######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000698 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الشهير بابن رشد الحفيد (المتوفى: 595هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 595 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تلخيص الخطابة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم أخرى - مرقم آليا #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000698 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-698 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/698 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله ### | تلخيص ### | المقالة الأولى ### | من الخطابة # قال: إن صناعة الخطابة تناسب صناعة الجدل، وذلك إن كليهما يؤمان غاية ~~واحدة: وهي المخاطبة؛ إذ كانت هاتان الصناعتان ليس يستعملها الإنسان بينه ~~وبين نفسه كالحال في صناعة البرهان، بل إنما يستعملها مع الغير؛ وتشتركان ~~بنحو من الأنحاء في موضوع واحد، إذ كان كلاهما يتعاطى النظر في جميع ~~الأشياء، ويوجد استعمالها مشتركا للجميع: أعني إن كل واحد من الناس يستعمل ~~بالطبع الأقاويل الجدلية والأقاويل الخطبية. وإنما كان ذلك كذلك، لأنه ليست ~~واحدة منهما علما من العلوم منفردا بذاته. وذلك إن العلوم لها موضوعات ~~خاصة، ويستعملها أصناف من الناس خاصة. ولكن من جهة إن هذين ينظران في جميع ~~الموجودات وجميع العلوم تنظر في جميع الموجودات، فقد توجد جميع العلوم ~~مشاركة لهما بنحو ما. # وإذا كانت هاتان الصناعتان مشتركتين، فقد يجب إن يكون النظر فيهما لصناعة ~~واحدة: وهي صناعة المنطق. # وكل واحد من الناس يوجد مستعملا لنحو ما من أنحاء البلاغة ومنتهيا منها ~~إلى مقدار ما وذلك في صنفي الأقاويل اللذين أحدهما المناظرة، والثاني ~~التعليم والإرشاد. وأكثر ذلك في الموضوعات الخاصة بهذه الصناعة، وهي مثل ~~الشكاية والاعتذار وسائر الأقاويل التي في الأمور الجزئية. # ويوجد كثير منهم يبلغون مقصودهم بهذا الفعل. فمن الناس من يفعل ذلك ~~بالاتفاق؛ ومنهم من يفعله بالاعتياد وبملكة ثابتة. ومعلوم إن الذي يفعل هذه ~~الصناعة بملكة ثابتة أفضل من الذي يفعلها بالاتفاق. وإذا كان ذلك كذلك، ~~فالذي يفعلها بملكة ثابتة وعلم بالسبب الذي به يفعل فعله أتم وأفضل. وهذا ~~أمر يعرفه الجمهور فضلا عن الخواص. ولذلك كان واجبا إن تثبت أجزاء هذه ~~الصناعة في كتاب، ولا يقتصر على ما يوجد من ذلك بالطبع فقط، ولا بالاعتياد، ~~كالحال في كثير من الصنائع القياسية. # قال: وكل من تكلم في هذه الصناعة ممن تقدمنا، فلم يتكلم في شيء يجرى من ~~هذه الصناعة مجرى الجزء الضروري، والأمر الذي هو أحرى إن يكون صناعيا: وتلك ~~هي الأمور التي توقع التصديق ms001 الخطبي، وبخاصة المقاييس التي تسمى في هذه ~~الصناعة الضمائر، وهي عمود التصديق الكائن في هذه الصناعة، أعني الذي يكون ~~عنها أولا وبالذات. وهؤلاء فلم يتكلموا في الأشياء التي توقع التصديق ~~الخطبي بالجملة، ولا في الضمائر التي هي أحرى بذلك؛ وإنما تكلموا فأكثروا ~~في أشياء خارجة عن التصديق، وإنما تجرى مجرى الأشياء المعينة في وقوع ~~التصديق، مثل التكلم في الخوف والرحمة والغضب وما أشبه ذلك من الانفعالات ~~النفسانية التي ليست معدة نحو الأمر المقصود تبيينه أولا وبالذات، وإنما هي ~~معدة نحو استمالة الحكام والمناظرين ولذلك كانت كأنها موطئة للتصديق، لا ~~فاعلة له. # قال: فلو كان إنما يوجد من أجزاء الخطابة الشيء الذي هو موجود الآن منها ~~في بعض المدن، لما كان لما تكلم هؤلاء فيه من الخطابة جدوى ولا منفعة، وإن ~~كان قد تكلموا فيها تكلما جيدا، وهي المدن التي لا تبيح السنة فيها التكلم ~~بين يدي الحكام بالأشياء التي تميل الحكام وتستعطفهم إلى أحد المتكلمين، بل ~~إنما تباح فيها الأمور التي توقع التصديق فقط. وذلك إن أهل المدن يلفون في ~~هذا الوقت فريقين: فمنهم من يرى أنه ينبغي إن تثبت السنن التي يؤدب بها أهل ~~المدينة في نفوس المدنيين بجميع الأمور التي لها تأثير في التصديق، كانت ~~أشياء توقع التصديق أو أمور خارجة، ومنهم من يمنع إن يذكر شيء من الأمور ~~التي من خارج، وبخاصة عند الحكام على ما كان عليه الأمر في موضع الحكومة في ~~أثينيا وفي بلاد اليونانيين. # قال: ورأي من رأى إن استعمال جميع الأشياء التي لها تأثير في التصديق في ~~تثبيت الأشياء التي يراد تثبيتها بطريق الخطابة هو الصواب. # وخليق إن استعمل أحد هذا القانون إن يكون باستعماله يصير في هذه الصناعة ~~لبيبا أديبا. # PageV01P001 # وقد يدل على إن الأمور التي من خارج ليس لها كبير جدوى في هذه الصناعة إن ~~الذي يروم إن يثبت شيئا بين يدي الحكام فهو إما إن يثبت إن الشيء موجود أو ~~غير موجود فقط، أعني أنه كان أو لم يكن، وذلك ms002 إذا كان قد حدد صاحب الشريعة ~~إن ذلك الشيء الذي فيه الشكوى عظيم أو يسير، وأنه عدل أو جور، وإما إن يثبت ~~الأمرين، وذلك إذا لم تحدد الشريعة ذلك الشيء الذي فيه الكلام فأما استعمال ~~الانفعالات في تثبيت إن الأمر عدل أو جور فغير ممكن، وذلك إن الانفعال ~~بالرحمة أو البغضة إنما يكون لشيء جزئي، والعدل والجور أمور كلية. وأما ~~استعمالها في إن الأمر كان أو لم يكن فله في ذلك تأثير لكنه ليس يوجب إن ~~الأمر كان أو لم يكن بالذات، بل إنما يميل الحكام إلى إن يقولوا إنه صدق ~~فيما ادعى أو لم يصدق، من غير إن يحدث للحاكم أو المناظر بذلك تصديق زائدا ~~بالشيء الذي فيه الكلام. # قال: وقد يجب إن تكون السنن هي التي تحدد إن الأمر جور أو عدل، وتفوض إن ~~الأمر وجد من هذا الشخص أو لم يوجد إلى الحكام. وبالجملة: فتفوض إليهم ~~الأمور اليسيرة. وذلك لسببين: أما أولا فإنه قل ما يوجد حاكم يقدر إن يميز ~~الأمور على كنهها، فيضع إن هذا الأمر جور وهذا عدل في الأقل من الزمان. ~~وأكثر الحكام الموجودين في المدن في أكثر الزمان ليس لهم هذه القدرة. # وأما ثانيا فلأن الوقوف على إن الشيء عدل أو جور يحتاج واضع السنن فيه ~~إلى زمان طويل، وذلك لا يمكن في الزمان اليسير الذي يقع فيه التناظر في ~~الشيء بين يدي الحكام. # فلمكان هذين الأمرين يصعب إن يفوض إلى الحكام إن هذا الأمر عدل أو جور أو ~~نافع أو ضار، بل إنما يفوض إليهم إن الأمر وقع من هذا الشخص أو لم يقع، ~~وذلك لبيانه، ولأنه أمر لا يمكن إن يضعه صاحب السنة. # قال: وإذا كان الأمر هكذا، فمعلوم إن هؤلاء الذين تكلموا في الأشياء التي ~~من خارج، أني في صدور الخطب وفي الاقتصاص وفي الانفعالات وما يجري هذا ~~المجرى، لم يتكلموا في شيء يجري من الخطابة مجرى الجزء، وإنما تكلموا في ~~أشياء تجري مجرى اللواحق. فأما الأشياء التي تكون بها ms003 التصدبقات الصناعية - ~~وهي أول ذلك الضمائر - فلم يتكلموا فيها بشيء. # ومن أجل أنا نحن نرى إن الضمائر عمدة هذه الصناعة، نعتقد إن المخاطبة ~~التي تكون على جهة التشاجر والتنازع بين يدي الحكام والمخاطبة التي تكون ~~على جهة الإرشاد والتعليم هي لصناعة واحدة، وهي هذه الصناعة، وأما هؤلاء ~~الذين تكلموا في هذا الجزء من الخطابة فقد يلزمهم ألا ينسبوا من الكلام في ~~هذه الصناعة إلى هذه الصناعة إلا ما كان منه على جهة التنازع والتشاجر وليس ~~في كل الأصناف التي يتشاجر فيها، بل في الصنف الخسيس منها، وهي الأمور ~~السوقية التي يتشاجر فيها بين يدي الحكام. وأما التشاجر الذي يكون في وضع ~~السنن فليس ينتفع فيه بالجزء الذي تكلم هؤلاء فيه من الخطابة. إذ كان هؤلاء ~~لم يتكلموا في الضمائر بشيء. لكن لما تكلموا في الأشياء التي بها يخسس ~~الشيء أو يفخم، ظنوا أنهم قد تكلموا في جميع الأشياء التي تستعمل فيها ~~الأقاويل الخطبية. واستعمال الأشياء التي من خارج في الخطابة، دون استعمال ~~الأشياء التي هي من نفس الأقاويل الخطبية، فعل خسيس. # PageV01P002 # وليس لقائل إن يقول: إن الأقاويل التي تكون في التشاجر قد يستغنى فيها ~~بالأمور التي من خارج عن الشيء الذي هو من نفس الأمر، إذ كانت السنن في ~~أكثر المدن هي التي ترسم ما هو جور وما هو عدل وعظيم أو صغير، فليس يحتاج ~~في هذا النوع من الخطابة إلا لما يميل الحكام فقط، وذلك بخلاف الأمر في ~~الأقاويل التي تستعمل في الأمور المشاورية. فإن الأقاويل المشيرة بما يفعل ~~بذوي الجنايات مما هو نافع أو ضار أيسر على الخطيب من الأقاويل المشاجرية ~~فيهم، أعني التي تثبت فيهم أنهم جاروا أو عدلوا. وليس هذا في ذوي الجنايات ~~فقط. وهذه حال التكلم في الأشياء المشاورية مع التكلم في الأشياء ~~المشاجرية. وذلك إن الحكام إنما يحكمون في الأشياء التي يشار بها بأمور ~~معروفة عند الجمهور، وهو إن هذا الشيء الذي يشار به نافع أو ضار، فلا يخاف ~~من الحكام إن يحيفوا فيه. ms004 وإذا كان الأمر على هذا، فليس يحتاج المتكلم بين ~~أيديهم إن يثبت أكثر من إن الأمر نافع أو ضار، فيوافقه الحكام على ذلك، ولا ~~يمكن إن يخالفوه لاستواء معرفة الجمهور مع الحاكم في النافع والضار. وأما ~~المتكلم بين يدي الحاكم في الأمور المشاجرية فقد ينبغي له إن يتحفظ من ~~الحكام في قضائهم إن هذا عدل أو هذا جور، لأن معرفة العدل والجور هو شيء ~~غريب عند الجمهور، وإنما يعرفه القوام بالشريعة. فلذلك يمكن إن يسلم الحاكم ~~للمتكلم الشيء الذي رام تثبيته، ولا يفضى له بما فيه من الجور أو العدل، ~~فيحتاج المتكلم بين أيديهم إن يعرف الأشياء التي هي جور والتي هي عدل، ~~والأشياء التي يثبت بها أنها عدل أو جور. # ولمكان هذا تمنع السنة في مدن كثيرة إن يتكلم بين يدي الحاكم في الأشياء ~~التي تميلهم وتستعطفهم عن أحد المتنازعين. وإنما يباح لهم التكلم بين ~~أيديهم بأشياء محدودة مما رسمها واضع السنة. # وأما المتكلم في الأمور المشورية فليس يحتاج إلى مثل هذا التحرز. فإن ~~الحكام يبالغون في التحفظ من إن يقولوا في الشيء النافع إنه ليس بنافع أو ~~في الضار إنه ليس بضار، إذ كان ذلك مما يحط منزلتهم عند الجمهور لاستواء ~~علمهم به وعلم الحكام. وإذا كان الأمر هكذا، فإذن ما يحتاج إليه الخطيب في ~~الأمور المشاجرية من معرفة الأشياء التي توقع التصديق أكثر مما يحتاج إليه ~~الخطيب في الأمور المشاورية. # قال: ومن أجل أنه معلوم إن الأشياء المنسوبة إلى هذه الصناعة إنما يقصد ~~بها التصديق والاعتراف من المخاطب بالشيء الذي فيه الدعوى، وذلك لا يكون ~~إلا بتثبيت الشيء عنده المعترف به، وذلك أنا إنما نعترف بالشيء إذا رأينا ~~أنه قد ثبت عندنا. والشيء الذي نثبت به الأشياء على طريق الخطابة هو ~~الضمير، لأن هذا هو أصل التصديق وعموده في الأمور التي توقع هذا النحو من ~~التصديق، أعني التصديق البلاغي. # PageV01P003 # والضمير هو نوع من القياس. ومعرفة القياس هو جزء من صناعة المنطق. فقد ~~يجب إن يكون صاحب المنطق ms005 هو الذي ينظر في هذه الصناعة: إما في كلها، وإما ~~في أجزاء منها. وبين إن الذي يعرف القياس من كم شيء يلتئم ويكون، ومتى ~~يكون، فهو أقدر على عمل الضمير ممن يعرف الضمير فقط دون إن يعرف القياس ~~الذي هو جنسه. والذي يزيد على هذا فيعلم لماذا تعمل الضمائر والفصول التي ~~بين الضمير وبين سائر المقاييس التي تستعمل في الصنائع الأخر فهو أقدر من ~~ذينك. والمعرفة بهذا كله إنما هو لصناعة المنطق. فإن للقوة الواحدة بعينها، ~~أعني للصناعة الواحدة بعينها، إن تعرف الشيء الذي هو حق والذي هو شبيه ~~بالحق. والتصديقات الخطبية، وإن لم تكن حقا، فهي شبيهة بالحق. وأيضا فإن ~~الناس متهيئون بطبيعتهم كل التهيئة نحو الوقوف على الحق نفسه، وهم أكثر ذلك ~~يؤمونه ويفعلون عنه. والمحمودات وهي التي تكون منها الضمائر شبيهة بالحق من ~~قبل أنها نائبة عند الجمهور مناب الحق، والشبيه بالحق قد يدخل في علم الحق ~~الذي هو علم المنطق. وإذا كان الأمر هكذا، فقد استبان إن قصور هؤلاء فيما ~~تكلموا فيه من أمر الخطابة إنما كان من أجل أنه لم يكن عندهم علم بالمنطق، ~~وأن سائر من تكلم في الخطابة ومن يستعمل الأقاويل الخطبية فقط من غير إن ~~يتقدموا فيعرفوا هذه الأشياء التي هي عمود البلاغة، إنهم إنما يتكلمون في ~~أشياء تجري من البلاغة مجرى التزيين والتنميق الذي يكون في ظاهر الشيء ~~وصفحته لا في الأشياء التي تتنزل منها منزلة ما به قوام الشيء ووجوده، وإن ~~كان قد يظن بما فعلوا من ذلك أنهم قد بلغوا الغاية من الأقاويل الإقناعية ~~وجروا في ذلك على طريق الصواب والعدل. # قال: وللخطابة منفعتان: إحداهما إن بها يحث المدنيين على الأعمال ~~الفاضلة، وذلك إن الناس بالطبع يميلون إلى ضد الفضائل العادلة. فإذا لم ~~يضبطوا بالأقاويل الخطبية، غلبت عليهم أضداد الأفعال العادلة، وذلك شيء ~~مذموم يستحق فاعله التأنيب والتوبيخ، أعني الذي يميل إلى ضد الأفعال ~~العادلة أو المدبر الذي لا يضبط المدنيين بالأقاويل الخطبية على الفضائل ~~العادلة. وأعني بالفضائل العادلة ms006 التي هي فضائل بين الإنسان وبين غيره، ~~أعني بينه وبين المشارك له في أي شيء كانت الشركة، لا بينه وبين نفسه. # والمنفعة الثانية أنه ليس كل صنف من أصناف الناس ينبغي إن يستعمل معه ~~البرهان في الأشياء النظرية التي يراد منهم اعتقادها، وذلك إما لأن الإنسان ~~قد نشأ على مشهورات تخالف الحق، فإذا سلك به نحو الأشياء التي نشأ عليها ~~سهل إقناعه، وإما لأن فطرته ليست معدة لقبول البرهان أصلا، وإما لأنه لا ~~يمكن بيانه له في ذلك الزمان اليسير الذي يراد منه وقوع التصديق فيه. فلهذا ~~قد نضطر إلى إن نجعل التصديق بالمقدمات المشتركة بيننا وبين المخاطب، أعني ~~بالمحمودات. وهذه المنفعة تشارك هذه الصناعة فيها صناعة الجدل، كما ذكرنا ~~ذلك في كتاب الجدل عند قولنا في الأشياء التي يمكننا بها إن نبين مطلوبات ~~مختلفة. # PageV01P004 # وهذه الصناعة يمكنها الإقناع في المتضادين جميعا، كما يمكن ذلك في القياس ~~الجدلي. وذلك أنا قد نقنع في ذي الجاني أنه أساء وأنه لم يسيء، ولست أعني ~~أنا نفعل الأمرين جميعا في وقت واحد، بل نفعل هذا في وقت، وهذا في وقت بحسب ~~الأنفع، وذلك أنه كثيرا ما يكون الشيء نافعا في وقت، وضده نافعا في وقت ~~آخر. وأيضا فإنه إذا كانت الأشياء التي تثبت الشيء وضده عندنا عتيدة، ~~وسمعنا متكلما قد أقنع في الضد الذي ليس بعدل، أمكننا بهذه القوة إن ننقض ~~عليه قوله. فهاتان المنفعتان موجودتان في القدرة التي في هذه الصناعة على ~~الإقناع في الشيء وضده. وليس توجد هذه القوة في شيء من الصنائع القياسية ~~إلا في هاتين الصناعتين، أعني صناعة الخطابة وصناعة الجدل. وكلا هاتين ~~الصناعتين هما مهيئتان بالطبع وعلى السواء للإقناع في كلا المتقابلين، أعني ~~أ، ه ليس واحدة منهما توجد أشد استعدادا للإقناع في أحد المتقابلين منها في ~~الآخر، بل الاستعداد الموجود فيها على الإقناع في المتقابلين هو على ~~السواء. فأمما الأشياء الموضوعة لهاتين الصناعتين، أعني الأشياء التي فيها ~~تقنع وبها تقنع، فليس استعدادها لقبول الإقناع على السواء، ولا ms007 جدوى ~~الإقناع فيها على السواء. لكن إذا كانت الأمور التي تقنع فيها صادقة، كانت ~~الأقاويل الخطبية والجدلية التي تستعمل فيها أفضل وأبلغ. # قال: وليس واجبا إن نرى أنه قبيح بالإنسان إن يعجز عن إن يضر بيديه، ولا ~~نرى أنه قبيح إن يعجز عن إن يضر بلسانه الذي المضرة به مضرة خاصة بالإنسان، ~~أعني إن يعجز عن إن يضر بلسانه الضرر العظيم، لا الضرر الذي هو عدل فقط، بل ~~والضرر الذي هو جور. فإنه يظن إن هذا شيء يوجد عاما في جميع الفضائل التي ~~هذه الصناعة واحدة منها، ما عدى الفضيلة النظرية والخلقية، ولا سيما في ~~الأمور العظام النافعة مثل الجلد والصحة واليسار والسلطان وما أشبه هذه ~~الأشياء من الأمور النافعة، أعني إن كل واحد من هذه الخيرات هي معدة لأن ~~ينفع بها المقتنى لها غيره منفعة عظيمة إذا استعمل العدل، ويضر بها ضررا ~~عظيما وذلك إذا استعمل الجور. فإن الصحة والجلد والسلطان قد يستعملها المرء ~~في الضرر والنفع، وكذلك الحال في الخطابة. فقد استبان من هذا إن هذه ~~الصناعة ليس تنظر في أحد المتقابلين، ولكنها تنظر فيهما على السواء، كالحال ~~في الجدل، وأنها نافعة لهذا جدا. # وليس عمل هذه الصناعة إن تقنع ولا بد، أعني أنه ليس يتبع فعلها الإقناع ~~ضرورة، كما يتبع فعل النجار وجود الكرسي ضرورة، إذا لم يكن هنالك عائق من ~~خارج، بل عملها هو إن تعرف جميع المقنعات في الشيء وتأتى بها في ذلك الشيء، ~~وإن لم يقع إقناع. والحال فيها في هذا المعنى كالحال في صناعات كثيرة مثل ~~صناعة الطب، فإنه ليس فعلها الإبراء ولا بد، بل إنما فعلها إن تبلغ من ذلك ~~غاية الشيء الممكن فعله في ذلك الشيء المقصود بالإبراء. ولذلك قد يشارك في ~~أفعال هذه الصنائع من ليس من أهلها، مثل إن يبرئ من ليس بطبيب، ويقنع من ~~ليس بخطيب. لكن الفعل الحقيقي إنما هو لصاحب الصناعة، وذلك إن الغاية تتبع ~~فعل هذا على الأكثر، وذلك على الأقل. # PageV01P005 # وكما إن في الجدل ms008 ما هو قياس وما يظن به أنه قياس، وليس بقياس، وهو ~~القياس السوفسطائي، كذلك في الأقاويل المقنعة المستعملة في هذه الصناعة ما ~~هو مقنع بالحقيقة، وما يظن به أنه مقنع من غير إن يكون كذلك. لكن لما كان ~~السوفسطائي ليس إنما يكون سوفسطائيا من قبل القوة والملكة التي بها يفعل ~~الأقاويل السوفسطائية، بل إنما هو سوفسطائي من قبل ما يقصد بتلك الأقاويل ~~من الكرامة والخيرات الخارجة، وذلك لإيهامه أنه حكيم، وكان الجدلي إنما هو ~~جدلي بالملكة الحاصلة له عن الصناعة، فبالواجب لم تكن الأقاويل السوفسطائية ~~جزءا من صناعة الجدل، أعني التي يظن بها أنها مقاييس جدلية من غير إن تكون ~~جدلية، إذا استعملت نحو هذه الغاية، وأما إذا استعملت على طريق الامتحان ~~فهي جزء منها. وأما الخطيب فلما كان قد يكون خطيبا من أجل الأمور التي من ~~خارج مثل الكرامة وغير ذلك من سائر الخيرات، وقد يكون خطيبا من قبل ملكة ~~هذه الصناعة، كانت الأقاويل التي يظن بها أنها مقنعة وليست بمقنعة جزءا من ~~هذه الصناعة، لأن المقصود بهذه الأقاويل في هذه الصناعة قد يكون بعينه ~~مقصود السوفسطائي. وإنما كان ذلك كذلك لأن المقصود بهذه الصناعة من الذي ~~يراد إقناعه إنما هو الفعل أو الانفعال. فإذا حصل ذلك منه، فلا فرق بين إن ~~يكون حصوله عن أقاويل هي مقنعة في الحقيقة أو عن أقاويل يظن بها أنها ~~مقنعة، وليست بمقنعة. فإن كان ذلك الفعل المقصود من المخاطب أو الانفعال ~~خيرا ما له، لا للخطيب، كانت الأقاويل التي يظن بها أنها مقنعة وليست ~~بمقنعة داخله في هذه الصناعة بالجهة التي دخلت في صناعة الجدل الأقاويل ~~التي يظن بها أنها جدلية وليست بجدلية، إذا لم يقصد بها مقصد السفسطة. وإن ~~كان مقصود الخطيب خيرا يناله من الخيرات التي يقصدها السوفسطائي، كان يقول ~~الذي يظن به أنه مقنع وليس بمقنع من جهة ما هو سوفسطائي جزءا من هذه ~~الصناعة، إذ قد يشارك الخطيب السوفسطائي في غايته، فلذلك قد تدخل الأقاويل ~~السوفسطائية في هذه ms009 الصناعة ولا تدخل في صناعة الجدل. # قال: فهذه الصناعة التي ذكرنا منافعها وأن كل من تكلم فيها لم يتكلم فيها ~~بما هو كاف في أمرها التي قصدنا للكلام فيها من أول الأمر، وذلك بأن نخبر ~~من أي شيء تأتلف هذه الصناعة، وكيف تأتلف وما تكلمنا فيه قبل هذا فكأنه لم ~~يكن لنا مقصودا أولا، ولذلك قد ينبغي إن نستأنف هاهنا القول فيها ونعود إلى ~~مقصودنا كأنا مبتدئون من هذا الموضع، فنبتدئئ أولا ونحد هذه هذه الصناعة ~~فنخبر ما هي ونحو ماذا، وذلك بأن نعرف جنسها القريب وفصلها الخاص بها، ثم ~~نتطرق من ذلك إلى إحصاء أجزائها على جهة تحليل الحد. # قال: والخطابة هي قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأشياء ~~المفردة. ويعني بالقوة: الاصناعة التي تفعل في المتقابلين وليس يتبع غايتها ~~فعلها ضرورة. ويعني بتتكلف: إن تبذل مجهودها في اسقصاء فعل الإقناع الممكن. ~~ويعني بالممكن: الإقناع الممكن في ذلك الشيء الذي فيه القول، وذلك يكون ~~بغاية ما يمكن فيه. ويعني بقوله في كل واحد من الأشياء المفردة، أي في كل ~~واحد من الأشخاص الموجودة في مقولة مقولة من المقولات العشر. # وهذا هو الفصل الذي به تنفصل هذه الصناعة عن سائر الصنائع التي يظن بها ~~أنها قد تقنع في الأمور التي قد تنظر فيها. وذلك إن كل صناعة إنما هي ~~معلمة، أي مبرهنة، ومقنعة، في الجنس الذي تنظر فيه، لا في جميع الأجناس. ~~مثال ذلك: إن الطب إنما يعلم على طريق البرهان ويقنع في الصحة والمرض وفي ~~أنواعهما، وكذلك الهندسة إنما تعلم على طريق البرهان وعلى طريق الإقناع في ~~الأعظام، والأشكال التي توجد في الأجسام. # وأما الخطابة فهي تتكلف الإقناع في جميع الأشياء: في أي مقولة كانت وأي ~~جنس كان. ولذلك ليس تنسب إلى جنس خاص. # فأما الأشياء التي تفعل التصديقات في هذه الصناعة: فمنها ما هي صناعية ~~وتلك هي التي وجودها إلى اختيارنا ورويتنا ونحن الفاعلون لها، ومنها ما هي ~~غير صناعية وهي التي ليس وجودها لاختيارنا ورويتنا، ms010 مثل الشهود والتعذيب ~~والعقود وما أشبه ذلك مما سيذكر بعد. # PageV01P006 # والأشياء الصناعية التي نحن الفاعلون لها: منها أشياء قد تقدم غيرنا ~~فصنعها، مثل الاحتجاج بالأمثال السائرة التي قد وضعت واشتهرت، ومنها ما ~~نخترعها نحن عند القول في الشيء الذي فيه الإقناع ونستنبطها. # فأما التصديقات التي نفعلها نحن ونخترعها فهي ثلاثة أنواع: أحدها إثبات ~~المتكلم فضيلة نفسه التي يكون بها أهلا إن يصدق، كما قال تعالى حاكيا عن ~~هود: " وأنا لكم ناصحا أمين "، وأن يكون عند التكلم بهيئة في وجهه وأعضائه ~~شأنها إن توقع التصديق بالشيء المتكلم فيه، مثل التؤدة والوقار وغير ذلك. ~~والفضيلة التي شأنها هذا هي التي يعني أرسطو بالكيفية والهيئة التي شأنها ~~هذا هو الذي يعني بالسمت. وقد يدل على إن الفضيلة لها تأثير في التصديق إن ~~الصالحين الفاضلين يصدقون سريعا دون قول يتكلفونه في الشيء. وإنما يكون ذلك ~~في الأمور الظاهرة للحس التي يزعمون أنهم أحسوها، مثل أنه شرب أو قتل. فأما ~~إخبارهم عن الأمور الخفية عند الحس وهي التي يظن أنه خفى عنهم ما أحسوا من ~~ذلك أو وهموا فيه، إذا كان ذلك الشيء ممكنا إن يهم فيه الحس، فليس يصدقون ~~في الأشياء التي يدعونها في أمثال هذه الأشياء دون إن يستعملوا، في تثبيت ~~ذلك الشيء، القول. # قال: وليس كما ظن الذين ذكرنا أنهم تكلموا في الخطابة إن الفضيلة والأناة ~~أنما هي نافعة في باب الإنفعال فقط. # وأما الصنف الثاني من التصديقات فهو الصنف الذي يكون بأن يكسب السامع ~~بالقول إنفعالا ما يوجب له التصديق بالشيء الذي فيه القول، فإنه ليس ~~تصديقنا بالشيء وإقرارنا به ونحن في حال الفرح أو الحزن تصديقا واحدا، ~~وكذلك إذا كنا في حالة السخط على الشيء أو في حال الرضا عنه. وهذه هي ~~الأشياء التي تكلم فيها أؤلئك الذين ذكرنا أنهم تكلموا في هذه الصناعة. # وأما الصنف الثالث من هذه التصديقات فهو تثبيت الشيء بالكلام المقنع، أو ~~ما يظن به أنه مقنع، وذلك في الأمور الجزئية التي تقنع فيها هذه الصناعة. ms011 ~~وإذا كانت التصديقات إنما تكون في هذه الصناعة بهذه الوجوه، فهو بين إن ~~الذي يقدر إن يقنع الإقناع الممكن في كل واحد من الأشياء إنما هو الذي يكون ~~عالما بثلاثة أشياء، أولها: معرفة الأقاويل المقنعة، وثانيها: معرفة ~~الأخلاق والفضائل، وثالثها: معرفة الانفعالات، وذلك بأن يعرف كل واحد من ~~الانفعالات: ما هو، ومن أي شيء يكون، ومتى يكون، وكيف يكون. وإذا كان ذلك ~~كذلك، فهذه الصناعة كأنها مركبة من صناعة الكلام والصناعة الخلقية، أعني ~~المدنية. وإنما لم يوجد لمن تقدم قول مستوفي في أجزائها إما من قبل جهلهم، ~~وإما من قبل أنهم ضنوا على غيرهم وبخلوا عليهم بما وقفوا عليه من ذلك لمكان ~~الخيرات التي من خارج. # فهذه الصناعة هي جزء من صناعة المنطق، وهي شبيهة بالجدل في أ، ها تنظر في ~~كلا المتقابلين، وفي أنهما ليسا ينظران في شيء محدود نظرا يبلغان به ~~اليقين، لكن إنما يبلغان من النظر ما دون اليقين. وقد تكلم في ذلك فيما ~~كافيا. # PageV01P007 # وينبغي إن نبتدئ بتعريف الأقاويل المقنعة وما يرى أنه مقنع، فنقول: إن ~~الأقاويل التي يكون بها الإثبات والإبطال كما أنها في صناعة الجدل صنفان: ~~أحدهما الاستقراء، وما يظن به أنه استقراء، والصنف الثاني القياس، وما يظن ~~به أنه قياس، كذلك الأقاويل المثبتة في هذه الصناعة والمبطلة صنفان: أحدهما ~~شبيه بالاستقراء وهو المثال، والآخر شبيه بالقياس وهو الضمير. والضمير الذي ~~يظن به أنه ضمير وليس بضمير يشبه القياس الذي يظن به هنالك أنه قياس وليس ~~بقياس. وكذلك المثال الذي يظن به أنه مثال وليس بمثال يشبه الاستقراء الذي ~~يظن به أنه استقراء وليس باستقراء. فالضمير هو القياس الخطبي، والمثال هو ~~الاستقراء الخطبي. والخطباء إذا تؤمل أمرهم ظهر أنهم إنما يفعلون جميع ~~التصديقات التي تكون بالقول بهذين الصنفين، أعني إما بالمثال، وإما ~~بالضمير، وذلك أنهم يؤمون بفعلهم هذا إن يتشبهوا بالاستقراء والقياس. والذي ~~يفعلون من ذلك إنما يفعلونه بما هو مثال في الحقيقة وضمير في الحقيقة أو ~~بما يظن به أنه كذلك، وليس كذلك. ms012 وقد تبين في كتاب القياس إن كل تصديق فإنه ~~يكون بالقياس، وإن الاستقراء والمثال إنما يفيدان التصديق بما فيهما من قوة ~~القياس. فأما ما هو القياس، وما الفصل بينه وبين البرهان، فإنه قد قيل في ~~كتاب الجدل. وقد تبين هنالك أيضا الفرق بين القياس والاستقراء. # والاستقراء والمثال يشتركان في إن كليهما يثبتان إن هذا الشيء موجود كذا، ~~أو غير موجود كذا من أجل وجود ذلك الشيء أو لا وجوده في شبيهه. # والضمير والقياس يشتركان في إن كليهما قول يوضع فيه شيء فيلزم عنه شيء ~~آخر. # وإذا كان الأمر هكذا، فهو بين إن في كل واحد من هذين الجنسين من القول ~~نوعا خطبيا ونوعا جدليا ونوعا برهانيا ونوعا سوفسطائيا. فإنه كما يوجد ~~الاستقراء والقياس في هذه الصنائع، كذلك يوجد في الخطابة المثال والضمير. ~~وإنما تختلف في هذه الصنائع بجهة الاستعمال، أعني في صناعة البرهان وصناعة ~~الجدل. والقياس في الجدل أوثق من الاستقراء. والمثال في الخطابة أقنع من ~~الضمير؛ لأن الضمير يتطرق إليه العناد أكثر من تطرقه إلى المثال. وسبب هذا ~~سنخبر به فيما بعد، وكذلك كيف نستعمل هذه الأشياء. # فأما الآن فينبغي إن نحدد هذين الطريقين من الإقناع: أعني الضمير ~~والمثال، فنقول: المثال إن القول المقنع إما إن يكون مقنعا لواحد من الناس، ~~أو لجماعة من الناس أو لأكثر الناس. وأيضا منه ما يكون إقناعه في أمر كلي، ~~ومنه ما يكون في أمر جزئي. وكلا هذين منه ما يكون إقناعه بينا بنفسه، ومنه ~~ما يكون إقناعه بغيره في الجزئيات ضربان أحدهما إن يقول القائل: إن كذا ~~إنما هو كذا لموضع كذا، مثل قول القائل: إن شراب السكنجبين ينفع فلانا لأنه ~~محموم. وهذا هو الذي يسمى الضمير. والضرب الثاني إن يقول إن كذا إنما كان ~~كذا لأنه مثل كذا، مثل إن يقول: إن فلانا ينتفع بشراب السكنجبين، لأن فلانا ~~انتفع به. وهذا هو الذي يسمى المثال. # والمقنعات التي هي مقنعة عند واحد من الناس فليس تستعملها هذه الصناعة، ~~لأن ذلك غير متناه ms013 وغير معلوم عند المستعمل لها. # PageV01P008 # ولذلك ليست تستعمل هذه الصناعة من المقدمات المحمودة، أعني المقبولة، ما ~~كان مقبولا عند واحد من الناس، وتلك هي الآراء الحادثة للناس عند الشروق ~~والهوى، بل إنما تستعمل المحمود عند الأكثر أو الجميع على مثل ما تستعمله ~~صناعة الجدل. وإذا كان الأمر هكذا، فالذي يفترق به القياس المستعمل في ~~صناعة الجدل وفي صناعة البرهان من الضمير المستعمل في هذه الصناعة إن ~~القياس يرتب الترتيب الذي يكون به القول منتجا بالضرورة. وأما الضمير فإنه ~~ترتب مقدماته الترتيب الذي هو معتاد عند الجمهور إن يقبل، وذلك هو بخلاف ~~الترتيب الصناعي. فإن الناس يستريبون باللازم عن القول الصناعي، ويرون إن ~~ذلك إنما لزم من جهة الصناعة لا من جهة الأمر في نفسه. وأيضا فإن الترتيب ~~الصناعي يقتضي إن يصرح فيه بجميع المقدمات الضرورية في بيان ذلك المطلوب، ~~والجمهور لا يستطيعون إن يفهموا لزوم النتيجة التي تلزم عن مقدمات كثيرة. ~~وأيضا فإنهم لا يباعدون بين النتيجة والشيء الذي تلزم عنه النتيجة، أعني ~~أنهم لا يصرحون في المقاييس بالمقدمتين جميعا مع النتيجة، بل إنما يأتون ~~بمقدمة واحدة ثم يردفونها بالنتيجة، مثل أنهم يقولون: هذا يدور بالليل فهو ~~لص، ولا يقولون: وكل من يدور بالليل فهو لص، وهي المقدمة الكبرى. وأيضا فإن ~~الضمائر لما كانت تصنع في الأكثر في الأمور الممكنة، وذلك بين في الأمور ~~المشاورية، فإنه ليس يشير أحد على أحد بأمر ضروري الوجود ولا ممتنع الوجود، ~~وكانت المقدمة الكبرى في أمثال هذه المواد كاذبة بالجزء، لم يصرحوا بها في ~~المقاييس التي يستعملونها في هذه الصناعة لئلا يفطن لكذبها. وأيضا فلما ~~كانت المقاييس الجيدة الصنعة في هذه الصناعة إنما هي أحد صنفين: إما ~~المقاييس التي تؤلف من المقدمات البينة إقناعها بنفسه، وإما من مقدمات ~~تتبين مقدماتها بمقدمات أخر تخلط بها، وإلا لم يتبين حمدها، فقد يلحق ضرورة ~~في هذا الصنف الثاني إن يعسر تأليف المقدمات وترتيبها الترتيب الصناعي ~~لمكان كثرة المقدمات وطول الزمان الذي يصرح فيه بجميعها وترتب ترتيبا ~~صناعيا. ms014 وذلك شيء لا يساعد عليه الحكام بل يحملون المتكلم بين أيديهم إن ~~يكون كلامه بسيطا غير متكلف فيه صنعة على عادة الجمهور. فإنه متى كان ~~الكلام ليس على هذه الصفة، كان غير مقنع، وذلك في الأمرين اللذين يكون ~~فيهما الإقناع، أعني في إن الشيء موجود أو غير موجود وفي أنه، إذا وجد، ~~محمود أو غير محمود. وكذلك إذا استعمل التصديق بطريق أخذ الأشباه، فاستقصى ~~فجعلها على طريق الاستقراء، عرض العير الذي وصفناه من الطول والكثرة. وإذا ~~كان هذا هكذا، فإذن القياس الخطبي وهو الضمير والمثال إنما يكونان في ~~الأشياء التي يكون فيها القياس والاستقراء بإطلاق. وتلك الأشياء مأخوذة ~~بحال غير الحال التي أخذت بها في القياس والإستقراء. فإذا استعمل تلك ~~الأشياء بالحال التي بين في كتاب القياس، عاد المثال استقراء، والضمير ~~قياسا. وإذا أخذت بهذه الحال التي ذكرنا، عاد الاستقراء مثالا والقياس ~~ضميرا. وتلك الحال هي أخذ القياس والاعتبار بمقدمات قليلة وجيزة. فإن ~~الإقناع إنما يكون أكثر من ذلك بالمقدمات القليلة الوجيزة، أو بالمقدمات ~~التي هي في غاية الظهور وحذف ما خفي منها. وأيضا فإن المحمود في هذه ~~الصناعة إن يحذف اللازم عنه، ويؤتى بالشيء الذي الذي يلزم، لأنه إذا أخبر ~~باللازم والملزوم فكأنه قد ذكر الشيء مرتين، فيكون هزرا في بادئ الرأي. ~~وعلى هذا فلا يصرح بالحد الأوسط في القياس إلا مرة واحدة، ولا في الاعتبار ~~إلا بشبيه واحد، فيكون القياس ضرورة ضميرا أي محذوفا إحدى مقدمتيه، وبهذا ~~سمي ضميرا، إذ كانت إحداهما مضمرة، ويكون الإستقراء ضرورة تمثيلا. # قال: ومقدمات القياسات الخطبية قد تكون ضرورية وذلك في الأقل، وتكون ~~ممكنة وذلك في الأكثر. لأن أكثر الفحص الجمهوري إنما هو فيما يمكن إن يكون ~~بحال، ويمكن ألا يكون بتلك الحال. وذلك بين في الأشياء التي يشار بها، وذلك ~~أنها كلها أمور مفعولة للإنسان. وليس يمكن إن تكون الأشياء المفعولة ~~للإنسان لا ضرورية الوجود ولا ممتنعة الوجود. والنتائج الضرورية فإنها تكون ~~بالذات عن مقدمات ضرورية، والممكنة عن مقدمات ممكنة. # PageV01P009 # والضمائر منها ms015 ما يكون عن مقدمات محمودة، ومنها ما يكون من الدلائل. ~~وأعني بالمقدمات المحمودة التي ليست دلائل، مثل أنه ينبغي إن يشكر المنعم ~~وأن يساء إلى المسيء. وأعني بالدلائل الأشياء التي تدل على وجود شيء لشيء. ~~وهذان الصنفان من المقدمات توجدفي المواد الضرورية والممكنة، أعني ~~المحمودات والدلائل، وليس توجد في الممكنة على الأكثر فقط، بل وفي الممكنة ~~على التساوي وهي التي نسبتها إلى المقدمات الممكنة على الأكثر نسبة التي ~~على الأكثر إلى الضروري، وهي نسبة الكل من البعض. وذلك إن الصدق في ~~الضرورية أعم من الصدق في الممكنة على الأكثر، إذ كانت الضرورية توجد لكل ~~الموضوع، والممكنة على الأكثر لا توجد لكله. وكذلك نسبة الممكنة على ~~التساوي إلى الممكنة على الأكثر هي هذه النسبة، أعني إن الممكنة على الأكثر ~~تصدق في موضوعاتها على اكثر مما تصدق الممكنة على التساوي. # والدلائل المأخوذة حدا أوسط: منها ما هو أعم من الطرف الأصغر وأخص من ~~الأكبر، ومنها ما هو أعم من الطرفين، ومنها ما هو أخص منهما. # أما الذي هو أعم من الطرف الأصغر وأخص من الأكبر فإنه يأتلف ضرورة في ~~الشكل الأول. وإذا كان في المادة الممكنة على الأكثر فهو الذي يعرفه ~~القدماء بالأشبه. ومثاله في المادة الضرورية: هذه المرأة لها لبن فهي قد ~~ولدت. وفي الممكنة على الأكثر: فلان يعد السلاح ويجمع الرجال وليس قربه ~~عدو، فهو يريد إن يعصى الملك. ومثال الممكنة على التساوي: فلان قد تعب، ~~والمتعوب محموم، ففلان محموم. وهذا هو الذي يعرف بالمشبه. # وأما ما هو أعم من الطرفين فإنه يأتلف في الشكل الثاني إلا أنه غير منتج ~~إلا في بادئ الرأي. مثال ذلك في المادة الممكنة على الأكثر قول القائل: ~~سقراط يتنفس متواترا، والمحموم يتنفس متواترا، فسقراط محموم. فهاتان ~~المقدمتان صادقتان، والنتيجة قد تكون كاذبة، إذ قد يمكن إن يتنفس سقراط ~~متواترا لموضع إحضاره. ولما كان ذلك خافيا على كثير من الناس، إذا رأوا في ~~أمثال هذه المقدمات الصادقة أنها تنتج كذبا، ظنوا لذلك أنه قد انطوى ms016 فيها ~~كذب، فيرومون إن يعاندوا المقدمات، فيعسر ذلك عليهم لمكان صدقها، فيتحيرون ~~لذلك. # وأما التي هي أخص من الطرفين فتنتج في الشكل الثالث جزئيا لا كليا، لكن ~~تؤخذ نتيجته في هذه الصناعة كلية. مثال ذلك في المادة الضرورية قول القائل: ~~الأشياء كلها في كرة العالم، والأشياء كلها في الزمان، فالزمان كرة العالم. ~~وفي الممكنة قول القائل: الحكماء عدول، لأن سقراط حكيم وعدل. # والدلائل التي تكون في الشكل الثالث والثاني تخص باسم العلامة، وما كان ~~منها في الشكل الأول يخص باسم الدليل. والذي في الشكل الثاني هو أخص باسم ~~العلامة من الثالث. كما أنه ما كان من ذلك في الممكنة الأكثرية يخص الأشبه، ~~وإن كان في الممكنة على التساوي خص باسم الضمير المشتبه. # فقد تبين من هذا القول ما هي المحمودات والدلائل والعلامات، وما الفرق ~~بينهما. لكن الذي تبين من الأقاويل القياسية على الحقيقة إنما هو في كتاب ~~القياس، وتبين في جنس جنس منها ما هو قياس وما ليس بقياس. # PageV01P010 # وأما المثال فقد بينا في ما تقدم أنه استقراء ما، لكن يباين الاستقراء ~~بأنه ليس يصار فيه لا من الجزئي إلى بيان الأمر الكلي كما يصار في بعض ~~أنواع الاستقراء، ولا من الكلي إلى الجزئي كما قد يصار في بعض أنواع ~~الاستقراء، وذلك إذا بينا بالكلي الذي أثبتناه بالاستقراء جزئيا آخر غير ~~الجزئيات التي أثبتنا الكلي باستقرائها؛ ويوافقه في أنه يصير من جزئي إلى ~~جزئي لاجتماعها في أمر كلي، وذلك إذا جمعنا في الاستقراء الأمرين جميعا، ~~أعني إن نصير فيه من الجزئي إلى الكلي، ثم من الكلي إلى جزئي آخر، فإنا في ~~هذا الفعل قد صرنا من جزئي إلى جزئي بتوسط الكلي، كالحال في المثال. فإن ~~المثال إنما نصير فيه من جزئي إلى جزئي لاشتراكهما في أمر كلي، إذا كان ~~الحكم المنقول من أحدهما إلى الآخر موجودا للجزئي الأعرف من أجل ذلك الكلي ~~أو يظن به أنه يوجد له من جهته، وإلا لم تصح النقلة من جزئي إلى جزئي، أعني ~~إن ms017 لم يكن هنالك كلي، وكان وجود ذلك الحكم من أجله للجزئي الأعرف. ومثال ما ~~يعرض من هذا في الاستقراء، أعني إذا كانت النقلة من جزئي إلى جزئي بتوسط ~~النقلة إلى الكلي، قول من قال: أيها الملك، إن فلانا طلب إن يكون في جملة ~~العسس، وقد كان في جملة عدوك، فلا تبح له ذلك، فإنه يريد إن يفتك بالملك، ~~لأن فلانا طلب ذلك من فلان الملك، وفلانا من فلان الملك، لأقوام يعددهم، ~~ففتكوا بملوكهم. فإن قائل هذا القول قد جعل النقلة فيه من جزئي إلى جزئي ~~بتوسط الكلي الذي هو إن كل من طلب إن يدخل في الحرس ممن كان في جملة عدو ~~الملك فهو يريد إن يفتك به. إلا إن هذا الكلي الذي ارتسم في النفس بالقوة، ~~وإن لم يصرح به، يستعمل النقلة من جزئي إلى جزئي، إذا كانت النقلة إليه في ~~الذهن من أكثر الجزئيات، كان استقراء، وإن كان من واحد منها، أو من الأقل، ~~كان تمثيلا. # قال: فأما القول في هذه الأشياء التي يقال لها مثالات، فقد يكتفي هاهنا ~~بهذا المقدار المعطى منها. # وأما القول في فصول الضمائر من جهة الأشياء التي منها تعمل، فإن القول ~~فيها غامض وخفي وهو عظيم الغناء فيما نقصده هاهنا. وسبب غموضه إن الضمائر ~~تكون في جميع المقولات العشر كما تكون القياسات الجدلية. لكن من الضمائر ما ~~يكون في المواد التي في الصنائع مثل الضمائر التي تستعمل في الأمور الكلية ~~والجزئية في صناعة الطب وغيرها من الصنائع. وهذه فينبغي إن تستعمل في هذه ~~الصنائع على نحو استعمال البراهين في تلك الصناعة، لا على نحو ما يستعملها ~~الخطيب في المادة التي تخص الخطابة، مثل إن يأتي بها جزءا من خطبة وسائر ~~الأشياء التي تكون بها الأقاويل الخطبية أتم فعلا وأنفذ مما يذكر بعد. ومن ~~الضمائر ما يكون في الأمور التي تخص هذه الصناعة بحسب ما تبين من منفعتها ~~وهي الأمور الإرادية، وهذه هي التي ينبغي إن تستعمل على جهة ما يستعمل ~~الخطباء الأقاويل الخطبية. ms018 ومن هذه الأشياء ينبغي إن تعدد في هذه الصناعة ~~الأشياء التي هي فصول الضمائر لا من تلك المواد التي تحتوي عليها صناعة ~~صناعة. # قال: وكلما كان القول أكثر عموما، كان أكثر مؤاتاه وتأتيا لأن يستعمل في ~~أشياء كثيرة. وكلما كان أقل عموما، كان أحرى إن يكون جزءامن صناعة مخصوصة. ~~ولذلك كانت المواضع أعم من القياسات الخطبية والقياسات الجدلية. وذلك إن ~~المواضع توجد تعم الأمور المنطقية والطبيعية والسياسية، أعني الإرادية، ~~وذلك مثل مواضع الأقل والأكثر التي عددت في الثانية من كتاب الجدل. وذلك إن ~~هذه المواضع ليس تعمل منها المقاييس في صناعة واحدة من هذه الثلاث التي ~~ذكرنا، بل في جميعها، إذ كانت لا تستعمل نفسها وإنما تستعمل قوتها. # وأما الأنواع فهي المقدمات الخاصة بصناعة صناعة من الصنائع الجزئية، مثل ~~المقدمات التي تعمل منها المقاييس في الأمور الطبيعية، فإنها لا تعمل منها ~~المقاييس في الأمور الخلقية، ولا التي في الخلقية تعمل منها المقاييس في ~~الأمور الطبيعية. # PageV01P011 # وإذا كان الأمر هكذا، فإذن المواضع لا يؤلف منها قياس في صناعة مخصوصة، ~~إذ ما يتصور منها هو عام لأكثر من صناعة واحدة. وأما الأنواع فهي التي تؤلف ~~منها المقاييس التي تلتئم منها الصناعة التي تلك الأنواع مخصوصة بها. لكن ~~الأنواع التي نحن عازمون في هذا الكتاب على ذكرها ليست هي مقدمات يقينية، ~~لأنه لو كان ذلك كذلك لكانت المقاييس الخطبية مقاييس يقينية ولم تكن مقاييس ~~جدلية فضلا عن خطبية. والضمائر المعمولة في هذه الصناعة أكثر ذلك إنما تؤلف ~~من هذه الأنواع ماكان منها خاصا بجنس جنس من أجناس الخطابة الثلاثة وماكان ~~منها عاما للأجناس الثلاثة التي تحدد بعد. # قال: وقد يجب إن يفعل هاهنا في هذه الأشياء مثل ما فعل في كتاب الجدل. ~~فكما إن ما ذكر هنالك من مواد الأمور الجدلية قسمت إلى مواضع وأنواع، كذلك ~~يجب إن تقسم هاهنا الأمور التي تعمل منها الضمائر إلى مواضع وأنواع. ~~والأنواع: هي المقدمات الكلية التي تستعمل في صناعة صناعة. # والمواضع: هي المقدمات الكلية التي تستعمل ms019 جزئياتها في صناعة صناعة. فيجب ~~إن يقال أولا في الأنواع، ثم من بعد ذلك في المواضع. وذلك بأن نبدأ أولا ~~فنحد أجناس الأشياء الخاصة بهذه الصناعة، أعني أجناس موضوعات هذه ~~الصناعةالخاصة بها. فإذا حددناها، أخذنا حينئذ في تعديد اسطقساتها ~~ومقدماتها على حدة. # وقد توجد أجناس الأشياء التي تنظر فيها الخطابة من الأمور الإرادية ~~ثلاثة، كما يوجد عدد أصناف السامعين للقول الخطبي ثلاثة. وذلك إن الكلام ~~مركب من ثلاثة: من قائل وهو الخطيب؛ ومن مقول فيه وهو الذي يعمل فيه القول؛ ~~ومن الذين يوجه إليهم القول وهم السامعون. والغاية بالقول إنما هي متوجهة ~~نحو هؤلاء السامعين. والسامعون لا محالة: إما مناظر، وإما حاكم، وإما ~~المقصود إقناعه. والحاكم: أما إن يكون حاكما في الأمور المستقبلة، وهي ~~النافعة والضارة، وإما في الأمور التي قد كانت. والأمور التي قد كانت: منها ~~ما توجد في الإنسان باختياره، وتلك هي الفضائل والرذائل، ومنها ما توجد في ~~الإنسان بغير اختياره، بل من إنسان آخر، وهو الجور والعدل. والحاكم في ~~الأمور المستقبلة هو الرئيس، والحاكم في الأمور الكائنة هو الذي ينصبه ~~الرئيس، مثل القاضي في مدننا هذه، وهي مدن الإسلام. وأما المناظر فإنما ~~يناظر بقوة الملكة الخطبية. فإذن أجناس القول للخطبي ثلاثة: مشوري ومشاجري ~~وتثبيتي. فأما الضمير المشوري: فمنه إذن، ومنه منع؛ وذلك إن كل من يشير إما ~~على واحد من أهل المدينة بما يخصه، أو على جميع أهل المدينة بما يعمهم، ~~فإنما يشير أبدا بقول هو إذن أو منع. وأما القول المشاجري فهو أيضا صنفان: ~~شكاية وتنصل من الشكاية. وأما القول التثبيتي فهو أيضا صنفان: إما مدح، ~~وإما ذم. والزمان الخاص بالأشياء التي يشار بها هو الزمان المستقبل، لأنه ~~إنما يشير إنسان على إنسان بأشياء معدومة. والزمان الخاص بالأشياء ~~المشاجرية هو الزمان الماضي، لأنه إنما يتشكى من الأشياء التي قد وقعت. وإن ~~تشكى من أمور تتوقع من المشتكى به، فإنما تلك شكاية على طريق الإشارة ~~بالنافع في ذلك. وكذلك قد يعرض إن تكون المشورة في الأشياء التي ms020 قد كانت، ~~لكن من جهة ما يتوقع منها. فمتى كانت الشكوى في شىء واحد، لا من أجل غيره، ~~فإنما تكون أبدا في الشيء الذي قد وقع. وأما الأشياء التثبيتية: فإن أولى ~~الأزمنة بها هو الزمان الحاضر، أعني القريب من الآن. فإن الناس إنما يمدحون ~~ويذمون بالأشياء الموجودة في حين المدح وحين الذم في الممدوح والمذموم. ~~وربما مدح بعضهم على طريق الحيلة في استكثار فضائل الممدوح أو مذامه ~~بالأشياء التي يتوقع حدوثها منه، أو يرجى حدوثها منه، فيخلطون مع المدح ~~الإشارة على الممدوح بفعل تلك الأشياء. # PageV01P012 # وأما الغايات من هذه الأقاويل فهي ثلاث غايات لهذه الثلاثة الأقاويل. أما ~~القول المشير فغايته النافع والضار. فإن الذي يشير، فإنما يأذن في النافع ~~أو في الذي هو أنفع، ويمنع من الضار أو من الذي هو أضر. وأما القول ~~المشاجري فغايته العدل والجور. وأما القول المثبت فغايته الفضيلة والرذيلة. ~~وإن استعمل واحد من هذه غاية صاحبه، فليس على القصد الأول، بل من أجل ~~الغاية الخاصة به. مثال ذلك إن المشير قد يقنع إن هذا عدل أو جور، ليشير ~~بالإذن فيما يكون عن العدل من المنفعة، وبالمنع عما يكون على طريق الجور ~~لما في الجور من المضرة التي تتوقع. وكذلك قد تستعمل الفضيلة والرذيلة، ~~أعني من جهة ما يلحقها من النافع والضار. # وإذا كانت هذه الغايات الثلاث تخص كل منها واحدا من هذه الأقاويل، أعني ~~من جهة ما هي غايات على القصد الأول، فالحدود المميزة لكل واحد من هذه ~~الأقاويل الثلاثة إنما تكون الفصول المعطاة فيها من قبل هذه الغايات. وقد ~~يدل على إن هذه الغايات هي خاصة بواحد واحد من هذه الأجناس الثلاثة من ~~الأقاويل أنه إذا أقنع كل واحد منها في غاية الجنس الآخر، ربما لم يكن ~~للمناظر في ذلك معاسرة ومشاكسة، بل كثيراء ما يسلم له ذلك، ولكن لا يسلم له ~~غاية ذلك القول التي تخصه. مثال ذلك إن المدعي إذا ادعى إن فلانا أخذ المال ~~من فلان، وذلك لا شك ضرر به، ms021 فربما يسلم له الخصم إن ذلك كان، ولكن لا يسلم ~~له إن أخذه المال منه كان على جهة الجور. وكذلك المشير قد يسلم إن الفعل ~~الممكن جور، ولا يسلم أنه ضار. ولمكان تداخل هذه الغايات يعرض للمشيرين ~~كثيرا إن يشيروا بأشياء ضارة على جهة المغالطة من قبل أنها عدل أو أنها ~~ليست بجور، ولكن لا يقرون بأنها ضارة، بل ربما أحتالوا في دعوى وجود النفع ~~فيها. مثال ذلك أنهم قد يشيرون بالصبر على الموت في الحرب، وألا يفروا، ~~لكون الفرار جورا في الشريعة. وكذلك متى قهر قوما واستولوا عليهم، ربما ~~أشار المشير عليهم ألا يمتعضوا لذلك القهر لأنه لم يكن جورا، وربما أوهم ~~فيه أنه غير ضار لهم. وكذلك المادح قد يسلم إن الشيء ضار، ولكن يدعى أنه ~~فضيلة، مثل من يخلص إنسانا من الموت ويعلم أنه يموت بتخليصه ذلك الإنسان. ~~فالموت يسلم الخصم أنه ضار، ولكن يرى أنه فضيلة. كذلك ربما مدح بالرذيلة ~~على جهة المغالطة من جهة أنها نافعة، لكن لا يقر أنها رذيلة. بل يدعي فيها ~~أنها فضيلة ما لمكان النفع الذي فيها. فإذن كل واحدة من هذه المخاطبات قد ~~تستعمل غاية صاحبتها بالعرض ولذلك لا يشاكس فيها، ويشاكس ولا بد في غايتها. ~~وإذا استعملت الواحدة غاية صاحبتها فعلى جهة المغالطة. # قال: ولما كانت هذه الصناعة قياسية، فمعلوم أنه يجب إن تكون فيها مقدمات، ~~ومقدماتها هي الثلاث التي وصفنا: المحمودات والدلائل والعلامات. وذلك إن ~~القياس المطلق يكون من المقدمات المطلقة. والقياس الخاص بصناعة صناعة يكون ~~من مقدمات خاصة. ولذلك كان الضمير قياسا يأتلف من هذه المقدمات التي ذكرنا. ~~ولأن الأمر الذي يشير به يحتاج إن يعرف من أمره أولا أنه ممكن، لأن الأمور ~~الغير ممكنة لا يستطاع إن تفعل لا في الحاضر ولا في المستقبل. وكذلك يحتاج ~~في الجنسين الباقيين من أجناس هذه الصناعة، أعني إن نبين أولا إن الأمر قد ~~كان وقع، أعني الجنس التثبيتي والجنس المشاجري. فإذن لا بد لصاحب هذه ~~الصناعة إن تكون عنده ms022 مقدمات يقنع بها في إن الأمر ممكن أو غير ممكن، وفي ~~أنه قد كان أو لم يكن، سوى المقدمات التي يبين بها تلك الغايات الثلاث. ثم ~~أيضا لما كان الخطباء ليس يقتصرون على المدح والذم والإذن والمنع والشكاية ~~والإعتذار، بل يتكلفون مع هذا إن يثبتوا إن الأمر - الذي هو خير أو شر - ~~عظيم أو صغير، شريف أو خسيس، ولائق أو غير لائق، وذلك إما على الإطلاق وإما ~~بالمقايسة، أعني أنه أعظم وأشرف، أو بالضد، فمعللوم أنه ينبغي إن تكون عند ~~الخطباء مقدمات يثبتون بها إن الخير أو الشر عظيم أو صغير، وخسيس أو شريف، ~~ولائق بالمنسوب إليه أو غير لائق. فهذه هي جميع أنواع المقدمات التي ~~تستعملها هذه الصناعة. # PageV01P013 # وإذ قد تبين ذلك فينبغي إن نبتدئ بتعديد المقدمات التي تخص غرضا غرضا من ~~الأغراض الثلاثة ونجعل الكلام أولا في تعديد المقدمات المشورية، ثم ثانيا ~~في التثبيتية، ثم ثالثا في المشاجرية. # فأول ما يجب إن ننظر فيه من أمر الأشياء التي يشار بها ما هو الخير الذي ~~يشار به. فإنه ليس تكون المشورة في كل خير، لكن في الخيرات التني تستطيع إن ~~تكون أو إن لا تكون. فأما الخيرات التي كونها أو لا كونها من الاضطرار، ~~فليس تكون فيها مشورة. ولا أيضا المشورة تكون في جميع الخيرات الممكنة، فإن ~~هاهنا خيرات ممكنة وجودها عن الطبيعة، بل في الخيرات الممكنة التي إلينا إن ~~تكون أو إن لا تكون، وهي الأشياء التي التي بدء كونها من قبل الاختيار ~~والإرادة. ومن هذه فيما كان وجوده أو لا وجوده تابعا لرويتنا وأفعالنا على ~~الأكثر. وأما ما كان منها يعرض عن الروية بالاتفاق وأقل ذلك، فليست هي في ~~الأكثر مما يشار بها، إلا حيث لا يمكن إن يوجد الجنس الآخر. وقد يدل على إن ~~االإشارة إنما تكون بهذه الأشياء إن الإنسان إنما ينظر أولا هل الأمر الذي ~~يريد إن يفعله ممكن أو غير ممكن، ثم إن كان ممكنا، بأي شيء يمكن وكيف يمكن. ~~فإذا تبين له ms023 ذلك، شرع في السعي فيه. وإن تبين له أنه غير ممكن، خلا عنه. ~~والأشياء التي بها نشير هي التي فيها نروى. فقد تبين من هذا القول ما هو ~~الخير الذي نشبر به وفي أي الأشياء يكون، وهي الأمور الإرادية التي مبدأ ~~وجودها منا، لا الأمر الاضطراراية التي ليس إلينا وجودها. وإعطاء الفرق ~~التام بين الأشياء الإرادية وغير الإرادية وتصحيح عدد أنواعها ومعرفة ماهية ~~كل واحد منها على أقصى ما في طباعها إن تعلم فليس من شأن هذه الصناعة إن ~~تبلغه من معرفة الأشياء الإرادية، ولكن ذلك من شأن صناعة الفلسفة التي لها ~~الفضل على هذه في التصور والتصديق، والمقدمات المستعملة فيها أصدق وأصح من ~~هذه. وذلك إن هنا لسنا نتكلف من معرفة هذه الأشياء الأحوال الذاتية ~~المناسبة لها، بل الأمور المشهورة. وإذا كان الأمر في هذه الأشياء كما ~~وصفنا، فقد تبين أيضا من هذا القول إن جميع ما قلناه في أجزاء هذه الصناعة ~~هو حق، أعني أنها مركبة من علم المنطق ومن علم السياسة الخلقية وأن فيها ~~أشياء جدلية أو شبيهة بالأشياء الجدلية وأيضا سوفسطائية أو شبيهة ~~بالسوفسطائية. والأشياء التي في صنائع كثيرة إنما تكون أجزاء أجزاء لصناعة ~~واحدة متى أخذ جميعها بالجهة والحال التي تكون بها تلك الأشياء الكثيرة ~~متعاونة ونافعة في غرض تلك الصناعة الواحدة، وطرح منها الأحوال التي بها ~~تختلف، أعني الأشياء التي ليست تكون بها مغنية في غرض تلك الصناعة الواحدة. ~~وإذا كان ذلك كذلك، فالأشياء الخلقية إنما صارت جزءا من هذه الصناعة من حيث ~~هي معدة نحو الكلام والمخاطبة، وهي من صناعة السياسة من حيث هي أحد ~~الموجودات التي نقصد معرفتها وعلمها. والأشياء الجدلية والسوفسطائية إنما ~~صارت جزءا من هذه الصناعة من حيث إن الذي تستعمل منها هذه الصناعة هو سابق ~~المعرفة الأولى للإنسان، لا ما هو بعيد عن معرفة الجمهور، مثلأنها إنما ~~تستعمل من القياس القياس المعروف عند الجمهور وهو التمثيل والضمير. وكذلك ~~الحال في الأمور السوفسطائية إنما تستعمل منها ما جرت العادة باستعماله ms024 عند ~~الجمهور، مثل مواضع الإطلاق والتقييد وغير ذلك مما يستعمله بطباعهم ~~الجمهور. فهي إنما تخالف هذه بمقدار النظر. وقد تخالف أيضا بمقدار النظر ~~هذه الصناعة في الأمور الإرادية النظر الذي للعلم السياسي فيها، أعني أنها ~~إنما تنظر في الأمور الإرادية النظر الذي هو في سابق المعرفة للإنسان وتدع ~~تقصي النظر في ذلك للعلم السياسي. # والأمور التي يشير بها الخطيب منها ما يشير به على أهل مدينة بأسرهم، ~~ومنها ما يشير به على واحد من أهل تلك المدينة أو جماعة. فأما الأشياء التي ~~تكون فيها المشورة في الأمور العظام من أمور المدن فهي قريبة من إن تكون ~~خمسة: أحدها الإشارة بالعدة المدخرة من الأموال بللمدينة. والثاني: الإشارة ~~بالحرب أو السلم. والثالث الإشارة بحفظ الثغر مما يرد عليه من خارج. ~~والرابع الإشارة بما يدخل في البلد ويخرج عنه. والخامس الإشارة بالتزام ~~السنن. # PageV01P014 # فالذي يشير بالعدة يحتاج إن يعرف ثلاثة أمور: احدها إن يعرف غلات المدينة ~~ما هي، أعني هل هي نبات أو حيوان أو معدن أو جميع هذا أو اثنان، كيما إن ~~نقص من الفاضل منها للعدة شيء أشار بالزيادة. والثاني إن يعرف مع ذلك نفقات ~~أهل المدينة كلها. والثالث إن يعرف أصناف الناس الذين في المدينة. فإن كان ~~فيها إنسان بطال وهو الذي لا فضيلة عنده، أو عاطل وهو الذي لا صناعة له، ~~أشار بتنحيته من البلد. وإن كان هنالك عظيم النفقات في غير الجميل أو غير ~~الضروري أشار بأخذ ذلك الفضل من المال منه. فإنه ليس يكون الغنى بالزيادة ~~في المال، بل وبالنقصان من النفقة. ولذلك قيل: قلة العيال أحد اليسارين. # قال: ومن الضرورة الداعية إلى هذه الأشياء ومقدار الحاجة إليها يقف ~~الخطيب على ما يحتاج إن يشير به في واحد واحد من هذه الأشياء. وليس يحتاج ~~عند الإشارة بالزيادة في النبات إن يكون فلاحا، ولا في الحيوان إن يكون ~~راعيا، لكن يكفيه في ذلك معرفته بمقدار الحاجة إليها. لكن يحتاج مع هذا إن ~~يكون عالما بالسير المتقدمة في هذه ms025 الأشياء وما عند الناس فيها. # وأما المشير بالحرب أو السلم فإنه يحتاج إن يعرف قوة من يحارب ومقدار ~~الأمر الذي ينال بالمحاربة هل هو يسير أو عظيم، وحال المدينة في وثاقتها ~~وحصانتها، وضعف أهلها وقوتهم، وفي صغر المدينة وعظمها، أعني هل مقدارهم ~~مقدار من يستطيع المحاربة أم ليس مقدارهم ذلك المقدار، وهل هم بصفة من ~~تمكنهم المحاربة أم ليس هم، وأن يعرف مع ذلك شيئا من الحروب المتقدمة ليصف ~~لهم كيف يحاربون إن أشار عليهم بالحرب ويهون عليهم أمر الحرب، أو يعرفهم ~~بما في الحرب من مكروه إن أشار عليهم بترك الحرب. وقد يحتاج إن يعرف ليس ~~حال أهل مدينته فقط، بل وحال من في تخومه وثغره، أعني كيف حالهم في هذه ~~الأشياء وحالهم مع عدوهم في الظفر به أو العجز عنه. فإنه يأخذ من هاهنا ~~مقدمات نافعة في الإشارة عليهم بالحرب أو السلم. ويحتاج مع هذا إن يعلم ~~الحروب الجميلة من الحروب الجائرة وأن يعلم حال الأجناد هل هم متشابهون في ~~القوة والشجاعة والرأى وإجادة ما فوض إلى صنف صنف منهم من القيام بجزء جزء ~~من أجزاء الحرب، أعني إن يكونوا في ذلك متشابهين، فإنه ربما كثروا وتناسلوا ~~حتى يكون فيهم من لا يصلح للحرب أو للجزء من الحرب الذي فوض إليه القيام ~~به. وقد ينبغي مع هذا إن يكون ناظرا ليس فيما أفضت إليه محاربتهم بل وفيما ~~أفضت إليه حروب سائر الناس من المتقدمين المشابهين لهم، فإن الشبيه يحكم ~~منه على الشبيه، أعني أنه إن كان أفضت الحروب الشبيهة بحربهم إلى مكروه إن ~~يشير بالسلم، وإن كانت أفضت إلى الظفر إن يشير بالحرب. # وأما حفظ البلاد فإنه يحتاج المشير بالحفظ، إن يعرف، كيف تحفظ البلاد، ~~ومامقدار الحفظ المحتاج إليه في طارئ، وكم أنواع الحفظ ويعرف مع هذا ~~المواضع التي يكون حفظها بالرجال وهي التي تسمى المسالح. فإن كان الحفظة ~~لتلك المواضع قليلا، زاد فيهم. وإن كان فيهم من لا يصلح للحفظ، نحاه، ممن ~~ليس يقصد قصد المحاماة عن ms026 المدينة، بل يقصد قصد نفسه. وينبغي له إن يحفظ ~~أكثر ذلك المواضع الخفية، أعني التي المنفعة بحفظها أكثر. فمن عرف هذا فقد ~~يمكنه إن يشير بالحفظ وأن يكون خبيرا بالبلاد التي يشير بحفظها. # وأما الإشارة بالقوت وسائر الأشياء الضرورية التي تحتاجها المدينة فإنه ~~يحتاج المشير فيه إن يعرف مقدارها، وكم يكفي المدينة منها، وكم الحاضر ~~الموجود في المدينة من ذلك وهل أدخل الكافي من ذلك في المدينة وأحرز أم لم ~~يدخل، وما الأشياء التي ينبغي إن تخرج من المدينة وهو الفاضل عن أهل ~~المدينة. وما الأشياء التي ينبغي إن تدخل وهو ما قصر عن الضروري، لتكون ~~مشورته وما يعهد به على حسب ذلك. فإنه قد يحتاج المرء إن يحفظ أهل مدينته ~~لأمرين: أحدهما لمكان ذوي الفضائل، والثاني لمكان ذوي المال اللذين هم من ~~أجل ذوي الفضائل. والحافظ للمدن يحتاج بالجملة إلى إن يكون عارفا بجميع هذه ~~الأنواع الخمسة عند حفظه لها. # PageV01P015 # قال: وأما النظر في وضع السنن والإشارة بها فليس بيسير في أمر المدن. فإن ~~المدن إنما تسلم ويلتئم وجودها بالسنن. ولذلك قد ينبغي لواضع السنن إن يعرف ~~كم أصناف السياسات وأي سنة تنفع في سياسة وأي سنة لا تنفع وأي ناس تصلح بهم ~~سنة سنة وسياسة سياسة وأي ناس لا تصلح بهم، وأن يكون يعرف الأشياء التي ~~يخاف إن يدخل منها الفساد على المدينة وذلك إما من الأضداد من خارج، وإما ~~من أهل المدينة. فإن سائر المدن، ما عدا المدينة الفاضلة، قد تفسد من قبل ~~السنن الموضوعة فيها، وذلك إذا كانت السنة مفرطة الضغف واللين أو مفرطة ~~الشدة وسواء كانت في رأي أو في خلق أو في فعل. وذلك إن السياسة التي تسمى ~~الحرية قد يظهر من أمرها أنها تنتقل كثيرا من قبل هذا المعنى إى رياسة ~~الخسة، أعني رياسة الشهوات أو رياسة المال. والذي قاله ظاهر عندنا من أمر ~~السياسات التي وصلتنا أخبارهم. # قال: وليس يؤول الأمر في هذه السياسة، أعني سياسة الحرية، إلى سياسة ~~الأخساء من قبل ms027 استرخاء السنن ولينها، وإن كان ذلك هو الأكثر، بل ومن قبل ~~الإفراط. فإن كثيرا من الأشياء إذا أفرطت بطل وجودها، كما يبطل وجودها من ~~قبل الضعف والتقصير. ومثال ذلك: إن الفطس إذا أفرط وتفاقم، كان قريبا من إن ~~يظن أنه ليس هنالك أنف. وإذا كان غير مفرط، قرب من الاعتدال. # قال: ويحتاج مع ذلك إن يعرف السنن التي وضعها كثير من الناس فانتفعوا بها ~~في سياسة سياسة من السياسات المشهورة وفي أمة أمة ليستعمل منها النافع الذي ~~يخصه والأمة التي تخصه. ولذلك يتبين إن معرفة واضع السنن بأمزجة الناس ~~وأخلاقهم وعاداتهم مما ينتفع به في وضع السنن. فإن من هاهنا يمكن إن يضع ~~السنن النافعة لجميع الأمم المختلفة الطبائع. وأما الفساد الداخل على المدن ~~من خارج، أعني من الأعداء، فأمر ظاهر بنفسه، وقد كتب الناس في الأوجه التي ~~يتوقع منها غلبة الأعداء، والأوجه التي يتحرز بها منهم. ومن هذه الأشياء ~~يأخذ المقدمات التي يشير بها على أهل مدينته بالتحفظ من الأعداء. وما قلنا ~~في وضع السنن وما يحتاج إليه واضعها هو من علم السياسة، لا من علم الخطابة. ~~وإنما يذكر منها هاهنا ما يكفي في هذه الصناعة. # قال: فهذه هي الأمور العظمى التي بها يشير المشيرون على أهل المدن، وفيها ~~دلالة على الأشياء التي منها يشار على واحد واحد من الناس. ونحن قائلون ~~الآن في الأشياء التي منها يكون الإذن والمنع لواحد واحد من الناس، ومبتدؤن ~~أولا بالإخبار عن الأشياء التي من أجلها يشير المشيرون فيأذنون فيها أو ~~يمنعون من أضدادها. ويشبه إن يكون لكل واحد من الناس انفعال ما وتشوق ~~بالطبع للخير الذي يتشوقه الكل لنفسه ويشير به على غيره من غير إن يعرف ~~واحد منهم ما هو ذلك الخير فيختارونه ويأثرونه على غيره، أو إذا سئل عنه ~~أجاب فيه بجواب منبئ عن طبيعته، بل إنما عند كل واحد منهم وجوده فقط. وإذا ~~سئل واحد واحد منهم عما يدل عليه اسمه، أجاب فيه بجواب غير الجواب الذي ~~يجيب فيه ms028 الآخر. وإنما يؤثره الجميع لمكان هذا الانفعال الموجود له بالطبع ~~عند الجميع. وهذا الخير في الجملة هو صلاح الحال وأجزاء صلاح الحال. ولذلك ~~فقد ينبغي إن نفضل أولا ما هو صلاح الحال بقول عام، ثم نفصل أجزاءه ونخبر ~~عن أضدادها وعن الأشياء التي يكون فيها الإذن والمنع وهي النافعة في صلاح ~~الحال أو الأنفع فيه، أو الضارة فيه أو الأضر فيه. فإن بهذا يتم لنا القول ~~في الأشياء التي منها تلتئم الأقاويل المشورية المستعملة مع جميع الناس. # قال: والذين تكلموا في هذه الصناعة فلم يتكلموا من هذه الأشياء إلا فيما ~~يجري مجرى الأمور الكلية، مثل أنهم قالوا ينبغي للخطيب إن يعظم الشيء ~~الصغير إذا أراد تفخيمه، ويصغر الشيء الكبير إذا أراد تهوينه، وينبغي له إن ~~لا يأذن في الأشياء التي تفسد صلاح الحال ولا في الأشياء التي تعوق عن صلاح ~~الحال أو تتجاوز صلاح الحال إلى ضده، ولم يقولوا ما هي الأشياء التي بها ~~يعظم الشيء أو يصغر، ولا ما هي الأشياء التي توجب اختلال صلاح الحال أو ~~تعوقه أو تتجاوزه إلى ضده. # PageV01P016 # قال: فأما صلاح الحال هو حسن الفعل مع فضيلة وطول من العمر وحياة لذيذة ~~مع السلامة والسعة في المال وحسن الحال عند الناس مع تحصيل الأشياء الحافظة ~~لهذه الأشياء والفاعلة لها. وقد يشهد إن هذا هو رسم صلاح الحال المشهور إن ~~جميع الناس يرون إن صلاح الحال هو هذا أو شيء قريب من هذا. وإذا كان صلاح ~~الحال هو هذا، فأجزاؤه هي كرم الحسب وكثرة الإخوان والأولاد واليسار وحسن ~~الفعل والشيخوخة الصالحة، وفضائل الجسد، مثل الصحة والجمال والجلد والجزالة ~~والبطش والمجد والجلالة والسعادة والفضيلة، وأجزاؤها مثل العقل والشجاعة ~~والعفاف والعدالة والبر. فإنه هكذا أحرى إن يكون الإنسان موفورا مكفيا، ~~أعني إذا كانت له الخيرات الموجودة من خارج والخيرات الموجودة فيه ~~النفسانية والجسدانية. والتي من خارج هي الحسب والإخوان والمال والكرامة. ~~وقد يظن أنه يعد مع هذه نفوذ الأمر والنهي والاتفاقات الجميلة وهي المسماة ~~عند الناس سعادة. فإن ms029 بهذه الأشياء تكون حياة المرء في سيرته حياة من لا ~~ينقصه شيء من خارج ولا يشوب خيره شيء مضاد. وإذا كان هذا هكذا، فيجب إن ~~ننظر في كل واحد من هذه ما هو بحسب النظر المقصود هنا وهو النظر المشهور. ~~فأما الحسب فهو إن يكون القوم اللذين هو منهم هم أول من نزل المدينة أو ~~يكونوا قدماء النزول فيها، ويكونوا مع هذا حكاما أو رؤساء ذوي ذكر جميل ~~وكثرة عدد، وأن يكونوا مع هذا أحرارا لم يجز عليهم سباء، أو يكونوا ممن نال ~~الأمور الجميلة المغبوطة عند الناس، وإن لم يكونوا حكاما ولا رؤساء. فأما ~~النظر في الحسب هل هو من الرجال فقط أو من النساء، فالظاهر من ذلك والمتفق ~~عليه عند الجميع أنه يكون أتم إذا كان من كليهما. وينبغي إن يستعمل الخطيب ~~من ذلك المشهور في أمة أمة. ومن شروط الحسب إن يكون الرؤساء والأحرار من ~~أولئك القوم اللذين شهروا بالفضيلة واليسار وغير ذلك من المكرمات لم ينقطع ~~وجودهم في القوم الذين هو منهم إلى وجوده هو، بل يوجد في ذلك الجنس أبدا ~~أشياخ بهذه الصفة يخلفهم غلمان في تلك الخصال. فإنه إن انقطع الشرف في ذلك ~~الجنس الذي هو منهم لم يكن حسيبا. وإن لم ينقطع منهم فهو حسيب، وإن انقطع ~~فيمن ولد منهم. # وأما حسن الحال بالأولاد وكثرتهم فهو مما لا خفاء به. وحسنالحال بالأولاد ~~المشترك للجميع هو كثرة الغلمان وصلاحهم في فضائل الجسد وفضائل النفس. أما ~~في فضائل الجسد فبأربع: إحداها الجزالة وهي إن تكون خلقهم خلقا طبيعية ~~يفوقون فيها كثيرا من الناس. والثانية الجمال، والثالثة الشدة، والرابعة ~~البطش. فبهذه الأربع يكون الغلمان صالحين في فضائل أجسامهم. وأما فضائل ~~النفس فيكونون صالحين باثنتين: بالعفاف والشجاعة. وأما ما قد يكون به صلاح ~~حال بعض الناس فكثرة الأولاد من الذكور