######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010547 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن الجوزي #META# 010.AuthorNAME :: جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى : 597هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 597 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: صيد الخاطر #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الطرائف والقصص :: كتب الأدب #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: صيد الخاطر #META# 030.LibURI :: JK_010547 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه المستعان وعليه التكلان # قال الشيخ الإمام العالم أبو الفرج؛ عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي ~~رحمة الله عليه: الحمد لله حمدا يبلغ رضاه، وصلى الله على أشرف من اجتباه، ~~وعلى من صاحبه ووالاه، وسلم تسليما لا يدرك منتهاه. # لما كانت الخواطر تجول في تصفح أشياء تعرض لها، ثم تعرض عنها فتذهب، كان ~~من أولى الأمور حفظ ما يخطر لكيلا ينسى. # وقد قال عليه الصلاة والسلام: قيدوا العلم بالكتابة. # وكم قد خطر لي شيء، فأتشاغل عن إثباته فيذهب، فأتأسف عليه. # ورأيت من نفسي أنني كلما فتحت بصر التفكر، سنح له من عجائب الغيب، ما لم ~~يكن في حساب، فأنثال عليه من كثيب التفهيم ما لا يجوز التفريط فيه، فجعلت ~~هذا الكتاب قيدا - لصيد الخاطر - والله ولي النفع، إنه قريب مجيب. # فصل بين اليقظة والغفلة # قد يعرض عند سماع المواعظ للسامع يقظة، فإذا انفصل عن مجلس الذكر عادت ~~القسوة والغفلة ! فتدبرت السبب في ذلك، فعرفته. # ثم رأيت الناس يتفاوتون في ذلك، فالحالة العامة أن القلب لا يكون على صفة ~~من اليقظة عند سماع الموعظة وبعدها، لسببين. # أحدهما: أن المواعظ كالسياط، والسياط لا تؤلم بعد انقضائها إيلامها وقت ~~وقوعها. # والثاني: أن حالة سماع المواعظ يكون الإنسان فيها مزاح العلة، قد تخلى ~~بجسمه وفكره عن أسباب الدنيا، وأنصت بحضور قلبه، فإذا عاد إلى الشواغل ~~اجتذبته بآفاتها، وكيف يصح أن يكون كما كان ؟!. # وهذه حالة تعم الخلق، إلا أن أرباب اليقظة يتفاوتون في بقاء الأثر. # فمنهم من يعزم بلا تردد، ويمضي من غير التفات، فلو توقف بهم ركب الطبع ~~لضجوا كما قال حنظلة عن نفسه: نافق حنظلة !. # ومنهم أقوام يميل بهم الطبع إلى الغفلة أحيانا، ويدعوهم ما تقدم من ~~المواعظ إلى العمل أحيانا، فهم كالسنبلة تميلها الرياح !. # وأقوام لا يؤثر فيهم إلا بمقدار سماعه، كما دحرجته على صفوان.... !!. # فصل روابط النفس بالدنيا # جواذب الطبع إلى الدنيا كثيرة ثم هي من داخل، وذكر الآخرة أمر خارج عن ~~الطبع، من ms001 خارج. # وربما ظن من لا علم له أن جواذب الآخرة أقوى، لما يسمع من الوعيد في ~~القرآن. # وليس كذلك. لأن مثل الطبع في ميله إلى الدنيا، كالماء الجاري فإنه يطلب ~~الهبوط، وإنما رفعه إلى فوق يحتاج إلى التكلف. # ولهذا أجاب معاون الشرع: بالترغيب والترهيب يقوى جند العقل. # فأما الطبع فجواذبه كثيرة، وليس العجب أن يغلب، إنما العجب أن يغلب. # فصل تقدير العواقب # من عاين بعين بصيرته تناهي الأمور في بداياتها، نال خيرها، ونجا من شرها. # ومن لم ير العواقب غلب عليه الحس، فعاد عليه بالألم ما طلب منه السلامة ~~وبالنصب ما رجا منه الراحة. # وبيان هذا في المستقبل، يتبين بذكر الماضي، وهو أنك لا تخلو، أن تكون ~~عصيت الله في عمرك، أو أطعته. # فأين لذة معصيتك ؟ وأين تعب طاعتك ؟ هيهات رحل كل بما فيه ! فليت الذنوب ~~إذ تخلت خلت ! وأزيدك في هذا بيانا: مثل ساعة الموت، وأنظر إلى مرارة ~~الحسرات على التفريط، ولا أقول: كيف تغلب حلاوة اللذات، لأن حلاوة اللذات ~~استحالت حنظلا، فبقيت مرارة الأسى بلا مقاوم. # أتراك ما علمت أن الأمر بعواقبه ؟ فراقب العواقب تسلم، ولا تمل مع هوى ~~الحس فتندم. # فصل متاع الغرور # من تفكر في عواقب الدنيا، أخذ الحذر، ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر. # ما أعجب أمرك يا من يوقن بأمر ثم ينساه، ويتحقق ضرر حال ثم يغشاه " وتخشى ~~الناس والله أحق أن تخشاه " . # تغلبك نفسك على ما تظن، ولا تغلبها على ما تستيقن. # أعجب العجائب، سرورك بغرورك، وسهوك في لهوك، عما قد خبىء لك. # تغتر بصحتك وتنسى دنو السقم، وتفرح بعافيتك غافلا عن قرب الألم. # لقد أراك مصرع غيرك مصرعك، وأبدى مضجع سواك - قبل الممات - مضجعك. # وقد شغلك نيل لذاتك، عن ذكر خراب ذاتك: # كأنك لم تسمع بأخبار من مضى ... ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر ! # فإن كنت لا تدري فتلك ديارهم ... محاها مجال الريح بعدك والقبر ! # كم رأيت صاحب منزل ما نزل لحده، حتى نزل !. # وكم شاهدت والي قصر، وليه عدوه لما ms002 عزل !. # فيا من كل لحظة إلى هذا يسري، وفعله فعل من لا يفهم ولا يدري... ~~PageV01P001 وكيف تنام العين وهي قريرة ؟ ... ولم تدر من أي المحلين تنزل ؟ # فصل لا تحم حول الحمى # من قارب الفتنة بعدت عنه السلامة. ومن ادعى الصبر، وكل إلى نفسه. # ورب نظرة لم تناظر !. # وأحق الأشياء بالضبط والقهر، اللسان والعين. # فإياك إياك أن تغتر بعزمك على ترك الهوى، مع مقاربة الفتنة. فإن الهوى ~~مكايد. # وكم من شجاع في صف الحرب اغتيل فأتاه ما لم يحتسب ممن يأنف النظر إليه ! ~~واذكر حمزة مع وحشي. # فتبصر ولا تشم كل برق ... رب برق فيه صواعق حين # واغضض الطرف تسترح من غرام ... تكتسي فيه ثوب ذل وشين # فبلاء الفتى موافقة النف ... س وبدء الهوى طموح العين # فصل حالة القلب مع العبادة # أعظم المعاقبة أن لا يحس المعاقب بالعقوبة. وأشد من ذلك أن يقع السرور ~~بما هو عقوبة، كالفرح بالمال الحرام، والتمكن من الذنوب. # ومن هذه حاله، لا يفوز بطاعة. # وإني تدبرت أحوال أكثر العلماء والمتزهدين فرأيتهم في عقوبات لا يحسون ~~بها، ومعظمها من قبل طلبهم للرياسة. # فالعالم منهم، يغضب إن رد عليه خطؤه، والواعظ متصنع بوعظه، والمتزهد ~~منافق أو مراء. # فأول عقوباتهم، إعراضهم عن الحق شغلا بالخلق. # ومن خفي عقوباتهم، سلب حلاوة المناجاة، ولذة التعبد. # إلا رجال مؤمنون، ونساء مؤمنات، يحفظ الله بهم الأرض، بواطنهم كظواهرهم، ~~بل أجلى، وسرائرهم كعلانيتهم، بل أحلى، وهممهم عند الثريا، بل أعلى. # إن عرفوا تنكروا، وإن رئيت لهم كرامة، أنكروا. # فالناس في غفلاتهم، وهم في قطع فلاتهم، تحبهم بقاع الأرض، وتفرح بهم ~~أملاك السماء. # نسأل الله معز وجل التوفيق لاتباعهم، وأن يجعلنا من أتباعهم. # فصل دعوة إلى علو الهمة # من علامة كمال العقل علو الهمة ! والراضي بالدون دنيء !!. # ولم أر في عيوب الناس عيبا ... كنقص القادرين على التمام # فصل المحبة الإلهية # سبحان من سبقت محبته لأحبابه، فمدحهم على ما وهب لهم، واشترى منهم ما ~~أعطاهم، وقدم المتأخر من أوصافهم، لموضع إيثارهم، فباهى بهم في صومهم، وأحب ms003 ~~خلوف أفواههم. # يا لها من حالة مصونة لا يقدر عليها كل طالب ! ولا يبلغ كنه وصفها كل ~~خاطب. # فصل دوام اليقظة # الواجب على العاقل أخذ العدة لرحيله، فإنه لا يعلم متى يفجؤه أمر ربه، ~~ولا يدري متى يستدعى ؟. # وإني رأيت خلقا كثيرا غرهم الشباب ونسوا فقد الأقران، وألهاهم طول الأمل. # وربما قال العالم المحض لنفسه: أشتغل بالعلم اليوم ثم أعمل به غدا ~~فيتساهل في الزلل بحجة الراحة، ويؤخر الأهبة لتحقيق التوبة، ولا يتحاشى من ~~غيبة أو سماعها، ومن كسب شبهة يأمل أن يمحوها بالورع. # وينسى أن الموت قد يبغت فالعاقل من أعطى كل لحظة حقها من الواجب عليه. ~~فإن بغته الموت رئي مستعدا، وإن نال الأمل ازداد خيرا. # فصل الذنب.. وعقوبته # خطرت لي فكرة فيما يجري على كثير من العالم من المصائب الشديدة، والبلايا ~~العظيمة، التي تتناهى إلى نهاية الصعوبة. # فقلت: سبحان الله ! إن الله أكرم الأكرمين، والكرم يوجب المسامحة. # فما وجه هذه المعاقبة ؟. # فتفكرت، فرأيت كثيرا من الناس في وجودهم كالعدم، لا يتصفحون أدلة ~~الوحدانية، ولا ينظرون في أوامر الله تعالى ونواهيه، بل يجرون - على ~~عاداتهم - كالبهائم. # فإن وافق الشرع مرادهم، وإلا فمعولهم على أغراضهم. # وبعد حصول الدينار لا يبالون، أمن حلال كان أم من حرام. # وإن سهلت عليهم الصلاة فعلوها، وإن لم تسهل تركوها. # وفيهم من يبارز بالذنوب العظيمة، مع نوع معرفة المناهي. # وربما قويت معرفة عالم منهم، وتفاقمت ذنوبه. # فعلمت أن العقوبات، وإن عظمت دون إجرامهم. # فإذا وقعت عقوبة لتمحص ذنبا، صاح مستغيثهم: ترى هذا بأي ذنب ؟. # وينسى ما قد كان، مما تتزلزل الأرض لبعضه. # وقد يهان الشيخ في كبره حتى ترحمه القلوب، ولا يدري أن ذلك لإهماله حق ~~الله تعالى في شبابه. # فمتى رأيت معاقبا، فاعلم أنه لذنوب. # فصل حقيقة زهد العلماء # تأملت التحاسد بين العلماء، فرأيت منشأه من حب الدنيا، فإن علماء الآخرة ~~يتوادون ولا يتحاسدون، كما قال عز وجل: " ولا يجدون في صدورهم حاجة مما ~~أوتوا " . PageV01P002 وقال تعالى: " والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ربنا ms004 ~~أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ~~آمنوا " . # وقد كان أبو الدرداء: يدعو كل ليلة لجماعة من إخوانه. # وقال الإمام أحمد بن حنبل لولد الشافعي: أبوك من الستة الذين أدعو لهم كل ~~ليلة وقت السحر. # والأمر الفارق بين الفئتين: أن علماء الدنيا، ينظرون إلى الرياسة فيها، ~~ويحبون كثرة الجمع والثناء. # وعلماء الآخرة، بمعزل من إيثار ذلك، وقد كانوا يتخوفونه، ويرحمون من بلي ~~به. # وكان النخعي: لا يستند إلى سارية. # وقال علقمة: أكره أن يوطأ عقبي. # وكان بعضهم: إذا جلس إليه أكثر من أربعة، قام عنهم. # وكانوا يتدافعون الفتوى، ويحبون الخمول، مثل القوم، كمثل راكب البحر، وقد ~~خب، فعنده إلى أن يوقن بالنجاة. # وإنما كان بعضهم يدعو لبعض، ويستفيد منه لأنهم ركب تصاحبوا فتوادوا، ~~فالأيام والليالي مراحلهم إلى سفر الجنة. # فصل ثمار الطاعة # من أحب تصفية الأحوال، فليجتهد في تصفية الأعمال. # قال الله عز وجل: " وأن لو استقاموا على الطريقة، لأسقيناهم ماء غدقا " . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل: لو أن عبادي ~~أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت ~~الرعد. # وقال صلى الله عليه وسلم: البر لا يبلى، والإثم لا ينسى والديان لا ينام ~~وكما تدين تدان. # وقال أبو سليمان الداراني: من صفى صفي له ومن كدر كدر عليه، ومن أحسن في ~~ليله كوفىء في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفىء في ليله. # وكان شيخ يدور في المجالس، ويقول: من سره أن تدوم له العافية، فليتق الله ~~عز وجل. # وكان الفضيل بن عياض، يقول: إني لأعصي الله، فأعرف ذلك في خلق دابتي، ~~وجاريتي. # واعلم - وفقك الله - أنه لا يحس بضربة مبنج، وإنما يعرف الزيادة من ~~النقصان المحاسب لنفسه. # ومتى رأيت تكديرا في حال فاذكر نعمة ما شكرت، أو زلة قد فعلت، واحذر من ~~نفار النعم، ومفاجأة النقم، ولا تغتبت بسعة بساط الحلم، فربما عجل انقباضه. # وقد قال الله عز وجل: " إن الله لا يغير ما بقوم، ms005 حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~" . # وكان أبو علي الروذباري يقول: من الاغترار أن تسيء، فيحسن إليك، فتترك ~~التوبة، توهما أنك تسامح في العقوبات ... !!!. # فصل ما يطيقه البشر وما لا يطيقونه من التكليف # تفكرت يوما في التكليف، فرأيته ينقسم إلى سهل، وصعب. # فأما السهل، فهو أعمال الجوارح، إلا أن منه ما هو أصعب من بعض، فالوضوء ~~والصلاة أسهل من الصوم، والصوم ربما كان عند قوم أسهل من الزكاة. # وأما الصعب فيتفاوت، فبعضها أصعب من بعض. # فمن المستصعب، النظر، والاستدلال، الموصلان إلى معرفة الخالق. فهذا صعب ~~عند من غلبت عليه أمور الحس، سهل عند أهل العقل. # ومن المستصعب غلبة الهوى، وقهر النفوس، وكف أكف الطباع عن التصرف فيما ~~يؤثره، وكل هذا يسهل على العاقل النظر في ثوابه، ورجاء عاقبته، وإن شق ~~عاجلا. # وإنما أصعب التكاليف وأعجبها، أنه قد ثبتت حكمة الخالق عند العقل، ثم ~~نراه يفقر المتشاغل بالعلم، المقبل على العبادة، حتى يعضه الفقر بناجذيه، ~~فيذل للجاهل في طلب القوت. # ويغني الفاسق مع الجهل، حتى تفيض الدنيا عليه. # ثم تراه ينشيء الأجسام ويحكمها، ثم ينقض بناء الشباب في مبدأ أمره، وعند ~~استكمال بنائه، فإذا به قد عاد هشيما. # ثم تراه يؤلم الأطفال، حتى يرحمهم كل طبع. # ثم يقال له: إياك أن تشك في أنه أرحم الراحمين. # ثم يسمع بإرسال موسى إلى فرعون، ويقال له: أعتقد أن الله تعالى أضل فرعون ~~واعلم أنه ما كان لآدم بد من أكل الشجرة وقد وبخ بقوله: " وعصى آدم ربه " . # وفي مثل هذه الأشياء تحير خلق، حتى خرجوا إلى الكفر والتكذيب. # ولو فتشوا على سر هذه الأشياء، لعلموا أن تسليم هذه الأمور، تكليف العقل ~~ليذعن، وهذا أصل، إذا فهم، حصل السلامة والتسليم. # نسأل الله عز وجل أن يكشف لنا الغوامض، التي حيرت من ضل، إنه قريب مجيب. # فصل أهمية الزمن # ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير ~~قربة. PageV01P003 ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل. ولتكن نيته في ~~الخير قائمة، من غير ms006 فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل، كما جاء في ~~الحديث: " نية المؤمن خير من عمله " . # وقد كان جماعة من السلف يبادرون اللحظات. فنقل عن عامر بن عبد قيس أن ~~رجلا قال له: كلمني، فقال له: أمسك الشمس. # وقال ابن ثابت البناني: ذهبت ألقن أبي، فقال: يا بني دعني، فإني في وردي ~~السادس. # ودخلوا على بعض السلف عند موته، وهو يصلي، فقيل له. # فقال: الآن تطوى صحيفتي. # فإذا علم الإنسان - وإن بالغ في الجد - بأن الموت يقطعه عن العمل، عمل في ~~حياته ما يدوم له أجره بعد موته. # فإن كان له شيء من الدنيا، وقف وقفا، وغرس غرسا، وأجرى نهرا، ويسعى في ~~تحصيل ذرية تذكر الله بعده، فيكون الأجر له. أو أن يصنف كتابا من العلم، ~~فإن تصنيف العالم ولده المخلد. # وأن يكون عاملا بالخير، عالما فيه، فينقل من فعله ما يقتدي الغير به. # فلذلك الذي لم يمت. # قد مات قوم وهم في الناس أحياء. # فصل شرف العالم غناه بعمله # رأيت من أعظم حيل الشيطان ومكره، أن يحيط أرباب الأموال بالآمال، ~~والتشاغل باللذات القاطعة عن الآخرة وأعمالها. # فإذا علقهم بالمال - تحريضا على جمعه، وحثا على تحصيله - أمرهم بحراسته ~~بخلا به. # فذلك من متين حيله، وقوي مكره. # ثم دفن في هذا الأمر من دقائق الحيل الخفية، أن خوف من جمعه المؤمنين، ~~فنفر طالب الآخرة منه، وبادر التائب يخرج ما في يده. # ولا يزال الشيطان، يحرضه على الزهد، ويأمره بالترك، ويخوفه من طرقات ~~الكسب، إظهارا لنصحه وحفظ دينه. وفي خفايا ذلك عجائب من مكره. # وربما تكلم الشيطان على لسان بعض المشايخ الذين يقتدي بهم التائب، فيقول ~~له: اخرج من مالك وادخل في زمرة الزهاد. # ومتى كال لك غداء أو عشاء، فلست من أهل الزهد، ولا تنال مراتب العزم. # وربما كرر عليه الأحاديث البعيدة عن الصحة والواردة على سبب ولمعنى. # فإذا أخرج ما في يده. وتعطل عن مكاسبه، عاد يعلق طموحه بصلة الإخوان. أو ~~يحسن عنده صحبة السلطان، لأنه لا يقوى على ms007 طريق الزهد والترك إلا أياما، ثم ~~يعود الطبع فيتقاضى مطلوباته، فيقع في أقبح مما فر منه. # ويبذل أول السلع في التحصيل دينه وعرضه، ويصير متمندلا به، ويقف في مقام ~~اليد السفلى. # ولو أنه نظر في سير الرجال نبلائهم، وتأمل صحاح الأحاديث، عن رؤسائهم، ~~لعلم أن الخليل عليه الصلاة والسلام كان كثير المال، حتى ضاقت بلدته ~~بمواشيه. # وكذلك لوط عليه الصلاة والسلام، وكثير من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ~~والجمع الغفير من الصحابة. # وإنما صبروا عند العدم، ولم يمتنعوا من كسب ما يصلحهم، ولا من تناول ~~المباح عند الوجود. # وكان أبو بكر رضي الله عنه يخرج للتجارة والرسول صلى الله عليه وسلم حي. # وكان أكثرهم يخرج فاضل مما يأخذ من بيت المال، ويسلم من ذل الحاجة إلى ~~الإخوان. # وقد كان ابن عمر لا يرد شيئا، ولا يسأل. # وإني تأملت أكثر أهل الدين والعلم على هذه الحال، فوجدت العلم شغلهم عن ~~المكاسب في بداياتهم، فلما احتاجوا إلى قوام نفوسهم ذلوا، وهم أحق بالعز. # وقد كانوا قديما يكفيهم بيت المال فضلات الإخوان، فلما عدمت في هذا ~~الأوان، لم يقدر متدين على شيء إلا يبذل شيء من دينه. # وليته قدر فربما تلف الدين لم يحصل له شيء. # فالواجب على العاقل أن يحفظ ما معه، وأن يجتهد في الكسب ليربح مداراة ~~ظالم، أو مداهنة جاهل، ولا يلتفت إلى ترهات المتصوفة، الذي يدعون في الفقر ~~ما يدعون. # فما الفقر إلا مرض العجزة، وللصابر على الفقر ثواب الصابر على المرض. # اللهم إلا أن يكون جبانا عن التصرف، مقتنعا بالكفاف، فليس ذلك من مراتب ~~الأبطال، بل هو من مقامات الجبناء الزهاد. # وأما الكاسب ليكون المعطي لا المعطى، والمتصدق لا المتصدق عليه، فهي من ~~مراتب الشجعان الفضلاء. # ومن تأمل، هذا علم شرف الغنى ومخاطرة الفقر. # فصل الندم على ما فات # تأملت أحوال الفضلاء، فوجدتهم - في الأغلب - قد بخسوا من حظوظ الدنيا، ~~ورأيت الدنيا - غالبا - في أيدي أهل النقائص. # فنظرت في الفضلاء، فإذا هم يتأسفون على ما فاتهم مما ناله أولو ms008 النقص، ~~وربما تقطع بعضهم أسفا على ذلك. # فخاطبت بعض المتأسفين فقلت له: ويحك تدبر أمرك، فإنك غالط من وجوه. ~~PageV01P004 أحدها: أنه إن كانت لك همة في طلب الدنيا، فاجتهد في طلبها ~~تربح التأسف على فوتها، فإن قعودك - متأسفا على ما ناله غيرك، مع قصور ~~اجتهادك غاية العجز. # والثاني: أن الدنيا إنما تراد لتعبر لا لتعمر، وهذا هو الذي يدلك عليه ~~علمك ويبلغه فهمك. وما يناله أهل النقص من فضولها يؤذي أبدانهم وأديانهم. ~~فإذا عرفت ذلك ثم تأسفت على فقد ما فقده أصلح لك، وكان تأسفك عقوبة لتأسفك ~~على ما تعلم المصلحة في بعده، فاقنع بذلك عذابا عاجلا، إن سلمت من العذاب ~~الآجل. # والثالث: أنك قد علمت بخس حظ الآدمي في الجملة، من مطاعم الدنيا ولذاتها ~~بالإضافة إلى الحيوان البهيم. # لأنه ينال ذلك أكثر مقدارا ، مع أمن، وأنت تناله مع خوف، وقلة مقدار. # فإذا ضوعف حظك من ذلك كان ذلك لاحقا بالحيوان البهيم، من جهة أنه يشغله ~~ذلك عن تحصيل الفضائل. وتخفيف المؤن يحث صاحبه على نيل المراتب. # فإذا آثرت - مع قلة الفضول - الفضول، عدت على ما علمت بالإزراء، فشنت ~~علمك، ودللت على اختلاط رأيك... # فصل أسباب الخطأ # تأملت إقدام العلماء على شهوات النفس المنهي عنها، فرأيتها مرتبة تزاحم ~~الكفر لولا تلوح معنى: هو أن الناس عند مواقعة المحظور ينقسمون. # فمنهم: جاهل بالمحظور، أنه محظور، فهذا له نوع عذر. # ومنهم: من يظن المحظور مكروها لا محرما، فهذا قريب من الأول. # وربما دخل في هذا القسم آدم صلى الله عليه وسلم. # ومنهم: من يتأول فيغلط، كما يقال: إن آدم عليه الصلاة والسلام. نهي عن ~~شجرة بعينها، فأكل من جنسها، لا من عينها. # ومنهم: من يعلم التحريم، غير أن غلبات الشهوة أنسته تذكر ذاك، فشغله ما ~~رأى عما يعلم. # ولهذا لا يذكر السارق القطع، بل يغيب بكليته في نيل الحظ. # ولا يذكر راكب الفاحشة الفضيحة ولا الحد، لأن ما يرى يذهله عما يعلم. # ومنهم: من يعلم الخطر ويذكره... # غير أن بالحزم أولى بالعاقل، ms009 كيف وقد علم أن هذا الملك الحكيم قطع اليد ~~في ربع دينار، وهدم بناء الجسم المحكم بالرجم بالحجارة، لالتذاذ ساعة. # وخسف، ومسخ، وأغرق..... # فصل ضرورة الجزاء # من تأمل أفعال البارىء سبحانه، رآها على قانون العدل، وشاهد الجزاء ~~مرصدا، ولو بعد حين. # فلا ينبغي أن يغتر مسامح، فالجزاء قد يتأخر. # ومن أقبح الذنوب التي قد أعد لها الجزاء العظيم، الإصرار على الذنب، ثم ~~يصانع صاحب باستغفار، وصلاة، وتعبد، وعنده أن المصانعة تنفع. # وأعظم الخلق اغترارا، من أتى ما يكرهه الله. وطلب منه ما يحبه هو، كما ~~روي في الحديث: " والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني " . # ومما ينبغي للعاقل أن يترصد، وقوع الجزاء، فإن ابن سيرين قال: عيرت رجلا ~~فقلت: يا مفلس، فأفلست بعد أربعين سنة. # وقال ابن الجلا: رآني شيخ لي وأنا أنظر إلى أمرد، فقال: ما هذا ؟ لتجدن ~~غبها، فنسيت القرآن بعد أربعين سنة. # وبالضد من هذا، كل من عمل خيرا أو صحح نية، فلينتظر جزاءها الحسن، وإن ~~امتدت المدة. # قال الله عز وجل: " إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " . # وقال عليه الصلاة والسلام: من غض بصره عن محاسن امرأة أثابه الله إيمانا ~~يجد حلاوته في قلبه. # فليعلم العاقل أن ميزان العدل لا يحابى. # فصل حقائق الحياة بين العلم والجهل # تأملت أحوال الصوفية والزهاد، فرأيت أكثرها منحرفا عن الشريعة، بين جهل ~~بالشرع، وابتداع بالرأي. # يستدلون بآيات لا يفهمون معناها، وبأحاديث لها أسباب، وجمهورها لا يثبت. # فمن ذلك، أنهم سمعوا في القرآن العزيز: " وما الحياة الدنيا إلا متاع ~~الغرور " ، " اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة " ثم سمعوا في ~~الحديث: " للدنيا أهون على الله من شاة ميتة، على أهلها " فبالغوا في هجرها ~~من غير بحث عن حقيقتها. # وذلك أنه ما لم يعرف حقيقة الشيء فلا يجوز أن يمدح ولا أن يذم. # فإذا بحثنا عن الدنيا رأينا هذه الأرض البسيطة التي جعلت قرارا للخلق، ~~تخرج منها أقواتهم، ويدفن فيها أمواتهم. # ومثل هذا لا يذم لموضع ms010 المصلحة فيه. # ورأينا ما عليها من ماء، وزرع، وحيوان، كله لمصالح الآدمي، وفيه حفظ لسبب ~~بقائه. # ورأينا بقاء الآدمي سببا لمعرفة ربه، وطاعته إياه، وخدمته. PageV01P005 ~~وما كان سببا لبقاء العارف العابد، يمدح ولا يذم. # فبان لنا أن الذم إنما هو لأفعال الجاهل، أو العاصي في الدنيا. # فإنه إذا اقتنى المال المباح، وأدى زكاته، لم يلم. # فقد علم ما خلف الزبير، وابن عوف وغيرهما، وبلغت صدقة علي - رضي الله عنه ~~- أربعين ألفا. وخلف ابن مسعود: تسعين ألفا، وكان الليث بن سعد يستغل كل ~~سنة عشرين ألفا، وكان سفيان، يتجر بمال، وكان ابن مهدي يستغل كل سنة ألفي ~~دينار. # وإن أكثر من النكاح والسراري، كان ممدوحا لا مذموما، فقد كان للنبي صلى ~~الله عليه وسلم زوجات، وسراري وجمهور الصحابة، كانوا على الإكثار من ذلك. ~~وكان لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أربع حرائر، وسبع عشرة أمة. # وتزوج ولده الحسن، نحوا من أربعمائة. # فإن طلب التزوج للأولاد، فهو الغاية في التعبد، وإن أراد التلذذ فمباح، ~~يندرج فيه من التعبد ما لا يحصى، من إعفاف نفسه والمرأة، إلى غير ذلك. # وقد أنفق موسى - عليه السلام - من عمره الشريف عشر سنين في مهر ابنة ~~شعيب. # فلولا أن النكاح من أفضل الأشياء، لما ذهب كثير من زمان الأنبياء فيه وقد ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: خيار هذه الأمة أكثرها نساء. # وكان يطأ جارية له، وينزل في أخرى. # وقالت سرية الربيع بن خيثم: كان الربيع يعزل. # وأما المطعم، فالمراد منه تقوية هذا البدن لخدمة الله عز وجل، وحق على ذي ~~الناقة أن يكرمها لتحمله. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم. يأكل ما وجد، فإن وجد اللحم أكله، ~~ويأكل لحم الدجاج، وأحب الأشياء إليه الحلوى والعسل، وما نقل عنه أنه امتنع ~~من مباح. # وجيء علي رضي الله عنه بفالوذج فأكل منه، وقال: ما هذا ؟ قالوا: يوم ~~النوروز، فقال: نوروزنا كل يوم. # وإنما يكره الأكل فوق الشبع، واللبس على وجه الاختيال والبطر. # وقد اقتنع أقوام بالدون ms011 من ذلك، لأن الحلال الصافي لا يكاد يمكن فيه ~~تحصيل المراد، وإلا فقد لبس النبي صلى الله عليه وسلم: حلة اشتريت له بسبعة ~~وعشرين بعيرا. # وكان لتميم الداري: حلة اشتريت بألف درهم، يصلي فيها بالليل. # فجاء أقوام، فأظهروا التزهد، وابتكروا طريقة زينها لهم الهوى، ثم تطلبوا ~~لها الدليل. # وإنما ينبغي للإنسان أن يتبع طريقا ويتطلب دليلها. # ثم انقسموا: فمنهم، متصنع في الظاهر، ليث الشرى في الباطن. # يتناول في خلواته الشهوات، وينعكف على اللذات. ويري الناس بزيه أنه متصوف ~~متزهد، وما تزهد إلا القميص وإذا نظر إلى أحواله فعنده كبر فرعون. # ومنهم: سليم الباطن، إلا أنه في الشرع جاهل. # ومنهم: من تصدر، وصنف، فاقتدى به الجاهلون في هذه الطريقة، وكانوا كعمي ~~اتبعوا أعمى. # ولو أنهم تلمحوا للأمر الأول، الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة رضي الله عنهم، لما ذلوا. # ولقد كان جماعة من المحققين، لا يبالون بمعظم في النفوس إذا حاد عن ~~الشريعة، بل يوسعونه لوما. # فنقل عن أحمد أنه قال له المروزي: ما تقول في النكاح ؟ فقال: سنة النبي ~~صلى الله عليه وسلم. فقال: فقد قال إبراهيم. قال: فصاح بي وقال: جئتنا ~~ببنيات الطريق ؟ وقيل له: إن سريا السقطي قال: لما خلق الله تعالى الحروف، ~~وقف الألف وسجدت الباء، فقال: نفروا الناس عنه. # واعلم أن المحقق لا يهوله اسم معظم، كما قال رجل لعلي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه: أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير، كانا على الباطل ؟ فقال له: إن ~~الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله. # ولعمري إنه قد وقر في النفوس تعظيم أقوام، فإذا نقل عنهم شيء فسمعه جاهل ~~بالشرع قبله، لتعظيمهم في نفسه. # كما ينقل عن أبي يزيد رضي الله عنه، أنه قال: تراعنت علي نفسي فحلفت لا ~~أشرب الماء سنة. # وهذا إذا صح عنه، كان خطأ قبيحا، وزلة فاحشة، لأن الماء ينفذ الأغذية إلى ~~البدن، ولا يقوم مقامه شيء. # فإذا لم يشرب فقد سعى في أذى بدنه. # وقد كان يستعذب ms012 الماء لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # أفترى هذا فعل من يعلم أن نفسه ليست له، وأنه لا يجوز التصرف فيها إلا عن ~~إذن مالكها. PageV01P006 وكذلك ينقلون عن بعض الصوفية، أنه قال: سرت إلى ~~مكة على طريق التوكل حافيا، فكانت الشوكة تدخل في رجلي فأحكها بالأرض ولا ~~أرفعها، وكان علي مسح، فكانت عيني إذا المتنبي أدلكها بالمسح فذهبت إحدى ~~عيني. وأمثال هذا كثير، وربما حملها القصاص على الكرامات، وعظموها عند ~~العوام، فيخايل لهم أن فاعل هذا أعلى مرتبة من الشافعي، وأحمد. # ولعمري، إن هذا من أعظم الذنوب وأقبح العيوب، لأن الله تعالى قال: " ولا ~~تقتلوا أنفسكم " . # وقال النبي عليه الصلاة والسلام: " إن لنفسك عليك حقا " . # وقد طلب أبو بكر رضي الله عنه، في طريق الهجرة للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~ظلا، حتى رأى صخرة ففرش له في ظلها. # وقد نقل عن قدماء هذه الأمة بدايات هذا التفريط، وكان سببه من وجهين. ~~أحدهما: الجهل بالعلم، والثاني: قرب العهد بالرهبانية. # وقد كان الحسن يعيب فرقد السنجي، ومالك بن دينار، في زهدهما، فرئي عنده ~~طعام فيه لحم، فقال: لا رغيفي مالك، ولا صحنا فرقد. # ورأى على فرقد كساء، فقال: يا فرقد إن أكثر أهل النار أصحاب الأكسية. # وكم قد زوق قاص مجلسه بذكر أقوام خرجوا إلى السياحة بلا زاد ولا ماء، وهو ~~لا يعلم أن هذا من أقبح الأفعال، وأن الله تعالى لا يجرب عليه. # فربما سمعه جاهل من التائبين فخرج فمات في الطريق، فصار للقائل نصيب من ~~إثمه. # وكم يروون عن ذي النون: أنه لقي امرأة في السياحة فكلمها وكلمته، وينسون ~~الأحاديث الصحاح: لا يحل لامرأة أن تسافر يوما وليلة إلا بمحرم. # وكم ينقلون: أن أقواما مشوا على الماء، قد قال إبراهيم الحربي: لا يصح أن ~~أحدا مشى على الماء قط. # فإذا سمعوا هذا قالوا: أتنكرون كرامات الأولياء الصالحين ؟. # فنقول: لسنا من المنكرين لها، بل نتبع ما صح، والصالحون هم الذين يتبعون ~~الشرع، ولا يتعبدون بآرائهم. # وفي الحديث: إن بني إسرائيل شددوا، ms013 فشدد الله عليهم. # وكم يحثون على الفقر حتى حملوا خلقا على إخراج أموالهم، ثم آل بهم الأمر ~~إما إلى التسخط عند الحاجة، وإما إلى التعرض بسؤال الناس. # وكم تأذى مسلم بأمرهم الناس بالتقلل ! وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~ثلث طعام، وثلث شراب، وثلث نفس، فما قنعوا حتى أمروا بالمبالغة في التقلل. # فحكى أبو طالب المكي في " قوت القلوب " : أن فيهم من كان يزن قوته بكربة ~~رطبة، ففي كل ليلة يذهب من رطوبتها قليل، وكنت أنا ممن اقتدى بقوله في ~~الصبا، فضاق المعي وأوجب ذلك، مرض سنين. # أفترى هذا شيئا تقتضيه الحكمة، أو ندب إليه الشرع ؟. # وإنما مطية الآدمي قواه، فإذا سعى في تقليلها، ضعف عن العبادة. # ولا تقولن: الحصول على الحلال المحض مستحيل، لذلك وجب الزهد تجنبا ~~للشبهات، فإن المؤمن حسبه أن يتحرى في كسبه هو الحلال ولا عليه من الأصول ~~التي نبتت من هذه الأموال. # فإنا لو دخلنا ديار الروم، فوجدنا أثمان الخمور وأجرة الفجور، كان لنا ~~حلالا بوصف الغنيمة. # أفتريد حلالا، على معنى أن الحبة من الذهب لم تنتقل - مذ خرجت من المعدن، ~~على وجه لا يجوز. # فهذا شيء لم ينظر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # أوليس قد سمعت أن الصدقة عليه حرام، فلما تصدق على بريرة بلحم فأهدته، ~~جاز له أكل تلك العين لتغير الوصف. # وقد قال أحمد بن حنبل: أكره التقلل من الطعام، فإن أقواما فعلوه فعجزوا ~~عن الفرائض. # وهذا صحيح، فإن المتقلل لا يزال يتقلل، إلى أن يعجز عن النوافل ثم ~~الفرائض ثم يعجز عن مباشرة أهله وإعفافهم، وعن بذل القوى في الكسب لهم، وعن ~~فعل خير قد كان يفعله. # ولا يهولنك ما تسمعه من الأحاديث، التي تحث على الجوع، فإن المراد بها ~~إما الحث على الصوم، وإما النهي عن مقاومة الشبع. # فأما تنقيص المطعم على الدوام، فمؤثر في القوى، فلا يجوز. # ثم في هؤلاء المذمومين من يرى هجر اللحم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يود أن يأكله كل يوم. ms014 # واسمع مني بلا محاباة. # لا تحتجن علي بأسماء الرجال، فتقول: قال بشر، وقال إبراهيم بن أدهم، فإن ~~من احتج بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه - رضوان الله عليهم - أقوى أن ~~لأفعال أولئك وجوها نحملها عليهم بحسن الظن. # ولقد ذاكرت بعض مشايخنا ما يروى عن جماعة من السادات، أنهم دفنوا كتبهم، ~~فقلت له: ما وجه هذا ؟. # فقال: أحسن ما نقول أن نسكت، يشير إلى أن هذا جهل من فاعله. PageV01P007 ~~وتأولت أنا لهم: فقلت: ما دفنوا من كتبهم، فيه شيء من الرأي، فما رأوا أن ~~يعمل الناس به. # ولقد روينا في الحديث، عن أحمد بن أبي الحواري: أنه أخذ كتبه فرمى بها في ~~البحر: وقال، نعم الدليل كنت ! ولا حاجة لنا إلى الدليل، بعد الوصول إلى ~~المدلول ؟. # وهذا - إذا أحسنا به الظن - قلنا: كان فيها من كلامهم ما لا يرتضيه. # فأما إذا كانت علوما صحيحة، كان هذا من أفحش الإضاعة، وأنا وإن تأولت لهم ~~هذا، فهو تأويل صحيح في حق العلماء منهم، لأنا قد روينا عن سفيان الثوري: ~~أنه قد أوصى بدفن كتبه، وكان ندم على أشياء كتبها، عن قوم، وقال: حملني ~~شهوة الحديث - وهذا لأنه كان يكتب عن الضعفاء والمتروكين، فكأنه لما عسر ~~عليه التمييز أوصى بدفن الكل. # وكذلك من كان له رأي من كلامه ثم رجع عنه، جاز أن يدفن الكتب التي فيها ~~ذلك، فهذا وجه التأويل للعلماء. # فأما المتزهدون، الذين رأوا صورة فعل العلماء، ودفنوا كتبا صالحة لئلا ~~تشغلهم عن التعبد، فإنه جهل منهم. # لأنهم شرعوا في إطفاء مصباح يضيء لهم، مع الإقدام على تضييع مال لا يحل ~~تضييعه. # ومن جملة من عمل بواقعة دفن كتب العلم، يوسف بن أسباط، ثم لم يصبر عن ~~التحديث فخلط، فعد في الضعفاء. # أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا محمد بن المظفر الشامي، قال: ~~أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي، قال: حدثنا يوسف بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن ~~عمرو العقيلي، قال: حدثنا محمد بن عيسى، قال: أخبرنا أحمد بن خالد الخلال. ~~قال: ms015 سمعت شعيب بن حرب يقول: قلت ليوسف بن أسباط: كيف صنعت بكتبك ؟ قال: ~~جئت إلى الجزيرة، فلما نضب الماء دفنتها حتى جاء الماء عليها، فذهبت. # قلت: ما حملك على ذلك ؟ قال: أردت أن يكون الهم هما واحدا. # قال العقيلي: وحدثني آدم، قال: سمعت البخاري قال: قال صدقة: دفن يوسف بن ~~أسباط كتبه، وكان بعد يغلب عليه الوهم فلا يجيء كما ينبغي. # قال المؤلف قلت: الظاهر أن هذه كتب علم ينفع، ولكن قلة العلم أوجبت هذا ~~التفريط، الذي قصده به الخير، وهو شر. # فلو كانت كتبه من جنس كتب الثوري، فإن فيها. عن ضعفاء ولم يصح له ~~التمييز، قرب الحال. إنما تعليله بجمع الهم هو الدليل على أنها ليست كذلك، ~~فانظر إلى قلة العلم، ماذا تؤثر مع أهل الخير. # ولقد بلغنا في الحديث عن بعض من نعظمه، ونزوره، أنه كان على شاطىء دجلة، ~~فبال ثم تيمم، فقيل له الماء قريب منك، فقال: خفت أن لا أبلغه !!. # وهذا وإن كان يدل على قصر الأمل، إلا أن الفقهاء إذا سمعوا عنه مثل هذا ~~الحديث تلاعبوا به، من جهة أن التيمم، إنما يصح عند عدم الماء. # فإذا كان الماء موجودا كان تحريك اليدين بالتيمم عبثا. وليس من الضروري ~~وجود الماء أن يكون إلى جانب المحدث، بل لو كان على أذرع كثيرة، كان موجودا ~~فلا فعل للتيمم، ولا أثر حينئذ. # ومن تأمل هذه الأشياء، علم أن فقيها واحدا - وإن قل أتباعه، وخفت إذا مات ~~أشياعه - أفضل من ألوف تتمسح العوام بهم تبركا، ويشيع جنائزهم ما لا يحصى. # وهل الناس إلا صاحب أثر نتبعه، أو فقيه يفهم مراد الشرع ويفتي به ؟. # نعوذ بالله من الجهل، وتعظيم الأسلاف تقليدا لهم بغير دليل !. # فإن من ورد المشرب الأول، رأى سائر المشارب كدرة. # والمحنة العظمى مدائح العوام، فكم غرت ... !!. # كما قال علي رضي الله عنه: ما أبقى خفق النعال وراء الحمقى من عقولهم ~~شيئا. # ولقد رأينا وسمعنا من العوام، أنهم يمدحون الشخص، فيقولون: لا ينام ~~الليل، ولا يفطر النهار، ms016 ولا يعرف زوجة، ولا يذوق من شهوات الدنيا شيئا، قد ~~نحل جسمه، ودق عظمه، حتى إنه يصلي قاعدا، فهو خير من العلماء الذي يأكلون ~~ويتمتعون. # ذلك مبلغهم من العلم، ولو فقهوا علموا أن الدنيا لو اجتمعت في لقمة ~~فتناولها عالم يفتي عن الله، ويخبر بشريعته، كانت فتوى واحدة منه يرشد بها ~~إلى الله تعالى خيرا وأفضل من عبادة ذلك العابد باقي عمره. # وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: فقيه واحد، أشد على إبليس من ألف عابد. # ومن سمع هذا الكلام فلا يظنن أنني أمدح من لا يعمل بعلمه. # وإنما أمدح العالمين بالعلم، وهم أعلم بمصالح أنفسهم. # فقد كان فيهم من يصلح على خشن العيش، كأحمد بن حنبل. # وكان فيهم، من يستعمل رقيق العيش، كسفيان الثوري، مع ورعه، ومالك مع ~~تدينه، والشافعي مع قوة فقهه. PageV01P008 ولا ينبغي أن يطالب الإنسان بما ~~يقوى عليه غيره، فيضعف هو عنه. # فإن الإنسان أعرف بصلاح نفسه. # وقد قالت رابعة: إن كان صلاح قلبك في الفالوذج فكله. # ولا تكونن أيها السامع ممن يرى صور الزهد. # فرب متنعم لا يريد التنعم، وإنما يقصد المصلحة. # وليس كل بدن يقوى على الخشونة، خصوصا من قد لاقى الكد وأجهده الفكر، أو ~~أمضه الفقر، فإنه إن لم يرفق بنفسه، ترك واجبا عليه من الرفق بها. # فهذه جملة لو شرحتها بذكر الأخبار والمنقولات لطالت، غير أني سطرتها على ~~عجل حين جالت في خاطري، والله ولي النفع برحمته. # فصل حياة البرزخ # قد أشكل على الناس أمر النفس وماهيتها، مع إجماعهم على وجودها، ولا يضر ~~الجهل بذاتها مع إثباتها. # ثم أشكل عليهم مصيرها بعد الموت، ومذهب أهل الحق أن لها وجودا بعد موتها، ~~وأنها تنعم وتعذب. # قال أحمد بن حنبل؛ أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار. # وقد جاء في أحاديث الشهداء: أنها في حواصل طير خضر تعلق من شجر الجنة. # وقد أخذ بعض الجهلة بظواهر أحاديث النعيم، فقال: إن الموتى يأكلون في ~~القبور، وينكحون. # والصواب من ذلك أن النفس تخرج بعد ms017 الموت إلى نعيم أو عذاب، وأنها تجد ذلك ~~إلى يوم القيامة. # فإذا كانت القيامة، أعيدت إلى الجسد ليتكامل لها التنعم بالوسائط وقوله - ~~في حواصل طير خضر - دليل على أن النفوس لا تنال لذة إلا بواسطة. # إلا أن تلك اللذة لذة مطعم أو مشرب، فأما لذات المعارف والعلوم فيجوز أن ~~تنالها بذاتها، مع عدم الوسائط. # والمقصود من هذا المذكور أني رأيت بعض الانزعاج من الموت، وملاحظة النفس ~~بعين العدم عنده، فقلت لها: إن كنت مصدقة للشريعة فقد أخبرت بما تعرفين، ~~ولا وجه للإنكار. # وإن كانت هناك ريب في أخبار الشريعة، صار الكلام في بيان صحة الشريعة. # فقالت: لا ريب عندي، قلت: فاجتهدي في تصحيح الإيمان، وتحقيق التقوى، ~~وأبشري حينئذ بالراحة من ساعة الموت. # فإني لا أخاف عليك إلا من التقصير في العمل. # واعلمي أن تفاوت النعيم بمقدار درجات الفضائل، فارتفعي بأجنحة الجد إلى ~~أعلى أبراجها، واحذري من قانص هوى، أو شرك غرة، والله الموفق. # فصل حيرة عالم # قلت يوما في مجلسي: لو أن الجبال حملت ما حملت لعجزت. # فلما عدت إلى منزلي، قالت لي النفس: كيف قلت هذا ؟ وربما أوهم الناس أن ~~بك بلاء، وأنت في عافية في نفسك وأهلك !!. # وهل الذي حمل إلا التكليف الذي يحمله الخلق كلهم ؟ فما وجه هذه الشكوى. # فأجبتها: إني لما عجزت عما حملت، قلت هذه الكلمة لا على سبيل الشكوى ؟. ~~ولكن للاسترواح. # وقد قال كثير من الصحابة والتابعين قبلي: ليتنا لم نخلق !. # وما ذاك إلا لأثقال عجزوا عنها. # ثم من ظن أن التكاليف سهلة، فما عرفها. # أترى يظن الظان أن التكاليف غسل الأعضاء برطل من الماء، أو الوقوف في ~~محراب لأداء ركعتين ؟ هيهات! هذا أسهل التكليف. # وإن التكليف هو الذي عجزت عنه الجبال، ومن جملته: أنني إذا رأيت القدر ~~يجري بما لا يفهمه العقل، ألزمت العقل الإذعان للمقدر، فكان من أصعب ~~التكليف. # وخصوصا فيما لا يعلم العقل معناه كإيلام الأطفال، وذبح الحيوان، مع ~~الاعتقاد بأن المقدر لذلك والآمر به، أرحم الراحمين. # فهذا مما يتحير العقل ms018 فيه، فيكون تكليفه التسليم، وترك الاعتراض... !!. # فكم بين تكليف البدن وتكليف العقل .. ؟. # ولو شرحت هذا لطال، غير أني أعتذر عما قلته، فأقول عن نفسي، وما يلزمني ~~حال غيري. # إني رجل حبب إلي العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به، ثم لم يحبب إلي فن ~~واحد منه، بل فنونه كلها. # ثم لا تقتصر همتي في فن على بعضه، بل أروم استقصاءه. # والزمان لا يسع، والعمر أضيق، والشوق يقوى، والعجز يظهر فيبقى وقوف بعض ~~المطلوبات حسرات. # ثم إن العلم دلني على معرفة المعبود، وحثني على خدمته. # ثم صاحت بي الأدلة عليه إليه، فوقفت بين يديه، فرأيته في نعته وعرفته ~~بصفاته. # وعاينت بصيرتي من ألطافه ما دعاني إلى الهيمان في محبته، وحركني إلى ~~التخلي لخدمته. # وصار يملكني أمر كالوجد كلما ذكرته، فعادت خلوتي في خدمتي له، أحلى عندي ~~من كل حلاوة. # فكلما ملت إلى الانقطاع عن الشواغل إلى الخلوة، صاح بي العلم أين تمضي ؟. # أتعرض عني وأنا سبب معرفتك به. PageV01P009 فأقول له: إنما كنت دليلا ~~وبعد الوصول يستغنى عن الدليل ؟. # قال: هيهات ! كلما زدت، زادت معرفتك بمحبوبك، وفهمت كيف القرب منه. # ودليل هذا، أنك تعلم غدا، أنك اليوم في نقصان. # أو ما تسمعه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: " وقل رب زدني علما " . # ثم ألست تبغي القرب منه ؟ فاشتغل، بدلالة عباده عليه، فهي حالات الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام. # أما علمت أنهم آثروا تعليم الخلق، على خلوات التعبد، لعلمهم أن ذلك آثر ~~عند حبيبهم ؟. # أما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، لعلي رضي الله عنه: لأن يهدي الله بك ~~رجلا، خير لك من حمر النعم ؟. # فلما فهمت صدق هذه المقالة، تهوست على تلك الحالة، وكلما تشاغلت بجمع ~~الناس، تفرق همي. # وإذا وجدت مرادي من نفعهم، ضعفت أنا، فأبقى في حيز التحير مترددا، لا ~~أدري على أي القدمين أعتمد. # فإذا وقفت متحيرا صاح العلم: قم لكسب العيال، وادأب في تحصيل ولد بذكر ~~الله، فإذا شرعت في ذلك قلص ضرع الدنيا وقت الحلب، ورأيت باب المعاش مسدودا ms019 ~~في وجهي. لأن صناعة العلم شغلتني عن تعلم صناعة. # فإذا التفت إلى أبناء الدنيا، رأيتهم لا يبيعون شيئا من سلعها إلا بدين ~~المشتري. # وليت من نافقهم أو راءاهم نال من ديناهم، بل ربما ذهب دينه ولم يحصل ~~مراده. # فإن قال الضجر: اهرب. قال الشرع: كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت. # وإن قال العزم: انفرد، قال: فكيف بمن تعول ؟. # فغاية الأمر أنني أشرع في التقلل من الدنيا، وقد ربيت في نعيمها، وغذيت ~~بلبانها، ولطف مزاجي فوق لطف وضعه بالعادة. # فإذا غيرت لباسي وخشنت مطعمي، لأن القوت لا يحتمل الانبساط، نفر الطبع ~~لفراق العادة، فحل المرض فقطع عن واجبات، وأوقع في آنات. # ومعلوم أن لين اللقمة بعد التحصيل من الوجوه المستطابة ثم تخشينها لمن لم ~~يألف سعي في تلف النفس. # فأقول: كيف أصنع وما الذي أفعل ؟. # وأخلو بنفسي في خلواتي، وأتزيد من البكاء على نقص حالاتي. # وأقول: أصف حال العلماء، وجسمي يضعف عن إعادة العلم ؟. # وحال الزهاد، وبدني لا يقوى على الزهد ؟. # وحال المحبين، ومخالطة الخلق تشتت همي، وتنقش صور المحبوبات من الهوى في ~~نفسي ؟ فتصدأ مرآة قلبي ؟. # وشجرة المحبة تحتاج إلى تربية في تربة طيبة، لتسقى ماء الخلوة من دولاب ~~الفكرة. # وإن آثرت التكسب لم أطق. وإن تعرضت لأبناء الدنيا - مع أن طبعي الأنفة من ~~الذل وتديني يمنعني - فلا يبقى للميل مع هذين الجاذبين أثر. # ومخالطة الخلق تؤذي النفس مع الأنفاس !!!. # ولا تحقيق التوبة أقدر عليه، ولا نيل مرتبة من علم أو عمل أو محبة يصح ~~لي. فإذا رأيتني كما قال القائل: # ألقاه في اليم مكتوفا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء # تحيرت في أمري، وبكيت على عمري، وأنادي في فلوات خلواتي بما سمعته من بعض ~~العوام، وكأنه وصف حالي: # واحسرتي كم أداري فيك تعثيري ... مثل الأسير بلا حبل ولا سيري # ما حيلتي في الهوى قد ضاع تدبيري ... لما شكلت جناحي قلت لي طيري # فصل طريق الفلاح # تأملت أمر الدنيا والآخرة، فوجدت حوادث الدنيا حسية طبعية، وحوادث الآخرة ~~إيمانية ms020 يقينية. والحسيات أقوى جذبا لمن لم يقو علمه ويقينه. # والحوادث إنما تبقى بكثرة أسبابها، فمخالطة الناس، ورؤية المستحسنات، ~~والتعرض بالملذوذات، يقوي حوادث الحس. # والعزلة، والفكر، والنظر في العلم يقوي حوادث الآخرة. # ويبين هذا بأن الإنسان إذا خرج يمشي في الأسواق، ويبصر زينة الدنيا، ثم ~~دخل إلى المقابر، فتفكر ورق قلبه فإنه يحس بين الحالتين فرقا بينا. # وسبب ذلك، التعرض بأسباب الحوادث. # فعليك بالعزلة والذكر والنظر في العلم، فإن العزلة حمية، والفكر والعلم ~~أدوية. والدواء مع التخليط لا ينفع. # وقد تمكنت منك أخلاط المخالطة للخلق، والتخليط في الأفعال فليس لك دواء ~~إلا ما وصفت لك. # فأما إذا خالطت الخلق وتعرضت للشهوات، ثم رمت صلاح القلب رمت الممتنع. # فصل أسباب الحرص # تأملت حرص النفس على ما منعت منه، فرأيت حرصها يزيد على قدر قوة المنع. # ورأيت في الشرب الأول، أن آدم عليه السلام لما نهي عن الشجرة، حرص عليها ~~مع كثرة الأشجار المغنية عنها. PageV01P010 وفي الأمثال: المرء حريص على ما ~~منع، وتواق إلى ما لم ينل. # ويقال: لو أمر الناس بالجوع لصبروا، ولوا نهوا عن تفتيت البعر لرغبوا ~~فيه. # وقالوا: ما نهينا عنه إلا لشيء. وقد قيل: أحب شيء إلى الإنسان ما منعا ~~فلما بحثت عن سبب ذلك وجدت سببين: أحدهما: أن النفس لا تصبر على الحصر فإنه ~~يكفي حصرها في صورة البدن، فإذا حصرت في المعنى بمنع زاد طيشها. # ولهذا لو قعد الإنسان في بيته شهرا لم يصعب عليه. # ولو قيل له: لا تخرج من بيتك يوما طال عليه. # والثاني: أنها يشق عليها الدخول تحت حكم، ولهذا تستلذ الحرام، ولا تكاد ~~تستطيب المباح. # ولذلك يسهل عليها التعبد على ما ترى، وتؤثره لا على ما يؤثر. # فصل حقيقة العمل ودوافعه # ما زالت نفسي تنازعني بما يوجبه مجلس الوعظ، وتوبة التائبين، ورؤية ~~الزاهدين... إلى الزهد والانقطاع عن الخلق والانفراد بالآخرة. # فتأملت ذلك فوجدت عمومه من الشيطان، فإن الشيطان يرى أنه لا يخلو لي مجلس ~~من خلق لا يحصون، يبكون ويندبون على ذنوبهم، ويقوم ms021 في الغالب جماعة يتوبون ~~ويقطعون شعور الصبا. # وربما اتفق خمسون ومائة. ولقد تاب عندي في بعض الأيام أكثر من مائة. # وعمومهم صبيان قد نشأوا على اللعب والانهماك في المعاصي. # فكأن الشيطان لبعد غوره في الشر، رآني أجتذب إلي من أجتذب منه، فأراد أن ~~يشغلني عن ذلك بما يزخرفه ليخلو هو بمن أجتذبهم من يده. # ولقد حسن إلي الانقطاع عن المجالس، وقال: لا يخلو من تصنع للخلق. # فقلت: أما زخرفة الألفاظ وتزويقها، وإخراج المعنى من مستحسن العبارة، ~~ففضيلة لا رذيلة. # وأما أن أقصد الناس بما لا يجوز في الشرع، فمعاذ الله. # ثم رأيته يربني في التزهد قطع أسباب ظاهرة الإباحة - من الاكتساب. # فقلت له: فإن طاب لي الزهد، وتمكنت من العزلة، فنفذ ما بيدي أو احتاج بعض ~~عائلتي، ألست أعود القهقرى ؟. # فدعني أجمع ما يسد خلتي، ويصونني عن مسألة الناس، فإن مد عمري، كان نعم ~~السبب، وإلا كان للعائلة. ولا أكون كراكب أراق ماءه لرؤية سراب، فلما ندم ~~وقت الفوات، لم ينتفع بالندم. # وإنما الصواب توطئة المضجع قبل النوم، وجمع المال الساد للخلة الكبر أخذا ~~بالحزم.. # وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لأن تترك ورثتك أغنياء، خير لك من أن ~~تتركهم عالة يتكففون الناس، وقال: نعم المال الصاح، للرجل الصالح. # وأما الانقطاع فينبغي أن تكون العزلة عن الشر لا عن الخير، والعزلة عن ~~الشر واجبة على كل حال. وأما تعليم الطالبين، وهداية المريدين، فإنه عبادة ~~العالم. # وإن من تفضيل بعض العلماء إيثاره التنفل بالصلاة والصوم، عن تصنيف كتاب، ~~أو تعليم علم ينفع لأن ذلك بذر يكثر ريعه، ويمتد زمان نفعه. # وإنما تميل النفس إلى ما يزخرفه الشيطان من ذلك لمعنيين. # أحدهما: حب البطالة، لأن الانقطاع عندها أسهل. # والثاني: حب المدحة فإنها إذا توسمت بالزهد كان ميل العوام إليها أكثر. # فعليك بالنظر في الشرب الأول، فكن مع الشرب المقدم. وهم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه، رضي الله تعالى عنهم. # فهل نقل عن أحد منهم ما ابتدعه جهلة المتزهدين والمتصوفة، من ms022 الانقطاع عن ~~العلم ؟ والانفراد عن الخلق. # وهل كان شغل الأنبياء إلا معانات الخلق ؟ وحثهم على الخير ونهيهم عن ~~الشر. # إلا أن ينقطع من ليس بعالم بقصد الكف عن الشر، فذاك في مرتبة المحتمي ~~يخاف شر التخليط. # فأما الطيب العالم بما يتناول، فإنه ينتفع بما يناله. # فصل بين العلم والعمل # تأملت المراد من الخلق فإذا هو الذل، واعتقاد التقصير والعجز. # ومثلت العلماء والزهاد العاملين صنفين فأقمت في صف العلماء مالكا وسفيان ~~وأبا حنيفة والشافعي وأحمد، وفي صف العباد مالك بن دينار ورابعة ومعروف ~~الكرخي وبشر بن الحارث. # فكلما جد العباد في العبادة وصاح بهم لسان الحال. عباداتكم لا يتعداكم ~~نفعها وإنما يتعدى نفع العلماء، وهم ورثة الأنبياء، وخلفاء الله في الأرض، ~~هم الذين عليهم المعول، ولهم الفضل، إذا أطرقوا وانكسروا وعلموا صدق تلك ~~الحال، وجاء مالك بن دينار إلى الحسن يتعلم منه ويقول: الحسن أستاذنا. # وإذا رأى العلماء أن لهم بالعلم فضلا، صاح لسان الحال بالعلماء: وهل ~~المراد من العلم إلا العمل ؟!. PageV01P011 وقال أحمد بن حنبل: وهل يراد ~~بالعلم إلا ما وصل إليه معروف ؟ وصح عن سفيان الثوري قال: وددت أن يدي قطعت ~~ولم أكتب الحديث. # وقالت أم الدرداء لرجل: هل عملت بما علمت ؟ قال: لا. قالت: فلم تستكثر من ~~حجة الله عليك؟. # وقال أبو الدرداء: ويل لمن يعلم ولم يعمل مرة، وويل لمن علم ولم يعمل ~~سبعين مرة. # وقال الفضيل: يغفر للجاهل سبعون ذنبا. قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد. # فما يبلغ من الكل قوله تعالى: " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ~~" . # وجاء سفيان إلى رابعة: فجلس بين يديها ينتفع بكلامها، فدل العلماء العلم ~~على أن المقصود منه العمل به، وأنه آلة فانكسروا واعترفوا بالتقصير. # فحصل الكل على الاعتراف والذل، فاستخرجت المعرفة منهم حقيقة العبودية ~~باعترافهم، فذلك هو المقصود من التكليف. # فصل التفكر في الله ومحبته # تأملت قوله تعالى: " يحبهم ويحبونه " . فإذا النفس تأبى إثبات محبة ~~للخالق توجب قلقا وقالت: محبته طاعته، فتدبرت ذلك فإذا بها قد جهلت ذلك ms023 ~~لغلبة الحس. # وبيان هذا: أن محبة الحس لا تتعدى الصور الذاتية، ومحبة العلم والعمل ترى ~~الصور المعنوية فتحبها. # فإنا نرى خلقا يحبون أبا بكر رضي الله عنه، وخلقا يحبون عليا بن أبي طالب ~~رضي الله عنه، وقوما يتعصبون لأحمد بن حنبل، وقوما للأشعري، فيقتتلون ~~ويبذلون النفوس في ذلك. # وليسوا ممن رأى صور القوم، ولا صور القوم توجب المحبة. # ولكن لما تصورت لهم المعاني فدلتهم على كمال القوم في العلوم، وقع الحب ~~لتلك الصور التي شوهدت بأعين البصائر. # فكيف بمن صنع تلك الصور المعنوية وبذلها ؟ وكيف لا أحب من وهب لي ملذوذات ~~حسي، وعرفني ملذوذات علمي ؟ فإن التذاذي بالعلم وإدراك العلوم أولى من جميع ~~اللذات الحسية، فهو الذي علمني وخلق لي إدراكا وهداني إلى ما أدركته. # ثم إنه يتجلى لي في كل لحظة في مخلوق جديد، أراه فيه بإتقان ذلك الصنع، ~~وحسن ذلك المصنوع. # فكل محبوباتي منه، وعنه، وبه، الحسية والمعنوية، وتسهيل سبل الإدراك به، ~~والمدركات منه، وألذ من كل لذة عرفاني له، فلولا تعليمه ما عرفته. # وكيف لا أحب من أنا به، وبقائي منه، وتدبيري بيده ورجوعي إليه، وكل ~~مستحسن محبوب هو صنعه وحسنه وزينه وعطف النفوس إليه. # فكذلك الكامل القدرة أحسن من المقدور، والعجيب الصنعة أكمل من المصنوع، ~~ومعنى الإدراك أحلى عرفانا من المدرك. # ولو أننا رأينا نقشا عجيبا لاستغرقنا تعظيم النقاش وتهويل شأنه، وظريف ~~حكمته عن حب المنقوش. وهذا مما تترقى إليه الأفكار الصافية، إذا خرق نظرها ~~الحسيات ونفذ إلى ما وراءها، فحينئذ تقع محبة الخالق ضرورة. # وعلى قدر رؤية الصانع في المصنوع يقع الحب له. # فإن قوي أوجب قلقا وشوقا. # وإن مال بالعارف إلى مقام الهيبة أوجب خوفا. # وإن انحرف به إلى تلمح الكرم أوجب رجاء قويا، " قد علم كل أناس مشربهم " ~~. # فصل التسليم للحكمة العليا # تأملت حالا عجيبة، وهي أن الله سبحانه وتعالى قد بنى هذه الأجسام متقنة ~~على قانون الحكمة. # فدل بذلك المصنوع على كمال قدرته، ولطيف حكمته. # ثم عاد فنقضها فتحيرت العقول بعد إذعانها ms024 له بالحكمة، في سر ذلك الفعل. # فأعلمت أنها ستعاد للمعاد، وأن هذه البنية لم تخلق إلا لتجوز في مجاز ~~المعرفة، وتتجر في موسم المعاملة فسكنت العقول لذلك. # ثم رأت أشياء من هذا الجنس أظرف منه، مثل اخترام شاب ما بلغ بعض المقصود ~~بنيانه. # وأعجب من ذلك أخذ طفل من أكف أبويه يتململان. ولا يظهر سر سلبه، والله ~~الغني عن أخذه، وهما أشد الخلق فقرا إلى بقائه. # وأظرف منه إبقاء هرم لا يدري معنى البقاء، وليس له فيه إلا مجرد أذى. # ومن هذا الجنس تقتير الرزق على المؤمن الحكيم، وتوسعته على الكافر ~~الأحمق. # وفي نظائر لهذه المذكورات يتحير العقل في تعليلها، فيبقى مبهوتا. # فلم أزل أتلمح جملة التكاليف، فإذا عجزت قوي العقل عن الاطلاع على حكمة ~~ذلك وقد ثبت لها حكمة الفاعل، علمت قصورها عن درك جميع المطلوب فأذعنت مقرة ~~بالعجز. وبذلك تؤدي مفروض تكليفها. PageV01P012 فلو قيل للعقل: قد ثبت عندك ~~حكمة الخالق بما بني أفيجوز أن ينقدح في حكمته أنه نقض ؟ لقال. لأني عرفت ~~بالبرهان أنه حكيم، وأنا أعجز عن إدراك علله فأسلم على رغمي مقرا بعجزي. # فصل دور المرأة في حياة الرجل # تأملت في فوائد النكاح ومعانيه وموضوعه، فرأيت أن الأصل الأكبر في وضعه ~~وجود النسل. # لأن هذا الحيوان لا يزال يتحلل ثم يختلف من المتحلل الغذاء، ثم يتحلل من ~~الأجزاء الأصلية مالا يخلفه شيء، فإذا لم يكن بد من فنائه، وكان المراد ~~امتداد أزمان الدنيا جعل النسل خلفا عن الأصل. # ولما كانت صورة النكاح تأباها النفوس الشريفة من كشف العورة وملاقاة ما ~~لا يستحسن لنفسه، جعلت الشهوة تحث عليه ليحصل المقصود. # ثم رأيت هذا المقصود الأصلي يتبعه شيء آخر، وهو استفراغ هذا الماء الذي ~~يؤذي دوام احتقانه. # فإن المني ينفصل من الهضم الرابع، فهو من أصفى جوهر الغذاء وأجوده، ثم ~~يجتمع، فهو أحد الذخائر للنفس فإنه تدخر - لبقائها وقوتها - الدم ثم المني، ~~ثم تدخر التفل الذي هو من أعمدة البدن كأنه لخوف عدم غيره. # فإذا زاد اجتماع المني ms025 أقلق على نحو إقلاق البول للحاقن، إلا أن إقلاقه ~~من حيث المعنى أكثر من إقلاق البول من حيث الصورة، فتوجب كثرة اجتماعه، ~~وطول احتباسه، أمراضا صعبة. لأنه يترقى من بخاره إلى الدماغ فيؤذي، وربما ~~أحدث سمية. # ومتى كان المزاج سليما فالطبع يطلب بروز المني إذا اجتمع كما يطلب بروز ~~البول، وقد ينحرف بعض الأمزجة، فيقل اجتماعه عنده فيندر طلبه لإخراجه، ~~وإنما نتكلم عن المزاج الصحيح، فأقول: قد بينت أنه إذا وقع به احتباسه أوجب ~~أمراضا وجدد أفكارا رديئة، وجلب العشق والوسوسة إلى غير ذلك من الآفات. # وقد نجد صحيح المزاج يخرج ذلك إذا اجتمع وهو بعد متقلقل، فكأنه الآكل ~~الذي لا يشبع. # فبحثت عن ذلك فرأيته وقوع الخلل في المنكوح، إما لدمامته، وقبح منظره، أو ~~لآفة فيه، أو لأنه غير مطلوب للنفس فحينئذ يخرج منه ويبقى بعضه. # فإذا أردت معرفة ما يدلك على ذلك، فقس مقدار خروج المني في المحل ~~المشتهى. وفي المحل الذي هو دونه، كالوطء بين الفخذين بالإضافة إلى الوطء ~~في محل النكاح، وكوطء البكر بالإضافة إلى وطء الثيب. # فعلم حينئذ أن تخير المنكوح يستقصي فضول المني، فيحصل للنفس كمال اللذة، ~~لموضع كمال بروز الفضول. # ثم قد يؤثر هذا في الولد أيضا، فإنه إذا كان من شابين قد حبسا أنفسهما عن ~~النكاح مدى مديدة كان الولد أقوى منه من غيرهما، أو من المدمن على النكاح ~~على الأغلب. # ولهذا كره نكاح الأقارب، لأنه مما يقبض النفس عن انبساطها، فيتخيل ~~الإنسان أنه ينكح بعضه، ومدح نكاح الغرائب لهذا المعنى. # ومن هذا الفن يحصل كثير من المقصود من دفع هذه الفضول المؤذية بمنكوح ~~مستجد، وإن كان مستقبح الصورة ما لا يحصل به في العادة. # ومثال هذا أن الطاعم إذ امتلأ خبزا ولحما حيث لم يبق فيه فضل لتناول ~~لقمة، قدمت إليه الحلوى فيتناول، فلو قدم أعجب منها لتناول، لأن، الجدة لها ~~معنى عجيب. # وذلك أن النفس لا تميل إلى ما ألفت، وتطلب غير ما عرفت، ويتخايل لها في ~~الجديد نوع مراد. ms026 فإذا لم تجد مرادها صدفت إلى جديد آخر، فكأنها قد علمت ~~وجود غرض تام بلا كدر، وهي تتخايله فيما تراه. # وفي هذا المعنى دليل مدفون على البعث، لأن في خلق همته متعلقة بلا متعلق ~~نوع عبث. فافهم هذا ؟. # فإذا رأت النفس عيوب ما خالطت في الدنيا عادت تطلب جديدا. # ولذلك قال الحكماء: العشق، العمى عن عيوب المحبوب، فمن تأمل عيوبه سلا. # ولذلك يستحب للمرأة أن لا تبعد عن زوجها بعدا تنسيه إياها، ولا تقرب منه ~~قربا يملها معه، وكذلك يستحب ذلك له، لئلا يملها أو تظهر لديه مكنونات ~~عيوبها. # وينبغي له أن لا يطلع منها على عورة، ويجتهد في أن لا يشم منها إلا طيب ~~ريح، إلى غير ذلك من الخصال التي تستعملها النساء الحكيمات، فإنهن يعلمن ~~ذلك بفطرهن من غير احتياج إلى تعليم. # فأما الجاهلات فإنهن لا ينظرن في هذا فيتعجل التفات الأزواج عنهن. # فمن أراد نجابة الولد وقضاء الوطر فليتخير المنكوح، إن كان زوجة فلينظر ~~إليها، فإذا وقعت في نفسه فليتزوجها، ولينظر إلى كيفية وقوعها في نفسه، فإن ~~علامة تعلق حبها بالقلب ألا يصرف الطرف عنه، فإذا انصرف الطرف قلق القلب ~~بتقاضي النظرة، فهذا الغاية. PageV01P013 ودونه مراتب على مقاديرها يكون ~~بلوغ الأغراض. # وإن كان جارية تشترى فلينظر إليها أبلغ من ذلك النظر، ومن قدر على مناطقة ~~المرأة أو مكالمتها بما يوجب التنبيه، ثم ليرى ذلك منها، فإن الحسن في الفم ~~والعينين. # وقد نص أحمد: على جواز أن يبصر الرجل من المرأة التي يريد نكاحها ما هو ~~عورة، يشير إلى ما يزيد على الوجه. # ومن أمكنه أن يؤخر العقد أو شراء الجارية لينظر كيف توقان قلبه، فإنه لا ~~يخفى على العاقل توقان النفس لأجل المستجد، وتوقانها لأجل الحب، فإذا رأى ~~قلق الحب أقدم. فإنه قد أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال: أخبرنا حمد بن أحمد ~~قال: أخبرنا أبو نعيم قال: حدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا عبد الجبار بن ~~أبي عامر قال: حدثني أبي قال: حدثني خالد بن سلام ms027 قال: حدثنا عطاء ~~الخراساني قال: مكتوب في التوراة كل تزويج على غير هوى حسرة وندامة إلى يوم ~~القيامة. # ثم ينبغي للمتخير أن يتفرس في الأخلاق فإنها من الخفي، وإن الصورة إذا ~~خلت من المعنى كانت كخضراء الدمن. # ونجابة الولد مقصودة، وفراغ النفس من الاهتمام بما حصلت من رغبات أصل ~~عظيم، يوجب إقبال القلب على المهمات. # ومن فرغ من المهمات العارضة أقبل على المهمات الأصلية. # ولهذا جاء في الحديث: لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان. # وإذا وضع العشاء وحضرت العشاء فابدءوا بالعشاء. # فمن قدر على امرأة صالحة في الصورة والمعنى فليغمض عن عوراتها، ولتجتهد ~~هي في مراضيه من غير قرب يمل، ولا بعد ينسي، ولتقدم على التصنع له يحصل ~~الغرضان منها، الولد وقضاء الوطر. # ومع الاحتراز الذي أوصيت به، تدوم الصحبة، ويحصل الغناء بها عن غيرها. # فإن قدر على الاستكثار فأضاف إليها سواها عالما أنه بذلك يبلغ الغرض الذي ~~يفرغ قلبه زيادة تفريغ كان أفضل لحاله. # فإن خاف من وجود الغيرة ما يشغل القلب الذي قد اهتممنا بجمع همته، أو خاف ~~وجود مستحسنة تشغل قلبه عن ذكر الآخرة، أو تطلب منه ما يوجب خروجه عن الورع ~~فحسبه واحدة. # ويدخل فيما أوصيت به أنه يبعد في المستحسنات العفاف. فليبالغ الواجد لهن ~~في حفظهن وسترهن. # فإن وجد ما لا يرضيه عجل الاستبدال، فإنه سبب السلو، وإن قدر على ~~الاقتصار فإن الاقتصار على الواحدة أولى، فإن كانت على الغرض قنع، وإن لم ~~تكن استبدل، ونكاح المرأة المحبوبة يستفرغ الماء المجتمع، فيوجب نجابة ~~الولد وتمامه، وقضاء الوطر بكماله. # ومن خاف وجود الغيرة فعليه بالسراري فإنهن أقل غيرة، والاستظراف لهن أمكن ~~من استظراف الزوجات. # وقد كان جماعة يمكنهم الجمع، وكان النساء يصبرن، فكان لداود عليه الصلاة ~~والسلام مائة امرأة، ولسليمان عليه الصلاة والسلام ألف امرأة، وقد علم حال ~~نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكان لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه ~~أربع حرائر، وسبع عشرة سرية، وتزوج ابنه الحسن رضي الله عنه بنحو من ~~أربعمائة، ms028 إلى غير هذا مما يطول ذكره. # فافهم ما أشرت إليه تفز به إن شاء الله تعالى. # فصل حلاوة الطاعة وشؤم المعصية # كل شيء خلق الله تعالى في الدنيا فهو أنموذج في الآخرة، وكل شيء يجري ~~فيها أنموذج ما يجري في الآخرة. فأما المخلوق منها فقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء. # وهذا لأن الله تعالى شوق بنعيم وخوف بعذاب من عذاب. فأما ما يجري في ~~الدنيا فكل ظالم معاقب في العاجل على ظلمه قبل الآجل، وكذلك كل مذنب ذنبا، ~~وهو معنى قوله تعالى: " من يعمل سوءا يجز به " . # وربما رأى العاصي سلامة بدنه وماله فظن أن لا عقوبة، وغفلته عما عوقب به ~~عقوبة. # وقد قال الحكماء: المعصية بعد المعصية عقاب المعصية، والحسنة بعد الحسنة ~~ثواب الحسنة. # وربما كان العقاب العاجل معنويا كما قال بعض أحبار بني إسرائيل: يا رب كم ~~أعصيك ولا تعاقبني ؟ فقيل له: كم أعاقبك وأنت لا تدري، أليس قد حرمتك حلاوة ~~مناجاتي ؟. # فمن تأمل هذا الجنس من المعاقبة وجده بالمرصاد، حتى قال وهب بن الورد وقد ~~سئل: أيجد لذة الطاعة من يعصي ؟ فقال: ولا من هم. # فرب شخص أطلق بصره فحرم اعتبار بصيرته، أو لسانه فحرمه الله صفاء قلبه، ~~أو آثر شبهة في مطعمه فأظلم سره، وحرم قيام الليل وحلاوة المناجاة، إلى غير ~~ذلك. PageV01P014 وهذا أمر يعرفه أهل محاسبة النفس، وعلى ضده يجد من يتقي ~~الله تعالى من حسن الجزاء على التقوى عاجلا، كما في حديث أبي أمامة: عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: النظرة إلى المرأة سهم مسموم من ~~سهام الشيطان، من تركه ابتغاء مرضاتي آتيته إيمانا يجد حلاوته في قلبه. # فهذه نبذة من هذا الجنس تنبه على مغفلها. # فأما المقابلة الصريحة في الظاهر فقل أن تحتبس، ومن ذلك قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: الصبحة تمنع الرزق، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. # وقد روى المفسرون: أن كل شخص من الأسباط جاء باثني ms029 عشر ولدا، وجاء يوسف ~~بأحد عشر بالهمة، ومثل هذا إذا تأمله ذو بصيرة رأى الجزاء وفهم كما قال ~~الفضيل: إني لأعصي الله عز وجل فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي. وعن عثمان ~~النيسابوري: أنه انقطع شسع نعله في مضيه إلى الجمعة فتعوق لإصلاحه ساعة، ثم ~~قال: ما انقطع إلا لأني ما اغتسلت غسل الجمعة. # ومن عجائب الجزاء في الدنيا أنه لما امتدت أيدي الظلم من إخوة يوسف: " ~~وشروه بثمن بخس " امتدت أكفهم بين يديه بالطلب، يقولون: " وتصدق علينا " . # ولما صبر هو يوم الهمة ملك المرأة حلالا، ولما بغت عليه بدعواها: " ما ~~جزاء من أراد بأهلك سوءا " ، نطقها الحق بقولها: " أنا راودته " . # ولو أن شخصا ترك معصية لأجل الله تعالى لرأى ثمرة ذلك، وكذلك إذا فعل ~~طاعة. وفي الحديث: إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة، أي عاملوه لزيادة ~~الأرباح العاجلة. # ولقد رأينا من سامح نفسه بما يمنع منه الشرع، طلبا للراحة العاجلة، ~~فانقلبت أحواله إلى التنغص العاجل، وعكست عليه المقاصد. # حكى بعض المشايخ: أنه اشترى في زمن شبابه جارية، قال: فلما ملكتها تاقت ~~نفسي إليها، فما زلت أسأل الفقهاء لعل مخلوقا يرخص لي، فكلهم قال: لا يجوز ~~النظر إليها بشهوة، ولا لمسها، ولا جماعها، إلا بعد حيضها، قال: فسألتها ~~فأخبرتني أنها اشتريت وهي حائض، فقلت: قرب الأمر، فسألت الفقهاء فقالوا: لا ~~يعتد بهذه الحيضة حتى تحيض في ملكه، قال: فقلت لنفسي وهي شديدة التوقان ~~لقوة الشهوة، وتمكن القدرة، وقرب المصاقبة: ما تقولين ؟ فقالت؛ الإيمان ~~بالصبر على الجمر شئت أو أبيت، فصبرت إلى أن حان ذلك، فأثابني الله تعالى ~~على ذلك الصبر بنيل ما هو أعلى منها أرفع. # فصل بين السر والعلانية # نظرت في الأدلة على الحق سبحانه وتعالى فوجدتها أكثر من الرمل، ورأيت من ~~أعجبها أن الإنسان قد يخفي ما لا يرضاه الله عز وجل، فيظهره الله سبحانه ~~عليه ولو بعد حين، وينطق الألسنة به وإن لم يشاهده الناس. # وربما أوقع صاحبه في آفة يفضحه بها بين الخلق، فيكون جوابا لكل ما ms030 أخفى ~~من الذنوب، وذلك ليعلم الناس أن هنالك من يجازي على الزلل، ولا ينفع من ~~قدره وقدرته حجاب ولا استتار، ولا يضاع لديه عمل. # وكذلك يخفي الإنسان الطاعة فتظهر عليه، ويتحدث الناس بها وبأكثر منها، ~~حتى إنهم لا يعرفون له ذنبا ولا يذكرونه إلا بالمحاسن، ليعلم أن هنالك ربا ~~لا يضيع عمل عامل. # وإن قلوب الناس لتعرف حال الشخص وتحبه، أو تأباه، وتذمه أو تمدحه وفق ما ~~يتحقق بينه وبين الله تعالى فإنه يكفيه كل هم، ويدفع عنه كل شر. # وما أصلح عبد ما بينه وبين الخلق دون أن ينظر الحق، إلا انعكس مقصوده ~~وعاد حامده ذاما. # فصل السابقون الأولون # تأملت الأرض ومن عليها بعين فكري، فرأيت خرابها أكثر من عمرانها. # ثم نظرت في المعمور منها، فوجدت الكفار مستولين على أكثره، ووجدت أهل ~~الإسلام في الأرض قليلا بالإضافة إلى الكفار. # ثم تأملت المسلمين فرأيت الأكساب قد شغلت جمهورهم عن الرازق، وأعرضت بهم ~~عن العلم الدال عليه. # فالسلطان مشغول بالأمر والنهي واللذات العارضة له، ومياه أغراضه جارية لا ~~شكر لها. # ولا يتلقاه أحد بموعظة بل بالمدحة التي تقوي عنده هوى النفس. # وإنما ينبغي أن تقاوم الأمراض بأضدادها. # كما قال عمر بن المهاجر: قال لي عمر بن عبد العزيز: إذ رأيتني قد حدت عن ~~الحق فخذ بثيابي وهزني، وقل: ما لك يا عمر ؟. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: رحم الله من أهدى إلينا عيوبنا. # فأحوج الخلق إلى النصائح والمواعظ، السلطان. PageV01P015 وأما جنوده ~~فجمهورهم في سكر الهوى، وزينة الدنيا، وقد انضاف إلى ذلك الجهل، وعدم ~~العلم، فلا يؤلمهم ذنب، ولا ينزعجون من لبس حرير، أو شرب خمر، حتى ربما قال ~~بعضهم: إيش يعمل الجندي. أيلبس القطن ؟. # ثم أخذهم للأشياء من غير وجهها، فالظلم معهم كالطبع. # وأرباب البوادي قد غمرهم الجهل، وكذلك أهل القرى. ما أكثر تقلبهم في ~~الأنجاس وتهوينهم لأمر الصلوات، وربما صلت المرأة منهن قاعدة. # ثم نظرت في التجار فرأيتهم قد غلب عليهم الحرص، حتى لا يرون سوى وجوه ~~الكسب ms031 كيف كانت؛ وصار الربا في معاملتهم فاشيا، فلا يبالي أحدهم من أين ~~تحصل له الدنيا ؟. وهم في باب الزكاة مفرطون، ولا يستوحشون من تركها، إلا ~~من عصم الله. # ثم نظرت في أرباب المعاش، فوجدت الغش في معاملاتهم عاما، والتطفيف ~~والبخس، وهم مع هذا مغمورون بالجهل. # ورأيت عامة من له ولد يشغله ببعض هذه الأشغال طلبا للكسب قبل أن يعرف ما ~~يجب عليه وما يتأدب به. # ثم نظرت في أحوال النساء، فرأيتهن قليلات الدين، عظيمات الجهل، ما عندهم ~~من الآخرة خبر إلا من عصم الله. # فقلت: واعجبا فمن بقي لخدمة الله عز وجل ومعرفته ؟. # فنظرت فإذا العلماء، والمتعلمون، والعباد، والمتزهدون. فتأملت العباد، ~~والمتزهدين فرأيت جمهورهم يتعبد بخير علم، ويأنس إلى تعظيمه، وتقبيل يده ~~وكثرة أتباعه، حتى إن أحدهم لو اضطر إلى أن يشتري حاجة من السوق لم يفعل، ~~لئلا ينكسر جاهه. # ثم تترقى بهم رتبة الناموس إلى أن لا يعودوا مريضا، ولا يشهدوا جنازة، ~~إلا أن يكون عظيم القدر عندهم. ولا يتزاورون، بل ربما ضن بعضهم على بعض ~~بلقاء، فقد صارت النواميس كالأوثان يعبدونها ولا يعلمون. # وفيهم من يقدم على الفتوى بجهل لئلا يخل بناموس التصدر، ثم يعيبون ~~العلماء لحرصهم على الدنيا ولا يعلمون أن المذموم من الدنيا ما هم فيه، لا ~~تناول المباحات. # ثم تأملت العلماء والمتعلمين. فرأيت القليل من المتعلمين عليه أمارة ~~النجابة، لأن أمارة النجابة طلب العلم للعمل به، وجمهورهم يطلب منه ما ~~يصيره شبكة للكسب، إما ليأخذ به قضاء مكان أو ليصير به قاضي بلد، أو قدر ما ~~يتميز به عن أبناء جنسه ثم يكتفي. # ثم تأملت العلماء فرأيت أكثرهم يتلاعب به الهوى ويستخدمه، فهو يؤثر ما ~~يصده العلم عنه، ويقبل على ما ينهاه ولا يكاد يجب ذوق معاملة لله سبحانه، ~~وإنما همته أن يقول وحسب. # إلا أن الله لا يخلي الأرض من قائم له بالحجة، جامع بين العلم والعمل. ~~عارف بحقوق الله تعالى، خائف منه. فذلك قطب الدنيا، ومتى مات أخلف الله ~~عوضه. # وربما لم يمت ms032 حتى يرى من يصلح للنيابة عنه في كل نائبة. # ومثل هذا لا تخلو الأرض منه. فهو بمقام النبي في الأمة. # وهذا الذي أصفه يكون قائما بالأصول، حافظا للحدود، وربما قل علمه أو قلت ~~معاملته. # فأما الكاملون في جميع الأدوات فيندر وجودهم، فيكون في الزمان البعيد ~~منهم واحد. # ولقد سبرت السلف كلهم فأردت أن أستخرج منهم من جمع بين العلم حتى صار من ~~المجتهدين، وبين العمل حتى صار قدوة للعابدين، فلم أر أكثر من ثلاثة: أولهم ~~الحسن البصري، وثانيهم سفيان الثوري، وثالثهم أحمد بن حنبل. # وقد أفردت لأخبار كل واحد منهم كتابا، وما أنكر على من ربعهم بسعيد بن ~~المسيب. # وإن كان في السلف سادات إلا أن أكثرهم غلب عليه فن، فنقص من الآخر، فمنهم ~~من غلب عليه العلم، ومنهم من غلب عليه العمل، وكلا هؤلاء كان له الحظ ~~الوافر من العلم، والنصيب الأوفى من المعاملة والمعرفة. # ولا يأس من وجود من يحذو حذوهم، وإن كان الفضل بالسبق لهم. فقد أطلع الله ~~عز وجل الخضر على ما خفى من موسى عليهما السلام. # فخزائن الله مملوءة، وعطاؤه لا يقف على شخص. # ولقد حكي لي عن ابن عقيل أنه كان يقول عن نفسه: أنا عملت في قارب ثم كسر، ~~وهذا غلط فمن أين له ؟ فكم معجب بنفسه كشف له من غيره ما عاد يحقر نفسه على ~~ذلك، وكم من متأخر سبق متقدما، وقد قيل: # إن الليالي والأيام حاملة ... وليس يعلم غير الله ما تلد # فصل جهادا لهوى # رأيت ميل النفس إلى الشهوات زائدا في المقدار حتى إنها إذا مالت مالت ~~بالقلب والعقل والذهن، فلا يكاد المرء ينتفع بشيء من النصح. # فصحت بها يوما وقد مالت بكليتها إلى شهوة: ويحك ! قفي لحظة أكلمك كلمات ~~ثم افعلي ما بدا لك. PageV01P016 قالت: قل أسمع. # قلت: قد تقرر قلة ميلك إلى المباحات من الشهوات، وأما جل ميلك فإلى ~~المحرمات. وأما أكشف لك عن الأمرين، فربما رأيت الحلوين مرين. # أما المباحات من الشهوات، فمطلقة لك ولكن طريقها صعب، ms033 لأن المال قد يعجز ~~عنها، والكسب قد لا يحصل معظمها، والوقت الشريف يذهب بذلك. # ثم شغل القلب بها وقت التحصيل، وفي حالة الحصول، وبحذر الفوات. # ثم ينغصها من النقص ما لا يخفى على مميز، وإن كان مطعما فالشبع يحدث ~~آفات، وإن كان شخصا فالملل، أو الفراق، أو سوء الخلق. # ثم ألذ النكاح أكثره إيهانا للبدن، إلى غير ذلك مما يطول شرحه. # وأما المحرمات: فتشتمل على ما أشرنا إليه من المباحات وتزيد عليها بأنها ~~آفة العرض ومظنة عقاب الدنيا وفضيحتها، وهناك وعيد الآخرة، ثم الجزع كلما ~~ذكرها التائب. # وفي قوة قهر الهوى لذة تزيد على كل لذة. ألا ترين إلى كل مغلوب بالهوى ~~كيف يكون ذليلا ؟ لأنه قهر. بخلاف غالب الهوى فإنه يكون قوي القلب، عزيزا ~~لأنه قهر. # فالحذر الحذر من رؤية المشتهى بعين الحسن، كما يرى اللص لذة أخذ المال من ~~الحرز، ولا يرى بعين فكره القطع. # وليفتح عين البصيرة لتأمل العواقب واستحالة اللذة نغصة، وانقلابها عن ~~كونها لذة، إما لملل أو لغيره من الآفات، أو لانقطاعها بامتناع الحبيب. ~~فتكون المعصية الأولى كلقمة تناولها جائع، فما ردت كلب الجوع، بل شهت ~~الطعام. # وليتذكر الإنسان لذة قهر الهوى مع تأمل فوائد الصبر عنه. # فمن وفق لذلك كانت سلامته قريبة منه. # فصل حجب العيش # خطر لي خاطر والمجلس قد طاب، والقلوب قد حضرت، والعيون جارية، والرؤوس ~~مطرقة، والنفوس قد ندمت على تفريطها، والعزائم قد نهضت لإصلاح شؤونها، ~~وألسنة اللوم تعمل في الباطل على تضييع الحزم وترك الحذر فقلت لنفسي: ما ~~بال هذه اليقظة لا تدوم ؟ فإني أرى النفس واليقظة في المجلس متصادقين ~~متصافيين، فإذا قمنا عن هذه التربة، وقعت الغربة. # فتأملت ذلك فرأيت أن النفس ما تزال متيقظة، والقلب ما يزال عارفا، غير أن ~~القواطع كثيرة، والفكر الذي ينبغي استعماله في معرفة الله سبحانه وتعالى قد ~~كل مما يستعمل في اجتلاب الدنيا، وتحصيل حوائج النفوس، والقلب منغمس في ~~ذلك، والبدن أسير مستخدم. # وبينما الفكر يجول في اجتلاب الطعام والشراب والكسوة، وينظر في ms034 صدد ذلك، ~~وما يدخره لغده وسنته، إذا هو مهتم بخروج الفضلات المؤذية - ومنها المني - ~~فاحتاج إلى النكاح، فعلم أنه لا يصح إلا باكتساب كسب الدنيا. فتفكر في ذلك ~~وعمل بمقتضاه. # ثم جاء الولد فاهتم به وله، وإذا الفكر عامل في أصول الدنيا وفروعها. # فإذا حضر الإنسان المجلس فإنه لا يحضر جائعا ولا حاقنا. بل يحضره جامعا ~~لهمته، ناسيا ما كان من الدنيا على ذكره. فيخلو الوعظ بالقلب فيذكره بما ~~ألف، ويجذبه بما عرف، فينهض عمال القلب في زوارق عرفانه. فيحضرون النفس إلى ~~باب المطالبة بالتفريط، ويؤاخذون الحس بما مضى من العيوب، فتجري عيون ~~الندم، وتنعقد عزائم الاستدراك. # ولو أن هذه النفس خلت عن المعهودات التي وصفتها، لتشاغلت بخدمة باريها. # ولو وقعت في سورة حبه، لاستوحشت عن الكل شغلا بقربه. # ولهذا اعتمد الزهاد الخلوات، وتشاغلوا بقطع المعوقات، وعلى قدر مجاهدتهم ~~في ذلك نالوا من الخدمة مرادهم، كما أن الحصاد على مقدار البذر. # غير أني تلمحت في هذه الحالة - دقيقة - وهو أن النفس لو دامت لها اليقظة ~~لوقعت فيما هو شر من فوت ما فاتها. وهو العجب بحالها، والاحتقار لجنسها. # وربما ترقت بقوة علمها وعرفانها، إلى دعوى: لي، وعندي، وأستحق. فتركها في ~~حومة ذنوبها تتخبط. # فإذا وقفت على الشاطىء قامت بحق ذلة العبودية، وذلك أولى لها. # هذا حكم الغالب من الخلق، ولذلك شغلوا عن هذا المقام. فمن بذر فصلح له ~~فلا بد له من هفوة تراقبها عين الخوف بها تصح له عبوديته، وتسلم له عبادته. # وإلى هذا المعنى أشار الحديث الصحيح: " لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء ~~بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم " . # فصل من شطحات التصوف PageV01P017 تفكرت فرأيت أن حفظ المال من المتعين، ~~وما يسميه جهلة المتزهدين توكلا من إخراج ما في اليد ليس بالمشروع. فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن مالك: " أمسك عليك بعض مالك أو كما ~~قال له " . وقال لسعد: " لأن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة ~~يتكففون الناس " . # فإن اعترض جاهل فقال: فقد ms035 جاء أبو بكر رضي الله عنه بكل ماله. فالجواب أن ~~أبا بكر صاحب جأش وتجارة، فإذا أخرج الكل أمكنه أن يستدين عليه، فيتعيش. # فمن كان على هذه الصفة لا أذم إخراجه لماله، وإنما الذم متطرق إلى من ~~يخرج ماله ليس من أرباب المعائش. # أو يكون من أولئك، إلا أنه ينقطع عن المعاش فيبقى كلا على الناس، ~~يستعطيهم ويعتقد أنه على الفتوح، وقلبه متعلق بالخلق، وطمعه ناشب فيهم. # ومتى حرك بابه نهض قلبه. وقال: رزق قد جاء. # وهذا أمر قبيح بمن يقدر به على المعاش، وإن لم يقدر كان إخراج ما يملك ~~أقبح، لأنه يتعلق قلبه بما في أيدي الناس. # وربما ذل لبعضهم، أو تزين له بالزهد، وأقل أحواله أن يزاحم الفقراء ~~والمكافيف والزمنى في الزكاة. # فعليك بالشرب الأول، فانظر هل فيهم من فعل ما يفعله جهلة المتزهدين ؟. # وقد أشرت في أول هذا إلى أنهم كسبوا وخلفوا الأموال، فرد إلى الشرب ~~الأول، الذي لم يطرق فإنه الصافي. # واحذر من المشارع المطروقة بالآراء الفاسدة الخارجة في المعنى على ~~الشريعة، مذعنة بلسان حالها أن الشرع ناقص يحتاج إلى ما يتم به. # واعلم - وفقك الله تعالى - أن البدن كالمطية، ولا بد من علف المطية، ~~والاهتمام به. # فإذا أهملت ذلك كان سببا لوقوفك عن السير. # وقد رئي سلمان رضي الله عنه يحمل طعاما على عاتقه فقيل له: أتفعل هذا ~~وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: إن النفس إذا أحرزت قوتها ~~اطمأنت. # وقال سفيان الثوري. إذا حصلت قوت شهر فتعبد. # وقد جاء أقوام ليس عندهم سوى الدعاوي فقالوا: هذا شك في الرازق والثقة به ~~أولى. فإياك وإياهم. # وربما ورد مثل هذا عن بعض صدور الزهاد من السلف فلا يعول عليه، ولا ~~يهولنك خلافهم. # فقد قال أبو بكر المروزي: سمعت أحمد بن حنبل يرغب في النكاح. فقلت له: ~~قال ابن أدهم، فما تركني أتمم حتى صاح علي، وقال: أذكر لك حال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتأتيني ببنيات الطريق ؟. # واعلم وفقك الله: ms036 أنه لو رفض الأسباب شخص يدعي التزهد. وقال: لا آكل ولا ~~أشرب، ولا أقوم من الشمس في الحر، ولا استدفيء من البرد، كان عاصيا ~~بالإجماع. # وكذلك لو قال وله عائلة: لا أكتسب ورزقهم على الله تعالى: فأصابهم أذى ~~كان آثما. # كما قال عليه الصلاة والسلام: " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " . # واعلم أن الاهتمام بالكسب يجمع الهم، ويفرغ القلب، ويقطع الطمع في الخلق، ~~فإن الطبع له حق يتقاضاه. # وقد بين الشرع ذلك فقال: إن لنفسك عليك حقا؛ وإن لعينك عليك حقا. # ومثال الطبع مع المريد السالك، كمثل كلب لا يعرف الطارق، فكل من رآه ~~يمشي، نبح عليه، فإن ألقى إليه كسرة سكت عنه. # فالمراد من الاهتمام بذلك جمع الهم لا غير، فافهم هذه الأصول فإن فهمها ~~مهم.. # فصل الشهوات مهلكة # تأملت في شهوات الدنيا فرأيتها مصائد هلاك، وفخوخ تلف. # فمن قوي عقله على طبعه وحكم عليه يسلم، ومن غلب طبعه فيا سرعة هلكته. # ولقد رأيت بعض أبناء الدنيا كان يتوق في التسري. ثم يستعمل الحرارات ~~المهيجة للباه، فما لبث أن انحلت حرارته الغريزية وتلف. # ولم أر في شهوات النفس أسرع هلاكا من هذه الشهوة، فإنه كلما مال الإنسان ~~إلى شخص مستحسن أوجب ذلك حركة الباه زائدا عن العادة. # وإذا رأى أحسن منه زادت الحركة وكثر خروج المني زائدا عن الأول، فيفنى ~~جوهر الحياة أسرع شيء. # وبالضد من هذا أن تكون المرأة مستقبحة فلا يوجب نكاحها خروج الفضلة ~~المؤذية كما ينبغي، فيقع التأذي بالاحتباس وقوة التوق إلى منكوح. # وكذلك المفرط في الأكل فإنه يجني على نفسه كثيرا من الجنايات، والمقصر في ~~مقدار القوت كذلك، فعلمت أن أفضل الأمور أوساطها. # والدنيا مفازة فينبغي أن يكون السابق فيها العقل، فمن سلم زمام راحلته ~~إلى طبعه وهواه، فيا عجلة تلفه - هذا فيما يتعلق بالبدن والدنيا - فقس عليه ~~أمر الآخرة فافهم. # فصل النجاة في العلم PageV01P018 بلغني عن بعض زهاد زماننا أنه قدم إليه ~~طعام فقال: لا آكل. فقيل له: لم ؟. لأن نفسي تشتهيه، وأنا ms037 منذ سنين ما بلغت ~~نفسي ما تشتهي. # فقلت: لقد خفيت طريق الصواب عن هذا من وجهين، وسبب خفائها عدم العلم. # أما الوجه الأول: فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على هذا ولا ~~أصحابه، وقد كان عليه الصلاة والسلام يأكل لحم الدجاج، ويحب الحلوى والعسل. # ودخل فرقد السبخي على الحسن وهو يأكل الفالوذج، فقال: يا فرقد ما تقول في ~~هذا ؟ فقال لا آكله ولا أحب من أكله. فقال الحسن: لعاب النحل، للباب البر، ~~مع سمن البقر، هل يعيبه مسلم؟. # وجاء رجل إلى الحسن فقال: إن لي جارا لا يأكل الفالوذج. فقال: ولم ؟ قال ~~يقول: لا أؤدي شكره، فقال: إن جارك جاهل وهل يؤدي شكر الماء البارد ؟. # وكان سفيان الثوري: يحمل في سفره الفالوذج. والحمل المشوي، ويقول: إن ~~الدابة إذا أحسن إليها عملت. # وما حدث في الزهاد بعدهم من هذا الفن فأمور مسروقة من الرهبانية وأنا ~~خائف من قوله تعالى: " لا تحرمو طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا " . # ولا يحفظ عن أحد من السلف الأول من الصحابة من هذا الفن شيء إلا أن يكون ~~ذلك لعارض. # وسبب ما يروى عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه اشتهى شيئا فآثر به فقيرا، ~~وأعتق جاريته رميثة، وقال: إنها أحب الخلق إلي، فهذا وأمثاله حسن، لأنه ~~إيثار بما هو أجود عند النفس من غيره، وأكثر لها من سواه. # فإذا وقع في بعض الأوقات كسرت، بذلك الفعل سورة هواها أن تطغى بني كل ما ~~تريد. # فأما من دام على مخالفتها على الإطلاق، فإنه يعمي قلبها، ويبلد خواطرها، ~~ويشتت عزائمها، فيؤذيها أكثر مما ينفعها. # وقد قال إبراهيم بن أدهم: إن القلب إذا أكره عمي، وتحت مقالته سر لطيف ~~وهو أن الله عز وجل قد وضع طبيعة الآدمي على معنى عجيب، وهو أنها تختار ~~الشيء من الشهوات مما يصلحها، فتعلم باختيارها له صلاحه، وصلاحها به ؟. # وقد قال حكماء الطب: ينبغي أن يفسح للنفس فيما تشتهي من المطاعم، وإن كان ~~فيه نوع ضرر؛ لأنها إنما تختار ms038 ما يلائمها، فإذا قمعها الزاهد في مثل هذا ~~عاد على بدنه بالضرر. # ولولا جواذب الباطن من الطبيعة ما بقي البدن ؟ فإن الشهوة للطعام تثور، ~~فإذا وقعت الغنية بما يتناول كفت الشهوة. # فالشهوة مريد ورائد ونعم الباعث هي على مصلحة البدن. # غير أنها إذا أفرطت وقع الأذى، ومتى منعت ما تريد على الإطلاق مع الأمن ~~من فساد العاقبة عاد ذلك بفساد أحوال النفس، ووهن الجسم. واختلاف السقم ~~الذي تتداعى به الجملة، مثل أن يمنعها الماء عند اشتداد العطش، والغذاء عند ~~الجوع، والجماع عند قوة الشهوة، والنوم عند غلبته، حتى إن المغتم إذا لم ~~يتروح بالشكوى قتله الكمد. # فهذا أصل إذا فهمه هذا الزاهد، علم أنه قد خالف طريق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه. من حيث النقل، وخالف الموضوع من حيث الحكمة. # ولا يلزم على هذا قول القائل: فمن أين يصفو المطعم ؟ لأنه إذا لم يصف كان ~~الترك ورعا، وإنما الكلام في المطعم الذي ليس فيه ما يؤذي في باب الورع، ~~وكان ما شرحته جوابا للقائل - ما أبلغ نفسي شهوة على الإطلاق. # والوجه الثاني: أني أخاف على الزاهد أن تكون شهوته انقلبت إلى الترك فصار ~~يشتهي أن لا يتناول، وللنفس في هذا مكر خفي، ورياء دقيق، فإن سلمت من ~~الرياء للخلق، كانت الآفة من جهة تعلقها بمثل هذا الفعل، وإدلالها في ~~الباطن به، فهذه مخاطرة وغلط. # وربما قال بعض الجهال: هذا صد عن الخير والزهد. وليس كذلك، فإن الحديث قد ~~صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " ~~. # ولا ينبغي أن يغتر بعبادة جريج، ولا بتقوى ذي الحويصرة، ولقد دخل ~~المتزهدون في طرق لم يسلكها الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه. من ~~إظهار التخشع الزائد في الحد، والتنوق في تخشين الملبس، وأشياء صار العوام ~~يستحسنونها. # وصارت لأقوام كالمعاش يجتنون من أرباحها، تقبيل اليد، وتوفير التوقير، ~~وحراسة الناموس. # وأكثرهم في خلوته؛ على غير حالته في جلوته. # وقد كان ابن سيرين يضحك بين الناس ms039 قهقهة، وإذا خلا بالليل فكأنه قتل أهل ~~القرية. PageV01P019 فنسأل الله تعالى علما نافعا فهو الأصل، فمتى حصل أوجب ~~معرفة المعبود عز وجل، وحرك إلى خدمته بمقتضى ما شرعه وأحبه، وسلك بصاحبه ~~طريق الإخلاص. # وأصل الأصول: العلم، وأنفع العلوم النظر في سيرة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه: " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " . # فصل تربية النفس # تأملت جهاد النفس فرأيته أعظم الجهاد، ورأيت خلقا من العلماء والزهاد لا ~~يفهمون معناه، لأن فيهم من منعها حظوظها على الإطلاق، وذلك غلط من وجهين. # أحدهما: أنه رب مانع لها شهوة أعطاها بالمنع أوفى منها. # مثل أن يمنعها مباحا فيشتهر بمنعه إياها ذلك، فترضى النفس بالمنع لأنها ~~قد استبدلت به المدح. # وأخفى من ذلك أن يرى - بمنعه إياها ما منع - أنه قد فضل من سواه ممن لم ~~يمنعها ذلك، وهذه دفائن تحتاج إلى منقاش فهم يخلصها. # والوجه الثاني: أننا قد كلفنا حفظها، ومن أسباب حفظها ميلها إلى الأشياء ~~التي تقيمها، فلا بد من إعطائها ما يقيمها، وأكثر ذلك أو كله مما تشتهيه. # ونحن كالوكلاء في حفظها. لأنها ليست لنا بل هي وديعة عندنا، فمنعها ~~حقوقها على الإطلاق خطر. # ثم رب شد أوجب استرخاء، ورب مضيق على نفسه فرت منه فصعب عليه تلافيها. # وإنما الجهاد لها كجهاد المريض العاقل، يحملها على مكروهها في تناول ما ~~ترجو به العافية، ويذوب في المرارة قليلا من الحلاوة، ويتناول من الأغذية ~~مقدار ما يصفه الطبيب. ولا تحمله شهوته على موافقة غرضها من مطعم ربما جر ~~جوعا، ومن لقمة ربما حرمت لقمات. # فكذلك المؤمن العاقل لا يترك لجامها، ولا يهمل مقودها - بل يرخي لها في ~~وقت والطول بيده. # فما دامت على الجادة لم يضايقها في التضييق عليها. # فإذا رآها قد مالت ردها باللطف، فإن ونت وأبت، فبالعنف. # ويحبسها في مقام المداراة، كالزوجة التي مبني عقلها على الضعف والقلة، ~~فهي تدارى عند نشوزها بالوعظ، فإن لم تصلح فبالهجر، فإن لم تستقم فبالضرب. # وليس في سياط التأديب أجود من سوط عزم. # هذه ms040 مجاهدة من حيث العمل، فأما من حيث وعظها وتأنيبها، فينبغي لمن رآها ~~تسكن للخلق، وتتعرض بالدناءة من الأخلاق أن يعرفها تعظيم خالقها لها فيقول: ~~ألست التي قال فيك: خلقتك بيدي، وأسجدت لك ملائكتي، وارتضاك للخلافة في ~~أرضه، وراسلك، واقترض منك واشترى. # فإن رآها تتكبر، قال لها: هل أنت إلا قطرة من ماء مهين، تقتلك شرقة، ~~وتؤلمك بقة ؟. # وإن رأى تقصيرها عرفها حق الموالي على العبيد. # وإن ونت في العمل، حدثها بجزيل الأجر. # وإن مالت إلى الهوى، خوفها عظيم الوزر، ثم يحذرها عاجل العقوبة الحسية، ~~كقوله تعالى: " قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم " ، والمعنوية كقوله ~~تعالى: " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق " . # فهذا جهاد بالقول، وذاك جهاد بالفعل. # فصل علة الإبطاء في الإجابة # رأيت من البلاء العجاب. أن المؤمن يدعو فلا يجاب، فيكرر الدعاء وتطول ~~المدة، ولا يرى أثرا للإجابة، فينبغي له أن يعلم أن هذا من البلاء الذي ~~احتاج إلى الصبر. # وما يعرض للنفس من الوسواس في تأخير الجواب مرض يحتاج إلى طب. # ولقد عرض لي من هذا الجنس. فإنه نزلت بي نازلة. فدعوت وبالغت، فلم أر ~~الإجابة، فأخذ إبليس يجول في حلبات كيده. # فتارة يقول: الكرم واسع والبخل معدوم، فما فائدة تأخير الجواب ؟. # فقلت: إخسأ يا لعين، فما أحتاج إلى تقاضي، ولا أرضاك وكيلا. # ثم عدت إلى نفسي فقلت: إياك ومساكنة وسوسته، فإنه لو لم يكن في تأخير ~~الإجابة إلا أن يبلوك المقدر في محاربة العدو لكفي في الحكمة. # قالت: فسلني عن تأخير الإجابة في مثل هذه النازلة. # فقلت: قد ثبت بالبرهان أن الله عز وجل مالك، وللمالك التصرف بالمنع ~~والعطاء، فلا وجه للاعتراض عليه. # والثاني: أنه قد ثبتت حكمته بالأدلة القاطعة، فربما رأيت الشيء مصلحة ~~والحق أن الحكمة لا تقتضيه، وقد يخفى وجه الحكمة فيما يفعله الطبيب، من ~~أشياء تؤذي في الظاهر بقصد بها المصلحة، فلعل هذا من ذاك. # والثالث: أنه قد يكون التأخير مصلحة، والاستعجال مضرة، وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ms041 " لا يزال العبد في خير ما لم يستعجل، يقول دعوت فلم يستجب ~~لي " . PageV01P020 والرابع: أنه قد يكون امتناع الإجابة لآفة فيك فربما ~~يكون في مأكولك شبهة، أو قلبك وقت الدعاء في غفلة، أو تزاد عقوبتك في منع ~~حاجتك لذنب ما صدقت في التوبة منه. # فابحثي عن بعض هذه الأسباب لعلك توقنين بالمقصود، كما روي عن أبي يزيد ~~رضي الله عنه: أنه نزل بعض الأعاجم في داره، فجاء، فرآه فوقف بباب الدار، ~~وأمر بعض أصحابه فدخل، فقلع طينا جديدا قد طينه، فقام الأعجمي وخرج. # فسئل أبو يزيد عن ذلك فقال: هذا الطين من وجه فيه شبهة، فلما زالت الشبهة ~~زال صاحبها. # وعن إبراهيم الخواص رحمة الله عليه أنه خرج لإنكار منكر، فنبحه كلب له ~~فمنعه أن يمضي، فعاد ودخل المسجد، وصلى ثم خرج، فبصبص الكلب له فمضى، وأنكر ~~فزال المنكر. # فسئل عن تلك الحال فقال: كان عندي منكر، فمنعني الكلب، فلما عدت تبت من ~~ذلك، فكان ما رأيتم. # والخامس: أنه ينبغي أن يقع البحث عن مقصودك بهذا المطلوب، فربما كان في ~~حصوله زيادة إثم، أو تأخير عن مرتبة خير، فكان المنع أصلح. # وقد روي عن بعض السلف أنه كان يسأل الله الغزو، فهتف به هاتف: إنك إن ~~غزوت أسرت، وإن أسرت تنصرت. # والسادس: أنه ربما كان فقد ما تفقدينه سببا للوقوف على الباب واللجأ، ~~وحصوله سببا للاشتغال به عن المسؤول. # وهذا الظاهر بدليل أنه لولا هذه النازلة ما رأيناك على باب اللجأ. # فالحق عز وجل علم من الخلق اشتغالهم بالبر عنه، فلذعهم في خلال النعم ~~بعوارض تدفعهم إلى بابه، يستغيثون به، فهذا من النعم في طي البلاء. # وإنما البلاء المحض، ما يشغلك عنه، فأما ما يقيمك بين يديه، ففيه جمالك. # وقد حكي عن يحيى البكاء أنه رأى ربه عز وجل في المنام، فقال: يا رب كم ~~أدعوك ولا تجيبني؟ فقال: يا يحيى إني أحب أن أسمع صوتك. # وإذا تدبرت هذه الأشياء تشاغلت بما هو أنفع لك، من حصول ما فاتك من ms042 رفع ~~خلل، أو اعتذار من زلل، أو وقوف على الباب إلى رب الأرباب. # فصل علاج البلايا # من نزلت به بلية، فأراد تمحيقها، فليتصورها أكثر مما هي تهن. # وليتخيل ثوابها وليتوهم نزول أعظم منها، ير الربح في الاقتصار عليها. # وليتلمح سرعة زوالها، فإنه لولا كرب الشدة، ما رجيت ساعات الراحة. # وليعلم أن مدة مقامها عنده، كمدة مقام الضيف يتفقد حوائجه في كل لحظة، ~~فيا سرعة انقضاء مقامه، ويا لذة مدائحه وبشره في المحافل، ووصف المضيف ~~بالكرم. # فكذلك المؤمن في الشدة، ينبغي أن يراعي الساعات، ويتفقد فيها أحوال ~~النفس، ويتلمح الجوارح، مخافة أن يبدو من اللسان كلمة، أو من القلب تسخط، ~~فكأن قد لاح فجر الأجر، فانجاب ليل البلاء، ومدح الساري بقطع الدجى، فما ~~طلعت شمس الجزاء، إلا وقد وصل إلى منزل السلامة. # فصل خطر العلم مع قلة العمل # لما رأيت نفسي في العلم حسنا، فهي تقدمه على كل شيء وتعتقد الدليل، وتفضل ~~ساعة التشاغل به على ساعات النوافل، وتقول: أقوى دليل لي على فضله على ~~النوافل. أني رأيت كثيرا ممن شغلتهم نوافل الصلاة والصوم عن نوافل العلم، ~~قد عاد ذلك عليهم بالقدح في الأصول، فرأيتها في هذا الاتجاه على الجادة ~~السليمة والرأي الصحيح. # إلا أني رأيتها واقفة مع صورة التشاغل بالعلم، فصحت بها فما الذي أفادك ~~العلم ؟. أين الخوف؟ أين القلق ؟ أين الحذر ؟. # أما سمعت بأخبار أخيار الأحبار في تعبدهم واجتهادهم ؟. # أما كان الرسول صلى الله عليه وسلم سيد الكل، ثم إنه قام حتى ورمت قدماه ~~؟. # أما كان أبو بكر رضي الله عنه شجي النشيج، كثير البكاء ؟. # أما كان في خد عمر رضي الله عنه خطان من آثار الدموع ؟. # أما كان عثمان رضي الله عنه يختم القرآن في ركعة ؟. # أما كان علي رضي الله عنه يبكي بالليل في محرابه حتى تخضل لحيته بالدموع ~~؟. # ويقول: يا دنيا غري غيري ؟. # أما كان الحسن البصري يحيا على قوة القلق ؟. # أما كان سعيد بن المسيب ملازما للمسجد فلم تفته صلاة في جماعة أربعين سنة ~~؟. # أما ms043 صام الأسود بن يزيد حتى اخضر واصفر ؟. # أما قالت ابنة الربيع بن خيثم له ؟: ما لي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام ~~؟. فقال: إن أباك يخاف عذاب البيات. # أما كان أبو مسلم الخولاني يعلق سوطا في المسجد يؤدب به نفسه إذا فتر ؟. # أما صام يزيد الرقاشي أربعين سنة ؟ وكان يقول: والفاه سبقني العابدون، ~~وقطع بي. PageV01P021 أما صام منصور بن المعتمر أربعين سنة ؟. # أما كان سفيان الثوري يبكي الدم من الخوف ؟. # أما كان إبراهيم بن أدهم يبول الدم من الخوف ؟ أما تعلمين أخيار الأئمة ~~الأربعة في زهدهم وتعبدهم، أو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد. # احذري من الإخلاد إلى صورة العلم، مع ترك العمل به، فإنها حالة الكسالى ~~الزمنى: # وخذ لك منك على مهلة ... ومقبل عيشك لم يدبر # وخف هجمة لا تقيل العثا ... ر وتطوي الورود على المصدر # ومثل لنفسك أي الرعي ... ل يضمك في حلبة المحشر # فصل زهاد جهلة # مما يزيد العلم عندي فضلا، أن قوما تشاغلوا بالتعبد عن العلم، فوقفوا عن ~~الوصول إلى حقائق الطلب. # فروي عن بعض القدماء أنه قال لرجل: يا أبا الوليد، إن كنت أبا الوليد، ~~يتورع أن يكنيه ولا ولد له !!. # ولو أوغل هذا في العلم لعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: كنى صهيبا أبا ~~يحيى، وكنى طفلا فقال: يا أبا عمير، ما فعل النغير ؟. # وقال بعض المتزهدين: قيل لي يوما: كل من هذا اللبن. فقلت: هذا يضرني، ثم ~~وقفت بعد مدة عند الكعبة فقلت: اللهم إنك تعلم أني ما أشركت بك طرفة عين، ~~فهتف بي هاتف، ولا يوم اللبن؟. # وهذا لو صح جاز أن يكون تأديبا له، لئلا يقف مع الأسباب ناسيا للمسبب ~~وإلا فالرسول صلى الله عليه وسلم قد قال: " ما زالت أكلة خيبر تعاودني حتى ~~الآن قطعت أبهري. وقال: ما نفعني مال كمال أبي بكر " . # ومن المتزهدين أقوام يرون التوكل قطع الأسباب كلها، وهذا جهل بالعلم. فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: دخل الغار، وشاور الطبيب، ولبس الدرع، وحفر ~~الخندق، ودخل مكة في ms044 جوار المطعم بن عدي وكان كافرا، وقال لسعد: لأن تدع ~~ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس. # فالوقوف مع الأسباب مع نسيان المسبب غلط، والعمل على الأسباب مع تعلق ~~القلب بالمسبب هو المشروع. # وكل هذه الظلمات إنما تقطع بمصباح العلم. # ولقد ضل من مشى في ظلمة الجهل أو في زقاق الهوى. # فصل شرف البشر # ما أزال أتعجب ممن يرى تفضيل الملائكة على الأنبياء والأولياء، فإن كان ~~التفضيل بالصور، فصورة الآدمي أعجب من ذوي أجنحة. # وإن تركت صورة الآدمي لأجل أوساخها المنوطة بها، فالصورة ليست الآدمي، ~~إنما هي قالب. ثم قد استحسن منها ما يستقبح في العادة، مثل خلوف فم الصائم، ~~ودم الشهداء، والنوم في الصلاة، فبقيت صورة معمورة، وصار الحكم للمعنى. # ألهم مرتبة يحبهم، أو فضيلة يباهي بهم. وكيف دار الأمر فقد سجدوا لنا. ~~وهو صريح في تفضيلنا عليهم، فإن كانت الفضيلة بالعلم فقد علمت القصة، يوم " ~~لا علم لنا " ، " يا آدم أنبئهم " . # وإن فضلت الملائكة بجوهرية ذواتهم فجوهرية أرواحنا من ذلك الجنس، وعلينا ~~أثقال أعباء الجسم. # بالله لولا احتياج الراكب إلى الناقة فهو يتوقف لطلب علفها، ويرفق في ~~السير بها لطرق أرض مني قبل العشر. # واعجبا أتفضل الملائكة بكثرة التعبد ! فما ثم صاد. # أو يتعجب من الماء إذا جرى، أو من منحدر يسرع، إنما العجب من مصاعد يشق ~~الطريق ويغالب العقبات ؟. # بلى قد يتصور منهم الخلاف، ودعوى الإلهية. لقدرتهم على دك الصخور، وشق ~~الأرض لذلك توعدوا: " ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم " ~~لكنهم يعلمون عقوبة الحق فيحذرونه. # فأما بعدنا عن المعرفة الحقيقية وضعف يقيننا بالناهي، وغلبة شهوتنا مع ~~الغفلة. يحتاج إلى جهاد أعظم من جهادهم. # تالله لو ابتلى أحد المقربين بما ابتلينا به، ما قدر على التماسك. # يصبح أحدنا وخطاب الشرع يقول له: الكسب لعائلتك، واحذر في كسبك. وقد تمكن ~~منه ما ليس من فعله، كحب الأهل، وعلوق الولد بنياط القلب، واحتياج بدنه إلى ~~ما لا بد منه. # فتارة يقال للخليل عليه ms045 السلام: اذبح ولدك بيدك، واقطع ثمرة فؤادك بكفك، ~~ثم قم إلى المنجنيق لترمى في النار. # وتارة يقال لموسى عليه السلام: صم شهرا، ليلا ونهارا. PageV01P022 ثم ~~يقال للغضبان: اكظم، وللبصير أغضض، ولذي المقول اصمت، ولمستلذ النوم تهجد، ~~ولمن مات حبيبه اصبر، ولمن أصيب في بدنه أشكر، وللواقف في الجهاد بين ~~الغمرات: لا يحل أن تفر. ثم اعلم أن الموت يأتي بأصعب المرارات فينزع الروح ~~عن البدن، فإذا نزل فاثبت. واعلم أنك ممزق في القبر فلا تتسخط لأنه مما ~~يجري به القدر. وإن وقع بك مرض فلا تشك إلى الخلق. # فهل للملائكة من هذه الأشياء شيء ؟ وهل ثم إلا عبادة ساذجة ليس فيها ~~مقاومة طبع، ولا رد هوى ؟. وهل هي إلا عبادة صورية بين ركوع وسجود وتسبيح ؟ ~~فأين عبادتهم المعنوية من عبادتنا ؟ ثم أكثرهم في خدمتنا بين كتبة علينا، ~~ودافعين عنا، ومسخرين لإرسال الريح والمطر، وأكبر وظائفهم الاستغفار لنا. ~~فكيف يفضلون علينا بلا علة ظاهرة. # وإذا ما حكت على محك التجارب طائفة منهم مثل ما روي عن هاروت، وماروت، ~~خرجوا أقبح من بهرج. # ولا تظنن أني أعتقد في تعبد الملائكة نوع تقصير، لأنهم شديدو الإشفاق ~~والخوف، لعلمهم بعظمة الخالق. لكن طمأنينة من لم يخطىء تقوي نفسه. وانزعاج ~~الغائص في الزلل يرقى روحه إلى التراقي ؟. # فاعرفوا إخواني شرف أقداركم، وصونوا جواهركم عن تدنيسها بلوم الذنوب ~~فأنتم معرض الفضل على الملائكة، فاحذروا أن تحطكم الذنوب إلى حضيض البهائم، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # فصل السلامة في كتاب الله # رأيت كثيرا من الخلق وعالما من العلماء، لا ينتهون عن البحث عن أصول ~~الأشياء التي أمر بعلم جلها من غير بحث عن حقائقها، كالروح مثلا، فإن الله ~~تعالى سترها بقوله: " قل الروح من أمر ربي " فلم يقنعوا، وأخذوا يبحثون عن ~~ماهيتها ولا يقعون بشيء، ولا يثبت لأحد منهم برهان على ما يدعيه، وكذلك ~~العقل، فإنه موجود بلا شك، كما أن الروح موجودة بلا شك، كلاهما يعرف بآثاره ~~لا بحقيقة ذاته. # فإن قال قائل: ms046 فما السر في كتم هذه الأشياء ؟ قلت: لأن النفس ما تزال ~~تترقى من حالة إلى حالة فلو اطلعت على هذه الأشياء لترقت إلى خالقها، فكان ~~ستر ما دونه زيادة في تعظيمه؛ لأنه إذا كان بعض مخلوقاته لا يعلم كنهه، فهو ~~أجل وأعلى. # ولو قال قائل: ما الصواعق ؟ وما البرق ؟ وما الزلازل ؟. # قلنا: شيء مزعج، ويكفي. # والسر في ستر هذا أنه لو كشفت حقائقه خف مقدار تعظيمه. # ومن تلمح هذا الفصل علم أنه فصل عزيز، فإذا ثبت هذا في المخلوقات فالخالق ~~أجل وأعلى. # فينبغي أن يوقف في إثباته على دليل وجوده، ثم يستدل على جواز بعثه رسله، ~~ثم تتلقى أوصافه من كتبه ورسله، ولا يزاد على ذلك. # ولقد بحث خلق كثير عن صفاته بآرائهم فعاد وبال ذلك عليهم. # وإذا قلنا: إنه موجود، وعلمنا من كلامه أنه سميع، بصير، حي، قادر. كفانا ~~هذا في صفاته، ولا نخوض في شيء آخر. # وكذلك نقول: متكلم والقرآن كلامه، ولا نتكلف ما فوق ذلك. # ولم يقل السلف: تلاوة ومتلو، وقراءة ومقروء، ولا قالوا: استوى على العرش ~~بذاته، ولا قالوا: ينزل بذاته، بل أطلقوا ما ورد من غير زيادة. # ونقول: لما لم يثبت بالدليل ما لا يجوز عليه. # وهذه كلمات كالمثال، فقس عليها جميع الصفات، تفز سليما من تعطيل، متخلصا ~~من تشبيه. # فصل سر وجود الهمل # رأيت أكثر الخلق في وجودهم كالمعدومين، فمنهم من لا يعرف الخالق، ومنهم ~~من يثبته على مقتضى حسه، ومنهم من لا يفهم المقصود من التكليف. # وترى المترسمين بالزهد يدأبون في القيام والقعود، ويتركون الشهوات، ~~وينسون ما قد أنسوا به من شهوة الشهرة، وتقبيل الأيادي. # ولو كلم أحدهم لقال: ألمثلي يقال هذا ؟ ومن فلان الفاسق ؟. # فهؤلاء لا يفهمون المقصود، وكذلك كثير من العلماء في احتقارهم غيرهم، ~~والتكبر في نفوسهم. # فتعجبت كيف يصلح هؤلاء لمجاورة الحق، وسكنى الجنة ؟!. # فرأيت أن الفائدة في وجودهم في الدنيا، تجانس الفائدة في دخولهم الجنة، ~~فإنهم في الدنيا بين معتبر به، يعرف عارف الله سبحانه نعمة الله عليه، بما ms047 ~~كشف له مما غطى عن ذاك، ويتم النظام بالاقتداء تصور أولئك. # فإن العارف لا يتسع وقته لمخالطة من يقف مع الصورة، الزاهد كراعي البهم، ~~والعالم كمؤدب الصبيان، والعارف كملقن الحكمة. # ولولا نفاط الملك وحارسه. ووقاد أتونه. ما تم عيشه. PageV01P023 فمن تمام ~~عيش العارف استعمال أولئك بحسبهم، فإذا وصلوا إليه حرر مانعهم، وفيهم من لا ~~يصل إليه، فيكون وجود أولئك كزيادة - لا - في الكلام. هي حشو، وهي موكدة. # فإن قال قائل: فهب هذا يصح في الدنيا. فكيف في الجنة ؟. # والجواب: أن الأنس بالجيران مطلوب، ورؤية القاصر من تمام لذة الكامل، ~~ولكل شرب. # ومن تأمل ما أشرت إليه، كفاه رمز لفظي عن تطويل الشرح. # فصل من دروس النشأة # لما تلمحت تدبير الصانع في سوق رزقي. بتسخير السحاب. وإنزال المطر برفق، ~~والبذر دفين تحت الأرض، كالموتى، قد عفن ينتظر نفخة من صور الحياة فإذا ~~أصابته اهتز خضرا. # وإذا انقطع عنه الماء، مد يد الطلب يستعطي، وأمال رأسه خاضعا، ولبس حلل ~~التغير، فهو محتاج إلى ما أنا محتاج إليه من حرارة الشمس، وبرودة الماء، ~~ولطف النسيم، وتربية الأرض فسبحان من أراني - فيما يربيني به - كيف تربيتي ~~في الأصل. # فيا أيتها النفس التي قد اطلعت على بعض حكمه، قبيح بك - والله - الإقبال ~~على غيره. # ثم العجب كيف تقبلين على فقير مثلك، ينادي لسان حاله بي مثل ما بك، يا ~~حمام !. # فارجعي إلى الأصل الأول، واطلبي من المسبب. # ويا طوبى لك أن عرفتيه، فإن عرفانه ملك الدنيا والآخرة. # فصل الخلوة وحلاوة المناجاة # كنت في بداية الصبوة، قد ألهمت سلوك طريق الزهاد، بإدامة الصوم والصلاة. # وحببت إلي الخلوة. فكنت أجد قلبا طيبا. وكانت عين بصيرتي قوية الحدة ~~تتأسف على لحظة تمضي في غير طاعة، وتبادر الوقت في اغتنام الطاعات.. ولي ~~نوع أنس، وحلاوة مناجاة !!. # فانتهى الأمر إلى أن صار بعض ولاة الأمور يستحسن كلامي، فأمالني إليه، ~~فمال الطبع، ففقدت تلك الحلاوة. # ثم استمالني آخر فكنت أتقي مخالطته ومطاعمه، لخوف الشبهات. وكانت حالتي ~~قريبة. # ثم جاء التأويل فانبسطت ms048 فيما يباح، فانعدم ما كنت أجد من استنارة وسكينة. # وصارت المخالطة توجب ظلمة في القلب إلى أن عدم النور كله. # فكان حنيني إلى ما ضاع مني يوجب انزعاج أهل المجلس، فيتوبون ويصلحون، ~~وأخرج مفلسا فيما بيني وبين حالي. # وكثر ضجيجي من مرضي، وعجزت عن طب نفسي، فلجأت إلى قبور الصالحين، وتوسلت ~~في صلاحي، فاجتذبني لطف مولاي إلى الخلوة على كراهة مني، ورد قلبي علي بعد ~~نفور عني، وأراني عيب ما كنت أوثره. # فأفقت من مرض غفلتي ! وقلت في مناجاة خلوتي: سيدي كيف أقدر على شكرك ؟ ~~وبأي لسان أنطق بمدحك ؟ إذ لم تؤاخذني على غفلتي، ونبهتني من رقدتي وأصلحت ~~حالي على كره من طبعي. # فما أربحني فيما سلب مني إذا كانت ثمرته اللجأ إليك !. # وما أوفر جمعي إذ ثمرته إقبالي على الخلوة بك. # وما أغناني إذ أفقرتني إليك، وما آنسني إذ أوحشتني من خلقك. # آه على زمان ضاع في غير خدمتك ! أسفا لوقت مضى في غير طاعتك. # قد كنت إذا انتبهت وقت الفجر لا يؤلمني نومي طول الليل. # وإذا انسلخ عني النهار لا يوجعني ضياع ذلك اليوم. # وما علمت أن عدم الإحساس لقوة المرض. # فالآن قد هبت نسائم العافية، فأحسست بالألم فاستدللت على الصحة. # فيا عظيم الإنعام تممم لي العافية. # آه من سكر لم يعلم قدر عربدته إلا في وقت الإفاقة. # لقد فتقت ما يصعب رتقه، فواأسفا على بضاعة ضاعت، وعلى ملاح تعب في موج ~~الشمال مصاعدا مدة، ثم غلبه النوم فرد إلى مكانه الأول. # يا من يقرأ تحذيري من التخليط فإني - وإن كنت نفسي بالفعل، نصيح لإخواني ~~بالقول - احذروا - إخواني من الترخص فيما لا يؤمن فساده. # فإن الشيطان يزين المباح، في أول مرتبة. ثم يجر إلي الجناح فتلمحوا ~~المآل، وافهموا الحال. # وربما أراكم الغاية الصالحة، وكان في الطريق إليها نوع مخالفة، فيكفي ~~الاعتبار في تلك الحال، بأبيكم: " هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى " ~~؟. # إنما تأمل آدم الغاية وهي الخلد، ولكنه غلط في الطريق، وهذا أعجب مصايد ~~إبليس التي ms049 يصيد بها العلماء. # يتأولون لعواقب المصالح، فيستعجلون ضرر المفاسد. # مثاله أن يقول للعالم أدخل على هذا الظالم فاشفع في مظلوم، فيستعجل ~~الداخل رؤية المنكرات، ويتزلزل دينه. # وربما وقع في شرك صار به أظلم من ذلك الظالم. # فمن لم يتق بدينه فليحذر من المصائد، فإنها خفية. PageV01P024 وأسلم ما ~~للجبان العزلة، خصوصا في زمان قد مات فيه المعروف، وعاش المنكر، ولم يبق ~~لأهل العلم وقع عند الولاة. # فمن داخلهم دخل معهم فيما لا يجوز، ولم يقدر على جذبهم مما هم فيه. # ثم من تأمل حال العلماء الذين يعملون لهم في الولايات يراهم منسلخين من ~~نفع العلم قد صاروا كالشرطة. # فليس إلا العزلة عن الخلق. والإعراض عن كل تأويل فاسد في المخالطة. ولأن ~~أنفع نفسي وحدي: خير لي من أن أنفع غيري وأتضرر. # فالحذر الحذر من خوادع التأويلات، وفواسد الفتاوي، والصبر الصبر على ما ~~توجبه العزلة. # فإنه إن انفردت بمولاك فتح لك باب معرفته. فهان كل صعب، وطاب كل مر، ~~وتيسر كل عسر، وحصلت كل مطلوب. # والله الموفق بفضله، ولا حول ولا قوة إلا به. # فصل مدخل الفساد # تأملت على نفسي تأويلا في مباح أنال به شيئا من الدنيا، إلا أنه في باب ~~الورع كدر. # فرأيته أولا قد احتلب در الدين فذهبت حلاوة المعاملة لله تعالى. # ثم عاد فقلص ضرع حلبي له فوقع الفقد للحالين. # فقلت لنفسي: ما مثلك إلا كمثل وال ظالم جمع مالا من غير حله، فصودر. فأخذ ~~منه الذي جمع، وألزم ما لم يجمع. # فالحذر الحذر من فساد التأويل، فإن الله تعالى لا يخادع، ولا ينال ما ~~عنده بمعصيته. # فصل خير الأمور الوسط # رأيت نفسي كلما صفا فكرها، أو اتعظت بدارج، أو زارت قبور الصالحين، تتحرك ~~همتها في طلب العزلة والإقبال على معاملة الله تعالى. # فقلت لها يوما، وقد كلمتني في ذلك: حدثيني ما مقصودك ؟ وما نهاية مطلوبك ~~؟. # أتراك تريدين مني أن أسكن قفرا لا أنيس به، فتفوتني صلاة الجماعة، ويضيع ~~مني ما قد علمته لفقد من أعلمه. # وأن آكل ms050 الجشب الذي لم أتعوده، فيقع نضوي طلحا في يومين. # وأن ألبس الخشن الذي لا أطيقه، فلا أدري من كرب محمولي من أنا ؟. # وأن أتشاغل عن طلب ذرية تتعبد بعدي مع بقاء القدرة على الطلب. # بالله ما نفعني العلم الذي بذلت فيه عمري إن وافقتك، وأنا أعرفك غلط ما ~~وقع لك بالعلم. # اعلمي أن البدن مطية، والمطية إذا لم يرفق بها لم تصل براكبها إلى ~~المنزل. # وليس مرادي بالرفق الإكثار من الشهوات، وإنما أعني أخذ البلغة الصالحة ~~للبدن، فحينئذ يصفو الفكر، ويصح العقل، ويقوي الذهن. # ألا ترين إلى تأثير المعوقات عن صفاء الذهن في قوله عليه الصلاة والسلام: ~~لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان، وقاس العلماء على ذلك الجوع وما يجري ~~مجراه من كونه حاقنا، أو حاقبا. # وهل الطبع إلا ككلب يشغله الأكل ؟، فإذا رمي له ما يتشاغل به طاب له ~~الأكل. # فأما الانفراد والعزلة فعن الشر لا عن الخير. # ولو كان فيها لك وقع خير لنقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن ~~أصحابه رضي الله عنهم. # هيهات لقد عرفت أن أقواما دام بهم التقلل واليبس إلى أن تغير فكرهم، وقوي ~~الخلط السوداوي عليهم، فاستوحشوا من الناس، ومنهم من اجتمعت له من المآكل ~~الردية أخلاط مجة، فبقي اليوم واليومين والثلاثة لا يأكل وهو يظن ذلك من ~~أمداد اللطف، وإذا به من سوء الهضم. # وفيهم من ترقى به الخلط إلى رؤية الأشباح فيظنها الملائكة. # فالله الله في العلم، والله الله في العقل، فإن نور العقل لا ينبغي أن ~~يتعرض لإطفائه، والعلم لا يجوز الميل إلى تنقيصه. # فإذا حفظا حفظا وظائف الزمان، ودفعا ما يؤذي، وجلبا ما يصلح، وصارت ~~القوانين مستقيمة في المطعم والمشرب والمخالطة. # فقالت لي النفس: فوظف لي وظيفة واحسبني مريضا قد كتبت له شربة. # فقلت لها: قد دللتك على العلم وهو طبيب ملازم. يصف كل لحظة لكل داء يعرض ~~دواء يلائم. # وفي الجملة ينبغي لك ملازمة تقوى الله عز وجل في المنطق والنظر، وجميع ~~الجوارح، وتحقق ms051 الحلال في المطعم، وإيداع كل لحظة ما يصلح لها من الخير، ~~ومناهبة الزمان في الأفضل، ومجانبة ما يؤدي إلى من نقص ربح أو وقوع خسران. # ولا تعملي عملا إلا بعد تقديم النية. # وتأهبي لمزعج الموت فكأن قد، وما عندك من مجيئه في أي وقت يكون. # ولا تتعرضي لمصالح البدن، بل وفريها عليه وناوليه إياها على قانون ~~الصواب، لا على مقضى الهوى، فإن إصلاح البدن سبب لإصلاح الدين. PageV01P025 ~~ودعي الرعونة التي يدل عليها الجهل لا العلم، من قول النفس فلان يأكل الخل ~~والبقل، وفلان لا ينام الليل، فاحملي ما تطيقين، وما قد علمت قوة البدن ~~عليه. # فإن البهيمة إذا أقبلت إلى نهر أو ساقية فضربت لتقفز لم تفعل حتى تزن ~~نفسها، فإن علمت فيها قوة الطفر طفرت وإن علمت أنها لا تطيق لم تفعل ولو ~~قتلت. # وليس كل الأبدان تتساوى في الإطاقة، ولقد حمل أقوام من المجاهدات في ~~بداياتهم أشياء أوجبت أمراضا قطعتهم عن خير، وتسخطت قلوبهم بوقوعها، فعليك ~~بالعلم. فإنه شفاء من كل داء، والله الموفق. # فصل سلفيون جهال # عجبت من أقوام يدعون العلم، ويميلون إلى التشبيه بحملهم الأحاديث على ~~ظواهرها، فلو أنهم أمروها كما جاءت سلموا، لأن من أمر ما جاء ومر من غير ~~اعتراض ولا تعرض فما قال شيئا لا له ولا عليه. # ولكن أقواما قصرت علومهم، فرأت أن حمل الكلام على غير ظاهره نوع تعطيل، ~~ولو فهموا سعة اللغة لم يظنوا هذا. # وما هم إلا بمثابة قول الحجاج لكاتبه وقد مدحته الخنساء فقالت: # إذا هبط الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها # شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة شفاها # فلما أتمت القصيدة، قال: لكاتبه إقطع لسانها، فجاء ذاك الكاتب المغفل ~~بالموسى. # فقالت له: ويلك إنما قال أجزل لها العطاء. # ثم ذهبت إلى الحجاج فقالت: كاد والله يقطع مقولي. # فكذلك الظاهرية الذين لم يسلموا بالتسليم، فإنه من قرأ الآيات والأحاديث ~~ولم يزد، لم ألمه، وهذه طريقة السلف. # فأما من قال: الحديث يقتضي كذا، ويحمل ms052 على كذا، مثل أن يقول: استولى على ~~العرش بذاته، وينزل إلى السماء الدنيا بذاته فهذه زيادة فهمها قائلها من ~~الحس لا من النقل. # ولقد عجبت لرجل أندلسي يقال له ابن عبد البر، صنف كتاب التمهيد، فذكر فيه ~~حديث النزول إلى السماء الدنيا فقال: هذا يدل على أن الله تعالى على العرش. ~~لأنه لولا ذلك لما كان لقوله ينزل معنى. # وهذا كلام جاهل بمعرفة الله عز وجل لأن هذا استسلف من حسه ما يعرفه من ~~نزول الأجسام. فقاس صفة الحق عليه. # فأين هؤلاء وأتباع الأثر ؟. # ولقد تكلموا بأقبح ما يتكلم به المتأولون، ثم عابوا المتكلمين. # واعلم أيها الطالب للرشاد، أنه سبق إلينا من العقل والنقل أصلان راسخان. ~~عليهما مر الأحاديث كلها. # أما النقل فقوله سبحانه وتعالى: " ليس كمثله شيء " . ومن فهم هذا لم يحمل ~~وصفا له على ما يوجبه الحس. # وأما العقل فإنه قد علم مباينة الصانع للمصنوعات، واستدل على حدوثها ~~بتغيرها، ودخول الانفعال عليها، فثبت له قدم الصانع. # وا عجبا كل العجب من راد لم يفهم طبيعة الكلام ؟. # أوليس في الحديث الصحيح أن الموت يذبح بين الجنة والنار. # أوليس العقل إذا استغنى في هذا صرف الأمر عن حقيقته. لما ثبت عند من يفهم ~~ماهية الموت؟. # فقال: الموت عرض يوجب بطلان الحياة. فكيف يمات الموت ؟. # فإذا قيل له فما تصنع بالحديث ؟. # قال: هذا ضرب مثل بإقامة صورة ليعلم بتلك الصورة الحسية فوات ذلك المعنى. # قلنا له: فقد روي في الصحيح: تأتي البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان. # فقال الكلام لا يكون غمامة، ولا يتشبه بها. # قلنا له أفتعطل النقل، قال: لا، ولكن أقول يأتي ثوابهما. # قلنا: فما الدليل الصارف لك عن هذه الحقائق. # فقال: علمي بأن الكلام لا يتشبه بالأجسام، والموت لا يذبح ذبح الأنعام، ~~ولقد علمتم سعة لغة العرب. ما ضاقت أعطانكم من سماع مثل هذا. # فقال العلماء صدقت: هكذا نقول في تفسير مجيء البقرة، وفي ذبح الموت. # فقال: واعجبا لكم، صرفتم عن الموت والكلام ما لا يليق بهما، حفظا لما ms053 ~~علمتم من حقائقهما فكيف لم تصرفوا عن الإله القديم ما يوجب التشبيه له ~~بخلقه، بما قد دل الدليل على تنزيهه عنه؟. # فما زال يجادل الخصوم بهذه الأدلة. ويقول: لا أقطع حتى أقطع، فما قطع حتى ~~قطع. # فصل حول دليل الرجم # تفكرت في السر الذي أوجب حذف آية الرجم من القرآن لفظا. مع ثبوت حكمها ~~إجماعا، فوجدت لذلك معنيين. PageV01P026 أحدهما: لطف الله تعالى بعباده في ~~أنه لا يواجههم بأعظم المشاق. بل ذكر الجلد، وستر الجرم، ومن هذا المعنى ~~قال بعض العلماء: إن الله تعالى قال في المكروهات " كتب عليكم الصيام " ، ~~على لفظ لم يسم فاعله، وإن كان قد علم أن هو الكاتب. # فلما جاء إلى ما يوجب الراحة قال: " :كتب ربكم على نفسه الرحمة " . # والوجه الثاني: أنه يبين بذلك فضل الأمة في بذلها النفوس قنوعا ببعض ~~الأدلة. # فإن الاتفاق لما وقع على ذلك الحكم كان دليلا. إلا أنه ليس كالدليل ~~المقطوع بنصه. # ومن هذا الجنس شروع الخليل عليه الصلاة والسلام، في ذبح ولده بمنام، وإن ~~كان الوحي في اليقظة آكد. # فصل قوانين الأسباب والمسببات # عرضت لي حالة لجأت فيها بقلبي إلى الله تعالى وحده، عالما بأنه لا يقدر ~~على جلب نفعي ودفع ضري سواه. # ثم قمت أتعرض بالأسباب، فأنكر على يقيني، وقال: هذا قدح في التوكل. # فقلت: ليس كذلك، فإن الله تعالى وضعها من الحكم. # وكان معنى حالي أن ما وضعت لا يفيد وإن وجوده كالعدم. # وما زالت الأسباب في الشرع كقوله تعالى: " وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم " . # وقال تعالى: " فذروه في سنبله " . # وقد ظاهر النبي صلى الله عليه وسلم بين درعين، وشاور طبيبين، ولما خرج ~~إلى الطائف لم يقدر على دخول مكة، حتى بعث إلى المطعم بن عدي فقال: أدخل في ~~جوارك. # وقد كان يمكنه أن يدخل متوكلا بلا سبب. # فإذا جعل الشرع الأمور منوطة بالأسباب، كان إعراضي عن الأسباب دفعا ~~للحكمة. # ولهذا أرى أن التداوي مندوب إليه، وقد ذهب صاحب مذهبي إلى ms054 أن ترك التداوي ~~أفضل، ومنعني الدليل من اتباعه في هذا فإن الحديث الصحيح أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء فتداووا. # ومرتبة هذه اللفظة الأمر، والأمر إما أن يكون واجبا، أو ندبا. # ولم يسبقه حظر، فيقال: هو أمر إباحة. # وكانت عائشة رضي الله عنه تقول: تعلمت الطب من كثرة أمراض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وما ينعت له. # وقال عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: كل من هذا فإنه ~~أوفق لك من هذا. # ومن ذهب إلى أن تركه أفضل احتج بقوله عليه الصلاة والسلام: يدخل الجنة ~~سبعون ألفا بلا حساب. ثم وصفهم فقال: لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، ~~وعلى ربهم يتوكلون. # وهذا لا ينافي التداوي، لأنه قد كان أقوام يكتوون لئلا يمرضوا ويسترقون ~~لئلا تصيبهم نكبة، وقد كوى عليه الصلاة والسلام سعد بن زرارة، ورخص في ~~الرقية في الحديث الصحيح. فعلمنا أن المراد ما أشرنا إليه. # وإذا عرفت الحاجة إلى إسهال الطبع، رأيت أن أكل البلوط مما يمنع عنه ~~علمي، وشرب ماء التمر عندي أوفق، وهذا طب. # فإذا لم أشرب ما يوافقني، ثم قلت اللهم عافني، قالت لي الحكمة: أما سمعت ~~أعقلها وتوكل ؟ إشرب وقل عافني، ولا تكن كمن بين زرعه وبين النهر كف من ~~تراب، تكاسل أن يرفعه بيده، ثم قام يصلي صلاة الاستسقاء. # وما هذه الحالة إلا كحال من سافر على التجريد، وإنما سافر على التجريد ~~لأنه يجرب بربه عز وجل هل يرزقه أو لا، وقد تقدم الأمر إليه: " وتزودوا " ~~فقال: لا أتزود، فهذا هالك قبل أن يهلكه. # ولو جاء وقت صلاة وليس معه ماء، ليم على تفريطه، وقيل له: هلا استصحبت ~~الماء قبل المفازة. # فالحذر الحذر من أفعال أقوام فمرقوا عن الأوضاع الدينية، وظنوا أن كمال ~~الدين بالخروج عن الطباع، والمخالفة للأوضاع. # ولولا قوة العلم والرسوخ فيه، لما قدرت على شرح هذا ولا عرفته، فافهم ما ~~أشرت إليه، فهو أنفع لك من كراريس ms055 تسمعها، وكن مع أهل المعاني لا مع أهل ~~الحشو. # فصل النظافة والجمال # تلمحت على خلق كثير من الناس إهمال أبدانهم، فمنهم من لا ينظف فمه ~~بالخلال بعد الأكل. # ومنهم من لا ينقي يديه في غسلها من الزهم، ومنهم من لا يكاد يستاك، وفيهم ~~من لا يكتحل، وفيهم من لا يراعي الإبط إلى غير ذلك، فيعود هذا الإهمال ~~بالخلل في الدين والدنيا. PageV01P027 أما الدين إنه قد أمر المؤمن بالتنظف ~~والاغتسال للجمعة لأجل اجتماعه بالناس، ونهى عن دخول المسجد إذا أكل الثوم، ~~وأمر الشرع بتنقية البراجم، وقص الأظفار، والسواك، والاستحداد. وغير ذلك من ~~الآداب. # فإذا أهمل ذلك ترك مسنون الشرع، وربما تعدى بعض ذلك إلى فساد العبادة، ~~مثل أن يهمل أظفاره فيجمع تحته الوسخ المانع للماء في الوضوء أن يصل. # وأما الدنيا فإني رأيت جماعة من المهملين أنفسهم، يتقدمون إلى السرار. # والغفلة التي أوجبت إهمالهم أنفسهم، أوجبت جهلهم بالأذى الحادث عنهم. # فإذ أخذوا في مناجاة السر، لم يمكن أن أصدف عنهم، لأنهم يقصدون السر، ~~فألقى الشدائد من ريح أفواههم. # ولعل أكثرهم من وقت انتباههم ما أمر أصبعه على أسنانه. # ثم يوجب مثل هذا نفور المرأة، وقد لا تستحسن ذكر ذلك للرجل، فيثمر ذلك ~~التفاتها عنه. # وقد كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: إني لأحب أن أتزين للمرأة، كما ~~أحب أن تتزين لي. # وفي الناس من يقول: هذا تصنع. # وليس بشيء، فإن الله تعالى: " زيننا لما خلقنا " . لأن العين حظا في ~~النظر. # ومن تأمل أهداب العين والحاجبين. وحسن ترتيب الخلقة، علم أن الله زين ~~الآدمي. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أنظف الناس وأطيب الناس، وفي الحديث ~~عنه صلى الله عليه وسلم يرفع يديه حتى تبين عفرة إبطيه، وكان ساقه ربما ~~انكشفت فكأنها جمارة. # وكان لا يفارقه السواك، وكان يكره أن يشم منه ريح ليست طيبة. # وفي حديث أنس الصحيح: ما شانه الله بيضاء. # وقد قالت الحكماء: من نظف ثوبه قل همه، ومن طاب ريحه زاد عقله. # وقال عليه الصلاة والسلام ms056 لأصحابه: ما لكم تدخلون علي قلحا، استاكوا. # وقد فضلت الصلاة بالسواك، على الصلاة بغير سواك، فالمتنظف ينعم نفسه، ~~ويرفع منها قدرها. # وقد قال الحكماء: من طال ظفره قصرت يده، ثم إنه يقرب من قلوب الخلق وتحبه ~~النفوس، لنظافته وطيبه. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الطيب. # ثم إنه يؤنس الزوجة بتلك الحال. فإن النساء شقائق الرجال، فكما أنه يكره ~~الشيء منها فكذلك هي تكرهه، وربما صبر هو على ما يكره وهي لا تصبر. # وقد رأيت جماعة يزعمون أنهم زهاد وهم من أقذر الناس، وذلك أنهم ما قومهم ~~العلم. # وأما ما يحكى عن داود الطائي: أنه قيل له لو سرحت لحيتك، فقال: إني عنها ~~مشغول، فهذا معتذر عن العمل بالسنة، والإخبار عن غيبته عن نفسه بشدة خوفه ~~من الآخرة، ولو كان مفيقا لذلك لم يتركه، فلا يحتج بحال المغلوبين. # ومن تأمل خصائص الرسول الله صلى الله عليه وسلم رأى كاملا في العلم ~~والعمل، فيه يكون الاقتداء وهو الحجة على الخلق. # فصل اخشوشنوا # تأملت مبالغة أرباب الدنيا في اتقاء الحر والبرد. فرأيتها تعكس المقصود ~~في باب الحكمة. وإنما تحصل مجرد لذة ولا خير في لذة تعقب ألما. # فأما في الحر فإنهم يشربون الماء المثلوج. وذلك على غاية في الضرر، وأهل ~~الطب يقولون: إنه يحدث أمراضا صعبة يظهر أثرها في وقت الشيخوخة ويضعون ~~الخيوش المضاعفة الرقيق الشفاف وفي البرد يصنعون اللبود المانعة للبرد. # وهذا من حيث الحكمة مضاد ما وضعه الله تعالى. فإنه جعل الحر لتحلل ~~الأخلاط، والبرد لجمودها، فيجعلون هم جميع السنة ربيعا، فتنعكس الحكمة التي ~~وضع الحر والبرد لها، ويرجع الأذى على الأبدان. # ولا يظن سامع هذا أني آمره بملاقاة الحر والبرد. # وإنما أقول له: لا يفرط في التوقي، بل يتعرض في الحر لما يحلل بعض ~~الأخلاط، إلى حد لا يؤثر في القوة. وفي البرد بأن يصيبك منه الأمر القريب ~~لا المؤذي، فإن الحر والبرد لمصالح البدن. # وقد كان بعض الأمراء يصون نفسه من الحر والبرد أصلا فتغيرت حالته ms057 فمات ~~عاجلا، وقد ذكرت قصته في كتاب لقط المنافع في علم الطب. # فصل فلسفة الصبر والرضا # ليس في التكليف أصعب من الصبر على القضاء، ولا فيه أفضل من الرضى به. # فأما الصبر: فهو فرض. وأما الرضا فهو فضل. # وإنما صعب الصبر لأن القدر يجري في الأغلب بمكروه النفس، وليس مكروه ~~النفس يقف على المرض والأذى في البدن، بل هو يتنوع حتى يتحير العقل في حكمة ~~جريان القدر. # فمن ذلك أنك إذا رأيت مغمورا بالدنيا قد سالت له أوديتها حتى لا يدري ما ~~يصنع بالمال، فهو يصوغه أواني يستعملها. PageV01P028 ومعلوم أن البلور ~~والعقيق والشبه، قد يكون أحسن منها صورة، غير أن قلة مبالاته بالشريعة جعلت ~~عنده وجود النهي كعدمه. # ويلبس الحرير، ويظلم الناس، والدنيا منصبة عليه. # ثم يرى خلقا من أهل الدين، وطلاب العلم، مغمورين بالفقر والبلاء، مقهورين ~~تحت ولاية ذلك الظالم. # فحينئذ يجد الشيطان طريقا للوسواس ويبتدي بالقدح في حكمة القدر. # فيحتاج المؤمن إلى الصبر على ما يلقى من الضر في الدنيا، وعلى جدال إبليس ~~في ذلك. # وكذلك في تسليط الكفار على المسلمين والفساق على أهل الدين. # وأبلغ من هذا إيلام الحيوان، وتعذيب الأطفال، ففي مثل هذه المواطن يتمحص ~~الإيمان. # ومما يقوي الصبر على الحالتين النقل والعقل. # أما النقل فالقرآن والسنة، أما القرآن فمنقسم إلى قسمين، أحدهما بيان سبب ~~إعطاء الكافر والعاصي، فمن ذلك قوله تعالى: " إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~" . " ولولا أن يكون الناس أمة واحة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا ~~من فضة " ، " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها " . وفي ~~القرآن من هذا كثير. # والقسم الثاني: ابتلاء المؤمن بما يلقى كقوله تعالى: " أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم " ، " أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضر؟اء وزلزلوا ~~" ، " أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم " وفي القرآن ~~من هذا كثير. # وأما السنة فمنقسمة إلى قول وحال. أما الحال: فإنه صلى الله ms058 عليه وسلم ~~كان يتقلب على رمال حصير تؤثر في جنبه، فبكى عمر رضي الله عنه وقال: كسرى ~~وقيصر في الحرير والديباج، فقال له صلى الله عليه وسلم: أفي شك أنت يا عمر ~~؟ ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا ؟. # وأما القول فكقوله عليه الصلاة والسلام: لو أن الدنيا تساوي عند الله ~~جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء. # وأما العقل: فإنه يقوي عساكر الصبر بجنود منها أن يقول: قد ثبتت عندي ~~الأدلة القاطعة على حكمة المقدر. فلا أترك الأصل الثابت لما يظنه الجاهل ~~خللا. # ومنها أن يقول: ما قد استهولته أيها الناظر من بسط يد العاصي هي قبض في ~~المعنى، وما قد أثر عندك من قبض يد الطائع بسط في المعنى، لأن ذلك البسط ~~يوجب عقابا طويلا، وهذا القبض يؤثر انبساطا في الأجر جزيلا، فزمان الرجلين ~~ينقضي عن قريب. والمراحل تطوى. والركبان في السير الحثيث. # ومنها أن يقول: قد ثبت أن المؤمن بالله كالأجير، وأن زمن التكليف كبياض ~~نهار، ولا ينبغي للمستعمل في الطين إن يلبس نظيف الثياب، بل ينبغي أن يصابر ~~ساعات العمل، فإذا فرغ تنظف ولبس أجود ثيابه. فمن ترفه وقت العمل ندم وقت ~~تفريق الأجرة وعوقب على التواني فيما كلف، فهذه النبذة تقوي أزر الصبر. # وأزيدها بسطا فأقول: أترى إذا أريد اتخاذ شهداء، فكيف لا يخلق أقوام ~~يبسطون أيديهم لقتل المؤمنين، أفيجوز أن يفتك بعمر إلا مثل أبي لؤلؤة ؟ ~~وبعلي إلا مثل ابن ملجم: أفيصح أن يقتل يحيى بن زكريا إلا جبار كافر، ولو ~~أن عين الفهم زال عنها غشاء العشا.. لرأيت المسبب لا الأسباب، والمقدر لا ~~الأقدار، فصبرت على بلائه. إيثارا لما يريد، ومن ههنا ينشأ الرضى. # كما قيل لبعض أهل البلاء: ادع الله بالعافية، فقال: أحبه إلي أحبه إلى ~~الله عز وجل. # إن كان رضاكم في سهري ... فسلام الله على وسني # فصل الرضا عن الله # لما أنهيت كتابة الفصل المتقدم. هتف بي هاتف من باطني. دعني من شرح الصبر ~~على الأقدار، فإني قد ms059 اكتفيت بأنموذج ما شرحت. # وصف حال الرضى. فإني أجد نسيما من ذكره فيه روح للروح. # فقلت: أيها الهاتف اسمع الجواب. وافهم الصواب. # إن الرضى من جملة ثمرات المعرفة، فإذا عرفته رضيت بقضائه، وقد يجري في ~~ضمن القضاء مرارات يجد بعض طعمها الراضي. # أما العارف فتقل عنده المرارات لقوة حلاوة المعرفة. # فإذا ترقى بالمعرفة إلى المحبة، صارت مرارة الأقدار، حلاوة كما قال ~~القائل: # عذابه فيك عذب ... وبعده فيك قرب PageV01P029 وأنت عندي كروحي ... بل أنت ~~منها أحب # حسبي من الحب أني ... لما تحب أحب # وقال بعض المحبين في هذا المعنى: # ويقبح من سواك الفعل عندي ... فتفعله فيحسن منك ذاك # فصاح بي الهاتف. حدثني بماذا أرضى ؟ قدر أني أرضى في أقداره بالمرض ~~والفقر، أفأرضى بالكسل عن خدمته، والبعد عن أهل محبته ؟ فبين لي ما الذي ~~يدخل تحت الرضى، مما لا يدخل. # فقلت له: نعم ما سألت فاسمع الفرق سماع من ألقى السمع وهو شهيد. # إرضى بما كان منه. فأما الكسل والتخلف فذاك منسوب إليك، فلا ترضى به من ~~فعلك. # وكن مستوفيا حقه عليك، مناقشا نفسك فيما يقربك منه، غير راض منها ~~بالتواني في المجاهدة. # فأما ما يصدر من أقضيته المجردة التي لا كسب لك فيها. فكن راضيا بها كما ~~قالت رابعة رحمة الله عليها - وقد ذكر عندها رجل من العباد يلتقط من مزبلة ~~فيأكل، فقيل: هلا سأل الله تعالى أن يجعل رزقه من غير هذا ؟ - فقالت: إن ~~الراضي لا يتخير ومن ذاق طعم المعرفة. وجد فيه طعم المحبة، فوقع الرضى عنده ~~ضرورة. # فينبغي الاجتهاد في طلب المعرفة بالأدلة، ثم العمل بمقتضى المعرفة بالجد ~~في الخدمة، لعل ذلك يورث المحبة. # فقد قال سبحانه وتعالى: لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به. # فذلك الغنى الأكبر... ووافقراه ... !!!!. # فصل تعليل # رأيت جمهور العلماء يشغلهم طلبهم للعلم في زمن الصبا عن المعاش، فيحتاجون ~~إلى ما لا بد منه، فلا يصلهم من بيت المال شيء، ولا من ms060 صلات الإخوان ما ~~يكفي، فيحتاجون إلى التعرض للإذلال، فلم أر في ذلك من الحكمة إلا سببين. # أحدهما: قمع إعجابهم بهذا الإذلال، والثاني: نفع أولئك بثوابهم. # ثم أمعنت الفكر فتلمحت نكتة لطيفة، وهو أن النفس الأبية إذا رأت حال ~~الدنيا كذلك. لم تساكنها بالقلب، ونبت عنها بالعزم، ورأت أقرب الأشياء شبها ~~بها. مزبلة عليها الكلاب، أو غائطا يؤتى لضرورة. # فإذا نزل الموت بالرحلة عن مثل هذه الدار. لم يكن للقلب بها متعلق متمكن ~~فتهون حينئذ. # فصل من خلط الزهاد # ما زال جماعة من المتزهدين يزرون على كثير من العلماء إذا انبسطوا في ~~مباحات. والذي يحملهم على هذا الجهل. فلو كان عندهم فضل علم ما عابوهم. # وهذا لأن الطباع لا تتساوى، فرب شخص يصلح على خشونة العيش، وآخر لا يصلح ~~على ذلك، ولا يجوز لأحد أن يحمل غيره على ما يطيقه هو. # غير أن لنا ضابطا هو الشرع، فيه الرخصة وفيه العزيمة. فلا ينبغي أن يلام ~~من حصر نفسه في ذلك الضابط. # ورب رخصة كانت أفضل من عزائم لتأثير نفعها. # ولو علم المتزهدون أن العلم يوجب المعرفة بالله تعالى. فتنبت القلوب من ~~خوفه، وتنحل الأجسام للحذر منه فوجب التلطف حفظا لقوة الراحلة. # ولأن آلة العلم والحفظ. القلب والفكر، فإذا رفهت الآلة جاد العمل، وهذا ~~أمر لا يعلم إلا بالعلم. # فلجهل المتزهدين بالعلم أنكروا ما لم يعلموا. وظنوا أن المراد إتعاب ~~الأبدان، وإنضاء الرواحل، وما علموا أن الخوف المضني يحتاج إلى راحة ~~مقاومة، كما قال القائل. روحوا القلوب تعي الذكر. # فصل التصوف ونشر الجهل # ليس في الوجود شيء أشرف من العلم، كيف لا وهو الدليل. فإذا عدم وقع ~~الضلال. # وإن من خفي مكائد الشيطان أن يزين في نفس الإنسان التعبد ليشغله عن أفضل ~~التعبد وهو العلم، حتى أنه زين لجماعة من القدماء أنهم دفنوا كتبهم ورموها ~~في البحر. وهذا قد ورد عن جماعة. وأحسن ظني بهم أن أقول: كان فيها شيء من ~~رأيهم وكلامهم فما أحبوا انتشاره. # وإلا فمتى كان فيها علم مفيد ms061 صحيح لا يخاف عواقبه، كان رميها إضافة للمال ~~لا يحل وقد دنت حيلة إبليس إلى جماعة من المتصوفة حتى منعوا من حمل المحابر ~~تلامذتهم. # وحتى قال جعفر الخلدي: لو تركني الصوفية جئتكم بإسناد الدنيا، كتبت مجلسا ~~عن أبي العباس الدوري فلقيني بعض الصوفية فقال: دع علم الورق، وعليك بعلم ~~الخرق. # ورأيت محبرة مع بعض الصوفية. فقال له صوفي آخر: استر عورتك ! وقد أنشدوا ~~للشبلي: # إذا طالبوني بعلم الورق ... برزت عليهم بعلم الخرق # وهذا من خفي حيل إبليس، " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه " ، وإنما فعل وزينه ~~عندهم لسببين: PageV01P030 أحدهما: أنه أرادهم يمشون في الظلمة. # والثاني: أن تصفح العلم كل يوم يزيد في علم العالم. ويكشف له ما كان خفي ~~عنه، ويقوي إيمانه ومعرفته، ويريه عيب كثير من مسالكه خصوصا، إذا تصفح ~~منهاج الرسول صلى الله عليه وسلم، والصحابة. # فأراد إبليس سد تلك الطرق بأخفى حيلة، فأظهر أن المقصود العمل، لا العلم ~~لنفسه، وخفي على المخدوع أن العلم عمل وأي عمل. # فاحذر من هذه الخديعة الخفية، فإن العلم هو الأصل الأعظم، والنور الأكبر. # وربما كان تقليب الأوراق أفضل من الصوم والصلاة، والحج والغزو. # وكم من معرض عن العلم يخوض في عذاب من الهوى في تعبده، ويضيع كثيرا من ~~الفرض بالنقل، ويشتغل بما يزعمه الأفضل عن الواجب. # ولو كانت عنده شعلة من نور العلم لاهتدى، فتأمل ما ذكرت لك ترشد إن شاء ~~الله تعالى. # فصل تعليل النفس # مر بي حمالان جذع ثقيل، وهما يتجاوبان بإنشاد النغم، وكلمات الاستراحة. # فأحدهما يصغي إلى ما يقوله الآخر ثم يعيده أو يجيبه بمثله، والآخر همته ~~مثل ذلك. # فرأيت أنهما لو لم يفعلا هذا زادت المشقة عليهما، وثقل الأمر، وكلما فعلا ~~هذا هان الأمر. # فتأملت السبب في ذلك، فإذا به تعليق فكر كل واحد منهما بما يقوله الآخر، ~~وطربه به، وإحالة فكره في الجواب بمثل ذلك، فينقطع الطريق، وينسى ثقل ~~المحمول. # فأخذت من هذا إشارة عجيبة، ورأيت الإنسان قد حمل من التكليف أمورا صعبة، ~~ومن أثقل ما حمل ms062 مداراة نفسه، وتكليفها الصبر عما تحب، وعلى ما تكره. # فرأيت الصواب قطع طريق الصبر بالتسلية والتلطف للنفس، كما قال الشاعر: # فإن تشكت فعللها المجرة من ... ضوء الصباح وعدها بالرواح ضحى # ومن هذا ما يحكى عن بشر الحافي رحمة الله عليه: سار ومعه رجل في طريق ~~فعطش صاحبه، فقال له: نشرب من هذه البئر ؟ فقال بشر: اصبر إلى البئر ~~الأخرى، فلما وصلا إليها قال له: البئر الأخرى. # فما زال يعلله... ثم التفت إليه فقال له: هكذا تنقطع الدنيا. # ومن فهم هذا الأصل علل النفس وتلطف بها ووعدها الجميل لتصبر على ما قد ~~حملت كما كان بعض السلف يقول لنفسه: والله ما أريد بمنعك من هذا الذي تحبين ~~إلا الإشفاق عليك. # وقال أبو يزيد رحمة الله عليه: ما زلت أسوق نفسي إلى الله تعالى وهي تبكي ~~حتى سقتها وهي تضحك. # واعلم أن مداراة النفس والتلطف بها لازم، وبذلك ينقطع الطريق؛ فهذا رمز ~~إلى الإشارة، وشرحه يطول. # فصل تلحين الوحي وتطريب الوعظ # تأملت أشياء تجري في مجالس الوعظ، يعتقدها العوام وجهال العلماء قربة، ~~وهي منكر وبعد. # وذاك أن المقرىء يطرب ويخرج الألحان إلى الغناء، والواعظ ينشد بتطريب ~~أشعار المجنون وليلى، فيصفق هذا، ويخرق ثوبه هذا، ويعتقدون أن ذلك قربة. # ومعلوم أن هذه الألحان كالموسيقى، توجب طربا للنفوس ونشوة؛ والتعرض لما ~~يوجب الفساد غلط عظيم. # وينبغي الاحتساب على الوعاظ في هذا، وكذلك المقابريون منهم فإنهم يهيجون ~~الأحزان ليكثر بكاء النساء، فيعطون على ذلك الأجرة. # ولو أنهم أمروا بالصبر لم ترد النسوة ذلك، وهذه أضداد للشرع. # قال ابن عقيل: حضرنا عزاء رجل قد مات له ولد، فقرأ المقرىء: " يا أسفى ~~على يوسف " ، فقلت له: هذه نياحة بالقرآن. # وفي الوعاظ من يتكلم على طريق المعرفة والمحبة، فترى الحائك والسوقي الذي ~~لا يعرف فرائض تلك الصلاة يمزق أثوابه دعوى لمحبة الله تعالى. # والصافي حالا منهم - وهو أصلحهم - يتخايل بوهمه شخصا هو الخالق، فيبكيه ~~شوقه إليه لما يسمع من عظمته ورحمته وجماله. # وليس ما يتخايلونه المعبود؛ لأن: المعبود ms063 لا يقع في خيال. # وبعد هذا فالتحقيق مع العوام صعب، ولا يكادون ينتفعون بمر الحق. # إلا أن الواعظ مأمور بأن لا يتعدى الصواب، ولا يتعرض لما يفسدهم. # بل يجذبهم إلى ما يصلح بألطف وجه، وهذا يحتاج إلى صناعة، فإن من العوام ~~من يعجبه حسن اللفظ، ومنهم من يعجبه الإشارة، ومنهم من ينقا ببيت من الشعر. # وأحوج الناس إلى البلاغة الواعظ ليجمع مطالبهم، لكنه ينبغي أن ينظر في ~~اللازم الواجب، وأن يعطيهم من المباح في اللفظ، قدر الملح في الطعام، ثم ~~يجتذبهم إلى العزائم، ويعرفهم الطريق الحق. PageV01P031 وقد حضر أحمد بن ~~حنبل؛ فسمع كلام الحارث المحاسبي فبكى، ثم قال: لا يعجبني الحضور، وإنما ~~بكى لأن الحال أوجبت البكاء. # وقد كان جماعة من السلف يرون تخليط القصاص، فينهون عن الحضور عندهم. # وهذا على الإطلاق لا يحسن اليوم؛ لأنه كان الناس في ذلك الزمان متشاغلين ~~بالعلم، فرأوا حضور القصص صادا لهم، واليوم كثر الإعراض عن العلم، فأنفع ما ~~للعامي مجلس الوعظ، يرده عن ذنب، ويحركه إلى توبة، وإنما الخلل في القاص، ~~فليتق الله عز وجل. # فصل ضرر الجدال # من أضر الأشياء على العوام كلام المتأولين، والنفاة للصفات والإضافات. # فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالغوا في الإثبات ليتقرر في أنفس ~~العوام وجود الخالق؛ فإن النفوس تأنس بالإثبات؛ فإذا سمع العامي ما يوجب ~~النفي. طرد عن قلبه الإثبات، فكان أعظم ضرر عليه، وكان هذا المنزه من ~~العلماء على زعمه، مقاوما لإثبات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالمحو، ~~وشارعا في إبطال ما يفتون به. # وبيان هذا أن الله تعالى أخر باستوائه على العرش، فأنست النفوس إلى إثبات ~~الإله ووجوده، قال تعالى: " ويبقى وجه ربك " وقال تعالى: " بل يداه ~~مبسوطتان " وقال: " غضب الله عليهم " ، " رضي الله عنهم " وأخبر الرسول أن ~~ينزل إلى السماء الدنيا وقال: قلوب العباد بين إصبعين وقال: وكتب التوراة ~~بيده، وكتب كتابا فهو عنده فوق العرش، إلى غير ذلك مما يطول ذكره. # فإذا امتلأ العامي والصبي من الإثبات، وكاد يأنس من الأوصاف بما يفهمه ~~الحس؛ ms064 قيل له: " ليس كمثله شيء " فمحا من قلبه ما نقشه الخيال، وتبقى ألفاظ ~~الإثبات متمكنة. # ولهذا أقر الشرع مثل هذا، فسمع منشدا يقول: وفوق العرش رب العالمينا، ~~فضحك. # وقال له آخر: أويضحك ربنا ؟ فقال: نعم، وقال: إنه على عرشه هكذا، كل هذا ~~ليقرر الإثبات في النفوس. # وأكثر الخلق لا يعرفون الإثبات إلا على ما يعلمون من الشاهد، فيقنع منهم ~~بذلك إلى أن يفهموا التنزيه. # فأما إذا ابتدأنا بالعامي الفارغ من فهم الإثبات، فقلنا: ليس في السماء، ~~ولا على العرش، ولا يوصف بيد، وكلامه صفة قائمة بذاته، وليس عندنا منه شيء، ~~ولا يتصور نزوله، انمحى من قلبه تعظيم المصحف، ولم يتحقق في سره إثبات إله. # وهذه جناية عظيمة على الأنبياء، توجب نقض ما تعبوا في بيانه، ولا يجوز ~~لعالم أن يأتي إلى عقيدة عامي قد أنس بالإثبات فيهوشها، فإنه يفسده ويصعب ~~صلاحه. # فأما العالم فإنا قد أمناه لأنه لا يخفى عليه استحالة تجدد صفة الله ~~تعالى، وأنه لا يجوز أن يكون استوى كما يعلم، ولا يجوز أن يكون محمولا، ولا ~~أن يوصف بملاصقة ومس، ولا أن ينتقل. # ولا يخفى عليه أن المراد بتقليب القلوب بين أصبعين الإعلام بالتحكم في ~~القلوب فإن ما يدبره الإنسان بين أصبعين هو متحكم فيه إلى الغالية. # ولا يحتاج إلى تأويل من قال: الإصبع الأثر الحسن، فالقلوب بين أثرين من ~~آثار الربوبية، وهما: الإقامة، والإزاغة. # ولا إلى تأويل من قال: يداه نعمتاه، لأنه إذا فهم أن المقصود الإثبات. ~~وقد حدثنا بما نعقل. وضربت لنا الأمثال بما نعلم، وقد ثبت عندنا بالأصل ~~المقطوع به أنه لا يجوز عليه ما يعرفه الحس، علمنا المقصود بذكر ذلك. # وأصلح ما نقول للعوام: أمروا هذه الأشياء كما جاءت، ولا تتعرضوا ~~لتأويلها، وكل ذلك يقصد به حفظ الإثبات، وهذا الذي قصده السلف. # وكان أحمد يمنع من أن يقال: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، كل ذلك ~~ليحمل على الاتباع، وتبقى ألفاظ الإثبات على حالها. # وأجهل الناس من جاء إلى ما قصد النبي صلى ms065 الله عليه وسلم تعظيمه، فأضعف ~~في النفوس قوي التعظيم. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو يشير ~~إلى المصحف. # ومنع الشافعي أن يحمله المحدث بعلاقته تعظيما له. # فإذا جاء متحذلق فقال: الكلام صفة قائمة بذات المتكلم، فمعنى قوله هذا أن ~~ما ههنا شيء يحترم، فهذا قد ضاد بما أتى به مقصود الشرع. # وينبغي أن يفهم أوضاع الشرع ومقاصد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد ~~منعوا من كشف ما قد قنع الشرع، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الكلام في القدر ونهى عن الاختلاف، لأن هذه الأشياء تخرج إلى ما يؤذي. ~~PageV01P032 فإن الباحث عن القدر إذا بلغ فهمه إلى أن يقول: قضى وعاقب، ~~تزلزل إيمانه بالعدل. # وإن قال: لم يقدر ولم يقض تزلزل إيمانه بالقدرة، والملك، فكان الأولى ترك ~~الخوض في هذه الأشياء. # ولعل قائلا يقول: هذا منع لنا عن الاطلاع على الحقائق، وأمر بالوقوف مع ~~التقليد. # فأقول: لا، إنما أعلمك أن المراد منك الإيمان بالجمل، وما أمرت بالتنقير ~~لمعرفة الكنه مع أن قوى فهمك تعجز عن إدراك الحقائق. # فإن الخليل عليه الصلاة والسلام قال: أرني كيف تحيي، فأراه ميتا حيي، ولم ~~يره كيف أحياه، لأن قواه تعجز عن إدراك ذلك. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي بعث ليبين للناس ما نزل ~~إليهم، يقنع من الناس بنفس الإقرار واعتقاد الجمل. # وكذلك كانت الصحابة، فما نقل عنهم أنهم تكلموا في تلاوة ومتلو، وقراءة ~~ومقروء ولا أنهم قالوا استوى بمعنى استولى ويتنزل بمعنى يرحم. # بل قنعوا بإثبات الجمل التي تثبت التعظيم عند النفوس، وكفوا كف الخيال ~~بقوله: " ليس كمثله شيء " . # ثم هذا منكر ونكير إنما يسألان عن الأصول المجملة فيقولان: من ربك ؟ وما ~~دينك ؟ ومن نبيك ؟. # ومن فهم هذا الفصل سلم من تشبيه المجسمة، وتعطيل المعطلة، ووقف على جادة ~~السلف الأول، والله الموفق. # فصل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم # قرأت هذه الآية: " قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم ~~من إله ms066 غير الله يأتيكم به " فلاحت لي فيها إشارة كدت أطيش منها. # وذلك أنه إن كان عني بالآية نفس السمع والبصر فإن السمع آلة لإدراك ~~المسموعات، والبصر آلة لإدراك المبصرات، فهما يعرضان ذلك على القلب، ~~فيتدبر، ويعتبر. فإذا عرضت المخلوقات على السمع والبصر، أوصلا إلى القلب ~~أخبارها من أنها تدل على الخالق، وتحمل على طاعة الصانع، وتحذر من بطشه عند ~~مخالفته. # وإن عني معنى السمع والبصر، فذلك يكون بذهولهما عن حقائق ما أدركا، شغلا ~~بالهوى، فيعاقب الإنسان بسلب معاني تلك الآلات، فيرى وكأنه ما رأى ويسمع ~~وكأنه ما سمع، والقلب ذاهل عن ما يتأدب به، فيبقى الإنسان خاطئا على نفسه ~~لا يدري ما يراد به، لا يؤثره عنده أنه يبلى، ولا تنفعه موعظة تجلى، ولا ~~يدري أين هو، ولا ما المراد منه، ولا إلى أين يحمل، وإنما يلاحظ بالطبع ~~مصالح عاجلته ولا يتفكر في خسران آجلته، لا يعتبر برفيقه، ولا يتعظ بصديقه، ~~ولا يتزود لطريقه كما قال الشاعر: # الناس في غفلة والموت يوقظهم ... وما يفيقون حتى ينفد العمر # يشيعون أهاليهم بجمعهم ... وينظرون إلى ما فيه قد قبروا # ويرجعون إلى أحلام غفلتهم ... كأنهم ما رأوا شيئا ولا نظروا # وهذه حالة أكثر الناس، فنعوذ بالله من سلب فوائد الآلات، فإنها أقبح ~~الحالات. # فصل حقيقة العشق # نظرت فيما تكلم به الحكماء في العشق وأسبابه وأدويته وصنفت في ذلك كتابا ~~سميته بذم الهوى. # وذكرت فيه عن الحكماء أنهم قالوا: سبب العشق حركة نفس فارغة، وأنهم ~~اختلفوا. فقال قوم منهم: لا يعرض العشق إلا لظراف الناس. # وقال آخرون: بل لأهل الغفلة منهم عن تأمل الحقائق. # إلا أنه خطر لي بعد ذلك معنى عجيب أشرحه ههنا. # وهو أنه لا يتمكن العشق إلا مع واقف جامد. فأما أرباب صعود الهمم فإنها ~~كلما تخايلت ما توجبه المحبة فلاحت عيوبه لها، إما بالفكر في المحبوب أو ~~بالمخالطة له، تسلت أنفسهم وتعلقت بمطلوب آخر. # فلا يقف على درجة العشق الموجب للتمسك بتلك الصورة، العامي عن عيوبها، ~~إلا جامد واقف. # فأما العشق ms067 فلا يفهم أبدا في سيرتهم، بل يوقفوا الطبع تتبع حادي فإذا ~~علقت الطباع محبة شخص لم يبلغوا مرتبة العشق المستأثر، بل ربما ملوا ميلا ~~شديدا إما في البداية لقلة التفكر أو لقلة المخالطة والاطلاع على العيوب، ~~وإما لتشبث بعض الخلال الممدوحة بالنفوس من جهة مناسبة وقعت بين الشخصين، ~~كالظريف مع الظريف، والفطن مع الفطن، فيوجب ذلك المحبة. # فأما العشق فلا يفهم أبدا في سيرتهم، بل يوقفوا إبل الطبع تتبع حادي ~~الفهم، فإن للهمم متعلقا لا تجده في الدنيا، لأنه يروم ما لا يصح وجوده من ~~الكمال في الأشخاص، فإذا تلمح عيوبها نفر. PageV01P033 وأما متعلق القلوب ~~من محبة الخالق البارىء، فهو مانع لها من الوقوف مع سواه. وإن كانت محبة لا ~~تجانس محبة المخلوقين غير أن أرباب المعرفة ولهى قد شغلهم حبه عن حب غيره. # وصارت الطباع مستغرقة لقوة معرفة القلوب ومحبتها كما قالت رابعة: # أحب حبيبا لا أعاب بحبه ... وأحببتهم من في هواه عيوب # ولقد روي عن بعض فقراء الزهاد أنه مر بامرأة فأعجبته، فخطبها إلى أبيها، ~~فزوجه وجاء به إلى المنزل وألبسه غير خلقانه. # فلما جن الليل صاح الفقير: ثيابي ثيابي. فقدت ما كنت أجده، فهذه عثرة في ~~طريق هذا الفقير دلته على أنه منحرف عن الجادة. # وإنما تعتري هذه الحالات أرباب المعرفة بالله عز وجل وأهل الأنفة من ~~الرذائل. # وقد قال ابن مسعود: إذا أعجبت أحدكم امرأة فليتذكر مثانتها. # ومثال هذه الحال أن العقل يغيب عند استحلاء تناول المشتهى من الطعام، عن ~~التفكر في تقلبه في الفم وبلعه. # ويذهل عن الجماع عن ملاقات القاذورات لقوة غلبة الشهوة، وينسى عند بلع ~~الرضاب استحالته عن الغذاء، وفي تغطية تلك الأحوال مصالح. # إلا أن أرباب اليقظة يعتريهم هذا الإحساس من غير طلب له في غالب أحوالهم، ~~فينغص عليهم لذيذ العيش، ويوجب الأنفة من رذالة الهوى. # وعلى قدر النظر في العواقب يخف العشق عن قلب العاشق، وعلى قدر وجمود ~~الذهن يقوى القلق، قال المتنبي: # لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه ms068 لم يسبه # ومجموع ما أردت شرحه. أن طباع المتيقظين تترقى فلا تقف مع شخص مستحسن. # وسبب ترقيها التفكر في نقص ذلك الشخص وعيوبه، أو في طلب ما هو أم منه. # وقلوب العارفين تترقى إلى معروفها، وتتنقل في معبر الاعتبار. # فأما أهل الغفلة فجمودهم في الحالتين، وغفلتهم عن المقامين، يوجب أسرهم ~~وقسرهم وحيرتهم. # فصل دعاء المقر بالذنب # عرض لي أمر لي يحتاج إلى سؤال الله عز وجل ودعائه، فدعوت وسألت. فأخذ بعض ~~أهل الخير يدعو معي، فرأيت نوعا من أثر الإجابة. # فقالت لي نفسي: هذا بسؤال ذلك العبد لا بسؤالك، فقلت لها: أما أنا فإني ~~أعرف من نفسي من الذنوب والتقصير ما يوجب منع الجواب، غير أنه يجوز أن يكون ~~أنا الذي أجبت، لأن هذا الداعي الصالح سليم مما أظنه من نفسي، إذ معي ~~انكسار تقصيري ومعه الفرح بمعاملته. # وربما كان الاعتراف بالتقصير أنجح في الحوائج، على أنني أنا وهو نطلب من ~~الفضل، لا بأعمالنا، فإذا وقفت أنا على قدم الانكسار معترفا بذنوبي. وقلت ~~أعطوني بفضلكم فما لي في سؤالي شيء أجبت به. # وربما تلمح ذاك حسن عمله وكان صادا له. # فلا تكسريني أيتها النفس فيكفيني كسر علمي بي لي. # ومعي من العلم الموجب للأدب، والاعتراف بالتقصير، وشدة الفقر إلى ما ~~سألت، ويقيني بفضل المطلوب عنه، ما ليس مع ذلك العابد، فبارك الله في ~~عبادته. فربما كان اعترافي بتقصيري أوفى. # فصل حسن التدبر # قرأت من غرائب العلم، وعجائب الحكم، على بعض من يدعي العلم، فرأيته يتلوى ~~من سماع ذلك، ولا يطلع على غوره، ولا يشرئب إلى ما يأتي، فصرفت عن إسماعه ~~شيئا آخر وقلت: إنما يصلح مثل هذا لذي لب يتلقاه تلقي العطشان الماء. # ثم أخذت من هذه إشارة هي إنه لو كان هذا يفهم ما جرى ومدحني لحسن ما صنعت ~~لعظم قدره عندي، ولأريته محاسن مجموعاتي وكلامي. # ولكني لما لم أره لها أهلا صرفتها عنه، وصدفت بنظري إليه. # وكانت الإشارة: أن الله عز وجل، قد صنف هذه المخلوقات فأحسن التركيب، ms069 ~~وأحكم الترتيب ثم عرضها على الألباب، فأي لب أوغل في النظر مدح على قدر ~~فهمه فأحبه المصنف، وكذلك أنزل القرآن يحتوي على عجائب الحكم، فمن فتشه بيد ~~الفهم. وحادثه في خلوة الفكر. استجلب رضى المتكلم به وحظى بالزلفى لديه. # ومن كان للذهن مستغرق الفهم بالحسيات، صرف عن ذلك المقام. # قال الله عز وجل: " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق " . # فصل عظمة الهمة # دعوت يوما فقلت: اللهم بلغني آمالي من العلم والعمل، وأطل عمري لأبلغ ما ~~أحب من ذلك فعارضني وسواس من إبليس، فقال: ثم ماذا ؟ أليس الموت ؟ فما الذي ~~ينفع طول الحياة ؟. # فقلت له: يا أبله. لو فهمت ما تحت سؤالي علمت أنه ليس بعبث. PageV01P034 ~~أليس في كل يوم يزيد علمي ومعرفتي فتكثر ثمار غرسي، فأشكر يوم حصادي ؟. # أفيسرني أنني مت منذ عشرين سنة ؟ لا والله؛ لأني ما كنت أعرف الله تعالى ~~عشر معرفتي به اليوم. # وكل ذلك ثمرة الحياة التي فيها اجتنيت أدلة الوحدانية، وارتقيت عن حضيض ~~التقليد إلى يفاع البصيرة، واطلعت على علوم زاد بها قدري، وتجوهرت بها ~~نفسي. # ثم زاد غرسي لآخرتي، وقويت تجارتي في إنقاذ المباضعين من المتعلمين، وقد ~~قال الله لسيد المرسلين: " وقل رب زدني علما " . # وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: لا يزيد المؤمن من عمره إلا خيرا. # وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله عز وجل الإنابة. # فيا ليتني قدرت على عمر نوح، فإن العلم كثير، وكلما حصل منه حاصل رفع ~~ونفع. # فصل حدود التعلق بالأسباب # قلوب العارفين يغار عليها من الأسباب وإن كانت لا تساكنها لأنها لما ~~انفردت لمعرفتها انفرد لها بتولي أمورها. # فإذا تعرضت بالأسباب محي أثر الأسباب: " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم ~~تغن عنكم شيئا " . # وتأمل في حال يعقوب وحذره على يوسف عليهما السلام، حتى ms070 قال: " وأخاف أن ~~يأكله الذئب " فقالوا: " فأكله الذئب " . # فلما جاء أوان الفرج، خرج يهوذا بالقميص فسبقه الريح " إني لأجد ريح يوسف ~~" . # وكذلك قول يوسف عليه السلام للساقي: " اذكرني عند ربك " فعوقب بأن لبث ~~سبع سنين، وإن كان يوسف عليه السلام يعلم أنه لا خلاص إلا بإذن الله، وأن ~~التعرض بالأسباب مشروع، غير أن الغيرة أثرت في العقوبة. # ومن هذا قصة مريم عليها السلام: " وكفلها زكريا " فغار المسبب من مساكنة ~~لأسبابك " كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها زرقا " . # ومن هذا القبيل ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أبى الله ~~أن يرزق عبده المؤمن إلا ن حيث لا يحتسب. # والأسباب طريق، ولا بد من سلوكها. والعارف لا يساكنها غير أنه يجلى له من ~~أمرها ما لا يجلى لغيره، من أنها لا تساكن، وربما عوقب إن مال إليها وإن ~~كان ميلا لا يقبله، غير أن أقل الهفوات يوجب الأدب، وتأمل عقبى سليمان عليه ~~السلام لما قال: لأطوفن الليلة على مائة امرأة، تلد كل واحدة منهن غلاما، ~~ولم يقل: إن شاء الله. فما حملت إلا واحدة جاءت بشق غلام. # ولقد طرقتني حالة أوجبت التشبث ببعض الأسباب بالا أنه كان من ضرورة ذلك ~~لقاء بعض الظلمة، ومداراته بكلمة. فبينما أنا أفكر في تلك الحال دخل علي ~~قارىء فاستفت فتفاءلت بما يقرأ فقرأ: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم ~~النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون " . # فبهت من إجابتي على خاطري، وقلت لنفسي: اسمعي فإنني طلبت النصر في هذه ~~المداراة فأعلمني القرآن أنني إذا ركنت إلى ظالم فاتني ما ركنت لأجله من ~~النصر. # فيا طوبى لمن عرف المسبب وتعلق به، فإنها الغاية القصوى، فنسأل الله أن ~~يرزقنا. # فصل الإيمان والذنوب # المؤمن لا يبالغ في الذنوب وإنما يقوى الهوى وتتوقد نيران الشهوة فينحدر. # وله مراد لا يعزم المؤمن على مواقعته، ولا على العود بعد فراغه. # ولا يستقصي في الانتقام إن غضب، وينوي التوبة قبل الزلل. # وتأمل إخوة يوسف ms071 عليهم السلام. فإنهم عزموا على التوبة قبل إبعاد يوسف ~~فقالوا: " اقتلوا يوسف " ثم زاد ذلك تعظيما فقالوا: " أو اطرحوه أرضا " . ~~ثم عزموا على الإنابة فقالوا: " وتكونوا من بعده قوما صالحين " . # فلما خرجوا به إلى الصحراء هموا بقتله بمقتضى ما في القلوب من الحسد. # فقال كبيرهم: " لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب " ولم يرد أن يموت ~~بل يلتقطه بعض السيارة، فأجابوا إلى ذلك. # والسبب في هذه الأحوال أن الإيمان في قمع النفوس يكون على حسب قوته، ~~فتارة يردها عند الهم، وتارة يضعف فيردها عند العزم، وتارة عن بعض الفعل، ~~فإذا غلبت الغفلة، ووقع الذنب، فتر الطبع، فنهض الإيمان للعمل، فينقص ~~بالندم أضعاف ما التذ. # فصل علم المغرورين PageV01P035 أفضل الأشياء التزيد من العلم، فإنه من ~~اقتصر على ما يعلمه فظنه كافيا استبد برأيه، وصار تعظيمه لنفسه مانعا له من ~~الاستفادة. والمذاكرة تبين له خطأه، وربما كان معظما في النفوس فلم يتجاسر ~~على الرد عليه. # ولو أنه أظهر الاستفادة لأهديت إليه مساويه فعاد عنها. # ولقد حكى ابن عقيل عن أبي المعالي الجويني أنه قال: إن الله تعالى يعلم ~~جمل الأشياء ولا يعلم التفاصيل، ولا أدري أي شبهة وقعت في وجه هذا المسكين ~~حتى قال هذا. # وكذلك أبو حامد حين قال: النزول التنقل، والاستواء مماسة. وكيف أصف هذا ~~بالفقه، أو هذا بالزهد وهو لا يدري ما يجوز على الله مما لا يجوز. # ولو أنه ترك تعظيم نفسه لرد صبيان الكتاب رأيه عليه، فبان له صدقهم. # ومن هذا الفن أبو بكر بن مقسم: فإنه عمل كتاب الاحتجاج للقراء، فأتى فيه ~~بفوائد، إلا أنه أفسد علمه بإجازته أن يقرأ به، ثم تفاقم ذلك منه حتى أجاز ~~ما يفسد المعنى، مثل قوله تعالى: " فلما استيأسوا منه خلصوا " . فقال: يصلح ~~أن يقال هنا نجيا أي خلصوا كراما براء من السرقة. # وهذا سوء فهم للقصة، فإن الذي نسب إلى السرقة فظهرت معه ما خلص؛ فما الذي ~~ينفع خلاصهم. # وإنما سيقت القصة ليبين أنهم أنفردوا وتشاوروا فيما يصنعون؛ وكيف ms072 يرجعون ~~إلى أبيهم وقد احتبس أخوهم. # فأي وجه للنجاة ها هنا ؟. # ومن تأمل كتابه رأى فيه من هذا الجنس ما يزيد على الإحصاء من هذا الفن ~~القبيح؛ ولو أنه أصغى إلى علماء وقته: وترك تعظيم نفسه لبان له الصواب. # غير أن اقتصار الرجل على علمه إذا مازجه نوع رؤية للنفس حبس عن إدراك ~~الصواب نعوذ بالله من ذلك. # فصل الإدلال بالعبادة # تأملت قوله عز وجل: " يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل ~~الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان " ، فرأيت فيه معنى عجيبا. # وهو أنهم لما وهبت لهم العقول فتدبروا بها عيب الأصنام، وعلموا أنها لا ~~تصلح للعبادة، فوجهوا العبادة إلى من فطر الأشياء. كانت هذه المعرفة ثمرة ~~العقل الموهوب الذي به باينوا البهائم. # فإذا آمنوا بفعلهم الذي ندب إليه العقل الموهوب، فقد جهلوا قدر الموهوب، ~~وغفلوا عن وهب. # وأي شيء لهم في الثمرة والشجرة ليست ملكا لهم ؟. # فعلى هذا كل متعبد ومجتهد في علم إنما رأى بنور اليقظة، وقوة الفهم ~~والعقل صوابا، فوقع على المطلوب، فينبغي أن يوجه الشكر إلى من بعث له في ~~ظلام الطبع القبس. # ومن هذا الفن حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار، فانحطت عليهم صخرة فسدت ~~باب الغار، فقالوا: تعالوا نتوسل بصالح أعمالنا، فقال كل منهم: فعلت كذا ~~وكذا. وهؤلاء إن كانوا لاحظوا نعمة الواهب للعصمة عن الخطأ فتوسلوا بإنعامه ~~عليهم الذي أوجب تخصيصهم بتلك النعمة عن أبناء جنسهم، فبه توسلوا إليه. # وإن كانوا لاحظوا أفعالهم، فلمحوا جزاءها ظنا منهم أنهم هم الذين فعلوا، ~~فهم أهل غيبة لا حضور ويكون جواب مسألتهم لقطع مننهم الدائمة. # ومثل هذا رؤية المتقي تقواه حتى إنه يرى أنه أفضل من كثير من الخلق. # وربما احتقر أهل المعاصي وتشمخ عليهم. وهذه غفلة عن طريق السلوك، وربما ~~أخرجت. # ولا أقول لك خالط الفساق احتقارا لنفسك، بل اغضب عليهم في الباطن وأعرض ~~عنهم في الظاهر ثم تلمح جريان الأقدار عليهم فأكثرهم لا يعرف لمن عصى ؟. # وجمهورهم لا يقصد العصيان، بل يريد ms073 موافقة هواه، وعزيز عليه أن يعصى. # وفيهم من غلب عليه تلمح العفو والحلم فاحتقر ما يأتي لقوة يقينه بالعفو. # وهذه كلها ليست باعتذار لهم، ولكن تلمحه أنت يا صاحب التقوى، واعلم أن ~~الحجة عليك أوفى من الحجة عليهم، لأنك تعرف من تعصي، وتعلم ما تأتي. # بل انظر إلى تقليب القلوب بين إصبعين فربما دارت الدائرة فصرت المنقطع، ~~ووصل المقطوع. # فالعجب ممن يدل بخير علمه، وينسى من أنعم ووفق. # فصل أثر الجهال والمبتدعين في الفكر الإسلامي # جهال المتكلمين # اعلم أن شرعنا مضبوط الأصول، محروس القواعد، لا خلل فيه ولا دخل، وكذلك ~~كل الشرائع. # إنما الآفة تدخل من المبتدعين في الدين أو الجهال. # مثل ما أثر عند النصارى حين رأوا إحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام، ~~فتأملوا الفعل الخارق للعادة الذي لا يصلح للبشر، فنسبوا الفاعل إلى ~~الإلهية. PageV01P036 ولو تأملوا ذاته لعلموا أنها مركبة على النقائص ~~والحاجات، وهذا القدر يكفي في عدم صلاح إلهيته، فيعلم حينئذ أن ما جرى على ~~يديه فعل غيره. # وقد يؤثر ذلك في الفروع. مثل ما روي أنه فرض على النصارى صوم شهر فزادوا ~~عشرين يوما، ثم جعلوه في فصل من السنة بآرائهم. # ومن هذا الجنس تخبيط اليهود في الأصول والفروع، وقد قارب الضلال في أمتنا ~~هذه المسالك، وإن كان عمومهم قد حفظ من الشرك والشك والخلاف الظاهر الشنيع ~~لأنهم أعقل الأمم وأفهمها. # غير أن الشيطان قارب بهم ولم يطمع في إغراقهم، وإن كان قد أغرق بعضهم في ~~بحار الضلال. # فمن ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم: جاء بكتاب عزيز من الله عز وجل ~~قيل في صفته: " ما فرطنا في الكتاب من شيء " وبين ما عساه يشكل مما يحتاج ~~إلى بيانه بسنته كما قيل له: " لتبين للناس ما نزل إليهم " . فقال بعد ~~البيان: تركتكم على بيضاء نقية. # فجاء أقوام فلم يقنعوا بتبيينه، ولم يرضوا بطريقة أصحابه، فبحثوا ثم ~~انقسموا. # فمنهم: من تعرض لما تعب الشرع في إثباته في القلوب فمحاه منها، فإن ~~القرآن والحديث يثبتان الإله ms074 عز وجل بأوصاف تقرر وجوده في النفوس، كقوله ~~تعالى: " ثم استوى على العرش " وقوله تعالى: " بل يداه مبسوطتان " وقوله ~~تعالى: " ولتصنع على عيني " وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ينزل الله إلى ~~السماء الدنيا ويبسط يده لمسيء الليل والنهار، ويضحك ويغضب. # وكل هذه الأشياء - وإن كان ظاهرها يوجب تخايل التشبيه - فالمراد منها ~~إثبات موجود، فلما علم الشرع ما يطرق القلوب من التوهمات عند سماعها قطع ~~ذلك بقوله: " ليس كمثله شيء " . # ثم إن هؤلاء القوم عادوا إلى القرآن الذي هو المعجز الأكبر. وقد قصد ~~الشرع تقرير وجوده فقال: " إنا أنزلناه " ، " نزل به الروح الأمين " ، " ~~فذرني ومن يكذب بهذا الحديث " ، " وهذا كتاب أنزلناه " . وأثبته في القلوب ~~بقوله تعالى: " في صدور الذين أوتوا العلم " ، وفي المصاحف بقوله تعالى: " ~~في لوح محفوظ " وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تسافروا بالقرآن إلى ~~أرض العدو. # فقال قوم من هؤلاء: مخلوق، فأسقطوا حرمته من النفوس، وقالوا: لم ينزل ولا ~~يتصور نزوله، وكيف تنفصل الصفة عن الموصوف، وليس في المصحف إلا حبر وورق ؟ ~~فعادوا على ما تعب الشارع في إثباته بالمحو. # كما قالوا: إن الله عز وجل ليس في السماء، ولا يقال استوى على العرش، ولا ~~ينزل إلى السماء الدنيا، بل ذاك رحمته، فمحوا من القلوب ما أريد إثباته ~~فيها، وليس هذا مراد الشارع. # وجاء آخرون فلم يقفوا على ما حده الشرع، بل عملوا فيه بآرائهم فقالوا: ~~الله على العرش، ولم يقنعوا بقوله: " ثم استوى على العرش " . # ودفن لهم أقوام من سلفهم دفائن، ووضعت لهم الملاحدة أحاديث، فلم يعلموا ~~ما يجوز عليه مما لا يجوز، فأثبتوا بها صفات - جمهور الصحيح منها آت على ~~توسع العرب - فأخذوه هم على الظاهر، فكانوا في ضرب المثل كجحا، فإن أمه ~~قالت له: احفظ الباب، فقلعه ومشى به، فأخذ ما في الدار، فلامته أمه. فقال: ~~إنما قلت احفظ الباب، وما قلت احفظ الدار. # ولما تخايلوا صورة عظيمة على العرش، أخذوا يتأولون ما ينافي وجودها على ~~العرش، مثل قوله: ومن أتاني يمشي، أتيته ms075 هرولة. فقالوا: ليس المراد به دنو ~~الاقتراب، وإنما المراد قرب المنزل والحظ. # وقالوا في قوله تعالى: " إلا أن يأتيهم الله في ظلل " . هو محمول على ~~ظاهرها في مجيء الذات. فهم يحلونه عاما ويحرمونه عاما. # ويسمون الإضافات إلى الله تعالى صفات، فإنه قد أضاف إليه النفخ والروح. ~~وأثبتوا خلقه باليد، فلو قالوا خلقه بقدرته لم يمكن إنكار هذا بل قالوا هي ~~صفة تولي بها خلق آدم دون غيره. فأي مزية كانت تكون لآدم ؟. # فشغلهم النظر في فضيلة آدم، عن النظر إلى ما هو يليق بالحق مما لا يليق ~~به. # فإنه لا يجوز عليه المس، ولا العمل بالآلات، وإنما آدم أضافه إليه. ~~فقالوا نطلق على الله تعالى اسم الصورة لقوله: خلق آدم على صورته. # وفهموا هذا الحديث وهو قوله عليه السلام: إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ~~ولا يقل قبح الله وجهك ولا وجها أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته. ~~PageV01P037 فلو كان المراد به الله عز وجل لكان وجه الله سبحانه يشبه وجه ~~هذا المخاصم لأن الحديث كذا جاء - ولا وجها أشبه وجهك - ورووا حديث خولة ~~بنت حكيم: وإن آخر وطئة وطئها الله بوج. وما علموا النقل ولا السير، وقول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم: اللهم اشدد وطأتك على مضر، وأن المراد به آخر ~~وقعة قاتل فيها المسلمون بوج. وهي غزاة حنين. فقالوا: نحمل الخبر على ظاهره ~~وأن الله وطىء ذلك المكان. # ولا شك أن عندهم أن الله تعالى كان في الأرض ثم صعد إلى السماء، وكذلك ~~قالوا في قوله: إن الله لا يمل حتى تملوا. قالوا: يجوز أن الله يوصف بالملل ~~فجهلوا اللغة وما علموا أنه لو كانت حتى ههنا للغاية لم تكن بمدح لأنه إذا ~~مل حين يمل فأي مدح وإنما هو كقول الشاعر: # جلبت مني هذيل بخرق ... لا يمل الشر حتى يملوا # والمعنى لا يمل وإن ملوا. # وقالوا في قوله عليه الصلاة والسلام: الرحم شجنة من الرحمن تتعلق بحقوي ~~الرحمن. فقالوا - الحقو - صفة ذات وذكروا أحاديث لو رويت ms076 في نقض الوضوء ما ~~قبلت. # وعمومها وضعته الملاحدة كما يروى عن عبد الله بن عمرو. وقال: خلق الله ~~الملائكة من نور الذراعين والصدر. فقالوا: نثبت هذا على ظاهره. ثم أرضوا ~~العوام بقولهم ولا نثبت جوارح، فكأنهم يقولون فلان قائم وما هو قائم. # فاختلف قولهم هل يطلق على الله عز وجل أنه جالس أو قائم كقوله تعالى: " ~~قائما بالقسط " . # وهؤلاء أخس فهما من جحا لأن قوله قائما بالقسط لا يراد به القيام وإنما ~~هو كما يقال: الأمير قائم بالعدل. # وإنما ذكرت بعض أقوالهم لئلا يسكن إلى شيء منها فالحذر من هؤلاء فما لهم ~~فقه ولا عبادة. # وإنما الطريق طريق السلف على أنني أقول لك قد قال أحمد بن حنبل رحمة الله ~~عليه: من ضيق علم الرجل أن يقلد في دينه الرجال فلا ينبغي أن تسمع من معظم ~~في النفوس شيئا في الأصول فتقلده فيه. # ولو سمعت عن أحدهم ما لا يوافق الأصول الصحيحة فقل: هذا من الراوي، لأنه ~~قد ثبت عن ذلك الإمام أنه لا يقول بشيء من رأيه. # فلو قدرنا صحته عنه فإنه لا يقلد في الأصول ولا أبو بكر ولا عمر رضي الله ~~عنهما. # فهذا أصل يجب البناء عليه فلا هو يهولنك ذكر معظم في النفوس. # وكان المقصود من شرح هذا أن ديننا سليم، وإنا أدخل أقوام فهي ما تأذينا ~~به. # جهال الزهاد # ولقد أدخل المتزهدون في الدين، ما ينفر الناس منه، حتى إنهم يرون أفعالهم ~~فيستبعدون الطريق. # وأكثر أدلة هذه الطريق القصاص، فإن العامي إذا دخل إلى مجلسهم وهو لا ~~يحسن الوضوء كلموه بدقائق الجنيد، وإشارات الشبلي، فرأى ذلك العامي أن ~~الطريق الواضح لزوم زاوية وترك الكسب للعائلة ومناجاة الحق في خلوة على ~~زعمه. # مع كونه لا يعرف أركان الصلاة، ولا أدبه العلم، ولا قوم أخلاقه شيء من ~~مخالطة العلماء. # فلا يستفيد من خلوته إلا كما يستفيد الحمار من الاصطبل. # فإن امتد عليه الزمان في تقلله زاد يبسه فربما خايلت له الماليخوليا ~~أشباحا يظنهم الملائكة ثم يطأطىء رأسه، ms077 ويمد يده للتقبيل. # فكم قد رأينا من أكار ترك الزرع وقعد في زاوية، فصار إلى هذه الحالة ~~فاستراح من تعبه. # فلو قيل له عد مريضا، قال: ما لي عادة. فلعن الله عادة تخالف الشريعة. # فيرى العامة بما يورده القصاص أن طريق الشرع هذه لا التي عليها الفقهاء، ~~فيقعون في الضلال. # ومن المتزهدين من لا يبالي عمل بالشرع أم لا. # ثم يتفاوت جهالهم، فمنهم من سلك مذهب الإباحة ويقول الشيخ لا يعارض، ~~وينهمك في المعاصي. # ومنهم: من يحفظ ناموسه فيفتي بغير علم، لئلا يقال: الشيخ لا يردي ؟. # ولقد حدثني الشيخ أبو حكيم رحمة الله عليه: أن الشريف الدحالي - وكان ~~يقصد فيزار ويتبرك به - حضر عنده يوما فسئل أبو حكيم - هل تحل المطلقة ~~ثلاثا إذا ولدت ذكرا - قال: فقلت لا والله، فقال لي الشريف: اسكت فوالله ~~لقد أفتيت الناس بأنها تحل من ههنا إلى البصرة. # وحكى لي الشيخ أبو حكيم أن جد آذاد الحداد وكان يتوسم بالعلم، جاءت إليه ~~امرأة فزوجها من رجل ولم يسأل عن انقضاء العدة، فاعترضها الحاكم وفرق بينها ~~وبين الزوج، وأنكر على المزوج. # فلقيته المرأة. فقالت: يا سيدي أنا امرأة لا أعلم فكيف زوجتني ؟ فقال: ~~دعي حديثهم ما أنت إلا طاهرة مطهرة. PageV01P038 وحدثني بعض الفقهاء عن رجل ~~من العباد أنه كان يسجد للسهو سنين، ويقول والله ما سهوت ولكن أفعله ~~احترازا، فقال له الفقيه: قد بطلت صلاتك كلها لأنك زدت سجودا غير مشروع. # أثر المتصوفة # ثم من الدخل الذي دخل ديننا طريق المتصوفة فإنهم سلكوا طرقا أكثرها تنافي ~~الشريعة، وأهل التدين منهم يقللون ويخفقون. # وهذا ليس بشرع، حتى إن رجلا كان قريبا من زماني يقال له كثير، دخل إلى ~~جامع المنصور وقال. عاهدت الله عهدا ونقضته، فقد ألزمت نفسي أن لا تأكل ~~أربعين يوما. # فحدثني من رآه أنه بقي عشرة أيام ثم في العشر الرابع، أشرف على الموت. # قال: فما انقضت حتى تفرغ فصب في حلقه ماء فسمعنا له نشيشا كنشيش المقلاة ~~ثم مات بعد أيام. # فانظروا إلى ms078 هذا المسكين وما فعله به جهله. # ومنهم من فسخ لنفسه في كل ما يحب من التنعم واللذات واقتنع من التصوف ~~بالقميص والفوطة والعمامة اللطيفة، ولم ينظر من أين يأكل ولا من أين يشرب، ~~وخالط الأمراء من أرباب الدنيا، ولباس الحرير، وشراب الخمور، حفظا لماله ~~وجاهه. # ومنهم أقواما عملوا سننا لهم تلقوها من كلمات أكثرها لا يثبت. # ومنهم من أكب على سماع الغناء والرقص واللعب ثم انقسم هؤلاء، فمنهم من ~~يدعي العشق فيه، ومنهم من يقول بالحلول، ومنهم يسمع على وجه الهوى واللعب. # وكلا الطريقين يفسد العوام الفساد العام. # وهذا الشرح يطول وقد صنفت كتبا ترى فيها البسط الحسن إن شاء الله تعالى، ~~منها تلبيس إبليس. # والمقصود أن تعلم أن الشرع تام كامل فإن رزقت فهما له فأنت تتبع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتترك بنيات الطريق ولا تقلد في دينك الرجال. # فإن فعلت فإنك لا تحتاج إلى وصية أخرى. # واحذر جمود النقلة، وانبساط المتكلمين، وجموع المتزهدين، وشره أهل الهوى، ~~ووقوف العلماء على صورة العلم من غير عمل، وعمل المتعبدين بغير علم. # ومن أيده الله تعالى بلطفه، رزقه الفهم، وأخرجه عن ربقة التقليد، وجعله ~~أمة وحده في زمانه، لا يبالي بمن عبث ولا يلتفت إلى من لام. قد سلم زمامه ~~إلى دليل واضح السبيل. # عصمنا الله وإياكم من تقليد المعظمين وألهمنا اتباع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، فإنه درة الوجود، ومقصود الكون صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ~~وأتباعه ورزقنا اتباعه مع أتباعه. # فصل التقوى خير حافظ # اعلم أن الزمان لا يثبت على حال كما قال عز وجل: " وتلك الأيام نداولها ~~بين الناس " . # فتارة فقر، وتارة غنى، وتارة عز، وتارة ذل، وتارة يفرح الموالي، وتارة ~~يشمت الأعادي. # فالسعيد من لازم أصلا واحدا على كل حال، وهو تقوى الله عز وجل فإنه إن ~~استغنى زانته، وإن افتقر فتحت له أبواب الصبر، وإن عوفي تمت النعمة عليه، ~~وإن ابتلى حملته، ولا يضره إن نزل به الزمان أو صعد، أو أعراه أو ms079 أشبعه أو ~~أجاعه. # لأن جميع تلك الأشياء تزول وتتغير والتقوى أصل السلامة حارس لا ينام، ~~يأخذ باليد عند العثرة، ويوافق على الحدود. # والمنكر من غرته لذة حصلت مع عدم التقوى فإنها ستحول وتخليه خاسرا. # ولازم التقوى في كل حال فإنك لا ترى في الضيق إلا السعة، وفي المرض إلا ~~العافية. # فصل قمع الشهوة # تأملت أمرا عجيبا، وأصلا ظريفا، وهو انهيال الابتلاء على المؤمن. وعرض ~~صورة اللذات عليه مع قدرته على نيلها. وخصوصا ما كان في غير كلفة من تحصيله ~~كمحبوب موافق في خلوة حصينة. # فقلت: سبحان الله ههنا بين أثر الإيمان لا في صلاة ركعتين. # والله ما صعد يوسف عليه السلام ولا سعد إلا في مثل ذلك المقام، فبالله ~~عليكم يا إخواني، تأملوا حاله لو كان وافق هواه من كان يكون ؟. # وقيسوا بين تلك الحالة، وحالة آدم عليه السلام، ثم زنوا بميزان العقل ~~عقبى تلك الخطيئة، وثمرة هذا الصبر. # واجعلوا فهم الحال عدة لكم عند كل مشتهى. # وإن اللذات لتعرض على المؤمن، فمتى لقيها في صف حربه وقد تأخر عنه عسكر ~~التدبر للعواقب هزم. # وكأني أرى الواقع في بعض أشراكها ولسان الحال يقول له قف مكانك؛ أنت وما ~~اخترت لنفسك. # فغاية أمره الندم والبكاء. # فإن أمن إخراجه من تلك الهوة لم يخرج إلا مدهونا بالخدوش. # وكم من شخص زلت قدمه فما ارتفعت بعدها. # ومن تأمل ذل إخوة يوسف عليهم السلام يوم قالوا: " وتصدق علينا " عرف شؤم ~~الزلل. PageV01P039 ومن تدبر أحوالهم قاس ما بينهم وبين أخيهم من الفروق. ~~وإن كانت توبتهم قبلت، لأنه ليس من رقع وخاط كمن ثوبه صحيح. # ورب عظم هيض لم ينجبر، فإن جبر فعلى وهى. # فتيقظوا إخواني لعرض المشتهيات على النفوس، واستوثقوا من لجم الخيل. # وانتبهوا للغيم إذا تراكم بالصعود إلى تلعة. # فربما مد الوادي فراح بالركب. # فصل فضل الله في الإجابة # تأملت حالة عجيبة وهي أن المؤمن تنزل به النازلة فيعدو، ويبالغ، فلا يرى ~~أثرا للإجابة. # فإذا قارب اليأس نظر حينئذ إلى قلبه، فإن كان راضيا ms080 بالأقدار، غير قنوط ~~من فضل الله عز وجل، فالغالب تعجيل الإجابة حينئذ لأن هناك يصلح الإيمان ~~ويهزم الشيطان، وهناك تبين مقادير الرجال. # وقد أشير إلى هذا في قوله تعالى: " حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: ~~متى نصر الله " . # وكذلك جرى ليعقوب عليه السلام فإنه لما فقد ولدا وطال الأمر عليه لم ييأس ~~من الفرج فأخذ ولده الآخر ولم ينقطع أمله من فضل ربه: " أن يأتيني بهم ~~جميعا " . # وكذلك قال زكريا عليه السلام: " ولم أكن بدعائك رب شقيا " . # فإياك أن تستطيل مدة الإجابة وكن ناظرا إلى أنه المالك وإلى أنه الحكيم ~~في التدبير والعالم بالمصالح، وإلى أنه يريد اختبارك ليبلو أسرارك، وإلى ~~أنه يريد أن يرى تضرعك، وإلى أنه يريد أن يأجرك بصبرك إلى غير ذلك. وإلى ~~أنه يبتليك بالتأخير لتحارب وسوسة إبليس. # وكل واحدة من هذه الأشياء تقوي الظن في فضله وتوجب الشكر له إذ أهلك ~~بالبلاء للالتفات إلى سؤاله، وفقر المضطر إلى اللجأ إليه غنى كله. # فصل أسرار الغرائز # لما كان بدن الآدمي لا يقوم إلا باجتلاب المصالح ودفع المؤذي، ركب فيه ~~الهوى ليكون سببا لجلب النافع. والغضب ليكون سببا لدفع المؤذي. # ولولا الهوى في المطعم، ما تناول الطعام، فلم يقم بدنه فجعل له إليه ميل ~~وتوق. # فإذا حصل له قدر ما يقيم بدنه زال التوق، وكذلك في المشرب والملبس ~~والمنكح. # وفائدة المنكح من وجهين، أحدهما: إبقاء الجنس وهو معظم المقصود، والثاني: ~~دفع الفضلة المحتقنة المؤذي احتقانها. # ولولا تركيب الهوى المائل بصاحبه إلى النكاح ما طلبه أحد، ففات النسل ~~وآذى المحتقن. # فأما العارفون فإنهم فهموا المقصود، وأما الجاهدون فإنهم مالوا مع الشهوة ~~والهوى ولم يفهموا مقصود وضعها فضاع زمانهم فيما لا طائل فيه، وفاتهم ما ~~خلقوا لأجله وأخرجهم هواهم إلى فساد المال وذهاب العرض والدين، ثم أداهم ~~إلى التلف. # وكم قد رأينا من متنعم يبالغ في شراء الجواري ليحرك طبعه بالمستجد فما ~~كان بأسرع من أن وهنت قواه الأصلية فتعجل تلفه. # وكذلك رأينا من زاد غضبه فخرج عن الحد ms081 ففتك بنفسه وبمن يحبه. # فمن علم أن هذه الأشياء إنما خلقت إعانة للبدن على قطع مراحل الدنيا، ولم ~~تخلق لنفس الالتذاذ وإنما جعلت اللذة فيها كالحيلة في إيصال النفع بها رشد، ~~إذ لو كان المقصود التنعم بها لما جعلت الحيوانات البهيمة أوفى حظا من ~~الآدمي منها. # فطوبى لمن فهم حقائق الوضع، ولم يمل به الهوى عن فهم حكم المخلوقات. # فصل النتيجة بحسب الأسباب # من تأمل عواقب المعاصي رآها قبيحة. # ولقد تفكرت في أقوام أعرفهم يقرون بالزنا وغيره، فأرى من تعترهم في ~~الدنيا مع جلادتهم ما لا يقف عند حد. # وكأنهم قد ألبسوا ظلمة، فالقلوب تنفر عنهم. # فإن اتسع لهم شيء فأكثره من مال الغير، وإن ضاق بهم أمر أخذوا يتسخطون ~~على القدر. # هذا وقد شغلوا بهذه الأوساخ عن ذكر الآخرة. # ثم عكست فتفكرت في أقوام صابروا الهوى، وتركوا ما لا يحل. # فمنهم من قد أينعت له ثمرات الدنيا من قوت مستلذ، ومهاد مستطاب، وعيش ~~لذيذ، وجاء عريض، فإن ضاق بهم أمر وسعه الصبر، وطيبه الرضى، ففهمت بالحال ~~معنى قوله تعالى: " إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " . # فصل التذلل إلى الله تعالى # ينبغي للعاقل أن يلازم باب مولاه على كل حال، وأن يتعلق بذيل فضله إن عصى ~~وإن أطاع. # وليكن له أنس في خلوته به، فإن وقعت وحشة فليجتهد في رفع الموحش، كما قال ~~الشاعر: # أمستوحش أنت مما جني ... ت فأحسن إذا شئت واستأنس PageV01P040 فإن رأى ~~نفسه مائلا إلى الدنيا طلبها منه، أو إلى الآخرة سأله التوفيق للعمل لها. # فإن خاف ضرر ما يرومه من الدنيا سأل الله إصلاح قلبه، وطب مرضه، فإنه إذا ~~صلح لم يطلب ما يؤذيه. # ومن كان هكذا كان في العيش الرغد غير أن من ضرورة هذه الحال ملازمة ~~التقوى، فإنه لا يصلح الأنس إلى بها. # وقد كان أرباب التقوى يتشاغلون عن كل شيء إلا عن اللجأ والسؤال. # وفي الخبر: إن قتيبة بن مسلم لما صاف الترك هاله أمرهم فقال: أين محمد بن ms082 ~~واسع ؟ فقيل: هو في أقصى الميمنة جانح على سية قوسه يومىء بإصبعه نحو ~~السماء، فقال قتيبة: تلك الأصبع الفاردة أحب إلي من مائة ألف سيف شهير، ~~وسنان طرير، فلما فتح عليهم قال له: ما كنت تصنع ؟ قال: آخذ لك بمجامع ~~الطرق. # فصل الثرثرة بالنعم # ينبغي لمن تظاهرت نعم الله عز وجل عليه أن يظهر منها ما يبين أثرها، ولا ~~يكشف جملتها، وهذا من أعظم لذات الدنيا التي يأمر الحزم بتركها، فإن العين ~~حق. # وإني تفقدت النعم فرأيت إظهارها حلوا عند النفس، إلا أنها أظهرت لوديد لم ~~يؤمن تشعث باطنه بالغيظ. # وإن أظهر لعدو فالظاهر إصابته لموضع الحسد، إلا أنني رأيت شر الحسود ~~كاللازم، فإنه في حال البلاء يتشفى، وفي حال النعم يصيب بالعين. # ولعمري إن المنعم عليه يشتهي غيظ حسوده، ولكنه لا يؤمن أن يخاطر بنعمته، ~~فإن الغالب إصابة الحاسد لها بالعين، فلا يساوي الالتذاذ بإظهار ما غيظ به ~~ما أفسدت عينه بإصابتها. # وكتمان الأمور في كل حال فعل الحازم، فإنه إن كشف مقدار سنه استهرموه إن ~~كان كبيرا، واحتقروه إن كان صغيرا. # وإن كشف ما يعتقده ناصبه الأضداد بالعداوة: وإن كشف قدر ماله استحقروه إن ~~كان قليلا، وحسدوه إن كان كثيرا، وفي هذه الثلاثة يقول الشاعر: # احفظ لسانك لا تبح بثلاثة ... سن ومال ما استطعت ومذهب # فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة ... بمموه وممخرق ومكذب # وقس على ما ذكرت ما لم أذكره، ولا تكن من المذاييع الغر الذين لا يحملون ~~أسرارهم حتى يفشوها إلى من لا يصلح. # ورب كلمة جرى بها اللسان هلك بها الإنسان. # فصل تتابع العثرات # رأيت كل من يعثر بشيء أو يزلق في مطر يلتفت إلى ما عثر به، فينظر إليه، ~~طبعا موضوعا في الخلق. # إما ليحذر منه إن جاز عليه مرة أخرى، أو لينظر - مع احترازه وفهمه - كيف ~~فاته التحرز من مثل هذا. # فأخذت من ذلك إشارة وقلت: يا من عثر مرارا هلا أبصرت ما الذي أعثرك ~~فاحترزت من مثله، أو قبحت لنفسك مع حزمها تلك الواقعة. ms083 # فإن الغالب ممن يلتفت أن معنى التفاته كيف عثر مثلي مع احترازه بمثل ما ~~أرى. # فالعجب لك كيف عثرت بمثل الذنب الفلاني والذنب الفلاني ؟. # كيف غرك زخرف تعلم بعقلك باطنه، وترى بعين فكرك مآله ؟ كيف آثرت فانيا ~~على باق ؟ كيف بعت بوكس ؟ كيف اخترت لذة رقدة على انتباه معاملة. # آه لك لقد اشتريت بما بعت أحمال ندم لا يقلها ظهر، وتنكيس رأس أمسى بعيد ~~الرفع، ودموع حزن على قبح فعل ما لمددها انقطاع. # وأقبح الكل، أن يقال لك: بماذا ؟ ومن أجل ماذا ؟ وهذا على ماذا ؟ يا من ~~قلب الغرور عليه الصنجة ووزن له والميزان راكب. # ؟