######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010686 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن رشد الحفيد #META# 010.AuthorNAME :: أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الشهير بابن رشد الحفيد (المتوفى : 595هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 595 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: فصل المقال لابن رشد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب متنوعة #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: فصل المقال لابن رشد #META# 030.LibURI :: JK_010686 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الحمن الرحيم # وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم # مقدمة - قال الفقيه الأجل الأوحد العلامة، الصدر الكبير، القاضي الأعدل، ~~أبو الوليد محمد بن احمد بن محمد بن احمد بن احمد بن رشد، رضي الله تعالى ~~عنه ورحمه. أما بعد حمد الله بجميع محامده، والصلاة على محمد عبده المطهر، ~~المصطفى ورسوله: # الفلسفة والمنطق والشريعة # هل أوجب الشرع الفلسفة # فإن الغرض من، هذا القول أن نفحص، على جهة النظر الشرعي، هل النظر في ~~الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع، أم محظور، أم مأمور به، إما على جهة ~~الندب، وإما على جهة الوجوب. # فنقول: أن كأن فع!ل الفلسفة ليس شيئا أكثر من النظر في الموجودات، ~~واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أعني من جهة ما هي مصنوعات، فإن ~~الموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعتها. وأنه كلما كانت المعرفة ~~بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم، وكأن الشرع قد ندب إلى اعتبار ~~الموجودات، وحث على ذلك. # فبين أن ما يدل عليه هذا الاسم أما واجب بالشرع، واما مندوب اليه. # فأما أن الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل وتطلب معرفتها به، فذلك ~~بين في غير ما آية من كتاب الله، تبارك وتعالى، مثل قوله تعالى " فاعتبروا ~~يا أو لي الأبصار " وهذا نص على وجوب استعمال القياس العقلي، أو العقلي ~~والشرعي معا. # ومثل قوله تعالى " أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من ~~شيء " ؟ وهذا نص بالحث على النظر في جميع الموجودات. # وأعلم أن ممن خصه الله تعالى بهذا العلم وشرفه به، إبراهيم عليه السلام. ~~فقال تعالى: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض " الآية. - وقال ~~تعالى: " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت " ؟ وقال، " ~~و يتفكرون في خلق السموات والأرض " إلى غير ذلك من اليبات التي لا تحصى ~~كثيرة. # المنطق # وإذا تقرر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات راعتبارها، وكأن ~~الاعتبار ليس شيئا اكثر من استنباط المجهول من المعلوم، واستخراجه منه، ~~وهذا هو القياس أو بالقياس. فواجب أن ms01 نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس ~~العقلي. # وبين أن هذا النحو من النظر الذي دعا إليه الشرع وحث. عليه، هو أتم أنواع ~~مثبتون القياس العقلي، إلا طائفة من الحشوية قليلة، وهم محجوجون بالنصوص. ~~وإذا تقرر أنه يحب بالشرع النظر، في القياس العقلي وأنواعه، كان يجب النظر ~~في القياس الفقهي، فبين أنه أن كأن لم يتقدم احد ممن قبلنا بفحص عن القياس ~~العقلي وأنواعه، أنه يجب علينا أن نبتدىء! بالفحص عنه، وأن يستعين في ذلك ~~المتأخر بالمتقدم، حتى تكمل المعرفة به. فإنه عسير أو غير ممكن أن يقف واحد ~~من الناس من تلقائه وابتداء على جميع، ما يحتاج إليه كل من ذلك، كما أنه ~~عسير أن يستنبط واحد جميع ما يحتاج إليه من معرفة أنواع القياس الفقهي، بل ~~معرفة القياس العقلي أحرى بذلك، وأن كأن غيرنا قد فحص عن ذلك. # فبين أنه يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا في ~~ذلك، وسواء كأن ذلك الغير مشاركا لنا أو غير مشارك في الملة. أن الآلة التي ~~تصح بها التذكية ليس يعتبر في صحة التذكية بها كونها آلة لمشارك لنا في ~~الملة أو غير مشارك إذا كانت فيها، شروط الصحة. واعني بغير المشارك من نظر ~~في هذه الأشياء من القدماء قبل ملة الإسلام. - وإذا كأن الأمر هكذا، وكأن ~~كل ما يحتاج إليه من النظر في أمر المقاييس العقلية قد فحص عنه، القدماء ~~أتم فحص، فقد ينبغي أن نضرب بأيدينا إلى كتبهم. فننظر فيما قالوه من ذلك: ~~فإن كأن كله صوابا قبلناه منهم، وأن كأن فيه ما ليس بصواب، نبهنا عليه. # فإذا فرغنا من هذا الجنس من النظر وحصلت عندنا الآلات التي بها نقدر على ~~الاعتبار في الموجودات ودلالة الصنعة فيها، فإن من لا يعرف الصنعة لا يعرف ~~المصنوع، ومن لا يعرف المصنوع لا يعرف الصانع، قد يجب أن نشرع في الفحص عن ~~الموجودات على الترتيب والنحو الذي استفدناه من صناعة المعرفة بالمقاييس ~~البرهانية. # لا يمكن لفرد واحد إدراك كل ms02 العلوم # وبين أيضا أن هذا ا الغرض إنما يتم لنا في الموجودات بتداول الفحص عنها ~~واحدا PageV01P001 بعد واحد، وأن يستعين في ذلك المتأخر بالمتقدم، على مثال ~~ما عرض في علوم التعاليم . فإنه لو فرضنا صناعة الهندسة في وقتنا هذا ~~معدومة، وكذلك صناعة علم الهيئة، ورام أنسأن واحد من تلقاء نفسه أن يدرك ~~مقادير الأجرام السماوية وأشكالها وأبعاد بعضها عن بعض، لما أمكنه ذلك. مثل ~~أن يعرف قدر الشمس من الأرض، وغير ذلك من مقادير الكواكب، ولوكأن أذكى ~~الناس طبعا إلا بوحي أو شيء يشبه الوحي. بل لو قيل له أن الشمس أعظم من ~~الأرض بنحو، مائة وخمسين ضعفا، أو ستين، لعد هذا القول جنونا من قائله. ~~وهذا شيء قد قام عليه البرهان في علم الهيئة قياما لا يشك فيه من هو من ~~أصحاب ذلك العلم. # وأما الذي أحوج في هذا إلى التمثيل بصناعة التعاليم، فهذه صناعة أصول ~~الفقه. والفقه نفسه لم يكمل النظر فيما إلا في زمن طويل. ولو رام أنسأن ~~اليوم من تلقاء نفسه أن يقف على جميع الحجج التي استنبطها النظار من أهل ~~المذاهب في مسائل الخلاف التي وقعت المناظرة فيها بينهم في معظم بلاد ~~الإسلام ما عدا المغرب - فكأن أهلا أن يضحك منه، لكون ذلك ممتنعا في حقه مع ~~وجود ذلك مفروغا منه. وهذا أمر بين بنفسه، ليس في الصنائع العلمية فقط، بل ~~وفي العملية. فإنه ليس منها صناعة بقدر أن ينشئها واحد بعينه، فكيف بصناعة ~~الصنائع، وهي الحكمة؟ وإذا كأن هذا!