والإناث. وصلاح الحال بالإناث أيضا ~~يكون بفضيلتين في الجسد والنفس. أما في الجسد فاثنتان: العبالة وهو عظم ~~الأعضاء العظم الطبيعي وكثرة اللحم الطبيعي لا اللون، والجمال. وأما ms030 في ~~النفس فثلاث: العفاف وحب الألفة وحب الكد. فإن بهذه الفضائل يكمل المنزل. ~~وهذه الفضائل التي قلنا سبيلها إن توجد في النساء كلهن اللاتي من نسب ذلك ~~الرجل على العموم، وفي الرجال كلهم على العموم، وفي أولاده الذكور خاصة إذ ~~كان الولد به ألصق. # وقد ينبغي للخطيب إن ينظر هل الفضائل في الأمة التي هو منها هي هذه ~~الفضائل عندهم، أعني في أولادهم، أم ليس هي هذه. فإن كثيرا من الأمم يربون ~~أولادهم الذكور والإناث بالزينة والسمن. وهؤلاء يقول فيهم أرسطو إنه قد ~~فاتهم النصف من صلاح الحال بالأبناء. # فأما أجزاء اليسار بكثرة الدنانير والأرضين والعقار والأثاث والأمتعة ~~والمواشي وجميع الأشياء المختلفة في النوع والجنس، وكل ذلك إذا كانت هذه ~~الأشياء في حفظ ومع حرية، وأن يكون فيها متمتعا، أي ملتذا، لا حافظا لها ~~فقط أو منميا. # قال: ومن الأمور النافعة في اليسار والفاعلة له الأشجار المثمرة والغلات ~~من كل شيء، واللذيذ من هذه هو ما يجنى بغير تعب ولا نفقة. وحد الحفظ ~~والإحراز للمال هو إن يكون في الموضع الذي لا يتعذر منه عليه، وأن يكون ~~بالحال التي يمكن إن ينتفع بها، مثل إن كانت أرضا ألا تكون سبخة، وإن كان ~~فرسا ألا يكون جموحا. # PageV01P017 # وحد الحرية في المال إن يكون إليه التصرف في المال بالإعطاء والبيع ~~والشراء. وأما التنعم بالمال فهو استعماله على طريق التلذذ به، وإنما اشترط ~~في الغناء هذا الشرط لأنه إن يكون الغنى في استعمال المال أحرى منه إن يكون ~~في اقتنائه. لأن الاقتناء هو فاعل الغنى. وأما الاستعمال فهو الغنى بعينه. # وأما حسن الفعل على الرأي والصواب فهو الذي يظنه الكل فاضلا، وهو الذي ~~يغتني الشيء الذي يتشوقه الأكثر لا محالة أو الأخبار من الناس وذوو الكيس ~~والفطنة. # قال: وأما الكرامة فإنها في زماننا هذا للمعتني بحسن الفعل. وإكرام الناس ~~اللذين لهم العناية الحسنة بهم هي مكافأة على طريق العدل والحق، إذ كانت ~~هذه الأفعال ليس تكافئها الدنانير والدراهم. وليس يكرم اللذين لهم العناية ms031 ~~الحسنة بالناس فقط، بل واللذين يستطيعون إن تكون لهم العناية الحسنة، أعني ~~اللذين لهم قوة على ذلك وإن لم يفعلوا ذلك في حال الإكرام. والعناية بالناس ~~التي تستوجب الكرامة هي العناية بتخليصهم من الشرور التي ليس التخلص منها ~~بهين، أو إفادتهم الخيرات التي ليس إفادتها بالسهل. وهذه الأفعال الجميلة ~~هي التي تكون عن الغنى أو السلطان أو ما أشبه ذلك مما يكون للإنسان به ~~القدرة على أمثال هذه الأفعال. وقد يكرم كثير من الناس على خيرات يسيرة ~~لكنها تكون كثيرة بالإضافة إلى ذلك الزمان وإلى تلك الحال. فكأن الكرامة ~~على الأشياء اليسيرة هي بالعرض، أي من جهة ما عرض لتلك الأشياء إن تكون ~~كثيرة بالإضافة إلى ذلك الوقت أو الحال. # وأما الأشياء التي تكون بها الكرامة فمنها مشتركة لجميع الأمم ومنها ~~خاصة. فالجاصة مثل الذبائح والقرابين التي كانت قد جرت عادة اليونانيين إن ~~يكرموا الأموات، ومنها عامة وهي المراتب في المجالس والمسارعة إلى أقواله ~~وترك مخالفته والهداية التي توجب المحبة والقرب. فإن الهدية جمعت أمرين: ~~بذل المال والكرامة، ولذلك كانت مستحبة لجميع الناس، وكل إنسان يجد فيها ما ~~يتشوقه. وذلك إن الناس ثلاثة أصناف: إما صنف يحب الكرامة، وإما صنف يحب ~~المال، وإما صنف جمع الأمرين. والهدية قد جمعت متشوق هذه الأصناف الثلاثة. # قال: وأما فضيلة الجسد فالصحة وذلك إن يكونوا عريين من الأسقام ألبتة وأن ~~يستعملوا أبدانهم، لأن من لا يستعمل صحته فليس تغبط نفسه بالصحة، أي ليس هو ~~حسن الحال بها وهو بعيد من جميع الأفعال الإنسانية أو من أكثرها. # قال: وأما الحسن فإنه مختلف باختلاف أصناف الأسنان. فحسن الغلمان وجمالهم ~~هو إن تكون أبدانهم وخلقهم بهيئة يعسر بها قبولهم الآلام والانفعال أي لا ~~يكونون غير محتملين للأذى وأن يكونوا بحيث يستلذ إن ينظر إليهم عند الجري ~~أو الغلبة. # قال: ولذلك ما يرى الناس الغلمان الذين هم مهيئون نحو الخمس المزاولات ~~واللعبات حسانا جدا. ونعني بالخمس المزاولات واللعبات الأشياء التي كان ~~اليونانيون يروضون بها صبيانهم، وهي العدو والركوب ms032 والمثاقفة والصراع ~~والملاكزة. # قال: وإنما كان الناس يرون فيمن كان مهيئا نحو هذه الأفعال الخمسة أنه ~~جميل لأنه مهيأ بها نحو الخفة والغلبة. وإذا شب هؤلاء الغلمان كانوا لذيذي ~~المنظر عند العمل في الحرب، وذلك بحسب الهيئة التي كانوا معدين بها نحو ~~الحرب. وأما الشيوخ فجمالهم هو أستلذاذ أفعالهم في الأعمال التي هي جد، وهي ~~التي من أجلها يراض الصبيان على هذه اللعبات الخمس، وهي الحروب، وأن يكونوا ~~مع ذلك يرون غير ذوي أحزان ولا غم، وذلك إن الحزن والغم إذا ظهر بالشيخ ظن ~~به إن ذلك الطارئ الذي طرأ عليه مما يضر في شيخوخته، مثل الفقر أو الهوان ~~أو غير ذلك. # قال: وأما البطش فإنه قوة يحرك المرء بها غيره كيف شاء. فإنه إذا جذب ~~غيره أو دفعه أو أشاله أو أخرجه أو ضغطه، وكان هذا الفعل منه بكل من يتصدى ~~له أو بأكثرهم، فهو ذو بطش. # قال: وأما فضيلة الضخامة فهو إن يفوت كثيرا من الناس ويجاوزهم في الطول ~~والعرض والعمق، وتكون مع ضخامته حركاته غير متكلفة لجودة هذه الفضيلة. ~~وتكون ضخامته ليس سببها سمنا ولا أمرا مكتسبا. # PageV01P018 # قال: وأما الهيئة التي تسمى الجهادية فإنها مركبة من الضخامة والجلد ~~والخفة. وذلك أنه إذا اقترنت الخفة مع القوة أمكن إن يبلغ بالسرعة أمدا ~~بعيدا؛ لأنه إن كان خفيفا دون جلد لم يبلغ بالسرعة أمدا بعيدا. وذلك إن ~~الذي جمع الضخامة والقوة هو مصارع. والذي جمع الضخامة والقوة والخفة هو ~~مجاهد. وأما الذي جمع الصراع والخفة معا فيسمى عندهم باسم مشتق من الحذق ~~باستعمال القوة والخفة. وأما الذي جمع هذه الخصال كلها فهو الذي يسمى عندهم ~~ذا الخمس اللعب. # قال: وأما الشيخوخة الصالحة فإنها دوام الكبر مع البراءة من الحزن، لأنه ~~إن عجلت وفاة الإنسان قبل إن يبلغ منتهى الشيخوخة لم يكن ذا شيخوخة صالحة، ~~وإن كان بريئا من الأحزان؛ ولا إن أمهل إلى منتهى الشيخوخة وكان في كرب ~~وحزن كان ذا شيخوخة صالحة. وإنما يكون بريئا من الأحزان إذا ms033 كان ذا حظ من ~~الجد وفضائل البدن، أعني إن يكون صحيحا ولم تعتره مصائب تكدر شيخوخته. وذلك ~~أنه إذا كان ممارضا، أو كان الجد غير مساعد له بأن يكون قد اعترته مصائب، ~~فإنه ليس بصالح الشيخوخة، وإن كان معمرا، وكذلك إن كان ممارضا. وقد يشك كيف ~~يكون طول العمر مع الأمراض، لكن يشبه إن تكون قوة طول العمر غير قوة الصحة. ~~فإنا نرى قوما كثيرين تطول أعمارهم مع أنهم مسقامون. وتصحيح هذا هو للعلم ~~الطبيعي، وليس في تصحيحه في هذا العلم منفعة. والخطيب إنما يكتفي من ذلك ~~بالشيء الظاهر. # قال: وأما كثرة الخلة وصلاح حال الإنسان بالإخوان فذلك أيضا غير خفي، إذا ~~حد ماهو الخليل والصاحب وهو إن يكون كل واحد منهما يفعل الخير الذي يظن أنه ~~ينفع به الآخر، لا الخير الذي ينتفع به في نفسه فقط. وإذا كانت الخلة ~~والصحبة هي هذه، فبين إن المرء يكون صالح الحال بالإخوان الكثيرة. # قال: وأما صلاح الجد فهو إن يكون الاتفاق لإنسان ما علة لوجود الخير له ~~وذلك إما من الخيرات الموجودة في ذاته، وإما من الخيرات الموجودة له من ~~خارج. وعلة الاتفاق قد تكون الصناعة، وقد تكون الطبيعة وهو الأكثر. فمثال ~~ما يكون عن الاتفاقالطبيعي إن يولد الإنسان ذا قوة وهيئة يعسر بها قبوله ~~الأمور الواردة عليه من خارج. فأما إن يكون الإنسان صحيحا، فقد يكون سببه ~~الاتفاق الطبيعي مثل إن يولد صحيحا، وقد يكون الاتفاق الصناعي مثل إن يسقى ~~سما فيبرأ به من مرض كان به. وأما الجمال والضخامة فعلتهما الاتفاق الصناعي ~~والطبيعي. وجملة الأمر إن الخيرات التي سببها الجد الذي هو حسن الاتفاق هي ~~الخيرات التي يكون المرء مغبوطا بها محسودا عليها. ويكون الجد علة لخيرات ~~ليست هي خيرات بالحقيقة وإنما ترى خيرات بالإضافة والمقايسة إلى الغير، كما ~~قد يكون القبح في حق إنسان خيرا ما إذا رئى غيره أقبح منه. ومثل إن يكون ~~إنسانان وقفا من الحرب في موضع واحد فأصاب أحدهما السهم ولم يصب الثاني. ~~فإن ms034 الذي لم يصبه السهم يرى أنه قد ناله بالإضافة إلى صاحبه خير كثير، ~~وبخاصة إن كان ذلك الذي لم يصبه السهم من عادته إن يشهد الحروب كثيرا، ~~والآخر لم يشهد قط إلا تلك الحرب. # وكذلك إذا وجد الكنز واحد ممن طلبه، قد يرى أنه خير بالإضافة إلى من لم ~~يصبه، وإن كان الكنز يسيرا. فمن هذا ونحوه وينظر الخطيب في سعادة الجد. # وأما تعريف الفضيلة فأولى المواضع بذكرها هو عند القول في الأشياء التي ~~يمدح بها، لأن الفضيلة خاصة بالمادح. ولذلك وجب إن يكون المادح هو الذي ~~يعرف باستقصاء الفضيلة. والفضائل وإن كان منها مستقبل وحاضر، فالمادح إنما ~~ينظر فيها من جهة ما هي حاضرة، والمشير من جهة أنها مستقبلة، أي نافعة. # فهذه هي الغايات التي من أجلها يشير المشير. وبين من هذه أضدادها التي من ~~أجلها يمنع المشير وهي التي تؤلف منها أقاويل المنع، إذ كان عددها هو ذلك ~~العدد بعينه، ووضعها من الأقاويل المشورية هو ذلك الوضع بعينه. ومن أجل إن ~~المشير إنما غرضه المقدم في فكره هو إن يشير بالشيء النافع الذي تلزم عنه ~~واحدة واحدة من هذه الغايات، وذلك إن هذه الغايات هي أول الفكرة وآخر ~~العمل، والأشياء النافعة هي آخر الفكرة وأول العمل، وأعني بأول الفكر ~~النتيجة، وبآخر الفكر المقدمات. # PageV01P019 # فقد يجب إن يكون للخطيب أصول وقوانين يعرف بها الأشياء النافعة في ~~الغايات، وهي العواقب إذ كانت هي أول العمل. والنافعات وإن لم تكن خيرا ~~مطلقا فهي خير لأنها طريق إلى الخير بإطلاق. فالخير المطلق هو الذي يختار ~~من أجل نفسه، ويختار غيره من أجله، وهو الذي يتشوق إليه الكل، وأعني هاهنا ~~بالكل ذوي الفهم الحسن من الناس والذكاء. وذلك قد يكون خيرا في الحقيقة، ~~وقد يكون خيرا في الظن، وذلك بحسب اعتقاد إنسان إنسان في هذا الخير. ولذلك ~~إذا كان الشيء الذي يعتقد فيه الإنسان هذا الاعتقاد موجودا له فقد اكتفى به ~~ونال حاجته ولم يبق له تشوق إلى شيء أصلا. والأشياء النافعة في ms035 هذا الخير ~~هي بالجملة أربعة أجناس: الأشياء الفاعلة، والأشياء الحافظة له، وما يلزم ~~الحافظة، وما يلزم الفاعلة. وذلك إن لازم الشيء يعد مع الشيء. وكذلك أيضا ~~يعد لازم المفسد مع المفسد، ولازم ضد الفاعل مع ضد الفاعل في الأشياء التي ~~ينهى عنها. ولزوم الغاية للفاعل ربما كان معا مثل ما يلزم المدح اقتناء ~~الأشياء الممدوحة، وربما كان متأخرا مثل العلم الذي يتبع التعلم بأخرة. # والأشياء الفاعلة ثلاثة أصناف: إما بالذات، وإما بالعرض. والذي بالذات ~~اثنان، إما قريب مثل فعل الغذاء الصحة، وأما بعيد مثل الطبيب. والذي بالعرض ~~مثل فعل التعب في الرياضة للصحة. وإذا كان واجبا إن تكون أصناف الأشياء ~~الفاعلة للخير هي هذه الأصناف الثلاثة، فباضطرار إن تكون الأمور النافعة في ~~الخير بعضها خير في ذاته مثل نفع الغذاء في الصحة وبعضها شر في ذاته وخير ~~ما بحسب نفعه في الخير مثل شرب الدواء للصحة. والشرور التي تنفع في الخير ~~هي نافعة على وجهين: أحدهما إن يستفاد بها خير هو أعظم من الشر اللاحق من ~~استعمالها مثل استفادة الصحة عن شرب الدواء، ومثل المشقة اليسيرة في ~~استفادة المال الكثير. ومنها ما تنال به السلامة من شر هو أعظم من الشر ~~الذي ينال منها، مثل ما ينال ركاب البحر من السلامة إذا طرحوا أمتعتهم. فإن ~~طرح أمتعتهم شر، لكن تستفاد منه السلامة من شر هو أعظم وهو العطب. والخيرات ~~التي تستفاد من الخيرات يسميها أرسطو فوائد بإطلاق، وأما تلك فيسميها ~~انتقالا. ويعني بذلك أنها انتقال من شر إلى ما هو أخف شرا منه أو انتقال من ~~شر إلى ما هو خير. # قال: والفضائل وإن كانت غايات فهي أيضا خيرات في أنفسها ونافعة في الخير. ~~فإن المقتنين لها هم بها حسنو الأحوال. وهي مع هذا فاعلة للخير ومستعملة ~~فيه. # قال: وقد ينبغي إن نخبر عن كل واحد من هذه وكيف هي خير في نفسها وكيف هي ~~فاعلة للخير ونفصل الأمر في ذلك. واللذات أيضا هي خير بنفسها لأن جميع ~~الحيوان يشتاق ms036 إليها. والأمور اللذيذة إنما تكون خيرا إذا كان بها الملتذ ~~حسن الحال. وقد يستبين من التصفح أنها خير وأنها أيضا قد تكون نافعة في ~~الخير. وأجزاء صلاح الحال بالجملة منها ما هي غايات فقط، ومنها ما قد تعد ~~غايات وهي نافعة أيضا في الغايات؛ وذلك إن لبعضها ترتيبا عند بعض، أعني إن ~~بعضها علة لوجود بعض ومتقدم عليه. ومثال ذلك إن الشجاعة والحكمة والعفاف ~~وكبر النفس والنبل وما أشبهها من فضائل النفس قد تختار أشياء كثيرة من ~~أجزاء صلاح الحال من أجلها. وكذلك الصحة والجمال من فضائل الجسد قد تختار ~~أشياء من أجلها هي من صلاح الحال وهي فاعلاتها. وكذلك تختار فاعلات أشياء ~~أخر من صلاح الحال مثل فاعلات اللذة وفاعلات السيرة الحسنة. ولذلك ما يظن ~~باليسار أنه خير، إذ كان سببا لهذين الأمرين الشريفين: أحدهما اللذة، ~~والآخر حسن السيرة. وصلاح الحال بكثرة الإخوان قد يوجد فاعلا لأشياء كثيرة ~~من الخيرات. وذلك إذا كانت الصداقة التي بينهما من أجل المحبة نفسها، لا إن ~~تكون المحبة بينهما من أجل شيء آخر. فإن الإخوان اللذين بهذه الصفة هم ~~يفعلون الكرامة والتمجيد بغير ذلك مما يجري مجراهما من الخيرات. وذلك يكون ~~منهم بالقول والفعل. فإن الأقوال والأفعال التي تفعل بها الكرامة والتمجيد ~~وغير ذلك مما يجري مجراهما هي خير ونافع. # PageV01P020 # قال: ومن النافعات بذاتها الملكات الطبيعية التي يكون الإنسان بها مستعدا ~~لأشياء حسنة مثل الذكاء والحفظ والتعلم وخفة الحركات، وكذلك الكمالات مثل ~~العلوم والصنائع، وكذلك السير المحمودة. وهذه كلها مع أنه نافعة في غيرها ~~هي خير في نفسها وإن لم يتصل بها خير آخر، فهي خيرات منفردة بأنفسها مختارة ~~لذاتها. والبر أيضا خير نافع. # قال: فهذه هي الخيرات التي يعترف بها ويجتمع على أنها خيرات ونافعات. ~~ومتى بين في شيء منها أنه خير فذلك بيان لا على طريق المراء والمغالطة ~~المستعملة في هذه الصناعة. وأما إذا بين في شيء من أضداد هذه أنها خير، ~~وفيها أنها شر فذلك يكون في هذه الصناعة على ms037 طريق المراء، أعني بيانا ~~سوفسطائيا. وذلك إن الشر إنما ينفع بالعرض، مثل إن يبين خطيب لأهل مدينة ما ~~إن الجبن لهم خير لأنهم إن شجعوا، خرجوا عن المدينة، فنال منهم العدو. ولكن ~~الجبن ليس لهم خيرا على الإطلاق وإنما كان خيرا بالإضافة إلى أهل المدينة ~~الذين عرض لهم ذلك. وأما النافع في الأكثر وبالذات للإنسان فهو الخير، كما ~~إن الشر المضاد للخير هو نافع للأعداء. وذلك إن الجبن، لما كان شرا لأهل ~~المدينة بالذات، كان نافعا للأعداء. والشجاعة لما كانت بالذات خيرا لهم ~~كانت ضارة بالأعداء. إلا أنه قد يلحق ما هو شر ما للإنسان إن يكون ضارا ~~لعدوه، وما هو خير ما له إن يكون نافعا لعدوه، مثل الجبن لأهل المدينة ~~اللذين إذا خرجوا عن المدينة لم يكن لهم قوة يقاومون بها عدوهم. فينبغي ~~للخطيب إن يتحرى في كل وقت النافع من هذه الأشياء. وهذه القضية أيضا ليست ~~كلية، أعني القائلة إن كل ما يضر العدو ويكرهه نافع، وكل ما ينفع العدو ~~ويسره ضار. # فإن كثيرا ما يكون الأمر الواحد ضارا للإنسان وعدوه ونافعا للإنسان ~~وعدوه. فمثال ما هو نافع لكليهما ويسر به كل واحد منهما مفارقة العدو عدوه ~~إذا كانت بعد مقاتلة شديدة بينهما ومقاومة أشفى كل واحد منهما على العطب ~~منها من غير إن يظفر أحدهما بصاحبه. فإنهما إذا افترقا في أثر هذه الحال سر ~~كل واحد منهما بالافتراق. ولذلك قد يكون النافع نافعا للأعداء أيضا. وأما ~~ماهو ضار لكليهما فكثيرا ما يوجب صداقة العدو، وذلك إذا كانا متساويين في ~~نزول الشر الوارد بهما من غير إن يفضل أحدهما في ذلك صاحبه. وكثير من الأمم ~~المختلفة كان اتفاقهم بهذا السبب. ولذلك قيل إن الشر قد يجمع الناس. فهذا ~~أيضا أحد ما يكون به الشر نافعا، أعني إن يكون الضر النازل بالإنسان نازلا ~~بعدوه، فإن ذلك يوجب صداقة العدو. وحينئذ يهوى العدو الوارد ضد ما يهواه كل ~~واحد من المتعاديين الذين ورد عليهما العدو من خارج. وذلك إن ms038 كل واحد من ~~المتعاديين يهوى صداقة صاحبه لمكان تعاونهما على العدو الوارد عليهما من ~~خارج. والعدو الوارد يهوى بقاء عداوتهما على حالها أو تأكدها. وأرسطو يقول: ~~ولذلك كثيرا ما تنفق النفقات العظيمة وتفعل الأفعال الكثيرة في مثل هذا ~~الخير الذي يدفع به الشر العظيم. وإنما تطيب النفس بالنفقات في مثل هذه ~~الأشياء لظهور ما يلزم عنها من الغاية المطلوبة وقربها حتى كأنها إذا وجدت ~~هذه الأشياء وجدت الغاية. وقد يكون الشر المفرط النازل بالعدو أيضا سببا ~~للاعتراف بالخير اليسير الذي ناله من عدوه، ولولاه لم يعترف به العدو. مثل ~~ما حكي أرسطو أنه عرض لبعض الملوك الذين كانوا أعداء لليونانيين أنه اشتدت ~~محاربتهم له وحصرهم إياه سنين كثيرة وقتلوا في ذلك الحصار ابنه فسألهم إن ~~يعطوه جثته ليحرقها على عادتهم في موتاهم ففعلوا ذلك فشكرهم على ذلك وأظهر ~~شكرهم عند جميع قومه وأهل مدينته. فلولا ما نزل به من الشر العظيم، لما ~~شكرهم على هذا الشيء اليسيرالذي سمحوا له به، كما قال ذلك أوميروش الشاعر. # PageV01P021 # قال: ومن الاصطناعات النافعة والأفعال التي يعظم قدرها عند المصطنع إليهم ~~فيصير به المصطنع إلى خير عظيم من المصطنع إليهم إن يختار الإنسان إنسانا ~~عظيم القدر من جنس ما من الناس له أيضا عدو عظيم القدر في جنس آخر من الناس ~~فيفعل بعدو ذلك الإنسان الشر وبأصدقائه الخير، مثل ما عرض لأوميروش مع ~~اليونانيين وأعدائهم، فإنه قصد إلى عظيم من عظماء اليونانيين في القديم ~~فخصه بالمدح وأصدقاءه من اليونانيين، وخص عدوا له عظيما بالهجو هو وقومه ~~المعادين لليونانيين في حروب وقعت بينهما، فكان رب النعمة العظيمة بذلك عند ~~اليونانيين وعظموه كل التعظيم حتى اعتقدوا فيه أنه كان رجلا إلاهيا وأنه ~~كان المعلم الأول لجميع اليونانيين. وبالجملة: ففعل الشر بالأعداء والخير ~~بالأصدقاء من الأمور النافعة، ومن شرط هذا الفعل الذي يعظم موقعه إن موقعه ~~إن يكون ما فعل منه يرى أنه لم يمكن الفاعل ولا تيسر له غيره، وسواء كان ~~الفعل كثيرا في نفسه أو يسيرا، ms039 وأن يظن إن فعله له لم يكن لمكان خوف ولا ~~شيء يرجوه، بل لأن شوقه وهواه قاده إلى ذلك. فإن بهذا يكون الفعل مداوما ~~عليه من الفاعل وهو السهل عليه. لأن الأفعال التي تكون من أجل خوف إنما ~~تكون غير شاقة زمانا يسيرا. وإذا طال بها الزمان كانت شاقة فانقطعت. وإذا ~~انقطعت كان من ذلك عداوة من المصطنع إليه للمصطنع. فلذلك يشترط في هذا ~~الفعل إن يكون سهلا على الفاعل. فهذه هي شروط الابتداء بالصنائع التي يعظم ~~موقعها ويوجد نفعها. # وأما المكافأة التي لا يعظم موقعها فهي المكافأة التي لا تكون بحسب ما ما ~~يهوى المكافئ بالطبع من أكثر الناس، وهو إن تكون ناقصة عن الصنيعة التي ~~أسديت إليه: إما في الكمية، وإما في المنفعة، وإما لأنها قد فضلت عند ~~المكافئ وليس يحتاج إليها. وهي المكافأة التي يغالط فيها. وإنما كان ~~المكافئ بالطبع الذي يشتهي إن تكون مكافأته بأحد هذه الثلاثة الأحوال، لأن ~~المكافئ كأنه مقصور على الإعطاء، فهو إنما يشتهي: إما ألا يلحقه نقص من ~~الخير الذي وصل إليه، وإما إن يكون النقص أقل من الخير الذي وصل إليه. فإذا ~~لم تكن المكافأة بهذه الصفة، بل كانت مقارنة للصنيعة: إما في الجنس مثل أن ~~تكون المكافأة على الدنانير بدراهم، وإما في القوة مثل أن تكون المكافأة ~~على المال بكرامة يقتنى بها مثل ذلك المال، فهي المكافأة العادلة لكنها ~~سوقية. فإذا لم تكن المكافأة لا سوقية ولا فيها غبن، بل كان المكافئ يعتقد ~~فيه أنه ليس اختياره في المكافأة لما هو أنقص أكثر من اختياره لما هو أزيد، ~~وسواء وقعت مكافئته بما هو أنقص أو بما هو مساو أو بما هو شبيه، فهي ~~المكافأة الجميلة. لأن مكافأته بالأنقص لم تكن منه باختيار لذلك، بل لأنه ~~لم يتسير له غير ذلك. فإذا اتفق أن يكون مع هذا ذلك الفضل مما يسر به ~~الأصدقاء، أعني أصدقاء المكافئ بالفعل، ويسوء أعداءه، ويكون مع هذا متعجبا ~~منه عند الجمهور، وذلك بالإضافة إلى من صدر ms040 عنه، كان عظيما موقعه من ~~المصطنع إليه، وبخاصة إذا كانت الصنيعة مما توافق شهوة المصطنع إليه، مثل ~~أن يكافئ أو يبدأ محب الكرامة بالكرامة ومحب المال بالمال، ومحب الغلبة ~~بالغلبة. # فإن هذه الصنيعة ليست هي لذيذة فقط عند الذي تصطنع إليه أو يكافئ بها، بل ~~هي عنده فاضلة. وكذلك الأمر في سائر أصناف الخيرات. وإنما تكون أفعال ~~الصنائع والمكافأة على المبتدئ والمكافئ أفعالا سهلة يمكن أن يداوموا عليها ~~متى كانوا باستعدادهم الطبيعي مهيئين لتلك الأفعال، وكانت قد حصلت لهم ~~الملكة التي بها تصدر عنهم تلك الأفعال. ومن الصنائع اليسيرة التي يظن بها ~~أنها ليس تنقص المصطنع شيئا بالتأديب والموعظة. # قال: فمن هذه الوجوه يأخذ الخطيب المقدمات التي منها يقنع أن الشيء نافع ~~أو غير نافع. ومن أجل أن الخطيب قد يعترف أحيانا بأن الأمر نافع، ولكن يدعى ~~أن هاهنا شيئا هو أنفع، فقد يحتاج أن يكون عنده مواضع يقدر أن يبين بها أن ~~الأمر أنفع وأفضل. # PageV01P022 # فمنها أن ما كان نافعا في كل الأشياء، فهو أنفع مما هو نافع في بعض ~~الأشياء. والذي هو أدوم نفعا، هو أنفع من الذي أقصر نفعا. والذي هو أكبر، ~~هو أنفع من الأصغر. والذي هو أكثر، هو أنفع من الأقل. والذي جمع من صفات ~~الخير أكثر، أو جمع صفاته كلها، فهو أنفع. وصفات الخير التام هو أن يكون ~~الشيء مختارا من أجل نفسه، لا من أجل غيره، وأن يكون متشوقا عند الكل، وأن ~~يكون ذوو الفضل واللب يختارونه. والذي جمع هذه الصفات كلها أو أكثرها فهو ~~الخير والنافع الذي في الغاية وهو الغاية لسائر الأشياء التي توصف بالخير. ~~والأشياء المتصفة بالخير المتعلقة بهذا الخير الذي جمع هذه الصفات إنما ~~يقال فيها إنها أنفع إذا وجد في واحد منها صفة واحدة من هذه الصفات أو أكثر ~~من صفة واحدة. وكل ما كان من هذه الأشياء توجد فيه صفات أكثر من صفات الخير ~~فهو أنفع، ما لم تكن الصفة الواحدة أنفع من اثنتين أو من ثلاث. ms041 وأيضا فما ~~كان العظيم فيه أفضل من العظيم في جنس آخر، فالجنس الذي فيه العظيم الأفضل ~~هو أفضل من الجنس الآخر. وما كان الجنس منه أفضل من الجنس الأفضل، فالعظيم ~~من الجنس الأفضل أفضل من العظيم من الجنس الآخر. وهذا عكس الأول. ومثال ذلك ~~أنه إن كان الذكران أفضل من الإناث، فالرجل أفضل من المرأة، وإن كان الرجل ~~أفضل من المرأة، فالذكران أفضل من الإناث. وإنما كان ذلك كذلك لأن نسبة ~~العظيم إلى جنسه هي كنسبة العظيم الآخر إلى جنسه. فتكون نسبة الجنس إلى ~~الجنس هي نسبة العظيم إلى العظيم. # ثم إذا كان الشيء لازما لشيء ما، والآخر غير لازم له، فإن الذي يلزم عنه ~~الشيء آثر من الذي لا يلزم عنه الشيء. مثال ذلك السلطان والثروة. فإن ~~الثروة تلزم السلطان، وليس يلزم السلطان الثروة؛ فلذلك السلطان أفضل من ~~الثروة. وكذلك الحال في المضار. فإن الفقر يلزم عنه البخل، وليس يلزم عن ~~البخل الفقر؛ فالفقر أكثر شرا من البخل. # واللازم يوجد على ثلاثة أقسام: إما أن يوجد معا، أعني اللازم والملزوم، ~~مثل وجود الأبيض والبياض معا، ومثل لزوم الإنسان والحيوان. وإما أن يوجد ~~اللازم تابعا بأخرة مثل لزوم العلم عن التعلم. وإما أن يكون تلازمهما في ~~القوة، أي يكون أحدهما يفعل فعل الآخر ولا ينعكس، أعني ألا يفعل الآخر فعل ~~الأول، مثال ذلك الفقر والبخل. فإن الفقر يلزم عنه أن يفعل الإنسان فعل ~~البخل، وليس يلزم عن البخل فعل الفقر. فإن الفقر يعوق عن أشياء أكثر من عدم ~~استعمال المال الذي هو البخل. # وأيضا الذي يفعل الخير الأنفع هو أنفع من النافع. مثال ذلك الجلد ~~والجمال. فإن كليهما نافع وخير. والجلد يفعل به خير أعظم مما يفعل بالجمال، ~~فهو أعظم نفعا. كذلك الصحة أيضا أعظم نفعا من اللذة، لأن الصحة يفعل بها ~~خيرات أكثر مما يفعل باللذات. وأيضا فإن الذي يختار مفردا أفضل نفعا من ~~الذي لا يختار إلا مع ذلك المختار مفردا. ومثال ذلك أن الجمال لا يختار إلا ms042 ~~مع الصحة، والصحة تختار دون الجمال؛ فالصحة أفضل نفعا من الجمال. وأيضا إذا ~~كان شيئان أحدهما كمال، والآخر طريق إلى الكمال فالذي هو كمال أفضل، مثل ~~الصحة واللذة. فإن الصحة كمال، واللذة كون، والكون طريق إلى الكمال. وإذا ~~كان شيئان أحدهما يختار لذاته، والآخر يختار من أجل غيره، فالذي يختار من ~~من أجل نفسه أفضل من الذي يختار من أجل غيره، مثال ذلك الحكمة واليسار. فإن ~~الحكمة تختار لذاتها، واليسار يختار لغيره. وأيضا فإن الذي يجعل المرء إذا ~~اقتناه أقل حاجة إلى أصدقائه أو إلى الإنسان فهو أفضل من الذي يجعله أكثر ~~حاجة. فإن من هو أكثر كفاية واستغناء عن الناس هو الذي يحتاج إلى أشياء ~~قليلة العدد سهل وجودها. وأيضا إذا كان شيئان أحدهما يحوج اقتناؤه إلى ~~الثاني، والثاني لا يحوج اقتناؤه إلى الآخر، فإن الذي لا يحوج اقتناؤه إلى ~~الآخر هو آثر، مثال ذلك اليسار والبنون. فإن البنين يحوجون إلى اقتناء ~~المال، واليسار ليس يحوج إلى اقتناء البنين؛ فاليسار أفضل نفعا. # PageV01P023 # قال: ويستبين أن الشيء الذي هو مبدأ ليس يلزم أن يكون أعظم من الشيء الذي ~~هو له مبدأ، وذلك أن الإرادة مبدأ الخير، ووفعل الخير أعظم من إرادة الخير. ~~وكذلك التعلم والعلم. وإن كان ليس يمكن أن يكون الشيء النافع دون مبدأ. ~~وإذا كان شيئان مبدأين لشيئين، وأحد المبدأين أعظم من الثاني، فإن الذي ~~يكون عن المبدأ الأعظم أعظم. وعكس هذا أيضا: وهو إذا كان شيئان مبدأين ~~لشيئين على أنهما فاعل، وأحدهما أعظم من الثاني، فإن الذي هو مبدأ للأعظم ~~أعظم. وكذلك إذا كان مبدأين على أنهما غاية، وإذا قيس المبدأ الفاعل إلى ~~الغاية، أمكن أن يتوهم أن الفاعل أعظم من الغاية وذلك أن الفاعل هو الذي ~~يفعل الغاية، ولولا هو لم توجد الغاية. وأمكن أن يتوهم أيضا أن الغاية أعظم ~~من المبدأ، وذلك أنه لولا الغاية لكان الفاعل فضلا. فمثال ما تجعل الغاية ~~فيه أعظم من الفاعل قول من يقول في الذم: إن فلانا أولى بأن ms043 ينسب إلى الجور ~~في فعله كذا من فلان الذي أشار عليه بذلك، لأنه لو لم يرد، لم يكن منه ذلك ~~الفعل. إذ لو لم يفعل هو ذلك الفعل، لم يقع ذلك الضرر. ومثال ما يجعل ~~الفاعل فيه أعظم من الغاية قول القائل: فلان أحق بالشكر على هذا الفعل من ~~فلان، لأن فلانا هو الذي أشار عليه بذلك الفعل، ولولا إشارته لم يكن ليفعل ~~ذلك الفعل المحمود. وفي كلا الموضعين ما قبل الغاية إنما يفعل لمكان ~~الغاية. # وأيضا فإن الذي وجوده أقل فهو أفضل، مثل الذهب والحديد. غير أنه إن كان ~~الذهب أقل وجودا من الحديد فليس هو أنفع. وأيضا مقابل هذا: وهو أن ما كثر ~~وجوده فهو أفضل مما قل وجوده لكثرة منافعه. ومن هنا يقال: إن الماء خير، ~~لكثرة وجوده وعموم منافعه. وأيضا فإن ما هو أعسر وجودا فهو أفضل، لأن ما ~~عسر وجوده قل وجوده، وما قل وجوده، فهو غريب ومتنافس فيه. ومقابل هذا: وهو ~~أن ما سهل وجوده فهو أفضل، لأضنه يوجد في كل حين يتشوق إليه. وأيضا الشيء ~~الذي ضده أعظم، فهو أفضل. وأيضا الذي عدمه أشد ضررا فهو أنفع. وليس ينبغي ~~أن يفهم هاهنا من الأعظم والأقل عظم المقايسة في الخير فقط، بل وفي الشر، ~~وفيما هو لا خير ولا شر. وأيضا فإن الغايات والأشياء التي من أجلها تفعل ~~الأفعال، إذا كانت الغايات بعضها أزيد خيرا من بعض، أو أزيد شرا من بعض، ~~فإن الأمور المتقدمة لتلك الغايات الأزيد هي أزيد. وأيضا فإن ما كان من ~~الملكات والفضائل، وبالجملة: الأشياء الفاعلة أعظم، فإن أفعالها الصادرة ~~عنها تكون أعظم، لأن نسبة الأفعال إلى مبادئها هي نسبة المبادئ بعضها إلى ~~بعض. فإنه إذا كان البضر آثر من الشم، فإن الإبصار آثر من الشم. وهكذا يوجد ~~الأمر في جميع الأفعال مع أسبابها الفاعلة ليس فس الذاتية فقط، بل وفيما ~~يعرض عن الشيء بالاتفاق. فإن العظيم يكون الاتفاق الذي يعرض له عظيما. وفي ~~الأعراض الموجودة في الشيء، أعني أن ms044 الشيء الأعظم، العرض الموجود فيه أعظم. ~~وأيضا أن يحب الإنسان صاحب المال أفضل من أن يحب المال، لأن حب الإنسان ~~أفضل من حب المال. وأيضا فإن الفضائل أفضل من ذوي الفضائل. والأشياء التي ~~شهوتها فاضلة أفضل من التي شهوتها غير فاضلة. مثال ذلك أن شهوة العلوم ~~فاضلة وشهوة الأكل والشرب غير فاضلة، فالعلوم أفضل من الأكل والشرب. وأيضا ~~عكس هذا: وهو أن ما هو أفضل، فشهوته أفضل، مثل أن الحكمة أفضل من النكاح، ~~فشهوتها أفضل من شهوة النكاح. وأيضا فإن العلوم التي هي أحسن وأفضل، ~~فأفعالها خير وأفضل. مثال ذلك أنه لما كانت العلوم العلمية أفضل من ~~العملية، كان فعلها الذي هو الصدق أفضل من التي فعلها العمل. وعكس هذا: وهو ~~أن التي فعلها أفضل من العلوم، فهي أفضل؛ وذلك أن الوقوف على الحق لما كان ~~أفضل من العمل، كانت الصنائع العلمية أفضل من العملية. وإنما كان هذان ~~الموضوعان متلازمين، لأن نسبة الصناعة إلى الصناعة هي نسبة فعلها إلى ~~فعلها. # PageV01P024 # قال: والذي يحكم به الكل من الجمهور أو الأكثر أو ذوو الألباب والأخيار ~~الصالحون أنه خير وأفضل، فهو أفضل بإطلاق وفي نفسه، إذا كان حكمهم في ~~الأشياء بحسب فطرهم وكانوا ذوي لب، لا بحسب ما استفادوه من الآراء من خارج. ~~فإن ذوي الألباب من الناس قد يقولون بفطرهم في الفضائل والخيرات ما هي، وكم ~~هي، وعند أي شيء هي، وإن كان ما يقفون عليه بفطرهم دون ما يوقف عليه من ذلك ~~في العلوم. وما قيل في حد الخير من أنه الذي يتشوقه الكل، إنما يراد بذلك ~~الخير الذي يتشوقه الكل بحسب فطرهم الطبيعة، أعني اللبيبة. فإن ما تتشوقه ~~الفطر اللبيبة، بما هي فطر لبيبة، هو خير مطلق، أو خير أفضل من خير، مثل ~~علمهم أن الشجاعة والأدب والجلد خيرات وتشوقهم إياها. وأما الذي هو خير ~~بالإضافة إلى إنسان ما، مثل من يرى من الناس الفاضلين أنه أن يجار عليه ~~أفضل من أن يجور هو، فإن هذا الخير لا يدركه الناس ms045 بحسب طباعهم، وإنما يرى ~~هذا الرأي الذي هو من الناس في غاية العدل والفضل. # وأيضا ما كان من الخيرات معه لذة، فهو آثر مما ليس معه لذة. وما كان من ~~الخيرات أكثر لذة، فهو آثر. وإنما كان ذلك كذلك لأن الكل من الجمهور ~~يبتدرون إلى اللذة ويطلبونها. وطلبهم اللذة هو من أجل اللذة نفسها، لا من ~~أجل شيء آخر غيرها. وما كان بهذه الصفة، أعني متشوقا للكل، فقد قيل أنه ~~الخير والغاية. فاللذة إذن خير. والأزيد لذة هي الملذات التي هي أبرأ من ~~الأذى والحزن وأدوم بقاء. واللذة الجميلة ألذ من اللذة القبيحة، لأن الجميل ~~مما قد يختار بذاته وإن لم يكن لذيذا، وهو من الأشياء التي يختار المرء أن ~~يكون علة لكونه إما لنفسه وإما لصديقه. وبالجملة فكل ما كان من الأشياء ~~الملذة أفضل فهو ألذ مما هو أخس. وكل ما هو منها أطول مدة، فهو ألذ من التي ~~هي منها أقصر مدة. وكل ما كان من الخيرات أثبت فينا، فهو ألذ مما هو أقل ~~ثباتا. وذلك أن الصحة لما كانت أرسخ فينا من الجمال، كان وجود الصحة لنا ~~ألذ من وجود الجمال. والأشياء اللذيذة أو الأكثر لذة إنما السبب في وجودها ~~لنا بهذه الصفة أحد أمرين: إما طول اعتياد الشيء حتى يصير لنا الإلتذاذ به ~~من قبل العادة كالحال في اللذة الحاصلة عن العلم، وإما من قبل أنها لذيذة ~~جدا عندنا بالطبع والهوى. فالأشياء إذن إنما تصير أكثر لذة إما من قبل طول ~~الزمان، وإما من قبل الهوى والموافقة التي بالطبع. وجميع الأشياء التي ~~تلائم هوانا ملاءمة أكثر، فإن منفعتها لنا إنما تكون في رسوخها وثبوتها. ~~وقد تؤخذ مقدمات الأنفع والأفضل من مواضع النظائر والتصاريف، وذلك أنه إن ~~كانت الشجاعة آثر من العفاف، فالرجل الشجاع آثر من الرجل العفيف. # PageV01P025 # قال: وما اختاره أيضا كثير من الناس آثر مما يختاره القليل من الناس. فإن ~~الخير كما قيل هو الذي يشتاق إليه الكل. وما اختاره أيضا الحكام الأول، ~~أعني اللذين ms046 لا يأخذون الأحكام من غيرهم، وهم الشراع، أفضل مما لم يختاروه. ~~وما اختاره أيضا الذين يتلقون الأحكام من هؤلاء أفضل مما ليس يختاروه ~~هؤلاء. واللذين يتلقون الأحكام من الحكام الأول، وهم الذين تؤخذ عنهم أصول ~~الأحكام، صنفان: إما سامع فقط مبلغ، وإما سامع عالم، أي قادر على أن يستنبط ~~من تلك الأصول أحكام ما لم يصرح به الحكام الأول. وهؤلاء صنفان: إما مسلطون ~~من قبل الحكام الأول وهم القضاة وما أشبههم، وإما غير مسلطين وهم الفقهاء. ~~ومن هذه الأشياء ما لجميع أصناف المتلقين من الحكام الأول أن يقولوا فيها ~~وهو ما سمعوه أو ما شاهدوه من الحاكم الأول، ومنها ما يختص بذوي العلم منهم ~~وهو القول في الأشياء التي تستنبط عن الأحكام الأول التي صرح بها الحاكم ~~الأول. وليس للسامعين دون علم أن يقولوا في هذه الأشياء. وأما الذي يخص ~~الحكام الأول القول فيه فهي الأصول التي تتنزل منزلة المبادئ لسائر ما يحكم ~~به السامعون ذوو العلم، أعني المسلطين والفقهاء وهي التي يسميها أرسطو ~~الأمور العظمى. والفضلاء الأبرار الذين جرت العادة أن يأخذ عنهم الجميع أو ~~الأكثر فحكمهم أفضل. فإن عدم الأخذ قد يخيل هوانا ونقصا في المرءالفاضل ~~البر وقلة قبول لقوله. وقد يخيل الأمر بعكس هذا، وذلك أنه ربما كان هؤلاء ~~الأبرار الفاضلون مقبولي القول مع أنه لم يأخذ أحد من الجمهور عنهم أصلا ~~شيئا، أو إنما أخذ عنهم قليل، وذلك أن أقاويل هؤلاء قد يظن بها أنها مقبولة ~~بجهة أخرى، وذلك أنه قد يكون المرضى عند الجمهور من ليس مرضيا في نفسه. ~~والأقل من الجمهور هم ذوو التمييز. وأيضا فإن الفاضلين الذين كتموا فضائلهم ~~عن الجمهور هم ممدوحون أكثر وهم أقل وجودا وأعز، لأنهم إنما كتموا فضائلهم ~~عن الجمهور لما خافوا أن يلحقهم من الكرامات والرياسات التي يخاف إذا لحقت ~~المرء أن تكون سببا لأن تكون هذه الأشياء اللاحقة للفضائل هي المقصودة عنده ~~بالفضائل. فمن هاهنا صارت أقوال هذا الصنف مقبولة، كما صارت أقوال الصنف ~~الأول المضاد لهذا ms047 مقبولة، وهم الذين أخذ عنهم الجمهور. # قال: ومن الصنف المقبول القول من الناس جدا جدا الصنف الذين كراماتهم ~~أعظم، لأن الكرامة لما كانت مكافأة الفضيلة كان المرء كلما عظمت كرامته ظن ~~به أنه قد عظمت فضيلته. # والصنف من الناس الذين نالتهم المضرة العظيمة والشقاء الكثير لمكان ~~الفضائل هم أيضا مقبولو الأقوال جدا جدا بمنزلة سقراط وغيره. والصنف من ~~الناس الذين يرى فيه هذان الصنفان من الناس - أعني الذين كرامتهم أعظم ~~والذين نالهم الضرر الكبير من قبل الفضائل - أنهم فاضلون ويعترفون لهم ~~بالفضل، هم أيضا أفضل وأعظم. فهؤلاء هم أصناف الناس الذين إذا اختاروا ~~شيئا، واختار غيرهم سواه، كان ما يختاره هؤلاء أفضل وآثر. # قال: وقسمة الشيء إلى جزئياته تخيل في الشيء أنه أعظم. ولذلك لما أراد ~~أوميروش الشاعر أن يعظم الشر الذي لحق المدينة أخذ بدله جزئياته، فذكر قتل ~~الأولاد والنوح عليهم وحرق المدينة بالنار وغير ذلك من أصناف الشرور ~~اللاحقة لها. # قال: وكذلك التركيب قد يخيل في الشيء أنه أعظم، وهو عكس هذا، أعني أن ~~يؤخذ بدل الجزئيات الكلي الذي يعمها. والسبب في الإقناع في هذين الصنفين هو ~~التغيير والإبدال. # PageV01P026 # قال: ولما كانت الأشياء الأعسر وجودا في نفسها والأقل وجودا يظن بها أنها ~~أفضل، كانت الأشياء الكثيرة الوجود في نفسها والسهلة الوجود قد ترى عظيمة، ~~إذا وجدت في المواضع التي يقل فيها وجودها، أو في الأزمنة التي يقل وجودها ~~فيها أيضا، أو في الأسنان من الناس التي يقل وجودها فيها، مثل وجود الإنسان ~~خطيبا في سن الصبا، أو في المدد التي ليس من شأنها أن يوجد فيها، مثل من ~~يفعل ما شأنه أن يفعل في زمان طويل في زمان قصير، أو تكون صادرة عن القوى ~~التي يقل صدورها عنها، مثل أن يفعل الضعيف فعل القوى والمريض فعل الصحيح. ~~وكل هذه وأشباهها مما يصير الأمر الذي ليس بعظيم عظيما ومستغربا. وأيضا فإن ~~الجزء العظيم من الشيء هو من الأشياء التي هي أعظم مثل القلب من الحيوان ~~والدماغ، أو الربيع من ms048 السنة والشباب من المدينة. وأيضا فإن النافع فيما ~~الحاجة إليه أشد هو أعظم نفعا والضار فيه أكثر ضررا، مثل الصحة في الشيخوخة ~~والمرض فيها، فإن الصحة فيها آثر من الصحة في الصبا والمرض فيها أضر. وأيضا ~~ما كان من الأمرين أقرب إلى الغاية فهو أفضل. وأيضا ما كان في آخر العمر ~~فهو أفضل. فإن الأشياء التي سبيلها أن تكون للناس في آخر أعمارهم هي أفضل، ~~مثل الحكمة والحلم وغير ذلك من الفضائل التي تكمل مع طول العمر. # وأيضا الأشياء التي إذا فعلت أو قبلت كان فعلها حقيقتها أعظم من التي إذا ~~فعلت لم يكن فعلها حقيقة تمامها. وأرسطو يسمى التي إذا فعلت، كان فعلها ~~حقيقتها: " التي يتعمد بها الحقيقة "، ويسمى الأخر: " التي يتعمد بها المدح ~~"، أعني التي ليس فعلها حقيقتها. # قال: وحد الأشياء التي يعتمد بها المدح: أنها التي إذا فعلت بجهل أو بغلط ~~لم تمدح أصلا؛ والتي يتعمد بها الحقيقة: هي الأشياء التي كيف ما فعلت فقد ~~حصلت على التمام. # قال: ولذلك كان حسن قبول الشيء الجميل آثر من فعل الشيء الجميل؛ لأن فعل ~~الجميل، إذا فعل عن غلط أو جهل لم يقبل ولا مدح فاعله. وأما حسن الانفعال ~~والقبول فكيف ما حصل فقد استفاد الخير منه القابل له. # وأيضا ما أوثر فعله لنفسه، وإن لم يعلم به أحد، آثر مما لا يختار إلا من ~~جهة ما يعلم، كالحال في الصحة والجمال. فإن الصحة مؤثرة بذاتها، والجمال ~~مؤثر للغير وأيضا فإن النافعة في أشياء كثيرة فهي أنفع، كالنافعة في طول ~~العمر وفي حسن العيش، أعني العيش الرغد، وفي اللذات، وفي اصطناع الخيرات. ~~ولذلك ما يظن بالصحة واليسار أنهما عظيمان، لأنهما يجمعان الخلو من الحزن ~~والفعل بلذة، أعني أن الصحة هي سبب الفعل بلذة، واليسار سبب الخلو من ~~الأحزان. وكل واحد من هذين على الانفراد فاضل ومختار بنفسه، أعني الخلو من ~~الأحزان والأفعال اللذيذة. فإذا اجتمعا لامرئ جعلاه أعظم من كل شيء، سواء ~~علم ذلك من علمه أو جهله من ms049 جهله. لأن هذه خيرات مستفادة بالحقيقة، لا من ~~الخيرات التي يتعمد بها المدح. ولكون اليسار سببا لدفع الأحزان ظن به أنه ~~السعادة قوم، وآخرون رأوا أن السعادة هي أن يقترن به شيء آخر. وذلك واجب من ~~قبل أنه أحرى أن تكون السعادة ثابتة ومأمونة الزوال. فإنه ليس الضرر اللاحق ~~لمن له عينان ففقد إحداهما كمن له عين واحدة ففقدها، لأن الذي له عين واحدة ~~سلب أحب مما سلب من له عينان. وكذلك إن كانت السعادة في المال وفي شيء آخر، ~~لم يكن الضرر اللاحق عن سلب المال كالضرر اللاحق عن سلبه إن كان هو السعادة ~~وحده. # قال: والكلام في هذه الأشياء كلها هاهنا ليس هو على جهة التصحيح، وإنما ~~الكلام فيها بالقدر الذي يحتاج إليه الخطيب من ذلك. ويجب للخطيب أبدا متى ~~أتى بالنتائج من أمثال هذه المقدمات أن يرفدها بالمثالات المأخوذة من الناس ~~الذين فعلوا تلك الأفاعيل، فلحقهم النفع أو الضرر. فلذلك ما يجب للخطيب أن ~~يكون حافظا للقصص والأخبار. # قال: فهذه هي الأشياء التي يثبت بها أن الشيء أنفع أو أضر. وأما الأشياء ~~التي يكون بها الإذن والمنع، فقد قيل فيها قبل هذا بما فيه كفاية. # PageV01P027 # لكن أهم وأعظم ما فيها هو القول في الأشياء التي بها يقدر على جودة ~~الإقناع في السنن والإشارة بالسنن التي لا يوجد أنفع منها. ولذلك قد يجب أن ~~نستقصي القول فيها هاهنا، فنقول: إن الإشارة بالسنن النافعة والإقناع التام ~~فيها يتأتى بمعرفة أصناف السياسات والأخلاق والسنن التي تخص سياسة سياسة. ~~وذلك أن في كل واحدة من السياسات سننا نافعة فيها، وهي السنن التي بها يكون ~~خلاص تلك المدينة وقوامها. والسنن النفيسة الخطيرة هي السنن العادلة، أعني ~~الموضوعة في العدل التي رسمها الرئيس الأول في تلك المدينة أو المسلط عليها ~~من قبل الرئيس الأول. وهذه السنن النفيسة، أعني السنن العادلة، تختلف في ~~السياسات بحسب اختلاف غايتها، وعددها على عدد السياسات. # مثال ذلك أن العدل في سياسة تغلب أنه لا شيء على الرئيس إذا ms050 لطم المرؤوس. ~~وفي سياسة الحرية، العدل في ذلك أن يلطم الرئيس مثل اللطمة التي لطمها. # والسياسات بالجملة أربع: السياسات الجماعية، وسياسة الخسة، وسياسة جودة ~~التسلط، وسياسة الوحدانية وهي الكرامية. # وهذه السياسات كلها المقصود بالسنن الموضوعة فيها إنما هو المدينة والكل ~~لا الشخص. د فأما المدينة الجماعية فهي التي تكون الرياسة فيها بالاتفاق ~~والبخت لا عن استئهال، إذ كان ليس في هذه المدينة لأحد على أحد فضل. # وأما خسة الرياسة فهي التي يتسلط بها المتسلطون على المدنيين بأداء ~~الإتاوة والتغريم، لا على جهة أن تكون نفقة للحماة والحفظة ولا عدة ~~للمدينة، على ما عليه الأمر في السياسات الأخر، بل على جهة أن تحصل الثروة ~~للرئيس الأول. فإن جعل لهم حظا من الثروة كانت رياسة الثروة. وإن لم يجعل ~~لهم حظا من الثروة كانت رياسة التغلب، وكانوا بمنزلة العبيد للرئيس الأول، ~~وكانت محاماته عنهم بمنزلة محاماة الإنسان عن عبيده. # وأما جودة التسلط فهو التسلط الذي يكون على طريق الأدب والاقتداء بما ~~توجبه السنة، فإن الذين يشيرون بما توجبه السنة لهم هم متسلطون بجودة ~~التسلط. # وهذا هو التسلط الذي يحصل به صلاح حال أهل المدينة والسعادة الإنسانية. ~~ولذلك كان هؤلاء أهل فضائل واقتدار على الأفعال التي تصلح المدينة، وأهل ~~حزم وتحرز مما شأنه أن يفسد المدينة من خارج أو من داخل. ولذلك سميت هذه ~~المدينة بهذا الاسم. وهذا التسلط الذي ذكره صنفان: رياسة الملك وهي المدينة ~~التي تكون آراؤها وأفعالها بحسب ما توجبه العلوم النظرية. والثانية: رياسة ~~الأخيار وهي التي تكون أفعالها فاضلة فقط. وهذه تعرف بالإمامية، ويقال إنها ~~كانت موجودة في الفرس الأول فيما حكاه أبو نصر. # قال: وأما وحدانية التسلط فهي الرياسة التي يحب الملك أن يتوحد فيها ~~بالكرامة الرياسية وألا ينقصه منها شيء بأن يشاركه فيها غيره، وذلك بضد ~~مدينة الأخيار. # وهذه المدن ربما كانت السنن الموضوعة فيها محدودة غير متبدلة واحدة في ~~الدهور، على ما عليه الأمر في سنتنا الإسلامية، وربما كانت غير ذات سنن ~~محدودة، بل يفوض الأمر ms051 فيها إلى المتسلطين عليها بحسب الأنفع في وقت وقت، ~~على ما عليه الأمر في كثير من سنن الروم اليوم. # قال: وليس ينبغي أن يخفى علينا من هذا الذي رسمنا به هذه السياسات غاية ~~كل واحدة منها، لأنا إذا عرفنا الغاية علمنا الأشياء المختارة من أجل ~~الغاية. فغاية السياسة الجماعية الحرية، وغاية خسة الرياسة الثروة، وغاية ~~جودة التسلط الفضيلة والتمسك بالسنة، وغاية الوحدانية الكرامة. # والسياسات التي ليس يوضع فيها سنن غير متبدلة فغاية واضعها هو التحفظ ~~والاحتراس من الخلل الواقع في السنن بتبدل الأزمنة والأمكنة. # وينبغي أن تعلم أن هذه السياسات التي ذكرها أرسطو ليس تلفى بسيطة، وإنما ~~نلفى أكثر ذلك مركبة، كالحال في السياسة الموجودة الآن، فإنها إذا تؤملت ~~توجد مركبة من فضيلة وكرامة وحرية وتغلب. # PageV01P028 # قال: وإذا كانت أصناف السياسات معلومة عندنا، فهو بين أنا نستطيع أن نعرف ~~الأخلاق والسنن التي تؤدي إلى غاية كل واحدة من هذه السياسات، أعني النافعة ~~فيها، وأن نعتمد في أنفسنا التخلق بتلك الأخلاق والتمسك بالصنف من السنن ~~التي نروم الإقناع فيها. فإنه إنما تكون الأقاويل التي يحث بها على السنن ~~مقنعة، إذا كان المشيرون بها ذوي صلاح وحسن فعل، حتى تكون هذه الأشياء ~~المذكورة هاهنا معلومة لنا وموجودة فينا. فإنه إذا وجد فينا الخلق الذي نحث ~~عليه، كان قولنا في الحث عليه أشد إقناعا. ولذلك ينبغي ألا نشير إلا بما هو ~~موجود لنا أو نحن عازمون على أن يوجد لنا. ومعلوم أن الوقوف على السنن ~~النافعة في الغاية أنه إنما تستنبط على جهة التحليل من النظر إلى الغاية. ~~فقد تبين من هذا القول من أين تؤخذ المقنعات في النافع من السنن في سياسة ~~سياسة، وكم أنحاء السياسات والسنن التي تحتذي فيها وذلك بحسب الكافي في هذه ~~الصناعة. وأما القول في هذه الأشياء على التحقيق ففي الأقاويل المدنية. ### | القول في المدح والذم # قال: وأما بعد هذا فنحن قائلون في الفضيلة والنقيصة والجميل والقبيح، لأن ~~هذه هي التي يمدح بها ويذم. ويلحق من تعريفنا هذه ms052 الأشياء أن نعرف الأمور ~~التي بها يثبت المرء فضيلة نفسه، إذ كان ذلك هو الطريق الثاني من الطرق ~~الثلاثة التي يقع بها الإقناع كما تقدم من قولنا، وذلك أنه نوع من المدح، ~~أعني أن يكون بالأشياء التي نقدر بها على مدح غيرنا نقدر بها أنفسها على ~~مدح أنفسنا. وإن لم يكن ذلك يتفق لجميع الأشياء التي يمدح بها الغير، بل ~~إنما يكون ذلك بالفضيلة فقط وهي الأمور الراجعة إلى الاختيار. # قال: ومن أجل أنه يعرض كثيرا أن يمدح الناس الروحانيون بالفضيلة وبأشياء ~~غير الفضيلة، وليس يعرض هذا في مدح هؤلاء فقط، بل وفي مدح الأشياء المتنفسة ~~وغير المتنفسة، أعني أنها تمدح بأشياء خارجة عن الفضيلة، فقد ينبغي أن نقول ~~هاهنا في الأشياء التي تؤخذ منها المقدمات في المدح وبغير الفضائل ليكون ~~القول في ذلك عاما. # فنقول: إن الجميل هو الذي يختار من أجل نفسه، وهو ممدوح وخير ولذيذ من ~~جهة أنه خير. وإذا كان الجميل هو هذا فبين أن الفضيلة جميلة لا محالة لأنها ~~خير وهي ممدوحة. # والفضيلة: هي ملكة مقدرة بكل فعل هو خير من جهة ذلك التقدير، أو يظن به ~~أنه خير، أعني الحافظة لهذا التقدير والفاعلة له، ولذلك كانت موجودة لكل ~~فعل يقصد به نحو غاية ما، جليل القدر، عظيم الشأن في حصول تلك الغاية عنه. # فأما أجزاء الفضيلة: فالبر أي العدل العام والشجاعة والمروءة والعفة وكبر ~~الهمة والحلم والسخاء واللب والحكمة. وهذه الفضائل منها ما هي فضائل في ذات ~~فقط، ومنها ما هي فضائل من جهة أنها تفعل في أناس آخرين. وهذه التي تفعل في ~~أناس آخرين تكون أعظم عند قوم منها عند آخرين، وفي حال دون حال. مثال ذلك ~~أن فضيلة الشجاعة آثر في وقت الحرب منها في وقت السلم. وأما فضيلة العدل ~~فمؤثرة في السلم والحرب جميعا. وفضيلة السخاء والمروءة عند المحاويج آثر ~~منها عند غير المحاويج. وإنما تنفصل فضيلة المروءة من السخاء بالأقل ~~والأكثر، لأن فعل كلتيهما هو في المال، لكن المروءة هي ms053 فعل أكثر من فعل ~~السخاء. # فأما البر فهو فضيلة عادلة يعطى الفاضل بها لكل امرئ من الناس ما يستحق ~~وذلك بقدر ما تأمر به السنة. والجور هو الخلق الذي يأخذ به المرء الأشياء ~~الغريبة التي ليس له أن يأخذها في السنة. # وأما الشجاعة ففضيلة يكون المرء بها فعالا للأفعال الصالحة النافعة في ~~الجهاد على حسب ما تأمر به السنة حتى يكون بفعله ذلك خادما للسنة، وأما ~~الجبن فضد هذا. # وأما العفة ففضيلة يكون بها المرء في شهوات البدن على مقدار ما تأمر به ~~السنة، والفجور ضد هذا. # وأما السخاء ففضيلة تفعل الجميل المشهور في المال، والدناءة ضد هذا. # وأما كبر الهمة ففضيلة يكون بها حسن الأفعال العظيمة. وصغر النفس ~~والنذالة ضدها. # وأما اللب ففضيلة العقل الذي يكون به حسن المشورة والروية مع وجود ~~الفضائل الخلقية له التي هي من صلاح الحال. # PageV01P029 # فهذا هو القول في الفضيلة وأجزائها بقدر ما يحتاج إليه في هذه الصناعة. ~~وأما سائر الأشياء التي يمدح بها مما عدا الفضيلة فليس يعسر الوقوف عليها. ~~وذلك أنه معلوم أن فاعلات الفضائل مثل التأدب والارتياض بالأشياء التي بها ~~تحصل الفضائل هي أمور حسان وممدوح بها. وأما الأشياء التي توجد في الفضائل ~~أنفسها، أعني الأعراض التي توجد فيها والأشياء التي توجد تابعة للفضائل فهي ~~التي يقال فيها الآن وهي علامات الفضائل. وأعراضها اللاحقة لها وأفعالها ~~إنما يمدح بها إذا كانت حسنة محمودة، فإن كثيرا من أفعال الفضائل قد لا ~~يمدح بها، وكذلك كثير من الأعراض. فمثال الأفعال والأعراض التي هي محمودة ~~أفعال الشجعان في الحرب أو من فعل في الحرب فعلهم، وإن لم تكن لهم ملكة ~~الشجاعة. وكذلك الأعراض التي تلحق الشجعان مما يمدح بها. ومثال الأفعال ~~التي لا يمدح بها في وقت ما بذل المال، فإنه فعل من أفعال السخاء. لكن ربما ~~كان ذلك الفعل على جهة التبذير. ومثال الأعراض التي لا يمدح بها انفعال ~~المرء عن العدل وقبوله إياه، وذلك أن فعل العل ممدوح، وأما الانفعال عنه ~~فليس ms054 بممدوح، لأنه يظن به أنه مهانة وضيم. وبالجملة فأفعال الفضائل إنما ~~تكون ممدوحة إذا كانت مقدرة تقدير العدل. ومما يمدح بها الأفعال العظيمة ~~الشاقة التي جزاؤها الكرامة فقط. فإن الأفعال التي يكون جزاؤها الكرامة خير ~~من الأفعال التي جزاؤها المال. ولذلك إذا كان فعل يجازي عليه بالأمرين ~~جميعا، ففعله فاعل من أجل الكرامة فقط، مدح به وكل مايفعله المرء من ~~الفضائل لا من أجل نفسه مدح به. وفعل الأشياء التي هي خيرات بإطلاق كذلك ~~مما يمدح به. ولأشياء التي في طبيعتها خيرات، وإن كانت ضارة للفاعل، يمدح ~~بها أيضا، مثل فعل العدل. فإن العادل كثيرا ما يستضر به. والأفعال التي ~~تختص بإكرام الأموات ممدوحة لأن الأفعال التي تكون للأحياء إنما يقصد منها ~~المرء أكثر ذلك منفعة نفسه. وبالجملة فكل فعل كان المقصود به الغير ولم يكن ~~ينتفع به الفاعل له أو كان يلحقه منه ضرر فهو ممدوح به. والفعل الذي يكون ~~إلى المحسنين إلى الناس ممدوح به أيضا، لأن هذا هو عدل، إذ كان ليس ينتفع ~~به الفاعل له. ومما يدل على أن الإنسان ذو فضيلة أن لا يفعل الأفعال التي ~~يفتضح بها أهل الفواحش وأن يؤدبهم بالقول والفعل. وكذلك نصرة ذوي الفضائل ~~ومحمدتهم مما يمدح به. والخجل عند ذكر القبائح مما قد يدل على الفضيلة، ~~لأنه يظن به أن الحياء يمنعه عن إتيان تلك الرذيلة. وقد يكون أيضا عدم ~~الحياء عند ذكر الفواحش علامة يمدح بها، وذلك أنه قد يظن أن الإنسان إنما ~~يستحي عند ذكر القبائح إذا كان قد فعلها أو نالها أو هو مزمع أن يفعلها. ~~مثل ما حكى أرسطو أنه عرض لامرأة مشهورة بالحكمة عندهم، وذلك أن إنسانا ~~مشهورا عرض لها بالقبيح، بأن قال لها: إني أريد أن أقول قولا يمنعني عنه ~~الحياء، فحلمت عنه ولم تجبه بقول قبيح ولم يدركها من ذلك تألم ولا انفعال، ~~لأنها كانت ترى لمكان فضيلتها أن أحدا لا يعرض لها لا بمثال ولا بقول كلي، ~~وهما صنفا التعريض، لكنها في ms055 تلك الحال جعلت تنص الفضائل وتمدح أهلها ~~وتتعصب لهم وتحامي عنهم. وكان أيضا من معها لم يأنفوا أيضا لقول ذلك ولا ~~لتعريضه لعلمهم أن مثلها لا يتهم بمثل هذا. # قال: ولذلك كان التعصب للأشياء التي تكسب المجد والمحاماة عنها قد تجعل ~~المتعصب لها والمحامي عنها من أهل الفضائل التي لا تحصل للإنسان إلا ~~بمجاهدة كبيرة للطبيعة مثل العفاف والشجاعة وغيرها وذلك إذا صارت له ملكة ~~بترداد فعلها والتعصب لها والمحاماة عنها كما عرض لهذه المرأة التي اقتصصنا ~~ذكرها مع ذلك الرجل. وذلك أن أمثال هذه الأفعال قد يصير بها الإنسان من أهل ~~الفضائل التي لا تحصل للإنسان إلا بمجاهدة كبيرة. # PageV01P030 # قال: والإنعام على الغير إذا لم يستفد المنعم منه شيئا هو مما يمدح به. ~~ولذلك ما كان العدل والبر قد يمدح بهما الإنسان من جهة أنهما نافعان كما ~~يمدح بهما من جهة ما هما جميلان. والانتقام أيضا من الأعداء ولا يرضى عنهم ~~في حال مما يمدح به. فإن الانتقام منهم هو جزاء، والجزاء عدل، والعدل جميل. ~~ومحبة الغلبة أيضا ومحبة الكرامة مما يمدح بهما لأنهما علامتان تدلان على ~~إثار الفضائل لا لمكان اكتساب مال بهما. أما محبة الغلبة فتدل على إيثار ~~الشجاعة. وأما محبة الكرامة فعلى إيثار جميع الفضائل. ولذلك كانت الفضائل ~~الأثيرة المختارة هي التي ليس يقصد بها مقتنيها إلى اكتساب مال لأن ذلك يدل ~~على شرف الفضيلة. ومن الأفعال التي يمدح بها التي شأنها أن يبقى ذكرها ~~محفوظا أبدا عند الناس. ومن الأشياء التي يمدح بها الهيئات المحمودة عند ~~قوم التي يجعلونها علامة لذوي الشرف مثل توفير الشعور عند اليونانيين، فإنه ~~يدل على الشرف، إذ كان ليس كل أحد يسهل عليه توفير شعره، لأن الموفورى ~~الشعور لا يعملون عمل من ليس بموفور الشعر ولا يمتهنون بأي مهنة اتفقت. ~~والأزياء التي كانت تتخذ عندنا هي من هذا النوع الذي ذكره أرسطو. # قال: ومن الشرف ألا يحتاج الإنسان إلى آخرين، بل يكون مكتفيا بنفسه. # قال: وقد ينبغي أن نأخذ في ms056 المدح والذم الأمور القريبة من الفضائل ~~والنقائص، وهي النقائص التي قد توجد عنها أفعال الفضيلة، أو الفضائل التي ~~قد توجد عنها أفعال النقائص: فيمدح بالنقائص التي توجد عنها أفعال الفضيلة ~~بأن يوهم أنها فضائل من أجل أن تلك الأفعال هي من أفعال الفضائل. وكذلك ~~يوهم في الفضائل أنها نقائص من أجل أنه عرض أن وجد عنها أفعال النقائص. ~~فمثال النقائص التي توجد عنها أفعال الفضائل فتوهم أنها فضائل: العى الذي ~~قد يكون عنه أفعال الحليم، فيوهم به أنه حليم، والبله الذي قد توجد عنه ~~أفعال ذوي السمت فيوهم بذلك أنه ذو سمت. وكذلك العديم الحس قد يوهم فيه أنه ~~عفيف إذ كان قد يوجد له فعل العفيف بالعرض. وكذلك المتهور قد يوهم فيه أنه ~~شجاع، والسفيه أنه كريم. # ومثال ما يوهم به أنه نقيصة، وليس بنقيصة، ما يعرض للكبير الهمة من أن ~~يتجافى عن الأمور اليسيرة فيظن به أنه يغلط وينخدع. والكبير الهمة إنما ~~يصنع ذلك في الأمور اليسيرة التي ليس يلحقه منها خوف كبير ولا ضرر شديد. ~~وذلك أيضا في الموضع الذي يحسن فيه أن يتغافل عنها. وقد يوهم أيضا هذا ~~الموضوع عكس هذا، وهو أن يقال في المنخدع إنه كبير الهمة. ومما يمدح به أن ~~يكون المرء يعطي أصدقاءه وغير أصدقائه ومن يعرف ومن لا يعرف، لأنه يظن أن ~~شرف فضيلة السخاء هو بذل المال للكل. # قال: وقد ينبغي أن يكون المدح بحضرة الذين يحبون الممدوح، كما قال سقراط: ~~إنه يسهل مدح أهل أثينية بأثينية. وينبغي أن يمدح كل إنسان بالذي هو ممدوح ~~عند قومه وأهل مدينته، إذ كان ذلك يختلف. # قال: ومن المدح بالأشياء التي من خارج مدح الآباء وذكر مآثرهم المتقدمة، ~~ومدح المرء بما تسمو إليه همته من المراتب وإنه ليس يقتصر على ما حصل له ~~منها. والرجل الكبير الهمة الذي لا يقتصرب بهمته على ما نال من المراتب ~~يمدح بهذين الأمرين من خارج، أعني بفضائل آباؤه وبما يؤمل أن يسمو نحوه، ~~كما يقال: من أي ms057 مآثر ابتدأ من قبل آبائه، وإلى أي مآثر ينتهي من قبل همته. ~~وأما الذي لا يسمو بهمته إلى نيل أكثر مما حصل له من المرتبة، فإنما يمدح ~~من الأمرين الذين من خارج بأبآئه فقط. وكأنه يرى هاهنا أن المدح بمناقب ~~الآباء ليس ينبغي أن يقتصر عليه دون أن يمدح بفضيلة ذاته، كما قال الشاعر: # لسنا وإن كرمت أوائلنا ... يوما على الأحساب نتكل # نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا # وإنه قد يقتصر بالمدح على الفضيلة دون ذكر الآباء كما قال: # نفس عصام سودت عصاما # PageV01P031 # قال: وإنما يكون المدح على الحقيقة بالأفعال التي تكون عن المشيئة ~~والاختيار، فإن الفعل الذي يكون بالمشيئة والاختيار هو الفعل الفاضل. والذي ~~يمدح بالأشياء التي تكون بالاتفاق أو بالعرض من أجل أن لها إذا اقترنت ~~بالفضائل تزيينا لها وتفخيما بمنزلة الحسب المقترن إلى الفضيلة وجودة البخت ~~المقترن بأفعال الفضائل. وإنما يدخل في المدح الأفعال التي تكون باتفاق ~~والأعراض التي تقترن بالعرض مع الأفعال التي تكون بالمشيئة متى تكررت مرارا ~~كثيرة على صفة واحدة حتى أوهمت أنها بالذات، وذلك أنه إذا عرض لها ذلك ظن ~~بها أنها علامة للفضيلة، مثل أن يخجل الإنسان مرارا كثيرة بالاتفاق في ~~مواضع يمدح الخجل فيها. # وإنما دخلت هذه الأشياء في المديح لأن المديح هو قول يصف عظم الفضيلة، ~~وهذه الأشياء هي مما تعظم بها الفضيلة. وإذا استعملت هذه الأشياء في ~~المديح، فينبغي أن تستعمل على أنها حدثت عن الروية. والأشياء التي ~~بالاتفاق: منها أشياء ليس الإنسان سببها لا بالذات ولا بالعرض، مثل الحسب ~~والمنشأ الفاضل، ومنها أشياء تعرض عن الأفعال التي تكون عن الروية. فأما ~~الاتفاقات المتقدمة على الإنسان فتؤخذ في تقرير الفضيلة وتثبيتها، مثل ما ~~يقال في المدح: إن الخيار يولد في الخيار، وفي الذم: إن الحية تلد الحية. ~~والأفعال بالجملة هي التي عليها يحمد الفاعل. وأما آثار الأفعال فهي دلائل ~~على الفعل. وإنما يمدح بها إذا أثبتنا منها الفعل. # قال: وجودة البخت التي قيل فيما تقدم إنها ms058 السعادة على ما يراه الجمهور ~~هي وسائر الأشياء الاتفاقية التي يمدح بها واحدة في الجنس، وليست هي ~~والفضائل واحدة بالجنس. بل كما أن صلاح الحال جنس للفضيلة، أعني محيطا بها، ~~كذلك ما يحدث بالاتفاق جنس يحيط بالسعادة. وهذان الجنسان، أعني الفضائل وما ~~بالاتفاق، يدخلان جميعا في باب المدح وفي باب المشورة، لكن من جهتين ~~مختلفتين. وإنما كان الأمر كذلك، لأنا إذا عرفنا الأشياء التي يجب أن تفعل، ~~فقد عرفنا الأشياء التي إذا فعلت مدح بها الإنسان. ولذلك إذا ذكرت هذه ~~الأشياء ذكرا مطلقا، أمكن أن تدخل في المشورة وفي المدح، وذلك بزيادة الجهة ~~التي بها تدخل في المشورة أو الجهة التي بها تدخل في المدح. وذلك مثل ما ~~يقول القائل: إنه ليس ينبغي أن يوجب العظم والفضل للأشياء التي تكون ~~للإنسان بالعرض، بل للأشياء التي تكون عن رويته واختياره. فإذا زيد إلى ~~هذا: فلذلك ليس ينبغي أن يمدح الذين سعادتهم بالبخت، وإنما ينبغي أن يمدح ~~الذين سعادتهم عن روية واختيار كفلان، كان داخلا في باب المدح. وإذا زيد ~~إلى هذا: فلذلك لا ينبغي أن تطلب الأشياء التي تكون عن الاتفاق بل الأشياء ~~التي تكون عن الروية، دخل في المشورة. والأشياء الاتفاقية قد يمكن أن ~~تستعمل في المديح تارة وفي الذم أخرى، فإن ظنون الناس فيها مختلفة. فإن ~~قوما يرون أن الخيرات التي تكون بالاتفاق ليس ينبغي أن يمدح بها، إذ كانت ~~شيئا غير محصل ولا مكتسب للإنسان؛ وقوم يرون أنه يجب أن يمدح بها وأنها تدل ~~على عناية إلاهية بالذي تعرض له. وأما الأشياء التي عن الاختيار، فالممدوح ~~منها يمدح به أبدا، والمذموم منها يذم به أبدا. # PageV01P032 # قال: وينبغي أن يستعمل في المدح الأشياء التي يكون بها تعظيم الشيء ~~وتنميته، وهو أن يخيل في الشيء أنه بالقوة أشياء كثيرة، وذلك إذا قيل إنه ~~أول من فعل هذا، كما قيل في قصة هابيل وقابيل، أو إنه وحده فعل هذا، أو إنه ~~فعل في زمان يسير ما شأنه أن يفعل في زمان ms059 كثير، أو إنه فعل فعلا كبيرا. ~~فإن هذه كلها إنما تفيد عظم الفعل. وكذلك إذا قيل إنه فعل في زمان يعسر ~~فعله، وذلك إذا كان بحسب ما يشاكل إنسانا إنسانا. ثم إنه إن كان الفاعل ممن ~~يقتدى به في أفعاله وأقواله مرارا كثيرة فإن فعله عظيم، كما قيل: إنكم أيها ~~الرهط أئمة يقتدى بكم. والأفعال التي يقتدى بها ليست هي الأفعال التي تكون ~~بالاتفاق، بل الأفعال التي تكون عن المشيئة والروية. وهذه الأشياء قد يمكن ~~أن تدخل في المشورة، أعني الأشياء التي تعظم الشيء، مثل أن يشار على المرء ~~أن يتشبه بالممدوح الأول في ذلك الجنس، أو يتشبه به في المدح؛ أو يشار عليه ~~أن يكون من جملة الممدوحين الذين لا ينازع أحد في حمدهم، مثل الذين يمدحون ~~في الأسواق، أو يتشبه بهم في المدح. ومما يعظم الممدوحين أن يقاسوا بالذين ~~يفعلون أضداد أفعالهم، وذلك عند ذكر أفعالهم الفاضلة. # قال: والذين شأنهم أن يتشبهوا بالممدوحين الذين في الغاية، ويقاسوا ~~أنفسهم معهم دائما، فقد ينبغي أن يشبهوا بأولئك، وأن يجروا مجراهم في ~~المدح، وإن لم يكونوا وصلوا مراتبهم، فإن فضائلهم في نمو دائم. ومقايسة ~~الإنسان نفسه مع غيره لا تصح إلا من الرجل الفاضل، لموضع حب الإنسان لنفسه، ~~فهو يرى نقائصه أقل من نقائص غيره وإن كانت أعظم، ويرى فضائله أكثر وإن ~~كانت أصغر. ولذلك ليس كل أحد يستطيع المقايسة، وإنما يستطيعها الفضلاء من ~~الناس، مثل ما حكى أرسطو عن سقراط أنه كان يقايس بينه وبين غيره، ويجرى ~~الأحكام على أخلاق نفسه، بمعنى أنه كان ينظر بينه وبين غيره، فإن وجد فيه ~~فضيلة أثاب نفسه عليها، وإن وجد فيه رذيلة عاقب نفسه عليها. والمقايسة ~~النافعة لمن يريد أن يتزيد في الفضائل إنما ينبغي أن تكون بالممدوحين جدا. ~~وقد يدل على أن أمثال هؤلاء ممدوحون، أعني الذين فضائلهم في نمو دائم، أن ~~الذين أجهدوا أنفسهم في أن يبلغوا مبلغ الفاضلين، فعجزوا عن ذلك، فهم ~~ممدوحون عند الجمهور. وهو بين أن تعظيم الشيء ms060 داخل في المدح. فإن التعظيم ~~للشيء تشريف له، والتشريف من الأمور التي يمدح بها. وينبغي إذا أريد ~~التعظيم بالتشبيه أن يشبه بكثير من المحمودين، فإن في هذا الفعل تشريفا ~~للممدوح ودلالة للجمهور على فضيلته. وجملة القول في الأنواع المشتركة ~~لأجناس الأقاويل الثلاثة أن التعظيم، وإن كان مشتركا لأجناس الأقاويل ~~الخطبية الثلاثة، فهو أخص بالمدح والذم، لأنه إنما يمدح الإنسان أو يذم ~~بالأشياء الموجودة المعترف بوجودها. وتعظيم الشيء أخص بالموجود منه ~~بالمعدوم. ولذلك قيل قد ينبغي للمادح أن يصف جلالة الشيء وبهاءه وزينته. ~~وأما استعمال العلامات والمثالات فهو أخص بالمشورة، لأن من الأمور المتصرمة ~~التي قد سلفت نحدس على التي ستكون. وإعطاء السبب والعلة من الأشياء التي قد ~~سلفت نحن له أكثر قبولا