######OpenITI# #META# author: Ibn Rušd #META# title: Kitāb al-šiʿr (Middle Commentary on Aristotle, Poetica) #META# ed_info: Ed. ʿAbd al-Raḥmān Badawī (1953), Arisṭūṭālīs: Fann al-šiʿr, maʿa l-tarǧamah al-ʿarabīyah alqadīmah wa-šurūḥ al-Fārābī wa-Ibn Sīnā wa-Ibn Rušd, Cairo: Maktabat al-nahḍah al-miṣrīyah, pp. 201-250. #META# coll_id: tlg0086.tlg034.alpheios-comm-ara1 #META#Header#End# ### | [chapter 1] # بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله ### ||| كتاب الشعر # الغرض فى هذا القول تلخيص ما فى كتاب أرسطوطاليس فى الشعر من القوانين ~~الكلية المشتركة لجميع الأمم، أو للأكثر؛ إذ كثير مما فيه هى قوانين خاصة ~~بأشعارهم. وعادتهم فيها إما أن تكون نسبا موجودة فى كلام العرب، أو موجودة ~~فى غيره من الألسنة. # قال: إن قصدنا الآن التكلم فى صناعة الشعر، وفى أنواع الأشعار. وقد يجب، ~~على من يريد أن تكون القوانين التى تعطى فيها تجرى مجرى الجودة، أن يقول ~~أولا: ما فعل كل واحد من الأنواع الشعرية؟ ومماذا تتقوم الأقاويل الشعرية؟ ~~ومن كم من شىء تتقوم؟ وأيما هى أجزاؤها التى تتقوم بها؟ وكم أصناف الأغراض ~~التى تقصد بالأقاويل الشعرية؟ — وأن يجعل كلامه فى هذا كله من الأوائل التى ~~لنا بالطبع فى هذا المعنى. # قال: فكل شعر، وكل قول شعرى فهو إما هجاء، وإما مديح. وذلك بين باستقراء ~~الأشعار، وبخاصة أشعارهم التى كانت فى الأمور الإرادية: أعنى الحسنة ~~والقبيحة. وكذلك الحال فى الصنائع المحاكية لصناعة الشعر، التى هى: الضرب ~~بالعيدان، والزمر، والرقص — أعنى أنها معدة بالطبع لهذين الغرضين. # والأقاويل الشعرية هى الأقاويل المخيلة. وأصناف التخييل والتشبيه ثلاثة: ~~اثنان بسيطان، وثالث مركب منهما. اما الاثنان البسيطان فأحدهما تشبيه شىء ~~PageV01P201 بشىء وتمثيله به؛ وذلك يكون فى لسان لسان بألفاظ خاصة عندهم، ~~مثل: كأن، وإخال، وما أشبه ذلك فى لسان العرب، وهى التى تسمى عندهم حروف ~~التشبيه. وإما أخذ الشبيه بعينه بدل الشبيه، وهو الذى يسمى الإبدال فى هذه ~~الصناعة، وذلك مثل قوله تعالى: « وأزواجه أمهاتهم»، ومثل قول الشاعر: # هو البحر من أى المواضع أتيته # وينبغى أن تعلم أن فى هذا القسم تدخل الأنواع التى يسميها أهل زماننا ~~استعارة وكناية، مثل قول الشاعر: # وعرى أفراس الصبا ورواحله # ومثل قوله تعالى: « أو جاء أحد منكم من الغائط». إلا أن الكنايات — أكثر ~~ذلك — هى إبدالات من لواحق الشىء؛ والاستعارة هى إبدال من مناسبه، أعنى إذا ~~كان شىء نسبته إلى الثانى نسبة الثالث إلى ms01 الرابع فابدال اسم الثالث إلى ~~الأول وبالعكس. # وقد تقدم فى كتاب «الخطابة» من كم شىء تكون الإبدالات. # وأما القسم الثانى فهو أن يبدل التشبيه، مثل أن تقول: الشمس كأنها ~~PageV01P202 فلانة، أو الشمس هو فلانة، لا: فلانة كالشمس، ولا: هى الشمس. ~~وبالعكس قول ذى الرمة: # ورمل كأوراك العذارى ... # والصنف الثالث من الأقاويل الشعرية هو المركب من هذين. # قال: وكما أن الناس بالطبع قد يخيلون ويحاكون بعضهم بعضا بالأفعال، مثل ~~محاكاة بعضهم بعضا بالألوان والأشكال والأصوات — وذلك إما بصناعة وملكة ~~توجد للمحاكين، وإما من قبل عادة تقدمت لهم فى ذلك — كذلك توجد لهم ~~المحاكاة بالأقاويل بالطبع والتخييل. والمحاكاة فى الأقاويل الشعرية تكون ~~من قبل ثلاثة أشياء: من قبل النغم المتفقة، ومن قبل الوزن، ومن قبل التشبيه ~~نفسه. وهذه قد يوجد كل واحد منها مفردا عن صاحبه مثل وجود النغم فى ~~المزامير، والوزن فى الرقص، والمحاكاة فى اللفظ، أعنى الأقاويل المخيلة ~~الغير موزونة. وقد تجتمع هذه الثلاثة بأسرها، مثلما يوجد عندنا فى النوع ~~الذى يسمى الموشحات والأزجال، وهى الأشعار التى استنبطها فى هذا اللسان أهل ~~هذه الجزيرة. إذ كانت الأشعار الطبيعية هى ما جمعت الأمرين جميعا، والأمور ~~الطبيعية إنما توجد للأمم الطبيعيين، فان أشعار العرب ليس فيها لحن، وإنما ~~هى: إما الوزن فقط، وإما الوزن والمحاكاة معا فيها. # وإذا كان هذا هكذا، فالصناعة المخيلة، أو التى تفعل فعل التخييل، ثلاثة: ~~صناعة اللحن، وصناعة الوزن، وصناعة عمل الأقاويل المحاكية — وهذه الصناعة ~~المنطقية التى ننظر فيها فى هذا الكتاب. PageV01P203 # قال: وكثيرا ما يوجد من الأقاويل التى تسمى «أشعارا» ما ليس فيها من معنى ~~الشعرية إلا الوزن فقط كأقاويل سقراط الموزونة وأقاويل أنبادقليس فى ~~الطبيعيات، بخلاف الأمر فى أشعار أوميروش؛ فانه يوجد فيها الأمران جميعا. # قال: ولذلك ليس ينبغى أن يسمى «شعرا» بالحقيقة إلا ما جمع هذين. وأما تلك ~~فهى أن تسمى «أقاويل» أحرى منها أن تسمى «شعرا»؛ وكذلك الفاعل أقاويل ~~موزونة فى الطبيعيات هو أحرى أن يسمى «متكلما» من أن يسمى «شاعرا». وكذلك ~~الأقاويل المخيلة ms02 التى تكون من أوزان مختلطة ليست أشعارا. — وحكى أن كانت ~~توجد عندهم، ‘أعنى من أوزان مختلطة. وهذا غير موجود عندنا. # فقد تبين من هذا القول: كم أصناف المحاكاة، ومن أى الصنائع تلتئم ~~المحاكاة بالقول حتى تكون تامة الفعل. ### | [chapter 2] فصل # قال: ولما كان المحاكون والمشبهون إنما يقصدون بذلك أن يحثوا على عمل بعض ~~الأفعال الإرادية، وأن يكفوا عن عمل بعضها، فقد يجب ضرورة أن تكون الأمور ~~التى تقصد محاكاتها: إما فضائل، وإما رذائل. وذلك أن كل فعل وكل خلق إنما ~~هو تابع لأحد هذين: أعنى الفضيلة والرذيلة؛ فقد يجب ضرورة أن تكون الفضائل ~~إنما تحاكى بالفضائل والفاضلين، وأن تكون الرذائل تحاكى بالرذائل ~~والأرذلين. وإذا كان كل تشبيه وحكاية إنما تكون بالحسن والقبيح، فظاهر أن ~~كل تشبيه وحكاية إنما يقصد بها التحسين والتقبيح. وقد يجب مع هذا ضرورة أن ~~يكون المحاكون للفضائل، أعنى المسائلين بالطبع إلى محاكاتها، أفاضل، ~~والمحاكون للرذائل أنقص طبعا من هؤلاء وأقرب إلى الرذيلة. وعن هذين الصنفين ~~من الناس وجد المديح والهجو، أعنى مدح الفضائل وهجو PageV01P204 الرذائل. ~~ولهذا كان بعض الشعراء يجيد المدح ولا يجيد الهجو، وبعضهم بالعكس. أعنى ~~يجيد الهجو ولا يجيد المدح. فاذن بالواجب ما كان يوجد لكل تشبيه وحكاية ~~هذان الفصلان: أعنى التحسين والتقبيح. وهذان الفصلان إنما يوجدان للتشبيه ~~والمحاكاة التى تكون بالقول، لا المحاكاة التى تكون بالوزن، ولا التى تكون ~~باللحن. # وقد يوجد للتشبيه بالقول فصل ثالث، وهو التشبيه الذى يقصد به مطابقة ~~المشبه به من غير أن يقصد فى ذلك تحسين أو تقبيح، لكن نفس المطابقة. وهذا ~~النوع من التشبيه هو كالمادة المعدة لأن تستحيل إلى الطرفين: أعنى أنها ~~تستحيل تارة إلى التحسين بزيادة عليها، وتارة إلى التقبيح بزيادة أيضا عليها. # قال: وهذه كانت طريقة أوميروش، أعنى أنه كان يأتى فى تشبيهاته بالمطابقة ~~والزيادة المحسنة والمقبحة. # ومن الشعراء من إجادته إنما هى فى المطابقة فقط، ومنهم من إجادته فى ~~التحسين والتقبيح، ومنهم من جمع الأمرين مثل أوميروش. وتمثل فى كل صنف من ~~هؤلاء ms03 بأصناف من الشعراء كانوا مشهورين فى مدنهم وسياستهم باستعمال صنف صنف ~~من أصناف هذه التشبيهات الثلاثة. — وأنت، فليس يعسر عليك وجود مثالات ذلك ~~فى أشعار العرب، وإن كانت أكثر أشعار العرب إنما هى — كما يقول أبو نصر — ~~فى النهم والكريه. وذلك أن النوع الذى يسمونه: «النسيب» إنما هو حث على ~~الفسوق. ولذلك ينبغى أن يتجنبه الولدان؛ ويؤدبون من أشعارهم بما يحث فيه ~~على الشجاعة والكرم، فانه ليس تحث العرب فى أشعارها من الفضائل على سوى ~~هاتين الفضيلتين — وإن كانت ليس تتكلم فيهما على طريق الحث عليهما، وإنما ~~تتكلم فيهما على طريق الفخر. وأما الصنف من الأشعار الذى المقصود به ~~المطابقة فقط فهو موجود كثيرا فى أشعارهم، ولذلك يصفون الجمادات كثيرا ~~والحيوانات والنبات. وأما اليونانيون PageV01P205 فلم يكونوا يقولون أكثر ~~ذلك شعرا إلا وهو موجه نحو الفضيلة، أو الكف عن الرذيلة، أو ما يفيد أدبا ~~من الآداب، أو معرفة من المعارف. # فقد تبين من هذا القول أن أصناف التشبيهات ثلاثة أصول، وأن فصولها ثلاثة. ~~وتبين ما هى هذه الفصول الثلاثة والأصناف الثلاثة. ويشبه — إذا استقريت ~~الأشعار — أن يقع اليقين بأنه ليس هاهنا صنف رابع من أصناف التشبيهات ولا ~~فصل رابع من فصول تلك الأصناف. ### | [chapter 3] فصل # قال: ويشبه أن تكون العلل المولدة للشعر بالطبع فى الناس علتين: أما ~~العلة الأولى فوجود التشبيه والمحاكاة للإنسان بالطبع من أول ما ينشأ، أعنى ~~أن هذا الفعل يوجد للناس وهم أطفال. وهذا شىء يختص به الإنسان من دون سائر ~~الحيوانات. والعلة فى ذلك أن الإنسان، من بين سائر الحيوان، هو الذى يلتذ ~~بالتشبيه للأشياء التى قد أحسها وبالمحاكاة لها. والدليل على أن الإنسان ~~يسر بالتشبيه بالطبع ويفرح هو أنا نلتذ ونسر بمحاكاة الأشياء التى لا نلتذ ~~باحساسها؛ وبخاصة إذا كانت المحاكاة شديدة الاستقصاء، مثلما يعرض فى تصاوير ~~كثير من الحيوانات التى يعملها المهرة من المصورين. ولهذه العلة استعمل فى ~~التعليم عند الإفهام والتخاطب الإشارات: فإنها أداة معينة على فهم الأمر ~~الذى يقصد تفهيمه، لمكان ما فيها ms04 من الإلذاذ الذى هو موجود فى الإشارات من ~~قبل ما فيها من التخييل، فتكون النفس بحسب التذاذها به أتم قبولا له. فان ~~التعليم ليس إنما يوجد للفيلسوف فقط، بل وللناس فى ذلك مشاركة يسيرة مع ~~الفيلسوف. وذلك أنه يوجد التعليم بالطبع يصدر من إنسان إلى إنسان بحسب قياس ~~ذلك الإنسان المعلم من الإنسان المنعلم. والإشارات، لما كانت إنما هى ~~تشبيهات لأمور قد أحست، فبين أنها إنما تستعمل لموضع المسارعة إلى الفهم ~~والقبول له، وأنه إنما يفهم بما فيها من الإلذاذ لموضع التخييل الذى فيها. ~~فهذه هى العلة الأولى المولدة