######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009737 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الشهير بابن رشد الحفيد (المتوفى: 595هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 595 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسالة النفس #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم أخرى - مرقم آليا #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009737 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9737 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9737 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم ### | غرض الكتاب # الغرض هاهنا أن نثبت من أقاويل المفسرين في علم النفس، ما نرى أنه أشد ~~مطابقة لما تبين في العلم الطبيعي، وأليق بغرض أرسطر. وقبل ذلك فلنقدم مما ~~تبين في هذا العلم ما يجري مجرى الأصل الموضوع لنفهم جوهر النفس. # فنقول إنه قد تبين في الأولى من السماع. أن جميع الأجسام الكائنة الفاسدة ~~مركبة من هيولى وصورة، وأنه ليس ولا واحد منهما جسما، وأن كان بمجموعهما ~~يوجد الجسم، وتبين هنالك أن الهيولى الأولى لهذه الأجسام ليست مصورة بالذات ~~ولا موجودة بالفعل، وأن الوجود الذي يخصها إنما هو لها من جهة أنها قوية ~~على قبول الصور، لا على أن القوة جو هرها بل على أن ذلك تابع لجو هرها وظل ~~مصاحب لها، وأن سائر ما يقال عليه من الأجسام الموجودة بالفعل أنها قوية ~~على شيء، فإنما يقال فيها ذلك من جهة المادة. إذ كان ليس يمكن أن يوجد لها ~~القوة من جهة ما هي موجودة بالفعل بالذات وأولا، فإن الفعل والقوة ~~متناقضان. # وتبين أيضا هنالك أن هذه المادة الأولى ليس يمكن فيها أن تتعرى عن الصورة ~~لأنها لو عريت منها لكان ما لا يوجد بالفعل موجودا بالفعل. # وتبين مع هذا في السماء والعالم أن الأجسام التي توجد صورها في المادة ~~الأولى وجودا أولا، ولا يمكن أن تتعرى منها المادة هي الأجسام البسيطة ~~الأربعة - النار - والهواء - والماء - والأرض. # وتبين أيضا في كتاب الكون والفساد من أمر هذه البسائط أنها أسطقسات سائر ~~الأجسام المتشابهة الأجزاء، وأن تولدها عنها إنما يكون على جهة الاختلاط ~~والمزاج. # وأن الفاعل الأقصى لهذا الاختلاط والمزاج على نظام ودور محدود هي الأجرام ~~السماوية. # وتبين أيضا في الرابعة من الآثار العلوية أن الاختلاط الحقيقي والمزاج في ~~جميع الأجسام المتشابهة الأجزاء التي توجد في الماء والأرض إنما يكون ~~بالطبخ، والطبخ يكون بالحرارة الملائمة لذلك الشيء المنطبخ، وهي الحرارة ~~الغريزية التي تخص موجودا موجودا، وأن فصول هذه الأجسام المتشابهة الأجزاء ~~إنما تنسب إلى المزاج فقط. # وأن فاعلها ms01 الأقرب هو الحار المازج لها، والأقصى الأجرام السماوية. ~~وبالجملة فتبين هناك أن في الأسطقسات والأجرام السماوية كفاية في وجود هذه ~~الأجسام المتشابهة وإعطاء ما به يتقوم، وذلك أن جميع فصولها منسوبة إلى ~~الكيفيات الأربع. # وتبين بهذا كله في كتاب الحيوان أن أنواع التركيبات ثلاثة: "فأولها" ~~التركيب الذي يكون من وجود الأجسام البسائط في المادة الأولى التي هي غير ~~مصورة بالذات. "والثاني" التركيب الذي يكون عن هذه البسائط وهي الأجسام ~~المتشابهة الأجزاء. "والثالث" تركيب الأعضاء الآلية وهي أتم ما يكون وجودا ~~في الحيوان الكامل كالقلب والكبد. # وقد توجد على جهة المقايسة والتشبيه في الحيوان الذي ليس بكامل وفي ~~النبات أيضا كالأصول والأغصان. # وتبين أيضا في هذا الكتاب أن المكون القريب لهذه الأجسام الآلية ليست ~~حرارة أسطقسية، فإن الحرارة الأسطقسية إنما فعلهما التصليب والتليين، وغير ~~ذلك من الأشياء المنسوبة إلى الأجسام المتشابهة، بل المكون لها هو قوة ~~شبيهة بقوة المهنة والصناعة كما يقول أرسطر، وذلك أيضا مع حرارة ملائمة ~~للتخليق والتصوير وإعطاء الشكل، وأن معطي هذه الصورة الحرارة وصورتها ~~المزاجية التي بها تفعل في الحيوان المتناسل والنبات المتناسل هو الشخص ~~الذي هو من نوع ذلك المتولد عنه أو مناسب له من جهة ما هو شخص متنفس بتوسط ~~القوة والحرارة الموجودة في البزر والمني. وأما في الحيوان والنبات الذي ~~ليس بمتناسل فمعطيها هو الأجرام السماوية. # وتبين أيضا مع ذلك انه كما أن هذه الحرارة ملائمة للتصوير والتخليق ليس ~~فيها كفاية في إعطاء الشكل والخلقة دون أن تكون هناك قوة مصورة من جنس ~~النفس الغاذية، كما لا يكون التغذي في الجسم إلا بقوة غاذية، كذلك هذه ~~القوة الغاذية والحسية المتكونة في الحيوان عن مثلها لها فاعل أقصى مفارق ~~وهو المسمى عقلا، وأن كان المكون القريب للأعضاء الآلية والنفس الحادثة ~~فيها هي هذه القوة فإن الأقرب هي القوة النفسية التي في البزر فإن هذه ~~الأعضاء الآلية ليست توجد إلا متنفسة وأن وجدت غير متنفسة فالوجود لها بضرب ~~من الاشتراك، كما يقال اليد على يد الميت ms02 ويد الحي. # PageV01P001 # وتبين أيضا مع هذا هنالك أن الموضوع القريب لهذه النفوس في الأجسام ~~الآلية هو حرارة مناسبة للحرارة والمكونة، إذ كان لا فرق بينهما إلا أن هذه ~~آلة الحافظة وتلك آلة المكون وهذه هي الحرارة المشاهدة بالحس في الحيوان ~~الكامل في القلب أو ما يناسبه في الحيوان الذي ليس بكامل. وقد توجد هذه ~~الحرارة في كثير من هذه الأنواع كالشائعة فيه وذلك لقرب أعضائها من البسائط ~~كالحال في كثير من الحيوان والنبات والنبات أحرى بذلك، ولذلك متى فصلنا ~~غصنا من أغصان النبات وغرسناه أمكن أن يعيش. # وتبين أيضا هنالك أن قوى النفس واحدة بالموضوع القريب لها التي هي ~~الحرارة الغريزية كثيرة بالقوة كالحال في التفاحة، فإنها ذات قوى كثيرة ~~باللون والطعم والرائحة، وهي مع ذلك واحدة. إلا أن الفرق بينهما أن هذه ~~أعراض في التفاحة وتلك جواهر في الحرارة. الغريزية، فهذه هي الأمور التي ~~إذا تحفظ بها قدرنا أن نصل إلى معرفة جوهر النفس وما يلحقها على أتم الوجوه ~~وأسهلها، وهي أمور وأن لم يصرح بها أرسطر في أول كتابه فهو ضرورة مصادرة ~~عليها بالقوة على عادته في الإيجاز. ### | مبدأ المفارقة # ومن هذه الأمور بعينها يمكن أن نقف من أمرها على ما هو اكثر ذلك متشوق من ~~أمرها، وهو هل يمكن فيها أن تفارق أم لا، إلا أنه ينبغي أن يكون عتيدا قبل ~~هذا الفحص على أي جهة يمكن أن توجد صورة مفارقة في الهيولى أن وجدت، وفي أي ~~المواضع والشبل يمكن أن يوقف على ذلك أن كان. # فنقول أن المفارقة إنما تكون أن توجد في أشياء منسوبة إلى الأمور ~~الهيولانية بأن تكون نسبتها إليها لا نسبة الصورة إلى المادة بل تكون ~~لاتصالها بالهيولى اتصالا ليس في جوهرها. كما يقال في العقل الفعال إنه في ~~المني والبزر، ويقال إن المحرك الأول في المحيط، فإن نسبة الصورة إلى ~~الهيولى هي نسبة لا يمكن فيها أصلا أن تتصور المفارقة فيها من جهة ما في ~~صورة هيولانية، فإن هذا الوضع يناقض نفسه ms03 لأن أحد ما يضع صاحب هذا العلم ~~على أنه بين بنفسه هو أن هذه الصورة الطبيعية بين من أمرها أنها تتقوم ~~بالهيولى، ولذلك كانت حادثة وتابعة في حدوثها للتغير وطبيعته. # وأيضا فمتى أنزلنا خلاف هذا، أعني أنها أزلية سواء فرضناها منتقلة من ~~موضع إلى موضع أولا من موضع إلى موضع، وهذا هو احفظ لهذا الوضع، لأنها إذا ~~كانت أزلية فما بالها لا توجد إلا في موضوع، فإنه يلزم عن ذلك محالات ~~كثيرة. # منها أن يكون الموجود يتكون عن موجود بالفعل، لأن المادة إذا كانت غير ~~حادثة والصورة أيضا غير حادثة فليس هاهنا كون أصلا، ولا يكون هنالك غناء ~~للمحرك والكون بل لا يكون هنالك فاعل أصلا. # وأيضا أن أنزلنا الصورة موجودة قبل وجودها في الهيولى المشار إليها فلا ~~يخلو أن يكون وجودها تغيرا أو تابعا لتغير أو لا يكون هنالك للصورة مغائرة ~~أصلا، لكن متى أنزلنا الصورة ليس لها تغير أصلا ولا وجودها في الهيولى ~~المشار إليها تابع لتغير وكذلك فسادها لزم أن يكون الشيء الواحد بعينه قبل ~~التكون كحاله بغد التكون وقبل الفساد كحاله بعد الفساد، حتى تكون الأضداد ~~موجودة معا في موضوع واحد، كأنك قلت صورة الماء وصورة النار، وهذا كله خلاف ~~المعقول. # وأن أنزلنا أيضا حدوثها تغيرا، أعني أنها تتغير عند الحدوث من لا هيولى ~~إلى هيولى أو من هيولى إلى هيولى، كما يقول أصحاب التناسخ لزم ضرورة أن ~~تكون الصورة جسما ومنقسمة حسب ما تبين من أن كل متغير منقسم. # وإذا كان هذا هكذا فلم يبق أن يكون حدوثها في الهيولى إلا على أن وجودها ~~تابع لتغير على ما يظهر من أمر الصور الكائنة، فإن أحدا ما يتم به. وتتكون ~~صورة الهواء في هيولى الماء إنما هو لوجود الاستحالة المتقدمة في الماء ~~بحدوث صورة الهواء، لكن هذه الصورة من اجل وجودها في متغير لا من جهة أنها ~~متغيرة بذاتها، فكانت ليست بجسم ولا تنقسم. ولذلك ما قيل إنه ليس حركة في ~~الجوهر، وهذا كله قد يظهر ms04 في السماع الطبيعي. # PageV01P002 # وأيضا لو أنزلنا هذه الصورة غير هيولانية لم يكن حدوثها في الشيء يوجب ~~مزيد استعداد لقبول صورة أخرى، ولا كانت بعضها كمالات لبعض، وبعضها موضوعات ~~لبعض على جهة ما نقول أن الغاذية موضوعة للحساسة والحساسة كمال لها، فإن ~~الصورة بما هي صورة ليس فيها من الاستعداد والقوة، إذ كان وجودها الذي ~~يخصها إنما هو لها من جهة الفعل والفعل والقوة متناقضتان، وإنما أمكن أن ~~توجد فيها القوة بضرب من العرض، وذلك لكونها هيولانية، وهذه كلها استظهارات ~~تستعمل مع من ينكر وجود هذا لا على أنها براهين تتبين بها مجهول بمعلوم. # ومن شأن هذا النوع من الأقوال أن يستعمل في علم ما بعد الطبيعة، إذ كانت ~~تلك الصناعة هي الصناعة التي تتكفل نصرة ما تضعه الصنايع الجزئية مبادئ ~~وموضوعات، وإذا كان موضوعا لصاحب هذا العلم أن اكثر الصور هيولانية وأن ذلك ~~بين من أمرها، فالذي يفحص عنه صاحب هذا العلم إما هو الصورة المشكوك في ~~أمرها هل هي متقومة بالهيولى أم ليست متقومة. والسبيل التي منها يمكن أن ~~تكتسب المقدمات الخاصة المناسبة بهذا النظر في هذا العلم، فهي أن تحصى جميع ~~المحمولات التي تلحق الصور الهيولانية بما هي هيولانية، إذ كان وجودها في ~~الهيولى ليس بنحو واحد على ما ظهر فيما تقدم، وسيظهر في هذا الكتاب. # ثم يتأمل جميعها مثلا في النفس الناطقة إذ كانت التي يظن بها من بين قوى ~~النفس أنها تفارق، فإن ألفيناها متصفة بواحد منها تبين أنها غير مفارقة، ~~وكذلك تتصفح المحمولات الذاتية التي تخص الصور بما هي، صور لا بما هي صور ~~هيولانية، فإن الفي لها محمول خاص تبين انها مفارقة، كما يقول أرسطو أنه أن ~~وجد للنفس أو لجزء من أجزائها فعل ما يخصها أمكن أن تفارق. فهذه هي الجهة ~~التي يمكن أن ننظر منها في ذلك، فليكن هذا عندنا عتيدا حتى نصل إلى الموضع ~~الذي يمكن فيه أن نفحص من هذا المطلوب. فإن هذا الفحص إنما يترتب في جزء ~~جزء من ms05 أجزاء النفس بعد المعرفة بجو هره، إذ كان علم ذات الشيء متقدما على ~~لواحقه، فلنبدأ من حيث بدا. ### | تعريف النفس # فنقول إنه يظهر من قرب عما وضع في القول المتقدم أن النفس صورة لجسم ~~طبيعي آلي، وذلك أنه إذا كان كل جسم مركب من مادة وصورة، وكان الذي بهذه ~~الصفة في الحيوان هو النفس والبدن، وكان ظاهرا من أمر النفس أنها ليست ~~بمادة للجسم الطبيعي، فبين أنها صورة ولا الصورة الطبيعية هي كمالات أول ~~للأجسام التي هي صور لها، فبالواجب ما قيل في حد النفس أنها استكمال أول ~~الجسم طبيعي آلي، وإنما قيل أول تحفظا من الاستكمالات الأخيرة التي هي في ~~الأفعال والانفعالات، فإن مثل هذه استكمالات تابعة للاستكمالات الأول، إذ ~~كانت صادرة عنها إلا أن هذا الحد لما كان مما يظهر انه يقال بتشكيك على ~~جميع قوى النفس، وذلك أن قولنا في الغاذية أنها استكمال غير معنى قولنا ذلك ~~في الحساسة والمتخيلة، وأحرى ما قيل ذلك باشتراك على القوة الناطقة، وكذلك ~~سائر أجزاء الحد لم تكن كفاية في تعرف جو هر كل جزء من أجزائها من هذا الحد ~~على التمام، حتى نعرف ما هذا الاستكمال الموجود في النفس الغاذية وفي واحدة ~~واحدة منها وهذه النفس يظهر بالحس من أفعالها أن أجناسها خمسة: أولها في ~~التقديم بالزمان وهو التقدم الهيولاني والنفس النباتية ثم الحساسة، ثم ~~المتخيلة، ثم الناطقة، ثم النزوعية، وهي كاللاحق لهاتين القوتين، أعني ~~المتخيلة والحساسة، وأن الحساسة خمس قوى: قوة البصر، وقوة السمع، وقوة ~~الشم، وقوة الذوق، وقوة اللمس، وسنبين بآخره أن عددها هذا العدد ضرورة، ~~وأنه لا يمكن أن توجد قوة أخرى من قوى الحس غير هذه وليس هذه القوى يوجد ~~لها التباين من جهة أفعالها فقط، بل ولأن بعضها قد يفارق بعضا بالموضوع، ~~وذلك أن النباتية قد توجد في النبات دون الحساسة، والحساسة من دون المتخيلة ~~في كثير من الحيوان كالذباب وغيره، وأن كان ليس يوجد الأمر فيها بالعكس، ~~أعني أن توجد الحساسة من دون الغاذية ms06 أو المتخيلة من دون الحساسة. # PageV01P003 # والعلة في ذلك أن ما كان منها يجري مجرى الهيولى لبعض لم يكن في ذلك ~~البعض أن يفارق هيولاه وأمكن في تلك القوة التي تتنزل من تلك الأخيرة منزلة ~~الهيولى أن تفارق، لكن لا من جهة ما هي هيولى لشيء بل من جهة ما هي كمال ~~وتمام للشيء الذي هي له تمام. ولذلك لم يمكن في الهيولى الأولى أن تفارق إذ ~~كان ليس فيها صورة بالفعل تكون لها مستعدة لقبول صورة أخرى، وأمكن ذلك في ~~المركب الذي هو من جهة هيولى ومن جهة صورة. # ونحن إنما نبتدئ من هذه القوى بأشدها تقدما في الزمان كما فعل أرسطر، وهو ~~التقدم الهيولاني والقوة التي هذه صفتها هي النفس الغاذية فلنبدأ من القول ~~فيها. ### | القول في القوة الغاذية # والقوة تقال بضرب من التشكيك على الملكات والصور حين ليس تفعل كما يقال ~~في النار أنها محرقة بالقوة إذا لم تحضرها المادة الملائمة للإحراق، وعلى ~~القوى المنفعلة كما يقال في الخبر انه دم بالقوة، وفي الدم أنه لحم بالقوة، ~~وذلك إذا لم يحضر المحرك، وطاهر أن هذه القوة الغاذية من جنس القوى ~~الفاعلة، وذلك أن الغذاء لما كان صنفين: أحدهما الذي بالفعل وذلك إذا ~~استحال إلى جوهر المغتذي. والثاني الذي بالقوة، وذلك قبل أن يستحيل إلى ~~جوهر المغتذي، والذي بالقوة كما قيل في غير ما موضع إنما يصير إلى ~~الاستكمال من قبل المحرك الذي بالفعل. إلا أن القوة أيضا لما كانت صنفين ~~قريبة وبعيدة والقوة البعيدة في الغذاء المحرك لها ضرورة غير النفس ~~الغاذية، كالقوة التي في الأسطقسات أن يكون لحما. وأما القوة القريبة مثل ~~ما نقول في الخبز انه غذاء بالقوة فالمحرك لها هي النفس العأذية ولذلك هي ~~ضرورة قوة فاعلة. # وقد قيل كيف يكون الفعل والانفعال على العموم في هذه الحركة، وفي غيرها ~~من الحركات في الأولى من الكون والفساد، وقيل هناك أن المنفعل يلزم أن يكون ~~من جهة شبيها ومن جهة ضدا فأما أن الانفعال الموجود في ms07 الغذاء هو في الجوهر ~~فذلك بين بنفسه. وأما أن هذه القوة الغاذية نفس فذلك بين من أنها صورة لجسم ~~آلي، وهي بالجملة إثما تفعل مما هو جزء عضو آلي. بالقوة