وتعظيما لانقضائه وتصرمه. وأما معرفة العدل والجور ~~فهو خاص بالمشاجرية. # وبالجملة: فجميع المدح والذم إنما يكون بالمقايسة بمن سلف من المحمودين ~~والمذمومين. وقد ينبغي للمادح والذام أن يعلم بحضرة من يكون المدح أو الذم، ~~أعني أن يمدح بحضرة الأصدقاء، ويذم بحضرة الأعداء. كما ينبغي له أن يعلم ~~المواضع التي يأخذ منها المدح والذم وهي التي سلف ذكرها، وهي الفضائل ~~وفاعلاتها وعلاماتها وأعراضها. وهو بين أن مما ذكرناه من حدود هذه الأشياء ~~تعرف حدود أضدادها، إذ كان الضد يعرف من ضده. وإذا كانت هذه معروفة لنا من ~~أضدادها، وكان الذم إنما يكون بأضداد تلك، فهو بين أنا قد عرفنا من هذا ~~القول ليس الأشياء التي يكون بها المدح فقط، بل والأشياء التي يكون بها ~~الذم. ### | القول في الشكاية والاعتذار # PageV01P033 # قال: وإذ قد تكلمنا في الأمور المشورية، وفي المدح والذم، فقد ينبغي أن ~~نتكلم في الجنس الثالث من موضوعات هذه الصناعة وهو الشكاية والاعتذار، وذلك ~~يكون بأن نخبر من كم صنف من أصناف المقدمات تأتلف القياسات التي تعمل على ~~طريق الشكاية وطريق الاعتذار، ونعرف ماهية واحد واحد من تلك الأصناف. ~~وأصناف المقدمات التي تعمل منها أقاويل الشكاية هي بالجملة ثلاثة أصناف: ~~أحدها المقدمات المأخوذة من الفاعل، أعني الجائر. والصنف الثاني ms061 المقدمات ~~المأخوذة من المفعول، أعني المجور عليه. والثالث المقدمات المأخوذة من ~~الفعل نفسه. أما المأخوذة من الفاعل فمعرفتها تكون بأن تحصى الأشياء التي ~~إذا كانت في الإنسان ظن به أنه قد جار، وأن نخبر ما تلك الأشياء. وأما ~~المأخوذة من المفعول به فأن نحصى أيضا الأشياء التي إذا كانت في الإنسان ~~كان معدا لأن يجار عليه. وأما المأخوذة من الفعل فأن نخبر أيضا بماذا من ~~الأفعال يكونون جائرين، وبأي أحوال من أحوال الأفعال يتأتى الجور، وكيف ~~يتأتى ذلك لهم. # قال: وقد ينبغي قبل ذلك أن نخبر ما الجور، ثم نصير إلى القول في واحد ~~واحد من هذه الأشياء الثلاثة، فنقول: إن الجور: هو إضرار يكون طوعا على ~~طريق التعدي للسنة. والسنة على ضربين: منها خاصة، ومنها عامة. # والسنن الخاصة هي السنن المكتوبة التي لا يؤمن أن تنسى إن لم تكتب، وهي ~~التي تخص قوما قوما وأمة أمة. # وأما العامة فهي السنن الغير المكتوبة التي يعترف بها الجميع، مثل بر ~~الوالدين وشكر المنعم. # والفعل يكون طوعا إذا فعله الفاعل عن علم به غير مكره عليه إكراها محضا، ~~أو غير ذلك مما يذكر بعد، ويكون مع هذا ذلك الفعل مما يهواه ويتشوقه. ~~والأفعال التي تكون طوعا: منها ما يكون عن روية واختيار متقدم لها، ومنها ~~ما يكون لا عن روية متقدمة، لكن عن ضعف روية، لمكان خلق رديء أو عادة. وهو ~~بين أن الذي يفعل الشيء عن روية متقدمة أنه يفعله عن علم. وإذا كان الأمر ~~هكذا، فهو بين أن الذين يفعلون عن الروية أو عن ضعف الرأي أفعالا ضارة أو ~~غاشة، أعني مختلطة من ضرر ومنفعة، يتعدون فيها السنة، أنهم جائرون، وأن ذلك ~~شر منهم أو ضعف رأي. وأن من كانت فيه واحدة من الأشياء التي هي سبب ضعف ~~الرأي، وكان هو سبب وجود ذلك الشيء فيه أنه جاهل شرير جائر، مثل الجور في ~~المال الذي يكون سببه الرغبة فيه، والجور في اللذات الذي سببه شدة الشبق ~~والشره، والكسل الذي هو ms062 سبب الجور في أشياء كثيرة، وكذلك الجبن. ولذلك قد ~~يفارق الجبان أصحابه ويسلمهم عند أدنى شدة تنزل به. وكذلك محب الكرامة قد ~~يفارق أصحابه من أجل حب الكرامة. وكذلك المحبون للغلبة يفارقون أصحابهم من ~~أجل حب الغلبة. والسريع الغضب وذو الحمية أيضا والأنفة قد يضر بأصدقائه من ~~أجل عار يلحقه. وأما الجاهل الأحمق فإنما يفعل الجور من أجل أنه يلتبس له ~~العدل بالجور. وأما الوقاح فيفعل الجور لقلة رغبته في الحمد. # وكذلك ما أشبه هذا من الأحوال التي تكون سببا للجور لا عن روية. وهذه ~~الأحوال تعرف من قبل ما تقدم من ذكر الفضائل، ومما يأتي بعد من ذكر ~~الانفعالات، وأنها بالجملة: إما خلق رديء وإما انفعال رديء. والأخلاق ~~الرديئة تعرف مما تقدم، أعني من معرفة أضدادها، وهي الفضائل. والانفعالات ~~تعرف مما يقال بعد في المقالة الثانية. # PageV01P034 # قال: وإذا تقرر هذا، فقد انتهى القول بنا إلى أن نخبر من أجل ماذا يجور ~~الجائرون، وكيف يكون للجائرين أن يجوروا، وفي أي الأشياء يجورون. غير أنه ~~يجب أن نبتدئ فنبين أي الأشياء التي من أجلها يجورون، أعني الأشياء التي ~~إذا اشتاقوها جاروا، أو إذا كرهوها جاروا أيضا. وهو بين أن القول في ~~الشكاية ينبغي أن يقدم على القول في الاعتذار، لأن الذي يريد أن يشكو يجب ~~أن يكون معروفا عنده الأشياء التي يشكى منها، وكم هي، وأي هي. وأما مواضع ~~الاعتذار فليست محدودة كمواضع الشكاية. وإنما تتحدد مواضع الاعتذار بحسب ~~مواضع الشكاية. والشكاية أمر وكيد في الاجتماع الإنساني. ولذلك ترى كثيرا ~~من الناس، إذا لم يشكوا، أضروا بأقربائهم وإخوانهم. وكل فاعل شيئا على طريق ~~الجور، فإما أن يفعله من أجل نفسه ومن ارادته واختياره فقط، وإما ألا يفعله ~~بحسب نفسه واختياره. وهذا إما أن يفعله باتفاق وهو الذي يسمى هفوة وفلتة، ~~وإما أن يفعله باضطرار: منه ما يفعله من أجل طبيعته مثل أن يكون سيء الخلق ~~بالطبع، ومنه ما يفعله من أجل قاسر من خارج، أعني أن لا يكون الفعل الذي ~~يفعله ms063 طوعا، بل عن وعيد من خارج أو تهديد وما أشبه ذلك. والذي يفعله من ~~تلقاء نفسه هو الذي تكون نفسه ومفردا علة كونه، لا شيء آخر يقترن به من ~~خارج. والذي يفعله من تلقاء نفسه: منه ما يكون من قبل عادة رديئة أو خلق ~~رديء، ومنه ما يكون بحسب شهوة وشوق. والذي يكون بحسب الشوق: منه ما يكون ~~بحسب شوق مظنون نطقي، ومنه ما يكون بحسب شوق خيالي. والذي يكون بحسب شوق ~~خيالي: منه ما يكون بحسب شوق غضبي، ومنه ما يكون بحسب شهوة. وإذا كان هذا ~~هكذا، فالجائرون يجورون لا محالة لمكان سبعة أسباب: أحدها لمكان الاتفاق، ~~والثاني لمكان الطبيعة، والثالث لأجل الاستكراه، والرابع لأجل العادة ~~والخلق، والخامس من أجل النطق، والسادس من أجل الغضب، والسابع من أجل ~~الشهوة؛ وكلها ما عدى الذييكون عن النطق هي أقسام ضعف الرأي الذي تقدم. # قال: وليست قسمة الأفعال الجائرة من طريق الأسنان والهمم والجدود قسمة ~~ذاتية. لأن الغلمان وإن كان جورهم أكثر فليس ذلك أولا وبالذات من جهة ما هم ~~غلمان، بل من جهة أن الغلمان يكونون غضوبين أو شهوانيين. وكذلك يعرض ~~للفقراء أن يشتاقوا إلى المال أكثر من الأغنياء بسبب فاقتهم، كما يعرض ~~للأغنياء أن يشتاقوا إلى المال لمكان اللذات الغير الضرورية أكثر من ~~الفقراء. فمتى نسب الأغنياء أو الفقراء إلى الجور في جنس ما من الأجناس ~~فليس سبب ذلك القريب الغنى والفقر، بل الشهوة والخلق الذي تكتسب النفس عن ~~الفقر والغنى. وكذلك الحال في الهمم، أعني أنه إن نسب شيء منها إلى الجور ~~فليس ذلك بذاته وأولا، بل من قبل أن الهمم تكون سببا لواحد أو لأكثر من ~~واحد من تلك الأسباب السبعة التي هي أولا وبالذات أسباب الجور. ولذلك كان ~~الأبرار والفجار وسائر الذين يقال فيهم إنهم يفعلون بحسب هممهم إنما ~~يفعلون: إما عن واحد من تلك الأسباب السبعة المتقدمة أو عن أكثر من واحد، ~~وإما عن أضدادها، وهم ذوو الهمم الجميلة؛ أعني أن الفجار يفعلون عن تلك ~~الأسباب، ms064 والأبرار عن أضدادها. مثال ذلك أن العفيف تلزمه شهوات فاضلة ~~لذيذة، والفاجر تلزمه شهوات رديئة. ولذلك قد يجب أن يترك هذا النحو من ~~التقسيم هاهنا وتذكر هذه الأشياء بأخرة على أنها أسباب لهذه الأسباب ~~السبعة، لا على أنها أسباب أولى لأفعال الجور. وأما التي هي أسباب بالعرض ~~فينبغي أن نتجنب ذكرها هاهنا أصلا، مثل أن يكون المرء أسود أو أبيض أو ضخما ~~أو نحيفا. فإن هذه قد يلحقها بالعرض اختلاف الأخلاق والشهوات. وإنما ينبغي ~~أن نذكر هاهنا من أسباب هذه الأشياء، أعني الأسباب السبعة التي عددنا قبل، ~~الأعراض التي تغير الخلق بالذات سواء كان نفيسا أو جسمانيا أو من خارج مثل ~~الشيخوخة والصبا والفقر والغنى. فإن المرء إذا افتقر ظن بنفسه صغر القدر ~~واستحيا من كل شيء يصنعه، وإذا أثرى ظن بنفسه العظم ولم يستح من شيء. لكن ~~هذه سيقال فيها فيما بعد. # PageV01P035 # وأما هاهنا فنرجع إلى ما كنا بسبيله، فنقول: إنه إذا تبينت الأسباب ~~الفاعلة للجور، تبينت الأسباب الغائية لواحد واحد منها. أما الذين يجورون ~~بالاتفاق فليس لهم غاية محدودة، ولذلك لا يكون جورهم دائما ولا أكثريا ولا ~~يكون عن ملكة وهيئة ثابتة. وهذا معلوم من قبل طبيعة ما بالاتفاق. وذلك أن ~~الاتفاق إنما يكون سببا للأشياء على الأقل، على ما قيل في كتاب البرهان. ~~وأما الجور الذي يكون عن طبيعة الجائر وغريزته فهو عن هيئة ثابتة راسخة. # والأفعال التي تصدر عن هذه الطبيعة هي أبدا بصفة واحدة، وذلك إما دائما ~~وإما أكثريا. وغايتها هي غاية الانفعالات الرديئة التي سيقال فيها فيما ~~بعد. وأما ما كان منه عن حالة خارجة عن الطبع مثل الجنون وغير ذلك من ~~الآفات التي ليست تجرى مجرى الطبع فقد يظن أنه منسوب إلى الاتفاق، وليس ~~ينسب إلى شيء بالذات. وأما الأفعال التي تكون عن الإكراه، أعني التي هي ~~باختيار ولكن مبدؤها الإكراه، فغايتها هي غاية الأفعال الجائرة التي تكون ~~باختيار؛ إذ كان الإكراه يعرض لجميع الأفعال التي تفعل باختيار. وأما الجور ~~الذي يكون عن ms065 الروية والفكر فغايته: إما الأشياء التي يظن بها أنها نافعة ~~وهي الأشياء التي ذكرت في باب المشورة، وذلك هو الشيء الذي يظن به أنه خير ~~إما من جهة أنه يظن به أنه غاية نافعة أو أنه نافع في الغاية النافعة، وإما ~~الأشياء اللذيذة. # ولذلك قد يفعل الفجار النافعة كثيرا من أجل اللذة. # وأما الجور الذي يكون عن الغضب فغايته الأخذ بالثأر. والأخذ بالثأر هو ~~شيء غير العقوبة، لأن العقوبة إنما تكون لمكان المعاقب وذلك إما للأصلح له ~~أو للأصلح للمدينة، أو لمكان الالتذاذ بنفس معاقبته. وهذه هي المعاقبة ~~السبعية. وأما الثأر فإنما هو قصد مساواة الجناية التي جنى، أعني أن يجني ~~عليه بمثل ما جنى. وهذه هي الغاية من الثأر التي يعرضها في نفسه الآخذ به. ~~فأما معرفة حد الغضب ما هو ومعرفة لواحقه فسيقال فيه بعد، وذلك عند ذكر ~~الانفعالات. وأما التي تكون بالخلق أو بالعادة فإنما تكون لمكان اللذة، ~~وكذلك التي تكون عن الشهوة. ولذلك جميع الأشياء التي يظن بها أنها لذيذة ~~فإنما تفعل من قبل سبب واحد من هذه الأسباب الأربعة التي يفعل بها المرء من ~~تلقاء نفسه، أعني الروية والغضب والخلق والعادة والشهوة. # واللذات التي تكون عن الخلق والعادة قد تكون على وجوه شتى، أعني أن منها ~~ما هو طبيعي، ومنها ما ليس هو طبيعيا، وإنما يلتذ بها من قبل العادة. ~~وبالجملة فجميع الذين يفعلون الجور من تلقاء أنفسهم، فإنما يفعلون ذلك إما ~~من قبل أشياء هي في الحقيقة خيرات أو يظن بها أنها خيرات، وإما من قبل ~~أشياء هي في الحقيقة لذيذات، أو من قبل أشياء يظن بها أنها لذيذات. لأن ~~الذين يفعلون من تلقاء أنفسهم إنما يفعلون لمكان خير عاجل أو آجل. ولذلك قد ~~يفعلون لمكان شر ينالهم، إذا اعتقدوا أنهم ينالون به خيرا أعظم من الخير ~~الذي يفقدون بحدوث الشر، أو اعتقدوا أنه يندفع عنهم بذلك شر عظيم أو يكون ~~اللاحق منه يسيرا. ولذلك قد نختار أيضا تعجيل المحزنات والمؤذيات، إذا ~~اعتقدنا أننا ms066 ننال بها في الآجل خيرا أعظم أو شرا أقل من الشر العظيم الذي ~~يتوقع حدوثه إن لم نفعل ذلك الشيء. ويستعمل هذا النحو من القصد في وجوه ~~شتى. وإذ قد تبين أن الذي يشتاقه الجائر فهو إما نافع وإما لذيذ، فقد ينبغي ~~أن ننظر هاهنا في النافعات واللذيذات كم هي وأي هي. لكن الأشياء النافعة قد ~~تقدم القول فيها في باب المشورة. والذي بقي أن نفرد القول فيه هاهنا هو ~~القول في اللذيذات. والقول فيها هاهنا وتوفية حدودها إنما يكون بحسب الكافي ~~في هذه الصناعة وهي الحدود المشهورة وإن لم تكن حقيقية، فنقول الآن: # PageV01P036 # إن اللذة هو تغير إلى هيئة تحدث بغتة عن إحساس طبيعي للشيء الذي أحس، ~~أعني إذا كان المحسوس طبيعيا للحاس. والحزن والأذى ضد هذا، أعني أنه تغير ~~إلى هيئة تحدث بغتة عن إحساس غير طبيعي. وإذا كانت اللذة هذه صفتها، فهو ~~بين أن الذيذ هو المحسوسات التي تفعل هذه الهيئة في النفس. والمؤذيات ضد ~~هذه، أعني المفسدات لهذه التي تفعل ضد هذه الهيئة في النفس الحسية. وإذا ~~كانت اللذيذات هي هذه، فمن الواجب أن ما كان منها بالطبع بهذه الصفة أن ~~يكون أكثر لذة ولا سيما إذا كانت هذه الهيئة انفعالا لا فعلا. وإنما صار ~~الذي بالخلق والعادة لذيذا، لأن الشيء الذي يتخلق به أو يعتاد يصير كالشيء ~~الذي هو بالطبع لذيذ دائما من قبل أن العادة تشبه الطبيعة. وذلك أن الذي ~~يكون مرارا كثيرة قريب من الشيء الطبيعي وهو الذي يكون دائما. والعادة تكون ~~مرارا كثيرة، فهي قريبة من الأمر الطبيعي. والأمر الطبيعي يكون بلا ~~استكراه. ولذلك كان الإكراه مؤذيا محزنا، كما قال شاعر اليونانيين: إن كل ~~أمر يكون باضطرار فهو مؤذ محزن. # قال: والعناية بالشيء والجد والتعب مؤذيات، لأنها تكون قسرا وبالكره إن ~~لم يعتدها. فأما أضداد هذه فلذيذات، مثل الكسل والتواني ومخالفة تقديرات ~~الشرع للأفعال والتودع والنوم من الأمور اللذيذة، لأنه ليس شيء من هذه ~~باضطرار. وحيث كانت الشهوة، فهناك اللذة، لأن الشهوة ms067 هي تشوق إلى اللذات. ~~والشهوات منها نطقية، ومنها غير نطقية، وأعني بغير النطقية كل ما اشتهى لا ~~من قبل الروية والفكر. وهذه هي التي يقال فيها إنها مشتهاة بالطبيعة ~~كالشهوات المنسوبة إلى الجسد مثل شهوة الغذاء المسماة جوعا، وشهوة الماء ~~المسماة عطشا، وأنواع الشهوات المختصة بنوع نوع من أنواع الطعوم، وبالجملة: ~~كل ما ينسب إلى حس اللمس وحس الشم، مثل النكاح والطعام والشراب والروائح ~~الطيبة. فأما شهوات السمع والبصر فإنهما يشتهيان مع نطق ما، أعني أنه ليس ~~تنشأ شهواتهما معراة من النطق ابتداء، كالحال في شهوة المطعوم والمنكوح. ~~والسبب في ذلك أن هاتين الحاستين أكثر مشاركة للنطق من غيرهما. وذلك أن ~~السمع يشارك النطق من جهة الألفاظ؛ ويشارك البصر النطق من جهة الخطوط ~~والإشارة المستعملة عند التخاطب. والسمع أشد مشاركة للنطق من البصر؛ وذلك ~~ما يشتهى المرء كثيرا أن يرى ما سمع، وليس يشتهي أن يسمع ما رأى. لأن ~~الالتذاذ الحسي هو نوع من الانفعال الجسماني أكثر. # PageV01P037 # قال: فأما التخيل فهو حس ضعيف، يفعل أبدا إما ذكرا، وإما تأميلا. وإذا هو ~~عدم الذكر، عدم التأميل. وذلك أن التأميل هو ترتيب ممكن في المستقبل لأشياء ~~قد أحست في الماضي وهو الذكر فمتى ارتفع الذكر ارتفع التأميل ضرورة. وإذا ~~كان التخيل حسا ما، فبين أن اللذة إنما توجد في الذكر والتأميل لأنهما شيء ~~من الحس، حتى تكون اللذات كلها إنما توجد اضطرارا في الحس. وذلك أنه إذا ~~كانت المحسوسات حاضرة وبالفعل، كانت اللذة في مباشرتها وإحساسها، وإذا كانت ~~فيما سلف، كانت اللذة في ذكرها؛ وإذا كانت فيما يستقبل، كانت اللذة في ~~التأميل. وذلك أن الحس يختص بالأمور الحاضرة، والذكر بالسالفة، والتأميل ~~بالمستأنفة. والمدركات اللذيذة ليست هي القريبة من الزمان الحاضر فقط، بل ~~قد يكون بعض الأشياء كلما قرب عهده يوجد غير لذيذ، وإذا بعد عهده وجد ~~لذيذا. لأن القريب كالمملول، والبعيد العهد يصير عند الذاكر أحسن وأفضل ~~لبعد عهده به فيشبه التأميل. وذكر المرء الكد والنصب الذي قد انقضى وتخلص ~~منه لذيذ. ms068 وذلك أن الرجل الكدود الحريص يلتذ بذكر الكد والتعب، إذا كان قد ~~أنجح سعيه فيه أو نجا به من الشر. فإن النجاة من الشر أيضا علة للذة. وأما ~~الأشياء الملذة التي تؤمل فهي التي إذا كانت قريبة سرت أو نفعت، وذلك بأن ~~تظن جليلة أو نافعة مع جلالتها إذا كانت منفعتها ليس يلحق فيها أذى. ~~وبالجملة فالمؤملات الذيذة هي القريبة من الزمان الحاضر السهلة الوجود. ~~ولذلك كان الغضب لذيذا، وذلك أن الغضب إنما يكون إذا أمل الإنسان إيقاع ~~الشر بالمغضوب عليه، وكان مع ذلك ممكن الوقوع. ولذلك قال أوميروش فيه: إنه ~~أحلى من قطرات العسل. ولكون الغضب إنما يكون إذا كان الانتقام ممكنا، لا ~~حاضرا، ولا ممتنعا، ليس يغضب أحد على الضعيف الذي وقع الشر به، ولا على ~~العظيم القدر الذي يؤيس من وقوع الشر به وهو الذي ليس لرتبته نسبة إلى رتبة ~~الغاضب عليه، مثل السوق والملوك. وكذلك لا يغضب على الصغير القدر جدا الذي ~~ليس له إليه نسبة. وكثير من الشهوات تلزمها اللذة وهي حاضرة بالفعل، أي ~~محسوسة، بل وتلزمها اللذة وهي متخيلة، ولذلك كان الذاكرون للشيء، المشتهى ~~كيف ما يذكرونه، قد يجدون له لذة ما. وكذلك الآملون أن يظفروا بشيء قد ~~يجدون بعض لذة ذلك الظفر. ولهذا كان المحمومون الذين يمنعهم الأطباء من شرب ~~الماء يلتذون بتذكر شربه، وبالرجاء أن يبرأوا فيشربونه. والذين يسئلون من ~~الناس ما هو خير لهم أو يكتبون فيه أو يسعون فيه فقد يلتذون بالطلب والسعي ~~لأنهم يرجون أن ينالوا تلك التي سألوا حتى تكون موجودة لهم فيلتذوا ~~بإحساسها بالفعل. والأشياء التي يحبها الكل محبة صادقة هي ثلاثة أشياء: ~~أحدها أن يكون الشيء اللذيذ حاضرا، والثاني أن يتخيلوه إذا لم يكن حاضرا ~~وذلك إما بتذكره وإما بتأميله، والثالث سرعة السلو عن الغموم والأحزان. ~~ولذلك يكرهون أن يشاهدوا المغتمين ولا يحضرون المآتم والمناحات لأنها تزيد ~~في الأحزان. وبعض الشهوات يوجد فيها غم ولذة معا،. مثل تذكر المحبوب الغائب ~~أو المائت إذا فكر وذكر أي ms069 امرئ كان وأي أفعال كانت أفعاله. ولذلك الذين ~~يعملون المراثي تصيبهم لذة وغم معا. # قال: وقد أجاد أوميروش في هذا المعنى إذ قال: إنه لما تكلم الناعي ~~بالمرثية صرخ السامعون لها صرخة فاجعة لذيذة. # والأخذ بالثأر يشبه أن يكون يعد من هذا الباب، فإن الأخذ بالثأر يلذ ~~ويحزن معا، ويشبه أن يعد من الأشياء اللذيذة فقط. ومن الملذات ألا ينجح ~~العدو. والذي يغضب إذا لم يبلغ ما يؤمل من العقوبة يلتذ ويغتم معا. أما ~~اغتمامه فمن قبل أنه لم يبلغ ما يريده من العقوبة، وأما التذاذه فمن جهة ~~تأميله البلوغ. # PageV01P038 # قال: والغلبة لذيذة ليس لمحبي الغلبة فقط بل المكل، لأن الغلبة هي شوق ما ~~إلى الشرف، أعني أ، يكون له فضل ما معروف عند الناس، والشرف يشتهيه الكل، ~~وإن كانوا يختلفون في ذلك بالأقل والأكثر. وإذا كانت الغلبة لذيذة، فإن ~~الآداب والرياضيات التي تكون لمكان الغلبة لذيذة أيضا، إذ كانت نافعة في أن ~~ينال بها اللذة، لأن الغلبة بها تكون أكثر ذلك، وذلك كاللعب بالكرة ~~والمثاقفة والشطرنج والنرد والحذق بجميع الآداب المخرجة، أعني الرياضيات ~~التي يقصد بها تحصيل ملكة ما. وهذه الآداب المخرجة على صنفين: منها ما ليس ~~يكون لذيذا من ساعته حتى يعتاده المرء فيكون لذيذا من قبل العادة، وهي ~~الآداب التي ليس تلزمها اللذة التي تلزم الملكة الحاصلة بأخرة عن تلك عن ~~تلك الآداب، بل إنما يلزمها من أول الأمر التعب فقط كالتأدب بالحكمة؛ ومنها ~~ما يكون لذيذا من ساعته مثل التصيد واللعب بالشطرنج، فإن المبتدئ فيها ~~يشارك الحاذق فيها، أعني في الغاية التي يقصدها وهي الغلبة، فيلتذ بديا من ~~أول الأمر، كما يلتذ الكامل فيها. والغلبة بالعدل لذيذة. والغلبة التي تكون ~~بالمشاغبة والتمويه لذيذة عند السوفسطائيين الذين اعتادوا أن ينالوا بذلك ~~مقاصدهم وهممهم، أعني من الخيرات الخارجة، مثل اليسار والكرامة. ومن الأمور ~~اللذيذة والجلالة، من قبل أن الإكرام يخيل للمكرم في نفسه أنه فاضل أو ممن ~~يجتهد في الفضيلة إذا صدر الإكرام ممن شأنه أن يوقع بإكرامه ms070 للمكرم مثل هذا ~~الظن بنفسه والتخيل، أعني أن يتخيل أنه فاضل. والحضور من المكرمين أحرى ~~بهذا الفعل من الغيوب. إذ كان الحضور يشاهدون من أمره مالا يشاهده الغيوب. ~~فلذلك إذا أكرموا أحدا، خيل للإنسان المكرم أنهم أكرموه من قبل فضيلة ~~عرفوها فيه. وإكرام العارف أحرى بهذا من إكرام من ليس يعرف المكرم، لهذا ~~المعنى بعينه. وأهل مدينته أحرى بذلك من الأباعد. والموجودون أحرى بذلك من ~~الذين يأتون من بعد، أعني الذين يكرمونه في حياته أحرى بهذا المعنى من ~~الذين يكرمونه بعد موته. وإكرام الأكثر من الناس أحرى بهذا المعنى من ~~الأقل. فإن هولاء الأصناف من الناس أحرى أن يصدق قولهم في ذي العقل واللب ~~من الناس وشهادتهم فيه أنفع من الأصناف الذين يتنزلون من الناس منزلة ~~الأطفال والبهائم وهم الجهال والعوام. ولذلك ليس أحد يعتد بتكرمة هؤلاء ~~لأحد ولا يحمد أحد بذلك إلا يظن أن ذلك منهم لمكان حسن الطاعة أو الخوف ~~منه. # والأحباء أيضا من اللذيذات، لأن المحبة لذيذة. وكل من يحب شيئا فهو ~~يستلذه. ولذلك لا يستلذ الخمر أحد لا يحبها. والسبب في ذلك أ، المحبوب هو ~~عند الحب من جملة الخير الذي يتشوقه الكل، وأعني بالكل الذين يحسون ~~ويتخيلون. وأن يكون الإنسان محبوبا مقربا من أجل نفسه، لا من أجل آخر، لذيذ ~~عند الإنسان المحبوب، أعني أن يحب من أجل نفسه. وكذلك أن يكون الإنسان ~~عجيبا عند غيره، أي يتعجب منه الغير، لذيذ أيضا من أجل هذه العلة، أني من ~~أجل الخير الذي يتشوقه الكل. لأنه إنما يتعجب منهإذا انفرد بخير سبيله ألا ~~يكون في الأكثر. وذلك أن الشي الذي يفضل به على الأكثر هو لذيذ. والذين ~~يقصدون أن يتعجب منهم هم أمثال القوم الذين يجمعون الناس ليروا ما يعملونه ~~من تكلف الأشياء العجيبة والأمور الفاضلة. # قال: والتملق أيضا لذيذ، لأن المتملق يخيل للإنسان أنه يتعجب منه، وأنه ~~ممن يحبه. فالمتملق هو محب مراء أو معظم مراء. وتكرير الشيء الواحد بعينه ~~يستلذ، لأنه بتكرره يستولي على النفس. ms071 والمعتاد مستلذ. والتبدل والتنقل من ~~حال إلى حال لذيذ بالطبع، لأنه يستفيد به إحساس شيء جديد. ولذلك ما توجد ~~الأشياء التي تحدث في العالم بالطبع وقتا بعد وقت لذيذة، مثل انتقال الفصول ~~وتغير الدول. وبالجملة: التغييرات التي تحدث بالناس وتغير الناس. والسبب في ~~هذا أن الشيء الحاضر هو في حد ما قد استوفت النفوس منه حاجتها، ولم يبق لها ~~فيه شيء تستفيده ولا سيما إذا طال وجوده، فتطلب النفس أن تستريح إلى شيء ~~جديد تستفيد منه ما ليس عندها. وكل ما كان الحادث كونه أقل في الزمن، فهو ~~ألذ. # PageV01P039 # قال: والتعلم أيضا لذيذ أكثر ذلك. وشهوة التعلم في الجمهور إنما تكون من ~~قبل شهوة الإنسان لأن يكون في نفسه عجيبا متعجبا منه، إذ كان هذان الأمران ~~لذيذين في أنفسهما. وأيضا فإن التعلم لما كان من جنس الإدراك، الذي يصير ~~بالطبع من القوة إلى الفعل والكمال، كان أيضا لذيذا. # وبالجملة فحسن الفعل وحسن الانفعال من الأمور اللذيذة. وحسن الانفعال ~~إنما يلتذ به، لا لنفسه، بل لمكان التشوق إلى الكمال الحاصل، أو الذي يظن ~~أنه يحصل عنه. وأما حسن الفعل فيلتذ به المرء لنفسه ولغيره وهو الذي يقع به ~~حسن الفعل. # وتأديب القرابات لذيذ. والكفاية وسد الخلة لذيذ. # قال: وإذا كان التعلم لذيذا، وكذلك يكون المرء عجيبا أو متعجبا منه، فإن ~~التخييل والمحاكاة أيضا لشبههما بالتعلم لذيذة، وذلك مثل المحاكاة بالتصوير ~~والنقش وسائر الأفعال التي يقصد بها محاكاة المثالات الأول، أعني الأشياء ~~الموجودة لا الأفعال التي تحاكي أشياء غير موجودة. فإن التي تحاكي بها ~~أمورا موجودة ليس تكون اللذة بها بأن تكون تلك الصور المشبهة حسنة أو ~~قبيحة، بل ولأن فيها ضربا من المقايسة. وتعريف الأخفى وهو الغائب الذي هو ~~المشبه بالأظهر وهو المثال الذي أقيم مقامه ففيه يضرب ما نوع من أنواع ~~التعلم الذي يكون بالقياس. وذلك أن خيال الشيء يتنزل منه منزلة المقدمة، ~~والشء الذي قصد تخييله وتفهيمه يتنزل منزلة النتيجة. ولهذا الشبه الذي بين ~~التخييل والتعلم كان التخييل لذيذا. ms072 # قال: والحيل والتخلص من المكاره لذيذ أيضا؛ وإنما صارت المحاكاة والتعلم ~~لذيذين، لأن ذلك إنما يكون بأخذ الوصل التي بين الأشياء. ومعرفة الاتصالات ~~التي بين الموجودات متشوقة للإنسان بالطبع ولذلك كانت الأشباه والأمثال ~~لذيذة فإن الإنسان يلتذ بالإنسان الشبيه به، والفرس بالفرس، والغلام ~~بالغلام. ومن هاهنا تنتزع الأمثال، كما يقال: إن الصبي يفرح بالصبي، واللص ~~يألف اللص، والطائر يقتنص بالطائر، والسبع لا يعدو على السبع، وما أشبه ~~هذا. وبالجملة المتصلات والشبيهات كلها لذيذة في أنفسها. وما يجد كل واحد ~~من اللذة في شبيه هو أمر مشهور. وليس يلحق المتشابهين تباغض إلا بالعرض. ~~واللذة إنما هي في إدراك الاتصال الذي يكون بين شيئين من الأشياء الموجودة ~~في العالم. وكل واحد يحب نفسه، لكن يفضل بعضهم في ذلك بعضا. فكل من وجد له ~~حب نفسه أكثر، كان التذاذه ومحبته للشبيه أكثر. ومن أجل أن الإنسان يحب ~~نفسه، تكون حالاته لا محالة لذيذة عنده، أعني أفعاله وأقواله. ولذلك يوجد ~~أكثر الناس، وهم الجمهور، إنما يحبون الأفعال الجميلة والكرامة والبنين ~~لمحبة أنفسهم. وذلك أن البنين أثر من آثارهم. وسد الخلة لذيذ من هذه الجهة، ~~لأنه فعل من أفعاله وكذلك السلطان. وأن يظن بالإنسان أنه حكيم هو لذيذ من ~~أجل حب الإنسان نفسه. وكذلك محبة الكرامة هي لذيذة من هذا المعنى. ونفع ~~الأقارب من هذا المعنى هو لذيذ، والتسلط عليهم. وأن يرتاض الإنسان بالأمور ~~التي ينال بها الفضيلة لذيذ وشريف، لأنه يخيل له فيه أنه قد حاز تلك ~~الفضائل التي ارتاض بها. ولذلك مدح أوميروش إنسانا قسم نهاره أقساما يفعل ~~في كل قسم منها فعلا يكتسب به نوعا من أنواع الفضيلة. فإنه قد حاز تلك ~~الفضائل لما قسم نهاره بتلك الأقسام، وأنه رجل فاضل على التمام بها. # قال: والمضحكات لذيذة، والفكاهات المستطرفات لذيذة عند الناس لا محالة في ~~الأفعال والأقوال. وقد حددنا الأشياء التي تعمل منها الطرائف والنوادر في ~~كتاب الشعر وكيف تعمل. # وإذ قد تبين من هذا القول ما هي الأمور اللذيذة، فقد تبين ms073 من ذلك ما هي ~~الأمور المؤذية والمحزنة، فإنها أضداد تلك؛ وإذا عرف أحد الضدين عرف الآخر. # ولإذ قد تبين من هذا القول الأشياء التي من أجلها يجور الجائر وبها يجور ~~الجائر، فقد ينبغي أن يصير إلى القول في الكيفيات والأحوال التي تسهل الجور ~~عليهم وتحركهم إليه وأية حالة هي الحالة التي يكون عنها الجور، فنقول: # PageV01P040 # إنه قد يكون منهم الجور حين يظنون أن ذلك الفعل مما يستطاع وهو ممكن لهم، ~~وأن يكون مما يجهل ولا يعلم، أو يكون مما ينسى في مدة يسيرة إن لم يكن مما ~~يجهل. وإن كان مما لا يجهل ولا ينسى فيكون مما لا يلحق الجائر في فعله شر ~~أصلا لا له ولا لبعض من يعنى به لأنه عنده مثل نفسه، أو يكون الشر اللاحق ~~منه أقل من المنفعة أو اللذة التي ينالها بالجور وذلك إما للجائر أو لمن ~~يعنى به. فأما ذكر الأشياء التي بها يكون الفعل ممكنا، فسيقال فيها بأخرة ~~وذلك في المقالة الثانية، لأن القول في ذلك عام في جميع المخاطبات الثلاثة. ~~وأما الأحوال التي لا يللحق الجائر بها شر أصلا، أو يلحقه دون الخير الذي ~~يؤمله، أو يكون الفعل مما يجهل أو ينسى في زمان يسير، فيقال ها هنا، إذ كان ~~ذلك خاصا بهذا الموضع. # قال: وقد يظن أنهم قادرون على الجور أكثر من غيرهم: الصنف من الناس الذين ~~يرون أن لهم فضل قوة على غيرهم، وأنهم يأمنون من الشر اللاحق لهم، إذا ~~جاروا، وذلك إما في أنفسهم، وإما في من يعنون به، وهؤلاء هم أحد صنفين يفعل ~~الجور بفضل قوة، وإما صنف يفعله بتجربة وروية حتى يقدر في نفسه النحو ~~والجهة التي بها يسلم من الشر، وذلك بطول تجربته ومزاولته المتقدمة. ~~والجائرون يسلمون من الجور في عاقبة أمرهم إذا كانوا كثيري الأخوان، أو كان ~~أخوانهم مياسير، ولا سيما إن كان الإخوان داخلين في الأمر معه، أعني أن ~~ينالهم من الجور نفع أو لذة، فإنه تكون قدرته على الجور أكثر. وكذلك إن ms074 كان ~~الداخلون فيه المشاركون إخوان الإخوان أو خدم الإخوان أو أجراء الإخوان أو ~~شركاؤهم أو المنقطعون إليهم، فإن الجائرين إذا كانوا بهذه الصفة كانت لهم ~~قدرة على الجور والامتناع من أن يعطوا طائلة أو غرما. وقد يعرض لهم أن تجهل ~~أفعالهم وتنسى، أما جهلها فمن قبل المشاركين لهم، وأما نسيانها فمن قبل أنه ~~لا يبدأ بالتظلم من االجائر أولا. # قال: ومما يسهل الجور أن يكون الجائرون أصدقاء للذين يجورون عليهم، أو ~~يكونوا أصدقاء للحكام. أما كونهم أصدقاء للذين يجورون عليهم فلأمرين: ~~أحدهما أن الصديق لا يتحفظ من صديقه فيسهل الجور عليه. والثاني أنه إذا ~~جارعله أرضاه بأدنى شيء قبل الوصول إلى الحكومة، لأن اليق يتغابن لصديقه. ~~وأما كون الحكام أصدقاء فلأن الحكام يقضون لمن أحبوا بالميل والهوى، وذلك ~~إما بأن يعفوه من الغرم البتة، وإما أن يغرموه اليسير. وهنا أحوال أضداد ~~هذه الأحوال المنسوبة إلى القوة إذا كانت في الجائر كانت سببا إلى وقوع ~~الجور منه، وذلك كالمرض والضعف والفقر. فإن الضعيف والمريض قد يظن به أنه ~~لا يجور لأنهم لا يحتملون العقوبة في أبدانهم. وأما الفقير فلأنه لي عنده ~~ما يغرم. وفعل الجور إذا كان في الغاية من العلانية يخفيه ويوهم أنه ليس ~~بجور، وذلك أن فعل الجائر، إذا أشبه فعل المخاتل أو الهازل، غالط، فظن به ~~أنه ليس بجور. وأيضا فإن أحدا لا يتحفظ من الجور الذي يكون علانية لقلة ~~وقوعه، وإنما يتحفظ من الجور بالجهة التي أعتيد أن يكون منها وهو الإخفاء. ~~فإن الجهة التي لم يعتد منها فليس أحد يحذرها. ولذلك لا يتحفظ منا ممن لا ~~قدر له ولا من الإخوان والولد. ومن الناس من لا يتحفظ بأفعاله فيوهم بذلك ~~أنه يجهل ما يفعل أو ما ينسى. وربما تغافلوا عن أشياء تقع بهم حتى لا يتوهم ~~عليهم أنهم يبتدئون بالجور أصلا. ومما يعين الجائر القوة على الإخفاء، وذلك ~~إما بأمكنة خفية تكون عنده وأما بحالات فيه من شأنها أن تخفى أفعاله، مثل ~~أن يكون ظاهره ظاهر ms075 من لا يظن به الفعل القبيح. وقد يتمكن من الجور الذين ~~لا يجهلون ولا يجهل جورهم إذا كان الحكام يجورون بأحد معنيين: إما بأن ~~يحرفوا السنة، وإما بأن يسوفوا الحق حتى يمل صاحبه ويترك طلبه. ولذلك اذا ~~كان الجائر له قدرة على التراوغ عن الغرم أو المماطلة أو كان عديما سهل ~~عليه الجور. # PageV01P041 # والذين تكون لهم المنافع التي يستفيدونها من الجور ظاهرة بينة أو عظيمة ~~أو قريبة حاضرة، والمضار اللاحقة عنه إما قليلة وإما مجهولة وإما بعيدة في ~~الزمان بطيئة، يسهل عليهم الجور، وذلك أنهم لا يتركون النافع المتيقن به ~~للضار المجهول وقوعه، وكذلك لا يتركون النافع العاجل لمكروه آجل، ولا ~~المنافع الكثيرة لمكروه يسير. ومما يسهل الجور أن يكون فعلا يمدح به الجائر ~~ويذكر، مثل ما يعرض للذي يأخذ ثأره في الجائر عليه أو في أبيه وأمه. والذي ~~يكون له ثأر عند واحد من أهل مدينة فيقتل أهل المدينة بأسرها، وبخاصة إذا ~~كان الضرر اللاحق لهم في المال والاغتراب فإن هذا كثيرا ما يمدح به، كما ~~قال الشاعر: # عليكم بداري فاهدموها فإنها ... تراث كريم لا يخاف العواقبا # وهؤلاء يظلمون في الأمر والمنع، أعني أخذ ما ليس لهم ومنع ما عليهم. فهذه ~~هي الأشياء التي تسهل على أهل الهمم والروية والجور. فأما أضداد هؤلاء في ~~الأخلاق والرأي وهم الضعفاء الرأي والخلق فقد يحركهم إلى الجور توقع نفع ~~يسير مجهول، أعني غير متيقن أن ينال أو لا ينال، وقد يحركهم إلى الجور خوف ~~خسران يسير يدخل عليهم لا أن يستفيدوا بجورهم شيئا يدخل عليهم سوى ألا ~~يخسروا شيئا يسيرا من كثير ما معهم وقد يحرك هذا الصنف من الناس إلى الجور ~~أن يجوروا فيخطئوا غرضهم ولا يظفروا بما راموا من الجور فيحركهم ذلك على أن ~~يجوروا مرة بعد مرة، كما يعتري كثيرا من المنهزمين أن يعودوا إلى القتال ~~على جهة اللجاج بعد أن يهزم مرة ثانية. والذين تحركهم إلى الجور اللذة في ~~أول الأمر مع الحزن الذي يكون بأخرة أو يستعجلون ms076 المنفعة أولا مع وقوع ~~المضرة بهم في العاقبة، وأخر هم أيضا من هذا الصنف. فإن الضعفاء الرأي قد ~~يوجدون بهذه الحال عند كل ما يشتاقون إليه. وأضداد هؤلاء هم الذين يحركهم ~~إلى الجور أن يكون المؤذي الضار متقدما لهم، واللذيذ النافع متأخرا أو بعد ~~زمان. وهؤلاء فهم ذوو الأصالة واللب الذين في الغاية، وهم أهل الشر العظيم ~~لأنه يظن إن تلك المنافع واللذات المتأخرة لم ينالوها بجورهم، وإنما نالوه ~~بوقوع الجور منهم والضرر الذي يتعجلونه أو الأذى، فلا يظن بهم الجور أصلا. ~~وقد يحرك ذوي الدهاء والمكر إلى الجور أن يخرجوه في صفة ما لا يظن به أنه ~~جور. وذلك يكون بوجوه: أحدها أن يظن أن ذلك الفعل كان باتفاق، أو يظن أنه ~~كان بإكراه، أو يظن أنه كان من أجل طبيعة، أو أنه كان عن خطأ وجهل لا عن ~~تعمد، أو أنه كان عن عادة تقدمت له، أو يكون الفعل بحيث لا يستفيد منه شيئا ~~ينتفع به في الحاضر بل في المستقبل. فإن الذي لا يستفاد منه شيء في الحاضر ~~يظن به أنه غير مقصود لأحد وأنه غير محتاج إليه وأنه لا يجار إلا من قبل ما ~~يحتاج إليه. والمحتاجون على ضربين: إما بالضرورة كالفقراء، أو بالشره ~~كالأغنياء. والجور على جهة الضرورة أعذر على جهة الشره، ولذلك يهون هؤلاء ~~جدا، وإن كانوا كثيرا ما ينجحون. وذو اللب والحزم إذا ظفر بالشيء الذي جار ~~من قبله يرى كأنه لا يستحسن ذلك الشيء ولا يسر به. وأما ذوو الرأي الضعيف ~~فهم يظهرون السرور بما ينالونه بالجور. والجائرون من قبل واحد من هذه ~~الأسباب المخفية للجور والمسهلة له، إذا ظفروا بما أملوه من ذلك، فقد صدقت ~~ظنونهم. # فهذا جملة ما قاله في الأشياء التي تسهل الجور على الجائرين وتبعثهم ~~عليه. # PageV01P042 # وأما الذين يضر بهم الجائرون وهم المظلومون بالطبع، أعني الذين يطمع فيهم ~~أهل الشر، فهم الذين يجهلون ما يفعل بهم فلا يرون أنه جور، أو الذين ينسون ~~ما يفعل بهم من الجور ms077 بسرعة، وإن لم يجهلوه، وما أشبه هؤلاء من الذين لا ~~إخوان لهم أو لهم إخوان فقراء. والجور الذي يكون في المال إنما بمن يقع بمن ~~عنده مال، إذا كان في ذلك المال الشيء الذي يحتاج إليه الجائر، وذلك إما ~~لموضع الضرورة إن كان فقيرا أو لموضع الشره إن كان غنيا قصده جمع المال فقط ~~أو لموضع التنعيم إن كان قصده إنفاق المال والتمتع به. والمسوفون بطلب ~~حقوقهم يقع بهم الجور كثيرا، وكذلك القرابة والإخوان، وذلك أن المرء لا ~~يتحفظ من صديقه. وإذا جار عليه فقد يجهل أنه جار عليه. فجميع هؤلاء الأصناف ~~يمنعهم من الانتقام من الجائر إما عدم الناصر كالفقر وعدم الإخوان، وإما ~~تسويف الانتقام وتأخيره. ولذلك كثيرا ما ينجح الذين يسلبون أقرباءهم حين ~~يجهلون جورهم من أول الأمر حتى يدرس وينسى. # والصنف من الناس المتوقين من الشر المتباعدين منه الذين يصونون أنفسهم عن ~~أن يبتذلوها في الخصومات كثيرا ما يجار عليهم. # PageV01P043 # وكذلك يعرض للناس الذين لا يتحفظ من شرهم الصحيحي المعاملة الموثوق بهم ~~المنصفين، أعني أن يطمع في الجور عليهم. وهؤلاء قد يمكن أن تجهل منهم هذه ~~الأحوال فلا يتصدى أحد للجور عليهم. وذوو الكسل والتواني يطمع في الجور ~~عليهم. وكذلك الجاهلون بما هو جور وعدل، وبالجملة: بما يحكم به الحاكم، لأن ~~استخراج الحقوق عند الحكام إنما هو للرجل البصير النافذ، أعني العارف بما ~~يحكم به الحكام. ومن الذين يجار عليهم الصنف من الناس الذين يغلب عليهم ~~الحياء، لأنه ليس عندهم صخب ولا مغالطة في طلب منافعهم. والذين أيضا قد ~~ظلمهم ناس كثيرون يجار عليهم لأنهم يلفون قد ذلت نفوسهم وأمن شرهم. والذين ~~ليس تخرج لهم الأحكام إذا حضروا مجالس الحكام والسلاطين، إذ ليس لهم قدر، ~~يجار عليهم. لأن هؤلاء كما قيل منحون أبدا. والذين أيضا يرومون الأخذ مرارا ~~كثيرة فلا يأخذون شيئا يجار عليهم. لأن كلا الصنفين مزدرى به لا يتحفظ منه ~~إلا على الإطلاق وإما في وقت ما. لأن هؤلاء القوم مذمومون، والمذمومون لا ~~يتحفظ منهم، ms078 لأنه لا ناصر لهم. وإنما كان ذلك كذلك، لأن هؤلاء لا ينفذون ~~إراداتهم ولا آراءهم، لأنهم يخافون الكلام ولا يستطيعون أن يأذنوا أو ~~يمنعوا. وذلك أنه لا يخلوا واحد من هؤلاء أن يكون متقدما عليه في المجلس أو ~~مستهانا به أو منفورا عنه. والذين عندهم لقوم ترة قديمة أو سوء بلاء إما من ~~قبل أجدادهم أو من قبل آبائهم أو من قبل أنفسهم أو من قبل إخوانهم مهيئون ~~أن يجور عليهم أولئك القوم جورا أكثر من الجور المتقدم. وكذلك إن كانوا ~~تهاونوا بهم أو بآبائهم أو بمن يعنون به. ولذلك يقال في المثل: إن الشر ~~اليسير يستثير الكثير، وإن الشر قد تبديه صغاره. والذين تقدمت منهم ترة ~~قديمة: إن كانوا أصدقاء وتقدمت منهم ترة يسيرة، فإن القول فيهم واستماعه ~~يكون سهلا، لا يقع من المقول فيه موقع مكروه. وإن كانت الترة كبيرة، كان ~~القول فيهم أو استماعه لذيذا عند الذين لهم الترة عندهم. وإن كانوا أعداء، ~~كان القول فيهم واستماعه مع تهاون بهم وألا يرى لهم قدر. فالمستمعون إما ~~ألا يقولوا فيه شيئا، وإما أن ينكروا على القائلين، وإما أن يمالئوا على ~~القول ويزيدوا فيه. وهنا صنف من الناس يجار عليهم وينالون بالضر والانتقام، ~~لا لمنفعة، لكن لمكان الاستلذاذ بذلك. وهؤلاء هم الغرباء: إما في المدينة، ~~وإما في الجنس، وإما في الشيم، وإما في اللسان، وإما في المللة. فإن ~~الإنسان يستلذ الجور على الغرباء بأحد هذه الخمسة الأنحاء. والجور الواقع ~~بهؤلاء هو التهاون. فإن الجور يكون في المال والكرامة والسلامة. وأهل ~~الغفلة يجار عليهم أيضا. وإنما يستلذ الجور على الغرباء لأنهم لا يعرفون ما ~~هو إهانة واستخفاف عند أهل تلك المدينة، أو عند ذلك الجنس وكذلك الحال في ~~أهل تلك الغفلة. ومن الذين يستلذ الجور عليهم الصنف من الناس الذين يقلقون ~~بالأشياء اليسيرة ويصيبهم منها كرب، وذلك بين في أفعال أهل اللعب في هذا ~~الصنف من الناس. # PageV01P044 # قال: والذين جاروا كثيرا على الناس قد يستلذ الجور عليهم لا لمنفعة، ويظن ms079 ~~به أنه قريب من ألا يكون الجور عليهم جورا، وذلك مثل أن يضرب أحد من قد ~~تعود شتيمة الناس ونقصهم، فيشجه أو يجرحه. والذين أيضا أتوا أمرا قبيحا ~~فاحشا عند الناس إما بعمد وإما بغير عمد، فإن الجور عليهم لذيذ حسن عند ~~الناس، والفاعل لذلك يرى غير جائر. والذين يسرون أيضا بأفعال هؤلاء أو هم ~~أصدقاؤهم ويتعجبون من أفعالهم. وبالجملة من أتى سوءا يستلذ الناس الجور ~~عليهم، وكذلك بالجملة الذين يتعلقون بمن فعل سوءا أو يمشون معه. والصابرون ~~من الناس المغضون بالحقيقة يستلذ الناس الجور على من جار عليهم. والذين ~~يبتدئون بالظلم، فإن الظلم الواقع بهم قريب من ألا يكون جورا، ولذلك قيل: ~~البادئ أظلم، وذلك مثل أن يقتل إنسان من قصده بالقتل. والقوم الذين يصادفون ~~على شرف من الهلاك قد يبادر الناس للجور عليهم، لأنه يخفى أنهم كانوا سبب ~~ذلك الجور. وقد يستلذ الجور على الطائفة التي تجور على من أشرف على الهلاك، ~~وبخاصة إذا كانوا أقوياء على دفعهم فتظالموا لهم وتعافوهم وأبوا أن يؤذوهم. ~~ويعلم مع هذا أنهم لو لم يصيروا إلى هذه الحال بتظالمهم وتعافيهم عن ~~الطائفة التي أصارتهم إلى هذه الحالة من الإشراف على الهلاك لما تجرأت ~~الطائفة الأخيرة أن تجور عليهم، كما عرض، فيما حكاه، في جزيرة معلومة ~~عندهم، وذلك أن قوما سبوهم غصبا وجورا لأنهم صادفوهم على شرف من الهلاك من ~~قوم آخرين، وقد كانوا يقدرون أن يدفعوا عن أنفسهم ظلم الذين صيروهم بهذه ~~الحال فلم يفعلوا ولكن تظالموا لهم وعفوا عنهم حتى صاروا من أجل ذلك إلى ~~حالة أمكن فيها هؤلاء الآخرين أن يسبوهم جورا وغصبا. # فهذه هي الأشياء التي إذا كانت في الإنسان حركت الجائر إلى الجور عليه، ~~وهم المظلومون بالطبع. وأما الأشياء التي يسهل الجور فيها فيجور فيها الكل ~~والأكثر من الناس فهي الأشياء التي يكون فيها الصفح هي الأمور اليسيرة ~~الحقيرة. والأشياء التي تستتر فتخفى هي الأشياء التي تفسد أعيانها سريعا ~~مثل الطعام، أو الأشياء التي يسهل تغير أشكالها أو ms080 ألوانها أو التي تغير ~~بالمزاج والخلط. # والأشياء بالجملة التي يمكن أن تغير أشكالها في أمكنة كثيرة منها هي أسهل ~~إخفاء ولا سيما إذا كان التغيير منها في أمكنة صغار. فإنه كلما كان إمكان ~~التغيير في الشيء أكثر وأسهل كان إخفاؤه أسهل. وكذلك تخفى الأمور التي يعلم ~~أنه قد كان عند الجائر أشباهها أو ما لا يشبهها فيدخلها في جملة ما يشبهها ~~أو يغيرها إلى التي لا تشبهها من التي تعلم أنها عنده. ولذلك يتقدم كثير ~~ممن يريد أن يظلم فيقتني نوع الشيء الذي فيه يريد أن يظلم أو نوع الشيء ~~الذي يريد أن يغيره إليه. وكل ما يستحي المظلوم من ذكره فهو مما يخفى مثل ~~الجور في النساء، فإن إظهاره فضيحة وعار على المجور عليهم في أولادهم. # فهذه الأشياء وما أشبهها هي الأشياء التي يسهل فيها الجور، إذ يكون فيها ~~الصفح أو الاستتار. فقد تبين من هذا القول الأشياء التي من أجلها يجور ~~الجائر، والأحوال التي إذا كانت في الإنسان طمع أهل الجور فيه. # وبقي الصنف الثالث من الأشياء الثلاثة التي منها تؤخذ المقدمات التي ~~يتبين بها أن الجائر قد جار، وهي معرفة الأفعال التي إذا تبين أنهم فعلوها، ~~فقد تبين أنهم قد جاروا، والأحوال التي إذا كانت في الفعل كان جورا. وينبغي ~~أن نقدم أولا أصناف الظلم وأصناف الواجب، أعني ما ليس بظلم. وقد قيل فيما ~~سلف أن أصناف الظلم تكون نحو شيئين وهما إما اللذيذ، وإما النافع، وإنها ~~توجد في الذين توجد فيهم على جهتين: إما لدفع مضرة، وإما لاجتلاب منفعة. # PageV01P045 # والسنن التي توقف على ما هو جور وعلى ما ليس بجور منها خاصة بطائفة من ~~أهل المدينة، ومنها ما يعم جميع أهل المدينة. وهذان الصنفان من السنن ~~مكتوبة، ومنها غير مكتوبة، وأعني بغير المكتوبة تلك التي هي في طبيعة ~~الجميع وهي التي يرى الكل فيها بطبعه أنها عدل أو جور، وإن لم يكن بين واحد ~~واحد منهم في ذلك اتفاق ولا تعاهد. وهذه أيضا قد تسمى عامة ms081 بهذه الجهة. ~~وهذه السنن ليس يعلم متى وضعت ولا من وضعها. وهي كثيرا ما تضاد المكتوبة. ~~فيقنع بها، فيما اعتقد فيه أنه جور بحسب المكتوبة، أنه ليس بجور. كما حكى ~~أرسطو عن رجل مشهور عندهم لما أخبر عنه بأنه دفن على غير سنة الدفن الخاصة ~~ببلده، اعتذر عنه في ذلك بأنه دفن على السنة العامة الموجودة في الطبيعة، ~~وإن دفنه كان عدلا لا جورا. وأما السنن المكتوبة الخاصة بقوم قوم فهي مثل ~~ما يرى بعض الناس أنه لا ينبغي أن تقتل ذوات النفوس كالحيوانات وأنه جور. ~~فإن هذا ليس واجبا عند الجميع ولا بالطبع. وإذا كانت السنن الموقفة على ~~العدل وما ليس بعدل: منها ما هي نحو العامة والكل من أجل المدينة، ومنها ما ~~هي نحو واحد واحد، أعني أن منها سننا توقف على ما ينبغي أن يفعل في أمر ~~العامة وألا يفعل، وسننا توقف على هذا المعنى في أمر واحد واحد، فبين أن ~~أصناف الظلم والواجب، أعني ما ليس بظلم، تنحصر في هذين الصنفين، أعني أن ~~الظلم وفعل الواجب: إما أن يكون نحو واحد واحد، وإما أن يكون نحو الجميع. ~~مثال ذلك أن الذي يزني أو يضرب هو ظلم نحو واحد محدود، والذي يمتنع من ~~الدخول في الشرطة، وهي عند أرسطو حراسة أهل المدينة بعضهم من بعض، فقد يظلم ~~ظلما عاما. وكذلك الذي يمتنع من الحراسة، وهو الذي يحفظ المدينة مما يرد ~~عليها من خارج ولا يتعدى في حفظه حدود المدينة، أو الذي يمتنع من القيادة ~~وهو الذي يسير بجند المدينة وحماتهم إلى قوم غرباء للغلبة على نفوسهم أو ~~على أموالهم أو على مدينتهم. وكل واحد من هؤلاء متى لم يفعل فعله، لحق ~~المدينة منه جور عام وضرر شامل. فهذه القسمة واقعة في جميع أصناف الظلم، ~~أعني أن منه ما هو عام، ومنه ما هو نحو واحد واحد. # وإذ قد وصفنا أصناف الظلم، فقد ينبغي أن نصف ما هي الظلامة، أعني المعنى ~~الذي إذا وقع بالإنسان وانفعل له سمى ms082 مظلوما، فنقول: إن الظلامة هي أن يمس ~~إنسانا شيء من الجور من إنسان آخر بمشيئته واختياره. وذلك أن الجور، كما قد ~~قيل، إنما هو إضرار يكون بالمشيئة. فالظلامة هي أن يستضر آخر بمشيئة ~~الجائر. # وأصناف الأشياء الضارة إحصاؤها في هذا الموضع واجب، إلا أنه قد ذكرت فيما ~~تقدم، وذلك في باب المشورة، لأنه لما ذكرت النافعات هنالك تبينت أضدادها؛ ~~وكذلك هي أيضا مذكورة في باب الذم. وكذلك قد تقدم القول في أصناف الأشياء ~~التي تكون عن طوع. والشكايات - بالجملة - العامة والخاصة تنحصر في أربعة ~~أصناف: أحدها ما يكون بلا علم من الفاعل وهو الكائن عن الاتفاق؛ والثاني ما ~~يكون مع علم بلا مشيئة وهو الإكراه؛ والثالث ما يكون عن اختيار وروية؛ ~~والرابع ما يكون عن انفعال من الانفعالات، وأكثر ما يكون ذلك عن الغضب. ~~فأما الغضب وما يكون عنه فسيقال فيما بعد. وأما التي تكون عن تقدم الاختيار ~~والروية فقد قيل فيها فيما تقدم. وليس يحتاج الشاكي إلى معرفة أصناف ~~الظلامات والأفعال التي هي جور أو إلى معرفة الشرائط التي يكون بها الفعل ~~ظلما وجورا بل وقد يحتاج إليه المتنصل والمعتذر، لأنه كثيرا ما يعترف ~~المشتكي به بوجود الذي ادعى عليه، إلا أنه يجحد الشرط الذي به يكون ذلك ~~الفعل جورا؛ وذلك مثل أن يعترف بأنه أخذ، لا بأنه سرق؛ وبأنه سب، لا بأنه ~~افترى؛ وبأنه نكح، لا بأنه زنى. ولذلك ينبغي للشاكي والمتنصل أن يعرف ما ~~السرقة وما الافتراء وما الزنا وذلك بحسب الشريعة العامة والخاصة بالقوم ~~الذي هو منهم؛ فإنه بمعرفة هذه الأشياء يمكن الشاكي أن يثبت أن الفعل جور ~~وظلم، والمتنصل أنه ليس بجور. فإن التنازع إنما هو في أنه ظالم أو غير ~~ظالم. والظلم بالحقيقة الذي لا يقبل المعذرة إنما هو الظلم الذي يكون عن ~~تقدم الروية والاختيار. # PageV01P046 # وهاهنا ظلامات أسماؤها الدالة عليها كافية في الدلالة على أنها ظلم في ~~الغاية وعلى تقدم الاختيار والروية لها دون أن يحتاج في ذلك إلى تحديدها، ~~مثل السرقة والزنا. ms083 فإن أحدا ليس يتصور فيه أنه يسرق أو يزني غير مختار. ~~ولذلك إذا اعترف بهذه الأسماء المدعى عليه، لم يبق له موضع اعتذار. فيجب ~~على المتنصل أبدا أن يتحفظ من الاعتراف بهذه الأسماء. وإن اعترف فلا يعترف ~~منها إلا بالجنس فقط، مثل أن يعترف بأنه سب لا بأنه افترى، ويقول: لأن ~~الافتراء إنما هو قذف الرجل أو قذف أبويه بالزنا. وذلك أن الذم بالنقائص ~~يتفاضل. فإن هاهنا نقائص لا يلحق الإنسان منها بها عار وإن كانت تضع منه، ~~مثل البخل. وهاهنا نقائص تضع من الإنسان ويلحقه منها عار عظيم، مثل الزنا. ~~ولذلك غلظت الفرية في شرعنا. وكذلك يقول: إنه أخذ، لا أنه سرق، إذ كانت ~~السرقة إنما هي من حرز. ### | فصل # قال: وبعض الظلامات وما ليس بظلامات فيه سنن، وبعضها ليس فيها سنن. وما ~~فيها سنن: فمنها ما هي سنن مكتوبة، ومنها ما هي غير مكتوبة. وكل واحدة من ~~هذه ترسم العدل والجور، والخير والشر. فالخير بحسب السنن الغير المكتوبة هي ~~الأفعال التي كلما تزيد الإنسان منها إلى غير نهاية تزيد حمده ومدحه أو ~~كرامته ورفعته، مثل معونة الأصدقاء ومكافأة المحسنين. والشر بحسب السنن ~~الغير المكتوبة هو الفعل الذي كلما تزيد الإنسان منه لحقته المذمة أزيد، ~~والهوان أزيد، وذلك أيضا إلى غير نهاية، مثل كفر الإحسان والإساءة إلى ~~الأصدقاء. وأما الخير والشر في السنن المكتوبة فإنه مقدر لا يزاد فيه ولا ~~ينقص منه. ولما كان الأمر على هذا وكانت السنة المقدرة لا تنطبق على كل شخص ~~ولا في كل وقت ولا عند كل مكان، لم تكن كافية فيما تقدر من الخير والشر في ~~معاملة شخص شخص من أشخاص الناس، فاحتيج إلى الزيادة والنقصان فيها بحسب ما ~~تقتضيه السنة الغير المكتوبة. فوجب أن يكون في هذه السنن الغير المكتوبة ~~عدل مكتوب وتفضل: وهو إما الزيادة على السنن المكتوبة، وإما النقصان منها. ~~فإن كانت الزيادة على الخير المكتوب سمي إحسانا، وإن كانت الزيادة على الشر ~~المكتوب سمي حسبة. وإن كانت نقصانا من ms084 الشر المكتوب سمي صلحا وحلما ~~واحتمالا، وما أشبه ذلك من الأسماء. وهذا قد يعرض في السنن المكتوبة ~~للواضعين: إما باضطرار، وإما من قبل أنفسهم. أما من قبل أنفسهم: فإذا هم ~~غلطوا فوضعوا تحديدا كليا، وليس بكلى. وأما من قبل الأمر نفسه: فمن قبل أنه ~~ليس يستطيع أحد أن يضع سننا كلية عامة بحسب جميع الناس في جميع الأزمنة ~~وجميع الأمكنة، لأن ذلك غير متناه، أعني تبدل النافع والضار. وغاية الماهر ~~في وضع السنن أن يضع من ذلك ما هو أكثري، أعني لأكثر الناس في أكثر الأزمنة ~~وأكثر المواضع. وكلما اجتهد الواضع في أن تكون السنة التي يضعها منفعتها ~~أطول زمانا وللأكثر من الناس، كانت السنة أفضل. وإذا كان الأمر كذلك، ~~فباضطرار ألا تكون السنن المقدرة صادقة أبدا ودائما، أعني في كل شخص وفي كل ~~وقت، ولذلك قد يحتاج إلى الزيادة والنقصان فيها. وأنت تتبين هذا من الملل ~~المكتوبة في زماننا هذا. # والزيادة والنقصان فيها إنما تكون تفضلا إذا لحق ذلك مدح أو كرامة. ~~والحلم بالجملة هو التفضل في نقصان الشيء المكتوب أو رفعه في الموضع الذي ~~يلحق ذلك مدح أو كرامة. مثال ذلك ما حكاه أرسطو من أن السنة كانت عندهم ألا ~~يشيل أحد يده بالخاتم وأن فعل ذلك يستوجب عقوبة وأنه ظالم. والسنة الغير ~~المكتوبة تقتضي أن يصفح عن مثل هذا. فالصفح إذن عن مثل هذا عدل. وكذلك يشبه ~~أن يكون الأمر عندنا في قطع اليد في النصاب وبخاصة في المطعومات. وإذا كان ~~هذا هو الحلم فهو بين أي الأشياء هي من الحلم وأي الأشياء ليست هي من الحلم ~~وأي الناس هم الحلماء وأيهم ليس كذلك. فإن المرء إنما يكون حليما في ~~الأشياء التي يجمل فيها الصفح. # قال: وضروب الإساءة والظلم وإن لم تكن صنفا واحدا بل أصنافا كثيرة، فليس ~~يجب أن يسوى بين ما يقع منها على جهة الخطاء وهو الذي يكون من السهو ~~والغلط، وما ليس يقع على جهة الغلط وهو الذي يكون عن المكر والشر. # PageV01P047 # قال: ms085 والإساءة: هي ما لم تكن عن جهل ولا عن شرارة؛ وأما الظلم فهو ما كان ~~من شرارة، لا من جهل. # والمقدمات التي بها يخاطب من يسئل الصفح عن الذنب الذي أوجبت العقوبة فيه ~~الشريعة المكتوبة على فاعله، أعني التي ذكرها أرسطو في هذا الكتاب: إحداها ~~أن يقول الجاني: إنه، أيها المعاقب، يجب ألا تقتدي بهذه السنة نفسها في ما ~~أوجبته على من العقوبة، لكن بخلق الواضع لها في الصفح والرحمة. # والمقدمة الثانية أن يقول: إنه ليس يجب أن ننظر إلى ظاهر لفظ الشارع في ~~هذه العقوبة التي وضعها، لكن إلى مقصوده، وذلك في الموضع الذي يكون المفهوم ~~من اللفظ ضد ما يقتضي ظاهره من العقوبة. والثالثة أن يقول إنه ليس يجب أن ~~نتنزل العقوبة على حسب الفعل الظاهر مني، لكن على حسب النية والاختيار، ~~وذلك حيث يظن أن ذلك الفعل لم يكن عن اختيار منه. والرابعة أن يقول: إنه ~~ليس ينبغي أن يعاقب على ما كان في الفرط ونادرا، لكن على ما كان متكررا من ~~الجاني، وذلك إذا لم يتقدم منه ذلك الفعل. والخامسة أن يقول: إن الإنسان ~~ليس ينبغي أن يعاقب على حسب حاله الحاضرة حتى ينظر إلى أحواله المتقدمة ~~وأحواله المستقبلة، وذلك عندما تكون هذه الأحوال شافعة له. والسادسة أن ~~يذكره بالخيرات التي وصلت من الجاني إلى المجني عليه. والسابعة أن يذكره ~~بالخيرات التي وصلت إلى الجاني من المجني عليه، فإن ذلك يحركه إلى أن يعدو ~~العفو عنه من جملة تلك الخيرات. والثامنة أن يحرضه على التأني عند الظلم ~~بأن يقول له: إنه ليس ينبغي أن يعجل الإنسان إذا ناله جور من إنسان، ~~فيكافئه بالعجلة، لكن يتوقف، فعسى أن يكون في عاقبة ذلك خير يناله. ~~والتاسعة أن يقول: إنه ينبغي للإنسان أن يكون مع الناس مسامحا يقنع بالقول ~~الجميل دون الفعل، وألا يكون شديد الاستقصاء. والعاشرة أن يقول: إنه ينبغي ~~لللإنسان أن يكون متنزها عن الخصومات والعقوبات. والحادية عشرة أن يقول: إن ~~الاحتمال والصفح من الخلق الفاضل؛ والمتهورون ms086 وذوو الخرق يقرون بهذا إذ ~~يتشبهون بالحلماء فضلا عن غيرهم. # فقد تبين من هذا القول: ماهو التفضل والحلم والصفح، وما الحالم والصافح، ~~ومن أي من المتقدمات يستدعى الحلم والصفح. ولأن المجني عليه يعظم الظلم ~~الواقع به والجاني يصغره، فقد ينبغي هاهنا أن يقال في أنواع الظلم العظيم ~~والظلم اليسير. # ومن الظلم العظيم ما يكون من الإنسان القوي للضعيف، وما يكون من الغني ~~للفقير. ولذلك ما قد يكون الظلم في الأمور اليسيرة عظيما: إما من عظم الشر ~~نفسه الموجود في ذلك الشر اليسير، وإما من عظم الضرر. أما عظم الضرر في ~~الشيء فمثل من يسلب الإنسان قوته إذا كان يسيرا وليس ملك غيره. وأما الشر ~~الذي هو عظم في نفسه، وإن كان الفعل يسيرا، فمثل ما حكي أرسطو أن رجلا خان ~~الصناع الذين كانوا يدعون عندهم بالمقربن، وهم المختصون عندهم بصناعة ~~محاريب البيوت المختصة بعبادة الله في ثلاثة أفلس من مقدسة من المال المختص ~~ببيوت العبادة. # PageV01P048 # قال: فإن ثلاثة أفلس هي شيء يسير من طريق الجور في المال، وأخذها من طريق ~~ما هي من المال المقدس للصناع المقربين شر عظيم، وذلك أن لك يدل على قوة ~~الشر الذي في أخها إذ كان قد هتك حرمة بيت الله وحرمة ماله، ولذلك فاعل هذا ~~ليس يرى أحد أنه اتقى من الظلم شيئا، بل بلغ فيه الغاية. وأما إذا اعتبر ~~مقدار المضرة في أخذ الأفلس الثلاثة، فليس هنالك ظلم يعتد به. وأمثال هذه ~~المظالم، أعني التي تقع ببيوت الله وأوليائه، ليس فيها صفح ولا حلم ولا ~~احتمال، لأن الصفح فيها والحلم ليس تقتضيه مصلحة، بل يجب أن يكون الحاكم في ~~أمثال هذه ينفذ العقوبة ولا بد، إما لمكان الانتقام من الجاني فقط، وإما ~~لما في ذلك من المصلحة العامة ولمكان هذا، قال الفقهاء عندنا إن من قال في ~~صاحب الشريعة عليه السلام إن زره وسخ قتل. ومن الظلم العظيم أن يجمع على ~~الإنسان أخذ ماله وتعذيبه. ومن الظلم العظيم أيا أن يكون العادلون ~~والصالحون، ms087 وبالجملة ذوو الفضائل يعذبون على فضائلهم. ولذلك يكون الظلم ~~الواقع بهؤلاء فخرا لهم وكرامة ليست يسيرة. ولذلك ترى كثيرا من ملوك الجور ~~يقصدون إهانة العلماء بالضرب وغير ذلك من الشر، فيكون ذلك فخرا لهم في ~~الحياة وبعد الممات، كما عرض لمالك وغيره من الفقهاء. وكذلك المقتولون من ~~هؤلاء يعرض لهم من ذلك بعد الموت كرامة عظيمة، مثل ما نال أصحاب عيسى عليه ~~السلام بعد موتهم من الكرامة من التابعين لهم. وبالجملة كل من أوذي على شيء ~~يكرم عليه الإنسان فهو يستفيد بتلك الأذية كرامة عظيمة. ومن الظلم العظيم ~~أن يكون نوعا من الظلم مبتدعا لم يفعله أحد غيره لا قبله ولا بعده. ومما ~~يعظم به الظلم أن يكون هو أول من فعله، فاقتدى به كل من أتى بعده ففعل ذلك ~~الفعل، كما قيل في هابيل وقابيل ومن الظلم العظيم إلحاق الغرامة والخسران ~~على الذين يتولون إيصال الخيرات إلى الناس مثل الظلم الذي يقع على واضعي ~~السنن. ومن الظلم العظيم الذي يوجب العقوبات العظيمة في الشرائع المكتوبة ~~مثل الإلقاء إلى السباع عند بعض الأمم. ومن الظلم العظيم الظلم الذي يقع من ~~المرء بقرابته وخاصته لأن ذلك يكون لبغضهم والنفور عنهم. وأذية القرابة ~~وبغضهم إنما يحمل عليه إفراط الشرارة. ومن الظلم العظيم الغدر بالأمانات ~~والفجور في الأيمان ونقض العهود وما أشبه ذلك من الأمور التي تقتص في ~~الأخبار المكتوبة ولذلك كانت عقوبة هؤلاء ليست كعقوبة سائر الظالمين، بل ~~يفضحون مع العقوبة على رءوس الأشهاد مثل عقاب شهداء الزور، فإنه ليس يقتصر ~~على عقابهم دون أن يفضحوا في مجالس الحكام وتسخم وجوههم. ولذلك زيد في عقاب ~~الفرية عندنا التفسيق ورد الشهادة. وأقبح ما تكون الخيانة والغدر لمن تقدم ~~منه إحسان للغادر والخائن. والذي يرائي بأفعال الخير، وقصده الشر، هو من ~~هذا النوع. والظلم في السنن الغير المكتوبة، أعني تعديها، أعظم من الظلم في ~~السنن المكتوبة؛ وذلك أن السنن الغير المكتوبة كأنها شيء يضطر إليها ~~الإنسان، إذ كانت كل الأمر الطبيعي له، مثل بر ms088 الوالدين وشكر المنعم. وأما ~~السنن المكتوبة فليس هي باضطرار للإنسان. وإن تعدى السنة المكتوبة فظلم ~~ظلما مستبشعا فهو ظلم عظيم مثل قتل الأطفال والنساء. والغرامة في الأشياء ~~التي ليس فيها غرامة في السنة المكتوبة من الظلم العظيم. ولذلك كان أقوى ~~الأسباب في فساد الرياسات. # قال: فقد تبين من هذا القول الظلم العظيم والصغير، إذ الصغير ضد العظيم، ~~والشيء يعرف بمعرفة ضده. # وقد ينبغي أن نقول في التصديقات التي تسمى غير صناعية، أعني التي ليس ~~تكون عن قياس خطبي أصلا، فإن أليق المواضع بذكرها هو هذا الموضع، إذ كانت ~~أخص بالمشاجرية منها بالإثنين الباقيين من أجناس الأشياء الخطبية، أعني ~~المشاورية والمنافرية. # وهذه التصديقات الغير الصناعية هي خمسة في العدد: أحدها السنن، والثاني ~~الشهود، والثالث العقود، والرابع العذاب، والخامس الأيمان. # والكلام فيها هاهنا إنما هو كيف يستعمل واحد واحد منها في الشكاية ~~والاعتذار. # PageV01P049 # فلنقل أولا في السنن فنقول إن السنن لما كانت منها عامة ومنها مكتوبة، ~~فقد يجب إن كانت السنن المكتوبة مضادة للشيء الذي يقصد تثبيته الشاكي أو ~~المعتذر أن يحتج بالسنة العامة الموافقة له، أعني المضادة للسنة المكتوبة، ~~ويقويها، ويزيف السنة المكتوبة. فأحد المواضع التي ذكر مما تزيف به السنة ~~المكتوبة هو أن يقول: إن الواجب هو الأخذ بالسنن الغير المكتوبة، لأن ~~الإنسان إذا اقتصر على ما توجبه السنة المكتوبة لم يكن محسنا ولا حليما ولا ~~صفوحا، إذ كان الإنسان إنما يوصف بهذه الأشياء إذا اقتدى بالسنة العامة على ~~ما تبين، وبالجملة فإنما يتطرق المدح والإكرام من قبل السنن الغير ~~المكتوبة، فاعل الواجب لا يمدح. ولذلك لا يسمى من يعطي القدر الواجب من ~~المال في السنة المكتوبة سخيا. # وموضع ثان وهو أن يقول: إن السنن المكتوبة إنما يقتصر عليها العامة من ~~الناس الذين لا روية عندهم، وذلك أنها أمور مفروغ منها، فأما الاقتداء ~~بالسنن الغير المكتوبة وتقديرها فهو لذوي الروية والخواص من الناس. # وموضع ثالث: وهو أن السنن المكتوبة شاقة إذ كانت تقصر الإنسان على أشياء ~~محدودة، والسنن العامة ملائمة ms089 لطبائع الإنسان وهو أهم. # وموضع رابع: وهو أن السنن المكتوبة كثيرا ما يكون تركها أنفع وأفضل وأزيد ~~في الخير، إذ كان الشيء المحدود لا يلائم كل إنسان ولا في كل حين. وأما ~~السنن الغير المكتوبة فقد تقدر تقديرا يلائم كل إنسان وفي كل زمان. # وموضع خامس وهو: أن السنة الغير المكتوبة أبدية غير متغيرة لأنها في ~~طبيعة الناس، والسنن المكتوبة متبدلة ومتغيرة. وحكى عن امرأة مشهورة عندهم ~~أنها اعتذرت عن رجل دفن عندهم على غير السنة المكتوبة بأن قالت: لم أكن ~~لأدفنه على سنة تكون اليوم ولا تكون غدا، بل على السنة التي لا تبيد أبدا. # وموضع سادس وهو أن السنة المكتوبة مظنونة، إذ كانت مقبولة من الغير، ~~وإنما هي معروفة بالطبع. ومن القول النافع في ذلك أن نقول: أن نقول: إن ~~السنة العامة هي التي يفعل بها الحاكم أفعالا مختلفة بحسب النافع لشخص شخص ~~ووقت وقت، والحاكم هو بمنزلة المخلص للفضة من الخبث، ولذلك قد يجب على ~~الحاكم الفاضل ألا يقتصر على السنة المكتوبة فقط، بل يستعمل السنتين معا ~~حتى يتخلص له الحق في ذلك، ويتقرر لديه القول الخاص بالقضية التي يحكم ~~فيها. ولذلك متى حكم في شيء، وكانت السنة المكتوبة ضد الغير المكتوبة، أو ~~كانت فيه سنتان متضادتان، فقد يجب على الحاكم أن يستعمل السنة القديمة ~~أحيانا، أعني الغير المكتوبة، في موضع، ويطرحها في موضع آخر؛ وكذلك الحال ~~في السنة المكتوبة. فإن بهذا الوجه يسقط التعارض الذي بينهما في الظاهر ~~ويصح الجمع. وهذا الذي قاله بين من فعل الفقهاء - وهذا عندنا - في السنن ~~المكتوبة المتضادة. # قال: ومتى أشكل عليه وجه الجمع، فقد يجب عليه أن يتوقف ولا ينفذ إحدى ~~السنتين، بل يرجئ الحكم حتى يتبين له موضع الشك والشبهة بين السنتين، إما ~~العامة النافعة وإما المكتوبة الواجبة. # فهذا جملة ما قيل هاهنا في دفع السنن المكتوبة إذا كانت مضادة للشيء الذي ~~يقصد تثبيته. # وأما إذا كانت السنة المكتوبة موافقة للأمر المقصود تثبيته، والعامة ~~مضادة، فأحد ما تزيف به ms090 السنة الغير المكتوبة المضادة أن يقال: إن السنة ~~العامة متبدلة الموضوع ومتبدلة الأوقات، فهي بالجملة غير غير محدودة، بل ~~تحتاج إلى استنباط وتحديد، وأما المكتوبة فهي مفروغ منها. فإذا كان المضاد ~~في السنة الغير المكتوبة متوهما وغير معلوم بعد، وكان الموافق لنا في السنة ~~المكتوبة مصرحا به، فقد ينبغي أن يعتقد أنه ليس يجب أن كون الحكم يتعدى به ~~السنة المكتوبة. # وموضع آخر تزيف به السنة الغير المكتوبة: وهو أن السنة الغير المكتوبة ~~تقتضي حكما عاما مثل الإحسان إلى من أحسن إليك، والمكتوبة تقتضي حكما خاصا ~~وهو مقدار ذلك الإحسان ووقته. والعام الكلي ليس يفعله أحد، وإنما يفعل ~~الجزئي. والذي يفعل، هو الذي يجب أن يمتثل. # وموضع آخر يقوي السنة المكتوبة: وهو أن الوضع للسنة المكتوبة إن كان ~~واجبا، فاستعمالها واجب؛ وإلا فأي فائدة في وضع شيء لا يستعمل. # PageV01P050 # وموضع آخر قوي في تثبيت السنة المكتوبة: وهو أن واضعها نسبته إلى الجمهور ~~في تقدمه بعلم المصالح نسبة الطبيب إلى الذين يطبهم، وبالجملة نسبة أهل ~~الصنائع إلى من لم يكن من أهل تلك الصناعة. وكما أن الطبيب ليس ينبغي ~~للإنسان العليل أن يتوانى أو يتردد في قبوله قوله أو تأوله، كذلك الحال في ~~قبول قول الواضع للسنة المكتوبة، بل المضرة في مخالفة واضع السنن أشد من ~~المضرة في مخالفة الطبيب. وذلك أن مخالفة الطبيب إنما تلحق منها مضرة لواحد ~~من الناس، ومخالفة واضع السنن يلحق منه هلاك أهل