هكذا، فقد يجب علينا أن الفينا لمن ~~تقدمنا من المقام السالفة نظرا في الموجودات واعتبار لها بحسب ما اقتضته ~~شرائط البرهان أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم: فما كأن ~~منها موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا به، وشكرناهم عليه، وما كان منها غبر ~~موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم . # الفلسفة ومعرفة الله تعالى # فقد تبين من هذا أن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع، إذ، كان مغزاهم ~~كتبهم ومقصدهم هو المقصد ms03 الذي حثنا الشرع عليه، وأن من نهى عن النظر فيها ~~من كأن أهلا للنظر فيها، وهو الذي جمع أمرين أحدهما ذكاء الفطرة، والثاني ~~العدالة الشرعية والفضيلة الخلقية - فقد صد الناس عن الباب الذي دعا الشرع ~~منه الناس إلى معرفة الله، و!!باب النظر، المؤدي إلى معرفته حق المعرفة. ~~وذلك غاية الجهل والبعد عن الله تعالى. # موافقة الشريعة لمناهج الفلسفة # وليس يلزم من أنه أن غوى غاو بالنظر فيها، وزل زال، إما من قبل نقص ~~فطرته، وإما من فبل سوء ترتيب نظره فيها، أومن قبل غلبة شهواته عليه، أو ~~أنه لم يجد معلما يرشده إلى فهم ما فيها، أو من قبل اجتماع هذه الأسباب ~~فيه، أو اكثر من واحد منها، أن نمنعها عن الذي هو أهل للنظر فيها. فإن هذا ~~النحو من الضرر الداخل من قبلها هو شيء لحقها بالعرض لا بالذات. وليس يجب ~~فيما كأن نافعا بطباعه وذاته أن يترك، لمكان مضرة موجودة فيه بالعرض. ولذلك ~~قال عليه السلام للذي أمره بسقي العسل أخاه لإسهال كأن به، فتزايد الإسهال ~~به لما سقاه العسل، وشكا ذلك إليه: " صدق الله وكذب بطن أخيك " ، بل نقول ~~أن مثل من منع النظر في كتب الحكمة من هو أهل لها، من اجل أن قوما من أراذل ~~الناس قد يظن بهم أنهم ضلوا من قبل نظرهم فيها، مثل من منع العطشان شرب ~~الماء البارد العذب حتى مات من العطش، لأن قوما شرقوا به فماتوا. فإن الموت ~~عن الماء بالشرق أمر عارض، وعن العطش أمر ذاتي وضروري. # وهذا الذي عرض لهذه الصنعة هو شئ عارض لسائر الصنائع. فكم من فقيه كأن ~~الفقه سببا لقلة تورعه وخوضه في الدنيا، بل اكثر الفقهاء كذلك نجدهم ~~وصناعهم إنما تقتضي بالذات الفضيلة العملية. فإذا لا يبعد أن يعرض في ~~الصناعة التي تقتضي الفضيلة العلمية ما عرض في الصناعة التي تقتضي الفضيلة ~~العملية. # وإذا تقرر هذا كله وكنا نعتقد معشر المسلمين أن شريعتنا هذه الإلهية حق ~~وأنها التي نبهت على هذه السعادة، ودعت ms04 إليها، التي هي المعرفة بالله عز ~~وجل وبمخلوقاته، فإن ذلك متقرر عند كل مسلم من الطريق الذي اقتضته جبلته ~~وطبيعته من التصديق. وذلك أن طباع الناس متفاضلة في التصديق: فمنهم من يصدق ~~بالبرهان، ومنهم من يصدق، بالأقاويل الجدلية تصديق صاحب البرهان بالبرهان، ~~إذ ليس في طباعه اكثر من ذلك، و منهم يصدق بالأقاويل الخطابية كتصد يق صاحب ~~البرهان بالأقاويل البرهانية . PageV01P002 وذلك أنه لما كانت شريعتنا هذه ~~الإلهية قد دعت الناس من هذه الطرق الثلاث عم التصديق بها كل أنسأن، إلا من ~~جحدها كنادا بلسانه، أو لم تتقرر عنده طرق الدعاء فيها إلى الله تعالى ~~لإغفاله ذلك من نفسه. ولذلك خص عليه السلام بالبعث إلى الأحمر والأسود، ، ~~اعني لتضمن شريعته طرق الدعاء إلى الله تعالى. وذلك صريح في قوله تعالى: ! ~~ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن " . # وإذا كانت هذه الشريعة، حقا وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق فإنا ~~معشر المسلمين، نعلم على القطع أنه لا يؤدي النظر البرهأني إلى مخالفة ما ~~ورد به الشرع. فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له. # وإذا كأن هذا هكذا، فإن أدى النظر البرهاني إلى نحو ما من المعرفة بموجود ~~ما، فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سكت عنه في الشرع أو عرف به. فإن كأن ~~مما قد سكت عنه فلا تعارض هنالك، هو بمنزلة ما سكت عنه من الأحكام، ~~فاستنبطها الفقيه بالقياس الشرعي. وأن كانت الشريعة نطقت به، فلا يخلو ظاهر ~~النطق أن يكون موافقا لما أدى إليه البرهان فيه أو مخا لفا. فإن كأن ~~موافقا، فلا قول هنالك. وأن كأن مخالفا، طلب هنالك تأويله. # ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة ~~المجازة من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء ~~بشبيهه أو بسببه أو لاحقه " أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عددت، في ~~تعريف أصناف الكلام المجازي،. # التوافق بين المعقول والمنقول # وإذا كأن ms05 الفقيه يفعل هذا في كثير من الأحكام الشرعية، فكم بالحري أن ~~يفعل ذلك صاحب علم البرهان،؟ فإن الفقيه إنما عند قياس ظني، والعارف عنده ~~قياس، يقيني. ونحن نقطع قطعا كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع أن ~~ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي. وهذه القضية لا يشك ~~فيها مسلم، ولا يرتاب بها مؤمن. وما اعظم ازدياد اليقين بها عند من زاول ~~هذا المعنى وجربه، وقصد هذا المقصد من الجمع بين المعقول والمنقول. بل نقول ~~أنه ما من منطوق به في الشرع مخالف بظاهره لما أدى إليه البرهان، إلا إذا ~~اعتبر الشرع وتصفحت سائر أجزائه وجد في ألفاظ الشرع ما يشهد بظاهره لذلك ~~التأويل أو يقارب أن يشهد. # ولهذا المعنى اجمع المسلمون على أنه ليس يجب أن تحمل ألفاظ الشرع كلها ~~على ظاهرها، ولا أن تخرج كلها عن أب، ظاهرها بالتأويل. واختلفوا في المؤول ~~منها من غير المؤول فالأشعريون مثلا يتأولون آية الاستواء وحديث النزول ~~والحنابلة تحمل ذلك على ظاهره. # والسبب في ورود الشرع فيه الظاهر والباطن هو اختلاف فطر الناس وتباين ~~قرائحهم في التصديق. والسبب في ورود الظواهر المتعارضة فيه هو تنبيه ~~الراسخين في العلم على التأويل الجامع بينها. والى هذا المعنى وردت الإشارة ~~بقوله تعالى: " هو الذي أنزل عليك الكتاب، منه آيات محكمات " إلى قوله: " ~~والراسخون في العلم. " # استحالة الإجماع العام # فإن قال قائل أن في الشرع أشياء قد اجمع المسلمون على حملها على ظواهرها ~~وأشياء على تأويلها وأشياء اختلفوا فيها، فهل يجوز أن يؤدي البرهان إلى ~~تأويل ما اجمعوا على ظاهره، أو ظاهر ما اجمعوا على تأويله؟ قلنا: أما لو ~~ثبت الإجماع بطريق يقيني فلم يصح، وأما أن كأن الإجماع فيها ظنيا فقد يصح. ~~ولذلك أبو حامد وأبو المعالي وغيرهما. من أئمة النظر أنه لا يقطع بكفر من ~~خرق الإجماع في التأويل في أمثال هذه الأشياء. PageV01P003 وقد يدلك على أن ~~الإجماع لا يتقرر في النظريات بطريق يقيني كما يمكن أن يتقرر في العمليات، ~~أنه ليس ms06 يمكن أن يتقرر الإجماع في مسألة ما في عصر ما إلا بأن يكون ذلك ~~العصر عندنا محصورا، وأن يكون جميع العلماء الموجودين في ذلك العصر معلومين ~~عندنا، اعني معلوما أشخاصهم ومبلغ عددهم، وأن ينقل إلينا في المسألة مذهب ~~كل واحد منهم نقل تواتر ، ويكون مع هذا كله قد صح عندنا أن العلماء ~~الموجودين في ذلك الزمان متفقون على أنه ليس في الشرع ظاهر أو باطن، وأن ~~العلم بكل مسألة يجب أن لا يكتم عن أحد، وأن الناس طريقهم واحد في علم ~~الشريعة. وأما كثير من الصدر الأول فقد نقل عنهم أنهم كانوا يرون أن للشرع ~~ظاهرا وباطنا، وأنه ليس يجب أن يعلم بالباطن من ليس من أهل العلم به ولا ~~يقدر على فهمه - مثل ما روى البخاري عن علي رضي الله عنه أنه قال: " حدثوا ~~الناس بما يعرفون. أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ " . ومثل ما روي من ذلك عن ~~جماعة من السلف فكيف يمكن أن يتصور إجماع منقول إلينا عن مسألة من المسائل ~~النظرية، ونحن نعلم قطعا أنه لا يخلو عصر من الأعصر من علماء يرون أن في ~~الشرع أشياء لا ينبغي أن يعلم بحقيقتها جميع الناس؟. # وذلك بخلاف ما عرض في العمليات: فإن الناس كلهم يرون إفشاؤها لجميع الناس ~~على السواء، ونكتفي في حصول الإجماع فيها بأن تنتشر المسألة، فلا ينقل ~~إلينا فيها خلاف. فإن هذا كاف في حصول الإجماع في العمليات بخلاف الأمر في ~~العلميات. # تكفير الغزالي لفلاسفة الإسلام # فإن قلت: فإذا لم يجب التكفير بخرق الإجماع في التأويل إذ لا يتصور في ~~ذلك إجماع، فما تقول في الفلاسفة من أهل الإسلام، كأبي نصر وابن سينا؟ فإن ~~أبا حامد قد قطع بتكفيرهما في كتابه المعروف التهافت في ثلاث مسائل: في ~~القول بقدم العالم، وبأنه تعالى لا يعلم الجزئيات تعالى عن ذلك - وفي تأويل ~~ما جاء في حشر الأجساد وأحوال المعاد. - قلنا: الظاهر من قوله في ذلك أنه ~~ليس تكفيره إياهما في ذلك قطعا، إذ قد صرح في " كتاب ms07 التفرقة أن التكفير ~~بخرق الإجماع فيه احتمال. وقد تبين من قولنا أنه ليس يمكن أن يتقرر إجماع ~~في أمثال هذه المسائل، لما روي عن كثير من السلف الأول، فضلا عن غيرهم، أن ~~هاهنا تأويلات يجب أن لا يفصح بها إلا لمن هو من أهل التأويل وهم الراسخون ~~في العلم. لأن الاختيار عندنا هو الوقوف على قوله تعالى " والراسخون في ~~العلم " ، لأنه إذا لم يكن أهل العلم يعلمون التأويل لم تكن عندهم مزية ~~تصديق توجب لهم من الإيمان به لا يوجد عند غير أهل العلم. وقد وصفهم الله ~~بأنهم المؤمنون به، وهذا إنما يحمل على الإيمان الذي يكون من قبل البرهان، ~~وهذا لا يكون إلا مع العلم بالتأويل. # فإن غير أهل العلم من المؤمنين هم أهل الإيمان به لا من قبل البرهان. فإن ~~وكأن هذا الإيمان الذي وصف الله به العلماء خاصا بهم فيجب أن يكون ~~بالبرهان. أن كأن بالبرهان فلا يكون إلا مع العلم بالتأويل، لأن الله تعالى ~~قد اخبر أن لها تأويلا هو الحقيقة، والبرهان لا يكون إلا على الحقيقة. وإذا ~~كان ذلك كذلك، فلا يمكن أن يتقرر في التأويلات التي خص الله العلماء بها ~~إجماع مستفيض. وهذا بين بنفسه عند من أنصف. # هل يعلم الله تعالى الجزئيات؟ # والى هذا كله فقد نرى أن أبا حامد قد غلط على الحكماء المشائين بما نسب ~~إليهم من أنهم يقولون أنه تقدس وتعالى لا يعلم الجزئيات أصلا. بل يرون أنه ~~تعالى يعلمها بعلم غير مجانس لعلمنا بها وذلك أن علمنا بها معلول للمعلوم ~~به فهو محدث بحدوثه ومتغير بتغيره. وعلم الله سبحانه بالوجود على مقابل ~~هذا، فإنه علة للمعلوم الذي هو الموجود. فمن شبه العلمين أحدهما بالآخر فقد ~~جعل ذوات المتقابلات وخواصها واحدا، وذلك غاية الجهل. # فاسم العلم إذا قيل على العلم المحدث والقديم فهو مقول باشتراك الاسم ~~المحض، كما يقال كثير من الأسماء على المتقابلات، مثل الجلل المقول على ~~العظيم والصغير، و " الصريم المقول على الضوء والظلمة " ولهذا ليس هاهنا حد ms08 ~~يشتمل العلمين جميعا كما توهمه المتكلمون من أهل زماننا. وقد أفردنا في هذه ~~المسألة! قولا حركنا إليه بعض أصحابنا. PageV01P004 كيف يتوهم على المشائين ~~انهم يقولون أنه سبحانه لا يعلم بالعلم القديم الجزئيات؟ وهم يرون أن ~~الرؤيا الصادقة تتضمن الإنذارات بالجزئيات الحادثة في الزمان المستقبل، وان ~~ذلك العلم المنذر يحصل للإنسان في النوم من قبل العلم الأزلي المدبر للكل ~~والمستولي عليه؟ وليس يرون أنه لا يعلم الجزئيات فقط على النحو الذي نعلمه ~~نحن، بل ولا الكليات، فإن الكليات المعلومة عندنا معلولة، أيضا عن طبيعة ~~الوجود، والأمر في ذلك العلم بالعكس. ولذلك ما قد أدى إليه البرهان أن ذلك ~~العلم منزه عن أن يوصف بكلي أو جزئي فلا معنى للاختلاف في هذه المسألة، ~~أعني في تكفيرهم أو لا تكفيرهم. # تقسيم الموجودات ورأي الفلاسفة فيها # اختلاف المتكلمين في القدم والحدوث # وأما مسألة قدم العالم أو حدوثه، فإن الاختلاف فيها عندي بين المتكلمين ~~من الأشعرية والحكماء المتقدمين يكاد أن يكون راجعا للاختلاف في التسمية، ~~وبخاصة عند بعض القدماء. وذلك أنهم اتفقوا على أن هاهنا ثلاثة أصناف من ~~الموجودات طرفان وواسطة ببن الطرفين، فاتفقوا في تسمية الطرفين واختلفوا في ~~الواسطة. # فأما الطرف الواحد، فهو موجود وجد من شيء، أعني عن سبب فاعل ومن مادة، ~~والزمان متقدم عليه، اعني على وجوده. وهذه هي حال الأجسام التي يدرك تكونها ~~بالحس، مثل تكون الماء والهواء والأرض والحيوان والنبات وغير ذلك. وهذا ~~الصنف من الموجودات اتفق الجميع من القدماء والأشعريين على تسميتها محدثة. # وأما الطرف المقابل لهذا، فهو موجود لم يكن من شيء، ولا عن شيء ولا تقدمه ~~زمان. وهذا أيضا اتفق الجميع من الفرقتين على تسميته " قديما وهذا الموجود ~~مدرك بالبرهان، وهو الله تبارك وتعالى. هو فاعل الكل وموجده والحافظ له ~~سبحانه وتعالى قدره. # وأما الصنف من الموجود الذي بين هذين الطرفين، فهو موجود لم يكن من شيء، ~~ولا تقدمه زمان، ولكنه موجود عن شيء، أعني عن فاعل، وهذا هو العالم بأسره. # اختلاف المتكلمين في القدم والحدوث # والكل ms09 منهم متفق على وجود هذه الصفات