جزء عضو آلي ~~بالفعل، وبين أن مثل هذا التحريك والفعل ليس منسوبا إلى النار. فأما الآلة ~~التي بها تفعل هذه القوة الاغتذاء فهي الحرارة ضرورة، وليس أي حرارة اتفقت ~~بل حرارة ملائمة لهذا الفعل، وهي المسماة الحرارة الغريزية، وذلك أن هذه ~~النفس إنما تفعل كما يظهر من أمرها جزء عضو عضو من أعضاء المتغذي والأعضاء ~~مركبة من الأسطقسات، والمركب من الأسطقسات إنما يصير واحدا على ما تبين ~~بالمزاج، والمزاج إنما يكون بالحرارة كما قيل في الآثار العلوية، فإذن ~~الحرارة هي الآلة الملائمة لهذا الفعل، وليس هذه الحرارة هي النفس كما ظن ~~جالينوس وغيره. فإن فعل الحرارة ليس بمرتب ولا محدود ولا تفعل نحو غاية ~~مقصودة كما يظهر ذلك من أفعال النفس، ولا يصح أن ينسب الترتيب إلى الحرارة ~~إلا بالعرض على ما كان يرى كثير من القدماء. # وهذه الحرارة هي الموضوع القريب الأول لهذه النفس التي تتنزل منها منزلة ~~الهيولى، وذلك شيء بالواجب عرض لكل محرك ليس بجسم وهو في جسم إذا حرك جسما ~~آخر، أعني انه إنما يكون تحريكه له من جهة ما هو موجود في جسم هو صورة فيه، ~~وإلا لم يمكن فيه أن يحرك الجسم الآخر كالحال في النفس الغاذية، والغذاء في ~~النفس المحركة لجسم الحيوان في المكان على ما سيظهر بعد. # فأما السبب الغائي الذي من اجله وجدت هذه القوة في الحيوان وفي النبات ~~فهو الحفظ. وذلك أن أجساد المتنفسات لطيفة متخلخلة سريعة التحلل، فلو لم ~~تكن فيها قوة شأنها أن يخلف بدل ما تحلل منها أمكن في المتنفس أن يبقى ~~زمانا له طول ما، وإذا كان هذا كله من أمر هذه القوة كما وصفنا فإذن هذه ~~القوة هي التي من شأنها أن تصير بالحار الغريزي، مما هو جزء عضو بالقوة جزء ~~عضو بالفعل، لتحفظ بذلك ms08 على المتنفس بقاءه ولذلك كان إخلال فعل هذه القوة ~~موتا. # PageV01P004 # وهاهنا قوة أخرى منسوبة إلى النبات هي كالكمال والصورة للقوة الغاذية، إذ ~~كانت لا يمكن أن توجد خلوا من الغاذية، ويمكن أن توجد الغاذية خلوا منها ~~وهي القوة النامية، وهذه القوة هي القوة التي من شأنها عندما تولد الغاذية ~~من الغذاء أكثر مما تحلل من الجسم أن تنمي الأعضاء في جميع أجزائها ~~وأقطارها على نسبة واحدة، وهو بين أن هذه القوة مغايرة بالماهية للغاذية. ~~فإن فعل التنمية غير فعل الحفظ، فإن هذه القوة قوة فاعلة، فبين مما رسمناها ~~به كذلك أيضا كونها نفسا. # وأما السبب الغائي الذي من اجله وجدت هذه القوة فإنه لما كانت الأجسام ~~الطبيعية لها أعظام محدودة وكان لا يمكن في الأجسام المتنفسة أن توجد لها ~~من أول الأمر العظم الذي يخصها احتيج إلى هذه القوة، ولذلك إذا ما بلغ ~~الموجود العظم الذي له بالطبع كفت هذه القوة. # وبين مما قبل أيضا في النفس الغاذية أن آلة هذه القوة هي الحرارة ~~الغريزية، فأما كيف تكون هذه الحركة وبماذا تكون فقد لخص القول في ذلك في ~~كتاب الكون والفساد، وليس هذا الفعل فقط ينسب لهذه النفس، أعني النمو بل ~~وضده وهو الاضمحلال. فإن هذه الحركة أيضا محدودة مرتبة وذلك أنها إذا عرضت ~~تعرض في كل نقطة وجزء محسوس من أجزاء المضمحل على السواء وليس مثل هذا ~~الاضمحلال ما يمكن أن ينسب إلى ما من خارج فقط. # ولما كانت أيضا هذه الأجسام المتنفسة منها متناسلة، ومنها غير متناسلة، ~~وكانت المتناسلة هي التي يمكن فيها أن توجد مثلها بالنوع أو شبيها بها وذلك ~~بما يوجد عنها من البزور والمني، فإذن هاهنا قوة أخرى تفعل من الغذاء ما ~~شأنه أن يتكون عنه مثل الشخص الذي توجد له هذه القوة. # وبين من هذا أن هذه القوة فاعلة وأنها نفس، وأن آلتها هي الحرارة ~~الغريزية، إذ كان لا فرق بين هذه القوة والقوة الغاذية، إلا أن هذه القوة ~~شأنها أن تفعل مما هو ms09 بالقوة شخص من نوعه شخصا بالفعل، والغاذية إنما تفعل ~~جزء شخص، وإنما جعلت هذه القوة في الأشياء التي هي موجودة فيها لا على جهة ~~الضرورة، كالحال في القوة الغاذية والنامية بل على جهة الأفضل لتكون لهذه ~~الموجودات حظ من البقاء الأزلي بحسب ما يمكن في طباعها. فإن اقرب شيء إلى ~~الوجود الضروري بالشخص هو هذا الوجود، وكانت هذه الموجودات أعطيت من أول ~~الأمر وجودها وقوة تحفظ بها وجودها. # وأما غير المتناسلة فلم تعط إلا وجودها فقط لأنه لم يمكن فيها أكثر من ~~ذلك. # فهاهنا إذن ثلاث قوى: أولها الغاذية هي كالهيولى لهاتين القوتين، أعني ~~النامية، والمولدة. إذ كان قد توجد الغاذية دونهما وليس توجد أن دون ~~الغاذية. أما المولدة فكأنها تمام القوة النامية، ولذلك ما تصرف الطباع ~~الفضلة من الغذاء الذي كان بها النمو عند كمال النمو إلى التوليد فتكون ~~منها البزور والمني، وهذه القوة أعني قوة التوليد قد يمكن أيضا أن تفارق ~~الغاذية، وذلك في آخر العمر. وأما مفارقة الغاذية فهو موت، فقد تبين من هذا ~~القول ما النفس الغاذية والمنمية والمولدة، وأي آلة آلتها، ولم كان كل واحد ~~منها في الجسم المتنفس فلنقل في القوة التي تتلو هذه في الحيوان وهي قوة ~~الحس. ### | القول في القوة الحساسة # وهذه القوة بين من أمرها أنها قوة منفعلة، إذ كانت توجد مرة بالقوة ومرة ~~بالفعل، وهذه القوة منها قريبة ومنها بعيدة والبعيدة كالقوة التي في الجنين ~~على أن يحس، والقريبة كقوة النائم والمغمض عينه على أن يحس، وبين مما تقدم ~~أن ما بالقوة من جهة ما هو بالقوة منسوب إلى الهيولى، وأن خروج القوة إلى ~~الفعل تغير أو تابع لتغير، وأن كل متغير فله مغير ومحرك يعطي المتحرك شبيه ~~ما في جوهره. وإذا كان ذلك كذلك فينبغي أن نتعرف من أمر هذه القوة أي وجود ~~وجودها وما المحرك لها وعلى أي جهة تقبل التحريك. # فنقول أما القوة البعيدة وهي التي تكون في الجنين فقد تبين أي وجود ~~وجودها في كتاب الحيوان، ms10 والمحرك لها هو ضرورة غير المحرك للقوة القريبة، ~~إذ كان بهذا تكون القوتان اثنين، وقد تبين وجود هذا المحرك في كتاب ~~الحيوان. # وأما المحرك للقوة القريبة فبين من أمره أنه المحسوسات بالفعل، والذي ~~ينبغي هاهنا أن نطلب أي وجود وجود هذه القوة وعلى أي جهة تقبل التحريك عن ~~المحسوسات. # فنقول إنه من البين مما تقدم أن القوة تقال على ثلاثة أضرب: # PageV01P005 # أولاها بالتقديم والتحقيق القوة المنسوبة إلى الهيولى الأولى، إذ كانت ~~الهيولى الأولى إنما الوجود لها من جهة ما هي قوة محضة. ولذلك لم يمكن في ~~مثل هذه القوة أن تفارق بالجنس الصورة التي هي قوية أولا عليها بل متى تعرت ~~عن الصورة التي فيها تلبست بصورة أخرى من جنسها، كالحال في الماء والنار. # وبالجملة في الأجسام البسائط، ثم من بعد هذه القوة الموجودة في صور هذه ~~الأجسام البسيطة على صور الأجسام المتشابهة الأجزاء، وهذه القوة هي متأخرة ~~عن تلك، إذ كان يمكن فيها أن تفارق صورة الشيء الذي هي قوية عليه بالجنس، ~~وهي أيضا حين تقبل الكمال والفعل ليس تخلع صورتها كل الخلع، كالحال في ~~القوة الموجودة في الأجسام البسيطة، ولذلك لسنا نقول أن صور الأسطقسات ~~موجودة بالقوة في الجسم المتشابه الأجزاء على جهة ما نقول أن الماء بالقوة ~~هواء أو نار بل بنحو متوسط على ما تبين في كتاب الكون والفساد. فكأن هذه ~~القوة الثانية شأنها فعل ما، إذ كان السبب في وجودها القوة الأولى مقترنة ~~بالصورة البسيطة لا القوة وحدها. # ثم تتلو هذه في المرتبة القوة الموجودة في بعض الأجسام المتشابهة الأجزاء ~~كالقوة التي في الحرارة الغريزية مثلا أو ما يناسبها الموضوعة في النبات ~~والحيوان للنفس الغاذية. م وتفارق هذه القوة القوة التي في صور الأسطقسات ~~على الأجسام المتشابهة الأجزاء أن هذه إذا قبلت ما بالفعل لم يتغير الموضوع ~~لها ضربا من التغير لا قليلا ولا كثيرا، ولذلك كان فساد هذه ليس إلى الضد ~~بل إلى العدم فقط، فكأن هذه القوة قد شابهت الفعل أكثر من تلك، ms11 ولذلك ما ~~قبل أن معطي الصورة المزاجية التي بها شان موضوعها أن تقبل هذا الكمال أحد ~~الأمرين: إما نفس في المتناسل من ذوات النفوس. وإما حرارة الكواكب في غير ~~المتناسل لكن هذه القوة إذا وجدت على كمالها في النبات فليس يوجد فيها ~~استعداد لقبول صورة أخرى. # وإما إذا وجدت في الحيوان فإنه يلفي فيها استعدادا لقبول صورة أخرى وهي ~~الصورة المحسوسة، وإنما عرض لها ذلك من جهة اختلاف استعداد موضوعها في ~~النبات والحيوان، إلا من جهة ما هي قوة غاذية. وهذا الاستعداد الذي يوجد في ~~القوة الغاذية لقبول المحسوسات الذي هو الكمال الأول للحس ليس الموضوع ~~القريب له شيئا غير النفس الغاذية، وهذه القوة وهذا الاستعداد كأنه شيء ما ~~بالفعل إلا انه ليس على كماله الأخير، فإن الحيوان النائم قد يرى أنه ذو ~~نفس حساسة بالفعل. # ولذلك ما يشبه أرسطو هذه القوة بالقوة التي في العالم حين لا يستعمل ~~علمه، لكن ليست هي بالقوة من جهة ما هي بالفعل. فإنما هي بالقوة شيئا ما ~~ليس هو شيئا ما بالفعل مما هو قوي عليه، بل أن كان شيئا ما بالفعل فلا من ~~جهة ما هو قوي، إذ كان الفعل والقوة متناقضتين. لكن لما كانت القوة لا تعرى ~~من الفعل لزم أن توجد إما فعل ما غير تام، وإما أن توجد مقترنة بصورة أخرى ~~مغايرة للصورة التي هي قوية عليها من غير أن تكون هي في نفسها شيئا، وإذا ~~كانت القوة ذات صور فإما أن تكون الصورة التي في الموضوع مضادة للصورة ~~الواردة فتفسد صورة الموضوع عند ورودها إما فسادا تاما كالحال في صور ~~البسائط، وإما فسادا ما غير محض كالحال في صور البسائط عند حلول صور ~~المتشابهة الأجزاء فيها. # وإما أن لا تكون بينهما مضادة أصلا ولا مغايرة بل مناسبة تامة، فيبقى ~~الموضوع عند الاستكمال على حاله قبل الاستكمال، بل لا يمكن وجود الاستكمال ~~إلا أن يبقى الموضوع على حاله قبل الاستكمال كالحال في القوة التي في ~~المتعلم على التعلم، وهذه ms12 القوة التي هي فعل غير تام ليس يحتاج في وجودها ~~إلى صورة هي موجودة إلا بالعرض، كالحال في النفس الغاذية مع الحسية التي هي ~~الكمال الأول. # PageV01P006 # وبين من هذا أن هذه القوة، أعني الكمال الأول للحس مباينة بالرتبة لتلك ~~القوى التي تقدمت. إذ كان الموضوع لها نفس ما، ولذلك ما كان قبول هذه القوة ~~كمالها الأخير عن المحرك لها ليس من جنس قبول القوى الهيولانية التي عددنا ~~كمالاتها عن المحركين لها. فإن المحرك هنالك إنما يعطي الهيولى صورة شبيهة ~~بالصورة الموجودة فيه وعلى الحال التي توجد فيه، ومثال ذلك أن النار إذا ~~كونت نارا أخرى وصيرتها بالفعل، فإنما يعطي ذلك الموضوع صورة شبيهة بصورتها ~~ويكون حال وجودها في الهيولى هي هي بعينها حال وجود الصورة الفاعلة في ~~هيولاها. # وأما قوة الحس فليمس الأمر فيها كذلك فإنه ليس موجود اللون مثلا في هذه ~~القوة هو بعينه وجوده خارج النفس، فإن وجوده في هيولاه خارج النفس وجود هو ~~به منقسم بانقسام الهيولى. # وأما وجوده في القوة الحساسة فليس بمنقسم أصلا بانقسام هيولاه، ولذلك ~~أمكن أن يستكمل بالجسم الكبير جدا والصغير على حالة واحدة وبموضوع واحد، ~~حتى يكون مثلا الرطوبة الجليدية على صغرها تقبل نصف كرة الفلك وتؤديه إلى ~~هذه القوة، كما تقبل صورة الجسم الصغير جدا ولو كان هذا الاستكمال منقسما ~~بانقسام الهيولى لم يكن ذلك فيه. # وأيضا فإنا نجد هذه الصورة تستكمل بالمتضادين معا في موضوع واحد، فنحكم ~~عليهما كالقوة المبصرة التي تدرك السواد والبياض معا. ولذلك يصير للمحسوسات ~~بهذه القوة وجود أشرف مما كان لها في هيولاها خارج النفس. فإن معنى هذا ~~الاستكمال ليس شيئا غير وجود معنى المحسوسات مجردا من هيولاه، لكن بوجه ما ~~له نسبة شخصية إلى هيولى بها صار معنى شخصيا. وإلا كان عقلا على ما سنبين ~~بعد عند القول في القوة الناطقة، وهذا أول مرتبة من مراتب تجرد الصور ~~الهيولانية فيه. فهذه القوة إذن هي القوة التي من شأنها أن يستكمل بمعاني ~~الأمور المحسوسة، أعني القوة ms13 الحسية من جهة ما هي معان شخصية. # وبين مما قلنا أن مثل هذه الصورة الحسية كائنة فاسدة، إذ كانت توجد ~~بالقوة تارة وبالفعل تارة، وما بالقوة من جهة ما هو بالقوة فهو حادث ضرورة، ~~إذ كانت القوة هي أخص أسباب الحدوث. وأيضا لو كانت أزلية لكان مثلا هذا ~~اللون موجودا قبل وجوده فتكون الأعراض مفارقة، ولم يكن للمحسوسات غناء في ~~الإدراك حتى كان يكون الإحساس في غيبتها وحضورها بحال واحدة، وهذا كله ~~شنيع. وأيضا فهي بوجه ما تستعمل آلة جسمانية إذ كان الموضوع الأول لها، ~~أعني النفس الغاذية صورة في مادة ولذلك يلحقها الكلال ولا تتم فعلها إلا ~~بأعضاء محدودة، فإن الإبصار إنما يكون بالعين والسمع بالأذن. ### | قوى النفس الحساسة # وإذا قلنا ما هي النفس الحساسة بإطلاق فقد ينبغي بعد هذا أن نصير إلى ~~القول في واحدة واحدة من قواها. فنقول أن أقدم هذه القوى وجودا بالزمان هي ~~قوة اللمس ولذلك قد توجد هذه القوة معراة عن سائر الحواس، كما يوجد ذلك في ~~الإسفنج البحري وغير ذلك مما هو متوسط الوجود بين النبات والحيوان، ولا ~~توجد سائر القوى معراة منها وإنما كان ذلك كذلك لأن هذه القوة أكثر ضرورية ~~في وجود الحيوان من سائر قوى الحس، إذ لولا هي لكانت ستفسده الأشياء التي ~~من خارج وبخاصة عند النقلة. # ثم من بعد هذه القوة قوة الذوق فإنها أيضا لمس ما، وأيضا فإنها القوة ~~التي بها يختار الحيوان الملائم من الغذاء من غير الملائم. # ثم قوة الشم أيضا إذ كانت هذه القوة أكثر ما يستعملها الحيوان في ~~الاستدلال على الغذاء كالحال في النمل والنحل، وبالجملة فهذه الثلاث القوى ~~هي القوى الضرورية أكثر ذلك في وجود الحيوان. # وأما قوة السمع والإبصار فموجودة في الحيوان من أجل الأفضل لا من اجل ~~الضرورة، ولذلك كان الحيوان المعروف بالخلد لا بصر له. # ويجب قبل أن نشرع في القول في هذه الحواس أن نقدم من أمر المحسوسات ما ~~يتوصل به إلى القول في واحدة واحدة من هذه ms14 القوى. فإنا، إنما نسير أكثر ذلك ~~في هذا العلم كما قيل غير ما مرة من الأعرف عندنا إلى الأعرف عند الطباع. # PageV01P007 # فنقول أن الأمور المحسوسة منها قريبة، ومنها بعيدة، والقريبة معدودة فيها ~~بالذات، والبعيدة معدودة فيها بالعرض، والذي بالذات منها ما هي خاصة بحاسة ~~حاسة ومنها مشتركة لأكثر من حاسة واحدة، فالخاصة هي مثل الألوان للبصر، ~~والأصوات للسمع والطعوم للذوق، والرائحة للشم، والحرارة والبرودة للمس، ~~وأما المشتركة لأكثر من خاصة واحدة فالحركة والسكون والعدد والشكل ~~والمقدار. # أما الحركة والعدد فيدركهما جميع ### | الحواس الخمس # وذلك بين بن أمرهما0 وأما الشكل والمقدار فمشتركان للبصر واللمس فقط، ~~والغلط إنما يقع أكثر ذلك للحواس في هذه المحسوسات المشتركة كمن يخيل إليه ~~حين يسير في النهر أن الشطوط تتحرك، وأما المحسوسات بالعرض فمثل أن يحس أن ~~هذا حي وهذا ميت، وهذا زيد وهذا عمرو، وهذه المحسوسات الغلط فيها أكثر منه ~~في المشتركة، ولذلك قد يحتاج في تميزها أن يستعمل في ذلك اكثر من حاسة ~~واحدة كما يستعمل ذلك الأطباء فيمن به انطباق العروق، فإنهم قد يقصدونه مرة ~~ومرة يجعلون مرآة عند أنفه ليظهر لهم فيها أثر التنفس. # وإذ قد تبين ما هي