المدينة بأسرها. # وموضع آخر: وهو أن الذين ينصبون حكاما في المدن إنما هم الذين علموا ~~السنن المكتوبة، لا السنن الغير المكتوبة. فإن كل الجمهور يستوون في ~~إدراكها. وإذا كان ذلك كذلك، فواجب أن تمتثل السنن المكتوبة، وإلا كان ~~استعمال الحكام عبثا وباطلا. # فهذا جملة ما قاله في السنن. ### | القول في الشهود # فأما الشهود، فمنهم قوم قد سلفوا، ومنهم حدث وموجودون. ومن الحدث من ~~يشارك المشهود له في الخير الذي يرجوه أو الشر الذي يخافه. وأعني بالشهود ~~القدماء الأسلاف المعروفين المقبولين عند جمهور الناس ms091 المشهور فضلهم. ~~فهؤلاء تقبل شهادتهم على الأشياء السالفة سواء أخبروا أنهم عاينوها أو لم ~~يخبروا بذلك، لأنه يحمل أمرهم على الجملة فيما أخبروا به على التصديق. ~~والشهادات: إما شهادة على أشياء سالفة وهي التي لم يدركها أكثر الموجودين ~~في ذلك الوقت، وإما شهادة على أمور موجودة، وإما شهادة على أمور مستقبلة. ~~فأما الأشياء السالفة فإن الشهود عليها هم الأسلاف لا محالة. وأما الأشياء ~~الموجودة في زماننا فإن الشهود عليها من في زماننا. وأما الأشياء المستقبلة ~~فقد يكون الشهود عليها قوما تقدموا وقوما موجودين في زماننا هذا. والشهود ~~على الأشياء المستقبلة صنفان: الكهان سواء كان تكهنهم بصناعة أو بغير ~~صناعة، وذوو الأمثلة السائرة التي تمنع أو تأذن في العمل، مثل ما يقال: صل ~~رحمك، فإن صاحب الشرع عليه السلام قد قال: صلة الرحم تزيد في العمر. وأشباه ~~هذا. فأما الشهود الموجودون فالمقبولون والمعمول بشهادتهم هم الذين امتحنهم ~~أهل معارفهم، أعني جيرانهم أو قرابتهم أو أهل مدينتهم، فوجدوها مقيمين على ~~الأحوال التي تقبل بها شهادتهم غير منتقلين عنها. وأما الشهود من الأسلاف ~~فقد استقر عمرهم على القبول، فلذلك ليس يحتاجون إلى الامتحان، وأعني ~~بالقبول إما عدالتهم إن شهدوا على أشياء ماضية، وإما صحة وجود الملكات لهم ~~التي يخبرون بها عن الأمور المستقبلة إن كانت شهادتهم في أمور مستقبلة. ~~ومما يشترط في قبول شهادة الشهود الحدث ألا يشاركوا المشهود له في خير ~~يرجوه ولا شر يتوقعه، مثل أن يكونوا آباء للمشهود له أو أبناء أو قرابة. ~~وذلك أنه إن أراد منهم أن يكذبوا، كما يقول أرسطو، ربما كذبوا. وأما ~~الأسلاف فليس يتصور فيهم هذا إذ قد عدموا. والشهود الحدث إنما تقبل شهادتهم ~~إذا شهدوا أن الأمر كان أو لم يكن، وليس تقبل شهادتهم على أن الأمر عدل أو ~~جور. وأما الأسلاف فإنه تقبل في ذلك شهادتهم، إما لأنهم لا يتهمون، لأنهم ~~ليسوا مشاركين للشهود له؛ وإما لأن قولهم يحمل على أن الحاكم كان كذلك في ~~الزمان السالف. والتصديقات قد تقع من قبل الشهادات، ms092 وقد تقع من قبل قرائن ~~الأحوال المشاكلة، فتقوم مقام الشهادات والحكم بقرائن الأحوال المشاكلة هو ~~من فعل ذوي الفطانة والحذق من الحكام. ولذلك ينبغي للحاكم ألا يغلط في ~~المشاكلات المموهة كما لا يغلط الصيرفي في الفضة المغشوشة. وإذا كانت هذه ~~الأحوال قد توقف الحاكم على الأمر الصادق نفسه، مع كون الشهادة الكاذبة ~~مضادة لها، فهي أحرى أن توقف عليه حيث لا تكون هنالك شهادة، أو حيث تكون ~~الشهادة موافقة لها ولذلك كانت هذه الأحوال تقوم عند الحكام مقام الشهود. ~~فإنه لا خلاف بين أن يحكم بالشهود أو يحكم بهذه الأحوال المشاكلة التي ~~تقترن بالمتكلمين. وهذه الأحوال هي غير الضمائر، ولذلك عدت مع الشهادات. # PageV01P051 # والشهادات: منها ما هي في الأمر المتنازع فيه، ومنها ما هي في الشهود، ~~ومنها ما هي في المتخاصمين. والشهادة على الشهود: منها ما هي في تقويتهم، ~~ومنها ما هي في توهينهم. وأما الشهادة على المتخاصمين فهي بتعديل أحدهما ~~وتجريح الآخر. والشهادة على الشهود تكون إما أنه صديق أو عدو، وإما أنه وسط ~~بين المدعى والمدعى عليه، وهو ألا يكون صديقا لأحدهما ولا عدوا للآخر. وهنا ~~فصول أخر في الشهود سوى هذه الفصول سيقال فيها حيث يقال في المواضع العامة ~~التي تعمل منها الضمائر وذلك في المقالة الثانية من هذا الكتاب. # فهذا جملة ما قاله في الشهادات. ### | القول في العقود # والعقود هي الشرائط التي يتفق عليها بعض الناس مع بعض. والشرائط التي ~~يتفق عليها إنما هي نافعة في أمرين: أحدهما في تخسيس المعترف بها وذمه، إذا ~~لم يقف عندها وهو مصدق بها، وفي مدحه إذا وفي بها. والمنفعة الثانية في ~~تصديق المدعى وتكذيب المدعى عليه إذا أنكرها. وليس في هذا الموضع فرق بينها ~~وبين الشهود، وذلك أن الشروط إذا كانت مكتوبة أو شهد عليها الشهود قامت ~~مقام الشهود في تبيين الأمر الذي فيه الخصومة وتبيين حال الذين يتخاصمون، ~~أعني كيف أحوالهم في الفضيلة والرذيلة. وذلك أن التزام الشرط يدل على ~~الفضيلة، ومخالفته تدل على الرذيلة. وإذا اعترف الخصم ms093 بالشرط وادعى أنه لا ~~يلزمه، فقد يحتاج المتكلم أن يقنع في وجوب لزوم الشرط بأن يقول: الشرط سنة ~~خاصية وجزئية فيجب الوقوف عنده على الجهة التي يجب الوقوف عند السنن. وإذا ~~كانت السنة مخالفة للشرط، قال: إن السنة ليس تحكم على الشرط ولا ترأسه، لأن ~~السنة تقتضي مصلحة عامة والشرط مصلحة خاصة، والخاص يحكم على العام؛ فإذن ~~الشرط هو الذي يرأس السنة، لا السنة ترأس الشرط. وإن لم تكن مخالفة له، ~~أعني للشرط، قال: إن الشرط نوع من السنة، إن كانت السنة موضوعة عندهم ~~بالاصطلاح، أو أن السنة توجب الوقوف عند الشرط، إن كانت السنة عندهم بوحي ~~من الله. # وموضع آخر: وهو أن يقول إن الشروط هي التي تقتضي المصالح الخاصة بحسب شخص ~~شخص ووقت وقت. فإن لم يوقف عند الشرائط، بطلت المصالح. وإن الشرط هو الذي ~~يلتزمه الإنسان باختياره وعن رويته. وما هو بهذه الصفة فلا يعذر في ألا يقف ~~عنده. إلى غير ذلك من المواضع التي تشبه هذه مما يطول الكلام بذكرها إن ريم ~~استقصاؤها في هذا الموضع. # فهذا ما قاله في الأشياء التي تثبت بها الشروط. وأما الأشياء التي تزيف ~~منها الشروط إذا رأى المتكلم أن الأصوب والأصلح تزييف الشروط فهي: السنن ~~المكتوبة والسنن العامة؛ مثل أن يقول: إن السنن المكتوبة أشد مشاكلة ~~ومناسبة للمصالح، لأن السنة المكتوبة مشتركة، والمشتركة أعم صلاحا من ~~الخاصة التي هي الشرط. والصلاح العام أهم من الصلاح الخاص. # وموضع آخر وهو أن الشروط يمكن أن يلتزمها الإنسان لمكان مخالطة وخديعة ~~تجرى عليه، وما توجبه السنن ليس يمكن فيه الخديعة، فالسنن أولى من الشروط. # وموضع آخر: وهو أن يقول إن الحاكم هو الفاحص عن العدل والكاشف عنه، أعني ~~العدل الذي يكون بحسب المدينة، ولذلك يجب عليه أن يفحص عن العدل الذي ~~اشترطاه في أنفسهما، أعني المتعاقدين. فإن كان عدلا في المدينة، تركهما على ~~الشرط. وإن كان غير عدل أبطل الشرط. # وأيضا فإشن السنن لا توضع عن قسر ولا عن غلط؛ والشروط قد يمكن ms094 ذلك فيها. ~~وبالجملة فينبغي أن نتبع أضداد الشرط في السنن، فإن لم نلفه في السنة ~~المكتوبة، فربما ألفناه في السنة العامة، فزيفناه بذلك. وإن ألفيناه في ~~المكتوبة احتججنا في إبطاله بها سواء كانت السنة سنة تلك المدينة أو سنة ~~لمدينة ترأس تلك المدينة. # ومما يبطل العقود أن تكون هنالك عقود مضادة إما متقدمة عليها وإما متأخرة ~~عنها. والأواخر أبدا في الأكثر تقضي على الأوائل. وقد تقضي المتقدمة على ~~المتأخرة، إذا كانت المتقدمة صحيحة، والمتأخرة مغلطة خادعة. # وأيضا فينبغي للذي يزيف الشرط أن يتأمل ألفاظه، فإن كان فيها ما يمكن ~~تحريفه، حرفه وأخرجه عن المفهوم الذي يقتضي علة الحاكم. وهذا إنما يمكن أن ~~يفعله من كان له بصر بالألفاظ المشتركة والمعاني المتشابهة. # فهذا آخر ما قاله في العقود. # PageV01P052 ### | القول في العذاب # قال: وأما التقرير بالعذاب فإنها شهادة ما لقول المعذب، وفيه له تصديق ~~ما، لأنه يخاف إن كذب أن تعاد عليه العقوبة، ولما تخيل أيضا أن في الصدق ~~النجاة من الشر الواقع به، إلا أنه صدق مكره عليه. ولذلك (لا) يعسر إدراك ~~الأشياء التي بها يمكن أن يثبت الإقرار الذي يكون تحت العذاب إذا كان ~~موافقا للمتكلم، وأن يزيف إذا كان موافقا للخصم. إلا أن تزييفه ونقضه هو حق ~~في نفسه. فإن المعذبين لمكان الإكراه ليس يكون اعترافهم بالكاذب أقل من ~~اعترافهم بالصادق، بل قد يعترفون بالذي يطلب منهم لمكان النجاة من العذاب ~~وإن كان كاذبا. وأيضا فإنهم إذا صبروا على العذاب ولم يقولوا الحق فقد ~~يبادرون إلى الكاذب ليظن به أنه هو الصادق، ليستريحوا من العذاب بذلك ~~سريعا. ولذلك ما ينبغي للحكام أن لا يستعملوا هذا النوع من الاستدلال بل ~~يعودون فيستعملون الدلالات الأخر. فإن كثيرا من الناس لصحة أبدانهم وعزة ~~نفوسهم يصبرون على الأذى صبرا شديدا فلا يعترفون بالصادق. وأما الجبناء ~~وأهل الضعف فقد يقرون على أنفسهم بالكاذب قبل أن يروا الشدائد. ولذلك ليس ~~في العذاب شيء يوثق به. ولمكان هذا درأ الشرع عندنا الحدود التي تتعلق ~~بالإقرارات التي ms095 تحت الإكراه. ### | القول في الأيمان # قال: وأما الأيمان فإنها تستعمل لمكان أربعة أشياء، وذلك أن الحالف إما ~~أن يحلف ليعطى شيئا ويأخذ شيئا، مثل ما يكون في البيوع. وأما ألا يعطى شيئا ~~ولا يأخذ شيئا. وإما أن يعطى ولا يأخذ. وإما أن يأخذ ولا يعطى. وحلف ~~الإنسان ليعطى إنما يكون لأشياء أخر ضارة به، أعني إن أمسك ولم يعط. ~~واليمين إما أن تكون من المدعى أو المدعى عليه. وليس في اليمين شيء من ~~التصديق، إذا علم أن الحالف رجل فاجر. وإذا لزمت اليمين أحد الخصمين فنكل، ~~فقد لزمته الحجة. لأن المطالبة باليمين تحد على الصدق. وإذا عجز المتحدى، ~~فقد لزمته الحجة. # قال: ولما كان المطالب باليمين مترددا بين مكروهين أحدهما مما يناله من ~~قبل اليمين - إذا حلف كاذبا - وهو الاستهانة بالله وحرماته؛ والثاني ~~المكروه الذي يناله من الأخذ منه أو الإعطاء، فهو أبدا إنما يفعل أقل ~~المكروهين ضررا عنده. فلذلك قد يصدق بعض الناس إذا حلف، ويكذب بعضهم. وهذا ~~أحد ما يزيف به الاحتجاج بالأيمان. # قال: وقد يصدق الرجل الفاضل ويرى أنه لمحق، وإن لم يحلف. لكن تصديقه ليس ~~هو لمكان أنه لم يحلف، ولكن لمكان فضيلته، ومن أجل أنه ليس ممن يحنث ولا ~~يفجر بغير يمين، فضلا مع اليمين. # قال: وأما التحدي باليمين فإنه كثيرا ما يكون من الرجل الفاسق نحو الثقة ~~الأمين، لأن تحرج الثقة عن اليمين مما يوقع التصديق بقول الفاسق. # قال: وهذا هو مثل أن يغلب المتهور المتوقي أو يدعوه إلى أن يغلبه ويتحداه ~~بذلك. فإن المتوقي يتجنبه. # قال: ولكن ليس للثقة الأمين، وإن كان الأمر هكذا، أن يأخذ بغير يمين، إذا ~~كان خصمه ليس يراه ثقة، بل ليس يأخذ إلا أن يحلف. # قال: وبذلك كان يحكم فلان لرجل مشهور في الحكام عندهم. وكذلك هي السنة ~~عندنا قال: والثقة الأمين، إذا اشتد عليه إتيان اليمين عند الدعوى عليه، ~~فإن أحب أن يعطى ويكرم الله ولا يحلف، فقد يجب له ألا ينكر الدعوى الكاذبة ~~عندما يعطى ما ms096 طولب به. فإنه إن أنكر وأعطى، أوهم أن المدعى محق وأنه إنما ~~أعطى لمكان اليمين الفاجرة التي لزمته، ولذلك ليس ينبغي أن يلجئ نفسه إلى ~~أن يطالب باليمين، لأنه إذا طولب باليمين فلم يحلف ظن به الكذب. # PageV01P053 # قال: وهو معلوم عند الحكومة في المشاجرة الخاصة والعامة كيف يعتذر المرء ~~إذا خالف يمينه أو يعتذر عنه، وكيف يؤنب مخالف اليمين ويعذل. وذلك أن ~~الأشياء التي يخالف فيها اليمين هي تلك الأشياء الأربعة التي يحلف عليها، ~~وهي التي يهواها إنسان إنسان من الناس، وذلك إما أن يأخذ ويعطى، وإما ألا ~~يأخذ ولا يعطى، وإما أن يعطى ولا يأخذ، وإما أن يأخذ ولا يعطى. فإذا حلف ~~المرء على واحد من هذه الأربعة، فلا يخلو أن يكون القول الذي يستعمله في ~~تثبيت ذلك الشيء إما موافقا لما حلف عليه وإما مخالفا، وذلك يكون إذا جحد ~~اليمين. # فإن كان مخالفا، فإن أحد ما يؤنب به المخالف لليمين أن يقال: إن اليمين ~~هي شريعة من الشرائع، فمتى خالفها المرء طوعا وجحدها، فقد ظلم؛ لأن الظلم ~~هو مخالفة للشريعة طوعا. # وأما المعتذر عن مخالفة اليمين فقد يعتذر أن يمينه كانت بإكراه أو بغلط ~~أو بغفلة، وأنه إذ حلف لم ينو ذلك الشيء الذي خالفه، وإنما نوى غيره، وأن ~~الذي حمله على اليمين هو اللجاج ومخالفة الخصم وضيق الصدر والحرج، وبالجملة ~~التهيؤ الموجود فيه لسبوق اليمين وبدورها والمسارعة إليها وإلى الإنكار ~~والجحود. # ومما يستعمل في التثبيت على السنن والأيمان والتمسك بها أن يقال: إنه قد ~~يجب عليكم أن تثبتوا على أيمانكم ولا تخالفوها، فإن اليمين هو حكم شرعي ~~ألزمه المرء نفسه طوعا وعن علم، فقد يجب عليه ألا يخالفه. وأما أولئك الذين ~~يحلفون لمكان الخديعة أو الغفلة أو التهيؤ للجحود والمسارعة إلى اليمين فلا ~~يثبتون على أيمانهم إلى غير ذلك من أشياء تشبه هذا القول مما تعظم به ~~اليمين وتفخم. # فهذا هو القول في التصديقات التي تكون بلا قياس، وجهات استعمالها في هذه ~~الصناعة. # وهنا انقضت المعاني التي ms097 تضمنتها هذه المقالة التي هي الأولى. ### | بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله ### | المقالة الثانية ### | من الخطابة # قال: أما من أي أصناف الأقاويل يكون الإذن والمنع والمدح والذم والشكاية ~~والإعتذار وأي المقدمات والقضايا هي التي تؤخذ أجزاء هذه الأقاويل التي ~~تفعل التصديق في هذه الثلاثة فقد قيل فيها في المقالة الأولى. فإن ~~المخاطبات في الأمور الجزئية إنما تكون من أجل هذه الأغراض الستة التي ~~ذكرناها وبالأقيسة والمقدمات التي عددناها فيما سلف. # ومن أجل أن الخطابة لا بد فيها من حاكم يرجح أحد قولي المتخاطبين، إذ ~~كانت الأقاويل المستعملة فيها غير يقينية، ولذلك احتيج إلى الحكام في ~~المشوريات أكثر ذلك، إذ كانت أمورا ممكنة، وكذلك يحتاج إليهم في التشاجر ~~والمدح والذم، فقد ينبغي أن ننظر هاهنا ليس في الأقاويل المثبتة والمبطلة، ~~بل وفي بيان الأقاويل التي تفيد الحاكم الانفعالات التي تصيره إلى الميل في ~~الأحكام. فإنه قد يختلف تصديق الحاكم بكلام المتكلم، وتصديق المتكلم بحكم ~~الحاكم إذا عرف المتكلم أي امرئ هو الحاكم في صداقته له أو عداوته، وعرف ~~الحاكم أي امرئ هو المتكلم في فضيلته ومعرفته. أما معرفة الحاكم بالمتكلم ~~فغناء ذلك في الأكثر إنما هو في الأمور المشورية. وأما معرفة المتكلم بحال ~~الحاكم فالانتفاع بذلك إنما يكون أكثر ذلك في الخصومات. وذلك أنه ليست ~~أحكام الحكام على من أحبوه أو قلوه حكما واحدا، ولا من كانوا عليه غضابا أو ~~غير غضاب أو خائفين منه أو غير خائفين منه، بل توجد أحكام الحكام تختلف ~~بحسب هذا اختلافا كثيرا في القدر والمبلغ. فإذا حكموا على من يحبون، فإما ~~ألا يخسروه شيئا وإما أن يخسروه اليسير. وأما حكمهم لمن يبغضون فخلاف ذلك. ~~وكذلك فرق بين أن يحكم الحاكم وهو منشرح الصدر للمتكلم حسن الظن به وبين أن ~~يحكم وهو ضيق الصدر مكترث به. # PageV01P054 # قال: والمتكلمون يكونون مصدقين في أقاويلهم أكثر ذلك لعلل ثلاث؛ لأنه قد ~~يصدق المرء بهذه الثلاث دون قول مثبت. وهذه الثلاث هي: المعرفة والفضيلة ~~والإلف، أعني أن ms098 لا يكون مستوحشا من الذي يشير عليه إما لمكان جهله به أو ~~مباينته له في الجنس أو المكان أو اللسان. والمشيرون يصيرون غير مصدقين ~~ومكذبين إما من أجل عدم هذه الأحوال الثلاثة فيهم أو عدم بعضها، لأنهم إما ~~أن يكونوا لا يشيرون برأي صواب لمكان جهلهم وخطائهم، أعني أنهم يشيرون بما ~~لا ينتفع به لضعف رأيهم. وإما أن يكونوا عارفين، لكنهم يمنعهم من الإشارة ~~بالصواب الخبث والشرارة. وإما أن يكونوا عارفين ذوي فضائل، لكن يكونون ~~مستوحشين من الذين يشيرون عليهم. وذلك أنهم إذا كانوا بهذه الصفة، أمكنهم ~~أن يعرفوا الأمر الأفضل فلا يشيرون به. وهو بين أنه ليس سوى هذه الخلال ~~الثلاث خلة إذا وجدت للمتكلم أمكن أن يكون بها مصدقا عند السامعين. فأما من ~~أين يعرف المرء أن المتكلم بهذه الحال أو يثبت أنه على هذه الحال عند من لا ~~يعرف ذلك فمن الأشياء التي ذكرت في باب المديح، أعني أنه ذو معرفة وفضيلة. # وأما أنه متأنس وصديق فإن القول فيها هو جزء من القول في المقدمات التي ~~يثبت بها الانفعالات التي تختلف أحكام الحكام بسببها وهي التي تلزمها إما ~~اللذة وإما الأذى، مثل الغضب والرحمة والخوف وأضداد هذه وما أشبه ذلك. # قال: وقد ينبغي أن نقول فيها هاهنا وذلك يكون بان ننظر من كل واحد من هذه ~~الانفعالات في ثلاثة أشياء، أعني في الأشياء الفاعلة لذلك الانفعال، وفي ~~الناس المستعدين لذلك الانفعال، وعلى من يقع ذلك الانفعال غالبا. ومثال ~~ذلك: إذا نظرنا في الغضب، أن نقول: بأية حالة يكون المرء غضوبا، وما ~~الأشياء الفاعلة للغضب، ومن القوم الذي يغضب عليهم بالطبع. فإن الغضب إنما ~~يوجد ولا باجتماع هذه الثلاث. وإذا وجد بعضها ولم يوجد بعض، فليس يوجد ~~الغضب ولا بد. وبالجملة فيفعل في هذا الجنس مثل ما فعل في الأبواب ~~المتقدمة، أعني في باب الخصومات، وفي باب المشورة، حيث حددنا الأشياء التي ~~يقصد تثبيتها، ثم الأشياء التي بها يلتئم وجودها، أعني النافع أو الضار أو ~~العدل أو الجور. ms099 والاثنان من هذه الثلاثة هي التي تأتلف منها المقدمات التي ~~إذا خوطب بها الإنسان حركته إلى ذلك الانفعال، أعني الفاعلة له وبمن يقع ~~ذلك الانفعال. وأما الذين هم معدون لذلك الانفعال، فإنما يوجد من أحوالهم ~~التي هم بها معدون أنهم قد انفعلوا لا أن تحركوا بذلك إلى ذلك الانفعال. ~~ومثال ذلك أن المرء إنما يحركه إلى الغضب إذا وصفت له حضور الأشياء الفاعلة ~~للغضب والمرء الذي يجب أن يغضب عليه. فأما الأحوال التي بها يكون المرء ~~معدا لأن يغضب، فإنما يثبت بها أنه قد غضب. لكن معرفة هذه الأحوال نافعة ~~لمن يريد أن يغضب، لأنه يعرف الوقت الذي يكون فيه المرء مستعدا لقبول القول ~~الذي يحركه لذلك الانفعال. # قال: والغضب هو حزن أو أثر نفساني يكون عنه شوق من النفس إلى عقوبة ترى ~~واجبة بالمغضوب عليه من أجل احتقار منه بالمرء الغاضب أو بمن هو بسببه ~~ومتصل به. # والاحتقار هو الذي يسميه أرسطو صغر النفس لأن نفس المحتقر به كأنها تصغر ~~بالأشياء الصغيرة التي يتوهم فيها. # وإذا كان هذا هو حد الغضب، فالغضب إنما يكون من إنسان مشار إليه أو ناس ~~مشارين إليهم على إنسان مشار إليه أو ناس مشارين إليهم لا على الإنسان ~~الكلي وذلك لشيء فعله المغضوب عليه بالغاضب أو بأحد ممن هو بسببه. # وكل غضب فيلزمه أبدا شيء من اللذة من قبل أن الغاضب يؤمل أن ينتقم من ~~المغضوب عليه. وإذا أمل التذ، لأن هذا الأمل هو الظن بأنه سيظفر من المغضوب ~~عليه بما هو كالممتنع على غير، وهو العقوبة التي تتوق نفسه إليها. ولذلك قد ~~يشرف الغاضب في نفسه بما يتخيل فيها من القدرة على العقوبة، ولذلك ليس يغضب ~~على من هو فوق رتبته جدا ولا على من هو دونه جدا. # PageV01P055 # قال: وما أحسن ما قال الشعراء في الغضب: إن الذي يعتلج منه في النفس شيء ~~أحلى من العسل والشهد، وإن الذي يغشى الفكر منه هو شيء شبيه بالدخان. ولذلك ~~لا يعقل الغضبان ولا يفهم. وإنما ms100 قيل فيه: إنه أحلى من العسل، لمكان اللذة ~~التي تكون فيه عن تخيل الانتقام لأن تخيل الشيء المتشوق وتردده في النفس ~~لذيذ، إذا لم يكن هنالك فكر يفهم معه شيء مكروه مقترن بالمتشوق، ولا شيء ~~يعوق، ولكن يقوى حصول إمكانه، كالحال في الخيالات التي يلتذ بها في النوم. # قال: والاحتقار بالشيء والتهاون به يكون من قبل أن الشيء لا قدر له ولا ~~يستحق أنيعتنى به، أعني أن يقتنى إن كان خيرا أو يحتال في دفعه إن كان شرا. ~~ولذلك كانت الخيارات والشرور جميعا يظن بها أنها مستوجبات للعناية بها. ~~وكذلك الأمور اللازمة للخير والشر مثل الخوف للشر والتأميل للخير هي أيضا ~~معتنى بها. وإنما يرى الناس أنه لا يستحق شيئا من العناية ما ظن به أنه ليس ~~فيه خير يرتجى ولا شر يتقى؛ وإن كان، فنزر قليل جدا. # وأنواع الاحتقار، وهو الذي يسميه أرسطو صغر النفس، ثلاثة: الإهانة، ~~والسخرية والطنز، والشتيمة. # فإن الذي يهان، وهو الذي يفعل به ضد أفعال الكرامة، محتقر. وإنما يتهاون ~~المرء بالذي يرى أنه ليس أهلا لشيء. وكذلك الذي يطنز به هو محتقر أيضا، إذا ~~كان الطنز بالشيء يعوق عن تشوقه وإرادته. # والطنز الذي بهذه الصفة هو الطنز الذي ليس يقصد به فاعله شيئا يستفيده ~~سوى مضرة المطنوز به. وذلك أنه لما كان المطنوز به محتقرا، فهو بين أنه لا ~~يخاف منه ضررا. ولو ظن ذلك، لخاف فلم يحتقره. وأما الذين يطنزون لينالوا ~~بالطنز منفعة ما، فأولئك إنما ينبغي أن يسموا مستعطفين ومحتالين، مثل أهل ~~الدعابة الذين يتخذهم الملوك، وليس يدخلون في ذلك الجنس، وإنما يدخلون في ~~جنس المحتالين. # وكذلك الشتيمة هي احتقار للمشتوم والشتيمة التي بهذه الصفة هي التزييف ~~والبهرجة التي يقصد بها أذى المشتوم بالشيء الذي إذا صرح به خزي به ~~المشتوم. وليس تكون الشتيمة التي بهذه الصفة إلا إذا كان الذي شتم به قد ~~وجد للمشتوم فيما سلف لا فيما يستقبل، وأن يكون شتما قبيحا يخزى منه ~~المشتوم، وأن يكون ليس يقصد به ms101 أن يحصل منه للمشتوم منفعة ما، مثل الشتم ~~الذي يقصد به الأدب، فإن هذا ليس هو احتقارا، وإنما هو معاقبة. وإنما كان ~~الشتم ملذا، لأن الشاتمين يظنون بأنفسهم أنهم أفضل من المشتومين. ولذلك ما ~~يوجد الأغنياء والأحداث شتامين وفحاشين، لأنهم يظنون بأنفسهم الفضيلة على ~~غيرهم. وهذا من فعل الشاتمين بين. فإن الشتيمة احتقار. وإنما يحتقر من ليس ~~أهلا لشيء، وهو الذي ليس له شيء من الكرامة، لا من أجل خير يرجى منه، ولا ~~من أجل شر يتوقى منه. # قال: والذين يظنون أن لهم حقا واجبا على كثير من الناس في الحسب والقوة ~~والفضيلة، وبالجملة: في كل ما يفضل به إنسان إنسانا، مثل فضل الغنى على ~~الفقير، والبليغ على العي، وذي الرياسة على المرؤوس، أو الذي يرى نفسه ~~مستعدا للرياسة وإن لم يكن رئيسا، جميع هؤلاء معدون لأن يغضبوا على الناس ~~من أدنى شيء يتخيلونه فيهم من الاحتقار. ولذلك قيل إن شدة الاستشاطة والغضب ~~توجد في أبناء الملوك ومن يتصل بهم الذين نشأوا في الترفه ولم يلقوا قط إلا ~~بما يسرهم من إكرام الناس لهم والمعاملة الجميلة. ويوجد في هذا الصنف مع ~~شدة الاستشاطة أشياء تلزم شدة الاستشاطة مثل فرط الانتقام وألا يقنعوا من ~~الجاني عليهم بالشيء اليسير إلا بالعقوبة العظيمة. وذلك أنهم يمتعضون لعظم ~~شأنهم في أنفسهم. # ومن الأحوال التي إذا كانت في الإنسان صار بها معدا لأن يغضب عليه أن ~~يكون ذلك الإنسان ممن يتوقع منه الإحسان بعادة فلا يفعل ذلك إما بالإنسان ~~الذي عوده ذلك أو بمن يتصل به. وذلك إذا علم ذلك الإنسان إن تركه ذلك كان ~~بهوى منه، أو علم أنه يهوى أن يترك ذلك وإن لم يترك. وقد يعد ترك الإحسان ~~المعتاد في فاعلات الغضب. وإذا كان هذا هكذا، ففاعل الغضب بالجملة إنما هو ~~الاحتقار أو ما يظن أنه احتقار. # PageV01P056 # والناس المستعدون للغضب هم الذين توجد فيهم أحوال تخيل فيهم في أكثر ما ~~يرد عليهم أنه احتقار. والمستعدون لأن يغضب عليهم هم الذين يخيل فيهم ms102 إلى ~~الغير أن أكثر الأفعال التي تصدر منهم هي احتقار. # وإذ قد تبين بالجملة من أجل أي شيء يكون الغضب ومن الذين هم غضوبون ومن ~~الذين يغضب عليهم، فقد يجب أن نعدد هاهنا هذه الأحوال. فمن الأحوال التي ~~بها يكون المرء غضوبا أن يكون الإنسان يتشوق إلى شيء ويكون تشوقه إليه مع ~~غم وأذى فإن هؤلاء يسرع إليهم الغضب، فعل بأحدهم شيء موجب للغضب أو لم ~~يفعل، لأنه لضيق صدره يظن أنه فعل به ذلك. ومن هؤلاء الذين لهم أشياء ~~تؤذيهم، فهم يشتاقون إلى زوال ذلك المؤذي. فإن هؤلاء يغضبون على كل شيء ومن ~~كل شيء، مثال الذين يمسهم فقر أو مرض. فإن هؤلاء يشتهون الصحة والأشياء ~~المستعملة في الصحة والثروة والأشياء المدركة بالثروة. ولذلك ليس يقال لما ~~يتردد في نفوس هؤلاء من هذه الشهوة أضنه سبب لأن يقال فيهم إنهم شهوانيون، ~~بل ذلك سبب لأن يقال فيهم إنهم ضجرون. وأكثر ما يغضب هؤلاء على الذين ~~يحتقرون الأمر الواقع بهم، مثل الذين يتهاونون بالوجع الذي يصيب العليل في ~~حال إصابته إياه. وكذلك الذين يتهاونون بالحاجة الماسة التي أصابت إنسانا ~~ما في حال فقره. ومثل من يتهاون بالجور الواقع على إنسان ما. ومن هذا الجنس ~~من يتهاون بصديق المرء. وبالجملة فكل من يتهاون بما يؤذي الإنسان ويحزنه أو ~~بما يلذه ويسره. والإنسان الذي أخفق أمله يسرع إليه الغضب، لأنه قد ظن ظنا ~~ما فأخفق ظنه. # قال: وقد تبين من هذه الأشياء في أي أحوال من أحوال الإنسان وعوارض من ~~عوارض نفسه، وفي أي سن، وخلق يكون أشد استعدادا للغضب، وعلى من يغضبون، ~~وبمن يهزأون ومن يعيرون إذا كانوا في شيء شيء من هذه الأمور. # أما في الأحوال فمثل غضب أولي الرياسة على من لا رياسة له. # وأما في العوارض فمثل غضب المغتمين على المسرورين. # وأما في الخلق فمثل غضب الشجعان على الجبناء. # وأما في السن فمثل غضب المشايخ على الشباب. # قال: وإنما يشتم ويستهان بالذين تكون حالهم في أفعالهم وأقوالهم وحالاتهم ms103 ~~حال من لا ينتفع بشيء من تلك الأفعال والأقوال والأحوال، أو يظن بهم ذلك. ~~فإنه إذا اعتبر أمر الشتيمة والاحتقار وجدت لا تتعدى هذا الصنف. ولذلك قد ~~يظن أن ما يقع من الاستهانة والاستخفاف بالفضلاء والحكماء أنه أمر واجب. ~~لأن الجمهور يرون أنهم لا ينتفعون من أحوالهم بشيء، وكذلك سائر الفضائل ~~التي هي غير نافعة، وخاصة ما كان منها إنما يحصل بعد تعب عظيم ويحفظ بعد ~~حصوله بتعب عظيم أيضا. وذلك أن الجمهور لما كانوا يعتقدون في أمثال هؤلاء ~~أنه ليس لهم منفعة في ما يقتنون من ذلك ولا شيء فيه قوة منفعة كان أحرى أن ~~يظنوا أنه ليس ينتفعون منهم بتلك الأشياء. لأنهم إذا لم ينفعوا أنفسهم، ~~فأحرى ألا ينفعوا غيرهم. وإذا رأى الجمهور في كثير من هذه الأشياء أن لهم ~~فيها منفعة، وإن كان لا ينتفع بها أهلها، أعني الذي يقتنونها، ربما ~~استعطفوهم واسترحموهم بعد التغيير، وذلك في وقت حاجتهم إليه، واعتذروا ~~إليهم مما سلف. وهذا من فعلهم إنما ينتفعون به معهم إذا كان التغيير ~~المتقدم لهم غير مفرط ولا خارج عن العادة. لأنه إذا كان مفرطا ظن بهم أنهم ~~يستهزئون بهم في حال الاستعطاف والتودد. # قال: والذين يحسنون، ثم يقطعون إحسانهم؛ والذين لا يكافئون المرء على ~~فعله بما يجب لذلك الفعل، أو يفعلون معه ضد فعله؛ والذين يرون المحسنين ~~إليهم بحال خسيسة، وذلك بأن يرى الذي أحسن إليه أن ذلك الإحسان خسيس أو أن ~~قدره فوق ذلك؛ فإن هؤلاء يغضب عليهم. وهذه الأفعال كلها هي من فاعلات ~~الغضب، لأنه يظن بهم أنهم متهاونون. # قال: وهاهنا قوم يغضبون من التهاون الواقع بأمور خسيسة لهم أو بالتي هي ~~أخس من الخسيسة وهي التي ليس يرى لها أحد قدرا في شيء ولا يمكن فيها كلام ~~تعظم به أصلا ولا يطالب أحد بتعظيمها. وليس يجب أن يكون الأمر كذلك، أعني ~~أن يغضب المرء على من يحتقر منه الأمور اليسيرة، بل إنما يجب أن يقع الغضب ~~على من احتقر من المرء أمورا ms104 لها قدر. # PageV01P057 # قال: والأصدقاء قد يغضب عليهم إذا لم يقولوا في أصدقائهم قولا جميلا ~~عندما ينالهم مكروه، أو يمتعضون إذا ذكروا بسوء. وأكثر من ذلك إذا لم ~~يحسنوا إليهم إذا مستهم حاجة أو لم يألموا بما نزل بهم من المكروه، ولذلك ~~قيل: # يواسيك أو يسليك أو يتفجع. # وإنما يغضب على هؤلاء عدم الارتماض بالمكروه الذي وقع بهم يدل على ~~الاستهانة بهم. وذلك أن من المعلوم أن الإنسان يغضب إذا أوذي من يعتني به، ~~وكذلك يغضب على الصديق الذي يتهم صديقه ويسيء الظن به، وعلى الذي يتهاون ~~بما بلغه عنه من قول، لأنهم في هذه الأحوال يشبهون الأعداء. وذلك أن ~~الأعداء هم الذين لا يمتعضون للمكروه الذي ينزل بعدوهم ولا يسوءهم الشر ~~النازل بهم. وأما الأصدقاء فيمضهم السوء النازل بإخوانهم ويتفجعون لذلك ~~ويجزعون. # قال: وقد يغضب على الذين يتهاونون بأمور خارجة عن الإنسان، وتلك هي خمسة ~~أصناف: أحدها الذين يتهاونون بالذي تكرمه أنت، فإنك تغضب عليهم. والثاني أن ~~يتهاون بالذي هو عندك متعجب منه ولا يتعجب منه. والثالث ألا يتعجب مما تحب ~~أنت أن يكون متعجبا منه، وإن لم يكن كذلك. والرابع أن يتهاون بالناس الذين ~~تتعجب منهم أو الذين يتعجبون منك. والخامس ألا يستحي المرء من الأشياء التي ~~تستحي منها وتحتقرها. # قال: وإنما يشتد الغضب على الذين يتهاونون بهذه الأصناف الخمسة، لأن ~~الناس يرون فيهم أنهم لا يعاونونهم على فعل الجميل ولا يؤازرونهم، فيغضبون ~~عليهم. وهذا الغضب مثل غضب الآباء على الأبناء، أعني أنه إنما يغضبون من ~~جهة أنهم غير معاونين لهم على فعل الجميل. وقد يكون الغضب على الذين يظن ~~بهم أنهم يتهاونون بواحد من هذه الأصناف الخمسة، وإن لم يكن الأمر كذلك في ~~الحقيقة، وذلك يعرض كثيرا للنساء ذوات الرياسات مع الذين يرأسن عليهم لضعف ~~تدبيرهن. # قال: ومما يفعل الغضب أيضا النسيان للأشياء المهمة عندك حفظها، كما يعرض ~~كثيرا للمرء أن يغضب على من ينسى اسمه، ومثل ما يعرض من نسيان الأمور ~~الهينة الحفظ التي تهم. وإنما كان ms105 النسيان مغضبا لأنه يرى أن سببه هو ~~التهاون بالشيء المنسي. والذين يبتدئون بالإحسان فلا يكافأون، قد يغضبون ~~أيضا على الذين لا يكافئونهم بالواجب. فإن النقصان من الواجب إنما يحمل ~~عليه التهاون. والذين يهزلون في الشيء الذي تجد فيه أنت تغضب عليهم. وإذا ~~كان بعض من تعرفه من الناس يحسن إلى غيرك ولا يحسن إليك، فإنك تغضب عليه. # فقد تبين من هذا القول من الناس المعدون لأن يغضبوا ولأن يغضب عليهم، وما ~~الأشياء الفاعلة للغضب، وهي الأشياء التي إذا وجدت للمرء أثبت بها أن المرء ~~قد غضب. ومن هذه الأشياء الثلاثة بعينها تؤخذ مسكنات الغضب أو فاعلات ~~الغضب. فإن أضداد الأشياء الفاعلة للغضب إذا أثبتت لشخص ما إما أن يسكن عنه ~~الغضب وإما أن توجب الرضى عنه. وكذلك إذا وجدت للمرء أضداد الأحوال التي ~~يكون بها معدا لأن يغضب عليه بها، سهل سكون الغضب عنه أو وجود الرضى عنه. ~~وكذلك إذا وجدت للمرء أضداد الأحوال التي بها يكون غضوبا سهل قبوله للرضى ~~أو لسكون الغضب عنه. فإن الغضب له ضدان: أحدهما عدمه، والآخر ضده وهو ~~الرضى. ولكن أرسطو في هذا الموضع مع تعريفه بهذا يأتي بالأشياء المسكنة ~~للغضب على جهة الارتياض. ### | القول في المسكنات للغضب # قال: ومن أجل أن ضد الغضب هو سكون الغضب، فقد ينبغي أن ننظر من أمر سكون ~~الغضب في أضداد تلك الأشياء الثلاثة التي ذكرناها، أعني بأية حال يكون ~~الناس الذين يسهل سكون غضبهم، وبأية حالة يكون الناس الذين يسهل سكون الغضب ~~عليهم، وأما الأشياء المسكنة للغضب. # PageV01P058 # قال: والسكون هو عدم الغضب أو فتوره. وإذا كان الغضب إنما سببه التهاون ~~الذي يكون بالمشيئة والطوع، فهو بين أن الذينلا يتهاونون - وإن تهاونوا، ~~فبكره، أو بغير روية - أو الذين يظنون أنهم بهذه الحال، أنه لا يغضب عليهم؛ ~~وإن غضب عليهم، فيكون عنهم سكون الغضب سريعا. وقد يكون سكون الغضب بأن يفعل ~~بالغاضب آلام ومكاره تنسيه الاحتقار به الذي كان سبب غضبه على جهة القصد ~~والتعمد لذلك. وهذا إنما يفعله ms106 الدهاة ذوو الشرور العظيمة. ومما يفعل ~~السكون أن يفعل المرء بنفسه الأشياء التي ظنها الغاضب احتقارا به. فإن هذا ~~يوهم فيه أنه ليس يرى فيها أنها احتقار، إذ كان أحد لا يرى أنه محتقر ~~لنفسه. # قال: ومما يفعل الكون الاعتراف بالذنب أو أن يجعل على نفسه ألا يعود إليه ~~وهو المسمى عندنا توبة، أو أن ينقلب إلى ضد الاستهانة وهو الإجلال. وإنما ~~كان الاعتراف مسكنا للغضب لأنه يوجب العقوبة. ووجوب العقوبة مما يفتر ~~الاهتمام بما فعل والارتماض له. وذلك بين عند مشاهدة المعاقبات المحسوسة، ~~فإنا قد نعاقب أكثر ذلك بشدة وزيادة الذين يجحدون ويحتجون عن أنفسهم. فأما ~~الذين يقرون ويعترفون أن العقوبة النازلة بهم عدل، فقد يفتر الغضب عن ~~هؤلاء. وأيضا فإنه قد تكون علة الجحود للأمر الظاهر وقاحة الوجه والصلف. ~~والوقاح مستهزيء مستهين. فإن الذين لا يستحى منهم ليس لهم قدر، فيشتد الغضب ~~لذلك على الجاحد. وأيضا فإن الإقرار ذلة واعتراف بالنقيصة، وهذا يتنزل ~~منزلة العقوبة الواقعة بهم. وأما الذين لا يعترفون فإنهم يرون غير خائفين ~~ولا متذللين للغاضب عليهم. وذلك مما يخيل فيه الاستهانة بالغاضب عليهم. # قال: وقد يدل على أن الغضب يفتر عن الذين يذلون ويتواضعون ما يظهر من فعل ~~الكلاب، وذلك أنه تكف عن الناس الجلوس والمتدين وتنهش المستعجلين. وقد تأتي ~~مواضع ليس يظن بالجحود فيها أنه استهانة بل دعوى الحق، وذلك إذا لم يكن ~~الذنب ظاهرا. # قال: ومن الأصناف الذين لا يغضب عليهم، أو شأن الغضب أن يفتر عنهم، الصنف ~~من الناس الذين هم طيبو النفوس، سلسو القياد، حسنو الخلق يحتملون، وهم ~~الذين يسميهم أرسطو مفراحين. والصنف المحتاج أيضا يقل الغضب عليه لمكان ~~الرحمة له، إذ كانت الحاجة النازلة به بمنزلة العقوبة. والصنف من الناس ~~الذين يستعفون من الخصومات ويتفادون من المنازعات، فإنه أيضا يسكن الغضب ~~عنهم لمكان الذلة والتواضع الموجود فيهم. والذين لا يشتمون أحدا ولا يطنزون ~~به ولا يحتقرونه. أو الذين إن فعلوا ذلك فعلوه في الأقل فليس يغضب عليهم. ~~وإن غضب، فيسكن ms107 الغضب عنهم سريعا. # قال: وبالجملة فينبغي أن تؤخذ مسكنات الغضب وذلك في الأكثر من أضدادها ~~التي عددت قبل في باب الغضب. # قال: والذين يهابون أو يستحى منهم لا يغضب عليهم ما داموا بهذه الحال، ~~لأنه لا يمكن أن يغضب المرء على إنسان ما ويخافه معا في حال واحدة. والذين ~~فعلوا الاحتقار والاستهانة بالمرء في حال غضبهم عليه، فإما ألا يغضب عليهم، ~~وإما إن غضب عليهم فيسير، لأن الغاضب على إنسان ما ليس يظن به أنه يحتقره، ~~ويغضب عليه معا. وذلك أن الاحتقار ليس فيه أذى للمحتقر سواء كانت فيه لذة ~~أو لم تكن. وأما الغضب فهو لذة مع أذى كما تقدم في حده. والإنسان المغضوب ~~عليه فقد يسكن الغضب عنه أن يكون يستحي مما فعل. # PageV01P059 # قال: والأحوال التي يكون فيها الغضب قبيحا أو غير جميل، فأما ألا يغضب ~~فيها الإنسان من الأشياء المغضبة الواردة عليه من خارج، وإما إن غضب فيسكن ~~غضبه سريعا، وذلك كأفعال الاحتقار التي يؤدب ويعلم بها الإنسان مثل انتهار ~~المتعلم، ومثل أفعال الاحتقار التي يقصد بها المزح في الحالة التي يكون ~~المقصود منها المزح، أو التي يقصد بها اللهو في الحالة أيضا التي يكون ~~المقصود منها اللهو. والفرق بين المزح واللهو عند أرسطو أن المزاح يقصد به ~~تطييب نفس الممزوح به، لا أن ينال بذلك المازح لذة. واللهو يقصد به أن يلتذ ~~اللاهي لا الملهو به. ولذلك يمزح الأخيار ولا يلهون. وكذلك أيضا أفعال ~~الاحتقار التي يقصد بها التأنيب والموعظة عند الزلات والعوارض الرديئة. ~~ومنها أيضا سد الخلة بالشيء اليسير المحتقر، فإن المحتاج لا يغضب منه إذا ~~كان فيه سد خلته، ولو كان نزرا محتقرا. # قال: وبالجملة فكل فعل من أفعال الاحتقار أو المحتقر إذا لم يقترن به أذى ~~للمحتقر به ولا لذة قبيحة، أو اقترن به رجاء وأمل فليس يغضب منه. فمثال ما ~~لا يقترن به أذى الاحتقار الذي يؤدب به. ومثال ما لا يقترن به لذة قبيحة ~~المزاح الذي لا يخرج إلى الفحش. ومثال ms108 ما يقترن به حسن رجاء سد الخلة. # قال: وإذا طال الزمان ولم يتكرر من المغضوب عليه فعل يوجب تجدد الغضب، ~~فقد يسكن طول الزمان الغضب. # قال: ومما يسكن الغضب العظيم الأخذ بالثأر إما أولا فمن الجاني نفسه وإما ~~ثانيا فممن يتصل بالجاني. وربما لم يسكن الغضب أخذ الثأر من الجاني الأول ~~حتى يأخذه ممن يتصل به، إذا لم ير الجاني الأول كفؤا له، ورأى أن من يتصل ~~به هو كفؤ له. ولذلك ربما ترك الجاني نفسه وأخذ الثأر ممن يتصل به. وقد ~~يسكن الغضب الانتقام من غير الظالم ومن غير من يتصل به بل ممن اتفق من ~~الناس. وكذلك قد يسكن الغضب نزول الشرور العظيمة بالجانين، وإن لم يكن ذلك ~~من قبل المجني عليهم، لأنهم يرون كأنهم قد أدركوا ثأرهم. # قال: والذين يعتقدون في أنفسهم أنهم ظالمون فليس يغضبون من الأفعال ~~الواردة عليهم من المظلومين، لأنهم يرون أو تلك الأفعال هي عدل، والعدل لا ~~يغضب منه. # قال: ولذلك ما ينبغي أن يتقدم المعاقب أولا فيبين بالقول أن المعاقب ~~ظالم، وحينئذ يعاقب. فإنه إذا كان الأمر كذلك، لم يلحقه أذى من المعاقب. # وقد ينفق في أفراد من الناس وهم الشرار والعبيد العتاة أن يعلموا أنهم ~~ظالمون، ولكن مع ذلك يغضبون ويتذمرون، وإن كانت العقوبة التي نالتهم بعدل، ~~لأن هؤلاء لا يرون أن ينالهم أذى. # والذين لا يشعرون بالاحتقار والضيم النازل بهم لا يغضبون أيضا. وهذا قد ~~يعرض من قبل الجهل، وقد يعرض من قبل كبر النفس لأنهم يرون أن الأفعال التي ~~يضامون بها ويحقرون ليس هي مما يوجب لهم تحقيرا. ولذلك قد يختبر كبار ~~النفوس بأن يسلب عنهم كثير من أفعال الفضائل التي تنسب إليهم ليرى كيف ~~تأثرهم عن ذلك، فإنه كلما كان الفعل المسلوب عنه أكبر ولم يغضب منه، كان ~~أدل على كبر نفسه. # قال: ولموضع هذا لما أراد فلان أن يختبر كبر نفس فلان لرجل معروف عندهم ~~بكبر النفس، قال له إنك لست معدودا في فتاحي المدائن، ليعلم هل ms109 يغضب من ذلك ~~أم لا. وبالجملة فكل من لا يتأذى بالاحتقار إما من قبل صغر قدر المحتقر ~~وإما من قبل كبر قدر المحتقر به. والمستضام فإنه لا يغضب، لأن الغضب قد قيل ~~في حده إنه أذى مع شوق إلى الانتقام. والهالكون لا يغضب عليهم لأنهم قد ~~صاروا إلى شر أعظم من الشر المؤمل فيهم. # قال: ولذلك ما استعمل أوميروش هذا المعنى في تسكين غضب فلان على فلان ~~لناس مشهورين عندهم بأن قال في المغضوب عليه: إنه الآن معانق للأرض البكماء ~~التي لا يفارقها أبدا. وإنما كان الأمر هكذا لأن الذي تنزل به مصيبة الموت ~~يرثى له، إذ كانت أعظم المصائب. ولهذا الذي قاله ينبغي أن يعتقد أن الناس ~~الذين لا يكفون عن الأموات، إذا لم يكن من يتصل بهم ممن يغضب عليه أو ينافس ~~في دنيا، أنهم من شر الناس. # قال: فقد تبين أن الذين يريدون أن يسكنوا الغضب أو يفتروه أن من هذه ~~المواضع ينبغي أن يأخذوا المقدمات المسكنة له، أعني جزئيات هذه المواضع. # PageV01P060 # والغضب بالجملة يفتر ويسكن عن ستة أصناف من الناس كما قيل: أحدها الصنف ~~المخوفون، والصنف الثاني المستحى منهم، والصنف الثالث المفراحون من الناس، ~~والرابع الذين يفعلون الاحتقار لا بالاختيار، والخامس أن يكون قد نزل بهم ~~من الشر ما هو أعظم من الذي يتشوقه الغاضب عليهم، والسادس أن يكونوا قد ~~بادوا وهلكوا. # وهذا آخر ما قاله في الغضب وضده. ### | القول في الصداقة والمحبة # قال: فأما من الناس الذين يصادقون ويصادقون بالطبع وما الأشياء الفاعلة ~~للصداقة فإنه قد يوقف على ذلك إذا تقدم أولا فحدت الصداقة والمصادقة، ~~فنقول: إن الصداقة هي أن يكون الإنسان يهوى الخير لإنسان آخر من أجل ذات ~~ذلك الإنسان، لا من أجل ذات نفسه، وأن تكون له قوة وملكة يفعل بها الخير ~~له. والمصادقة هي أن يكون كل واحد منهما من صاحبه بهذه الحال. وإذا كان ذلك ~~كذلك، فالصديق بالحقيقة هو الذي يحب ويحب معا. وقد يظن أنه يحتاج هاهنا في ~~الصداقة التامة ms110 إلى شرط ثالث وهو أن يكون كل واحد منهما مع أنه يحب الخير ~~لصاحبه من أجل ذات صاحبه أن يعلم كل واحد منهما محبة صاحبه له. وإذا كان ~~هذا موضوعا لنا في حد الصداقة فبين أن الصديق هو الذي يستلذ الخير الذي ~~يكون لصديقه، ويشاركه في المؤذيات والمحزنات التي تنزل به ليس من أجل ذاته ~~لكن من أجل ذات صديقه. وإذا كان الصديق بهذه الصفة، فكل واحد من أصدقائه ~~يفرح به ويسر به. ولذلك كان الناس المشاركون بالطبع في السراء والضراء ~~محبوبين، وأما الأعداء فهم بضد هؤلاء، أعني أنهم تؤذيهم الخيرات الواصلة ~~إلى أعدائهم وتلذهم الشرور الواقعة بهم. وإذا كانت الصداقة يلزمها هذا فبين ~~أن العلامة التي يوقف منها على أن المرء محب وصديق هي أن يحزن للشر الواقع ~~بصديقه، وأن يسر بالخير الواصل إليه. ومن علامة الصداقة أيضا المشاركة في ~~الخير والشر. وكذلك من علامتها أن يكون فعل المرء مضادا لفعل العدو في ~~الشيء الواحد بعينه إذا قاس أحدهما إلى الآخر، مثل أن يستعين بإنسانين ~~فيعينه أحدهما ويسلمه الآخر؛ فإن الذي يعينه صديق والذي يسلمه عدو. وإذ قد ~~تبين أن الصديق هو الذي يهوى الخير من أجل ذات صديقه، وأن هؤلاء محبوبون ~~بالطبع، فبين أن الذين يحسنون إلى إنسان ما أو ناس ما أو إلى من هو بسببهم ~~أنهم محبوبون عند أولئك الذين أحسنوا إليهم، وأن الإحسان أحد فاعلات ~~المحبة. وكذلك الذين يفعلون بآخرين أمورا عظيمة ذوات كلفة ومشقة بسهولة ~~ونشاط هم أيضا محبوبون عند الذين يفعلون بهم ذلك، وسواء كان ذلك الأمر شاقا ~~بإطلاق أو كان شاقا في وقت فعله فقط، باشروا ذلك بأنفسهم أو لم يباشروا ذلك ~~بأنفسهم، لكن كانوا هم السبب في إيصال ذلك الأمر الجسيم إليهم. # PageV01P061 # قال: والذين يظن بهم أنهم يهمون بالإحسان محبوبون. وصديق الصديق محبوب ~~وكذلك الذين يحبون المحبوبين محبوبون. وكذلك الذين يحبهم المحبوبون والذين ~~يعادون ويبغضون من يبغض المرء محبوب أيضا عنده. وكذلك الذين يبغضهم ~~المبغضون للمرء هم أيضا محبوبون عنده. وجميع ms111 هؤلاء، أعني المحبوبين، يرون ~~أنهم أصدقاء، لأنهم يرون أن الخيرات التي لأولئك هي لهم ولذلك يهوون أن ~~تكون الخيرات التي لهم هي أيضا لأصدقائهم، كما هي لهم من قبل أصدقائهم، ~~أعني الذين كانوا يحسنون إليهم ويكرمونهم. ولمكان هذا يكرم الأسخياء ~~والشجعان، أعني لمكان ما يرى الناس أنه يصل إليهم من المنفعة بهم. والخيرات ~~التي تصل إليهم من الناس هي الكرامة. والفضلاء الأبرار هم الذين يسدون إلى ~~كل أحد من الخير بحسب ما يقدرون عليه بحسب حال حال من أحوالهم وأقل أحوالهم ~~أنهم لا يكلفون أحدا شيئا وهؤلاء، كما يقول أرسطو، إنما يكونون بهذه الحال ~~إذا كانوا لا يعيشون من أصحابهم، يعني أنه لا يكون عيشهم من مواساة أصحابهم ~~لهم، بل يكون معاشهم من استعمالهم أنفسهم وكدهم أبدانهم. والأفضل من هؤلاء ~~من كان معاشهم من شيء شريف، مثل المعاش الذين يكون من الحرب التي تكون على ~~طريق السنة، لا من أمور سوقية، أو يكون معاشهم من الصيد أو من الرعاية، ~~وبالجملة: يكون معاشهم من وجه لا يحتاجون فيه لأهل المدينة من غير أن ~~يلحقهم بذلك شين. فهذا الصنف من الناس قد يظن بهم أكثر من غيرهم أنهم أعفاء ~~غير ظلامين سليمة صدورهم. والذين يفوض إليهم أن تفعل بهم الأفعال التي تفعل ~~بالأصدقاء إن اختاروا ذلك هم أيضا محبوبون. وهؤلاء هم الأخيار ذوو الفضائل. ~~فإن هؤلاء يرون مكتفين بأنفسهم وبأحوالهم عن الأشياء التي من خارج. ولذلك ~~متى أراد إنسان أن يفعل بهم فعل الصديق بصديقه من إيصال الخير إليه خيرهم ~~في ذلك. والسعداء المنجحون إما في كل الخيرات، أعني النفسانية والبدنية ~~والتي من خارج، وإما في الخيرات التي هي منها فضائل فقط، وإما في الأشياء ~~التي يتعجب من نيلها إما بإطلاق وإما بالإضافة لأولئك الذين نالوها، ~~محبوبون أيضا. # قال: والطيبو النفوس والذين عشرتهم وملازمتهم النهار كله لمكان الالتذاذ ~~بهم من غير أن يمل حديثهم فإن جميع هؤلاء محبوبون لأن أخلاقهم جميلة سهلة ~~وليسوا موبخين على الخطإ والإساءة ولا يشغبون ولا يتعسرون ولا ms112 يحرشون ولا ~~يستثيرون لفعل الشر إذا أثيروا ولذلك كان جميع من اجتمعت فيه هذه الصفات ~~المذمومة صخابين، أعني المستعلين على الإنسان برفع الصوت عند المخاطبة ~~وبالحرد، فالصخابون هم أضداد أولئك. وكذلك الجفاة من الناس القادرون على ~~ضربهم بقوة أبدانهم أو الصابرون على ما ينالهم من المكروه أو الذين جمعوا ~~الأمرين مسارعون إلى الصخب وإلى عذل أقاربهم وجيرانهم وأصدقائهم. وذلك إما ~~- إذا أمكنهم - أن يعذلوهم، وإما إذا أوهموا أن عذلهم هو من جهة الشفقة. # PageV01P062 # قال: والذين يمدحون قد يحبون الممدوحين لأنهم يتوقعون منهم أن يشاركوهم ~~في الخيرات التي عندهم لمكان مدحهم إياهم. وأما المادحون فمحبوبون عند ~~الممدوحين، وإن كان المدح بأشياء لا يأمن الممدوح ألا تكون فيه وأن تكون ~~كذبا. والذين ينظفون لباسهم وأزياءهم طول أعمارهم محبوبون، لأنهم يرون أنهم ~~مكرمون للناس بتلك النظافة وغير مؤذين لهم بالمناظر القبيحة. والذين لا ~~يعيرون بالذنوب ولا يعاتبون على الجنايات، فإن الذين يفعلون ذلك موبخون، ~~والموبخون مبغضون؛ وأعني بالذنوب الإساءات التي تكون بين الله وبين العبد، ~~وبالجنايات الإساءات التي تكون بين إنسان وإنسان. والذين لا يصرون على ~~الضغن ولا يقيمون على العذل واللجاج، لكنهم يرضون سريعا ويزول غضبهم، ~~محبوبون، وذلك أنه يظن بهم أنه كما أنهم بهذه الحال للناس، كذلك هم ~~لأصدقائهم، بل هم أحرى بذلك. والذين لا ينطقون بالشر ولا يعرفون شرور ~~أقاربهم وجيرانهم وذوي معارفهم لأنهم أخيار ليس عندهم شر محبوبون. والذين ~~لا يشغبون على الذين يغضبون عليهم أو يجدون عليهم في أنفسهم ويحقدون ~~محبوبون، فإن الذين هم بخلاف ذلك صخابون. والذين يتعجبون من غيرهم بالنوع ~~الذي يتعجبون به من أنفسهم محبوبون، لأنهم ليس يظن بهم أنهم يراؤون بذلك ~~التعجب، إذ كان ليس أحد يتعجب من نفسه إلا بشيء هو عنده بالحقيقة فضيلة ~~ومتعجب منه. والذين يفرحون بالمرء وبما عنده محبون عند الذي يفرح به، ولا ~~سيما إذا كان الفرح عن انفعال بين، لأنه يظن به أنه أحرى أن يكون ذلك الفرح ~~ثابتا وأنه لا يرائي بذلك الفرح. والمكرمون محبوبون عند الذين ms113 يكرمونهم. ~~والمكرمون محبوبون عند المكرمين لهم. والذين يحب المرء أن يحسدوه حسدا لا ~~يبلغ بهم الاغتيال له والسعاية عليه محبوبون، لأنه ليس يهوى المرء هذا من ~~أحد إلا وهو يهوى أن يقف ذلك المرء على فضائله. وإنما يهوى ذلك منه إذا كان ~~عنده أهلا لذلك. فلذلك من كان بهذه الصفة عندك فإما أن تكون صديقه أو تهوى ~~أن تكون صديقه، لأنه إذا كنت صديقه كان أحرى أن يقف على الفضائل التي فيك. ~~والذين يفعلون الخيرات محبوبون عند المفعول بهم الخير إن لم يتبعوا الخير ~~بشر هو أعظم وأفظع، مثل الامتنان الكثير والاستخدام الشاق. والذين يحبون ~~الأقارب والأباعد الأحياء منهم والأموات، أعني ممن هو قريب أو صميم أو من ~~المعارف. فإن الأموات لا يحبون إلا بشرطين: أحدهما أن يكون موتهم قريب ~~العهد، والثاني أن يكونوا أقرباء أو معروفين. فكل أحد يحبهم لمكان صدق ~~محبتهم، لأنه إذا أحب الأجنبي فهو أحرى أن يحب القريب. وإذا أحب الميت فهو ~~أحرى أن يحب الحي. ولذلك كان بالجملة الذين يحبون أصدقاءهم جدا جدا ولا ~~يخذلونهم محبوبون، فإن هؤلاء الصنف من الناس هم خيار، والإنسان يحب الخيار ~~الذين ليسوا بأصدقاء، فكيف الخيار الأصدقاء. والذين ليس ودهم رياء ولا ~~تصنعا مودودون. والذين يخبرهم المرء بمساوئه ولا يستحي عندهم من ذكرها هم ~~أصدقاء له، لأن الصديق هو الذي لا يستحي عنده من ترك الأشياء التي يفعلها ~~المرء لمكان الحمد والمرء القليل الحياء يود المرء القليل الحياء، لأنه لا ~~يخافه ويثق به. وقد يحب المرء المرء الذي لا يخافه ويثق به ويأمنه؛ لأنه ~~ليس يحب أحد الذي يخافه. # قال: فأما أنواع أفعال الصداقة فهي الصحبة والأنس والوصلة وما أشبه ذلك ~~النحو مما يفعله الأصدقاء بعضهم ببعض. وأما الفاعلات للصداقة فالأيادي ~~والمنن، وأن يفعل المرء بالمرء الخير حين لا يحتاج إليه، أعني إلى المرء. ~~وإذا فعل الخير لم يخبر بذلك، وأن يبين أنه إنما فعل ذلك لمكان المفعول به ~~لا لمكان شيء آخر. # فهذا جملة ما قاله في المحبة. # قال: ms114 وأما العداوة والبغضاء فقد ينبغي أن تؤخذ فيها هذه الأشياء الثلاثة ~~من الأمور المضادة لهذه وهي معلومة بعلم هذه التي ذكرناها. وأما فاعلات ~~العداوة فهي فعل ما يغيظ الإنسان، والعبث، والنميمة؛ وأعني بالعبث الازدراء ~~بالجملة، وأعني بالنميمة السعاية الخبيثة بين نفسين. # PageV01P063 # والفرق بين الغضب والعداوة أن الغضب يكون بالأشياء التي تفعل بالغاضب أو ~~بمن هو من سببه؛ والبغضة والعداوة فقد تكون وإن لم يفعل المبغض بالمبغض له ~~شيئا. فإنا قد نبغض ذوي النقائص، وإن لم يجنوا علينا شيئا. وبالجملة إذا ~~ظننا بالمرء ما يستحق البغضة، فنحن نبغضه أبدا. وفرق آخر: وهو أن الغضب ~~إنما يكون على الأشخاص مثل زيد وعمرو أو أقوام محصورين بالعدد؛ وأما البغضة ~~والعداوة فإنها تكون للجنس، فإنا نبغض البربر ويبغضوننا. وكذلك البغضة قد ~~تكون للصنف فإنا نبغض السارق والنموم، وقد يبغضه الناس أجمعون. وفرق ثالث: ~~وهو أن الغضب قد يسكن بطول الزمان من غير أن يفعل المغضوب عليه بالغاضب ما ~~يزيل الغضب عنه؛ والعداوة ليس تسكن بطول الزمان، ما لم يفعل المعادى ~~بالمعادى ما يوجب مودته. وأيضا فإن الغضب إنما هو تشوق إلى شر محدود أن ~~ينزل بالمغضوب عليه؛ وأما البغضة فإنها تشوق إلى أن ينزل بالمبغض شر غير ~~محدود، أعني أنه كلما وقع به شر تشوق العدو إلى أن يقع به شر أكثر. وذلك أن ~~الذي يغضب إنما يهوى أن ينزل بالمغضوب عليه شر محدود يشفى به صدره. وأما ~~العدو فإنه ليس يهوى هذا، بل شرا غير محدود، أعني شرا أكثر مما نزل به. ~~فالبغضة تخالف الغضب بهذه الفصول. وأيضا فإن المؤذيات مبغضات، والأشياء ~~التي هي أكثر أذية هي مبغضات أكثر، مثل الجور والجهالة. وأيضا فإن الغاضب ~~يجد حزنا مع لذة كما قيل؛ وأما المبغض فليس يجد لذة. وأيضا فإن الغضب قد ~~يزول بأيسر شيء يفعله الإنسان، أعني بأشياء كثيرة؛ وأما البغضة فليس تزول ~~بذلك. وأيضا فإن الغاضب إنما يهوى أن ينزل بالمغضوب عليه مكروه ما فقط. مع ~~ألا ينعدم من الوجود؛ وأما المبغض فإنه ms115 يهوى أن ينعدم المبغض من العالم ~~أصلا. # قال: وهو معلوم أنه من قبل هذه الأشياء التي ذكرناها قد يمكننا أن نثبت ~~بالقول انهم أعداء أو أصدقاء أو أن نجعلهم كذلك إن لم يكونوا كذلك، أعني ~~إما أعداء وإما أصدقاء. وكذلك يمكننا بمعرفة هذه الأشياء بعينها أن ننقض ~~على القائلين دعواهم في المحبة والصداقة، أعني أن فلانا عدو وأن فلانا صديق ~~إذا دفعنا ذلك، وذلك إنما يكون، كما قلنا، بمعرفة ما هي الصداقة والعداوة ~~والغضب، وبمعرفة هذه الأشياء الثلاثة من كل واحد منها، أعني الفاعلات لها، ~~والناس المعدين للفعل بها والانفعال عنها. وقد ينتفع بمعرفة تثبيت العداوة ~~والغضب في تثبيت الجور، لأن أحد الأسباب التي من قبلها يجور الجائر هي ~~البغضة والغضب، مثل أن يثبت في زيد أنه جار علينا من قبل أن بيننا وبينه ~~عداوة. # فهذا آخر ما قاله في الصداقة والعداوة. ### | القول في الخوف # قال: فأما معرفة ممن يكون الخوف ومماذا يكون، أعني الفاعلات له، ومن ~~الذين يخافون، فنحن نبين ذلك هاهنا، بعد أن نحد الخوف ما هو، كما فعلنا في ~~الأبواب المتقدمة. # PageV01P064 # فليكن الخوف حزنا أو اختلاطا من تخيل شر يتوقع أن يفسد أو يؤذى، وأعني ~~بالحزن الغم والأذى الذي يلحق النفس، وبالاختلاط اختلال الروية، وبالفساد ~~الهلاك، وبالأذية ما دون الهلاك. وإنما اشترط في الشر المخوف أن يكون مهلكا ~~أو مؤذيا، لأن إمكان وجود النقائص في الإنسان هي شرور متوقعة، ولكن ليس ~~يخافها الإنسان، مثل أن يكون ظلوما أو كسلان؛ وليس أن يكون الفساد أو الأذى ~~المخوف يسيرا، بل وأن يكون عظيما. فإن اليسير لا يخافه أحد. وأيضا فليس ~~يخاف من هذه ما كان متوقعا حدوثه في الزمان المستقبل البعيد، بل ما كان ~~متوقعا في الزمان المستقبل القريب. فإن الشر المتوقع في الزمان المستقبل ~~البعيد ليس يخافه أحد، بدليل أن كل أحد يعلم أنه يموت لا محالة، ولكن لأنه ~~ليس يعلم أنه قريب، فهو لا يخاف الموت. وإذا كان حد الخوف هو هذا، فبين من ~~ذلك أن المخوفين ms116 هم الذين يظن بهم أن لهم قوة عظيمة على الإفساد، أعني ~~الإهلاك، أو على إدخال نوع من الضرر يؤدي إلى حزن أو أذى عظيم إما جسدي مثل ~~الأسقام وإما نفساني مثل الذل والصغار. وكون من هذه صفته مخوفا معروف ~~بنفسه. فإن المخوف إنما هو الشر الذي يظن قريبا. ولذلك كان الخطر أو الهول ~~الشديد إنما هو اقتراب الأمر المخوف وهو الذي يفعل العداوة والغضب في ~~الخائف ويحركه إلى دفع الشيء المخوف ومقاومته. وإذا كان المرء يهوى الشر ~~وله قوة عليه، فبين أن شره قريب من الفعل، فهو ضرورة مخوف. والحال في ~~المخوف كالحال في الظلوم، أعني أن الظلوم إنما يكون ظلوما متوقع الظلم ~~بهذين المعنيين، أعني بالقوة على الظلم ويهوى الظلم؛ لأن الظلوم إنما يظلم ~~بالفعل، إذ كانت له قوة على الظلم وإرادة لفعل الظلم. فالظلوم لا محالة ~~أبدا مريد لفعل الظلم، وهواه متقدم لفعله. وإنما يفعل الظلم في الوقت الذي ~~تكون له القوة على فعله. فإذن باجتماع هذين له، يكون ظلمه قريبا. وكذلك ~~المخوف أيضا إنما يكون لمن اجتمع له هذان، أعني القوة والإرادة. ولذلك لا ~~يخاف أحد شر الضعفاء، وإن كانوا مريدين للشر؛ كما لا يخاف الأقوياء، إذا لم ~~يكونوا مريدين للشر. وكثير من الناس إنما يمنعهم من الشر ضعفهم أو الخوف من ~~شر مهول يطرأ عليهم. وما كان من الشر المتوقع قد حدث بإنسان آخر فهو يخاف ~~أكثر. والذين يعرفون بأنهم يفعلون الشرور الشديدة الفظيعة الناس لهم خائفون ~~بالطبع. والذين يقدرون على العقوبات مخوفون إلا أن يعرفوا بالصفح والعفو، ~~وبالجملة الذين يقدرون على الضرر مخوفون أبدا عند الذين يكونون ذلك النوع ~~من الضرر ممكنا لهم. مثال ذلك أن السراق مخوفون عند ذوي الأموال، لا عند من ~~لا مال له. وإنما كان ذلك كذلك لأن الظلم يكون في الناس أكثر ذلك مع القوة، ~~أعني حيث توجد القوة يوجد الظلم. والذين يقع بهم الظلم مرارا، ويظنون أنهم ~~سيظلمون، هم خائفون أبدا، مثل أهل الذمة. والذين يلقون أبدا خلاف ما ms117 ~~يؤملونه هم خائفون. والذين في طباعهم الظلم، إذا كانت لهم قوة، فهم مخوفون. ~~وكل ما لا يمكن أن يشترك فيه اثنان فهو مخوف خطر، مثل الرياسة. وذوو ~~الرياسات والسلطان هم أبدا مخوفون ولا سيما إذا كانوا يهوون الإضرار بمن ~~يفضلهم في الرأي وفي غير ذلك من الفضائل. والناس الذين يخافونهم أفاضلهم ~~وذوو الكمالات فيهم هم مخوفون، سواء كانوا ممن لم يزل بهذه الصفة أو حصلت ~~له هذه الصفة حين كبر وعظم قدره. وأصدقاء المظلومين مخوفون عند الظالمين ~~لهم. وكذلك أصدقاء الأعداء أيضا مخوفون. كما أن العدو مخوف. وليس السريع ~~الغضب من الناس ذوى الأنس والانبساط مخوفين عند الغضب والحقد، لأن هؤلاء ~~ينحل غضبهم سريعا. وإنما المخوفون ذوو الأناة في الغضب والحقد وذوو الإزراء ~~بالناس الدهاة الذين لا يظهرون ما يريدونه من الشر هل هو بالقرب أو بالبعد ~~وهم أضداد ذوى الأنس، وذلك أن ذوى الأنس يظن بهم أنهم لا يرون أحدا دونهم، ~~وذوو الإزراء يرون الناس دون أقدارهم. # PageV01P065 # قال: وجميع هذه الأشياء المخوفة تكون مخوفة أكثر إذا كان الفساد الواقع ~~عن ذلك الشيء المخوف مما لا يمكن أن يتلافى فساده، لكن يكون إفساده إفسادا ~~بالكلية، ولا سيما إذا كان المفسد لا يمكن أن يكافأ على إفساده بأن تنزل به ~~الأضداد التي هي مكروهة عنده. والذين لا يجد الإنسان عليهم ناصرا، فخوفه ~~منهم أشد. وبالجملة: فالشرور المخوفة هي الشرور التي تحدث بآخرين، إذا كان ~~حدوثها بأولئك الآخرين مما يخيل وقوعها بالمرء، وذلك لموضع التشابه الذي ~~بينه وبين أولئك الآخرين الذين نزل بهم الشر. مثال ذلك أن الشاب إنما يجزع ~~من الموت إذا رآه قد نزل بشاب آخر مثله، لا إذا رآه قد نزل بشيخ أو بكهل. # قال: وهذا الذي ذكرنا من جزئيات الأمور المخوفة والأمور التي هي أشد ~~مخافة وأعظم هو قريب من أن يكون يأتى على جميعها إلا اليسير الذي يمكن ~~الإنسان أن يأتى به من تلقائه. # قال: فأما أي الأحوال هي أحوال الناس التي إذا وجدت لهم، كانوا خائفين ms118 ~~فنحن الآن مخبرون عنها، فنقول: إن الخوف هو توقع المرء أن يمسه شر مفسد. ~~وهذا معلوم بنفسه. فإنه ليس أحد يظن أنه لا يناله شر فيخاف أصلا، ولا إن ظن ~~بالشرور أنها لا تناله يخاف أصلا منها. ولا يخاف أصلا من الناس الذين يظن ~~بهم أنه لا يناله منهم شر أصلا. ولا يخاف أيضا في الوقت الذي لا يظن أنه ~~يلحقه فيه شر. وإذا كان ذلك كذلك، فالخوف ضرورة إنما يكون للذين يظنون أنهم ~~تنالهم شرور، ومن الشرور التي يظنون أنها تنالهم، وعند الناس الذين يظنون ~~أنهم ينالونهم بذلك، وفي الوقت الذي يظنون لحوق الشر لهم وتأثيره فيهم. ~~وإذا كان الخائفون هم هؤلاء بالجملة، فمن البين أن الذين يظنون أنهم لا ~~ينالهم شر هم المصححو الأبدان، الحسنة أحوالهم جدا من قبل الأشياء التي من ~~خارج. والذين يظنون أيضا بأنفسهم أنهم بهاتين الحالتين وإن لم يكونوا كذلك، ~~أعني صحة البدن وموافقة الأشياء التي من خارج وحسن أحوالهم بها. # قال: ولذلك ما يوجد هذا الصنف من الناس شتامين جائرين متهورين. وسبب هذا ~~الظن يكون إما في الصحة فمن الشباب والشدة، وذلك أن الشاب والشديد يظن ~~بنفسه أنه مصحح، وإن لم يكن كذلك؛ وإما في حسن الحال من قبل الأشياء التي ~~من خارج، فيعرض هذا الظن من أمرين أيضا: من العدة ومن كثرة الأصحاب. وأضداد ~~هؤلاء هم الذين قد أشعروا أنفسهم أنهم يلقون كل بلاء، فهم ضعفاء عند الشرور ~~المتوقعة كضعف الذين نزل بهم الشر بالفعل، ولكن على حال؛ فهؤلاء يوجد لهم ~~رجاء في الخلاص، فهم يسعون في حصوله. ومن العلامة الدالة على ذلك أنهم ~~يحتاجون عند الخوف إلى المشاورة. وليس أحد يستشير فيما لا يخاف، ولا فيما ~~يخاف ولا يرجو الخلوص منه. ولذلك حد الخوف الذي يكف به الخائف عن الفعل ~~الذي قصد به كفه عنه هو الخوف الذي يقترن به رجاء الخلوص من ذلك الشر ~~المخوف، وهو الخوف الذي ينتفع به في هذه الصناعة، أعني الذي ينبغي للخطيب ~~أن يمكنه في ms119 نفس الذي يريد أن يخيفه، أعني الحاكم أو السامع. وذلك إذا أثبت ~~عندهم أنهم ممن ينالهم الشر أو تصيبهم المصائب من خصمه، مثل أن يقول لهم: ~~إن آخرين قد لقوا ذلك منه من نظرائهم وأشباههم، وإنه كثيرا ما تلقى الشرور ~~من الأشياء التي لا يظن بها أنها شرور، أو من الشرور التي يظن بها الإنسان ~~أنها لا تناله، أو من الناس الذين لا يظن بهم ذلك، أو في الوقت الذي لا يظن ~~ذلك فيه، وما أشبه هذا من الأقاويل. # فقد تبين من هذا القول ما هو الخوف والأمور الفاعلة له والناس المستعدون ~~لهذا الانفعال. ### | القول في الشجاعة # قال: وقد ينبغي أيضا أن نخبر ما هي الشجاعة وما الأشياء الفاعلة لها وأي ~~الأحوال التي إذا وجدت في الناس كانوا بها مستعدين لقبول هذا الانفعال، ~~أعني شجعانا. # PageV01P066 # قال: والشجاعة والأمن هما ضد الخوف، وهما يكونان مع تخيل أو توهم لرجاء ~~الخلاص الذي كأنه بالقرب، وتوهم المخوفات إما مفقودة ألبتة وإما بعيدة ~~الوقوع. وتوهم الأمور المشجعة أنها منه بالقرب مما يشجع. وأعني بالمشجعات ~~العدة التي تلقى بها المخوفات الواردة. ثم أن يتوهم أيضا الردع والتنكير ~~على الذي يخافه في الشيء الذي يخافه فيه مما يشجع. وكذلك أن يتوهم أن له ~~أعوانا كثيرة وقوما عظاما يمنعون أن ينال بشر. ومما يشجع الإنسان ويؤمنه أن ~~يكون لا ظالما فيخاف المكافأة على الظلم، ولا مظلوما فيخاف تكرر الظلم ~~عليه. ومما يؤمنك من الإنسان أو من ناس بأعيانهم ألا يكون بينك وبينه نزاع ~~ولا محاماة في شيء ألبتة وسواء ظن بك أن لك قوة على المنازعة أو ليس لك ~~قوة. ومما يؤمن من الإنسان الصداقة والإحسان المتقدم عليه في الفعل أو ~~الانفعال، أعني مثل إعطائه المال أو الرحمة عليه. ومما يؤمن من الإنسان ~~الذي يخاف منه أن يكون ذلك الإنسان يفعل أفعال أهل الفضل أو أهل الشرف ويحب ~~أن يذكر بها، أو يفعل أفعال الصنفين جميعا. # قال: فأما الأحوال التي إذا كانت في الناس كانوا بها شجعاء ms120 فأحدها أن ~~يكونوا يظنون أنهم سيتلافون ويصلحون الشرور الواقعة بهم عند الإقدام على ~~ذلك الشيء الذي يخافون من فعله وقوع الشر بهم وأنهم لا يألمون منه أو لا ~~يهلكون، أعني من ذلك الشر الواقع بهم. ومنها أن يكونوا قد أشفوا مرارا ~~كثيرة على الشر العظيم وتخلصوا منه، فإن هذا مما يشجعهم على الشر المخوف. # قال: وقد يوجد الناس غير خائفين من الشرور المتوقعة ولا مكترثين بها على ~~جهتين: إحداهما أن يكونوا لم يجربوا ذلك الشيء المخوف، أعني أن يكونوا غير ~~عالمين به. والجهة الثانية: أن يكونوا مجربين له عالمين به، وذلك بين مما ~~يعرض عند ارتجاج البحر وهوله للراكبين له. فإن الذين لم يجربوا أهوال البحر ~~يوجدون شجعانا فيه لجهلهم بعواقبه، والذين لهم تجربة به يوجدون شجعانا أيضا ~~عليه لما اطرد لهم من السلامة فيه. ومما يؤمن من الشر المخوف أن يكون غير ~~مخوف عند شبيهه الإنسان ونظيره، أو عند من هو دونه، وإن كان قد يظن أنه قد ~~يتخطى الشر الدون ويعتمد الأرفع، ولذلك قيل: # إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت ... عيدان نجد ولم يعبأن بالرتم. # لكن المطرد هو الأول. والذين يظنون أنهم أفضل من الرؤساء المتسلطين عليهم ~~فليس يخافون منهم. وكذلك الذين هم بالحقيقة أفضل والذين يساوونهم في الفضل ~~ليسوا بخائفين أيضا لهم. وكذلك الذين يظنون أنهم يفضلونهم في الأشياء التي ~~بها صح لهم التسلط والرياسة، مثل كثرة المال وشدة البدن ونصرة الإخوان وأهل ~~البلد وعدة الحرب إما كلها وإما النفيسة الخطيرة منها عند تلك الأمة. فإن ~~ذلك يختلف. ومما يشجع ويؤمن ألا يوجد المرء ظالما لأحد إلا لعدوه ظلما يخيف ~~به عدوه فقط. وبالجملة: فالصنف من الناس الذين يكونون على حال جميلة فيما ~~بينهم وبين الله آمنون. وكذلك الذين يكونون على حال جميلة فيما بينهم وبين ~~الناس. وكذلك من كان عند الناس بهذه الحال ربما يتوسم فيه من العلامات ~~الدالة على حسن الحال عند المعاملة. والذين تكون أحوالهم جميلة عند أصحاب ~~الألسنة، أعني المتسلطين بألسنتهم، كالخطباء والشعراء، ms121 وعند العقلاء فهم ~~أيضا غير خائفين، لأنهم إذا كانوا آمنين عند هؤلاء، فأحرى أن يكونوا آمنين ~~عند غيرهم قال: والغضب أيضا مما يشجع. ومما يشجع الإنسان ويبعث غضبه أن ~~يكون مظلوما لا ظالما. والمظلوم إنما يشجع لمكان الغضب، ولما يعتقد من أن ~~الله تعالى ناصر للمظلومين. ومما يشجع على فعل الشيء أن يظن الإنسان أنه لا ~~يلقى عليه شرا، وإن لقي، أنه يقاومه ويتلافى إفساده. # قال: فأما المشجعات والمخوفات فقد قيل فيها بالكفاية. ### | القول في الحياء والخجل # PageV01P067 # قال: فأما الأشياء هي التي منها يستحى أو لا يستحى، وعند من يكون الحياء ~~من الناس وأي حالة فيها هي الحالة التي إذا كانت في الإنسان عرض له هذا ~~الانفعال، فذلك يعلم مما نقوله. فليكن الخزي أو الاستحياء حزنا أو اختلاطا ~~يعرض عن وقوع الشرور التي تصير المرء غير محمود، إما في الحال الحاضرة وإما ~~فيما سلف وإما فيما يستقبل. # وأما الوقاحة فاستهانة وقلة ألم واكتراث بحدوث هذه بأعينها، أعني التي ~~يكون منها الحياء. # وإذا كان هذا هو حد الاستحياء، فبين أنه إنما يستحي المرء من هذا النحو، ~~أعني مما كان من الشرور يظن قبيحا مستبشعا إذا ظهر عليه أو على من يعنى به. ~~وكلما كان من هذا النحو فهو إما من فعل الشرارة، وإما من فعل الرداءة. ~~وأعني بفعل الشرارة ما يلحق الغير منه مضرة، مثل جحد الوديعة وركوب الظلم؛ ~~وأعني بفعل الرداءة النقائص التي لا يلحق الغير منها في الأكثر مضرة مثل ~~إلقاء السلاح والفرار جبنا وخوفا. # قال: ومن الشرور القبيحة التي يستحي منها معاشرة الذين لا ينبغي أن ~~يعاشروا، وحيث لا ينبغي أن يعاشروا. والذين لا ينبغي أن يعاشروا هم ذوو ~~الشرارات وذوو الأخلاق الدنيئة. ومن الشنيع أيضا الذي يستحي منه الأكتساب ~~من الأمور الحقيرة أو المستقبحة أو من الضعفاء كالذي يرزأ من المساكين أو ~~من الأموات. # قال: ومن هذا يقال في المثل: ولو من الميت أكفانه. وهذا كله من قبح ~~المكسب واللؤم. # ومن الخلق التي يستحي منها أن يكون ms122 الإنسان موسرا ولا ينتفع من ماله ~~بشيء. وإن انتفع فنفع يسير. ومن ذلك يسئل المقلين ويحتاج منهم وأن يتسلف ~~أيضا حيث لا يصلح به وأن يكون إذا وعد إنسانا بشيء فتقاضاه ذلك الشيء سأله ~~هو أيضا حاجة ليدفعه بذلك عن تقاضي ما وعده. وعكس هذا، أعني إذا سئل شيئا ~~ما تقاضى هو السائل ما كان قد وعده به ليدفع عن نفسه السؤال. ومما يستحي ~~منه أن يمدح الإنسان المرء عندما يرى ذلك الإنسان مقتدرا على قضاء الحوائج ~~ولا يمدحه في غير ذلك الوقت، بل إذا خاب رجاؤه ربما قلب في ذمه. # قال: ومما يستحي منه التملق وهو قريب من أن يكون مدحا، وذلك مثل أن يمدح ~~المرء بأكثر مما فيه، أو يخرج المساوئ والنقائص في صور الفضائل، أو يجد ~~إنسان وجعا أو مصيبة فيظهر أنه أشد تألما منه وأشد حزنا، وما أشبه ذلك مما ~~هو من هذا النحو، أعني من علامات التملق. ومما يستحى منه قلة الصبر عند ~~الوجع أو الشدة، مثل ما يعرض للشيوخ الذين يتخيلون أن بهم من ضعف الشيخوخة ~~أكثر مما بهم، ومثل ما يعرض للمترفين وذوي السلطان الذين يجزعون لمكان ~~سلطانهم من أدنى شيء يصيبهم، إذ كانوا يرون أنه لا ينالهم مكروه. وكذلك من ~~سوى هؤلاء ممن هو أضعف منهم، أعني ممن يخيل إليه في الضعف اليسير الذي به ~~أن به ضعفا عظيما. فإن هذه الأحوال كلها مذمومة وهي من علامات الخور ~~والمهانة. ومما يستحي منه أن يكون المرء يعير ويلوم من سواه بحسن الانفعال ~~أو الفعل، مثل أن يلومه على فعل السخاء أو عن المحاماة عن أصدقائه أو على ~~الإشفاق والرحمة. ومن ذلك أن يمدح المرء نفسه أو أن يعد منها بأشياء جميلة، ~~أو ينسب إلى نفسه أفعال غيره. فإن هذه كلها من علامات المخرقة. # قال: ومن هذه الأخلاق المذمومة التي ذكرناها يستدل على ما لم يذكر منها ~~لأن لكل واحد من الشرور ومساوئ الأخلاق أفعالا وعلامات تدل عليه. # PageV01P068 # قال: ومن المستقبح من الإنسان أن ms123 تكون أفعاله في صورة ما هو قبيح وإن لم ~~تكن قبيحة، مثل أن يكون الإنسان من أهل بيت أو من أهل مدينة هم أهل قبائح، ~~فإن الإنسان قد يلحقه من قبل هؤلاء مخاز وإن لم تكن له أشياء يخزى منها في ~~نفسه. ومما يعير به الإنسان أن يكون أشباهه من الناس يفعلون أفعالا جميلة ~~ولا يشركهم هو فيها، أعني في كلها أو أكثرها. وأعني بالأشباه المتساوين في ~~الجنس والذين هم من مدينة واحدة، والأتراب، أعني ذوي الأسنان المتقاربة، ~~والذين تجمعهم حالة واحدة: إما حلف، وإما صداقة، وإما غاية واحدة يقصدونها؛ ~~وبالجملة جميع الذين يستوون في شيء واحد، مثل أن يكونوا أهل صناعة واحدة أو ~~عمل واحد. وإنما كان ذلك كذلك، لأن مباينة المرء من يساويه ومخالفته له ~~قبيح مستنكر حتى في العقوبات النازلة بهم والشرور التي تنالهم، وذلك أن ~~النكبة التي تنال مثلا أهل المدينة، والغموم التي تنال الأصدقاء، متى لم ~~يشاركهم الإنسان فيها، كان قبيحا به، وكذلك جميع الخيرات والشرور الباقية. # قال: وجميع أفعال المخازي التي ذكرناها إنما تظهر في هؤلاء الأصناف من ~~الناس الذين عددنا، وذلك في الأكثر مثل الجشعين والخوارين وما أشبههم. وهذه ~~الأفعال التي ذكرناها هي أفعال تصدر عن الشرارة وقبح الأخلاق، ولا سيما إذا ~~كان الإنسان من تلقاء نفسه هو السبب فيما كان من هذه الأفعال أو يتوقع أن ~~يكون. # قال: وأما المخازي التي تلحق الإنسان مما يناله من غيره أو يذعن له أو ~~تتصل به بأي وجه اتصل، فكل ما كان مما يؤدي به إلى أن يهوى بها عند الناس ~~وأن يعير به، وذلك مثل جميع الهئات البدنة القبيحة، مثل أن تحلق لحيته، أو ~~يتزيا الرجل بزي المرأة، ومثل جميع الفواحش التي تفعل بالنساء والصبيان. ~~ومن هذا الفضيحة والهوان، وأعني بالفضيحة الاشتهار عند الناس بأمر قبيح، ~~وبالهوان مثل أن يزدرى به فيظلم أو يكون وحيدا لا ناصر له. ومن هذه الأشياء ~~القبيحة التي يركبها الإنسان ويصبرعليها من غيره لمكان الطمع والجشع، مثل ~~الذين لا ms124 يبالون بأي وجه اكتسبوا المال من أوجه خسة المكسب. وسواء كانت ~~الأشياء لاحقة للإنسان باختيار منه أو بغير اختيار، مثل فعل الفواحش بنساء ~~الإنسان أو ولده، فإنه يلحقه بذلك العار، سواء كان باختياره أو بغير ~~اختياره. ومما يستحى منه الا يأخذ الإنسان بثأره. # قال: فهذه التي ذكرناها وما أشبهها هي الأحوال التي إذا كانت في الناس ~~استحيوا وخزوا منها، وهي الأشياء التي تفعل الخزي والاستحياء. # لأن الخزي والاستحياء إنما يعرض للمرء إذا تخيل الأمر الذي يحمد عليه أو ~~الأمر المحمود وأنه قد عدمه. ومن أجل أن الخزي إنما يكون من قبل تخيل عدم ~~الحمد، وكان عدم الحمد إنما يكترث منه إذا كان من قبل الفضلاء من الناس، ~~فبين أنه ليس يستحى من كل أحد من الناس. وإذا كان الأمر كذلك، فإنما يستحي ~~المرء بالجملة من القوم الذين يألم بفقد مديحهم. وأحد هؤلاء هم الصنف من ~~الناس الذين يتعجبون منك ويرون لك فضلا كبيرا؛ وكذلك الصنف من الناس الذين ~~تتعجب أنت منهم تستحي منهم؛ والذين تحب أن يكروموك تستحي أيضا منهم. # قال: والذين لا يستخف بحمدهم فقد يحب أن يكونوا متعجبا منهم. وإنما يتعجب ~~من كل من كان له خير ما من الخيرات الخطيرة النفيسة، مثل الملك والحكمة، أو ~~يكون الذي يتعجب منه عنده خير من الخيرات التي يكون المتعجبون منه محتاجين ~~إليها جدا جدا، أو يحتاج إليها من هو رئيس على المتعجب؛ وبالجملة: من هو ~~أرفع قدرا من المتعجب. # قال: والذين يحب الإنسان أن يكون مكرما عندهم هم أشباهه من الناس، وذلك ~~إما أترابه وإما قومه وإما أهل مدينته أو أهل صناعته. والصنف أيضا من الناس ~~الذين يعتقد المرء فيهم أن ظنونهم واعتقاداتهم فيه اعتقادات صادقة من قبل ~~أنه يرى أنهم ذوو لب وعقل، مثل المشايخ وذوي الآداب فإن الإنسان يحب ~~الكرامة من هؤلاء. # PageV01P069 # قال: والأشياء القبيحة التي هي ظاهرة للأبصار، وفعلها علانية هي مما يخزى ~~المرء منها أكثر من غيرها. ولذلك يقال في المثل: إنما الخزي فيما تراه ~~العين. ms125 وإذا كان الأمر كذلك، فقد ينبغي أن يكون الاستحياء أكثر من الذين هم ~~أبدا حضور وبالقرب من الإنسان، ومن الذين ينظرون إليه من أجل أنهم منه ~~بمرأى العين. والذين لا يستحيون من هؤلاء فهم صنف مذمومون من الناس، لأنه ~~معلوم أن الذين يبصرون أفعال الإنسان فإما يحمدون وإما يذمون. وتخيل عدم ~~الحمد هو الذي يفعل الحياء كما تقدم. # قال: والصنف من الناس الذين لا يسترسل المرء إليهم ويتحفظ منهم فقد يستحي ~~منهم. وهذا الصنف هم الذين يعتقد الإنسان فيهم أنه ليس عندهم رأي يعبأ به ~~ويعتمد عليه في الأمر الذي أخطأ فيه أو يظن أنه أخطأ فيه، حتى يكونوا هم ~~الذين يسددونه إن أخطأ فيه أو يبصرونه ظنه. لأنه إنما يسترسل الإنسان في ~~أفعاله أو يبوح بها عند خواص الناس، وهم إما الصنف من الناس الذي يعتقد ~~فيهم أن عندهم تسديدا له وتقويما، ولذلك لا يستحي المتعلم من استاذه، وإما ~~الأصدقاء الذين يطرح الإنسان معهم المؤونة. وإنما كان المرء يتحفظ ممن عدى ~~هذين الصنفين أن يبوح لهم بقول أو يسترسل بحضرتهم في فعل لأنهم يذمونه على ~~ذلك، حتى أنه إن باح بشيء ظنه، ولم يكن كما ظن، أعتقد فيه أن ذلك الذي قد ~~باح به قد فعله، وفضحوه في ذلك، سواء كان ذلك الأمر كما ظن، أو لم يكن. ~~ولذلك كان المظلوم لا يفصح بالشر الذي يتوقعه بالظالم إلا لهذين الصنفين من ~~الناس، أعني الذين يعبأ بآرائهم ويعتمد عليها حيث يخاف الخطأ أو الأصدقاء. # قال: والصنف من الناس الذين يحفظون مساوئ الأخلاق وينهونه عن الخطأ مستحى ~~أيضا منهم وممقوتون. # وكذلك الصنف من الناس الذين انتدبوا لبث مساوئ المعارف وخطئهم كفعل ~~المزدرين المستهزئين. وأعني بالمزدرين المخسسين للإنسان، وبالمستهزئين ~~المحاكين له، أعني الذين يحاكون الشيء على جهة الازدراء به، وهؤلاء ممقوتون ~~مستحى منهم. واسم الحشمة أحق بهؤلاء الذين ذكرهم من اسم الحياء، وذلك أن ~~الحياء يكون ممن يظن به خيرا، والحشمة تكون ممن يظن به شرا. ولهذا كان ~~الحياء من أهل الشر ms126 ممزوجا بخوف. وممن يستحي المرء منهم الذين لم يحقروه قط ~~في شيء لأنه يحسب أنه عندهم بمنزلة المتعجب منه. وممن يستحى منه الذي احتاج ~~إليك في حاجة فقضيتها له، لأنه عندك ممن يمدحك ولا يذمك. ومن هؤلاء أيضا - ~~أعني الذين يستحي الإنسان منهم - الذين يريدون أن يستحدثوا صداقة الإنسان، ~~لأنهم في هذه الحال إنما يعرفون منه الفضائل فقط فهو يستحي من أن يقفوا على ~~مخزى. ومن الذين يستحي منهم الذين لم يطلعوا للإنسان على شيء يستحي منه. # قال: ثم إنه ليس إنما يستحيون من هذه القبائح التي ذكرت، بل من العلامات ~~والدلائل التي تدل علها. وذلك أنه ليس من الزنا يستحيون فقط، لكن ومن ~~الدلائل التي تدل على الزنا. وكذلك ليس يستحيون من فعل الفواحش أنفسها، ~~ولكن ومن النطق بها، لأن النطق بها علامة أو دليل على فعلها. فهؤلاء هم ~~أصناف الناس الذين يستحى منهم. # وأما الذين لا يستحى منهم فالذين يسترسل الإنسان إليهم ويطلعون على أمره. ~~وهؤلاء صنفان: إخوان ومساعدون. فأما الإخوان فهم الذين يطرح معهم الإنسان ~~فعل الجميل الذي هو جميل عند الجمهور من غير أن يكون بالحقيقة كذلك. وأما ~~المساعدون فهم الذين يطرح معهم فعل الجميل بإطلاق كان جميلا في الحقيقة أو ~~في بادي الرأي. ومن الذين لا يستحي الإنسان منهم الذين يستخف بهم ~~ويستحقرهم، لأنه لا يبالي باعتقادهم فيه كان خيرا أو شرا ولا ما يكون عنهم ~~من مدح أو ذم، كما ليس يستحي أحد من البهائم والأطفال. # قال: وليس استحياء المرء من معارفه ومن الأباعد استحياء بجهة واحدة. # وذلك أن الحياء الذي يكون بحضرة من يعرفك يكون مما هو في الحقيقة قبيح، ~~وممن لا يعرفك يكون مما هو في الظن والمشهور قبيح. # فهؤلاء هم أصناف الناس الذين يستحى منهم والذين لا يستحى منهم. # PageV01P070 # وأما أصناف الناس الذين يوجد لهم هذا الانفعال كثيرا، أعني الحياء، فمنهم ~~الذين يعتقدون في أنفسهم أنهم واحد من الأصناف الذين ذكرنا أنه يستحى منهم ~~مثل المتعجب منهم. والمتعجبون الذين ذكرنا أنه ms127 يستحى منهم فإنه متى اعتقد ~~إنسان في نفسه أنه واحد من هذين بادر إليه الخجل من أدنى شيء مخافة أن ينقص ~~في عين الذي يتعجب منه، إن كان يعتقد في نفسه أنه يتعجب منه. وأما المتعجب ~~من غيره فإنما يسارع إليه الخجل بسبب أن المتعجب من كل شيء يعظم عنده كل ~~شيء فهو يتأثر عن القبيح اليسير ويخاف منه ما لا يخاف كثير من الناس. ومن ~~هذا الصنف من الناس، أعني الذين يسرع إليهم الحياء، الناس الذين يهوون أن ~~يكونوا عند غيرهم متعجبا منهم. والذين يحتاجون إلى الناس في ضرورات أحوالهم ~~يستحيون كثيرا. # قال: وقد يسرع الحياء إلى الصنف من الناس الذين ليسوا بمحمودين في الغاية ~~ولا مذمومين، لأنهم يخافون أن يسارع إليهم الذم. وهؤلاء هم محمودون بقدر ~~ما؛ فإن الحياء ليس يكون ممن ليس بمحمود أصلا. # قال: والإنسان إنما يستحي أكثر ذلك حيث يكون الذي يستحي منهم ينظرون ~~إليه. # قال: ولذلك لما أراد فلان أن تشتد أنفة فلان لرجلين مشهورين عندهم من قبل ~~الخزي والعار الذي يلحقه في التواني في المحاماة عن اليونانيين أوهمه أن ~~اليونانيين قيام ينظرون إليه ولم يجترئ أن يقول له إن هذا سيصل إلى ~~اليونانيين، وإنما فعل هذا لتشتد أنفته في المحاماة. ولذلك ما كان ذوو ~~الأنفة والحمية إذا امتعضوا لإنسان ما أو لناس ما في ضيم جرى عليهم يتشوقون ~~إلى أن يرى امتعاضهم الذين امتعضوا لهم حيث جرى عليهم ذلك الضيم وخاب ظنهم ~~في الظفر بالذي أجرى عليهم ذلك الضيم، أعني ضيم الذين ضيموا. # قال: وما أعجب ما يظهر من ذوي الحمية والأنفة عند الأفعال التي يستحى ~~منها وذلك في الأمور التي تلحقهم أو تلحق آباءهم أو تلحق من يتصل بهم، ~~وبالجملة من يستحيون بسببه وهم الناس الذين ذكرنا. وكذلك تظهر منهم الأفعال ~~العظيمة في النصرة والمحاماة للذين ينسبون إليهم مثل المعلمين لهم أو ~~المشيرين عليهم أو المسودين لهم وكل من يشبه هؤلاء ممن يحبون أن يكموه فما ~~أكثر ما يفعل ذوو الحمية والأنفس ms128 الكبار في أمثال هذه المواطن، ولا يغفلون ~~عن شيء يوجب النصرة حتى (لا) يلحقهم عار من أجل توانيهم في ذلك. وأكثر ما ~~يكون هذا الفعل منهم إذا توهموا أن أولئك الذين امتعضوا لهم قيام ينظرون ~~إليهم وأنهم لا يزالون يترددون بينهم، فيتكرر الخزي والحياء منهم فيما ~~توانوا فيه ووقعوا فيه من القبيح. # قال: ولذلك لما قدم ملك من ملوك التغلب الذين كانوا في اليونانيين قوما ~~منهم إلى القتل وكان في جملتهم شاعر منهم، قال لهم حين ستروا وجوههم ~~وأستحيوا من العار الذي لحقهم في قتله صبرا! إنما كان يجب لكم أن تفعلوا ~~ذلك، يعني ستر وجوههم والحياء من هذا الفعل، لو كنتم غدا وبعد غد تترددون ~~حتى ينظر إليكم اليونانيون مرة بعد مرة. وأما وأنتم مفقودون في هذه الحال ~~ولا تخافون أن تنظروا بعد إلى اليونانيين، فما يجب لكم أن تستحيوا. # قال: فهذه جملة ما قيل في الحياء. وأما القول في الوقاحة فمعلوم أنا نقدر ~~على معرفته من الأشياء التي قيلت في باب الحياء إذ كانت هي أضدادها، يعني ~~أنا نعلم في الوقاحة الأشياء الثلاثة المضادة للأشياء الثلاثة التي علمناها ~~في باب الحياء، أعني ممن يستحي ومن الذي يستحي ومن أي الأشياء يكون الحياء. ### | القول في إثبات المنة ### | وشكرها وفي إنكارها وكفرها # قال: فأما معرفة من هو ممتن عليه وهو الذي يجب عليه الشكر، وما الأشياء ~~التي هي منن، ومن الناس الذين يمتنون، وهي المواضع الثلاثة التي منها يثبت ~~الخطيب المنة، فنحن مبينون ذلك فنقول: # PageV01P071 # إن المنة هي التي بها يقال لذي المنة أنه ممتن. والأشياء التي إذا فعلت ~~كانت منة هي أحد أمرين: إما خدمة وهو العون بالبدن، وإما صنيعة وهو العون ~~بالمال أو الجاه. وقد يكون العون بالبدن والمال من قبل الجاه. وإنما تكون ~~الخدمة أو الصنيعة منة إذا كانت مما لا يستطيع المصطنع إليه أن ينال تلك ~~الخدمة أو الصنيعة من إنسان آخر غير المصطنع، وكانت المنة مع هذا أيضا لا ~~ينال الفاعل لها شيء منها، ولكن ms129 تكون كلها لمكان المصطنع إليه. # قال: وقد تكون الصنيعة جسيمة بالإضافة، وإن كانت في نفسها يسيرة بأحد ~~خمسة أشياء: أحدها إذا كانت عند شدة الحاجة إليها، أو في وقت ضيق لا يلتفت ~~فيه إنسان إنسانا مثل وقت الخوف الذي يذهل الناس فيه عن معونة بعضهم بعضا، ~~أو كان هو وحده المصطنع فقط، أو كان هو المصطنع الأول، أو كان الصنع منه ~~زائدا على صنع غيره. والأشياء التي تكون عندها شدة الحاجة ثلاثة أصناف: ~~أحدها المتشوقات لضروريات في الحياة مثل الغذاء، والثانية الأشياء التي ~~يشتد شوق النفس إليها وإن لم تكن ضرورية مثل اشتياق الفواكه. والثالثة ما ~~كان من الأشياء يحزن فقده أو يؤذي. فإن المشتهيات المتشوقة هي هكذا، أعني ~~يحزن فقدها أو يؤذي. والمشتهيات التي بهذه الصفة صنفان: صنف مألوف ومشتهى ~~وهي المتشوقات، وصنف يشتاقها الإنسان ويشتهيها عندما يكون في شدة وكرب. فإن ~~الذي يقع في الشدائد يشتهي الخروج منها، وكذلك الحزن يشتهى انكشاف الحزن ~~عنه. ولذلك ما تعظم المنة عند الذين هم في حال خصاصة أو هرب من أعدائهم، ~~أعني إذا أخفوهم وستروهم عن الطالب لهم، وإن كانت الصنيعة في نفسها قليلة ~~لكن تعظم لشدة الحاجة وصعوبة الزمان. # فقد ظهر من هذا أن الصنيعة اليسيرة تعظم عند أمثال هؤلاء أو عند الذين ~~يساوونهم، أعني الذين أحوالهم شبيهة بهذه الأحوال في الحاجة أو عند الذين ~~هم أعظم من هؤلاء، أعني أحوالهم أشد. # قال: وهو معلوم أنه يستبين من هذا الذي قد قيل من الذي يمتن عليه، وبأي ~~شيء تكون المنة، ومن الممتن، وأنا نستطيع من قبل هذا الذي قيل أن نثبت هذه ~~الأشياء الثلاثة. مثال ذلك: أن الذين لا يخبرون بما فعلوا من الإحسان هم ~~ممتنون، وإن الذين وصلتهم الصنيعة وهم في غموم وفاقة مثل الذي تقدم ذكرهم ~~أنهم ممتنون عليهم، وأن أفعال الصنائع التي تصطنع عند أمثال هؤلاء وفي ~~أمثال هذه الأوقات أنها منة. # قال: وهو معلوم أيضا من أين تؤخذ المقدمات التي تدفع بها المنة وتوجب ~~الجحود لها، ms130 وذلك يكون بوجوه ثمانية: أحدها أن تكون الصنيعة من أجل ~~المصطنع، أعني أن تكون منفعتها عائدة عليه. والثاني أضن تكون الصنيعة أقل ~~مما يجب. والثالث أن تكون بحيث لا يحتاج إليها فإن هذه ليست بمنة. والرابع ~~أن تكون الصنيعة وقعت بالمصطنع إليه باتفاق، لا بقصد. والخامس أن تكون ~~الصنيعة بكره واضطرار. والسادس أن تكون الصنيعة قصد بها المكافأة على صنيعة ~~أخرى تقدمت من المصطنع إليه إلى المصطنع. والسابع أن تكون الصنيعة قصد بها ~~إذاعتها والمن بها. والثامن أن يكون المصطنع كلف المصطنع إليه أمرا ما أو ~~حاجة له. وذلك أنه من المعلوم بنفسه أنه لا تكون صنيعة توجب الشكر إذا وجدت ~~بحال من هذه الأحوال الثمانية. وقد ينتفع بهذه المقدمات في الشكاية في كفر ~~الصنيعة وجحدها والتنصل منها، وذلك أنه إنما تكون منه إذا كانت كما قيل من ~~أجل المصطنع إليه وبمقدار الحاجة وفي الوقت الذي لا يجد فيه ناصرا وفي ~~الموضع الذي فر إليه. ومن العلامات الدالة على المنة ألا يكونوا قد قصروا ~~في الصنيعة، وألا يكونوا فعلوا ذلك بالأعداء، فإنه يظن أن فعلهم ذلك كان من ~~أجل كف شرهم، أو يكونوا فعلوا ذلك بمن استوجب عندهم حقا مثله أو أعظم منه ~~إن لم يكن أولئك إنما استوجبوا عندهم الحق من قبل شيء وصل إليهم هو في ~~الحاضر شر وفي المال خير مثل التأديبات والشرور التي تكون بعدل وهي التي ~~تكون على طريق المكافأة فإن أحدا لا يعترف أنه يحتاج إلى الشر، وإن كان ~~طريق العدل. ولذلك ليس يراه منة لأحد. # قال: والقول في إثبات المنة وجحودها يكون من هذه المواضع. ### | القول في الاهتمام # PageV01P072 # فأما عن ماذا يكون الهم، ومن يهتم، وبمن يهتم، فإنا مخبرون ذلك. فليكن ~~الهم حزنا ما يلحق من قبل شر مفسد أو محزن يعرض للمرء بلا استيجاب، وذلك ~~إذا كان الشر يتوقع أن يحدث عليه أو على أحد ممن يتصل به وكان قريب التوقع. ~~وأعني بالمفسدات التي تغير البدن، وبالمحزنات التي تفعل الأذى النفساني. ~~وإذا ms131 كان حد الاهتمام هو هذا، فهو بين أن غير المهتم يكون بهذه الحال التي ~~أصف، وهو أن يظن أنه ليس شيء من الشرور واقعا لا به ولا بأحد ممن هو بسببه، ~~أعني مثل هذا الشر الموصوف في الحد أو شبهه أو قريبا منه. فإن المتهم هو ~~الذي يتوقع نزول مثل هذا الشر به مع رجاء للخلاص منه. ولذلك لا يهتم الذين ~~قد نزلت بهم الشرور العظيمة مثل الذين عطبوا، ولا الذين يظنون أنهم سعداء. ~~وذلك أن الذين يظنون أنهم سعداء، يظنون أنهم لا ينالهم شيء من الشر، إذ ~~كانوا يرون أن ذلك من السعادة، أعني ألا ينالهم شر. ومن هؤلاء أيضا، أعني ~~الذين لا يهتمون، الذين يظنون أنهم لا يألمون لا من قبل أبدانهم ولا من قبل ~~نفوسهم، وذلك من قبل أنهم قد لقوا شرورا فتخلصوا منها، وإما من قبل أنهم ~~مشايخ قد طالت مزاولتهم للشرور، وإما من قبل كثرة التجربة، وإما لمكان عادة ~~جرت لهم فتطيب نفوسهم كطيب نفوس المقبلين السعداء، وإما لمكان شهرتهم في ~~الناس وذلك أن المشهورين يرون أن الشرور بعيدة عنهم لمكان علو أقدارهم وأن ~~الناس كلهم معينون لهم. وقد يعرض هذا الظن لمكان التأدب بالصنائع والأشياء ~~التي تدفع بها الشرور. ومن هؤلاء القوم الذين ظنونهم حسنة جميلة لمكان وجود ~~الآباء لهم والأبناء والنساء بالأحوال الجميلة، أعني الذين لم تثكلهم ولا ~~أحزنتهم الأيام في واحد منهم. وبالجملة: الذين عرض لهم في هذه الأصناف ~~الثلاثة جودة الاتفاق. فإن الشرور المتصلة بهؤلاء تصير الإنسان ضعيف النفس ~~مهتما بأدنى شيء يخافه. ومن هؤلاء: الذين تعتريهم وتوجد فيهم الانفعالات ~~التي تخص الشجاعة، مثل الغضب وشدة القلب، فإن هؤلاء غير ذوي فكرة فيما ~~يتوقع. ومن هذا الصنف أيضا الناس الذين من أخلاقهم الشتم والاستهانة، فإن ~~هؤلاء أيضا لا يهتمون، لأنهم لا يتوهمون أنه يقع بهم شر، وذلك لنقص فطرهم. ~~والناس الذين يهتمون هم خائفون جدا جدا لا يهتمون بغيرهم، لأن المكروبين من ~~الخوف لا يهتمون بآخرين، لأنهم مشغولون بالألم الخاص الواقع ms132 بهم. والذين ~~يظنون بأحد أنه حقير خامل فليس يهتمون به، لأنهم يرونه أهلا لوقوع الشر به، ~~أو لا يرون أن وقوع الشر به شر. ولذلك كما يقول أرسطو: من ظن أنه ليس في ~~العالم أحد، فقد يظن الناس جميعا مستوجبين للشر. وبالجملة فإنما يهتم المرء ~~إذا كان بهذه الحال التي وصفنا، أعني إذا كان يتوهم ويتخيل أن شيئا من ~~أضداد هذه الأشياء التي يتخيلها الذي لا يهتم توجد فيه أو فيمن يتصل به. # فهذا جملة ما قاله في وصف أحوال الذين يهتمون. # قال: وأما أي أشياء هي التي تفعل الهم، فمعلوم مما قيل في حد الاهتمام. ~~وذلك أن جميع ما كان من المفسدات، أعني المغيرات للبدن، وما كان من ~~المحزنات أعني المغيرات للنفس، فكلها فاعلة للاهتمام، وبخاصة ما كان من ~~المفسدات القاتلة، وما كان من أنواع الشرور التي اشتمل عليها الحد بأشد ما ~~يكون. # قال: ومن المفسدات المؤديات إلى الموت: أوجاع البدن والجهد والكبر والسقم ~~والحاجة إلى القوت. # قال: وعدم الإخوان أو قلتهم، لما كان من سوء الجد، فقد يكون ذلك من ~~الشرور المفسدة التي تهم. # قال: ومن فاعلات الاهتمام الأحوال التي جرت العادة، إذا كانت بالناس، أن ~~تفعل الاهتمام بهم، مثل الأحوال التي يكون عليها ذوو السقم والزمانة من قبح ~~المنظر والقعود عن الحركة والتصرف. ومما يفعل الاهتمام أن يصير المرء إلى ~~الشر من حيث أمل أن ينال الخير، أو أن يصير إلى أمر كبير: إما يكون الذي ~~يصير إليه يصيب خيرا فلا يكون له شيء من الخير فيه ألبتة، أو أن يكون يصير ~~إلى خير في الوقت الذي يفوت الاستمتاع بذلك الخير، مثل اليسار في وقت ~~الهرم. # قال: فهذه جملة الأمور التي تفعل الهم. # PageV01P073 # قال: وأما بمن يهتم، أعني من الغير، إذا توقع نزول الشر به أو يرثى له ~~إذا نزل به ويرحم، فإن هذا هو الفرق بين الاهتمام والرحمة. فالمعارف ومن هم ~~بالإنسان بسبب، إن لم يكونوا في غاية القرب من الإنسان حتى يكون الشر ~~الواقع بهم ms133 هو شر واقع بالإنسان مثل الولد والوالد. # قال: ومن هنا قيل إن فلانا لرجل مشهور عندهم لما جلد ابنه وأشفى من ذلك ~~على الموت لم تدمع عينه ولا حزن. ولما رأى صديقا له يسئل من فاقة جزع ~~واهتم. # قال: وإنما يكون الهم بالغير إذا توقع حدوث الشر به، أو الرحمة له إذا ~~وقع به، لأن توقع حدوث الشر بالإنسان نفسه أو ممن يتنزل منزلة نفسه أو ~~وقوعه به هو شدة نزلت بالإنسان، أو يخاف نزولها. ونزول الشدائد بالإنسان أو ~~تخوف نزولها به أو بمن هو بمنزلة نفسه ومسلاة عن الاهتمام بغيره أو الرحمة ~~له. وإذا نزل الشر بالإنسان فلا يقال إنه يرحم نفسه، ولا إذا توقع نزوله لم ~~يقل فيه إنه مهتم ولكن خائف. # قال: ومن الذين يهتم بهم هما أكثر: الصنف من الناس الذين هم أشباه ~~الإنسان، أعني في الهمم والأخلاق والمراتب والأحساب، إذا كانت الشدائد ~~قريبة الوقوع بهم. # قال: وبالجملة كلما يخافه الإنسان على نفسه فهو يهتم به إذا تخوفه على ~~الخير. وذلك إذا تخيل أن تلك الآلام والشرور قريبة الوقوع، لأن الشرور ~~المتخيلة إنما تكون من أسباب الهم إذا تخيلت بهذه الجهة. فأما الشرور التي ~~يتخيل وقوعها فيما سلف، مثل السنين الكثيرة، فليس يهتم بها ولا تخاف. وذلك ~~أنها ليست مستقبلة فتتوقع. ولا الذكر أيضا مما يفعل الخوف والاهتمام. وكذلك ~~الممتنعة الوجود لا تخاف ألبتة ولا يهتم بها. # قال: وقد يهتم الإنسان للناس الذين يخيلون بأصواتهم وهيئاتهم المحسوسة ~~أنه قد نزل بهم شر أو قد قارب أن ينزل لأنه بما يخيلون من ذلك يجعلون الشر ~~بحيث يتخيل أنه قريب ويجعلونه نصب العين أو كأنه قد وقع. لأن الهم إنما ~~يكون في الأشياء التي قد وقعت الآن أو يتوقع من قرب نزولها. وظهور العلامات ~~والدلالات التي تدل على الشرور، مثل الأحوال التي ذكرناها من أحوال ~~الخائفين، إنما تفعل الهم إذا دلت عليه بهذه الحال، أعني أنه قد حدث أو ~~قارب حدوثه، وبخاصة إذا ظنوا أن أولئك الذين ظهرت ms134 علامات الشر عليهم ~~هالكون، ولا سيما إذا كان أولئك الذين ظن بهم الهلاك أفاضل، وأكثر من ذلك ~~إن كان هلاكهم في الوقت الذي الحاجة إليهم أكثر أو الرجاء فيهم أمكن مثل ان ~~يعتبطوا أو يموتوا شبابا. فهذه كلها تفعل الاهتمام أكثر من غيرها، أعني ~~هلاك الفضائل بهلاك الفاضلين الذين لا يستحقون ذلك في الوقت الذي الحاجة ~~إليهم فيه شديدة، من قبل أنه إذا وقعت أمثال هذه الأشياء أو دلت العلامات ~~والدلائل على وقوعها، ظن أن الشر قريب حتى كأنه يرى نصب العين. # قال: وقد يوجد الاهتمام والجزع انفعالات مضادة، أعني مبطلة، ولا سيما ~~الحزن الذي يكون على الذين ينالون خيرا بلا استئهال، وهو الذي يسمى نفاسة. ~~لأن الاهتمام هو الحزن على الشر الذي ينال من لا يستأهله. وهذا الانفعال ~~الآخر هو خلق شريف، أعني الحزن على من نال خيرا بلا استئهال، وذلك أن الذين ~~يصيرون إلى غير ما يستأهلونه من خير أو شر، فينبغي أن يحزن لهم جدا جدا. ~~والذين يصيرون إلى الشر من الأسباب المعروفة والطرق المعتادة التي بها يفضي ~~الإنسان ويحكم على مصيرهم إليها، فقد يرى الناس أنهم أهل لذلك. وأما الذين ~~يصيرون إلى هذه الأشياء من طرق غير معروفة فينبغي أن يكونوا في الوسط من ~~أولئك، أعني ألا يعتقد فيما أصابه من الشر أنه كان باستئهال أو بغير ~~استئهال، بل ينبغي أن يفوض أمرهم إلى الله. لأن ما نال الإنسان من الجور ~~والشر من طرقه المعروفة، فسببه الجور والشرارة التي في ذلك الإنسان، وأما ~~ما ناله من ذلك من غير طرقه المعروفة، فإنا نكل علم ذلك إلى الله عز وجل. # PageV01P074 # قال: والحسد أشد مضادة للاهتمام من الحزن الذي يكون على الخير الذي ناله ~~من لا يستأهله، وهو الذي قلنا إنه يسمى نفاسة. وكأن هذا الانفعال قريب من ~~أن يكون في الوسط، أعني بين الاهتمام والحسد، لأنه قريب من الحسد، وذلك أنه ~~اغتمام بخير، كما أن الحسد اغتمام بخير. وإنما الفرق بينهما أن الحسد ~~اغتمام بخير ناله من ms135 يستحقه، وهذا اغتمام بخير ناله من لا يستحقه. # قال: وليس الحسد هو الاغتمام الذي ينال الإنسان لخير أصابه مستحقه وأخطأه ~~في نفسه، لأن هذا لا يعرى منه أحد، ولا هو أيضا الاغتمام الذي يناله من قبل ~~أنه يعتقد أن ذلك الخير الذي أصاب المستحق لو لم يصبه لكان سيصيبه، وذلك أن ~~الاغتمام بالخير الذي أصاب غيره ولم يصبه هو اغتمام لأنه لم يعط ذلك الخير ~~ولم يرزقه. والاغتمام بالخير الذي حرمه من أجل إصابته لغيره هو اغتمام من ~~قبل أنه نالته شقاوة بسبب سعادة ذلك. وإذا كان الأمر هكذا فالحسد هو ~~الاغتمام بخير يناله المستحق له، لا لأن ينال هو ذلك الخير. # قال: وهو معلوم أنه قد يلزم من الاغتمام بنزول الخير والشر بمن يستأهله ~~ومن لا يستأهله انفعالات متضادة. فإن الذي يحزن لنيل الخير من يستأهله ومن ~~لا يستأهله قد يؤلمه هذا إذا وقع ويبرؤه من هذا الألم وقوع الشر بهم بأسوإ ~~ما يكون، أعني الشرار الذين لا يستأهلون الخير. ولذلك الصنف من الناس الذين ~~يضربون آباءهم أو يتدنسون بالقتل، إذا وقعت بهم العقوبة، فليس أحد من الناس ~~يحزن لهم، بل يفرحون بهذا ويرونه خيرا، لأنه بمنزلة الفرح الذي يكون إذا ~~نال الخير المستأهلون له. وذلك أن الأمرين جميعا عدل. ومما يسر به الخيار ~~والحكماء نزول الخير بمن يستأهله ونزول الشر أيضا بمن يستأهله. وذلك أضن ~~هذين الأمرين جميعا، إذ كانا معا عند الحكماء جميلين، فهما جميعا من خلق ~~صنف واحد من الناس، وكلاهما يشتاق إليه هذا الصنف من الناس. وأما ضد هذا، ~~وهو الاغتمام بالخير الذي ناله المستحق له، فهو موجود لضد هذا الخلق، لأن ~~الذي لا يفرح بهذا ويحزن له هو صنف واحد من الناس وهم أهل الشرارة والحسد. ~~فإنه ولا بد إذا كان المرء يحزن لكون شيء ووجوده أن يكون يفرح بعدمه ~~وفساده. ولذلك من كان من الناس يحزن لوجود الخير لمن لا يستأهله، فهو يفرح ~~بعدم الخير لهم ووجود الشر. وبالعكس. أعني أضن الذين يفرحون ms136 بوجود الخير ~~لمن يستأهله، يغتمون بعدمه ووجود الشر لمن يستأهله، وهو الذي يسمى أسى ~~وأسفا. # قال: وكل هذه الانفعالات التي تتركب من هذه الأشياء، أعني من الخير والشر ~~وممن يستأهل ومن لا يستأهل، تشترك كلها في أنها تضاد الهم. وهي وإن كانت ~~مختلفة لمكان التركيب، فهي كلها تجتمع في أنها تصلح أن تستعمل في نفي الهم. ### | القول في النفاسة # قال: ونحن الآن قائلون أولا في النفاسة وذلك بأن نخبر على من ينفس من ~~الناس وفيما ينفس ومن الذين ينفسون، ثم نقول بعد ذلك في تلك الأخر التي ~~عددنا، أعني الحسد والأسف، فنقول: إنه إن كان النافس هو الذي يحزن لحسن حال ~~تكون للمرء بلا استحقاق، فهو معلوم من هذا الحد نفسه أنه ليس تكون النفاسة ~~في جميع الخيرات، لأنه ليس ينفس على أحد في الشجاعة ولا في البر، وبالجملة ~~في جميع الفضائل التي تكون للإنسان عن الإرادة. كما أنه ليس يهتم المرء ~~بوجود أضداد الفضاءل له، وإنما تكون النفاسة في المال والقوة، وبالجملة في ~~الخيرات التي تصيب الإنسان من خارج، مما قد يرى أن الخيار يستحقونها، وأن ~~الشرار لا يستحقونها. وإنما ينفس في هذه إذا كانت حديثة. فإن المتقادمة من ~~ذلك يظن بها أنها قريبة من الأمر الواجب الذي في الطبع، ولذلك لا ينفس في ~~الأموال الموروثة، ولا في الرياسات المتقادمة في الأكثر؛ وإنما ينفسون لا ~~محالة في الخيرات المستحدثة، مثل: السلطان المستحدث، وكثرة الإخوان، ~~والمال، وغير ذلك من الخيرات. والسبب في هذا أن الناس هم أشد غيظا من الذين ~~يستغنون حديثا منهم على الذين يكون الغنى فيهم متوارثا، وكذلك الأمر في ~~سائر الخيرات التي من خارج. والسبب في ذلك شيئان: أحدهما أنهم يرون أن ذلك ~~الخير الحادث هم كانوا أحق به منهم. # PageV01P075 # والثاني أنهم رون أن الواجب فيه كان استصحاب الأمر القديم له وهو الفقر ~~مثلا أو الضعة. ولذلك لا ينفسون في الخيرات المتقادمة لأنها مما قد اعتيدت، ~~وكأنها واجبة لهم. والخير الذي لا يستأهله المرء عند النافس عليه ms137 يختلف. ~~وذلك أن الخير الذي يستأهله واحد واحد من الناس يختلف في المشاكلة ~~والمقدار، وذلك أنه ليس كل خير يشاكل كل إنسان، ولا المقدار من ذلك واحد، ~~بل لكل إنسان خير مشاكل ومقار ملائم. فإن حمل السلاح والهيئات الحربية هي ~~خيرات، ولكنها غير لائقة بالنساك، وإنما هي لائقة بأهل الشجاعة. وكذلك ~~الإسراف في النكاح لا يليق بالذين غناهم حديث وإنما يليق بالذين لهم قديم ~~غنى، لأن الحديث الغنى يحتاج إلى حفظ اليسار. وأما القديم الغنى فكأن غناه ~~شيء ثابت لا يخاف عليه. فإذا كان المرء يليق به خير ما فلم ينله أغتم وحزن. # قال: وإذا نال الإنسان من الخيرات ما هو أعظم منه في الكيفية أو المقدار، ~~فإنه من العطية والرزق والمقدور الذي يقال فيه إنه من عند الله تعالى، وذلك ~~مثل أن يظفر الصغير بالكبير إذا نازعه، والخسيس بالشريف، والمسيء بالناسك. ~~وإلا فما كان بالناسك. وإلا فما كان للمسيء أن يظفر بالناسك، فإن الناسك ~~أفضل من المسيء. ومن هاهنا تتبين الخيرات التي يقال فيها إن الناس ينالونها ~~بقدر من الله، والناس الذين يقال فيهم ذلك. وذلك أن هذه الخيرات وأمثال ~~هؤلاء الناس هم الذين تنسب الخيرات النازلة بهم إلى القدر. ومن الناس الذين ~~ينفس عليهم الذين تصير إليهم الخيرات العظيمة. لأنه ليس يرى أحد أن من ~~العدل أن تصير الخيرات العظام التي يستأهلها الخيار من الناس إلى الشرار ~~منهم. ولذلك يأسف الإنسان وينافس إذا كان الخيار الأفاضل لا يقدرون أن ~~يظفروا بما يستحقون ويظفر به من دونهم. وأما الذين ينافسون فهم الناس ~~المحبون للكرامة وسائر الأمور التي يظفر بها من لا يستأهلها. فإن هذا الصنف ~~من الناس بالجملة يأسف وينافس في جميع الأمور التي يرون أنفسهم أهلا لها ~~ولا يرون غيرهم أهلا لها إذا فاتتهم ونالها الغير، فعلى هذه الأصناف من ~~الناس الذين كرنا وفي الأشياء التي ذكرنا يأسف وينافس المنافسون. وهذا ~~الصنف الذي ذكرنا هم المنافسون من الناس. ولذلك مالا يكون المقتنعون من ~~الناس والذين يرون أن عندهم ms138 حيلة في استجلاب الخيرات منافسين، لأن ~~المقتنعين ليس يرون أن هاهنا أشياء هم أولى بها من غيرها. وإن رأى ذلك ~~أصحاب الحيلة، فليس يرون أنها تفوتهم. # قال: وهو معلوم مما قيل في هذا الباب وفي الذي قبله من أي الأشياء إذا ~~وقعت يستحي الإنسان الإنسان ويخزى جدا إذا هو لم يفرح بما يوجب الفرح منها ~~ولم يغتم بما يوجب الغم منها. ومن هذه الأشياء التي ذكرت يمكن أن يستمال ~~الحاكم إلى النفاسة على الخصم أو الرحمة له أو الاهتمام به. وذلك أنه إذا ~~كان هاهنا ناس يستأهلون الخير وأنهم قد ظفروا وأنجحوا، أو كان هاهنا ناس ~~غير مستأهلين فلم يظفروا ولم ينجحوا، فليس ينبغي أن يجزع عليهم بل يفرح ~~بذلك. وبالعكس. أعني إن هاهنا ناس يستأهلون الخير فلم يظفروا، فقد ينبغي أن ~~يشفق عليهم وأن يهتم بهم. ### | القول في الحسد # PageV01P076 # قال: وهو معلوم من الناس الذين يحسدون، وفيما يكون الحسد ومن الناس الذين ~~يحسدون، إذا وضعنا أن الحسد هو حزن يعرض للمرء من أجل نجح الغير وسعادته، ~~وذلك إذا وجدت له من الخيرات مثل الخيرات التي ذكرنا في باب النفاسة وجودها ~~لأناس يستأهلونها وتليق بهم. وكان ذلك الحزن من الحاسد ليس لأنه يهوى أن ~~يكون له ذلك الخير فقط، أو يزول عن المحسود ويكون له، بل لأن يزول فقط عن ~~المحسود. وإذا كان الحسد هو هذا، فهو ين أن الحاسد إنما يحسد الصنف من ~~الناس الذين هم أشباهه وأمثاله أو يظن بهم أنهم أشباهه وأمثاله. وأعني ~~بالأشباه المضارعين للمرء في الجنس وفي النسب وفي القنية وفي الحمد وفي ~~المال. فهؤلاء هم المحسودون. وأما الحساد فمنهم الناس الذين شافهوا الكمال ~~في الخيرات التي يحسد عليها إلا أنهم لم يكملوا في ذلك ولا نالوا كل ~~الخيرات ولا فاتهم جميعها بل يسير منها. ولذلك مالا يوجد فاعلو الأفعال ~~العظيمة، أعني ذوي الأقدار العظيمة والسعداء المنجحين في الأشياء الإنجاح ~~التام، حسادا لأنهم يرون أنه لم يفتهم شيء وأن كل شيء لهم. وكذلك الصنف من ms139 ~~الناس الذين يشرفون بشيء من الأشياء ويكرمون بسببه، ولا سيما بالحكمة وصلاح ~~الحال. ومحبو الكرامة أشد حسدا من الذين لا يحبون الكرامة. والذين هم حكماء ~~محبون أن يكرموا بالكرامات التي يكرم بها الحكماء، ولذلك يحسدون الذين ~~يكرمون بهذه الكرامات. وبالجملة: إن كل من يحب أن يحمد على شيء من الأشياء ~~فإنه يحسد غيره في ذلك الشيء بعينه. فلذلك الذين يحبون أن يكرموا على شيء ~~ما يحسدون على ذلك الشيء بعينه. # قال: والناس الصغار النفوس هم أيضا حساد لأن كل شيء عظم عندهم يحسدون ~~عليه، وإن كان في نفسه صغيرا، حتى إنهم قد يحسدون على كثير من الشرور ~~الواقعة بالناس. # فهؤلاء هم أصناف الحساد من الناس. # وأما فيما يحسدون: فقد يحسدون في الرغبة في الحمد أو في التشوف إليه وفي ~~الجلالة والنباهة بالمال والعبيد. وبالجملة في وجوه السعادات والنجح كائنا ~~ما كانت وفي كل شيء حسد ولا سيما في الأمور التي يشتهونها أو يظنون أنه يجب ~~أن تكون لهم. ومن الحساد الذين هم أرجح من الإنسان في المال قليلا أو أنقص ~~منه قليلا. # قال: وهو معلوم أيضا كما قلنا من يحسدون. فقد قلنا إنهم يحسدون الذين هم ~~قريب منهم في الزمان، والمكان، والحمد والمجد؛ ومن هنا قيل: إن المضارعة ~~بين الناس قد تحسن الحسد. والحسد إنما يكون في الصنف من الناس الذين لهم ~~عند الإنسان قدر ما قريب منه، وذلك إذا كانوا في زمان واحد أو قريب، أو في ~~مكان واحد أو قريب. ولذلك لا يحسد الشيخ الصبي، ولا يحد الذين يأتون بعد في ~~الزمان، ولا الذين غبروا. وهلكوا وبخاصة منذ سنين كثيرة. وكذلك لا يحسد ~~البعداء في المكان من الخيار. فإن خيار اليونانيين مثلا لا يحسدون الخيار ~~الذين يكونون بأصنام هرقل من جزيرة الأندلس التي هي بلادنا. وكذلك لا يحسد ~~الإنسان الذين هم أنقص منه بكثير، ولا الذين هم أكمل منه بكثير، وإنما يحسد ~~من بينه وبينهم مشاركة، وذلك كالمتنازعين في شيء واحد والمحبين لشيء واحد. ~~وبالجملة: كل إنسانين يشتهيان ms140 شيئا واحدا، فكل واحد منهما يحب ألا يكون ~~لصاحبه وأن يتوحد به وينفرد. ولذلك كان الحسد أحرى أن يكون لهؤلاء، وذلك ~~كالفاخر والمفاخر، فإن هؤلاء يشتهون شيئا واحدا، وكل واحد منهما يحب أن ~~ينفرد به. وإنما يحسد الفاخر للمفاخر في الأشياء التي إذا اقتناها كان بها ~~شبيها له. والحزن بهذه الأشياء أولا والأسف عليها إذا تمكن من النفس حدث ~~عنه الحسد للذين توجد لهم هذه الخيرات، أو هي مزمعة أن توجد لهم، أعني في ~~المستقبل، أو قد وجدت، أعني فيما سلف. ولذلك قد تدخل الأشياء التي قيلت في ~~باب الأسف والنفاسة في باب الحسد، لأن الأسف إذا تمكن من النفس عاد حسدا. # قال: ومن كان من الغلمان أكب رسنا فهو يحسد من هو أصغر منه، إذا نال ~~الأصغر خيرا لم ينله الأكبر، أو نال خيرا مثله. وكذلك يحسد من ينال الشيء ~~بتدبير أكثر لمن يناله بتدبير أقل. وكذلك الذين أدركوا بجهد وإبطاء ونصب ~~يحسدون الذين أدركوا بسهولة وسرعة. ### | القول في الغبطة # PageV01P077 # قال: وهو معلوم أيضا فيما يغبط الغابطون ولمن يغبطون وبأي أحوال يكون ~~الغابطون إذ كانت الأشياء التي عليها يغبط هي ضد الأشياء التي بها يحزن ~~وعليها يحسد وكان قد تقدمت لنا معرفة هذه الأشياء، وكذلك الذي يغبط هو ضد ~~الذي يحسد، والذي يغبط ضد الذي يحسد. ولذلك إن كان الحسد هو اغتمام بخير ~~يناله من يستحقه، فالغبطة هي فرح بخير يناله من يستحقه. # قال: وهو معلوم لنا من هذه الأشياء كيف يتهيأ لنا أن نستميل الحكام بأن ~~نصيرهم بأحد الانفعالات التي توجب عندهم أن ينال أحد المتحاكمين منهم خيرا ~~والآخر شرا، مثل أن يصير الحاكم ذا إشفاق على أحدهما وذا حسد للآخر. ### | القول في الأسى والأسف # قال: وأما بأية حال يوجد الأسفون وفيما يأسفون وعلى من يأسفون فمعلوم ~~أيضا إذا وضعنا أن الأسى والأسف هو حزن ما يرى في الوجوه لفقد خيرات شريفة ~~يهواها المرء لنفسه أو لمن هو بسببه، وذلك إذا كانت من الخيرات الممكنة، ~~وكان ذلك الإنسان ms141 بحسب طبعه أو جنسه أو سلفه ممن يستأهل ذلك الخير من غير ~~أن يهوى ألا تكون تلك الخيرات لغيره، وإنما يهوى أن تكون له ويحزن من أجل ~~أن لم تكن له. وإذا كان الأمر هكذا، فبين أن الأسف والأسى خير، وأنه لا ~~يكون إلا للخيار، وأن الحسد شر وخسران، وأنه لا يكون إلا للشرار. وذلك لأن ~~الأسى يصير المرء بحيث يصير مستعدا لأن ينال الخيرات ويستأهلها، لأن هذا ~~الانفعال لا يعرض إلا لمن يرى نفسه مستعدا للخيرات وأهلا لها، فيكون ذلك ~~سببا لاقتناء الفضائل. # وأما الحسد فإنه يصير المرء بحيث يكون مهيأ لأن لا ينيل أحدا خيرا. # قال: والذين يأسفون هم الذين يرون أنفسهم أهلا لخيرات ليست لهم، لأنه ليس ~~أحد يكترث بالأمور التي هي يسيرة الخير، أو بالأمور التي هي مذمومة، ولا ~~بالأمور التي لا يرى نفسه أهلا لها. ولذلك ما يوجد بهذه الحال الأحداث ~~والكبيرة نفوسهم والذين تكون لهم الخيرات التي يستحقها جلة الرجال والخيار، ~~كاليسار وكثرة الإخوان، يأسفون أيضا على ما فاتهم من هذه الخيرات. وذلك أن ~~من كان له يسار يأسف على ما فاته من الرياسة، ومن كانت له رياسة دون يسار ~~يأسف أيضا على ما فاته من اليسار. وقد يأسف هؤلاء على ما فاتهم من الزيادة ~~والكثرة في هذه الخيرات مما يوجد لغيرهم. وإنما كان هؤلاء يعتريهم هذا ~~الانفعال، لأنه يخيل لهم في أنفسهم أنهم خيار أو قريب من أن يكونوا خيارا، ~~إذ كان يوجد لهم الشيء الذي يستأهله الخيار. مثال ذلك أنه إذا حاز الرياسة ~~واليسار أحد ظن أنه خير. إذ كان هذان إنما يستأهلهما الأخيار. وإذا ظن ذلك ~~أصابه الأسف على ما فاته من ذلك. # قال: والصنف من الناس الذين يكون آباؤهم الأولون وأقاربهم مكرمين قد ~~يعتريهم كثيرا هذا الانفعال عند أمثال هذه الخيرات، لأنهم يرون أنها أهلية ~~وأنهم لها مستحقون. وإذا كانت الأمور التي فيها يكون الأسى والأسف أمورا ~~مكرمة، أعني شريفة عظيمة. فواجب أن تكون إما فضائل نفسانية أو أمورا فاضلة، ms142 ~~أعني خيرات بدنية أو خيرات من خارج، وذلك مثل جميع الأشياء التي فيها للغير ~~إما منفعة وإما حسن وجمال وإما لذة. ولذلك قد يكرم الناس أهل هذه الأصناف ~~الثلاثة، أعني المحسنين إليهم وهم أهل المنفعة، والخيار وهم أهل الجميل ~~والفعل الحسن، والصنف من الناس الذين فيهم مستمتع، وهم الملذون، وسواء كان ~~الإحسان منهم والاستمتاع بهم لنفوسهم أو لمن يتصل بهم. ولكون الأشياء التي ~~يتأسف عليها هي الأشياء التي فيها للغير خير ما إما جميل وإما نافع وإما ~~لذيذ، كان الأسف في اليسار والجمال أحرى منه في الصحة. # PageV01P078 # قال: وهو معلوم أيضا من الحد من الناس الذين يأسى المرء ويأسف على ألا ~~يكون له حالهم. وذلك أن الأسى إنما يكون على أحوال الناس الذين توجد لهم ~~الأمور المكرمة التي ذكرناها مثل الجمال واليسار والشجاعة والحكمة ~~والرياسة. وإنما صارت الرياسة من الأمور التي يأسف الناس على فقدها لأن أهل ~~الرياسات يقدرون على الإحسان إلى أكثر الناس، ومن أعظم أفعالهم التي يفعلون ~~بها ذلك قود الجيوش والخطابة إلى غير ذلك من ملكات الرياسات وأحوالها التي ~~يفعلون بها الإحسان إلى الناس. وكذلك كل من ينحو نحو الرؤساء ممن له ملكة ~~رياسية أو حالة رئيسية يصدر منها إحسان إلى الغير. # ومن الناس الذين يأسى المرء على ألا يكون مثلهم الذين يود كثير من الناس ~~أن يكون مثلهم، وأن يكونوا من معارفه. ومن هؤلاء أيضا الذين يتعجب منهم ~~كثير من الناس. ومن هذا الصنف الذين ينطق بالثناء عليهم الشعراء والخطباء ~~ومخلدو الكتب، أعني المؤرخين. فإن هؤلاء الثلاثة الأصناف هم الذين ينطقون ~~بالمدح والثناء. والصنف أيضا من الناس الذين لا يكترثون بالخيرات التي فيها ~~غيرهم، ولا يلأسفون عليها لأن عندهم: إما جميع الخيرات التي يؤسف على ~~فقدها، وإما أعظم الخيرات وأجلها قدرا، فقد يأسف المرء ألا يكون في مثل ~~أحوال هؤلاء؛ لأن الاكتراث ضد الأسف، والذي لا يكترث ضد الذي يأسف. والذين ~~يأسفون هم الناس الذين تكون لهم الشرور المضادة للخيرات التي يكون عنها ~~الأسف. ومن هنا ms143 يبين عدم الاكتراث الذي هو ضد الأسف، ومن الذي لا يكترث له. ~~فإنه لا يكترث أحد بأحوال الناس الأسفين. ومن الناس الذين لا يكترث بهم ذوو ~~الجد، أعني السعداء، إذا كان لهم الجد خلوا من الفضائل التي تستحق الخير ~~الذي نالهم بالاتفاق، فإن الناس يستخفون بأمثال هؤلاء ولا يكترثون ~~بأحوالهم. ### | القول في الخلقيات # قال: أما الأحوال التي إذا وجدت في الناس اعترتهم الانفعالات بها وهي ~~التي يكون المرء بها مستعدا وهي التي يتوطأ بها لقبول الانفعال والأشياء ~~التي يكون عنها الانفعال أو زوال الانفعال والسلو عنه وهي التي منها تعمل ~~المقاييس الانفعالية فقد قيل في ذلك في هذه المقالة. # وأما الأشياء التي تعمل منها الأقاويل التصديقية في جنس جنس من الأجناس ~~الثلاثة، أعني المشورية والمنافرية والمشاجرية، فقد قيل فيها في المقالة ~~الأولى. # وقد بقي أن نقول هاهنا في الأحوال التي يتبعها خلق خلق من الأخلاق. فإن ~~بمعرفة أي خلق يتبع أي حال يمكننا أن نحرك الذي نخاطبه إلى أن يتخلق بذلك ~~الخلق، وذلك إذا أوهمناه وجود تلك الحال فيه أو كانت موجودة مثال ذلك أن ~~كبر النفس يتبعه السخاء. فإذا أثبتنا عند إنسان ما أنه كبير النفس حركناه ~~إلى السخاء بأن نؤلف له القول هكذا: إنه كبير النفس، والكبير النفس يجب أن ~~يكون سخيا، فإنه واجب أن يكون سخيا. وكذلك ما أشبه هذا. # قال: وهذه الأحوال وهي التي المقصود منها تعديدها وأي خلق يتبع واحدا ~~واحدا منها هي خمسة: أحدها: الانفعالات. والثاني: الهمم. والثالث: الأسنان. ~~والرابع: الجدود. والخامس: الأنفس. # وأعني بالانفعالات مثل الغضب والرحمة، فإن هذه يتبعها خلق خاص، وبالهمم ~~الأشياء التي يختارها كل صنف ويؤثرها في حياته سواء كانت صناعة أو فضيلة أو ~~لذة ينهمل فيها. فإن الأخلاق أيضا تختلف باختلاف هذه. وأعني بالأسنان سن ~~الشباب وسن الإكتهال وسن الشيخوخة، وذلك أن لهذه الأسنان أخلاقا خاصة بها. ~~وأعني بالجدود الأشياء التي تحصل للإنسان في بدنه ومن خارج بدنه بالاتفاق ~~وذلك مثل الحسب واليسار الشاذ والجلد المفرط، وأعني بالنفوس الفطر ms144 ~~المتباينة التي فطر عليها الناس والعادات المختلفة. ### | القول في أخلاق الشباب # PageV01P079 # قال: فإما الأحداث وهم الذين جاوزوا اسبوعين من سنهم إلى نحو الثلاثة ~~الأسابيع فمن أخلاقهم أنهم يشتهون كل شيء، وهم مسارعون جموحون إلى ركوب ما ~~يشتهونه، وأغلب الشهوات عليهم الشهوات البدنية المنسوبة إلى الزهرة. وهم مع ~~ذلك سريع تغيرهم وتقلبهم يشتهون الشيء سريعا ويملونه سريعا. والسبب في ~~اشتهائهم كل شيء أن آراءهم مضطربة لم تستقر بعد كل شيء من المؤثرات في هذه ~~الحياة الدنيا. وليست آراؤهم وهي التي تكون عن بصيرة ونظر. ومثال ما يصيبهم ~~من شدة الشهوة مع سرعة زوالها مثل العطش الذي يصيب المرضى فإنه عطش سريع ~~الزوال إلا أنه شديد جدا. وهم مع ذلك سريعو الغضب منقادون له تقهرهم حدته ~~وسورته، لأنهم من أجل حبهم للكرامة لا يصبرون إذا استخف بهم مستخف لكن ~~يمتعضون إذا ظنوا أنهم يعابون. وهم محبون للكرامة وأشد من ذلك للغلبة، وذلك ~~أن الحداثة تشتاق الفخامة؛ والغلبة شيء من الفخامة. وهم للكرامة والغلبة ~~أشد حبا منهم للمال. وإنما لا يحبون المال لأنهم لم يجربوا الفاقة. وهم ~~يصدقون بالقول سريعا لأنهم لم ينخدعوا كثيرا. وهم حسن ظنهم، فسيح أملهم ~~لحرارة طباعهم كالذي يعرض لمن يشرب الخمر لمكان الحرارة العارضة له عن ~~شربها. ثم لا يخورون ولا ينكلون، بل يحملون المشقة فيما يهوونه وذلك لقوة ~~حرارتهم. وهم أكثر ذلك يعيشون بالأمل، لأن الأمل إنما هو للزمان المستقبل، ~~والذكر للماضي. والمستقبل موجود للغلمان أكثر من الماضي لأنه في أول ~~وجودهم، ولذلك يأمنون كثيرا ولا يذكرون. وهم يسير اختداعهم واغترارهم وذلك ~~أن من شأنهم التصديق من غير دليل أو بدليل ضعيف. وإذا غولطوا بالدليل سهلت ~~مغالطتهم. وهم مع أنهم من ذوي التأميل شجعان، وذلك أن الشجعان غضوبون حسن ~~أملهم. فأما حسن الأمل فيحدث لهم ألا يجزعوا، وذلك أن قوة الرجاء في الظفر ~~تشجعهم، وأحد ما يشجع هو تأميل الخير، وأما الغضب فيحدث لهم شدة القلب، ~~لأنه ليس من أحد يخاف فيغضب. ومن خلقهم أن الحياء يغلب ms145 عليهم لأنهم لم ~~يصيروا بعد إلى أن يميزوا بين الأشياء التي يجب أن يستحى منها وبين التي لا ~~يستحى منها. فهم لاتهامهم أنفسهم في كل شيء يستحيون من كل شيء خوفا من أن ~~يكونوا قد اخطأوا. وهم يتمسكون بالسنن جدا ويراقبونها، والسبب في ذلك أنهم ~~لم يعملوا النظر فيها حتى يتبين لهم ما هو منها عدل مما ليس بعدل. وهم ~~كبراء الأنفس. ويظنون أنهم لا يفتقرون أبدا، والسبب في ذلك أنهم لم يجربوا ~~الضراء والضرورة. ويتشوقون أبدا من أفعال كبراء النفوس العظائم منها، وذلك ~~من طريق اتساع أملهم. # ومن أخلاقهم أنهم يؤثرون الجميل أشد من إيثارهم النافع. وإنما يؤثرون من ~~النافع ما كان جميلا. وإنما كانوا لا يؤثرون النافع لقلة تفكرهم في ~~العواقب، وإيثارهم للجميل من أجل إيثارهم للفضائل، وإيثارهم للفضائل من أجل ~~إيثارهم للمدح والذم. وهم محبون لأصحابهم أكثر من سائر الناس، لأن من تمام ~~اللذة والسرور - إذا وجدا - الصحبة ومشاركة الإخوان. وهم لا يطلبون النافع ~~في شيء من الأشياء ولا في الأصدقاء. وخطؤهم في الأشياء كثير، وأكثر ما يكون ~~في الأشياء النافعة التي يؤثرها المشايخ. وأفعالهم غير محدودة ولا مقدرة، ~~فيحبون جدا ويغضبون جدا، وبالجملة فيفرطون في كل شيء وذلك لسوء تمييزهم ~~العواقب. فإن الأفعال إنما تكون مقدرة بتمييز العواقب. ويظنون أنهم يعلمون ~~كل شيء وذلك بسبب إغراقهم في كل شيء. ويركبون الظلم مجاهرة والأشياء التي ~~فيها العيب والفضيحة، وهذا أيضا لجسارتهم وإفراطهم في الأشياء. وهم رحماء ~~لأضنهم يظنون بالناس جميعا أنهم خيار صلحاء. وهم لقلة شرهم يبغضون أهل الشر ~~لأنهم يظنون أن أهل الشر يفعلون ما لا ينبغي. وهم محبون للهزل والمزح. ~~وانصرافهم عن الشيء سريع، لأن سرعة الانصراف من ضعف الروية. فهذه هي أخلاق ~~الغلمان. ### | في أخلاق المشايخ # PageV01P080 # وأما الشيوخ الذين تجاوزوا سن الكهولة فهم على كثير من أضداد أخلاق ~~الشباب، أعني الأخلاق السخيفة والشكسة. وأعني بالسخيفة المنسوبة إلى الضعف ~~من محبة الهزل والمزاح وتشوق الشهوات البدنية والرحمة للناس والانخداع؛ ~~وأعني بالشكاسة الأخلاق المنسوبة إلى القوة ms146 مثل سرعة الغضب والجرأة ومحبة ~~الكرامة والغلبة وامتداد الأمل وكبر النفس وركوب الظلم وسائر هذا النوع. ~~وإنما كان الشيوخ على ضد هذه الأخلاق، لأنهم عاشوا دهرا طويلا فقصر أملهم، ~~واختدعوا كثيرا وأخطأوا كثيرا، فساء ظنهم بالناس لوقوعهم على أسباب الخدع ~~والخطأ بالتجارب. وأكثر الأفعال الواقعة بهم كانت كلها شرورا أو مفضية إلى ~~الشر. ومن أخلاقهم أنهم لا يشكون في الشيء فيما بينهم وبين أنفسهم ولا ~~يتعجبون من شيء ورد عليهم ولا يستعظمونه، لأنه قد تكرر عليهم. وهم مع أنهم ~~قد جربوا كل شيء كأنهم لا يعرفون شيئا. ولا يكترثون بالحمد والذم، لأن ~~قصدهم الحقائق، مع أنهم لا يستطيعون شيئا. ومن شيمهم أنهم لا يحزمون على ~~شيء ألبتة ولا يقطعون عليه بل يقرنون بكلامهم أبدا (عسى) و (لعل) ، وذلك ~~لكثرة خطأهم ولكثرة ما جربوا من إخفاق آمالهم. وهم سيئة أخلاقهم لسوء ظنهم ~~بكل شيء. وسوء ظنهم لقلة تصديقهم؛ وقلة تصديقهم لكثرة تجاربهم. ومن شيمهم ~~أنهم لا يحبون جدا ولا يبغضون جدا ولا يظهرون ذلك إلا بالكره وعند ~~الاضطرار، أعني الحب والبغض. والحبيب والبغيض عندهم كأنه في صورة واحدة ~~لدهائهم، وذلك للأمور التي قيلت من أنهم عاشوا دهرا طويلا واختدعوا كثيرا ~~وأخطأوا كثيرا وأشباه ذلك. وهم صغيرة أنفسهم متهاونون بالأشياء العظام لا ~~يشتاقون إلى شيء سوى ما فيه المعاش. وهم غير ذوي منحة وتكرم، لأن متاع ~~الدنيا من الأشياء التي بهم إليها ضرورة، وأعني بمتاع الدنيا الأشياء ~~الضرورية في هذه الحياة. وإنما صار لهم ذلك لكثرة التجربة. وأيضا فإنهم ~~يرون أن الاقتناء عسير والتلف يسير، فهم لهذين الشيئين بخلاء، أعني لوقوفهم ~~بالتجربة على أن الأشياء النافعة في هذه الحياة بهم ضرورة إليها، وبخاصة ~~لضعف أبدانهم، ولوقوفهم بها على أن الاقتناء عسير، وبخاصة في سن الشيخوخة، ~~وأن التلف يسير. وهم يسبقون، فيخبرون بما هو كائن لمعرفتهم بالعواقب. ولهذا ~~كانوا جبناء وهم في هذا على خلاف ما عليه الأحداث لأنهم ذوو برودة في ~~أمزجتهم وفتور، والفتيان ذوو حرارة وتوقد. والشيخوخة تؤدي إلى الجبن لأن ms147 ~~الخوف والجبن تابع للبرد. وهم محبون للحياة لا سيما عند آخر أعمارهم. وحبهم ~~للحياة ليس هو ليتمتعوا من الشهوات فيها، بل لأن يحيوها فقط، لأن أسباب ~~الشهوات قد عدموها، اللهم إلا شهوة الطعام من بين شهوات سائر الحواس فإنها ~~توجد فيهم كثيرة. لأن الطعام ضروري لهم، فيجتمع لهم مع اللذة به الضرورة. ~~وهم محبون لأخيار الملوك وعدول السلاطين لصغر أنفسهم الذي السبب فيه ضعف ~~نفوسهم. وعشرتهم للناس وقصدهم إنما هو نحو النافع لا نحو الحسن، لأنهم ~~محبون لأنفسهم. والنافع هو الشيء الذي هو خير للمرء في نفسه؛ والحسن هو ما ~~هو خير للغير. وهم قليل حياؤهم. وإنما كان ذلك كذلك، لأن إيثارهم للنافع هو ~~أكثر من إيثارهم للجميل. والحياء إنما يكون مخافة فوت الجميل. وتأميلهم ~~يسير لكثرة تجاربهم أن أكثر الأشياء يؤول إما إلى الشر، وإما إلى ما شره ~~أكثر من خيره، وإما لما خيره مساو لشره. وكل هذه الثلاثة الأقسام غير ~~متشوقة. والأشياء التي هي خير محض، أو الخير فيها أغلب، قليلة الوجود، ~~ويحتاج - في ترقب وجودها - إلى زمان طويل، والذي بقي من أعمار الشيوخ يسير. ~~وأكثر عيشهم ولذتهم إنما هو بالذكر لا بالأمل، بضد ما عليه الأمر في ~~الشباب. وذلك أن الذكر إنما يكون لما مضى. والشيوخ فقد ذهب أكثر أعمارهم. ~~ولهذا تكون منهم جودة التكهن والحدس على ما يكون. وغضبهم سريع حديد لقلة ~~احتمالهم، لكنه ضعيف، لضعف حرارتهم. وشهواتهم منها ما قد انقطع، ومنها ما ~~قد ضعف، فليسوا متحركين نحو الشهوات، لكن نحو النافع. فلذلك قد يظن بهم ~~العفة لانقطاع شهواتهم، وإنما هم أعفاء باشتراك الاسم. ويقلقون من طلب ~~الأفضل وإنما وكدهم الضروري. وأكثر إشارتهم بالأشياء التي تحصل الفضيلة # PageV01P081 # والخلقق الجميل، لا بالأشياء التي تعود على المشار إليه بالنافع. ومن ~~خلقهم الظلم، لكن بالمكر والخديعة، لا بركوب الفضائح والاستهتار كالحال في ~~الشباب. وهم رحماء لكن رحمتهم من أجل ضعفهم وتخيل سهولة نزول الشر بهم الذي ~~أشفقوا منه، لا من أجل حبهم للناس كالحال في رحمة الشباب. وهم ms148 صابرون على ~~الآلام، غير سريع تقلبهم، لأن الصبر ضد الهزل الذي هو من أخلاق الفتيان، ~~ومن أحب الهزل فليس يحب الجد والصبر. لجميل، لا بالأشياء التي تعود على ~~المشار إليه بالنافع. ومن خلقهم الظلم، لكن بالمكر والخديعة، لا بركوب ~~الفضائح والاستهتار كالحال في الشباب. وهم رحماء لكن رحمتهم من أجل ضعفهم ~~وتخيل سهولة نزول الشر بهم الذي أشفقوا منه، لا من أجل حبهم للناس كالحال ~~في رحمة الشباب. وهم صابرون على الآلام، غير سريع تقلبهم، لأن الصبر ضد ~~الهزل الذي هو من أخلاق الفتيان، ومن أحب الهزل فليس يحب الجد والصبر. # فهذا هو القول في أخلاق الشباب والمشايخ. ### | القول في سن الكهول # قال: وأما الذين هم في عنفوان العمر، وهم الكهول، فمعلوم أن أخلاقهم وسط ~~بين هذه الأخلاق، وأنهم مجانبون لإفراط الطرفين. ولذلك هم أعدل، فليسوا ~~بمتهورين ولا جبناء، ولكن مقدمين على ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي، ~~وبمقدار ما ينبغي، ولا يصدقون بكل شيء، ولا يكذبون بكل شيء، لكن يتصورون ~~الأمور على كنهها، ويصدقون بها التصديق التابع لطباعها. وليس عيشهم ولا ~~طلبهم موجه نحو الحسن فقط، ولا نحو النافع فقط، لكن نحو الأمرين جميعا. ولا ~~هم أيضا أهل جد محض، ولا مجون محض، لكن بين ذلك. وكذلك هم في الشهوة ~~والشجاعة، أعني أنهم أعفاء مع شجاعة. والغلمان شجعان شهوانيون والشيوخ ~~جبناء أعفاء. وجملة القول إنه قد يحصل لهم الجزء النافع من خلق خلق، دون ~~الجزء الضار الموجود في الأطراف المذمومة الحاصل للشيوخ وللشباب بالطبع. ~~وذلك القدر هو المتوسط. وعلى حسب زيادة أحد الطرفين في خلق الكهل على الآخر ~~يكون ميله إلى الشر أو إلى الخير، أعني إلى الطرف المذموم أو المحمود. وذلك ~~أيضا يختلف بحسب الذي يستعمل معه الخلق، قرب حالة تكون زيادة الشجاعة فيها ~~وقربها من التهور آثر من توسط الأمر في ذلك في حالة أخرى. فقد يزاد في الشر ~~إذا احتيج إلى استعماله مع قوم ما، ويزاد في الخير إذا احتيج إلى استعماله ~~مع قوم آخرين. # وسن ms149 الكهولة هو من خمس وثلاثين إلى خمسين سنة. # فهذا هو القول في خلق الأحداث والشيوخ والكهول. ### | ### | فصل # # ولما كان الكلام الخطبي إنما يكون أتم فعلا وأكثر إقناعا إذا رأى المخاطب ~~به أنه لم يبق فيه موضع فحص ولا تأمل ولا معارضة إلا وقد أتى بها فتزيفت، ~~كان واجبا أن يكون هنالك فاحص عن القول، ومعارض له غير المتكلم، وهذا إنما ~~يتم بمناظر وحاكم. أما فعل المناظر فهو التشكيك على القول المقنع والإبطال ~~له. وأما فعل الحاكم فتمييز حجة كل واحد من الفريقين، أعني المتكلم ~~والمناظر، على مثال ما يوجد الأمر في الخصومات في المدن. لكن إذا أريد أن ~~يكون القول تام الإقناع، فواجب أن يوضع حاكم ومناظر في جميع أجناس الأقاويل ~~الخطبية، أعني المشاورية والمشاجرية والمنافرية. # والفرق بين الحاكم والمناظر أن الحاكم هو أعلى من المناظر، ولذلك لا يكلف ~~بالدليل على ما حكم به. وأما المناظر فهو مساو للمتكلم ولذلك لا يكتفى منه ~~برد القول دون أن يأتى على ذلك بدليل. وربما اكتفى في بعض المدن في ~~الأقاويل الخصومية بقول الحاكم دون قول المتكلم والمناظر، على ما عليه ~~الأمر في ملة الإسلام، فإنهم إنما يستعملون في الخصومات قول الحاكم مع ~~الأشياء التي من خارج مثل الشهادات والأيمان. # والفرق بين الشاهد والحاكم أن الشاهد يشهد بصدق النتيجة، والحاكم يشهد ~~بصدق القياس المنتج لها، والمناظر يناظر على إبطالهما. وأكثر الأقاويل ~~الخلقية والانفعالية إنما يستعمل مع الحكام. # فصل # PageV01P082 # فأما الخلق الذي يخص سياسة سياسة من السياسات الأربع التي عددت فيما سلف ~~فقد ذكرت في باب المشوريات. وينبغي أن تكون عندنا هاهنا معدة لنستعملها في ~~الأقاويل الخلقية. فإن هنالك إنما ذكرت لتعمل منها الضمائر في الأمور ~~الثلاثة. وإذ قد تقرر هذا وكان قد تبينت الأشياء التي منها تعمل الضمائر ~~والتصديقات في الأمور الثلاثة، أعني المشاورية والمنافرية والمشاجرية، ~~فالأشياء التي منها تعمل الأقاويل الخلقية والانفعالية، فقد ينبغي أن نصير ~~إلى تبيين المقدمات المشتركة التي في الأجناس الثلاثة أعني في المشاورية ~~والمنافرية والمشاجرية. والأمور المشتركة ms150 التي يطلب تثبيتها في الأجناس ~~الثلاثة بالمقدمات المشتركة أربعة أصناف: الأول: هل الأمر ممكن أو غير ~~ممكن. # والثاني: هل الأمر مما سيكون ولا بد أو لا يكون. والفرق بين هذا والممكن ~~أن المقدمات المستعملة في الممكن إنما تستعمل بلفظ الممكن وعلى أنه ليس ~~لأحد الممكنين فضل على الآخر في الوجود. وأما المقدمات المستعملة في أن ~~الشيء كائن في المستقبل فإنما نستعملها في صورة ما هو كائن لا محالة، وإن ~~كنا لا نتيقن ذلك، لكن إنما نستعملها في هذه الصناعة بهذه الجهة. # والثالث: هل الأمر قد كان في الماضي أو لم يكن. وما يستعمل من هذا في هذه ~~الصناعة فإنما يستعمل في صورة ما قد علم كونه بالتجربة والحس، وإن كنا لا ~~نتحقق ذلك. # والرابع: تعظيم الشيء وتصغيره وتفخيمه وتخسيسه، فإن هذا أمر عام مستعمل ~~في الأجناس الثلاثة. فإنه إذا أشير بالشيء أن يفعله عظم، وإذا أشير بالترك ~~صغر. وكذلك يفعلون إذا مدحوا أو ذموا أو شكوا أو اعتذروا. فإذا تم القول في ~~هذه، قلنا بعد ذلك في مواد أصناف الضمائر وأصناف المثال، وأضفنا إلى ذلك ~~المواضع المشتركة للأقاويل الخطبية وغيرها، فإنا نكون قد أتينا على الغرض ~~المقصود من هذه الصناعة. فإنه إنما تكلم في المقالة الأولى في الضمائر من ~~جهة تأليفها لا من جهة موادها. وهي من جهة تأليفها ممكن أن تستعمل في ~~الخطابة وغيرها. وإنما هي خاصة بالخطابة من جهة موادها. # فنقول: إنه وإن كانت هذه الأربعة المطالب مشتركة للأجناس الثلاثة، فإن ~~بعضها أخص ببعض وأولى أن تنسب إلى بعض. وذلك أن التعظيم والتصغير أخص ~~بالمنافرية التي هي المدح والذم، وأن الذي قد كان أخص بالخصومات وكذلك الذي ~~يستعمل كالكائن؛ فإن الحكومة إنما تكون في أمثال هذه الأشياء، وأن الممكن ~~والذي يتوقع كونه أخص بالمشورية. # وإذ قد تقرر هذا، فلنقل في المقدمات التي يقنع بها أن الأمر ممكن أو غير ~~ممكن، ونعني بالممكن وغير الممكن هاهنا ما هو مقدور لنا ومستطاع عليه مما ~~هو غير مقدور ولا مستطاع عليه، ms151 لا الممكن الذي هو في طبائع الأمور ممكن، ~~لكن الذي بحسب الإرادة والاستطاعة. فمنها: إن كان الشيء له ضد، وكان ضده ~~ممكنا أن يكون أو أن يفعل، فإن الشيء ممكن أيضا أن يفعل؛ مثل إن كان ~~الإنسان يمكن أن يصح، فقد يمكن أيضا أن يسقم. والعلة في ذلك أن القوة ~~والإمكان للمتضادين واحد. # ومقدمة ثانية: إن