الثلاث للعالم. فإن المتكلمين ~~يسلمون أن الزمان غير متقدم عليه، أو يلزمهم ذلك، ان الزمان عندهم شيء ~~مقارن للحركات والأجسام . وهم أيضا متفقون مع القدماء على أن الزمان ~~المستقبل غير متناه، وكذلك الوجود المستقبل. # وإنما يختلفون في الزمان الماضي، والوجود الماضي: فالمتكلمون يرون أنه ~~متناه، وهذا هو مذهب أفلاطون وشيعته. وأرسطو وفرقته يرون أنه غير متناه ~~كالحال في المستقبل. فهذا الوجود الآخر الأمر فيه بين أنه قد آخذ شبها من ~~الوجود الكائن الحقيقي ومن الوجود القديم. فمن غلب عليه ما فيه من شبه ~~القديم على ما فيه من شبه المحدث و سماه قديما ومن غلب عليه ما فيه من شبه ~~المحدث، سماه محدثا وهو في الحقيقة ليس محدثا حقيقيا، ولا قديما حقيقيا. ~~فإن المحدث الحقيقي فاسد ضرورة، القديم الحقيقي ليس له علة. ومنهم من سماه ~~محدثا أزليا، وهو أفلاطون وشيعته، لكون الزمان متناهيا ب عندهم من الماضي. # فالمذاهب في العالم ليست تتباعد، كل التباعد حتى يكفر بعضها ولا يكفر. ~~فإن الآراء التي شأنها هذا يجب أن تكون في الغاية من، التباعد، اعني أن ~~تكون متقابلة، كما ظن المتكلمون في هذه المسألة، اعني أن اسم! القدم و ~~الحدوث في العالم بأسره هو من المتقابلة.،قد تبين من قولنا أن الأمر ليس ~~كذلك. # تأويل بعض الآيات # ويدل ظاهرها على وجود قبل وجود العالم # وهذا كله مع أن هذه الآراء في العالم ليست على ظاهر الشرع. فإن ظاهر ~~الشرع إذا تصفح ظهر من الآيات الواردة في الأنباء عن إيجاد العالم أن صورته ~~محدثة بالحقيقة، وأن نفس الوجود والزمان مستمر من الطرفين، أعني غير منقطع. ~~وذلك أن قوله تعالى: وهو الذي خلق السماوات والأرض ني ستة أيام وكان عرشه ~~على الماء " يقتضي بظاهره أن وجودا قبل هذا الوجود، وهو العرش والماء، ~~وزمانا قبل هذا الزمان، أعنى المقترن بصورة هذا الوجود، الذي هو عدد حركة ~~الفلك. - وقوله تعالى: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات يقتضي ايضا ~~بظاهره أن وجودا ثانيا، ms10 بعد هذا الوجود. وقوله تعالى: ثم أستوى إلى السماء ~~وهي دخان " يقتضي بظاهره أن ا سموات خلقت من شيء PageV01P005 فالمتكلمون ~~ليسوا في قولهم ايضا في العالم على ظاهر الشرع، بل متأولون. فإنه ليس في ~~الشرع أن الله كان موجودا مع العدم المحض، ولا يوجد هذا فيه نصا ابدا. فكيف ~~بتصور في تأويل المتكلمين في هذه الآيات أن الاجماع انعقد عليه. والظاهر ~~الذي قلناه من الشرع في وجود العالم قد قال به فرقة من الحكماء. # خطأ الحاكم وخطأ العالم أي خطأ معذور # ويشبه أن يكون المختلفون في تأويل هذه المسائل العويصة أما مصيبين ~~مأجوري، واما مخطئين معذورين. فإن التصديق بالشيء من قبل الدليل القائم في ~~النفس، هو شيء اضطراري لا اختياري، اعني أنه ليس لنا أن لا نصدق أو نصدق، ~~كما لنا أن نقوم أو لا نقوم. وإذا كان من شرط التكليف الاختيار، فالمصدق ~~بالخطأ من قبل شبهة عرضت له إذا كان من اهل العلم معذور. ولذلك قال عليه ~~السلام: " إذ ا أجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا، أخطأ فله أجر " . وأي ~~حاكم أعظم من الذي يحكم على الوجود بأنه، كذا أو ليس بكذا. وهؤلاء الحكام ~~هم العلماء الذين خصهم الله بالتأويل. وهذا الخطأ المصفوح عنه في الشرع، ~~إنما هو الخطأ الذي يقع، من العلماء إذا نظروا في الأشياء العويصة التي ~~كلفهم الشرع النظر فيها. # وأما، الخطأ الذي يقع من غير هذا الصنف من الناس فهو اثم محض، وسواء كأن ~~الخطأ في الأمور النظرية أو العملية،. فكما، أن الحاكم الجاهل بالسنة إذا ~~اخطأ في الحاكم لم يكن معذورا، كذلك الحاكم! الموجودات إذا لم توجد فيه ~~شروط الحاكم " فليس بمعذور، بل هو إما آثم وإما كافر. وإذا كأن يشترط في ~~الحاكم في الحلال والحرام أن تجتمع، له اسباب الاجتهاد - وهو معرفة الأصول ~~ومعرفة الاستنباط من تلك الأصول بالقياس - فكم والحري أن يشترط ذلك في ~~الحاكم على الموجودات، اعني أن يعرف الأوائل العقلية ووجه الاستنباط منها. # وبالجملة فالخطأ في الشرع على ضربين: إما ms11 خطأ يعذر فيه من هو من أهل ~~النظر في ذلك الشيء الذي وقع فيه الخطأ - كا يعذر الطبيب الماهر إذا اخطأ ~~في صناعة الطب، والحاكم الماهر إذا اخطأ في الحكم. ولا يعذر فيه من ليس من ~~اهل ذلك الشأن. واما خطأ ليس يعذر فيه احد من الناس، بل أن وقع في مبادىء ~~الشريعة فهو كفروان وقع فيما بعد المبادئ فهو بدعة. # الأصول الثلاثة للشرع والإيمان بها # وهذا الخطأ هو الخطأ الذي يكون في الأشياء التي تفضي، جميع اصناف طرق ~~الدلائل إلى معرفتها، فتكون معرفة ذلك الشيء بهذه الجهة ممكنة للجميع. وهذا ~~هو مثل الاقرار بالله تبارك وتعالى، وبالنبوات، وبالسعادة، الأخروية، ~~والشقاء الأخروي. # وذلك أن هذه الأصول الثلاثة تؤدي اليها اصناف الدلائل، الثلاثة التي لا ~~يعرى احد من الناس عن وقوع التصديق له من قبلها بالذي كلف معرفته، اعني ~~الدلائل الخطابية والجدلية والبرهانية. فالجاحد لا مثال هذه الأشياء إذا ~~كانت اصلا من اصول الشرع كافر معاند بلسانه دون قلبه أو بغفلته عن التعرض ~~إلى معرفة دليلها. لأنه أن كان من اهل البرهان فقد جعل له سبيل إلى التصديق ~~بها بالبرهان، وأن كان من اهل الجدل فبالجدل، وأن كأن من اهل الموعظة ~~فبالموعظة. ولذلك قال عليه السلام: " أمرت أن أقايل الناس حتى يقولوا لا ~~إله إلا الله ويؤمنوا بى " - يريد بأي طريق أنفق لهم من طرق الإيمان ~~الثلاث. # تأويل ظاهر الآيات والأحاديث # أهل البرهان وأهل القياس # وأما الأشياء التي لخفائها لا تعلم الا بالبرهان فقد تلطف الله فيها ~~لعباده، الذين لا سبيل لهم إلى البرهان، اما من قبل فطرهم، واما من قبل ~~عادتهم، واما من قبل عدمهم اسباب التعلم، بأن ضرب لهم امثالها وأشباهها ~~ودعاهم إلى التصديق بتلث الأمثال، اذ كانت تلك الأمثال يمكن أن يقع التصديق ~~بها بالأدلة المشتركة للجميع، اعني الجدلية والخطابية. وهذا هو السبب في أن ~~أنقسم، الشرع إلى ظاهر وباطن. فإن الضاهر هو تلك الأمثال المضروبة لتلك ~~المعاني، والباطن هو تلك المعاني التي لا تنجلي إلا لأهل البرهان. ms12 وهذه هي ~~اصناف تلك الموجودات الأربعة أو الخمسة التي ذكرها ابو حامد في " كتاب، ~~التفرقة. PageV01P006 واذا اتفق كا قلنا أن نعلم الشيء بنفسه بالطرق ~~الثلاث، لم نحتج أن نضرب له امثالا،، وكان على ظاهره لا يتطرق اليه تأويل. ~~وهذا