المحسوسات الخاصة والمشتركة فلنبدأ أولا بالقول في ~~القوى التي تخص محسوسا محسوسا من المحسوسات الخاصة ثم نسير ذلك إلى القول ~~في القوة التي محسوساتها مشتركة، وهي المعروفة بالحس المشترك، ولنبدأ على ~~عادتهم من القول في البصر. # الحواس الخمس ### | القول في قوة البصر # وهذه القوة هي التي من شانها أن تقبل معاني الألوان مجردة عن الهيولى من ~~جهة ما هي معان شخصية، وذلك بين مما تقدم إذ كانت تدرك المتضادين معا كما ~~قلنا. # والذي بقي علينا من أمرها أن نبين كيف يكون هذا القبول وبأي شيء يكون، ~~وبالجملة جميع الأشياء التي تتقوم هذا الإدراك فنقول لما كانت المحسوسات ~~بعضها مماسة للحواس وملاقية لها كمحسوسات اللمس والذوق، وبعضها غير ملاقية ~~ولا مماسة كالبصر والسمع والشم، وكانت المحسوسات هي المحركة للحواس ~~والمخرجة لها من القوة إلى ms15 الفعل، والمحرك كما تبين إذا كان محركا قريبا ~~فإنما يحرك بأن يماس المحرك، وأن كان بعيدا فإنما يحركه بتوسط جسم آخر،، ~~إما واحد وإما أكثر من واحد، وذلك بأن يحرك هو الذي يليه ثم يحرك ذلك الأخر ~~الذي يليه إلى أن ينتهي التحريك إلى الأخير. # وأعني هاهنا بالتحريك التغير على العموم سواء كان في زمان أو لم يكن، ~~كالحال في هذا التغير، فبالواجب ما احتاجت هذه الحواس الثلاث إلى متوسط به ~~يكون قبولها للمحسوسات وليس بأية حالة اتفقت حتى يكون هو المتوسط، بل يلزم ~~ضرورة أن يكون بحال يمكنه بها أن يقبل التحريك عن المحسوسات حتى تؤديه إلى ~~الحواس، وليست هذه الحال شيئا أكثر من أن يكون في نفسه عادما لهذه المعاني ~~التي يقبلها عن المحسوسات، حتى يكون لا لون له ولا رائحة وبكون قبوله لها ~~بوجه مناسب لقبول الحاسة، أعني أن لا يكون قبوله هيولانيا بل بضرب من ~~التوسط بين الهيولاني والروحاني، وهذا أيضا أحد ما اضطر إلى وجود المتوسط، ~~فإن الطبيعة إنما تفعل بتدريج، ولذلك كانت هذه المحسوسات إذا ألقيت على آلة ~~الحس لم تدرك، وهذه حال الماء والهواء اللذين تدرك بتوسطهما هذه المحسوسات. ~~فقد ظهر من هذا القول ضرورة احتياج هذه الثلاث الحواس إلى المتوسط، وبأي ~~صفة ينبغي أن يكون على العموم، وإنه ليس يمكن أن يكون إبصار ولا واحد من ~~هذه الإدراكات بانخلاء على ما كان يرى كثير ممن سلف من القدماء. # وينبغي أن نرجع إلى ما يخص الأبصار فنقول أن الجسم الذي شأنه أن يقبل ~~اللون من جهة ما هو غير ذي لون هو جسم المشف من جهة ما هو مشف، وهذا القبول ~~ضربان: إما قبول هيولاني. كالحال في الألوان في هيولاها، وإما قبول متوسط ~~بين الهيولاني والروحاني كالحال في ارتسام الألوان في الهواء والماء. وهذا ~~النحو من القبول هي الجهة التي بها يخدم هذان الأسطقسان الإبصار فقط. ولهذا ~~السبب بعينه ما كانت آلة هذا الإدراك وهي العين الغالب على أجزائها الماء ~~والهواء، لكن هذه ms16 الأجسام المشفة يظهر من أمرها أنها إنما تقبل الألوان حين ~~هي مشفة بالفعل أي مستضيئة، ولذلك لا يمكن أن يبصر في الظلام وإنما تكون ~~مشفة بالفعل عند حضور المضيء. # PageV01P008 # فإذن إنما يتفق الأبصار بهذين الأسطقسين وبالضوء. لكن أما الجهة التي بها ~~تخدم هذان الأسطقسان هذه القوة فقد تبينت وأما على أية جهة يفعل ذلك الضوء ~~فقد ينبغي أن نبين ذلك بعد أن نلخص أولا كم هي الأجسام المضيئة وما الضوء ~~والمستضيئ. # فنقول أما الأجسام المضيئة بالتقديم فنوعان: الجسم الإلهي والنار، إلا أن ~~ذلك بالذات للجسم الإلهي وبالعرض للنار ولذلك لم تكن مضيئة في مكانها. وقد ~~يقال المضيء أيضا بتأخير على كل ما من شأنه أن يقبل الضوء من غيره ثم يضيء ~~هو في نفسه. وأحرى ما قبل له مضيء من هذا ما كان بحيث يجعل غيره مرئيا ولم ~~تكن صورة بانعكاس، كالحال في القمر. وأما التي تضيء في نفسها فقط وليست ~~تجعل غير مرئية فكثير من الأصداف التي تضيء بالليل والماء الذي يظهر على ~~المجاذيف. # وليس ما قبل في هذه الأشياء أنها تضيء. من قبل أن لها طبيعة نارية بشيء ~~كما حكى ذلك ثامسطيوس عن المعلم الاسكندر، لأن المضيء إنما يوجد في الممتزج ~~من جهة ما هو لون ولذلك ليست هذه ألوانا إلا باشتراك الاسم، وسنبين أكثر في ~~كتاب الحس والمحسوس. # وأيضا فقد يظهر من أمر هذه أنها بخلاف الألوان، إذ كانت إنما تبصره في ~~الظلمة والألوان في الضوء فقط، حتى قيل أن خاصة اللون أن يحرك للمشف بالفعل ~~والأولى بهذه أن يظن أنها تضيء من جهة أنها تقبل الانعكاس لأنها في طبيعة ~~المرئي، وأن كان ليس يمكن أن تضيء غيرها، وعلى هذه الجهة ترى عيون كثيرة من ~~الحيوان تضيء في الظلام، أو نقول أنه يتحلل عنها في الظلام بخار شأنه أن ~~يعرض عنه مثل هذه الرؤية. # والفحص عن هذا ليس بلائق بهذا الموضع، فإن استقصاء القول في هذه الأشياء ~~هو في كتاب الحس والمحسوس. # وأما الضوء فإنه لما كان ms17 غير جسم أصلا بدليل انه مشع بكلية في كلية ~~الأجسام المشفة ويحدث في غير زمان، ولم يمكن فيما هذا شأنه أن يفارق لم يكن ~~الضوء شيئا غير كمال المشف بما هو مشف. والمستضيئ هو الذي يقبل الضوء، ~~والضوء إنما يفعل الإضاءة في المستضيئ إذا كان منه ذا وضع محدود وقدر ~~محدود. # وهذا بين أن الإضاءة من الكمالات التي ليست منقسمة بانقسام الجسم، ولا ~~حاصلة في زمان، لكن إذا كان هذا كله هكذا فعلى أي جهة ليت شعري يكون للضوء ~~مدخل في تتميم هذا الإدراك. # وذلك يمكن أن يتصور على أحد وجهين: إما أن يكون الضوء هو الذي يعطي الجسم ~~المتوسط الاستعداد الذي به يمكن أن يقبل الألوان فقط حتى تؤديها إلى الحاسة ~~وهو الإشفاف بالفعل حتى يكون اللون إنما يحرك المشف من جهة ما هو مشف ~~بالفعل، وتكون الألوان على هذا موجودة بالفعل في الظلام. # وبالقوة محركة للإبصار على جهة ما نقول في العالم إنه معلم بالقوة إذا لم ~~يكن له متعلم أو تكون الألوان موجودة في الظلام بالقوة الحقيقية، حتى يكون ~~الضوء هو المحرك لها من القوة إلى الفعل. فنقول إنه قد تبين في كتاب الحس ~~والمحسوس أن اللون هو اختلاط الجسم المشف بالفعل، وهو النار مع الجسم الذي ~~لا يمكن فيه أن يستشف وهو الأرض. # وإذا كان كذلك فاللون ضوء ما وهو يستكمل ضرورة على نحو ما بالضوء الذي من ~~خارج وتقوى. # وقد يظهر ذلك من أنا متى نظرنا إلى الألوان الواحدة بعينها في الظل ~~والشمس وعند مرور السحاب عليها وانكشافها رأيناها بألوان مختلفة في الزيادة ~~والنقصان، وذلك مما يدل على أنها تستكمل بالضوء الذي من خارج استكمالا ما، ~~ولذلك ما قبل أن الضوء هو الفاعل للإبصار. # فقد تبين من هذا القول ما هي هذه القوة وبأي شيء تدرك وكيف تدرك. # وأما القول في مدركها وهي الألوان فأليق المواضع بذلك كتاب الحس ~~والمحسوس0 ### | القول في السمع # وهذه القوة هي القوة التي شأنها أن تستكمل معاني الآثار الحادثة في ms18 ~~الهواء من مقارعة الأجسام بعضها بعضا المسماة أصواتا، وهذا كله بين مما ~~تقدم. فإما بأي شيء يكون هذا الإدراك وعما يكون والنحو الذي به يكون فنحن ~~نقول فيه. # PageV01P009 # أما الذي عنه يكون فهي مقارعة الأجسام بعضها بعضا، لكن ليس عن أي جسم ~~أتفق يحدث الصوت ولا بأي نوع أتفق، بل يحتاج في أن يكون القارع والمقروع ~~كلاهما صلدان، وأن تكون حركة القارع إلى المقروع أسرع من تشذب الهواء. فإنا ~~إذا أدنينا جسما في غاية الصلابة من جسم آخر في غاية من الصلابة أيضا برفق ~~وبمهل لم يحدث عن ذلك صحوت له قدر، وكذلك أيضا أن لم تكن الأجسام القارعة ~~والمقروعة صلدة. # فإما أن لا يحدث صوت أصلا، فأما أن حدث فبشدة حركة كما يعرض ذلك عن ~~السياط التي يضرب بها، وقد تعين على حدوث الصوت أشكال المقروعات مثل أن ~~تكون مجوفة أو عريضة، وسنبين سبب هذا كله. # وأما ما به يكون هذا الإدراك فهو الماء والهواء، وذلك انه قد تبين أن هذا ~~المحسوس هو ضرورة من المحسوسات التي تدرك بمتوسط إذ كانت غير ملاقية للحاس، ~~إلا أن الجهة التي بها يخدم هذا المتوسط واحدا واحدا من هذه الحواس غير ~~الجهة التي بها يخدم الأخرى، وهي كلها يجتمع في أن هذا المتوسط يخدمها من ~~جهة ما هو عادم للمعاني التي يقبل منها فيؤديها، إذ هذه هي صفة القابل وأن ~~كانت تختلف جهات ذلك. # أما الجهة التي بها تخدم الأبصار فهو الإشفاف، وقد تبين ذلك. # وأما الجهة التي بها تخدم هذا الإدراك الذي هو السمع فهو سرعة في له ~~للحركة والتشكل بها وأن تبقى الحركة فيه، وقد كف المتحرك ويبقى ذلك الشكل ~~الحادث عنها فيه زمانا كالحال التي تعرض للماء عندما يلقى فيه بالحجر، فإن ~~هذه الحال بعينها تعرض للهواء من القرع. # وقد قيل في غير هذا الموضع كيف تكون هذه الحركة في الماء والهواء. ولما ~~كان المتوسط إنما يؤدي القرع بالحركة التي تعرض فيه وكانت كل حركة في زمان ~~كان هذا ms19 الإدراك أيضا في زمان بخلاف ما عليه الأمر في الأبصار. ولذلك ما ~~يسمع الرعد بعد رؤية البرق والسبب الفاعل لهما واحد على ما تبين في الآثار. # فأما العلة التي من أجلها يكون الصوت عن الأجسام الصلدة فلأنها إذا تلافت ~~بسطوحها لم يتطامن بعضها عن بعض فيطفو الهواء عنها بشدة، ولذلك ما كان منها ~~أعرض كان صوته أعظم لأنه يلقى من الهواء أكثر. # وأما ذوات الأشكال المجوفة فالأمر في ذلك بين، وذلك أن الهواء يندفع من ~~جوانبها مرارا كثيرة فيحدث هنالك الصوت طول لبث ومن هذا الجنس هو حدوث ~~الصداء، وذلك أنه ليس شيئا أكثر من انعكاس الهواء عن الجسم الذي يلقاه ~~حافظا لذلك الشكل الذي به عن القرع حتى يحرك الهواء المرتب في الأذنين الذي ~~هو الآلة القريبة للسمع كما يقول أرسطو مرة ثانية، ومنزلة هذا الهواء من ~~السمع منزله الرطوبة الجليدية من الإبصار، ويشبه أن يكون الأمر كما يقول ~~ثامسطيوس انه ليس هاهنا قرع إلا ويحدث عنه انعكاس ما، ولولا ذلك لم يسمع ~~الإنسان صوت نفسه، كما أنه ليس تحدث رؤية إلا عن انعكاس الشعاع. ولولا ذلك ~~لم يبصر في الظل، لكن أليق المواضع بذكر هذه اللواحق وتفصيلها هو كتاب الحس ~~والمحسوس. وكذلك أيضا القول في ماهية التصويت الموجود للحيوان، وبأي شيء ~~وجوده أليق المواضع بذكره هو ذلك الكتاب وكتاب الحيوان، وأن كان يظهر من ~~قرب الفرق بينهما وبين الأصوات التي تحدث عن الأجسام، فإن التصويت وهو ~~المسمى نغمة هو الذي يكون عن الحيوان بما هو حيوان، وذلك إنما يكون عن تخيل ~~ما وشوق وبآلة محدودة وهي آلات التنفس. # والدليل على أن التصويت يحدث عن قرع آلات التنفس الهواء الذي به يكون ~~التنفس إنا لا نقدر أن نتنفس ونصوت معا، ولكون النغمة لا تحدث إلا عن تخيل ~~لا يسمى السعال نغمة. # فأما الحيوانات التي تصوت وهي غير متنفسة كالحيوان المعروف بصرار الليل ~~أو صرار الهواجر، فإنما يصوت بحرقة. فقد قلنا ما هي هذه القوة وما يدركها ~~وبأي شيء يكون ms20 هذا الإدراك وكيف يكون. ### | القول في الشم # وهذه القوة هي القوة التي من شانها أن تقبل معاني الأمور المشمومة وهي ~~الروائح، وليست فصول الروائح عندنا بينة كفصول الطعوم، وإنما نكاد أن ~~نسميها من فصول الطعوم حتى نقول رائحة حلوة ورائحة طيبة، ولشبه أن تكون هذه ~~الحاسة فينا اضعف منها في كثير من الحيوان كالنسر والنحل وما أشبههما من ~~الحيوان القوي الشم. # PageV01P010 # فأما ما به يكون هذا الإدراك فهما الأسطقسان الخادمان للحاستين ~~المتقدمتين، أعني الماء والهواء، فان الحيتان قد يظهر من أمرها أنها تشم، ~~وذلك أيضا بين مما تقدم. وأما على أي جهة تخدمان هذه الحاسة فذلك يظهر إذا ~~تبين ما هي الرائحة. # فنقول أن الرائحة إنما توجد لذي الطعم من جهة ما هو ذو طعم، وهو موضوعها ~~الأول الذي هو بمنزلة السطح للون. ولذلك يستدل كثيرا من الرائحة على الطعم ~~وذلك طاهر بالاستقراء. # وقد قيل في كتاب الحس والمحسوس أن الطعم هو اختلاط الجوهر اليابس بالجوهر ~~الرطب بضرب من النضج يعتد به. فإذا كان ذلك كذلك فالرائحة إنما توجد ~~للأجسام من جهة ما هي ممتزجة وليس لكل الممتزجة بل لممتزجات ما، وليس كذلك ~~اللون والصوت. فإن لكل واحد منهما وجودا في هيولاه ووجودا في المتوسط. # وأما الرائحة فإنه يلزم أن يكون وجودها في المتوسط هو بعينه وجودها في ~~موضوعها، إذ كانت تابعة ضرورة لذي الطعم والطعم بما هو طعم تابع للممتزج ~~وما هذا شأنه فليس يقبل الماء والهواء قبولا أولا أعني بذاته، ولو كان ذلك ~~كذلك لكانت. البسائط ذوات طعوم وذلك محال. # وإذا تقرر هذا فلم يبق وجه يخدم به هذا الإدراك المتوسط إلا بأن يحمل ما ~~يتحلل من المشمومات من الجوهر الهوائي المناسب له حتى توصله حاسة الشم، كما ~~يظهر ذلك بالحس من أمر كثير من ذوات الروائح، أعني إني مما إنما تشم عندما ~~تفرك باليد أو تلقى في النار، وبالجملة عندما يتولد فيها مثل هذا البخار ~~الذي شأنه أن يشم، ولذلك ما يحتاج ذوات الطعوم التي شأنها أن ms21 تشم في أن ~~تكون مشمومة بالفعل إلى الحرارة التي من خارج كالمسك وغيره، وبعضها ليس ~~يكتفي بذلك حتى يلقى في النار كالعود الهندي، وبعضها ليس يشم ذلك فيه ~~بحرارة النهار للطافة جوهره بل بحرارة الليل، كالحال في الخيري، وتفصيل هذه ~~في كتاب الحس والمحسوس. # ومن الدليل على أن المشموم من جنس البخار أن المتنفس من الحيوان إنما يشم ~~باستنشاق الهواء وإدخاله، وقد يشهد لذلك أن الرياح تسوق الروائح التي تكون ~~من ناحية جهتها وتعوق التي تأتي مقابلتها. فقد لملنا ما هي هذه القوة وما ~~يدركها وبأي جهة يكون إدراكها. ### | القول في الذوق # وهذه القوة هي تدرك بها معاني الطعوم وقد تلخص قبل ما هي الطعوم، وهذه ~~القوة كأنها لمس ما إذ كانت إنما تدرك محسوسها بوضعه على آلة الحاسة. ولذلك ~~ما يرى الاسكندر أن هذه القوة ليست تحتاج إلى متوسط على ما سيظهر من أمر ~~اللمس، إلا أنا نجد هذه القوة التي آلتها اللسان إنما تدرك الطعوم بتوسط ~~الرطوبة التي في الفم وبخاصة الأشياء اليابسة، وذلك انه يعرض لمن عدم هذه ~~الرطوبة ألا يدرك الطعوم، وأن أدركها فبعسر. وكذلك يعرض لمن فسدت هذه ~~الرطوبة في فمه بانحرافها نحو مزاج ما أن يجد الطعوم كلها على غير كنهها. # وبالجملة فيظهر أن أحد ما يتقوم به إدراك هذه الحاسة هو هذه الرطوبة، ~~ولذلك جعلت النغانغ دائما لتوليد هذه الرطوبة وجعل لها فيها مسلكان مفضيان ~~إلى اصل اللسان، فمن هذه الأشياء كلها قد نظن أيضا أن هذه الحاسة إنما تدرك ~~محسوساتها بمتوسط وهي هذه الرطوبة، وقد صرح بذلك أبو بكر بن الصائغ في ~~كتابه في النفس وثامسطيوس. # وينبغي أن ننظر في ذلك فنقول أن الحاجة إلى المتوسط قد تبين فيما سلف ~~أنها أحد أمرين: إما أن يكون المتوسط هو الذي يؤدي تحريك المحسوس لآلة ~~الحاسة لكون المحسوس غير مماس لها، كالحال في المحسوسات الثلاث التي ير ~~الألوان والأصوات والروائح. وإما أن تكون الضرورة الداعية إلى المتوسط لا ~~في هذه فقط بل في أن ms22 يكون وجود الصور المحسوسة فيه بضرب من التوسط بين ~~وجودها الهيولاني المحض وبين وجودها في النفس، كالحال في الألوان. # وإذا كان هذان هما جهتا ضرورة الحاجة إلى المتوسط فبين أن الذوق ليس ~~يحتاج إلى المتوسط بالمعنى الأول، وهو أشهر المعاني الداعية إلى التوسط، إذ ~~كان المحسوس