كان الشبيه ممكنا، فالذي يشبهه أيضا ممكن. # وثالثة: إن كان الذي هو أصعب ممكنا، فالذي هو أيسر ممكن. وإن كان الأمر ~~الذي هو أفضل وأحسن ممكنا، فذلك الأمر - إذا قيل بإطلاق - ممكن، أعني من ~~غير هذا الشرط. فإن إجادة تكوين البيت أصعب من تكوين البيت فقط. # ورابعة: إن كان الذي بدؤه ممكن، فآخره وتمامه ممكن. والإقناع في هذا ~~الموضع أن نقول: لما كان ما لا يمكن كونه مبدئه، فما يمكن كون مبدئه، يمكن ~~كونه. وقد بين اختلال هذا الموضع في الثانية من الجدل. # وخامسة: وهي ما كان تمامه ممكنا، فمبدؤه ممكن؛ وهو عكس ما قبله. # PageV01P083 # وسادسة: إن كان المتأخر في الطبيعة أو في الكون - يعني الزمان فقط - ~~ممكنا، فالمتقدم أيضا ممكن؛ مثال المتقدم بالطبع: إن كان الإنسان يمكن أن ~~يكون كهلا، فقد يمكن أن يكون غلاما. ومثال المتقدم بالزمان فقط دون الطبع: ~~الصحة الكائنة بعد المرض. فهذا الموضع ينقسم إلى مقدمتين، ثم قد تعكس كل ~~واحدة من هاتين، فيحدث هاهنا أربع مقدمات. فإنه إن كان المتقدم في الطبيعة ~~أو في الزمان ممكنا فالمتأخر أيضا ممكن. # ومقدمة ثامنة: وهي أن كل ما هو بالطبع محبوب ومشتهى، فهو ممكن أن يكون ~~وأن يفعل؛ فإنه ليس يشتاق أحد - إذا كان شوقه على المجرى الطبيعي - ما ليس ~~بممكن. # وتاسعة: وهي أن الأشياء التي تحتوي عليها العلوم والصناعات ممكنة لنا، ~~أعني أن نعلم ما في العلوم وأن نعمل ما في الصنائع. # وعاشرة: وهي أن الأمور التي بدأ كونها فينا أو بحكمنا مثل الأشياء التي ~~نجبر عليها عبيدنا أو نتشفع فيها إلى أصدقائنا فهي ممكنة؛ وذلك أن الذي في ~~ملك ms152 الأصدقاء ممكن، كما أن الذي في ملكنا ممكن. # وحادية عشرة: وهو أن الذي تكون أجزاؤه ممكنة، فالكل ممكن. # وثانية عشرة: وهو إن كان الكل ممكنا، فالأجزاء ممكنة؛ مثال ذلك أنه إن ~~كان البرهان ممكنا، فمقدمات البرهان ممكنة وتأليفه ممكن. # وثالثة عشرة: وهي إن كان النوع ممكنا، فالجنس ممكن؛ وعكسه وهو إن كان ~~الجنس ممكنا، فالنوع ممكن؛ مثال ذلك إن كان يمكن أن تكون سفينة ذات مجاديف ~~كثيرة، فقد يمكن أن تكون ذات مجاديف ثلاثة؛ وعكسه إن أمكن أن تكون ذات ~~ثلاثة مجاديف، أمكن أن تكون ذات مجاديف كثيرة. # وخامسة عشرة: وهو إن كان أحد المضافين ممكنا، فالمضاف الآخر ممكن، كمثل ~~الضعف والنصف. # وسادسة عشرة: وهو إن كان شيء ما يمكن أن يكون لغير ذي صناعة فهو لذوي ~~الصناعة أمكن، وذلك أن هاهنا أشياء توجد مرة بالعرض، ومرة بالذات، ومرة ~~بصناعة، ومرة بلا صناعة. فهذه متى كانت ممكنة بالعرض كان إمكانها بالذات ~~أحرى. وكذلك يوجد الأمر فيها إذا وجدت بصناعة وبغير صناعة. # وسابعة عشرة: وهو إن ما كان ممكنا للأوضع والأخس والأحقر والأقل عناية ~~فهو لأضداد هؤلاء أمكن، كما قال سقراط: إنه لشديد على أن أعجز عما يفعله ~~الجاهل؛ أو كما يقال: إنه لقبيح أن يعجز أرسطو عن معرفة ما أدكه زينن. # وأما المقدمات التي يوقف منها على أن الشيء غير ممكن فمعلومة من أضداد ~~هذه التي قيلت. مثال ذلك: أن ما كان غير ممكن للذين هم أشد عناية فهو غير ~~ممكن للذين عنايتهم قليلة؛ وأن الكل إذا كان غير ممكن، فالأجزاء غير ممكنة. # PageV01P084 # وأما المقدمات التي يوقف منها على أن الأمر كان أو لم يكن فيكاد أن تكون ~~واحدة بالموضوع، اثنتين بالجهة. فمنها: أنه إن كان الذي هو أقل تهيأ ~~واستعدادا لأن يكون قد كان، فالذي هو أكثر تهيأ قد كان. وموضع ثان: وهو إن ~~كان المقابل الذي قد جرت العادة أن يتقدمه مقابله قد كان، فإن الآخر قد ~~كان؛ مثال ذلك إن كان الإنسان نسي شيئا فقد كان علمه، ms153 وإن كان حنث، فقد كان ~~حلف. وموضع ثالث: وهو إن قدر وهوى أن يفعل، ولم يكن شيء من خارج يعوقه، فقد ~~فعل. وقريب من هذا إن كان قدر على شيء وغضب، فقد كان. والموضع العام لهذين ~~أنه إن كان قادرا على الشيء، وهو متشوق له، فقد فعله. وإنما كان عاما لأن ~~التشوق يعم الغضب والهوى. وإنما صار هذا الموضع مقنعا لأن الناس أكثر ذلك ~~يفعلون ما يشتهون إذا قدروا، أما الأحداث فللنهامة، وأما الخيار فلشهوتهم ~~للخير. وإذا كانت أمور قريبة الكون متوقعة، فهي كالموجودة وموضع رابع: وهو ~~إذا كان إنسان عادته أن يوجد منه فعل ما كثيرا، فإن ذلك الفعل قد كان منه. ~~وموضع خامس: وهو أن ننظر إذا أردنا أن نقنع في شيء ما أنه قد كان هل تقدمته ~~أشياء في طباعها أن تكون قبل ذلك الشيء الذي أردنا معرفة كونه، فإن كانت ~~تلك الأشياء قد تقدمت، حدسنا أن ذلك الأمر قد كان. وهذه الأشياء السابقة ~~للشيء ربما كانت أسبابا، وربما كانت علامات؛ مثل أنه إن كانت السماء برقت، ~~فقد رعدت. وإن كان الإنسان قد جرب شيئا ما لينظر هل يتأتى له فيه ذلك الفعل ~~أم لا، فقد كان منه ذلك الفعل. وموضع سادس عكس هذا وهو إذا وجدت الأشياء ~~المتأخرة عن الشيء، فقد وجد الشيء؛ مثال ذلك إن كانت السماء رعدت، فقد ~~برقت؛ وإن كان فعل الآن، فقد ابتدأ فيما قبل يفعل. # وهذه الأشياء التي تتأخر عنها أشياء وتتقدم عليها أشياء، منها ما هو ~~باضطرار، ومنها ما هو على الأكثر. فمثل الاضطراري: إن كان نسي، فقد علم؛ ~~ومثال الأكثري: إن كانت السماء رعدت، فقد برقت. # فهذه هي المواضع التي يوقف منها على أن الأمر قد كان. # وأما معرفة أن الأمر لم يكن فمن أضداد هذه بعينها. # وأما المقدمات التي يوقف منها على أن الأمر سيكون وأنه متوقع كونه، فهذه ~~هي بأعيانها. فأول ذلك إن كان الأمر مقدورا عليه ومشتهى، فسيكون. وأعني ~~بالمشتهى هاهنا إما اللذات المحسوسات، وإما الأشياء ms154 التي يهواها الإنسان من ~~غير أن تكون أمورا محسوسة، كالمال والكرامة. وكذلك إن كان الأمر مقدورا ~~عليه مع الغضب أو كان مقدورا عليه ومختارا بفكر وروية، فهو ممكن. وكذلك ~~الأشياء اللازمة للأفعال الإرادية ما كان يلزم منها باضطرار، وما كان لا ~~يلزم باضطرار، فهي كلها معدودة فيما سيكون، إذا كانت الأشياء المتقدمة لها. ~~فمثال ما يلزم أكثريا للفعل الإرادي خروج السهم التابع للرمي، ووقوع البصر ~~على الشيء التابع لفتح الأجفان. وأيضا إن تقدمت أشياء هي متهيئة أن يكون ~~عنها شيء، فذلك الشيء سيكون؛ مثل أنه إن كانت السماء غامت فستمطر. وموضع ~~آخر: إن كان الشيء الذي هو من أجل غاية ما موجودا، فإن الغاية ستوجد؛ ومثال ~~ذلك إن كان الأساس قد كان، فإن البيت سيكون. # فأما المواضع التي يوقف منها على الأعظم والأصغر والكثير والقليل والأفضل ~~والأخس فهي بأعيانها التي عددت في باب الأنفع والآثر في المشوريات، إذا ~~جعلت أعم قليلا، وذلك بأن يترقى من باب النافع إلى باب الخير. فإن الخير ~~جنس مشترك للغايات الثلاث من الأجناس الثلاثة من أجناس الأقاويل الخطبية، ~~وذلك أنه في المشورية النافع، وفي المنافرية الحسن، وفي المشاجرية العدل. ~~وبالجملة فمواضع المقايسة تستعمل خاصة وعامة حتى يمكن أن تؤخذ مشتركة لجميع ~~المطالب على ما تبن فيه الأمر في الثانية من الجدل. إلا أن هاهنا إنما ~~ينتفع بالكليات إذا طوبق بها الجزئيات، واستعملت قوة الكلي فيها، وذلك بأن ~~يحد كل واحد منهما ويوصف بما يخصه. فإن غاية هذه الصناعة إنما هو التكلم في ~~الجزئيات لا في الكليات، وفيها تقع مخاطبة الجمهور بعضهم بعضا. وذلك أنه قد ~~يحتاج في مطابقة الكليات في المواد إلى ملكة ودربة، وذلك أحد ما يتفاضل فيه ~~الخطباء. # PageV01P085 # فقد قيل في الممكن ولا ممكن، وفي أن الأمر كان أو لم يكن، وفي أنه يكون ~~أو لا يكون، وفي التعظيم والتصغير. # وقد بقي علينا القول في الأمور العامة للتصديقات كلها، وذلك مما لم يستوف ~~فيه القول في المقالة الأولى، وأعني بالتصديقات العامة المقاييس الخطبية ms155 ~~والمواضع الخطبية، فنقول: إن الأقاويل الخطبية، كما سلف، جنسان: مثال ~~وضمير. وأما الرأي فهو جزء من الضمير. وأكثر ذلك إنما يحتاج إليه في ~~المشوريات. وسنقول في ذلك. والمثال كما قيل في هذه الصناعة شبيه بالاستقراء ~~في صناعة الجدل، والضمير شبيه بالقياس فيها. والمثال في هذه الصناعة نوعان: ~~فأحدهما: أن يتمثل المتكلم بأمور قد كانت ووجدت، مثل قول القائل: إنه ينبغي ~~للملك ألا يغتر فيميز النصحاء من حرسه من غير النصحاء، وإلا خيف أن يثبوا ~~عليه فيقتلوه، كما عرض للمتوكل كل من بني العباس. # النوع الثاني: أن يكون الخطيب يصنع المثال صنعة ويخترعه اختراعا، وهذا ~~ربما كان مقدمة، وربما كان حديثا طويلا. والحديث الطويل ربما كان معلوم ~~الكذب عند التكلم والسامع كالحال في الحكايات الموضوعة في كتاب دمنة ~~وكليلة، وربما لم يكن معلوم الكذب ككثير من الألغاز التي يستعملها أصحاب ~~السياسات. واسم المثل والأمثال أخص بالمقدمة المخترعة عند أرسطو، والمثال ~~أخص بالموجود منها. والمقدمات التي جرت عادة الجمهور من العرب وغيرهم أن ~~يستعملوها في مخاطبتهم، مثل قولهم: ذكرتني الطعن وكنت ناسيا، وقولهم: بلغ ~~الماء الزبى، وغير ذلك، هي داخلة في هذا الجنس، إلا أن بعضها مقدمات أو ~~اخترعها أول من تكلم بها ليجعلها مثالات عامة لأمور كثيرة، وبعضها إنما نطق ~~بها فقط لموافقة الحال الحاضرة فحفظ ذلك وجعل مثالا في أشياء كثيرة، مثل ~~قول القائل: ذكرتني الطعن وكنت ناسيا، فإن الحكاية في ذلك مشهورة عن أول من ~~تكلم بهذا المثل، والسبب في ذلك. # ومثال المثل المخترع الذي إنما هو مقدمة فقط قول سقراط: إنه لا ينبغي أن ~~يتسلط أناس بالقرعة، كما لا ينبغي أن يوضع الصراع قرعة، أي يوضع الصراع ~~بالقرعة. فإن هذا القول اخترعه سقراط وجعله مثالا لقول القائل: إنه لا ~~ينبغي أن يتسلط ناس بالقرعة، مثل أن يلزم واحد من أهل السفينة أخذ السكان ~~بالقرعة، فإن القرعة تصيب أيهم كان من غير أن يكون ذلك ممن يحسن الملاحة. # PageV01P086 # ومثال الأقاويل المخترعة قول بعض القدماء لقومه حين أرادوا أن يقيموا ms156 من ~~أنفسهم وأهل مدينتهم حرسا وجندا لرجل معروف بالتغلب والاستيلاء والقهر ~~ليقهر لهم عدوهم، فإنه أشار عليهم من شر أعدائهم، وهو أن يغلب عليهم ذلك ~~الرجل ويستعبدهم. وضرب لهم مثالا بفرس كان قد استولى على مرعى وتفرد به، ~~فدخل أيل، فأفسد المرعى. فلما أراد الفرس الانتقام من الأيل، سأل الإنسان ~~هل يقدر أن يعينه على الانتقام منه، فقال له: نعم إن أنت قبلت اللجام ~~وحملتني على ظهرك وفي يدي قضيب. فلما أذعن الفرس لذلك وركبه الرجل صار - ~~وكان ما أمله من الانتقام من من الأيل - إلى أن ملكه الرجل وذلله وسخره. ~~قال فهكذا فانظروا فإنكم إن قبلتم اللجام، حيث تجعلون ذلكم المتغلب أميرا ~~مستبدا عليكم وأقمتم له الحرس والأعوان، عرض لكم معه ما عرض للفرس مع ~~الإنسان. وكتاب دمنة وكليلة إنما هو من هذا النوع. وأرسطو يسمى هذا النوع ~~من الأخبار المخترعة كلاما، لأن المقدمة الواحدة فيه فرقت فجعلت أشياء ~~كثيرة، ويقول إن الكلام إنما يستعمل لتفهيم الشيء وتلخيصه باستقصاء وذلك ~~يكون بأخذ جزئيات الشيء ولوازمه أكثر مما يكون بأخذ الشيء جملة ودون تفصيل. ~~ومنفعة الكلام المخترع أنه أسهل من المثال الموجود، لأن وجود أمور قد كانت ~~شبيهة بالأمر الذي فيه القول يعسر في كثير من المواضع، وأما الكلام المخترع ~~فيسهل. وذلك إنما يكون متى كان المرء له قدرة على أخذ الشبيه والمشاكل ~~ولوازم الأشياء والأمور الكائنة عنها. وهذه القوة هي طريق إلى الفلسفة، ~~وذلك لأن بأخذ الشبيه يوقف على الكلي. ومنفعة المثال الموجود أنه أقنع عند ~~المشوريات، وذلك أن المتوقعات أكثر ذلك، كما يقول أرسطو، يشبهن الماضيات. ~~فالأمثال أنفع في أنها أسهل وفي أن يكون الإنسان يمكنه أن يجعلها شديدة ~~الشبه بالأمور التي فيها الكلام. والأمور الماضية التي يحتج بها ربما لم ~~تكن شديدة الشبه إلا أنها، كما قلنا، أشد إقناعا. # فقد قيل كم أنواع المثالات وكيف ينبغي أن تستعمل. # وأما الرأي فإنه إذا عرف ما هو، عرف في أي الأشياء ينبغي أن يستعمل ومتى ~~يستعمل وفيماذا ينبغي أن ms157 يستعمل وما منفعته. # فنقول: إن الرأي هو قضية موضوعها أمور كلية، لا جزئية، وذلك في الأمور ~~المؤثرة والمجتنبة، لا في الأمور النظرية؛ إذا كانت تلك القضية نتيجة ضمير، ~~ومبدأ لضمير آخر، من غير أن يصرح بالقياس المنتج لها، ولا بالمقدمة الثانية ~~التي تستعمل معها جزء ضمير، ولا بالنتيجة اللازمة عنها. فإنه إذا صرح ~~بمقدمتي القياس المنتج لها، كان القول ضميرا. وكذلك إذا صرح بالرأي من حيث ~~هو مبدأ لضمير، وصرح بالنتيجة اللازمة عن ذلك كان القول أيضا ضميرا. وذلك ~~أن القضية الكلية لا تخلو أن تكون إما مبدأ ضمير أو نتيجة ضمير أو ما جمع ~~الأمرين جميعا. وذلك هو الرأي إذا لم يصرح بالمقدمات المنتجة له ولا ~~بالمقدمة التي تستعمل معه جزء ضمير ولا بالنتيجة اللازمة عنه من حيث هو ~~مبدأ. # فمثال القضية التي إذا استعملت نتيجة قياس محذوف كانت رأيا، وإذا استعملت ~~مع قياسها كانت ضميرا، قول القائل: إنه ليس الرأي عندي قول من قال - وإن ~~كان معلما وذا صيت - إن كون الغلمان حكماء فضل أو بطالة، فإنه إن أضاف إلى ~~هذا القياس المنتج له أو المبطل لمقابله كان ضميرا، وذلك مثل أن يقول ~~القائل: إن قول من قال إن كون الغلمان حكماء فضل أو بطالة، من أجل أنه يكون ~~لحسادهم وحساد آبائهم في بطالتهم موضع قول، ليس بصحيح. وذلك أنه يكون ~~للحساد قول من غير البطالة، فليس يلزم من أن يكون تعلمهم الحكمة بطالة ألا ~~يتعلمونها. وإن لم يات بهذا القول وإنما أتى بالنتيجة وحدها كان رأيا. # ومثال القضية التي إذا استعملت مبدأ ضمير وحذفت المقدمة الثانية والنتيجة ~~كانت رأيا، وإن صرح بالنتيجة كانت ضميرا، قول القائل، إذا شكى ولده فقال: ~~إني لست أرى في أولاد هذا الزمان خيرا، فإن هذا رأى أخبر به أنه يراه، ~~وإنما أراد أن ولده من أولد هذا الزمان، وليس في أولاد هذا الزمان خير، ~~فولده ليس فيه خير. فإذا حذفت هذه المقدمة والنتيجة، كان رأيا. وإذا صرحت ~~بالنتيجة، كان ضميرا. # PageV01P087 # وإذ قد ms158 تقرر هذا من أمر الرأي، فأنواع الرأي أربعة: القسم الأول: الرأي ~~الذي رفع عنه القياس من حيث هو نتيجة برهان ومبدأ برهان: وذلك إنما يكون ~~إذا كان القياس عليه قريب الظهور بنفسه يلوح للسامع عندما ينطق ذو الرأي ~~بالرأي ولا يكون شنيعا عند السامع ولا مشكوكا فيه. وذلك أنه متى لم يكن ~~بهذه الصورة لم يكن الرأي مقنعا. وهذا القسم ينقسم قسمين: إما رأي يلوح ~~قياسه عندما ينطق به للجميع أو للأكثر، وإما رأي يلوح قياسه للعقلاء ~~والألباء. # والقسم الثاني: من الآراء هو الذي يحتاج أن يردف بالقياس ويشد بالقول، ~~وذلك إذا كان الرأي شنيعا أو مشكوكا فيه خفيا غير ظاهر. وهذا أيضا ينقسم ~~قسمين: أحدهما: أن يردف بالقياس الذي ينتجه، وذلك إذا كان القياس بينا ~~بنفسه، وكانت النتيجة غير بينة. # والثاني: أن يردف بالقياس الذي يكون الرأي جزءا منه، وذلك بأن يذكر الرأي ~~والنتيجة عنه، وذلك إذا كان الضمير المنتج بينا بنفسه، وكانت النتيجة غير ~~بينة. فمثال الرأي الذي يرفع عنه القياس ولا يكون جزء قياس ولا مردفا بقياس ~~مما هو مقبول عند الجميع ظاهر الحجة قول القائل: إن خير الأشياء فيما أحسب ~~وفيما أرى أن يكون المرء صحيح البدن. ومثال ما هو مقبول عند العقلاء وظاهر ~~الحجة عندهم قول القائل: إنه يظهر لي أنه ليس محبا من لم يحب دائما. ومثال ~~الرأي الذي يستعمل جزء ضمير قول القائل: إنه لا ينبغي أن يقبل قول من كان ~~بصفة ما فيما يهم به ويراه. ومثال الرأي الذي يشد بالضمير المنتج له قول ~~القائل: إن الرأي عندي للإنسان ألا يجعل غضبه غير ميت إذ كان هو ميتا. # فقد استبان مما قيل كم أنواع الرأي وفي أي موضع يستعمل نوع نوع منها ومع ~~من يستعمل. وذلك أن الرأي الذي لا يحتاج إلى ضمير: منه ما يستعمل مع ~~الجمهور، ومنه ما يستعمل مع الخواص، كما قلنا. والذي يحتاج إلى ضمير منه ما ~~يحتاج عند السامع إذا أريد أن يكون مقنعا إلى ضمير منتج، ms159 ومنه ما يحتاج فيه ~~إلى التصريح بالنتيجة التي تلزم عنه. والآراء إذا كانت شنيعة مستغربة ~~فينبغي أن يقدم قبلها كلام يزيل شنعتها، مثل قول القائل: أما أنا فإني - ~~لكي لا أحسد أو أدعى بطالا، أرى أنه لا ينبغي أن أتأدب. وأما إذا كانت ~~الآراء خفية، فينبغي أن يقدم قبلها ما يوضحها ويبينها، والآراء يلحقها أن ~~تكون رموزا وأشياء مستغربة، وذلك مثل ما حكاه أرسطو من المثل الجاري عندهم ~~أنه لا ينبغي أن يكونوا شتامين لأن لا تكثر الخطاطيف في الأرض، فإنه استعمل ~~الخطاطيف مكان الناس الذين يتكلمون ويقعون في الناس، واستعمل الأرض مكان ~~الصامتين، فكأنه قال: إنه لا ينبغي لنا أن نشتم الناس لأن لا يتبدل ~~الساكتون عنا من الناس فيصيرون شتامين يطيرون حولنا ويصيحون كما تفعل ~~الخطاطيف. # PageV01P088 # وصنعة الكلام الرأيى وهو الذي جرت العادة أن يدل عليه بالألفاظ التي تدل ~~على الوقوف على رأي الرائي مثل قول القائل: الذي عندي، أو الذي أراه، أو ~~الذي أحسب، إنما يليق من الأسنان بالشيوخ وذلك فيما جربوا وخبروا من ~~الأمور. فأما من لم تكن هذه حاله فليس يحسن ذلك منه. وكذلك صنعة الأمثال ~~إنما تليق بالشيوخ المجربين. فإن تكلف المرء القول، كما يقول أرسطو، فيما ~~لم يجرب جهل وسوء أدب. وينبغي أن تكون العلامة المستعملة في الآراء كلية، ~~مثل قول القائل: إن القرويين مختلطة أوهامهم لأنهم يبذلون ما عندهم سريعا، ~~والمختلطة أوهامهم يبذلون ما عندهم سريعا. فإن هذه العلامة في الشكل ~~الثالث، ومقدماتها كلية. فإن لم يستطع المشير أن يأتي بالرأي كليا، فينبغي ~~أن يأتي به أكثريا. فإن لم يمكنه أتى به على أنه لأكثر من واحد، وأخذه ~~مهملا، وأوهم فيه الكلية، وإن كان ذلك باستكراه. وهذا قد يستعمل في ~~العلامات التي في الشكل الثالث. فإن هناك إنما تلزم نتيجة جزئية فتوهم أنها ~~كلية. وينبغي أن يستعمل عند الإشارة بالآراء الأمثال المشهورة، مثل قول ~~القائل: ولي حارها من تولى قارها، وقد تبين الصبح لذي عينين. فإن هذه ~~الأمثال هي في أنفسها آراء، ms160 وهي مع هذا شهادات. وينبغي أن تستعمل الأشياء ~~المنافرة للكل والملائمة على جهة الرأي، أعني الأقاويل التي تلذ النفس أو ~~التي تؤلمها وتؤذيها، وهي المعظمة أو المخسسة كما يقال: اعرف قدرك، مرة على ~~جهة التوبيخ، ومرة على جهة التعظيم. وكما يقول القائل: ليس يسوء منك شيء ~~وقد عرفت خلقك، فإن هذا يحتمل المدح والذم. فإن أمثال هذه الأقاويل إذا ~~استعملت على جهة الرأي كانت أوقع، كما لو قال القائل لمن أغضب بأن نقل عنه ~~شيء ما: إن هذا كذب على قدر علمي. فإن مثل هذا القول يزيل غضبه. وهو أنجح ~~إذا استعمل على هذه الجهة، أعني على جهة الرأي. # والكلام الخلقي إذا استعمل على جهة الرأي كان أنجع. والذي يلائم من ~~الخلقيات هو الكلام الذي يليق في الفضائل، كما يقال إنه ليس ينبغي أن يحب ~~بقدر ما يبغض، يعني أن الحب ينبغي أن يكون أكثر، بل بالحري أن يبغض بقدر ما ~~يحب. وينبغي أن يكون ما يخاطب به من الأقاويل الخلقية بحسب همة السامع، ~~وبحسب ما يستحسن من الخلق، ويكون كامنا فيه بالقوة. فإن بهذا يكون القول ~~أنجع، لأنه يصير ما بالقوة في نفسه سريعا إلى الفعل. مثل أن يرى شيخا يفعل ~~فعل صبي فيقول له: هذا غير لائق بالمشايخ، بل اللائق بهم كذا وكذا. فإنه ~~إذا ورد هذا القول على من في نفسه همة ذك الخلق تحرك إليه. فإن لم يمكن أن ~~يكون من يخاطبه بالكلام الخلقي ممن فيه همة ذلك الخلق، فينبغي أن يردف ~~القول الخلقي بالضمير المقنع، مثال ذلك قول القائل: إنه ليس ينبغي عندي ~~للإنسان أن تكون محبته يسيرة بقدر بغضته، كما يقول قوم، بل يجب أن يكون ~~دائم المحبة، فإن ذلك المذهب إنما هو للغدار أو المكار. فإن هذا المثال قد ~~جمع تحسين الخلق الذي وصفه وتقبيح ضده مع ذكر الضمير المقنع في ذلك. أو مثل ~~أن يقول هكذا ليس هذا القول عندي بحسن، أعني أن يحب الإنسان يسيرا بقدر ما ~~يبغض، لأنه يحق على ms161 المحب أن تكون محبته دائمة شديدة، لأنه ينبغي أن يبغض ~~الشر بغضا شديدا. فإنه إذا استعمل هذا على هذه الجهة جمع ثلاثة أشياء: أن ~~يكون رأيا وضميرا وخلقيا. أما كونه رأيا فلما استعمل فيه من اللفظ، الدال ~~على الرأي، أعني قوله عندي، وأما كونه خلقيا فلأنه يحرك إلى خلق المحبة، ~~وأما مقدمة الضمير المستعملة فيه فإنها مأخوذة من موضع الضد، لأنه إن كان ~~ينبغي أن يبغض الشرار بغضا شديدا، فقد ينبغي أن يحب الخيار حبا شديدا. ~~وأنجح ما يكون الكلام الخلقي إذا جمع هذه الثلاثة. واستعمال الكلام على جهة ~~الرأي فيه منافع: أحدها أن الجمهور معارفهم وظنونهم إنما هي في الأمور ~~الجزئية، وذلك أنه ليس يمكنهم أن يحددوا في أذهانهم الأمور الكلية، بل إنما ~~يتخيلونها مع الجزئيات، فإذا خوطبوا بالكلي في تلك الجزئيات التي أدركوها ~~فرحوا بما استفادوا في تلك الأمور الجزئية من الكلية. والناس محبون بالطبع ~~للفوائد. فهذا أحد ما يحر ك به الكلام الرأيي. # PageV01P089 # ومنفعة أخرى أيضا وذلك أن كل إنسان قد تكون له أمور يؤثرها ويهواها وأمور ~~لا يهواها، فمتى خوطب فيما لا يهواه بالكلي، المشترك بينه وبين ما يهواه، ~~سارع إلى قبول الكلي وذلك من أجل أن فيه حاجته فيتم الغرض من إقناعه في ذلك ~~الشيء؛ ولو أتى به جزئيا لم يقبله ولم يقع له فيه إقناع. مثال ذلك أن من ~~كان له جيران سوء أو أولاد فساق فقد يقبل قول القائل: إنه ليس في العالم ~~أشر من الجيران ولا من الأولاد. # ومن منافعه ما جرت العادة به من حذف القياس المتبت له لظهوره وأنه مما ~~يقدر أن يأتى به كل أحد من عند نفسه فيجعل السامع أن يتصور في نفسه أنه من ~~ذوي التمييز والمعرفة بقياسه، فيكون ذلك سببا إلى أن يصدق به وينقاد له. # ومن منافعه أيضا أن الإنسان إذا خوطب في شيء ما ربما تلقى القول في ذلك ~~بالرد، ويرى أنه قبيح أن يذعن لقول غيره، ولما طبعت عليه النفوس من النفوس ~~واللجاج. ms162 فإذا خوطب في كلي ذلك الشيء، بدل الشيء، كان أمكن ألا يرد القول ~~فيه وأن يقبله إذ يخفى عليه ذلك الشيء الذي كان المقصود في التخاطب. # والمنفعة الخامسة وهي أملك من هذه كلها وأفضل أن الرأي يجعل الكلام ~~خلقيا. وإنما يكون الكلام خلقيا بالرأي، لأن الرأي إنما هو قضية كلية في ~~أمور تؤثر أو تجتنب. # والقضية الكلية في الأمور أنفسها أو يتجنبها. فلذلك كان الرأي لذيذا عند ~~السامع وعند المخاطب. وقد كان يكون الرأي نفسه خلقيا لو انفرد دون مادته، ~~أعني دون الأمور المؤثرة والمجتنبة. فإن الرأي نفسه يقود المرء إلى أن ~~يتخلق بخلق من يرى ذلك الرأي، فكيف إذا اقترن بالأمور التي تقود الإنسان ~~إلى أن يتخلق بخلق من يؤثر تلك الأمور، وهي، كما يقول أرسطو، الأشياء التي ~~تركن إليها المشيئة والضمير، يعني التي تركن إليها الإرادات والنفوس، وهي ~~التي يحب الإنسان أن تكون له أو فيه أو يعرف بها ويشهر. # فقد قيل ما هو الرأي وكم أنواعه وإنها أربعة ومن أي الأشياء يعمل القول ~~الرأيي وما نسبة الرأي إلى الأمور وإنه يستعمل كليا وبالأكثر وإنه يستعمل ~~على جهة الأشياء الخلقية ويستعمل أمثالا وقيل أيضا في منافعه وفي من ~~يستعمله. # وينبغي بعد هذا أن نقول في مواد الضمائر، وبأي أحوال يجب أن تستعمل، ثم ~~يقال بعد هذا في المواضع. فأما الضمير قياس ما فقد قيل فيما تقدم وبين أي ~~نحو هو من القياس. # وأما مقدمات الضمائر فينبغي أن لا تكون من الأشياء المشهورة جدا بخلاف ما ~~عليه الأمر في المقدمات الجدلية، فإنها كلما كانت أشهر هنالك كانت أفضل، ~~ولا أيضا من الأمور الخفية التي تحتاج إلى بيان، بل يجب أن تكون من ~~المتوسطات بين هذين الصنفين، وهي المقدمات التي ليست تكون بالفعل عند ~~السامع ويقع له التصديق بها، وذلك أن تلك لشهرتها فكأن المتكلم بها لم يفد ~~شيئا لم يكن عند السامع، والغامضة أيضا تبعد أذهان الجمهور عن قبولها. ~~والذين لا أدب لهم إنما يتكلمون في المحافل ويسرعون إلى ms163 النطق بأمثال هذه ~~المقدمات لأنهم يظنون في المشهورة أنها ليست عند السامعين وذلك لقلة حنكتهم ~~ويظنون بما كان بينا عندهم أنه بين عند الجميع. # فهذه هي أصناف المقدمات المذمومة في الضمائر. # PageV01P090 # والصنف الثالث من المقدمات التي يستعملها غير ذوي الحنكة هي أيضا ~~المقدمات التي تحتاج إلى بيان يسير. فذوو الحنكة يسكتون عن أمثال هذه ~~المقدمات ولا يبادرون إلى التكلم كما يصنع الأحداث. وبالجملة فليس ينبغي أن ~~تكون المقدمات في هذه الصناعة من كل ما يعلمه الجمهور ويرونه، بل من أمور ~~معلومة محصلة إما عند الحكام وإما عند المقبولين من الناس عند الجمهور وإما ~~عند المقبولين عند الحكام وهم الذين ارتضوهم وذلك بأن تكون المقدمات بينة ~~لكل هؤلاء المقبولين أو لأكثرهم وكذلك لكل الحكام أو لأكثرهم. وينبغي أن ~~تؤخذ مقدمات الضمائر ليس كلها من الأمور الاضطرارية، لكن من الممكنة على ~~الأكثر؛ فإنه قد يستعمل في الخطابة مقدمات ضرورية لها معونة في أشياء ليست ~~ضرورية. وينبغي أن يعرف المتكلم الأمر الذي يريد أن يتكلم فيه ويقيس عليه، ~~إما في الأمور المشورية وإما في غيرها من الأبواب الضرورية للناس، يعني ~~المنافرية أو المشاجرية، وذلك بأن يكون قد أحاط علما بجنس ذلك الشيء الذي ~~فيه يريد أن يتكلم أو بالشيء الذي يريد أن يكلم فيه من ذلك الجنس. فإنه إن ~~لم يكن عنده علم من ذلك الشيء، لم يقدر أن يقنع فيه. وكيف نستطيع أن نشير ~~على أناس بالمحاربة ونحن لا نعرف جندهم ما هم، أعني أخيلا هم أم رجالة أم ~~أصحاب قسي أم رماح أم سيوف، ولا كم مبلغ عددهم، ولا من إخوانهم، ولا من ~~أعداؤهم، ولا أية حروب حاربوا ولا من حاربوا وكيف حاربوا، فنعلم مقدار ~~جرأتهم وصدقهم في الحرب. أو كيف نستطيع أيضا أن نمدح قوما لا نعلم ما لهم ~~من المكرمات والأوائل الشريفة، فإن المدح إنما يكون للممدوح بالأمور ~~الموجودة له مما هي حسنة في نفسها جميلة أو يظن بها أنها حسنة جميلة. وكذلك ~~متى أخبرنا عن غيرنا بأنه كان ms164 يشير أو يمدح أو يذم أو يشكو أو يجيب، فإنما ~~نخبر عنه بأنه قد فعل تلك الأشياء بأعيانها التي كنا نحن نفعلها لو تولينا ~~الفعل بأنفسنا، أعني بالأمور التي هي موجودة للشيء الذي يوصف بها بالحسن ~~والقبح في المدح والذم، أو يوصف بها بالنفع والضر في الإشارة، أو بالجور ~~والعدل في الشكاية. وبهذا الطريق بعينه، أعني بالأمور الموجودة للشيء، نصف ~~غير الناس بالجودة والرداءة كما نصف الناس. فإن هاهنا أشياء سوى الناس تذم ~~وتمدح. وبالجملة: إنما نصف ذوي الخير والشر بالأفعال التي هي موجودة عندهم ~~من جهة ما هو ذوو خير أو شر لا بأي شيء اتفق، ولكن من التي هي خاصة بالشيء ~~الذي فيه الكلام. وكذلك كل شيء من الأشياء يقنع فيه بقول قياسي، كان القول ~~القياسي ضعيفا أو قويا. # والقياس يفضل القياس إذا كانت مقدماته أعرف، ولزوم أجزاء مقدماته بعضها ~~لبعض أكثر والحدود الوسطى فيه أخص بالشيء الذي يقصد إثباته. فهو بين أن ~~مقدمات الضمائر ليس ينبغي أن تؤخذ من أي شيء اتفق، ولا كيفما اتفق، بل ~~ينبغي أن تؤخذ بالشروط التي قيلت والحدود التي وضعت مثل أن تكون من الأمور ~~الموجودة للشيء الذي فيه القول وأن تكون مقبولة عند الخواص من الناس ~~والمشهورين، وذلك في صنفي المقدمات، أعني الممكنة والوجودية، وسائر الشروط ~~التي قيلت. وكل ما كانت المقدمات من أمور هي موجودة، أي صادقة، وكانت أخص ~~بالشيء، كانت أقنع مما هو أكثر عموما وأقل صدقا. والمقدمات العامة هي ~~الموجودة لأشياء كثيرة. مثال ذلك أن يمدح مادح أرسطو بأنه كان حكيما، فإن ~~هذا شيء يعم أرسطو وغيره من الحكماء. وأما الذي يخصه فمثل أن يقال فيه أنه ~~الذي كمل الحكمة وتممها. # فهذا هو القول في شروط مقدمات الضمائر. # PageV01P091 # وقد ينبغي أن نقول أيضا في المواضع التي منها نستنبط الضمائر. والمواضع ~~بالجملة هي اسطقسات الضمائر. فإنه إنما يمكننا أن نصادف مقدمات الضمائر ~~بطريق صناعي بمعرفة المواضع، وهي أول شيء ينبغي أن يكون عندنا من أحوال ~~المقدمات. فإن المواضع بالجملة ms165 إنما هي صفات للمقدمات وأحوال لها عامة ~~يتطرق منها إلى وجود المقدمات. والذي سلف القول فيه من أحوال المقدمات هي ~~أيضا صفات أخص من المواضع. والمواضع منقسمة أولا بانقسام الضمائر. والضمائر ~~أولا صنفان: مثبت وموبخ، كالحال في القياسات الجدلية. والضمير المثبت هو ~~القياس الذي ينتج أن الشيء موجود أو غير موجود من المقدمات المعترف بها. ~~والضمير الموبخ هو الذي ينتج الشيء من المقدمات المجحودة المستنكرات، مثل ~~قول القائل: إن كذا ليس بنافع، لأنه لو كان نافعا لكان أول من بادر إليه ~~المشير. وذلك أنه قد يترك المشير شيئا تركه مستنكر. فإذا وفينا المواضع ~~بحسب هذين النوعين من أنواع الضمائر، وكانت عندنا عتيدة، كنا قريبين من أن ~~تحصل عندنا بالفعل جميع المقدمات الجزئية النافعة في شيء شيء من الأمور ~~الجزئية التي قلنا إن أحد شروطنا أن تكون مقبولة عند طائفة طائفة. ومن هذه ~~المواضع يؤتى بالضمائر في المشوريات التي هي في الضار والنافع، وفي ~~المنافرية التي هي في المدح والذم، وفي المشاجرية التي هي في العدل والجور، ~~وفي الانفعالات، وفي الخلقيات. فنقول: إن المواضع لما كانت ثلاثة أصناف: ~~إما موضع مثبت وإما موبخ وإما سوفسطائي، فقد ينبغي لنا أن نذكر صنفا صنفا ~~من هذه على حدته، ثم نصير بعد ذلك إلى القول في المناقضات والمقاومات ومن ~~أين ينبغي أن يؤتى بالضمائر فيها. # فأحد المواضع المثبتة المأخوذة من الأضداد وذلك أنه ينبغي أن ننظر هل ضد ~~المحمول موجود لضد الموضوع، فإن وجد، حكمنا أن المحمول موجود له. وإن ~~ألفيناه مسلوبا عنه، حكمنا أن المحمول مسلوب من الموضوع. مثال ذلك إن كانت ~~العفة نافعة فالشره ضار؛ وإن كانت الحرب هي علة الشرور الحاضرة، فالسلم ~~ينبغي أن يصلح ذلك ويدفعه. # وموضع من التصاريف والنظائر التي ذكرت في طوبيقى؛ فإن النظائر والتصاريف ~~يجب أن يكون حكمها فيما يوجب أو يسلب واحدا، وذلك أنه إن كانت العفة خيرا، ~~فالعفيف خير. # وموضع ثالث من المضاف: فإنه إن كان الفعل حسنا وعدلا، فالانفعال أيضا حسن ~~وعدل، مثال ذلك ms166 أنه إن كان البيع حسنا، فالابتياع حسن. وقد يغلط في هذا ~~ويظن أنه إن كان بعدل وقع الفعل بالمنفعل فبعدل انفعل المنفعل، أو بالعكس. ~~والاختلال فيه أنه إذا حكم على إنسان ما بالموت لأنه قتل زيدا فجعل ~~لأوليائه أن يقتلوه، فيجيء آخر فيقتله ممن ليس له بولي، ثم يعتذر بأن يقول: ~~إن كان الموت الذي حل به عدلا، فقتلي له عدل. وهو بحسب الشريعة ليس بعدل. ~~فلذلك ينبغي أن ننظر إلى الشيئين الذين أخذا من المضاف هل أخذا من جهة ~~واحدة أو من جهتين، ويستعمل النافع في الإقناع من ذلك. وذلك أنه قد يكون ~~مقنعا أن المضافين يلحقهما شيء واحد، وذلك إذا أخذا من جهة واحدة. وبالعكس ~~يكون أيضا مقنعا أن المضافين يلحقهما شيء مختلف إذا أخذا من جهتين. فينبغي ~~للخطيب أن يتحرى النافع من ذلك في موضع موضع. # وموضع رابع من الأقل والأكثر، كما يقال إن الذي يضرب أبويه يضرب أقاربه. ~~وذلك أنه إذا كان الأقل وجودا موجودا، فالأكثر وجودا موجود ضرورة. وذلك أن ~~ضرب الأبوين أقل وجودا من ضرب القرابة. وأما في الإبطال فعكس هذا، أعني أنه ~~إذا لم يوجد الأكثر فالأقل غير موجود. وذلك أنه إذا لم يضرب القرابة، فأحرى ~~ألا يضرب الآباء. فإذا استعمل هذا الموضع في الإثبات انتقل فيه من الأقل ~~إلى الأكثر، وإذا استعمل في الإبطال انتقل فيه من الأكثر إلى الأقل. # PageV01P092 # وموضع آخر خاص بالخطابة وهو يشتمل على مواضع وليس يوجد قول يشملها إلا ~~أنه بالجملة يقتضي تبكيت المخاطب بما قد فعله أو بما هو فاعل أو بأمر ما لم ~~يفعله ولا هو فاعله. فمنها أن تكلف من سألك شيئا ما يعسر عليك أن يفعل هو ~~ما يعسر عليه أو لا يقدر على فعله. ومنها أن تسأل غيرك أن تفعل ما تعلم أنه ~~لا يقدر عليه وما ليس له ليظن بك أنك ممن له ذلك الشيء. ومنها أن تعيب على ~~غيرك شيئا تعلمه من نفسك ليظن أن الذي تعيب به غيرك ليس هو ms167 لك. وذلك أن ما ~~يعيب الرجل به غيره يظن به أنه يتجنبه. إذ كان ما يتجنبه يعيب به غيره فيظن ~~بهذا العكس. وكذلك إذا أوجبت لغيرك خيرا ليس هو فيك ليظن أنه فيك. ومن هذا ~~الجنس: المتجني من غير جناية. ومنها تتبع زيادة الشرائط في القول حتى يصير ~~حجة، أو نقصان الشرائط حتى يصير حجة. ومما يوبخ به الشاكي أن يبين المشكو ~~أنه أسوته في الشر وأنه ليس هو أفضل منه. فإن التساوي في الشر لا يجعل ~~لإنسان على إنسان آخر موضع شكاية. وذلك أنه كما أن التأسي في الخير يوجب ~~مدح بعض بعضا، كذلك التأسي في الشر يزيل ذم بعض بعضا. ومن هذا الموضع أمر ~~ازدشير بن بابك الملك حيث قال في كتابه إن الطاعنين على الملوك بالدين ~~ينبغي أن يؤتوا من الدنيا ويوسع عليهم حتى يكون الدين هو الذي يقتلهم ويريح ~~الملوك منهم. # وموضع آخر مأخوذ من التحديد وهو مشترك بين الصنائع كلها ومعنى الحد هاهنا ~~كل ما هو مقبول أنه حد، أو مظنون أنه حد، كان ذلك حدا في الحقيقة أو رسما ~~أو إبدال اسم مكان اسم أو تعريف الشيء بجنسه. فإن هذه كلها داخلة في هذا ~~الباب. وأخذ مثالات ذلك مما اشتهر لدينا أمر قريب. وأرسطو ذكر في ذلك أمثلة ~~كانت لقوم مشهورين في زمانه. # وموضع آخر من القسمة وذلك أن نقسم المحمول أو الموضوع. فإن الشيء إذا أخذ ~~مجملا قد يرى أنه مستقيم، وبالجملة أنه بحال ما. فإذا قسم ظهر أنه بخلاف ~~تلك الحال. كقول القائل: إن من ظلم، فإنما يظلم لإحدى ثلاث: إما لسبب كذا ~~أو كذا أو كذا. فأما الإثنان فلا يمكن أن يكونا، وأما الثالث فليس تزعمه ~~أنت. # وموقع آخر مأخوذ من الاستقراء الذي سلف. مثال ذلك أن يقول قائل: إن الذي ~~يهمه أمر إنسان آخر يتقدم فيشكره في الخير والشر مثل الوالد مع ولده ~~والصديق مع صديقه، وذلك كما فعل فلان مع فلان، وفلان مع فلان. ومثل من يريد ~~أن يهون ms168 على آخر أمر السنة أو يحث عليها فيقول: إن فلانا وفلانا فعل كذا ~~وكذا مما يخالف السنة فلم يضره ذلك بل نمت حاله وزاد سلطانه، أو يقول إن ~~فلانا وفلانا تمسك بالسنة فكان ذلك سببا لدوام سلطانه واتصال ملكه. وموضع ~~آخر من مواضع التقابل: وهو أن يحكم على شيء ما بحكم ما من أجل أنه قد حكم ~~به من سلف إما في ذلك الشيء بعينه، وإما في شبيهه، وإما في ضده، أعني أن ~~الحكم على شيء ما يوجب ضد الحكم على ضده، ولا سيما إن كان الذين حكموا هم ~~الكل والجمهور والعلماء معهم أو أكثرهم وكان ذلك الحكم دائما، أو ما يحكم ~~به الأكثر أو الحكماء إما جلهم وإما بعضهم، وكذلك أيضا إذا حكم به الذين ~~يظن أنهم لا يحكمون بالمتضادات، أعني بضد الحق أو بضد الخير أو بضد النافع ~~أنهم لا يحكمون بالمتضادات، أعني بضد الحق أو بضد الخير أو بضد النافع أو ~~بضد العدل كالإله والأبوين والمعلم. والحكم من هؤلاء قد يكون بالقول، وقد ~~يكون بالفعل، وقد يكون بالطبع، أعني إذا لم يكن في طباعهم ذلك الشيء، مثل ~~قول القائل: إن الموت شر، هكذا حكم الله، فإنه ليس بمائت. وأما مثال ذلك في ~~الأبوين والمعلم فظاهر، وذلك إذا احتج على الإنسان بأفعالهما وأقوالهما. # PageV01P093 # وموضع من تقسيم المحمول وهو مشترك للصنائع الثلاث. ومثال ذلك هاهنا أن ~~يقول قائل في الإبطال: كيف يكون فلان مجرحا وأي خمر شربها، أو أي زنى أتاه، ~~أو أي نفس قتلها، وأي مال أكله، وأي صلاة تركها، وما أشبه ذلك. ويقول في ~~الإثبات: كيف لا يكون فلان عدلا وأي صلاة فوتها، أو أي زكاة لم يؤدها، أو ~~أي منكر عرف أنه أتاه. وموضع آخر أشبه أن يكون إما موضع اللازم الذي ذكره ~~في طوبيقى وإما جزءا من موضع اللازم: وذلك أن ننظر فيما يعرض للشيء من خير ~~وشر ويلزمه، وبالجملة من اللوازم المتضادة، وذلك في الأصناف الثلاثة، أعني ~~المشورية والمشاجرية والمنافرية. مثال ذلك أن يقول ms169 قائل: إن الذي يلزم ~~متعلم الأدب من الشر أن يكون محسودا، والذي يلزمه من الخير أن يكون حكيما، ~~فينبغي للمرء ألا يتأدب لكي لا يحسد، أو يتأدب لكي يكون حكيما. وذلك إما ~~بأن يستعمل في الحث على أحد المتضادين أو في التخيير. وهذا الموضع يستعمل ~~في الممكنات وفي سائر الأشياء، وهو لذيذ بحسب ما فيه من ترتيب المتضادين ~~أحدهما عند الآخر. # وموضع آخر: وهو أنه قد يلحق كل واحد من الضدين أو المتقابلين بالجملة ~~متقابلان اثنان، إما معا، وإما أن يلحق كل واحد منهما أحد الضدين فقط. ~~فالأول هو الموضع الذي تقدم، وذلك أن التأدب وعدمه يلحق كل واحد منهما خير ~~وشر معا. وأما الذي يلحق كل واحد منهما أحد الشيئين، فمثال قول القائل: إن ~~نطقت، نطقت إما بالحق وإما بالكذب. فإن نطقت بالكذب أبغضني الله، وإن نطقت ~~بالحق أبغضني الناس. فالواجب السكوت. أو يقول: بل الواجب التكلم، لأنه إن ~~تكلمت بحق أحبك الله، وإن تكلمت بباطل أحبك الناس. ومن الفرق بين هذا وبين ~~الموضع الأول: أن اللازمين هناك لأحد الضدين قد لا يكونان متضادين - فإن ~~الحسد والحكمة غير متضادين - وقد يمكن أن يجتمعا في موضع واحد. وأما ~~اللازمان هنا فليس يمكن اجتماعهما، وذلك أن محبة الله هي العدل، ومحبة ~~الناس هي الجور. # وموضع آخر: وهو أن نعتمد المقدمات المتضادة، أعني التي يلحق أحد الضدين ~~منهما أن يكون جميلا ومعترفا به في الظاهر وباللسان، وقد يكون الضد الآخر ~~نافعا ومعترفا به في الباطن والضمير. فإن الخطيب إذا تحرى بهذا الموضع ~~أمثال هذه المقدمات، أمكنه أن يقنع به في الشيء وضده، وهو من العجائب وجودة ~~الحيلة. مثال ذلك أن يقول قائل يريد أن يحث على أجتناب الخمر: إنها رجس ~~وإنها محرمة ومفتاح الآثام. فإن هذا في الظاهر والجميل مقر به. ويقول آخر: ~~أنها تنفع المرء في صحته وتجيد خلقه وذهنه، فإن هذا معترف به في الضمير. # وموضع آخر مركب من موضعين من مواضع التقابل، أحدهما تركيب الأضداد، ~~والآخر عكس مقدمات الأضداد، ms170 وذلك مثل قول القائل، وقد عذل في استخدام ابنه ~~وكان طويلا، فقال لهم: إن كنتم تعدون الطوال من الغلمان رجالا، فقد أوجبتم ~~أن القصار من الرجال غلمان. فإن قولنا: " " الغلام الطويل رجل " " عكس ~~قولنا: " " الرجل القصير غلام " ". والرجل والغلام متقابلان، والقصير ~~والطويل كذلك. # ومثال آخر من هذا: إن كنتم لا تجعلون زواركم مقصين ولا مبعدين إذا فعلوا ~~الفواحش، فلا تقربوا الأعفاء ولا تزوروهم. # وموضع آخر: أن يكون الضدان أو المتقابلان يلزمهما شيء واحد بعينه، كقول ~~القائل: إنه سواء في الإثم والفرية أن الإله مخلوق وأنه لا يموت، أو قوله ~~إنه ليس بمخلوق وإنه يموت. فإن الذي يلزم عن هذين المتقابلين هو أمر واحد ~~بعينه وهو أن يكون الإله ليس بإله. ولزوم الشيء الواحد للمتقابلين معا ليس ~~هو بالحقيقة، وإنما ذلك بالعرض. كما قيل في المسئلة المشهورة: هل ينبغي أن ~~يتفلسف أو لا يتفلسف. فإنه بأي الوجهين أجاب، لزمه أن يتفلسف. ومن هذا ~~تبكيت أفلاطون لأفروطاغورش. ومن هذا قول القائل: سواء عصيت الله أو عصيت ~~الرسول. # PageV01P094 # وموضع آخر نافع في أخذ المقدمات المتضادة: وهو أن هنا أحوالا لأشياء تلحق ~~تلك الأحوال أشياء متضادة. فإذا أخذت تلك الأحوال حدودا وسطى أمكن أن يقنع ~~بها في الشيء وضده. وهذا الموضع يخالف سائر المتضادات بأن هذه الأحوال ليست ~~متضادة. مثال ذلك أن يقول القائل: أما أنا عند الخوف فإني لا أقاتل بل ~~أهرب، وذلك أن بالهرب أتخلص، وإذا أمنت قاتلت، أو يقول: بل إذا خفت قاتلت، ~~فأنا بالقتال أتخلص. وإذا أمنت لم أحتج إلى القتال. # وموضع تستعمل فيه الأشياء التي تلزم عنها غايات شتى، وهو أن ننظر في ~~الأشياء التي إذا كانت، احتملت غايتين مختلفتين أو غايات كثيرة، فإنا إذا ~~أخذنا تلك الأشياء حدودا وسطى، أمكننا أن نقنع بها في الشيء وخلافه. وذلك ~~مثل أن يقال: إن فلانا لم يؤدب فلانا لأن الشرع أقتضى تأديبه، بل لأنه كان ~~حاقدا عليه. ومثل أن يقول القائل في شيء دفعه لغيره: إنما دفعت لك عارية، ~~ويقول الآخر: ms171 إنما دفعته هبة. وهو موضع يستعمل في الأصناف الثلاثة الخطبية. # وموضع آخر عام للذين يختصمون وللذين يشيرون وهو أن ينظر في الأشياء التي ~~يرغب فيها وفي الأشياء التي لا يرغب فيها وفي الأمور التي من أجلها يفعل ~~الشيء إذا وجدت، أو لا يفعل إذا عدمت. فمن ذلك إن كان الأمر ممكنا وكان ~~سهلا وكان نافعا له وللأصدقاء وضارا للأعداء أو غير ضار أو كان الضر فيه ~~أقل من المنفعة، فالمرغب أو المحرض ينبغي أن يستعمل هذه ونحوها؛ فأما الذي ~~يصد أو يكف فأضداد هذه. ومن هذا يشكو الشاكون ويجيب المجيبون. أما الشكاية ~~فمن الذي يرغب، وأما الاعتذار فمن الذي يصد. ومن هذا الموضع، فيما قال ~~أرسطو، تؤخذ خطابة رجلين من القدماء مشهورين بالخطابة عندهم. # وينبغي أن تكون المقدمات التي تستعمل هاهنا من الأشياء المظنونة المقبولة ~~في بادئ الرأي، لا من الأشياء التي لا يصدق بها إلا أن تكون مما يمكن أن ~~تقبل ويقع بها الإقناع من قرب وبسهولة. وذلك أن الأشياء التي يقع بها ~~التصديق هاهنا صنفان: أحدهما ما إذا سمعه الإنسان، صدق به وقبله من ذاته، ~~والآخر ما إذا سمعه، قبله لشهرته ولأنه محمود عند الجميع. # والصنف الأول إنما يقع له بالتصديق لأنه يظنه من الثاني، أعني من ~~المشهور. فتكون المقدمات المظنونة صنفين: صنف يصدق به لأنه مشهور، وصنف ~~يصدق به لأنه يظن من المشهورات. وذلك أن التصديقات ثلاثة أصناف: إما يقيني، ~~وإما مشهور حقيقي، وإما في بادئ الرأي. فمتى عرى القول الخطبي من هذين ~~الصنفين ولم يكن مما يقع التصديق به عن قرب لم ينبغ أن يستعمل في هذه ~~الصناعة. ومثال ما يقع الإقناع به عن قرب ما قال بعض القدماء: إن السنة ~~تحتاج إلى سنة تقومها، كما يحتاج السمك الذي في البحر إلى الملح، والبحر ~~مالح، وكما يحتاج الزيتون إلى الزيت، وفيه الزيت. فإن هذا، وإن كان غير ~~مقنع، فقد يقع به الإقناع عن قرب، إذا زيد فيه أن السمك يحتاج إلى الملح ~~إذا أريد بقاؤه بحفظه ms172 وأن يجعل له طعما آخر. وكذلك يزاد في الزيتون إذا ~~أريد بقاؤه وتغيير طعمه، أعني أن يجعل الزيت فيه، وإلا فما هو المقنع أن ~~يقال إن الذي في الملح يحتاج إلى والذي في الزيت يحتاج إلى الزيت عن قرب. ### | القول في مواضع التوبيخ # فمنها أن ننظر في الخيرات والشرور التي يذكر بها الخصم بالمدح أو بالذم ~~مما هو خارج عن ذلك الأمر الذي فيه القول، وذلك ما كان منها متحدثا به عند ~~الناس وجاريا على ألسنتهم وأفواههم، أو كانوا مستعدين لأن ينطقوا به، وإن ~~لم ينطقوا به بعد، أعني من أفعال الخصوم وأقوالهم الماضية والحاضرة، ~~فسيتعلمون توبيخ الخصوم بذلك عندما يلزمونها أمرا ما، كما قيل: إنكم قوم ~~تحبون حبا يجمع الاسم والحد، يريد أن مودتهم صادقة وأنها من قلوبهم. وكما ~~قيل: إنه لم يعط أحد منكم قط شيئا، وأما أنا فقد وهبت للكثير منكم. ~~وبالجملة فليكن النظر هاهنا في كل ما يذكر به المتخاصمان معا مما هو خارج ~~عن المقدمات التي تستعمل في بيان الشيء. # PageV01P095 # وموضع آخر مأخوذ من أشباه الأفعال التي يوبخ بها ومن خيالاتها وأشباه ~~الخصوم من الناس، وذلك إذا لم يقدر المشكو به أن يثبت العلة في ذلك الأمر ~~والسبب فيه، أعني في ارتفاعه عنه حتى يزول قبح ما ذكر به. فإنه قد يعتذر ~~المشكو به بأن شبيه ذلك الفعل قد كان من الشاكي، أو قد كان ذلك الفعل بعينه ~~من شبيهه من الناس. وهذا هو التأسي. وإنما يفزع إليه حيث لا يقدر الخطيب ~~على إعطاء السبب الذي يزيل التهمة عنه. # وموضع آخر أن يجعل الشيء نفسه هو العلة، وهو في الحقيقة مصادرة، لكن هو ~~هاهنا مقنع من جهة شهرته، وليس يرى الجمهور فيه أنه مغالطة. وذلك يكون ~~بتغيير اللفظ أو بتبديله، لا بأن يأتى بذلك اللفظ بعينه، مثل أن يقول إنه ~~موجود أو إنه ليس بموجود لأنه ليس بموجود بل كما قال بعض القدماء حيث نفاه ~~إنسان عن بلده ونسبه: إنه في نسبه وبلده كذا، لأن ms173 هذا مكتوب في رأس المدينة ~~على صومعة هنالك. وذلك أن العادة كانت عندهم أن تكتب أسماء أهل بيوت ~~المدينة في صوامع مشهورة. وذلك عندنا مثل أن يقول القائل: إن نسب فلان كذا، ~~لأن به تقع شهادته في العقود. # وموضع آخر من التوبيخ: وذلك إذا فعل فعلا وترك ما هو أفضل منه مع إبطاله ~~له. # وموضع آخر: أن ننظر هل يفعل المشير بالأمر ذلك الشيء الذي أشار به، إذا ~~كان ممكنا له فعله. فإنه إن لم يفعل ما أشار به وهو له ممكن كان فيه موضع ~~توبيخ له. لأن الذي أشار به: إن كان خيرا يكتسب أو شرا يجتنب، فليس يختار ~~أحد ترك فعل الخير أو اجتناب الشر طوعا. وهذا الموضع كاذب. فإنه قد يشير ~~الإنسان بالشيء وهو يظنه في وقت ما يشير به خيرا، ثم يتبين له أنه ليس ~~بخير، فلا يفعله، وهو قد كان أشار به. ومن هذا عندنا أن يروى الراوي الحديث ~~ويترك العمل به. # وموضع آخر: وهو أن ينظر إلى الفعلين اللذين يفعلهما الإنسان، هل أحدهما ~~يلزم عنه - إذا فعله - ألا يفعل معه الآخر، فيكون في ذلك موضع توبيخ. قال: ~~مثل أن يبكى على الميت، ويتقرب بالصدقة عنه. فإن البكاء يدل على موته، ~~والتقرب على حياته. # وموضع آخر: أن ينظر في الشيء الذي يجعل دليلا على الشكاية، فيقيم منه ~~دليلا - إذا أمكن - على الاعتذار، أو يكون الشيء الذي يعتذر به يفهم منه ~~نفسه دليل على الشكاية. وذلك يكون على وجهين: إما أن في طباع الدليل ذلك، ~~مثل أن يوجد إنسان في وسط الدار واقفا، فيقال إنه لص، لأنه وجد في هذا ~~الموضع، فيقول هو: لو كنت لصا، لم أكن واقفا في وسط الدار. # والوجه الثاني: أن يوجد في ذلك القول الذي يعتذر به المعتذر أو يشكو منه ~~الشاكي موضع يستدل به منه ضد استدلاله. فإن كان في اعتذار، استدل منه على ~~الشكاية، وإن كان في شكاية، استدل منه على الاعتذار. وذلك من خطاء يعرض في ~~القول من ms174 زيادة أو نقص أو إهمال شرط من شروطه. مثل أن يتهم إنسان بأنه سرق ~~شيئا من منزل اتفق أن قتل صاحبه فيه، فيقول: لم أسرق منه شيئا، ولا قتلت ~~صاحبه. فإن في مثل هذا الموضع تتأكد التهمة عليه، إذ كان قد أخطأ وزل في أن ~~أجاب عن ما لم يسئل عنه. وقد كان بعض المشاهير في هذه الصناعة إنما يؤلف ~~خطبه من هذا الموضع. # PageV01P096 # وموضع آخر تكتسب المقدمات فيه من اسم الشيء. وذلك إما باشتقاق وإما بنقل ~~وإما باستعارة. مثال ذلك أن يكون رجل اسمه حديد أو مقاتل، فيتفق أن يكون في ~~نفسه حديدا أو مقاتلا، فيقول: أنت حديد، يا حديد؛ وأنت مقاتل، يامقاتل. ~~وربما كان بنقل الاسم كما هو، وربما كان بتغيير قليل كما قيل: أمتك آمنة. ~~وكما قال بعض الملوك لرجل شاعر يعرف بابن فاتك: أنت ابن باتك فقال: أنا ابن ~~بابك. فهذه جملة المواضع التي تشتمل على التثبيتات والتوبيخات بحسب ما ذكر ~~أرسطو. والتوبيخات بالجملة أنجح وأنجع من التثبيتات، لأنها تخيل إلى السامع ~~مع الشيء ضده. فيكون تصوره أتم وألذ. وأيضا فإن الموبخات لقرب بيانها تؤلف ~~من ألفاظ أقل، فتكون أسهل حفظا وأسرع إبانة للشيء. وهما بالجملة متقاربان، ~~لكن الموبخات أبين وأظهر عند السامع، وكلاهما يفعل الاقناع المحرك للنفس لا ~~سيما ما كان منها إذا ابتدأ الخطيب بصنعته أحس هو والسامعون بالغاية ~~المقصودة منه. وبالجملة فيقفون منه على الشيء اللازم التالي لصدر القول. ~~فإن الضمائر التي بهذه الصفة قد يفرح بها المتكلمون إذا أحسوا منها بهذا ~~المعنى، فضلا عن السامعين. وهذه المواضع بالجملة إذا تحصلت للإنسان أمكنه ~~أد يدرك بها من هذه الصناعة في زمان قصير وتعب يسير ما شأنه أن يدرك في ~~زمان طويل وتعب كثير. # ولما كان هاهنا في الصناعتين المتقدمتين، أعني صناعة البرهان والجدل، ~~صنفان من القياس: أحدهما هو قياس بالحقيقة في تلك الصناعة والآخر مموه يظن ~~به أنه من مقاييس تلك الصناعة وليس هو من مقاييسها، كذلك الأمر في صناعة ~~الخطابة فإن فيها ms175 ما هو ضمير بالحقيقة ومنها ما هو ضمير مموه. والأشياء ~~التي تفعل ذلك هي التي أحصيت في كتاب سوفسطيقي، إلا أنه يذكر المشهور منها ~~هاهنا، أعني المشترك وما هو أيضا منها خاص بهذه الصناعة. إذ كانت القياسات ~~السوفسطائية منها ما هي مشتركة للصنائع كلها ومنها ما يخص صناعة دون صناعة، ~~وذلك أنه كما أنه قد يكون قياس مموه في صناعة البرهان، ولا يكون في صناعة ~~الجدل، كذلك قد يكون قياس مموه في صناعة الجدل ويكون هاهنا ضميرا بالحقيقة، ~~مثل قياس العلامة الذي في الشكل الثاني. # والمواضع المغلطة صنفان: ألفاظ ومعان. فأما الضمائر المغلطة من قبل ~~الألفاظ فأحد أنواعها أن تكون أشكال الألفاظ واحدة وما تدل عليه الأشكال من ~~تلك الأمور مختلفة. وهذا الموضع هو مبدأ لقياسات كثيرة مغلطة، مثل قولنا: ~~إن كان الرجاء هو المرجو، فالذهاب هو المذهوب به، وإن كان الذهاب فعلا، ~~فالرجاء فعل لا مفعول. فإن هذه إذا ألفت على هذا الوجه حدث منها ضمير مظنون ~~من غير أن يكون في الحقيقة ضميرا. ومنها الذي يكون باتفاق الاسم واشتراكه ~~مثل قولنا فيمن نسبه كلبي: هو من كلب، والكلب خسيس، فهو خسيس. وإنما غلط في ~~ذلك أن اسم الكلب يقال على القبيلة وهذا الحيوان النابح. # وموضع آخر من الكلام المفرد إذا قيل مؤلفا، ومن المؤلف إذا قيل مفردا، ~~لأنه يظن أنه شيء واحد. مثال ما يصدق مفردا ويكذب مؤلفا أن يقال إن الذي ~~يعرف حروف المعجم كل واحد على حاله يعرف الشعر، لأن الشعر مؤلف من حروف ~~المعجم. ومن هذا الموضع، أعني من الإفراد والجمع، عرض ما عرض في مسائل ~~القول في المواريث، فإنه لما وضع لكل واحد من الوارثين شريعة في حظه من ~~المال كان ذلك صادقا، فلما جمع ذلك مع الغير لم يصدق. فإنه لا يوجد مال له ~~نصف وثلثان، فاختلف الفقهاء في ذلك. فهذه كلها مواضع سوفسطائية مشتركة ~~للصنائع الثلاث، أعني البرهان والجدل والخطابة. # وموضع خاص بالخطابة وهو أن يصير القائل السامعين بحيث يشتبه عليهم الأمر ms176 ~~حتى يقع في نفوسهم أن المدعى عليه فعل ذلك الأمر الذي ادعى به عليه من قبل ~~أن يثبت المدعى ذلك أنه فعل ذلك، أو يقع في نفوسهم أن المدعي كاذب في دعواه ~~من قبل أن يعتذر عنها المدعي عليه. فالأول يكون مما يقوله المدعي أو يفعله، ~~مثل أن يعظم الذي ادعى به أو يقلق منه ويظهر منه تأذ وضجر. # والثاني مما يفعله المدعي عليه أو يقوله، مثل أن يبكي أو يقوم فيلتطم ~~ويضع التراب على رأسه أو يقول أقاويل يذهل بها السامع أو الحاكم حتى يتشاغل ~~فيسهو عما يعني به ولا يقدره قدره. # PageV01P097 # وموضع آخر عام وهو المعروف بموضع اللاحق، مثل قول القائل: فلان سارق لأنه ~~شرير، فإنه يصدق أن السارق شرير وليس ينعكس، أعني أن مكل شرير سارق. # وموضع آخر مما بالعرض، كما قيل إن الجرذان أعانتنا على عدونا، لأنها قرضت ~~أوتار قسيهم. # وموضع آخر وهو أن يجعل ما ليس بعلة للشيء علة له، وذلك بأن يؤخذ الكائن ~~مع الشيء أو بعده سببا لوجود الشيء من غير أن يكون سببا. فإن الخطباء ~~يستعملون ما بعد الشيء مكان ما من أجله يكون الشيء ولا سيما في المشورة، ~~كما لو قيل إن تدبير أبن أبي عامر كان من أجل شيء قصده، لأن الفتنة ~~بالأندلس كانت بعده. # وموضع آخر وهو أن يكون الشيء سبيله أن يؤخذ بحال ما فيؤخذ بحال أخرى، ~~وذلك إما من زمان أو مكان أو جهة أو حال، أو يكون مما سبيله أن يؤخذ بحال ~~ما فيؤخذ مطلقا. وهذا الموضع مشترك في التغليط لصناعة البرهان والجدل ~~والخطابة؛ إلا أن مواده تختلف في هذه الصنائع الثلاث. فالتغليط به في الجدل ~~يكون بالأمور الكاذبة الممكنة، فإنه إذا أخذ فيها مطلقا ما ليس بمطلق ~~بالفعل، فإنه ممكن أن يكون مطلقا. والتغليط به في صناعة البرهان يكون ~~بالمعدومة، وهي الكاذبة الممتنعة. ومواده في الأمور الخطبية هي الأمور ~~الواجبة. وإنما كان هذا الموضع مقنعا لأن كثيرا من الأشياء يصدق جزئيا ~~وكليا، فيظن بكل ما ms177 يصدق جزئيا أنه يصدق كليا. وإنما يوقف على كذب هذه ~~المقدمات المطلقة في هذه الصنائع الثلاث، إذا زيد في القول شريطة يظهر بها ~~كذب المقدمة المطلقة، مثل أن يقال فيمن هو عادل في الأموال إنه عادل على ~~الإطلاق. فإذا أظهر أنه غير عادل في النكاح، اشترط في الأموال، فتصح حينئذ ~~المقدمة، ويظهر كذب إطلاقها. وإذا كان الشيء يصدق جملة على الشيء إذا أخذ ~~بحال ما، ويكذب إذا أخذ بحال أخرى، أمكن إذا أخذ مطلقا أن نقنع به في ~~المتقابلات معا، وتنشأ من ذلك أقاويل مقبولة متضادة خطبية. مثال ذلك أن ~~يكون إنسان ما أصاب أمرا أوجب عليه حدا من الحدود الشرعية وهو مريض، فإنه ~~يمكن أن يقال فيه إنه واجب وأن يقام عليه الحد وإنه ليس بواجب؛ وذلك أن من ~~جهة ما جني، فقد وجب عليه الحد؛ ومن جهة ما هو مريض، فليس واجبا عليه. ومن ~~هذا الموضع يصير الشيء القليل الخسة خسيسا بإطلاق، ويؤخذ الشيء القليل ~~الشرف على أنه شريف بإطلاق. ويشبه أن يكون هذا الموضع إنما هو سوفسطائي ~~بالإضافة إلى صناعة البرهان، وأما بالإضافة إلى صناعة الجدل وهذه الصناعة، ~~فإنه جزء منهما. فإنه من المقنع أنه إذا كان الذي ليس موجودا بإطلاق ليس ~~موجودا بحال ما، فمن الواجب أن يكون ما هو موجود بحال ما موجودا على ~~الإطلاق. وقد ذكر هذا الموضع في المقالة الثانية من كتاب الجدل على أنه جزء ~~من تلك الصناعة. # فقد قيل في المواضع التي تعمل منها الضمائر الحقيقية والضمائر المموهة. # وقد بقي أن نقول في المناقضات التي تتلقى بها الضمائر وهي التي يستعملها ~~السامع؛ فإن التي سلف فيها القول إنما يستعملها المبتدئ بالكلام، فنقول: # PageV01P098 # إن النقض بالجملة للقول القياسي يكون على وجهين: إما بأن ينقض شكله بأن ~~يبين أنه غير منتج؛ وإما بأن تقاوم مقدمات القياس أو النتيجة. فأما مناقضة ~~النتيجة فإنما يكون بالضمائر المستخرجة من هذه المواضع؛ لأن الضمائر إنما ~~تؤلف من الظنون، والظنون يلحقها أن تكون في الشيء الواحد متضادة، فينتج ms178 عن ~~ذلك أشياء متضادة، أعني أنه يؤلف منها ضمير ينتج الشيء وضمير ينتج مقابله. ~~وهذا أيضا يلحق في المقدمات المشهورة في الجدل، بخلاف ما عليه الأمر في ~~صناعة البرهان. فأما معاندة مقدمات القياس فإنها أربع، كما قيل في الثامنة ~~من طوبيقى: إما معاندة المقدمة التي لزمت عنها النتيجة، وإما معاندة القول، ~~وإما أن تكون المعاندة بحسب السائل، وإما أن تكون من قبل تطويل زمان ~~المناظرة. والمواضع التي تؤخذ منها معاندة المقدمات هاهنا أربعة: إما ~~الأشياء التي هي موجودة في الشيء الذي تقصد معاندته، وذلك مثل الكلي ~~والجزئي، وإما من الأمور التي من خارج، وهذا صنفان: إما من الضد، وإما من ~~الشبيه. والرابع: المقاومة التي تكون بحسب رأي الرجل المشهور المقبول ~~الحكم، أعني إذا كان رأيه مضادا للمقدمة الموضوعة. # أما الإبطال الذي يكون من نفس الأمر فمثل لو وضع واضع أن الرياسة خير ~~وأنه أن يكون المرء مرءوسا خير، فإنه إن أبطلها بالكلية، قال: كون الإنسان ~~مرءوسا يحتاج إلى غيره، والحاجة شر، فالرياسة شر؛ وإن أبطلها بالجزء، قال: ~~ليس كل رياسة نافعة. وذلك أن التغلب رياسة وليست خيرا. فهذان هما صنفا ~~الإبطال الذي يكون من الأشياء الموجودة في الشيء المقصود إبطاله. # ومثال الإبطال الذي يكون من الضد أن تكون المقدمة الموضوعة أن الرجل ~~الخير هو الذي يحسن إلى إخوانه أجمعين، فيقاوم ذلك بأن يقال لو كان هذا ~~حقا، لكان الشرير هو الذي يسيء إلى إخوانه، وليس كذلك. # ومثال المقاومة والمعاندة من الشبيه أن يوضع أن من لقي آخر بشر فهو ~~يبغضه، فيقاوم ذلك بأن يقال: إن هذا ليس بصادق لأن من يلقى آخر بخير قد لا ~~يحبه. ووجه الشبه في هذا المثال إنما هو بالمناسبة. وذلك أن نسبة البغضة ~~إلى من يلقى منه شرا نسبة المحبة إلى من يلقى منه خيرا. وقد جمع هذا المثال ~~المقاومة من جهتين: من جهة الشبيه ومن جهة الضد. وذلك أن المحبة ضد البغضة ~~والشر ضد الخير. # وأما مثال المقاومة التي تكون بحسب رأي الحاكم، فذلك ms179 موجود كثيرا في ~~المصالح التي تضادها الشرائع. وأكثر ما يوجد هذا التضاد بين الشرائع العامة ~~والخاصة؛ وأعني بالعامة المشتركة لجميع الأمم، وأعني بالخاصة ما تخص أمة ~~أمة. # وإذ قد تقرر كيف تقاوم المقدمات في الضمائر بالجملة، فلنقل كيف يقاوم ~~ضمير ضمير من أصناف الضمائر المستعملة في الخطابة. والضمائر كما قيل أربعة: ~~فمنها المسمى الواجب، وهو الضمير الكائن من المحمودات في أي شكل كان، ويسمى ~~ما كان من هذه في الشكل الأول بالأشبه أو المشبه. ومنها المسمى برهانا، وهو ~~الضمير الكائن من العلامات في الشكل الأول. وإنما خص هذا باسم البرهان بحسب ~~أنها اضطرارية. # PageV01P099 # والصنف الثالث المسمى علامة وهو المؤتلف من العلامات في الشكل الثاني. ~~والصنف الرابع المسمى بالرسم وهو مؤتلف من العلامات في الشكل الثالث. ولما ~~كان الضمير الذي يسمى الواجب وهو المؤتلف من المحمودات في الأشكال المنتجة ~~لم يمكن أن يقاوم من جهة تأليف القياس، بل من جهة مقدماته. ولما كانت ~~مقدماته محمودة، وكان هذا الصنف إنما يأتلف فيه المواد الممكنة على الأكثر، ~~أعني التي توجد لأكثر الموضوع مثل وجود الشيب للإنسان في سن الاكتهال أو ~~التي توجد في أكثر الزمان مثل اشتداد الحر عند طلوع الشعري العبور، أمكن ~~نقضه من ثلاث جهات: إحداها أنها ليست بمحمودة، والثانية أن الذي على الأكثر ~~ليس باضطراري، وما ليس باضطراري، فقد يمكن أن يكذب. وهذا نقض مموه إلا أنه ~~يستعمل في هذه الصناعة؛ فإنه قد يظن السامع، أعني الحاكم، أن المقدمة، إذا ~~كانت ليست باضطرارية، أنها ليست بمحمودة، فيعرض للسامع إحدى حالتين: إما أن ~~يظن أنه ليس كان ينبغي له أن يحكم بشيء، وإما إن حكم، فلا بالسنة الخاصة ~~المكتوبة بل بالعامة. وهو ما يقتضي الأصلح في تلك النازلة. فإن الحاكم إنما ~~يحكم بأحد هذين الأمرين: إما بالسنة المكتوبة، وإما بالعامة. والوجه الثالث ~~أن نبين أن الذي أخذ على أنه على الأكثر ليس على الأكثر، بل هو إما أقلي ~~وإما مساو، وذلك إما في الموضوع، وإما في الزمان. مثال ذلك أن شاكيا ms180 إن قال ~~عند الحاكم: هذا قتل زيدا، لأنه وجد واقفا وبيده سيف، فيقول الخصم: إن هذا ~~وإن كان أكثريا فليس ضروريا. وذلك أنه ليس كل من وجد واقفا وبيده سيف هو ~~قاتل. أو يقول: إنه ليس هو أكثريا، بل هو على التساوي، لأن من هذه صفته ~~يمكن أن يكون قاتلا، ويمكن أن يكون ناصرا. # وأما النوع من الضمائر التي تأتلف من العلامات في الشكل الثالث فهو يبطل ~~بوجهين: أحدهما أنه ليس بقياس، وذلك أنه إنما ينتج جزئيا لا كلية. والثاني ~~بإبطال النتيجة لإبطال المقدمات. فإن المقدمات في هذا الضرب من الضمائر هي ~~محسوسة. مثل قولنا: الكتاب أشرار؛ لأن زيدا كاتب وزيد شرير. فإن بإبطال ~~النتيجة تبطل المقدمات. لكن ليس ينبغي أن يستعمل في إبطال النتيجة المقابل ~~المضاد ولا المهمل. فإنها إذا كانت كلية وأبطلت بالضد، كان ذلك إبطالا ~~للكاذب بالكاذب، وللشنيع بالشنيع، مثل أن يبطل قول القائل: كل كاتب شرير، ~~بأنه ولا كاتب واحد شرير. وإن كانت مهملة وأبطلت بالمهمل، كان إبطال الصادق ~~بالصادق والمحمود بالمحمود. فإنه يصدق أن الكتاب أشرار، والكتاب ليسوا ~~بأشرار، كما يكذب أن كل كاتب شرير، وأن كل كاتب ليس بشرير، بل إنما ينبغي ~~أن يكون الإبطال بإنتاج المقابل الذي هو موجود على الأكثر. فإنه إذا كان ~~المحمود الثاني المنتج مقابلا للمحمود الأول وهو أكثري، كان المحمود الأول ~~أقليا. فإذن إنما ينبغي أن يتحرى المبطل أن يكون المقابل الذي ينتجه ~~للنتيجة التي يروم إبطالها أكثريا، أعني أنه يوجد لأكثر الموضوع أو في أكثر ~~الزمان. وإنما كان هذا مبطلا لأنا إذا تحققنا أن المحمول موجود لأكثر ~~الموضوع، ولم يكن ذلك بحسب الظن والاشتباه، فإما أن يكون ضروريا، وإما أن ~~يكون ذلك الأقل من الموضوع الذي ليس هو فيه معلوما محدودا. # وأما العلامة التي في الشكل الثاني فإنما تبطل من جهة أنها ليست بقياس. ~~وأما العلامة التي في الشكل الأول فليس يمكن إبطالها لا من جهة شكلها ولا ~~من جهة موادها، فلذلك هي ضمير مثبت ضرورة. # PageV01P100 # فأما تكبير ms181 الشيء وتصغيره وإن كان قد يلزم عنهما اطراح الشيء واكتسابه، ~~فإنهما ليسا من أنواع الضمائر المبطلة والمثبتة. وإن كان التعظيم والتخسيس ~~إنما يكونان عن ضمائر، لكن أن يقبل الشيء ويصدق به من نفس التعظيم أو يطرح ~~ويكذب به من نفس التخسيس ليس إثباتا له ولا إبطالا بالذات ولا هو من أنواع ~~الضمائر. وأيضا فليس كل ما يكون به الإبطال يكون ضميرا. وذلك أن الإبطال ~~صنفان: إما إبطال لشكل القياس، وإما إبطال للقضايا المنسوبة إلى القياس. ~~وهذا أيضا صنفان: إما إبطال للنتيجة نفسها بأن ينتج مقابلها، وإما إبطال ~~لمقدماتها المنتجة لها. فأما إبطال القضايا سواء كانت نتائج أو مقدمات، ~~فإنه يكون بالضمائر وهي تأتلف من المواد الخاصة بهذه الصناعة. والمثبت ~~هاهنا والمبطل يستعملان جنسا واحدا من أجناس القياس. وإما إبطال أشكال ~~المقاييس في هذه الصناعة وغيرها فإنما يكون بالمقاييس المنطقية، أعني التي ~~تؤلف من مواد منطقية. فإن في كل صناعة صنفين من القياس: قياس مؤلف من ~~المواد الخاصة بتلك الصناعة، وقياس مؤلف من مواد صنائع أخر. وكلا الصنفين ~~مستعمل في كل صناعة. وإبطال تأليف القياس في أي صناعة كانت يكون ضرورة ~~بقياس معمول من مواد منطقية، إذ كان تصحيح المقاييس وإبطالها إنما يكون ~~بصناعة المنطق. # وهنا انقضى تلخيص هذه المقالة. ### | بسم الله الرحمن الرحيم ### | المقالة الثالثة ### | من كتاب الخطابة # قال: إن الأشياء التي ينبغي لصاحب صناعة المنطق أن يتكلم فيها في هذه ~~الصناعة، إذا كان مزمعا أن يكون كلامه فيها على المجرى الصناعي، ثلاثة ~~أمور: أحدها الإخبار عن جميع المعاني والأشياء التي يقع بها الإقناع. # والثاني الإخبار عن الألفاظ التي يعبر بها عن تلك المعاني وما يستعمل ~~معها مما يجري مجراها. # والثالث كم أجزاء القول الخطبي وكيف ينبغي أن يكون ترتيبها ومماذا يأتلف ~~كل جزء منها من الألفاظ والمعاني. # فأما المعاني الفاعلة للتصديق فقد قيل فيها في المقالتين المتقدمتين