######OpenITI# #META# aw_id: 44 #META# fulltext_id: 21 #META# ref: Averroes, Talḫīṣ kitāb al-kaun wa-l-fasād (تلخيص كتاب الكون والفساد). Digital copy of Averroes (Abū l-Walīd Ibn Rušd), Mittlerer Kommentar zu Aristoteles’ De generatione et corruptione (Abhandlungen der Nordrheinisch-Westfälischen Akademie der Wissenschaften 111 / Corpus Commentariorum Averrois in Aristotelem. Series A: Averroes Arabicus 17), mit einer einleitenden Studie versehen, herausgegeben und kommentiert von Heidrun Eichner, Paderborn e.a.: Ferdinand Schöningh, 2005. Cologne: Digital Averroes Research Environment (DARE), 2013. URI: dare.uni-koeln.de/app/fulltexts/FT21 . #META# title_ar: تلخيص كتاب الكون والفساد #META# title_en: Middle Commentary on De Generatione et Corruptione #META# topic: Philosophy of Nature #META# uri: 0595IbnRushdHafid.TalkhisKawnWaFasad.DARE00112-ara1 #META# work_id: 112 #META#Header#End# ### | Averroes, Talḫīṣ kitāb al-kaun wa-l-fasād (تلخيص كتاب الكون والفساد). ### | المقالة الأولى # إن الذي تضمنته هذه المقالة هو منحصر فى ثمانى جمل : الجملة الأولى : فى ~~غرض الكتاب وذكر الأشياء التى يتضمن الفحص عنها . الجملة الثانية : فى ~~تعريف مذاهب القدماء فى الكون والاستحالة ومن يمكنه من القدماء بحسب رأيه ~~فى مبادئ الكون والفساد أن يفرق بين الكون والاستحالة ومن لا يمكنه ذلك ~~وتعريف من سلك فى ذلك ما يلزم عن أصله ومن لم يسلك فى ذلك اللازم من أصوله ~~. الجملة الثالثة : فى الفحص عن وجود الكون والفساد فى الجوهر وهو الكون ~~والفساد بإطلاق ، وإن كان موجودا فعلى أي جهة وجوده ، هل على جهة الاجتماع ~~والافتراق أو على جهة أخرى . الجملة الرابعة : فى الفرق بين الكون والفساد ~~وبين الاستحالة . الجملة الخاسمة : فى تعريف حركة النمو وكيف ينمو النامى ~~وبماذا ينمو . الجملة السادسة : فى تعريف المماسة والأشياء المتماسة . ~~الجملة السابعة : فى التعريف الانفعال والفعل وطبيعة الأشياء الفاعلة ~~والمنفعلة . الجملة الثامنة : فى معرفة الاختلاط والأشياء المختلطة . ~~PageV01P001 ### | الجملة الأولى # [1] قال : إن الغرض الذى قصد إليه هاهنا والأمر الواجب هو تلخيص الأسباب ~~العامة لجميع ما يكون ويفسد بالطبع وتلخيص أسباب النمو والاستحالة أيضا ~~وتعريف ما كل واحد منهما وهل ينبغى أن يعتقد أن الاستحالة والتكون شئ واحد ~~أو هما طبيعتان كما أن اسميهما مفترقان . ### | الجملة الثانية # قال : إن اعتقاد القدماء فى الكون المطلق والفساد والاستحالة يوجد على ~~مذهبين : أحدهما مذهب من يعتقد أن الكون المطلق استحالة والثانى مذهب من ~~يعتقد أن الكون المطلق غير الاستحالة . فأما من قال منهم بأن الكل شئ واحد ~~وأن الأشياء كلها إنما تتكون عن شئ واحد ، فقد يضطره الأمر إلى أن يقول إن ~~الكون المطلق والاستحالة هما شئ واحد . والسبب فى ذلك أن الموضوع لجميع ~~التغايير عند هؤلاء هو شئ واحد بالفعل ومشار إليه غير متغير . PageV01P002 ~~وأما من جعل العناصر والأسطقسات أكثر من واحد مثل ابن دقليس وأنكساغورش ~~ولوقيس وديمقراطيس فإنه يلزمهم أن يقولوا إن الكون هو غير الاستحالة لأنه ~~يجب أن ms01 يكون الكون باجتماع الأسطقسات والفساد بافتراقها والاستحالة شئ غير ~~الاجتماع والافتراق . فأما ابن دقليس فإنه كان يقول إن الأسطقسات ستة ، ~~اثنان محركان وهما العداوة والمحبة وأربعة متحركة وهى الأرض والماء والهواء ~~والنار . وأما أنكساغورش ولوقيس وديمقراطيس فإنهم كانوا يقولون إن ~~الأسطقسات غير متناهية . وأما أنكساغورش فكان يضع التى بهذه الصفة هي ~~الأجسام المتشابهة الأجزاء وهى التى يسمى الكل منها والجزء باسم واحد بعينه ~~مثل اللحم والمخ والخشب . وأما ديمقراطس ولو قيس فإنهما يريان أن التى بهذه ~~الصفة هي أجسام غير متجزئة وأنها غير متناهية فى عددها وأشكالها وأن ~~الأجسام المركبة من هذه إنما تختلف لمكان اختلاف الأجزاء التى تتركب منها ~~من قبل ثلاثة أشياء : الشكل والوضع والترتيب . PageV01P003 وآل أنكساغورش ~~يخالفون آل ابن دقليس ، وذلك أن ابن دلقيس يرى أن الأجسام المتشابهة ~~الأجزاء هى مركبة من الأسطقسات الأربعة التى هي الهواء والنار والماء ~~والارض . وأما آل أنكساغورش فيرون أن هذه الأجسام الأربعة مركبة من ~~المتشابهة الأجزاء . وكل هؤلاء كما قلنا قد كان يجب عليهم بحسب هذا الرأي ~~فى الأسطقسات أن يقول إن الكون المطلق غير الاستحالة ، إلا أن بعضهم لزم فى ~~ذلك أصله وبعضهم لم يلزم فى ذلك أصله ، مثل أنكساغورش وابن دقليس . فأما ~~أنكساغورش فلم يلزم أصله لأنه يسمى التكون والفساد المطلق استحالة . وأما ~~ابن دقليس فلما كان يضع أن الكون إنما هو باجتماع الأسطقسات الأربعة من ~~المحبة والفساد بافتراقها عن البغضة ، وكان يضع أن هذه الأسطقسات غير ~~متغيرة بعضها إلى بعض وأن فصولها التى هي الحرارة والبرودة والرطوبة ~~واليبوسة وغير ذلك من الكيفيات التى تعرض فيها الاستحالة باقية بأعينها، ~~فهو بين أنه لا يوجد على مذهبه استحالة ، إذ كانت الاستحالة إنما هي فى هذه ~~الفصول . PageV01P004 وأيضا فلما كان يرى أنه لا يمكن أن يكون من الماء نار ~~ولا من الأرض ماء وبالجملة أنه لا يكون واحد من هذه الأجسام الأربعة عن ~~صاحبه على طريق الكون والفاسد المطلق ، فقد يجب ضرورة ألا يكون من الأبيض ~~أسود ولا من الصلب لين ms02 وهذه هى الاستحالة . وإنما كان ذلك واجبا لأنه إذا ~~لم تتغير الأسطقسات بعضها إلى بعض لم يكن هنالك موضوع واحد يقبل الضدين ، ~~سواء كانت تلك المضادة فى الاستحالة أو كانت فى الجوهر ، فإنه واجب أن كون ~~لكل تغير موضوع سواء كان التغير فى الجوهر أو فى الكم أعنى النمو والنقص أو ~~فى الكيف أعنى الاستحالة . ولذلك متى أنزلنا موضوعا فهنالك ضرورة تغير ومتى ~~أنزلنا تغيرا فهنالك ضرورة موضوع . وليس لقائل أن يقول إن الموضوع فى ~~الاستحالة هو غير الموضوع فى الجوهر . فكيف يلزم إذا رفعنا الموضوع فى ~~الجوهر أن نرفع الموضوع فى الاستحالة ؟ فإن موضوع الاستحالة إنما صار ~~موضوعا لها من جهة الموضوع فى الجوهر . ولذلك ألزم أرسطو فى الاستحالة ما ~~ألزم فى الجوهر . PageV01P005 # [2] فمن هذا يظهر أن ابن دقليس لا يقدر أن ~~يقول بالفرق بين الكون المطلق والاستحالة . وقد يظهر كما يقول أرسطو أن قول ~~هذا الرجل مناقض لما يوجد عيانا ومناقض بعضه لبعض . أما مناقضته للحس فمن ~~قبل أنه ليس يتكون عنده واحد من الأسطقسات الأربعة عن آخر منها ، بل كل شئ ~~يكون من هذه ولا تتكون هذه بعضها من بعض . وأما التناقض الذى يوجد فى ~~أقواله فأنه لما كان يقول إنه ليس لشئ من الأشياء طبيعة وإنما هو اختلاط ~~فقط أو افتراق فقط وإن الكون لأجزاء العالم إنما يكون من ذلك الشئ الواحد ~~المختلط عندما تتميز منه الأشياء وتفترق بفصول تخصها وآثار ما ، حتى يكون ~~الواحد منها نارا بأنه حار يابس والآخر أرضا بأنه بارد يابس والآخر شمسا ، ~~كما يقول هو ، بأنه شئ حار أبيض ، وذلك إذا غلبت العداوة المحبة . والفساد ~~للعالم يكون أيضا بأن تجتمع أيضا أجزاؤه من بعد هذا الافتراق فيصير واحدا ~~إذا غلبت المحبة . . PageV01P006 فبين أنه يلزم عن ذلك أن تكون الأسطقسات ~~بعضها عن بعض لأن التكون والفساد لها ليس شيئا أكثر من خلعها الفصول ~~الموجودة لها بعد الوجود ووجودها بعد العدم . وذلك شئ لزم أن يعرض إذا ~~تكونت بالافتراق من ذلك الواحد ويفسد ms03 بالاجتماع لذلك الواحد . فإن الافتراق ~~ليس هو شيئا غير حدوث فصولها والاجتماع ليس شيئا أكثر من خلع تلك الفصول . ~~فلذلك صار قوله إن هذه الأسطقسات لا تتكون بعضها من بعض وقوله إنها تعود ~~شيئا واحدا وتتكون من شئ واحد متناقض . وذلك أنه لا يمكن أن يقال فى هذه ~~أنها تصير شيئا واحدا وتلك الفصول موجودة لها بالفعل . # [3] فمن هذا يظهر أن ~~أقاويل هذا الرجل من هذا الوجه متناقضة وأيضا ما هو خفي من قوله هل يعتقد ~~أن هذه الأسطقسات هي أوائل لذلك الشئ الواحد أم ذلك الشئ الواحد هو أول ~~لهذه الأسطقسات . فإنه إن كان وجودها فى ذلك الواحد الذى يجتمع إليه مما ~~بالقوة على أنها تتكون منه وهو لها كهيولى وموضوع ، فالواحد أولى أن يكون ~~مبدأ لها من أن تكون هي مبدأ له . وإن كان وجودها فيه بالفعل وهو واحد ~~بالتركيب فهي أحرى بأن تكون مبدأ له وأحرى أن تكون متقدمة بالطبع . فقد ~~تبين من هذا القول مذاهب القدماء فى الكون والاستحالة ومن لزم أصوله فى ~~الفرق بينهما ومن لم يلزمها . PageV01P007 ### | الجملة الثالثة # وهذه الجملة فيها ثلاثة فصول : الفصل الأول : يخبر فيه عن الأشياء التى ~~ينبغى أن تعلم من أمر الكون المطلق والفساد المطلق ومن الحركات الأخر مثل ~~النمو والاستحالة وسائر الأشياء المشتركة لهذه التغايير ، مثل الفعل ~~والانفعال والمماسة والاختلاط ، ويعرف مقدار ما قاله القدماء في ذلك ومن ~~قصر فيما أعطى من فصول هذه الأشياء ، ومن أعطى من ذلك شيئا فعلى أي جهة ~~أعطاه . الفصل الثانى : يحل فيه الشكوك التى يظن بها أن الكون والفساد ~~اجتماع وافتراق ، وأن بهذا الوجه يخالف الاستحالة ، وهى الحجج التى جرت ~~العادة أن يستعملها القائلون بالجزء الذى لا يتجزأ ، ويعرف أن اعتقاد وجود ~~أشياء غير منقسمة وعدم اعتقاده ليس بيسير فيما يلزم من ذلك فى هذه الأمور ~~ويقايس بين رأي من يعتقد أن الغير منقسمة هي السطوح وبين من يقول إنها ~~أجسام . الفصل الثالث : يفحص فيه عن الأشياء التى يجب أن يفحص عنها فى ms04 ~~الكون المطلق أعنى هل هو موجود ، وإن كان موجودا فعلى أي جهة وجوده . ~~PageV01P008 ### | الفصل الأول # [4] قال : وقد يجب أن نتكلم فى أمر التكون المطلق والفساد المطلق . أما ~~أولا فهل هما موجودان أم ليسا بموجودين ، وإن كانا موجودين فعلى أي جهة ~~وجودهما . وكذلك ينبغى أن نفحص عن هذين المعنيين فى الحركات الأخر البسيطة ~~مثل النمو والإستحالة . وذلك أن ما قاله القدماء فى ذلك يوجد على أحد وجهين ~~: إما أنهم تكلموا من هذه الأشياء فى البعض ، وإما أنهم تكلموا بكلام غير ~~صواب ، وإما أنهم جمعوا الأمرين . # [5] مثال ذلك أفلاطون فإنه لم يبحث عن ~~كيفية كل تكون وإنما تكلم فى كيفية تكون الأسطقسات بعضها من بعض ، أعنى ~~البسائط ، لا فى تكون المركبات عنها ، مثل تكون اللحم والعظم ، ولم يتكلم ~~أيضا لا فى الاستحالة ولا فى النمو بأي وجه يكونان فى الأمور . وبالجملة ~~فإنه لا يوجد أحد من القدماء له فى جميع هذه الأشياء قول ، أعنى فى الكون ~~والفساد والاستحالة والأشياء المشتركة لها التى هي الفعل والانفعال ~~والاختلاط والمماسة إلا ما يمكن أن يعرفه الجمهور منها وما يمكن أن يعرف من ~~ذلك فى بادئ الأمر مثل قولهم إن النمو إنما يكون بأن يتصل الشبيه بشبيهه ، ~~ما خلا ديمقراطيس ولوقيس . فإنهم راموا أن يعطوا لهذه الأشياء فصولا تتميز ~~بها بعضها عن بعض . وذلك أن هذين قالا إن مبدأ الأشياء هي الأجسام الغير ~~منقسمة الغير متناهية من قبل العدد والشكل . PageV01P009 وإن الكون والفساد ~~يعرض باجتماع هذه وافتراقها ، وأما الاستحالة فباختلافها بالترتيب والوضع . ~~قالوا : وذلك أنه يعرض للكيفيات أن تختلف من قبل هذين أو أحدهما . ومثال ~~ذلك الهجاء والمديح فإنهما كيفيتان مختلفتان وهي تتركب من حروف واحدة وإنما ~~تختلف بترتيبها . قالوا : وهذا هو السبب فى أن كان كل تخيل حقا وفى أن كان ~~يعرض أن يرى فى الشئ الواحد بعينه أحوال متضادة وغير متناهية وهي كلها حق . ~~وذلك أن الوضع والترتيب لما كان لا يتناهى فى الشئ الواحد بعينه من قبل ~~اختلافه فى نفسه ومن قبل اختلاف ms05 نظر الناظرين إليه أمكن عندهم أن يرى ~~الإنسان الشئ الواحد بعينه أبيض ويراه الآخر أسود أو متحركا ويراه الآخر ~~ساكنا . كل ذلك حق لأن طبيعة الكيفيات ليست شيئا أكثر من تبديل الوضع ~~والترتيب . ولما كانا هذان الشيئان يختلفان باختلاف الناظرين إليه لاختلاف ~~الجهات ، فقد يعرض أن يرى الشئ الواحد بعينه واحد ساكنا ويراه الآخر متحركا ~~، وكلا الرؤيتين حق وليس للون عندهم ولا لسائر الكيفيات طبيعة غير هذه . ~~وبالجملة فإنهم إنما احتجوا لهذا الرأي فى الإستحالة لما كانوا يعتقدون أن ~~كل تخيل حق . PageV01P010 ### | الفصل الثانى # [6] قال : ولما كان أكثر الناس يعتقدون أن التكون شئ والاستحالة شئ غيره ~~وأن الأجسام تكون وتفسد على جهة الاجتماع والافتراق وتستحيل من قبل أنها ~~تتغير فى الأعراض اللاحقة لها ، فقد يجب أن نفحص عن الشكوك والأقاويل التى ~~تتضاد فى ذلك . فإنه إن وضع واضع أن التكون يكون بالاجتماع والافتراق ، لزم ~~عن ذلك وجود الأجزاء التى لا تتجزأ . وقد عددت المحالات التى تلزم عن وجود ~~أجزاء لا تتجزأ فى السادسة من السماع والثالثة من السماء والعالم . وإن ~~قلنا إن الكون والفساد ليس هو اجتماعا وافتراقا ، عسر علينا أن نأتي بالفرق ~~بين الكون والاستحالة . # [7] ومبدأ الفحص عن ذلك هو هل الموجودات الطبيعية ~~تتكون وتستحيل وتنمو ويلحقها أضداد هذه من جهة أن مبادئها أعظام غير منقسمة ~~أم ليس يتغير شئ من قبل وجود عظم غير منقسم . وذلك أن الفرق بين الاعتقادات ~~اللازمة فى هذه الأشياء عن هذين ليس بيسير . وأيضا إن كانت المبادئ أعظاما ~~غير منقسمة فهل هي أجسام على مذهب ديمقراطيس ولوقيس ، أو سطوح على ما يقل ~~فى طيماوس . فإن كلا الرأيين وإن كان يلزمهما محلات كثيرة على ما سلف ، فإن ~~أقنع القولين هو رأي ديمقراطيس ولوقيس . PageV01P011 وذلك أن هؤلاء قد ~~يمكنهم أن يوفوا سببا للاستحالة من قبل الأعظام التى لا تنقسم وذلك من جهة ~~الوضع والترتيب كما قلنا . وأما من يعتقد أن هذه الأسطقسات هي سطوح فليس ~~يمكنهم أن يقولوا فى أمر الاستحالة شيئا . وذلك أن الذى ms06 يمكنهم أن يقولوا ~~إنه تولد عن السطوح إنما هو الجسم فقط لا غير ذلك من الأعراض الموجودة فى ~~الجسم التى فيها الاستحالة . والسبب فى أن ديمقراطيس ومن قال بقوله أمكنه ~~أن يأتي بفصول فى هذه الأشياء بحسب مذهبه فى المبادئ ولم يمكن ذلك أفلاطون ~~أن أولائك جعلوا نظرهم فى الطبيعيات من أمور طبيعية ومناسبة وأفلاطون جعل ~~نظره من أمور غير مناسبة بل من أمور عرضية . # [8] وذلك بين مما احتج به كل ~~واحد لمذهبه . وذلك أن أفلاطون كان يحتج لأنه يجب أن تكون هاهنا سطوح غير ~~منقسمة بوجود المثلث . وذلك أن السطوح كلها تنقسم إليه وليس ينقسم هو إلى ~~سطح آخر وإنما ينقسم إلى مثلثات ، وإذا كان ذلك كذلك فهو أول السطوح . وهو ~~بين أن هذه مقدمات تعاليمية فإنه ليس يجب أن يكون أول السطوح هو أول ~~الأجسام . PageV01P012 وأما ما احتج به القائلون بالأجزاء التى لا تتجزأ ~~ففيه موضع شك وهي مأخوذة من مقدمات طبيعية . وذلك أنهم قالوا إن كان الجسم ~~يمكن أن ينقسم بكليته ، أى كل نقطة فيه من النقط التى هي غير متناهية ، ~~يمكن أن ينقسم عليها على حد سواء ولم تختص بذلك نقطة دون نقطة . فإذا ~~أنزلنا أنه قد انقسم معا بالفعل على هذه النقط كلها التى لا نهاية لها فليس ~~يعرض عن ذلك محال ، فإن هذا الإنزال وإن كان كاذبا فهو كاذب ممكن والممكن ~~لا يعرض عن وضعه موجودا بالفعل محال ، كما يعرض عن الكاذب الممتنع . مثال ~~ذلك أنه لو أنزلنا أن حب الخردل يمكن أن ينقسم إلى ألف ألف ألف جزء مما لا ~~يمكن أحد أو لا يقدر على أن يقسمها لم يكن عدم القدرة على ذلك مما يبطل ~~طبيعة هذا الإمكان ولا مما يوجب أن يكون إنزالها منقسمة إلى هذه الآلاف ~~كذبا ممتنعا . وإذا فرضنا الجسم منقسما بكليته معا ، أى منقسما على أشياء ~~غير متناهية معا ، فلا يخلو أن ينقسم إلى أعظام غير منقسمة أو إلى أعظام ~~منقسمة أو نقط أو إلى أعراض من أعراضه ms07 أو ينقسم إلى لا شئ . PageV01P013 ~~وكونه منقسما إلى أعظام منقسمة مناقض لقولنا إنه منقسم بكليته وإنه منقسم ~~على كل نقطة ، لأنه يبقى فيه شئ منقسم وهو تلك الأعظام ، ولو أنزلنا تلك ~~الأعظام من الصغر بمنزلة النشارة التى ينقسم إليها الجسم المنشور . وأيضا ~~إنه يلزم أن يوجد فى الشئ المتناهى أعظام منقسمة غير متناهية بالفعل وذلك ~~كله محال . وإن انزلنا أنه ينقسم إلى نقط ويتركب عنها لم يحدث من ذلك عظم . ~~وذلك أن النقط من شأنها أن تنطبق بعضها على بعض حتى تكون نقطة واحدة . ~~وأيضا فمما يدل أن النقط لا تزيد فى العظم ولا تنقص منه أنا متى قسمنا ~~العظم بنقطتين أو ثلاث ثم ركبناه فليس يصير العظم أصغر مما كان ولا أعظم . ~~وإذا لم يكن لها تأثير فى الصغر ولا فى العظم فيجب عن ذلك ألا تحدث عظما . ~~وأيضا فإن النقط يجب أن تتحرك قبل أن يتركب منها العظم حتى تتلاقى وتتماس . ~~والمتلاقى والمتماس منقسم على ما تبين فى السادسة من السماع . PageV01P014 ~~وإن كان إنما ينقسم إلى غير شئ فالعظم يتركب من غير عظم . وكذلك وإن انقسم ~~إلى أعراض موجودة مثل وإن ينقسم إلى الانفصلات التى تحدثها النقط كان العظم ~~أيضا مؤلفا من غير عظم . وإذا بطلت هذه الوجوه فواجب إن كان العظم منقسما ~~بكليته معا أن يكون منقسما إلى أجزاء لا تتجزأ . فهذه هي الأشياء التى يحتج ~~بها من يضع عظما غير منقسم . والمحالات التى تلزم وجود أعظام غير منقسمة قد ~~فرغ أيضا من ذكرها . فينبغى أن يقال هاهنا فى حل هذا الشك ومن أين دخلت ~~عليهم الشبهة فى هذا الاستدلال . # [9] فنقول إنا لسنا ندفع انقسام الجسم ~~بكليته وإلى غير نهاية من جميع الوجوه ، لكن هو عندنا ممكن من جهة وغير ~~ممكن من جهة . أما الجهة التى هو عندنا بها ممكن فهو الانقسام بالقوة لا ~~الانقسام بالفعل الذى يكون على جميع النقط التى فيه معا . فإنه لو كان ذلك ~~كذلك للزم ضرورة أن ينحل الجسم إلى النقط أو ms08 إلى لا شئ ، أو يسلمون أن ~~الأعظام الغير منقسمة هي النقط . وليس يلزم إذا كان منقسما بكليته بالقوة ، ~~أعنى على كل نقطة ، أن يكون منقسما بالفعل كما توهموا . وذلك أنه ليس يلزم ~~إذا كانت كل نقطة فى الجسم فهي قابلة للانقسام على حد سواء أن تكون كلها ~~قابلة للانقسام معا وأن يكون الجسم منقسما عليها معا . PageV01P015 وإن كان ~~منقسما على كل واحدة منها على حد سواء كما أن الإنسان ليس يلزم من قولنا ~~فيه إنه قابل لجميع العلوم أن يكون قابلا لها معا . وذلك أن ما يصدق على ~~الشئ منفردا فليس يصدق عليه مركبا على ما قيل فى كتاب سوفسطيقى . وهذه ~~المغالطة هي من هذا الموضع . وإنما كان يمكن أن ينقسم على كل النقط معا لو ~~كانت نقطة تلقى نقطة . وقد تبين أنه لا تلاقى نقطة نقطة فى السادسة من ~~السماع . ولذلك ما نرى أنه متى قسمنا العظم على نقطة أنه لا يمكن أن يقع ~~الانقسام على النقطة التى تلى تلك النقطة وقد كان ذلك ممكنا فيها قبل أن ~~يقع الانقسام على هذه كما كان ممكنا فى النقطة التى وقع عليها الانقسام . ~~فلما وقع الانقسام فى الأولى تعذر إمكان الانقسام فى التى تليها . فمتى ~~أخذنا نقطة واحدة أمكن أن ينقسم بها العظم فى أي موضع شئنا . فإذا قسمنا ~~بها العظم فى موضع ما ، لم يمكن أن نقسمه بنقطة ثانية فى أي موضع شئنا إذ ~~كان لا يمكن أن نقسمه على نقطة تالية لتلك النقطة . PageV01P016 وإذ قد ~~تبين من هذا القول بطلان ما استدلوا به على وجود أعظام غير منقسمة وكان قد ~~تبين فيما سلف بطلان هذا الرأي نفسه ، فبين أنه إن كان هاهنا تفريق وجمع ، ~~فواجب ألا يكون تفريق إلى ما لا ينقسم ولا جمع مما لا ينقسم وأن توهم ذلك ~~من قبل قسمة الجسم بكليته إنما كان يصح لو كانت نقطة تلى نقطة . # [10] ونحن ~~فلسنا ندفع أن كونا ما يكون بالاجتماع وفسادا ما يكون بالافتراق . فأما ~~الكون المطلق والفساد ms09 المطلق فلا يمكن أن يكون من قبل الاجتماع والافتراق ~~من أجل أنه لا يمكن أن يكون من قبل الكم المتصل تغير فى الجوهر ولا تغير فى ~~الكيف . وهذا هو الذى وقع لهم الخطأ فيه أولا . بل إنما التكون المطلق هو ~~التغير للشئ بأسره من هذا المشار إليه إلى هذا المشار إليه مثل أن يتغير ~~هذا الماء المشار إليه هواء مشارا إليه . وهؤلاء قد كانوا يظنون بمثل هذا ~~أنه استحالة . وبين هذا والاستحالة فرق . وذلك أن الموضوع للاستحالة شئ ما ~~موجود بالفعل ومشار إليه والموضوع للكون ليس موجودا بالفعل ولا مشارا إليه ~~. ولذلك كان التغير فى الجوهر كونا وفسادا وفى الأعراض التى تقال فى موضوع ~~استحالة . فأما افتراق الشئ واجتماعه فهو مما يصير به الشئ أسرع فسادا أو ~~أبطأ . وذلك أنه إذا انقسم إلى أجزاء صغار سهل فساده ، وإذا كان مجتمعا غير ~~منقسم عسر فساده وسيبين هذا فيما بعد أكثر . PageV01P017 ### | الفصل الثالث # وهذا الفصل تبين فيه خمسة مطالب : المطلب الأول يبين فيه مماذا يكون التكون ~~المطلق وإلى ماذا يكون الفساد المطلق إن كانا موجودين . الثانى : يذكر فيه ~~شكا يلزم فى وجود الشئ الذى بالقوة الذى منه يكون الكون والفساد . الثالث : ~~يفحص فيه عن سبب اتصال الكون فى الموجودات ويعرف أن بالوقوف على هذا السبب ~~يوقف على حل ذلك الشك . الرابع : يبين فيه كيف جرت العادة عندهم أن يقال فى ~~بعض الجواهر إنها تكونت على الإطلاق وفسدت على الإطلاق ولا يقال ذلك فى ~~غيرها بل يقال إنها تكونت من غير موجود ما وفسدت إلى غير موجود ما . ويحل ~~بذلك الشك الذى يعرض فيما أعطي من سبب اتصال الكون بأن يكون الموجود أبدا ~~يتكون عن موجود . الخامس : يبين فيه لم كانت الموجودات يقال فيها انها ~~تتكون على الإطلاق وبعضها يقال فيها إنها تتكون شيئا ما لا على الإطلاق . ~~وهذان المطلبان الآخران راجعان إلى مطلب واحد كما سيظهر عند وصولنا إليه . ~~PageV01P018 ### | المطلب الأول # [11] قال : وإذ قد تبين أنه لا يمكن أن يكون الكون بإطلاق ms10 اجتماعا ولا ~~الفساد تفرقا فينبغى أن ننظر هل هاهنا شئ يتكون ويفسد على الإطلاق أم ليس ~~هاهنا شئ يتكون ويفسد إلا بطريق الاستحالة التى تعرض فى شخص العرض الموجود ~~فى موضوع مشار إليه مثل تكون الصحيح مريضا والمريض صحيحا . وذلك أنه إن كان ~~هاهنا تكون على الإطلاق وفساد على الإطلاق فينبغى أن يكون لشخص الجوهر ~~المشار إليه ، لا لشخص شئ من الأشياء التى تقال فى موضوع . وإن كان لشخص ~~الجوهر المشار إليه تكون فينبغى أن يكون مما ليس هو شخص الجوهر كما أن ~~التكون للأبيض إنما يكون عما ليس هو أبيض ولا أسود . وذلك أنه كما أن ~~التكون الذى يقال فيه إنه تكون ما يكون من لا شئ ما لا عما