منها بتحرك آلة الحس بمماسة لها. # وأما الجهة الثانية من جهتي الحاجة إلى المتوسط ففي إيجابها لهذه الحاسة ~~موضع نظر، فإنه قد نظن أنه إنما يمكن تصور هذا النحو من المتوسط في لوجود ~~للمحسوسات التي يقبلها المركب والبسيط كالألوان التي يقبلها الهواء بضرب من ~~التوسط بين وجودها الهيولاني وبين وجودها في النفس. # PageV01P011 # وكذلك يشبه أن يكون الأمر في الحركة التي في الهواء والحركة التي هي في ~~نفس القارع والمقروع في حاسة السمع، ولذلك ما نرى الحركتين المتضادتين في ~~الماء عن وقع الحجارة فيه ليس تتعاوق الدوائر الحادثة عنها. # وأما المحسوسات التي يقبلها الجسم المركب فقط، أعني الممتزج فإما أن لا ~~توجد لها الحاجة إلى هذا المعنى من التوسط، وأما أن وجد لها فبجهة أخرى، ~~وكانت حاجة هذه إلى المتوسط مع حاجة تلك مع هذه بضرب من التشكيك. ولذلك ~~الأشبه أن نقول في هذه الرطوبة أنها إنما تعين على هذا الفعل من جهة انه ~~يعرض للمطعومات اليابسة أن تترطب بها بضرب من النضج يعتريها في الفم، ولذلك ~~نجد اللوك والمضغ يعين على درك كثير من المطعومات، وبخاصة التي إنما ندركها ~~بعد لبثها في الفم، والحال في هذه كالحال في بعض المشمومات التي تدرك ~~بالفرك، وكان هذين الصنفين من المطعومات هي محسوسة بالقوة. # وأما المطعومات التي هي رطبة بالفعل فإما أن لا تحتاج إلى هذه الرطوبة في ~~الفم، وأما إن احتاجت فحاجة يسيرة، ولذلك الأولى أن نقول في هذه الرطوبة ~~إنها من بعض آلات الإدراك للذوق من أن نقول إنها متوسطة وأن هذه الحاسة مما ~~تحتاج إلى متوسط. ونطلق القول في ذلك كإطلاقه في البصر والسمع والشم. # ولهذا نرى أن الإسكندر فيما قال أحفظ لوضعه، إذ ms23 كان الأشهر من حاسة ~~المتوسط إنما هو أن يكون المحسوس غير ملاق لآلة الحس، وذلك أنه لما كان ~~الأفضل في حفظ بقاء الحيوان أن لا يحس فقط بالمحسوسات التي يماسه بل ~~وبالمحسوسات التي من خارج وعلى بعد منه ليتحرك نحوها أو عنها بالضرورة ما ~~كانت الحاجة في هذه ماسة إلى متوسط. # ولما كانت هذه الآلة إنما تدرك الطعم من جهة ما هو رطب أو مترطب كان ما ~~هو بالقوة شيء ما واجب فيه أن لا يكون بالفعل شيء من ذلك الذي هو قوي عليه ~~كانت آلة هذا الإدراك يابسة. # ولما كانت هذه الرطوبة التي تترطب بها المحسوسات اليابسة حتى تدركها هذه ~~الحاسة هي كالموصل بوجه ما بالواجب ما لزم فيها أن يكون غير ذات طعم في ~~نفسها، وإلا لم تتأدبها الطعوم إلى الحاسة على كنهها كما يعرض ذلك للمرضى، ~~وهذا من فعل هذه الرطوبة أقرب ما تشبه به إلى المتوسط. # ولما كانت هذه الحاسة وحاسة الإبصار يدركان محسوساتهما في موضوعاتهما ~~الأول اشتركتا في إدراك الشكل والمقدار. # وأما حاسة السمع والشم فلما كانت تدرك محسوساتها وقد انفصلت عن موضوعاتها ~~الأول لم يوجد لها هذا المحسوس المشترك والقول في هذه الأشياء على ~~الاستقصاء يستدعي قولا أبسط من هذا بكثير. لكن قولنا جرى في هذه الأشياء ~~بحسب الأمر الضروري فقط، وأن فسح الله في العمر وجلى هذه الكرب فسنتكلم في ~~هذه الأشياء بقول أبين وأوضح وأشد استقصاء من هذا كله، لكن القدر الذي ~~كتبناه في هذه الأشياء هو الضروري في الكمال الإنساني وبه يحصل أول مراتب ~~الإنسان. وهذا القدر لمن أتفق له الوقوف عليه بحسب زماننا هذا كثير، فقد ~~قلنا ما هي هذه القوة وما آلتها وبأي جهة تدرك محسوساتها. # وأما القول في الطعوم وتفصيلها فأليق المواضع بذلك هو كتاب الحس ~~والمحسوس. ### | القول في اللمس # وهذه القوة هي القوة التي من شأنها أن تستكمل بمعاني الأمور الملموسة، ~~والملموسات كما قيل في كتاب الكون والفساد إما أول وهي الحرارة والبرودة ~~والرطوبة واليبوسة، وإما ثوان ms24 وهي المتولدة عن هذه كالصلابة واللين، وهذه ~~القوة لما كانت إنما تدرك هذه الملموسات على نحو ترتيبها في وجودها فهي ~~تدرك الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة أولا وبالذات، وتدرك الكيفيات ~~الأخر المتولدة عن هذه بتوسط هذه، ولهذه العلة بعينها لزم من تكون هذه ~~القوة تدرك أكثر من تضاد واحد بخلاف ما عليه الأمر في البصر والسمع. وذلك ~~أنه لما كانت إنما تدرك هذه الملموسة على نحو كنهها في وجودها وكانت كل ~~واحدة من هذه الكيفيات تقترن به كيفية أخرى كالحرارة التي تقترن بها ~~اليبوسة والرطوبة كان إدراكها لهذه القوى معا. # PageV01P012 # وأيضا فإن القوى المنفعلة فيها، أعني الرطوبة واليبوسة لما كانت كالهيولى ~~للقوى الفاعلة، أعني الحرارة والبرودة والفاعلة لها كالصورة، كان من الواجب ~~أن تكون هذه القوى تدركها معا. ولو كان إدراك الحرارة والبرودة بقوة واحدة ~~والرطوبة واليبوسة بقوة أخرى لم تدرك ولا واحدة منها هذه المتضادات على ~~كنهها، وليس كذلك الأمر في السمع والبصر. فإن حاسة البصر إنما تدرك تضادا ~~واحدا وهو الأبيض والأسود من جهة أنه ليس يقترن بذلك تضاد آخر وكذلك الحال ~~في إدراك السمع الثقيل والخفيف، وقد تدرك غير هذه الحاسة أكثر من تضاد ~~واحد، وهو المتضادات الموضوعة لمحسوسها الأول كإدراك السمع الخشن والأملس ~~الذي هو موضوع الصوت، ومثال إدراك البصر البراق ولا براق اللذين موضوعهما ~~الأبيض والأسود. # وبهذه ينحل الشك الذي يظن به أن هذه القوة أكثر من قوة واحدة أن كانت ~~تدرك أكثر من تضاد واحد. # وقد يظهر ذلك أيضا إذا تبين أن آلة هذه القوة واحدة وذلك أن أحد ما تتعدد ~~به هذه القوى هي آلتها، إذ كنا نرى ضرورة أن القوة الواحدة لها آلة واحدة ~~وأن هذا منعكس. ولذلك ما ينبغي أن نفحص أولا ما هذه الآلة وهل هي واحد أو ~~كثير، فإنه ليس الأمر في ذلك بينا كبيانه في الحواس الأخر وإن كان هذا ~~الفحص أليق بكتاب الحيوان. # فنقول إنه مما تبين في ذلك الكتاب أن الأعضاء آلة للنفس وإنها إنما ~~اختلفت خلقها ms25 لاختلاف أفعال النفس، حتى تكون العين مثلا إنما وجدت مركبة من ~~ماء وهواء من أجل الإبصار، وهذا بين في الأعضاء المركبة وهي التي لعس تشبه ~~أجزاؤها بعضها بعضا. # وأما الأعضاء البسيطة وهي التي أجزاؤها لشبه بعضها بعضا فيظهر في كثير ~~منها إنما كونت من أجل المركبة كاليد التي تأتلف من عظام وأوتار وغير ذلك، ~~وقد يظهر أيضا في بعضها أنها إنما وجب أن تنقسم إلى بسيط ومركب من اجل ~~انقسام قوى النفس، وذلك أن القوى الأربع التي تقدم ذكرها إنما توجد في ~~أعضاء آلية. # وأما حس اللمس فلما كان شائعا في جميع الجسد ومشتركا لجميع الأعضاء وجب ~~ضرورة أن يكون العضو الذي يخصه مشتركا بسيطا غير آلي. ولما كانت أيضا هذه ~~القوة ليس يخلو منها حيوان لزم ضرورة أن لا يخلو حيوان من هذا العضو، وليس ~~في الحيوان شيء يرى أنه بهذه الصفة غير اللحم، وذلك انه العضو الذي يرى أنا ~~إذا غمز ناعليه أحسسنا مع أنه مشترك لجميع الحيوان. # ومن هنا ينحل الشك الذي نظن به أن اللحم لعلة ليس بآلة هذه القوة، وأن ~~منزلته منزلة المتوسط، كما يظهر ذلك من قول ثامسطيوس وأرسطر في كتابه في ~~النفس بخلاف قوله في كتاب الحيوان. فإنه كما قيل ليس في وجود اللحم يحس ~~بالأشياء التي تلقاه كفاية في أنه آلة هذا الإدراك، بل لعل الآلة تكون من ~~داخله ويكون هو كالمتوسط. فإنا لو لبسنا الحيوان جلدا ثم غمزنا عليه وجدناه ~~يحس. # وذلك انه إذا تحفظ بما تبين في كتاب الحيوان وما قلناه أيضا من أن آلة ~~هذه القوة يجب أن تكون بسيطة ومشتركة لجميع الحيوان، وأضيف إلى هذا ما يظفر ~~بالتشريح، وهو أنه ليس يوجد في جسد الحيوان عضو بهذه الصفة يرى أنه يحس غير ~~اللحم تبين باضطرار أن آلة هذا الحس هي اللحم. # فأما الأعصاب التي يرى جالينوس أنها آلة الحس فهي إذا كانت ذات شكل ~~وتجويف محسوس في بعضها، كالحال في العروق، فهي أقرب أن يكون إليه منها أن ms26 ~~تكون بسيطة كاللحم. وأيضا فليست مشتركة لجميع الجسد، ولو كان الأمر كما ظن ~~لما كان يحس بجميع أجزاء اللحم الحيوان، لكن إذا تؤمل الأمر فيها وجد لها ~~مدخل في وجود الحس بوجه ما، وذلك أنا إذا وضعنا ما يظهر بالتشريح من أن ~~كثيرا من الأعضاء إذا اعتل العصب الذي يأتيها أو انقطع عسر حسها. # وأضفنا إلى هذه أن الطبيعة لا تفعل شيئا باطلا وإن كان هذه الأعصاب لمكان ~~فعل ما أو انفعال، أعني من أفعال النفس أو انفعالاتها ظهر من مجموع هذا أن ~~العصب له مدخل ما في وجود الحس، وذلك أن استعمال طريقة الارتفاع مجردة في ~~استنباط أفعال هذه الأعضاء. قد تبين في علم المنطق اختلاله على ما من عادة ~~جالينوس أن يستعمل ذلك، وكثير ممن سلف من المشرحين، لكن أن كان ولا بد ~~للعصب "من" مدخل في وجود الحس فعلى أي جهة ليت شعري يكون ذلك. # PageV01P013 # فنقول إنه إذا تحفظ بما تبين في كتاب الحيوان أن الموضوع الأول لهذه ~~القوة ولسائر قوى الحس هي الحرارة الغريزية التي هي في القلب بذاتها وفي ~~سائر الأعضاء بما يصل إليها من الشرايين النابتة من القلب، وأن الدماغ إنما ~~وجد لأجل تعديل هذه الحرارة الغريزية في آلة الحس، وذلك أنه ما كان يمكن أن ~~تدرك هذه القوة الأشياء الخارجة عن الاعتدال إلى الكيفيات المفرطة إلا أن ~~تكون آلتها في غاية من التوسط والاعتدال، حتى تدرك الأطراف الخارجة عنها ~~وهذه حال اللحم، ولذلك كلما كان اللحم اعدل كان أكثر حسا كما نرى ذلك في حس ~~باطن الكف، والعصب بعيد مزاجه من مزاج المتوسط ولذلك كان حسه عسيرا إذ كان ~~باردا يابسا. # وبهذا تبين أن الدماغ ليس هو ينبوع فذه الحاسة كما اعتقد جالينوس، وإنما ~~هو ينبوع القوى المعتدلة، وإنما احتيج في آلة هذه الحاسة أن تكون معتدلة ~~بين أطراف الكيفيات، لأنه لم يتفق فيها أن يكون خلوا من المحسوسات. التي ~~تدركها ولا موجودة فيها بالقوة المحضة، كما اتفق في آلة الإبصار أن كانت ms27 ~~خلوا من الألوان، وكذلك لسائر القوى الأربع. وإنما كان ذلك كذلك لأن هذه ~~الآلة إنما صارت آلة لهذا الإدراك من حيث هي ممتزجة والممتزج لا بد فيه من ~~وجود الكيفيات الأربع. # وأما منفعة هذا التبريد الذي للدماغ في حاسة حاسة فقد فحص عنه في كتاب ~~الحيوان، وإذا وضعنا هذا كله هكذا وأضفنا إلى هذا أن العصب إنما ينبت من ~~الدماغ لأنه شبيه بجوهره، حصل من مجموع هذا كله أن اللحم إنما يحس بالحرارة ~~الغريزية التي فيه حسا تاما. # فأما إذا تعدلت حرارته بالأعصاب الواصلة إليه من الدماغ ويشبه أن تكون ~~هذه الأعصاب إنما هي موجودة في الحيوان الكامل من اجل الأفضل وإلا فالحيوان ~~الضعيف الحرارة كالحيوان المخزز وما أشبهه فإنه لا غناء لوجود هذه الأعصاب ~~فيه، وبخاصة في الحيوان الذي ليس يوجد له من قوى الحس غير هذه القوة ~~كالإسفنج البحري وغير ذلك. # ولذلك نرى كثيرا من الحيوانات التي ليست أعضاؤها كثيرة الآلية إذا فصلت ~~تبقى زمانا تتحرك وتحس الأجزاء المقطوعة فيها بخلاف الحال في الحيوان ~~الكثير الأعضاء الآلية، بل يكفي في وجود كثير من هذه الحيوانات وجود القلب ~~والدماغ فقط أو ما تنزل منزلتها. وقد جمح بنا القول عما قصدنا له، إذ كان ~~الفحص عن هذه الأشياء أليق المواضع به كتاب الحيوان، فقد تبين من هذا القول ~~ما آلة هذه القوة، وأما أن هذه القوة ليست تحتاج في إدراكها إلى متوسط فهو ~~بين مما قلناه فيما سلف أن المتوسط إنما احتيج إليه في الحواس لأحد أمرين: ~~أحدهما تكون المحسوسات غير ملاقية لآلة الحس. والثاني لمكان الترقي من ~~الوجود الهيولاني إلى الوجود الروحاني، إذ كانت الطبيعة إنما تصير إلى ~~الأضداد أبدا بمتوسط وهذه القوة من جهة أن محسوساتها إنما تحس بها وهي ~~ملاقية لآلتها، لم تحتج إلى متوسط بهذه الجهة، ومن جهة أيضا أن آلتها إنما ~~تقبل هذه المحسوسات قبولا هيولانيا، وذلك أنها تسخن وتبرد ولم تحتج إلى ~~المتوسط بالمعنى الثاني. # فأما ما يراه ثامسطيوس ويعطيه ظاهر كلام الحكيم من ms28 أن هذه الحاسة وأن ~~كانت تلقى محسوساتها وتماسها فإنه ليس يمكن أن تتماس وليس بينهما هواء ~~أصلا، كما ليس يمكن السمك ينعاش في الماء دون أن يكون بينهما ماء، ويجعل ~~هذا حجة على أن هذه الحاسة قد تحتاج بوجه ما إلى المتوسط الذي من خارج، ~~فيشبه أن كان الأمر على هذا ولا بد أن يكون ذلك لاحقا لحق هذه الحاسة، لا ~~أن ذلك أحد ما يتقوم به هذا الحس. فقد تبين ما هذه القوة وما محسوساتها وأي ~~آلة آلتها وأنها ليست تحتاج إلى متوسط بالجهة التي تحتاج إليها الحواس ~~الأخر. # وقد نرى مع هذا أن هذه القوة تدرك تضادا آخر ليس منسوبا إلى المتضادات ~~الأربعة، وهو الثقل والخفة، وليس ذلك شيئا اكثر من أنها تدرك التحريك ~~المضاد للقوة المحركة الموجودة في الحيوان. ولذلك تحس بالكلال والإعياء. ~~وقد يظن أن الثقل والخفة من المحسوسات المشتركة، وذلك إنا قد نحسه بمتوسط ~~إحساسا بالحركة، والحركة كما قيل من المحسوسات المشتركة، لكن من جهة أن ~~سائر الحيوان وأن كانت تدرك الثقل والخفة فكثيرا ما نغلط فيه. إذ كنا نظن ~~بالبطيء الحركة أنه ثقيل وبالسريع الحركة أنه خلاف ذلك، وربما كان الأمر ~~بالعكس، ولذلك قد نرى أنها لها مشتركة. # PageV01P014 # وأما حس اللمس فهو يدرك هذه المتضادة من غير غلط لاحق له في إدراكها، ~~فكان جهة إدراكها له غير الجهة التي يدركها سائر الحواس، ولذلك قد نرى أيضا ~~انه خاص بها. # وبالجملة ليس يخلو الأمر فيه إما أن يكون من المحسوسات المشتركة لكن يكون ~~مع هذا حاسة اللمس أصدق في تميزه أو يكون من جهة خاصة لهذه الحاسة ومن جهة ~~مشتركا. فإن الجهة التي بها يدرك أيضا سائر الحواس الثقل والخفة وقد ندركها ~~من تلك الجهة حاسة اللمس ويعرض لها الغلط فيه كما يعرض لتلك وهي السرعة ~~والبطوء. # وأما الجهة الخاصة التي منها لدرك هذه القوة المتضادة، وهي جهة إحساسها ~~بالميل المحرك فليس يعرض لها فيه غلط أصلا لكن هذه المضادة، أعني الثقل ~~والخفة لما كانت ms29 أيضا من جهة ما مشتركة للملموسات قد نرى أنه ليس، ينبغي أن ~~نجعل القوة المدركة لها قوة أخرى غير قوة اللمس، حتى تكون قوة سادسة. وأيضا ~~فإن الآلة التي بها تدرك هذه القوة الحرارة والبرودة والثقل والخفة هي آلة ~~واحدة، وقد قلنا أن أحد ما يكون به القوة واحدة هي أن تكون آلتها واحدة. ~~فأما تفرق الاتصال فليس جنسا آخر من الحس على ما يراه ابن سينا ولا هاهنا ~~محسوسات غير هذه التي عددناها، وإنما تحس هذه القوة، أعني قوة اللمس الأذى ~~اللاحق عن تفرق الاتصال بما يحدث عنه من الحرارة واليبوسة التابعين لحركة ~~الجسم الذي يفرق الاتصال ولذلك كلما كانت الأجسام التي تفعل ذلك ألطف وأقل ~~خشونة كان تفرق الاتصال أقل حسا، وكلما كانت أغلظ وأخشن كان الأمر بالعكس.. # وابعد من هذا كله ما يراه جالينوس من أن هذه القوة إنما تدرك محسوساتها ~~الخاصة بها بتوسط إدراكها تفرق الاتصال، فإن التفرق ضد الاتحاد، وهذه هي من ~~المحسوسات المشتركة ونفس التفرق ليس يحدث عنه وجع كما ظنه جالينوس، لكن ~~الأمر في هذا كما قلناه بعكس ما ظن جالينوس، وجالينوس نفسه نجد يسلم هذا ~~المعنى في موضع آخر، وذلك عند شرحه قول أبقراط أنه لو كان الجسم مؤلفا من ~~أشياء من طبيعة واحدة لما كان يألم عندما يغمز بشيء تفرق أجزاءه، وإذا كان ~~ذلك كذلك فإذن تفرق الاتصال إنما يحس من