######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008160 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 597 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الياقوتة - مواعظ ابن الجوزي #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار - مرقم آليا #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008160 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8160 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8160 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة المصنف # الحمد لله الذي قطعت أعناق الملحدين عجائب صنعته، وخصمت عقول المتفكرين ~~لطائف حجته، وهتفت في أسماع العالمين ألسنة أدلته، شاهدة بأنه الواحد في ~~ألوهيته، القديم في وحدانيته، وصلى الله على أشرف بريته، محمد وعلى آله ~~وعترته. # هذه فصول من المواعظ، كالأنموذج للواعظ، ينسج على منوالها، ويدرج في ~~مثالها، تشتمل على إشارات لائحة، وعبارات واضحة، والله المعين. # PageV01P041 ### | الفصل الأول: ابك على خطيئتك # إخوانى: لو تفكرت النفوس فيما بين يديها، وتذكرت حسابها فيما لها وعليها، ~~لبعث حزنها بريد دمها إليها، أما يحق البكاء لمن طال عصيانه: نهاره في ~~المعاصي، وقد طال خسرانه، وليله في الخطايا، فقد خف ميزانه، وبين يديه ~~الموت الشديد فيه من العذاب ألوانه. # روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الحجر فاستلمه، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلا، فالتفت، فإذا هو بعمر يبكي، ~~فقال: يا عمر ههنا تسكب العبرات. # وقال أبو عمران الجوني: بلغني أن جبريل عليه السلام جاء إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فقال: يا رسول الله ما يبكيك: فقال: أو ما ~~تبكي أنت؟ فقال: يا محمد، ما جفت لي عين منذ خلق الله جهنم مخافة أن أعصيه ~~فيلقيني فيها. # وقال يزيد الرقاشي: إن لله ملائكة حول العرش تجري أعينهم مثل الأنهار إلى ~~يوم القيامة: يميدون كأنما تنفضهم الريح من خشية الله، فيقول لهم الرب عز ~~وجل: يا ملائكتي، ما الذي يخيفكم وأنتم عبيدي: فيقولون: يا ربنا لو أن أهل ~~الأرض اطلعوا من عزتك وعظمتك على ما اطلعنا: ما ساغوا طعاما ولا شربا، ولا ~~انبسطوا في شربهم، ولخرجوا في الصحاري يخورون كما تخور البقر. # وقال الحسن: بكى آدم عليه السلام حين أهبط من الجنة مائة عام حتى جرت ~~أودية سرنديب من دموعه، فأنبت الله بذلك الوادي من دموع آدم الدارصيني ~~والفلفل، وجعل من طير ذلك الوادي الطواويس، ثم إن جبريل عليه السلام أتاه ~~وقال: يا آدم ارفع رأسك فقد غفر لك، فرفع رأسه، ثم أتى ms01 البيت فطاف (به) ~~أسبوعا، فما أتمه حتى خاض في دموعه. # وقال ابن أسباط: لو عدل بكاء أهل الأرض ببكائه عليه السلام: كان بكاء آدم ~~أكثر: # بكيت على الذنوب لعظم جرمي ... وحق لمن عصى مر البكاء # فلو أن البكاء يرد همي ... لأسعدت الدموع مع الدماء # قال وهيب بن الورد: لما عاتب الله نوحا أنزل عليه {إني أعظك أن تكون من ~~الجاهلين} ، فبكى ثلاثمائة عام حتى صار تحت أعينه أمثال الجداول من البكاء. # قال يزيد الرقاشي: إنما سمي (نوحا) لأنه كان نواحا. # أنوح على نفسي وأبكي خطيئة ... تقود خطايا أثقلت مني الظهرا # فيا لذة كانت قليل بقاؤها ... ويا حسرة دامت ولم تبق لي عذرا # وقال السدي: بكى داود حتى نبت العشب من دموعه فلما رماه سهم القدر جعل ~~يتخبط في دماء تفريطه ولسان اعتذاره ينادي: اغفر لي، فأجابه: للخطائين، ~~فصار يقول: اغفر للخطائين. # قال ثابت البناني: حشى داود سبعة أفرش بالرماد ثم بكى حتى أنفذتها دموعه. # تصاعد من صدري الغرام لمقلتي ... فغالبني شوقي بفيض المدامع # وإن في ظلام الليل قمرية إذا ... بكيت بكت في الدوح طول المدامع # قال سليمان التيمي: ما شرب داود عليه السلام شرابا إلا مزجه بدموع عينيه. # قال مجاهد: سأل داود ربه أن يجعل خطيئته في كفه فكان لا يتناول طعاما ولا ~~شرابا إلا أبصر خطيئته فبكى، وربما أتى بالقدح ثلثاه فمد يده وتناوله، ~~فينظر إلى خطيئته، ولا يضعه على شفتيه حتى يفيض من دموعه. # وقال بعض أصحاب فتح: رأيته ودموعه خالطها صفرة فقلت: على ماذا بكيت الدم؟ ~~قال: بكيت الدموع على تخلفي عن واجب حق الله، والدم خوفا أن لا أقبل، قال: ~~فرأيته في المنام، فقلت: ما صنع الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: فدموعك! قال: ~~قربتني، وقال: يا فتح على ماذا بكيت الدموع؟ قلت: يا رب على تخلفي عن واجب ~~حقك، قال: فالدم؟ قلت: بكيت على دموعي خوفا أن لا تصبح لي، قال: يا فتح، ما ~~أردت بهذا كله، وعزتي وجلالي لقد صعد إلى حافظاك أربعين سنة ms02 بصحيفتك ما ~~فيها خطيئة. # أجارتنا بالغدر والركب متهم ... أيعلم خال كيف بات المتيم # رحلتم وعمر الليل فينا وفيكم ... سواء ولكن ساهرات ونوم # تناءيتم من ظاعنين وخلفوا ... قلوبا أبت أن تعرف الصبر عنهم # ولما جلى التوديع عما حذرته ... ولا زال نظرة تتغنم # بكيت على الوادي فحرمت ماؤه ... وكيف يحل الماء أكثره دم # قال عبد الله بن عمرو: كان يحيى يبكي حتى بدت أضراسه. # قال مجاهد: كانت الدموع قد اتخذت في خده مجرى. # يا من معاصيه أكثر من أن تحصى، يا من رضى أن يطرد ويقصى، يا دائم الزلل ~~وكم ينهى ويوصى، يا جهولا بقدرنا ومثلنا لا يعصي، إن كان قد أصابك داء ~~داود، فنح نوح نوح، تحيا بحياة يحيى. # روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان في وجهه خطوط مسودة من ~~البكاء. # وبكى ابن مسعود، حتى أخذ بكفه من دموعه فرمى به. # وكان عبد الله بن عمر يطفىء المصباح بالليل ثم يبكي حتى تلتصق عينيه. # وقال أبو يونس بن عبيد: كنا ندخل عليه فيبكي حتى نرحمه. # وكان سعيد بن جبير، قد بكى حتى عمش. # وكان أبو عمران الجوني، إذا سمع المؤذن، تغير وفاضت عيناه. # وكان أبو بكر النهشلي، إذا سمع الأذان تغير لونه وأرسل عينيه بالبكاء. # وكان نهاد بن مطر العدوي، قد بكا حتى عمي. # وبكى ابنه العلا، حتى عشى بصره. # وكان منصره قد بكى حتى جردت عيناه. # وكانت أمه تقول: يا بني، لو قتلت قتيلا ما زدت على هذا. # وبكى هشام الدستوائي حتى فسدت عيناه وكانت مفتوحة، وهو لا يبصر بها. # وبكى يزيد الرقاشي أربعين سنة حتى أظلمت عيناه وأحرقت الدموع مجاورتها. # وبكى ثابت البناني حتى كاد بصره أن يذهب، وقيل له: نعالجك، على أن لا ~~تبكي، فقال: لا خير في عين لم تبك: # بكى الباكون للرحمن ليلا ... وباتوا دمعهم ما يسأمونا # بقاع الأرض من شوقي إليهم ... تحن متى عليها يسجدونا # كان الفضل قد ألف البكا، حتى ربما بكى في نومه حتى يسمع أهل الدار: # ورقت دموع ms03 العين حتى كأنها ... دموع دموعي، لادموع جفوني # وكان أبو عبيدة الخواص يبكي، ويقول: قد كبرت فاعتقني. # ويقول الحسن بن عدقة: رأيت يزيد بن هارون بواسط من أحسن الناس عينين ثم ~~رأيته بعد ذلك مكفوف البصر فقلت له: ما فعلت العينان الجميلتان؟ قال: ذهب ~~بهما بكاء الأسحار، يا هذا لو علمت ما يفوتك في السحر ما حملك النوم، تقدم ~~حينئذ قوافل السهر على قلوب الذاكرين، وتحط رواحل المغفرة على رباع ~~المستغفرين، من لم يذق حلاوة شراب السحر لم يبلغ عرفانه بالخير، من لم ~~يتفكر في عمره كيف انقرض لم يبلغ من الحزن الغرض. # قيل لعطاء السليمي: ما تشتهي؟ قال: أشتهي أن أبكي حتى لا أقدر أن أبكي، ~~وكان يبكي الليل والنهار، وكانت دموعه الدهر سائلة على وجه. # وبكى مالك بن دينار حتى سود طريق الدموع خديه، وكان يقول: لو ملكت البكاء ~~لبكيت أيام الدنيا: # ألا ما لعين لا ترى قلل الحمى ... ولا جبل الديان إلا استهلت # لجوخ إذا الحب بكى إذا بكت # قادت الهوى وأحلت ... إذا كانت القلوب للخوف ورقت # رفعت دموعها إلى العين وقت ... فأعتقت رقابا للخطايا رقت # من لم يكن له مثل تقواهم، لم يعلم ما الذي أبكاهم، من لم يشاهد جمال ~~يوسف: لم يعلم ما الذي [آلم] قلب يعقوب: # من لم يبت والحب حشو فؤاده ... لم يدر كيف تفتت الأكباد # فيا قاسي القلب، هلا بكيت على قسوتك، ويا ذاهل العقل في الهوى هلا ندمت ~~على غفلتك، ويا مقبلا على الدنيا فكأنك في حفرتك، ويا دائم المعاصي خف من ~~غب معصيتك، ويا سيىء الأعمال نح على خطيئتك، ومجلسنا مأتم للذنوب، فابكوا ~~فقد حل منا البكاء، ويوم القيامة ميعادنا لكشف الستور وهتك الغطاء. # PageV01P043 ### | الفصل الثاني: تفكر في يوم القيامة # إخواني تفكروا في الحشر والمعاد، وتذكروا حين تقوم الأشهاد: إن في ~~القيامة لحسرات، وإن في الحشر لزفرات، وإن عند الصراط لعثرات، وإن عند ~~الميزان لعبرات، وإن عند الميزان لعبرات، وإن الظلم يومئذ ظلمات، والكتب ~~تحوي حتى النظرات، وإن الحسرة العظمى عند ms04 السيئات، فريق في الجنة يرتقون في ~~الدرجات، وفريق في السعير يهبطون الدركات، وما بينك وبين هذا إلا أن يقال: ~~فلان مات، وتقول: رب ارجعوني، فيقال: فات. # روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض ~~سبعين ذراعا ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم» . # وأخرجا جميعا من حديث أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال في حديث: «ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهراني جهنم، فقيل: يا رسول الله، ~~وما الجسر؟ قال: مدحضه ومزلة، عليه خطاطيف وكلاليب وحسك، المؤمن يعبر عليه ~~كالطرف وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل، فناج مسلم، وناج مخدوش، حتى يمر ~~آخرهم يسحب سحبا» . # لله در أقوام أطار ذكر النار عنهم النوم، وطال اشتياقهم إلى الجنان ~~الصوم، فنحلت أجسادهم، وتغيرت ألوانهم، ولم يقبلوا على سماع العذل في حالهم ~~واللوم، دافعوا أنفسهم عن شهوات الدنيا بغد واليوم، دخلوا أسواق الدنيا فما ~~تعرضوا لشراء ولا سوم، تركوا الخوض في بحارها والعوم، ما وقفوا بالإشمام ~~والروم، جدوا في الطاعة بالصلاة والصوم، هل عندكم من صفاتهم شيء يا قوم؟ # قالت أم الربيع أم حيثم لولدها: يا بني ألا تنام؟ قال: يا أماه، من جن ~~عليه الليل وهو يخاف الثبات حق له أن لا ينام. # فلما رأت ما يلقي من السهر والبكا، قالت: يا بني لعلك قتلت قتيلا، قال: ~~نعم، قالت: ومن هذا القتيل حتى نسأل أهله فيغفرون، فوالله لو يعلمون ما ~~تلقى من السهر والبكاء لرحموك، فقال: يا والدتي، هي نفسي. # قيل لزيد بن مزيد: ما لنا لم نزل نراك باكيا، وجلا خائفا، فقال: إن الله ~~توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار، والله لو لم يتوعدني أن يسجنني ~~إلا في الحمام لبكيت حتى لا تجف لي عبرة. # وكان آمد الشامي يبكي وينتحب في المسجد حتى يعلو صوته وتسيل دموعه على ~~الحصى، فأرسل إليه الأمير: إنك تفسد على المصلين صلاتهم بكثرة بكائك، ms05 ~~وارتفاع صوتك، ولو أمسكت قليلا، فبكى ثم قال: إن حزن يوم القيامة أورثني ~~دموعا غزارا فأنا أستريح إلى ذرها: # يا عاذل المشتاق دعه فإنه ... يطوي على الزفرات غير حشاكا # لو كان قلبك قلبه ما لمته ... حا شاك مما عنده حاشاكا # وعوتب عطاء السلمي في كثرة البكاء، فقال: إني إذا ذكرت أهل النار وما ~~ينزل بهم من عذاب الله تعالى، مثلت نفسي بينهم فكيف لنفس تغل يدها وتسحب ~~إلى النار ولا تبكي؟ # وقيل لبعضهم: ارفق بنفسك، فقال: الرفق أطلب. # وقال أسلم بن عبد الملك: صحبت رجلا شهرين، وما رأيته نائما بليل ولا ~~نهار، فقلت: ما لك لا تنام؟ قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي، ما أخرج من ~~أعجوبة إلا وقعت في أخرى. # كثر فيك اللوم فأين سمعي وهم قلبي واللوم عليك منجد ومتهم؟ قال: أسهرت ~~والعيون الساهرات نوم، وليس من جسمك إلا جلدة وأعظم.. وما عليهم سهرى ولا ~~رقادى لهم، وهل سمان الحب إلا سهر وسقم، خذ أنت في شأنك يا دمعى وخل عنهم. # PageV01P053 ### | الفصل الثالث: بادر بالأعمال الصالحة # طوبى لمن بادر عمره القصير، فعمر به دار المصير، وتهيأ لحساب الناقد ~~البصير قبل فوات القدرة وإعراض النصير # قال عليه السلام: «بادروا بالأعمال سبعا، هل تنتظرون إلا فقرا منسيا؟ أو ~~غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو موتا مجهزا، أو هرما مفندا، أو الدجال، فشر ~~غائب ينتظر، أو الساعة، فالساعة أدهى وأمر» . # كان الحسن يقول: عجبت لأقوام أمروا بالزاد ونودي فيهم بالرحيل، وجلس ~~أولهم على آخرهم وهم يلعبون. # وكان يقول: يا بن آدم: السكين تشحذ، والتنور يسجر، والكبش يعتلف. # وقال أبو حازم: إن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها في أوان كسادها، ~~فإنه لو جاء وقت نفاقها لم تصلوا فيها إلى قليل ولا كثير، وكان عون بن عبد ~~الله يقول: ما أنزل الموت كنه منزلته، ما قد غدا من أجلكم، مستقبل يوم لا ~~يستكمله، وكم من مؤمل لغد لايدركه، إنكم لو رأيتم الأجل ومسيره، بغضتم ~~الأمل وغروره. # وكان أبو بكر بن عياش يقول: لو ms06 سقط من أحدكم درهم لظل يومه يقول: إنا ~~لله، ذهب درهمي وهو يذهب عمره، ولا يقول: ذهب عمري، وقد كان لله أقوام ~~يبادرون الأوقات، ويحفظون الساعات، ويلازمونها بالطاعات. # فقيل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنه ما مات حتى سرد الصوم. # وكانت عائشة رضي الله عنها تسرد، وسرد أبو طلحة بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أربعين سنة، وقال نافع: ما رأيت ابن عمر صائما في سفره ولا مفطرا ~~في حضره. # قال سعيد بن المسيب: ماتركت الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة. # وكان سعيد بن جبير يختم القرآن في ليلتين. # وكان الأسود يقوم حتى يخضر ويصفر، وحج ثمانين حجة. # وقال ثابت البناني: ما تركت في الجامع سادنة إلا وختمت القرآن عندها. # وقيل لعمرو بن هانيء: لا نرى لسانك يفتر من الذكر فكم تسبح كل يوم؟ قال: ~~مائة ألف، إلا ما تخطيء الأصابع. # وصام منصور بن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها، وكان الليل كله يبكي فتقول ~~له أمه: يا بني قتلت قتيلا، فيقول: أنا أعلم بما صنعت نفسي. # قال الجماني: لما حضرت أبو بكر بن عياش الوفاة بكت أخته، فقال: لا تبك، ~~وأشار إلى زاوية في البيت، إنه قد ختم أخوك في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ~~ختمة. # قال الربيع: وكان الشافعي رضي الله عنه يقرأ في كل شهر ثلاثين ختمة، وفي ~~كل شهر رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ في الصلوات، واعلم أن الراحة لا تنال ~~بالراحة، ومعالي الأمور لا تنال بالفتور، ومن زرع حصد، ومن جد وجد. # لله در أقوام شغلهم تحصيل زادهم، عن أهاليهم وأولادهم، ومال بهم ذكر ~~المآل عن المال في معادهم، وصاحت بهم الدنيا فما أجابوا شغلا بمرادهم، ~~وتوسدوا أحزانهم بدلا عن وسادهم، واتخذوا الليل مسلكا لجهادهم واجتهادهم، ~~وحرسوا جوارحهم من النار عن غيهم وفسادهم، فيا طالب الهوى جز بناديهم ~~ونادهم: # أحيوا فؤادي ولكنهم ... على صيحة من البين ماتوا جميعا # حرموا راحة النوم أجفانهم ... ولفوا على الزفرات الضلوعا # طوال السواعد شم الأنوف فطابوا أصولا ms07 وطابوا فروعا # أقبلت قلوبهم ترعى حق الحق فذهلت بذلك عن مناجاة الخلق. # فالأبدان بين أهل الدنيا تسعى، والقلوب في رياض الملكوت ترعى، نازلهم ~~الخوف فصاروا والهين، وناجاهم الفكر فعادوا، خائفين، وجن عليهم الليل ~~فباتوا ساهرين، وناداهم منادي الصلاح، حي على الفلاح، فقاموا متجهين، وهبت ~~عليهم ريح الأسحار فتيقظوا مستغفرين، وقطعوا بند المجاهدة فأصبحوا واصلين، ~~فلما رجعوا وقت الفجر بالأجر بادى الهجر يا خيبة النائمين. # PageV01P057 ### | الفصل الرابع: اذكر الموت # إخواني: أكثروا من ذكر هاذم اللذات وتفكروا في انحلال بناء اللذات، ~~وتصوروا مصير الصور إلى الرفات، وأعدوا عدة تكفي في الكفات، واعلموا أن ~~الشيطان لا يتسلط على ذاكر الموت، وإنما إذا غفل القلب عن ذكر الموت دخل ~~العدو من باب الغفلة. # قال الحسن: إن الموت فضح الدنيا فلم يترك لذي لب به فرحا. # وقال يزيد بن تميم: من لم يردعه الموت والقرآن، ثم تناطحت عنده الجبال لم ~~يرتدع. # سئل ابن عياض عن، ما بال الآدمي تستنزع نفسه، وهو ساكت، وهو يضطرب من ~~القرصة؟ قال: لأن الملائكة توقفه. # يا بن آدم، مثل تلك الصرعة قبل أن تذر كل غرة فتتمنى الرجعة، وتسأل ~~الكرة، كم من محتضر تمنى الصحة للعمل هيهات حقر عليه بلوغ الأمل أو يكفي في ~~الوعظ مصرعه، أو ما يشفي من البيان مضجعه.. أما فاته مقدوره بعد إمكانه.. ~~أما أنت عن قليل في مكانة. # ولما احتضر عبد الملك بن مروان قال: والله لوددت أني عبد رجل من تهامة ~~أرعى غنيمات في جبالها وأني لم أل. # وجعل المعتضد يقول عند موته: ذهبت الحيل فلا حيلة حتى صمت. # وقال أبو محمد العجلي: دخلت على رجل في النزع فقال لي: سخرت بي الدنيا ~~حتى ذهبت أيامي، وفي الحديث: «أما إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات؟!» . # يا من قد امتطى بجهله مطايا المطالع، لقد ملأ الواعظ في الصباح المسامع، ~~تالله لقد طال المدى فأين المدامع؟ أين الذين بلغوا المنى فما لهم في المنى ~~منازع، رمتهم المنايا بسهامها في القوى والقواطع، فعلموا أن أيام النعم في ms08 ~~زمان الخوادع، ما زال الموت يدور على الدوام حتى طوى الطوالع، صار الجندل ~~فراشهم بعد أن كان الحرير فيما مضى المضاجع، ولقوا الله غاية البلاء في تلك ~~البلا قع، جمعوا فما أكلوا الذي جمعوا، وبنوا مساكنهم فما سكنوا، فكأنهم ~~كانوا بها ظعنا لما استراحوا ساعة ظعنوا. # لقد أمكنت الفرصة أيها العاجز، ولقد زال القاطع وارتفع الحاجز، ولاح نور ~~الهدى فالمجيب فائز، وتعاظمت الرغائب وتفاقمت الجوائر، فأين الهمم العالية، ~~وأين النجائز؟ أما تخافون هادم اللذات والمنى والمناجز. # أما اعوجاج القناة دليل الغامز. # أما الطريق طويل وفيه المفاوز. # أما عقاب العتاب تحوي الهزاهز. # أما القبور قنطرة العبور فما للمجاوز. # أما يكفي في التنقيص حمل الجنائز. # أما العدد كثير فأين المبارز؟ أما الحرب صعب والهلك ناجز، والقنا مسوغ ~~والطعن واجز، والأمر عزيز والرماح البوس نواكز. # تالله بطلت الشجاعة من بني العجائز، وتريد إصلاح نادك والأمر ناشز. # إن لم يكن سبق الصديق فليكن توبة ماعز. # PageV01P063 ### | الفصل الخامس: ذم الدنيا # أيها العبد: تفكر في دنياك كم قتلت، وتذكر ما صنعت بأقرانك، وما فعلت، ~~واحذرها فإنها عما لا بد منه قد شغلت، وإياك أن تساكنها فإنها إن حلت رحلت. # روى عمار بن ياسر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «مر بشاة ~~ميتة قد ألقاها أهلها، فقال: والذي نفسي بيده إن الدنيا أهون على الله من ~~هذه على أهلها» . # وكان يقول في صفة الدنيا: «أولها عناء، وآخرها فناء. # حلالها حساب وحرامها عقاب. # من استغنى بها فتن، ومن افتقر إليها حزن، ومن سعى لها فاتته، ومن نأى ~~عنها أتته، ومن نظر إليها أعمته، ومن بصر بها بصرته» . # وصفها بعض العلماء، فقال: جمة المصائب، رتقة المشارب، لا تفي لصاحب. # وقال يحيى بن معاذ: الدنيا خمر الشيطان: من شربها لم يفق إلا بين عساكر ~~الموتى، نادما بين الخاسرين قد ترك منها لغير ما جمع، وتعلق بحبل غرورها ~~فانقطع، وقدم على من يحاسبه على الفتيل والنقير والقطمير، فيما انقرض عليه ~~من الصغير والكبير، يوم تزل بالعصاة القدم، ms09 ويندم المسىء على ما قدم. # يا من حيات حياته بالآفات لوادغ، وأغراضه المنقلبة إليها منقلبة زوائغ، ~~وشياطين هواه بينه وبين ما هو له نوازع، وسهام سهوه في لهو دينه بوالغ قد ~~جرحت الحجر على قلبه فأنساه الحجر الدامغ، إن وعظ فساه، وإن قوم فزائغ، ~~قلبه ملآن بالهوى، ومن التقى فارغ كأني بك، وسيف الممات في دم الحياة والغ، ~~نازلك فانزلك بالنوى عن الأعالي النوابغ، وتقضي التيامن نبات سلب الحلي ~~الصايغ، ومر إليك فمر عليك الشراب السايغ، وطمس شموس عزك المنيرات النوازغ ~~وخرق دروع المنيعات السدايغ، أين من جمع الأموال وحماها، واها لمن جمعها ~~واقتناها، تناهي أجله وما تناهي، كم سلبت الدنيا أقواما أقواما كانوا فيها ~~وعادت عزهم أحلاما أحلاما، فتفكر في حالهم كيف حال، وانظر إلى من مال إلى ~~مال، وتدبر أحوالهم إلى ماذا آل، وتيقن أنك لا حق بهم بعد ليال، عمرك في ~~مدة ونفسك معدود، وجسمك بعد مماتك مع دود، كم أملت أملا فانقضى الزمان ~~وفاتك، وما أراك تفيق حتى تلقى وفاتك، فاحذر زلل قدمك، وخف طول ندمك، ~~واغتنم وجودك قبل عدمك، واقبل نصحي لا تخاطر بدمك. # PageV01P067 ### | الفصل السادس: قم الليل واترك التكاسل # لله در أقوام هجروا لذيذ المنام وتنصلوا لما نصبوا له الأقدام وانتصبوا ~~للنصب في الظلام، يطلبون نصيبا من الإنعام، إذا جن الليل سهروا، وإذا جاء ~~النهار اعتبروا، وإذا نظروا في عيوبهم استغفروا، وإذا تفكروا في ذنوبهم ~~بكوا وانكسروا. # قال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، ~~وإنه قربة إلى ربكم، ومغفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم» . # وفي المسند عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «عجب ~~ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته، ورجل ~~غزا في سبيل الله فانهزموا فعلم ما عليه في الفرار وما له في الرجوع فرجع ~~حتى أهريق دمه» . # قال أبو ذر رضي الله عنه: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم «أي صلاة ~~الليل # أفضل؟ قال: نصف ms10 الليل وقليل فاعله» . # قال داود عليه الصلاة والسلام: يارب، أي ساعة أقوم لك؟ فأوحى الله إليه: ~~يا داود، لا تقم أول الليل ولا آخره، ولكن قم في شطر الليل حتى تخلو بي ~~وأخلوا بك، وارفع إلى حوائجك. # وروى عمر بن عبسة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أقرب ما يكون ~~الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في ~~تلك الساعة، فكن» . # كان همام بن الحارث يدعو: اللهم ارزقني سهرا في طاعتك، فما كان ينام إلا ~~هنيهة وهو قاعد، وكان طاوس يتقلب على فراشه ثم يدرجه ويقول: طير ذكر جهنم ~~نوم العابدين. # وقال القاسم بن راشد الشيباني: كان ربيعة نازلا بيننا، وكان يصلي ليلا ~~طويلا، فإذا كان السحر نادي بأعلى صوته: يأيها الركب المعرسون: أهذا الليل ~~تنامون، ألا تقومون فترحلون، قال: فيسمع من ههنا باك ومن ههنا داع. # فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته: عند الصباح يحمد القوم السرى. # وكان كهمس يختم في الشهر تسعين ختمه. # قال الضحاك: أدركت قوما يستحيون من الله في سواد هذا الليل من طول ~~الضجعة. # يا منزل الأحباب: أين ساكنوك؟ يا بقاع الإخلاص: أين قاطنوك؟ يا مواطن ~~الأبرار: أين عامروك؟ يا مواضع التهجد: أين زائروك؟ خلت والله الديار، وباد ~~القوم، وارتحل أرباب السهر وبقى أهل النوم، واستبدل الزمان أكل الشهوات يا ~~أهل الصوم: # كفى حزنا بالواله الصب أن يرى ... منازل من يهوى معطلة قفرا # لله در أقوام اجتهدوا في الطاعة، وتاجروا ربهم فربحت البضاعة، وبقى ~~الثناء عليهم إلى قيام الساعة، لو رأيتهم في الظلام وقد لاح نورهم، وفي ~~مناجاة الملك العلام وقد تم سرورهم فإذا تذكروا ذنبا قد مضى ضاقت صدورهم، ~~وتقطعت قلوبهم أسفا على ما حملت ظهورهم، وبعثوا رسالة الندم والدمع سطورهم. # ولما وقفنا والرسائل بيننا ... دموع نهاها الواجدون توقفا # ذكرنا الليالي بالعقيق وظله ... الأنيق فقطعنا القلوب تأسفا # نسيم الصبا إن زرت أرض أحبتي ... فخصهم مني بكل سلام # وبلغهم أني برهن صبابة ... وأن غرامي فوق كل ms11 غرام # وإني ليكفيني طروق خيالهم ... لو أن جفوني متعت بمنام # ولست أبالي بالجنان ولا لظى ... إذا كان في تلك الديار مقامي # وقد صمت من أوقات نفسي كلها ... ويوم لقاكم كان فطر صيامي # جال الفكر في قلوبهم فلاح صوابهم، وتذكروا فذكروا كذكر إعجابهم، وحاسبوا ~~أنفسهم فحققوا حسابهم، ونادموا للمخافة فأصبحت دموعهم شرابهم، وترنموا ~~بالقرآن فهو سمرهم مع أترابهم، وكلفوا بطاعة الإله فانتصبوا بحرابهم، ~~وخدموه مبتذلين في خدمته شبابهم، فيا حسنهم وريح الأسحار قد حركت أثوابهم، ~~وحملت قصص غصصهم ثم ردت جوابهم. # PageV01P069 ### | الفصل السابع: اندم على ذنوبك # أيها العبد: تفكر في عمر مضى كثيره، وفي قدم ما يزال تعثيره، وفي هوى قد ~~هوى أسيره، وفي قلب مشتت قد قل نظيره، وتفكر في صحيفة قد اسودت، وفي نفس ~~كلما نصحت صدت، وفي ذنوب ما تحصى لو أنها عدت. # قال أبو الدرداء رضي الله عنه: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. # وقال أبو يوسف بن أسباط: الدنيا لم تخلق لتنظر إليها، وإنما خلقت لتنظر ~~بها إلى الآخرة. # وكان سفيان الثوري من شدة تفكيره يبول الدم. # وقال أبو بكر الكاتني: روعة عند انتباه من غفلة، وانقطاع عن حظ نفس، ~~وارتعاد من خوف قطيعة، أفضل من عبادة الثقلين. # وقال يحيى بن معاذ: لو سمع الخلائق صوت النائحة على الدنيا في الغيب من ~~ألسنة الفنا تساقطت القلوب منهم حزنا، ولو رأت القلوب بعين الإيمان نزهة ~~الجنة لذابت النفوس خوفا. # ولو أدركت القلوب كنه محبة خالقها لتخلعت مفاصلها ولها، ولطارت الأرواح ~~من أبدانها دهشا. # سبحان من أغفل الخليقة عن كنه هذه الأشياء وألهاهم بالوصف عن حقائق هذه ~~الأنباء. # يا ذاهبا في شططه، يا وقفا مع غلطه، يا معترضا لعقوبة الأحد، ما سخطه؟ يا ~~معرضا عن الاعتبار سمعه، يا مطلقا لسانه في غلطه، يا من لا يفرق بين صحيح ~~القول وسقطه، أما له عبرة بقرطبة؟ أما هناك استدراك لفارطه، إلى متى على ~~قبيح غطه؟ هلا عبأ متاعه في سقطه، ألا حذر من في يد طاهي، كلا لو صحا لا ms12 ~~تعظ وأثر فيه اللوم وازدجر، لكنه في غاية الغلظ، أفسدته المعاصي فلم يظهر ~~الشيب، وانقرض لا يلتفت إلى من لام ولا من وعظ، سيندم على تضييع ما كان ~~احتفظ، سيفر العلاج إذا زادت الكظظ، سيخرس لسان طال ما لفظ، من لم يبق من ~~عمره إلا الأمل، وهو للوزر العظيم قد حمل وأثقل، سيعرض عليك من المعاصي مما ~~دق وجل، تراعى الخلق وتنسى حقه عز وجل، قد سود صحيفته وملأها من قبيح ~~العمل، حملت عليه الأمانة فتغافل عنها وضل، يدعى إلى الاستقامة، وكلما قوم ~~ذل، لا يعرف ولا يقبل، قد حله رحلة، نحلة مناحلها من حل، قد غره مكر سوف، ~~وأوثقه قيد لعل، إلام تمنى النفس ما لا تناله؟ وتذكر عيشا لم يعد متصرما، ~~وقد قالت السبعون للهرى: دعاني لشأني واذهبا حيث شئتما. # PageV01P073 ### | الفصل الثامن: امقت نفسك وازدرها # إخواني: من تفكر في ذنوبه تاب ورجع، ومن تذكر قبيح عيوبه ذل وتواضع، ومن ~~علم أن الهوى يسكن تصبر، ومن تلمح إساءته لم يتكبر. # كان يزيد الرقاشي يقول: والهفاه، سبق العابدون وقطع بي، وكان قد صام ~~اثنين وأربعين سنة. # وقال حذيفة المرعشي: لو أصبت من يبغضني حقيقة، لأوجبت على نفسي حبه. # فيا أيها العبد، عد على نفسك باللوم والمقت، واحذرها، فكم ضيعت عليك من ~~وقت؟ واندم على زمان الهوى، فمن كيسك أنفقت، ونادها يا محل كل بلية فقد ~~والله صدقت. # روى وهب بن منبه: أن رجلا صام سبعين سنة يأكل كل سنة إحدى عشرة تمرة، ~~وطلب حاجة من الله فلم يعطها، فأقبل على نفسه فقال: من قبلك بليت، لو كان ~~فيك خيرا أعطيت، فنزل إليه ملك فقال: إن ساعتك هذه التي ازدريت فيها على ~~نفسك خير من عبادتك، وقد أعطاك الله حاجتك. # وقال فضيل بن عياض: أخذت بيد سفيان بن عيينة في هذا الوادي، فقلت له: إن ~~كنت تظن أنه قد بقي على وجه الأرض شر مني ومنك، فبئس ما ترى. # وقال رجل لأبي الحسن الموسمي: كيف أنت؟ فقال: خفيت أضراسي من أكل ms13 نعمة، ~~وكل لساني من كثرة ما أشكوه. # يا وقفا مع هواه وأغراضه، يا معرضا عن ذكر عوارضه إلى أعراضه، يا غافلا ~~عن الموت وقد جد بمقراضه، وعلم اندباغ عمر أغراضه، سيعرف خبره إذا أحاط به ~~أشد أمراضه وأخرج من خضرات الديار وروضه، وألقي في لحد وحيد يخلو برضراضه، ~~وعلم أنه باع أغراضه، يا من بالهوى كلامه وحديثه، وفي المعاصي قديمه ~~وحديثه، وعمره في خطايا خفيفه وأثيثه، من له إذا ألحد في قبره من يغيثه، من ~~له إذا حامت حول حماه الردي ليوثه، من له من كرب لا يرحم عطاشه، من له من ~~جحفل لايهدم كباشه، من له من لحد لا يدفع حشاشه، من له من جدث عمله فيه ~~فراشه، من له من قبر فعل فيه معاشه، من له من موقف لا يرد بطاشه، من له ~~يومئذ، ولا يقوى نجاشه، من له من حساب عقاب رذاذه يردي ورشاشه، من يخلصه ~~اليوم من هوى قد أسرته رشاشه، كم عاهد ونكث، كم آثر الهوى وعبث، كم غره ~~غرير بالسحر قد نفث، تالله لقد بولغ في توبيخه وما اكترث، ولقد بعث إليه، ~~ولقد بعث إليه النذير وما يرى من بعث، قلبه مشغول بالهوى ولسانه بالرفث، ~~كلما أصبح معاهدا وأمسى نكث، ظاهر صحيح وباطن قبيح خبيث، سيندم يوم الضريح ~~من القبيح حرث، سيبكي ندمان الهوى يوم الظمأ عند اللهث، سيعرف حيرة المعاصي ~~إذا حل الحدث، سيرى سيره إذا ناقش السائل أو بحث، سيفرغ السن ندما إذا نادى ~~ولم بعث، عجبا لجاهل باع تعذيب النفوس براحات الجثث، القلب أسير بالحزن، ~~والدمع غزير بالشجن، والفكر يذيب القلب، فما مثل الفكر على البدن؟! ، كم بت ~~ودمعي منهم لم يذرأ في وجدي ثمن؟ واها لزمان طاب لنا وما أسرع ما ولى وفنى، ~~ما غردت الوراقى على غصن إلا وأهاجت حزنى، يا عيني أعيني قلبا قلقا بالدمع، ~~ليطفي نار الشجن أصبحت أسيرا في خطئي، وذنوبي قد ملأت بدني، أبكي زللى أبكي ~~خللى، أبكي علمى كي يرحمني، من لي يوم الشدة ms14 ينقذني، من كرب الموت يخلصني، ~~ونزلت وحيدا في جدث، قفر وكأني من لبن، أين الأقران وما قرنوا؟ بالموت ~~جميعا في قرن، كم سرت على ربع لهم، وأطلت مسائلة الزمن [يا دار حبيبي: أين ~~هم عهدي بهم قبل المحن؟ قالت لي دارهم: دارت بهم أماني الزمن] ، أسرتهم قوة ~~فهم أسراء الحيرة والحزن، تركوا المال لغيرهم، ولم يصحبهم غير الكفن، تالله ~~لقد سئلوا عما قد كانوا فيه من الفتن، فتيقظ قبل لحاقهم، من طوال الرقدة ~~والوسن. # PageV01P075 ### | الفصل التاسع: سارع إلى الجنة # إخواني: لقد خاب من باع باقيا بفان، وخطر في ثوبي متوان، وتغافل عن أمر ~~قريب كان، وضيع يوما موجودا في تأميل ثان، أما الجنة تشوقت لطالبيها، ~~وتزينت لمريديها، ونطقت آيات القرآن بوصف ما فيها، وملأت أسماع العباد ~~أصوات واصفيها، كأنكم بالجنة وقد فتحت أبوابها، وتقسمها يوم القيامة ~~أصحابها، وغنت ألسن الأماني قريب قبابها. # بشرها دليلها وقالا: ... غدا ترين الطلح والجبالا # روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: «قلنا: يا رسول الله، حدثنا عن الجنة ما ~~بناؤها؟ قال: لبنة من ذهب ولبنة من فضة: ملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها ~~الياقوت والجوهر، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا ~~يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه» . # روى أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوما: «ما ذكر ~~الجنة إلا مشمر إليها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، ونهر مطروز، وزوجة لا ~~تموت، وحبور ونعيم، مقام أبدا، فقالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله، ~~فقال: قالوا: إن شاء الله» . # روى سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن في الجنة مائة ~~درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، وإن جنة الفردوس، وسطها ~~وأعلاها سماء، وعليها يوضع العرش يوم القيامة، ومنها تفجر أنهار الجنة، قال ~~رجل: فداك أبي وأمي يا رسول الله، فيها خيل؟ قال: نعم، والذي بعثني بالحق ~~إن فيها لخيلا من ياقوت أحمر، يروث بين خلال ورق الجنة، يتراءون عليها، ~~فجاء رجل فقال: ms15 بأبي وأمي فداك، هل فيها صوت؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده إن ~~الله عز وجل يوحي إلى شجرة في الجنة أن أسمعي عبادي الذين شغلهم ذكري في ~~الدنيا عن عزف المزاهر والمزامير بالتسبيح والتقديس» . # يا نفس: بادري بالأوقات قبل انصرامها، واجتهدي في حراسة ليالي الحياة ~~وأيامها، فكأنك بالقبور وقد تشققت وبالأمور وقد تحققت، وبوجوه المتقين، وقد ~~أشرقت، وبرءوس العصاة وقد أطرقت. # يا نفس: أما الورعون فقد جدوا، وأما الخائفون فد استعدوا، وأما الصالحون ~~فقد راحوا، وأما الواعظون فقد صاحوا. # يا نفس: اتعبي قليلا تستريحي في الفردوس كثيرا، كأنك بالتعب قد مضى، ~~وبحرصك من اللعب قد مضى، وثمر الصبر قد أثمر حلاوة الرضا، لا يطعمن البطال ~~في إدراك الأبطال، هيهات أن يدرك البطل المجتهد من غاب حين النزال فما شهد ~~حفت الجنة بالمكاره فلا يوصل إليها إلا بالمضض، كذلك كل محبوب يلذ، وكل عرض ~~من غير مشقة، وإلا، متى لم يبعد على طالب المشقة: # العلم لا يحصل إلا بالنصب، والمال لا يجمع إلا بالتعب، واسم الجواد لا ~~يناله بخيل، ولا يقلب بالشجاع إلا بعد تعب طويل. # لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقبال قتال # أيها العبد: إن عزمت فبادر، وإن هممت فثابر، واعلم أنه لا يدرك المفاخر، ~~من كان في الصف الآخر. # سلع المجد كاسدة، وكأن قد غلت، ومراعي الفضل قريبة، وكأن قد علت، وكأنك ~~بغايات الغفلات قد انجلت، فأصبحت حلاوة البطالة من أفواه الغافلين قد رحلت، ~~وأصبحت رايات المجاهدين قد حلت، وتفاوت في السباق مضمار وبطين، كما تفاوت ~~في الإحراق ماء وطين. # لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لا تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا # فاصبر للبلايا فحينها يسير، وأثبت للرزيا فأجرها كثير، وأحسن قرى ضيف ~~الهم بالصبر الغزير، وتجلد على الظمأ فبين يديك ماء غبر. # لا تجزعن من المنايا إذا أتت ... واصبر لما تأتي به الأقدار # وغدا الصبور يجر ذيل سروره ... في جنة من تحتها الأنهار # فكأن قد انكشفت غيايات البلا ... وانجابت الآفات والأكدار # وجرى الجزوع لما جنى ثمر ms16 الأسى ... فجرى بلا أجر له المقدار # إني رأيت معاشرا لم يفهموا ... معنى الوجود فأصبحوا قد حاروا # دنياك دار للبلايا مهدت ... ووراء ذلك إن عقلت نهار # PageV01P079 ### | الفصل العاشر: جاهد نفسك # أيها العبد: حاسب نفسك في خلوتك، وتفكر في انقراض مدتك، واعمل في زمان ~~فراغك لوقت شدتك، وتدبر قبل الفعل ما يملى في صحيفتك، وانظر: هل نفسك معك ~~أو عليك في مجاهدتك، لقد سعد من حاسبها، وفاز والله من حاربها، وقام ~~باستيفاء الحقوق منها وطالبها، وكلما ونت عاتبها، وكلما تواقفت جذبها، ~~وكلما نظرت في آمال هواها غلبها. # قال عليه الصلاة والسلام: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، ~~والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» . # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وطالبوا ~~بالصدق في الأعمال قبل أن تطالبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون ~~عليكم في الحساب غدا، وتزينوا للعرض الأكبر: {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم ~~خافية} . # وقال الحسن البصري رحمه الله: أيسر الناس حسابا يوم القيامة الذين حاسبوا ~~أنفسهم لله عز وجل في الدنيا فوقفوا عند همومهم وأعمالهم، فإ كان الدين لله ~~هموا بالله وإن # [كان] عليهم أمسكوا، وإنما يثقل الحساب على الذين أهملوا الأمور، فوجدوا ~~الله قد أحصى عليهم مثاقيل الذر فقالوا: {يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا ~~يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} . # وقال أبو بكر البخاري: من نفر عن الناس قل أصدقاؤه، ومن نفر عن ذنوبه طال ~~بكاؤه، ومن نفر عن مطمعه طال جوعه وعناؤه، ونقل توبة بن المعلم أنه نظر ~~يوما وكان محاسبا لنفسه، فإذا هو ابن ستين إلا عاما، فحسبها أياما، فإذا هي ~~إحدى وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم فصرخ وقال: يا ويلتي! ألقي المليك بإحدى ~~وعشرون ألف ذنب وخمسمائه ذنب، فكيف ولي في كل يوم عشرون ألف ذنب؟ ثم خر ~~مغشيا عليه فإذا هو ميت، فسمعوا هاتفا يقول: يا لها من ركضة إلى الفردوس ~~الأعلى. # إخواني: المؤمن مع نفسه لا يتوانى عن مجاهدتها، وإنما يسعى ms17 في سعادتها، ~~فاحترز عليها واغتنم لها منها، فإنها إن علمت منك الجد جدت، وإن رأتك مائلا ~~عنها صدت، وإن حثها الجد بلحاق الصالحين سعت وقفت، وإن تواني في حقها قليلا ~~وقفت، وإن طالبها بالجد لم تلبث أن صفت وأنصفت، وإن مال عن العزم أماتها، ~~وإن التفت عربدت، من صبر على حر المجلس خرج إلى روح السعة، من رأى التناهي ~~في المبادي سلم، ومن رأى التناهي هلك، لأن مشاهدة التناهي تقصير أمله، ~~ومشاهدة المبادي في التناهي تسوف عمله، وفي الجملة: من راقب العواقب سلم. # يا هذا: هلال الهدى لا يظهر في غيم الشبع، ولكن يبدو في صحو الجوع وترك ~~الطمع، واحذر أن تميل إلى حب الدنيا فتقع، ولا تكن من الذي قال: سمعت وما ~~سمع، ولا ممن سوف يومه بغده فمات ولا رجع، كلا ليندمن على تفريطه وما صنع، ~~وليسألن عن تقصيره في عمله وما ضيع، فيا لها من حسرة وندامة وغصة تجرع، عند ~~قراءة كتابه وما رأى فيه وما جمع، فبكى بكاء شديدا فما نفع، وبقي محزونا ~~لما رأى من نور المؤمن يسعى بين يديه وقد سمع، فلا ينفعه الحزن ولا الزفير ~~ولا البكاء ولا الجزع. # PageV01P083 ### | الفصل الحادي عشر: احذر النار # إخواني: لقد خاب من آثار شهوة من حرام، فإن عقباها تجرع حميم آن، وخسر - ~~والله - من أطلق نفسه فيما تريد، بعد أن سمع الزبانية وأغلال الحديد، وهلك ~~كل الهلك وبار كل البوار، من اشترى لذة ساعة بعذاب النار. # قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوقد على ~~النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ~~ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة» . # وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«ناركم هذه مما يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءا من جهنم» . # وروى ابن مسعود رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«يؤتى بجهنم يومئذ لها ms18 سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، يجرونها» ~~. # وقال وهب بن منبه: إذا سيرت الجبال، فسمعت حسيس النار، نقيضها وزفيرها ~~وشهيقها، صرخت الجبال كما تصرخ النساء، ثم يرجع أوائلها على أواخرها يدق ~~بعضها بعضا. # وفي المسند عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «يعظم أهل النار حتى إن بين شحمة أذن أحدهم وعاتقه سبعمائة عام، وإن ~~غلظ جلده سبعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد» . # وروى الزهري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الحميم ~~ليصب على رءوسهم (فينفذ الحميم) حتى يخلص إلى جوفه فيلهب ما في جوفه، حتى ~~يمرق من قدميه، وهو الصهر ثم يعاد كما كان» . # وقال أبو موسى: أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع ثم يبكون الدماء حتى لو ~~أرسلت فيها السفن لجرت. # لله در أقوام أذهبوا أعمارهم في طلبي وأتبعوا أعضاءهم في فرضي وواجبي ~~وقطعوا # قواطعهم لأجل التعلق بي، وحلموا عن الجهال خوفا من غضبي، فإذا مروا على ~~النار، # قالت: جريا يا مؤمن فقد أطفأ نورك نورك لهبي. # إذا رأت النار من جاهد بالخير، وما خافت خافت، وإذا شاهدت نفوسا طال ما ~~صافت صافت، وإذا عاينت أجساما ما نبتت من الحرام وعافت عافت. # هلا تشبهت يا هذا بهؤلاء القوم، هلا تنبهت من هذا الرقاد والنوم، وأنت ~~وقت العشاء نائم، وقلبك في حب شهوات البهائم [هائم] ، قل للذي ألجأه عاجل ~~لهوه عن حظه، يحكي البهائم هائما: أمسنا الفنا، خذ حكمة تخصنا بها، فانظر ~~ولا تبغ الفنا يا نائم، # يا هذا: المحب يطرد فلا يزول وأنت تدعى فلا تجب. # كم ليلة ينادي - وأنت غائب -: هل من سائل؟ هل من تائب؟ # فإن تمنعوا مني السلام فإنني ... لغاد على حيطانكم فمسلم # رحم الله عظما طالما نصبت وانتصبت، فإذا جن الليل عليهم فتمكن وثبت وثبت، ~~إن ذكرت عدله رهبت وهربت، وإن تفكرت فضله فرحت وطربت، اعترف عن طاعته أنها ~~قد أذنبت، وقامت شاكرة لمن جمعها على إحسانه فنبت، لا ms19 حت لها ذنوبها فبكت ~~عليها وندبت وصاحت بها ألسن الغفران، فاهتزت وربت: # قف بالديار فهذه آثارهم ... تبكي الأحبة حسرة وتشوقا # كم قد وقفت بها أسائل مخبرا ... عن أهلها أو صادقا أو مشفقا # فأجابني داعي الهوى في رسمها ... فارقت من تهوى فعز الملتقى # طرق الخيال وقال لي يا مدعي ... أتنام بعد فراق جيران اللقى؟ # وحياتكم قسما بأني صادق ... لا طاب لي من بعدكم فيكم بقا # يا سادة مذ حملوا أجمالهم ... ما أورثني بعدهم إلا الشقا # أترى الأرض خلت منهم أم لم ترهم، كلا لو وصفت أعمالهم عرفناهم، أما ~~الأحياء منهم، فالقطرة تجري مجراهم، أما أمواتهم فمعنى الأحبار معناهم. # قف يا هذا على قبورهم ونادهم، واستنشق ريح فضلهم، فهل المعاني في ~~اجتهادهم ضائر الريحان معهم في وسادهم: # كم قد وقفت وأحبابي بمنزلة تبيت يقظانا ولهانا وأهلانا # فهاجها حين حيانا النسيم بما ... سقيا وألقى بالجرع حينا # نبكي فيسعدنا كور المطى فهل ... نحن المشوقون فيها أم مطايانا # ولا من قطر الأشياء ما وجدت ... كوجدنا العيس بل رقت لشكوانا # PageV01P087 ### | الفصل الثاني عشر: عليك بالخوف من الله # إخواني: من علم عظمة الإله زاد وجله، ومن خاف نقم ربه حسن عمله، فالخوف ~~يستخرج داء البطالة ويشفيه، وهو نعم المؤدب للمؤمن ويكفيه. # قال الحسن: صحبت أقواما كانوا لحسناتهم أن ترد عليهم أخوف منكم من ~~سيئاتكم أن تعذبوا بها. # ووصف يوسف بن عبد الحسن فقال: كان إذا أقبل كأنه أقبل كأنه أقبل من دفن ~~حميمه، وإذا جلس كأنه أسير من يضرب عنقه، وإذا ذكرت النار فكأنما لم تخلق ~~إلا له. # وكان سميط إذا وصف الخائفون يقول: أتاهم من الله وعيد وفدهم، فناموا على ~~خوف وأكلوا على تنغص. # واعلم