للشعر. PageV01P206 # وأما العلة الثانية فالتذاذ الإنسان أيضا بالطبع بالوزن والألحان. فان ~~الألحان يظهر من أمرها أنها مناسبة للوزن عند الذين فى طباعهم أن يدركوا ~~الأوزان والألحان. فالتذاذ النفس بالطبع بالمحاكاة والألحان والأوزان هو ~~السبب فى وجود الصناعات الشعرية، وبخاصة عند الفطر الفائقة فى ذلك. فاذا ~~نشأت الأمة تولدت فيهم صناعة الشعر من حيث إن الأول يأتى منها أولا بجزء ~~يسير، ثم يأتى من بعده بجزء آخر، وهكذا إلى أن تكمل الصناعات الشعرية وتكمل ~~أيضا أصنافها بحسب استعداد صنف صنف من الناس للالتذاذ أكثر بصنف صنف من ~~أصناف الشعر — مثال ذلك أن النفوس التى هى فاضلة وشريفة بالطبع هى التى ~~تنشئ أولا صناعة المديح، أعنى مديح الأفعال الجميلة؛ والنفوس التى هى أخس ~~من هذه هى التى تنشىء صناعة الهجاء، أعنى هجاء الأفعال القبيحة؛ وإن كان قد ~~يضطر الذى مقصده الهجاء للشرار والشرور أن ممدح الأخيار والأفعال الفاضلة ~~ليكون ظهور قبح الشرور أكثر، أعنى إذا ذكرها ثم ذكر بازائها الأفعال ~~القبيحة. # فهذا ما فى هذا الفصل من الأمور المشتركة لجميع الأمم أو للأكثر. وسائر ~~ما يذكر فيه فكله أو جله مما يخص أشعارهم وعادتهم فيها. وذلك أنه يذكر ~~أصناف الصناعات الشعرية التى كانت تستعمل عندهم، وكيف كان منشأ واحدة واحدة ~~منها بالطبع، وأى جزء هو المتقدم منها فى الكون على أى جزء، وبخاصة فى ~~صناعة المديح وصناعة الهجاء المشهورتين عندهم. ويذكر، مع هذا، ms05 أول من ابتدأ ~~صناعة صناعة من تلك الصنائع الشعرية المعتادة عندهم و من زاد فيها ومن ~~كملها بعد. وهو فى هذا الباب يثنى على أوميروش ثناءا كثيرا، ويعرف أنه الذى ~~أعطى مبادئ هذه الصنائع، وأنه لم يكن لأحد قبله فى صناعة المديح عمل له قدر ~~يعتد به، ولا فى صناعة الهجاء، ولا فى غير ذلك من الصنائع المشهورة عندهم. # قال: والأنقص من الأشعار والأقصر هى المتقدمة بالزمان، لأن الطباع أسهل ~~وقوعا عليها أولا. والأقصر هى التى تكون من مقاطع أقل، والأنقص هى التى ~~تكون من نغمات أقل أيضا. PageV01P207 # قال: والدليل على أن هذه الأنواع أسبق إلى النفوس أن الناس عند المنازعات ~~قد يرتجلون مصاريع من هذه فى مجادلتهم، وذلك عند الحرج — يريد، فيما أحسب، ~~مثل قول القائل: لا — لا — لا، يمد بها صوته، ومثل قوله: ليس — هذا — كذا، ~~مادا بها صوته. فان أمثال هذه المراجعات هى مصاريع موزونة ذات لحن. وأما ~~التى هى أطول وأتم فانما ظهرت بأخرة، كالحال فى سائر الصنائع. # قال: وصناعة الهجاء ليس إنما يقصد بها المحاكاة بكل ما هو شر وقبيح فقط، ~~بل وبكل ما هو شر مستهزأ به، أى مرذول قبيح غير مهتم به. # قال: والدليل على أن الاستهزاء يجب أن يجمع هذه الثلاثة الأوصاف أنه يوجد ~~فى وجه المستهزئ هذه الأحوال الثلاثة: أعنى قباحة الوجه، وهيئة الاستصغار، ~~وقلة الاكتراث بالمستهزأ به، وذلك بخلاف وجه الغاضب، أعنى أن فيه قبحا ~~واهتماما. وتلك هى حالة نفس الغاضب على الشىء الذى يغضب عليه. ### | [chapter 4] فصل # قال: وإيجاد صناعة المديح يكون تعلمها فى الأعاريض الطويلة، لا فى ~~القصيرة. ولذلك رفض المتأخرون الأعاريض القصار التى كانت تستعمل فيها وفى ~~غيرها من صنائع الشعر. # وأخص الأوزان بها هو الوزن البسيط الغير مركب. ولكن ينبغى ألا يبلغ فيها ~~من الطول إلى حد يستكره. والحد المفهم جوهر صناعة المديح هو أنها تشبيه ~~ومحاكاة للعمل الإرادى الفاضل الكامل الذى له قوة كلية فى الأمور الفاضلة، ~~لا قوة جزئية فى واحد واحد من الأمور ms06 الفاضلة — محاكاة تنفعل لها النفوس ~~انفعالا معتدلا بما يولد فيها من الرحمة والخوف، وذلك بما يخيل فى الفاضلين ~~من النقاء والنظافة، فان المحاكاة إنما هى للهيئات التى تلزم الفضائل، لا ~~للملكات إذ ليس يمكن فيها أن يتخيل. وهذه المحاكاة بالقول تكمل إذا قرن بها ~~اللحن PageV01P208 والوزن. وقد توجد من المنشدين أحوال أخر خارجة عن الوزن ~~واللحن تجعل القول أتم محاكاة، وهى الإشارات والأخذ بالوجوه الذى قيل فى ~~كتاب «الخطابة». # فأول أجزاء صناعة المديح الشعرى فى العمل هو أن تحصى المعانى الشريفة ~~التى بها يكون التخييل، ثم تكسى تلك المعانى اللحن والوزن الملائمين للشىء ~~المقول فيه. # وعمل اللحن فى الشعر هو أنه يعد النفس لقبول خيال الشىء الذى يقصد ~~تخييله. فكأن اللحن هو الذى يفيد النفس الاستعداد الذى به تقبل التشبيه ~~والمحاكاة للشىء المقصود تشبيهه. وإنما يفيد النفس هذه الهيئة فى نوع نوع ~~من أنواع الشعر اللحن الملائم لذلك النوع من الشعر بنغماته وتأليفه. فانه، ~~كما أنا نجد النغم الحادة تلائم نوعا من القول غير الذى تلائمه النغمات ~~الثقال، كذلك ينبغى أن نعتقد فى تركيب الألحان وهيئات المحدثين والقصاص ~~التى تكمل التخييل الموجود فى الأقاويل الشعرية أنفسها من قبل هذه الثلاثة، ~~أعنى التشبيه والوزن واللحن، التى هى اسطقسات المحاكاة، هى بالجملة هيئتان: ~~إحداهما هيئة تدل على خلق وعادة، كمن يتكلم كلام عاقل أو كلام غضوب؛ ~~والثانية هيئة تدل على اعتقاد. فانه ليس هيئة من يتكلم، وهو متحقق بالشىء، ~~هيئة من يتكلم فيه وهو شاك. فالقاص والمحدث فى المديح ينبغى أن تكون هيئة ~~قوله وشكله هيئة محق لا شاك، وهيئة جاد لا هازل، مثل قول القائل أى أناس ~~يكونون فى غاياتهم واعتقاداتهم. والقصص والحديث الذى ينبغى أن يعبر عنه ~~القاص والمحدث — وهو بهاتين الحالتين — هو الخرافة التى تكون بالتشبيه ~~والمحاكاة. وأعنى بالخرافة: تركيب الأمور التى تقصد محاكاتها إما بحسب ما ~~هى عليه فى أنفسها، أعنى فى الوجود؛ وإما بحسب ما اعتيد فى الشعر من ذلك ~~وإن كان كذبا. ولهذا قيل للأقاويل الشعرية ms07 خرافات. فالقصاص والمحدثون ~~بالجملة هم الذين لهم قدرة على محاكاة العادات والاعتقادات. # قال: وقد يجب أن تكون أجزاء صناعة المديح ستة: الأقاويل الخرافية، ~~والعادات، والوزن، والاعتقادات، والنظر، واللحن. — والدليل على ذلك ~~PageV01P209 أن كل قول شعرى قد ينقسم إلى مشبه ومشبه به؛ والذى به يشبه ~~ثلاثة: المحاكاة والوزن، واللحن. والذى يشبه فى المدح ثلاثة أيضا: العادات ~~والاعتقادات، والنظر، أعنى الاستدلال لصواب الاعتقاد. فتكون أجزاء صناعة ~~المديح ضرورة: ستة. وإنما كانت العادات والاعتقادات أعظم أجزاء المديح لأن ~~صناعة المديح ليست هى صناعة تحاكى الناس أنفسهم من جهة ما هم أشخاص ناس ~~محسوسون، بل إنما تحاكيهم من قبل عاداتهم الجميلة وأفعالهم الحسنة. ~~واعتقاداتهم السعيدة تشمل الأفعال والخلق، ولذلك جعلت العادة أحد أجزاء ~~الستة، واستغنى بذكرها فى التقسيم عن ذكر الأفعال والخلق. وأما النظر فهو ~~إبانة صواب الاعتقاد وكأنه كان عندهم ضربا من الاحتجاج لصواب الاعتقاد ~~الممدوح به. وهذا كله ليس يوجد فى أشعار العرب. وإنما يوجد فى الأقاويل ~~الشرعية المديحية. وكانوا يحاكون هذه الثلاثة الأشياء، أعنى العادات ~~والاعتقادات والاستدلال، بالثلاثة الأصناف من الأشياء التى بها يحاكى، ~~أعنى: القول المخيل، والوزن، واللحن. # قال: وأجزاء القول الخرافى، من جهة ما هو محاك، جزءان — وذلك أن كل ~~محاكاة فاما أن نوطىء لمحاكاته بمحاكاة ضده، ثم ننتقل منه إلى محاكاته وهو ~~الذى كان يعرف عندهم بالإدارة. وإما أن نحاكى الشىء نفسه دون أن نعرض ~~لمحاكاة ضده، وهو الذى كان يسمونه بالاستدلال. # والذى يتنزل من هذه الأجزاء منزلة المبدأ والأس هو القول الخرافى ~~المحاكى. — والجزء الثانى: العادات، وهو الذى تستعمل أولا فيه المحاكاة، ~~أعنى أنه الذى يحاكى. وإنما كانت الحكاية هى العمود والأس فى هذه الصناعة ~~لأن الالتذاذ ليس يكون بذكر الشىء المقصود ذكره دون أن يحاكى، بل إنما يكون ~~الالتذاذ به والقبول له إذا حوكى. ولذلك لا يلتذ إنسان بالنظر إلى صور ~~الأشياء الموجودة أنفسها، ويلتذ بمحاكاتها وتصويرها بالأصباغ والألوان. ~~ولذلك استعمل الناس صناعة الزواقة والتصوير. PageV01P210 # والجزء الثالث لصناعة المديح، أعنى التالى للثانى، هو: الاعتقاد. وهذا هو ms08 ~~القدرة على محاكاة ما هو موجود كذا، أو ليس بموجود كذا. وذلك مثل ما تتكلفه ~~الخطابة من تبيين أن شيئا موجود أو غير موجود. إلا أن الخطابة تتكلف ذلك ~~بقول مقنع، والشعر بقول محاك. وهذه المحاكاة هى أيضا موجودة فى الأقاويل ~~الشعرية. # قال: وقد كان الأقدمون من واضعى السياسات يقتصرون على تمكين الاعتقادات ~~فى النفوس بالأقاويل الشعرية حتى شعر المتأخرون بالطرق الخطبية. — والفرف ~~بين القول الشعرى الذى يحث على الاعتقاد، والذى يحث على العادة، أن الذى ~~يحث على العادة يحث على عمل شىء أو على الهرب من شىء. والقول الذى يحث على ~~الاعتقاد إنما يحث على أن شيئا موجود أو غير موجود، لا على شىء يطلب أو ~~يهرب عنه. # والجزء الرابع لهذه الأجزاء، أعنى التالى للثالث، هو: الوزن. ومن تمامه ~~أن يكون مناسبا للغرض. فرب وزن يناسب غرضا ولا يناسب غرضا آخر. # والجزء الخامس فى المرتبة هو: اللحن. وهو أعظم هذه الأجزاء تأثيرا ~~وأفعلها فى النفوس. # والجزء السادس هو النظر، أعنى الاحتجاج لصواب الاعتقاد أو صواب العمل، لا ~~بقول إقناعى، فان ذلك غير ملائم لهذه الصناعة، بل بقول محاك. فإن صناعة ~~الشعر ليست مبنية على الاحتجاج والمناظرة، وبخاصة صناعة المديح، ولذلك ليس ~~يستعمل المديح صناعة النفاق والأخذ بالوجوه كما تستعملها الخطابة. # قال: والصناعة العلمية التى تعرف من ماذا تعمل الأشعار وكيف تعمل، أتم ~~رئاسة من عمل الأشعار، فان كل صناعة توقف ما تحتها من الصنائع على عملها هى ~~أرأس مما تحتها. ### | [chapter 5] فصل # فإذ قد قيل ما هى صناعة المديح، ومماذا تلتئم، وكم أجزاؤها، وما هى — ~~فلنقل فى الأشياء التى بها يكون حسن الأمور التى يتقوم بها الشعر. فان ~~القول فى هذه الأشياء ضرورى فى صناعة المديح