######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0002506 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 597 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: بحر الدموع #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0002506 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-2506 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/2506 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: جمال محمود مصطفى #META# 041.EdNUMBER :: الطبعة الأولى 1425هـ-2004م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفجر للتراث #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الشيخ الفقيه الإمام العابد أبو محمد عبد الرحمن بن علي الجوزي، رحمه ~~الله تعالى ورضي عنه بمنه وكرمه: # الحمد لله الذي اخترع الأشياء بلطيف قدرته، وبديع صنعته، فأحسن فيما ~~اخترع، وأبدع الموجودات على غير مثال، فلا شريك له فيما ابتدع، ألف بين ~~اللطيف والكثيف من أعداد آحاد الجوهر وجمع، ليقر له بالوحدانية، ويستدل على ~~وجود الصانع بما صنع، فالعارفون واقفون تحت مطارف اللطائف بأقبية أبينة ~~التوبة والورع، ليس لقلوبهم مجال في ميدان الكبرياء على أن حماه رحب متسع، ~~فهم إن مالوا إلى نيل مطلوبهم، ردهم قهر الهيبة إلى مفاوز الخوف والجزع، ~~وان هموا بالذهاب عن الباب، عاقهم قيود الغيب، فعز عليهم الرجوع وامتنع. # فمنهم كاتم محبته ... قد كف شكوى لسانه وقطع # ومنهم بائح يقول إذا ... لام عذول ذر الملام ودع # أليس قلبي محل محنته ... وكيف يخفى ما فيه وهو قطع # أين المحبون والمحب لهم ... وأين من شتت الهوى وجمع # لهم عيون تبكي فوا عجبا ... لجفن صب إذا هما ودمع # قد حرموا النوم والمتيم لا ... هجوعا إذا الخلي هجع # بالباب يبكون والبكاء إذا ... كان خليا من النفاق نفع # تشفع فيهم دموعهم وإذا ... شفع دمع المتيمين شفع # فبينما هم حيارى بين الخوف والجزع، سكارى من شراب اليأس والطمع، إذ بزغ ~~عليهم قمر السعادة من فلك الإرادة في جوانب قلوبهم ولمع، وأفيض عليهم من # PageV01P007 # ملا بس سنادس الاستيناس والبسط خلع، لكل خلعة علمان من الإيمان، ما زين ~~بهما بشر، إلا ارتفع، رقم العلم الأيمن: {سبقت لهم منا الحسنى} الأنبياء ~~101، ورقم العلم الأيسر: {لا يحزنهم الفزع} الأنبياء 103، فسبحان من يتوب ~~على الجاني، ويقبل العاصي إذا تاب إليه ورجع. # وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من أقر له بالوحدانية، ~~واعترف له بالربوبية والألوهية، ولعز جلاله وجماله قد خضع. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي سن السنن، وبين الفرائض، وشرع الأعياد ~~والجمع، صلى اله عليه وعلى آله وأصحابه ما ركد الماء ونبع، وظهر في ميدان ~~سطح ms001 السماء نجم وطلع، وسلم تسليما كثيرا. # قال الله العظيم: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} الذاريات 55، وفي ~~الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قال الله تبارك وتعالى: ~~أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه، وان ~~ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا، وإن ~~تقرب إلي ذراعا، تقربت منه باعا، وإن أتاني مشيا، أتيته هرولة" (1) . # وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من عجز منكم عم الليل أن يكابده، وجبن عن العدو أن يقاتله، وبخل ~~بالمال أن ينفقه، فليكثر ذكر الله تعالى" (2) . # وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونحن في مسجد المدينة، فقال: "إن لله تعالى سرايا من الملائكة تجول، ~~وتقف على مجالس الذكر في الأرض، فإذا رأيتم رياض الجنة، فارتعوا". # قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: "مجالس الذكر، اغدوا وروحوا في ~~ذكر الله تعالى، ومن كان يحب أن يعلم منزلته عند الله تعالى، فلينظر كيف ~~منزلة PageV01P008 # الله عنده، فإن الله ينزل العبد حيث أنزله من نفسه" (1) . # وقال عبد الله بن بسر: أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا رسول الله، إن شرائع الإسلام كثرت علي فأمرني بشيء أتشبث به، فقال: "لا ~~يزال لسانك رطبا من ذكر الله تعالى" (2) . # وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من يوم إلا ~~وبقاع الأرض تنادي بعضا بعضا: يا جارة، هل جاز عليك اليوم ذاكرا لله تعالى" ~~(3) . # إخواني، إذا صعدت الملائكة من مجالس الذكر، قال المولى جل علاه: يا ~~ملائكتي، أين كنتم، وهو أعلم، فيقولون: يا ربنا، أنت أعلم، كنا عند عبادك ~~يسبحونك ويقدسونك ويعظمونك ويمجدونك ويسألونك ويستغفرونك ويستعيذونك، ~~فيقول: يا ملائكتي، وما الذي طلبوا؟ ومما استعاذوا؟ فيقولون: يا ربنا أنت ~~أعلم، طلبوا الجنة، واستعاذوا من النار، ms002 فيقول: يا ملائكتي، اشهدوا إني قد ~~أعطيتهم ما طلبوا، وأمنتهم مما خافوا، وأدخلهم الجنة برحمتي (4) ". # وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى يقول: ~~"عبدي اذكرني ساعة بالغداة وساعة بالعشي، أكفك ما بينهما". # وفي بعض الكتب المنزلة أن الله تبارك وتعالى يقول: يا ابن آدم ما أجبرك! ~~تسألني، فأمنعك لعلمي بما يصلحك، ثم تلح علي في المسألة، فأجود برحمتي ~~وكرمي عليك، فأعطيك ما سألتني، فتستعين بما أعطيك على معصيتي، فأهم بهتك ~~سترك، فكم من جميل أصنعه معك، ومن من قبيح تعمله معي. يوشك أن أغضب عليك ~~غضبة لا أرضى بعدها أبدا. # وفي بعض الكتب المنزلة أيضا: يقول الله تبارك وتعالى: عبدي، إلى كم تستمر ~~PageV01P009 # على عصياني، وأنا غذيتك برزقي وإحساني، أما خلقتك بيدي؟ أما نفخت فيك من ~~روحي؟ أما علمت فعلي بمن أطاعني، وأخذي لمن عصاني؟ أما تستحي تذكرني في ~~الشدائد وفي الرخاء تنساني؟ عين بصيرتك أعماها الهوى. قل لي بماذا تراني، ~~هذا حال من لم تؤثر فيه الموعظة، فإلى كم هذا التواني؟ إن تبت من ذنبك، ~~آتيتك أماني. اترك دارا صفوها كدر، وآمالها أماني. بعت وصلي بالدون، وليس ~~لي في الوجود ثاني. ما جوابك إذا شهدت عليك الجوارح بما تسمع وترى: {يوم ~~تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا} آل عمران 30. # وأنشدوا: # تعصي الإله وأنت تدعي حبه ... هذا محال في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع # قال مالك بن دينار: دخلت على جار لي وهو في الغمرات يعاني عظيم السكرات، ~~يغمى عليه مرة، ويفيق أخرى، وفي قلبه لهيب الزفرات، وكان منهمكا في دنياه، ~~متخلفا عن طاعة مولاه، فقلت له: يا أخي، تب إلى الله، وارجع عن غيك، عسى ~~المولى أن يشفيك من ألمك، ويعافيك من مرضك وسقمك، ويتجاوز بكرمه عن ذنبك. ~~فقال: هيهات هيهات! قد دنا ما هو آت، وأنا ميت لا محالة، فيا أسفي على عمر ~~أفنيته في البطالة. أردت أن أتوب مما جنيت، فسمعت هاتفا ms003 يهتف من زاوية ~~البيت: عاهدناك مرارا فوجدناك غدارا. # نعوذ بالله من سوء الخاتمة، ونستغفره من الذنوب المتقادمة. # يا أخي أقبل على قبلة التوجه إلى مولاك، وأعرض عن مواصلة غيك وهواك وواصل ~~بقية العمر بوظائف الطاعات، واصبر على ترك عاجل الشهوات، فالفرار أيها ~~المكلف كل الفرار من مواصلة الجرائم والأوزار، فالصبر على الطاعة في الدنيا ~~أيسر من الصبر على النار. # وأنشدوا: # PageV01P010 # أمولاي إني عبد ضعيف ... أتيتك أرغب بما لديك # أتيتك أشكو مصاب الذنوب ... وهل يشتكى الضر إلا إليك # فمن بعفوك يا سيدي ... فليس اعتمادي إلا عليك # قال بعض السادة الأخيار لولده لما حضرته الوفاة: يا بني، اسمع وصيتي، ~~واعمل ما أوصيك به. قال نعم يا أبت. قال يا بني، اجعل في عنقي حبلا، وجرني ~~إلى محرابي، ومرغ خدي على التراب، وقل: هذا جزاء من عصى مولاه، وآثر شهوته ~~وهواه، ونام عن خدمة مولاه. قال: فلما فعل ذلك به، رفع طرفه إلى السماء ~~وقال: إلهي وسيدي ومولاي، قد آن الرحيل إليك، وأزف القدوم عليك، ولا عذر لي ~~بين يديك، غير أنك الغفور وأنا العاصي، وأنت الرحيم وأنا الجاني، وأنت ~~السيد وأنا العبد، ارحم خضوعي وذلتي بين يديك، فانه لا حول ولا قوة إلا بك. # قال: فخرجت روحه في الحال، فإذا بصوت ينادي من زاوية البيت سمعه كل من ~~حضر وهو يقول: تذلل العبد لمولاه، واعتذر إليه مما جناه، فقربه وأدناه وجعل ~~الجنة الخلد مأواه. # الهي إن كنت الغريق وعاصيا ... فعفوك يا ذا الجود والسعة الرحب # بشدة فقري باضطراري بحاجتي ... إليك إلهي حين يشتد بي الكرب # بما بي من ضعف وعجز وفاقة ... بما ضمنت من وسع رحمتك الكتب # صلاة وتسليم وروح ورواحة ... على الصادق المصدوق ما انفلق الحب # أبي القاسم الماحي الأباطيل كلها ... وأصحابه الأخيار ساداتنا النجب # إخواني، هذا القبول ينادي صبيان الهوى، الشاب التائب حبيب الله، ويصيح ~~بكهول لخطا عسى الله أن يتوب عليهم، ويهتف بشيوخ الندم: انا عند المنكسرة ~~قلوبهم من أجلي. # وفي الخبر: إذا تاب العبد إلى الله عز وجل، ms004 وحسنت توبته، وقام بالليل # PageV01P011 # يناجي ربه، أوقدت الملائكة سراجا من نور، وعلقته بين السماء والأرض، ~~فتقول الملائكة: ما هذا؟ فيقال لهم: إن فلان بن فلان قد اصطلح الليلة مع ~~مولاه. # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا قام العبد بالليل، ~~تباشرت أعضاؤه، ونادى بعضها بعضا: قد قام صاحبنا لخدمة الله تعالى". # وعن أحمد الحواري (1) ، قال: دخلت على أبي سليمان الداراني (2) ، فوجدته ~~يبكي، فقلت له: وما يبكيك يا سيدي؟ قال لي: يا أحمد، إن أهل المحبة إذا ~~جنهم الليل، افترشوا أقدامهم، فدموعهم تجري على خدودهم بين راكع وساجد، ~~فإذا أشرف المولى جل جلاله عليهم، قال: يا جبريل، بعيني من تلذذ بكلامي، ~~واستراح إلى مناجاتي، واني لمطلع عليهم، أسمع كلامهم، وأرى حنينهم، ~~وبكاءهم، فنادهم يا جبريل، وقل لهم: ما هذا الجزع الذي أرى بكم؟ هل أخبركم ~~مخبر أن حبيبا يعذب أحبابه بالنار؟ أم هل يحمل بي أن أبيت قوما، وعند ~~البيات أمرهم إلى النار؟ لا يليق هذا بعبد ذميم، فكيف بالملك الكريم؟! ~~فبعزتي لأجعلن هديتي إليهم أن أكشف لهم عن وجهي الكريم، فأنظر إليهم ~~وينظرون إلي. # وعن أبي سليمان الداراني رضي الله عنه، قال: قرأت في بعض الكتب المنزلة: ~~يقول الله تعالى: بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي، وكابد المكابدون في ~~طلب مرضاتي، فكيف بهم وقد صاروا إلى جواري، وبحبحوا في رياض خلدي هنالك ~~فليبشر المصغون بأعمالهم بالنظر العجيب إلى الحبيب القريب. أترون إني أضيع ~~لهم ما عملوا؟ كيف وأنا أجود على المولين، وأقبل التوبة على الخاطئين وأنا ~~بهم أرحم الراحمين؟!. PageV01P012 ### | الفصل الأول # يا أسير دنياه، يا عبد هواه، يا موطن الخطايا، ويا مستودع الرزايا، اذكر ~~ما قدمت يداك، وكن خائفا من سيدك ومولاك أن يطلع على باطن زللك وجفاك، ~~فيصدك عن بابه، ويبعدك عن جنابه، ويمنعك عن مرافقة أحبابه، فتقع في حضرة ~~الخذلان، وتتقيد بشرك الخسران، وكلما رمت التخلص من غيك وعناك، صاح بك لسان ~~الحال وناداك: # إليك عنا فما تحظى بنجوانا ... يا غادرا قد لها عنا ms005 وقد خانا # أعرضت عنا ولم تعمل بطاعتنا ... وجئت تبغي الرضا والوصل قد بانا # بأي وجه نراك اليوم تقصدنا ... وطال ما كنت في الأيام تنسانا # يا ناقض العهد ما في وصلنا طمع ... إلا لمجتهد بالجد قد دانا # يا من باع الباقي بالفاني، أما ظهر لك الخسران، ما أطيب أيام الوصال، وما ~~أمر أيام الهجران، ما طاب عيش القوم حتى هجروا الأوطان، وسهروا الليالي ~~بتلاوة القرآن فيبيتون لربهم سجدا وقياما. # عن عبد العزيز بن سلمان العابد، قال: حدثني مطهر، وقد كان بكى شوقا إلى ~~الله تعالى ستين عاما، قال: رأيت كأني على ضفة نهر يجري بالمسك الإذفر، ~~وحافاته شجر اللؤلؤ، وطينة العنبر، وفيه قضبان الذهب، وإذا بجوار مترنمات ~~يقلن بصوت واحد: سبحانه وتعالى سبحان، سبحان المسبح بكل لسان سبحان الموجود ~~في كل مكان نحن الخالدات فلا نموت أبدا. نحن الراضيات، فلا نغضب أبدا. نحن ~~الناعمات، فلا نتغير أبدا. قال: فقلت لهن: من أنتن؟! فقلن: خلق من خلق الله ~~تعالى. قلت: ما تصنعن هاهنا؟ فقلن بصوت واحد حسن مليح: # ذرانا اله الناس رب محمد ... لقوم على الأطراف بالليل قوم # PageV01P013 # يناجون رب العالمين إلههم ... ونسرى هموم القوم والناس نوم # فقلت: بخ بخ! من هؤلاء الذين أقر الله أعينهم؟ قلن: أما تعرفهم؟! قلت: لا ~~والله ما أعرفهم. فقلن: هم المجتهدون بالليل، أصحاب السهر بالقرآن. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أذنب العبد، وتاب إلى ~~الله، وحسنت توبته، تقبل الله منه كل حسنة عملها، وغفر له كل ذنب اقترفه، ~~ويرفع له بكل ذنب درجة في الجنة، ويعطيه الله بكل حسنة قصرا في الجنة، ~~ويزوجه الله حورا من الحور العين". # وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أوحى الله إلى داود ~~عليه السلام: يا داود، بشر المذنبين، وأنذر الصديقين، فتعجب داود عليه ~~السلام، فقال: يا رب، فكيف أبشر المذنبين وأنذر الصديقين؟! قال الله تعالى: ~~يا داود، بشر المذنبين ألا يتعاظمني ذنب أغفره، وأنذر الصديقين إلا يعجبوا ~~بأعمالهم، فأني لا ms006 أضع حسابي على أحد إلا هلك. يا داود، إن كنت تزعم أنك ~~تحبني فأخرج حب الدنيا من قلبك، فان حبي وحبها لا يجتمعان في قلب واحد. يا ~~داود، من أحبني، يتهجد بين يدي إذا نام البطالون، ويذكرني في خلوته إذا لها ~~عن ذكري الغافلون، ويشكر نعمتي عليه إذا غفل عني الساهون". # وأنشدوا: # طوبى لمن سهرت بالليل عيناه ... وبات في قلق من حب مولاه # وقام يرعى نجوم الليل منفردا ... شوقا إليه وعين الله ترعاه # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، ~~والديان لا يفنى. كن كيف شئت كما تدين تدان". # ما هذا، أتدري ما صنعت؟ بعت القرب بالبعد، والعقل بالهوى والدين بالدنيا. # PageV01P014 # وأنشدوا: # قم فارث نفسك وابكها ... ما دمت وابك على مهل # فإذا اتقى الله الفتى ... فيما يريد فقد كمل # وعن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما نزع ~~الله عبدا من ذنب إلا هو ويريد أن يغفر له، وما استمال الله عبدا لعمل ~~صالح، إلا وهو يريد أن يتقبله منه". # وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "التائبون إذا خرجوا من قبورهم، ارتفع من بين أيديهم ريح المسك، ~~ويأتون على مائدة من الجنة يأكلون منها وهم في ظل العرش، وسائر الناس في ~~سدة الحساب". # ويروى أن رجلا أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول ~~الله، بما أتقي النار؟ قال: "بدموع عينيك". قال: وكيف أتقيها بدموع عيني؟ ~~قال: "أهمل دموعهما من خشية الله، فانه لا يعذب بالنار عينا بكت من خشيته" ~~(1) # وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "قطرة تخرج من عين المؤمن من خشية الله، خير له من الدنيا وما فيها، ~~وخير له من عبادة سنة، وتفكر ساعة في عظمة الله وقدرته خير من صيام ستين ~~يوما وقيام ستين ليلة. إلا وان لله ملكا ينادي في ms007 كل يوم وليلة: أبناء ~~الأربعين، زرع دنا حصاده، أبناء الخمسين، هلموا إلى الحساب، أبناء الستين، ~~ماذا قدمتم وماذا أخرتم، أبناء السبعين، ماذا تنتظرون. إلا ليت الخلق لم ~~يخلقوا، فإذا خلقوا ليتهم علموا لما خلقوا له، فعملوا لذلك. إلا قد أتتكم ~~الساعة فخذوا حذركم" (2) . # نزه مشيبك عن شيء يدنسه ... إن البياض قليل الحمل للدنس PageV01P015 # يا عبد السوء، كم تعصي ونستر، كم تكسر باب نهي ونجبر، كم نستقطر من عينيك ~~دموع الخشية ولا يقطر، كم نطلب وصلك بالطاعة، وأنت تفر وتهجر، كم لي عليك ~~من النعم، وأنت بعد لا تشكر. خدعتك الدنيا وأعمال الهوى وأنت لا تسمع ولا ~~تبصر. سخرت لك الأكوان وأنت تطغى وتكفر، وتطلب الإقامة في الدنيا وهي فنظرة ~~لمن يعبر. # منعوك من شرب المودة والصفا ... لما رأوك على الخيانة والجفا # إن أنت أرسلت العنان إليهم ... جادوا عليك تكرما وتعطفا # حاشاهم أن يظلموك وإنما ... جعلوا ألوفا منهم لأرباب لوفا # وروي عن الحسن البصري رضي الله عنه أنه قال: دخلت على بعض المجوس وهو ~~يجود بنفسه عند الموت، وكان حسن الجوار، وكان حسن السيرة، حسن الأخلاق، ~~فرجوت أن الله يوفقه عند الموت، ويميته على الإسلام، فقلت له: ما تجد، وكيف ~~حالك؟ فقال: لي قلب عليل ولا صحة لي، وبدن سقيم، ولا قوة لي، وقبر موحش ولا ~~أنيس لي، وسفر بعيد ولا زاد لي، وصراط دقيق ولا جواز لي، ونار حامية ولا ~~بدن لي, وجنة عالية ولا نصيب لي، ورب عادل ولا حجة لي. # قل الحسن: فرجوت الله أن يوفقه، فأقبلت عليه، وقلت له: لم لا تسلم حتى ~~تسلم؟ قال: إن المفتاح بيد الفتاح، والقفل هنا، وأشار إلى صدره وغشي عليه. # قال الحسن: فقلت: إلهي وسيدي ومولاي، إن كان سبق لهذا المجوسي عندك حسنة ~~فعجل بها إليه قبل فراق روحه من الدنيا، وانقطاع الأمل. # فأفاق من غشيته، وفتح عينيه، ثم أقبل وقال: يا شيخ، إن الفتاح أرسل ~~المفتاح. أمدد يمناك، فأنا أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول ~~الله، ms008 ثم خرجت روحه وصار إلى رحمة الله. # PageV01P016 # وأنشدوا: # يا ثقتي يا أملي ... أنت الرجا أنت الولي # اختم بخير عملي ... وحقق التوبة لي # قبل حلول أجلي ... وكن لي يا رب ولي # إخواني، ما هذه السنة وأنتم منتبهون؟ وما هذه الحيرة وأنتم تنظرون؟ وما ~~هذه الغفلة وأنتم حاضرون؟ وما هذه السكرة وأنتم صاحون؟ وما هذا السكون ~~وأنتم مطالبون؟ وما هذه الإقامة وأنتم راحلون؟ أما آن لهل الرقدة أن ~~يستيقظوا؟ أما حان لأبناء الغفلة أن يتعظوا؟. # واعلم أن الناس كلهم في هذه الدنيا على سفر، فاعمل لنفسك ما يخلصها يوم ~~البعث من سقر. # آن الرحيل فكن على حذر ... ما قد ترى يغني عن الحذر # لا تغترر باليوم أو بغد ... فلرب مغرور على خطر # قال الجنيد: كان سري السقطي رضي الله عنه متصل الشغل، وكان إذا فاته شيء ~~من ورده لا يقدر أن يعيده. # وكذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لم يكن له وقت ينام فيه، فكان ~~ينعس وهو جالس، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إلا تنام؟ فقال: كيف أنام؟! إن ~~نمت بالنهار، ضيعت حقوق الناس، وان نمت بالليل ضيعت حظي من الله. # وسمع الجنيد رضي الله عنه ما يقول: ما رأيت أعبد لله تعالى من سري ~~السقطي، أتت عليه ثمان وسبعون سنة ما رؤي قط مضطجعا إلا في علته التي مات ~~فيها. # قال الجنيد رضي الله عنه: سمعت السري السقطي رضي الله عنه يقول: لولا ~~الجمعة والجماعة ما خرجت من بيتي، وللزمت بيتي حتى أموت. # قال أبو بكر الصيدلاني: سمعت سليمان بن عمار يقول: رأيت أبي # PageV01P017 # في المنام فقلت له: ما فعل بكربك؟ فقال: إن الرب قربني وأدناني، وقال لي: ~~يا شيخ السوء أتدري لم غفرت لك؟ فقلت: لا يا الهي. قال: انك جلست للناس ~~يوما مجلسا فأبكيتهم، فبكى فيهم عبد من عبيدي لم يبك من خشيتي قط، فغفرت له ~~ووهبت أهل المجلس كلهم له، ووهبتك فيمن وهبت له. # عن علي بن محمد بن إبراهيم الصفار، قال: حضرت أسود بن سالم ms009 ليلة وهو يقول ~~هذين البيتين ويكررهما ويبكي: # أمامي موقف قدام ربي ... يسألني وينكشف الغطا # وحسبي أن أمر على صراط ... كحد السيف أسفله لظى # قال: ثم صرخ صرخة، ولم يزل مغمى عليه حتى أصبح رضي الله عنه. # وكذلك يروى عن الضحاك بن مزاحم أنه قال: خرجت ذات ليلة إلى مسجد الكوفة، ~~فلما قربت من المسجد، فإذا في بعض رحابه شاب قد خر ساجدا وهو يخور بالبكاء، ~~فلم أشك أنه ولي من أولياء الله تعالى؟، فقربت منه لأسمع ما يقول فسمعته ~~يقول أبياتا: # عليك يا ذا الجلال معتمدي ... طوبى لمن كنت أنت مولاه # طوبى لمن بات خائفا وجلا ... يشكو إلى ذي الجلال بلواه # وما به علة ولا سقم ... أكثر من حبه لمولاه # إذا خلا في ظلام الليل مبتهلا ... أجابه الله ثم لباه # ومن ينل ذا من الإله فقد ... فاز بقرب تقر عيناه # فبقي يكرر هذه الأبيات ويبكي، وأنا أبكي رحمة لبكاءه، فبينما أنا كذلك، ~~لاح لي ضوء كالبرق الخاطف، فأسرعت بيدي إلى عيني، فسمعت، فإذا بمناد ينادي ~~من فوق رأسه بصوت عذب لذيذ لا يشبه كلام بني آدم، وهو يقول: # لبيك عبدي وأنت في كنفي ... وكل ما قلت قد قبلناه # صوتك تشتاقه ملائكتي ... وحسبك الصوت قد سمعناه # PageV01P018 # إن هبت الريح من جوانبه ... خر صريعا لما تغشاه # ذاك عبدي يجول في حجبي ... وذنبك اليوم قد غفرناه # فقلت: مناجاة الحبيب مع حبيبه ورب الكعبة، فخريت مغشيا على وجهي لما ~~أدركني من الهيبة، ثم أفقت من غشيتي وأنا أسمع ضجيج الملائكة في الهواء، ~~وخفقان أجنحتهم بين السماء والأرض، خيل إلي أن السماء قد قربت من الأرض، ~~ورأيت النور قد غلب على ضوء القمر، وكانت ليلة مقمرة ساطعة النور، فدنوت ~~منه وسلمت عليه، فرد علي السلام، فقلت له: بارك الله فيك، من أنت يرحمك ~~الله؟ فقال لي: أنا راشد بن سليمان، فعرفته لما كنت أسمع عنه. فقلت له: ~~رحمك الله، لو أذنت لي في صحبتك لآنس بك، فقال لي: هيهات هيهات، وهل يأنس ~~بالمخلوقين من تلذذ ms010 بمناجاة رب العالمين، فانصرف عني وتركني رضي الله عنه. # PageV01P019 ### | الفصل الثاني # إخواني، إلى كم تماطلون بالعمل، وتطمعون في بلوغ الأمل، وتغترون بفسحة ~~المهل، ولا تذكرون هجوم الأجل؟ ما ولدتم فللتراب، وما بنيتم للخراب، وما ~~جمعتم فللذهاب، وما عملتم ففي كتب مدخر ليوم الحساب. وأنشدوا: # ولو أننا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي # ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعدها عن كل شيء # يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا يغرنكم قول الله عز وجل: ~~{من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} ~~الأنعام 160، فان السيئة وان كانت واحدة، فإنها تتبعها عشر خصال مذمومة: # أولها: إذا أذنب العبد ذنبا، فقد أسخط الله وهو قادر عليه. # والثانية: أنه فرح إبليس لعنه الله. # والثالثة: أنه تباعد من الجنة. # والرابعة: أنه تقرب من النار. # والخامسة: أنه قد آذى أحب الأشياء إليه، وهي نفسه. # والسادسة: أنه نجس نفسه وقد كان طاهرا. # والسابعة: أنه قد آذى الحفظة. # والثامنة: أنه قد احزن النبي صلى الله عليه وسلم في قبره. # والتاسعة: أنه أشهد على نفسه السموات والأرض وجميع المخلوقات بالعصيان. # والعاشرة: أنه خان جميع الآدميين، وعصى رب العالمين. # PageV01P020 # ويروى عن ذي النون المصري (1) رحمه الله تعالى أنه قال: خرجت أريد الحجاز ~~ولم أصحب أحدا من الناس، فبينما أنا سائر، إذ وقعت في أرض صحراء، وقد نفذ ~~زادي، فأشرفت على الهلاك، إذ لاحت لي شجرة في وسط الصحراء دانية الفروع، ~~متدلية الأغصان، كثيرة الأوراق، فقلت في نفسي: أسير نحو هذه الشجرة، فأكون ~~في ظلها حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. # فلما وصلت إلى الشجرة، ودنوت منها، وأردت الدخول في ظلها، فأخذ غصن من ~~أغصانها بركوتي، فانهرق الماء الذي كان بقي لي فيها أحيي به رمقي، فأيقنت ~~بالهلاك، وطرحت نفسي في ظل الشجرة، وبقيت أنتظر ملك الموت ليقبض روحي، فإذا ~~أنا بصوت حزين وهو يقول: إلهي وسيدي ومولاي، إن كان هذا رضاك مني، فزد حتى ~~ترضى عني يا أرحم الراحمين. ms011 # فقمت وجعلت أمشي نحو الصوت، فإذا أنا بشخص حسن الصورة، وهو ملقى على ~~الرمل، والنسور قد أحدقت به تنهش من لحمه، فسلمت عليه فرد السلام، وقال لي: ~~يا ذا النون، لما نفذ الزاد، وانهرق الماء، أيقنت بالموت والفناء، فجلست ~~عند رأسه، وجعلت أبكي رحمة لبكائه، وشفقة لما رأيت منه. # فبينما أنا كذلك، إذ أنا بقصعة من الطعام وضعت بين يدي، فوكز الأرض ~~بعرقوبه، فإذا بعين من الماء قد تفجرت، أشد بياضا من اللبن، وأحلى من ~~العسل، فقال لي: يا ذا النون، كل واشرب، لا بد لك من الوصول إلى بيت الله ~~الحرام، ولكن يا ذا النون لي إليك حاجة، فان قضيتها فلك الأجر والثواب، ~~فقلت: وما هي؟ قال: إذا أنا مت، فاغسلني وادفني، واسترني من الوحش والطير، ~~وسر فإذا قضيت الحج، فانك تصل إلى مدينة بغداد، وتدخل من باب الزعفران، ~~فانك تجد هنالك الصبيان يلعبون، وعليهم ألوان الثياب، فتجد هنالك شابا، ~~صغير PageV01P021 # السن، ليس يشغله شيء عن ذكر الله تعالى، قد تحزم بخرقة، وجعل على كتفيه ~~أخرى، في وجهه خطان أسودان من آثار الدموع، فإذا وجدته فذلك ولدي وقرة ~~عيني، فأقرئه مني السلام. # قال ذا النون: فلما فرغ من كلامه، سمعته يقول: أشهد أن لا اله إلا الله، ~~وأشهد أن محمدا رسول الله، وشهق شهقة فارق الدنيا رحمة الله عليه، فقلت: ~~إنا لله وإنا إليه راجعون، وكان معي قميص في وعائي لا أفارقه فغسلته من ذلك ~~الماء، وكفنته ورايته التراب، وسرت إلى بيت الله الحرام وقضيت مناسك الحج، ~~وخرجت إلى زيارة قبر رسول الله، فلما قضيت الزيارة، وسرت إلى مدينة بغداد، ~~فدخلتها في يوم عيد، فإذا أنا بالصبيان يلعبون وعليهم ألوان الثياب، فنظرت ~~فرأيت الصبي الموصوف جالسا لا يشغله الموهوب عن علام الغيوب، وقد ظهرت على ~~وجهه الأحزان، وفي وجهه خطان أسودان من آثار الدموع، وهو يقول: # الناس كلهم للعيد قد فرحوا ... وقد فرحت أنا بالواحد الصمد # الناس كلهم للعيد قد صبغوا ... وقد صبغت ثياب الذل والكمد # الناس كلهم للعيد ms012 قد غسلوا ... وقد غسلت أنا بالدمع للكبد # قال ذو النون: فسلمت عليه، فرد علي السلام، وقال: مرحبا برسول أتى من ~~أبي، فقلت له: من أخبرك باني رسول أتيتك من أبيك؟ قال: الذي أخبرني أنك ~~دفنته بالصحراء. يا ذا النون، أتزعم أنك دفنت أبي بالصحراء؟ والله إن أبي ~~رفع إلى سدرة المنتهى، ولكن سر معي إلى جدتي. # فأخذ بيدي وسار معي إلى منزله، فلما وصل إلى الباب نقر نقرا خفيفا، فإذا ~~بالعجوز قد خرجت إلينا، فلما رأتني، قالت مرحبا بمن تمتع بالنظر في وجه ~~حبيبي وقرة عيني. قلت لها: من أخبرك بأنك رأيته؟ قالت: الذي أخبرني بأنك ~~كفنته وأن الكفن مردود عليك. يا ذا النون، فوعزة ربي وجلاله، إن خرقة ابني ~~يباهي الله بها # PageV01P022 # الملائكة في الملأ الأعلى. # ثم قالت: يا ذا النون، صف لي كيف تركت ابني وقرة عيني وثمرة فؤادي؟ قلت ~~لها: تركته في الفيافي والقفار بين الرمال والأحجار، وقد حضي بما أمل من ~~العزيز الغفار. # فلما سمعت العجوز ذلك، ضمت الصبي إلى صدرها، وغابت عني، وحجبت عن نظري، ~~فلا ادري: أفي السماء صعد بهما، أو في جوف الأرض هبط بهما، فصرت أطلبهما في ~~أركان الدار، فما وجدتهما، فسمعت هاتفا يقول: يا ذا النون لا تتعب نفسك، ~~فلقد طلبتهم الأملاك، فلم يجدوهم. فقلت: أين صاروا، فقال لي: إن الشهداء ~~يموتون بسيوف المشركين، وهؤلاء المحبون يموتون بالشوق إلى رب العالمين، ~~فيحملون في مركب من نور في مقعد صدق عند مليك مقتدر. # قال ذا النون: فتفقدت الجراب، فوجدت الكفن الذي كفنته فيه مطويا كما كان ~~أولا، رضي الله عنه ونفعنا ببركاتهم. # PageV01P023 ### | الفصل الثالث # أيها المقيم على الخطايا والعصيان، التارك لما أمرك الرحمن، المطيع للغوي ~~الفتان، إلى متى أنت على جرمك مصر، ومما يقربك إلى مولاك تفر؟ تطلب من ~~الدنيا ما لا تدركه، وتتقي من الآخرة ما لا تملكه، لا أنت بما قسم الله من ~~الرزق واثق، ولا أنت بما أمرك به لاحق. # يا أخي، الموعظة، والله لا تنفعك، والحوادث لا تردعك. ms013 لا الدهر يدعك، ولا ~~داعي الموت يسمعك، كأنك يا مسكين لم تزل حيا موجودا، كأنك لا تعود نسيا ~~مفقودا. # فاز، والله، لمخفون من الأوزار، وسلم المتقون من عذاب النار، وأنت مقيم ~~على كسب الجرائم والأوزار. # وأنشدوا: # عيل صبري وحق لي أن أنوحا ... لم تدع لي الذنوب قلبا صحيحا # أخلقت مهجتي أكف المعاصي ... ونعاني المشيب نعيا صريحا # كلما قلت قد بري جرح قلبي ... عاد قلبي من الذنوب جريحا # إنما الفوز والنعيم لعبد ... جاء في الحشر آمنا مستريحا # إخواني، ارفضوا هذه الدنيا كما رفضها الصالحون، وأعدوا الزاد لنقلة لا بد ~~لها أن تكون، واعتبروا بما تدور به عليكم الأيام والسنون. # يا من غدا في الغي والتيه ... وغره طول تماديه # أملى لك الله فبارزته ... ولم تخف غب معاصيه # قال الجنيد رضي الله عنه: مرض السري السقطي رضي الله عنه فدخلت عليه ~~أعوده، فقلت له: كيف تجدك؟ فقال: # PageV01P024 # كيف أشكو إلى طبيبي ما بي ... والذي قد أصابني من طبيبي # فأخذت المروحة لأروح عليه، فقال: كيف يجد ريح المروحة من جوفه يحترق من ~~داخل، ثم أنشأ يقول: # القلب محترق والدمع مستبق ... والكرب مجتمع والصبر مفترق # كيف القرار على من لا قرار له ... مما جناه الهوى والشوق والقلق # يا رب إن كان شيء فيه لي فرج ... فامنن علي به ما دام بي رمق # ويروى عن علي بن الموفق رضي الله عنه أنه قال: خرجت يوما لأؤذن، فأصبت ~~قرطاسا، فأخذته ووضعته في كمي، وأقمت الصلاة وصليت، فلما صليت قرأته، فإذا ~~مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم. يا علي بن الموفق، أتخاف الفقر وأنا ربك؟. # ويروى عن المزني، قال: دخلت على الشافعي رضي الله عنه في علته التي مات ~~منها، فقلت له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت في الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ~~ولكأس المنية شاربا، ولسوء عملي ملاقيا، وعلى الله واردا، فلا أدري: أروحي ~~تصير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها؟ ثم بكى وأنشأ يقول: # ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني لعفوك سلما # تعاظمني ذنبي فلما قرنته ms014 ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما # فما زلت اعفو من الذنب ولم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرما # فلولاك لم ينجو من إبليس عابد ... وكيف وقد أغوى صفيك آدما (1) # إخواني: بادروا بالتوبة من الذنوب، واقتفوا آثار التوابين، واسلكوا مسالك ~~الأوابين، الذين نالوا التوبة والغفران، وأتعبوا أنفسهم في رضا الرحمن، فلو ~~رأيتهم في ظلم الليالي قائمين، ولكتاب ربهم تالين، بنفوس خائفة، وقلوب ~~واجفة، قد وضعوا جباههم على الثرى ورفعوا حوائجهم لمن يرى ولا يرى: # وأنشدوا: PageV01P025 # ألا قف ببابي عند قرع النوائب وثق ... بي تجدني خير خل وصاحب # ولا تلتفت غيري فتصبح نادما ... ومن يلتفت غيري يعش خائب # كان أبو محفوظ معروف الكرخي قد خصه الله بالاجتباء في حال الصبا، يذكر أن ~~أخاه عيسى قال: كنت أنا وأخي معروف في المكتب، وكنا نصارى، وكان المعلم ~~يعلم الصبيان: "أب" و"ابن" فيصيح أخي معروف: "أحد أحد" فيضربه المعلم على ~~ذلك ضربا شديدا، حتى ضربه يوما ضربا عظيما، فهرب على وجهه. # وكانت أمه تبكي وتقول: لئن رد الله علي معروفا، لأتبعنه على أي دين كان، ~~فقدم عليها معروف بعد سنين كثيرة، فقالت له: يا بني، على أي دين أنت؟ قال: ~~على دين الإسلام، فقالت: أشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول ~~الله، فأسلمت أمي وأسلمنا كلنا. # وقال أحمد بن الفتح: رأيت بشر بن الحارث في منامي وهو قاعد في بستان بين ~~يديه مائدة وهو يأكل منها، فقلت: يا أبا نصر, ما فعل الله بك؟ قال: رحمني ~~وغفر لي، وأباح لي الجنة بأسرها، وقال لي: كل من جميع ثمارها، واشرب من ~~أنهارها، وتمتع بجميع ما فيها، كما كنت تحرم نفسك عن الشهوات في دار ~~الدنيا. # فقلت له: فأين أخوك أحمد بن حنبل؟ فقال: هو قائم على باب الجنة يشفع لأهل ~~السنة ممن يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. # فقلت له: وما فعل الله بمعروف الكرخي؟ فحرك رأسه، وقال هيهات هيهات! حالت ~~بيننا وبينه الحجب. إن معروفا لم يعبد الله شوقا إلى جنته، ولا خوفا من ms015 ~~ناره، وإنما عبده شوقا إليه، فرفعه إلى الرفيق الأعلى، ورفع الحجاب بينه ~~وبينه. # ذلك الترياق المقدس المجرب، فمن كانت له إلى الله حاجة، فليأت قبره، ~~وليدع، فانه يستجاب له إن شاء الله تعالى (1) . PageV01P026 ### | الفصل الرابع # يا إخوان الغفلة تيقظوا، يا مقيمين على الذنوب انتهوا واتعظوا، فبالله ~~أخبروني: من أسوأ حالا ممن استعبده هواه، أم من أخسر صفقة ممن باع آخرته ~~بدنياه، فما للغفلة قد شملت قلوبكم؟ وما للجهالة قد ترت عنكم عيوبكم؟ أما ~~ترون صوارم الموت بينكم لامعة، وقوارعه بكم واقعة، وطلائعه عليكم طالعة، ~~وفجائعه لعذركم قاطعة، وسهامه فيكم نافذة، وأحكامة بنواصيكم آخذة؟ فحتى م؟ ~~والى م؟ وعلام التخلف والمقام؟ أتطمعون في بقاء الأبد؟ كلا والواحد والصمد. ~~إن الموت لبالرصد، ولا يبقي على والد ولا ولد، فجدوا، رحمكم الله، في خدمة ~~مولاكم، وأقلعوا عن الذنوب، فلعله يتولاكم. # يروى عن محمد بن قدامة، قال: لقي بشر بن الحارث رجلا سكران، فجعل السكران ~~يقبله، ويقول: يا سيدي أبا نصر، ولا يدفعه بشر عن نفسه، فلما تولى تغرغرت ~~عينا بشر بالدموع، وقال: رجل أحب رجلا على خير توهمه فيه، ولعل المحب قد ~~نجا والمحبوب لا يدري ما حاله. # فوقف على أصحاب الفاكهة، فجعل ينظر، فقلت: يا أبا نصر، لعلك تشتهي من هذا ~~شيئا؟ قال: ل، ولكن نظرت في هذا؛ إذا كان يطعم هذا لمن يعصيه، فكيف من ~~يطيعه ماذا يطعمه في الجنة ويسقيه؟!. # إخواني: ما للغافل إلى كم ينام؟ أما توقظ الليالي والأيام؟ أين سكان ~~القصور والخيام؟ دار، والله، عليهم كأس الحمام، فالتقطهم الموت كما يلتقط ~~الحب الحمام. ما لمخلوق فيها دوام، طويت الصحف وجفت الأقلام. # وأنشدوا: # دعوني على نفسي أنوح وأندب ... بدمع غزير واكف يتصبب # PageV01P027 # دعوني على نفسي أنوح لأنني ... أخاف على نفسي الضعيفة تعطب # فمن لي إذا نادى المنادي بمن عصا ... إلى أين ألجأ أم إلى أين أذهب # فيا طول حزني ثم يا طول حسرتي ... إذا كنت في نار الجحيم أعذب # وقد ظهرت تلك القبائح كلها ... وقد قرب الميزان والنار تلهب ms016 # ولكنني أرجو الإله لعله ... بحسن رجائي فيه لي يتوهب # ويدخلني دار الجنان بفضله ... فلا عمل أرجو به أتقرب # سوى حب طه الهاشمي محمد ... وأصحابه والآل من قد ترهبوا # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى برجل يوم القيامة قد جمع المال ~~من حلال وأنفقه في الحلال، فيقال له: قف للحساب، فيحاسب على كل حبة وذرة ~~ودانق: من أين أخذه وفيما أنفقه" ثم قال صلى الله عليه وسلم: "يا ابن آدم، ~~ما تصنع بالدنيا؟ حلالها حساب، وحرامها عقاب". # وأنشدوا: # فلا تأمن لذي الدنيا صلاحا ... فإن صلاحها عين الفساد # ولا تفرح لمال تقتنيه ... فإنك فيه معكوس المراد # قال بعض العارفين رضي الله عنه: إن أبا يزيد البسطامي بكى عند موته، ثم ~~ضحك، ثم فارق الدنيا، فرؤي في المنام بعد موته، فقيل له: لم بكيت قبل الموت ~~ثم ضحكت؟ فقال: لما كنت في النزع، أتاني إبليس لعنة الله عليه، وقال لي: يا ~~أبا يزيد، أفلت من شبكتي، فبكيت حينئذ إلى الله تعالى، فنزل علي ملك من ~~السماء، وقال لي: يا أبا يزيد، يقول لك رب العزة: لا تخف ولا تحزن، وأبشر ~~بالجنة، فضحكت عند ذلك، وفارقت الدنيا. # وأنشدوا: # وقفت وأجفاني تفيض دموعها ... وقلبي من خوف القطيعة هائم # وكل مسيء أوبقته ذنوبه ... ذليل حزين مطرق الطرف نادم # PageV01P028 # فيا رب ذنبي تعاظم قدره ... وأنت بما أشكو يا رب عالم # وأنت رؤوف بالعباد مهيمن ... حليم كريم واسع العفو راحم # يا أخي كم من يوم قطعته بالتسويف؟ وكم من سبب أضعت فيه التكليف، وكم أذن ~~سماعة لا يزجرها التخويف؟. # ولما حضرت جابر بن زيد الوفاة قيل: ما تشتهي؟ قال: نظرة في وجه الحسن ~~فبلغ ذلك الحسن، فجاء ودخل عليه، وقال له: يا جابر كيف تجدك؟ قال: أجد أمر ~~الله غير مردود. يا أبا سعيد، حدثني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال الحسن: يا جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن ~~من الله على سبيل خير، إن تاب قبله، وان استقال ms017 أقاله، وان اعتذر إليه قبل ~~اعتذاره، وعلامة قبل ذلك خروج روحه يجد بردا على قلبه". فقال جابر: الله ~~أكبر! إني لأجد بردا على قلبي. ثم فال: اللهم إن نفسي تطمع في ثوابك، فحقق ~~ظني، وآمن خوفي وجزعي، ثم تشهد ومات رضي الله عنه. # وكان سبب توبة داود الطائي (1) أنه دخل المقبرة، فسمع امرأة عند قبر تبكي ~~وتقول: # تزيد بلى في كل يوم وليلة ... وتسأل لما تبلى وأنت حبيب # مقيم إلى أن يبعث الله خلقه ... لقاؤك لا يرجى وأنت قريب PageV01P029 ### | الفصل الخامس # إخواني: قيدوا هذه النفوس بزمام، وازجروا، هذه القلوب عن الآثام، واقرؤوا ~~صحف العبر بألسنة الأفهام. يا من أجله خلفه وأمله قدام، يا مقتحما على ~~الجرائم أي اقتحام، انتبهوا يا نوام، كم ضيعتم من أعوام، الدنيا كلها منام، ~~وأحلى ما فيها أضغاث أحلام، غير أن عقل الشيخ فيها الغلام، فكل من قهر نفسه ~~فهو الهمام. هذه الغفلة قد تناهت، والمصائب قد تدانت، فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون، والسلام. # مر عيسى عليه السلام على قرية، فوجد كل من فيها أمواتا، وهم مطروحون على ~~وجوههم في الأزقة، فتعجب عيسى عليه السلام من ذلك، وقال: يا معشر ~~الحواريين، إن هؤلاء القوم قد ماتوا على سخط وغضب، ولو ماتوا على رضا من ~~الله، لدفن بعضهم بعضا. فقالوا: يا روح الله، وددنا أن نعرف قضيتهم وخبرهم. ~~قال: فسأل الله عز وجل في ذلك، فأوحى الله إليه: إذا كان الليل نادهم، ~~فإنهم يجيبونك. # فلما كان من الليل، صعد عيسى على شرف ونادى: يا أهل القرية، فأجابه مجيب ~~من بينهم: لبيك يا روح الله، فقال: ما قضيتكم, وما خبلاكم؟ فقال: يا روح ~~الله، بتنا في عافية، وأصبحنا في هاوية. قال: ولم ذلك؟ قال: لحبنا في ~~الدنيا، وطاعة لأهل المعاصي، ولم نأمر بالمعروف، ولم ننه عن المنكر. فقال ~~له عيسى عليه السلام: كيف كان حبكم للدنيا؟ قال: كحب الصبي لأمه؛ إذا أقبلت ~~فرحنا، وإذا أدبرت جزنا وبكينا. فقال له عيسى عليه السلام: يا هذا: ما بال ~~أصحابك لم ms018 يجيبوني؟ قال: إنهم ملجمون بلجام من النار بأيدي ملائكة غلاظ ~~شداد. قال: وكيف أجبتني أنت من بينهم؟ قال: إني كنت فيهم، ولم أكن منهم، ~~فلما نزل بهم العذاب # PageV01P030 # لحقني معهم، فأنا الآن معلق على شفير جهنم، لا أدري: أنجو منها، أم أكب ~~فيها. # أعاذنا الله هنا. # يا من يسير بعمره وقد تعدى الحدود، ابك على معصيتك فلعلك مطرود. يا من ~~عمره ينتهب وليس الماضي يعود، قد أسمعتك المواعظ من إرشادها نصحا، وأخبرك ~~الشيب أنك بالموت تقصد وتنحا، وناداك لسان الاعتبار: {يا أيها الأنسان إنك ~~كادح إلى ربك كدحا} الانشقاق 6. # وأنشدوا: # لما نقضى زمن التواصل والرضا ... قد صرت تطلب رد أمر قد مضى # هلا أتيت ووقت وصلك ممكن ... وبياض شيبك في العوارض ما أضا # يا أخي: هذا أوان الرجوع والاستغفار والإقلاع عن الذنوب والأوزار. من بلغ ~~أربعين سنة ولم يغلب خيره على شره، فليتجهز إلى النار (1) . # وأنشدوا: # أتيتك راجيا يا ذا الجلال ... ففرج ما ترى من سوء حالي # عصيتك سيدي ويلي بجهلي ... وعيب الذنب لم يخطر ببالي # إلى من يشتكي المملوك إلا ... إلى مولاه يا مولى الموالي # فويلي لم أمي لم تلدني ... ولا أعصيك في ظلم الليالي # وها أنا ذا عبيدك عبد سوء ... ببابك واقف يا ذا الجلال # فان عاقبت يا ربي فاني ... محق بالعذاب وبالنكال # وان تعفو فعفوك أرتجيه ... ويحسن إن عفوت قبيح حالي # يقول الله عز وجل: يا عبادي، أما علمتم إني جعلت الدنيا دار تكليف ~~وامتحان، وأني لا أخص بمنازل الفضل والإحسان إلا من تاب إلي فيها عن مواطن ~~الزلات والعصيان، فما لكم ما أتيتم لبابي، ولا رغبتم في جزيل فضلي ~~PageV01P031 # وثوابي، ولا خفتم من أخذي وعقابي؟. # فيا من جلت غفلته، وطالت سكرته، تأمل عطف الموالي عليك، وإحسانه إليك. ~~فبالله عليكم، حطوا بالتوبة عن ظهوركم، واغسلوا وجوهكم بقطرات الدموع، ~~واشتملوا بأردية التذلل والخضوع. # وأنشدوا: # ركبت مآثمي فلقيت ذلا ... وسالت عبرتي طلا ووبلا # وصرت أعاتب القلب المبلا ... إلى من يشتكي المملوك إلا # إلى مولاه يا مولى الموالي ... فلطفك بي ms019 إله العرش أولى # ** # PageV01P032 ### | الفصل السادس # إخواني: انتبهوا من غفلتكم، فنوم الغفلة ثقيل، وشمروا لآخرتكم، فإنما ~~الدنيا منزل، وفي طريقها مقيل. # جاء في بعض الأخبار، أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه عليهم السلام: ~~يا نبيي، شتان بين من عصاني وخالف أمري، وبين من قطع عمره في معاملتي وذكري ~~ولزوم الوقوف ببابي، ومرغ خده على أعتابي، فيا خجلة الخاطئين، ويا ندامة ~~البطالين. # وأنشدوا: # اخلوا بنفسك إن أردت تقربا ... ودع الأنام بمعزل يا عاني # واعمل على قطع العلائق جملة ... في العيش في خرق الحجاب الفاني # وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم لأصحابه: "يا أصحابي، ~~أتدرون من المفلس؟ " قالوا: يا رسول الله، المفلس عندنا من ليس له دينار ~~ولا درهم. فقال لهم: "ليس هو ذلك، إنما المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة ~~وصيام وزكاة وصدقة، ثم يأتي وقد شتم هذا، ولطم هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم ~~هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا كذلك، حتى تفنى حسناته قبل أن يؤدي ما ~~عليه، فتؤخذ خطاياهم، فتحمل على خطاياه، ويقذف به في النار، فهذا هو ~~المفلس". نعوذ بالله من الحرمان. # قال بعض الصالحين رضي الله عنهم: أتيت إبراهيم بن أدهم لأزوره، فطلبته في ~~المسجد، فلم أجده، فقيل لي: انه خرج الآن من المسجد، فخرجت في طلبه، فوجدته ~~في بطن واد نائما في زمان الحر، وحية عظيمة عند رأسه، وفي فم الحية غصن من ~~الياسمين، وهي تشرد عنه الذباب، فبقيت متعجبا من ذلك، وإذا بالحية # PageV01P033 # قد أنطقها الله الذي أنطق كل شيء، فقالت لي: مم تتعجب أيها الرجل؟ فقلت ~~لها، من فعلك هذا, وأكثر تعجبي من كلامك وأنت عدوة لبني آدم. فقالت لي: ~~والله العظيم، ما جعلنا الله أعداء إلا للعاصين، وأما أهل طاعته، فنحن لهم ~~منقادون. # وأنشدوا: # فعالي قبيح وظني حسن ... وربي غفور كثير المنن # تبارز مولاك يا من عصى ... وتخشى من الجار لما فطن # ركبت المعاصي وشيبي معي ... فوالله يا نفس ماذا حسن # فقومي الدياجي له وارغبي ... وقولي له ms020 يا عظيم المنن # وقولي له يا عظيم الرجا ... إذا أنت لم تعف عني فمن # بحق النبي هو المصطفى ... بحق الحسين بحق الحسن # أيدفع مثلي إلى مالك ... وتعلم إني ضعيف البدن # جلس الحسن البصري ذات يوم يعظ الناس، فجعلوا يزدحمون عليه ليقربوا منه، ~~فأقبل عليهم، وقال: يا إخوتاه، تزدحمون علي لتقربوا مني؟ فكيف بكم غدا في ~~القيامة إذا قربت مجالس المتقين، وأبعدت مجالس الظالمين، وقيل للمخفين ~~جوزوا، وللمثقلين حطوا؟ فيا ليت شعري: أمع المثقلين أحط، أم مع المخفين ~~أجوز؟ ثم بكى حتى غشي عليه، وبكى من حوله، فأقبل عليهم وناداهم، يا إخوتاه، ~~ألا تبكون خوفا من النار؟ ألا من بكى خوفا من النار نجاه الله منها يوم يجر ~~الخلائق بالسلاسل والأغلال. # يا إخوتاه، ألا تبكون شوقا إلى الله. ألا وإن من بكى شوقا إلى الله، لم ~~يحرم من النظر غدا إلى الله إذا تجلى بالرحمة، واطلع بالمغفرة، واشتد غضبه ~~على العاصين. # يا إخوتاه، إلا تبكون من عطش يوم القيامة؟ يوم يحشر الخلائق وقد ذبلت ~~شفاههم، ولم يجدوا ماء إلا حوض المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيشرب قوم، ~~ويمنع آخرون. ألا # PageV01P034 # وإن من بكى من خوف عطش ذلك اليوم سقاه الله من عيون الفردوس. # قال: ثم نادى الحسن رضي الله عنه: واذلاه إذا لم يرو عطشي يوم القيامة من ~~حوض النبي صلى الله عليه وسلم. # ثم بكى وجعل يقول: والله لقد مررت ذات يوم بامرأة من المتعبدات، وهي ~~تقول: الهي، قد سئمت الحياة شوقا ورجاء فيك. فقلت لها: يا هذه، أتراك على ~~يقين من عملك؟ فقالت: حبي فيه وحرصي على لقائه بسطني. أتراه يعذبني وأنا ~~أحب؟. # فبينما أنا كذلك أخاطبها، إذ مر بي صبي صغير من بعض أهلي، فأخذته في ~~ذراعي، وضممته إلى صدري، ثم قبلته. فقالت لي: أتحب هذا الصبي؟ قلت: نعم. ~~قال: فبكت، وقالت: لو يعلم الله الخلائق ما يستقبلون غدا، ما قرت أعينهم، ~~ولا التذت قلوبهم بشيء من الدنيا أبدا. # قال: فبينما أنا كذلك، إذ أقبل لها ولد يقال ms021 له: "ضيغم"، فقالت: يا ضيغم، ~~أتراني أراك غدا يوم القيامة في المحشر أو يحال بيني وبينك؟ قال: فصاح ~~الصبي صيحة ظننت أنه قد انشق قلبه، ثم خر مغشيا عليه، فجعلت تبكي عليه، ~~وبكيت لبكائها. # فلما أفاق من غشيته، قالت له: يا ضيغم، قال لها لبيك يا أماه. قالت: أتحب ~~الموت؟ قال: نعم. قالت: ولم يا بني؟ قال لها: لأصير إلى ما هو خير منك، وهو ~~أرحم الراحمين، إلى من غذاني في ظلمة أحشائك، وأخرجني من أضيق المسالك، ولو ~~شاء لأماتني عند الخروج من ضيق ذلك المسلك حتى تموتي أنت من شدة أوجاعك، ~~لكنه برحمته ولطفه، سهل ذلك علي وعليك. أما سمعتيه عز وجل يقول: {نبئ عبادي ~~إني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم} الحجر 4950. وجعل يبكي ~~وينادي: أواه أواه، إن لم أنج غدا من عذاب الله، ولم يزل يبكي حتى غشي ~~عليه، وسقط على الأرض، فدنت منه أمه، فلمسته بيدها، فإذا هو ميت # PageV01P035 # رحمه الله. فجعلت تبكي وتقول: يا ضيغماه، يا قتيلا في حب مولاه. ولم تزل ~~كذلك حتى صاحت صيحة عظيمة، ووقعت في الأرض، قال: فحركتها، فإذا هي قد ماتت. ~~رحمة الله عليه وعليها، ورحمنا الله بهما. # ** # PageV01P036 ### | الفصل السابع # إخواني، الدنيا سموم قاتلة، والنفوس عن مكائدها غافلة، كم من نظرة تحلو ~~في العاجلة، ومرارتها لا تطاق في العاقبة الآجلة. يا ابن آدم، قلبك قلب ~~ضعيف، ورأيك في إطلاق الطرف وأى (1) سخيف. عينك مطلوقة، ولسانك يجني ~~الآثام، وجسدك يتعب في كسب الحطام، كم من نظرة محتقرة زلت بها الأقدام. # عاتبت قلبي لما ... رأيت جسمي نحيلا # فلام قلبي طرفي ... وقال كنت الرسولا # فقال طرفي لقلبي ... بل كنت أنت الدليلا # فقلت كفا جميعا ... تركتماني قتيلا # كان عيسى عليه السلام يقول: النظرة تزرع في القلب الشهوة. # وقال الحسن: من أطلق طرفه، كثر ألمه. # قال إبراهيم (2) : # ومن كان يؤتى من عدو وحاسد ... فإني من عيني أوتى ومن قلبي # وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى رسول الله ms022 صلى الله ~~عليه وسلم وهو يتسلسل دما، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بالك؟ " ~~فقال: مرت بي امرأة، فنظرت إليها، فلم يزل يتبعها بصري، فاستبقني جدار ~~فضربني، فصنع بي ما ترى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا أراد ~~بعبد خيرا، عجل له عقوبته في الدنيا (3) ". PageV01P037 # قال أبو يعقوب النهرجوري: رأيت في الطواف رجلا بفرد عين، وهو يقول في ~~طوافه: أعوذ بك منك، فقلت له: ما هذا الدعاء، فقال: إني مجاور منذ خمسين ~~سنة، فنظرت إلى شخص يوما فاستحسنته، وإذا بلطمة قد وقعت على عيني، فسالت ~~على خدي، فقلت: آه، فوقعت أخرى، وقائل يقول: لو زدت لزدناك. # دعوني أناجي مولى جليلا ... إذا الليل أرخى على السدولا # نظرت إليك بقلب ذليل ... لأرجو به يا إلهي القبولا # لك الحمد والمجد والكبرياء ... وأنت الإله الذي لن يزولا # وأنت الإله الذي لم يزل ... حميدا كريما عظيما جليلا # تميت الأنام وتحيي العظام ... وتنشى الخلائق جيلا فجيلا # عظيم الجلال كريم الفعال ... جزيل النوال تنيل السؤولا # حبيب القلوب غفور الذنوب ... تواري العيوب تقيل الجهولا # وتعطي الجزيل وتولي الجميل ... وتأخذ من ذا وذاك القليلا # خزائن جودك لا تنقضي ... تعم الجواد بها والبخيلا # قال بعض العارفين: خرجنا من أرض العراق نريد مكة ومدينة المصطفى صلى الله ~~عليه وسلم، وكنا في رفقة كثيرة من الناس، فإذا نحن برجل من أهل العراق، وقد ~~خرج معنا رجل به أدمة في شقرة وهو مصفر اللون، قد ذهب الدم من وجهه مما ~~بلغت فيه العبادة، وعليه ثياب خلقة من رقاع شتى، وبيده عصا ومعه مزود فيه ~~شيء من الزاد. # قال: وكان ذلك الرجل العابد الزاهد أويسا القرني، فلما نظر إليه أهل ~~القافلة على تلك الحالة، أنكروه، وقالوا له: نظن أنك عبد. قال: نعم. قالوا: ~~نظن أنك عبد سوء هربت من مولاك. قال لهم: نعم. قالوا: كيف رأيت نفسك حين ~~هربت من مولاك، وما صار حالك إليه؟ أما إنك لو أقمت عنده، ما كانت هذه ~~حالتك، وإنما أنت عبد سوء مقصر. ms023 فقال لهم: نعم والله، أنا عبد سوء، ونعم ~~المولى # PageV01P038 # مولاي، ومن قبلي التقصير، ولأطعته وطلبت رضاه، ما كان من أمري هذا، وجعل ~~يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق. # قال: فرحمه القوم، وظنوا أنه يعني مولى من موالي الدنيا، وهو ما كان يريد ~~بذلك إلا رب العزة. # فقال له رجل من أهل القافلة: لا تخف، أنا آخذ لك من مولاك الأمان، فارجع ~~إليه وتب. فقال: إني راجع إليه، وراغب فيما لديه. # قال: وكان خرج زائرا إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسارت ~~القافلة ذلك اليوم، وسار معهم، وجدوا في السير، فلما كان في الليل نزلوا في ~~فلاة من الأرض، وكانت ليلة شاتية باردة كثيرة المطر. قال: فأوى كل واحد من ~~أهل القافلة إلى رحله وخبائه، ولم يأو أويس إلى شيء، ولم يسأل أحدا شيئا. ~~قال: وقد كان آلى على نفسه إلا يسأل من أمور الدنيا لمخلوق، وإنما تكون ~~حوائجه إلى الله سبحانه وتعالى، فبلغ به البرد تلك الليلة مبلغا شديدا، حتى ~~اضطربت جوارحه من شدة البرد، واشتد عليه سلطان البرد حتى مات في جوف الليل. # فلما أصبحوا وأرادوا الرحيل نادوه: قم أيها الرجل، فان الناس قد رحلوا، ~~فلم يجبهم، فأتاه رجل قريب منه، فحركه فوجده ميتا رحمه الله، فنادى: يا أهل ~~القافلة، إن العبد الهارب من سيده قد مات، ولا ينبغي لكم الرحيل حتى ~~تدفنوه. قالوا: وما الحيلة في أمره؟. # فقال لهم رجل صالح كان معهم: إن هذا العبد كان عبدا تائبا راجعا إلى ~~مولاه نادما على ما صنع، ونحن نرجو أن ينفعنا الله به، وقد قبل توبته، ~~ونخاف أن نسأل عنه إن تركناه غير مدفون، ولا بد لكم أن تصبروا حتى تحفروا ~~له قبرا وتدفنوه فيه. # فقالوا: هذا موضع ليس فيه ماء، فقال بعضهم لبعض: اسألوا الدليل، فسألوه، ~~فقال: إن بينكم وبين الماء ساعة، ولكن أرسلوا معي واحدا وأنا آتيكم بالماء. # PageV01P039 # فأخذ الدليل دلوا، وساروا إلى الماء، فلما خرج من القافلة، إذا هو بغدير ~~من الماء، فقال الدليل: ms024 هذا هو العجب الذي لم أر مثله هذا موضع ليس فيه ~~ماء، ولا على قرب منه!. # فرجع إليهم، وقال لهم: قد كفيتم المؤنة. عليكم بالحطب، فجمعوه ليسخنوا به ~~الماء من شدة البرد، ثم أتوا إلى الماء ليأخذوه، فوجوده ساخنا يغلي، ~~فازدادوا تعجبا، وفزعوا من ذلك الرجل، وقالوا إن لهذا العبد قصة وشأنا. # قال: فأخذوا في حفر قبره، فوجدوا التراب ألين من الزبد، والأرض تفوح مثل ~~المسك الإذفر، وملئوا رعبا وفزعا، وكانوا إذا نظروا إلى التراب الذي يخرج ~~من القبر، وجدوه صفة التراب، وإذا شموه، وجدوا رائحة كرائحة المسك. # فضربوا له خباء وأدخلوه فيه، وتنافسوا في كفنه، فقال رجل من القوم: أنا ~~أكفنه، وقال آخر، أنا أكفنه. فاتفق رأيهم على أن يجعل كل واحد منهم ثوبا. # ثم إنهم أخذوا دواة وقرطاسا، وكتبوا صفته وعته، وقالوا: إذا وصلنا، إن ~~شاء الله، المدينة، فلعل من يعرفه، وجعلوا الكتاب في أوعيتهم. # فلما غسلوه، وأرادوا أن يكفنوه، كشفوا الثوب الذي كان عليه، فوجدوه مكفنا ~~بكفن من الجنة، لم ير الراؤون مثله، ووجدوا على كفنه مسكا وعنبرا، وقد ملأت ~~رائحة حنوطه الدنيا، وعلى جبينه خاتم من المسك، وعلى قدميه كذلك. # فقالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. إن الله عز وجل قد كفنه ~~وأغناه عن أكفان العباد، ونرجو الله تعالى أنه قد أوجب لنا الجنة ورحمنا ~~بهذا العبد الصالح، وندموا ندامة شديدة على تركه تلك الليلة حتى مات ~~بالبرد. # ثم إنهم حملوه ليدفنوه، ووضعوه في بقعة سهلة ليصلوا عليه، فلما كبروا، ~~سمعوا أصوات التكبير من السماء إلى الأرض، ومن المشرق إلى المغرب، # PageV01P040 # وانخلعت أفئدتهم وأبصارهم، ولم يدروا كيف صلوا عليه من شدة الجزع، وعظم ~~رعبهم مما سمعوا فوق رؤوسهم، فحملوه يريدون قبره، فكأنه يخطف من بينهم ولا ~~يجدون له ثقلا، حتى أتوا به إلى القبر ليدفنوه، فدفنوه، ورجع القوم وقد ~~تعجبوا من أمره. # فلما قضوا سفرهم، وأتوا إلى مسجد الكوفة، وأخبروا بخبره، وما كان من ~~صفته، فعند ذلك عرفه الناس، وارتفعت الأصوات بالبكاء في ms025 مسجد الكوفة، ولولا ~~ذلك ما عرف أحد بموته، ولا بمكان قبره، لاختفائه عن الناس وهروبه منهم رضي ~~الله عنه، ونفعنا ببركاته. # ** # PageV01P041 ### | الفصل الثامن # إخواني، إلى كم هذه الغفلة وأنتم مطالبون بغير مهلة؟ فبالله عليكم، ~~تعاهدوا أيامكم بتحصيل العدد، وأصلحوا من أعمالكم ما فسد، وكونوا من آجالكم ~~على رصد، فقد آذنتكم الدنيا بالذهاب، وأنتم تلعبون بالأجل وبين أيديكم يوم ~~الحساب. آه من ثقل الحمل.. آه من قلة الزاد وبعد الطريق. # فيا أيها المغرور بإقباله، المفتون بكواذب آماله، الذي غاب عن الصواب، ~~وهو في فعله كذاب. # يا بطال، إلى كم تؤخر التوبة وما أنت في التأخير بمعذور؟ إلى متى يقال ~~عنك: مفتون ومغرور؟ يا مسكين، قد انقضت أشهر الخير وأنت تعد الشهور؟ أترى ~~مقبول أنت أم مطرود؟ أترى مواصل أنت أم مهجور؟ أترى تركب النجب (1) غدا أم ~~أنت على وجهك مجرور؟ أترى من أهل الجحيم أنت أم من أرباب النعيم والقصور. ~~فاز، والله، المخفون، وخسر هنالك المبطلون، إلا إلى الله تصير الأمور. # وأنشدوا: # مالي أراك على الذنوب مواظبا ... أأخذت من سوء الحساب أمانا # لا تغفلن كأن يومك قد أتى ... ولعل عمرك قد دنا أو حانا # ومضى الحبيب لحفر قبره مسرعا ... وأتى الصديق فأنذر الجيرانا # وأتو بغسال وجاؤوا نحوه ... وبدا بغسلك ميتا عريانا # فغسلت ثم كسيت ثوبا للبلى ... ودعوا لحمل شريرك الإخوانا # وأتاك أهلك للوداع فودعوا ... وجرت عليك دموعهم غدرانا # فخف الإله فانه من خافه ... سكن الجنان مجاورا رضوانا PageV01P042 # جنات عدن لا يبيد نعيمها ... أبدا يخالط روحه ريحانا # ولمن عصا نار يقال لها لظى ... تشوى الوجوه وتحرق الأبدانا # نبكي وحق لنا البكاء يا قومنا ... كي لا يؤاخذنا بما قد كانا # قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كان ابن آدم في سياق الموت، بعث الله ~~إليه خمسة من الملائكة: # أما الملك الأول، فيأتيه وروحه في الحلقوم، فيناديه: يا ابن آدم، أين ~~بدنك القوي؟ ما أضعفه اليوم؟ أين لسانك الفصيح؟ ما أسكته اليوم؟ أين أهلك ~~وقرابتك؟ ما أوحشك منهم اليوم!. # ويأتيه الملك الثاني إذا ms026 قبض روحه، ونشر عليه الكفن، فيناديه: يا ابن ~~آدم، أين ما أعددت من الغنى للفقر؟ أين ما أعددت من الخراب للعمران؟ أين ما ~~أعددت من الأنس للوحشة؟. # ويأتيه الملك الثالث إذا حمل على الأعناق، فيناديه: يا ابن آدم، اليوم ~~تسافر سفرا بعيدا لم تسافر سفرا أبعد منه، اليوم تزور قوما لم تزورهم قبل ~~هذا قط، اليوم تدخل مدخلا ضيقا لم تدخل أضيق منه، فطوبى لك إن فزت برضوان ~~الله، وويل لك إن رجعت بسخط الله. # ويأتيه الملك الرابع إذا ألحد في قبره فيناديه: يا ابن آدم، بالأمس كنت ~~على ظهرها ماشيا، واليوم صرت في بطنها مضطجعا. بالأمس كنت على ظهرها ضاحكا، ~~واليوم أصبحت في بطنها باكيا. بالأمس كنت على ظهرها مذنبا، واليوم أمسيت في ~~بطنها نادما. # ويأتيه الملك الخامس إذا سوي عليه التراب، وانصرف عنه الأهل والجيران ~~والأصحاب، فيناديه: يا ابن آدم، دفنوك وتركوك، ولو أقاموا عندك ما نفعوك. ~~جمعت المال وتركته لغيرك. اليوم تصير إما لجنة عالية، أو إلى نار حامية". # PageV01P043 # ويروى عن بعض المتعبدين أنه قال: إلهي عصيتك قويا، وأطعتك ضعيفا، وأسخطتك ~~جلدا، وخدمتك نحيفا، فيا ليت شعري، هل قبلتني على لؤمي، أم صرفتني على ~~جرمي؟ قال: ثم غشي عليه ووقع على الأرض وانسلخت جبهته. # فقامت إليه أمه، وقبلته بين عينيه، ومسحت جبهته وهي تبكي وتقول: قرة عيني ~~في الدنيا، وثمرة فؤادي في الآخرة، كلم عجوزك الثكلى، ورد جواب أمك الحري. # قال: فأفاق الفتى من غشيته، ويده قابضة على كبده، وروحه تتردد في جسده، ~~ودموعه تنسكب على خده ولحيته، فقال لها: يا أماه، هذا اليوم الذي كنت ~~تحذريني منه، وهذا هو المصرع الذي كنت تخوفيني منه، هذا مصرع الأهوال، ~~وسقوط عثرة الأثقال، فيا أسفا على الأيام الخالية، ويا جزعي من الأيام ~~الطوال التي لم أعرج فيها على الإقبال. # يا أماه أنا خائف على نفسي أن يطول في النار سجني وحبسي. يا حزناه إن ~~رميت فيها على رأسي، ويا أسفاه إن قطعت فيها أنفاسي. # يا أماه، افعلي ما أقول ms027 لك. # فقالت له: يا بني، فدتك نفسي، ماذا تريد؟. # قال لها: ضعي خدي على التراب، وطئيه بقدمك حتى أذوق طعم الذل في الدنيا، ~~والتلذذ للسيد المولى، عسى أن يرحمني وينجيني من نار لظى. قالت أمه: فقمت ~~إليه في الحال، وقد ألصق خده بالتراب، والدموع تجري من عينيه كالميزاب، ~~فوطئت خده بقدمي، فإذا هو ينادي بصوت ضعيف: هذا جزاء من أذنب وعصى، وهذا ~~جزاء من أخطأ وأسا، هذا جزاء من لم يقف بباب المولى، هذا جزاء من لم يراقب ~~العلي الأعلى. # قالت: ثم تحول إلى القبلة، وقال: لبيك لبيك، إلا اله إلا أنت سبحانك إني ~~كنت من الظالمين. # PageV01P044 # قال: ثم مات في مكانه، فرأته أمه في المنام كأن وجهه فلقة قمر تجلى من ~~سحاب، فقالت له: يا بني، ما فعل بك مولاك؟ قال: رفع درجتي، وقربني من محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فقالت له أمه: يا بني، ما الذي سمعت منك تقوله عند ~~وفاتك؟ فقال لها: يا أماه، هتف بي هاتف وقال لي: يا عمران، أجب داعي الله، ~~فأجبته، ولبيت ربي عز وجل. رحمه الله تعالى. # ** # PageV01P045 ### | الفصل التاسع # إخواني، السفر مكتوب علينا، فما لنا نطلب الإقامة في جار ليست لنا دار ~~مقامة؟ السنون منازل، والشهور مراحل، والأيام أميال، والأنفاس خطوات، ~~والمعاصي قطاع، والربح الجنة، والخسران النار. # خلقنا نتقلب في ستة أسفار إلى أن يستقر بنا القرار: فالسفر الأول: سفر ~~السلالة من الطين، والثاني من الصلب إلى الرحم، والثالث: من الرحم إلى ظهر ~~الأرض، والرابع: من ظهر الأرض إلى القبر، والخامس: من القبر إلى موقف ~~العرض، والسادس: من موقف العرض إلى دار الإقامة: إما إلى الجنة أو النار، ~~وقد قطعنا نصف الطريق، وبقي الأصعب. # يا من يضج في الكرب ويصيح، خل التدبير لغيرك فتستريح، تكثر النحيب ~~والعويل، وتنسى ما سلف من الفعل الوبيل. لو رجعت إليك بقلبك، لعجل عليك ~~بتفريج همك وكربك. # يا أخي، إياك والدنيا، فان حبل الدنيا مبتوت، واقنع منها بالقوت، واعلم ~~أنك تموت. # قال ابن المبارك: قدمت مكة، فإذا ms028 الناس قد قحطوا من المطر، وهم يستسقون ~~في المسجد الحرام، وكنت في الناس من باب بني شيبة، إذ أقبل غلام أسود قطعتا ~~خيش، قد ائتزر بإحداهما، وألقى الأخرى على عاتقيه، فصار في موضع خفي إلى ~~جانبي، فسمعته يقول: الهي، أخلقت الوجوه كثرة الذنوب ومساوئ العيوب، وقد ~~منعتنا غيث السموات لتؤدب الخليقة بذلك، فأسألك يا حليم، يا من لا يعرف ~~عباده من إلا الجميل، اسقهم الساعة الساعة. # قال ابن المبارك: فلم يزل يقول: اسقهم الساعة الساعة، حتى انسد الجو # PageV01P046 # بالغمام، وأقبلت قطرات الركام (1) تهطل كأفواه القرب، وجلس مكانه يسبح ~~الله تعالى، فأخذت في البكاء، حتى قام فاتبعته حتى عرفت موضعه. # فجئت إلى الفضيل بن عياض، فقال لي: ما لي أراك كئيبا؟ فقلت له: سبقنا ~~إليه غيرنا، فولاه دوننا. قال: وما ذلك؟ فقصصت عليه القصة وسقط في الأرض، ~~وقال: ويحك ابن المبارك، خذني إليه، فقلت: قد ضاق الوقت، سأبحث عن شأنه. # فلما كان من الغد، صليت الغداة، وخرجت أريد الموضع، فإذا بشيخ على باب، ~~وقد بسط له وهو جالس، فلما رآني عرفني، وقال: مرحبا بك يا أبا عبد الرحمن، ~~ما حاجتك؟ فقلت: احتجت إلى غلام، فقال: نعم عندي عدة، اختار أيهم شئت، فصاح ~~يا غلام، فقال: هذا محمود العاقبة، أرضاه لك، فقلت: ليس هذا حاجتي، فما زال ~~يخرج واحدا بعد واحد، حتى أخرج إلى الغلام، فلما أبصرته بدرت عيناي ~~بالدموع، فقال: هذا؟ فقلت: نعم، فقال: ليس لي إلى بيعه سبيل. فقلت: ولم؟!. ~~قال: قد تبركت بموضعه في هذه الدار، فقلت له: ومن أين طعامه؟ فقال: يكسب من ~~فتل الشريط نصف دانق أو أقل أو أكثر، فهو قوته إن باعه في يومه، وإلا طوى ~~ذلك اليوم. # وأخبرني الغلمان عنه أنه لا ينام في الليل الطويل ولا يختلط بأحد منهم، ~~مهتم بنفسه، وقد أحبه قلبي. # فقلت له: انصرف إلى الفضيل بن عياض وسفيان الثوري بغير قضاء حاجة، ثم ~~رجعت إليه، وسألت فيه بإلحاح، فقال: إن ممشاك عندي كبير، خذه بما شئت. # قال: فاشتريته، وسرت ms029 معه نحو دار الفضيل، فمشيت ساعة فقال لي: يا مولاي. ~~PageV01P047 # فقلت له: لبيك. # فقال: لا تقل لبيك، فان العبد أولى بأن يلبي من المولى. # قلت: وما حاجتك يا حبيبي. # قال: أنا ضعيف البدن، لا أطيق الخدمة، وقد كان لك في غيري سعة، قد أخرج ~~لك من هو أجلد مني وأثبت. فقلت له: لا يراني الله تعالى أستخدمك، ولا كان ~~اشترائي لك إلا أنزلك منزلة الأولاد، ولأزوجك، وأخدمك أنا بنفسي. قال: ~~فبكى، فقلت له: وما يبكيك؟. # قال لي: أنت لم تفعل هذا، إلا وقد رأيت بعض متصلاتي بالله تعالى، وإلا، ~~فلم أخذتني من أولئك الغلمان؟. # فقلت له: ليس بك حاجة إلا هذا. # فقال لي: سألت بالله إلا أخبرتني. # فقلت له: بإجابة دعوتك. # فقال لي: إني أحسبك إن شاء الله رجلا صالحا، إن لله عز وجل خيرة من خلقه، ~~لا يكشف شأنهم إلا لمن أحب من عباده، ولا يظهر عليهم إلا من ارتضى. # ثم قال لي: ترى أن تقف علي قليلا، فانه قد بقي علي ركعات من البارحة. # قلت: هذا منزل الفضيل. # قال: لا هاهنا أحب إلي. إن أمر الله تعالى لا يؤخر، فدخل المسجد، فما زال ~~يصلي حتى أتى على ما أراد، فالتفت إلي وقال: يا أبا عبد الرحمن، هل لك من ~~حاجة؟. # قلت: ولم. # PageV01P048 # قال: لأني أريد الانصراف. # قلت: إلى أين. # قال: إلى الآخرة. # قلت: لا تفعل دعني أنتفع بك. # فقال لي: إنما كانت تطيب الحياة حيث كانت المعاملة بيني وبين الله تعالى، ~~فأما إذا اطلعت عليها أنت، سيطلع عليها غيرك، فلا حاجة لي في ذلك، ثم خر ~~على وجهه، وجعل يقول: إلهي اقبضني الساعة الساعة، فدنوت منه، فإذا هو قد ~~مات. فو الله ما ذكرته قط إلا طال حزني، وصغرت الدنيا في عيني، وحقرت عملي. # رحمه الله ورحمنا به. # ** # PageV01P049 ### | الفصل العاشر # يا هذا، كم تتزيا بزي العباد والزهاد وحال قلبك في الغفلة ما حال، الظاهر ~~منك نقي، والباطن منك متسخ بطول الآمال. لا تصلح المحبة لمن يميله حب ~~المال، ms030 ولولا مكابدة المجاهدة لم يسمم القوم رجال. # يا ميت القلب، وعدك في الدنيا صحيح، وفي الآخرة محال، إن لم تبادر في ~~الشباب، فبادر في الاكتهال، وما بعد شيب الرأس لهو ولما أبعد عثرة الشيخ إن ~~تقال. ضيعت زمان الشباب في الغفلة، وفي الكبر تبكي على التفريط في الأعمال، ~~لو علمت ما أحصي عليك، لكنت من الباكين طول الليال. # قال رجل لذي النون وهو يعظ الناس: يا شيخ، ما الذي أصنع؟ كلما وقفت على ~~باب من أبواب المولى صرفني عنه قاطع المحن والبلوى. # قال له: يا أخي، كن على باب مولاك كالصبي الصغير مع أمه، كلما ضربته أمه ~~ترامى عليها، وكلما طردته، تقرب إليها، فلا يزال كذلك حتى تضمه إليها. # يروى أن عيسى عليه السلام كان يسبح في الأرض، ويقول: دابتي رجلاي، ولباسي ~~الشعر، وشعاري خوف الله، وريحاني عشب الأرض، وطعامي خبز الشعير، وظلي ظلمات ~~الليل، ومسكني حيث أواني الليل، وهذا لمن يموت كثير. # ويروى عن الشبلي (1) رضي الله عنه أنه قال: رأيت بدوي بمكة، حرسها الله ~~تعالى، وهو يخدم الصوفية، فسألته عن سبب ذلك، فقال لي: كنت بالبادية، وإذا ~~بغلام حاف مكشوف الرأس ما معه زاد ولا ركوة ولا عصا، فقلت في نفسي: أدرك ~~هذا الفتى، فإذا كان جائعا أطعمته، وإن كان عطشان سقيته. PageV01P050 # قال: فبادرت إليه حتى بقي بيني وبينه مقدار ذراع، وإذا به بعد عني حتى ~~غاب عن عيني، فقلت: هذا شيطان وإذا به ينادي: لا بل سكران. # فناديته: يا هذا بالذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق إلا ما وقفت ~~علي. # فقال لي: يا فتى أتعبتني وأتعبت نفسك. # فقلت له: رأيتك وحدك، فأردت خدمتك. # قال لي: من يكن الله معه، كيف يكون وحده؟!. # فقلت له: ما أرى معك زادا. # فقال لي: إذا جعت فذكره زادي، وإن عطشت فمشاهدته سؤلي ومرادي. # فقلت له: أنا جائع فأطعمني. # فقال: أولم تؤمن بكرامات الأولياء. # فقلت: بلى، ولكن ليطمئن قلبي، فضرب بيده الأرض، وكانت أرض رملة، ثم قبض ~~قبضة، وقال: كل ms031 يا مخدوع، وإذا هو سويق ألذ ما يكون. # فقلت: ما ألذه!. # فقال لي: في البادية عند الأولياء من هذا كثير لو عقلت. # فقلت له اسقني، فركض برجله الأرض، فإذا هو بعين من عسل وماء، فجلست لأشرب ~~من تلك العين، ثم رفعت رأسي، فلم أره، ولم أدر كيف غاب، ولا أين ذهب، فأنا ~~أخدم الفقراء من ذلك اليوم إلى الآن، لعلي أرى مثل ذلك الولي. # يا هذا، إلى متى تسمع أخبارهم ولا تقفو آثارهم، اطلب رفقة التائبين عساك ~~لطريقهم ترشد، اندب على بعادك يا مطرود، فمثلك من بكى وعدد، اعتذر يا ~~مهجور، عساك بالذل تسعد، وقل بلسان التذلل والأسف والكمد: # PageV01P051 # كم ذا التلوم لا إقلاع يصحبه ... ولا عزيمة هذا العجز والكسل # وكم أردد أقوال ملفقة ... ما ينفع القول إن لم يصدق العمل # واعجبا! كم لي أعاتب المهجور والعتب ما ينفع، كم لي أنادي أطروش الغفلة ~~لو كان النداء يسمع، كم لي أحدث قلبك وفي سماعك أطمع. واها عليك يا جامد ~~العين قط ما تدمع، من علامة الخذلان قلب لا يخشع، قلبك ذهب في حب الفاني، ~~وأنت للحرام تجمع. عليك يا غافل في جمعه الحساب، وتخلفه لمن لا ينفع، بينما ~~أنت في بستان اللهو إذ قيل: فلان سافر وليس في رجوعه مطمع. # ويروى عن علي بن أبي صالح أنه قال: كنت أدور في جب اللكام (1) أطلب ~~الزهاد والعباد، فرأيت رجلا عليه مرقعة، هو جالس على صخرة مطرق إلى الأرض. # فقلت له: يا شيخ ما تصنع هاهنا؟. # قال لي: انظر وأرعى. # قلت له: ما أرى بين يديك إلا الحجارة، فما الذي تنظر وترعى. قال: أنظر ~~خواطر قلبي، وأرعى أوامر ربي، فبحق الذي أظهرك علي إلا ما تركتني، فإنك ~~شغلتني عن مولاي. # فقلت له: كلمني بشيء أنتفع به. # فقال لي: من لازم الباب، أثبت في الخدمة، ومن أكثر من الذنوب، أكثر من ~~الندم، ومن استغنى بالله، لم يخف العدم. ثم تركني ومضى، رضي الله تعالى ~~عنه. # ** PageV01P052 ### | الفصل الحادي عشر # يا من رواحله في طلب ms032 الدنيا لها إسراع، متى تحل عنها نطاق الأمل، فيكون ~~الانقطاع؟ إذا طلبت الآخرة، تمشي رويدا، فمتى يكون الانتفاع؟ عجبا كيف تشد ~~الرحال في طلب الفاني وفي طريقه قطاع! العمر أمانة أتلفت شبابه في الخيانة، ~~وكهولته في البطالة، وفي الشيخوخة تبكي ونقول: عمري قد ضاع. متى أفلح ~~الخائن فيما اشترى أو باع؟ أنت في طلب الدنيا صحيح الجسم، وفي طلب الآخرة ~~بك أوجاع. كم تعرج عن سبل التقوى يا أعرج الهمة، يا من يبقى في القاع. يا ~~من على عمره ليل الغفلة طلع الفجر المشيب بين الأضلاع. رافق رفاق التائبين ~~قبل أن تنقطع مع المنقطعين {وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب ~~مبين} النمل 75. # وأنشدوا: # إذا أنا لم أصبر على من أحبه ... وإن حال عن وصلي فما أنا صانع # أأتركه والقلب من فرط حبه ... أسير بما تطوي عليه الأضالع # أأسمع فيه العذل والوجد حاكم ... فما يغنني بالعذل ما أنا سامع # أأسلوه والشوق يمنع سلوتي ... وأكتم ما قد أظهرته المدامع # ويعتبني قلبي إذا زاد وجده ... فأضرب صفحا دونه وأمانع # وإن زاد بي أشتكيه فحسبه ... على كل حال عند شكواي شافع # فلا عشة تصفو ولا موعد يفي ... ولا نظر يسلي ولا الصبر نافع # أرى الدهر يمضي برهة بعد برهة ... ولم ألف ما مالت إليه المطامع # فان ضقت ذرعا بالذي قد لقيته ... فكل مضيق فهو في الحب واسع # قال ذا النون المصري رضي الله عنه: رأيت امرأة متعبدة، فلما دنوت منها، # PageV01P053 # ودنت مني، سلمت علي، فرددت عليها السلام، فقالت لي: من أين أقبلت؟ فقلت" ~~من عند حكيم لا يوجد مثله، فصاحت صيحة شديدة، ثم قالت: ويحك كيف وجدت معه ~~وحشة الغربة حتى فارقته، وهو أنيس الغرباء، ومعين الضعفاء، ومولى الموالي؟! ~~أم كيف سمحت نفسك بمفارقته؟. # فأبكاني كلامها. فقالت لي: مم بكاؤك؟ فقلت لها: وقع الدواء على الجرح، ~~فأسرع في نجاحه، فقالت لو كنت صادقا، فلم بكيت؟ فقلت لها: فالصادق لا يبكي؟ ~~قالت: لا. قلت: ولم؟ قالت: لأن البكاء راحة للقلب. وهو نقص ms033 عند ذوي العقول. # قلت لها: علميني شيئا ينفعني الله به. # قالت: اخدم مولاك شوقا إلى لقائه، فان له يوما يتجلى فيه إلى أوليائه، ~~لأنه سبحانه سقاهم في الدنيا من محبته كأسا لا يظمؤون بعدها أبدا. # ثم أقبلت تبكي وتقول: إلهي وسيدي، إلى كم تدعني في دار لا أجد لي فيها ~~أنيسا يساعدني على بلائي، ثم جعلت تقول: # إذا كان داء العبد حب مليكه # فمن دونه يرجى طبيبا مداويا # يا أخي، إذا طردك مولاك عن بابه؟ فإلى باب من ترجع، والى أي طريق تذهب، ~~والى أي جهة تقصد؟ لازم باب مولاك، فلعل وعسى يثمر عودك. # وأنشدوا: # حنين قلوب العارفين إلى الذكر ... وتذكارهم عن المناجاة بالسر # وأجسامهم في الأرض سكرى بحبه ... وأرواحهم في ليل حجب العلى تسرى # عباد عليهم رحمة الله أنزلت ... فظلوا عكوفا في الفيافي وفي القفر # وراعوا نجوم الليل لا يرقدونه ... بإدمان تثبيت اليقين مع الصبر # فهذا نعيم القوم إن كنت فاهما ... وتعقل عن مولاك آداب من يدري # PageV01P054 # فما عرسوا لا بقرب حبيبهم ... ولا عرجوا عن مس بؤس ولا ضر # أديرت كؤوس للمنايا عليهم ... فغفوا عن الدنيا كإغفاء ذي سكر # همومهم جالت لدى حجب العلى ... وهم أهل ود الله كالأنجم الزهر # فلا عيش إلا مع أناس قلوبهم ... تحن إلى التقوى وترتاح للذكر # ويروى عن بعض العباد رضي الله عنه أنه قال: بينما أنا في الطريق أسير، ~~وكنت صائما، فرأيت نهرا جاريا، فانغمست فيه، فإذا أنا بسفرجلة على وجه ~~الماء، فأخذتها لأفطر عليها. # قال: فلما أفطرت عليها ندمت، وقلت: أفطرت على ما ليس لي، فلما أصبحت سرت، ~~فضربت على باب البستان الذي كان النهر يخرج منه، فخرج إلي شيخ كبير، فقلت ~~له: يا شيخ، إنه خرج من بستانكم هذا بالأمس سفرجلة، فأخذتها وأكلتها، وقد ~~ندمت على ذلك، فعسى أن تجعلني في حل. # فقال لي: أما أنا في هذا البستان أجير، ولي فيه منذ أربعين سنة ما ذقت من ~~فاكهته شيئا قط، وليس لي في البستان شيء. قلت: لمن هو: قال: لأخوين ms034 بالموضع ~~الفلاني. # قال: فأتيت الموضع، فوجدت أحدهما، فقصيت عليه القصة، فقال: نصف البستان ~~لي، وأنت حل من نصيبي في تلك السفرجلة. فقلت له: وأين أجد أخاك؟ قال: بموضع ~~كذا وكذا. # فمضيت إليه، وقصيت عليه القصة، فقال لي: والله لا أجعلك في حل إلا بشرط. ~~فقلت: وما الشرط؟ قال: أزوجك ابنتي وأعطيك مائة دينار. قال له العابد: ويحك ~~أنا في شغل عن هذا. أما رأيت ما أصابني لأجل سفرجلتك؟ فاجعلني حل. فقال له: ~~والله ما فعلت إلا بالشرط المذكور. # فلما رأى العابد منه الجد، امتثل، وقال افعل، فأعطاه مائة دينار، ثم قال ~~له: أعطني منها ما شئت مهر ابنتي، فرمى بها كلها إليه، فقال له: لا، إلا ~~البعض. # PageV01P055 # قال: فزوجه ابنته، فلامه الناس على ذلك، وقالوا له: خطب ابنتك أرباب ~~الدولة وكبراء الناس، ولم تعطها لهم، فكيف أعطيتها لفقير لا مال له؟ فقال ~~لهم: يا قوم إنما رغبت في الورع والدين، ولأن هذا الرجل من عباد الله ~~الصالحين، رضي الله عنهم أجمعين. # ** # PageV01P056 ### | الفصل الثاني عشر # يا من عمي عن طريق القوم، عليك بإصلاح نور البصر. القلب المظلم يمشي في ~~شوك الشك وما عنه خبر. وقت التائب كله عمل: نهاره صوم، وليله سهر، ووقت ~~البطال كله غفلة، وبصيرته عميت عن النظر. من ذاق حلاوة الزهد، استحلى ~~التهجد والسهر، إن تدرك المتجهدين في أول الليل، ففي أعقاب السحر. تيقظ من ~~نوم الغفلة، فهذا فجر المشيب انفجر، وأذلة التخلف إذا تخلف عن الباب وما ~~حضر!. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يكونن أحدكم كالعبد السوء، إن خاف ~~عمل، وإن لم يخف فلا عمل، أو كالأجير السوء، إن لم يعط أجرا وافرا لم يعمل" ~~(1) . # أوحى الله إلى داود عليه السلام: يا داود، العاشقون يعيشون في حلم الله، ~~والذاكرون يعيشون في رحمة الله، والعارفون يعيشون في لطف الله، والصديقون ~~يعيشون في بساط الأنس بالله يطعمهم ويسقيهم. # قال أبو بكر الرازي: قال ابن عطاء: لما أكل آدم من الشجرة، طرده كل شيء ~~ونفاه عن نفسه، ms035 وأبعده عن نفسه، وأبعده عن قربه، إلا شجرة العود، فإنها ~~آوته. وبكى عليه كل شيء إلا الذهب والفضة. # فأوحى الله إليهما: ما لكما لا تبكيان على محب طرده محبوبه؟ فقالا: ~~إلهنا، وما كنا لنبكي على محب عصى محبوبه. فقال: وعزتي وجلالي، لأعزنكما ~~ولأجعلنكما قيمة كل شيء، ولأجعلن لأولاد آدم خداما لكما. # وأوحى الله إلى العود: ومالك أويت طريد مولاه؟ فقال: رحمة مني على ذلك. ~~PageV01P057 # فقال: وعزتي وجلالي، لأعذبنك بالنار في الدنيا، ولا ينتفع بك إلا بعد ~~إحراقك، لأنك آويت من عصى في جوار مولاه بمرأى منه واطلاع عليه. # وأنشدوا: # لقد ورد التقاة فما وردنا ... فهمنا والهين وما فهمنا # أحبتنا بطيب الوصل جودوا ... فغير الجود منكم ما عرفنا # فان جدتم فعفوكم رجونا ... وبابكم الكريم به وقفنا # تذللنا بباكم عساكم ... بلطف جنابكم فارضوا علينا # وحقكم لقد جئنا حماكم ... وآوينا لكم لكن طردنا # وحالت بيننا حجب المعاصي ... ولولا الذنب عنكم ما حجبنا # وما كان النوى والبعد منكم ... ولكن أصله مما افترقنا # فتحتم باب جودكم امتنانا ... علينا بعد جرم كان منا # فلم نصلح لقربكم ولكن ... أسأنا ثم تبنا ثم عدنا # وعاملناكم بالعدل دهرا ... وعاهدناكم زمنا فخنا # ولم ينقض لكم عهد ولكن ... علينا قد نقضنا ما نقضنا # طردنا بالجرائم عن رضاكم ... ولو كنا له أهلا قبلنا # وأقررنا بزلتنا لديكم ... فجودوا بالرضا إن اعترفنا # ومن يرجو العبيد يوى الموالي ... فأنتم راحمونا كيف منا # وهل في غيركم عنكم بديل ... وهل لولاكم للحق معنى # فما أشهى وصالكم وأحلى ... وما أعلى مقامكم وأسنى # فعزتنا تذللنا إليكم ... وأشرف حالنا لكم إن خضعنا # بجاه محمد خير البرايا ... تشفعنا لكم وبه اعتصمنا # عليه تحية ما لاح برق ... وتاق لحبه قلب المعنى # ** # PageV01P058 ### | الفصل الثالث عشر # يا هذا، كم لك على المعاصي مصر؟ متى يكون منك المتاب؟ جسمك باللهو عامر، ~~وقلبك من التقوى خراب، ضيعت الشباب في الغفلة، وعند الكبر تبكي على زمان ~~الشباب. في المجلس تبكي على الفائت، وإذا خرجت عدت للانتهاب. لا حيلة لوعظي ~~فيك وقد غلق في وجهك الباب. كم لي ms036 أحدث قلبك، وأرى قلبك غائبا مع الغياب، ~~يا من قلبه مشغول، كيف تفهم الخطاب. وافرحة إبليس إذا طردت عن الباب! هذا ~~مأتم الحزان، هذا المجلس قد طاب. رحلت رفاق التائبين إلى رفاق الأحباب. يا ~~وحشة المهجور المبعد عن الباب إذا لم يجد للقرب والدنو سببا من الأسباب. يا ~~منقطعا عن الرفاق الأحباب، تعلق بأعقاب الساقة بذل وانكسار ودمع ذي انسكاب، ~~وقل: تائه في برية الحرمان، مقطوع فيه تيه الشقاء، مسبول دونه الحجاب، كلما ~~رام القيام، أقعده وأبعده بذنوبه الحجاب، لا زاد ولا راحلة ولا قوة، فأين ~~الذهاب؟ عسى عطفة من وراء ستر الغيب تهون عليك صعاب المصاب. # لله در أقوام شاهدوا الآخرة بلا حجاب، فعاينوا ما أعد الله للمطيعين من ~~الأجر والثواب. ترى لماذا أضمروا أجسادهم وأظمؤوا أكبادهم، وشردوا رقادهم، ~~وجعلوا ذكره بغيتهم ومرادهم؟!. # وأنشدوا: # يا رجال الليل مهلا عرسوا ... إنني بالنوم عنكم مشتغل # شغلتني عنكم النفس التي ... تقطع الليل بنوم وكسل # أنا بطال وأنتم ركع ... زاد تفريطي وزدتم في العمل # قلت مهلا سادتي أهل الوفا ... حمل القوم وقالوا لا مهل # PageV01P059 # قال وهب بن منبه: أوحى الله إلى نبي من الأنبياء: أن إذا أردت أن تسكن ~~معي في حظيرة القدس، فكن وحيدا في الدنيا، فريدا مهموما حظينا، كالطير ~~الوحيد يظل في أرض الفلاة، يرد ماء العيون، ويأكل من أطراف الشجر، فإذا جن ~~عليه الليل، آوى وحده استيحاشا من الطير، واستئناسا لربه. # ويروى عن سفيان الثوري رضي الله عنه أنه قال: مر عابد براهب، فقال له: يا ~~راهب، كيف ذكرك للموت؟ قال: أرفع قدما ولا أضع أخرى، إلا خشيت أن قد مت. # قال: كيف كان نشاطك للصلاة؟ قال: ما سمعت أحدا سمع بالجنة، فأتت عليه ~~ساعة إلا صلى ركعتين. # قال العابد: يا راهب، مالكم تلبسون هذه الخرق السود؟ قال الراهب: لأنها ~~من لباس أهل المصائب. # فقال له العابد: أكلكم معشر الرهبان قد أصيب بمصيبة. قال الراهب: يا أخي ~~وأي مصيبة أعظم من مصيبة الذنوب على أهلها؟. # قال العابد: فما تذكرت هذا ms037 الكلام، إلا وبكيت. # قال العتبي: أنشد رجل من أهل الزهد هذه الأبيات: # ويوم ترى الشمس قد كورت ... وفيه ترى الأرض قد زلزلت # وفيه ترى كل نفس غدا ... إذا حشر الناس ما قدمت # أترقد عيناك يا مذنبا ... وأعمالك السوء قد دونت # فإما سعيد إلى جنة ... وكفاه بالتور قد خضبت # وإما شقي كسى وجهه ... سوادا وكفاه قد غللت # خرج عمر بن عبد العزيز في بعض أسفاره، فلما اشتد الحر عليه، دعا بعمامة ~~فتعمم بها، فلم يلبث أن نزعها، فقيل له: يا أمير المؤمنين، لم نزعتها؟ لقد ~~كانت # PageV01P060 # تقيك الحر. قال: ذكرت أبياتا قالها الأول، وهي هذه: # من كان حين تمس الشمس جبهته ... أو الغبار يخاف الشين والشعثا # ويألف الظل كي تبقى بشاشته ... فسوف يسكن يوما راغما جدثا # في قعر مظلمة غبراء موحشة ... يطيل تحت الثرى في جوفها اللبثا # وقد خرج عيسى بن مريم عليه السلام على الحواريين وعليهم آثار الغبار، ~~وعلى وجوههم النور، فقال: يا بني الآخرة، ما تنعم المتنعمون إلا بفضل ~~نعمتكم. # وقيل للحسن البصري رضي الله عنه: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها؟ ~~فقال: خلوا بالرحمن، فألبسهم نورا من نوره. # وروي عن أبو ماجد، قال: كنت أحب الصوفية، فاتبعتهم يوما إلى مجلس عالم، ~~فرأيت في المجلس شخصا تتمنى النفوس دوام النظر إليه، وهو يبكي كلما سمع ~~العالم والقارئ يقول: الله، الله، فلم تنقطع له دمعة. # فتعجبت من توكف عبراته، وترتداف زفراته، مع صغر سنه، وغض شبابه، فسألت ~~بعض الصوفية عنه فقال: انه تائب غزير الدموع، كثير السجود والركوع، رقيق ~~القلب شفيق الحب. # فبينما نحن كذلك، إذا قرأ القرآن: {فاذكروني أذكركم} "البقرة 152، " فقام ~~قائما على قدميه، وهو يقول: سيدي، خاب من في قلبه غير ذكرك. وهل في الأكوان ~~غيرك حتى يذكر يا حبيب القلوب؟!. # وأنشدوا: # تهتكي في الهوى حلا لي ... وعاذلي ما له وما لي # يلومني في الغرام جهلا ... وكلما لامني حلا لي # قالوا تسليت قلت كلا ... يا قوم مثلي يكون سالي # قالوا تعشقت قل أهلا ... لقد تعشقت لا أبالي # PageV01P061 # قال ms038 أبو علي: الرجال في هذا المقام على أربعة أقسام: # القسم الأول: رجل قد استولى على قلبه عظمة الله وكحبته، فاشتغل بذكره عن ~~ذكر من سواه، ولم تله الأكوان عن الاستئناس بذكره، فهذا هو الذي وصفه الله ~~تعالى، فقال: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} النور 37. # والثاني: رجل عاهد الله تعالى بصدق الاجابة، وتحقق العبودية، وإخلاص ~~الورع، والقيام بالوفاء، فهو الذي وصفه الله تعالى بقوله: {رجال صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه} الأحزاب 23. # والثالث: رجل يتكلم لله وفي الله وبالله ومن أجل الله، ويأمر بالمعروف، ~~وينهى عن المنكر على سائر ضمائر الأسرار، ثم على ظواهر النفوس الأغيار، وهو ~~الذي وصفه الله تعالى، فقال: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى} يس 20. # والرابع: رجل يتكلم سره عن نفسه وعن الملكين الموكلين، ولا يطلع على سره ~~إلا مولاه، وهو الذي وصفه الله تعالى، فقال: {الله نزل أحسن الحديث} ، إلى ~~قوله: {إلى ذكر الله} الزمر 23، فهذا هو في ظاهره كالسلي الخلي، وفي باطنه ~~كالمتولي الشجي. # وأنشدوا: # إليك وإلا لا يفيد سرى الساري ... ولا حرف إلا ما تلاه لك القاري # فيا منيتي يا بغيتي بل ورحمتي ... ويا جنتي في كل حال ويا ناري # إذا صح منك الاعتقاد فكل ما ... على الأرض فان من شموس وأقمار # قال المغيرة بن حبيب: كنت أسمع بمجاهدة المحبين، ومناجاة العارفين، وكنت ~~أشتهي أن أطلع على شيء من ذلك، فقصدت مالك بن دينار، فرمقته على غفلة ~~وراقبته من حيث لا يعلم ليالي عدة، فكان يتوضأ بعد العشاء الآخرة، ثم يقوم ~~إلى الصلاة، فتارة يفني ليلة في تكرار آية أو آيتين، وتارة يدرج القرآن ~~درجا، # PageV01P062 # فإذا سجد وحان انصرافه من صلاته، قبض على لحيته، وخنقته العبرة، وجعل ~~يقول: بحنين الثكلى وأنين الولهى، يا إلهي، ويا مالك رقي، ويا صاحب نجواي، ~~ويا سامع شكواي، سبقت بالقول تفضلا وامتنانا، فقلت: {يحبهم ويحبونه} ~~المائدة 54، والمحب لا يعذ حبيبه، فحرم شيبة مالك على النار. إلهي قد علمت ~~ساكن الجنة من ساكن النار، فأي الرجلين مالك، ms039 وأي الدارين دار مالك؟. # ثم يناجي كذلك إلى أن يطلع الفجر، فيصلي الصبح بوضوء العتمة رحمه الله. # ** # PageV01P063 ### | الفصل الرابع عشر # يا من أقعده الحرمان، هذه رفاق التائبين عليك عبور. لا رسالة دمع ولا نفس ~~آسف، وما أراك إلا مهجور. هذا نذير الشيب ينذر بالرحلة تهيأ لها منذور. كم ~~أعذار؟ كم كسل؟ كم غفلة؟ ما أجدك يوم الحساب معذور. بيت وصلك خراب، وبيت ~~هجرك معمور. بدر عساك تجبر بالتوبة وتعود مجبور، سجدة واحدة واصل بها السحر ~~وتنجو من الأهوال، {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم ~~بالغدو والآصال} الرعد 15. # لله در أقوام قلوبهم معمورة بذكر الحبيب، ليس فيها لغيره حظ ولا نصيب، إن ~~نطقوا فبذكره، وإن تحركوا فبأمره، وإن فرحوا فبقربه، وإن ترحوا فبعتبته، ~~أقواتهم ذكر الحبيب، وأوقاتهم بالمناجاة تطيب، لا يصبرون عنه لحظة، ولا ~~يتكلمون في غير رضاه بلفظة. # وأنشدوا: # حياتي منك في روح الوصال ... وصبري عنك من طلب المحال # وكيف الصبر عنك وأي صبر ... لعطشان عن الماء الزلال # إذا لعب الرجال بكل شيء ... رأيت الحب يلعب بالرجال # يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا بلغ العبد أربعين ~~سنة، ولم يغلب خيره على شره، قبله الشيطان بين عينيه، وقال: فديت وجها لا ~~يفلح أبدا، فان من الله عليه، وتاب إليه، واستنقذه من الضلالة، واستخرجه من ~~غمرات الجهالة، يقول الشيطان لعنه الله: يا ويلاه، قطع عمره بالضلالة، فأقر ~~بالمعصية عيني، ثم أخرجه الله من الجهالة بتوبته ورجوعه إلى ربه" (1) . ~~PageV01P064 # وذكر في بعض الأخبار أن رجلا كان من الفقهاء من أهل بغداد، وكان ممن يسار ~~إليه في العلم والصلاح، وكان شيخا كبيرا فاضلا، وأراد الحج إلى بيت الله ~~الحرام، وزيارة قبر نبيه عليه الصلاة والسلام، فألف من أصحابه جماعة من ~~الذين كانوا يقرؤون عليه، فارتبط معهم على أنهم يخرجون متوكلين على الله عز ~~وجل. # فلما ساروا في بعض الطريق، وإذا بدير نصراني، وقد أعياهم الحر والعطش، ~~فقالوا: يا أستاذنا، نسير لهذا الدير، فنستظل حتى يبرد النهار، ms040 ونرحل إن ~~شاء الله تعالى، فقال لهم: افعلوا ما شئتم، فساروا إلى ذلك الدير، ونزلوا ~~عند جداره وقد أصابهم العياء والحر، فنام الطلبة، والشيخ لم ينم. # قال: فتركهم الشيخ نائمين، وخرج يطلب ماء لوضوئه، ولم يكن له هم إلا ذلك، ~~فبينما هو يمشي في حومة الدير يطلب الماء، فرفع رأسه، فرأى جارية صغيرة ~~السن، كأنها الشمس الضاحية، فلما رآها الشيخ تمكن إبليس من قلبه، ونسي ~~الوضوء والماء، ولم يكن له هم إلا الجارية، فأقبل يقرع الباب قرعا عنيفا، ~~فخرج إليه راهب وقال له: من أنت؟ # قال له: أنا فلان العالم الفلاني، وعرفه بنفسه واسمه. # فقال له الراهب: ما تريد يا فقيه المسلمين؟. # قال له: يا راهب، هذه الصبية التي بدت من أعلى الدير، ما هي منك؟. # قال الراهب: هي ابنتي، فما سؤالك عنها؟. # قال له الشيخ: أريد أن تزوجني إياها. # قال له الراهب: إن ذلك لا يجوز عندنا في ديننا، ولو كان جائزا، لكنت ~~أزوجها منك بغير مشورتها، ولكن قد جعلت لها على نفسها عهدا، أن لا أزوجها ~~إلا من ترضى لنفسها، ولكن أنا أدخل عليها وأعلمها بخبرك، فإن هي رضيتك ~~لنفسها، زوجتك منها. # PageV01P065 # قال له الشيخ: حبا وكرامة. # قال: فذهب الراهب إلى ابنته، فأعلمها بالقصة، والشيخ يسمع. # فقالت: يا أبت، كيف تزوجني منه، وأنا على دين النصرانية، وهو على دين ~~الإسلام، إن ذلك لا يتم له إلا أن يدخل في دين النصرانية. # قال: فعند ذلك، قال لها الراهب: أرأيت إن دخل في دينك، تتزوجينه؟. # قالت: نعم. # والشيخ العالم في هذا كله يتضاعف به الأمر، وإبليس يزينها في عينيه، ~~وأصحابه رقود، ليس عندهم علم بما حل به. # قال: فعند ذلك، أقبل عليها الشيخ وقال لها: قد نبذت دين الإسلام، ودخلت ~~في دينك. # قالت له الجارية: هذا زواج قدري، ولكن لا بد من حق الزوجية ودفع المهر، ~~وأين الحق، وأراك رجلا فقيرا، ولكن أقبل منك في حقي إن ترعى هذه الخنازير ~~عاما كاملا، ويكون ذلك صداقي. # قال لها: نعم، لك ذلك، ms041 ولكن أشترط عليك إن لا تجبي وجهك عني، لأنظر إليك ~~غدوة وعشيا. # قالت: نعم. # فأخذ عصاه التي كان يخطب عليها، وأقبل بها على الخنازير، يزجرها لتمشي ~~للمرعى. # وجرى هذا كله وأصحابه نيام، فلما استيقظوا من نومهم طلبوا الشيخ فلم ~~يجدوه، فسألوا عنه الراهب، فأعلمهم بالقصة. # قال: فمنهم من خر مغشيا عليه، ومنهم من بكى وناح، ومنهم من تأسف على ما ~~حل به. # PageV01P066 # ثم قالوا للراهب: وأين هو؟. # قال لهم: يرعى الخنازير. # قال: فمضينا إليه، فوجدناه متكئا على عصاه التي كان يخطب عليها وهو يزجر ~~بها الخنازير، وقلنا له: يا سيدنا، ما هذا البلاء الذي حل بك. # وجعلنا نذكره فضل القرآن والإسلام، وفضل محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأنا ~~عليه القرآن والحديث. # فقال لنا: إليكم عني، فأنا أعلم بما تذكرونني به منكم، ولكن قد نزل بي ~~البلاء من عند رب العالمين. # قال: فكلما عالجناه ليسير معنا، ما قدرنا عليه، فمضينا إلى مكة وتركناه، ~~وفي قلوبنا منه حسرة. # وقضينا حجنا ورجعنا نريد بغداد، فلما صرنا إلى ذلك الموضع، فقلنا: تعالوا ~~ننظر ما فعل الشيخ، لعله ندم وتاب إلى الله عز وجل، ورجع عما كان فيه. # قال: فذهبنا إليه، فوجدناه على حالته، وهو يزجر الخنازير، فسلمنا عليه ~~وذكرناه، وقرأنا عليه القرآن، فما رد علينا شيئا، فانصرفنا عنه وفي قلوبنا ~~منه حسرة عظيمة. # قال: فلما صرنا على بعد من الدير، وإذا نحن بسواد قد أقبل علينا من ناحية ~~الدير، وهو يصيح علينا، فوقنا له، فإذا هو صاحبنا الشيخ قد لحق بنا. # وقال: اشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وأنا قد تبت ~~إلى الله، ورجعت عما كنت فيه، وما كنت فيه، وما كان ذلك إلا من ذنب كان ~~بيني وبين ربي عاقبني به، فكان من البلاء ما رأيتم. # قال: فسررنا بذلك غاية السرور، وجئنا إلى بغداد، وأقبل الشيخ على العبادة # PageV01P067 # والاجتهاد أكثر مما كان عليه قبل ذلك، فبينما نحن في دار الشيخ نقرأ ~~عليه، وإذا نحن بامرأة قد قرعت الباب، ms042 فخرجنا إليها وقلنا لها: ما حاجتك ~~أيتها المرأة. # قالت: أريد الشيخ وقولوا: إن فلانة بنت فلان الراهب قد جاءت لتسلم على ~~يديك، فأذن لها بالدخول، فدخلت، وقالت: يا سيدي جئت لأسلم على يديك. # فقال لها الشيخ: وما كانت القصة. # قالت له: لما وليت عني، غلبتني عيناي، فنمت، فرأيت فيما يرى النائم علي ~~بن ابي طالب رضي الله عنه، وهو يقول: لا دين إلا دين محمد صلى الله عليه ~~وسلم، قال لي ذلك ثلاث مرات، ثم قال لي بعد ذلك: ما كان الله ليبتلي بك ~~وليا من أوليائه. وها أنا ذا قد جئت إليك، وأنا بين يديك، وأقول: أشهد أن ~~لا اله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ففرح الشيخ بذلك، حيث من الله عليها بدين الإسلام على يديه، فتزوجها على ~~كلمة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. # قال: فسألناه عن ذلك الذنب الذي كان بينه وبين الله. # قال: كنت يوما ماشيا في بعض الأزقة، وإذا برجل نصراني قد لصق بي، فقلت ~~له: ابعد عني عليك لعنة الله. فقال: ولم؟ قلت له: أنا خير منك. # فالتفت النصراني، وقال: ما يدريك أنك خير مني، وهل تدري ما عند الله ~~تعالى حتى تقول هذا الكلام؟. # وقد بلغني بعد ذلك أن هذا الرجل النصراني قد أسلم وحسن إسلامه، ولزم ~~العبادة، فعاقبني الله تعالى من أجل ذلك ما رأيتم. # نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. # ** # PageV01P068 ### | الفصل الخامس عشر # معاشر التائبين: تعالوا نبكي على الذنوب فهذا مأتم الحزان، تعالوا نسكب ~~المدامع. ونشتكي الهجران، لعل زمان الوصال يعود كما كان. # هذا بياض الشيب ينذر بخراب الأوطان، يا من تخلف حتى شاب، وقد رحلت ~~الأظعان. # يا تائها في تيه، التخلف، يا حائرا في برية الحرمان، نهارك في الأسباب، ~~وليلك في الرقاد، هذه الخسارة عيان، إذا ولى الشباب ولم يربح، ففي الشباب ~~ولم يربح، ففي المشيب يكون الخسران، أملك طويل بعيد، وربما هيئت لك ~~الأكفان. # قف على ساحل التوبة، فبحار المعاصي طوفان، ضيعت ms043 ربيع الشباب حتى ذبل من ~~معاصي الرحمن، فعند إقبال المشيب، ندمت على ما قد كان. إن لم يشاهدك رفيق ~~التوفيق، وإلا ففي الحرمان حرمان. وقد يرحم المولى من ضعف عن الأسباب ~~{يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} الرعد 39. # وأنشدوا: # أتبني بناء الخالدين وإنما ... بقاؤك فيها لو عقلت قليل # لقد كان في ظل الأراك مقيل ... لمن كل يوم يقتفيه رحيل # ويروى عن الحسن البصري رضي الله عنه، أنه كان يقول: يا ابن آدم، إن لك ~~عاجلا وعاقبة، فلا تؤثر عاجلتك على عاقبتك، فقد، والله، رأيت أقواما آثروا ~~عاجلتهم على عاقبتهم، فهلكوا وذلوا وافتضحوا. # يا ابن آدم، بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبع آخرتك بدنياك ~~فتخسرهما جميعا. # PageV01P069 # يا ابن آدم، لا يضرك ما أصابك منشدة الدنيا إذا ادخر لك خير الآخرة، وهل ~~ينفعك ما أصبت من رخائها إذا حرمت من خير الآخرة. # يا ابن آدم، الدنيا مطية، إن ركبتها حملتك، وإن حملتها قتلتك. # يا ابن آدم: إنك مرتهن بعملك، وآت على أجلك، ومعروض على ربك، فخذ مما في ~~يديك لما بين يديك، وعند لموت يأتيك الخبر. # يا ابن آدم: لا تعلق قلبك بالدنيا فتعلقه بشر متعلق، حسبك أيها المرء ما ~~بلغك المحل. # ويروى عن مالك بن دينار رضي الله عنه، أنه كان ماشيا في بعض أزقة البصرة، ~~إذا هو بجارية من جواري الملك، راكبة ومعها الخدم والممإليك، فسمع مالك ~~حسها خلفه، فالتفت إليها وهي راكبة، فرأى زهرتها وهيأتها وحالها، فنادى: ~~أيتها الجارية هل يبيعك مولاك. # قال: فلما سمعت منه تلك الكلمة، نظرت إليه، فرأت عباءة خلقة بالية، وله ~~هيأة حسنة وتواضع وسكينة لله عز وجل. # فقالت للخدم: أمسكوا مطيتي، فمسكوها، فردت رأسها إليه، وقالت له: يا شيخ، ~~أعد علي مقالتك. قال: قلت هل يبيعك مولاك. قالت: ويلي عليك، وهل لمثلك ما ~~يشتريني به لو باعني؟!. # قال: فحف به الممإليك، قال: خلوا عني أسير معكم، فسار معهم حتى أتت ~~قصرها، فقام إليها حجبة الدار فأنزلوها، فدخلت، وبقي مالك بباب القصر ms044 حتى ~~وصلت إلى مولاها، فقالت: يا مولاي، إلا أحدثك بعجب؟!. # قال: وما هو يا حسنة؟. # قالت: يا مولاي لقيني شيخ كبير فقير عليه عباءة رثة بالية، فنظر إلى حسني # PageV01P070 # وجمالي وبهائي وكمالي وممإليكي، فأعجبه ما رأى من هيأتي، فقال: هل يبيعك ~~مولاك، فضحك مولاها من ذلك، وقال لها: وأين هو ويلك؟! قالت: قد جئتك به ~~معي، وها هو بباب القصر، فقال: أدخلوه علي. # فدخل مالك، ولم يعرفه الرجل، فلما وقف بباب مجلسه، إذ هو بيت مملوء بضروب ~~من الوطأ، والمتكأ، وإذا هو بصاحب القصر قاعد على مرتبة عظيمة، فجعل مالك ~~ينظر إليه. فقال: مالك؟ أدخل أيها الشيخ. # فقال مالك: لا أدخل حتى ترفع هذا الوطاء، وتغيب عني فنتنته، حتى لا أنظر ~~إليه، ولا أطأ شيئا منه. # فألقى الله الهيبة والطاعة في قلب صاحب القصر، فأمر برفع الوطاء والبسط، ~~حتى كشف عن الرخام، وقعد صاحب القصر على كرسي قال: اجلس أيها الشيخ كما ~~أحببت. # قال: لا والله حتى تنول عن هذا الكرسي، وتجلس على هذا المرمر. قال: فجلس ~~الرجل، وجلس مالك معه. # فقال رب البيت: قل حاجتك أيها الشيخ. # قال: جاريتك هذه التي دخلت عليك الساعة، أتبيعها لي؟. # فقال له صاحب القصر: وهل لك ما تبتاعها به مني؟. # قال: وما ثمنها؟. # قال له: إن من شأنها وقدرها وحالها ومالها، تساوي كذا وكذا ألفا. # فقال مالك: والله ما تساوي عندي نواتين مسوستين، فضحك الرجل، وضحكت ~~الجارية، وضحك الجواري والخدم من وراء الستر من كلام مالك. # فقال مالك: وما الذي أضحككم؟. # PageV01P071 # قال صاحب البيت: وكيف كان ثمنها بهذه الخساسة عندك؟. # فقال مالك: لكثرة عيوبها. # قال: ومن أعلمك بعيوبها. # قال: أنا أعلم من عيوبها ما لم تعلم أنت. # قال: أعلمني بها، وأوقفني عليها. # قال: إن لم تتعطر تغيرت، وإن لم تستك بخرت (1) ، وإن لم تغتسل بظرت، وإن ~~لم تمتشط قملت وشعثت، وإن عمرت عن قليل هرمت وهي ذات بخار، وبصاق، وحيض ~~وبول وغائط أقذار جملة، وآفات بينة، ولعلها لا تريدك إلا لنفسها، ولا تحبك ms045 ~~إلا لتمتعها بك، وتمتعك بها، فلا تفي بعهدك، ولا تصدق في ودك وعهدك، ولا ~~يتخلف عليها أحد من بعدك إلا رأته مثلك. وأنا أجد بدون ما سألت جارية خلقت ~~من سلالة الكافور، ولو مزج بريقها الأجاج لطاب، ولو دعي ميت بكلامها لأجاب، ~~ولو بدا معصمها. # للشمس لأظلمت دونه، ولو برز لسواد الليل لسطع نوره، ولو واجهت الآفاق ~~بحليها وحللها، لتزخرفت، ولو نفخ ريح ذوائبها على الأرض وما فيها لتعطرت، ~~فهي العطرة الشكلة المغنجة المتنسقة، التي نشأت في رياض المسك والزعفران ~~وغنيت بماء التنسيم، فلا يكسف بالها، ولا يحول حالها، ولا يخلف عهدها، ولا ~~يتبدل ودها، ولا يتوقع ضدها. فأيهما أحق بالرفعة أيها المغرور؟. # قال: التي وصفت، فما ثمنها رحمك الله؟. # قال: اليسير المبذول، أن تتفرغ ساعة عن ليلك، فتقوم فتصلي ركعتين تخلصهما ~~لربك، وأن تضع طعامك بين يديك، فتذكر جائعا، فتؤثره على شهوتك، وأن تخطو ~~الطريق فتلتقط منه حجرا ومدرا، وأن تحرك لسانك بطيب الكلام، أو بذكر ~~PageV01P072 # الله، وأن تقطع أيامك باليسير من القوت، وترفع همتك عن دار الغفلة، فتعيش ~~في الدنيا عيش القنوع راسخا، وتأتي غدا يوم القيامة آمنا، وتنزل على الملك ~~الأكبر مخلدا. # قال: فعند ذلك نادى: يا جارية. # قالت: لبيك يا مولاي. # قال: أسمعت ما قاله الرجل؟. # قالت: نعم. # قال لها: هل هو صادق، أم كاذب؟. # قالت: بل هو، والله صادق. # قال: فأنت إذن حرة لوجه الله تعالى، وضيعة كذا وكذا عليك صدقة، وأنتم ~~أيها الغلمان أحرار، وضياع كذا وكذا عليكم صدقة، وهذه الدار صدقة بجميع ما ~~فيها من الأثاث والأموال على الفقراء والمساكين. # ومد يده على ستر كان على بعض أبوابه، فأخذه وستر به نفسه ورمى جميع ما ~~كان عليه من اللباس. # قالت الجارية: يا مولاي، لا عيش لي بعدك، فرمت بكسوتها ولبست ثوبا خشنا ~~وخرجت معه، فودعهما مالك بن دينار ودعا لهما وأخذا طريقا، وأخذ مالك طريقا ~~آخر. # قال ناقل الحديث: فذكر أنها لم يزالا يعبدان الله عز وجل على تلك الحالة ~~حتى لقياه. رحمة ms046 الله عليهم ونفعنا ببركاتهم ### | .... # آمين. # ** # PageV01P073 ### | الفصل السادس عشر # يا تائها في الضلال بلا دليل ولا زاد، متى يوقظك منادي الرحيل فترحل عن ~~الأموال والأولاد؟ قل لي: متى تتيقظ وماضي الشباب لا يعاد، ويحك كيف تقدم ~~على سفر الآخرة بلا زاد ولا راحلة. ستندم إذ حان الرحيل، وأمسيت مريضا ~~تقاد، ومنعت التصرف فيما جمعت، وقطعت الحسرات منك الأكباد، فجاءتك السكرات، ~~ومنع عنك العواد، وكفنت في أخصر الثياب، وحملت على الأعواد، وأودعت في ضيق ~~لحد وغربة ما لها من نفاذ، تغدو عليك الحسرات وتروح إلى يوم التناد، ثم ~~بعده أهوال كثيرة، فيا ليتك لمعاينتها لا تعاد. # فاغتنموا بضائع الطاعات، فبضائع المعاصي خاسرة {كلا بل تحبون العاجلة ~~وتذرون الآخرة} القيامة 2021. # وأنشدوا: # احذر دنياك وغرتها ... واحذر إن تبد لها طلبا # تبغى ودا ممن قدما ... لك قد قتلت أما وأبا # وعلى الجيران فقد جارت ... كلا قهرت أولت عطبا # كم من ملك ذي مملكة ... قد مال لها سكرا وصبا # أضحى في اللحد ومقعده ... بتراب اللحد قد احتجبا # اطلب مولاك ودع دنياك ... ففي أخراك ترى عجبا # كم من قصر قد شيد بنا ... بالموت وها أضحى خربا # يا طالبها لا تله بها ... كم من تاه ملك غضبا # أين الماضون قد سكنوا ... لحدا فردا خربا تربا # كانوا ومضوا ثم انقرضوا ... فتأدب أنت بهم أدبا # PageV01P074 # فالعمر مضى والشيب أتى ... والموت لجينك قد قربا # فأعد الزاد فما سفر ... عمر الأيام قد انتهبا # بادر بالتوب وكن فطنا ... لا تلق بجريتك النصبا # فلعل الله برحمته ... يلقي بالعفو لنا سببا # قال أبو سليمان الداراني رحمه الله: كنت أحمل الحطب من الجبال وأتقوت به، ~~وكان طريقي فيه التقوى والتحري، فرأيت جماعة من صلحاء البصرة في النوم، ~~منهم الحسن ومالك بن دينار، وفرقد السبخي. # فقلت لهم: أنتم أئمة المسلمين فدلوني على الحلال الذي ليس فيه تبعة، ولا ~~للخلق فيه منة، فأخذوا بيدي وأخرجوني من طرسوس إلى مرج فيه خبازي، فقالوا ~~لي: هذا هو الحلال الذي ليس فيه لله تبعة، ولا للخلق فيه منة. # قال: قعدت آكل ms047 منه دهرا نيئا، وآكل منه مطبوخا، فأوجدني الله تعالى قلبا ~~طيبا. # قلت: إن كان أهل الجنة بالقلب الذي لي، فهم والله في عيش. # فخرجت يوما على باب البلد، وإذا بفتى يريد البلد، وكانت لي قطيعات بقيت ~~لي من الحطب الذي كنت أبيعه قبل ذلك، فقلت: هذه لا أحتاج إليها، أدفعها ~~لهذا الفقير ينفقها. # فلما دنا مني، أدخلت يدي لأخرجها له، فرأيته قد حرك شفتيه، وإذا كل ما ~~حولي من الأرض ذهب وفضة، حتى كاد يخطف بصري. # قال: ثم خرجت مرة أخرى، فرأيته قاعدا وبين يديه ركوة وفيها ماء، فسلمت ~~عليه، ثم طلبت منه أن يكلمني فمد رجله، فقلب الركوة بمائها، ثم قال: كثرة ~~الكلام تنشف الحسنات، كما تنشف هذه الأرض الماء، يكفيك. # قال محمد بن غسان صاحب الكوفة وقاضيها: دخلت على أمي في يوم عيد أضحى، ~~فرأيت عندها عجوزا في أطمار رثة، وإذا لها بيان ولسان، فقلت لأمي # PageV01P075 # من هذه؟ فقالت: خالتك عانية أم جعفر بن يحيى البرمكي، وزير هارون الرشيد، ~~فسلكت عليها، وسلمت علي، فسألتها عن حالها، وقلت لها: صيرك الدهر إلى ما ~~أرى!. # قالت: نعم يا بني، إنما كنا في عوار ارتجعها الدهر منا. # فقلت لها: حدثني ببعض شأنك. # قالت: خذ جملة، وقس على ذلك. لقد مضى علي عيد مثل هذا منذ ثلاث سنين، ~~وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أن ابني عاق، وقد كان بعث إلي برسم ~~الضاحي ألف رأس من الغنم، وثلاثمائة رأس من البقر، دون ما يتبع ذلك من ~~الزينة واللباس، وقد جئتكم اليوم أطلب جلدي شاتين أجعل إحداهما شعارا، ~~والآخر دثارا (1) ، تعني غطاء بليل. # قال: فغمني ذلك من قولها، وكربني ما رأيت من حالها، وأبكاني والله قولها، ~~فوهبت لها دنانير كانت عندي. # فانظر أخي حال الدنيا، وكيف يحول نعيمها وكيف يذهب ويزول، فالمغرور، ~~والله من اغتر بها، والمسعود من رأى عيبها وفر منها والمصائب في الدنيا ~~أعداد: فواحد يصاب في الأموال والأولاد، والآخر يعرى من الإسلام بالطرد ~~والإبعاد. # قال: بعض السادات: كنت جالسا عند ms048 الحسن البصري رضي الله عنه، فمر بنا قوم ~~يجرون قتيلا، فلما رآه الحسن البصري، وقع مغشيا عليه، فلما أفاق من غشيته، ~~سألته عن أمره فقال: إن هذا الرجل كان من أفضل العباد والزهاد وكبار ~~السادات، فقلت له: يا أبا سعيد أخبرنا بخبره، وأطلعنا على أمره. # قال: إن هذا الشيخ خرج من بيته يريد المسجد ليصلي فيه، فرأى في طريقه ~~PageV01P076 # جارية نصرانية، فافتتن بها، فامتنعت عليه، فقالت: لا أتزوجك حتى تدخل في ~~ديني، فلما طالت المدة، وزاد به الأمر جبذته شهوته، ثم غلبت عليه شقوته، ~~فأجاب إلى ذلك، وبريء من دين الحنيفية. # فلما صار نصرانيا، وكان منه ما كان، خرجت المرأة من خف الستر، وقالت: يا ~~هذا، لا خير فيك، خرجت من دينك الذي صحبته عمرك من أحل شهوة لا قدر لها، ~~لكن أنا أترك دين النصرانية طلبا لنعيم لا يفنى عني طول الأبد في جوار ~~الواحد الصمد، ثم قرأت: {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم ~~يكن له كفوا أحد} سورة الإخلاص. # فتعجب الناس من أمرها، وقالوا لها: أكنت تحفظين هذه السورة قبل هذا؟! ~~قالت: لا والله ما عرفتها قط، ولكن هذا الرجل لما ألح علي، رأيت في النوم ~~كأني دخلت النار، فعرض علي مكاني منها، فارتعبت وخفت خوفا شديدا، فقال لي ~~مالك: لا تخافي ولا تحزني، فقد فداك الله بهذا الرجل منها، ثم أخذ بيدي، ~~وأدخلني الجنة، فوجدت فيها سطرا مكتوبا. فقرأته، فوجدت فيه {يمحوا الله ما ~~يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} الرعد 39. ثم أقرأني سورة الإخلاص، فأقبلت ~~أرددها، ثم انبتهت وأنا أحفظها. # قال الحسن: فأسلمت المرأة، وقتل الشيخ على ردته نصرانيا. نسأل الله ~~العافية. # PageV01P077 ### | الفصل السابع عشر # يا من يذوب ولا يتوب، كم كتبت عليك الذنوب، ويحك خل الأمل الكذوب. ~~واأسفا، أين أرباب القلوب، تفرقت بالهوى في شعوب، ندعوك إلى صلاحك ولا ~~تؤوب، واعجبا لك، ما الناس إلا ضروب. # يا دهر ما أقضاك من متلون ... في حالتيك وما أقلك منصفا # وغدوت للعبد الجهول مصافيا ms049 ... وعلى الكريم الحر سيفا مرهفا # دهر إذا أعطى استرد عطاءه ... وإذا استقام بدا له فتحرفا # لا أرتضيك وإن كرمت لأنني ... أدري بأنك لا تدوم على الصفا # ما دام خيرك يا زمان بشره ... أولى بنا ما قل منك وما كفى # روي عن الحسن البصري رضي الله عنه أنه قال: أدركت أقواما، وصحبت طوائف، ~~كان يأتي على أحدهم الخمسون سنة ونحوها ما طوى منهم أحد ثوبا قط لفراش ولا ~~نوم، ولم يأمر أهله قد بعمل طعام، ولا جعل بينه وبين الأرض فراشا، ولقد كان ~~يأكل أحدهم الأكلة، فيود أنها حجر في بطنه، وما كانوا يفرحون بشيء من ~~الدنيا أقبل ولا يتأسفون على شيء منها أدبر، ولهي أهون عليهم من هذا التراب ~~الذي تطؤونه بأرجلكم، ولقد كان أحدهم يعيش عمره مجهودا شديد الجهد، والمال ~~الحلال إلى جنبه، فيقال له: إلا تأخذ من هذا المال شيئا لتقتات به؟ فيقول: ~~لا والله، إني لأخاف إن أصبت منه شيئا يكون فساد لقلبي وديني. # ويروى عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، أنه تزوج امرأة من كندة يقال لها: ~~صواب، فأتاها ووقف بباب البيت ونادى باسمها فلم تجبه. # فقال لها: يا هذه أخرساء أنت أم صماء؟ ألا تسمعين؟. # قالت: يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما بي خرس ولا صم ولكن ~~العروس تستحي أن تتكلم. # PageV01P078 # فدخل المنزل، فإذا بالأستار والأرياش ولباس الديباج، فقال: يا هذه أبيتك ~~هذا محموم فدثرته، أم تحولت الكعبة في كندة. # قالت: لا يا صاحب رسول الله، ولكن العروس تزين بيتها، فرفع رأسه فرأى ~~خدما وقوفا على رأسه قد أتوه بالماء والطعام، فقال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "من نام على الموثور، ولبس المشهور، وركب المنظور، ~~وأكل الشهوات، لم يرح رائحة الجنة". # قالت: يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهدك أن كل ما في البيت ~~صدقة لوجه الله تعالى، واكفني برا، أكفك اشتغال البيت ومحاولة العيش، فقال ~~لها: رحمك الله وأعانك. # نفعنا الله ببركاتهم بمنه. # ** # PageV01P079 ### | الفصل الثامن عشر ms050 # يا غافلا عن نصيره، يا واقفا مع تقصيره، سبقك أهل العزائم، وأنت في بحر ~~الغفلة عائم، قف على الباب وقوف نادم، ونكس رأس الذل وقل: أنا ظالم، وناد ~~في الأسحار: مذنب وراحم، وتشبه بالقوم وإن لم تكن منهم وزاحم، وابعث بريح ~~الزفرات سحاب دمع ساجم، وقم في الدجى نادبا، وقف على الباب تائبا، واستدرك ~~من العمر ذاهبه، ودع اللهو جانبا، وطلق الدنيا إن كنت للآخرة طالبا، يا ~~نائما طوال الليل سارت الرفقة، ورحل القوم كلهم، وما انتبهت من الرقدة. # ويروى عن اياس بن قتادة رضي الله عنه، وكان سيد قومه، أنه نظر يوما إلى ~~شعرة بيضاء في لحيته، فقال: اللهم إني أعوذ بك من فجأة الأمور، أرى الموت ~~يطلبني، وأنا لا أفوته، ثم خرج إلى ثومه، وقال لهم: يا بني سعد، قد وهبت ~~لكم شبابي فلتهبوا لي شيبتي، ثم دخل داره، ولزم بيته حتى مات. # وأنشدوا: # أمن بعد شيب أيها الرجل الكهل ... جهلت ومنك اليوم لا يحسن الجهل # تحكم شيب الرأس فيك وإنما ... تميل إلى الدنيا ويخدعك المطل # دع المطل والتسويف إنك ميت ... وبادر بجد لا يخالطه هزل # سأبكي زمانا هدني بفراقه ... فليس لقلبي عن تذكره شغل # عجبت لقلبي والكرى إذا تهاجرا ... وقد كان قبل اليوم بينهما وصل # أخذت لنفسي حتف نفسي بكفها ... وأثقلت ظهري من ذنوب لها ثقل # وبارزت بالعصيان ربا مهيمنا ... له المن والإحسان والجود والفضل # أخاف وأرجو عفوه وعقابه ... وأعلم حقا أنه حكم عدل # وروي عن الحسن البصري أنه كان يقول: يا ابن آدم، هبطت # PageV01P080 # صحيفتك، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فالذي ~~عن يمينك يكتب حسناتك، والذي عن يسارك يكتب سيئاتك، اعمل ما شئت، وأقلل أو ~~أكثر، حتى إذا فارقت الدنيا، طويت صفحتك، وعلقت في عنقك، فإذا كان يوم ~~القيامة، أخرجت وقيل لك: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} الإسراء ~~14. # يا أخي، عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. # يا ابن آدم، اعلم أنك تموت وحدك، وتدخل قبرك وحدك، وتبعث وحدك، ms051 وتحاسب ~~وحدك. # يا ابن آدم: لو أن الناس كلهم أطاعوا الله، وعصيت أنت، لم تنفعك طاعتهم. # وروي عن إبراهيم بن أدهم أنه لقي رجلا، فقال له: كيف حالك يا أبا إسحاق، ~~فقال له: # نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع # فطوبى لعبد آثر الله ربه ... وجاد بدنياه لما يتوقع # ويروى أن عون بن عبد الله كان يقول: ويحي، كيف أغفل ولا يغفل عني. # وكيف يهنأ عيشي، واليوم ثقيل من ورائي؟ كيف لا أبادر بعملي، ولا أدري متى ~~أجلي؟ أم كيف أسر بالدنيا ولا يدوم فيها حالي، أم كيف أؤثرها وقد أضرت بمن ~~آثرها قبلي؟ وهي زائلة ومنقطعة عني؟ أم كيف لا يطول حزني وربي لا أدري ما ~~يفعل بي في ذنوبي. # ويروى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كانت تأتي أربعون ليلة ما يوقد ~~في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مصباح ولا نار. قيل لها: فيم كنتم ~~تعيشون؟ قالت على الأسودين: الماء والتمر. # PageV01P081 # وعن عائشة بنت سليمان زوج يوسف بن أسباط أنها قالت: قال لي يوسف بن ~~أسباط: إني لأشتهي من الله ثلاثة، قلت: وما هي؟ قال: أشتهي أن أكون حين ~~أموت ليس في ملكي شيء، ولا يكون علي دين، ولا يكون على عظمي لحم. # ولقد أعطي من ذلك كله ولقد قال في مرضه: قالت: هل بقي عندك نفقة؟ قلت: ~~لا، فقال: أي شيء تريدين؟ فقلت: أخرج هذه الخابية إلى السوق للبيع، قال: ~~فإذا فعلت ذلك، انكشف حالنا، فقال الناس: إنما باعوها من الحاجة. # وكان عندنا خروف أهداه لنا بعض إخواننا، فأمر بإخراجه إلى السوق، فبيع ~~بعشرة دراهم. # فقال لي: اعزلي درهما لحنوطي، وأنفقي سائرها. # قالت: فمات وما بقي من الدراهم إلا الدرهم الذي أمر بعزله لحنوطه، رضي ~~الله عنه ونفعنا ببركاته. # يا من تحدثه الآمال، دع عنك هذه الوساوس، متى تنتبه لصلاحك أيها الناعس، ~~متى تطلب الأخرى، يا من على الدنيا يتنافس. متى تذكر وحدتك إذا انفردت عن ~~كل مؤانس، يا من قلبه ms052 قد قسا وجفنه ناعس. # وأنشدوا: # إني بليت بأربع ما سلطت ... إلا لعظم بليتي وشقائي # إبليس والدنيا ونفسي والهوى ... كيف التخلص من يدي أعدائي # وروي عن عبد الأعلى بن علي رضي الله عنه قال: صعدت على جبل لبنان، لأرى ~~من أتأدب به وأتهذب بأخلاقه، فدلني الله على أحدهم في مغارة، فوجدت فيها ~~شيخا تلوح على وجهه الأنوار وقد علته السكينة والوقار، فسلمت عليه، فأحسن ~~الرد، فبينما أنا قاعد عنده، وإذا أنا بمطر عظيم وسيل شديد، فاستحييت أن ~~آوي إلى المغارة من غير إذنه، فناداني وآواني، وأقعدني على صخرة بإزائه، # PageV01P082 # وكان يصلي على مثلها، وقد ضاق صدري من المطر، وتضييقي عليه في موضعه، ~~فناداني، وقال لي: من شرائط الخدام، التواضع والاستسلام. فقلت له: ما علامة ~~المحبة؟ # قال: إذا كان البدن كالحية يلتوي، والفؤاد بنار الشوق يكتوي، فاعلم أن ~~القلب على المحبة منطو، وكل نقمة يشاهدها المحب دون الهجر فهي نعمة، فالكل ~~عنه عوض إلا المحبوب. ألا ترى إلى آدم عليه السلام شاهد العتاب والنقمة، ~~ولكنه لما لم يكن معه هاجر، كانت منحا ونعمة، وجعل يقول رضي الله عنه: # جسد ناحل ودمع يفيض ... وهوى قاتل وقلب مريض # وسقام على التنائي شديد ... وهموم وحرقة ومضيض # يا حبيب القلوب قلبي مريض ... والهوى قاتلي ودمعي يفيض # إن يكن عاشق طويل بلاه ... فبلائي بك الطويل والعريض # قال: وصاح الشيخ صيحة، فسقط ميتا، فخرجت لأنظر معي من يدفنه وأجهزه، فما ~~وجدت أحدا. # فرجعت إلى المغارة، فطلبته، فما وجدته، فبقيت متحيرا في أمره متفكرا، ~~فسمعت هاتفا يقول: # رفع المحب إلى المحبوب ... وفاز بالبغية والمطلوب # ونفعنا الله ببركاته ورضي الله عنه. # ** # PageV01P083 ### | الفصل التاسع عشر # يا أخي، لا يبيع الباقي بالفاني إلا خاسر، وإياك والأنس بمن ترحل عنه، ~~فتبقى كالحائر، رفيق التقوى رفيق صادق، ورفيق المعاصي غادر، مهر الآخرة ~~يسير، قلب مخلص، ولسان ذاكر، إذا شبت ولم تنتبه، فاعلم أنك سائر، فديت أهل ~~التهجد بلسان باك وجفن ساهر، كم لهم على باب تتجافى جنوبهم من تملق ودمع ~~قاطر، إذا تنسموا نسيم ms053 السحر أغناهم عن نسيم العذيب وحناجر، عصفت بهم رواشق ~~الاستغفار البواكر، عمروا منازل الخدمة، ومنزل الغفلة خراب داثر. # قال ذا النون المصري رضي الله عنه: رأيت شابا في بعض السواحل مصفر اللون ~~على وجه نور القبول، وآثار القرب وعز الأنس، فقلت: السلام عليك يا أخي، ~~فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فقلت له: ما علامة المحبة، فقال: ~~التشتت في البلاد، والتهتك في العباد، وتحريم الرقاد، وخشية البعاد. # وأنشدوا: # أبليت من أحببت يا حسن البلا ... وخصصت بالبلوى رجالا خشعا # أحببت بلواهم وطول حنينهم ... وأطلت ضرهم لكي يتخضعا # إخواني: كم إلى دير المحبة من موارد ومصادر، نبهوا رواهب الشوق لتكون ~~إليهم سائر، طلبوا منه شرابا عتيقا جل عن معاصرة العاصر، فتح لهم دنان ~~التوله، فانفض منه رحيق التحقيق له شعاع يملأ البصائر، أدار عليهم أقداح ~~الوجد، فحنوا إلى المزيد حنين الذاكر، خامرهم سكر التولة، فبدا لهم كل غائب ~~وحاضر، استزادوا من هذا الشراب الطيب الطاهر، بذلوا فيه النفوس والأوطان ~~والغائب والحاضر، أطربهم تلحين أهل دير المحبة، فتواجدوا تواجد كابر عن ~~كابر، محبوبهم ساقيهم، ومجلس أنسهم منضد بأنواع الأزاهر، ملوك في وقت ~~السكر، عبيد في وقت الصحو، فهم بين غائب وحاضر. # PageV01P084 # شربة من هذا المدام رخيصة ببذل الكون والأوائل والأواخر، لا يتركه إلا ~~سيفه ليس لتيه شقائه من آخر، اقبل نصحي وبادر قبل غلق بابه وباكر، يغنيك عن ~~كل مطعوم ومشروب، وعن كل نسيم عاطر. # منها شرب آدم، وناح عليها نوح، ونشر زكريا بالمناشر، وعرض الخليل على ~~النار،، فما أحس بما هو إليه سائر، وعاجل الشوق موسى فقال: أرني لعلي أرى ~~المنظور في الناظر، وكم لداود من سكر وأشواق وتلحين مزامر، وهام عيسى في ~~البراري لا يأوي على باد ولا حاضر، شربها شربا نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم يوم السبت، فألقت فيه بقية أوجبت المدائح والمفاخر. # لك انفتح الكون، فاختر هذا الشراب الطيب الطاهر، قطرة منها نهر الكوثر، ~~تروى منها في ظمأ الهواجر، دارت على الصديق والفاروق والسعيد إلى العاشر. ~~اجتمعوا لشربها ms054 في الأول، واجتمعوا لشربها في الآخر، أبقوا في أدنان ~~المعاني بقايا الكرام فعل الأكابر، صفت لأهل الصفة، فصفت بشربها السرائر. # فاخلع في شربها العذار، فما لك إن خلعت من عاذل، وإن لم تخلعه فما لك من ~~عاذر، وزمزم وأطرب وارقص، فالكون كونك، ومحبوبك حاضر. صن موضع السر عن ~~سواه، وإياك والخاطر الخاطر، إن نظرت لغيره، أبعدك وما لك إن بعدت من ناصر. # يا معشر الفقراء، هذه سماعكم، فأين من هو معي حاضر، يا أرباب الأحوال، ~~معكم أتحدث، ولكم أصف، ولركبكم أساير، يا معشر التائبين، أما يهون عليكم ~~بذل المعصية لنيل هذا الجوهر الفاخر، إن فاتك هذا السماع ولم تطرب، فأنت في ~~برية الحرمان حائر. # قال أبو بكر الوراق (1) رضي الله عنه: حقيقة المحبة مشاهدة المحبوب على ~~كل حال، فان الاشتغال بالغير حجاب، وأصله التسليم واليقين، فإنها يبلغان ~~إلى PageV01P085 # درجات المتقين في جنات النعيم. # وأنشدوا: # أحب الصالحين ولست منهم ... وأطلب أن أنال بهم شفاعة # وأكره من بضاعته المعاصي ... ولو كنا سواء في البضاعة # ويروى عن ذي النون المصري رضي الله عنه أنه قال: بينما أنا في بعض ~~الفيافي والقفار، أطوف، وإذا بغلام قد انتقع لونه ونحل جسمه، يتلألأ نور ~~الخدمة بين عينيه، وينطق آثار القبول من بين وجنتيه، وعلى وجهه سمت الطاعة ~~والمجاهدة، وهيأة المؤانسة والمشاهدة، وعليه طمران (1) ، وعلى بدنه جبة صوف ~~متفتقة الأكمام والذيول، وعلى أحد كميه مكتوب: {إن السمع والبصر والفؤاد كل ~~أولئك كان عنه مسؤولا} الإسراء36. وعلى الكم الآخر مكتوب: {يوم تشهد عليهم ~~ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} النور 24. وعلى أذيالها مكتوب: ~~{ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} ق 16. وعلى ظهرها مكتوب: {يومئذ تعرضون لا ~~تخفى منكم خافية} الحاقة 18. # وعلى رأسه مكتوب: # حب مولاي بلائي ... حيث مولاي دوائي # فما رأيت أنظف من طمرين كانا عليه، فتهيأت لخطابه، ثم دنوت منه بعد ساعة، ~~فقلت: السلام عليك يا عبد الله، فقال: السلام عليك عليك يا ذا النون، فقلت ~~له: ومن أين عرفتني يا أخي؟! فقال: اطلعت حقائق الحق من ms055 ضميري على مكنون ~~ضميرك، فشاهد صفاء معرفتك في غياهب غيوب همتك، فتناطقا وتعانقا، فعرفني أنك ~~ذو النون المصري. # فقلت له: يا أخي ما هي ابتداء المحبة؟ # فقال: الاعتبار بهذه الآية التي تراها وتسمعها، وأشار إلى المكتوبة على ~~PageV01P086 # طمريه، فقلت له يا أخي وما انتهاء المحبة، فقال: يا ذا النون محبوب بلا ~~انتهاء ومحبته بابتهال محال، فقلت له: يا أخي الزهد في الدنيا طلب للعقبى، ~~أم طلب للمولى؟ # فقال: يا ذا النون، الزهد في مخلوق لطلب مخلوق آخر خسران، وإنما يصلح ~~الزهد في الدنيا المخلوقة لطلب المولى الخالق. # يا ذا النون، صغرت همة عبد رضيت من محبوب قديم بجنة مخلوقة. إنما معنى ~~الزهد: التجنب عن الأغيار، وتتبع الأخيار، ومشاهدة الآثار لوجود الملك ~~الجبار، فمن طلب الأغيار، فمطلوبه مشهوده، ومن طلب الجبار، فمطلوبه محبوبه، ~~فالمخلوق إذا رضي بمخلوق مثله، فالمشاكلة مقصودة. # يا أخي ذا النون: الدون كل الدون والمغبون كل المغبون من هجر لذة الكرى ~~والهوى، وأبغض طيب الدنيا، ثم رضي بدون المولى، وكد نفسه وهجر دنياه، رهبة ~~أن تكون النار مثواه، أو رغبة أن تكون الجنة مأواه. # فقلت له: يا أخي: تصبرون في هذه الفيافي والمهالك المقحطة بلا زاد؟. # فغضب، وقال: يا بطال، ما هذا الاعتراض على من لم يطلعك على حاله، ولا ~~يأتمنك على سره، أما أمرنا في حال المأكول والمشروب، فهكذا، فوكز برجله ~~اليمنى الأرض، فإذا بعين من سمن وعسل، فأكل وأكلت معه، ثم وكز الأرض برجله ~~اليسرى فإذا بعين من الماء أحلى من العسل، وأبرد من الثلج، فشرب وشربت معه، ~~ورد الرمل عليهما، فعادت الأرض كما كانت، كأن لم يكن بها شيء قط، ثم ولى ~~عني وتركني، فبقيت باكيا، ومما عاينت متعجبا، رضي الله عنه ونفعنا بأمثاله. # PageV01P087 ### | الفصل الموفى عشرين # يا أسيرا في قبضة الغفلة، يا صريعا في سكرة المهلة، يا ناقض العهد، انظر ~~لمن عاهدت في الزمن الأول، أكثر العمر قد مضى، وانت تتعلل، يا مدعوا إلى ~~نجاته وهو يتوانى، ما هذا الفتور والعمر قد تدانى، كأنك ms056 بالدمع يجري عند ~~الموت هتانا. # يا أخي ما أحسن ما كنت فتغيرت، ما أقوم جادتك، فكيف تعثرت؟ يا معاشر ~~المطرود عن رفاق التائبين {وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب ~~مبين} النمل 75. # كان بعض الأغنياء كثير الشكر فطال عليه المد، فبطر وعصى، فما زالت نعمته ~~ولا تغيرت حالته، فقال: يا رب، تغيرت طاعتي، وما تغيرت نعمتي، فهتف به هاتف ~~يقول: يا هذا: إن الأيام الوصال عندنا حرمة وذمام، حفظناها نحن لك، وضيعتها ~~أنت لنا. # وأنشدوا: # سأترك ما بيني وبينك واقفا ... فإن عدت عدنا والوداد سليم # تواصل قوما لا وفاء بعهدهم ... وتترك مثلي والحفاظ قديم # قال رجل لحاتم الأصم رضي الله عنه: أوصني بشيء أتصل به إلى باب الله ~~سبحانه وتعالى، فقد عزمت على سفر الحج. # فقال: يا أخي، إن أردت أنيسا، فاجعل القرآن أنيسك، وإن أردت رفيقا، فاجعل ~~الملائكة رفقاءك، وإن أردت حبيبا، فالله سبحانه يتولى قلوب أحبابه، وإن ~~أردت الزاد، فاليقين بالله سبحانه وتعالى نعم الزاد، واجعل البيت قبلة ~~وجهك، وطف بسرك حوله. # PageV01P088 # وقال عطاء السليمي لعمر بن يزيد السلمي: أوصني: # فقال: يا أحمد، الدنيا بلاء في بلاء مع هوى النفس ومقارنة الشيطان، ~~والآخرة بلاء في بلاء مع الموافقة والحساب. فيا لها من نفوس مضمحلة فيما ~~بينهما، فحتى متى تسهو وتلعب وملك الموت في طلبك لا يغفل عنك، والملائكة ~~يكتبون عليك أنفاسك. # قال: فخر مغشيا عليه. # يا من صحيفته سوداء، اغسلها بالدموع، وتعرض لمجال المتهجدين، وقل: ضال ضل ~~عن الطريق مقطوع، وهذا مأتم الأحزان، إلى أي وقت تدخر الدموع، هذا مجلس ~~الشكوى، هذا وقت الرجوع. # فبادروا إخوتي، وافهموا أسرار المراد: {فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري ~~إلى الله إن الله بصير بالعباد} غافر 44. # وأنشدوا: # ما الذنب لي فيما مضى سالفا ... الذنب للدهر وسوء القضا # فامنن وجد بالصفح عن مذنب ... معترف بالذنب فيما مضى # قد ظل من خوفك في حيرة ... في قلبه منك لهيب الفضا # إن كان لي ذنب فلي حرمة ... توجب لي منك جميل الرضا # ومن كتاب ms057 لوامع أنوار القلوب، قال الأصمعي: كنت مارا في البادية، وإذا ~~أنا بامرأة كأنها فلقة قمر، فدنوت منها، وسلمت عليها، فأحسنت إلي الرد، ثم ~~قلت: يا جارية، كلي بكلك مشغول، فقالت في الحال: كلي لكلك مبذول، ولكن إن ~~أعجبك حسني فانظر خلفك فانك ترى من هي أحسن مني، فنظرت خلفي، فما رأيت ~~أحدا، فصرخت علي وقالت: إليك عني يا بطال، لما رأيتك من بعيد # PageV01P089 # حسبتك عارفا، فلما تكلمت حسبتك وامقا (1) ، وإذا بك يا مسكين لا عارفا ~~ولا وامقا، تدعي محبتي وتنظر إلى غيري، وأنت لم تصل إلى قربي، ثم ولت عني، ~~ورمقت إلى السماء بطرفها، ونادت، آه ### | .... # آه، حب الوصال شردني، آه آه، خوف القطيعة أزعجني، آه من الانفصال قبل ~~الاتصال، وجعلت تقول: # حبي في ذي القفار شردني ... آه من الحب ثم آه # خوف فراق الحبيب أزعجني ... آه من الخوف ثم آه # شبه حالي بتاجر غرق ... نجا من البحر ثم تاه # ومن الكتاب المذكور: قال سالم: بينما أنا سائر مع ذي النون المصري في جبل ~~لبنان، إذ قال مكانك يا سالم حتى أعود إليك، فغاب عني ثلاثة أيام في الجبل، ~~وأنا أطعم نفسي من نبات الأرض، وأسقيها من غدرانها إذا طالبتني بشيء من ~~القوت. # فلما كان بعد ثلاثة أيام، عاد إلي وهو متغير اللون، ذاهب العقل. # فقلت له: هل عارضك السبع يا أبا الفيض؟. # فقال: دعني من تخويف البشرية، إني دخلت كهفا من كهوف هذا الجبل، فرأيت ~~فيه رجلا أبيض الرأس واللحية، أشعث أغبر، نحيفا، كأنه خرج من قبره، ذا منظر ~~يهول وهو يصلي، فسلمت عليه فرد علي السلام، وقال لي: الصلاة، وقام إلى ~~الصلاة، فلم يزل راكعا ساجدا حتى صلى العصر واستند إلى حجر كان بإزاء ~~محرابه، وهو لا يكلمني، فبدأته الكلام، وقلت له: يرحمك الله أوصني بشيء ~~أنتفع به، وادع لي بدعوة. # فقال لي: يا بني، من آنسه الله سبحانه بقربه، أعطاه أربع خصال: عزا من ~~غير عشيرة، وعلما من غير تعلم، وغنى من غير مال، وأنسا من غير ms058 جماعة، ثم ~~شهق شهقة لم يفق منها إلا بعد ثلاثة أيام، حتى ظننت أنه ميت، فلما أفاق قام ~~وتوضأ PageV01P090 # من عين كانت إلى جنبه وسألني عما فاته من الصلاة، فأخبرته، فقضاه، ثم قال ~~لي: # إن ذكر الحبيب هيج قلبي ... ثم حب الحبيب أذهل عقلي # وقد استوحشت من ملاقاة المخلوقين. وأنست بذكر رب العالمين، انصرف عني ~~بسلام. # فقلت: يرحمك الله، وقفت عليك ثلاثة أيام رجاء الزيادة منك. فقال: أحب ~~مولاك ولا تحب غيره، ولا ترد بحبه بدلا، فالمحبون لله سبحانه هم تيجان ~~العباد، وأعلام الزهاد، وهم أصفياء الله وأحباؤه. # ثم صرخ صرخة ووقع فحركته، فإذا هو ميت، فما كان إلا هنيهة، وإذا بجماعة ~~من العباد قد انحدروا من الجبل فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه، فسألتهم ~~ما اسم هذا الشيخ الصالح؟ فقالوا: شيبان المصاب. # قال سالم: فسألت عنه أهل الشام فقالوا نعم، رجل مجنون، خرج من أذى ~~الصبيان، فقلت لهم: هل تعرفون من كلامه شيئا؟ قالوا: نعم كان إذا ضجر يقول: ~~إذا أنا بك لم أجن سيدي فبمن أجن. رحمه الله ونفعنا به. # ** # PageV01P091 ### | الفصل الحادي والعشرون # يا أخي، لله در أقوام نعمهم مولاهم بقربه، فحجبهم عن خطرات الوسواس. حمي ~~إقليم قلوبهم من غبار الشهوات من حمايته بحراس، قبلوا أمره بالقبول، وقاموا ~~به على العينين والرأس، قدموا زاد الأعمال لسفر الموت وظلمة الأرماس، يا ~~بطال، أبطال ميدان الدجى لله درهم من أبطال وأفراس، خلع عليهم خلعة الرضا، ~~ونادهم مرحبا بالأحباب الأكياس، {كنتم خير أمة أخرجت للناس} آل عمران 110. # وأنشدوا: # أيا نفس توبي قبل أن ينكشف ... الغطا وأدعى إلى يوم النشور وأجزع # فلله عبد خائف من ذنوبه ... تكاد حشاه من أسى تتقطع # إذا جنه الليل البهيم رأيته ... وقد قام في محرابه يتضرع # ينادي بذل يا إلهي وسيدي ... ومن يهرب العاصي إليه ويفزع # قصدتك يا سؤلي ومالي مشفع ... سوى حسن ظني حين أرجو وأطمع # فجد لي بعفو وامح ذنبي ونجني ... من النار يا مولى يضر وينفع # بهذا ينال الملك والفوز في غد ... ويجزى نعيما دائما ms059 ليس يقطع # وقف الفضل الجوهري العالم في الحرم متوجها إلى الكعبة وهو محرم ثم قال ~~بأعلى صوته: # يا تلفى بحتوف المراقبة والمعرفة، يا قتلى بسيوف المؤانسة والمحبة، يا ~~حرقى بنار الخوف والاشتياق، ويا غرقى في بحر المشاهدة والتلاق، هذه ديار ~~المحبوب، فأين المحبون؟ هذه أسرار القرب، فأين المشتاقون؟ هذه آثار الديار ~~والربوع فأين القاصدون؟ هذه ساعة العرض والاطلاع على الدموع فأين الباكون؟. # PageV01P092 # ثم شهق شهقة عظيمة وغشي عليه، فأفاق بعد ساعة وهو يقول: # مذ تبدي لناظري ... بلبل الشوق وخاطري # حاضر غير غائب ... ساكن في الضمائر # هو كنزي الذي بدا ... في الرسوم والدوائر # قال الراوي: فدنوت منه وقلت له: يا سيدي ما علامة المحبين لله؟. # قال: إن المحبين عند ظلام الليل عند الله سبحانه وتعالى نشاطا، وبينهم ~~وبينه انبساطا، شغلهم الأنس بمعبودهم عن لذة الكرى، وقطعهم الشغل به عن ~~جميع الورى، ولا يؤثرون على مناجاته مناما، ولا يختارون على كلامه كلاما، ~~عرفه من عرفه، وذاقه من ذاقه، واستأنس به من استطابه. # سبحان من حكم بالفناء على الخلائق، فتساوى عنده الملوك والعبيد، تفرد ~~بالبقاء، وتوحد بالقدم، وصرف أقداره في الملك بما يريد، ظهر افتقار الكل ~~إليه، الصالح والطالح والغوي والرشيد، {يسأله من في السماوات والأرض كل يوم ~~هو في شأن} الرحمن 29. # جواد غمر الكل عطاؤه، فأين يفر العاصي ومن يجبر الفقيد؟ كم جدل القضاء من ~~زعيم، وكم أدخل للحضر من طريد، ما أغفل أهل المعاصي عن قسمة العباد، فمنهم ~~شقي ومنهم سعيد. # وأنشدوا: # احدى وستون لو مرت على حجر ... لكان من حكمها إن يخلق الحجر # تؤمل النفس آمالا لتبلغها ... كأنها لا ترى ما يصنع القدر # قال أبو إسحاق الجيلي: قدمت على علي بن عبد الحميد الغضائري، فوجدته أفضل ~~خلق الله عبادة، وأكثرهم مجاهدة، وكان لا يتفرغ من صلاته آناء ليله ونهاره، ~~فانتظرت فراغه. فلم أصبه ولا وجدته. # PageV01P093 # فقلت له: إنا قد تركنا الآباء والأمهات والأهلين والأوطان ولبنين والبنات ~~بالراحلة إليك، فلو تفرغت ساعة تحدثنا بما آتاك الله من العلم. # فقال: أدركني دعاء ms060 الشيخ الصالح سري السقطي رضي الله عنه، جئت إليه وقرعت ~~عليه الباب، فسمعته يقول قبل أن يخرج إلي مناجيا: اللهم من جاءني يشغلني عن ~~مناجاتك، فأشغله بك عني، فما رجعت من عنده، حتى حببت إلي الصلاة والشغل ~~بذكر الله تعالى، فلا أتفرغ إلى شيء سواه، ببركة ذلك الشيخ. # قال أبو اسحاق: فرأيت كلامه يخرج من قلب حزين، وهم كمين، والدمع يسابقه ~~رضي الله عنه. # سبحان من ألف بحكمته بين لطائف الأرواح، وكثائف الأشباح، جعل الليل ~~والنهار جناحي الأعمال، يطيران للفناء بلا ريش ولا جناح، سقى أرواح المحبين ~~شراب المحبة، فلله ما أحلاه من راح، غني لهم في مجلس أنسهم معبد الوجد، ~~فشربوا بالدنان، لا بالأقداح، زينوا روضة الدجى بأزهار التهجد، واصطبحوا ~~على الأذكار أي اصطباح، فهم بين صبوح وغبوق (1) وبين ريحان وراح، قلوبهم في ~~قالب الابتلاء، تنادي بلسان تصبرهم: لا براح. خلع عليهم خلعة الرضا، ~~وأجلسهم بين أفراح من الشوق وافتراح. انظروا إلى الكون، فما رأوا سواه، ~~فليس عليهم في هيمانهم جناح. غشي بصائرهم نور معرفته، فترنم عارفهم بألسنة ~~من التوحيد، فصاح. # وأنشدوا: # يا أعز الناس عندي ... كيف حتى خنت عهدي # سوف أشكو لك حالي ... فعسى شكواي تجدي # أنت مولاي تراني ... ودموعي فوق خدي # أقطع الليل أقاسي ... ما أقاسي فيه وحدي PageV01P094 # قال ذو النون المصري رضي الله عنه: عطشت في بعض أسفاري عطشا شديدا، فعدلت ~~إلى بعض السواحل أريد الماء، فإذا أنا بشخص قد ائتزر بالحياء والإحسان، ~~وتدرع بدراع البكاء والأحزان، قائم على ساحل البحر يصلي، فلما سلم دنوت ~~منه، وسلمت عليه قال: وعليك السلام يا ذا النون. # قال: فقلت له: يرحمك الله، من أين عرفتني؟!. # قال: اطلع شعاع أنوار المعرفة من قلبي على صفاء نور المحبة من قلبك، ~~فعرفت روحي روحك بحقائق الأسرار، وألف سري سرك في محبة العزيز الجبار. # قال: فقلت: ما أراك إلا وحيدا!. # قال: ما الأنس بغير الله إلا وحشة، وما التوكل بغيره إلا ذل. # فقلت له: أما تنظر إلى تغطغط هذا البحر، وتلاطم هذه الأمواج؟. ms061 # فقال: ما بك من العطش أكثر من ذلك. # فقلت: نعم، فدلني على الماء بقرب منه فشربت، ورجعت إليه، فوجدته يبكي ~~بشهيق وزفير. # فقلت له: يرحمك الله، ما يبكيك؟ . # فقال: يا أبا الفيض، إن لله عبادا سقاهم بكأس محبته شربة أذهبت عنهم لذة ~~الكرى. # قال: فقلت له: دلني على أخل ولاية الله يرحمك الله. # قال: هم الذين أخلصوا في الخدمة، فاستخصوا بالولاية، وراقبوا مولاهم، ~~ففتح لهم في نور القلوب. # قال: فقلت له: ما علامة المحبة؟. # PageV01P095 # فقال: المحب لله غريق في بحر الحزن إلى قرار التحير. # قال: فقلت له: ما علامة المعرفة؟. # قال: العارف بالله لم يطلب مع معرفته جنة، ولا يستعيذ من نار، فعرفه له ~~ولم يعظم سواه معه. # ثم شهق شهقة عظيمة، فخرجت روحه، فواريته في الموضع الذي مات فيه، وانصرفت ~~عنه، رحمه الله ونفعنا ببركاته. # PageV01P096 ### | الفصل الثاني والعشرون # يا أخي لا تغسل أدناس الذنوب إلا بماء المدامع، لا ينجو من قتار المعصية ~~إلا من يسارع، أحضر قلبك ساعة، عساه بنائحة الموعظة يراجع، كم لي أتلو عليك ~~صحف الموعظة، وما أظنك سامع. # لكن يوم المعصية ما أنحسه من طالع، ويوم الطاعة مختار وكل سعد فيه طالع، ~~أطلب، ويحك، رفاق التائبين، وجدد رسائلك للحبيب وطالع، مصباح التقوى يدل ~~على الجادة، وكم في ظلمة الغفلة من قاطع، ابك، ويحك، على موت قلبك وعمى ~~بصيرتك، وكثرة الموانع. إذا لم يعظك الدهر والشيب والضعف، فما أنت صانع، ~~فبالله يا إخواني بادروا بالمتاب، وراجعوا أنفسكم قبل يوم الحساب. # ما اعتذاري وأمر ربي عصيت ... حين تبدي صحائفي ما أتيت # ما اعتذاري إذا وقفت ذليلا ... قد نهاني ما أراني انتهيت # يا غنيا عن العباد جميعا ... وعليما بكل ما قد سعيت # ليس لي حجة ولا لي عذر ... فاعف عن زلتي وما قد جنيت # قال علي بن يحيى في كتاب لوامع أنوار القلوب: صحبت شيخا من عسقلان سريع ~~الدمعة، حسن الخدمة، كامل الأدب، متهجدا بالليل متنسكا في النهار، وكنت ~~أسمع أكثر دعائه الاعتذار والاستغفار، فدخل يوما في بعض كهوف ms062 جبل اللكام ~~وغيرانه، فلما أمسى رأيت أهل الجبل وأصحاب الصوامع يهرولون إليه، ويتبركون ~~بدعائه، فلما أصبح وعزم على الخروج، قام أحدهم، وقال: عظني، قال: عليك ~~بالاعتذار، فإنه إن قبل عذرك وفزت بالمغفرة، سلك بك إلى درجات المقامات، ~~فوجدتها أمانيك، ثم بكى وشهق وخرج من الموضع، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات. # PageV01P097 # قال: فرأيته في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: حبيبي أكرم من إن ~~يعتذر إليه مذنب، فيخيب ظنه ولم يقبل عذره. قبل الله عذري وغفر ذنبي، ~~وشفعني في أصحاب اللكام. # لا شيء أعظم من ذنبي سوى أملي ... في حسن عفوك عن جرمي وعن عملي # فإن يكن ذا وذا فالذنب قد عظما ... فأنت أعظم من ذنبي ومن زللي # ويروى عن يوسف بن عاصم أنه ذكر له عن حاتم الأصم أنه كلن يتكلم على الناس ~~في الزهد، والإخلاص، فقال يوسف لأصحابه: اذهبوا بنا إليه نسأله عن صلاته إن ~~كان يكملها، وإن لم يكن يكملها، نهيناه عن ذلك. # قال: فأتوه وقال له يوسف: يا حاتم، جئنا نسألك عن صلاتك، فقال له حاتم: ~~عن أي شيء تسألني عافاك الله؟ عن معرفتها أو عن تأديتها؟ # فالتفت يوسف إلى أصحابه، وقال لهم: زادنا حاتم ما لم نحسن إن نسأله عنه. ~~ثم قال لحاتم: نبدأ بتأديتها. # فقال لهم: تقوم بالأمر. وتقف بالاحتساب وتدخل بالسنة، وتكبر بالتعظيم، ~~وتقرأ بالترتيل، وتركع بالخشوع، وتسجد بالخضوع، وترفع بالسكينة، وتتشهد ~~بالإخلاص، وتسلم بالرحمة. # قال يوسف: هذا التأديب فما المعرفة؟. # قال: إذا قمت إليها فاعلم أن الله مقبل عليك، فأقبل على من هو مقبل عليك، ~~واعلم أن جهة التصديق لقلبك، أنه قريب منك، قادر عليك، فإذا ركعت: فلا تؤمل ~~أن تقوم. ومثل الجنة عن يمينك، والنار عن يسارك، والصراط تحت قدميك، فإذا ~~فعلت فأنت مصل. فالتفت يوسف إلى أصحابه، وقال: قوموا نعيد الصلاة التي مضت ~~من أعمارنا. # يا من مات قلبه، أي شيء تنفع حياة البدن إذا لم تفرق بين القبيح والحسن. # PageV01P098 # سلبك المشيب من الشباب، فأين البكاء، وأين الحزن؟ ms063 إذا كان القلب خرابا من ~~التقوى، فما ينفع البكاء في الدمن. يا قتيل الهجران، هذا أوان الصلح بادر ~~عسى يزول الحون. # وقال عاصم بن محمد في كتاب لوامع أنوار القلوب: كان لي معامل يهودي، ~~فرأيته بمكة متضرعا مبتهلا فأعجبني حسن إسلامه. فسألته عن سبب إسلامه. # فقال: تقدمت إلى أبي إسحاق إبراهيم الآجري النيسابوري، وهو يوقد في تنور ~~الآجر، أطلب دينا كان لي عليه، فقال لي: أسلم، واحذر نارا وقودها الناس ~~والحجارة، فقلت: لا بأس عليك يا أبا إسحاق، فأنت أيضا فيها. قال: فعسى تعني ~~قوله سبحانه: {وإن منكم إلا واردها} مريم: 71، الآية، فقلت: نعم. فقال لي: ~~أعطني ثوبك، فأعطيته ثوبي، ثم لف ثوبي في ثوبه، ثم رمى بهما في التنور، ~~وصبر ساعة طويلة ثم قام واجدا شاهقا، باكيا ودخل في الأتون، يعني مستوقد ~~النار وهي تتأجج لهيبا وزفيرا، وأخذ الثياب من وسط النار، وخرج على الباب ~~الآخر، فهالني ذلك من فعله، فهرولت إليه متعجبا، وإذا بالرزمة صحيحة كما ~~كانت، فحلها، وإذا بثيابي قد احترقت كأنها فحمة في وسط ثيابه، وثيابه صحيحة ~~لم تمسها النار. # ثم قال: يا مسكين، هكذا يكون {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا} مريم 71. # فأسلمت على يديه في الحال، وهذا ما رأيت من احوال الرجال. # لله در قوم ملأ قلوبهم بأنوار الحكمة والرشاد، حرك ساكنا وجدهم، فتمايلهم ~~كالغصن المياد، صفت زجاجة أرواحهم ورق لهم شراب وجدهم، وطاب لهم سماع ~~الإنشاد. # أدرا عليهم حميا الحماية، فألفت عيونهم السهاد، فمنهم سكران ونشوان، وكل ~~أيامكمهم بمحبوبهم أعياد. # PageV01P099 # مد عليهم أطناب ليل الخلوة غيرة من رقيب الرقاد، فهم يتشاكون الشواق بنفس ~~تلف في محبة أو كاد. # والمحروم نهاره في الشقا وليله في النوم، وعمره في نفاد ركب مركب القضاء ~~للمحنة، ففي أصل تركيبة فساد. ضيع أيامه في الغفلة، وفي الكبر يبكي على ~~فائت لا يعاد. # فيا معشر المذنبين جدوا قبل الرحيل عن الأجساد. # قال يوسف بن الحسن: كنت أسير في طريق الشام، إذ عرض لي عارض، فعدلت عن ms064 ~~الطريق فهالتني المفازة (1) ، فبدت لي صومعة، فدنوت منها، وإذا براهب فيها ~~قد أخرج رأسه منها، فأنست به، فلما دنوت منه، قال لي: يا هذا، أتريد موضع ~~صاحبكم؟. # قال: رجل في هذا الوادي على دينكم، متخل عن فتنة الأقران، منفرد بنفسه في ~~ذلك المكان، واشوقاه إلى حديثه!. # فقلت له: وما الذي يمنعك عنه، وأنت على قرب منه؟. # فقال: أصحابي أقعدوني في هذا الموضع، وأنا أخشى على نفسي القتل منهم، ~~ولكن إذا مضيت إليه فأقرئه مني السلام، وأساله لي في الدعاء. # قال: فمضيت إليه، وإذا برجل قد اجتمعت إليه الوحوش، فلما رآني قرب مني ~~وكنت أسمع جلبة عظيمة للقوم، ولا أرى أحدا منهم، فسمعت قائلا يقول: من هذا ~~البطال الذي وطئ محل العاملين؟. # فرأيت رجلا منكسا رأسه مسترسلا في كلامه، تعلوه هيبة ووقار شديد. فسمعته ~~PageV01P100 # يقول: لك الحمد على ما وهبت من معرفتك، وخصصتني به من محبتك، لك الحمد ~~على آلائك، وعلى جميع بلائك. اللهم ارفع درجتي إلى درجات الأبرار للرضا ~~بحكمك، وانقلني إلى درجة الأخيار. # ثم صاح صيحة عظيمة، ثم قال: آه من لي بهم، وخر مغشيا عليه، فلم يتحرك ~~لساني هيبة له، فلما أفاق من غشيته، قال لي: سر زودك الله التقوى، وسار عني ~~وتركني. # نفعنا الله به، وبأمثاله ### | .... # آمين. # ** # PageV01P101 ### | الفصل الثالث والعشرون # يا من سوف بالمتاب حتى شاب، يا من ضيع في الغفلة أيام الشباب، يا مطرودا ~~بذنوبه عن الباب، إذا كنت في الشباب غافلا، في المشيب مسوفا، متى تقف ~~بالباب؟ كم عوملت على الوفاء؟ ما هكذا فعل الأحباب، الظاهر منك عامر، ~~والباطن ويحك، خراب، كم عصيان كم مخالفة، كم رياء, كم حجاب؟ ولى طيب العمر ~~في الخطايا، يا ترى تعود إلى الصواب؟. # ما بعد الشيب لهو، كيف يجمل بالشيخ التصاب؟ أنت لو قدمت في متقادم عمرك ~~الطاعة، لخفف عنك الحساب. كيف والعمر ولى في الغفلة وفي طلب الأسباب؟ إذا ~~أنذرك المشيب بالرحلة، ولم تقدم الزاد ماذا يكون الجواب. # ليت شعري أهل المعاصي كيف عيشهم يطيب {ولو ترى إذ ms065 فزعوا فلا فوت وأخذوا ~~من مكان قريب} سبأ 51. # يروى أن محمد بن واسع رأى شبابا في المسجد، قد خاضوا في بحر الغيبة ~~والضلالة، فقال لهم: أيجمل بأحدكم أن يكون له حبيب، فيخالفه ليفوز به غيره؟ ~~فقالوا: لا. فقال: أنتم قعود في بيت الله تخالفون أمره، وتغتابون الناس. ~~فقالوا: قد تبنا. فقال: يا أولادي، هو ربكم وحبيبكم، وإذا عصيتموه، وأطاعه ~~غيركم، خسرتموه. وربحه غيركم، أفلا يضركم ذلك؟ قالوا: نعم. فقال: ومن ~~خالفه، وربما يعاقبه لو عاقبه، أفلا تغيرون على شبابكم كيف يعاقب بالنار ~~والعذاب وغيركم يفوز بالجنة والثواب. قالوا: نعم وحسن رجوعهم إلى الله ~~تعالى. # وأنشدوا: # ألا فاسلك إلى المولى سبيلا ... ولا تطلب سوى التقوى دليلا # وسر فيها بجد وانتهاض ... تجد فيخا المنى عرضا وطولا # PageV01P102 # ولا تركن إلى الدنيا وعول ... على مولاك واجعله وكيلا # وإن أحببت أنء تعتز عزا ... يدوم فكن له عبدا ذليلا # وواصل من أناب إليه واقطع ... وصال المسرفين تكن نبيلا # ولا تفني شبابك واغتنمه ... ومثل بين عينيك الرحيلا # ولا تصل الدنيا واهجر بنيها ... على طبقاتهم هجرا جميلا # وعامل فيهم المولى بصدق ... يضع لك في قلوبهم القبولا # ومن كتاب أنس المريدين وقدوة الزاهدين: قال يزيد بن الحباب: مررت بحمدونه ~~المجنونة وهي قاعدة على قارعة الطريق وعليها جبة صوف مكتوب بين كتفيها، ~~بمداد هذا البيت المفرد: # سلب الرقاد عن الجفون تشوقي ... فمتى اللقا يا وارث الأموات # قال: فسلمت عليها، فردت السلام، فقالت: ألست أنت يزيد بن الحباب؟ قلت: ~~لها، نعم، فبم عرفتيني؟! قالت: اتصلت المعرفة في الأسرار، فعرفتك بتعريف ~~الملك الجبار، ثم قالت: أسالك. قلت: اسألي. قالت: ما هو السخاء في الدين؟ ~~قلت لها: المسارعة إلى طاعة المولى. قالت: يا يزيد. آه آه، ليس هذا مسارعة، ~~إنما المسارعة إلى طاعة الله أن لا يطلع على قلبك وأنت تريد منه شيئا بشيء، ~~ثم أنشأت تقول هذين البيتين: # حسب من الحبيب بعلمه ... أن المحب ببابه مطروح # فإذا تقلب في الدنا ففؤاده ... بسهام لوعات الهوى مجروح # ويروى عن الحسن البصري رضي الله عنه ms066 أنه قرأ {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} البقرة 281، فقال: هذه موعظة ~~وعظ الله بها المسلمين، وذلك إن الحور العين تقول لولي الله، وهو متكئ على ~~نهر العسل وهي تعطيه الكأس، وهما في سرور ونعيم: أتدري يا حبيب الله متى # PageV01P103 # زوجنيك الله ربي؟ فيقول: لا أدري. فتقول: نظر إليك في يوم صائف بعيد ما ~~بين الطرفين وأنت في ظمأ الهواجر، فتباهى بك الملائكة، وقال: أنظروا يا ~~ملائكتي إلى عبدي، ترك شهوته ولذته، وزوجته وطعامه وشرابه رغبة فيما عندي، ~~أشهدكم أني قد غفرت له، فغفر لك يومئذ وزوجنيك. # لله در أقوام لاطفهم بأنسه، فتقربوا إليه بقلب سليم، أذاقهم حلاوة ~~مناجاته، فكل منهم بحبه يهيم، أسكن قلوبه حبه، فليلهم بالأشواق ليل سليم، ~~طهرها من الهوى، فحب الدنيا عنها راحل، وحب الآخرة مقيم على كل حال لا ~~يعرفون سواه، فأهلا به من تنعم، وأهلا به من نعيم. # للصالحين كرامات وأسرار ... لهم من الله تخصيص وآثار # صفت قلوبهم لله واتصفت ... بالصدق واكتنفت بالنور أنوار # واستغرقت كل وقت من زمانهم ... في طاعة الله أوراد وأذكار # صاموا النهار وقاموا الليل ما سئموا ... حتى تعرفت على الظلماء أسحار # خلو به وراق الليل منسدل ... حتى لهم قد تجلت منه أنوار # طوبى لهم فلقد طابت حياتهم ... وشرفت لهم في الناس أقدار # فازوا من الله بالزلفى وأسكنهم ... جنات عدن فنعم الدار والجار # ويروى عن إبراهيم بن أدهم (1) رضي الله عنه أنه كان على بعض جبال مكة ~~يحدث أصحابه، فقال: لو أن وليا من أولياء الله تعالى قال لهذا الجبل: زل، ~~لزال فتحرك الجبل، فضربه إبراهيم برجله، وقال له اسكن، إنما ضربتك مثلا ~~لأصحابي. # وروي عنه أيضا أنه ركب البحر فتحرك ريح عاصف فوضع إبراهيم رأسه ونام، ~~فقال أصحابه: أما ترى ما نحن فيه من الشدة، فقال: أو هذه شدة؟ قالوا: ~~PageV01P104 # نعم، قال: لا، وإنما الشدة الحاجة للناس، ثم قال: الهي، أريتنا قدرتك، ~~فأرنا عفوك، فصار البحر كأنه قدح زيت. # وعنه أيضا ms067 أنه كان في بعض الطرق مع أصحابه، فتعرض لهم أسد، فقال له ~~أصحابه: يا إبراهيم، هذا السبع قد ظهر لنا، فقال: أرونيه، فلما نظر إليه ~~إبراهيم، قال: يا قسورة، إن كنت أمرت فينا بشيء فامض لما أمرت به، وإلا ~~فتنح عنا. # قال: فضرب الأسد بذنبه، وولى هاربا، فتعجبنا منه حين فقه كلام إبراهيم، ~~رضي الله عنه ونفعنا به. # ** # PageV01P105 ### | الفصل الرابع والعشرون # يا راحلا بلا زاد والسفر بعيد، العين جامدة والقلب أقسى من الحديد. من ~~ألوى منك بالضراء وأنت تغرق في بحر المعاصي في كل يوم جديد. ما أيقظك ~~الشباب ولا أنذرك الاكتهال، ولا نهاك المشيب، ما أرى صلاحك إلا بعيد، فديت ~~أهل العزائم، لقد نالوا من الفضل المزيد، طووا فراش النوم، فلهم بكاء ~~وتعديد، دموعهم تجري على خدودهم، خددت في الخدود أي تخديد، ما أنت من أهل ~~المحبة ولا من العشاق يا قليل الهمة يا طريد. # لأمر ما تغيرا الليالي ... وأنت على البطالة لا تبالي # تبيت منعما في خفض عيش ... وتصبح في هواك رخي بال # ألم تر إن أثقال الخطايا ... على كتفيك أمثال الجبال # أتكسب ما اكتسبت ولا تبالي ... فهل هو من حرام أو من حلال # إذا ما كنت في الدنيا بصيرا ... كففت النفس عن طرق الضلال # ألا بأبي خليل بات يحيى ... طويل الليل بالسبع الطوال # بقلب لا يفيق عن اضطراب ... وجفن لا يكف عن انهمال # أرى الأيام تنقلنا وشيكا ... إلى الأجداث حالا بعد حال # سأقنع ما حييت يشطر بر ... أشيعه بري من زلال # إذا كان المصير إلى هلاك ... فما لي والتنعم ثم ما لي # أما لي عبرة فيمن تفانى ... على الأيام من عم وخال # كأن بنسوتي قد قمن خلفي ... ونعشي فوق أعناق الرجال # يعجلن المسير ولست أدري ... لدار الفوز أم دار النكال # يبيد الكل منا دون شك ... ويبقى الله بري ذو الجلال # يروى عن رجل من أصحاب داود الطائي أنه قال: دخلت على داود، فقال لي: # PageV01P106 # ما حاجتك؟ قلت: زيارتك، فقال: أما أنت، فقد عملت خيرا حين زرتنا، ولكن ms068 ~~أنظر ما ينزل بي إذا قيل لي: من أنت فتزار، أمن العباد أنت؟ لا والله. أمن ~~الزهاد أنت؟ لا والله، ثم أقبل يوبخ نفسه ويقول: كنت في الشباب فاسقا، وفي ~~الكهولة مداهنا، فلما شخت صرت مرائيا. لا والله، إلا المرائي أشد من ~~الفاسق، وجعل يقول: يا إله السموات والأرض، هب لي رحمة من عندك تصلح شبابي ~~وتقيني من كل سوء، وتعلى في أعلى مقامات الصالحين مكاني. # اسمع يا أخي مقامات الرجال، وكرامات ذوي الأحوال، الذين اختصهم مولاهم ~~وحباهم بالإفضال. # وعن عبد الله بن عبد الرحمن قال: حج سفيان الثوري مع شيبان الراعي، فعرض ~~لهم أسد في بعض الطرق، فقال له سفيان: أم ترى كيف قطع علينا الطريق، وأخاف ~~الناس. قال شيبان: لا تخف، فلما سمع الأسد كلام شيبان، بصبص إليه، وأخذ ~~شيبان بأذنه وفركها، فبصبص وحرك ذنبه وولى هاربا، فقال سفيان: ما هذه ~~الشهرة يا شيبان؟ قال: أو هذه شهرة يا سفيان؟ لولا مكان الشهرة لوضعت زادي ~~على ظهره حتى أتيت مكة. # يروى عن عبد الرحمن بن أبي عباد المكي أنه قال: قدم علينا شيخ يكنى بأبي ~~عبد الله. قال: أقبلت في السحر إلى بئر زمزم، وإذا بشيخ قد سدل ثوبه على ~~وجهه، وأتى البئر واستسقى، قال: فقمت إلى فضلته، فشربت منها. فإذا هو ماء ~~مضروب بعسل لم أذق ماء أطيب منه. فالتفت فإذا بالشيخ قد ذهب، فلما كان في ~~السحر في الليلة الثانية أتيت البئر وإذا بالشيخ دخل من باب المسجد قد سدل ~~ثوبه على وجهه، فأتى البئر واستسقى، فشرب وخرج، فقمت إلى فضلته، فإذا هو ~~سويق ألذ ما يكون، فلما كان في الليلة الثالثة، أتى البئر أيضا، واستسقى. ~~فأخذت طرف ملحفته، ولففته على يدي، ثم شربت فضلته، فإذا هو لبن مضروب بسكر ~~لم أذق قط أطيب منه، فقلت يا شيخ، بحق هذا البيت عليك، من أنت؟ قال: # PageV01P107 # تكتم علي. قلت: نعم. قال: سفيان الثوري. # لله در أقوام أفناهم شهوده عن وجودهم، فحالهم لشوقه مستديم، أقطعهم إقليم ~~الكرى ما ms069 أبعده من إقليم، حماهم عن الأغيار غيرة عليهم، وخلع عليهم حلل ~~الرضا والتسليم، سقاهم مدام الإلهام، فيا له من مدام، ويا له من نديم، أسبل ~~على المعاصي ستره، ليعود إلى بابه الكريم، تقرب برحمته للمذنبين، ليسكن روع ~~المفلس من الطاعة العديم، أرسل إليه رسائل اللطف على يدي رسول كريم: {قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم} الزمر 53. # وأنشدوا: # ألا قف بباب الجود واقرعه نادما ... تجده متى جئته غير مرتج # وقل عبد سوء خوفته ذنوبه ... فمد إليكم ضارعا كف مرتجي # ويروى عن أبي ريحانة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ركب البحر، ~~فكان يخيط في السفينة، فسقطت إبرته، فقال: أعزم عليك يا رب إلا رددت علي ~~إبرتي، فظهرت له حتى أخذها بيده. # قال: واشتد عليهم البحر، فقال له: اسكن، إنما أنت عبد حبشي، فسكن حتى صار ~~مثل الزيت، رضي الله عنه، ونفعنا ببركاته. # *** # PageV01P108 ### | الفصل الخامس والعشرون # يا أخي، أفنيت عمرك في اللعب، وغيرك فاز بالمقصود وأنت منه بعيد، غيرك ~~على الجادة، وأنت من الشهوات في أوجال وتنكيد، ترى متى يقال: فلان استقال ~~ورجع. يا له من وقت سعيد، متى تخرج من الهوى وترجع إلى مولاك العزيز ~~الحميد، يا مسكين، لو عاينت قلق التائبين، وتململ الخائفين من هول الوعيد، ~~جعلوا قرة أعينهم في الصلاة، والزكاة، والتزهيد، وأهل الحرمان ضيعوا الشباب ~~في الغفلة، والشيب في الحرص والأمل المديد، لا بالشباب انتفعت، ولا عند ~~المشيب ارتجعت، يا ضيعة الشباب والمشيب: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا ~~من مكان قريب} سبأ 51. # وأنشدوا: # عملت على القبائح في شبابي ... فلما شبت عدت إلى الرياء # فلا حين الشباب حفظت ديني ... ولا حين المشيب طببت دائي # فشاب عنده مصغر غوي ... وشيخ عند مكبره مرائي # قضاء سابق في علم غيب ... فيا لله من سوء القضاء # يروى في بعض الأخبار إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقي حذيفة بن اليمان ~~وهو يومئذ أمير ms070 المؤمنين، فقال لحذيفة: كيف أصبحت يا حذيفة؟ قال: أصبحت يا ~~أمير المؤمنين أحب الفتنة، وأكره الحق، وأقول بما لم يخلق، وأشهد بما لم ~~أر، وأصلي بلا وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء. # فغضب عمر لذلك غضبا شديدا، وهم إن يبطش به، ثم تذكر صحبته من # PageV01P109 # النبي، فأمسك، فهو كذلك إذ مر به علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فرأى ~~الغضب في وجهه، فقال: ما أغضبك يا أمير المؤمنين، فقص عليه القصة. # فقال: يا أمير المؤمنين لا يغضبك ذلك، أما قوله: إنه يحب الفتنة، فهو ~~تأويل قوله تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} التغابن 15. # أما قوله: يكره الحق، فالحق هو الموت الذي لا بد منه ولا محيص عنه. # وأما قوله: يقول بما لم يخلق: القرآن، فهو يقرأ القرآن وهو غير ومخلوق. # وأما قوله: يشهد بما لم ير، فانه يصدق بالله ولم يره. # وأما قوله: يصلي بغير وضوء، فانه يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بغير ~~وضوء. # وأما قوله: إن له في الأرض ما ليس لله في السماء، فان له زوجة وبنين، ~~وليس لله شيء من ذلك. # فقال عمر: لله درك: يا أبا الحسن، لقد كشفت عني هما عظيما. # ويروى أن رجلا من أهل دمشق يسمى بأبي عبد ربه، وكان أكثر أهل دمشق مالا، ~~وأنه خرج مسافرا، فأمسى إلى جانب نهر ومرعى، فنزل فيه، فسمع صوتا يكثر حمدا ~~لله في ناجية المرج. قال: فاتبعته، فوجدته رجلا ملفوفا في حصير، قال: فسلمت ~~عليه، وقلت له: من أنت يا عبد الله؟. # قال: رجل من المسلمين. # فقلت له: فما هذه الحالة؟ # قال: نعمة يجب علي شكرها. # فقلت: كيف وأنت ملفوف في حصير وأي نعمة عليك؟!. # قال: إن الله خلقني، فأحسن خلقي، وجعل منشأي ومولدي في الإسلام، # PageV01P110 # وألسني العافية في أركاني، وستر علي ما أكره ذكره، فمن أعظم نعمة ممن ~~أمسى في مثل ما أنا فيه؟. # فقلنا: رحمك الله، لعلك أن تقوم معي إلى منزلي، فأنا نزول على النهر ~~هاهنا بإزائك. # قال: ms071 ولم؟. # قلت: لتصيب شيئا من الطعام، ونعطيك ما يغنيك عن لبس الحصير. # قال: ما لي في ذلك من حاجة. # فأبى أن يسير معي، فانصرفت وقد تقاصرت عندي نفسي ومقتها، وقلت: لم أخلف ~~بدمشق رجلا أكثر مني مالا، وأنا ألتمس الزيادة. # فقلت: اللهم إني أتوب إليك مما أنا فيه، فتبت ولم يعلم أحد بما اجتمعت ~~عليه، فلما كان في السحر، رحل الناس، وقدموا إلي دابتي، فصرفتها إلى دمشق، ~~وقلت: ما أنا بصادق في التوبة إن أنا مضيت إلى متجري، فسألني القوم ~~فأخبرتهم، فعاتبوني على المشي معهم فأبيت. # فلما قدم على دمشق قال ناقل الحديث: فوضع يده في ماله وتصدق به، وفرقه في ~~سبيل الله، ولزم العبادة حتى توفي رضي الله عنه، فلما توفي لم يوجد عنده ~~إلا قدر حق الكفن. # وأنشدوا: # ذكر الوعيد فطرفه لا يهجع ... وجفا الرقاد فبان عنه المضجع # متفردا بغليله يشكو الذي ... منه الجوانح والحشا يتوجع # لما تيقن صدق ما جاءت به ... الآيات صار إلى الإنابة يسرع # فجفا الأحبة في محبة ربه ... وسما إليه بهمة ما يقلع # PageV01P111 # وتمتعت بوداده أعضاؤه ... إذ خصها منه بود ينفع # كم في الظلام له إذا نام الورى ... من زفرة في إثرها يتوجع # ويقول في دعواته يا سيدي ... العين يسعدها دموع رجع # إني فزعت إليك فارحم عبرتي ... وإليك من ذل الخطيئة أفزع # من ذا سواك يجيرني من زلتي ... يا من لعزته أذل وأخضع # فامنن علي بتوبة أحيا بها ... إني بما اجترمت يداي مروع # قل التصبر عنك يا من حبه ... في الجارحات سقامه يتسرع # كيف اصطبار متيم في حبه ... قدما لكاسات الهوى يتجرع # لاحت وعن صدق المحبة ما بدت ... للناظرين نجوم ليل تطلع # ما الفوز إلا في محبة سيده ... فيها المحب إذا تواضع يرفع # يروى أن قتادة بن النعمان الأنصاري رضي الله عنه كان من الرماة ~~المذكورين، شهد بدرا وأحدا، ورميت يومئذ عينه، فسالت على خده، فأتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهي في يده، فقال: ما هذه يا قتادة؟ قال: هذا ما ترى يا ms072 ~~رسول الله، فقال له رسول الله: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت رددتها لك ~~ودعوت الله لك فلم تفقد منها شيئا"، فقال: والله يا رسول الله إن الجنة ~~لجزاء جزيل، وعطاء جليل، ولكني مبتلى بحب النساء، وأخاف إن يقلن: أعور فلا ~~يردنني، ولكن أحب إن تردها إلي وتسأل الله لي الجنة، فقال: "أفعل ذلك يا ~~قتادة" ثم أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وأعادها إلى موضعها، ~~فعادت أحسن ما كانت، إلى إن مات ودعا الله له بالجنة صلى الله عليه وسلم. # قال: فدخل ابنه على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وهو خليفة فقال له ~~عمر: من أنت يا فتى؟ فقال: # أنا ابن الذي سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أحسن ردا # فعادت كما كانت بأحسن حالها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما رد # PageV01P112 # فقال عمر: بمثل هذا فليتوسل إليه المتوسلون، رضي الله عنه (1) . ~~PageV01P113 ### | الفصل السادس والعشرون # يا هذا، لا يزال التائبون يهربون إلى دير الخلوة هروب الخائف إلى دار ~~الأمان، لهم في سحر الليل تأنس بمدامع الأجفان، كتب السجود في ألواح جباههم ~~خطوط العرفان، كم لأقدامهم في الدجى من جولان وكم لهم في وادي السحر من ~~عيون تجري كالطوفان، فإذا لاحت أعلام الفجر كبروا عند مشاهدة العيان، فديت ~~طراق الدجى، فديت أرباب العزائم، فديت الفتيان. # بادروا رواهب الخلوة، نحن لكم جيران، تركنا الأسباب والأهل والأوطان، ~~فرقنا شهوات النفوس والأبدان، وخربنا ديار اللهو، فأقفرت منذ زمان، طلقنا ~~الدنيا بتاتا، وهجرنا الدار والسكان، سقينا من شراب الأنس شربة ولو كان ما ~~كان، لبسوا حلة الجوع بالنهار، وتركوا خدمة من جل وهان، عمروا القلوب ~~بالتقوى، وبالذكر اللسان، لهم نزاحم على باب الدجى، فمنهم من صاح ومنهم ~~نشوان، ومنهم من خامره بالشوق، فهو من الحب ولهان، ومنهم من غلبه الوجد، ~~فهو هائم سكران، أفناهم الخوف وأذبلهم الأرق وهم من القلق كل يوم في شأن. ~~سيرهم ذكر الحبيب ولهم في التلاوة ألحان، نالوا منازل التوكل، وأصبحوا فيها ~~قطان، ms073 باعوا شهوات النفوس بأبخس الأثمان، سجلوا على أنفسهم سجل الرضا ~~بالقضاء، فأهلا بالرجال الشجعان، تتجافى جنوبهم عن المضاجع ولهم تلحين ~~بالقرآن، خامرهم الخوف فسكروا من شرابه مخافة النيران، منهم من سقي شراب ~~المحبة صرفا، وتزايدت لهم الأحزان، ومنهم من مزج له بالأشواق، فعاين منه ~~ألوان، كم خربوا في حبه منازل، وكم أيتموا فيه من ولدان. تراهم أبدا سكارى ~~عرايا في القفار وفي البلدان. قلوبهم مملوءة بالخوف، وظاهرهم مضمخ ~~بالأحزان، ينادي لسان شوقهم: لا كان من ألم السلوى ولا كان، خرق لهم حجاب ~~العادات وعقد على رؤوسهم للولاية تيجان، مجلس أنسهم مضمخ بالمشاهدة شديدة ~~الأركان. # PageV01P114 # يا معشر الفقراء، طوفوا بهذا الدير، وزاحموا على بابه، وباكروا هذه ~~الدنان، طيبوا على هذا السماع، وتواجدوا على هذه الألحان، معكم جمال ~~المحبوب، في الكون والحال. # يا معشر الفتيان، ما أطيب عيش الصديقين، شربوا هذا الشراب وباحوا ~~بالكتمان، فما تراهم إلا بين واجد وهائم وخائف وراج وولهان. # فعندما تجلى لهم محبوبهم في قلوبهم، أغناهم عن مشاهدة العيان. لاطفهم ~~بملاطفة: يا عبادي لا خوف عليكم، اليوم لكم الأمان. بعيني ما تحملتم من ~~أجلي، فكم من جفنت ساهر، وكم من كبد من الشوق ملآن، سأكشف لكم لمألم الحجاب ~~عن وجهي فتتنعمون بما لم يخطر على قلب إنسان. ألبسكم حلل الرضا، وأبسط ~~مجالسكم بالرضوان، أسقيكم شراب التوحيد صرفا خالصا، وأنا الحنان المنان. # يا أهل السماع تواجدوا، ويا معشر الإخوان، أين المشتاق؟ هذا الشراب، هذا ~~كأس المتاب ملآن. # أين أنت من أهل الصفا يا مضيعا عمره في العصيان؟ بادر قبل تغير الحال، ~~فتعود بالخيبة والخسران، واعص من لامك وخالف من عدلك، وأطع من نصحك ودع ~~قالا وقيلا. # {فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرأون كتابهم ولا يظلمون فتيلا ومن كان ~~في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا} الإسراء 71 72. # قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صلاة العصر، فقام في الركعة الأولى، حتى ظننا أنه لا يرفع رأسه، فرفع ~~رأسه، ms074 ورفعنا بعده، فلما قضيت الصلاة، انفتل من محرابه صلى الله عليه وسلم ~~وقال: "أين أخي وابن عمي علي ابن أبي طالب؟ " فأجابه علي رضي الله عنه من ~~آخر الصفوف، وهو يقول لبيك لبيك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أدن مني يا أبا الحسن"، فدنا منه، فلم # PageV01P115 # يزل يدنيه حتى جلس بين يديه. فقال: "يا أبا الحسن، أما سمعت ما أنزل الله ~~علي في فضل الصف الأول، والتكبيرة الأولى؟ " فقال: بلى يا رسول الله. فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فما الذي أبطأك عن الصف الأول والتكبيرة ~~الأولى، فهل شغلك حب الحسن والحسين عن ذلك؟ " فقال له علي رضي الله عنه: ~~وهل يشغلني حبهما عن حب الله تعالى؟! قال له: "فما الذي شغلك عن ذلك يا ~~علي" قال: يا رسول الله، أذن بلال وأنا في المسجد، فركعت ركعتين، وأقام ~~بلال الصلاة فكبرت معك التكبيرة الأولى، فوسوسني شيء من أمر الوضوء، فخرجت ~~من المسجد إلى منول فاطمة رضي الله عنها، فناديت، يا حسن، يا حسين، فلم ~~يجيبني أحد، فبينما أنا كالمرأة الثكلى، أو كالحبة في المقلى، وأنا أطلب ~~ماء لوضوئي، إذ هتف بي هاتف عن يميني، فإذا أنا بقدح من الذهب الأحمر، ~~وعليه منديل أخضر، فكشفت المنديل، فإذا هو ماء أشد بياضا من اللبن، وأحلى ~~من الشهد، وألين من الزبد، فتطهرت للصلاة، تمندلت بالمنديل، ورددته على ~~القدح، والتفت فلم أره، ولم أر من وضعه ولا من رفعه. # فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: "بخ بخ، هل تعلم من أتاك ~~بالمنديل والقدح يا أبا الحسن؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال: "أتاك بالقدح ~~جبريل عليه السلام، والماء من حظيرة القدس، والذي مندلك بالمنديل ميكائيل ~~عليه السلام، والذي أمسك يدي على ركبتي حتى أدركت الركعة الأولى إسرافيل ~~عليه السلام. يا أبا الحسن من أحبك، أحبه الله، ومن أبغضك أبغضه الله". # ويروى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم مع ms075 أصحابه، فإذا ~~بيهودية قد أقبلت تبكي، حتى وقفت بين يديه، وجعلت تقول هذه الأبيات، وهي ~~تبكي: # بأبي أفديك يا نور الفلك ... ليت شعري إن شيء قتلك # غبت عني غيبة موحشة ... أترى ذئب يهودي أكلك # إن تكن ميتا فما أسرع ما ... كان من أمر الليالي من أجلك # PageV01P116 # أو تكن حيا فلا بد لمن عاش إن يرجع من حيث سلك # فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مالك أيتها المرأة؟ ". # قالت: يا محمد بينما أنا وولدي يلعب بين يدي، إذ خطف، وبقي المكان منه ~~بلقعة. # قال لها: "يا هذه إن رد الله ولدك على يدي، أتؤمنين بي؟ " # قالت: نعم وحق الأنبياء الكرام، إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب عليهم الصلاة ~~والسلام. # فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى ركعتين، ثم دعا بدعوات، فما ~~استكملها حتى وضع الطفل بين يديه صلى الله عليه وسلم. # فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أين كنت أيها الطفل؟ ". # قال: بينما كنت ألعب بين أمي، إذا أقبل علي عفريت كافر، فاختطفني وذهب بي ~~من وراء البحر، فلما دعوت الله عز وجل، سلط الله عليه جنا مؤمنا أشد منه ~~بطشا، وأعظم خلقا فانتزعني منه، وساقني إليك، فها أنا بين يديك صلى الله ~~عليك. # فقلت المرأة: أشهد إن لا اله إلا الله، وأشهد إن محمدا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # ** # PageV01P117 ### | الفصل السابع والعشرون # اعلم أن الزنى من أكبر الكبائر، وهو شؤم على صاحبه في الدنيا والآخرة، ~~ووبال على صاحبه. # وقد نهى الله تعالى عنه في مواضع من كتابه، فقال تعالى: {ولا تقربوا ~~الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا} الإسراء 32. وقال تعالى: {والذين هم ~~للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} المؤمنون ~~5، 7. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" ~~(1) .، أراد بذلك أن الزاني مبعد عن الله تعالى، مستوجب المقت من الله عز ~~وجل. # وفي الخبر أن شابا ms076 أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ~~أتأذن لي في الزنى، فصاح الناس به، فقال: "اتركوه، أدن مني"، فقال: "أتحبه ~~لأمك؟ " قال: لا، جعلني الله فداك. قال: "كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم"، ~~ثم قال له: "أتحبه لأبنتك؟ " قال: لا. قال: "كذلك الناس لا يحبونه ~~لبناتهم". حتى ذكر الأخت، والخالات والعمات وهو يقول: لا، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "كذلك الناس لا يحبونه"، ثم وضع يده الكريمة على ~~صدره، وقال: "اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصن فرجه"، فلم يكن بعد ذلك شيء ~~أبغض إليه من الزنى (2) . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما خلقت المرأة، قال لها إبليس: ~~أنت نصف جندي، وأنت موضع سري، وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطئ" فتحفظ رحمك ~~الله نت سهام الشيطان. PageV01P118 # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الزنى من أكبر الكبائر، والزاني ~~عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلى يوم القيامة، فان تاب، تاب ~~الله عليه" (1) . # وقال صلى الله عليه وسلم: "من علامة المؤمن أن يجعل الله شهوته في الصلاة ~~والصيام، وعلامة المنافق أن يجعل الله شهوته في بطنه وفرجه". # وقال صلى الله عليه وسلم: "الزنى يورث الفقر، ويذهب بهاء الوجه" يقول ~~الله تعالى: "آليت على نفسي أن أفقر الزاني ولو بعد حين". والزنى يذهب ~~بالمال، وبنور الوجه، ويخلد صاحبه في النار. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: "ما لقي الله ~~العبد بذنب بعد الشرك بالله، أعظم من الزنى، ومن امرئ يضع نطفته في رحم ~~حرام، وإن الزاني يسيل من فرجه يوم القيامة صديد لو وضعت منه قطرة على وجه ~~الأرض، لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم نتنا". وقال صلى الله عليه وسلم: ~~"إياكم والزنى فإنه ذهاب البهاء، وطول الفقر، وقصار العمر، وأما اللواتي في ~~الآخرة فسخط الله، وسوء الحساب، والخلود في النار" (2) . # يا من عصى الله في الشباب وقد ... أدركه الشيب راقب الله # صحفك بالسيئات قد ملئت ... بأي وجه تراك تقراها # أعدد ms077 جوابا إذا سئلت غدا ... وقرب النار منك مولاها # يا معشر المسلمين كم رجل ... تلومه النار حين يصلاها # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد أغير من الله تعالى أن يرى ~~عبده أو أمته يزني، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، ~~ألا وإن في النار لتوابيت من نار، فيها أقوام محبوسون في تلك التوابيت، ~~فإذا سألوا الراحة، فتحت لهم تلك التوابيت فإذا فتحت بلغ شررها أهل جهنم، ~~فيستغيث أهل جهنم PageV01P119 # بصوت واحد، ويقولون: اللهم العن أهل التوابيت، وهم الذين يغتصبون فروج ~~النساء حراما". # وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله لما خلق الجنة، قال لها: تكلمي. قالت: ~~سعد من دخلني، فقال الجبار جل جلاله: وعزتي وجلالي لا يسكن فيك ثمانية نفر ~~من الناس، مدمن خمر، ولا مصر على الزنى، ولا نمام، ولا ديوث، ولا شرطي، ولا ~~مخنث، ولا قاطع رحم، ولا الذي يقول: علي عهد الله أن أفعل كذا وكذا ولا ~~يفعله". # فليس المصر على الزنى هو المداوم عليه، ولا مدمن الخمر هو الملازم لشربه، ~~ولكنه هو إذا وجد الخمر شربها، ولم يمنعه منها خوف الله تعالى، ومتى تهيأ ~~له الزنى، ولم يتب من ذلك، ومن لم ينه النفس عن الهوى فان الجحيم هي ~~المأوى. # وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول لغلمانه: إن أردتم النكاح نكحتم، أي ~~تزوجتم، فان العبد إذا زنى، خرج الإيمان من قلبه فلا يبقى للعبد إيمان. # وقال لقمان لابنه: إياك والزنى، فإن أوله مخافة آخره ندامة، ومن بعد تلقى ~~آثامه. # وأنشدوا: # يا من خلا بمعاصي الله في الظلم ... في اللوح يكتب فعل السوء بالقلم # بها خلوت وعين الله ناظرة ... وأنت بالإثم منه غير مكتتم # فهل أمنت المولى من عقوبته ... يا من عصى الله بعد الشيب والهرم # واعلم إن من غلبه هواه افتضح، فما نال الكرامات من نالها إلا بغلبة ~~الهوى. # كما روي أنه في بني إسرائيل رجل تزوج امرأة من بلد آخر، فأرسل بثقته ~~إليها ليسوقها إليه، فراودته نفسه، وطالبته ms078 بها، فزجرها، واستعصم بالله، ~~قال: فنبأه الله تعالى بترك هواه، وكان نبيا من بني إسرائيل. # وأنشدوا: # PageV01P120 # توق نفسك لا تأمن غوائلها ... فالنفس أخبث من سبعين شيطانا # وحكى ابن عباس عن كعب الأحبار رضي الله عنهما أنه قال: كان في بني ~~إسرائيل صديق منفرد للعبادة، فأقام في صومعته دهرا طويلا، وكان يأتيه ملك ~~في كل غدوة وعشية، فيقول له الملك: ألك حاجة؟ فيقول: الله أعلم بحاجتي. # وأنبت الله له فوق الصومعة كرمة، تحمل في كل يوم بالعنب، وكان إذا عطش مد ~~يده، فينبع منها الماء، فيشرب منه. # فلما كان بعد مدة مرت به امرأة لها حسن وجمال، عند المغرب، فنادته: يا ~~عبد الله. فقال لها: لبيك. فقالت له: أيراك ربك؟ قال لها: هو الله الواحد ~~القهار، الحي القيوم، العالم بما في الصدور وباعث من في القبور. قالت له: ~~البلد مني بعيد. قال لها: اصعدي. # فلما صارت في صومعته، رمت بثيابها، وقامت عريانة، تجلو نفسها عليه، فغض ~~بصره عنها. وقال لها: ويلك، استري نفسك. قالت له: ما يضرك إذا تمتعت بي في ~~هذه الليلة؟. # فقال لنفسه: يا نفس، وما تقولين؟ قالت: والله إني أتمتع بها. # قال لها: ويحك: أتريدين سرابيل القطران، مقطعات وتذهبين بعبادتي هذه ~~المدة، وليس كل من زنى عفي عنه، وإن الزاني يكب على وجهه في النار، وهي نار ~~لا تطفأ، وعذابها لا يفنى، وأخاف إن يغضب الله عليك، ولا يرضى أبدا عنك. # فراودته نفسه على ذلك، فقال: أعرض عليك نارا صغيرة، فإن صبرت عليها، ~~متعتك بهذه الجارية الليلة. # قال: فملأ السراج دهنا، وأغلظ الفتيلة، والمرأة تسمع وتبصر، ثم ألقى يده ~~إلى الفتيلة، وهي تتقد، فصاح بالفتيلة: ما لك؟ أحرقي، فأكلت إبهامه، ثم ~~أكلت # PageV01P121 # أصابعه، ثم أكلت يده، فصاحت الجارية صيحة عظيمة، فارقت الدنيا، فسترها ~~بثوبها. # فلما أصبح صرخ إبليس لعنه الله: أيها الناس إن العابد قد زنى بفلانة بنت ~~فلان، وقتلها. # فركب الملك في جنده وأهل مملكته، فلما انتهى إلى الصومعة، صاح، فأجابه ~~العابد، فقال له: أين فلانة بنت ms079 فلان؟ قال له: عندي ها هنا. قال له: قل لها ~~أن تنزل. قال له: إنها قد ماتت. # قال له الملك: ما رضيت بالزنى حتى قتلت النفس التي حرم الله؟ فهدم ~~الصومعة، وجعل في عنق العابد سلسلة، فجره بها، وحملت المرأة، وجيء بالعابد ~~ملفوفة في كمه وهو لا يعلمهم بقصته. # فوضع المنشار على رأسه، وقيل لأصحاب العذاب: جروا، فجروا. # فلما بلغ المنشار إلى دماغه، تأوه، فأوحى الله تعالى إلى جبريل عليه ~~السلام: قل له: لا ينطق بشيء، وها أنا أنظر إليك، وقد أبكى حملة عرشي، ~~وسكان سماواتي، فوعزتي وجلالي لئن تأوه الثانية، لأهدمن السموات على الأرض، ~~فما تأوه ولا تكلم حتى مات رحمه الله. # فلما مات، رد الله الروح على المرأة، وقالت: مات والله مظلوما، ما زنى ~~وما أنا إلا بخاتمي بكر. # ثم قصت عليهم القصة، فأخرجوا يده، فإذا هي محروقة كما قالت الجارية. ~~فقالوا: لو علمنا ما نشرناه، وخر العابد نصفين على الأرض، وعادت الجارية ~~كما كانت، فحفروا لهما قبرا واحدا، فوجدوا في القبر مسكا وعنبرا وكافورا. ~~ثم أتوا بهما ليصلوا عليهما، فناداهم مناد من السماء: اصبروا حتى تصلي ~~عليهما # PageV01P122 # الملائكة، ثم صلى عليهما الناس ودفنوهما، فأنبت الله على قبرهما ~~الياسمين، ووجدوا على قبرهما رق مكتوب فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم، من الله عز وجل إلى عبدي ووليي، إني نصبت المنبر ~~تحت عرشي، وجمعت ملائكتي، وخطب جبريل عليه السلام، وأشهدت الملائكة أني ~~زوجتك خمسين ألف عروس من الفردوس، وهكذا أفعل بأهل طاعتي وأهل مراقبتي. # وقال صلى الله عليه وسلم: "النظر إلى محاسن المرأة سهم من سهام إبليس، ~~فمن غض بصره، أذاقه الله تعالى عبادة يجد حلاوة تلك العبادة في قلبه" (1) . # وفي المناجاة أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام: يا موسى، حرمت على ~~النار ثلاثة أعين: عين سهرت في سبيل الله، وعين غضت عن محارم الله، وعين ~~بكت من خشيتي، ولكل شيء جزاء، إلا الدمعة، فلا جزاء لها إلا الرحمة ~~والمغفرة ودخول الجنة. والله تعالى أعلم. # *** PageV01P123 ### | الفصل الثامن والعشرون # وفي ms080 الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم فقد كعبا فسأل عنه، فقيل إنه ~~مريض، فخرج يمشي حتى أتاه، فلما دخل عليه قال: "أبشر يا كعب"، فقالت له ~~أمه: هنيئا لك الجنة يا كعب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من هذه ~~المتألية على الله؟ " قال: أمي. قال: "وما يدريك يا أم كعب، لعل كعبا قال ~~ما لا يعنيه أو سمع ما لا يعنيه؟ ". # وقال صلى الله عليه وسلم: "العبادة تسعة أجزاء في الصمت، وجزء في الفرار ~~من الناس" (1) . # وفي الحكمة: تسعة أعشار العبادة في الصمت. # وحكي أن مريم لما نذرت إلا تتكلم، وحبست لسانها لأجل الله تعالى، أطلق ~~الله سبحانه وتعالى لسان صبي لا يعرف الخطاب، أنطقه الله لأجلها. # فمن حفظ لسانه لأجل الله تعالى في الدنيا، أطلق الله لسانه بالشهادة عند ~~الموت ولقاء الله تعالى. ومن سرح لسانه في أعراض المسلمين، واتبع عوراتهم ~~أمسك الله لسانه عن الشهادة عند الموت. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر ~~سقطه، كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه، كانت النار أولى به" (2) # فلذلك كان الصديق رضي الله عنه يضع فيه حجرا ليمنع نفسه عن الكلام. ~~PageV01P124 # وسأل معاذ رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل، ~~فأخرج لسانه، ووضع يده عليه. # وأوصى علي ابن أبي طالب عنه ولده الحسن، فقال له: أمسك عليك لسانك، فان ~~تلاف المرء في منطقه. # وذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس يوما، فقال: إن ربكم تعالى ~~يقول: يا ابن آدم، لم تحرض الناس على الخير، وتدع ذلك من نفسك؟ يا ابن آدم، ~~لم تذكر الناس وتنسى نفسك؟ يا ابن آدم، لم تدعوني وتفر مني؟ إن كان كما ~~تقول، فاحبس لسانك، واذكر خطيئتك، واقعد في بيتك. # وفي صحائف إبراهيم عليه السلام: على العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا ~~على شأنه، حافظا للسانه. # وعن مالك بن دينار رحمه الله تعالى أنه قال: إذا رأيت قساوة في قلبك، ms081 أو ~~وهنا في بدنك، أو حرمانا في رزقك، فاعلم أنك تكلمت بما لا يعنيك. # وقال لقمان الحكيم لابنه: يا بني، من رحم يرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يفعل ~~الخير يغنم، ومن يفعل الشر يأثم، ومن لا يملك لسانه يندم. # وأنشدوا: # احفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يقتلنك انه ثعبان # كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءه الشجعان # ويقال: إن جميع الأعضاء تبكر كل يوم للسان، وتقول له: ناشدتك الله تعالى ~~أن تستقيم، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا. # وقال بعض الحكماء: احبس لسانك قبل أن يطول حبسك، وتتلف نفك، فلا شيء أولى ~~بطول حبس من اللسان ليقصر على الصواب ويسرع إلى الجواب. # PageV01P125 # قال بعض الحكماء: ترك فضول الكلام يثمر النطق بالحكمة، وترك فضول النظر ~~يثمر الخشوع والخشية، وترك فضول الطعام يثمر حلاوة العبادة، وترك الضحك ~~يثمر حلاوة لهيبة، وترك الرغبة في الحرام يثمر المحبة، وترك التجسس عن عيوب ~~الناس يثمر صلاح العيوب، وترك التوهم في الله ينفي الشك والشرك والنفاق. # وأنشدوا: # الصمت نفع والكلام مضرة ... فلرب صمت في الكلام شفاء # فإذا أردت من الكلام شفاء ... لسقام قلبك فالقرآن دواء # واعلم أن التجسس عن عيوب الناس، وتطلب مساوئهم، يبدي العورات، ويكشف ~~المخبآت. # وقد نهى الله عز وجل عن ذلك في كتابه العزيز بقوله: {ولا تجسسوا ولا يغتب ~~بعضكم بعضا} الحجرات 12. # فاتق الله واشتغل بعيوبك عن عيوب الناس، ولا تكن كمثل الذباب الذي لا ~~يعرج على المواضع السليمة من الجسد، ولا ينزل عليها، وإنما يقع على القروح ~~فيدميها. # فمن بحث عن مساوئ الناس واتبع عوراتهم، واشتغل بعيب غيره، وترك عيبه، سلط ~~الله تعالى عليه من يبحث في عيبه ومساوئه ليشهرها، ويتبع عورته ويبديها ~~وينشرها (1) . # فالعاقل السعيد من نظر في عيبه، وشغل بذلك عن عيوب غيره، وعن كل شيء سوى ~~الله تعالى. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن الله تعالى، ~~أنه قال: PageV01P126 # يا موسى خمس كلمات ختمت بهن التوراة، فإن عملت بهن، نفعك علم التوراة، ms082 ~~وإن لم تعمل بهن، لم ينفعك علم التوراة: # أولهن: يا موسى، كن واثقا برزقي المضمون لك ما لم تر خزائني نفدت. # الثانية: يا موسى، لا تخافن سلطان الأرض ما لم تر سلطاني زائلا. # والثالثة: يا موسى، لا تجسس عن عيب أحد ما لم تخل من العيوب. # الرابعة: يا موسى، لا تدعن محاربة الشيطان ما دام روحك في جسدك. # الخامسة: يا موسى، لا تأمن عقابي ولو رأيت نفسك في الجنة. # وقال: يا أخي، إياك أن تعير أحدا بما فيه، فاني أخشى أن يبتليك الله ~~ويعافيه، ولا تستر على الفاجر الظاهر فجوره، ولا على من لا يستتر بالمعصية ~~ويعلن بها. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يرى امرؤ من أخيه عورة، فيسترها ~~عليه إلا أدخله الله الجنة". # وقال صلى الله عليه وسلم: "من أقال مسلما عثرته، أقال الله عثرته يوم ~~القيامة" (1) # ويقال إن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يسكن بجواره شاب مولع بشرب الخمر، ~~فكان أبو حنيفة يسهر الليل على النظر في الكتب والقراءة، وكان بينه وبين ~~الشاب جدار، فكان يشرب ويتمثل: # سأنشدهم إذا ما هم جفوني ... أضاعوني وأي فتى أضاعوا # ويكثر التردد بهذا البيت، فكان أبو حنيفة يستأنس بكلامه. # فلما كان ذات ليلة، لم يسمع له أبو حنيفة حسا، فلما خرج لصلاة الصبح سأل ~~عنه فقيل له: إن صاحب الشرطة لقاه مخمورا، فحمله إلى السجن، فلما صلى أبو ~~PageV01P127 # حنيفة، مضى إلى منزل صاحب الشرطة، واستأذن عليه، واعلمه بنفسه، فخرج إليه ~~صاحب الشرطة حافي القدمين، عاري الرأس، وقبل يده، وقال: يا سيدي، وما بلغ ~~من قدري حتى تأتيني إلى منزلي؟ فقال أبو حنيفة: إني جئتك في قضية جار لي ~~سجن الليلة، فقال: أشهدك يا سيدي أني أطلقته وجميع من سجن في تلك الليلة. # قال: وانصرف أبو حنيفة والرجل معه. ثم التفت إليه، وقال: هل ضيعناك يا ~~أخي، أم قمنا بحقك رعيا لقولك: أضاعوني وأي فتى أضاعوا؟ فقال: لا والله لم ~~تضيعني، بل رعيتني، جزاك الله عن الجوار خيرا، وأشهدك ms083 أني تائب لوجه الله ~~تعالى. # قال: فلزم الإمام، وعبد الله تعالى حتى أتاه اليقين. # ** # PageV01P128 ### | الفصل التاسع والعشرون # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: "يا أبا هريرة، إن أحببت ~~أن يفشي الله لك الثناء، الحسن الجميل في الدنيا والآخرة، فكف لسانك عن ~~المسلمين". # وقال صلى الله عليه وسلم: "ما صام من ظل يأكل لحوم الناس" (1) . # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أبغض عباد الله إلى الله كل طعان لعان. # وقال سعيد بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم: من دعا رجلا بغير اسمه، ~~لعنته الملائكة (2) . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد يعطى كتابه يوم القيامة، ~~فيرى فيه حسنات لم يكن عملها قط، فيقول: يا رب، من أين هذه الحسنات؟ فيقول: ~~باغتياب الناس فيك وأنت لا تعلم" (3) . # وقال حاتم الأصم: ثلاثة إذا من في مجلس فالرحمة مصروفة عنه: ذكر الدنيا، ~~والضحك، والوقيعة في الناس. # واعلم رحمك الله، إن النميمة تفسد الدين والدنيا، وتغير القلوب، وتولد ~~البغضاء، وسفك الدماء، والشتات. قال الله العظيم: {ولا تطع كل حلاف مهين ~~هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم} القلم 10-13. # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال: "أن تذكر أخاك بما هو ~~فيه غائب عنك، وإن ذكرته بما ليس فيه فقد بهته" (4) أي فذلك البهتان. ~~PageV01P129 # وقال صلى الله عليه وسلم: "شر عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين ~~الأحبة" (1) . # وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة قتات" (2) . # وقال صلى الله عليه وسلم: "من مشى بين اثنين بالنميمة، سلط الله عليه ~~نارا في قبره تحرقه إلى يوم القيامة. وحية تنهشه حتى يدخل النار". # قال صلى الله عليه وسلم: "من ألقى بين اثنين عداوة، فليتبوأ مقعده من ~~النار، ومن أصلح بينهما، فقد وجبت له على الله الجنة". # قال بعض الحكماء: النميمة تهدي إلى القلوب البغضاء، ومن واجهك فقد شتمك، ~~ومن نقل إليك فقد نقل عنك، والساعي بالنميمة كاذب لمن يسعى إليه، وخائن لمن ms084 ~~يسعى به. # قال الشاعر: # احفظ لسانك لا تؤذي به أحدا ... من قال في الناس عيبا قيل فيه بمثله # قال الأصمعي: شاهدت أعرابية وهي توصي ابنها، فقالت: يا بني، أمنحك وصيتي ~~وبالله التوفيق، فإياك والنميمة، فإنها تورث العداوة بين الأهلين، وتفرق ~~بين المحبين، وإياك والتعرض للعيوب، فتصير لها أهلا، وإياك والجود بدينك، ~~والبخل بمالك، ومثل لنفسك مثالا من غيرك، فما استحسنته من الناس فافعله، ~~وما استقبحته منهم فاجتنبه، فان المرء لا يرى عيب نفسه. # ثم أمسكت، فقلت: يا أعرابية، بالله إلا زدتيه، فقالت: يا حضري، أعجبك ~~كلام العرب؟ فقلت: أى والله. # فقالت: يا بني، إياك والغدر فانه أقبح ما تعامل به الناس، واجمع بين ~~السخاء والعلم، والتواضع والحياء، وأستودعك الله، وعليكم السلام. ~~PageV01P130 # واعلم رحمك الله أن الغيبة أشد من ثلاثين زنية في الإسلام. # وقال بعض أهل العلم: الغيبة تنقض الوضوء، وتفطر الصائم. # وكان بعض الفقهاء يعيد الوضوء من الغيبة. # وقيل: مثل صاحب الغيبة كمثل من نصب منجنيقا، فهو يرمي به حسناته يمينا ~~وشمالا، وشرقا وغربا. # وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أتحب أن أنصرك على عدوك؟ قال: ~~بم؟ قال: بردك الغيبة عن المسلمين. # ومن مات تائبا عن الغيبة والنميمة، فهو آخر من يدخل الجنة، ومن مات وهو ~~مصر عليهما، فهو أول من يدخل النار. # وقال سليمان عليه السلام: يا رب، أي الأعمال أفضل وأحب إليك؟ فقال تعالى ~~عشر خصال يا سليمان، أدها أن لا تذكر أحدا من عبادي إلا بخير، ولا تغتب ~~أحدا ولا تجسه. # فقال: رب، احبس عني السبعة فقد كربني هؤلاء. # وقال عطاء السليمي: عذاب القبر ثلاث أثلاث: ثلث من البول وثلث من الغيبة، ~~وثلث من النميمة. # فإياك يا أخي والتعرض للأقدار، وأن تغتاب أحدا بما أودع فيه الجبار، فان ~~المولى جل جلاله أعلم به، وأحكم ولو شاء لأهلكه وانتقم. # يروى أن عيسى عليه السلام مر ببعض الأنهار، فإذا بصبيان يلعبون في ذلك ~~النهر، ومعهم صبي أعمى قد كف بصره، وهم يغمسونه في الماء، ويفرون منه يمينا ~~وشمالا، ms085 وهو يطلبهم ولا يظفر بهم. # ففكر عيسى عليه السلام في أمره، ودعا ربه أن يرد عليه بصره، وأن يساوي ~~بينه وبين أصحابه. # PageV01P131 # فرد عليه بصره، فلما فتح عينيه ورآهم وثب على واحد منهم، فتعلق به ولم ~~يزل يغمسه في الماء حتى قتله، وطلب آخر فتعلق به كذلك حتى مات، وهرب ~~الباقون. # فرأى عيسى عليه السلام ذلك، فتعجب، وقال: يا الهي، وسيدي ومولاي، أنت ~~بخلقك أعلم، فدعا ربه أن يرده كما كان ويكفيهم أمره. # فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: قد كنت أعلمتك وتعرضت إلي في ~~حكمي وتدبيري، فخر عيسى عليه السلام ساجدا. # واعلم أنه لا يجري في هذا العالم أمر إلا وللمولى فيه حكم تدبير. # عن بعض السلف أنه قال: إذا كان يوم القيامة، اجتمع القوم الذين كان ~~يتجالسون على غير طاعة الله تعالى، ويتعاونون على المعاصي، فيجثون على ~~الركب، ويعض بعضهم بعضا، وينهش بعضهم بعضا، كالكلاب، وهم الذين خرجوا من ~~الدنيا على غير توبة. # قال الفقيه أبو الحسن علي بن فرحون القرطبي رحمه الله في كتابه المعروف ~~بالزاهر، كان لي عم، وتوفى في مدينة قاس سنة خمس وخمسين وخمسمائة، فرأيته ~~بعد ذلك في المنام وهو داخل علي في داري، فقمت إليه ولاقيته بقرب الباب، ~~وسلمت عليه، ودخلت خلفه، فلما توسط في البيت، قعد واستند بظهره إلى الجدار، ~~فقعدت بين يديه، فرأيته شاحب اللون متغيرا، فقلت له: يا عماه، ماذا لقيت من ~~ربك؟ قال: ما يلقى من الكريم يا بني، سمح لي في كل شيء إلا في الغيبة، فاني ~~منذ فرقت الدنيا إلى الآن محبوس فيها، ما سمح لي بعد فيها، فأنا أوصيك يا ~~بني: إياك والغيبة والنميمة، فما رأيت في هذه الدار شيئا أشد بطشا وطلبا من ~~الغيبة. وتركني وانصرف. # وأنشدوا: # PageV01P132 # يموت كل الأنام طرا ... من صالح كان أو خبيث # فمستريح ومستراح ... منه كما جاء في الحديث # وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة فيدفع له ~~كتابه، فلا يرى فيه صلاته ولا صيامه، ms086 ويرى أعماله الصالحة، فيقول يا رب، ~~هذا كتاب غيري، كانت لي حسنات ليس في هذا الكتاب، فيقال له: إن ربك لا يضل ~~ولا ينسى، ذهب عملك باغتيابك الناس. # فإياك يا أخي والغيبة والنميمة، فإنهما يضران بالدين، ويحبطان عمل ~~العاملين، وتورث العداوة بين المسلمين، أعاذنا الله منهم. # ** # PageV01P133 ### | الفصل الموفى ثلاثين # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى حرم من المسلم دمه ~~وماله وعرضه". # فالغيبة بالقلب حرام، كما هي باللسان حرام، إلا إن يضطر لمعرفته، بحيث لا ~~يمكنه التجاهل، فحد الغيبة كما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن ~~تذكر أخاك بما يكرهه إن بلغه أو سمعه، وإن كنت صادقا سواء ذكرت نقصانا في ~~نفسه، أو عقله، أو ثوبه، أو في فعله، أو في قوله أو في دينه، أو في داره، ~~أو في دابته، أو في ولده، أو في عبده، أو في أمته، أو بشيء ما يتعلق به، ~~حتى قولك: إنه واسع الكم، طويل الذيل. # وقد ذكر رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: ما أعجزه، فقال: ~~"اغتبتموه". # وأشارت عائشة رضي الله عنها إلى صفية، وقالت لها كذا وكذا، وأشارت بيدها، ~~تعني قصرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اغتبتها يا عائشة"، ~~فقالت: يا رسول الله، أليست هي قصيرة؟ قال: "إنك ذكرت أقبح شيء فيها". # والغيبة لا تقتصر على اللسان، بل كل ما يفهم منه عرض يكرهه المذكور فيه ~~إن بلغه أو سمعه، باليد، أو بالرجل، أو بالإشارة، أو بالحركة، أو بالتعريض ~~أو بالمحاكاة، فهي غيبة. # وقد عظم الله تعالى أمر الغيبة، فقال تعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب ~~أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه} الحجرات 12. وقال تعالى: {ويل لكل ~~همزة لمزة} الهمزة 1. # فقيل معناه الطاعن في الناس، الذي يأكل لحوم الناس. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون ~~وجوههم # PageV01P134 # بأظفارهم، فقيل لي: هؤلاء الذين يغتابون الناس". # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما النار ms087 في اليبس بأسرع من الغيبة ~~في حسنات العبد". # روي عن عبد الملك بن حبيب رحمه الله تعالى بإسناده عمن حدثه أنه قال ~~لمعاذ بن جبل: يا معاذ حدثني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معاذ إني محدثك حديثا، إن ~~أنت حفظته نفعك الله، وإن ضيعته ولم تحفظه، انقطعت حجتك عند الله يوم ~~القيامة. # يا معاذ: الله خلق سبع أملاك قبل أن يخلق السموات والأرض، فجعل لكل سماء ~~ملكا بوابا عليها، فتصعد الحفظة بعمل العبد من حين يصبح إلى حين يمسي، له ~~نور كنور الشمس، حتى إذا بلغت به إلى سماء الدنيا، فتزكيه وتكثره، فيقول ~~الملك الموكل بها للحفظة: اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا صاحب الغيبة ~~أمرني ربي أن لا أدع عمل من اغتاب الناس يجاوزني إلى غيري. # ثم تأتي الحفظة بعمل صالح من العبد، فتزكيه وتكثره، حتى تبلغ به إلى ~~السماء الثانية، فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه ~~صاحبه، انه أراد بهذا العمل عرض الدنيا، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني ~~إلى غيري، إنه كان يفتخر على الناس في مجالسهم. # قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد يبتهج نورا من صدقة وصيام، وقد أعجب ~~الحفظة، فيجاوزون به إلى السماء الثالثة، فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا ~~واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا ملك الكبر، أمرني ربي إلا أدع عمله ~~يجاوزني إلى غيري، انه كان يتكبر على الناس. # قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد يزهر كما يزهر الكوكب الدري وله دوي من ~~صلاة وتسبيح وحج وعمرة، حتى يجاوزوا به إلى السماء الرابعة فيقول لهم الملك ~~الموكل بها، قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه ظاهره وباطنه، أنا صاحب # PageV01P135 # العجب، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، إنه كان إذا عمل عملا ~~أدخل العجب فيه. # قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وصوم وصدقة وزكاة وحج وعمرة، حتى ~~يجاوزوا بها إلى السماء الخامسة كأنه العروس ms088 المزفوفة، فيقول لهم الملك ~~الموكل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، واحملوه على عاتقه، أنا ~~ملك الحسد، انه كان يحسد من يتعلم، ولا يعمل بمثل عمله، وكل من كان يأخذ ~~فضلا من العبادة كان يحسده، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري. # قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وزكاة وحج وعمرة وصيام، فيجاوزون ~~به إلى السماء السادسة، فيقول لهم الملك، قفوا واضربوا بهذا العمل وجه ~~صاحبه، انه كان لا يرحم إنسانا ولا مسكينا من عباد الله تعالى قط إذا أصابه ~~بلاء أو ضر، بل كان يشمت به، أنا ملك الرحمة، أمرني ربي أن لا أدع عمله ~~يجاوزني إلى غيري. # قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وصوم وجهاد وورع، له دوي كدوي ~~النحل، وضوء كضوء الشمس، ومعه ثلاث آلاف ملك، فيجاوزون به السماء السابعة: ~~فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، واقفلوا ~~على قلبه، إني أحجب عن ربي كل عمل لم يرد به ربي، إنما أراد بعمله رفعة عند ~~الفقهاء، وذكرا عند العلماء، وصيتا في المدائن، أمرني ربي أن لا أدع عمله ~~يجاوزني إلى غيري، وكل عمل لم يكن لوجه الله خالصا، فهو رياء ولا يقبل الله ~~عمل المرائي. # قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وزكاة وعمرة وخلق وحسن وصمت، وذكر ~~الله تعالى، فتشيعه ملائكة السموات السبع، حتى يقطعوا الحجب كلها، ويقفوا ~~بين يدي الله تعالى، ويشهدوا له بالعمل الصالح لله تعالى، فيقول لهم: أنتم ~~الحفظة على عبدي، وأنا الرقيب على قلبه، انه لم يردني بهذا العمل، وأراد به # PageV01P136 # غيري، فعليه لعنتي ولعنة أهل السموات والأرض، فتقول الملائكة كلها: عليه ~~لعنتك ولعنتنا، وتقول السموات كلها: عليه لعنة الله ولعنتنا، وتلعنه ~~السموات السبع ومن فيهن". # قال نعاذ: قلت: يا رسول الله، أنت رسول الله، وأنا معاذ. قال: "اقتد بي، ~~وإن كان في عملك نقص، يا معاذ، احفظ لسانك من الوقيعة في لسانك من إخوانك ~~من حملة القرآن، واحمل ذنوبك، ولا تحملها عنهم، ms089 ولا ترك نفسك بذمهم ولا ~~توقع نفسك عليهم، ولا تدخل الدنيا في عمل الآخرة، ولا تتكبر في مجلسك لكي ~~يحذر الناس من سوء خلقك، ولا تمازح رجلا وعندك آخر، ولا تتعاظم على الناس، ~~فتقطع عنك خيرات الدنيا والآخرة، ولا تمزق لحوم الناس بلسانك، فتمزقك كلاب ~~النار يوم القيامة بالنار، قال الله تعالى: {والناشطات نشطا} النازعات 2. ~~هل تدري ما هن يا معاذ؟ " قلت: ما هن بأبي وأمي يا رسول الله؟ قال: "كلاب ~~من نار تنشط العظم واللحم". قال: قلت: يا رسول الله من يطيق هذه الخصال، ~~ومن ينجو منها؟ قال: "يا معاذ، إنه يسير على من يسره الله تعالى عليه". # قال: فما رأيت أحدا أكثر تلاوة للقرآن من معاذ لهذا الحديث (1) . ~~PageV01P137 ### | الفصل الحادي والثلاثون # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ~~ويده" (1) . # وقال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه" (2) . # وقال: "المسلمون كرجل واحد، إذا اشتكى رأسه، تداعى بقية جسده بالحمى ~~السهر" (3) . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يسلم فليلزم الصمت". # وقال معاذ رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ~~أنؤاخذ بما نقول؟ فقال: "ثكلتك أمك يا ابن جبل، وهل يكب الناس في النار على ~~مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟! " (4) . # وقيل لعيسى عليه السلام: دلنا على عمل ندخل به الجنة، قال: فلا تنطقوا ~~أبدا. # قالوا: لا بد لنا من ذلك. قال: فلا تنطقوا إلا بخير. # وقال صلى الله عليه وسلم: "اخزن لسانك إلا من خير، فانك بذلك تغلب ~~الشيطان" (5) . # وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى عند كل لسان ناطق، فليتق الله ~~امرؤ علم ما يقول" (6) . # وقال صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ~~ليصمت" (7) . PageV01P138 # وقال صلى الله عليه وسلم: "رحم الله عبدا قال خيرا أو صمت" (1) . # وقال صلى الله عليه وسلم: "إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه" (2) . # وقال صلى الله عليه وسلم: "لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا ms090 أراد الكلام ~~رجع إلى قلبه، فان كان له تكلم، وإن كان عليه امسك، وقلب الجاهل من وراء ~~لسانه، فهو يتكلم بكل ما عرض له". # وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى، ~~ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة" (3) ~~. # وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا ~~يهوي بها في نار جهنم، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يرفعه ~~الله بها إلى الجنة" (4) . # وإياك يا أخي، والعجب، فانه مذموم كيف كان: بالنفس أو بالفعل أو بالقول، ~~ولا تغتر بفعلك ولا بقولك، فإن الله تعالى يقول: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم ~~بمن اتقى} . النجم 32. # وقال صلى الله عليه وسلم: "ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب ~~المرء بنفسه" (5) . # وقال صلى الله عليه وسلم: "لو لم تذنبوا، لخشيت عليكم ما هو أشد من ~~الذنب، وهو العجب" (6) . # وقيل لعائشة رضي الله عنها: متى يكون الرجل مسيئا؟ قالت: إذا ظن أنه ~~محسن. # وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الهلاك في اثنتين القنوط والعجب. ~~PageV01P139 # وإنما جمع بينهما، لأن القانط لا يطلب السعادة لقنوطه، وإن المعجب لا ~~يطلبها لظنه أنه ظفر بها. # وذكر ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال يوما: أنا من الراسخين في العلم، ~~وقال يوما: سلوني قبل إن تفقدوني، فلما انصرف إلى منزله، بعث الله ملكا في ~~صورة آدمي، فدق عليه الباب، فخرج إليه عبد الله بن عباس، فقال له الملك: يا ~~ابن عباس: ما تقول في النملة مع صغرها، أين روحها في مقدمها، أو في مؤخرها؟ ~~فلم يجد جوابا فدخل منزله، وأغلق بابه، وآلى على نفسه أن لا يدعي علما ~~أبدا. # قال الله تعالى: {وفوق كل ذي علم عليم} يوسف 76. # وذكر أنه حضر بعض النحويين في مجلس ابن شمعون الوعظ، وكان من الزهاد، ~~فكأن النحوي أخذ على الشيخ لحنا في لسانه، وغلظا في كلامه، فانقطع عنه ~~النحوي، ولم يأت إلى مجلسه، ms091 فكتب إليه ابن شمعون: أراك من الإعجاب رضيت أن ~~تقف دون الباب، أما سمعت رسالة بعض العارفين إلى بعض المتأدبين. كتب إليه: ~~من اعتمد على ضبط أقواله، لحن في أفعاله، انك رفعت وخفضت وجزمت وتهت ~~وانقطعت. # ألا رفعت إلى الله جميع الحاجات؟ إلا خفضت صوتك عن المنكرات؟ إلا نصبت ~~بين عينيك ميزان الممات، أما علمت أنه لا يقال غدا لعبد: لم لم تكن معربا ~~وإنما يقال له: لم كنت مذنبا. # يا هذا، ليس المرغوب الفصاحة في المقال، وإنما المرغوب الفصاحة في ~~الفعال. ولو كانت الفصاحة محمودة في المقال دون الفعال، لكان هارون أولى ~~بالرسالة من موسى عليهما السلام، قال الله تعالى إخبارا عن قول موسى: {وأخي ~~هارون هو أفصح مني لسانا} القصص 34. فجعلت الرسالة لموسى لفصاحة أفعاله، ~~والله أعلم حيث يجعل رسالته. # PageV01P140 # وأنشدوا: # ولاحن في الفعال ذو زلل ... حتى إذا جاء قوله وزنه # قال وقد أكسبه لفظه ... تيها وعجبا أخطأن يا لحنه # قلت أخطأ الذي يقوم غدا ... ولا يرى في كتابه حسنه # روي أن رجلا نظر إلى بشر بن منصور السليمي رضي الله تعالى عنه وهو يطيل ~~الصلاة، ويحسن العبادة، فلما فرغ قال له: لا يغرنك ما رأيت مني، فان إبليس، ~~لعنه الله، عبد الله آلافا من السنين ثم صار إلى ما صار إليه. # فمن سعادة المرء أن يقر على نفسه بالعجز والتقصير في جميع أفعاله ~~وأقواله. # قيل المهلكات أربع هي: أنا، ونحن، ولي، وعندي. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "النادم على الذنب كمن لا ذنب له" (1) ~~، # " النادم ينتظر الرحمة، والمعجب ينتظر المقت من الله تعالى" (2) . # قال أبو الدرادء رضي الله عنه: إن ناقدت الناس ناقدوك، وإن تركتهم لم ~~يتركوك، وإن هربت منهم أدركوك، فالعاقل من وهب نفسه وعرضه ليوم فقره، وما ~~تجرع مؤمن أحب إلى الله عز وجل من غيظ كظمه، فاعفوا يعزكم الله، وإياكم ~~ودمعة اليتيم، ودعوة المظلوم، فانها تسري بالليل والناس نيام. # وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أعظم الخطايا الكذب، وسب المؤمن ms092 ~~فسوق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم ~~الغيظ يأجره الله ومن يغفر، يغفر الله له، ومن يصبر على الرزية يعقبه الله ~~خيرا منها. # وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما أخذ موسى عليه السلام ~~الألواح، نظر فيها، وقال: الهي، أكرمتني بكرامة لم تكرم بها أحدا من قبلي، ~~فأوحى الله تعالى إليه: أتدري لما فعلت ذلك بك؟ قال: لا. قال: نظرت إلى ~~قلوب عبادي، PageV01P141 # فلم أجد قلبا أشد تواضعا من قلبك، فلذلك: {إني اصطفيتك على الناس ~~برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين} الأعراف 144. # يا موسى: إنما أقبل من تواضعي لعظمتي، ولم يتعاظم على خلقي، وألزم قلبه ~~خوفي، وقطع نهاره بذكري، وكف لسانه عن الشهوات لأجلي. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من جرعة أحب إلى الله تعالى من ~~جرعة غيظ كظمها رجل، ومن كظم غيظا هو قادر على إنفاذه، ملأ الله قلبه أمنا ~~وإيمانا". # وحكي أن غلاما لجعفر الصادق رضي الله عنه سكب على يده الماء في الطشت، ~~فطار الماء على ثوبه، فنظر إليه جعفر نظرة منكرة، فقال العبد: يا مولاي: ~~{والكاظمين الغيظ} قال: كظمت غيظي. قال الغلام: {والعافين عن الناس} قال ~~عفوت عنك. قال الغلام: {والله يحب المحسنين} آل عمران 134، قال اذهب، أنت ~~حر لوجه الله تعالى، ولك من مالي ألف دينار. # وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف ~~بليله، إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس ~~يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخالطون، وبخشوعه إذا ~~الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيا محزونا، حليما سكوتا، ~~ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيا، ولا غافلا، ولا سخابا، ولا صياحا، ~~لا حديدا، ولا منزعجا. # قال بعض الزاهدين: اغتنموا من زمانكم خمسا: إن حضرتم لم تعرفوا، وإن غبتم ~~لم تفقدوا، وإن شهدتم لم تشاوروا، وإن قلتم شيئا لم يقبل قولكم، وإن عملتم ~~شيئا لم ms093 تغبطوا به. وأوصيكم بخمس أيضا: إن ظلمتم لم تظلموا، وإن مدحتم لم ~~تفرحوا، وإن ذممتم لم تجزعوا، وإن كذبتم لم تغضبوا، وإن خانوكم فلا تحزنوا. # ** # PageV01P142 ### | الفصل الثاني والثلاثون # اعلم أن الربا من المهلكات وهو أخفى من دبيب النمل على الصفاء في الليلة ~~الظلماء، وإن أدنى الربا كالذي يزني مع أمه والزنية مع الأم أعظم الأمور ~~وزرا من سبعين زنية مع غيرها. # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ~~إن كنتم مؤمنين} البقرة 278. وقال تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون ~~إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل ~~الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ~~وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} البقرة 275. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "درهم الربا أشد عند الله من ست ~~وثلاثين زنية في الإسلام" (1) . # وقال سمرة بن جندب رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~صلى صلاة الغداة، اقبل علينا بوجهه الشريف، وقال: "هل رأى أحد منك رؤيا؟ " ~~قلنا: لا يا رسول الله، فذكر صلى الله عليه وسلم حديث الربا. قال: ثم ~~انتقلنا حتى أتينا على نهر من دم وفيه رجل قائم، وعلى شاطئ النهر رجل قائم، ~~وبين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر ليخرج، فلما أراد إن يخرج، ~~رماه الرجل بحجر فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى فيه حجرا، ~~فرجع كما كان. # قال: "فسألت عنه فقيل لي: هذا آكل الربا يفعل به هكذا يوم القيامة. # وقال موسى عليه السلام: يا رب، ما جزاء من يأكل الربا ولم يتب منه؟ قال: ~~يا موسى أطعمه يوم القيامة من شجر الزقوم. PageV01P143 # وأنشدوا: # أيا الذي قلبه ميت ... بأكل الربا ازدجر وانتبه # فكم نائم نام في غبطة ... أتته المنية في نومته # وكم من مقيم على لذة ... دهته الحوداث في لذته # وكم من جديد على ظهرها ms094 ... سيأتي الزمان على جدته # وأما آكل الحرام، قال الله تعالى في كتابه العزيز: {يا أيها الناس كلوا ~~مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} ~~البقرة 168. # وقال صلى الله عليه وسلم: "إن لله تبارك وتعالى ملكا على بيت المقدس ~~ينادي في كل يوم وليلة: من أكل حراما، لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى ~~يخرج ذلك الحرام من بيته، فان مات على ذلك، فأنا بريء منه". # وقال صلى الله عليه وسلم: "أخرجوا الأمانة من بيوتكم، وردوها إلى ~~أربابها، فإنكم تفعلوا فلن تنفعكم أعمالكم شيئا، ولا ينفعكم قول لا اله إلا ~~الله مع الحرام في البيت". # وقال صلى الله عليه وسلم: "من اكتسب درهما حلالا، وأنفقه في حلال، غفر ~~الله له كل ذنب إلا الربا والحرام". # قال صلى الله عليه وسلم: "طلب الحلال فرض على كل مسلم"، أي: بعد فريضة ~~الإيمان (1) . # وقال صلى الله عليه وسلم: "من أكل لقمة الحرام، لم يقبل الله تعالى منه ~~صلاة أربعين يوما". # "وكل لحم أنبته السحت والحرام، فالنار أولى به" (2) . # وقال صلى الله عليه وسلم: "من اكتسب مالا حراما، لم يقبل الله منه صدقة، ~~ولا عتقا، ولا حجا، ولا عمرة، وكانت له بعدده أوزارا، وما بقي منه بعد موته ~~كان زاده إلى النار". # وقال صلى الله عليه وسلم: "لو أن رجلا اشترى ثوبا بعشرة دراهم، وكان فيهم ~~دراهم حرام، لم PageV01P144 # يقبل الله تعالى منه عملا حتى يؤديه إلى أهله". # ويروى في حديث آخر: "لم يقبل منه عملا ما دام عليه شيء منه" (1) . # وقال صلى الله عليه وسلم: "لو أن أصحاب المال الحرام استشهدوا في سبيل ~~الله تعالى سبعين مرة لم تكن الشهادة لهم توبة، وتوبة الحرام رده إلى ~~أربابه، والاستحلال منهم". # وقال صلى الله عليه وسلم: "من أكل الحلال أربعين يوما، نور الله تعالى ~~قلبه، وأجرى ينابيع الحكمة على لسانه، ويهديه الله في الدنيا والآخرة". # وفي المناجاة: أن الله تعالى يقول لموسى عليه السلام: إن أردت أن تدعوني، ~~فصن ms095 بطنك عن الحرام، وقل: يا ذا المن القديم، والفضل العميم، يا ذا الرحمة ~~الواسعة، فأنى أجيبك فيما سألتني. # وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: لو صمتم حتى تكونوا كالحنايا، وصليتم ~~حتى تكونوا كالأوتار، لم يقبل منكم إلا بورع حاجز. # وقال بعض أهل العلم: الدنيا حلالها حساب، وحرامها عقاب، والحرام داء لا ~~دواء له إلا الفرار للرحمن من أكله. # وأنشدوا في المعنى: # أشبه من يتوب على حرام ... كبيض فاسد تحت الحمام # يطول عناؤه في غير شغل ... وآخره يقوم بلا تمام # إذا كان المقام على حرام ... فلا معنى لتطويل القيام # وقال يحيى بن معاذ رضي الله تعالى عنه: الطاعة مخزونة في خزائن الله ~~تعالى، ومفتاحها الدعاء، وأسنانها أكل الحلال، فإذا لم يكن في المفتاح ~~أسنان، فلا يفتح PageV01P145 # الباب، وإذا لم تفتح الخزانة كيف يتوصل إلى ما فيها من الطاعة. # فصن لقمتك، وأطب طعمتك حتى يتبين لك مبيض صالح العمل من مسود خيط الأمل ~~من فجر الأجل، ثم أتم صيام الجوارح عن حرام طعام الآثام إلى ليل القيام ~~فتفطر على فوائد موائد {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} ~~. الحاقة 24. # ومن لم يجتنب الحرام من الطعام، أفطر بعد طول الصيام على مرارة حرارة ~~ثمرة الزقوم، فيا له من طعام، ما أعظم ضرره، يفتت الفؤاد، ويقطع الأكباد، ~~ويمزق الأجساد، ويورث الأنكاد في الميعاد. # وقال سفيان الثوري رضي الله تعالى عنه: كنت أقرأ الآية فيفتح لي فيها ~~سبعون بابا من العلم، فلما أكلت مال هؤلاء الأمراء، صرت أقرأ الآية فلم ~~يفتح لي فيها باب واحد. # فالحرام من القوت نار تذيب شحمة الفكر، وتذهب لذة حلاوة الذكر، وتحرق ~~ثياب إخلاص النيات، ومن الحرام يتولد عمى البصيرة وظلام السريرة. # فاكتسب مالا حلالا، وأنفقه في قصد، واجتنب الحرام وأهله، ولا تجالسهم، ~~ولا تأكل طعامهم، ولا تصحب من كسبه من الحرام، إن كنت صادقا في ورعك، ولا ~~تدلن أحدا على الحرام فيأكله هو وتحاسب أنت عليه، ولا تعنه أيضا على طلبه، ~~فان المعين شريك. # واعلم أنه ms096 إنما تقبل الأعمال من آكل الحلال. # ويتعلق بذلك كتمان الفاقة والحسرات وإخفاء الأنين والزفرات، والركون في ~~الخلوات. # وأما أكل مال اليتيم فلو لم يكن فيه إلا ما نطق القرآن الكريم على لسان ~~نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم حيث قال جل وعلا: {إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما إنما # PageV01P146 # يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} النساء 10. # وقال تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ~~وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا} الإسراء 34. # وأما الخيانة في الوزن والكيل، فاجتنب ذلك يا أخي ما استطعت، فان الله ~~تعالى قد أمرك بالعهد فيهما في قوله تعالى: {ويل للمطففين الذين إذا ~~اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} المطففين 1، 3. # وإياك يا أخي أن تغتبط بشيء من حقوق المسلمين، فإن البركة لا تكون مع ~~الخيانة، وإن قليلا من الحرام يتلف كثيرا من الحلال. # وإياك يا أخي إن خنت درهما، خانك إبليس في سبعين درهما. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة من كن فيه فهو منافق، وإن صلى ~~وصام: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" (1) . # وقال بعضهم: دخلت لزيارة جار لي كان يبيع الحنطة، فلما قعدت عند رأسه وهو ~~يقول: جبلان من نار، فسألت زوجته، فقالت: إنه كال له مدان، أحدهما كبير ~~والآخر صغير، فإذا ابتاع من أحد شيئا اكتال بالمد الكبير، وإذا باع هو لأحد ~~شيئا، كال له بالمد الصغير، فعلمت إن المدين هما اللذان تصورا له جبلين من ~~نار. # قيل، وكان رجل بالبادية لبان يخلط اللبن بالماء، فجاء السيل، فذهب ~~بالغنم، فجعل يبكي ويقول: اجتمعت تلك القطرات، فصارت سيلا، ولسان الجزاء ~~يناديه: {ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد} الحج 10. # واعلم أن السرقة والخيانة أمران مهلكان ضاران بالدين. PageV01P147 # وفي المناجاة أن الله تبارك وتعالى قال لموسى عليه السلام: ستة ناري ~~وغضبي، فأولهم من طال عمره وساء خلق، وغني سارق، وعالم فاسق، ومن أتاني على ~~غير توبة، ومن لقيني بدم مؤمن ms097 متعمدا، ومن منع حق امرئ مسلم وأكله غضبا. # وقال صلى الله عليه وسلم: "من غشنا فليس منا" (1) . # ذكر أنه وجدت على صخرة بيت المقدس مكتوب عليها ست كلمات: كل عاص مستوحش، ~~وكل مطيع مستأنس، وكل خائف هارب، وكل راج طالب، وكل مقتنع غني، وكل حريص ~~فقير. # وأما الأيمان الكاذبة، فانه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "الحلف الحنث أو ندم" (2) . # وقيل: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل من أصحابه وهو يضرب عبدا له، ~~والعبد يقول له: أسألك بوجه الله تعالى إلا ما تركتني، وهو يزيد في ضربه، ~~فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح العبد، فانطلق إليه، فلما رآه ~~السيد أمسك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سألك بوجه الله العظيم، ~~فلم تعف عنه، فلما رأيتني، أمسكت يدك"، فقال: يا رسول الله أشهدك أنه حر ~~لوجه الله تعالى العظيم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو لم ~~تفعل، للفحت النار وجهك". فإياك والتعرض لمقت الله تعالى بكثرة الأيمان، ~~فإن الله تعالى يقول: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} البقرة 224. # وفي الإسرائيليات أن موسى عليه السلام قال: يا رب، ما لمن يحلف بك كاذبا؟ ~~قال: أجعل لسانه بين جمرتين أحقابا. قال: يا رب فما على من اقتطع مال مسلم ~~بيمين فاجرة؟ قال: أقطع حظه من الجنة. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى أذن لي أن أحدث عن ~~ملك من حملة PageV01P148 # العرش ورجلاه قد خرقت الأرض السفلى، وعنقه مثني تحت العرش، فيرفع رأسه ~~وهو يقول: يا إلهي وسيدي، ما أعظمك! فيقول الله تعالى: ما عرف ذلك من حلف ~~بي كاذبا" (1) . # وأما شرب الخمر، فانه من أكبر الكبائر، وقد ورد عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يقول: "من شرب من الخمر شربة لم تقبل منه صلاة سبعة ~~أيام، ولم يقبل منه صيام" (2) . # واعلم أن في شربها عشرة خصال مذمومة: # أولها: أنها تذهب في عقل شاربها حتى يصير ms098 مضحكة للصبيان، ومهزأة كما روي ~~عن ابن أبي الدنيا أنه قال: رأيت سكران يبول ويمسح وجهه ببوله، وهو يقول: ~~اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين. # ورأى سكران قد تقيأ والكلب يلحس فاه، والسكران يقول: أكرمك الله يا سيدي ~~كرامة أوليائه. # والثانية: أنها تتلف المال وتفسده، وتعقب الفقر، كما قال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: اللهم أرنا في الخمر فإنها متلفة للمال مذهبة للعقل (3) . # والثالثة: أنها توقع العداوة والبغضاء. قال الله تعالى: {إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} المائدة 91. ويريد: انتهوا عنهما. قال ~~عمر: انتهيت يا رب، انتهيت. # والرابعة: يحرم صاحبها لذة الطعام وصواب الكلام. PageV01P149 # والخامسة: أنه تحرم عليه زوجته، فتكون معه على الزنى، وذلك أن أكثر كلامه ~~بالطلاق، فربما حنث ولم يشعر، فيكون معها زانيا، فإنه روي عن بعض الصحابة ~~رضي الله عنهم: من أنكح كريمته شارب الخمر، فقد ساقه للزنى. # والسادسة: أنها مفتاح كل شر توقعه في جميع المعاصي، كما روي عن عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه أنه قال في خطبته: أيها الناس، اتقوا شرب الخمر، فإنها ~~أم الخبائث. # والسابعة: أنها تؤذي حفظته بإدخالها في مجلس الفسوق والفجور والروائح ~~الكريهة. # والثامنة: أنه أوجب على نفسه الحد ثمانين جلدة، فان لم يضربها في الدنيا ~~ضرب في الآخرة على رؤوس الأشهاد. # والتاسعة: أنها تسد دونه أبواب السماء، فلا يرفع له عمل ولا دعاء أربعين ~~يوما. # والعاشرة: أنه خاطر بنفسه وبدينه، فيخاف عليه أن ينزع منه الإيمان عند ~~الموت. # كما روي عن بعضهم أنه قال: رأيت إنسانا يجود بنفسه عند الموت وهو يقال ~~له: قل لا إله إلا الله، فكان يقول: اشرب واسقني. وذكر عن عبد الله بن ~~مسعود أنه قال: إذا مات العبد المخمور، فادفنوه واحبسوني، واحفروا عليه، ~~فان لم تجدوا وجهه مصروفا عن القبلة، وإلا اضربوا عنقي. # فهذه عقوبته في الدنيا، وأما عقوبته في الآخرة، فإنها لا تحصى من شرب ~~الحميم والزقوم وعصارة ms099 أهل النار في النار، إلى غير ذلك من العذاب والنكال. ~~أعاذنا الله منه. # وأما ما أعد الله تعالى لتارك الصلاة على صحة البدن، فمنه ما روي عن عبد ~~الله ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس ~~بين الكافر والمسلم إلا ترك الصلاة، فإن تارك الصلاة على صحة البدن يبتليه ~~الله تعالى # PageV01P150 # بخمسة عشر عقوبة، منها ستة في الدنيا، وثلاثة عند موته، وثلاثة في قبره، ~~وثلاثة عند لقاء ربه. # فأما التي تصيبه في الدنيا، فيرفع الله تعالى البركة من عمره. # والثانية: يرفع الله البركة من رزقه. # والثالثة: تزول سيما الخير من وجهه. # والرابعة: كل عمل يعمله لا يقبل منه شيء. # والخامسة: كل دعائه لا يسمع. # والسادسة: لا حظ له في الإسلام. # قيل يا رسول الله فما الثلاثة التي تصيبه عند الموت؟ قال صلى الله عليه ~~وسلم: "يموت حيرانا ذليلا ولا يدري على أي دين يموت، ويموت عطشانا جيعانا ~~ولو سقي أنهار الدنيا كلها ما روي". # قيل يا رسول الله فما الثلاثة التي تصيبه في قبره؟ قال: "ظلمة القبر ~~وضيقه، ومسألة منكر ونكير". # قيل يا رسول الله، فما الثلاثة التي تصيبه عند لقاء ربه؟ قال: "يلقى الله ~~تعالى وهو غضبان عليه، ويبعث الله له ملكا يكبه على وجهه في النار، ويعذبه ~~الله تعالى بالوادي الذي يقال له ويل" (1) . # قال الله تعالى: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون} الماعون 4-5. # وقال صلى الله عليه وسلم: "عشرة من أمتي سخط الله تعالى عليهم ولعنهم ~~وأعد لهم عذابا أليما، ويأمر الله تعالى بهم يوم القيامة إلى النار" قيل من ~~هم يا رسول الله؟. # قال: "أولهم الشيخ الزاني. والثاني: الإمام الظالم. والثالث: مدمن الخمر. ~~PageV01P151 # والرابع: مانع الزكاة. والخامس: شاهد الزور. والسادس: الماشي بين الناس ~~بالنميمة. والسابع: الذي ينظر لوالديه بنظر الغضب. والثامن: من يطلق زوجته ~~ثم يمسكها على الحرام. والتاسع: الذي يحكم بالجور. والعاشر: تارك الصلاة ~~على صحة البدن". # وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن تارك الصلاة ms100 على صحة البدن: هل يقبل منه ~~التوحيد؟ قال: من لا صلاة له لا توحيد له، ومن لا صلاة له، لا زكاة له، ومن ~~لا صلاة له، لا صيام له. قال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ~~واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} مريم 59. # وغيا واد في جهنم لا يدخله إلا تارك الصلاة. # قال ابن عباس: أول ما يسأل العبد يوم القيامة عن الصلاة، فان قبلت منه، ~~قبل سائر عمله. # وتارك الصلاة على صحة البدن إذا رفع اللقمة من القصعة، تقول: رفعني عدو ~~الله إلى فم لم يذكر الله. # وتارك الصلاة على صحة البدن يسود الله وجهه، ويضيق خلقه، ويقتر رزقه، ~~وتتقمل ثيابه، ويبغضه الله تعالى، ويبغضه جيرانه ويجور عليه سلطانه. # وتارك الصلاة على صحة البدن، لا تجوز شهادته، ولا يحل لمسلم أن يؤاكله أو ~~يزوجه ابنته، ولا يدخل معه تحت سقف واحد. # وتارك الصلاة على صحة البدن يأتي يوم القيامة على جبهته مكتوب ثلاثة ~~أسطر: # في السطر الأول: يا مضيع حقوق الله. # وفي الثاني: يا مخصوصا بغضب الله تعالى. # PageV01P152 # وفي الثالث: كما ضيعت حق الله، فأيس اليوم من رحمة الله تعالى. # وفي الخبر أن النار تقول لتارك الصلاة: أنت لي ولي، يا ليت أن الله جمع ~~بيني وبينك، فأنتقم للصلاة منك، أنت عدو للصلاة، والله عدو لك. # وتقول له الجنة: يا عدو الله، ضيعت أمانة الله تعالى، وتهاونت بفريضة ~~الله، فإني محرمة عليك حين يتبوأ عباد الله مني حيث يشاؤون، ما جرت أنهاري، ~~وتجاوبت أطياري، وسطع نوري، وتزين حوري، فأنا وما في الحور والسرور ~~والولدان والقصور، حرام عليك أبد الآبدين. # تم بحمد الله # *** PageV01P153 ms101