جهة الاستحالة التي تعرض للمركب ~~المتصل من جهة الجسم المفرق لاتصاله، وذلك من جهة الضدية الموجودة فيه. فقد ~~قلنا ما هذه القوة وما محسوساتها، وبالجملة ما به تتقوم بأوجز ما أمكننا ~~فلنسر إلى ### | القول في الحس المشترك # القول في الحس المشترك # وهذه القوى الخمس التي عددناها يظهر من أمرها أن لها قوة واحدة مشتركة، ~~وذلك أنه لما كانت هاهنا محسوسات لها مشتركة فهاهنا إذن لها قوة مشتركة بها ~~تدرك المحسوسات المشتركة، سواء كانت مشتركة لجميعها كالحركة والعدد أو ~~لاثنين منها فقط كالشكل والمقدار المدركان بحاسة البصر وحاسة اللمس. # وأيضا فلما ms30 كنا بالحس ندرك التغاير بين المحسوسات الخاصة بحاسة حاسة حتى ~~نقضي مثلا على هذه التفاحة أنها ذات لون وريح وطعم وأن هذه المحسوسات ~~متغايرة فيها، وجب أن يكون هذا الإدراك لقوة واحدة، وذلك أن القوة التي ~~نقضي على أن هذين المحسوسين متغائرين هي ضرورة قوة واحدة، فإن القول بأن ~~القوة التي بها ندرك التغاير بين شيئين محسوسين ليست بقوة واحدة بمنزلة ~~القول بأني أدرك المخالفة التي بين المحسوس الذي أحسسته أنا والمحسوس الذي ~~أحسسته أنت وأنا لم أحسه وهذا بين بنفسه. # PageV01P015 # وقد يوقف أيضا على وجود هذه القوة من فعل آخر هاهنا ليس يمكننا أن ننسبه ~~إلى واحد من الحواس الخمس، وذلك أنا نجد كل واحد من هذه الحواس تدرك ~~محسوساتها وتدرك مع هذا أنها تدرك فهي تحس الإحساس، وكان نفس الإحساس هو ~~الموضوع لهذا الإدراك، إذ كانت نسبته إلى هذه القوة نسبة المحسوسات إلى ~~حاسة حاسة، ولذلك لسنا نقدر أن ننسب هذا الفعل إلى حاسة واحدة من الحواس ~~الخمس، وإلا لزم أن تكون المحسوسات أنفسها هي الاحساسات أنفسها، وذلك أن ~~الموضوع مثله للقوة الباصرة إنما هو اللون والموضوع لهذه القوة هو نفس ~~إدراك اللون فلو كان هذا الفعل للقوة الباصرة لكان اللون هو نفس إدراكه ~~وذلك محال، فإذن باضطرار ما يلزم عن هذه الأشياء كلها وجود قوة مشتركة ~~للحواس كلها هي من جهة واحدة أو من جهة كثيرة، أما كثرتها فمن جهة ما تدرك ~~محسوساتها بآلات مختلفة وتتحرك عنها حركات مختلفة، وأما كونها واحدة فلأنها ~~تدرك التغاير بين الإدراكات المختلفة، ولكونها واحدة تدرك الألوان بالعين ~~والأصوات بالأذن، والمشمومات بالأنف، والمذاقات باللسان، والملموسات ~~باللحم، وتدرك جميع هذه بذاتها وتحكم عليها، وكذلك تدرك جميع المحسوسات ~~المشتركة بكل واحدة من هذه الآلات فيدرك العدد مثلا باللسان والأذن والعين ~~واللحم والأنف، وهي بالجملة واحدة بالموضوع كثيرة بالقول وواحدة بالماهية ~~كثيرة بالآلات، والحال في تصور هذه القوة واحدة من جهة وكثيرة من أخرى، ~~والحال في الخطوط التي تخرج من مركز الدائرة إلى محيطها فإن ms31 هذه الخطوط ~~كثيرة بالأطراف التي تنتهي إلى المحيط واحدة بالنقطة التي تجتمع أطرافها ~~عندها وهي المركز، وكذلك هذه الحركات التي تكون عن هذه المحسوسات ير من جهة ~~المحسوسات والآلات كثيرة، وهي من جهة أنها تنتهي إلى قوة واحدة واحدة. # وهذا المثال قد جرت عادة المتكلمين في النفس من أرسطو ومن دونه من ~~المفسرين أن يأخذوه في تفهم وجود هذه القوة، وهو وإن كان من جنس التعليم ~~الذي يؤخذ فيه في تفهم جوهر الشيء بدل الشيء، وذلك إما شبيه كما فعل هاهنا ~~أو غير ذلك وهو التعليم الشعري. فليس ذلك بضار إذا تقدم فعرف جوهر هذه ~~القوة وعلمت الجهة التي بها وقعت المحاكات بينهما، وكان هذا النحو من ~~التعليم إنما يدخل في التعليم البرهاني في الأشياء التي تصعب على الذهن أن ~~يتصورها أولا بذاتها، فتؤخذ أولا في تفهيمها بدل جوهر الشيء تلك الأشياء ~~على جهة التوطئة إلى أن ينتقل الذهن من محاكي الشيء إلى الشيء بعينه لأن ~~المقصود من ذلك تصور الشيء بما يحاكيه فقط، كما نفصل ذلك بداية في التعليم ~~الشعري. # فأما جوهر هذه القوة ما هو وأي وجود وجوده فذلك بين مما قلنا في الحس ~~بإطلاق، وذلك إنا قد كنا عرفنا هنالك مرتبة هذه القوة من سائر القوى ~~الهيولانية وعرفنا أن قبولها للمحسوسات ليس قبولا هيولانيا، وبهذا صح لها ~~أن تدرك المتضادات معا في أن واحد وبقوة غير منقسمة. فهذا هو القول فيما ~~يخص واحدا واحدا من هذه الحواس الخمس، وكيف يخصها، وفيما يشترك وكيف يشترك. # فأما أنه ليس يمكن أن توجد حاسة سادسة فذلك ظاهر من جهات: أحدها أنه لو ~~كان هاهنا حاسة أخرى غير هذه الخمس لكان هاهنا محسوس آخر وهو بين بالتصفح ~~أن المحسوسات الخاصة هي الخمسة فقط، وذلك أن المحسوسات ضرورة إما أن تكون ~~ألوانا أو أصواتا أو طعوما أو روائح أو ملموسات أو ما يتبع هذه ويدرك ~~بتوسطها وير المحسوسات المشتركة، وإذا كان هذا بينا بنفسه ولم يكن هاهنا ~~محسوس آخر فليس هاهنا قوة ms32 حسية أخرى. # وأيضا لو كان هاهنا حاسة أخرى لكانت هاهنا آلة أخرى ومتوسطات آخر أن ~~فرضنا هذه الحاسة غير ملاقية لمحسوسها، وذلك أنه يظهر بالتصفح أنه لم يبق ~~في هذه المتوسطات جهة تخدم بها محسوسا آخر غير الجهات التي سلفت، ولا يمكن ~~أن تدرك بآلة واحدة محسوسين مختلفين. فإن الآلة الواحدة كما قلنا لمحسوس ~~واحد، وإذا كان هذا هكذا ألزم أن وجدت هاهنا حاسة أخرى أن توجد آلة أخرى ~~فقط أن فرضناها ملاقية لمحسوسها أو آلة أخرى ومتوسط أن فرضناها غير ملاقية ~~لمحسوساتها. # PageV01P016 # وإذا كان أيضا يظهر بالتأمل انه ليس يتأتى هاهنا وجود آلة أخرى ولا هاهنا ~~متوسط آخر فبين أنه ليس يمكن أن توجد هاهنا حاسة أخرى. فأما من أن يظهر إنه ~~لا يمكن أن توجد هاهنا آلة أخرى ولا متوسط آخر تقدم، وذلك أنه ليس يوجد ~~متوسط آخر غير الماء والهواء، وذلك أن الأرض بجساوتها لا يمكن. فيها أن ~~يكون متوسطا والنار لا يمكن أن يوجد فيها حيوان فضلا عن أن يكون متوسطا، ~~وكذلك لا يمكن أيضا أن توجد آلة أخرى. وذلك أن كل آلة إما أن تكون مركبة من ~~ماء كالعين، وهواء كالحال في الأذنين، أو ممتزجة على غاية الاعتدال من ~~الأسطقسات الأربعة على ما هو عليه اللحم. فإن الآلة بوجه ما يجب أن تكون ~~مناسبة للمتوسط. # وقد يظهر ذلك أيضا من انه أن وجدت هاهنا حاسة أخرى فتوجد لحيوان آخر غير ~~الإنسان فيوجد للأنقص ما ليس يوجد للأكمل، ولذلك كانت الحواس على القصد ~~الأولى من اجل القوى التي هي كمالات لها وبخاصة النطق على ما سنبين من ~~أمره، وقد تلخص في كتاب الحيوان كيف نسبة الأعضاء التي توجد للحيوان من غير ~~أن توجد هي بأعيانها للإنسان إلى الأعضاء. التي تقوم مقامها في الإنسان، ~~وأن مثل هذه الأعضاء وجودها في الإنسان بوجه اشرف كالخرطوم للفيل، والجناح ~~للطائر فإن اليد في الإنسان أتم فعلا من هذه واشرف، وقد توجد تتلو هذه ~~القوة، أعني قوة الحس في الحيوان الكامل ms33 وهو الذي يتحرك إلى المحسوس بعد ~~غيبته عنه أو يتحرك إليه قبل حضوره قوة أخرى، وهي المدعوة بالتخيل، وينبغي ~~أن نقول فيها. ### | القول في التخيل # وهذه القوة ينبغي أن نفحص من أمرها هاهنا عن أشياء أولها عن وجودها، فإن ~~قوما ظنوا أنها القوة الحسية بعينها، وقوما ظنوا بها أنها قوة الظن، وقوم ~~رأوا أنها مركبة منهما، ثم هل هي من القوة التي توجد تارة قوة وتارة فعلا، ~~وأن كان الأمر كذلك فهي ذات هيولى، فما هي هذه الهيولى وأي مرتبة مرتبتها، ~~وما الموضوع لهذا الاستعداد والقوة، وأيضا فما المحرك لها والمخرج من القوة ~~إلى الفعل. # فنقول أما أن هذه القوة مغايرة للقوة الحسية فذلك يظهر عن قرب، وذلك ~~انهما وأن اتفقتا في أنهما يدركان المحسوس فهما يختلفان في أن هذه القوة ~~تحكم على المحسوسات بعد غيبتها، ولذلك كانت أتم فعلا عند سكون فعل الحواس ~~كالحال في النوم، وأما في حال الإحساس فإن هذه القوة يكاد أن لا يظهر لها ~~وجود، وأن ظهر فيعسر ما يفترق من الحس، ومن هذه الجهة نظن أن هذه القوة ~~ليست توجد لكثير جمن الحيوان كالدود والذباب وذوات الأصداف، وذلك إنا نرى ~~هذا الصنف من الحيوان لا يتحرك إلا بحضور المحسوسات، ويشبه أن يكون هذا ~~الصنف، إما أن لا يوجد له تخيلا أصلا وأن وجد فغير مفارق للمحسوس، والفحص ~~عن هذا يكون عند النظر في القوة المحركة للحيوان في المكان. وقد تفارق أيضا ~~هذه القوة قوة الحس،. فإنا كثيرا ما نكذب بهذه القوة ونصدق بقوة الحس، ولا ~~سيما في محسوساتها الخاصة ولذلك ما تسمى المحسوسات الكاذبة تخيلا. # وأيضا فقد يمكننا أن نركب بهذه القوة أمورا لم نحس بها بعد بل إنما ~~أحسسناها مفردة فقط كتصورنا غزايل والغول وما أشبه ذلك من الأمور التي ليس ~~لها وجود خارج النفمس، وإنما تفعلها هذه القوة ويشبه أن يكون هذا من فعل ~~هذه القوة خاصا للإنسان. وسنبين في كتاب الحس والمحسوس الأمور التي بها ~~يباين الإنسان سائر الحيوان في هذه ms34 القوى وحيوان حيوانا، والأمور التي فيها ~~تشترك وأيضا فإن نحس من الأمور الضرورية لنا وليس كذلك التخيل بل لنا أن ~~نتخيل الشيء وأن لا نتخيله، وهذا أحد ما تفارق به هذه القوة قوة الظن. وذلك ~~أن الظن ضروري لنا، وقد تفارقها أيضا من أن الظن إنما يكون أبدا مع تصديق، ~~وقد يكون تخيل من غير تصديق مثل تخيلنا أشياء لم نعلم بعد صدقها من كذبها ~~وإذا لم تكن هذه القوة ولا واحد من هاتين القوتين، أعني قوة الحس والظن ~~فليس يمكن فيها أن تكون مركبة منهما كما رأى ذلك بعضهم، لأن المركب من ~~الشيء إذا لم يكن على جهة الاختلاط يلزم فيه ضرورة أن، تحفظ خواص ما تركب ~~منه. # وكذلك يظهر هاهنا من قرب أن هذه القوة ليست عقلا إذ كنا إنما نصدق أكثر ~~ذلك بالمعقولات، ونكذب بهذه القوة. # PageV01P017 # والفرق بين التصور النطقي والتصور الخيالي وأن كان كلاهما يجتمعان في أنا ~~لسنا نصدق بها أو نكذب، أن المتخيلات إنما نتصورها من حيث هي شخصية ~~وهيولانية، ولذلك لا يمكن أن نتخيل ألوانا إلا مع عظم وأن كان سيظهر من ~~أمرها أنها أرفع رتب المعاني الشخصية. # وأما تصور العقلي فهو تجريد المعنى الكلي من الهيولى لا من حيث له نسبة ~~شخصية هيولانية في جوهره، بل أن كان ولابد فعلى أن ذلك لاحق من لواحق ~~الكلي، أعني تتعدد بتعدد الأشخاص وأن توجد له نسبة هيولانية، وسيظهر هذا ~~على التمام عند القول في القوة الناطقة. # فأما أن هذه القوة توجد تارة قوة وتارة فعلا فذلك من أمرها بين، وذلك ~~أنها في فعلها مضطرة أن يتقدمها الحس كما سنبين بعد، والإحساسات كما تبين ~~قبل حادثة، وإذا كان ذلك كذلك فهذه القوة إذن هيولانية بوجه ما وحادثة. # وأما الموضوع لهذه القوة الذي فيه الاستعداد فهو الحس المشترك بدليل أن ~~التخيل إنما يوجد أبدا مع قوة الحس وقد يوجد الحس دون التخيل. # وبالجملة يظهر من أمر القوة الحساسة أنها متقدمة بالطبع على هذه القوة ~~وأن نسبتها إليها ms35 نسبة الغاذية إلى الحسية، ونعني بهذا نسبة الاستكمال ~~الأول الذي في القوة الخيالية إلى الاستكمال الأول الذي للقوة الحساسة، ~~وعلى الحقيقة فالموضوع لهذين الإستعدادين، أعني الاستعداد لقبول المحسوسات ~~وقبول المتخيلات هي النفس الغاذية، إذ كان كما تبين من أمر هذه القوة أن ~~الوجود لها من أول الأمر إنما هو من حيث هي فعل، والاستعدادات بما هي ~~استعدادات إنما توجد مقترنة مع ما بالفعل، وليس بعضها موضوعا لبعض إلا على ~~جهة التشبيه، بمعنى أن بعضها يتقدم في الموضوع وجود بعض، وهكذا ينبغي أن ~~يفهم الأمر في الاستعداد الخيالي مع الاستعداد الحسي، فإنا لسنا نقدر أن ~~نقول أن الاحساسات بالفعل هي الموضوعة لهذا الاستعداد الخيالي على جهة ما ~~نقول أن النفس الغاذية موضوعة للنفس الحسية، إذ تبين أن الاحساسات هي ~~المحركة لهذه القوة التي تستكمل بها، لكن على كل حال فإن من الظاهر أن هذه ~~القوة والاستعداد أكثر روحانية من الاستعداد الحسي، إذ كان حصوله في الرتبة ~~الثانية وبعد حصول الاستعداد الحسي، وكأنه إنما ينسب إلى الهيولى بتوسط ~~القوة الحسية. # وأيضا فإن هذه القوة انفعالها ليس عن المحسوس بالفعل من خارج النفس بل من ~~الآثار الحاصلة عن المحسوسات في القوة الحسية على ما سنبين بعد وما هذا ~~شأنه فهو أكثر روحانية. # فقد تبين من هذا القول وجود هذه القوة، وأي هيولى هيولاها وما مرتبتها، ~~ولما كان بالقوة، كما قيل في غير ما موضع إنما يصير إلى الفعل بمحرك يخرجه ~~من القوة إلى الفعل، فما المحرك ليت شعري لهذه القوة. # أما المحرك في قوة الحس فالأمر في ذلك بين وهي المحسوسات بالفعل، وأما ~~هذه القوة فلما كان استكمالها إنما هو بالمحسوسات أيضا بوجه ما، وذلك بعد ~~غيبتها. وكان أيضا يظهر من أمرها أنها مضطرة في أن توجد على كمالها الأخير ~~إلى المحسوسات، وذلك أنا إنما يمكننا أن نتخيل الشيء بالذات وعلى كنهه بعد ~~أن نحسه فلا يخلو أن يكون المحرك لها أحد أمرين. # أما المحسوسات بالفعل خارج النفس فيكون على هذا الوجه هذه ms36 القوة حس ما، ~~وذلك انه ليس يكون فرقا بينها وبين قوة الحس إلا أن قوة الحس تدرك ~~المحسوسات وهي حاضرة وهذه تتمسك بها بعد غيبتها فقط. # وأما أن يكون المحرك لهذه القوة ليست المحسوسات التي خارج النفس بل ~~الآثار الباقية منها في الحس المشترك فإنه قد يظهر انه تبقى آثار ما من ~~المحسوسات في الحس المشترك بعد غيبتها، ولا سيما المحسوسات القوية. ولذلك ~~متى انصرف عنها إلى ما دونها من المحسوسات بسرعة لم يمكن أن يحسها. # وبالجملة ففي الحس المشترك قوة على التمسك بآثار المحسوسات وحفظها لكن ~~متى أنزلنا نفس التخيل إنما هو في وجود هذه الآثار الباقية في الحس المشترك ~~بعد ذهاب المحسوسات، لا بأن تكون هذه الآثار هي المحركة لقوة التخيل حتى ~~يكون لها في هيولى التخيل وجودا اكثر روحانية منها في الحس المشترك لزم أن ~~نتخيل معا أشياء كثيرة مبلغ عددها كمبلغ عدد الأمور التي أحسسناها. # PageV01P018 # وأيضا فما كان يمكننا أن نتخيل متى شئنا بل كنا نكون في تخيل دائم، ~~وبالجملة كان يكون التخيل لنا من الأمور الضرورية كالحال في المحسوسات، ~~وإذا كان ذلك كذلك فليس السبب إذن في تخيلها وقتا بعد وقت إلا أنا متى شئنا ~~نظرنا بهذه القوة إلى الآثار الباقية في الحس المشترك ولذلك كان فعل هذه ~~القوة يجود بالسكون ويختل مع حضور المحسوسات، وذلك أن الحس المشترك عندما ~~تحضره المحسوسات بالفعل هو عنها أكثر ذلك متحرك فقط، فإذا غابت عنه عاد هو ~~محرك هذه القوة بالآثار الباقية فيه من المحسوسات، ولذلك كان فعل هذه القوة ~~مع النوم أكثر، فالمحسوسات إذا تحرك الحس المشترك والآثار الحاصلة عنها في ~~الحس المشترك تحرك هذه القوة، أعني قوة التخيل على مثال ما تتحرك الأشياء ~~بعضها عن بعض. إلا أن لهذه القوة في تلك الآثار تركيبا وتفصيلا، ولذلك كانت ~~فاعلة بوجه منفعلة بآخر. # ومن هنا يظهر أن هذه القوة كما قلنا اكثر روحانية من الحس لكنها مع ذلك ~~من جنس الحس، إذ كان المحرك لها شخصيا والقابل إنما ms37 يقبل شبيه ما يعطيه ~~المحرك، والمحرك إنما يعطي شبيه ما في جوهره، وأما المتحرك الذي يوجد عنه ~~الكلي فهو أرفع رتبة من هذا، إذ كان تحريكه غير متناه على ما سنبين بعد. # فأما أن هذه القوة من قوى النفس كائنة فاسدة فهو بين من أنها توجد بالقوة ~~أولا ثم توجد بالفعل، والقوة كما قلنا غير ما مرة هي أخص أسباب الحدوث، ~~والحادث كما قيل فاسد ضرورة. # وأيضا فإن استكمالها إنما هو بالآثار الباقية في الحس المشترك عن ~~المحسوسات، وهذه الآثار ضرورة حادثة عن المحسوسات فهي إذن حادثة. # وأيضا فإن الاستعداد الأول لهذه القوة هو موجود كما قلنا في النفس ~~الغاذية بتوسط الاستكمال الأول للحس، وكلاهما حادثان فالاستكمال الأول إذن ~~لهذه القوة حادث. # فقد تبين من هذا القول وجود هذه الآثار وأي هيولى هيولاها؟ وما مرتبتها؟ ~~وما المحرك لها؟ وتبين مع هذا من أمرها أنها كائنة فاسدة. فأما لم وجدت هذه ~~القوة في الحيوان فذلك من أجل الشوق الذي يكون عنها إذا اقترن إلى هذه ~~القوة الحركة في المكان، وذلك أن بقوة التخيل مقترنا بها الشوق يتحرك ~~الحيوان إلى طلب الملذ وينفر عن الضار، وسنتكلم في هذا على التفصيل عند ~~القول في القوة المحرك للحيوان. # وإذ قد فرغنا من القول في هذه القوة فلنقل في القوة الناطقة، إذ كانت هي ~~التي يظهر من أمرها أنها تلي هذه القوة في المرتبة، وذلك أن الحيوان ليس ~~يمكن أن توجد فيه قوة أرفع من هذه، أعني المتخيلة إلا في الإنسان هي القوة ~~الناطقة. ### | القول في القوة الناطقة # إنه لما كان العلم بالشيء كما قيل في غير ما موضع إنما يحصل على التمام ~~بأن يتقدم أولا فيعلم وجود الشيء إن لم يكن بينا بنفسه ثم يطلب تفهم جوهره ~~وماهيته بالأشياء التي بها قوامه، ثم يطلب بعد ذلك معرفة الأمور التي ~~قوامها بذلك الشيء، وهي اللواحق الذاتية له والأعراض، فقد ينبغي أن نفحص من ~~هذه الأشياء بأعيانها في هذه القوة، فنبتدئ أولا فنرشد إلى الجهة التي ms38 توقع ~~اليقين بوجود هذه القوة ومباينتها لسائر القوى التي تقدمت، ثم نفحص من ~~أمرها هل هي تارة قوة؟ وتارة فعل؟ أم هي فعل دائما على ما يرى كثير من ~~الناس، وأنها إنما تتعطل أفعالها في الصبي لأنها مغمورة بالرطوبة أم بعضها ~~قوة وبعضها فعل. فإن هذا اسم شيء يفحص عنه من أمرها وهو المعنى الذي فيه ~~اختلف القدماء كثيرا. # ومن هاهنا توقف على ما هو اكثر ذلك متشوق من أمرها، أعني هل هي أزلية؟ أم ~~حادثة فاسدة؟ أم هي مركبة من شيء أزلي وحادث؟ وأن كانت تارة قوة وتارة فعلا ~~فهي ذات هيولى ضرورة، فما هذه الهيولى؟ وما مرتبتها؟ وما الموضوع لهذا ~~الاستعداد والقوة؟ فإن القوة مما لا يفارق، وهل ذلك جسم أو نفس أو عقل؟ ~~وأيضا ما المحرك لهذه القوة؟ والمخرج لها إلى الفعل؟ وإلى أي مقدار من ~~التحريك ينتهي إليه بالذات؟ فعلى هذا المحرك فيها فإن بذلك نقف على كمالها ~~الأقصى، فإنه من الظاهر أنها ليست فينا هذه القوة أولا معشر الناس على ~~كمالها الأخير وأنها في تزيد دائم، لكن ليس يمكن أن يمر الأمر فيها إلى غير ~~نهاية. فإن الطباع تأبى ذلك فهذه هي جميع المطالب التي ينبغي أن نفحص عنها ~~من أمر هذه القوة، فإن بمعرفتها تحصل لنا معرفتها على التمام. # PageV01P019 # والأمور التي نأخذها، مقدمات في بيان هذه الأشياء هي أحد أمرين إما نتائج ~~أقيسه قد تبينت فيما سلف من هذا العلم، وإما أمور يقينية بأنفسها هاهنا ~~وإما أن تكون الأقاويل المستعملة في ذلك مؤلفة من هذين الصنفين من المقدمات ~~وسنرشد إلى صنف صنف منها عندما نستعمله. # فنقول إنه من البين مما قيل في مواضع كثيرة أن المعاني المدركة صنفان: ~~إما كلي، وإما شخصي. وأن هذين المعنيين في غاية التباين، وذلك أن الكلي هو ~~إدراك المعنى العام مجردا من الهيولى وإدراك الشخص هو إدراك المعنى في ~~الهيولى. وإذا كان ذلك كذلك فالقوة التي تدرك هذين المعنيين هي ضرورة ~~متباينة، وقد تبين فيما تقدم أن الحس والتخيل ms39 إنما يدركان المعاني في ~~الهيولى، وأن لم يقبلاها قبولا هيولانيا على ما تقدم،،ولذلك لسنا نقدر أن ~~نتخيل اللون مجردا عن العظم والشكل فضلا عن أن نحسه، وبالجملة لسنا نقدر أن ~~نتخيل المحسوسات مجردة من الهيولى، وإنما ندركها في هيولى وهي الجهة التي ~~بها تشخصت، وإدراك المعنى الكلي والماهية بخلاف ذلك. فإنا نجرده بالهيولى ~~تجريدا وأكثر ما تبين ذلك في الأمور البعيدة من الهيولى كالخط والنقطة، ~~فهذه القوة إذن التي من شأنها أن تدرك المعنى مجردا عن الهيولى هي ضرورة ~~قوة أخرى غير القوة التي تقدمت وبين أن فعل هذه القوة ليس هو أن تدرك ~~المعنى مجردا من الهيولى فقط، بل وأن تركب بعضها إلى بعض وتحكم لبعض على ~~بعض. والفعل الأول من أفعال هذه القوة يسمى تصورا والثاني تصديقا. وهو من ~~الظاهر هاهنا أن بالواجب أن قسمت ترى النفس هذا الانقسام لانقسام المعاني ~~المدركة، وأنه ليس يمكن أن توجد هاهنا قوة أخرى للحيوان نافعة في وجوده غير ~~هذه القوى. وذلك أنه لما كانت سلامته إنما هي أن يتحرك عن المحسوسات أو إلى ~~المحسوسات. والمحسوسات إما حاضرة وأما غائبة، فبالواجب ما جعلت له قوة الحس ~~وقوة التخيل فقط. إذ كان ليس هاهنا جهة ما في المحسوس يحتاج الحيوان إلى ~~إدراكه غير هذين المعنيين، ولذلك لم تكن هاهنا قوة أخرى تدرك المعنى ~~المحسوس غير هاتين القوتين أو ما يحدث منهما. # ولما كان أيضا بعض الحيوان وهو الإنسان ليس يمكن وجوده بهاتين القوتين ~~فقط، بل بأن تكون له قوة يدرك بها المعاني مجردة من الهيولى ويركب بعضها ~~إلى بعض ويستنبط بعضها عن بعض حتى تلتئم عن ذلك صنائع كثيرة هي نافعة في ~~وجوده. وذلك إما من جهة اضطرار فيه وإما من جهة الأفضل بالواجب ما جعل في ~~الإنسان هذه القوة، أعني قوة النطق. ولم تقتصر الطبيعة على هذا فقط، أعني ~~أن تعطيه مبادئ الفكرة المعينة في العمل، بل ويظهر أنها أعطته مبادئ آخر ~~ليست معدة نحو العمل أصلا، ولا هي نافعة في وجوده ms40 المحسوس لا نفعا ضروريا ~~ولا من جهة الأفضل، وهي مبادئ العلوم النظرية. # وإذا كان ذلك كذلك فإنما وجدت هذه القوه من جهة الوجود الأفضل مطلقا لا ~~الأفضل في وجوده المحسوس، ومن هنا يظهر أن هذه القوة تنقسم أولا إلى قسمين: ~~أحدهما يسمى العقل العملي والآخر النظري. وكان هذا الانقسام لها عارضا ~~بالواجب لانقسام مدركاتها، ولذلك أن إحداهما إنما فعلها واستكمالها بمعان ~~صناعية ممكنة. والثانية بمعان ضرورية ليس وجودها إلى اختيارنا. # وإذ قد تبين أن وجود هذه القوة مغايرة لسائر القوى التي عددناها، وتبين ~~أيضا مع هذا أنها تنقسم قسمين فقد ينبغي أن ننظر بعد ذلك في الأمور ~~المطلوبة التي عددناها في كل واحد منها، وأن كانت أكثرها مشتركة لها. ~~ونبتدئ أولا بالقول في القوة العملية. فإن الأمر في ذلك أسهل وليس فيه كثير ~~نزاع، وأيضا فهذه القوة هي القوة المشتركة لجميع الأناسي التي لا يخلو ~~إنسان منها، وإنما يتفاوتون فيها بالأقل والأكثر. # وأما القوة الثانية فيظهر من أمرها أنها إلهية جدا، وأنها إنما توجد في ~~بعض الناس وهم المقصودون بالعناية أولا في هذا النوع. فنقول: أما أن هذه ~~المعقولات العملية، سواء كانت معقولات قوى أو مهن حادثة وموجودة فينا أولا ~~بالقوة وثانيا بالفعل، فذلك من أمرها بين، فإنه يظهر عند التأمل أن جل ~~المعقولات. الحاصلة منها إنما تحصل بالتجربة والتجربة إنما تكون بالإحساس ~~أولا والتخيل ثانيا. وإذا كان ذلك كذلك فهذه المعقولات إذن مضطرة في وجودها ~~إلى الحس والتخيل فهي ضرورة حادثة بحدوثها وفاسدة بفساد التخيل. # PageV01P020 # فأما هل تتنزل الخيالات منزلة الموضوع لهذه القوة أو منزلة المحرك على ما ~~هو عليه الأمر في البقايا التي في الحس المشترك من المحسوسات مع القوة ~~المتخيلة فقد يظهر أن منزلتها منه ليست منزلة الموضوع، وذلك أن المعنى ~~المتخيل هو المعنى المعقول نفسه فهو بمنزلة المحرك، إلا أنه ليس كافيا في ~~ذلك. لأن الكلي مباين بالوجود للتخيل ولو كانت الخيالات هي المحركة له فقط ~~لكان ضرورة من نوعها، كالحال في المحسوس والمتخيل. وسنبين هذا ms41 أكثر عند ~~القول في العقل النظري. وهنالك نقول في وجود هذا المحرك وما هو وإذا لم تكن ~~الخيالات هي المحركة فقط هذه. وكان أحد ما يتم به إدراك الكلي فهي بجهة ما ~~تشبه الموضوع الكلي. إذ كانت بالاستعداد والقوة الكلي وهو مرتبط بها، وبهذا ~~الاستعداد تباين النفس المتخيلة من الإنسان النفس المتخيلة من الحيوان كما ~~تباين النفس الغاذية في الحيوان النفس الغاذية في النبات بالاستعداد الذي ~~في الغاذية الحيوانية لقبول الحس، وهذا الاستعداد ليس بشيء أصلا اكثر من ~~التهيؤ لقبول المعقولات بخلاف الأمر في قوة الحس. # وإذا كان هذا كله كما قلنا فظاهر من أمر هذه المعقولات أنها كائنة فاسدة، ~~وهذا مما لم يختلف أحد من المشائين فيه، وذلك أنه يظهر أن هذه الخيالات ~~ليست موضوعة بجهة ما لهذه القوة بل كمال هذه القوة وفعلها إنما هو في أن ~~توجد صورا خيالية بالفكرة والاستنباط، يلزم عنها وجود الأمور الموضوعة ولو ~~وجدت هذه المعقولات دون النفس المتخيلة لكان وجودها عبثا وباطلا، وهذا ~~النوع من الصور الخيالية قد يوجد لكثير من الحيوان كالتسديس الذي يوجد ~~للنحل والحياكة التي توجد للعناكب، لكن الفرق بينهما أنها في الإنسان حاصلة ~~عن الفكر والاستنباط، وهي في الحيوان حاصلة عن الطبع، ولذلك لا توجد متصرفا ~~فيها بل إنما يدرك منها حيوان حيوان صورا ما محدودة، وهي الضرورية في ~~بقائه. # ومن هنا ظن قوم أن الحيوان قد يعقل وبهذه القوة يحب الإنسان ويبغض ويعاشر ~~ويصاحب، وبالجملة عنها توجد الفضائل الشكلية. وذلك أن وجود هذه الفضائل ~~ليست شيئا اكثر من وجود الخيالات التي عنها تتحرك إلى هذه الأفعال على غاية ~~الصواب، وذلك أن يشجع مثلا في الموضع الذي يحب والوقت الذي يحب وبالمقدار ~~الذي يحب. # وما يوجد من هذه الفضائل في الحيوان كالشجاعة في الأسد والقناعة في ~~الديك، فهي مقولة بنوع من التشكيك مع الفضائل الإنسانية، وذلك أنها طبيعة ~~للحيوان. ولذلك كثيرا ما يفعلها في الموضع الذي لا ينبغي، والعقل الذي ~~يذكره أرسطو في السادسة من نيقوماخيا هو أيضا ms42 منسوب لهذه القوة بوجه ما، ~~فهذا هو القول في العقل العملي. # وأما القول في النظري فهو مما يستدعي بيانا أكثر، وقد اختلف فيه المشاؤون ~~من لدن أفلاطون إلى هلم. ونحن نفحص عن ذلك بحسب طاقتنا وبحسب المعونة ~~الواقعة في ذلك ممن تقدم. # فنقول أن أول ما ينبغي أن ننظر فيه من أمر هذه المعقولات النظرية هل هي ~~دائما فعل أم توجد أولا بالقوة ثم توجد ثانيا بالفعل، فتكون توجد هيولانية. ~~فإن القول بأن بعضها يوجد دائما فعلا وبعضها قوة قول بين السقوط بنفسه. فإن ~~الصور ليست تنقسم بذاتها ولا بعضها موضوعة لبعض ولا يوجد هذا للصور من جهة ~~الهيولى، أعني من جهة ما هي شخصية. وهذا بين عند من ارتاض أدنى ارتياض في ~~هذا العلم. # والسبيل إلى ذلك كما قلنا في أول هذا الكتاب أن ننظر هل اتصالها بنا ~~اتصال شبيه باتصال الأمور المفارقة بالمواد، كما يقال في العقل الفعال إنه ~~يتصل بنا في حين الاستفادة، حتى تكون هذه المعقولات لا فرق بين وجودها لنا ~~منذ الصبي وعند الكهولة في كونها موجودة بالفعل، إلا أنها كانت في الصبي ~~مغمورة بالرطوبة. ### | الصور الهيولانية # PageV01P021 # وبالجملة فلا بد أن نقول إنه كانت فينا حالة تعوقنا عن إدراكها، فلما حصل ~~الموضوع القابل لها على استعداده الأخير ظهرت فيه هذه المعقولات وإدراكها، ~~وعلى هذا ليس يحتاج في أن تحصل لنا معقولات إلى محرك من جنسها، أعني أن ~~تكون عقلا، بل وأن كان ولا بد فبالعرض، مثل أن الذي يزيل الصدأ عن المرآة ~~تكون بوجه ما سببا لارتسام الصور فيها. ولا يكون أيضا قولنا فيها إنها ~~موجودة لنا بالقوة منذ الصبى، على معنى القوة الهيولانية، بل بوجه مستعار ~~يشبه المعنى الذي يطلق اسم القوة عليه أصحاب الكمون. أو نقول أن اتصال هذه ~~المعقولات بنا اتصال هيولاني، وهو اتصال الصور بالمواد والوقوف على ذلك ~~يكون من هذه الجهة. وذلك بأن نحصي الأمور الذاتية للصور الهيولانية بما هي ~~هيولانية، ثم نتأمل هل تتصف هذه المعقولات ببعضها أم لا. ms43 # فنقول إنه قد ظهر مما تقدم أني للصور الهيولانية مراتب والقوى أيضا ~~والاستعدادات مرتبة بترتبها. فأول نوع من أنواع الصور الهيولانية هي صور ~~البسائط التي الموضوع لها المادة الأولى، وهي الثقل والخفة، ثم بعد هذه صور ~~الأجسام المتشابهة الأجزاء، ثم النفس الغاذية ثم الحساسة ثم المتخيلة، وكل ~~واحدة من هذه الصور إذا تؤملت وجد لها أشياء تعمها وتشترك فيها، من جهة. ما ~~هي هيولانية بإطلاق وأشياء تخص واحدة منها أو أكثر من واحدة من جهة ما هي ~~هيولانية ما. فما تخص الصور البسيطة أن الهيولى لا تعرى فيها من إحدى ~~الصورتين المتقابلتين كالبارد والحار والرطب واليابس، ومما تشترك فيه الصور ~~البسيطة والصور المتشابهة الأجزاء أنها منقسمة بانقسام موضوعاتها وحصولها ~~فيها بغير حقيقي، وقد تشاركهما الصور الغاذية في هذين المعنيين، وأن كانت ~~تباينها في نفس وجودها. ولقرب هذه النفس من الصورة المزاجية ظن بها أنها ~~مزاج، وتخص الصور الحسية أنها غير منقسمة بانقسام الهيولى، بالمعنى الذي به ~~تنقسم الصور المزاجية. ولذلك أمكن فيها أن تقبل الكبير والصغير في موضوع ~~واحد على حالة واحدة، وتشترك مع النفس الغاذية في أنها تستعمل آلة آلية، ~~وتخص النفس المتخيلة أنها لا تحتاج في فعلها إلى آلة آلية. # وتعم هذه الصور الهيولانية على مراتبها وتفاوتها من جهة ما هي هيولانية ~~مطلقة أمران اثنان: أحدهما أن وجودها إنما يكون تابعا للتغير بالذات، وذلك ~~إما قريب أو بعيد كالحال في الصور المزاجية وفي النفسانية التي تقدم ذكرها. ~~والثاني أن تكون متعددة بالذات بتعدد الموضوع ومتكثرة بتكثرة. فإن بهاتين، ~~الصفتين يصح عليها معنى الحدوث، وإلا لم يكن هنالك كون أصلا، وقد أطلنا في ~~من هذا في أول الكتاب. وهذا المعنى من تعدد النفس بتعدد موضوعاتها هو الذي ~~ذهب على القائلين بالتناسخ، فهذه جميع المحمولات الذاتية التي توجد للصور ~~الهيولانية من جهة ما يعم ومن جهة ما يخص. وقد يوجد للصور الهيولانية بما ~~هي هيولانية أمر ثالث وهو أنها مركبة من شيء يجري منها مجرى الصورة، وشيء ~~يجري منها مجرى ms44 المادة، ويعم الصور الهيولانية أمر رابع وهو أن المعقول ~~منها غير الموجود. فإذا نحن تأملنا المعقولات وجدنا لها أشياء تخصها كثيرة ~~يظهر بها ظهورا كثيرا مباينتها بالوجود لسائر الصور النفسانية، ومن هذه ~~الأشياء ظن بها أنها موجودة بالفعل دائما غير متكونة. فإن كل متكون فاسد إذ ~~كان ذا هيولى. لكن من البين أن هذه الأحوال التي تخصها ليست بكافية في ~~الوقوف على أنها ليست هيولانية دون أحد الأمرين، وذلك إما بأن يلقى جميع ~~الأمور الخاصة بالصور الهيولانية بما هي هيولانية في مسلوبة عنها، وإما أن ~~نقف على أن بعض الأشياء التي تخصها مما تخص الأمور المفارقة. وهذا بين ~~بنفسه لمن زاول صناعة المنطق، ونحن فلنعدد بالأمور الخاصة بهذه المعقولات ~~ونتأمل هل واحد منها مما يخص الأمور المفارقة أم لا، وإن كان ليس بخاص فهل ~~توجد لها مع هذه الأمور العامة للصور الهيولانية بما هي هيولانية ما أم ليس ~~توجد. ### | الصور المعقولة # فنقول إنه قد يظهر من أمر وجود صور المعقولات للإنسان أنها فيه على نحو ~~مباين