وفى غيرها، وهو لها بمنزلة ~~المبدأ. PageV01P211 وذلك أن الأمور التى تتقوم منها الصنائع صنفان: أمور ~~صرورية، وأمور تكون بها أتم وأفضل. # فنقول: إنه يجب أن تكون صناعة المديح مستوفية لغايات فعلها، أعنى أن تبلغ ~~من التشبيه والمحاكاة الغاية التى فى طباعها أن تبلغه. ms09 وذلك يكون بأشياء: ~~أحدها أن يكون للقصيدة عظم ما محدود تكون به كلا وكاملة. والكل والكامل هو ~~ما كان له مبدأ ووسط وآخر. والمبدأ «قبل»، وليس يجب أن يكون «مع» الأشياء ~~التى هو لها مبدأ. والآخر هو «مع» الأشياء التى هو لها آخر وليس هو «قبل». ~~والوسط هو «قبل» و«مع» ، فهو أفضل من الطرفين إذ كان الوسط فى المكان قبل ~~وبعد، فان الشجعان هم الذين مكانهم فى الحرب ما بين مكان الجبناء ومكان ~~المتهورين، وهو المكان الوسط. وكذلك الحد الفاصل فى التركيب هو الوسط، وهو ~~الذى يتركب من الأطراف ولا تتركب الأطراف منه. وليس يجب أن يكون المتوسط ~~وسطا، أى خيارا فى التركيب والترتيب فقط بل وفى المقدار. وإذا كان ذلك ~~كذلك، فقد يجب أن يكون للقصيدة أول ووسط وآخر، وأن يكون كل واحد من هذه ~~الأجزاء وسطا فى المقدار، وكذلك يجب فى الجملة المركبة منها أن تكون بقدر ~~محدود، لا أن تكون بأى عظم اتفق. وذلك أن الجودة فى المركب تكون من قبل ~~شيئين: أحدهما الترتيب، والثانى المقدار؛ ولهذا لا يقال فى الحيوان الصغير ~~الجثة يالإضافة إلى أشخاص نوعه إنه جيد. والحال فى المخاطبة الشعرية فى ذلك ~~كالحال فى التعليم البرهانى، أعنى أن التعليم إن كان قصير المدة لم يكن ~~الفهم جيدا، ولا إن كان أطول مما ينبغى لأنه يلحق المتعلم فى ذلك النسيان. ~~والحال فى ذلك كالحال فى النظر إلى المحسوس، أعنى أن النظر إلى المحسوس ~~إنما يكون جيدا إذا كان بين الناظر وبينه بعد متوسط، لا إذا كان بعيدا منه ~~جدا ولا إذا كان قريبا منه جدا، والذى يعرض فى التعليم بعينه يعرض فى ~~الأقاويل الشعرية، أعنى أنه إن كانت للقصيدة قصيرة لم تستوف أجزاء المديح؛ ~~وإن كانت طويلة لم يمكن أن تحفظ فى ذكر السامعين أجزاؤها، فيعرض لهم إذا ~~سمعوا الأجزاء الأخيرة أن يكونوا قد نسوا الأولى. وأما الأقاويل الخطبية ~~التى تستعمل فى المناظرة فليس لها قدر محدود بالطبع، ولذلك احتاج ~~PageV01P212 الناس أن يقدروا زمان المناظرة ms10 بين الخصوم إما بآلة الماء على ~~ما جرت به العادة عند اليونانيين إذ كانوا إنما يعتمدون الضمائر فقط، وإما ~~بتأجيل الأيام كالحال عندنا، إذ كان المعتمد فى الخصومات عندنا إنما هى ~~الأشياء المقنعة التى من خارج. ولذلك لو كانت صناعة المديح بالمناظرة لكان ~~يحتاج فيها إلى تقدير زمان المناظرة بساعات المساء أو غيرها. لكن لما لم ~~يكن الأمر كذلك، وجب أن يكون لصناعة الشعر حد طبيعى كالحال فى الأقدار ~~الطبيعية للأمور الموجودة. وذلك أنه كما أن جميع المتكونات إذا لم يعقها فى ~~حال الكون سوء البخت صارت إلى عظم محدود بالطبع. كذلك يجب أن تكون الحال فى ~~الأقاويل الشعرية، وبخاصة فى صنفى المحاكاة، أعنى التى ينتقل فيها من الضد ~~إلى الضد، أو يحاكى فيها الشىء نفسه من غير أن ينتقل إلى ضده. # قال: ومما يحسن به قوام الشعر ألا يطول فيه بذكر الأشياء الكثيرة التى ~~تعرض للشىء الواحد المقصود بالشعر. فان الشىء الواحد تعرض له أشياء كثيرة. ~~وكذلك يوجد للشىء الواحد المشار إليه أفعال كثيرة. # قال: ويشبه أن يكون جميع الشعراء لا يتحفظون بهذا، بل ينتقلون من شىء إلى ~~شىء ولا يلزمون غرضا واحدا بعينه، ما عدا أوميرش. # وأنت تجد هذا كثيرا ما يعرض فى أشعار العرب والمحدثين وبخاصة عند المدح، ~~أعنى أنه إذا عن لهم شىء مامن أسباب الممدوح — مثل سيف أوقوس — اشتغلوا ~~بمحاكاته وأضربوا عن ذكر الممدوح. # وبالجملة، فيجب أن تكون الصناعة تشبه بالطبيعة، أعنى أن تكون إنما تفعل ~~جميع ما تفعله من أجل غرض واحد وغاية واحدة. وإذا كان ذلك كذلك، فواجب أن ~~يكون التشبيه والمحاكاة لواحد ومقصودا به غرض واحد، وأن يكون لأجزائه عظم ~~محدود وأن يكون فيها مبدأ ووسط وآخر، وأن يكون الوسط أفضلها. فان الموجودات ~~التى وجودها فى الترتيب وحسن النظام، إذا عدمت ترتيبها لم يوجد لها الفعل ~~الخاص بها. # قال: وظاهر أيضا مما قيل من مقصد الأقاويل الشعرية أن المحاكاة التى تكون ~~بالأمور المخترعة الكاذبة ليست من فعل الشاعر، وهى التى تسمى أمثالا ms11 ~~PageV01P213 وقصصا، مثل ما فى كتاب «كليلة ودمنه». لكن الشاعر إنما يتكلم ~~فى الأمور الموجودة أو الممكنة الوجود، لأن هذه هى التى يقصد الهرب عنها أو ~~طلبها أو مطابقة التشبيه لها، على ما قيل فى فصول المحاكاة. وأما الذين ~~يعملون الأمثال والقصص فان عملهم غير عمل الشعراء — وإن كانوا قد يعملون ~~تلك الأمثال والأحاديث المخترعة بكلام موزون. وذلك أن كليهما، وإن كانا ~~يشتركان فى الوزن، فأحدهما يتم له العمل الذى قصده بالخرافة، وإن لم تكن ~~موزونة، وهو التعقل الذى يستفاد من الأحاديث المخترعة. والشاعر لا يحصل له ~~مقصوده على التمام من التخييل إلا بالوزن. فالفاعل للأمثال المخترعة والقصص ~~إنما يخترع أشخاصا ليس لها وجود أصلا ويضع لها أسماء. وأما الشاعر فانما ~~يضع أسماء لأشياء موجودة. وربما تكلموا فى الكليات، ولذلك كانت صناعة الشعر ~~أقرب إلى الفلسفة من صناعة اختراع الأمثال. — وهذا الذى قاله هو بحسب ~~عادتهم فى الشعر الذى يشبه أن يكون هو الأمر الطبيعى للأمم الطبيعية. # قال: وأكثر ما يجب أن يعتمد فى صناعة المديح أن تكون الأشياء المحاكيات ~~أمورا موجوة، لا أمورا لها أسماء مخترعة، فان المديح إنما يتوجه نحو ~~التحريك إلى الأفعال الإرادية. فاذا كانت الأفعال ممكنة، كان الإقناع فيها ~~أكثر وقوعا، أعنى التصديق الشعرى الذى يحرك النفس إلى الطلب أو الهرب. # وأما الأشياء الغير موجودة فليس توضع وتخترع لها أسماء فى صناعة المديح ~~إلا أقل ذلك، مثل وضعهم الجود شخصا، ثم يضعون أفعالا له ويحاكونها ويطنبون ~~فى مدحه. وهذا النحو من التخييل، وإن كان قد ينتفع به منفعة غير يسيرة ~~لمناسبة أفعال ذلك الشىء المخترع وانفعالاته للأمور الموجودة، فليس ينبغى ~~أن يعتمد فى صناعة المديح. فان هذا النحو من التخييل ليس مما يوافق جميع ~~الطباع، بل قد يضحك منه ويزدريه كثير من الناس. ومن جيد ما فى هذا الباب ~~للعرب، وإن لم يكن على طريق الحث على الفضيلة، قول الأعشى PageV01P21 ~~4 # لعمرى لقد لاحت عيون نواظر إلى ضوء نار باليفاع تحرق # تشب لمقرورين يصطليانها وبات على النار ms12 الندى والمحلق # رضيعى لبان ثدى أم تحالفا بأسحم داج عوض لا نتفرق # وإذا كان هذا هكذا، فظاهر أن الشاعر إنما يكون شاعرا بعمل الخرافات ~~والاوزان بقدر ما يكون قادرا على عمل التشبيه والمحاكاة. وهو إنما يعمل ~~التشبيه للأمور الإرادية الموجودة، وليس من شرطه أن يحاكى الأمور التى هى ~~موجودة فقط، بل وقد يحاكى الأمور التى يظن بها أنها ممكنة الوجود، وهو فى ~~ذلك شاعر ليس بدون ما هو فى محاكاة الأمور الموجودة، من قبل أنه ليس مانع ~~يمنع أن توجد تلك الأشياء على مثل حال الأشياء التى هى الآن موجودة. فليس ~~يحتاج فى التخيل الشعرى إلى مثل هذه الخرافات المخترعة، ولا أيضا يحتاج ~~الشاعر المفلق أن تتم محاكاته بالأمور التى من خارج، وهو الذى يدعى نفاقا ~~وأخذا بالوجوه. فان ذلك إنما يستعمله المموهون من الشعراء، أعنى الذين ~~يراؤون أنهم شعراء وليسوا شعراء. وأما الشعراء بالحقيقة فليس يستعملونه إلا ~~عندما يريدون أن يقابلوا به استعمال شعراء الزور له. وأما إذا قابلوا ~~الشعراء المجيدين فليس يستعملونه أصلا. وقد يضطر المفلقون فى مواضع أن ~~يستعينوا باستعمال الأشياء الخارجة عن عمود الشعر، من قبل أن المحاكاة ليس ~~تكون فى كل موضع للأشياء الكاملة التى تمكن محاكاتها على التمام، بل لأشياء ~~ناقصة تعسر محاكاتها بالقول، فيستعان على محاكاتها بالأشياء التى من خارج، ~~وبخاصة إذا قصدوا محاكاة الاعتقادات، لأن تخيلها يعسر، إذ كانت ليست أفعالا ~~ولا جواهر. وقد تمزج هذه الأشياء التى من خارج بالمحاكيات الشعرية أحيانا ~~كأنها وقعت بالاتفاق من غير قصد، فيكون لها فعل معجب، إذ كانت الأشياء التى ~~من شأنها أن تقع بالاتفاق معجبة. # قال: وكثير من الأقاويل الشعرية تكون جودتها فى المحاكاة البسيطة الغير ~~متفننة، وكثير منها إنما تكون جودتها فى نفس التشبيه والمحاكاة. وذلك أن ~~الحال فى التشبيه كالحال فى الأعمال. فكما أن من الأعمال ما ينال بفعل واحد ~~بسيط، ومنها ما ينال بفعل مركب، كذلك الأمر فى المحاكاة. والمحاكاة البسيطة ~~هى PageV01P215 الى يستعمل فيها أحد نوعى التخييل، أعنى النوع الذى ms13 يسمى ~~«الإدارة»، أو النوع الذى يسمى «الاستدلال». وأما المحاكاة المركبة فهى ~~التى يستعمل فيها الصنفان جميعا: وذلك إما بأن يبتدأ بالإدارة، ثم ينتقل ~~منه إلى الاستدلال، أو يبتدأ بالاستدلال ثم ينتقل منه إلى الإدارة. ~~والاعتماد هو أن يبدأ بالإدارة إلى الاستدلال، أو يبدأ بالاستدلال ثم ينتقل ~~إلى الإدارة. # قال: وأعنى ب«الإدارة» محاكاة ضد المقصود مدحه، أولا: بما ينفر النفس ~~عنه، ثم ينتقل منه إلى محاكاة الممدوح نفسه. مثل أنه إذا أراد أن يحاكى ~~السعادة وأهلها ابتدأ أولا بمحاكاة الشقاوة وأهلها، ثم انتقل إلى محاكاة ~~أهل السعادة، وذلك بضد ما حاكى به أهل الشقاوة. وأما «الاستدلال» فهو ~~محاكاة الشىء فقط. # قال: وأحسن الاستدلال ما خلط بالإدارة. # قال: وقد يستعمل الاستدلال والإدارة فى الأشياء الغير متنفسة وفى ~~المتنفسة، لا من جهة ما يقصد به عمل أو ترك، بل من جهة التخييل فقط، أعنى ~~المطابقة. # وهذا النوع من الاستدلال الذى ذكره هو الغالب على أشعار العرب، أعنى ~~الاستدلال والإدارة فى غير المتنفسة، وهو مثل قول أبى الطيب: # كم زورة لك فى الأعراب خافية أدهى — وقد رقدوا — من