أن خوف القوم لو انفرد قتل، غير أن نسيم الرجاء يروح أرواحهم، ~~وتذكر الإنعام يحيى أشباحهم. # ولذلك روى: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لا عتدلا. # فالخوف للنفس سائق، والرجاء لها قائد، إن ونت على قائدها حثها سائقها، ~~وإن أبت على سائقها حركها قائدها مزيح الرجاء يسكن حر الخوف، وسيف الخوف ~~يقطع ms20 سيف - سوف - وإن تفكر في الإنعام شكر وأصبح للهم قد هجر، وإن نظر في ~~الذنوب حذر، وبات جوف الليل يعتذر، وأنشد: # أظلت علينا منك يوما سحابة ... أضاءت لنا برقا وأمطرتنا # فلا غيمها فيائس طامع ... ولا غيثها باقي، فيروي عطاشها # PageV01P091 ### | الفصل الثالث عشر: عليك بحب الله # إخواني: الموت في طريق الطلب: خير من العطب في طريق البطالة، ما هذا؟! ~~أدم السهر والصوم، وخل لأربابه طول النوم، وشمر في لحاق القوم، فإذا وصلت ~~إلى دوائك: أنخت بجناب {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} ، وإن ~~مت بدائك: فمقابر الشهداء {في مقعد صدق عند مليك مقتدر} . # يا هذا: عليك بإدمان الذكر، لعل ذكرك القليل ينمي ذكره الجليل {ولذكر ~~الله أكبر} ، أنا جليس من ذكرني. # لا تعجز عن حفر ساقية وإن ربت، فإنك إذ ألحقتها بساحل البحر فاض من ماء ~~البحر إليها فصارت دجلة، أخلص في ذكرك لعله يذكرك. # روى البخاري ومسلم في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسير ~~في طريق مكة فمر على جبل يقال له: حمدان، فقال صلى الله عليه وسلم: «سيروا ~~سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون لله كثيرا ~~والذاكرات» . # روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقول: «أنا ~~مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه» . # وقال أبو الدرداء: الذين ألسنتهم رطبة بذكر الله تعالى يدخل أحدهم الجنة ~~وهو # يضحك. # يا هذا: من علامات المحب انزعاجه عند ذكر محبوبه. # لو أحببت شخصا من أهل الدنيا فسمعت باسمه لا نزعج باطنك، أما سمعت أن ~~مجنونا أحب مخلوقا فلما ذكر انزعج، فقال: # وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أحزان الفؤاد ولم يدر # دعا باسم ليلي غيرها فكأنما ... أطار بقلبي طائرا كان في صدري # وهذا ذكر الله يتلى عليك وما تتغير، وكم تسمع من أوامره ونواهيه ولا ~~تتدبر، وقد يسره الكريم على من اجتهد فيه، وما عسر، وكم من نظر فيه حقيقة ~~النظر وتبصر، وعمل ما أمره ms21 وترك ما نهى عنه في العمل والقول وتحرر، وكلما ~~نظر في عمله رأى أنه مقصر فيه تفكر، لا يلتذ بطعام ولا شراب ولا نوم إلا ~~ذكر وتذكر، أما سمعت قوله في الكتاب العزيز مسطرا إخبارا عنهم في ذكرهم له ~~قولا بليغا مفسر: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} ~~{والصابرين على ما أصابهم} فشكرهم على ذلك وستر، بأنه راض عنهم يوم تشقق ~~السماء وتتفطر: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} ويبقى العاصي نادما على ~~تفريطه محسر، مثقل بحمل خطاياه وفي ذيل ذنوبه معثر، فإذا دعى لقراءة كتابه ~~رأى ما فيه من السيئات تحير ويرى غيره قد أمر به إلى النار مسحوب مجرجر، ~~فيندم فلا ينفع، ويبكي فلا يسمع ولا يرحم، ولا يعذر، فالعذاب الشديد لمن كد ~~وطغى وتجبر، ونصحتك، فالتوبة التوبة.. فعسى بعد الكسر تجبر، فهو المعين لمن ~~لجأ إليه، فله الحمد على ما قضى وقدر. # PageV01P093 ### | الفصل الرابع عشر: تفاوت النفوس في الخير والشر # روى أبو موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله خلق ~~آدم من قبضة قبضت من جميع الأرض، فجاءوا بنوا آدم على قدر الأرض: منهم ~~الأبيض، والأحمر، والأسود، وبين ذلك، والخبيث، والطيب، والسهل، والحزن وبين ~~ذلك» . # وجاء في حديث آخر: «إن الله خلقهم في ظلمة، فرش عليهم من نوره، فمن أصابه ~~ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل» . # فهذا يدل على أن من خلق من الصفا صفا له، ومن خلق من الكدر كدر عليه فلم ~~يصلح للقرب والرياضة، وإنما يصلح عبد نجيب. # خلق إبليس من ماء غير طاهر، فكانت خلعة العبادة عليه عارية، فسخن ماء ~~معاملته بإيقاد نار الخوف، فلما أعرض عنه الموقد عاد إلى برودة الغفلة. # وخلق عمر من أصل نقي، فكانت أعمال الشرك عليه كالعارية، فلما عجت نيران ~~حمية الجاهلية أثرت في طبعه إلى أن فنى مدد حظها بفناء مدة تقدير إعراضه، ~~فعاد سخنه إلى برد العرفان: # وكل إلى طبعه عائد ... وإن صده الصد عن قصده # كما أن الماء من ms22 بعد إسخانه ... سريعا يعود إلى برود # يا هذا: لا حت عقبة المعصية لآدم وإبليس، فقال لهما لسان الحال: لا بد من ~~سلوكها، فسلكا يتخبطان في ظلامها، فأما آدم فانكسر قلبه في طريقه، وبكى ~~لصعوبة مضيقه، فهتف به هاتف اللطف: لا تجزع معجبا أنا عند المنكسرة قلوبهم ~~من أجلى، وأما إبليس فجاء ضاحكا معجبا بنفسه، فثار الكبر من قلبه، فتكاثرت ~~ظلمة طريقه، فلما ارتفعا إلى رأس العقبة ضرب {بينهم بسور له باب باطنه فيه ~~الرحمة وظاهره من قبله العذاب} ، فقال إبليس: يا آدم كنا رفيقين في عقبة ~~المعصية، فكيف افترقنا؟ فنادى منادي الأزل: نحن قسمنا. # PageV01P095 ### | الفصل الخامس عشر: روض نفسك # يا هذا: طهر قلبك من الشوائب، فالمحبة لا تلقى إلا في قلب طاهر، إما رأيت ~~الزارع يتخير الأرض الطيبة ويسقيها ويرويها ثم يثيرها ويقلبها، وكلما رأى ~~حجرا ألقاه، وكلما شاهد ما يؤذي نحاه، ثم يلقي فيها البذر ويتعاهدها من ~~طوارق الأذى؟ وكذلك الحق عز وجل إذا أراد عبدا لوداده حصد من قلبه شوك ~~الشرك، وطهره من أوساخ الرياء والشك، ثم يسقيه ماء التوبة والإنابة، ويثيره ~~بمسحأة الخوف والإخلاص، فيستوي ظاهره وباطنه في التقى، ثم يلقي فيه بذر ~~الهدى، فيثمر حب المحبة، فحينئذ تحمد المعرفة وطنا ظاهرا، وقوتا طاهرا، ~~فيسكن لب القلب، ويثبت به سلطانها في رستاق البذر، فيسري من بركاتها إلى ~~العين ما يفضها عن سوى المحبوب، وإلى الكف ما يكفها عن المطلوب، وإلى ~~اللسان ما يحبسه عن فضول الكلام، وإلى القدم ما يمنعه من سرعة الإقدام، فما ~~زالت تلك النفس الطاهرة رائضها العلم، ونديمها الحلم، وسجنها الخوف، ~~وميدانها الرجاء، وبستانها الخلوة، وكنزها القناعة وبضاعتها اليقين، ~~ومركبها الزهد، وطعامها الفكر، وحلواها الأنس، وهي مشغولة بتوطئة رحلها ~~لرحيلها، وعين أملها ناظرة إلى سبيها، فإن صعد حافظاها، فالصحيفة نقية، وإن ~~جاء البلاء فالنفس صابرة تقية، وإن أقبل الموت وجدها من الغش خلية، فيا ~~طوبى لها إذا نوديت يوم القيامة: {يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية} . # PageV01P097 ### | الفصل السادس عشر: خالف هواك ms23 # لله در نفس تطهرت من أجناس هواها، وتجلببت جلباب الصبر عند دنياها، ~~وشغلها ما رأى قلبها عما رأت عيناها، وإن مالت إلى الدنيا نهاها نهاها، وإن ~~مالت إلى الهوى شفاها شفاها، سهرت تطلب رضي المولى فرضى عنها وأرضاها، ~~وقامت سوق المجاهدة على سوق هداها، فباعت حرصها بالقناعة فظفرت بغناها، ~~وفوقت سهام العزائم إلى أهداف المحارم تبتغي علاها، ورمت نجائب الأسحار ~~فساقها حادي الاستغفار إذ عناها، وقطعت بيداء الجد بآلة المستعد فبلغت ~~مناها، فمن أجلها ينزل القطر وينبت الزرع من جزاها، ولولاها لم تثبت الأرض ~~بأهل دنياها. # وما أعطر الصبابة ما استحقت ... عليه ولا قضى حق المنازل # ملاحظها بعين غرى غيري ... وزائراها بجسم غير ناحل # PageV01P099 ### | الفصل السابع عشر: تبصر في نفسك # يا من نسي العهد القديم وخان، من الذي سواك في صورة الإنسان؟ من الذي ~~غذاك في أعجب مكان؟ من الذي بقدرته استقام الجثمان؟ من الذي بحكمته أبصرت ~~العينان؟ من الذي بصنعته سمعت الأذان؟ من الذي وهب العقل فاستبان للرشد ~~وبان؟ من الذي بارزته بالخطايا وهو يستر العصيان؟ من الذي تركت شكره فلم ~~يؤاخذ بالكفران؟ إلى كم تخالفني وما يصبر على الخلاف الأبوان، وتعاملني ~~بالغدر الذي لا يرضاه الإخوان، وتنفق في خلافي ما عز عندك وهان، ولو علم ~~الناس منك ما أعلم: # ما جالسوك في مكان، فارجع إلي في ذلك فأنا المعروف بالإحسان: # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل # يا مبارزا بالقبيح مهد عذرك، يا مواصلا نقض العهود جانب غدرك، يا مديما ~~للتواني تدبر أمرك، يا مؤثرا ما يفنى على ما يبقى خالفت خبرك، يا لاهيا في ~~أيام العوافي والله ما تترك، يا واقفا مع الأماني ضيعت عمرك، يا فارحا ~~بقصره تذكر قبرك، يا حاملا أثقال الذنوب هلا خففت ظهرك؟ سار الصالحون إلى ~~ذكرنا وآثرت هجرك، وسمعت سيرهم وضيعت أجرك. # إن أردت صحبة المتقين فاشرح لليقين صدرك، وإن أحببت حلاوة العواقب ~~فاستعمل صبرك، إن حلا شراب ms24 مناجانتا فبدد خمرك، إن طاب لك سماع ذكرنا فاكسر ~~زمرك، اعتبر عن خل الثرى والكفان، وتفكر في البلا، وتذكر ذاك الرفاق فما ~~بينك وبين هذا الآفات إلا أن تعاين الوفا وفات. # PageV01P101 ### | الفصل الثامن عشر: تذكر يا عامل # يا من له قلب ومات، يا من كان له وقت وفات، أشرف الأشياء قلبك ووقتك، ~~فإذا أهملت قلبك وضيعت وقتك: فقد ذهبت منك الفوائد، أو كنت تبكي على ما فات ~~فابك على وقتك: # ويبكي على الموتى ويترك نفسه ... ويزعم أن قد قل عنها عزاؤه # ولو كان ذا رأي وعقل وفطنة ... لكان عليه لا عليهم بكاؤه # رئى سمنون يوما على شاطىء دجلة وبيده قضيب يضرب به فخذه حتى تبدد لحمه ~~وهو يقول: كان لي قلب أعيش به ضاع مني في تقلبه، رب فاردده على، فقد عيل ~~صبري في تطلبه، وأغث ما دام لي رمق يا غياث المستغاث به، ابك على وقت كان ~~قد صفا، وعلى قلب صار كالصفا، وعلى زمان تبدل فيه الوصل بالجفا، وعلى ربع ~~خلا من اليقظة وعفا: # منازل كنت أهواها وآلفها ... أيام كنت على الأيام منصورا # ما تتوقى في سمين بدنك حتى نسيت إدراجك في كفنك، ولا متعت نفسك بمواعيد ~~المنى إلا بعد أن أسرك حب الهوى، أما وعظك الزمان من بسطه وقبضه؟ أما أجد ~~لك بجديد بعد الاعتبار ببعضه، أما تدرك الحين من طوله وعرضه، ياعجبا كيف ~~التذ حامل بغمضة؟ وكم طيل يوم ما أدى بعض فرضه، أما تعلم أن الممات والحساب ~~أمامك فتهيأ للرحيل، وأصلح خيامك، واحفظ مقالتي واقطع قطع المدى مدامك، ~~واجتهد أن تنشر الإخلاص في المحل إلا على أعلامك، وصل صلاتك في الدجي، ~~واهجر للمنام منامك، ولا تترك ولو بت الليل عاصيا صيامك، وأحضر قلبك وسمعك، ~~وإن قلا من لامك، وأفق في زمان الإمكان قبل انثات العرى غرامك، واقطع بسيف ~~التقى كما يقطع الكلام كلامك، وإياك والقتور فإني أرى الدواء دوامك. # PageV01P103 ### | الفصل التاسع عشر: الفائزون # لله در أقوام أقبلوا بالقلوب على مقلبها، وأقاموا النفوس بين يدي مؤدبها، ms25 ~~وسلموها إذا باعوها إلى صاحبها، وأحضروا الآخرة فنظروا إلى غائبها، وسهروا ~~الليالي كأنهم وكلوا برعي كواكبها، ونادوا أنفسهم صبرا على نار حطبها، ~~ومقتوا الدنيا فما مالوا إلى ملاعبها، واشتاقوا إلى لقاء حبيبهم فاستطالوا ~~مدة المقام بها. # إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها ... فكم تلبث النفس التي أنت قوتها؟ # سبقتي بقاء الضب في الماء أو كما ... يعيش ببيداء المهامه حوتها # بعض العبادات كانت تقول: والله لقد سئمت الحياة حتى لو وجدت الموت يباع ~~لا شتريته شوقا إلى الله وحبا للقائه، فقيل لها: على ثقة أنت من عملك؟ ~~قالت: لا والله، لحبي إياه وحسن ظني به، أفتراه يعذبني وأنا أحبه: # يا ناظر العين قل هل ناظرت عيني ... إليك يوما وهل تدنو من البين # الله يعلم أني بعد فرقتكم ك ... طائر سلبوه من الجناحين # ولو قدرت ركبت الريح نحوكم ... فإن بعدي عنكم قد حنا حين # لله در أرواح تشتاق إلى روح قربة، وتلتذ عند ابتلائه بوقع ضربة، ويطول ~~عليها الزمان شوقا إليه لحبه، إن سألت عن صفاتهم، فكل منهم مخلص لربه مجتهد ~~في طاعته، خائف من عتبه، قائم على نفسه باستيفاء الحق منها على قلبه وأنشد: # كيف يقعد رقيب مشتاق بحركة ... إليكم الخافقان الشوق والأمل # فإن نهضت فما لي غيركم وطر ... وإن قعدت فما لي عندكم شغل # لو كان لي يد ما اخترت غيركم ... فكيف ذاك وما لي غيركم بدل # ولم تعرض الأقوام بعدكم يستأ ... ذنون على قلبي فما وصلوا # PageV01P105 ### | الفصل العشرون: سارع إلى التوبة والإنابة # أيها العبد: راقب من يراك على كل حال، وما زال نظره إليك في جميع ~~الأفعال، وطهر سرك فهو عليم بما يخطر بالبال، المراقبة على ضربين، مراقبة ~~الظاهر لأجل من يعلم، وحفظ الجوارح عن رذائل الأفعال، واستعمالها حذرا ممن ~~يرى، فأما مراقبة الباطن فمعناها أدب القلب من مساكنة خاطر لا يرضاه ~~المولى، وأجد السير في مراعاة الأولى، وأما مراقبة الظواهر فهي ضبط الجوارح ~~عن رذائل الأفعال، واستعمالها في معالي الأعمال، فمن كان مقامه المراقبة ~~فحال المحاسبة. # قال سري: ms26 الشوق والأنس يرفرفان على قلب فكان هناك الإجلال والهبية حلا ~~ولارحلا، ومن ظهر الخشوع على قلبه دخل الوقار على جوارحه. # قال حاتم الأصم: إذا علمت فانظر نظر الله إليك، وإذا شكرت فاذكر علم الله ~~فيك. # وقال أبو الفوارس الكرماني: من غض بصره عن المحارم وأمسك نفسه عن ~~الشهوات، وعمر باطنه بدوام المراقبة، وظاهره باتباع السنة، وعود نفسه أكل ~~الحلال لم تخطىء، له فراسة: # كان رقيبا منك يرعى خواطري ... وآخر يرعى ناظري ولساني # فما نظرت عيناي بعدك منظرا ... لعمرك إلا قلت: قد رمقاني # ولا بدرت من في بعدك لفظة ... لغيرك إلا قلت: قد سمعاني # ولا خطرت في ذكر غيرك خطرة ... على القلب إلا عرجا بعنان # وفتيان صدق قد سمعت كلامهم ... وعفف عنهم خاطري وجناني # وما الدهر أسلا عنهم غير أنني ... أراك على كل الجهات تراني # PageV01P107 ### | الفصل الحادي والعشرون: ابتعد عن المعاصي # إلى متى تميل إلى الزخارف، وإلى كم ترغب لسماع الملاهي المعازف، أما آن ~~لك أن تصحب سيدا عارف، قد قطع الخوف قلبه، وهو على علمه عاكف، يقطع ليله ~~قياما، ونهاره صياما، لا يميل ولا آنف، دائم الحزن، والبكاء متفرغ له، ومنه ~~خائف، ومع ذلك يخشى القطيعة والانتقال إلى صعب المتالف، وأنت في غمرة هواك ~~وعلى حب دنياك واقف، كأني بك وقد هجم عليك الحمام العاسف، وافترسك من بين ~~خليلك وصديقك المؤالف، وتخلى عنك حبيبك وقريبك ومن كنت عليه عاطف، لا ~~يستطيعون رد ما نزل بك، ولا تجد له كاشف، وقد نزلت بفناء من له الرحمة ~~والإحسان واللطائف، فلو عاتبك لكان عتبه على نفسك من أخوف المخاوف، وإن ~~ناقشك في الحساب، فأنت تألف، أين مقامك من مقام الأبطال يا بطال، يا كثير ~~الزلل والخطايا، يا قبيح الفعال، كيف قنعت لنفسك بخساسة الدون يا معنون، ~~وغرتك أمانيك بحب الدنيا يا مفتون، هلا تعرضت لأوصاف الصدق فاستحليت بها ~~القالب الحق: {التائبون العابدون الحامدون} إلى متى أنت مريض بالزكام؟ ومتى ~~تستنشق ريح قميص يوسف عليه السلام يا غلام؟ لعله يرفع عن بصيرتك حجاب ~~العمى، ms27 وتقف متذللا على باب إله الأرض والسماء، خرج قميص يوسف مع يهوذا من ~~مصر إلى كنعان، فلا أهل القافلة علموا بريحه، ولا حامل القميص علم، وإنما ~~قال صاحب الوجد: {إني لأجد ريح يوسف} ، كل واحد منكم في فقد قلبه كيعقوب في ~~فقد يوسف، فلينصب نفسه في مقام يعقوب، ويتحسر وليبك على ما سلف، ولا ييأس، ~~كيف طريق التحسس قطع مراحل الليل وركوب نجائب العزم إنضاء بعيرالجسم ~~ومصاحبة رفقة الندم والمستغفرين بالأسحار. # PageV01P109 ### | الفصل الثاني والعشرون: بعض ثمرات الطاعة # إخواني: من أراد دوام العافية فليتق الله، ما أقبل مقبل عليه إلا وجد كل ~~خير لديه، ولا أعرض معرض عن طاعته إلا وتعثر في ثوب غفلته: # والله ما جئتكم زائرا ... إلا رأيت الأرض تطوى لي # ولا انثنى عزمي عن بابكم ... إلا تعثرت بأذيالي # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قال ربكم عز وجل: ~~لو أن عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ~~ولم أسمعهم صوت الرعد» . # قال أبو سليمان الداراني: من صفا صفا له، ومن كدر كدر عليه، ومن أحسن في ~~ليله كفى في نهاره. # وقال الفضيل بن عياض: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي. # فيامن من يريد دوام العيش على البقاء، دم على الإخلاص والنقاء، وإياك ~~والمعاصي، فالعاصي في شقاء المعاصي، والمعاصي تذل الإنسان وتخرس اللسان، ~~وتغير الحال المستقيم، وتحمل الاعوجاج مكان التقويم. # قال يحيى بن أبي كثير: لما أصاب داود الخطيئة نفرت الوحوش من حوله، ~~فنادى: إلهي رد على الوحوش كي أستأنس بها، فردها الله عليه، فأحطن به ~~واصطففن إليه فرفع صوته بقرآنه الزبور، فنادته هيهات هيهات يا داود قد ذهبت ~~الخطيئة بحلاوة صوتك، فكان يقول: بح صوتي في صفا