على الموالي، وهو داود وأصحابه. وقال: من جعل ولاءه ~~لمن أعتقه عليه عقله، وقال: من جعل ms0940 ولاءه للمسلمين عقله في بيت المال، ومن ~~قال إن للسائبة أن يوالي من شاء جعل عقله لمن ولاه، وكل هذه الأقاويل قد ~~حكيت عن السلف. والديات تختلف بحسب اختلاف المودي فيه، والمؤثر في نقصان ~~الدية هي الأنوثة والكفر والعبودية. وأما دية المرأة فإنهم اتفقوا على أنها ~~على النصف من دية الرجل في النفس فقط. واختلفوا فيما دون النفس من ~~PageV02P338 # الشجاج والأعضاء على ما سيأتي القول فيه في ديات الجروح والأعضاء. أما ~~دية أهل الذمة إذا قتلوا خطأ، فإن للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن ~~ديتهم على النصف من دية المسلم: ذكرانهم على النصف من ذكران المسلمين، ~~ونساؤهم على النصف من نسائهم، وبه قال مالك وعمر بن عبد العزيز، وعلى هذا ~~تكون دية جراحهم على النصف من دية المسلمين. والقول الثاني: أن ديتهم ثلث ~~دية المسلم، وبه قال الشافعي، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، ~~وقال به جماعة من التابعين. والقول الثالث: أن ديتهم مثل دية المسلمين، وبه ~~قال أبو حنيفة والثوري وجماعة. وهو مروي عن ابن مسعود، وقد روي عن عمر ~~وعثمان، وقال به جماعة من التابعين. فعمدة الفريق الأول ما روي عن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده عن النبي (ص) أنه قال: دية الكافر على النصف من دية ~~المسلم وعمدة الحنفية عموم قوله تعالى: * (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة) *. ومن السنة ما رواه معمر ~~عن الزهري قال: دية اليهودي والنصراني وكل ذمي مثل دية المسلم. قال: وكانت ~~على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي حتى كان معاوية، فجعل في ~~بيت المال نصفها، وأعطى أهل المقتول نصفها، ثم قضى عمر بن عبد العزيز بنصف ~~الدية وألغى الذي جعله معاوية في بيت المال. قال الزهري: فلم يقض لي أن ~~أذكر بذلك عمر بن عبد العزيز فأخبره أن الدية كانت تامة لأهل الذمة. وأما ~~إذا قتل العبد خطأ أو عمدا على من لا يرى ms0941 القصاص فيه، فقال قوم: عليه قيمته ~~بالغة ما بلغت وإن زادت على دية الحر، وبه قال مالك والشافعي وأبو يوسف، ~~وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وقال أبو حنيفة ومحمد: لا ~~يتجاوز بقيمة العبد الدية، وقالت طائفة من فقهاء الكوفة: فيه الدية، ولكن ~~لا يبلغ به دية الحر ينقص منها شيئا. وعمدة الحنفية: أن الرق حال نقص، فوجب ~~أن لا تزيد قيمته على دية الحر. وعمدة من أوجب فيه الدية ولكن ناقصة عن دية ~~الحر أنه مكلف ناقص، فوجب أن يكون الحكم ناقصا عن الحر لكن واحدا بالنوع ~~أصله الحد في الزنا والقذف والخمر والطلاق، ولو قيل فيه: إنها تكون على ~~النصف من دية الحر لكان قولا له وجه: أعني في دية الخطأ، لكن لم يقل به ~~أحد. وعمدة مالك: أنه مال قد أتلف فوجب فيه القيمة، أصله سائر الأموال. ~~واختلف في الواجب في العبد على من يجب؟ # فقال أبو حنيفة: هو على عاقلة القاتل، وهو الأشهر عن الشافعي، وقال مالك: ~~هو على القاتل نفسه. وعمدة مالك: تشبيه العبد بالعروض،. وعمدة الشافعي: ~~قياسه على الحر. # ومما يدخل في هذا الباب من أنواع الخطأ دية الجنين، وذلك لان سقوط الجنين ~~PageV02P339 # عن الضرب ليس هو عمدا محضا، وإنما هو عمد في أمه خطأ فيه. والنظر في هذا ~~الباب هو أيضا في الواجب في ضروب الأجنة وفي صفة الجنين الذي يجب فيه ~~الواجب، وعلى من تجب، ولمن يجب، وفي شروط الوجود. فأما الأجنة فإنهم اتفقوا ~~على أن الواجب في جنين الحرة وجنين الأمة من سيدها هو غرة لما ثبت ت عنه ~~(ص) من حديث أبي هريرة وغيره أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت ~~جنينها، فقضى فيه رسول الله (ص) بغرة: عبد أو وليدة واتفقوا على أن قيمة ~~الغرة الواجبة في ذلك عند من رأى أن الغرة في ذلك محدودة بالقيمة وهو مذهب ~~الجمهور هي نصف عشر دية أمه، إلا أن من رأى أن الدية الكاملة على أهل ~~الدراهم ms0942 هي عشرة آلاف درهم قال: دية الجنين خمسمائة درهم. ومن رأى أنها ~~اثنا عشر ألف درهم قال: ستمائة درهم، والذين لم يحدوا في ذلك حدا أو لم ~~يحدوها من جهة القيمة وأجازوا اخراج قيمتها عنها قالوا: الواجب في ذلك قيمة ~~الغرة بالغر ما بلغت، وقال داود وأهل الظاهر: كل ما وقع عليه اسم غرة أجزأ، ~~ولا يجزئ عنده القيمة في ذلك فيما أحسب. واختلفوا في الواجب في جنين الأمة ~~وفي جنين الكتابية. فذهب مالك والشافعي إلى أن جنين الأمة عشر قيمة أمه ~~ذكرا كان أو أنثى يوم يجنى عليه، وفرق قوم بين الذكر والأنثى. فقال قوم: إن ~~كان أنثى فيه عشر قيمة أمه، وإن كان ذكرا فعشر قيمته لو كان حيا. وبه قال ~~أبو حنيفة، ولا خلاف عندهم أن جنين الأمة إذا سقط حيا أن فيه قيمته، وقال ~~أبو يوسف: في جنين الأمة إذا سقط ميتا منها ما نقص من قيمة أمه. أما جنين ~~الذمية، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: فيه عشر دية أمه، لكن أبو حنيفة ~~على أصله في أن دية الذمي ثلث دية المسلم، والشافعي على أصله في أن دية ~~الذمي ثلث دية المسلم، ومالك على أصله في أن دية الذمي نصف دية المسلم. ~~وأما صفة الجنين الذي تجب فيه فإنهم اتفقوا على أن من شروطه أن يخرج الجنين ~~ميتا ولا تموت أمه من الضرب. واختلفوا إذا ماتت أمه من الضرب ثم سقط الجنين ~~ميتا، فقال الشافعي ومالك: لا شئ فيه، وقال أشهب: فيه الغرة، وبه قال الليث ~~وربيعة والزهري واختلفوا من هذا الباب في فروع، وهي العلامة التي تدل على ~~سقوطه حيا أو ميتا. فذهب مالك وأصحابه إلى أن علامة الحياة الاستهلال ~~بالصياح أو البكاء، وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأكثر الفقهاء: كل ما ~~علمت به الحياة في العادة من حركة أو عطاس أو تنفس فأحكامه أحكام الحي. وهو ~~الأظهر. واختلفوا من هذا الباب في الخلقة التي توجب الغرة، فقال مالك: كل ~~ما طرحته من مضغة أو ms0943 علقة مما يعلم أنه ولد ففيه الغرة، وقال الشافعي: لا ~~شئ فيه حتى تستبين الخلقة. والأجود أن يعتبر نفخ الروح فيه، أعني أن يكون ~~تجب فيه الغرة إذا علم أن الحياة قد كانت وجدت فيه. وأما على من تجب؟ فإنهم ~~اختلفوا في ذلك، فقالت طائفة منهم مالك والحسن بن حي والحسن البصري: هي في ~~PageV02P340 # مال الجاني، وقال آخرون: هي على العاقلة، وممن قال بذلك الشافعي وأبو ~~حنيفة والثوري وجماعة. وعمدتهم أنها جناية خطأ فوجبت على العاقلة. وما روي ~~أيضا عن جابر بن عبد الله: أن النبي (ص) جعل في الجنين غرة على عاقلة ~~الضارب وبدأ بزوجها وولدها. وأما مالك فشبهها بدية العمد إذا كان الضرب ~~عمدا. وأما لمن تجب؟ فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: هي لورثة الجنين، ~~وحكمها حكم الدية في أنها موروثة، وقال ربيعة والليث: هي للأم خاصة، وذلك ~~أنهم شبهوا جنينها بعضو من أعضائها، ومن الواجب الذي اختلفوا فيه في الجنين ~~مع وجوب الغرة وجوب الكفارة، فذهب الشافعي إلى أن فيه الكفارة واجبة، وذهب ~~أبو حنيفة إلى أنه ليس فيه كفارة، واستحسنها مالك ولم يوجبها فأما الشافعي ~~فإنه أوجبها لان الكفارة عنده واجبة في العمد والخطأ، وأما أبو حنيفة فإن ~~غلب عليه حكم العمد، والكفارة لا تجب عنده في العمد. وأما مالك فلما كانت ~~الكفارة لا تجب عنده في العمد وتجب في الخطأ، وكان هذا مترددا عنده بين ~~العمد والخطأ استحسن فيه الكفارة ولم يوجبها. ومن أنواع الخطأ المختلف فيه، ~~اختلافهم في تضمين الراكب والسائق والقائد، فقال الجمهور: هم ضامنون لما ~~أصابت الدابة، واحتجوا في ذلك بقضاء عمر على الذي أجرى فرسه فوطئ آخر ~~بالعقل. وقال أهو الظاهر: # لا ضمان على أحد في جرح العجماء، واعتمدوا الأثر الثابت فيه عنه (ص من ~~حديث أبي هريرة أنه قال عليه الصلاة والسلام: جرح العجماء جبار، والبئر ~~جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس فحمل الجمهور الحديث على أنه إذا لم ~~يكن للدابة راكب ولا سائق ولا قائد، لأنهم رأوا أنه إذا ms0944 أصابت الدابة أحدا ~~وعليها راكب أو لها قائد أو سائق، فإن الراكب لها أو السائق أو القائد هو ~~المصيب ولكن خطأ. واختلف الجمهور فيما أصابت الدابة برجلها، فقال مالك: لا ~~شئ فيه إن لم يفعل صاحب الدابة بالدابة شيئا يبعثها به على أن ترمح برجلها، ~~وقال الشافعي: يضمن الراكب ما أصابت بيدها أو برجلها، وبه قال ابن شبرمة ~~وابن أبي ليلى، وسويا بين الضمان برجلها أو بغير رجلها، وبه قال أبو حنيفة، ~~إلا أنه استثنى الرمحة بالرجل أو بالذنب، وربما احتج من لم يضمن رجل الدابة ~~بما روي عنه (ص) الرجل جبار ولم يصح هذا الحديث عند الشافعي، ورده. وأقاويل ~~العلماء فيمن حفر بئرا فوقع فيه انسان متقاربة، وقال مالك: إن حفر في موضع ~~جرت العادة الحفر في مثله لم يضمن وإن تعدى في الحفر ضمن، وقال الليث: إن ~~حفر في أرض يملكها لم يضمن وإن حفر فيما لا يملك ضمن، فمن ضمن عنده فهو من ~~نوع الخطأ. وكذلك اختلفوا في الدابة الموقوفة، فقال بعضهم: إن أوقفها بحيث ~~يجب له أن يوقفها لم يضمن، وإن لم يفعل ضمن، وبه قال الشافعي، وقال أبو ~~حنيفة: يضمن على كل حال، وليس يبرئه أن يربطها بموضع يجوز له أن يربطها ~~فيه، كما لا يبرئه ركوبها من ضمان ما أصابته وإن PageV02P341 # كان الركوب مباحا. واختلفوا في الفارسين يصطدمان فيموت كل واحد منهما، ~~فقال مالك وأبو حنيفة وجماعة: على كل واحد منهما دية الآخر وذلك على ~~العاقلة، وقال الشافعي وعثمان البتي: على كل واحد منهما نصف دية صاحبه، لان ~~كل واحد منهما مات من فعل نفسه وفعل صاحبه. وأجمعوا على أن الطبيب إذا أخطأ ~~لزمته الدية. مثل أن يقطع الحشفة في الختان، وما أشبه ذاك، لأنه في معنى ~~الجاني خطأ، وعن مالك رواية: أنه ليس عليه شئ، وذلك عنده إذا كان من أهل ~~الطب، ولا خلاف أنه إذا لم يكن من أهل الطب أنه يضمن لأنه متعد، وقد ورد في ~~ذلك مع الاجماع حديث عمرو ms0945 بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله (ص) قال: من ~~تطبب ولم يعلم منه قبل ذلك الطب فهو ضامن والدية فيما أخطأه الطبيب عند ~~الجمهور على العاقلة، ومن أهل العلم من جعله في مال الطبيب، ولا خلاف أنه ~~إذا لم يكن من أهل الطب أنها في ماله على ظاهر حديث عمرو بن شعيب. ولا خلاف ~~بينهم أن الكفارة التي نص الله عليها في قتل الحر خطأ واجبة. # واختلفوا في قتل العمد هل فيه كفارة؟ وفي قتل العبد خطأ، فأوجبها مالك في ~~قتل الحر فقط في الخطأ دون العمد، وأوجبها الشافعي في العمد من طريق الأولى ~~والأحرى، وعند مالك أن العمد في هذا حكمه حكم الخطأ. واختلفوا في تغليظ ~~الدية في الشهر الحرام وفي البلد الحرام، فقال مالك وأبو حنيفة وابن أبي ~~ليلى: لا تغلظ الدية فيهما، وقال الشافعي: تغلظ فيهما في النفس وفي الجراح، ~~وروي عن القاسم بن محمد وابن شهاب وغيرهم أنه يزاد فيها مثل ثلثها، وروي ~~ذلك عن عمر، وكذلك عند الشافعي من قتل ذا رحم محرم. وعمدة مالك وأبي حنيفة: ~~عموم الظاهر في توقيت الديات، فمن ادعى في ذلك تخصيصا فعليه الدليل مع أنهم ~~قد أجمعوا على أنه لا تغلظ الكفارة فيمن قتل فيهما. وعمدة الشافعي: أن ذلك ~~مروي عن عمر وعثمان وابن عباس، وإذا روي عن الصحابة شئ مخالف للقياس وجب ~~حمله على التوقيف، ووجه مخالفته للقياس أن التغليظ فيما وقع خطأ بعيد عن ~~أصول الشرع، وللفريق الثاني أن يقول إنه قد ينقدح في ذلك قياس لما ثبت في ~~الشرع من تعظيم الحرم واختصاصه بضمان الصيود فيه. PageV02P342 # كتاب الديات فيما دون النفس والأشياء التي تجب فيها الدية فيما دون النفس ~~هي شجاج وأعضاء، فلنبدأ بالقول في الشجاج، والنظر في هذا الباب في محل ~~الوجوب وشرطه وفي قدره الواجب، وعلى من تجب؟ ومتى تجب؟ ولمن تجب؟ فأما محل ~~الوجوب فهي الشجاج أو قطع الأعضاء، والشجاج عشرة في اللغة والفقه: أولها ~~الدامية وهي التي تدمي الجلد، ms0946 ثم الجارحة وهي التي تشق الجلد، ثم الباضعة ~~وهي التي تبضع الحم: أي تشقه، ثم المتلاحمة وهي التي أخذت في اللحم، ثم ~~السمحاق وهي التي تبلغ السمحاق وهو الغشاء الرقيق بين اللحم والعظم ويقال ~~لها: الملطاء بالمد والقصر، ثم الموضحة وهي التي توضح العظم: أي تكشفه، ثم ~~الهاشمة وهي التي تهشم العظم، ثم المنقلة وهي التي يطير العظم منها، ثم ~~المأمومة وهي التي تصل أم الدماغ، ثم الجائفة وهي التي تصل إلى الجوف، ~~وأسماء هذه الشجاج مختصة بما وقع بالوجه منها والرأس دون سائر البدن، واسم ~~الجرح يختص بما وقع في البدن، فهذه أسماء هذه الشجاج. فأما أحكامها أعني ~~الواجب فيها، فاتفق العلماء على أن العقل واقع في عمد الموضحة وما دون ~~الموضحة خطأ. واتفقوا على أنه ليس فيما دون الموضحة خطأ عقل، وإنما فيها ~~حكومة، قال بعضهم: أجرة الطبيب، إلا ما روي عن عمر وعثمان أنهما قضيا في ~~السمحاق بنصف دية الموضحة، وروي عن علي أنه قضى فيها بأربع من الإبل، وروي ~~عن زيد بن ثابت أنه قال: في الدامية بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي ~~المتلاحمة ثلاثة أبعرة، وفي السمحاق أربعة، والجمهور من فقهاء الأمصار على ~~ما ذكرنا، وذلك أن الأصل في الجراح الحكومة إلا ما وقتت فيه السنة حدا، ~~ومالك يعتبر في إلزام الحكومة فيما دون الموضحة أن تبرأ على شين، والغير من ~~فقهاء الأمصار يلزم فيها الحكومة برئت على شين أو لم تبرأ، فهذه هي أحكام ~~ما دون الموضحة. وأما الموضحة فجميع الفقهاء على أن فيها إذا كانت خطأ خمسا ~~من الإبل، وثبت ذلك عن رسول الله (ص) في كتابه لعمرو بن حزم، ومن حديث عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي (ص) قال في الموضحة خمس يعني من الإبل. ~~واختلف العلماء في موضع الموضحة من الجسد بعد اتفاقهم على ما قلنا، أعني ~~على وجوب القصاص في العمد ووجوب الدية في الخطأ منها، فقال مالك: لا تكون ~~الموضحة إلا في جهة الرأس والجبهة والخدين واللحى ms0947 الأعلى، ولا تكون في ~~اللحى PageV02P343 # الأسفل لأنه في حكم العنق ولا في الانف، وإما الشافعي وأبو حنيفة ~~فالموضحة عندهما في جميع الوجه والرأس، والجمهور على أنها لا تكون في الجسد ~~وقال الليث وطائفة: تكون الموضحة في الجنب، وقال الأوزاعي: إذا كانت في ~~الجسد كانت على النصف من ديتها في الوجه والرأس. وروي عن عمر أنه قال: في ~~موضحة الجسد نصف عشر دية ذلك العضو. وغلظ بعض العلماء في موضحة الوجه تبرأ ~~على شين، فرأى فيها مثل نصف عقلها زائدا على عقلها، وروي ذلك مالك عن ~~سليمان بن يسار، واضطرب قول مالك في ذلك، فمرة قال بقول سليمان بيسار، ومرة ~~قال: لا يزاد فيها على عقلها شئ، وبه قال الجمهور، وقد قيل عن مالك إنه ~~قال: إذا شانت الوجه كان فيها حكومة من غير توقيف، ومعنى الحكومة عند مالك ~~ما نقص من قيمته أن لو كان عبدا. وأما الهاشمة ففيها عند الجمهور عشر ~~الدية، وروي ذلك عن زيد بن ثابت، ولا مخالف له من الصحابة، وقال بعض ~~العلماء: الهاشمة هي المنقلة وشذ. وأما المنقلة فلا خلاف أن فيها عشر الدية ~~ونصف العشر إذا كانت خطأ، فأما إذا كانت عمدا، فجمهور العلماء على أن ليس ~~فيها قود لمكان الخوف. وحكي عن ابن الزبير أنه أقاد منها ومن المأمومة. ~~وأما الهاشمة في العمد، فروى ابن القاسم عن مالك أنه ليس فيها قود. ومن ~~أجاز القود من المنقلة كان أحرى أن يجيز ذلك من الهاشمة. وأما الجائفة فلا ~~خلاف أنه لا يقاد منها وأن فيها ثلث الدية إلا ما حكي عن ابن الزبير. وأما ~~الجائفة فاتفقوا على أنها من جراح الجسد لا من جراح الرأس وأنها لا يقاد ~~منها وأن فيها ثلث الدية وأنها جائفة متى وقعت في الظهر والبطن. واختلفوا ~~إذا وقعت في غير ذلك من الأعضاء فنفذت إلى تجويفه، فحكى مالك عن سعيد بن ~~المسيب أن في كل جراحة نافذة إلى تجويف عضو من الأعضاء - أي عضو كان - ثلث ~~دية ذلك العضو. ms0948 وحكى ابن شهاب أنه كان لا يرى ذلك، وهو الذي اختاره مالك ~~لان القياس عنده في هذا لا يسوغ، وإنما سنده في ذلك الاجتهاد من غير توقيف. ~~وأما سعيد فإنه قاس ذلك على الجائفة على نحو ما روي عن عمر في موضحة الجسد. ~~وأما الجراحات التي تقع في سائر الجسد، فليس في الخطأ منها إلا الحكومة. # القول في ديات الأعضاء والأصل فيما فيه من الأعضاء إذا قطع خطأ مال ~~محدود، وهو الذي يسمى دية، وكذلك من الجراحات والنفوس حديث عمرو بن حزم عن ~~أبيه أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله (ص) لعمرو بن حزم في العقول أن في ~~النفس مائة من الإبل، وفي الانف إذا استوعب جذعا مائة من الإبل، وفي ~~المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة مثلها وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون ~~وفي الرجل خمسون، وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي السن والموضحة ~~خمس وكل هذا مجمع عليه إلا السن والابهام، فإنهم PageV02P344 # اختلفوا فيها على ما سنذكره. ومنها ما اتفقوا عليه مما لم يذكر ههنا ~~قياسا علما ذكر فنقول: إن العلماء أجمعوا على أن في الشفتين الدية كاملة، ~~والجمهور على أن في كل واحدة منهما نصف الدية، وروي عن قوم من التابعين أن ~~السفلى ثلثي الدية لأنها تحبس الطعام والشراب، وبالجملة فإن حركتها ~~والمنفعة بها أعظم من حركة الشفة العليا، وهو مذهب زيد بن ثابت. وبالجملة ~~فجماعة العلماء وأئمة الفتوى متفقون على أن في كل زوج من الانسان الدية ما ~~خلا الحاجبين وثديي الرجل. واختلفوا في الاذنين متى تكون فيهما الدية؟ فقال ~~الشافعي وأبو حنيفة والثوري والليث: إذا اصطلمتا كان فيهما الدية، ولم ~~يشترطوا إذهاب السمع، بل جعلوا في ذهاب السمع الدية مفردة. وأما مالك ~~فالمشهور عنده أنه لا تجب في الاذنين الدية إلا إذا ذهب سمعهما، فإن لم ~~يذهب ففيه حكومة، وروي عن أبي بكر أنه قضى في الاذنين بخمس عشرة من الإبل ~~وقال: إنهما لا يضران السمع ويسترهما الشعر أو العمامة. وروي عن ms0949 عمر وعلي ~~وزيد أنهم قضوا في الاذن إذا اصطلمت نصف الدية. وأما الجمهور من العلماء ~~فلا خلاف عندهم أن في الذهاب السمع الدية. وأما الحاجبان ففيهما عند مالك ~~والشافعي حكومة، وقال أبو حنيفة: فيهما الدية، وكذلك في أشفار العين، وليس ~~عند مالك في ذلك إلا حكومة. وعمدة الحنفية: ما روي عن ابن مسعود أنه قال: ~~في كل اثنين من الانسان الدية وتشبيههما بما أجمعوا عليه من الأعضاء ~~المثناة. وعمدة مالك: أنه لا مجال فيه للقياس وإنما طريقه التوقيف، فما لم ~~يثبت من قبل السماع دية فالأصل أن فيه حكومة، وأيضا فإن الحواجب ليست أعضاء ~~لهما منفعة ولا فعل بين - أعني ضروريا في الخلقة. وأما الأجفان فقيل في كل ~~جفن منها ربع الدية، وبه قال الشافعي والكوفي، لأنه لا بقاء للعين دون ~~الأجفان، وفي الجفنين الأسفلين عند غيرهما الثلث وفي الأعليين الثلثان. ~~وأجمعوا على أن من أصيب من أطرافه أكثر من ديته أن له ذلك، مثل أن تصاب ~~عيناه وأنفه فله ديتان. وأما الأنثيان فأجمعوا أيضا على أن فيهما الدية، ~~وقال جميعهم: إن في كل واحدة منهما نصف الدية، إلا ما روي عن سعيد بن ~~المسيب أنه قال: في البيضة اليسرى ثلثا الدية لان الولد يكون منها وفي ~~اليمنى ثلث الدية، فهذه مسائل الأعضاء المزدوجة. وأما المفردة فإن جمهورهم ~~على أن في اللسان خطأ الدية، وذلك مروي عن النبي (ص)، وذلك إذا قطع كله أو ~~قطع منه ما يمنع الكلام، فإن لم يقطع منه ما منع الكلام ففيه حكومة. ~~واختلفوا في القصاص فيه عمدا، فمنهم من لم ير فيه قصاصا وأوجب الدية، وهم ~~مالك والشافعي والكوفي، لكن الشافعي يرى الدية في مال الجاني، والكوفي ~~ومالك على العاقلة، وقال الليث وغيره: في اللسان عمدا القصاص وأما الانف ~~فأجمعوا على أنه إذا أوعب جذعا على أن فيه الدية على ما في الحديث وسواء ~~عند مالك PageV02P345 # ذهب الشم أو لم يذهب، وعنده أنه إذا ذهب أحدهما ففيه الدية، وفي ذهاب ~~أحدهما بعد الآخر الدية ms0950 الكاملة. وأجمعوا على أن في الذكر الصحيح الذي يكون ~~به الوطئ الدية كاملة. واختلفوا في ذكر العنين والخصي، كما اختلفوا في لسان ~~الأخرس وفي اليد الشلاء، فمنهم من جعل فيها الدية، ومنهم من جعل فيها ~~حكومة، ومنهم من قال: في ذكر الخصي والعنين ثلث الدية، والذي عليه الجمهور ~~أن فيه حكومة. وأقل ما تجب فيه الدية عند مالك قطع الحشفة، ثم في باقي ~~الذكر حكومة، وأما عين الأعور فللعلماء فيه قولان: أحدهما أن فيه الدية ~~كاملة وإليه ذهب مالك وجماعة من أهل المدينة، وبه قال الليث، وقضى به عمر ~~بن عبد العزيز، وهو قول ابن عمر، وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري: فيها ~~نصف الدية كما في عين الصحيح، وهو مروي عن جماعة من التابعين. # وعمدة الفريق الأول: أن العين الواحدة للأعور بمنزلة العينين جميعا لغير ~~الأعور، وعمدة الفريق الثاني: حديث عمرو بن حزم: أعني عموم قوله: وفي العين ~~نصف الدية وقياسا أيضا على إجماعهم أنه ليس على من قطع يد من له يد واحدة ~~إلا نصف الدية. # فسبب اختلافهم في هذا: معارضة العموم للقياس، ومعارضة القياس للقياس. ومن ~~أحسن ما قيل فيمن ضرب عين رجل فأذهب بعض بصرها ما روي من ذلك عن علي رضي ~~الله عنه أنه أمر بالذي أصيب بصره بأن عصبت عينه الصحيحة، وأعطى رجلا بيضة ~~فانطلق بها وهو ينظر إليها حتى لم يبصرها، فخط عند أول ذلك خطا في الأرض ثم ~~أمر بعينه المصابة فعصبت وفتحت الصحيحة، وأعطى رجلا البيضة بعينها فانطلق ~~بها وهو ينظر إليها حتى خفيت عنه، فخط أيضا عند أول ما خفيت عنه في الأرض ~~خطا، ثم علم ما بين الخطين من المسافة، وعلم مقدار ذلك من منتهى رؤية العين ~~الصحيحة، فأعطاه قدر ذلك من الدية. # ويختبر صدقه في مسافة إدراك العين العليلة والصحيحة بأن يختبر ذلك منه ~~مرارا شتى في مواضع مختلفة، فإن خرجت مسافة تلك المواضع التي ذكر واحدة ~~علمنا أنه صادق. # واختلف العلماء في الجناية على العين القائمة الشكل التي ms0951 ذهب بصرها. فقال ~~مالك والشافعي وأبو حنيفة: فيها حكومة، وقال زيد بن ثابت: فيها عشر الدية ~~مائة دينار، وحمل ذلك الشافعي على أنه كان ذلك من زيد تقويما لا تفويتا. ~~وروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس أنهما قضيا في العين القائمة ~~الشكل واليد الشلاء والسن السوداء في كل واحدة منها ثلث الدية. وقال مالك: ~~تتم دية السن باسودادها ثم في قلعها بعد اسودادها دية. واختلف العلماء في ~~الأعور يفقأ عين الصحيح عمدا، فقال الجمهور إن لم يعف فله القود، وإن عفا ~~فله الدية، قال قوم: كاملة، وقال قوم: نصفها، وبه قال الشافعي وابن القاسم، ~~وبكلا القولين قال مالك: وبالدية كاملة قال المغيرة من أصحابه وابن دينار. ~~وقال الكوفيون: ليس للصحيح الذي فقئت عينه إلا القود أو ما اصطلحوا عليه. ~~وعمدة من رأى PageV02P346 # جميع الدية عليه إذا عفا عن القود أنه يجب عليه دية ما ترك له وهي العين ~~العوراء، وهي دية كاملة عند كثير من أهل العلم. ومذهب عمر وعثمان وابن عمر ~~أن عين الأعور إذا فقئت وجب فيها ألف دينار، لأنها في حقه في معنى العينين ~~كلتيهما إلا العين الواحدة، فإذ تركها له وجبت عليه ديتها. وعمدة أولئك: ~~البقاء على الأصل، أعني أن في العين الواحدة نصف الدية. وعمدة أبي حنيفة: ~~أن العمد ليس فيه دية محدودة، وهذه المسألة قد ذكرت في باب القود في ~~الجراح. وقال جمهور العلماء وأئمة الفتوى: مالك وأبو حنيفة والشافعي ~~والثوري وغيرهم: إن في كل أصبع عشرا من الإبل وإن الأصابع في ذلك سواء وإن ~~في كل أنملة ثلث العشر إلا ما له من الأصابع أنملتان كالابهام، ففي أنملته ~~خمس من الإبل. وعمدتهم في ذلك ما جاء في حديث عمرو بن حزم أن رسول الله (ص) ~~قال: # وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل وخرج عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: # أن رسول الله (ص) قضى في الأصابع بعشر العشر وهو قول علي وابن مسعود وابن ~~عباس وهي عندهم ms0952 على أهل الورق بحسب ما يرى واحد واحد منهم في الدية من ~~الورق. فهي عند من يرى أنها اثنا عشر ألف درهم عشرها، وعند من يرى أنها ~~عشرة آلاف عشرها. وروي عن السلف المتقدم اختلاف في عقل الأصابع، فروي عن ~~عمر بن الخطاب أنه قضى في الابهام والتي تليها بعقل نصف الدية، وفي الوسط ~~بعشر فرائض، وفي التي تليها بتسع، وفي الخنصر بست. وروي عن مجاهد أنه قال ~~في الابهام خمسة من الإبل، وفي التي تليها عشر، وفي الوسطى عشر، وفي التي ~~تليها ثمان، وفي الخنصر سبع وأما الترقوة والضلع، ففيها عند جمهور فقهاء ~~الأمصار حكومة، وروي عن بعض السلف فيها توقيت. وروي عن مالك أن عمر بن ~~الخطاب قضى في الضرس بجمل، والضلع بجمل، وفي الترقوة بجمل. وقال سعيد بن ~~جبير في الترقوة بعيران. وقال قتادة: # أربعة أبعرة. وعمدة فقهاء الأمصار: أن ما لم يثبت فيه عن النبي (ص) توقيت ~~فليس فيه إلا حكومة. وجمهور فقهاء الأمصار: على أن في كل سن من أسنان الفم ~~خمسا من الإبل، وبه قال ابن عباس. وروي مالك عن عمر أنه قضى في الضرس بجمل ~~وذلك فيما لم يكن منها في مقدم الفم. وأما التي في مقدم الفم فلا خلاف أن ~~فيها خمسا من الإبل. وقال سعيد بن المسيب: في الأضراس بعيران. وروي عن عبد ~~الملك بن مروان أن مروان بن الحكم اعترض في ذلك على ابن عباس فقال: أتجعل ~~مقدم الأسنان مثل الأضراس؟ # فقال ابن عباس: لو لم يعتبر ذلك إلا بالأصابع عقلها سواء، عمدة الجمهور ~~في مثل ذلك: ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: في السن خمس ~~وذلك من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده واسم السن ينطلق على التي في مقدم ~~الفم ومؤخره، وتشبيهها أيضا بالأصابع التي استوت ديتها وإن اختلفت منافعها. ~~وعمدة من خالف بينهما PageV02P347 # أن الشرع يوجد فيه تفاضل الديات لتفاضل الأعضاء مع أنه يثبته أن يكون من ~~صار إلى ذلك من الصدر ms0953 الأول إنما صار إليه عن توقيف، وجميع هذه الأعضاء ~~التي تثبت الدية فيها خطأ فيها القود في قطع ما قطع وقلع ما قلع. واختلفوا ~~في كسر ما كسر، منها الساق والذراع هل فيه قود أم لا؟ فذهب مالك وأصحابه ~~إلى أن القود في كسر جميع العظام إلا الفخذ والصلب، وقال الشافعي، والليث: ~~لا قصاص في عظم من العظام بكسر، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه استثنى السن. ~~وروي عن ابن عباس أنه لا قصاص في عظم، وكذلك عن عمر. قال أبو عمر بن عبد ~~البر: ثبت أن النبي (ص) أقاد في السن المكسورة من حديث أنس قال: وقد روي من ~~حديث آخر أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقد من العظم المقطوع في غير ~~المفصل إلا أنه ليس بالقوي. وروي عن مالك أن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن ~~حزم أقاد من كسر الفخذ. واتفقوا على أن دية المرأة نصف دية الرجل في النفس. ~~واختلفوا في ديات الشجاج وأعضائها، فقال جمهور فقهاء المدينة: تساوي المرأة ~~الرجل في عقلها من الشجاج والأعضاء إلى أن تبلغ ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث ~~الدية عادت ديتها إلى النصف من دية الرجل، أعني دية أعضائها من أعضائه، ~~مثال ذلك أن في كل أصبع من أصابعها عشرا من الإبل، وفي اثنان منها عشرون، ~~وفي ثلاثة ثلاثون، وفي أربعة عشرون، وبه قال مالك وأصحابه والليث بن سعد، ~~ورواه مالك عن سعيد بن المسيب وعن عروة بن الزبير، وهو قول زيد بن ثابت ~~ومذهب عمر بن عبد العزيز. وقالت طائفة: بل دية جراحة المرأة مثل دية جراحة ~~الرجل إلى الموضحة، ثم تكون ديتها على النصف من دية الرجل، وهو الأشهر من ~~قولي ابن مسعود. وهو مروي عن عثمان، وبه قال شريح وجماعة، وقال قوم: بل دية ~~المرأة في جراحها وأطرافها على النصف من دية الرجل في قليل ذلك وكثيره، وهو ~~قول علي رضي الله عنه، وروي ذلك عن ابن مسعود، إلا أن الأشهر عنه ما ذكرناه ~~أولا. ms0954 وبهذا القول قال أبو حنيفة والشافعي والثوري. وعمدة قائل هذا القول: ~~أن الأصل هو أن دية المرأة نصف دية الرجل فواجب التمسك بهذا الأصل حتى يأتي ~~دليل من السماع الثابت، إذ القياس في الديات لا يجوز وبخاصة لكون القول ~~بالفرق بين القليل والكثير مخالفا للقياس ولذلك قال ربيعة لسعيد ما يأتي ~~ذكره عنه، ولا اعتماد للطائفة الأولى إلا مراسيل، وما روي عن سعيد بن ~~المسيب حين سأله ربيعة بن أبي عبد الرحمن كم في أربع من أصابعها؟ قال ~~عشرون، قلت حين عظم جرحها واشتدت بليتها نقص عقلها، قال: أعراقي أنت؟ قلت: ~~بل عالم متثبت أو جاهل متعلم، قال: هي السنة. وروي أيضا عن النبي عليه ~~الصلاة والسلام من مرسل عمرو بن شعيب عن أبيه وعكرمة. وقد رأى قوم أن قول ~~الصحابي إذا خالف القياس وجب العمل به، لأنه يعلم أنه لم يترك القول به إلا ~~عن توقيف، لكن في هذا ضعف إذ كان يمكن أن يترك القول به إما PageV02P348 # لأنه لا يرى القياس، وإما لأنه عارضه في ذلك قياس ثان أو قلد في ذلك ~~غيره، فهذه حال ديات جراح الأحرار والجنابات على أعضائها الذكور منها ~~والإناث. وأما جراح العبيد وقطع أعضائهم، فإن العلماء اختلفوا فيها على ~~قولين: فمنهم من رأى أن في جراحهم وقطع أعضائهم ما نقص من ثمن العبد، ومنهم ~~من رأى أن الواجب في ذلك من قيمته قدر ما في ذلك الجرح من ديته، فيكون في ~~موضحته نصف عشر قيمته، وفي عينه مصف قيمته، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، ~~وهو قول عمر وعلي، وقال مالك: يعتبر في ذلك كله ما نقص من ثمنه إلا موضحته ~~ومنقلته ومأمومته، ففيها من ثمنه قدره ما فيها في الحر من ديته. وعمدة ~~الفريق الأول: تشبيهه بالعروض. وعمدة الفريق الثاني: تشبيهه بالحر إذ هو ~~مسلم ومكلف. ولا خلاف بينهم أن دية الخطأ من هذه إذا جاوزت الثلث على ~~العاقلة. # واختلف فيما دون ذلك، فقال مالك وفقهاء المدينة السبعة وجماعة: إن ~~العاقلة لا تحمل ms0955 من ذلك إلا الثلث فما زاد، وقال أبو حنيفة تحمل من ذلك ~~العشر فما فوقه من الدية الكاملة، قال الثوري وابن شبرمة: الموضحة فما زاد ~~على العاقلة، وقال الشافعي وعثمان البتي: تحمل العاقلة القليل والكثير من ~~دية الخطأ. وعمدة الشافعي: هي أن الأصل هو أن العاقلة هي التي تحمل دية ~~الخطأ فمن خصص من ذلك شيئا فعليه الدليل، ولا عمدة للفريق المتقدم إلا أن ~~ذلك معمول بل ومشهور. وهنا انقضى هذا الكتاب والحمد لله حق حمده. ~~PageV02P349 # كتاب القسامة اختلف العلماء في القسامة في أربعة مواضع تجري مجرى الأصول ~~لفروع هذا الباب: المسألة الأولى: هل يجب الحكم بالقسامة أم لا؟ الثانية: ~~إذا قلنا بوجوبها هل يجب بها الدم أو الدية أو دفع مجرد الدعوى؟ المسألة ~~الثالثة: هل يبدأ بالايمان فيها المدعون أو المدعى عليهم. وكم عدد الحالفين ~~من الأولياء؟ المسألة الرابعة: فيما يعد لوثا يجب به أن يبدأ المدعون ~~بالايمان. # المسألة الأولى: أما وجوب الحكم بها على الجملة فقال به جمهور فقهاء ~~الأمصار: # مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وسفيان، وداود وأصحابهم وغير ذلك من ~~فقهاء الأمصار. # وقالت طائفة من العلماء سالم بن عبد الله وأبو قلابة وعمر بن عبد العزيز ~~وابن علية: # لا يجوز الحكم بها. وعمدة الجمهور: ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من ~~حديث حويصة ومحيصة وهو حديث متفق على صحته من أهل الحديث، إلا أنهم مختلفون ~~في ألفاظه على ما سيأتي بعد. وعمدة الفريق النافي لوجوب الحكم بها أن ~~القسامة مخالفة لأصول الشرع المجمع على صحتها: فمنها أن الأصل في الشرع أن ~~لا يحلف إلا على ما علم قطعا أو شاهد حسا، وإذا كان ذلك كذلك، فكيف يقسم ~~أولياء الدم وهم لم يشاهدوا القتل؟ بل قد يكونون في بلد والقتل في بلد آخر، ~~ولذلك روى البخاري عن أبي قلابة أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوما ~~للناس ثم أذن لهم فدخلوا عليه فقال: ما تقولون في القسامة؟ # فأضب القوم وقالوا: نقول إن القسامة القود بها حق قد ms0956 أقاد بها الخلفاء ~~فقال: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونصبني للناس... فقلت: يا أمير المؤمنين عندك ~~أشراف العرب ورؤساء الأجناد، أرأيت لو أن خمسين رجلا شهدوا عندك على رجل ~~أنه زنى بدمشق ولم يروه أكنت ترجمه؟ قال: لا. قلت: أفرأيت لو أن خمسين رجلا ~~شهدوا عندك على رجل أنه سرق بحمص ولم يروه أكنت تقطعه؟ قال: لا. وفي بعض ~~الروايات: قلت: فما بالهم إذا شهدوا أنه قتله بأرض كذا وهم عندك أقدت ~~بشهادتهم؟ قال: فكتب عمر بن عبد العزيز في القسامة: إنهم إن أقاموا شاهدي ~~عدل أن فلانا قتله فأقده، ولا يقتل بشهادة الخمسين الذين PageV02P350 # أقسموا. قالوا: ومنها أن من الأصول أن الايمان ليس لها تأثير في إشاطة ~~الدماء. ومنها أن من الأصول أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ومن ~~حجتهم أنهم لم يروا في تلك الأحاديث أن رسول الله (ص) حكم بالقسامة وإنما ~~كانت حكما جاهليا فتلطف لهم رسول الله (ص) ليريهم كيف لا يلزم الحكم بها ~~على أصول الاسلام، ولذلك قال لهم: # أتحلفون خمسين يمينا - أعني لولاة الدم وهم الأنصار؟ - قالوا: كيف نحلف ~~ولم نشاهد؟ قال: فيحلف لكم اليهود، قالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ قالوا: ~~فلو كانت السنة أن يحلفوا وإن لم يشهدوا لقال لهم رسول الله (ص) هي السنة. ~~قال: وإذا كانت هذه الآثار غير نص في القضاء بالقسامة. والتأويل يتطرق ~~إليها فصرفها بالتأويل إلى الأصول أولى. وأما القائلون بها وبخاصة مالك ~~فرأى أن سنة القسامة منفردة بنفسها مخصصة للأصول كسائر السنن المخصصة، وزعم ~~أن العلة في ذلك حوطة الدماء، وذلك أن القتل لما كان يكثر وكان يقل قيام ~~الشهادة عليه لكون القاتل إنما يتحرى بالقتل مواضع الخلوات جعلت هذه السنة ~~حفظا للدماء، لكن هذه العلة تدخل عليه في قطاع الطريق والسراق، وذلك أن ~~السارق تعسر الشهادة عليه، وكذلك قاطع الطريق، فلهذا أجاز مالك شهادة ~~المسلوبين على السالبين مع مخالفة ذلك للأصول، وذلك أن المسلوبين مدعون على ~~سلبهم. والله أعلم. # المسألة الثانية: اختلف ms0957 العلماء القائلون بالقسامة فيما يجب بها، فقال ~~مالك وأحمد: # يستحق بها الدم في العمد، والدية في الخطأ، وقال الشافعي والثوري وجماعة: ~~تستحق بها الدية فقط، وقال بعض الكوفيين: لا يستحق بها إلا دفع الدعوى على ~~الأصل في أن اليمين إنما تجب على المدعى عليه، وقال بعضهم: بل يحلف المدعى ~~عليه ويغرم الدية، فعلى هذا إنما يستحق منها دفع القود فقط، فيكون فيما ~~يستحق المقسمون أربعة أقوال. فعمدة مالك ومن قال بقوله ما رواه من حديث ابن ~~أبي ليلى عن سهل بن أبي حثمة وفيه: فقال لهم رسول الله (ص): تحلفون ~~وتستحقون دم صاحبكم وكذلك ما رواه من مرسل بشير بن يسار وفيه: فقال لهم ~~رسول الله (ص): أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم؟. وأما ~~عمدة من أوجب بها الدية فقط، فهو أن الايمان يوجد لها تأثير في استحقاق ~~الأموال أعني في الشرع مثل ما ثبت من الحكم في الأموال باليمين والشاهد، ~~ومثل ما يجب المال بنكول المدعى عليه أو بالنكول وقلبها على المدعي عند من ~~يقول بقلب اليمين مع النكول مع أن حديث مالك عن ابن أبي ليلى ضعيف لأنه رجل ~~مجهول لم يرو عنه غير مالك. وقيل فيه أيضا: إنه لم يسمع من سهل. وحديث بشير ~~بن يسار قد اختلف في إسناده، فأرسله مالك وأسنده غيره. قال القاضي: يشبه أن ~~تكون هذه العلة هي السبب في أن لم يخرج البخاري هذين الحديثين، واعتضد ~~عندهم القياس في ذلك بما روي عن عمر PageV02P351 # رضي الله عنه أنه قال: لا قود بالقسامة، ولكن يستحق بها الدية. وأما ~~الذين قالوا إنما يستحق بها دفع الدعوى فقط، فعمدتهم أن الأصل هو أن ~~الايمان على المدعى عليه، والأحاديث التي نذكرها فيما بعد إن شاء الله. # المسألة الثالثة: واختلف القائلون بالقسامة أعني الذين قالوا: إنها ~~يستوجب بها مال أو دم فيمن يبدأ بالايمان الخمسين على ما ورد في الآثار، ~~فقال الشافعي وأحمد وداود بن علي وغيرهم: يبدأ المدعون، وقال فقهاء الكوفة ~~والبصرة وكثير من ms0958 أهل المدينة: بل يبدأ المدعى عليهم بالايمان. وعمدة من ~~بدأ بالمدعين حديث مالك عن ابن أبي ليلى عن سهل بن حثمة، ومرسله عن بشير بن ~~يسار. وعمدة من رأى التبدئة بالمدعى عليهم ما خرجه البخاري عن سعيد بن عبيد ~~الطائي عن بشير بن يسار أن رجلا من الأنصار يقال له سهل بن حثمة وفيه فقال ~~رسول الله (ص): تأتون بالبينة على من قتله قالوا: ما لنا بينة قال: فيحلفون ~~لكم، قالوا: ما نرضى بأيمان يهود، وكره رسول الله (ص) أن يبطل دمه، فوداه ~~بمائة بعير من إبل الصدقة قال القاضي: وهذا نص في أنه لا يستوجب بالايمان ~~الخمسين إلا دفع الدعوى فقط. واحتجوا أيضا بما خرجه أبو داود أيضا عن أبي ~~عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجال من كبراء الأنصار أن رسول الله (ص) قال ~~ليهود وبدأ بهم: أيحلف منكم خمسون رجلا خمسين يمينا؟ فأبوا، فقال للأنصار: ~~احلفوا، فقالوا: أنحلف على الغيب يا رسول الله؟ فجعلها رسول الله (ص) دية ~~على يهود لأنه وجد بين أظهرهم، وبهذا تمسك من جعل اليمين في حق المدعى عليه ~~وألزمهم الغرم مع ذلك، وهو حديث صحيح الاسناد، لأنه رواه الثقات عن الزهري ~~عن أبي سلمة، وروى الكوفيون ذلك عن عمر، أعني أنه قضى على المدعى عليهم ~~باليمن والدية. وخرج مثله أيضا من تبدئة اليهود بالايمان عن رافع بن خديج، ~~واحتج هؤلاء القوم على مالك بما روي عن ابن شهاب الزهري عن سليمان بن يسار ~~وعراك بن مالك أن عمر بن الخطاب قال للجهني الذي ادعى دم وليه على رجل من ~~بني سعد وكان أجرى فرسه فوطئ على أصبع الجهني فتردى فيها فمات، فقال عمر ~~للذي ادعى عليهم، أتحلفون بالله خمسين يمينا ما مات منها؟ فأبوا أن يحلفوا، ~~وتحرجوا، فقال للمدعين: # أحلفوا، فأبوا فقضى عليهم بشطر الدية. قالوا: وأحاديثنا هذه أولى من التي ~~روي فيها تبدئة المدعين بالايمان، لان الأصل شاهد لأحاديثنا من أن اليمين ~~على المدعى عليه. قال أبو عمر: والأحاديث المتعارضة في ms0959 ذلك مشهورة. # المسألة الرابعة: وهي موجب القسامة عند القائلين بها: أجمع جمهور العلماء ~~القائلون بها أنها لا تجب إلا بشبهة. واختلفوا في الشبهة ما هي؟ فقال ~~الشافعي: إذا كانت الشبهة في معنى الشبهة التي قضى بها رسول الله (ص) ~~بالقسامة وهو أن يوجد قتيل في محله قوم PageV02P352 # لا يخالطهم غيرهم، وبين أولئك القوم، وبين قوم المقتول عداوة كما كانت ~~العداوة بين الأنصار واليهود، وكانت خيبر دار اليهود مختصة بهم، ووجد فيها ~~القتيل من الأنصار، قال: # وكذلك لو وجد في ناحية قتيل وإلى جانبه رجل مختضب بالدم، وكذلك لو دخل ~~على نفر في بيت فوجد بينهم قتيلا وما أشبه هذه مما يغلب على ظن الحكام أن ~~المدعي محق لقيام تلك الشبهة. وقال مالك بنحو من هذا، أعني أن القسامة لا ~~تجب إلا بلوث والشاهد الواحد عنده إذا كان عدلا لوث باتفاق عند أصحابه، ~~واختلفوا إذا لم يكن عدلا. # وكذلك وافق الشافعي في قرينة الحال المخيلة مثل أن يوجد قتيل مشحطا بدمه ~~وبقربه انسان بيده حديدة مدماة، إلا أن مالكا يرى أن وجود القتيل في المحلة ~~ليس لوثا، وإن كانت هنالك عداوة بين القوم الذين منهم القتيل وأهل المحلة، ~~وإذا كان ذلك كذلك لم يبق ههنا شئ يجب أن يكون أصلا لاشتراط اللوث في ~~وجوبها، ولذلك لم يقل بها قوم، وقال أبو حنيفة وصاحباه: إذا وجد قتيل في ~~محله قوم وبه أثر وجبت القسامة على أهل المحلة. ومن أهل العلم ما أوجب ~~القسامة بنفس وجود القتيل في المحلة دون سائر الشرائط التي اشترط الشافعي، ~~ودون وجود الأثر بالقتيل الذي اشترطه أبو حنيفة، وهو مروي عن عمر وعلي وابن ~~مسعود، وقال به الزهري وجماعة من التابعين، وهو مذهب ابن حزم قال: القسامة ~~تجب متى وجد قتيل يعرف من قتله أينما وجد، فادعى ولاة الدم على رجل وحلف ~~منهم خمسون رجلا خمسين يمينا، فإن هم حلفوا على العمد فالقود وإن حلفوا على ~~الخطأ فالدية، وليس يحلف عنده أقل من خمسين رجلا، وعند مالك رجلان ms0960 فصاعدا ~~من أولئك وقال داود: لا أقضي بالقسامة إلا في مثل السبب الذي قضى به رسول ~~الله (ص). وانفرد مالك والليث من بين فقهاء الأمصار القائلين بالقسامة، ~~فجعلا قول المقتول فلان قتلني لوثا يوجب القسامة، وكل قال بما غلب على ظنه ~~أنه شبهة يوجب القسامة، ولمكان الشبهة رأى تبدئة المدعين من رأى ذلك منهم، ~~فإن الشبه عند مالك تنقل اليمين من المدعى عليه إلى المدعي، إذ سبب تعليق ~~الشرع عنده اليمين بالمدعى عليه، إنما هو لقوة شبهته فيما ينفيه عن نفسه، ~~وكأنه شبه ذلك باليمين مع الشاهد في الأموال. وأما القول بأن نفس الدعوى ~~شبهة فضعيف ومفارق للأصول والنص لقوله عليه الصلاة والسلام: لو يعطى الناس ~~بدعاويهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه وهو ~~حديث ثابت من حديث ابن عباس وخرجه مسلم في صحيحه، وما احتجت به المالكية من ~~قصة بقرة بني إسرائيل فضعيف، لان التصديق هنالك أسند إلى الفعل الخارق ~~للعادة. واختلف الذين أوجبوا القود بالقسامة هل يقتل بها أكثر من واحد؟ ~~فقال مالك: لا تكون القسامة إلا على واحد، وبه قال أحمد بن حنبل، وقال ~~أشهب: يقسم على الجماعة ويقتل منها واحد يعينه الأولياء، وهو ضعيف. وقال ~~PageV02P353 # المغيرة المخزومي: كل من أقسم عليه قتل، وقال مالك والليث: إذا شهد اثنان ~~عدلان أن إنسانا ضرب آخر وبقي المضروب أياما بعد الضرب ثم مات أقسم أولياء ~~المضروب أنه مات من ذلك الضرب وقيد به، وهذا كله ضعيف. واختلفوا في القسامة ~~في العبد، فبعض أثبتها، وبه قال أبو حنيفة تشبيها بالحر، وبعض نفاها تشبيها ~~بالبهيمة، وبها قال مالك والدية عندهم فيها في مال القاتل، ولا يحلف فيها ~~أقل من خمسين رجلا خمسين يمينا عند مالك، ولا يحلف عنده أقل من اثنين في ~~الدم ويحلف الواحد في الخطأ، وإن نكل عنده أحد من ولاة الدم بطل القود وصحت ~~الدية في حق من لم ينكل، أعني حظه منها. وقال الزهر: إن نكل منهم أحد بطلت ~~الدية في حق الجميع، ms0961 وفروع هذا الباب كثيرة. قال القاضي: والقول في القسامة ~~هو داخل فيما تثبت به الدماء، وهو في الحقيقة جزء من كتاب الأقضية، ولكن ~~ذكرناه هنا على عادتهم، وذلك أنه إذا ورد قضاء خاص بجنس من أجناس الأمور ~~الشرعية رأوا أن الأولى أن يذكر في ذلك الجنس. وأما القضاء الذي يعم أكثر ~~من جنس واحد من أجناس الأشياء التي يقع فيها القضاء فيذكر في كتاب الأقضية، ~~وقد تجدهم يفعلون الامرين جميعا كما فعل مالك في الموطأ، فإنه ساق فيه ~~الأقضية من كل كتاب. PageV02P354 # كتاب في أحكام الزنا والنظر في أصول هذا الكتاب في حد الزنا، وفي أصناف ~~الزناة، وفي العقوبات لكل صنف منهم، وفيما تثبت به هذه الفاحشة. # الباب الأول: في حد الزنا فأما الزنا فهو كل وطئ، وقع على غير نكاح صحيح ~~ولا شبهة نكاح ولا ملك يمين، وهذا متفق عليه بالجملة من علماء الاسلام، وإن ~~كانوا اختلفوا فيما هو شبهة تدرأ الحدود مما ليس بشبهة دارئة، وفي ذلك ~~مسائل نذكر منها أشهرها، فمنها الأمة يقع عليها الرجل وله فيها شرك، فقال ~~مالك: يدرأ عنه الحد وإن ولدت ألحق الولد به وقومت عليه، وبه قال أبو حنيفة ~~وقال بعضهم: يغزر، وقال أبو ثور: عليه الحد كاملا إذا علم الحرمة، وحجة ~~الجماعة قوله عليه الصلاة والسلام: ادرأوا الحدود بالشبهات والذين درأوا ~~الحدود اختلفوا هل يلزمه من صداق المثل بقدر نصيبه أم لا يلزم. وسبب ~~الخلاف: # هل ذلك الذي يغلب منها حكمه على الجزء الذي لا يملك أم حكم الذي لا يملك ~~يغلب على حكم الذي يملك؟ فإن حكم ما ملك الحلية، وحكم ما لم يملك الحرمية. ~~ومنها اختلافهم في الرجل المجاهد يطأ جارية من المغنم فقال قوم: عليه الحد، ~~ودرأ قوم عنه الحد وهو أشبه والسبب في هذه وفي التي قبلها واحد، والله ~~أعلم. ومنها أن يحل رجل لرجل وطئ خادمه، فقال مالك: يدرأ عنه الحد، وقال ~~غيره: يعزر، وقال بعض الناس: بل هي هبة مقبوضة والرقبة تابعة للفرج. ومنها ~~الرجل ms0962 يقع على جارية ابنه أو ابنته، فقال الجمهور: لا حد عليه لقوله عليه ~~الصلاة والسلام لرجل خاطبه: أنت ومالك لأبيك ولقوله عليه الصلاة والسلام: ~~لا يقاد الوالد بالولد ولاجماعهم على أنه لا يقطع فيما سرق من مال ولده، ~~ولذلك قالوا: تقوم عليه حملت أم لم تحمل لأنها قد حرمت على ابنه فكأنه ~~استهلكها. ومن الحجة لهم أيضا إجماعهم أن الأب لو قتل ابن ابنه لم يكن ~~للابن أن يقتص من أبيه، وكذلك كل من كان الابن له وليا. ومنها الرجل يطأ ~~جارية زوجته. اختلف العلماء فيه على أربعة أقوال، فقال مالك والجمهور: عليه ~~الحد كاملا، PageV02P355 # وقالت طائفة: ليس عليه الحد وتقوم عليه فيغرمها لزوجته إن كانت طاوعته، ~~وإن كانت استكرهها قومت عليه وهي حرة، وبه قال أحمد وإسحاق، وهو قول ابن ~~مسعود. والأول قول عمر، ورواه مالك في الموطأ عنه. وقال قوم: عليه مائة ~~جلدة فقط سواء أكان محصنا أو ثيبا، وقال قوم: عليه التعزير. فعمدة من أوجب ~~عليه الحد أنه وطئ دون ملك تام ولا شركة ملك ولا نكاح فوجب الحد. وعمدة من ~~درأ الحد ما ثبت أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قضى في رجل وطئ جارية ~~امرأته أنه كان استكرهها فهي حرة وعليه مثلها لسيدتها وإن كانت طاوعته فهي ~~له، وعليه لسيدتها مثلها وأيضا فإن له شبهة في مالها بدليل قوله عليه ~~الصلاة والسلام: تنكح المرأة.... فذكر مالها ويقوى هذا المعنى على أصل من ~~يرى أن المرأة محجور عليها من زوجها فيما فوق الثلث، أو في الثلث فما فوقه، ~~وهو مذهب مالك. ومنها ما يراه أبو حنيفة من درء الحد عن واطئ المستأجرة، ~~والجمهور على خلاف ذلك وقوله في ذلك ضعيف ومرغوب عنه، وكأنه رأى أن هذه ~~المنفعة أشبهت سائر المنافع التي استأجرها عليها، فدخلت الشبهة وأشبه نكاح ~~المتعة. ومنها درء الحد عمن امتنع اختلف فيه أيضا وبالجملة فالأنكحة ~~الفاسدة داخلة في هذا الباب، وأكثرها عند مالك تدرأ الحد إلا ما انعقد منها ~~على شخص مؤبد التحريم ms0963 بالقرابة مثل الأم وما أشبه ذلك، مما لا يعذر فيه ~~بالجهل. # الباب الثاني: في أصناف الزناة وعقوباتهم والزناة الذين تختلف العقوبة ~~باختلافهم أربعة أصناف: محصنون ثيب وأبكار وأحرار وعبيد وذكور وإناث. ~~والحدود الاسلامية ثلاثة: رجم، وجلد، وتغريب. فأما الثيب الأحرار المحصنون، ~~فإن المسلمين أجمعوا على أن حدهم الرجم إلا فرقة من أهل الأهواء فإنهم رأوا ~~أن حد كل زان الجلد، وإنما صار الجمهور للرجم لثبوت أحاديث الرجم، فخصصوا ~~الكتاب بالسنة أعني قوله تعالى: * (الزنية والزاني) * الآية. واختلفوا في ~~موضعين: # أحدهما: هل يجلدون مع الرجم أم لا؟ والموضع الثاني: في شروط الاحصان. # أما المسألة الأولى: فإن العلماء اختلفوا هل يجلد من وجب عليه الرجم قبل ~~الرجم أم لا؟ فقال الجمهور: لا جلد على من وجب عليه الرجم، وقال الحسن ~~البصري وإسحاق وأحمد وداود: الزاني المحصن يجلد ثم يرجم. وعمدة الجمهور: أن ~~رسول الله (ص) رجم ماعزا، ورجم امرأة من جهينة، ورجم يهوديين وامرأة من ~~عامر من الأزد، كل ذلك مخرج في الصحاح ولم يروا أنه جلد واحدا منهم، ومن ~~جهة المعنى أن الحد الأصغر ينطوي PageV02P356 # في الحد الأكبر، وذلك أن الحد إنما وضع للزجر فلا تأثير وعمدة الشافعي: ~~ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، وهو حديث متفق عليه أن النبي (ص) رجم ~~اليهودية واللذين زنيا إذ رفع إليه أمرهما اليهود، وأنه تعالى يقول: # * (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) *. وعمدة مالك من طريق المعنى أن ~~الاحصان عنده فضيلة ولا فضيلة مع عدم الاسلام، وهذا مبناه على أن الوطئ في ~~نكاح صحيح هو مندوب إليه، فهذا هو حكم الثيب. وأما الابكار فإن المسلمين ~~أجمعوا على أن حد البكر في الزنا جلد مائة لقوله تعالى: * (الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * واختلفوا في التغريب مع الجلد، فقال ~~أبو حنيفة وأصحابه: لا تغريب أصلا. وقال الشافعي: لا بد من التغريب مع ~~الجلد لكل زان ذكرا كان أو أنثى، حرا كان أو عبدا، وقال مالك: يغرب الرجل ~~ولا تغرب المرأة، وبه قال ms0964 الأوزاعي، ولا تغريب عند مالك على العبيد. # فعمدة من أوجب التغريب على الاطلاق حديث عبادة بن الصامت المتقدم وفيه ~~البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام وكذلك ما خرج أهل الصحاح عن أبي هريرة ~~وزيد بن خالد الجهني أنهما قالا: إن رجلا من الاعراب أتى النبي عليه الصلاة ~~والسلام قال: # يا رسول الله.. أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم وهو أفقه ~~منه: نعم اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم، فقال له النبي (ص): قل، ~~إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم ~~فافتديته بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد ~~مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا PageV02P357 # الرجم، فقال رسول الله (ص): والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله... ~~أما الوليدة والغنم فرد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس ~~على امرأة هذا فإنه اعترفت فارجمها فغدا عليها أنيس فاعترفت، فأما النبي ~~عليه الصلاة والسلام بها فرجمت. ومن خصص المرأة من هذا العموم فإنما خصصه ~~بالقياس، لأنه رأى أن المرأة تعرض بالغربة لأكثر من الزنا، وهذا من القياس ~~المرسل، أعني المصلحي الذي كثيرا ما يقول به مالك. وأما عمدة الحنفية: ~~فظاهر الكتاب وهو مبني على رأيهم أن الزيادة على النص النسخ وأنه ليس ينسخ ~~الكتاب بأخبار الآحاد. ورووا عن عمر وغيره أنه حد ولم يغرب، وروى الكوفيون ~~عن أبي بكر وعمر أنهم غربوا. وأما حكم العبيد في هذه الفاحشة، فإن العبيد ~~صنفان: ذكور وإناث، أما الإناث فإن العلماء أجمعوا على أن الأمة إذا تزوجت ~~وزنت أن حدها خمسون جلدة لقوله تعالى: * (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن ~~نصف ما على المحصنات من العذاب) * واختلفوا إذا لم تتزوج، فقال جمهور فقهاء ~~الأمصار: حدها خمسون جلدة، وقالت طائفة: لا حد عليها، وإنما عليها تعزير ~~فقط، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب. وقال قوم: لا حد على الأمة أصلا. والسبب ~~في اختلافهم: الاشتراك الذي في اسم ms0965 الاحصان في قوله تعالى: * (فإذا أحصن) * ~~فمن فهم من الاحصان التزوج وقال بدليل الخطاب قال: لا تجلد الغير متزوجة، ~~ومن فهم من الاحصان الاسلام جعله عاما في المتزوجة وغيرها. واحتج من لم ير ~~على غير المتزوجة حدا بحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أن النبي عليه ~~الصلاة السلام سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال إن زنت فاجلدوها.. ثم ~~إن زنت فاجلدوها.. ثم بيعوها ولو بضفير. وأما الذكر من العبيد، ففقهاء ~~الأمصار على أن حد العبد نصف حد الحر قياسا على الأمة، وقال أهل الظاهر: بل ~~حده مائة جلدة مصيرا إلى عموم قوله تعالى: # * (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * ولم يخصص حرا من عبد، ومن الناس ~~من درأ الحد عنه قياسا على الأمة وهو شاذ، وروي عن ابن عباس. فهذا هو القول ~~في أصناف الحدود وأصناف المحدودين والشرائط الموجبة للحد في واحد واحد ~~منهم، ويتعلق بهذا القول في كيفية الحدود، وفي وقتها. فأما كيفيتها فمن ~~مشهور المسائل في هذا الجنس اختلافهم في الحفر للمرجوم، فقالت طائفة: يحفر ~~له، وروي ذلك عن علي في شراحة الهمدانية حين أمر برجمها، وبه قال أبو ثور، ~~وفيه فلما كان يوم الجمعة أخرجها فحفر لها حفرة فأدخلت فيها وأحدق الناس ~~بها يرمونها، فقال: ليس هكذا الرجم إني أخاف أن يصيب بعضكم بعضا، ولكن صفوا ~~كما تصفون في الصلاة، ثم قال: الرجم PageV02P358 # رجمان: رجم سر ورجم علانية، فما كان منه فإقرار فأول من يرجم الامام ثم ~~الناس، وما كان ببينة فأول من يرجم البينة ثم الامام ثم الناس. وقال مالك ~~وأبو حنيفة: لا يحفر للمرجوم، وخير في ذلك الشافعي، وقيل عنه: يحفر للمرأة ~~فقط. وعمدتهم ما خرج البخاري ومسلم من حديث جابر، قال جابر: فرجمناه ~~بالمصلى فلما آذته الحجارة فر، فأدركنا بالحرة فرضخناه. وقد روى مسلم أنه ~~حفر له في اليوم الرابع حفرة. وبالجملة فالأحاديث في ذلك مختلفة. قال أحمد ~~الأحاديث على أن لا حفر، وقال مالك: # يضرب في الحدود الظهر وما يقاربه، ms0966 وقال أبو حنيفة والشافعي: يضرب سائر ~~الأعضاء ويتقي الفرج والوجه، وزاد أبو حنيفة الرأس، ويجرد الرجل عند مالك ~~في ضرب الحدود كلها، وعند الشافعي وأبي حنيفة ما عدا القذف على ما سيأتي ~~بعد، ويضرب عند الجمهور قاعدا ولا يقام قائما خلافا لمن قال: إنه يقام ~~لظاهر الآية، ويستحب عند الجميع أن يحضر الامام عند إقامة الحدود طائفة من ~~الناس لقوله تعالى: * (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) *. واختلفوا فيما ~~يدل عليه اسم الطائفة، فقال مالك: أربعة، وقيل: ثلاثة، وقيل اثنان، وقيل: ~~سبعة، وقيل: ما فوقها. وأما الوقت، فإن الجمهور على أنه لا يقام في الحر ~~الشديد ولا في البرد الشديد، ولا يقام على المريض، وقال قوم: يقام، وبه قال ~~أحمد وإسحاق، واحتجا بحديث عمر أنه أقام الحد على قدامة وهو مريض. وسبب ~~الخلاف: # معارضة الظواهر للمفهوم من الحد، وهو أن يقام حيث لا يغلب على ظن المقيم ~~له فوات نفس المحدود، فمن نظر إلى الامر بإقامة الحدود مطلقا من غير ~~استثناء قال: يحد المريض، ومن نظر إلى المفهوم من الحد قال: لا يحد حتى ~~يبرأ وكذلك الامر في شدة الحر والبرد. # الباب الثالث: وهو معرفة ما تثبت به هذه الفاحشة وأجمع العلماء على أن ~~الزنا يثبت بالاقرار وبالشهادة. واختلفوا في ثبوته بظهور الحمل في النساء ~~الغير المزوجات إذا ادعين الاستكراه. وكذلك اختلفوا في شروط الاقرار وشروط ~~الشهادة. فأما الاقرار فإنهم اختلفوا فيه في موضعين: أحدهما: عدد مرات ~~الاقرار الذي يلزم به الحد. والموضع الثاني: هل من شرطه أن لا يرجع عن ~~الاقرار حتى يقام عليه الحد؟ أما عدد الاقرار الذي يجب به الحد، فإن مالكا ~~والشافعي يقولان: يكفي في وجوب الحد عليه اعترافه به مرة واحدة، وبه قال ~~داود وأبو ثور والطبري وجماعة، وقال أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى، لا ~~يجب الحد إلا بأقارير أربعة مرة بعد مرة، وبه قال أحمد وإسحاق وزاد أبو ~~حنيفة وأصحابه: في مجالس متفرقة. وعمدة مالك والشافعي: ما جاء في حديث أبي ~~هريرة PageV02P359 # وزيد بن ms0967 خالد من قوله عليه الصلاة والسلام: اغد يا أنيس على امرأة هذا، ~~فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها ولم يذكر عددا. وعمدة الكوفيين: ما ورد ~~من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه رد ~~ماعزا حتى أقر أربع مرات ثم أمر برجمه وفي غيره من الأحاديث قالوا: وما ورد ~~في بعض الروايات أنه أقر مرة ومرتين وثلاثا تقصير، ومن قصر فليس بحجة على ~~من حفظ. # وأما المسألة الثانية: وهي من اعترف بالزنا ثم رجع، فقال جمهور العلماء: ~~يقبل رجوعه، إلا ابن أبي ليلى وعثمان البتي، وفصل مالك فقال: إن رجع إلى ~~شبهة قبل رجوعه. وأما إن رجع إلى غير شبهة فعنه في ذلك روايتان: أحداهما: ~~يقبل وهي الرواية المشهورة. والثانية: لا يقبل رجوعه، وإنما صار الجمهور ~~إلى تأثير الرجوع في الاقرار لما ثبت من تقريره (ص) ماعزا وغيره مرة بعد ~~مرة لعله يرجع. ولذلك لا يجب على من أوجب سقوط الحد بالرجوع أن يكون ~~التمادي على الاقرار شرطا من شروط الحد. وقد روي من طريق أن ماعزا لما رجم ~~ومسته الحجارة هرب فاتبعوه، فقال لهم: ردوني إلى رسول الله عليه الصلاة ~~والسلام، فقتلوه رجما وذكروا ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام فقال: هلا ~~تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه ومن هنا تعلق الشافعي بأن التوبة تسقط ~~الحدود، والجمهور على خلافه، وعلى هذا يكون عدم التوبة شرطا ثالثا في وجوب ~~الحد. وأما ثبوت الزنا بالشهود فإن العلماء اتفقوا على أنه يثبت الزنا ~~بالشهود وأن العدد المشترط في الشهود أربعة بخلاف سائر الحقوق لقوله تعالى: ~~* (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) * وأن من صفتهم أن يكونوا عدولا، وأن من شرط ~~هذه الشهادة أن تكون بمعاينة فرجه في فرجها، وأنها تكون بالتصريح لا ~~بالكناية، وجمهورهم على أن من شرط هذه الشهادة أن لا تختلف لا في زمان ولا ~~في مكان، إلا ما حكي عن أبي حنيفة من مسألة الزوايا المشهورة، وهو أن يشهد ~~كل واحد من الأربعة أنه رآها في ms0968 ركن من البيت يطؤها غير الركن الذي رآه فيه ~~الآخر. وسبب الخلاف: هل تلفق الشهادة المخالفة بالمكان أم لا تلفق كالشهادة ~~المختلفة بالزمان؟ فإنهم أجمعوا على أنها لا تلفق، والمكان أشبه بالزمان. ~~والظاهر من الشرع قصده إلى التوثق في ثبوت هذا الحد أكثر منه في سائر ~~الحدود. وأما اختلافهم في إقامة الحدود بظهور الحمل مع دعوى الاستكراه، فإن ~~طائفة أوجبت الحد على ما ذكره مالك في الموطأ من حديث عمر، وبه قال مالك، ~~إلا أن تكون جاءت بأمارة على استكراهها، مثل أن تكون بكرا فتأتي وهي تدمي، ~~أو تفضح نفسها بأثر الاستكراه، وكذلك عنده الامر إذا ادعت الزوجية إلا أن ~~تقيم البينة على ذلك، PageV02P360 # ما عدا الطارئة، فإن ابن القاسم قال: إذا ادعت الزوجية وكانت طارئة قبل ~~قولها، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يقام عليها الحد بظهور الحمل مع دعوى ~~الاستكراه وكذلك مع دعوى الزوجية، وإن لم تأت في دعوى الاستكراه بأمارة، ~~ولا في دعوى الزوجية ببينة لأنها بمنزلة من أقر ثم ادعى الاستكراه. ومن ~~الحجة لهم ما جاء في حديث شراحة أن عليا رضي الله عنه قال لها: استكرهت؟ ~~قالت: لا قال: فلعل رجلا أتاك في نومك. قالوا: # وروى الاثبات عن عمر أنه قبل قول امرأة ادعت أنها ثقيلة النوم وأن رجلا ~~طرقها فمضى عنها ولم تدر من هو بعد. ولا خلاف بين أهل الاسلام أن ~~المستكرهة. لا حد عليها، وإنما اختلفوا في وجوب الصداق لها. وسبب الخلاف: ~~هل الصداق عوض عن البضع أو هو نحلة؟ فمن قال عوض عن البضع أوجبه في البضع ~~في الحلية والحرمية، ومن قال إنه نحلة خص الله به الأزواج لم يوجبه. وهذا ~~الأصل كاف في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب. PageV02P361 # كتاب القذف والنظر في هذا الكتاب: في القذف، والقاذف، والمقذوف، وفي ~~العقوبة الواجبة فيه، وبماذا تثبت، والأصل في هذا الكتاب قوله تعالى: * ~~(والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) * الآية. فأما القاذف ~~فإنهم اتفقوا على أن من شرطه وصفين: وهما البلوغ والعقل، ms0969 وسواء أكان ذكرا ~~أو أنثى، حرا أو عبدا، مسلما أو غير مسلم. وأما المقذوف فاتفقوا على أن من ~~شرطه أن يجتمع فيه خمسة أوصاف: البلوغ والحرية والعفاف والإسلام، وأن يكون ~~معه آلة الزنا، فإن انخرم من هذه الأوصاف وصف لم يجب الحد، والجمهور ~~بالجملة على اشتراط الحرية في المقذوف، ويحتمل أن يدخل في ذلك خلاف، ومالك ~~يعتبر في سن المرأة أن تطيق الوطئ. وأما القذف الذي يجب به الحد، فاتفقوا ~~على وجهين: أحدهما: # أن يرمي القاذف المقذوف بالزنا، والثاني: أن ينفيه عن نسبه إذا كانت أمه ~~حرة مسلمة، واختلفوا إن كانت كافرة أو أمة، فقال مالك: سواء أكانت حرة أو ~~أمة مسلمة أو كافرة يجب الحد. وقال إبراهيم النخعي: لا حد عليه إذا كانت أم ~~المقذوف أمة أو كتابية، وهو قياس قول الشافعي وأبي حنيفة. واتفقوا أن القذف ~~إذا كان بهذين المعنيين أنه إذا كان بلفظ صريح وجب الحد، واختلفوا إن كان ~~بتعريض، فقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى: لا حد في التعريض، ~~إلا أن أبا حنيفة والشافعي يريان فيه التعزير، وممن قال بقولهم من الصحابة ~~ابن مسعود، وقال مالك وأصحابه: في التعريض الحد، وهي مسألة وقعت في زمان ~~عمر، فشاور عمر فيها الصحابة، فاختلفوا فيها عليه. فرأى عمر فيها الحد. ~~وعمدة مالك: أن الكناية قد تقوم بعرف العادة والاستعمال الصريح وإن كان ~~اللفظ فيها مستعملا في غير موضعه أعني مقولا بالاستعارة. وعمدة الجمهور: أن ~~الاحتمال الذي في الاسم المستعار شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، والحق أن ~~الكناية قد تقوم في مواضع مقام النص، وقد تضعف في مواضع، وذلك أنه إذا لم ~~يكثر الاستعمال لها والذي يندرئ به الحد عن القاذف أن يثبت زنا PageV02P362 # المقذوف بأربعة شهود بإجماع الشهود عند مالك إذا كانوا أقل من أربعة قذفة ~~وعند غيره ليسوا بقذفة. وإنما اختلف المذهب في الشهود الذين يشهدون على ~~شهود الأصل. والسبب في اختلافهم: هل يشترط في نقل شهادة كل واحد منهم عدد ~~شهود الأصل أم يكفي في ذلك ms0970 الاثنان على الأصل المعتبر فيما سوى القذف إذا ~~كانوا ممن لا يستقل بهم نقل الشهادة من قبل العدد. وأما الحد فالنظر فيه في ~~جنسه وتوقيته ومسقطه: أما جنسه، فإنهم اتفقوا على أنه ثمانون جلدة للقاذف ~~الحر لقوله تعالى: * (ثمانين جلدة) *. واختلفوا في العبد يقذف الحر: كم ~~حده؟ فقال الجمهور من فقهاء الأمصار: حده نصف حد الحر، وذلك أربعون جلدة، ~~وروي ذلك عن الخلفاء الأربعة، وعن ابن عباس، وقالت طائفة: حده حد الحر، وبه ~~قال ابن مسعود من الصحابة وعمر بن عبد العزيز وجماعة من فقهاء الأمصار وأبو ~~ثور والأوزاعي وداود وأصحابه من أهل الظاهر. فعمدة الجمهور: قياس حده في ~~القذف على حده في الزنا. أما أهل الظاهر: # فتمسكوا في ذلك بالعموم، ولما أجمعوا أيضا أن حد الكتابي ثمانون، فكان ~~العبد أحرى بذلك. # وأما التوقيت فإنهم اتفقوا على أنه إذا قذف شخصا واحدا مرارا كثيرة، ~~فعليه حد واحد منها، وأنه إن قذف فحد ثم قذف ثانية حد حدا ثانيا واختلفوا ~~إذا قذف جماعة، فقالت طائفة: ليس عليه إلا حد واحد جمعهم في القذف أو فرقهم ~~وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد وجماعة. وقال قوم: بل عليه لكل واحد ~~حد، وبه قال الشافعي والليث وجماعة حتى روي عن الحسن بن حيي أنه قال: إن ~~قال انسان: من دخل هذه الدار فهو زان جلد الحد لكل من دخلها، وقالت طائفة: ~~إن جمعهم في كلمة واحدة مثل أن يقول لهم يا زناة فحد حد واحد، وإن قال لكل ~~واحد منهم يا زاني فعليه لكل انسان منهم حد. فعمدة من لم يوجب على قاذف ~~الجماعة إلا حدا واحدا حديث أنس وغيره أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك ~~ابن سحماء، فرفع ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام فلاعن بينهما ولم يحده ~~لشريك، وذلك إجماع من أهل العلم فيمن قذ ف زوجته برجل. وعمدة من رأى أن ~~الحد لكل واحد منهم أنه حق للآدميين، وأنه لو عفى بعضهم ولم يعف الكل لم ~~يسقط الحد. وأما ms0971 من فرق بين قذفهم في كلمة واحدة أو كلمات أو في مجلس واحد ~~أو في مجالس، فلانه رأى أنه واجب أن يتعدد الحد بتعدد القذف، لأنه إذا ~~اجتمع تعدد المقذوف وتعدد القذف كان أوجب أن يتعدد الحد. وأما سقوطه فإنهم ~~اختلفوا في سقوطه بعفو المقذوف، فقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا يصح ~~العفو: أي لا يسقط الحد، وقال الشافعي: يصح العفو أي يسقط الحد بلغ الامام ~~أو لم يبلغ، وقال قوم: إن بلغ الامام لم يجز العفو، وإن لم يبلغه جاز ~~العفو. واختلف قول مالك في ذلك، فمرة قال بقول الشافعي، ومرة قال: يجوز إذا ~~لم يبلغ الامام، وإن بلغ لم يجز إلا أن يريد بذلك PageV02P363 # المقذوف الستر على نفسه، وهو المشهور عنه. والسبب في اختلافهم: هل هو حق ~~لله، أو حق للآدميين، أو حق لكليهما؟ فمن قال حق لله لم يجز العفو كالزنا، ~~ومن قال حق للآدميين أجاز العفو، ومن قال لكليهما وغلب حق الامام إذا وصل ~~إليه قال بالفرق بين أن يصل الامام أو لا يصل، وقياسا على الأثر الوارد في ~~السرقة. وعمدة من رأى أنه حق للآدميين وهو الأظهر أن المقذوف إذا صدقه فيما ~~قذفه به سقط عنه الحد. وأما من يقيم الحد؟ فلا خلاف أن الامام يقيمه في ~~القذف. واتفقوا على أنه يجب على القاذف مع الحد سقوط شهادته ما لم يتب. # واختلفوا إذا تاب، فقال مالك: تجوز شهادته، وبه قال الشافعي، وقال أبو ~~حنيفة: لا تجوز شهادته أبدا. والسبب في اختلافهم: هل الاستثناء يعود إلى ~~الجملة المتقدمة أو يعود إلى أقرب مذكور. وذلك في قوله تعالى: * (ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا) * فمن قال يعود ~~إلى أقرب مذكور قال: التوبة ترفع الفسق ولا تقبل شهادته، ومن رأى أن ~~الاستثناء يتناول الامرين جميعا قال: التوبة ترفع الفسق، ورد الشهادة. وكون ~~ارتفاع الفسق مع رد الشهادة أمر غير مناسب في الشرع: أي خارج عن الأصول، ~~لان الفسق متى ارتفع قبلت الشهادة. واتفقوا ms0972 على أن التوبة لا ترفع الحد. ~~وأما بماذا يثبت؟ فإنهم اتفقوا على أنه يثبت بشاهدين عدلين حرين ذكرين. ~~واختلف في مذهب مالك: هل يثبت بشاهد ويمين وبشهادة النساء؟ وهل تلزم في ~~الدعوى فيه يمين؟ وإن نكل فهل يحد بالنكول ويمين المدعي؟ فهذه هي أصول هذا ~~الباب التي تبنى عليه فروعه. قال القاضي: وإن أنسأ الله في العمر فسنضع ~~كتابا في الفروع على مذهب مالك بن أنس مرتبا ترتيبا صناعيا، إذ كان المذهب ~~المعمول به في هذه الجزيرة، التي هي جزيرة الأندلس حتى يكون به القارئ ~~مجتهدا في مذهب مالك، لان إحصاء جميع الروايات عندي شئ ينقطع العمر دونه. # باب: في شرب الخمر والكلام في هذه الجناية: في الموجب، والواجب، وبماذا ~~تثبت هذه الجناية؟ فأما الموجب، فاتفقوا على أنه شرب الخمر دون إكراه ~~قليلها وكثيرهم. واختلفوا في المسكرات من غيرها، فقال أهل الحجاز: حكمها ~~حكم الخمر في تحريمها وإيجاب الحد من شربها، قليلا كان أو كثيرا، أسكر أو ~~لم يسكر، وقال أهل العراق: المحرم منها هو السكر، وهو الذي يوجب الحد. # وقد ذكرنا عمدة أدلة الفريقين في كتاب الأطعمة والأشربة. وأما الواجب فهو ~~الحد والتفسيق إلا أن تكون التوبة، والتفسيق في شارب الخمر باتفاق وإن لم ~~يبلغ حد السكر، وفيمن بلغ حد السكر فيما سوى الخمر واختلف الذين رأوا تحريم ~~قليل الأنبذة في وجوب الحد، وأكثر هؤلاء على وجوبه، إلا أنهم اختلفوا في ~~مقدار الحد الواجب، فقال الجمهور: الحد في ذلك PageV02P364 # ثمانون، وقال الشافعي وأبو ثور وداود: الحد في ذلك أربعون، هذا في حد ~~الحر. وأما حد العبد فاختلفوا فيه، فقال الجمهور: هو على النصف من الحر، ~~وقال أهل الظاهر: حد الحر والعبد سواء، وهو أربعون، وعند الشافعي عشرون، ~~وعند من قال ثمانون: أربعون. فعمدة الجمهور: تشاور عمر والصحابة لما كثر في ~~زمانه شرب الخمر، وإشارة علي عليه بأن يجعل الحد ثمانين قياسا على حد ~~الفرية، فإنه كما قيل عنه رضي الله عنه: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا ~~هذي ms0973 افترى. وعمدة الفريق الثاني: أن النبي (ص) لم يحد في ذلك حدا، وإنما ~~كان يضرب فيها بين يديه بالنعال ضربا غير محدود، وأن أبا بكر رضي الله عنه ~~شاور أصحاب رسول الله (ص): كم بلغ ضرب رسول الله (ص) لشراب الخمر؟ فقدروه ~~بأربعين. وروي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله (ص) ضرب في الخمر بنعلين ~~أربعين فجعل عمر مكان كل نعل سوطا. وروي من طريق آخر عن أبي سعيد الخدري ما ~~هو أثبت من هذا، وهو أن رسول الله (ص) ضرب في الخمر أربعين وروي هذا عن علي ~~عن النبي عليه الصلاة والسلام من طريق أثبت. وبه قال الشافعي. وأما من يقيد ~~هذا الحد فاتفقوا على أن الامام يقيمه، وكذلك الامر في سائر الحدود. ~~واختلفوا في إقامة السادات الحدود على عبيدهم، فقال مالك: يقيم السيد على ~~عبده حد الزنا وحد القذف إذا شهد عند الشهود، ولا يفعل ذلك بعلم نفسه، ولا ~~يقطع في السرقة إلا الامام، وبه قال الليث. وقال أبو حنيفة: لا يقيم الحدود ~~على العبيد إلا الامام، وقال الشافعي: يقيم السيد على عبده جميع الحدود، ~~وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور. فعمدة مالك: الحديث المشهور أن رسول الله ~~(ص) سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت ~~فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير وقوله عليه الصلاة والسلام: إذا زنت أمة ~~أحدكم فليجلدها. وأما الشافعي فاعتمد مع هذه الأحاديث: ما روي عنه (ص) من ~~حديث عنه أنه قال: أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم ولأنه أيضا مروي عن ~~جماعة من الصحابة ولا مخالف لهم، منهم ابن عمر وابن مسعود وأنس. وعمدة أبي ~~حنيفة: الاجماع على أن الأصل في إقامة الحدود هو السلطان. وروي عن الحسن ~~وعمر بن عبد العزيز وغيرهم أنهم قالوا: الجمعة والزكاة والفئ والحكم إلى ~~السلطان. # فصل: وأما بماذا يثبت هذا الحد، فاتفق العلماء على أنه يثبت بالاقرار ~~وبشهادة عدلين واختلفوا في ثبوته بالرائحة، فقال مالك وأصحابه وجمهور أهل ~~الحجاز: يجب ms0974 الحد بالرائحة إذا شهد بها عند الحاكم شاهدان عدلان، وخالفه في ~~ذلك الشافعي وأبو حنيفة وجمهور أهل العراق وطائفة من أهل الحجاز وجمهور ~~علماء البصرة فقالوا: لا يثبت الحد بالرائحة. فعمدة من أجاز الشهادة على ~~الرائحة تشبيهها على الصوت والخط. وعمدة من لم يثبتها اشتباه الروائح، ~~والحد يدرأ بالشبهة. PageV02P365 # كتاب السرقة والنظر في هذا الكتاب في حد السرقة، وفي شروط المسروق الذي ~~يجب به الحد، وفي صفات السار الذي يجب عليه الحد، وفي العقوبة، وفيما تثبت ~~به هذه الجناية. فأما السرقة ، فهي أخذ مال الغير مستترا من غير أن يؤتمن ~~عليه، وإنما قلنا هذا لأنهم أجمعوا أنه ليس في الخيانة ولا في الاختلاس قطع ~~إلا إياس بن معاوية، فإنه أوجب في الخلسة القطع، وذلك مروي عن النبي عليه ~~الصلاة والسلام. وأوجب أيضا قوم القطع على من استعار حليا أو متاعا ثم جحده ~~لمكان حديث المرأة المخزومية المشهورة أنها كانت تستعير الحلي، وأن رسول ~~الله (ص) قطعها لموضع جحودها. وبه قال أحمد وإسحاق، والحديث حديث عائشة ~~قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي عليه الصلاة ~~والسلام بقطع يدها، فأتى أسامة أهلها فكلموه، فكلم أسامة النبي عليه الصلاة ~~والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا أسامة لا أراك تتكلم في حد من ~~حدود الله، ثم قام النبي عليه الصلاة والسلام خطيبا فقال: إنما أهلك من كان ~~قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي ~~نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعتها. ورد الجمهور هذا الحديث لأنه ~~مخالف للأصول، وذلك أن المعار مأمون وأنه يأخذ بغير إذن فضلا أن يأخذ من ~~حرز، قالوا: وفي حديث حذف، وهو أنها سرقت مع أنها جحدت، ويدل على ذلك قوله ~~عليه الصلاة والسلام: إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف ~~تركوه قالوا: وروى هذا الحديث الليث بن سعد عن الزهري بإسناده، فقال فيه: ~~إن المخزومية سرقت، وهذا يدل على أنها فعلت الامرين جميعا الجحد والسرقة. ~~وكذلك ms0975 أجمعوا على أنه ليس على الغاصب ولا على المكابر المغالب قطع إلا أن ~~يكون قاطع طريق شاهرا للسلاح على المسلمين مخيفا للسبيل، فحكمه حكم ~~المحارب، على ما سيأتي في حد المحارب. وأما السارق الذي يجب عليه حد ~~السرقة، فإنهم اتفقوا على أن من شرطه أن يكون مكلفا، وسواء أكان حرا أو ~~عبدا، ذكرا أو أنثى، مسلما، أو ذميا، إلا ما روي في الصدر الأول من الخلاف ~~في قطع يد العبد الآبق إذا سرق، وروي ذلك عن ابن عباس وعثمان ومروان وعمر ~~بن عبد العزيز، PageV02P366 # ولم يختلف فيه بعد العصر المتقدم، فمن رأى أن الاجماع ينعقد بعد وجود ~~الخلاف في العصر المتقدم كانت المسألة عنده قطعية، ومن لم ير ذلك تمسك ~~بعموم الامر بالقطع، ولا عبرة لمن لم ير القطع على العبد الآبق إلا تشبيهه ~~سقوط الحد عنه بسقوط شطره، أعني الحدود التي تنشطر في حق العبيد، وهو تشبيه ~~ضعيف. وأما المسروق فإن له شرائط مختلفا فيها، فمن أشهرها اشتراط النصاب، ~~وذلك أن الجمهور على اشتراطه، إلا ما روي عن الحسن البصري أنه قال: القطع ~~في قليل المسروق وكثيره، لعموم قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما) * الآية. وربما احتجوا بحديث أبي هريرة خرجه البخاري ومسلم عن ~~النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع ~~يده، ويسرق الحبل فتقطع يده وبه قال الخوارج وطائفة من المتكلمين. والذين ~~قالوا باشتراط النصاب في وجوب القطع وهم الجمهور اختلفوا في قدره اختلافا ~~كثيرا، إلا أن الاختلاف المشهور من ذلك الذي يستند إلى أدلة ثابتة، وهو ~~قولان: أحدهما: قول فقهاء الحجاز مالك والشافعي وغيرهم. # والثاني: قول فقهاء العراق. أما فقهاء الحجاز فأوجبوا القطع في ثلاثة ~~دراهم من الفضة، وربع دينار من الذهب. واختلفوا فيما تقوم به سائر الأشياء ~~المسروقة مما عدا الذهب والفضة، فقال مالك في المشهور: تقوم بالدراهم لا ~~بالربع دينار، أعني إذا اختلفت الثلاثة دراهم مع الربع دينار لاختلاف ~~الصرف، مثل أن يكون الربع دينار في وقت درهمين ونصفا، وقال ms0976 الشافعي: # الأصل في تقويم الأشياء هو الربع دينار، وهو الأصل أيضا للدراهم فلا يقطع ~~عنده في الثلاثة دراهم إلا أن تساوي ربع دينار. وأما مالك فالدنانير ~~والدراهم عنده كل واحد منهما معتبر بنفسه. وقد روى بعض البغداديين عنه أنه ~~ينظر في تقويم العروض إلى الغالب في نقود أهل ذلك البلد، فإن كان الغالب ~~الدراهم قومت بالدراهم، وإن كان الغالب الدنانير قومت بالربع دينار، وأظن ~~أن في المذهب من يقول إن الربع دينار يقوم بالثلاثة دراهم، وبقول الشافعي ~~في التقويم قال أبو ثور والأوزاعي وداود، وبقول مالك المشهور قال أحمد: ~~أعني بالتقويم بالدراهم. وأما فقهاء العراق فالنصاب الذي يجب القطع فيه هو ~~عندهم عشرة دراهم لا يجب في أقل منه، وقد قال جماعة منهم ابن أبي ليلى وابن ~~شبرمة: لا تقطع اليد في أقل من خمسة دراهم، وقد قيل: في أربعة دراهم، وقال ~~عثمان البتي: في درهمين. فعمدة فقهاء الحجاز: ما رواه مالك عن نافع عن ابن ~~عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم وحديث ~~عائشة أوقفه مالك وأسنده البخاري ومسلم إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه ~~قال: تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا. وأما عمدة فقهاء العراق: فحديث ابن ~~عمر المذكور، قالوا: ولكن قيمة المجن هو عشرة دراهم وروي ذلك في أحاديث. ~~وقد خالف ابن PageV02P367 # عمر في قيمة المجن من الصحابة كثير ممن رأى القطع في المجن كابن عباس ~~وغيره. وقد روى محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال: ~~كان ثمن المجن على عهد رسول الله (ص) عشرة دراهم قالوا: وإذا وجد الخلاف في ~~ثمن المجن وجب أن لا تقطع اليد إلا بيقين، وهذا الذي قالوه هو كلام حسن ~~لولا حديث عائشة، وهو الذي اعتمده الشافعي في هذه المسألة وجعل الأصل هو ~~الربع دينار. وأما مالك فاعتضد عنده حديث ابن عمر بحديث عثمان الذي رواه، ~~وهو أنه قطع في أترجة قومت بثلاثة دراهم، والشافعي يعتذر عن حديث عثمان من ms0977 ~~قبل أن الصرف كان عندهم في ذلك الوقت اثنا عشر درهما والقطع في ثلاثة دراهم ~~أحفظ للأموال، والقطع في عشرة دراهم أدخل في باب التجاوز والصفح عن يسير ~~المال وشرف العضو، والجمع بين حديث ابن عمر وحديث عائشة وفعل عثمان ممكن ~~على مذهب الشافعي وغير ممكن على مذهب غيره، فإن كان الجمع أولى من الترجيح ~~فمذهب الشافعي أولى المذاهب، فهذا هو أحد الشروط المشترطة في القطع. ~~واختلفوا من هذا الباب في فرع مشهور وهو إذا شرقت الجماعة ما يجب فيه ~~القطع، أعني نصابا دون أن يكون حظ كل واحد منهم نصابا، وذلك بأن يخرجوا ~~النصاب من الحرز معا، مثل أن يكون عدلا أو صندوقا يساوي النصاب، فقال مالك: ~~يقطعون جميعا، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: لا قطع ~~عليهم حتى يكون ما أخذه كل واحد منهم نصابا فمن قطع الجميع رأى العقوبة ~~إنما تتعلق بقدر مال المسروق أي أن هذا القدر من المال المسروق هو الذي ~~يوجب القطع لحفظ المال، ومن رأى أن القطع إنما علق بهذا القدر لا بما دونه ~~لمكان حرمة اليد قال لا تقطع أيد كثيرة فيما أوجب فيه الشرع قطع يد واحدة. ~~واختلفوا متى يقدر المسروق، فقال مالك: يوم السرقة، وقال أبو حنيفة: يوم ~~الحكم عليه بالقطع. # وأما الشرط الثاني في وجوب هذا الحد فهو الحرز، وذلك أن جميع فقهاء ~~الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى وأصحابهم متفقون على اشتراط الحرز في وجوب ~~القطع، وإن كان قد اختلفوا فيما هو حرز مما ليس بحرز. والأشبه أن يقال في ~~حد الحرز إنه ما شأنه أن تحفظ به الأموال كي يعسر أخذها مثل الاغلاق ~~والحظائر وما أشبه ذلك، وفي الفعل الذي إذا فعله السارق اتصف بالاخراج من ~~الحرز على ما سنذكره بعد، وممن ذهب إلى هذا مالك وأبو حنيفة والشافعي ~~والثوري وأصحابهم، وقال أهل الظاهر وطائفة من أهل الحديث: القطع على من سرق ~~النصاب وإن سرقه من غير حرز. فعمدة الجمهور: حديث عمرو بن شعيب عن ms0978 أبيه عن ~~جده عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا قطع في ثمر معلق ولا في ~~حريسة جبل، فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن ومرسل ~~مالك أيضا عن PageV02P368 # عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي بمعنى حديث عمرو بن شعيب. ~~وعمدة أهل الظاهر: عموم قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ~~* الآية. قالوا: فوجب أن تحمل الآية على عمومها، إلا ما خصصته السنة ~~الثابتة ذلك. وقد خصصت السنة الثابتة المقدار الذي يقطع فيه من الذي لا ~~يقطع فيه. وردوا حديث عمرو بن شعيب لموضع الاختلاف الواقع في أحاديث عمرو ~~بن شعيب. وقال أبو عمر بن عبد البر: أحاديث عمرو بن شعيب العمل بها واجب ~~إذا رواها الثقات. وأما الحرز عند الذين أوجبوه فإنهم اتفقوا منه على أشياء ~~واختلفوا في أشياء، مثل اتفاقهم على أن باب البيت وغلقه حرز واختلافهم في ~~الأوعية. ومثل اتفاقهم على من سرق من بيت دار غير مشتركة السكنى أنه لا ~~يقطع حتى يخرج من الدار، واختلافهم في الدار المشتركة، فقال مالك وكثير ممن ~~اشترط الحرز: تقطع يد إذا أخرج من البيت، وقال أبو يوسف ومحمد: لا قطع عليه ~~إلا إذا أخرج من الدار. # ومنها اختلافهم في القبر هل هو حرز حتى يجب القطع على النباش، أو ليس ~~بحرز؟ فقال مالك والشافعي وأحمد وجماعة: هو حرز، وعلى النباش القطع، وبه ~~قال عمر بن عبد العزيز، وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه، وكذلك قال سفيان ~~الثوري، وروي ذلك عن زيد بن ثابت والحرز عند مالك بالجملة هو كل شئ جرت ~~العادة بحفظ ذلك الشئ المسروق فيه، فمرابط الدواب عنده أحراز، وكذلك ~~الأوعية، وما على الانسان من اللباس، فالانسان حرز لكل ما عليه أو هو عنده. ~~وإذا توسد النائم شيئا فهو له حرز على ما جاء في حديث صفوان بن أمية وسيأتي ~~بعد، وما أخذه من المنتبه فهو اختلاس. ولا يقطع عند مالك سارق ما كان على ~~الصبي من الحلي أو غيره إلا ms0979 أن يكون معه حافظ يحفظه، ومن سرق من الكعبة ~~شيئا لم يقطع عنده، وكذلك من المساجد، وقد قيل في المذهب إنه إن سرق منها ~~ليلا قطع. # وفروع هذا الباب كثيرة فيما هو حرز وما ليس بحرز. واتفق القائلون بالحرز ~~على أن كل من سمي مخرجا للشئ من حرزه وجب عليه القطع، وسواء أكان داخل ~~الحرز أو خارجه. # وإذا ترددت التسمية وقع الخلاف، مثل اختلاف المذهب إذا كانا سارقان: ~~أحدهما: داخل البيت، والآخر خارجه، فقرب أحدهما المتاع المسروق إلى ثقب في ~~البيت فتناوله الآخر، فقيل: القطع على الخارج المتناول له، وقيل: لا قطع ~~على واحد منهما، وقيل: القطع على المقرب للمتاع من الثقب. والخلاف في هذا ~~كله: آيل إلى انطلاق اسم المخرج من الحرز عليه أو لا انطلاقه. فهذا هو ~~القول في الحرز واشتراطه في وجوب القطع، ومن رمى بالمسروق من الحرز ثم أخذه ~~خارج الحرز قطع، وقد توقف مالك فيه إذا أخذ بعد رميه وقبل أن يخرج، وقال ~~ابن القاسم: يقطع. PageV02P369 # فصل: # وأما جنس المسروق، فإن العلماء اتفقوا على أن كل متملك غير ناطق يجوز ~~بيعه وأخذ العوض منه، فإنه يجب في سرقته القطع ما عدا الأشياء الرطبة ~~المأكولة، والأشياء التي أصلها مباحة فإنهم اختلفوا في ذلك، فذهب الجمهور ~~إلى أن القطع في كل متمول يجوز بيعه وأخذ العوض فيه، وقال أبو حنيفة: لا ~~قطع في الطعام ولا فيما أصله مباح كالصيد والحطب والحشيش. فعمدة الجمهور: ~~عموم الآية الموجبة للقطع وعموم الآثار الواردة في اشتراط النصاب. وعمدة ~~أبي حنيفة في منعه القطع في الطعام الرطب: قوله عليه الصلاة والسلام: لا ~~قطع في ثمر ولا كثر وذلك أن هذا الحديث روي هكذا مطلقا من غير زيادة. ~~وعمدته أيضا في منع القطع فيما أصله مباح: الشبهة التي فيه لكل مالك، وذلك ~~أنهم اتفقوا على أن من شرط المسروق الذي يجب فيه القطع أن لا يكون للسارق ~~فيه شبهة ملك. واختلفوا فيما هو شبهة تدرأ الحد مما ليس بشبهة، وهذا هو ~~أيضا أحد ms0980 الشروط المشترطة في المسروق هو في ثلاثة مواضع: في جنسه، وقدره، ~~وشروطه، وستأتي هذه المسألة فيما بعد. واختلفوا من هذا الباب - أعني من ~~النظر في جنس المسروق - في المصحف، فقال مالك والشافعي: يقطع سارقه. وقال ~~أبو حنيفة: لا يقطع. ولعل هذا من أبي حنيفة بناء على أنه لا يجوز بيعه. أو ~~أن لكل أحد فيه حقا إذ ليس بمال. واختلفوا من هذا الباب فيمن سرق صغيرا ~~مملوكا أعجميا ممن لا يفقه ولا يعقل الكلام، فقال الجمهور: يقطع. وأما إن ~~كان كبيرا يفقه فقال مالك: يقطع، وقال أبو حنيفة: لا يقطع. واختلفوا في ~~الحر، فعند مالك أن سارقه يقطع، ولا يقطع عند أبي حنيفة، وهو قول ابن ~~الماجشون من أصحاب مالك. واتفقوا كما قلنا أن شبهة الملك القوية تدرأ هذا ~~الحد. واختلفوا فيما هو شبهة يدرأ من ذلك مما لا يدرأ منها، فمنها العبد ~~يسرق مال سيده، فإن الجمهور من العلماء على أنه لا يقطع، وقال أبو ثور: ~~يقطع ولم يشترط شرطا، وقال أهل الظاهر: يقطع إلا أن يأتمنه سيده. واشترط ~~مالك في الخادم الذي يجب أن يدرأ عنه الحد أن يكون يلي الخدمة لسيده بنفسه، ~~والشافعي مرة اشترط هذا ومرة لم يشترطه. ويدرء الحد قال عمر - رضي الله عنه ~~- وابن مسعود ولا مخالف لهما من الصحابة. ومنها أحد الزوجين يسرق من مال ~~الآخر، فقال مالك: إذا كان كل واحد ينفرد ببيت فيه متاعه فالقطع على من سرق ~~من مال صاحبه، وقال الشافعي: الاحتياط أن لا قطع على أحد الزوجين لشبهة ~~الاختلاط وشبهة المال، وقد روي عنه مثل قول مالك، واختاره المزني. ومنها ~~القرابات، فمذهب مالك فيها أن لا يقطع الأب فيما سرق من مال الابن فقط ~~لقوله عليه الصلاة والسلام: أنت ومالك لأبيك ويقطع ما سواهم من القرابات، ~~وقال الشافعي: لا يقطع عمود النسب الأعلى والأسفل: يعني الأب والأجداد ~~والأبناء وأبناء الأبناء، وقال أبو حنيفة: لا يقطع ذو الرحم المحرمة، وقال ~~أبو ثور: تقطع يد كل من سرق إلا ما ms0981 خصصه الاجماع. ومنها اختلافهم فيمن ~~PageV02P370 # سرق من الغنم أو من بيت المال. فقال مالك: يقطع، وقال عبد الملك من ~~أصحابه: # لا يقطع. فهذا هو قول في الأشياء التي يجب بها ما يجب في هذه الجناية. # القول في الواجب وأما الواجب في هذه الجناية إذا وجدت بالصفات التي ~~ذكرنا، أعني الموجودة في السارق وفي الشئ المسروق وفي صفة السرقة، فإنهم ~~اتفقوا على أن الواجب فيه القطع من حيث هي جناية، والغرم إذا لم يجب القطع. ~~واختلفوا هل يجمع الغرم مع القطع؟ فقال قوم: # عليه الغرم مع القطع، وبه قال الشافعي وأحمد والليث وأبو ثور وجماعة، ~~وقال قوم: ليس عليه غرم إذا لم يجد المسروق منه متاعه بعينه، وممن قال بهذا ~~القول أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وجماعة، وفرق مالك وأصحابه فقال: إن ~~كان موسرا أتبع السارق بقيمة المسروق، وإن كان معسرا لم يتبع إذا أثرى، ~~واشترط مالك دوام اليسر إلى يوم القطع فيما حكى عنه ابن القاسم. # فعمدة من جمع بين الامرين أنه اجتمع في السرقة حقان: حق لله، وحق للآدمي، ~~فاقتضى كل حق موجبه، وأيضا فإنهم لما أجمعوا على أخذه منه إذا وجد بعينه ~~لزم إذا لم يوجد بعينه عنده أن يكون في ضمانه قياسا على سائر الأموال ~~الواجبة. وعمدة الكوفيين: حديث عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله (ص) قال: لا ~~يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد وهذا الحديث مضعف عند أهل الحديث. قال أبو ~~عمر: لأنه عندهم مقطوع، قال: وقد وصله بعضهم وخرجه النسائي. والكوفيون ~~يقولون: إن اجتماع حقين في حق واحد مخالف للأصول، ويقولون إن القطع هو بدل ~~من الغرم، ومن هنا يرون إذا سرق شيئا ما فقطع فيه ثم سرقه ثانيا أنه لا ~~يقطع فيه. وأما تفرقة مالك فاستحسان على غير قياس. وأما القطع فالنظر في ~~محله وفيمن سرق وقد عدم المحل. أما محل القطع فهو اليد اليمين باتفاق من ~~الكوع، وهو الذي عليه الجمهور، وقال قوم: الأصابع فقط. فأما إذا سرق من قد ~~قطعت ms0982 يده اليمنى في السرقة، فإنهم اختلفوا في ذلك فقال أهل الحجاز والعراق: ~~تقطع رجله اليسرى بعد اليد اليمنى، وقال بعض أهل الظاهر وبعض التابعين: ~~تقطع اليد اليسرى بعد اليمنى، ولا يقطع منه غير ذلك. واختلف مالك والشافعي ~~وأبو حنيفة بعد اتفاقهم على قطع الرجل اليسرى بعد اليد اليمنى. هل يقف ~~القطع إن سرق ثالثة أم لا؟ فقال سفيان وأبو حنيفة: يقف القطع في الرجل، ~~وإنما عليه في الثالثة الغرم فقط، وقال مالك والشافعي: إن سرق ثالثة قطعت ~~يده اليسرى، ثم إن سرق رابعة قطعت رجله اليمنى، وكلا القولين مروي عن عمر ~~وأبي بكر، أعني قول مالك وأبي حنيفة. فعمدة من لم ير إلا قطع اليد قوله ~~تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * ولم يذكر الأرجل إلا في ~~المحاربين فقط. وعمدة من قطع الرجل بعد اليد ما روي أن النبي (ص) أتي بعبد ~~سرق فقطع PageV02P371 # يده اليمنى، ثم الثانية فقطع رجله، ثم أتي به في الثالثة فقطع يده ~~اليسرى، ثم أتي به في الرابعة فقطع رجله وروي هذا عن حديث جابر بن عبد ~~الله، وفيه ثم أخذه الخامسة فقتله إلا أنه منكر عند أهل الحديث، ويرده قوله ~~عليه الصلاة والسلام هن فواحش وفيهن عقوبة ولم يذكر قتلا. وحديث ابن عباس ~~أن النبي عليه الصلاة والسلام قطع الرجل بعد اليد وعند مالك أنه يؤدب في ~~الخامسة، فإذا ذهب محل القطع من غير سرقة بأن كانت اليد شلاء. فقيل في ~~المذهب: ينتقل القطع إلى اليد اليسرى وقيل إلى الرجل. واختلف في موضع القطع ~~من القدم. فقيل: يقع من المفصل الذي في أصل الساق، وقيل: يدخل الكعبان في ~~القطع، وقيل: لا يدخلان، وقيل: إنها تقطع من المفصل الذي في وسط القدم. # واتفقوا على أن لصاحب السرقة أن يعفو عن السارق ما لم يرفع ذلك إلى ~~الامام لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله (ص) قال: ~~تعافوا الحدود بينكم فما بلغني من حد فقد وجب وقوله عليه الصلاة والسلام: ~~لو ms0983 كانت فاطمة بنت محمد لأقمت عليها حد وقوله لصفوان: هلا كان ذلك قبل أن ~~تأتيني به؟. واختلفوا في السارق يسرق ما يجب فيه القطع فيرفع إلى الامام ~~وقد وهبه صاحب السرقة ما سرقه، أو يهبه له بعد الرفع وقبل القطع فقال مالك ~~والشافعي: عليه الحد، لأنه قد رفع إلى الامام، وقال أبو حنيفة وطائفة: # لا حد عليه. فعمدة الجمهور: حديث مالك عن ابن شهاب عن صفوان بن عبد الله ~~بن صفوان بن أمية أنه قيل له: إن من لم يهاجر هلك، فقدم صفوان بن أمية إلى ~~المدينة، فنام في المسجد وتوسد رداءه فجاء سارق فأخذ رداءه، فأخذ صفوان ~~السارق فجاء به إلى رسول الله (ص)، فأمر به رسول الله (ص) أن تقطع يده، ~~فقال صفوان: لم أرد هذا يا رسول الله هو عليه صدقة، فقال رسول الله (ص): ~~فهلا قبل أن تأتيني به. # القول فيما تثبت به السرقة واتفقوا على أن السرقة تثبت بشاهدين عدلين، ~~وعلى أنها تثبت بإقرار الحر، واختلفوا في إقرار العبد، فقال جمهور فقهاء ~~الأمصار: إقراره على نفسه موجب لحده، وليس يوجب عليه غرما، وقال زفر: لا ~~يجب بإقرار العبد على نفسه بما يوجب قتله ولا قطع يده لكونه مالا لمولاه، ~~وبه قال شريح والشافعي وقتادة وجماعة، وإن رجع عن الاقرار إلى شبهة قبل ~~رجوعه، وإن رجع إلى غير شبهة فعن مالك في ذلك روايتان، هكذا حكى البغداديون ~~عن المذهب، وللمتأخرين في ذلك تفصيل ليس يليق بهذا الغرض، وإنما هو لائق ~~بتفريع المذهب. PageV02P372 # كتاب الحرابة والأصل في هذا الكتاب قوله تعالى: * (إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله) * الآية. # وذلك أن هذه الآية عند الجمهور هي في المحاربين. وقال بعض الناس: إنها ~~نزلت في النفر الذين ارتدوا في زمان النبي عليه الصلاة والسلام واستاقوا ~~الإبل، فأمر بهم رسول الله (ص) فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم. والصحيح ~~أنها في المحاربين لقوله تعالى: * (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم) * وليس عدم القدرة عليهم مشترطة في توبة الكفار فبقي ms0984 أنها في ~~المحاربين. والنظر في أصول هذا الكتاب ينحصر في خمسة أبواب: أحدها: النظر ~~في الحرابة. والثاني: النظر في المحارب. والثالث: فيما يجب على المحارب. ~~والرابع: في مسقط الواجب عنه. وهي التوبة والخامس: بماذا تثبت هذه الجناية. # الباب الأول: في النظر في الحرابة فأما الحرابة، فاتفقوا على أنها إشهار ~~السلاح وقطع السبيل خارج المصر، واختلفوا فيمن حارب داخل المصر، فقال مالك: ~~داخل المصر وخارجه سواء، واشترط الشافعي الشوكة، وإن كان لم يشترط العدد، ~~وإنما معنى الشوكة عنده قوة المغالبة، ولذلك يشترط فيها البعد عن العمران، ~~لان المغالبة إنما تتأتى بالبعد عن العمران، وكذلك يقول الشافعي: إنه إذا ~~ضعف السلطان ووجدت المغالبة في المصر كانت محاربة، وأما غير ذلك فهو عنده ~~اختلاس، وقال أبو حنيفة: لا تكون المحاربة في المصر. # الباب الثاني: في النظر في المحارب فأما المحارب: فهو كل من كان دمه ~~محقونا قبل الحرابة، وهو المسلم والذمي. # الباب الثالث: فيما يجب على المحارب وأما ما يجب على المحارب، فاتفقوا ~~على أنه يجب عليه حق لله وحق للآدميين، واتفقوا PageV02P373 # على أن حق الله هو القتل والصلب وقطع الأيدي وقطع الأرجل من خلاف، والنفي ~~على ما نص الله تعالى في آية الحرابة. واختلفوا في هذه العقوبات، هل هي على ~~التخيير أو مرتبة على قدر جناية المحارب؟ فقال مالك: إن قتل فلا بد مقتله، ~~وليس للامام تخيير في قطعه ولا في نفيه، وإنما التخيير في قتله أو صلبه. ~~وأما إن أخذ المال ولم يقتل فلا تخيير في نفيه، وإنما التخيير في قتله أو ~~صلبه أو قطعه من خلاف. وأما إذا أخاف السبيل فقط فالامام عنده مخير في قتله ~~أو صلبه أو قطعه أو نفيه. ومعنى التخيير عنده أن الامر راجع في ذلك إلى ~~اجتهاد الامام، فإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير، فوجه الاجتهاد قتله ~~أو صلبه، لان القطع لا يرفع ضرره. وإن كان لا رأي له وإنما هو ذو قوة وبأس ~~قطعه من خلاف، وإن كان ليس فيه شئ من هاتين ms0985 الصفتين أخذ بأيسر ذلك فيه، وهو ~~الضرب والنفي. وذهب الشافعي وأبو حنيفة وجماعة من العلماء إلى أن هذه ~~العقوبة هي مرتبة على الجنايات المعلوم من الشرع ترتيبها عليه، فلا يقتل من ~~المحاربين إلا من قتل، ولا يقطع إلا من أخذ المال، ولا ينفي إلا من لم يأخذ ~~المال ولا قتل. وقال قوم: بل الامام مخير فيهم على الاطلاق، وسواء قتل أو ~~لم يقتل، أخذ المال أو لم يأخذه. وسبب الخلاف: هل حرف أو في الآية للتخيير ~~أو للتفصيل على حسب جناياتهم؟ ومالك حمل البعض من المحاربين على التفصيل ~~والبعض على التخيير. واختلفوا في معنى قوله: * (أو يصلبوا) * فقال قوم: إنه ~~يصلب حتى يموت جوعا، وقال قوم: بل معنى ذلك أنه يقتل ويصلب معا، وهؤلاء ~~منهم من قال: يقتل أولا ثم يصلب، وهو قول أشهب، وقيل إنه يصلب حيا ثم يقتل ~~في الخشبة، وهو قول ابن القاسم وابن الماجشون، ومن رأى أنه يقتل أولا ثم ~~يصلب صلى عليه عنده قبل الصلب، ومن رأى أنه يقتل في الخشبة فقال بعضهم: # لا يصلي عليه تنكيلا له، وقيل: يقف خلف الخشبة ويصلي عليه. وقال سحنون: ~~إذا قتل في الخشبة أنزل منها وصلي عليه. وهل يعاد إلى الخشبة بعد الصلاة؟ ~~فيه قولان عنه، وذهب أبو حنيفة وأصحابه أنه لا يبقى على الخشبة أكثر من ~~ثلاثة أيام. وأما قوله: * (أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلا ف) * فمعناه أن ~~تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم إن عاد قطعت يده اليسرى ورجل اليمنى. ~~واختلف إذا لم تكن له اليمنى، فقال ابن القاسم: تقطع يده اليسرى ورجله ~~اليمنى، وقال أشهب: تقطع يده اليسرى ورجله اليسرى. واختلف أيضا في قول: # * (أو ينفوا من الأرض) * فقيل: إن النفي هو السجن، وقيل: إن النفي هو أن ~~ينفى من بلد إلى بلد فيسجن فيه إلى أن تظهر توبته، وهو قول ابن القاسم عن ~~مالك، ويكون بين البلدين أقل ما تقصر فيه الصلاة، والقولان عن مالك، ~~وبالأول قال أبو حنيفة، وقال ابن الماجشون: معنى ms0986 النفي هو فرارهم من الامام ~~لإقامة الحد عليهم، فأما أن ينفى بعد أن يقدر عليه فلا، وقال الشافعي: أما ~~النفي فغير مقصود، ولكن إن هربوا شردناهم في البلاد بالاتباع. وقيل: هي ~~عقوبة مقصودة، فقيل على هذا ينفي ويسجن دائما وكلها عن الشافعي، وقيل معنى ~~* (أو ينفوا) *: أي من أرض PageV02P374 # الاسلام إلى أرض الحرب. والذي يظهر هو أن النفي تغريبهم عن وطنهم لقوله ~~تعالى: * (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم) * ~~الآية. فسوى بين النفي والقتل. # وهي عقوبة معروفة بالعادة من العقوبات كالضرب والقتل، وكا ما يقال فيه ~~سوى هذا فليس معروفا لا بالعادة ولا بالعرف. # الباب الرابع: في مسقط الواجب عنه من التوبة وأما ما يسقط الحق الواجب ~~عليه فإن الأصل فيه قوله تعالى: * (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم) *. واختلف من ذلك في أربعة مواضع: أحدها: هل تقبل توبته؟ والثاني: # إن قبلت فما صفة المحارب الذي تقبل توبته؟ فإن لأهل العلم في ذلك قولين: ~~قول إنه تقبل توبته وهو أشهر لقوله تعالى: * (إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم) * وقول: إنه لا تقبل توبته قال ذلك من قال إن الآية لم تنزل ~~في المحاربين. وأما صفة التوبة التي تسقط الحكم إنهم اختلفوا فيها على ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أن توبته تكون بوجهين: أحدهما: أن يترك ما هو عليه وإن ~~لم يأت الامام، والثاني: أن يلقي سلاحه ويأتي الامام طائعا وهو مذهب ابن ~~القاسم. والقول الثاني: أن توبته إنما تكون بأن يترك ما هو عليه ويجلس في ~~موضعه ويظهر لجيرانه، وإن أتى الامام قبل أن تظهر توبته أقام عليه الحد، ~~وهذا قول ابن الماجشون. # والقول الثالث: إن توبته إنما تكون بالمجئ إلى الامام، وإن ترك ما هو ~~عليه لم يسقط ذلك عنه حكما من الاحكام إن أخذ قبل أن يأتي الامام، وتحصيل ~~ذلك هو أن توبته قيل: إنها تكون بأن يأتي الامام قبل أن يقدر عليه، وقيل: ~~إنها تكون إذا ظهرت توبته قبل القدرة ms0987 فقط، وقيل: # تكون بالامرين جميعا. وأما صفة المحارب الذي تقبل توبته، فإنهم اختلفوا ~~فيها أيضا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن يلحق بدار الحرب. والثاني: أن تكون ~~له فئة. والثالث: كيفما كانت له فئة أو لم تكن لحق بدار الحرب أو لم يلحق. ~~واختلف في المحارب إذا امتنع فأمنه الامام على أن ينزل، فقيل: له الأمان ~~ويسقط عنه حد الحرابة، وقيل: لا أمان له لأنه إنما يؤمن المشرك. # وأما ما تسقط عنه التوبة، فاختلفوا في ذلك على أربعة أقوال: أحدها: أن ~~التوبة إنما تسقط عنه حد الحرابة فقط، ويؤخذ بما سوى ذلك من حقوق الله ~~وحقوق الآدميين، وهو قول مالك. # والقول الثاني: أن التوبة تسقط عنه حد الحرابة وجميع حقوق الله من الزنا ~~والشراب والقطع في السرقة، ويتبع بحقوق الناس من الأموال والدماء إلا أن ~~يعفو أولياء المقتول. والثالث: أن التوبة ترفع جميع حقوق الله، ويؤخذ ~~بالدماء وفي الأموال بما وجد بعينه في أيديهم ولا تتبع ذممهم. # والقول الرابع: أن التوبة تسقط جميع حقوق الله وحقوق الآدميين من مال ودم ~~إلا ما كان من PageV02P375 # الأموال قائم العين بيده. الباب الخامس: بماذا تثبت هذه الجناية وأما ~~بماذا يثبت هذا الحد فبالاقرار والشهادة، ومالك يقبل شهادة المسلوبين على ~~الذين سلبوهم. وقال الشافعي: تجوز شهادة أهل الرفقة عليهم إذا لم يدعوا ~~لأنفسهم ولا لرفقائهم ما لا أخذوه، وتثبت عند مالك الحرابة بشهادة السماع. # فصل: في حكم المحاربين على التأويل وأما حكم المحاربين على التأويل، فإن ~~محاربهم الامام، فإذا قدر على واحد منهم لم يقتل إلا إذا كانت الحرب قائمة، ~~فإن مالكا قال: إن للامام أن يقتله إن رأى ذلك لما يخاف من عونه لأصحابه ~~على المسلمين. وأما إذا أسر بعد انقضاء الحرب، فإن حكمه حكم البدعي الذي لا ~~يدعو إلى بدعته، فهو يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وقيل: يستتاب فإن لم يتب ~~يؤدب ولا يقتل، وأكثر أهل البدع إنما يكفرون بالمآل. واختلف قول مالك في ~~التكفير بالمآل ومعنى التكفير بالمآل: أنهم لا يصرحون بقول ms0988 هو كفر، ولكن ~~يصرحون بأقوال يلزم عنها الكفر وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم. وأما ما يلزم ~~هؤلاء من الحقوق إذا ظفر بهم، فحكمهم إذا تابوا أن لا يقام عليهم حد ~~الحرابة، ولا يؤخذ منهم ما أخذوا من المال إلا أن يوجد بيده فيرد إلى ربه. ~~وإنما اختلفوا هل يقتل قصاصا بمن قتل؟ فقيل: يقتل وهو قول عطاء وأصبغ، وقال ~~مطرف وابن الماجشون عن مالك: لا يقتل، وبه قال الجمهور، لان كل من قاتل على ~~التأويل فليس بكافر بتة، أصله قتال الصحابة، وكذلك الكافر بالحقيقة هو ~~المكذب لا المتأول. # باب: في حكم المرتد والمرتد إذا ظفر به قبل أن يحارب، فاتفقوا على أنه ~~يقتل الرجل لقوله عليه الصلاة والسلام: من بدل دينه فاقتلوه واختلفوا في ~~قتل المرأة وهل تستتاب قبل أن تقتل؟ فقال الجمهور: تقتل المرأة، وقال أبو ~~حنيفة: لا تقتل وشبهها بالكافرة الأصلية. والجمهور اعتمدوا العموم الوارد ~~في ذلك، وشذ قوم فقالوا: تقتل وإن راجعت الاسلام. وأما الاستتاب فإن مالكا ~~شرط في قتله ذلك على ما رواه عن عمر. وقال قوم: لا تقبل توبته. وأما إذا ~~حارب المرتد ثم ظهر عليه فإنه يقتل بالحرابة ولا يستتاب، كانت حرابته بدار ~~الاسلام أو بعد أن لحق بدار الحرب، إلا أن يسلم. وأما إذا أسلم المرتد ~~المحارب بعد أن أخذ أو قبل أن يؤخذ، فإنه يختلف في حكمه، فإن كانت حرابته ~~في دار الحرب فهو عند مالك كالحربي يسلم لا تبعة في شئ مما فعل في حال ~~ارتداده. وأما إن كانت حرابته في دار الاسلام، فإنه يسقط إسلامه عنه حكم ~~الحرابة خاصة، وحكمه فيما جنى حكم المرتد إذا جنى في ردته في دار الاسلام ~~ثم أسلم، وقد اختلف أصحاب مالك فيه فقال: حكمه حكم المرتد من اعتبر يوم ~~الجناية، وقال: حكمه حكم المسلم من اعتبر يوم الحكم. وقد اختلف في هذا ~~الباب في حكم الساحر، فقال مالك: يقتل كفرا، وقال قوم: لا يقتل، والأصل أن ~~لا يقتل إلا مع الكفر. PageV02P376 # كتاب الأقضية وأصول ms0989 هذا الكتاب تنحصر في ستة أبواب: أحدها: في معرفة من ~~يجوز قضاؤه. # والثاني: في معرفة ما يقضي به. والثالث: في معرفة ما يقضي فيه. والرابع: ~~في معرفة من يقضي عليه أو له. والخامس: في كيفية القضاء. والسادس: في وقت ~~القضاء. # الباب الأول: في معرفة من يجوز قضاؤه النظر في هذا الباب فيمن يجوز ~~قضاؤه، وفيما يكون به أفضل. فأما الصفات المشترطة في الجواز. فأن يكون حرا ~~مسلما بالغا ذكرا عاقلا عدلا. وقد قيل في المذهب: إن الفسق يوجب العزل ~~ويمضي ما حكم به. واختلفوا في كونه من أهل الاجتهاد، فقال الشافعي: يجب أن ~~يكون من أهل الاجتهاد، ومثله حكى عبد الوهاب عن المذهب، وقال أبو حنيفة: ~~يجوز حكم العامي. قال القاضي: وهو ظاهر ما حكاه جدي - رحمة الله عليه - في ~~المقدمات عن المذهب لأنه جعل كون الاجتهاد فيه من الصفات المستحبة. وكذلك ~~اختلفوا في اشتراط الذكورة، فقال الجمهور: هي شرط في صحة الحكم، وقال أبو ~~حنيفة: يجوز أن تكون المرأة قاضيا في الأموال، قال الطبري: يجوز أن تكون ~~المرأة حاكما على الاطلاق في كل شئ، قال عبد الوهاب: ولا أعلم بينهم ~~اختلافا في اشتراط الحرية، فمن رد قضاء المرأة شبهه بقضاء الإمامة الكبرى، ~~وقاسها أيضا على العبد لنقصان حرمتها. ومن أجاز حكمها في الأموال فتشبيها ~~بجواز شهادتها في الأموال، ومن رأى حكمها نافذا في كل شئ قال: إن الأصل هو ~~أن كل من يتأتى منه الفصل بين الناس فحكمه جائز إلا ما خصصه الاجماع من ~~الإمامة الكبرى. وأما اشتراط الحرية فلا خلاف فيه، ولا خلاف في مذهب مالك ~~أن السمع والبصر والكلام مشترطة في استمرار ولايته وليس شرطا في جواز ~~ولايته، وذلك أن من صفات القاضي في المذهب ما هي شرط في الجواز، فهذا إذا ~~ولي عزل وفسخ جميع ما حكم به. ومنها ما هي شرط في الاستمرار وليست شرطا في ~~الجواز، فهذا إذا ولي القضاء عزل ونفذ ما حكم به إلا أن يكون جورا. ومن هذا ~~الجنس عندهم هذه ms0990 الثلاث صفات. ومن شرط القضاء عند مالك أن PageV02P377 # يكون واحدا، والشافعي يجيز أن يكون في المصر قاضيان اثنان إذا رسم لكل ~~واحد منهما ما يحكم فيه، وإن شرط اتفاقهما في كل حكم لم يجز، وإن شرط ~~الاستقلال لكل واحد منهما فوجهان: الجواز، والمنع، قال: وإذا تنازع الخصمان ~~في اختيار أحدهما وجب أن يقترعا عنده. وأما فضائل القضا فكثيرة، وقد ذكرها ~~الناس في كتبهم. وقد اختلفوا في الأمي هل يجوز أن يكون قاضيا، والأبين ~~جوازه لكونه عليه الصلاة والسلام أميا، وقال قوم: لا يجوز، وعن الشافعي ~~القولان جميعا، لأنه يحتمل أن يكون ذلك خاصا به لموضع العجز، ولا خلا ف في ~~جواز حكم الامام الأعظم، وتوليته للقاضي شرط في صحة قضائه لا خلاف أعرف ~~فيه. واختلفوا من هذا الباب في نفوذ حكم من رضيه المتداعيان ممن ليس بوال ~~على الاحكام. فقال مالك: يجوز، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يجوز، وقال ~~أبو حنيفة: # يجوز إذا وافق حكمه حكم قاضي البلد. # الباب الثاني: في معرفة ما يقضي به وأما فيما يحكم، فاتفقوا أن القاضي ~~يحكم في كل شئ من الحقوق كان حقا لله أو حقا للآدميين، وأنه نائب عن الامام ~~الأعظم في هذا المعنى وأنه يعقد الأنكحة ويقدم الأوصياء، وهل يقدم الأئمة ~~في المساجد الجامعة؟ فيه خلاف، وكذلك هل يستخلف؟ فيه خلاف في المرض والسفر ~~إلا أن يؤذن له. وليس ينظر في الحياة ولا في غير ذلك من الولاة، وينظر في ~~التحجير على السفهاء عند من يرى التحجير عليهم. ومن فروع هذا الباب هل ما ~~يحكم فيه الحاكم يحله للمحكوم له به، وإن لم يكن في نفسه حلالا؟ وذلك أنهم ~~أجمعوا على أن حكم الحاكم الظاهر الذي يعتريه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، ~~وذلك في الأموال خاصة لقوله عليه الصلاة والسلام: إنما أنا بشر وإنكم ~~تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما ~~أسمع منه، فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذ ms0991 منه شيئا، فإنما أقطع له ~~قطعة من النار. واختلفوا في حل عصمة النكاح أو عقده بالظاهر الذي يظن ~~الحاكم أنه حق وليس بحق، إذ لا يحل حرام، ولا يحرم حلال بظاهر حكم الحاكم ~~دون أن يكون الباطن كذلك هل يحل ذلك أم لا؟ # فقال الجمهور: الأموال والفروج في ذلك سواء، لا يحل حكم الحاكم منها ~~حراما ولا يحرم حلالا، وذلك مثل أن يشهد شاهد زور في امرأة أجنبية أنها ~~زوجة لرجل أجنبي ليست له بزوجة، فقال الجمهور: لا تحل له وإن أحلها الحاكم ~~بظاهر الحكم. وقال أبو حنيفة وجمهور أصحابه: تحل له. فعمدة الجمهور: عموم ~~الحديث المتقدم، وشبهة الحنفية أن الحكم باللعان ثابت بالشرع، وقد علم أن ~~أحد المتلاعنين كاذب، واللعان يوجب الفرقة ويحرم المرأة على زوجها الملاعن ~~لها ويحلها لغيره، فإن كان هو الكاذب فلم تحرم عليه إلا بحكم الحاكم، وكذلك ~~إن كانت هي الكاذبة، لان زناها لا يوجب فرقتها على قول أكثر PageV02P378 # الفقهاء، والجمهور أن الفرقة ههنا إنما وقعت عقوبة للعلم بأن أحدهما ~~كاذب. # الباب الثالث: فيما يكون به القضاء والقضاء يكون بأربع: بالشهادة، ~~وباليمين، وبالنكول، وبالإقرار، أو بما تركب من هذه، ففي هذا الباب أربعة ~~فصول. # الفصل الأول: في الشهادة والنظر في الشهود في ثلاثة أشياء: في الصفة، ~~والجنس والعدد. فأما عدد الصفات المعتبرة في قبول الشاهد بالجملة فهي خمسة: ~~العدالة، والبلوغ، والإسلام، والحرية، ونفي التهمة. وهذه منها متفق عليها، ~~ومنها مختلف فيها. أما العدالة، فإن المسلمين اتفقوا على اشتراطها في قبول ~~شهادة الشاهد لقوله تعالى: * (ممن ترضون من الشهداء) * ولقوله تعالى: * ~~(وأشهدوا ذوي عدل منكم) *. واختلفوا فيما هي العدالة، فقال الجمهور: هي صفة ~~زائدة على الاسلام، هو أن يكون ملتزما لواجبات الشرع ومستحباته، مجتنبا ~~للمحرمات والمكروهات، وقال أبو حنيفة: يكفي في العدالة ظاهر الاسلام، وأن ~~لا تعلم منه جرحة. وسبب الخلاف: كما قلنا ترددهم في مفهوم اسم العدالة ~~المقابلة للفسق. وذلك أنهم اتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تقبل لقوله ~~تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إن ms0992 جاءكم فاسق بنبأ) * الآية. ولم يختلفوا ~~أن الفاسق تقبل شهادته إذا عرفت توبته، إلا من كان فسقه من قبل القذف، فإن ~~أبا حنيفة يقول: لا تقبل شهادته وإن تاب. # والجمهور يقولون: تقبل. وسبب الخلاف: هل يعود الاستثناء في قوله تعالى: * ~~(ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك) * إلى أقرب مذكور إليه، أو على الجملة إلا ما خصصه الاجماع، وهو أن ~~التوبة لا تسقط عنه الحد، وقد تقدم هذا. وأما البلوغ فإنهم اتفقوا على أنه ~~يشترط حيث تشترط العدالة. واختلفوا في شهادة الصبيان بعضهم على بعض في ~~الجراح وفي القتل، فردها جمهور فقهاء الأمصار لما قلناه من وقوع الاجماع ~~على أن من شرط الشهادة العدالة، ومن شرط العدالة البلوغ، ولذلك ليست في ~~الحقيقة شهادة عند مالك، وإنما هي قرينة حال. ولذلك اشترط فيها أن لا ~~يتفرقوا لئلا يجبنوا. واختلف أصحاب مالك هل تجوز إذا كان بينهم كبير أم لا؟ ~~ولم يختلفوا أنه يشترط فيها العدة المشترطة في الشهادة، واختلفوا هل يشترط ~~فيها الذكورة أم لا؟ واختلفوا أيضا هل تجوز في القتل الواقع بينهم؟ ولا ~~عمدة لمالك في هذا إلا أنه مروي PageV02P379 # عن ابن الزبير. قال الشافعي: فإذا احتج محتج بهذا قيل له: إن ابن عباس قد ~~ردها، والقرآن يدل على بطلانها، وقال بقول مالك ابن أبي ليلى وقوم من ~~التابعين، وإجازة مالك لذلك هو من باب إجازته قياس المصلحة. وأما الاسلام ~~فاتفقوا على أنه شرط في القبول، وأنه لا تجوز شهادة الكافر، إلا ما اختلفوا ~~فيه من جواز ذلك في الوصية في السفر لقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا ~~شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران ~~من غيركم) * الآية. فقال أبو حنيفة: يجوز ذلك على الشروط التي ذكرها الله ~~تعالى. وقال مالك والشافعي: لا يجوز ذلك، ورأوا أن الآية منسوخة. وأما ~~الحرية فإن جمهور فقهاء الأمصار على اشتراطها في قبول الشهادة، وقال أهل ~~الظاهر: تجوز شهادة العبد، ms0993 لان الأصل إنما هو اشتراط العدالة، والعبودية ~~ليس لها تأثير في الرد، إلا أن يثبت ذلك من كتاب الله أو سنة أو إجماع، ~~وكأن الجمهور رأوا أن العبودية أثر من أثر الكفر فوجب أن يكون لها تأثير في ~~رد الشهادة. وأما التهمة التي سببها المحبة، فإن العلماء أجمعوا على أنها ~~مؤثرة في اسقاط الشهادة. واختلفوا في رد شهادة العدل بالتهمة لموضع المحبة ~~أو البغضة التي سببها العداوة الدنيوية، فقال بردها فقهاء الأمصار، إلا ~~أنهم اتفقوا في مواضع على إعمال التهمة، وفي مواضع على اسقاطها، وفي مواضع ~~اختلفوا فيها، فأهملها بعضهم وأسقطها بعضهم. فمما اتفقوا عليه رد شهادة ~~الأب لابنه والابن لأبيه، وكذلك الأم لابنها وابنها لها. ومما اختلفوا في ~~تأثير التهمة في شهادتهم شهادة الزوجين أحدهما للآخر، فإن مالكا ردها وأبا ~~حنيفة، وأجازها الشافعي وأبو ثور والحسن، وقال ابن أبي ليلى: تقبل شهادة ~~الزوج لزوجه ولا تقبل شهادتها له، وبه قال النخعي. وممن اتفقوا على اسقاط ~~التهمة فيه شهادة الأخ لأخيه ما لم يدفع بذلك عن نفسه عارا علما قال مالك، ~~وما لم يكن منقطعا إلى أخيه ينال بره وصلته، ما عدا الأوزاعي فإنه قال: لا ~~تجوز. ومن هذا الباب اختلافهم في قبول شهادة العدو على عدوه، فقال مالك ~~والشافعي: لا تقبل، وقال أبو حنيفة: تقبل. فعمدة الجمهور في رد الشهادة ~~بالتهمة: # ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين وما ~~خرجه أبو داود من قوله عليه الصلاة والسلام: لا تقبل شهادة بدوي على حضري ~~لقلة شهود البدوي ما يقع في المصر، فهذه فهذه هي عمدتهم من طريق السماع. ~~وأما من طريق المعنى فلموضع التهمة، وقد أجمع الجمهور على تأثيرها في ~~الأحكام الشرعية مثل اجتماعهم على أنه لا يرث القاتل المقتول، وعلى توريث ~~المبتوتة في المرض وإن كان فيه خلاف. وأما الطائفة الثانية وهم شريح وأبو ~~ثور وداود فإنهم قالوا: تقبل شهادة الأب لابنه فضلا عمن PageV02P380 # سواه إذا كان الأب عدلا. وعمدتهم قوله تعالى: ms0994 * (يا أيها الذين آمنوا ~~كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) * ~~والامر بالشئ يقتضي إجزاء المأمور به إلا ما خصصه الاجماع من شهاد المرء ~~لنفسه. وأما من طريق النظر، فإن لهم أن يقولوا رد الشهادة بالجملة إنما هو ~~لموضع اتهام الكذب، وهذه التهمة إنما اعتملها الشرع في الفاسق ومنع إعمالها ~~في العادل، فلا تجتمع مع التهمة. أما النظر في العدد والجنس، فإن المسلمين ~~اتفقوا على أنه لا يثبت الزنا بأقل من أربعة عدول ذكور، واتفقوا على أنه ~~تثبت جميع الحقوق ما عدا الزنا بشاهدين عدلين ذكرين ما خلا الحسن البصري، ~~فإنه قال: لا تقبل بأقل من أربعة شهداء تشبيها بالرجم، وهذا ضعيف لقوله ~~سبحانه: # * (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) * وكل متفق أن الحكم يجب بالشاهدين غير ~~يمين المدعي، إلا ابن أبي ليلى فإنه قال: لا بد من يمينه. واتفقوا على أنه ~~تثبت الأموال بشاهد عدل ذكر وامرأتين لقوله تعالى: * (فرجل وامرأتان ممن ~~ترضون من الشهداء) *. # واختلفوا في قبولهما في الحدود، فالذي عليه الجمهور أنه لا تقبل شهادة ~~النساء في الحدود لا مع رجل ولا مفردات، وقال أهل الظاهر: تقبل إذا كان ~~معهن رجل وكان النساء أكثر من واحدة في كل شئ على ظاهر الآية، وقال أبو ~~حنيفة: تقبل في الأموال وفيما عدا الحدود من أحكام الأبدان مثل الطلاق ~~والرجعة والنكاح والعتق، ولا تقبل عند مالك في حكم من أحكام البدن. واختلف ~~أصحاب مالك في قبولهن في حقوق الأبدان المتعلقة بالمال، مثل الوكالات ~~والوصية التي لا تتعلق إلا بالمال فقط، فقال مالك وابن القاسم وابن وهب: ~~يقبل فيه شاهد وامرأتان، وقال أشهب وابن الماجشون: لا يقبل فيه إلا رجلان. ~~وأما شهادة النساء مفردات، أعني النساء دون الرجال فهي مقبولة عند الجمهور ~~في حقوق الأبدان التي لا يطلع عليها الرجال غالبا مثل الولادة والاستهلال ~~وعيوب النساء. # ولا خلاف في شئ من هذا إلا في الرضاع، فإن أبا حنيفة قال: لا تقبل فيه ~~شهادتهن إلا مع الرجال، لأنه عنده من ms0995 حقوق الأبدان التي يطلع عليها الرجال ~~والنساء. والذين قالوا بجواز شهادتهن مفردات في هذا الجنس اختلفوا في العدد ~~المشترط في ذلك منهن، فقال مالك: يكفي في ذلك امرأتان، قيل مع انتشار ~~الامر، وقيل إن لم ينتشر، وقال الشافعي: ليس يكفي في ذلك أقل من أربع. لان ~~الله عز وجل قد جعل عديل الشاهد الواحد امرأتين، واشترط الاثنينية، وقال ~~قوم: لا يكفي بذلك بأقل من ثلاث وهو قول لا معنى له، وأجاز أبو حنيفة شهادة ~~المرأة فيما بين السرة والركبة، وأحسب أن الظاهرية أو بعضهم لا يجيزون ~~شهادة النساء مفردات في كل شئ كما يجيزون مع PageV02P381 # الرجال في كل شئ وهو الظاهر. وأما شهادة المرأة الواحدة بالرضاع، فإنهم ~~أيضا اختلفوا فيها لقوله عليه الصلاة والسلام في المرأة الواحدة التي شهدت ~~بالرضاع كيف وقد أرضعتكما وهذا ظاهره الانكار، ولذلك لم يختلف قول مالك في ~~أنه مكروه. # الفصل الثاني: # في الايمان وأما الايمان، فإنهم اتفقوا على أنها تبطل بها الدعوى من ~~المدعى عليه إذا لم تكن للمدعي بينة. واختلفوا هل يثبت بها حق المدعي، فقال ~~مالك: يثبت بها حق المدعي في إثبات ما أنكره المدعى عليه وإبطال ما ثبت ~~عليه من الحقوق إذا ادعى الذي ثبت عليه إسقاطه في الموضع الذي يكون المدعي ~~أقوى سببا وشبهة من المدعى عليه، وقال غيره لا تثبت للمدعي باليمن دعوى ~~سواء أكانت في اسقاط حق عن نفسه قد ثبت عليه، أو إثبات حق أنكره فيه خصمه. ~~وسبب اختلافهم: ترددهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: البينة على من ~~ادعى واليمين على من أنكر هل ذلك عام في كل مدعى عليه ومدع، أم إنما خص ~~المدعي بالبينة والمدعى عليه باليمين، لان المدعي في الأكثر هو أضعف شبهة ~~من المدعى عليه والمدعي بخلافه؟ فمن قال هذا الحكم عام في كل مدع ومدعى ~~عليه ولم يرد بهذا العموم خصوصا قال: لا يثبت باليمين حق، ولا يسقط به حق ~~ثبت، ومن قال إنما خص المدعى عليه بهذا الحكم من جهة ما ms0996 هو أقوى شبهة قال: ~~إذا اتفق أن يكون موضع تكون فيه شبهة المدعي أقوى يكون القول قوله، واحتج ~~هؤلاء بالمواضع التي اتفق الجمهور فيها على أن القول فيها قول المدعي مع ~~يمينه، مثل دعوى التلف في الوديعة، وغير ذلك إن وجد شئ بهذه الصفة، ولأولئك ~~أن يقولوا: الأصل ما ذكرنا إلا ما خصصه الاتفاق. وكلهم مجمعون على أن ~~اليمين التي تسقط الدعوى أو تثبتها هي اليمين بالله، الذي لا إله إلا هو، ~~وأقاويل فقهاء الأمصار في صفتها متقاربة، وهي عند مالك: الذي لا إله إلا ~~هو، لا يزيد عليها، ويزيد الشافعي: الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية. ~~وأما هل تغلظ بالمكان؟ فإنهم اختلفوا في ذلك، فذهب مالك إلى أنها تغلظ ~~بالمكان، وذلك في قدر مخصوص، وكذلك الشافعي. واختلفوا في القدر، فقال مالك: ~~إن من ادعى عليه بثلاثة دراهم فصاعدا وجبت عليه اليمين في المسجد الجامع، ~~فإن كان مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، فلا خلاف أنه يحلف على المنبر، ~~وإن كان في غيره من المساجد ففي ذلك روايتان: إحداهما: حيث اتفق من المسجد، ~~والأخرى عند المنبر. وروى عنه ابن القاسم أنه يحلف فيما له بال في الجامع، ~~ولم يحدد. وقال الشافعي: # يحلف في المدينة عند المنبر، وفي مكة بين الركن والمقام، وكذلك عنده في ~~كل بلد يحلف عند المنبر، والنصاب عنده في ذلك عشرون دينارا، وقال داود: ~~يحلف على المنبر في القليل والكثير، وقال أبو حنيفة: لا تغلظ اليمين ~~بالمكان. وسبب الخلاف: هل تغليظ PageV02P382 # الوارد في الحلف على منبر النبي (ص) يفهم منه وجوب الحلف على المنبر أم ~~لا؟ فمن قال: إنه يفهم منه ذلك قال: لأنه لو لم يفهم منه ذلك لم يكن ~~للتغليظ في ذلك معنى، ومن قال للتغليظ معنى غير الحكم بوجوب اليمين على ~~المنبر قال: لا يجب الحلف على المنبر، والحديث الوارد في التغليظ هو حديث ~~جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله (ص) قال: من حلف على منبري آثما ~~تبوأ مقعده من النار ms0997 واحتج هؤلاء بالعمل فقالوا: هو عمل الخلفاء. قال ~~الشافعي: لم يزل عليه العمل بالمدينة وبمكة. # قالوا: ولو كان التغليظ لا يفهم منه إيجاب اليمين في الموضع المغلظ لم ~~يكن له فائدة إلا تجنب اليمين في ذلك الموضع. قالوا: وكما أن التغليظ ~~الوارد في اليمين مجردا مثل قوله عليه الصلاة والسلام: من اقتطع حق امرئ ~~مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار يفهم منه وجوب القضاء ~~باليمين، وكذلك التغليظ الوارد في المكان. وقال الفريق الاخر: لا يفهم من ~~التغليب باليمن وجوب الحكم باليمن، وإذ لم يفهم من تغليظ اليمين وجوب الحكم ~~باليمين لم يفهم من تغليظ اليمين بالمكان وجوب اليمين بالمكان وليس فيه ~~إجماع من الصحابة، والاختلاف فيه مفهوم من قضية زيد بن ثابت. وتغلظ بالمكان ~~عند مالك في القسامة واللعان، وكذلك بالزمان لأنه قال في اللعان أن يكون ~~بعد صلاة العصر على ما جاء في التغليظ فيمن حلف بعد العصر. وأما القضاء ~~باليمين مع الشاهد فإنهم اختلفوا فيه. فقال مالك والشافعي وأحمد وداود وأبو ~~ثور والفقهاء السبعة المدنيون وجماعة: # يقضي اليمين مع الشاهد في الأموال. وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي ~~وجمهور أهل العراق: لا يقضي باليمن مع الشاهد في شئ، وبه قال الليث من ~~أصحاب مالك. وسبب الخلاف في هذا الباب: تعارض السماع. أما القائلون به ~~فإنهم تعلقوا في ذلك آثار كثيرة، منها حديث ابن عباس، وحديث أبي هريرة، ~~وحديث زيد بن ثابت، وحديث جابر، إلا أن الذي خرج مسلم منها حديث ابن عباس، ~~ولفظه أن رسول الله (ص) قضى باليمين مع الشاهد أخرجه مسلم ولم يخرجه ~~البخاري. وأما مالك فإنما اعتمد مرسله في ذلك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن ~~رسول الله (ص) قضى باليمين مع الشاهد لان العمل عنده بالمراسيل واجب. وأما ~~السماع المخالف لها فقوله تعالى: * (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ~~ترضون من الشهداء) * قالوا: وهذا يقتضي الحصر فالزيادة عليه نسخ، ولا ينسخ ~~القرآن بالسنة الغير متواترة، وعند المخالف أنه ليس بنسخ ms0998 بل زيادة لا تغير ~~حكم المزيد. وأما السنة فما خرجه البخاري ومسلم عن الأشعث بن قيس قال: # كان بيني وبين رجل خصومة في شئ، فاختصمنا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ~~فقال: PageV02P383 # شاهداك أو يمينه فقلت: إذن يحلف ولا يبالي. فقال النبي (ص) من حلف على ~~يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان قالوا: ~~فهذا منه عليه الصلاة والسلام حصر للحكم ونقض لحجة كل واحد من الخصمين، ولا ~~يجوز عليه (ص) ألا يستوفي أقسام الحجة للمدعي. والذين قالوا باليمين مع ~~الشاهد هم على أصلهم في أن اليمين هي حجة أقوى المتداعيين شبهة. وقد قويت ~~هنا حجة المدعي بالشاهد كما قويت في القسامة. وهؤلاء اختلفوا في القضاء مع ~~المرأتين. فقال مالك: يجوز لان المرأتين قد أقيمتا مقام الواحد، وقال ~~الشافعي: لا يجوز له، لأنه إنما أقيمت مقام الواحد مع الشاهد الواحد لا ~~مفردة ولا مع غيره. وهل يقضي باليمين في الحدود التي هي حق للناس مثل القذف ~~والجراح؟ فيه قولان في المذهب. # الفصل الثالث: # النكول وأما ثبوت الحق على المدعى عليه بنكوله، فإن الفقهاء أيضا اختلفوا ~~في ذلك، فقال مالك والشافعي وفقهاء أهل الحجاز وطائفة من العراقيين: إذا ~~نكل المدعى عليه لم يجب للمدعي شئ بنفس النكول، إلا أن يحلف المدعي أو يكون ~~له شاهد واحد، وقال أبو حنيفة وأصحابه وجمهور الكوفيين: يقضي للمدعي على ~~المدعى عليه بنفس النكول، وذلك في المال بعد أن يكرر عليه اليمين ثلاثا. ~~وقلب اليمين عند مالك يكون في الموضع الذي يقبل فيه شاهد وامرأتان، وشاهد ~~ويمين، وقلب اليمين عند الشافعي يكون في كل موضع يجب فيه اليمين، وقال ابن ~~أبي ليلى: أردها في غير التهمة. ولا أردها في التهمة. وعند مالك في يمين ~~التهمة هل تنقلب أم لا؟ قولان. فعمدة من رأى أن تنقلب ما رواه مالك من أن ~~رسول الله (ص) رد في القسامة على اليهود بعد أن بدأ بالأنصار. # ومن حجة مالك أن الحقوق عنده إنما تثبت ms0999 بشيئين: إما بيمين وشاهد، وإما ~~بنكول وشاهد، وإما بنكول ويمين، أصل ذلك عند اشتراط الاثنينية في الشهادة، ~~وليس يقضي عند الشافعي بشاهد ونكول. وعمدة من قضى بالنكول أن الشهادة لما ~~كانت لاثبات الدعوى، واليمين لابطالها وجب إن نكل عن اليمين أن تحقق عليه ~~الدعوى، قالوا: وأما نقلها من المدعى عليه إلى المدعي فهو خلاف للنص، لان ~~اليمين قد نص على أنها دلالة المدعى عليه. فهذه أصول الحجج التي يقضي بها ~~القاضي. ومما اتفقوا عليه في هذا الباب أنه يقضي القاضي بوصول كتاب قاض آخر ~~إليه. لكن هذا عند الجمهور ما اقتران الشهادة به، أعني إذا أشهد القاضي ~~الذي يثبت عنده الحكم شاهدين عدلين أن الحكم ثابت عنده - أعني المكتوب في ~~الكتاب الذي أرسله إلى القاضي الثاني، فشهدا عند القاضي الثاني أنه كتابه. ~~وأنه أشهدهم بثبوته، وقد قيل: إنه يكتفي فيه بخط القاضي، وأنه كان به العمل ~~الأول. واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة إن أشهدهم على الكتابة ولم يقرأه ~~PageV02P384 # عليهم. فقال مالك: يجوز. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز ولا تصح ~~الشهادة. # واختلفوا في العفاص والوكاء هل يقضي به في اللقطة دون شهادة، أم لا بد في ~~ذلك من شهادة؟ فقال مالك: يقضي بذلك، وقال الشافعي: لا بد من الشاهدين. ~~وكذلك قال أبو حنيفة، وقول مالك هو أجرى على نص الأحاديث، وقول الغير أجرى ~~على الأصول. ومما اختلفوا فيه من هذا الباب قضاء القاضي بعلمه، وذلك أن ~~العلماء أجمعوا على أن القاضي يقضي بعلمه في التعديل والتجريح. وأنه إذا ~~شهد الشهود بضد علمه لم يقض به، وأنه يقضي بعلمه في إقرار الخصم وإنكاره، ~~إلا مالكا فإنه رأى أن يحضر القاضي شاهدين لاقرار الخصم وإنكاره، وكذلك ~~أجمعوا على أنه يقضي بعلمه في تغليب حجة أحد الخصمين على حجة الآخر إذا لم ~~يكن في ذلك خلاف. واختلفوا إذا كان في المسألة خلاف، فقال قوم: # لا يرد حكمه إذا لم يخرق الاجماع، وقال قوم: إذا كان شاذا، وقال قوم: يرد ~~إذا كان حكما بقياس، ms1000 وهنالك سماع من كتاب أو سنة تخالف القياس، وهو الأعدل، ~~إلا أن يكون القياس تشهد له الأصول، والكتاب محتمل، والسنة غير متواترة، ~~وهذا هو الوجه الذي ينبغي أن يحمل عليه من غلب القياس من الفقهاء في موضع ~~من المواضع على الأثر مثل ما ينسب إلى أبي حنيفة باتفاق، وإلى مالك ~~باختلاف. واختلف هل يقضي بعلمه على أحد دون بينة أو إقرار، أو لا يقضي إلا ~~بالدليل والاقرار؟ فقال مالك وأكثر أصحابه: لا يقضي إلا بالبينات أو ~~الاقرار، وبه قال أحمد وشريح، وقال الشافعي والكوفي وأبو ثور وجماعة: ~~للقاضي أن يقضي بعلمه، ولكلا الطائفتين سلف من الصحابة والتابعي، وكل واحد ~~منهما اعتمد في قوله السماع والنظر. أما عمدة الطائفة التي منعت من ذلك، ~~فمنها حديث معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي (ص) بعث أبا جهم على ~~صدقة فلاحاه رجل في فريضة، فوقع بينهما شجاج، فأتوا النبي (ص) فأخبروه، ~~فأعطاهم الأرش، ثم قال عليه الصلاة والسلام: إني خاطب الناس ومخبرهم أنكم ~~قد رضيتم، أرضيتم؟ قالوا: نعم، فصعد رسول الله (ص) المنبر، فخطب الناس وذكر ~~القصة، وقال: أرضيتم؟ قالوا: لا، فهم بهم المهاجرون، فنزل رسول الله (ص) ~~فأعطاهم، ثم صعد المنبر فخطب، ثم قال: أرضيتم؟ # قالوا: نعم فهذا بين في أنه لم يحكم عليهم بعلمه (ص). وأما من جهة المعنى ~~فالتهمة اللاحقة في ذلك للقاضي. وقد أجمعوا أن للتهمة تأثيرا في الشرع: ~~منها أن لا يرث القاتل عمدا عند الجمهور من قتله. ومنها ردهم شهادة الأب ~~لابنه، وغير ذلك مما هو معلوم من جمهور الفقهاء. وأما عمدة من أجاز ذلك، ~~أما من طريق السماع فحديث عائشة في قصة هند بنت عتبة بن ربيعة مع زوجها أبي ~~سفيان بن حرب حين قال لها عليه الصلاة والسلام وقد شكت أبا سفيان خذي ما ~~يكفيك وولدك بالمعروف دون أن يسمع قول خصمها. وأما من طريق المعنى فإنه إذا ~~كان له أن يحكم بقول الشاهد الذي هو مظنون في PageV02P385 # حقه، فأحرى أن يحكم بما ms1001 هو عنده يقين. وخصص أبو حنيفة وأصحابه ما يحكم ~~فيه الحاكم بعلمه فقالوا: لا يقضي بعلمه في الحد ويقضي في غير ذلك، وخصص ~~أيضا أبو حنيفة العلم الذي يقضي به فقال: يقضي بعلمه الذي علمه في القضاء، ~~ولا يقضي بما علمه قبل القضاء. وروي عن عمر أنه قضى بعلمه على أبي سفيان ~~لرجل من بني مخزوم. وقال بعض أصحاب مالك: يقضي بعلمه في المجلس أعني بما ~~يسمع وإن لم يشهد عنده بذلك، وهو قول الجمهور كما قلنا، وقول المغيرة هو ~~أجرى على الأصول، لان الأصل في هذه الشريعة لا يقضي إلا بدليل وإن كانت ~~غلبة الظن الواقعة به أقوى من الظن الواقع بصدق الشاهدين. # الفصل الرابع: في الاقرار وأما الاقرار إذا كان بينا فلا خلاف في وجوب ~~الحكم به، وإنما النظر فيمن يجوز إقراره ممن لا يجوز. وإذا كان الاقرار ~~محتملا رفع الخلاف. أما من يجوز إقراره ممن لا يجوز فقد تقدم. وأما عدد ~~الاقرارات الموجبة فقد تقدم في باب الحدود، ولا خلاف بينهم أن الاقرار مرة ~~واحدة عامل في المال. وأما المسائل التي اختلفوا فيها من ذلك فهو من قبل ~~احتمال اللفظ، وأنت إن أحببت أن تقف عليه فمن كتب الفروع. # الباب الرابع: # في معرفة من يقضى عليه أو له وأما على من يقضى ولمن يقضي؟ فإن الفقهاء ~~اتفقوا على أنه يقضي لمن ليس يتهم عليه. واختلفوا في قضائه لمن يتهم عليه. ~~فقال مالك: لا يجوز قضاؤه على من لا تجوز عليه شهادته. وقال قوم: يجوز لان ~~القضاء يكون بأسباب معلومة وليس كذلك الشهادة. # وأما على من يقضى؟ فإنهم اتفقوا على أنه يقضى على المسلم الحاضر. ~~واختلفوا في الغائب وفي القضاء على أهل الكتاب. فأما القضاء على الغائب، ~~فإن مالكا والشافعي قالا: # يقضى على الغائب البعيد الغيبة، وقال أبو حنيفة: لا يقضي على الغائب ~~أصلا، وبه قال ابن الماجشون، وقد قيل عن مالك لا يقضي في الرباع المستحقة. ~~فعمدة من رأى القضاء حديث هند المتقدم ولا حجة فيه، لأنه ms1002 لم يكن غائبا عن ~~المصر. وعمدة من لم ير القضاء قوله عليه الصلاة والسلام: فإنما أقضي له ~~بحسب ما أسمع وما رواه أبو داود وغيره عن علي أن النبي (ص) قال له حين ~~أرسله إلى اليمين لا تقض لاحد الخصمين حتى تسمع من الآخر وأما الحكم على ~~الذمي، فإن في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يقضي بينهم إذا ترافعوا إليه ~~بحكم المسلمين، وهو مذهب أبي حنيفة. والثاني: أنه مخير، وبه قال مالك، وعن ~~الشافعي القولان، والثالث: أنه واجب على الامام أن يحكم بينهم وأن لم ~~يتحاكموا إليه. فعمدة من اشترط مجيئهم للحاكم قوله تعالى: * (فإن جاؤوك ~~فاحكم بينهم PageV02P386 # أو أعرض عنهم) * وبهذا تمسك من رأى الخيار، ومن أوجبه اعتمد قوله تعالى: ~~* (وأن احكم بينهم) * ورأي أن هذا ناسخ لآية التخيير. وأما من رأى وجوب ~~الحكم عليهم وإن لم يترافعوا، فإنه احتج بإجماعهم على أن الذمي إذا سرق ~~قطعت يده الباب الخامس: # في كيفية القضاء وأما كيف يقضي القاضي، فإنهم أجمعوا على أنه واجب عليه ~~أن يسوي بين الخصمين في المجلس وألا يسمع من أحدهما دون الآخر، وأن يبدأ ~~بالمدعي فيسأله البينة إن أنكر المدعى عليه. وإن لم يكن له بينة فإن كان في ~~ماله وجبت اليمين على المدعى عليه باتفاق، وإن كانت في طلاق أو نكاح أو قتل ~~وجبت عند الشافعي بمجرد الدعوى. وقال مالك: لا تجب إلا مع شاهد، وإذا كان ~~في المال فهل يحلفه المدعى عليه بنفس الدعوى أم لا يحلفه حتى يثبت المدعي ~~الخلطة اختلفوا في ذلك، فقال جمهور فقهاء الأمصار: اليمين تلزم المدعى عليه ~~بنفس الدعوى لعموم قوله عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عباس: البينة على ~~المدعي واليمين على المدعى عليه وقال مالك: لا تجب اليمين إلا بالمخالطة، ~~وقال بها السبعة من فقهاء المدينة. وعمدة من قال بها النظر إلى المصلحة ~~لكيلا يتطرق الناس بالدعاوي إلى تعنيت بعضهم بعضا، وإذاية بعضهم بعضا، ومن ~~هنا لم ير مالك إحلاف المرأة زوجها إذا ادعت عليه الطلاق إلا ms1003 أن يكون معها ~~شاهد، وكذلك إحلاف العبد سيده في دعوى العتق عليه. والدعوى لا تخلو أن تكون ~~في شئ في الذمة أو في شئ بعينه، فإن كانت في الذمة فادعى المدعى عليه ~~البراءة من تلك الدعوى وأن له بينة سمعت منه بينته باتفاق. وكذلك إن كان ~~اختلاف في عقد وقع أو عين مثل بيع أو غير ذلك. وأما إن كانت الدعوى في عين ~~وهو الذي يسمى استحقاقا، فإنهم اختلفوا هل تسمع بينة المدعى عليه؟ فقال أبو ~~حنيفة: لا تسمع بينة المدعى عليه إلا في النكاح وما لا يتكرر، وقال غيره: ~~لا تسمع في شئ، وقال مالك والشافعي: # تسمع - أعني في أن تشهد للمدعي بينة المدعى عليه أنه مال له وملك. فعمدة ~~من قال لا تسمع أن الشرع قد جعل البينة في حيز المدعي واليمين في حيز ~~المدعى عليه، فوجب أن لا ينقلب الامر، وكان ذلك عندهما عبادة. وسبب الخلاف: ~~هل تفيد بينة المدعى عليه معنى زائدا على كون الشئ المدعي فيه موجودا بيده، ~~أم ليست تفيد ذلك؟ فمن قال: لا تفيد معنى زائدا قال: لا معنى لها، ومن قال ~~تفيد: اعتبرها. فإذا قلنا باعتبار بينة المدعى عليه فوقع التعارض بين ~~البينتين ولم تثبت إحداهما أمر زائدا مما لا يمكن أن يتكرر في ملك ذي ~~الملك. # فالحكم عند مالك أن يقضي بأعدل البينتين ولا يعتبر الأكثر، وقال أبو ~~حنيفة: بينة المدعي أولى على أصله ولا تترجح عنده بالعدالة كما لا تترجح ~~عند مالك بالعدد، وقال الأوزاعي: PageV02P387 # تترجح بالعدد وإذا تساوت في العدالة فذلك عند مالك كلا بينة يحلف المدعى ~~عليه، فإن نكل حلف المدعي ووجب الحق، لان يد المدعى عليه شاهدة له، ولذلك ~~جعل دليله الدليلين: أعني اليمين. وأما إذا أقر الخصم فإن كان المدعى فيه ~~عينا فلا خلاف أنه يدفع إلى مدعيه. وأما إذا كان مالا في الذمة، فإنه يكلف ~~المقر غرمه فإن ادعى العدم حبسه القاضي عند مالك حتى يتبين عدمه، أما بطول ~~السجن والبينة إن كان متهما فإذا ms1004 لاح عسره خلي سبيله لقوله تعالى: * (وإن ~~كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) *. وقال قوم: يؤاجره، وبه قال أحمد. وروي عن ~~عمر بن عبد العزيز، وحكي عن أبي حنيفة أن لغرمائه أن يدوروا معه حيث دار، ~~ولا خلاف أن البينة إذا جرحها المدعى عليه أن الحكم يسقط إذا كان التجريح ~~قبل الحكم، وإن كان بعد الحكم لم ينتقض عند مالك، وقال الشافعي: ينتقض. ~~وأما إن رجعت البينة عن الشهادة، فلا يخلو أن يكون ذلك قبل الحكم أو بعده، ~~فإن كان قبل الحكم فالأكثر أن الحكم لا يثبت، وقال بعض الناس: يثبت. وإن ~~كان بعد الحكم. فقال مالك: يثبت الحكم. # وقال غيره لا يثبت الحكم. وعند مالك أن الشهداء يضمنون ما أتلفوا ~~بشهادتهم. فإن كان مالا ضمنوه على كل حال، قال عبد الملك: لا يضمنون في ~~الغلط، وقال الشافعي: لا يضمنون المال. وإن كان دما فإن ادعوا الغلط ضمنوا ~~الدية. وإن أقروا أقيد منهم على قول أشهب، ولم يقتص منهم على قول ابن ~~القاسم. # الباب السادس: # في وقت القضاء وأما متى يقضي، فمنها ما يرجع إلى حال القاضي في نفسه، ~~ومنها ما يرجع إلى وقت إنفاذ الحكم وفصله، ومنها ما يرجع إلى وقت توقيف ~~المدعي فيه وإزالة اليد عنه إذا كان غبنا. فأما متى يقضي القاضي؟ فإذا لم ~~يكن مشغول النفس لقوله عليه الصلاة والسلام: لا يقضي القاضي حين يقضي وهو ~~غضبان ومثل هذا عند مالك أن يكون عطشانا أو جائعا أو خائفا أو غير ذلك من ~~العوارض التي تعوقه عن الفهم، لكن إذا قضى في حال من هذه الأحوال بالصواب ~~فاتفقوا - فيما أعلم - على أنه ينفذ حكمه، ويحتمل أن يقال: ينفذ فيما وقع ~~عليه النص وهو الغضبان، لان النهي يدل على فساد المنهي عنه. وأما متى ينفذ ~~الحكم عليه فبعد ضرب الاجل والاعذار إليه، ومعنى نفوذ هذا، هو أن يحق حجة ~~المدعي أو يدحضها، وهل له أن يسمع حجة بعد الحكم؟ فيه اختلاف من قول مالك، ~~والأشهر أنه يسمع فيما ms1005 كان حقا لله مثل الاحباس والعتق ولا يسمع في غير ~~ذلك. وقيل لا يسمع بعد نفوذ الحكم وهو الذي يسمى التعجيز وقيل: لا يسمع ~~منهما جميعا، وقيل بالفرق بين المدعي والمدعى عليه، وهو ما إذا أقر بالعجز. ~~وأما وقت التوقيف فهو عند الثبوت وقبل الاعذار، وهو إذا لم يرد الذي استحق ~~PageV02P388 # الشئ من يده أن يخاصم فله أن يرجع بثمنه على البائع، وإن كان يحتاج في ~~رجوعه به على البائع أن يوافقه عليه فيثبت شراءه منه إن أنكره، أو يعترف له ~~به إن أقره فللمستحق من يده أن يأخذ الشئ من المستحق ويترك قيمته بيد ~~المستحق. وقال الشافعي: يشتريه منه. فإن عطب في يد المستحق فهو ضامن له، ~~وإن عطب في أثناء الحكم: ممن ضمانه؟ اختلف في ذلك، فقيل: إن عطب بعد الثبات ~~فضمانه من المستحق وقيل: إنما يضمن المستحق بعد الحكم. وأما بعد الثبات ~~وقبل الحكم فهو من المستحق منه، قال القاضي رضي الله عنه: وينبغي أن تعلم ~~أن الأحكام الشرعية تنقسم قسمين: قسم يقضي به الحكام وجل ما ذكرناه في هذا ~~الكتاب هو داخل في هذا القسم، وقسم لا يقضي به الحكام، وهذا أكثره هو داخل ~~في المندوب إليه. # وهذا الجنس من الاحكام هو مثل رد السلام وتشميت العاطس وغير ذلك مما ~~يذكره الفقهاء في أواخر كتبهم التي يعرفونها بالجوامع، ونحن فقد رأينا أن ~~نذكر أيضا من هذا الجنس المشهور منه إن شاء الله تعالى. وأما ما ينبغي قبل ~~هذا أن تعلم أن السنن المشروعة العملية المقصود منها هو الفضائل النفسانية، ~~فمنها ما يرجع إلى تعظيم من يجب تعظيمه وشكر من يجب شكره، وفي هذا الجنس ~~تدخل العبادات. وهذه هي السنن الكرامية، ومنها ما يرجع إلى الفضيلة التي ~~تسمى عفة وهذه صنفان: السنن الواردة في المطعم والمشرب، والسنن الواردة في ~~المناكح، ومنها ما يرجع إلى طلب العدل والكف عن الجور. فهذه هي أجناس السنن ~~التي تقتضي العدل في الأموال، والتي تقتضي العدل في الأبدان، وفي هذا الجنس ~~يدخل ms1006 القصاص والحروب والعقوبات. لأن هذه كلها إنما يطلب بها العدل، ومنها ~~السنن الواردة في الاعراض، ومنها السنن الواردة في جميع الأموال وتقويمها، ~~وهي التي يقصد بها طلب الفضيلة التي تسمى السخاء، وتجنب الرذيلة التي تسمى ~~البخل. والزكاة تدخل في هذا الباب من وجه، وتدخل في باب الاشتراك في ~~الأموال، وكذلك الامر في الصدقات. ومنها سنن واردة في الاجتماع الذي هو شرط ~~في حياة الانسان وحفظ فضائله العملية والعلمية، وهي المعبر عنها بالرياسة، ~~ولذلك لزم أيضا أن تكون سنن الأئمة والقوام بالدين. ومن السنة المهمة في ~~حين الاجتماع السنن الواردة في المحبة والبغضة والتعاون على إقامة هذه ~~السنن، وهو الذي يسمى: # النهي عن المنكر والامر بالمعروف، وهي المحبة والبغضة: أي الدينية التي ~~تكون إما من قبل الاخلال بهذه السنن، وإما من قبل سوء المعتقد في الشريعة. ~~وأكثر ما يذكر الفقهاء في الجوامع من كتبهم ما شذ عن الأجناس الأربعة التي ~~هي فضيلة العفة وفضيلة العدل وفضيلة الشجاعة وفضيلة السخاء، والعبادة التي ~~هي كالشروط في تثبيت هذه الفضائل. # كمل كتاب الأقضية، وبكماله كمل جميع الديوان، والحمد لله كثيرا على ذلك ~~كما هو أهله.# PageV02P389 #####ENDNOTES# (1) في نسخة فاس: التنبيه لنفسي بدل أن أثبت. (أنظر ترجمة آخر الكتاب). (1) سورة المائدة، الآية: 3. # (2) سورة التوبة، الآية: 103. # (3) سورة الإسراء، الآية: 23. (1) سورة البقرة، الآية: 160. ms1007