النحو من الظاهر أن كان في الأصول فالمتأول له كافر، مثل من يعتقد أنه ~~لا سعادة أخروية ههنا ولا شقاء، وأنه إنما قصد بهذا القول أن يسلم، الناس ~~بعضهم من بعض في ابدانهم وحواسهم، وانها حيلة، وأنه لا غاية للانسان الا ~~وجوده المحسوس فقط . # واذا تقرر، هذا، فقد ظهر لك من قولنا أن ههنا ظاهرا من الشرع لا يجوز ~~تأويله. فإنا كان نأويله في المبادئ فهو كفر، وأن كان فيما بعد المبادىء ~~فهو بدعة. وههنا ايضا ظاهره يجب على اهل البرهان تأويله، علهم اياه على ~~ظاهره كفر . وتأويل غير اهل البرهان له واخراجه عن ظاهره كفر في حقهم أو ~~بدعة. ومن هذا الصنف آية الاستواء وحديث النزول. ولذلك قال عليه السلام في ~~السوداء اذ اخبرته أن الله في السماء " اعتقها فإنها مؤمنة " اذ كانت ليست ~~من اهل البرهان. # والسبب في ذلك أن الصنف من الناس الذين لا يقع لهم التصديق الا من قبل ~~التخيل - اعني أنهم لا يصدقون بالشيء الا من جهة ما يتخيلونه - يعسر وقوع ~~التصديق لهم بموجود ليس منسوبا إلى شيء متخيل. ويدخل ايضا على من لا يفهم ~~من هذه النسبه الا المكان، وهم الذين شدوا على رتبة الصنف الأول قليلا في ~~النظر بانكار اعتقاد الجسمية. ولذلك كان الجواب لهؤلاء في امثال هذه أنها ~~من المتشابهات، وأن الوقف في قوله تعالى: " وما يعلم تأويله الإ الله " . ~~واهل البرهان مع أنهم مجمعون في هذا الصنف أنه من المؤول فقد يختلفون في ~~تأويله، وذلك بحسب مرتبة كل واحد من معرفة البرهان. # وههنا صنف ثالث من الشرع متردد بين هذين الصنفين يقع فيه شك، فيلحقه قوم ~~ممن يتعاطى النظر بالظاهر الذي لا يجوز تأويله ، ويلحقه آخرون بالباطن الذى ~~لا يجوز حمله على ms13 الظاهر للعلماء، وذلك لعواصة هذا الصنف واشثباهه. ~~والمخطىء. في هذا معذور - اعني من العلماء. # اختلاف العلماء في أحوال المعاد # فإن قيل " فإذا تبين أن الشرع في هذا على ثلاث مراتب، فمن اي هذه المراتب ~~الثلاث هو عندم ما جاء في صفات المعاد وأحواله " ؟ فنقول: أن هذه المسألة ~~الأمر فيها بين انها من الصنف المختلف فيه. وذلك انا. نرى قوما ينسبون ~~أنفسهم إلى البرهان يقولون أن الواجب حملها على ظاهرها، اذ كأن ليس ههنا ~~برهان يؤدي إلى استحالة الظاهر فيها. وهذه طريقة الأشعرية، وقوم آخرون ايضا ~~ممن يتعاطى البرهان، يتأولونها. وهؤلاء يختلفون في تأويلها اختلافا كثيرا. ~~وفي هذا الصنف ابو حامد معدود وكثير من المتصوفة. ومنهم من يجمع فيها ~~التأويلين، كما يفعل ذلك ابو حامد في بعض كتبه. # ويشبه أن يكون المخطىء في هذه المسألة من العلماء معذورا والمصيب مشكورا ~~أو مأجورا، وذلك إذا اعترف بالوجود وتأول فيها نحوا من انحاء التأويل، اعنى ~~في صفة المعاد لا في وجوده، إذا كان التأويل لا يؤدي إلى نفي الوجود. وإنما ~~كان جحد الوجود في هذه كفرا لأنه في اصل من اصول الشريعة، وهو مما يقع ~~التصديق به بالطرق الثلاث المشتركة للأحمر والأسود وأما من كان من غير اهل ~~العلم، فالواجب عليه حملها على ظاهرها وتأويلها في حقه كفر، لأنه يؤدي إلى ~~الكفر. ولذلك ما نرى أن من كان من الناس فرضه الايمان بالظاهر فالتأويل في ~~حقه كفر، لأنه يؤدي إلى الكفر. فمن افشاه له من اهل التأويل فقد دعاه إلى ~~الكفر، والداعي إلى الكفر كافر. PageV01P007 ولهذا بجب أن لا تثبت ~~التأويلات الا في كتب البراهين لأنها إذا كانت في كتب البراهين لم يصل ~~اليها الا من هو من اهل البرهان. واما إذا أثبتت في غير كتب البرهان ~~واستعمل فيها الطرق الشعرية والخطابية أو الجدلية، كما يصنعه ابو حامد، ~~فخطأ على الشرع وعلى الحكمة، وأن كان الرجل إنما قصد خيرا، وذلك أنه رام أن ~~يكثر اهل العلم بذلك، ولكن كثر بذلك اهل الفساد بدون ms14 كثرة اهل العلم. وتطرق ~~بذلك قوم إلى ثلب الحكمة، وقوم إلى ثلب الشريعة، وقوم إلى الجمع بينهما. ~~ويشبه أن يكون هذا احد، مقاصده بكتبه. والدليل على أنه رام بذلك تنبيه ~~الفطر، أنه لم يلزم مذهبا في كتبه، بل هو مع الأشعرية، اشعري، ومع الصوفية، ~~صوفي، ومع الفلاسفة فيلسوف، حتى أنه كما قيل: # يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن ... وأن لقيت معديا فعدنان، # أحكام التأويل في الشريعة للعارفين # الذي يجب على ائمة المسلمين ان ينهوا عن كتبه التي تتضمن العلم، الآ من ~~كان من اهل العم، كا يجب عليهم، ان ينهوا عن كتب البرهان من ليس اهلا لها. ~~وان كان الضرر الداخل على الناس من كتب البرهان " ب " ، اخف، لأنه لا يقف ~~على كتب البرهان في الأكثر، إلا اهل الفطر ، الفاثقة، وإنما يؤتى هذا الصنف ~~من عدم الفضيلة العملبتة والقراءة على غير ترتيب وأخذها من غير معلم. ولكن ~~منعها بالجملة صاد لما دعا اليه الشرع، لأنه ظلم لأفضل اصناف الناس ولأفضل ~~اصناف الموجودات، اذ كان العدل في أفضل أصناف الموجودات أن يعرفها على ~~كنهها من كان معدا لمعرفتها على كنهها، وهم أفضل أصناف الناس. فإنه على قدر ~~عظم الجور في حقه للذي هو الجهل به. ولذلك قال تعالى: " إن الشرك لتظلم ~~عظيم " . # هذا ما رأينا ان نثبته في هذا الجنس من النظر، اعني التكلم بين الشريعة ~~والحكمة، وأحكام التأويل في الشريعة. ولولا شهرة ذلك عند الناس، وشهرة هذه ~~المساثل التي ذكرناها، لما استجزنا ان نكتب في ذلك حرفا، ولا أن نعتذر " د ~~" ، في ذلك لأهل التأويل بعذر، لأن شأن هذه المسائل أن تذكر في كتب ~~البرهان. والله الهادي الموفق للصواب. # أقسام العلوم الدنيوية والأخروية # وينبغي أن تعلم أن مقصود الشرع إنما هو تعليم العلم الحق والعمل الحق. ~~والعلم الحق هو معرفة الله تبارك وتعالى وسائر الموجودات على ما هي عليه، ~~وبخاصة الشريفة منها، ومعرفة السعادة الأخروية والشقاء الأخروي. # والعمل الحق هو امتثال الأفعال التي تفيد السعادة، وتجنب الأفعال التي ~~تفيد الشقاء. ms15 والمعرفة بهذه الأفعال هي التي تسمى العلم العملي. # وهذه تنقسم قسمين: احدهما أفعال ظاهرة بدنية، والعلم بهذه هو الذي يسمى ~~الفقه، والقسم الثاني أفعال نفسانية، مثل الشكر والصبر، وغير ذلك من ~~الأخلاق التي دعا إليها الشرع أو نهى عنها. والعلم بهذه هو الذي يسمى الزهد ~~وعلوم الآخرة. وإلى هذا نحا أبو حامد في كتابه. # ولما كان الناس قد اضربوا عن هذا الجنس وخاضوا في الجنس الثاني، وكان هذا ~~الجنس املك بالتقوى التي هي سبب السعادة، سمى كتابه " احياء علوم الدين " . ~~وقد خرجنا عما كنا بسبيله، فنرجع. # فنقول: لما كان مقصود الشرع تعليم العلم الحق والعمل الحق، وكان التعليم ~~صنفين: تصورا وتصديقا، كما بيق ذلك اهل العلم بالكلام، وكانت طرق التصديق، ~~الموجودة للناس ثلاثا: البرهانية، والجدلية، والخطابية، وطرق التصور اثنين: ~~إما الشيء نفسه وإما، مثاله، وكان الناس كلهم ليس في طباعهم أن يقبلوا ~~البراهين ولا الأقاويل الجدلية، فضلا عن البرهاينة، مع ما في تعلم الأقاويل ~~البرهانية من العسر والحاجة في ذلك إلى طول الزمان لمن هو أهل لتعله وكان ~~الشرع إنما مقصودة تعليم الجميع، وجب أن يكون الشرع يشتمل على جميع أنحاء ~~طرق التصديق وانحاء طرق التصور. # تقسيم المنطق والبرهان # ولما كانت طرق التصديق منها ما هي عامة لأكثر الناس اعني وقوع التصديق من ~~قبلها وهي الخطابية، والخطابية، أعم من الجدلية. ومنها ما هي خاصة لأقل ~~الناس وهي البرهانية، وكان الشرع كل مقصوده الأول العناية بالأكثر من غير ~~اغفال تنبيه الخواص، كانت أكثر الطرق المصرح بها في الشريعة هي الطرق ~~المشتركة للأكثر في وقوع التصور والتصديق. # هذه الطرق هي في الشريعة على أربعة أصناف: PageV01P008 احدها أن تكون مع ~~أنها مشتركة خاصة في الأمرين جميعا، اعني أن تكون في التصور والتصديق ~~يقينية، مع أنها خطابية أو جدلية. وهذه المقاييس هي المقاييس التي عرض ~~لمقدماتها، مع كونها مشهورة أو مظنونة، أن تكون يقينية، وعرض لنتائجها أن ~~أخذت أنفسها دون مثالاتها. وهذا، هو الصنف من الأقاويل الشرعية ليس له ~~تأويل والجاحد له أو المتأول ms16 كافر. # والصف الثاني أن تكون المقدمات، مع كونها مشهورة أو مظنونة، يقينية، ~~وتكون النتائج مثالات للأمور التي قصد انتاجها. وهذا يتطرق إليه التأويل، ~~اعني لنتائجه. # والثالث عكس كل هذا، وهو أن تكون النتائج هي الأمر التي قصد انتاجها ~~نفسها، وتكون المقدمات مشهورة أو مظنونة من غير أن يعرض لها ان تكون ~~يقينية. وهذا أيضا لا يتطرق إليه تأويل، اعني لنتائجه، وقد يتطرق لمقدماته. # والرابع أن تكون مقدماته مشهورة أو مظنونة من غير أن يعرض لها أن تكون ~~يقينية، وتكون نتائجه مثالات لما قصد انتاجه. هذه فرض الخواص فيها تأويل، ~~وفرض الجمهور اقرارها امرارها على ظاهرها. # وبالجملة، فكل ما يتطرق له من هذه تأويل لا يدرك إلا بالبرهان، ففرض ~~الخواص فيه هو ذلك التأويل، وفرض الجمهور هوحملها على ظاهرها في الوجهين ~~جميعا، اعني في التصور والتصديق، اذ كان ليس في طباعم أكثر من ذلك. # وقد يعرض للنظار في الشريعة تأويلات من قبل تفاضل الطرق المشتركة بعضها ~~على بعض في التصديق، اعني إذا كان دليل التأويل اتم اقناعا من دليل الظاهر. ~~وامثال هذه التأويلات هي جمهورية. # ويمكن أن يكون فرض من بلغت قواهم النظرية إلى القوة الجدلية، وفي هذا ~~الجنس يدخل بعض تأويلات الأشعرية والمعتزلة، وإن كانت المعتزلة في الأكثر ~~أوثق أقوالا. وأما الجمهور الذين لا يقدرون على أكثر من الأقاويل الخطابية، ~~ففرضهم امرارها على ظاهرها، ولا يجوز أن يعلموا ذلك التأويل اصلا. # لا يجوز أن يكتب للعامة ما لا يدركونه # من أباح التأويل للجمهور فقد أفسده # فاذا الناس في الشريعة على ثلاثة اصناف: صنف، ليس هو من اهل التأويل ~~اصلا، وهم الخطابيون الذين هم الجمهور الغالب. وذلك انه ليس يوجد احد سليم ~~العقل يعرى من هذا النوع من التصديق. # وصنف هو من اهل التأويل الجدلي، وهؤلاء هم الجدليون بالطبع فقط، أو ~~بالطبع والعادة. # وصنف هو من اهل التأويل اليقيني، وهؤلاء هم البرهانيون بالطبع والصناعة، ~~اعني صناعة الحكمة. # وهذا التأويل ليس ينبغي أن يصرح به لأهل الجدل فضلا عن الجمهور. ومتى صرح ms17 ~~بشيء من هذه التأويلات لمن، هو من غير اهلها، وبخاصة التأويلات البرهانية ~~لبعدها عن المعارف المشتركة، افضى ذلك بالمصرح له والمصرح إلى الكفر. ~~والسبب في ذلك أن مقصوده ابطال الظاهر واثبات المؤول، فاذا بطل الظاهر عند ~~من هو من اهل الظاهر، ولم يثبت المؤول عنده، اداه ذلك إلى الكفر، أن كان في ~~اصول الشريعة. فالتأويلات ليس ينبغي أن يصرح بها للجمهور ولا أن تثبت في ~~الكتب الخطابية أو الجدلية - اعني الكتب التي الأقاويل الموضوعة فيها من ~~هذين الصنفين، كما صنع ذلك ابو حامد. # ولهذا، يجب أن يصرح و يقال في الظاهر الذي الأشكال في كونه ظاهرا بنفسه ~~للجميع وكون معرفة تأويله غير ممكن فيهم، انه متشابه لا يعلمه الا الله، ~~وان الوقف يجب ههنا في قوله تعالى: " وما يعلم تأويله إلا الله " . # وبمثل هذا يأتي الجواب ايضا في السؤال عن الأمور الغامضة التي لا سبيل ~~للجمهور، إلى فهمها، مثل قوله تعالى: " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ~~ربي وما أوتيتم من العلم الا قليلا " . # وأما المصرح بهذه التأويلات لغير اهلها فكافر لمكان دعائه الناس إلى ~~الكفر. وهو ضد دعوى الشارع وبخاصة متى كانت تأويلات فاسدة في اصول الشريعة، ~~كما عرض ذلك لقوم من أهل زماننا. فانا قد شهدنا منهم اقواما ظنوا انهم د، ~~تفلسفوا وانهم قد ادكوا بحكمتهم العبجيبة اشياء مخالفة للشرع من جميع ~~الوجوه، اعني لا تقبل تأويلا، وان الواجب هو التصريح بهذه الأشياء للجمهور. ~~فصاروا بتصريحهم للجمهور بتلك الاعتقادات الفاسدة سببا لهلاك الجمهور ~~وهلاكهم في الدنيا والآخرة. PageV01P009 ومثال مقصد، هؤلاء مع مقصد الشارع ~~مثال من قصد إلى طبيب ماهر قصد إلى حفظ صحة جميع الناس وازالة الأمراض عنهم ~~بأن وضع لهم اقاويل مشتركة التصديق في وجوب استعمال الأشياء التي تحفظ ~~صحتهم وتزيل امراضهم وتجنب اضدادها، اذ لم يمكنه فيهم أن يصير جميعهم ~~اطباء، لأن الذي يعلم الأشياء الحافظة للصحة والمزيلة للمرض بالطرق ~~البرهانية هو الطبيب. فتصدى هذا إلى الناس وقال لهم: أن هذه الطرق التي ~~وضعها لكم ms18 هذا الطبيب ليست بحق، وشرع في ابطالها حتى بطلت عندهم. أو قال: ~~أن لها تأويلات، فلم يفهموها ولا وقع لهم من قبلها تصديق في العمل. أفترى ~~الناس الذين حالهم هذه الحال يفعلون شيئا من الأشياء النافعة في حفظ الصحة ~~وازالة المرض؟ أو يقدر هو لا على استعمالها معهم ولا هم يستعملونها، ~~فيشملهم الهلاك. # هذا أن صرح لهم بتأويلات صحيحة في تلك الأشياء لكونهم لا يفهمون ذلك ~~التأويل، فضلا أن صرح لهم بتأويلات فاسدة. لأنه لا يؤول بهم الأمر إلى أن ~~لا يروا أن ههنا صحة يجب ان تحفظ ولا مرضا يجب أن يزال، فضلا عن أن يروا أن ~~ههنا اشياء تحفظ الصحة وتزيل المرض. وهذه هي حال من يصرح بالتأويل للجمهور ~~ولمن ليس هو بأهل له مع الشرع. ولذلك هو مفسد له وصاد عنه. والصاد عن الشرع ~~كافر. # الشرع يصلح النفوس والطب يصلح الابدان وإنما كان هذا التمثيل يقينيا وليس ~~بشعري، كما للقائل، أن يقول، لأنه صحيح التناسب. وذلك أن نسبة الطبيب إلى ~~صحة الأبدان نسبة الشارع إلى صحة الأنفس: اعني أن الطبيب هو الذي يطلب أن ~~يحفظ صحة الأبدان إذا وجدت، ويستردها إذا عدمت، والشارع هو الذي يبتغي،هذا ~~في صحه الأنفس. وهذه الصحة هي المسماة تقوى. # وقد صرح الكتاب العزيز بطلبها بالأفعال الشرعية في غير ما آية. فقال ~~تعالى: " كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " . ~~وقال تعالى: " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم " . ~~وقال: " أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " إلى غير ذلك من الآيات التي ~~تضمنها الكتاب العزيز من هذا المعنى. فالشارع إنما يطلب بالعلم الشرعي هذه ~~الصحة. وهذه الصحة هي التي تترتب عليها السعادة الأخروية وعلى ضدها الشقاء ~~الأخروي. # فقد تبين لك من هذا انه ليس يجب أن تثبت التأويلات الصحيحة في الكتب ~~الجمهورية فضلا عن الفاسدة. والتأويل الصحيح هي الأمانة التي حمالها ~~الانسان فأبى أن يحملها وأشفق منها جميع الموجودات، اعني المذكورة في قوله ~~تعالى: " انا عرضنا ms19 الأمانة على السموات والأرض والجبال " الاية. ومن قبل ~~التأويلات والظن بأنها مما يجب أن يصرح بها في الشرع للجميع ، نشأت فرق ~~الإسلام حتى كفر بعضهم بعضا، وبخاصة الفاسدة منها. فأولت المتعزلة آيات ~~كثيرة وأحاديث كثيرة وصرحوا بتأويلهم للجمهور، وكذلك فعلت الأشعرية، وان ~~كانت اقل تأويلا. فأوقعوا الناس من قبل ذلك في شنآن وتباغض وحروب، ومزقوا ~~الشرع وفرقوا الناس كل التفريق. # ما أخطأ فيه الأشعريون # وزائدا إلى هذا كله أن طرقهم التي سلكوها في اثبات تأويلاتهم ليسوا فيها ~~لا مع الجمهور ولا مع الخواص، أما مع الجمهور فلكونها أغمض من الطرق ~~المشتركة للأكثر، واما مع الخواص فلكنوها إذا تؤملت وجدت ناقصة عن شرائط ~~البرهان، وذلك يقف عليه بأدنى تأمل من عرف شرائط البرهان. بل كثير من ~~الأصول التي بنت عليها الأشعرية معارفها هي سوفسطائية، فانها تجحد كثيرا من ~~الضروريات، مثل ثبوت الأعراض وتأثير الأشياء بعضها في بعض، ووجود الأسباب ~~الضرورية للمسببات والصور الجوهرية والوسائط. # ولقد بلغ تعدي نظارهم في هذا المعنى على المسلمين أن فرقة من الأشعرية ~~كفرت من ليس يعرف وجود البارىء سبحانه بالطرق التي وضعوها لمعرفته في ~~كتبهم، وهم الكافرون والضالون بالحقيقة. # ومن هنا اختلفوا: فقال قوم اول الواجبات النظر، وقال قوم الايمان، اعني ~~من قبل انهم لم يعرفوا اي الطرق هي الطرق المشتركة للجميع التي دعا الشرع ~~من ابوابها جميع الناس، وظنوا أن ذلك طريق واحد. فأخطأوا، مقصد الشارع، ~~وضلوا وأضلوا. # عصمة الصدر الأول عن التأويل PageV01P010 فان قيل: فاذا لم تكن هذه الطرق ~~التي سلكتها، الأشعرية ولا غيرهم من اهل النظر هي الطرق المشتركة التي قصد ~~الشارع تعليم الجمهور بها وهي التي لايمكن تعليمهم بغيرها، فأي الطرق هي ~~هذه الطرق في شريعتنا هذه؟ قلنا: هي الطرق التي ثبتت في الكتاب العزيز فقط، ~~فان الكتاب العزيز إذا تؤمل وجدت فيه الطرق الثلاث الموجودة لجميع الناس ~~وهذه هي الطرق المشتركة لتعليم أكثر الناس والخاصة. واذا تؤمل الأمر ظهر ~~انه ليس يلقى طرق مشتركة لتعليم أكثر الناس والخاصة. وإذا تؤل الأمر ms20 ظهر ~~انه ليس يلقى طرق مشتركة لتعليم الجمهور أفضل من الطرق المذكورة فيه. فمن ~~حرفها بتأويل لايكون ظاهرا بنفسه، أو اظهر منها للجميع وذلك شيء غير موجود ~~فقد ابطل حكمتها وابطل فعلها المقصود في افادة السعادة الانسانية. وذلك ~~ظاهر جدا من حال الصدر الأول، و حال من اتى بعدهم فأن الصدر الأول إنما صار ~~إلى الفضيلة الكاملة والتقوى باستعمال هذه الأقاويل دون تأويلات فيها ومن ~~كان منهم وقف على تأويل لم ير أن يصرح به. واما من اتى بعدهم فانهم لما ~~استعملوا التأويل قل تقواهم وكثر اختلافهم وارتفعت محبتهم وتفرقوا فرقا. # كيفية التوفيق بين الحكمة والشريعة # فيجب على من اراد أن يرفع هذه البدعة عن الشريعة أن يعمد إلى الكتاب ~~العزيز فيلتقط منه الاستدلالات الموجودة في شيء شيء مما كلفنا اعتقاده، ~~واجتهد في نظره ظاهرا ما امكنه من غير أن يتأول من ذلك شيئا الا إذا كان ~~التأويل ظاهرا بنفسه اعني ظهورا مشتركا للجميع. فان الأقاويل الموضوعة في ~~الشرع لتعليم الناس إذا تؤملت، يشبه أن يبلغ من نصرتها إلى حد لا يخرج عن ~~ظاهرها ما هو منها ليس على ظاهره الا من كان من اهل البرهان. وهذه الخاصة ~~ليست توجد لغيرها من الأقاويل. # فان الأقاويل الشرعية المصرح بها في الكتاب العزيز للجميع لها ثلاث خواص ~~دلت على الاعجاز: احداها انه لا يوجد اتم اقناعا وتصديقا للجميع منها، ~~والثانية انها تقبل النصرة بطبعها إلى أن تنتهى إلى حد لا يقف على التأويل ~~فيها - أن كانت مما فيها تأويل - الا أهل البرهان، والثالئة انها تتضمن ~~التنبيه لأهل الحق على التأويل الحق. # وهذا ليس يوجد لا في مذاهب الأشعرية ولا في مذاهب المعتزلة: اعني أن ~~تأويلهم لا يقبل النصرة ولا يتضمن التنبيه على الحق ولا هو حق ولذلك كثرت ~~البدع. وبودنا لو تفرغنا لهذا المقصد وقدرنا عليه، وان انسأ الله في العمر ~~فسنثبت فيه قدر ما تيسر لنا منه، فعسى أن يكون ذلك مبدأ لمن يأتي بعد. فان ~~النفس مما تخلل هذه الشريعة ms21 من الأهواء الفاسدة والاعتقادات المرفة في غاية ~~الحزن والتألم، وبخاصة ما عرض لها من ذلك من قبل من ينسب نفسه إلى الحكمة. ~~فان الاذاية من الصديق هي اشد من الاذاية من العدو، اعني أن الحكمة هي ~~صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة، فالاذاية ممن ينسب اليها اشد ا الاذاية مع ~~ما يقع بينهما من العداوة والبغضاء والمشاجرة، وهما المصطحبتان بالطبع ~~المتحابان بالجوهر والغريزة. وقد آذاها ايضا كثير من الأصدقاء الجهال ممن ~~ينسبون انفسهم إليها، وهي الفرق الموجودة فيها. والله يسدد الكل ويوفق ~~الجميع لمحبته ويجمع قلوبهم على تقواه ويرفع عنهم البغض والشنآن بفضله ~~وبرحمته. وقد رفع الله كثيرا من هذه الشرور والجهالات والمسالك المضلات ~~بهذا الأمر الغالب. وطرق به إلى كثير من الخيرات