ليس هو شيئا على ~~الإطلاق ، كذلك ما يتكون بإطلاق يلزم أن يكون عما ليس هو بإطلاق . وما ليس ~~هو بإطلاق يفهم على أحد وجهين إما لأنه ليس جوهرا مشارا إليه وهو واحد من ~~سائر المقولات وإما لأنه ليس جوهرا مشارا إليه ولا واحدا مما هو تحت ~~المقولات العشر لا كم ولا كيف ولا غير ذلك . وكيف ما فهمنا من ليس المطلق ~~يلزم أن يكون المفهوم منه عدم المقولات العشر. PageV01P019 وذلك أنه إن ~~أردنا بما هو ليس بإطلاق أنه عدم الجوهر فبين أنه يلزم عنه عدم سائر ~~المقولات وألا يكون شئ منها موجودا . وإلا كانت الأعراض مفارقة للجوهر إذ ~~كانت توجد فيما ليس هو جوهرا . وإذا كان ليس المطلق الذى منه الكون المطلق ~~يدل على عدم المقولات فنحن بين أحد أمرين : إما أن نضع أن العدم شئ ما أو ~~نعتقد أن شيئا يكون من العدم المطلق . وقد لخص حل هذا الشك فى المقالة ~~الأولى من السماع الطبيعي وهو يضع ما قيل هنالك هاهنا . فيقول إن التكون ~~المطلق يكون عن موجود بالقوة لا بالفعل وهو الذى يصدق عليه من جهة أنه ~~موجود ومن جهة أنه غير موجود . وذلك أنه غير موجود بالفعل موجود بالقوة . ~~PageV01P020 ### | المطلب الثانى # ولما صح حل ذلك الشك ms11 من هذه الجهة قال إنه يبقى فى ذلك شك آخر حتى أنه يعيد ~~الشك الأول فى وجود الكون المطلق من رأس ، أعنى هل هاهنا كون مطلق أم لا . ~~ # [12] والشك هو هذا : وذلك أنه إن كان هاهنا تكون مطلق وكان عما هو بالقوة ~~موجود وليس هو بالفعل ، فهل لهذا الشئ الموجود بالقوة شئ من الأشياء ~~الموجودة بالفعل كأنك قلت واحد من مقولات العرض مثل أن يكون له بالفعل كم ~~أو كيف أو غير ذلك من المقولات العشر أو ليس له واحد من المقولات العشر ~~بالفعل ، وإنما هي له كلها بالقوة . فإن كان له موجودا بالقوة جميع ~~المقولات وليس فيه شئ بالفعل منها ، لزم أن يطلب هل يمكن أن يفارق ما ~~بالقوة ، وقد تبين استحالة ذلك . وأيضا فإنه يلزم عنه أن يكون موجود من غير ~~موجود بالفعل وهو الشئ الذى كان القدماء يهربون من تسليمه . وإن كان واحدا ~~بالفعل من مقولات العرض لزم أن توجد الأعراض مفارقة للجوهر . PageV01P021 ### | المطلب الثالث # [13] قال : وقد يجب أن نبحث عن هذا المعنى بعناية بالغة . والوقوف عليه ~~يكون إذا وقفنا على السبب الذى من أجله وجب أن يكون التكون دائما المطلق ~~وغير المطلق . # [14] قال : ولما كانت الأسباب التى فى الكون سببين أحدهما ~~السبب المحرك والآخر الهيولاني ، فإنا إنما نطلب الوقوف على هذه الأشياء ~~هاهنا من قبل السبب الهيولاني . وذلك أن السبب المحرك صنفان : إما أول وعام ~~وإما غير أول ولا عام . فأما الأول العام لجميع المتحركة فقد تبين وجوده ~~السماع . وذلك أنه قد تبين هنالك أن هاهنا صنفين من المحركين أحدهما غير ~~متحرك الدهر كله بل محرك فقط ، والثانى متحرك عنه الدهر كله . فأما تلخيص ~~جوهر هذين المحركين فمن شأن الفلسفة الأولى . وأما المحركات الغير الأول ~~الجزئية الدائمة التحريك التى من قبلها أيضا صار الكون دائما فسيلخص فيما ~~بعد . PageV01P022 # [15] وإذا كان هذا هكذا فالقصد هاهنا إنما هو إعطاء ~~السبب الهيولاني الذى من قبله كان الكون والفساد دائما إلى أن نتكلم بعد فى ~~الأسباب الجزئية الفاعلة لهذه الحال ms12 من الاتصال فى الكون . وبإعطاء هذا ~~السبب الذى من جهة الهيولى ينحل الشك الذى تقدم وهو كيف يكون ما بالقوة ~~عاريا مما بالفعل . # [16] وقد ينبغى قبل أن نأتي بهذا السبب أن نذكر الشك ~~الذى يلحق من قبل الموضوع فى اتصال الكون . والشك هو هكذا : إن كان الفساد ~~إنما يفسد ويصير ما ليس هو بموجود ولا واحدة من المقولات العشر وكان ~~المتكون يتكون من موجود متناه فقد يلزم ضرورة أن يبيد الكل ويخرب العالم ~~لأنه ليس لقائل أن يقول إنما دام التكون لأن ما منه الكون ليس ينفد ولا يتم ~~لأنه غير متناه بالفعل . فإن وجود شئ غير متناه بالفعل قد تبين أنه محال ~~وأن الممكن من وجود غير المتناهى إنما هو بالقوة مثل القسمة التى توجد فى ~~الأعظام ، وذلك أنها تنقسم أبدا دائما بنصفين . # [17] وهذا الشك ينحل والشك ~~المتقدم بأن فساد الشئ الواحد بعينه هو تكون لغيره . وذلك أنه إذا كان فساد ~~الفاسد كونا للكائن وجب ضرورة ألا ينقطع الكون وذلك بتعاقب الصور على ~~الموضوع الذى هو الهيولى . ووجب أيضا ألا يتعرى ذلك الشئ الذى منه الكون ~~المطلق الموجود بالقوة عن الشئ الموجود بالفعل وهو الصورة . PageV01P023 ### | المطلب الرابع # [18] قال : ويعرض فى هذا الشك قد ينبغى أن ننظر فيه ، وهو أنه إذا كان كون ~~الجوهر فسادا لجوهر كيف يعرض أن يقال فى بعض الأشياء التى فيها الكون فى ~~الجوهر والفساد فى الجوهر إنها تكونت لا بإطلاق وفسدت لا بإطلاق . فنقول إن ~~هاهنا جهة من الجهات يدلون بها على هذا المعنى ، وذلك أنه يشبه أن يكون ما ~~يعرض من ذلك فى كون الجواهر بعضها عن بعض شبيها بما يعرض من ذلك لكون ~~الجوهر عند مقايسته بكون الأعراض . فكما أنه يقال فى كون الجوهر إنه كون ~~على الإطلاق وكذلك فى فساده ولا نقول ذلك فى كون الأعراض وفسادها بل نقول ~~كونا ما وفسادا ما لا كونا على الإطلاق ولا فسادا على الإطلاق . كذلك يشبه ~~أن يعرض للجواهر بعضها مع بعض إذ كانت الجواهر ms13 التى تتغير بعضها إلى بعض ~~مختلفة من قبل أن بعضها تدل على المشار إليه بالتقديم والتحقيق ، أعنى الذى ~~هو جوهر أول ومقصود بذاته وبعضها لا يدل على مثل هذا المشار إليه بل إنما ~~يدل على مشار متأخر فى الجوهرية . مثال ذلك أن النار لما كانت تدل على ~~المشار إليه الموجود بالتحقيق عند برمنيدس أكثر من الأرض ، سمى النار ~~موجودة والأرض غير موجودة . فعلى هذا النحو وما أشبهه يمكن أن يقال فى مثل ~~تكون النار من الأرض إنه كون مطلق وفى مثل تكون الأرض من النار إنه كون ما ~~، لا كون بالإطلاق . وهذه إحدى الجهات التى منها يصح أن يقال فى بعض ~~الجواهر كائنة بإطلاق وفى بعضها لا . وذلك بحسب ما يعتقد فيها واحد واحد من ~~الناس . PageV01P024 وإنه لا يحل بصحة هذه الجهة من الاستعمال غلط من غلط ~~فى ذلك ، فاعتقد فيما وجوده أكمل أنه أنقص أو فيما وجوده أنقص أنه أكمل . ~~وليس المقصود هاهنا تصحيح قول برمنيدس ولا غيره وإنما المقصود تصحيح هذه ~~الجهة من الاستعمال . فهذا فرق واحد من حهة الصورة ، وفرق ثان من جهة ~~الهيولى . وذلك أن أشخاص الجواهر التى الغالب على تركيبها من العناصر ~~الأربعة ما كان فصوله الضدية أقرب إلى الوجود وأدل على المشار إليه فهي ~~أكمل أيضا فى الجوهرية من الأشخاص التى الغالب على تركيبها من العناصر ما ~~كان فصله أقرب إلى العدم وأقل دلالة على المشار إليه . مثال ذلك أن فصل ~~النار الذى هو الحرارة أقرب إلى الوجود من فصل الماء الذى هو البرودة . ~~وذلك أن البرودة بوجه ما هي عدم الحرارة . فالأشخاص التى الغالب على تركيب ~~أجزائها النار هي أتم وجودا من التى الغالب على تركيبها الأرض والماء . ~~فلذلك يمكن أن يقال فى مثل هذه الأشياء إذا تكون الأنقص من الأكمل إنه ~~للأكمل فساد مطلق وللأنقص كون ما . وبالضد إذا تكون الأكمل من الأنقص بل ~~يمكن أن يقال فى الأكمل إذا فسد إلى الأنقص إنه فسد إلى غير موجود ، وذا ~~تكون الأكمل من ms14 الأنقص إنه تكون من غير موجود على ما جرت عادة القدماء أن ~~يستعملوه فى مثل هذه الأكوان . PageV01P025 # [19] وقد يسبق إلى ظن كثير من ~~القدماء أن الكمال والنقصان فى أشخاص الجوهر التى من قبلها يعرض لها هذا ~~العرض إنما هو من قبل تفاضلها فى الإحساس وعدمه . فيقولون متى كان تغير ~~الشئ إلى شئ محسوس من غير محسوس إنه تكون من غير موجود ، ومتى تغير إلى شئ ~~غير محسوس قالوا إنه فسد إلى غير موجود . وإنما عرض ذلك لهم من قبل أنهم ~~ظنوا أنه لا سبار هاهنا لمعرفة الأشياء إلا الحس . وإذا كان ذلك كذلك فواجب ~~أن يكون المحسوس هو الموجود والغير محسوس هو المعدوم كما أن المعلوم عندنا ~~هو الموجود والغير معلوم هو الغير موجود . وذلك أنهم لما اعتقدوا أن ~~الموجود هو المدرك لنا وانه ليس هاهنا موجود غير مدرك فاعتقدوا أن الإدراك ~~لنا الذى نحن به ما نحن إنما هو بالحس ، اعتقدوا أن المحسوس هو الموجود . ~~وهم وإن كانوا غالطين فى ذلك ، كما يقول أرسطو ، فهم مقتفون فى هذا ~~الاعتقاد أثر الحق بوجه ما وهو قولهم إن الموجود هو المدرك والغير مدرك ~~بالطبع هو المعدوم . لكن غلطهم إنما هو فى أن أجروا الحس مجرى العلم . ~~ولذلك يعرض أن يكون الأمر فى نفسه خلافه عند الحس . مثال ذلك الهواء والأرض ~~فإن الهواء عند العقل أكمل وجودا من الأرض والأرض أكمل وجودا عند الحس . ~~ولذلك ليس يلزم أن يكون ما كان أكثر محسوسا أن يكون أكمل لأن الأكمل على ~~الحقيقة إنما هو الأكمل عند العقل . PageV01P026 # [20] فقد تبين من هذا ~~القول السبب الذى من أجله يمكن أن يقال فى تغير بعض الجواهر إلى بعض إنه ~~كون مطلق وكون من غير موجود وفساد مطلق وفساد إلى غير موجود ، وليس السبب ~~الذى به قلنا فى التغير إلى بعض الجواهر إنه كون مطلق وفى تغير بعضها كون ~~ما هو بعينه السبب الذى به نقول فى التغير إلى الجوهر إنه كون مطلق وفى ~~التغير منه إنه فساد ms15 مطلق ونقول فى التغير إلى سائر المقولات ومنها إنه كون ~~ما وفساد ما . وذلك أن السبب فى هذا هو ما قيل فى كتاب المقولات أن الأمور ~~المشار إليها صنفان : فمنها ما لا يقال لا فى موضوع ولا على موضوع ، وهو ~~شخص الجوهر ، ومنها ما هو فى موضوع وهو شخص العرض . فما كان من هذا لا فى ~~موضوع قيل فى التغير إليها إنه كون بإطلاق وفى التغير منه إنه فساد بإطلاق ~~، وما كان من الأشخاص التى تقال فى موضوع قيل فى التغير إليها ومنها إنه ~~كون شئ ما وفساد شئ ما . والسبب فى هذين الاستعمالين أعنى الذى فى الجواهر ~~والذى فى الأعراض والجواهر هو بجهة ما سبب واحد ، وهو أن وجد فيها صنفان ، ~~كامل وغير كامل ، فقيل فى التغير إلى الكمال ومن الكمال فى الصنفين جميعا ~~كون مطلق وفساد مطلق ، وفى التغير إلى الناقص ومن الناقص إنه كون ما وفساد ~~ما . PageV01P027 مثال ذلك فى الجواهر كون الأرض من النار والنار من الأرض ~~وكون الإنسان وكون العلم الإنسان . فإن التغير من النار والى النار يقال ~~فيه كون مطلق وفساد مطلق والتغير من الأرض والى الأرض يقال فيه كون ما ~~وفساد ما ، إذ النار أكمل وجودا من الأرض ، والتغير من الإنسان وإلى ~~الإنسان يقال فيه أيضا كون مطلق وفساد مطلق ،والتغير من العلم وإلى العلم ~~يقال فيه إنه كون ما وفساد ما . فقد تبين من هذا القول الوجه الذى به نقول ~~فى التغير إلى بعض الجواهر ومنها كون بإطلاق وفساد بإطلاق ، وفى بعضها لا ~~نقول ذلك ، والوجه الذى به نقول ذلك فى الجواهر والأعراض ، وأنها على جهة ~~شبيهة # [21] وأنه ليس ينبغى أن يشككنا القول فى بعض هذه الجواهر إنها تتكون ~~من غير موجود وتفسد إلى غير موجود فيما قلنا من أن السبب فى اتصال الكون هو ~~أن الهيولى الأولى ليس يمكن أن تتعرى من أحد الضدين أبدا ، أعنى أن الكون ~~يكون من موجود والفساد إلى موجود ، لأن غير الموجود إنما يدل به على ms16 أخس ~~الضدين ، والموجود يدل به على أشرفها . وإذا كان ذلك كذلك فبالواجب ألا يخل ~~الكون لأن فساد غير الموجود الذى هو الضد الأخس يكون أبدا كونا للموجود ~~الذى هو الضد الأشرف والمحسوس أكثر وفساد الضد الأشرف يكون كونا لغير ~~الموجود الذى هو الضد الأخس والغير محسوس والأقل محسوس . PageV01P028 # [22] ~~وكذلك قد يتشكك فى هذا القول ويقال هل قولنا الموجود وغير الموجود ينطلق ~~على الضدين الذين أحدهما أشرف من الآخر مثل أن يكون الثقيل الذى هو الأرض ~~هو غير موجود والخفيف الذى هو النار هو الموجود ، أم غير الموجود يدل على ~~هيولى الضد الأخس كأنك قلت هيولى الأرض ، والموجود يدل على هيولى الضد ~~الأشرف كأنك قلت هيولى النار . وهذا يوجب أن ننظر هل هذه الهيولى هي بعينها ~~واحدة لجميع هذه الأجسام الأربعة أم ليست هي واحدة بعينها . فنقول إنها من ~~وجه واحدة بعينها ولذلك أمكن أن تستحيل بعضها إلى بعض ومن جهة كثيرة وبذلك ~~أمكن أن تقبل الصور المتضادة . فهي واحدة بالموضوع كثيرة بالقوى والاستعداد ~~لقبول الصور المتضادة . وهذه الاستعدادات بعضها أيضا أشرف من بعض لكون ~~كمالاتها أشرف . فهذا مبلغ ما قاله فى أمر التكون المطلق والتكون الغير ~~مطلق ، أعنى فى الجوهر . PageV01P029 ### | الجملة الرابعة # [23] قال : ونحن مخبرون بالفرق الذى بين الكون والاستحالة . وذلك أن كل ~~واحد من هذين هما تغير ولهما موضوع وضدان وشئ يلحق الموضوع وهما يفترقان فى ~~الموضوع والشئ الذى فى الموضوع . فالاستحالة تكون متى كان الموضوع شيئا ~~بالفعل ومشارا إليه وتغير فى نوع من أنواع مقولة الكيف متى كانت تلك ~~الكيفيتان متضادتين أو كانتا بين الضدين . مثال ذلك أن البدن الواحد بعينه ~~يصح حينا ويمرض حينا وهو واحد بعينه والنحاس المشار إليه يكون حينا مستديرا ~~وحينا ذا زوايا وهو واحد بعينه . وأما التغير فى الجوهر فيكون متى لم يبق ~~من الشئ الذى منه التغير شئ مشار إليه على أنه موضوع لذلك الشئ الحادث فيه ~~بالذات لا بالعرض ، مثال ذلك إذا تغير الدم وصار كله منى أو تغير الهواء ~~بجملته ms17 فصار ماء . # [24] وأبين ما يكون ذلك متى كان التغير من غير محسوس إلى ~~محسوس بحس اللمس أو بسائر الحواس . مثال ذلك أن يتكون من الهواء ماء ، فإن ~~الهواء يكاد أن يكون غير محسوس لا بالبصر ولا باللمس . وإنما اشترطنا فى ~~المشار إليه الثابت للكيفية المتكونة أن تكون تلك الكيفية موجودة له بالذات ~~من قبل أنه قد يوجد فى الأشياء المتكونة شئ يبقى بعينه محسوسا مثل الجسمية ~~الباقية فى الماء والهواء عند تكون أحدهما من الآخر ، PageV01P030 ومثل ~~الشفيف والرطوبة وغير ذلك من الأعراض التى يشتركان فيها . لكن هذه الأشياء ~~التى تبقى بعينها فى المتكونات يظهر أنها ليست موضوعة للشئ الحادث فى أمثال ~~هذه المتغيرات بالجهة التى هو الشئ المشار إليه موضوعا فى التغير الذى فى ~~الكيف . والسبب فى ذلك أن الشئ الباقى فى مثل تكون الماء من الهواء هو شئ ~~لاحق للموضوع القابل لذلك التغيير لا أنه الموضوع نفسه ، بل إنما هو بالعرض ~~أى من قبل أنه فى الموضوع . ولذلك لو كان وجود الاستحالة فى موضوعها المشار ~~إليه مثل هذا الوجود ، أعنى بالعرض ، لكانت الاستحالة هى الكون . مثال ذلك ~~أن الرجل لو كان موضوعا لصناعة الموسيقى وعدمها على جهة ما الجسمية موضوعة ~~لصورة الماء والهواء ، أعنى بالعرض ، لكان تغير الرجل من الجهل بالموسيقى ~~إلى المعرفة بها كونا وفسادا فى الجوهر . لكن الرجل هو موضوع بالذات ~~للمعرفة بالموسيقى فلذلك كان استحالة لا كونا . والاستحالة فى ثبات الموضوع ~~لها بالذات يوافق سائر التغايير ويخالفها فى الشئ الذى وقع إليه التغير . ~~فمتى كان التغير المضاد فى الكم ، كان نموا واضمحلالا ، ومتى كان فى المكان ~~كان نقلة ، ومتى كان فى الكيفية كان استحالة . ويخالف التغير فى الجوهر ~~جميع هذه التغايير بأن لا يوجد فيه شئ موضوعا بالذات للشئ الذى وقع إليه ~~التغير . فمتى كان التغير الهيولى على التحقيق هي الموضوعة لهذا التغير ، ~~والموضوع لسائر أصناف التغايير إنما يقال لها هيولى بأمر متأخر . فقد تبين ~~من هذا أن التكون موجود وعلى أي جهة وجوده وتبين الفرق ms18 بينه وبين الاستحالة ~~. PageV01P031 قلت : والأبين فى هذا الفرق بين الموضوع للاستحالة والموضوع ~~للكون والفساد مما يظن به أنه شئ واحد بالعدد لجميع المتكونات فى الجوهر ~~مثل الجسمية . إن الجسمية المشتركة لجميع ما يتكون فى الجوهر هي واحدة ~~بالعدد بالقوة لا بالفعل ، والجسمية الموضوعة للاستحالة هي واحدة بالعدد ~~بالفعل . ولذلك لا يبدل جوهرها تبدل الأعراض عليها . وتبدل حد المتكونة فى ~~الجوهر تبدل الصور عليها وإن اشتركت فى الجسمية وفى ما يتبع الجسمية من ~~الأعراض . فعلى هذا ينبغى أن تفهم مذهب أرسطو فى هذا . ولذلك الأبعاد ~~الثلاثة التى تقوم طبيعة الجسم وهي أول حال فى الهيولى . وإن الهيولى لا ~~تتعرى منها فى كون من الأكوان لا على أن وجودها فى الهيولى بالفعل بل بنوع ~~من أنواع القوة غير القوة التى تقومت بها الهيولى وهي القابلة لهذه الأبعاد ~~الثلاثة . وكان وجودها متوسطا بين القوة الهيولانية وبين الأبعاد الثلاثة ~~التى بالفعل التى هي موضوع الاستحالة . PageV01P032 ### | الجملة الخامسة # وهذه الجملة فيها فصول ثلاثة : الفصل الأول : يخبر فيه بالفرق بين النمو ~~وسائر الحركات من قبل الصورة . الفصل الثانى : يتشكك فيه على الشئ الذى به ~~يكون النمو من الأوائل الموجودة بالطبع وأي وجود وجوده . الفصل الثالث : ~~يخبر فيه بالوجه الذى به يكون النمو من الأوائل الموجودة له بالطبع وكيف ~~تنحل الشكوك التى فيه من تلك الأوائل . ### | الفصل الأول # [25] قال : وقد ينبغى أن نبحث هل الفرق الذى بين النمو وبين سائر التغايير ~~إنما هو الفرق الذى يوجد لها من قبل الشئ الذى فيه التغير وهو الذى يتنزل ~~من هذه التغايير منزلة المادة ، مثل قولنا إن التغير الذى يكون فى شخص ~~الجوهر المشار إليه هو كون وفساد ، والتغير الذى يكون فى العظم هو نمو ~~واضمحلال ، والتغير الذى يكون فى الكيف هو استحالة ، والتغير الذى يكون فى ~~الأين هو نقلة ، وإنه يشمل جميعها أنه تغير ما بالقوة إلى ما بالفعل ، أم ~~هاهنا فرق آخر بين النمو وبين هذه التغايير مأخوذ من قبل الصورة والفاعل ، ~~PageV01P033 وهو بين أن هذا الفرق الذى ms19 من هذه الجهة موجود فى النمو وذلك ~~أن النامي والمضمحل يبدلان المكان ، والمستحيل والمتكون ليسا يبدلان المكان ~~. وتبديل النامى أيضا والمضمحل المكان هو بخلاف تبدل المكان المنتقل وذلك ~~أن المنتقل صنفان إما مستقيم وإما مستدير . فالنامى يخالف تبديل المتنقل ~~على استقامة ، فإن المنتقل على استقامة يبدل المكان بجملته والنامى ~~والمضمحل يبدله بأجزائه ، ويخالف المنتقل على استدارة وإن كان كلاهما ~~متحركين بالأجزاء فإن أجزاء المتحرك على استدارة تبدل المكان بأن ينتقل منه ~~لا بأن يأخذ مكانا أعظم ولا أصغر وأجزاء النامى تبدله بأن تأخذ مكانا أعظم ~~وأجزاء المضمحل تبدله بأن تأخذ مكانا أصغر . # [26] فقد بان أن الفرق بين ~~النمو وبين سائر التغايير هو فى الأمرين جميعا أعنى فى الشئ الذى فيه ~~التغير وهو الذى يتنزل منها منزلة الهيولى وفى صورة التغير نفسه . ~~PageV01P034 ### | الفصل الثانى # [27] قال : وإذا كان النمو والاضمحلال إنما يكونان فى الجسم والعظم فقد ~~ينبغى أن ينظر هل نمو الجسم يكون من شئ هو موجود بالفعل جسما أو من شئ هو ~~موجود بالقوة عظما وجسما ولأن هذا القسم الثانى يقال أولا على اثنين : ~~أحدهما أن يكون الشئ الذى بالقوة عظم وجسم مفارقا للجسم المحسوس ، والثانى ~~أن يكون فى جسم محسوس ، وهذا أيضا على ضربين : إما أن يكون فى جسم محسوس ~~بذاته مثل الشئ الكامن فى الشئ وإما أن يكون فيه بالعرض مثل ما نقول نحن فى ~~وجود الهيولى فى الأجسام ، فقد ينبغى أن ننظر فى واحد واحد من أقسام الذى ~~بالقوة ، ثم ننظر فى القسم الذى بالفعل . فنقول : أما إن كان النمو ~~والاضمحلال من هيولى مفارقة للجسم المحسوس فقد يلزم ضرورة إما ألا يشغل ~~مكانا فتكون إما نقطة وما يجرى مجراها مما ليس فى مكان وإما خلاء وإما أن ~~يكون جسما غير محسوس . فأما كون النقط مادة للجسم وكون الخلاء موجودا فقد ~~تبين استحالة ذلك فيما تقدم . وأما إن كانت جسما غير محسوس فإنه يجب أن ~~يكون ذلك الجسم من جهة ما منه كون العظم فى مكان . وذلك أن كل ms20 ما يكون منه ~~شئ فواجب أن يكون فى مكان إما بذاته وإما بطريق العرض كما نقول نحن فى ~~المادة الأولى . PageV01P035 وذلك أنه لا فرق فى الواجب بين الذى يكون منه ~~الجسم على الإطلاق وبين الذى منه ينمو الجسم ، إذ كان الكون هو فى الكل ~~والنمو كون فى الجزء . ولذلك هذا الفحص هو من جهة مشترك لهما ومن جهة خاص ~~بالنمو . وإذا كان الجسم المفارق فى مكان فهو محسوس وغير مفارق فهو داخل فى ~~الفحص عن القسم الأول وهو الذى أرجأ الفحص عنه إلى تمام الفحص عن هذه ~~الأقسام . # [28] وإذا لم يكن نمو العظم ولا تكونه من شئ هو موجود بالقوة ~~ومفارق ، فقد بقي القسم الأخير وهو أن يكون من شئ موجود بالفعل . وكان هذا ~~على ضربين إما بذاته وإما بالعرض . فأما الذى بذاته فمثل أن نقول إن الماء ~~إذا تكون هواء فإنما يكون لا بأن يتغير الماء إلى الهواء لكن بأن يخرج من ~~الماء هواء على أنه كان كامنا فيه لا على أنه حدث ، وأما الذى بالعرض فمثل ~~ما نقول فى وجود الهيولى الأولى فى الأجسام . وكون مادة العظم والجسم فى ~~النمو أو فى الكون موجودة بطريق الكمون ممتنع ، فإنه يلزم عن ذلك أن يوجد ~~فى الجسم المتناهى أجسام بالفعل لا نهاية لها . وذلك أنه إذا جاز أن يوجد ~~فى الماء هواء أعظم منه أو مساو له جاز أن يوجد فيه أجسام لا نهاية لها ~~بالفعل إلى غير ذلك من الشناعات التى عددت فى غير هذا الموضع . PageV01P036 ~~ # [29] فالأولى إذا أن نضع أن مادة كون الجسم ونموه هي الهيولى الأولى التى ~~قلنا أنها واحدة بالعدد كثيرة بالقوة ، لا أن الهيولى جسم موجود بالفعل فى ~~جسم ، ولا أنها أيضا نقط وخطوط وسطوح . فإن هذا يلزم عنه ألا تكون فى مكان ~~لا بذاتها ولا بالعرض . وما منه كون العظم قد يجب أن يكون فى مكان كما قلنا ~~إما بالذات وإما بالعرض ، بل الهيولى هى الشئ الذى الخطوط والسطوح نهاية ~~لها وحد . ولذلك ليس ms21 يوجد فى حال من الأحوال مفارقة للأعراض والصور ، إذ ~~كانت النهايات لا يمكن فيها أن تفارق الشئ الذى هي نهاية له . # [30] وقد نجد ~~التغير فى الكون يشبه التغير فى النمو فى السبب الفاعل والمادى . أما فى ~~السبب الفاعل فأنه كما أن المتكون إنما يتكون عن شئ موجود بالفعل ، إما من ~~نوع المتكون وإما من جنسه القريب أو البعيد . أما من النوع فمثل الإنسان من ~~الإنسان والنار من النار ، وأما بالجنس البعيد فمثل تكون الصلب من البارد . ~~كذلك النامى إنما الفاعل فيه شئ هو وصورة الأجزاء المتكونة واحدة بالنوع . ~~فإن الفاعل لأجزاء العظم الذى ينمو بها هو العظم ، وكذلك الأمر فى سائر ما ~~ينمو . PageV01P037 # [31] وأما فى السبب الهيولانى فإنه لما كان ليس هاهنا ~~هيولى بالقوة للجسم العام على ما تبين وإنما هي هيولى لجسم آخر مشار إليه ، ~~وكان النمو إنما هوكون فى أجزاء الجسم المشار اليه ، فواجب أن تكون الهيولى ~~لهما واحدة . إلا أن هذا الذى وقفنا عليه من أمر مادة النمو ليس هو شيئا ~~يخصه ، بل هو شئ عام له وللكون . فأما النمو فإنه إذا نظرنا فيه بما يخصه ~~وجب أن يكون مع وجود مادة الكون فيه من جسم موجود بالفعل . وذلك أن النمو ~~لما كان تكونا فى الكمية ، والاضمحلال فسادا فى الكمية ، وكان العظم إنما ~~يزيد من قبل زيادة عظم فيه بالفعل وإلا وجب أن يكون الجسم مؤلفا من النقط ~~وكذلك لا ينقص إلا من قبل فساد عظم منه بالفعل ، فواجب أن يكون النمو من شئ ~~هو بالفعل جسم . وأما التكون فلأنه فى باب الكيفية ليس يلزم ذلك فيه . # [32] ~~إلا أن هذا يتلقاه شك كبير ، وهو أن يكون الجسم يداخل الجسم بأسره ، وإلا ~~كيف ينمو النامى فى جميع أجزائه حتى يكون جسمان فى مكان واحد ؟ PageV01P038 ~~ # [33] وليس لقائل أن يقول إن التكون الذى فى النمو ، وإن كان فى باب الكمية ~~، فإنه ليس يلزم أن يكون بورود جسم على النامى بالفعل . وذلك أنا نجد ~~الهواء إذا تكون من الماء انتقل إلى ms22 كمية أعظم من غير أن يرد هنالك جسم من ~~خارج فإن هذا ليس هو نموا وإنما الهيولى الأولى من شأنها أن تقبل الزيادة ~~والنقصان فى العظم . وذلك يظهر ظهورا بينا إذا تحفظ بالأشياء الموجودة ~~بالذات للنامى وهي الأوائل التى منها ننظر فيه ، وهي ثلاثة : أحدها أن كل ~~نقطة منه وكل جزء محسوس فهو ينمو على مثال واحد وكذلك إذا اضمحل يضمحل فى ~~كل جزء محسوس . والثانى أنه إنما ينمو بورود شئ من خارج عليه . والثالث أن ~~يكون الشئ الذى يتصف بالنمو والإضمحلال مشارا إليه وباقيا بعينه . وإذا كان ~~ذلك كذلك فبين أن الكمية التى توجد فى الهواء إذا كان من الماء ليس نموا لا ~~للماء ولا للهواء لأن هذا التغير الذى يوجد لها من النقصان إلى الزيادة ليس ~~له موضوع واحد ، وقد قلنا إن النمو له موضوع واحد . فإن قال قائل إن الجسم ~~المشترك للماء وللهواء هو الموضوع لهذا النمو انفسد عليه أن يكون هذا نموا ~~بالأصل الثانى وهو أن النمو إنما يكون بورود شئ من خارج . فهذا مقدار ~~الشكوك التى أتى بها فيما منه ينمو النامى وكيف ينمو . PageV01P039 # [34] ~~وهنا أيضا شك آخر فى النامى إذا سلمنا أنه شئ بالفعل وهو هل النامى هو الشئ ~~الوارد أم الشئ الذى يرد عليه . مثال ذلك أن الساق إذا نمت بالغذاء هل ~~الغذاء هو النامى أم الساق أم كلاهما ، وهذا الشك ينحل بقرب . إن الجوهر من ~~أحدهما يثبت ويبقى وهو الساق ، والآخر لا يثبت بل يستحيل وهو الغذاء ، فإن ~~النمو إنما ينسب للباقى لا للممستحيل . مثال ذلك أن الشراب الذى فى الدن ~~إذا صب فيه ماء ولم يغير فعله قلنا فيه إنه نمو . وكذلك نقول فيه دائما ما ~~دام يفعل فعل الشراب ولا نقول ذلك فى الماء الذى نصبه فيه لأنه يستحيل . ~~وكذلك متى استحال شئ عن شئ استحالة فأبطل جوهره لم تنسب الاستحالة إلى ذلك ~~الشئ الذى بطل وجوده . وإنما ينسب إلى الشئ الذى بقي موجودا . مثال ذلك أن ~~الغذاء الحار إذا ms23 ورد البدن استحال منه إلى حرارة وبطل جوهر الغذاء . وبحق ~~ما ينسب إلى الاستحالة فى مثل هذا والنمو إلى الشئ الباقى بالفعل لأن مبدأ ~~التحريك إنما هو فى المستحيل الثابت وفى النامى PageV01P040 ### | الفصل الثالث # [35] قال : وإذ قد بلغنا من التشكيك فى أمر النمو ما فيه كفاية فقد ينبغى ~~أن نلتمس حل ذلك بعد أن نتحفظ بالأوائل الموجودة للنامى وهي كما قلنا ثلاثة ~~: أحدها أنه ينمو وينقص فى كل نقطة محسوسة منه . والثانى أنه ينمو من شئ ~~خارج ويضمحل بما ينحل منه . والثالث أن فيه شيئا ثابتا بالفعل لهذه الحركة ~~، وأن نتحفظ أيضا من أن نأتي فى ذلك بأمر من الأمور المستحيلة مثال أن نجوز ~~وجود الخلاء لضرورة النمو أو نجوز وجود جسمين فى جسم واحد . وأول ما ينبغى ~~أن يعلم من أمر النمو أنه إنما يوجد أولا للأجسام المتشابهة الأجزاء وأنه ~~إنما يوجد للآلية بتوسط المتشابهة . وذلك أمر ظاهر بنفسه . فإن اليد إنما ~~نقول فيها إنها نمت إذا نما اللحم منها والعظم وسائر المتشابهة التى تركبت ~~منها . قال : ولما كان كل واحد من الأعضاء المتشابهة مركبا من مادة وصورة ~~على ما عليه الأمر فى جميع الأجسام الطبيعية ، وكان يجب فى الشئ النامى أن ~~يكون ثابتا ، إذ كان ذلك أحد الأوائل الموجودة له وكانت المادة سائلة ~~والصورة ثابتة ، فقولنا إن الشئ ينمو فى كل جزء منه إنما نذهب فيه إلى الشئ ~~الذى يتنزل منه منزلة الصورة لا إلى الشئ الذى يتنزل منه منزلة الهيولى. ~~وذلك أن الهيولى غير ثابتة والنامى ينبغى أن يكون ثابتا . PageV01P041 # [36] ~~وإنما يتصور حال الصورة فى ذلك مع الهيولى ، أعنى فى ثبوت الصورة وتبدل ~~الهيولى ، منزلة المكيال مع الشئ الذى يكال به . فإن المكيال هو واحد بعينه ~~والشئ الذى يكال به ، بمنزلة الحنطة والشعير هو شئ واحد بعد آخر ، ولو ~~تصورت مكيالا يعظم حينا لما يدخل فيه ويصغر حافظا لشكله ، لكنت قد تصورت ~~حال الصورة فى نموها مع الهيولى وتصور الأمرين جميعا إذا تخيلت شعبا من جلد ~~مرة ms24 يجرى فيه ماء قليلا فينقص ومرة يجرى فيه ماء كثيرا فيعظم ، وهو فى كلا ~~الأمرين حافظ لشكله . وعلى هذا ينبغى أن يتصور النمو فى هيولى اللحم والعظم ~~. قال : وعلى هذا النحو لا يلزم أن تكون الزيادة شائعة فى جميع أجزاء ~~المادة ، إذ كان بعضها يذهب وبعضها يدخل من خارج ، حتى يضطر إلى القول ~~بجواز مداخلة جسم جسما أو القول بوجود الخلاء فى الجسم النامى . فلو كانت ~~المادة هي بجملتها قابلة للزيادة للزم فى النمو إما أن يداخل جسم جسما وإما ~~أن يوجد خلاء . # [37] قال : والوقوف على أن النامي إنما ينمو فى كل جزء من ~~أجزاء الصورة يكون أظهر فى الأعضاء الآلية ، إذ كانت الصورة فيها أظهر . ~~مثال ذلك اليد فإنك إذا تأملتها تجدها قد نمت فى جميع أجزائها حافظة لشكلها ~~الذى هى به يد . PageV01P042 قال : ومن الدليل على أن الصورة أظهر فى ~~الأعضاء الآلية منها فى المتشابهة أن الميت قد يقال إن له لحما وعظما أكثر ~~مما يقال إن له يدا ورجلا . وإذا كان هذا هكذا فيجب أن يكون أي جزء كان من ~~اللحم من وجه ناميا ومن وجه غير نام . أما من قبل الصورة فنام ، وأما من ~~قبل الهيولى فغير نام . lb/> # [38] ولما كان النامى إنما يصير أعظم بورود ~~الغذاء عليه من خارج وكان الغذاء ليس هو بالفعل الشئ الذى يرد عليه ، أعنى ~~ليس هو عظما بالفعل ولا لحما وإنما هو بالقوة ، فإذا تغير صار عظما ولحما ~~،فقد يجب أن يكون الغذاء من جهة شبيها ومن جهة غير شبيه . فهذا معنى ما ~~يقوله فى حل هذا الشك اللازم فى النمو وإعطاء الجهة التى يكون بها النمو . ~~والإسكندر المفسر لهذا الكتاب يقول إن ما قيل من ذلك إنما قيل على جهة ~~الإقناع وسكون النفس إليه ، فإن المادة ليس تذهب كلها ولا تتحلل بأسرها فى ~~النامى ، بل فيها شئ يبقى ثابتا وإلا كانت الصورة يمكن أن تفارق . وإذا ~~كانت المادة فيها جزء ثابت فذلك الجزء نام ضرورة . فأما كيف تنمو المادة ms25 ~~فذلك يكون بجهة الإختلاط وذلك أن من شأن الجسم النامى إذا ذهب منه جزء أن ~~ينقص فى جميع أجزائه بمنزلة ما يعرض عند إخراج الدم من البدن أعنى أنه ينقص ~~الدم فى جميع أجزائه بنقصان جزء منه وكذلك يعرض فيه عند الزيادة . ~~PageV01P043 قال : ولذلك وجب أن يكون فى الأعضاء الناشئة رطوبة مبثوثة ~~يختلط بها الغذاء الوارد عليها إذا استحال إلى طبيعة تلك الرطوبة . فينمو ~~شكل العضو بنمو تلك الرطوبة فى جميع أجزائها ، وينقص بنقصانها على أن ~~الطبيعة هي الحافظة لشكل ذلك العضو فى وقت نموه عن تلك الرطوبة وتنقصه عن ~~تنقص تلك الرطوبة . هذا هو معنى ما قاله فى هذا المعنى وإن لم تكن ألفاظه ~~بعينها . وعلى هذا فتكون الجهة البرهانية التى ينحل بها الشك المتقدم إنما ~~هي جهة الاختلاط الذى يوجد لبعض الأجسام . وهذا إن كان حقا فى نفسه فكيف ~~يظن بمن هو المفيد لما قيل من الصواب فى هذه الأشياء وما يقال إلى غابر ~~الدهر أنه ذهب عليه هذا فى هذا الموضع أن كان حقا فى نفسه أو كيف يظن به ~~أنه اكتفى فى هذا المعنى بأمر مقنع مع قصده تتميم ما نقص للقدماء فى هذه ~~الأشياء ؟ فقد ينبغى أن ننظر نحن فى ذلك فنقول إن قول القائل إن النمو إنما ~~يكون فى الصورة هو بين أنه ليس يعنى به أن الصورة تنمو بما هي صورة ، فإن ~~النمو فى باب الكم والصورة فى باب الكيف . PageV01P044 وإذا كان ذلك كذلك ~~وكان النمو إنما هو فى الباب الكم ، فإنما أراد بذلك أن الشئ لا ينمو فى ~~الكم أى فى جميع أجزائه من جهة ما هو كم بل من جهة ما هو كم ذو صورة . ~~وأعنى بقولى كم ذو صورة أي كم صورته صورة النامى لا صورة المنمى . وإذا كان ~~ذلك كذلك فالكم الذى يفعل النمو إنما هو كم بالقوة . ولذلك ليس يلزم إذا ~~خالط النامي أن يكون يداخل كمه كم النامى كما يلزم ذلك إذا وضعنا كم المنمى ~~كما بالفعل ms26 ، لأن الكم الذى بالفعل إنما يوجد للشئ من جهة صورته لا من جهة ~~صورة غيره . والغذاء إنما يوجد له الزيادة فى كمية المغتذى من جهة ما يوجد ~~له صورة المغتذى . وأما الشك الذى هو التداخل فإنما كان يلزم لو كانت كمية ~~الغذاء إنما تزيد فى كمية المغتذى من جهة ما صورته صورة المغتذى ، ولو كان ~~هذا هكذا للزم أن توجد الزيادة فى النامى من قبل شئ هو ذو كم بالفعل فكان ~~يلزم الشك المتقدم . فهذا هو الفرق بين النمو الذى من قبل المادة بما هي ~~مادة ، وبين النمو الذى لها من جهة الصورة . PageV01P045 وإذا كان نمو الشئ ~~فى جميع أجزائه لا من جهة ما هو كم بل من جهة ما هو كم ذو صورة أعنى إذا ~~كان نمو الشئ فى جميع أجزائه من جهة ما الأجزاء ذات صورة فبين أنه ليس يلزم ~~عن نموه فى جميع أجزائه من هذه الجهة أن يداخل جسم جسما لأن النمو يكون من ~~قبل الصورة فى الشئ النامى . وإنما كان يلزم ذلك لو كان نموه فى أجزائه من ~~قبل الهيولى فقط أى من جهة ما هي أجزاء ، لأنه لو كان ذلك للزم أحد أمرين ~~إما أن يكون النمو تراكما وإما أن تتداخل الأجزاء الواردة الأجزاء القابلة ~~. والأشياء المختلطة إنما عرض لها أن تتدافع أجزاؤها بالسواء عن الجزء ~~الداخل عليها وأن تتحد بها من جهة ما أجزاؤها ذات كيفية محدودة وهي الرطوبة ~~لا من جهة ما هي ذات كميه فقط . ولو كان ذلك يوجد لها من جهة ما هي كمية ~~لأمكن أن تختلط جميع الأشياء . فالزيادة التى توجد للأشياء المختلطة فى ~~جميع الأجزاء إنما هي من قبل لصورة . فأما أن النمو إنما هو للكمية بما هي ~~ذات صورة فهو يستدل عليه بأن النامى يجب أن يكون هو الشئ الثابت ، والأجزاء ~~لا تثبت إلا من جهة ما هي ذات كيفية لا من جهة ما هي أجزاء ، إذ يظهر من ~~أمرها من جهة أنها أجزاء أنها فى تغير ms27 دائم . فعلى هذا ينبغى أن يفهم قول ~~الحكيم ، لا على ما فهمه منه الإسكندر لأنه أراد أن يبين أن النمو فى ~~الصورة لا فى المادة من أجل أن المادة متحركة والصورة ثابتة فإن هذا ينفسد ~~كما قال بأنه يوجد فى الأعضاء مادة ثابتة فيجب أن تكون نامية . ولم يرد ~~الحكيم أن النمو فى الصورة دون المادة ولا فى المادة دون الصورة . ~~PageV01P046 وإنما أراد أن النمو فى جميع أجزاء النامى من جهة الصورة لا من ~~جهة المادة ، وهي الجهة التى هي بها أجزاء ، فإن الجسم إنما هو ذو أجزاء من ~~قبل المادة ، والأجزاء سيالة من جهة ما هي أجزاء ، ثابتة من جهة ما هي ذات ~~صورة . ولما كان النمو يوجد للنامى من جهة ماهو ثابت كان ذلك للأجزاء من ~~جهة ما هي ذات صورة لا من جهة ماهي أجزاء . وأنت ترى أن بين هذا الفهم ~~والفهم الأول من أقاويل الحكيم بونا بعيدا . ويشبه عندى أن يكون الذى يحل ~~الشك بالجهة التى حله بها الإسكندر أن يكون ناقلا للشك لا حالا له لأنه قد ~~يبقى أن يقال فكيف ينمو العظم بتلك الرطوبة فى جميع أجزائه وليس من شأنه أن ~~يختلط بها. وكذلك فى جميع الأعضاء الجامدة فإن المختلط هو السيال . ولذلك ~~هو الأولى إما أن يكتفى فى جواب هذا الشك بما يجاوب به الحكيم ، وإما أن ~~يلتمس شيئا يجرى من جوابه مجرى التتميم له . فإنه يظهر أن النمو يحتاج إلى ~~الإختلاط كما يقوله هو بعد هذا ، وإلا كان كونا لأجزاء اللحم والعظم على ~~انفرادها عندما ينقلب الغذاء عظما ولحما فى العظم واللحم . فهذا الإختلاط ~~إنما هو ضروري من هذه الجهة ، لا من جهة وجود النمو فى جميع الأجزاء من غير ~~تداخل ، فإنه إن فرضنا ذلك ، لزم ألا تكون النامية إلا المختلطة فكيف نقول ~~فى نمو الشكل وبالجملة فى نمو العضو الآلي ؟ أو نقول إن العضو فيه قوة ~~ممددة بالطبع إلى جميع الأقطار ، PageV01P047 فيعرض له عن ذلك تخلخل ما ~~فتتشرب تلك الرطوبة الغذائية ms28 فى جميع أجزائه ، أعنى فى جميع الثقب الصغار ~~التى لا يمكن أن يوجد فى اللحم ثقب أصغر منها عندما تتمدد تلك الثقب ، فإذا ~~امتلأت من تلك الرطوبة استحالت تلك الرطوبة أجزاء لحمية واتحدت بالأجزاء ~~اللحمية التى بين تلك الثقب وهي الأجزاء التى لا يمكن أن توجد أجزاء لحمية ~~أصغر منها . وحدثت أيضا فى تلك الأجزاء اللحمية الحادثة ثقب لا يمكن أن ~~يوجد أصغر منها . فإذا تمدد العضو أيضا مرة ثانية تخلخلت جميع تلك ىالثقب ~~فامتلأت بالرطوبة الغذائية وذلك بالقوة الجاذبة وتشرب العضو بها واستنقع ~~كما يستنقع الفتيل بالزيت وأسفنج البحر بالماء . فإذا فعلت الحرارة فيها ~~وعقدتها عادت لحما فى اللحم وعظما فى العظم ، ثم تخلخل مرة ثانية هكذا ~~وهكذا حتى يتم نمو العضو . فإذا النمو إنما يكون للنامى من جهة هذه القوة ~~التى هو بها ذو صورة . وهذه القوة هي الصورة التى أراد أرسطو بقوله إن ~~النامى إنما ينمو بصورته لا بمادته أى من قبل صورته لا من قبل المادة . ~~ولولا وجود هذه القوة فى النامى لكان النمو فى جميع الأجزاء المحسوسة غير ~~ممكن إلا لو أمكن أن يداخل جسم جسما . فإذا السبب الذى أعطاه أرسطو فى ذلك ~~هو عام فى جميع الأشياء المختلطة وغير المختلطة والسبب الذى أتى به ~~الإسكندر فى ذلك هو خاص بالمختلطة. ولذلك كان حل ذلك الشك من جهة حلا بأمر ~~عارض فلنرجع إلى حيث كنا . PageV01P048 # [39] قال : ومما يشك أن النمو لما ~~كان من الشئ الذى هو بالقوة الشئ النامى وهو بالفعل شئ آخر ، مثال ذلك أن ~~الغذاء هو بالقوة لحم وهو بالفعل خبز وغير ذلك ، كان واجبا فيه ألا يكون ~~بالفعل جزءا من النامى ، حتى تفسد الصورة الموجودة فيه بالفعل وتتكون فيه ~~صورة النامى . مثل أن تفسد صورة الخبز وتتكون صورة اللحم . ولما كان الأمر ~~هكذا فى النمو فقد يقال إن كان هذا الجزء المتكون منفصلا من النامى ومميزا ~~عنه عندما يتكون ، فهذا كون فى الجوهر لا تغير فى النمو . وإذا لم يكن ~~النمو كونا ms29 فعلى أي حهة يمكن أن يكون النمو؟ وهو يجيب عن هذا بأن النمو ~~إنما يكون بالإختلاط الذى ينقلب فيه الوارد على الشئ إلى طبيعة الشئ الذى ~~ورد عليه . وهذا هو الفرق بين هذا الاختلاط والاختلاط الذى يكون عنه كون ~~المركبات من الأسطقسات على ما سيأتى بعد . ومثال هذا الاختلاط إذا خلطت ماء ~~بالشراب أو برطوبة فقهر الشراب طبيعة الماء فعاد الكل شرابا وتزيد . وكذلك ~~إذا ورد الغذاء على الرطوبة أحالته إلى طبيعتها مع أنها تزيد به كميتها ~~فكون الغذاء لحما بالفعل بعد أن كان لحما بالقوة إنما يكون بعد الاختلاط ، ~~وهذا الفرق بينه وبين التكون . ومثال ذلك أنك إذا أوقدت نارا على انفرادها ~~كان ذلك تكونا ، وإذا زدت نارا متكونة إضراما بأن تضع عليها حطبا حتى يعظم ~~، كان ذلك شبيها بالنمو . PageV01P049 # [40] وينبغى أن تعلم أنه كما أن ~~التكون المطلق ليس يوجد للجسم المطلق وإلا لزم أن يكون التكون من غير موجود ~~أصلا ، وإنما يكون تكون جسم من جسم آخر غيره ، مثال ذلك أنه ليس يحدث حيوان ~~على الإطلاق ليس هو إنسانا ولا واحدا من الحيوانات الجزئية ، كذلك الأمر فى ~~الكمية التى تحدث فى النامى ليست كمية مطلقة فتكون من غير كمية وإنما هي ~~كمية ما حادثة عن كمية أخرى وغيرها . ولذلك كان واجبا أن يكون الحادث فى ~~النامى الذى هو لحم أو عظم أو عضو آلي مركب من هذه إنما يحدث بأن يكون ~~الغذاء الوارد عليه كما بالفعل لا كم لحم ولا عظم بالفعل بل بالقوة . # [41] ~~والفرق بين النمو والاغتذاء إنما هو من جهة هذه الكمية الحادثة . وذلك أنه ~~متى كان الحادث فى الحس إنما هو لحم فقط قيل فيه إنه اغتذاء ، ومتى كان ~~الحادث لحما ذا كمية محسوسة قيل فيه إنه نمو . ولذلك أمكن فى الشئ أن يغتذي ~~إلى آخر العمر مع أنه فى تنقص ولم يمكن فيه النمو فى جميع العمر. فالغذاء ~~إذا والنمو أما فى الموضوع فشئ واحد ، وأما بالجهة فمختلفان ، وذلك أنه متى ~~كان الغذاء الوارد ms30 عليه هو بالقوة لحما ذا كمية محسوسة فهو من هذه الجهة ~~نمو ، ومتى كان إنما هو بالقوة لحما فقط غير محسوس الكمية كأنك قلت صورة ~~مجردة فقط ، وإن كان لا بد هنالك من كمية لكنها غير محسوسة ، كان من هذه ~~الجهة اغتذاء . فمتى كان الغذاء الوارد على النامى ليس بالقوة إلا صورة فقط ~~غير ذات كمية بالفعل بل بالقوة لم تصر بذلك صورة الشئ النامى أعظم ، ومتى ~~كان بالقوة صورة ذات كمية كان نموا . فهذا هو الفرق بين النمو والإغتذاء . ~~PageV01P050 # [42] وأما الاضمحلال فإنما يكون إذا لم تقو صورة النامى أن ~~تقلب جميع أجزاء الغذاء إلى جوهرها وتحيله إلى ذاتها بل تحيل الأغذية ~~الرطوبة الطبيعية التى فى الأعضاء إلى جوهرها حتى تنقص كمية تلك الرطوبة ~~الطبيعية بعكس الأمر فى النمو ، أعنى فى إحالة تلك الرطوبة الأغذية . وهذا ~~الضعف يعرض لها بالطبع شيئا شيئا وقليلا قليلا مع طول العمر ، أعنى أن تضعف ~~تلك الرطوبة عن إحالة جميع أجزاء الأغذية الواردة عليها حتى يحيل كثيرة من ~~أجزائها الأغذية فيقع الاضمحلال فى الكم والصورة باقية بعينها كما كان ~~النمو والصورة باقية بعينها . ومثال ذلك إذا خلطت ماء بشراب شيئا شيئا حتى ~~يجعل الشراب مائيا فإنه حينئذ يقع اضمحلال كثير من أجزاء تلك الرطوبات التى ~~فى الأبدان ، أعنى إذا انقلبت إلى طبيعة كثير من أجزاء الأغذية وتخرج عن ~~البدن كما ينقلب الشراب فى هذا المثال إلى طبيعة الماء . فقد تبين من هذا ~~القول كيف يكون النمو وفيماذا يكون وبماذا يكون ، وانحلت بذلك جميع الشكوك ~~الواردة عليه وما الفرق بين الاغتذاء والنمو وكيف يقع الاضمحلال . ~~PageV01P051 ### | الجملة السادسة # وهذه الجملة فيها فصلان: الفصل الأول: يخبر فيه بالضرورة الداعية في هذا ~~العلم إلى التكلم فى المماسة والفعل والانفعال والمخالطة قبل التكلم في ~~الكون . الفصل الثاني: يتكلم فيه فى المماسة . ### | الفصل الأول # [43] قال: ولما كان القصد الأول فى هذا الكتاب ان نفحص عن الأجسام الاربعة ~~التى تسمى أسطقسات هل هي أسطقسات أم لا ، وإن كانت أسطقسات فهل هي غير ms31 ~~متكونة بعضها من بعض حتى لا يكون لها أول أقدم منها ، أم هي متكونة بعضها ~~من بعض ، وإن كانت متكونة بعضها من بعض فهل فيها أول لا يتكون من شىء ، أم ~~كل واحد منها متكون عن صاحبه ، كان واجبا أن نقدم قبل هذه المفاحص الأشياء ~~التى تقال على غير تحصيل من الأمور المضطرة إليها عند جميع من قال بالكون ~~والاستحالة وهي المماسة والفعل . والانفعال والمخالطة . فإن القدماء قد ~~اضطرهم طبيعة الأمر إلى التكلم فى هذه المعانى . وذلك أنهم صنفان . إما ~~قائل بأن الأسطقسات أكثر من واحد وإما قائل إن الأسطقس واحد . PageV01P052 ~~فأما من قال بأن الأسطقسات أكثر من واحد ، كانت هذه الأجسام الأربعة هي ~~التى منها تتولد الأشياء عندهم مثل ما يقول ابن دقليس ، أو كانت هذه ~~الأربعة إنما تتولد عن الأسطقسات عندهم مثل قول أنكساغورش وديمقراطيس ~~اللذان يجعلان هذه الأربعة مركبة من المتشابهة الأجزاء أو من الأجزاء الغير ~~منقسمة ، وقد يقولون بالاجتماع والافتراق ، والاجتماع والافتراق هو بوجه ما ~~مخالطة وإن كان ما يقولون من ذلك غير محصل ، ومن قال بالمخالطة لزمه القول ~~بالفعل والانفعال والمماسة . وأما من قال بأن الأسطقس واحد فإنه وإن لم ~~يلزمه القول بالمخالطة فإنه يلزمه القول بالفعل والانفعال . ولذلك أصاب ~~ديوجانيس إذ قال إنه لو لم يكن هاهنا موضوع واحد لما أمكن أن ينفعل شئ عن ~~شئ . وذلك أنه ليس فى طبيعة البارد أن ينقلب حارا ولا فى طبيعة الحار أن ~~ينقلب باردا ، بل واجب أن يكون موضوع يقبل الأمرين . فلأن كل من جعل ~~الأسطقس واحدا جعل مضادة مع الواحد قد يلزمه أن يكون الفعل من قبل المضادة ~~والانفعال من قبل الواحد . وإذا كان هنالك فعل فهنالك مماسة . فلهذا ما يجب ~~أن نلخص القول فى هذه الثلاثة قبل القول فى صفة الكون . ونبدأ أولا ~~بالمتقدم . فالمتقدم منها بالطبع وهي التماس ثم الانفعال ثم المخالطة ، ~~لأنه ما انفعل أو فعل فقد مس وما خالط فقد انفعل وقد مس . PageV01P053 ### | الفصل الثانى # [44] قال : وكما أن كل واحد من ms32 سائر الأسماء يقال على انحاء فمنها أسماء ~~مشتركة ، ومنها ما يقال بتقديم وتأخير ، كذلك الأمر فى اسم التماس . ولكن ~~الذى يقال منه بغير استعارة ولا بمجاز وبأمر عام إنما هو فى كل ما كان له ~~وضع ، والوضع إنما يكون لما له مكان . ولذلك قد يقال فى الأعظام التعاليمية ~~بوجه ما إنها تماس بعضها بعضا . وذلك أن الأجسام ليس يمكن أن تتوهم مجردة ~~من المكان على ما شأن صاحب علم التعاليم أن يجردها من سائر الأعراض ، فإن ~~الجسم إنما هو فى مكان بأبعاده لا بغير ذلك من أعراضه . المكان أمر لازم ~~للأجسام التعاليمية ، سواء كانت مفارقة على ما يراه قوم بالوجود والقول ، ~~أو كانت مفارقة بالقول فقط . وهذا التماس المقول فى الأعظام هو مقول بمعنى ~~متأخر عن التماس الحقيقي الذى يوجد فى الأمور الطبيعية . وذلك أنه قد قيل ~~فى السماع فى حد المتماسين أنهما الجسمان اللذان نهاياتهما معا . ولما كان ~~معا هو وضع ما للأجسام التى هي معا ومن ضرورة الوضع المكان ، كان المتماسان ~~ضرورة فى مكان . ولما كانت أنواع المكان الأول هي الفوق والأسفل ، فالأشياء ~~المتماسة هي ضرورة إما فوق وإما أسفل . ولما كان كل ما هو أسفل أو فوق ~~ثقيلا أو خفيفا . فالأشياء المتماسة هي ضرورة ما كان لها ثقل أو خفة إما ~~لكليهما وإما لواحد منهما . PageV01P054 وبين أن الأجسام التى بهذه الصفة ~~فاعلة بعضها فى بعض ومنفعلة . وإذا كان هذا هكذا فالمتماسان بالحقيقة أو ~~التى شأنها التماس هي الأجسام التى نهاياتها معا وهي فاعلة بعضها فى بعض ~~ومنفعلة بعضها عن بعض . # [45] والمحرك قد يظن به أنه مساو للفاعل والمتحرك ~~للمنفعل . قالوا : وذلك أنه لما كان المحرك يوجد على صنفين ، صنف يحرك بأن ~~يتحرك وصنف يحرك بأن لا يتحرك ، والفاعل أيضا يوجد بهاتين الصفتين ، وجب أن ~~يكون كل محرك فاعلا وكل فاعل محركا . وليس الأمر كذلك بل المحرك أعم من ~~الفاعل . وذلك أن الفاعل هو ما فعل أثرا أو كيفية أثرية أعنى استحالة . ~~وذلك واجب من قبل أن الفاعل ms33 مقابل للمنفعل ، والمنفعل إنما هو فى الاستحالة ~~. وأما كل محرك فليس يلزم فيه أن يفعل استحالة . وإذا كان التماس بالحقيقة ~~إنما هو فى الفاعلة والمنفعلة فبعض المتحركات يماس وبعضها لا يماس . إلا أن ~~التماس أيضا فى الأمور الطبيعية قد يقال بعموم وخصوص . فإذا قيل بعموم قيل ~~على الجسمين اللذين نهاياتهما معا ، واحدهما شأنه التحريك والآخر شأنه ~~التحرك أي نوع من التحريك كان . وإذا قيل بخصوص قيل على ما شأن أحدهما ~~الفعل وشأن الآخر الانفعال . PageV01P055 وهذه أيضا تقال بعموم وبخصوص . ~~فإذا قيلت بعموم قيلت على ما شأن حدهما أن يفعل والآخر أن ينفعل ، وإذا ~~قيلت بخصوص قيلت على كل ما يفعل كل واحد منهما فى صاحبه وينفعل عنه الآخر . ~~وهذا هو التماس بالمعنى المتقدم على جميعها . وهو ظاهر فى الأشياء التى ~~لدينا . ولذلك قد يمكن أن يقال إن كل ما يماس من الأجسام الطبيعية فهذه ~~حالها ، وليس كذلك . فإن الجسم السماوي يماس ما لدينا بأن يفعل فيما لدينا ~~ولا ينفعل . وإذا كان الأمر هكذا فإنما نقول فى الجسم السماوي إنه يماس ~~بالمعنى الأول وهو أن يكون أحدهما شأنه الفعل والآخر شأنه الأنفعال لا ~~الفعل . لكن لما كانت الأشياء المتجانسة أعنى التى موضوعها واحد لا يفعل ~~إلا بأن ينفعل ، ظن بجميع الأشياء أنها هكذا . فقد بان من هذا القول أن ~~التماس على الحقيقة إنما هو فى الاشياء التي ينفعل كل واحد منهما عن صاحبه ~~، وأنه إن كان هاهنا شئ فاعل وهو غير منفعل فالمنفعل ممسوس ، والفاعل لا ~~يقال فيه ماس إلا بضرب من الاستعارة مثل قول القائل قد مسنى الضر . وذلك أن ~~التماس لما كان من الأمور المضافة ، وجب أن يدل بالحقيقة على أن كل واحد ~~منهما ماس وممسوس . فهذا هو معنى المس فى الأمور الطبيعية . PageV01P056 ### | الجملة السابعة # وهذه الجملة تنقسم إلى قسمين : الأول : يخبر فيه ما هي الأشياء الفاعلة ~~والمنفعلة وفى أي جنس من الموجودات توجد . والثانى : يخبر فيه كيف يكون ~~الفعل والانفعال . PageV01P057 ### | القسم الأول # [46] قال : إن الذى أخذناه عن القدماء ms34 فى تعريف طبيعة الأشياء الفاعلة ~~والمنفعلة قولان متضادان . فأما القول الواحد وهو الذى قال به أكثرهم فهو ~~أن الأشياء الفاعلة والمنفعلة هي الأشياء المتضادة المختلفة لا الأشياء ~~الشبيهة . قالوا لأن الأشياء إما أن تكون متضادة أو متشابهة ، فأما الأشياء ~~المتشابهة فإنه ليس يمكن أن يفعل بعضها فى بعض ، ولا أن ينفعل بعضها عن بعض ~~لأنه ليس أحدهما أولى أن يفعل فى صاحبه من الآخر ولا أحدهما أولى أن ينفعل ~~من الآخر . قالوا : فإن اعترضنا معترض وقال إنا نجد النار الكبيرة تطفئ ~~الصغيرة وهما متشابهان فقد فعل أحدهما فى الآخر ، قلنا له إن ذلك من قبل ~~المضاد الموجود لها فى الكم ، فإن الكبير ضد الصغير . PageV01P057 # [47] ~~وأما القول الثانى الذى هو نقيض هذا فقد قال به ديمقراطيس وحده وهو أن ~~الأشياء الفاعلة والمنفعلة هي شبيهة . قال : والدليل على ذلك أنه لا يجوز ~~فى الأشياء المختلفة المتضادة أن ينفعل بعضها عن بعض فإن الضد لا يقبل ضده ~~. مثال ذلك لا تقبل الحرارة البرودة ولا البرودة الحرارة . وإذا لم ينفعل ~~الأضداد بعضها عن بعض فالأشياء الفاعلة والمنفعلة هي المتشابهة المتفقة . ~~ # [48] قال : فهذا ما أخذناه عن القدماء من هذين الرأيين المتناقضين ~~والدليلين اللذين يتعونوا بهما . والسبب فى هذا التناقض أنهم لم يلحظوا ~~الأمر من جميع جهاته بل لحظوا هؤلاء الأمر من جهة وهولاء من جهة . ولذلك ~~قول كل واحد منهما صادق بالجزء وكاذب بالجزء . وذلك أنه إذا تؤمل الأمر ~~بالأقاويل البرهانية وجد أن الشئ يلزم أن يفعل فى الشئ من جهة ما هو ضد وأن ~~ينفعل عنه الشئ من جهة ما هو شبيه . وذلك أنه ليس يمكن أن يفعل الشئ فى ~~الشئ من جهة ما هو شبيه فإنه كما قال القدماء ليس أحدهما أولى بأن يفعل فى ~~صاحبه من الآخر . ولو وجد الشبيه يفعل فى شبيهه لكان الشئ يفعل فى نفسه . ~~ولو كان ذلك كذلك لم يكن هاهنا شئ غير فاسد ولا متحرك لأن كل شئ يحرك ذاته ~~ويفسد ذاته . وإذا لم يفعل الشئ بما ms35 هو شبيه فهو ضرورة يفعل بما هو مخالف ، ~~PageV01P058 # [49] وكذلك يظهر أنه لا ينفعل الشئ من جهة ما هو مخالف وأنه لو ~~انفعلت الأشياء المختلفة بعضها من بعض لا نفعل كل شئ وهو ظاهر أنه لا ينفعل ~~كل شئ عن كل شئ . فإنه لا يمكن أن ينفعل البياض عن الخط ولا الخط عن البياض ~~إلا بالعرض ، مثل أن يتفق أن يكون الخط أسود . وإذا كان ذلك كذلك فالشئ ~~إنما ينفعل بما هو شبيه . فقد تبين لنا من هذا أن الفاعل والمنفعل هو من ~~جهة شبيه ومن جهة مخالف . # [50] وإذا تأملنا الأشياء الفاعلة والمنفعلة ظهر ~~لنا أنها أضداد . فإنه ليس يخرج الشئ شيئا عن طبعه إلا إن يكون له ضدا . ~~ولذلك لم يكن أي شئ اتفق أن ينفعل عن أي شئ اتفق . فإذا كانت الأشياء ~~الفاعلة والمنفعلة هي أضداد وكانت الأضداد متشابهة بالجنس إذ كانت واحدة به ~~ومختلفة بالنوع ، فواجب أن تكون الأشياء المنفعلة والفاعلة متشابهة بالجنس ~~مختلفة بالنوع . فأما أن الفاعلة والمنفعلة هي أضداد فذلك ظاهر بالقول كما ~~تقدم وبالاستقراء . PageV01P059 من جسم مضاد له مثل تكون النار وذلك أن ~~الجسم إنما شأنه أن يقبل التأثير عن الهواء وكذلك الطعم عن طعم مضاد له ، ~~واللون عن لون أيضا مضاد له . والسبب فى القبول هو الجنس المشترك لهما ، ~~وفى الفعل هو الضدية . وليس الصدق موجودا فى هذه القضية المأخوذة هاهنا ~~أعنى القائلة إن الأشياء الفاعلة والمنفعلة هي أضداد ، بل وعكسها يظهر أيضا ~~أنه صادق . وذلك أنه إذا وضعنا أن الأضداد متفقة بالجنس مختلفة بالنوع وأن ~~المتفقة بالجنس المختلفة بالنوع فاعلة ومنفعلة ينتج لنا من ذلك أن الأضداد ~~وما بينها هي الفاعلة والمنفعلة . وهذا البيان وإن كان لا يفيد بذاته ~~تصديقا على الإطلاق إذ كان بيانا بالدور . فقد يفيدنا كما يقول الإسكندر ~~تصديقا ما . # [51] وكون الأضداد فاعلة منفعلة يظهر من الضدية الموجودة في ~~الأشياء هي سبب كونها بالجملة وفسادها ولذلك كانت النار تسخن والثلج يبرد . ~~وبالجملة فلما كان الفاعل والمنفعل ضدا من جهة وشبيها ms36 من جهة لزم ضرورة أن ~~يكون هذا يفعل وهذا ينفعل وإلا لم يكن هنالك كون ولا فساد . PageV01P060 ~~ # [52] ولما لم يهتد القدماء لهذا المعنى بجملته كان ما اهتدى إليه أحد ~~الفريقين شبيها بما اهتدى إليه الفريق الآخر منه ، والذى غلطهم أن الناس قد ~~ينسبون الفعل إلى موضوع الضد لا إلى ضد ، ولما كان الموضوع هو الشبيه ظن ~~هؤلاء من هذه الجهة أن الفاعل شبيه ، وكذلك قد ينسبون الانفعال إلى الضد ~~ويقولون إن البارد يسخن ومن هذه الجهة ظن هؤلاء أن الإنفعال للأضداد . # [53] ~~قال : وينبغى أن تعلم أن الفاعل أيضا ضربان كما أن المحرك ضربان . وذلك أنه ~~فى كل واحد منهما أول وأخير . وكما أن المحرك الأول قد يمكن أن يكون غير ~~متحرك بل قد تبين وجوب ذلك فى الأمور الطبيعية والمحرك الأخير لا بد أن ~~يكون متحركا ، كذلك الفاعل الأول قد يجب أن يكون غير منفعل أصلا سواء كان ~~فى صناعة أو طبيعة . مثال ذلك أن الأبدان تنفعل عن صناعة الطب من المرض إلى ~~الصحة وليست تنفعل صناعة الطب بهذا الانفعال ، إذ كان الطب هو فاعلا أولا ~~وأما الغذاء أو الدواء الذى به يفعل الطب الصحة فى البدن فهو ينفعل ويفعل . ~~PageV01P061 والسبب فى ذلك هو الهيولى ، فإنه أي فاعل لم يكن هيولاه وهيولى ~~المنفعل واحدة بعينها ، فواجب ألا يكون ينفعل بذلك النوع الذى به يفعل . ~~وأي فاعل كانت هيولاه وهيولى المنفعل واحدة بعينها ، فواجب فيه أن ينفعل عن ~~الذى يفعل فيه ، وأعنى بالهيولى الواحدة التى هي قابلة للضدين على مثال ~~واحد أعنى الهيولى التى تقبل الحار مثلما تقبل البارد ، فالصناعة لما كانت ~~هيولاها غير هيولى الصحة لم تنفعل عن المرض . وذلك أن المرض هيولاه الأخلاط ~~الأربعة والطب هيولاه النفس . # [54] وإذا كان الفاعل الأول واجبا فيه ألا ~~ينفعل ، فواجب أن يكون فى غير هيولى المنفعل . وهكذا الأمر فى الفاعل الأول ~~أعنى الجرم السماوي ، فإنه فى موضوع مغاير للموضوع الذى فيه الأمور ~~المنفعلة . وإن وجد هنا فاعل هو فى غير مادة أصلا فواجب ms37 فيه ألا ينفعل ولا ~~شئ من ضروب الانفعال لا بالذات ولا بالعرض إذ قد ظهر أن الهيولى هي سبب ~~الانفعال . أما الانفعال المتشابه فسببه الهيولى الواحدة . وأما الانفعال ~~المتغاير فسببه تغاير الهيولى . والسبب الفاعل يشبه بوجه ما السبب المحرك ~~ويغايره بوجه ما على ما قلناه . PageV01P062 # [55] وأما السبب الفاعل فهو ~~بما هو فاعل غير السبب الذى من أجله يفعل الفاعل وهو الصورة . ولذلك إن قيل ~~اسم السبب عليهما فباشتراك الاسم . وذلك أن الفرق بين السبب الفاعل والسبب ~~الصوري وإن كانا واحدا بالنوع ، أن السبب الفاعل إذا حضر وجدت الصورة وحدثت ~~فى المنفعل ، والصورة إذا وجدت ليس يحدث عنها فى المنفعل شئ . وأما السبب ~~الهيولاني فهو يخالف هذين بأنه القابل للصورة مثل قبول المادة الأولى لصورة ~~النار . فإن كانت هاهنا صورة مفارقة كأنك قلت الحرارة مفارقة ، وإن كان ليس ~~يمكن ذلك فى الحرارة بما هي حرارة ، فواجب أن تكون فاعلة غير منفعلة بضرب ~~من ضروب الانفعال وألا يكون لها سبب فاعل إلا باشتراك الاسم . ### | القسم الثانى # وهذا القسم فيه ثلاثة فصول : الفصل الأول : يخبر فيه بمذاهب القدماء فى ~~أسباب الفعل والانفعال وفيما ينساب ذلك ويقايس بين مذاهبهم فى التغايير ~~الطبيعية بحسب أصولهم . الفصل الثانى : يرد به على القائلين بالأجزاء التى ~~لا تتجزأ بحسب ما يحتاج إليه فى هذا القول . الفصل الثالث : يخبر فيه ~~بالسبب الذى من جهته كان الفعل والانفعال يوجد للأمور الطبيعية . ~~PageV01P063 ### | الفصل الأول # [56] قال : إن بعض القدماء قالوا إن الانفعال إنما يكون فى الأشياء ~~الموجودة من جهة أن فيها ثقبا ينفذ فيها الفاعل الأخير . قالوا : وبهذا ~~الوجه كان انفعال سائر الحواس . وذلك أنا إنما بأن ينفذ البصر فى الهواء ~~وفى الماء وفى الأجرام المشفة وذلك الثقب الموجودة فيها . وهذه الثقب لا ~~ترى لصغرها وهي متراضة منظومة معتدلة ، وهي أكثر فيما كان من الأجسام أكثر ~~شفيفا . فقوم ذهبوا هذا المذهب فى إعطاء سبب بعض الأشياء التى تظهر فى ~~الأمور الطبيعية . وذلك أن الثقب عندهم هي سبب الانفعال وسبب المخالطة وسبب ~~النمو ms38 ، وممن ذهب هذا المذهب ابن دقليس . وهؤلاء لم يسلكوا سبيلا واحدا فى ~~إعطاء أسباب جميع ما يظهر فى الموجودات الطبيعية من سائر التغايير مثل ~~الكون والفساد والاستحالة ، لأن الثقب ليس يمكن أن تكون سببا لهذين ~~التغيرين أعنى الكون والاستحالة . PageV01P064 # [57] أما الذين سلكوا فى ~~جميع ذلك سبيلا واحدا وراموا إعطاء ذلك من جهة واحدة فهم آل لوقيس وآل ~~ديمقراطيس القائلون بالأجزاء التى لا تتجزأ . فإن هؤلاء جعلوا نظرهم من ~~الأمور المحسوسة وهي المبادئ التى هي على المجرى الطبيعي للناظرين وراموا ~~أن يعطوا أسباب ما يظهر فيها من قبل اعتقادهم فى الأسطقسات أنها أجسام غير ~~منقسمة . واطرد لهم ذلك فى جميع الأشياء لو كان الأمر على ما ظنوا فى ~~الأسطقسات . وأما قوم آخر وهم آل برمنيدس وآل ماليسيس فجحدوا الأمور ~~المحسوسة وجعلوا المبادئ مما خيل لهم . فقالوا إن الموجود كله واحد وإنه ~~غير متحرك . # [58] والقول الذى حركهم إلى هذا الإعتقاد هو هكذا : قالوا إن ~~كان الموجود متحركا أو كثيرا ، فهنا ضرورة خلاء موجود . وذلك أن المتحرك ~~ليس يمكن فيه التغير ما لم يكن له خلاء يتغير فيه . وكذلك أيضا الكثرة لا ~~يمكن أن تكون موجودة ما لم يكن خلاء . قالوا : وسواء كانت الأشياء الكثيرة ~~منفصلة بعضها من بعض أو متماسة أو كثيرة بقبول الانقسام فإن كل واحد من هذه ~~يلزم وجود الخلاء . وذلك أن المنفصلة إنما انفصلت بالخلاء الذى بينهما . ~~وكذلك المماسة إنما لم تتصل لموضع الخلاء الذى بينهما . PageV01P065 قالوا ~~: وأما المتصل فليس يمكن أن ينقسم حتى يكون كثيرا ما لم يكن كله خلاء ، ~~وذلك أن المتصل إن كان منقسما فهو منقسم بكليته . وذلك أن القول بأنه منقسم ~~فى البعض وغير منقسم فى البعض خارج عن القياس . فإنه لا سبيل أن يقال أي ~~جزء هو المنقسم وأي جزء هو غير منقسم ولا أن يقال إنما صار هذا منقسما بأنه ~~خلاء وهذا غير منقسم بأنه ملاء . وإن كان منقسما بكليته لم يبق منه شئ غير ~~منقسم ، فوجب أن يكون كله خلاء وألا يكون ms39 هنالك كثرة لأنه إذا لم يكن هنالك ~~آحاد ينقسم إليها لم تكن هنالك كثرة . لكن الخلاء غير موجود فالكثرة ~~والحركة غير موجودة . فهؤلاء قد تركوا ما يوجد حسا لأمثال هذه الحجج لأنهم ~~رأوا أن القياس أولى بأن يتبع من الحس . ولذلك قال بعضهم إن الكل غير متناه ~~لأنه لو تناهى الكل لكان هنالك خلاء يتناهى إليه . وترك ما يوجد حسا لأمثال ~~هذه الأقاويل هو شئ أشبه بالجنون # [59] بل نقول إن المجنون لا يبلغ من جنونه ~~أن يرى أن النار والجمد واحد ، بل مقدار ما يعترى المجنون من ذلك أن يظن ~~بالأشياء التى هي قبيحة بحسب العادة أنها ليست بقبيحة ، وبما هو جميل أنه ~~ليس بجميل وأنه ليس بين أمثال هذه فرقا للخلفاء الذى هذا الجنس ، لا أن يظن ~~ذلك فى المحسوسات أنفسها . PageV01P066 # [60] وأما لوقيس فإنه وافقهم على ~~صحة اتصال المقدم بالتالى فى قياسهم ، وهو أنه إن كانت الحركة والكثرة ~~موجودة فالخلاء موجود وخالفهم فى المستثنى . وذلك أن القائلين بأن الموجود ~~واحد استثنوا مقابل التالى ، وهو أن الخلاء غير موجود فأنتج لهم مقابل ~~المقدم . وأما لوقيس فإنه استثنى ما هو ظاهر للحس وهو المقدم فأنتج أن ~~الخلاء موجود . ولذلك ظن أن عنده أقاويل فى إعطاء أسباب هذه الأشياء لا ~~يبطل معها لا الكون ولا الفساد ولا الحركة ولا الكثرة ولا شئ من الأمور ~~المحسوسة . ولما وافقهم بعض الموافقة فى الأشياء التى انتجوا منها أن ~~الخلاء غير موجود وهو قولهم الخلاء ليس هو شيئا موجود وليس شئ من الموجودات ~~يقال فيه أنه ليس هو شيئا موجودا ، قال إن الواحد بالتحقيق هو ما لم يكن ~~فيه خلاء وكان ملاء كله وهي الأجرام الغير منقسمة . # [61] قال : وذلك أنه لا ~~يمكن أن يكون من الواحد بالحقيقة كثرة وليس يمكن أيضا أن يكون من الكثرة ~~واحد بالحقيقة . ولذلك الموجود عنده ليس بواحد بالحقيقة ، بل فيه أجزاء غير ~~متناهية جائلة فى الخلاء ، إلا أنها تخفى لصغرها . فمن هذه الجهة فقط وافق ~~لوقيس لمن يقول بأن الموجود واحد ms40 ، وأما فى غير ذلك فهو فى عين المخالفة. ~~PageV01P067 وأما سبب الكون والفساد والفعل والانفعال والنمو والاستحالة ~~فلوقيس يوجبه من قبل وجود الأجرام الغير منقسمة جائلة ومتحركة فى الخلاء ~~فيقول إن هذه الأجزاء إذا اجتمعت وتشبكت فعلت الكون ، وإذا تشتتت فعلت ~~الفساد ، وإذا تماست وتلاقت من شيئين كان الفعل والانفعال ، وإذا تبدل ~~ترتيبها ووضعها فعلت الاستحالة ، وإذا تداخلت فعلت النمو . ووجود الخلاء ~~عنده واجب بين هذه الأجزاء متلاقية كانت أو مشتتة . ولذلك ليس الواحد عنده ~~على الحقيقة إلا الجرم الغير منقسم . # [62] وبالجملة كما أن أولائك يعطون ~~أسباب الفعل والانفعال والنمو من جهة الثقب كذلك يعطيها هذا من قبل الأجزاء ~~الغير منقسمة ووجود الخلاء . والقائلون بالثقب يكاد أن يلزمهم القول ~~بالأجرام التى لا تنقسم لأنه إذا لم تكن الثقب فى الجسم كله لأنه حينئذ كان ~~يكون كله خلاء . فواجب أن يكون الأجرام التى بين الثقب المتلاقية غير ~~منقسمة ، فإنه لا فرق فيما بين المذهبين إلا أن الذى بين هذه الأجرام هي ~~عند لوقيس خلاء وعند هؤلاء ثقب مملوءة من أجسام ألطف . فيكاد أن يكون مذهب ~~الفريقين فى الفعل والانفعال متقاربا ، إلا أن لوقيس أقدر على أن يأتي ~~بأسباب جميع التغايير من أصوله التى بنى عليها مذهبه . PageV01P068 وأما ~~غيرهم فدونهم فى ذلك . وذلك أنه ليس تبين من قول ابن دقليس بحسب أصوله ~~الجهة التى بها يكون الكون والفساد والاستحالة لجميع الموجودات الطبيعية . ~~وذلك أن أولائك يجعلون أن كون الأجسام الأربعة المسماة أسطقسات من الأجرام ~~الغير منقسمة ويجعلون السبب فى اختلاف هذه الأجسام هو اختلاف الأجرام الغير ~~منقسمة التى منها تركبت فى الشكل . وأما ابن دقليس فإنه يقدر أن يوفي سبب ~~الكون والفساد فى غير هذه الأجسام الأربعة بأن يقول إنها تنحل إلى هذه ~~الأجسام . فأما كون هذه الأجسام وفسادها فليس يمكنه فيها أن يأتي فيه بشئ . ~~ولذلك جحد كونها إذ ليس سقول إن هاهنا أسطقسا أقدم منها لا من النار ولا من ~~غيرها كما يقدر أن يقول بذلك من جعل هاهنا أسطقسا أقدم ms41 منها مثل لوقيس ~~وأفلاطون . # [63] إلا أن الفرق بين مذهب أفلاطون ولوقيس يوجد فى ثلاثة ~~أشياء: أحدها أن الغير منقسمة عند أفلاطون هي السطوح ، والغير منقسم عند ~~لوقيس هي الأجسام ، والثاني أن أشكال الغير منقسمة عند أفلاطون متناهية ، ~~وعند لوقيس غير متناهية ، والثالث أن أفلاطون ليس يدخل الخلاء ، ولوقيس ~~يدخله ، وكلاهما يقولان بالتماس إلا أنه ليس الخلاء من ضرورة التماس عند ~~أفلاطون. PageV01P069 ### | الفصل الثانى # قال : فأما أن السطوح الغير منقسمة ليست أسطقسات للأجسام الطبيعية فقد ~~تكلمنا فى ذلك فى غير هذا الموضع ، يعنى فى الثالثة من السماء والعالم . ~~وأما أنه ليست هاهنا أجسام غير منقسمة فإنا ندع الإمعان فى النظر فى ذلك فى ~~هذا الموضع وإنما نتكلم فيها بيسير من القول وبحسب ما تدعو إليه الجهة التى ~~منها يقولون أنها سبب الفعل والانفعال. # [64] فنقول : إنه قد يلزمهم ضرورة ~~أن يقولوا فى كل واحد من الأجرام الغير منقسمة أنه غير قابل أثرا أصلا ، ~~ولا فعلا ولا انفعالا ، وذلك أنه لما كان سبب الانفعال والفعل عندهم إنما ~~هو الخلاء المبثوث فى الأجرام المركبة من هذه ، وكانت هذه الأجرام ملاء غير ~~خلاء ، فواجب بحسب هذا ألا تفعل فعلا أصلا ولا انفعالا من الانفعالات ~~الموجودة فى الأجسام المركبة منها حتى لا يمكن أن يكون منها شئ بارد ولا ~~صلب ولا ذى كيفية من الكيفيات . لكن إن كان ذلك كذلك ، وكانت هي بذاتها ~~ومفردة لا تقبل الانفعال ولا الفعل ، ولا الخلاء فيه أيضا انفعال ، فأذا ~~ليت شعرى ما يكون سبب الانفعال ؟ PageV01P070 # [65] فهذا هو أحد الشناعات ~~التى يلزمهم إن وضعوها غير قابلة للتأثير . وأيضا قد يلزم عن أقاويلهم ~~شناعة أخرى ، وهي إن تكون قابلة للانفعال فإنهم يجعلون أن الكرية منها حارة ~~، فيلزمهم إن كانت الحرارة تخص الشكل الكري أن تكون البرودة تخص شكلا آخر ~~إذ كانت ضد الحرارة ، فإنه إذا وجد الضد فى جنس ما لزم أن يوجد فيه ضده ، ~~وإذا وجدت الحرارة والبرودة فيها وجب وجود الثقل والخفة والصلابة والين إذ ~~كانت هذه الكيفيات يظهر من ms42 أمرها أنها أشد تقدما فى وجود الأجسام من تلك . ~~ # [66] وإذاوجد الثقل وجد الأثقل كما يظن أنه يقول به ديمقراطيس أو يلزم قوله ~~وإذا وجد الأثقل وجد الأحر ، وإذا وجد الأحر وجد الفعل والانفعال ، فإن ~~الأكثر حرارة يجب ضرورة أن يفعل فى الأقل حرارة ، # [67] وأيضا إن كان هاهنا ~~صلب فهنا لين . وإنما يقال فى الشئ إنه لين إذا كان يتطامن . فيلزمهم على ~~هذا إذا أن يقبل الانفعال عن غيرها وذلك خلاف ما يرون ، فكيف ما وضعوا ~~الأمر فيها لزمهم المحال المتقدم ، وذلك أنهم إن وضعوها غير قابلة للانفعال ~~لزم الا تكون سببا للانفعال ، وإن وضعوها قابلة للانفعال ، لزم أن تكون ~~سببا للانفعال ، ويلزمهم من نفس وضعهم أن تكون قابلة غير قابلة كما قلنا ، ~~PageV01P071 # [68] وذلك أن من وضعهم أن فيها شكلا وحرارة يلزمهم أن تكون ~~قابلة للانفعال ، ومن وضعهم أنها غير منقسمة يلزمهم ألا تكون قابلة لانفعال ~~واحد ولا لأكثر من واحد . وذلك أنه إن قبلت الانفعال فإما أن تقبل واحد ~~واحد منها انفعالا يخصه كأنك قلت لهذا صلابة ولهذا حرارة ، وإما أن يقبل ~~الواحد منها أكثر من انفعال واحد . فإن قبل واحد واحد منها انفعالا يخصه ~~لزم ألا يكون طبائعها واحدة . وإذا اختلفت طبائعها فهنالك شئ به تختلف ~~وتتفق فهي منقسمة . وإن قبلت منها أكثر من واحد لزم أن تكون منقسمة ، لأن ~~الانفعالات عندهم إنما تختلف من جهة الأجزاء وترتيبها . # [69] وهذا شئ لازم ~~لمن قال بسطوح غير منقسمة وأجرام غير منقسمة أعنى ألا تقبل تخلخلا ولا ~~تكاثفا ولا غير ذلك من الكيفيات ما لم يكن فيها خلاء ، وكلا الفريقين ليس ~~يضعون فيها خلاء . أما أصحاب السطوح فينفون وجوده جملة ، وأما أصحاب ~~الأجزاء فينفونه عن الأجزاء . فكلا الوضعين يلزمهم من أقاويلهم نقيضه ، ~~أعنى أنهم إن وضعوها غير قابلة الآثار لزمهم أن تكون قابلة من قولهم ، وإن ~~وضعوها قابلة لزمهم أيضا من قولهم أن تكون غير قابلة ، وإذا لم يمكن أن ~~تكون لا قابلة ولا غير قابلة فوجدوها محال . PageV01P072 # [70] وأيضا فمن ~~الفضل اشتراطهم ms43 الصغر فيها إذا كانت بطبيعتها غير منقسمة . فأما نحن إذا ~~نعتقد أن الانقسام موجود للجسم فقد يكون الصغر عندنا سببا لعسر الانقسام ~~لكن بالعرض والكبر سبب لسهولة الانقسام إذ كان الكبير يلقى من الفاعل أكثر ~~مما يلقى الصغير . وبالجملة فهم لا يقدورون أن يقولوا لما صارت الصغار أولى ~~بعدم الانقسام من الكبار. # [71] وأيضا فقد نسألهم هل تلك الأجرام المصمتة ~~طبيعتها كلها واحدة أم تفرق بفصول محسوسة ، كأنك قلت بعضها أرضية وبعضها ~~نارية . فإن كانت طبيعتها كلها واحدة فما بالها إذا تلاقت ألا تصير واحدة ~~مثلما يعرض ذلك فى جميع الأجسام المتشابهة الأجزاء مثل الماء إذا لقي من ~~ماء والنار إذا لقيت نارا . وإن كانت تختلف بفصول فكم هي تلك الفصول وما ~~هي؟ فإن هذه الفصول إن كانت موجودة فهي أحق أن تكون مبادئ وأسبابا لما يحدث ~~من الأشكال. # [72] وأيضا إن كانت مختلفة بهذه الفصول فقد يلزم أن يفعل بعضها ~~فى بعض وينفعل بعضها عن بعض. # [73] وأيضا إن كانت متغيرة فى المكان كما يرون ~~ذلك أو أي صنف اتفق لها من أصناف التغير فلها ضرورة مغير . فإن كان كل واحد ~~منها يغير نفسه فإما أن يكون منقسما حتى يكون المغير فيه غير المتغير وإما ~~أن يكون غير منقسم فيكون المغير نفسه هو المتغير فيجتمع الضدان فى شئ واحد ~~بعينه ويكون القابل لهما واحدا بالعدد والقوة . PageV01P073 # [74] وذلك أن ~~السبب فى أن الضدين طبيعتان متباينتان هو أن الموضوع لهما اثنان بالقوة ، ~~وإنما هو اثنان بالقوة من جهة ما هو مركب . فلو كان بسيطا لكان واحدا ~~بالعدد والقوة . ولو كان الموضوع لهما واحدا بالقوة لكان الضدان طبيعة ~~واحدة بعينها فكان يجب اجتماعهما . فهذا جملة ما يعاند به فى هذا الموضع ~~القائلين بالأجرام الغير منقسمة . # [75] وأما القائلون بالثقب فإنه عاندهم ~~هكذا : وذلك أن الجسم إن كان ينفعل من قبل الثقب ، أعنى من قبل أن الجسم ~~الفاعل كما يضعون يدخل فى الثقب ، فلا يخلو ذلك من أحد قسمين ، إما أن يكون ~~ذلك والثقب مملوءة ، وإما أن ms44 يكون والثقب فارغة . فإن كان ينفعل والثقب ~~مملوءة من جسم فلا معنى للثقب ، لأنه لو كان الجسم الذى بهذه الصفة بغير ~~ثقب لقبل الانفعال كما يقبله بالثقب. فإن الحال فى الجسم الذى فى الثقب ~~واحدة من جهة قبول الانفعال . فإن كان الذى فى الثقب يقبل الانفعال فالذى ~~يوجد فيه الثقب أيضا يقبل كذلك . PageV01P074 # [76] وأيضا فعلى هذا لا يمكن ~~نفوذ البصر فى الأجسام المشفة من جهة الثقب إذ كان كل واحد منها ملآن لأنه ~~بمنزلة أن لو لم يكن فيها ثقب ، وأما إن كانت الثقب فارغة فيجب أن يكون ~~فيها أجسام . وذلك أن الخلاء والفراغ ليس شيئا إن كان موجودا إلا أنه موضع ~~للجسم . وإذا كان كل موضع فله جسم مساو وكل جسم فله موضع مساو وكل خلاء فله ~~جسم مساو له ، فلتلك الثقب أجسام مساوية . فإن قالوا إنها من الصغر بحيث لا ~~يمكن أن تقبل جسما كان هذا مما يضحك منه وهو أن يكون من لا يجوز وجود خلاء ~~مفارق كبيرا أن يجوز وجوده صغيرا . وبالجملة فالقول بالثقب لا معنى له لأنه ~~إن كان لا يقبل الجسم الانفعال فلا معنى للثقب ، وإن قبلها فالثقب لا معنى ~~لها . فقد تبين من هذا أن القول بالثقب إما أن يكون كاذبا وإما ألا يكون ~~سببا للانفعال بالذات . وذلك أنه لما كان الانفعال إنما يكون عندهم ~~بالانقسام فإن كانت تقبل الانقسام بكليتها فلا معنى للثقب وإن لم يكن يقبل ~~الانقسام فالثقب أيضا عبث . PageV01P075 ### | الفصل الثالث # [77] قال: وإذ قد تبين بطلان ما قاله القدماء فى الفعل والانفعال قنحن ~~مخبرون بالوجه الذى يجرى عليه الأمر فى ذلك وواضعون له المبدأ الذى قد ~~وضعناه مرارا كثيرة . وهو أن الأشياء لما كانت مركبة من هيولى وصورة ، كان ~~بعضها بالقوة شيئا ما وهو المنفعل وبعضها بالفعل ذلك الشئ بعينه ، وهو ~~الفاعل . وإذا كان ذلك كذلك فليس سبب الانفعال شيئا إلا كون المنفعل قابلا ~~للشئ الفاعل . وليس يمكن أن يكون المنفعل من جهة ما هو منفعل بالقوة قابلا ~~بجزء وغير ms45 قابل بجزء ، بل الذى يمكن أن يكون قبوله ببعض الأجزاء أكثر وأقل ~~. ومن هذا الوجه لقائل أن يقول بالثقب مثلما يوجد فى المعادن عروق ممتدة ~~قابلة لصورة المعدن المتكون أكثر من سائر أجزاء تلك الأرض . # [78] فالانفعال ~~والفعل يحدث بين الأشياء متى كان الفاعل والمنفعل غير متحد ، بل كانا شيئين ~~اثنين أحدهما مماس للآخر . وأما متى كانا غير متماسين فليس ينفعل أحدهما عن ~~الآخر إلا إن يكون ذلك بوساطة جسم آخر بينهما قابلا للانفعال . مثال ذلك أن ~~النار مثلا قد تسخن الشئ بملاقاتها إياه ومباشرته ، وقد تسخنه وهي منه على ~~بعد ما بوساطة تسخينها للهواء. PageV01P076 # [79] فأما أن الشئ ليس يمكن أن ~~يكون منفعلا ببعضه وببعض غير منفعل . فذلك يظهر من هذا القول ، وذلك أنه إن ~~كان الجسم ليس هو منقسما بكليته بل ينقسم إلى أشياء غير منقسمة إما أجرام ~~وإما سطوح ، فواجب ألا يكون منفعلا بجميع أجزائه . وإن كان وجود أشياء فى ~~الجسم غير منقسمة محال على ما تبين ، فواجب أن تكون طبيعة الجسم كلها واحدة ~~وأن تقبل الانفعال فى جميع أجزائه على مثال واحد سواء كان الانفعال من طريق ~~التقسيم وشيئا فى باب الكمية كما يقول به ديمقراطيس ولوقيس ، أو كان شيئا ~~فى باب الكيفية ، إلا أن إنزالنا إياه فى باب الكمية محال وشنيع ، وذلك أن ~~هذا القول يبطل الاستحالة . # [80] وذلك أنا نرى الجسم الواحد بعينيه يعود ~~مرة رطبا مرة سيالا وهو ثابت بعينه من غير أن يكون لحقه تقسيم ولا تركيب ~~ولا اختلاف وضع فى أجزائه ولا اختلاف ترتيب كما يقول ديمقراطيس . وذلك أنه ~~لم يبدل طبعه عندما جمد بأن يتركب ولا بأن ينقسم عندما سال ، بل هو بعينه ~~مرة سيال ومرة جامد صلب . # [81] وأيضا فكما أنه لا يمكن أن يكون على هذا ~~الرأي استحالة ، كذلك لا يمكن أن يكون نمو إذ كان النمو زيادة تعرض فى جميع ~~أجزاء النامى على مثال واحد . فمتى لم يفرض أن النمو يكون بأن تتغير جميع ~~أجزاء الكل إما بأن شيئا يخالطها فيغيرها ms46 ، وإما بأن الشئ تغير فى نفسه عما ~~خالطه ، لم يقدر أن يقول شيئا فى سبب النمو . فقد تبين من هذا القول ما ~~الأشياء الفاعلة والمنفعلة ، وتبين كيف يكون الفعل والانفعال وكيف لا يكون. ~~PageV01P077 ### | الجملة الثامنة # [82] قال : وقد ينبغى أن ننظر فى أمر المغالطة فإنها المعنى الثالث من ~~المعانى التى قصدنا التكلم فيها . وذلك بأن نخبر ما هي المخالطة وما ~~الأشياء المختلطة وفى أي الأمور يمكن وجود المخالطة . وقبل ذلك فينبغى أن ~~نحل الشك الواقع فى وجودها . فإن هاهنا قوما يرفعون وجودها وذلك أنهم قالوا ~~إن الأشياء التى يقال فيها إنها مختلطة لا تخلو من ثلاثة أحوال : إما أن ~~تكون ثابتة بأنفسها لم تتغير عما كانت عليه ولا فسدت ، وإما أن يكون ~~المختلطان فسد كل واحد منهما وإما أن يكون فسد أحدهما . فإن كان المختلطان ~~قائمين لم يفسد واحد منهما فلم يحدث فيهما معنى يجب من أجله أن يقال فيهما ~~فى وقت ما إنهما مختلطان وفى وقت ما إنهما ليسا مختلطين ، وإن كان فسد ~~أحدهما وبقي الآخر فهذا لا يسمى اختلاطا ، لأن المخالطة تقتضى أن يكون ما ~~يعرض لأحد المختلطين يعرض للثانى على مثال واحد ، وأما إن فسدا جميعا فليسا ~~بموجودين فضلا عن أن يكونا مختلطين . وإذا كان الأمر هكذا فليس هاهنا ~~مخالطة. PageV01P078 # [83] وهذا الشك يستدعى معرفة الفرق بين المخالطة ~~والكون والفساد وبين الأشيا ء المختلطة والأشيا ء الثابتة الغير مختلطة . ~~فأما الفرق بين الاختلاط والكون والفساد فبين بنفسه فإنا نقول فى الخشبة ~~إذا تغيرت وانقلبت إلى النار أنها تكونت نارا ، ولا نقول إنها اختلطت ~~بالنار ولا النار بالخشبة ، بل نقول إن الخشبة فسدت وإن النار تكونت . ~~وكذلك تبين الفرق أيضا بين الاختلاط والنمو. وذلك أنا لسنا نقول إن الغذا ء ~~اختلط بالبدن ولا البدن بالغذاء ، إذ كان الغذاء يفسد والبدن باق على حاله ~~كما قيل فى أحد أقسام الشك . وكذلك أيضا الفرق بين الاختلاط وبين الاستحالة ~~بين . فإنا نقول إن الجسم استحال أبيض بعد أن كان أسود ولا نقول إن ms47 البياض ~~اختلط بالجسم ولا الجسم بالبياض . وبالجملة فليس يمكن أن تختلط الصور ~~والكيفيات بالأجسام الحاملة لها ولا يمكن أيضا أن تختلط الصور والكيفيات ~~أنفسها بعضها ببعض ، كأنك قلت البياض بالمعرفة. ولذلك نقول إن أنكساغورش قد ~~أخطأ فى قوله إن جميع الأشياء المحسوسة هي كلها معا ومختلطة ، إذ كان ليس ~~يمكن أن يختلط كل شىء بكل شىء . وإذا كان المختلطان ليس أحدهما فاسدا ولا ~~كلاهما فاسدان ولا هما فى حال الاختلاط شيئان ثابتان كما كانا قبل ~~الاختلاط . فواجب أن يكون المختلطان من جهة موجودين ومن جهة غير موجودين ~~PageV01P079 # [84] ولما كنا نقول إن بعض الموجودات موجودة بالقوة وبعضها ~~بالفعل ، فقد نرى أن المختلطين فى حال اختلاطهما إما بالفعل فإن المتولد ~~منها هو غير المختلطين قبل أن يختلطا ، وإما بالقوة فكل واحد منهما موجود ~~كما كان قبل أن يختلطا. ولذلك ما نقول إنهما لم يفسد على التمام ولا بقيا ~~على أحوالهما قبل الاختلاط . وبهذا ينحل الشك المتقدم ، فإن هذه الجهة هي ~~التى اغفلوها فى التقسيم . والدليل على ذلك أنا نجد المختلطين إنما يختلطان ~~من شيئين كانا قبل الاختلاط مفترقين ثم إنهما بعد الاختلاط قد يمكن أن ~~يعودا مفترقين . فليس نقدر أن نقول إنهما بعد الاختلاط باقيان بحالهما قبل ~~الاختلاط وإلا كان اسم الاختلاط صفرا لا معنى له . ولا نقدر أيضا أن نقول ~~إنهما فسدا إلى النهاية ولا واحد منهما ، إذ كانا نجدهما يفترقان . فقد لزم ~~أن الاختلاط معنى موجود ضرورة . وقد ينبغى أن نقول ما هو ونبدأ بحل الشكوك ~~التى تعرض فى معرفة ما هو الاختلاط الحقيقي . # [85] فنقول إن الاختلاط لا ~~يخلو أن يكون إما شيئا عرض من باب الكيفية والصورة أو شيئا عرض من باب ~~الكمية . ثم إن كان شيئا عرض من باب الكمية ، فلا يخلو ذلك أيضا من وجهين ~~أحدهما أن يكون الاختلاط هو أن ينقسم كل واحد من المختلطين إلى أجزاء صغار ~~كل واحد منهما حافظ لطبيعة الشىء الذى هو جزء منه ، ثم تتداخل هذه الأجزاء ~~بعضها على بعض ويقع ms48 بعضها إلى جانب بعض أي جزء اتفق إلى جانب أي جزء اتفق ~~PageV01P080 حتى يعسر لذلك على الحس التفريق بينهما لصغرهما فيكون الاختلاط ~~على هذا شيئا يعرض عند الحس لأن طبيعة كل واحد من المختلطين قائمة فى تلك ~~الأجزاء ء بأنفسها ، إذ كان انقسام كل واحد من المختلطين إلى أجزا ء صغار ~~وتداخل بعضها على بعض حتى يعرض لها ألا تتميز عند الحس ليس مما يوجب تغير ~~طبائع المختلطين . ومثال ذلك أنا إن خلطنا حنطة بشعير فإنه يعرض لكل حبة من ~~حبوب الحنطة أن تقع إلى جانب أي حبة اتفقت من حبوب الشعير من غير أن تتغير ~~حبوب الشعير عن طبيعتها ولا حبوب الحنطة . والوجه الثانى أن يكون معنى ~~الاختلاط هو انحلال كل واحد من المختلطين وتغير طبائعهما بانقسام كل واحد ~~منهما إلى أجزا ء غير منقسمة بطبعها ثم تتداخل هذه الأجسام الغير منقسمة ~~بعضها على بعض حتى يكون المختلط شيئا حادثا هو بالفعل غير كل واحد من ~~المختلطين قبل أن يختلطا . فيكون الاختلاط على هذا ليس هو شيئا عرض عند ~~الحس ، ولكنه أيضا فى باب الكمية . ويفارق هذا الاختلاط ذلك المعنى الأول ~~بأن طبيعة كل واحد من المختلطين قد فسدت بانقسامها إلى أجرام غير منقسمة ، ~~وأما ذلك الانقسام فطبيعة الأجزاء هي من طبيعة المختلطين وتفارقه أيضا بأن ~~جميع أجزا ء أحد المختلطين موضوعا إلى جانب أجزاء المختلط الثانى أي جزء ~~اتفق إلى جانب أي جزء اتفق، PageV01P081 وأما فى الاختلاط بالمعنى الأول ~~فليس هو جميع الأجزاء ء إذ كانت الأجزاء الخافية عن الحس يمكن أن تنقسم ~~أيضا إلى أجزا ء أصغر منها . فإذا إنما وضع فى هذا الاختلاط بعض أجزا ء أحد ~~المختلطين إلى بعض أجزا ء المختلط الثانى وفى ذلك كل الأجزاء . وإذا قلنا ~~إن الاختلاط الذى يعرض من باب الكمية إن كان موجودا فإنما يكون فى هذين ~~القسمين ، # [86] فنقول إنه إن لم يكن الاختلاط تركيبا ولا كان الانقسام فى ~~الأجسام ينتهى إلى أجزا ء لا تتجزأ ، فواجب ألا يكون ms49 الاختلاط ولا فى واحد ~~من هذين القسمين . وإنما كان ذلك واجبا لأن الاختلاط إن كان على الوجه ~~الأول وهو الذى يخفى عن الحس كان الاختلاط تركيبا . ومعلوم أنه ليس ~~الاختلاط تركيبا ، فإن الأشياء ، المختلطة حد الكل والجزء منها واحد ، إذ ~~كانت أجساما متشابهة ، أعنى أنه يكون منها فعل الكل والجزء واحدا وليس كذلك ~~حال الأشياء المركبة . فإذا كان الأمر هكذا فليس يكون هنالك مخالطة ~~بالحقيقة ، بل عند الحس ، ويكون المختلط عند زيد غير المختلط عند عمرو ولا ~~يكون هاهنا بالحقيقة شىء مختلط عند الرجل المضروب به المثل فى حدة البصر . ~~فيكون اسم المخالطة والمزاج صفرا وإنما يكون هنالك تركيب أخفى من تركيب ~~وذلك شنيع . وإن كان على الوجه الثانى كان انقسام الجسم متناهيا ، وقد تبين ~~أن انقسام الأجسام إلى غير نهاية . فواجب ألا يكون الاختلاط ولا على واحد ~~من هذين المعنيين . PageV01P082 وإذا كان ذلك كذلك فإما أن يكون الاختلاط ~~غير موجود وإما أن يكون فى باب الكيفية . لكنه موجود فهو فى باب الكيفية . ~~وإذا كان فى باب الكيفية فقد ينبغى أن نقول أي الأشياء هي القابلة له وفى ~~أي باب من أبواب الكيفية هو وكيف يعرض . # [87] فنقول : أما الموجودات التى ~~يعرض لها الاختلاط فهي الموجودات التى قلنا إنه يقع فى كل واحد منهما من ~~صاحبه الفعل والانفعال . وقد قلنا إن هذه الأشياء هي التى هيولاها واحدة . ~~وأما الأشياء التى ليس هيولاها واحدة فليس يقع فيها مخالطة إذ ليس يقع فى ~~كل واحد منهما انفعال من صاحبه مثل صناعة الطب . فإنها تفعل فى الأبدان كما ~~قيل وليس تفعل فيها الأبدان. ولما كانت الأشياء التى هيولاها واحدة هي ~~متضادة على ما تقدم ، فالكيفيات التى تكون للمختلط بما هو مختلط هي كيفية ~~متوسطة بين الضدين الموجودين فى المختلطين. # [88] وأيضا فإنه تختص الأشياء ~~المختلطة بصفة ثانية وهي أن تكون سهلة التقسيم مستويا فى كل واحد من ~~المختلطين ، فإنه إذا انقسم أحد المختلطين لى أجزا ء كبار والثانى إلى ~~أجزاء صغار لم تكن مخالطة ، لأن ms50 الكبار تغلب الصغار . فيكون ذلك فسادا ~~للصغار وزيادة فى حجم المختلط الثابت ، مثل رطل من الخمر إذا خالط أرطالا ~~من الما ء فإنه يعود ماء . وسهولة التقسيم تعرض للأشياء المختلطة من قبل ~~الرطوبة كما أن عسره يعرض من قبل اليبوسة فلذلك أحق الأشياء بالاختلاط هي ~~الأشياء الرطبة ما لم تكن لزجة . PageV01P083 # [89] وأما الاختلاط فإنما ~~يعرض إذا فعل كل واحد من الضدين فى صاحبه فعلا قريبا من السواء حتى يعرض ~~للمختلطين كيفية واحدة متوسطة بين ذينك الضدين . ويكون الموضوع لتلك ~~الكيفية كمية المختلطين معا ضرورة . وذلك إذا كان المختلطان عندما يغير كل ~~واحد منهما صاحبه يستفيد كيفية سوا ء ، حتى إذا صار إلى الكيفية الوسطى ~~التى هي بالطبع كيفية واحدة لموضوع واحد ، كان الموضوع لها الكميتان جميعا ~~. وأما إذا لم يكن استفاد الكيفية كل واحد منهما على شرع سوا ء لعسر قبول ~~أحدهما كانت كمية المختلط أقل من كمية المختلطين لأن الأجزاء القابلة لتلك ~~الكيفية المتوسطة من المختلط العسير القبول تكون قليلة . ولذلك ربما لم ~~يستفد أحد المختلطين من الآخر إلا كيفية فقط وذلك لعسر القبول الذى فيه ، ~~أو إن استفاد فكمية يسيرة مثل ما يعرض عن مخالطة الرصاص النحاس فإن النحاس ~~إنما يقبل عن الرصاص لونا فقط . # [90] وذلك أن هاهنا أشيا ء كما يقول أرسطو ~~يوجد لها من حالة الاختلاط واختلافه فى الكثرة والقلة شبيه بما يوجد ~~لحروف التمتام من الاختلاط بعضها ببعض وميل بعضها إلى مخارج بعض ، وربما لم ~~يكن إلا أن احدهما بمنزلة القابل والآخر بمنزلة الصورة . فقد ظهر من هذا ~~القول ما هي المخالطة وفى أي الأشياء وأنها ليست كونا ولا فسادا ولا ~~استحالة ولا تركيبا ولا اختلاطا عند الحس ، وأن ألمخالطة إنما تكون للأشياء ~~السهلة الانحصار القابلة الانفعال المتشابهة ، وأنها ليست شيئا إلا اتحاد ~~المختلطين ورجوعهما واحدا بالاستحالة. PageV01P084 ### | المقالة الثانية # وهذه المقالة فيها جمل أربع: الجملة الأولى : يفحص فيها عن الأجسام ~~المسماة أسطقسات هل هي أسطقسات أم لا وإن كانت فهل كلها أو بعضها . ~~الجملة الثانية ms51 : يعرف فيها جهة كون هذه الأجسام الأربعة بعضها عن بعض ~~ويعاند آراء القدماء فى ذلك. الجملة الثالثة : يخبر فيها عن جهة كون ~~المركبات عن هذه الأجسام الأربعة ويبين فيها أن جميعها تتركب من هذه ~~الأربعة. الجملة الرابعة : يفحص فيها عن جميع أنواع أسباب الكون والفساد ~~العامة ويعرف الوجه الذى به يمكن اتصال الكون فى الموجودات الكائنة ~~الفاسدة. ### | الجملة الأولى # وهذه الجملة فيها فصلان : الفصل الأول : يذكر فيه بما سلف فى المقالة ~~الأولى ويخبر فيه الشىء الذى بقي عليه من هذا العلم ويفحص هل هاهنا أسطقسات ~~أقدم من هذه الأربعة أم لا . الفصل الثانى : يبرهن فيه أن هذه الأجسام ~~الأربعة هي أسطقسات المركبات . PageV01P085 ### | الفصل الأول # [1] قال : لما كنا قد قلنا كل ما ينبغى أن يقال فى المخالطة وفى المماسة ~~وفى الفعل والانفعال الموجود فى الأشياء الطبيعية ، وقلنا مع ذلك فى الكون ~~والفساد المطلق العام للبسائط والمركبات ، أعنى الذى يكون من واحد إلى واحد ~~وفى أي شىء يوجد وكيف يوجد وعماذا يوجد ، وقلنا مع ذلك فى الاستحالة ما هي ~~وما الفرق بينها وبين الكون ، فقد ينبغى علينا أن ننظر فى الأجسام التى ~~تدعى أسطقسات الأجسام. وذلك أنه إن كانت جميع المركبات محسوسة فواجب أن ~~تكون أسطقساتها القريبة أمورا محسوسة. وهو ينظر من هذه الأجسام فى هذا ~~الكتاب فى خمسة أشيا ء أولها هل هنا شىء أقدم أم لا ، الثانى ما هي فصول ~~الأسطقسات وكم عددها ، الثالث هل تكون بعضها من بعض وإن كان فكيف يكون ، ~~الرابع كيف يكون منها جميع ما يكون ، الخامس أن جميع المتشابهة مركبة من ~~كلها أعنى من الأربعة . وهو يبتدئ بالمعنى الأول . PageV01P086 # [2] فنقول : ~~إن قوما قالوا إن لهذه الأجسام الأربعة التى تسمى أسطقسات شيئا موضوعا ~~وهيولى لها موجودة بالفعل . فبعضهم جعلها واحدا منها إما هوا ء وإما نارا ~~وبعضهم جعل هذه الهيولى شيئا وسطا بين هذه الأجسام إلا إنها مع هذا شىء ~~موجود بالفعل . وقوم قالوا إنه ليس لها موضوع أقدم منها . واختلافهم فى هذا ~~مثل اختلافهم فى ms52 عددها . فإن قوما قالوا إن الأسطقسات من هذه اثنين فقط ~~بمنزلة من قال إنها نار وأرض فقط . وقوم قالوا إنها ثلاثة بمنزلة من قال ~~إنها النار والأرض والهوا ء، وقوم قالوا إنها الأربعة بعينها بمنزلة ابن ~~دقليس فإنه يرى أن الأسطقسات هي هذه الأربعة وأن ا لكون والفساد يعرض ~~للأمور من اجتماعها وافتراقها واستحالتها . # [3] قال : فأما القول بأن ~~الأوائل التى عنها يلحق الكون والفساد جميع الموجودات كيف ما كان ، أعنى ~~كان اجتماعا أو افتراقا أو على وجه آخر غير ذلك ، واجب أن يسمي أسطقسات ~~ومبادئ ، فذلك أمر متفق عليه . وأما كم عدد هذه المبادئ وكيف ترتيبها فى ~~التقدم والتأخر فأمر غير بين بنفسه . فأما من جعل لهذه الأربعة الأجسام ~~مادة أقدم منها وجعلها جسمانية وبالفعل فهو مخطئ . وذلك أن كل جسم موجود ~~بالفعل فليس يكون خلوا من وجود المتضادات فيه . وإذا لم يكن لهذا الجسم ~~الخامس فصل إلا أحد الفصول الموجودة لهذه الأربعة ، فهو واحد منها ضرورة ، ~~وسوا ء فرض هذا الجسم متناهيا أو غير متناه كما يقول به قوم ، وذلك أنه يجب ~~ضرورة أن يكون هذا الجسم الخامس إما ثقيلا وإما خفيفا وإما باردا وإما حارا ~~. PageV01P087 # [4] قال :وأما أفلاطون فى كتاب طيماوس فإنه وضع لهذه الأجسام ~~الأربعة هيولى أقدم منها ، إلا أنه لم يصرح فى أمر هذه الهيولى هل هي ~~موجودة بالفعل أم لا . ولا قال فى ذلك قولا بينا أكثر مما قال فيه إنه قابل ~~للكل ولا استعمله فى سائر الموجودات ولا أعطى سببا يظهر فيها ، وإنما قال ~~إن هاهنا موضوعا متقدما على الأجسام التى تسمى أسطقسات كما أن الذهب متقدم ~~على الحلي الذى يصاغ من الذهب . ويقول إن الكائن منها إن سمي باسم الشىء ~~الذى كان منه ، كان قولا فى غاية الصدق كما أنه إن سمي السوار ذهبا كان ذلك ~~حقا . وهذا الذى قال به ليس يصح فى الأشياء التى تتكون وإنما يصح فى ~~الأشياء تستحيل . # [5] وقال أيضا إن الأسطقسات تنحل إلى سطوح . وهذا منه ~~متناقض فإنه ms53 ليس يمكن أن يكون الهيولى الأولى التى يسميها الموضوع سطوحا . ~~ # [6] قال : وأما نحن فإنا قد بينا أن لجميع هذه الأجسام المحسوسة هيولى هي ~~موجودة بالقوة غير متعرية من أحد الأضداد ، وأن هذه الأجسام الأربعة مركبة ~~منها ومن التضاد الموجود فيها ، ولذلك ما ينبغى أن نضع ما تبين من ذلك ~~هاهنا. PageV01P088 فنقول : إن المبدأ الأول لجميع الأشياء هي الهيولى ~~الغير مفارقة الموضوعة للتضاد ، لأن الحرارة ليس يمكن فيها أن تكون موضوعا ~~للبرد حتى تنقلب طبيعة الحار إلى طبيعة البرد ، بل إن انقلبت الحرارة برودة ~~فواجب أن يكون هاهنا موضوع يقبلهما جميعا تارة هذا وتارة هذا . وهذا لازم ~~فى الجوهر مثل لزومه فى التأثيرات . فلذلك صار المبدأ الأول ما هو بالقوة ~~جسم محسوس ، وأما المبدأ الثانى فهي المتضادات الأول التى لا يتعرى منها ~~الموضوع الأول ، والثالث بعده الماء والنار وما أشبههما من الأجسام المركبة ~~من المتضادة الأولى والهيولى الأولى . وإنما كانت هذه فى المرتبة الثالثة ~~لأنها متغيرة بعضها إلى بعض . فلذلك وجب أن يكون لها أسطقسات متقدمة عليها ~~. فأما الأسطقس المقول بالتقدم فينبغى أن يكون غير متغير أصلا . وليست هذه ~~الأجسام المسماة أسطقسات كما يقول ابن دقليس غير متغيرة بعضها إلى بعض ، ~~ولو كان الأمر كما زعم لما كان يوجد فيها استحالة ، أعنى فى فصولها التى هي ~~الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة . فإذا كان هنالك استحالة فهنالك موضوع ~~كما قيل فيما تقدم ، وإذا كان موضوع فثم كون وفساد . وإنما كان واجبا أن ~~يكون هنالك موضوع لأن الأضداد لا تتغير بعضها إلى بعض . PageV01P089 ### | الفصل الثانى # قال : وقد ينبغى أن نخبر عن أسطقسات الأجسام المركبة المحسوسة من جهة ما هي ~~أجسام مركبة أي الأجسام هي وكم هي . ويكون إخبارنا عن ذلك بطريق برهاني على ~~ما جرت عليه عادتنا فى الأشياء التى نخبر عنها ، لا بمنزلة من يضعها وضعا ~~ويستعملها فى إعطاء أسباب المركبات من غير أن يأتي ببرهان على أن فصولها هي ~~هذه الفصول وأن عددها هو هذا العدد . # [7] فنقول إنا لما كنا نطلب أسطقسات ms54 ~~الأجسام الملموسة من جهة ما هي ملموسة إذ كان هذا النوع من المحسوس هو الذى ~~يشترك فيه جميع الأجسام المركبة ، ونحن إنما نطلب المبادئ والأسطقسات ~~المشتركة لجميع الأجسام المركبة الطبيعية المحسوسة فواجب أن تكون فصول ~~الأجسام المركبة المحسوسة المتضادة التى هي أسطقسات لجميع الأجسام الملموسة ~~من جهة ما هي ملموسة موجودة فى هذا الجنس ، أعنى فى جنس الملموسات دون ~~غيرها من المتضادات التى فى غير هذه الحاسة أعنى حاسة اللمس . ولذلك ما يجب ~~ألا يكون الأسطقسات فصولها البياض والسواد أو الحلاوة والمرارة إذ كانت هذه ~~المضادة ليست مشتركة لجميع الأجسام . وليس لقائل أن يقول إن المضادة ~~الموجودة فى البصر أشد تقدما