زورة الذيب # أزورهم، وسواد الليل يشفع لى، وأنثنى، وبياض الصبح يغرى بى # فان البيت الأول هو استدلال، والثانى إدارة. ولما جمع هذان البيتان صنفى ~~المحاكاة، كانا فى غاية من الحسن. # قال: والاستدلال الإنسانى والإدارة إنما يستعملان فى الطلب والهرب. وهذا ~~النوع من الاستدلال هو الذى يثير فى النفس الرحمة تارة، والخوف تارة. وهذا ~~هو الذى نحتاج إليه فى صناعة مديح الأفعال الإنسانية الجميلة وهجو القبيحة. PageV01P216 # قال: فهذان الجزآن اللذان أخبرنا عنهما هما جزءا صناعة المديح. وها هنا ~~جزء ثالث، وهو الجزء الذى يولد الانفعالات النفسانية، أعنى انفعالات الخوف ~~والرحمة والحزن، وهو يكون بذكر المصائب والرزايا النازلة بالناس — فان هذه ~~الأشياء هى التى تبعث الرحمة والخوف، وهو جزء عظيم من أجزاء الحث على ~~الأفعال التى هى مقصودة المديح عندهم. ### | [chapter 6] فصل # قال: فأما أجزاء صناعة المديح من باب الكيفية، فقد تكلمنا فيها. وأما ~~أجزاؤها من جهة الكمية، ms14 فينبغى أن نتكلم فيها. # وهو يذكر فى هذا المعنى أجزاء خاصة بأشعارهم. والذى يوجد منها فى أشعار ~~العرب فهى ثلاثة: الجزء الذى يجرى عندهم مجرى الصدر فى الخطبة، وهو الذى ~~فيه يذكرون الديار والآثار ويتغزلون فيه. والجزء الثانى: المدح. والجزء ~~الثالث: الذى يجرى مجرى الخاتمة فى الخطبة. وهذا الجزء، أكثر ما هو عندهم، ~~إما : دعاء للممدوح، وإما فى تقريض الشعر الذى قاله. والجزء الأول أشهر من ~~هذا الآخر، ولذلك يسمون الانتقال من الجزء الأول إلى الثانى استطرادا. ~~وربما أتوا بالمدائح دون صدور، مثل قول أبى تمام: # ... ... ... ... ... ... .. لهان علينا أن نقول وتفعلا # ومثل قول أبى الطيب: # لكل امرئ من دهره ما تعودا ... ... ... ... ... ... ... # ولما فرغ من تعديد أجزاء الشعر عندهم، قال: PageV01P217 ~~فأما أجزاء صناعة المديح التى من جهة الكيفية والتى من جهة الكمية فقد ~~أخبرنا بها. فأما من أى المواضع يمكن عمل صناعة المديح، فنحن مخبرون عنها ~~بعد ومضيفون ذلك إلى ما تقدم. # قال: وينبغى — كما قيل — ألا يكون تركيب المدائح من محاكاة بسيطة، بل ~~مخلوطة من أنواع الاستدلالات وأنواع الإدارة ومن المحاكاة التى توجب ~~الانفعالات المخيفة المحركة المرققة للنفوس. وذلك أنه يجب أن تكون المدائح ~~التى يقصد بها الحث على الفضائل مركبة من محاكاة الفضائل ومن محاكاة أشياء ~~مخوفة محزنة يتفجع لها، وهى الشقاوة التى تلحق من عدم الفضائل لا باستئهال. ~~وذلك أن بهذه الأشياء يشتد تحرك النفس لقبول الفضائل. فان انتقال الشاعر من ~~محاكاة فضيلة إلى محاكاة لا فضيلة، أو من محاكاة فاضل إلى محاكاة لا فاضل، ~~ليس فيه شىء مما يحث الإنسان ويزعجه إلى فعل الفضائل، إذ كان ليس يوجب محبة ~~لها زائدة ولا خوفا. # والأقاويل المديحية يجب أن يوجد فيها هذان الأمران، وذلك يكون إذا انتقل ~~من محاكاة الفضائل إلى محاكاة الشقاوة ورداءة البخت النازلة بالأفاضل أو ~~انتقل من هذه إلى محاكاة أهل الفضائل؛ فان هذه المحاكاة ترق النفس وتزعجها ~~إلى قبول الفضائل. وأنت تجد أكثر المحاكاة الواقعة فى الأقاويل الشرعية على ~~هذا النحو الذى ذكر، إذ كانت ms15 تلك هى أقاويل مديحية تدل على العمل، مثل ما ~~ورد من حديث يوسف — صلى الله عليه — وإخوته، وغير ذلك من الأقاصيص التى ~~تسمى مواعظ. # قال: وإنما تحدث الرحمة والرقة بذكر حدوث الشقاوة بمن لا يستحق وعلى غير ~~الواجب. والخوف إنما يحدث عند ذكر هذه من قبل تخيل وقوع الضار بمن هو ~~دونهم، أعنى بنفس السامع، إذ كان أحرى بذلك. والحزن والرحمة إنما تحدث عند ~~هذه من قبل وقوعها بمن لا يستحق. وإذا كان ذكر الفضائل PageV01P218 مفردة ~~لا يوقع فى النفس خوفا من فواتها ولا رحمة ومحبة، فواجب على من يريد أن يحث ~~على الفضائل أن يجعل جزءا من محاكاته — للأشياء التى تبعث الحزن والخوف ~~والرحمة. # قال: ولذلك المدائح الحسان الموجودة لصناعة الشعر هى المدائح التى يوجد ~~فيها هذا التركيب، أعنى ذكر الفضائل والأشياء المحزنة المخوفة المرققة. # قال: ولذلك يخطئ الذين يلومون من يجعل أحد أجزاء شعره هذه الخرافات. ومن ~~الدليل على أن ذلك نافع فى المديح أن صناعة المديح الجهادية قد تدخل فيها ~~المغضبات. والغضب هو حزن مع حب شديد للانتقام. # وإذ كان ذلك كذلك فذكر الرزايا والمصائب النازلة بأهل الفضل يوجب حبا ~~زائدا لهم وخوفا من فوات الفضائل. فأما محاكاة النقائص فى المدائح فقد ~~يدخلها قوم فيها، لأن فيها ضربا من الإدارة، لكن مناسبة ذم النقائص لصناعة ~~الهجاء أكثر منها لصناعة المديح. ولذلك لا ينبغى أن يكون تخييلها فى ~~المدائح على القصد الأول، بل من قبل الإدارة. وإذا كان الشعر المديحى تذكر ~~فيه النقائص، فلا بد أن يكون فيه ذكر الأعداء المبغضين. # والمدائح إنما تنبغى على ذكر أفعال الأولياء والأصدقاء. وأما عدو العدو ~~أو صديق الصديق فليس يذكر: لا فى المدح ولا فى الذم، إذ كان لا صديقا ولا عدوا. # قال: وينبغى أن تكون الخرافة المخيفة المحزنة مخرجها مخرج ما يقع تحت ~~البصر — # — يريد : من وقوع التصديق بها، لأنه إذا كانت الخرافة مشكوكا فيها أو ~~أخرجت مخرج مشكوك فيها، لم تفعل الفعل المقصود بها. وذلك أن ما لا يصدقه ms16 ~~المرء فهو لا يفزع منه ولا يشفق له. وهذا الذى ذكر هو السبب فى أن كثيرا من ~~الذين لا يصدقون بالقصص الشرعى يصيرون أراذل، لأن الناس إنما يتحركون ~~بالطبع لأحد قولين: إما قول برهانى، وإما قول ليس 〈ب〉برهانى. وهذا الصنف ~~الخسيس من الناس قد عدم التحرك عن هذين القولين. PageV01P219 # قال: ومن الشعراء من يدخل فى المدائح محاكاة أشياء يقصد بها التعجب فقط ~~من غير أن تكون مخيفة ولا محزنة. — وأنت تجد مثل هذه الأشياء كلها كثيرا فى ~~المكتوبات الشرعية، إذ كانت مدائح الفضائل ليس توجد فى أشعار العرب، وإنما ~~توجد فى زماننا هذا فى السنن المكتوبة. # قال: وهذا الفعل ليس فيه مشاركة لصناعة المديح بوجه من الوجوه. وذلك أنه ~~ليس يقصد من صناعة الشعر أى لذة اتفقت، لكن إنما يقصد بها حصول الالتذاذ ~~بتخييل الفضائل، وهى اللذة المناسبة لصناعة المديح. # قال: وهو معلوم: ما هى الأشياء التى تفعل اللذات بمحاكاتها من غير أن ~~يلحق عن ذلك حزن ولا خوف. وأما الأشياء التى تلحق مع الالتذاذ بمحاكاتها ~~الرحمة والخوف، فانما يقدر الإنسان على ذلك إذا التمس أى الأشياء هى الصعبة ~~من النوائب التى تنوب، وأى الأشياء هى اليسيرة الهيئة التى ليس يلحق عنها ~~كبير حزن ولا خوف. وأمثال هذه الأشياء هى ما ينزل بالأصدقاء بعضهم من بعض ~~من قبل الإرادة من الرزايا والمصائب، لا ما ينزل بالأعداء بعضهم من بعض. ~~فان الإنسان ليس يحزن ولا يشفق لما ينزل من السوء بالعدو من عدوه، كما يحزن ~~ويخاف من السوء النازل بالصديق من صديقه. وإن كان قد يلحق عن ذلك ألم، فليس ~~يلحق مثل الألم الذى يلحق من السوء الذى ينزل من المحبين بعضهم ببعض، مثل ~~قتل الإخوة بعضهم بعضا أو قتل الآباء الأبناء أو الأبناء الآباء. # ولهذا الذى ذكره كان قصص ابراهيم — عليه السلام — فيما أمر به فى ابنه فى ~~غاية الأقاويل الموجبة للحزن والخوف. # قال: والمدح إنما ينبغى أن يكون بالأفعال الفاضلة التى تصدر عن إرادة ~~وعلم. ومنها ما يفعل عن ms17 علم لا عن إرادة، أو عن إرادة ولا علم. وكذلك ~~الأفعال منها ما يكون لمن يعرف ولمن لا يعرف. فالفعل إذا صدر من غير معرفة ~~ولا إرادة، فليس يدخل فى باب المديح. وكذلك إذا كان صادرا من غير معروف ~~لأنه يكون حينئذ فى الأكذوبات أدخل منه فى الشعر ولا يجب أن يحاكى. PageV01P220 # وأما الأفعال التى لا يشك أنها صدرت عن إرادة ومعرفة وعن معروفين، فما ~~أحسن الاستدلال الذى يكون فى هذه الأفعال! # قال: فأما فى حسن قوام الأمور التى تركب منها الأشعار، وكيف ينبغى أن ~~يكون تركيبها، فقد قلنا فى ذلك قولا كافيا. فأما أى العادات هى العادات ~~التى ينبغى أن تحاكى فى المدح، فقد يجب أن نقول فيها فنقول: إن العادات ~~التى تحاكى عند المدح الجيد، أعنى الذى يحسن موقعها من السامعين، أربعة: ~~إحداها العادات التى هى خيرة وفاضلة فى ذلك الممدوح. فان الذى يؤثر فى ~~النفس هو محاكاة الأشياء الحق الموجودة فى ذلك الممدوح. وكل جنس ففيه خير ~~ما، وإن كان فيه أشياء ليست خيرا. # والثانية أن تكون العادات من التى تليق بالممدوح وتصلح له. وذلك أن ~~العادات التى تليق بالمرأة ليست تليق بالرجل؛ # والثالثة أن تكون من العادات الموجودة فيه على أتم ما يمكن أن توجد فيه ~~من الشبه والموافقة؛ # والرابعة أن تكون معتدلة متوسطة بين الأطراف. وإنما كان ذلك كذلك لأن ~~العوائد الرذلة ليس مما يمدح بها، وكذلك العوائد التى لا تليق بالممدوح وإن ~~كانت جيادا، وكذلك العوائد اللائقة إذا لم توجد على أتم ما يمكن فيها من ~~المشابهة، أو لم توجد مستوفاة، والعوائد التى هى خير وتدل على الخلق الخير ~~الفاضل: منها ما هى كذلك فى الحقيقة، ومنها ما هى كذلك فى المشهور، ومنها ~~ما هى شبيهة بهذين. والعوائد الجياد: إما حقيقية، وإما شبيهة بالحقيقية؛ ~~وإما مشهورة أو شبيهة بالمشهورة. وكل هذه تدخل فى المدح. # قال: ويجب أن تكون خواتم الأشعار والقصائد تدل باجمال على ما تقدم ذكره ~~من العوائد التى وقع المدح بها، كالحال ms18 فى خواتم الخطب، وأن يكون الشاعر لا ~~يورد فى شعره من المحاكاة الخارجة عن القول إلا بقدر ما يحتمله المخاطبون ~~من ذلك حتى لا ينسب فى ذلك إلى الغلو والخروج عن طريقة الشعر ولا إلى ~~التقصير. PageV01P221 # قال: والتشبيه والمحاكاة هى مدائح الأشياء التى فى غاية الفضيلة. فكما أن ~~المصور الحاذق يصور الشىء بحسب ما هو عليه فى الوجود، حتى إنهم قد يصورون ~~الغضاب والكسالى، مع أنها صفات نفسانية، كذلك يجب أن يكون الشاعر فى ~~محاكاته يصور كل شىء ٮحسب ما هو