وبين ~~فيها على كم وجه تكون، ومن أجل أي شيء تكون. فإنه قيل هنالك أنها ثلاثة ~~أنواع: النوع الأول: الأقاويل الانفعالية والخلقية ms182 التي يقصد بها توطئة ~~الحكام وإعدادهم لقبول ما يراد منهم من التصديق بالشيء الذي فيه الإقناع. # والنوع الثاني: الأقوال التي يقصد بها إثبات الفضيلة للمتكلم ليكون قوله ~~أقنع عند الحاكم والمناظر. # والنوع الثالث: الأقاويل المستعملة أولا في وقوع الإقناع بالشيء المقصود ~~إيجاد الإقناع فيه، وهي صنفا الأقاويل القياسية المستعملة في هذه الصناعة ~~أعني الضمائر والمثل. # ولم يقتصر فيما سلف على تعريف أصناف هذه الأقاويل فقط، بل وعرف مع هذا ~~الوضع التي منها تستنبط هذه الأقاويل، وإن هذه المواضع منها كلية تعم ~~الضمائر المستعملة في الأغراض الثلاثة من أغراض الخطابة، ومنها جزئية تخص ~~غرضا غرضا منها. وقيل هنالك إن الأمور الجزئيات التي من أجلها تؤلف هذه ~~الأقاويل هي ثلاثة: إما المشورية، وإما المنافرية، وإما المشاجرية. # والذي بقي هاهنا هو القول في الجزءين الباقيين. وذلك أنه لما كان ليس بأي ~~معان اتفقت يقع الإقناع، ولا بأي أحوال اتفقت أن تستعمل تلك المعاني، بل ~~بمعان مخصوصة، كانت الألفاظ أيضا التي يعبر بها عن تلك المعاني شأنها هذا ~~الشأن، أعني أن الإجادة في العبارة عنها تكون بألفاظ مخصوصة مأخوذة بأحوال ~~مخصوصة في غرض غرض من أغراض الأقاويل الخطبية، وهو الذي يعبر عنه الجمهور ~~باسم الفصاحة. فإن هذا الاسم يطلق عندهم على أحوال ثلاثة في الألفاظ: أحدها ~~وهو الأملك بهذا المعنى أن تكون الألفاظ جيدة الإفهام والإبانة للمعاني. # والثاني أن تكون لذيذة المسموع. # والثالث أن يعطى في المعنى رفعة أو خسة. # PageV01P101 # فلهذا كان النظر في الألفاظ الخطبية ضروريا لصاحب المنطق، لكن ليس ينظر ~~منها في الأحوال الخاصة بأمة أمة، بل إنما ينظر من ذلك في الأحوال المشتركة ~~بجميع الأمم. ولهذا كان النظر فيها جزءا من صناعة المنطق. وأما النظر من ~~ذلك فيما يخص أمة أمة فمن شأن الخطيب المنصوب في أمة أمة. وأما ضرورة القول ~~في الجزء الثالث، أعني كم أجزاء القول - المسمى خطبة - العظمى والصغرى، ~~وترتيبها، ومماذا تؤلف، وكيف تؤلف، فأمر بين بنفسه. # وقبل أن نقول في الألفاظ، فينبغي أن نقول في الأمور المستعملة ms183 مع الألفاظ ~~على جهة المعونة في جودة الإفهام، وإيقاع التصديق، وبلوغ الغرض المقصود، ~~وهي التي جرت عادة القدماء أن يسموها: الأخذ بالوجوه. وذلك أن هذه الأشياء ~~لما كان من شأنها أن تميل السامعين إلى الإصغاء والاستماع والإقبال على ~~المتكلم بالوجه وتفريغ النفس لما يورده، أستعير لها هذا الاسم. وهذه ~~الأشياء صنفان: إما أشكال، وإما أصوات ونغم. والأشكال، منها ما هي أشكال ~~البدن بأسره، ومنها ما هي أشكال لأجزاء البدن كاليدين والوجه والرأس. وهذه ~~هي أكثر استعمالا عند المخاطبة. والأشكال بالجملة يقصد بها أحد أمرين: إما ~~تفهيم المعنى وتخييله الموقع للتصديق، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال في أحد خطبه: " بعثت أنا والساعة كهاتين " وأشار بإصبعيه يقرنهما، ~~وإما تخييل لانفعال ما أو خلق ما. وذلك إما في المتكلم، أعني أن يتخيل فيه ~~أنه بذلك الانفعال أو الخلق، مثل أن يتكلم مصفر الوجه منفعلا بانفعال ~~الخوف، إذا أراد أن يخبر أنه خائف، أ، بتوءدة توهم أنه عاقل. وإما في ~~المخبر عنه، إذا أراد أن يصوره بصورة الخائف أو العاقل. وإما أن يوقع ذلك ~~الانفعال في نفس السامع أو ذلك الخلق حتى يستعد بذلك إما نحو التصديق ~~الواقع عن ذلك الانفعال أو الخلق، وإما نحو الفعل الصادر عنه. # وأما النغم فإنها تستعمل في القول الخطبي لوجوه: منها لتخييل الانفعالات ~~أو الخلق، وذلك أيضا لثلاثة وجوه: أحدها عندما يريد المتكلم أن يخيل أنه ~~بذلك الانفعال أو الخلق عند السامعين، مثل أنه إذا أراد أن يخيل فيه الرحمة ~~رقق صوته، وإذا أراد أم يخيل فيه الغضب عظم صوته وكذلك في الأخلاق. وإنما ~~كان ذلك كذلك، لأن هذه الأصوات توجد بالطبع صادرة عن الذين ينفعلون أمثال ~~هذه الانفعالات. والوجه الثاني: أن يكون قصده تحريك السامعين نحو انفعال ما ~~أو خلق ما، إما لأن يصدر عنهم التصديق الحاصل عن ذلك الانفعال أو الخلق أو ~~الفعل الصادر عنه. # والوجه الثالث عندما يقتص عن مخبرين عنهم بأن يصفهم بذلك الانفعال أو ~~الخلق. # ومنها أيضا أنها ms184 تستعمل لضرب من الوزن في الكلام الخطبي على ما سيقال ~~بعد. وهذا الضرب من النغم ضروري في أوزان أشعار من سلف من الأمم ما عدا ~~العرب. فإن من سلف من الأمم كانوا يزنون أبياتهم بالنغم والوقفات، والعرب ~~إنما يزنونها بالوقفات فقط. # ومنها أنها تستعمل أشعارا في افتتاح القول وختمه ومواضع الوقف. # PageV01P102 # وينبغي أن تعلم أن الأخذ بالوجوه ليس له غناء في الخطب المكتوبة، وإنما ~~غناؤه في المتلوة، وإن عادة العرب في استعماله قليلة، وأما من سلف من الأمم ~~فربما أقاموها في الأشعار مقام الألفاظ، أعني التشكيلات، ويحذفون اللفظ ~~الدال على ذلك المعنى، إما إرادة للاختصار وإما طلبا للوزن، والإلذاذ. وهذا ~~لم تجر به عادة العرب. لهذا صار ما يقوله أرسطو في كثير من هذه الأشياء، ~~كما يقول أبو نصر، غير مفهوم عندما ولا نافع. والأخذ بالوجوه إنما هو نافع ~~أكثر ذلك في الخطب التي تتلى على جهة المنازعة، لأنه إنما يحتاج إلى ~~الاستعانة بجميع الأشياء المقنعة في موضع المنازعة لتحصل الغلبة. وأمثال ~~هذه الخطب هي الخطب التي كانت بين علي ومعوية. وأمثال ذلك في الأشعار: ~~الأشعار التي كانت بين جرير والفرزدق. وإنما صارت هذه الأفعال معينة في ~~الإقناع، لأن فيها ضربا من تغيير الألفاظ وإبدالها، على ما سيقال في سبب ~~ذلك فيما بعد. وهذا الفعل هو ضرب من التمويه والمغالطة، إلا أنه نافع في ~~هاتين الصناعتين، أعني الشعرية والخطبية، إذ كانت الخطبية إنما يقصد بها ~~وقوع غلبة الظن، والشعرية حصول التخييل نفسه، ولذلك تستعمل من الأشكال ~~والنغم في طل المحاكاة ما إن استعمل في الخطابة، كان خروجا عن الواجب. # وإذ قد قلنا في توابع الألفاظ، فلنقل في الألفاظ. ### | القول في الألفاظ المفردة # فنقول: إن القول في أحوال الألفاظ التي تكون بها أتم إبانة عن المعاني ~~وأجود تفهيما لها هو ضروري في المخاطبة البرهانية، فضلال عن الأقاويل ~~البلاغية والشعرية. ولذلك أن جهة استعمالها في المخاطبة البرهانية إنما هو ~~لأن يكون بذلك حصول البرهان أيسر وأسهل وأوضح، مثل ما يقال: إنه ينبغي ms185 أن ~~تكون الألفاظ المستعملة فيه متواطئة، غير مشتركة، مشهورة عند الجمهور أو ~~عند أهل تلك الصناعة التي يستعمل فيها ذلك البرهان. وإن كانت مشتركة، أن ~~تقسم جميع المعاني التي يقال عليها ذلك الاسم المشترك، ويبرهن على كل معنى ~~من تلك المعاني على حدته، لأن للألفاظ في ذلك معونة في زيادة التصديق ~~الحاصل عن البرهان وقوته كالحال في الصنائع الأخر، فإنه يلفى لها معونة في ~~إيقاع التصديق المستعمل فيها. وإن كانت في ذلك تختلف، فأقلها حاجة في ذلك ~~صناعة الجدل، ثم من بعدها السفسطة، ثم من بعدها صناعة الشعر. فهاتان ~~الصناعتان أكثر حاجة إلى ذلك. فلذلك ما ينبغي في هاتين الصناعتين أن تحصى ~~الأحوال التي إذا استعملت في الألفاظ كانت بها الأقاويل البلاغية أتم ~~إقناعا، والشعرية أتم تخييلا. فإنه كما أن الأخذ بالوجوه. إنما منفعته في ~~هاتين الصناعتين هذه المنفعة، كذلك الحال في الألفاظ. إلا أن القول في ~~أحوال الألفاظ التي بها تكون الأقاويل في هاتين الصناعتين أتم فعلا أعظم ~~نفعا وأحرى أن يكون القول في ذلك صناعيا. فإن الأخذ بالوجود أكثر ذلك ~~طبيعي. وإنما صارت الألفاظ والأصوات تفعل في هاتين الصناعتين هذا الفعل من ~~جهة أنها تخيل في المعنى رفعة أو خسة، وبالجملة: أمرا زائدا على مفهوم ~~اللفظ، مثل غرابة اللفظ فإنها تخيل غرابة المعنى، وكذلك فخامته تخيل فخامة ~~المعنى، والنغم كذلك يفيد فيه هذا المعنى أيضا. وبين أن هذا مقصود بالطبع ~~للمتكلم على طريق هاتين الصناعتين. وليس يقصد ذلك أحد عندما يتكلم على طريق ~~الهندسة، ولا على طريق العدد. والذين وقعوا أولا على تأثير هذه الأحوال من ~~الألفاظ والأصوات في الأقاويل هم الشعراء. وذلك أن هذا المعنى أظهر ما يكون ~~في الأقاويل الشعرية، مع أن الوقوف على الأقاويل الشعرية هو متقدم بالزمان ~~على الوقوف على الأقاويل البلاغية. وإذا قد تقرر هذا من ضرورة القول في ~~الألفاظ في هاتين الصناعتين، فينبغي أن نذكر من ذلك ما يخص البلاغة وما هو ~~مشترك بين تلك الصناعتين معا، فنقول: إن الألفاظ المفردة، كانت ms186 اسما أو ~~كلمة أو حرفا، تنقسم من جهة أنحاء دلالاتها ثمانية أقسام: منها المستولية؛ ~~ومنها المغيرة، ومنها الغريبة، ومنها اللغات، ومنها المزينة، ومنها ~~المركبة، ومنها المغلطة، ومنها الموضوعة. # PageV01P103 # أما المغيرة: فهي أشهرها وأكثرها نفعا في الصناعتين. وأما التغيير أن ~~يكون المقصود يدل عليه لفظ ما فيستعمل بدل ذلك اللفظ لفظ آخر. وهذا التغيير ~~يكون على ضربين: أحدهما: أن يستعمل لفظ شبيه الشيء مع لفظ الشيء نفسه ويضاف ~~إليه الحرف الدال في ذلك اللسان على التشبيه؛ وهذا الضرب من التغيير يسمى ~~التمثيل والتشبيه، وهو خاص جدا بالشعر. # والنوع الثاني من التغيير: أن يؤتى بدل ذلك اللفظ بلفظ التشبيه به أو ~~بلفظ المتصل به من غير أن يؤتى معه بلفظ الشيء نفسه. وهذا النوع يسمى في ~~هذه الصناعة الإبدال، وهو الذي يسميه أهل زماننا بالاستعارة والبديع، مثل ~~قول ابن المعتز: # يا دار أين ظباؤك اللعس ... قد كان لي في إنسها أنس # فإن العرب جرت عادتهم أن يشبهوا النساء بالظباء، فربما أتوا به على جهة ~~الإبدال، مثل ما تقدم من قول ابن المعتز، وربما أتوا بذلك مع حرف التشبيه. ~~وكل واحد من صنفي التغيير: إما بسيط وإما مركب. وكل واحد من هذين: إما أن ~~يكون وجه الاتصال فيه بينا مشهورا من أول الأمر، وإما أن يكون غير بين. ~~وإنما يكون غير بين لأحد شيئين: إما لأنه غير بين في نفسه عند الجميع، أو ~~عند كثير من الأمم، مثل كثير من التمثيلات التي جرت عادة العرب أن ~~يستعملوها، فإنه يشبه أن يكون كثير منها غير بين عند سائر الأمم، مثل قول ~~امرئ القيس يصف حمار الوحش: # يهيل ويذرى تربها ويثيره ... إثارة نبات الهواجر مخمس # فإن نبات الهواجر إنما تعرفه العرب ومن هو مثلهم ممن يسكن البراري ~~والصحاري. # وأما المركبة فهي خاصة بالشعر، كما أن البسيطة خاصة بالخطابة. وأنشد أبو ~~نصر في مثال المركبة البعيدة التركيب، الخفية الاتصال، بيتا نسبه لامرئ ~~القيس: # بدلت من وائل وكندة عد ... وان وفهما صمى ابنة الجبل. # قال: فإن هذا ms187 التعبير فيه تركيب كثير. وذلك أنه جعل " ابنة الجبل " بدلا ~~من قوله " الحصاة "، وجعل قوله " صمى " بدلا من عدم صوت الحصاة. فإن عدم ~~الصوت وعدم السمع يتقاربان، فإنه قسيمه، إذ كان عدم السمع إما أن يكون عن ~~عدم الصوت، وإما لفساد في الحاسة. وجعل عدم صوت الحصاة بدلا من ابتلال ~~الأرض، فإن الأرض إذا ابتلت وطرحت فيها الحصاة لم تصوت. وجعل ابتلال الأرض ~~بدلا من انصباب الدماء على الأرض، فإن ابتلال الأرض لاحق من لواحق انصباب ~~الدماء. وجعل انصباب الدماء عليها بدلا من القتال الشديد، لأن انصباب ~~الدماء يكون عن القتال الشديد. وجعل القتال الشديد بدلا من الأمر العظيم. ~~فكأنه أراد: وفيها أمر عظيم، فأبدل مكان ذلك: وفهما صمى ابنة الجبل، ~~واستعمل في ذلك هذا الإبدال الكثير. وهذا كما قلنا إنما يليق بالشعر. # والمستولية هي الألفاظ التي هي خاصة بأهل لسان ما، ومشهورة عندهم، ~~مبتذلة، دالة على المعاني التي وضعت لها من أول الأمر من غير توسط. # وأما الغريبة فهي الألفاظ التي هي غير مبتذلة عند جمهورهم، وغير مستعملة ~~عندهم بل إنما يستعملها الخواص منهم. # وأما اللغات فهي صنفان: أحدهما أن يستعمل الإنسان مخاطبة صنف صنف من ~~أصناف أمة لفظا ليس يستعمله ذلك الصنف من الأمة، بل إنما يستعمله صنف آخر ~~منه، مثل أن يستعمل الحجازي لغة حميرية. والصنف الثاني أن يستعمل في مخاطبة ~~أمة ما لفظا ليس من ألفاظ أهل لسانهم، وإنما هو من لسان أمة أخرى، مثل ما ~~يوجد في لسان العرب ألفاظ كثيرة من ألفاظ الفرس والأمم المجاورة لهم. وهذا ~~يستعمل على وجهين: أحدهما أن يأتي بذلك اللفظ بعينه من غير أن نغير بنيته ~~وتركيبه. والوجه الثاني أن يغيره تغييرا يقرب به من الأبنية المستعملة في ~~لسانهم ليسهل بذلك عليهم النطق به، مثل السجيل وغير ذلك مما هو موجود في ~~كتب اللغة. # وأما المزينة والمركبة فليستا موجودتين في لسان العرب؛ وذلك أن المزينة ~~هي ألفاظ جعل بعض أجزائها نغما حتى صارت بتلك النغم مزينة. وهذا غير موجود ms188 ~~في لسان العرب. # وأما المركبة فإنها أيضا غير موجودة في لسان العرب إلا قليلا شاذا مثل ~~قولهم عبقسي في المنسوب إلى عبد القيس، وعبشمي، في المنسوب إلى عبد شمس. # PageV01P104 # وأما المغلطة فهي الألفاظ التي يعسر النطق بها. وذلك يعرض لأسباب: منها ~~أن تكون تلك الحروف حروفا يعسر النطق بها، وإن كانت قليلة. ومنها أن يكون ~~سبب العسر فيها كثرة الحروف التي ركبت منها والتي يعسر النطق بها: إما أن ~~يكون من أجل مخرج الحرف نفسه، وإن نطق به وحده، مثل كثير من حروف الحلق؛ ~~وإما أن يكون العسر يحدث له عند تركيبه مع غيره، وذلك إما لتقارب مخارجها، ~~وهذا هو سبب الادغام في لسان العرب، وإما لتكرارها مثل قولهم قصصت أظفاري. ~~ولذلك بعض العرب يبدل إحدى الصادين ياء في مثل هذا. وربما كان السبب في ذلك ~~تضاد المخارج، ولذلك قل في لسان العرب اسم يوجد على وزن فعل مثل الرسل. ~~وأكثر الانقلابات والتغييرات التي يصفها النحاة هذا هو سببها. وأما ~~الموضوعة فهي الألفاظ المخترعة في لسان جنس ما، يخترعها بعض أهل ذلك اللسان ~~على نحو التركيب الذي لحروفهم. # فهذه أصناف الأسماء النافعة في هاتين الصناعتين، وهي كالمادة للصناعتين، ~~أعني الشعرية والخطبية، وإن كانت بالشعرية أخص، ولذلك أحصاها أرسطو في كتاب ~~الشعر. # وإذ قد تقرر هذا، فالذي ينبغي أن يبين هاهنا من أمرها هو أي صنف من هذه ~~الأصناف تستعمل هذه الصناعة وأيها لا تستعمل. وإذا استعملت منها صنفا، فكيف ~~تستعمله، وإلى أي مقدار تنتهي في استعماله، وفي أي موضع تستعمل منه ما ~~تستعمل. وبالجملة: فنتحرى تلخيص ما يقوله أرسطو في ذلك بأوجز ما يمكننا ~~وأتمه، فنقول: إنه يقول: إن فضيلة القول الخطبي أو الشعري وجودته إنما تكون ~~بالتغيير. وأعني هاهنا بالتغيير استعمال أصناف الأسماء والكلم السبعة ما ~~عدى المستولية. فإن في كل واحد منها، ما عدى هذا الصنف، تغييرا ما. وإنما ~~كان القول الذي في هاتين الصناعتين فضيلته في التغيير، لأن القول إنما هو ~~علامة معرفة لأمر ما لم يعرف ms189 أصلا، أو لم يعرف معرفة تامة. وإنما يكون ~~القول بهذه الصفة متى أفاد في المعنى المدلول عليه أمرا لم يكن بعد عند ~~السامع، أو إن كان، لم يكن على التمام. وهذه هي حال القول الذي من الألفاظ ~~المغيرة. فإن القول المؤلف من الألفاظ المستولية ليس يفيد معنى زائدا على ~~ما كان عند السامع، وإنما يفيد ذلك إذا كان مغييرا بالتخييل الذي تعطيه ~~الألفاظ المغيرة. وهذا المعنى إنما يوجد في القول بشرطين: أحدهما ألا تكون ~~الألفاظ حقيرة وهي بالجملة الألفاظ المبتذلة التي لا تخيل في المعنى أمرا ~~زائدا على ما كان عند السامع، أو التي يكون تخييلها يسيرا، أو التي تخيل في ~~الشيء خسة ما، أو يكون تركيبها تركيبا فاسدا. # والشرط الثاني ألا تكون مجاوزة للقدر الذي يجب بحسب المعنى الذي يطلب ~~الإقناع فيه. وذلك يكون إما بأن لا تخيل فيه معنى أعظم مما يحتمل المعنى ~~المقصود تبيينه، أو يكون التغيير فيها غير بين الاتصال. # فإذا جمع القول الخطبي أو الشعري مع التغيير هاتين الشريطتين كان تام ~~الفعل، وذلك هو فضيلته، وهو القول الجميل. ويشهد لوجود هذا الفعل للقول ~~المغير الأقاويل الشعرية، فإنها إنما صارت لذيذة لما فيها من التخييل ~~والوزن، وكلاهما تغيير. وأما الألفاظ المستولية فإنها تجعل القول محققا، ~~وليس تخيل فيه معنى زائدا. ولذلك هي أليق بالبرهان منها بغيرها من الصنائع، ~~إلا أنها متى استعملت في هذه الصنائع، فينبغي أن يكون تركيبها تركيبا ~~مطابقا لتركيب المعاني في النفس، أعني التركيب الذي يكون لها على المجرى ~~الطبيعي. وبالجملة فينبغي أن يكون فيها من شروط التركيب الشروط التي تقال ~~فيما بعد. وإذا كانت بهذه الصفة كانت، كما يقول أرسطو، بهيئة نبيلة غير ~~حقيرة. # فهذا بالجملة هو الفرق بين فعل الأسماء المستولية والمغيرة في القول ~~الخطبي والشعري. # PageV01P105 # وإنما كانت الألفاظ المغيرة تعطي في المعنى أمرا زائدا لموضع الغرابة ~~فيها. فإنه كما يعرض لأهل المدينة أن يتعجبوا من الغرباء الواردين عليهم، ~~وتخشع لهم أنفسهم، كذلك الأمر في الألفاظ الغريبة عند ورودها على الأسماع. ms190 ~~فينبغي لمن أراد أن يجيد القول في هاتين الصناعتين أن يجعله غريبا. ~~والألفاظ الغريبة تتفاضل بالأقل والأكثر فيما تخيل في المعنى الواحد بعينه ~~من الرفعة والخسة، لتفاضلها في الغرابة. والصناعة الشعرية فتستعمل من ذلك ~~ما هو أكثر تخييلا. وأما صناعة الخطابة، فإنها تستعمل من ذلك ما هو أقل ~~وبمقدار ما يليق بها، وذلك هو القدر الذي يفيد وقوع الإقناع في الشيء ~~المتكلم فيه. فإن ذلك أيضا يتافضل في صناعة الخطابة بحسب اختلاف ما فيه ~~القول. مثال ذلك ما يحكى أن المنصور لما دخل الكعبة رأى رجلا قد سبقه ~~بالدخول، وقد كان أمر ألا يدخل إليها أحد قبله من العامة، فقال له: أما ~~سمعت النداء؟ فقال: بلى! فقال: أو ما تعرفني؟ فقال بلى. فقال له: فكيف ~~تجاسرت؟ فقال له الرجل: وكيف لا أتجاسر عليك؟ ! وهل أنت في أول أمرك إلا ~~نطفة مذرة؟ وفي آخر أمرك إلا جيفة قذرة، وأنت فيما بين هذين تحمل العذرة؟! ~~فخلى عنه، إذ صغرت بهذا القول عنده نفسه، أعني نفس المنصور. زقد كان له أن ~~يستعمل معه تغييرات هي أقل في التحقير من هذه، مثل أن يقول له: وهل أنت إلا ~~ملك من الملوك، أو هل أنت إلا رجل من الناس، أو هل أنت إلا عبد من عبيد ~~الله. فإن هذه كلها متفاضلة في التصغير. إلا أنه يشبه أنه ما كان ينجو من ~~سطوته إلا بمثل هذا التصغير الذي استعمل معه. فإنه قول مخسس جدا. # قال أرسطو: والخطباء ربما استعملوا أثناء خطبهم التغييرات الشعرية، أعني ~~البعيدة، فيتوهم من ليس له بصر بالفرق بين التغيير الشعري والخطبي أن ذلك ~~الفعل الصادر عن ذلك التغيير هو من فعل الأقاويل الخطبية، وليس الأمر كذلك. ~~وإنما مثال ذلك مثل من يخلط سقمونيا بشراب الورد. فإذا أسهل ذلك الشراب، ~~أوهم أن ذلك الإسهال إنما كان عن فعل شراب الورد عند من لا معرفة له بقوة ~~الورد. وكذلك الشاعر أيضا ربما ألف من الألفاظ المستولية المعهودة قولا ~~موزونا فأوهم أنه شعري وليس بشعري ms191 وإذ قد تبين أن الفضيلة في القول الخطبي ~~أن يستعمل التغيير، وتبين بالجملة أي مقدار ينبغي أن يستعمل منه فينبغي أن ~~نقول في مقدار ما تستعمله في واحد واحد من أصناف الألفاظ المفردة السبعة، ~~أعني ما عدى المستولية. فإن التغيير يقال عليها بعموم وخصوص. فنقول: أما ~~اللغات والمركبات فينبغي أن يقلل من استعمالها الخطيب. وإذا استعملها، فلا ~~يستعمل منها ما يخيل في الشيء معنى مفرطا، مثل الأسماء الغريبة عن لسان أمة ~~ما أو الأسماء المركبة الدالة على معان تخيل في الشيء المدلول بها عليه ~~أمرا زائدا ومفرطا عما تقتضيه صناعة الخطابة، وبخاصة في الخطب التي يقصد ~~بها إقناع الجميع. فإن أمثال هذه الخطب إنما ينبغي أن تؤلف من المستولية ~~والغير المشتركة الألفاظ وهي التي تعرف بالأهلية. # ومن المغيرات الغريبة: التغيير بخلاف الأمر في الشعر وبخلاف الأمر أيضا ~~في الخطب التي يقصد بها إقناع خواص من الناس. فإن هذه، الغرابة ينبغي أن ~~تكون فيها أكثر. والاسم المشترك أخص بها من الأهلي؛ وبخاصة القول الشعري، ~~فإنه ينبغي أن يجمع الغرابة من جميع الجهات، وفي الغاية. مثل أن يكون ~~بألفاظ مغيرة في الغاية، وألفاظ غريبة في الغاية، ومشتركة. والمشتركة أخص ~~بالسفسطة من غيرها من الصنائع. والخطيب يستعملها بقدر ما يستعمل من ~~المغالطة في هذه الصناعة، على ما سلف. وأما الأسماء المترادفة فصالحة جدا ~~لصناعة الشعر، وقد تصلح أيضا لصناعة الخطابة. والشاعر يستعمل هذا الصنف ~~لأسباب أخصها به استعمالها لتصحيح الوزن وللقافية، مثل قوله: # ومنذ أتى من دونها النأي والبعد # PageV01P106 # والخطيب يستعملها للاستظهار، وربما استعملها على جهة المغالطة وإيهام ~~تكثير المعنى بتكثيرها عند التقسيم. وإذا استعملها الشاعر، فينبغي أن ~~يستعمل منها ما يخيل في المعنى أمرا زائدا على ما يخيله الاسم الآخر، مثل ~~قولنا: الصهباء، وخندريس، وقرقف، وحميا. فإن هذه الأسماء كلها، وإن كانت ~~مترادفة، فإنها تخيل في الخمر معاني مختلفة. وربما استعمل الخطيب المترادفة ~~عند إرادته تكرير المعنى الواحد بعينه لحفظه وتأكيده، فإنه أحسن من أن يكرر ~~ذلك المعنى بلفظ واحد. وأما أيما ms192 هي التغييرات الحسنة المناسبة الجميلة في ~~هذه الصناعة التي ينبغي أن يستعملها وأيما هي التغييرات الباردة التي لا ~~ينبغي أن يستعملها، فينبغي أن نقدم، لمعرفة ما يجب من ذلك، معرفة أصناف ~~التغيير وضروبه، وإن كان ذلك أخص بكتاب الشعر. فإن التغيير ينبغي أن يكون ~~نفعه في الصناعتين على نسبة نفع الوزن فيهما، ولذلك كان أخص بالشعر لكون ~~الوزن أخص به. وإنما تستعمل هذه الصناعة من التغيير بقدر ما تستعمل من ~~الوزن، وذلك شيء يسير. # والتغيير بالجملة يعطي في المعنى جودة إفهام وغرابة، ولذة. والتغييرات ~~صنفان: إبدال وتمثيل. والتمثيل صنفان: إما مضاف، وإما من سائر المقولات، ~~على ما قيل في غير ما موضع. والإبدال: إما إبدال من الشبيه، وإما إبدال من ~~اللازم. واللازم ثلاثة: إما متقدم على الشيء، وإما مقارن له، وإما متأخر ~~عنه. والمتقدم صنفان: إما سبب الشيء وإما كلي الشيء. والمقارن: إما زمان ~~الشيء، وإما مكانه، وإما أنواعه القسيمة، وإما مقابلاته الأربعة، أعني ~~الأضداد والموجبة والسالبة والعدم والملكة والمضافين والأشياء الموجودة مع ~~الشيء بالعرض. والمتأخر هي لواحق الشيء، وجزئي الشيء. وكل واحد من هذه: إما ~~بسيط، وإما مركب. والمركب هو أن يبدل الأمر بشيء ما، ويبدل مكان ذلك الشيء ~~شبيهه ويؤخذ بعد ذلك لازم ذلك الشبيه مكان ذلك الشبيه، ثم يؤخذ عرض ذلك ~~اللازم بدل ذلك اللازم، فيغمض الوقوف على مثل هذا النوع من التغييرات، مثل ~~ما عرض في بيت امرئ القيس في قوله: صمى ابنة الجبل، إذ استعمل ذلك بدلا من ~~الأمر العظيم. وقد قلنا كيف وجه التركيب في هذا الإبدال فيما سلف. # وإذ تقرر هذا فلنشرع في الوصايا التي يرى أرسطو أنه ينبغي للخطيب أن ~~يستعملها في التغيير والإبدال فنقول: إن أرسطو يقول: إنه ينبغي للخطيب أن ~~يستعمل من التغييرات والإبدالات ما كان مناسبا مشاكلا لما فيه القول. ويعني ~~بالمشاكل أن الأمر الواحد بعينه يمكن فيه أن يغير تغييرات متضادة، فالمناسب ~~منها هو الذي يلائم الأمر الذي فيه الإقناع. مثال ذلك أن الذي يريد أن يعظم ~~أمر ms193 الذي سرق، فالمشاكل هو أن يقول: إنه حارب. والذي يريد أن يحقر ذلك ~~يقول: إنه أخذ. ثم لا يخلو الخطيب، إذا أتى بالمشاكل المناسب، أن تكون ~~مشاكلته لما فيه القول ظاهرة بنفسها مشهورة، أو تكون غير ظاهرة. فإن كانت ~~ظاهرة، اكتفى بالإتيان بالمناسب وحده. وإن لم تكن المشاكلة بينة، قرن بها ~~الضد، وذلك أن يأتى بضد ذلك المناسب وضد الشيء الذي أخذ المناسب بدلا منه. ~~فإن مشاكلات الأضداد أضداد. ومثال ذلك في المحسوسات أن الذي يشاكل الشيخ من ~~اللباس غير الذي يشاكل الشاب. وكذلك ينبغي أن يكون الأمر في الألفاظ. ~~فهاتان وصيتان اثنتان: إحداهما أن يستعمل المشاكل البين، والأخرى أن يستعمل ~~الغير البين، بأن يقرن به ضده، فإنه يفيده وضوحا وظهورا. # PageV01P107 # والتغييرات المناسبة ينبغي أن تكون إلى ما في الجنس، لا إلى أشياء خارجة ~~عن الجنس الذي فيه القول. فإذا أراد الخطيب أن يحسن، فيجعل التغيير إلى ~~الذي هو أفضل في ذلك الجنس. وإذا أراد أن يقبح، جعل التغيير إلى الأخس في ~~ذلك الجنس. مثال ذلك أن الشفاعة والتضرع داخلان تحت جنس واحد، وهو المسئلة. ~~والتضرع أخس من الشفاعة. وذلك أن التضرع يكون ممن هو دون، والشفاعة من ~~المساوي. فمتى أردنا أن نحسن التضرع سميناه شفاعة، ومتى أردنا أن نخسس ~~الشفاعة سميناها تضرعا. وكذلك إذا أردنا أن نعظم الشيء الواحد بعينه سميناه ~~بالأعظم من ذلك الجنس. وإذا أردنا أن نصغره سميناه بالأصغر. مثال ذلك أن من ~~سرق، إذا أردنا أن نعظم أمره، قلنا: إنه حارب؛ وإذا أردنا تصغيره، قلنا: ~~إنه خان. وذلك أن هذه الأفعال كلها داخلة تحت أخذ المال دون عوض ولا رضى من ~~ذي المال. # وإذا أريد أن يكون التغيير مفهما للشيء، فينبغي أن يؤتى به من الأشياء ~~التي هي واحدة بالنوع. وذلك في الأشياء التي لا أسماء لها، لأن التي لها ~~أسماء، في أسمائها كفاية في تفهيمها. والتغيير الذي بهذه الصفة يجعل القول ~~محققا، فيقل تخييله. فربما كان الأنفع في مواضع أن يكون التغيير فيه رمزا ~~ما ms194 وأشكالا. # وحسن الاسم يكون بأن يؤتى فيه بلفظ غير مستبشع ولا ثقيل. وذلك يكون بألا ~~يصرح باسم الشيء الخاص به. وهذا هو الذي يسمى كناية. فإن التصريح بأسماء ~~الأشياء في أكثر الأمر مستبشع. وذلك يكون بأوجه، أحدها: أن يؤتى بلفظ إما ~~أعم من الشيء، وإما أخص منه. والثاني: إذا كان المعنى المغير عنه قبيحا ~~فتجعل العبارة عنه بلفظ مشترك بين ذلك المعنى القبيح ومعنى آخر مما ليس ~~بقبيح، وهو الذي يسميه أرسطو الكلام المفوض. # والثالث: أن تجعل العبارة عنه بالعلامة الخاصة به المنعكسة عليه في ~~الحمل. وهذا التغيير يجعل الأمر بينا حتى كأنه بحذاء العين. ويقل استعمال ~~مثل هذا التغيير، وذلك بعكس ما عليه الأمر في الوجه الأول. وذلك أنه ليس ~~يكاد أن يوجد شيء له اسم خاص إلا وقد يمكن أن يعبر عنه بلفظ عام. وأما ~~العلامات فيقل وجودها، ولكن إذا وجدت فاستعمالها مشهور، وهي قريبة الدلالة ~~على الشيء. والوجه الرابع أن يكنى عن الشيء بالضد أو بالأكثر والأقل. أما ~~الضد، فمثل قوله تعالى: " كانا يأكلان الطعام ". وأما استعمال الأكثر ~~والأقل فمثل أن ينبه بالأكثر على الأقل أو بالأقل على الأكثر. مثال ذلك أن ~~يمدح الإنسان بحضرة من هو أزيد فضيلة منه، ينبه بذلك على نقصان فضيلته؛ أو ~~يذم الأنقص فضيلة منه، لينبه بذلك على نقصان فضيلته. وربما كان مدح إنسان ~~ما تعريضا بالمذمة لإنسان آخر. وبالعكس. وذلك إذا كان بينا من أمر ذينك ~~الإنسانين أنهما متباينان في الخلق والسيرة والنسب وسائر الأشياء التي تعد ~~فضيلة. ولذلك قال ذلك في التعريض: ما أمي بزانية ولا أبي بزان. وقد يكون ~~التعريض بالتشبيه في مثل هذا الموضع، إلا أنه إذا كان التصريح بالشيء ~~قبيحا، كان التشبيه البعيد في ذلك أحسن من القريب. فإن الشيء الواحد بعينه ~~قد يغير تغييرات مختلفة، فيتفاوت ذلك الشيء في الحسن والقبح، بحسب تفاوت ~~الأشياء التي وقع التغيير إليها، أعني الأشباه. مثال ذلك أن يصف واصف امرأة ~~مخضوبة اليد بالحناء، فيقول فيها: حمراء الأطراف، أو قرمزية الأطراف، ms195 أو ~~وردية الأطراف، أو كما قال: # من كف جارية كأن بنانها ... من فضة قد طوقت عنابا # PageV01P108 # فإن قولنا: وردية الأطراف إبدال حسن، وكذلك قولنا: عنابية الأطراف. ~~وقولنا: حمراء الأطراف أخس منه. وأقبح من هذا قولنا: قرمزية الأصابع. ولو ~~قال فيها: " دمية الأصابع " لكان أن يكون هجوا أقرب منه إلى أن يكون مدحا. ~~ولذلك يتفاوت التخييل لتفاوت الأمور التي وقع الإبدال بها في الحسن والشرف. ~~والأشياء تكون شبيهة بأحد ثلاثة أشياء: إما باشتباه المنظر في الخلق ~~واللون، وإما أن تكون أنواعها أو أجناسها واحدة، وإما أن تكون أفعالها ~~واحد. ولما كانت الأقاويل الخطبية والشعرية قد تكون حكاية عن أمور موجودة ~~وعن أمور غير موجودة، بل مخترعة يخترعها الشاعر أو الخطيب، مثل الذي في ~~كتاب دمنة وكليلة، وإن كان الاختراع أخص بالشعر منه بالخطابة، ولذلك فصلت ~~أنحاء الاختراع في كتاب الشعر، فينبغي أن تعلم أيضا أن التغيير في الصنف ~~المخترع يلحقه أيضا من الحسن والقبح ما يلحق التغيير الذي يكون في الأمور ~~الموجودة. وقد يلحق ذلك أيضا في الشيء الواحد بعينه، مثل ما حكى أرسطو عن ~~بعض القدماء أنه قال في حكاية حكاها عن البغال إنها كانت مسرورة بانضمامها ~~إلى بنات الخيل، على أنها قد كانت أيضا بنات الحمير. قال: فإن قوله في ~~البغال: بنات الخيل، تشريف لها، وقوله فيها: بنات الحمير تخسيس لها. # ومن التغييرات تغيير يعطى في الشيء الإفراط في التصغير والتعظيم، وهي ~~خاصة بالشعر. وينبغي أن يستعمل من التعظيم ومن التصغير في الخطابة بقصد، ~~مثل من يقول في ذهب ذهيب، وفي ثوب ثويب، وفي إنسان، أنيسيان. # والوقف في غير مكان الوقف أو وضع العلامات التي تدل على الوقف في غير ~~مكانها هو أيضا ضرب من التغيير الرديء. # والأسماء الباردة التي ينبغي للخطيب أن يتجنبها أربعة أصناف، وهي بالجملة ~~الأسماء التي يعسر تفهم المعنى منها، أو التي تخيل في المعنى أحوالا زائدة ~~على التي يحتاج إليها. # فأحد أصناف الأسماء الباردة هو أن يستعمل من ضروب الأسماء المركبة ما ~~يخيل في ms196 الأمر معنى غير مشهور ويعسر الوقوف عليه، أو يخيل فيه عرضا بعيدا. ~~وأمثال هذه الأسماء ليست توجد في لسان العرب. # والصنف الثاني استعمال اللغات وذلك على وجهين: أحدهما أن يستعمل منها في ~~مخاطبة أمة ما هو من غير لسانها، بل من لسان أمة أخرى غريبة منها. والثاني ~~أن يستعمل في مخاطبة تلك الأمة الأسماء الغريبة المفرطة الغرابة الموجودة ~~في لسانها. # PageV01P109 # والصنف الثالث أن يستعمل من الأسماء الموضوعة، وهي المنقولة، ما لا يخيل ~~منها المعنى الذي نقلت إليه، للاشتراك الذي فيه والعموم وكثرة ما يدخل ~~تحته، أو ما يخيل منه عرض بعيد، أو ما يخيل منه زمان غير الزمان الذي وجد ~~فيه المعنى. فإن هذه كلها أسماء باردة. فمثال الاسم المشترك المنقول أن ~~يسمى اللبن: الأبيض، فإن " الأبيض " يقال على أشياء كثيرة بيض، فيعسر فهم ~~ما يراد بذلك. وكذلك الشيء الذي ينقل إليه اسم جنسه. وأرسطو يحكي عن بعض ~~القدماء أنه كان يستعمل أمثال هذه الأسماء الباردة، فكان يسمى العرق " ~~رطوبة " باسم جنسه، وكان يسمى الشهوة " الاقتداء المنكوس من النفس "، ويسمى ~~عناية النفس " الاكتئاب ". وأما الذي يخيل زمانا غير زمان، فمثل أن يدل على ~~الفعل المستقبل بالكلمة الماضية، أو على ما وجوده في غير زمان بالكلمة ~~الدالة على الزمان. فهذه الأصناف لا ينبغي أن تستعمل في الخطابة. وهي ~~تستعمل في الشعر، أعني التي تخيل في الشيء عرضا بعيدا. والأسماء المنقولة ~~أول أمرها تكون غريبة. وهي حينئذ أخص بالشعر. فإذا تمادى الزمان بها وصارت ~~مشهورة، وصلحت للخطابة. فإن اشتدت شهرتها، عدت في أصناف المستولية. وهي ~~بالجملة إنما ينبغي أن تستعمل في هذه الصناعة في أحد موضعين: إما عندما ليس ~~يلفى للشيء الذي فيه القول اسم، فينقل إليه اسم آخر، وإن لم يقصد به أن ~~يستمر على طول الزمان؛ وإما عندما يراد أن يسمى به ذلك الشيء في الزمان ~~المستقبل على جهة الشريعة للناس. والذي ينبغي أن يستعمل هاهنا منها ما كان ~~تفهيمه المعنى بسهولة، ويخيل فيه حالا بمقدار ما يحتاج إليه في ms197 هذه ~~الصناعة، لا ما كان منها غامضا. فإن الغموض لا ينبغي أن يستعمل مع من يقصد ~~به تبصيره؛ وإنما يستعمل مع من يقصد به أن يغمض عليه المعنى. ولا ما كان ~~منها أيضا يخيل في المعنى أمرا أعظم مما قصد إليه والأسماء المركبة خاصة ~~بأصناف الأشعار الطويلة الممدودة لكثرة الحروف التي منها تركبت. والغريبة ~~خاصة بالأشعار التي تقال في الأمور العظام التي يقدم عليها مع توق وحذر، ~~مثل الحروب. فإن الأسماء الغريبة تعطي في الشيء تفخيما وتعظيما. وأما ~~الأسماء المغيرة فتليق من أصناف الأشعار بالأشعار التي يقصد بها الالتذاذ ~~وجودة التفهيم. وهذا يقال في صناعة الشعر. # وأما الصنف الرابع من الألفاظ الباردة فيكون في التغييرات التي ليست ~~بجميلة. وذلك يعرض فيها من وجوه: إما أن تكون من أشياء بعيدة، وإما أن تكون ~~من أشياء قريبة، وإما من أمور ظاهرة، وإما من أمور خفية، وإما من أمور تخيل ~~في الشيء زيادة مفرطة، أو نقصا مفرطا، وإما من أشياء خسيسة، وإما أن يتركب ~~أكثر من واحد من هذه الأنواع. ولن تعسر على من تفقد الخطب والأشعار مثالات ~~هذه الأنواع. # PageV01P110 # والمثال هو نوع ما من أنواع التغيير. وذلك أن من التغيير ما يكون إلى ~~المثال وإلى الشبيه. وإنما الفرق بينهما أن في التغيير يقام المثال مقام ~~الممثل به، وفي التمثيل يؤتى بحروف التشبيه. والمثال بالجملة، أعني المخترع ~~أو الموجود، والتغيير المثالي ينبغي أن يكون أمرا مناسبا للمعنى الذي ~~استعمل بدله، وبخاصة متى استعمل التغيير في أشياء متباينة. مثل ما حكى ~~أرسطو أن الشعراء كانوا في زمانه يسمون المشتري، ذا الكؤوس، وكانوا يسمون ~~المريخ، ذا المجن. وذلك أضنه لما كانوا يعتقدون أن المشتري كوكب الألفة ~~والمحبة والصداقة والصفح، والناس إنما تكون بأيديهم الكؤوس وهم بهذه الحال، ~~استعاروا لبه هذا الاسم المناسب، لاعتقادهم فيه هذا الاعتقاد. ولما كان ~~المريخ عندهم كوكب الحروب والتباغض والتقاطع، وكان الناس إنما تكون بأيديهم ~~المجان والترسة عند الحروب، استعاروا له هذا الاسم. فهذان التغييران إذن ~~مناسبان، إلا أنهما من أمور ms198 بعيدة، وأرسطو يرى أن تكون التغييرات الجميلة ~~المثالية من الأمور التي هي واحدة بالنوع، وذلك بأن يشبه الإنسان بالإنسان ~~المناسب له مثل أن يشبه الجميل بيوسف. فإن لم تكن واحدة بالنوع، فتكون ~~واحدة بالجنس القريب. مثل تشبيه العرب المرأة الحسناء بالظبية. فإن لم يكن، ~~فبالجنس البعيد مثل تشبيههم المرأة الحسناء بالشمس. وأما إذا كان التغيير ~~من أمور لا ترتقي إلى جنس واحد - وإن كان بعيدا - فهو رديء. # فهذا هو جملة ما قيل في الألفاظ المفردة التي ينبغي للخطيب أن يستعملها. ~~ثم هو بعد هذا يذكر من أحوال الألفاظ المفردة والمركبة أشياء غير التي سلفت ~~وذلك أن الأحوال التي سلف ذكرها للألفاظ هي أحوال لها من حيث هي مخيلة. ~~وأما الأحوال التي يذكرها بعد فهي الأحوال التي إذا اقترنت بالألفاظ كانت ~~أتم دلالة وأبين إفادة وإفهاما، أو الأحوال التي هي ضد هذه، فيشير باستعمال ~~تلك، وتجنب هذه. # قال: إن أول ما يحتاج إليه الخطيب أن يتأدب بلسان القوم الذين هو خطيب ~~بلسانهم ويتعلمه، حتى تكون مخاطبته في جميع أقاويله على أفضل ما جرت به ~~عادة أهل ذلك اللسان. # PageV01P111 # فأول الأشياء التي يجب أن يتحفظ بها ليكون القول أتم دلالة وإفادة ~~للمعاني وضع حروف الرباطات في المواضع التي يجب أن تكون فيها من القول. ~~والروابط هي بالجملة الحروف التي يرتبط بها القول وتتصل أجزاؤه بعضها ببعض. ~~وقد عدد أبو نصر أصنافها في غير ما موضع. فإن منها ما شأنه أن يوضع في أول ~~القول مثل الروابط التي تتضمن إيجاب معنى لمعنى مثل حروف الشرط والمجازاة، ~~ومثل حروف الاستفهام والشك. ومنها ما شأنه أن يوضع في وسط القول مثل الواو ~~والفاء وثم. ومنها ما شأنه أن وضع في آخر القول وهي حروف العلة والسبب، مثل ~~قولك: أكرمت زيدا لجوده. فإنه أفصح في كلام العرب من أن تقول: لجوده أكرمت ~~زيدا، أو أكرمت لجوده زيدا. وذلك بين في لسانهم. فينبغي للخطيب أن يرتب هذه ~~الروابط في المواضع التي بها يكون الكلام أفصح في ذلك ms199 اللسان. وأيضا فإن من ~~الروابط ما يقتضي أن يتصل باللفظ الذي يتصل به الرباط لفظ آخر غير الذي قرن ~~به الرباط، وهذا يسمى جزاء وقضاء. ومن شأن هذا المتصل في بعض المواضع أن ~~يكون قبل الرباط، ومن شأنه في بعضها أن يكون بعد الرباط. فينبغي أن يوضع ~~حرف الجزاء في أمثال هذه الأقاويل في المواضع التي شأنها أن توضع، وذلك إما ~~متقدما للفظ المتصل باللفظ الذي يقترن به الرباط، وإما متأخرا. مثال ما ~~يكون الجزاء فيه متأخرا عن اللفظ المقترن بالرباط قولك: أما زيد فمنطلق، ~~وأما عمرو فقاعد. وأما استعمال القول الذي يقتضي الجزاء والقضاء محلولا دون ~~روابط، فينبغي أن يجتنب. وإذا استعمل ذلك فينبغي ألا يباعد بين الجزاء وبين ~~المجازى به بكلام كثير يدخله أثناء ذلك. وأيضا فإن من الرباطات ما يقتضي أن ~~يكون بعده رباط آخر، وذلك إما من نوعه بأن يتكرر الرباط نفسه مثل إما ~~المكسورة، وإما من غير نوعه مثل أم التي تأتي بعدها هل في الاستفهام. ~~فينبغي في أمثال هذه المواضع ألا يدخل بين الرباط الأول والثاني رباط آخر ~~ليس شأنه أن يقع بينهما. فإن هذا يجعل القول متعلقا غير مفهوم. وقد يحسن أن ~~يدخل بين الرباط الأول والثاني في مواضع يسيرة رباط آخر غريب، مثل قول ~~القائل: أما أنا فلأجل كذا فعلت كذا وكذا، وأما فلان فلأجل كذا فعل كذا ~~وكذا. فيحسن دخول الرباط الدال على العلة، وهو قولك لأجل كذا بين أما ~~الأولى وأما الثانية التي تقتضي إحداهما الأخرى. وقد يؤتى بالرباط الغريب ~~في مثل هذا الموضع في أجزاء القول، كقول القائل: أما فلان ففعل كذا، وأما ~~فلان ففعل كذا وكذا، ولأجل كذا وكذا. ويعسر إعطاء قانون يعرف أين ينبغي أن ~~ترتيب أمثال هذه الرباطات الغريبة في موع موضع من أجزاء أمثال هذه ~~الأقاويل. وانما ينبغي أن يتحرى في ذلك ما يكون القول به أتم إبانة في ~~الكلام. وكذلك قد يصلح في مواضع يسيرة أن يباعد بين الرباط وبين جزائه. ~~فهذه هي أول ms200 الوصايا التي أوصى ها من أراد أن يتأدببلسان أمة ما حتى يقومه. # والوصية الثانية: أن يتوخى الخطيب أن يكون كلامه بالأسماء الأهلية الخاصة ~~بالأمر المقول، أعني المتواطئة، لا بالأسماء العامة المحيطة. # والوصية الثالثة: ألا يكون الكلام بالأسماء المشككة التي توهم الشيء وضده ~~وتضلل السامع. وهذه الأسماء هي خاصة بالسوفسطائية، وهي بصناعة الشعر أخص ~~منها بهذه الصناعة. # قال: والكهان إنما كانوا ينطقون بأمثال هذه الأسماء، لأن الوقوف على ~~خطائهم، إذا نطقوا بمثل هذه الأسماء، يقل، لاحتمالها معنى أكثر من واحد، ~~كما عرض لرجل من الكهان مع بعض الملوك، فإنه قال: إذا عبرت النهر الفلاني، ~~أتلفت رياسة عظيمة، فظن ذلك أنها رياسة بعض أعدائه. فلما عبر النهر ظفر به ~~عدوه وهلك، فكان الذي أتلف رياسة نفسه. فإذا نطقوا بالأسماء الأهلية - أعني ~~الكهان - وحددوا الوقت والكمية فإن الخطأ يعرض لهم كثيرا. # PageV01P112 # والوصية الرابعة: أن يتحفظ بأشكال الألفاظ الدالة على المذكر والمؤنث فلا ~~يستعمل شكلا دالا على التذكير في المعنى المؤنث، ولا شكلا دالا على التأنيث ~~في المعنى المذكر. والتذكير والتأنيث في المعاني إنما يوجد في الحيوان، ثم ~~قد يتجوز في ذلك في بعض الألسنة، فيعبر عن بعض الموجودات بالألفاظ التي ~~أشكالها أشكال مؤنثة وعن بعضا بالتي أشكالها أشكال مذكرة. وفي بعض الألسنة ~~ليس يلفي فيه للمذكر والمؤنث شكل خاص، كمثل ما حكي أنه يوجد في لسان الفرس. ~~وهذا يوجد في الأسماء والحروف. وقد يوجد في بعض الألسنة أسماء هي وسط بين ~~المذكر والمؤنث، على ما حكى أنه يوجد كذلك في اليونانية. ويحتاج مع هذا في ~~هذه الأسماء أن تكون نهاياتها مشكلة بالأشكال التي بها جرت عادة أولئك ~~القوم، أعني أن تكون معربة بالإعراب الذي جرت به عادة أهل ذلك اللسان أن ~~يعربوا نهايات هذا الصنف من الأسماء في موضع موضع من القول أو مبنية ~~بالبناء الذي يخصها. # والوصية الخامسة: أن يتحفظ باستعمال أشكال الأسماء الدالة على الواحد ~~والإثنينية والكثير. ويتحفظ بأصناف الأسماء الدالة على الكثير، وذلك أن ~~منها ما يدل على العشرة فما ms201 دونها مثل صيغة أفعل في الجمع، كقولك بحر وأبحر ~~وجبل وأجبل، ومنها ما يدل على الكثير، كقولك جبال وبحار. فإن أبنية هذه ~~الأسماء مختلفة. فينبغي للخطيب أن يتحفظ بها وأن يستعمل كل شكل منها في ~~موضعه، وأن يجعل نهاياتها في القول مختلفة، كما قلنا، بالاختلاف الذي جرت ~~به عادة أهل ذلك اللسان عند اختلاف أحوال القول، وهو الذي يسمى الإعراب عند ~~نحويي العرب، والاستقامة عند نحويي اليونانيين. # ووصية سادسة: وهو أنه ينبغي أن يكون الكلام المكتوب مما يسهل تفهم معناه ~~عند قراءته؛ ويكون المتلو مما يسهل تفسيره. والكلام المقروء إنما يسهل تفهم ~~معناه في وقت قراءته بأن تكون فيه علامات للاتصال والانفصال. وذلك شيء لم ~~يوضع بعد في خط لسان العرب. وهو موجود في كثير من خطوط سائر الألسنة. ~~والكلام المتلو الذي يعسر تفهم معناه هو الكلام الكثير الرباطات، وهو الذي ~~يعرف بالكلام المعقد. فإن استعمال الرباطات في الكلام ينبغي أن يكون مقدرا. ~~فإن عدمها في الكلام جملة يوجب عدم فهم اتصاله، كما أن كثرتها توجب عدم فهم ~~الانفصال. ومن ذلك أن يتجنب في الأقاويل المركبة الألفاظ التي إذا نطق بها ~~لم يدر هل تتصل بالجزء الأول من القول أم بالجزء الأخير، مثل قول القائل: ~~إن هذه الكلمة إذا كانت بالديمومة تكون للرجل الحكيم. فإن قولنا بالديمومة ~~يحتمل أن تكون من صفة الكلمة حتى يكون تقدير ذلك أن هذه الكلمة إذا كانت ~~بالديمومة فإنها تكون للرجل الحكيم؛ ويحتمل أن يكون قولنا بالديمومة من صفة ~~الرجل الحكيم، فلا يكون القول تاما ويحتاج إلى جواب، ويكون التقدير: أن هذه ~~الكلمة إذا كانت للرجل الحكيم بالديمومة، فيحتاج إلى خبر. وسبب هذا الإشكال ~~عدم علامة الاتصال والانفصال. # ومن ذلك: إذا اتفق أن كان شيئان داخلين تحت جنسين، فأردنا العبارة عن كل ~~واحد منهما بما يخصه، فينبغي أن نجعل العبارة عن كل واحد منهما باللفظ الذي ~~يخصه. وإن أردنا أن نجمع بينهما جعلنا العبارة عنهما بما يعمهما. مثال ذلك: ~~إذا أردنا أن نعبر عن فعل ms202 البصر بما يخصه قلنا أبصرنا. وإذا قلنا عن فعل ~~السمع قلنا سمعنا. فإن أردنا أن نجمع بينهما قلنا أحسسنا. فإن عبرنا عن فعل ~~البصر فقط أو السمع فقط بالإحساس، كانت تلك عبارة رديئة. # ومما يعسر فهم الأخبار عن شيء يقصد الإخبار عنه أن يدخل المخبر بين الخبر ~~والمخبر عنه كلاما كثيرا، مثل قولك: إني كنت مزمعا حين تكلمت فكان هاهنا ~~كذا وكذا بحال كذا وكذا على أن أفعل كذا وكذا. يريد أني كنت مزمعا حين ~~تكلمت على أن أفعل كذا وكذا فإدخال مثل هذا في الوسط مما يعسر به تفهم ~~المعنى. إلا أنه قد ينتفع به في الخطابة، عندما يريد الخطيب تكثير القول ~~وغزارة الألفاظ. وذلك أنه لو أتى بمثل هذا الحشو أخيرا، لتبين على المكان ~~أنه فضل. فإذا أتى به في الوسط أوهم السامعين أنه مما يحتاج إليه. وأما إذا ~~كان الخطيب قصده الإيجاز فليس ينبغي أن يأتي بمثل هذا الحشو. # PageV01P113 # ومما ينفع في جودة تفهيم المعنى وتكثير القول - إذا كان مقصودا للخطيب - ~~أن يستعمل الأقاويل الشارحة مكان الأسماء المفردة. وأما إذا كان قصده ~~الإيجاز، فينبغي أن يستعمل ضد ذلك. وقد ينتفع الخطيب بهذا الإبدال، أعني ~~إبدال القول مكان الاسم، والاسم مكان القول. فإنه إذا كان الشيء له صفة ~~قبيحة، فالواجب على الخطيب أن يبدل مكان ذلك القول الدال على الصفة الاسم. ~~وكذلك إن كان الاسم يخيل في المعنى قبحا، فينبغي أن يبدل بالقول المساوي ~~له. واستعمال الأقاويل بدل الأسماء مما ينفع في تكثير القول. والأقاويل ~~المبدلة بدل الأسماء هي التي تؤلف من أغراض الشيء والأفعال الصادرة على جهة ~~الخزاية. والقول المبدل قد يمكن أن يجعل قصيرا، ويمكن أن يكون طويلا. ~~والأقاويل المبدلة شعرية أكثر ذلك، وقد يتجنبها الشعراء، وذلك بحسب ما يقصد ~~من إطالة القول واختصاره. فقد يقصد الشاعر وصف شيء واحد فيجعل بدله أقاويل ~~كثيرة؛ وقد يقصد وصف أشياء كثيرة فيجعل بدلها قولا واحدا، إذا أراد ~~الاختصار. وربما جعل بدل كل واحد منها قولا إذا أراد الإطناب. ms203 # ومما يصير به القول مختصرا أن يجعل غير مربوط بعضه ببعض. والقول الغير ~~المربوط هو الذي إذا ابتدئ به أردف بما ليس من شأنه أن يتصل به بل يحتاج أن ~~يدخل بينه وبين الذي أردف به متوسط. فإذا حذف ذلك المتوسط، كان القول غير ~~مربوط حتى يخيل أن القول الأول من غير جنس الثاني. وهذا هو من نمط الكلام ~~الذي يعرف بالفصول. وهذا النوع من الكلام الغير المربوط ليس يعدم فيه حروف ~~الروابط. وإن كان قد يكون نوع آخر من الكلام غير مربوط من جهة عدم حروف ~~الروابط فيه أصلا على ما تقدم. فيكون القول الغير المربوط صنفين: صنف عدم ~~حروف الرباط، وصنف عدم المتوسطات التي بين أجزاء القول. # قال أبو نصر: ويكاد أن يكون خطباء العرب يرون أن البلاغة إنما هي استعمال ~~القول الغير المربوط. # وأما الألفاظ المعدولة والأسماء الغير المحصلة والكلم الغير المحصلة، ~~وبالجملة السلوب كلها والألفاظ التي تدل على العدم لا على ذوات الأشياء، ~~فإنما ينبغي أن تستعمل أكثر ذلك عند التعريض، وعند إرادة إخفاء الشيء ~~وستره، وهي شعرية أكثر منها خطبية، وبخاصة ما كان منها مفرط الدلالة، فإنها ~~لا تدل على شيء محصل. فلذلك إن استعملها الخطيب في المدح أو الذم، لم يذم ~~بشيء محصل ولا مدح بشيء محصل. فلذلك لا ينتفع به الممدوح ولا يستضر به ~~المذموم ذلك الضرر. وكذلك أيضا قل ما ينتفع به في المشوريات ولا في ~~المشاجريات. اللهم إلا في الاعتذار فإنه قد ينتفع به. # قال: والمقالة إنما تكون جميلة إذا كانت بألفاظ مخيلة، خلقية، موجهة نحو ~~الأمر المقصود، معتدلة. وأعني بقولي خلقية أي بألفاظ تحث على الخلق الذي ~~شأنه أن يصدر عنه ذلك الفعل الذي يقصد المتكلم الحث عليه. فإن هاهنا ألفاظا ~~يحث بها على الأخلاق والانفعالات النفسانية، مثل قولهم: ألا رجل يفعل كذا ~~وكذا، وهلا كان كذا وكذا. وأعني بقولي موجهة نحو الأمر المقصود أن يكون ~~الخلق أو الانفعال الذي يحث عليه مما شأنه أن يصدر عنه ذلك الفعل المقصود. ms204 ~~وأعني بقولي معتدلة ألا تخيل في المخاطب أخلاقا هي أرفع جدا منه، فيقل ~~تخلقه أو انفعاله عن ذلك القول، ولا أخلاقا هي أخس منه جدا، بل تخيل فيه ~~أخلاقا تليق به. ومما يصير القول خسيسا أن يعبر عنه بالألفاظ الأهلية ~~المستولية، ولا يعبر عنه بالكلية، بل بأمور مفصلة. وبالجملة ينبغي ألا ~~يقتصر من الألفاظ على أن تكون مزينة بالنغم فقط أو بسائر الأمور التي من ~~خارج، وهي التي تعرف بالأخذ بالوجوه، بل ينبغي أن تكون مع هذا في نفسها ~~مخيلة. والأقاويل الخلقية إذا كانت مذكرة بالعار والمنقصة كانت محركة ~~للغضب. وإذا كانت مذكرة بالآلام وتعظيم الشيء كانت باعثة على التوقي والحذر ~~والتعسر في الشيء وألا يعطى المرء من نفسه ما يطلب منه. وإذا كانت بالمديح ~~كانت مستدرجة نحو الشيء المقصود فعله ومسهلة له، وإذا كانت بما يضاد المديح ~~كانت محركة للهم والجزع. # PageV01P114 # والأقاويل الخلقية إنما تكون مقنعة إذا دل عليها بألفاظ دالة بصيغها على ~~الحث على الأخلاق، لا بألفاظ لا تدل بصيغتها على ذلك الخلق، ولا على ذلك ~~الانفعال. وإنما تكون الأقاويل الخلقية أشد إقناعا بالألفاظ الخاصة بها، ~~لأنه بهذه الألفاظ تتمكن من النفس، ويحسن موقعها منها، فيظن بها أنها الحق. ~~إذ من خاصة الحق أن يتمكن من النفس، ويحسن موقعه منها، فتغلط النفس في هذا، ~~ويضللها موضع اللاحق. وأيضا فإذا كان السامع قد ينفعل عن المخاطب له ~~بالانفعالات التي من خارج مثل انفعالات الوجه وغير ذلك من الأمور التي قد ~~عددت، فكم بالحري أن ينفعل أو يتخلق من قبل الألفاظ التي تدل بصيغتها على ~~ذلك الخلق أو الانفعال. # وقد تبين مما قيل أن الأخلاق والانفعالات تشاكل كل جنس وهمة وأعني بالجنس ~~مثل الغلام والشيخ والمرأة والرجل والعربي والرومي، وأعني بالهمة الشيء ~~الذي هو مقصود لأمة أمة من الأمم في حياتهم الدنيا مثل الحكمة عند قوم، ~~والمال عند قوم آخرين، واللهو عند آخرين، وغير ذلك من الأشياء التي يمكن أن ~~تفرض غاية قصوى. والصنائع أيضا والمهن لها تأثير في الاستعداد ms205 لقبول خلق ~~خلق، وانفعال انفعال، فينبغي للخطيب أن يتحرى اللاحق لكل إنسان من الأخلاق ~~والانفعالات فيحثه عليه. فإنه إذا تعمد ذلك، كان فعله أبلغ. ومما ينبغي له ~~أن يقصده: وهو أن يخاطب أهل كل صناعة بالألفاظ الخلقية التي هي مشهورة عند ~~أهل تلك الصناعة، مثل أن يخاطب الحكماء بالألفاظ الخلقية التي هي مشهورة ~~عند الحكماء، وكذلك في صناعة صناعة. فإن هذا الفعل له موقع عظيم في ~~الإقناع. والأقاويل الخلقية ليست هي الأقاويل الانفعالية، ولا المواد التي ~~تعمل منها هي واحدة بعينها. وإن كان قد يوجد عن الخلقية شيء من الانفعال، ~~مثل قول القائل: ومن لا يعرف هذا؟ كل الناس يعرفون هذا. فإن هذا قد يقر به ~~السائل استحياء من أن يسئل كيف وجب ذلك. والاستحياء انفعال ما. فيستعمل ~~الأقاويل الخلقية في الموضع اللائق بها، والانفعالية في الموضع اللائق بها ~~أيضا. # وينبغي للخطيب قبل ذلك فيما بينه وبين نفسه أن يتقدم فيروى في الطرق ~~والوجوه التي بها يقنع السامعين، فإن بذلك يكون إقناعه أبين وليس يذهب عنه ~~ما يريد أن يتكلم فيه. # وقد أوصى الجدلي بمثل هذه الوصية في المقالة الثامنة من طوبيقى. وليس ~~ينبغي للخطيب أن يجعل أقاويله كلها بألفاظ من جنس واحد، حتى تكون كلها ~~بألفاظ مستعارة أو غريبة أو مشهورة، بل ينبغي أن يخلط ذلك، فإن بذلك يكون ~~القول أشد تخييلا، لأنه إذا أتى بها من جنس واحد، ولم يكن منها شيء غريب، ~~لم يفد ذلك غرابة ولا تعجبا يحرك النفس، وإنما يظهر فضل القول المخيل على ~~القول المشهور، إذا قرن به. وكذلك القول الغريب. فإذا أتى بها كلها من جنس ~~واحد أشبهت المألوف. ولم تكن هنالك غرابة تحرك النفس. # PageV01P115 # والأقاويل الانفعالية إنما ينبغي أن يستعمل فيها من الأسماء الغريبة ~~والموضوعة والمضاعفة، فهي لذلك أوفق. وذلك أن هذه الثلاثة الأنواع من ~~الألفاظ تخيل أمرا زائدا على المقصود بها. فإذا عبر عنها بالأقاويل ~~الانفعالية أفادت فيها معنى زائدا على الأمر في التحريك نحو الشيء الذي ~~يبعث على الانفعال بما ms206 أعطت في ذلك الشيء من التخييل. وينبغي للخطيب عندما ~~يستعمل الأقاويل الخلقية والانفعالية مع السامعين في فعل شيء ما أو ~~باجتنابه أن يحكم عليهم أنهم سيفعلون ذلك الشيء الذي يطلبون به مع تحريكهم ~~لذلك الخلق أو الانفعال الذي من شأنه أن يحرك نحو ذلك الشيء، وذلك إذا ~~استدرجهم إما إلى فعل ذلك الشيء وحثهم عليه بالمدح بالأقاويل الخلقية، أو ~~التحريك إلى المحبة بالأقاويل الانفعالية، وإما لكفهم عنه وحثهم على ~~اجتنابه بالذم بالخلقيات، أو بالتحريك إلى البغضة بالانفعاليات. مثال ذلك ~~أن الإنسان إذا أراد أن يحرك إنسانا ما نحو فعل ما بالأقاويل الخلقية. فإن ~~ذلك يمكن فيه بالمدح لمن شأنه أن يصدر منه ذلك الفعل، مثل أن يقول له: هذا ~~إنما يفعله ذوو الهمم الرفيعة والأحساب الشريفة. فإذا استعمل معه مثل هذا ~~القول، فينبغي له أن يزيد في ذلك: وأنت ستفعله، فإن همتك وشرفك يقتضي ذلك. ~~ومثل هذا يفعل إذا حركه بالأقاويل الانفعالية، مثل أن يقول له: إنما يفعل ~~هذا من يكتسب الذكر الجميل ومودة الناس وأنه سيكتسب ذلك. ومثل هذا يكون في ~~اجتناب الفعل بالذميات أو المبغضيات. وهذا الفعل يسميه أرسطو الإنباء، ~~ويقول إنه ينبغي للخطيب أن يستعمل الإنباء، ويقول إن السبب في وقوع الإقناع ~~به هو أن الذي يخبر عنه أنه سيكون إنما يخبر عنه ومن شأنه أنه سيكون. ويقول ~~إن هذا الفعل يشاكل الشعر جدا، لأن الشاعر بمنزلة النباء، أعني الذي يخبر ~~بما يكون في المستقبل. وإذا كان الإنباء مع مزاح أو هزل كان أحرى أن يفعل ~~في السامع. ولما كان قد تكلم من أحوال الألفاظ المركبة في كيفية تركيبها ~~وترتيبها وطولها وقصرها، وأعطى في كل واحد من هذه الوجوه الوصايا النافعة، ~~شرع يتكلم في الأزمنة التي بين أجزاء القول الخطبي، فقال: إن الكلام الخطبي ~~ينبغي أن يكون غير ذي وزن ولا عدد، يعني بقوله غير ذي وزن، ألا تكون ~~الأزمنة التي بين أجزاء المقاطع أو الأرجل أزمنة يحدث عنها إيقاع وزني، ~~ويعني بقوله ولا عدد، ألا تكون ms207 حروف الأرجل والمقاطع متساوية. وإنما يكون ~~القول موزونا إذا جمع هاتين الصفتين. والأزمنة بين المقاطع والأرجل ربما ~~كانت سكنات ووقوفات على ما عليه الأمر في أوزان العرب، وربما كانت مركبة من ~~سكنات ونبرات على ما عليه الأمر في أوزان سائر الأمم. وإنما لم يكن الوزن ~~مقنعا في الأقاويل الخطبية لثلاثة أشياء: أحدها: أنه يقع في نفس السامعين ~~أن القول قد دخلته صناعة ما وحيلة حتى يظن أن الإقناع إنما أتى من قبل ~~الصناعة لا من قبل الأمر نفسه. # والثاني: أن يظن به أنه قصد به التعجيب والإلذاذ واستفزاز السامعين بذلك، ~~فيقع القول عندهم موقع ما قد غولطوا في الإقناع به. # PageV01P116 # والثالث: أن القول الموزون إذا ابتدأ القائل بصدره، فهم منه السامع عجزه ~~للمناسبة التي بينهما والمشاكلة قبل أن ينطق به القائل. وإذا نطق به بعد، ~~فكأنه لم يأت بشيء لم يكن عند السامع قبل، فيقل لذلك إقناعه. ولما كانت ~~الأقاويل المركبة على ثلاثة أصناف: إما أقاويل موزونة وهي التي يجتمع فيها ~~الإيقاع والعدد، وإما أقاويل لا يكون بين ألفاظها المفردة أزمنة، فينتهي ~~بها كل لفظة منها عند السامع، أو علامات تدل على ماهيتها. وهذا هو الذي ~~يعرفه أرسطو باللفظ السخيف. وإما أقاويل تكون بين ألفاظها المفردة أحوال ~~تنهيها عند السامع وتفصلها، وذلك إما بسكنات أو نبرات. إلا أنها ليست نبرات ~~تجعل القول موزونا فإن الوزن إنما يتم بالنبرات والوقفات التي تكون بين ~~المقاطع والأرجل وبالعدد، أعني أن تكون حروف المصرع الأول في البيت مساوية ~~لحروف المصرع الثاني. وكأن قد ظهر أن الأقاويل الموزونة ليست بمقنعة، فكذلك ~~يظهر أيضا في الأقاويل التي ليس بينها نبرات - بل هي متناسقة - أنها قليلة ~~الإقناع. وذلك لسببين: أما أحدهما فلأن الألفاظ إذا لم يكن بينها فصول ~~زمانية عسر فهم تلك المعاني، لأنها إذا وردت مشافعة في الذهن، لم يتمكن ~~الذهن من فهم واحد منها حتى يرد عليه آخر، شبيه ما يعرض لمن يحب أن يتناول ~~شيئا من أشياء سريعة الحركة، فإنه لا يتمكن منها. وأما ms208 الثاني فإن القول ~~يكون بها غير لذيذ المسموع، لأنه إنما يلتذ السمع بالنبرات والوقفات التي ~~بين أجزاء القول. وأيضا فلكون الفصول التي في أمثال هذه الأقاويل متساوية ~~لتقاربها فهي مملولة، لأن اللذة إنما هي في الانتقال من جنس إلى جنس. وإذا ~~كان هذا هكذا، فلم يبق أن تكون أجزاء القول الخطبي إلا القسم الثالث من ~~الأقسام وهو الذي يكون بين أجزائه نبرات ووقفات لا تخرج القول إلى أن يكون ~~بها موزونا. وبالجملة إنما ينبغي أن تكون النبرات والفصول في القول الخطبي ~~بقدر ما تتمكن النفس من فهمه، وذلك لا شك مختلف باختلاف الأقاويل. فإن من ~~الأقاويل ما ينبغي أن يباعد بين أجزائها، ومنها ما لا ينبغي أن يفعل ذلك ~~فيها أكثر. والنبرات تستعمل إما في إبعاد ما بين الأقاويل وإما في إبعاد ما ~~بين الألفاظ المفردة، وإما في إبعاد ما بين الأرجل والمقاطع، وإما في إبعاد ~~ما بين الحروف. والتي تستعمل منها في إبعاد ما بين الأرجل والمقاطع تخص ~~الوزن الشعري. والتي تستعمل منها في إبعاد ما بين الحروف تخص الأغاني. فإن ~~الذي يخص الأقاويل الخطبية من ذلك ما كان مستعملا في إبعاد ما بين الألفاظ ~~المفردة والأقاويل. # PageV01P117 # والأقاويل صنفان: منها قصار، ومنها طوال؛ ومنها التام، ومنها غير التام. ~~والتام منها أدل، وهو القول الحازم، والأمر والنهي، وسائر ما يدخل تحتها، ~~ومنها ثوان، وهو الخطب. فالنبرات يستعملها الخطيب في أحد ثلاثة مواضع: إما ~~في نهاية الألفاظ المفردة والأقاويل القصار التي تقرب من الألفاظ المفردة، ~~وإما في نهاية الأقاويل القصار التي هي أجزاء الأقاويل الطوال، وإما في ~~أطراف الأقاويل التامة بالوجه الثاني أو في أنصافها، أعني في أجزاء الخطبة ~~الكبرى. فالتي يستعمل منها في نهاية الأقاويل القصار جدا والألفاظ المفردة ~~تضارع الكلام الموزون لقرب مساواة الألفاظ المفردة والأقاويل القصار ~~للمقاطع والأرجل. ولذلك ينبغي للخطيب أن يتوقى عند استعمال هذه النبرات أن ~~يصير الكلام موزونا. وذلك أنها متى وقعت بين المقاطع والأرجل كان القول ~~موزونا؛ ومتى وقعت بين الألفاظ المفردة والأقاويل القصار ms209 كان القول موزونا ~~وزنا خطبيا. وكثيرا ما يعرض في الخطب أن تقع هذه النبرات أو السكنات عند ~~الأمة التي تستعمل السكنات أكثر ذلك موضع النبرات بين المقاطع والأرجل من ~~غير أن يقصدوا ذلك، فيكون القول موزونا وهم لا يشعرون. وإنما يصح للخطيب ~~هذا النوع من الوزن إذا اختار من الألفاظ المفردة أو الأقاويل القصار ما ~~يقرب أن يكون مساويا للمقاطع والأرجل. والذي يستعمل منها في أجزاء الأقاويل ~~القصار التي هي أجزاء الأقاويل الطوال إنما يستعمل ليدل على انفصال قول من ~~قول. وهذا إنما يستعمل في الأقاويل التامة بالتمام الأول فيما أحسب وهي ~~ضرورية في جودة التفهيم. وهذا الصنف من النبرات هو قليل، إذ كان إنما يقع ~~في نهايات الأقاويل القائمة بأنفسها. وهذه فيما أحسب هي التي تسمى عند ~~العرب مواضع الوقف. فإن العرب إنما تستعمل أكثر ذلك عوض النبرات وقفات. ~~والصنف الثالث يستعمل في ابتداء الأقاويل وفي ختمها وفي توسطها لموضع ~~الراحة. وهذه النبرات التي تستعمل في هذه المواضع الثلاثة عند الأمة التي ~~تستعملها منها ما يبتدئ فيها بمقاطع ممدودة وتنتهي بمقاطع مقصورة، ومنها ما ~~يبتدئ بمقصورة وتنتهي بممدودة، ومنها ما تكون كلها ممدودة. والتي تكون من ~~مقاطع ممدودة تشاكل الوسط لموضع الراحة. وينبغي أن تعلم أن الوقفات إذا ~~أقيمت مقام النغمات صار القول باردا، وأن عادة العرب في النغم قليلة. ~~والنغم إنما تحدث إما مع المقاطع الممدودة أو مع الحروف التي تمتد مع النغم ~~وتتبعها كالميم والنون. وأما المقاطع المقصورة فقد تمد عند الحاجة إلى ~~استعمال النبرات فيها، إلا أن العرب يستعملون النبرات بالنغم عند المقاطع ~~الممدودة، كانت في أوساط الأقاويل أو في أواخرها. وأما المقاطع المقصورة ~~فلا يستعملون فيها النبرات والنغم إذا كانت في أوساط الأقاويل. وأما إذا ~~كانت في أواخر الأقاويل فإنهم يجعلون المقطع المقصور ممدودا. وإن كان فتحة ~~أردفوها بألف، وإن كان ضمة أردفوها بواو، وإن كان كسرة أردفوها بياء. وذلك ~~موجود في نهايات الأبيات التي تسمى عندهم القوافي. وقد يمدون المقاطع ~~المقصورة في أوساط الأقاويل ms210 إذا كان بعض الفصول الكبار ينتهي إلى مقاطع ~~مقصورة في أقاويل جعلت فصولها الكبار تنتهي إلى مقاطع ممدودة، مثل قوله ~~تعالى " ويظنون بالله الظنونا ". وبالجملة إنما يمدون المقطع المقصور عند ~~الوقف قال: وينبغي أن يكون بين النبرات والنغم التي يستفتح بها القول وبين ~~التي يختم بها تضاد، مثل ما حكاه أرسطو أن الأقاويل التي كان يستفتح بها ~~عندهم كان يبتدأ فيها بحرف طويل أو مقطع ممدود، وينتهي بثلاثة مقاطع قصار، ~~والتي يختم بها ضد ذلك، أعني أنها يبتدأ فيها بثلاثة مقصورة وينتهي بمقطع ~~ممدود أو حرف ممدود: لأنه إذا انتهى بمقطع مقصور جعل الكلام مبتورا. # وليس ينبغي أن يعتمد في نهاية الكلام المكتوب - إذا تلي - على الفصول ~~التي في الخط، بل إنما ينبغي أن يعتمد على النبرات الفاضلة، وينطق بها حتى ~~يتبين نهايات القول. # فهذا هو القول في النبرات وبأي حال يستعمل في نوع نوع من أنواع الكلام ~~نوع نوع منها. # PageV01P118 # قال: وينبغي أن تكون الأقاويل الخطبية مفصلة إما بأن تكون أواخرها على ~~صيغ واحدة بأعيانها، وإما بأن تكون - مع كونها على صيغ واحدة بأعيانها - ~~أواخرها حروف واحدة بأعيانها، وهو الذي يعرف عندنا بالكلام المفقر، وإما ~~بلفظ مكرر بعينه، وتكون مع هذا موصلة بحروف الرباطات. فمثال المفصل بالصيغ ~~المتفقة قول تعالى: " فاصبروا صبرا جميلا. إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا ". ~~وذلك أن جميلا وبعيدا وقريبا هي كلها على صيغ واحدة وشكل واحد. وهذا كثير ~~في الكتاب العزيز. وأكثر الكلام البليغ لا يخلو من هذين النوعين من ~~التفصيل، أعني المفقر وغير المفقر. # قال: والكلام المفصل هو الذي لا تنقضي فصوله قبل انقضاء المعنى الذي ~~يتكلم فيه. فإنه إذا انقضت الفصول قبل انقضاء المعنى كان غير لذيذ في ~~السمع، من أجل أنه لم يتناه بعد بتناهي الفصول. والسامع إنما يتشوق ~~النهاية. ويعرض للمتكلم بهذا الكلام أنه يقف عند انقضائها قبل انقضاء ~~المعنى، فيقف في غير موضع وقف. أعني إذا كان المعنى أطول من الفصول. وإذا ~~جعل المتكلم نهاية فصول القول بحسب نهايات المعنى ms211 لم يعرض له هذا. # قال: والكرور والمعاطف في الأقاويل الخطبية هو أن يكون أول القول وآخره ~~بلفظ واحد أو قريب من الواحد، وهذا مثل قولهم: القتل أنفى للقتل. ومثل قوله ~~تعالى " الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة ". والتكرير في الكلام ~~الخطبي إنما يكون في هذه المعاطف. والكلام الذي بهذه الصفة إذا كان ذا قدر ~~معتدل كان لذيذا سهل الفهم. أما لذيذ، فلأنه على خلاف الذي لا يتناهى؛ وأما ~~سهل التعلم، فلأنه يسهل حفظه لتكرر الألفاظ فيه، ولأن له عددا ووزنا. # قال: والكلام الموزون يحفظه كل أحد، ولذلك صار الكلام المعطف أسهل للحفظ ~~من جميع الكلام. # قال: وينبغي أن تكون العطوف متناهية بانتهاء المعاني كالحال في الفواصل. # قال: وينبغي أن تكون الوصل في الكلام المفصل غير متراخية جدا ولا ~~متلاحقة، بل تكون بحيث يسهل التنفس في فصوله وأقسامه، كالحال في الكلام ~~المعطف، أعني أنه لا يجب أن يكون الجزء الأخير منه منفرجا ولا متراخيا عن ~~الجزء