من مضادة اللمس إذ كان البصر أشد تقدما من ~~اللمس . فإنا لسنا نطلب فى هذا الموضع التقدم على جهة الغاية والصورة بل ~~التقدم الذى على جهة الموضوع والعنصر وهو المتقدم بالطبع . PageV01P090 # [8] ~~وإذا تقرر أن المضادة التى تركبت منها الأسطقسات الأول هي فى الملموسات ~~أنفسها فلنلخص أصناف المتضادات الأول التى فى اللمس وننظر أي منها يليق به ~~أن يكون فصول الأسطقسات الأول . والمتضادات الأول فى اللمس فهي الحرارة ~~والبرودة والرطوبة واليبوسة والثقل والخفة والصلابة واللين واللزوجة والقحل ~~والخشونة والملاسة والغلظ والرقة . فأما الثقل والخفة فلما كانا ليسا ~~بفاعلين ولا منفعلين ، وأعنى بذلك أنه لا الثقل يفعل ثقلا ولا الخفة تفعل ~~خفة ، ويدل ذلك على أن اسميهما ليسا يدلان عليهما إلا من حيث الحركة فقط لا ~~من حيث الفعل والانفعال ، وكان واجبا أن تكون المضادة الأولى التى فى ~~الأسطقسات فاعلة بعضها فى بعض ومنفعلة وإلا لم يحدث عنها شىء , فواجب ألا ~~تعد هذه المضادة فى فصول الأسطقسات بما هي أسطقسات . فأما الحرارة والبرودة ~~والرطوبة واليبوسة فإن أسماءها الدالة عليها إنما هي عندهم من حيث الاثنتان ~~منهما فاعلتان وهو الحرارة والبرودة ، والاثنتان منفعلتان وهما الرطوبة ~~واليبوسة . وذلك ظاهر من رسومها لأن الحرارة هي الجامعة للأشياء المتجانسة ~~. وذلك أن النار وإن ظهر أنها تفرق وتميز شيئا من شىء، فإنما فعلها ذلك من ~~جهة ms55 جمع المتجانس فكأنه ليس ذلك على القصد الأول . وذلك أنه يلحق جمع ~~المتجانس تفريق الغريب . وأما البرودة فإنها الجامعة الحاصرة للتى هي من ~~جنس واحد ومن غير جنس واحد . PageV01P091 # [9] وأما الرطوبة فهي ما ليس له ~~فى نفسه حد يحصره لكنها سهلة الانحصار من غيرها . وأما اليبوسة فهي ما له ~~فى نفسه حد يحصره وحصره من قبل غيره عسير . وهذه الرسوم للحار والبارد ~~واليابس والرطب وإن كانت ليست مما يدل عليها أسماؤها عندنا ولا هي رسوم ~~تتنزل منزلة الأقاويل الشارحة للاسم ولا يشهد لها التسمية كما كانت عندهم ، ~~فى ما أحسب ، فهي أمور بينة الوجود فى نفسها لهذه الكيفيات ، أعنى هذه ~~الأفعال التى رسمت بها ، وهي رسوم مأخوذة من خواصها . ولكن ا تفق لها فى ~~ذلك اللسان إن كانت أمورا مشهورة ومعقولة لشهادة التسمية لها وهي عندنا ~~معقولة لا مشهورة . فهذا أحد ما يوجب أن تكون هذه المضادة فصول الأسطقسات . ~~ # [10] والشىء الثانى أنا نجد جميع هذه المضادة التى هي تحت حس اللمس الفاعلة ~~مثل الرقة والغلظ واللزوجة والقحل والصلابة واللين وما أشبههما متولدة عن ~~هذه وراجعة إليها . أما الأشياء الرقيقة اللطيفة فلما كان من شأنها أن تملأ ~~فرج الأشياء وأن تتشكل بسهولة بشكل الحاوى كان بينا من أمرها أنها سهلة ~~الانحصار من غيرها ، وهذا هو حد الرطوبة المتقدم . فإذا كان كل رقيق رطبا ~~وليس كل رطب رقيقا فالرقيقة من الرطوبة ، إذ كانت الرطوبة متقدمة عليها ~~بالطبع . وإذا تبين أن اللطافة والرقة من الرطوبة فظاهر أن مقابلها الذى هو ~~الغلظ من اليبس . PageV01P092 # [11] وأما اللزج فإنه ظاهر أيضا أنه من ~~الرطوبة . وذلك أن اللزوجة هي رطوبة خالطها ما أوجب لها عسر تقسم وانفعال . ~~فكل لزج رطب، وليس كل رطب لزجا . وإذا كانت اللزوجة من الرطوبة فظاهر أن ~~مقابلها من اليبس وهو القحل . # [12] وذلك أيضا ظاهر من أن القحل هو ما صار ~~من اليبس الى غايته حتى انعقد لعدم الرطوبة . # [13] وكذلك اللين هو من ~~الرطوبة. وذلك أن اللين هو ما كان مؤاتيا ، إلا أنه ms56 ليس يزول كما يزول ~~الرطب ، فكل لين رطب وليس كل رطب لينا . ولذلك كان اللين من الرطوبة لا ~~الرطوبة من اللين . والصلابة أيضا من اليبس اذ كان الصلب منعقدا والمنعقد ~~يابس . # [14] قال : والرطب واليابس يقال كل واحد منهما على أنحاء شتى وكلها ~~ترتقى إلى اليبوسة الأولى والرطوبة الأولى التى حددناها . فأما أنهما ~~يقالان على أنحا ء شتى فيدل على ذلك أن لكل واحد منهما أكثر من مقابل واحد ~~، وذلك أن اليابس قد يقابله الرطب ويقابله الندى . فإذا اليابس على عدد ~~الأشياء المقابلة له ، وكذلك الرطب يقابله اليابس والمنعقد . وأما أن جميع ~~هذه المتقابلات ترتقى إلى الأولى منها ، فهو بين من أنه لما كان الندى ~~يقابله يابس ما وكذلك المبتل ، وكان الندى هو ما فى ظاهره رطوبة عرضية ~~والمبتل ما غارت الرطوبة فى عمقه ، فبين أن الندى والمبتل من الرطوبة ~~الأولى . وإذا كان ذلك كذلك فاليابس الذى يقابلها من اليبوسة الأولى . ~~PageV01P093 # [15] وكذلك أيضا إذا كانت الرطوبة تقال على ما له فى عمقه ~~رطوبة طبيعية ، وتقال على ما له فى عمقه رطوبة غريبة ، وهو المبلول . وكان ~~المنعقد هو ما عدم هذين النوعين من الرطوبة ، فواجب إذا كان المنعقد داخلا ~~فى اليبوسة الأولى أن يكون المبتلة والرطبة داخلة فى الرطوبة الأولى .فقد ~~تبين من هذا أن جميع ما يقال عليه يابس ورطب راجع إلى اليابس الأول والرطب ~~الأول ، وأن سائر المتضادات الفاعلة والمنفعلة فى حس اللمس راجعة إلى تلك ~~المضادات الأربع . والإسكندر يقول إنه إنما سكت عن التكاثف والتخلخل إما ~~لأنهما تحت الثقيل والخفيف وإما لأنهما تحت الصلب واللين وسكت عن الخشونة ~~والملاسة لأن الخشونة تحت اليبس والملاسة تحت الرطوبة . وهذا ليس ببيان . ~~فإن الزجاج متخلخل وصلب ، والرخام أملس وليس برطب . وكذلك أيضا الزجاج ~~متخلخل ثقيل ، والسحاب متكاثف خفيف . ويشبه أن يكون إنما سكت عن التكاثف ~~والتخلخل من قبل أنهما كيفيتان غير فاعلتين وانهما تابعتان أيضا للحرارة ~~والبرودة ، وسكت عن الخشونة لأن الخشونة تقال بالجملة على يبوسة مفرطة فى ~~سطح الشىء الخشن ، والملاسة ms57 على رطوبة ما فى سطحه . ولذلك كانت الجنادل ~~التى تتولد فى الماء ، يابسة ولكن ملساء . ويشبه أن يكون هذا هو الذى عناه ~~الإسكندر . PageV01P094 فلما كنا نجد المتضادات التى فى هذا الجنس إما ~~فاعلة ومنفعلة وإما غير فاعلة ولا منفعلة ، وكانت غير المنفعلة والفاعلة ~~ليست يمكن أن تكون فصولا للأسطقسات ، وكانت الفاعلة والمنفعلة نجدها ترجع ~~إلى تلك الأربع التى هي الحرارة واليبوسة والرطوبة والبرودة ،وكان يظهر من ~~أمر هذه أنها ليس ترجع بعضها الى بعض ولا يتقدم بعضها بعضا ، فمن البين أنه ~~ينبغى أن تكون هذه الكيفيات الأربع هي فصول الأجسام الأول . وإذا كانت هذه ~~الأربع ليس يوجد بعضها مفردا عن بعض وإنما توجد مركبة ، فبين أنه ينبغى أن ~~يكون عدد الأجسام التى هذه صور لها على عدد التراكيب الممكنة لهذه الكيفيات ~~الأول . # [16] ولما كانت التراكيب المتولدة عنها ستة ، اثنان غير ممكنين ~~وهما الحار البارد واليابس الرطب ، وأربعة ممكنة وهو الحار اليابس والحار ~~الرطب والبارد اليابس والبارد الرطب ، فبين أنه يجب أن يكون عدد الأسطقسات ~~هذا العدد ، فتكون الأسطقسات أربعة : أحدها حار يابس والأخر حار رطب ~~والثالث بارد رطب والرابع بارد يابس . وهذا الذى أدى إليه القول موافق لما ~~يوجد بالحس فى هذه الأجسام الأربعة أعنى الماء والنار والهواء والأرض . ~~وذلك أن النار حارة يابسة والهواء حار رطب لأنه بمنزلة البخار ، والماء ~~بارد رطب ، والأرض باردة يابسة . وإذا كان ذلك كذلك فيلزم عن ذلك أن تكون ~~هذه الأجسام الأربعة هي الأسطقسات ، لا بعضها دون بعض ، كما فعل ذلك كثير ~~من القدماء . PageV01P095 # [17] فإن الذين جعلوا هذه الأجسام الأول أسطقسات ~~. اختلفوا فى عددها . فبعضهم جعلها واحدا من هذه ، وبعضهم اثنين ، وبعضهم ~~ثلاثة ، وبعضهم الأربعة بأسرها . وكلهم أجمعوا على أنه لا يوجد أكثر من هذه ~~. فأما الذين جعلوا الأسطقس واحدا من هذه ثم جعلوا تولد سائر الأشياء من ~~ذلك الواحد بالتخلخل والتكاثف فقد يلزمهم ضرورة أن يقولوا بأسطقسين لأنهم ~~إذا قالوا بالتكاثف والتخلخل فقد قالوا بالحرارة والبرودة ، وإذا كان هنالك ~~ضدان فاعلان فهنالك منفعل ms58 وموضوع بالقوة . # [18] وأما الذين جعلوها اثنين ، ~~كما فعل برمنيدس ، النار والأرض ، فإنهم جعلوا المتوسط بين هذين اثنين ~~وجعلوهما مختلطين من الطرفين ، أعنى الهوا ء والماء . وكذلك أيضا الذين ~~جعلوها ثلاثة فإنهم جعلوا الوسط مختلطا من الطرفين ، وهم الذين زادوا مع ~~النار والأرض الهوا ء . وجعلهم إياها ثلاثة يشبه جعل أفلاطون المبادئ ~~الثلاثة الصغير والكبير والواحد ، PageV01P096 # [19] ومن جعلها ثلاثة ومن ~~جعلها اثنين متفقون فى جعلهم فيها طرفين ووسطا ، إلا أن من جعلها اتنين ~~تكون المتوسطة عنده اثنين ، ومن جعلها ثلاثة تكون المتوسطة عنده واحدا ، ~~وكلهم يضعون مضادة واحدة وموضوعا واحدا لها . وأما الذين جعلوها أربعة ~~بمنزلة ابن دقليس فإنه يردها إلى مضادة واحدة أعنى إلى ضدين اثنين . وذلك ~~أنه يجعل الضد الواحد النار والثانى الباقية كلها . فكلهم لم يتجاوزوا عدد ~~الأربعة ، وجعلوا فصولها المتضادة الملموسة ، ولذلك كانت هذه الأجسام ليست ~~أسطقسات أولى وإنما هي مركبة لا بسيطة . # [20] والأسطقسات البسيطة هي التى ~~منها تركبت هذه ، وهي أشياء تشبه هذه فى الكيفية لا أن هذه هي تلك بأعيانها ~~. مثال ذلك أن الشئ البسيط فى النار إن كان يشبه النار فعلى أنه شئ ناري لا ~~نار والشئ البسيط فى الهواء إن كان يشبه الهواء فعلى أنه هوائي لا هواء ، ~~وكذلك الأمر فى سائرها . # [21] قال : ولما كانت النار هي الغاية فى الحرارة ~~والجليد هو الغاية فى البرودة ، إذ كان الغليان للنار والجمود للجليد ، ~~والغليان والجمود نهايتان فى البعد ، فواجب أن يكون الجليد هو ضد النار . ~~فإذا كان الجليد جمود رطب بارد فواجب أن يكون النار غليان حار يابس . ولكون ~~هذين فى الغايتين لم يتولد عن واحد منهما شئ أصلا أعنى الجليد والنار . ~~PageV01P097 والإسكندر يقول إن هذا إنما يوجد للنار التى هاهنا . وأما ~~النار التى فى نهاية المحيط فليست تلك فى غاية الحرارة والغليان . ولذلك ~~كانت النار أكثر الأسطقسات سببا للتوليد وفى هذا نظر وسنفحص عنه . [22 قال ~~: ولما كانت الأجسام البسيطة أربعة فإن اثنين منها عن طبيعة الخفيف وهما ~~الهواء والنار ، واثنين منها من طبيعة ms59 الثقيل وهما الماء والأرض فالخفيف ~~الذى فى الغاية هو النار ، والثقيل الذى فى الغاية هو الأرض ، والماء ~~والهواء اللذان بينهما فى طبيعة المتوسط ، وكان أيضا واحد واحد من الخفيفين ~~ضد واحد واحد من الثقيلين ، فضد النار الماء وضد الهوا ء الأرض . وذلك أن ~~كل واحد من هذين يتضادان بالكيفيتين اللتين بهما يتقومان ، والغير متضاد ~~بكيفية واحدة . # [23] ويخص كل واحد من هذه الأربعة أنه ينسب إليه أحد هذه ~~الكيفيات الأربع على الإطلاق ، وتوجد فيه فى الغاية . فالأرض هي فى اليبوسة ~~أولى منها بالبرودة ، والماء بالبرد أولى منه بالرطوبة ، والهواء أولى ~~بالرطوبة منه بالحرارة ، والنار أولى بالحرارة منها باليبوسة ، ولهذا السبب ~~صارت الأجسام الأول أربعة . PageV01P098 ### | الجملة الثانية # [24] وهذه الجملة فيها فصول أربعة : الفصل الأول : يبين فيه أصناف تكون هذه ~~الأسطقسات الأربعة بعضها من بعض ، إذ قد تبين أنها متكونة بعضها من بعض . ~~الفصل الثاني : يبين فيه أنه ليس لها موضوع بالفعل لا منها ولا خارجا أقدم ~~منها وهو الرأي الذى حكاه أولا عن القدماء . الفصل الثالث : يبين فيه أنه ~~ليس يمكن أن يكون منها واحد أو أكثر من واحد بمنزلة المبدأ لسائرها فى ~~الكون ، أعنى أن يكون منه سائر الباقية ولا يكون هو من شىء منها بل الكون ~~فيها دائر . الفصل الرابع : يعاند فيه الذين يقولون إنها ليس تتغير بعضها ~~إلى بعض وهم أشهر ذلك آل ابن دقليس . ولذلك يجعل قوله مقابل قولهم ويعدد ~~المحالات التى تلزمهم في هذا القول في جميع الأمور الطبيعية . PageV01P099 ### | الفصل الأول # قال : ولما كان قد تبين فى الثالثة من السماء والعالم أن هذه الأجسام ~~البسيطة يتكون بعضها من بعض ، وإلا لما كان يوجد لا كون ولا فساد ، ومع ذلك ~~فتكونها وفسادها ظاهر للحس . وذلك أن تكونها وفسادها إنما هو فى الفصول ~~المدركة لحس اللمس ، فقد ينبغى أن نخبر عن جهات تكون بعضها عن بعض. وأولا ~~هل كل واحد منها يتكون عن كل واحد أم بعضها يمكن ذلك فيه وبعضها لا يمكن ~~فيه ، وهو ظاهر أنه يجب أن ms60 يكون كل واحد منها يتكون من كل واحد. وذلك أنه ~~يجب فى الأضداد أن يتكون بعضها من بعض وأن يتغير بعضها إلى بعض على ما تبين ~~من أمر الأشياء الفاعلة والمنفعلة . ولما كان كل واحد منها يوجد له تضاد ~~عند كل واحد منها ، إذ كانت فصولها إنما هي فى التضاد ، فمنها ما يضاد ~~بعضها بعضا بالفصلين اللذين بهما تقوما ، مثل النار والماء ، فإنهما ~~يتضادان بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، ومثل الهواء والأرض يتضادان ~~بالرطوبة واليبوسة والبرودة والحرارة . ومنها ما يتضاد بأحد فصليهما اللذين ~~يقومانهما مثل الهواء والنار فإنهما يتضادان باليبوسة والرطوبة فقط ومثل ~~الهواء والماء فإنهما يتضادان بالحرارة والبرودة فقط ومثل النار والأرض ~~فإنهما يتضادان بالبرودة والحرارة فقط وكذلك الماء والأرض يتضادان بالرطوبة ~~واليبوسة فقط . PageV01P100 اذا كان كل واحد منها يضاد كل واحد ، فواجب أن ~~يتكون كل واحد منها من كل واحد . واذ قد تبين أن كل واحد منها يتكون عن كل ~~واحد ، فقد يوقف بسهولة على جهات تكون بعضها من بعض . # [25] فنقول إن هذه ~~الأسطقسات الأربعة لما كان منها ما يشترك فى فصل ويتضاد فى فصل ، وهذه هي ~~المتتالية ، ومنها ما يتضاد فى فصلين وهذه هي الغير متتالية مثل النار ~~والماء والهواء والأرض . ويجب أن يكون الكون والفساد فيها على نوعين : أما ~~بين التى تتضاد بفصل واحد فبفساد مضادة واحدة ، مثال ذلك أن النار إنما ~~تتكون هوا ء بأن يفسد منها اليبوسة فقط وتبقى الحرارة ، وهذا هو أسهلها ~~تكونا إذ كان الفساد فيها فى مضادة واحدة ، # [26] وأما التى تتضاد بفصلين ~~فبفساد دينك الفصلين ، مثال ذلك أن النار إنما تتكون ماء بفساد الحرارة إلى ~~البرودة واليبوسة الى الرطوبة. وهذا هو أعسر الكونين فسادا إذ كان فى فصلين ~~متضادين . ولما كان أيضا كل واحد منهما يتقوم من فصلين أحدهما كيفية فاعلة ~~والأخرى منفعلة ، PageV01P101 # [27] كانت تلك الكيفيتان ربما عرض لهما أن ~~يكون إحداهما فى أسطقس والأخرى فى أسطقس آخر أمكن أيضا أن يكون هاهنا ضرب ~~ثالث من الكون ، وهو أن يتكون واحد منهما ms61 من اثنين ، إذا فسد من كل واحد ~~منهما الكيفية المضادة لذلك الأسطقس ، وبقيت الكيفية الخاصة به . مثال ذلك ~~إذا فسد من النار اليبوسة ومن الماء البرودة تكون الهواء ، لأنه يبقى من ~~النار الحرارة ومن الماء الرطوبة وهما فصلا الهواء . وهذا ليس يتفق فى كلها ~~وإنما يتفق أن يتكون واحد من اثنين إذا كان تلك الاثنان يتضادان بفصليهما ~~فيتكون من النار والماء أرض وهوا ء ، ويتكون من الهواء والأرض ماء ونار ، ~~ # [28] ويكون النار منهما موجودة حسا فإن اللهيب إنما هو دخان مشتعل والدخان ~~هو هواء وأرض . # [29] وأما التى تتضاد بفصل واحد وهي المتتالية فليس يمكن ~~أن تتكون من اثنين منها واحد . والسبب فى ذلك أنه إذا فسد من هذا فصل ومن ~~هذا فصل فإنه يبقى فصل واحد وإن فسد منها كليهما فصل واحد بقي فصلان ~~متضادان. وليس يمكن أن يكون جسم من هذه من فصل واحد ولا من فصلين متقابلين ~~، مثال ذلك أنه إذا فسد من النار اليبس ومن الهواء الرطوبة بقيت الحرارة ~~مفردة، PageV01P102 فلم يمكن أن يحدث عنها شىء . وإن فسد منهما جميعا ~~الحرارة بقيت الرطوبة واليبوسة ، وذلك تركيب لا يكون منه شىء . وهذا الكون ~~هو أعسر من الأول وأسهل من الثانى ، أما أنه أعسر من الأول فلأنه فى ~~كيفيتين ، وأما أنه أسهل من الثانى فلأن الكيفيتين المتغيرتين فيه من شيئين ~~وفى الثانى من واحد . ولذلك أما في الثانى فهو فساد لفصلين وكون لفصلين ~~وأما فى الثالث فهو فساد لفصلين وليس كونا لفصلين بل إنما هو تزيد لأحدهما ~~وتنقص للثانى. ومثال ذلك أنه إذا تكون من الماء والنار أرض فقد فسدت ~~الحرارة التى فى النار وبقيت البرودة للماء ، وفسدت رطوبة الماء وبقي يبس ~~النار . # [30] فقد تبين من هذا على كم وجه يمكن أن يتكون كل من كل وعلى أي ~~وجه ليس يمكن ذلك وأنه ليس يمكن أن يتكون واحد من ثلاثة ولا واحد من اثنين ~~متوالية بل من اثنين غير متوالية . PageV01P103 ### | الفصل الثانى # [31] قال : وليس يقتصر على هذا النظر فيها ms62 فقط بل ننظر فيها من وجوه آخر ~~فنقول : إن كان شىء من الأجسام الطبيعية موضوعا لهذه فواجب أن يكون إما ليس ~~واحد من هذه الأربعة وإما واحد من هذه الأربعة كما ظن قوم فى الماء والهوا ~~ء وما أشبههما . فإن كان منها فقد يجب أن تكون إما واحدا منها وإما أكثر من ~~واحد ، فإن كان واحدا كأنك قلت نارا أو هواء أو ماء أو أرضا فإما أن يبقى ~~ذلك الواحد عندما يتغير إليه وإما ألا يبقى ولا يثبت . فإن لم يثبت وتنحى ~~فليس بأسطقس . وذلك أن الأسطقس من شأنه أن يثبت إذ كان جزءا من الشىء الذى ~~هو له أسطقس . وإن كان يثبت قد يلزم عن ذلك أن يكون سائرها بالفعل ذلك ~~الشىء الموضوع ، فإن كان هواء كانت كلها هواء وإن كان ماء كانت كلها ماء . ~~وإذا كانت كلها تتغير وكان التغير إلى الضد والموضوع لتلك الأضداد ثابت ~~وموجود بالفعل ، فواجب أن يكون تغيرها إنما هو استحالة لا تكون ، وذلك شنيع ~~. وأيضا فإنه إذا كانت مثلا النار نارا وهواء معا ، والماء ماء وهواء معا ، ~~إذا قلنا مثلا إن الهواء هو الموضوع لجميعها ، لزم أن يوجد المتضادان فى ~~موضوع واحد . PageV01P104 وذلك أنه لما كان كل واحد منهما يتغير إلى ذلك ~~الواحد الذى هو الهوا ء مثلا ومن ذلك الواحد ، وكان كل تغير إنما يكون ~~بمضادة إحداهما في المتغير منه والثانية فى المتغير إليه ، ولنضع أن الهواء ~~هو ذلك الواحد الموضوع ، ولنضع أن المضادة التى بين الهواء والنار التى ~~إحداهما فى النار والثانية فى الهواء هي حرارة فى النار وبرودة فى الهوا ء ~~أو يبوسة فى النار ورطوبة فى الهواء علي ما هو موجود من أمرهما . فإذا ~~تغيرت النار إلى الهواء فإنما يكون ذلك بأن تتغير اليبوسة إلى تلك الرطوبة ~~إذ كان الهوا ء شيئا رطبا والنار يابسة . وإذا كان ذلك كذلك فليس يمكن إذا ~~تغير الهواء نارا أن يكون النار نارا وهواء معا ، لأنه يلزم أن يكون الشىء ~~يابسا رطبا معا ms63 وذلك محال . وإذا كان ذلك كذلك فالشىء الموضوع لهما هو ~~ضرورة شىء غير موجود بالفعل وهو الهيولى المشتركة . وهذا بعينه يلزم إن كان ~~الموضوع لها أكثر من واحد منها . # [32] وكذلك لا يمكن أيضا أن يكون هاهنا ~~جسم آخر غيرها منه كونها ، كأنك قلت جسم متوسط بين الهواء والماء وبين ~~الهواء والنار أغلظ من الهواء وأرق من الماء أو أرق من الهوا ه وأغلظ من ~~النار لأنه يكون ذلك الجسم هواء ونارا معا وهواء وماء معا فيوجد فيه ~~التضادان معا على ما تبين إذا كان الموضوع واحدا منها . PageV01P105 ويلزم ~~أن يكون الشىء موجودا معدوما معا إذ كان أحد المتضادة الموجود بين اثنين من ~~هذه هو عدم . وذلك أن البرودة عدم الحرارة واليبوسة عدم الرطوبة . وإنما ~~لزم ذلك لأنه إذا وضع متوسط ما بين طرفين متضادين ، ووضع التوسط إنما يخالف ~~بالأقل والأكثر لا أن له طبيعة غير طبيعتها ، فما وضع فى هذا الرأي أنه ~~إنما يخالفها باللطافة والغلظ ، فواجب أن يكون المتوسط من طبيعة الطرفين ~~فيوجد فيه المتضادان معا وذلك محال . وهذا معنى قوله إنه إن كان هاهنا ~~موضوع بين الهوا ء والنار إنه يلزم أن يكون هواء ونارا معا . وذلك أنه إن ~~كان إنما يخالف النار بأنه أغلظ من النار هو نار غليظة وإن كان إنما يخالف ~~الهوا ء بأنه ألطف منه فهو هواء لطيف ، وقد كان نارا غليظة فهو نار غليظة ~~وهواء لطيف وذلك مستحيل . وأيضا فإنه لا يمكن فى هذا الجسم المتوسط أن يكون ~~فى وقت من الأوقات قائما منفردا بنفسه كما يقول ذلك فيه قوم أنه قائم بنفسه ~~وإنه غير متناه وحاصر ومحيط . فنحن بين أحد أمرين إما أن نضع واحدا منها أي ~~واحد اتفق عنصرا لكلها وتلزمنا هذه الحالات كلها ، وإما أن نضع أنه ولا ~~واحد منها يمكن أن يكون بهذه الصفة . # [33] واذ قد تبين أنه ليس جسم ~~محسوس أقدم من هذه فواجب أن تكون كلها أول الأجسام المحسوسة . PageV01P106 ### | الفصل الثالث # قال : وبالجملة فقد يجب أن نقول ms64 فى هذه الأسطقسات إما أن لا يكون فيها تغير ~~أصلا إلى واحد ، وإما أن يكون فيها تغير . فإن كان فيها تغير فإما أن يكون ~~من بعضها إلى بعض كما قال أفلاطون إن الثلاثة لا تتغير إلى الأرض ولا الأرض ~~إليها من قبل المثلثات التي تبقى فضلا ، على ما قيل فى السماء والعالم وإما ~~أن يكون من كل واحد إلى كل واحد . # [34] لكن قد تبين فيما سلف أنه واجب أن ~~يتغير كل واحد إلى كل واحد ضرورة . وتبين مع ذلك على كم وجه يتغير وأنه ~~ليس تغير بعضها إلى بعض فى السهولة والسرعة سواء وأن التي تتضاد فى كيفيتين ~~أعسر من التى تتضاد بواحدة وتتفق فى واحدة . والذى بقي هو أن يبين أنه ليس ~~تغير كل واحد منها إلى كل واحد على أن يكون فيها ما هو أسطقس ومبدأ لكون ~~الباقية حتى يكون تغير تلك الباقية عنه تركيبا وتغيرها إليه أنحلالا على ~~جهة ما يوجد الأمر فى المركبات مع الأسطقس . PageV01P107 # [35] وذلك أنه قد ~~تبين أنه ليس تغير بعضها إلى بعض على أن واحدا منها موضوع لسائرها . فالذى ~~بقي أن يبين أنه أيضا ولا واحد منها أسطقس للباقية، أعنى أنه ليس فيها مبدأ ~~للتغير ونهاية بل تغير بعضها إلى بعض هو على وتيرة واحدة والموضوع لها هو ~~شىء بالقوة . وإنما فحص هنا عن هذا الفحص لأن هذا قد قال به كثير من ~~القدماء . والذين قالوا بذلك فرقتان : فرقة رأت أن الأسطقس لها هو واحد من ~~الأسطقسات التى فى الطرفين إما نار وإما أرض. وفرقة رأت أنه واحد من التى ~~فى الوسط إما هواء وإما ماء . فنقول أن القول بأن الأسطقس لها هو إما نار ~~أو أرض شبيه بقول من قال إنها كلها تكون من النار أو من الأرض على أن النار ~~أو الأرض موضوعة لهما بالفعل. وذلك أنه فى كلا القولين يلزم أن تكون كلها ~~نارا أو أرضا ، إلا أن فى ذلك القول تكون كلها نارا بالفعل أو أرضا بالفعل ~~، وفى هذا ms65 القول تكون كلها نارا متغيرة أو أرضا متغيرة . وكذلك يلزم هذه ~~الشناعة من قال إن الأسطقس لها هو أحد المتوسطات ، فأما أن يكون فيها ~~متوسط يتغير