عليه حتى يحاكى الأخلاق وأحوال النفس. وذكر ~~مثال ذلك فى شعر لأوميروش قاله فى صفة قضية عرضت لرجل. # ومن هذا النحو من التخييل — أعنى الذى يحاكى حال النفس — قول أبى الطيب ~~يصف رسول الروم الواصل إلى سيف الدولة: # أتاك يكاد الرأس يجحد عنقه وتنقد تحت الذعر منه المفاصل # يقوم تقويم السماطين مشيه إليك إذا ما عوجته الأفاكل # قال: ويجب على الشاعر أن يلزم فى تخيلاته ومحاكياته الأشياء التى جرت ~~العادة باستعمالها فى التشبيه، وألا يتعدى فى ذلك طريقة الشعر. # قال: وأنواع الاستدلالات التى تجرى هذا المجرى، أعنى المحاكاة الجارية ~~مجرى الجودة على الطريق الصناعى، أنواع كثيرة: فمنها أن تكون المحاكاة ~~لأشياء محسوسة بأشياء محسوسة من شأنها أن توقع الشك لمن ينظر إليها وتوهم ~~أنها هى لاشتراكها فى أحوال محسوسة — وذلك مثل تسميتهم لبعض صور الكواكب ~~«سرطانا» ولبعضها «ممسك الحربة» لأنها من جهة الشكل يمكن أن يتوهم متوهم ~~أنها هى هى. # وجل تشبيهات العرب راجعة إلى هذا الموضع، ولذلك كانت حروف التشبيه عندهم ~~تقتضى الشك. وكلما كانت هذه المتوهمات أقرب إلى وقوع الشك كانت أتم تشبيها. ~~وكلما كانت أبعد من وقوع الشك، كانت أنقص PageV01P222 تشبها — وهذه هى ~~المحاكاة البعيدة، وينبغى أن تطرح؛ وذلك مثل قول امرئ القيس فى الفرس: # ... كأنها هراوة منوال # ومثل قوله: # إذا أقبلت قلت: دباءة من الخضر مغموسة فى الغدر # وإن أدبرت قلت: أثفية ململمة ليس فيها أثر # وإن كان هذا أقرب من الأول، لأن فيه مقابلة ms19 ما. # ومنها أن تكون المحاكاة لأمور معنوية بأمور محسوسة إذا كان لتلك الأمور ~~أفعال مناسبة لتلك المعانى حتى توهم أنها هى، مثل قولهم فى المنة إنها: طوق ~~العنق، وفى الإحسان: قيد، كما قال أبو الطيب: # ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا # وهذا كثير فى أشعار العرب، ومنه قول امرئ القيس: # ... قيد الأوابد هيكل PageV01P223 # وما كان من هذه أيضا غير مناسب ولا شبيه فينبغى أن يطرح. وهذا كثيرا ما ~~يوجد فى أشعار المحدثين، وبخاصة فى شعر أبى تمام، مثل قوله: # لا تسقنى ماء الملام ... # فان الماء غير مناسب للملام. وأسخف من هذا قوله: # كشب الموت رائبا وحليبا # وكما أن البعيد الوجود ها هنا مطرح، كذلك ينبغى أن يكون التشبيه بالخسيس ~~الوجود مطرحا أيضا، وأن يكون التشبيه بالأشياء الفاضلة. فمثال تشبيه الشريف ~~بالخسيس قول الراجز: # والشمس مائلة ولما تفعل فكأنها فى الأفق عين الاحول # وكما قال بعض الشعراء يمدح سيف الدولة: # وقد علم الروم الشقيون أنهم ستلقاهم يوما وتلقى الدمستقا # وكانوا كفار وشوشوا خلف حائط وكنت كسنور عليهم تسلقا # قال: وهناك نوع آخر من الشعر، وهى الأشعار التى هى فى باب التصديق ~~والإقناع أدخل منها فى باب التخييل، وهى أقرب إلى المثالات الخطبية منها ~~إلى المحاكاة الشعرية. # وهذا الحنس الذى ذكره من الشعر هو كثير فى شعر أبى الطيب، مثل قوله: # ليس التكحل فى العينين كالكحل PageV01P224 # وقوله: # فى طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل # ومن أحسن ما فى هذا المعنى قول أبى فراس: # ونحن أناس لا توسط عندنا لنا الصدر دون العالمين أو القبر # تهون علينا فى المعالى نفوسنا ومن خطب الحسناء لم يغله المهر # قال: والنوع الثالث من المحاكاة هى المحاكاة التى تقع بالتذكر. وذلك أن ~~يورد الشاعر شيئا يتذكر به شىء آخر، مثل أن يرى إنسان خط إنسان فيتذكره ~~فيحزن عليه إن كان ميتا، أو يتشوق إليه إن كان حيا. # وهذا موجود فى أشعار العرب كثيرا مثل قول متمم بن نويره: # وقالوا: أتبكى كل قبر رأيته لقبر ثوى بين اللوى والدكادك؟ ms20 # فقلت لهم: إن الأسى يبعث الأسى دعونى! فهذا كله قبر مالك # ومنه قول قيس المجنون: # وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى فهيج أحزان الفؤاد وما يدرى # دعا باسم ليلى غيرها، فكأنما أطار بليلى طائرا كان فى صدرى # ومن هذا النوع قول الخنساء: # يذكرنى طلوع الشمس صخرا وأذكره لكل غروب شمس PageV01P225 ~~وقول الهذلى: # أبالصبر أنى لا يزال يهيجنى مبيت لنا فيها مضى ومقيل # وأنى إذا ما الصبح آنست ضوءه يعاودنى جنح على ثقيل # وهذا النوع كثير فى أشعار العرب. ومن هذا الموضع تذكرها الأحبة بالديار ~~والأطلال، كما قال: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # ويقرب من هذا الموضع ما جرت به عادة العرب من تذكر الأحبة بالخيال ~~وإقامته مقام المتخيل كما قال شاعرهم: # وإنى لأستغشى وما بى نعسة لعل خيالا منك يلقى خياليا # وأخرج من بين البيوت لعلنى أحدث عنك النفس فى السر خاليا # وتصرف العرب والمحدثين فى الخيال متفنن، وأنحاء استعمالهم له كثير. ولذلك ~~يشبه أن يكون من المواضع الشعرية الخاصة بالنسيب. وقد يدخل فى الرثاء كما ~~قال البحنرى: # خلا ناظرى من طيفه بعد شخصه فيا عجبا للدهر: فقد على فقد! # قال: وأما النوع الرابع من المحاكاة فهو أن يذكر أن شخصا ما شبيه بشخص من ~~ذلك النوع بعينه. PageV01P226 # وهذا التشبيه لا يكون إلا فى الخلق أو الخلق، مثل قول القائل: «جاء شبيه ~~يوسف»، و«لم يأت إلا فلان». ومن هذا قول امرئ القيس: # وتعرف فيه من أبيه شمائلا # والتصريح بالشبيه خلاف التشبيه. فان التشبيه هو إيقاع شك، والتصريح ~~بالشبيه بين اثنين هو تحقيق لوجود الشبه، وهو الغاية فى مطابقة التخييل، ~~أعنى إذا قيل: شبيه فلان. # قال: والنوع الخامس هو الذى يستعمله السوفسطائيون من الشعراء، وهو الغلو ~~الكاذب. # وهذا كثير فى أشعار العرب والمحدثين، مثل قول النابغة: # تقد السلوقى المضاعف نسجه وتوقد بالصفاح نار الحباحب # وقول الآخر: # فلولا الريح أسمع من بحجر صليل البيض تقرع بالذكور # وهذا كله كذب. ومن هذا قول أبى الطيب: # عدوك مذموم بكل لسان ولو كان ms21 من أعدائك القمران # وقوله فى هذه القصيدة: # لو الفلك الدوار أبغضت سيره لعوقه شىء عن الدوران PageV01P227 # ومن هذا الباب قول امرئ القيس: # من القاصرات الطرف لو دب محول من الذر فوق الإتب منها لأثرا # وهذا كثير موجود فى أشعار العرب، وليس نجد فى «الكتاب العزيز» منه شيئا، ~~إذ كان يتنزل من هذا الجنس من القول، أعنى الشعر، منزلة الكلام السوفسطائى ~~من البرهان. ولكن قد يوجد للمطبوع من الشعراء منه شىء محمود مثل قول ~~المتنبى: # وأنى اهتدى هذا الرسول بأرضه وما سكنت، مذ سرت فيها، القساطل! # ومن أى ماء كان يسقى جياده ولم تصف من مزج الدماء المناهل؟! # وقوله: # لبسن الوشى لا متجملات ولكن كى يصن به الجمالا # وضفرن الغدائر لا لحسن ولكن خفن فى الشعر الضلالا # وها هنا موضع سادس مشهور يستعمله العرب، وهو إقامة الجمادات مقام ~~الناطقين فى مخاطبتهم ومراجعتهم إذا كانت فيها أحوال تدل على النطق مثل قول ~~الشاعر: # وأجهشت للثوبان لما رأيته وكبر للرحمن حين رآنى # فقلت له: أين الذين عهدتهم حواليك فى أمن وخفض زمان؟! # فقال: مضوا واستودعونى بلادهم ومن ذا الذى يبقى على الحدثان؟! PageV01P228 ~~ومن هذا الباب مخاطبتهم الديار والأطلال ومجاوبتها لهم كقول ذى الرمة: # وقفت على ربع لمية ناقتى فما زلت أبكى عنده وأخاطبه # وأسقيه حتى كاد مما أبثه تكلمنى أحجاره وملاعبه # وقول عنترة: # أعياك رسم الدار لم يتكلم حتى تكلم كالأصم الأعجم # يا دار عبلة بالجواء تكلمى وعمى صباحا دار عبلة واسلمى # إلى غير ذلك مما يشبه هذا مما هو كثير فى أشعارهم. # وقد ذكر هذا الموضع فى كتاب «الخطابة» وذكر أن أوميرش كان يعتمده كثيرا. # قال: والاستدلال الفاضل والإدارة إنما تكون للأفعال الإرادية، وأكثر ما ~~يوجد هذا النوع من الاستدلال فى «الكتاب العزيز»، أعنى فى مدح الأفعال ~~الفاضلة وذم الأفعال الغير فاضلة. وهو قليل فى أشعار العرب. ومثال الإدارة ~~فى المدح قوله تعالى: «ضرب الله ... كلمة طيبة...» إلى قوله: «... مالها من ~~قرار». ومثال الاستدلال قوله تعالى: «كمثل حبة أنبتت سبع سنابل» الآية. ms22 ~~ولكون أشعار العرب خلية من مدائح الأفعال الفاضلة وذم النقائص أنحى الكتاب ~~العزيز عليهم واستثنى منهم من ضرب قوله إلى هذا الجنس. # قال: وإجادة القصص الشعرى والبلوغ به إلى غاية التمام إنما يكون متى بلغ ~~الشاعر من وصف الشىء أو القضية الواقعة إلى يصفها مبلغا يرى السامعين له ~~كأنه محسوس ومنظور إليه، ويكون مع هذا ضده غير ذاهب عليهم من ذلك الوصف. ~~وهذا يوجد كثيرا فى شعر الفحول والمفلقين من الشعراء، لكن إنما PageV01P229 ~~يوجد هذا النحو من التخييل للعرب إما فى أفعال غير عفيفة، وإما فيما القصد ~~منه مطابقة التخييل فقط. فمثال ما ورد من ذلك فى الفجور قول امرئ القيس: # سموت إليها بعد ما نام أهلها سمو حباب الماء حالا على حال # فقالت: سباك الله! إنك فاضحى! ألست ترى السمار والناس أحوالى!؟ # فقلت: يمين الله! أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى # ومثال ما ورد من ذلك مما القصد به مطابقة التشبيه فقط قول ذى الرمة يصف النار: # وسقط كعين الديك عاورت صحبتى أباها وهيأنا لموقعها وكرا # فقلت له: ارفعها إليك وأحيها بروحك، واقتته لها قيتة قدرا # وظاهر لها من يابس الشخت واستعن عليها الصبا، واجعل يديك لها سترا # وقد يوجد ذلك فى أشعارهم فى وصف الأحوال الواقعة مثل الحروب وغير ذلك مما ~~يتمدحون به. والمتنبى أفضل من يوجد له هذا الصنف من التخييل، وذلك كثير فى ~~أشعاره؛ ولذلك يحكى عنه أنه كان لا يريد أن يصف الوقائع التى لم يشهدها مع ~~سيف الدولة. وإجادة هذا النوع من التشبيه يتأتى بأن يحصل للإنسان أولا جميع ~~المعانى التى فى الشىء الذى يقصد وصفه، ثم يركب على تلك المعانى الأجزاء ~~الثلاثة من أجزاء الشعر، أعنى التخييل والوزن واللحن. # قال: وتعديد مواضع الاستدلالات مما يطول. — وإنما أشار بذلك إلى كثرتها ~~واختلاف الأمم فيها. PageV01P230 # قال: وكل مديح فمنه ما فيه رباط بين أجزائه، ومنه ما فيه حل. ويشبه أن ~~يكون أقرب الأشياء شبها بالرباط الموجود فى أشعارهم هو الجزء الذى يسمى ~~عندنا الاستطراد، ms23 وهو ربط جزء النسيب، وبالجملة: صدر القصيدة، بالجزء ~~المديحى. والحل تفصيل الجزئين أحدهما من الآخر، أى يؤتى بهما مفصلا. وأكثر ~~ما يوجد الرباط فى أشعار المحدثين، وذلك مثل قول أبى تمام: # عامى وعام العيس بين وديقة مسجورة وتنوفة صيخود # حتى أغادر كل يوم بالفلى للطير عيدا من بنات العيد # هيهات منها روضة محمودة حتى تناج بأحمد المحمود # وكقول أبى الطيب: # مرت بنا بين تربيها فقلت لها من أين جانس هذا السادن العربا؟ # فاستضحكت ثم قالت كالمغيث: يرى ليث الشرى وهو من عجل إذا انتسبا # وأما الحال فهو موجود كثيرا فى أشعار العرب مثل قول زهير: # دع ذا وعد القول فى هرم PageV01P231 # قال: وأنواع المدائح أربعة: ثلاثة منها بسيطة، وهى التى تقدمت: أحدها ~~الإدارة، والثانى الاستدلال، والثالث الانفعال. # قال: مثل ما يقال فى أهل الجحيم فان هذه محزنة مفزعة. # والرابع المركب من هذه: إما من ثلاثتها، وإما من اثنين منها. # وينبغى أن تعلم أن أمثال أنواع هذه المدائح الأربعة للفعل الإرادى الفاضل ~~غير موجودة فى أشعار العرب، وإنما هى موجودة فى «الكتاب العزيز» كثيرا. # قال: ومن الشعراء من يجيد القول فى القصائد المطولة، ومنهم من يجيد ~~الأشعار القصار والقصائد القصيرة — وهى التى تسمى عندنا المقطعات. والسبب ~~فى ذلك أنه لما كان الشاعر المجيد هو الذى يصف كل شىء بخواصه وعلى كنهه، ~~وكانت هذه الأشياء تختلف بالكثرة والقلة فى شىء شىء من الأشياء الموصوفة — ~~وجب أن يكون التخييل الفاضل هو الذى لا يتجاوز خواص الشىء ولا حقيقتها. فمن ~~الناس من لقد اعتاد، أو من فطرته معدة نحو تخييل الأشياء القليلة الخواص. ~~فهؤلاء تجود أشعارهم فى المقطعات ولا تجود فى القصائد. ومن الشعراء من هو ~~على ضد هؤلاء، وهم المقصدون كالمتنبى وحبيب، وهم الذين اعتادوا القول فى ~~الأشياء الكثيرة الخواص، أو هم بفطرهم معدون لمحاكاتها، أو اجتمع لهم ~~الأمران جميعا. # قال: ومن التخييلات والمعانى ما يناسب الأوزان الطويلة، ومنها ما يناسب ~~القصيرة. وربما كان الوزن مناسبا للمعنى غير مناسب للتخييل، وربما كان ~~الأمر ms24 بالعكس، وربما كان غير مناسب لكليهما. # وأمثلة هذه مما يعسر وجودها فى أشعار العرب، أو تكون غير موجودة فيها، إذ ~~أعاريضهم قليلة القدر. # قال: وقد يضاف إلى الأشياء التى بها قوام الأشعار أمور من خارج، وهى ~~الهيئات التى تكون فى صوت الشاعر وصورته على ما تقدم. وأكثر ما توجد هذه من ~~الشعراء المستعملين لها فى الأشعار الانفعالية، مثل التى تقال فى أهل ~~الجحيم وغيرهم. ولما كنا قد قلنا فى الأشياء التى تتقوم بها الأشعار التى ~~PageV01P232 هى أجزاؤها بالحقيقة، فقد ينبغى أن نقول فى هذه أيضا، فنقول: ~~إن هذه الأفعال بالجملة هى التى تدل عليها الأقوال التى تسمى الانفعالية، ~~ولذلك ينبغى إذا استعملت هذه أن تستعمل مع هذه الأقاويل. وذلك أن هذه ترى ~~الانفعال الذى يقصد بالقول تثبيته كأنه قد وقع واستيقن. وقد تقدم لك فى ~~كتاب «الخطابة» الأقاويل الانفعالية الخطبية وضروب الانفعالات التى تفعلها ~~هذه الأقاويل. ولذلك كانت هذه الأفعال أخص بكتاب «الخطابة» منها بكتاب ~~«الشعر». # والانفعالات التى تثبت بالقول الخطبى أو الشعرى هى: الخوف والغضب والرحمة ~~والتعظيم، وسائر الأشياء التى عددت فى كتاب «الخطابة». وهو ظاهر أنه كما أن ~~ها هنا أقوالا توجب هذه الانفعالات، كذلك ها هنا هيئات وأشكال تدل من ~~المتكلم على حضور الأشياء التى توجب هذه الانفعالات، وأنها قد وقعت لوقوع ~~الأشياء الفاعلة لها فينفعل لذلك الناظر لها. # فهذه الصور والهيئات إنما ينبغى أن تستعمل فى الشعر إن استعملت مع ~~الأقاويل الانفعالية الشعرية، وذلك: إما فى التعظيم، وإما فى التصغير، وإما ~~فى الأشياء المحزنة المخوفة — إذ كانت هذه الأشياء هى التى تستعمل صناعة ~~المديح من الأقاويل الانفعالية على ما سلف. وإنما تستعمل هذه مع الأقاويل ~~الانفعالية التى ليست صادقة، أعنى التى ليست هى ظاهرة التخييل. وأما ~~الأقاويل الانفعالية التى هى ظاهرة التخييل ومناسبة للغرض المقول فيه وهى ~~حق، فليس يحناج أن تستعمل فيها هذه الأمور التى من خارج فانها تهجنها إذ ~~كانت هذه إنما تستعمل فى الأقاويل التى تضعف أن تفعل ما قصد بها إلا ~~باقتران ms25 هذه الأشياء بها، وهى الأقاويل الشعرية. فان القائل من الفقهاء ~~لعبد الرحمن الناصر بمحضر الملأ من أهل قرطبة يحرضه على حسداى اليهودى: # إن الذى شرفت من أجله يزعم هذا أنه كاذب # لم يحتج فى إغضاب الناصر عليه إلى أكثر من هذا القول، وإن كان لم يخرج عن ~~سمته وهيئته لكون هذا القول حقا. فلذلك لا ينبغى للشاعر أن PageV01P233 ~~يستعملها، إذ كانت ليست إنما هى فضل فقط، بل وقد تهجن القول والقائل إذا ~~كان بالسمت والوقار. # قال: وقد يكتفى الشاعر من هذه باستعمال الأشكال الخاصة بصنف صنف من أصناف ~~الأقاويل. وذلك إذا اضطر إلى ذلك مع الذين يستعملون الأخذ بالوجوه. وأعنى ~~بأشكال القول: شكل الخبر، وشكل السؤال، وشكل الأمر، وشكل التضرع. وذلك أن ~~شكل المخبر غير شكل السائل، وشكل الأمر غير شكل الطالب أو المتضرع. فالشاعر ~~قد يكتفى بأشكال الأقاويل عن سائر الأشياء التى من خارج، فان تلك، إذ كان ~~من شأنها تهجين الأقاويل الشعرية، فليس ينبغى أن تجعل جزءا من صناعة الشعر، ~~وإنما ينبغى أن تجعل جزءا من صناعة أخرى. ### | [chapter 7] فصل # قال: واسطقسات الأقاويل التى ينحل إليها كل كلام شعرى هى سبعة: المقطع، ~~والرباط، والفاصلة، والاسم، والكلمة، والتصريف، والقول. واسطقسات المقاطع ~~هى أشياء غير منقسمة، أعنى الحروف، لكن ليس كلها، لكن ما كان منها من شأنه ~~أن تتركب منه المقاطع التى هى أبسط ما ينطق بها. وذلك أن أصوات البهائم هى ~~غير منقسمة إلى حروف، ولذلك ما نقول: إنه ولا صوت واحد منها هو مركب من ~~حروف، ولا جزء واحد من أصواتها أيضا هو حرف. وأما هذا الصوت الذى هو المقطع ~~فأجزاؤه: الحرف المصوت، والحرف غير المصوت. وهذا قسمان: أحدهما ما لا يقبل ~~المد ألبتة، مثل الطاء والتاء؛ والآخر ما يقبل المد، مثل الراء والسين، وهو ~~الذى يسمى نصف مصوت. والمصوت هو الذى يحدث عن القرع الذى يكون من الشفتين ~~أو الأسنان أو غير ذلك من أجزاء الحلق، وهو صوت مركب غير مفصل، أعنى أنه ~~ليس يمكن أن يفصل ms26 بالنطق من الحرف الغير مسموع. وهذه الحروف، أعنى المصوتة، ~~هى التى تسمى عندنا حركات وحروف المد PageV01P234 واللين. وأما الحرف الذى ~~هو نصف مصوت فهو الذى يكون له مع القرع، أعنى الحرف المصوت، امتداد ما، ~~وليس له على انفراده صوت مسموع. وأما الحرف الغير مصوت فهو الذى يكون مع ~~الحرف المصوت، أعنى الحادث عن القرع، وليس له على انفراده صوت مسموع مثل ما ~~للحرف المصوت، أعنى أن له صوتا مسموعا إذا ركب مع غيره، وهو غير المصوت. ~~وإنما يكون للحروف الغير مصوتة صوت إذا قرنت بالتى لها صوت، مثل: أل وأب، ~~وهى التى تعرف عندنا بالحروف الساكنة والمجزومة. وهذه الحروف تختلف بحسب ~~اختلاف أشكال الفم والمواضع التى تتصل بها وتنفصل عنها، وبالطول أيضا ~~والقصر، وبالحدة والثقل، وبالجملة بجميع الأطراف التى فى الأصوات ~~والمتوسطات بينها التى تستعمل فى الألحان والأوزان. # وأما المقطع فهو صوت دال مركب من حرف مصوت، ومن حرف غير مصوت. # وهذا الذى قاله فى أمر الحروف صحيح، وذلك أن الذى تدل عليه الحاء أو ~~الميم ليس يمكن أن ينطق به مفردا، وكذلك ما تدل عليه الفتحة والضمة؛ وإنما ~~يحدث الصوت بمجموعها، إلا أن وجوده هو لما تدل عليه الفتحة أولا، ولما توجد ~~فيه الفتحة ثانيا. # وبالجملة، فينبغى أن تعلم أن الصوت يحدث من شيئين: أحدهما ما ينزل منه ~~منزلة المادة، وهو الذى يسمى حرفا غير مصوت، والثانى منزلة الصورة، وهو ~~الذى يسمى حرفا مصوتا ويسميه أهل لساننا الحركات وحروف المد واللين. # قال: وأما الرباط فهو صوت مركب، غير دال مفردا، وذلك بمنزلة الواو ~~العاطفة وثم، وهى بالجملة الحروف التى تربط الكلام بعضه ببعض، وذلك إما ~~بوقوعها فى أول الكلام، مثل «أما» المفتوحة؛ وإما حروف الشرط الذى يدل على ~~الاتصال، مثل «أو» و«متى». # قال: وأما الفاصلة فهى أيضا صوت مركب غير دال مفردا، وهى بالجملة الحروف ~~التى تفصل قولا من قول، مثل «إما» المكسورة و«إلا» وحروف الاستثناء و«بل» ~~و«لكن» وما أشبه ذلك. وهى توضع إما فى PageV01P235 ابتداء القول، وإما فى ms27 ~~آخره. ونعنى ها هنا بقولنا: «صوت غير دال بافراده» الأصوات البسيطة التى ~~تدل بالتركيب، أعنى إذا ركبت مع غيرها، وهى الحروف، أعنى حروف المعانى، لا ~~حروف المعجم، لأن الأصوات الدالة بانفرادها المركبة من أصوات كثيرة: إما ~~ثلاثية، وإما رباعية، وإما غير ذلك من أشكالها هى الاسم والفعل. وأما الاسم ~~فهو صوت أو لفظة تدل بانفرادها على معنى خلو من الزمان ولا يدل جزؤه على ~~جزء من المعنى إذا أفرد. وهذا عام للأسماء البسيطة والمركبة. فان الأسماء ~~المركبة من اسمين ليس تستعمل على أن كل واحد من أجزائها يدل على جزء من ~~المعنى الذى يدل عليه مجموع الاسمين، مثل: «عبد الملك» إذا سمى به رجل، و ~~«عيد القيس». وأما الكلمة فهى صوت دال، أو لفظة دالة على معنى وعلى زمان ~~ذلك المعنى، وليس أيضا يدل جزؤها على انفراده على جزء من ذلك المعنى كالحال ~~فى أجزاء الاسم. وبكون الكلمة دالة على زمان المعنى تفارق الاسم: فان ~~الإنسان والأبيض ليس يدلان على الزمان؛ وأما «مشى» و«يمشى» فيدلان على ~~الزمان الماضى والحاضر. # قال: وأما التصريف فهو للاسم والقول والكلمة. فالاسم المصرف هو الاسم ~~المضاف، وأعنى بالمضاف المنسوب إلى شىء بمنزلة الأسماء التى تسمى المنصوبة ~~فى لسان العرب، أو المخفوضة. والقول المصرف بمنزلة الأمر والسؤال. وأما ~~الكلمة المصرفة فهى التى تدل على الماضى أو المستقبل؛ والغير مصرفة هى التى ~~تدل على الحال. وهذا خاص بلسانهم. # وأما القول فهو لفظ مركب دال، كل واحد من أجزائه يدل على انفراده. والقول ~~المركب يقال فيه إنه واحد على ضربين: أحدهما إذا دل على معنى واحد، مثل أن ~~هذا الإنسان حيوان؛ والثانى ما كان واحدا من قبل الرباطات التى تربطه ~~بمنزلة ما تقول: قصيدة واحدة وخطبة واحدة. # قال: والأسماء صنفان: إما بسيط، وهو الذى ليس هو مركبا من أسماء تدل؛ ~~وإما مضاعف، وهو الذى يركب من أسماء تدل، وإن كان من حيث يقصد به تسمية شىء ~~واحد لا تدل تلك الأسماء التى ركب منها مثل: عبد شمس، وعبد ms28 القيس. PageV01P236 # قال: وكل اسم فهو: إما حقيقى، وإما دخيل فى اللسان، وإما منقول نادر ~~الاستعمال، وإما مزين، وإما معمول، وإما معقول، وإما مفارق، وإما مغير. ~~فالحقيقى هو الاسم الذى يكون خاصا بأمة أمة. والدخيل هو الذى يكون لأمة ~~أخرى فيدخله الشاعر فى شعره، وذلك مثل: الاستبرق والمشكاة وغير ذلك من ~~الأسماء الأعجمية الدخيلة فى لسان العرب. وأما الاسم النادر المنقول فهو ~~نقل اسم غريب: إما من النوع إلى الجنس مثل تسمية القتل موتا، وإما من الجنس ~~إلى النوع مثل تسمية النقلة حركة، وإما من نوع إلى نوع آخر مثل تسمية ~~الخيانة سرقة، وإما أن ينقل شىء منسوب إلى ثان إلى شىء ثالث منسوب إلى رابع ~~مثل نسبة الأول إلى الثانى، مثلما كان يسمى بعض القدماء الشيخوخة: «عشية ~~العمر»، ويسمى العشية : «شيخوخة النهار». وذلك أن نسبة الشيخوخة إلى العمر ~~نسبة العشية إلى النهار. # وأما الاسم المعمول المرتجل فهو الاسم الذى يخترعه الشاعر اختراعا ويكون ~~هو أول من استعمله. وهذا غير موجود فى أشعار العرب، وإنما يوجد ذلك فى ~~الصنائع الناشئة. وأكثر ما فى الصنائع هو منقول لا معمول مخترع. وربما ~~استعمله المحدثون من الشعراء على طريق الاستعارة، أعنى المنقول إلى ~~الصنائع. مثل قول أبى الطيب: # إذا كان ما تنويه فعلا مضارعا مضى، قبل أن تلقى عليه الجوازم # وربما استعملوا تصريفا لم يستعمل قبل، مثل قوله: # تفاوح مسك الغانيات ورنده # وأما المفارق والمعقول فليس يوجدان فى لسان العرب. والمزينة هى أسماء ~~كانت تجعل بعض أجزائها نغما فتزين بها. وقد قيل إنه يعنى بالمفارق الأسماء ~~المغيرة بالزيادة فيها والنقصان منها والحذف أو القلب. وقيل: بل يعنى بذلك ~~PageV01P237 الأسماء التى يعسر النطق بها. وظاهر كلامه أنه اسم كان يؤلف ~~عندهم من مقاطع محدودة. و〈أما〉 الاسم المعقول فانه فيما أحسب الذى سماه ~~المختلف، وظاهر كلامه أنه الاسم المحذوف بالنقصان، مثل الأسماء المرخمة ~~عندنا.وأما المغيرة فهى الأسماء المستعارة التى تستعار: إما من الشبيه، مثل ~~تسميتهم الكوكب «نسرا»؛ وإما من الضد مثل تسميتهم الشمس «جونة»؛ وإما من ms29 ~~اللازم مثل تسميتهم الشحم «ندا» والمطر «سماء». # قال: وأفضل القول فى التفهيم إنما هو القول المشهور المبتذل الذى لا يخفى ~~على أحد. وهذه اﻷقاويل إنما تؤلف من الأسماء المشهورة المبتذلة، وهى التى ~~سماها فيما قبل «الحقيقية»، وتسمى «المستولية» و«الأهلية». # قال: وذلك مثل شعر فلان وفلان لقوم مشهورين عندهم. # وينبغى أن نتفقد من الغالب على أشعاره هذا النوع من الألفاظ من شعراء العرب. # قال: و〈أما〉 الأقاويل العفيفة المديحية فهى الأقاويل التى تؤلف من ~~الأسماء المبتذلة ومن الأسماء الأخر، أعنى المنقولة الغريبة والمغيرة ~~واللغوية، لأنه متى تعرى الشعر كله من الألفاظ الحقيقية المستولية كان رمزا ~~ولغزا. ولذلك كانت الألغاز والرموز هى التى تؤلف من الأسماء الغريبة، أعنى ~~بالغريبة: المنقول، والمستعار، والمشترك، واللغوى، والرمز. — واللغز هو ~~القول الذى يشتمل على معان لا يمكن، أو يعسر، اتصال تلك المعانى الذى يشتمل ~~عليها بعضا ببعض حتى يطابق بذلك أحد الموجودات. ويكون: أما بحسب الألفاظ ~~المشهورة فاتصال تلك المعانى بعضها ببعض غير ممكن، وأما بحسب الألفاظ الغير ~~مشهورة فممكن. وذلك كثير فى شعر ذى الرمة من شعراء العرب. # وفضيلة القول الشعرى العفيفى أن يكون مؤلفا من الأسماء المستولية ومن تلك ~~الأنواع الأخر، ويكون الشاعر حيث يريد الإيضاح يأتى بالأسماء المستولية؛ ~~وحيث يريد التعجيب والإلذاذ يأتى بالصنف الآخر من الأسماء. ولذلك قد يتضاحك ~~بمن يريد الإيضاح فيأتى بالأسماء المشتركة أو الغريبة أو الألسن أو ~~المعمولات. ويتضاحك أيضا بمن يريد التعجيب والإلذاذ فيأتى بالأسماء ~~PageV01P238 المبتذلة. وكأن الشاعر يجب له ألا يفرط فى استعمال الأسماء ~~الغير مستولية فيخرج إلى حد الرمز، ولا أيضا يفرط فى الأسماء المستولية ~~فيخرج عن طريقة الشعر إلى الكلام المتعارف. # قال: وأما موافقة الألفاظ بعضها لبعض فى المقدار ومعادلة المعانى بعضها ~~لبعض وموازنتها، فأمر يجب أن يكون عاما ومشتركا لجميع الألفاظ التى هى ~~أجزاء القول الشعرى. وذلك أنا نجد الشعراء، وإن استعملوا الألفاظ الحقيقية ~~فى المواضع التى يهزأ بهم فى استعمالهم إياها، ليس يخلوا شعرهم من هذين ~~الأمرين، أعنى من الموازنة والموافقة فى المقدار. ولكن ms30 كان هذا عاما لجميع ~~أنواع الشعر. وأما الأشعار التى تأتلف من الأسماء المختلفة فوجود هذا ~~المعنى فيها أبين. وموافقة الألفاظ التى ذكر فى المقدار هى مقارنة بعضها ~~لبعض فى عدد الحروف. وإن وافقت مع هذا فى كل اللفظ، أو فى بعض اللفظ، فهو ~~الذى يعرف بالمطابقة والمجانسة عند أهل زماننا. والموافقة أنحاء. وذلك أنه ~~لا تخلو الموافقة أن تكون فى كل اللفظ وكل المعنى، وهذا مثل قول الشاعر: # لا أرى الموت يسبق الموت شىء # ومثل قولهم: «طويل النجاد، طويل العماد». أو يكون فى بعض اللفظ وبعض ~~المعنى، أو يكون فى بعض اللفظ وكل المعنى، أو يكون فى كل اللفظ وبعض ~~المعنى، أو يكون فى كل اللفظ فقط، أو يكون فى بعض اللفظ فقط، أو يكون فى كل ~~المعنى فقط، أو يكون فى بعض المعنى فقط. فمثال الموافقة فى بعض اللفظ وبعض ~~المعنى: الأسماء المشتقة من تصريف واحد، وذلك مثل قول المتنبى: PageV01P239 ~~على قدر أهل العزم تأتى العزائم وتأتى على قدر الكرام المكارم # ومثال الموافقة فى بعض اللفظ وكل المعنى قولهم: درهم ضرب الأمير، ومضروب ~~الأمير. ومثال عكس هذا، أعنى فى كل اللفظ وبعض المعنى: الأسماء المشككة؛ ~~والشعراء يستعملونها كثيرا. ومثال الموافقة فى كل اللفظ فقط الأسماء ~~المشتركة مثل قول المعرى: # معان من أحبتنا معان # ومثل قوله: # فزندك مغتال وطرفك مغتال # ومثال المتفقة فى بعض اللفظ فقط قول حبيب: # ما أنت عن ذهلية بذاهل # وقول أبى الطيب: # أقلب الطرف بين الخيل والخول # وهذا كله فى لغة العرب، مثل الضرب والضرب، والحمل والحمل، وأشرقت الشمس وشرقت. PageV01P240 # ومثال الموافقة فى كل المعنى فقط الأسماء المترادفة، مثل قوله: أقوى ~~واقفر. ومثال المتفقة فى بعض المعنى فقط الأسماء المختلفة التى تدل من ~~الشىء الواحد على جهات مختلفة مثل الصارم والذكر. والقوافى عند العرب هى ~~موافقة فى المقدار وفى بعض اللفظ: وذلك إما فى حرف واحد وهو الأخير، وإما ~~فى حرفين وهو الذى يعرفه المحدثون ب«اللزوم». # وأما الموازنة فى أجزاء القول فهى على أنحاء أربعة: أحدها ms31 أن يأتى بالشى، ~~وشبيهه، مثل الشمس والقمر؛ أو يأتى بالأضداد، مثل الليل والنهار؛ أو يأتى ~~بالشىء وما يستعمل فيه، مثل القوس والسهم والفرس واللجام؛ أو يأتى بالأشياء ~~المناسبة، مثل الملك والإله. وهذه المناسبة إنما تؤخذ من أربعة أشياء. ومن ~~هذا الباب عيب على الكميت: # تكامل فيها الدل والشنب # لأن الدل غير شبيه بالشنب. ومن هذا الباب قال بعضهم فى قول امرئ القيس: # كأنى لم أركب جوادا للذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبأ الزق الروى ولم أقل لخيلى: كرى كرة بعد إجفال # إنه غير مناسب، وإن التناسب فيه هو عكس ما فعل، أعنى أن يكون PageV01P241 ~~صدر البيت الأول صدر الثانى، وصدر الثانى صدر الأول. ومثل هذا قيل فى قول ~~أبى الطيب: # وقفت، وما فى الموت شك لواقف كأنك فى جفن الردى وهو نائم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم # إن التناسب فيه أن يكون صدر البيت الأول للثانى، وصدر الثانى للأول. وما ~~قوله أبو الطيب له وجه من التناسب، وكذلك ما قاله امرؤ القيس. # قال: والقول إنما يكون مختلفا، أى مغيرا عن القول الحقيقى من حيث توضع ~~فيه الأسماء متوافقة فى الموازنة والمقدار، وبالأسماء الغريبة، وبغير ذلك ~~من أنواع التغيير. وقد يستدل على أن القول الشعرى هو المغير أنه إذا غير ~~القول الحقيقى سمى شعرا أو قولا شعريا، ووجد له فعل الشعر، مثال ذلك قول ~~القائل: # ولما قضينا من منى كل حاجة ومسح بالأركان من هو ماسح # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطى الأباطح # إنما صار شعرا من قبل أنه استعمل قوله: «أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا، ~~وسالت بأعناق المطى الأباطح» بدل قوله: تحدثنا ومشينا. وكذلك قوله PageV01P242 ~~بعيدة مهوى القرط # إنما صار شعرا لأنه استعمل هذا القول بدل قوله: طويلة العنق. وكذلك قول الآخر: # يادار! أين ظباؤك اللعس؟ قد كان لى فى إنسها أنسى # إنما صار شعرا لأنه أقام الدار مقام الناطق بمخاطبتها، وأبدل لفظ النساء ~~بالظباء وأتى بموافقة الإنس والأنس فى اللفظ. # وأنت إذا تأملت ms32 الأشعار المحركة وجدتها بهذه الحال. وما عدا من هذه ~~التغييرات فليس فيه من معنى الشعرية إلا الوزن فقط. # والتغييرات تكون بالموازنة والموافقة والإبدال والتشبيه، وبالجملة: ~~بإخراج القول غير مخرج العادة، مثل: القلب والحذف والزيادة والنقصان ~~والتقديم والتأخير وتغيير القول من الإيجاب إلى السلب ومن السلب إلى ~~الإيجاب، — وبالجملة: من المقابل إلى المقابل، وبالجملة: بجميع الأنواع ~~التى تسمى عندنا مجازا. فالحذف مثل قوله تعالى: «واسأل القرية...» وقوله: ~~«ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى». والقلب ~~مثل قول القائل: فلان من أجل بنيه، لا بنوه من أجله؛ والسنة سبب الإنسان، ~~لا الإنسان سبب السنة. والتقديم والتأخير مثل قوله تعالى: «ولم يجعل له ~~عوجا قيما»، وقوله: «وإذ ابتلى ابرهيم ربه». والزيادة مثل قوله: «تنبت ~~بالدهن»، ومثل قوله تعالى: «ليس كمثله شىء»، ومثل قوله: PageV01P243 «ولا ~~طائر يطير بجناحيه». ومثال التغيير من الإيجاب إلى السلب قول القائل: «ما ~~فعله أحد إلا أنت» بدل قوله «أنت فعلته». ومن هذا المعنى قول النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب # فانه أوجب لهم الفضائل بنفى العيوب، واستثنى منها ما ليس بعيب، على جهة ~~تسمية الشىء باسم ضده. # ومن التغييرات اللذيذة جمع الأضداد فى شىء واحد، كقوله: # فيك الخصام، وأنت الخصم والحكم # وكون الضد سببا لضد كقوله تعالى :«ولكم فى القصاص حياة». وليس يخفى عليك ~~أنواعها البسيطة والمركبة المحصورة فى هذه الكليات. ويشبه أن يكون إحصاء ~~أنواعها الأخيرة عسيرا جدا. ولذلك اقتصر هنا على الكليات فقط. # والفاضل من هذه الأشياء هو أن يستعمل من كل واحد منها ما هو أبين وأظهر ~~وأشبه. وهذا لا يوجد إلا فى النادر من الشعراء. وذلك أن استعمال الأبين من ~~هذه الأشياء والأشبه هو دليل المهارة. وهذا الصنف هو الذى يجمع إلى جودة ~~الإفهام فعل الأقاويل الشعرية، أعنى تحريك النفس. مثال ذلك أن PageV01P244 ~~الإبدال إذا كان شديد الشبه أفاد جودة التخييل والإفهام معا. وربما عرض من ~~الإبدال المناسب قلة الفهم عند الفدم ms33 من السامعين، كما عرض فى قوله تعالى: ~~«حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود» — أن ظن بعضهم أنه الخيط ~~الحقيقى فنزلت: «من الفجر». # قال: والأسماء المركبة تصلح للوزن الذى يثنى فيه على الأخيار من غير ~~تعيين رجل واحد منهم. # وهذه الأسماء هى قليلة الوجود فى لسان العرب، وهى مثل قولهم: العبشمى — ~~المنسوب إلى عبد شمس. # وأما اللغات فتصلح للشعر الذى يذكر فيه أمر المعاد وما فيه من الأهوال. ~~وكان صنفا من الشعر عندهم معروفا. # وأما الأسماء الغريبة المنقولة فتختص بالأشعار التى تقال فى الأمثال ~~والحكم والقصص المشهورة. # قال: ففيما قلناه فى صناعة المديح وفى الأشياء المشتركة لأصناف الأشعار ~~من التشبيه وغير ذلك كفاية. والأشعار القصصية سبيلها، فى الأجزاء التى هى ~~المبدأ والوسط والنهاية، سبيل أجزاء صناعة المديح. وكذلك فى المحاكاة. إلا ~~أن المحاكاة ليس تكون للأفعال فيها، وإنما تكون للأزمنة الواقعة فيها تلك ~~الأفعال، وذلك أنه إنما يحاكى فى هذه كيف كانت أحوال المتقدم مع أحوال ~~المتأخر، وكيف تنقل الدول والممالك والأيام. # ومحاكاة هذا النوع من الوجود قليل فى لسان العرب، وهو كثير فى الكتب ~~الشرعية. وذكر مجيدين فى هذا الصنف من شعرائهم، وأثنى ثناءا عاما على ~~أوميرش. ومن جيد ما فى هذا المعنى للعرب قول الأسود ابن يعفر: PageV01P24 ~~5 # ماذا أؤمل بعد آل محرق؟ تركوا منازلهم، وبعد إياد # أرض الخورنق والسدير وبارق والقصر ذى الشرفات من سنداد # نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ماء الفرات يجىء من أطواد # جرت الرياح على محل ديارهم فكأنهم كانوا على ميعاد # فأرى النعيم وكل ما يلهى به يوما يصير إلى بلى ونفاد # قال: وأجزاء هذا النوع هى أجزاء صناعة المديح العفية من: الإدارة، ~~والاستدلال، والتركيب منهما. وربما كان بعض أجزائها انفعاليا كالحال فى ~~صناعة المديح وصنائع الشعر. # وأحكامها فى التلحين والغناء أحكام صناعة المديح. وذكر فروقا بين صناعة ~~المديح وبين صنائع الشعر الأخر عنهم، وخواص تختص بها تلك الأشعار الأخر فى ~~الأوزان والأجزاء والمحاكاة والقدر؛ وأن ها هنا أوزانا هى أليق ببعض ~~الأشعار من ms34 بعض. وذكر من أجاد من الشعراء فى هذه الأشياء ومن لم يجد. وأثنى ~~فى هذا كله على أوميرش. # وكل ذلك خاص بهم وغير موجود مثاله عندنا: إما لأن ذلك الذى ذكر غير مشترك ~~للأكثر من الأمم، وإما أنه عرض للعرب فى هذه الأشياء أمر خارج عن الطبع — ~~وهو أبين، فانه ما كان ليثبت فى كتابه هذا ما هو خاص بهم، بل ما هو مشترك ~~للأمم الطبيعية. # قال: وينبغى أن يكون ما يأتى به الشاعر من الكلام يسيرا بالإضافة إلى ~~الكلام المحاكى، كما كان يفعل أوميرش: فانه إنما كان يعمل صدرا يسيرا، ثم ~~يتخلص إلى ما يريد محاكاته من غير أن يأتى فى ذلك بشىء لم يعتد، لكن ما قد ~~اعتيد، فان غير المعتاد منكر. PageV01P246 # وإنما قال ذلك. فيما أحسب — لأن للأمم فى تشبيهاتهم عوائد خاصة مثل قول ~~امرئ القيس: # يهيل ويذرى تربها ويثيره إثارة نباث الهواجر مخمس # وكذلك تشبيههم الضب بالنون لمكان السراب الموجود فى بلادهم. ومن هذا قول ~~الله تعالى: «والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة». # قال: ومتى طال الكلام وليس فيه تغيير ولا محاكاة، فينبغى أن يعتنى فى ذلك ~~بايراد الألفاظ البينة الدلالة، وهى التى تدل على أشياء بأعيانها، لا على ~~أشياء متضادة أو مختلفة؛ ويكون تركيبها على المشهور عندهم، وتكون سهلة عند النطق. # ويشبه أن يكون هذا هو أكثر ما ينطلق عليه فى لسان العرب اسم: «الفصاحة»، ~~إلا أن يكون ذلك القول ظاهر الصدق ومشهورا. فان الصدق الذى يتضمنه يشفع لما ~~فيه من قلة الفصاحة وقلة التغيير والمحاكاة. # قال: والغلط الذى يقع فى الشعر ويجب على الشاعر توبيخه فيه ستة أصناف: # (أحدها) أن يحاكى بغير ممكن، بل ممتنع. ومثال هذا عندى قول ابن المعتز ~~يصف القمر فى تنقصه: # انظر إليه كزورق من فضة قد أثقلته حمولة من عنبر # فان هذا ممتنع. وإنما آنسه بذلك شدة الشبه، وأنه لم يقصد به حث ولا نهى، ~~بل إنما يجب أن يحاكى بما هو موجود أو يظن أنه موجود، مثل محاكاة الأشرار ms35 ~~بالشياطين، أو بما هو ممكن الوجود فى الأكثر، لا فى الأقل أو على التساوى، ~~فان هذا النوع من الموجود هو أليق بالخطابة منه بالشعر. PageV01P247 # والموضع (الثانى) من غلط الشاعر أن يحرف المحاكاة. وذلك مثلما يعرض ~~للمصور أن يزيد فى الصورة عضوا ليس فيها، أو يصوره فى غير المكان الذى هو ~~فيه، كمن يصور الرجلين فى مقدم الحيوان ذى الأربع، واليدين فى مؤخره. # وينبغى أن يتفقد مثال هذا فى أشعار العرب. وقريب منه عندى قول بعض ~~المحدثين الأندلسيين يصف الفرس: # وعلى أذنيه أذن ثالث من سنان السمهرى الأزرق # والموضع (الثالث) أن يحاكى الناطقين بأشياء غير ناطقة. فان هذا أيضا من ~~مواضع التوبيخ. وذلك أن الصدق فى هذه المحاكاة يكون قليلا والكذب كثيرا، ~~إلا أن يشبه من الناطق صفة مشتركة للناطق وغير الناطق. وقد تؤنس بمثل هذا ~~العادة، مثل تشبيه العرب النساء بالظباء وببقر الوحش. # والموضع (الرابع) أن يشبه الشىء بشبيه ضده أو بضد نفسه. وذلك مثل قول ~~العرب: «سقيمة الجفون» فى الحسنة الغاضة النظر. وقريب منه قولهم: # راحوا كأنهم مرضى من الكرم # وقول الآخر: # ومخرق عنه القميص تخاله وسط البيوت من الحياء سفيما PageV01P248 # فان هذه كلها هى أضداد الصفات الحسنة. وإنما آنس بذلك العادة. # والموضع (الخامس) أن يأتى بالأسماء التى تدل على المتضادين بالسواء، مثل ~~«الصريم» فى لسان العرب، و«القرء» و«الجلد» وغير ذلك مما قد ذكره أهل اللغة. # والموضع (السادس) أن يترك المحاكاة الشعرية وينتقل إلى الإقناع والأقاويل ~~التصديقية، وبخاصة متى كان القول هجينا قليل الإقناع، وذلك مثل قول امرئ ~~القيس يعتذر عن جبنه: # وما جبنت خيلى، ولكن تذكرت مرابطها من بر بعيص وميسرا # وقد يحسن هذا الصنف إذا كان حسن الإقناع أو صادقا، مثل قول الآخر يعتذر ~~عن الفرار: # الله يعلم ما تركت قتالهم حتى رموا فرسى بأشقر مزبد # وعلمت أنى إن أقاتل واحدا أقتل، ولا ينكى عدوى مشهدى # فصددت عنهم والأحبة فيهم طمعا لهم بعقاب يوم مرصد PageV01P249 ~~فان هذا القول إنما حسن أكثر لصدقه، لأن التغيير الذى فيه يسير. ms36 ولذلك ~~قال القائل: «يا معشرالعرب! لقد حسنتم كل شىء حتى الفرار!» # قال: وإذا كانت مواضع الغلط ستة، ومواضع التوبيخ مقابلتها، فيجب أن تكون ~~مواضع الغلط الذاتى والتوبيخ الخاصى اثنى عشر موضعا: ستة أغاليط وستة ~~توبيخات. # وأمثلة التوبيخات غير موجودة عندنا، إذ كان شعراؤنا لم تتميز لهم هذه ~~الأشياء ولا شعروا بها. # فهذا هو جملة ما تأدى إلى فهمنا مما ذكره أرسطو فى كتابه هذا من الأقاويل ~~المشتركة لجميع أصناف الشعر والخاصة بالمديح، أعنى المشتركة منها أيضا ~~للأكثر أو للجميع. # وسائر ما ذكره فى كتابه هذا من الفصول التى بين سائر أصناف الشعر عندهم ~~وبين صنف المديح فهو خاص بهم. ومع ذلك فلسنا نجده ذكر من ذلك فى هذا الكتاب ~~الواصل إلينا إلا بعض ذلك. وذلك يدل على أن هذا الكتاب لم يترجم على ~~التمام، وأنه بقى منه التكلم فى سائر فصول أصناف كثير من الأشعار التى ~~عندهم. وقد كان هو قد وعد بالتكلم فى هذه كلها فى صدر كتابه. والذى نقص مما ~~هو مشترك هو التكلم فى صناعة الهجاء. لكن يشبه أن يكون الوقوف على ذلك بقرب ~~من الأشياء التى قيلت فى باب المديح، إذ كانت الأضداد يعرف بعضها من بعض. # وأنت تبين إذا وقفت على ما كتبناه ها هنا، أن ما شعر به أهل لساننا من ~~القوانين الشعرية بالإضافة إلى ما فى كتاب أرسطو هذا وفى كتاب «الخطابة» ~~نزر يسير كما يقوله أبو نصر. وليس يخفى عليك أيضا كيف ترجع تلك القوانين ~~إلى هذه، ولا ما ذكروا من ذلك على وجه الصواب مما ذكر على غير ذلك. # والله الموفق للصواب بفضله ورحمته. # إن تجد عيبا فسد الخللا جل من لا عيب فيه وعلا PageV01P250 ~~ ms37