فصل ثمرة التقوى تأملت قوله تعالى: " فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى " ~~. # قال المفسرون: هداي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتابي. # فوجدته على الحقيقة أن كل من اتبع القرآن والسنة وعمل بما فيهما، فقد سلم ~~من الضلال بلا شك، وارتفع في حقه شقاء الآخرة بلا شك، إذا مات على ذلك. # وكذلك شقاء الدنيا فلا يشقى أصلا، ويبين هذا قوله تعالى: " ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا " . # فإن رأيته في شدة فله من اليقين بالجزاء ما يصير الصاب عنده عسلا. # وإلا غلب طيب العيش في كل حال. # والغالب أنه لا ينزل به شدة إلا إذا انحرف عن جادة التقوى. # فأما الملازم لطريق التقوى فلا آفة تطرقه، ولا بلية تنزل به، هذا هو ~~الأغلب فإن وجد من تطرقه البلايا مع التقوى، فذاك في الأغلب لتقدم ذنب ~~يجازي عليه، فإن قدرنا عدم الذنب. فذاك لإدخال ذهب صبره كير البلاء حتى ~~يخرج تبرا أحمر، فهو يرى عذوبة العذاب. لأنه يشاهد المبتلي في البلاء ~~الألم. # قال الشبلي: # أحبك الناس لنعمائك ... وأنا أحبك لبلائك PageV01P041 فصل الاستكانة ~~للمعصية # لا ينال لذة المعاصي إلا سكران بالغفلة. # فأما المؤمن فإنه لا يلتذ لأنه عند التذاذه يقف بإزائه علم التحريم، وحذر ~~العقوبة. # فإن قويت معرفته رأى بعين علمه قرب الناهي فيتنغص عيشه في حال التذاذه. # فإن غلب سكر الهوى كان القلب متنغصا بهذه ms084 المراقبات، وإن كان الطبع في ~~شهوته. # وما هي إلا لحظة، ثم خذ من غريم ندم ملازم، وبكاء متواصل، وأسف على ما ~~كان مع طول الزمان. # حتى أنه لو تيقن العفو وقف بإزائه حذر العتاب، فأف للذنوب ما أقبح آثارها ~~وما أسوأ أخبارها، ولا كانت شهوة لا تنال إلا بمقدار قوة الغفلة. # فصل زهد يهدم الدين والدنيا # بكرت يوما أطلب الخلوة إلى جامع الرصافة، فجعلت أجول وحدي وأتفكر في ذلك ~~المكان ومن كان به من العلماء والصالحين. # ورأيت أقواما قد جاوروا فيه فسألت أحدهم: منذ كم أنت ها هنا ؟ فأومأ إلى ~~قريب من أربعين سنة. # فرأيته في بيت كثير الدرن والوسخ. وجعلت أتفكر في حبسه لنفسه عن النكاح ~~هذه المدة، فأخذت النفس تحسن ذلك، وتذم الدنيا والاغترار بها. # فأقبل العلم ينكر على النفس، وخضه الفهم لحقائق الأمور، وموضوع الشرع ~~يقوي ما قال العلم. فينحل من ذلك أن قلت للنفس: اعلمي أن هؤلاء على ضربين. # منهم من يجاهد نفسه في الصبر على هذه الأحوال فتفوته فضائل المخالطة لأهل ~~العلم والعمل وطلب الولد، ونفع الخلق، وانتفاع نفسه بمجالسة أهل الفهم، ~~فيحدث له من نفسه حالة تشابه فيها الوحش فتؤثر الانفراد لنفس الانفراد. # وربما يبس الطبع، وساء الخلق، وربما حدث من حبس مائه المحتقن سمية أفسدت ~~بدنه وعقله، وربما أورثته الخلوة وسوسة، وربما ظن أنه من الأولياء واستغنى ~~بما يعرفه، وربما خيل له الشيطان أشياء من الخيالات وهو يعدها كرامات وربما ~~ظن أن الذي هو فيه الغاية ولا يدري أنه إلى الكراهة أقرب. # فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى أن يبيت الرجل وحده، وهؤلاء كل ~~منهم يبيت وحده، ونهى عن التبتل وهذا تبتل، ونهى عن الرهبانية وهذا من خفي ~~خدع إبليس التي يوقع بها في ورطات الضلال بألطف وجه وأخفاه. # والضرب الثاني: مشايخ قد فنوا فانقطعوا ضرورة، إذ ليس لأحدهم مأوى، فهم ~~في مقام الزمنى. # وإن كان الضرب الأول قد قطعوا حبل نفوسهم في العلم والعمل والكسب وتعلقت ~~هممهم بفتوح يطرق عليهم ms085 الباب، فرضوا بالعمى بعد البصر، وبالزمن بعد ~~الإطلاق. # فقالت لي النفس: لا أرضى هذا الذي تقوله، فإنك إنما تميل إلى إيثار نكاح ~~المستحسنات والمطاعم المشتهيات. فإذا لم تكن من أهل التعبد فلا تطعن فيهم. # فقلت لها: إن فهمت حدثتك وإن كنت تقلدين صور الأحوال فلا فهم لك. # أما المستحسنات فإن المقصود من النكاح أشياء منها طلب الولد، ومنها شفاء ~~النفس بإخراج الفضلة المؤذية، وكمال خروجها لا يكون إلا بوجود المستحسن. ~~واعتبر هذا بالوطء دون الفرج فإنه يخرج من الفضلات ما لا يخرج بالوطء في ~~الفرج وبتمام خروج تلك الفضلة تفرغ النفس عن شواغلها فتدري أين هي. # كما نأمر القاضي بالأكل قبل الحكم، وننهاه عن الحكم وهو غضبان أو حاقن. # وبكمال بلوغ هذا الغرض يكون كمال الولد لتمام النطفة التي تخلق منها. # ثم للنفس حظ فهو يستو فيه استيفاء الناقة حظها من العلف في السفر، وذلك ~~يعين على سيرها. # وأما المطاعم فالجاهل من يطلبها لذاتها أو لنفس لذاتها. وإنما المراد ~~إصلاح الناقة لجمع هممها، ونيل مرادها من غرضها الصارف لها عن الفكر في ~~هواها. # وإذا تأملت حال الشرب الأول رأيت من هذا عجبا، فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم اختار لنفسه عائشة رضي الله عنها وكانت مستحسنة ورأى زينب فاستحسنها ~~فتزوجها وكذلك اختار صفية وكان إذا وصفت له امرأة بعث يخطبها. وكان لعلي ~~رضي الله عنه أربع حرائر، وسبع عشرة سرية مات عنهن. # وقبل هذه الأمة فقد كان لداود عليه السلام مائة امرأة ولسليمان عليه ~~السلام ألف امرأة، فمن ادعى خللا في هذه الطرق، أو أن هؤلاء آثروا هواهم، ~~وأنفقوا بضائع العمر في هذه الأغراض وغيرها أفضل. فقد ادعى على الكاملين ~~النقصان وإنما هو الناقص في فهمه لا هم. # وقد كان سفيان الثوري إذا سافر ففي سفرته حمل مشوية وفالوذج، وكان حسن ~~المطعم، وكان يقول إن الدابة إذا لم تحسن إليها لم تعمل. PageV01P042 وهذه ~~الفنون التي أشرت إليها أن قصدت للحاجة إليها، أو لقضاء وطر النفس منها، أو ~~لبلوغ الأغراض الدينية ms086 والدنيوية منها، فكله قصد صحيح لا يعكر عليه من يقوم ~~ويقعد في ركعات لا يفهم معناها، وفي تسبيحات أكثر ألفاظها ردية. # كلا ليس إلا العلم الذي هو أفضل الصفات، وأشرف العبادات، وهو الآمر ~~بالمصالح، والناطق بالنصائح. # ثم منفعة العلم معروفة، وزهد الزاهد لا يتعدى عتبة بابه، وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم: لأن يهدي الله بك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس. # ثم اعتبر فضل الرسل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. والجوارح على ~~التي لا تصيد. والطين الذي يعمل منه ما ينتفع به على الطين في المطلع. # وغاية العلماء تصرفهم بالعلم في المباح، وأكثر المتزهدين جهلة يستعبدهم ~~تقبيل اليد لأجل تركهم ما أبيح. # فكم فوتت العزلة علما يصلح به أصل الدين، وكم أوقعت في بلية هلك بها ~~الدين، وإنما عزلة العالم عن الشر فحسب، والله الموفق. # فصل نهاية العصاة # ينبغي لكل ذي لب وفطنة أن يحذر عواقب المعاصي. فإنه ليس بين الآدمي وبين ~~الله تعالى قرابة ولا رحم، وإنما هو قائم بالقسط، حاكم بالعدل. # وإن كان حلمه يسع الذنوب، إلا أنه شاء عفا فعفا كل كثيف من الذنوب، وإذا ~~شاء أخذ وأخذ باليسير، فالحذر الحذر. # ولقد رأيت أقواما من المترفين كانوا يتقلبون في الظلم والمعاصي الباطنة ~~والظاهرة، فتعبوا من حيث لم يحتسبوا. فقلعت أصولهم. ونقض ما بنوا من قواعد ~~أحكموها لذراريهم. # وما كان ذلك إلا أنهم أهملوا جانب الحق عز وجل، وظنوا أن ما يفعلونه من ~~خير يقاوم ما يجري من شر، فمالت سفينة ظنونهم. فدخلها من ماء الكيد ما ~~أغرقهم. # ورأيت أقواما من المنتسبين إلى العلم أهملوا نظر الحق عز وجل إليهم في ~~الخلوات. فمحا محاسن ذكرهم في الجلوات. فكانوا موجودين كالمعدومين، لا ~~حلاوة لرؤيتهم، ولا قلب يحن إلى لقائهم. # فالله الله في مراقبة الحق عز وجل. فإن ميزان عدله تبين فيه الذرة، ~~وجزاؤه مرصد للمخطىء ولو بعد حين. # وربما ظن أنه العفو - وإنما هو إمهال - وللذنوب عواقب سيئة. # فالله الله الخلوات. الخلوات. # البواطن البواطن. النيات النيات. # فإن ms087 عليكم من الله عينا ناظرة. # وإياكم والاغترار بحلمه وكرمه، فكم قد استدرج. # وكونوا على مراقبة الخطايا مجتهدين في محوها. # وما شيء ينفع كالتضرع مع الحمية عن الخطايا، فلعله... # وهذا فصل إذا تأمله المعامل لله تعالى نفعه. # ولقد قال بعض المراقبين لله تعالى: قدرت على لذة هي غاية وليست بكبيرة. # فنازعتني نفسي إليه، اعتمادا على صغرها، وعظم فضل الله تعالى وكرمه. # فقلت لنفسي: إن غلبت هذه فأنت أنت، وإذا أتيت هذه فمن أنت ؟. # وذكرتها حالة أقوام كانوا يفسحون لأنفسهم في مسامحة كيف انطوت أذكارهم، ~~وتمكن الإعراض عنهم. # فارعوت ورجعت عما همت به. والله الموفق. # فصل هذه ليست صغائر # كثير من الناس يتسامحون في أمور يظنونها قريبة. وهي تقدح في الأصول، ~~كاستعارة طلاب العلم جزءا لا يردونه. وقصد الدخول على من يأكل ليؤكل معه، ~~والتسامح بعرض العدو التذاذا بذلك واستصغارا لمثل هذا الذنب. # وإطلاق البصر في المحرم استهانة بتلك الخطيئة. # وأهون ما يصنع ذلك بصاحبه أن يحطه من مرتبة المتميزين بين الناس، ومن ~~مقام رفعة القدر عند الحق. أو فتوى من لا يعلم لئلا يقال: هو جاهل ونحو ذلك ~~مما يظنه صغيرا وهو عظيم. # وربما قيل له بلسان الحال: يا من اؤتمن على أمر يسير فخان. كيف ترجو ~~بتدليك رضا الديان؟. # قال بعض السلف: تسامحت بلقمة فتناولتها فأنا اليوم من أربعين سنة إلى ~~خلف. # فالله الله، اسمعوا ممن قد جرب، كونوا على مراقبة. وانظروا في العواقب. ~~واعرفوا عظمة الناهي. واحذروا من نفخة تحتقر، وشررة تستصغر فربما أحرقت ~~بلدا. # وهذا الذي أشرت إليه يسير يدل على كثير، وأنموذج يعرف باقي المحقرات من ~~الذنوب. # والعلم والمراقبة يعرفانك ما أخللت بذكره، ويعلمانك إن تلمحت بعين ~~البصيرة أثر شؤم فعله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # فصل كيف تدعو وماذا تبغي # رأيت من نفسي عجبا: تسأل الله عز وجل حاجاتها، وتنسي جناياتها. # فقلت: يا نفس السوء أو مثلك ينطق ؟. # فإن نطق فينبغي أن يكون السؤال العفو فحسب. PageV01P043 فقالت: فممن أطلب ~~مراداتي ؟ قلت: ما أمنعك ms088 من طلب المراد. إنما أقول حققي التوبة، وانطقي. # كما نقول في العاصي بسفره إذا اضطر إلى الميتة لا يجوز له أن يأكل، فإن ~~قيل لنا: أفيموت ! قلنا لا بل يتوب ويأكل. # فالله الله من جراءة على طلب الأغراض مع نسيان ما تقدم من الذنوب التي ~~توجب تنكيس الرأس، ولئن تشاغلت بإصلاح ما مضى والندم عليه جاءتك مراداتك. # كما روي: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين. # وقد كان بشر الحافي يبسط يديه للسؤال ثم يسبلهما ويقول: مثلي لا يسأل وما ~~أبقت الذنوب لي وجها. # وهذا يختص ببشر لقوة معرفته، كان وقت السؤال كالمخاطب كفاحا فاستحي ~~للزلل. # فأما أهل الغفلة فسؤالهم على بعد، فافهم ما ذكرته، وتشاغل بالتوبة من ~~الزلل ثم العجب من سؤالاتك فإنك لا تكاد تسأل مهما من الدنيا، بل فضول ~~العيش. # ولا تسأل صلاح القلب والدين مثل ما تسأل صلاح الدنيا. # فاعقل أمرك فإنك من الانبساط والغفلة على شفا جرف. # وليكن حزنك على زلاتك شاغلا لك من مراداتك، فقد كان الحسن البصري شديد ~~الخوف؛ فلما قيل له في ذلك قال: وما يؤمنني أن يكون اطلع على بعض ذنوبي ~~فقال اذهب لا غفرت لك. # فصل غرور المتعبدين # أعجب العجب دعوى المعرفة مع البعد عن العرفان. بالله، ما عرفه إلا من خاف ~~منه، فأما المطمئن فليس من أهل المعرفة. # وفي المتزهدين أهل تغفيل، يكاد أحدهم يوطن نفسه على أنه ولي محبوب ~~ومقبول. # وربما توالت عليه ألطاف ظنها كرامات ونسي الاستدراج الذي لفت مساكنته ~~الألطاف. # وربما احتقر غيره وظن أن محلته محفوظة به، تغره ركيعات ينصب فيها، أو ~~عبادة ينصب بها. # وربما ظن أنه قطب الأرض وأنه لا ينال مقامه بعده أحد. # وكأنه ما علم أنه بينما موسى مكالم نبىء يوشع. # وبينا زكريا عليه السلام مجاب الدعوة نشر المنشار. # وبينا يحيى عليه السلام يوصف بأنه سيد سلط عليه كافر احتز رأسه. # وبينا بلعام معه الاسم الأعظم صار مثله كمثل الكلب. # وبينا الشريعة يعمل بها نسخت وبطل حكمها. # وبينا ms089 البدن معمور خرب وسلط البلى عليه. # وبينا العالم يدأب حتى ينال مرتبة يعتقدها، نشأ طفل في زمانه ترقى إلى ~~سبر عيوبه وغلطه. # وكم من متكلم يقول: ما مثلي !!، لو عاش فسمع ما حدث بعده من الفصاحة عد ~~نفسه أخرس. # هذا وعظ ابن السماك، وابن عمار، وابن سمعون، لا يصلح لبعض تلامذتنا ولا ~~يرضاه. # فكيف يعجب من ينفق شيئا. وربما أتى بعدنا من لا يعدنا ؟. # فالله الله من مساكنة مسكن، ومخالفة مقام. # وليكن المتيقظ على انزعاج، محتقرا للكثير من طاعاته، خائفا على نفسه من ~~تقلباته، ونفوذ الأقدار فيه. # واعلم أن تلمح هذه الأشياء التي أشرت إليها بضرب عنق العجب، ويذهب بطر ~~الكبر. # فصل الإعداد للنهاية باليقين # من عاش مع الله عز وجل طيب النفس في زمن السلامة خفت عليه زمن البلاء، ~~فهناك المحك. # إن الله عز وجل بينا يبني نقض، وبينا يعطي سلب، فيطيب النفس والرضا هناك ~~بين. # فأما من تواصلت لديه النعم فإنه يكون طيب القلب لتواصلها، فإذا مسته نفحة ~~من البلاء فبعيد ثباته. # قال الحسن البصري: كانوا يتساوون في وقت النعم فإذا نزل البلاء تباينوا. # فالعاقل من أعد ذخرا، وحصل زادا، وازداد من العدد للقاء حرب البلاء. # ولا بد من لقاء البلاء، ولو لم يكن إلا عند صرعة الموت، فإنها إن نزلت ~~والعياذ بالله فلم تجد معرفة توجب الرضى أو الصبر، أخرجت إلى الكفر. # ولقد سمعت من كنت أظن فيه كثرة الخير وهو يقول في ليالي موته: ربي هو ذا ~~يظلمني، فلم أزل منزعجا مهتما بتحصيل عدة ألقى بها ذلك اليوم. # كيف وقد روى أن الشيطان يقول لأعوانه في تلك الساعة: عليكم بهذا، فإن ~~فاتكم لم تقدروا عليه. # وأي قلب يثبت عند إمساك النفس، والأخذ بالكظم، ونزع النفس والعلم بمفارقة ~~المحبوبات إلى ما لا يدري ما هو، وليس في ظاهره إلا القبر والبلاء. # فنسأل الله عز وجل يقينا يقينا شر ذلك اليوم، لعلنا نصبر للقضاء، أو نرضى ~~به. # ونرغب إلى مالك الأمور في أن يهب لنا من فواضل نعمه ms090 على أحبابه، حتى يكون ~~لقاؤه أحب إلينا من بقائنا، وتفويضنا إلى تقديره أشهى لنا من اختيارنا. # ونعوذ بالله من اعتقاد الكمال لتدبيرنا، حتى إذا انعكس علينا أمر عدنا ~~إلى القدر بالتسخط. PageV01P044 وهذا هو الجهل المحض، والخذلان الصريح، ~~أعاذنا الله منه. # فصل سعادة العارفين # ليس في الدنيا ولا في الآخرة أطيب عيشا من العارفين بالله عز وجل، فإن ~~العارف به مستأنس به في خلوته. # فإن عمت نعمة علم من أهداها، وإن مرا مذاقه في فيه، لمعرفته بالمبتلى. # وإن سأل فتعوق مقصوده، صار مراده ما جرى به القدر، علما منه بالمصلحة بعد ~~يقينه بالحكمة، وثقته بحسن التدبير. # وصفة العارف أن قلبه مراقب لمعروفه، قائم بين يديه، ناظر بعين اليقين ~~إليه، فقد سرى من بركة معرفته إلى الجوارح ما هذبها. # فإن نطقت فلم أنطق بغيركم ... وإن سكت فأنتم عقد إضماري # إذا تسلط على العارف أذى أعرض نظره عن السبب، ولم ير سوى المسبب، فهو في ~~أطيب عيش معه. # إن سكت تفكر في إقامة حقه، وإن نطق تكلم بما يرضيه، لا يسكن قلبه إلى ~~زوجة ولا إلى ولد، ولا يتشبث بذيل محبة أحد. # وإنما يعاشر الخلق ببدنه، وروحه عند مالك روحه. # فهذا الذي لا هم عليه في الدنيا، ولا غم عنده وقت الرحيل عنها. # ولا وحشة له في القبر، ولا خوف عليه يوم المحشر. # فأما من عدم المعرفة فإنه معثر لا يزال يضج من البلاء لأنه يعرف المبتلى. # ويستوحش لفقد غرضه لأنه لا يعرف المصلحة. # ويستأنس بجنسه لأنه لا معرفة بينه وبين ربه. # ويخاف من الرحيل لأنه لا زاد له ولا معرفة بالطريق. # وكم من عالم وزاهد لم يرزقا من المعرفة إلا ما رزقه العامي البطال، وربما ~~زاد عليهما. # وكم من عامي رزق منها ما لم يرزقاه مع اجتهادهما. # وإنما هي مواهب وأقسام. " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " . # فصل حلاوة الكفاح في سبيل الحق # بالله عليك يا مرفوع القدر بالتقوى لا تبع عزها بذل المعاصي. # وصابر عطش الهوى في هجير المشتهى وإن أمض ms091 وأرمض. # فإذا بلغت النهاية من الصبر فاحتكم وقل، فهو مقام من لو أقسم على الله ~~لأبره. # تالله لولا صبر عمر ما انبسطت يده بضرب الأرض بالدرة. # ولولا جد أنس بن النضر في ترك هواه، وقد سمعت من آثار عزمته: لئن أشهدني ~~الله مشهدا ليرين الله ما أصنع، فأقبل يوم أحد يقاتل حتى قتل فلم يعرف إلا ~~ببنانه فلولا هذا العزم ما كان انبساط وجهه يوم حلف والله لا تكسر سن ~~الربيع. # بالله عليك تذوق حلاوة الكف عن المنهى، فإنها شجرة تثمر عز الدنيا. وشرف ~~الآخرة. # ومتى اشتد عطشك إلى ما تهوى، فابسط أنامل الرجاء إلى من عنده الري ~~الكامل. # وقل قد عيل صبر الطبع في سنيه العجاف، فعجل لي العام والذي فيه أغاث ~~وأعصر. # بالله عليك تفكر فيمن قطع أكثر العمر في التقوى والطاعة ثم عرضت له فتنة ~~في الوقت الأخير، كيف نطح مركبه الجرف فغرق وقت الصعود. # أف والله للدنيا، لا بل للجنة إن أوجب نيلها إعراض الحبيب. # إنما نسب العامي باسمه واسم أبيه، فأما ذوو الأقدار فالألقاب قبل ~~الأنساب. # قل لي: من أنت ؟ وما عملك ؟ وإلى أي مقام ارتفع قدرك ؟ يا من لا يصبر ~~لحظة عما يشتهي. # بالله عليك أتدري من الرجل ؟. # الرجل والله من إذا خلا بما يحب من المحرم وقدر عليه وتقلل عطشا إليه نظر ~~إلى نظر الحق إليه فاستحى من إجالة همه فيما يكرهه، فذهب العطش. # كأنك لا تترك لنا إلا ما لا تشتهي، أو بما لا تصدق الشهوة فيه، أو ما لا ~~تقدر عليه.. # كذا والله عادتك إذا تصدقت أعطيت كسرة لا تصلح لك، أو في جماعة يمدحونك. # هيهات والله لا نلت ولايتنا حتى تكون معاملتك لنا خالصة. تبذل أطايبك. ~~وتترك مشتهياتك، وتصبر على مكروهاتك. # علما منك تدخر ثوابك لدينا إن كنت معاملا بأنك أجير وما غربت الشمس. # فإن كنت محبا رأيت ذلك قليلا في جنب رضى حبيبك عنك. # وما كلامنا مع الثالث.. !!. # فصل أسرار الحكمة # رأيت في العقل نوع منازعة للتطلع إلى معرفة ms092 جميع حكم الحق عز وجل في ~~حكمه. # وربما لم يبين له شيء منها - مثل النقض بعد البناء - فيقف متحيرا. # وربما انتهز الشيطان تلك الفرصة، فوسوس إليه: أين الحكمة من هذا ؟. # فقلت له احذر أن تخدع يا مسكين، إنه قد ثبت بالدليل القاطع فيما رأيت من ~~إتقان الصنائع مبلغ حكمة الصانع، فإن خفي عليك بعض الحكم فلضعف إدراكك. # ثم ما زالت للملوك أسرار فمن أنت حتى تطلع بضعفك على جميع حكمه ؟. # يكفيك الجمل وإياك إياك أن تتعرض لما يخفى عليك. # فإنك بعض موضوعاته وذرة من مصنوعاته. PageV01P045 فكيف تتحكم على من صدرت ~~عنه ؟. # ثم قد ثبتت عندك حكمته وحكمه وملكه فأعمل آلتك على قدر قوتك في مطالعة ما ~~يمكن من الحكم، فإنه سيورثك الدهش. # وغمض عما يخفى عليك فحقيق بذي البصر الضعيف ألا يقاوي نور الشمس. # فصل سياسة النفس # أعجب الأشياء مجاهدة النفس. لأنها تحتاج إلى صناعة عجيبة. # فإن أقواما أطلقوها فيما تحب، فأوقعتهم فيما كرهوا. # وإن أقواما بالغوا في خلافها حتى منعوها حقها، وظلموها. # وأثر ظلمهم لها في تعبداتهم فمنهم من أساء غذاءها فأثر ذلك ضعف بدنها عن ~~إقامة واجبها. # ومنهم من أفردها في خلوة أثمرت الوحشة من الناس وآلت إلى ترك فرض أو فضل ~~من عيادة مريض، أو بر والدة. # وإنما الحازم من تعلم منه نفسه الجد وحفظ الأصول. فإذا فسح لها في مباح ~~لم تتجاسر أن تتعداه. # فيكون معها كالملك إذا مازح بعض جنده، فإنه لا ينبسط إليه الغلام. فإن ~~انبسط ذكر هيبة المملكة. # فكذلك المحقق يعطيها حظها ويستوفي منها ما عليها. # فصل إضاعة الوقت # رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعا عجيبا. # إن طال الليل فبحديث لا ينفع، أو بقراءة كتاب فيه غزاة وسمر. # وإن طال النهار فبالنوم. # وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق. # فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري بهم، وما عندهم خبر. # ورأيت النادرين قد فهموا معنى الوجود، فهم في تعبئة الزاد والتأهب ~~للرحيل. # إلا أنهم يتفاوتون وسبب تفاوتهم قلة العلم وكثرته بما ينفق ms093 في بلد ~~الإقامة. # فالمتيقظون منهم يتطلعون إلى الأخبار بالنافق هناك، فيستكثرون منه فيزيد ~~ربحهم. # والغافلون منهم يحملون ما اتفق، وربما خرجوا لا مع خفير. # فكم ممن قد قطعت عليه الطريق فبقي مفلسا. # فالله الله في مواسم العمل. # والبدار البدار قبل الفوات. # واستشهدوا العلم، واستدلوا الحكمة، ونافسوا الزمان، وناقشوا النفوس، ~~واستظهروا بالزاد. فكأن قد حدا الحادي فلم يفهم صوته من وقع مع الندم. # فصل أنواع التخطيط # أضر ما على المريض التخليط، وما من أحد إلا وهو مريض بالهوى، والحمية هي ~~رأس الدواء. # والتخليط يديم المرض، وتخليط أرباب الآخرة على ضربين. # أحدهما: تخليط العلماء، وهو إما لمخالطة الأضداد كالسلاطين فإنهم يضعفون ~~قوي يقينهم وكلما زادت المخالطة، يفقدون دليلهم عند المريدين. # والثاني: تخيط الزهاد، وقد يكون بمخالطة أرباب الدنيا، وقد يكون بحفظ ~~الناموس في إظهار التخشع، لاجتلاب محبة العوام. # فالله الله فإن ناقد الجزاء بصير، والإخلاص في الباطن، والصدق في القلب. # ونعم طريق السلامة ستة الحال.. # فصل العلماء العاملون # لقيت مشايخ، أحوالهم مختلفة يتفاوتون في مقاديرهم في العلم. # وكان أنفعهم لي في صحبة العامل منهم بعلمه وإن كان غيره أعلم منه. # ولقيت جماعة من علماء الحديث يحفظون ويعرفون ولكنهم كانوا يتسامحون بغيبة ~~يخرجونها مخرج جرح وتعديل، ويأخذون على قراءة الحديث أجرة، ويسرعون بالجواب ~~لئلا ينكسر الجاه وإن وقع خطأ. # ولقيت عبد الوهاب الأنماطي فكان على قانون السلف لم يسمع في مجلسه غيبة، ~~ولا كان يطلب أجرا على سماع الحديث، وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق بكى ~~واتصل بكاؤه. # فكان - وأنا صغير السن حينئذ - يعمل بكاؤه في قلبي، ويبني قواعد. # وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل. # ولقيت الشيخ أبا منصور الجواليقي، فكان كثير الصمت، شديد التحري فيما ~~يقول، متقنا محققا. # وربما سئل الظاهرة التي يبادر بجوابها بعض غلمانه فيتوقف فيها حتى يتيقن. # وكان كثير الصوم والصمت فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي ~~بغيرهما. # ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول. # ورأيت مشايخ كانت لهم خلوات في ms094 انبساط ومزاح، فراحوا عن القلوب وبدد ~~تفريطهم ما جمعوا من العلم. فقل الانتفاع بهم في حياتهم، ونسوا بعد مماتهم، ~~فلا يكاد أحد أن يلتفت إلى مصنفاتهم. # فالله الله في العلم بالعمل فإنه الأصل الأكبر. # والمسكين كل المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به، ففاتته لذات الدنيا ~~وخيرات الآخرة فقدم مفلسا مع قوة الحجة عليه. # فصل وأملي لهم # سبحان الملك العظيم الذي من عرفه خافه، ومن أمن مركه قط ما عرفه. ~~PageV01P046 لقد تأملت أمرا عظيما أنه عز وجل يمهل حتى كأنه يهمل فترى أيدي ~~العصاة مطلقة كأنه لا مانع. # فإذا زاد الانبساط ولم ترعو العقول أخذ أخذ جبار. # وإنما كان ذلك الإمهال ليبلو صبر الصابر، وليملي في الإمهال للظالم، ~~فيثبت هذا على صبره، ويجزي هذا بقبيح فعله. # مع أن هنالك من الحلم في طي ذلك ما لا نعلمه. # فإذا أخذ أخذ عقوبة رأيت على كل غلطة تبعة. # وربما جمعت فضربت العاصي بالحجر الدامغ. # وربما خفي على الناس سبب عقوبته فقيل فلان من أهل الخير فما وجه ما جرى ~~له ؟. # فيقول القدر: حدود لذنوب خفية صار استيفاؤها ظاهرا. # فسبحان من ظهر حتى لا خفاء به، واستتر حتى كأنه لا يعرف. # وأمهل حتى طمع في مسامحته، وناقش حتى تحيرت العقول من مؤاخذته، لا حول ~~ولا قوة إلا بالله. # فصل سياسة النفس # تأملت العلم والميل إليه والتشاغل به، فإذا هو يقوي القلب قوة تميل به ~~إلى نوع قساوة. # ولولا قوة القلب وطول الأمل لم يقع التشاغل به. # فإني أكتب الحديث أرجو أن أرويه، وأبتدىء بالتصنيف أرجو أن أتمه، فإذا ~~تأملت باب المعاملات قل الأمل، ورق القلب، وجاءت الدموع، وطابت المناجاة، ~~وغشيت السكينة، وصرت كأني في مقام المراقبة. # إلا أن العلم أفضل وأقوى حجة، وأعلى رتبة، وإن حدث منه ما شكوت منه. # والمعاملة وإن كثرت الفوائد التي أشرت إليها منها، فإنها قريبة إلى أحوال ~~الجبان الكسلان، الذي قد اقتنع بصلاح نفسه عن هداية غيره، وانفرد بعزلته عن ~~اجتذاب الخلق إلى ربهم. # فالصواب العكوف ms095 على العلم مع تلذيع النفس بأسباب المرققات تلذيعا لا يقدح ~~في كمال التشاغل بالعلم. # فإني لأكره لنفسي من جهة ضعف قلبي ورقته أن أكثر زيارة القبور، وأن أحضر ~~المحتضرين؛ لأن ذلك يؤثر في فكري، ويخرجني من حيز المتشاغلين بالعلم إلى ~~مقام الفكر في الموت، ولا أنتفع بنفسي مدة. # وفصل الخطاب في هذا أنه ينبغي أن يقاوم المرض بضده. # فمن كان قلبه قاسيا شديد القسوة، وليس عنده من المراقبة ما يكفه عن الخطأ ~~قاوم ذلك بذكر الموت ومحاضرة المحتضرين. # فأما من قلبه شديد الرقة فيكفيه ما به، بل ينبغي له أن يتشاغل بما ينسيه ~~ذلك لينتفع بعيشه، وليفهم ما يفتي به. # وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمزح ويسابق عائشة رضي الله عنها، ~~ويتلطف بنفسه؛ فمن سار سيرته عليه الصلاة والسلام فهم من مضمونها ما قلته ~~من ضرورة التلطف بالنفس. # فصل ساعة الاحتضار # من أظرف الأشياء إفاقة المحتضر عند موته، فإنه ينتبه انتباها لا يوصف، ~~ويقلق قلقا لا يحد، ويتلهف على زمانه الماضي. # ويود لو ترك كي يتدارك ما فاته ويصدق في توبته على مقدار يقينه بالموت، ~~ويكاد يقتل نفسه قبل موتها بالأسف. # ولو وجدت ذرة من تلك الأحوال في أوان العافية حصل كل مقصود من العمل ~~بالتقوى. # فالعاقل من مثل تلك الساعة وعمل بمقتضى ذلك. # فإن لم يتهيأ تصوير ذلك على حقيقته تخايله على قدر يقظته. # فإنه يكف كف الهوى ويبعث على الجد. # فأما من كانت تلك الساعة نصب عينيه كان كالأسير لها. # كما روي عن حبيب العجمي أنه كان إذا أصبح يقول لامرأته: إذا مت اليوم ~~ففلان يغسلني، وفلان يحملني. # وقال معروف لرجل صل بنا الظهر، فقال: إن صليت بكم الظهر لم أصل بكم ~~العصر، فقال: وكأنك تؤمل أن تعيش إلى العصر، نعوذ بالله من طول الأمل. # وذكر رجل رجلا بين يديه بغيبة، فجعل معروف يقول له: اذكر القطن إذا وضعوه ~~على عينيك. # فصل أهل الإشارة # ربما أخذ المتيقظ بيت شعر فأخذ منه إشارة فانتفع بها. # قال الجنيد: ms096 ناولني سري رقعة مكتوب فيها سمعت حاديا في طريق مكة شرفها ~~الله تعالى يقول: # أبكي وما يدريك ما يبكيني ... أبكي حذارا أن تفارقيني # وتقطعي حبلي وتهجريني # فانظر رحمك الله ووفقك، إلى تأثير هذه الأبيات عند سري حتى أحب أن يطلع ~~منها الجنيد على ما اطلع عليه، ولم يصلح للاطلاع على مثلها إلا الجنيد. # فإن أقواما فيهم كثافة طبع، وخشونة فهم. # قال بعضهم لما سمع مثل هذه. إلام يشار بهذه ؟. # إن كان الحق؛ فالحق عز وجل لا يشار إليه بلفظ تأنيث. # وإن كان إلى امرأة فأين الزهد ؟. PageV01P047 ولعمري إن هذا حدآء أهل ~~الغفلة إذا سمعوا مثل هذا، ولذلك ينهى عن سماع القصائد وأقوال أهل الغناء، ~~لأن الغالب حمل تلك الأبيات على مقاصد النفس، وغلبات الهوى. # ومن أين لنا مثل الجنيد وسري ؟. # وإذا وجدنا مثلهما فهما خبيران بما يسمعان. # وأما اعتراض هذا الكثيف الطبع فالجواب: أن سريا لم يأخذ الإشارة من ~~اللفظ، ولم يقس ذلك على مطلوبه فيصيره تأنيثا أو تذكيرا. # وإنما أخذ الإشارة من المعنى؛ فكأنه يخاطب حبيبه بمعنى الأبيات، فيقول: ~~أبكي حذارا من إعراضك وإبعادك. فهذا الحاصل له. # وما التفت قط إلى تذكير ولا إلى لفظ تأنيث فافهم هذا. # وما زال المتيقظون يأخذون الإشارة من مثل هذا حتى كانوا يأخذونها من هذا ~~الذي تقوله العامة ويلقبونه بكان وكان. # فرأيت بخط ابن عقيل عن بعض مشايخه الكبار أنه سمع امرأة تنشد: # غسلت له طول الليل ... فركت له طول النهار # خرج يعاين غيري ... زلق وقع في الطين # فأخذ من ذلك إشارة معناها: يا عبدي إني حسنت خلقك، وأصلحت شأنك، وقومت ~~بنيتك، فأقبلت على غيري، فانظر عواقب خلافك لي. # وقال ابن عقيل: وسمعت امرأة تقول: من هذا لكان. وكانت كلمة بقيت في قلقها ~~مدة: # كم كنت بالله أقول لك ... لذا التواني غائله # وللقبيح خميرة ... تبين بعد قليل # قال ابن عقيل: فما أوقعه من تخجيل على إهمالنا لأمور غدا تبين خمايرها ~~بين يدي الله تعالى. # فصل حساب الورعين # أمكنني تحصيل شيء من الدنيا بنوع ms097 من أنواع الرخص. # فكنت كلما حصل شيء منه فاتني من قلبي شيء، وكلما استنارت لي طريق ~~التحصيل، تجدد في قلبي ظلمة. # فقلت يا نفس السوء - الإثم حواز القلوب - وقد قال استفت قلبك فلا خير في ~~الدنيا كلها إذا كان في القلب من تحصيلها شيء أوجب نوع كدر. # وإن الجنة لو حصلت بسبب يقدح في الدين أو في المعاملة ما لذت، والنوم على ~~المزابل مع سلامة القلب من الكدر ألذ من تكآت الملوك. # وما زلت أغلب نفسي تارة وتغلبني أخرى، ثم تدعى الحاجة إلى تحصيل ما لا بد ~~لها منه. وتقول: فما أتعدى في الكسب المباح في الظاهر. # فقلت لها: أوليس الورع يمنع من هذا ؟ قالت: بلى. # قلت: أليست القوة في القلب تحصل به ؟ قالت: بلى. # قلت: فلا خير لك في شيء هذا ثمرته. # فخلوت يوما بنفسي فقلت لها: ويحك اسمعي أحدثك. # إن جمعت شيئا من الدنيا من وجه فيه شبهة أفأنت على يقين من إنفاقه ؟ ~~قالت: لا. # قلت: فالمحنة أن يحظى به الغير ولا تنالين إلا الكدر العاجل، والوزر الذي ~~لا يؤمن. # ويحك اتركي هذا الذي يمنع منه الورع لأجل الله فعامليه بتركه. # وكأنك لا تريدين أن لا تتركي إلا ما هو محرم فقط أو ما لا يصح وجهه. # أو ما سمعت أن من ترك شيئا لله عوضه لله خيرا منه ؟. # أما لك عبرة في أقوام جمعوا فحازه سواهم، وأملوا فما بلغوا مناهم ؟. # كم من عالم جمع كتبا كثيرة ما انتفع بها. # وكم من منتفع ما عنده عشرة أجزاء، وكم من طيب العيش لا يملك دينارين. # وكن من ذي قناطير منغص. # أما لك فطنة تتلمح أحوال من يترخص من وجه فيسلب منه من أوجه ؟. # ربما نزل المرض بصاحب الدار أو ببعض من فيها فأنفق في سنته أضعاف ما ترخص ~~في كسبه، والمتقي معافى. # فضجت النفس من لومي وقالت: إذا لم أتعد واجب الشرع فما الذي تريد مني ؟. # فقلت: لها أضن بك عن الغبن وأنت أعرف بباطن أمرك. # قالت: فقل لي ms098 ما أصنع. قلت: عليك بالمراقبة لمن يراك، ومثلي نفسك بحضرة ~~معظم من الخلق فإنك بين يدي الملك الأعظم يرى من باطنك ما لا يراه المعظمون ~~من ظاهرك. # فخذي بالأحوط، واحذري من الترخص في بيع اليقين، والتقوى بعاجل الهوى. # فإن ضاق الطبع مما تلقين فقولي له: مهلا، فما انقضت مدة الإشارة، والله ~~مرشدك إلى التحقيق، ومعينك بالتوفيق. # فصل جزاء الفسوق # ما زلت أسمع عن جماعة من الأكابر وأرباب المناصب إنهم يشربون الخمور ~~ويفسقون ويظلمون، ويفعلون أشياء توجب الحدود. # فبقيت أتفكر أقول متى يثبت على مثل هؤلاء ما يوجب حدا ؟ ولو ثبت فمن ~~يقيمه ؟. # وأستبعد هذا في العادة لأنهم في مقام احترام لأجل مناصبهم. # فبقيت أتفكر في تعطيل الحد الواجب عليهم، حتى رأيناهم قد نكبوا وأخذوا ~~مرات، ومرت عليهم العجائب. PageV01P048 فقوبل ظلمهم بأخذ أموالهم، وأخذت ~~منهم الحدود مضاعفة بعد الحبس الطويل، والقيد الثقيل، والذل العظيم. # وفيهم من قتل بعد ملاقاة كل شدة، فعلمت أنه ما يهمل شيء، فالحذر الحذر ~~فإن العقوبة بالمرصاد. # فصل الغنى من العافية # اجتهاد العاقل فيما يصلحه لازم له بمقتضى العقل والشرع. # فمن ذلك حفظ ماله، وطلب تنميته والرغبة في زيادته، لأنه سبب بقاء الإنسان ~~ماله فقد نهى عن التبذير فيه، فقيل له: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " ~~فاعلم أنه سبب لبقائه: " التي جعل الله لكم قياما " أي قواما لمعاشكم. # وقال عز وجل: " ولا تبسطها كل البسط " ، وقال تعالى: " ولا تبذر تبذيرا " ~~وقال تعالى: " لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " . # ومن فضيلة المال أن الله تعالى قال: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " ~~. وقال تعالى: " وأنفقوا في سبيل الله " وقال تعالى: " ينفقون أموالهم " ~~وقال تعالى: " لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح " ، وجعل المال نعمة، ~~وزكاته تطهيرا، فقال تعالى: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " . # وقال صلى الله عليه وسلم: نعم المال الصالح للرجل الصالح، وقال: ما نفعني ~~مال كمال أبي بكر. # وكان أبو بكر رضي الله عنه يخرج إلى التجارة ويترك رسول الله صلى ms099 الله ~~عليه وسلم فلا ينهاه عن ذلك. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لأن أموت بين شعبتي جبل أطلب كفاف وجهي ~~أحب إلي من أن أموت غازيا في سبيل الله. # وكان جماعة من الصحابة رضي الله عنهم يتجرون، ومن سادات التابعين سعيد ~~ابن المسيب. مات وخلف مالا، وكان يحتكر الزيت - أي ينفرد ببيعه - . # وما زال السلف على هذا ثم قد تعرض نوائب كالمرض يحتاج فيها إلى شيء من ~~المال فلا يجد الإنسان بدا من الاضطراب في طلبته، فيبذل عرضه أو دينه. # ثم للنفس قوة بدنية عند وجود المال، وهو معدود عند الأطباء من الأدوية. # وتلك حكمة وضعها الواضع. # وإنما نبغ أقوام طلبوا طريق الراحة فادعوا أنهم متوكلة وقالوا: نحن لا ~~نمسك شيئا. ولا نتزود لسفر، ورزق الأبدان يأتي. # وهذا على مضادة الشرع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة ~~المال. # وموسى عليه السلام لما سافر في طلب الخضر تزود. # ونبينا صلى الله عليه وسلم لما هاجر تزود، وأبلغ من هذا قوله تعالى: " ~~وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " . # ثم يدعي هؤلاء المتصوفة بغض الدنيا، فلا يفهمون ما الذي ينبغي أن يبغض. # ويرون زيادة الطلب للمال حرصا وشرها. # وفي الجملة إنما اخترعوا بآرائهم طريقا فيها شيء من الرهبانية إذا صدقوا. # وشيء من البهرجة إذا نصبوا شباك الصيد بالتزهد فسموا ما يصل إليهم من ~~الأرزاق فتوحا. # قال ابن قتيبة في غريب الحديث عند شرح قوله صلى الله عليه وسلم: واليد ~~العليا. # قال: هي المعطية. # قال فالعجب عندي من قوم يقولون هي الآخذة. # ولا أرى هؤلاء القوم إلا قوما استطابوا السؤال، فهم يحتجون للدناءة. # فأما الشرائع فأنها بريئة من حالهم، وفي الحديث: ضاق البلد بمواشي ~~إبراهيم ولوط عليهما السلام فافترقا. # وكان شعيب عليه السلام كثير المال. ثم قد ند طمعه في زيادة الأجر من موسى ~~عليه السلام فقال: " فإن أتممت عشرا فمن عندك " . # وكان ابن عقيل رحمه الله يقول: من قال إني لا أحب الدنيا فهو كذاب. # فإن يعقوب عليه ms100 السلام لما طلب منه ابنه يامين قال: " هل آمنكم عليه " . ~~فقالوا: " وتزداد كيل بعير " ؛ فقال: خذوه. # وقال بعض السلف: من ادعى بغض الدنيا فهو عندي كذاب إلى أن يثبت صدقه، ~~فإذا ثبت صدقه فهو مجنون. # وقد نفر جماعة من المتصوفة خلقا من الخلق عن الكسب، وأوحشوا بينهم وبينه، ~~وهو دأب الأنبياء والصالحين. # وإنما طلبوا طريق الراحة وجلسوا على الفتوح. # فإذا شبعوا رقصوا؛ فإذا انهضم الطعام أكلوا. # فإذا لاحت لهم حيلة على غني أوجبوا عليه دعوة، إما بسبب شكر أو بسبب ~~استغفار. # وأطم الطامات ادعاؤهم أن هذا قربة. # وقد انعقد إجماع العلماء أن من ادعى الرقص قربة إلى الله تعالى كفر. # فلو أنهم قالوا مباح كان أقرب حالا، وهذا لأن القرب لا تعرف إلا بالشرع، ~~وليس في الشرع أمر بالرقص ولا ندب إليه. PageV01P049 ولقد بلغني عن جماعة ~~منهم أنهم كانوا يوقدون الشمع في وجوه المردان وينظرون إليهم، فإذا سئلوا ~~عن ذلك سخروا بالسائل فقالوا: نعتبر بخلق الله !!!. # أفتراهم أقوى من النبي صلى الله عليه وسلم حين أجلس الشاب الذي وفد عليه ~~من وراء ظهره وقال: وهل كانت فتنة داود إلا من النظر ؟. # هيهات ! لقد تملك الشيطان تلك الأزمة فقادها إلى ما أراد. # والعجب ممن يذم الدنيا وهو يأكل فيشبع، ولا ينظر من أين المطعم. # وما زال صالحوا السلف يفتشون على المطعم حتى كان إبراهيم بن أدهم يسهر هو ~~وأصحابه ويقولون مع من نعمل غدا. # وكان سري السقطي يعرف بطيب الغذاء، وله في الورع مقامات، فجاء قوم يتسمون ~~بالصوفية يدعون أتباع أولئك السادة، ويأكلون من مال فلان، وهم يعرفون أصول ~~تلك الأموال، ويقولون رزقنا. # فواعجبا إذا كان الآكل لا يبالي به من أين، ولا لديه امتناع من شهوة ولا ~~تقلل، ولا يخلو الرباط من المطبخ، ولا ينقطع ليلة، وأصله من مال قد عرق من ~~أين هو والحمام دائر والمغني يدق بدف فيه جلاجل ورفيقه بالشبابة، وسعدى ~~وليلى في الإنشاد، والمردان في الشمع، ثم يذم الدنيا بعد هذا. # فقولوا لنا: من يتلهى بالناس ms101 إلا هؤلاء ؟ ولكن من مرت عليه زرجتهم فإنهم ~~أخس منهم. # فصل عجائب الكون # عرض لي في طريق الحج خوف من العرب فسرنا على طريق خيبر، فرأيت من الجبال ~~الهائلة والطرق العجيبة ما أذهلني، وزادت عظمة الخالق عز وجل في صدري، فصار ~~يعرض لي عند ذكر تلك الطرق نوع تعظيم لا أجده عند ذكر غيرها. # فصحت بالنفس: ويحك اعبري إلى البحر وانظري إليه وإلى عجائبه بعين الفكر، ~~تشاهدي أهوالا هي أعظم من هذه، ثم اخرجي عن الكون والتفتي إليه فإنك ترينه ~~بالإضافة إلى السموات والأفلاك كذرة في فلاة. # ثم جولي في الأفلاك وطوفي حول العرش وتلمحي ما في الجنان والنيران. # ثم اخرجي عن الكل والتفتي إليه، فإن تشاهدين العالم في قبضة القادر الذي ~~لا تقف قدرته عند حد. # ثم التفتي إليك فتلمحي بدايتك ونهايتك، وتفكري فيما قبل البداية، وليس ~~إلا العدم، وفيما بعد البلى وليس إلا التراب. # فكيف يأنس بهذا الوجود من نظر بعين فكره المبدأ والمنتهى ؟. # وكيف يغفل فعل القلوب عن ذكر هذا الإله العظيم ؟. # بالله لو صحت النفوس عن سكر هواها لذابت من خوفه، أو لغابت في حبه. # غير أن الحس غلب فعظمت قدرة الخالق عند رؤية جبل، وإن الفطنة لو تلمحت ~~المعاني لدلت القدرة عليه أو في من دليل الجبل. # سبحان من شغل أكثر الخلق بما هم فيه عما خلقوا له، سبحانه. # فصل الصبر على الألم # للبلايا نهايات معلومة الوقت عند الله عز وجل. # فلا بد للمبتلي من الصبر إلى أن ينقضي أوان البلاء. # فإن تقلقل قبل الوقت لم ينفع التقلقل، كما أن المادة إذا انحدرت إلى عضو ~~فإنها لن ترجع، فلا بد من الصبر إلى حين البطالة. # فاستعجال زوال البلاء مع تقدير مدته لا ينفع. # فالواجب الصبر وإن كن الدعاء مشروعا ولا ينفع إلا به، إلا أنه لا ينبغي ~~للداعي أن يستعجل بل يتعبد بالصبر والدعاء والتسليم إلى الحكيم. # ويقطع المواد التي كانت سببا للبلاء فإن غالب البلاء أن يكون عقوبة. # فأما المستعجل فمزاحم للمدبر وليس هذا ms102 مقام العبودية وإنما المقام الأعلى ~~هو الرضى والصبر هو اللازم. # والتلاحي بكثرة الدعاء نعم المعتمد، والاعتراض حرام والاستعجال مزاحمة ~~للتدبير، فافهم هذه الأشياء فإنها تهون البلاء. # فصل عون على الصبر # ليس في الوجود شيء أصعب من الصبر إما على المحبوب أو على المكروهات. # وخصوصا إذا امتد الزمان أو وقع اليأس من الفرج. # وتلك المدة تحتاج إلى زاد يقطع به سفرها، والزاد من أجناس. # فمنه تلمح مقدار البلاء وقد يمكن أن يكون أكثر. # ومنه أنه في حال فوقها أعظم منها مثل أن يبتلي بفقد ولد وعنده أعز منه. # ومن ذلك رجاء العوض في الدنيا. # ومنه تلمح الأجر في الآخرة. # ومنه التلذذ بتصوير المدح والثناء من الخلف فيما يمدحون عليه والأجر من ~~الحق عز وجل. # ومن ذلك بأن الجزع لا يفي بل يفضح صاحبه إلى غير ذلك من الأشياء التي ~~يقدحها العقل والفكر. # فليس في طريق الصبر نفقة سواها، فينبغي للصابر أن يشغل بها نفسه ويقطع ~~بها ساعات ابتلائه وقد صبح المنزل. # فصل اختيار الله أولى PageV01P050 ينبغي لمن وقع في شدة ثم دعا أن لا ~~يختلج في قلبه أمر من تأخير الإجابة أو عدمها. # لأن الذي إليه أن يدعو، والمدعو مالك حكيم، فإن لم يجب فعل ما يشاء في ~~ملكه، وإن أخر فعل بمقتضى حكمته. # فالمعترض عليه في سره خارج عن صفة عبد، مزاحم بمرتبة مستحق. # ثم ليعلم أن اختيار الله عز وجل له خير من اختياره لنفسه. # فربما سأل سيلا سال به وفي الحديث: أن رجلا كان يسأل الله عز وجل أن ~~يرزقه الجهاد فهتف به هاتف: إنك غزوت أسرت وإن أسرت تنصرت. # فإذا سلم العبد تحكيما لحكمته وحكمه وأيقن أن الكل ملكه طاب قلبه قضيت ~~حاجته أو لم تقض. # وفي الحديث: ما من مسلم دعا الله تعالى إلا أجابه. فإما أن يعجلها وإما ~~أن يؤخرها وإما أن يدخرها له في الآخرة. # فإذا رأى يوم القيامة أن ما أجيب فيه قد ذهب وما لم يجب فيه قد بقي ~~ثوابه، قال: ليتك ms103 لم تجب لي دعوة قط. # فافهم هذه الأشياء وسلم قلبك من أن يختلج فيه ريب أو استعجال. # فصل فضل العلم # من أراد أن يعرف رتبة العلماء على الزهاد فلينظر في رتبة جبريل وميكائيل ~~ومن خص من الملائكة بولاية تتعلق بالخلق، وباقي الملائكة قيام للتعبد في ~~مراتب الرهبان في الصوامع. # وقد حظي أولئك بالتقريب على مقادير علمهم بالله تعالى. # فإذا مر أحدهم بالوحي انزعج أهل السماء حتى يخبرهم بالخبر، فإذا فزع عن ~~قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم. قالوا الحق. كما إذا انزعج الزاهد من حديث ~~يسمعه سأل العلماء عن صحته ومعناه. # فسبحان من خص فريقا بخصائص شرفوا بها على جنسهم. # ولا خصيصة أشرف من العلم. بزيادته صار آدم مسجودا له وبنقصانه صارت ~~الملائكة ساجدة. # فأقرب الخلق من الله العلماء، وليس العلم بمجرد صورته هو النافع بل ~~معناه، وإنما ينال معناه من تعلمه للعمل به. # فكلما دله على فضل اجتهد في نيله وكلما نهاه عن نقص بالغ في تجنبه. # فحينئذ يكشف العلم له سره، ويسهل عليه طريقه، فيصير كمجتذب يحث الجاذب ~~فإذا حركه عجل في سيره. # والذي لا يعمل بالعلم لا يطلعه العلم على غوره ولا يكشف له عن سره، فيكون ~~كمجذوب لجاذب جاذبه. # فافهم هذا المثل وحسن قصدك وإلا فلا تتعب. # فصل التلطف مع النفس # اعلم أن أصلح الأمور الاعتدال في كل شيء وإذا رأينا أرباب الدنيا قد غلبت ~~آمالهم، وفسدت في الخير أعمالهم، أمرناهم بذكر الموت والقبور والآخرة. # فأما إذا كان العالم لا يغيب عن ذكره الموت. وأحاديث الآخرة تقرأ عليه ~~وتجري على لسانه فتذكاره الموت زيادة على ذلك لا تفيد إلا انقطاعه بالمرة. # بل ينبغي لهذا العالم الشديد الخوف من الله تعالى الكثير الذكر للآخرة أن ~~يشاغل نفسه عن ذكر الموت ليمتد نفسه أمله قليلا فيصنف ويعمل أعمال خير، ~~ويقدر على طلب ولد. # فأما إذا لهج بذكر الموت كانت مفسدته عليه أكثر من مصلحته. # ألم تسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق عائشة رضي الله عنها فسبقته ~~فسبقها، ms104 وكان يمزح ويشاغل نفسه ؟. # فإن مطالعة الحقائق على التحقيق تفسد البدن وتزعج النفس. # وقد روي عن أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: أنه سأل الله تعالى أن يفتح ~~عليه باب الخوف ففتح عليه فخاف على عقله. فسأل الله أن يرد ذلك عنه. # نتأمل هذا الأصل فإنه لا بد من مغالطة النفس وفي ذلك صلاحها والله الموفق ~~والسلام. # فصل التطلع إلى الأفضل # من أعمل فكره الصافي دله على طلب أشرف المقامات، ونهاه عن الرضى بالنقص ~~في كل حال. وقد قال أبو الطيب المتنبي: # ولم أر في عيوب الناس عيبا ... كنقص القادرين على التمام # فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يتصور للآدمي صعود ~~السموات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض. # ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض. # غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي أن يطلب الممكن. # والسيرة الجميلة عند الحكماء خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في ~~العلم والعمل. # وأنا أشرح من ذلك ما يدل مذكوره على مغفله. # أما في البدن: فليست الصورة داخلة تحت كسب الآدمي بل يدخل تحت كسبه ~~تحسينها وتزيينها. # فقبيح بالعاقل إهمال نفسه، وقد نبه الشرع على الكل بالبعض. فأمر بقص ~~الأظفار، ونتف الإبط، وحلقة العانة، ونهى عن أكل الثوم والبصل النيء لأجل ~~الرائحة. PageV01P051 وينبغي له أن يقيس على ذلك ويطلب غاية النظافة ونهاية ~~الزينة. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف مجيئه بريح الطيب فكان الغاية في ~~النظافة والنزاهة. # ولست آمر بزيادة التقشف الذي يستعمله الموسوس ولكن التوسط هو المحمود. # ثم ينبغي له أن يرفق ببدنه الذي هو راحلته ولا ينقص من قوتها فتنقص قوته. # ولست آمر بالشبع الذي يوجب الجشاء إنما آمر بالتوسط فإن قوى الآدمي كعين ~~جارية كم فيها من منفعة لصاحبها ولغيره. # ولا يلتفت إلى قول الموسوسين من المتزهدين الذين جدوا في التقلل فضعفوا ~~عن الفرائض. # وليس ذلك من الشرع ولا نقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه. # إنما كان الرسول ms105 صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا لم يجدوا جاعوا، وربما ~~آثروا فصبروا ضرورة. # وكذلك ينبغي أن ينظر لهذه الراحلة في علفها - فرب لقمة منعت لقمات - فلا ~~يعطيها ما يؤذيها بل ينظر لها في الأصلح ولا يتلفت إلى متزهد يقول لا ~~أبلغها الشهوات. # فإن النظر ينبغي أن يكون في حل المطعم وأخذ ما يصلح بمقدار. # ولم ينقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه رضي الله عنهم ما ~~أحدثه الموسوسون في ترك المشتهيات على الإطلاق. # إنما نقل عنهم تركها لسبب، إما للنظر في حلها، أو للخوف من مطالبة النفس ~~بها في كل وقت ويجوز ذلك. # وينبغي له أن يجتهد في التجارة والكسب ليفضل على غيره ولا يفضل غيره ~~عليه. # وليبلغ من ذلك غاية لا تمنعه عن العلم، ثم ينبغي له أن يطلب الغاية في ~~العلم. # ومن أقبح النقص التقليد، فإن قويت همته رقته إلى أن يختار لنفسه مذهبا ~~ولا يتمذهب لأحد. فإن المقلد أعمى يقوده مقلده. # ثم ينبغي أن يطلب الغاية في معرفة الله تعالى ومعاملته، وفي الجملة لا ~~يترك فضيلة يمكن تحصيلها إلا حصلها. فإن القنوع في حالة الأرذال. # فكن رجلا رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا # ولو أمكنك عبور كل أحد من العلماء والزهاد فافعل، فإنهم كانوا رجالا وأنت ~~رجل. # وما قعد من قعد بالا لدناءة الهمة وخساستها. # واعلم أنك في ميدان سباق والأوقات تنتهب. ولا تخلد إلى كسل. # فما فات ما فات إلا بالكسل. ولا نال من نال إلا بالجد والعزم. # وإن الهمة لتغلي في القلوب غليان ما في القدور، وقد قال بعض من سلف: # ليس لي مال سوى كري ... فبه أحيا من العدم # قنعت نفسي بما رزقت ... وتمطت في العلا هممي # فصل الفقر بلاء ومنقصة # ليس في الدنيا أنفع للعلماء من جمع المال للاستغناء عن الناس، فإنه إذا ~~ضم إلى العلم حيز الكمال. # وإن جمهور العلماء شغلهم العلم عن الكسب، فاحتاجوا إلى ما لا بد منه. # وقل الصبر فدخوا مداخل شانتهم وإن تأولوا فيها، إلا ms106 أن غيرها كان أحسن ~~لهم. فالزهري مع عبد الملك، وأبو عبيدة مع طاهر بن الحسين، وابن أبي الدنيا ~~مؤدب المعتضد، وابن قتيبة صدر كتابه بمدح الوزير. وما زال خلف من العلماء ~~والزهاد يعيشون في ظل جماعة من المعروفين بالظلم. # وهؤلاء وإن كانوا سلكوا طريقا من التأويل فإنهم فقدوا من قلوبهم وكمال ~~دينهم أكثر مما نالوا من الدنيا. # وقد رأينا جماعة من المتصوفة والعلماء يغشون الولاة لأجل نيل ما في ~~أيديهم، فمنهم من يداهن ويرائي، ومنهم من يمدح بما لا يجوز، ومنهم من يسكت ~~عن منكرات إلى غير ذلك من المداهنات وسببه الفقر. # فعلمنا أن كمال العز وبعد الرياء إنما يكون في البعد عن العمال الظلمة. # ولم نر من صح له هذا إلا في أحد رجلين. # إما من كان له مال كسعيد بن المسيب كان يتجر في الزيت وغيره، وسفيان ~~الثوري كانت له بضائع، وابن المبارك. # وإما من كان شديد الصبر قنوعا بما رزق وإن لم يكفه كبشر الحافي، وأحمد ~~ابن حنبل. # ومتى لم يجد الإنسان كصبر هذين، ولا كمال أولئك، فالظاهر تقلبه في المحن ~~والآفات. وربما تلف دينه. # فعليك يا طالب العلم بالاجتهاد في جمع المال للغنى عن الناس فإنه يجمع لك ~~دينك. فما رأينا في الأغلب منافقا في التدين والتزهد والتخشع ولا آفة طرأت ~~على عالم إلا بحب الدنيا، وغالب ذلك الفقر. # فإن كان له ما يكفيه ثم يطلب بتلك المخالطة الزيادة، فذلك معدود في أهل ~~الشره، خارج عن حيز العلماء، نعوذ بالله من تلك الأحوال. # فصل فضل الفقه PageV01P052 أعظم دليل على فضيلة الشيء النظر إلى ثمرته. ~~ومن تأمل ثمرة الفقه علم أنه أفضل العلوم. # فإن أرباب المذاهب فاقوا على الخلائق أبدا، وإن كان في زمن أحدهم من هو ~~أعلم منه بالقرآن أو بالحديث أبو باللغة. # واعتبر هذا بأهل زماننا فإنك ترى الشاب يعرف مسائل الخلاف الظاهرة ~~فيستغني ويعرف حكم الله تعالى في الحوادث ما لا يعرفه النحرير من باقي ~~العلماء. # وكما رأينا مبرزا في علم القرآن أو في ms107 الحديث أو في التفسير أو في اللغة ~~لا يعرف مع الشيخوخة معظم أحكام الشرع. # وربما جهل عمل ما ينويه في صلاته، على أنه ينبغي للفقيه ألا يكون أجنبيا ~~عن باقي العلوم. فإنه لا يكون فقيها. # بل يأخذ من كل علم بخط ثم يتوفر على الفقه فإنه عز الدنيا والآخرة. # فصل نقائض سببها استمكان الهوى # رأيت كثيرا من الناس يتحرزون من رشاش نجاسة ولا يتحاشون من غيبة، ويكثرون ~~من الصدقة ولا يبالون بمعاملات الربا، ويتهجدون بالليل ويؤخرون الفريضة عن ~~الوقت، في أشياء يطول عددها من حفظ فروع وتضييع أصول. # فبحثت عن سبب ذلك، فوجدته من شيئين: أحدهما العادة، والثاني غلبة الهوى ~~في تحصيل المطلوب، فإنه قد يغلب فلا يترك سمعا ولا بصرا. # ومن هذا القبيل أن إخوة يوسف قالوا - حين سمعوا صوت المنادي: " إنكم ~~لسارقون " - " لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين " ، فجاء ~~في التفسير أنهم لما دخلوا مصر كمموا أفواه إبلهم لئلا تتناول ما ليس لهم ~~فكأنهم قالوا قد رأيتم ما صنعنا بإبلنا فكيف نسرق، ونسوا هم تفاوت ما بين ~~الورع واختطاف أكلة لا يملكونها، وبين إلقاء يوسف عليه السلام في الجب ~~وبيعه بثمن بخس. # وفي الناس من يطيع في صغار الأمور دون كبارها، وفيما كلفته عليه خفيفة أو ~~معتادة، وفيما لا ينقص شيئا من عادته في مطعم وملبس. # نرى أقواما يأخذون ويقول أحدهم: كيف يراني عدوي بعد أن بعت داري، أو تغير ~~ملبوسي ومركوبي !. # ونرى أقواما يوسوسون في الطهارة ويستعملون الكثير من الماء ولا يتحاشون ~~من غيبة. # وأقواما يستعملون التأويلات الفاسدة في تحصيل أغراضهم مع علمهم أنها لا ~~تجوز. # حتى أني رأيت رجلا من أهل الخير والتعبد أعطاه رجل مالا ليبني به مسجدا، ~~فأخذه لنفسه وأنفق عوض الصحيح قراضة. فلما احتضر قال لذلك الرجل: اجعلني في ~~حل فإني فعلت كذا وكذا. # ونرى أقواما يتركون الذنوب لبعدهم عنها، فقد ألفوا الترك، وإذا قربوا ~~منها لم يتمالكوا. # وفي الناس من هذه الفنون عجائب يطول ذكرها. # وقد علمنا أن ms108 خلقا من علماء اليهود كانوا يحملون ثقل التعبد في دينهم، ~~فلما جاء الإسلام وعرفوا صحته لم يطيقوا مقاومة أهوائهم في محور رياستهم. # وكذلك قيصر فإنه عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدليل، ثم لم يقدر ~~على مقاومة هواه وترك ملكه. # فالله الله في تضييع الأصول ! ومن إهمال سرح الهوى. فإنه إن أهملت ماشية ~~نفشت في زروع التقى. # وما مثل الهوى إلا كسبع في عنقه سلسلة فإن استوثق منه ضابطه كفه. # وربما لاحت له شهواته الغالبة عليه فلم تقاومها السلسلة فأفلت. # على أن من الناس من يكف هواه بسلسلة، ومنهم من يكفه بخيط، فينبغي للعاقل ~~أن يحذر شياطين الهوى، وأن يكون بصيرا بما يقوى عليه من أعدائه وبمن يقوى ~~عليه. # فصل تجارب مع الناس # من أعظم الغلط الثقة بالناس والاسترسال إلى الأصدقاء. # فإن أشد الأعداء وأكثرهم أذى الصديق المنقلب عدوا، لأنه قد اطلع على خفي ~~السر، قال الشاعر: # احذر عدوك مرة ... واحذر صديقك ألف مرة # فلربما انقلب الصديق فكان أعم بالمضرة # واعلم أن من الأمر الموضوع في النفوس الحسد على النعم، أو الغبطة وحب ~~الرفعة، فإذا رآك من يعتقدك مثلا له وقد ارتقيت عليه فلا بد أن يتأثر وربما ~~حسد. # فإن قلت: كيف يبقى الإنسان بلا صديق ؟ قلت لك أتراك ما تعلم أن المجانس ~~يحسد، وأن أكثر العوام يعتقدون في العالم أنه لا يتبسم، ولا يتناول من ~~شهوات الدنيا شيئا، فإذا رأوا بعض انبساطه في المباح هبط من أعينهم. # فإذا كانت هذه حالة العوام، وتلك حالة الخواص، فمع من تكون المعاشرة ؟. # لا بل والله ما تصح المعاشرة مع النفس لأنها متلونة. PageV01P053 وليس ~~إلا المداراة للخلق والاحتراز منهم واتخاذ المعارف من غير طمع في صديق ~~صادق. # فإن ندر فيكن غير مماثل، لأن الحسد إليه أسبق. # وليكن مرتفعا عن رتبة العوام، غير طامع في نيل مقامك. # وإن كانت معاشرة هذا لا تشفي لأن المعاشرة ينبغي ان تكون بين العلماء ~~للمجانس فلزمهم من الإشارات في المخالطة ما تطيب به المجالسة، ولكن لا سبيل ms109 ~~إلى الوصال. # ومثل هذه الحال أنك إن استخدمت الأذكياء عرفوا باطنك، وإن استخدمت البله ~~انعكست مقاصدك. # فاجعل الأذكياء لحوائجك الخارجة. والبله لحوائجك في منزلك لئلا يعلموا ~~أسرارك. # واقنع من الأصدقاء، بمن وصفته لك، ثم لا تلقه إلا متدرعا درع الحذر، ولا ~~تطلعه على باطن يمكن أن يستر عنه، وكن كما يقال عن الذئب: # ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخى الأعادي فهو يقظان هاجع # فصل علماء الدنيا # رأيت نفرا ممن أفنى أوائل عمره وريعان شبابه في طلب العلم يصبر على أنواع ~~الأذى، وهجر فنون الراحات، أنفقه من الجهل، ورذيلته، وطلبا للعلم، وفضيلته. # فلما نال منه طرفا رفعه عن مراتب أرباب الدنيا، ومن لا علم له إلا ~~بالعاجل ضاق به معاشه أو قل ما ينشده لنسفه من حظوظ. # فسافر في البلاد يطلب من الأرذال، ويتواضع للسفلة وأهل الدناءة والمكاس ~~وغيرهم. # فخاطبت بعضهم وقلت: ويحك أين تلك الأنفة من الجهل التي سهرت لأجلها. # وأظمأت نهارك بسببها، فلما ارتفعت وانتفعت عدت إلى أسفل سافلين. # أفما بقي عندك ذرة من الأنفة تنبو به عن مقامات الأرذال ؟. # ولا معك يسير من العلم يسير بك عن مناخ الهوى ؟. # ولا حصلت بالعلم قوة تجذب بها زمام النفس عن مراعي السوء ؟. # على أنه يبين لي أن سهرك وتعبك كأنهما كانا لنيل الدنيا. # ثم إني أراك تزعم أنك تريد شيئا من الدنيا تستعين به على طلب العلم، ~~فاعلم أن التفاتك إلى نوع كسب تستغني به عن الأرذال أفضل من التزيد في ~~علمك. # فلو عرفت ما ينقص به دينك لم تر ف ما قد عزمت عليه زيادة، بل لعله كله ~~مخاطرة بالنفس، وبذل الوجه الذي طالما صين لمن لا يصلح التفات مثلك إلى ~~مثله. # وبعيد أن تقنع بعد شروعك في هذا الأمر بقدر الكفاف، وقد علمت ما في ~~السؤال بعد الكفاف من الإثم. # وأبعد منه أن تقدر على الورع في المأخوذ. # ومن لك بالسلامة والرجوع إلى الوطن ؟. وكم رمى قفر في بواديه من هالك. # ثم ما تحصله يفنى ويبقى منه ما أعطى، ms110 وعيب المتقين إياك، واقتداء ~~الجاهلين بك. # ويكفيك أنك عدت على ما علمت من ذم الدنيا بشينه إذ فعلت ما يناقضه، خصوصا ~~وقد مر أكثر العمر. # ومن أحسن فيما مضى يحسن فيما بقي. # فصل التخطيط لتحصيل العلوم النافعة # رأيت الشره في تحصيل الأشياء يفوت الشره عليه مقصوده. # وقد رأينا من كان شرها في جمع المال فحصل له الكثير منه وهو مع ذلك حريص ~~على الازدياد. # ولو فهم، علم أن المراد من المال إنفاقه في العمر، فإذا أنفق العمر في ~~تحصيله فات المقصودان جميعا: وكم رأينا من جمع المال ولم يتمتع به فأبقاه ~~لغيره وأفنى نفسه كما قال الشاعر: # كدودة القز، ما تبنيه يهدمها ... وغيرها بالذي تبنيه ينتفع # وكذلك رأينا خلقا يحرصون على جمع الكتب فينفقون أعمارهم في كتابتها، ~~وكدأب أهل الحديث ينفقون الأعمار في النسخ والسماع إلى آخر العمر ثم ~~ينقسمون. # فمنهم من يتشاغل بالحديث وعلمه وتصحيحه ولعله لا يفهم جواب حادثة، ولعل ~~عنده للحديث - أسلم سالما الله - مائة طريق. # وقد حكي لي عن بعض أصحاب الحديث أنه سمع جزء بن عرفة عن مائة شيخ، وكان ~~عنده سبعون نسخة. # ومنهم من يجمع الكتب ويسمعها ولا يدري ما فيها من صحة حديثها ولا من فهم ~~معناها، فتراه يقول الكتاب الفلاني سماعي وعندي له نسخة، والكتاب الفلاني ~~والفلاني فلا يعرف علم ما عنده من حيث فهم صحيحه من سقيمه. # وقد صده اشتغاله بذلك عن المهم من العلم فهم كما قال الحطيئة: # زوامل للأخبار لا علم عندها ... بمثقلها إلا كعلم الأباعر # لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأوساقه أوراح في الغرائر # ثم ترى منهم من يتصدر بإتقانه للرواية وحدها فيمد يده إلى ما ليس من ~~شغله، فإن أفتى أخطأ، وإن تكلم في الأصول خلط. PageV01P054 ولولا أني لا ~~أحب ذكر الناس لذكرت من أخبار كبار علمائهم وما خلطوا ما يعتبر به، ولكنه ~~لا يخفى على المحقق حالهم. # فإن قال قائل: أليس في الحديث منهومان لا يشبعان، طالب علم وطالب دنيا ؟. # قلت: أما العالم فلا أقول ms111 له اشبع من العلم، والا اقتصر على بعضه. # بل أقول له: قدم المهم فإن العاقل من قدر عمره وعمل بمقتضاه، وإن كان لا ~~سبيل إلى العلم بمقدار العمر، غير أنه يبني على الأغلب. # فإن وصل فقد أعد لكل مرحلة زادا، وإن مات قبل الوصول فنيته تسلك به. # فإذا علم العاقل أن العمر قصير، وأن العلم كثير، فقبيح بالعاقل الطالب ~~لكماله الفضائل أن يتشاغل مثلا بسماع الحديث ونسخه ليحصل كل طريق، وكل ~~رواية، وكل غريب. # وهذا لا يفرغ من مقصوده منه في خمسين سنة خصوصا إن تشاغل بالنسخ. # ثم لا يحفظ القرآن. # أو يتشاغل بعلوم القرآن ولا يعرف الحديث. # أو بالخلاف في الفقه ولا يعرف النقل الذي عليه مدار المسألة. # فإن قال قائل: فدبر لي ما تختار لنفسك. # فأقول: ذو الهمة لا يخفي من زمان الصبا. # كما قل سفيان بن عيينة: قال لي أبي - وقد بغت خمس عشرة سنة - إنه قد ~~انقضت عنك شرائع الصبا، فاتبع الخير تكن من أهله، فجعلت وصية أبي قبلة أميل ~~إليها ولا أميل عنها. # كما قال سفيان بن عيينة: قال لي أبي - وقد بلغت خمس عشرة سنة - إنه قد ~~انقضت عنك شرائع الصبا، فاتبع الخير تكن من أهله، فجعلت وصية أبي قبلة أميل ~~إليها ولا أميل عنها. # ثم قبل شروعي في الجواب أقول: ينبغي لمن له أنفة أن يأنف من التقصير ~~الممكن دفعه عن النفس. # فلو كانت النبوة مثلا تأتي بكسب لم يجز له أن يقنع بالولاية. # أو تصور أن يكون مثلا خليفة لم يحسن به أن يقتنع بإمارة. # ولو صح له أن يكون ملكا لم يرض أن يكون بشرا. # والمقصود أن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن لها في العلم والعمل. # وقد علم قصر العمر وكثرة العلم فيبتدىء بالقرآن وحفظه، وينظر في تفسيره ~~نظرا متوسطا لا يخفى عليه بذلك منه شيء. # وإن صح له قراءة القراءات السبعة وأشياء من النحو وكتب اللغة وابتدأ ~~بأصول الحديث من حيث النقل كالصحاح والمسانيد والسنن، ومن حيث عليم الحديث ~~كمعرفة ms112 الضعفاء والأسماء، فلينظر في أصول ذلك. # وقد رتبت العلماء من ذلك ما يستغني به الطالب عن التعب. # ولينظر في التواريخ ليعرف ما لا يستغني عنه كنسب الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وأقاربه وأزواجه وما جرى له. # ثم ليقبل على الفقه فلينظر في المذهب والخلاف، وليكن اعتماده على مسائل ~~الخلاف فلينظر في المسألة وما تحتوي عليه فيطلبه من مظانه، كتفسير آية ~~وحديث وكلمة لغة. # ويتشاغل بأصول الفقه وبالفرائض وليعلم أن الفقه عليه مدار العلوم. # ويكفيه من النظر في الأصول ما يستدل به على وجود الصانع، فإذا أثبته ~~بالدليل وعرف ما يجوز عليه مما لا يجوز، وأثبت إرسال الرسل وعلم وجوب ~~القبول منهم، فقد احتوى على المقصود من علم الأصول. # فإن اتسع الزمان للتزيد من العلم فليكن من الفقه فإنه الأنفع. # ومهما فسح له في المهل فأمكنه تصنيف في علم، فإنه يخلف بذلك خلفه خلفا ~~صالحا. # مع اجتهاده في التسبب إلى اتخاذ الولد. # ثم يعلم أن الدنيا معبرة فيلتفت إلى فهم معاملة الله عز وجل، فإن مجموع ~~ما حصله من العلم يدله عليه. # فإذا تعرض لتحقيق معرفته ووقف على باب معاملته فقل أن يقف صادقا إلا ~~ويجذب إلى مقام الولاية. # ومن أريد وفق. # وإن الله عز وجل أقواما يتولى تربيتهم ويبعث إليهم في زمن الطفولية ~~مؤدبا، ويسمى العقل. ومقوما، ويقال له الفهم، ويتولى تأديبهم وتثقيفهم، ~~ويهيء لهم أسباب القرب منه. # فإن لاح قاطع قطعهم عنه حماهم منه، وإن تعرضت بهم فتنة دفعها عنهم. # فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم، ونعوذ به من خذلان لا ينفع معه ~~اجتهاد. # فصل نضح السرائر # إن للخلوة تأثيرات تبين في الجلوة، كم من مؤمن بالله عز وجل يحترمه عند ~~الخلوات فيترك ما يشتهي حذرا من عقابه، أو رجاء لثوابه، أو إجلالا له، ~~فيكون بذلك الفعل كأنه طرح عودا هنديا على مجمر فيفوح طيبه فيستنشقه ~~الخلائق ولا يدرون أين هو. # وعلى قدر المجاهدة في ترك ما يهوى تقوى محبته، أو على مقدار زيادة دفع ~~ذلك المحبوب المتروك ms113 يزيد الطيب، ويتفاوت تفاوت العود. PageV01P055 فترى ~~عيون الخلق تعظم هذا الشخص وألسنتهم تمدحه ولا يعرفون لم. # ولا يقدرون على وصفه لبعدهم عن حقيقة معرفته. # وقد تمتد هذه الأرابيح بعد الموت على قدرها، فمنهم من يذكر بالخير مدة ~~مديدة ثم ينسى. # ومنهم من يذكر مائة سنة ثم يخفي ذكره وقبره. # ومنهم أعلام يبقى ذكرهم أبدا. # وعلى عكس هذا من هاب الخلق، ولم يحترم خلوته بالحق. # فإنه على قدر مبارزته بالذنوب وعلى مقادير تلك الذنوب، يفوح منه ريح ~~الكراهة فتمقته القلوب. # فإن قل مقدار ما جنى قل ذكر الألسن له بالخير، وبقي مجرد تعظيمه. # وإن كثر كان قصارى الأمر سكوت الناس عنه لا يمدحونه ولا يذمونه. # ورب خال بذنب كان سبب وقوعه في هوة شقوة في عيش الدنيا والآخرة وكأنه قيل ~~له: إبق بما آثرت فيبقى أبدا في التخبيط. # فانظروا إخواني إلى المعاصي أثرت وعثرت. # قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إن العبد ليخلو بمعصية الله تعالى فيلقي ~~الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر. # فتلمحوا ما سطوته، واعرفوا ما ذكرته. ولا تهملوا خلواتكم ولا سرائركم، ~~فإن الأعمال بالنية، والجزاء على مقدار الإخلاص. # فصل الأقدار والأسباب # من عرف جريان الأقدار ثبت لها. # وأجهل الناس بعد هذا من قاواها، لأن مراد المقدر الذل له. # فإذا قاويت القدر فنلت مرادك من ذلك لم يبق لك ذل. # مثال هذا: أن يجوع الفقير فيصبر قدر الطاقة، فإذا عجز خرج إلى سؤال الخلق ~~مستحيا من الله كيف يسألهم. # وإن كان له عذر بالحاجة التي ألجأته، غير أنه يرى أنه مغلوب الصبر فيبقى ~~معتذرا مستحيا وذاك المراد منه. # أو ليس بخروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فلا يقدر على العود إليها ~~حتى يدخل في خفارة المطعم بن عدي وهو كافر. # فسبحان من ناط الأمور بالأسباب، ليحصل ذل العارف بالحاجة إلى التسبب. # فصل محك الحوادث # سبحان المتصرف في خلقه بالاغتراب والإذلال ليبلو صبرهم، ويظهر جواهرهم في ~~الابتلاء. # هذا آدم صلى الله عليه وسلم تسجد له ms114 الملائكة ثم بعد قليل يخرج من الجنة. # وهذا نوح عليه السلام يضرب حتى يغشى عليه ثم بعد قليل ينجو في السفينة ~~ويهلك أعداؤه. # وهذا الخليل عليه السلام يلقى في النار ثم بعد قليل يخرج إلى السلامة. # وهذا الذبيح يضطجع مستسلما ثم يسلم ويبقى المدح. # وهذا يعقوب عليه السلام يذهب بصره بالفراق ثم يعود بالوصول. # وهذا الكليم عليه السلام يشتغل بالرعي ثم يرقى إلى التكليم. # وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقال له بالأمس اليتيم ويقلب في ~~عجائب يلاقيها من الأعداء تارة ومن مكائد الفقر أخرى، وهو أثبت من جبل ~~حراء. ثم لما تم مراده من الفتح، وبلغ الغرض من أكبر الملوك وأهل الأرض نزل ~~به ضيف النقلة، فقال: واكرباه. # فمن تلمح بحر الدنيا وعلم كيف تتلقى الأمواج، وكيف يصبر على مدافعة ~~الأيام لم يستهول نزول بلاء، ولم يفرح بعاجل رخاء. # فصل في رياضة النفس # ينبغي للعاقل أن لا يقدم على العزائم حتى يزن نفسه هل يطيقها ؟ ويجرب ~~نفسه في ركوب بعضها سرا من الخلق فإنه لا يأمن أن يرى في حالة لا يصبر ~~عليها، ثم يعود فيفتضح. # مثله: رجل سمع بذكر الزهاد فرمى ثيابه الجميلة ولبس الدون وانفرد في ~~زاوية، وغلب على قلبه ذكر الموت والآخرة، فلم يلبث متقاضي الطبع أن ألح بما ~~جرت به العادة. # فمن القوم من عاد بمرة إلى أكثر مما كان عليه كأكل الناقه من مرض. # ومنهم من توسط الحال فبقي كالمذبذب. # وإنما العاقل هو الذي يستر نفسه بين الناس بثوب وسط لا يخرجه من أهل ~~الخير، ولا يدخله في زي أهل الفاقة. # فإن قويت عزيمته في بيته ما يطيق، وترك ثوب التجمل لستر الحال، ولم يظهر ~~شيئا للخلق، فإنه أبعد من الرياء، وأسلم من الفضيحة. # وفي الناس من غلب عليه قصر الأمل وذكر الآخرة حتى دفن كتب العلم. # وهذا الفعل عندي من أعظم الخطأ وإن كان منقولا عن جماعه من الكبار. # ولقد ذكرت هذا لبعض مشايخنا فقال: أخطأوا كلهم وقد تأولت لبعضهم بأنه كان ms115 ~~فيها أحاديث عن قوم ضعفاء ولم يميزوها، كما روي عن سفيان في دفن كتبه. # أو كان فيها شيء من الرأي فلم يحبوا أن يؤخذ عنهم فكان من جنس تحريق ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه للمصاحف لئلا يؤخذ بشيء مما فيها من المجمع على ~~غيره. # وهذا التأويل يصح في حق علمائهم. PageV01P056 فأما غسل أحمد بن أبي ~~الحواري كتبه وابن أسباط فتفريط محض. # فالحذر الحذر من فعل يمنع منه الشرع أو من ارتكاب ما يظن عزيمة وهو ~~خطيئة، أو من إظهار ما لا يقوى عليه المظهر فيرجع القهقرى. # وعليكم من العمل بم تطيقون كما قال صلى الله عليه وسلم. # فصل أهوال الآخرة # أجهل الجهال من آثر عاجلا على آجل لا يأمن سوء مغبته. # فكم قد سمعنا عن سلطان وأمير صاحب مال أطلق نفسه في شهواتها، ولم ينظر في ~~حلال وحرام فنزل به من الندم وقت الموت أضعاف ما التذ، ولقي من مرير ~~الحسرات ما لا يقاومه ولا ذرة من كل لذة. # ولو كان هذا فحسب لكفى حزنا كيف والجزاء الدائم بين يديه. # فالدنيا محبوبة للطبع لا ريب في ذلك ولا أنكر على طالبها ومؤثر شهواتها. # ولكن ينبغي له أن ينظر في كسبها ويعلم وجه أخذها، ليسلم له عاقبة لذته. # وإلا فلا خير في لذة من بعدها نار. # وهل عد في العقلاء قط من قيل له: اجلس في المملكة سنة ثم نقتلك. # هيهات بل الأمر بالعكس وهو أن العاقل من صابر مرارة الجهد سنة بل سنين ~~ليستريح في عاقبته. # وفي الجملة أف للذة أعقبت عقوبة. # وقد أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أخبرنا أبو بكر الخطيب قال ~~أخبرنا الحسن بن أبي طالب قال حدثنا يوسف بن عمر القواس قال حدثنا الحسين ~~بن إسماعيل إملاء قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا محمد بن مسلمة ~~البلخي قال حدثنا محمد بن علي القوهستاني قال حدثنا دلف بن أبي دلف، قال: ~~رأيت كأن آتيا بعد موت أبي فقال: أجب الأمير. فقمت معه، ms116 فأدخلني دار وحشة ~~وعرة سوداء الحيطان، مقلعة السقوف والأبواب، ثم أصعدني درجا فيها، ثم ~~أدخلني غرفة، فإذا في حيطانها أثر النيران، وإذا في أرضها أثر الرماد وإذا ~~أبي عريان واضعا رأسه بين ركبتيه فقال لي كالمستفهم: دلف، قلت: نعم أصلح ~~الله الأمير ؟ فأنشأ يقول: # أبلغن أهلنا ولا تخف عنهم ... ما لقينا في البرزخ الخفاق # قد سئلنا عن كل ما قد فعلنا ... فارحموا وحشتي وما قد ألاقي # أفهمت، قلت: نعم ؟ فأنشأ يقول: # فلو أنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي # ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شيء # فصل جوانب الفضل # اللذات كلها بين حسي وعقلي، فنهاية اللذات الحسية وأعلاها النكاح. # وغاية اللذات العقلية العلم، فمن حصلت له الغايتان في الدنيا فقد نال ~~النهاية، وأنا أرشد الطالب إلى أعلى المطلوبين، غير أن للطالب المرزوق ~~علامة وهو أن يكون مرزوقا علو الهمة وهذه الهمة تولد مع الطفل فتراه من زمن ~~طفولته يطلب معالي الأمور. # كما يروي في الحديث أن كان لعبد المطلب مفرش في الحجر فكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يأتي وهو طفل فيجلس عليه، فيقول عبد المطلب: إن لابني هذا ~~شأنا. # فإن قال قائل: فإذا كانت لي همة ولم أرزق ما أطلب فما الحيلة ؟. # فالجواب أنه إذا امتنع الرزق من نوع لم يمتنع من نوع آخر. # ثم من البعيد أن يرزقك همة ولا يعينك، فانظر في حالك فلعله أعطاك شيئا ما ~~شكرته، أو ابتلاك بشيء من الهوى ما صبرت عنه. # واعلم أنه ربما روي عنك من لذات الدنيا كثيرا ليؤثرك بلذات العلم، فإنك ~~ضعيف ربما لا تقوى على الجمع، فهو أعلم بما يصلحك. # وأما ما أردت شرحه لك فإن الشاب المبتدىء طلب العلم ينبغي له أن يأخذ من ~~كل علم طرفا، ويجهل علم الفقه الأهم، ولا يقصر في معرفة النقل؛ فبه تبين ~~سير الكاملين. # وإذا رزق فصاحة من حيث الوضع، ثم أضيف إليها معرفة اللغة والنحو فقد شحذت ~~شفرة لسانه على أجود مسن. # ومتى أدى العلم لمعرفة ms117 الحق وخدمة الله عز وجل فتحت له أبواب لا تفتح ~~لغيره. # وينبغي له بالتلطف أن يجعل جزءا من زمانه مصروفا إلى توفير الاكتساب ~~والتجارة، مستنيبا فيها، غير مباشر لها مع التدبير في العيش الممتنع من ~~الإسراف والتبذير. # فإن رواية العلم والعمل به إلى درجة المعرفة لله عز وجل آسرة للمشاعر، ~~فربما شغلته لذة ما وصل إليه عن كل شيء، ويا لها حالة سليمة من آفة. # وإن وجد من طبعه منازعا إلى الشوق في النكاح فليتخير السراري في الأغلب ~~غل. # وليعزل عن المملوكات إلى أن يجرب خلقهن ودينهن. # فإن رضين طلب الولد منهن، وإلا فالاستبدال بهن سهل. PageV01P057 ولا ~~يتزوج حرة إلا أن يعلم أنها تصبر على التزويج عليها والتسري، وليكن قصده ~~الاستمتاع بها لا إجهاد النفس في الإنزال. # فإن ذلك يهدم قوته فيضعف الأصل. # فهذه الحالة الجامع من لذتي الحس والعقل ذكرتها على وجه الإشارة. # وفهم الذكي يميل عليه ما لم أشرحه. # ؟فصل شروط التعلم والحفظ أعلم أن المتعلم يفتقر إلى دوام الدراسة، ومن ~~الغلط الانهماك في الإعادة ليلا ونهارا، فإنه لا يلبث صاحب هذه الحال إلا ~~أياما ثم يفتر أو يمرض. # وقد روينا أن الطبيب دخل على أبي بكر بن الأنباري في مرض موت، فنظر إلى ~~مائة كتاب وقال: قد كنت تفعل شيئا لا يفعله أحد، ثم خرج فقال: ما يجيء منه ~~شيء. # فقيل له: ما الذي كنت تفعل ؟ قال: كنت أعيد كل أسبوع عشرة آلاف ورقة من ~~الغلط تحمل القلب حفظ الكثير من فنون شتى، فإن القلب جارحة من الجوارح، ~~وكما أن من الناس من يحمل المائة رطل ومنهم من يعجز عن عشرين رطلا، فكذلك ~~القلوب. # فليأخذ الإنسان على قدر قوته ودونها، فإنه إذا استنفدها في وقت ضاعت منه ~~أوقات. # كما أن الشره يأكل فضل لقيمات فيكون سببا إلى منع أكلات. # والصواب أن يأخذ قدر ما يطيق ويعيده في وقتين من النهار والليل. # ويرفه القوي في بقية الزمان، والدوام أصل عظيم. # فكم ممن ترك الاستذكار بعد الحفظ فضاع زمن ms118 طويل في استرجاع محفوظ. # وللحفظ أوقات من العمر فأفضلها الصبا وما يقاربه من أوقات الزمان. # وأفضلهما إعادة الأسحار وأنصاف النهار، والغدوات خير من العشيات، وأوقات ~~الجوع خير من أوقات الشبع. # ولا يحمد الحفظ بحضرة خضرة وعلى شاطىء نهر، لأن ذلك يلهي. # والأماكن العالية للحفظ خير من السوافل. # والخلوة أصل وجمع الهم أصل الأصول. # وترفيه النفس من الإعادة يوما في الأسبوع ليثبت المحفوظ وتأخذ النفس قوة ~~كالبنيان يترك أياما حتى يستقر ثم يبني عليه. # وتقليل المحفوظ مع الدوام أصل عظيم، وأن لا يشرع في فن حتى يحكم ما قبله. # ومن لم يجد نشاطا للحفظ فليتركه، فإن مكابرة النفس لا تصلح. # وإصلاح المزاج من الأصول العظيمة، فإن للمأكولات أثرا في الحفظ. # قال الزهري: ما أكلت خلا منذ عالجت الحفظ. # وقيل لأبي حنيفة: بم يستعان على حفظ الفقه ؟ قال: بجمع الهم. # وقال حماد بن سلمة: بقلة الغم. # وقال مكحول: من نظف ثوبه قل همه، ومن طابت ريحه زاد عقله، ومن جمع بينهما ~~زادت مروءته. # وأختار للمبتدي في طلب العلم أن يدافع النكاح مهما أمكن فإن أحمد بن حنبل ~~لم يتزوج حتى تمت له أربعون سنة، وهذا لأجل جمع الهم. # فإن غلب عليه الأمر تزوج واجتهد في المدافعة بالفعل لتتوفر القوة على ~~إعادة العلم. # ثم لينظر ما يحفظ من العلم فإن العمر عزيز والعلم غزير. # وإن أقواما يصرفون الزمان إلى حفظ ما غيره أولى منه، وإن كان كل العلوم ~~حسنا، ولكن الأولى تقديم الأهم والأفضل. # وأفضل ما تشوغل به حفظ القرآن ثم الفقه، وما عبد هذا بمنزلة تابع، ومن ~~رزق يقظة دلته يقظته فلم يحتج إلى دليل، ومن قصد وجه الله تعالى بالعلم ~~دله، المقصود على الأحسن: " وات؟قوا الله ويعلمكم الله " . # فصل بين الخطأ والتوبة # من أراد دوام العافية والسلامة فليتق الله عز وجل. # فإنه ما من عبد أطلق نفسه في شيء ينافيه التقوى وإن قل إلا وجد عقوبته ~~عاجلة أو آجلة. # ومن الاغترار أن تسيء فترى إحسانا فتظن أنك قد سومحت، وتنسى: " من ms119 يعمل ~~سوءا يجز به " . # وربما قالت النفس: إنه يغفر فتسامحت ولا شك أنه يغفر ولكن لمن يشاء. # وأنا أشرح لك حالا فتأمله بفكرك تعرف معنى المغفرة. # وذلك أن من هفا هفوة لم يقصدها ولم يعزم عليها قبل الفعل ولا عزم على ~~العود بعد الفعل ثم انتبه لما فعل فاستغفر الله كان فعله وإن دخله عمدا في ~~مقام خطأ. # مثل أن يعرض له مستحسن فيغلبه الطبع فيطلق النظر ويتشاغل في حال نظره ~~بالتذاذ الطبع عن تلمح معنى النهي، فيكون كالغائب أو كالسكران، فإذا انتبه ~~لنفسه ندم على فعله فقام الندم بغسل تلك الأوساخ التي كانت كأنها غلطة لم ~~تقصد. # فهذا معنى قوله تعالى: " إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ~~" . PageV01P058 فأما المداوم على تلك النظرة المردد لها، المصر عليها، ~~فكأنه في مقام متعمد للنهي مبارز بالخلاف فالعفو يبعد عنه بمقدار إصراره. # ومن البعد أن لا يرى الجزاء على ذلك، كما قال ابن الجلاء: رآني شيخي وأنا ~~قائم أتأمل حدثا نصرانيا، ما هذا ؟ لترين غبها ولو بعد حين، فنسيت القرآن ~~بعد أربعين سنة. # واعلم أنهم من أعظم المحن الاغترار بالسلامة بعد الذنب، فإن العقوبة ~~تتأخر. # ومن أعظم العقوبة أن لا يحس الإنسان بها، وأن تكون في سلب الدين وطمس ~~القلوب وسوء الاختيار للنفس، فيكون من آثارها سلامة البدن وبلوغ الأغراض. # قال بعض المعتبرين: أطلقت نظري فيما لا يحل لي، ثم كنت أنتظر العقوبة، ~~فألجئت إلى سفر طويل لا نية لي فيه، فلقيت المشاق، ثم أعقبت ذلك موت أعز ~~الخلق عندي، وذهاب أشياء كان لها وقع عظيم عندي، ثم تلافيت أمري بالتوبة ~~فصلح حالي. # ثم عاد الهوى فحملين على إطلاق بصري مرة أخرى، فطمس قلبي وعدمت رقته، ~~واستلب مني ما هو أكثر من فقد الأول، ووقع لي تعويض عن المفقود بما كان ~~فقده أصلح. # فلما تأملت ما عوضت وما سلب مني صحت من ألم تلك السياط. # فها أنا أنادي من على الساحل: إخواني احذروا لجة هذا البحر، ولا تغتروا ~~بسكونه، وعليكم ms120 بالساحل، ولازموا حصن التقوى فالعقوبة مرة. # واعلموا أن في ملازمة التقوى مرارات من فقد الأغراض والمشتهيات، غير أنها ~~في ضرب المثل كالحمية تعقب صحة، والتخليط ربما جلب موت الفجأة. # وبالله لو نمتم على المزابل مع الكلاب في طلب رضى المبتلي كان قليلا في ~~نيل رضاه. # ولو بلغتم نهاية الأماني من أغراض الدنيا مع إعراضه عنكم كانت سلامتكم ~~هلاكا، وعافيتكم مرضا، وصحتكم سقما والأمر بآخره، والعاقل من تلمح العواقب. # وصابروا رحمكم الله تعالى هجير البلاء فما أسرع زواله. # والله الموفق إذ لا حول إلا به ولا قوة إلا بفضله. # فصل خطر الجدل على العامة # قدم إلى بغداد جماعة من أهل البدع الأعاجم فارتقوا منابر التذكير للعوام، ~~فكان معظم مجالسهم أنهم يقولون: ليس لله في الأرض كلام. وهل المصحف إلا ورق ~~وعفص وزاج. وإن الله ليس في السماء وإن الجارية التي قال لها النبي صلى ~~الله عليه وسلم أين الله ؟ كانت خرساء فأشارت إلى السماء. أي ليس هو من ~~الأصنام التي تعبد في الأرض. # ثم يقولون: أين الحروفية الذين يزعمون أن القرآن حرف وصوت، هذا عبارة ~~جبريل. فما زالوا كذلك حتى هان تعظيم القرآن في صدور أكثر العوام، وصار ~~أحدهم يسمع فيقول هذا هو الصحيح، وإلا فالقرآن شيء يجيء به جبريل في كيس. # فشكا إلي جماعة من أهل السنة فقلت لهم اصبروا فلا بد للشبهات أن ترفع ~~رأسها في بعض الأوقات، وإن كانت مدموغة. وللباطل جولة وللحق صولة والدجالون ~~كثير. ولا يخلو بلد ممن يضرب البهرج على مثل سكة السلطان. # قال قائل: فما جوابنا عن قولهم ؟ قلت: اعلم وفقك الله تعالى أن الله عز ~~وجل ورسوله قنعا من الخلق بالإيمان بالجمل ولم يكلفهم معرفة التفاصيل. # إما لأن الاطلاع على التفاصيل يخبط العقائد وإما لأن قوى البشر تعجز عن ~~مطالعة ذلك. # فأول ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إثبات الخالق ونزل عليه القرآن ~~بالدليل على وجود الخالق بالنظر في صنعه فقال تعالى: " أمن جعل الأرض قرارا ~~وجعل خلالها أنهارا " . # وقال تعالى: ms121 " وفي أنفسكم أفلا تبصرون " . # وما زال يستدل على وجوده بمخلوقاته، وعلى قدرته بمنوعاته، ثم أثبت نبوة ~~نبيه بمعجزاته، وكان من أعظمها القرآن الذي جاء به فعجز الخلائق عن مثله. # واكتفى بهذه الأدلة جماعة من الصحابة، ومضى على ذلك القرن الأول والمشرب ~~صاف لم يتكدر. # وعلم الله عز وجل ما سيكون من البدع، فبالغ في إثبات الأدلة وملأ بها ~~القرآن. # ولما كان القرآن هو منبع العلوم، وأكبر المعجزات للرسول، أكد الأمر فيه ~~فقال تعالى: " وهذا كتاب أنزلناه مبارك " ، " وننزل من القرآن ما هو شفاء " ~~. # فأخبر أنه كلامه بقوله تعالى: " يريدون أن يبدلوا كلام الله " . # وأخبر أنه مسموع بقوله تعالى: " حتى يسمع كلام الله " . # وأخبر أنه محفوظ فقال تعالى: " في لوح محفوظ " . # وقال تعالى: " بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم " . ~~PageV01P059 وأخبر أنه مكتوب ومتلو فقال تعالى: " وما كنت تتلو من قبله من ~~كتاب ولا تخطه بيمينك " . # إلى ما يطول شرحه من تعدد الآيات في هذه المعاني التي توجب إثبات القرآن. # ثم نزه نبيه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون أتى به من قبل نفسه. فقال ~~تعالى. " أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك " . # وتواعده لو فعل فقال تعالى: " ولو تقول علينا بعض الأقاويل " . # وقال في حق الزاعم إنه كلام الخلق حين قال: " إن هذا إلا قول البشر ~~سأصليه سقر " . # ولما عذب كل أمة بنوع عذاب تولاه بعض الملائكة كصيحة جبريل عليه السلام ~~بثمود، وإرسال الريح على عاد، والخسف بقارون، وقلب جبريل ديار قوم لوط عليه ~~السلام، وإرسال الطير الأبابيل على من قصد تخريب الكعبة. # تولى هو بنفسه عقاب المكذبين بالقرآن فقال تعالى: " فذرني ومن يكذب بهذا ~~الحديث " . " ذرني ومن خلقت وحيدا " . # وهذا لأنه أصل هذه الشرائع والمثبت لكل شريعة تقدمت. فإن جمع الملل ليس ~~عندهم ما يدل على صحة ما كانوا فيه إلا كتابنا لأن كتبهم غيرت وبدلت. # وقد علم كل ذي عقل أن القائل: " إن هذا إلا قول البشر " إنما أشار إلى ما ~~سمعه. # ولا يختلف ms122 أولو الألباب وأهل الفهم للخطاب. أن قوله " وإنه " كناية عن ~~القرآن، وقوله: " تنزل به " كناية أيضا عنه وقوله: " هذا كتاب " إشارة إلى ~~حاضر. # وهذا أمر مستقر لم يختلف فيه أحد من القدماء في زمن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم والصحابة رضوان الله عليهم، ثم دس الشيطان دسائس البدع فقال قوم: هذا ~~المشار إليه مخلوق، فثبت الإمام أحمد رحمة الله ثبوتا غيره على دفع هذا ~~القوم لئلا يتطرق إلى القرآن ما يمحو بعض تعظيمه في النفوس، ويخرجه عن ~~الإضافة إلى الله عز وجل. # ورأى أن ابتداع ما لم يقل فيه لا يجوز استعماله فقال: كيف أقول ما لم ~~يقل. # ثم لم يختلف الناس في غير ذلك، إلى أن نشأ علي بن إسماعيل الأشعري. فقال ~~مرة بقول المعتزلة، ثم عن له فادعى أن الكلام صفة قائمة بالنفس. فأوجبت ~~دعواه هذه أن ما عندنا مخلوق. # وزادت فخبطت العقائد فما زال أهل البدع يجوبون في تيارها إلى اليوم. # والكلام في هذه المسألة مرتب بذكر الحجج والشبه في كتب الأصول فلا أطيل ~~به ههنا بل أذكر لك جملة تكفي من أراد الله هداه، وهو أن الشرع قنع منا ~~بالإيمان جملة وبتعظيم الظواهر، ونهى عن الخوض فيما يثير غبار شبهة ولا ~~تقوى على قطع طريقه أقدام الفهم. # وإذا كان قد نهى عن الخوض في القدر فكيف يجوز الخوض في صفات المقدر ؟.. # وما ذاك إلا لأحد الأمرين اللذين ذكرتهما، إما لخوف إثارة شبهة تزلزل ~~العقائد، أو لأن قوى البشر تعجز عن إدراك الحقائق. # فإذا كانت ظواهر القرآن تثبت وجود القرآن فقال قائل: ليس ههنا قرآن. فقد ~~رد الظواهر التي تعب الرسول صلى الله عليه وسلم في إثباتها وقرر وجودها في ~~النفوس. # وبماذا يحل ويحرم، ويبت ويقطع، وليس عندنا من الله تعالى تقدم بشيء. # وهل للمخالف دليل إلا أن يقول: قال الله فيعود فيثبت ما نفى. # فليس الصواب لمن وفق إلا الوقوف مع ظاهر الشرع. # فإن اعترضه ذو شبهة. فقال: هذا صوتك وهذا خطك. فأين القرآن ؟ فليقل له: ms123 ~~قد أجمعنا أنا وأنت على وجود شيء به نحتج جميعا. # وكما أنك تنكر علي أن أثبت شيئا لا يتحقق لي إثباته حسا، فأنا أنكر عليك ~~كيف تنفي وجود شيء قد ثبت شرعا. # وأما قولهم هل في المصحف إلا ورق وعفص وزاج، فهذا كقول القائل: هل الآدمي ~~إلا لحم ودم ؟. # هيهات أن معنى الآدمي هو الروح، فمن نظر إلى اللحم والدم وقف مع الحس. # فإن قال: فكذا أقول إن المكتوب غير الكتابة. قلنا له: وهذا مما ننكره ~~عليك لأنه لا يثبت تحقيق هذا لك ولا لخصمك. # فإن أردت بالكتابة الحبر وتخطيطه فهذا ليس هو القرآن. # وإن أردت المعنى القائم بذلك فهذا ليس هو الكتابة. # وهذه الأشياء لا يصلح الخوض فيها فإن ما دونها لا يمكن تحقيقه على ~~التفصيل كالروح مثلا، فإنا نعلم وجودها في الجملة، فأما حقيقتها فلا. # فإذا جهلنا حقائقها كنا لصفات الحق أجهل، فوجب الوقوف مع السمعيات مع نفي ~~ما لا يليق بالحق. PageV01P060 لأن الخوض يزيد الخائض تخبيطا ولا يفيده بل ~~يوجب عليه نفي ما يثبت بالسمع من غير تحقيق أمر عقلي، فلا وجه للسلامة إلا ~~طريق السل والسلام. # وكذلك أقو أن إثبات الإله بظواهر الآيات والسنن ألزم للعوام من تحديثهم ~~بالتنزيه وإن كان التنزيه لازما. # وقد كان ابن عقيل يقول: الأصلح لاعتقاد العوام ظواهر الآي والسنن. ولأنهم ~~يأنسون بالإثبات فمتى محونا ذلك من قلوبهم زالت السياسات والحشمة. # وتهافت العوام في الشبهة أحب إلي من إغراقهم في التنزيه. لأن التشبيه ~~يغمسهم في الإثبات. فيطمعوا ويخافوا شيئا قد أنسوا إلى ما يخاف مثله ويرجى. # فالتنزيه يرمي بهم إلى النفي ولا طمع ولا مخالفة من النفي. # ومن تدبر الشريعة رآها عامة للمكلفين في التشبيه بالألفاظ التي لا يعطي ~~ظاهرها سواه كقول الأعرابي: أو يضحك ربنا ؟ قال: نعم فلم يكفهر من هذا ~~القول. # فصل تكاليف بعد الهمة # أعظم البلايا أن يعطيك همة عالية ويمنعك من العمل بمقتضاها، فيكون من ~~تأثير همتك الأنفة من قبول إرفاق الخلق استثقالا لحمل مننهم، ثم يبتليك ~~بالفقر ms124 فتأخذ منهم. # ويلطف مزاجك، فلا تقبل من المأكولات ما سهل إحضاره، فتحتاج إلى فضل نفقة، ~~ثم يقلل رزقك ويعلق همتك بالمستحسنات. ويقطع بالفقر السبيل إليهن. # ويريك العلوم في مقام معشوق، ويضعف بدنك عن الإعادة ويخلي يديك من المال ~~الذي تحصل به الكتب. # ويقوي توقك إلى درجات العارفين والزهاد، ويحوجك إلى مخالطة أرباب الدنيا ~~وهذا البلاء المبين. # وأما الخسيس الهمة الذي لا يستنكف من سؤال الخلق، ولا يرى الاستبدال ~~بزوجته، ويكتفي بيسير من العلم. ولا يتوق إلى أحوال العارفين. فذاك لا ~~يؤلمه فقد شيء، ويرى ما وجد هو الغاية. فهو يفرح فرح الأطفال بالزخارف، فما ~~أهون الأمر عليه. # إنما البلاء على العارف ذي الهمة العالية الذي تدعوه همته إلى جميع ~~الأضداد للتزيد من مقام الكمال، وتقصر خطاه عن مدارك مقصوده. # فيا له من حال ينفد في طريقه زاد الصابرين. # ولولا حالات غفلة تعتري هذا المبتلي يعيش بها لكان دوام ملاحظته للمقامات ~~يعمي بصره، واجتهاده في السلوك يخفي قدمه لكن ملاحظات الإمداد له تارة ~~ببلوغ بعض مراده وتارة بالغفلة عما قصد. تهون عليه العيش. # وهذا كلام عزيز لا يفهمه إلا أربابه، ولا يعلم كنهه إلا أصحابه. # فصل الحزم أولى # تراعنت علي نفسي في طلبها شيئا من أغراضها بتأويل فاسد، فقلت لها: بالله ~~عليك تصبري. # فإن في المعبر شغلا يحذر الغرق من كثرة الموج عن التنزه في عجائب البحر. # إذا هممت بفعل فقدري حصوله ثم تلمحي عواقبه وما تجتنين من ثمراته، فأقل ~~ذلك الندم على ما فعلت، ولا يؤمن أن يثمر غضب الحق عز وجل وإعراضه عنك. # فأف للقاطع عنه ولو كان الجنة. # ثم اعلمي أيتها النفس أنه ما يمضي شيء جزافا وأن ميزان العدل تبين فيه ~~الذرة فتلمحي الأموات والأحياء، وانظري إلى من نشر ذكره بالخير والشر، ~~وزيادة ذلك ونقصانه. # فسبحان من أظهر دليل الخلوات على أربابها، حتى أن حبات القلوب تتعلق بأهل ~~الخير، وتنفر من أهل الشر من غير مطالعة لشيء من أعمال الكل. # قال إبليس: أو تترك مرادك لأجل الخلق ms125 ؟ قلت: لا. # إنما هذا بعض الثمرات الحاصلة لا عن الغرض. # ونحن نرى من يمشي ثلاثين فرسخا ليقال ساع، فالمتقي قد نال شرف الذكر وإن ~~لم يقصد نيل ذلك مترجحا له في وزن الجزاء: " سيجعل لهم الرحمن ودا " . # قالت النفس: لقد أمرتني بالصبر على العذاب، لأن ترك الأغراض عذاب. # قلت: لك عن الغرض عوض، ومن كل متروك بدل. # وأنت في مقام مستعبد ولا يصح للأجير أن يلبس ثياب الراحة في زمان ~~الاستئجار وكل زمان المتقي نهار صوم. # ومن خاف العقاب ترك المشتهى، ومن رام القرب استعمل الورع، وللصبر حلاوة ~~تبين في العواقب... # فصل الهزيمة أمام الشهوة # من نازعته نفسه إلى لذة محرمة فشغله نظره إليها عن تأمل عواقبها وعقابها، ~~وسمع هتاف العقل يناديه: ويحك لا تفعل ؟ فإنك تقف عن الصعود، وتأخذ في ~~الهبوط ويقال لك ابق بما اخترت، فإن شغله هواه فلم يلتفت إلى ما قيل له، لم ~~يزل في نزول. PageV01P061 وكان مثله في سوء اختياره كالمثل المضروب: أن ~~الكلب قال للأسد: يا سيد السباع، غير اسمي فإنه قبيح، فقال له: أنت خائن لا ~~يصلح لك غير هذا الاسم، قال: فجربني، فأعطاه شقة لحم وقال: احفظ لي هذه إلى ~~غد وأنا أغير اسمك. # فجاع وجعل ينظر إلى اللحم ويصبر. # فلما غلبته نفسه قال: وأي شيء باسمي ؟ وما كل إلا إسم حسن. فأكل، وهكذا ~~الخسيس الهمة، القنوع بأقل المنازل، المختار عاجل الهوى على آجل الفضائل. # فالله الله في حريق الهوى إذا ثار وانظر كيف تطفئه. # فرب زلة أوقعت في بئر بوار، ورب أثر لم ينقلع، والفائت لا يستدرك على ~~الحقيقة. # فابعد عن أسباب الفتنة، فإن المقاربة محنة لا يكاد صاحبها يسلم والسلام. # فصل فضل المجاهدة # رأيت الخلق كلهم في صف محاربة، والشياطين يرمونهم بنبل الهوى، ويضربونهم ~~بأسياف اللذة. # فأما المخلطون فصرعى من أول وقت اللقاء. # وأما المتقون ففي جهد جهيد من المجاهدة، فلا بد مع طول الوقوف في ~~المحاربة من جراح، فهم يجرحون ويداوون إلا أنهم من القتل محفوظون، بلى ! إن ~~الجراحة ms126 في الوجه شين باق، فليحذر ذلك المجاهدون. # فصل احذر أن تقع # الدنيا فخ، والجاهل بأول نظرة يقع، فأما العاقل المتقي فهو يصابر ~~المجاعة، ويدور حول الحب، والسلامة بعيدة. # فكم من صابر اجتهد سنين ثم في آخر الأمر وقع. # فالحذر الحذر. فقد رأينا من كان على سنن الصواب، ثم زل على شفير القبر. # فصل مهالك الذنوب # اعلموا إخواني ومن يقبل نصيحتي. أن للذنوب تأثيرات قبيحة، مرارتها تزيد. ~~على حلاوتها أضعافا مضاعفة. # والمجازي بالمرصاد لا يسبقه شيء ولا يفوته. # أو ليس يروى في التفسير. أن كل واحد من أولاد يعقوب عليهم السلام - ~~وكانوا اثني عشر - ولد له اثنا عشر ولدا، إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ~~وجوزي بتلك الهمة فنقص ولدا. # فواأسفا لمضروب بالسياط ما يحس بالألم، ولمثخن بالجراح وما عنده من نفسه ~~خبر. # ولمتقلب في عقوبا ما يدري بها، ولعمري أن أعظم العقوبة أن لا يدري ~~بالعقوبة. # فواعجبا للمغالط نفسه، يرضي نفسه بشهوة ثم يرضي ربه بطاعة، ويقول حسنة، ~~وسيئة. # ويحك من كيسك تنفق، ومن بضاعتك تهدم، ووجه جاهك تشين. # رب جراحة قتلت، ورب عثرة أهلكت، ورب فارط لا يستدرك. # ويحك انتبه لنفسك ما الذي تنتظر بأوبتك ؟ وماذا تترقب بتوبتك المشيب ؟ ~~فها هو ذا أوهن العظم وهل بعد رحيل الأهل والأولاد والأقارب، إلا اللحاق. # قدر أن ما تؤمله من الدنيا قد حصل، فكان ماذا ؟ ما هو عاجل فشغلك عاجلا. # ثم آخر جرعة اللذة شرقة، وإما أن تفارق محبوبتك أو يفارقك. # فيا لها جرعة مريرة تودع عندها أن لو لم تره. # آه لمحجوب العقل عن التأمل، ولمصدود عن الورود، وهو يرى المنهل أما في ~~هذه القبور نذير ؟ أما في كرور الزمان زاجر ؟. # أين من ملك وبلغ المنى فيما أمل. # نادهم في ناديهم. هيهات صموا عن مناديهم. # فلو أن ما بهم الموت، إنما هنيهة... ثم القبور. # العمل حصل يا معدوما بالأمس، يا متلاشي الأشلاء في الغد. # بأي وجه تلقى ربك ؟ أيساوي ما تناله من الهوى لفظ عتاب ؟. # بالله إن الرحمة بعد المعاتبة، ms127 ربما لم تستوف قلع البغضة من صميم القلب. # فكيف إن أعقب العتاب عقاب، وقد أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال: ~~أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا محمد بن الحسين المعدل، قال: أخبرنا ~~أبو الفضل الزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا أبو ~~العباس بن واصل المقرىء، قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن الصيرفي قال: رأى ~~جار لنا يحيى بن أكثم بعد موته في منامه، فقال: ما فعل بك ربك ؟ فقال: وقفت ~~بين يديه، فقال لي: سوءة لك يا شيخ. # فقلت: يا رب إن رسولك قال إنك لتستحي من أبناء الثمانين أن تعذبهم، وأنا ~~ابن ثمانين أسير الله في الأرض. # فقال لي: صدق رسولي قد عفوت عنك. # وفي رواية أخرى عن محمد بن سلم الخواص، قال: رأيت يحيى بن أكثم في المنام ~~فقلت: ما فعل الله بك ؟ فقال: أوقفني بين يديه وقال لي يا شيخ السوء لولا ~~شيبتك لأحرقتك بالنار. # والمقصود من هذا النظر بعين الاعتبار، هل يفي هذا بدخول الجنة فضلا عن ~~لذات الدنيا. # فنسأل الله عز وجل أن ينبهنا من رقدات الغافلين، وأن يرينا الأشياء كما ~~هي لنعرف عيوب الذنوب والله الموفق. PageV01P062 فصل التعلق بالله فوز # ضاق بي أمر أوجب غما لازما دائما، وأخذت أبالغ في الفكر في الخلاص من هذه ~~الهموم بكل حيلة وبكل وجه. فما رأيت طريقا للخلاص. فعرضت لي هذه الآية: " ~~ومن يتق الله يجعل له مخرجا " فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كل غم. فما ~~كان إلا أن هممت بتحقيق التقوى فوجدت المخرج. # فلا ينبغي لمخلوق أن يتوكل أو يتسبب أو يتفكر إلا في طاعة الله تعالى، ~~وامتثال أمره، فإن ذلك سبب لفتح كل مرتج. # ثم أعجبه أن يكون من حيث لم يقدره المتفكر المحتال المدبر، كما قال عز ~~وجل: " ويرزقه من حيث لا يحتسب " . # ثم ينبغي للمتقي أن يعلم أن الله عز وجل كافيه فلا يعلق قلبه بالأسباب، ~~فقد قال عز وجل: " ومن يتوكل على الله فهو حسبه " . # فصل حكمة الإبطاء ms128 في إجابة الدعاء # من العجب إلحاحك في طلب أغراضك وكلما زاد تعويقها زاد إلحاحك. # وتنسى أنها قد تمتنع لأحد أمرين، إما لمصلحتك فربما معجل أذى، وإما ~~لذنوبك فإن صاحب الذنوب بعيد من الإجابة. # فنظف طرق الإجابة من أوساخ المعاصي. # وانظر فيما تطلبه هل هو لإصلاح دينك، أو لمجرد هواك ؟. # فإن كان للهوى المجرد. فاعلم أن من اللطف بك والرحمة لك تعويقه. # وأنت في إلحاحك بمثابة الطفل يطلب ما يؤذيه فيمنع رفقا به. # وإن كان لصلاح دينك فربما كانت المصلحة تأخيره، أو كان صلاح الدين بعدمه. # وفي الجملة تدبير الحق عز وجل لك خير من تدبيرك، وقد يمنعك ما تهوى ~~ابتلاء ليبلو صبرك. فأره الصبر الجميل تر عن قرب ما يسر. # ومتى نظفت طرق الإجابة من أدران الذنوب، وصبرت على ما يقضيه لك. فكل ما ~~يجري أصلح لك. عطاء كان أو منعا. # فصل الاستعداد للموت # يجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعدا. # ولا يغترر بالشباب والصحة، فإن أقل من يموت الأشياخ، وأكثر من يموت ~~الشبان. # ولهذا يندر من يكبر، وقد أنشدوا: # يعمر واحد فيغر قوما ... وينسى من يموت من الشباب # ومن الاغترار طول الأمل، وما من آفة أعظم منه. # فإنه لولا طول الأمل ما وقع إهمال أصلا. وإنما يقدم المعاصي ويؤخر التوبة ~~لطول الأمل وتبادر الشهوات، وتنسى الإنابة لطول الأمل. # وإن لم تستطع قصر الأمل فاعمل عمل قصير الأمل. # ولا تمس حتى تنظر فيما مضى من يومك، فإن رأيت زلة فامحها بتوبة، أو خرقا ~~فارقعه باستغفار. # وإذا أصبحت فتأمل ما مضى في ليلك. # وإياك والتسويف فإنه أكبر جنود إبليس: # وخذ لك منك على مهلة ... ومقبل عيشك لم يدبر # وخف هجمة لا تقيل العثا ... ر وتطوى الورود على المصدر # ومثل لنفسك أي الرعيل ... يضمك في حلبة المحشر # ثم صور لنفسك قصر العمر، وكثرة الأشغال، وقوة الندم على التفريط عند ~~الموت؛ وطول الحسرة على البدار بعد الفوت. # وصور ثواب الكاملين وأنت ناقص، والمجتهدين وأنت متكاسل. # ولا تخل نفسك من ms129 موعظة تسمعها، وفكرة تحادثها بها. # فإن النفس كالفرس المتشيطن إن أهملت لجامه لم تأمن أن يرمي بك. # وقد والله دنستك أهواؤك، وضيعت عمرك. # فالبدار البدار في الصيانة، قبل تلف الباقي بالصبابة. فكم تعرقل في فخ ~~الهوى جناح حازم، وكم وقع في بئر بوار مخمور. ولا حول ولا قوة إلا بالله. # فصل إحسان المتاب # الحذر الحذر من المعاصي. فإن عواقبها سيئة. # وكم من معصية لا يزال صاحبها في هبوط أبدا مع تعثير أقدامه، وشدة فقره ~~وحسراته على ما يفوته من الدنيا، وحسرة لمن نالها. # فلو قارب زمان جزائه على قبيحه الذي ارتكبه كان اعتراضه على القدر في ~~فوات أغراضه يعيد العذاب جديدا. # فوا أسفا لمعاقب لا يحس بعقوبته. # وآه من عقاب يتأخر حتى ينسى سببه. # أو ليس ابن سيرين يقول: عيرت رجلا بالفقر فافتقرت بعد أربعين سنة. # وابن الخلال يقول: نظرت إلى شاب مستحسن فنسيت القرآن بعد أربعين سنة. # فواحسرة لمعاقب لا يدري أن أعظم العقوبة عدم الإحساس بها. # فالله الله في تجويد التوبة عساها تكف كف الجزاء. والحذر الحذر من الذنوب ~~خصوصا ذنوب الخلوات. فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه، وأصلح ما ~~بينك وبينه في السر وقد أصلح لك أحوال العلانية. PageV01P063 ولا تغتر ~~بستره أيها العاصي فربما يجذب عن عورتك، ولا بحلمه فربما بغت العقاب. # وعليك بالقلق واللجأ إليه والتضرع. فإن نفع شيء فذلك، وتقوت بالحزن، ~~وتمزز كأس الدمع. # واحفر بمعول الأسى قليب قلب الهوى لعلك تنبط من الماء ما يغسل جرم جرمك. # فصل هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟ # إخواني: اسمعوا نصيحة من قد جرب وخبر. # إنه بقدر إجلالكم لله عز وجل يجلكم، وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يعظم ~~أقداركم وحرمتكم. # ولقد رأيت والله من أنفق عمره في العلم إلى أن كبرت سنه، ثم تعدى الحدود ~~فهان عند الخلق. وكانوا لا يلتفتون إليه مع غزارة علمه وقوة مجاهدته. # ولقد رأيت من كان يراقب الله عز وجل في صبوته - مع قصوره بالإضافة إلى ~~ذلك العالم - فعظم الله قدره في القلوب ms130 حتى علقته النفوس، ووصفته بما يزيد ~~على ما فيه من الخير. # ورأيت من كان يرى الاستقامة إذا استقام فإذا زاغ مال عنه اللطف. # ولولا عموم الستر وشمول رحمة الكريم لافتضح هؤلاء المذكورون. # غير أنه في الأغلب أو تلطف في العقاب كما قيل: # ومن كان في سخطه محسنا ... فكيف يكون إذا ما رضي # غير أن العدل لا يحابى. وحاكم الجزاء لا يجوز. وما يضيع عند الأمين شيء. # أيها المذنب: إذا أحسست نفحات الجزاء فلا تكثرن الضجيج، ولا تقولن قد تبت ~~وندمت، فهلا زال عني من الجزاء ما أكره ! فلعل توبتك ما تحققت. # وإن للمجازاة زمانا يمتد امتداد المرض الطويل. فلا تنجع فيه الحيل حتى ~~ينقضي أوانه. # وإن بين زمان: وعصى إلى إبان: فتلقى مدة مديدة. # فاصبر أيها الخاطيء حتى يتخلل ماء عينيك خلال ثوب القلب المتنجس. فإذا ~~عصرته كف الأسى، ثم تكررت دفع الغسلات حكم بالطهارة. # بقي آدم يبكي على زلله ثلاث مائة سنة. # ومكث أيوب عليه السلام في بلائه ثماني عشرة سنة. # وأقام يعقوب يبكي على يوسف عليهما السلام ثمانين سنة. # وللبلايا أوقات ثم تنصرم، ورب عقوبة امتدت إلى زمان الموت. # فاللازم لك أن تلازم محراب الإنابة، وتجلس جلسة المستجدي. وتجعل طعامك ~~القلق، وشرابك البكاء، فربما قدم بشير القبول فارتد يعقوب الحزن بصيرا. # وإن مت في سجنك فربما ناب حزن الدنيا عن حزن الآخرة، وفي ذلك ربح عظيم. # فصل دموع التوبة # الواجب على العاقل أن يحذر مغبة المعاصي، فإن نارها تحت الرماد. # وربما تأخرت العقوبة ثم فجأت، وربما جاءت مستعجلة، فليبادر بإطفاء ما ~~أوقد من نيران الذنوب، ولا ماء يطفىء تلك النار إلا ما كان من عين العين. # لعل خصم الجزاء يرضى قبل أن يبت الحاكم في حكمه. # فصل العبودية لله # واعجبا من عارف بالله عز وجل يخالفه ولو في تلف نفسه. # هل العيش إلا معه ؟ هل الدنيا والآخرة إلا له ؟. # أف لمترخص في فعل ما يكره لنيل ما يحب. # تالله لقد فاته أضعاف ما حصل. # أقبل على ما أقوله ms131 يا ذا الذوق، هل وقع لك تعثير في عيش ؟ وتخبيط في حال ~~؟ إلا حال مخالفته: # ولا انثنى عزمي عن بابك ... إلا تعثرت بأذيالي # أما سمعت تلك الحكاية عن بعض السلف أنه قال: رأيت على سور بيروت شابا ~~يذكر الله تعالى فقلت له: ألك حاجة ؟. # فقال: إذا وقعت لي حاجة سألته إياها بقلبي فقضاها. # يا أرباب المعاملة، بالله عليكم لا تكدروا المشرب، قفوا على باب المراقبة ~~وقوف الحراس، وادفعوا ما لا يصلح أن يلج فيفسد. # واهجروا أغراضكم لتحصيل محبوب الحبيب، فإن أغراضكم تحصل. # على أنني أقول أف لمن ترك بقصد الجزاء. # أهذا شرط العبودية، كلا ؟. # إنما ينبغي لي إذا كنت مملوكا أن أفعل ليرضى لا لأعطي. # فإن كنت محبا رأيت قطع الآراب في رضاه وصلا. # أقبل نصحي يا مخدوعا بغرضه. # إن ضعفت عن عمل بلائه فاستغث به. # وإن آلمك كرب اختياره فه نك بين يديه. # ولا تيأس من روحه وإن قوي خناق البلاء. # بالله إن موت الخادم في الخدمة حسن عند العقلاء. # إخواني لنفسي أقول فمن له شرب معي فليرد، أيتها النفس لقد أعطاك ما لم ~~تأملي وبلغك ما لم تطلبي. وستر عليك من قبيحك ما لو فاح ضجت المشام، فما ~~هذا الضجيج من فوات كمال الأغراض. # أمملوكة أنت أم حرة ؟ أما علمت أنك في دار التكليف وهذا الخطاب ينبغي أن ~~يكون للجهال، فأين دعواك المعرفة ؟. # أتراه لو هبت نفحة، فأخذت البصر كيف كانت تطيب لك الدنيا ؟. PageV01P064 ~~واأسفا عليك لقد عشيت البصيرة التي هي أشرف، وما علمت كم أقول عسى ولعل ؟ ~~وأنت في الخطأ إلى قدام. # قربت سفينة العمر من ساحل القبر، ومالك في المركب بضاعة تربح. # تلاعبت في بحر العمر ريح الضعف ففرقت تلفيق القوي وكان قد فصلت المركب. # بلغت نهاية الأجل وعين هواك تتلفت إلى الصبا. # بالله عليك لا تشمتي بك الأعداء. هذا أقل الأقسام. # وأوفى منها، أن أقول: بالله عليك لا يفتونك قدم سابق مع قدرتك على قطع ~~المضمار. # الخلوة، الخلوة واستحضري قرين العقل، وجولي في حيرة الفكر. ms132 واستدركي ~~صبابة الأجل قبل أن تميل بك الصبابة عن الصواب. # واعجبا كلما صعد العمر نزلت. وكلما جد الموت هزلت. # أتراك ممن ختم له بفتنة، وقضيت عليه عند آخر عمره المحنة، كان أول عمرك ~~خيرا من الأخير. # كنت في زمن الشباب أصلح منك في زمن أيام المشيب: " وتلك الأمثال تضربها ~~للناس وما يعقلها إلا العالمون " . # نسأل الله عز وجل ما لا يحصل إلا به، وهو توفيقه إنه سميع مجيب. # فصل التعفف والصبر # قدرت في بعض الأيام على شهوة النفس هي عندها أحلى من الماء الزلال في فم ~~الصادي. # وقال التأويل: ما ههنا مانع ولا معوق إلا نوع ورع. # وكان ظاهر الأمر امتناع الجواز. فترددت بين الأمرين، فمنعت النفس عن ذلك. # فبقيت حيرتي لمنع ما هو الغاية في غرضها من غير صاد عنه بحال إلا حذر ~~المنع الشرعي. # فقلت لها: يا نفس والله ما من سبيل إلى ما تودين، ولا ما دونه ؟. # فتقلقلت فصحت بها: كم وافقتك في مراد ذهبت لذته وبقي التأسف على فعله ؟. # فقدري بلوغ الغرض من هذا المراد، أليس الندم يبقى في مجال اللذة أضعاف ~~زمانها ؟. # فقالت: كيف أصنع ؟ فقلت: # صبرت ولا والله ما بي جلادة ... على الحب لكني صبرت على الرغم # وها أنا ذا أنتظر من الله عز وجل حسن الجزاء على هذا الفعل. وقد تركت ~~باقي هذه الوجهة البيضاء. أرجو أن أرى حسن الجزاء على الصبر فأسطره فيه إن ~~شاء الله تعالى. # فإنه قد يعجل جزاء الصبر وقد يؤخره. # فإن عجل سطرته، وإن أخر فما أشك في حسن الجزاء لمن خاف مقام ربه، فإنه من ~~ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه. # والله إني ما تركته إلا لله تعالى ويكفيني تركه ذخيرة، حتى لو قيل لي ~~أتذكر يوما آثرت الله على هواك، قلت: يوم كذا وكذا. # فافتخري أيتها النفس بتوفيق من وفقك، فكم قد خذل سواك. # واحذري أن تخذلي في مثلها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وكان هذا في سنة إحدى وستين وخمسمائة، فلما ms133 دخلت سنة خمسة وستين، عوضت ~~خيرا من ذلك بما لا يقارب مما لا يمنع منه ورع ولا غيره. # فقلت: هذا جزاء الترك لأجل الله سبحانه في الدنيا، ولأجر الآخرة خير ~~والحمد لله. # فصل ذهاب العاجلة # لا أنكر على من طلب لذة الدنيا من طريق المباح. لأنه ليس كل أحد يقوى على ~~الترك. # إنما المحنة من طلبها فلم يجدها، أو أكثرها، إلا من طريق الحرام، فاجتهد ~~في تحصيلها، ولم يبال كيف حصلت. # فهذه المحنة التي بخس العقل فيها حقه، ولم ينتفع صابحه بوجود لأنه لو وزن ~~ما آثر عقابه طاشت كفة اللذة التي فنيت عند أول ذرة من أجزائها. # وكم قد رأينا ممن آثر شهوته فسلبت دينه. # فليعجب العاقل حين التصفح لأحوالهم كيف آثروا شيئا ما أقاموا معه، وصاروا ~~إلى عقاب لا يفارقهم. # فالله الله في بخس العقول حقها. # ولينظر السالك أين يضع القدم فرب مستعجل وقع في بئر بوار. # ولتكن عين التيقظ مفتوحة فإنكم في صف حرب لا يدري فيه من أين يتلقى ~~النبل، فأعينوا أنفسكم ولا تعينوا عليها. # فصل حلاوة الطاعة # الحق عز وجل أقرب إلى عبده من حبل الوريد، لكنه عامل العبد معاملة الغائب ~~عنه البعيد منه. # فأمر بقصد نيته ورفع اليدين إليه والسؤال له. # فقلوب الجهال تستشعر البعد، ولذلك تقع منهم المعاصي إذ لو تحققت مراقبتهم ~~للحاضر الناظر لكفوا الأكف عن الخطايا. # والمتيقظون علموا قربه فحضرتهم المراقبة وكفتهم عن الانبساط. # ولولا نوع تغطية على عين المراقبة الحقيقية لما انبسطت كف بأكل ولا قدرت ~~عين على نظر. # ومن هذا الجنس إنه ليغان على قلبي ومتى تحققت المراقبة حصل الأنس، وإنما ~~يقع الأنس بتحقيق الطاعة، لأن المخالفة توجب الوحشة، والموافقة مبسطة ~~المستأنسين. PageV01P065 في لذة عيش المستأنسين، ويا خسار المستوحشين. # وليست الطاعة كما يظن أكثر الجهال أنها في مجرد الصلاة والصيام. # إنما الطاعة الموافقة بامتثال الأمر واجتناب النهي. # هذا هو الأصل والقاعدة الكلية، فكم من متعبد بعيد، لأنه مضيع الأصل وهادم ~~للقواعد بمخالفة الأمر وارتكاب النهي. # وإنما المحقق من أمسك ms134 ذؤابة ميزان المحاسبة للنفس فأدى ما عليه واجتنب ما ~~نهى عنه. # فإن رزق زيادة تنفل وإلا لم يضره والسلام. # فصل تجميل مستحب # الدنيا في الجملة معبر، فينبغي للإنسان أن لا ينافس بلذاتها وأن يعبر ~~الأيام بها. # فإنه لو تفكر في كيفية الذبائح ووسخ من يباشرها وعمل الكامخ وغيرها من ~~المأكولات ما طابت له. # ولو تفكر في جولان اللقمة مختلطة بالريق ما قدر على إساغتها. # والمرء لا يخلو من حالين، إما أن يريد التنعم باللذات المباحات، أو يريد ~~دفع الوقت بالضرورات. # وأيهما طلب فلا ينبغي له أن يبحث فيما يناله عن باطنه، فإنه لو نظر إلى ~~عورة الزوجة نبا عنها، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيته رسول الله ~~ولا رآه مني. # فينبغي للعاقل أن يكون له وقت معلوم يأمر زوجته بالتصنع له فيه ثم يغمض ~~عن التفتيش ليطيب له عيشه !. # وينبغي لها أن تتفقد من نفسها هذا فلا تحضره إلا على أحسن حال. # وبمثل هذا يدوم العيش. # فأما إذا حصلت البذلة بانت بها العيوب، فنبت النفس وطلبت الاستبدال، ثم ~~يقع في الثانية مثل ما يقع في الأولى. # وكذلك ينبغي أن يتصنع لها كتصنعها له ليدوم الود بحسن الائتلاف، ومتى لم ~~يجر الأمر على هذا في حق من له أنفة من شيء تنبو عنه لنفس وقع في أحد أمرين ~~إما الإعراض عنها، وإما الاستبدال بها. # ويحتاج في حالة الإعراض إلى صبر عن أغراضه، وفي حالة الاستبدال إلى فضل ~~مؤنة وكلاهما يؤذي. # ومتى لم يستعمل ما وصفنا لم يطب له عيش في متعة، ولم يقدر على دفع الزمان ~~كما ينبغي. # فصل معرفة الفضل # نازعتني نفسي إلى أمر مكروه في الشرع، وجعلت تنصب لي التأويلات وتدفع ~~الكراهة، وكانت تأويلاتها فاسدة، والحجة ظاهرة على الكراهة. # فلجأت إلى الله تعالى في دفع ذلك عن قلبي، وأقبلت على القراءة وكان درسي ~~قد بلغ إلى سورة يوسف فاتحتها، وذلك الخاطر قد شغل قلبي حتى لا أدري ما ~~أقرأ، فلما بلغت إلى قوله تعالى: " قال معاذ الله ms135 إنه ربي أحسن مثواي " ~~انتبهت لها وكأني خوطبت بها. # فأفقت من تلك السكرة، فقلت: يا نفس أفهمت ؟. # هذا حر بيع ظلما فراعى حق من أحسن إليه، وسماه مالكا وإن لم يكن له عليه ~~ملك، فقال: إنه ربي. # ثم زاد في بيان موجب كف كفه عما يؤذيه فقال: أحسن مثواي. # فكيف بك وأنت عبد على الحقيقة لمولى ما زال يحسن إليك من ساعة وجودك. # وإن ستره عليك الزلل أكثر من عدد الحصا. # أفما تذكرين كيف رباك وعلمك ورزقك ودافع عنك، وساق الخير إليك، وهداك ~~أقوم طريق، ونجاك من كل كيد ؟. # وضم إلى حسن الصورة الظاهرة جودة الذهن الباطن ؟. # وسهل لك مدارك العلوم حتى نلت في قصير الزمان ما لم ينله غيرك في طويله. # وجلى في عرصة لسانك عرائس العلوم في حلل الفصاحة بعد أن ستر عن الخلق ~~مقابحك، فتلقوها منك بحسن الظن. # وساق رزقك بلا كلفة تكلف ولا كدر من، رغدا غير نزر ؟. # فوالله ما أدري أي نعمة عليك أشرح لك، حسن الصورة وصحة الآلات ؟ أم سلامة ~~المزاج واعتدال التركيب ؟ أم لطف الطبع الخالي عن خساسة ؟ أم إلهام الرشاد ~~منذ الصغر ؟ أم الحفظ بحسن الوقاية عن الفواحش والزلل ؟ أم تحبب طريق النقل ~~واتباع الأثر من غير جمود على تقليد لمعظم، ولا انخراط في سلك مبتدع ؟. # " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " . # كم كائد نصب لك المكايد فوقاك ؟. # كم عدو حط منك بالذم فرقاك ؟. # كم أعطش من شراب الأماني خلقا وسقاك ؟. # كم أمات من لم يبلغ بعض مرادك وأبقاك ؟. # فأنت تصبحين وتمسين سليمة البدن، محروسة الدين، في تزيد من العلم وبلوغ ~~الأمل. # فإن منعت مراد فرزقت الصبر عنه بعد أن تبين لك وجه الحكمة في المنع فسلمي ~~حتى يقع اليقين بأن المنع أصلح. # ولو ذهبت أعد من هذه النعم ما سنح ذكره امتلأت الطروس ولم تنقطع الكتابة. # وأنت تعلمين أن ما لم أذكره أكثر، وأن ما أومأت إلى ذكره لم يشرح. ~~PageV01P066 فكيف يحسن بك التعرض لما يكرهه ؟ " معاذ الله إنه ربي أحسن ms136 ~~مثواي إنه لا يفلح الظالمون " . # فصل اتقاء الشبهات # ما رأيت أعظم فتنة من مقاربة الفتنة. وقل أن يقاربها إلا من يقع فيها. # ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. # قال بعض المعتبرين: قدرت مرة على لذة ظاهرها التحريم وتحتمل الإباحة، إذ ~~الأمر فيها مردد. # فجاهدت النفس فقالت: أنت ما تقدر فلهذا تترك، فقارب المقدور عليه فإذا ~~تمكنت فتركت كنت تاركا حقيقة. # ففعلت وتركت، ثم عاودت مرة أخرى في تأويل أرتني فيه الجواز وإن كان الأمر ~~يحتمل. # فلما وافقتها أثر ذلك ظلمة في قلبي لخوف أن يكون الأمر محرما. # فرأيت أنها تارة تقوى علي بالترخص والتأويل، وتارة أقوى عليها بالمجاهدة ~~والامتناع. # فإذا ترخصت لم آمن أن يكون ذلك الأمر محظورا، ثم أرى عاجلا تأثير ذلك ~~الفعل في القلب. # فلما لم آمن عليها بالتأويل تفكرت في قطع طمعها من ذلك الأمر المؤثر فلم ~~أر ذلك إلا بأن قلت لها: قدري أن هذا الأمر مباح قطعا، فوالله الذي لا إله ~~إلا هو لأعدت إليه. # فانقطع طمعها باليمين والمعاهدة، وهذا أبلغ دواء وجدته في امتناعها لأن ~~تأويلها لا يبلغ إلى أن تأمر بالحنث والتكفير. # فأجود الأشياء قطع أسباب الفتن وترك الترخص فيما يجوز إذا كان حاملا ~~ومؤديا إلى ما لا يجوز والله الموفق. # فصل سكرة الهوى حجاب # لولا غيبة العاصي في وقت المعاصي كان كالمعاند. # غير أن الهوى يحول بينه وبين الفهم للحال، فلا يرى إلا قضاء شهوته. # وإلا فلو لاحت له المخالفة خرج من الدين بالخلاف؛ فإنما يقصد هواه فيقع ~~الخلاف ضمنا وتبعا. # وأكثر ما يقع هذا في نار إلى حلفا. # ثم لو ميز العاقل بين قضاء وطره لحظة وانقضاء باقي العمر بالحسرة على ~~قضاء ذلك الوطر لما قرب منه ولو أعطى الدنيا. # غير أن سكرة الهوى تحول بين الفكر وذلك. # آه كم معصية مضت في ساعتها كأنها لم تكن ثم بقيت آثارها. # وأقله ما لا يبرح من المرارة في الندم. # والطريق الأعظم في الحذر أن لا يتعرض لسبب فتنة، ولا يقاربه. ms137 # فمن فهم هذا وبالغ في الاحتراز كان إلى السلامة أقرب. # فصل أشد الناس بلاء # البلايا على مقادير الرجال. فكثير من الناس تراهم ساكتين راضين بما عندهم ~~من دين ودنيا. # وأولئك قوم لم يرادوا لمقامات الصبر الرفيعة. # أو علم ضعفهم عن مقاومة البلاء فلطف بهم. # إنما المحنة العظمى أن ترزق همة عالية لا تقنع منك إلا بتحقيق الورع، ~~وتجويد الدين، وكمال العلم، ثم تبتلى بنفس تميل إلى المباحات، وتدعى أنها ~~تجمع بذلك همها، وتشفي مرضها، لتقبل مزاحمة العلة على تحصيل الفضائل. # وهاتان الحالتان كضدين، لأن الدنيا والآخرة ضرتان. # واللازم في هذا المقام مراعاة الواجبات، وأن لا يفسح للنفس في مباح لا ~~يؤمن أن يتعدى منه إعراض عن واجب ورع. # المبتلي يصيح، فلأن يبكي الطفل خير من أن يبكي الولد. # واعلم أن فتح باب المباحات ربما جر أذى كثيرا في الدين، فأوثق السكر قبل ~~فتح الماء وألبس الدرع قبل لقاء الحرب، وتلمح عواقب ما تجني قبل تحريك ~~اليد، واستظهر في الحذر باجتناب ما يخاف منه وإن لم يتيقن. # فصل استغل وقتك في الأنفس من العلوم # ينبغي لطالب العلم أن يكون جل همته مصروفا إلى الحفظ والإعادة. # فلو صح صرف الزمان إلى ذلك كان الأولى. # غير أن البدن مطية، وإجهاد السير مظنة الانقطاع. # ولما كانت القوى تكل فتحتاج إلى تجديد، وكان النسخ والمطالعة والتصنيف لا ~~بد منه، مع أن المهم الحفظ، وجب تقسيم الزمان على الأمرين فيكون الحفظ في ~~طرفي النهار وطرفي الليل، ويوزع الباقي بين عمل بالنسخ والمطالعة، وبين ~~راحة للبدن وأخذ لحظه. # ولا ينبغي أن يقع الغبن بين الشركاء، فإنه متى أخذ أحدهم فوق حقه أثر ~~الغبن وبان أثره، وإن النفس لتهرب إلى النسخ والمطالعة والتصنيف عن الإعادة ~~والتكرار لأن ذلك أشهى وأخف عليها. # فليحذر الراكب من إهمال الناقة، ولا يجوز له أن يحمل عليها ما لا تطيق. # ومع العدل والإنصاف يتأتى كل مراد. # ومن انحرف عن الجادة طالت طريقه. # ومن طوى منازل في منزل أوشك أن يفوته ما جد لأجله، ms138 على أن الإنسان إلى ~~التحريض أحوج لأن الفتور ألصق به من الجد. PageV01P067 وبعد، فاللازم في ~~العلم طلب المهم، فرب صاحب حديث حفظ مثلا لحديث: من أتى الجمعة فليغتسل: ~~عشرين طريقا، والحديث قد ثبت من طريق واحد، فشغله ذلك عن معرفة آداب الغسل. # والعمر أقصر وأنفس من أن يفرط منه في نفس. # وكفى بالعقل مرشدا إلى الصواب وبالله التوفيق. # فصل صلاح السر أصر القبول # إذا صح قصد العالم استراح من كلف التكلف. # فإن كثيرا من العلماء يأنفون من قول لا أدري، فيحفظون بالفتوى جاههم عند ~~الناس لئلا يقال: جهلوا الجواب، وإن كانوا على غير يقين مما قالوا. # وهذا نهاية الخذلان. # وقد روي عن مالك بن أنس أن رجلا سأله عن مسألة فقال: لا أدري، فقال سافرت ~~البلدان إليك، فقال ارجع إلى بلدك وقل سألت مالكا فقال لا أدري. # فانظر إلى دين هذا الشخص وعقله كيف استراح من الكلفة، وسلم عند الله عز ~~وجل. # ثم إن كان المقصود الجاه عندهم، فقلوبهم بيد غيرهم. # والله لقد رأيت من يكثر الصلاة والصوم والصمت، ويتخشع في نفسه ولباسه، ~~والقلوب تنبو عنه، وقدره في النفوس ليس بذاك. # ورأيت من يلبس فاخر الثياب وليس له كبير نفل ولا تخشع، والقلوب تتهافت ~~على محبته. # فتدبرت السبب فوجدته السرير، كما روي عن أنس بن مالك أنه لم يكن له كبير ~~عمل من صلاة وصوم، وإنما كانت له سريرة. # فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعقبت القلوب بنشر طيبه. # فالله الله في السرائر، فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر. # فصل من أسرار الحرمان # نزلت في شدة وأكثرت من الدعاء أطلب الفرج والراحة، وتأخرت الإجابة، ~~فانزعجت النفس وقلقت. # فصحت بها: ويلك، تأملي أمرك، أمملوكة أنت أم حرة مالكة ؟. أمدبرة أنت أم ~~مدبرة ؟. # أما علمت أن الدنيا دار ابتلاء واختبار، فإذا طلبت أغراضك، ولم تصبري على ~~ما ينافي مرادك فأين الابتلاء ؟. # وهل الابتلاء إلا الإعراض وعكس المقاصد. # فافهمي معنى التكليف وقد هان عليك ما عز، وسهل ما استصعب. # فلما تدبرت ما ms139 قلته سكنت بعض السكون. # فقلت لها: وعندي جواب ثان، وهو أنك تقتضين الحق بأغراضك ولا تقتضين نفسك ~~بالواجب له، وهذا عين الجهل. # وإنما كان ينبغي أن يكون الأمر بالعكس، لأنك مملوكة، والمملوك العاقل ~~يطالب نفسه بأداء حق المالك، ويعلم أنه لا يجب على المالك تبليغه ما يهوى. # فسكنت أكثر من ذلك السكون. # فقلت لها: وعندي جواب ثالث، وهو أنك قد استبطأت الإجابة، وأنت سددت طرقها ~~بالمعاصي، فلو قد فتحت الطريق أسرعت. # كأنك ما علمت أن سبب الراحة التقوى. # أو ما سمعت قوله تعالى: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه " ، " يجعل ~~له من أمره يسرا " . # أو ما فهمت أن العكس بالعكس ؟. # آه من سكر غفلة صار أقى من كل سكر في وجه مياه المراد يمنعها من الوصول ~~إلى زرع الأماني. فعرفت النفس أن هذا حق فاطمأنت. # فقلت: وعندي جواب رابع، وهو أنك تطلبين ما لا تعلمين عاقبته، وربما كان ~~فيه ضررك. # فمثلك كمثل طفل محموم يطلب الحلوى، والمدبر لك أعلم بالمصالح. # كيف وقد قال الله: " وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم " . # فلما بان الصواب للنفس في هذه الأجوبة، زادت طمأنينتها. # فقلت لها: وعندي جواب خامس، وهو أن هذا المطلوب ينقص من أجرك، ويحط من ~~مرتبتك، فمنع الحق لك ما هذا سبيله عطاء منه لك. # ولو أنك طلبت ما يصلح آخرتك كان أولى لك. # فأولى لك أن تفهمي ما قد شرحت، فقالت: لقد سرحت في رياض ما شرحت، فهمت إذ ~~فهمت. # فصل الغنى عافية للعلماء # حضرنا بعض أغذية أرباب الأموال، فرأيت العلماء أذل الناس عندهم. # فالعلماء يتواضعون لهم ويذلون لموضع طمعهم فيهم، وهم لا يحفلون بهم لما ~~يعلمونه من احتياجهم إليهم. # فرأيت هذا عيبا في الفريقين. # أما في أهل الدنيا فوجه العتب أنهم كانوا ينبغي لهم تعظيم العلم، ولكن ~~لجهلهم بقدره فاتهم وآثروا عليه كسب الأموال. # فلا ينبغي أن يطلب منهم تعظيم ما لا يعرفون ولا يعلمون قدره. # وإنما أعود باللوم على العلماء وأقول: ينبغي لكم أن تصونوا أنفسكم التي ms140 ~~شرفت بالعلم عن الذل للأنذال. # وإن كنتم في غنى عنهم كان الذل لهم والطلب منهم حراما عليكم. # وإن كنتم في كفاف فلم لم تؤثروا التنزه عن الذل بالعفة عن الحطام الفاني ~~الحاصل بالذلة. PageV01P068 إلا أنه يتخيل لي من هذا الأمر، أني علمت قلة ~~صبر النفس على الكفاف والعزوف عن الفضول، فإن وجد ذلك منها في وقت لم يوجد ~~على الدوام. # فالأولى للعالم أن يجتهد في طلب الغنى، ويبالغ في الكسب، وإن ضاع بذلك ~~عليه كثير من زمان طلب العلم؛ فإنه يصون بعرضه عرضه. # وقد كان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت وخلف مالا. # وخلف سفيان الثوري مالا وقال لولاك لتمندلوا بي. # وقد سبق في كتابي هذا في بعض الفصول شرف المال، ومن كان من الصحابة ~~والعلماء يقتنيه، والسر في فعلهم ذلك، وحتى طالبي العلم على ذلك ما بينته ~~من أن النفس لا تثبت على التعفف، ولا تصبر على دوام التزهد. # وكم قد رأينا من شخص قويت عزيمته على طلب الآخرة فأخرج ما في يده، ثم ~~ضعفت فعاد يكتسب من أقبح وجه. # فالأولى ادخار المال والاستغناء عن الناس. ليخرج الطمع من القلب، ويصفو ~~نشر العلم من شآئبة ميل. # ومن تأمل أخبار الأخيار من الأحبار وجدهم على هذه الطريقة. # وإنما سلك طريق الترفه عن الكسب من لمي يؤثر عنده بذل الدين والوجه. # فطلب الراحة ونسي أنها في المعنى عناء. # كما فعل جماعة من جهال المتصوفة في إخراج ما في أيديهم وادعاء التوكل. # وما علموا أن الكسب لا ينافي التوكل. # وإنما طلبوا طريق الراحة وجعلوا التعرض للناس كسبا. # وهذه طريقة مركبة من شيئين: أحدهما: قلة الأنفة على العرض. الثاني: قلة ~~العلم. # فصل غلبة الشهوة # تأملت وقوع المعاصي من العصاة فوجدتهم لا يقصدون العصيان، وإنما يقصدون ~~موافقة هواهم، فوقع العصيان تبعا. # فنظرت في سبب ذلك الإقدام مع العلم بوقوع المخالفة فإذا به ملاحظتهم لكرم ~~الخالق، وفضله الزاخر. # ولو أنهم تأملوا عظمته وهيبته ما انبسطت كف بمخالفته. # فإنه ينبغي والله أن يحذر ممن أقل فعله ms141 تعميم الخلق بالموت، حتى إلقاس ~~الحيوان البهيم للذبح، وتعذيب الأطفال بالمرض، وفقر العالم، وغنى الجاهل. # فليعرض المقدم على الذنوب على نفسه الحذر ممن هذه صفته. # فقد قال الله تعالى: " ويحذركم الله نفسه " . # وملاحظة أسباب الخوف أدنى إلى الأمن من ملاحظة أسباب الرجاء. # فالخائف آخذ بالحزم، والراجي متعلق بحبل طمع، وقد يخلف الظن. # فصل عفة العالم من تمام دينه # رأيت عموم أرباب الأموال يستخدمون العلماء ويتسذلونهم بشيء يسير يعطونهم ~~من زكاة أموالهم. # فإن كان لأحدهم ختمة قال فلان ما حضر، وإن مرض قال فلان ما تردد. # وكل منته عليه شيء نزر يجب تسليمه إلى مثله. # وقد رضي العلماء بالذل في ذلك لموضع الضرورة فرأيت أن هذا جهل من العلماء ~~بما يجب عليهم من صيانة العلم. # ودواؤه من جهتين: إحداهما: القناعة باليسير. كما قيل: من رضي بالخل ~~والبقل لم يستعبده أحد. # والثاني صرف الزمان المصروف في خدمة العلم إلى كسب الدنيا. فإنه يكون ~~سببا لإعزاز العلم، وذلك أفضل من صرف جميع الزمان في طلب العلم، مع احتمال ~~هذا الذل. # ومن تأمل ما تأملته وكانت له أنفة قدر قوته، واحتفظ بما معه، أو سعى في ~~مكتسب يكفيه. # ومن لم يأنف من مثل هذه الأشياء لم يحظ من العلم إلا بصورته دون معناه. # فصل العقل أصل الدين # مدار الأسر كله على العقل؛ فإنه إذا تم العقل لم يعمل صاحبه إلا على أقوى ~~دليل. # وثمرة العقل فهم الخطاب، وتلمح المقصود من الأمر. # ومن فهم المقصود وعمل على الدليل كان كالباني على أساس وثيق. # وإني رأيت كثيرا من الناس لا يعملون على دليل. بل كيف اتفق، وربما كان ~~دليلهم العادات، وهذا أقبح شيء يكون. # ثم رأيت خلقا كثيرا لا يتبعون الدليل بطرق إثباته كاليهود والنصارى. ~~فإنهم يقلدون الآباء ولا ينظرون فيما جاء من الشرائع هل صحيح أم لا. # وكذلك يثبتون لإله ولا يعرفون ما يجوز عليه مما لا يجوز. # فينسبون إليه الولد، ويمنعون جواز تغييره ما شرع. # وهؤلاء لم ينظروا حق النظر لا في إثبات الصانع ms142 وما يجوز عليه، ولا في ~~الدليل على صحة النبوات، فتقع أعمالهم ضائعة كالباني على رمل. # ومن هذا القبيل في المعنى قوم يتعبدون ويتزهدون وينصبون أبدانهم في العلم ~~بأحاديث باطلة. ولا يسألون عنها من يعلم. # ومن الناس من يثبت الدليل ولا يفهم المقصود الذي دل عليه الدليل. ~~PageV01P069 ومن هذا الجنس قوم سمعوا ذم الدنيا فتزهدوا، وما فهموا ~~المقصود، فظنوا أن الدنيا تذم لذاتها وأن النفس تجب عداوتها، فحملوا على ~~أنفسهم فوق ما يطاق. وعذبوها بكل نوع، ومنعوها حظوظها. جاهلين بقوله صلى ~~الله عليه وسلم: إن لنفسك عليك حقا. # وفيهم من أدته الحال إلى ترك الفرائض، ونحول الجسم، وضعف التقوى. # وكل ذلك لضعف الفهم للمقصود والتلمح للمراد. كما روي عن داود الطائي أنه ~~كان يترك ماء في دن تحت الأرض فيشرب منه وهو شديد الحر. # وقال لسفيان إذا كنت تأكل اللذيذ الطيب، وتشرب الماء البارد المبرد، فمتى ~~تحب الموت والقدوم على الله ؟. # وهذا جهل بالمقصود. فإن شرب الماء الحار يورث أمراضا في البدن ولا يحصل ~~به الري. # وما أمرنا بتعذيب أنفسنا على هذه الصورة، بل بترك ما تدعو إليه من ما نهى ~~الله عنه. # وفي الحديث الصحيح: أن أبا بكر رضي الله عنه لما حلب له الراعي في طريق ~~الهجرة صب الماء على القدح حتى برد أسفله، ثم سقى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وفرش له في ظل صخرة. # وكان يستعذب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الماء. وقال: إن كان عندكم ~~ماء بات في شن وإلا كرعنا. # ولو فهم داود رحمه الله أن إصلاح علف الناقة متعين لقطع المسافة لم يفعل ~~هذا. # ألا ترى إلى سفيان الثوري فإنه كان شديد المعرفة والخوف وكان يأكل اللذيذ ~~ويقول: إن الدابة إذا لم يحسن إليها لم تعمل. # ولعل بعض من لم يسمع كلامي هذا يقول: هذا ميل على الزهاد، فأقول: كن مع ~~العلماء وانظر إلى طريق الحسن، وسفيان، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد، ~~والشافعي، وهؤلاء أصول الإسلام. # ولا تقلد دينك من قل علمه وإن ms143 قوي زهده. # واحمل أمره على أنه كان يطيق هذا ولا تقتد بهم فيما لا تطيقه. # فليس أمرنا إلينا، والنفس وديعة عندنا. # فإن أنكرت ما شرحته فأنت ملحق بالقوم الذي أنكرت عليهم. # هذا رمز إلى المقصود والشرح يطول. # فصل حول تقسيم الأرزاق # الواجب على العاقل أن يتبع الدليل ثم لا ينظر فيما لا يجني من مكروه. # مثال أنه قد ثبت بالدليل القاطع حكمة الخالق عز وجل وملكه وتدبيره. # فإذا رأى الإنسان عالما محروما، وجاهلا مرزوقا، أوجب عليه الدليل المثبت ~~حكمة الخالق التسليم إليه، ونسبة العجز عن معرفة الحكمة إلى نفسه. # فإن أقواما لم يفعلوا ذلك جهلا منهم، أفتراهم بماذا حكموا ؟. # بفساد هذا التدبير ؟ أليس بمقتضى عقولهم ؟ أو ما عقولهم من جملة مواهبه ~~؟. # فكيف يحكم على حكمته وتدبيره ببعض مخلوقاته التي هي بالإضافة إليه أنقص ~~من كل شيء؟. # ولقد بلغني عن اللعين ابن الراوندي أنه كان جالسا على الجسر وفي يده رغيف ~~يأكله، فجازت خيل وأموال فقال: لمن هذه ؟ فقيل لفلان الخادم. # ثم جازت خيل وأموال فقال: لمن هذه ؟ فقيل لفلان الخادم. # فلما مر الخادم رأى شخصا محتقرا، فرى الرغيف إلى ناحيته وقال: وهذا لفلان ~~! ما هذه القسمة ؟. # ولو فكر المعترض لبانت له وجوه أقلها جهله بمن يدعي معرفته وقلة تعظيمه ~~له. وذلك يوجب عليه أشد مما كان فيه من تضييق العيش ولكنه ميراث إبليس، حيث ~~اعتقد سوء التدبير في تفضيل آدم عليه السلام. # فالعجب من تلميذ يتعالم على أستاذه، ومن مملوك يتيه على سيده. # ومما ينبغي فيه الدليل ولا يلتفت إلى ما جنت الحال، أن العلم أشرف مكتسب. # وقد رأى جماعة من الجهلة قلة حظوظ العلماء من الدنيا فأزروا على العلم ~~وقالوا: لا فائدة فيه. # وذلك لجهلهم بمقدار العلم، فإن تابع الدليل لا يبالي ما جنى، وإنما يبين ~~الاختبار بفقد الغرض. # ولو لم يكن من الدليل على صدق نبينا صلى الله عليه وسلم إلا إعراضه عن ~~الدنيا وتضييق العيش عليه، ثم لم يخلف شيئا وحرم أهله الميراث، لكفاه ذلك ~~دليلا على ms144 صدق طلبه لمطلوب آخر. # وربما رأى الجاهل قوما من العلماء يفعلون خطيئة فيزدري على العلم ويدعيه ~~ناقصا وهذا غلط كبير. # فليتق الله العاقل وليعمل بمقتضى العقل فيما يأمر به من طاعة الله تعالى ~~والعمل بالعلم. # وليعلم أن الابتلاء في الصبر على فوات المطلوبات، وليلزم اتباع الدليل ~~وإن جنى مكروها والله الموفق. # فصل بين آدم ويوسف # قرأت سورة يوسف عليه السلام، فتعجبت من مدحه عليه السلام على صبره وشرح ~~قصته للناس ورفع قدره بترك ما ترك. PageV01P070 فتأملت خبيئة الأمر فإذا هي ~~مخالفة للهوى المكروه. # فقلت: واعجبا لو وافق هواه من كان يكون ؟. # ولما خالفه لقد صار أمرا عظيما تضرب الأمثال بصبره، ويفتخر على الخلق ~~باجتهاده. # وكل ذلك قد كان بصبر ساعة فيا له عزا وفخرا، أن تملك نفسك ساعة الصبر عن ~~المحبوب وهو قريب. # وبالعكس منه حالة آدم في موافقته هواه، لقد عادت نقيصة في حقه أبدا لولا ~~التدارك فتاب عليه. # فتلمحوا رحمكم الله عاقبة الصبر ونهاية الهوى. # فالعاقل من ميز بين الأمرين. الحلوين والمرين. # فإن من عدل ميزانه ولم تمل به كفة الهوى رأى كل الأرباح في الصبر، وكل ~~الخسران في موافقة النفس. # وكفى بهذا موعظة في مخالفة الهوى لأهل النهى والله الموفق. # فصل تكامل المعارف في إصلاح القلوب # رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب، إلا أن ~~يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين. # لأنهم تناولوا مقصود النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق ~~معانيها والمراد بها. # وما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة وذوق لأني وجدت جمهور المحدثين وطلاب ~~الحديث همة أحدهم في الحديث العالي وتكثير الأجزاء. # وجمهور الفقهاء في علوم الجدل وما يغالب به الخصم. # وكيف يرق القلب مع هذه الأشياء ؟. # وقد كان جماعة من السلف يقصدون البعد الصالح للنظر إلى سمته وهديه. لا ~~لاقتباس علمه. # وذلك أن ثمرة علمه هديه وسمته، فافهم هذا وامزج طلب الفقه والحديث ~~بمطالعة سير السلف والزهاد في الدنيا ليكون سببا لرقة قلبك. # وقد جمعت لكل واحد ms145 من مشاهير الأخيار كتابا فيه أخباره وآدابه. فجمعت ~~كتابا في أخبار الحسن وكتابا في أخبار سفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم، ~~وبشر الحافي، وأحمد بن حنبل، ومعروف، وغيرهم من العلماء والزهاد، والله ~~الموفق للمقصود. # ولا يصلح العمل مع قلة العلم. # فهما في ضرب المثل كسائق وقائد والنفس بينهما حرون ومع جد السائق والقائد ~~ينقطع المنزل، ونعوذ بالله من الفتور. # فصل قوة الإرادة # ترخصت في شيء يجوز في بعض المذاهب فوجدت في قلبي قسوة عظيمة، وتخايل لي ~~نوع طرد عن الباب، وبعد ظلمة تكاثفت. # فقالت نفسي: ما هذا. أليس ما خرجت عن إجماع الفقهاء. # فقلت لها: يا نفس السوء جوابك من وجهين: أحدهما أنك تأولت ما لا تعتقدين ~~فلو استفتيت لم تفت بما فعلت. # قالت: لو لم أعتقد جواز ذلك ما فعلته. # قلت: إلا أن اعتقادك ما ترضينه لغيرك في الفتوى. # والثاني أنه ينبغي لك الفرح بما وجدت من الظلمة عقيب ذلك، لأنه لولا نور ~~في قلبك ما أثر مثل هذا عندك. # قالت فلقد استوحشت بهذه الظلمة المتجددة في القلب. # قلت: فاعزمي على الترك وقدري ما تركت جائزا بالإجماع، وعدي هجره ورعا، ~~وقد سلمت. # فصل التوسط في المعاملة # مما أفادتني تجارب الزمان أنه لا ينبغي لأحد أن يظاهر بالعداوة أحدا ما ~~استطاع، فإنه ربما يحتاج إليه مهما كانت منزلته. # وإن الإنسان ربما لا يظن الحاجة إلى مثله يوما ما كما لا يحتاج إلى عويد ~~منبوذ لا يلتفت إليه. # لكم كم من محتقر احتيج إليه. فإذا لم تقع الحاجة إلى ذلك الشخص في جلب ~~نفع وقعت الحاجة في دفع ضر. # ولقد احتجت في عمري إلى ملاطفة أقوام ما خطر لي قط وقوع الحاجة إلى ~~التلطف بهم. # واعلم أن الظاهرة بالعداوة قد تجلب أذى من حيث لا يعلم. لأن المظاهر ~~بالعداوة كشاهر السيف ينتظر مضربا. وقد يلوح منه مضرب خفي، وإن اجتهد ~~المتدرع في ستر نفسه فيغتنمه ذلك العدو. # فينبغي لمن عاش في الدنيا أن يجتهد في أن لا يظاهر بالعداوة أحدا لما ~~بينت ms146 من وقوع احتياج الخلق بعضهم إلى بعض وإقدار بعضهم على ضرر بعض. # وهذا فصل مفيد تبين فائدته للإنسان مع تقلب الزمان. # فصل بين المتعة والخوف # رأيت النفس تنظر إلى لذات أرباب الدنيا العاجلة وتنسى كيف حصلت وما ~~يتضمنها من الآفات. # وبيان هذا أنك إن رأيت صاحب إمارة وسلطنة فتأملت نعمته وجدتها مشوبة فإن ~~لم يقصد هو الشر حصل من عماله. # ثم هو خائف منزعج في كل أموره حذر من عدو أن يسيئه، قلق ممن هو فوقه أن ~~يعزله، ومن نظير أن يكيده. # ثم أكثر زمانه يمضي في خدمة من يخافه من السلاطين، وفي حساب أموالهم، ~~وتنفيذ أوامرهم التي لا تخلو من أشياء منكرة. PageV01P071 وإن عزل أربى ذلك ~~على جميع ما نال من لذة. # ثم تلك اللذة تكون مغمورة بالحذر فيها ومنها وعليها. # وإن رأيت صاحب تجارة رأيته قد تقطع في البلاد فلم ينل ما نال إلا بعد علو ~~السن وذهاب زمان اللذة. # كما حكي أن رجلا من الرؤساء كان حال شبيبته فقيرا، فلما كبر استغنى وملك ~~أموالا واشترى عبيدا من الترك وغيرهم وجواري من الروم فقال هذه الأبيات في ~~شرح حاله. # ما كنت أرجوه إذ كنت ابن عشرينا ... ملكته بعد أن جاوزت سبعينا # تطوف بي من الأتراك أغزلة ... مثل الغصون على كثبان يبرينا # وخرد من بنات الروم رائعة ... يحكين بالحسن حور الجنة العينا # يغمزنني بأساريع منعمة ... تكاد تعقد من أطرافها لينا # يردن إحياء ميت لا حراك به ... وكيف يحيين ميتا صار مدفونا # قالوا أنينك طول الليل يسهرنا ... فما الذي تشتكي قلت الثمانينا # وهذه الحالة هي الغالبة فإن الإنسان لا يكاد يجتمع له كل ما يحبه إلا عند ~~قرب رحيله، فإن بدر ما يحب في بداية شبابه فالصبوة مانعة من فهم التدابير ~~أو حسن الإلتذاذ. # والإنسان في حالة الصبوة لا يدري أين هو إلا أن يبلغ، فإذا بلغ كانت همته ~~في المنكوح كيف ما اتفق. # وإن تزوج جاء الأولاد فمنعوه اللذة وانكسر في نفسه وافتقر إلى الكسب ~~عليهم. # فبينما هو قد ms147 دعك في تلك المديدة القريبة من الثلاثين وخطه الشيب فانفرق ~~من نفسه لعلمه أن النساء ينفرقن منه كما قال ابن المعتز بالله: # لقد أتعبت نفسي في مشيبي ... فكيف تحبني الغيد الكعاب # وهكذا لا ترى المتمتع بالمستحسنات، إن وجدهن، لم يجد ما لا يبلغ به ~~المراد. # وإن اشتغل بجمع المال ضاع زمن تمتعه، وإذا تم المطلوب فالشيب أقبح قذى ~~وأعظم مبغض. # ثم إن صاحب المال خائف على ماله، محاسب لمعامليه، مذموم إن أسرف وإن قتر. # ولده يرصد موته، وجاريته قد لا ترضى بشخصه، وهو مشغول بحفظ حواشيه. # فقد مضى زمانه في محن، واللذات فيها خلس معتادة لا لذة فيها. # ثم في القيامة يحشر الأمير والتاجر خزايا، إلا من عصم الله. # فإياك إياك أن تنظر إلى صورة نعيمهم فإنك تستطيبه لبعده عنك، ولو قد ~~بلغته كرهته. # ثم في ضمنه من محن الدنيا والآخرة ما لا يوصف. # فعليك بالقناعة مهما أمكن، ففيها سلامة الدنيا والدين. # وقد قيل لبعض الزهاد وعنده خبز يابس. كيف تشتهي هذا. فقال: أتركه حتى ~~أشتهيه. # فصل مناجاة # وقع بيني وبين أرباب الولايات نوع معاداة لأجل المذهب. فإني كنت في مجلس ~~التذكير أنظر أن القرآن كلام الله وأنه قديم، وأقدم أبا بكر. # واتفق في أرباب الولايات من يميل إلى مذهب الأشعري، وفيهم من يميل إلى ~~مذهب الروافض، وتمالؤا في الباطن. # فقلت يوما في مناجاتي للحق سبحانه وتعالى: سيدي نواصي الكل بيدك، وما ~~فيهم من يقدر لي على ضر، إلا أن تجريه على يده، وأنت قلت سبحانك " وما هم ~~بضارين به من أحد إلا بإذن الله " . # وطيبت قلب المبتلي بقولك: " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " . # فإن أجريت على أيدي بعضهم ما يوجب خذلاني كان خوفي على ما نصرته أكثر من ~~خوفي على نفسي، لئلا يقال لو كان على حق ما خذل. # وإن نظرت إلى تقصيري وذنوبي فإني مستحق للخذلان، غير أني أعيش بما نصرته ~~من السنة، فأدخلني في خفارته. # وقد استودعني إياك خلق من صالحي عبادك فإن لم ms148 تحفظني بي فاحفظني بهم. # سيدي انصرني على من عاداني، فإنهم لا يعرفونك كما ينبغي، وهم معرضون عنك ~~على كل حال، وأنا - على تقصيري - إليك أنسب. # فصل بلاء المتصوفة # روي عن الحلاج الصوفي أنه كان يقعد في الشمس في الحر الشديد وعرقه يسيل، ~~فجاز بعض العقلاء فقال له: يا أحمق هذا تقاوي على الله تعالى ... !!!، وما ~~أحسن ما قال هذا ! فإنه ما وضع التكليف إلا على خلاف الأغراض، وقد يحرج ~~صاحبه إلى أن يعجز عن الصبر. # فالجاهل الأحمق من تقاوى أو من يسأل البلاء كما قال ذلك الأبله: فكيف ما ~~شئت فاختبرني. # فصل التجلد للأمور PageV01P072 والسعيد من ذل الله وسأل العافية، فإنه لا ~~يوهب العافية على الإطلاق إذ لا بد من بلاء، ولا يزال العاقل يسأل العافية ~~لتغلب على جمهور أحواله فيقرب الصبر على يسير البلاء. # وفي الجملة ينبغي للإنسان أن يعلم أنه لا سبيل إلى محبوباته خالصة، ففي ~~كل جرعة غصص، وفي كل لقمة شجا: # وكم من يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال # وعلى الحقيقة ما الصبر إلا على الأقدار، وقل أن تجري الأقدار إلا على ~~خلاف مراد النفس: فالعاقل من دارى نفسه في الصبر بوعد الأجر، وتسهيل الأمر، ~~ليذهب زمان البلاء سالما من شكوى، ثم يستغيث الله تعالى سائلا العافية. # فأما المتجلد فما عرف الله قط. نعوذ بالله من الجهل به، ونسأله عرفانه، ~~إنه كريم مجيب. # فصل طريق النبوة الطريق الأمثل # الجادة السليمة والطريق القويمة، الاقتداء بصاحب الشرع. والبدار إلى ~~الاستنان به، فهو الكامل الذي لا ينقص فيه. # فإن خلقا كثيرا انحرفوا إلى جادة الزهد، وحملوا أنفسهم فوق الجهد، ~~فأفاقوا في أواخر العمر، والبدن قد نهك، وفاتت أمور مهمة من العلم وغيره. # وإن أقواما انحرفوا إلى صورة العلم فبالغوا في طلبه، فأفاقوا في أواخر ~~قدم، وقد فاتهم العمل به. # فطريق المصطفى صلى الله عليه وسلم العلم والعمل، والتلطف بالبدن. # كما أوصى عبد الله بن عمر، عمرو بن العاص وقال له: إن لنفسك عليك حقا، ~~ولزوجك عليك حقا. ms149 # فهذه هي الطريق الوسطى والقول الفصل. # فأما اليبس المجرد، فكم فوت من علم، لو حصل نيل به أكثر مما نيل بالعمل. # فإن مثل العالم كرجل يعرف الطريق، والعابد جاهل بها، فيمشي العابد من ~~الفجر إلى العصر، ويقوم العالم قبيل العصر فيلتقيان وقد سبق العالم فضل ~~شوطه. # فإن قال قائل: بين لي هذا، قلت: صورة التعبد خدمة لله تعالى، وذل له، ~~وربما لم يطلع العابد على معنى تلك الصورة، لأنه ربما ظن أنه أهل لوجود ~~الكرامة على يده، وأنه مستحق تقبيل يده، أو إنه خير من كثير من الناس، وذلك ~~كله لقة العلم. # وأعني بالعلم فهو أصول العلم، لا كثرة الرواية ومطالعة مسائل الخلاف. # فإذا طالع العالم الأصولي، سبق هذا العابد بحسن خلق، ومداراة الناس، ~~وتواضعه في نفسه، وإرشاده الخلق إلى الله تعالى. # فيعسر هذا على العابد، وهو في ليل جهله بالحال راقد. # ربما تزوج العابد ثم حمل نفسه على التجفف فحبس زوجته عن مطلوب ولم ~~يطلقها، وصار كالتي حبست الهرة فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش ~~الأرض. # ومن تأمل حالة الرسول صلى الله عليه وسلم، رأى كاملا من الخلق يعطي كل ذي ~~حق حقه. # فتارة يمزح، وتارة يضحك، ويداعب الأطفال، ويسمع الشعر، ويتكلم بالمعاريض، ~~ويحسن معاشرة النساء، ويأكل ما قدر عليه وأتيح له، وإن كان لذيذا كالعسل. ~~ويستعذب له الماء، ويفرش له في الظل، ولم ينكر ذلك. # ولم يسمع عنه ما حدث بعده من جهال المتصوفة والمتزهدين، ومن منع النفس ~~شهواتها على الإطلاق. # فقد كان يأكل البطيخ بالرطب، ويقبل، ويمص اللسان، ويطلب المستحسنات. # فأما أكل خبز الشعير ووزن المأكول، وتجفيف البدن، وهجر كل مشتهى، فإنه ~~تعذيب للنفس، وهدم للبدن، لا يقتضيه عقل، ولا يمدحه شرع. # وإنما اقتنع أقوام بالقليل، لأسباب مثل أن حدثت شبهة فتقللوا، أو اختلط ~~طعام بطعام فتورعوا. # ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يوفي العبادة حقها بقيام الليل ~~والاجتهاد في الذكر. # فعليك بطريقته التي هي أكمل الطرق وبشرعته التي لا شوب فيها. ودع ms150 حديث ~~فلان وفلان من الزهاد، واحمل أمرهم على أحسن محمل، وأقم لهم الأعذار مهما ~~قدرت. # فإن لم تجد عذرا فهم محجوجون بفعله، إذ هو قدوة الخلق، وسيد العقلاء. # وهل فسد الناس إلا بالإنحراف عن الشريعة. # ولقد حدثت آفات من المتصوفة والمتزهدين، خرقوا بها شبكة الشريعة وعبروا، ~~فمنهم من يدعي المحبة والشوق، ولا يعرف المحبوب. # فتراه يصيح ويستغيث ويمزق ثيابه ويخرج عن حد الشرع بدعواه ومضمونها. # ومنهم من حمل على نفسه بالجوع والصوم الدائم، وقد صح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال لعبد الله بن عمرو: صم يوما وأفطر يوما، فقال أريد أفضل ~~من ذلك فقال: لا أفضل. PageV01P073 وفيهم من خرج إلى السياحة فأفات نفسه ~~الجماعة، وفيهم من دفن كتب العلم وقعد يصلي ويصوم، ولم يعلم أن دفنها خطأ ~~قبيح، لأن النفس تغفل وتحتاج إلى التذكير في كل وقت، ونعم المذكر كتب ~~العلم. # وإنما دخل إبليس على كل قوم منهم من حيث قدر، وكان مقصوده بدفن الكتب ~~إطفاء المصباح، ليس العابد في الظلمة. # وما أحسن ما قال بعض العلماء لرجل سأله فقال: أريد أن أمضي إلى جبل ~~الآكام، فقال هذه - هوكلة - وهذه كلمة عامية معناها حب البطالة. # وعلى الحقيقة الزهاد في مقام الخفافيش، قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع ~~الناس، وهي حالة حسنة إذا لم تمنع من خير من جماعة، وأتباعة جنازة، وعيادة ~~مريض. # إلا أنها حالة الجبناء، فأما الشجعان فهم يتعلمون ويعلمون. وهذه مقامات ~~الأنبياء عليهم السلام. # أترى كم بين العابد إذا نزلت به حادثة وبين الفقيه ؟. # بالله لو مال الخلق إلى التعبد لضاعت الشريعة. # على أنه لو فهم معنى التعبد لم يقتصر به على الصلاة والصوم فرب ماش في ~~حاجة مسلم فضل تعبده ذلك على صوم سنة. # والعمل بالبدن سعي الآلات الظاهرة، والعلم سعي الآلات الباطنة من العقل ~~والفكر والفهم، فلذلك كان أشرف. # فإن قلت: كيف تذم المعتزلين للشر وتنفي عنهم التعبد ؟ قلت: ما أذمهم، بل ~~حدثت منهم حوادث اقتضاها الجهل من الدعاوي والآفات التي سببها قلة ms151 العلم، ~~وحملوا على أنفسهم التي ليست لهم، وعن غير إذن الآمر ما لم يجز. # حتى أن أحدهم يرى أن فعل ما يؤذي النفس على الإطلاق فضيلة، وحتى قال بعض ~~الحمقى: دخلت الحمام فوجدت غفلة، فآليت أن لا أخرج حتى أسبح كذا وكذا ~~تسبحية، فطال الأمر فمرضت. # وهذا رجل خاطر بنفسه في فعل ما ليس له، ومن المتصوفة والزهاد من قنع ~~بصورة اللباس، وركب من الجهل في الباطن ما لا يسعه كتاب. # طهر الله الأرض منهم وأعان العلماء عليهم. # فإن أكثر الحمقى معهم، فلو أنكر عالم على أحدهم مال العوام على العالم ~~بقوة الجهل. # ولقد رأيت كثيرا من المتعبدين وهو في مقام العجائز يسبح تسبيحات لا يجوز ~~النطق بها، ويفعل في صلاته ما لم ترد به السنة. # ولقد دخلت يوما على بعض من كان يتعبد، وقد أقام إماما وهو خلفه في جماعة ~~يصلي بهم صلاة الضحى ويجهر، فقلت لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~صلاة النهار عجماء فغضب ذلك الزاهد وقال: كم ينكر هذا علينا !. # وقد دخل فلان وأنكر فلان وأنكر، نحن نرفع أصواتنا حتى لا ننام. فقلت: ~~واعجبا ومن قال لكم لا تناموا، أليس في الصحيحين من حديث ابن عمرو أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال به: قم ونم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ينام، ولعله ما مضت عليه ليلة إلا ونام فيها. # ولقد شاهدت رجلا كان يقال له حسين القزويني بجامع المنصور وهو يمشي في ~~الجامع مشيا كثيرا دائما، فسألت ما السبب في هذا المشي ؟ فقيل لي حتى لا ~~ينام. # وهذه كلها حماقات أوجبتها قلة العلم، لأنه إذا لم تأخذ النفس حظها من ~~النوم اختلط العقل، وفات المراد من التعبد لبعد الفهم. # ولقد حدثني بعض الصالحين المجاورين بجامع المنصور أن رجلا اسمه كثير دخل ~~عليهم الجامع فقال: إني عاهدت الله على أمر ونقضته، وقد جعلت عقوبتي لنفسي ~~أن لا آكل شيئا أربعين يوما، قال: فمكث منها عشرة أيام قريب الحال يصلي في ~~جماعة، ms152 ثم في العشر الثاني بان ضعفه وكان يداري الأمر، ثم صار في العشر ~~الثالث يصلي قاعدا، ثم استطرح في العشر الرابع، فلما تمت الأربعون جيء ~~بنقوع فشربه فسمعنا صوته في حلقه مثل ما يقع الماء على المقلاة، ثم مات بعد ~~أيام. # فقلت: يا الله العجب، انظروا ما فعل الجهل بأهله، ظاهر هذا أنه في النار، ~~إلا أن يعفى عنه. # ولو فهم العلم وسأل العلماء لعرفوه أنه يجب عليه أن يأكل، وأن ما فعله ~~بنفسه حرام. # ولكن من أعظم الجهل استبداد الإنسان بعلمه، وكل هذه الحوادث نشأت قليلا ~~قليلا حتى تمكنت. # فأما الشرب الأول فلم يكن فيه من هذا شيء، وما كانت الصحابة تفعل شيئا من ~~هذه الأشياء، وقد كانوا يؤثرون ويأكلون دون الشبع، ويصبرون إذا لم يجدوا. ~~فمن أراد الاقتداء فعليه برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ففي ذلك ~~الشفاء والمطلوب. # ولا ينبغي أن يخلد العاقل إلى تقليد معظم شاع اسمه، فيقول: قال: أبو يزيد ~~وقال الثوري، فإن المقلد أعمى. PageV01P074 وكم قد رأينا أعمى يأنف من حمل ~~عصا، فمن فهم هذا المشار إليه طلب الأفضل والأعلى والله الموفق. # فصل أساس البدع # تأملت الدخل الذي دخل في ديننا من ناحيتي العلم والعمل فرأيته من طريقين ~~قد تقدما هذا الدين وأنس الناس بهما. # فأما أصل الدخل في العلم والاعتقاد فمن الفلسفة. # وهو أن خلقا من العلماء في ديننا لم يقنعوا بما قنع به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الانعكاف على الكتاب والسنة، فأوغلوا في النظر في مذاهب ~~أهل الفلسفة وخاضوا في الكلام الذي حملهم على مذاهب ردية أفسدوا بها ~~العقائد. # وأما أصل الدخل في باب العمل فمن الرهبانية. # فإن خلقا من المتزهدين أخذوا عن الرهبان طريق التقشف، ولم ينظروا في سيرة ~~نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وسمعوا ذم الدنيا وما فهموا المقصود. # فاجتمع لهم الإعراض عن علم شرعنا مع سوء الفهم للمقصود، فحدثت منهم بدع ~~قبيحة. # فأول ما ابتدأ به إبليس أنه أمرهم بالإعراض عن العلم، فدفنوا كتب ms153 ~~وغسلوها. # وألزمهم زاوية التعبد فيما زعم، وأظهر لهم من الخزعبلات ما أوجب إقبال ~~العوام عليهم فجعل إلههم هواهم. # ولو علموا أنهم منذ دفنوا كتبهم وفارقوا العلم انطفأ مصباحهم ما فعلوا. # لكن إبليس كان دقيق المكر يوم جعل علمهم في دفين تحت الأرض. # وبالعلم يعلم فساد الطريقين ويهتدي إلى الأصوب. # نسأل الله عز وجل أن لا يحرمنا إياه فإنه النور في الظلم، والأنيس في ~~الوحدة، والوزير عند الحادثة. # فصل أهل الفراغ بلاء # أعوذ بالله من صحبة الباطلين، لقد رأيت خلقا كثيرا يجرون معي فيما قد ~~اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويسمون ذلك التردد خدمة، ويطلبون الجلوس ~~ويجرون فيه أحاديث الناس وما لا يعني، وما يتخلله غيبة. # وهذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس، وربما طلبه المزور وتشوق إليه ~~واستوحش من الوحدة، وخصوصا في أيام التهاني والأعياد، فتراهم يمشي بعضهم ~~إلى بعض، ولا يقتصرون على الهناء والسلام بل يمزجون ذلك بما ذكرته من تضييع ~~الزمان. # فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء، والواجب إنتهاؤه بفعل الخير كرهت ذلك ~~وبقيت مهم بين أمرين. # إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لموضع قطع المألوف، وإن تقبلته منهم ضاع ~~الزمان. # فصرت أدافع اللقاء جهدي، فإذا غلب قصرت في الكلام لأتعجل الفراق. # ثم أعددت أعمالا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم لئلا يمضي الزمان فارغا. ~~فجعلت من المستعد للقائهم قطع الكاغد وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه ~~الأشياء لا بد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم ~~لئلا يضيع شيء من وقتي. # نسأل الله عز وجل أن يعرفنا شرف أوقات العمر، وأن يوفقنا لاغتنامه. # ولقد شاهدت خلقا كثيرا لا يعرفون معنى الحياة، فمنهم من أغناه الله عن ~~التكسب بكثرة ماله، فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر إلى الناس، وكم تمر ~~به من آفة ومنكر. # ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج؛ ومنهم من يقطع الزمان بكثرة الحوادث من ~~السلاطين والغلاء والرخص إلى غير ذلك. # فعلمت أن الله تعالى لم يطلع على شرف العمر ومعرفة قدر أوقات العافية ms154 إلا ~~من وفقه وألهمه اغتنام ذلك " وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم " . # فصل العالم ومراحل حياته # رأيت من الرأي القويم أن نفع التصانيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة. # لأني أشافه في عمري عددا من المتعلمين، وأشافه بتصنيفي خلقا لا تحصى ما ~~خلقوا بعد. # ودليل هذا أن انتفاع الناس بتصانيف المتقدمين أكثر من انتفاعهم بما ~~يستفيدونه من مشايخهم. # فينبغي للعالم أن يتوفر على التصانيف إن وفق للتصنيف المفيد، فإنه ليس كل ~~من صنف صنف. # وليس المقصود جمع شيء كيف كان، وإنما هي أسرار يطلع الله عز وجل عليها من ~~شاء من عباده ويوفقه لكشفها، فيجمع ما فرق، أو يرتب ما شتت، أو يشرح ما ~~أهمل، هذا هو التصنيف المفيد. # وينبغي اغتنام التصنيف في وسط العمر، لأن أوائل العمر زمن الطلب، وآخره ~~كلال الحواس. # وربما خان الفهم والعقل من قدر عمره، وإنما يكون التقدير على العادات ~~الغالبة لا أنه لا يعلم الغيب فيكون زمان الطلب والحفظ والتشاغل إلى ~~الأربعين، ثم يبتدىء بعد الأربعين بالتصانيف والتعليم. # هذا إذا كان قد بلغ ما يريد من الجمع والحفظ وأعين على تحصيل المطالب. ~~PageV01P075 فأما إذا قلت الآلات عنده من الكتب، أو كان في أول عمره ضعيف ~~الطلب فلم ينل ما يريده في هذا الأوان، أخر التصانيف إلى تمام خمسين سنة. # ثم ابتدأ بعد الخمسين في التصنيف والتعليم إلى رأس الستين، ثم يزيد فيما ~~بعد الستين في التعليم ويسمع الحديث والعلم ويعلل التصانيف إلى أن يقع مهم ~~إلى رأس السبعين، فإذا جاوز السبعين جعل الغالب عليه ذكر الآخرة والتهيؤ ~~للرحيل. # فيوفر نفسه على نفسه إلا من تعليم يحتسبه، أو تصنيف يفتقر إليه، فذلك ~~أشرف العدد للآخرة. # ولتكن همته في تنظيف نفسه، وتهذيب خلاله، والمبالغة في استدراك زلاته، ~~فإن اختطف في خلال ما ذكرنا فنية المؤمن خير من عمله. # وإن بلغ إلى هذه المنازل فقد بينا ما يصلح لكل منزل. # وقد قال سفيان الثوري: من بلغ سن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليتخذ ~~لنفسه كفنا، وقد بلغ ms155 جماعة من العلماء سبعا وسبعين سنة، منهم أحمد بن حنبل، ~~فإن بلغها فليعلم أنه على شفير القبر، وإن كل يوم يأتي بعدها مستطرف. # فإن تمت له الثمانون فليجعل همته كلها مصروفة إلى تنظيف خلاله، وتهيئة ~~زاده وليجعل الاستغفار حليفه، والذكر أليفه، وليدقق في محاسبة النفس وفي ~~بذل العلم، أو مخالطة الخلق. # فإن قرب الاستعراض للجيش يوجب عليه الحذر من العارض. # وليبالغ في إبقاء أثره قبل رحيله، مثل بث علمه، وإنفاق كتبه، وشيء من ~~ماله. # وبعد فمن تولاه الله عز وجل علمه، ومن أراده ألهمه. # نسأل الله عز وجل أن ينعم علينا بأن يتولانا ولا يتولى عنا إنه قريب ~~مجيب. # فصل أثر العادة في الناس # رأيت عادات الناس قد غلبت على عملهم بالشرع، فهم يستوحشون من فعل الشيء ~~لعدم جريان العادة لا لنهي الشرع !. # فكم من رجل يوصف بالخير يبيع ويشتري، فإذا حصلت له القراضة باعها بالصحيح ~~من غير تقليد لإمام، أو عمل برخصة، عادة من القوم، واستثقالا للاستفتاء. # ونرى خلقا يحافظون على صلاة الرغائب ويتوانون عن الفرائض. # وكثيرا من المتصوفين لا يستوحشون من ظلم الناس، ثم يتصدقون على الفقراء. # وربما توانوا عن إخراج الزكاة، وتكاسلوا باستعمال التأويلات فيها. # ثم إذا حضر أحدهم مجلس وعظ بكى كأنه يصانع بتلك الحال. # ومنهم من يخرج بعض الزكاة مصانعة عما لم يخرجه. # ومنهم من يعلم أن أصل ماله حرام، ويصعب عليه فراقه للعادة. # وفيهم من يحلف بالطلاق ويحنث، ويرى الفراق صعبا. # فربما تأول، وربما تكاسل عن التأويل اتكالا على عفو الله تعالى، ووعدا من ~~النفس بالتوبة. # ومنهم من يرى أن استعمال الشرع ربما ان سببا في تضييق معاشه. # وقد ألف التفسح فلا يسهل عليه فراق ما قد ألف والعادات في الجملة هي ~~المهلكة. # ولقد حضر عندي رجل شيخ ابن ثمانين سنة، فاشتريت منه دكانا وعقدت معه ~~العقد، فلما افترقنا غدر بعد أيام. # فطلبت منه الحضور عند الحاكم فأبى. # فأحضرته فحلف باليمين الغموس أنه ما بعته، فقلت ما تدور عليه السنة. # وأخذ يبرطل لمن يحول ms156 بيني وبينه من الظلمة. # فرأيت من العوام من قد غلبت عليه العادات فلا يلتفت معها إلى قول فقيه، ~~يقول هذا ما قبض الثمن فكيف يصح البيع ؟. # وآخر يقول كيف يحوز لك أن تأخذ دكانه بغير رضاه ؟. # وآخر يقول يجب عليك أن تقيله البيع. # فلما لم أقله أخذ هو وأقاربه يأخذون عرضي، ورأى أنه يحامي عن ملكه، ثم ~~سعى بي إلى السلطان سعاية يحرض فيها من الكذب ما أدهشني، ويبرطل ما لا لخلق ~~الظلمة، فبالغوا وسعوا. # إلا أن الله تعالى نجاني من شرهم. # ثم إني أقمت عليه البينة عند الحاكم، فقال بعض أرباب الدنيا للحاكم: لا ~~تحكم له، فوقف عن الحكم بعد ثبوب البينة عنده، فرأيت من هذا الحاكم ومن ~~حاكم آخر أعلى منه من ترك إنفاذ الحق حفظا لرياستهم ما هون عندي ما فعله ~~ذلك الشيخ حفظا لماله، لجهله وعلم هؤلاء، فينحل لي من الأمر أن العادات ~~غلبت على الناس، وأن الشرع أعرض عنه. # وإن وقعت موافقة للشرع فكما اتفق أو لأجل العادة. # فإن الإنسان لو ضرب بالسياط ما أفطر في رمضان عادة قد استمرت، ويأخذ ~~أعراض الناس وأموالهم عادة غالبة !!. # فكم قد رأيت هذا الشيخ يصلي ويحافظ على الصلاة، ثم لما خاف فوت غرضه ترك ~~الشرع جانبا. # وكم قد رأيت أولئك الحكام يتعبدون ويطلبون العلم، غير أنهم لما خافوا على ~~رياستهم أن تزول تركوا جانب الدين. PageV01P076 ثم إن الله تعالى نصرني ~~عليه وتقدم إلي الحاكم بإنفاذ ما ثبت عنده، ودارت السنة فمات الشيخ على قل، ~~فنسأله عز وجل التوفيق للانقياد لشرعه ومخالفة أهوائنا. # فصل شرف العلم وتنزيهه # ما أعرف للعالم قط لذة ولا عزا ولا شرفا ولا راحة ولا سلامة أفضل من ~~العزلة. # فإنه ينال بها سلامة بدنه ودينه وجاهه عند الله عز وجل وعند الخلق. # لأن الخلق يهون عليهم من يخالطهم، ولا يعظم عندهم قدر المخالط لهم، ولهذا ~~عظم قدر الخلفاء لاحتجابهم. # وإذا رأى العوام أحد العلماء مترخصا في أمر مباح هان عندهم. # فالواجب عليه صيانة علمه وإقامة ms157 قدر للعلم عندهم. # فقد قال بعض السلف: كنا نمزح ونضحك، فإذا صرنا يقتدى بنا فما أراه يسعنا ~~ذلك. # وقال سفيان الثوري: تعلموا هذا العلم واكظموا عليه، ولا تخلطوه بهزل ~~فتمجه القلوب. # فمراعاة الناس لا ينبغي أن تنكر. # وقد قال صلى الله عليه وسلم لعائشة: لولا حدثان قومك في الكفر لنقضت ~~الكعبة وجعلت لها بابين. # وقال أحمد بن حنبل في الركعتين قبل المغرب: رأيت الناس يكرهونهما ~~فتركتها. # ولا تسمع من جاهل يرى مثل هذه الأشياء رياء، إنما هذه صيانة للعلم. # وبيان هذا أنه لو خرج العالم إلى الناس مكشوف الرأس أو في يده كسرة ~~يأكلها قل عندهم وإن كان مباحا، فيصير بمثابة تخليط الطبيب الآمر بالحمية. # فلا ينبغي للعالم أن ينبسط عند العوام حفظا لهم، ومتى أراد مباحا فليستتر ~~به عنهم. # وهذا القدر الذي لاحظه أبو عبيدة حين رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ~~قد قدم الشام راكبا على حمار ورجلاه من جانب، فقال: يا أمير المؤمنين ~~يتلقاك عظماء الناس، فما أحسن ما لاحظ. # إلا أن عمر رضي الله عنه أراد تأديب أبي عبيدة بحفظ الأصل فقال: إن الله ~~أعزكم بالإسلام فمهما طلبتم العز في غيره أذلكم. # والمعنى ينبغي أن يكون طلبكم العز بالدين لا بصور الأفعال، وإن كانت ~~الصور تلاحظ. # فإن الإنسان يخلو في بيته عريانا، فإذا خرج إلى الناس لبس ثوبين وعمامة ~~ورداء. # ومثل هذا لا يكون تصنعا ولا ينسب إلى كبر. # وقد كن مالك بن أنس يغتسل ويتطيب ويقعد للحديث، ولا تلتفت يا هذا إلى ما ~~ترى من بذل العلماء على أبواب السلاطين، فإن العزلة أصون للعالم والعلم، ~~وما يخسره العلماء في ذلك أضعاف ما يربحونه. # وقد كان سيد الفقهاء سعيد بن المسيب لا يغشى الولاة، وعن قول هذا سكتوا ~~عنه، وهذا فعل الحازم. # فإن أردت اللذة والراحة فعليك أيها العلم بقعر بيتك، وكن معتزلا عن أهلك ~~يطب لك عيشك، واجعل للقاء الأهل وقتا، فإذا عرفوه تصنعوا للقائك، فكانت ~~المعاشرة بذلك أجود. # وليكن لك مكان في بيتك ms158 تخلو فيه، وتحادث سطور كتبك، وتجري في حلبات فكرك. # واحترس من لقاء الخلق وخصوصا العوام. # واجتهد في كسب يعفك عن الطمع، فهذه نهاية لذة العالم في الدنيا. # وقد قيل لابن المبارك مالك لا تجالسنا ؟ فقال: أنا أذهب فأجالس الصحابة ~~والتابعين، وأشار بذلك إلى أنه ينظر في كتبه. # ومتى رزق العالم الغني عن الناس والخلوة، فإن كان له فهم يجلب التصانيف ~~فقد تكاملت لذته. # وإن رزق فهما يرتقي إلى معاملة الحق ومناجاته فقد تعجل دخول الجنة قبل ~~الممات. # نسأل الله عز وجل همة عالية تسمو إلى الكال، وتوفيقا لصالح الأعمال، ~~فالسالكون طريق الحق أفراد. # فصل من قصص الحياة # تأملت أحوال الناس في حالة علو شأنهم فرأيت أكثر الخلق تبين خسارتهم ~~حينئذ. # فمنهم من بالغ في المعاصي من الشباب، ومنهم من فرط في اكتساب العلم، ~~ومنهم من أكثر من الاستمتاع باللذات. # فكلهم نادم في حالة الكبر حين فوات الاستدراك لذنوب سلفت، أو قوى ضعفت، ~~أو فضيلة فاتت، فيمضي زمان الكبر في حسرات. # فإن كانت للشيخ إفاقة من ذنوب قد سلفت قال واأسفا على ما جنيت. # وإن لم يكن له إفاقة صار متأسفا على فوات ما كان يلتذ به. # فأما من أنفق عصر الشباب في العلم فإنه في زمن الشيخوخة يحمد جني ما غرس ~~ويلتذ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئا بالإضافة إلى ما ~~يناله من لذات العلم. # هذا مع وجود لذاته في الطلب الذي كان تأمل به إدراك المطلوب. # وربما كانت تلك الأعمال أطيب مما نيل منها كما قال الشاعر: # اهتز عند تمني وصلها طريا ... ورب أمنية أحلى من الظفر PageV01P077 ولقد ~~تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا، ~~وأنفقت زمن الصبوة والشباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا ~~ما لو حصل لي ندمت عليه. # ثم تأملت حالي فإذا عيشي في الدنيا أجود من عيشهم، وجاهي بين الناس أعلى ~~من جاههم. وما نلته من معرفة العلم لا يقاوم. # فقال لي إبليس: ms159 ونسيت تعبك وسهرك. # فقلت له: أيها الجاهل، تقطيع الأيدي لا وقع له عند رؤية يوسف. # وما طالت طريق أدت إلى صديق: # جزى الله المسير إليه خيرا ... وإن ترك المطايا كالمزاد # ولقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل ~~لأجل ما أطلب وأرجو. # كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على ~~نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء. # فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم. # فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأحواله وآدابه، وأحوال أصحابه وتابعيهم، فصرت في معرفة طريقه كابن أجود. # وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يدري بالعلم، حتى أنني أذكر في زمان ~~الصبوة، ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان ~~العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي العلم من خوف ~~الله عز وجل. # ولولا خطايا لا يخلو منها البشر، لقد كنت أخاف على نفسي من العجب. # غير أنه عز وجل صانني، وعلمني، وأطلعني من أسرار العلم معرفته، وإيثار ~~الخلوة به، حتى أنه لو حضر معي معروف وبشر لرأيتها رحمة. # ثم عاد فغمسني في التقصير والتفريط حتى رأيت أقل الناس خيرا مني. # وتارة يوقظني لقيام الليل ولذة مناجاته، وتارة يحرمني ذلك مع سلامة بدني. # ولولا بشارة العلم بأن هذا نوع تهذيب وتأديب لخرجت إما إلى العجب عند ~~العمل، وإما إلى اليأس عند البطالة. # لكن رجائي في فضله قد عادل خوفي منه. # وقد يغلب الرجاء بقوة أسبابه، لأني رأيت أنه قد رباني منذ كنت طفلا، فإن ~~أبي مات وأنا لا أعقل، والأم لم تلتفت إلي. فركز في طبعي حب العلم. # وما زال يوقعني على المهم فالمهم، ويحملني إلى من يحملني على الأصوب، حتى ~~قوم أمري. # وكم قد قصدني عدو فصده عني. وإذ رأيته قد نصرني وبصرني ودافع عني ووهب ~~لي، قوى رجائي في ms160 المستقبل بما قد رأيت في الماضي. # ولقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مائتي ألف، وأسلم على يدي أكثر ~~من مائتي نفس. # وكم سالت عين متجبر بوعظي لم تكن تسيل. # ويحق لمن تلمح هذا الإنعام أن يرجو التمام. # وربما لاحت أسباب الخوف بنظري إلى تقصيري وزللي. # ولقد جلست يوما فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف ما فيهم إلا من قد رق قلبه. ~~أو دمعت عينه. فقلت لنفسي: كيف بك إن نجوا وهلكت: فصحت بلسان وجدي: إلهي ~~وسيدي إن قضيت علي بالعذاب غدا فلا تعلمهم بعذابي صيانة لكرمك لا لأجلي، ~~لئلا يقولوا عذب من دل عليه. # إلهي قد قيل لنبيك صلى الله عليه وسلم. أقتل ابن أبي المنافق فقال: لا ~~يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه. إلهي فاحفظ حسن عقائدهم في بكرمك أن ~~تعلمهم بعذاب الدليل عليك. # حاشاك والله يا رب من تكدير الصافي. # لا تبر عودا أنت ريشته ... حاشا لباني الجود أن ينقضا # لا تعطش الزرع الذي نبته ... بصوب إنعامك قد روضا # فصل اللذة بين الواقع والخيال # من الأمور التي تخفي على العاقل أن يرى أنه متى لم تكن عنده امرأة أو ~~جارية يهواها هوى شديدا أنه لا يلتذ في الدنيا. # فإذا صور محبوبا مملوكا تخايل لذة عظيمة. # وإذا كان عنده من لا يميل إليه اعتقد نفسه محروما. # وهذا أمر شديد الخفاء، فينبغي أن يوضح. وهو أن المملوك مملول. # ومتى قدر الإنسان على ما يشتهيه مله ومال إلى غيره. # تارة لبيان عيوبه التي تكشفها المخالطة فإنه قد قال الحكماء. العشق يعمي ~~عن عيوب المحبوب. # وتارة لمكان القدرة عليه، والنفس لا تزال تتطلع إلى ما لا تقدر عليه. # ثم لو قدرنا دوام المحبة مع القدرة فإنها قد تكون ولكن ناقصة بمقدار ~~القدرة، وإنما يقويها تجني المحبوب. فيكون تجنيه كالامتناع، أو امتناعه من ~~الموافقة. PageV01P078 فإذا صفا فلا بد من أكدار، منها الحذر عليه، ومنها ~~قلة ميله إلى هذا العاشق، وربما يتكلف القرب منه ويعلم الإنسان بقلة ميل ~~محبوبه إليه فينغص ms161 بل يبغض. # فإن خاف منه خيانة احتاج إلى حراسة فقويت النغص. # وأصلح المقامات التوسط، وهو اختيار ما تميل النفس إليه ولا يرتقي إلى ~~مقام العشق، فإن العاشق في عذاب. وإنما يتخايل الفارغ من العشق التذاذ ~~العاشق وليس كذلك. فإنه كما قيل: # وما في الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى عذب المذاق # تراه باكيا في كل وقت ... مخافة فرقة أو لاشتياق # فيبكي إن نأوا شوقا إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق # فتسخن عينه عند التداني ... وتسخن عينه عند الفراق # فصل تفاوت الهمم والآمال # ما ابتلي الإنسان قط بأعظم من علو همته. فإن من علت همته يختار المعالي. # وربما لا يساعد الزمان، وقد تضعف الآلة، فيبقى في عذاب. # وإني أعطيت من علو الهمة طرفا فأنابه في عذاب، ولا أقول ليته لم يكن فإنه ~~إنما يحلو العيش بقدر عم العقل، والعاقل لا يختار زيادة اللذة بنقصان ~~العقل. # ولقد رأيت أقواما يصفون علو هممهم، فإذا بها في فن واحد. ولا يبالون ~~بالنقص فيما هو أهم، قال الرضي: # ولكل جسم في النحول بلية ... وبلاء جسمي من تفاوت همتي # فنظرت فإذا غاية أمله الإمارة. وكان أبو مسلم الخراساني في حال شبيبته لا ~~يكاد ينام، فقيل له في ذلك فقال: ذهن صاف، وهم بعيد، ونفس تتوق إلى معالي ~~الأمور، مع عيش كعيش الهمج الرعاع. # قيل: فما الذي يبرد غليلك. قال: الظفر بالملك. # قيل: فاطلبه، قال: لا يطلب إلا بالأهوال. # قيل: فاركب الأهوال، قال. العقل مانع. # قيل: فما تصنع ؟ قال: سأجعل من عقلي جهلا، وأحاول به خطرا لا ينال إلا ~~بالجهل، وأدبر بالعقل ما لا يحفظ إلا به، فإن الخمول أخو العدم. # فنظرت إلى حال هذا المسكين فإذا هو قد ضيع أهم المهمات وهو جانب الآخرة، ~~وانتصب في طلب الولايات. فكم فتك وقتل ؟ حتى نال بعض مراده من لذات الدنيا. # ثم لم يتنعم في ذلك غير ثمان سنين. # ثم اغتيل، ونسي تدبير العقل، فقتل ومضى إلى الآخرة على أقبح حال. وكان ~~المتنبي يقول: # وفي الناس من يرضى ms162 بميسور عيشه ... ومركوبه رجلاه والثوب جلده # ولكن قلبا بين جنبي ما لهمدى ينتهي بي في مراد أحده # يرى جسمه يكسي شفوفا تربه ... فيختار أن يكسى دروعا تهده # فتأملت هذا الآخر فإذا نهمته فيما يتعلق بالدنيا فحسب. # ونظرت إلى علو همتي فرأيتها عجبا. وذلك أنني أروم من العلم ما أتيقن أني ~~لا أصل إليه، لأنني أحب نيل كل العلوم على اختلاف فنونها. # وأريد استقصاء كل فن، هذا أمر يعجز العمر عن بعضه. # فإن عرض لي ذو همة في فن قد بلغ منتهاه رأيته ناقصا في غيره. فلا أعد ~~همته تامة. # مثل المحدث فاته الفقه. والفقيه فاته علم الحديث. فلا أرى الرضى بنقصان ~~من العلوم إلا حادثا عن نقصه الهمة. # ثم إني أروم نهاية العمل بالعلم، فأتوق إلى ورع بشر، وزهادة معروف، وهذا ~~مع مطالعة التصانيف وإفادة الخلق ومعاشرتهم بعيد. # ثم إني أروم الغني عن الخلق، وأستشرف الإفضال عليهم، والاشتغال بالعلم ~~مانع من الكسب. وقبول المنن مما تأباه الهمة العالية. # ثم إني أتوق إلى طلب الأولاد، كما أتوق إلى تحقيق التصانيف، ليبقى ~~الخلفان نائبين عني بعد التلف. وفي طلب ذلك ما فيه من شغل القلب المحب ~~للتفرد. # ثم إني أروم الاستمتاع بالمستحسنات، وفي ذلك امتناع من جهة قلة المال ثم ~~لو حصل فرق جمع الهمة. # وكذلك أطلب لبدني ما يصلحه من المطاعم والمشارب، فإنه متعود للترفه ~~واللطف، وفي قلة المال مانع، وكل ذلك جمع بين أضداد. # فأين أنا وما وصفته من حال من كانت غاية همته الدنيا. # وأنا لا أحب أن يخدش حصول شيء من الدنيا وجه ديني بسبب. # ولا أن يؤثر في علمي ولا في عملي. # فواقلقي من طلب قيام الليل، وتحقيق الورع مع إعادة العلم، وشغل القلب ~~بالتصانيف. وتحصيل ما يلائم البدن من المطاعم. # وواأسفي على ما يفوتني من المناجاة في الخلوة مع ملاقاة الناس وتعليمهم. # ويا كدر الورع مع طلب ما لا بد منه للعائلة. PageV01P079 غير أني قد ~~استسلمت لتعذيبي، ولعل تهذيبي في تعذيبي، لأن علو الهمة تطلب المعالي ms163 ~~المقربة إلى الحق عز وجل. # وربما كانت الحيرة في الطلب غليلا إلى المقصود. وها أنا أحفظ أنفاسي من ~~أن يضيع منها نفس في غير فائدة. # وإن بلغ همي مراده... وإلا فنية المؤمن أبلغ من عمله. # فصل الترويح عن النفوس # لما سطرت هذا الفصل المتقدم، رأيت أذكار النفس بما لا بد لها في الطريق ~~منه. # وهو أنه لا بد لها من التلطف، فإن قاطع مرحلتين في مرحلة خليق بأن يقف. ~~فينبغي أن يقطع الطريق بألطف ممكن. # وإذا تعبت الرواحل نهض الحادي يغنيها، وأخذ الراحة للجد جد، وغوص السباح ~~في طلب الدر صعود. # ودوام السير يحسر الإبل، والمفازة صعبة ومن أراد أن يرى التلطف بالنفس ~~فلينظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يتلطف بنفسه، ويمازح ~~ويخالط النساء، ويقبل ويمص اللسان، ويختار المستحسنات، ويستعذب له الماء ~~ويختار الماء البارد، والأوفق من المطاعم كلحم الظهر والذراع والحلوى، وهذا ~~كله رفق بالناقة في طريق السير. # فأما من جرد عليها السوط فإنه يوشك أن لا يقطع الطريق. # وقد قال صلى الله عليه وسلم: إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فإن ~~المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى، واعلم أنه ينبغي للعاقل أن يغالط نفسه ~~فيما يكشف العقل عن عواره، فإن فكر المتيقظ يسبق قبل مباشرة المرأة إلى ~~أنها اعتناق بجسد يحتوي على قذارة، وقيل بلع اللقمة إلى أنها متقلبة في ~~الريق ولو أخرجها الإنسان لفظها. # ولو فكر في قرب الموت وما يجري عليه بعده، لبغض عاجل لذته، فلا بد من ~~مغالطة تجري لينتفع الإنسان بعيشه كما قال لبيد: # فأكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل # وقال البستي: # أفد طبعك المكدود بالهم راحة ... تجم وعلله بشيء من الزح # ولكن إذا أعطيته ذاك فليكن ... بمقدار ما يعطي الطعام من الملح # وقال أبو علي بن الشبل: # وإذا هممت فناج نفسك بالمنى ... وعدا، فخيرات الجنان عدات # واجعل رجاءك دون يأسك جنة ... حتى تزول بهمك الأوقات # واستر عن الجلساء بثك، إنما ... جلساؤك الحساد والشمات # ودع ms164 التوقع للحوادث إنهللحي من قبل الممات ممات # فالهم ليس له ثبات مثل ما ... في أهله ما للسرور ثبات # لولا مغالطة النفوس عقولها ... لم تصف للمتيقظين حياة # وقال أيضا: # يحفظ الجسم تبقى النفس فيه ... بقاء النار تحفظ بالوعاء # فباليأس الممض فلا تمتها ... ولا تمدد لها طول الرجاء # وعدها في شدائدها رخاء ... وذكرها الشدائد في الرخاء # يعد صلاحها هذا وهذا ... وبالتركيب منفعة الدواء # وقد كان عموم السلف يخضبون الشيب لئلا يرى الإنسان منهم ما يكره، وإن كان ~~الخضاب لا يعدم النفس علمها بذلك، ولكنه نوع مخادعة للنفس. # وما زالت النفوس ترى الظاهر. وإنما الفكر والعقل مع الغائب. # ولا بد من مغالطة تجري ليتم العيش. # ولو عمل العامل بمقتضى قصر الأمل ما كتب العلم ولا صنف. # فافهم هذا الفصل مع الذي تقدمه، فإن الأول في مقام العزيمة، وهذا في مكان ~~الرخصة. # ولا بد للتعب من راحة وإعانة، والله عز وجل معك على قدر صدق الطلب، وقوة ~~اللجأ، وخلع الحول والقوة، وهو الموفق. # فصل في تعليم التدبير # قوام الآدمي بشيئين الحرارة والرطوبة. # ومن شأن الحرارة أن تحلل الرطوبة وتفنيها، فالآدمي محتاج إلى تحصيل خلف ~~للمتحلل. # فأبدان النشوء تغتذي بأكثر مما يتحلل منها. # والأبدان المتناهية تغتذي بمقدار ما يتحلل منها والأبدان التي قد أخذت في ~~الهرم يتحلل منها أكثر مما تغتذي به. ولا تتشبع مما تغتذي به، وينبغي ~~للناشيء البالغ أن يتحفظ في النكاح، لأنه بعفته يربي قاعدة قوة يجد أثرها ~~في الكبر. # وأما المتوسط والواقف السن فينبغي أن يحذر فضول الجماع، فإن حصل له مثل ~~ما يخرج منه فأسرف، فاللازم أخذ من الحاصل، ويوشك أن يسرع النفاد. # وأما الشيخ فترك النكاح كاللازم له، خصوصا إذا زاد علو السن، لأنه ينفق ~~من الجوهر الذي لا يحصل مثله أبدا. PageV01P080 ثم ينبغي أن ينظر العاقل في ~~ماله فيكتسب أكثر مما ينفق ليكون الفاضل مدخرا لوقت العجز: وليحذر السرف، ~~فإن العدل هو الأصلح. # ثم ينظر في الزوجة، والمطلوب منها شيئان: وجود الولد، وتدبير المنزل، ~~فإذا كانت مبذرة فعيب ms165 لا يحتمل، فإن انضمت صفة العقر فلا وجه للإمساك. # إلا أن تكون مستحسنة الصورة، فإن ضم إليها عقل وعفاف حسن الإمساك. # وإن كانت مما يحتاج أن تحفظ فتركها لازم. # فأما الخدم فليجتهد في تحصيل خادم لا تستعبده الشهوة، فإن عبد الشهوة له ~~مولى غير سيده. # ولينظر المالك في طبع المملوك، فمنهم من لا يأتي إلا على الإكرام فليكرمه ~~فإنه يربح محبته ومنهم من لا يأتي إلا على الإهانة فليداره وليعرض عن ~~الذنوب. # فإن لم يمكن عاتب بلطف، وليحذر العقوبة ما أمكن وليجعل للمماليك زمن ~~راحة. # والعجب ممن يعني بدابته وينسى مداراة جاريته، وأجود المماليك الصغار، ~~وكذلك الزوجات، لأنهم متعودون خلق المشتري. # وليحفظ نفسه بالهيبة من الإنحراف مع الزوجة، ولا يطلعها على ماله، فإنها ~~سفيهة تطلب كثرة الإنفاق. # وأما تدبير الأولاد فحفظهم من مخالطة تفسد مستقبلهم. # ومتى كان الصبي ذا أنفة - حييا - رجى خيره. # وليحمل على صحبة الأشراف والعلماء، وليحذر من مصاحبته للجهال والسفهاء، ~~فإن الطبع لص. # وليحذر الصبي من الكذب غالة التحذير، ومن المخالطة للصبيان المعوجين. # وليوصه بزيادة البر للوالدين، وليحفظ من مخالطة النساء. # فإذا بلغ فليزوج بصبية لم تعرف غيره فينتفعان. # هذه الإشارة إلى تدبير أمور الدنيا. # فأما تدبير العلم فينبغي أن يحمل الصبي من حين يبلغ خمس سنين على التشاغل ~~بالقرآن والفقه وسماع الحديث. # وليحصل له المحفوظات أكثر من المسموعات، لأن زمان الحفظ إلى خمس عشرة ~~سنة، فإذا بلغ تشتت همته، فليضرب تارة، ويرشى أخرى، ليبلغ وقد حصل محفوظات ~~سنية. # وأول ما ينبغي أن يكلف حفظ القرآن متقنا، فإنه يثبت ويختلط باللحم والدم، ~~ثم مقدمة من النحو يعرف بها اللحن، ثم الفقه مذهبا وخلافا، وما أمكن بعد ~~هذا من العلوم فحفظه حسن. # وليحذر من عادات أصحاب الحديث، فإنهم يفنون الزمان في سماع الأجزاء التي ~~تتكرر فيها الأحاديث، فيذهب العمر وما حصلوا فهم شيء. # فإذا بلغوا سنا طبوا جواز فتوى، أو قراءة جزء من القرآن، فعادوا القهقرى. # لأنهم يحفظون بعد كبر السن فلا يحصل مقصودهم، فالحفظ في الصبا للمهم ms166 من ~~العلم أصل عظيم. # وقد رأينا كثيرا ممن تشاغل بالمسموعات وكتابة الأجزاء ورأى الحفظ صعبا ~~فمال إلى الأسهل فمضى عمره في ذلك. # فلما احتاج إلى نفسه قعد يتحفظ على كبر فلم يحصل مقصوده. # فاليقظة لفهم ما ذكرت، وانظر في الإخلاص، فما ينفع شيء دونه. # فصل عقبى التفريط # اشتد الغلاء ببغداد في أول سنة خمس وسبعين، وكلما جاء الشعير زاد السعر. # وتدافع الناس على اشتراء الطعام فاغتبط من يستعبد كل سنة يزرع ما يقوته، ~~وفرح من بادر في أول النيسان إلى اشتراء الطعام قبل أن يضاعف ثمنه. # وأخرج الفقراء ما في بيوتهم فرموه في سوق الهوان. # وبان ذل نفوس كانت عزيزة. # فقلت: يا نفس خذي من هذه الحال إشارة، ليغبطن من له عمل صالح وقت الحاجة ~~إليه، وليفرحن من له جواب عند إقبال المسألة. # وكل الويل على المفرط الذي لا ينظر في عاقبته، فتنبهي. # فقد نبهت ناسا الدنيا على أمر الآخرة. # وبادري موسم الزرع ما دامت الروح في البدن. # فالزمان كله تشرين قبل أن يدخل نيسان الحصاد. # وما لك زرع، وحاجة المفتقرين إلى أموالهم تمنعهم من الإيثار. # فصل هاجس مقلق # تأملت حالة أزعجتني، وهو أن الرجل قد يفعل مع امرأته كل جميل وهي لا ~~تحبه، وكذا يفعل مع صديقه والصديق يبغضه، وقد يتقرب إلى السلطان بكل ما ~~يقدر عليه والسلطان لا يؤثره؛ فيبقى متحيرا يقول: ما حيلتي. # فخفت أن تكون هذه حالتي مع الخالق سبحانه، أتقرب إليه وهو لا يريدني. # وربما يكون قد كتبني شقيا في الأزل. # ومن هذا خاف الحسن فقال: أخاف أن يكون اطلع على بعض ذنوبي فقال: لا غفرت ~~لك. # فليس إلا القلق والخوف لعل سفينة الرجا تسلم - يوم دخلوها الشاطىء - من ~~جرف. # فصل عدد الأحاديث PageV01P081 جرى بيني وبين أحد أصحاب الحديث كلام في ~~قول الإمام أحمد: صح من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبع مائة ~~ألف حديث. # فقلت له: إنما يعني به الطرق، فقال: لا بل المتون، فقلت: هذا بعيد ~~التصور. # ثم رأيت لأبي ms167 عبد الله الحاكم كلاما ينصر ما قال ذلك الشخص، وهو أنه قال ~~في كتاب المدخل إلى كتاب الإكليل: كيف يجوز أن يقال: إن حديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا يبلغ عشرة آلاف حديث، وقد روى عنه من أصحابه أربعة آلاف ~~رجل وامرأة صحبوه نيفا وعشرين سنة بمكة ثم بالمدينة حفظوا أقواله وأفعاله، ~~ونومه ويقظته وحركاته وغير ذلك سوى ما حفظوا من أحكام الشريعة. # واحتج بقول أحمد: صح من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع مائة ~~ألف حديث وكسر، وأن إسحاق بن راهويه كان يملي سبعين ألف حديث حفظا، وأن أبا ~~العباس بن عقدة قال: أحفظ لأهل البيت ثلاث مائة ألف حديث. # قال ابن عقدة: وظهر لابن كريب بالكوفة ثلاثمائة ألف حديث. # قلت: ولا يحسن أن يشار بهذا إلى المتون. وقد عجبت كيف خفي هذا على الحاكم ~~وهو يعلم أن أجمع المسانيد الظاهرة مسند أحمد بن حنبل، وقد طاف الدنيا ~~مرتين حتى حصله وهو أربعون ألف حديث، منها عشرة آلاف مكررة. # قال حنبل بن إسحاق: جمعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبد الله، وقرأ علينا ~~المسند، وقال لنا: هذا كتاب جمعته من أكثر من سبع مائة ألف وخمسين ألفا. # فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا ~~إليه، فإن وجدتموه وإلا فليس بحجة. # أفترى يخفى على متيقظ أنه أراد بكونه جمعه من سبعمائة ألف أنه أراد ~~الطرق. لأن السبع مائة الألف إن كانت من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فكيف أهملها ؟. # فإن قيل: فقد أخرج في مسنده أشياء ضعيفة. ثم أعوذ بالله أن يكون سبع مائة ~~ألف ما تحقق منها سوى ثلاثين ألفا. # وكيف ضاعت هذه الجملة ؟ ولم أهملت وقد وصلت كلها إلى زمن أحمد فانتقى ~~منها ورمى الباقي ؟. # وأصحاب الحديث قد كتبوا كل شيء من الموضوع والكذب. # وكذلك قال أبو داود: جمعت كتاب السنن من ستمائة ألف حديث. # ولا يحسن أن يقال: إن الصحابة الذين رووها ماتوا ولم ms168 يحدثوا بها ~~التابعين. # فإن الأمر قد وصل إلى أحمد فأحصى سبع مائة ألف حديث، وما كان الأمر ليذهب ~~هكذا عاجلا. # ومعلوم أنه لو جمع الصحيح والمحال الموضوع وكل منقول عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما بلغ خمسين ألفا. # فأين الباقي ؟. # ولا يجوز أن يقال تلك الأحاديث كلام التابعين؛ فإن الفقهاء نقلوا مذاهب ~~القوم ودونوها وأخذوا بها، ولا وجه لتركها، ففهم كل ذي لب أن الإشارة إلى ~~الطرق، وأن ما توهمه الحاكم فاسد. # ولو عرض هذا الاعتراض عليه، وقيل له: فأين الباقي لم يكن له جواب. # لكن الفهم عزيز. والله المنعم بالتوفيق. # ومثل هذا تغفيل قوم قالوا: إن البخاري لم يخرج كل ما صح عنده، وأن ما ~~أخرج كالأنموذج، وإلا فكان يطول. # وقد ذهب إلى نحو هذا أبو بكر الإسمعيلي، وحكي عن البخاري أنه قال: ما ~~تركت من الصحيح أكثر. # وإنما يعني الطرق، يدل على ما قلته أن الدارقطني وهو سيد الحفاظ جمع ما ~~يلزم البخاري ومسلم إخراجه فبلغ ما لم يذكراه أحاديث يسيرة، ولو كان كما ~~قالوا لأخرج مجلدات، ثم قوله: ما يلزم البخاري دليل صريح على ما قلته، لأنه ~~من أخرج الأنموذج لا يلزمه شيء. # وكذلك أخرج أبو عبد الله الحاكم كتابا جمع فيه ما يلزم البخاري إخراجه ~~فذكر حديث الطائر فلم يلتفت الحفاظ إلى ما قال. # فما أقل فهم هؤلاء الذين شغلهم نقل الحديث عن التدقيق الذي لا يلزم في ~~صحة الحديث. # وإنما وقع لقلة الفقه والفهم. # إن البخاري ومسلم تركا أحاديث أقوام ثقات لأنهم خولفوا في الحديث، فنقص ~~الأكثرون من الحديث وزادوا هم. # ولم كان ثم فقه لعلموا أن الزيادة من الثقة مقبولة. # وتركوا أحاديث أقوام لأنهم انفردوا بالرواية عن شخص. ومعلوم أن انفراد ~~الثقة لا عيب فيه، وتركوا من ذلك الغرائب، وكل ذلك سوء فهم. # ولهذا لم يلتزم الفقهاء هذا، فقالوا: الزيادة من الثقة مقبولة ولا يقبل ~~القدح حتى يبين سببه. # وكل من لم يخالط الفقهاء وجهد مع المحدثين تأذى وساء فهمه. فالحمد لله ms169 ~~الذي أنعم علينا بالحالتين. # فصل فقه اللغة PageV01P082 اعلم أن الله عز وجل وضع في النفوس أشياء لا ~~تحتاج إلى دليل. فالنفوس تعلمها ضرورة، وأكثر الخلق لا يحسنون التعبير ~~عنها. # فإنه وضع في النفوس أشياء لا تحتاج إلى دليل. فالنفوس تعلمها ضرورة، ~~وأكثر الخلق لا يحسنون التعبير عنها. # فإنه وضع في النفس أو المصنوع لا بد له من صانع، وأن المبني لا بد له من ~~بان، وأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في ~~حالة واحدة. # ومثل هذه الأشياء لا تحتاج إلى دليل، وألهم العرب النطق بالصواب من غير ~~لحن، فهم يفرقون بين المرفوع والمنصوب بأمارات في جبلتهم، وإن عجزوا عن ~~النطق بالعلة. # قال عثمان بن جني: سألت يوما أبا عبد الله محمد بن العساف العقيلي فقلت ~~له: كيف تقول ضربت أخوك ؟ فقال: أقول ضربت أخاك. # فأدرته على الرفع فأبى وقال لا أقول أخوك أبدا. # قال: فكيف تقول ضربني أخوك ؟ فرفع، فقلت: أليس زعمت أنك لا تقول أخوك ~~أبدا، فقال إيش هذا، اختلفت جهتها في الكلام. # وهذا أدل شيء على تأملهم مواقع الكلام، وإعطائهم إياه في كل موضع حقه، ~~وإنه ليس استرسالا ولا ترخيما. # قال عثمان: واللغة هي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، والنحو انتحاء ~~سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره كالتثنية والجمع والتكسير وغير ذلك ~~ليلحق من ليس من أهل اللغة أهلها. # فصل الأيقاظ والغافلون # تدبرت أحوال الأخيار والأشرار فرأيت سبب صلاح النظر، وسبب فساد الأشرار ~~إهمال النظر. # وذاك أن العاقل ينظر فيعلم أنه لا بد من صانع، وأن طاعته لازمة، ويتأمل ~~معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم قياده إلى الشرع. # ثم ينظر فيما يقربه إليه. ويزلفه لديه. # فإذا شق عليه إعادة العلم تأمل ثمرته فسهل ذلك. # وإذا صعب عليه قيام الليل فكذلك. # وإذا رأى مشتهى تأمل عاقبته فعلم أن اللذة تفنى، والعار والإثم يبقيان؛ ~~فيسهل عليه الترك. # وإذا اشتهى الانتقام ممن يؤذيه ذكر ثواب الصبر وندم الغضبان على ms170 أفعاله ~~في حال الغضب. # ثم لا يزال يتأمل سرعة ممر العمر فيغتنمه بتحصيل أفضل الفضائل فينال ~~مناه. # وأما الغافل فإنه لا يرى إلا الشيء الحاضر. # فمنهم من لم يتأمل في معنى المصنوع وإثبات الصانع، فجحدوا وتركوا النظر ~~وجحدوا الرسل وما جاءوا به، ونظروا إلى العاجل، ولم يتفكروا في مبتداه ~~ومنتهاه. # فليس عندهم من عرفان المطعم إلا الأكل. # ولو تأملوا كيف أنشىء ؟ ولماذا جعل حافظا للأبدان ؟ لعرفوا حقائق الأمور. # وكذلك كل شهوة تعرض لهم لا ينظرون في عاقبتها بل في عاجل لذتها. # وكم قد جنت عليهم من وقوع حد وقطع يد وفضيحة. فتعجيل اللذة يفوت الفضائل، ~~ويحصل الرذائل. # وسببه عدم النظر في العواقب، وهذا شغل العقل، وذاك المذموم شغل الهوى. # نسأل الله عز وجل يقظة ترينا العواقب، وتكشف لنا الفضائل والمعائب، إنه ~~قادر على ذلك. # فصل قوة الهمة # خلقت لي همة عالية تطلب الغايات. # بلغت السن وما بلغت ما أملت، فأخذت أسأل تطويل العمر، وتقوية البدن، ~~وبلوغ الآمال. # فأنكرت علي العادات وقالت: ما جرت عادة بما تطلب. # فقلت إنما أطلب من قادر على تجاوز العادات. # وقد قيل لرجل: لنا حويجة فقال: اطلبوا لها رجيلا. # وقيل لآخر جئناك في حاجة لا ترزؤك، فقال هلا طلبتم لها سفاسف الناس ؟. # فإذا كان أهل الأنفة من أرباب الدنيا يقولون هذا فلم لا نطمع في فضل كريم ~~قادر ؟. # وقد سألته هذا السؤال في ربيع الآخر من سنة خمس وسبعين فإن مد لي أجلي ~~وبلغت ما أملته نقلت هذا الفصل إلى ما بعد وبيضته، وأخبرت ببلوغ آمالي. # وإن لم يتفق ذلك فسيدي أعلم بالمصالح، فإنه لا يمنع بخلا، ولا حول إلا ~~به. # فصل فساد التصوف # ما أقل من يعمل الله تعالى خالصا لأن أكثل الناس يحبون ظهور عباداتهم. # وسفيان الثوري كان يقول: لا أعتد بما ظهر من عملي وكانوا يسترون أنفسهم. # واليوم ثياب القوم تشهرهم، وقد كان أيوب السختياني يطول قميصه حتى يقع ~~على قدميه، ويقول كانت الشهرة في التطويل، واليوم الشهرة في التقصير. # فاعلم أن ترك ms171 النظر إلى الخلق ومحو الجاه من قلوبهم بالتعمل وإخلاص القصد ~~وستر الحال وهو الذي رفع من رفع. PageV01P083 فقد كان أحمد بن حنبل يمشي ~~حافيا في وقت ونعلاه في يديه ويخرج للقاط، وبشر يمشي حافيا على الدوام ~~وحده، ومعروف يلتقط النوى. # واليوم صارت الرياسات أكثر من كل حاجة، وما تتمكن الرياسات حتى تتمكن من ~~القلب الغفلة، ورؤية الخلق، ونسيان الخلق، فحينئذ تطلب الرياسة على أهل ~~الدنيا. # ولقد رأيت من الناس عجبا، حتى من يتزي بالعلم، إن رآني أمشي وحدي أنكر ~~علي، وإن رآني أزور فقيرا عظم ذلك، وإن رآني أنبسط بتبسم نقصت من عينه. # فقلت: فواعجبا هذه كانت طريق الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي ~~الله عنهم. # فصارت أحوال الخلق نواميس لإقامة الجاه. # لا جرم والله سقطتم من عين الحق، فأسقطكم من عين الخلق. # فكم ممن يتعب في تربية ناموس ولا يلتفت إليه ولا يحظى بمراده، ويفوته ~~المراد الأكبر. # فالتفتوا إخواني إلى إصلاح النيات، وترك التزين للخلق. ولتكن عمدتكم ~~الاستقامة مع الحق، فبذلك صعد السلف وسعدوا. # وإياكم وما الناس عليه اليوم، فإنه بالإضافة إلى يقظة السلف نوم. # فصل القدر السابق # والله ما ينفع تأديب الوالد إذا لم يسبق اختيار الخالق لذلك الولد، فإنه ~~سبحانه إذا أراد شخصا رباه من طفولته وهداه إلى الصواب، ودله على الرشاد، ~~وحبب إليه ما يصلح، وصحبه من يصلح. # وبغض إليه ضد ذلك، وقبح عنده سفساف الأمور، وعصمه من القبائح، وأخذ بيده ~~كلما عثر. # وإذا أبغض شخصا تركه دائم التعثير متخبطا في كل حال، ولم يخلق له همة ~~لطلب المعالي، وشغله بالرذائل عن الفضائل، وإن قال لم خصصت بهذا، قال ~~الخطاب الذي لا يجاب " بما كسبت أيديكم " . # فصل من الأدلة على الله # من أكبر الدليل على وجود الخالق سبحانه هذه النفس الناطقة المميزة ~~المحركة للبدن على مقتضى إرادتها، فقد دبرت مصالحها، وترقت إلى معرفة ~~الأفلاك، واكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم، وشاهدت الصانع في المصنوع، فلم ~~يحجبها ستر وإن تكاثف ولا يعرف مع هذا ماهيتها ولا ms172 كيفيتها ولا جوهرها ولا ~~محلها. # ولا يفهم من أين جاءت، ولا يدري أين تذهب، ولا كيف تعلقت بهذا الجسد ؟؟. # وهذا كله يوجب عليها أن لها مدبرا وخالقا، وكفى بذلك دليلا عليه. إذ لو ~~كانت وجدت بها لما خفيت أحوالها عليها. فسبحانه سبحانه. # فصل زهد الصوفية في العلم # سبحان من من على الخلق بالعلماء الفقهاء الذين فهموا مقصود الأمر ومراد ~~الشارع، فهم حفظة الشريعة فأحسن الله جزاءهم. # وإن الشيطان ليتجافاهم خوفا منهم، فإنهم يقدرون على أذاه، وهو لا يقدر ~~على أذاهم. # ولقد تلاعب بأهل الجهل والقليل الفهم. # وكان من أعجب تلاعبه أن حسن لأقوم ترك العلم ثم لم يقنعوا بهذا حتى قدحوا ~~في المتشاغلين به. # وهذا لو فهموه قدح في الشريعة؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~بلغوا عني، وقد قال له ربه عز وجل: " بلغ " . # فإذا لم يتشاغل بالعلم فكيف يبلغ الشريعة إلى الخلق. # ولقد نقل مثل هذا عن كبار الزهاد، كبشر الحافي، فإنه قال لعباس بن عبد ~~العظيم: لا تجالس أصحاب الحديث، وقال لإسحاق بن الضيف: إنك صاحب حديث فأحب ~~أن لا تعود إلي. # ثم اعتذر فقال: إنما الحديث فتنة إلا لمن أراد الله به. # وإذا لم يعمل به فتركه أفضل. وهذا عجب منه. # من أين له أن طلابه لا يريدون الله به، وأنهم لا يعملون به ؟. # أوليس العمل به على ضربين: عمل بما يجب، وذلك لا يسع أحدا تركه، والثاني ~~نافلة ولا يلزم. # والتشاغل بالحديث أفضل من التنفل بالصوم والصلاة. # وما أظنه أراد إلا طريقه في دوام الجوع والتهجد، وذلك شيء لا يلام تاركه. # فإن كان يريد أن لا يوغل في علوم الحديث فهذا خطأ لأن جميع أقسامه ~~محمودة. # أفترى لو ترك الناس طلب الحديث كان بشر يفتي ؟. # فالله الله في الالتفات إلى قول من ليس بفقيه، ولا يهولنك تعظيم اسمه ~~فالله يعفو عنه. # فصل جانب الله أحق أن يرعى # العاقل من يحفظ جانب الله عز وجل وإن غضب الخلق. # وكل من يحفظ جانب المخلوقين ويضيع ms173 حق الخالق يقلب الله قلب الذي قصد أن ~~يرضيه فيسخطه عليه. # قال المأمون لبعض أصحابه: لا تعص الله بطاعتي فيسلطني عليك. # ولما بالغ طاهر بن الحسين فيما فعل بالأمين وفتك به وصلب رأسه وإن كان ~~ذلك عن إرادة المأمون، ولكن بقي أثر ذلك في قلبه، فكان المأمون لا يقدر أن ~~يراه. PageV01P084 ولقد دخل عليه يوما فبكى المأمون، فقال له طاهر: لم تبك ~~لا أبكى الله عينك، فلقد دانت لك البلاد ؟. # فقال: أبكي لأمر ذكره ذل، وسره حزن، ولن يخلو أحد من شجن. # فلما خرج طاهر نفذ إلى حسين الخادم مائتي ألف درهم، وسأله أن يسأل ~~المأمون لم بك ؟ فلما تغدى المأمون قال: يا حسين اسقني. # قال: لا والله ولا أسقيك حتى تقول لم بكيت حين دخل عليك طاهر ؟. # قال: يا حسين وكيف عنيت بهذا حتى سألت عنه ؟ قال: لغمي بذلك. # قال: يا حسين أمر إن خرج من رأسك قتلتك. # قال: يا سيدي ومتى أخرجت لك سرا ؟. # قال: إني ذكرت أخي محمدا وما ناله من الذلة فحنقتني العبرة فاسترحت إلى ~~إفاضتها ولن يفوت طاهرا مني ما يكره. # فأخبر حسين طاهرا بذلك، فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد. # فقال له: إن المعروف عندي ليس بضائع فغيبني عن عينه. قال: سأفعل. # فدخل على المأمون فقال: ما بت البارحة. قال: ولم ؟ قال: لأنك وليت غسان ~~بن عباد خراسان. وهو ومن معه أكلة رأس، فأخاف أن يخرج خارج من الترك ~~فيصطلمه. # قال: فمن ترى ؟ قال: طاهر بن الحسين فعقد له فمضى، فبقي مدة ثم قطع ~~الدعاء للمأمون على المنبر يوم الجمعة. # فقال له صاحب البريد: ما دعوت لأمير المؤمنين قال: سهو فلا تكتب. # ففعل ذلك في الجمعة الثانية والثالثة. فقال له: لا بد أن أكتب لئلا يكتب ~~التجار ويسبقوني. # قال: اكتب فكتب، فدعا المأمون أحمد بن أبي خالد وقال: إنه لم يذهب علي ~~احتيالك في أمر طاهر، وأنا أعطي الله عهدا إن لم تشخص حتى توافيني به كما ~~أخرجته من قبضتي لتذمن عقباك. # فشخص ms174 وجعل يتلوم في الطريق ويعتل بالمرض، فوصل إلى الري وقد بلغته وفاة ~~طاهر. # قلت: ولما خرج الراشد من بغداد وأرادوا تولية المقتفي شهد جماعة من ~~الشهود بأن الراشد لا يصلح للخلافة فنزعوه وولوا المقتفي. # فبلغني أنه ذكر للمقتفي بعض الشهود فذمه، وقال: كان فيمن أعان على أبي ~~جعفر. # وعلى ضد هذا كل من يراعي جانب الحق والصواب، يرضى عنه من سخط عليه. # ولقد حدثني الوزير ابن هبيرة أن المستنجد بالله كتب إليه كتابا وهو يومئذ ~~ولي عهد، وأراد أن يستره من أبيه قال فقلت: للواصل به والله ما يمكنني ~~أقرؤه لا أجيب عنه. # فلما ولي الخلافة دخلت عليه فقلت: أكبر دليل على صدقي وإخلاصي أني ما ~~حابيتك في أبيك. فقال: صدقت أنت الوزير. # وحدثني بعض الأصدقاء أن قوما ألحقوا إلى المخزن بعض دين لهم ليستخلص، ~~فقال المسترشد لصاحب المخزن: خلصه لهم وخذ ما ضمنوا لنا. # فأحضر ابن الرطبي وعرض الأمر عليه، فقال: هذا أمر بظلم وما أحكم فيه. # فقال: إن السلطان قد تقدم، قال ما أفعل ؟. # فأحضر قاضيا آخر فبت الحكم، فأخبر الخليفة بالحال. # فقال: أما ابن الرطبي فيشكر على ما قال. وأما الآخر فيعزل. # وذلك لأنه بان له أن الحق ما قاله ابن الرطبي. # وكذلك ما طلبه السلطان من أن يلقب ملك الملوك، فاستفتى الفقهاء فأجازوا ~~ذلك وامتنع من إجازته الماوردي، فعظم قدره عند السلطان. # ومثل هذا إذا تتبع كثير. # فينبغي أن يحسن القصد لطاعة الخالق وإن سخط المخلوق، فإنه يعود صاغرا. # ولا يسخط الخالق، فإنه يسخط المخلوق فيفوت الحظان جميعا. # فصل النظر إلى الحقائق # ينبغي للعاقل أن ينظر إلى الأصول فيمن يخالطه ويعاشره ويشاركه ويصادقه ~~ويزوجه أو يتزوج إليه. # ثم ينظر بعد ذلك في الصور، فإن صلاحها دليل على صلاح الباطن. # أما الأصول فإن الشيء يرجع إلى أصله، وبعيد ممن لا أصل له أن يكون فيه ~~معنى مستحسن. # وإن المرأة الحسناء إذا كانت من بيت رديء فقل أن تكون صينة، وكذلك أيضا ~~المخالط والصديق والمباضع والمعاشر. # فإياك أن ms175 تخالط إلا من له أصل يخاف عليه الدنس، فالغالب معه السلامة، وإن ~~وقع غير ذلك كان نادرا. # وقد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لرجل: أشر علي فيمن استعمل. # فقال: أما أرباب الدين فلا يريدونك أي لا يسألونك الرياسة، وأما أرباب ~~الدنيا فلا تردهم، ولكن عليك بالأشراف، فإنهم يصونون شرفهم عما لا يصلح. # وقد روى أبو بكر الصولي قال: حدثني الحسين بن يحيى عن إسحاق قال: دعاني ~~المعتصم فأدخلني معه الحمام، ثم خرج فخلا بي وقل: يا أبا إسحاق في نفسي شيء ~~أريد أن أسألك عنه. # إن أخي المأمون اصطنع قوما فأنجبوا، واصطفيت أنا مثلهم فلم ينجبوا. ~~PageV01P085 قلت: ومن هم ؟ قال: اصطنع طاهرا وابنه إسحاق وآل سهل فقد رأيت ~~كيف هم. # واصطنعت أنا الأفشين فقد رأيت إلى ما آل أمره، وأسناش فلم أجده شيئا، ~~وكذلك إيتاخ ووصيف. # قلت: يا أمير المؤمنين، ههنا جواب، علي أمان من الغضب. # قال: لك ذاك. قلت: نظر أخوك إلى الأصول فاستعملها فأنجبت فروعها، ~~واستعملت فروعا لا أصول لها فلم تنجب. # فقال: يا أبا إسحاق مقاساة ما مر بي طول هذه المدة أهون علي من هذا ~~الجواب. # أما الصور، فإنه متى صحت البنية ولم يكن فيها عيب فالغالب صحة الباطن ~~وحسن الخلق، ومتى كان فيها عيب فالعيب في الباطن أيضا. # فاحذر من به عاهة كالأقرع والأعمى وغير ذلك، فإن بواطنهم في الغالب ردية. # ثم مع معرفة المخالط، وكمال صورته لا بد من التجربة قبل المخالطة، ~~واستعمال الحذر لازم، وإن كان كما ينبغي. # فصل تجارب مع الحياة # ينبغي أن يكون شغل العاقل النظر في العواقب والتحرز مما يمكن أن يكون. # ومن الغلط النظر في الحالة الحاضرة الموافقة لمعاشه ولصحة بدنه، وربما لا ~~يجري له مصحوبه فينبغي أن يعمل على انقطاع ذلك، فيكون مستعدا لتغير ~~الأحوال. # وكذلك النظر في لذة تفنى وتبقى تبعتها وعارها، وإيثار الكسل والدعة لما ~~يجيء بعدهما من بقاء الجهل. # وكذلك تحصيل المرادات التي لا تحصل إلا بالتلطف في الاحتيال، خصوصا إذا ~~أريد ms176 من ذكي فإنه يفطن بأقل تلويح. # فمن أراد غلبة الذكي دقق النظر وتلطف في الاحتيال. # وقد ذكر في كتب الحيل ما يشحذ الخواطر، وأتينا بجملة منه في كتاب ~~الأذكياء. # مثل ما روي أن رجلا من الأشراف كان لا يقوم لأحد ولا يخشى أحدا، فجاز ~~عليه بعض الوزراء وحي فلم يرد ولم يقم. # فقال ذاك الوزير لرجل: أخبر فلانا أني قد كلمت أمير المؤمنين في حقه، وقد ~~أمر له بمائة ألف، فليحضر ليقبضها، فأخبره ذلك الرجل. # فقال الشريف: إن كان أمر لي بشيء فلينفذه لي، وإنما مقصوده أن يضع مني ~~بالتردد عليه. # فمتى وقع الإنسان مع ذكي فينبغي أن يتحرز منه، ويسرق أغراضه بصنوف ~~الاحتيال وينظر فيما يجوز وقوعه فليحترز منه. كما ينظر صاحب الرقعة ~~النقلات. # وكثير من الأذكياء لم يقدروا على أغراضهم من ذكي فأعطوه وبالغوا في ~~إكرامه ليصيدوه؛ فإن كان قليل الفطنة وقع الشرك، وإن كان أقوى منهم ذكاء ~~علم أن تحت هذه النية خبيئا فزاه ذلك احترازا. # وأقوى ما ينبغي أن يكون الاحتراز من موتور، فإنك إذا آذيت شخصا فقد غرست ~~في قلبه عداوة، فلا تأمن تفريع تلك الشجرة، ولا تلتفت إلى ما يظهر من ود ~~وإن حلف فإن قاربته فكن منه على حذر. # ومن التغفل أن تعاقب شخصا أو تسيء إليه إساءة عظيمة وتعلم أن مثل ذلك ~~يجدد الحقد، فتراه ذليلا لك طائعا تائبا مقلعا عما فعل، فتعود فتستطيبه ~~وتنسى ما فعلت وتظن أنه قد انمحى من قلبه ما أسلفت. # فربما عمل لك المحن، ونصب لك المكايد، كما جرى لقصير مع الزباء، وأخباره ~~معروفة. # فإياك أن تساكن من آذيته، بل إن كان ولا بد فمن خارج فما تؤمن الأحقاد. # ومتى رأيت عدوك فيه غفلة لا يثنيه مثل هذا فأحسن إليه، فإنه ينسى عداوتك ~~ولا يظن أنك قد أضمرت له جزاء على قبح فعله فحينئذ تقدر على بلوغ كل غرض ~~منه. # ومن الخور إظهار العداوة للعدو.... ومن أحسن التدبير التلطف بالأعداء إلى ~~أن يمكن كسر شوكتهم.... ولو لم ms177 يمكن ذاك كان اللطف سببا في كف أكفهم عن ~~الأذى، وفيهم من يستحيي لحسن فعلك فيتغير قلبه لك. # وقد كان جماعة من السلف إذا بلغهم أن رجلا قد شتمهم أهدوا إليه وأعطوه، ~~فهم بالعاجل يكفون شهر، ويحتالون في تقليب قلبه، ويقع بذلك لهم مهلة لتدبير ~~الحيل عليه إن أرادوا. # وكفى بالذهن الناظر إلى العواقب والتأمل لكل ممكن مؤدبا. # فصل في حفظ السر # رأيت أكثر الناس لا يتمالكون من إفشاء سرهم، فإذا ظهر عاتبوا من أخبروا ~~به. # فواعجبا كيف ضاقوا بحبسه ذرعا ثم لاموا من أفشاه. # وفي الحديث: استعينوا على قضاء أموركم بالكتمان. # ولعمري إن النفس يصعب عليها كتم الشيء، وترى بإفشائه راحة، خصوصا إذا كان ~~مرضا أو هما أو عشقا. # وهذه الأشياء في إفشائها قريبة. إنما اللازم كتمانه احتيال المحتال فيما ~~يريد أن يحصل به غرضا. # فإن من سوء التدبير إفشاء ذلك قبل تمامه، فإنه إذا ظهر بطل ما يريد أن ~~يفعل، ولا عذر لمن أفشى هذا النوع. PageV01P086 وقد كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا أراد غزوا ورى بغيره. # فإن قال قائل: إنما أحدث من أثق به، قيل له وكل حديث جاوز الاثنين شائع، ~~وربما لم يكتم صديقك. # وكم قد سمعنا من يحدث عن الملوك بالقبض على صاحب فنم الحديث إلى الصاحب ~~وهرب ففات السلطان مراده. # وإنما الرجل الحازم الذي لا يتعداه سره ولا يفشيه إلى أحد. # ومن العجز إفشاء السر إلى الولد والزوجة. # والمال من جملة السر. فإطلاعهم عليه يجر المتاعب إن كان كثيرا فربما ~~تمنوا هلاك الموروث. وإن كان قليلا تبرموا بوجوده. # وربما طلبوا من الكثير على مقدار كثرته فأتلفته النفقات. # وستر المصائب من جملة كتمان السر، لأن إظهارها يسر الشامت ويؤلم المحب. # وكذلك ينبغي أن يكتم مقدار السن، لأنه إن كان كبيرا استهرموه وإن كان ~~صغيرا احتقروه. # ومما قد انهال فيه كثير من المفرطين أنهم يذكرون بين أصدقائهم أميرا أو ~~سلطانا فيقولون فيه فيبلغ ذلك إليه فيكون سبب الهلاك. # وربما رأى الرجل من صديقه إخلاصا وافيا ms178 فأشاع سره. وقد قيل: # إحذر عدوك مرة ... واحذر صديقك ألف مرة # فلربما انقلب الصديق ... فكان أدرى بالمضرة # ورب مفش سره إلى زوجة أو صديق فيصير بذلك رهينا عنده، ولا يتجاسر أن يطلق ~~الزوجة، ولا أن يهجر الصديق، مخافة أن يظهر سره القبيح. # فالحازم من عامل الناس بالظاهر، فلا يضيق صدره بسره. فإن فارقته امرأة أو ~~صديق أو خادم لم يقدر أحد منهم أن يقول فيه ما يكره. # ومن أعظم الأسرار الخلوات، فليحذر الحازم فيها من الانبساط بمرأى من ~~مخلوق. ومن خلق له عقل ثاقب دله على الصواب قبل الوصايا. # فصل في طريق الاستذكار # ما رأيت أصعب على النفس من الحفظ للعلم والتكرار له. # خصوصا تكرار ما ليس لها في تكراره وحفظه حظ، مثل مسائل الفقه. # بخلاف الشعر والسجع، فإن لها لذة في إعادته وإن كان صعبا، لأنها تلتذ به ~~مرة ومرتين. # فإذا زاد التكرار صعب عليها، ولكن دون صعوبة الفقه وغيره من المستحسنات ~~عند الطبع، فتراها تخلد إلى الحديث والشعر والتصانيف والنسخ، لأنه يمر بها ~~كل لحظة ما لم تره، فهو في المعنى كالماء الجاري، لأنه جزء بعد جزء. # وكذا من ينسخ ما يحب أن يسمعه أو يصنف، فإنه يلتذ بالجدة ويستريح من تعب ~~الإعادة. # إلا أنه ينبغي للعاقل أن يكون جل زمانه للإعادة، خصوصا الصبي والشاب، ~~فإنه يستقر المحفوظ عندهما استقرارا لا يزول. # ويجعل أوقات التعب من الإعادة للنسخ، ويحذر من تفلتها إلى النسخ عند ~~الإعادة فيقهرها، فإنه يحمد ذلك حمد السري وقت الصباح. # وسيندم من لم يحفظ ندم الكسعي وقت الحاجة إلى النظر والفتوى. # وفي الحفظ نكتة ينبغي أن تلحلظ، وهو أن الفقيه يحفظ الدرس ويعيده ؟ ثم ~~يتركه فينساه فيحتاج إلى زمان آخر لفظه، فينبغي أن يحكم الحفظ ويكثر ~~التكرار ليثبت قاعدة الحفظ. # فصل العزلة النافعة # ما أعرف نفعا كالعزلة عن الخلق خصوصا للعالم والزاهد فإنك لا تكاد ترى ~~إلا شامتا بنكبة أو حسودا على نعمة، أو من يأخذ عليك غلطاتك. # فيا للعزلة ما ألذها، سلمت من كدر ms179 غيبة، وآفات تصنع، وأحوال المداجاة، ~~وتضييع الوقت. # ثم خلا فيها القلب بالفكر، بعدما كان مشغولا عنه بالمخالطة، فدبر أمر ~~دنياه وآخرته، فمثله كمثل الحمية يخلو فيها المعي بالأخلاط فيذيبها. # وما رأيتها مثل ما يصنع المخالط، لأنه يرى حالته الحاضرة من لقاء الناس ~~وكلامهم فيشتغل بها عما بين يديه. فمثله كمثل رجل يريد سفرا قد أزف، فجالس ~~أقوما فشغلوه بالحديث حتى ضرب البوق وما تزود. # فلو لم يكن في العزلة إلا التفكير في زاد الرحيل والسلامة من شر المخالطة ~~كفى.. # ثم لا عزلة على الحقيقة إلا للعالم والزاهد، فإنهما يعلمان مقصود العزلة ~~وإن كانا لا في عزلة. # أما العالم فعلمه مؤنسه، وكتبه محدثه، والنظر في سير السلف مقومه، ~~والتفكر في حوادث الزمان السابق فرجته. # فإن ترقى بعلمه إلى مقام المعرفة الكاملة للخالق سبحانه، وتشبث بأذيال ~~محبته تضاعفت لذاته، واشتغل به عن الأكوان وما فيها. # فخلا بحبيبه وعمل معه بمقتضى علمه. # وكذلك الزاهد تعبده أنيسه، ومعبوده جليسه، فإن كشف لبصره عن المعمول معه ~~غاب عن الخلق، وغابوا عنه. PageV01P087 إنما اعتزلا ما يؤذي. فهما في ~~الوحدة بين جماعة. فهذان رجلان قد سلما من شر الخلق، وسلم الخلق من ~~شرورهما، بل هما قدوة للمتعبدين وعلم للسالكين. ينتفع بكلامهما السامع. ~~وتجري موعظتهما المدامع وتنتشر هيبتهما في المجامع. # فمن أراد أن يتشبه بأحدهما فليصابر الخلوة وإن كرهها ليثمر له الصبر ~~العسل. # وأعوذ بالله من عالم مخالط للعالم، خصوصا لأرباب المال والسلاطين يجتلب ~~ويجتلب ويختلب ويختلب فما يحصل له شيء من الدنيا إلا وقد ذهب من دينه ~~أمثاله. # ثم أين الأنفة من الذل للفساق ؟. # فالذي لا يبالي بذلك هو الذي لا يذوق طعم العلم ولا يدري مالمراد به. # وكأنه به وقد وقع في بادية جرز وقفر أمل مهلك في تلك البراري. # وكذلك المتزهد إذا خالط وخلط، فإنه يخرج إلى الرياء والتصنع والنفاق، ~~فيفوته الحظان، لا الدنيا ونعيمها تحصل له ولا الآخرة. # فنسأل الله عز وجل خلوة حلوة، وعزلة عن الشر لذيذة يستصلحنا فيها ~~لمناجاته، ويلهم كلا منا ms180 طلب نجاته. إنه قريب مجيب. # فصل مراحل الحياة وضروراتها # ما أبله من لا يعلم متى يأتيه الموت، وهو لا يستعد للقائه. # وأشد الناس بلها وتغفيلا من عبر الستين وقارب السبعين - فإن ما بينهما هو ~~معترك المنايا. ومن نازل المعترك استعد - وهو مع ذلك غافل عن الاستعداد. # قال الشباب لعلنا في شيبنا ... ندع الذنوب فما يقول الأشيب ؟ # والله إن الضحك من الشيخ ما له معنى. وإن المزاح منه بارد المعنى. # وإن تعرضه بالدنيا وقد دفعته عنها يضعف القوي ويضعف الرأي. # وهل بقي لابن ستين منزل ؟. # فإن طمع في السبعين فإنما يرتقي إليها بعناء شديد إن قام دفع الأرض. وإن ~~مشى لهث. وإن قعد تنفس. # ويرى شهوات الدنيا ولا يقدر على تناولها. فإن أكل كد المعدة، وصعب الهضم، ~~وإن وطىء أذى المرأة، وقع دنفا لا يقدر على رد ما ذهب من القوة إلى مدة ~~طويلة. فهو يعيش عيش الأسير. # فإن طمع في الثمانين فهو يزحف إليها زحف الصغير. # وعشر الثمانين من خاضها ... فإن الملمات فيها فنون # فالعاقل من فهم مقادير الزمان. فإن فيما قيل قبل البلوغ صبي ليس على عمره ~~عيار. # إلا أن يرزق فطنة ففي بعض الصبيان فطنة تحثهم من الصغر على اكتساب ~~المكارم والعلوم. # فإذا بلغ فليعلم أنه زمان المجاهدة للهوى وتعلم العلم. # فإذا رزق الأولاد فهو زمان الكسب للمعاملة. فإذا بلغ الأربعين انتهى ~~تمامه. وقضى مناسك الأجل. ولم يبق إلا الانحدار إلى الوطن. # كأن الفتى يرقى من العمر معلما ... إلى أن يجوز الأربعين وينحط # فينبغي له عند تمام الأربعين أن يجعل جل همته التزود للآخرة. ويكون كل ~~تلمحه لما بين يديه. ويأخذ في الاستعداد للرحيل. # وإن كان الخطاب بهذا لابن عشرين، إلا أن رجاء التدارك في حق الصغير لا في ~~حق الكبير. # فإذا بلغ الستين فقد أعذر الله إليه في الأجل وجاز من الزمن أخطره. ~~فليقبل بكليته على جمع زاده، وتهيئة آلات السفر. # وليعتقد أن كل يوم يحيا فيه غنيمة ما هي في الحساب. # خصوصا إذا قوي عليه الضعف ms181 وزاد. # وكلما علت سنه فينبغي أن يزيد اجتهاده. فإذا دخل في عشر الثمانين فليس ~~إلا الوداع وما بقي من العمر إلا أسف على تفريط أو تعبد على ضعف. # نسأل الله عز وجل يقظة تامة تصرف عنا رقاد الغفلات. وعملا صالحا نأمن معه ~~من الندم يوم الانتقال، والله الموفق. # فصل الاشتغال بفلسفة الكلام # ما نهى السلف عن الخوض في الكلام إلا لأمر عظيم، وهو أن الإنسان يريد أن ~~ينظر ما لا يقوى عليه بصره فربما تحير فخرج إلى الحجب. # لأنا إذا نظرنا في ذات الخالق حار العقل وبهت الحس، فهو لا يعرف شيئا لا ~~بداية له إنه لا يعلم إلا الجسم والجوهر والعرض، فإثبات ما يخرج عن ذاك لا ~~يفهمه. # وإن نظرنا في أفعاله رأيناه يحكم البناء ثم ينقضه ولا نطلع على تلك ~~الحكمة. # فالأولى للعاقل أن يكف كف التطلع إلى ما لا يطيق النظر إليه. # ومتى قام العقل فنظر في دليل وجود الخالق بمصنوعاته، وأجاز بعثة نبي ~~واستدل بمعجزاته، كفاه ذلك أن يتعرض لما قد أغنى عنه. # وإذا قال القرآن كلام الله تعالى بدليل قوله: " حتى يسمع كلام الله " ~~كفاه. PageV01P088 وأما من تحذلق فقال: التلاوة هي المتلو أو غير المتلو، ~~والقراءة هي المقروء أو غير المقروء، فيضيع الزمان في غير تحصيل، والمقصود ~~العمل بما فهم. # وقد حكي أن ملكا كتب إلى عماله في البلدان إني قادم عليكم فاعملوا كذا ~~وكذا، ففعلوا إلا واحدا منهم. # فإنه قعد يتفكر في الكتاب فيقول: أترى كتبه بمداد أو بحبر ؟ أترى كتبه ~~قائما أو قاعدا ؟. # فما زال يتفكر حتى قدم الملك ولم يعمل مما أمره به شيئا. # فأحسن جوائز الكل وقتل هذا. # فصل السعادة الحقة # لقد غفل طلاب الدنيا عن اللذة فيها وما اللذة فيها إلا شرف العلم وزهرة ~~العفة وأنفة الحمية، وعز القناعة، وحلاوة الإفضال على الخلق. # فأما الالتذاذ بالمطعم والمنكح فشغل جاهل باللذة، لأن ذاك لا يراد لنفسه ~~بل لإقامة العوض في البدن والولد. # وأي لذة ي النكاح وهي قبل المباشرة لا تحصل. ms182 # وفي حال المباشرة قلق لا يثبت. # وعند انقضائها، كأن لم تكن، ثم تثمر الضعف في البدن. # وأي لذة في جمع المال فضلا عن الحاجة. فإنه مستعبد للخازن يبيت حذرا ~~عليه، ويدعوه قليله إلى كثيره. # وأي لذة في المطعم وعند الجوع يستوي خشنه وحسنه. # فإن ازداد الأكل خاطر بنفسه. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بنيت الفتنة على ثلاث، النساء وهن فخ ~~إبليس المنصوب. والشراب وهو سيفه المرهف. والدينار والدرهم، وهما سهماه ~~المسمومان. # فمن مال إلى النساء لم يصف له عيش. ومن أحب الشراب لم يمتع بعقله. ومن ~~أحب الدينار والدرهم كان عبدا لهما ما عاش. # فصل عالم الغيب # أصل كل محنة في العقائد قياس أمر الخالق على أحوال الخلق. # فإن الفلاسفة لما رأوا إيجاد شيء لا من شيء كالمستحيل في العادات قالوا ~~بقدم العالم. # ولما عظم عندهم في العادة الإحاطة بكل شيء قالوا: إنه يعلم الجمل لا ~~التفاصيل. # ولما رأوا تلف الأبدان بالبلاء أنكروا إعادتها. وقالوا الإعادة رجوع ~~الأرواح إلى معادنها. # وكل من قاس صفة الخالق على صفات المخلوقين خرج إلى الكفر. # فإن المجسمة دخلوا في ذلك لأنهم حملوا أوصافه على ما يعقلون. # وكذلك تدبيره عز وجل. فإن من حمله على ما يعقل في العادات رأى ذبح ~~الحيوان لا يستحسن، والأمراض تستقبح، وقسمة الغنى للأبله، والفقر للجلد ~~العاقل أمرا ينافي الحكمة. # وهذا في الأوضاع بين الخلق. فأما الخالق سبحانه فإن العقل لا ينتهي إلى ~~حكمته. بلى. قد ثبت عنده وجوده وملكه وحكمته. # فتعرضه بالتفاصيل على ما تجري به عادات الخلق جهل. # ألا ترى إلى أول المعترضين وهو إبليس كيف ناظر فقال " أنا خير منه " ، ~~وقول خليفته وهو أبو العلاء المعري: # رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا # ونسأل الله عز وجل توفيقا للتسليم، وتسليما للحكيم " ربنا لا تزغ قلوبنا ~~بعد إذ هديتنا " . # أترى نقدر على تعليل أفعاله فضلا عن مطالعة ذاته ؟. # وكيف نقيس أمره على أحوالنا ؟. # فإذا رأينا نبينا صلى الله عليه وسلم يسأل في أمه وعمه فلا يقبل ms183 منه، ~~ويتقلب جائعا والدنيا ملك يده ويقتل أصحابه والنصر بيد خالقه، أوليس هذا ~~مما يحير !. # فما لنا والاعتراض على مالك قد ثبتت حكمته واستقر ملكه. # فصل ثمن العلياء # تأملت عجبا، وهو أن كل شيء نفيس خطير يطول طريقه ويكثر التعب في تحصيله. # فإن العلم لما كان أشرف الأشياء لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار وهجر ~~اللذات والراحة. حتى قال بعض الفقهاء: بقيت سنين أشتهي الهريسة لا أقدر، ~~لأن وقت بيعها وقت سماع الدرس. # ونحو هذا تحصيل المال، فإنه يحتاج إلى المخاطرات والأسفار والتعب الكثير. # وكذلك نيل الشرف بالكرم والجود، فإنه يفتقر إلى جهاد النفس في بذل ~~المحبوب، وربما آل إلى الفقر. # وكذلك الشجاعة، فإنها لا تحصل إلا بالمخاطرة بالنفس. قال الشاعر: # لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال # ومن هذا الفن تحصي الثواب في الآخرة. فإنه يزيد على قوة الاجتهاد ~~والتعبد، أو على قدر وقع المبذول من المال في النفس، أو على قدر الصبر على ~~فقد المحبوب ومنع النفس من الجزع. # وكذلك الزهد يحتاج إلى صبر عن الهوى. # والعفاف لا يكون إلا بكف كف الشره. # ولولا ما عانى يوسف عليه السلام ما قيل له: " أيها الصديق " . ~~PageV01P089 ولله أقوام ما رضوا من الفضائل إلا بتحصيل جميعها، فهم يبالغون ~~في كل علم ويجتهدون في كل عمل، ويثابرون على كل فضيلة. فإذا ضعفت أبدانهم ~~عن بعض ذلك قامت النيات نائبة وه لها سابقون. # وأكمل أحوالهم إعراضهم عن أعمالهم. فهم يحتقرونها مع التمام ويعتذرون من ~~التقصير. # ومنهم من يزيد على هذا فيتشاغل بالشكر على التوفيق لذلك، ومنهم من لا يرى ~~ما عمل أصلا لأنه يرى نفسه وعمله لسيده. # وبالعكس من المذكور عن أرباب الاجتهاد حال أهل الكسل والشره والشهوات. # فلئن التذوا بعاجل الراحة لقد أوجبت ما يزيد على كل تعب من الأسف والحسرة ~~وزن تلمح صبر يوسف عليه السلام وعجلة ماعز بان له الفرق، وفهم الربح من ~~الخسران. # ولقد تأملت نيل الدر من البحر فرأيته بع معاناة الشدائد. # ومن تفكر فيما ذكرته ms184 مثلا بانت له أمثال. # فالموفق من تلمح قصر الموسم المعمول فيه، وامتداد زمان الجزاء الذي لا ~~آخر له انتهب حتى اللحظة وزاحم كل فضيلة، فإنها إذا فاتت فلا وجه ~~لاستدراكها. # أو ليس في الحديث يقال للرجل: اقرأ وارق فمنزلك عند آخر آية تقرؤها. # فلو أن الفكر عمل في هذا حق العمل حفظ القرآن عاجلا. # فصل صراع اليقين مع أحداث الحياة # ليس المؤمن بالذي يؤدي فرائض العبادات صورة، ويتجنب المحظورات فحسب إنما ~~المؤمن هو الكامل الإيمان، لا يختلج في قلبه اعتراض، ولا يساكن نفسه فيما ~~يجري وسوسة. # وكلما اشتد البلاء عليه زاد إيمانه وقوي تسليمه. # وقد يدعو فلا يرى للإجابة أثرا، وسره لا يتغير لأنه يعلم أنه ممولك وله ~~مالك يتصرف بمقتضى إرادته. # فإنه اختلج في قلبه اعتراض خرج من مقام العبودية إلى مقام المناظرة، كما ~~جرى لإبليس. # والإيمان القوي يبين أثره عند قوة البلاء. # فقد يرى مثل يحيى بن زكريا يتسلط عليه فاجر فيأمر بذبحه فيذبح، وربما ~~اختلج في الطبع أن يقول فهل رد عنه من جعله نبيا ؟. # وكذلك كل تسلط من الكفار على الأنبياء والمؤمنين وما وقع رد عنهم، فإنه ~~هجس بالفكر أن القدرة تعجز عن الرد عنهم كان ذلك كفرا. # وإن علم أن القدرة متمكنة من الرد وما ردت وأن الله قد يجيع المؤمنين ~~ويشبع الكفار، ويعافي العصاة، ويمرض المتقين، لم يبق إلا التسليم للمالك ~~وإن أمض وأرمض.. # وقد ذهب يوسف بن يعقوب عليهما السلام فبكى يعقوب ثمانين سنة ثم لم ييأس، ~~فلما ابنه الآخر قال: " عسى الله أن يأتيني بهم جميعا " . # وقد دعا موسى عليه السلام على فرعون، فأجيب بعد أربعين سنة. # وكان يذبح الأنبياء ولا ترده القدرة القديمة العظيمة وصلب السحرة، وقطع ~~أيديهم. # وكم من بلية نزلت بمعظم القدر، فما زاده ذلك إلا تسليما ورضى فهناك يبين ~~معنى قوله: " ورضوا عنه " . # وههنا يظهر قدر قوة الإيمان لا في ركعات. # قال الحسن البصري: استوى الناس في العافية فإذا نزل البلاء تباينوا. # فصل هذا العلم أفسد العامة # أضر ms185 ما على العوام المتكلمون فإنهم يخلطون عقائدهم بما يسمعونه منهم. # من أقبح الأشياء أن يحضر العامي الذي لا يعرف أركان الصلاة ولا الربا في ~~البيع مجلس الوعظ فلا ينهاه عن التواني في الصلاة، ولا يعلمه الخلاص من ~~الربا، بل يقول له القرآن قائم بالذات، والذي عندنا مخلوق. # فيهون القرآن عند ذلك العامي، فيحلف به على الكذب. # ويح المتكلم لو كان له فهم لعلم أن الله سبحانه وتعالى نصب أعلاما تأنس ~~بها النفوس وتطمئن إليها كالكعبة وسماها بيته، والعرش وذكر استواءه عليه. # وذكر من صفاته اليد والسمع والبصر والعين، وينزل إلى السماء الدنيا، ~~ويضحك وكل هذا لتأنس النفوس بالعادات. # وقد جل عما تضمنته هذه الصفات من الجوارح. # وكذلك عظم أمر القرآن، ونهى المحدث أن يمس المصحف فآل الأمر بقوم من ~~المتكلمين إلى أن أجازوا الاستنجاء به. # فهؤلاء على معاندة الشريعة، لأنهم يهينون ما عظم الشرع. # وهل الإيغال في الكلام مما يقرب إلى معرفة الحقائق التي لا يمكن خلافها ~~!. # هيهات لو كان كذلك ما وقع بين المتكلمين خلاف. # أوليس الشرب الأول ما تكلموا في شيء من هذا ! وإن كانوا تعرضوا ببعض ~~الأصول. # ثم جاء فقهاء الأمصار فنهوا عن الخوض في الكلام، لعلمهم ما يجلب وما ~~يجتنب. # ومن لم يقنع بعقيدة مثل الصحابة، ولا بطريق مثل طريق أحمد والشافعي في ~~ترك الخوض فلا كان من كان. PageV01P090 ثم بالله تأملوا أليس قد وجب علينا ~~هجر الربا بقوله تعالى: " لا تأكلوا الربا " وهجر الزنا بقوله: " ولا ~~تقربوا الزنا " . # فأي فائدة لنا في ذكر قراءة ومقروء وتلاوة ومتلو وقديم ومحدث. # فإن قيل: فلا بد من اعتقاد، قلنا: طريق السلف أوضح محجة، لأنا ما نقوله ~~تقليدا، بل بالدليل ولكنا لم نستفده عن جوهر وعرض وجزء لا يتجزأ. # بل بأدلة النقل مع مساعدة العقل من غير بحث عما لا يحتاج إليه. وليس هذا ~~مكان الشرح. # فصل حقيقة الموت # ما زلت عن عادة الخلق في الحزن على من يموت من الأهل والأولاد، ولا ~~أتخايل إلا بلى الأبدان في القبور ms186 فأحزن لذلك فمرت بي أحاديث قد كانت تمر ~~بي ولا أتفكر فيها. # منها قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما نفس المؤمن طائر تعلق في شجر ~~الجنة حتى يرده الله عز وجل إلى جسده يوم يبعثه: فرأيت أن الرحيل إلى ~~الراحة، وأن هذا البدن ليس بشيء، لأنه مركب تفكك وفسد، وسيبنى جديدا يوم ~~البعث فلا ينبغي أن يتفكر في بلاه. # ولتسكن النفس إلى أن الأرواح انتقلت إلى راحة فلا يبقى كبير حزن، وأن ~~اللقاء للأحباب عن قرب. # وإنما يبقى الأسف لتعلق الخلق بالصور، فلا يرى الإنسان إلا جسدا مستحسنا ~~قد نقض فيحزن لنقضه. # والجسد ليس هو الآدمي، وإنما هو مركبه، فالأرواح لا ينالها البلى. ~~والأبدان ليست بشيء. # واعتبر هذا بما إذا قلعت ضرسك ورميته في حفرة، فهل عندك خبر مما يلقى في ~~مدة حياتك؟. # فحكم الأبدان حكم ذلك الضرس، لا تدري النفس ما يلقى، ولا ينبغي أن تغتم ~~بتمزيق جسد المحبوب وبلاه. # واذكر تنعم الأرواح، وقرب التجديد، وعاجل اللقاء فإن الفكر في تحقيق هذا ~~يهون الحزن ويسهل الأمر. # فصل قد يكون الكتمان حزما # ينبغي للعاقل أن لا يتكلم في الخلوة عن أحد بشيء حتى يمثل ذلك الشيء ~~ظاهرا معلنا به ثم ينظر فيما يجني. # فرب رجل وثق بصدق فتكلم أمامه عن سلطان بأمر فبلغه فأهلكه. # أو عن صديق فبلغه فوقعت الواقعة. # وكذلك ينبغي كتم المذاهب، فإنه ما يربح مظهرها إلا المعاداة. # ولما صرح الشريف أبو جعفر في زمان المقتدي بمخالفة الأشاعرة أخذ وحبس حتى ~~مات. # وكان المقصد قطع الفتن وإصلاح الرعية، فإنه أهم إلى السلطان من التعصب ~~لمذهب. # فصل فقه الحكمة العليا # رأيت كثيرا من المغفلين يظهر عليهم السخط بالأقدار. # وفيهم من قل إيمانه، فأخذ يعترض. # وفيهم من خرج إلى الكفر، ورأى أن ما يجري كالعبث، وقال ما فائدة الإعدام ~~بعد الإيجاد، والابتلاء ممن هو غني عن أذانا. # فقلت لبعض من كان يرمز إلى هذا: إن حضر عقلك وقلبك حدثتك. # وإن كنت تتكلم بمجرد واقعك من غير نظر وإنصاف فالحديث ms187 معك ضائع. # ويحك، أحضر عقلك، واسمع ما أقول: أليس قد ثبت أن الحق سبحانه مالك، ~~وللمالك الحق أن يتصرف كيف يشاء !. # أليس قد ثبت أنه حكيم والحكيم لا يعبث !. # وأنا أعلم أن في نفسك من هذه الكلمة شيئا فإنه قد سمعنا عن جالينوس أنه ~~قال: ما أدري ؟ أحكيم هو أم لا. # والسبب في قوله هذا، أنه رأى نقضا بعد إحكام، فقاس الحال على أحوال الخلق ~~وهو أن من بنى ثم نقض لا لمعنى فليس بحكيم. # وجوابه لو كان حاضرا أن يقال: بماذا بان لك أن النقض ليس بحكمة ؟. # أليس بعقلك الذي وهبه الصانع لك ؟. # وكيف يهب لك الذهن الكامل ويفوته هو الكمال ؟. # وهذه هي المحنة التي جرت لإبليس. فإنه أخذ يعيب الحكمة بعقله، فلو تفكر ~~علم أن واهب العقل أعلى من العقل، وأن حكمته أوفى من كل حكيم، لأنه بحكمته ~~التامة أنشأ العقول. # فهذا إذا تأمله المنصف زال عنه الشك. # وقد أشار سبحانه إلى نحو هذا في قوله تعالى: " أم له البنات ولكم البنون ~~" أي أجعل لنفسه الناقصات وأعطاكم الكاملين ؟. # فلم يبق إلا أن نضيف العجز عن فهم ما يجري إلى نفسنا. # ونقول هذا فعل عالم حكيم. ولكن ما يبين لنا معناه. # وليس هذا بعجب، فإن موسى عليه السلام خفي عليه وجه الحكمة في نقض السفينة ~~الصحيحة، وقتل الغلام الجميل، فلما بين له الخضر وجه الحكمة أذعن. # فليكن المرء مع الخالق كموسى مع الخضر. # أولسنا نرى المائدة المستحسنة بما عليها من فنون الطعام النظيف الظريف ~~يقطع ويمضغ ويصير إلى ما نعلم. ولسنا نملك ترك الأفعال ولا ننكر الإفساد ~~له، لعلمنا بالمصلحة الباطنة فيه. PageV01P091 فما المانع أن يكون فعل الحق ~~سبحانه له باطن لا نعلمه ؟. # ومن أجل الجهال العبد المملوك إذا طلب أن يطلع على سر مولاه، فإن فرضه ~~التسليم لا الاعتراض. # ولو لم يكن في الابتلاء بما تنكره الطباع إلا أن يقصد إذعان العقل ~~وتسليمه لكفى. # ولقد تأملت حالة عجيبة، يجوز أن يكون المقصود بالموت هي، وذلك أن الخالق ~~سبحانه ms188 في غيب لا يدركه الإحساس. # فلو أنه لم ينقض هذه البنية لتخايل للإنسان أنه صنع لا بصانع. # فإذا وقع الموت عرفت النفس نفسها التي كانت لا تعرفها لكونها في الجسد ~~وتدرك عجائب الأمور بعد رحيلها. # فإذا ردت إلى البدن عرفت ضرورة أنها مخلوقة لمن أعادها. # وتذكرت حالها في الدنيا - فإن الذكريات تعاد كما تعاد الأبدان - فيقول ~~قائلهم " إنا كنا قيل في أهلنا مشفقين " . # ومتى رأت ما قد وعدت به من أمور الآخرة. أيقنت يقينا لا شك معه. # ولا يحصل هذا بإعادة ميت سواها. وإنما يحصل برؤية هذا الأمر فيها. # فتبنى بنية تقبل البقاء وتسكن جنة لا ينقضي دوامها. # فيصلح بذلك اليقين أن تجاوز الحق، لأنها آمنت بما وعد، وصبرت بما ابتلى، ~~وسلمت لأقدراه، فلم تعترض، ورأت في غيرها العبر، ثم في نفسها. فهذه هي التي ~~يقال لها: " ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي " . # فأما الشاك والكافر فيحق لهما الدخول إلى النار واللبث فيها، لأنهما رأيا ~~الأدلة ولم يستفيدا ونازعا الحكيم واعترضا عليه، فعاد شؤم كفرهما يطمس ~~قلوبهما، فبقيت نفوسهما على ما كانت عليه. # فلما لم تنتفع بالدليل في الدنيا لم تنتفع بالموت والإعادة ودليل بقاء ~~الخبث في القلوب قوله تعالى: " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " . # فنسأل الله عز وجل عقلا مسلما يقف على حده، ولا يعترض على خالقه وموجده. # ثم الويل للمعترض، أيرد اعتراضه الأقدار ؟. # فما يستفيد إلا الخزي، نعوذ بالله ممن خذل. # فصل عند الصباح يحمد السرى # لا ينبغي للمؤمن أن ينزعج من مرض أو نزول موت، وإن كان الطبع لا يملك. # إلا أنه ينبغي له التصبر مهما أمكن إما لطلب الأجر بما يعاني، أو لبيان ~~أثر الرضى بالقضاء، وما هي إلا لحظات ثم تنقضي. # وليتفكر المعافى من المرض في الساعات التي كان يقلق فيها أين هي في زمان ~~العافية ؟ ذهب البلاء وحصل الثواب. # كما تذهب حلاوة اللذات المحرمة ويبقى الوزر. ويمضي زمان التسخط بالأقدار، ~~ويبقى العتاب. # وهل الموت إلا آلام تزيد فتعجز النفس ms189 عن حملها فتذهب. # فليتصور المريض وجود الراحة بعد رحيل النفس، وقد هان ما يلقى كما يتصور ~~العافية بعد شرب الشربة المرة. # ولا ينبغي أن يقع جزع بذكر البلى، فإن ذلك شأن المركب، أما الراكب ففي ~~الجنة أو في النار. # وإنما ينبغي أن يقع الاهتمام الكلي بما يزيد في درجات الفضائل قبل نزول ~~المعوق عنها. # فالسعيد من وفق لاغتنام العافية، ثم يختار تحصيل الأفضل فالأفضل في زمن ~~الاغتنام. # وليعلم أن زيادة المنازل في الجنة على قدر التزيد من الفضائل ههنا. ~~والعمر قصير، والفضائل كثيرة فليبالغ في البدار. # فيا طول راحة التعب، ويا فرحة المغموم، ويا سرور المحزون. # ومتى تخايل اللذة في الجنة من غير منغص ولا قاطع، هان عليه كل بلاء وشدة. # فصل بين العلم والعمل # حضرنا يوما جنازة شاب مات أحسن ما كانت الدنيا له، فرأيت من ذم الناس ~~للدنيا، وعيب من سكن إليها، والتقبيح للغافلين عن الاستعداد لهذا المصرع ~~أمرا كبيرا من الحاضرين. # فقلت: نعم ما قلتم. ولكن اسمعوا مني ما لم تسمعوه. # أعجب الأشياء أن العاقل إذا علم قرب هذا المصرع منه أوجب عليه عقله ~~البدار بالعمل والقلق من الخوف. # وقد اشتد ذلك بأقوام فهاموا في البراري، وطووا الأيام بالمجاعة، وداموا ~~على سهر الليل، ولازموا المقابر، فهلكوا سريعا. # ولعمري إن ما خافوه يستحق أكثر من هذا الفعل. # ولكن نرى العقل الذي أوجب هذا القلق قد أمر بما يوجب السكون، فقال: إنما ~~خلق هذا البدن ليحمل النفس كما تحمل الناقة الراكب. # ولا بد من التلطف بالناقة ليحصل المقصود من السير، ولا يحسن في العقل ~~دوام السهر وطول القلق، لأنه يؤثر في البدن فيفوت أكثر المقصود. # كيف وقد خلق بدن الآدمي خلقا لطيفا، فإذا هجر الدسم نشف الدماغ. # وإذا دام على السهر قوي اليبس، وإذا لازم الحزم مرض القلب. PageV01P092 ~~فلا بد من التلطف بالبدن بتناول ما يصلحه وبالقلب بما يدفع الحزن المؤذي ~~له. # وإلا فمتى دام المؤذي عجل التلف. ثم يأتي الشرع بما قد قاله العقل، ~~فيقول: إن لنفسك عليك ms190 حقا، وإن لزوجك عليك حقا، فصم وأفطر، وقم ونم. # ويقول: كفى المرء إثما أن يضيع من يقوت. # ويحث على النكاح، ويرى دوام القلق واليبس يترك الزوجة كالأرملة، والولد ~~اليتيم. # ولا وجه للتشاغل بالعلم مع هذا القلق، ومن أراد مصداق ما قلته فليتأمل ~~حالة الرسول صلى الله عليه وسلم. # فإنه كان يعدل ما عنده من الخوف فيمازح، ويسابق عائشة، ويكثر من التزوج. ~~وكان يتلطف ببدنه، فيختار الماء البائت ويحب الحلوى واللحم. # ولولا مساكنة نوع غفلة لما صنف العلماء، ولا حفظ العلم، ولا كتب الحديث. # لأن من يقول: ربما مت اليوم كيف يكتب وكيف يسمع ويصنف. # فلا يهولنكم ما ترون من غفلة الناس عن الموت وعدم ذكره حق ذكره، فإنها ~~نعمة من الله سبحانه بها تقوم الدنيا ويصلح الدين. # وإنما تذم قوة الغفلة الموجبة للتفريط وإهمال المحاسبة للنفس، وتضييع ~~الزمان في غير التزود، وربما قويت فحملت على المعاصي. # فأما إذا كانت بقدر كانت كالملح في الطعام لا بد منه، فإن كثر صار الطعام ~~زعافا. # فالغفلة تمدح إذا كانت بقدر كما بينا. ومتى زادت وقع الذم. فافهم ما ~~قلته. # ولا تقل فلان شديد اليقظة ما ينام الليل، وفلان غافل ينام أكثر الليل، ~~فإن غفلة توجب مصلحة البدن والقلب لا تذم والسلام. # فصل الإخلاص التام # ما يكاد يحب الاجتماع بالناس إلا فارغ. # لأن المشغول القلب بالحق يفر من الخلق ومتى تمكن فراغ القلب من معرفة ~~الحق امتلأ بالخلق فصار يعمل لهم ومن أجله ويهلك بالرياء ولا يعلم. # وإني لأتأمل على بعض من يتزي بالفقر والتصوف وهو يلبس ثيابا لا تساوي ~~دينارا، وعنده المال الكثير، وقد أمرع نفسه في المطاعم الشهية، وهو عامل ~~بمقتضى الكبر والتصدر، فيتقرب إلى أرباب الدنيا، ويستذري أرباب العلم، ~~ويزور أولئك دونهم. # وإنما يرد ما يعطي ليشيع له اسم زاهد، فتراه يربي الناموس وهو في احتياله ~~كثعلب، وفي نهوضه إلى أغراضه في الباطن كلب شري. # فأقول: سبحان الله، ما يزهد إلا الثياب، أترى: ما سمع قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ms191 إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. # أوعوذ بالله من رؤية النفس، ورؤية الخلق، فإن من رأى نفسه تكبر، والمتكبر ~~أحمق، لأنه ما من شيء يتكبر به إلا ولغيره أكثر منه. # ومن راءى الخلق عبدهم وهو لا يعلم. # فأما العامل لله سبحانه وتعالى فهو بعيد من الخلق، فإن تقربوا إليه ستر ~~حاله بما يوجب بعدهم عنه. # وقد رأينا من يرائي ولا يدري فيمتنع من المشي في السوق، ومن زيارة ~~الإخوان، ومن أن يشتري شيئا بنفسه. # وتوهمه نفسه أني أكره مخالطة السوقة، وإنما هذا يربي جاهلا بين العامة، ~~إذ لو خالطهم لامتحي جاهه، وبطل تقبيل يده. # وقد كان بشر الحافي يجلس في مجلس عند العطار. # وأبلغ من هذا كله أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يشتري الشيء ويحمله، ~~وخرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أمير المؤمنين فاشترى ثوبا، وقد كان ~~طلحة بن مطرف قارىء أهل الكوفة، فلما كثر الناس عليه مشى إلى الأعمش فقرأ ~~عليه، فمال الناس إلى الأعمش وتركوا طلحة. # هذا والله الكبريت الأحمر، والإكسير، لا ما يظن إكسيرا في الكيمياء. # والمعاملة مع الله تعالى هكذا تكون. # فأما ضد هذه الحال فحالة عابد للخلق ملبس. وقد غم هذا جمهور الخلق حاشا ~~السلف. # أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب # فصل مراتب العصيان # كل المعاصي قبيحة، وبعضها أقبح من بعض، فإن الزنا من أقبح الذنوب، فإنه ~~يفسد الفرش ويغير الأنساب، وهو بالجارة أقبح، فقد روي في الصحيحين من حديث ~~ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي ذنب أعظم ؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك. قلت: ثم أي، قال: أن تقتل ولدك من أجل أن يطعم معك. قلت ثم أي، قال: ~~أن تزاني حليلة جارك. # وقد روى البخاري في تاريخه من حديث المقداد بن الأسود عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر من أن يزني بامرأة جاره، ~~ولأن يسرق من عشرة أبيات أيسر ms192 عليه من أن يسرق من بيت جاره. PageV01P093 ~~وإنما كان هذا، لأنه يضم إلى معصية الله عز وجل انتهاك حق الجار. # ومن أقبح الذنوب أن يزني الشيخ، ففي الحديث: إن الله يبغض الشيخ الزاني ~~لأن شهوة الطبع قد ماتت، وليس فيها قوة تغلب، فهو يحركها ويبالغ، فكانت ~~معصيته عنادا. # ومن المعاصي التي تشبه المعاندة لبس الرجل الحرير والذهب، خصوصا خاتم ~~الذهب الذي يتحلى به الشيخ، وأنه من أبرد الأفعال وأقبح الخطايا. # ومن هذا الفن الرياء والتخاشع وإظهار التزهد للخلق، فإنه كالعبادة لهم مع ~~إهمال جانب الحق عز وجل. # وكذلك المعاملة بالربا الصريح، خصوصا من الغني الكثير المال. # ومن أقبح الأشياء أن يطول المرض بالشيخ الكبير ولا يتوب من ذنب، لا يعتذر ~~من زلة، ولا يقضي دينا، ولا يوصي بإخراج حق عليه. # ومن قبائح الذنوب أن يتوب السارق أو الظالم ولا يرد المظالم. # والمفرط في الزكاة أو في الصلاة ولا يقضي. # ومن أقبحها أن يحنث في يمين طلاقه ثم يقيم مع المرأة. # وقس على ما ذكرته، فالمعاصي كثيرة، وأقبحها لا يخفى. # وهذه المستقبحات فضلا عن القبائح الأخرى تشبه العناد للآمر، فيستحق ~~صاحبها اللعن ودوام العقوبة. # وإني لأرى شرب الخمر من ذلك الجنس، لأنها ليس مشتهاة لذاتها، ولا لريحا ~~ولا لطعمها فيما يذكر. # إنما لذتها - فيما يقال - بعد تجرع مرارتها. # فالإقدام على ما لا يدعو إليه الطبع إلى أن يصل التناول إلى اللذة ~~معاندة. # نسأل الله عز وجل إيمانا يحجز بيننا وبين مخالفته، وتوفيقا لما يرضيه، ~~فإنما نحن به وله. # فصل آفة العلماء # انتقدت على أكثر العلماء والزهاد أنهم يبطنون الكبر. # فهذا ينظر في موضعه وارتفاع غيره عليه وهذا لا يعود مريضا فقيرا يرى نفسه ~~خيرا منه. # حتى إني رأيت جماعة يومأ إليهم، منهم من يقول لا أدفن إلا في دكة أحمد بن ~~حنبل، ويعلم أن في ذلك كسر عظام الموتى، ثم يرى نفسه أهلا لذلك التصدر. # ومنهم من يقول. ادفنوني إلى جانب مسجدي ظنا منه أنه يصير بعد موته مزارا ~~كمعروف الكرخي. ms193 # وهذه خلة مهلكة ولا يعلمون. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: من ظن أنه خير من غيره فقد تكبر. # وقل من رأيت إلا وهو يرى نفسه. # والعجب كل العجب ممن يرى نفسه، أتراه بماذا رآها !. # إن كان بالعلم فقد سبقه العلماء، وإن كان بالتعبد فقد سبقه العباد، أو ~~بالمال فإن المال لا يوجب بنفسه فضيلة دينية. # فإن قال: قد عرفت ما لم يعرف غيري من العلم في زمني، فما علي ممن تقدم. # قيل له: ما نأمرك يا حافظ القرآن أن ترى نفسك في الحفظ كمن يحفظ النصف. # ولا يا فقيه أن ترى نفسك في العلم كالعامي. # إنما نحذر عليك أن ترى نفسك خيرا من ذلك الشخص المؤمن وإن قل علمه. # فإن الخيرية بالمعاني لا بصور العلم والعبادة. # ومن تلمح خصال نفسه وذنوبها علم أنه على يقين من الذنوب والتقصير، وهو من ~~حال غيره على شك. # فالذي يحذر منه الإعجاب بالنفس، ورؤية التقدم في أحوال الآخرة، والمؤمن ~~الحق لا يزال يحتقر نفسه. # وقد قيل لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: إن مت ندفنك في حجرة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: لأن ألقى الله بكل ذنب غير الشرك أحب إلي من أن ~~أرى نفسي أهلا لذلك. # وقد روينا: أن رجلا من الرهبان رأى في المنام قائلا يقول له: فلان ~~الإسكافي خير منك، فنزل من صومعته فجاء فسأله عن عمله فلم يذكر كبير عمله. # فقيل له في المنام: عد إليه وقل له: مم صفرة وجهك ؟. # فعاد فسأل فقال: ما رأيت مسلما إلا وظننته خيرا مني فقيل له: فبذاك ~~ارتفع. # فصل علاج الغاضب # متى رأيت صاحبك قد غضب وأخذ يتكلم بما لا يصلح، فلا ينبغي أن تعقد على ما ~~يقوله خنصرا، ولا أن تؤاخذه به. # فإن حاله حال السكران، لا يدري ما يجري. # بل اصبر لفورته، ولا تعول عليها، فإن الشيطان قد غلبه، والطبع قد هاج، ~~والعقل قد استتر. # ومتى أخذت في نفسك عليه، أو أجبته بمقتضى فعله كنت كعاقل واجه ms194 مجنونا، أو ~~كمفيق عاتب مغمى عليه. فالذنب لك. # بل انظر بعين الرحمة، وتلمح تصريف القدر له، وتفرج في لعب الطبع به. ~~واعلم أنه إذا انتبه ندم على ما جرى، وعرف لك فضل الصبر. # وأقل الأقسام أن تسلمه فيما يفعل في غضبه إلى ما يستريح به. PageV01P094 ~~وهذه الحالة ينبغي أن يتلمحها الولد عند غضب الوالد، والزوجة عند غضب ~~الزوج، فتتركه يشتفي بما يقول، ولا تعول على ذلك، فسيعود نادما معتذرا. # ومتى قوبل على حالته ومقالته صارت العداوة متمكنة، وجازى في الإفاقة على ~~ما فعل في حقه وقت السكر. # وأكثر الناس على غير هذه الطريق. # متى رأوا غضبان قابلوه بما يقول ويعمل، وهذا على غير مقتضى الحكمة؛ بل ~~الحكمة ما ذكرته، " وما يعقلها إلا العالمون " . # فصل تجارب مع الناس # ليس في الدنيا أكثر بلاهة ممن يسيء إلى شخص ويعلم أنه قد بلغ إلى قلبه ~~بالأذى ثم يصطلحان في الظاهر، فيعلم أن ذلك الأثر محيي بالصلح. # وخصوصا مع الملوك، فإن لذتهم الكبرى أن لا يرتفع عليهم أحد، ولا ينكسر ~~لهم غرض، فإذا جرى شيء من ذلك لم ينجبر. # واعتبر هذا بأبي مسلم الخراساني، فإنه غض من قدر المنصور قبل ولايته فحصل ~~ذلك في نفسه فقتله. # ومن نظر في التواريخ رأى جماعة قد جرى لهم مثل هذا، ولا ينبغي لمن أساء ~~إلى ذي سلطان أن يقع في يده، فإنه إذا رام التخلص لم يقدر. فيبقى ندمه على ~~ترك احترازه، وحسرته على مساكنة الظمآن للسلامة أشد عليه من كل ما يلقى به ~~من الهوان والأذى. # ومن هذا الجنس الأصدقاء المتماثلون، فإنك متى آذيت شخصا وبلغ إلى قلبه ~~أذاك فلا تثق بمودته، فإن أذاك نصب عينه، فإن لم يحتل عليك لم يصف لك. # ولا تخالط إلا من أنعمت عليه فحسب، فهو لم ير منك إلا خيرا فيكون في ~~نفسه، وكذلك الولد والزوجة والمعاملون. # ويلحق بهذا أن أقول: لا ينبغي أن تعادي أحدا ولا تتكلم في حقه، فربما ~~صارت له دولة فاشتفى. # وربما احتيج إليه فلم يقدر ms195 عليه. # فالعاقل يصور في نفسه كل ممكن، ويستر ما في قلبه من البغض والود، ويداري ~~من يكنون له الغيظ والحقد، هذه مشاورة العقل إن قبلت. # فصل الاستعداد لليوم والغد # كل من يتلمح العواقب ولا يستعد لما يجوز وقوعه فليس بكامل العقل. # واعتبر هذا في جميع الأحوال، مثل أن يغتر بشبابه ويدوم على المعاصي ويسوف ~~بالتوبة. # فربما أخذ بغتة ولم يبلغ بعض ما أمل. # وكذلك إذا سوف بالعمل أو بحفظ العلم، فإن الزمان ينقضي بالتسويف ويفوت ~~المقصود. # وربما عزم على فعل خير أو وقف شيء من ماله فسوف فبغت. # فالعاقل من أخذ بالحزم في تصوير ما يجوز وقوعه وعمل بمقتضى ذلك فإن امتد ~~الأجل لم يضره، وإن وقع المخوف كان محترزا. # ومما يتعلق بالدنيا أن يميل مع السلطان ويسيء إلى بعض حواشيه ثقة بقربه ~~منه، فربما تغير ذلك السلطان فارتفع عدوه فانتقم منه. # وقد يعادي بعض الأصدقاء ولا يبالي به لأنه دونه في الحالة الحاضرة. # فربما صعدت مرتبة ذلك فاستوفى ما أسلفه إليه من القبيح وزاد. # فالعاقل من نظر فيما يجوز وقوعه ولم يعاد أحدا. # فإن كان بينهما ما يوجب المعاداة كتم ذلك، فإن صح له أن يثب على عدوه ~~فينتقم منه انتقاما يبيحه الشرع جاز، على أن العفو أصلح في باب العيش. # ولهذا ينبغي أن يخدم البطال، فإنه ربما عمل فعرف ذلك لمن خدم. # وقس على أنموذج ما ذكرته من جميع الأحوال. # فصل علماء الآخرة ملوك # بقدر صعود الإنسان في الدنيا تنزل مرتبته في الآخرة. # وقد صرح بهذا ابن عمر رضي الله عنهما فقال: والله لا ينال أحد من الدنيا ~~شيئا إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عنده كريما. # فالسعيد من اقتنع بالبلغة، فإن الزمان أشرف من أن يضيع في طلب الدنيا. # اللهم إلا أن يكون متورعا في كسبه، معينا لنفسه عن الطمع، قاصدا إعانة ~~أهل الخير والصدقة على المحتاجين، فكسب هذا أصلح من بطالته. # فأما الصعود الذي سببه مخالطة السلاطين فبعيد أن يسلم معه الدين، فإن ~~وقعت ms196 سلامته ظاهرا فالعاقبة خطرة. # قال أبو محمد التميمي: ما غبطت أحدا إلا الشريف أبا جعفر يوم مات القائم ~~بأمر الله فإنه غسله وخرج ينفض أكمامه فقعد في مسجده لا يبالي بأحد ونحن ~~منزعجون لا ندري ما يجري علينا. # وذاك أن التميمي كان متعلقا على السلطان يمضي له في الرسائل، فخاف مغبة ~~القرب. # وقد رأينا جماعة من العلماء خالطوا السلطان فكانت مغبتهم سيئة. # ولعمري إنهم طلبوا الراحة فأخطأوا طريقها، لأن غموم القلب لا توازيها لذة ~~مال ولا لذة مطعم، هذا في الدنيا قبل الآخرة. PageV01P095 وليس أشرف وأطيب ~~عيشا من منفرد في زاوية لا يخالط السلاطين ولا يبالي أطاب مطعمه أم لم يطب. # فإنه لا يخلو من كسرة وقعب ماء ثم هو سليم من أن تقال له كلمة تؤذيه، أو ~~يعيبه الشرع حين دخوله عليهم أو الخلق. # ومن تأمل حال أحمد بن حنبل في انقطاعه، وحال ابن أبي داؤد، ويحيى بن أكثم ~~عرف الفرق في طيب العيش في الدنيا والسلامة في الآخرة. # وما أحسن ما قال ابن أدهم: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من ~~لذيذ العيش لجالدونا عليه بالسيوف. # ولقد صدق ابن أدهم، فإن السلطان إن أكل شيئا خاف أن يكون قد طرح له فيه ~~سم، وإن نام خاف أن يغتال، وهو وراء المغاليق لا يمكنه أن يخرج لفرجة، فإن ~~خرج كان منزعجا من أقرب الخلق إليه، واللذة التي ينالها تبرد عنده، ولا ~~تبقي له لذة مطعم ولا منكح. # وكلما استظرف المطاعم أكثر منها ففسدت معدته، وكلما استجد الجواري أكثر ~~منهن فذهبت قوته، ولا يكاد يبعد ما بين الوطء والوطء فلا يجد في الوطء كبير ~~لذة لأن لذة الوطء بقدر بعد ما بين الزمانين، وكذلك لذة الأكل. # فإن من أكل على شبع ووطىء من غير صدق شهوة وقلق لم يجد اللذة التامة التي ~~يجدها الفقير إذا جاع والعزب إذا وجد امرأة. # ثم إن الفقير يرمي نفسه على الطريق في الليل فينام ولذة الأمن قد حرمها ~~الأمراء فلذتهم ناقصة وحسابهم ms197 زائد. # والله ما أعرف من عاش رفيع القدر بالغا من اللذات ما لم يبلغ غيره إلا ~~العلماء المخلصين كالحسن وأحمد وسفيان، والعباد المحققين كمعروف، فإن لذة ~~العلم تزيد على كل لذة. # وأما ضرهم إذا جاعوا أو ابتلوا بأذى، فإن ذلك يزيد في رفعتهم. # وكذلك لذة الخلوة والتعبد. فهذا معروف، كان منفردا بربه طيب العيش معه ~~لذيذ الخلوة به. # ثم قد مات منذ نحو أربعمائة سنة فما يخلو أن يهدي إليه كل يوم ما تقدير ~~مجموعة أجزاء من القرآن. # وأقله من يقل على قبره فيقرأ: " قل هو الله أحد " ، ويهديها له. ~~والسلاطين تقف بين يدي قبره ذليلة. # هذا بعد الموت، ويوم الحشر تنشر الكرامات التي لا توصف، وكذلك قبور ~~العلماء المحققين. # ولما بليت أقوام بمخالطة الأمراء أثر ذلك التكدير في أحوالهم كلها. # فقال سفيان بن عيينة منذ أخذت من مال فلان الأمير منعت ما كان وهب لي من ~~فهم القرآن. # وهذا أبو يوسف القاضي لا يزور قبره اثنان. # فالصبر عن مخالطة الأمراء وإن أوجب ضيق العيش من وجه يحصل طيب العيش من ~~جهات. # ومع التخليط لا يحصل مقصود. فمن عزم جزم. # كان أبو الحسن القزويني لا يخرج من بيته إلا وقت الصلاة، فربما جاء ~~السلطان فيقعد لانتظاره ليسلم عليه. # ومد النفس في هذا ربما أضجر السامع، ومن ذاق عرف. # فصل التزام الجادة # من عرف الشرع كما ينبغي وعلم الرسول صلى الله عليه وسلم وأحوال الصحابة ~~وأكابر العلماء علم أن أكثر الناس على غير الجادة. # وإنما يمشون مع العادة، يتزاورون فيغتاب بعضهم بعضا، ويطلب كل واحد منهم ~~عورة أخيه، ويحسده إن كانت نعمة، ويشمت به إن كانت مصيبة، ويتكبر عليه إن ~~نصح له، ويخادعه لتحصيل شيء من الدنيا، ويأخذ عليه العثرات إن أمكن. # هذا كله يجري بين المنتمين إلى الزهد لا الرعاع. # فالأولى بمن عرف الله سبحانه، وعرف الشرع، وسير السلف الصالحين الانقطاع ~~عن الكل. # فإن اضطر إلى لقاء منتسب إلى العلم والخير تلقاه وقد لبس درع الحذر، ولم ~~يطل معه الكلام، ms198 ثم عجل الهرب منه إلى مخالطة الكتب التي تحوي تفسيرا لنطاق ~~الكمال. # فصل كمال الخلق # الكمال عزيز. والكامل قليل الوجود. # فأول أسباب الكمال تناسب أعضاء البدن وحسن صورة الباطن. # فصورة البدن تسمى خلقا، وصورة الباطن تسمى خلقا. # ودليل كمال صورة البدن حسن الصمت، واستعمال الأدب. # ودليل صورة الباطن حسن الطبائع والأخلاق. # فالطبائع العفة، والنزاهة، والأنفة من الجهل، ومباعدة الشره. # والأخلاق الكرم، والإيثار، وستر العيوب، وابتداء المعروف، والحلم عن ~~الجاهل. # فمن رزق هذه الأشياء رقته إلى الكمال، وظهر عنه أشرف الخلال، وإن نقصت ~~خلة أوجبت النقص. # فصل لا بد من الابتلاء # ليس في الدنيا أبله ممن يريد معاملة الحق سبحانه على بلوغ الأغراض. # فأين تكون البلوى إذن ؟. # لا والله، لا بد من انعكاس المرادات ومن توقف أجوبة السؤالات، ومن تشفي ~~الأعداء في أوقات. PageV01P096 فأما من يريد أن تدم له السلامة والنصر على ~~من يعاديه، والعافية من غير بلاء، فما عرف التكليف، ولا فهم التسليم. # أليس الرسول صلى الله عليه وسلم ينصر يوم بدر ثم يجري عليه ما يجري يوم ~~أحد. # أليس يصد عن البيت ويقهر بعد ذلك. # فلا بد من جيد ورديء، والجيد يوجب الشكر، والرديء يحرك إلى السؤال ~~والدعاء. # فإن امتنع الجواب، أريد نفوذ البلاء، والتسليم للقضاء. # وههنا يبين الإيمان، ويظهر في التسليم جواهر الرجال. # فإن تحقق التسليم باطنا وظاهرا فذلك شأن الكامل. # وإن وجد في الباطن انعصار من القضاء لا من المقتضى فإن الطبع لا بد أن ~~ينفر من المؤذي دل على ضعف المعرفة. # فإن خرج الأمر إلى الاعتراض باللسان، فتلك حال الجهال نعوذ بالله منها. # فصل لا بد من التصبر # من الابتلاء العظيم إقامة الرجل في غير مقامه. مثل أن يحوج الرجل الصالح ~~إلى مداراة الظالم والتردد إليه، وإلى مخالطة من لا يصلح، وإلى أعمال لا ~~تليق به أو إلى أمور تقطع عليه مراده الذي يؤثره. # فقد يقال للعالم: تردد على الأمير وإلا خفنا عليك سطوته، فيتردد فيرى ما ~~لا يصلح له ولا يمكنه أن ينكر. # أو يحتاج ms199 إلى شيء من الدنيا وقد منع حقه، فيحتاج أن يعرض بذكر ذلك، أو ~~يصرح لينال بعض حقه، ويحتاج إلى مداراة من تصعب مداراته، بل تتشتت همته ~~لتلك الضرورات. # وكذلك يفتقر إلى الدخول في أمور لا تليق به، مثل أن يحتاج إلى الكسب ~~فيتردد إلى السوق أو يخدم من يعطيه أجرته. # وهذا لا يحتمله قلب المراقب لله سبحانه لأجل ما يخالطه من الأكدار. # أو يكون له عائلة وهو فقير فيتفكر في إغنائهم، فيدخل في مداخل كلها عنده ~~عظيمة. # وقد يبتلى بفقد من يحب، أو ببلاء في بدنه، أو بعكس أغراضه وتسليط معاديه ~~عليه، فيرى الغاسق يقهره. والظالم يذله. # وكل هذه الأشياء تكدر عليه العيش، وتكاد تزلزل القلب. # وليس في الابتلاء بقوة الأشياء إلا التسليم واللجأ إلى القدر في الفرج. # يرى الرجل المؤمن الحازم يثبت لهذه العظائم، ولا يتغير قلبه، ولا ينطق ~~بالشكوى لسانه. # أو ليس الرسول صلى الله عليه وسلم يحتاج أن يقول: من يواريني من ينصرني. ~~ويفتقر إلى أن يدخل مكة في جوار كافر. # ويشق السلى على ظهره وتقتل أصحابه، ويداري المؤلفة، ويشتد جوعه وهو ساكن ~~لا يتغير. # وما ذاك إلا أنه علم أن الدنيا دار ابتلاء، لينظر الله فيها كيف تعملون. # ومما يهون هذه الأشياء علم العبد بالأجر، وإن ذلك مراد الحق. # فما لجرح إذا أرضاكم ألم. # فصل داء الحرص عند العارفين # لا ينكر أن الطباع تحب المال، لأنه سبب بقاء الأبدان، لكنه يزيد حبه في ~~بعض القلوب حتى يصير محبوبا لذاته للتوصل به إلى المقاصد. # فترى البخيل يحمل على نفسه العجائب، ويمنعها اللذات، وتصير لذاته في جمع ~~المال. وهذه جبلة في خلق كثير. # وليس العجب أن تكون في الجهال وينبغي أن يؤثر فيها عند العلماء المجاهدة ~~للطبع ومخالفته، خصوصا في الأفعال اللازمة في جمع المال. # فأما أن يكون العالم جامعا للمال من وجوه قبيحة ومن شبهات قوية وبحرص ~~شديد وبذل في الطلب، ثم يأخذ من الزكوات ولا تحل له مع الغنى، ثم يدخره ولا ~~ينفع به، فهذه بهيمية ms200 تخرج عن صفات الآدمية. # بل البهيمية أعذر، لأنها بالرياضة تتغير طباعها، وهؤلاء ما غيرتهم رياضة، ~~ولا أفادهم العلم. # ولقد كان أبو الحسن البسطامي مقيما في رباط البسطامي الذي على نهر عيسى، ~~وكان لا يلبس إلا الصوف شتاء وصيفا، وكان يحترم ويقصد، فخلف ما لا يزيد على ~~أربعة آلاف دينار. # ورأينا بعض أشياخنا وقد بلغ الثمانين وليس له أهل ولا ولد، وقد مرض فألقى ~~نفسه عند بعض أصدقائه يتكلف له ذلك الرجل ما يشتهيه وما يشفيه، فمات فخلف ~~أموالا عظيمة. # ورأينا صدقة بن الحسين الناسخ، وكان على الدوام يذم الزمان وأهله، ويبالغ ~~في الطلب من الناس ويتجفف وهو في المسجد وحده ليس له من يقوم بأمره، فمات ~~فخلف فيما قيل ثلاث مائة دينار. # وكان يصحبنا أبو طالب بن المؤيد الصوفي. وكان يجمع المال، فسرق منه نحو ~~مائة دينار، فتلهف عليها وكان ذلك سبب هلاكه. # ومن أحوال الناس أنك ترى أقواما جلسوا على صفة القوم يطلبون الفتوح، ~~فيأتيهم منها الكثير الذي يصيرون به من الأغنياء، وهم لا يمتنعون من أخذ ~~زكاة ولا من طلب. PageV01P097 وكذلك القصاص، يخرجون إلى البلاد ويطلبون، ~~فيحصل لهم المال الكثير، فلا يتركون الطلب عادة. # فيا سبحان الله. أي شيء أفاد العلم. بل الجهل كان لهؤلاء أعذر. # ومن أقبح أحوالهم لزومهم الأسباب التي تجلب لهم الدنيا من التخاشع ~~والتنسك في الظاهر، وملازمة حث العزلة عن المخالطة، وكل هؤلاء بمعزل عن ~~الشرع. # ولقد تأملت على بعضهم من القدح في نظيره إلى أن يبلغ به إلى التعرض به ~~للهلاك. # فالويل لهم، ما أقل ما يتمتعون بظواهر الدنيا، وإن كان مقلب القلوب قد ~~صرف القلوب عن محبتهم، لأن الحق عز وجل لا يميل بالقلوب إلا إلى المخلصين. # فقد فاتتهم الدنيا على الحقيقة، وما حصلوا إلا صورة الحطام. # نسأل الله عز وجل عقلا يدبر دنيانا، ويحصل لنا آخرتنا، والرزاق قادر. # فصل قليل ما هم # ينبغي لمن عرف شرف الوجود أن يحصل أفضل الموجود. # هذا العمر موسم. والتجارات تختلف. والعامة تقول: عليكم بما خف ms201 حمله وكثر ~~ثمنه. # فينبغي للمستيقظ أن لا يطلب إلا الأنفس. # وأنفس الأشياء في الدنيا معرفة الحق عز وجل. # فمن العارفين السالكين من وافى في طريقه بغيته في السفر، ومنهم من همته ~~متعلقة بطلب ربحه، ومنهم من ينظر إلى ما يرضى الحبيب فيجلبه إلى بلد ~~المعاملة، ويرضي بالقبول ثمنا، ويرى أن كل البضائع لا تفي بحق الحفاوة. # ومنهم من يرى لزوم الشكر في اختياره هذا السلوك دون غيره فيقر بالعجز. # وقد ارتفع قوم عن هذه الأحوال، فرأوا مجرد التوفيق يشغلهم عن النظر إلى ~~العمل. # أولئك الأقلون عددا وإن الأعظمين قدرا أقل نسلا من عنقاء مغرب. # فصل أيها الشيوخ استعدوا للرحيل # من علم قرب الرحيل عن مكة استكثر من الطواف خصوصا إن كان لا يؤمل العود ~~لكبر سنه وضعف قوته. # فكذلك ينبغي لمن قاربه ساحل الأجل بعلو سنه أن يبادر اللحظات، وينتظر ~~الهاجم بما يصلح له. # فقد كان في قوس الأجل منزع زمان الشباب، واسترخى الوتر في المشيب عن سية ~~القوس. فانحدر إلى القاب وضعفت القوى. # وما بقي إلا الاستسلام لمحارب التلف، فالبدار البدار إلى التنظيف ليكون ~~القدوم على طهارة. # وأي عيش في الدنيا يطيب لمن أيامه السلمية تغذ به إلى الهلاك، وصعود عمره ~~نزول عن الحياة، وطول بقائه نقص مدى المدة، فليتفكر فيما بين يديه، وهو أهم ~~مما ذكرناه. # أليس في الصحيح: ما منكم أحد إلا ويعرض عليه مقعده بالغداة والعشي من ~~الجنة والنار فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله. # فواأسفا لمهدد، لم يحسن التأهب، ويا طيب عيش الموعود بأزيد المنى. # وليعلم من شارف السبعين، أن النفس أنين، أعان الله من قطع عقبة العمر على ~~رمل زرود الموت. # فصل سير الرسول مثل أعلى # من أراد أن يعلم حقيقة الرضى عن الله عز وجل في أفعاله، وأن يدري من أين ~~ينشأ الرضى، فليفكر في أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فإنه لما تكاملت معرفته بالخالق سبحانه رأى أن الخالق مالك، وللمالك ~~التصرف في مملوكه، ورآه حكيما لا يصنع شيئا عبثا، فسلم ms202 تسليم مملوك لحكيم، ~~فكانت العجائب تجري عليه ولا يوجد منه تغير، ولا من الطبع تأفف. # ولا يقول بلسان الحال: لو كان كذا، بل يثبت للأقدار ثبوت الجبل لعواصف ~~الرياح. # هذا سيد الرسل صلى الله عليه وسلم بعث إلى الخلق وحده، والكفر قد ملأ ~~الآفاق، فجعل يفر من مكان إلى مكان، واستتر في دار الخيزران، وهم يضربونه ~~إذا خرج، ويدمون عقبه وشق السلى على ظهره وهو ساكت ساكن. # ويخرج كل موسم فيقول: من يؤويني من ينصرني ؟. # ثم خرج من مكة فلم يقدر على العود إلا في جوار كافر، ولم يوجد من الطبع ~~تأنف، ولا من الباطن اعتراض. # إذا لو كان غيره لقال: يا رب أنت مالك الخلق، واقدر على النصر، فلم أذل ~~؟. # كما قال عمر رضي الله عنه يوم صلح الحديبية: ألسنا على الحق ؟ فلم. نعطي ~~الدنية في ديننا؟. # ولما قال هذا، قال له رسول صلى الله عليه وسلم: إني عبد الله ولن يضيعني، ~~فجمعت الكلمتان الأصلين اللذين ذكرناهما. # فقوله: إني عبد الله، إقرار بالملك وكأنه قال: أنا مملوك يفعل بي ما ~~يشاء. # وقوله: لن يضيعني بيان حكمته، وأنه لا يفعل شيئا عبثا. # ثم يبتلى بالجوع فيشد الحجر، ولله خزائن السموات والأرض. # وتقتل أصحابه، ويشج وجهه، وتكسر رباعيته، ويمثل بعمه وهو ساكت. ~~PageV01P098 ثم يرزق ابنا ويسلب منه فيتعلل بالحسن والحسين فيخبر بما سيجري ~~عليهما. # ويسكن بالطبع إلى عائشة رضي الله عنها فينغص عيشه بقذفها. # ويبالغ في إظهار المعجزات فيقام في وجهه مسيلمة والعنسي وابن صياد. # ويقيم ناموس الأمانة والصدق، فيقال: كذاب ساحر. # ثم يعلقه المرض كما يوعك رجلان وهو ساكن ساكت. # فإن أخبر بحاله فليعلم الصبر. # ثم يشدد عليه الموت، فيسلب روحه الشريفة وهو مضطجع في كساء ملبد وإزار ~~غليظ، وليس عندهم زيت يوقد به المصباح ليلتئذ. # هذا الشيء ما قدر على الصبر عليه كما ينبغي نبي قبله، ولو ابتليت به ~~الملائكة ما صبرت. # هذا آدم عليه السلام يباح له الجنة سوى شجرة فلا يقع ذباب حرصه إلا على ~~الفقر. # ونبينا ms203 صلى الله عليه وسلم يقول في المباح ما لي وللدنيا !. # وهذا نوح عليه السلام يضج مما لاقى، فيصيح من كمد وجده " لا تذر على ~~الأرض من الكافرين ديارا " . ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اهد ~~قدمي فإنهم لا يعلمون. # هذا الكليم موسى صلى الله عليه وسلم، يستغيث عند عبادة قومه العجل ويتوكأ ~~على القدر قائلا: " إن هي إلا فتنتك " ويوجه إليه ملك الموت فيقلع عينه. # وعيسى صلى الله عليه وسلم يقول: إن صرفت الموت عن أحد فاصرفه عني. # ونبينا صلى الله عليه وسلم يخير بين البقاء والموت، فيختار الرحيل إلى ~~الرفيق الأعلى. # هذا سليمان صلى الله عليه وسلم يقول: هب لي ملكا، ونبينا صلى الله عليه ~~وسلم يقول: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا. # هذا والله فعل رجل عرف الوجود والموجد، فماتت أغراضه، وسكنت اعتراضاته ~~فصار هواه فيما يجري. # فصل خداع الشهوات # أكثر شهوات الحس النساء، وقد يرى الإنسان امرأة في ثيابها فيتخايل له ~~أنها أحسن من زوجته. # أو يتصور بفكره المستحسنات وفكره لا ينظر إلا إلى الحسن من المرأة، فيسعى ~~في التزوج والتسري. # فإذا حصل له مراده لم يزل ينظر في عيوب الحاصل التي ما كان يتفكر فيها ~~فيمل ويطلب شيئا آخر. # ولا يدري أن حصول أغراضه في الظاهر ربما اشتمل على محن منها أن تكون ~~الثانية لا دين لها أو لا عقل أو لا محبة لها أو لا تدبير فيفوت أكثر مما ~~حصل. # وهذا المعنى هو الذي أوقع الزناة في الفواحش، لأنهم يجالسون المرأة حال ~~استتار عيوبها عنهم وظهور محاسنها، فتلذ لهم تلك الساعة، ثم ينتقلون إلى ~~أخرى. # فليعلم العاقل أن لا سبيل إلى حصول مراد تام كما يريد: " ولستم بآخذيه ~~إلا أن تغمضوا فيه " . # وما عيب نساء الدنيا بأحسن من قوله عز وجل: " ولهم فيها أزواج مطهرة " . # وذو الأنفة يأنف من الوسخ صورة، وعيب الخلق معنى. # فليقنع بما باطنه الدين، وظاهره الستر والقناعة. فإنه يعيش مرفه السر، ~~طيب القلب. ومتى ما استكثر، فإنما يستكثر من شغل ms204 قلبه ورقة دينه. # فصل أصناف الناس # سبحان من شغل كل شخص بفن لتنام العيون في الدنيا. # فأما في العلوم فحبب إلى هذا القرآن، وإلى هذا الحديث وإلى هذا النحو، إذ ~~لولا ذلك ما حفظت العلوم. # وألهم هذا المتعيش أن يكون خبازا، وهذا أن يكون هراسا، وهذا أن ينقل ~~الشوك من الصحراء، وهذا أن ينقي البثار ليلتئم الخلق. # ولو ألهم أكثر الناس أن يكونوا خبازين مثلا، بات الخبز وهلك، أو هراسين ~~جفت الهرايس، بل يلهم هذا وذاك بقدر لينتظم أمر الدنيا وأمر الآخرة. # ويندر من الخلق من يلهمه الكمال وطلب الأفضل، والجمع بين العلوم ~~والأعمال، ومعاملات القلوب، وتتفاوت أرباب هذه الحال. # فسبحان من يخلق ما يشاء ويختار. # نسأله العفو إن لم يقع الرضى، والسلامة إن لم نصلح للمعاملة. # فصل أساس الدين # علم الحديث هو الشريعة، لأنه مبين للقرآن وموضح للحلال والحرام، وكاشف عن ~~سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسير أصحابه. # وقد مزجوه بالكذب، وأدخلوا في المنقولات كل قبيح. # فإذا وفق الزاهد والواعظ لم يذكروا إلا ما شهدا بصحته. # وإن حرما التوفيق، عمل الزاهد بكل حديث يسمعه لحسن ظنه بالرواة، وقال ~~الواعظ كل شيء يراه الجهلة بالتصحيح، ففسد أحوال الزاهد، وانحرف عن جادة ~~الهدى. وهو لا يعلم. PageV01P099 وكيف لا وعموم الأحاديث الدالة على الزهد ~~لا تثبت، مثل حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أيما أمرىء مسلم اشتهى شهوة فرد ~~شهوته وآثر على نفسه غفر له. وهذا حديث موضوع، يمنع الإنسان ما أبيح له مما ~~يتقوى به على الطاعة. # ومثل قوله: من وضع ثيابا حسانا، وكذلك ما رووا أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قدم له أدمان فقال: أدمان في قدح، لا حاجة لي فيه، أكره أن ~~يسألني الله عن فضول الدنيا. # وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل البطيخ بالرطب، ومثل ~~هذا إذا تتبع كثير، فقد بنوا على فساد، ففسدت أحوال الواعظ والموعوظ، لأنه ~~يبني كلامه على أشياء فاسدة ومحالات. # ولقد كان جماعة من المتزهدين يعملون على ms205 أحاديث ومنقولات لا تصح، فيضيع ~~زمانهم في غير المشروع. # ثم ينكرون على العلماء استعمالهم للمباحات، ويرون أن التجفف هو الدين. # وكذلك الوعاظ يحدثون الناس بما لا يصح عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا ~~أصحابه فقد صار المحال عندهم شريعة. # فسبحان من حفظ هذه الشريعة بأخبار أخيار ينفون عنها تحريف الغالين، ~~وانتحال المبطلين. # فصل درجات الحديث في مسند الإمام أحمد # كان قد سألني بعض أصحاب الحديث: هل في مسند أحمد ما ليس بصحيح ؟ فقلت: ~~نعم. # فعظم ذلك على جماعة ينسبون إلى المذهب فحملت أمرهم على أنهم عوام، وأهملت ~~فكر ذلك. # وإذا بهم قد كتبوا فتاوي، فكتب فيها جماعة من أهل خراسان، منهم أبو ~~العلاء الهمداني يعظمون هذا القول، ويردونه ويقبحون قول من قاله. # فبقيت دهشا متعجبا، وقلت في نفسي: واعجبا صار المنتسبون إلى العلم عامة ~~أيضا. # وما ذاك إلا أنهم سمعوا الحديث ولم يبحثوا عن صحيحة وسقيمه، وظنوا أن من ~~قال ما قلته قد تعرض للطعن فيما أخرجه أحمد. # وليس كذلك فإن الإمام أحمد روى المشهور والجيد والرديء. # ثم هو قد رد كثيرا مما روى ولم يقل به ولم يجعله مذهبا له. # أليس هو القائل في حديث الوضوء بالنبيذ مجهول !. # ومن نظر في كتاب العلل الذي صنفه أبو بكر الخلال رأى أحاديث كثيرة كلها ~~في المسند، وقد طعن فيها أحمد. # ونقلت من خط القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء في مسألة النبيذ قال: ~~إنما روى أحمد في مسنده ما اشتهر، ولم يقصد الصحيح ولا السقيم. # ويدل على ذلك أن عبد الله قال قلت لأبي: ما تقول في حديث ربعي بن حراس عن ~~حذيفة ؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبي داود ؟ قلت: نعم. # قال: الأحاديث بخلافه. قلت: فقد ذكرته في المسند. قال قصدت في المسند ~~المشهور، فلو أردت أن أقصد ما صح عندي لم أرد لهذا المسند إلا الشيء بعد ~~الشيء اليسير. # ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث، لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم ~~يكن في ms206 الباب شيء يدفعه. # قال القاضي - وقد أخبر عن نفسه - كيف طريقه في المسند فمن جعله أصلا ~~للصحة فقد خالفه وترك مقصده. # قلت: قد غمني في هذا الزمان أن العلماء لتقصيرهم في العلم صاروا كالعامة، ~~وإذا مر بهم حديث موضوع قالوا قد روي. # والبكاء ينبغي أن يكون على خساسة الهمم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # فصل أتباع شهوات بهيمية # بلغني عن بعض فساق القدماء أنه كان يقول: ما أرى العيش غير أن تتبع النفس ~~هواها فمخطئا أو مصيبا. # فتدبرت حال هذا وإذا به ميت النفس، ليس له أنفة على عرضه ولا خوف عار. # ومثل هذا ليس في مسلاخ الآدميين، فإن الإنسان قد يقدم على القتل لئلا ~~يقال جبان. ويحمل الأثقال ليقال ما قصر. ويخاف العار فيصبر على كل آفة من ~~الفقر، وهو يستر ذلك حتى لا يرى بعين ناقصة. # حتى إن الجاهل إذا قيل له يا جاهل غضب. واللصوص المتهيئون للحرام إذا قال ~~أحدهم للآخر لا تتكلم، فإن أختك تفعل وتصنع، أخذته الحمية فقتل الأخت. # ومن له نفس لا يقف في مقام تهمة لئلا يظن به. # فأما من لا يبالي أن يرى سكران، ولا يهمه أن شهر بين الناس، ولا يؤلمه ~~ذكر الناس له بالسوء فذاك في عداد البهائم. # وهذا الذي يريد أن يتبع النفس هواها لا يلتذ به لأنه لا يخاف عنتا ولا ~~لوما، ولا يكون له عرض يحذر عليه، فهو بهيمة في مسلاخ إنسان. # وإلا فأي عيش لمن شرب الخمر، وأخذ عقيب ذلك وضرب وشاع في الناس ما قد فعل ~~به. # أما يفي ذلك باللذة، لا ؟ بل يربو عليها أضعافا. PageV01P100 وأي عيش لمن ~~ساكن الكسل إذا رأى أقرانه قد برزوا في العلم وهو جاهل. # أو استغنوا بالتجارة وهو فقير، فهل يبقى للالتذاذ بالكسل والراحة معنى ؟. # ولو تفكر الزاني في الأحدوثة عنه، أو تصور أخذ الحد منه، لكف الكف. # غير أنه يرى لذة حاضرة كأنها لمع برق، ويا شؤم ما أعقبت من طول الأسى. # هذا كله في ms207 العاجل. فأما الآجل فمنغصة العذاب دائمة، " والذين آمنوا ~~مشفقون منها " . # نسأل الله أنفة من الرذائل وهمة في طلب الفضائل إنه قريب مجيب. # فصل عواقب الخطايا # قد تبغت العقوبات، وقد يؤخرها الحلم. # والعاقل من إذا فعل خطيئة بادرها بالتوبة، فكم مغرور بإمهال العصاة لم ~~يمهل. # وأسرع المعاصي عقوبة ما خلا عن لذة تنسي النهي، فتكون تلك الخطيئة ~~كالمعاندة والمبارزة. # فإن كانت توجب اعتراضا على الخالق أو منازعة له في عظمته، فتلك التي لا ~~تتلافى. # خصوصا إن وقعت من عارف بالله، فإنه يندر إهماله. # قال عبد المجيد بن عبد العزيز: كان عندنا بخراسان رجل كتب مصحفا في ثلاثة ~~أيام فلقيه رجل فقال: في كم كتبت هذا ؟. فأومأ بالسبابة والوسطى والإبهام ~~وقال: في ثلاث " وما مسنا من لغوب " فجفت أصابعه الثلاث، فلم ينتفع بها ~~فيما بعد. # وخطر لبعض الفصحاء أن يقدر أن يقول مثل القرآن، فصعد إلى غرفة فانفرد ~~فيها، وقال: أمهلوني ثلاثا، فصعدوا إليه بعد الثلاث ويده قد يبست على القلم ~~وهو ميت. # قال عبد الحميد: ورأيت رجلا كان يأتي امرأته حائضا، فحاض، فلما كثر الأمر ~~به تاب فانقطع عنه. # ويلحق هذا أن يعير الإنسان شخصا بفعل، وأعظمه أن يعيره بما ليس إليه، ~~فيقول يا أعمى، ويا قبيح الخلقة. # وقال ابن سيرين: عيرت رجلا بالفقر فحبست على دين، وقد تتأخر العقوبة ~~وتأتي في آخر العمر. # فيا طول التعثير مع كبر السن لذنوب كانت في الشباب. # فالحذر الحذر من عواقب الخطايا والبدار البدار إلى محوها بالإنابة. # فلها تأثيرات قبيحة إن أسرعت وإلا اجتمعت وجاءت. # فصل فضل التعفف # اعلم أن الآدمي قد خلق لأمر عظيم... وهو مطالب بمعرفة خالقه بالدليل، ولا ~~يكفيه التقليد. وذلك يفتقر إلى جمع الهم في طلبه. # وهو مطالب بإقامة المفروضات، واجتناب المحارم. فإن سمت همته إلى طلب ~~العلم احتاج إلى زيادة جمع الهم. # فأسعد الناس من له قوت دار بقدر الكفاية، لا من منن الناس وصدقاتهم، وقد ~~قنع به. # وأما إذا لم يكن له قوت يكفي فالهم الذي يريد اجتماعه ms208 في تلك الأمور ~~يتشتت ويصير طالبا للتحليل في جمع القوت. # فيذهب العمر في تصحيل قوت البدن الذي يريد من بقائه غير بقائه، ويفوت ~~المقصود ببقائه، وربما احتاج إلى الأنذال، قال الشاعر: # حسبي من الدهر ما كفاني ... يصون عرضي عن الهوان # مخافة أن يقول قوم ... فضل فلان على فلان # فينبغي للعاقل أن إذا رزق قوتا أو كان له مواد أن يحفظها ليتجمع همه، ولا ~~ينبغي أن يبذر في ذلك فإنه يحتاج فيتشتت همه. # والنفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت، فإن لم يكن له مال اكتسب بقدر كفايته ~~وقلل الغلو ليجمع بين همه وضرورته. # وليقنع بالقليل، فإنه متى سمت همته إلى فضول المال وقع المحذور من ~~التشتت، لأن التشتت في الأول للعدم، وهذا التشتت يكون للحرص على الفضول ~~فيذهب العمر على البارد: # ومن ينفق الأيام في حفظ ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر # فافهم هذا يا صاحب الهمة في طلب الفضائل، فإنك ما لم تعزل قوت الصبيان ~~شتتوا قلبك، وطبعك طفل. ففرغ همك من استعانته. # واعرف قدر شرف المال الذي أوجب جمع همك، وصان عرضك عن الخلق. # وإياك أن يحملك الكرم على فرط الإخراج، فتصير كالفقير المتعرض لك بالتعرض ~~لغيرك. # وفي الحديث أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى عليه آثار ~~الفقر، فعرض به فأعطى شيئا. فجاء فقير آخر فأثره الأول ببعض ما أعطى، فرماه ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ونهاه عن مثل ذلك. # والقناعة بما يكفي، وترك التشوف إلى الفضول أصل الأصول. # ولما آيس الإمام أحمد بن حنبل نفسه من قبول الهدايا والصلات اجتمع همه. ~~وحسن ذكره. ولما أطمعها ابن المديني وغيره سقط ذكره. # ثم فيمن ! إنما هو سلطان جائز، أو مزك منان ؟ أو صديق مدل بما يعطي. ~~والعز ألذ من كل لذة، والخروج عن ربقة المنن ولو بسف التراب أفضل. ~~PageV01P101 فصل التجمل مع الناس # قد ركب في الطباع حب التفضيل على الجنس فما أحد إلا وهو يحب أن يكون أعلى ~~درجة من غيره. # فإذا وقعت نكبة أوجبت نزوله ms209 عن مرتبة سواه، فينبغي أن يتجلد بستر تلك ~~النكبة، لئلا يرى بعين نقص. # وليتجمل المتعفف حتى لا يرى بعين الرحمة، وليتحامل المريض لئلا يشمت به ~~ذو العافية. # وقد قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين قدومه مكة وقد أخذتهم الحمى فخاف ~~أن يشمت بهم الأعداء حين ضعفهم عن السعي، فقال: رحم الله من أظهر من نفسه ~~الجلد، فيرملوا - والرمل شدة السعي - . # وزال ذلك السبب وبقي الحكم، ليتذكر السبب فيفهم معناه. # واستأذنوا على معاوية وهو في الموت، فقال لأهله أجلسوني، فقعد متمكنا ~~يظهر العافية، فلما خرج العواد أنشد: # وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع # وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع # وما زال العقلاء يظهرون التجلد عند المصائب والفقر والبلاء، لئلا يتحملوا ~~مع النوائب شماتة الأعداء، وإنها لأشد من كل نائبة. # وكان فقيرهم يظهر الغنى، ومريضهم يظهر العافية. # بلى، ثم نكتة ينبغي التفطن لها، ربما أظهر الإنسان كثرة المال وسبوغ ~~النعم، فأصابه عدوه بالعين فلا يفي ما تبجح به بما يلاقي من انعكاس النعمة. # والعين لا تصيب إلا ما يستحسن، ولا يكفي الاستحسان في إصابة العين حتى ~~يكون من حاسد، ولا يكفي ذلك حتى يكون من شرير الطبع. # فإذا اجتمعت هذه الصفات خيف من إصابة العين، فليكن الإنسان مظهرا للتجمل ~~مقدار ما يأمن إصابة العين ويعلم أنه في خير. # وليحذر الإفراط في إظهار النعم، فإن العين هناك محذورة. # وقد قال يعقوب لبنيه عليهم السلام: " لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من ~~أبواب متفرقة " . # وإنما خاف عليهم العين فليفهم هذا الفصل فإنه ينفع من له تدبر. # فصل مثال أهل العمل ومراتب الجنة # إنما خلقنا لنحيا مع الخالق في معرفته ومحادثته ورؤيته في البقاء الدائم. # وإنما ابتدىء كوننا في الدنيا لأنها في مثال مكتب نتعلم فيه الخط والأدب ~~ليصلح الصبي عند بلوغه للرتب. # فمن الصبيان بعيد الذهن يطول مكثه في الكتب ويخرج وما فهم شيئا. # وهذا مثال من لا يعلم وجوده، ولا نال المراد من كونه. # ومن الصبيان من ms210 يجمع مع بعد ذهنه، وقلة فهمه وعدم تعلمه أذى الصبيان، فهو ~~يؤذيهم. ويسرق مطاعمهم، ويستغيثون من يده، فلا هو صلح، ولا فهم، ولا كف عن ~~الشر. # وهذا مثل أهل الشر والمؤذيين. # ومن الصبيان من علق بشيء من الخط لكنه ضعيف الاستخراج، رديء، الكتابة، ~~فخرج ولم يعلق إلا بقدر ما يعلق به حساب معاملته. # وهذا مثل من فهم بعض الشيء وفاتته الفضائل التامة. # ومنهم من جود الخط ولم يتعلم الحساب، وأتقن الآداب حفظا، غير أنه قاصر في ~~أدب النفس، فهذا يصلح أن يكون كاتبا للسلطان على مخاطرة لسوء ما في باطنه ~~من الشره وقلة التأدب. # ومنهم من سمت همته إلى المعالي الكاملة، فهو مقدم الصبيان في المكتب ~~ونائب عن معلمهم، ثم يرتفع عنهم بعزة نفسه، وأدب باطنه، وكمال صناعة الآداب ~~الظاهرة. # ولا يزال حاث من باطنه يحثه على تعجيل التعلم، وتحصيل كل فضيل لعلمه أن ~~المكتب لا يراد لنفسه بل لأخذ الأدب منه، والرحلة إلى حالة الرجولية ~~والتصوف فهو يبادر الزمان في نيل كل فضيلة. # فهذا مثل المؤمن الكامل يسبق الأقران يوم التجاريب، ويعرض لوح عمله جيد ~~الخط، فيقول بلسان حاله " هاؤم اقرؤا كتابيه " . # وكذلك الدنيا وأهلها. من الناس هالك بعيد عن الحق وهم الكفار. # ومنهم خاطىء مع قليل من الإيمان فهو معاقب والمصير إلى خير. # ومنهم سليم لكنه قاصر. # ومنهم تام لكنه بالإضافة إلى من دونه، وهو ناقص بإضافة إلى من فوقه. # فالبدار البدار يا أرباب الفهوم فإن الدنيا معبر إلى دار إقامة، وسفر إلى ~~المستقر والقرب من السلطان ومجاورته فتهيئوا للمجالسة، واستعدوا للمخاطبة، ~~وبالغوا في استعمال الأدب لتصلحوا للقرب من الحضرة. # ولا يشغلنكم عن تضمير الخيل تكاسل، وليحملكم على الجد في ذلك تذكركم يوم ~~السباق. # فإن قرب المؤمنين من الخالق على قدر حذرهم في الدنيا. # ومنازلهم على قدرهم، فما منزل النفاط كمنزل الحاجب، ولا منزل الحاجب ~~كمكان الوزير. PageV01P102 جنتان، من ذهب آنيتهما وما فيهما. وجنتان من فضة ~~آنيتهما وما فيهما، والفردوس الأعلى لآخرين. # والذين في أرض الجنة ينظرون أهل ms211 الدرجات كما يرون الكوكب الدري. # فليتذكر الساعي حلاوة التسليم إلى الأمين. # وليتذكر في لذاذة المدح يوم السباق. وليحذر المسابق من تقصير لا يمكن ~~استدراكه. # وليخف من عيب يبقى قبح ذكره. # هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن أزرى بهم اتباع الهوى ثم لحقتهم العافية ~~فنجوا بعد لأي، فليتعظ وليصبر عن المشتهى، فالأيام قلائل. # يدخل فقراء المؤمنين قبل الأغنياء إلى الجنة بخمس مائة عام، فالجد الجد، ~~بإقدام المبادرة. # فقد لاح العلم خصوصا لمن بانت له بانة الوادي، إما بالعلم الدال على ~~الطريق، وإما بالشيب الذي هو علم الرحيل وهو ما يأمله أهل الجد. # وكان الجنيد يقرأ وقت خروج روحه، فيقال له في هذا الوقت ! فيقول أبادر طي ~~صحيفتي. # وبعد هذا، فالمراد موفق، والمطلوب معان. وإذا أدرك لأمر هيأك له. # فصل اختلاف المعادن والمراتب # تأملت حالة عجيبة، وهو أن أهل الجنة الساكنين في أرضها في نقص عظيم ~~بالإضافة إلى من فوقهم، وهم يعلمون فضل أولئك. # فلو تفكروا فيما فاتهم من ذلك وقعت الحسرات، غير أن ذلك لا يكون، لأن ذلك ~~لا يقع لهم لطيب منازلهم، ولا يقع في الجنة غم. # ويرضى كل بما أعطى من وجهين، أحدهما أنه لا يظن أن يكون نعيم فوق ما هو ~~فيه، وإن علت منزلة غيره، والثاني أنه يحبب إليه كما ولده المستوحش الخلقة، ~~فإنه يؤثره على الأجنبي المستحسن. # إلا أن تحت هذا معنى لطيفا، وهو أن القوم خلقت لهم همم قاصرة في الدنيا ~~عن طلب الفضائل، ثم يتفاوت قصورها. # فمنهم من يحفظ بعض القرآن ولا يتوق إلى التمام. ومنهم من يسمع يسيرا من ~~الحديث. ومنهم من يعرف قليلا من الفقه، ومنهم من قد رضي من كل شيء بيسيره، ~~ومنهم مقتصر على الفرائض: ومنهم قنوع بصلاة ركعتين في الليلة ولو علت بهم ~~الهمم لجدت في تحصيل كل الفضائل، ونبت عن النقص فاستخدمت البدن كما قال ~~الشاعر: # ولكل جسم في النحول بلية ... وبلاء جسمي من تفاوت همتي # ويدل على تفاوت الهمم أن في الناس من يسهر في سماع سمر ولا يسهل ms212 عليه ~~السهر في سماع القرآن. # والإنسان يحشر ومعه تلك الهمة، فيعطى على مقدار ما حصلت في الدنيا، فكما ~~لم تتق إلى الكمال وقنعت بالدون قنعت في الآخرة بمثل ذلك. # ثم إن القوم يتفكرون بعقولهم، فيعلمون أن الجزاء على قدر العمل، ولا يطمع ~~من صلى ركعتين في ثواب من صلى ألفا. # فإن قال قائل فكيف يتصور لها ألا تروم ما ناله من هو أفضل منها !. # قلت: إن لم يتصور نيله يتصور الحزن على فوته. # وهل رأيت عاميا يحزن على فوات الفقه حزنا يقلقه ! هيهات. # لو كان ذلك الحزن عنده لحركه إلى التشاغل. # فليس عندهم همة توجب الأسف مع أنهم قد رضوا بما فيه. فافهم ما قلته ~~وبادر، فهذا ميدان السباق. # فصل حكمة تعدد الملل # تفكرت في إبقاء اليهود والنصارى بيننا وأخذ الجزية منهم، فرأيت في ذلك ~~حكما عجيبة. # منها ما قد ذكر أن الإسلام كان ضعيفا فتقوى بما يؤخذ من جزيتهم. # ومنها ظهور عزه بذلهم إلى غير ذلك مما قد قيل. # ووقع لي فيه معنى عجيب. وهو أن وجودهم وتعبدهم وحفظهم شرع نبيهم صلى الله ~~عليه وسلم دليل على أنه قد كان أنبياء وشرائع وأن نبينا صلى الله عليه وسلم ~~ليس ببدع من الرسل، فقد اجتمعت الجن وهم على إثبات صانع، وإقرار برسل، فبان ~~أننا ما ابتدعنا ما لم يكن. # ثم هم يصبرون على باطلهم، ويؤدون الجزية، فكيف لا نصبر على حق، والدولة ~~لنا. # وفي بقائهم احترام لما كان صحيحا من الدين وليرجع متبصر وليستعمل مفكر. # فصل مشارب أهل العلم # قد ثبت بالدليل شرف العلم وفضله، إلا أن طلاب العلم افترقوا، فكل تدعوه ~~نفسه إلى شيء. # فمنهم من أذهب عمره في القراءات، وذاك تفريط في العلم، لأنه إنما ينبغي ~~أن يعتمد على المشهور منها لا على الشاذ. # وما أقبح القارىء يسأل عن مسألة الفقه وهو لا يدري. # وليس ما شغله عن ذلك إلا كثرة الطرق في روايات القراءات. # ومنهم من يتشاغل بالنحو وعلله فحسب، ومنهم من يتشاغل باللغة فحسب، ومنهم ~~من ms213 يكتب الحديث ويكثر ولا ينظر في فهم ما كتب. # وقد رأينا في مشايخنا المحدثين من كان يسأل عن مسألة في الصلاة فلا يدري ~~ما يقول. PageV01P103 وكذلك القراء، وكذلك أهل اللغة والنحو. # وحدثني عبد الرحمن بن عيسى الفقيه قال حدثني ابن المنصوري قال حضرنا مع ~~أبي محمد بن الخشاب، وكان إمام الناس في النحو واللغة، فتذاكروا الفقه، ~~فقال: سلوني عما شئتم، فقال له رجل: إن قيل لنا رفع اليدين في الصلاة ما هو ~~فماذا نقول، فقال: هو ركن ! فدهشت الجماعة من قلة فقهه. # وإنما ينبغي للعاقل أن يأخذ من كل علم طرفا ثم يهتم بالفقه. # ثم ينظر في مقصود العلوم، وهو المعاملة لله سبحانه والمعرفة به والحب له. # وما أبله من يقطع عمره في معرفة علم النجوم، وإنما ينبغي أن يعرف من ذلك ~~اليسير والمنازل لعلم الأوقات، فأما النظر فيما يدعى أنه القضاء والحكم ~~فجهل محض لأنه لا سبيل إلى علم ذلك حقيقة، وقد جرب فبان جهل مدعيه. # وقد تقع الإصابة في وقت. وعلى تقدير الإصابة لا فائدة فيه إلا التعجيل ~~الغم. # فإن قال قائل: يمكن دفع ذلك فقد سلم أنه لا حقيقة له. # وأبله من هؤلاء من يتشاغل بعلم الكيمياء فإنه هذيان فارغ. وإذا كان لا ~~يتصور قلب الذهب نحاسا لم يتصور قلب النحاس ذهبا. فإنما فاعل هذا مستحل ~~للتدليس على الناس في النقود. هذا إذا صح له مراده. # وينبغي لطالب العلم أن يصحح قصده، إذ فقدان الإخلاص يمنع قبول الأعمال. # وليجتهد في مجالسة العلماء، والنظر في الأقوال المختلفة، وتحصيل الكتب، ~~فلا يخلو كتاب من فائدة. # وليجعل همته للحفظ، ولا ينظر ولا يكتب إلا وقت التعب من الحفظ. # وليحذر صحبة السلطان، ولينظر في منهاج الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة والتابعين، وليجتهد في رياضة نفسه والعمل بعلمه، ومن تولاه الحق ~~وفقه. # فصل هذه الحجب على العقل # طال تعجبي من أقوام لهم أنفة وعندهم كبر زائد في الحد. # خصوصا العرب الذين من كلمة ينفرون، ويحاربون، ويرضون بالقل والذل حتى أن ~~قوما ms214 منهم أدركوا الإسلام فقالوا: كيف نركع ونسجد فتعلونا أستاهنا ؟. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا ~~سجود. # ومع هذه الأنفة يذلون لمن هم خير منه، هذا يعبد حجرا، وهذا يعبد خشبة. # وقد كان قوم يعبدون الخيل والبقر، وإن هؤلاء لأخس من إبليس، فإن إبليس ~~أنف لادعائه الكمال أن يسجد لناقص فقال: " أنا خير منه " وفرعون أنف أن ~~يعبد شيئا أصلا. # فالعجب ذل هؤلاء المفتخرين المتعجبين المتكبرين لحجر أو خشبة. # وإنما ينبغي أن يذل الناقص للكاملين. وقد أشير إلى هذا في ذم الأصنام في ~~قوله تعالى: " ألهم أرجل يمشون بها، أم لهم أيد يبطشون بها، أم لهم أعين ~~يبصرون بها " . # والمعنى أن لكم هذه الآلات المدركة وهم ليس لهم شيء منها، فكيف يعبد ~~الكامل الناقص. # غير أن هوى القوم في متابعة الأسلاف، واستحلاء ما اخترعوه بآرائهم غطى ~~على العقول، فلم تتأمل حقائق الأمور. # ثم غطى الحسد على أقوام فتركوا الحق وقد عرفوه. # فأمية بن أبي الصلت يقر برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقصده ليؤمن به، ~~ثم يعود فيقول: لا أؤمن برسول ليس من ثقيف. # وأبو جهل يقول والله ما كذب محمد قط، ولكن إذا كانت السدانة والحجابة في ~~بني هاشم ثم النبوة فما بقي لنا ؟. # وأبو طالب يرى المعجزات ويقول: إني لأعلم أنك على الحق ولولا أن تعيرني ~~نساء قريش لأقررت بها عينك. # فنعوذ بالله من ظلمة حسد، وغيابة كبر، وحماقة هوى يغطي على نور العقل. ~~ونسأله إلهام الرشد، والعمل بمقتضى الحق. # فصل درجات العابدين # قد سمعنا بجماعة من الصالحين عاملوا الله عز وجل على طريق السلامة ~~والمحبة واللطف فعاملهم كذلك، لأنهم لا يحتمل طبعهم غير ذلك. # ففي الأوائل برخ العابد خرج يستسقي فقال: - مناجيا الله - ما هذا الذي لا ~~نعرفه منك. اسقنا الساعة فسقوا. # وفي الصحابة أنس بن النضر يقول: والله لا تكسر سن الربيع، فجرى الأمر كما ~~قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن من عباد الله من لو ms215 أقسم على الله ~~لأبره. # وهؤلاء قوم غلب عليهم ملاحظة اللطف والرفق، فلطف بهم، وأجروا على ما ~~اعتقدوا. # وهناك أعلى من هؤلاء يسألون فلا يجابون، وهم بالمنع راضون. # ليس لأحدهم انبساط، بل قد قيدهم الخوف، ونكس رؤوسهم الحذر، ولم يروا ~~ألسنتهم أهلا للانبساط، فغاية آمالهم العفو. PageV01P104 فإن انبسط أحدهم ~~بسؤال فلم ير الإجابة عاد على نفسه بالتوبيخ، فقال: مثلك لا يجاب، وربما ~~قال لعل المصلحة في منعي. # وهؤلاء الرجال حقا، والأبله الذي يرى له من الحق أن يجاب، فإن لم يجب ~~تذمر في باطنه كأنه يطلب أجرة عمله، وكأنه قد نفع الخالق بعبادته. # وإنما التعبد حقا من يرضى ما يفعله الخالق، فإن سأل فأجيب رأى ذلك فضلا. # وإن منع رأى تصرف مالك، فلم يجل في قلبه اعتراض بحال. # فصل علماء القشور وعلماء اللباب # رأيت جماعة من العلماء يتفسحون ويظنون أن العلم يدفع عنهم، وما يدرون أن ~~العلم خصمهم وأنه يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب. # وذاك لأن الجاهل لم يتعرض بالحق، والعالم لم يتأدب معه. # ورأيت بعض القوم يقول: أنا قد ألقيت منجلي بين الحصادين ونمت. ثم كان ~~يتفسح في أشياء لا تجوز. # فتفكرت فإذا العلم الذي هو معرفة الحقائق، والنظر في سير القدماء، ~~والتأدب بآداب القوم، ومعرفة الحق وما يجب له، ليس عند القوم. # وإنما عندهم صور ألفاظ يعرفون بها ما يحل وما يحرم، وليس كذلك العلم ~~النافع. # إنما العلم فهم الأصول ومعرفة المعبود وعظمته وما يستحقه، والنظر في سير ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، والتأدب بآدابهم، وفهم ما نقل عنهم، هو ~~العلم النافع الذي يدع أعظم العلماء أحقر عند نفسه من أجهل الجهال. # ورأيت بعض من تعبد مدة ثم فتر، فبلغني أنه قال: قد عبدته عبادة ما عبده ~~بها أحد، والآن قد ضعفت. فقلت: ما أخوفني أن تكون كلمته هذه سببا لرد الكل. # لأنه قد رأى أنه عمل مع الحق شيئا، وإنما وقف يسأل النجاة بطلب الدرجات ~~ففي حق نفسه فعل. # وما مثله إلا كمثل ms216 من وقف يكدي، فلا ينبغي أن يمن على المعطي. # وإنما سبب هذا الانبساط الجهل بالحقائق، وأين هو من كبار علماء المعاملة ~~الذين كان فيهم مثل صلة بن أشيم إذا رآه السبع هرب منه وهو يقول إذا انقضى ~~الليل عند صلاته: يا رب أجرني من النار. أو مثلي يسأل الجنة !. # وأبلغ من ذا قول عمر: وددت أن أنجو كفافا لا لي ولا علي. # وقول سفيان عند موته لحماد بن سلمة: أترجو لمثلي أن ينجو من النار. وقول ~~أحمد: لا بعد. # فأنا أحمد الله عز وجل إذ تخلصت من جهل المتسمين بالعلم من هؤلاء الذين ~~ذممتهم. وبالزهد من هؤلاء الذين عبتهم فإني قد اطلعت من عظمة الخالق وسير ~~المحققين على ما يخرس لسان الانبساط. ويمحو النظر إلى كل فعل. # وكيف أنظر إلى فعلي المستحسن ؟ وهو الذي وهبه لي وأطلعني على ما خفي عن ~~غيري. # فهل حصل ذلك بي أو بلطفه ؟ وكيف أشكر توفيقي الشكر !. # ثم أي عالم إذا سبر أمور العلماء من القدماء لا يحتقر نفسه. هذا في صورة ~~العلم. فدع معناه. # وأي عابد يسمع بالعباد ولا يجري فيي صورة التعبد، فدع المعنى. # نسأل الله عز وجل معرفة تعرفنا أقدارنا، حتى لا يبقى للعجب بمحتقر ما ~~عندنا أثر في قلوبنا: ونرغب إليه في معرفة لعظمته تخرس الألسان أن تنطق ~~بالإدلال ونرجو من فضله توفيقا نلاحظ به آفات الأعمال التي بها نزهو حتى ~~تثمر الملاحظة لعيوبها الخجل من وجودها، إنه قريب مجيب. # فصل الآخرة خير وأبقى # سبب تنغيص العيش فوات الحظوظ العاجلة: وليس في الدنيا طيب عيش على الدوام ~~إلا للعارف الذي شغله رضى حبيبه والتزود للرحيل إليه. # فإنه إن وجد راحة في الدنيا استعان بها على طلب الآخرة. # وإن وجد شدة اغتنم الصبر عليها لثواب الآخرة، فهو راض بكل ما يجري عليه ~~يرى ذلك من قضاء الخالق، ويعلم أنه مراده، كما قال قائلهم: # إن كان رضاكم في سهري ... فسلام الله على وسني # فأما من طلب حظه فإنه يقلق لفوت مراده، ويتنغص لبعد ms217 ما يشتهي. # فلو افتقر تغير قلبه، ولو ذلك تغير، وهذا لأنه قائم مع غرضه وهواه. # وما أحسن قول الحصري: إيش علي مني وإيش لي في. # وهذا كلام عارف، لأنه إن كان ينظر إلى حقيقة الملكة فعبد يتصرف فيه ~~مولاه. # فاعتراضه لا وجه له، وإرادته أن يقع غير ما يجب فضول في البين، وإن نظر. # أن النفس كالملك له فقد خرجت عن يده من يوم " إن الله اشترى " . # أفيحسن لمن باع شاة أن يغضب على المشتري إذا ذبحها أو يتغير قلبه ؟. ~~PageV01P105 والله لو قال المالك سبحانه: إنما خلقتكم ليستدل على وجودي، ثم ~~أنا أفنيكم ولا إعادة، لكان يجب على النفوس العارفة به أن تقول سمعا لما ~~قلت وطاعة. # وأي شيء لنا فينا حتى نتكلم. # فكيف وقد وعد بالأجر الجزيل، والخلود في النعيم، الذي لا ينفد. # لكن طريق الوصول تحتاج إلى صبر على المشقة وما يبقى لتعب رمل زرود أثر ~~إذا لاح الحرم. # فالصبر الصبر يا أقدام المبتدئين، لاح المنزل. # والسرور السرور يا متوسطين ضربت الخيم. # والفرح الكامل يا عارفين، قد تلقيتم بالبشائر. # زالت والله أثقال المعاملات عنكم، فكانت معرفتكم بالمبتلى حلاوة تعقبت ~~شربة المجاهدة، فلم يبق في الفم للمر أثر. # تخايلوا قرب المناجاة ولذة الحضور ودوار كؤوس الرضى عنكم فقد أخذت شمس ~~الدنيا في الأفول: # ما بيننا له إلا تصر ... م هذه السبع البواقي # حتى يطول حديثنا ... بصنوف ما كنا نلاقي # فصل حكمة المنع # تفكرت في قول شيبان الراعي لسفيان: يا سفيان عد منع الله إياك عطاء منه ~~لك، فإنه لم يمنعك بخلا، إنما منعك لطفا. فرأيته كلام من قد عرف الحقائق. # فإن الإنسان قد يريد المستحسنات الفائقات فلا يقدر، وعجزه أصلح له، لأنه ~~لو قدر عليهن تشتت قلبه إما بحفظهن أو بالكسب عليهن. # فإن قوي عشقه لهن ضاع عمره وانقلب هم الآخرة إلا اهتمام بهن. # فإن لم يردنه فذاك الهلاك الأكبر. # وإن طلبن نفقة لم يطقها كان سبب ذهاب مروءته وهلاك عرضه. # وإن أردن الوطء وهو عاجز فربما أهلكنه أو ms218 فجرن. # وإن مات معشوقه هلك هو أسفا. # فالذي يطلب الفائق يطلب سكينا لذبحه وما يعلم. # وكذلك إنفاذ قدر القوت فإنه نعمة، وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا. # ومتى كثر، تشتت الهمم، فالعاقل من علم أن الدنيا لم تخلق للتنعيم، فقنع ~~بدفع الوقت على كل حال. # فصل القدرة على التكليف # رأيت جماعة من الخلق يتعللون بالأقدار، فيقول قائلهم: إن وفقت فعلت، وهذا ~~تعلل بارد، ودفع للأمر بالراح. # وهو يشير إلى رد أقوال الأنبياء والشرائع جميعها. # فإن لو قال كافر للرسول: إن وفقني أسلمت. لم يجبه إلا بضرب العنق. # وهذا جنس قول الناس لعلي رضي الله عنه: ندعوك إلى كتاب الله فقال: كلمة ~~حق أريد بها باطل. # وكذلك قول الممتنعين عن الصدقة " أنطعم من لو يشاء الله أطعمه " . # ولعمري إن التوفيق أصل الفعل، ولكن التوفيق أمر خفي. والخطاب بالفعل أمر ~~جلي. # فلا ينبغي أن يتشاغل عن الجلي بذكر الخفي. # ومما يقطع هذا الاحتجاج أن يقال لهذا القائل: إن الله سبحانه لم يكلفك ~~شيئا إلا وعندك أدوات ذلك الفعل ولك قدرة عليه. # فإن كانت القدرة عليه معدومة والأدوات غير محصلة فلا أمر ولا تكليف. # وإن كنت تسعى بتلك الأدوات في تحصيل غرضك وهواك، فاسع بها في إقامة ~~مفروضك. # مثال ذلك: أنك تسافر في طلب الربح، وتسأل الحج فلا تفعل، ويثقل عليك ~~الانتباه بالليل. فلو أردت الخروج إلى العيد انتبهت سحرا. # وتقف في بعض أغراضك مع صديق تحادثه ساعات فإذا وقفت في الصلاة استعجلت ~~وثقل عليك. # فإياك إياك أن تتعلق بأمر لا حجة لك فيه. ثم من نصيبك ينقص، ومن حظك ~~يضيع، فإنما تحرك لك، وإنما تحرض لنفعك. # فبادر فإنك مبادر بك. ومما يزيل كسلك - إن تأملته - أن تتخايل ثواب ~~المجتهدين وقد فاتك. # ويكفي ذلك في توبيخ المقصر إن كانت له نفس. فأما الميت الهمة. فما لجرح ~~بميت إيلام. # كيف بك إذا قمت من قبرك وقد قربت نجائب النجاة لأقوام وتعثرت، وأسرعت ~~أقدام الصالحين ms219 على الصراط وتخبطت. # هيهات، ذهبت حلاوة البطالة، وبقيت مرارة الأسف، ونضب ماء كأس الكسل، وبقي ~~رسول الندامة !. # وما قدر البقاء في الدنيا بالإضافة إلى دوام الآخرة ؟. # ثم ما قدر عمرك في الدنيا ونصفه نوم، وباقيه غفلة ؟. # فيا خاطبا حور الجنة وهو لا يملك فلسا من عزيمة، افتح عين الفكر في ضوء ~~العبر لعلك تبصر مواقع خطابك. # فإن رأيت تثبيطا من الباطن فاستغث بعون اللطف، وتنبه في الأسحار، لعلك ~~تتلمح ركب الأرباح، وتعلق على قطار المستغفرين ولو خطوات، وانزل في رباع ~~المجتهدين ولو منزلا أي منزل. # فصل أصناف الضلالات PageV01P106 نظرت في قول أبي الدرداء رضي الله عنه: ~~ما أعرف شيئا مما كنا عليه اليوم إلا القبلة، فقلت واعجبا كيف لو رآنا ~~اليوم وما معنا من الشريعة إلا الرسم. # الشريعة هي الطريق. وإنما تعرف شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إما ~~بأفعاله أو أقواله. # وسبب الانحراف عن طريقه صلى الله عليه وسلم إما الجهل بها أو الخروج ~~عليها فيجري الإنسان مع الطبع والعادات، وربما اتخذ ما يضاد الشريعة طريقا، ~~وقد كانت الصحابة شاهدته وسمعت منه فقل أن ينحرف أحد منهم عن جادته، إلا ~~أبا الدرداء رضي الله عنه رأى بعض الانحراف لميل الطباع فضج فإنه قد يعرف ~~الإنسان الصواب، غير أن طبعه يميل عنه. # وما زالت الأحاديث المنقولة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي ~~الله عنهم يقل الإسعاد بها والنظر فيها إلى أن أعرض عنها بالكلية في زماننا ~~هذا وجهلت إلا النادر، واتخذت طرائق تضاد الشريعة. وصارت عادات، وكانت أسهل ~~عند الخلق من اتباع الشريعة. # وإذا كان عامة من ينسب إلى العلم قد أعرض عن علوم الشريعة فكيف العوام ؟. # ولما أعرض كثير من العلماء عن المنقولات ابتدعوا في الأصول والفروع. # فالأصوليون تشاغلوا بالكلام وأخذوه من الفلاسفة وعلماء المنطق. # ودخلت أيدي الفروعيين في ذلك فتشاغلوا بالجدل، وتركوا الحديث الذي يدور ~~عليه الحكم. # ثم رأى القصاص أن النفاق بالنفاق، فأقبل قوم منهم على التلبيس بالزهد، ~~ومقصودهم الدنيا. # ورأى جمهورهم أن القلوب ms220 تميل إلى الأغاني، فأحضروا المطربين من القراء ~~وأنشدوا أشعار الغزل، وتركوا الاشتغال بالحديث، ولم يلتفتوا إلى نهي العوام ~~عن الربا والزنا، وأمرهم بأداء الواجبات. # وصار متكلمهم يقطع المجلس بذكر ليلى والمجنون والطور وموسى وأبي يزيد ~~والحلاج والهذيان الذي لا محصول له. # وانفرد أقوام بالتزهد والانقطاع، فامتنعوا عن عيادة المرضى، والمشي بين ~~الناس، وأظهروا التخاشع، ووضعوا كتبا للرياضات، والتقلل من الطعام. وصارت ~~الشريعة عندهم كلام أبي يزيد والشبلي والمتصوفة. # ومعلوم أن من سبر الشريعة لم ير فيها من ذاك شيئا. # وأما الأمراء فجروا مع العادات، وسموا ما يفعلونه من التنطع سياسات لم ~~يعملوا فيها بمقتضى الشريعة، وتبع الأخير في ذلك المتقدم. # فأين الشريعة المحمدية ؟. # ومن أين تعرف مع الإعراض عن المنقولات ؟. # نسأل الله عز وجل التوفيق للقيام بالشريعة، والإعانة على رد البدع إنه ~~قادر. # فصل مخاطر الهوى # كنت أسمع عليا بن الحسين الواعظ يقول على المنبر: والله لقد بكيت البارحة ~~من يد نفسي. # فبقيت أنا أتفكر وأقول: أي شيء قد فعلت نفس هذا حتى يبكي ؟. # هذا رجل متنعم له الجواري التركيات. وقد بلغني أنه تزوج في السر بجملة من ~~النساء. ولا يطعم إلا الغاية من الدجاج والحلوى. # وله الدخل الكثير والمال الوافر والجاه العريض والأفضال على الناس. # وقد حصل طرفا من العلم واستعبد كثيرا من العلماء بمعروفه، وراحته دائمة ~~الندى. فما الذي يبكيه منها ؟. # فتفكرت فعلمت أن النفس لا تقف عند حد بل تروم من اللذات ما لا منتهى له، ~~وكلما حصل لها عرض برد عندها وطلبت سواه، فيفنى العمر ويضعف البدن ويقع ~~النقص، ويرق الجاه، ولا يحصل المراد. # وليس في الدنيا أبله ممن يطلب النهاية في لذات الدنيا، وليس في الدنيا ~~على الحقيقة لذة، إنما هي راحة من مؤلم. # فالسعيد من إذا حصلت له امرأة أو جارية فمال إليها ومالت إليه، وعلم ~~سترها ودينها، أن يعقد الخنصر على صحبتها. # وأكثر أسباب دوام محبتها أن لا يطلب بصره، فمتى أطلق بصره أو أطمع نفسه ~~في غيرها، فإن الطمع في الجديد ينغص ms221 الخلق وينقص المخالطة، ولا يستر عيوب ~~الخارج، فتميل النفس إلى المشاهد الغريب، ويتكدر العيش مع الحاضر القريب، ~~كما قال الشاعر: # والمرء ما دام ذا عين يقلبها ... في أعين الحور موقوف على الخطر # يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبا بسرور عاد بالضرر # ثم تصير الثانية كالأولى، وتطلب النفس ثالثة وليس لهذا آخر، بل الغض عن ~~المشتهيات، ويأس النفوس من طلب المستحسنات، يطيب العيش مع المعاشر. ~~PageV01P107 ومن لم يقبل هذا النصح تعثر في طرق الهوى وهلك على البارد، ~~وربما سعى لنفسه في الهلاك العاجل، وفي العار الحاضر، فإن كثيرا من ~~المستحسنات لسن بصينات ولا يفي التمتع بهن بالعار الحاصل. # ومنهن المبذرات في المال، ومنهن المبغضة للزوج وهو يحبها كعابد صنم. # وأبله البله الشيخ الذي يطلب صبية... ولعمري إن كمال المتعة إنما يكون ~~بالصبا، كما قال القائل: فعلت بنفسي النساء الصغار ومتى لم تكن الصبية ~~بالغة لم يكمل الاستمتاع، فإذا بلغت أرادت كثرة الجماع والشيخ لا يقدر. # فإن حمل على نفسه لم يبلغ مرادها، وهلك سريعا. # ولا ينبغي أن يغتر بشهوته الجماع، فإن شهوته كالفجر الكاذب. # وقد رأينا شيخنا اشترى جارية فبات معها فانقلب عنها ميتا. # وكان في المارستان شاب قد بقي شهرين بالقيام، فدخلت عليه زوجته فوطئها ~~فانقلب عنها ميتا. # فبان أن النفس باقية بما عندها من الدم، والمني، فإذا فرغا ولم تجد ما ~~تعتمد عليه ذهبت. # وإن قنع الشيخ بالاستمتاع من غير وطء فهي لا تقنع فتصير كالعدو له. # فربما غلبها الهوى ففجرت أو احتالت على قتله، خصوصا الجواري اللواتي ~~أغلبهن قد جئن من بلاد الشرك ففيهن قسوة القلب. # وقبيح بمن عبر الستين أن يتعرض بكثرة النساء، فإن اتفق معه صاحبة دين قبل ~~ذلك فليرع لها معاشرتها، وليتمم نقصه عندها تارة بالإنفاق، وتارة بحسن ~~الخلق. # وليزد في تعريفها أحوال الصالحات والزاهدات، وليكثر من ذكر القيامة وذم ~~الدنيا، وليعرض بذكر محبة العرب، فإنهم كانوا يعشقون ولا يرون وطء المعشوق، ~~كما قال قائلهم: # إنما الحب قبلة ... وغمز كف وعضد # إنما العشق هكذا ms222 ... إن نكح الحب فسد # فإن قدر أن يشغلها بالحمل، أو ولد عرقلها به، فاستبقى قوته في مدة ~~اشتغالها بذلك. # فإن وطىء فليصبر عن الإنزال حفظا لقوته وقضاء لحقها. # وقد قيل لبشر: لم لم تتزوج ؟ فقال: على ماذا أغر مسلمة، وقد قال الله عز ~~وجل: " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف " . # والمسكين من دخل في أمر لم يتلمح عواقبه قبل الدخول ورأى حبة الفخ فبادر ~~طالبا لها ناسيا تعرقل الجناح والذبح. # ومجموع ما قد بسطته حفظ البصر عن الإطلاق، ويأس النفس عن التحصيل، قنوعا ~~بالحاصل خصوصا من قد علت سنه، وعلم أن الصبية عدو له متمنية هلاكه، وهو ~~يربيها لغيره. # وفي بعض ما ذكرته ما يردع العاقل عن التعرض لهذه الآفات، نسأل الله عز ~~وجل توفيقا من فضله وعملا بمقتضى العقل والشرع، إنه مجيب قريب. # فصل التعجيل بالخير # أعجب الأشياء اغترار الإنسان بالسلامة، وتأميله الإصلاح فيما بعد وليس ~~لهذا الأمل منتهى، ولا للاغترار حد. # فكلما أصبح وأمسى معافى زاد الاغترار وطال الأمل. # وأي موعظة أبلغ من أن ترى ديار الأقران وأحوال الإخوان وقبور المحبوبين، ~~فتعلم أنك بعد أيام مثلهم، ثم لا يقع انتباه حتى ينتبه الغير بك، هذا والله ~~شأن الحمقى. # حاشا من له عقل أن يسلك هذا المسلك. # بلى والله إن العاقل ليبادر السلامة، فيدخر من زمنها للزمن، ويتزود عند ~~القدرة على الزاد لوقت العسرة. # خصوصا لمن قد علم أن مراتب الآخرة إنما تعلو بمقدار علو العلم لها، وأن ~~التدارك بعد الفوت لا يمكن. # وقدر أن العاصي عفى عنه، أينال مراتب العمال ؟. # ومن أجال على خاطره ذكر الجنة التي لا موت فيها ولا مرض ولا نوم ولا غم، ~~بل لذاتها متصلة من غير انقطاع، وزيادتها على قدر زيادة الجد ههنا انتهب ~~هذا الزمان فلم ينم إلا ضرورة، ولم يغفل عن عمارة لحظة. # ومن رأى أن ذنبا قد مضت لذته وبقيت آفاته دائمة كفاه ذلك زاجرا عن مثله، ~~خصوصا الذنوب التي تتصل آثارها مثل أن يزني بذات زوج، فتحمل منه فتلحق ~~بالزوج ms223 فيمنع الميراث أهله ويأخذه من ليس من أهله، وتتغير الأنساب والفرش، ~~ويتصل ذلك أبدا، وكله شؤم لحظة. # فنسأل الله عز وجل توفيقا يلهم الرشاد، ويمنع الفساد إنه قريب مجيب. # فصل من مزالق علم الكلام # تأملت سبب تخليط العقائد، فإذا هو الميل إلى الحس وقياس الغائبات على ~~الحاضر. # فإن أقواما غلب عليهم الحس، فلما لم يشاهدوا الصانع جحدوا وجوده، ونسوا ~~أنه قد ظهر بأفعاله. وأن هذه الأفعال لا بد لها من فاعل. PageV01P108 فإن ~~العاقل إذا مر على صحراء خالية ثم عاد وفيها غرس وبناء علم أنه لا بد من ~~غارس، إذ الغرس لا يكون بنفسه ولا البناء. # ثم جاء قوم فأثبتوا وجود الصانع، ثم قاسوه على أحواله فشبهوا، حتى إن ~~قائلهم يقول: في قوله: ينزل إلى السماء ينتقل، ويستدل بأن العرب لا تعرف ~~النزول إلا الانتقال. # وضل خلق كثير في صفاته كما ضل خلق كثير في ذاته. فظن أقوام أنه يتأثر حين ~~سمعوا أنه يغضب ويرضى. # ونسوا أن صفته تعالى قديمة لا يحدث منها شيء. # وضل خلق في أفعاله فأخذوا يعللون فلم يقنعوا بشيء فخرج منهم قوم إلى أن ~~نسبوا فعله إلى ضد الحكمة تعالى عن ذلك. # ومن رزق التوفيق فليحضر قلبه لما أقول: إعلم أن ذاته سبحانه لا تشبه ~~الذوات، وصفاته ليست كالصفات، وأفعاله لا تقاس بأفعال الخلق. # أما ذاته سبحانه فإنا لا نعرف ذاتا إلا أن تكون جسما وذاك يستدعي سابقة ~~تأليف، وهو منزه عن ذلك، لأنه المؤلف، وإما أن يكون جوهرا فالجوهر متحيز، ~~وله أمثال، وقد جل عن ذلك، أو عرضا، فالعرض لا يقوم بنفسه بل بغيره، وقد ~~تعالى عن ذلك. # فإذا أثبتنا ذاتا قديمة خارجة عما يعرف، فليعلم أن الصفات تابعة لتلك ~~الذات، فلا يجوز لنا أن نقيس شيئا منها على ما نفعله ونفهمه، بل نؤمن به ~~ونسلمه. # وكذلك أفعاله، فإن أحدنا لو فعل فعلا يجتلب به نفعا ولا يدفع عنه ضرا عد ~~عابثا. وهو سبحانه أوجد الخلق لا لنفع يعود إليه، ولا لرفع ضر إذ المنافع ms224 ~~لا تصل إليه والمضار لا تتطرق عليه. # فإن قال قائل: إنما خلق الخلق لينفعهم: قلنا: يبطله، إنه خلق منهم للكفر ~~وعذبهم. # ونراه يؤلم الحيوان والأطفال، ويخلق المضار، وهو قادر أن لا يفعل ذلك. # فإن قال قائل: إنه يثيب على ذلك. قلنا: وهو قادر أن يثيب بلا هذه ~~الأشياء، فإن السلطان لو أراد أن يغني فقيرا فجرحه ثم أغناه ليم على ذلك، ~~لأنه قادر أن يغنيه بلا جراح. # ثم من يرى ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه من الجوع ~~والقتل مع قدرة الناصر، ثم يسأل أمه فلا يجاب، ولو كان المسؤول بعضنا قلنا ~~لم تمنع ما لا يضرك ؟. # غير أن الحق سبحانه لا تقاس أفعاله على أفعالنا ولا تعلل. # والذي يوجب علينا التسليم أن حكمته فوق العقل، فهي تقضي على العقول، ~~والعقول لا تقضي عليها. # ومن قاس فعله على أفعالنا غلط الغلط الفاحش؛ وإنما هلكت المعتزلة من هذا ~~الفن. # فإنهم قالوا: كيف يأمر بشيء ويقضي بامتناعه ؟ ولو أن إنسانا إلى داره ثم ~~أقام من يصد الداخل لعيب. # ولقد صدقوا فيما يتعلق بالشاهد. فأما من أفعاله لا تعلل ولا يقاس يشاهد، ~~فإنا لا نصل إلى معرفة حكمته. # فإن قال قائل: فكيف يمكنني أن أقود عقلي إلى ما ينافيه. قلنا: لا منافاة، ~~لأن العقل قد قطع بالدليل الجلي أنه حكيم، وأنه مالك، والحكيم لا يفعل شيئا ~~إلا الحكمة، غير أن الحكمة، لا يبلغها العقل. # ألا ترى أن الخضر خرق سفينة وقتل شخصا، فأنكر عليه موسى عليهما السلام ~~بحكم العلم ولم يطلع على حكمة فعله، فلما أظهر له الحكمة أذعن، ولله المثل ~~الأعلى. # فإياك إياك أن تقيس شيئا من أفعاله على أفعال الخلق، أو شيئا من صفاته أو ~~ذاته سبحانه وتعالى فإنك إن حفظت هذا سلمت من التشبيه الذي وقع فيه من رأى ~~الاستواء اعتمادا، والنزول نقلة، ونجوت من الاعتراض الذي أخرج قوما إلى ~~الكفر حتى طعنوا في الحكمة. # وأول القوم إبليس، فإنه رأى تقديم الطين على النار ليس بحكمة، ms225 فنسي أنه ~~إنما علم ذلك بزعمه بالفهم الذي وهب له، والعقد الذي منحه، فنسي أن الواهب ~~أعلم " أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة " . # ولقد رأيت لابن الرومي اعتراضا على من يقول بتخليد الكفار في النار. قال: ~~إن ذلك التأبيد مزيد من الانتقام ينكره العقل، وينبغي كل ما يقوله العقل، ~~ولا يرد بعضه إذ ليس رد بعضه بأولى من رد الكل، وتخليد الكفار لا غرض فيه ~~للمعذب ولا للمعذب فلا يجوز أن يكون. # فقلت العجب من هذا الذي يدعي وجود العقل ولا عقل عنده. # وأول ما أقول له: أصح عندك الخبر عن الخالق سبحانه أنه أخبر بخلود أهل ~~النار أم لم يصح؟. # فإن كان ما صح عنه فالكلام إذن في إثبات النبوة وصحة القرآن، فما وجه ذكر ~~الفرع مع جحد الأصل ؟. # وإن قال قد ثبت عندي فواجب عليه أن يتمحل لإقامة العذر، إلا أن يقف في ~~وجه المعارضة. PageV01P109 وإنما ينكر هذا من يأخذ الأمر من الشاهد، وقد ~~بينا أن ذات الحق كالذوات وأن صفته لا كالصفات، وأن أفعاله لا تعلل. # ولو تلمح شيئا من التعليل لخلود الكفار لبان، إذ من الجائز أن يكون دوام ~~تعذيبهم لإظهار صدق الوعيد. فإنه قال: من كفر بي خلدته في العذاب ولا جناية ~~كالكفر ولا عقوبة كدوام الإحراق فهو يدوم ليظهر صدق الوعيد. # ومن الجائز أن يكون ذلك لتتمة تنعيم المؤمنين فإنهم أعداء الكفار. وقد ~~قال سبحانه " ويشف صدور قوم مؤمنين " . # وكم من قلق في صدر، وحنق على أبي جهل فيما فعل، وكم من غم في قلب عمار ~~وأمه سمية وغيرهم من أفعال الكفار بهم فدوام عذابهم شفاء لقلوب أهل ~~الإيمان. # ومن الجائز أن يدوم العذاب لدوام الاعتراض وذكر المعذب بما لا يحسن، ~~فكلما زاد عذابهم زاد كفرهم واعتراضهم فيهم يعذبون لذلك. # ودليل كفرهم " ويحلفون له كما يحلفون لكم " فإذن كفرهم ما زال، ومعرفتهم ~~به ما حصلت، والشر كامن في البواطن، وعلى ذلك يقع التعذيب " ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه " . # فصل ms226 التسليم لله # ينبغي للمؤمن بالله سبحانه إذا نظر في الفصل الذي قد تقدم هذا أن لا ~~يعترض على الله سبحانه في شيء لا في باطنه ولا في ظاهره، ولا يطلب تعليلات ~~أفعاله كلها. # فإن المتكلمين أعرضوا عن السنن وتكلموا بآرائهم فما صفى لهم شرب، بدليل ~~اختلافهم. # وكذلك إضمار القياس؛ فإنهم لما أعلموه جاءت أحاديث تعكر عليهم. # والصواب التعليل لما يمكن، والتسليم لما يخفى. # وكذلك سؤال الحق سبحانه، فإذا دعاه المؤمن ولم ير إجابة سلم وفوض وتأول ~~للمنع. # فيقول: ربما يكون المنع أصلح وربما يكون لأجل ذنوبي، وربما يكون التأخير ~~أولى، وربما لم يكن هذا مصلحة. # وإذا لم يجد تأويلا لم يختلج في باطنه نوع اعتراض، بل يرى أنه قد تعبد ~~بالدعاء فإن أنعم عليه فبفضل، وإن لم يجب فما لك يفعل ما يشاء. # على أن أكثر السؤال إنما يقع في طلب أعراض الدنيا التي إذا ردت كان أصلح. # فليكن هم العاقل في إقامة حق الحق والرضى بتدبيره وإن أساء. # فمتى أقبلت عليه أقبل على إصلاح شأنك. # وإذا عرفت أنه كريم فلذ به ولا تسأل. # ومتى أقبلت على طاعاته فمحال أن يجود صانع وينصح في العمل ثم لا يعطى ~~الأجرة. # فصل اليقين بالآخرة # والله إني لأتخايل دخول الجنة ودوام الإقامة فيها من غير مرض ولا بصاق ~~ولا نوم ولا آفة تطرأ بل صحة دائمة وأغراض متصلة لا يعتورها منغص، في نعيم ~~متجدد في كل لحظة إلى زيادة لا تتناهى. فأطيش ويكاد الطبع يضيق عن تصديق ~~ذلك لولا أن الشرع قد ضمنه. # ومعلوم أن تلك المنازل إنما تكون على قدر الاجتهاد ههنا. # فواعجبا من مضيع لحظة يقع فيها. # فتسبيحة تغرس له في الجنة نخلة أكلها دائم وظلها. # فيا أيها الخائف من فوت ذلك شجع قلبك بالرجاء. # ويا أيها المنزعج لذكر الموت تلمح ما بعد مرارة الشربة من العافية. # فإنه من ساعة خروج الروح لا بل قبل خروجها تنكشف المنازل لأصحابها. فيهون ~~سير المجذوب للذة المنتقل إليه. # ثم الأرواح في حواصل طير تعلق ms227 في أشجار الجنة. # فكل الآفات والمخافات في نهار الأجل، وقد اصفرت شمس العمر. فالبدار ~~البدار قبل الغروب ولا معين يرافق على تلك الطريق إلا الفكر إذا جلس مع ~~العقل فتذاكر العواقب فإذا فرغ ذلك المجلس، فالنظر في سير المجدين فإنه ~~يعود مستجلبا للفكر منها شتى الفضائل والتوفيق من وراء ذلك. # ومتى أرادك لشيء هيأك له. # فأما مخالطة الذين ليس عندهم خبر إلا من العاجلة فهو من أكبر أسباب مرض ~~الفهم وعلل العقل. # والعزلة عن الشر حمية والحمية سبب العافية. # فصل عشاق الدنيا # رأيت سبب الهموم والغموم الإعراض عن الله عز وجل والإقبال على الدنيا. # وكلما فات منها شيء وقع الغم لفواته. # فأما من رزق معرفة الله تعالى استراح لأنه يستغني بالرضا بالقضاء فمهما ~~قدر له رضي. # وإن دعا فلم ير أثر الإجابة لم يختلج في قلبه اعتراض، لأنه مملوك مدبر ~~فتكون همته في خدمة الخالق. # ومن هذه صفته لا يؤثر جمع مال، ولا مخالطة الخلق ولا الالتذاذ بالشهوات. # لأنه إما أن يكون مقصرا في المعرفة فهو مقبل على التعبد المحض يزهد في ~~الفاني لينال الباقي. # وإما أن يكون له ذوق في المعرفة فإنه مشغول عن الكل بصاحب الكل. ~~PageV01P110 فتراه متأدبا في الخلوة به، مستأنسا بمناجاته، مستوحشا من ~~مخالطة خلقه، راضيا بما يقدر له. # فعيشه معه كعيش محب قد خلا بحبيبه لا يريد سواه، ولا يهتم بغيره. # فأما من لم يرزق هذه الأشياء، فإنه لا يزال في تنغيص متكدر العيش، لأن ~~الذي يطلبه من الدنيا لا يقدر عليه، فيبقى أبدا في الحسرات مع ما يفوته من ~~الآخرة بسوء المعاملة، نسأل الله عز وجل أن يستصلحنا له فإنه لا حول ولا ~~قوة إلا به. # فصل الدنيا مثار القلق # إن اعتمدت على الزوجة لم تكن كما أريد. إن حسنت صورتها لم تكمل أخلاقها ~~وإن تمت أخلاقها كانت مريدة لغرضها لا لي. ولعلها تنتظر رحيلي. # وإن اعتمدت على الولد فكذلك، والخادم والمريد لي كذلك، فإن لم يكن لهما ~~مني فائدة لم يريداني. # وأما الصديق ms228 فليس ثم، وأخ في الله كعنقاء مغرب، ومعارف يفتقدون أهل الخير ~~ويعتقدون فيهم قد عدموا وبقيت وحدي. # وعدت إلى نفسي - وهي لا تصفوا إلي أيضا ولا تقيم على حالة سليمة - فلم ~~يبق إلا الخالق سبحانه، فرأيت أني اعتمدت على إنعامه فما آمن ذلك البلاء، ~~وإن رجوت عفوه فما آمن عقوبته، فواأسفا لا طمأنينة ولا قرار. # واقلقي من قلقي، واحرقي من حرقي. # بالله ما العيش إلا في الجنة، حيث يقع اليقين بالرضا والمعاشرة لمن لا ~~يخون ولا يؤذي. فأما الدنيا فما هي دار ذاك. # فصل حقائق الناس # ينبغي لمن صحب سلطانا أو محتشما أن يكون ظاهره معه وباطنه سواء؛ فإنه قد ~~يدس إليه من يخبره، فربما افتضح في الابتلاء. # وقد كان جماعة من الملوك يقصدون تقريب المنادم، ويجعلون له حجرة في ~~دورهم، فإذا أرادوا أن يختصوه اختبروه باطنا وذاك لا يدري، فيظهر منه ما لا ~~يصلح فيطرد !. # ولقد امتحن أبرويز رجلا من خاصته، فدس إليه جارية معها ألطاف، وأمرها أن ~~لا تقعد عنده فحملتها. # ثم أنفذها مرة أخرى وأمرها أن تقعد بعد التسليم هنيهة ففعلت، فلاحظها ~~الرجل. # ثم بعثها ثالثة وأمرها أن تطيل القعود عنده وتحدثه، فأطالت الحديث معه، ~~فأبدى لها شيئا من الميل إليها، فقالت: أخاف أن يطلع علينا، ولكن دعني أدبر ~~في هذا. # فذهبت فأخبرت الملك بذلك، فوجه غيرها من خواص جواريه بمثل ذلك، فلما ~~جاءته قال: ما فعلت فلانة قالت مريضة فاربد لونه. # ثم فعلت الجارية الثانية مثل ما فعلت الأولى، فقالت له: إن الملك يمضي ~~إلى بستانه فيقيم هناك. # فإن أدرك على أن تمضي معه فأظهر أنك عليل. # فإن خيرك بين الانصراف إلى دور نسائك أو المقام هنا فاختر المقام ههنا، ~~وأخبره أنك لا تقدر على الحركة. # فإن أجابك إلى ذلك جئت إليك كل ليلة ما دام الملك غائبا، فسكن إلى قولها، ~~ثم مضت وأخبرت الملك بذلك. # فلما كان بعد ثلاث، استدعاه الملك فقال: إني مريض. # فعاد الرسول فأخبره فتبسم. وقال: أول الشر. # فوجه إليه محفة حمل ms229 فيها إليه فلما بصر به أبرويز قال: والمحفة الشر ~~الثاني. # فرأى العصابة على رأسه. قال: والعصابة الشر الثالث. # فقال له الملك: أيهما أحب إليك، الانصراف إلى نسائك ليمرضنك أو المقام ~~ههنا إلى وقت رجوعي، قال: المقام ههنا أرفق لي لقلة الحركة، فتبسم وقال: ~~حركتك ههنا إن تركت أكثر من حركتك إلى منزلك. # ثم أمر له بعصا الزناة التي كان يوسم بها من زنا. # فأيقن الرجل بالأمر، وأمر أن يكتب ما كان من أمره حرفا حرفا فيقرأ على ~~الناسر حرفا حرفا إذا حضروا، وأن ينفى إلى أقصى المملكة، وتجعل العصا على ~~رأس رمح يكون معه حيث كان ليحذر منه من لا يعرفه. # فلما نفي أخذ من بعض الموكلين مدية فجب بها ذكره وقال: ومات من ساعته. # قلت: وقد كان جماعة من الأمراء يتنكرون ويسألون العوام عن سيرتهم، فيتكلم ~~العامي بما لا يصلح فيضبطونه وربما بعثوا دسيسا عليه. # ورب كلمات قالها مسترسل فبلغها فضولي فأهلكت صاحبها. # ورأى عمر بن عبد العزيز رجلا من العمال كثير الصلاة، فدس عليه من قال له: ~~إن أخذت لك الولاية الفلانية فما تعطيني ؟ قال: أعطيتك كذا وكذا، قال له ~~عمر: غررتنا بصلاتك. # وقد بلغت أن رجلا كلم امرأة فأجابته فاستدعته إلى دارها فلما دخل أقامت ~~على قتله. # فقد ينجلي من هذه الحكاية أنه لا ينبغي أن يسكن إلى قول امرأة أو بعل ~~يجوز أنه يكون جاسوسا ومختبرا. PageV01P111 وكذلك لا يظهر ما ينبغي إخفاؤه ~~من مال أو مذهب أو سب رجل فربما كان له في الحاضرين قريب. # ولا يوثق بمودة لا أصل لها فربما كانت تحتها آفة تقصده. # وليحذر من كل أمر يحتمل. ورب كلمة نقلها صديق إلى صديق فتحث بها من لا ~~يقصد أذى للقائل فبلغت فتأذى. # ورب مظهر للمحبة مبالغ حتى يستمكن من مراده. # فالحذر الحذر من الطمأنينة إلى أحد خصوصا من عدو آذيته أو قتلت له قريبا. # فربما أظهر الجميل شبكة لاصطيادك كحديث الزباء. # فصل عجز الشيخوخة # رأيت النفس بعد علو السن يقوى أملها ويزداد ms230 حرصها كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم. يشيب ابن آدم وتشب منه خصلتان: الحرص والأمل. # ورأيت أكثر أسباب ذلك فراغ اليد من الدنيا وكثرة العائلة وقوة الحاجة. # فيحتاج الإنسان إلى التعرض بما يشين العرض ليحصل الغرض. # فقلت إلهي أبعد رؤية جبال عرفة أضل ؟ أبعد مشارفة الحرم تأخذني أعراب ~~البادية ؟. # واأسافا أيطلع فجر النحر وما وصلت إلى عرفات ويا ضياع سفر العم وما حصل ~~المقصود: # قد كنت أرجوك لنيل المنى ... واليوم لا أطلب إلا الرضى # ثم قلت: يا نفس ما لك ملجأ إلا اللجأ واستغاثة الغريق. # فإن رحمت وإلا فكم من حسرة تحت التراب. # فصل الاشتغال عن الهوى # شكا لي بعض الأشياخ فقال: قد علت سني وضعفت قوتي، ونفسي تطلب مني شراء ~~الجوار الصغار. # ومعلوم أنهن يردن النكاح وليس في. # ولا تقنع مني النفس بربة البيت إذ قد كبرت. # فقلت له: عندي جوابان: أحدهما الجواب العامي، وهو أن أقول: ينبغي أن ~~تشتغل بذكر الموت وما قد توجهت إليه، وتحذر من اشتراء جارية لا تقدر على ~~إيفاء حقها فإنها تبغضك، فإن أجهدت استعجلت التلف. وإن استبقيت قوتك غضبت ~~هي، على أنها لا تريد شيخا كيف كان. # وقد أنشدنا علي بن عبيد الله قال أنشدنا محمد التميمي: # أفق يا فؤادي من غرامك واستمع ... مقالة محزون عليك شفيق # علقت فتاة قلبها متعلق ... بغيرك فاستوثقت غير وثيق # وأصبحت موثوقا وراحت طليقة ... فكم بين موثوق وبين طليق # فاعلم أنها تعد عليك الأيام، وتطلب منك فضل المال لتستعد لغيرك. # وربما قصدت حتفك، فاحذر والسلامة في الترك، والاقتناع بما يدفع الزمان. # والجواب الثاني فإني أقول: لا يخلو أن تكون قادرا على الوطء في وقت أو لا ~~تكون. # فإن كنت لا تقدر فالأولى مصابرة الترك للكل. وإن كان يمكن الحازم أن ~~يداري المرأة بالنفقة وطيب الخلق إلا أنه يخاطر. # وإن كنت تقدر في أوقات على ذلك، ورأيت من نفسك توقا شديدا، فعليك ~~فالمراهقات فإنهن ما عرفن النكاح، وما طلبن الوطء، وأغمرهن بالإنفاق وحسن ~~الخلق مع الاحتياط عليهن، والمنع ms231 من مخالطة النسوة. # وإذا اتفق وطء فتصبر عن الإنزال ريثما تقضي المرأة حاجتها. # واعتدم وعظها وتذكيرها بالآخرة، واذكر لها حكايات العشاق من غير نكاح، ~~وقبح صورة الفعل، ولفت قلبها إلى ذكر الصالحين، ولا تخل نفسك من الطيب ~~والتزين والكياسة والمداراة والإنفاق الواسع. # فهذا ربما حرك الناقة للمسير مع خطر السلامة. # فصل الحكم بعد تريث # أبله الناس من عمل على الحال الحاضرة، ولم يتصور تغيرها ولا وقوع ما يجوز ~~وقوعه. # مثاله أن يغتر بدولة فيعمل بمقتضى ملكه فإذا تغيرت هلك. # وربما عادى خلقا اغترارا بأنه متسلط أو أنه صاحب سلطان، فإذا تغيرت حاله ~~أكل كفيه ندما عند فوات التدارك. # وكذلك من له مال يبذره سكونا إلى وجود المال، وينسى حاله عند العدم. # وكذا من يتناول الشهوات، ويكثر من المآكل والمشارب والنكاح ثقة بعافيته ~~وينسى ما يعقب ذلك من الأمراض والآفات. # ومن أظرف الأحوال أن يحب جاريته فيعتها ويهب لها، أو امرأة فيسكن إليها ~~ويهب لها فتتمكن، ولا تمضي الأيام حتى يسلوها أو يطلب غيرها، ولا يجد طريقا ~~للخلاص. # فإن تخلص منها أخذت ما غنمت منه فلقي من الغيظ أضعاف ما يلتذ به. # فلا ينبغي أن يوثق بامرأة ولا بمحبة إنسان، فإنه قد يحب امرأة ويظن أنه ~~لا يسلوها أبدا فيسترسل إليها والسلو يحدث. # وربما أحب غيرها فينسى الأولى فيصعب عليه الخلاص من الأولى. PageV01P112 ~~فالعاقل لا يدخل في شيء حتى يهيء الخروج منه، فإن الأشياء لا تثبت، والمحبة ~~لا تدوم، والتغير مقرون بكل حال. # وكذلك يعطي ماله ولده ثم يبقى كلا عليه فيتمنى الولد هلاكه، وربما عل به ~~في النفقة. # وكذلك قد يثق بالصديق فيبث أسراره إليه، فربما أظهر ذلك فكان منها ما ~~يوجب هلاكه. # وكذلك يغتر الإنسان بالسلامة وينسى طروق الموت فيأتيه بغتة فيبتهته وقد ~~فات الاستدراك ولم يبق إلا الندم. # فالعاقل من كانت عينه مراقبة للعواقب، محترزة مما يجوز وقوعه، عاملة ~~بالاحتياط في كل حال حافظة للمال والسر، غير واثقة بزوجة ولا ولد ولا صديق، ~~متأهبة للرحيل متهيئة للنقلة. هذه ms232 صفة أهل الحزم. # فصل التسليم واليقين # من أعجب الأمور طلب الاطلاع على تحقيق العرفان لذات الله عز وجل وصفاته ~~وأفعاله، وهيهات، ليس إلا المعرفة بالجملة. # ولقد أوغل المتكلمون فما وقعوا بشيء فرجع عقلاؤهم إلى التسليم. # وكذلك أصحاب الرأي، مالوا إلى القياس فإذا أشياء كثيرة بعكس مرادهم، فلم ~~يجدوا ملجأ إلا التسليم، فسموا ما خالفهم استحسانا. # الفقيه من علل بما يمكن، فإذا عجز استطرح للتسليم، هذا شأن العبيد. # فأما من يقول لم فعل كذا وما معنى كذا، فإنه يطلب الاطلاع على سر الملك، ~~وما يجد إلى ذلك سبيلا لوجهين: أحدهما أن الله تعالى ستر كثيرا من حكمه عن ~~الخلق. # والثاني أنه ليس في البشر إدراك حكم الله تعلى كلها، فلا يبقى مع المعترض ~~سوى الاعتراض المخرج إلى الكفر " فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر ~~هل يذهبن كيده ما يغيظ " . # والمعنى من رضي بأفعالي وإلا فليخنق نفسه فما أفعل إلا ما أريد. # فصل أثر المخالطة # من رزقه الله تعالى العلم، والنظر في سير السلف، رأى أن هذا العالم ظلمة. # وجمهور العالم على غير الجادة، والمخالطة لهم تضر ولا تنفع. # فالعجب لمن يترخص في المخالطة وهو يعلم أن الطبع يسرق من المخالطة. # وإنما ينبغي أن تقع المخالطة للأرفع والأعلى في العلم والعمل ليستفاد ~~منه. # فأما مخالطة الدون فإنها تؤذي، إلا أن يكون عاميا يقصد من يعلمه، فينبغي ~~أن يخالط بالاحتراز. # وفي هذا الزمان إن وقعت المخالطة للعوام عكرت الفؤاد فهم ظلمة مستحكمة، ~~فإذا ابتلى العالم بمخالطتهم فليشمر ثياب الحذر، ولتكن مجالسته إياهم ~~للتذكرة والتأديب فحسب. # وإن وقعت المخالطة للعلماء فأكثرهم على غير الجادة، مقصودهم صورة العلم ~~لا العمل به. فلا تكاد ترى من تذاكره أمر الآخرة، إنما شغلهم الغيبة وقصد ~~الغلبة واجتلاب الدنيا. # ثم فيهم من الحسد للنظراء ما لا يوصف. # وإن وقعت المخالطة للأمراء، فذاك تعرض لفساد الدين. # لأنه إن تولى لهم ولاية دنيوية فالظلم من ضروراتها، لغلبة العادة عليهم ~~والإعراض عن الشرع. # وإن كانت ولاية دينية كالقضاء، فإنهم يأمرونه بأشياء ms233 لا يكاد يمكنه ~~المراجعة فيها، ولو راجع لم يقبلوا. # وأكثر القوم يخاف على منصبه، فيفعل ما أمر به وإن لم يجبر. # وربما رأيت في هذا الزمان أقواما يبذلون المال ليكونوا قضاة، أو شهودا، ~~ومقصودهم الرفعة. # ثم أكثر الشهود يشهد على من لا يعرفه، ويقول إنه معروف ويدري أنه كذاب، ~~وإنما عرف لأجل حبة يعطاها. # وكم قد وقعت شهادة على غير المشهود عليه، أو على مكره ؟. # وإن وقعت المخالطة للمتزهدين فأكثرهم على غير الجادة، وعلى خلاف العلم، ~~قد جعلوا لأنفسهم نواميس، فلا يتنسمون ولا يخرجون إلى سوق، ويظهرون التخشع ~~الزائد وكله نفاق. # وفيهم من يلبس الصوف تحت ثيابه، وربما يوح بكمه ليرى. وقد حكي عن طاهر بن ~~الحسين أنه قال لبعض المتزهدين. مذ كم قدمت العراق ؟ قال: دخلتها منذ عشرين ~~سنة، وأنا منذ ثلاثين سنة صائم. # قال: سألناك عن مسألة فأجبت عن اثنتين. # وبيوت الصوفية أربطة فهي خوارج على المساجد. # وهي دكاكين كريهة يقعد فيها الكسالى عن الكسب مع القدرة عليه، ويتعرضون ~~بالقعود للصدقات، ولأحوال الظلمة. # وقد أراحوا أنفسهم من إعادة العلم. # وأكثرهم لا يصلي نافلة، ولا يقوم الليل، بل يهمهم المأكول والمشروب ~~والرقص. # وقد اتخذوا سننا تخالف الشريعة فهم يلبسون المرقع لا من فقر. وهذا قبيح. ~~لأنه ليس عندهم من أمارات الزهد سوى الملبس الدون، فثيابهم تصيح نحن زهاد، ~~وباقي أفعالهم المستورة تفضحهم إذا طلع عليها. PageV01P113 فالمطب دائر، ~~والحمام والحلوى كثيرة، والطيب والدعة، والكبر حاصل بذلك الزي. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن فضلة وقد رآه أشعث الهيئة. ~~أما لك مال ؟ قال بلى من كل المال آتاني الله عز وجل ! قال: فإن الله عز ~~وجل إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن ترى عليه. # ومن أخلاقهم تنفير الناس من العلم، ويزعمون أن لا حاجة إلى الوسائط، ~~وإنما هو قلب ورب. # ولهم من الأقوال والأفعال المنكرات ما قد ذكرته في تلبيس إبليس. # آه لو كان للزمان عمر لاحتاج كل يوم إلى مائة درة، لا بل كان يستعمل ~~السيف ms234 في هؤلاء الخوارج. # وهم داخل البلد لا قدرة للعلماء عليهم، إذ قولهم فيهم لا يقبل. # فمن رزقه الله سبحانه النظر في سير السلف، ووفقه للاقتداء بهم، آثر أن ~~يعتزل عن أكثر الخلق، ولا يخالطهم فإنه من خالطهم أوذي. # ومن دارهم لم يسلم من المداهنة فالنصح اليوم مردود. # فصل التأني في معاملة الناس # من البله أن تبادر عدوا أو حسودا بالمخاصمة. # وإنما ينبغي إن عرفت حاله أن تظهر له ما يوجب السلامة بينكما. # إن اعتذر قبلتن وإن أخذ الخصومة صفحت. وأريت أن الأمر قريب. # ثم تبطن الحذر منه، فلا تثق به في حال وتتجافاه باطنا مع إظهار المخالطة ~~في الظاهر. # فإذا أردت أن تؤذيه فأول ما تؤذيه به إصلاحك لنفسك واجتهادك في علاج ما ~~يعرفك به. # ومن أعظم العقوبة له العفو عنه الله. # وإن بالغ في السب فبالغ في الصفح تنب عنك العوام في شتمه، ويحمدك العلماء ~~على حلمك. # وما تؤذيه به من ذلك، وتورثه به الكمد ظاهرا، وغيره في الباطن أضعاف، ~~وخير مما تؤذيه به من كلمة إذا قلتها له سمعت أضعافها. # ثم بالخصومة تعلمه أنك عدوه فيأخذ الحذر ويبسط اللسان، وبالصفح يجهل مما ~~في باطنك، فيمكنك حينئذ أن تشتفي منه، أما أن تلقاه بما يؤذي دينك هو الذي ~~قد اشتفى منك. # وما ظفر قط من ظفر به الإثم بل الصفح الجميل. # وإنما يقع هذا ممن يرى أن تسليطه عليه إما عقوبة لذنب أو لرفع درجة ~~بالابتلاء فهو لا يرى الخصم وإنما يرى القدرة. # فصل حقيقة الدعاء # إذا وقعت في محنة يصعب الخلاص منها فليس لك إلا الدعاء واللجأ إلى الله ~~بعد أن تقدم التوبة من الذنوب. # فإن الزلل يوجب العقوبة فإذا زال الزلل بالتوبة من الذنوب ارتفع السبب. # فإذا ثبت ودعوت ولم تر للإجابة أثرا فتقد أمرك، فربما كانت التوبة ما صحت ~~فصصحها ثم ادع ولا تمل من الدعاء. # فربما كانت المصلحة في تأخير الإجابة، وربما لم تكن المصلحة في الإجابة، ~~فأنت تثاب وتجاب إلى منافعك. # ومن منافعك أن ms235 لا تعطي ما طلبت بل تعوض غيره. # فإذا جاء إبليس فقال كم تدعوه ولا ترى إجابة، فقل أنا أتعبد بالدعاء. ~~وأنا موقن أن الجواب حاصل. # غير أنه ربما كان تأخيره لبعض المصالح، فهو يجيء في وقت مناسب، ولو لم ~~يحصل حصل التعبد والذل. # فإياك أن تسأل شيئا إلا وتقرنه بسؤال الخيرة. # فرب مطلوب من الدنيا كان حصوله سببا للهلاك. # وإذا كنت قد أمرت بالمشاورة في أمور الدنيا ليبين صاحبك لك في بعض الآراء ~~ما يعجز رأيك عنه، وترى أن ما وقع لك لا يصلح فكيف لا تسأل الخير ربك وهو ~~أعلم المصالح ؟ والاستخارة من حسن المشاورة. # فصل أقسام الناس # نظرت إلى الناس فرأيتهم ينقسمون بين عالم وجاهل. # فأما الجهال فانقسموا، فمنهم سلطان قد ربي في الجهل ولبس الحرير وشرب ~~الخمور وظلم الناس، وله عمال على مثل حاله، فهؤلاء بمعزل عن الخير بالجملة. # ومنهم تجار همتهم الاكتساب وجمع الأموال، وأكثرهم لا يؤدي الزكاة ولا ~~يتحاشى من الربا. فهؤلاء في صور الناس. # ومنهم أرباب معاش يطففون المكيال ويخسرون الميزان ويبخسون الناس ~~ويتعاملون بالربا وهم في الأسواق طول النهار لا همة لهم إلا ما هم فيه. ~~فإذا جاء الليل وقعوا نياما كالسكارى، فهمة أحدهم ما يأكل ويلتذ به، وليس ~~عندهم من الصلاة خبر، فإن صلى أحدهم نقرها أو جمع بينهما، فهؤلاء في عداد ~~البهائم. # ومن الناس ذو رذالة في جميع أحوالهم فهذا كالناس وهذا زبال وهذا نخال ~~وهذا يكسح الحش فهؤلاء أرذل القوم. # ومنهم من يطلب اللذات ولا يساعده المعاش فيخرج إلى قطع الطريق، وهؤلاء ~~أحمق الجماعة، إذ لا عيش لهم. PageV01P114 فإن التذوا لحظة بأكل أو شرب ~~فحركت الريح قصبة هربوا خوفا من السلطان وما أقل بقاءهم، ثم القتل والصلب ~~مع إثم الآخرة. # ومنهم أرباب قرى قد عمهم الجهل، وأكثرهم لا يتحاشى من نجاسة، فهم في زمرة ~~البقر. # ورأيت النساء ينقسمن أيضا، فمنهن المستحسنة التي تبغي. # ومنهن الخائنة لزوجها في ماله. # ومنهن من لا تصلي ولا تعرف شيئا من الدين، فهؤلاء حشو النار. ms236 # فإذ سمعن موعظة فإنها كما مرت على حجر. # وإذا قرىء عندهن القرآن فكأنهن يسمعن السمر. # وأما العلماء فالمبتدئون منهم ينقسمون إلى ذي نية خبيثة يقصد بالعلم ~~المباهاة لا العمل، ويميل إلى الفسق ظنا أن العلم يدفع عنه، وإنما هو حجة ~~عليه. # وأما المتوسطون والمشهورون، فأكثرهم يغشي السلاطين ويسكت عن إنكار ~~المنكر. # وقليل من العلماء من تسلم له نيته ويحسن قصده. # فمن أراد الله به خيرا رزقه حسن القصد في طلب العلم، فهو يحصله لينتفع به ~~وينفع، ولا يبالي بعمل مما يدله عليه العلم. # فتراه يتجافى أرباب الدنيا، ويحذر مخالطة العوام، ويقنع بالقليل خوفا من ~~المخاطرة في الدنيا في تحصيل الكثير. # ويؤثر العزلة فليس مذكرا للآخرة مثلها. # وليس على العالم أضر من الدخول على السلاطين فإنه يحسن للعالم الدنيا ~~ويهون عليه المنكر. # وربما أراد أن ينكر فلا يصح له، فإن عدم القناعة وتقلبت نفسه في طلب فضول ~~الدنيا فهيهات أن يسلم منها لأنه يتعرض بأربابها. # وإن الإنسان ليمشي في السوق ساعة، فينسى بما يرى، ما يعلم. # فكيف إذا انضم إلى ذلك التردد إلى الأغنياء والطمع في أموالهم. # فأما الوحدة فإنها سبب رجوع القلب وجمع الهم، والنظر في العواقب والتهيؤ ~~للرحيل وتحصيل الزاد. # فإذا انضمت إليها القناعة جلبت الأحوال المستحسنة. # ولا تحسن اليوم المجالسة إلا لكتاب يحدثك عن أسرار السلف. # فأما مجالسة العلماء فمخاطرة، إذ لا يجتمعون على ذكر الآخرة في الأغلب. # ومجالسة العوام فتنة للدين، إلا أن يحترز في مجالسهم ويمنعهم من القول ~~فيقول هو ويكلفهم السماع. # ثم يستوفز للبعد عنهم، ولا يمكن الانقطاع الكلي إلا بقطع الطمع. ولا ~~ينقطع الطمع إلا بالقناعة باليسير أو يتميز بتجارة، أو أن يكون له عقار ~~يستغله. # فإنه متى احتاج تشتت الهم، ومتى انقطع العالم عن الخلق وقطع طمعه فيهم ~~وتوفر على ذكر الآخرة فذاك الذي ينفع وينتفع به. والله الموفق. # فصل مهر الجنة. # من تأمل بعين الفكر دوام البقاء في الجنة في صفاء بلا كدر، ولذات بلا ~~انقطاع، وبلوغ كل مطلوب للنفس، والزيادة مما ms237 لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ~~خطر على قلب بشر من غير تغيير ولا زوال، إذ لا يقال ألف ألف سنة، ولا مائة ~~ألف ألف، بل ولو أن الإنسان عد الألوف ألوف السنين لا ينقضي عدده. وكان له ~~نهاية، فبقاء الآخرة لا نفاد له. # إلا أنه لا يحصل ذلك إلا بنقد هذا العمر. # وما مقدار عمر غايته مائة سنة منها خمسة عشر صبوة وجهل، وثلاثون بعد ~~السبعين - إن حصلت - ضعف وعجز. # والتوسط نصف نوم، وبعضه زمان أكل وشرب وكسب، والمنتحل منه للعبادات يسير. # أفلا يشتري ذلك الدائم بهذا القليل ؟ إن الإعراض عن الشروع في هذا البيع ~~والشراء لغبن فاحش في العقل، وخلل داخل في الإيمان بالوعد. # فإن من يدري كيف يعقد البيع بالعلم، هو الذي يدل على الطريق ويعرف ما ~~يصلح لها ويحذر من فظاعتها. # ولقد دخل إبليس على طائفة من المتزهدين بآفات أعظمها أنه صرفهم عن العلم. ~~فكأنه شرع في إطفاء المصباح ليسرق في الظلمة، حتى أنه أخذ قوما من كبار ~~العلماء فسلك بهم من ذلك ما ينهي عنه العلم. # فرأيت أبا حامد الطوسي يحكي عن نفسه في بعض مصنفاته قال: شاورت متبوعا ~~مقدما من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن فمنعني منه، وقال: السبيل ~~أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل وولد ومال ~~وعلم، بل تصير إلى حالة يستوي عندك وجود ذلك وعدمه. ثم تخلو بنفسك في ~~زاوية، فتقتصر من العبادة على الفرائض والرواتب، وتجلس فارغ القلب، ولا ~~تزال تقول: الله الله إلى أن تنتهي إلى حالة لو ترك تحريك اللسان رأيت كأن ~~الكلمة جارية على لسانك. ثم تنظر ما يفتح عليك مما فتح مثله على الأنبياء ~~والأولياء. # قلت: وهذا أمر لا أتعجب أنا فيه من الموصى به وإنما أتعجب من الذي قبله ~~مع معرفته وفهمه. PageV01P115 وهل يقطع الطريق بالإعراض عن تلاوة القرآن ؟. # وله فتح للأنبياء ما فتح بمجاهدتهم ورياضتهم ؟. # وهل يوثق بما يظهر من هذه المسالك ؟. # ثم ما الذي يفتح. أثم ms238 اطلاع على علم الغيب أم هو وحي ؟... # فهذا كله من تلاعب إبليس بالقوم. # وربما كان ما يتخايل لهم من أثر الماليخوليا أو من إبليس. # فعليك بالعلم. وانظر في سير السلف هل فعل أحد منهم من هذا شيئا أو أمر به ~~؟. وإنما تشاغلوا بالقرآن والعلم فدلهم على إصلاح البواطن وتصفيتها. # نسأل الله عز وجل علما نافعا، للعدو مانعا، إنه قادر. # فصل التصرف مع المحبوب # من أراد اصطفاء محبوب؛ فالمحبوب نوعان: امرأة يقصد منها حسن الصورة، ~~وصديق يقصد منه حسن المعنى. # فإذا أعجبتك صورة امرأة فتأمل خلالها الباطنة مديدة قبل أن يتعلق القلب ~~بها تعلقا محكما، فإن رأيتها كما تحب - وأصل ذلك كله الدين كما قال: عليك ~~بذات الدين - فمل إليها واستولدها. # وكن في ميلك معتدلا، فإنه من الغلط أن تظهر لمحبوبك المحبة، فإنه يشتط ~~عليك، وتلقى منه الأذى والتجني والهجران والإذلال وطلب الإنفاق الكثير - ~~وإن كانت تحبك - لأن هذا إنما يجتلبه حب الإدلال والتسلط على المقهور. # وثم نكتة عجيبة، وهو أنك ربما عملت بمقتضى الحال الحاضرة، وهي تحكم بكمال ~~الحب، ثم إن ذلك لا يثبت إليك فتقع وتبقى مقهورا أو يصعب عليك الخلاص. # وربما تمكنت منك بمعرفة سرك أو بأخذ كثير من مالك. # ومن أحسن ما بلغني في هذا أن جارية لبعض الخلفاء كانت تحبه حبا شديدا، ~~ولا تظهر له ذلك، فسألت عن هذا فقالت: لو أظهرت ما عندي فجفاني هلكت، قال ~~الشاعر: # لا تظهرن مودة لحبيب ... فتى بعينك منه كل عجيب # أظهرت يوما للحبيب مودتي ... فأخذت من هجرانه بنصيبي # وكذا ينبغي أن تكتم بعض حبك للولد، لأنه يتسلط عليك، ويضيع مالك، ويبالغ ~~في الإدلال، ويمتنع عن التعلم والتأدب. # وكذلك إذا اصطفيت صديقا وخبرته، فلا تخبره بكل ما عندك، بل تعاهده ~~بالإحسان كما تتعاهد الشجرة، فإنها إذا كانت جيدة الأصل حسنت ثمرتها ~~بالتعاهد، ثم كن منه على حذر فقد تتغير الأحوال، وقد قيل: # احذر عدوك مرة ... واحذر صديقك ألف مرة # فلربما انقلب الصدي ... ق فكان أدرى بالمضرة # فصل السلوك مع البغيض ms239 # وأما إذا أبغضت شخصا لأنه يسوءك فلا تظهرن ذلك، فإنك تنبهه على أخذ الحذر ~~منك، وتدعوه إلى المبارزة، فيبالغ في حربك والاحتيال عليك، بل ينبغي أن ~~تظهر له الجميل إن قدرت، وتبره ما استطعت حتى تنكسر معاداته بالحياء من ~~بغضك. # فإن لم تطق فهجر جميل، لأتبين فيه ما يؤذي. # ومتى سمعت منه كلمة قذعة فاجعل جوابها كلمة جميلة، فهي أقوى في كف لسانه. # وكذلك جميع ما يخاف إظهاره، فلا تتكلمن به، فربما وقعت كلمة أسقطت بها عز ~~السلطان، فنقلت إليه، فكانت سبب هلاكك. # أو عن صديق فكانت سبب عداوته، أو صرت رهينا لمن سمعها خائفا أن يظهرها. # فالحزم كتمان الحب والبغض. # وكذا ينبغي أن تكتم سنك فلا تلغو به بين الناس فإن كنت كبيرا استهرموك ~~وإن كنت صغيرا استحقروك. # وكذلك مقدار مالك فإنه إن كان كثيرا نسبوك في نفقتك إلى البخل. وإن كان ~~قليلا طلبوا الراحة منك. # وكذلك المذهب، فإنك إن أظهرته لم تأمن أن يسمعه مخالف فيقطع بكفرك. وقد ~~أنشدنا محمد بن عبد الباقي البزار. # احفظ لسانك لا تبح بثلاثة ... سن ومال، ما استطعت ومذهب # فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة ... بمموه ومخرف ومكذب # فصل خدمة الظالمين # طال تعجبي من مؤمن بالله عز وجل، مؤمن بجزائه، يؤثر خدمة السلطان مع ما ~~يرى منه من الجور الظاهر. # فواعجبا ما الذي يعجبه ؟. # إن كان الذي يعجبه دنيويا فليس ثم إلا أن يصاح بين يديه بسم الله وهو ما ~~يريد إلا أن يتصدر في المجالس ويلوي عنقه كبرا على النظراء، ويأخذ الأسحات ~~وهو يعلم من أين حصل، وربما انبسط في البراطيل. # ثم يقابل هذا أن يصادر ويعزل، فتستخرج منه تلك المرارة من كل حلاوة كانت ~~في الولاية. # وربما كان قريب الحال فافتقر بالمصادرة جدا، ثم تنطلق الألسن المادحة ~~بالذم. PageV01P116 ثم لو سلم من هذا فإنه لا يسلم من الرقيب له والحذر ~~منه، فهو كراكب البحر إن سلم بدنه من الغرق لم يسلم قلبه من الخوف. # وإن كان دينا فإنه يعلم أنه لا يمكنونه في ms240 الغالب من العمل بمقتضى الدين، ~~إنهم يأمرونه بترك ما يجب وفعل ما لا يجوز فيذهب دينه على البارد. # ولعقاب الآخرة أشق. # فصل الكرامة # العجب من الذي أنف الذل كيف لا يصبر على جلف الخبز ولا يتعرض لمنن ~~الأنذال. # أتراه ما يعلم أنه ما بقي صاحب مروءة ! وأنه إن سأل سأل بخيلا لا يعطي، ~~فإن أعطى نزرا فإنه يستعبد المعطي بذلك العمر. # ثم ذاك القدر النزر فيذهب عاجلا، وتبقى المنن والخجل ورؤية النفس بعين ~~الاحتقار، إذ صارت سائلة، ورؤية المعطي بعين التعظيم أبدا. # ثم يوجب ذلك السكوت عن معائب المعطي والبدار إلى قضاء حقوقه وخدمته فيما ~~يفي. # وأعجب من هذا من يقدر أن يستعبد الأحرار بقليل العطاء الفاني ولا يفعل، ~~فإن الحر لا يشترى إلا بالإحسان قال الشاعر: # تفضل على من شئت واعن بأمره ... فأنت ولو كان الأمير أميره # وكن ذا غنى عن من تشاء من الورى ... ولو كان سلطانا فأنت نظيره # ومن كنت محتاجا إليه وواقفا ... على طمع منه فأنت أسيره # فصل واجب الشباب # ينبغي للصبي إذا بلغ ان يحذر كثرة الجماع ليبقى جوهره فيفيده في الكبر، ~~لأنه من الجائز كبره. # والاستعداد للجائز حزم، فكيف للغالب ؟ كما ينبغي أن يستعد للشتاء قبل ~~هجومه. # ومتى أنفق الحاصل وقت القدرة تأذى بالفقر إليه وقت الفاقة. # وليعلم ذو الدين والفهم أن المتعة إنما تكون بالقرب من الحبيب، والقرب ~~يحصل بالتقبيل والضم، وذلك يقوي المحبة، والمحبة يلذ وجودها والوطء ينقص ~~المحبة ويعدم تلك اللذة. # وقد كان العرب يعشقون ولا يرون وطء المعشوق. قال قائلهم إن نكح الحب فسد. ~~فأما الالتذاذ بنفس الوطء فشأن البهائم. # ولقد تأملت المراد من الوطء فوجدت فيه معنى عجيبا يخفى على كثير من الناس ~~وهو أن النفس إذا عشقت شخصا أحبت إلا القرب منه، فهي تؤثر الضم والمعانقة ~~لأنهما غاية في القرب. # ثم تريد قربا يزيد على هذا فيقبل الخد. # ثم تطلب العرب من الروح فيقبل الفم، لأنه منفذ إلى الروح. # ثم تطلب الزيادة فيمص لسان المحبوب، وقد كان رسول ms241 الله صلى الله عليه ~~وسلم يتوشح عائشة ويقبلها ويمص لسانها. # فإذا طلبت النفس زيادة في القرب إلى النفس استعملت الوطء. # فهذا سره المعنوي ويحصل منه الالتذاذ الحسي. # فصل أخطاء الدعاة # ليس على العوام أضر من سماعهم علم الكلام. # وإنما أن يحذر العوام من سماعه والخوض فيه، كما يحذر الصبي من شاطىء ~~النهر خوف الغرق. # وربما ظن العامي أن له قوة يدرك بها هذا وهو فاسد، فإنه قد زل في هذا ~~الخلق من العلماء فكيف العوام. # وما رأيت أحمق من جمهور قصاص زماننا، فإنه يحضر عندهم العوام الغشم فلا ~~ينهونهم عن خمر وزنا وغيبة، ولا يعلمونهم أركان الصلاة ووظائف التعبد، بل ~~يملؤون الزمان بذكر الاستواء وتأويل الصفات، وأن الكلام قائم بالذات فيتأذى ~~بذلك من كان قلبه سليما. # وإنما على العامي أن يؤمن بالأصول الخمسة بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر، ويقنع بما قال السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق. والاستواء ~~حق والكيف مجهول. # وليعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكلف الأعراب سوى مجرد ~~الإيمان ولم تتكلم الصحابة في الجواهر والأعراض. # فمن مات على طريقهم مات مؤمنا سليما من بدعة. # ومن تعرض لساحل البحر وهو لا يحسن السباحة فالظاهر غرقه. # فصل حقيقة المتعة # أشد الناس جهلا منهوم باللذات. واللذات على ضربين مباحة ومحظورة. # فالمباحة لا يكاد يحصل منها بشيء إلا بضياع ما هو مهم من الدين. # فإذا حصلت منها حبة قارنها قنطار من الهم. # ثم لا تكاد تصفو في نفسها بل مكدراتها ألوف. # فإذا تصور عدمها بعد انقضائها وبقاء هذه الألوف المكدرة صار التصوير ~~مغلصما للهوى محزنا للنفس. # فإذا أنفت أنفت من الأسف على الدوام المستعبد، وعرفت أنها لذة تغر الغمر ~~وتهدم العمر وتديم الأسى. # ومع هذا فالمنهوم كلما عب من لذة طلب أختها. وقد عرف جناية الأولى ~~وخيانتها. PageV01P117 وهذا مرض العقل، وداء الطبع. فلا يزال هذا كذلك إلى ~~أن يختطف بالموت فيلقى على بساط ندم لا يستدرك. # فالعجب ممن همته هكذا مع قصر العمر، ثم لا يهتم بآخرته ms242 التي لذتها سليمة ~~من شوائب، منزهة عن معائب دائمة الأمد باقية ببقاء الأبد. # وإنما يحصل تقريب هذه بإبعاد تلك، وعمران هذه بتخريب تلك. # فواعجبا لعاقل حصيف حسن التدبير، فاته النظر في هذه الأحوال، وغفل عن ~~تمييز بين هذين الأمرين. # وإن كانت اللذة معصية انضم إلى ما ذكرناه عار الدنيا، والفضيحة بين ~~الخلق، وعقوبة الحدود، وعقاب الآخرة وغضب الحق سبحانه. # بالله، إن المباحات تشغل عن تحصيل الفضائل، فذم ذلك لبيان الحزم. # فكيف بالمحرمات التي هي غاية الرذائل ؟. # نسأل الله عز وجل يقظة تحركنا إلى منافعنا. وتزعجنا عن خوادعنا إنه قريب. # فصل أسباب الخطأ # تأملت في الخلق وإذا هم في حالة عجيبة، يكاد يقطع معها بفساد العقل. # وذلك أن الإنسان يسمع المواعظ وتذكر له الآخرة فيعلم صدق القائل، فيبكي ~~وينزعج على تفريطه، ويعزم على الاستدراك، ثم يتراخى عمله بمقتضى ما عزم ~~عليه. # فإذا قيل له: أتشك فيما وعدت به، قال لا والله، فيقال: له فاعمل، فينوي ~~ذلك ثم يتوقف عن العمل. # وربما مال إلى لذة محرمة، وهو يعلم النهي عنها. # ومن هذا الجنس تأخر الثلاثة الذين خلفوا ولم يكن لهم عذر وهم يعلمون قبح ~~التأخر. وكذلك كل عاص ومفرط. # فتأملت السبب مع أن الاعتقاد صحيح والفعل بطيء، فإذا له ثلاثة أسباب. # أحدها رؤية الهوى العاجل، فإن رؤيته تشغل عن الفكر فيما يجنيه. # والثاني التسويف بالتوبة، فلو حضر العقل لحذر من آفات التأخير، فربما هجم ~~الموت ولم تحصل التوبة. # والعجب ممن يجوز سلب روحه قبل مضي ساعة ولا يعمل على الحزم، غير أن الهوى ~~يطيل الأمد، وقد قال صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم: صل صلاة مودع وهذا ~~نهاية الدواء لهذا الداء، فإنه من ظن أنه لا يبقى إلى صلاة أخرى جد واجتهد. # والثالث رجاء الرحمة فيرى العاصي يقول: ربي رحيم، وينسى أنه شديد العقاب. # ولو علم أن رحمته ليست رقة إذ لو كانت كذلك لما ذبح عصفورا ولا آلم طفلا ~~وعقابه غير مأمون، فإنه شرع قطع اليد الشريفة بسرقة خمسة دراهم. # فنسأل ms243 الله عز وجل أن يهب لنا حزما يبت المصالح جزما. # فصل الحذر من الآفات # نظرت فيما روى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما لبس الخاتم ثم نزعه من ~~يده، ورمى به، وكره أن يرى نفسه مزدانا بهذه الحلية. وقال شغلني نظري إليكم ~~ونظري إليه. وتأملت كذلك في قوله: بينما رجل يتبختر في حلته مرجلا جمته خسف ~~به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. فرأيت أنه لا ينبغي للمؤمن أن ~~يلبس ثوبا معجبا ولا شيئا من زينة، لأن ذلك يوجب النظر إلى النفس بعين ~~الإعجاب، والنفس ينبغي أن تكون ذليلة للخالق. # وقد كان القدماء من أحبار بني إسرائيل يمشون على العصي لئلا يقع منهم بطر ~~في المشي. # ولبست أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها درعا لها فأعجبت به، فقال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا ينظر إليك في حالتك هذه. # ولما لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة لها أعلام قال: ألهتني هذه ~~عن صلاتي. وهذا كله يوجب الإعراض عن الزينة وما يحرك إلى الفخر والزهو ~~والعجب. # ولهذا حرم الحرير. # وأقول على أسباب هذا: إن المرقعات التي يظهر فيها المتصوفة بالسوارك ~~والتلميع، ربما أوجبت زهو الملابس، إما لحسنها في ذاتها، أو لعلمه أنها ~~تنبىء عنه بالتصوف والزهد. # وكذلك الخاتم في اليد، وطول الأكمام والنعام الصرارة. # ولا أقول: إن هذه الأشياء تحرم، بل ربما جلبت ما يحرم من الزهو. # فينبغي للعاقل أن يتنبه بما قلت في دفع كل ما يحذر من شره. # وقد ركب ابن عمر نجيبا فأعجبه مشيه فنزل، وقال يا نافع أخله في البدن. # فصل الإقبال على الله # من أراد اجتماع همه وإصلاح قلبه، فليحذر من مخالطة الناس في هذا الزمان، ~~فإنه قد كان يقع الاجتماع على ما ينفع ذكره، فصار الاجتماع على ما يضر. # وقد جربت على نفسي مرارا أن أحصرها في بيت العزلة، فتجتمع هي ويضاف إلى ~~ذلك النظر في سير السلف فأرى العزلة حمية والنظر في سير القوم دواء ~~واستعمال ms244 الدواء مع الحمية عن التخليط نافع. PageV01P118 فإذا فسحت لنفسي ~~في مجالسة الناس ولقائهم تشتت القلب المجتمع، ووقع الذهول عما كنت أراعيه، ~~وانتقش في القلب ما قد رأته العين، وفي الضمير ما تسمعه الأذن، وفي النفس ~~ما تطمع في تحصيله من الدنيا. وإذا جمهور المخالطين أرباب غفلة، والطبع ~~بمجالستهم يسرق من طباعهم. # فإذا عدت أطلب القلب لم أجده، وأروم ذاك الحضور فأفقده، فيبقى فؤادي في ~~غمار ذلك اللقاء للناس أياما حتى يسلو الهوى. # وما فائدة تعريض البناء للنقض ؟. # فإن دوام العزلة كالبناء والنظر في سير السلف يرفعه، فإذا وقعت المخالطة ~~انتقض ما بنى في مدة، في لحظة. وصعب التلاقي وضعف القلب. # ومن له فهم يعرض أمراض القلب وإعراضه عن صاحبه وخروج طائره من قفصه. # ولا يؤمن على هذا المريض أن يكون مرضه هذا سبب التلف، ولا على هذا الطائر ~~المحصور أن يقع في الشبكة. # وسبب مرض القلب أنه كان محميا عن التخليط مغذوا بالعلم وسير السلف فخلط ~~فلم يحتمل مزاجه فوقع المرض. # فالجد الجد فإنما هي أيام وما نرى من يلقى ولا من يؤخذ منه، ولا من تنفع ~~مجالسته، إلا أن يكون نادرا ما أعرفه: # ما في الصحاب أخو وجد نطارحه ... حديث نجد ولا خل نجاريه # فالزم خلوتك، وراع - ما بقيت النفس - وإذا قلقت النفس مشتاقة إلى لقاء ~~الخلق فاعلم أنها بعد كدرة، فرضها ليصير لقاؤهم عندها مكروها. # ولو كان عندها شغل بالخالق لما أحبت الزحمة، كما أن الذي يخلو بحبيبه لا ~~يؤثر حضور غيره. # ولو أنها عشقت طريق اليمن لم تلتفت إلى الشام. # فصل نور البصيرة # تفكرت في سبب هداية من يهتدي، وانتباه من يتيقظ من رقاد غفلته، فوجدت ~~السبب الأكبر اختيار الحق عز وجل لذلك الشخص، كما قيل، إذا أرادك لأمر هيأك ~~له. # فتارة تقع اليقظة بمجرد فكر يوجبه نظر العقل، فيتلمح الإنسان وجود نفسه، ~~فيعلم أن لها صانعا، وقد طالبه بحقه وشكر نعمته وخوفه عقاب مخالفته، ولا ~~يكون ذلك بسبب ظاهر. # ومن هذا ما جرى لأهل الكهف: " إذ ms245 قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض " ~~. # وفي التفسير: أن كل واحد منهم ألفى في قلبه يقظة، فقال: لا بد لهذا الخلق ~~من خالق، فاشتدوا كرب بواطنهم من وقود نار الحذر، فخرجوا إلى الصحراء، ~~فاجتمعوا عن غير موعد. # فكل واحد يسأل الآخر: ما الذي أخرجك... ؟. فتصادقوا. # ومن الناس من يجعل الخالق سبحانه وتعالى لذلك السبب الذي هو الفكر والنظر ~~سببا ظاهرا، إما من موعظة يسمعها أو يراها، فيحرك هذا السبب الظاهر فكرة ~~القلب الباطنة، ثم ينقسم المتيقظون فمنهم من يغلبه هواه ويقتضيه طبعه ما ~~يشتهي مما قد اعتاده، فيعود القهقرى ولا ينفعه ما حصل له من الانتباه، ~~فانتباه مثل هذا زيادة في الحجة عليه. # ومنهم من هو واقف في مقام المجاهدة بين صفين: المقل الأمر بالتقوى والهوى ~~المتقاضي بالشهوات. # فمنهم من يغلب بعد المجاهدات الطويلة فيعود إلى الشر ويختم له به. # ومنهم من يغلب تارة ويغلب أخرى فجراحاته لا في مقتل. # ومنهم من يقهر عدوه فيسجنه في حبس، فلا يبقى للعدو من الحيلة إلا ~~الوساوس. # ومن الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا، ومذ سلكوا ما وقفوا. # فهمهم صعود وترق. # كلما عبروا مقاما إلى مقام رأوا نقص ما كانوا فيه فاستغفروا. # ومنهم من يرقى عن الاحتياج إلى مجاهدة، إما لخسة ما يدعو إليه الطبع عنده ~~ولا وقع له. # وإما لشرف مطلوبه فلا يلتفت إلى عائق عنه. # واعلم أن الطريق الموصلة إلى الحق سبحانه ليست مما يقطع بالأقدام، وإنما ~~يقطع بالقلوب. # والشهوات العاجلة قطاع الطريق والسبيل كالليل المدلهم. # غير أن عين الموفق بصر فرس لأنه يرى في الظلمة كما يرى في الضوء. # والصدق في الطلب منار أين وجد يدل على الجادة، وإنما يتعثر من لم يخلص. # وإنما يمتنع الإخلاص ممن لا يراد، فلا حول ولا قوة إلا بالله. # فصل الإعجاب بالفاني # عجبت لمن يعجب بصورته ويختال في مشيته وينسى مبدأ أمره. # إنما أوله لقمة ضمت إليها جرعة ماء فإن شئت فقل كسيرة خبز معها تمرات ~~وقطعة من لحم ومذقة من لبن وجرعة من ms246 ماء ونحو ذلك طبخته الكبد فأخرجت منه ~~قطرات مني، فاستقر في الأنثيين فحركتها الشهوة، فصبت في بطن الأم مدة حتى ~~تكاملت صورتها فخرجت طفلا تتقلب في خرق البول. PageV01P119 وأما آخره فإنه ~~يلقى في التراب فيأكله الدود ويصير رفاتا تسفيه السوافي. # وكم يخرج تراب بدنه من مكان إلى مكان آخر ؟ ويقلب في أحوال إلى أن يعود ~~فيجمع. # هذا خبر البدن. إنما الروح التي عليها العمل، فإن تجوهرت بالأدب وتقومت ~~بالعلم، وعرفت الصانع، وقامت بحقه فما يضرها نقض المركب. # وإن هي بقيت على صفتها من الجهالة شابهت الطين بل صارت إلى أخس حالة منه. # فصل القصد في المعيشة # هيهات أن يجتمع الهم مع التلبيس بأمور الدنيا خصوصا بالشاب الفقير الذي ~~قد ألف الفقر. # فإنه إذا تزوج وليس له شيء من الدنيا اهتم بالكسب أو بالطلب من الناس ~~فتشتت همته وجاءه الأولاد فزاد الأمر عليه. # ولا يزال يرخص لنفسه فيما يحصل إلى أن يتلبس بالحرام. # ومن يفكر فهمته ما يأكل وما يأكل أهله، وما ترضى به الزوجة من النفقة ~~والكسوة، وليس له ذلك؛ فأي قلب يحضر له ؟ وأي هم يجتمع ؟ هيهات. # والله لا يجتمع الهم والعين تنظر إلى الناس، والسمع يسمع حديثهم، واللسان ~~يخاطبهم، والقلب متوزع في تحصيل ما لا بد منه. # فإن قال قائل: فكيف أصنع ؟ قلت: إن وجدت ما يكفيك من الدنيا، أو معيشة ما ~~تكفيك فاقنع بها، وانفرد في خلوة عن الخلق مهما قدرت، وإن تزوجت فبفقيرة ~~تقنع باليسر، وتصبر أنت على صورتها وفقرها، ولا تترك نفسك تطمح إلى من ~~تحتاج إلى فضل نفقته. # فإن رزقت امرأة صالحة جمعت همك فذاك، وإن لم تقدر فمعالجة الصبر أصلح لك ~~من المخاطرة. # وإياك والمستحسنات فإن صاحبهن إذا سلم كعابد صنم، وإذا حصل بيدك شيء ~~فانفق بعضه فبحفظ الباقي تحفظ شتات قلبك. # واحذر كل الحذر من هذا الزمان وأهله فما بقي مواس ولا مؤثر، ولا من يهتم ~~لسد خلة، ولا من لو سئل أعطى إلا أن يعطي نذرا بتضجر. # ومنة يستعبده بها المعطي ms247 بقية العمر، ويستثقله كل ما رآه أو يستدعي بها ~~خدمته له والتردد إليه. # وإنما كان في الزمان الماضي مثل أبي عمرو بن نجيد سمع أبا عثمان المغربي ~~يقول يوما على المنبر علي ألف دينار، وقد ضاق صدري. # فمضى أبو عمرو إليه في الليل بألف دينار، وقال اقض دينك. # فلما عاد وصعد المنبر قال نشكر الله لأبي عمرو فإنه أراح قلبي وقضى ديني. # فقام أبو عمرو فقال: أيها الشيخ ذلك المال كان لوالدتي وقد شق عليها ما ~~فعلت فإن رأيت أن تتقدم برده فافعل. # فلما كان في الليل عاد إليه، وقال: لماذا شهرتني بين الناس ؟. # فأنا ما فعلت ذلك لأجل الخلق فخذه ولا تذكرني: # ماتوا وغيب في التراب شخوصهم ... والنشر مسك والعظام رميم # فالبعد البعد عن من همته الدنيا، فإن زادهم اليوم إلى أن يحصل أقرب منه ~~إلى أن يؤثر. # ولا تكاد ترى إلا عدوا في الباطن صديقا في الظاهر شامتا على الضر حسودا ~~على النعمة. # فاشتر العزلة بما بيعت فإن من له قلب إذا مشى في الأسواق وعاد إلى منزله ~~تغير قلبه. # فكيف إن عرقله بالميل إلى أسباب الدنيا، واجتهد في جمع الهم بالبعد عن ~~الخلق ليخلو القلب بالتفكر في المآب وتتلمح عين البصيرة خيم الرحيل ؟. # فصل الوحدة خير من جليس السوء # كان المريد في بداية الزمان إذا أظلم قلبه أو مرض لبه قصد زيارة بعض ~~الصالحين فانجلى عن نفسه ما أظلم منها. # أما اليوم فمتى حصلت ذرة من الصدق لمريد فردته في بيت عزلة، ووجد نسيما ~~من روح العافية، ونورا في باطن قلبه، وكاد همه يجتمع وشتاته ينتظم، فخرج ~~فلقي من يومأ إليه بعلم أو زهد رأى عنده البطالين يجري معهم في مسلك ~~الهذيان الذي لا ينفع. # ورأى صورته منمس، وأهون ما عليه تضييع الأوقات في الحديث الفارغ. فما ~~يرجع المريد عن ذلك الوطن إلا وقد اكتسب ظلمة في القلب وشتاتا في العزم، ~~وغفلة عن ذكر الآخرة، فيعود مريض القلب. يتعب في معالجته أياما كثيرة حتى ~~يعود إلى ما ms248 كان فيه. # وربما لم يعد لأن المريد فيه ضعف. # وربما فتن فإنه إذا رأى شيخا قد جرب وعرف ثم يؤثر البطالة، لم يأمن أن ~~يتبعه الطبع. # فالأولى للمريد اليوم أن لا يزور إلا المقابر ولا يفاوض إلا الكتب، التي ~~قد حوت محاسن القوم. # وليستعن بالله تعالى على التوفيق لمراضيه، فإنه إن أراده هيأه لما يرضيه. # فصل حقيقة الأولياء # تأملت الذين يختارون الحق عز وجل لولايته والقرب منه. فقد سمعنا أوصافهم ~~ومن نظنه منهم، ممن رأيناه. PageV01P120 فوجدته سبحانه لا يختار إلا شخصا ~~كامل الصورة، لا عيب في صورته، ولا نقص في خلقته. فتراه حسن الوجه معتدل ~~القامة سليما من آفة في بدنه. # ثم يكون كاملا في باطنه، سخيا جوادا عاقلا غير خب ولا خادع ولا حقود ولا ~~حسود ولا فيه عيب من عيوب الباطن. # فذاك الذي يبيه من صغره فتراه في الطفولة معتزلا عن الصبيان، كأنه في ~~الصبا شيخ ينبو عن الرذائل ويفزع من النقائص، ثم لا تزال شجر همته تنمو حتى ~~يرى ثمرها متهدلا على أغصان الشباب، فهو حريص على العلم، منكمش على العمل، ~~حافظ للزمان، مراع للأوقات، ساع في طلب الفضائل، خائف من النقائص. # ولو رأيت التوفيق والإلهام الرباني يحوطه لرأيت كيف يأخذ بيده إن عثر، ~~ويمنعه من الخطأ إن هم، ويستخدمه في الفضائل، ويستر عمله عنه حتى لا يراه ~~منه. # ثم ينقسم هؤلاء. فمنهم من تفقه على قدم الزهد والتعبد ومنهم من تفقه على ~~العلم واتباع السنة. # ويندر منهم من يجمع الله له الكل ويرقيه إلى مزاحمة الكاملين. # وعلامة إثبات الكمال في العلم والعمل، الإقبال بالكلية على معاملة الحق ~~ومحبته واستيعاب الفضائل كلها، وسناء الهمة في نشدان الكمال الممكن. # فلو تصورت النبوة أن تكتسب لدخلت في كسبه. # ومراتب هذا الاصطفاء لا يحتملها الوصف، لكونه درة الوجود، التي لا تكاد ~~تنعقد في الصدف إلا في كل ودود. # نسأل الله عز وجل توفيقنا لمراضيه وقربه ونعوذ به من طرده وإبعاده. # فصل أخلاق العامة # أكثر الخلائق على طبع رديء لا تقومه ms249 الرياضة. لا يدرون لماذا خلقوا ولا ~~ما المراد منهم. # وغاية همتهم حصول بغيتهم من أغراضهم. ولا يسألون عند نيلها ما اجتلبت لهم ~~من ذم. # يبذلون العرض دون الغرض، ويؤثرون لذة ساعة، وإن اجتلبت زمان مرض. # يلبسون عند التجارات ثياب محتال، في شعار مختال ويلبسون في المعاملات ~~ويسترون الحال. # إن كسبوا فشبهة. وإن أكلوا فشهوة. ينامون الليل وإن كانوا نياما بالنهار. ~~في المعنى، ولا نوم إلا بهذه الصورة. # فإذا أصبحوا سعوا في تحصيل شهواتهم بحرص خنزير، وتبصبص كلب، وافتراس أسد، ~~وغارة ذئب، وروغان ثعلب. # ويتأسفون عند الموت على فقد الهوى لا على عدم التقوى. # " ذلك مبلغهم من العلم " . # كيف يفلح من يؤثر ما يراه بعينه على ما يبصره بعقله، وما يدركه ببصره أعز ~~عنده مما يراه ببصيرته. # تالله لو فتحوا أسماعهم لسمعوا هاتف الرحيل في زمان الإقامة يصيح في ~~عرصات الدنيا: تلمحوا تقويض خيام الأوائل. # لكن غمرهم سكر الجهالة، فلم يفيقوا إلا بضرب الحد. # فصل صدقات الظلمة # رأيت بعض المتقدمين سئل عن من يكتسب حلالا وحراما من السلاطين والأمراء، ~~ثم يبني المساجد والأربطة، هل له فيها ثواب ؟ فأفتى بما يوجب طيب قلب ~~المنفق، وذكر أن له في إنفاق ما لا يملكه نوع حسنة، لأنه لا يعرف أعيان ~~المغصوبين فيردها عليهم. # فقلت: واعجبا ! من المتصدين للفتوى الذين لا يعرفون أصول الشريعة. # ينبغي أن ينظر في حال هذا المنفق أولا، فإن كان سلطانا فما يخرج من بيت ~~المال قد عرفت وجوه مصارفه، فكيف يمنع مستحقه ويشغله بما لا يفيد من بناء ~~مدرسة ورباط. # وإن كان المنفق من الأمراء ونواب السلاطين، فإنه يجب أن يرد ما يجب رده ~~إلى بيت المال، وليس له فيه إلا ما فرض من إيجاب يليق به. # فإن تصرف في غير ذلك كان متصرفا فيما ليس له، ولو أذن له ما كان الإذن ~~جائزا. # وإن كان قد أقطع ما لا يقاوم عمله كان ما يأخذه فاضلا من أموال المسلمين ~~لا حق له فيه. # وعلى من أطلقه في ذلك إثم أيضا. ms250 # هذا وإذا كان حراما أو غصبا فكل تصرف فيه حرام، والواجب رده على من أخذ ~~منه أو على ورثتهم. # فإن لم يعرف طريق الرد كان في بيت مال المسلمين، يصرف في مصالحهم، أو ~~يصرف ف الصدقة، ولم يحظ آخذه بغير الإثم. # أنبأنا أحمد بن الحسين بن البنا قال: أخبرنا محمد بن علي الزجاجي قال: ~~أخبرنا عبد الله بن محمد الأسدي قال: أخبرنا علي بن الحسن قال: حدثنا أبو ~~داود قال: حدثنا محمد بن عون الطائي قال: حدثنا أبو المغيرة قال: حدثنا ~~الأوزاعي قال: حدثنا موسى بن سليمان قال: سمعت القاسم بن مخيمرة يقول: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: من اكتسب مالا من مأثم، فوصل رحما، أو تصدق ~~به، أو أنفقه في سبيل الله، جمع ذلك جميعا فقذف به في جهنم. PageV01P121 ~~فأما إذا كان الباني تاجرا مكتسبا للحلال فبنى مسجدا أو وقف وقفا للمتفقهة، ~~فهذا مما يثاب عليه. # ويبعد من يكتسب الحلال حتى يفضل عنه هذا المقدار، أو يخرج الزكاة ~~مستقصاة، ثم يطيب قلبه بمثل هذا البناء والنفقة. # إذ مثل هذا البنيان لا يجوز أن يكون من زكاة. # وأين سلامة النية وخلوص المقصد. # ثم إن بناء المدارس يوم مخاطرة. إذ قد انعكف أكثر المتفقهة على علم ~~الجدل، وأعرضوا عن علوم الشريعة، وتركوا التردد على المساجد، واقتنعوا ~~بالمدارس والألقاب. # وأما بناء الأربطة فليس بشيء أصلا، لأن جمهور المتصوفة جلوس على بساط ~~الجهل والكسل، ثم يدعي مدعيهم المحبة والقرب، ويكره التشاغل بالعلم، وقد ~~تركوا سيرة سري وعادات الجنيد: واقتنعوا بأداء الفرائض. ورضوا بالمرقعات. # فلا تحسن إعانتهم على بطالتهم وراحتهم ولا ثواب في ذلك. # فصل الإخلاص لله وحده # عجبت لمن يتصنع للناس بالزهد يرجو بذلك قربه من قلوبهم، وينسى أن قلوبهم ~~بيد من يعمل له. # فإن رضي عمله ورآه خالصا لفت القلوب إليه، وإن لم يره خالصا أعرض بها ~~عنه. # ومتى نظر العامل إلى التفات القلوب إليه فقد زاحم الشرك نيته، لأنه ينبغي ~~أن يقنع بنظر من يعمل له. # ومن ضرورة الإخلاص ms251 ألا يقصد التفات القلوب إليه، فذاك يحصل لا بقصده بل ~~بكراهته لذلك. # وليعلم الإنسان أن أعماله كلها يعلمها الخلق جملة. وإن لم يطلعوا عليها. # فالقلوب تشهد للصالح بالصلاح وإن لم يشاهد منه ذلك. # فأما من يقصد رؤية الخلق بعمله فقد مضى العمل ضائعا، لأنه غير مقبول عند ~~الخالق ولا عند الخلق، لأن قلوبهم قد ألفتت عنه، فقد ضاع العمل، وذهب ~~العمر. # ولقد أخبرنا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب قال. أخبرنا أحمد بن جعفر ~~قال: حدثنا حسن بن موسى قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا دراج عن أبي ~~الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لو أن ~~أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج للناس عمله كائنا ما ~~كان.. # فليتق الله العبد وليقصد من ينفعه قصده، ولا يتشاغل بمدح من عن قليل ~~يبتلى هو ... وهم. # فصل فقهاء الفتنة # قدم علينا بعض فقهاء من بلاد الأعاجم، وكان قاضيا ببلده فرأيت على دابته ~~الذهب ومعه أتوار الفضة وأشياء كثيرة من المحرمات. # فقلت: أي شيء أفاد هذا العلم ؟ بل والله قد كثرت عليه الحجج. # وأكبر الأسباب قلة علم هؤلاء بسيرة السلف وما كان عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أنهم يجهلون الجملة، ويتشاغلون بعلم الخلاف، ويقصدون ~~التقدم بقشور المعرفة وليس يعنيهم سماع حديث ولا نظر في سير السلف. # ويخالطون السلاطين فيحتاجون إلى التزي بزيهم، وربما خطر لهم أن هذا قريب، ~~وإن لم يخطر لهم فالهوى غالب بلا صاد. # وربما خطر لهم أن يقولوا: هذا يحتمل ويغفر في جانب تشاغلنا بالعلم. ثم ~~يرون العلماء يكرمونهم لنيل شيء من دنياهم، ولا ينكرون عليهم. # ولقد رأيت من الذين ينتسبون إلى العلم من يستصحب المردان، ويشتري ~~المماليك، وما كان يفعل هذا إلا من قد يئس من الآخرة. # ورأيت من قد بلغ الثمانين من العلماء، وهو على هذه الحالة. # فالله الله يا من يريد حفظ دينه ويوقن بالآخرة، إياك والتأويلات الفاسدة، ~~والأهواء الغالبة، فإنك إن ترخصت ms252 بالدخول في بعضها جرك الأمر إلى الباقي، ~~ولم تقدر على الخروج لموضع إلف الهوى. # فإقبل نصحي، واقنع بالكسرة، وابعد عن أرباب الدنيا، فإذا ضج الهوى فدعه ~~لهذا. # وربما قال لك: فالأمر الفلاني قريب، فلا تفعل، فإنه لو كان قريبا يدعو ~~إلى غيره ويصعب التلافي. # فالصبر الصبر على شظف العيش والبعد عن أرباب الهوى، فما يتم دين إلا ~~بذلك. # ومتى وقع الترخص حمل إلى غيره، كالشاطىء إلى اللجة. وإنما هو طعام دون ~~طعام، ولباس دون لباس، ووجه أصبح من وجه، وإنما هي أيام يسيرة. # فصل التسليم للحكمة أولى من البحث في الذات # من تفكر في عظمة الله عز وجل، طاش عقله لأنه يحتاج أن يثبت موجودا لا أول ~~لوجوده. # وهذا شيء لا يعرفه الحس، وإنما يقر به العقل ضرورة. # وهو متحير بعد هذا الإقرار، ثم يرى من أفعاله ما يدل على وجوده، ثم تجري ~~في أقداره أمور لولا ثبوت الدليل على وجوده لأوجبت الجحد. PageV01P122 فإنه ~~يفرق البحر لبني إسرائيل، وذلك شيء لا يقدر عليه سوى الخالق، ويصير العصا ~~حية ثم يعيدها عصا تلقف ما صنعوا ولا يزيد فيها شيء. # فهل بعد هذا بيان ؟. # فإذا آمنت السحرة تركهم مع فرعون يصلبهم ولا يمنع والأنبياء يبتلون ~~بالجوع والقتل، وزكريا ينشر، ويحيى تقتله زانية، ونبينا صلى الله عليه وسلم ~~يقول كل عام، من يؤويني ؟ من ينصرني ؟. # فيكاد الجاهل بوجود الخالق يقول: لو كان موجودا لنصر أولياءه. # فينبغي للعاقل الذي قد ثبت عنده وجود بالأدلة الظاهرة الجلية أن لا يمكن ~~عقله من الاعتراض عليه في أفعاله، ولا يطلب لها علة. # إذ قد ثبت أنه مالك وحكيم، فإذا خفي علينا وجه الحكمة في فعله نسبنا ذلك ~~العجز إلى مفهومنا. # وكيف لا وقد عجز موسى عليه السلام أن يعرف حكمة خرق السفينة وقتل الغلام، ~~فلما بان له حكمة ذلك الفساد في الظاهر أقر. # فلو قد بانت الحكمة في أفعال الخالق ما جحد العقل جحد موسى يوم الخضر. # فمتى رأيت العقل يقول لم فأخرسه بأن تقول له: يا ms253 عاجز أنت لا تعرف حقيقة ~~نفسك فما لك والاعتراض على المالك. # وربما قال العقل: أي فائدة في الابتلاء وهو قادر أن يثيب ولا بلاء. # وأي غرض في تعذيب أهل النار وليس ثم تشف. # فقل له: حكمته فوق مرتبتك، فسلم لما لا تعلم، فإن أول من اعترض بعقله ~~إبليس، رأى فضل النار على الطين فأعرض عن السجود. # وقد رأيتنا خلقا كثيرا وسمعنا عنهم أنهم يقدحون في الحكمة لأنهم يحكمون ~~العقول على مقتضاها، وينسون أن حكمة الخالق وراء العقول. # فإياك أن تفسح لعقلك في تعليل أو أن تطلب له جواب اعتراض، وقل له سلم ~~تسلم، فإنك لا تدري غور البحر إلا وقد أدركك الغرق قبل ذلك. # هذا أصل عظيم، متى فات الآدمي أخرجه الاعتراض إلى الكفر. # فصل الاعتبار بالنفس # العجب ممن يقول: اخرج إلى المقابر فاعتبر بأهل البلى. # ولو فطن علم أنه مقبرة يغنيه الاعتبار بما فيها عن غيرها. # خصوصا من قد أوغل في السن، فإن شهوته ضعفت، وقواه قلت، والحواس كلت ~~والنشاط فتر، والشعر أبيض. # فليعتبر بما فقد، وليستغن عن ذكر من فقد، فقد استغنى بما عنده عن التطلع ~~إلى غيره.. # فصل يقظة العاقل # متى تكامل العقل فقدت لذة الدنيا فتضاءل الجسم وقوي السقم واشتد الحزن. # لأن العقل كلما تلمح العواقب أعرض عن الدنيا، والتفت إلى ما تلمح ولا لذة ~~عنده بشيء من العاجل. # وإنما يلتذ أهل الغفلة عن الآخرة، ولا غفلة لكامل العقل. # ولهذا لا يقدر على مخالطة الخلق، لأنهم كأنهم من غير جنسه، كما قال ~~الشاعر: # ما في الديار أخو وجد نطارحه ... حديث نجد ولا خل نجاريه # فصل حقائق البعث # ادعى الطبائعيون أن مادة الموجودات الماء والتراب والنار والهواء، فإذا ~~كان في القيامة أذهب الأصول، ثم أعاد الله الحيوان ليعلم أنها كانت بالقدرة ~~لا عن تأثير الكليات. # أقول: من قدح في البعث فقد بالغ في القدح في الحكمة. # ومن قال: الروح عرض، فقد جحد البعث، لأن العرض لا يبقى والأجساد تصير ~~ترابا، فإن وجد شيء فهو ابتداء خلق. # كلا ms254 والله بل يعيد النفس بعينها روحا وجسدا بدليل إعادة مذكوراتها: " قال ~~قائل منهم إني كان لي قرين " . # وعزته، إن لطفه في البداية لدليل على النهاية. # حنن الوالدين، وأجرى اللبن في الثدي، وأنشأ الأطعمة، وأطلع العقل على ~~العواقب. # أفيحسن أن يقال بعد هذا التدبير، إنه يهمل العالم بعد الموت فلا يبعث ~~أحدا !. # أترى من أحب أن يعرف فأنشأ الخلق وقال: كنت كنزا لا أعرف فأحببت أن أعرف: ~~يؤثر أن يعدمهم فيجهل قدره. # سبحان من أعمى أكثر القلوب عن معرفته. # فصل من دلائل الوجود الأعلى # سبحان من ظهر لخلقه حتى لم يبقى خفاء ثم خفي حتى كأنه لا ظهور. # أي ظهور أجلى من هذه المصنوعات التي تنطق كلها بأن لي صانعا صنعني ورتبني ~~على قانون الحكمة. # خصوصا هذا الآدمي الذي أنشأه من قطرة، وبناه على أعجب فطرة، ورزقه الفهم ~~والذهن واليقظة والعلم، وبسط له المهاد، وأجرى له الماء والريح، وأنبت له ~~الزرع ورفع له من فوقه السماء فأوقد له مصباح الشمس بالنهار، وجاء بالظلمة ~~ليسكن، إلى غير ذلك، مما لا يخفى. # وكله ينطق بصوت فصيح يدل على خالقه. # وقد تجلى الخالق سبحانه بهذه الأفعال فلا خفاء. PageV01P123 ثم بعث الرسل ~~فقراء من الدنيا ضعاف الأبدان، فقهر بهم الجبابرة، وأظهر على أيديهم من ~~المعجزات ما لا يدخل تحت مقدور بشر. # وكل ذلك ينطق بالحق وقد تجلى سبحانه بذلك لعباده. # ثم يأتي موسى عليه السلام إلى البحر فينفرق فلا يبقى شك في أن الخلق فعل ~~هذا. # ويكلم عيسى عليه السلام الميت فيقوم. # ويبعث طيرا أبابيل تحفظ بيته فيهلك قاصديه. # وهذا أمر يطول ذكره، كله يدل على تجلي الخالق سبحانه بغير خفاء. # فإذا ثبت عند العقلاء ذلك من غير ارتياب ولا شك، ثم جاءت أشياء كأنها ~~تستر الظاهر مثل ما سبق من تسليط الأعداء على الأولياء. # إذا ثبت التجلي بأدلة لا تحتمل التأويل، علمت أن لهذا الخفاء سرا لا ~~نعلمه يفترض على العقل فيه التسليم للحكيم. # فمن سلم سلم، ومن اعترض هلك. # فصل التدين الفاسد # قد ms255 يدعي أهل كل مذهب الاجتهاد في طلب الصواب وأكثرهم لا يقصد إلا الحق ~~فترى الراهب يتعبد ويتجوع، واليهودي يذل ويؤدي الجزية. # وصاحب كل مذهب يبالغ فيه ويحتمل الضيم والأذى طلبا للهدى وتحصيل الأجر - ~~في اعتقاده - ومع هذا فيقطع العقل بضلال الأكثرين. # وهذا قد يشكل. وإنما كشفه أنه ينبغي أن يطلب الهدى بأسبابه، ويستعمل ~~الاجتهدا بالإبانة. # فأما من فاتته الأسباب أو فقد بعض الآلات فلا يقال له مجتهد. # فاليهود والنصارى بين عالم قد عرف صدق نبينا صلى الله عليه وسلم لكنه ~~يجحد إبقاء لرئاسته فهذا معاند، وبين مقلد لا ينظر بعقله فهذا مهمل، فهو ~~يتعبد مع إهمال الأصل، وذاك لا ينفع، وبين ناظر منهم لا ينظر حق النظر، ~~فيقول: في التوراة أن ديننا لا ينسخ. ونسخ الشرائع لاختلاف الأزمنة حق، ~~ولكنه يقول النسخ بداء ولا ينظر في الفرق بينهما، فينبغي أن ينظر حق النظر. # ومن هذا الجنس تعبد الخوارج مع اقتناعهم بعلمهم القاصر، وهو قولهم: لا ~~حكم إلا لله ولم يفهموا أن التحكيم من حكم الله فجعلوا قتال علي رضي الله ~~عنه وقتله مبنيا على ظنهم الفاسد. # ولما نهب مسلم بن عقبة المدينة وقتل الخلق قال: إن دخلت النار بعد هذا ~~إنني لشقي. فظن بجهله أنهم لما خالفوا بيعة يزيد يجوز استباحتهم وقتلهم. # فالويل لعامي قليل العلم لا يتهم نفسه في واقعة ولا يذاكر من هو أعلم ~~منه، بل يقطع بظنه ويقدم. # وهذا أصل ينبغي تأمله، فقد هلك في إهماله خلق لا تحصى. وقد رأينا خلقا من ~~العوام إذا وقع لهم واقعة لم يقبلوا فتوى: " وجوه يومئذ خاشعة. عاملة ~~ناصبة. تصلى نارا حامية " . # فصل قوام الأنفس # للنفس ذخائر في البدن منها الدم والمني وأشياء تتقوى بها. # فإذا فقدت الذخائر ولم يبق منها شيء ذهبت. # ومن ذخائرها التقوي بالمال والجاه وما يوجب الفرح. # فهذا فقدت ذلك وكانت عزيزة ذات أنفة أحرجت. # وقد يهجم عليها الخوف فلا تجد ذخيرة من الرجاء يقاومه فتذهب. # ويغلب عليها الفرح فلا تجد من الحزن ما يقاومه فتذهب. ms256 # فاجتهد في حفظ ذخائرها وخصوصا الشيخ، فإنه ينبغي له أن لا يفرح بإخراج ~~الدم، ولا بإخراج المني وإن وجد شبقا، إلا أن يكون الشب زائدا في الحد ~~فيخرج المؤذي في كل حين. # وعلامة أن يكون مؤذيا وجود الراحة عند خروجه، فمتى وجد ضعفا فقد آذى ~~خروجه. # وليحفظ ذو الأنفة على نفسه حشمته، بأن لا يقف في موقف يعاب به، فإنه ~~يتمتع بذخيرة العز والأنفة ويضاد النفس وجود غير ذلك. # وكذلك ينبغي أن يستعد لآخر عمره بالمال مخافة أن يحتاج فيذل أو يسعى، وقد ~~كلت الآلة. # ولأن يخلف لعدوه أولى من أن يحتاج إلى صديقه. # ولا يلتفت إلى من يذم المال، فإنهم الحمقى الجهال الذين اتكلوا على خبز ~~الراحة، فاستطابوا الكسل والدعة، ولم يأنفوا من تناول الصدقة ولا من التعرض ~~للسؤال. # وقد كان لكل نبي معاش ولجميع الصحابة. وخلفوا أموالا كثيرة فافهم هذا ~~الأصل، ولا تلتفت إلى كلام الجهال. # فصل رياء الزهاد # رأيت في زهاد زماننا من الكبر وحفظ الناموس ورتبة الجاه في قلوب العامة ~~ما كدت أقطع به أنهم أهل رياء ونفاق. # فترى أحدهم يلبس الثوب الذي يرى بعين الزهد، ويأكل أطايب الطعام، ويتكبر ~~على أبناء الجنس ويصادق الأغنياء، ويباعد الفقراء، ويحب الخطاب بمولانا، ~~ويمشي بحاجبه، ويضيع الزمان في الهذيان، ويتقوت بخدمة الناس له والتسليم ~~عليه. PageV01P124 ولو أنه لبس ثوبا يخلطه بالفقهاء لذهب الجاه ولم يبق له ~~متعلق. ولو أن أفعاله ناسبت ثيابه لهان الأمر، لكنهم بهرجوا على من لا يخفى ~~أمرهم عليه من الخلق، فكيف الخالق سبحانه وتعالى ؟. # فصل تدبير العيش دين # كثيرا ما أعيد هذا المعنى الذي أنا ذاكره في هذا الكتاب بعبارات شتى. # ينبغي للمؤمن أن يتشاغل بمعاشه ويرفق في نفقته. فإنه قد كان للعلماء شيء ~~من بيت المال ورفق من الإخوان، ومعونة من العوام. فانقطع الكل، وبقي ~~المتشاغل بالعلم أو التعبد مسكينا، خصوصا ذا العائلة. # وما رأينا مثل هذا الزمان القبيح، فما بقي من يومأ إليه بمعونة ولا ~~باستقراض فيحتاج الإنسان المؤمن أن يدخل في مداخل ms257 لا تليق به، وأن يتعرض ~~بما لا يصلح. # فينبغي تقليل العائلة وتقويت القوت وترقيع الخلق. # وإن أمكن معاش فهو أولى من التشاغل بالتعبد والتعلم لفضول العلم، وإلا ~~ضاع الدين في مداخل لا تصلح، أو التعرض لبذل نذل. # فصل الاحتراز واجب # ينبغي للعاقل أن يحترز غاية ما يمكنه، فإذا جرى القدر مع احترازه لم يلم. # والاحتراز ينبغي من كل شيء يكن وقوعه، وأخذ العدة لذلك واجب، وهذا يكون ~~في كل حال، فقد قص رجل ظفره فجار عليه فخبثت يداه فمات. # ومر شيخنا أحمد الحربي وهو راكب بمكان ضيق فتطأطأ على السرج فانعصر فؤاده ~~فمرض فمات. # وكان يحيى بن نزار شيخا يحضر مجلس قد طرق عليه ثقل الأذن فاستدعى طرقيا ~~فمص أذنه فجرى شيء من مخه فمات. # وانظر إلى احتراز رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر على حائط مائل ~~فأسرع. # وينبغي أن يحترز بالكسب في زمن شبابه ادخارا لزمن شيبه. # ولا ينبغي أن يثق بمعامل إلا بوثيقة. وليبادر بالوصية مخافة أن يطرقه ~~الموت. ويحترز من صديقه فضلا عن عدوه. # ولا يثق بمودة من قد آذاه هو، فإن الحقد في القلوب قلما يزول. # وليحترز من زوجته، فربما أطلعها على سره ثم طلقها فيتأذى بما تفعل به. # وقد كان ابن أفلح الشاعر يكاتب رئيسا في زمن المسترشد فعلم بذلك بوابه، ~~واتفق أنه صرف بوابه فنم عليه ونقضت داره. # فهذه المذكرات أمثلة تبنه على ما لم يذكر. # وأهم الكل أن يحترز بأخذ العدة وتحقيق التوبة قبل أن يهجم ما لا يؤمن ~~هجومه. وليحذر من لص الكسل، فإنه محتال على سرقة الزمان. # فصل فضل العلم والنظر # تأملت خصومات الملوك، وحرص التجار، ونفاق المتزهدين، فوجدت جمهور ذلك على ~~لذات الحس. # وإذا تفكر العاقل في ذلك علم أن أمر الحسيات قريب يندفع بأقل شيء، وأن ~~الغاية منه لا يمكن نيلها. # وإن بالغ عاد بالأذى على نفسه فناله من الضر أضعاف ما ناله من اللذة، كمن ~~يأكل كثيرا أو ينكح كثيرا. # فالسعيد من اهتم لحفظ دينه، وأخذ ms258 من ذلك بمقدار الحاجة. # واعجبا، هذا الملبوس إذا كان وسطا خدم وإن كان مرتفعا خدم. # فإن نظر اللابس إليه معجبا به فإن الله لا ينظر إليه حينئذ. # وفي الصحيح: بينما رجل يتبختر في بردته خسف به. # والمشروب إن كان حراما فعقابه أضعاف لذته. وهتكة العرض بين الناس عقاب ~~آخر. # وإن كان مباحا فالشره فيه يؤذي البدن. # وأما المنكوح فمداراة المستحسن يؤذي فوق كل أذى. # ومقاساة المستقبح أشد أذى فعليك بالتوسط. # وتفكر في أحوال السلاطين كيف قتلوا ظلما، وكم ارتكبوا حراما ؟ وما نالوا ~~إلا يسيرا من لذات الحس. # فانقشع غيم العمر عن حسرات الفضائل الفائتة وحصول العقاب. # فليس في الدنيا أطيب عيشا من منفرد عن العالم بالعلم. فهو أنيسه وجليسه، ~~قد قنع بما سلم به دينه من المباحات الحاصلة، لا عن تكلف ولا تضييع دين، ~~وارتدى بالعز عن الذل للدنيا وأهلها. والتحف بالقناعة باليسير، إذ لم يقدر ~~على الكثير. فوجدته يسلم دينه ودنياه. # واشتغاله بالعلم يدله على الفضائل، ويفرجه في البساتين، فهو يسلم من ~~الشيطان والسلطان والعوام بالعزلة. # ولكن لا يصلح هذا إلا للعالم، فإنه إذا اعتزل الجاهل فاته العلم فتخبط. # فصل الفقه قبل الكتابة # تأملت حالة تدخل على طلاب العلم توجب الغفلة عن المقصود، وهو حرصهم على ~~الكتابة، خصوصا المحدثين فيستغرق ذلك زمانهم عن أن يحفظوا ويفهموا، فيذهب ~~العمر وقد عروا عن العلم إلا اليسير. # فمن وفق جعل معظم الزمان مصروفا في الإعادة والحفظ. وجعل وقت التعب من ~~التكرار للنسخ فيحصل له المراد. PageV01P125 والموفق من طلب المهم، فإن ~~العمر يعجز عن تحصيل الكل، وجمهور العلوم الفقه. وفي الناس من حصل له العلم ~~وغفل عن العمل بمقتضاه وكأنه ما حصل شيئا، نعوذ بالله من الخذلان. # فصل التحكم في النفس # ما اعتمد أحد أمرا إذا هم بشيء مثل التثبت، فإنه متى عمل بواقعة من غير ~~تأمل للعواقب كان الغالب عليه الندم. # ولهذا أمر الإنسان بالمشاورة لأن الإنسان بالتثبت يفتكر فتعرض على نفسه ~~الأحوال وكأنه شاور. # وقد قيل: خمير الرأي خير من فطيره. ms259 # وأشد الناس تفريطا من عمل مبادرة في واقعة من غير تثبت ولا استشارة. # خصوصا فيما يوجبه الغضب فإنه ينزقه طلب الهلاك أو استتبع الندم العظيم. # وكم من غضب فقتل وضرب ثم لما سكن غضبه بقي طول دهره في الحزن والبكاء ~~والندم. # والغالب في القاتل أنه يقتل فتفوته الدنيا والآخرة. فكذلك من عرضت له ~~شهوة فاستعجل لديها ونسي عاقبتها. # فكم من ندم يتجرعه في باقي عمره. وعتاب يستقبله من بعد موته وعقاب لا ~~يؤمن وقوعه. # كل ذلك للذة لحظة كانت كبرق. # فالله الله، التثبت التثبت في كل الأمور والنظر في عواقبها. # خصوصا الغضب المثير للخصومة وتعجيل الطلاق. # فصل حدود العقل # سألني سائل، قد قال بعض الحكماء: من لم يحترز بعقله، هلك بعقله فما معنى ~~هذا، فبقيت مدة لا ينكشف لي المعنى، ثم اتضح. # وذلك أنه إذا طلبت معرفة ذات الخالق سبحانه من العقل فزع إلى الحس فوقع ~~التشبيه. # فالاحتراز من العقل بالعقل هو أن ينظر فيعلم أنه لا يجوز أن يكون جسما ~~ولا شبها لشيء. # فصل التوسل بالله إلى الله # بلغني عن بعض الكرماء أن رجلا سأله فقال: أنا الذي أحسنت إلي يوم كذا ~~وكذا فقال: مرحبا بمن يتوسل إلينا بنا، ثم قضى حاجته. # فأخذت من ذلك إشارة فناجيت بها فقلت: أنت الذي هديته من زمن الطفولة ~~وحفظته من الضلال، وعصمته عن كثير من الذنوب، وألهمته طلب العلم لا بفهم ~~لشرف العلم، لموضع الصغر، ولا بحب والده - لموت الوالد - ورزقته فهما ~~لتفقهه وتصنيفه، وهيأت له أسباب جمعه، وقمت برزقه من غير تعب منه، ولا ذل ~~للخلق بالسؤال وحاميت عنه الأعداء، فلم يقصده جبار، وجمعت له ما لم تجمع ~~لأكثر الخلق من فنون العلم التي لا تكاد تجتمع في شخص، وأضفت إليها تعلق ~~القلب بمعرفتك ومحبتك وحسن العبارة ولطفها في الدلالة عليك ووضعت له في ~~القلوب القبول حتى أن الخلق يقبلون عليه ويقبلون ما يقوله، ولا يشكون فيه، ~~ويشتاقون إلى كلامه، ولا يدركهم الملل منه، وصنته بالعزلة عن مخالطة من لا ~~يصلح، ms260 وآنسته في خلوته بالعلم تارة وبمناجاتك أخرى، وإن ذهبت أعد لم أقدر ~~على إحصاء عشير العشير " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " . # فيا محسنا إلي قبل أن أطلب لا تخيب أملي فيك وأنا أطلب. # فبإنعامك المتقدم أتوسل إليك. # فصل عبيد المال # سبحان من جعل الخلق بين طرفي نقيض، والمتوسط منهم يندر. # منهم من يغضب فيقتل ويضرب. # ومنهم من هو أبله بقوة الحلم لا يؤثر عنده السب. # ومنهم شره يتناول كل ما يشتهي. # ومنهم متزهد يتجفف فيمنع النفس حقها. # وكذلك سائر الأشياء المحمود منها المتوسط. # فالمنفق كل ما يجد مبذر، والبخيل يخبىء المال ويمنع نفسه حظها. # ومعلوم أن المال لا يراد لنفسه بل للمصالح، فإذا بذر الإنسان فيه احتاج ~~إلى بذل وجهه ودينه ومنة البخلاء عليه، وهذا لا يصلح. # ولأن يخلف الإنسان لعدوه أحسن من أن يحتاج إلى صديقه. # وفي الناس من يبخل، ثم يتفاوتون في البخل حتى ينتهي البلاء بهم إلى عشق ~~عين المال. # فربما مات أحدهم هزالا وهو لا ينفقه، فيأخذه الغير ويندم المخلف. # ولقد بلغني في هذا ما ليس فوقه مزيد، ذكرته لتعتبر به. # فحدثني شيخنا أبو الفضل بن ناصر عن شيخه عبد المحسن الصوري، قال: كان ~~بصور تاجر في غرفة له يأخذ كل ليلة من البقال رغيفين وجوزة، فيدخل إلى ~~غرفته وقت المغرب فيضرم النار في الجوزة فتضيء بمقدار ما ينزع ثوبه. # وفي زمان إحراق القشر تكون قد استوت فيمسح بها الرغيفين ويأكلهما. # فبقي على هذا مدة فمات، فأخذ منه ملك صور ثلاثين ألفا. # ورأيت أن رجلا من كبار العلماء قد مرض فاستلقى عند بعض أصدقائه ليس له من ~~يخدمه ولا يرفقه وهو يتضرر به، فلما مات وجدوا بين كتبه خمسمائة دينار. ~~PageV01P126 وحدثني أبو الحسن الراندسي قال: مرض رجل عندنا، فبعث إلي فحضرت ~~فقال: قد ختم القاضي على مالي، فقلت: إن شئت قمت وفتحت الختم وأعطيتك الثلث ~~تفرقه وتعمل به ما تشاء. # فقال: لا والله ما أريد أن أفرقه، بل أريد مالي يكون عندي، فقلت: ما ~~يعطونك، ms261 وأنا آخذ لك الثلث كي تكون حرا فيه. # فقال: لا أريد، فمات وأخذ ماله. # قال: وجاء رجل فحدثني بعجيبة، قال: مرضت حماتي فقالت لي: أريد أن تشتري ~~لي خبيصا، فاشتريت لها، وكانت ملقاة في صفة، ونحن في صفة أخرى. # فجاءني ولدي الصغير وقال: يا سيدي، إنها تبلع الذهب، فقمت وإذا بها تجعل ~~الدينار في شيء من الخبيص فتبلعه. # فأمسكت يدها وزجرتها عن هذا. # فقالت: أنا أخاف أن تتزوج على إبنتي، فقلت: ما أفعل، فقالت: إحلف لي، ~~فحلفت، فأعطتني باقي الذهب، ثم ماتت فدفنتها. # فلما كان بعد أشهره مات لنا طفل، فحملناه إليها، وأخذت معي خرقة خام، ~~وقلت للحفار: اجمع لي عظام تلك العجوز في الخرقة، فجئت بها إلى البيت، ~~وتركتها في أجانة وصببت عليها الماء وحركتها، فأخرجت ثمانين دينارا أو ~~نحوها كانت قد ابتلعتها. # وحكى لي صديق لنا، أن رجلا مات ودفن في الدار، ثم نبش بعد مدة ليخرج فوجد ~~تحت رأسه لبنة مقيرة. # فسئل أهله عنها فقالوا: هو قير هذه اللبنة وأوصى أن تترك تحت رأسه في ~~قبره وقال: إن اللبن يبلى سريعا وهذه لموضع القار لا تبلى. # فأخذوها فوجدوها رزينة، فكسرها فوجدوا فيها تسعمائة دينار فتولاها أصحاب ~~التركات. # وبلغني أن رجلا كان يكنس المساجد ويجمع ترابها ثم ضربه لبنا فقيل له هذا ~~لأي شيء ؟ فقال: هذا تراب مبارك، وأريد أن يجعلوه على لحدي، فلما مات جعل ~~على لحده، ففضل منه لبنات، فرموها في البيت، فجاء المطر فتفسخت اللبنات ~~فإذا فيها دنانير. # فمضوا وكشفوا اللبن عن لحده وكله مملوء دنانير. # ولقد مات بعض أصدقائنا وكنت أعلم له مالا كثيرا، وطال مرضه فما أطلع أهله ~~على شيء ولا أكاد أشك أنه من شحه وحرصه على الحياة ورجائه أن يبقى لم ~~يعلمهم بمدفونه خوفا أن يؤخذ فيحيا هو وقد أخذ المال. # وما يكون بع هذا الخزي شيء. # وحدثني بعض أصحابنا عن حالة شاهدها من هذا الفن. قال: كان فلان له ولدان ~~ذكران وبنت وله ألف دينار مدفونة. # فمرض مرضا شديدا فاحتوشته ms262 أهله، فقال لأحد ابنيه لا تبرح من عندي. # فلما خلا به قال له إن أخاك مشغول باللعب بالطيور، وإن أختك لها زوج تركي ~~ومتى وصل من مالي إليهما شيء أنفقوه في اللعب، وأنت على سيرتي وأخلاقي، ولي ~~في الموضع الفلاني ألف دينار، فإذا أنا مت فخذها وحدك. # فاشتد بالرجل المرض فمضى الولد فأخذ المال فعوفي الأب، فجعل يسأل الولد ~~أن يرد المال إليه فلا يفعل، فمرض الولد فأشفى فجعل الأب يتضرع إليه ويقول: ~~ويحك خصصتك بالمال دونهم فتموت فيذهب المال، ويحك لا تفعل، فما زال به حتى ~~أخبره بمكانه، فأخذه ثم عوفي الولد ومضت مدة فمرض الأب، فاجتهد الولد أن ~~يخبره بمكان المال وبالغ فلم يخبره ومات وضاع المال. # فسبحان من أعدم هؤلاء العقول والفهوم، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا. # فصل أسس الصداقة # كان لنا أصدقاء وإخوان أعتد بهم، فرأيت منهم من الجفاء وترك شروط الصداقة ~~والأخوة عجائب فأخذت أعتب. # ثم انتبهت لنفسي فقلت: وما ينفع العتاب، فإنهم إن صلحوا فللعتاب لا ~~للصفاء. # فهممت بمقاطعتهم، ثم تفكرت فرأيت الناس بي معارف وأصدقاء في الظاهر وإخوة ~~مباطنين، فقلت لا تصلح مقاطعتهم. # إنما ينبغي أن تنقلهم من ديوان الأخوة إلى ديوان الصداقة الظاهرة. # فإن لم يصلحوا لها نقلتهم إلى جملة المعارف، وعاملتهم معاملة المعارف، ~~ومن الغلط أن تعاتبهم. # فقد قال يحيى بن معاذ: بئس الأخ أخ تحتاج أن تقول له اذكرني في دعائك. # وجمهور الناس اليوم معارف ويندر فيهم صديق في الظاهر، فأما الأخوة ~~والمصافاة فذاك شيء نسخ فلا يطمع فيه. # وما رأى الإنسان تصفو له أخوة من النسب ولا ولده ولا زوجته. # فدع الطمع في الصفا. وخذ عن الكل جانبا، وعاملهم معاملة الغرباء. # وإياك أن تنخدع بمن يظهر لك الود، فإنه مع الزمان يبين لك الحال فيما ~~أظهره. # وربما أظهر لك ذلك لسبب يناله منك. # وقد قال الفضيل بن عياض: إذا أردت أن تصادق صديقا فأغضبه فإن رأيته كما ~~ينبغي فصادقه. PageV01P127 وهذا اليوم مخاطرة، لأنك إذا أغضبت أحدا ms263 صار ~~عدوا في الحال. # والسبب في نسخ حكم الصفا، أن السلف كان همتهم الآخرة وحدها فصفت نياتهم ~~في الأخوة والمخالطة فكانت دينا لا دنيا. # والآن فقد استولى حب الدنيا على القلوب، فإن رأيت متملقا في باب الدين ~~فأخبره تقله. # فصل الرضا والشكر # رأيت المعافى لا يعرف قدر العافية إلا في المرض، كما لا يعرف شكر الإطلاق ~~إلا في الحبس. # وتأملت على الآدمي حالة عجيبة، وهو أن تكون معه امرأة لا بأس بها إلا أن ~~قلبه لا يتعلق بمحبتها تعلقا يلتذ به. # ولذلك سببان، أحدهما أن تكون غير غاية في الحسن؛ والثاني أن كل مملوك ~~مكروه، والنفس تطلب ما لا تقدر عليه. # فتراه يضج ويشتهي شيئا يحبه أو امرأة يعشقها، ولا يدري أن إنما يطلب قيدا ~~وثيقا يمنع القلب من التصرف في أمور الآخرة أو في أي علم أو عمل، ويخبطه في ~~تصريف الدنيا، فيبقى ذلك العاشق أسير المعشوق، همه كله معه. # فالعجب لمطلق يؤثر القيد، ومستريح يؤثر التعب. # فإن كانت تلك المرأة تحتاج أن تحفظ فالويل له لا قرار له ولا سكون. # وإن كانت من المتبرجات اللواتي لا يؤمن فسادهن فذاك هلاكه بمرة. # فلا هو إن نام يلتذ بنومه، ولا إن خرج من الدار يأمن محنة. # وإن كانت تريد نفقة واسعة وليس له، فكم يدخل مدخل سوء لأجلها. # وإن كانت تؤثر الجماع وقد علت سنه فذاك الهلاك العظيم. # وإن كانت تبغضه فما بقيت من أسباب تلفه بقية، فيكون هذا ساعيا في تلف ~~نفسه كما قال القائل: # نحب القدود ونهوى الخدود ... ونعلم أنا نحب المنونا # وهذا على الحقيقة كعابد صنم. # فليتق الله من عنده امرأة لا بأس بها، وليعرض عن حديث النفس ومناها فما ~~له منتهى. # ولو حصل له غرضه كما يريد وقع الملل وطلب ثالثة. # ثم يقع الملل ويطلب رابعة، وما لهذا آخر. # إنما يفيده ذلك في العاجلة تعلق قلبه وأسر لبه، فيبقى كالمبهوت. # فكره كله في تحصيل ما يريد محبوبه، فإن جرت فرقة أو آفة فتلك الحسرات ~~الدائمة إن ms264 بقي أو التلف عاجلا. # وأين المستحسن المصون الدين القنوع بمن يحبه هذا أقل من الكبريت الأحمر. # فلينظر في تحصيل ما يجمع معظم الهم. ولا يلتفت إلى سواد الهوى وغاية ~~المنى، يسلم. # فصل العلم والخشية # إذا تم علم الإنسان لم ير لنفسه عملا وإنما يرى إنعام الموفق لذلك العمل ~~ويجب على العاقل ألا يرى لنفسه عملا أو يعجب به. # وذلك بأشياء: منها أنه وفق لذلك العمل " حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم " . # ومنها أنه إذا قيس بالنعم لم يف بمعشار عشرها. # ومنها أنه إذ لوحظت عظمة المخدوم احتقر كل علم وتعبد. # هذا إذا سلم من شائبة وخلص من غفلة، فأما والغفلات تحيط به، فينبغي أن ~~يغلب الحذر من رده، ويخاف العتاب على التقصير فيه، فيشتغل عن النظر إليه. # وتأمل على الفطناء أحوالهم في ذلك، فالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار ~~لا يفترون قالوا: ما عبدناك حق عبادتك. # والخليل عليه السلام يقول: " والذي أطمع أن يغفر لي " وما أدل بتصبره على ~~النار وتسليمه الولد إلى الذبح. # ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما منكم من ينجيه عمله قالوا ولا ~~أنت قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته. # وأبو بكر رضي الله عنه يقول: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله. # وعمر رضي الله عنه يقول: لو أن لي طلاع الأرض لافتديت بها من هول ما ~~أمامي قبل أن أعلم ما الخبر. # وابن مسعود يقول: ليتني إذا مت لا أبعث. # وعائشة رضي الله عنها تقول: ليتني كنت نسيا منسيا. # وهذا شأن جميع العقلاء فرضي الله عن الجميع. # وقد روي عن قوم من صلحاء بني إسرائيل ما يدل على قلة الأفهام لما شرحته ~~لأنهم نظروا إلى أعمالهم فأدلوا بها. فمنه حديث العابد الذي تعبد خمسمائة ~~سنة في جزيرة وأخرج له كل ليلة رمانة، وسأل الله تعالى أن يميته في سجوده. ~~فإذا حشر قيل له ادخل الجنة برحمتي قال: بل بعملي، فيرون جميع عمله بنعمة ~~واحدة فلا يفي، فيقول: يا رب برحمتك. # وكذلك ms265 أهل الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة، فإن أحدهم توسل بعمل كان ~~ينبغي أن يستحيي من ذكره، وهو أنه عزم على الزنا، ثم خاف العقوبة فتركه. # فليت شعري بماذا يدل من خاف أن يعاقب على شيء فتركه تخوف العقوبة. ~~PageV01P128 إنما لو كان مباحا فتركه كان فيه ما فيه. ولو فهم لشغله خجل ~~الهمة عن الإدلال، كما قال يوسف عليه السلام: " وما أبرىء نفسي " . # والآخر ترك صبيانه يتضاغون إلى الفجر ليسقي أبويه اللبن. وفي هذا البر ~~أذى للأطفال، ولكن الفهم عزيز. # وكأنهم لما أحسنوا - فيما ظنوا - قال لسان الحال: أعطوهم ما طلبوا، فإنهم ~~يطلبون أجرة ما عملوا. # ولولا عزة الفهم ما تكبر متكبر على جنسه ولكان كل كامل خائفا محتقرا ~~لعمله حذرا من التقصير في شكر ما أنعم عليه. # وفهم هذا المشروح ينكس رأس الكبر. ويوجب مساكنه الذل. فتأمله فإنه أصل ~~عظيم. # فصل الذنوب وآثارها # ينبغي للعاقل أن يكون على خوف من ذنوبه وإن تاب منها وبكى عليها. # وإني رأيت أكثر الناس قد سكنوا إلى قبول التوبة، وكأنهم قد قطعوا على ~~ذلك. وهذا أمر غائب، ثم لو غفرت بقي الخجل من فعلها. # ويؤيد الخوف بعد التوبة أنه في الصحاح: أن الناس يأتون إلى آدم عليه ~~السلام فيقول: اشفع لنا فيقول: ذنبي. وإلى نوح عليه السلام فيقول: ذنبي، ~~وإلى إبراهيم، وإلى موسى، وإلى عيسى صلوات الله وسلامه عليهم. # فهؤلاء إذا اعتبرت ذنوبهم لم يكن أكثرها ذنوبا حقيقية. # ثم إن كانت فقد تابوا منها واعتذروا وهم بعد على خوف منها. # ثم إن الخجل بعد قبول التوبة لا يرتفع وما أحسن ما قال الفضيل بن عياض ~~رحمه الله: واسوأتاه منك وإن عفوت. فأف والله لمختار الذنوب ومؤثر لذة لحظة ~~تبقى حسرة لا تزول عن قلب المؤمن وإن غفر له. # فالحذر الحذر من كل ما يوجب خجلا. # وهذا أمر قل أن ينظر فيه تائب أو زاهد، لأنه يرى أن العفو قد غمر الذنب ~~بالتوبة الصادقة. # وما ذكرته يوجب دوام الحذر والخجل. # فصل الحق مع علي بن ms266 أبي طالب # نعوذ بالله من سوء الفهم وخصوصا من المتسمين بالعلم. # روى أحمد في مسنده أنه تنازع أبو عبد الرحمن السلمي وحيان بن عبد الله، ~~فقال أبو عبد الرحمن لحيان: قد علمت ما الذي حدا صاحبك، يعني عليا، قال ما ~~هو قال قول النبي صلى الله عليه وسلم: لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: ~~اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. # وهذا سوء فهم من أبي عبد الرحمن حين ظن أن عليا قاتل وقتل اعتمادا على ~~أنه قد غفر له. # وينبغي أن يعلم أن معنى الحديث: لتكن أعمالكم المتقدمة ما كانت فقد غفرت ~~لكم. # فأما غفران ما سيأتي فلا يتضمنه ذلك، أتراه لو وقع من أهل بدر وحاشاهم ~~الشرك - إذ ليسوا بمعصومين - أما كانوا يؤاخذون به ؟ فكذلك المعاصي. # ثم لو قلنا: إنه يتضمن غفران ما سيأتي، فالمعنى أن مآلكم إلى الغفران. # ثم دعنا من معنى الحديث، كيف يحل لمسلم أن يظن في أمير المؤمنين علي رضي ~~الله عنه أنه فعل ما لا يجوز اعتمادا على أنه سيغفر له ؟ حوشي من هذا. # وإنما قاتل بالدليل المضطر له إلى القتال، فكان على الحق. # ولا يختلف العلماء أن عليا رضي الله عنه لم يقاتل أحدا إلا والحق مع علي. # كيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أدر معه الحق كيفما ~~دار. # فقد غلط أبو عبد الرحمن غلطا قبيحا، حمله عليه أنه كان عثمانيا... # فصل سوء المظهر في الزهد # تأملت على متزهدي زماننا أشياء تدل على النفاق والرياء وهم يدعون ~~الإخلاص. # منها أنهم يلزمون زاوية فلا يزورون صديقا، ولا يعودون مريضا، ويدعون أنهم ~~يريدون الانقطاع عن الناس اشتغالا بالعبادة. # وإنما هي إقامة نواميس ليشار إليهم بالانقطاع، إذ لو مشوا بين الناس زالت ~~هيبتهم. # وما كان الناس كذلك، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض ~~ويشتري الحاجة من السوق، وأبو بكر رضي الله عنه يتجر في البز. وأبو عبيدة ~~بن الجراح يحفر القبور، وأبو طلحة أيضا، وابن سيرين يغسل الموتى، ms267 وما كان ~~عند القوم إقامة ناموس. # وأصحابنا يلزمون الصمت بين الناس والتخشع والتماوت، وهذا هو النفاق. # فقد كان ابن سيرين يضحك بالنهار، وبين الناس، ويبكي بالليل. # وقد رأيت من المتزهدين من يلزم المسجد ويصلي فيجتمع الناس فيصلون بصلاته ~~ليلا ونهارا، وقد شاع هذا له فتقوى نفسه عليه بحب المحمدة. # والنبي صلى الله عليه وسلم قال في صلاة التطوع: " اجعلوا هذه في البيوت " ~~. # وفي أصحابنا من يظهر الصوم الدائم، ويتقوت بقول الناس: " فلان ما يفطر ~~أصلا " . PageV01P129 وهذا الأبله ما يدري أنه لأجل الناس يفعل ذلك، لولا ~~هذا كان يفطر والناس يرونه يومين أو ثلاثة حتى يذهب عنه ذلك الاسم ثم يعود ~~إلى الصوم. # وقد كان إبراهيم بن أدهم إذا مرض يترك عنده من الطعام ما يأكله الأصحاء. ~~ورأيت في زهادنا من يصلي الفجر يوم الجمعة بالناس ويقرأ المعوذتين والمعنى ~~قد ختمت !!!. # فإن هذه الأعمال هي صريحة في النفاق والرياء. # وفيهم من يأخذ الصدقات وهو غني، ولا يبالي أخذ من الظلمة أو من أهل ~~الخير، ويمشي إلى الأمراء يسألهم، وهو يدري من أين حصلت أموالهم. # فالله الله في إصلاح النيات فإن جمهور هذه الأعمال مردود. # قال مالك بن دينار: وقولوا لمن لم يكن صادقا لا يتعنى. # وليعلم المرائي أن الذي يقصده يفوته، وهو التفات القلوب إليه. # فإنه متى لم يخلص حرم محبة القلوب، ولم يلتفت إليه أحد، والمخلص محبوب. # فلو علم المرائي أن قلوب الذين يرائيهم بيد من يعصيه، لما فعل. # وكم رأينا من يلبس الصوف ويظهر النسك لا يلتفت إليه، وآخر يلبس جيد ~~الثياب ويبتسم والقلوب تحبه. # نسأل الله عز وجل إخلاصا يخلصنا، ونستعيذ به من رياء يبطل أعمالنا إنه ~~قادر. # فصل لا استقرار في الدنيا # من الجهل أن يخفى على الإنسان مراد التكليف فإنه موضوع على عكس الأغراض. # فينبغي للعاقل أن يأنس بانعكاس الأغراض. فإن دعا وسأل بلوغ غرض تعبد الله ~~بالدعاء. # فإن أعطى مراده شكر، وإن لم ينل مراده فلا ينبغي أن يلح في الطلب، لأن ~~الدنيا ليست لبلوغ ms268 الأغراض، وليقل لنفسه: " وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم " . # من أعظم الجهل أن يمتعض في باطنه لانعكاس أغراضه، وربما اعترض في الباطن، ~~أو ربما قال: حصول غرضي لا يضر، ودعائي لم يستجب. # وهذا كله دليل على جهله وقلة إيمانه وتسليمه للحكمة. # ومن الذي حصل له غرض ثم لم يكدر. هذا آدم طاب عيشه في الجنة وأخرج منها. # ونوح سأل في ابنه فلم يعط مراده، والخليل ابتلى بالنار، وإسماعيل بالذبح، ~~ويعقوب بفقد الولد. ويوسف بمجاهدة الهوى، وأيوب بالبلاء، وداود وسليمان ~~بالفتنة، وجميع الأنبياء على هذا. # وأما ما لقي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الجوع والأذى وكدر العيش ~~فمعلوم. # فالدنيا وضعت للبلاء فينبغي للعاقل أن يوطن نفسه على الصبر، وأن يعلم أن ~~ما حصل من المراد فلطف، وما لم يحصل فعلى أصل الخلق والجبلة للدنيا كما ~~قيل: # طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأقذاء والأكدار # ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار # وها هنا تتبين قوة الإيمان وضعفه فليستعمل المؤمن من أدوية هذا المرض ~~التسليم للمالك، والتحكيم لحكمته. # وليقل قد قيل لسيد الكل " ليس لك من الأمر شيء " . # ثم ليسل نفسه بأن المنع ليس عن بخل، وإنما هو لمصلحة لا يعلمها، وليؤجر ~~الصابر عن أغراضه، وليعلم الله الذين سلموا ورضوا. # ثم إن زمن الابتلاء مقدار يسير، والأغراض مدخرة تلقى بعد قليل، وكأنه ~~بالظلمة قد انجلت، وبفجر الأجر قد طلع. # ومتى ارتقى فهمه إلى أن ما جرى مراد الحق سبحانه، اقتضى إيمانه أن يريد ~~ما يريد، ويرضى بما يقدر، إذ لو لم يكن كذلك كان خارجا عن حقيقة العبودية ~~في المعنى. # وهذا أصل ينبغي أن يتأمل ويعمل عليه في كل غرض انعكس. # فصل العالم والحاكم # رأيت خلقا من العلماء والقصاص تضيق عليهم الدنيا فيفزعون إلى مخالطة ~~السلاطين لينالوا من أموالهم، وهم يعلمون أن السلاطين لا يكادون يأخذون ~~الدنيا من وجهها، ولا يخرجونها في حقها. # فإن أكثرهم إذا حصل له خراج ينبغي أن يصرف إلى المصالح وهبه لشاعر. ms269 # وربما كان معه جندي يصلح أن تكون مشاهرته عشرة دنانير فأعطاه عشرة آلاف. # وربما غزا فأخذ ما ينبغي أن يقسم على الجيش فاصطفاه لنفسه. # هذا غير ما يجري من الظلم في المعاملات. # وأول ما يجري على ذاك العالم أنه قد حرم النفع بعلمه، وقد رأى بعض ~~الصالحين رجلا عالما يخرج من دار يحيى بن خالد البرمكي فقال: أعوذ بالله من ~~علم لا ينفع. PageV01P130 كيف ؟ ألم تر المنكرات ولا تنكر، وتتناول من ~~طعامهم الذي لا يكاد يحصل إلا بظلم فينطمس قلبك وتحرم لذة المعاملة للحق ~~سبحانه، ثم لا يقدر لك أن يهتدي بك أحد. بل ربما كان فعل هذا سببا لإضلال ~~الناس وصرفهم عن الاقتداء به، فهو يؤذي نفسه ويؤذي أميره، لأنه يقول: لولا ~~أنني على صواب ما صحبني ولأنكر علي. # ويؤذي العوام تارة بأن يروا أن ما فيه الأمير صواب، وتارة بأن الدخول ~~عليه والسكوت عن الإنكار جائز. # أو يحبب إليهم الدنيا، ولا خير والله في سعة من الدنيا ضيقت طريق الآخرة. # وأنا أفتدي أقواما صابروا عطش الدنيا في هجير الشهوات زمان العمر حتى ~~رووا يوم الموت من شراب الرضى، وبقيت أذكارهم تروي فتروى صدأ القلوب وتجلو ~~صداها. # هذا الإمام أحمد يحتاج فيخرج إلى اللقاط ولا يقبل مال سلطان. # هذا إبراهيم الحربي يتغذى بالبقل ويرد على المعتصم ألف دينار. # هذا بشر الحافي يشكو الجوع فيقال له يصنع لك حساء من دقيق فيقول: أخاف أن ~~يقول الله لي هذا الدقيق من أين لك ؟. # بقيت والله أذكار القوم، وما كان الصبر إلا غفوة يوم. # ومضت لذات المترخصين وبليت الأبدان، ووهن الدين. # فالصبر الصبر يا من وفق، ولا تغبطن من اتسع له أمر الدنيا. # فإنك إذا تأملت تلك السعة رأيتها ضيقا في باب الدين. # ولا ترخص لنفسك في تأويل، فعمرك في الدنيا قليل: # وسواء إذا انقضى يوم كسرى ... في سرور ويوم صابر كسره # ومتى ضجت النفس لقلة صبر فاتل عليها أخبار الزهاد، فإنها ترعوي وتستحي ~~وتنكسر إن كانت لها همة أو فيها يقظة. ms270 # ومثل لها بين ترخص علي بن المديني وقبوله مال ابن أبي داود، وصبر أحمد. # وكم بين الرجلين والذكرين. # وانظر ما يروى عن كل واحد منهما وما يذكران به. # وسيندم ابن المديني إذا قال أحمد: سلم لي ديني. # فصل الكسب الحرام # تأملت أحوال الناس فرأيت جمهورهم منسلا من ربقة العبودية. # فإن تعبدوا فعادة أو فيما لا ينافي أغراضهم منافاة تؤذي القلوب. # فأكثر السلاطين يحصلون الأموال من وجوه ردية وينفقونها في وجوه لا تصلح. # وكأنهم قد تملكوها، وليست مال الله الذي إذا غزا أحدهم - باسمه - فغنم ~~الأموال اصطفاها لنفسه، وأعطاها أصحابه كيف اشتهى. # والعلماء لقوة فقرهم وشدة شرههم، يوافقون الأمراء وينخرطون في سلكهم. # والتجار على العقود الفاسدة، والعوام في المعاصي والإهمال لجانب الشريعة. # فإن فات بعض أغراضهم فربما قالوا ما نريد نصلي، لا صلى الله عليهم. # وقد منعوا الزكاة وتركوا الأمر بالمعروف. # فمن الناس من يغره تأخير العقوبة، ومنهم من كان يقطع بالعفو وأكثرهم ~~متزلزل الإيمان، فنسأل الله أن يميتنا مسلمين. # فصل هموم الفقر # من العجيب سلامة دين ذي العيال إذا ضاق به الكسب، فما مثله إلا كمثل ~~الماء إذا ضرب في وجهه سكر، فإنه يعمل باطنا ويبالغ حتى يفتح فتحة. # فكذلك صاحب العيال إذا ضاق به الأمر لا يزال يحتال، فإذا لم يقدر على ~~الحلال ترخص في تناول الشبهات، فإن ضعف دينه مد يده إلى الحرام. # فالمؤمن إذا علم ضعفه عن الكسب اجتهد في التعفف عن النكاح، وتقليل النفقة ~~إذا حصل الأولاد، والقناعة باليسير. # فأما من ليس له كسب كالعلماء والمتزهدين، فسلامتهم ظريفة، إذ قد انقطعت ~~موارد السلاطين عنهم ومراعاة العوام لهم، فإذا كثرت عائلتهم لم يؤمن عليهم ~~شر ما يجري على الجهال. # فمن قدر منهم على كسب بالنسخ وغيره فليجتهد فيه مع تقليل النفقة والقناعة ~~باليسير. # فإنه من ترخص منهم اليوم أكل الحرام، لأنه يأخذ من الظلمة خصوصا بحجة ~~التنمس والتزهد. # ومن كان له منهم مال فليجتهد في تنميته وحفظه، فما بقي من يؤثر ولا من ~~يقرض. # وقد صار الجمهور ms271 بل الكل كأنهم يعبدون المال، فمن حفظه حفظ دينه. # ولا يلتفت إلى قول الجهلة الذين يأمرون بإخراج المال، فما هذا وقته. # واعلم أنه إذا لم يجتمع الهم، لم يحصل العلم ولا العمل ولا التشاغل ~~بالفكر في عظمة الله. # وقد كان هم القدماء يجتمع بأشياء جمهورها أنه كان لهم من بيت المال نصيب ~~في كل عام. # وكان يصلهم فيفضل عنهم. # وفيهم من كان له مال يتجر به كسعيد بن المسيب وسفيان وابن المبارك وكان ~~همه مجتمعا، وقد قال سفيان في ماله: لولاك لتمندلوا بي !!. PageV01P131 ~~وفقدت بضاعة لابن المبارك فبكى وقال: هو قوام ديني. # وكان جماعة يسكنون إلى عطاء الإخوان الذين لا يمنون. # وكان ابن المبارك يبعت إلى الفضل وغيره، وكان الليث بن سعد يتفقد ~~الأكابر، فبعث إلى مالك ألف دينار، وإلى ابن لهيعة ألف دينار، وأعطى منصور ~~ابن عمار ألف دينار وجارية بثلاثمائة دينار. # وما زال الزمان على هذا إلى أن آل الأمر إلى انمحاق ذلك، فقلت عطايا ~~السلاطين، وقل من يؤثر من الإخوان. # إلا أنه كان في ذلك القليل ما يدفع عض الزمان. # فأما زماننا هذا، فقد انقبضت الأيدي كلها، حتى قل من يخرج الزكاة ~~الواجبة، فكيف يجتمع هم من يريد من العلماء والزهاد أن يعمل همه ليلا ~~ونهارا في وجوه الكسب وليس من شأنه هذا ولا يهتدي له. # فقد رأينا الأمر أحوج إلى التعرض للسلاطين والترخص في أخذ ما لا يصلح، ~~وأحوج المتزهدين إلى التصنع لتحصيل الدنيا. # فالله الله يا من يريد حفظ دينه، قد كررت عليك الوصية بتقليل جهدك، وخفف ~~العلائق مهما أمكنك، واحتفظ بدرهم يكون معك فإنه دينك، وافهم ما قد شرحته، ~~فإن ضجت النفس لمراداتها فقل لها: إن كان عندك إيمان فاصبري، وإن أردت ~~التحصيل لما يفنى ببذل الدين فما ينفعك. # فتفكري في العلماء الذين جمعوا المال من غير وجهه وفي المنمسين ذهب ~~دينهم، وزالت دنياهم. # وتفكري في العلماء الصادقين كأحمد وبشر، اندفعت الأيام وبقي لهم حسن ~~الذكر. # وفي الجملة " من يتق الله يجعل له مخرجا ms272 ويرزقه من حيث لا يحتسب " . # فصل العبادة على أمل # شكا لي رجل من بغضه لزوجته ثم قال: ما أقدر على فراقها لأمور، منها كثرة ~~دينها علي وصبري قليل، ولا أكاد أسلم من فلتات لساني في الشكوى، وفي كلمات ~~تعلم بغضي لها. # فقلت له: هذا لا ينفع وإنما تؤتى البيوت من أبوابها ! فينبغي أن تخلو ~~بنفسك فتعلم أنها إنما سلطت عليك بذنوبك فتبالغ في الاعتذار والتوبة. # فأما التضجر والأذى لها فما ينفع كما قال الحسن بن الحجاج: عقوبة من الله ~~لكم فلا تقابلوا عقوبته بالسيف وقابلوها بالاستغفار. # واعلم أنك في مقام مبتلي ولك أجر بالصبر " وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم " فعامل الله سبحانه بالصبر على ما قضى واسأله الفرج. # فإذا جمعت بين الاستغفار وبين التوبة من الذنوب والصبر على القضاء وسؤال ~~الفرج، حصلت ثلاثة فنون من العبادة تثاب على كل منها. # ولا تضيع الزمان بشيء لا ينفع، ولا تحتل ظانا منك أنك تدفع ما قدر: " وإن ~~يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو " . # وقد روينا أن جنديا نزل يوما في دار أبي يزيد، فجاء أبو يزيد فرآه فوقف ~~وقال لبعض أصحابه: أدخل إلى المكان الفلاني فاقلع الطين الطري فإنه من وجه ~~فيه شبهة فقلعه، فخرج الجندي. # وأما أذاك للمرأة فلا وجه له لأنها مسلطة فليكن شغلك بغير هذا. # وقد روي عن بعض السلف أن رجلا شتمه فوضع خده على الأرض وقال اللهم اغفر ~~لي الذنب الذي سلطت هذا به علي. # قال الرجل: وهذه المرأة تحبني زائدا في الحد، وتبالغ في خدمتي، غير أن ~~البغض لها مركوز في طبعي. # قلت له: فعامل الله سبحانه بالصبر عليها فإنك تثاب. # وقد قيل لأبي عثمان النيسابوري: ما أرجى عملك عندك. # قال: كنت في صبوتي يجتهد أهلي أن أتزوج فآبي. # فجاءتني امرأة، فقالت: يا أبا عثمان، إني قد هويتك، وأنا أسألك بالله أن ~~تتزوجني. # فأحضرت أباها - وكان فقيرا - فزوجني منها وفرح بذلك. # فلما دخلت إلي رأيتها عوراء عرجاء مشوهة. # وكانت لمحبتها لي تمنعني ms273 من الخروج، فأقعد حفظا لقلبها، ولا أظهر لها من ~~البغض شيئا وكأني على جمر الغضا من بغضها. # فبقيت هكذا خمس عشرة سنة حتى ماتت، فما من عملي شيء هو أرجى عندي من حفظي ~~قلبها. # قلت له: فهذا عمل الرجال، وأي شيء ينفع ضجيج المبتلى بالتضجر وإظهار ~~البغض. # وإنما طريقه ما ذكرته لك من التوبة والصبر وسؤال الفرج. # وتذكر ذنوبا كانت هذه عقوبتها. # وبالغ، فإن وقع فرج فشيء كأنه ليس في الحساب، وإلا فاستعمال الصبر على ~~القضاء عبادة. # وتكلف إظهار المودة لها وإن لم تكن في قلبك تثبت على هذا. # وليس القيد ذنبا فيلام، إنما ينبغي التشاغل مع من قيدك به والسلام. # فصل بين النفس والناس PageV01P132 لا ريب أن القلب المؤمن بالإله سبحانه ~~وبأوامره يحتاج إلى الانعكاف على ذكره وطاعته وامتثال أوامره، وهذا يفتقر ~~إلى جمع الهم. # وكفى بما وضع في الطبع من المنازعة إلى الشهوات مشتتا للهم المجتمع. # فينبغي للإنسان أن يجتهد في جمع همه لينفرد قلبه بذكر الله سبحانه وتعالى ~~وإنفاذ أوامره والتهيؤ للقائه. # وذلك إنما يحصل بقطع القواطع، والامتناع عن الشواغل. # وما يمكن قطع القواطع جملة، فينبغي أن يقطع ما يمكن منها. # وما رأيت مشتتا للهم مبددا للقلب مثل شيئين: أحدهما: أن تطاع النفس في ~~طلب كل شيء تشتهيه وذلك لا يوقف على حد فيه، فيذهب الدين والدنيا ولا ينال ~~كل المراد. # مثل أن تكون الهمة في المستحسنات أو في جمع المال أو في طلب الرياسة، وما ~~يشبه هذه الأشياء. # فيا له من شتات لا جامع له، يذهب العمر ولا ينال بعض المراد منه. # والثاني: مخالطة الناس خصوصا العوام والمشي في الأسواق، فإن الطبع يتقاضى ~~بالشهوات وينسى الرحيل عن الدنيا، ويحب الكسل عن الطاعة والبطالة والغفلة ~~والراحة. # فيثقل على من ألف مخالطة الناس التشاغل بالعلم أو بالعبادة. # ولا يزال يخالطهم حتى تهون عليه الغيبة وتضيع الساعات في غير شيء. # فمن أراد اجتماع همه فعليه بالعزلة بحيث لا يسمع صوت أحد، فحينئذ يخلو ~~القلب بمعارفه، ولا تجد النفس رفيقا ms274 مثل الهوى يذكرها ما تشتهي. # فإذا اضطر إلى المخالطة كان على وفاق كما تتهوى للضفدع لحظة ثم تعود إلى ~~الماء، فهذه طريق السلامة. # فتأمل فوائدها تطب لك. # فصل الكفر بسبب الدهر # ما رأت عيني مصيبة نزلت بالخلق أعظم من سبهم للزمان وعيبهم للدهر. # وقد كان هذا في الجاهلية، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ~~فقال: " لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر " . # ومعناه أنتم تسبون من فرق شملكم وأمات أهاليكم، وتنسبونه إلى الدهر، ~~والله تعالى هو الفاعل لذلك. # فتعجبت كيف علم أهل الأسقام بهذه الحال، وهم على ما كان أهل الجاهلية ~~عليه ما يتغيرون حتى ربما اجتمع الفطناء الأدباء الظراف على زعمهم فلم يكن ~~لهم شغل إلا ذم الدهر. # وربما جعلوا الله الدنيا، ويقولون: فعلت وصنعت وحتى رأيت لأبي القاسم ~~الحريري يقول: # ولما تعامى الدهر وهو أبو الردى ... عن الرشد في أنحائه ومقاصده # تعاميت حتى قيل إني أخو عمي ... ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده # وقد رأيت خلقا يعتقدون أنهم فقهاء وفهماء ولا يتحاشون من هذا. # وهؤلاء إن أرادوا بالدهر مرور الزمان، فذاك لا اختيار له ولا مراد ولا ~~يعرف رشدا من ضلال، ولا ينبغي أن يلام. # فإنه زمان مدبر لا مدبر، فيتصرف فيه ولا يتصرف بأحد. # وما يظن بعاقل أن يشير إلى أن هذا المذموم المعرض عن الرشد السيء الحكم ~~هو الزمان. # فلم يبق إلا أن القوم خرجوا عن ربقة الإسلام، ونسبوا هذه القبائح إلى ~~الصانع، فاعتقدوا فيه قصور الحكمة وفعل ما لا يصح، كما اعتقده إبليس في ~~تفضيل آدم. # وهؤلاء لا ينفعهم مع هذا الزيغ اعتقاد إسلام، ولا فعل صلاة. # بل هم شر من الكفار، لا أصلح الله لهم شأنا ولا هداهم إلى رشاد. # فصل كنز الوقت # من عجائب ما أرى من نفسي ومن الخلق كلهم الميل إلى الغفلة عما في أيدينا ~~مع العلم بقصر العمر، وأنا زيادة الثواب هناك بقدر العمل ههنا. # فيا قصير العمر اغتنم يومي مني، وانتظر ساعة النفر، وإياك ms275 أن تشغل قلبك ~~بغير ما خلق له. # واحمل نفسك على المبر واقمعها إذا أبت، ولا تسرح لها في الطول، فما أنت ~~إلا في مرعى. # وقبيح بمن كان بين الصفين أن يتشاغل بغير ما هو فيه. # فصل الاحتراس # قد قررت هذا المعنى في هذا الكتاب، وهو الأمر بحفظ السر، والحذر من ~~الانبساط فيما لا يصلح بين يدي الناس. # فرب منبسط - بين يدي من يظنه صديق - يقول في صديق أو في سلطان يحسب أنه ~~لا يهتم في ذلك، فيكون سبب هلاكه ذاك. # فأوصى السليم الصدر الذي يظن في الناس الخير أن يحترز من الناس، وأن لا ~~يقول في الخلق كلمة لا تصلح للخلق. # ولا يغتر بمن يظهر الصداقة أو التدين فقد عم الخبث. # فصل التفكر والنظر # تأملت على أكثر الناس عباداتهم فإذا هي عادات. # فأما أرباب اليقظة فعاداتهم عبادة حقيقية. PageV01P133 فإن الغافل يقول ~~سبحان الله عادة، والمتيقظ لا يزال فكره في عجائب المخلوقات أو في عظمة ~~الخالق، فيحركه الفكر في ذلك فيقول: سبحان الله. # ولو أن إنسان تفكر في رمانة، فنظر في تصفيف حبها وحفظه بالأغشية لئلا ~~يتضاءل، وإقامة الماء على عظم العجم، وجعل الغشاء عليه يحفظه، وتصوير الفرخ ~~في بطن البيضة، والآدمي في حشا الأم، إلى غير ذلك من المخلوقات، أزعجه هذا ~~الفكر إلى تعظيم الخالق، فقال: سبحان الله، وكان هذا التسبيح ثمرة الفكر؛ ~~فهذا تسبيح المتيقظين. # وما تزال أفكارهم تجول فتقع عباداتهم بالتسبيحات محققة، وكذلك يتفكرون في ~~قبائح ذنوب قد تقدمت فيوجب ذلك الفكر وقلق القلب وندم النفس، فيثمر ذلك أن ~~يقول قائلهم: أستغفر الله. # فهذا هو التسبيخ والاستغفار. # فأما الغافلون فيقولون ذلك عادة وشتان ما بين الفريقين. # فصل العزلة دواء # لا يصفو التعبد والتزهد والاشتغال بالآخرة إلا بالانقطاع الكلي عن الخلق، ~~بحيث لا يبصرهم ولا يسمع كلامهم إلا في وقت ضرورة كصلاة جمعة أو جماعة، ~~ويحترز في تلك الساعات منهم. # وإن كان عالما يريد نفعهم وعدهم وقتا معروفا واحترز في الكلام معهم. # وأما من يمشي في الأسواق اليوم ويبيع ms276 ويشتري مع هذا العالم المظلم، ويرى ~~المنكرات والمستهجنات فما يعود إلى البيت إلا وقد أظلم القلب. # فلا ينبغي للمريد أن يكون خروجه إلا إلى الصحراء والمقابر. # وقد كان جماعة من السلف يبيعون ويشترون ويحترزون، ومع هذا ما صفا لصافيهم ~~وقت حتى قاطع الخلق. # قال أبو الدرداء: زاولت العبادة والتجارة فلم يجتمعا فاخترت العبادة. # وقد جاء في الحديث: الأسواق تلهي وتلغي. # فمن قدر على الحمية النافعة واضطر إلى المخالطة والكسب للعائلة، فليحترز ~~احتراز الماشي في الشوك، وبعيد سلامته. # فصل المحافظة على صفاء القلب # من رزق قلبا طيبا، ولذة مناجاة، فليراع حاله وليحترز من التغيير. # وإنما تدوم له حاله بدوام التقوى. # وكنت قد رزقت قلبا طيبا ومناجاة حلوة فأحضر بعض أرباب المناصب إلى طعامه، ~~فما أمكن خلافه. فتناولت وأكلت منه فلقيت الشدائد، ورأيت العقوبة في الحال، ~~واستمرت مدة، وغضبت على قلبي، وفقدت كل ما كنت أجده. # فقلت: واعجبا لقد كنت في هذا كالمكره، فتفكرت وإذا به قد يمكن مداراة ~~الأمر بلقيمات يسيرة، ولكن التأويل جعل تناول هذا الطعام بشهوة أكثر مما ~~يدفع بالمداراة. # فقالت النفس: ومن أين لي أن عين هذا الطعام حرام ؟. # فقالت اليقظة: وأين الورع عن الشبهات ؟. # فلما تناولت بالتأويل لقمة واستحليتها بالطبع لقيت الأمرين بفقد القلب ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار. # فصل اليقظة للآخرة والتدبر # همة المؤمن متعلقة بالآخرة فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة، وكل ~~من شغله شيء فهمته شغله. # ألا ترى أنه لو دخل أرباب الصنائع إلى دار معمورة رأيت البزاز ينظر إلى ~~الفرش ويحزر قيمته، والنجار إلى السقف، والبناء إلى الحيطان، والحائك إلى ~~النسيج المخيط. # والمؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر، وإن رأى مؤلما ذكر العقاب، وإن سمع ~~صوتا فظيعا ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس نياما ذكر الموتى في القبور، وإن ~~رأى لذة ذكر الجنة، فهمته متعلقة بما ثم، وذلك يشغله عن كل ما تم. # وأعظم ما عنده أنه يتخايل دوام البقاء في الجنة، وأن بقاءه لا ينقطع ولا ~~يزول، ولا يعتريه منغص، ms277 فيكاد إذا تخايل نفسه متقلبا في تلك اللذات الدائمة ~~التي لا تفنى يطيش فرحا ويسهل عليه ما في الطريق إليها من ألم ومرض وابتلاء ~~وفقد محبوب وهجوم الموت ومعالجة غصصه. # فإن المشتاق إلى الكعبة يهون عليه رمل زرود، والتائق إلى العافية لا ~~يبالي بمرارة الدواء. # ويعلم أن جودة الثمر ثم على مقدار جودة البذر ههنا فهو يتخير الأجود، ~~ويغتنم الزرع في تشرين العمر من غير فتور. # ثم يتخايل المؤمن دخول النار والعقوبة فيتنغص عيشه ويقوى قلقه، فعنده ~~بالحالين شغل عن الدنيا وما فيها، فقلبه هائم في بيداء العشوق تارة وفي ~~صحراء الخوف أخرى، فما يرى البنيان. # فإذا نازله الموت قوي ظنه بالسلامة، ورجا لنفسه النجاة فيهون عليه. ~~PageV01P134 فإذا نزل إلى القبر وجاءه من يسألونه، قال بعضهم لبعض: دعوه ~~فما استراح إلا الساعة. نسأل الله عز وجل يقظة تامة تحركنا إلى طلب ~~الفضائل، وتمنعنا من اختيار الرذائل، فإنه إن وفق، وإلا فلا نافع. # فصل مظاهر الاصطفاء # لقد اعتبرت على مولاي سبحانه وتعالى أمرا عجيبا وهو أنه تعالى لا يختار ~~لمحبته والقرب منه إلا الكامل صورة ومعنى. # ولست أعني حسن التخاطيط وإنما كمال الصورة اعتدالها، والمعتدلة ما تخلو ~~من حسن، فيتبعها حسن الصورة الباطنة، وهو كمال الأخلاق، وزوال الأكدار، ولا ~~يرى في باطنه خبثا ولا كدرا، بل قد حسن باطنه كما حسن ظاهره. # وقد كان موسى عليه السلام كل من رآه يحبه، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم ~~كالقمر ليلة البدر. # وقد يكون الولي أسود اللون، لكنه حسن الصورة لطيف المعاني. # فعلى قدر ما عند الإنسان من التمام في كمال الخلق والخلق، يكون عمله، ~~ويكون تقريبه إلى الحضرة بحسب ذلك. # فمنهم كالخادم على الباب، ومنهم حاجب، ومنهم مقرب، ويندر من يتم له ~~الكمال. ولعله لا يوجد في مائة سنة منهم غير واحد. # وهذه حكاية ما تحصل بالاجتهاد بل الاجتهاد يحصل منها. لأنه إذا وقع تماما ~~حث على الجد على قدر نقصائه. # وهذا لا حيلة في أصله، إنما هو جبلة، وإذا أرادك لأمر ms278 هيأك له. # فصل الحكمة الإلهية وجهل العقول # تأملت على قوم يدعون العقول ويعترضون على حكمة الخالق. # فينبغي أن يقال لهم: هذا الفهم الذي دلكم على رد حكمته أليس هو من منحه ~~؟. # أفأعطاكم الكمال ورضي لنفسه بالنقص ! هذا هو الكفر المحض الذي يزيد في ~~القبح على الجحد. # فأول القوم إبليس، فإنه رأى بعقله أن جوهر النار أشرف من جوهر الطين فرد ~~حكمة الخالق. # ومر على هذا خلق كثير من المعترضين، مثل ابن الراوندي والبقري وهذا ~~المعري اللعين يقول: كيف يعاب الحجاج بالسخف والدهر أقبح فعلا منه. # أترى يعني به الزمان ! كلا. فإن ممر الأوقات لا يفعل شيئا وإنما هو تعريض ~~بالله جل شأنه. وكان يستعجل الموت ظنا منه أنه يستريح. # وكان يوصي بترك النكاح والنسك، ولا يرى في الإيجاد حكمة إلا العناء ~~والتعب ومصير الأبدان إلى البلى. # وهذا لو كان ظن كان الإيجاد عبثا، والحق منزه عن العبث. # قال تعالى: " وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا " . # فإذا كان ما خلق لنا لم يخلق عبثا. أفنكون نحن ونحن مواطن معرفته ومجال ~~تكليفه قد وجدنا عبثا ؟. # ومثل هذا الجهل إنما يصدر ممن ينظر في قضايا العقول التي يحكم بها على ~~الظواهر، مثل أن يرى مبنيا ينقض. # والعقل بمجرده لا يرى دلك حكمة ولو كشفت له حكمة ذلك العلم أنه صواب. # كما كشف لموسى مراد الخضر في خرق السفينة وقتل الغلام. # ومعلوم أن ذبح الحيوان، وتقطيع الرغيف، ومضغ الطعام لا يظهر له فائدة على ~~الإطلاق. # فإذا علم أنه غذاء لبدن من هو أشرف بدنا من المذبوح حسن ذلك الفعل. # واعجبا أو ما تقضي العقول بوجوب طاعة الحكيم الذي تعجز عن معرفة حكمة ~~مخلوقاته. # فكيف تعارضه في أفعاله ؟ نعوذ بالله من الخذلان. # فصل وعظ السلاطين # ينبغي لمن وعظ سلطانا أن يبالغ في التلطف ولا يواجهه بما يقتضي أنه ظالم. # فإن السلاطين حظهم التفرد بالقهر والغلبة فإذا جرى نوع توبيخ لهم كان ~~إذلالا وهم لا يحتملون ذلك. # وإنما ينبغي أن يمزج وعظه بذكر شرف الولاية، ms279 وحصول الثواب في رعاية ~~الرعايا، وذكر سير العادلين من أسلافهم. # ثم لينظر الواعظ في حال الموعوظ قبل وعظه. # فإن رأى سيرته حميدة كما كان منصور بن عمار وغيره يعظون الرشيد وهو يبكي. ~~وقصده الخير زاد في وعظه ووصيته. # وإن رآه ظالما لا يلتفت إلى الخير، وقد غلب عليه الجهل، اجتهد في أن لا ~~يراه ولا يعظه. # لأنه إن وعظه خاطر بنفسه، وإن مدحه كان مداهنا. # فإن اضطر إلى موعظته كانت كالإشارة، وقد كان أقوام من السلاطين يلينون ~~عند الموعظة ويحتملون الواعظين. # حتى أنه قد كان المنصور يواجه بأنك ظالم فيصبر. # وقد تغير الزمان، وفسد أكثر الولاة وداهنهم العلماء، ومن لا يداهن لا يجد ~~قبولا للصواب فيسكت. # وقد كانت الولايات لا يسألها إلا من أحكمته العلوم، وثقفته التجارب، فصار ~~أكثر الولاة يتساوون في الجهل فتأتي الولاية على من ليس من أهلها. # ومثل هؤلاء ينبغي الحذر منهم والبعد عنهم PageV01P135 فمن ابتلى بوعظهم ~~فليكن على غاية التحرز فيما يقول ولا ينبغي أن يغتر بقولهم عظنا فإنه لو ~~قال كلمة لا توافق أغراضهم ثارت حراراتهم. # وليحذر مذكر السلطان أن يعرض له بأرباب الولايات فإنهم إذا سمعوا بذلك ~~صار الواعظ مقصودا لهم بالإهلاك خوفا من أن يعتبر السلطان أحوالهم فتفسد ~~أمورهم. # والبعد في هذا الزمان عنهم أصلح، والسكوت عن المواعظ لهم أسلم. # فمن اضطر تلطف غاية التلطف، وجعل وعظه للعوام وهم يسمعون ولا يعنيهم منه ~~بشيء والله الموفق. # فصل الأنبياء الكذبة، ورسالة الإسلام # الحق لا يشتبه بباطل إنما يموه الباطل عند من لا فهم له. # وهذا في حق من يدعي النبوات، وفي حق من يدعي الكرامات. # أما النبوات فإنه قد ادعاها خلق كثير ظهرت قبائحهم، وبانت فضائحهم، ومنها ~~ما أوجبته خسة الهمة والتهتك في الشهوات، والتهافت في الأقوال والأفعال، ~~حتى افتضحوا. # فمنهم الأسود العنسي، ادعى النبوة ولقب نفسه ذا الحمارة لأنه كان يقول ~~يأتيني ذو الحمار، وكان أول أمره كاهنا يشعوذ فيظهر الأعاجيب. فخرج في ~~أواخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم فكاتبته مذ حج ms280 وواعدته نجران وأخرجوا ~~عمرو بن حزم وخالد بن سعيد صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصفا له ~~اليمن، وقاتل شهر بن باذان فقتله وتزوج ابنته فأعانت على قتله فهلك في حياة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبان للعقلاء أنه كان يشعوذ. # ومنهم مسيلمة، ادعى النبوة وتسمى رحمان اليمامة لأنه كان يقول: الذي ~~يأتيني رحمان. فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وادعى أنه قد أشرك معه، ~~فالعجب أنه يؤمن برسول ويقول إنه كذاب، ثم جاء بقرآن يضحك الناس، مثل قوله: ~~يا ضفدع بنت ضفدعين نقي ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، ومن ~~العجائب شاة سوداء تحلب لبنا أبيض فانهتك ستره في الفصاحة. # ثم مسح بيده على رأس صبي فذهب شعره. وبصق في بئر فيبست. # وتزوج سجاح التي ادعت النبوة فقالوا: لا بد لها من مهر فقال: مهرها أني ~~قد أسقطت عنكم صلاة الفجر والعتمة. # وكانت سجاح هذه قد ادعت النبوة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فاستجاب لها جماعة فقالت: أعدوا الركاب، واستعدوا للنهاب، ثم اعبروا على ~~الرباب، فليس دونهم حجاب، فقاتلوهم. # ثم قصدت اليمامة فهابها مسيلمة فراسلها وأهدى لها فحضرت عنده فقالت: اقرأ ~~علي ما يأتيك به جبريل. # فقال: إنكن معشر النساء خلقتن أفواجا، وجعلتن لنا أزواجا، نولجه فيكن ~~إيلاجا فقالت: صدقت أنت نبي. # فقال لها: قومي إلى المخدع، فقد هيىء لك المضجع، فإن شئت مستلقاة وإن شئت ~~على أربع، وإن شئت بثلثيه وإن شئت به أجمع، فقالت: بل به اجمع فهو للشمل ~~أجمع. # فافتضحت عند العقلاء من أصحابها، فقال منهم عطارد بن حاجب: # أضحت نبيتنا أنثى يطاف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا # فعلنة الله رب الناس كلهم ... على سجاح ومن بالإفك أغوانا # أعني مسيلمة الكذاب لا سقيت ... أصداؤه ومن رعيت حيثما كانا # ثم إنها رجعت عن غيها وأسلمت، وما زالت تبين فضائح مسيلمة حتى قتل. # ومنهم طليحة بن خويلد، خرج بعد دعوى مسيلمة النبوة وتبعه عوام ونزل ~~سميرا، فتسمى بذي النون، يقول: ms281 إن الذي يأتيه يقال له ذو النون. # وكان من كلامه: إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم ولا قبح أدباركم شيئا ~~فاذكروا الله أعفة قياما.. # ومن قرآنه: والحمام واليمام وللصرد الصوام ليبلغن ملكنا العراق والشام. # وتبعه عيينة بن حصين، فقاتله خالد بن الوليد فجاء عيينة إلى طليحة فقال: ~~ويحك أجاءك الملك. قال لا فارجع فقاتل فقاتل ثم عاد، فقال أجاءك فقال لا، ~~فعاد فقاتل ثم عاد فقال: أجاءك ؟ قال: نعم قال: ما قال لك ؟ قال: قال إن لك ~~جيشا لا تنساه، فصاح عيينة: الرجل والله كذاب. # فانصرف الناس منهزمين وهرب طليحة إلى الشام، ثم أسلم وصح إسلامه وقتل ~~بنهاوند. # وذكر الواقدي: أن رجلا من بني يربوع يقال له جندب بن كلثوم، كان يلقب ~~كردانا ادعى النبوة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يزعم أن ~~دليله على نبوته أنه يسرج مسامير الحديد والطين. وهذا لأنه كان يطلي ذلك ~~بدهن البيلسان فتعمل فيه النار. PageV01P136 وقد تنبأ رجل يقال له كهمش ~~الكلابي، وكان يزعم أن الله تعالى أوحى إليه: يا أيها الجائع اشرب لبنا ~~تشبع، ولا تضرب الذي لا ينفع، فإنه ليس بمقنع. # وزعم أن دليله على نبوته أنه يطرح بين السباع الضارية فلا تأكله، وحيلته ~~في ذلك أنه يأخذ دهن الغار وحجر البرسان وقنفدا محرقا وزبد البحر وصدفا ~~محرقا مسحوقا وشيئا من الصبر والحبط فيطلي به جسمه، فإذا قربت منه السباع ~~فشمت تلك الأرياح وزفورتها نفرت. # وتنبأ بالطائف رجل يقال له أبو جعوانة العامري، وزعم أن دليله أنه يطرح ~~النار في القطن فلا يحترق. وهذا لأنه يدهنه بدهن معروف. # ومنهم هذيل بن يعفور من بني سعد بن زهير، حكى عنه الأصمعي أنه عارض سورة ~~الإخلاص فقال: قل هو الله أحد إله كالأسد جالس على الرصد لا يفوته أحد. # ومنهم هذيل بن واسع كان يزعم أنه من ولد النابغة الذبياني، عارض سورة ~~الكوثر فقال له رجل ما قلت فقال: إنا أعطيناك الجواهر، فصل لربك وجاهر، فما ~~يردنك إلا كل فاجر. # فظهر ms282 عليه السنوري فقتله وصلبه على العمود، فعبر عليه الرجل فقال: إنا ~~أعطيناك العمود، فصل لربك من قعود، بلا ركوع ولا سجو، فما أراك تعود. # وممن ظهر فادعى أنه يوحي إليه المختار بن أبي عبيد، وكان متخبطا في ~~دعواه، وقتل خلقا كثيرا وكان يزعم أنه ينصر الحسين رضوان الله عليه ثم قتل. # ومنهم حنظلة بن يزيد الكوفي، كان يزعم أن دليله أنه يدخل البيضة في ~~القنينة ويخرجها منها صحيحة وذاك أنه كان ينقع البيضة في الخل الحامض فيلين ~~قشرها ثم يصب ماء في قنينة، ثم يدس البيضة فيها، فإذا لقيت الماء صلبت. # وقد تنبأ أقوام قبل نبينا صلى الله عليه وسلم كزرادشت وماني. وافتضحوا. # وما من المدعين إلا من خذل. # وقد جاءت القرامطة بحيل عجيبة، وقد ذكرت جمهور هؤلاء وحيلهم في كتابي ~~التاريخ المسمى بالمنتظم، وما فيهم من يتم له أمر إلا ويفتضح. # ودليل صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم أجلى من الشمس. # فإنه ظهر فقيرا والخلق أعداؤه فوعد بالملك فملك. وأخبر بما سيكون فكان ~~وصين من زمن النبوة عن الشره وخساسة الهمة والكذب والكبر. # وأيد بالثقة والأمانة والنزاهة والعفة، وظهرت معجزاته للبعيد والقريب. # وأنزل عليه الكتاب العزيز الذي حارت فيه عقول الفصحاء، ولم يقدروا على ~~الإتيان بآية تشبهه فضلا عن سورة. # وقد قال قائلهم وافتضح، ثم أخبر أنه لا يعارض فيه كمال قال. وذلك قوله ~~تعالى: " فأتوا بسورة " ثم قال: " فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا " . وكذلك ~~قوله: " فتمنوا الموت " ، " ولن يتمنوه.. " فما تمناه أحد. # إذ لو قال قائل قد تمنيته لبطلت دعواه. # وكان يقول ليلة غزاة بدر: غدا مصرع فلان ههنا فلا يتعداه. # وقال: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، لك ~~بعدهما من له كبير قدر، ولا من استتب له حال. # ومن أعظم دليل على صدقه أنه لم يرد الدنيا فكان يبيت جائعا، ويؤثر إذا ~~وجد، ويلبس الصوف ويقوم الليل. # وإنما تطلب النواميس لاجتلاب الشهوات، فلما لم يردها دل على أنه يدل على ms283 ~~الآخرة التي هي حق. # ثم لم يزل دينه يعلو حتى عم الدنيا، وإن كان الكفر في زوايا الأرض، إلا ~~أنه مخذول. # وصار في تابعيه من أمته الفقهاء الذين لو سمع كلامهم الأنبياء القدماء ~~تحيروا في حسن استخراجهم، والزهاد الذين لو رآهم الرهبان تحيروا في صدق ~~زهدهم، والفطناء الذين لا نظير لهم في القدماء. # أوليس قوم موسى يعبدون بقرة، ويتوقفون في ذبح بقرة، ويعبرون البحر، ثم ~~يقولون: اجعل لنا إلها ؟. # وقوم عيسى يدخرون من المائدة وقد نهوا. # والمعتدون في السبت يعصون الله لأجل الحيتان. # وأمتنا بحمد الله تعالى سليمة من هذه الأشياء، وإنما في بعضها ميل إلى ~~الشهوات المنهي عنها؛ وذلك من الفروع لا من الأصول. # فإذا ذكروا وندموا على تفريطهم. # فنحمد الله على هذا الدين وعلى أننا من أمة هذا الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. # وقد كان جماعة من المتصنعين بالزهد مالوا إلى طلب الدنيا والرياسة، ~~فاستغواهم الهوى فخرقوا بإظهار ما يشبه الكرامات كالحلاج وابن الشاش ~~وغيرهما ممن ذكرت حال تلبيسه في كتاب تلبيس إبليس. # وإنما فعلوا ذلك لاختلاف أغراضهم، ولم يزل الله ينشىء في هذا الدين من ~~الفقهاء من يظهر ما أخفاه القاصرون. PageV01P137 كما ينشىء من علماء الحديث ~~من يهتك ما أشاعه الواضعون، حفظا لهذا الدين، ودفعا للشبهات عنه. # فلا يزال الفقيه والمحدث يظهر أن عوار كل ملبس بوضع حديث أو بإظهار دعوى ~~تزهد وتنميس فلا يؤثر ما ادعياه إلا عند جاهل بعيد من العلم والعمل. # " ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون " . # فصل الوجود الحق خدمة الموجد # واعجبا من موجود لا يفهم معنى الوجود، فإن فهم لم يعمل بمقتضى فهمه. # يعلم أن العمر قصير، وهو يضيعه بالنوم والبطالة والحديث الفارغ وطلب ~~اللذات، وإنما أيامه أيام عمل لا زمان فراغ. # وقد كلف ببذل المال ومخالفة الطبع من الشرع فبخل به إلى أن يتضايق ~~الخناق، فيقول حينئذ: فرقوا عني بعد موتي وافعلوا كذا. # فأين يقع هذا لو فعل، وبعيد أن يفعل، وإنما يراد بإنفاقك في صحتك مخالفة ~~الطبع في تكلف ms284 مشاق الإخراج في زمن السلامة. # فافرق بين الحالتين إن كان لك فهم. # فالسعيد من انتبه لنفسه وعمل بمقتضى عقله، واغتنم زمنا نهايته الزمن ~~وانتهب عمرا يا قرب انقطاعه. # ويحك ما تصنع بادخال مال لا يؤثر حسنة في صحيفة ولا مكرمة في تاريخ. # أما سمعت بإنفاق أبي بكر وبخل ثعلبة ؟. # أما رأيت تأثير مدح حاتم وبخل الحباحب ؟. # ويحك لو ابتلاك في مالك لاستغثت أو في بدنك ليلة بمرض لشكوت. # فأنت تستوفي مطلوباتك منه، ولا تستوفي في حقه عليك " ويل للمطففين " . # ولتعلم أن هذا القدر المفرط فيه يحل الخلود الدائم في ثواب العمل فيه. # فسبحان من من على أقوام فهموا المراد فأتعبوا الأجساد، وغطى على أقوام ~~فهموا المراد فأتعبوا الأجساد، وغطى على قلوب آخرين فوجودهم كالعدم. # وكيف لا يتعب العاقل بدنه إتعاب البدن والمقصود منى. # أترى ما بال الحق متجليا في إيجادك أيها العبد ! بلى، والله إن وجودك ~~دليل وجوده. # وإن نعمه عليك دليل جوده. # فكما قدمك على سائر الحيوانات، فقدمه في قلبك على كل المطلوبات. # واخيبة من جهله، وافقر من أعرض منه، واذل من اعتز بغيره، واحسرة من اشتغل ~~بغير خدمته. # فصل الاستعداد للرحيل # إني أعجب من عاقل يرى استيلاء الموت على أقرانه وجيرانه كيف يطيب عيشه، ~~خصوصا إذا علت سنه. # واعجبا لمن يرى الأفاعي تدب إليه وهو لا ينزعج. أما يرى الشيخ دبيب الموت ~~في أعضائه، قد أخرج سكين القوي. وأنزل متغشرم الضعف، وقلب السواد بياضا، ثم ~~في كل يوم يزيد الناقص. # ففي نظر العاقل إلى نفسه ما يشغله عن النظر إلى خراب الدنيا وفراق ~~الإخوان، وإن كان ذلك مزعجا. # ولكن شغل من احترق بيته بنقل متاعه يلهيه عن ذكر بيوت الجيران. # وإنه لما يسلي عن الدنيا ويهون فراقها استبدال المعارف بمن تكره. # فقد رأينا أغنياء كانوا يؤثرون، وفقراء كانوا يصبرون، ومحاسبين لأنفسهم، ~~يتورعون فاستبدل السفهاء عن العقلاء، والبخلاء عن الكرماء. # فيا سهولة الرحيل، لعل النفس تلقى من فقدت، فتلحق بمن أحبت. # فصل الإيمان والتعقل # نظرت في قول الله تعالى: ms285 " ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في ~~الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب " ، ثم قال: " وكثير ~~من الناس " فرأيت الجمادات كلها قد وصفت بالسجود، واستثنى من العقلاء، ~~فذكرت قول بعضهم: # ما جحد الصامت من أنشأه ... ومن ذوي النطق أتى الجحود # فقلت: إن هذه لقدرة عظيمة، يوهب عقل الشخص ثم يسلب فائدته، وأن هذا لأقوى ~~دليل على قادر قاهر. # وإلا فكيف يحسن من عاقل أن لا يعرف بوجوده وجود من أوجده ؟. # وكيف ينحت صنما بيده ثم يعيده ؟. # غير أن الحق سبحانه وتعالى وهب لأقوام من العقل ما يثبت عليهم الحجة، ~~وأعمى قلوبهم كما شاء عن المحجة. # فصل مخالطة المحجوبين عن الله غشاوة # ما رأيت أكثر أذى للمؤمن من مخالطة من لا يصلح، فإن الطبع يسرق. # فإن لم يتشبه بهم ولم يسرق منهم فتر عن عمله. # وإن رؤية الدنيا تحث على طلبها، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سترا على بابه فهتكه وقال: ما لي وللدنيا، ولبس ثوبا له طراز فرماه وقال: ~~شغلتني أعلامه، ولبس خاتما ثم رماه وقال: نظرت إليكم ونظرت إليه. ~~PageV01P138 وكذلك رؤية أرباب الدنيا ودورهم وأحوالهم، خصوصا لمن له نفس ~~تطلب الرفعة. # وكذا سماع الأغاني ومخالطة الصوفية الذين لا نظر لهم اليوم إلا في الرزق ~~الحاصل. # لو كان من أي مكان قبلوه، ولا يتورعون أن يأخذوا من ظالم، وليس عندهم خوف ~~كما كان أوائلهم. # فقد كان سري السقطي يبكي طول الليل، وكان يبالغ في الورع، وهم ليس لهم ~~ورع سري ولا لهم تعبد الجنيد. # وإنما ثم أكل ورقص وبطالة وسماع أغاني من المردان، حتى قال بعض من يعتبر ~~قوله: حضرت مع رجل كبير يومأ إليه من مشايخ الربط ومغنيهم أمرد، فقام الشيخ ~~ونقطه بدينار على خده. # وادعاؤهم أن سماع هذه الأشياء يدعو إلى الآخرة فوق الكذب. # وليس العجب منهم، إنما العجب من جهال ينفقون عليهم فينفقون عليهم. # ولقد كان جماعة من القدماء يرون أوائل الصوفية يتعبدون ويتورعون فيعجبهم ~~حالهم، وهم معذورون في ms286 إعجابهم بهم. # وإن كان أكثر القوم في تعبدهم على غير الجادة، كما ذكرت في كتابي المسمى ~~بتلبيس إبليس. # فأما اليوم فقد برح الخفاء، أحدهم يتردد إلى الظلمة ويأكل أموالهم، ~~ويصافحهم بقميص ليس فيه طراز، وهذا هو التصوف فحسب. # أو لا يستحي من الله من زهد في رفيع الأثواب لأجل الخلائق لا لأجل الحق. # ولا يزهد في مطعم ولا شبهة !. # فالبعد عن هؤلاء لازم. # وينبغي للمنفرد لطاعة الله تعالى عن الخلق أن لا يخرج إلى سوق جهده، فإن ~~خرج ضرورة غض بصره، وأن لا يزور صاحب منصب ولا يلقاه، فإن اضطر دارى الأمر. # ولا يخالط عاميا إلا لضرورة مع التحرز. # ولا يفتح على نفسه باب التزوج، بل يقنع بامرأة فيها دين، فقد قال الشاعر: # والمرء ما دام ذا عين يقلبها ... في أعين العين موقوف على الخطر # يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبا بسرور وعاد بالضرر # فإن كان يغلب عليه العلم انفرد بدراسته، واحترز من الأتباع المعلمين، وإن ~~غلبت عليه العبادة، زاد في احترازه. # وليجعل خلوته أنيسه، والنظر في سير السلف جليسه. # وليكن له وظيفة من زيارة قبور الصالحين والخلوة بها. # ولا ينبغي أن يفوته ورد قيام الليل، وليكن بعد النصف الأول، فليطل مهما ~~قدر، فإنه زمان بعيد المثل. # وليمثل رحيله عن قرب ليقصر أمله، وليتزود في الطريق على قدر طول السفر، ~~نسأل الله عز وجل يقظة من فضله، وإقبالا على خدمته، وأن لا يخذلنا ~~بالالتفات عنه، إنه قريب مجيب. # فصل أنعم الله التي لا تحصى # كلما نظرت في تواصل النعم علي تحيرت في شكرها، وأعلم أن الشكر من النعم ~~فكيف أشكر، لكني معترف بالتقصير، وأرجو أن يكون اعترافي قائما ببعض الحقوق. # وعندي خلة أرجو بها كل خير، وهي أن من يصوم أو يصلي يرى أنه تعبد ويخدم ~~كأنه يقضي حق المخدوم. # وأنا أرى أني إذا صليت ركعتين فإنما قمت أكدي فلنفسي أعمل، إذ المخدوم ~~غني عن طاعتي. # وكان بعض المشايخ يقول: جاء في الحديث: الدعاء عبادة، وأنا أقول: العبادة ~~دعاء. ms287 # فالعجب ممن يقف للخدمة يسأل حظ نفسه، كيف يرى أنه قد فعل شيئا، إنما أنت ~~في حاجتك، ومنة من أيقظك لا تقاومها خدمتك، فأنا أقول كما قال الأول: # يا منتهى الآمال أن ... ت كفلتني وحفظتني # وعد الزمان علي كي ... يجتاحني فمنعتني # فانقاد لي متخشعا ... لما رآك نصرتني # وكسوتني ثوب الغنى ... ومن المغالب صنتني # فإذا سكت بدأتني ... وإذا سألت أجبتني # فإذا شكرتك زدتني ... فمنحتني وبهرتني # أو إن أجد بالمال فال ... أموال أنت أفدتني # فصل علماء القشور # رأيت أكثر العلماء يتشاغلون بصورة العلم، فهم الفقيه التدريس، وهم الواعظ ~~الوعظ. # فهذا يرعى درسه فيفرح بكثرة من يسمعه، ويقدح في كلام من يخالفه، ويمضي ~~زمانه في التفكر في المناقضات، ليقهر من يجادله، وعينه إلى التصدر ~~والارتفاع في المجالس. وربما كانت همته جمع الحطام، ومخالطة السلاطين. # والواعظ همته ما يرزق به كلامه ويكثر جمعه ويجلب به قلوب الناس إلى ~~تعظيمه، فإن كان له نظير في شغله أخذ يطعن فيه. PageV01P139 وهذه قلوب ~~غافلة عن الله عز وجل، إذ لو كانت لها به معرفة لاشتغلت به، وكان أنسها ~~بمناجاته، وإيثارها لطاعاته، وإقبالها على الخلوة به. # لكنها لما خلت من هذا تشاغلت بالدنيا وذاك دنيا مثلها. # فإذا خلت بخدمة الله تعالى لم تجد لها طعما، وكان جمع الناس أحب إليها، ~~وزيارة الخلق لها آثر عندها، وهذه علامة الخذلان. # وعلى ضد هذا متى كان العالم مقبلا على الله سبحانه مشغولا بطاعته، كان ~~أصعب الأشياء عنده لقاء الخلق ومحادثتهم، وأحب الأشياء إليه الخلوة. # وكان عنده شغل عن القدح في النظراء أو عن طلب الرياسة. # فإن ما علق به همته من الآخرة أعلى من ذلك. # والنفس لا بد لها مما تشاغل به. فمن اشتغل لخدمة الخلق أعرض عن الحق، ~~فإنما يربي رياسته. # وذلك يوجب الإعراض عن الحق، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. # فصل صفاء البصيرة # قد جاء في الأثر: أرنا الأشياء كما هي، وهذا كلام حسن غاية الحسن. # وأكثر الناس ما يرون الأشياء بعينها، فإنهم يرون الفاني كأنه ms288 باق، ولا ~~يكادون يتخايلون زوال ما هم فيه وإن علموا ذلك. # إلا أن أعين الحس مشغولة بالنظر إلى الحاضر. # ألا ترى زوال اللذة وبقاء إثمها، ولو رأى اللص قطع يده هان عنده المسروق. # فمن جمع الأموال ولم ينفقها فما رآها بعينها، إذ هي آلة لتحصيل الأغراض، ~~لا تراد لذاتها. # ومن رأى المعصية بعيني الشهوة فما رآها، إذ فيها من العيوب ما شئت ثم ~~ثمرتها عقوبة آجلة، وفضيحة عاجلة. # وانظر إلى أكبر شهوات الحس وهو الوطء فإن الماء لا يحصل إلا بعد مطعم ~~ومشرب، ومن تفكر في المطعم نظر إلى حرث الأرض وأنها تفتقر إلى بقر للحراثة ~~عليهن المحراث، وهو حديد ومعه خشب ويتعلق به حبال. # فمن تفكر في عمل الحبال في زرع القنب وتسريحه وفتله والحديد وجلبه وضربه، ~~والخشب ونباته ونجارته، ودوران الدولاب وعمله، ثم استحصاد الزرع وحصده ~~وتذريته وطحنه وعجنه وخبزه، ومن عمل التنور وجلب الشوك. # ومن هذا الجنس إذ نظر فيه كثر جدا حتى قالوا لا تنال لقمة إلا وقد عمل ~~فيها ثلاثمائة نفس أو نحوهم. # فإذا أكل تلك اللقمة فليفكر في خلق الأسنان لقطعها والأضراس لطحنها ~~وعذوبة ماء الفم لخلطها، واللسان ليقلبها، وعضلات الفم يصعد منها شيء ويبقى ~~شيء حتى يصلح البلع. # ثم يتناول المعي فيوصلها إلى الكبد فيقوم طابخا لها، فإذا صارت دما نفت ~~رسوبها إلى الطحال، ومائيتها إلى المثانة، واستخلصت من أخلص الدم وأصفاه ~~للكبد والدماغ والقلب. # وأخذت أجود ذلك فحدرته إلى الأنثيين معدا لخلق آدمي. # فإذا تحركت نيران الشهوة تدفقت تلك النطقة، وقد حكم الشرع بطهارتها؛ وحكم ~~لها بطهارة الرحم والمحل الذي يباشره الذكر، فيخلق منها الآدمي الموحد. # فما جاء هذا الشخص إلا بأغلى الغلاء وبعد عجائب أشرنا إليها، لا أنا ~~عددناها، أفمن فهم هذا يحسن منه أن يبدد تلك النطفة في حرام، أو أن يطأ في ~~محل نجس فتضيع ؟. # فكم يتعلق بالزنا من لا يفي معشار عشرها بلذة لحظة، منها هتك العرض بين ~~الناس. وكشف العورات المحرمة، وخيانة الأخ المسلم في زوجته إن ms289 كانت متزوجة ~~وفضيحة المزني بها وهي كأخت له أو بنت. # فإن علقت منه ولها زوج ألحقته بذلك الزوج، وكان هذا الزاني سببا في ميراث ~~من لا يستحق، ومنع من يستحق. # ثم يتسلسل ذلك من ولد إلى ولد. # وأما سخط الحق سبحانه فمعلوم قال تعالى: " ولا تقربوا الزنا إنه كان ~~فاحشة وساء سبيلا " . # وقال صلى الله عليه وسلم: ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله تعالى من ~~نطفة وضعها رجل في رحم لا تحل له. # ومن له فهم يعلم أن المراد من النطفة إيجاد الموحدين. # ولولا تركيب الشهوة لم يقع الوطء، لأنه التقاء عضوين غير مستحسنين ولا ~~صورتهما حسنة ولا ريحهما طيب. # وإنما الشهوة تغطي عين الناظر ليحصل الولد أصلا فهي عارض فمن طلب الشهوة ~~ونسي جنايته بالزنا فما رأى الأشياء على ما هي. # وقس على هذا المطعم والمشرب وجمع المال وغير ذلك. # فصل الحكمة في خلق ما يؤذي # إن قال قائل: أي فائدة في خلق ما يؤذي ؟ فالجواب أنه قد ثبتت حكمة الخالق ~~فإذا خفيت في بعض الأمور وجب التسليم. # ثم إن المستحسنات في الجملة أنموذج ما أعد من الثواب. والمؤذيات أنموذج ~~ما أعد من العقاب. PageV01P140 وما خلق شيء يضر إلا وفيه منفعة، قيل لبعض ~~الأطباء: إن فلانا يقول أنا كالعقرب أضر ولا أنفع. # فقال: ما أقل علمه. إنها لتنفع إذا شق بطنها ثم شد على موضع اللسعة. # وقد تجعل في جوف فخار مسدود الرأس مطبق الجوانب، ثم يوضع الفخار في تنور ~~فإذا صارت رمادا سقي من ذلك الرماد مقدار نصف دانق أو أكثر من به الحصاة ~~فيفتها من غير أن يضر بشيء من سائر الأعضاء. # وقد تلسع العقرب من به حمى عتيقة فتزول. # ولسع رجلا مفلوجا فزال عنه الفالج. # وقد تلقى في الدهن حتى يجتذب قواها فيزيل ذلك الدهن الأورام الغليظة، ~~ومثل هذا كثير. # فالجاهل عدو لما جهله، وأكبر الحماقة رد الجاهل على العالم. # فصل جلال العبادة وجمال العابدين # كلما أوغلت الفهوم في معرفة الخالق فشاهدت عظمته ولطفه ms290 ورفعته، تاهت في ~~محبته فخرجت عن حد الثبوت. # وقد كان خلق من الناس غلبت عليهم محبته، فلم يقدروا على مخالطة الخلق. # ومنهم من لم يقدر على السكوت عن الذكر. # وفيهم من لم ينم إلا غلبة، وفيهم من هام في البراري، وفيهم من احترق في ~~بدنه. # فيا حسن مخمورهم ما ألذ سكره، ويا عيش قلقهم ما أحسن وجده... !!. # كان أبو عبيدة الخواص قد غلبه الوجد فكان يمشي في الأسواق يقول: واشوقاه ~~إلى من يراني ولا أراه. # وكان فتح بن سخرف يقول: قد طال شوقي إليك، فعجل قدومي عليك. # وكان قيس بن الربيع كأنه مخمور من غير شراب. # وكان ابن عقيل يقول: التبذل فيه سبحانه أحسن من التجمل في غيره. # هل رأيت قط عراة أحسن من المحرمين ؟. # هل رأيت للمتزينين برياش الدنيا سمتا كأثواب الصالحين ؟. # هل رأيت خمارا أحسن من نعاس المتهجدين ؟. # هل رأيت سكرا أحسن من صعق الواجدين ؟. # هل شاهدت ماء صافيا أصفى من دموع المتأسفين ؟. # هل رأيت رؤوسا مائلة كرؤوس المنكسرين ؟. # هل لصق بالأرض شيء أحسن من جباه المصلين ؟. # هل حرك نسيم الأسحار أوراق الأشجار فبلغ تحريكه أذيال المتهجدين ؟. # هل ارتفعت أكف وانبسطت أيد فضاهت أكف الراغبين !. # هل حرك القلوب صوت ترجيع لحن أو رنة وتركهما حرك حنين المشتاقين ؟. # وإنما يحسن التبذل في تحصيل أوفى الأغراض. # فلذلك حسن التبذل في خدمة المنعم. # فصل تدريب العقل # أكثرهم لا يعرف الدين، ولا يتأدب بآدابه. بمرة يتفق له قلة العقل من أصل ~~الوضع ثم ذلك القليل لا يعاون، بل يعان عليه، وذاك أن الجارحة إذا دام ~~تعطلها عن عملها الذي هيئت له تعطلت وخمدت ولهذا تنقص أنصار النساخ ~~والرفائين وتحتد أبصار أهل البوادي لأنه صاد لأبصارهم. # وشغل العقل التفكر، والنظر في عواقب الأحوال، والاستدلال بالشاهد على ~~الغائب، وهؤلاء يمتلؤون من الطعام دائما وذلك يؤذي العقل. # ثم يطيلون النوم، فإذا انتبهوا شربوا المسكر فاتفق للعقل تعطيل ~~وتغطية.... فساء التدبير. # فصل اعتبار القدرات في التوجيه # من المخاطرات تحديث العوام بما لا تحتمله قلوبهم، أو بما ms291 قد رسخ في ~~نفوسهم ضده. # مثاله أن قوما قد رسخ في قلوبهم التشبيه، وأن ذات الخالق سبحانه ملاصقة ~~للعرش، وهي بقدر العرش، ويفضل من العرش قدر أربع أصابع. # وسمعوا مثل هذا من أشياخهم، وثبت عندهم أنه إذا نزل وانتقل إلى السماء ~~الدنيا خلت منه ست سموات. # فإذا دعى أحدهم إلى التنزيه وقيل له ليس كما خطر لك، إنما ينبغي أن تمر ~~الأحاديث كما جاءت من غير مساكنة ما توهمته، صعب هذا عليه لوجهين. # أحدهما: لغلبة الحس عليه والحس على العوام أغلب. # والثاني: لما قد سمعه من ذلك من الأشياخ الذين كانوا أجهل منه. # فالمخاطب لهذا مخاطر بنفسه، ولقد بلغني عن بعض من كان يتدين ممن قد رسخ ~~في قلبه التشبيه أنه سمع من بعض العلماء شيئا من التنزيه، فقال: والله لو ~~قدرت عليه لقتلته. # فالله الله أن تحدث مخلوقا من العوام بما لا يحتمله دون احتيال وتلطف، ~~فإنه لا يزول ما في نفسه، ويخاطر المحدث له بنفسه. # فكذلك كل ما يتعلق بالأصول. # فصل ميزان الرجولة # لا يغرك من الرجل طنطنته وما تراه يفعل من صلاة وصوم وعزلة عن الخلق. # إنما الرجل هو الذي يراعي شيئين: حفظ الحدود، وإخلاص العمل. # فكم قد رأينا متعبدا يخرق الحدود بالغيبة، وفعل ما لا يجوز مما يوافق ~~هواه ؟. # وكم قد اعتبرنا على صاحب دين أنه يقصد بفعله غير الله تعالى. PageV01P141 ~~وهذه الآفة تزيد وتنقص في الخلق. # فالرجل كل الرجل هو الذي يراعي حدود الله، وهي ما فرض عليه وألزم به. # والذي يحسن القصد، فيكون عمله وقوله خالصا لله تعالى، لا يريد به الخلق ~~ولا تعظيمهم له. # فرب خاشع ليقال ناسك، وصامت ليقال خائف، وتارك للدنيا ليقال زاهد. # وعلامة المخلص أن يكون في جلوته كخلوته، وربما تكلف بين الناس التبسم ~~والانبساط لينمحي عنه اسم زاهد. # فقد كان ابن سيرين يضحك بالنهار، فإذا جن الليل فكأنه قتل أهل القرية. # واعلم أن المعمول معه لا يريد الشركاء، فالمخلص مفرد له بالقصد، والمرائي ~~قد أشرك ليحصل له مدح الناس. ms292 # وذلك ينقلب، لأن قلوبهم بيد من أشرك معه، فهو يقلبها عليه لا إليه. # فالموفق من كانت معاملته باطنة وأعماله خالصة. # وذاك الذي تحبه الناس وإن لم يبالهم، كما يمقتون المرائي وإن زاد تعبده. # ثم إن الرجل الموصوف بهذه الخصال لا يتناهى عن كمال العلوم ولا يقصر عن ~~طلب الفضائل. # فهو يملأ الزمان بأكثر ما يسعه من الخير، وقلبه لا يفتر عن العمل القلبي. ~~أبى أن يصير شغله بالحق سبحانه وتعالى. # فصل التطلع بلا عمل # رأيت خلقا يفرطون في أديانهم ثم يقولون احملونا إذا متنا إلى مقبرة أحمد. # أتراهم ما سمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم امتنع من الصلاة على من ~~عليه دين وعلى الغال، وقال: ما ينفعه صلاتي عليه. # ولقد رأيت أقواما من العلماء حملهم حب الصيت على أن استخرجوا إذنا من ~~السلطان، فدفنوا في دكة أحمد بن حنبل وهم يعلمون أن هناك خلقا رفات بعضهم ~~على بعض. وما فيهم إلا من يعلم أنه ما يستحق القرب من مثل ذلك. # فأين احتقار النفوس ؟ أما سمعوا أن عمر بن عبد العزيز، قيل له: تدفن في ~~الحجرة ؟ فقال: لأن ألقى الله بكل ذنب ما خلا الشرك أحب إلي من أن أرى نفسي ~~أهلا لذلك. # لكن، العادات وحب الرياسة غلبت على هؤلاء، فبقي العلم يجري على الألسن ~~عادة لا للعمل به. # ثم آل الأمر إلى جماعة خالطوا السلاطين وباشروا الظلم، يزاحمون على الدفن ~~بمقبرة أحمد ويوصون بذلك. # فليتهم أوصوا بالدفن في موضع فارغ، إنما يدفنون على موتى. # ويخرج عظام أولئك فيحشرون على ما ألقوا من الظلم حتى في موتهم، وينسون ~~أنهم كانوا من أعوان الظلمة. # أترى ما علموا أن مساعد الظالم ظالم، وفي الحديث: كفى بالمرء خيانة أن ~~يكون أمينا للخونة. # قال السجان لأحمد بن حنبل: هل أنا من أعوان الظلمة ؟ فقال: لا، أنت من ~~الظلمة، إنما أعوان الظلمة من أعانك في أمر. # فصل حقيقة الحسد # رأيت الناس يذمون الحاسد ويبالغون ويقولون: لا يحسد إلا شرير يعادي نعمة ~~الله، ولا يرضى ms293 بقضائه، ويبخل على أخيه المسلم. # فرأيت في هذا فما رأيته كما يقولون، وذاك أن الإنسان لا يحب أن يرتفع ~~عليه أحد، فإذا رأى صديقه قد علا عليه تأثر هو ولم يحب أن يرتفع عليه، وود ~~لو لم ينل صديقه ما ينال، أو أن ينال هو ما نال ذاك لئلا يرتفع عليه وهذا ~~معجون في الطين، ولا لوم على ذلك. # إنما اللوم أن يعمل بمقتضاه من قول أو فعل، وكنت أظن أن هذا قد وقع لي عن ~~درسي وفحصي، فرأيت الحديث عن الحسن البصري قد سبقني إليه. # قال: أخبرنا عبد الخالق بن عبد الصمد قال: أخبرنا ابن النقود قال: أخبرنا ~~المخلص قال: حدثنا البغوي قال: حدثنا أبو روح قال: حدثنا مخلد بن الحسين عن ~~هشام عن الحسن قال: ليس من ولد آدم أحد إلا وقد خلق معه الحسد... !!. # فمن لم يجاوز ذلك بقول ولا بفعل لم يتبعه شيء !!. # فصل الإسراف الجنسي # من أعظم الضرر الداخل على الإنسان كثرة النساء. # إنه أولا يتشتت همه في محبتهن، ومداراتهن وغيرتهن، والإنفاق عليهن، ولا ~~يأمن إحداهن أن تكرهه وتريد غيره فلا تتخلص إلا بقتله. # ولو سلم من جميع ذلك لم يسلم في الكسب لهن، فإن سلم لم ينج من السآمة لهن ~~أو لبعضهن. # ثم يطلب ما لا يقدر عليه من غيرهن، حتى أنه لو قدر على نساء بغداد كله ~~فقدمت امرأة مستترة من غير البلد ظن أنه يجد عندها ما ليس عندهن. # ولعمري إن في الجدة لذة، ولكن رب مستور إذا انكشف افتضح. # ولو أنه سلم من كل أذى يتعلق بهن أنهك بدنه في الجماع، فيكون طلبه ~~للالتذاذ مانعا من دوام الالتذاذ. # ورب لقمة منعت لقمات، ورب لذة كانت سببا في انقطاع لذات. PageV01P142 ~~والعاقل من يقتصر على الواحدة إذا وافقت غرضه، ولا بد أن يكون فيها شيء لا ~~يوافق، إنما العمل على الغالب، فتوهب الخلة الردية للمجيدة. # وينبغي أن يكون النظر إلى باب الدين قبل النظر إلى الحسن. # فإنه إذا قل الدين لم ينتفع ذو ms294 مروءة بتلك المرأة، ومما يهلك الشيخ سريعا ~~الجماع، فلا يغتر بما يرى من انبساط الآلة وحصول الشهوة. # وذلك مستخرج من قوته ما لا يعود مثله، فلا ينبغي أن يغتر بحركة وشهوة، ~~ولا يقرب من النساء إن كان له رأي في البقاء. # فصل أعيت الحماقة من يداويها # إذا رأيت قليل العقل في أصل الوضع فلا ترج خيره. # فأما إن كان وافر العقل لكنه يغلب عليه الهوى فارجه. # وعلامة ذلك أنه يدبر أمره في جهله، فيستتر من الناس إذا أتى فاحشة، ~~ويراقب في بعض الأحوال، ويبكي عند الموعظة، ويحترم أهل الدين، فهذا عاقل ~~مغلوب بالهوى. # فإذا انتبه بالندم انقبض شيطان الهوى وجاء ملك العقل. # فأما إذا كان قليل العقل في الوضع، وعلامته أن لا ينظر في عاقبة عاجلة ~~ولا آجلة ولا يستحي من الناس أن يروه على فاحشة، ولا يدبر أمر دنياه، فذاك ~~بعيد الرجاء. # وقد يندر من هؤلاء من يفلح، ويكون السبب فيه خميرة من العقل غطى عليها ~~الهوى ثم تكشف قليلا ليعود، فمثلهم كمثل مصروع أفاق. # فصل الحيطة للمستقبل # ينبغي الاحتراز من كل ما يجوز أن يكون، ولا ينبغي أن يقال: الغالب ~~السلامة. # وقد رأينا من نزل مع الخيل في سفينة فاضطربت، فغرق من في السفينة وإن كان ~~الغالب في هذه الحالة السلامة. # وكذا ينبغي أن يقدر الإنسان في نفقته وإن رأى الدنيا مقبلة، لجواز أن ~~تنقطع تلك الدنيا. # وحاجة النفس لا بد من قضائها، فإذا بذر وقت السعة فجاء وقت الضيق لم يأمن ~~أن يدخل في مداخل سوء، وأن يتعرض بالطلب من الناس. # وكذلك ينبغي للمعافى أن يعد للمرض، وللقوي أن يتهيأ للهرم. # وفي الجملة فالنظر في العواقب وفيما يجوز أن يقع شأن العقلاء. # فأما النظر في الحالة الراهنة فحسب فحالة الجهلة الحمقى، مثل أن يرى نفسه ~~معافى وينسى المرض، أو غنيا وينسى الفقر، أو يرى لذة عاجلة وينسى ما تجني ~~عواقبها. # وليس للعقل شغل إلا النظر في العواقب، وهو يشير بالصواب من أين يقبل ؟.. # فصل القوة عند الابتلاء ms295 # يبين إيمان المؤمن عند الابتلاء، فهو يبالغ في الدعاء ولا يرى أثرا ~~للإجابة، ولا يتغير أمله ورجاؤه ولو قويت أسباب اليأس، لعلمه أن الحق أعلم ~~بالمصالح. # أو لأن المراد منه الصبر أو الإيمان فإنه لم يحكم عليه بذلك إلا وهو يريد ~~من القلب التسليم لينظر كيف صبره، أو يريد كثرة اللجأ والدعاء. # فأما من يريد تعجيل الإجابة ويتذمر إن لم تتعجل، فذاك ضعيف الإيمان. يرى ~~أن له حقا في الإجابة، وكأنه يتقاضى أجرة عمله. # أما سمعت قصة يعقوب عليه السلام: بقي ثمانين سنة في البلاء ورجاؤه لا ~~يتغير، فلما ضم إلي فقد يوسف فقد بنيامين لم يتغير أمله وقال: " عسى الله ~~أن يأتيني بهم جميعا " . # وقد كشف هذا المعنى قوله تعالى: " أم حستتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم ~~مثل الذين خلو من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول ~~والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب " . # ومعلوم أن هذا لا يصدر من الرسول والمؤمنين إلا بعد طول البلاء وقرب ~~اليأس من الفرج. # ومن هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال العبد بخير ما لم ~~يستعجل، قيل له: وما يستعجل. قال: يقول: دعوت فلم يستجب لي. # فإياك أن تستطيل زمان البلاء، وتضجر من كثرة الدعاء، فإنك مبتلى بالبلاء ~~متعبد بالصبر والدعاء، ولا تيأس من روح الله وإن طال البلاء. # فصل المتعة الزائفة # تذكرت في سبب دخول جهنم فإذا هو المعاصي. # فنظرت في المعاصي فإذا هي حاصلة من طلب اللذات. # فنظرت في اللذات فرأيتها خدعا ليست بشيء، وفي ضمنها من الأكدار ما يصيرها ~~نغصا فتخرج عن كونها لذات. # فكيف يتبع العاقل نفسه ويرضي بجهنم لأجل هذه الأكدار ؟. # فمن اللذات الزنا، فإن كان المراد إراقة الماء فقد يراق في حلال. # وإن كان في المعشوق فمراد النفس دوام البقاء مع المعشوق، فإذا هي ملكته ~~فالمملوك مملول. PageV01P143 وإن هو قاربه ساعة ثم فارقه فحسرة الفراق تربو ~~على لذة القرب. # وإن كان ولد له من الزنا فالفضيحة الدائمة، ms296 والعقوبة التامة، وتنكيس ~~الرأس عند الخالق والمخلوق. # وأما الجاهل فيرى لذته في بلوغ ذلك الغرض، وينسى ما يجني مما يكدر عيش ~~الدنيا والآخرة. # ومن ذلك شرب الخمر، فإنه تنجيس للفم والثوب، وإبعاد للعقل، وتأثيراته ~~معلومة عند الخالق والمخلوق. # فالعجب ممن يؤثر لذة ساعة تجني عقابا وذهاب جاه، وربما خرج بالعربدة إلى ~~القتل. # وعلى هذا فقس جميع المذوقات، فإن لذاتها إذا وزنت بميزان العقل لا تفي ~~بمعشار عشير عواقبها القباح في الدنيا والآخرة. # ثم هي نفسها ليست بكثير شيء فكيف تباع الآخرة بمثل هذا ؟. # سبحان من أنعم على أقوام، كلما لاحت لهم لذة نصبوا ميزان العقل ونظروا ~~فيما يجني وتلمحوا ما يؤثر تركها فرجحوا الأصلح. # وطمس على قلوب فهي ترى صورة الشيء وتنسى جناياته. # ثم العجب أنا نرى من يبعد عن زوجته وهو شاب ليعدو في الطريق فيقال ساعي. # فيغلب هواه لطلب ما هو أعلى وهو المدح. كيف لا يترك محرما ليمدح في ~~الدنيا والأخرى ؟. # ثم قدر حصول ما طلبت من اللذات وذهابها وأحسب أنها قد كانت وقد هانت ~~وتخلصت من محنها أين أنت من غيرك ؟ أين تعب عالم قد درس العلم خمسين سنة ؟. ~~ذهب التعب وحصل العلم، وأين لذة البطال ؟ ذهبت الراحة وأعقبت الندم. # فصل نتائج الشهوات # من وقف على موجب الحس هلك. ومن تبع العقل سلم، لأن مجرد الحس لا يرى إلا ~~الحاضر وهو الدنيا. وأما العقل فإنه ينظر إلى المخلوقات، فيعلم وجود الخالق ~~ويعلم أنه قد منح وأباح وأطلق وحظر، وأخبر أني سائلكم ومبتليكم ليظهر دليل ~~وجودي عندكم بترك ما تشتهون طاعة لي. # وإني قد بنيت لكم دارا غير هذه لإثابة من يطيع وعقوبة من يخالف. # ثم لو ترك الحس وما يشتهي مع أغراضه قرب الأمر إنما يزني فيجلد، ويشرب ~~الخمر فيعاقب، ويسرق فيقطع ويفعل ذلة فيفضح بين الخلق. # ويعرض عن العلم إلى البطالة فيقع الندم عند حصول الجهل. # ثم إنا نرى الكثير ممن عمل بمقتضى عقله قد سلمت دنياه وآخرته، وميز بين ~~الخلق بالتعظيم، وكان عيشه في ms297 لذاته غالبا خيرا من عيش موافق للهوى. # فليعتبر ذو الفهم بما قلت، وليعمل بمقتضى الدليل وقد سلم. # فصل الإسراف الجنسي # العجب لمؤثر شهوات الدنيا، ألا يتدبر أمرها بالعقل قبل أن يصير إلى ~~منقولات الشرع. # إن أعطم لذات الحس الوطء، فالمرأة المستحسنة إنما يكون حال كمالها من وقت ~~بلوغها إلى الثلاثين، فإذا بلغتها أثر فيها ما مضى من عمرها في الولادة ~~وغيرها. # وربما ابيضت شعرات من رأسها فينفر الإنسان منها. وقد يقع الملل قبل ذلك، ~~وطول الصحبة يكشف العيوب. # وما عيب نساء الدنيا بأبلغ من قوله: " لهم فيها أزواج مطهرة " . # فلو تفكر الإنسان في جسد مملوء بالنجاسة ما طالب له ضمه، غير أن الشهوة ~~تغطي عين الفكر. # فالعاقل من حفظ دينه ومروءته بترك الحرام، وحفظ قوته في الحلال فأنفقتها ~~في طلب الفضائل من علم أو عمل. # ولم يسع في إفناء عمره وتشتيت قلبه في شيء لا تحسن عاقبته: # ما في هوادجكم من مهجتي عوض ... إن مت شوقا ولا فيها لها ثمن # وعموم من رأينا من الكبار غلبت عليهم شهوة الوطء فانهدمت أعمارهم، ورحلوا ~~سريعا. # وقد رأينا من العقلاء من زجر نفسه عن هذه المحنة ولم يستعملها إلا وقت ~~الحاجة، فبقي لهم سواد شعورهم وقوتهم حتى تمتعوا بها في الحياة وحصلوا ~~المناقب، وعرفت منهم النفوس قوة العزيمة فلم تطالبهم بما يؤذي. # فصل معنى رؤيا الرسول # قد أشكل على الناس رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: من رآني في ~~المنام فقد رآني. فقال: ظاهر الحديث أنه يراه حقيقة. # وفي الناس من يراه شيخا وشابا ومريضا ومعافى. # فالجواب أنه من ظن أن جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم المودع في ~~المدينة خرج من القبر وحضر في المكان الذي رآه فيه فهذا جهل لا جهل يشبهه. # فقد يراه في وقت واحد ألف شخص في ألف مكان على صور مختلفة. # فكيف يتصور هذا في شخص واحد ؟ وإنما الذي يرى مثاله لا شخصه. PageV01P144 ~~فيبقى من رآني فقد رآني معناه قد رأى مثالي الذي يعرفه الصواب ms298 وتحصل به ~~الفائدة المطلوبة. فإن قيل: فما تقولون في رؤية الحق سبحانه ! فنقول: يرى ~~مثالا لا مثلا والمثال لا يفتقر إلى المساواة والمشابهة كما قال تعالى: " ~~أنزل من السمآء ماء فسالت أودية بقدرها " . # فضربه مثالا للقرآن وانتفاع الخلق به. # ويوضح هذا أنه إنما يرى من رأى الحق سبحانه وتعالى على هيئة مخصوصة والحق ~~سبحانه وتعالى منزه قد توحد فوضح ما قلناه. # فصل ارتباط الحديث بالفقه # هذا فصل غزير الفائدة: اعلم أنه لو اتسع العمر لم أمنع من الإيغال في كل ~~علم إلى منتهاه، غير أن العمر قصير. والعلم كثير. # فينبغي للإنسان أن يقتصر من القراءات إذا حفظ القرآن على العشر. # من الحديث على الصحاح. والسنن والمسانيد المصنفة. فإن علوم الحديث قد ~~انبسطت زائدة في الحد. والمتون محصورة، وإنما الطرق تختلف. # وعلم الحديث يتعلق بعضه ببعض وهو مشتهى، والفقهاء يسمونه علم الكسالى، ~~لأنهم يتشاغلون بكتابته وسماعه، ولا يكادون يعانون حفظه، ويفوتهم المهم وهو ~~الفقه. # وقد كان المحدثون قديما هم الفقهاء، ثم صار الفقهاء لا يعرفون الحديث، ~~والمحدثون لا يعرفون الفقه. # فمن كان ذا همة ونصح نفسه تشاغل بالمهم من كل علم، وجعل جل شغله الفقه، ~~فهو أعظم العلوم وأهمها. # وقد قال أبو زرعة: كتب إلي أبو ثور: فإن هذا الحديث قد رواه ثمانية ~~وتسعون رجلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي صح منه طرق يسيرة. # فالتشاغل بغير ما صح يمنع التشاغل بما هو أهم. # ولو اتسع العمر كان استيفاء كل الطرق في كل الأحاديث غاية في الجودة، ~~ولكن العمر قصير. # ولما تشاغل بالطرق مثل يحيى بن معين فاته من الفقه كثير، حتى أنه سئل عن ~~الحائض أيجوز أن تغسل الموتى ! فلم يعلم، حتى جاء أبو ثور فقال: يجوز، لأن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ~~حائض. # فيحيى أعلم بالحديث منه، ولكن لم يتشاغل بفهمه. # فأنا أنهى أهل الحديث أن تشغلهم كثرة الطرق. # ومن أقبح الأشياء أن تجري حادثة يسأل عنها ms299 شيخ قد كتب الحديث ستين سنة ~~فلا يعرف حكم الله عز وجل فيها. # وكذلك أنهى من يتشاغل بالتزهد والانقطاع عن الناس أن يعرض عن العلم. # بل ينبغي أن يجعل لنفسه منه حظا ليعلم إن زل كيف يتخلص. # فصل حاجة الدين إلى سلامة الجسم وصحة الدنيا # معرفة الله سبحانه لا تحصل إلا لكامل العقل، صحيح المزاج، والترقي إلى ~~محبته بذلك يكون. # وإن أقواما قلت عقولهم وفسدت أمزجتهم فساءت مطاعمهم وقلت فتخايلت لهم ~~الخيالات الفاسدة فادعوا معرفة الحق ومحبته، ولم يكن عندهم من العلم ما ~~يصدهم عما ادعوا فهلكوا، وعلى المؤمن أن يرعى حق بدنه، وليتخير له الأغذية. # وليعلم أن في المأكولات ما يسبب إفساد العقل وفيها ما يزيد في السوداء ~~فيوجب الماليخوليا، فترى صاحبها يحب الخلوة، ويهرب من الناس، وقد يقلل ~~المطعم، فيقوى مرضه فيتخايل خيالات يظنها حقا. # فمنهم من يقول: إني رأيت الملائكة، وفيهم من يخرجه الأمر إلى دعوى محبة ~~الحق والوله فيه ولا يكون ذلك عن أصل معتمد عليه. # وإنما العاقل العالم اليسير في الطريق بين الرفيقين: العلم والعقل. # فإن تقلل من الطعام فبعقل، وحد التقلل ترك فضول المطعم وما يخاف شره من ~~شبهة أو شهوة يحذر تعودها. # وأما زيادة التقلل مع القدرة فليس لعقل ولا شرع. إلا أن يكون الفقر عم، ~~فيتقلل ضرورة. # ومن تأمل حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجدهم يأخذون بمقدار ~~ولا يتركون حظوظ النفس التي تصلحها. # وما أحسن الأمر وأعدله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلث طعام، وثلث ~~شراب، وثلث نفس. # وقد قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو مريض: أصب من هذا الطعام فهو ~~أوفق لك من هذا. # وكان صلى الله عليه وسلم يشاور الأطباء ويحتجم ويحث على التداوي ويقول: ~~ما أنزل الله داء إلا وأنزل له شفاء فتداووا. # فجاء أقوام جهلوا العلم والحكمة في بنيان الأبدان. PageV01P145 فمنهم من ~~أقام في الجبال يأكل البلوط فأصابه القولنج، ومنهم من قلل المطعم إلى أن ~~ضعفت قواهم، ومنهم من اقتصر ms300 على نبات الصحراء، ومنهم من كان لا يقوت إلا ~~الباقلاء والشعير. فأوجبت هذه الأفعال أمراضا في البدن، وترقت إلى إفساد ~~العقل. # واتفق لهم قلة العلم، إذ لو علموا لفهموا أن الحكمة تنهى عن مثل هذا، فإن ~~البدن مبني على أخلاث إذا اعتدلت وقعت السلامة، وإذا زاد بعضها وقع المرض. # وأكثر هؤلاء مرضوا وتعجل لهم الموت، وفيهم من خرج إلى التسودن، وفيهم من ~~لاحت له لوائح فادعى رؤية الملائكة إلى غير ذلك. # فأما أهل العلم والعقل فهربهم من الخلق لخوف المعاصي ورؤية المنكر. # وفيهم من قويت معرفته فشغلته معرفة الحق ومحبته عن ملاقاة الخلق. # فهذه هي الخلوات الصافية، لأنها تصدر عن علم وعقل فتحفظ البدن، لأنه ناقة ~~توصل. # ولا ينبغي أن يتهاون بالمأكولات، خصوصا من لم يعتده التقشف، ولا يلبس ~~الصوف على البدن من لم يعتد. # ولينظر في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، فإنهم القدوة. ولا ~~يلتفت إلى بنيات الطريق، فيقال: فلان الزاهد قد أكل الطين، وفلان كان يمشي ~~حافيا، وفلان بقي شهرا ما أكل. # فإن المحققين من هؤلاء المخلصين لله تعالى على غير الجادة، لأن الجادة ~~اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وما كانوا يفعلون. # هذا ولعمري أنه قد كان فيهم من يقنع بالمذقة من اللبن، ويصبر الأيام عن ~~الطعام. ولكن إما لضرورة، أو لأنه معتاد لذلك كما يعتاد البدوي شرب اللبن ~~وحده ولا يؤذيه ذلك. # وفي الحديث: عودوا كل بدن ما اعتاد وفي المتزهدين من أخرج ماله كله عن ~~يده زهدا، ومعلوم أن الحاجات لا تنقضي، فلما احتاج تعرض للطلب، وافتقر إلى ~~أخذ مال من يد من يعلم أنه ظالم وبذل وجهه. # وقد كانت الصحابة تتجر وتحفظ المال، وجهال المتزهدين يرون جمع المال ~~ينافي الزهد. # فممخضة هذا الفصل أن أقول: ينبغي لمن رزق فهما أن يسعى في صلاح بدنه ولا ~~يحمل عليه ما يؤذيه، ولا يناوله من القوت ما لا يوافقه، ولا يضيع ماله، ~~وليجتهد في استثماره لئلا يحتاج، فإنه ما نافق زاهد إلا ms301 لأهل الدنيا. # ولينظر في سير الكاملين من السلف. وليتشاغل بالعلم، فإنه الدليل. فحينئذ ~~يحمله الأمر على الخلوة بربه، والاشتغال بحبه، فيكون ما ظهر منه ثمرة نضجه ~~لا فجة، والله الموفق. # فصل القدرة على الحياة # ما رأيت أظرف من لعب الدنيا بالعقول، وقد سمعنا ورأينا جماعة من الفطناء ~~الكاملي العقل لعبت بهم الدنيا حتى صاروا كالمجانين. فولوا الولايات فخرجوا ~~إلى القتل والضرب والحبس والشتم وذهاب الدين، والمباشرة للظلم وذلك كله ~~لأجل دنيا تذهب سريعا. # وفي مدة إقامتها هي معجونة بالنغص. # فيا أيها المرزوق عقلا لا تبخسه حقه، ولا تطفيء نوره، واسمع ما نشير به، ~~ولا تلتفت إلى بكاء طفل الطبع لفوات غرضه. # فإنك إن رحمت بكاءه لم تقدر على فطامه، ولم يمكنك تأديبه، فيبلغ جاهلا ~~فقيرا: # لا تسه عن أدب الصغي ... ر ولو شكا ألم التعب # ودع الكبير لشأنه ... كبر الكبير عن الأدب # وعلم أن زمان الابتلاء ضيف قراه الصبر، كما قال أحمد بن حنبل: إنما هو ~~طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل، فلا تنظر إلى لذة ~~المترفين، وتلمح عواقبهم، ولا تضق صدرا بضيق المعاش، وعلل الناقة بالحدو ~~تسير: # طاول بها الليل مال النجم أم جنحا ... وما طل النوم ضن الجفن أم سمحا # فإن تشكت فعللها المجرة من ... ضوء الصباح وعدها بالرواح ضحى # وقد كان أهدي إلى أحمد بن حنبل هدية فردها، ثم قال بعد سنة لأولاده: لو ~~كنا قبلناها كانت قد ذهبت. # ومر بشر على بئر فقال له صاحبه: أنا عطشان، فقال البئر الأخرى فمر عليها ~~فقال له الأخرى، ثم قال: كذا تقطع الدنيا. # ودخلوا إلى بشر الحافي وليس في داره حصير، فقيل له ألا بذا تؤذي ؟ فقال ~~هذا أمر ينقضي. # وكان لداود الطائي دار يأوي إليها، فوقع سقف فانتقل إلى سقف إلى أن مات ~~في الدهليز. PageV01P146 فهؤلاء الذين نظروا في عواقب الأمور، وبعد هذا فلا ~~أطالبك بهذه الرتبة، بل أقول لك: إن حصل لك شيء من المباح لا من فيه ولا ~~أذى ولا نلته بسؤال ولا ms302 من يد ظالم تعلم أن ماله حرام أو فيه شبهة، فافسح ~~لنفسك في مباحاتها بمقدار ما تحتاج إليه، وكن مقدرا للنفقة غير مبذر. # فإن الحلال لا يحتمل السرف ومتى أسرفت احتجت إلى التعرض للخلق والتناول ~~من الأكدار. # وإن ضاق بك أمر فاصبر، فإن ضعف الصبر فسل فاتح الأبواب. # فهو الكريم وعنده مفاتح الغيب. # وإياك أن تبذل دينك بتصنع للخلق أو بتقرب إلى الأمراء تستعطي أموالهم. # واذكر طريق السلف، كان ابن سمعون له ثياب يجلس فيها للناس ثم يطويها إلى ~~المجلس الآخر ورثها عن أبيه بقيت أربعين سنة. # وكانت ميمونة بنت شاقولة تعظ الناس ولها ثياب قد بقيت أربعين سنة. # ومن صفا نظره وتهذب لفظه، نفع وعظه، ومن كدر كدر عليه. # والحالة العالية في هذا إقبال القلب على الله عز وجل، والتوكل عليه ~~والنظر إليه والتفات القلب عن الخلق. # فإن احتجت فاسأله، وإن ضعفت فارغب إليه. # ومتى ساكنت الأسباب انقطعت عنه، ومتى استقام باطنك استقامت لك الأمور. # فصل أين الأصدقاء ؟ # رأيت نفسي تأنس بخلطاء نسميهم أصدقاء فبحثت بالتجارب عنهم فإذا أكثرهم ~~حساد على النعم. وأعداء لا يسترون زلة، ولا يعرفون لجليس حقا، ولا يواسون ~~من ما لهم صديقا. # فتأملت الأمر، فإذا الحق سبحانه يغار على قلب المؤمن أن يجعل له شيئا ~~يأنس به، فهو يكدر عليه الدنيا وأهلها ليكون أنسه به. # فينبغي أن يعد الخلق كلهم معارف ليس فيهم صديق، بل تحسبهم أعداء. # ولا تظهر سرك لمخلوق منهم، ولا تعدن من يصلح لشدة لا ولدا ولا أخا ولا ~~صديقا. # بل عاملهم بالظاهر، ولا تخالطهم إلا حالة الضرورة بالتوقي لحظة. # ثم انفر عنهم وأقبل على شأنك متوكلا على خالقك. # فإنه لا يجلب الخير سواه، ولا يصرف السوء إلا إياه. # فليكن جليسك وأنيسك وموضع توكلك وشكواك. # فإن ضعف بصرك فاستغث به، وإن قل يقينك فسله القوة. # وإياك أن تميل إلى غيره، فإنه غيور، وإن تشكو من أقداره، فربما غضب ولم ~~يعتب. # أوحى الله عز وجل إلى يوسف عليه السلام: من خلصك من الجب ms303 ؟ من فعل ؟ من ~~فعل ؟ قال: أنت. # قال: فلم ذكرت غيري ؟ فلا أطيلن حبسك أو كما قال. # هذا وإنما تعرض يوسف عليه السلام بسبب مباح: " اذكرني عند ربك " " ويوم ~~حنين إذا أعجبتكم كثرتكم " . # وما أعرف العيش إلا لمن يعرفه - جل شأنه - ويعيش معه ويتأدب بين يديه في ~~حركاته وكلماته كأنه يراه. # ويقف على باب طرفه حارسا من نظرة لا تصلح، وعلى باب لسانه حافظا له من ~~كلمة لا تحسن، وعلى باب قلبه حماية لمسكنه من دخول الأغيار. # ويستوحش من الخلق شغلا به، وهذا يكون على سيرة الروحانيين. # فأما المخلط فالكدر غالب عليه، والمحق لا يطلب إلا الأرفع قال القائل: # ألا لا أحب السير إلا مصاعدا ... ولا البرق إلا أن يكون يمانيا # فصل علماء السوء # رأيت أكثر العلماء مشتغلين بصورة العلم دون فهم حقيقته ومقصوده. # فالقارىء مشغول بالروايات، عاكف على الشواذ، يرى أن المقصود نفس التلاوة، ~~ولا يتلمح عظمة المتكلم؛ ولا زجر القرآن ووعده. # وربما ظن أن حفظ القرآن يدفع عنه، فتراه يترخص في الذنوب، ولو فهم لعلم ~~أن الحجة عليه أقوى ممن لم يقرأ. # والمحدث يجمع الطرق، ويحفظ الأسانيد، ولا يتأمل مقصود المنقول، ويرى أنه ~~قد حفظ على الناس الأحاديث، فهو يرجو بذلك السلامة. # وربما ترخص في الخطايا ظنا منه أن ما فعل في خدمة الشريعة يدفع عنه. # والفقيه قد وقع له أنه بما قد عرف من الجدال الذي يقوي به خصامه، أو ~~المسائل، أو المسائل التي قد عرف فيها المذهب قد حصل بما يفتي به الناس ما ~~يرفع قدره، ويمحو ذنبه. # فربما هجم على الخطايا ظنا منه أن ذلك يدفع عنه. # وربما لم يحفظ القرآن ولم يعرف الحديث، وأنهما ينهيان عن الفواحش بزجر ~~ورفق. # وينضاف إليه مع الجهل بهما حب الرياسة، وإيثار الغلبة في الجدل، فتزيد ~~قسوة قلبه. # وعلى هذا أكثر الناس، صور العلم عندهم صناعة، فهي تكسبهم الكبر والحماقة. # وقد حكى بعض المعتبرين عن شيخ أفنى عمره في علوم كثيرة، أنه فتن في آخر ~~عمره بفسق أصر عليه، وبارز ms304 الله به. PageV01P147 وكانت حاله تعطي بمضمونها ~~أن علمي يدفع عني شر ما أنا فيه ولا يبقى له أثر. # وكان كأنه قد قطع لنفسه بالنجاة، فلا يرى عنده أثر لخوف ولا ندم على ذنب. # قال فتغير في آخر عمره ولازمه الفقر، فكان يلقى الشدائد ولا ينتهي عن قبح ~~حاله. إلى أن جمعت له يوما قراريط على وجه الكدية فاستحى من ذلك وقال: يا ~~رب إلى هذا الحد ؟. # قال الحاكي: فتعجبت من غفلته كيف نسي الله عز وجل، وأراد منه حسن التدبير ~~له والصيانة وسعة الرزق، وكأنه ما سمع قوله تعالى: " وأن لو استقاموا على ~~الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا " . # ولا علم أن المعاصي تسد أبواب الرزق، وأن من ضيع أمر الله ضيعه الله. # فما رأيت علما ما أفاد كعلم هذا، لأن العالم إذا زل انكسر، وهذا مصر لا ~~تؤلمه معصيته. # وكأنه يجوز له ما يفعل، أو كأن له التصرف في الدين تحليلا وتحريما. # فمرض عاجلا ومات على أقبح حال. # قال الحاكي: ورأيت شيخا آخر حصل صور علم فما أفادته. # كان أي فسق أمكنه لم يتحاش منه، وأي أمر لم يعجبه من القدر عارضه ~~بالاعتراض على المقدر واللوم. # فعاش أكدر عيش، وعلى أقبح اعتقاد حتى درج. # وهؤلاء لم يفهموا معنى العلم، وليس العلم صور الألفاظ، إنما المقصود فهم ~~المراد منه، وذاك يورث الخشية والخوف، ويرى المنة للمنعم بالعلم، وقوة ~~الحجة له على المتعلم. # نسأل الله عز وجل يقظة تفهمنا المقصود، وتعرفنا المعبود. # ونعوذ بالله من سبيل رعاع يتسمون بالعلماء، لا ينهاهم ما يحملون، ~~ويعلمون، ولا يعملون، ويتكبرون على الناس بما لا يعملون. # ويأخذون عرض الأدنى وقد نهوا عما يأخذون. # غلبتهم طباعهم، وما راضتهم علومهم، التي يدرسون. # فهم أخس حالا من العوام الذين يجهلون " يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ~~وهم عن الآخرة هم غافلون " . # فصل الحرص على الثقافة # للفقيه أن يطالع من كل فن طرفا، من تاريخ وحديث ولغة وغير ذلك، فإن الفقه ~~يجتاح إلى جميع العلوم، فليأخذ من كل شيء منها مهما. # ولقد ms305 رأيت بعض الفقهاء يقول: اجتمع الشبلي وشريك القاضي فاستعجبت له كيف ~~لا يدري بعد ما بينهما. # وقال آخر في مناظرة: كانت الزوجية بين فاطمة وعلي رضي الله عنهما غير ~~منقطعة الحكم، فلهذا غسلها. # فقلت له: ويحك فقد تزوج أمامة بنت زينب، وهي ابنة أختها فانقطع. # ورأيت في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي من هذا ما يدهش من التخليط في ~~الأحاديث والتواريخ، فجمعت من أغاليطه في كتاب. # وقد ذكر في كتاب له سماه المستظهري وعرضه على المستظهر بالله: أن سليمان ~~بن عبد الملك بعث إلى أبي حازم فقال له: ابعث لي من فطورك، فبعث إليه نخالة ~~مقلوة فأفطر عليها، ثم جامع زوجته فجاءت بعبد العزيز، ثم ولد له عمر. # وهذا تخليط قبيح، فإنه جعل عمر بن عبد العزيز بن سليمان بن عبد الملك، ~~فجعل سليمان جده، وإنما هو ابن عمه. # وقد ذكر أبو المعالي الجويني في أواخر كتاب الشامل في الأصول، قال: قد ~~ذكرت طائفة من الثقات المعتنين بالبحث عن البواطن أن الحلاج والجبائي ~~القرمطي وابن المقفع تواصل على قلب الدول وإفساد المملكة واستعطاف القلوب ~~وارتياد كل منهم قطرا، فقطن الجبائي في الأحسا، وتوغل ابن المقفع في أطراف ~~بلاد الترك، وقطن الحلاج ببغداد، فحكم عليه صاحباه بالهلكة والقصور عن بلوغ ~~الأمنية لبعد أهل بغداد عن الانخداع، وتوفر فطنتهم وصدق فراستهم. # قلت: ولو أن هذا الرجل أو من حكى عنه عرف التاريخ لعلم أن الحلاج لم يدرك ~~ابن المقفع، فإن ابن المقفع أمر بقتله المنصور، فقتل في سنة أربع وأربعين ~~ومائة. # وأبو سعيد الجبائي القرمطي ظهر إلى سنة ست وثمانين ومائتين. # والحلاج قتل سنة تسع وثلاثمائة. # فزمان القرمطي والحلاج متقاربان؛ فأما ابن المقفع فكلا. # فينبغي لكل ذي علم أن يلم بباقي العلوم، فيطالع منها طرفا؛ إذ لكل علم ~~بعلم تعلق. # وأقبح بمحدث يسأل عن حادثة فلا يدري، وقد شغله منها جمع طرق الأحاديث. # وقبيح بالفقيه أن يقال له: ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كذا؛ فلا يدري صحة الحديث ms306 ولا معناه. # نسأل الله عز وجل همة عالية لا ترضى بالنقائص بمنه ولطفه. # فصل همة العالم # كانت همم القدماء من العلماء علية، تدل عليها تصانيفهم التي هي زبدة ~~أعمارهم. PageV01P148 ألا إن أكثر تصانيفهم دثرت، لأن همم الطلاب ضعفت، ~~فصاروا يطلبون المختصرات، ولا ينشطون للمطولات. # ثم اقتصروا على ما يدرسون به من بعضها، فدثرت الكتب ولم تنسخ. # فسبيل طالب الكمال في طلب العلم الاطلاع على الكتب التي قد تخلفت من ~~المصنفات، فليكثر من المطالعة فإنه يرى من علوم القوم وعلو هممهم ما يشحذ ~~خاطره ويحرك عزيمته للجد، وما يخلو كتاب من فائدة. # وأعوذ بالله من سير هؤلاء الذين نعاشرهم، لا نرى فيهم ذا همة عالية ~~فيقتدي بها المبتدي، ولا صاحب ورع فيستفيد منه الزاهد. # فالله الله وعليكم بملاحظة سير السلف، ومطالعة تصانفيهم، وأخبارهم، ~~فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم، كما قال: # فاتني أن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أرى الديار بسمعي # وإني أخبر عن حالي، ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابا لم أره، ~~فكأني وقعت على كنز. # ولقد نظرت في ثبت الكتب الموقوفة في المدرسة النظامية، فإذا به يحتوي على ~~نحو ستة آلاف مجلد، وفي ثبت كتب أبي حنيفة وكتب الحميدي، وكتب شيخنا عبد ~~الوهاب بن ناصر، وكتب أبي محمد بن محمد بن الخشاب وكانت أحمالا، وغير ذلك ~~من كل كتاب أقدر عليه. # ولو قلت: إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر وأنا بعد في الطلب. # فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم وقدر هممهم وحفظهم وعباداتهم ~~وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطالع. # فصرت أستزري ما الناس فيه، وأحتقر همم الطلاب ولله الحمد. # فصل الكفر حماقة # ليس للآدمي أعز من نفسه، وقد عجبت ممن يخاطر بها ويعرضها للهلاك. # والسبب في ذلك قلة العقل وسوء النظر؛ فمنهم من يعرضها للتلف ليمدح بزعمه. # مثل قوم يخرجون إلى قتل السبع، ومنهم من يصعد إلى إيوان كسرى ليقال شاطر، ~~وساع يمشي ثلاثين فرسخا، وهؤلاء إذا تلفوا حملوا إلى النار. # فإن هلك ذهبت ms307 النفس التي يراد المال لأجلها. # وأعجب من الكل من يخاطر بنفسه في الهلاك ولا يدري، مثل أن يغضب فيقتل ~~المسلم فيشفى غيظه بالتعذيب في جهنم. # وأظرف من هذا اليهود والنصارى، فإن أحدهم يبلغ فيجب عليه أن ينظر في نبوة ~~نبينا صلى الله عليه وسلم فإذ فرط فمات فله الخلود في جهنم. # ولقد قلت لبعضهم: ويحك تخاطر بنفسك في عذاب الأبد، نحن نؤمن بنبيكم ~~فنقول: لو أن مسلما آمن بنبينا وكذب بنبيكم أو بالتوراة خلد في النار فما ~~بيننا وبينكم خلاف. إذ نحن مؤمنون بصدقه وكتابه، فلو لقيناه لم نخجل ولو ~~عاتبنا مثلا وقال: هل قمتم بالسبت والسبت من الفروع والفروع لا يعاقب عليها ~~بالخلود. # فقال لي رئيس القوم: ما نطالبكم بهذا لأن السبت إنما يلزم بني إسرائيل. # فقلت: فقد سلمنا بإجماعكم وأنتم هالكون، لأنكم تخاطرون بأرواحكم في ~~العذاب الدائم. # والعجب بمن يهمل النظر فيما إذا توانى فيه أوجب الخلود في العقاب الدائم. # وأعجب من الكل جاحد الخالق وهو يرى أحكام الصنعة ويقول لا صانع. # والسبب في هذه الأشياء كلها قلة العقل وترك إعماله في النظر والاستدلال. # فصل كتمان السر # لا ينبغي للعاقل أن يظهر سرا حتى يعلم أنه إذا ظهر لا يتأذى بظهوره. # ومعلوم أن السبب في بث السر طلب الاستراحة ببثه، وذلك ألم قريب فليصبر ~~عليه. # فرب مظهر سرا لزوجته فإذا طلقت بثته، وهلك. # أو لصديقه فيظهر عليه حسدا له إذا كان مماثلا وإن كان عاميا فالعامي ~~أحمق. # ورب سر أظهر فكان سبب الهلاك. # فصل تكاليف المجد # ما يتناهى في طلب العلم إلا عاشق العلم. والعاشق ينبغي أن يصبر على ~~المكاره. # ومن ضرورة المتشاغل به البعد عن الكسب، ومذ فقد التفقد لهم من الأمراء ~~ومن الإخوان انقطعوا فلازمهم الفقر ضرورة. # والفضائل تنادي " هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا " . # فكلما خافت من ابتلى قالت: # لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا # ولما آثر أحمد بن حنبل رضي الله عنه طلب العلم وكان فقيرا، بقي أربعين ms308 ~~سنة يتشاغل به ولا يتزوج، فينبغي للغير أن يصابر فقره كما فعل أحمد.. # ومن يطيق ما أطاق ؟ فقد رد من المال خمسين ألفا وكان يأكل الكامخ ويتأدم ~~بالملح. # فما شاع له الذكر الجميل جزافا، ولا ترددت الأقدام إلى قبره إلا لمعنى ~~عجيب. PageV01P149 فيا له ثناء ملأ الآفاق، وجمالا زين الوجود، وعزا نسخ كل ~~ذل. # هذا في العاجل، وثواب الآجل لا يوصف. # وتلمح قبور أكثر العلماء لا تعرف ولا تزار. ترخصوا وتأولوا وخالطوا ~~السلاطين فذهبت بركة العلم ومحى الجاه ووردوا عند الموت حياض الندم. # فيا لها حسرات لا تتلافى، وخسرانا لا ينجبر، وكانت صحبة اللذات طرفة عين ~~ولازم الأسف دائما. # فالصبر الصبر أيها الطالب للفضائل، فإن لذة الراحة بالهوى أو بالبطالة ~~تذهب ويبقى الأسى، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: # يا نفس ما هو إلا صبر أيام ... كأن مدتها أضغاث أحلام # يا نفس جوزي عن الدنيا مبادرة ... وخل عنها فإن العيش قدامي # ثم أيها العالم الفقير، أيسرك ملك سلطان من السلاطين ؟ وأن ما تعلمه من ~~العلم لا تعلمه ؟. # كلا، ما أظن بالمتيقظ أن يؤثر هذا. # ثم أنت إذا وقع لك خاطر مستحسن أو معنى عجيب تجد لذة لا يجدها ملتذ ~~باللذات الحسية. # فقد حرم من رزق الشهوات ما قد رزقت، وقد شاركتهم في قوام العيش، ولم يبق ~~إلا الفضول الذي إذا أخذ لم يكد يضر. # ثم هم على المخاطرة في باب الآخرة غالبا، وأنت على السلامة في الأغلب. # فتلمح يا أخي عواقب الأحوال، واقمع الكسل المثبط عن الفضائل. # فإن كثيرا من العلماء الذين ماتوا مفرطين يتقلبون في حسرات وأسف. # رأى رجل شيخنا ابن الزغواني في المنام، فقال له الشيخ: أكثر ما عندكم ~~الغفلة وأكثر ما عندنا الندامة. # فاهرب وفقك الله قبل الحبس، وافسخ عقد الهوى على الغبن الفاحش. # واعلم أن الفضائل لا تنال بالهوينا، وأن يسير التفريط يشين وجه المحاسن. # فالبدار البدار ونفس النفس يتردد، وملك الموت غائب ما قدم بعد، وانهض ~~بعزيمة عازم: # إذا هم ألقى بين عيينة عزمه ... ونكب ms309 عن ذكر العواقب جانبا # وإذا يستشر في أمره غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا # وارفض في هذه العزيمة الدنيا وأربابها، فبارك الله لأهل الدنيا في ~~دنياهم، فنحن الأغنياء، وهم الفقراء. # كما قال إبراهيم بن أدهم: ولو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه ~~لجالدونا عليه بالسيوف. # فأبناء الدنيا أحدهم لا يكاد يأكل لقمة إلا حراما أو شبهة. # وهو وإن لم يؤثر ذلك فوكيله يفعله، ولا يبالي هو بقلة دين وكيله. # وإن عمروا دارا سخروا الفعلة، وإن جمعوا مالا فمن وجوه لا تصلح. # ثم كل منهم خائف أن يقتل أو يعزل أو يشتم، فعيبهم نقص. # ونحن نأكل ما ظاهر الشرع يشهد له بالإباحة، ولا نخاف من عدو، ولا ولايتنا ~~تقبل العزل. # والعز في الدنيا لنا لا لهم، وإقبال الخلق علينا، وتقبيل أيدينا وتعظيمنا ~~عندهم كثير. # وفي الآخرة بيننا وبينهم تفاوت إن شاء الله تعالى. # فإن لفت أرباب الدنيا أعناقهم يعلمون قدر مزيتنا. # وإن غلت أيديهم عن إعطائنا فلذة العفاف أطيب، ومرارة المنن لا تفي ~~بالمأخوذ: وإنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل. # والعجب لمن شرفت نفسه حتى طلب العلم إذ لا يطلبه ذو نفس شريفة كيف يذل ~~لبذل من لا عزه إلا بالدنانير، ولا مفخرة له إلا بالمكنة، ولقد أنشدني أبو ~~يعلى العلوي: # رب قوم في خلائهم ... عرر قد صيروا غررا # ستر المال القبيح لهمسترى إن زال ما سترا # أيقظنا الله من رقدة الغافلين، ورزقنا فكر المتيقظين. # ووفقنا للعمل بمقتضى العلم والعقل، إنه قريب مجيب. # فصل الرفق بالبدن # لا ينبغي للإنسان أن يحمل على بدنه ما لا يطيق، فإن البدن كالراحلة إن لم ~~يرفق بها لم تصل بالراكب. # فترى في الناس من يتزهد وقد ربى جسده على الترف فيعرض عما ألفه فتتجدد له ~~الأمراض، فتقطعه عن كثير من العبادات. # وقد قيل: عودوا كل بدن ما اعتاد، وقد قرب إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ضب فقال: أجدني أعافه لأنه ليس بأرض قومي. # وفي حديث ms310 الهجرة: أن أبا بكر رضي الله عنه طلب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الظل وفرش له فروة وصب على القدح الذي فيه اللبن ماء حتى برد. # وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم فقال: إن كان عندكم ماء بات ~~في شن وإلا كرعنا. # وكان صلى الله عليه وسلم يأكل لحم الدجاج، وفي الصحيح: أنه كان يحب ~~الحلوى والعسل، وكان إذا لم يقدر أكل ما حضر. PageV01P150 ولعمري إن في ~~العرب وأهل السواد من لا يؤثر عنده التخشن في المطعم والملبس، وذاك إذا جرى ~~بعد نوبته على عادته لم يستضر، فأما من قد ألف اللطف فإنه إذا غير حالته ~~تغير بدنه وقلت عبادته. # وقد كان الحسن يديم أكل اللهم ويقول، لا رغيفي مالك ولا صحني فرقد. # وكان ابن سيرين لا يخلي منزله من حلوى. # وكان سفيان الثوري يسافر وفي سفرته الحمل المشوي، والفالوذج. # وقالت رابعة: ما أرى البدن يراد به العمل لله إذا أكل الفالوذج عيبا. # فمن ألف الترف فينبغي أن يتلطف بنفسه إذا أمكنه. # وقد عرفت هذا من نفسي، فإني ربيت في ترف فلما ابتدأت في التقلل وهجر ~~المشتهى، أثر معي مرضا قطعني عن كثير من التعبد. # حتى أني قرأت في أيام كل يوم خمسة أجزاء من القرآن، فتناولت يوما ما لا ~~يصلح فلم أقدر في ذلك اليوم على قراءتها. # قلت: إن لقمة تؤثر قراءة خمسة أجزاء بكل حرف عشر حسنات، إن تناولها لطاعة ~~عظيمة. # وإن مطعما يؤذي البدن فيفوته فعل خير ينبغي أن يهجر. # وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أصحابه حضر عنده وقد تغير ~~من التقشف فقال له: من أمرك بهذا !. # فالعاقل يعطي بدنه من الغذاء ما يوافقه كما ينقي الغازي شعير الدابة. # ولا تظنن أني آمر بأكل الشهوات، ولا بالإكثار من الملذوذ، إنما آر بتناول ~~ما يحفظ النفس، وأنهي عما يؤذي البدن. # فأما التوسع في المطاعم، فإنه سبب النوم، والشبع يعمي القلب، ويهزل البدن ~~ويضعفه. فافهم ما أشرت إليه، فالطريق هي ms311 الوسطى. # فصل غفلات المعصية # إذا تكامل العقل قوي الذكاء والفطنة. # والذكي يتخلص إذا وقع في آفة كما قال الحسن: إذا كان اللص ظريفا لم يقطع، ~~فأما المغفل فيجني على نفسه المحن. # هؤلاء إخوة يوسف عليهم السلام، أبعدوه عن أبيه ليتقدموا عنده، وما علموا ~~أن حزنه عليه يشغله عنهم وتهمته إياهم تبغضهم إليه، ثم رموه في الجب ~~فقالوا: " يلتقطه بعض السيارة " وليس بطفل إنما هو صبي كبير. # وما علموا أنه إذا التقط يحدث بحاله، فيبلغ الخبر إلى أبيه وهذا تغفيل. # ثم إنهم قالوا: أكله الذئب، وجاءوا بقميصه صحيحا، ولو خرقوه احتمل الأمر. # ثم لما مضوا إليه يتمارون قال: " ائتوني بأخ لكم " فلو فطنوا علموا أن ~~ملك مصر لا غرض له في أخيهم. # ثم حبسه بحجة، ثم قال: هذا الصواع يخبرني أنه كان كذا وكذا، هذا كله وما ~~يفطنون. # فلما أحس بهذه الأشياء يعقوب عليه السلام قال: " اذهبوا فتحسسوا من يوسف ~~" وكان يوسف عليه السلام قد نهي بالوحي أن يعلم أياه بوجوده. # ولهذا لما التقيا قال له: هلا كتبت إلي فقال: إن جبريل عليه السلام ~~منعني. # فلما نهى أن يعرفه خبره لينفذ البلاء كان ما فعل بأخيه تنبيها، فصار كأنه ~~يعرض بخطبة المعتدة. # وعلى فهم يوسف والله بكى يعقوب لا على مجرد صورته. # فصل الصبر والعفة # الآدمي موضوع على مطلوبات تشتت الهم، العين تطلب المنظور، واللسان يطلب ~~الكلام، والبطن يطلب المأكول، والفرج المنكوح، والطبع يحب جمع المال. # وقد أمرنا بجمع الهم لذكر الآخرة والهوى يشتته. # فكيف إذا اجتمعت إليه حاجات لازمة من طلب قوت البدن وقوت العيال. # وهذا يبكر إلى دكانه ويفتكر في التحصيل، ويستعمل آلة الفهم في نيل ما لا ~~بد منه. # فأي هم يجتمع منه خصوصا إن أخذه الشره في صورة فيمضي العمر، فينهض الدكان ~~إلى القبر. # فكيف يحصل العلم أو العمل أو إخلاص القصد أو طلب الفضائل. # فمن رزق يقظة، فينبغي أن يصابر لنيل الفضائل. # فإن كان متزهدا بغير عائلة اكتفى بسعي قليل فقد كان السبتي يعمل يوم ~~السبت ms312 فيكتفي به طول الأسبوع. # فإن كان له مال باضع به من يكفيه بدينه، وثقته من أن يهتم هو. # وإن كان له عائلة جمع همه في نية الكسب عليهم فيكون متعبدا. # أو أن يكون قنية مال كعقار ناصفة في نفقته ليكفيه دخله. # وليقلل الهم على مقدار ما يمكنه من حذف العلائق جهده ليجمع الهم في ذكر ~~الآخرة. # فإن لم يفعل أخذ في غفلته وندم في حفرته. # وأقبح الأحوال حال عالم فقيه كلما جمع همه لذكر الآخرة شتته طلب القوت ~~للعائلة. # وربما احتاج إلى التعرض للظلمة وأخذ الشبهات وبذل الوجه، فيلزم هذا ~~التقدير في النفقة. # وإذا حصل له شيء من وجه دبر فيه. PageV01P151 ولا ينبغي أن يحمله قصر ~~الأمل على إخراج ما في يده، فقد قال صلى الله عليه وسلم: لأن تترك ورثتك ~~أغنياء خير من أن تتركها عالة يتكففون الناس. # وأذل من كل ذل التعرض للبخلاء والأمراء. # فليدبر أمره، ويقلل العلائق، ويحفظ جاهه، فالأيام قلائل. # وقد بعث إلى أحمد بن حنبل مال فسأله ابنه قبوله فقال: يا صالح صني، ثم ~~قال أستخير الله، فأصبح فقال: يا بني قد عزم لي أن لا أقبله. # هذا وكان العطاء هنيا، وجاءه من وجوه. فانعكس الأمر اليوم. # فصل السياسة في المعاملة # العزلة عن الخلق سبب طيب العيش. # ولا بد من مخالطة بمقدار، فدار العدو واستحله، فربما كادك فأهلكك. # وأحسن إلى من أساء إليك، واستعن على أمورك بالكتمان، ولتكن الناس عندك ~~معارف، فأما أصدقاء فلا. # لأن أعز الأشياء وجود صديق، ذاك أن الصديق ينبغي أن يكون في مرتبة مماثل. # فإن صادفته عاميا لم تنتفع به لسوء أخلاقه وقلة علمه وأدبه، وإن صادفت ~~مماثلا أو مقاربا حسدك. # وإذا كان لك يقظة تلمحت من أفعاله وأقواله ما يدل على حسدك: " ولتعرفنهم ~~في لحن القول " . # وإذا أردت تأكيد ذلك فضع عليه من يضعك عنده، فلا يخرج إليه إلا بما في ~~قلبه. # فإن أردت العيش فابعد عن الحسود لأنه يرى نعمتك فربما أصابها بالعين. # فإن اضطررت إلى مخالطته فلا تفش ms313 إليه سرك ولا تشاوره، ولا يغرنك تملقه ~~لك، ولا ما يظهره من الدين والتعبد، فإن الحسد يغلب الدين. # وقد عرفت أن قابيل أخرجه الحسد إلى القتل. وأن إخوة يوسف باعوه بثمن بخس. # وكان أبو عامر الراهب من المتعبدين العقلاء، وعبد الله بن أبي من ~~الرؤساء، أخرجهما حسد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النفاق وترك ~~الصواب. # ولا ينبغي أن تطلب لحاسدك عقوبة أكثر مما هو فيه، فإنه في أمر عظيم متصل ~~لا يرضيه إلا زوال نعمتك. # وكلما امتدت امتد عذابه، فلا عيش له، وما طاب عيش أهل الجنة إلا حين نزع ~~الحسد والغل من صدورهم. # ولولا أنه نزع تحاسدوا وتنغص عيشهم. # فصل العقل طريق السعادة # من سار مع العقل وخالف طريق الهوى ونظر إلى العواقب أمكنه أن يتمتع من ~~الدنيا أضعاف ما تمتع من استعمل الشهوات. فأما المستعجل فيفوت نفسه حظ ~~الدنيا والذكر الجميل، ويكون ذلك سببا لفوات مراده من اللذات. # وبيان هذا من وجهين: أحدهما: إن مال إلى شهوات النكاح وأكثر منها قل ~~التذاذه وفنيت حرارته وكان ذلك سببا في عدم مطلوبه منها. # ومن استعمل ذلك بمقدار ما يجيزه العقل ويحتمله كان التذاذه أكثر، لبعد ما ~~بين الجماعين، وأمكنه التردد لبقاء الحرارة. # وكذلك من غش في معاملته أو خان، فإنه لا يعامل فيفوته ربح المعاملة ~~الدائمة لخيانته مرة. # ولو عرف بالثقة دامت معاملة الناس له فزاد ربحه. # والثاني: أنه من اتقى الله وتشاغل بالعلم أو تحقيق الزهد، فتح له من ~~المباحات ما يلتذ به كثيرا. # ومن تقاعد به الكسل عن العلم أو الهوى عن تحقيق الزهد لم يحصل له إلا ~~اليسير من مراده. # قال عز وجل: " وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا " . # فصل الصلة بالله # ينبغي أن يكون العمل كله لله ومعه من أجله. # وقد كفاك كل مخلوق وجلب لك كل خير. # وإياك أن تميل عنه بموافقة هوى وإرضاء مخلوق، فإنه يعكس عليك الحال، ~~ويفوتك المقصود. # وفي الحديث: من أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من ms314 الناس ذاما. # وأطيب العيش عيش من يعيش مع الخالق سبحانه. # فإن قيل: كيف يعيش معه ؟ قلت: بامتثال أمره، واجتناب نهيه، ومراعاة ~~حدوده، والرضى بقضائه، وحسن الأدب في الخلوة، وكثرة ذكره، وسلامة القلب من ~~الاعتراض في أقداره. # فإن احتجب سألته، فإن أعطى وإلا رضيت بالمنع، وعلمت أنه لم يمنع بخلا، ~~وإنما نظرا لك. # ولا تنقطع عن السؤال لأنك تتعبد به، ومتى دمت على ذلك رزقك محبته وصدق ~~التوكل عليه، فصارت المحبة تدلك على المقصود، وأثمرت لك محبته إياك، فتعيش ~~عيشة الصديقين. # ولا خير في عيش إن لم يكن كذا، فإن أكثر الناس مخبط في عيشه، يداري ~~الأسباب ويميل إليها بقلبه، ويتعب في تحصيل الرزق بحرص زائد على الحد، ~~ويرغبه إلى الخلق ويعترض عند انكسار الأغراض. # والقدر يجري ولا يبالي بسخط، ولا يحصل له إلا ما قدر. PageV01P152 وقد ~~فاته القرب من الحق والمحبة له، والتأدب معه، فذلك العيش عيش البهائم. # فصل الإسراف شر # نظرت في حكمة المطعم والمشرب والملبس والمنكح، فرأيت أن الآدمي لما خلق ~~من أصول تتحلل، وهي الماء والتراب والنار والهواء، وبقاؤه إنما يكون ~~بالحرارة والرطوبة والحرارة تحلل الرطوبة دائما، فلم يكن هل بد من شيء يخلف ~~ما بطل. # ولما كان اللحم لا ينوب عنه إلا اللحم، أباح الشرع ذبح الحيوان ليتقوى به ~~من هو أشرف منه. # ولما كان بدنه يحتاج إلى كسوة، وله قدرة تمييز، وقدرة يصنع بها ما يقيه ~~الأذى من القطن والصوف، لم يجعل على جلده ما يقيه خلقة، بخلاف الحيوان ~~البهيم، فإنه لما لم يكن له قدرة على ما يغطي جلده عوضه بالريش والشعر ~~والوبر. # ولما لم يكن بد من فناء الآدمي والحيوان هيج شهوة الجماع لتخلف النسل. # فمقتضى العقل الذي حرك على طلب هذه المصالح أن يكون التناول للمطعم ~~والمشرب مقدار الحاجة والمصلحة، ليقع الالتذاذ بالعافية. # ومن البلية طلب الالتذاذ بالمطعم وإن كان غير صالح والشره في تناوله، ~~وكذلك الكسوة والنكاح. # ومن الحزم جمع المال وادخاره لعارض حاجة من ذلك. # ومن التغفيل إنفاق الحاصل، فربما ms315 عرضت حاجة فلم يقدر عليها فأثر عدمها في ~~البدن أو في العرض بطلبها من الأنذال. # ومن أقبح الأمور الانهماك في النكاح طلبا لصورة اللذة، ناسيا ما يجني ذلك ~~من انحلال القوة، ويزيد في الحرام بالعقوبة. # فمن مال إلى تدبير العقل سلم في دنياه وآخرته. # ومن أعرض عن مشاورته أو عن القبول منه تعجل عطبه. # فليفهم مقصود الموضوعات وحكمها والمراد منها، فمن لم يفهم ولم يعمل ~~بمقتضى ما فهم كان كأجهل العوام، وإن كان عالما. # فصل في مخالطة الأمراء # العجب ممن له مسكة من عقل أو عنده قليل من دين كيف يؤثر مخالطتهم. # فإنه بالمخالطة لهم أو العمل معهم يكون قطعا خائفا من عزل أو قتل أو سم، ~~ولا يمكنه أن يعمل إلا بمقتضى أوامرهم. # فإن أمروا بما لا يجوز لم يقدر أن يراجع، فقد باع دينه قطعا بدنياه فمنعه ~~بالخوف من القيام بأمر الله وضاعت عليه آخرته. # ولم يبق بيده إلا عاجل التعظيم وأن يقال بين يديه: بسم الله، وأن ينفذ ~~أوامره. # وذلك بعيد من السلامة في باب الدين وما يلتذ به منه في الدنيا ممزوج بخوف ~~العزل والقتل. # فصل الجزاء من جنس العمل # من الغلط العظيم أن يتكلم في حق معزول بما لا يصلح، فإنه لا يؤمن أن يلي ~~فينتقم. # وفي الجملة لا ينبغي أن يظهر العداوة لأحد أصلا، فقد يرفع المحتقر وقد ~~يتمكن من لا يعد. # بل ينبغي أن يكتم ما في النفوس من ضغن على الأعداء. # فإن أمكن الانتقام منهم كان العفو انتقاما لأنه يذلهم. # وينبغي أن يحسن إلى كل أحد، خصوصا من يجوز أن يكون له ولاية، وأن يخدم ~~المعزول، فربما نفع في ولايته. # وقد روينا أن رجلا استأذن على قاضي القضاة ابن أبي داؤد وقال: قولوا له ~~أبو جعفر بالباب. # فلما سمع هش لذلك وقال: ائذنوا له. # فدخل، فقام، وتلقاه وأكرمه وأعطاه خمسة آلاف، وودعه. # فقيل له: رجل من العوام فعلت به هذا ؟. # قال: إني كنت فقيرا، وكان هذا صديقا، فجئته يوما فقلت له: أنا ms316 جائع. # فقال: اجلس، وخرج، فجاء بشواء وحلوى وخبز فقال: كل. # فقلت: كل معي. قال: لا. قلت: والله لا آكل حتى تأكل معي، فأكل فجعل الدم ~~يجري في فمه. # فقلت: ما هذا ؟ فقال: مرض. # فقلت: والله لا بد أن تخبرني. # فقال: إنك لما جئتني لم أكن أملك شيئا. # وكانت أسناني مضببة بشريط من ذهب، فنزعته واشتريت به. # فهلا أكافىء مثل هذا ؟. # وعلى عكس هذه الأشياء كان ابن الزيات وزير الواثق، وكان يضع من المتوكل ~~فلما ولي عذبه بأنواع العذاب. # وكذلك ابن الجزري كان لا يوقر المسترشد قبل الولاية فجرت عليه الآفات لما ~~ولي. فالعاقل من تأمل العواقب ورعاها. # وتصور كل ما يجوز أن يقع فعلم بمقتضى الحزم. # وأبلغ من هذا تصوير وجود الموت عاجلا؛ لأنه يجوز أن يأتي بغتة من غير ~~مرض. # فالحازم من استعد له وعمل عمل من لا يندم إذا جاءه. # وحذر من الذنوب فإنها كعدو مراصدا بالجزاء. # وادخر لنفسه صالح الأعمال، فإنها كصديق صديق ينفع وقت الشدة. # وأبلغ من كل شيء أن يعلم المؤمن أنه كلما زاد عمله في الفضائل علت مرتبته ~~في الجنة، وإن نقص نقصت. PageV01P153 فهو وإن دخل الجنة في نقص بالإضافة ~~إلى كمال غيره، غير أنه قد رضي به ولا يشعر بذلك. # فرحم الله من تلمح العواقب، وعمل بمقتضى التلمح، والله تعالى الموفق. # فصل أهل الدنيا وأهل الآخرة # لما جمعت كتابي المسمى بالمنتظم، في تاريخ الملوك والأمم، اطلعت على سير ~~الخلق من الملوك والوزراء والعلماء والأدباء والفقهاء والزهاد وغيرهم، ~~فرأيت الدنيا قد تلاعبت بالأكثرين تلاعبا أذهب أديانهم، حتى كانوا لا ~~يؤمنون بالعقاب. # فمن الأمراء من يقتل ويصادر ويقطع ويحبس بغير حق ثم ينخرط في سلك المعاصي ~~كأن الأمر إليه، أو قد جاءه الأمن من العقاب. # فربما تخايل أن حفظي الرعايا يرد عني ؟ وينسى أنه قد قيل لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم " . # وقد انخرط جمع ممن يتسم بالعلم في سلك المعاصي لتحصيل أغراضهم العاجلة ~~فما نفعهم ms317 العلم. # ورأينا خلقا من المتزهدين خالفوا لنيل أغراضهم، وهذا لأن الدنيا فخ ~~والناس كالعصافير، والعصفور يريد الحبة وينسى الخنق. # قد نسي أكثر الخلق مآلهم ميلا إلى عاجل لذاتهم، فأقبلوا يسامرون الهوى ~~ولا يلتفتون إلى مشاورة العقل. # فلقد باعوا بلذة يسيرة خيرا كثيرا، واستحقوا بشهوات مرذولة عذابا عظيما. # فإذا نزل بأحدهم الموت قال: ليتني لم أكن، ليتني كنت ترابا، فيقال له ~~ألآن ؟. # فواأسفي لفائت لا يمكن استدراكه، ولمرتهن لا يصح فكاكه، ولندم لا ينقطع ~~زمانه، ولمعذب عز عليه إيمانه بالله. # بالله ما نفعت العقول إلا لمن يلتفت إليها ويعول عليها. # ولا يمكن قبول مشاورتها إلا بعزيمة الصبر عما يشتهى. # فتأمل في الأمراء عمر بن الخطاب وابن عبد العزيز رضي الله عنهما، وفي ~~العلماء أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وفي الزهاد أويس القرني. # لقد أعطوا الحزم حقه وفهموا مقصود الوجود. # وما هلك الهالكون إلا لقلة الصبر عن المشتهى. # وربما كان فيهم من لا يؤمن بالبعث والعقاب. # وليس العجب من ذاك إنما العجب من مؤمن يوقن، ولا ينفعه يقينه ويعقل ~~العواقب ولا ينفعه عقله. # فصل علو الهمة # من رزق همة عالية يعذب بمقدار علوها كما قال الشاعر: # وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام # وقال الآخر: # ولكل جسم في النحول بلية ... وبلاء جسمي من تفاوت همتي # وبيان هذا أن من علت همته طلب العلوم كلها ولم يقتصر على بعضها وطلب من ~~كل علم نهايته، وهذا لا يحتمله البدن. # ثم يرى أن المراد العمل فيجتهد في قيام الليل وصيام النهار، والجمع بين ~~ذلك وبين العلم صعب. # ثم يرى ترك الدنيا ويحتاج إلى ما لا بد منه. # ويحب الإيثار ولا يقدر على البخل، ويتقاضاه الكرم البذل، ويمنعه عز النفس ~~عن الكسب من وجوه التبذل. # فإن هو جرى على طبعه من الكرم، احتاج وافتقر وتأثر بدنه وعائلته. # وإن أمسك فطبعه يأبى ذلك. # وفي الجملة يحتاج إلى معاناة وجمع بين أضداد، فهو أبدا في نصب لا ينقضي، ~~وتعب لا يفرغ. # ثم إذا حقق الإخلاص في ms318 الأعمال زاد تعبه وقوي وصبه، فأين هو ومن دنت همته ~~؟ إن كان فقيها فسئل عن حديث قال ما أعرفه، وإن كان محدثا فسئل عن مسألة ~~فقهية قال ما أدري، ولا يبالي إن قيل عنه مقصر. # والعالي الهمة يرى التقصير في بعض العلوم فضيحة قد كشفت عيبه، وقد رأت ~~الناس عورته. # والقصير الهمة لا يبالي بمنن الناس ولا يستقبح سؤالهم ولا يأنف من رد، ~~والعالي الهمة لا يحمل ذلك. # ولكن تعب العالي الهمة راحة في المعنى، وراحة القصير الهمة تعب وشين إن ~~كان ثم فهم. # والدنيا دار سباق إلى أعالي المعالي، فينبغي لذي الهمة أن لا يقصر في ~~شوطه. # فإن سبق فهو المقصود. وإن كبا جواده مع اجتهاده لم يلم. # فصل إعجاب المرء بنفسه # المصيبة العظمى رضى الإنسان عن نفسه واقتناعه بعلمه، وهذه محنة قد عمت ~~أكثر الخلق. # فترى اليهودي أو النصراني يرى أنه على الصواب، ولا يبحث ولا ينظر في دليل ~~نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم. # وإذا سمع ما يلين قلبه مثل القرآن المعجز هرب لئلا يسمع. # وكذلك كل ذي هوى يثبت عليه، إما لأنه مذهب أبيه وأهله، أو لأنه نظر نظرا ~~أول فرآه صوابا، ولم ينظر فيما يناقضه، ولم يباحث العلماء ليبينوا له خطأه. ~~PageV01P154 ومن هذا حال الخوارج على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، ~~فإنهم استحسنوا ما وقع لهم ولم يرجعوا إلى من يعلم. # ولما لقيهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فبين لهم خطأهم رجع عن مذهبه ~~منهم ألفان. # وممن لم يرجع عن هواه ابن ملجم، فرأى مذهبه هو الحق فاستحل قتل أمير ~~المؤمنين رضي الله تعالى عنه ورآه دينا حتى أنه لما قطعت أعضاؤه لم يمانع. # فلما طلب لسانه يقطع انزعج وقال: كيف أبقى ساعة في الدنيا لا أذكر الله. # ومثل هذا ما له دواء. # وكذلك كان الحجاج يقول: والله ما أرجو الخير إلا بعد الموت. # هذا قوله وكم قتل من لا يحل قتله، منهم سعيد بن جبير. # وقد أخبرنا عبد الوهاب وابن ناصر ms319 الحفاظ قالا أخبرنا المبارك بن عبد ~~الجبار قال أخبرنا الحسين بن محمد النصيبي قال أخبرنا إسماعيل بن سعيد قال ~~حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال حدثنا أبو عيسى الختلي قال حدثنا أبو يعلى ~~قال حدثنا الأصمعي قال حدثنا أبو عاصم عن عباد بن كثير بن قحدم قال: وجد في ~~سجن الحجاج ثلاثة وثلاثون ألفا، ما يجب على واحد منهم قطع ولا قتل ولا صلب. # قلت وعموم السلاطين يقتلون ويقطعون ظنا منهم جواز ذلك، ولو سألوا العلماء ~~بينوا لهم. # وعموم العوام يبارزون بالذنوب اعتمادا على العفو وينسون العقاب. # ومنهم من يعتمد أني من أهل السنة، أو أن لي حسنات قد تنفع، وكل هذا لقوة ~~الجهل. # فينبغي للإنسان أن يبالغ في معرفة الدليل ولا يساكن شبهته، ولا يثق بعلم ~~نفسه نسأل الله السلامة من جميع الآفات !... # فصل الجزاء العاجل # اعلم أن الجزاء بالمرصاد إن كانت حسنة أو كانت سيئة. # ومن الاغترار أن يظن المذنب إذا لم ير عقوبة أنه قد سومح، وربما جاءت ~~العقوبة بعد مدة. # وقل من فعل ذنبا إلا وقوبل عليه، قال عز وجل: " من يعمل سوءا يجز به " . # هذا آدم عليه السلام أكل لقمة فقد عرفتم ما جرى عليه. # قال وهب بن منبه: أوحى الله تعالى إليه ألم اصطنعك لنفسي وأحللتك داري، ~~وأسجدت لك ملائكتي فعصيت أمري ونسيت عهدي ؟. # وعزتي لو ملأت الأرض كلهم مثلك يعبدون ويسبحون في الليل والنهار ثم عصوني ~~لأنزلتهم منازل العاصين. # فنزع جبريل التاج عن رأسه، وحل ميكائيل الإكليل عن جبينه، وجذب بناصيته ~~فأهبط. # فبكى آدم ثلاث مائة عام على جبل الهند تجري دموعه في أودية جبالها، فنبتت ~~بتلك المدامع أشجار طيبكم هذا. # وكذلك داود عليه السلام، نظر نظرة فأوجبت عتابه وبكاءه الدائم حتى نبت ~~العشب من دموعه. # وأما سليمان عليه السلام فإن قوما اختصموا إليه فكان هواه مع أحد الخصمين ~~فعوقب وتغير في أعين الناس، وكان يقول: أطعموني فلا يطعم. # وأما يعقوب عليه السلام، فإنه يقال إنه ذبح عجلا بين يدي أمه، فعوقب ~~بفراق ms320 يوسف. # وأما يوسف عليه السلام فأخذ بالهم، وكل واحد من إخوته ولد له إثنا عشر ~~ولدا، ونقص هو ولدا لتلك الهمة. # وأما أيوب عليه السلام فإنه قصر في الإنكار على ملك ظالم لأجل خيل كانت ~~في ناحيته فابتلى. # وأما يونس عليه السلام فخرج عن قومه بغير إذن فالتقمه الحوت. # وأوحى الله عز وجل إلى أرميا: إن قومك تركوا الأمر الذي أكرمت به آباءهم، ~~وعزتي لأهيجن عليهم جنودا لا يرحمون بكاءهم. # فقال: يا رب هم ولد خليلك إبراهيم، وأمة صفيك موسى، وقوم نبيك داود فأوحى ~~الله تعالى إليه. # إنما أكرمت إبراهيم وموسى وداود بطاعتي، ولو عصوني لأنزلتهم منازل ~~العاصين. # ونظر بعض العباد شخصا مستحسنا فقال له شيخه: ما هذا النظر ؟ ستجد غبه، ~~فنسي القرآن بعد أربعين سنة. # وقال آخر قد عبت شخصا قد ذهب بعض أسنانه فانتثرت أسناني. # ونظرت إلى امرأة لا تحل، فنظر إلى زوجتي من لا أريد. # وكان بعض العاقين ضرب أباه وسحبه إلى مكان، فقال له الأب: حسبك إلى ههنا ~~سحبت أبي. # وقال ابن سيرين: عيرت رجلا بالإفلاس فأفلست، ومثل هذا كثير. # ومن أعجبت ما سمعت فيه عن الوزير ابن حصير الملقب بالنظام أن المقتفى غضب ~~عليه وأمر بأن يؤخذ منه عشرة آلاف دينار. # فدخل عليه أهله محزونين وقالوا له: من أين لك عشرة آلاف دينار ؟. # فقال: ما يؤخذ مني عشرة ولا خمسة ولا أربعة. # قالوا من أين لك ؟ قال: إني ظلمت رجلا فألزمته ثلاثة آلاف فما يؤخذ مني ~~أكثر منها. # فلما أدى ثلاثة آلاف دينار وقع الخليفة بإطلاقه ومسامحته في الباقي. ~~PageV01P155 وأنا أقول عن نفسي: ما نزلت بي آفة أو غم أو ضيق صدر إلا بزلل ~~أعرفه حتى يمكنني أن أقول: هذا بالشيء الفلاني. # وربما تأولت فيه بعد، فأرى العقوبة. # فينبغي للإنسان أن يترقب جزاء الذنوب فقل أن يسلم منه. # وليجتهد في التوبة، فقد روي في الحديث ما من شيء أسرع لحاقا بشيء من حسنة ~~حديثة لذنب قديم. # ومع التوبة يكون خائفا من المؤاخذة متوقعا لها، فإن ms321 لله تعالى قد تاب على ~~الأنبياء عليهم السلام. # وفي حديث الشفاعة يقول آدم ذنبي ويقول إبراهيم وموسى ذنبي. # فإن قال قائل: قوله تعالى: " من يعمل سوءا يجز به " خبر فهو يقتضي أن لا ~~يجاوز عن مذنب، وقد عرفنا قبول التوبة والصفح عن الخاطئين. # فالجواب من وجهين: أحدهما أن يحمل على من مات مصرا ولم يتب، فإن التوبة ~~تجب ما قبلها. # والثاني: أنه على إطلاقه وهو الذي اختاره أنا وأستدل بالنقل والمعنى. # أما النقل، فإنه لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر: يا رسول الله أو نجازى ~~بكل ما نعمل فقال: ألست تمرض، ألست تحزن، أليس يصيبك اللأواء فذلك ما تجزون ~~به. # وأما المعنى فإن المؤمن إذا تاب وندم كان أسفه على ذنبه في كل وقت أقوى ~~من كل عقوبة. # فالويل لمن عرف مرارة الجزاء الدائم، ثم آثر لذة المعصية لحظة. # فصل حديث النفس اللوامة # تفكرت في نفسي يوما تفكر محقق، فحاسبتها قبل أن تحاسب، ووزنتها قبل أن ~~توزن، فرأيت اللطف الرباني، من بدأ الطفولة وإلى الآن أرى لطفا بعد لطف، ~~وسترا على قبيح. وعفوا عما يوجب عقوبة. # وما أرى لذلك شكرا إلا باللسان. # ولقد تفكرت في خطايا لو عوقبت ببعضها لهلكت سريعا. # ولو كشف للناس بعضها لاستحييت. # ولا يعتقد معتقد عند سماع هذا أنها من كبائر الذنوب، حتى يظن في ما يظن ~~في الفساق. # بل هي ذنوب قبيحة في حق مثلي، وقعت بتأويلات فاسدة. # فصرت إذا دعوت أقول: اللهم بحمدك وسترك علي اغفر لي. # ثم طالبت نفسي بالشكر على ذلك فما وجدته كما ينبغي. # ثم أنا أتقاضى منه مراداتي ولا أتقاضى نفسي بصبر على مكروه ولا بشكر على ~~نعمة. # فأخذت أنوح على تقصيري في شكر المنعم، وكوني أتلذذ بإيراد العلم من غير ~~تحقيق عمل به. # وقد كنت أرجو مقامات الكبار، فذهب العمر وما حصل المقصود. # فوجدت أبا الوفاء بن عقيل قد ناح نحو ما نحت فأعجبتني نياحته فكتبتها ~~ههنا. # قال لنفسه: يا رعناء تقومين الألفاظ ليقال مناظر. وثمرة هذا أن ms322 يقال: يا ~~مناظر. # كما يقال للمصارع الفاره. # ضيعت أعز الأشياء وأنفسها عند العقلاء، وهي أيام العمر حتى شاع لك بين من ~~يموت غدا اسم مناظر. # ثم ينسى الذاكر والمذكور إذا درست القلوب. # هذا إن تأخر الأمر إلى موتك، بل ربما نشأ شاب أفره منك فموهوا له وصار ~~الاسم له. # والعقلاء عن الله تشاغلوا بما - إذا انطووا - نشرهم وهو العمل بالعلم، ~~والنظر الخالص لنفوسهم. # أف لنفسي وقد سطرت عدة مجلدات في فنون العلوم وما عبق بها فضيلة. # إن نوظرت شمخت، وإن نوصحت تعجرفت، وإن لاحت الدنيا طارت إليها طيران ~~الرخم وسقطت عليها سقوط الغراب على الجيف. # فليتها أخذت أخذ المضطر من الميتة. # توفر في المخالطة عيوبا تبلى ولا تحتشم نظر الحق إليها. # وإن انكسرت لها غرض تضجرت، فإن امتدت بالنعم اشتغلت عن المنعم. # أف والله مني اليوم على وجه الأرض وغدا تحتها. # والله إن نتن جسدي بعد ثلاث تحت التراب أقل من نتن خلائقي وأنا بين ~~الأصحاب. # والله إنني قد بهرني حلم هذا الكريم عني كيف سترني وأنا أتهتك ويجمعني ~~وأنا أتشتت. # وغدا يقال: مات الحبر العالم الصالح، ولو عرفوني حق معرفتي بنفسي ما ~~دفنوني. # والله لأنادين على نفسي نداء المتكشفين معائب الأعداء. # ولأنوحن نوح الثاكلين إذ لا نائح لي ينوح علي لهذه المصائب المكتومة، ~~والخلال المغطاة التي قد سترها من خبرها، وغطاها من علمها. # والله ما أجد لنفسي خلة استحسن أن أقول متوسلا بها. اللهم اغفر لي كذا ~~بكذا. # والله ما ألتفت قط إلا وجدت منه سبحانه برا يكفيني ووقاية تحميني. مع ~~تسلط الأعداء. # ولا عرضت حاجة فممدت يدي إلا قضاها. هذا فعله معي وهو رب غني عني. وهذا ~~فعلي وأنا عبد فقير إليه. # ولا عذر لي فأقول ما دريت أو سهوت. # والله لقد خلقني خلقا صحيحا سليما، ونور قلبي بالفطنة، حتى أن الغائبات ~~والمكتومات تنكشف لفهمي. PageV01P156 فواحسرتاه على عمر انقضى فيما لا ~~يطابق الرضى. # وارحماني لمقامات الرجل الفطناء. يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله ~~وشماتة العدو بي. ms323 # واخيبة من أحسن الظن بي إذا شهدت الجوارح علي. # واخذلاني عند إقامة الحجة، سخر والله مني الشيطان وأنا الفطن. # اللهم توبة خالصة من هذه الأقذار، ونهضة صادقة لتصفية ما بقي من الأكدار. # وقد جئتك بعد الخمسين وأنا من خلق المتاع. # وأبى العلم إلا أن يأخذ بيدي إلى معدن الكرم، وليس لي وسيلة إلا التأسف ~~والندم. # فوالله ما عصيتك جاهلا بمقدار نعمك، ولا ناسيا لما أسلفت من كرمك فاغفر ~~لي سالف فعلي. # فصل عداوة الأقارب # عداوة الأقارب صعبة، وربما دامت كحرب بكر وتغلب ابني وائل، وعبس وذبيان ~~ابني بغيض، والأوس والخزرج ابني قيلة. # قال الجاحظ ركدت هذه الحرب أربعين عاما. # والسبب في هذا أن كل واحد من الأقارب يكره أن يفوته قريبه، فيقع التحاسد. # فينبغي لمن فضل على أقاربه أن يتواضع لهم، ويرفعهم جهده، ويرفق بهم لعله ~~يسلم. # قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لي أقارب أصلهم فيقطعوني فقال: ~~فكأنما تسفهم المل، ولن يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك. # فصل حسن العشرة # رأيت كلاب الصيد إذا مرت بكلاب المحلة نبحتها هذه، وبالغت وأسرعت خلفها، ~~وكأنها تراها مكرمة مجللة فتحسدها على ذلك. # ورأيت كلاب الصيد حينئذ لا تلتفت إليها ولا تعيرها الطرف ولا تعد نباحها ~~شيئا، فرأيت أن كلاب الصيد كأنها ليست من جنس تلك الكلاب. # لأن تلك غليظة البدن كثيفة الأعضاء لا أمانة لها، وهذه لطيفة دقيقة ~~الخلقة ومعها آداب قد ناسبت خلقتها اللطيفة. # وأنها تحبس الصيد على مالكها خوفا من عقابه، أو مراعاة شكر نعمته عليها. # فرأيت أن الأدب وحسن العشرة يتبع لطافه البدن وصفاء الروح. # وهكذا المؤمن العاقل لا يلتفت إلى حاسده ولا يعد شيئا، إذ هو في واد وذاك ~~في واد. # ذاك يحسده على الدنيا، وهذا همته الآخرة فيا بعد ما بين الواديين. # فصل أسرار الحكمة # ملاحظته من أهم الأشياء. # ينبغي لمن آمن بالله تعالى أن يسلم له في أفعاله. ويعلم أنه حكيم ومالك، ~~وأنه لا يعبث. # فإن خفيت عليه حكمة فعله نسب ms324 الجهل إلى نفسه، وسل للحكيم المالك. فإذا ~~طالبه العقل قال: ما بانت لي، فيجب علي تسليم الأمر لمالكه. # وإن أقواما نظروا بمجرد العقل إلى كثير من أفعال الحق سبحانه فرأوها لو ~~صدرت من مخلوق نسبت إلى ضد الحكمة، فنسبوا الخالق إلى ذلك. # وهذا الكفر المحض، والجنون البارد. # والواجب نسبة الجهل إلى النفوس، فإن العقول قاصرة عن مطالعة حكمته. # وأول من فعل ذلك إبليس فإنه قد رآه قد فضل طينا على نار، والعقل يرى ~~النار أفضل فعاب حكمته. # وعمت هذه المحنة خلقا ممن ينسب إلى العلم وكثير من العوام. # فكم قد رأينا عالما يعترض وعاميا يرد فيكفره، وهذه محنة قد شملت أكثر ~~الخلق. # يرون عالما يضيق عليه وفاسقا وسع عليه، فيقولون هذا لا يليق بالحكمة. # وقد علم العلماء أن الله تعالى قد فرض الزكوات والخراج والجزية والغنائم ~~والكفارات ليستغني بها الفقراء، فاختص بذلك الظلمة. # وصانع من تجب عليه الزكاة بإخراج بعضها، فجاع الفقير. # فينبغي أن نذم هؤلاء الظلمة ولا نعترض على من قدر الكفاية للفقراء. # وقد حصل في ضمن هذا عقوبة الظالمين من حبسهم الحقوق، وابتلاء الفقراء ~~بصبرهم عن حظوظهم. # وأكثر هؤلاء المعترضين لا يكادون يسلمون وقت خروج الروح من اعتراض يخرج ~~إلى الكفر فتخرج النفس كافرة. # فكم عامي يقول: فلان قد ابتلى وما يستحق. # ومعناه أنه قد فعل به ما لا يليق بالصواب وقد قال بعض الخلعاء: # أيا رب تخلق أقمار ليل ... وأغصان بان وكثبان رمل # وتنهى عبادك أن يعشقوا ... أيا حاكم العدل ذا حكم عدل ؟ # ومثل هذا ينشده جماعة من العلماء ويستحسنونه، وهو كفر محض. # وما فهم هؤلاء سر النهي ولا معناه، لأنه ما نهى عن العشق وإنما نهى عن ~~العمل بمقتضى العشق من الأشياء المحرمة كالنظر واللمس والفعل القبيح. # وفي الامتناع عن المشتهى دليل على الإيمان بوجود الناهي كصبر العطشان في ~~رمضان عن الماء. فإنه دليل على الإيمان بوجود من أمر بالصوم. PageV01P157 ~~وتسليم النفوس إلى القتل والجهاد دليل على اليقين بالجزاء. # ثم المستحسن أنموذج ما قد أعد فأين ms325 العقل المتأمل. # كلا. لو تأمل وصبر قليلا لربح كثيرا. # ولو ذهبت أذكر ما قد عرفت من اعتراض العلماء والعوام لطال. # ومن أحسن الناس حالا في ذلك، ما يحكى عن ابن الراوندي أنه جاع يوما واشتد ~~جوعه فجلس على الجسر وقد أمضه الجوع. # فمرت خيل مزينة بالحرير والديباج فقال: لمن هذه ؟ فقالوا: لعلي بن بلتق ~~غلام الخليفة. # فمرت جواز مستحسنات فقال: لمن هذه ؟ فقالوا: لعلي بن بلتق. # فمر به رجل فرآه وعليه أثر الضر فرمى إليه رغيفين فأخذهما ورمى بهما، ~~وقال: هذه لعلي بن بلتق وهذان لي ؟. # ونسي الجاهل الأحمق أنه بما يقول ويعترض ويفعل أهل هذه المجاعة. # فيا معترضين وهم في غاية النقص على من لا عيب في فعله. أنتم في البداية ~~من ماء وطين، وفي الثاني من ماء مهين، ثم تحملون الأنجاس على الدوام، ولو ~~حبس عنكم الهواء لصرتم جيفا. # وكم من رأي يراه حازمكم فإذا عرضه على غيره تبين له قبح رأيه. # ثم المعاصي منكم زائدة في الحد. # فما فيكم - بعد - إلا الاعتراض على المالك الحكيم. # ولو لم يكن في هذه البلاوي إلا أن يراد منا التسليم لكفى. # ولو أنه أنشأ الخلق ليدلوا على وجوده ثم أهلكهم ولم يعدهم كان ذلك له، ~~لأنه مالك، لكنه بفضله وعد بالإعادة والجزاء والبقاء الدائم في النعيم. # فمتى ما جرى أمر لا تعرف علته فانسب ذلك إلى قصور علمك. # وقد ترى مقتولا ظلما وكم قد قتل وظلم حتى قوبل ببعضه. # وقل أن يجري لأحد آفة إلا ويستحقها غير أن تلك الآفات المجازى بها غائبة ~~عنا ورأينا الجزاء وحده. # فسلم تسلم واحذر كلمة اعتراض أو إضمار، فربما أخرجتك من دائرة الإسلام. # فصل يوم العيد ويوم القيامة # رأيت الناس يوم العيد فشبهت الحال بالقيامة. فإنهم لما انتبهوا من نومهم ~~خرجوا إلى عيدهم كخروج الموتى من قبورهم إلى حشرهم، فمنهم من زينته الغاية ~~ومركبه النهاية، ومنهم المتوسط، ومنهم المرذول وعلى هذا أحوال الناس يوم ~~القيامة. # قال تعالى: " يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا " أي ركبانا ms326 " ونسوق ~~المجرمين إلى جهنم وردا " أي عطاشا. # وقال عليه الصلاة والسلام: يحشرون ركبانا ومشاة وعلى وجوههم. # ومن الناس من يداس في زحمة العيد، وكذلك الظلمة يطأهم الناس بأقدامهم في ~~القيامة. # ومن الناس يوم العيد الغني المتصدق. كذلك يوم القيامة أهل المعروف في ~~الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة. # ومنهم الفقير السائل الذي يطلب أن يعطى. كذلك يوم الجزاء أعددت شفاعتي ~~لأهل الكبائر. # ومنهم من لا يعطف عليه " فما لنا من شافعين ولا صديق حميم " . # والأعلام منشورة في العيد. كذلك أعلام المتقين في القيامة، والبوق يضرب. # كذلك يخبر بحال العبد فيقال: يا أهل الموقف، إن فلانا قد سعد سعادة لا ~~شقاوة بعدها، وإن فلانا قد شقى شقاوة لا سعادة بعدها. # ثم يرجعون من العيد بالخواص إلى باب الحجرة ويخبرون بامتثال الأوامر: " ~~أولئك المقربون " فيخرج التوقيع إليهم " وكان سعيهم مشكورا " . # ومن هو دونهم يختلف حاله. فمنهم من يرجع إلى بيت عامر: " بما أسلفتم في ~~الأيام الخالية " . # ومنهم متوسط، ومنهم من يعود إلى بيت قفر: " فاعتبروا يا أولي الأبصار " . # فصل للعلماء والزهاد # يتضمن نصيحة للعلماء والزهاد: يا قوم قد علمتم: أن الأعمال بالنيات، وقد ~~فهمتم قوله تعالى: " ألا لله الدين الخالص " وقد سمعتم عن السلف أنهم كانوا ~~لا يعملون ولا يقولون حتى تتقدم النية وتصح. # أيذهب زمانكم يا فقهاء في الجدل والصياح ؟ وترتفع أصواتكم عند اجتماع ~~العوام تقصدون المغالبة. # أو ما سمعتم: من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ~~ليصرف به وجوه الناس إليه، لم يرح رائحة الجنة. # ثم يقدم أحدكم على الفتوى وليس من أهلها، وقد كان السلف يتدافعونها. # ويا معشر المتزهدين إنه يعلم السر وأخفى أتظهرون الفقر في لباسكم وأنتم ~~تستوفون شهوات النفوس. # وتظهرون التخاشع والبكاء في الجلوات دون الخلوات. # كان ابن سيرين يضحك ويقهقه فإذا خلا بكى أكثر الليل. # قال سفيان لصاحبه: ما أوقحك تصلي والناس يرونك وتنام حيث لا ترى ؟. # أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب PageV01P158 ~~آه للمرائي من يوم ms327 " وحصل ما في الصدور " وهي النيات. # فأفيقوا من سكركم، وتوبوا من زللكم، واستقيموا على الجادة: " أن تقول نفس ~~يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله " . # فصل السلوك الحق والعلم # رأيت جمهور الناس حائدين عن الشريعة جائزين على ما ألفوا من العادة. # وقد يخلص منهم فريقان علماء وعباد. # فتأملت جمهور العلماء فرأيتهم في تخليط، منهم من يقتصر على علم معاملات ~~الدنيا ويعرض عن معاملات الآخرة. # إما لجهله بها، أو لثقل أمرها عليه، فهو لا يجري على ما يثقل عليه مما ~~يوجبه العلم، ويتبع في الباقي العادات. # وربما تخايل أنه يسامح في الخطايا لكونه عالما، وقد نسي أن العلم حجة ~~عليه. # ومنهم من هو واقف مع صورة العلم، غافل عن المقصود وهو العمل، وفيهم من ~~يخالط السلطان، فيتأذى المخالط بما يرى من الذنوب والظلم ولا يمكنه ~~الإنكار. # وربما مدح هؤلاء، ويتأذى السلطان بصحبته فيقول: لولا أني على صواب ما ~~جالسني هذا. # ويتأذى العوام فيقولون: لولا أن أمر السلطان قريب ما خالطه هذا العالم. # ورأيت الأشراف يثقون بشفاعة آبائهم وينسون أن اليهود من بني إسرائيل. # وأما الفريق الثاني وهم العباد فرأيت أكثرهم في تخليط. أما الصحيحو القصد ~~منهم فعلى غير الجادة في أكثر عملهم، قد وضع لهم جماعة من المتقدمين كتبا ~~فيها دفائن قبيحة، وأحاديث غير صحيحة، ويأمرون فيها بأشياء تخالف الشريعة. # مثل كتب الحارث المحاسبي، وأبي عبد الله الترمذي، وقوت القلوب لأبي طالب ~~المكي، وكتاب الإحياء لأبي حامد الطوسي. # فإذا فتح المبتدىء عينه وهم بسلوك الطريق بهذه الكتب حملته إلى الخطايا، ~~لأنهم قد بنوا على أحاديث محالة. # ويذمون الدنيا، ولا يدرون ما المذموم منها ؟. # فيتصور المبتدىء ذم ذات الدنيا، فيهرب المنقطع إلى الجبل، وربما فاتته ~~الجماعة والجمعة، ويقتصر على البلوط والكمثري فيورثه القولنج. # ويقنع بعضهم بشرب اللبن فينحل الطبع، أو يأكل الباقلاء والعدس فيحدث له ~~قراقر. # وإنما ينبغي لقاصد الحج أن يرفق أولا بالناقة ليصل. ألا ترى للفطن من ~~الأتراك يهتم بفرسه قبل تحصيل قوت نفسه. # وربما تصدى القاص لشرح أحوال ms328 قوم من السلف والمتزهدين فيتبعهم المريد ~~فيتأذى بذلك. # ومتى رددنا ذلك المنقول وبينا خطأ فاعله قال الجهال: أترد على الزهاد ؟. # وإنما ينبغي اتباع الصواب ولا ينظر إلى أسماء المعظمين في النفوس. # فإنا نقول: قال أبو حنيفة ثم يخالفه الشافعي، وإنما ينبغي أن يتبع ~~الدليل. # قال المروزي: مدح أحمد بن حنبل النكاح فقلت له قد قال: إبراهيم بن أدهم ~~فصاح وقال: وقعنا في بنيات الطريق، عليك بما كان عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه. # وتكلم أحمد في الحارث المحاسبي ورد على سري السقطي حين قال: لما خلق الله ~~الحروف وقف الألف وسجدت الياء؛ فقال: نفروا الناس عنه. فالحق لا ينبغي أن ~~يحابى، فإنه جد. # وإني أرى أكثر الناس قد حادوا عن الشريعة، وصار كلام المتزهدين كأنه ~~شريعة لهم؛ فيقال: قال أبو طالب المكي: كان من السلف من يزن قوته بكربة ~~فينقص كل يوم !!!. # وهذا شيء ما عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه وإنما كانوا ~~يأكلون دون الشبع. # فأما الحمل على النفس بالجوع فمنهي عنه. # ويقول قاد داود الطائي لسفيان: إذا كنت تشرب الماء البارد متى تحب الموت ~~؟. وكان ماؤه في دن. # وما علم أن للنفس حظا، وأن شرب الماء الحار يرهل المعدة ويؤذي، وأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يبرد الماء. # ويقول آخر منهم: منذ خمسين سنة أشتهي الشواء ما صفا لي درهمه. # ويقول آخر: أشتهي أن أغمس جزرة في دبس فما صح لي. # أتراهم أرادوا حبة منذ خرجت من المعدن ما دخلت في شبهة ؟. # هذا شيء ما نظر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان الورع حسنا، ~~ولكن لا على حمل المشاق الشديدة. # وهذا بشر الحافي يقول: لا أحدث لأني أشتهي أن أحدث، وهذا تعليل لا يصلح، ~~لأن الإنسان مأمور بالنكاح، وهو من أكبر المشتهى، وكان بشر حافيا حتى قيل ~~له الحافي، ولو ستر أمره بنعلين كان أصلح. # والحفاء يؤذي العين، وليس من أمر الدنيا في شيء. فقد كان لرسول الله ms329 صلى ~~الله عليه وسلم نعلان. # وما كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على مال والمتزهدون ~~عليه اليوم.. PageV01P159 فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ويمزح ~~ويختار المستحسنات ويسابق عائشة رضي الله عنها، وكان يأكل اللحم، ويحب ~~الحلوى، ويستعذب له الماء. # وعلى هذا كان طريقة أصحابه، فأظهر المتزهدون طرائق كأنها ابتداء شريعة، ~~وكلها على غير الجادة. # ويحتجون بقول المحاسبي والمكي، ولا يحتج أحد منهم بصحابي ولا تابعي ولا ~~بإمام من أئمة الإسلام. # فإن رأوا عالما لبث ثوبا جميلا أو تزوج مستحسنة أو أفطر بالنهار أو ضحك ~~عابوه. # فينبغي أن يعلم أن أكثر من صح قصده منهم على غير الجادة لقلة علمهم. # حتى أن بعضهم يقول: منذ ثمانين سنة ما اضطجعت. # ويقول آخر: حلفت لا أشرف الماء سنة. # وهؤلاء على غير الصواب، فإن للنفس حقا. # فأما من ساء قصده ممن نافق وراءى لاجتلاب الدنيا وتقبيل الأيدي فلا كلام ~~معه، وهم جمهور المتصوفة، فإنهم رفعوا الثياب الملونة ليراهم الناس بعين ~~الترك للزينة، وما معهم أحسن من السفلاطون. # وإنما رقع القدماء للفقر. فهم في اللذات وجمع المال وأخذ الشبهات ~~واستعمال الراحة واللعب ومخالطة السلاطين. # وهؤلاء قد كشفوا القناع وباينوا زهد أوائلهم، بلى. أعجب منهم من ينفق ~~عليهم !!. # فصل مثل الآدمي # إن الله عز وجل جعل لأحوال الآدمي أمثلة ليعتبر بها. # فمن أمثلة أحواله القمر الذي يبتديء صغيرا ثم يتكامل بدرا، ثم يتناقص ~~بانمحاق وقد يطرأ عليه ما يفسده كالكسوف. # فكذلك الآدمي أوله نطفة، ثم يترقى من الفساد إلى الصلاح، فإذا تم كان ~~بمنزلة البدر الكامل. # ثم تتناقص أحواله بالضعف فربما هجم الموت قبل ذلك هجوم الكسوف على القمر. ~~قال الشاعر: # والمرء مثل هلال عند طلعته ... يبدو ضئيلا لطيفا ثم يتسق # يزداد حتى إذا ما تم أعقبه ... كر الجديدين نقصا ثم ينمحق # ومن أمثلة حاله، دود القز فإنه يكون حيا إلى أن يبتديء نبات قوته وهو ورق ~~الفرصاد. # فإذا اخضر الورق دبت الروح فيه. # ثم ينتقل من حال إلى حال ms330 كانتقال الطفل. # ثم يرقد كغفلة الآدمي عن النظر في العواقب ثم ينتبه فيحرص على الأكل كحرص ~~الشره على تحصيل الدنيا. # ثم يسدي على نفسه كما يخطب الآدمي الأوزار على دنبه، فيرتهن في ذلك الحبس ~~كما يرتهن الميت في قبره. # ثم يقرض فيخرج خلقا آخر كما تنصر الموتى غرلا بهما. # وقد دله على البعث تكون النطفة كالميت. ثم تصير آدميا. # وإلقاء الحب تحت الأرض فيفسد ثم يهتز خضرا. # إذا المرء كانت له فكرة ... ففي كل شيء له عبرة # فصل الهوى العاجل # إنما فضل العقل بتأمل العواقب، فأما القليل العقل فإنه يرى الحال ~~الحاضرة، ولا ينظر إلى عاقبتها. # فإن اللص يرى أخذ المال وينسى قطع اليد. والبطال يرى لذة الراحة وينسى ما ~~تجني من فوات العلم وكسب المال. # فإذا كبر فسئل عن علم لم يدر، وإذا احتاج سأل فذل، فقد أربى ما حصل له من ~~التأسف على لذة البطالة. # ثم يفوته ثواب الآخرة بترك العمل في الدنيا. # وكذلك شارب الخمر، يلتذ تلك الساعة وينسى ما يجني من الآفات في الدنيا ~~والآخرة. # وكذلك الزنا، فإن الإنسان يرى قضاء الشهوة، وينسى ما يجني منه من فضيحة ~~الدنيا والحد. # وربما كان للمرأة زوج فألحقت الحمل من هذا به وتسلسل الأمر. # فقس على هذه وانتبه للعواقب، ولا تؤثر لذة تفوت خيرا كثيرا، وصابر المشقة ~~تحصل ربحا وافرا. # فصل اللذات المعنوية # ليس في الدنيا عيش إلا لعالم أو زاهد. # بلى، قد يقع في صفاء حالهما كدر. وهو أن العالم يشتغل بالعلم أو ~~بالانقطاع عن الكسب، وقد يكون له عائلة، فربما تعرض بالسلطان ففسد حاله. ~~وكذلك الزاهد. # فينبغي للعالم والعابد أن يتحركا في معاش كنسخ بأجرة أو علم الخوص وإن ~~فتح له بشيء اقتنع باليسير، فلا يستعبده أحد. # كما كان أحمد بن حنبل له أجرة لعلها لا تبلغ دينارا يتقوت بها. # ومتى لم يقنع أفسدت مخالطة السلاطين والعوام دينه. # وفي الناس من يريد التوسع في المطاعم، ومنهم من لا يوافقه خشن العيش، ~~وهيهات أن يصح الدين مع تحصيل ms331 اللذات. # وإذا قنع العالم والزاهد بما يكفي، لم يتبذل أحدهما للسلطان ولم يستخدم ~~بالتردد إلى بابه، ولم يحتج الزاهد إلى تصنع. # والعيش اللذيذ للمنقطع الذي لا يتبذل به ولا يحمل منه. # فصل قدر الأفهام PageV01P160 ما أكثر تفاوت الناس في الفهوم، حتى العلماء ~~يتفاوتون التفاوت الكثير في الأصول والفروع. # فترى أقواما يسمعون أخبار الصفات فيحملونها على ما يقتضيه الحس كقول ~~قائلهم: ينزل بذاته إلى السماء وينتقل. # وهذا فهم رديء، لأن المنتقل يكون من مكان إلى مكان ويوجب ذلك كون المكان ~~أكثر منه ويلزم منه الحركة وكل ذلك محال على الحق عز وجل. # وأما في الفروع فكما يروى عن داود أنه في قوله صلى الله عليه وسلم: لا ~~يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه. فقال: إن بال غيره جاز. # فما يفهم المراد من التنجيس بل يأخذ بمجرد اللفظ. # وكذلك يقول: لحم الخنزير حرام لا جلده نعوذ بالله من سوء الفهم. # وكذلك يتفاوت الشعراء الذين شغلهم التفطن لدقائق الأحوال كقول قائلهم: # لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما # والجفنات عدد يسير فلو قال: الجفان لكان أبلغ، ولو قال: بالدجى لكان ~~أحسن، ويقطرن دليل على القلة وكذلك قول القائل: # همها العطر والفراش ويعلو ... ها لجين منظم ولآلى # وهذا قاصر، فإنه لو فعلت هذا سوداء لحسنها. إنما المادح هو القائل: # ألم تر أني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب # وكذا قول القائل: # أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعني ... حتى إذا قلت هذا صادق نزعا # ولو كان صادقا في المحبة لما كان له قلب يخاطبه. وإذا خاطبه في الهجر لم ~~يوافقه. إنما المحب الصادق هو القائل: # يقولون لو عاتبت قلبك لارعوى ... فقلت وهل للعاشقين قلوب # ومثل هذا إذا نوقش كثير. # فأقل موجود في الناس الفهم والغوص على دقائق المعاني. # فصل حقيقة المتعة # من تأمل الدنيا علم أنه ليس فيها لذة أصلا، فإن وجدت لذة شيبت بالنغص ~~التي تزيد على اللذة أضعافا. # فمن اللذات النساء، فربما تثبت المستحسنة، وربما لم ms332 تحب الزوج، فمتى علم ~~ذلك تعزل عنها، وربما خانت، وذلك الهلاك. # فإن تمت المرادات فذكر الفراق زائد في التألم على الالتذاذ. # ومن اللذات الولد ومقاسات البنت إلى أن تتزوج، وما تلقى من زوجها وخوف ~~عارها محن قبيحة. # والابن إن مرض ذاب الفؤاد، وإن خرج عن حد الصلاح زاد الأسف، وإن كان عدوا ~~فمراده هلاك الأب، ثم إن تم المراد فذكر فراقه يذيب القلوب. # ولو أن فاسقا أحب بعض المردان انهتك عرضه في الدنيا وذهب دينه. # ثم لا يلبث أن تتغير حليته فيصبر مبغوضا مع ما سبق من الهتكة والإثم. # وكم قد غلبت شهوة رجل وطيء الجواري السود فجاء الولد أسود فبقي عارا ~~عليه. # ومن هذا الجنس الالتذاذ بالمال، وفي تحصيله آثام، وفراقه حسرة، وذهاب ~~العمر في غبن. # وهذا أنموذج لما لم يذكر فينبغي لمن وفقه الله سبحانه أن يأخذ الضروري ~~الذي يميل إلى سلامة الدين والبدن والعافية، ويهجر الهوى الذي نغصه تتضاعف ~~على لذته. # ومن صبر على ما يكره النفع في العاقبة التذ أضعافا، كطالب العلم فإنه ~~يتعب يسيرا وينال خير الدارين مع سلامة العاقبة. # ولذة البطالة تعقب عدم العلم والعمل فيزيد الأسى على اللذة أضعافا. # فالله الله أن يغلبك هواك العاجل، ومتى هم الهوى بالتوثب فامنعه وزن ~~عاجله بآجله. وما يتذكر إلا أولو الألباب. # فصل تلبيس إبليس # رأيت إبليس قد احتال بفنون الحيل. على الخلق وأمال أكثرهم عن العلم الذي ~~هو مصباح السالك، فتركهم يتخبطون في ظلمات الجهل، وشغلهم بأمور الحس، ولا ~~يلتفتون إلى مشورة العقل. # فإذا ضاق بأحدهم عيشه أو نكب اعترض فكفر. # فمنهم من ينسب ذلك إلى الدهر والدنيا لا يفعلان وإنما هو عيب للمقدر. # ومنهم من يخرجه الأمر إلى جحد الحكمة، فيقول: أي فائدة في نقض المبنى. # وزعم بعضهم أنه لا يتصور عود المنقوض، وأنكروا البعث. ويقولون ما جاء من ~~ثم أحد. # ونسوا أن الوجود ما انتهى بعد ولو خلفنا لصار الإيمان بالغيب عيانا، ولا ~~يصلح أن يدل على الأحياء بالأحياء. # ثم نظر إبليس فرأى في ms333 المسلمين قوما فيهم فطنة فأراهم أن الوقوف على ~~ظواهر الشريعة حالة يشاركهم فيها العوام. فحسن لهم علوم الكلام وصاروا ~~يحتجون بقول بقراط وجالينوس وفيثاغورس. # وهؤلاء ليسوا بمتشرعين ولا تبعوا نبينا صلى الله عليه وسلم، وإنما قالوا ~~بمقتضى ما سولت لهم أنفسهم. PageV01P161 وقد كان السلف إذا نشأ لأحدهم ولد ~~شغلوه بحفظ القرآن وسماع الحديث، فيثبت الإيمان في قلبه. # فقد توانى الناس عن هذا فصار الولد الفطن يتشاغل بعلوم الأوائل، وينبذ ~~أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. ويقول أخبار آحاد. # وأصحاب الحديث عندهم يسمون حشوية. # ويعتقد هؤلاء أن العلم الدقيق علم الطفرة والهيولي والجزء الذي لا يتجزأ. # ثم يتصاعدون إلى الكلام في صفات الخالق، فيدفعون ما صح عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بواقعاتهم. # فيقول المعتزلة إن الله لا يرى لأن المرئي يكون في جهة، ويخالفون قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكم ترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون ~~في رؤيته " . فأوجب هذا الحديث إيثار رؤيته وإن عجزنا عن فهم كيفيتها. # وقد عزل هؤلاء الأغبياء عن التشاغل بالقرآن، وقالوا مخلوق، فزالت حرمته ~~من القلوب. # وعن السنة وقالوا أخبار آحاد. وإنما مذاهبهم السرقة من بقراط وجالينوس. # وقد استفاد من تبع الفلاسفة أنه يرفه نفسه عن تعب الصلاة والصوم، وقد كان ~~كبار العلماء يذمون علم الكلام، حتى قال الشافعي: حكمي فيهم أن يركبوا على ~~البغال ويشهروا ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة واشتغل بالكلام. # وقد آل بهم الأمر إلى أن اعتقدوا أن من لم يعرف تحرير دليل التوحيد فليس ~~بمسلم. # فالله الله من مخالطة المبتدعة. وعليكم بالكتاب والسنة ترشدوا. # ؟فصل قيمة الوقت رأيت العادات قد غلبت الناس في تضييع الزمان وكان ~~القدماء يحذرون من ذلك قال الفضيل: أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى ~~الجمعة. # ودخلوا على رجل من السلف فقالوا: لعلنا شغلناك، فقال: أصدقكم كنت أقرأ ~~فتركت القراءة لأجلكم. # وجاء رجل من المتعبدين إلى سري السقطي فرأى عنده جماعة فقال: صرت مناخ ~~البطالين، ثم مضى ولم يجلس. # ومتى لان ms334 المزور طمع فيه الزائر، فأطال الجلوس فلم يسلم من أذى. # وقد كان جماعة قعودا عند معروف فأطالوا فقال: إن ملك الشمس لا يفتر في ~~سوقها أفما تريدون القيام ؟. # وممن كان يحفظ اللحظات عامر بن عبد قيس قال له رجل: قف أكلمك، قال: فأمسك ~~الشمس. # وقيل لكرز بن وبرة: لو خرجت إلى الصحراء، فقال: يبطل الزوجار. # وكان داود الطائي يستف الفتيت ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة ~~خمسين آية. # وكان عثمان الباقلاني دائم الذكر لله تعالى، فقال إني وقت الإفطار أحس ~~بروحي كأنها تخرج لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر. # وأوصى بعض السلف أصحابه فقال: إذا خرجتم من عندي فتفرقوا لعل أحدكم يقرأ ~~القرآن في طريقه. ومتى اجتمعتم تحدثتم. # واعلم أن الزمان أشرف من أن يضيع منه لحظة، فإن في الصحيح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له بها ~~نخلة في الجنة. # فكم يضيع الآدمي من ساعات يفوته فيها الثواب الجزيل، وهذه الأيام مثل ~~المزرعة، فكأنه قيل للإنسان. كلما بذرت حبة أخرجنا لك ألف كر، فهل يجوز ~~للعاقل أن يتوقف في البذر ويتوانى. # والذي يعين على اغتنام الزمان الانفراد والعزلة مهما أمكن، والاختصار على ~~السلام أو حاجة مهمة لمن يلقى. # وقلة الأكل، فإن كثرته سبب النوم الطويل وضياع الليل. # ومن نظر في سير السلف وآمن بالجزاء بان له ما ذكرته. # ؟؟فصل آداب المعاشرة # ينبغي للعاقل أن يتخير امرأة صالحة من بيت صالح يغلب عليه الفقر لترى ما ~~يأتيها به كثيرا، وليتزوج من يقاربه في السن. # فأما الشيخ فإذا إذا تزوج صبية آذاها، وربما فجرت، أو قتلته، أو طلبت ~~الطلاق وهو يحبها فيتأذى. # وليتمم نقصه بحسن الأخلاق وكثرة النفقة. # ولا ينبغي للمرأة أن تقرب من زوجها كثيرا فتمل، ولا تبعد عنه فينساها. # ولتكن وقت قربها إليه كاملة النظافة متحسنة، ولتحذر أن يرى فرجها أو ~~جسمها كله، فإن جسم الإنسان ليس بمستحسن. # وكذلك ينبغي أن لا يريها جسمه، وإنما الجماع في الفراش. # ورأى ms335 كسرى يوما كيف يسلخ الحيوان ويطبخ فتقلبت نفسه ونفى اللحم، فذكر ذلك ~~لوزيره، فقال: أيها الملك، الطبيخ على المائدة، والمرأة في الفراش، ومعناه ~~لا تفتش على ذلك. # قالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~رآه مني، وقام ليلة عريانا فما رأيت جسمه قبلها. # وهذا الحزم، وبذلك لا يعيب الرجل المرأة لأنه لم ير عيوبها. PageV01P162 ~~وليكن للمرأة فراش وله فراش، فلا يجتمعان إلا في حال الكمال. # ومن الناس من يستهين بهذه الأشياء فيرى المرأة متبذلة تقول: هذا أبو ~~أولادي ويتبذل هو فيرى كل واحد من الآخر ما لا يشتهي، فينفر القلب وتبقى ~~المعاشرة بغير المحبة. # وهذا فصل ينبغي تأمله والعمل به فإنه أصل عظيم. # فصل أداء الأمانات # لا عيش في الدنيا إلا للقنوع باليسير، فإنه كلما زاد الحرص على فضول ~~العيش زاد الهم وتشتت القلب، واستعبد العبد. # وأما القنوع فلا يحتاج إلى مخالطة من فوقه، ولا يبالي بمن هو مثله، إذ ~~عنده ما عنده. # وإن أقواما لم يقنعوا وطلبوا لذيذ العيش فأزروا بدينهم وذلوا لغيرهم. # وخصوصا أرباب العلم فإنهم ترددوا إلى الأمراء فاستعبدوهم ورأوا المنكرات، ~~فلم يقدروا على إنكارها، وربما مدحوا الظالم اتقاء لشره. # فالذي نالهم من الذل وقلة الدين أضعاف ما نالوا من الدنيا. # ومن أقبح الناس حالا من تعرض للقضاء والشهادة، ولقد كانتا مرتبتين ~~حسنتين. # وكان عبد الحميد القاضي لا يحابي، فبعث إلى المعتضد وقال له: قد استأجرت ~~وقوفا فأد أجرتها، ففعل. # وقال له المعتضد: قد مات فلان ولنا عليه مال، فقال: أنت تذكر لما وليتني ~~قلت لي: قد أخرجت هذا الأمر من عنقي ووضعته في عنقك، ولا أقبل هذا الذي ~~تقول إلا بشاهدين. # وكذلك كان الشهود، دخل جماعة على بعض الخلفاء فقال الخادم: اشهدوا على ~~مولانا بكذا، فشهدوا، فتقدم المجزوعي إلى الستر فقال: يا أمير المؤمنين، ~~أشهد عليك بما في هذا الكتاب، فقال: أشهد. # قال: إنه لا يكفي في ذلك، لا أشهد حتى تقول نعم، قال: نعم. # فأما في زماننا ms336 فتغيرت تلك القواعد من الكل، خصوصا من يتقرب إليه بالمال ~~ليستشهد فتراه يسحب ليشهد على ما لا يرى. # قال لي أبو المعالي بن شافع: كنت أحمل إلى بعض أهل السواد، وهو محبوس ~~وأشهد عليه. # وأنا أستغفر الله من ذلك. # وليس للشهود جراية فيحملون ذلك لأجلها، وإنما الذي يحصل جر الطيلسان، ~~وطرق الباب، وقول المعرف: حرس الله نعمتك شهادة. # ولما قيل لإبراهيم النخعي: تكون قاضيا. لبس قميصا أحمر وجلس في السوق. ~~فقالوا: هذا لا يصلح. # ودخل بعض الكبار على الرشيد - وقد أحضره ليوليه القضاء - فسلم وقال له: ~~كيف أنت وكيف الصبيان. # فقيل: هذا مجنون، فيا لله جنون هو العقل. # وما أظن الإيمان بالآخرة إلا متزلزلا في أكثر القلوب. # نسأل الله سبحانه سلامة للدين فإنه قادر. # فصل حقيقة الحكمة الإلهية # قد تكرر معناه في هذا الكتاب، إلا أن عادته على النفوس مهمة لئلا يغفل ~~عنه مثله. # ينبغي للمؤمن أن يعلم أن الله سبحانه مالك حكيم لا يعبث، وهذا العلم يوجب ~~نفي الاعتراض على القدر. # وقد لهج خلق بالاعتراض قدحا في الحكمة، وذلك كفر. # وأولهم إبليس في قوله: " خلقتني من نار وخلقته من طين " . # ومعنى قوله: أن تفضيلك الطين على النار ليس بحكمة. # وقد رأيت من كان فقيها دأبه الاعتراض. # وهذا لأن المعترض ينظر إلى صورة الفعل، ولو أن صورة الفعل صدرت من مخلوق ~~مثلنا حسن أن يعترض عليه. # فأما من نقصت الأفهام عن مطالعة حكمته فاعتراض الناقص الجاهل عليه جنون. # فأما اعتراض الخلعاء فدائم، لأنهم يريدون جريان الأمور على أغراضهم، فمتى ~~انكسر لأحدهم غرض اعترض. # وفيهم من يتعدى إلى ذكر الموت فيقول: بنى ونقض. # وكان لنا رفيق قرأ القرآن والقراءات وسمع الحديث الكثير، ثم وقع في ~~الذنوب وعاش أكثر من سبعين سنة، فلما نزل به الموت ذكر لي أنه قال: قد ضاقت ~~الدنيا إلا من روحي. # ومن هذا الجنس سمعت شخصا يقول عند الموت: ربي يظلمني، وهذا كثير. # وكره أن يحكى كلام الخلعاء في جنونهم واعتراضاتهم الباردة. # ولو فهموا أن الدنيا ميدان ms337 مسابقة ومارستان صبر ليبين بذلك أثر الخالق ~~لما اعترضوا. # والذي طلبوه من السلامة وبلوغ الأغراض أمامهم لو فهموا. # فهم كالزورجاري يتلوث بالطين فإذا فرغ لبس ثياب النظافة. # ولما أريد نقض هذا البدن الذي لا يصلح للبقاء نحيت عنه النفس الشريفة بني ~~بناء يقبل الدوام. # وبعد هذا فقل للمعترض: " فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع هل يذهبن كيده ~~ما يغيظ " . # قل له: إن اعترض لم يمنع ذلك جريان القدر، وإن سلم جرى القدر. ~~PageV01P163 فلأن يجري وهو مأجور خير من أين يجري وهو مأزور. # وما أحسن سكوت وضاح اليمن لما اختبأ في صندوق، فقال السلطان: أيها ~~الصندوق، إن كان فيك ما نظن فقد محونا أثرك. # وإن لم يكن فليس بدفن خشب من جناح. # فلو أنه صاح ما انتفع بشيء، ولربما أخرج فقتل أقبح قتلة. # فصل قيمة السرور في الدنيا # من تلمح أحوال الدنيا علم أن مراد الحق سبحانه اجتنابها. # فمن مال إلى مباحها ليلتذ وجد مع كل فرحة ترحة، وإلى جانب كل راحة تعبا، ~~وآخر كل لذة نقصا يزيد عليها. # وما رفع شيء من الدنيا إلا ووضع. # أحب الرسول صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها فجاء حديث الإفك. # ومال إلى زينب، فجاء: " فلما قضى زيد منها وطرا " . # ثم يكفي أنه إذا حصل محبوبه فعين العقل ترى فراقه فيتنغص عند وجوده، كما ~~قال الشاعر: # أتم الحزن عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا # فيعلم العاقل أن مراد الحق بهذا التكدير التنفير عن الدنيا، فيبقى أخذ ~~البلغة منها ضرورة، وترك الشواغل، فيجتمع الهم في خدمة الحق. # ومن عدل عن ذلك ندم على الفوات. # فصل العقل # العاقل يدير بعقله عيشته في الدنيا. # فإن كان فقيرا اجتهد في كسب وصناعة تكفه عن الذل للخلق، وقلل العلائق، ~~واستعمل القناعة فعاش سليما من منن الناس عزيزا بينهم. # وإن كان غنيا فينبغي له أن يدبر في نفقته خوف أن يفتقر فيحتاج إلى الذل ~~للخلق. # ومن البلية أن يبذر في النفقة ويباهي بها ليكمد الأعداء. # كأنه يتعرض بذلك ms338 - إن أكثر - لإصابته بالعين. # وينبغي التوسط في الأحوال، وكتمان ما يصلح كتمانه. # ولقد وجد بعض الغسالين مالا فأكثر النفقة، فعلم به، فأخذ منه المال، وعاد ~~إلى الفقر. # وإنما التدبير حفظ المال، والتوسط في الإنفاق، وكتمان ما لا يصلح إظهاره. # ومن الغلط إطلاع الزوجة على قدر المال، فإنه إن كان قليلا هان عندها ~~الزوج، وإن كان كثيرا طلبت زيادة الكسوة والحلى. # قال الله عز وجل: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " وكذلك الولد. # وكذلك الأسرار، ينبغي أن تحفظ وأن يحذر منها ومن الصديق، فربما انقلب، ~~فقد قال الشاعر: # إحذر عدوك مرة ... واحذر صديقك ألف مرة # فلربما انقلب الصدي ... ق فكان أعلم بالمضرة # بحمد الله تعالى قد نجز ما توخاه الفكر الفاتر من تقييد ما جمعه القلم من ~~صيد الخاطر، متقصرا فيه على ما به التخلي من الأمراض النفسية، والتحلي ~~بالآداب الشرعية، والأخلاق المرضية. # جعله الله تعالى خير هاد على منبر الوعظ والإرشاد، وأنفع كتاب تجلى في ~~مرايا الظهور لهداية العباد. # والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ~~PageV01P164 ms339