إلى الطرفين ولا تتغير الأطراف بعضها إلى بعض على ما يراه قوم ~~من أن الهوا ء يتغير إلى الماء وإلى النار ولا يتغير النار إلى الماء . ~~PageV01P108 فذلك يظهر أنه غير ممكن على هذه الجهة وذلك أن الهواء إذا تغير ~~إلى النار فبينهما ضرورة مضادة إحداهما فى النار والأخرى في الهوا ء ولتكن ~~المضادة التى فى النار يبوسة والتى فى الهواء رطوبة. وكذلك أيضا إذا فرضناه ~~يتغير إلى الماء فبينهما أيضا مضادة وهذه المضادة يلزم أن تكون غير المضادة ~~التى بينه وبين النار . وإلا كان الماء هو النار بعينه . فلتكن هذه المضادة ~~أما فى الهواء فحرارة وأما فى الماء فبرودة . وإذا كان ذلك كذلك فيكون ~~الهواء حارا رطبا . إلا أنه لما كان يضاد النار باليبس وجب أن يوافقها بما ~~ضاد به الماء وهي الحرارة ، فتكون النار حارة يابسة ضرورة . وكذلك يلزم أن ~~تكون الرطوبة التى ضاد بها النار أن يوافق بها الماء إذا تغير إليه فيكون ~~ثابتة في التغير ومشتركة لهما . ويوجد فى الماء مضادتان وهما الرطوبة ~~والبرودة ، وقد كانت فى النار الحرارة مقابلتها واليبوسة ، فواجب أن يكون ~~النار تتغير إلى الماء لأن الأشياء التى بينها مضادة فواجب أن يتغير بعضها ~~إلى بعض . ولما كان الهواء أيضا على هذا الرأي أسطقسا لجميعها وجب أيضا أن ~~يتغير إلى الأرض فيكون بينه وبين الأرض مضادة أخرى . PageV01P109 لما كان ~~الهوا ء حارا رطبا وكان يضاد الماء بالحرارة والنار بالرطوبة فواجب أن يضاد ~~الأرض بالكيفيتين جميعا وهي الرطوبة والحرارة . فتكون الأرض باردة يابسة ~~لأنه إن ضادها بإحدى الكيفيتين كانت الأرض إما نارا أو ماء. فإن كانت ~~الأجسام أكثر من أربعة وجب أن تكون المضادة أكثر من اثنتين . وذلك أنه واجب ~~أن يكون للمضادة الواحدة جسمان ، وللاثنتين أربعة . وكلما زاد جسم زادت ~~مضادة ووجد فى كل واحد منهما مضادة واحدة ms66 . فلنضع أن جسما خامسا يضاد الأرض ~~بالسواد والبياض على أن يكون السواد فى الأرض والبياض فى ذلك الجسم . وإذا ~~كان ذلك كذلك فذلك الجسم يوافق الأرض فى البرودة واليبوسة فهو أبيض بارد ~~يابس والأرض سوداء باردة يابسة. ولأن الأرض توافق كل واحدة من الثلاث بما ~~ضادت به ذلك الجسم الخامس فكلها موجود فيها السواد فيكون النار يضاد ذلك ~~الجسم الخامس بالسواد والبياض . فمن هنا يظن أنه إن كانت الأطراف متناهية ~~ومحدودة أنه ليس يمكن ألا تتغير الأطراف بعضها إلى بعض . وسوا ء كان المبدأ ~~هو أحد المتوسطات أو أحد الأطراف فيلزم ضرورة أن يكون بعضها من بعض دورا . ~~PageV01P110 # [36] فإن قال قائل أنه قد يمكن أن يكون التغير من بعضها إلى ~~بعض على استقامة ولا يعود التكون دورا ، مثل أن يتغير الأرض إلى الهواء ~~والهواء إلى الماء والماء إلى النار والنار إلى جسم خامس والخامس إلى سادس ~~وكذلك إلى غير نهاية من غير أن ينعطف ويعود دورا ، فقد يلزمه أن يكون ذلك ~~الجسم الخامس وذلك السادس، أو أي جسم أشرنا إليه ، يعود فيتغير من الذى ~~قبله بالبرهان المتقدم . لكن لننزل أنه لم يتبين ذلك ولنسلم أنها لا تعود ~~فتتغير دورا وإن كان قد تبين ولنبين أنه لا يمكن أن يمر التغير فيها على ~~استقامة . فإنه إذا بان امتناع ذلك وجب أن يعود دورا لأن التغير الدائم إن ~~لم يكن مستقيما فهو ضرورة دورا . فأقول إنه إن كانت النار تتغير إلى جسم ~~خامس والخامس إلى سادس ولا يعود التغير ، فقد يجب أن يكون بين النار وذلك ~~الجسم مضادة ثالثة أحد فصليها فى النار ، فيكون فى النار ثلاثة فصول وكذلك ~~فى كل واحد مما قبل النار . ولننزل أن الفصل الثانى منهما وهو الذى فى ~~الجسم الخامس، غير موجود فى واحد مما قبل النار ، إذ قد سلمنا لهم أن الجسم ~~المتأخر لا يتغير إلى ما قبله ، وان فرضنا جسما سادسا لزم أن يكون بينه ~~وبين الخامس مضادة رابعة تكون أحد فصليها فى الخامس وفى ms67 كل ما قبله ، فيكون ~~فى كل واحد من الخمسة أربعة فصول . PageV01P111 وكذلك كلما زدنا جسما زادت ~~الفصول فيما قبله . فإن كانت الأجسام غير متناهية لزم أن يوجد فى كل واحد ~~منها فصول غير متناهية . وإذا كان ذلك كذلك فليس يمكن كون واحد منها ولا ~~فساده ، لأن كونه لا ينقضى إلا بانقضاء ما لا نهاية له ، وما لا نهاية له ~~غير منقض ، فكونه وفساده غير منقض . فيلزم عن ذلك ألا يكون فيها تغير أصلا ~~من هذه الجهة ومن جهة أخرى . وذلك أنها لما كانت غير متناهية من الطرفين ~~وجب ألا يتغير واحد منها حتى يتغير قبلها أشياء لا نهاية لها ، وذلك غير ~~منقض . وأيضا إذا كانت المضادات قبل الأسطقس الواحد الغير متناهية غير ~~مضادة للمضادة التى بعده الغير متناهية أيضا وجب أن تكون متفقة . فتكون ~~فصول الأجسام التى قبله هي بعينها فصول الأجسام التى بعده فتكون تلك ~~الأجسام واحدة بالنوع . وإنما يلزم ذلك لأنه إذا كان الطرفان يضادان الوسط ~~ولا يتضادان، فهما يضادانه بمضادة واحدة والشيئان اللذان يضادان شيئا واحدا ~~بمضادة واحدة هما من نوع واحد . PageV01P112 ### | الفصل الرابع # [37] ولما فرغ من معاندة الآراء التى يمكن أن يقال فيها إن بعض الأسطقسات ~~لا تتغير إلى بعض ، عاد إلى معاندة من يقول إنه ولا واحد منها يتغير إلى ~~الآخر ، فجعل قوله قبالة ابن دقليس إذ كان هو أشهر من يقول بهذا . فقال ~~وأنا لأعجب من قول من يقول إن الأسطقسات كثيرة ويقول مع هذا إنها غير ~~متغيرة بعضها إلى بعض لأنها متعادلة ومتساوية فى القوة ، وذلك أن الأشياء ~~المتعادلة والمتساوية إما أن تكون متساوية فى الكمية أو فى الكيفية الواحدة ~~بعينها أو فى الكيفيات المتضادة على طريق النسبة مثل أن هذا الشىء يسخن كما ~~هذا يبرد إلا أن هذا التساوى الذى يوجد على طريق النسبة إنما يقال له تشابه ~~لا تساوى . ولذلك ليس نرى أن ابن دقليس عنى هذا النوع من التساوى ، وهو ~~يعدله على أنه لم يستعمل هذا النوع من التساوى . وذلك ms68 أن بهذا النوع فقط من ~~التساوى يمكن أن يدعي مدع أنها تبقى غير متغيرة . فأما بالنوعين الأولين ~~فلا يمكن أن تنحفظ . PageV01P113 وذلك أن التعادل الذى يوجد لها من قبل ~~الكمية أو من قبل الكيفية إنما يوجد لها من جهة ما هي من جنس واحد مشتركة ~~فى مادة واحدة . وإذا كان التغير لها إنما هو من جهة ما هي مختلفة لا من ~~جهة ما هي متفقة ، فلا معني لذلك التعادل إذ كان إنما هو من باب الاتفاق . ~~وذلك أنه إن قلنا أن أوقية واحدة من الماء تساوى فى الكمية عشر أواقى من ~~الهواء ، فذلك لا يكون إلا بأن يتصور هاهنا شىء موضوعا لهما مشتركا ، كأنك ~~قلت إذا امتد وتخلخل صار هواء واذا تكاثف وانقبض صار ماء . ومثل هذا ~~التعادل لا يفيد شيئا فتكون المختلفة غير متغيرة ، لأن هذا التعادل إنما هو ~~من جهة الاتفاق لا من جهة الاختلاف . وإن قلنا أنها متعادلة فى الكيفية ~~المشتركة كما يظهر من قول ابن دقليس أنه يريد بهذا المعنى مثل أن يقول أن ~~الحرارة التى فى جزء من النار مساوية للحرارة التى فى عشرة أجزا ء من ~~الهواء ، فمن البين أن هذا النوع من التساوى إنما يوجد من جهة ما هي مشتركة ~~فى هيولى واحدة من جنس واحد ، فإن الأقل والأكثر والمتساوى هي من جنس واحد ~~. وإذا كان ذلك كذلك فليس هذا النوع من التعادل والتساوى مغنيا فى ثباتها ، ~~لأن تغير النار إلى الهوا ء إنما هو بأن هذه يابسة وهذا رطب. فمن هذه الجهة ~~قد كان ينبغى لمن يقول إنها غير متغيرة أن يروم إعطاء التعادل بينها . وهذا ~~التعادل إنما يوجد لها فى الكل لا فى الأجزاء. ولذلك نقول نحن إنها غير ~~متغيرة بالكلية متغيرة. بالأجزاء . PageV01P114 # [38] قال : وقد يلزم ابن ~~دقليس شناعات كثيرة فى مذهبه مما يرى وفى غير ذلك . أما أولا فإنه لا يكون ~~النمو على رأيه إلا زيادة على النامى وتراكما فقط . وذلك أنه يقول إن النار ~~إنما تنمو بالنار والأرض بالأرض ms69 والأثير بالأثير، وهذا إنما هو زيادة لا ~~نمو . فإن النمو إنما يكون بطريق الاستحالة على ما تبين . # [39] وأصعب من ~~هذا عليه وأشنع أن يقول لما كانت الأشياء المتكونة بالطبع يوجد لها التكون ~~إما دائما وإما على الأكثر ، وذلك إنما يكون من تلقاء نفسه ومن الاتفاق ~~الذى يجعله هو سببا قريبا لحدوث الأشياء فأنه إنما يكون سببا لما يحدث على ~~الأقل . فما السبب عنده يا ليت شعرى فى أن يكون من الإنسان أبدا إنسان ~~دائما ومن الحنطة حنطة لا زيتونة . # [40] وما السبب فى أن صارت أعظام ~~المتكونات من الأسطقسات محدودة فى نوع نوع وجنس جنس ؟ وذلك أن الاجتماع ~~الذى يكون على طر يق الجزاف كما يقول هو ليس يكون سببا لحدوث هذه الأشياء ~~الذى يخص كل واحد منهم ضربة من التركيب والنسبة توجد دائما فى واحد واحد ~~منها ومحفوظة . ولا يمكنه أيضا أن يقول أن سبب هذا التركيب الخاص بموجود ~~موجود هو الأسطقسات ، ولا المحبة ولا العداوة . PageV01P115 # [41] وذلك أن ~~المحبة إنما هي عنده سبب الاجتماع والعداوة سبب الافتراق . وأما الأ سطقسات ~~فهي المجتمعة والمفترقة فلم يقل إذا شيئا فى سبب اختلاط اختلاط واجتماع ~~اجتماع من جهة ما هو دائما أو على الأكثر الذى هو طبيعة كل واحد من الأشيا ~~ء وجوهرها . فليس يقول إذا شيئا في أمر طبائع الأشياء . فإن وجود هذه ~~الأشياء إنما هو على جهة وجود الأفضل والأولى لا على جهة الاختلاط والجزاف ~~الذى يحمده هو . ومن الشنيع أيضا أن تكون الأسطقسات والمحبة عنده أقدم من ~~الآلهة . وذلك أن الآلهة عنده هي الكرة السماوية ، وهي مركبة عنده من الأ ~~سطقسات واجتماعها عن المحبة . ولذلك يذم العداوة إذ كانت عنده مفسدة للآلهة ~~ومفرقة لها . وقد يلزم أن تكون المحبة مفرقة . وذلك أنها إذا كانت سبب ~~اختلاط الأسطقسات فهي السبب فى زوال فصولها وذلك تفريق لا جمع . # [42] ~~وكذلك أيضا لم يأت فى أمر الحركة بشىء ولا قال فى طبيعتها قولا . فأنه ليس ~~يكفى معرفة طبيعتها أن يقال أن العداوة والمحبة يحركان ms70 حتى يقال ما الحركة ~~التى تحركها العداوة وما الحركة التى تحركها المحبة . فقد كان يجب أن يقال ~~فى ذلك إما قولا مستقصى وإما قولا مقنعا . PageV01P116 # [43] وأيضا فلما ~~كنا نجد لكل واحد من الأسقطسات حركة قسرية فيوجد لكل واحد منها ضدها وهي ~~الحركة الطبيعية . وذلك أن الحركة الطبيعية هي أقدم . وإذا كان ذلك كذلك ، ~~وكنا نجد النار والأرض إنما يجتمعان عندما تتحرك الأرض إلى فوق ويهبط النار ~~إلى أسفل ، ويفترقان عندما تصعد النار ويهبط الأرض ، والصعود للأرض والهبوط ~~للنار قسري . فإن كانت العداوة هي سبب الافتراق فى الأشياء على ما يقوله ~~هذا الرجل والمحبة سبب للاجتماع ، فالمحبة التى يمدحها ويقدمها هي سبب ~~الحركة القسرية المتأخرة والعداوة سبب الحركة الطبيعية المتقدمة . فالعداوة ~~إذا أولى بأن تكون سببا من المحبة . وذلك شنيع عنده # [44] فإن لم تكن المحبة ~~ولا العداوة سببا لهاتين الحركتين ، فليسا سببا لحركة أصلا . وإذا لم يكونا ~~سببا للحركة فليس هنالك حركة أصلا . وأيضا فإنا نقول إن العالم لما كان قد ~~تبين أنه يتحرك فى هذا الوقت عن وجود حركة العداوة عنده ، وفى القديم عن ~~وجود حركة المحبة عنده بحركة واحدة وعلى مثال واحد، فليس يمكن أن تكون ~~العداوة ولا المحبة سببا لهذه الحركة لأن هاتين الحركتين اللتين سببهما ~~العداوة والمحبة هما حركتان متغايرتان لا يجتمعان معا فى موضرع واحد في وقت ~~واحد بل توجد هذه حينا وهذه حينا . فاذا المحرك للحركة الواحدة في زمان ~~تحريك العداوة وزمان تحريك المحبة ليس هو المحبة ولا العداوة . PageV01P117 ~~ # [45] ومن الشنيع أيضا قوله إن النفس يكون من الأسطقسات ، وذلك أنه لا سبيل ~~إلى أن يوفي أسباب أفعال النفس وانفعالاتها من الأسطقسات لا من واحد منها ~~ولا أكثر من واحد منها ، مثل العلم والجهل والذكر والنسيان وغير ذلك من ~~أفعال النفس . وأيضا أن كانت النفس كما يقول قوم نارا أو خلطا من النار ومن ~~سائر الأسطقسات ، فواجب أن يوجد فيها إما عوارض النار ولواحقها وإما لواحق ~~الجسمية . إلا أنه ليس شىء من انفعالاتها منسوبا إلى انفعالات ms71 الأجسام ، ~~لكن النظر فى هذه الأشياء ليس من هذا الكتاب . فلنرجع إلى حيث كنا فيه من ~~الأسطقسات وننظر كيف تتولد منها سائر الأشياء . PageV01P118 ### | الجملة الثالثة # وهذه الجملة فيها فصلان : الفصل الأول : يخبر فيه عن جهة حدوث المركبات عن ~~الأسطقسات . الفصل الثانى : يبرهن فيه أن جميع المركبات هي من الأسطقسات ~~الأربعة . ### | الفصل الأول # [46] قال : أما من ظن أن الأسطقسات التى منها قوام الأشياء وتركيبها لها ~~هيولى مشتركة أو أنها تتغير بعضها إلى بعض ، فقد يجب عليه متى اعترف ~~بالهيولى المشتركة أن يعترف بتغير بعضها إلى بعض ، ومتى اعترف بالتغير أن ~~يعترف بالهيولى . وأما من لم يعترف بتكون بعضها من بعض وجعل تولد سائر ~~المركبات منها فإنهم ليس يمكنهم أن يأتوا بجهة صحيحة فى كيفية تولد ~~المركبات من هذه البسائط ، مثل تولد اللحم والعظم ، وتولد البسائط عن ~~المركبات على جهة الانحلال ، PageV01P119 إذ كان ليس يمكنهم أن يقولوا فى ~~ذلك إلا جهة واحدة وهي جهة تركيب الحائط من اللبن والحجارة وانتزاع اللبن ~~والحجارة من الحائط . وهذا الوجه يلزمه شناعات كثيرة إحداها ما تقدم وهو أن ~~يكون الاختلاط تركيبا لأجزاء صغار إلا أنها غير محسوسة فيكون ما هو اختلاط ~~عند إنسان ليس هو اختلاط عند إنسان آخر من هو أحد بصرا منه ، # [47] وثانيا ~~أنه يلزمهم ألا يكون كل جزء من اللحم يتولد منه ما ء ونار وهواء وسائر ~~الباقية كما هو المحسوس من أمرها . وذلك أنه ليس كل جزء من أجزاء الحائط ~~يخرج منه لبن وحجارة بل اللبن يخرج من موضع منه والحجارة من موضع آخر . فإن ~~كان تولد المتولدات عنها تركيبا فإما ألا يتولد من كل جزء من أجزاء اللحم ~~ماء وأرض وإما أن يتولد فيجوز أن يداخل جسم جسما . ولو كان انحلال المركبات ~~إلى الأسطقسات بهذه الجهة لم يكن من ضرورة الكون الاستحالة ولا كان بالجملة ~~يوجد شىء فى باب الكيف . بل كل جزء كما يقول أرسطو من اللحم يمكن أن يتولد ~~منه ماء كما كان يمكن أن يتولد منه نار وسائر ms72 الباقية مثلما أن الجزء من ~~الشمع ممكن فيه على السواء أن يقبل شكلا مخروطا وشكلا مستديرا وشكلا مستقيم ~~الأضلاع ، وأن كان هذا إمكانا على جهة القبول وذلك إمكان على جهة الانحلال ~~. PageV01P120 # [48] وأما من يقول بتغير الأسطقسات بعضها إلى بعض فقد يظن ~~أنه أيضا يدخل عليه شك أكثر من هذا الشك . أما أولا فإن أولائك قد يمكنهم ~~بجهة ما أن يقولوا كيف تتولد المركبات منها وأما هؤلاء فلما كانوا يضعون ~~تكون هذه الأسطقسات بعضها إلى بعض إنما هو من قبل الهيولى المشتركة . فقد ~~يعسر عليهم أن يأتوا بضرب آخر من التكون للحم والعظم . فإنه إن كان اللحم ~~منها جميعا أو من أكثر من واحد منها ، كأنك قلت من الماء والنار ، فلا يخلو ~~أن يكون الماء والنار موجودين فى اللحم بالفعل فيكون تركيبا كما قال أهل ~~المذهب الأول ، وأما إن يكون حدوثه بفساد كل واحد منهما إلى الآخر فيكون ~~اللحم ماء ونارا ، وأما إن يكون حدوثه بفساد كل واحد منهما فيكون الحاصل ~~الباقى منهما إنما هو الشىء المشترك لهما وهو المادة الأولى الموجودة ~~بالقوة وذلك مستحيل . وهذا الشك إنما كان يلزم من قال إن حدوث الأجسام ~~المركبة من الأسطقسات يكون على جهة التغير لو كانت فصول الأسطقسات الأول ~~مثل الحرارة والبرودة لا يقبلان الأقل والأنقص . فإنه لوكان الأمر كذلك ~~لوجب أن يكون كل تغير يوجد لهما لا يحصل عنه إلا أحدهما أو الهيولى لو ~~أمكنت فيها المفارقة . PageV01P121 وأما إذا قلنا إن الحار والبارد قد ~~يكونان بإطلاق ويكونان أزيد وأنقص فنحن نقول إن الذى يحدث ليس هو باردا على ~~الإطلاق ولا حارا على الإطلاق ولا شيئا هو أيضا بالقوة حار ولا بارد ، بل ~~نقول إنه حار وبارد معا على جهة ما نقول ذلك فى المتوسطات ، حار بالإضافة ~~إلى البارد المطلق الذى فى الغاية وبارد بالإضافة إلى الحار المطلق الذى فى ~~الغاية . وأما على أي جهة يكون ذلك ، فهي الجهة التى تبين وجودها وهي جهة ~~الاختلاط . فإن الاختلاط ليس كونا مطلقا ولا هو أيضا ms73 استحالة ، وعلى هذه ~~الجهة ليس هو تغير أحد الضدين إلى الثانى ولا تغيرهما إلى الهيولى . بل ~~يكون حدوث المركبات عن الأسطقسات على جهة الاختلاط وحدوث الأسطقسات من ~~المركبات على جهة الانحلال وأنها بالقوة تلك . لكن ليس معنى بالقوة هاهنا ~~هي الهيولى الأولى، إذ كانت المركبات التى هي بالقوة ما ء ونار وأرض وهواء ~~مثل اللحم والعظم شيئا موجودا بالفعل ولا أيضا على حهة وجودها بالقوة فى ~~الأسطقسات ، بل على جهة مقابلة ليست وجود الأسطقسات بعضها فى بعض بالقوة بل ~~على جهة متوسطة تشبه وجود الأجزاء فى المتصل، أعنى كونها أجزاء بالقوة حتى ~~إذا انقسم المتصل صارت أجزاء بالفعل . PageV01P122 إلا أن الفرق بينهما أن ~~هذه أجزاء من باب الكمية وتلك أجزاء من باب الكيفية . وأما الوجه الذى به ~~يكون الاختلاط وما الأشياء المختلطة فقد قيل فيما تقدم . وأما كيف تكون ~~الاختلاط للأشياء ، المتضادة فإنه يكون كما قيل إذا لم يكن أحدهما غالبا ~~للآخر ولا كانت قوة كل واحد منهما مساوية للآخر . فإنه إن كانت قوة أحدهما ~~غالبة على الإطلاق للآخر كان ذلك فسادا للمغلوب وكونا للغالب ، ومتى كانت ~~قوة كل واحد منهما مساوية لصاحبه لم يحدث هنالك صورة واحدة على ما تبين فى ~~الرابعة من الآثار ، وكان فسادا لكليهما فقط ، ومتى كانت قوة أحدهما ليست ~~غالبة على الإطلاق بل غالبة مغلوبة تولد بينهما شىء وسط ، إلا أنه يكون ~~ضرورة أميل إلى طبيعة الغالب مثل أن يكون فى حرارته أزيد من برده أو فى ~~برده أزيد من حرارته . ولذلك كان هذا الوسط مع أنه أميل إلى أحد الطرفين له ~~عرض ما قابل للأقل والأكثر . ومن هنا يظهر لك امتناع وجود المزاج المعتدل ~~الذى وضعه جالينوس ، أعنى الاعتدال الذى بحسب الأطراف التى فى الغاية لا ~~الاعتدال الذى بحسب أطراف مزاج النوع . فإن هذا هو الذى ينظر فيه صناعة ~~الطب . PageV01P123 ### | الفصل الثانى # [49] قال : ولما كانت جميع الأجسام المتولدة من الأسطقسات فى المكان ~~الأوسط الذى هو مكان الأرض ، فواجب أن يكون الأرض جزءا منها لأن ms74 الأشياء ~~التى هي بالطبع فى موضع ما هي ضرورة إما ذلك الجسم الموجود فى ذلك الموضع ~~أو شىء غالب عليه ذلك الجسم . ولذلك وجب أن تكون الأجسام الموجودة فى ~~المكان الوسط إما أرضا وإما أرضية . ولما كانت الأرض ليس يمكن لموضع يبسها ~~أن تقبل الشكل والانحصار من غيرها وكان الماء هو الذى يمكن فيه ذلك ، كان ~~واجبا أن يكون الماء أيضا جزءا من الأشياء المتكونة . وأيضا فإن المتكون ~~لما كان بالاختلاط والاختلاط إنما يكون بالرطوبة وجب أيضا لذلك أن يكون ~~الماء جزءا من الأشياء المتولدة على جهة الاختلاط . وإذا وجد فى جميع ~~المركبات هذان الأسطقسان ، فواجب أن يوجد الأ سطقسان الآخرأن فيها أيضا ~~اللذان هما أضداد لهذين وهو النار والهواء ، وإلا لم يوجد هذين فى المركبين ~~بحال أنقص . مثال ذلك أنه إن لم يكن فى المركب شىء حار فلن يوجد فيه بارد ~~إلا فى الغاية . فلذلك ما يجب إذا وجد الماء والأرض فى المركبات لا على ~~كيفياتها التى هي فى الغاية بل أنقص أن يوجد فيها الضدان الآخران اللذان ~~منها انكسرت كيفياتها الأول فى المركبات ، أعنى الهواء والنار فالأسطقسات ~~الأربعة ضرورة موجودة فى كل مركب . PageV01P124 # [50] قال : ومما يدل على ~~ذلك الغذاء الذى يغتذى به النبات ، فإنه يظهر أن النبات إنما يغتذى بالماء ~~والأرض . ولذلك صار الأكارون يخلطونهما عند الزراعة . وإذا كان فيه الماء ~~والأرض ففيه الأسطقسان الباقيأن . وإذا كان الحيوان مغتذى بالنبات ففيه ~~أيضا الأسطقسات كلها والمغتذى أيضا ظاهر من أمره أنه إنما يتم له الاغتذاء ~~بالحرارة الفاعلة التى فيه فى المادة الواردة عليه . فإن الحرارة تتنزل من ~~الغذاء الوارد عليها منزلة الصورة من الهيولى . ولهذا وجب للنار من بين ~~سائر الأسطقسات أن يظن بها أنها تغتذى من غيرها من الأسطقسات مع أن كل واحد ~~منها يستحيل إلى ضده ، أعنى من جهة أن نسبتها من سائر الأسطقسات نسبة ~~الصورة من الهيولى إذ كانت حاوية لجميع الأسطقسات على ما قيل فى السماء ~~والعالم . ذلك أنها حاوية من قبل أنها تتحرك إلى ms75 الموضع الحاوى ، وهو مقعر ~~فلك القمر . والحاوى يتنزل منزلة الصورة من قبل أنه الذى إليه تنتهى الحركة ~~وهذه هي حال الصورة . فقد تبين من هذا أن جميع الأجسام مركبة من جميع هذه ~~الأربعة الأجسام المسماة أسطقسات . PageV01P125 ### | الجملة الرابعة # وهذه الجملة فيها فصلان : الفصل الأول : يبين فيه جميع الأسباب العامة لما ~~يكون ويفسد . الفصل الثانى : يبين فيه على أي جهة يوجد ضرورة الإتصال فى ~~الكون . ### | الفصل الأول # [51] قال أرسطو : ولما كانت هاهنا أمور كائنة فاسدة وذلك فيما دون فلك ~~القمر، فقد ينبغى أن نبين كم عدد المبادئ المشتركة العامة لجميع ما يكون ~~ويفسد ، وما هي ، فإن بوقوفنا على ذلك يكون وقوفنا على أسباب واحد واحد من ~~الجزئيات التى تكون وتفسد أسهل إذ كان المسير من العامة إلى الخاصة هو ~~الطريق الأعرف بالطبع عندنا على ما قيل فى غير هذا الموضع . فنقول إن ~~المبادئ فى الأجسام الغير متكونة والأجسام الكائنة واحدة بالعدد متفقة ~~بالجنس ، وإن كانت مقولة بتقديم وتأخير . PageV01P126 وهي بالجملة ثلاثة ، ~~ألمادة والصورة والفاعل . وذلك أن هذين السببين لا يكفيان فى الأمور ~~الكائنة الفاسدة دون السبب الفاعل المحرك كما لا يكفيان فى الأجسام الأزلية ~~إلا أن هذه هي فى الأجسام الأزلية والأجسام الكائنة الفاسدة كما قلنا غير ~~متفقة إلا بالجنس المقول بتقديم وتأخير . فإنها لو كانت مقولة بالجنس ~~المتواطئ للزم فى جميعها أن تكون كائنة فاسدة . والسبب الذى يجرى مجرى ~~الهيولى للأجسام الكائنة الفاسدة هو الشىء الذى فيه إمكان أن يوجد الشىء ~~وألا يوجد . والأشياء التى يمكن فيها أن توجد وألا توجد هي الأمور الكائنة ~~الفاسدة لأن الأثياء توجد على ثلاثة أضرب : بعضها موجود دائما وبعضها معدوم ~~دائما وبعضها موجود فى وقت معدوم فى آخر . وهذه غير كل واحدة من ذينك . ~~وذلك أن ما كان موجودا دائما فليس يمكن فيه أن يعدم فى وقت من الأوقات ، ~~وما كان معدوما دائما فليس يمكن فيه أيضا أن يوجد فى وقت من الأوقات . وإذا ~~كانت الأشياء الكائنة الفاسدة هي بهذه الحال ، فالأشياء التى بهذه ms76 الحال هي ~~الموجود لها الإمكان . فالأشياء الكائنة الفاسدة أحد آسبابها ضرورة هو ~~الشىء القابل للإمكان . ولما كان الشىء القابل للإمكان هو السبب الهيولاني ~~فأحد أسباب الكائنة الفاسدة هو السبب الهيولاني ضرورة . وأما السبب الذى ~~يجرى مجرى الخلقة والصورة وهو الغاية فى الكون فينبغى أيضا أن يكون سببا ~~ثانيا لهذا السبب . PageV01P127 # [52] وكذلك أيضا السبب الثالث ينبغي أن ~~يضاف إليها ، وهو السبب الفاعل الذى أغفل القدماء ذكره . فإن منهم من اكتفي ~~بالسبب الذى على طريق الصورة عن هذا السبب . وقالوا إن للأشياء صورا ~~وماهيات مفارقة وإن كون هذه الأمور المحسوسة إنما هو عن المادة القابلة ~~وهذه الصورة الفاعلة المفارقة وإنما هي التى تحرك صور هذه الأشياء المحسوسة ~~فى المواد بمنزلة أفلاطون . ومنهم من اكتفى بالسبب الهيولاني فقط وهو الحار ~~والبارد والرطب واليابس . فقال إن صور هذه الأشياء إنما تحدث عن اختلاط هذه ~~وامتزاجها من قبل ذاتها فقط لا من قبل محرك لها من خارج . قالوا : وذلك أن ~~الكون إنما هو تغير ومبدأ التغير إنما هو الهيولى . وهو يعيب كلا الفريقين ~~ولكن يقول إن من اكتفى بالسبب الهيولاني فقط فنظره أشد مناسبة إذ كان قد ~~أعطى مبدأ للتغير من جهة ما هو مبدأ تغير . وأما أولئك فإنهم أعطوا في ~~التغير مبدأ غير مناسب للتغير . وذلك أن الصورة هي التى إذا وجدت كف التغير ~~لأنها سبب التغير وهو يعاند القائلين بأن الصور هي الأسباب الفاعلة القريبة ~~. PageV01P128 فإنه لو كان الأمركما يعتقدون من غير أن يكون هاهنا حاجة ~~لإدخال سبب ثالث للزم أن يكون التكون دائما متصلا ولا يخل في نوع من أنواع ~~، لأنه إذا كانت الصورة موجودة والقابل موجود فما بال الشىء يحدث فى وقت ~~دون وقت. ولذلك ما يجب إن كانت هاهنا صورة حادثة أن يكون سبب فاعل أقدم ~~منها بالطبع . وأيضا فقد نجد هاهنا أشياء الفاعل فيها غير القابل وغير ~~الصورة . مثال ذلك الصحة المتكونة عن صناعة الطب في بدن الإنسان، فإن ~~الطبيب الذى يفعلها هو غير الصحة وغير القابل لها . فإن ms77 الصحة غير الصناعة ~~والقابل أمر ثالث . وكذلك الأمر في جميع الصنائع الفاعلة وهو ليس يعذل هنا ~~أفلاطون على أن الصورة سبب فاعل على الإطلاق بل إنما يعذله على أنها أسباب ~~قريبة وبالذات أو مكتفية بنفسها فى جميع ما يحدث . فإنه يضع أيضا أن هاهنا ~~صورة فاعلة وإن كان وجودها عنده على غير الجهة التى هي عند أفلاطون فهو ~~إنما يخالف أفلاطون فى جهة وجود الصور وفى جهة فعلها فقط لا فى وجودها على ~~الإطلاق ولا فى فعلها علي الإطلاق . PageV01P129 # [53] وأما الذين يكتفون ~~بالهيولى فقط فى جميع ما يكون فإنه وإن كان نظرهم أشد مناسبة فهم مخطئون ~~أيضا . وذلك أنهم يجعلون مبدأ القبول والانفعال هو بعينه مبدأ الفعل ~~والتحريك . وهو من الظاهر تغاير المبدأين فيما يحدث بالصناعة وفيما يحدث ~~بالطبيعة ، فإن الما ء لا يكون منه حي بذاته ولا الخشبة يكون منها سرير من ~~غير الصناعة . وبالجملة فيجب أن يكون الأمر فيما .