لوجود سائر الصور النفسانية فيه، إذ كانت هذه الصور وجودها في ~~موضوعها المشار إليه غير وجودها المعقول، في ذلك أنها واحدة من حيث هي ~~معقولة ومتكثرة من حيث هي شخصية وفي هيولى. # PageV01P022 # وأما صور المعقولات فقد يظن أن وجودها المعقول هو نفس وجودها المشار ~~إليه، وأن كان المعقول منها غير الموجود فعلى جهة هي غير الجهة التي بها ~~نقول في سائر الصور أن الموجود منها غير المعقول، إلا أنه أن كأن المعقول ~~منها غير الموجود على أي وجه كان فهي كاذبة فاسدة، وأن كان المعقول منها هو ~~الموجود فهي ضرورة مفارقة أو فيها شيء يفارق، إلا أنه ليس يلزم من وضعنا أن ~~المعقول يخالف الموجود منها بجهة غير الجهة التي بها يخالف المعقول من سائر ~~الصور الموجودة منها أن تكون مفارقة، إذ كان لم يتبين من هذا القول، أو انه ~~ليس لها نسبة خاصة إلى الهيولى بل أنما تبين من ذلك أنه أن كان ms45 لها نسبة ~~فهي غير النسبة التي لتلك الصور، ولعل تلك النسبة تخص بعض الصور ~~الهيولانية. # ومما يباين أيضا فيه هذه المعقولات سائر الصور النفسانية أن إدراكها غير ~~متناه على ما تبين من أمر الكلي وسائر القوى إدراكها متناه. # وقد ظن أيضا من هذا أنها غير هيولانية أصلا، وليس في هذا كفاية في أنها ~~أيضا مفارقة بالكل، إذ كان التصور للقوة الناطقة غير الحكم والتصديق ~~لكونهما فعلين متباينين، وذلك أن التصور بالعقل إنما هو تجريد الصورة من ~~الهيولى، وإذا تحررت الصورة من الهيولى ارتفعت عنها الكثرة الشخصية، وليس ~~يلزم عن ارتفاع الكثرة الشخصية الهيولانية ارتفاع الكثرة أصلا. فإنه ممكن ~~أن تبقى هنالك كثرة بوجه ما، لكن من جهة أنها تجرد الصور من كثرة محدودة ~~ولحكم حكما على كثرة غير متناهية، وقد يجب أن يكون هذا الفعل لقوة غير ~~هيولانية، لأنه أن كان واجبا أن يكون إدراك الصور المفارقة لغير متناه وجب ~~أن يكون إدراك الصور الهيولانية لمتناه وحكمها على متناه. وإذا كان حكم ~~الصور الهيولانية على متناه فما هو حكم على غير، متناه فهو ضرورة غير ~~هيولاني، إذ كان الحكم على الشيء إدراك له أو من قبل طبيعة مدركة له. # فمن هذا يظهر لعمري أن هذه القوة التي فينا غير هيولانية، إلا أنه لم ~~يتبين بعد أن هذا الحكم هو لهذه المعقولات الكلية، بل لعلة لقوة أخرى تتنزل ~~من هذه المعقولات منزلة الصورة. # ومما يخص أيضا هذا الإدراك العقلي أن الإدراك فيه هو المدرك، ولذلك قبل ~~أن العقل هو المعقول بعينه، والسبب في ذلك أن العقل عندما يجرد صورة ~~الأشياء المعقولة من الهيولى ويقبلها قبولا هيولانيا يعرض له أن يعقل ذاته، ~~إذا كانت ليست تصير المعقولات في ذاته من حيث هو عاقل بها على نحو مباين ~~لكونها معقولات أشياء خارج النفس. وليس الأمر في الحس كذلك، وإن كان يتشبه ~~بالمحسوسات، فإنه ليس يمكن فيه أن يحس ذاته حتى يكون الحس هو المحسوس، إذ ~~كان إدراكه للمعنى المحسوس إنما هو من حيث ms46 يقبله في هيولى. ولذلك يصير ~~المعنى المنتزع في القوة الحسية مغايرا بالوجود لوجوده في المحسوس، ومقابلا ~~له على ما شانه أنه يوجد عليه الأمور المتقابلة في باب المضاف. # وبين أن هذا إنما عرض له من جهة أن قبول المعقول لم يكن قبولا هيولانيا ~~شخصيا، لكن أن كان هاهنا العقل هو المعقول نفسه من جميع الوجوه على مثال ~~على ما يظن به الأمر في المفارقات حتى لا تكون له نسبة إلى الهيولى بوجه من ~~اوجه النسب بها، يتصور أن يكون العاقل غير المعقول بوجه ما كان ضرورة فعلا ~~دائما، وبين أن هذا لم يتبين بعد مما وضع هاهنا من مباينة للحس. # ومما يخص هذه المعقولات أيضا أن إدراكها ليس. يكون بانفعال كالحال في ~~الحس، ولهذا متى أبصرنا محسوسا قويا ثم انصرفنا عنه لم نقدر في الحين أن ~~نبصر ما هو أضعف والمعقولات بخلاف ذلك. # والسبب في ذلك أن الحس لما كانت تبقى من صور المحسوسات فيه بعد انصرافها ~~عنه آثار ما شبيهة بالصور الهيولانية لم يمكن فيه أن تقبل صورة أخرى حتى ~~تمحى عنه تلك الصورة وتذهب، وهذا أيضا إنما عرض له من جهة النسبة الشخصية. # PageV01P023 # ومنها أن العقل يتزيد مع الشيخوخة وسائر قوى النفس بخلاف ذلك. وأكثر هذه ~~الأحوال الخاصة بالمعقولات إذا تؤملت ظهر أن السبب في وجودها كون المعقولات ~~عامة النسبة الشخصية التي توجد لسائر قوى النفس، وهي أن لا تكون للمعقول، ~~منها في غاية المقابلة للموجود على ما عليه الأمر في الصور الشخصية، ولهذا ~~متى استعملنا هذه الخواص دلائل لم تفض بنا إلى أكثر من هذه المعرفة. وأما ~~متى أردنا أن نجعلها دلائل على وجود هذه المعقولات فعلا محضا ودائما كنا قد ~~استعملنا في ذلك المطلوب المتأخرات التي ليس يلزم عن وجودها وجود المتقدم، ~~بمنزلة من قال أن الكواكب نار لأنها مضيئة. وذلك أن كل ما هو بالفعل دائما ~~قد عدم صورة النسبة الشخصية التي توجد لسائر قوى النفس، وليس ينعكس هذا حتى ~~يلزم أن كل ما عدم ms47 هذه النسبة فهو موجود بإلفعل، وذلك بين لمن زاول صناعة ~~المنطق. # فإذن الذي غلط من قال من هذه الأشياء بمفارقة المعقولات هو موضع اللاحق. # وإذا كان هذا هكذا وظهر أنه ليس في هذه الأمور الخاصة بالمعقولات ما تبين ~~بها أنها موجودة دائما فعلا فلننظر هل تلحقها الأمور الخاصة بالصور ~~الهيولانية بإطلاق أم لا، وقد قلنا أن ذلك شينان: أحدهما أن يكون وجود ~~الصور تابعا لتغير بالذات وبذلك تكون حادثة، والثاني أن تكون متكثرة بتكثر ~~الموضوعات تكثرا ذاتيا لا تكثرا عرضيا، بل ما يتوهمه أصحاب التناسخ بأي وجه ~~اتفق مات أوجه التكثر. # فنقول إنه إذا تؤمل كيف حصول هذه المعقولات لنا وبحاصة المعقولات التي ~~تلتئم منها المقدمات التجربية ظهر أنا مضطرون في حصولها لها أن نحس أولا ثم ~~نتخيل، وحينئذ يمكننا أخذ الكلي. ولذلك من فاتته حاسة ما من الحواس فاته ~~معقول ما. فإن الأكمه ليس يدرك معقول اللون أبدا، ولا يمكن فيه إدراكه، ~~وأيضا فإن من لم يحس أشخاص نوع ما لم يكن عنده معقولة، كالحال عندنا في ~~الفيل. وليس هذا فقط بل يحتاج مع هاتين القوتين إلى قوة الحفظ وتكرر ذلك ~~الإحساس مرة بعد مرة حتى ينقدح لنا الكلي. ولهذا صارت هذه المعقولات إنما ~~تحصل لنا في زمان، وكذلك يشبه أن يكون الحال في الجنس الآخر من المعقولات ~~التي لا ندري متى حصلت ولا كيف حصلت إلا أن تلك لما كانت أشخاصها مدركة لنا ~~من أول الأمر لم نذكر متى اعترتنا فيها هذه الحال التي تعترينا في ~~التجربية، وهذا ظاهر بنفسه. فإن هذه المعقولات ليست جنسا آخر من المعقولات ~~مباين للتجربية، ولذلك ما يجب أن يكون حصولها بجهة واحدة. # وبالجملة فيظهر أن وجود هذه المعقولات تابعة للتغير الموجود في الحس ~~والتخيل تباعدا ذاتيا على جهة ما تتبع الصور الهيولانية التغيرات المتقدمة ~~عليها، وإلا أمكن أن نعقل أشياء كثيرة من غير أن نحسها، فكأن يكون التعلم ~~تذكرا كما يقول أفلاطون. # وذلك أن هذه المعقولات متى فرضناها موجودة بالفعل دائما، ونحن ms48 على الكمال ~~الأخير من الاستعداد لقبولها، وذلك مثلا في الكهولة، فما بالنا ليت شعري ~~إلا يكون في تصور دائما وتكون الأشياء كلها لنا معلومة بعلم أولي. # وغاية ما نقول في ذلك متى فأتنا منها معقول ما ثم أدركناه أن إدراكه تذكر ~~لا حصول معرفة، لم تكن قبل بالفعل لنا حتى يكون تعلم الحكمة عبثا، وهذا كله ~~بين السقوط بنفسه، ولذا كان وجود هذه المعقولات تابعا لتغير بالذات فهي ~~ضرورة ذات هيولى، وموجودة أولا بالقوة وثانيا بالفعل، وحادثة فاسدة، إذ كل ~~حادث فاسد على ما تبين في آخر الأولى من السماء والعالم. # وقد يظهر أيضا أنها متكثرة بتكثر الموضوعات ومتعددة بتعددها، وهو الأمر ~~الأخر الذي تخص الصور الهيولانية بما هي هيولانية من أن هذه المعقولات إنما ~~الوجود لها من حيث نستند إلى موضوعاتها خارج النفس، ولذلك ما كان هنا صادقا ~~كان له موضوع خارج النفس يستند كلية إلى صورته المتخيلة، وما لم يكن له ~~موضوع كغزايل وعنقا مغرب كان كاذبا بالكون الصور المتخيلة منه كاذبة. # PageV01P024 # وبالجملة فيظهر ظهورا، أوليا أن بين هذه الكليات وخيالات أشخاصها الجزئية ~~إضافة ما بها صارت الكليات موجودة، إذ كان الكلي إنما الوجود له من حيث هو ~~كلي بما له جزئي، كما أن الأب إنما هو أب من حيث له ابن، واتفق لهما مع أن ~~كانا من المضاف أن كانت أسماؤهما تدل عليهما من حيت هما مضافان، ومن خواص ~~المضافين كما قيل في غير ما موضع أن يوجدا. معا بالقوة أو بالفعل، ومتى وجد ~~أحدهما وجد الآخر، ومتى فسد أحدهما فسد الآخر، وذلك ظاهر بالتأمل فإن الأب ~~إنما هو أب بالفعل ما كان له ابن موجود، وكذلك الابن بما هو ابن ما كان له ~~أب، وإنما كان يمكن أن لا تستند هذه الكليات إلى موضوعاتها لو كانت موجودة ~~بالفعل خارج النفس، على ما كان يراه أفلاطون، وهو من البين أن هذه الكليات ~~ليس لها وجود خارج النفس مما قلناه، وأن الوجود منها خارج النفس إنما هو ~~أشخاصها ms49 فقط. # وقد عدد أرسطو فيما بعد الطبيعة المحالات اللازمة عن هذا الوضع وباستناد ~~هذه الكليات إلى خيالات أشخاصها صارت متكثرة بتكثرها، وصار معقول الإنسان ~~مثلا عندي غير معقول عند أرسطو. فإن معقولة عندي إنما أشد إلى خيالات أشخاص ~~غير الأشخاص التي استند إلى خيالاتها معقولة عند أرسطو، وباتصال هذه ~~المعقولات بالصور الخيالية اتصالا ذاتيا يلحقها النسيان لذهاب الصور ~~الخيالية، ويلحقنا نحن عندما نفكر بها الكلال ويختل إدراك من فسد تخيله. ~~وبالجملة فمن هذه الجهة تلحق المعقولات الأمور التي ترى بها أنها هيولانية ~~لا المحاطة التي يزعم من يقول بوجودها فعلا دائما، فإن هذا القول إنما شأنه ~~أن يفيد من التصور في إعطاء سبب هذه اللواحق المقدار الذي تفيده الأقاويل ~~الشعرية. # وأيضا لو أنزلنا هذه الكليات غير متكاثرة بتكثر خيالات أشخاصها المحسوسة ~~للزم عن ذلك أمور شنيعة، منها أن يكون كل معقول حاصل عندي حاصلا عندك حتى ~~يكون متى تعلمت أنا شيئا ما تعلمته أنت ومتى نسيته أنا نسيته أنت أيضا، بل ~~ما كان يكون هاهنا تعلم أصلا ولا نسيان وكانت تكون علوم أرسطو كلها موجودة ~~بالفعل لم يقرأ كتبه بعد، وهذا كله ظاهر بنفسه والتطويل فيه عناء. # فقد تبين من هذا القول أن هذه المعقولات تابعة لتغير وإنها متكثرة بتكثر ~~موضوعاتها، لكن على غير الجهة التي تتكثر بها الصور الشخصية، وتبين أنها ~~ذات هيولى وإنها حادثة فاسدة لكن من جهة أنها هيولانية ومشار إليها قد يلزم ~~ضرورة أن تكون مركبة من شيء يجري منها مجرى المادة وشيء يجري منها مجرى ~~الصورة. فأما الشيء الذي يجري منها مجرى الصورة فإنه إذا تؤمل ظهر منه أنه ~~غير كاين ولا فاسد وذلك بين بمقدمات. # إحداها: أن كل صورة معقولة فهي إما هيولانية وإما غير هيولانية. # والثانية: أن كل صورة هيولانية فإنما هي معقولات بالفعل إذا عقلت، وإلا ~~فهي معقولة بالقوة. # والثالثة: أن كل صورة غير هيولانية فهي عقل سواء عقلت أو لم تعقل. # والرابعة والخامسة: عكس هاتين المقدمتين، وهي أن كل صورة تكون ms50 معقولة بأن ~~تعقل فهي هيولانية وأن كل صورة تكون في نفسها عقلا وإن لم تعقل فهي غير ~~هيولانية. # فإذا تقررت لنا هذه المقدمات وهي بينة من طبيعة العقل والمعقول، قلنا هذه ~~الصورة التي هي صورة المعقولات النظرية واجب أن تكون غير هيولانية، لأنها ~~عقل في نفسها سواء عقلناها نحن أو لم نعقلها. إذ كانت صورة الشيء هبر في ~~وجوده عقل ولو أنزلناها معقولة بالفعل من جهة وبالقوة من جهة يلزم أن يكون ~~هنالك عقل آخر متكون فاسد، وهو الشيء الذي صارت به معقولة بالفعل بعد أن ~~كانت بالقوة، فيعود السؤال أيضا في هذا العقل هل هو معقول بالفعل من جهة ~~وبالقوة من جهة، فإن فرضناه كذلك لزم أن يكون هنالك عقل ثالث، فيعود السؤال ~~أيضا في هذا العقل الثالث. ولذلك ما يجب أن يكون المعقول من العقلي الذي ~~بالفعل هو الموجود منه نفسه لا غير الموجود، كالحال في الصور الهيولانية ~~التي هي معقولة بالقوة، وإلا وجدت عقول إنسانية غير متناهية. # فأما أن تصورها ممكن فذلك سيبين من قولنا بعد، فمن هنا يظهر أن في ~~المعقولات جزءا فانيا وجزءا باقيا، ولذلك اضطرب نظر الناظرين فيها. # وإذ قد تبين أن في المعقولات جزءا باقيا وجزءا فانيا وكان كل كاين له ~~هيولى فلننظر ما جوهر هذه الهيولى وأي رتبة رتبتها. # PageV01P025 # فنقول أما من يضع هذه المعقولات موجودة بالفعل دائمة وأزلية فليس لها ~~هيولى إلا على التشبيه والتجوز، إذ كانت الهيولى هي أخص أسباب الحدوث. وذلك ~~أن معنى الهيولى على هذا الرأي ليس يكون شيئا أكثر من الاستعداد الحادث ~~الذي به يمكن أن نتصور هذه المعقولات وندركها لا على أن هذا الاستعداد هو ~~أحد ما تتقوم به هذه المعقولات إذن قبلها، كالحال في الاستعداد الهيولاني ~~الحقيقي. ولذلك قد يمكن أن نتصور هذا الاستعداد حادثا والمعقولات التي ~~تقبلها أزلية على هذه الجهة، وهي الجهة التي ينبغي أن يقول بها كل من يضع ~~هذه المعقولات موجودة دائما ويتصل بها. # وأما ثامسطيوس وغيره من قدماء المفسرين فهم ms51 يضعون هذه القوة التي يسمونها ~~العقل الهيولاني أزلية، ويضعون المعقولات الموجودة فيها كائنة فاسدة لكونها ~~مرتبطة بالصور الخيالية. وأما غيرهم مما نحا نحو ابن سينا وغيره فإنهم ~~يناقضون أنفسهم فيما يضعون وهم لا يشعرون أنهم يناقضون، وذلك أنهم يضعون مع ~~وضعهم أن هذه المعقولات موجودة أزلية أنها حادثة وإنها ذات هيولى أزلية ~~أيضا. # ولست أدري ما أقول في هذا التناقض فإن ما كان بالقوة ثم وجد بالفعل فهو ~~ضرورة حادث فاسد، اللهم إلا أن يعني بالقوة هاهنا المعنى الذي قلناه فيما ~~تقدم وهو كون المعقولات مغمورة بالرطوبة فينا ومعوقة عن أن نتصورها لا على ~~أنها في ذاتها معدومة اصلا،، فيكون قولنا فيها إنها ذات هيولى بالمعنى ~~المستعار، لكن نجدهم يرومون أن يلزموها شروط الهيولى الحقيقية وبخاصة ~~ثامسطيوس، وذلك أنه يقول ولما كان كل ما هو بالقوة شيئا واجبا ألا يكون فيه ~~شيء من الفعل الذي هو قوي عليه، كالحال في الألوان والبصر، فإنه لو كان ~~البصر ذا لون لما أمكن فيه أن تشبه بالألوان ويقبلها، إذ كان يعوقها اللون ~~الخاص فيه. ولذلك زعم يلزم أن لا يكون في العقل الهيولاني شيء من الصور ~~التي توجد فيه بعد بالفعل. # وأنا أقول ليت شعري هذه الهيولى الموجود فيها، هذا الاستعداد لقبول ~~المعقولات هل يزعمون، أنها شيء ما أم لا، ولا بد لهم من ذلك، فإن نفس ~~الإمكان والاستعداد الحادث مما يحتاج ضرورة إلى موضوع كما تلخص في الأولى ~~من السماع، وإذا كانت شيئا ما في ضرورة فعلا، إذ الموضوع الذي ليس فيه شيء ~~من الفعل أصلا هي المادة الأولى، وليس يمكن أن تفرض المادة الأولى هي ~~القابلة لهذه المعقولات. وإذا كانت شيئا ما بالفعل فهي ضرورة إما جسم وإما ~~نفس وإما عقل، إذ كان سيظهر فيما بعد أنه ليس هاهنا وجود رابع وهو ممتنع أن ~~يكون جسما مما تقدم من القول في أمر هذه المعقولات، وأن فرضناها نفسا فهي ~~ضرورة كائنة فاسدة، وإذا كانت هي فاسدة فالاستعداد الموجود فيها أحرى ~~بالفساد، وإذا ms52 لم يكن جسما ولا نفسا فهي ضرورة