وبخاصة على الصنف الذين ~~سلكوا مسلك النظر ورغبوا في معرفة الحق. وذلك إنه دعا الجمهور من معرفة ~~الله سبحانه إلى طريق وسط ارتفع عن حضيض المقلدين وانحط عن تشغيب ~~المتلكمين، ونبه الخواص على وجوب النظر التام في اصل الشريعة. والله الموفق ~~والهادي بفضله. # المسألة التي ذكرها الشيخ أبو الوليد # في فضل المقال رضي الله عنه # أدام الله عزتكم، وأبقى بركتكم، وحجب عيون النوائب عنكم. # لما فقتم بجودة ذهنكم وكريم طبعكم كثيرا ممن يتعاطى هذه العلوم، وانتهى ~~نظركم السديد إلى ان وقفتم على الشك العارض في علم القديم سبحانه، مع كونه ~~متعلقا بالأشياء المحدثة عنه، وجب علينا لمكان الحق ولمكان ازالة هذه ~~الشبهة عنكم ان نحل هذا الشك بعد ان نقول في تقريره. فان من لم يعرف الربط ~~لم يقدر على الحل. PageV01P011 والشك يلزم هكذا: ان كانت هذه كلها في علم ~~الله سبحانه قبل أن تكون، فهل هي في حال كونها في علمه كما كانت فيه قبل ~~كونها؟ ام هي في علمه في حال وجودها على غير ما كانت عليه في علمه قبل أن ~~توجد؟ فان قلنا انها في علم الله في حال وجودها على غير ما كانت عليه في ~~علمه قبل أن توجد، لزم ان يكون العلم القديم متغيرا، ms22 وان يكون إذا خرجت من ~~العدم إلى الوجود قد حدث هنالك علم زائد. وذلك مستحيل على العلم القديم. ~~وان قلنا في العلم بها واحد في الحالتين، قيل فهل هي في نفسها - اعني ~~الموجودات الحادثة - قبل ان توجد كما هي حين ما وجدت؟ فسيجب ان يقال ليست ~~في نفسها قبل أن توجد كما هي حين ما وجدت، والا كان الموجود والمعدوم ~~واحدا. # فاذا سلم الخصم هذا، قيل له: أفليس العلم الحقيقي هو معرفو الوجود على ما ~~هو عليه؟ فاذا قال: نعم، قيل: فيجب على هذا إذا اختلف الشيء في نفسه ان ~~يكون العلم به ويختلف، والا فقد علم على غير ما هو عليه. فاذا يجب احد ~~امرين: اما أن يختلف العلم القديم في نفسه، أو تكون الحادثات غير معلومة ~~له، وكلا الأمرين مستحيل عليه سبحانه. # ويؤكد هذا الشك ما يظهر من حال الانسان، اعني من تعلق علمه بالأشياء ~~المعدومة على تقدير الوجود وتعلق علمه بها إذا وجدت. فانه من البين بنفسه ~~أن العلمين متغايران، والا كان جاهلا بوجودها في الوقت الذي وجدت فيه. # وليس ينجي من هذا ما جرت به عادة المتكلمين في الجواب عن هذا، بأنه تعالى ~~يعلم الأشياء قبل كونها على ما تكون عليه في حين كونها من زمان ومكان وغير ~~ذلك من الصفات المختصة بموجود موجود. فانه يقال لهم: فاذا وجدت، فهل حدث ~~هنالك تغير أو لم يحدث؟ وهو خروج الشيء من العدم إلى الوجود. فان قالوا: لم ~~يحدث فقد كابروا. وان قالوا: حدث هناك تغير، قيل لهم: فهل حدوث هذا التغير ~~معلوم للعلم القديم ام لا؟ فيلزم الشك المتقدم. وبالجملة فيعسر أن يتصور أن ~~العلم بالشيء قبل أن يوجد والعلم به بعد أن وجد علم واحد بعينه. فهذا هو ~~تقرير هذا الشك على ابلغ ما يمكن ان يقرر به، على ما فاوضناكم فيه. # وحل هذا الشك يستدعي كلاما طويلا، الا انا ههنا نقصد للنكتة التي بها ~~ينحل. # وقد رام ابو حامد حل هذا الشك في كتابه الموسوم ms23 التهافت بشيء ليس فيه ~~مقنع، وذلك انه قال قولا معناه هذا: وهو انه زعم أن العلم والمعلوم من ~~المضاف، وكما انه قد يتغير احد المضافين ولا يتغير المضاف الآخر في نفسه، ~~كذلك يشبه أن يعرض للأشياء في علم الله سبحانه، اعني أن تتغير في انفسها ~~ولا يتغير علمه سبحانه بها. ومثال ذلك في المضاف انه قد تكون الاسطوانة ~~الواحدة يمنة زيد ثم تعود يسرته وزيد بعد لم يتغير في نفسه. وليس بصادق. ~~فان الاضافة قد تغيرت في نفسها، وذلك أن الاضافة التي كانت يمنة قد عادت ~~يسرة، وإنما الذي لن يتغير هو موضوع الاضافة، اعني الحامل لها الذي هو زيد. ~~واذا كان ذلك كذلك، وكان العلم هو نفس الاضافة، فقد يجب أن يتغير عند تغير ~~المعلوم، كما تتغير الاسطوانة إلى زيد عند تغيرها، وذلك إذا عادت يسرة بعد ~~أن كانت يمنة. # والذي ينحل به هذا الشك عندنا هو أن يعرف أن الحال ني العلم القديم مع ~~الموجود خلاف الحال في العلم المحدث مع الموجود، وذلك أن وجود الموجود هو ~~علة وسبب لعلمنا، والعلم القديم هو علة وسبب للموجود. فلو كان، إذا وجد ~~الموجود بعد أن لم يوجد، حدث في العلم القديم علم زائد كما يحدث ذلك في ~~العلم المحدث، للزم ام يكون العلم القديم معلولا للموجود لاعلة له. فاذا ~~واجب أن لا يحدث هنالك تغير كا يحدث في العلم المحدث. وإنما اتى هذا الغلط ~~من قياس العلم القديم على العلم المحدث، وهو قياس الغائب على الشاهد. وقد ~~عرف فساد هذا القياس. وكما انه لا يحدث في الفاعل تغير عند وجود مفعوله، ~~اعني تغيرا لم يكن قبل ذلك، كذلك لا يحدث في العلم القديم سبحانه تغير عند ~~حدوث معلومه، عنه. # فاذا قد انحل الشك، ولم يلزمنا انه. إذا لم يحدث هنالك تغير اعني في ~~العلم القديم فليس يعلم الموجود في حين حدوثه على ما هو عليه، وإنما لزم ~~الا يعلمه بعلم محدث الا بعلم قديم، لأن حدوث التغير في العلم عند ms24 تغير ~~الموجود إنما هو شرط في العلم المعلول عن الموجود، وهو العلم المحدث. ~~PageV01P012 فإذا العلم القديم إنما يتعلق بالموجودات على صفة غير الصفة ~~التي يتعلق بها العلم المحدث، لا انه غير متعلق أصلا كما حكي عن الفلاسفة ~~انهم يقولون لموضع هذا الشك انه سبحانه لا يعلم الجزئيات. وليس الأمر كما ~~توهم عليهم، بل يرون انه لا يعلم الجزئيات بالعلم المحدث الذي من شرطه ~~الحدوث بحدوثها، إذ كان علة لها لا معلولا عنها كالحال في العلم المحدث. ~~وهذا هو غاية التنزيه الذي يجب أن يعترف به. # فانه قد اضطر البرهان إلى انه عالم بالأشياء لأن صدورها عنه إنما هو من ~~جهه انه عالم، لا من جهة انه موجود فقط أو موجود بصفة كذا، بل من جهة انه ~~عالم، كما قال تعالى: " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " وقد اضطر ~~البرهان إلى انه غير عالم بها بعلم هو على صفة العلم المحدت. فواجب أن يكون ~~هنالك للموجودات علم آخر لا يكيف، وهو العلم القديم سبحانه. وكيف يمكن أن ~~يتصور أن المشائين من الحكماء يرون أن العلم القديم لا يحيط بالجزئيات، وهم ~~يرون انه سبب الإنذار في المنامات والوحي وغير ذلك من أنواع الإلهامات؟ ~~فهذا ما ظهر لنا في وجه حل هذا الشك، وهو أمر لا مرية فيه ولا شك. والله ~~الموفق للصواب والمرشد للحق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ~~PageV01P013 ms25