الأول. ولذلك كان الكلام الموصل هو قول تام منفصل يحسن التنفس، أي ~~الوقف، في فصوله وأقسامه. # قال: وينبغي أن تكون فصول الكلام وأعطافه لا قصارا ولا طوالا. أما القصار ~~فإن قصرها يكون سببا للسهو عنها والغفلة؛ وأما الطوال، فلأن الطول يكون ~~سببا لترك الإصغاء إليهم ومفارقة السامعين لهم بترك الإقبال عليهم كالذين ~~يتعدون الغاية ويمشون في طريق طويل، فإنه يعرض للذين يصحبونهم أن يفارقوهم. ~~وكذلك يعرض أيضا في المعاطف، إذا كانت طوالا، أن تكون مملة. وكذلك إذا كان ~~أيضا ما بين المعاطف طويلا، مثل قول القائل: ما فعل فلان شرا، ولكن فلان ~~الذي فعل كيت وكيت وكيت هو الذي فعل الشر، فيباعد ما بين المعطفين. وأما ~~القول الذي فصوله قصار جدا فلا يفعل فعل الكلام المعطف ولا فعل الكلام ~~المفصل لأن السامعين لها يسنخفون بها ويستهزئون بها، فتنبو عنها أسماعهم. # قال: والكلام الموصل بحروف الرباطات منه ما هو مقسم من غير أن يكون بين ~~أقسامه تضاد، مثل قول القائل: أما فلان فقال كذا وكذا، ms212 وأما فلان فعمل كذا ~~وكذا. ومنه ما هو مقسوم إلى أشياء متضادة أو موجودة لأمور متضادة. مثال ذلك ~~في الأمور المتضادة أنفسها، قول القائل: أما العقلاء فأنجحوا، وأما الحمقى ~~فأخفقوا. ومثال ذلك في لواحق الأمور المتضادة قول القائل: أما فلان فمشتاق ~~إلى الكسب، وأما فلان فمشتاق إلى اللهو، لأن الاشتياق إلى الكسب هو لازم ~~للفقر، والاشتياق إلى اللهو لازم للثروة. # قال: والكلام الذي بهذه الصفة لذيذ، وذلك أن الأشياء المتضادة تكون أعرف ~~إذا وضع بعضها حيال بعض، وذلك أنها تعلم بوجهين بذاتها وبزيادة، أعني ~~بمقايستها إلى الضد. وفي ذلك أيضا بجهة ما استدلال على الشيء. فهي بهذه ~~الجهة تشبه الاستدلال على الدعوى. # PageV01P119 # قال: ومن الكلام الموصل: المتدافع وهو الذي لا تكون أجزاؤه ذوات الفصائل ~~أو العطوف متساوية، بل يكون بعضها أطول من بعض، ولكن يكون الطوال منها ~~والقصار منتظمة، وذلك مثل ما يحمده الكتاب عندنا من أن تكون الفقرة الثانية ~~أطول من الأولى. # قال: ومنه أيضا الكلام المضارع، وهو أن تكون أجزاؤه الموصولة متشابهة، ~~وذلك إما في أول الفصول أو في أواخرها. والتشابه في أوائل الفصول يكون أبدا ~~بالأسماء، مثل قول القائل: السعادة حركته، والسعادة أنجدته، ومثل قولهم، ~~طويل العماد، طويل النجاد. وأما التضارع بالنهاية فيكون بالمقاطع، أعني ~~بالحروف التي تسمى الفقر، ويكون بتصاريف الاسم، ويكون باللفظ الواحد بعينه. ~~أما المتشابهة النهاية والتصريف يحتمل أن يريد بها المتفقة أشكال ألفاظها، ~~ويحتمل أن يريد التي ألفاظها مشتقة بعضها من بعض، مثل قول القائل: إنه يمكر ~~وأمكر، ويكيد وأكيد. وكلاهما يحدث في الكلام إلذاذا. وأما الذي يكون باللفظ ~~الواحد بعينه فكثير أيضا، مثل قول القائل: إن رأيه مصيب، وإن فعله مصيب. # قال: وإذ قد حددت هذه الأشياء، يعني الأحوال التي توجد للألفاظ من جهة ما ~~هي مركبة، فقد ينبغي أن نقول من أين تؤخذ الأقاويل الحسان المنجحة الفعل. ~~فإن شأن هذه الصناعة إنما هو أن يفعل الإقناع حسنا جيدا، فنقول: إن مبدأ ~~الأمر في ذلك هو أن تكون الألفاظ المستعملة فيها جيدة ms213 الإفهام لذيذة عند كل ~~أحد. والألفاظ، فهي دالة على شيء. فما كان منها يفعل مع الدلالة جودة ~~الإفهام والإلذاذ، فهي التي تفعل جودة الإقناع. وليس يصلح لهذا الفعل ~~الأسماء التي من اللغات الغريبة، لأنها مجهولة غير جيدة الإفهام. ولا يصلح ~~أيضا لذلك الأسماء المبتذلة المشهورة، لأنها وإن كانت جيدة الإفهام، فإنها ~~غير لذيذة. فإذن ليس كل إبدال وتغيير يصلح لهذه الصناعة، وإنما الذي يصلح ~~لها من التغييرات ما وجدت فيه هذه الزيادة، أعني جودة الإفهام مع الإلذاذ. ~~وهذا التغيير هو مثل قول القائل: إن الشيخوخة هي فاعلة الخيرات، بدلا من ~~قوله: إن الشيخ هو فاعل الخيرات. فهذا تغيير، ولكنه مفهم، لأنه من الجنس. ~~والشيخ إنما هو فاعل للخيرات من قبل الشيخوخة. # قال: وفعل اللفظ في هذا شبيه بفعل المثال والضمير، أعني أنه قد يوجد ~~فيهما ما يفعل جودة التفهيم والالتذاذ، وقد يوجد فيهما ما يفعل التفهيم دون ~~الالتذاذ. ولذلك أيضا كانت التغييرات المركبة الاستعارة والبعيدتها أقل ~~إلذاذ من غيرها، لأنها تكون طويلة كاذبة، أعني قليلة الإفهام. وذلك أن ما ~~يعرض من ذلك شبيه بما يعرف في المثال المركب البعيد، فكما أن النفس لا ~~تتشوق إلى التمثيل بمثل هذا ولا تلتذ، كذلك يعرض لها ألا تلتذ بالاستعارات ~~البعيدة المركبة. وإذا كان هذا هكذا، فمن الواجب أن تكون الألفاظ الحسان ~~المستعملة في هذه الصناعة والاحتجاجات الحسان ما اجتمع فيه الأمران جميعا، ~~أعني الالتذاذ وجودة الفهم. # قال: ولهذا لا ينجح في هذه الصناعة فعل الذين يفعلون الضمائر فيها ~~والمثالات من الأشياء البينة جدا المكشوفة لكل أحد التي لا يحتاج أحد أن ~~يفحص عنها. وكانت أمثال هذه معدودة في الاستدلالات السخيفة. وكذلك ليس ~~ينبغي أن يكون المعنى أيضا مما إذا قيل لم يفهم، أو عسر تفهمه، كما أنه ليس ~~ينبغي أن يكون إذا قيل معروفا من ساعته، ولا أن يكون مما هو واجب أن يكون، ~~لكن يكون مما يضلل الفكر قليلا، أعني أنه يحصل فهمه بعد تأمل يسير. وذلك أن ~~الأمر البين من ساعته ms214 قد يكون منه قياس، لكن يكون غير لذيذ؛ كما يكون من ~~الألفاظ الحقيقية التي ليست مستعارة إفهام، لكن غير لذيذ. فقد تبين من هذا ~~أن الضمائر والمثالات المنجحة في هذه الصناعة إنما هي التي تؤلف من أمثال ~~هذه المعاني، وأن الألفاظ المنجحة هي المغيرة، أعني المستعارة، تغييرا يفعل ~~الالتذاذ. والتخييل مثل التغيير الذي يكون من الضد، أعني أن نسمي الشيء ~~باسم ضده على جهة التحسين له، مثل تسمية الحرب سلما. وكما يجب أن يتجنب ~~التغيير الذي يكون من الأسماء الغريبة، كذلك ينبغي أن يجتنب التغيير الذي ~~يكون من الأسماء المشتركة. فإن الاسم المشترك يعسر فهمه، مع أنه ليس فيه ~~شيء من التخييل. # PageV01P120 # قال: وبالجملة: فينبغي للمتكلم في الشيء على طريق البلاغة أن يجعل الشيء ~~الذي يتكلم فيه كأنه مشاهد بالبصر. وذلك بوصفه أفعاله الواقعة أو المتوقعة. ~~والإعتماد في جعل الشيء كأنه نصب العين يكون بثلاث أشياء: أحدها التغيير ~~الحسن، والثاني وضع مقابله حذاءه، والثالث وصف الأفعال الواقعة والمترقبة ~~الوقوع. ومثال وصف الأفعال والإتيان بالمقابل، قوله تعالى: " وبشروه بغلام ~~عليم. فأقبلت عليه امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم ". # ووصف الأفعال كثير في كلام البلغاء وأشعار المغلقين، مثل قول النابغة: # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد # ومثل قول أبي تمام: # أعيدي النوح معولة أعيدي ... وزيدي من عويلك ثم زيدي # وقومي حاسرا في حاسرات ... خوامش للنحور وللخدود # ومثل ما جمع الأمور الثلاثة قول القائل: # إذا ما هبطن الأرض قد مات عودها ... بكين بها حتى يعيش هشيم # قال: فأما التغييرات المنجحة التي تفضل غيرها في ذلك فهو التغيير الذي ~~يكون من الأشياء المتناسبة، يعني إذا كان هاهنا شيء نسبته إلى شيء نسبة ~~ثالث إلى رابع، فأخذ الأول بدل الثالث وسمي باسمه، وذلك مثل ما قال بعض ~~القدماء يذكر الشبان الذين أصيبوا في الحرب إنهم فقدوا من المدينة كما لو ~~أن أحدا أخرج الربيع من دور السنة. # ومثل قول أبي الطيب: # مغاني الشعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان # وذكر ms215 في هذا أمثلة كثيرة من أقاويل مشهورة كانت عندهم يعسر تفهم القول ~~بها بحسب لساننا وعادتنا. # والاستعارة التي تكون من هذا النوع كثيرة موجودة في أشعار العرب وخطبها. ~~والأقاويل التي يخصها أهل لساننا من الناظرين في الشعر والبلاغة بالاستعارة ~~هي داخلة في هذا الجنس، ولذلك يقولون: إن المجاز استعارة وتشبيه. # قال: وينبغي للخطيب أن يحتال بكل جهة لتكثير صفات الشيء الصغير إذا تكلم ~~فيه، فإن كثرة الأوصاف هي من التكثير والتعظيم، وذلك مثل قول القائل يحسن ~~السلم: إن السلم من أعلام الغلبة والنجح، وهو أفضل من الحرب، لأن الغلبة ~~والنجح فيه أوحى وأسرع ودون تكلف ومشقة. وأما الحرب فإنما تكون الغلبة فيها ~~والنجح بعد استكمالها وتكلف المشقة وذهاب النفوس والأموال في ذلك. فكلاهما ~~من أعلام الغلبة والنجح، لكن أحدهما أيسر وأوحى. # قال: وينبغي إذا أردنا أن نجعل الشيء بالقول نصب العين أن نبين ماذا يفعل ~~وما الذي يلزم تلك الأفعال، أعني أن نذكر الأشياء التي هي أفعال ودلائل. # قال: والتغيير نفسه قد يفعل الأمرين جميعا، أعني أنه يجعل الشيء نصب ~~العين وينبئ عن ماذا يكون منه، لكن لا يتضمن ذكر الأفعال. ولذلك ينبغي أن ~~يستعمل التغيير في الأفعال أنفسها بأن تخيل أفعال ذوات الهمة والكرم، ~~وبالجملة: أفعالا منسوبة إلى الحرية وكرم النفس، كما يقال زهري الأفعال، ~~وحاتمي الكرم، وذلك بحسب ما يحتاج إليه في موضع موضع. # قال: ومن الجيد في التغيير الذي يكون في الأفعال، أعني إذا وصفت مغيرة، ~~أن تجعل الأشياء التي توصف أفعالها، إذا كانت أفعالها غير متنفسة، متنفسة ~~حتى يخيل في أفعالها أنها أفعال المتنفسة. وذلك مثل ما كان يفعله أوميروش. ~~وذكر في ذلك مثالات من قوله. وهذا مثل قول المعري: # توهم كل سابغة غديرا ... فرنق يشرب الحلق الدخالا # ومثل قول أبي الطيب: # إذا ما ضربت به هامة ... براها وغناك في الكاهل # وهذا كثير في أشعار العرب، أعني جعلها الاختيار والإرادة لغير ذوات ~~النفوس. # PageV01P121 # قال: والتغيير المستعمل في الأفعال التي للمتنفسة قد يستعمل على جهة ~~المناسبة والمعادلة ms216 في غير المتنفسة، مثل ما يقال في ترك الاستحياء ~~والوقاحة، إذ كانت هذه أيضا أفعال يذم بها، إن الذي لا يستحي وعنده الذي ~~يجب أن يستحي منه بمنزلة الحجر عند الإنسان. وهو عكس الأول. فإنه قد يكون ~~مثل هذا التغيير، أعني الذي بالمعادلة والمناسبة، في الأمثال المنجحات في ~~هذه الصناعة، وإن كان في غير المتنفسة، أعني أنه يتمثل في المتنفسة بغير ~~المتنفسة على جهة المعادلة، مثل ما يقال: إن الفلاحين من المدينة بمنزلة ~~الأساس من الحائط، وإن المقاتلة فيها بمنزلة الشوك من القنفذ، وإن فلانا ~~لقي من فلان مرارة الصبر وحلاوة الشهد، وذلك أن معنى هذا أنه لقي منه خلقا ~~نسبته إلى الخلق المكروه نسبة مرارة الصبر إلى الأشياء المرة. # قال: وبالجملة فينبغي أن يكون التغيير المستعمل في الأفعال مثل التغيير ~~الذي وصفنا أنه يجب أن يستعمل في الأشياء أنفسها، أعني في ذوات الأفعال، ~~وذلك بأن يؤتى بالألفاظ المعتادة التي ليست معروفة كل المعرفة ولا أيضا ~~مجهولة كل الجهل، بل متوسطة فيما بين ذلك. فإنه كما أن استعمال الشبيه إنما ~~يكون نافعا جدا في الفلسفة، وفي هذه إذا توخى مستعمله فيه أن يكون بهذه ~~الحال الوسطى من الجهل والمعرفة، كذلك الأمر في الألفاظ أنفسها. # قال: وقد يقع الإقناع اللذيذ بالتغيير الذي يستعمل في الشيء على جهة ~~الغلو والإفراط، وذلك إذا كان الأمر الذي كان منه التغيير عجيبا بديعا إلا ~~إنه كذب بين، مثل قولهم: هي ضرة الشمس وأخت الزهرة أو أجمل من الزهرة وأعلى ~~موضعا من الشمس. # قال: وهذا النحو من التغيير هو مذموم في الخطب المكتوبة، يعني الرسائل. # قال: وقد يكون التغليط من قبل التغيير الذي يكون بالألفاظ المغلطة لذيذا، ~~أعني إذا قصد المتكلم لتغليط السامع بها. وذلك يكون بوجهين: أحدهما أن يريد ~~أن يقول قولا عليه فيه إنكار، فيستعير له اسما مشتركا يقال عليه وعلى معنى ~~ليس فيه إنكار عليه ويكون أظهر في المعنى الذي ليس فيه عليه إنكار منه في ~~المعنى المنكر، فيعرض للسامع عند ذلك أن ms217 يغلط فيغلب ظاهر اللفظ، ويأتي ~~المتكلم بذلك في صورة من لا يتكلم في شيء وهو يتكلم فيه. وهذا مثل ما قيل ~~في اليهود إنها كانت تقول للنبي عليه السلام: راعنا، توهم بذلك أرعنا ~~السمع، وهي تريد غير ذلك، حتى نهى المسلمون عن هذه اللفظة. والوجه الثاني ~~أن يأتي بلفظة مشتركة تقال على معان بعضها كاذبة ومنكرة وبعضها صادقة، إلا ~~أن دلالة اللفظ فيها هو على السواء أو هو في الكاذبة أظهر منه في الصادقة، ~~وهو يقصد به المعنى الكاذب دون الصادق. فيمكن أن يعتذر عنه بما تحت ذلك ~~اللفظ من المعنى الصادق الذي لم يقصده، مثل أن يقول قائل في ثلب رياسة ~~الحكمة: إن رياسة العلماء ليست برياسة. فإن غلط في ذلك كان التغليط لذيذا، ~~وإن شعر بكونه كذبا، كان إنكاره لذيذا ومقنعا. وإن أتى بالكاذب بلفظ غير ~~محتمل، فلما عيب عليه أنكر، لم يكن إنكاره لذيذا ولا مقنعا. وهذا أكثر ما ~~يكون من قبل الألفاظ المشتركة، وقد يكون من قبل قرائن الأحوال، مثل قول ~~القائل لمن ينافره: ما أبي بزان ولا أمي بزانية. فإن ظاهر القول أنه نفى ~~هذه الفواحش عن نفسه، وقرينة الحال تدل على أنه أثبتها لخصمه، إذ كان قد ~~وضع خصمه ضده. وثلب الضد يكون إما بذاته، وإما بمدح ضده. ولذلك اختلف ~~الفقهاء في إيجاب الحد في أمثال هذه الأقاويل وهي التي يعرفونها بالكنايات. # قال: ومما يجانس هذا، أعني التغيير اللذيذ أن يؤتى بالواجب بلفظ ~~المستحيل، مثل قول القائل: إنه يجب على المرء أن يموت قبل أن يستوجب الموت. ~~فإن صورة لفظ هذا القول هو أن الإنسان يجب عليه أن يموت وليس مستوجبا ~~للموت. وذلك كلام متقابل ومتناقض. لكن لما عبر بهذا القول الذي صورته صورة ~~القول المتقابل عن معنى حق، وهو أنه يجب على المرء أن يموت قبل أن يحدث ~~جرما، كان بتلك العبارة ألذ منه بهذه الألفاظ أنفسها لكون هذه أهلية وتلك ~~غريبة. # PageV01P122 # قال: وإنما يحسن وقوع هذه المقالة متى قيلت بإيجاز وبالمقابلة بالتناقض، ms218 ~~لأن التفهيم يكون من طريق المقابلة التي فيه أحسن، ويكون من جهة الإيجاز ~~أسرع. # قال: ويجب في هذا الموضع إما أن يقرب القول من المعنى حتى لا يخفى، وإما ~~أن يؤتى بالمعنى مستقيما، أعني من غير أن يؤتى فيه باللفظ المقابل، وأن ~~يكون، مع هذا القول الذي يغير بهذا النحو من التقابل، صادقا جدا، وليس فيه ~~كذب أصلا، وإنما كان قول القائل: بأن الواجب أن يموت قبل أن يستوجب الموت ~~أحسن في السمع وألذ من قول القائل: إن الواجب علينا أن نموت قبل أن نحدث ~~جرما، من قبل أمرين اثنين: أحدهما تكرير اسم الواجب في القول، والثاني ~~الإتيان بالمقابلة. وإنما ينفق هذا الموضع الذي ذكر، إذا كان اشتراك في ~~المتقابل الموضوع فيه، وكان المعنى المشترك الذي قصد فيه، أعني الذي ليس هو ~~بمقابل، ظاهرا جدا. وهذا هو معنى قوله: وينبغي أن يقرب اللفظ من المعنى. ~~وأما إذا كان خفيا في اللفظ فهو قبيح. ومن هذا الموضع عيب على أبي العباس ~~التطيلي الأندلسي قوله: # أما والهوى وهو إحدى الملل ... لقد مال قدك حتى اعتدل # حكى لنا بعض أصحابنا أن الأديب ابن سراج عابه عليه وكلمه في ذلك، فتمادى ~~هو على استحسانه، علما منه بأن الاعتدال يقال على استواء القامة ويقال على ~~الحسن وأنه هاهنا مفهوم لمكان مقابله. وابن سراج إنما عابه لخفاء المعنى ~~الذي قصده، وقلة استعمال هذا اللفظ عليه. # قال: وكما يكون التغيير في الأفعال، كذلك يكون في الأسماء وتكون فيها ~~أنواع التغييرات التي وصفنا، أعني التغيير من المقابل، والتغيير من ~~المناسب، والتغيير من الشبيه، والتغيير أيضا بضرب الأمثال. وهذه كلها إذا ~~ما استعملت على ما قلناه أنجحت في هذه الصناعة نجحا كثيرا. فمثال التغيير ~~الحسن على طريق المناسبة في الأشياء أنفسها التي ليست بمتنفسة قولهم في ~~الترس " صحفة المريخ "، وفي القوس بلا وتر " رباب بلا شعر ". هذا إذا ~~استعمل هذا التغيير على جهة التركيب، أعني على جهة المناسبة. وأما إذا ~~استعمل على الإطلاق، وهي جهة الشبه فقط لا جهة ms219 المناسبة، قيل في الترس إنه ~~صحفة وفي القوس إنه رباب. # قال: وقد يجمع في التشبيه والتغيير صورة الشيء وفعله، كما قيل: إنه يشبه ~~قردا يزمر بأنبوب. والتشبيه إنما يحسن جدا إذا حسن أن يوضع تغييرا ~~واستعارة. وأما إذا لم يحسن فيه ذلك كان بعيدا ومتكلفا. # قال: ولذلك قد يخطئ الشعراء كثيرا في أن يأتوا بالتشبيه الذي لا يحسن أن ~~يوضع للشيء على طريق التغيير، مثل قول القائل: إن ساقيه جعدتان كالكرفس. # قال: وضروب هذه التغييرات هي كلها أمثال. والأمثال المقولة بخصوص هي ~~تغييرات من الشيء إلى الشبيه، فيستعملها المرء فيما يصيبه من خير أو شر، ~~يريد مثل الأمثال المضروبة في كتاب دمنة وكليلة ومثل الجزئيات الواقعة التي ~~ينقل القول الواقع فيها إلى أمور كثيرة لموضع الشبه، مثل قولهم: ذكرتني ~~الطعن وكنت ناسيا، وقد ساوى الماء الزبى؛ وبلغ الحزام الطبيين. # قال: فأما من أين تؤخذ التغييرات الحسا ولأيى علة تكون حسانا فقد تبين من ~~هذا القول. وهذا الذي ذكره هي مواضع الفصاحة وشروط الكلام الفصيح. # قال: والإغرابات التي تنجح في هذه الصناعة من قبل التركيب الغير المعتاد ~~في الأقاويل هي أيضا تغييرات، يريد بحسب التركيب لا بحسب الألفاظ المفردة، ~~وذلك فيما أحسب، مثل التقديم والتأخير والحذف والزيادة والإغرابات الغريبة. # قال: ومن التغييرات أيضا الإفراطات في الأقاويل والغلو فيها، وهي تدل من ~~حال المتكلم على الفظاظة وصعوبة الأخلاق والغضب المفرط، مثل قول القائل: ~~ولا لو أعطيت مثل هذا الرمل ذهبا أفعل كذا وكذا، وكما قال بعضهم: ولا ~~الزهرة الشبيهة بالذهب تعدل حسن هذه الفتاة. وهذا النوع من الكلام كثير في ~~كلام العرب وأشعارهم. # قال: والأقاويل الغير المكتوبة هي أخص بهذا الجنس من التغيير. # PageV01P123 # وأما استعمالها في الأقاويل المكتوبة، وهي الرسائل، فيقبح. فإنه ليس ما ~~يوافق الخطب الغير المكتوبة من هذه الأشياء يوافق المكتوبة، ولا ما يوافق ~~من ذلك الخطب المشورية يوافق الخطب المشاجرية. ولذلك ما يجب أن يعرف ذلك، ~~فنقول: إن وكد المتكلم بالكلام البلاغي الغير المكتوب أما إن كان متكلما ~~فأن ms220 يحسن الاستدلال والإثبات، وإن كان مجيبا فألا يضطر إلى السكوت ~~والانقطاع. وأما الأقاويل المكتوبة، فينبغي أن تكون أشد تصحيحا وتحقيقا من ~~الأقاويل الغير المكتوبة، لكون المكتوبة تبقى مخلدة وتلك تنقضي بانقضاء ~~القول فيها. والمنازعة والمشاجرة أحوج إلى الأخذ بالوجوه وهي بها أخص، أعني ~~الانفعالي والخلقي. لأن الأخذ بالوجوه نوعان: أحدهما يوجب انفعالا ما من ~~السامع، والآخر خلقا ما. # قال: والذين اعتادوا هذا النوع من الإقناع يطلبون الكتب المثبتة فيها ~~أنواع الأخذ بالوجوه أكثر من طلبهم الكتب المثبتة فيها أنواع المعاني ~~والألفاظ. وهذا موجود في الصنفين جميعا، أعني الشعراء والخطباء. # قال: والأقاويل المسموعة تنسى ولا تثبت فلا يتوجه إليها من النقد ما ~~يتوجه إلى الأقاويل المكتوبة، ولذلك ليس يلزم من تصحيحها ما يلزم من تصحيح ~~الأقاويل المكتوبة. ولاختلاف هذه الأنواع كان كثير من الكتاب المجيدين إذا ~~حاولوا الإقناع بالقول لا يجيدون الكلام، ومن الخطباء أيضا من يجيد الإقناع ~~من غير أن يكون لهم حذق بالأخذ بالوجوه بأيديهم وغير ذلك من جوارحهم. ~~والعلة في ذلك أنهم لم يزاولوا الأقاويل الخصومية. فإن الأقاويل التي ~~تستعمل في الخصومات شديدة المشاكلة للأخذ بالوجوه. ولذلك إذا طرحت منه، ظهر ~~تكلم المتكلمين بها غير مستقيم. وذلك أنه قد يكون الكلام كثيرا فيها محذوف ~~الرباطات ومكررا. وهذا غير جائز في المكتوب، وهو جائز في الخصومات، وعند ~~الأخذ بالوجوه. # قال: والأخذ بالوجوه إذا خالطه التغيير اللفظي كان شديد التضليل للفكر ~~والإقناع، وذلك أن الأخذ بالوجوه يتنزل من القول المغير منزلة الموطئ ~~والمستدرج. والمستعمل للأخذ بالوجوه هو الذي يقدر أن يبلغ بالتغيير من ~~الإقناع أقصى ما في طباعه أن يبلغ به، لأن الأخذ بالوجوه يحدث استجابة ~~واستعطافا وأما الذي لا يستعمل الأخذ بالوجوه فكأنه إنما يسوق إلى الإقناع ~~قسرا. # قال: وكذلك الكلام المحذوف الرباطات لا بد فيه من الأخذ بالوجوه، وألا ~~تقال تلك الألفاظ المحلولة بنغمة واحدة وهيئة واحدة، مثل قول القائل: ~~لقيته، أردته. # قال: وخاصة الكلام الغير المربوط أنه إذا كانت ألفاظه متساوية النطق بها، ~~أعني في زمان سواء، ms221 فقد يظن بالقول الواحد أنه كثير، لأن الرباطات تجعل ~~الكثرة واحدة. وإذا حذفت صار الواحد كثيرا. وذلك نافع حيث يراد التعظيم ~~والتكثير، مثل قول القائل: وردت. تكلمت. تضرعت؛ بدلا من قوله: وردت فتكلمت ~~وتضرعت. فإنه إذا حذف الرباط في هذا أوهم أنه عمل كثيرا. وهذا قد يكون ~~بالألفاظ المتقاربة المعاني وبتكرير الاسم الواحد بعينه مرارا. وذلك أنه ~~إذا كرر اللفظ الواحد بعينه أوهم الكثرة في المعنى. ومن هذا النحو هو ~~استعمال الأسماء المترادفة مثل قوله: أقوى وأقفر. وذكر أن أوميروش كان ~~يستعمل مثل هذا القول محذوف الرباطات. # قال: والخطب المشورية، فقد يجب أن تكون صدورها شبيهة بالرسم الذي يرسمه ~~الزواقون للصورة قبل الصورة، يريد أن يكون متضمنا للغرض المتكلم فيه ~~بالمعنى الكلي. وهذا كثيرا ما يتوخاه الكتاب والخطباء. # قال: والعلة في ذاك أن الإفهام يجب أن تكون العناية به في خطب المحافل ~~والمجامع أكثر منه في خطب الآحاد، لأنه ينبغي أن يكون الإفهام فيها بحسب ~~أنقصهم فهما، حتى يستوي الكل في الفهم. وأما إقناع الجمهور فيكون بالمقنعات ~~التي هي دون، بخلاف الأمر في إقناع الخواص # PageV01P124 # قال: وأما الأقاويل الخصومية فيجب أن يكون الإقناع فيها أشد تحقيقا ~~وتصحيحا، ولا سيما إن كان القول عند حاكم واحد، فإن عمل الإقناع يكون أيسر، ~~لأنه ليس يحتاج أن يتكلف فيه من الاستعارات والتغييرات ما يتكلف في الكلام ~~الذي يكون عند الجماعة. وإذا كان الإقناع خليا من الأشياء خارجة كان أقرب ~~أن يتميز فيه الحق من غيره، وأن يكون الأمر الذي يتكلم فيه هاهنا أهليا غير ~~غريب، أي معروفا غير منكر. وأيضا فإنه إذا استعملت في الأقاويل الخصومية ~~الأشياء الخارجة، بعد الشاكي عن غرضه. فلذلك ما ينبغي أن تكون أقاويل ~~الخصوم أقرب إلى الحقيقة منها إلى التضليل. وإنما ينجح فعل الخطيب بالتغيير ~~اللفظي حيث يكون الأخذ بالوجوه والنفاق أنفع من غيره، وذلك عند الخطب على ~~الملإ والجمع الكثير، لأنه ليس يطلب في مثل هذه الأقاويل الصحة، كما يطلب ~~عند الحكم الخاص. # قال: فأما الخطب المرئية،. ms222 يعني المكتوبة، فمنها الرسائل، ومنها التي ~~تكتب عند الخصومات التي تكون بين أيدي القضاة وهي التي تسمى عندنا العقود ~~والسجلات. فأما الرسائل فالذي تختص به هو إجادة القراءة، أعني أن تكون ~~قراءتها سهلة جيدة. وأما التي تكون عند الخصومات فينبغي أن تكون خلية من ~~التغيير والاستعارة البعيدة التي تجعل الكلام معتاص الفهم أو مختلا، إلا أن ~~يكون يشتمل على ذكر أمر مهم من خلق أو عهد أو إلزام سنة، فينبغي حينئذ أن ~~يفخم الكلام ويعظم ويزين مثل السجلات التي تسمى عندنا البيعات. وأما ~~المكتوبة في الخصومات فينبغي أن تكون محققة بعيدة مما يحقرها أو يخسسها. ~~فإن السجلات أشرف من الرسائل. لكن تكون جميلة بهية. وإن كان فيها إضمارات ~~كثيرة فليست محققة. وكذلك يجب ألا تكون موجزة كل الإيجاز، فإنها تكون غبر ~~معلومة بل يجب أن تكون متوسطة، لأن المتوسط أبدا مشاكل مناسب. # قال: وقد يجب أيضا ألا تكون عريا لا من التفصيل ولا من التغيير، لكن ~~يستعمل من ذلك ما هو أقرب إلى الشهرة والتحقيق منه إلى الغرابة والجهل، ~~وتكون المقنعات التي فيها مؤلفة من الأمور الجميلة المحمودة التي ذكرت فيما ~~سلف. # قال: أما في الألفاظ الخطبية وفي المعاني فقد قلنا في ذلك ما فيه كفاية، ~~وهو أمر عام لجميع أجزاء الخطبة. والذي يعني القول فيه هو أجزاء الخطب ~~ونظامها. ### | القول في أجزاء الخطب # قال: وأجزاء القول الخطبي الضرورية إثنان: أحدهما الغرض وهو الأمر الذي ~~يقصد إليه بالتكلم، فإنه من الاضطرار أن يذكر الشيء الذي فيه القول ليعلم ~~الشيء الذي يتوجه إليه الإثبات أو النفي؛ والآخر التصديق، وهو القول المثبت ~~أو النافي. # قال: وأما الجزء الذي يسمى الاقتصاص الواقع في الخطب فهو خاص بالكلام ~~الخصومي. أما الكلام المنافري والمشاوري فليس يستعمل فيه الاقتصاص، لأن ~~الاقتصاص إنما يستعمل فيما يلقي به الخصم، لا بالكلام البراني، أعني الموجه ~~نحو السامعين. # قال: وأما الجزء الذي يسمى الصدر، والجزء الذي يسمى الخاتمة فأكثر الحاجة ~~إليهما في الجزء المشاوري، لأنه يقوم مقام تمثيل الشيء الذي ms223 فيه يتكلم ~~وتحديده أولا والتذكرة به آخرا، فيتحصل به الغرض الذي يتكلم فيه تحصيلا ~~جيدا. وذلك شيء يحتاج إليه في الكلام في هذا الجنس ليقايس بين الحجج ~~المثبتة له والمبطلة ولئلا يذهب المعنى أيضا لكثرة تكرر القول وتشعبه. وقد ~~يحتاج إلى الصدر في الكلام الخصومي، إذا كان متشعبا يخاف ألا ينضبط فيه ~~الغرض. وأما إذا كان الكلام قصيرا، فليس يحتاج إليه. وكذلك لا يحتاج إليه ~~في الأقل في المشوريات، أو يكفي منه اليسير. # قال: وإذا كان الأمر في هذه الأجزاء كما وصفنا فالأجزاء الاضطرارية هما ~~إثنان: الغرض المقصود له، والتصديق. وجميع ما يلقى به الخصم فهو من ~~التصديقات. # قال: والخاتمة أيضا تكثر في الخطب، لأنها جزء من أجزاء التصديق، إذ كانوا ~~يخبرون فيها بالشيء الذي فيه القول بإجمال وبالشيء المقول فيه ليس لأن ~~يثبتوا ذلك وليقولوا فيه قولا، بل على جهة التذكير بما قد تقدم فيه فقيل. # PageV01P125 # قال: فإذا عددت بالجملة أجزاء القول الخطبي كانت خمسة: اقتصاص بعد ~~اقتصاص، وهي الخاتمة التي تذكر بالتصديق وبالغرض؛ واقتصاص قبل اقتصاص، وهي ~~رسم الغرض قبل الغرض؛ ورسم التصديق قبل التصديق، وهو القول المثبت أو ~~النافي. # قال: ولكن ينبغي أن توضع لهذه المعاني الخمسة - إذ كانت مختلفة - أسماء، ~~كما يفعله أهل الصنائع، يريد أن يسمي الجزء الأول صدرا، والثاني الغرض، ~~والثالث الاقتصاص، والرابع التصديق، والخامس الخاتمة. # قال: والصدر هو مبدأ الكلام، وهو الذي يستفتح به الكلام، ونسبته إلى ~~الكلام نسبة فواتح الأشياء إلى الأشياء، وذلك مثل فاتحة الزمر إلى الزمر، ~~وما أشبه ذلك. فإن الفواتح مبادئ للأشياء التي تأتي بعد، وتدريجات لما يجيء ~~منها واحدا بعد واحد. # قال: وفاتحة الزمر شبيهة بفاتحة الكلام المنافري. فإنه كما أن الذين ~~يزمرون بالأنابيب، إذا أرادوا أن يجيدوا الزمر، إنما يترنمون به أولا، ثم ~~أنه بأخرة يضمون ويجمعون الزمر، كما ينبغي أن يكون الذي يتكلم بالكلام ~~التثبيتي، أعني المنافري، أعني أنه ينبغي للذي يريد أن يجيد قوله أن يبين ~~فيماذا يتكلم ثم يتدرج حينئذ إلى سائر الكلام ويضم ms224 ويؤلف. وهكذا نجد ~~الخطباء يفعلون أجمعين. # قال: والبرهان على وجود هذا المعنى للصدر، أعني أنه يضبط الغرض الذي فيه ~~القول ويحدده، صدر الكلام الذي لفلان حيث ابتدأ فقال حين أراد أن يشرع في ~~ذكر امرأة مشهورة عندهم ورجل مشهور: إنه ليس هاهنا شيء يختص بذكر فلانة دون ~~فلان، بل هما فيه معا. وذلك أنه إذا فعل الخطيب هذا، لم يمكنه أن يروغ أو ~~يحيد عن الغرض الذي ذكره، فيأتي كلامه كله مستويا. # قال: وقد تعمل صدور الكلام المشوري من المدح أو الذم، كقول فلان في أول ~~مقالته التي تدعى كذا حيث يريد أن يمدح الذي يؤلفون من العيد: إنه قد يجب ~~أن يكثر التعجب من اليونانيين الحكماء. # قال: وكذلك الصدور التي في المشوريات هي أيضا جزء من المشوريات، مثل أنه ~~إذا أراد أن يشير بإكرام قوم يبدأ فيقول: إنه ينبغي أن يكرم الخيار. وإذا ~~أراد أن يشير بذم قوم، افتتح الكلام: إنه ليس يجب أن يمدح الذين لم ينجحوا ~~قط ولم يصنعوا شيئا يظهر لهم به خير أو فضيلة. وكذلك الخصوميات تكون الصدور ~~فيها من نوع الكلام الذي يقصد به السامع، لا الخصم. # قال: وإنما يضطر إلى الصدور إذا كان الكلام كثيرا، إما من أجل أن الأمر ~~المتكلم فيه عجيب، أو من أجل أنه صعب، أو من أجل أنه شغب يكون فيه كالكلام ~~الذي يكون في الامتنان بالعفو، وذلك مثل قول القائل في ابتداء خطبة العفو: ~~الآن رمى ما كان فكل شيء هدر. # قال: وبالجملة: فصدور الكلام: أما التثبيتي فتكون من المدح والذم، وأما ~~المشوري فمن الدعاء ولا دعاء، وأما الخصومي فمن الشكاية التي يقصد بها ~~السامع. # قال: وينبغي أن تكون حواشي الكلام إما غرائب وإما أهليات، يريد - فيما ~~أحسب - أن يكون الذي يستفتح به الكلام إما مثل غريب منبئ عن الشيء المتكلم ~~فيه، وإما مثل مشهور، مثل أن يستفتح الخطب التي يشار فيها بالأخذ بالحزم ~~وحسن النظر أو في التي يقصد بها الشكاية: قد بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام ms225 ~~الطبيين. # قال: والصدور ينبغي أيضا أن تستعمل في الكلام الخصومي، فإنه يوجد لها فيه ~~الفعل الذي تفعله صدور الكتب والأشعار. فإن الصدر بالجملة إنباء عن الكلام ~~المقصود، يراد به أن يتقدم السامعون فيعلموا فيماذا يتكلم المتكلم، وألا ~~يكون للفكر تعلق في حين الكلام في معرفة الشيء الذي يتكلم، مثل ما يعرض له ~~في الكلام المهمل الغير المحدود، فيضلله ويغلطه. ولذلك ليس الكلام الذي ~~بهذه الصفة، أعني الذي ليس له مبدأ يدل عليه، مثل الكلام الذي يكون متبعا ~~لمبدئه ومنبئا ومنبها عليه، مثل قول فلان لما أراد أن يذكر فلان بأفعاله ~~ابتدأ فقال: انبئيني عن الرجل الكثير المكائد الذي حسم أمور كثيرة من بعد ~~ما خربت المدينة العامرة. وليس يفعل هذا الخطباء فقط، بل والشعراء الذين ~~يعملون المديح وغيرهم من أصناف الشعراء. # PageV01P126 # قال: والعمل الخاص بالصدور الذي يوجد لها اضطرارا وهو غايتها وتمامها ~~إنما هو أن ينبئ عن الشيء الذي يتكلم فيه ما هو حتى يكون ذلك الشيء معلوما ~~منه وفيه. وإذا كان الأمر المتكلم فيه يسيرا، فليس يحتاج إلى التصدير. # قال: وقد يتقدم الكلام في الشيء وجوه من الحيل التي وصفناها فيما تقدم ~~وهي خاصة ببعض الكلام، لا عامة. وتلك الوجوه من الحيل منها ما هي مأخوذة من ~~قبل المتكلم نفسه، ومن السامع، ومن الأمر الذي فيه يتكلم، ومن الخصم. أما ~~الذي يكون من قبل المتكلم ومن قبل خصمه، أما في الشكاية فمدح نفسه وتعظيمها ~~وتنقص خصمه. وليس المتكلم والمجيب في تقديم الكلام في ذلك بحال واحدة، لأن ~~المجيب ينبغي له أن يبدأ بالجواب في إنكار الشكاية، وأما الشاكي فينبغي أن ~~يبدأ بتقديم الكلام على الشكاية. وأما المجيب فقد كفاه الشاكي أن ينبئ أول ~~كلامه عن الغرض، فلذلك ليس يحتاج إلى تقديم الكلام. وبالجملة فالذي يجيب ~~على المجيب هو أن يبادر إلى دفع الشكاية عن نفسه ويقطع عن ذلك جميع العوائق ~~ولا يتوانى في ذلك ويؤخر تلك الأشياء التي هي حيل واستدراجات للحكام إلى ~~آخر كلامه. وأما الشاكي فينبغي أن ms226 تكون شكايته بتقديم الكلام، أعني ~~التصدير، ليكون السامعون أذكر للأمر. وأما الحيل التي يبدأ بها مما هي نحو ~~السامع فهي إيجاب الشفقة عليه والمحبة له والغضب على خصمه، وذلك بأن يثبت ~~عنده أنه ذو قرابة منه أو بينه وبينه علاقة نسب، أو بضد ذلك. فإنه ليس في ~~كل موضع ينفع تثبيت القراة والمشاركة في النسب، بل ربما أدى ذلك إلى الضحك ~~والسخرية ممن يدعي ذلك، إذا كان ما يدعيه غير معروف. ومما يستدرج به ~~السامعون أيضا بسطهم وإيناسهم، وذلك أن البسط والإيناس مما ينتفع به عند كل ~~شريف من الناس ونفيس. ويجب للذي يريد أن يثبت أنه خير وفاضل أن يعتمد ذلك ~~عند الذي بينه وبينهم قرابة أو صلة، وكذلك عند القوم الذين يكون مألوفا ~~عندهم أو عجيب المنظر. فإن لم يكن عندهم واحدا من هؤلاء، فقد ينبغي ألا ~~يشتغل بالأمور التي من خارج، ويثبت - إن كان مجيبا - أن الأمر الذي ادعى به ~~عليه يسير أو غير مؤذ؛ وإن كان شاكيا أن يبين أنه مؤذ ومكروه عظيم. وكل هذه ~~الأشياء هي خارجة عن الأمر الذي يتكلم فيه، وهي كلها موجهة نحو السامعين، ~~أعني الحيل الخارجة والصدور. فلذلك إذا كان واجبا على المتكلم أن يصدر ~~الكلام، فينبغي أن يكون الصدر بقدر الكلام، فإن الصدر إنما هو ليكون للكلام ~~رأس كما للجسد. # قال: وأما تثبيت الخطباء القرابة فإنه عام لجميع أجزاء الكلام الخطبي. ~~وذلك يكون في كل حال إذا كان السامعون عالمين بالقرابة غير شاكين فيها. # قال: ومما يستحق فاعله الهوان أن يكون التصدير بالأمور الصعبة على النفوس ~~الكريهة المسموع، ولا سيما إذا تأمل السامعون أو تفقدوا ما يكون من ذلك، ~~مثل قول القائل: إنه لا يكون هذا حتى أقتل، أو أنه ليس هاهنا شيء هو لي ~~أكثر مما لكم، أو أخبركم خبرا لم تسمعوا بمثله قط في الغرابة أو الشدة. ومن ~~هذا النوع الذي ذكر تستقبح بداءآت كثير من الأشعار مثل استقباح عبد الملك ~~بن مروان لاستفتاح جرير: # أتصحو بل فؤادك ms227 غير صاح. # ومثل ما استقبح استفتاح أبي الطيب: # أوه بديل من قولتي واها. # وقوله: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا. # وهذا كثير في أشعار العرب وخطبها. # قال: أما ما كان من هذه الأشياء نحو السامع فبين، وأما ما كان منها نحو ~~الأمر نفسه فبين واضح من هذه الأشياء. والذين يكثرون الصدور والحيل التي ~~نحو السامع إنما يفعلون ذلك حيث يتشعب عليهم الكلام إما لجهلهم، وإما ~~لعدمهم الفضيلة، أو للأمرين جميعا. ولذلك الشرار أو الذين يظن بهم الشر قد ~~يفعلون ذلك لأن تطريقهم وتدريجهم للأمور التي يتكلمون فيها في كل حال هو ~~أمثل. ولذلك ما صار العبيد ليس يتكلمون في الشيء الذي يسئلون عنه، وإنما ~~يتكلمون في الأشياء الخارجة عن الشيء الذي يسئلون عنه. # قال: فأما من أين ينبغي أن يؤنس السامعون أو يحتال لأنسهم فقد قيل في ذلك ~~وفي غيرها من الانفعالات النافعة عند السامعين وكيف تكون إجادة هذا الفعل ~~في المقالة الثانية من هذا الكتاب. # PageV01P127 # قال: والأقوال المديحية يحتاج فيها أن يجتهد في إيهام السامع ذلك الأمر ~~الذي يقصد تثبيته ويوقع عليه ظنه. وينبغي مع هذا أن يمدح المرء إما بحضرته ~~أي بمدينته، وإما بحضرة جنسه، أو بحضرة من يتصل به، فإنه أسرع لقبول مدحه. ~~فإنه كما قال سقراط: ليس يعسر أن يمدح أهل أثينا عند أهل أثينا، وإنما يعسر ~~أن يمدح عند أهل لوقيا، يعني أعداءهم. # قال: وما كان من الكلام المشوري فهو يشبه الكلام الخصومي، فإنه ليس يحتاج ~~فيه كثيرا إلى تقديم كلام وتصدير، من أجل أن السامعين يعرفون الشيء المتكلم ~~فيه، إلا أن يكون محتاجا إلى تقديم الكلام من أجل نفسه، أو من أجل الذين ~~ينظرون في الكلام، إذا لم يعلموا الأمر الذي يتكلم فيه، إلا أن يريد أن ~~يوهمهم أن الشيء النازل به ليس خاصا به ولا صغيرا بل هو عام وعظيم، أو أنه ~~بضد هذا، أعني خسيسا وصغيرا. والذي يحتاج إليه ضرورة في الخصومة هو القول ~~في تثبيت الشكاية والاحتجاج لها والتكبير والتصغير ms228 لها. # قال: وينبغي أن ينظر في الأشياء التي تتنزل من الأقاويل الخطبية منزلة ~~التزويق والتزيين، وذلك كالذي يكون في الأشياء المموهة التي يظن بها أنها ~~بحالة ما، وليس هي كذلك بالحقيقة. وهذا قد يكون في المدح، ويكون أيضا في ~~الاعتذار عن الشكاية. والشكاية بالجملة إنما يقع الإقناع بها بأن يثبت ~~المرء الشاكي على أولئك الذين يشكو بهم سوء الهمة أو سوء السيرة. والمشتكى ~~منه إنما يجيب بأن يثبت أنه لا فرق بين أن يدعي هذه الشكاية أو لا يدعيها. ~~وهذا هو أحد المواضع التي يجيب منها المشتكي منه، وذلك إذا لم يعترف أن ~~الأمر كان. فإن الخصومات أجمع إنما تكون المنازعة فيها من المدعى عليه إما ~~بأن الأمر لم يكن، وإما بأنه كان وليس ضررا ولا جورا، وإما أنه ليس على هذه ~~الصفة التي ذكر الشاكي كان الفعل، وإما أنه لم يكن بهذا القدر الذي ذكره أو ~~أنه ليس عظيما أو أنه ليس قبيحا أو ليس له خطر. ففي هذه ونحوها تكون ~~المشاكسة والمنازعة بين المتشاكسين والمتنازعين. # ومن هذه المواضع يقع الاعتذار أما أولا فأن يعترف أنه أضر ولكنه لم يقصد ~~ذلك ولا تعمده وإنما قصد الجميل أو النافع لا غير ذلك. # وموضع آخر: أن يعترف أنه أضر ولكن بالإكراه، لا بالطوع ولا بالاختيار ~~والإرادة. وموضع آخر: وهو أن يوجد الشاكي قد افترى الشكاية قبل على إنسان ~~ليس متهما، أو كان معروفا بالشكاية والافتراء. وهذا الموضع هو بالجملة أن ~~يبين المجيب أن الشاكي به غير موثوق وأن كلامه غير مصدق عليه. وموضع آخر ~~وهو مأخوذ من دعوى مخالفة الباطن للظاهر لمصلحة يدعيها في الفعل الظاهر: ~~وهو أن يدعي أن ذلك الفعل منه لم يطابق ظاهره فيه باطنه، وأنه كان فيه ~~كالمنافق لمصلحة يدعى في ذلك، مثل أن يحنث في يمين ويدعي أن ظاهره كان في ~~ذلك غير موافق لباطنه، وإنه كان في ذلك كالمنافق لمصلحة ما قصدها. # وموضع خامس: وهو أن يدعى لذلك الفعل مقصدا أو حكما غير الذي زعمه ms229 الشاكي. ~~وهذا الموضع والذي قبله يعمهما أن يدعي أن الفعل الواقع قصد به غير الذي ~~زعم الشاكي، وذلك بأن يصف كيف كان وقوع ذلك الفعل. وموضع آخر للذي يخجل من ~~شيء يذكره: أن يمدح قليلا ويذم كثيرا. فإن الشكاية ليس في وقوعها معرة من ~~المذمومين، أو يذكر منه فضائل كثيرة ثم يذمه من الجهة التي افترى بها. # وهكذا يفعل أهل الحذق والنفاذ والدهى، فإنهم يقصدون أن يضروا بالخيار من ~~الناس بأن يصفوهم بالأمرين جميعا، أعني بالخير والشر، من قبل أن الشر ممكن ~~وقوعه من أهل الخير. ولو وصفوهم بالشر فقط، لم يكن ذلك مما يظن بهم. # قال: والموضع المأخوذ من توجيه جهة الفعل هو عام للذي يخجل وللذي يتنصل ~~معا، لأن الشيء الواحد يمكن أن يفعل من أجل علل شتى. فالذي يخجل يوجهه إلى ~~الشر، والذي يتنصل منه ويعتذر يوجهه إلى الخير. # قال: وأما الاقتصاص فقد يكون في الجزء المنافري. وينبغي - إذا كان ~~الاقتصاص إنما هو تصديق ما موجز يتعجل وقوعه قبل التصديق التام - ألا يؤتى ~~به على النسق والتركيب الذي يستعمل في الأقاويل التصديقية، بل قد يؤتى به ~~مفردا وعلى غير نسق. # PageV01P128 # قال: وينبغي أن يبين وجود الأفعال التي منها تعمل الدلائل على الأشياء ~~المقصودة التثبيت. وهذه الأفعال منها ما يكون تثبيتها بالأمور الخارجة ~~ومنها ما يكون بطريق صناعي، وهي المثبتة بالقول. ولأن التثبيتات تختلف: ~~فمنها مشتبك متشعب، كتثبيتك في الفضائل الكثيرة أنها موجودة للمدوح، أو ~~للشيء الذي هو موجود له منها، أو انه موجود له عدد ما منها، أو أنه موجود ~~له كل شيء منها. فقد ينبغي ألا يكون الاقتصاص الواقع في هذه الأشياء على ~~نسق، لأن التثبيت الذي يكون على نسق مما يعسر حفظه؛ بل ينبغي أن يكون ~~الاقتصاص في هذه على غير نسق ومجملا. # قال: وأما إذا كان الموصوف فإنما ينفرد بفضيلة واحدة مثل أن يكون شجاعا ~~أو حكيما أو ناسكا، فإن التثبيت في مثل هذا يكون بسيطا. فأما الأول فمشتبك ~~وغير بسيط. وكأنه يريد أن ms230 الاقتصاص في المدح البسيط ليس يخالف التثبيت في ~~عدم التركيب والنظام، وإنما يخالفه في ذلك في التثبيت المركب، إذ كان ~~الاقتصاص من شأنه أن يؤتى به بسيطا لا مركبا، أعني أنه استدلال بسيط موجز ~~لا مركب ولا منتظم، سواء كان التثبيت مما يحتاج فيه إلى التركيب والنظام أو ~~لا يحتاج. # قال: وليس ينبغي أن يستدل على الأمور المعروفة. ولذلك كثير من الناس ليس ~~يحتاج في مدحهم إلى اقتصاص، وهم الناس الذين فضلهم بالجملة معروف، وإنما ~~المجهول منها عند السامع تفصيلها. لأن الاقتصاص إنما يثبت فيها شيئا هو ~~معلوم. فأمثال هؤلاء لا ينبغي أن يشتغل فيهم بعمل الاقتصاص المجمل، قبل ~~التثبيت المفصل، مثل أنه إذا أراد إنسان أن يمدح أبا بكر وعمر رضي الله ~~عنهما، فليس يحتاج في مدحهم أن يبين أنهم أفاضل قبل أن يشرع في تثبيت ~~فضائلهم على التفصيل. اللهم إلا أن يكون الحاكم والسامع جاهلا بالممدوح، ~~مثل الغرباء؛ فإنه قد يحتاج مع أمثال هؤلاء إلى استعمال الاقتصاص. # قال: ولأن المدح إنما هو كلام ينبئ عن عظم الفضيلة، فقد ينبغي أن يستعمل ~~المدح بالأمور الخارجة التي ليست اختيارية على جهة التأكيد للتصديق الواقع ~~من قبل الأفعال. فإن المدح إنما يكون بالأفعال. واستعمال الأشياء التي من ~~خارج على جهة التأكيد للمدح المتقدم بالأفعال هو مثل قول القائل، بعد تثبيت ~~الأفعال الفاضلة: وبالواجب كان هذا، فإنه يحق أن يكون من الخيار خيار، وإن ~~من نشأ هذا المنشأ فحقيق أن يكون بهذه الحال. والمدح، كما قلنا، إنما يكون ~~بالأفعال. والمفعولات هي دلائل الأفعال. وقد يمدح المرء وإن لم يذكر له فعل ~~وذلك إذا تهيأ وقوع التصديق بأنه سعيد أو مغبوط أو أنه فاضل. وذلك أن المدح ~~بالأفعال إنما هو ليستدل به على الفضيلة. والمدح بالفضيلة ليستدل بها على ~~السعادة والغبطة. فإن نسبة الأفعال إلى الفضيلة كنسبة الفضيلة إلى السعادة. # قال: وقد تكون مواضع ما عامة للمديح وللمشورة جميعا، وإنما تنقلب لأحد ~~النوعين بتغيير يسير يستعمل فيها، وذلك أن التي ينبغي أن تفعل ms231 هي التي يمدح ~~بها إذا فعلت. فمن عرف التي ينبغي أن تفعل فقد عرف التي ينبغي أن يمدح بها. ~~وإذا كان ذلك كذلك، كانت له قدرة على الفعلين جميعا، أعني المدح والإشارة. ~~وذلك أن الشيء الذي يأتي به على طريق الإشارة والحث إذا غيره تغييرا يسيرا ~~وبدله صار مدحا. مثال ذلك أن يقول قائل: إنه لا ينبغي أن يتوهم أن الأمور ~~العظام الشريفة هي الأمور التي ينالها المرء بسعادة الجد وجودة الاتفاق، بل ~~الأمور العظيمة هي التي تنال بالسعي وحسن الرأي. فإنه إذا قيل هكذا، كان ~~كلاما مشوريا، فإذا غير هذا وقيل: إن فلانا إنما نال الأمور العظام بسعيه ~~وجده لا بجده، كان مدحا. فالشيء الذي به يشار في هذه الأشياء، به يكون ~~المدح. وقد يكون الكلام مركبا من مدح ومشورة، وذلك إذا انتقل الخطيب من ~~أحدهما إلى الآخر، مثل أن يقول: أنت إنما نلت العظائم بسعيك وجدك، فلا تركن ~~إلى ما نلت منها باتفاق وجودة بخت. # PageV01P129 # قال: وينبغي أن يكون الاقتصاص خفيفا غير مطول، بل يكون بحيث يؤذن دفعة ~~بالأمر الذي قصد أن يؤذن به ويدل عليه، وذلك إما بإغلاط من القول وإما بلين ~~وإما بوسط بين ذلك، بحسب ما يليق بمقام مقام. وكذلك ينبغي ألا يجعل صدر ~~الكلام طويلا، ولا يذكر فيه التصديقات فإنه إن فعل ذلك لم يكن الكلام حسنا ~~وكذلك يجب ألا يكون أيضا وجيزا قصيرا، ولكن يكون قصدا معتدلا. وذلك بأن ~~يذكر فيه الأمر الذي جعل إنباء عنه من ضرر أو ظلم أو غير ذلك مما يكون فيه ~~القول، ثم يتوخى بعد ذلك أن يكون الكلام على مثل تلك الأمور التي فيها ~~الكلام وبمقدارها لا مخالفا لها ولا أعظم منها أو أصغر. # قال: ومن النافع أن يخلط المتكلم بالاقتصاص بعض الأقاويل التي تدل على ~~فضيلته ليكون كلامه أقنع وأن يستعمل من ذلك ما كان لذيذا وقوعه عند الحكام. # قال: فأما المجيب فينبغي أن يقلل الاقتصاص إن كانت الخصومة في أنه لم يكن ~~الأمر الذي أدعى ms232 المتكلم وقوعه، أو في أنه لم يكن ضارا، أو في أنه لم يكن ~~ظلما، أو في أنه لم يكن على الصفة التي ذكر. وذلك أن المجيب لا ينبغي أن ~~ينازع خصمه فيما أقر به، إن لم تكن له فيه منفعة. وذلك مثل أن يقر أنه فعل، ~~ولكن لم يكن ذلك الفعل ظلما. وإنما ينبغي للمجيب أن لا ينكر الأفعال التي ~~إذا لم يفعل، لم يجب العقاب أو الغرم، أو وجب الصفح. # قال: وينبغي أن يكون الاقتصاص أهليا أي مألوفا معروفا غير منكر، وذلك ~~يكون بأن يخلط به المتكلم الأقاويل التي تحرك المرء إلى الخلق الفاضل وتحرض ~~على فعل الخير، وهي الأقاويل الخلقية. وإنما تستعمل الأقاويل الخلقية في ~~الأشياء الإرادية العملية، لا في الأشياء النظرية. فإن الأخلاق هي مبادئ ~~الأعمال التي هي نحو غاية ما، لا مبادئ الاعتقادات. # قال: ولذلك لم تستعمل الأقاويل الخلقية في الأشياء التعاليمية إلا ما كان ~~يستعمل من ذلك أصحاب سقراط. والأقاويل الخلقية هي التي تؤلف من لازمات ~~الخلق، أعني التي إذا وجدت وجد ذلك الخلق. ولذلك قد يستعمل الخصم أمثال هذه ~~دلالة على خلق خصمه، كمثل ما يقول: إنه عجول وغير متثبت، والدليل على ذلك ~~أنه يتكلم وهو يمشي، فإن هذا يدل على الطيش وقلة الرزانة، وهو بخلاف قول ~~القائل: أما فلان فإنه يتكلم عن روية واختيار لأنه إنما يختار أبدا الذي هو ~~أفضل إما عند الرجل العاقل، وإما عند الرجل الصالح؛ وذلك أن العاقل يختار ~~النافع، والصالح يختار الجميل. # قال: وإذا لم يقع التصديق بالشيء فينبغي أن يؤتى بالسبب النوجب لذلك ~~الشيء، مثل ما قال فلان في فلانة، فإنه قال أنها كانت تحب أخاها أكثر من ~~حبها زوجها وبنيها، لأن هؤلاء يستعادون إن فقدوا، والأخ لا يستعاد إن فقد. # قال: ويجب إن كان المتكلم استعمل الأخذ بالوجوه وأتى بالتصديق من التي من ~~خارج أن يوبخ ويقال له: هذا من فعل من لا يفقه الكلام، ومن فعل من هو أبهم ~~بهيمة بالطبع. # قال: وينبغي أن يخلط ms233 المقتص باقتصاصه بعض الأقاويل الانفعالية التي هي ~~لازمة ومشاكلة، وهي التي تؤلف من الأمور الموجودة فيهم أو فيمن يتصل بهم. ~~وذلك أن هذه الأمور هي عندهم معروفة مألوفة، يعني أن هذه الأمور هي التي ~~توجب المحبة والرحمة لمن وجدت فيه، كما قيل: إن هذا هو العقل نفسه، ومعنى ~~زائد على العقل وكما قال فلان في فلانة: إنها إلى حيث ما رفعت يديها بلغت، ~~يريد، فيما أحسب، من إمكان الأشياء لها وتيسرها عليها. # قال: وهذا يوجد كثيرا في شعر أوميروش، كقوله في فلانة: إن تلك العجوز ~~حبست عندها الوجوه الحسان، يريد أمثال هذه الأقاويل الانفعالية التي توجب ~~استغرابا للشيء وعجبا به. وهو موجود كثيرا في أشعار العرب وخطبها، ومن أحسن ~~ما في هذا المعنى قول أبي تمام: # فلو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع # فإن هذا القول انفعالي جدا. وقريب من هذا قول أبي نواس: # وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد # PageV01P130 # قال: وقد يكون من الأفعال ما يوجب الانفعال، وهي الأفعال التي تصدر من ~~أناس هم بأحوال توجب العطف عليهم مثل الذين يتكففون الدمع بأيديهم من ~~أعينهم. فإنهم إذا أبصروا بهذه الحال، أشفق لهم وتعطف عليهم. ولذلك صار ~~الخصم إذا كان بهذه الحال يضلل الحاكم. وقد يدل على انتفاع الخصم بهذا ~~الانفعال أن هذه الحال قد تنفعه مع الجرم الذي هو به مقر فضلا مع ما هو له ~~منكر. # قال: وكثيرا ما يحتاج المتكلم أن يتكلف عمل الاقتصاص في بدء كلامه، وربما ~~لم يحتج إلى ذلك. # فأما الكلام المشاوري فليس فيه اقتصاص ألبتة، لأنه ليس يكون اقتصاص فيما ~~سيكون، وإنما الاقتصاص فيما كان أو هو كائن الآن. وإنما تذكر الأمور ~~المتقدمة في المشورة على جهة البرهان، أعني أن يبين بها وجود الأمور ~~المستقبلة. ولذلك كلما كان المشير أعرف بالأمور السالفة الواقعة، كان أحرى ~~بحسن المشورة فيما هو كائن بأخرة. فأما المدح والذم فالأمر فيه بخلاف هذا، ~~أعني أنه تذكر فيه الأشياء السالفة والحاضرة على ms234 جهة الاقتصاص. وليس في ~~المشورة اقتصاص إلا أن يكون الخطيب ينتقل من المدح إلى المشورة. ولكن إذا ~~كان الأمر الذي يعد به مما لا يصدق بوقوعه، فينبغي له أن يأتي بالعلة في ~~الشيء الذي يعد بوقوعه، ثم بعد ذلك يتكلم في موجبات ذلك الواقع قال: وأما ~~التصديقات فينبغي أن تكون أقاويل تثبيتية. فإن التثبيت أمر خاص بالتصديقات ~~في جميع أنواع القول الخطبي. والأشياء التي تكون فيها المنازعة في الخصومة، ~~وهي التي يجب أن يوقع بها التصديق، هي أنحاء: أحدها أن الشيء كائن، وذلك ~~إذا مارى الخصم في كونه، أعني أن يجحده. ولذلك ما يجب على الشاكي أن يأتي ~~على كون ذلك الشيء بالبرهان، أعني بالمثال. والنحو الثاني: هو في أن الشيء ~~ضار أو ليس بضار، وذلك إذا اعترف الخصم بأنه قد كان ونازع في أنه ضار. ~~والثالث: أنه عدل أو ليس بعدل، وذلك إذا اعترف بأنه واقع وضار ونازع في ~~كونه جورا. والرابع: أن يعترف الخصم أنه ضار وغير عدل ولكن يدعي أن خصمه ~~كان السبب فيه بما تقدم من جوره عليه، مثل من يقر أنه أغضب إنسانا، لكنه ~~يزعم أنه إنما فعل ذلك لغضب متقدم كان منه، ففعل ذلك لينتصف منه. وهذا كأنه ~~راجع إلى دعوى العدل. وإذا اعترف الخصم بأنه ضرر، ولكن خصمه كان السبب فيه، ~~فبين أن الخصومة حينئذ إنما تكون في أن خصمه كان السبب أو لم يكن. وقد تكون ~~الخصومة في هل يطلق لمن جير عليه أن يجر بقدر ما جير عليه دون أن يرفع ذلك ~~إلى الحاكم، كما يوجد الاختلاف في ذلك عند الفقهاء في ملتنا. # قال: والخصومة في مثل هذا هي نافعة للشاكي، ضارة للمجيب، أعني إذا اعترف ~~المجيب أنه جار وادعى أن السبب فيه خصمه. وأما في تلك الأخر، وبخاصة في أن ~~الأمر لم يكن، فهي للمجيب أنفع منها للشاكي. # قال: وأما المنافرية فقد ينتفع فيها كثيرا باستعمال الشبيه والقول ~~المثالي، أعني في تبيين وجود تلك الأفعال. وأما في تلك الأفعال جميلة ms235 أو ~~نافعة، فإن الاستدلال على ذلك يكون من الأمور أنفسها، وقد يستدل في الأقل ~~على ذلك بالتمثيل، وهو الذي يعرفه أرسطو بالبرهان في هذه الصناعة، وإنما ~~يحتاج في الأكثر إلى استعمال المثال إذا كانت الأمور غير مصدق بوجودها أو ~~كان هنالك علة تمنع التصديق بوجودها. # قال: وأما القول المشاجري فالذي يستعمل فيه التثبيت إنما يبين إما أن ~~الأمر لا يكون، وإما أنه سيكون، وإما أنه إن كان، فليس عدلا أو ليس مما ~~ينتفع به، أو ليس على هذه الصفة ينبغي أن يكون. # قال: وقد ينبغي أن يتفقد كذب المتكلم في المشوريات واستعماله الأمور التي ~~هي خارجة عن الأمر أكثر منها في سائر الأنواع. # PageV01P131 # قال: والعلامات وإن كانت كاذبة بالجزء، كما قيل، فقد يستعملها هذا الجزء ~~من الخطابة كما تستعملها سائر الأجزاء. والمثالات أخص بالمشاورة وأولى بها. ~~وأما الضمائر فهي أخص بالخصومة، لأن الإشارة إنما تكون بما هو آت. ولذلك ~~يجب أن يؤتى بالبرهان عليه مما قد كان، وهو المثال. وأما الخصومة فإنما ~~تكون في أن الشيء موجود أو غير موجود، ولذلك يكون المثبت فيها من الأشياء ~~الضرورية التي تلزم ذلك الشيء، لأن الذي قد كان، لازمه ضروري الوجود، أي ~~موجود بالفعل، لا ممكن الوجود. وأما الأمور المستقبلة فلازمها مستقبل ~~الوجود، فلذلك كانت المثالات أخص بها من الضمائر. # قال: وليس ينبغي أن يؤتى بمقدمات الضمائر على النسق الصناعي، بل ينبغي أن ~~يخلط بعضها ببعض، وإلا أضر بعضها بعضا. فأما أن يؤتى بها على الترتيب ~~الصناعي وهو الترتيب الذي يظن أنه قياسي، أعني أكثر من غيره، فليس ينبغي أن ~~يفعل ذلك في جميع الضمائر كما كان يفعله أناس من المتفلسفين. # قال: وإذا أردت أن تعمل قولا انفعاليا، فلا تعملن منه ضميرا تصديقيا. # فإنك إن فعلت ذلك، إما أن ترفع الانفعال الذي قصدت فعله، وإما أن يكون ~~الضمير باطلا، لأنك تصدم بعضها ببعض. وإذا اجتمعا معا، فإما أن يفسد أحدهما ~~الآخر، وإما أن يوهنه. # وكذلك أيضا إذا أثبت بالكلام الخلقي، فلا ينبغي أن ms236 يأتي بالضمير والتثبيت ~~معه، لأنه ليس التثبيت مما يفعل في السامع اختيار الشيء كما تفعله الأقاويل ~~الخلقية. # ولكن ينبغي أن يستعمل: أما في الأقاويل الخلقية فالأقاويل الرأيية، وأما ~~عند الاقتصاص فالأقاويل التصديقية. فمثال الأقاويل الخلقية قول القائل: إنك ~~عارف بهؤلاء فلا ينبغي أن تصدقهم. ومثال الانفعالية قول القائل: إن هؤلاء ~~مظلومون فلا ينبغي أن تضجر بهم. وأما التصديقات فإنما تكون في أن هذا عدل ~~أو نافع. # قال: والإشارة في الأكثر أصعب من الخصومة، من أجل أن المشورة تكون في ~~المستقبل والخصومة في الماضي. وما كان في الماضي أعرف مما يكون في ~~المستقبل، ولذلك كان التكهن في الماضي أسهل منه في المستقبل، كما قال فلان ~~في فلان أنه كان يتكهن في الماضي ولم يكن يتكهن في المستقبل، يريد فيما ~~أحسب الغض منه. # قال: والقول المثالي هو من الأمور الظاهرة الحكم جدا ويسهل به وجدان ~~البرهان على الشيء من قبله والتصديق به، وليس فيه محاورة كثيرة خارجة عن ~~الشيء، كالذي يكون نحو الخصم من تخسيسه، أو نحو نفسه من تفضيله، أو في ~~تصيير الحاكم إلى الانفعال. اللهم إلا أن يروغ المتكلم به أو يحيد عن ~~الطريق، يريد لأن هذه العلة كان أخص بالمشورة. # قال: وينبغي للمتشكك في المقدمات المأخوذة من السنة أن يفعل فيها ما كان ~~يفعله سقراط مع الخطباء من أهل أثينية، فإنه كان يذم لهم تلك المقدمات ذما ~~يسيرا، يريد، فيما أحسب، بالتأويل لها. فإن التأويل ذم ما للقول. # قال: وأما المنافريات فقد ينبغي أن يستعمل فيها مدح الكلام التثبيتي، مثل ~~ما كان يفعله سقراط في أقاويله المدحية. فإنه كان يدخل في أثنائها مدح ~~الكلام. وذلك مثل قول القائل: إنه من مدح فلانا فليس يعوزه مقال ولا تبقى ~~له مقال. وإذا كان هذا في مدح الإنسان، فكيف في مدح الإله. # والكلام التثبيتي إذا استعمل فيه المدح كان تثبيتا وخلقيا معا، وإن لم ~~يكن هنالك قول خلقي، وذلك مثل قول القائل: بعد أن يأتي بالتثبيت: إن الكلام ~~المحقق الصحيح لا يعقله ms237 إلا ذوو الفضل والصلاح. # قال: والموبخات فهي أنجح من المثبتات، يعني بالموبخات، التي تكون على ~~طريق الخلف من المقدمات التي يعترف بها الخصم، وبالمثبتات الضمائر التي ~~يأتي بها المتكلم في إبطال قول الخصم من تلقائه. # قال: وإنما كانت الموبخات أنجح من الضمائر لأنه معلوم أن الموبخات تفضل ~~غيرها من الأقوال في الشيء الذي به الأقوال قياسية، أعني أنها قياسية أكثر ~~من غيرها، إلا أنها إنما تأتلف من المقدمات المتضادة. والمتضادة إذا قرن ~~بعضها ببعض كان أحرى أن يظهر الكذب الذي فيها. # PageV01P132 # قال: والكلام الذي يوجهه نحو الخصوم ليس يكون من نوع آخر سوى نوع ~~الأقاويل التصديقية فمنها ما تكون المقاومة فيه بحسب قول الخصم، وهي ~~المقاييس التي تأتلف من المقدمات المتقابلة أو التي قوتها قوة المتقابلة، ~~وتسوق إلى التوبيخ. ومنها ما تكون من الأمر نفسه، وهي المقاييس المستقيمة. # قال: وقد ينبغي في المشورة والخصومة معا إذا ابتدأ المتكلم بالكلام أن ~~يذكر أولا التصديقات التي تثبت قوله ثم يقصد بعد ذلك لإبطال المخالفات ~~لقوله. هذا إذا كانت المخالفات له يسيرة أو قليلة الإقناع، وأما إن كانت ~~كثيرة أو قوية الإقناع، فإن العمل كله هو في أن يتقدم فينقض تلك الأقاويل. ~~فإذا أوهم بطلانها، أتى بعد ذلك بالتثبيتات التي تخص قوله، وبالجملة: ~~فينبغي للمتكلم الذي يريد أن يتكلم بضد كلام قد تكلم به غيره أن يوطئ لنفسه ~~ويطرق لكلامه، ولا سيما إذا كان الكلام الذي تكلم به الغير كلاما منجحا، أي ~~مقنعا. وذلك يكون بوجوه، مثل أن يقول الخصم: إنك معنى بالكلام ذو قدرة ~~عليه. وإنك تثبت كل ما تريد أن تثبته، وتقنع في كل شيء أنه واجب وأنه عظيم ~~وأنه نافع ليعتقد في قولك أنه صحيح ومحقق، وإن لم يكن صحيحا عند الله ولا ~~عند الحق نفسه. وربما استعمل في هذا ذم الكلام وذم المتكلم، مثل أن يقول ~~له: إن كلامك محك وباطل وكلام رجل لا تورع عنده. وكأن هذا الموضع الذي ذكره ~~هو راجع إلى ذم كلام الخصم إما من ms238 جهة الباطن وإما من جهة الظاهر. وذم ~~الخصم نفسه أو كلامه هو مقابل مدح المتكلم نفسه وكلامه. وإنما تذكر هذه ~~الأشياء هاهنا من جهة الترتيب؛ وإلا فقد تقدم الكلام فيها. # قال: وقد ينبغي أن تغير الضمائر إلى الأقاويل الخلقية أحيانا مثل أن يقول ~~الخطيب إذا أشار بالصلح والهدنة: لأنه ينبغي للعقلاء أن يصيروا إلى الصلح ~~والهدنة. وبالجملة فيجب على الخطيب أن يتكلف من الضمائر أقوى ما يمكن أن ~~يوجد في ذلك الشيء الذي يتكلم فيه. فإنه مهما كانت الضمائر التي يأتي بها ~~الخطيب أنجح فهو أحرى أن يقبل قوله وأن يظهر على خصومه، مثل أن تكون ~~الضمائر التي يأتي بها في قبول الصلح أقوى من الضمائر التي يأتي بها خصمه ~~في دفع الصلح والإشارة بالحرب. # قال: فأما السؤال فإنما ينبغي أن يستعمل في هذه الصناعة أكثر من ذلك في ~~مواضع: أحدها: إذا علم السائل أن المجيب متى أجاب بنعم أو لا لزمه شيء واحد ~~بعينه وهو الذي قصد المتكلم إلزامه، مثل أن يسأل ألست قد أخذت بقرب القتيل ~~وبيدك سيف؟ فإن قال: نعم، قيل: أنت قتلته؛ وإن قال: لا، قيل: فأنت قتلته، ~~فلذلك فررت. # والموضع الثاني: حيث يعلم إنه إن لم يجب بالشيء الذي سأله فقد قال شنيعا، ~~مثل قول القائل: ألست تعلم أن الإتاوة جور. فإنه إن قال: لا، كان شنيعا؛ ~~وإن قال: نعم، قيل له: وأنت تأخذ الإتاوة، فأنت جائر والموضع الثالث أن ~~تكون المقدمة التي يسأله عنها ظاهرة الصدق، ولا يكون ما يلزم عنها ظاهرا ~~عند المجيب. فإنه في مثل هذا الموضع يجب على السائل أن يقتصر على مقدمة ~~واحدة فقط، ولا يسأل عن المقدمة الثانية. مثل أن يسأل سائل رجلا من ~~النصارى: أليس الآباء والأبناء من جنس واحد؟ فإذا قال المجيب: نعم، قال: ~~فعيسى إذن ليس ابنا لله. فإن هذه المقدمة يمكن أن تخفي لظهورها، وبعد ~~لازمها، وهي خافية في الأكثر أعني في بادئ الرأي، على المجيب في هذا ~~السؤال. # والموضع الرابع: حيث يعلم السائل أنه ms239 إن أجاب بضد ما سأله قدر على إلزامه ~~التشنيع. والفرق بين هذا وبين الثاني: أن الشنيع هنالك كان ضد ما سأله عنه، ~~وهنا إنما ألزمه السائل الشنيع بقياس. # والموضع الخامس: إذا كان الأمر عند السؤال يضطره أن يجيب بالمتناقضات معا ~~فإنه يلزمه التوبيخ الذي يفعله السوفسطائيون. مثل أن يلزمه بالسؤال أن يكون ~~مجيبا في الشيء بنعم وبلا. فإنه يشغب عليه حينئذ كما يفعل السوفسطائيون. # PageV01P133 # والموضع السادس: أن يسأل سؤالا يتضمن معاني كثيرة ويتشغب الجواب فيه على ~~المجيب. فإنه إن أجاب في ذلك بالمعنى الذي قصده السائل لزمه الأمر. وإن جعل ~~يفصل تلك المعاني واحدا واحدا ويجيب فيها بجواب جواب، رأى السامعون من ~~العمة لضعفهم أنه مريد وأنه لذلك قد اضطرب جوابه، إذا كانوا يرون أن الصادق ~~إنما يجيب إذا سأل بجواب واحد لا بأجوبة كثيرة، لأن ذلك اضطراب وتشويش في ~~الجواب. # قال: وأما المجيب فقد ينبغي له في هذه الصناعة أن ينكر إنتاج الضمائر، ~~إذا لم يقدر على إنكار المقدمات التي سئل عنها. وإذا أمكنه الإنكار، فلا ~~ينكر باللفظ المحتمل الذي يكون أعم من ذلك الشيء الذي فيه المراء ولا أخص. ~~وينبغي له أن يتقدم فيعلم المقدمات التي تفعل القياس على الشيء الذي يروم ~~خصمه أن يثبته عليه. وذلك مما يسهل علمه من الأشياء التي قيلت في الثانية ~~من طوبيقى. فإن تلك الأشياء إما كلها وإما بعضها هي مما يصلح في هذا الموضع ~~وينتفع بها وإن تم القياس عليه فينبغي له أن يذكر أن علة النتيجة هي غير ~~العلة التي ذكرها الخصم، مثل أنه إذا أنتج عليه أنه أخذ المال فيقول: نعم ~~أخذته لمكان الحفظ له، لا لمكان الغصب. # قال: والسائل فقد ينبغي ألا يسأل عن المقدمات البعيدة ولا عن القريبة من ~~النتيجة نفسها إلا أن تكون ظاهرة جدا، بل ينبغي أن يسأل عن المقدمات التي ~~هي من النتيجة بحال وسط في القرب والبعد. # قال: ولأن الأقاويل التي تستعمل الهزء والسخرية لها غناء في المنازعات، ~~فقد ينبغي أن تدخل في ms240 المخاطبات التي فيها النزاع. ولذلك قال فلان: إنه ~~ينبغي أن يفسد الجد بضده أي الهزل، ويفسد الهزل بضده أي بالجد. وذلك صواب ~~من قوله. وقد قيل في كتاب الشعر كم أنواع الهزل. ومن أنواع الهزل ما يليق ~~بالكريم، وهو الهزل الذي لا يكمن فيه صاحبه على أمر باطن وتعريض قبيح بل ~~يكون ما يتكلم فيه بالهزل هو نفس الشيء الذي قصده، لا أنه عرض بذلك عن أمر ~~قبيح. ولذلك قيل: إن المزاح يواجهك بالمزاح ويبدي لك ما في نفسه، وإما ~~المعرض فهو الذي يخادعك ويوهمك أنه يتكلم في شيء وهو يذهب في الهزل إلى شيء ~~آخر قبيح. فالمزاح أشبه بالكريم لأنه يصدق عن ذات نفسه، والمعرض أشبه ~~باللئيم لأنه يستعمل الخب والحقد. # قال: وبالجملة فالأشياء التي منها يتقوم الكلام الخطبي ويتركب عنها هي ~~أربعة أشياء: أحدها أن يثبت عند السامعين من نفسه الصحة ومن خصمه التهمة. ~~والثاني تعظيم الشيء المتكلم فيه وتصغيره. والثالث الأقاويل الانفعالية ~~والخلقية. والرابع: الأقاويل الموجهة نحو الشيء المتكلم فيه. وهذه الأشياء ~~كلها مشتركة لجميع أجزاء الخطابة، أعني الأجزاء الثلاثة. # قال: ونحن فقد قلنا في المواضع التي منها تعمل هذه الأشياء كلها. ~~وبالجملة فقد وفينا بجميع المعاني التي وعدنا بذكرها في أول هذا الكتاب. ~~وكان ذكرنا لهذه الأشياء أما في أول الأمر فلكي يكون ما يتكلم فيه معلوما ~~غير مجهول، كالحال في فعل الذين يريدون أن يحسنوا التعليم، أعني أن يحضروا ~~أولا الأغراض والمعاني التي يريدون أن يتكلموا فيها، ثم يتكلمون فيها. وأما ~~ذكرنا إياها هاهنا وبأخرة فلكي يعلم أنا قد وفينا بما كنا وعدنا في ذلك. ~~وهذا هو مبلغ الخاتمة التي تخص المتكلم أعني أنه يعلم بأنه قد وفى بما ذكر. ~~وأما الذي يخص السامعين فهو التذكير. # قال: والمثالات فينبغي أن تكون بالجملة بحيث يفهم منها الشيء الذي أخذ ~~المثال بدلا منه، ويفهم من ضدها ضده. وذلك إنما يكون متى كان هذان الأمران ~~في المثال أعرف منهما في الشيء الذي استعمل المثال بدله، أعني أن يكون ms241 أعرف ~~من الممثل، وضده أعرف من ضد الممثل. فإنه متى لم يكن المثال هكذا، كان إما ~~ليس يثبت شيئا وإما أن يثبت به ما قد ثبت، وذلك إما بمثال آخر، وإما لأنه ~~معروف بالطبع. وكذلك الحال في معرفة ضد الشيء، أعني أن منها ما يكون معروفا ~~بنفسه، ومنها ما يكون معروفا بمثال. # قال: وأما خواتم الخطب فينبغي أن تكون منفصلة عن الخطبة غير مرتبطة بها ~~ولا متصلة، بمنزلة الصدر ولكن تكون موجهة نحو الكلام الذي سلف، مثل قول ~~القائل في الخطب المشاورية: هذا قولي فاسمعوا، والحكم إليكم فاحكموا. # PageV01P134 # وهنا انقضت معاني هذه المقالة الثالثة. وقد لخصنا منها ما تأدى إلينا ~~فهمه وغلب على ظننا أنه مقصودة وعسى الله أن يمن بالتفرغ التام للفحص عن فص ~~أقاويله في هذه الأشياء وبخاصة فيما لم يصل إلينا فيه شرح لمن يرتضى من ~~المفسرين. # وكان الفراغ من تلخيص بقية هذه المقالة يوم الجمعة الخامس من محرم عام ~~أحد وسبعين وخمس مائة. # 1 12 PageV01P135 ms242