عقل، وهو الذي يظهر من ~~قولهم، لكن أن كانت عقلا فهي بالفعل موجودة من نوع ما هي قوة عليه وهذا ~~مستحيل، فإن القوة والفعل متناقضان. # وليس ينجي من هذا الإلزام أن نضع بعض هذه الهيولى قوة وبعضها فعلا، فإن ~~الصورة غير منقسمة الوجود، اللهم إلا بالعرض. أو يضع واضع أن التغير في ~~الجوهر من باب التغير في الكمية وهذا مستحيل، فلذلك ما يلزم من يضع هذه ~~المعقولات أزلية أن لا يضع لها الهيولى. إلا على جهة الاستعارة، فضلا عن أن ~~يضعها أزلية، ولا يحتاج هاهنا أيضا إلى إدخال محرك من خارج هو من نوع ~~المتحرك على أنه غيره. # وكأنهم إنما عرض لهم هذا الغلط. لما أرادوا الجمع بين مذهب أفلاطون ~~وأرسطو، وذلك أنهم وجدوا أرسطو يضع أن هاهنا ثلاثة أنواع من العقول، أحدها ~~عقل هيولاني، والثاني الذي بالملكة وهو كمال هذا الهيولاني، والثالث المخرج ~~له من القوة إلى الفعل، وهو العقل الفعال على ما يجري الأمر عليه في سائر ~~الأمور الطبيعية. واعتقدوا مع هذا أن هذه المعقولات أزلية راموا أن يناولوا ~~قول أرسطو ويصرفوه إلى هذه الأمور المتناقضة، ولذلك لما تحفظ الإسكندر ~~بأقاويله ظهر أن رأيه في ذلك مخالف لآرائهم، ونحن فلندع هذا لمن تفرغ للفحص ~~عن مذهب أرسطو في ذلك ونرجع إلى حيث كنا. # PageV01P026 # فنقول إنه إذ قد تبين أن هذه المعقولات حادثة فهنالك ضرورة استعداد ~~يتقدمها، ولما كان الاستعداد مما لا يفارق لزم أن يوجد في موضوع، وليس يمكن ~~أن يكون هذا الموضوع جسما حسبما تبين من أن هذه المعقولات ليست هيولانية ~~بالوجه الذي به الصور الجسمانية هيولانية، ولا يمكن أيضا أن يكون عقلا، إذ ~~كان ما هو بالقوة شيئا ما فليس فيه شيء ما بالفعل مما هو قوي عليه. # وإذا كان ذلك كذلك فالموضوع لهذا الاستعداد ضرورة هو نفس، وليس يظهر ~~هاهنا شيء اقرب إلى أن يكون الموضوع لهذه المعقولات من بين قوي النفس سوى ~~الصور الخيالية، إذ كان قد ms53 تبين أنها إنما توجد مرتبطة بها وأنها توجد ~~بوجودها وتعدم بعدمها. # فإذن الاستعداد الذي في الصور الخيالية لقبول المعقولات هو العقل ~~الهيولاني الأول، والعقل الذي بالملكة هو المعقولات الحاصلة بالفعل فيه إذا ~~صارت، بحيث يتصور بها الإنسان متى شاء، كالحال في المعلم إذ لم يعلم، وهو ~~إنما يحصل بالفعل على تمامه الآخر، وبهذه الحال تحصل العلوم النظرية. # وذلك أن توجد للإنسان الذي بهذه الحال في جميع الصنايع النظرية التمامات ~~الأربعة التي عددت في كمالات الصنايع في كتاب البرهان. # وبهذا الاستعداد الذي توجد للإنسان في الصورة الخيالية تفارق نفسه ~~المتخيلة النفس المتخيلة من الحيوان، كما تفارق النفس الغاذية في النبات ~~الغاذية في الحيوان بالاستعداد الذي فيها لقبول المحسوسات، لكن الفرق ~~بينهما أن الاستعداد الذي في الصور الخيالية لقبول المعقولات هو غير مخالط ~~للصورة الخيالية، لأنه لو كان مخالطا لما أمكن فيه أن يقبل الصور الخيالية، ~~كما أنه لو كانت الحاسة ذات لون لما أمكن فيها أن يقبل اللون، وهذا هو معنى ~~قولهم إن العقل الهيولاني لو كان ذا صورة مخصوصة لما قبل الصور الخيالية هي ~~أحرى أن تكون محركة له من أن تكون قابلة. فلذلك ما يقول الإسكندر أن العقل ~~الهيولاني هو استعداد فقط مجرد من الصور يريد أنه ليس صورة من الصور شرطا ~~في قبوله المعقولات، وإنما هي شرط في وجوده فقط لا في قبوله. # ولإشكال هذا المعنى على المفسرين جعلوا العقل الهيولاني جوهرا أزليا من ~~طبيعة العقل، أي وجوده وجود في القوة حتى تكون نسبته إلى المعقولات نسبة ~~الهيولى إلى الصورة، لكن ما هذا شأنه فليس أن يستكمل به في الكون جسم كائن ~~فاسد، ولا أن يكون المتسكمل به عاقلا به، أعني الإنسان، إذ هو كائن فاسد ~~لكن يدخل هذا على الإسكندر في تسليمه أن الإنسان يستكمل في آخر كونه بفعل ~~مفارق، ولذلك يستدعي الحكم بين المذهبين قول أبسط من هذا لا يحتمله هذا ~~المختصر، فنرجع إلى حيث كنا. ### | الصور بالقوة والصور بالفعل # فنقول قد تبين من هذا القول ms54 أن هذه المعقولات فيها جزء هيولاني وجزء غير ~~هيولاني، وتبين مع هذا ما هذه الهيولى وما ترتيبها، فلننظر ما المحرك لهذه ~~القوة. فنقول إنه لما كانت هذه المعقولات كما تبين من أمرها توجد أولا ~~بالقوة ثم ثانيا بالفعل، وكان كل ما هذا شأنه مما قوامه بالطبيعة فله محرك ~~يخرجه من القوة إلى الفعل وجب ضرورة أن يكون الأمر على هذا في هذه ~~المعقولات، فإن القوة ليس يمكن فيها أن تصير إلى الفعل بذاتها، إذ كانت ~~إنما هي عدم الفعل بجهة ما على ما تلخص قبل، ولما كان أيضا المحرك إنما ~~يعطي المتحرك شبه ما في جوهره وجب أن يكون هذا المحرك عقلا وأن يكون مع ذلك ~~غير هيولاني أصلا، وذلك أن العقل الهيولاني يحتاج ضرورة في وجوده إلى أن ~~يكون هاهنا عقل موجود بالفعل دائما وإلا لم يوجد الهيولاني، وذلك بين مما ~~تقدم من الأصول الطبيعية، فإن كان ما ليس يحتاج في فعله الخاص إلى الهيولى ~~فليس بهيولاني أصلا. # ومن هذا يظهر أن هذا العقل الفاعل أشرف من الهيولاني وأنه في نفسه موجود ~~بالفعل عقلا دائما سواء عقلناه نحن أو لم نعقله، وأن العقل فيه هو المعقول ~~من جميع الوجوه، وهذا العقل قد تبين قبل أنه صورة وتبين هاهنا أنه فاعل، ~~ولذلك أمكن أن يظن أن عقله. ممكن لنا بآخرة، أعني من حيث هو صورة لنا، ~~ويكون قد حصل لنا ضرورة معقول أزلي، إذ كان في نفسه عقلا سواء عقلناه نحن ~~أو لم نعقله، لا إن وجوده عقلا من جعلنا كالحال في المعقولات الهيولانية، ~~وهذه الحال هي التي تعرف بالاتحاد والاتصال. # PageV01P027 # ويرى الإسكندر أن الذي يعنيه أرسطو بالعقل المستفاد هو العقل الفاعل من ~~جهة ما يوجد له هذا الاتصال بناء، ولذلك ما سمي مستفادا أي إنا نستفيده، ~~ونحن ننظر في هذا الاتصال هل هو ممكن للإنسان أم لا، فإن آخر ما ينتهي إليه ~~صاحب هذا العلم هو الفحص عن الكمالات الأخيرة الموجودة للأمور الطبيعية بما ~~هي طبيعية ومتغيرة، كما أنه ms55 ينتهي بالفحص عن السبب الأقصى لها في التحريك ~~والمتحرك، وهو الفاعل الأقصى والهيولى الأولى. # فنقول أن القوم يعتمدون في ذلك أن العقل النظري لما كان من طبيعة انتزاع ~~الصورة من الموضوع وكان ينتزع الصورة غير المفارقة فهو أحرى أن تنتزع هذه ~~الصورة المفارقة، أعني إذا نظر في هذه المعقولات الحادثة بما هي معقولات، ~~وذلك إذا صارت عقلا بالفعل وعلى كمالها الأخير، أعني الهيولى وذلك أنه لما ~~لم تصر على كمالها الأخير فهو عقل متكون، وفعل الكائن بما هو كائن ناقص، ~~وإذا تقرر هذا فهذا التصور هو الكمال الأخير للإنسان والغاية المقصودة - ~~وهاهنا انقضى القول في القوة الناطقة. ### | القول في القوة النزوعية # وهذه القوة بين من أمرها أنها غير القوى التي سلفت وأنها مباينة بوجودها ~~لتلك، وذلك أنا لسنا نقدر أن نقول إنها القوة الحساسة والمتخيلة، لأن كل ~~واحدة من هاتين القوتين قد توجد خلوا من هذه وذلك أنا قد نحس ونتخيل من غير ~~أن ننزع، وإن كان ليس يمكن أن ننزع دون هاتين القوتين، أعني قوة التخيل ~~والجس. ولذلك ما نرى أنها متقدمة لهذه القوة، أعني النزوعية التقدم الذي ~~بالطبع، ولهذا السبب عينه عدم إنبات هذه القوة لما عدم الحس والتخيل ليس ~~هاتان القوتان تتقدم هذه القوة فقط، أعني النزوعية، بل قد توجد القوة ~~الناطقة أيضا متقدمة لها في المعارف النظرية، وذلك أنا قد ننزع عن التصور ~~الذي يكون بالعقل وقد ننزع أيضا عن الصورة المتخيلة، بالفكر والروية، وذلك ~~في الأمور العملية. وإذا كان هذا هكذا وكانت هاتان القوتان، أعني قوة الحس ~~والتخيل متقدمة لهذه القوه فلا يخول الأمر في ذلك من أحد شيئين، أما أن ~~تهون هاتان القوتان موضوعة لهذه القوة، أعني قوة النزوع على جهة. ما ~~الهيولى موضوعة للصور، أو يكون الموضوع لها واحدا ويكون وجود قوة النزوع في ~~ذلك الموضوع تابعا لوجود قوة التخيل أو الحس على جهة ما تتبع اللواحق ~~الأشياء التي هي لها لواحق. هذا إن كان يوجد نزوع دون تخيل بل عن الحس فقط ms56 ~~على ما يظهر ذلك في الحيوان غير المتخيل كالذباب والدود. وأما إن كان لا ~~يوجد نزوع دون تخيل ما فالمتقدم بالطبع لهذه القوة إنما هو قوة التخيل فقط، ~~والفحص حينئذ إنما يكون فقط عن نسبة هذه القوة إلى قوة التخيل، هل ذلك نسبة ~~اللاحق أو نسبة الاستكمال. # وإذا تبين كيف نسبتها إلى التخيل تبين ضرورة نسبتها إلى النفس الناطقة. ~~ولذلك ما ينبغي أن نفحص أولا من أمر هذه القوة عن هذا المعنى، أعني هل يوجد ~~نزوع دون تخيل، وأن لم يوجد فعلى أي حال ينسب إلى التخيل، ثم نفحص بعد ذلك ~~من أمرها هل هي واحدة أو كثيرة، وعلى أي جهة يوجد الحيوان متحركا عنها ~~الحركة المكانية، هل ذلك على أنها المحرك الأقصى له في هذه الحركة أم هي ~~محركة للحيوان بجهة متحركة بأخرى على جهة مما يوجد المحرك الأوسط، وبالجملة ~~فنفحص عن الأشياء التي بها تلتئم هذه الحركة. وإنما كان الفحص من هذه ~~الحركة في هذا الوضع، إذ كنا نرى أن أخص أسباب هذه الحركة هي هذه القوة، ~~أعني قوة النزوع وأنها وأن كانت إنما تحرك الحيوان بمعاضدة غيرها من القوى ~~فهي السبب الأخص فتحريكه. فإذا وقفنا على هذا كله من أمرها يكون قد حصل لنا ~~العلم بجوهرها على التمام. # PageV01P028 # فنقول إن هذه القوة هي القوة التي بها نزع الحيوان إلى الملائم وينفر عن ~~المؤذي، وذلك من أمرها بين بنفسه، وهذا النزوع أن كان إلى الملذ سمي شوقا، ~~وإن كان إلى الانتقام سمي غضبا، وإن كان عن رؤية سمي اختيارا وإرادة. فأما ~~أن هذه القوة يتقوم وجودها في الحيوان المتخيل التخيل، وحينئذ يكون النزوع. ~~فذلك مما لا يشك فيه. فأما هل توجد هذه القوة عن الحس مفردا دون التخيل، ~~وذلك في الحيوان الذي يظن به أنه غير متخيل ففيه موضع نظر، وذلك أنه قد يظن ~~بالحيوان غير المتخيل أنه إنما يتحرك عن الحس فقط،. كان لا يكفي متحركا إلا ~~بحضور المحسوس، لكن متى سلمنا هذا أعني أن بعض الحيوان ms57 لا يتحرك إلا بحضور ~~المحسوس لم يلزم على ذلك أنه تلقي حركة من غير تخيل، لأن الحيوان إنما ~~يتحرك إلا بحضور المحسوس نتخيل معنى فيه هو محسوس بالقوة ليحصل محسوسا ~~بالفعل. ولو كانت حركته من المحسوس مشابهة ما هو محسوس بالفعل لكانت حركته، ~~عبثا وباطلا. وإذا كان ذلك كذلك فلا يخلو الحيوان أن تكون حركته نحو ذلك ~~المعنى الموجود بالقوة من جهة ما هو متخيل له، فتكون حركته حيوانية أو تكون ~~حركته نحو ذلك المعنى لا من جهة ما هو متخيل له، فتكون حركته طبيعية لا ~~حيوانية، وهذا ممتنع فباضطرار أن يكون القسم الأخير، أعني أنه إنما يتحرك ~~عن تخيل ما لكنه تخيل غير محصل لا يفارق المحسوس، ومن هنا يظهر أنه ليس ~~يمكن أن تلفي حيوان متحرك عادم للتخيل أصلا. # وإذا كان ذلك كذلك وتبين أن هذه القوة إنما تلفي أبدا مع التخيل أو ~~النطق، وكان قد تبين من أمر هاتين القوتين أنهما متقدمتان عليها بالطبع، ~~وكان أيضا من الظاهر. بنفسه أن قوة التخيل ليست نسبتها إلى هذه القوة نسبة ~~الموضوع، إذ كان التخيل إدراكا والنزوع شيء يتبع الإدراك كما يتبع القطع ~~الحدة، وأحرى بذلك القوة الناطقة، فمن البين أنها تابعة لهما على جهة ما ~~يتبع اللواحق ملحوقاتها، والموضوع ضرورة لهذه القوة هو الحار الغريزي، ~~ويشهد لذلك ما يعتري عند النزوع من الانفعالات الجسمية كحمرة الغضبان وصفرة ~~الوجل، والكون بهذه القوة تابعة لأكثر من قوة واحدة من قوى النفس، نرى أنها ~~متكثرة بتكثر القوى التي هي تابعة لها، وكان النزوع يقال على جميعها بضرب ~~من التوسط بين المشتركة أسماؤها والمتواطئة وهي المشككة، وبخاصة إذا تأملنا ~~ما يدل عليه قولنا نزوع في الحيوان ونزوع في المطلوبات النظرية. # وأما المتشوقات الصناعية فقال بنوع متوسط بين هذين، ولكون هذا الاختلاف ~~الذي بين هذه الأنحاء من النزوع قد يوجد الإنسان متحركا بها حركات متضادة، ~~فإن النزوع الفكري كثيرا ما يضاد النزوع الحيواني، وذلك بين ما نجده فينا. # وإذ قد تبين من أمر هذه ms58 القوة كيف نسبتها إلى قوة التخيل، وبين مع هذا ~~على أي جهة تلفي فيها الكثرة. فقد ينبغي أن نقول على أي جهة توجد عنها ~~الحركة للحيوان، وبكم شيء تلتئم هذه الحركة المكانية. # فنقول إن كل متحرك كما تبين في الأقاويل العامة فله محرك والمحرك منه ~~أول، وهو الذي لا يتحرك أصلا عندما يحرك ومنه ما يحرك بأن يتحرك، وذلك في ~~جميع الحركات التي تلتئم من أكثر من محرك واحد، وهو من البين أن هذه الحركة ~~التي للحيوان في المكان من الحركات التي تلتئم من أكثر محرك واحد، وأن فيها ~~هذين الجنسين من المحركات، أعني المحرك الذي لا يتحرك أصلا إلا بالعرض ~~والمحرك الذي يتحرك، وإن المحركين لهذه الحركة التي بها يلتئم وجودها منها ~~أجسام، ومنها قوى نفسانية. # إما الأجسام التي منها تلتئم هذه الحركة فستفحص عنه في كتاب حركات ~~الحيوان المكانية. # وأما القوى فلنفحص عنها في هذا الموضع، وهو من الظاهر أن هذه الحركة إنما ~~توجد للحيوان عن قوتين من قوى النفس، وهي القوى المتخيلة، والقوة النزوعية. # PageV01P029 # وذلك أنه مما يتبين عن قرب ضرورة تقدم هاتين القولين لهذه الحركة، إلا ~~أنه قد يتخيل الشيء وينزع إليه من غير أن يتحرك ولذلك ما يحتاج ضرورة في ~~هذه الحركة إلى وجود نسبة ما بين هاتين القوتين بها يكون الحيوان متحركا ~~ضرورة، وليس ذلك شيئا اكثر من كون الصورة المتخيلة محركة للنفس النزوعية، ~~والنزوعية متحركة عنها، وقابلة لها، فإنه عندما يحرك الصورة المتخيلة للنفس ~~تحرك النزوعية الحار الغريزي فيحرك هو سائر أعضاء الحركة. ولذلك متى نحت عن ~~نفس النزوعية عن التحريك أو لم تكف بينهما هذه النسبة كفت الحركة. # وذلك أن النزوع ليس شيئا اكثر من تشوق حضور الصور المحسوسة من جهة ما ~~نتخيلها، فإذا حصلت هذه الملازمة بين هاتين القوتين من الفعل والقبول تحرك ~~الحيوان ضرورة إلى أن تحصل تلك الصورة المتخيلة محسوسة بالفعل، فإذن الصورة ~~المتخيلة هي المحرك الأقصى في هذه الحركة، والقوة النزوعية متحركة عنها على ~~طريق الإدراك، هي المحرك ms59 الأول في المكان ولذلك نسبت إليه هذه الحركة دون ~~النفس المدركة التي هي علة النزوع. والحال التي إذا حصلت في النفس النزوعية ~~حركت الحار الغريزي، وحرك الحار الغريزي الأعضاء هي التي يسميها المفسرون ~~بالإجماع، ولذلك متى وجدت هذه الصورة المتخيلة والنزوع دون هذه الحال لك ~~يكن لها جدوى في تحريك ذلك الحيوان، إذا كانت الصورة الخيالية إنما وجودها ~~من أجل الحركة، وعدم قبول النفس النزوعية للتحريك عن الصورة المتخيلة يسمى ~~مللا، وبطوء قبولها يسمى كسلا، كما أن ضده يسمى نشاطا. # فقد قلنا بماذا تلتئم هذه الحركة وكيف تلتئم ومتى تلتئم وقلنا مع ذلك في ~~وجدود النفس النزوعية وماهيتها. # وهنا انقضى القول في الأقاويل الكلية من علم النفس حسب ما جرت به عادة ~~المشائين. # فأما القول في سائر القوى الجزئية مثل الحفظ والذكر والتذكر وما يلزم ~~عنها من الإدراكات، وبالجملة سائر الإدراكات النفسانية، فالقول فيها في ~~كتاب الحس والمحسوس، والحمد لله حق حمده. PageV01P030 ms60