أصوات الصديقين، وأصبحت ~~كالبازي المنتف ريشه يرى حسران كلما طار طائر: # يرى طائرات الجو يخفقن في الهوى ... فيذكر ريشا من جناحه وافر # وقد كان دهرا في الرياض منعما ... على كل من يهوى من الصيد قادر # إلى أن أصابته من الدهر نكبة ms28 ... فأصبح مقصوص الجناحين حاسر # مضى السابقون الأولون لفورهم ... وقصرت في أمري وإني لخاسر # PageV01P111 ### | الفصل الثالث والعشرون: الصلاة # اعلموا - إخواني - أن الله عز وجل قد قدر الصلوات وقدمها على غيرها من ~~العبادات، وإنما يحافظ عليها من يعرف قدرها، ويرجو أجرها، ويخاف العقاب على ~~تركها، وهذه صفة المؤمن، وإنما يتوانى عنها ناقص الإيمان إن تكاسل، وكافر ~~إن تهاون. # قد روى مسلم في صحيحه من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» . # وروى في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليك بكثرة السجود فإنك ~~لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة» . # وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «جعلت قرة عيني في ~~الصلاة» . # وقد كان لله عز وجل عباد يحبون خدمته لشدة محبتهم إياه فيحضرون في الصلاة ~~قلوبهم ويجمعون لأدائها هممهم. # وروى عن ابن زبير أنه كان إذ قام في الصلاة فكأنه عود من الخشوع، وكان ~~يسجد فتنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جزعا أو حائطا أو وجه حجر أو ~~رحل فدقه وهو في الصلاة فذهبت ببعض ثوبه فما التفت، وكان إذا دخل بيته سكت ~~أهل البيت، فإذا قام إلى الصلاة تحدثوا وضحكوا. # واعلموا - إخواني - أن من أحب المخدوم أحب الخدمة له، لو عرف العبد من ~~يناجي، لم يقبل على غيره، والصلاة صلة بين العبد وبين ربه. # الستر الأول: الأذان، كالإذن في الدخول. # وستر التقريب الإقامة: فإذا كشف ذلك الغطاء لاح للمتقي قرة العي، فدخل في ~~دائرة دار المناجاة «أرحنا بها يا بلال» ، فقد «جعلت قرة عيني في الصلاة» ~~اكشف يا بلال ستر التقريب عن الحبيب. # يا بطال: لو سافرت بلدا لم تربح فيه حزنت على فوات [ربحك] وضياع وقتك، ~~أفلا يبكي من دخل في الصلاة على قرة العين ثم خرج بغير فائدة. # يصلي فيرسلها كالطيور ... إذا أرسلت من حصار القفص # يقوم ويقعد مستعجلا ... كمثل الطروب إذا ما رقص # إخواني: لا تقنعوا ms29 بالحركات، فإن الله لا ينظر إلى صوركم. # يا هذا: إنما يصاد الطائر بمحبوبه من الحب، ومحبوب القلب الطاهر ذكر الله ~~عز وجل، فحرام على قلبك، على قلبك الحائم حول جيف الهوى، الق له حب الذكر ~~على فخ الصدق في حديقة الصور لعله يقع في شبكة المعرفة. # PageV01P133 ### | الفصل الرابع والعشرون: عد إلى ربك # أيبها العبد: تناه عنة قبيح فعلك قبل انبثاث جهلك، وانظر لنفسك في أمرك ~~قبل حلولك في قبرك. # كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فكأنك بالدنيا لم تكن ~~وبالآخرة لم تزل. # ووعظ أعرابي ابنه، فقال: لا الدهر يعظك، ولا الأيام تنذرك، والساعات تعد ~~عليك، والأنفاس تعد منك، أحب أمريك إليك أردهما بالمضرة عليك. # ووجد على حجر مكتوب: ابن آدم، لو رأيت ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك، ~~ولرغبت في الزيادة في عملك، ولقصرت من جهلك وحيلك، وإنما يلقاك ندمك إذا ~~زلت قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وباعدك الولد القريب، ورفضك الولد والنسيب، ~~فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حسناتك زائد فاعمل ليوم القيامة. # قبل الحسرة والندامة. # وقف قوم على راهب فقالوا: إنا سائلوك، أفمجيبنا أنت؟ فقال: لا تكثروا فإن ~~النهار لم يرجع، والعمر لن يعود، والطالب حثيث في طلبه، ذو اجتهاد، فقالوا: ~~ما على الخلق غدا عند مليكهم؟ قال: على نياتهم، قالوا: فأنى الموئل؟ فقال: ~~إلى المقدم، قالوا: فأوصنا، قال: تزودوا على قدر سفركم، فإن خير الزاد ما ~~بلغ البغية. # يا هذا: لا تجزع لرؤية ملك الموت، وائت وأنت تشاهد فيها عملك، عمرك قليل، ~~وقد ضيعت أكثره، فكيف شعورك في البقية، ولعل هذا اليوم الآخر، والليلة ~~الأخيرة ما أرخص ما يباع عمرك، وما أغفلك عن السرى، إنما المرض نهاية ~~الصحة، والفرق قرين الوصلة، والأيام ترحل، ولابد من مسة بدن والحبيب مفارق، ~~والمرء رهن مصائب. # الأيام تنقضي حتى يواري جسمه في رمسه فمؤجل يلقي الردي في غيره، ومعجل ~~يلقي الردي في نفسه، الدنيا لمن فهم، قنطرة العبور وسوق التزود ومتطهرة ~~التنظيف وزرعت للحصاد، فأما للعاقل ms30 فهي مفرقة المجامع، ومحزنة الربوع، ~~ومجربة الدموع، من نال من دنياه أمنيته اسقطت الأيام منها الإلف، اطلب فيها ~~قدر بلغتك، وخذ مقدار حاجتك خصها خصوص المسافر في طلب علف بعيره، اطلب ~~الدنيا قدر الحاجة، واطلب الآخرة على حسب الطاقة، هذا ولو أنك بلغت إلى ~~الحمى التوكل لاستراح قلبك، وغذاك الله كما يغذي الطير، تغدو خماصا، وتروح ~~بطانا. # PageV01P115 ### | الفصل الخامس والعشرون: احذر الغفلة # قال الله عز وجل: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة ~~هي المأوى} . # فإن اختلف المفسرون في المراد بمقام ربه على قولين: # أحدهما: إنه قيام العبد بين يدي ربه يوم الجزاء. # والثاني: إنه قيام الله تعالى عباده فأحصى ما اكتسب، والمراد بالهوى ~~ههنا، ما يهوى العبد من المحارم، فيذكر مقامه للحسنات، واعلم: أن من تفكر ~~عند إقدامه على الخطيئة في نظر الحق إليه رده فكره خجلا مما هم به، فالناس ~~في ذلك على مراتب فمنهم من يتفكر عند جولان الهم بالذنب فيستحي من مساكنة ~~ذلك الخاطر، وهذا مقام أهل الصفا، ومنهم من قويت أسباب غفلته فهو ساكن ذلك ~~الهم إلا أنه لا يعزم عليه، ومنهم من يزعم لقوة غفلته، فهو يستسقي إقدامه ~~فيما عزم عليه، ومنهم من زاد على ذلك بمقارنته المحظور ومداناته، ثم تدركه ~~اليقظة، وإنما يكون هذا على مقدار تكاثف الغفلة وقلتها، فيفكر عند خاطره في ~~عظمته من قد علم، وعند يقظه في جلال من قد سمع، وعند فعله في عزة من قد ~~رأى، وهذا الفكر إنما نبت عن إصرار راسخ من الإيمان في القلب راعاه الحق ~~إليه حذار علته ومعاملة صادقه في الخلوة، إلا أن الغفلة عن التذكرة والسعي ~~على جادة الهوى غشى على القلب، وران عليه فإذا هم بخطيئة أو قاربها اقتلب ~~مراعاة الحق إليه، خذ مراعاته بحق الحق قبل ذلك كما قال الله عز وجل: ~~{فلولا أنه كان من المسبحين} ، وقال: {وكان أبوهما صالحا} ، وكما جاء في ~~الحديث: «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» . # فما ينفر طائر ms31 قلبه من وسخ العزم على الذنب ثم عام في بحر الحياة خجلا ~~مما هم به يخرج نقيا بعد الوسخ طاهرا بعد النجس، لأن الأصل محفوظ بالصدق ~~ومرهون بالإيمان، ولولا لطف الحق لكشف حجب الغفلة لبراقع الذنب، غير أنه ~~أراه برهان الهدى فرجع، وأقام له هاتف التقوى فخشع، والقلوب تحن إلى ما ~~اعتادت وألفت، وتنازع إلى ما مرنت عليه وعرفت. # أما سمعت قول عمر بن أبي: # بينما نحن في ولادك فالقاع ... سراعا والعيش يهوي هويا # خطرت خطرة على القلب من ... ذكراك وهنا فما أطقت مضيا # قلت للشوق إذا دعاني ... لبيك وللحاديين ردوا المطيا # أثارهم بعدهم وما صنعوا ... تخبرنا أتنا لهم تيع # يا واقفا بالديار مكتئبا ... يندب قوما من ملكهم نزعوا # ادخل إلى الدار فهي خالية ... من سادة في التراب قد وضعوا # إذا تأملتهم كأنهم ما ... نظروا نظرة ولا سمعوا # ولا جرى بينهم مذاكرة ... ولا لنصر سعوا ولا نفعوا # كانوا كركب خطور رحالهم ... فما استراحوا حتى لها رجعوا # تم كتاب الياقوتة على التمام والكمال، والحمد لله وحده وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وسلم. # PageV01P117 ### | فصل لابن الجوزي # تتمة الكتاب # أين من شيد القلاع وعمر الحصون، واستخرج من الكنوز المال المصون، أما دار ~~عليه رحى المنون، أما صار كل منهم في الثرى بعمله مرهون، فتيقظ أيها الغافل ~~قبل أن تخمد حركاتك بالسكون، وتزول إلى اللحد المسكون، ولا تركن إلى ~~الآمال، فيوم المآل كأن قد سيكون، اعتبر بدوران الأقدار على ذوي الأقدار ~~ودع عنك الجنون، أما سمعت ما قال الله في كتابه المكنون: {سنستدرجهم من حيث ~~لا يعلمون} . # يا من أطال قطيعتي يوم اللقاء متى يكون، لأخرقن ملابسي وأبوح بسري ~~المصون، حتى تقول عواذلي: ماذا هوى، هذا جنون. PageV01P118 ms32