يحدث بالصناعة والطبيعة ~~واحدا . وأيضا فإنهم إذا رفعوا السبب الفاعل فقد رفعوا السبب الصوري لأن ~~الصورة إذا كان حدوثها عن نوع من الانفعال عرض للهيولى فحدوثها يكون أقليا ~~وبالعرض . # [54] وهم بالجملة إن جعلوا هاهنا مبدأ فاعلا فإنما يجعلون ~~الفاعل الذى هو من جنس الآلة لا الفاعل الذى هو من جنس الفاعل بالحقيقة ، ~~إذ يرفعون الفاعل الأول من الموجودات . وذلك أنهم يقولون إنه لما كان من ~~شأن الحار أن يفرق ويمز ومن شأن البارد أن يجمع ويخلط، وكذلك كل واحد من ~~الأشياء المحسوسة شأنه أن يفعل فى غيره وأن ينفعل منه ، فقد يكتفى فى كون ~~الأشياء وفسادها بفعل بعضها فى بعض وانفعال بعضها عن بعض . إلا أنه لما كنا ~~نرى أن النار التى يظهر من أمرها أنها فاعلة جدا أكثر من سائر العناصر ، ~~إذا فعلت بطبعها فهي أحرى أن تفسد الأشياء من أن تكونها ، فقد يجب ضرورة ~~إذا كانت مكونة للأشياء أن يكون هنالك فاعل هو الذى صيرها بالتعديل والتغير ~~صالحة لأن تكون شيئا من الأشياء . PageV01P130 # [55] فمن نسب التكوين إلى ms78 ~~النار وغيرها من العناصر فهو أشبه شىء بمن نسب النشر إلى المنشار دون ~~الصانع والخزانة إلى القدوم بل لم يشعر هؤلاء ان تحريك النار أخس من تحريك ~~الآلة . وذلك أن الآلة لا تحرك دون الصانع وإذا حركت مع الصانع حركت إلى ~~الكون ، وأما النار فإذا لم تحرك بالمحرك الأول حركت إلى الفساد . قال : ~~فأما نحن فقد لخصنا فيما سلف السبب العام الهيولاني ولخصنا أيضا الصورة ~~ونحن نلخص السبب الثالث للكون والفساد وهو الفاعل . فنقول إنه لما كان قد ~~تبين أن حركة النقلة أزلية دائمة متصلة ، فقد يجب لذلك أن يكون الكون متصلا ~~دائما ، وذلك أن النقلة تفعل الكون بأن تدنى الكائن من المكون والمكون من ~~الكائن . وذلك أيضا واجب لها من طريق أنها أقدم التغيرات على ما تبين قبل . ~~وذلك ظاهر أيضا من قبل أن المتحرك بهذه الحركة موجود والمتكون قبل تكونه ~~غير موجود ، والموجود أحرى وأولى بأن يكون سببا لغير الموجود فى وجوده من ~~أن يكون غير الموجود سببا للموجود أو أن يكون الموجود لا دائما سببا ~~للموجود دائما . فمن هاهنا يظهر أن النقلة أقدم الحركات ، التقدم الذى ~~بالطبع . PageV01P131 # [56] لكن لما كنا قد بينا فيما سلف أنه يلحق الأمور ~~دائما الكون والفساد ، وأن كون الكائن هو ضرورة فساد للمتكون منه ، فمتى ~~قلنا إن سبب التكون هو النقلة ، فمن البين أنه ليس يمكن أن تكون النقلة وهي ~~واحدة تفعل هذين الفعلين المتضادين أعنى الفساد والكون . وذلك أن الشىء ~~الواحد بعينه الواحد بحاله فإنما شأنه أبدا أن يفعل شينا واحدا بعينه لا ~~شيئين متضادين . فيجب أيضا على هذا إن قلنا إن النقلة لها فعل فى ذلك أن ~~يكون يفعل أحدهما إما كونا دائما وإما فسادا دائما ، أو نقول إن هاهنا ~~نقلتين متضادتين وحركتين متغايرتين تفعل إحداهما الكون والأخرى الفساد ، أو ~~نقول إن هاهنا نقلة واحدة ولكن توجد في الأشياء المتغيرة بأحوال متضادة حتى ~~يكون إذا قربت من المتغير فعلت فعلا ما وإذا بعدت منه فعلت ضده . لكن لما ~~كان ليس يمكن ms79 أن يضاد نقلة نقلة حتى تكون نقلة ما هي بذاتها فاعلة الفساد ~~كما يعتقد المنجمون ونقلة هي بذاتها فاعلة الكون على ما تبين فى الأولى من ~~السماء والعالم ، فمن البين أنه يجب إن كان هاهنا كون وفساد دائمين أن يكون ~~هاهنا نقلة توجد من الكائنات الفاسدات بحالتين متضادتين. PageV01P132 وإذا ~~كان ذلك كذلك فبين أن هذه النقلة ليست هي النقلة الأولى وأن النقلة التى ~~بهذه الصفة هي النقلة التى تكون للشمس فى الفلك المائل . فإن هذا الفلك كما ~~يقول أرسطو قد جمع إلى اتصال الحركة ودوامها أن فيه حركتين حركة قرب وحركة ~~بعد . وذلك أنه واجب إن كان الكون والفساد دائمين متصلين أن يكون هاهنا شىء ~~يتحرك دائما كيلا يخل الكون والفساد وأن يكون مع هذا له حركتان مختلفتان ~~لئلا يكون الذى يلزم عنه فعل واحد . فسبب الدوام فى الوجود الدائم هاهنا ~~الغير متغير هي النقلة الأولى ، إذ كانت هذه النقلة هي من الموجودات بحال ~~واحدة . وسبب الكون والفساد ودوامها هو المتحرك فى هذا الفلك ، إذ كان ليس ~~من الوجودات بحال واحدة كما قيل ، بل مرة يقرب من الشىء ومرة يبعد . وإذا ~~اختلف البعد والقرب اختلف تحريكه للشىء الذى يقرب منه مرة ويبعد أخرى . فإن ~~كان ذلك الشىء بعينه إذا دنا وقرب كون وأنشأ ، فإن ذلك الشىء بعينه إذا بعد ~~ونأى أهرم وأفسد . فإن كان بدنوه مرة بعد مرة كون وأنشأ ، فواجب أن يكون ~~ببعده مرة بعد مرة يهرم ويفسد . وذلك أن أسباب الأضداد أضداد . PageV01P133 ~~ # [57] ولذلك ما نقول إنه واجب أن يكون عدد الدورات التي يتكون فيها موجود ~~موجود ويتمم نشأه مساويا لعدد الدورات التى فيها يكون هرمه وفساده ، هذا ~~إذا كان الكون على الجرى الطبيعي . وإذا كان زمان الشباب مساويا لزمان ~~الهرم فى موجود موجود وكان هذان الزمانان محدودين بهذه الأدوار التى للفلك ~~المائل ، فلكل موجود كما يقول أرسطو عمر محدود من قبل المتحرك دورا وأجل ~~معدود فبعضها يحيط بعمره أدوار قليلة وبعضها أدوار كثيرة وبعضها دورة واحدة ~~وبعضها أقل ms80 من دورة وبعضها أكثر . وهذا الذى يقول أرسطو فى فلك الشمس ينبغى ~~أن تفهمه فى سائر أفلاك الكواكب المائلة . # [58] قال وقد نجد الحس موافقا ~~لما أدى إليه البرهان . وذلك أنا نرى الشمس إذا قربت منا فى فلكها المائل ~~فعلت الكون فى أكثر الموجودات ، واذا بعدت فعلت الفساد فى أكثر الموجودات . ~~وينبغى أن تعلم أنه ربما كان الأمر بالعكس فى الأقل مثل وجود النبات الشتوي ~~. وإنما يعرض كما قلنا أن يكون زمان التكون والنش ء مساويا لزمان الهرم ~~والفساد فى الكون والفساد الطبيعي وهو الأكثر ، وأما الفساد الغير طبيعي ~~فقد يعرض كثيرا فى زمان أقل من زمان النشء PageV01P134 وذلك إما من قبل ~~طبيعة المزاج التابع لطبيعة الهيولى ،فإن الأمزجة الموجودة فى أشخاص النوع ~~الوحد لما كانت تختلف بالأقل والأكثر ولم تكن واحدة ، وجب ضرورة أن تختلف ~~أزمنة الكون والفساد فى أشخاص النوع الواحد حتى يكون بعضها أطول وبعضها ~~أقصر فيكون فساد ما يفسد من ذلك فى غير الوقت ، إذ كل فساد فهو كون لشىء ~~آخر ، وكل كون فهو فساد لشىء آخر ، وإما من قبل اختلاف أحوال السبب الفاعل ~~القريب ، وإما بسبب اختلاف الفاعل الأقصى مثل اختلاف فعل الشمس لمكان ما ~~يجتمع معها من الكواكب وتفترق ، وإما بسبب اختتاف الفاعل الأقرب مثل مخالفة ~~طبيعة الأب لطبيعة الشمس فى وقت التوليد ومخالفة الشهوة فى استعمل الأغذية ~~للمزاج . ويعم هذه كلها افتراق الأسباب وقلة موافقة بعضها لبعض . هذا اللفظ ~~يوجد فى بعض النسخ عوض الامتزاج . وينبغى أن تعلم أنه إذا وضعنا هذا الرأي ~~الذى قاله أرسطو من أن زمان النشء مساو لزمان الهرم ، ووضعنا أيضا ما يقوله ~~الأطباء من أن سن الشباب للأنسان إلى خمس وثلالثين سنة ، فالعمر الطبيعي له ~~هو سبعون سنة فما فوقه بيسير أو دونه بيسير . ولذلك قال صاحب الشرع أعمار ~~أمتى ما بين الستين إلى السبعين . PageV01P135 # [59] قال : وما قلناه من أن ~~التكون والفساد متصلان أبدا لا يخلان ليس هو واجبا من قبل السبب المادي ~~والفاعل كما تبين قبل ، بل نبين ms81 أنه واجب أيضا من قبل السبب الغائي. وذلك ~~أنه لما كنا نرى أن الطبيعة أبدا إنما تتحرك وتشتاق الأمر الأفضل بحسب ما ~~يمكنها فى موجود موجود ، وأقصى ما فى طباعه أن يقبله ذلك الوجود ، وكان ~~الوجود أفضل من العدم ، وكان قد تبين فى مواضع أخر على كم وجه يقال الموجود ~~وأن منه ضروري وغير ضروري وأن الضروري أفضل من غير الضروري ، والضروري ~~بالشخص أفضل من غير الضروري بالشخص وهو الضروري بالنوع ، وكان ليس يمكن ~~وجود الموجود الأفضل بإطلاق فى هذه الأشياء التى قربت منا لكونها من المبدأ ~~الأول فى غاية البعد ، فإن الله ذا الجود والفضل يتم النقص الذى لحق هذه ~~الأشياء بالوجه الذى كان يبقى أن يتلافي به هذا النقص الحادث من قبله ، وهو ~~أن جعل التكون سرمدا . فإن هذا هو الوجه الذى به يمكن خاصة أن يتصل الوجود ~~لهذه الأشياء إذ كان اتصال الكون من أقرب شىء إلى اتصال الوجود للأشياء ~~الدائمة الوجود . وسبب هذا الاتصال الذى تمم الله سبحانه به هذا النقص هو ~~النقلة دورا . ولذلك صار الاتصال لهذه الأشياء على جهة الدور مثل ما نرى ~~الهواء يتكون من الماء والماء من الهواء دائما ودورا ، حتى أن النقلة على ~~الاستقامة إنما يوجد لها الدوام والاتصال من جهة تشبهها بالنقلة دورا مثل ~~صعود الهواء مرة وهبوط الماء أخرى . PageV01P136 # [60] قال : ومن هنا ينحل ~~الشك الذى يعترى بعض الناس وهو لما لا تفترق هذه الأجسام البسيطة وتتميز ~~بعضها من بعض فى هذا الدهر الطويل حتى لا يكون لها اختلاط ولا امتزاج ، إذ ~~كانت أضدادا وكان من شأن كل واحد أن يلحق بموضعه الذى يخصه . فإنه ليس ~~السبب فى نقلتها بعضها إلى أماكن بعض واختلاط بعضها ببعض شيئا إلا النقلة . ~~ولولا النقلة دورا لكان واجبا أن تفترق فى هذا الدهر الطويل . لكنها تنتقل ~~بعضها إلى بعض من قبل النقلة التى هي مضاعفة أى مثناة ومختلفة مثل حركة ~~الفلك المائل نفسه ، والحركة الشرقية مع الغربية . فقد تبين من هذا القول ~~ما الأسباب ms82 القصوى لاتصال الكون والفساد وأنه واجب أن يكون عنها كون وفساد ~~على الاتصال . # [61] قال : ولما كنا قد بينا فى غير هذا الوضع أنه إن كانت ~~حركة فواجب أن يكون محرك ، فقد يجب إن كانت حركة دائمة أن يكون هاهنا محرك ~~دائم . لكن قد تبين أن هاهنا حركة دائمة فواجب أن يكون هاهنا محرك دائم . ~~وواجب أيضا إن كانت هذه الحركة متصلة أن يكون هذا المحرك غير متحرك ولا ~~بالجملة متغير . وذلك أن الحركة المتصلة هي المستوية التى لا تخل . وذلك ~~يوجب ضرورة أن يكون المحرك والمتحرك غير متغير أصلا . وإن كانت هذه الحركات ~~الدائرة التى بهذه الصفة أكثر من حركة واحدة فواجب أن يكون المحرك الذى ~~بهذه الصفة أكثر من محرك واحد . PageV01P137 لكن الحركات التى بهذه الصفة ~~أكثر من حركة واحدة ، فواجب أن يكون المحرك الذى بهذه الصفة أكثر من محرك ~~واحد لكن لما كنا نجد هذه المتحركات كلها تتحرك بجهة ما بحركة واحدة ، وهي ~~الحركة اليومية ، فواجب أن تكون هذه المحركات كلها يشتمل عليها محرك أول . ~~قال : وإذا كان يظهر من طبيعة الزمان أنه متصل دائم ، وكان قد تبين أنه عدد ~~الحركة ، فواجب أن يكون هاهنا حركة متصلة ، فالزمان إذا هو عدد حركة متصلة ~~والمتصلة هي الدائرة ، فالزمان إذا هو عدد حركة الدائرة . وهذا كله قد تبين ~~فيما قد سلف . وإنما ذكر به هاهنا إذكارا. # [62] قال : وقد ينبغى أن ننظر ~~فى اتصال الحركة هل ذلك من قبل أن المتحرك نفسه متصل دائم أو من قبل أن ~~الشىء الذى به يتحرك أو فيه يتحرك عرض لها الاتصال وأعنى بالشىء الذى فيه ~~يتحرك المكان وبالشيء الذى به يتحرك الحال وهو بين أن الاتصال إنما يوجد ~~أولا للعظم . ولما كان المتحرك أولا هو ذا عظم ، وجب أن يكون الاتصال إنما ~~هو من قبل المتحرك . فإن الحال إنما توصف بالاتصال من قبل أنها فى متصل وقد ~~يجوز أن يوصف بالاتصال من قبل المكان فإن الكان أيضا عظم والعظم المتصل ~~الأول الذى لا يمكن ms83 فيه زيادة ولا نقصان إنما هو المستدير وحده . وإذا كان ~~ذلك كذلك فقد وجب أن يكون الذى يفعل الحركة الواحدة المتصلة الجسم الذى ~~ينتقل دورا وأن تكون هذه الحركة هي التى تفعل الزمان . PageV01P138 ### | الفصل الثانى # [63] قال : ولما كنا نجد التغير فى الأشيا ء التى تتغير بالكون آو ~~بالاستحالة أو بأي ضرب كان من ضروب التغير متشافعا آو متتابعا من غير أن ~~يخل ، بل يحدث شيئا بعد شىء ، فقد ينبغى أن ننظر فى الجهة التى منها يصح ~~الدوام للكائنات . ومبدأ النظر فى ذلك أن نفحص هل هاهنا شىء يتكون من ~~الضرورة أم ليس هاهنا شىء يتكون من الضرورة لكن كل شىء يمكن أن يكون ويمكن ~~ألا يكون . # [64] فنقول إنه من البين بنفسه أن بعض الأشياء يمكن فيها أن ~~تتكون وأن لا تتكون فإنه إنما صار قولنا فى الشىء ممكن أن يكون غير قولنا ~~فيه أنه كائن وموجود من جهة أن الممكن الوجود غير الضروري الوجود . وذلك أن ~~ما كان كونه فى المستقبل واجبا فسيصدق عليه القول بإنه موجود في وقت من ~~الأوقات ضرورة مثل وجود الاعتدال بين الانقلابين . وأما ما ليس يصدق فيه ~~القول إنه موجود إلا في الزمان الحاضر فليس هر مستحيلا ألا يوجد ، مثال ذلك ~~أنه إن كان المشي ممكنا لزيد فقد لا يمشى. # [65] وإذا تبين أن بعض ~~الموجودات ليس يجب كونها ، فهل هي كلها هكذا أم فيها ما يجب كونه ضرورة؟ ~~PageV01P139 # [66] فنقول إنه كما أن فى الأشياء الموجودة أشياء لا يمكن أن ~~تعدم وألا توجد مثل الأمور الضرورية الوجود ، وأشياء موجودة يمكن ألا توجد ~~وأن تعدم ، كذلك الأمر فى الأشياء الكائنة . منها ما يمكن ألا يكون ومنها ~~ما هو واجب أن يكون مثل حلول الشمس فى نقطتى الانقلابين ونقطتى الاعتدالين ~~، فإنه واجب أن يحدث ولا يمكن له أن لا يحدث. # [67] وإذا تقرر هذا فعلى أي ~~جهة ليت شعرى يمكن وجود التتابع الضروري والتتالى فى المادة الممكنة ؟ فإنه ~~لا يخلو أن توجد تلك للأشياء من قبل أنها متناهية ذوات ms84 أوائل وأواخر أو من ~~قبل أنها غير متناهية. وغير المتناهية صنفان إما غير متناهية من جهة الدور ~~وإما غير متناهية من جهة الاستقامة . فأما المتناهية فيظهر أن كون المتقدم ~~فيها واجب ضرورة متى وجد المتأخر . ومثال ذلك أن كون الأساس واجب إذا وجد ~~البيت وكون الحجارة والطين متى كان الأساس. فلو كانت هذه متى وجد المتقدم ~~فيها لزم وجود المتأخر أعنى لو كان يلزم متى وجد الأساس أن يوجد البيت لقد ~~كان يجب أن يكون التتابع والتشافع لكون هذه ضرورة متصلا . لكن معلوم أنه لا ~~يجب أن يكون الأساس إلا متى وجد البيت ولو أفرضنا كون البيت ضروريا لكان ~~يجب ضرورة متى وجد الأساس أن يوجد البيت لأنه قد وضع لزوم وجود الأساس عن ~~البيت . PageV01P140 فمتى كأن وجود البيت الأخير ضرورة كان وجود المتقدم ~~ضروريا ، غير أنه معلوم أنه ليس يوجد المتأخر هاهنا ضرورة ، اذ كان قد يمكن ~~أن يوجد وألا يوجد، وإنما يوجد ضرورة إن يوجد من جهة فرضنا ذلك ووضعنا إياه ~~لا من جهة الأمر فى نفسه . فلو كان وجود البيت الذى هو الأخير ضروريا للزم ~~أن يكون موجودا دائما ، وقد يمكن ألا يكون موجودا ، وذلك أن الحال فى ~~الوجود هي الحال فى التكون بعينه ، واللازم فيهما واحد . # [68] وإذا كان لا ~~يمكن باضطرار اتصال فى الكون في الأشيا ء التى لها أوائل وأواخر ، فمن ذلك ~~يظهر أيضا أنه لا يمكن ذلك فى الأشيا ء التي تمر على الاستقامة إلى غير ~~نهاية في الطرفين . وذلك أن هذه الأشيا ء ليس لها أول يجب من قبله أن يكون ~~لها أخير ولا لها أخير يجب من قبله أن يكون لها أول فاللزوم فيها أعدم فيها ~~من المتناهية. وإذا كان ذلك كذلك فلم يبق إلا أن تكون ضرورة الكون لها على ~~جهة الدور . وذلك واجب من قبل أن التكوين الدائم هو ضروري والضروري أزلي ، ~~والأزلي متحرك دورا . وذلك أن الكون الأزلي قد وجب أن يكون له مبدأ ، وإذا ~~كان له مبدأ فلا ms85 بد أن يكون وجوده من جهة ما له مبدأ إما على جهة الاستقامة ~~وإما على جهة الدور . لكن وجوده على جهة الاستقامة يوجب أحد أمرين إما أن ~~لا يكون أزلي وإما أن لا يكون له مبدأ . وذلك أن المستقيم إذا كان له مبدأ ~~وأخير كان ضرورة متناهيا وغير دائم ، ومتى فرضناه غير متناه من الطرفين لم ~~يكن له مبدأ . PageV01P141 وذلك أن الأشياء التى لا نهاية لها ليس لها أول ~~ولا أخير ولذلك يجب ضرورة إذا وضعنا أنه أزلي وأنه ذو مبدأ أن يكون يجرى ~~دورا وأن يكون الأمر فى الأشياء المتكونة على طريق الدور متى وجد الأول وجد ~~الأخير ومتى وجد الأخير وجد الأول لأنه لا فرق بين أن يكون هذا التلازم بين ~~اثنين أو أكثر من ذلك فالضروري الدائم إنما هو فى الحركة دورا والتكوين ~~دورا . فإن كل شىء من الأشيا ء التى تجرى دورا فالمتقدم منها والمتأخر وما ~~قد كان وما يكون واجب ضرورة . وعكس هذا أيضا صادق وهو أن ما كان المتقدم ~~منها والمتأخر ضروريا الوجود فهو يتحرك دورا . وينبغي أن تعلم أن هذا القول ~~يجرى مجرى التتميم لما تبين فى أول الثامنة من السماع من أن الحركة شافعة ~~ومتشافعة لا تخل فى وقت من الأوقات وأن هذا إذا أضيف إلى ذلك ظهر منه وجود ~~حركة أزلية ضرورة . # [69] قال : ولما كان قد تبين فى غير هذا الموضع وبغير ~~هذا الوجه أن الحركة الدائرة الأزلية هي حركة السماء ، فمن البين أن هذه ~~الحركات التي للأمور الكائنة الفاسدة على هذه الجهة هي من قبلها وعنها . ~~وذلك أنه إذا كان المحرك دورا يحرك دائما ، فواجب أن تكون حركة الأشيا ء ~~المتغيرة يجرى دورا . ومثال ذلك أنه لما كانت الحركة العلوية الأولى موجودة ~~دورا ، كانت الشمس تتحرك دورا في فلكها المائل ، ولما كانت حركة الشمس فى ~~هذا الفلك دورا صارت أوقات السنة الأربعة تجرى دورا . ولما كانت هذه ~~الأوقات تجرى على هذا صار ما يحدث عنها يجرى أيضا على نحو ما ms86 يجرى ، أعنى ~~دورا . PageV01P142 # [70] وقد يعرض فى هذا شك ما وهو أنه إذا كان التكون ~~العارض من قبل هذه دورا فما بال بعض الأشياء يوجد كذلك أعنى أنه إذا وجد ~~المتأخر وجد المتقدم وإذا وجد المتقدم وجد المتأخر . مثال ذلك أنه إذا كان ~~غيم فمطر وإذا كان مطر فغيم . ولسنا نجد الناس ولا ألحيوانات يتكررون دورا ~~بأعيانهم حتى يعود الشخص منهم بعينه نفسه ولا يلزم عن وجود المتقدم وجود ~~المتأخر، فإنه ليس واجبا إن كان أبوك موجودا أن توجد عنه بل إن كنت أنت ~~فواجب أن يكون أبوك . لكن ليس يمر الأمر فى هذا إلى غير نهاية بالذات وإلا ~~لم توجد أنت إلا بعد وجود أشخاص لا نهاية لهم . وإذا كان هذا هكذا ، فلا ~~المتقدم البعيد يلزم عن وجود المتأخر إلا بالعرض ولا المتأخر يلزم عن وجود ~~المتقدم أصلا. وإنما يشبه أن يكون عرض هذا لهذه الأشياء لأن التكون فيها ~~جار على استقامة . ومبدأ النظر فى هذا الفحص هل هاهنا شىء يعود دورا على ~~مثال واحد أم بعضها يعود دورا بالشخص وبعضها يعود دورا بالنوع . فإن الذى ~~تبين أنه واجب فيه فى هذه الأشياء أن يعود دورا إنما هو الواحد بالنوع لا ~~الواحد بالشخص . PageV01P143 فنقول إن كل ما كان من أشخاص الجوهر متحركا ~~إلا أنه غير ممكن فيه أن يفسد فإنه يعود بالشخص . وذلك أن الحركة إنما هي ~~موجودة فى المتحرك مثل الشمس والقمر ، وأما ما كان من أشخاص الجوهر قابلا ~~للفساد فلا يمكن فيه أن يعود بالشخص وإنما يمكن فيه أن يعود بالنوع ، مثل ~~تكون الهواء عن الماء والماء عن الهواء لا أن شخص ذلك الماء الفاسد بعينه ~~يعود دورا . ولو قدرنا المادة واحدة والفاعل واحدا فإنه من المعلومات الأول ~~أن الصانع الواحد بعينه إذا صنع من مادة ما لبنة ثم أفسدها وصنع أخرى أنها ~~غير تلك اللبنة الأولى بالشخص لأنها غيرها بالصورة وإن كانت المادة واحدة ~~والغاعل واحد وذلك منها وأنهما اثنين بالعدد واحد بالنوع . فإنه ليس ~~الأشياء التى ms87 هي واحدة بالأسباب هي واحدة بالعدد والشخص . وهنا انقضى هذا ~~التلخيص والحمد لله على ذلك كثيرا وكان الفراغ منه يوم الخميس عقب شهر ~~جمادى الأخر الذى من سنة سبعة وستين وخمسمائة للهجرة . PageV01P144 ms88