######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0023619 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 597 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: زاد المسير في علم التفسير #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0023619 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-23619 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/23619 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الرزاق المهدي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى - 1422 هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتاب العربي - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | الجزء الأول ### | مقدمة التحقيق # (بسم الله الرحمن الرحيم) الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ ~~بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتد، ومن ~~يضلل فلا هادي له. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ~~أرسله على فترة من الرسل، وضلال من الناس، ليخرجهم من الظلمات إلى النور ~~ومن الضلال إلى الهدى، وأيده بالمعجزات الباهرة والآيات الساطعة الدالة على ~~صدقه وصدق دعوته. ومن أهم تلك المعجزات التي أعز الله بها نبيه، وهذه ~~الأمة، كتاب الله وكلامه المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. ### | ترجمة ابن الجوزي # «1» # هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي القرشي التيمي ~~البكري الحنبلي، الواعظ، ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق، واشتهر بابن ~~الجوزي نسبة إلى شرعة الجوز، إحدى محال بغداد بالجانب الغربي، وقيل: نسبة ~~إلى جوزة كانت في دار جده السابع جعفر بن عبد الله بواسط. # ولد ابن الجوزي ببغداد سنة 508 ه وقيل سنة 510 ه، وقيل سنة 514 ه. ولما ~~ترعرع حفظ القرآن وقرأه على جماعة بالروايات، ثم طلب العلم على جمع كثير من ~~العلماء. # وقد اشتغل بالوعظ وأوتي حظا عظيما وصيتا بعيدا فيه، فكان يحضر مجالسه ~~الملوك والوزراء والأئمة الكبار. وكان مجلسه لا ينقص عن ألوف كثيرة حتى قيل ~~في بعض مجالسه: إنه حزر الجمع بمائة ألف. PageV01P007 # قال الشيخ موفق الدين المقدسي: «كان ابن الجوزي إمام عصره في الوعظ، وصنف ~~في فنون العلم تصانيف حسنة، وكان صاحب فنون، وكان يدرس الفقه ويصنف فيه، ~~وكان حافظا للحديث وصنف فيه..» . # وقال ابن رجب: نقم عليه جماعة من مشايخ أصحابنا وأئمتهم ميله إلى التأويل ~~في بعض كلامه، واشتد نكيرهم عليه في ذلك.. ولا ريب أن كلامه في ذلك مضطرب ~~مختلف وهو وإن كان مطلقا على الأحاديث والآثار فلم يكن يحل شبه المتكلمين ~~وبيان فسادها. # وكان ابن الجوزي معظما لأبي الوفاء بن عقيل متابعا لأكثر ما يجده من ~~كلامه، وإن ms0001 كان قد رد عليه في بعض المسائل. وكان ابن عقيل بارعا في الكلام، ~~ولم يكن تام الخبرة بالحديث والآثار. # فلهذا يضطرب تأويله في هذا الباب وتتلون فيه آراؤه. وأبو الفرج تابع له ~~في هذا التلون. # وتصانيف ابن الجوزي كثيرة جدة بلغت، فيما قيل، خمسين ومائتين كتاب، وقد ~~نقل ابن رجب عن ابن القطيعي أن ابن الجوزي ناوله كتابا بخطه سرد فيه ~~تصانيفه. # قال ابن الجوزي: أول ما صنفت وألفت ولي من العمر ثلاث عشرة سنة. # ومن تصانيفه في التفسير: المغني- تذكرة الأريب في معرفة الغريب- نزهة ~~العيون النواظر في الوجوه والنظائر- عمدة الراسخ في معرفة المنسوخ والناسخ- ~~زاد المسير في علم التفسير وهو الكتاب الذي نقدم له. # وفي التوحيد وعلم الكلام: دفع شبه التشبه- منهاج الوصول إلى علم الأصول. # وفي علم الحديث: جامع المسانيد- غرر الأثر- الموضوعات- العلل المتناهية ~~في الأحاديث الواهية. # كما صنف في الفقه وفي التاريخ والوعظ وعلم الرجال «1» . # توفي ابن الجوزي ليلة الجمعة بين العشاءين الثاني عشر من شهر رمضان سنة ~~597 ه/ 1201 م، وله من العمر سبع وثمانون سنة. وحملت جنازته على رؤوس ~~الناس، وكان الجمع كثيرا جدا، ودفن بباب حرب عند أبيه بالقرب من الإمام ~~أحمد بن حنبل. وكان يوما مشهودا حتى قيل: إنه أفطر جماعة من كثرة الزحام ~~وشدة الحر. وكان قد أوصى أن يكتب على قبره هذه الأبيات: # يا كثير العفو يا من ... كثرت ذنوبي لديه # جاءك المذنب يرجو ... الصفح عن جرم يديه # أنا ضيف وجزاء ... الضيف إحسان إليه PageV01P008 ### | زاد المسير في علم التفسير # أقبل المسلمون على كتاب ربهم وكلام خالقهم دراسة وحفظا وعملا، وألفوا في ~~علومه كتبا ومؤلفات عديدة في التفسير والقراءات واستنباط الأحكام والإعجاز ~~والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول والغريب والمبهمات والفضائل والقصص وغير ~~ذلك. # ومن أهم كتب التفسير للقرآن الكريم كتاب «زاد المسير في علم التفسير» ~~لابن الجوزي الذي عمد إلى كتب الذين سبقوه في التفسير فأشبعها دراسة ~~واستفاد من الثغرات التي كانت في تفاسيرهم، ووضع تفسيره هذا مخلصا إياه من ~~التطويل الممل ومن الاختصار المخل. وقال في ms0002 مقدمة كتابه: # ( ... أني نظرت في جملة من كتب التفسير فوجدتها بين كبير قد يئس الحافظ ~~منه، وصغير لا يستفاد كل المقصود منه، والمتوسط منها قليل الفوائد، عديم ~~الترتيب، وربما أهمل فيه المشكل وشرح غير الغريب، فأتيتك بهذا المختصر ~~اليسير، منطويا على العلم الغزير، ووسمته ب «زاد المسير في علم التفسير» ) ~~. # فجاء كتابه وسطا بين التفاسير الطويلة والمختصرة الشديدة الاختصار، مع ~~تميزه بجملة من الخصائص، إضافة إلى أسلوب ابن الجوزي السلس المتين والسهل ~~الممتنع. ومن هذه الخصائص أنه تحدث عمن نزلت بعض الآيات فيهم، وذكر ~~القراءات المشهورة والشاذة أحيانا، وتوقف عند الآيات المنسوخة والتي اختلف ~~العلماء حولها أمنسوخة هي أم لا؟ وأورد أقوال العلماء بهذا الصدد، بالإضافة ~~إلى رده كل قول إلى مصدره معتمدا على علماء اللغة مثل: ابن قتيبة وأبي ~~عبيدة والخليل بن أحمد الفراهيدي وعلى النحاة مثل: الفراء والزجاج والأخفش ~~والكسائي ومحمد بن القاسم النحوي وعلى القراء مثل: الجحدري وعاصم وغيرهم. ### | منهج التحقيق # عملنا في هذا الكتاب على: # - تخريج الأحاديث المرفوعة، وما له حكم الرفع تخريجا وافيا. # - تصدير التخريج بقولنا «صحيح» ، «حسن» ، «ضعيف» ... وذلك تسهيلا على ~~الطالب واختصارا لوقته. # - ترقيم الأحاديث المخرجة ترقيما تسلسليا. # - تصويب ما وقع فيه تصحيف أو تحريف. # - تخريج الآيات وذلك بذكر اسم السورة ورقم الآية. # - شرح بعض المفردات الغربية. # هذا ونسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل متقبلا وأن ينفع به المؤمنين إنه ~~خير سميع وخير بصير، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر ~~دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. # PageV01P009 ### | خطبة الكتاب # (بسم الله الرحمن الرحيم) رب يسر وأعن الحمد لله الذي شرفنا على الأمم ~~بالقرآن المجيد، ودعانا بتوفيقه على الحكم إلى الأمر الرشيد، وقوم به ~~نفوسنا بين الوعد والوعيد، وحفظه من تغيير الجهول وتحريف العنيد، لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. # أحمده على التوفيق للتحميد، وأشكره على التحقيق في التوحيد، وأشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يبقى ذخرها على التأبيد، ms0003 وأن محمدا ~~عبده ورسوله أرسله إلى القريب والبعيد، بشيرا للخلائق ونذيرا، وسراجا في ~~الأكوان منيرا، ووهب له من فضله خيرا كثيرا، وجعله مقدما على الكل كبيرا، ~~ولم يجعل له من أرباب جنسه نظيرا، ونهى أن يدعى باسمه تعظيما له وتوقيرا، ~~وأنزل عليه كلاما قرر صدق قوله بالتحدي بمثله تقريرا، فقال: قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا «1» . فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأزواجه ~~وأشياعه، وسلم تسليما كثيرا. # وبعد لما كان القرآن العزيز أشرف العلوم، كان الفهم لمعانيه أو في ~~الفهوم، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، وإني نظرت في جملة من كتب التفسير، ~~فوجدتها بين كبير قد يئس الحافظ منه، وصغير لا يستفاد كل المقصود منه، ~~والمتوسط منها قليل الفوائد، عديم الترتيب، وربما أهمل فيه المشكل، وشرح ~~غير الغريب، فأتيتك بهذا المختصر اليسير، منطويا على العلم الغزير، ووسمته ~~ب «زاد المسير في علم التفسير» . # وقد بالغت في اختصار لفظه، فاجتهد- وفقك الله- في حفظه، والله المعين على ~~تحقيقه، فما زال جائدا بتوفيقه. ### | فصل في فضل علم التفسير # (1) روى أبو عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود قال: كنا نتعلم من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم العشر، فلا PageV01P011 # نجاوزها إلى العشر الأخر حتى نعلم ما فيها من العلم والعمل. # وروى قتادة عن الحسن أنه قال: ما أنزل الله آية إلا أحب أن أعلم فيم ~~أنزلت، وماذا عنى بها. # وقال إياس بن معاوية: مثل من يقرأ القرآن ومن يعلم تفسيره أو لا يعلم، ~~مثل قوم جاءهم كتاب من صاحب لهم ليلا، وليس عندهم مصباح، فتداخلهم لمجيء ~~الكتاب روعة لا يدرون ما فيه، فإذا جاءهم المصباح عرفوا ما فيه. # فصل: اختلف العلماء: هل التفسير والتأويل بمعنى، أم يختلفان؟ فذهب قوم ~~يميلون إلى العربية إلى أنهما بمعنى، وهذا قول جمهور المفسرين المتقدمين. ~~وذهب قوم يميلون إلى الفقه إلى اختلافهما، فقالوا: التفسير: إخراج الشيء من ~~مقام الخفاء إلى مقام التجلي. والتأويل: نقل الكلام عن ms0004 وضعه فيما يحتاج في ~~إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ، فهو مأخوذ من قولك: آل الشيء إلى ~~كذا، أي: # صار إليه. ### | فصل في مدة نزول القرآن # روى عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ~~ليلة القدر إلى بيت العزة، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة «1» . وقال ~~الشعبي: فرق الله تنزيل القرآن، فكان بين أوله وآخره عشرون سنة. وقال ~~الحسن: ذكر لنا أنه كان بين أوله وآخره ثماني عشرة سنة، أنزل عليه بمكة ~~ثماني سنين، وبالمدينة عشر سنين. # فصل: واختلفوا في أول ما نزل من القرآن: # (2) فأثبت المنقول أن أول ما نزل من القرآن: اقرأ باسم ربك «2» ، رواه ~~عروة عن عائشة وبه قال PageV01P012 # قتادة وأبو صالح. وروي عن جابر بن عبد الله: أن أول ما نزل يا أيها ~~المدثر. # والصحيح أنه لما نزل عليه اقرأ باسم ربك رجع فتدثر فنزل: يا أيها المدثر. # (3) يدل عليه ما أخرج في «الصحيحين» من حديث جابر قال: سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «فبينا أنا أمشي إذ ~~سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على ~~كرسي بين السماء والأرض، فجثثت منه رعبا، فرجعت فقلت: # زملوني، زملوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى: يا أيها المدثر» ، ومعنى ~~جثثت: فرقت. يقال: رجل مجؤوث ومجثوث. وقد صحفه بعض الرواة فقال: جبنت، من ~~الجبن، والصحيح الأول. # وروي عن الحسن وعكرمة: أن أول ما نزل: بسم الله الرحمن الرحيم. # فصل: واختلفوا في آخر ما نزل: # (4) فروى البخاري في أفراده من حديث ابن عباس، قال: آخر آية أنزلت على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، آية الربا «1» . # (5) وفي أفراد مسلم عنه: آخر سورة نزلت جميعا: إذا جاء نصر الله والفتح ~~«2» . # (6) وروى الضحاك عن ابن عباس قال: آخر آية أنزلت: واتقوا يوما ترجعون فيه ~~إلى الله «3» ، وهذا مذهب سعيد بن جبير وأبي صالح. # (7) وروى أبو إسحاق عن البراء قال: آخر آية نزلت: يستفتونك ms0005 قل الله ~~يفتيكم في الكلالة «4» ، وآخر سورة نزلت «براءة» . # (8) وروي عن أبي بن كعب: أن آخر آية نزلت: لقد جاءكم رسول من أنفسكم «5» ~~، إلى آخر السورة. PageV01P013 # فصل: لما رأيت جمهور كتب المفسرين لا يكاد الكتاب منها يفي بالمقصود كشفه ~~حتى ينظر للآية الواحدة في كتب، فرب تفسير أخل فيه بعلم الناسخ والمنسوخ، ~~أو ببعضه، فإن وجد فيه لم يوجد أسباب النزول، أو أكثرها، فإن وجد لم يوجد ~~بيان المكي من المدني، وإن وجد ذلك لم توجد الإشارة إلى حكم الآية، فإن وجد ~~لم يوجد جواب إشكال يقع في الآية، إلى غير ذلك من الفنون المطلوبة. # وقد أدرجت في هذا الكتاب من هذه الفنون المذكورة مع ما لم أذكره مما لا ~~يستغني التفسير عنه ما أرجو به وقوع الغناء بهذا الكتاب عن أكثر ما يجانسه. # وقد حذرت من إعادة تفسير كلمة متقدمة إلا على وجه الإشارة، ولم أغادر من ~~الأقوال التي أحطت بها إلا ما تبعد صحته مع الاختصار البالغ، فإذا رأيت في ~~فرش الآيات ما لم يذكر تفسيره، فهو لا يخلو من أمرين: إما أن يكون قد سبق، ~~وإما أن يكون ظاهرا لا يحتاج إلى تفسير. وقد انتقى كتابنا هذا أنقى ~~التفاسير، فأخذ منها الأصح والأحسن والأصون، فنظمه في عبارة الاختصار. وهذا ~~حين شروعنا فيما ابتدأنا له، والله الموفق. ### | فصل في الاستعاذة # قد أمر الله عز وجل بالاستعاذة عند القراءة بقوله تعالى: فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) «1» ، ومعناه: إذا أردت ~~القراءة. ومعنى أعوذ: ألجأ وألوذ. ### | فصل في بسم الله الرحمن الرحيم # قال ابن عمر: نزلت في كل سورة. # وقد اختلف العلماء: هل هي آية كاملة، أم لا؟ وفيه عن أحمد روايتان، ~~واختلفوا: هل هي من الفاتحة، أم لا؟ فيه عن أحمد روايتان أيضا. فأما من ~~قال: إنها من الفاتحة، فإنه يوجب قراءتها في الصلاة إذا قال بوجوب الفاتحة، ~~وأما من لم يرها من الفاتحة، فانه يقول: قراءتها في الصلاة سنة، ما ~~PageV01P014 # عدا مالكا فانه لا يستحب قراءتها ms0006 في الصلاة «1» . # واختلفوا في الجهر بها في الصلاة فيما يجهر به «2» ، فنقل جماعة عن أحمد: ~~أنه لا يسن الجهر بها، وهو قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ~~وعمار بن ياسر، وابن مغفل، وابن الزبير، وابن عباس، وقال به من كبراء ~~التابعين ومن بعدهم: الحسن، والشعبي، وسعيد بن جبير، وابراهيم، وقتادة، ~~وعمر بن عبد العزيز، والأعمش، وسفيان الثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأبو عبيد ~~في آخرين. وذهب الشافعي إلى أن الجهر بها مسنون، وهو مروي عن معاوية بن أبي ~~سفيان، وعطاء، وطاوس، ومجاهد. # فأما تفسيرها: فقوله: بسم الله اختصار، كأنه قال: أبدأ باسم الله، أو: ~~بدأت باسم الله. وفي الاسم خمس لغات: إسم بكسر الألف، وأسم بضم الألف إذا ~~ابتدأت بها، وسم بكسر السين، وسم PageV01P015 # بضمها، وسما. قال الشاعر «1» : # والله أسماك سمى مباركا ... آثرك الله به إيثاركا # وأنشدوا «2» : # باسم الذي في كل سورة سمه # قال الفراء: بعض قيس يقولون: سمه، يريدون: اسمه، وبعض قضاعة يقولون: سمه. ~~أنشدني بعضهم: # وعامنا أعجبنا مقدمه ... يدعى أبا السمح وقرضاب سمه «3» # والقرضاب: القطاع، يقال: سيف قرضاب. # واختلف العلماء في اسم الله الذي هو «الله» فقال قوم: إنه مشتق، وقال ~~آخرون: إنه علم ليس بمشتق. وفيه عن الخليل روايتان: إحداهما: أنه ليس ~~بمشتق، ولا يجوز حذف الألف واللام منه كما يجوز من الرحمن. والثانية: رواها ~~عنه سيبويه: أنه مشتق. وذكر أبو سليمان الخطابي عن بعض العلماء أن أصله في ~~الكلام مشتق من: أله الرجل يأله: إذا فزع اليه من أمر نزل به. فألهه، أي: ~~أجاره وأمنه، فسمي إلها كما يسمى الرجل إماما. وقال غيره: أصله ولاه. ~~فأبدلت الواو همزة فقيل: إله كما قالوا: # وسادة وإسادة، ووشاح وإشاح. واشتق من الوله، لأن قلوب العباد توله نحوه، ~~كقوله تعالى: ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون «4» . وكان القياس أن يقال: ~~مألوه، كما قيل: معبود، إلا أنهم خالفوا به البناء ليكون علما، كما قالوا ~~للمكتوب: كتاب، وللمحسوب: حساب. وقال بعضهم: أصله من: أله الرجل يأله إذا ~~تحير، لأن القلوب تتحير ms0007 عند التفكر في عظمته. وحكي عن بعض اللغويين: أله ~~الرجل يأله إلاهة، بمعنى: عبد يعبد عبادة. وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~«ويذرك وإلاهتك» أي: عبادتك. قال: # والتأله: التعبد. قال رؤبة: # لله در الغانيات المده ... سبحن واسترجعن من تألهي # فمعنى الإله: المعبود. # فأما «الرحمن» : فذهب الجمهور إلى أنه مشتق من الرحمة، مبني على ~~المبالغة، ومعناه: ذو الرحمة التي لا نظير له فيها. وبناء فعلان في كلامهم ~~للمبالغة، فإنهم يقولون للشديد الامتلاء: ملآن، وللشديد الشبع: شبعان. قال ~~الخطابي: ف «الرحمن» : ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم ~~ومصالحهم، وعمت المؤمن والكافر. و «الرحيم» : خاص للمؤمنين. قال عز وجل: ~~وكان بالمؤمنين رحيما «5» . والرحيم: بمعنى الراحم. PageV01P016 ### | سورة الفاتحة # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7] # بسم الله الرحمن الرحيم (1) # الحمد لله رب العالمين (2) الرحمن الرحيم (3) مالك يوم الدين (4) إياك ~~نعبد وإياك نستعين (5) # اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين (7) # (9) روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال- وقرأ عليه أبي ~~بن كعب أم القرآن- فقال: «والذي نفسي بيده، ما أنزل في التوراة، ولا في ~~الانجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها، هي السبع المثاني والقرآن ~~العظيم الذي أوتيته» . # فمن أسمائها: الفاتحة، لأنه يستفتح الكتاب بها تلاوة وكتابة. ومن ~~أسمائها: أم القرآن، وأم الكتاب، لأنها أمت الكتاب بالتقدم. ومن أسمائها: ~~السبع المثاني، وإنما سميت بذلك لما سنشرحه في (الحجر) إن شاء الله. # واختلف العلماء في نزولها على قولين: أحدهما: أنها مكية، وهو مروي عن علي ~~بن أبي طالب، والحسن، وأبي العالية، وقتادة، وأبي ميسرة. والثاني: أنها ~~مدنية، وهو مروي عن أبي هريرة، ومجاهد، وعبيد بن عمير، وعطاء الخراساني. ~~وعن ابن عباس كالقولين «1» . PageV01P017 # فصل: فأما تفسيرها: ف الحمد رفع بالابتداء، ولله الخبر. والمعنى: الحمد ~~ثابت لله، ومستقر له، والجمهور على كسر لام «لله» ، وضمها ابن [أبي] «1» ~~عبلة، قال الفراء: هي لغة بعض بني ربيعة، وقرأ ابن السميفع «2» : «الحمد» ~~بنصب الدال «لله» بكسر اللام. وقرأ أبو ms0008 نهيك بكسر الدال واللام جميعا. # واعلم أن الحمد: ثناء على المحمود، ويشاركه الشكر، إلا أن بينهما فرقا، ~~وهو: أن الحمد قد يقع ابتداء للثناء، والشكر لا يكون إلا في مقابلة النعمة، ~~وقيل: لفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر، فتقديره: قولوا: الحمد لله. وقال ابن ~~قتيبة: (الحمد) الثناء على الرجل بما فيه من كرم أو حسب أو شجاعة، وأشباه ~~ذلك. والشكر: الثناء عليه بمعروف أو لاكه، وقد يوضع الحمد موضع الشكر. ~~فيقال: # حمدته على معروفه عندي، كما يقال: شكرت له على شجاعته. # فأما «الرب» فهو المالك، ولا يذكر هذا الاسم في حق المخلوق إلا بالاضافة، ~~فيقال: هذا رب الدار، ورب العبد. وقيل: هو مأخوذ من التربية. قال شيخنا أبو ~~منصور اللغوي: يقال: رب فلان صنيعته يربها ربا: إذا أتمها وأصلحها، فهو رب ~~وراب. قال الشاعر: # يرب الذي يأتي من الخير إنه ... إذا سئل المعروف زاد وتمما # قال: والرب يقال على ثلاثة أوجه: أحدها: المالك. يقال: رب الدار. ~~والثاني: المصلح، يقال: رب الشيء. والثالث: السيد المطاع. قال تعالى: فيسقي ~~ربه خمرا «3» . # والجمهور على خفض باء «رب» . وقرأ أبو العالية، وابن السميفع، وعيسى بن ~~عمر بنصبها. وقرأ أبو رزين العقيلي، والربيع بن خثيم «4» وأبو عمران ~~الجوني، برفعها. # فأما العالمين فجمع عالم، وهو عند أهل العربية: اسم للخلق من مبتداهم إلى ~~منتهاهم، وقد سموا أهل الزمان الحاضر عالما. فقال الحطيئة: # أراح الله منك العالمينا «5» PageV01P018 # فأما أهل النظر، فالعالم عندهم: اسم يقع على الكون الكلي المحدث من فلك، ~~وسماء، وأرض، وما بين ذلك. # وفي اشتقاق «العالم» قولان: أحدهما: أنه من العلم، وهو يقوي قول أهل ~~اللغة. والثاني: أنه من العلامة، وهو يقوي قول أهل النظر، فكأنه إنما سمي ~~عندهم بذلك، لانه دال على خالقه. # وللمفسرين في المراد ب «العالمين» هاهنا خمسة أقول: أحدها: الخلق كله، ~~السماوات والأرضون ما فيهن وما بينهن. رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: ~~كل ذي روح دب على وجه الأرض. رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أنهم ~~الجن والإنس. روي ايضا ms0009 عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ومقاتل. والرابع: أنهم ~~الجن والإنس والملائكة، نقل عن ابن عباس أيضا، واختاره ابن قتيبة. والخامس: ~~أنهم الملائكة، وهو مروي عن ابن عباس أيضا. # قوله تعالى: الرحمن الرحيم (3) . قرأ أبو العالية، وابن السميفع، وعيسى ~~بن عمر بالنصب فيهما، وقرأ أبو رزين العقيلي، والربيع بن خثيم، وأبو عمران ~~الجوني بالرفع فيهما. # قوله تعالى: مالك يوم الدين (4) . قرأ عاصم والكسائي، وخلق ويعقوب: ~~«مالك» بألف. وقرأ ابن السميفع، وابن أبي عبلة كذلك، إلا أنهما نصبا الكاف. ~~وقرأ أبو هريرة، وعاصم الجحدري: «ملك» باسكان اللام من غير الألف مع كسر ~~الكاف، وقرأ أبو عثمان النهدي، والشعبي «ملك» بكسر اللام ونصب الكاف من غير ~~ألف. وقرأ سعد بن أبي وقاص، وعائشة، ومورق العجلي: # «ملك» مثل ذلك إلا أنهم رفعوا الكاف. وقرأ أبي بن كعب، وأبو رجاء ~~العطاردي «مليك» بياء بعد اللام مكسورة الكاف من غير ألف. وقرأ عمرو بن ~~العاص كذلك، إلا أنه ضم الكاف. وقرأ أبو حنيفة، وأبو حياة «ملك» على الفعل ~~الماضي، «ويوم» بالنصب. وروى عبد الوارث عن أبي عمرو: إسكان اللام، ~~والمشهور عن أبي عمرو وجمهور القراء «ملك» بفتح الميم مع كسر اللام، وهو ~~أظهر في المدح، لأن كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا. # وفي «الدين» ها هنا قولان: أحدهما: أنه الحساب. قاله ابن مسعود. والثاني: ~~الجزاء. قاله ابن عباس. ولما أخبر الله عز وجل في قوله: رب العالمين أنه ~~مالك الدنيا. دل بقوله: مالك يوم الدين على أنه مالك الأخرى. وقيل: إنما خص ~~يوم الدين، لأنه ينفرد يومئذ بالحكم في خلقه. # قوله تعالى: إياك نعبد. وقرأ الحسن، وأبو المتوكل، وأبو مجلز «يعبد» بضم ~~الياء وفتح الباء. # قال ابن الأنباري: المعنى: قل يا محمد: إياك يعبد، والعرب ترجع من الغيبة ~~إلى الخطاب، ومن الخطاب الى الغيبة كقوله تعالى: حتى إذا كنتم في الفلك ~~وجرين بهم «1» ، وقوله: وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) إن هذا كان لكم جزاء ~~«2» . وقال لبيد: # باتت تشكى إلي النفس مجهشة ... وقد حملتك سبعا بعد ms0010 سبعينا # وفي المراد بهذه العبارة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بمعنى التوحيد. روي عن ~~علي، وابن عباس في آخرين. والثاني: أنها بمعنى الطاعة، كقوله: لا تعبدوا ~~الشيطان «3» . والثالث: أنها بمعنى PageV01P019 # الدعاء كقوله: إن الذين يستكبرون عن عبادتي «1» . # قوله تعالى: اهدنا فيه أربعة أقوال: أحدها: ثبتنا. قاله علي، وأبي. ~~والثاني: أرشدنا. # والثالث: وفقنا. والرابع: ألهمنا. رويت هذه الثلاثة عن ابن عباس. # والصراط: الطريق. ويقال: إن أصله بالسين، لأنه من الاستراط وهو: ~~الابتلاع، فالسراط كأنه يسترط المارين عليه، فمن قرأ بالسين، كمجاهد، وابن ~~محيصن، ويعقوب، فعلى أصل الكلمة، ومن قرأ بالصاد، كأبي عمرو، والجمهور، ~~فلأنها أخف على اللسان، ومن قرأ بالزاي، كرواية الأصمعي عن أبي عمرو، واحتج ~~بقول العرب: صقر وسقر وزقر. وروي عن حمزة: إشمام السين زايا، وروي عنه أنه ~~تلفظ بالصراط بين الصاد والزاي. قال الفراء: اللغة الجيدة بالصاد، وهي لغة ~~قريش الأولى، وعامة العرب يجعلونها سينا، وبعض قيس يشمون الصاد، فيقول: ~~الصراط بين الصاد والسين، وكان حمزة يقرأ «الزراط» بالزاي، وهي لغة لعذرة ~~وكلب وبني القين. يقولون في «أصدق» : أزدق. # وفي المراد بالصراط ها هنا أربعة أقوال: # (10) أحدها: أنه كتاب الله، رواه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~PageV01P020 # والثاني: أنه دين الاسلام. قاله ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وأبو ~~العالية في آخرين. # والثالث: أنه الطريق الهادي إلى دين الله، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ~~وبه قال مجاهد. والرابع: أنه طريق الجنة، نقل عن ابن عباس أيضا. فان قيل: ~~ما معنى سؤال المسلمين الهداية وهم مهتدون؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن ~~المعنى: إهدنا لزوم الصراط، فحذف اللزوم. قاله ابن الأنباري. والثاني: أن ~~المعنى: ثبتنا على الهدى، تقول العرب للقائم: قم حتى آتيك، أي: اثبت على ~~حالك. والثالث: أن المعنى: زدنا هداية. # قوله تعالى: الذين أنعمت عليهم. قال ابن عباس: هم النبيون، والصديقون، ~~والشهداء، والصالحون. وقرأ الأكثرون «عليهم» بكسر الهاء، وكذلك «لديهم» و ~~«إليهم» وقرأهن حمزة بضمها. # وكان ابن كثير يصل «1» ضم الميم بواو. وقال ابن الأنباري: حكى اللغويون ~~في ms0011 «عليهم» عشر لغات، قرئ بعامتها «عليهم» بضم الهاء وإسكان الميم «وعليهم» ~~بكسر الهاء وإسكان الميم، و «وعليهمي» بكسر الهاء والميم وإلحاق ياء بعد ~~الكسرة، و «عليهمو» بكسر الهاء وضم الميم وزيادة واو بعد الضمة، و «عليهمو» ~~بضم الهاء والميم وإدخال واو بعد الميم، و «عليهم» بضم الهاء والميم من غير ~~زيادة واو، وهذه الأوجه الستة مأثورة عن القراء، وأوجه أربعة منقولة عن ~~العرب «عليهمي» بضم الهاء وكسر الميم وإدخال ياء بعد الميم، و «عليهم» بضم ~~الهاء وكسر الميم من غير زيادة ياء، و «عليهم» بكسر الهاء وضم الميم من غير ~~إلحاق واو، و «عليهم» بكسر الهاء والميم ولا ياء بعد الميم. # (11) فأما «المغضوب عليهم» فهم اليهود و «الضالون» : النصارى. رواه عدي ~~بن حاتم عن PageV01P021 # النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن قتيبة: والضلال: الحيرة والعدول عن ~~الحق. # فصل: ومن السنة في حق قارئ الفاتحة أن يعقبها ب «آمين» . قال شيخنا أبو ~~الحسن علي بن عبيد الله: وسواء كان خارج الصلاة أو فيها. # (12) لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا قال ~~الامام (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقال من خلفه: آمين، فوافق ذلك قول ~~أهل السماء، غفر له ما تقدم من ذنبه» . # وفي معنى «آمين» ثلاثة أقوال: أحدها: أن معنى آمين: كذلك يكون. حكاه ابن ~~الأنباري عن ابن عباس، والحسن. والثاني: أنها بمعنى: اللهم استجب. قاله ~~الحسن والزجاج. والثالث: أنه اسم من أسماء الله تعالى. قاله مجاهد، وهلال ~~بن يساف، وجعفر بن محمد. # وقال ابن قتيبة: معناها: يا أمين أجب دعاءنا، فسقطت يا، كما سقطت في ~~قوله: يوسف أعرض عن هذا «1» ، تأويله: يا يوسف. ومن طول الألف فقال: آمين، ~~أدخل ألف النداء على ألف أمين، كما يقال: آزيد أقبل: ومعناه: يا زيد. قال ~~ابن الأنباري: وهذا القول خطأ عند جميع النحويين، لأنه إذا أدخل «يا» على ~~«آمين» كان منادى مفردا، فحكم آخره الرفع، فلما أجمعت العرب على فتح نونه، ~~دل على أنه غير منادى، وإنما ms0012 فتحت نون «آمين» لسكونها وسكون الياء التي ~~قبلها، كما تقول العرب: # ليت، ولعل. قال: وفي «آمين» لغتان: «أمين» بالقصر، و «آمين» بالمد، ~~والنون فيهما مفتوحة. أنشدنا أبو العباس عن ابن الاعرابي: # سقى الله حيا بين صارة والحمى ... حمى فيد صوب المدجنات المواطر «2» # أمين وأدى الله ركبا إليهم ... بخير ووقاهم حمام المقادر PageV01P022 # وأنشدنا أبو العباس أيضا: # تباعد مني فطحل وابن أمه ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا # وأنشدنا أبو العباس أيضا: # يا رب لا تسلبني حبها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا # وأنشدني أبي: # أمين ومن أعطاك مني هوادة ... رمى الله في أطرافه فاقفعلت «1» # وأنشدني أبي: # فقلت له قد هجت لي بارح الهوى ... أصاب حمام الموت أهوننا وجدا # أمين وأضناه الهوى فوق ما به ... أمين ولاقى من تباريحه جهدا # فصل: نقل الأكثرون عن أحمد أن الفاتحة شرط في صحة الصلاة، فمن تركها مع ~~القدرة عليها لم تصح صلاته وهو قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة رحمه ~~الله: لا تتعين، وهي رواية عن أحمد «2» . # (13) ويدل على الرواية الأولى: ما روي في «الصحيحين» من حديث عبادة بن ~~الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة ~~الكتاب» . PageV01P023 ### | سورة البقرة # (فصل في فضيلتها) (14) روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا ~~يدخله الشيطان» . # (15) وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أقرأوا ~~الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، ~~أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف، اقرءوا البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها ~~حسرة، ولا تستطيعها البطلة» . والمراد بالزهراوين: المنيرتين. يقال لكل ~~منير: زاهر. والغياية: # كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه، مثل السحابة والغبرة. يقال: غايا القوم فوق ~~رأس فلان بالسيف، كأنهم أظلوه به. قال لبيد: # فتدليت عليه قافلا ... وعلى الأرض غيايات الطفل # ومعنى فرقان: قطعتان. والفرق: القطعة من الشيء. قال الله عز وجل: فكان كل ~~فرق كالطود ms0013 العظيم «1» . والصواف: المصطفة المتضامة لتظل قارئها. والبطلة: ~~السحرة. # (فصل في نزولها) قال ابن عباس: هي أول ما نزل بالمدينة، وهذا قول الحسن، ~~ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، وقتادة، ومقاتل. وذكر قوم أنها مدنية سوى ~~آية، وهي قوله عز وجل: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله «2» ، فإنها نزلت ~~يوم النحر بمنى في حجة الوداع. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) # فصل: وأما التفسير فقوله: ألم. اختلف العلماء فيها وفي سائر الحروف ~~المقطعة في أوائل PageV01P024 # السور على ستة أقوال «1» : أحدها: أنها من المتشابه الذي لا يعلمه الا ~~الله. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لله عز وجل في كل كتاب سر، وسر ~~الله في القرآن أوائل السور، وإلى هذا المعنى ذهب الشعبي، وأبو صالح، وابن ~~زيد. والثاني: أنها حروف من أسماء، فاذا ألفت ضربا من التأليف كانت أسماء ~~من أسماء الله عز وجل. قال علي بن أبي طالب: هي أسماء مقطعة، لو علم الناس ~~تأليفها علموا اسم الله الذي إذا دعي به أجاب. وسئل ابن عباس عن «آلر» و ~~«حم» و «نون» ، فقال: اسم الرحمن على الهجاء، وإلى نحو هذا ذهب أبو ~~العالية، والربيع بن أنس. والثالث: أنها حروف أقسم الله بها، قاله ابن ~~عباس، وعكرمة. قال ابن قتيبة: ويجوز أن يكون أقسم بالحروف المقطعة كلها، ~~واقتصر على ذكر بعضها كما يقول القائل: تعلمت «أب ت ث» وهو يريد سائر ~~الحروف، وكما يقول: قرأت الحمد، يريد فاتحة الكتاب، فيسميها بأول حرف منها، ~~وإنما أقسم بحروف المعجم لشرفها، ولأنها مباني كتبه المنزلة، وبها يذكر ~~ويوحد. قال ابن الانباري: وجواب القسم محذوف، تقديره: وحروف المعجم لقد بين ~~الله لكم السبيل، وأنهجت لكم الدلالات بالكتاب المنزل، وإنما حذف لعلم ~~المخاطبين به، ولأن في قوله: ذلك الكتاب لا ريب فيه دليلا على الجواب. ~~والرابع: انه أشار بما ذكر من الحروف إلى سائرها، والمعنى: أنه لما كانت ~~الحروف أصولا للكلام المؤلف، أخبر أن هذا القرآن إنما هو مؤلف من ms0014 هذه ~~الحروف، قاله الفراء، وقطرب. فان قيل: فقد علموا أنه حروف، فما الفائدة في ~~إعلامهم بهذا؟ فالجواب أنه نبه بذلك على إعجازه، فكأنه قال: هو من هذه ~~الحروف التي تؤلفون منها كلامكم، فما بالكم تعجزون عن معارضته؟! فاذا عجزتم ~~فاعلموا أنه ليس من قول محمد عليه السلام. PageV01P025 # والخامس: أنها أسماء للسور. روي عن زيد بن أسلم، وابنه، وأبي فاختة سعيد ~~بن علاقة مولى أم هانئ. والسادس: أنها من الرمز الذي تستعمله العرب في ~~كلامها. يقول الرجل للرجل: هل تا؟ فيقول له: بلى، يريد هل تأتي؟ فيكتفي ~~بحرف من حروفه. وأنشدوا: # قلنا لها قفي لنا فقالت قاف «1» # أراد: قالت: أقف. ومثله: # نادوهم أن ألجموا ألا تا ... قالوا جميعا كلهم بلى فا # يريد: ألا تركبون؟ قالوا: بلى فاركبوا. ومثله: # بالخير خيرات وإن شرا فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا # معناه: وإن شرا فشر ولا أريد الشر إلا أن تشاء. وإلى هذا القول ذهب ~~الأخفش، والزجاج، وابن الأنباري. وقال أبو روق عطية بن الحارث الهمداني «2» ~~: # (16) كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة في الصلوات كلها، وكان ~~المشركون يصفقون ويصفرون، فنزلت هذه الحروف المقطعة، فسمعوها فبقوا ~~متحيرين. وقال غيره: إنما خاطبهم بما لا يفهمون ليقبلوا على استماعه، لأن ~~النفوس تتطلع إلى ما غاب عنها. معناه: فاذا أقبلوا اليه خاطبهم بما يفهمون، ~~فصار ذلك كالوسيلة إلى الإبلاغ، إلا أنه لا بد له من معنى يعلمه غيرهم، أو ~~يكون معلوما عند المخاطب، فهذا الكلام يعم جميع الحروف. # وقد خص المفسرون قوله «الم» بخمسة أقوال «3» : أحدها: أنه من المتشابه ~~الذي لا يعلم معناه إلا الله عز وجل، وقد سبق بيانه. والثاني: أن معناه: ~~أنا الله أعلم. رواه أبو الضحى عن ابن عباس، وبه قال ابن مسعود، وسعيد بن ~~جبير. والثالث: أنه قسم. رواه أبو صالح عن ابن عباس، وخالد الحذاء عن ~~عكرمة. والرابع: أنها حروف من أسماء. ثم فيها قولان: أحدهما: أن الألف من ~~«الله» واللام من «جبريل» والميم من «محمد» ، قاله ابن عباس. فان ms0015 قيل: إذا ~~كان قد تنوول من كل اسم حرفه الأول اكتفاء به، فلم أخذت اللام من جبريل وهي ~~آخر الاسم؟! فالجواب: أن مبتدأ القرآن من الله تعالى، فدل على ذلك بابتداء ~~أول حرف من اسمه، وجبريل انختم به التنزيل والإقراء، فتنوول من اسمه نهاية ~~حروفه، و «محمد» مبتدأ في الإقراء، فتنوول أول حروفه. والقول الثاني: أن ~~الألف من «الله» تعالى، واللام من «لطيف» والميم من «مجيد» قاله أبو ~~العالية. والخامس: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله مجاهد، والشعبي، وقتادة، ~~وابن جريج. PageV01P026 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 2] # ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) # قوله تعالى: ذلك فيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى هذا، وهو قول ابن عباس، ~~ومجاهد، وعكرمة، والكسائي، وأبي عبيدة، والأخفش. واحتج بعضهم بقول خفاف بن ~~ندبة: # أقول له والرمح يأطر متنه ... تأمل خفافا إنني أنا ذلكا «1» # أي: أنا هذا. وقال ابن الأنباري: إنما أراد: أنا ذلك الذي تعرفه. # والثاني: أنها إشارة الى غائب. ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أراد به ~~ما تقدم إنزاله عليه من القرآن. والثاني: أنه أراد به ما وعده أن يوحيه ~~إليه في قوله: سنلقي عليك قولا ثقيلا «2» . والثالث: أنه أراد بذلك ما وعد ~~به أهل الكتاب السالفة، لأنهم وعدوا بنبي وكتاب. # والكتاب: القرآن. وسمي كتابا، لأنه جمع بعضه إلى بعض، ومنه الكتيبة، سميت ~~بذلك لاجتماع بعضها إلى بعض. ومنه: كتبت البغلة «3» . # قوله تعالى: لا ريب فيه. الريب: الشك. والهدى: الإرشاد. والمتقون: ~~المحترزون مما اتقوه. وفرق شيخنا علي بن عبيد الله بين التقوى والورع، ~~فقال: التقوى: أخذ عدة، والورع: دفع شبهة، فالتقوى: متحقق السبب، والورع: ~~مظنون المسبب. # واختلف العلماء في معنى هذه الآية على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ظاهرها ~~النفي، ومعناها النهي، وتقديرها: لا ينبغي لأحد أن يرتاب به لإتقانه ~~وإحكامه. ومثله: ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء «4» ، أي: ما ينبغي لنا. ~~ومثله: فلا رفث ولا فسوق «5» ، وهذا مذهب الخليل، وابن الأنباري. والثاني: ~~أن معناها: لا ريب فيه أنه هدى للمتقين. قاله المبرد. ms0016 والثالث: أن معناها: ~~لا ريب فيه أنه من عند الله، قاله مقاتل في آخرين. فان قيل: فقد ارتاب به ~~قوم. فالجواب: انه حق في نفسه، فمن حقق النظر فيه علم. قال الشاعر «6» : # ليس في الحق يا أمامة ريب ... إنما الريب ما يقول الكذوب # فان قيل: فالمتقي مهتد، فما فائدة اختصاص الهداية به؟ فالجواب من وجهين: ~~أحدهما: أنه أراد المتقين والكافرين، فاكتفى بذكر أحد الفريقين كقوله ~~تعالى: سرابيل تقيكم الحر «7» ، أراد: # والبرد. والثاني: أنه خص المتقين لانتفاعهم به كقوله: إنما أنت منذر من ~~يخشاها «8» ، وكان منذرا لمن يخشى ولمن لا يخشى. PageV01P027 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 3] # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) # قوله تعالى: الذين يؤمنون بالغيب، الايمان في اللغة: التصديق، والشرع ~~أقره على ذلك، وزاد فيه القول والعمل. وأصل الغيب: المكان المطمئن الذي ~~يستتر فيه لنزوله عما حوله، فسمي كل مستتر: # غيبا. وفي المراد بالغيب ها هنا ستة أقوال: أحدها: أنه الوحي، قاله ابن ~~عباس، وابن جريج. والثاني: # القرآن، قاله أبو رزين العقيلي، وزر بن حبيش. والثالث: الله عز وجل، قاله ~~عطاء، وسعيد بن جبير. # والرابع: ما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار، ونحو ذلك مما ذكر في ~~القرآن. رواه السدي عن أشياخه، وإليه ذهب أبو العالية، وقتادة. والخامس: ~~أنه قدر الله عز وجل، قاله الزهري. والسادس: أنه الايمان بالرسول في حق من ~~لم يره. قال عمرو بن مرة: قال أصحاب عبد الله «1» له: طوبى لك، جاهدت مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجالسته. فقال: إن شأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان مبينا لمن رآه، ولكن أعجب من ذلك: قوم يجدون كتابا مكتوبا ~~يؤمنون به ولم يروه، ثم قرأ: الذين يؤمنون بالغيب. # قوله تعالى: ويقيمون الصلاة. الصلاة في اللغة: الدعاء. وفي الشريعة: ~~أفعال وأقوال على صفات مخصوصة. وفي تسميتها بالصلاة ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنها سميت بذلك لرفع الصلا، وهو مغرز الذنب من الفرس. والثاني: أنها من ~~صليت العود، إذا لينته، فالمصلي يلين ويخشع. والثالث: # أنها ms0017 مبنية على السؤال والدعاء، والصلاة في اللغة: الدعاء، وهي في هذا ~~المكان اسم جنس. قال مقاتل: أراد بها هاهنا: الصلوات الخمس. # وفي معنى إقامتها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه تمام فعلها على الوجه المأمور ~~به، روي عن ابن عباس، ومجاهد. والثاني: أنه المحافظة على مواقيتها ووضوئها ~~وركوعها وسجودها، قاله قتادة، ومقاتل. والثالث: أنه إدامتها، والعرب تقول ~~في الشيء الراتب: قائم، وفلان يقيم أرزاق الجند، قاله ابن كيسان. # قوله تعالى: ومما رزقناهم أي: أعطيناهم ينفقون أي: يخرجون. وأصل الإنفاق ~~الإخراج. يقال: نفقت الدابة: إذا خرجت روحها. وفي المراد بهذه النفقة أربعة ~~أقوال: أحدها: أنها النفقة على الأهل والعيال، قاله ابن مسعود، وحذيفة. ~~والثاني: أنها الزكاة المفروضة، قاله ابن عباس، وقتادة. والثالث: أنها ~~الصدقات النوافل، قاله مجاهد والضحاك. والرابع: أنها النفقة التي كانت ~~واجبة قبل وجوب الزكاة، ذكره بعض المفسرين، وقالوا: إنه كان فرض على الرجل ~~أن يمسك مما في يده مقدار كفايته يومه وليلته. ويفرق باقيه على الفقراء. ~~فعلى قول هؤلاء، الآية منسوخة بآية الزكاة، وغير هذا القول أثبت. واعلم أن ~~الحكمة في الجمع بين الإيمان بالغيب وهو عقد القلب، وبين الصلاة وهي فعل ~~البدن، وبين الصدقة وهو تكليف يتعلق بالمال، أنه ليس في التكليف قسم رابع، ~~إذ ما عدا هذه الأقسام فهو ممتزج بين اثنين منهما، كالحج والصوم ونحوهما. ### | [سورة البقرة (2) : آية 4] # والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (4) ~~PageV01P028 # قوله تعالى: والذين يؤمنون بما أنزل إليك، اختلفوا فيمن نزلت على قولين: ~~أحدهما: أنها نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، رواه الضحاك عن ابن عباس، ~~واختاره مقاتل «1» . والثاني: أنها نزلت في العرب الذين آمنوا بالنبي وبما ~~أنزل من قبله. رواه أبو صالح عن ابن عباس «2» . قال المفسرون: الذي أنزل ~~إليه، القرآن. وقال شيخنا علي بن عبيد الله: القرآن وغيره مما أوحي إليه. ~~قوله تعالى: وما أنزل من قبلك يعني الكتاب المتقدمة والوحي، فأما (الآخرة) ~~فهي اسم لما بعد الدنيا، وسميت آخرة، لأن الدنيا قد تقدمتها. وقيل: ms0018 سميت ~~آخرة لأنها نهاية الأمر. قوله تعالى: يوقنون، اليقين: ما حصلت به الثقة، ~~وثلج به الصدر، وهو أبلغ علم مكتسب. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 5] # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) # قوله تعالى: أولئك على هدى أي على رشاد. وقال ابن عباس: على نور ~~واستقامة. قال ابن قتيبة: المفلحون: الفائزون ببقاء الأبد. وأصل الفلاح: ~~البقاء. ويشهد لهذا قول لبيد: # نحل بلادا كلها حل قبلنا ... ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير # يريد: البقاء، وقال الزجاج: المفلح: الفائز بما فيه غاية صلاح حاله. قال ~~ابن الأنباري: ومنه: # حي على الفلاح، معناه: هلموا إلى سبيل الفوز ودخول الجنة. ### | [سورة البقرة (2) : آية 6] # إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) # قوله تعالى: إن الذين كفروا في نزولها أربعة أقوال: أحدها: أنها نزلت في ~~قادة الأحزاب، قاله أبو العالية. والثاني: أنها نزلت في أبي جهل وخمسة من ~~أهل بيته، قاله الضحاك. والثالث: أنها نزلت في طائفة من اليهود، ومنهم حيي ~~بن أخطب، قاله ابن السائب. والرابع: أنها نزلت في مشركي العرب، كأبي جهل ~~وأبي طالب وأبي لهب وغيرهم ممن لم يسلم «3» ، قاله مقاتل. # فأما تفسيرها، فالكفر في اللغة: التغطية. تقول: كفرت الشيء إذا غطيته، ~~فسمي الكافر كافرا، لأنه يغطي الحق. قوله تعالى: سواء عليهم، أي: متعادل ~~عندهم الانذار وتركه، والانذار: إعلام مع تخويف، وتناذر بنو فلان هذا ~~الأمر: إذا خوفه بعضهم بعضا. PageV01P029 # قال شيخنا علي بن عبيد الله: هذه الآية وردت بلفظ العموم، والمراد بها ~~الخصوص، لأنها آذنت بأن الكافر حين إنذاره لا يؤمن، وقد آمن كثير من الكفار ~~عند إنذارهم، ولو كانت على ظاهرها في العموم، لكان خبر الله لهم خلاف ~~مخبره، ولذلك وجب نقلها إلى الخصوص. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 7] # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7) # قوله تعالى: ختم الله على قلوبهم، الختم: الطبع، والقلب: قطعة من دم ~~جامدة سوداء، وهو مستكن في الفؤاد، وهو بيت النفس، ومسكن العقل، وسمي قلبا ~~لتقلبه. وقيل: لأنه ms0019 خالص البدن، وإما خصه بالختم لأنه محل الفهم. # قوله تعالى: وعلى سمعهم، يريد: على أسماعهم، فذكره بلفظ التوحيد، ومعناه: ~~الجمع، ونظيره قوله تعالى: ثم يخرجكم طفلا «1» . وأنشدوا من ذلك: # كلوا في نصف بطنكم تعيشوا ... فان زمانكم زمن خميص # أي: في أنصاف بطونكم. ذكر هذا القول أبو عبيدة، والزجاج. وفيه وجه آخر، ~~وهو أن العرب تذهب بالسمع مذهب المصدر، والمصدر يوحد، تقول: يعجبني حديثكم، ~~ويعجبني ضربكم. فأما البصر والقلب فهما اسمان لا يجريان مجرى المصادر في ~~مثل هذا المعنى. ذكره الزجاج، وابن القاسم. # وقد قرأ عمرو بن العاص، وابن أبي عبلة: (وعلى أسماعهم) . # قوله تعالى: وعلى أبصارهم غشاوة، الغشاوة: الغطاء. قال الفراء: أما قريش ~~وعامة العرب، فيكسرون الغين من «غشاوة» ، وعكل يضمون الغين، وبعض العرب ~~يفتحها، وأظنها لربيعة. وروى المفضل عن عاصم «غشاوة» بالنصب على تقدير: ~~وجعل على أبصارهم غشاوة. فأما العذاب، فهو الألم المستمر، وماء عذب: إذا ~~استمر في الحلق سائغا. ### | [سورة البقرة (2) : آية 8] # ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) # قوله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله اختلفوا فيمن نزلت على قولين: ~~أحدهما: أنها في المنافقين، ذكره السدي عن ابن مسعود، وابن عباس، وبه قال ~~أبو العالية، وقتادة، وابن زيد «2» . # والثاني: أنها في منافقي أهل الكتاب. رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال ~~ابن سيرين: كانوا يتخوفون من هذه الآية. وقال قتادة: هذه الآية نعت ~~المنافق، يعرف بلسانه، وينكر بقلبه، ويصدق بلسانه، ويخالف بعمله، ويصبح على ~~حال، ويمسي على غيرها، ويتكفأ تكفؤ السفينة، كلما هبت ريح هب معها. ### | [سورة البقرة (2) : آية 9] # يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9) # قوله تعالى: يخادعون الله. قال ابن عباس: كان عبد الله بن أبي، ومعتب بن ~~قشير، والجد بن PageV01P030 # القيس إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، ونشهد أن صاحبكم صادق، فاذا ~~خلوا لم يكونوا كذلك، فنزلت هذه الآية «1» . فأما التفسير، فالخديعة: ~~الحيلة والمكر، وسميت خديعة، لأنها تكون في خفاء. # والمخدع: بيت داخل البيت تختفي فيه ms0020 المرأة، ورجل خادع: إذا فعل الخديعة، ~~سواء حصل مقصوده أو لم يحصل، فاذا حصل مقصوده، قيل: قد خدع. وانخدع الرجل: ~~استجاب للخادع، سواء تعمد الاستجابة أو لم يقصدها، والعرب تسمي الدهر ~~خداعا، لتلونه بما يخفيه من خير وشر. وفي معنى خداعهم الله خمسة أقوال: ~~أحدها: انهم كانوا يخادعون المؤمنين، فكأنهم خادعوا الله. روي عن ابن عباس ~~واختاره ابن قتيبة. والثاني: انهم كانوا يخادعون نبي الله، فأقام الله نبيه ~~مقامه، كما قال: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله «2» ، قاله الزجاج. ~~والثالث: أن الخادع عند العرب: الفاسد. # وأنشدوا «3» : # [أبيض اللون لذيذ طعمه] «4» ... طيب الريق إذا الريق خدع # أي: فسد. رواه محمد بن القاسم عن ثعلب عن ابن الاعرابي. قال ابن القاسم: ~~فتأويل: # يخادعون الله: يفسدون ما يظهرون من الايمان بما يضمرون من الكفر. # والرابع: أنهم كانوا يفعلون في دين الله ما لو فعلوه بينهم كان خداعا. # والخامس: أنهم كانوا يخفون كفرهم، ويظهرون الإيمان به. # قوله تعالى: وما يخدعون إلا أنفسهم قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «وما ~~يخادعون» وقرأ الكوفيون، وابن عامر: (يخدعون) ، والمعنى: أن وبال ذلك ~~الخداع عائد عليهم. # ومتى يعود وبال خداعهم عليهم؟ فيه قولان: # أحدهما: في دار الدنيا، وذلك بطريقين: أحدهما: بالاستدراج والإمهال الذي ~~يزيدهم عذابا. # والثاني: باطلاع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على أحوالهم التي ~~أسروها. # والقول الثاني: ان عود الخداع عليهم في الآخرة. وفي ذلك قولان: أحدهما: ~~أنه يعود عليهم عند ضرب الحجاب بينهم وبين المؤمنين، وذلك قوله: قيل ارجعوا ~~وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب «5» الآية ... والثاني: أنه ~~يعود عليهم عند اطلاع أهل الجنة عليهم، فاذا رأوهم طمعوا في نيل راحة من ~~قبلهم، فقالوا: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله «6» ، فيجيبونهم: ~~إن الله حرمهما على الكافرين «7» . # قوله تعالى: وما يشعرون، أي: وما يعلمون. وفي الذي لم يشعروا به قولان: ~~PageV01P031 # أحدهما: أنه إطلاع الله نبيه على كذبهم، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه إسرارهم بأنفسهم بكفرهم، قاله ابن زيد. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 10] ms0021 # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10) # قوله تعالى: في قلوبهم مرض، المرض هاهنا: الشك، قاله عكرمة، وقتادة. ~~فزادهم الله مرضا هذا الإخبار من الله عز وجل أنه فعل بهم ذلك، و «الأليم» ~~بمعنى المؤلم، والجمهور يقرءون «يكذبون» بالتشديد، وقرأ الكوفيون سوى أبان ~~عن عاصم بالتخفيف مع فتح الياء. ### | [سورة البقرة (2) : آية 11] # وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) # قوله تعالى: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض اختلفوا فيمن نزلت على ~~قولين: # أحدهما: أنها نزلت في المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهو قول الجمهور، منهم ابن عباس، ومجاهد. # والثاني: أن المراد بها قوم لم يكونوا خلقوا حين نزولها، قاله سلمان ~~الفارسي. وكان الكسائي يقرأ بضم القاف من «قيل» والحاء من «حيل» والغين من ~~«غيض» ، والجيم من «جيء» ، والسين من «سيئ» و «سيئت» . وكان ابن عامر يضم ~~من ذلك ثلاثة: «حيل» و «سيق» و «سيئ» . وكان نافع يضم «سيئ» و «سيئت» ، ~~ويكسر البواقي، والآخرون يكسرون جميع ذلك. وقال الفراء: أهل الحجاز من قريش ~~ومن جاورهم من بني كنانة يكسرون القاف في «قيل» و «جيء» و «غيض» ، وكثير من ~~عقيل ومن جاورهم وعامة أسد، يشمون إلى الضمة من «قيل» و «جيء» . # وفي المراد بالفساد ها هنا خمسة أقوال: أحدها: أنه الكفر، قاله ابن عباس. ~~والثاني: العمل بالمعاصي، قاله أبو العالية، ومقاتل. والثالث: أنه الكفر ~~والمعاصي، قاله السدي عن أشياخه. والرابع: # أنه ترك امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، قاله مجاهد. والخامس: أنه ~~النفاق الذي صادفوا به الكفار، وأطلعوهم على أسرار المؤمنين، ذكره شيخنا ~~علي بن عبيد الله. # قوله تعالى: إنما نحن مصلحون، فيه خمسة أقوال: أحدها: أن معناه إنكار ما ~~عرفوا به، وتقديره: ما فعلنا شيئا يوجب الفساد. والثاني: أن معناه: إنا ~~نقصد الإصلاح بين المسلمين والكافرين، والقولان عن ابن عباس. والثالث: أنهم ~~أرادوا: في مصافاة الكفار صلاح لا فساد، قاله مجاهد وقتادة. # والرابع: أنهم أرادوا أن فعلنا ms0022 هذا هو الصلاح، وتصديق محمد هو الفساد، ~~قاله السدي. والخامس: # أنهم ظنوا أن مصافاة الكفار صلاح في الدنيا لا في الدين، لأنهم اعتقدوا ~~أن الدولة «1» إن كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فقد أمنوه بمتابعته، وإن ~~كانت للكفار فقد أمنوهم بمصافاتهم، ذكره شيخنا. ### | [سورة البقرة (2) : آية 12] # ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12) # قوله تعالى: ألا إنهم هم المفسدون، قال الزجاج: ألا: كلمة يبتدأ بها، ~~ينبه بها المخاطب، PageV01P032 # تدل على صحة ما بعدها. و «هم» : تأكيد للكلام. # وفي قوله تعالى: ولكن لا يشعرون قولان: أحدهما: لا يشعرون أن الله يطلع ~~نبيه على فسادهم. والثاني: لا يشعرون أن ما فعلوه فساد، لا صلاح. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 13] # وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم ~~هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13) # قوله تعالى: وإذا قيل لهم آمنوا، في المقول لهم قولان: أحدهما: أنهم ~~اليهود، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: المنافقون، قاله مجاهد، وابن زيد. # وفي القائلين لهم قولان: أحدهما: أنهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قاله ابن عباس، ولم يعين أحدا من أصحابه. والثاني: أنهم معينون، وهم سعد بن ~~معاذ، وأبو لبابة وأسيد، ذكره مقاتل. # وفي الإيمان الذي دعوا إليه قولان: أحدهما: أنه التصديق بالنبي، وهو قول ~~من قال: هم اليهود. والثاني: أنه العمل بمقتضى ما أظهروه، وهو قول من قال: ~~هم المنافقون. # وفي المراد بالناس ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: جميع الصحابة، قاله ابن ~~عباس. والثاني: # عبد الله بن سلام، ومن أسلم معه من اليهود، قاله مقاتل. والثالث: معاذ بن ~~جبل، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وجماعة من وجوه الأنصار، عدهم الكلبي. # وفيمن عنوا بالسفهاء ثلاثة أقوال: أحدها: جميع الصحابة، قاله ابن عباس. ~~والثاني: النساء والصبيان، قاله الحسن. والثالث: ابن سلام وأصحابه، قاله ~~مقاتل. # وفيما عنوه بالغيب من إيمان الذين زعموا أنهم السفهاء ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنهم أرادوا دين الإسلام، قاله ابن عباس، والسدي. والثاني: أنهم ~~أرادوا البعث والجزاء، قاله مجاهد. والثالث: أنهم ms0023 عنوا مكاشفة الفريقين ~~بالعداوة من غير نظر في عاقبة، وهذا الوجه والذي قبله يخرج على أنهم ~~المنافقون، والأول يخرج على أنهم اليهود. قال ابن قتيبة: السفهاء: الجهلة، ~~يقال: سفه فلان رأيه، إذا جهله، ومنه قيل للبذاء: سفه، لأنه جهل. قال ~~الزجاج: وأصل السفه في اللغة: خفة الحلم، ويقال: # ثوب سفيه: إذا كان رقيقا باليا، وتسفهت الريح الشجر: إذا مالت به. قال ~~الشاعر «1» : # مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم «2» # قوله تعالى: ولكن لا يعلمون. قال مقاتل: لا يعلمون أنهم هم السفهاء. ### | [سورة البقرة (2) : آية 14] # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ~~إنما نحن مستهزؤن (14) # قوله تعالى: وإذا لقوا الذين آمنوا. اختلفوا فيمن نزلت على قولين: ~~أحدهما: أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه، قاله ابن عباس «3» . ~~والثاني: أنها نزلت في المنافقين وغيرهم من أهل الكتاب PageV01P033 # الذين كانوا يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان ما يلقون ~~رؤساءهم بضده، قاله الحسن. # فأما التفسير: ف «إلى» : بمعنى «مع» ، كقوله تعالى: من أنصاري إلى الله ~~«1» أي: مع الله. # والشياطين: جمع شيطان، قال الخليل: كل متمرد عند العرب شيطان. وفي هذا ~~الاسم قولان: # أحدهما: أنه من شطن، أي: بعد عن الخير، فعلى هذا تكون النون أصلية. قال ~~أمية بن أبي الصلت في صفة سليمان عليه السلام: # أيما شاطن عصاه عكاه ... ثم يلقى في السجن والأغلال # عكاه: أوثقه. وقال النابغة: # نأت بسعاد عنك نوى شطون ... فبانت والفؤاد بها رهين # والثاني: أنه من شاط يشيط: إذا التهب واحترق، فتكون النون زائدة. ~~وأنشدوا: # وقد يشيط على أرماحنا البطل «2» # أي: يهلك. وفي المراد: بشياطينهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم رؤوسهم في ~~الكفر، قاله ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، والسدي. والثاني: إخوانهم من ~~المشركين، قاله أبو العالية، ومجاهد. # والثالث: كهنتهم، قاله الضحاك، والكلبي. # قوله تعالى: إنا معكم. فيه قولان: أحدهما: أنهم أرادوا: إنا معكم على ~~دينكم. # والثاني: إنا معكم على النصرة والمعاضدة. والهزء: السخرية. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 15] # الله يستهزئ ms0024 بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15) # قوله تعالى: الله يستهزئ. اختلف العلماء في المراد، باستهزاء الله بهم ~~على تسعة أقوال: # أحدها: أنه يفتح لهم باب من الجنة وهم في النار، فيسرعون إليه فيغلق، ثم ~~يفتح لهم باب آخر، فيسرعون فيغلق، فيضحك منهم المؤمنون. روي عن ابن عباس. ~~والثاني: أنه إذا كان يوم القيامة جمدت النار لهم كما تجمد الإهالة «3» في ~~القدر، فيمشون فتنخسف بهم. روي عن الحسن البصري. # والثالث: أن الاستهزاء بهم: إذا ضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب، ~~باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، فيبقون في الظلمة، فيقال لهم: ~~ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا «4» ، قاله مقاتل. والرابع: أن المراد به: ~~يجازيهم على استهزائهم، فقوبل اللفظ بمثله لفظا وإن خالفه معنى، فهو كقوله ~~تعالى: # وجزاء سيئة سيئة مثلها «5» ، وقوله: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ~~ما اعتدى عليكم «6» . وقال عمرو بن كلثوم: PageV01P034 # ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # أراد: فنعاقبه بأغلظ من عقوبته. والخامس: أن الاستهزاء من الله تعالى ~~التخطئة لهم، والتجهيل، فمعناه: الله يخطئ فعلهم، ويجهلهم في الإقامة على ~~كفرهم. والسادس: أن استهزاءه: استدراجه إياهم. والسابع: أنه إيقاع ~~استهزائهم بهم، ورد خداعهم ومكرهم عليهم. ذكر هذه الأقوال محمد بن القاسم ~~الأنباري. والثامن: أن الاستهزاء بهم أن يقال لأحدهم في النار وهو في غاية ~~الذل: ذق إنك أنت العزيز الكريم (49) «1» . ذكره شيخنا في كتابه. والتاسع: ~~أنه لما أظهروا من أحكام إسلامهم في الدنيا خلاف ما أبطن لهم في الآخرة، ~~كان كالاستهزاء بهم. # قوله: ويمدهم في طغيانهم يعمهون. فيه أربعة أقوال: أحدها: يمكن لهم، قاله ~~ابن مسعود. # والثاني: يملي لهم، قاله ابن عباس. والثالث: يزيدهم، قاله مجاهد. ~~والرابع: يمهلهم، قاله الزجاج. # والطغيان: الزيادة على القدر، والخروج عن حيز الاعتدال في الكثرة، يقال: ~~طغى البحر: إذا هاجت أمواجه، وطغى السيل: إذا جاء بماء كثير. وفي المراد ~~بطغيانهم قولان: أحدهما: أنه كفرهم، قاله الجمهور. والثاني: أنه عتوهم ~~وتكبرهم، قاله ابن قتيبة. # ويعمهون بمعنى: يتحيرون، يقال: رجل عمه وعامه، أي: متحير. ms0025 قال الراجز «2» ~~: # ومخفق من لهله ولهله ... من مهمه يجتنبه في مهمه # أعمى الهدى بالجاهلين العمه «3» وقال ابن قتيبة: (يعمهون) يركبون رؤوسهم، ~~فلا يبصرون. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 16] # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ~~(16) # قوله تعالى: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى. في نزولها ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنها نزلت في جميع الكفار، قاله ابن مسعود، وابن عباس. والثاني: ~~أنها في أهل الكتاب، قاله قتادة والسدي ومقاتل. والثالث: أنها في ~~المنافقين، قاله مجاهد. # واشتروا: بمعنى استبدلوا، والعرب تجعل من آثر شيئا على شيء مشتريا له، ~~وبائعا للآخر. # والضلالة والضلال بمعنى واحد. وفيهما للمفسرين ثلاثة أقوال: أحدها: أن ~~المراد بها ها هنا الكفر، والمراد بالهدى: الإيمان، روي عن الحسن وقتادة ~~والسدي. والثاني: أنها الشك، والهدى: اليقين. # والثالث: أنها الجهل، والهدى: العلم. وفي كيفية استبدالهم الضلالة بالهدى ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم آمنوا ثم كفروا، قاله مجاهد. والثاني: أن اليهود ~~آمنوا بالنبي قبل مبعثه، فلما بعث كفروا به، قاله مقاتل. والثالث: أن ~~الكفار لما بلغهم ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى فردوه ~~واختاروا الضلال، كانوا كمن أبدل شيئا بشيء، ذكره شيخنا علي بن عبيد الله. ~~PageV01P035 # وقوله تعالى: فما ربحت تجارتهم. من مجاز الكلام، لأن التجارة لا تربح، ~~وإنما يربح فيها، ومثله قوله تعالى: بل مكر الليل والنهار «1» ، يريد: بل ~~مكرهم في الليل والنهار. ومثله: فإذا عزم الأمر «2» ، أي: عزم عليه. ~~وأنشدوا «3» : # حارث قد فرجت عني همي ... فنام ليلي وتجلى غمي # والليل لا ينام، بل ينام فيه، وإنما يستعمل مثل هذا فيما يزول فيه ~~الإشكال ويعلم مقصود قائله، فأما إذا أضيف إلى ما يصلح أن يوصف به، وأريد ~~به ما سواه، لم يجز، مثل أن يقول: ربح عبدك، وتريد: ربحت في عبدك. وإلى هذا ~~المعنى ذهب الفراء وابن قتيبة والزجاج. # قوله تعالى: وما كانوا مهتدين. فيه خمسة أقوال: أحدها: وما كانوا في ~~العلم بالله مهتدين. # والثاني: وما كانوا مهتدين من الضلالة. والثالث: وما كانوا مهتدين إلى ~~تجارة المؤمنين. ms0026 والرابع: وما كانوا مهتدين في اشتراء الضلالة. والخامس: ~~أنه قد لا يربح التاجر ويكون على هدى من تجارته غير مستحق للذم فيما ~~اعتمده، فنفى الله عز وجل عنهم الأمرين مبالغة في ذمهم. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 17] # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم ~~في ظلمات لا يبصرون (17) # قوله تعالى: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا. هذه الآية نزلت في المنافقين. ~~والمثل بتحريك الثاء: ما يضرب ويوضع لبيان النظائر في الاحوال. # وفي قوله تعالى: استوقد قولان: أحدهما: أن السين زائدة، وأنشدوا «4» : # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب # أراد: فلم يجبه، وهذا قول الجمهور، منهم الأخفش وابن قتيبة. # والثاني: أن السين داخلة للطلب، أراد: كمن طلب من غيره نارا. # وفي أضاءت قولان: أحدهما: أنه من الفعل المتعدي، قال الشاعر: # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه «5» # وقال آخر «6» : # أضاءت لنا النار وجها أغر ... ملتبسا بالفؤاد التباسا # والثاني: أنه من الفعل اللازم. قال أبو عبيد: يقال: أضاءت النار، وأضاءها ~~غيرها. وقال الزجاج: يقال: ضاء القمر، وأضاء. # وفي «ما» قولان: أحدهما: أنها زائدة، تقديره: أضاءت حوله. والثاني: أنها ~~بمعنى الذي. PageV01P036 # وحول الشيء: ما دار من جوانبه. والهاء: عائدة على المستوقد. فان قيل: كيف ~~وحد، فقال: # كمثل الذي استوقد، ثم جمع فقال: ذهب الله بنورهم؟ فالجواب: أن ثعلبا حكى ~~عن الفراء أنه قال: إنما ضرب المثل للفعل، لا لأعيان الرجال، وهو مثل ~~للنفاق، وإنما قال: ذهب الله بنورهم لأن المعنى ذاهب إلى المنافقين، فجمع ~~لذلك. قال ثعلب: وقال غير الفراء: معنى الذي: الجمع، وحد أولا للفظه، وجمع ~~بعد لمعناه، كما قال الشاعر «1» : # فإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد «2» # فجعل «الذي» جمعا. # فصل: اختلف العلماء في الذي ضرب الله تعالى له هذا المثل من أحوال ~~المنافقين على قولين: # أحدهما: أنه ضرب لكلمة الإسلام التي يلفظون بها، ونورها صيانة النفس وحقن ~~الدماء، فاذا ماتوا سلبهم الله ذلك ms0027 العز، كما سلب صاحب النار ضوءه. وهذا ~~المعنى مروي عن ابن عباس. والثاني: أنه ضرب لإقبالهم على المؤمنين وسماعهم ~~ما جاء به الرسول، فذهاب نورهم: إقبالهم على الكافرين والضلال، وهذا قول ~~مجاهد. # وفي المراد ب «الظلمات» ها هنا أربعة أقوال: أحدها: العذاب، قاله ابن ~~عباس. والثاني: ظلمة الكفر، قاله مجاهد. والثالث: ظلمة يلقيها الله عليهم ~~بعد الموت، قاله قتادة. والرابع: أنها نفاقهم، قاله السدي. # فصل: وفي ضرب المثل لهم بالنار ثلاث حكم: إحداهن: أن المستضيء بالنار ~~مستضيء بنور من جهة غيره، لا من قبل نفسه، فاذا ذهبت تلك النار بقي في ~~ظلمة، فكأنهم لما أقروا بألسنتهم من غير اعتقاد قلوبهم كان نور إيمانهم ~~كالمستعار. والثانية: أن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة الحطب، وهو له ~~كغذاء الحيوان، فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة الاعتقاد ليدوم. ~~والثالثة: أن الظلمة الحادثة بعد الضوء أشد على الإنسان من ظلمة لم يجد ~~معها ضياء، فشبه حالهم بذلك. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 18] # صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18) # قوله تعالى: صم بكم عمي. الصمم: انسداد منافذ السمع، وهو أشد من الطرش. # وفي البكم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الخرس، قاله مقاتل، وأبو عبيد، وابن ~~فارس. والثاني: أنه عيب في اللسان لا يتمكن معه من النطق، وقيل: إن الخرس ~~يحدث عنه. والثالث: أنه عيب في الفؤاد يمنعه أن يعي شيئا فيفهمه، فيجمع بين ~~الفساد في محل الفهم ومحل النطق. ذكر هذين القولين شيخنا. # وقوله تعالى: فهم لا يرجعون. فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لا يرجعون عن ~~ضلالتهم، قاله قتادة ومقاتل. والثاني: لا يرجعون إلى الإسلام، قاله السدي. ~~والثالث: لا يرجعون عن الصمم والبكم والعمى، وإنما أضاف الرجوع إليهم، ~~لأنهم انصرفوا باختيارهم، لغلبة أهوائهم عن تصفح الهدى بآلات PageV01P037 # التصفح، ولم يكن بهم صمم ولا بكم حقيقة، ولكنهم لما التفتوا عن سماع الحق ~~والنطق به كانوا كالصم البكم. والعرب تسمي المعرض عن الشيء: أعمى، والملتفت ~~عن سماعه: أصم، قال مساكين الدارمي: # ما ضر لي جارا أجاوره ... ألا يكون لبابه ms0028 ستر # أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يواري جارتي الخدر # وتصم عما بينهم أذني ... حتى يكون كأنه وقر «1» ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 19] # أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (19) # قوله تعالى: أو كصيب من السماء، أو: حرف مردود على قوله: مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا «2» ، واختلف العلماء فيه على ستة أقوال: # أحدها: أنه داخل ها هنا للتخيير، تقول العرب: جالس الفقهاء أو النحويين، ~~ومعناه: انت مخير في مجالسة أي الفريقين شئت، فكأنه خيرنا بين أن نضرب لهم ~~المثل الأول أو الثاني. # والثاني: أنه داخل للابهام فيما قد علم الله تحصيله، فأبهم عليهم ما لا ~~يطلبون تفصيله، فكأنه قال: مثلهم كأحد هذين، ومثله قوله تعالى: فهي ~~كالحجارة أو أشد قسوة «3» ، والعرب تبهم ما لا فائدة في تفصيله. قال لبيد: # تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر # أي: هل أنا إلا من أحد هذين الفريقين، وقد فنيا، فسبيلي أن أفنى كما ~~فنيا. # والثالث: أنه بمعنى: بل. وأنشد الفراء: # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح # والرابع: أنه للتفصيل، ومعناه: بعضهم يشبه بالذي استوقد نارا، وبعضهم ~~بأصحاب الصيب. # ومثله قوله تعالى: كونوا هودا أو نصارى «4» ، معناه: قال بعضهم، وهم ~~اليهود: كونوا هودا، وقال النصارى: كونوا نصارى. وكذلك قوله: فجاءها بأسنا ~~بياتا أو هم قائلون «5» ، معناه: جاء بعضهم بأسنا بياتا، وجاء بعضهم بأسنا ~~وقت القائلة. # والخامس: أنه بمعنى الواو. ومثله قوله تعالى: أن تأكلوا من بيوتكم أو ~~بيوت آبائكم «6» . # قال جرير: # نال الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر «7» ~~PageV01P038 # والسادس: أنه للشك في حق المخاطبين، إذ الشك مرتفع عن الحق عز وجل، ومثله ~~قوله تعالى: وهو أهون عليه «1» ، يريد: الإعادة أهون من الابتداء فيما ~~تظنون. # فأما التفسير لمعنى الكلام: أو كأصحاب صيب، فأضمر الأصحاب، لأن في قوله: ~~يجعلون أصابعهم في آذانهم، دليلا عليه. والصيب: المطر. قال ابن ms0029 قتيبة: هو ~~فيعل من صاب يصوب: إذا نزل من السماء، وقال الزجاج: كل نازل من علو إلى ~~استفال، فقد صاب يصوب، قال الشاعر «2» : # كأنهم صابت عليهم سحابة ... صواعقها لطيرهن دبيب # وفي «الرعد» ثلاثة أقوال: # (17) أحدها: أنه صوت ملك يزجر السحاب، وقد روي هذا المعنى مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وبه PageV01P039 # قال ابن عباس ومجاهد. وفي رواية عن مجاهد: أنه صوت ملك يسبح. وقال عكرمة: ~~هو ملك يسوق السحاب كما يسوق الحادي الابل. # والثاني: أنه ريح تختنق بين السماء والأرض. وقد روي عن أبي الجلد أنه ~~قال: الرعد: الريح. # واسم أبي الجلد: جيلان بن أبي فروة البصري، وقد روى عنه قتادة. # والثالث: أنه اصطكاك أجرام السحاب «1» ، حكاه شيخنا علي بن عبيد الله. # وفي البرق ثلاثة أقوال «2» : # (18) أحدها: أنه مخاريق يسوق بها الملك السحاب، روي هذا المعنى مرفوعا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول علي بن أبي طالب. وفي رواية عن علي ~~قال: هو ضربة بمخراق من حديد. وعن ابن عباس: # أنه ضربة بسوط من نور. قال ابن الانباري: المخاريق: ثياب تلف، ويضرب بها ~~بعض الصبيان بعضا، فشبه السوط الذي يضرب به السحاب بذلك المخراق. قال عمرو ~~بن كلثوم: # كأن سيوفنا فينا وفيهم ... مخاريق بأيدي لاعبينا # وقال مجاهد: البرق: مصع ملك، والمصع: الضرب والتحريك. والثاني: أن البرق: ~~الماء، قاله أبو الجلد. وحكى ابن فارس أن البرق: تلألؤ الماء. والثالث: أنه ~~نار تنقدح من اصطكاك أجرام السحاب لسيره، وضرب بعضه لبعض، حكاه شيخنا. # والصواعق: جمع صاعقة، وهي صوت شديد من صوت الرعد يقع معه قطعة من نار ~~تحرق ما تصيبه. وروي عن شهر بن حوشب: أن الملك الذي يسوق السحاب، إذا اشتد ~~غضبه، طار من فيه النار، فهي الصواعق. وقال غيره: هي نار تنقدح من اصطكاك ~~أجرام السحاب. قال ابن قتيبة: وإنما سميت صاعقة، لأنها إذا أصابت قتلت، ~~يقال: صعقتهم، أي: قتلتهم. # قوله تعالى: والله محيط بالكافرين. فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يفوته ~~أحد منهم، فهو جامعهم يوم ms0030 القيامة. ومثله قوله تعالى: أحاط بكل شيء علما ~~«3» ، قاله مجاهد. والثاني: أن الإحاطة: # الإهلاك، مثل قوله تعالى: وأحيط بثمره «4» . والثالث: أنه لا يخفى عليه ~~ما يفعلون. PageV01P040 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 20] # يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ~~ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (20) # قوله تعالى: يكاد البرق يخطف أبصارهم، يكاد بمعنى: يقارب، وهي كلمة إذا ~~أثبتت انتفى الفعل، وإذا نفيت ثبت الفعل. وسئل بعض المتأخرين فقيل له: # أنحوي هذا العصر ما هي كلمة ... جرت بلساني جرهم وثمود # إذا نفيت والله يشهد أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود # ويشهد للاثبات عند النفي قوله تعالى: لا يكادون يفقهون حديثا «1» ، ~~وقوله: إذا أخرج يده لم يكد يراها «2» ، ومثله: ولا يكاد يبين «3» ، ويشهد ~~للنفي عند الإثبات قوله تعالى: يكاد البرق ويكاد سنا برقه «4» ويكاد زيتها ~~يضيء «5» . وقال ابن قتيبة: كاد: بمعنى هم ولم يفعل. وقد جاءت بمعنى فعل. ~~قال ذو الرمة: # ولو أن لقمان الحكيم تعرضت ... لعينيه مي سافرا كاد يبرق # أي: لو تعرضت له لبرق، أي: دهش وتحير. قلت: وقد قال ذو الرمة في المنفية ~~ما يدل على أنها تستعمل على خلاف الأصل، وهو قوله: # اذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح «6» # أراد: لم يبرح. # قوله تعالى: يخطف أبصارهم. قرأ الجمهور «يخطف» بفتح الياء وسكون الخاء ~~وفتح الطاء، وقرأ أبان بن تغلب، وأبان بن يزيد كلاهما عن عاصم، بفتح الياء ~~وسكون الخاء وكسر الطاء مخففا. # ورواه الجعفي عن أبي بكر عن عاصم، بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الطاء، ~~وهي قراءة الحسن كذلك، إلا أنه كسر الياء. وعنه: فتح الياء والخاء مع كسر ~~الطاء المشددة. # ومعنى «يخطف» : يستلب، وأصل الاختطاف: الاستلاب، ويقال لما يخرج به ~~الدلو: خطاف، لأنه يختطف ما علق به. قال النابغة: # خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع # والحجن: المتعقفة، وجمل خيطف: سريع المر، وتلك السرعة الخطفى. # قوله تعالى: كلما أضاء ms0031 لهم. قال الزجاج: يقال: ضاء الشيء يضوء، وأضاء ~~يضيء، وهذه اللغة الثانية هي المختارة. # فصل: واختلف العلماء ما الذي يشبه الرعد مما يتعلق بأحوال المنافقين على ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه التخويف الذي في القرآن، قاله ابن عباس. والثاني: أنه ما ~~يخافون أن يصيبهم من المصائب PageV01P041 # إذا علم النبي والمؤمنون بنفاقهم، قاله مجاهد والسدي. والثالث: أنه ما ~~يخافونه من الدعاء إلى الجهاد، وقتال من يبطنون مودته، ذكره شيخنا. # واختلفوا: ما الذي يشبه البرق من أحوالهم على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ما ~~يتبين لهم من مواعظ القرآن وحكمه. والثاني: أنه ما يضيء لهم من نور إسلامهم ~~الذي يظهرونه. والثالث: أنه مثل لما ينالونه باظهار الإسلام من حقن دمائهم، ~~فانه بالإضافة إلى ما ذخر لهم في الأجل كالبرق. واختلفوا في معنى قوله: ~~يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق، على قولين: أحدهما: أنهم كانوا يفرون ~~من سماع القرآن لئلا يأمرهم بالجهاد مخافة الموت، قاله الحسن والسدي. ~~والثاني: أنه مثل لإعراضهم عن القرآن كراهية له، قاله مقاتل. واختلفوا في ~~معنى: كلما أضاء لهم مشوا فيه على أربعة أقوال: أحدها: أن معناه: # كلما أتاهم القرآن بما يحبون تابعوه، قاله ابن عباس والسدي. والثاني: أن ~~إضاءة البرق حصول ما يرجونه من سلامة نفوسهم وأموالهم، فيسرعون إلى ~~متابعته، قاله قتادة. والثالث: أن تكلمهم بالاسلام، ومشيهم فيه: اهتداؤهم ~~به، فاذا تركوا ذلك وقفوا في ضلالة، قاله مقاتل. والرابع: أن إضاءته لهم: # تركهم بلا ابتلاء ولا امتحان، ومشيهم فيه: إقامتهم على المسالمة باظهار ~~ما يظهرونه. ذكره شيخنا. # فأما قوله تعالى: وإذا أظلم عليهم، فمن قال: إضاءته: إتيانه إياهم بما ~~يحبون، قال: إظلامه: # إتيانه إياهم بما يكرهون. وعلى هذا سائر الأقوال التي ذكرناها بالعكس. ~~ومعنى قاموا: وقفوا. قوله تعالى: ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم، قال ~~مقاتل: معناه: لو شاء لأذهب أسماعهم وأبصارهم عقوبة لهم. # قال مجاهد: من أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت ~~الكافرين، وثلاث عشرة في نعت المنافقين. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 21] # يا أيها الناس ms0032 اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) # قوله تعالى: يا أيها الناس اعبدوا ربكم. اختلف العلماء فيمن عنى بهذا ~~الخطاب على أربعة أقوال: أحدها: أنه عام في جميع الناس، وهو قول ابن عباس. ~~والثاني: أنه خطاب لليهود دون غيرهم، قاله الحسن ومجاهد. والثالث: أنه خطاب ~~للكفار من مشركي العرب وغيرهم، قاله السدي. # والرابع: أنه خطاب للمنافقين واليهود، قاله مقاتل. # والناس اسم للحيوان الآدمي وسموا بذلك لتحركهم في مراداتهم. والنوس: ~~الحركة. وقيل: # سموا ناسا لما يعتريهم من النسيان. وفي المراد بالعبادة ها هنا قولان: ~~أحدهما: التوحيد. والثاني: # الطاعة، رويا عن ابن عباس. والخلق: الإيجاد. وإنما ذكر من قبلهم، لأنه ~~أبلغ في التذكير، وأقطع للجحد، وأحوط في الحجة. وقيل: إنما ذكر من قبلهم، ~~لينبههم على الاعتبار بأحوالهم في إثابة مطيع، ومعاقبة عاص. # وفي (لعل) قولان: أحدهما: أنها بمعنى كي، وأنشدوا في ذلك: # وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا ... نكف ووثقتم لنا كل موثق # فلما كففنا الحرب كانت عهودكم ... كلمع سراب في الملا متألق # PageV01P042 # يريد: لكي نكف، وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل وقطرب وابن كيسان. # والثاني: أنها بمعنى الترجي، ومعناها: اعبدوا الله راجين للتقوى، ولأن ~~تقوا أنفسكم- بالعبادة- عذاب ربكم. وهذا قول سيبويه. قال ابن عباس: لعلكم ~~تتقون الشرك، وقال الضحاك: لعلكم تتقون النار. وقال مجاهد: لعلكم تطيعون. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 22] # الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22) # قوله تعالى: الذي جعل لكم الأرض فراشا. إنما سميت الأرض أرضا لسعتها، من ~~قولهم: # أرضت القرحة: إذا اتسعت، وقيل: لانحطاطها عن السماء، وكل ما سفل: أرض، ~~وقيل: لأن الناس يرضونها بأقدامهم، وسميت السماء سماء لعلوها. قال الزجاج: ~~وكل ما علا على الأرض فاسمه بناء، وقال ابن عباس: البناء ها هنا بمعنى ~~السقف. # قوله تعالى: وأنزل من السماء، يعني: من السحاب، ماء يعني المطر. فلا ~~تجعلوا لله أندادا، يعني: شركاء، أمثالا. يقال: هذا ند هذا، ونديده. وفيما ~~أريد بالأنداد ها ms0033 هنا قولان: # أحدهما: الأصنام، قاله ابن زيد. والثاني: رجال كانوا يطيعونهم في معصية ~~الله، قاله السدي. قوله تعالى: وأنتم تعلمون. فيه ستة أقوال: أحدها: وأنتم ~~تعلمون أنه خلق السماء، وأنزل الماء، وفعل ما شرحه في هذه الآيات، وهذا ~~المعنى مروي عن ابن عباس وقتادة ومقاتل. والثاني: وأنتم تعلمون أنه ليس ذلك ~~في كتابكم التوراة والانجيل، روي عن ابن عباس أيضا، وهو يخرج على قول من ~~قال: # الخطاب لأهل الكتاب. والثالث: وأنتم تعلمون أنه لا ند له، قاله مجاهد. ~~والرابع: أن العلم ها هنا بمعنى العقل، قاله ابن قتيبة. والخامس: وأنتم ~~تعلمون أنه لا يقدر على فعل ما ذكره أحد سواه. ذكره شيخنا علي بن عبيد ~~الله. والسادس: وأنتم تعلمون أنها حجارة، سمعته من الشيخ أبي محمد بن ~~الخشاب. ### | [سورة البقرة (2) : آية 23] # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم ~~من دون الله إن كنتم صادقين (23) # قوله تعالى: وإن كنتم في ريب. سبب نزولها أن اليهود قالوا: هذا الذي ~~يأتينا به محمد لا يشبه الوحي، وإنا لفي شك منه، فنزلت هذه الآية. وهذا ~~مروي عن ابن عباس ومقاتل. و «إن» ها هنا لغير شك، لأن الله تعالى علم أنهم ~~مرتابون، ولكن هذا عادة العرب، يقول الرجل لابنه: إن كنت ابني فأطعني. ~~وقيل: إنها ها هنا بمعنى إذ، قال أبو زيد: ومنه قوله تعالى: وذروا ما بقي ~~من الربا إن كنتم مؤمنين «1» . قوله تعالى: فأتوا بسورة من مثله، قال ابن ~~قتيبة: السورة تهمز ولا تهمز، فمن همزها جعلها من أسأرت، يعني أفضلت كأنها ~~قطعة من القرآن، ومن لم يهمزها جعلها من سورة البناء، أي منزلة بعد منزلة. ~~قال النابغة في النعمان: PageV01P043 # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # والسورة في هذا البيت: سورة المجد، وهي مستعارة من سورة البناء. وقال ابن ~~الأنباري: قال أبو عبيدة: إنما سميت السورة سورة لأنه يرتفع فيها من منزلة ~~إلى منزلة، مثل سورة البناء. معنى: # أعطاك سورة، ms0034 أي: منزلة شرف ارتفعت إليها عن منازل الملوك. قال ابن ~~القاسم: ويجوز أن تكون سميت سورة لشرفها، تقول العرب: له سورة في المجد، ~~أي: شرف وارتفاع، أو لأنها قطعة من القرآن من قولك: أسأرت سؤرا، أي: أبقيت ~~بقية. وفي هاء «مثله» قولان: أحدهما: أنها تعود على القرآن المنزل «1» ، ~~قاله قتادة والفراء ومقاتل. والثاني: أنها تعود على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فيكون التقدير: فأتوا بسورة من مثل هذا العبد الأمي، ذكره أبو عبيدة ~~والزجاج وابن القاسم. فعلى هذا القول: تكون «من» لابتداء الغاية، وعلى ~~الأول: تكون زائدة. # قوله تعالى: وادعوا شهداءكم من دون الله. فيه قولان: أحدهما: أن معناه: ~~استعينوا من المعونة، قاله السدي والفراء. والثاني: استغيثوا، من ~~الاستغاثة، وأنشدوا: # فلما التقت فرساننا ورجالهم ... دعوا يال كعب واعتزينا لعامر «2» # وهذا قول ابن قتيبة. وفي «شهدائهم» ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم آلهتهم، ~~قاله ابن عباس والسدي ومقاتل والفراء. قال ابن قتيبة: وسموا شهداء، لأنهم ~~يشهدونهم ويحضرونهم. وقال غيره: لأنهم عبدوهم ليشهدوا لهم عند الله. ~~والثاني: أنهم أعوانهم، روي عن ابن عباس أيضا. والثالث: أن معناه: # فأتوا بناس يشهدون أن ما تأتون به مثل القرآن، روي عن مجاهد. # قوله تعالى: إن كنتم صادقين أي في قولكم: إن القرآن ليس من عند الله، ~~قاله ابن عباس. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 24] # فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت ~~للكافرين (24) # قوله تعالى: فإن لم تفعلوا في هذه الآية مضمر مقدر، يقتضي الكلام تقديمه، ~~وهو أنه لما تحداهم بما في الآية الماضية من التحدي، فسكتوا عن الاجابة ~~قال: فإن لم تفعلوا، وفي قوله تعالى: ولن تفعلوا أعظم دلالة على صحة نبوة ~~نبينا، لأنه أخبر أنهم لا يفعلون، ولم يفعلوا. # والوقود: بفتح الواو: الحطب، وبضمها: التوقد، كالوضوء بالفتح: الماء، ~~وبالضم: المصدر، وهو اسم حركات المتوضئ. وقرأ الحسن وقتادة: وقودها، بضم ~~الواو، والاختيار الفتح. والناس أوقدوا فيها بطريق العذاب. والحجارة، لبيان ~~قوتها وشدتها، إذ هي محرقة للحجارة. وفي هذه الحجارة PageV01P044 # قولان: أحدهما: أنها أصنامهم ms0035 التي عبدوها، قاله الربيع بن أنس. والثاني: ~~أنها حجارة الكبريت، وهي أشد الأشياء حرا، إذا أحميت يعذبون بها. # ومعنى أعدت: هيئت. وإنما خوفهم بالنار إذا لم يأتوا بمثل القرآن، لأنهم ~~إذا كذبوه، وعجزوا عن الإتيان بمثله ثبتت عليهم الحجة، وصار الخلاف عنادا، ~~وجزاء المعاندين النار. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 25] # وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به ~~متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25) # قوله تعالى: وبشر الذين آمنوا. البشارة: أول خبر يرد على الإنسان، وسمي ~~بشارة، لأنه يؤثر في بشرته، فان كان خيرا، أثر المسرة والانبساط، وإن شرا، ~~أثر الانجماع والغم، والأغلب في عرف الاستعمال أن تكون البشارة بالخير، وقد ~~تستعمل في الشر، ومنه قوله تعالى: بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما (138) ~~«1» . # قوله تعالى: وعملوا الصالحات. يشمل كل عمل صالح، وقد روي عن عثمان بن ~~عفان أنه قال: أخلصوا الأعمال. وعن علي عليه السلام أنه قال: أقاموا ~~الصلوات المفروضات. # فأما الجنات، فجمع جنة. وسميت الجنة جنة، لاستتار أرضها بأشجارها، وسمي ~~الجن جنا، لاستتارهم، والجنين من ذلك، والدرع جنة، وجن الليل: إذا ستر، ~~وذكر عن المفضل أن الجنة: كل بستان فيه نخل. وقال الزجاج: كل نبت كثف وكثر ~~وستر بعضه بعضا، فهو جنة. # قوله تعالى: تجري من تحتها، أي: من تحت شجرها لا من تحت أرضها. # قوله تعالى: هذا الذي رزقنا من قبل، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: ~~هذا الذي طعمنا من قبل، فرزق الغداة كرزق العشي، روي عن ابن عباس والضحاك ~~ومقاتل. والثاني: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، قاله مجاهد وابن زيد. ~~والثالث: أن ثمر الجنة إذا جني خلفه مثله، فاذا رأوا ما خلف الجنى، اشتبه ~~عليهم، فقالوا: هذا الذي رزقنا من قبل، قاله يحيى بن أبي كثير وأبو عبيدة. ~~قوله تعالى: وأتوا به متشابها. فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه متشابه في ~~المنظر واللون، مختلف في الطعم، ms0036 قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية والضحاك ~~والسدي ومقاتل. والثاني: أنه متشابه في جودته، لا رديء فيه، قاله الحسن ~~وابن جريج. والثالث: أنه يشبه ثمار الدنيا في الخلقة والاسم، غير أنه أحسن ~~في المنظر والطعم، قاله قتادة وابن زيد. # فان قال قائل: ما وجه الامتنان بمتشابهه، وكلما تنوعت المطاعم واختلفت ~~ألوانها كان أحسن؟! فالجواب: أنا إن قلنا: إنه متشابه المنظر مختلف الطعم، ~~كان أغرب عند الخلق وأحسن، فانك لو رأيت تفاحة فيها طعم سائر الفاكهة، كان ~~نهاية في العجب. وإن قلنا: إنه متشابه في الجودة جاز اختلافه في ~~PageV01P045 # الألوان والطعوم. وإن قلنا: إنه يشبه صورة ثمار الدنيا مع اختلاف المعاني ~~كان أطرف وأعجب، وكل هذه مطالب مؤثرة. # قوله تعالى: ولهم فيها أزواج مطهرة. أي: الخلق، فانهن لا يحضن ولا يبلن ~~ولا يأتين الخلاء، وفي الخلق، فانهن لا يحسدن ولا يغرن ولا ينظرن إلى غير ~~أزواجهن. قال ابن عباس: نقية عن القذى والأذى. قال الزجاج: ومطهرة أبلغ من ~~طاهرة لأنه للتكثير. والخلود: البقاء الدائم الذي لا انقطاع له. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 26] # إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا ~~فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا ~~مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) # وقوله تعالى: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا. في سبب نزولها قولان: ~~أحدهما: أنه لما نزل قوله تعالى: ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من ~~دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له «1» ، ونزل قوله: كمثل العنكبوت ~~اتخذت بيتا «2» . قالت اليهود: وما هذا من الأمثال؟! فنزلت هذه الآية «3» ، ~~قاله ابن عباس والحسن وقتادة ومقاتل والفراء. والثاني: أنه لما ضرب الله ~~المثلين، وهما قوله تعالى: كمثل الذي استوقد نارا «4» ، وقوله: أو كصيب من ~~السماء «5» ، قال المنافقون: # الله أجل وأعلى من أن يضرب هذه الأمثال، فنزلت هذه الآية، رواه السدي عن ~~أشياخه. وروي عن الحسن ومجاهد نحوه. # والحياء بالمد: الانقباض ms0037 والاحتشام، غير أن صفات الحق عز وجل لا يطلع لها ~~على ماهية وإنما تمر كما جاءت. # (19) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم حيي كريم» ، وقيل: معنى ~~لا يستحيي: لا يترك، لأن كل ما PageV01P046 # يستحيى منه يترك. وحكى ابن جرير الطبري عن بعض اللغويين أن معنى لا ~~يستحيي: لا يخشى. # ومثله: وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه «1» ، أي: تستحيي منه. فالاستحياء ~~والخشية ينوب كل واحد منهما عن الآخر. وقرأ مجاهد وابن محيصن: لا يستحي ~~بياء واحدة، وهي لغة. # وقوله تعالى: أن يضرب مثلا. قال ابن عباس: أن يذكر شبها، واعلم أن فائدة ~~المثل أن يبين للمضروب له الأمر الذي ضرب لأجله، فينجلي غامضه. قوله تعالى: ~~ما بعوضة. «ما» زائدة، وهذا اختيار أبي عبيدة والزجاج والبصريين. وأنشدوا ~~للنابغة: # قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... [إلى حمامتنا أو نصفه فقد] «2» # وذكر أبو جعفر الطبري أن المعنى: ما بين بعوضة إلى ما فوقها، ثم حذف ذكر ~~«بين» و «إلى» إذ كان في نصب البعوضة، ودخول الفاء في «ما» الثانية دلالة ~~عليهما، كما قالت العرب: مطرنا ما زبالة فالثعلبية، وله عشرون ما ناقة ~~فجملا، وهي أحسن الناس ما قرنا فقدما [يعنون: ما بين قرنها إلى قدمها] . ~~وقال غيره: نصب البعوضة على البدل من المثل. وروى الأصمعي عن نافع: «بعوضة» ~~بالرفع، على إضمار هو، والبعوضة: صغيرة البق. # وفي قوله تعالى: فما فوقها، فيه قولان: أحدهما: أن معناه فما فوقها في ~~الكبر، قاله ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، والفراء. والثاني: فما فوقها في ~~الصغر، فيكون معناه: فما دونها، قاله أبو عبيدة. قال ابن قتيبة: وقد يكون ~~الفوق بمعنى: دون، وهو من الأضداد، ومثله: الجون يقال للأسود والأبيض. ~~والصريم: الصبح والليل. والسدفة: الظلمة والضوء. والجلل: الصغير والكبير. ~~والناهل: # العطشان والريان. والماثل: القائم واللاطئ بالأرض. والصارخ: المغيث ~~والمستغيث. والهاجد: # المصلي بالليل والنائم. والرهوة: الارتفاع والانحدار. والتلعة: ما ارتفع ~~من الارض وما انهبط من الارض. والظن: يقين وشك. والاقراء: الحيض والاطهار. ~~والمفرع في الجبل: المصعد، وهو المنحدر. ms0038 والوراء: يكون خلفا وقداما. وأسررت ~~الشيء: أخفيته وأعلنته. وأخفيت الشىء: أظهرته وكتمته. ورتوت الشيء: شددته، ~~وأرخيته. وشعبت الشيء: جمعته وفرقته. وبعت الشيء بمعنى: بعته واشتريته. ~~وشريت الشيء: اشتريته وبعثته. والحي خلوف: غيب، ومتخلفون. # واختلفوا في قوله: يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا، هل هو من تمام قول الذين ~~قالوا: # ماذا أراد الله بهذا مثلا، أو هو مبتدأ من كلام الله عز وجل؟ على قولين: ~~أحدهما: أنه تمام الكلام الذي قبله، قاله الفراء، وابن قتيبة. قال الفراء: ~~كأنهم قالوا: ماذا اراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد، يضل به هذا، ويهدي به ~~هذا؟! ثم استؤنف الكلام والخبر عن الله. فقال الله: وما يضل به إلا ~~الفاسقين. والثاني: أنه مبتدأ من قول الله تعالى، قاله السدي ومقاتل. ~~PageV01P047 # فأما الفسق فهو في اللغة: الخروج، يقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرها، ~~فالفاسق: # الخارج عن طاعة الله إلى معصيته. وفي المراد بالفاسقين ها هنا، ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: المنافقون، ~~قاله أبو العالية والسدي. والثالث: جميع الكفار. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 27] # الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (27) # قوله تعالى: الذين ينقضون عهد الله. هذه صفة للفاسقين، وقد سبقت فيهم ~~الأقوال الثلاثة. # والنقض: ضد الإبرام، ومعناه: حل الشىء بعد عقده. وينصرف النقض إلى كل شىء ~~بحسبه، فنقض البناء: تفريق جمعه بعد إحكامه. ونقض العهد: الإعراض عن المقام ~~على أحكامه. وفي هذا العهد ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ما عهد إلى أهل الكتاب ~~من صفة محمد صلى الله عليه وسلم والوصية باتباعه، قاله ابن عباس ومقاتل. ~~والثاني: ما عهد اليهم في القرآن، فأقروا به ثم كفروا فنقضوه، قاله السدي. ~~والثالث: أنه الذي أخذه عليهم حين استخرج ذرية آدم من ظهره، قاله الزجاج. ~~ونحن وإن لم نذكر ذلك العهد، فقد ثبت بخبر الصادق فيجب الايمان به. # وفي «من» قولان: أحدهما: أنها زائدة. والثاني: أنها لابتداء الغاية، كأنه ~~قال: ابتداء ms0039 نقض العهد من بعد ميثاقه. وفي هاء «ميثاقه» قولان: أحدهما: ~~أنها ترجع إلى الله سبحانه. والثاني: أنها ترجع إلى العهد، فتقديره: بعد ~~إحكام التوثق فيه. # وفي الذي أمر الله به أن يوصل، ثلاثة أقوال: أحدها: الرحم والقرابة، قاله ~~ابن عباس وقتادة والسدي. والثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعوه ~~بالتكذيب، قاله الحسن. والثالث: الإيمان بالله، وأن لا يفرق بين أحد من ~~رسله، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، قاله مقاتل. # وفي فسادهم في الأرض ثلاثة أقوال: أحدها: استدعاؤهم الناس إلى الكفر، ~~قاله ابن عباس. # والثاني: أنه العمل بالمعاصي، قاله السدي، ومقاتل. والثالث: أنه قطعهم ~~الطريق على من جاء مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ليمنعوا الناس من ~~الإسلام. والخسران في اللغة: النقصان. ### | [سورة البقرة (2) : آية 28] # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ~~ترجعون (28) # قوله تعالى: كيف تكفرون بالله، في «كيف» قولان: أحدهما: أنه استفهام في ~~معنى التعجب، وهذا التعجب للمؤمنين، أي: اعجبوا من هؤلاء كيف يكافرون، وقد ~~ثبتت حجة الله عليهم، قاله ابن قتيبة والزجاج. والثاني: أنه استفهام خارج ~~مخرج التقرير والتوبيخ، تقديره: ويحكم كيف تكفرون بالله! قال العجاج: # أطربا وأنت قنسري ... [والدهر بالانسان دواري] «1» # أراد: أتطرب وأنت شيخ كبير؟! قاله ابن الأنباري. # قوله تعالى: وكنتم أمواتا. قال الفراء: أي: وقد كنتم أمواتا. ومثله: ~~PageV01P048 # أو جاؤكم حصرت صدورهم «1» ، أي: قد حصرت. ومثله: وإن كان قميصه قد من دبر ~~فكذبت» # ، فقد كذبت، ولولا إضمار «قد» لم يجز مثله في الكلام. # وفي الحياتين، والموتتين أقوال: أصحها: أن الموتة الأولى، كونهم نطفا ~~وعلقا ومضغا، فأحياهم في الأرحام، ثم يميتهم بعد خروجهم إلى الدنيا، ثم ~~يحييهم للبعث يوم القيامة، وهذا قول ابن عباس وقتادة ومقاتل والفراء وثعلب، ~~والزجاج، وابن قتيبة، وابن الأنباري. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 29] # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع ~~سماوات وهو بكل شيء عليم (29) # قوله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، أي: لأجلكم، فبعضه ms0040 ~~للانتفاع، وبعضه للإتباع. ثم استوى إلى السماء، أي: عمد إلى خلقها، ~~والسماء: لفظها لفظ الواحد، ومعناها معنى الجمع، بدليل قوله: فسواهن. ~~وأيهما أسبق في الخلق: الأرض، أم السماء؟ فيه قولان: أحدهما: الأرض، قاله ~~مجاهد. والثاني: السماء، قاله مقاتل. واختلفوا في كيفية تكميل خلق الأرض ~~وما فيها، فقال ابن عباس: بدأ بخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماوات في ~~يومين، ثم دحا الأرض وبينها الجبال، وقدر فيها أقواتها في يومين. وقال ~~الحسن ومجاهد: جمع خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام متوالية، ثم خلق ~~السماء في يومين. # والعليم: جاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم. ### | [سورة البقرة (2) : آية 30] # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ~~(30) # قوله تعالى: وإذ قال ربك للملائكة. كان أبو عبيدة يقول: «إذ» ملغاة، ~~وتقدير الكلام: وقال ربك، وتابعه ابن قتيبة، وعاب ذلك عليهما الزجاج وابن ~~القاسم. وقال الزجاج: إذ: معناها: الوقت، فكأنه قال: ابتداء خلقكم إذ قال ~~ربك للملائكة. # والملائكة: من الألوك، وهي الرسالة، قال لبيد: # وغلام أرسلته أمه ... بألوك فبذلنا ما سأل # وواحد الملائكة: ملك، والأصل فيه: ملأك. وأنشد سيبويه: # فلست لإنسي ولكن لملأك ... تنزل من جو السماء يصوب # قال أبو إسحاق: ومعنى ملأك: صاحب رسالة، يقال: مألكة ومألكة وملأكة. ~~ومآلك: جمع مألكة. قال الشاعر «3» : # أبلغ النعمان عني مألكا ... أنه قد طال حبسي وانتظاري # وفي هؤلاء الملائكة قولان: أحدهما: أنهم جميع الملائكة، قاله السدي عن ~~أشياخه. والثاني: PageV01P049 # أنهم الذين كانوا مع إبليس حين أهبط إلى الأرض، ذكره أبو صالح عن ابن ~~عباس. ونقل أنه كان في الأرض خلق قبل آدم، فأفسدوا، فبعث الله إبليس في ~~جماعة من الملائكة فأهلكوهم. # واختلفوا ما المقصود في إخبار الله عز وجل الملائكة بخلق آدم على ستة ~~أقوال: أحدها: أن الله تعالى علم في نفس إبليس كبرا، فأحب أن يطلع الملائكة ~~عليه، وأن يظهر ما سبق عليه في ms0041 علمه، رواه الضحاك عن ابن عباس، والسدي عن ~~أشياخه. والثاني: أنه أراد أن يبلو طاعة الملائكة، قاله الحسن. # والثالث: أنه لما خلق النار خافت الملائكة، فقالوا: ربنا لمن خلقت هذه؟ ~~قال: لمن عصاني، فخافوا وجود المعصية منهم، وهم لا يعلمون بوجود خلق سواهم، ~~فقال لهم: إني جاعل في الأرض خليفة، قاله ابن زيد. والرابع: أنه أراد إظهار ~~عجزهم عن الإحاطة بعلمه. فأخبرهم حتى قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها؟ ~~فأجابهم: إني أعلم ما لا تعلمون. والخامس: أنه أراد تعظيم آدم بذكره ~~بالخلافة قبل وجوده، ليكونوا معظمين له إذ أوجده. والسادس: أنه أراد ~~إعلامهم بأنه خلقه ليسكنه الأرض، وإن كان ابتداء خلقه في السماء. # والخليفة: هو القائم مقام غيره، يقال: هذا خلف فلان وخليفته. قال ابن ~~الأنباري: والأصل في الخليفة خليف، بغير هاء، فدخلت الهاء للمبالغة بهذا ~~الوصف، كما قالوا: علامة ونسابة. وفي معنى خلافة آدم قولان: أحدهما: أنه ~~خليفة عن الله تعالى في إقامة شرعه، ودلائل توحيده، والحكم في خلقه، وهذا ~~قول ابن مسعود ومجاهد «1» . والثاني: أنه خلف من سلف في الأرض قبله، وهذا ~~قول ابن عباس والحسن. # قوله تعالى: أتجعل فيها من يفسد فيها. فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن ظاهر ~~الألف للاستفهام، دخل على معنى العلم ليقع به تحقيق، ومعناها الإيجاب، ~~تقديره: ستجعل فيها من يفسد فيها، قاله أبو عبيدة. قال جرير: # ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح # معناه: أنتم خير من ركب المطايا. والثاني: أنهم قالوه لاستعلام وجه ~~الحكمة، لا على وجه الاعتراض، ذكره الزجاج. والثالث: أنهم سألوا عن حال ~~أنفسهم، فتقديره: أتجعل فيها من يفسد فيها ونحن نسبح بحمدك، أم لا؟ # وهل علمت الملائكة أنهم يفسدون بتوقيف من الله تعالى، أم قاسوا على حال ~~من قبلهم؟ فيه قولان: أحدهما: أنه بتوقيف من الله تعالى، قاله ابن مسعود ~~وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة، وابن زيد وابن قتيبة، وروى السدي عن ~~أشياخه: أنهم قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون ~~في الأرض ms0042 ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضا، فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها. # والثاني: أنهم قاسوه على أحوال من سلف قبل آدم، روي نحو هذا عن ابن عباس ~~وأبي العالية ومقاتل. # قوله تعالى: ويسفك الدماء. قرأ الجمهور بكسر الفاء، وضمها طلحة بن مصرف ~~وإبراهيم بن أبي عبلة، وهما لغتان، وروي عن طلحة وابن مقسم «ويسفك» : بضم ~~الياء وفتح السين وتشديد الفاء مع PageV01P050 # كسرها، وهي لتكثير الفعل وتكريره. وسفك الدم: صبه وإراقته وسفحه، وذلك ~~مستعمل في كل مضيع، إلا أن السفك يختص الدم، والصب والسفح والإراقة يقال في ~~الدم وفي غيره. وفي معنى تسبيحهم أربعة أقوال: أحدها: أنه الصلاة، قاله ابن ~~مسعود وابن عباس. والثاني: أنه قول: سبحان الله، قاله قتادة. والثالث: أنه ~~التعظيم والحمد، قاله أبو صالح. والرابع: أنه الخضوع والذل، قاله محمد بن ~~القاسم الأنباري. # وقوله تعالى: ونقدس لك. القدس: الطهارة، وفي معنى تقديسهم ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أن معناه: نتطهر لك من أعمالهم، قاله ابن عباس. والثاني: نعظمك، ~~ونكبرك، قاله مجاهد. والثالث: # نصلي لك قاله قتادة. # قوله تعالى: إني أعلم ما لا تعلمون. فيه أربعة أقوال: أحدها: أن معناه: ~~أعلم ما في نفس إبليس من البغى والمعصية، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي عن ~~أشياخه. والثاني: أعلم أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء وصالحون، قاله ~~قتادة. والثالث: أعلم أني أملأ جهنم من الجنة والناس، قاله ابن زيد. ~~والرابع: أعلم عواقب الأمور، فانا أبتلي من تظنون أنه مطيع، فيؤديه ~~الابتلاء إلى المعصية كإبليس، ومن تظنون به المعصية فيطيع، قاله الزجاج. # (الإشارة إلى خلق آدم عليه السلام) (20) روى أبو موسى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أنه قال: «إن الله، عز وجل، خلق آدم من قبضة قبضها من جميع ~~الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ~~ذلك، والسهل والحزن، وبين ذلك، والخبيث والطيب» ، قال الترمذي: هذا حديث ~~صحيح. # (21) وقد أخرج البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # «خلق الله تعالى آدم ms0043 طوله ستون ذراعا» . # (22) وأخرج مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، أنه قال: «خلق الله آدم بعد PageV01P051 # العصر يوم الجمعة آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، ما بين العصر ~~إلى الليل» . # قال ابن عباس: لما نفخ فيه الروح، أتته النفخة من قبل رأسه، فجعلت لا ~~تجري منه في شيء إلا صار لحما ودما. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 31] # وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء ~~إن كنتم صادقين (31) # قوله تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها. في تسميته بآدم قولان: أحدهما: لأنه ~~خلق من أديم PageV01P052 # الأرض، قاله ابن عباس وابن جبير والزجاج. والثاني: أنه من الأدمة في ~~اللون، قاله الضحاك والنضر بن شميل وقطرب. وفي الأسماء التي علمه قولان: ~~أحدهما: أنه علمه كل الأسماء، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد ~~وقتادة. والثاني: أنه علمه أسماء معدودة لمسميات مخصوصة. ثم فيها أربعة ~~أقوال: أحدها: أنه علمه أسماء الملائكة، قاله أبو العالية. والثاني: أنه ~~علمه أسماء الأجناس دون أنواعها، كقولك: إنسان وملك وجني وطائر، قاله ~~عكرمة. والثالث: أنه علمه أسماء ما خلق في الأرض من الدواب والهوام والطير، ~~قاله الكلبي ومقاتل ابن قتيبة. والرابع: أنه علمه أسماء ذريته، قاله ابن ~~زيد. # قوله تعالى: ثم عرضهم. يريد: أعيان الخلق على الملائكة، قال ابن عباس: ~~الملائكة هاهنا: # هم الذين كانوا مع إبليس خاصة. قوله تعالى: أنبئوني: أخبروني. قوله ~~تعالى: إن كنتم صادقين. فيه قولان: أحدهما: إن كنتم صادقين أني لا أخلق ~~خلقا هو أفضل منكم وأعلم، قاله الحسن. والثاني: أني أجعل فيها من يفسد ~~فيها، قاله السدي عن أشياخه. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 32] # قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32) # قوله تعالى: قالوا سبحانك. قال الزجاج «1» : لا اختلاف بين أهل اللغة أن ~~التسبيح هو: # التنزيه لله تعالى عن كل سوء. والعليم بمعنى: العالم جاء على بناء «فعيل» ~~للمبالغة. # وفي الحكيم قولان: أحدهما: أنه بمعنى الحاكم، قاله ابن ms0044 قتيبة «2» . ~~والثاني: المحكم للأشياء، قاله الخطابي «3» . ### | [سورة البقرة (2) : آية 33] # قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني ~~أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) # قوله تعالى: قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم، أي: أخبرهم، وروي عن ابن عباس: ~~«أنبئهم» بكسر الهاء، قال أبو علي: قراءة الجمهور على الأصل، لأن أصل هذا ~~الضمير أن تكون الهاء مضمومة فيه، ألا ترى أنك تقول: ضربهم وأبناءهم، وهذا ~~لهم. ومن كسر أتبع كسر الهاء التي قبلها وهي كسرة الباء. # والهاء والميم تعود على الملائكة. وفي الهاء والميم من «أسمائهم» قولان: ~~أحدهما: أنها تعود على المخلوقات التي عرضها، قاله الأكثرون. والثاني: أنها ~~تعود على الملائكة، قاله الربيع بن أنس. وفي الذي أبدوه قولان: أحدهما: أنه ~~قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها، ذكره السدي عن أشياخه. # والثاني: أنه ما أظهروه من السمع والطاعة لله حين مروا على جسد آدم، فقال ~~إبليس: إن فضل عليكم هذا ما تصنعون؟ فقالوا: نطيع ربنا، فقال إبليس في ~~نفسه: لئن فضلت عليه لأهلكنه، ولئن فضل علي PageV01P053 # لأعصينه، قاله مقاتل. وفي الذي كتموه قولان: أحدهما: أنه اعتقاد الملائكة ~~أن الله تعالى لا يخلق خلقا أكرم منهم، قاله الحسن وأبو العالية وقتادة. ~~والثاني: أنه ما أسره إبليس من الكبر والعصيان. رواه السدي عن أشياخه، وبه ~~قال مجاهد وابن جبير ومقاتل. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 34] # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من ~~الكافرين (34) # قوله تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا. عامة القراء على كسر التاء من ~~الملائكة، وقرأ أبو جعفر والأعمش بضمها في الوصل، قال الكسائي: هي لغة، أزد ~~شنوءة. وفي هؤلاء الملائكة قولان: # أحدهما: أنهم جميع الملائكة، قاله السدي عن أشياخه. والثاني: أنهم طائفة ~~من الملائكة، روي عن ابن عباس، والأول أصح. والسجود في اللغة: التواضع ~~والخضوع، وأنشدوا: # ساجد المنخر ما يرفعه ... خاشع الطرف أصم المستمع # وفي صفة سجودهم لآدم قولان: أحدهما: أنه على صفة سجود الصلاة، وهو ~~الأظهر. والثاني: # أنه الانحناء ms0045 والميل المساوي للركوع. # قوله تعالى: إلا إبليس. في هذا الاستثناء قولان «1» : # أحدهما: أنه استثناء من الجنس، فهو على هذا القول من الملائكة، قاله ابن ~~مسعود في رواية، وابن عباس. وقد روي عن ابن عباس أنه كان من الملائكة، ثم ~~مسخه الله تعالى شيطانا. # والثاني: أنه من غير الجنس، فهو من الجن، قاله الحسن والزهري. # قال ابن عباس: كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدير أمر السماء الدنيا. ~~فان قيل: كيف استثني وليس من الجنس؟ فالجواب: أنه أمر بالسجود معهم، ~~فاستثني منهم لأنه لم يسجد، وهذا كما تقول: # أمرت عبدي وإخوتي فأطاعوني إلا عبدي، هذا قول الزجاج. # وفي إبليس قولان: أحدهما: اسم أعجمي ليس بمشتق، ولذلك لا يصرف، هذا قول ~~أبي عبيدة، والزجاج وابن الأنباري. والثاني: أنه مشتق من الإبلاس، وهو: ~~اليأس، روي عن أبي صالح، وذكره ابن قتيبة وقال: إنه لم يصرف، لانه لا سمي ~~له، فاستثقل. قال شيخنا أبو منصور اللغوي «2» : والأول أصح، لأنه لو كان من ~~الإبلاس لصرف، ألا ترى أنك لو سميت رجلا: بإخريط وإجفيل لصرف في المعرفة. # قوله تعالى: أبى معناه: امتنع، واستكبر استفعل من: الكبر. # وفي وكان قولان: أحدهما: أنها بمعنى: صار، قاله قتادة. والثاني: أنها ~~بمعنى الماضي، فمعناه: كان في علم الله كافرا، قاله مقاتل وابن الأنباري. ~~PageV01P054 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 35] # وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) # قوله تعالى: وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، زوجه: حواء، قال الفراء: ~~أهل الحجاز يقولون لامرأة الرجل: زوج، ويجمعونها: الأزواج، وتميم وكثير من ~~قيس وأهل نجد يقولون: زوجة، ويجمعونها: زوجات. قال الشاعر: # فان الذي يسعى يحرش زوجتي ... كماش إلى أسد الشرى يستبيلها «1» # وأنشدني أبو الجراح: # يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم ... أن ليس وصل اذا انحلت عرى الذنب # وفي الجنة التي أسكنها آدم قولان: أحدهما: جنة عدن. والثاني: جنة الخلد. # والرغد: الرزق الواسع الكثير، يقال: أرغد فلان: إذا صار في خصب وسعة. # قوله ms0046 تعالى: ولا تقربا هذه الشجرة أي: بالأكل لا بالدنو منها. وفي الشجرة ~~ستة أقوال: # أحدها: أنها السنبلة، وهو قول ابن عباس، وعبد الله بن سلام، وكعب ~~الأحبار، ووهب بن منبه، وقتادة، وعطية العوفي، ومحارب بن دثار، ومقاتل. ~~والثاني: أنها الكرم، روي عن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وجعدة بن ~~هبيرة. والثالث: أنها التين، روي عن الحسن، وعطاء بن أبي رباح، وابن جريج. ~~والرابع: أنها شجرة يقال لها: شجرة العلم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ~~والخامس: # أنها شجرة الكافور، نقل عن علي بن أبي طالب. والسادس: أنها النخلة، روي ~~عن أبي مالك. وقد ذكروا وجها سابعا عن وهب بن منبه أنه قال: هي شجرة يقال ~~لها شجرة الخلد، وهذا لا يعد وجها لأن الله تعالى سماها شجرة الخلد وإنما ~~الكلام في جنسها. # قوله تعالى: فتكونا من الظالمين. قال ابن الأنباري: الظلم: وضع الشيء في ~~غير موضعه، ويقال: ظلم الرجل سقاءه اذا سقاه قبل أن يخرج زبده. قال الشاعر: # وصاحب صدق لم تربني شكاته ... ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر # أراد بالصاحب: وطب اللبن، وظلمه إياه: أن يسقيه قبل أن يخرج زبده. # والعرب تقول: هو أظلم من حية، لأنها تأتي الحفر الذي لم تحفره فتسكنه، ~~ويقال: قد ظلم الماء الوادي: إذا وصل منه إلى مكان لم يكن يصل إليه فيما ~~مضى. # فان قيل: ما وجه الحكمة في تخصيص تلك الشجرة بالنهي؟ فالجواب: أنه ابتلاء ~~من الله تعالى بما أراد. وقال أبو العالية «2» : كان لها ثفل «3» من بين ~~أشجار الجنة، فلما أكل منها، قيل: أخرج إلى PageV01P055 # الدار التي تصلح لما يكون منك. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 36] # فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ~~ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (36) # قوله تعالى: فأزلهما الشيطان عنها. أزلهما بمعنى: استزلهما، وقرأ حمزة ~~«1» : «فأزالهما» ، أراد: نحاهما. قال أبو علي الفارسي: لما كان معنى اسكن ~~أنت وزوجك الجنة: اثبتا فيها، فثبتا فأزالهما، وقابل حمزة الثبات بالزوال ~~الذي يخالفه، ويقوي ms0047 قراءته: فأخرجهما. والشيطان: إبليس، وأضيف الفعل اليه، ~~لأنه السبب. # وفي هاء عنها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تعود إلى الجنة. والثاني: ترجع ~~إلى الطاعة. # والثالث: ترجع إلى الشجرة. فمعناه: أزلهما بزلة صدرت عن الشجرة. # وفي كيفية إزلاله لهما، ثلاثة أقوال: أحدها: أنه احتال حتى دخل اليهما ~~الجنة، وكان الذي أدخله الحية «2» ، قاله ابن عباس والسدي. والثاني: أنه ~~وقف على باب الجنة، وناداهما، قاله الحسن. # والثالث: أنه وسوس اليهما، وأوقع في نفوسهما من غير مخاطبة ولا مشاهدة، ~~قاله ابن إسحاق «3» ، وفيه بعد. قال الزجاج: الأجود: أن يكون خاطبهما، ~~لقوله: وقاسمهما «4» . # واختلف العلماء في معصية آدم بالأكل، فقال قوم: إنه نهي عن شجرة بعينها، ~~فأكل من جنسها، وقال آخرون: تأول الكراهة في النهي دون التحريم. # قوله تعالى: وقلنا اهبطوا، الهبوط بضم الهاء: الانحدار من علو، وبفتح ~~الهاء: المكان الذي يهبط فيه. وإلى من انصرف هذا الخطاب؟ فيه ستة أقوال: ~~أحدها: أنه انصرف إلى آدم وحواء والحية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ~~والثاني: إلى آدم وحواء وإبليس والحية، حكاه السدي عن ابن عباس. # والثالث: إلى آدم وإبليس، قاله مجاهد «5» . الرابع: إلى آدم وحواء ~~وإبليس، قاله مقاتل. والخامس: إلى آدم وحواء وذريتهما، قاله الفراء. ~~والسادس: إلى آدم وحواء فحسب، ويكون لفظ الجمع واقعا على التثنية، كقوله: ~~وكنا لحكمهم شاهدين «6» ذكره ابن الأنباري، وهو العلة في قول مجاهد أيضا. # واختلف العلماء: هل أهبطوا جملة أو متفرقين؟ على قولين: PageV01P056 # أحدهما: أنهم أهبطوا جملة، لكنهم نزلوا في بلاد متفرقة، قاله كعب «1» ، ~~ووهب. # والثاني: أنهم أهبطوا متفرقين، فهبط إبليس قبل آدم، وهبط آدم بالهند، ~~وحواء بجدة، وإبليس بالأبلة «2» ، قاله مقاتل. وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~أهبطت الحية بنصيبين، قال: وأمر الله تعالى جبريل بإخراج آدم، فقبض على ~~ناصيته وخلصه من الشجرة التي قبضت عليه، فقال: أيها الملك ارفق بي. قال ~~جبريل: إني لا أرفق بمن عصى الله، فارتعد آدم واضطرب، وذهب كلامه، وجبريل ~~يعاتبه في معصيته، ويعدد نعم الله عليه، قال: وأدخل الجنة ضحوة، وأخرج منها ~~بين ms0048 الصلاتين، فمكث فيها نصف يوم، خمسمائة عام مما يعد أهل الدنيا. # وفي العداوة المذكورة هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذرية بعضهم أعداء ~~لبعض، قاله مجاهد. # والثاني: أن إبليس عدو لآدم وحواء، وهما له عدو، قاله مقاتل. والثالث: أن ~~إبليس عدو للمؤمنين، وهم أعداؤه، قاله الزجاج. # وفي المستقر قولان: أحدهما: أن المراد به القبور، حكاه السدي عن ابن ~~عباس. والثاني: # موضع الاستقرار، قاله أبو العالية، وابن زيد، والزجاج، وابن قتيبة، وهو ~~أصح. والمتاع: المنفعة. # والحين: الزمان. قال ابن عباس: إلى حين، أي: إلى فناء الأجل بالموت. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 37] # فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم (37) # قوله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات. تلقى: بمعنى أخذ، وقبل. قاله ابن ~~قتيبة: كأن الله تعالى أوحى إليه أن يستغفره ويستقبله بكلام من عنده، ففعل ~~ذلك آدم فتاب عليه. وقرأ ابن كثير: # (فتلقى آدم) بالنصب، (كلمات) بالرفع على أن الكلمات هي الفاعلة. # وفي الكلمات أقوال: أحدها: أنها قوله تعالى: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين «3» ، قاله ابن عباس، والحسن، وسعيد ~~بن جبير، ومجاهد، وعطاء الخراساني، وعبيد بن عمير، وأبي بن كعب، وابن زيد ~~«4» . والثاني: أنه قال: أي رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: # ألم تنفخ في من روحك؟ قال: بلى، قال: ألم تسبق رحمتك إلي قبل غضبك؟ قال: ~~بلى. قال: ألم تسجد لي ملائكتك وتسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: أي رب، إن تبت ~~وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم. حكاه السدي عن ابن عباس. والثالث: ~~أنه قال: اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، ~~إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي ~~فارحمني، فأنت خير الراحمين، اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك، PageV01P057 # وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي، إنك أنت التواب الرحيم، رواه ابن [أبي ~~نجيح] «1» عن مجاهد، وقد ذكرت أقوال من كلمات الاعتذار تقارب هذا المعنى. # قوله تعالى: ms0049 فتاب عليه. أصل التوبة: الرجوع، فالتوبة من آدم: رجوعه عن ~~المعصية، وهي من الله تعالى: رجوعه عليه بالرحمة، والثواب الذي كلما تكررت ~~توبة العبد تكرر قبوله، وإنما لم تذكر حواء في التوبة، لأنه لم يجر لها ~~ذكر، لا أن توبتها لم تقبل. وقال قوم: إذا كان معنى فعل الاثنين واحدا جاز ~~أن يذكر أحدهما ويكون المعنى لهما كقوله تعالى: والله ورسوله أحق أن يرضوه ~~«2» ، وقوله: فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى «3» . ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 38] # قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون (38) # قوله تعالى: قلنا اهبطوا منها جميعا. في إعادة ذكر الهبوط- وقد تقدم- ~~قولان: # أحدهما: أنه أعيد لأن آدم أهبط إهباطين، أحدهما من الجنة إلى السماء، ~~والثاني من السماء إلى الأرض. وأيهما الاهباط المذكور في هذه الآية؟ فيه ~~قولان. # والثاني: أنه إنما كرر الهبوط توكيدا. # قوله تعالى: فأما، قال الزجاج: هذه «إن» التي للجزاء، ضمت إليها «ما» ، ~~والأصل في اللفظ «إن ما» مفصولة، ولكنها مدغمة، وكتبت على الإدغام، فاذا ~~ضمت «ما» إلى «إن» لزم الفعل النون الثقيلة أو الخفيفة. وإنما تلزمه النون ~~لأن «ما» تدخل مؤكدة، ودخلت النون مؤكدة أيضا، كما لزمت اللام النون في ~~القسم في قولك: والله لتفعلن، وجواب الجزاء الفاء. # وفي المراد ب «الهدى» ها هنا قولان: أحدهما: أنه الرسول، قاله ابن عباس ~~ومقاتل. والثاني: # الكتاب، حكاه بعض المفسرين. # قوله تعالى: فلا خوف عليهم. وقرأ يعقوب «فلا خوف» بفتح الفاء من غير ~~تنوين، وقرأ ابن محيصن بضم الفاء من غير تنوين. والمعنى: فلا خوف عليهم ~~فيما يستقبلون من العذاب، ولا هم يحزنون عند الموت. والخوف لأمر مستقبل، ~~والحزن لأمر ماض. ### | [سورة البقرة (2) : آية 39] # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (39) # قوله تعالى: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا، في «الآية» ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنها العلامة، فمعنى آية: علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها والذي ~~بعدها، قال الشاعر: # ألا أبلغ لديك بني تميم ... بآية ما يحبون الطعاما # وقال النابغة: # توهمت ms0050 آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع PageV01P058 # وهذا اختيار أبي عبيد. والثاني: أنها سميت آية، لأنها جماعة حروف من ~~القرآن، وطائفة منه. # قال أبو عمرو الشيباني: يقال: خرج القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم. وأنشدوا: # خرجنا من النقبين لا حي مثلنا ... بآيتنا نزجي اللقاح المطافلا «1» # والثالث: أنها سميت آية، لأنها عجب، وذلك أن قارئها يستدل إذا قرأها على ~~مباينتها كلام المخلوقين، وهذا كما تقول: فلان آية من الآيات أي: عجب من ~~العجائب. ذكره ابن الأنباري. # وفي المراد بهذه الآيات أربعة أقوال: أحدها: آيات الكتاب التي تتلى. ~~والثاني: معجزات الأنبياء. # والثالث: القرآن. والرابع: دلائل الله في مصنوعاته. # وأصحاب النار: سكانها، سموا أصحابا، لصحبتهم إياها بالملازمة. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 40] # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ~~وإياي فارهبون (40) # قوله تعالى: يا بني إسرائيل. اسرائيل: هو يعقوب، وهو اسم أعجمي. قال ابن ~~عباس: # ومعناه: عبد الله. وقد لفظت به العرب على أوجه، فقالت: إسرائل، وإسرال، ~~وإسرائيل. وإسرائين. # قال أمية «2» : # إنني زارد الحديد على النا ... س دروعا سوابغ الأذيال # لا أرى من يعينني في حياتي ... غير نفسي إلا بني إسرال # وقال أعرابي صاد ضبا، فأتى به أهله: # يقول أهل السوق لما جينا: ... هذا ورب البيت إسرائينا # أراد: هذا مما مسخ من بني إسرائيل. # والنعمة: المنة، ومثلها: النعماء. والنعمة: بفتح النون: التنعم، وأراد ~~بالنعمة: النعم، فوحدها، لأنهم يكتفون بالواحد من الجميع كقوله تعالى: ~~والملائكة بعد ذلك ظهير «3» ، أي: ظهراء. وفي المراد بهذه النعمة ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنها ما استودعهم من التوراة التي فيها صفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. والثاني: أنها ما أنعم به على آبائهم ~~وأجدادهم إذ أنجاهم من آل فرعون، وأهلك عدوهم، وأعطاهم التوراة، ونحو ذلك، ~~قاله الحسن والزجاج، وإنما من عليهم بما أعطى آباءهم، لأن فخر الآباء فخر ~~للأبناء، وعار الآبار عار على الأبناء. والثالث: أنها جمع نعمة على تصريف ~~الأحوال. # والمراد من ذكرها: شكرها، إذ من لم يشكر فما ذكر. # قوله تعالى: ms0051 وأوفوا. قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: أوفيت، وأهل نجد ~~يقولون: وفيت، بغير ألف. قال الزجاج: يقال: وفى بالعهد، وأوفى به، وأنشد: ~~PageV01P059 # أما ابن طوق فقد أوفى بذمته ... كما وفى بقلاص النجم حاديها «1» # وقال ابن قتيبة: يقال: وفيت بالعهد، وأوفيت به، وأوفيت الكيل، لا غير. # وفي المراد بعهده: أربعة أقوال: أحدها: أنه ما عهده إليهم في التوراة من ~~صفة محمد صلى الله عليه وسلم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنه ~~امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: أنه الإسلام، قاله أبو العالية. والرابع: أنه العهد المذكور في ~~قوله تعالى: ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ~~«2» ، قاله قتادة. # قوله تعالى: أوف بعهدكم قال ابن عباس: أدخلكم الجنة. # قوله تعالى: وإياي فارهبون، أي: خافون. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 41] # وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41) # قوله تعالى: وآمنوا بما أنزلت، يعني القرآن مصدقا لما معكم يعني التوراة ~~او الإنجيل، فإن القرآن يصدقهما أنهما من عند الله، ويوافقهما في صفة النبي ~~صلى الله عليه وسلم. ولا تكونوا أول كافر به. إنما قال: أول كافر، لأن ~~التقدم الى الكفر أعظم من الكفر بعد ذلك، إذ المبادر لم يتأمل الحجة، وإنما ~~بادر بالعناد، فحاله أشد. وقيل: ولا تكونوا أول كافر به بعد أن آمن، ~~والخطاب لرؤساء اليهود. وفي هاء «به» قولان: أحدهما: أنها تعود إلى المنزل، ~~قاله ابن مسعود وابن عباس. والثاني: أنها تعود على ما معهم، لأنهم إذا ~~كتموا وصف النبي صلى الله عليه وسلم وهو معهم، فقد كفروا به، ذكره الزجاج. ~~قوله تعالى: ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون. أي: لا تستبدلوا ~~ثمنا قليلا. وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ما كانوا يأخذون من عرض الدنيا. ~~والثاني: بقاء رئاستهم عليهم. والثالث: أخذ الأجرة على تعليم الدين. ### | [سورة البقرة (2) : آية 42] # ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (42) # قوله تعالى: ولا تلبسوا الحق بالباطل. ms0052 تلبسوا: بمعنى تخلطوا. يقال: لبست ~~الأمر عليهم، ألبسه: إذا عميته عليهم، وتخليطهم: أنهم قالوا: إن الله عهد ~~إلينا أن نؤمن بالنبي الأمي، ولم يذكر أنه من العرب. وفي المراد بالحق ~~قولان: أحدهما: أنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس، ومجاهد ~~وقتادة، وأبو العالية، والسدي ومقاتل. والثاني: أنه الإسلام، قاله الحسن. ### | [سورة البقرة (2) : آية 43] # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (43) # قوله تعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. يريد: الصلوات الخمس، وهي ~~هاهنا اسم جنس، والزكاة: مأخوذة من الزكاء، وهو النماء والزيادة. يقال: زكا ~~الزرع يزكو زكاء. وقال ابن الأنباري: PageV01P060 # معنى الزكاة في كلام العرب: الزيادة والنماء، فسميت زكاة، لأنها تزيد في ~~المال الذي تخرج منه، وتوفره، وتقيه من الآفات، ويقال: هذا أزكى من ذاك، ~~أي: أزيد فضلا منه. قوله تعالى: واركعوا مع الراكعين. أي: صلوا مع المصلين. ~~قال ابن عباس: يريد محمدا صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضي الله عنهم. # وقيل: إنما ذكر الركوع، لأنه ليس في صلاتهم ركوع، والخطاب لليهود. وفي ~~هذه الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بالفروع، وهي إحدى الروايتين عن ~~أحمد رضي الله عنه. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 44] # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (44) # قوله تعالى: أتأمرون الناس بالبر. قال ابن عباس: نزلت في اليهود، كان ~~الرجل يقول لقرابته من المسلمين في السر: اثبت على ما أنت عليه فإنه حق «1» ~~. والألف في «أتأمرون» ألف الاستفهام، ومعناه التوبيخ. وفي «البر» هاهنا ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أنه التمسك بكتابهم، كانوا يأمرون باتباعه ولا يقومون ~~به. والثاني: اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، روي القولان عن ابن عباس. ~~والثالث: الصدقة، كانوا يأمرون بها، ويبخلون. ذكره الزجاج. قوله تعالى: ~~وتنسون، أي: تتركون. وفي «الكتاب» قولان: # أحدهما: أنه التوراة، قاله الجمهور. والثاني: أنه القرآن، فلا يكون ~~الخطاب على هذا القول لليهود. ### | [سورة البقرة (2) : آية 45] # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (45) # قوله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة. الأصل في الصبر: الحبس، فالصابر ~~حابس لنفسه عن الجزع. ms0053 وسمي الصائم صابرا لحبسه نفسه عن الأكل والشرب ~~والجماع، والمصبورة: البهيمة تتخذ غرضا. وقال مجاهد: الصبر هاهنا: الصوم. # وفيما أمروا بالصبر عليه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أداء الفرائض، قاله ابن ~~عباس ومقاتل. والثاني: # أنه ترك المعاصي، قاله قتادة. والثالث: عدم الرئاسة، وهو خطاب لأهل ~~الكتابين، ووجه الاستعانة بالصلاة أنه يتلى فيها ما يرغب في الآخرة، ويزهد ~~في الدنيا. # قوله تعالى: وإنها، في المكنى عنها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الصلاة، قاله ~~ابن عباس والحسن ومجاهد والجمهور. والثاني: أنها الكعبة والقبلة، لأنها لما ~~ذكر الصلاة، دلت على القبلة، ذكره الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. ~~والثالث: أنها الاستعانة، لأنها لما قال: واستعينوا دل على الاستعانة، ذكره ~~محمد بن القاسم النحوي. قوله تعالى: لكبيرة، قال الحسن والضحاك: # الكبيرة: الثقيلة، مثل قوله تعالى: كبر على المشركين ما تدعوهم إليه «2» ~~، أي: ثقل. والخشوع في اللغة: التطامن والتواضع، وقيل: السكون. ### | [سورة البقرة (2) : آية 46] # الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون (46) # قوله تعالى: الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم. الظن هاهنا: بمعنى اليقين «3» ~~، وله وجوه قد ذكرناها PageV01P061 # في كتاب «الوجوه والنظائر» . ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 47] # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ~~(47) # قوله تعالى: وأني فضلتكم على العالمين، يعني: على عالمي زمانهم، قاله ابن ~~عباس، وأبو العالية ومجاهد وابن زيد. قال ابن قتيبة: وهو من العام الذي ~~أريد به الخاص. ### | [سورة البقرة (2) : آية 48] # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها ~~عدل ولا هم ينصرون (48) # قال الزجاج: كانت اليهود تزعم أن آباءها الأنبياء تشفع لهم يوم القيامة، ~~فآيسهم الله بهذه الآية من ذلك. وفي قوله تعالى: واتقوا يوما إضمار، ~~تقديره: اتقوا عذاب يوم، أو: ما في يوم. والمراد باليوم: يوم القيامة. و ~~«تجزي» بمعنى تقضي. قال ابن قتيبة: يقال: جزى الأمر عني يجزي، بغير همز، ~~أي: قضى عني، وأجزأني يجزئني، مهموز، أي: كفاني. # قوله تعالى: نفس عن نفس، قالوا: المراد بالنفس هاهنا: النفس الكافرة، ms0054 ~~فعلى هذا يكون من العام الذي أريد به الخاص. # قوله تعالى: ولا يقبل منها شفاعة. قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتاء، وقرأ ~~الباقون بالياء، إلا أن قتادة فتح الياء، ونصب الشفاعة، ليكون الفعل لله ~~تعالى، قال: أبو علي: من قرأ بالتاء، فلأن الاسم الذي أسند إليه هذا الفعل ~~مؤنث، فيلزم أن يلحق المسند أيضا علامة التأنيث، ومن قرأ بالياء فلأن ~~التأنيث في الاسم الذي أسند إليه الفعل ليس بحقيقي، فحمل على المعنى، كما ~~أن الوعظ والموعظة بمعنى واحد، وفي الآية إضمار، تقديره: لا يقبل منها فيه ~~شفاعة. والشفاعة مأخوذة من الشفع الذي يخالف الوتر، وذلك أن سؤال الشفيع ~~يشفع سؤال المشفوع له. # فأما «العدل» فهو الفداء، وسمي عدلا، لأنه يعادل المفدى. واختلف ~~اللغويون: هل «العدل» و «العدل» فتح العين وكسرها يختلفان، أم لا؟ فقال ~~الفراء: العدل بفتح العين: ما عادل الشيء من غير جنسه، والعدل بكسرها: ما ~~عادل الشيء من جنسه، فهو المثل، تقول: عندي عدل غلامك، بفتح العين: إذا ~~أردت قيمته من غير جنسه، وعندي عدل غلامك، بكسر العين: إذا كان غلام يعدل ~~غلاما. # وحكى الزجاج عن البصريين أن العدل والعدل في معنى المثل، وأن المعنى ~~واحد، سواء كان المثل من الجنس أو من غير الجنس. # قوله تعالى: ولا هم ينصرون، أي: يمنعون من عذاب الله. ### | [سورة البقرة (2) : آية 49] # وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (49) # PageV01P062 # قوله تعالى: وإذ نجيناكم تقديره: واذكروا إذ نجيناكم، وهذه النعم على ~~آبائهم كانت. وفي آل فرعون ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أهل مصر، قاله مقاتل. ~~والثاني: أهل بيته خاصة، قاله أبو عبيدة. والثالث: أتباعه على دينه، قاله ~~الزجاج. وهل الآل والأهل بمعنى، أو يختلفان؟ فيه قولان. # وقد شرحت معنى الآل في كتاب «النظائر» . وفرعون: اسم أعجمي، وقيل: هو ~~لقبه. وفي اسمه أربعة أقوال: أحدها: الوليد بن مصعب، قاله الأكثرون. ~~والثاني: فيطوس، قاله مقاتل. والثالث: مصعب بن الريان، حكاه ابن جرير ~~الطبري. والرابع: مغيث، ms0055 ذكره بعض المفسرين. قوله تعالى: يسومونكم، أي: ~~يولونكم، يقال: فلان يسومك خسفا، أي: يوليك ذلا واستخفافا. وسوء العذاب: ~~شديده. # وكان الزجاج يرى أن قوله: يذبحون أبناءكم تفسير لقوله: يسومونكم سوء ~~العذاب، وأبى هذا بعض أهل العلم، فقال: قد فرق الله بينهما في موضع آخر، ~~فقال: يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم «1» ، وإنما سوء العذاب: ~~استخدامهم في أصعب الأعمال، وقال الفراء: الموضع الذي فيه الواو، يبين أنه ~~قد مسهم من العذاب غير الذبح، فكأنه قال: يعذبونكم بغير الذبح وبالذبح. # قوله تعالى: ويستحيون، أي: يستبقون نساءكم، أي: بناتكم. وإنما استبقوا ~~نساءكم للاستذلال والخدمة. وفي البلاء هاهنا قولان: أحدهما: أنه بمعنى ~~النعمة، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو مالك، وابن قتيبة والزجاج. والثاني: أنه ~~النقمة، رواه السدي عن أشياخه. فعلى هذا القول يكون «ذا» في قوله تعالى: ~~ذلكم: عائدا على سومهم سوء العذاب، وذبح أبنائهم واستحياء نسائهم، وعلى ~~القول الأول يعود على النجاة من آل فرعون. قال أبو العالية: وكان السبب في ~~ذبح الأبناء، أن الكهنة قالت لفرعون: سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على ~~يديه، فقتل الأبناء. قال الزجاج: فالعجب من حمق فرعون، إن كان الكاهن عنده ~~صادقا، فما ينفع القتل؟! وإن كان كاذبا فما معنى القتل؟! ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 50] # وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون (50) # قوله تعالى: وإذ فرقنا بكم البحر، الفرق: الفصل بين الشيئين، و «بكم» ~~بمعنى «لكم» . وإنما ذكر آل فرعون دونه، لأنه قد علم كونه فيهم. وفي قوله ~~تعالى: وأنتم تنظرون، قولان: أحدهما: # أنه من نظر العين، ومعناه: وأنتم ترونهم يغرقون. والثاني: أنه بمعنى: ~~العلم كقوله تعالى: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل «2» ، قاله الفراء. # (الاشارة إلى قصتهم) روى السدي عن أشياخه: أن الله تعالى أمر موسى أن ~~يخرج ببني إسرائيل، وألقى على القبط الموت، فمات بكر كل رجل منهم، فأصبحوا ~~يدفنونه، فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس، قال عمرو بن ميمون: فلما خرج ~~موسى بلغ ذلك فرعون، فقال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك، ms0056 فما صاح ديك ليلتئذ. ~~قال أبو السليل: لما انتهى موسى إلى البحر قال: هيه أبا خالد «3» ، فأخذه ~~أفكل، يعني: PageV01P063 # رعدة، قال مقاتل: تفرق الماء يمينا وشمالا كالجبلين المتقابلين، وفيهما ~~كوى ينظر كل سبط إلى الآخر. قال السدي: فلما رآه فرعون متفرقا قال: ألا ~~ترون البحر فرق مني، فانفتح لي؟! فأتت خيل فرعون فأبت أن تقتحم، فنزل جبريل ~~على ماذيانة فتشامت الحصن «1» ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها، حتى إذا هم ~~أولهم أن يخرج، ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم، فالتطم عليهم. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 51] # وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (51) # قوله تعالى: وإذ واعدنا موسى أربعين. قرأ أبو جعفر وأبو عرو: «وعدنا» ~~بغير ألف هاهنا، وفي (الأعراف) و (طه) ، ووافقهما أبان عن عاصم في (البقرة) ~~خاصة. وقرأ الباقون «واعدنا» بألف. ووجه القراءة الأولى: إفراد الوعد من ~~الله تعالى، ووجه الثانية: أنه لما قبل موسى وعد الله عز وجل، صار ذلك ~~مواعدة بين الله تعالى وبين موسى. ومثله: لا تواعدوهن سرا «2» . ومعنى ~~الآية: وعدنا موسى تتمة أربعين يوما أو انقضاء أربعين ليلة. وموسى: اسم ~~أعجمي، أصله بالعبرانية: موشا، فمو: هو الماء، وشا: هو الشجر، لأنه وجد عند ~~الماء والشجر، فعرب بالسين. ولماذا كان هذا الوعد؟ فيه قولان: أحدهما: لأخذ ~~التوراة. والثاني: للتكليم. وفي هذه المدة قولان: أحدهما: أنها ذو القعدة ~~وعشر من ذي الحجة! وهذا قول من قال: كان الوعد لإعطاء التوراة. والثاني: ~~أنها ذو الحجة وعشر من المحرم، وهو قول من قال: كان الوعد للتكليم. وإنما ~~ذكرت الليالي دون الأيام، لأن عادة العرب التأريخ بالليالي، لأن أول الشهر ~~ليله، واعتماد العرب على الأهلة، فصارت الأيام تبعا لليالي. وقال أبو بكر ~~النقاش «3» : إنما ذكر الليالي، لأنه أمره أن يصوم هذه الأيام ويواصلها ~~بالليالي، فلذلك ذكر الليالي، وليس بشيء. ### | [سورة البقرة (2) : آية 52] # ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (52) # قوله تعالى: ثم عفونا عنكم من بعد، من بعده، أي: من بعد انطلاقه إلى ~~الجبل. # (الإشارة ms0057 إلى اتخاذهم العجل) روى السدي عن أشياخه أنه لما انطلق موسى، ~~واستخلف هارون، قال هارون: يا بني إسرائيل! إن الغنيمة لا تحل لكم، وإن حلي ~~القبط غنيمة فاجمعوه واحفروا له حفيرة «4» ، فادفنوه، فان أحله PageV01P064 # موسى فخذوه، وإلا كان شيئا لم تأكلوه، ففعلوا. قال السدي: وكان جبريل قد ~~أتى إلى موسى ليذهب به إلى ربه، فرآه السامري، فأنكره وقال: إن لهذا شأنا، ~~فأخذ قبضة من أثر حافر الفرس، فقذفها في الحفيرة، فظهر العجل. وقيل: إن ~~السامري أمرهم بالقاء ذلك الحلي، وقال: إنما طالت غيبة موسى عنكم لأجل ما ~~معكم من الحلي، فاحفروا لها حفيرة وقربوه إلى الله، يبعث لكم نبيكم، فإنه ~~كان عارية، ذكره أبو سليمان الدمشقي. وفي سبب اتخاذ السامري عجلا قولان: ~~أحدهما: أن السامري كان من قوم يعبدون البقر، فكان ذلك في قلبه، قاله ابن ~~عباس. والثاني: أن بني إسرائيل لما مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم، ~~أعجبهم ذلك، فلما سألوا موسى أن يجعل لهم إلها وأنكر عليهم، أخرج السامري ~~لهم في غيبته عجلا لما رأى من استحسانهم ذلك، قاله ابن زيد. وفي كيفية ~~اتخاذ العجل قولان: أحدهما: أن السامري كان صواغا فصاغه وألقى فيه القبضة، ~~قاله علي وابن عباس. والثاني: # أنهم حفروا حفيرة، وألقوا فيها حلي قوم فرعون وعواريهم تنزها عنها، فألقى ~~السامري القبضة من التراب فصار عجلا. روي عن ابن عباس أيضا. قال ابن عباس: ~~صار لحما ودما وجسدا، فقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى قد جاء، وأخطأ ~~موسى الطريق، فعبدوه وزفنوا حوله «1» . ### | [سورة البقرة (2) : آية 53] # وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون (53) # قوله تعالى: وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان، الكتاب: التوراة. وفي ~~الفرقان خمسة أقوال: # أحدها: أنه النصر، قاله ابن عباس وابن زيد. والثاني: أنه ما في التوراة ~~من الفرق بين الحق والباطل، فيكون الفرقان نعتا للتوراة، قاله أبو العالية. ~~والثالث: أنه الكتاب، فكرره بغير اللفظ. قال عدي بن زيد: # فألفى قولها كذبا ومينا «2» وقال عنترة: # أقوى وأقفر بعد أم الهيثم «3» هذا قول مجاهد، ms0058 واختيار الفراء والزجاج. ~~والرابع: أنه فرق البحر لهم، ذكره الفراء والزجاج وابن القاسم. والخامس: ~~أنه القرآن. ومعنى الكلام: لقد آتينا موسى الكتاب، ومحمدا الفرقان، ذكره ~~الفراء، وهو قول قطرب. ### | [سورة البقرة (2) : آية 54] # وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى ~~بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب ~~الرحيم (54) # قوله تعالى: وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم. القوم: اسم ~~للرجال والنساء، PageV01P065 # قال الله تعالى: لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من ~~نساء «1» ، وقال زهير: # وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء؟! # وإنما سموا قوما، لأنهم يقومون بالأمور. # قوله تعالى: فتوبوا إلى بارئكم، قال أبو علي: كان ابن كثير ونافع «2» ~~وعاصم «3» وابن عامر «4» وحمزة والكسائي «5» يكسرون الهمزة من غير اختلاس ~~ولا تخفيف. وروى اليزيدي وعبد الوارث «6» عن أبي عمرو «7» : «بارئكم» بجزم ~~الهمزة. روى عنه العباس بن الفضل «8» : «بارئكم» مهموزة غير مثقلة. # وقال سيبويه «9» : كان أبو عمرو يختلس الحركة في: «بارئكم» و «يأمركم» ~~وما أشبه ذلك مما تتوالى فيه الحركات، فيرى من يسمعه أنه قد أسكن ولم يسكن. ~~والبارئ: الخالق. ومعنى فاقتلوا أنفسكم: # ليقتل بعضكم بعضا. قاله ابن عباس ومجاهد. # واختلفوا فيمن خوطب بهذا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه خطاب للكل، قاله ~~السدي عن أشياخه. والثاني: أنه خطاب لمن لم يعبد ليقتل من عبد، قاله مقاتل. ~~والثالث: أنه خطاب للعابدين فحسب، أمروا أن يقتل بعضهم بعضا، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. وفي الإشارة بقوله: «ذا» في: # «ذلكم» قولان: أحدها: أنه يعود إلى القتل. والثاني: أنه يعود إلى ~~التوراة. # (الإشارة إلى قصتهم في ذلك) قال ابن عباس: قالوا لموسى: كيف يقتل الآباء ~~الأبناء، والإخوة الإخوة؟ فأنزل الله عليهم ظلمة PageV01P066 # لا يرى بعضهم بعضا، فقالوا: فما آية توبتنا؟ قال: أن يقوم السلام ولا ~~يقتل، وترفع الظلمة. فقتلوا حتى خاضوا في الدماء، وصاح الصبيان: يا موسى: ~~العفو العفو. فبكى موسى، فنزلت التوبة، وقام السلام، ms0059 وارتفعت الظلمة. قال ~~مجاهد: بلغ القتلى سبعين ألفا. قال قتادة: جعل القتل للقتيل شهادة، وللحي ~~توبة. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 55 الى 56] # وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم ~~تنظرون (55) ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (56) # قوله تعالى: وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. في القائلين ~~لموسى ذلك قولان: # أحدهما: أنهم السبعون المختارون، قاله ابن مسعود وابن عباس. والثاني: ~~جميع بني إسرائيل إلا من عصم الله منهم، قاله ابن زيد، قال: وذلك أنه أتاهم ~~بكتاب الله، فقالوا: والله لا نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة فيقول: هذا ~~كتابي. # وفي جهرة قولان: أحدهما: أنه صفة لقولهم، أي: جهروا بذلك القول، قاله ابن ~~عباس، وأبو عبيدة. والثاني: أنها الرؤية البينة، أي: أرناه غير مستتر بشيء، ~~يقال: فلان يتجاهر بالمعاصي، أي: لا يستتر من الناس، قاله الزجاج. ومعنى ~~«الصاعقة» : ما يصعقون منه، أي: يموتون. ومن الدليل على أنهم ماتوا، قوله ~~تعالى: ثم بعثناكم هذا قول الأكثرين. وزعم قوم أنهم لم يموتوا، واحتجوا ~~بقوله تعالى: وخر موسى صعقا «1» وهذا قول ضعيف، لأن الله تعالى فرق بين ~~الموضعين، فقال هناك: فلما أفاق، وقال هاهنا: ثم بعثناكم والإفاقة للمغشي ~~عليه، والبعث للميت. قوله تعالى: # وأنتم تنظرون فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: ينظر بعضكم إلى بعض كيف ~~يقع ميتا. والثاني: # ينظر بعضكم إلى إحياء بعض. والثالث: تنظرون العذاب كيف ينزل بكم، وهو قول ~~من قال: نزلت نار فأحرقتهم. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 57] # وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57) # قوله تعالى: وظللنا عليكم الغمام. الغمام: السحاب، سمي غماما، لأنه يغم ~~السماء، أي: # يسترها، وكل شيء غطيته فقد غممته، وهذا كان في التيه. # وفي «المن» ثمانية أقوال: أحدها: أنه الذي يقع على الشجر فيأكله الناس، ~~قاله ابن عباس والشعبي والضحاك. والثاني: أنه الترنجبين «2» ، روي عن ابن ~~عباس أيضا، وهو قول مقاتل. والثالث: # أنه صمغه، ms0060 قاله مجاهد. والرابع: أنه يشبه الرب الغليظ «3» ، قاله عكرمة. ~~والخامس: أنه شراب، قاله أبو العالية، والربيع بن أنس. والسادس: أنه خبز ~~الرقاق مثل الذرة، أو مثل النقي، قاله وهب. PageV01P067 # والسابع: أنه عسل، قاله ابن زيد. والثامن: أنه الزنجبيل، قاله السدي «1» ~~. # وفي «السلوى» قولان: أحدهما: أنه طائر، قال بعضهم: يشبه السماني، وقال ~~بعضهم: هو السماني. والثاني: أنه العسل، ذكره ابن الانباري، وأنشد «2» : # وقاسمها بالله جهدا لأنتم ... ألذ من السلوى إذا ما نشورها # قوله تعالى: وما ظلمونا، قال ابن عباس: ما نقصونا وضرونا، بل ضروا ~~أنفسهم. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 58] # وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) # قوله تعالى: وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية. في القائل لهم قولان: أحدهما: ~~أنه موسى بعد مضي الأربعين سنة. والثاني: أنه يوشع بن نون بعد موت موسى. # والقرية: مأخوذة من الجمع، ومنه: قريت الماء في الحوض. والمقراة: الحوض ~~يجمع فيه الماء. وفي المراد بهذه القرية قولان: أحدهما: أنها بيت المقدس، ~~قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدي والربيع، وروي عن ابن عباس أنها ~~أريحا. قال السدي: وأريحا: هي أرض بيت المقدس. # والثاني: أنها قرية من أداني قرى الشام، قاله وهب «3» . # قوله تعالى: وادخلوا الباب، قال ابن عباس: وهو أحد أبواب بيت المقدس، وهو ~~يدعى: PageV01P068 # باب حطة، وقوله: سجدا، أي: ركعا. قال وهب: أمروا بالسجود شكرا لله عز وجل ~~إذ ردهم إليها. قوله تعالى: وقولوا حطة قرأ ابن السميفع وابن أبي عبلة ~~(حطة) بالنصب. وفي معنى «حطة» ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: استغفروا، ~~قاله ابن عباس ووهب. قال ابن قتيبة: وهي كلمة أمروا أن يقولوها في معنى ~~الاستغفار، من: حططت، أي: حط عنا ذنوبنا. والثاني: أن معناها: قولوا: هذا ~~الأمر حق كما قيل لكم، ذكره الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أن معناها: لا ~~إله إلا الله، قاله عكرمة. قال ابن جرير الطبري: فيكون المعنى: قولوا الذي ~~يحط عنكم خطاياكم، وهو قول «لا إله إلا ms0061 الله» . # ولماذا أمروا بدخول القرية؟ فيه قولان: أحدهما: أن ذلك لذنوب ركبوها ~~فقيل: (ادخلوا القرية) (وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم) ، قاله وهب. ~~والثاني: أنهم ملوا المن والسلوى، فقيل: # اهبطوا مصرا، فكان أول ما لقيهم أريحا، فأمروا بدخولها. # قوله تعالى: نغفر لكم خطاياكم، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، ~~والكسائي: # (نغفر لكم) بالنون مع كسر الفاء. وقرأ نافع وأبان عن عاصم «يغفر» بياء ~~مضمومة وفتح الفاء. وقرأ ابن عامر بتاء مضمومة مع فتح الفاء. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 59] # فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من ~~السماء بما كانوا يفسقون (59) # قوله تعالى: فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم. اعلم أن الله عز ~~وجل، أمرهم في دخولهم بفعل وقول، فالفعل السجود، والقول: حطة، فغير القوم ~~الفعل والقول. فأما تغيير الفعل ففيه خمسة أقوال: # (23) أحدها: أنهم دخلوا متزحفين على أوراكهم. رواه أبو هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنهم دخلوا من قبل أستاههم، قاله ابن عباس وعكرمة. والثالث: ~~أنهم دخلوا مقنعي رؤوسهم، قاله ابن مسعود. والرابع: أنهم دخلوا على حروف ~~عيونهم، قاله مجاهد. والخامس: أنهم دخلوا مستلقين، قاله مقاتل. # وأما تغيير القول ففيه خمسة أقوال: # (24) أحدها: أنهم قالوا مكان «حطة» : حبة في شعرة، رواه أبو هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنهم قالوا: حنطة، قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، ووهب، وابن ~~يزيد. # والثالث: أنهم قالوا: حنطة حمراء فيها شعرة، قاله ابن مسعود. PageV01P069 # والرابع: أنهم قالوا: حبة حنطة مثقوبة فيها شعيرة سوداء، قاله السدي عن ~~أشياخه. # والخامس: أنهم قالوا: سنبلاثا، قاله أبو صالح. # فاما الرجز فهو العذاب، قاله الكسائي وأبو عبيدة والزجاج. وأنشدوا لرؤبة: # كم رأينا في ذي عديد مبزي ... حتى وقمنا كيده بالرجز «1» # وفي ماهية هذا العذاب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ظلمة وموت، فمات منهم في ~~ساعة واحدة، أربعة وعشرون ألفا، وهلك سبعون ألفا عقوبة، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنه أصابهم الطاعون، عذبوا به أربعين ليلة ثم ماتوا، قاله ms0062 وهب بن ~~منبه. والثالث: أنه الثلج، هلك به منهم سبعون ألفا، قاله سعيد بن جبير. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 60] # وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين (60) # قوله تعالى: وإذ استسقى موسى لقومه. استسقى بمعنى: استدعى ذلك، كقولك: ~~استنصر. # وفي «الحجر» قولان: أحدهما: أنه حجر معروف عين لموسى، قاله ابن عباس، ~~وابن جبير، وقتادة، وعطية، وابن زيد، ومقاتل، واختلفوا في صفته على ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه كان حجرا مربعا، قاله ابن عباس. والثاني: كان مثل رأس ~~الثور، قاله عطية. والثالث: مثل رأس الشاة، قاله ابن زيد. وقال سعيد بن ~~جبير: هو الذي ذهب بثياب موسى. فجاءه جبريل فقال: إن الله تعالى يقول لك: ~~ارفع هذا الحجر، فلي فيه قدرة، ولك فيه معجزة، فكان اذا احتاج إلى الماء ~~ضربه. والقول الثاني: أنه أمر بضرب أي حجر كان، والأول أثبت. # قوله تعالى: فانفجرت منه. تقدير معناه: فضرب فانفجرت، فلما عرف بقوله: ~~«فانفجرت» أنه قد ضرب، اكتفى بذلك عن ذكر الضرب، ومثله: أن اضرب بعصاك ~~البحر فانفلق «2» ، قاله الفراء. # ولما كان القوم اثني عشر سبطا، أخرج الله لهم اثني عشرة عينا، ولأنه كان ~~فيهم تشاحن فسلموا بذلك منه. قوله تعالى: ولا تعثوا. العثو: أشد الفساد، ~~يقال: عثي، وعثا، وعاث. قال ابن الرقاع: # لولا الحياء وأن رأسي قد عثا ... فيه المشيب لزرت أم القاسم ### | [سورة البقرة (2) : آية 61] # وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ~~الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة ~~وباؤ بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير ~~الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61) # قوله تعالى: وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد، هذا قولهم في ~~التيه، وعنوا بالطعام ms0063 PageV01P070 # الواحد: المن والسلوى. قال محمد بن القاسم: كان المن يؤكل بالسلوى ~~والسلوى بالمن، فلذلك كانا طعاما واحدا. والبقل هاهنا: اسم جنس، وعنوا به: ~~البقول، وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: تذهب العامة إلى أن البقل: ~~ما يأكله الناس خاصة دون البهائم من النبات الناجم الذي لا يحتاج في أكله ~~إلى طبخ، وليس كذلك إنما البقل: العشب، وما ينبت الربيع مما يأكله الناس ~~والبهائم، يقال: بقلت الأرض، وأبقلت، لغتان فصيحتان: إذا أنبت البقل. ~~وابتقلت الإبل وتبقلت: إذا رعت. قال أبو النجم يصف الإبل: # تبقلت في أول التبقل ... بين رماحي مالك ونهشل # وفي «القثاء» لغتان: كسر القاف، وضمها، والكسر أجود، وبه قرأ الجمهور. ~~وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء «1» ، وقتادة وطلحة بن مصرف، والأعمش بضم القاف. ~~قال الفراء: الكسر لغة أهل الحجاز، والضم لغة تيم، وبعض بني أسد. وفي ~~«الفوم» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحنطة، قاله ابن عباس، والسدي عن أشياخه، ~~والحسن وأبو مالك. قال الفراء: هي لغة قديمة، يقول أهلها: فوموا لنا، أي: # اختبزوا لنا. والثاني: أنه الثوم، وهو قراءة عبد الله وأبي: «وثومها» ~~واختاره الفراء، وعلل بأنه ذكر مع ما يشاكله، والفاء تبدل من الثاء، كما ~~تقول العرب: الجدث، والجدف: للقبر، والأثافي والأفافي: # للحجارة التي توضع تحت القدر. والمغاثير والمغافير: لضرب من الصمغ. وهذا ~~قول مجاهد، والربيع بن أنس، ومقاتل، والكسائي، والنضر بن شميل وابن قتيبة. ~~والثالث: أنه الحبوب، وذكره ابن قتيبة والزجاج. # قوله تعالى: أتستبدلون الذي هو أدنى، أي: أردأ بالذي هو خير، أي: أعلى، ~~يريد: أن المن والسلوى أعلى ما طلبتم. قوله تعالى: اهبطوا مصرا فيه قولان: # أحدهما: أنه اسم لمصر من الأمصار غير معين، قاله ابن مسعود، وابن عباس، ~~وقتادة، وابن زيد، وإنما أمروا بالمصر، الذي طلبوه في الأمصار. # والثاني: أنه أراد البلد المسمى بمصر. وفي قراءة عبد الله والحسن وطلحة ~~بن مصرف والأعمش «مصر» بغير تنوين، قال أبو صالح عن ابن عباس: أراد مصر ~~فرعون، وهذا قول أبي العالية والضحاك، واختاره الفراء، واحتج بقراءة عبد ~~الله. ms0064 قال: وسئل عنها الأعمش، فقال: هى مصر التي عليها صالح بن علي «2» . ~~وقال مفضل الضبي «3» : سميت مصرا، لأنها آخر حدود المشرق، وأول حدود ~~المغرب، فهي حد بينهما. والمصر: الحد. وأهل هجر يكتبون في عهدهم: اشترى ~~فلان الدار بمصورها، أي: # بحدودها. وقال عدي: # وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا # وحكى ابن فارس أن قوما قالوا: سميت بذلك لقصد الناس إياها. كقولهم: مصرت ~~الشاة، إذا حلبتها، فالناس يقصدونها، ولا يكادون يرغبون عنها إذا نزلوها. ~~PageV01P071 # قوله تعالى: وضربت عليهم الذلة، أي: ألزموها، قال الفراء: الذلة والذل: ~~بمعنى واحد، وقال الحسن: هي الجزية. وفي المسكنة قولان: أحدهما: أنها الفقر ~~والفاقة، قاله أبو العالية، والسدي، وأبو عبيدة، وروي عن السدي قال: هي فقر ~~النفس. والثاني: أنها الخضوع، قاله الزجاج. # قوله تعالى: وباؤ، أي: رجعوا. وقوله تعالى: ذلك إشارة إلى الغضب. وقيل: ~~إلى جميع ما ألزموه من الذلة والمسكنة وغيرهما. قوله تعالى: ويقتلون ~~النبيين. كان نافع يهمز «النبيين» و «الأنبياء» و «النبوة» وما جاء من ذلك، ~~إلا في موضعين في الاحزاب: لا تدخلوا بيوت النبي» # ، إن وهبت نفسها للنبي «2» ، وإنما ترك الهمزة في هذين الموضعين لاجتماع ~~همزتين مكسورتين من جنس واحد، وباقي القراء لا يهمزون جميع المواضع. قال ~~الزجاج: الأجود ترك الهمز. # واشتقاق النبي من: نبأ، وأنبأ، أي: أخبر. ويجوز أن يكون من: نبا ينبو: ~~إذا ارتفع، فيكون بغير همز: # فعيلا، من الرفعة. قال عبد الله بن مسعود: كانت بنو اسرائيل تقتل في ~~اليوم ثلاثمائة نبي، ثم تقوم سوق بقلهم في آخر النهار. # قوله تعالى: بغير الحق فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: بغير جرم، قاله ~~ابن الأنباري. # والثاني: أنه توكيد كقوله تعالى: ولكن تعمى القلوب التي في الصدور «3» . ~~والثالث: أنه خارج مخرج الصفة لقتلهم أنه ظلم، فهو كقوله: رب احكم بالحق ~~«4» ، فوصف حكمه بالحق، ولم يدل على أنه يحكم بغير الحق. قوله تعالى: ~~وكانوا يعتدون، العدوان: أشد الظلم. وقال الزجاج: الاعتداء: # مجاوزة القدر في كل شيء. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية ms0065 # 62] # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) # قوله تعالى: إن الذين آمنوا، فيهم خمسة أقوال: أحدها: أنهم قوم كانوا ~~مؤمنين بعيسى قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنهم الذين آمنوا بموسى، وعملوا بشريعته إلى أن جاء عيسى، فآمنوا ~~به وعملوا بشريعته إلى أن جاء محمد. وهذا قول السدي عن أشياخه. والثالث: ~~أنهم المنافقون، قاله سفيان الثوري «5» . والرابع: أنهم الذين كانوا يطلبون ~~الإسلام، كقس بن ساعدة، وبحيرا، وورقة بن نوفل، وسلمان. والخامس: أنهم ~~المؤمنون من هذه الأمة. # قوله تعالى: والذين هادوا، قال الزجاج: أصل هادوا في اللغة: تابوا. وروي ~~عن ابن مسعود أن اليهود سموا بذلك لقول موسى: هدنا إليك «6» ، والنصارى ~~لقول عيسى: من أنصاري إلى الله. وقيل سموا النصارى لقرية نزلها المسيح، ~~اسمها: ناصرة، وقيل: لتناصرهم. # فأما «الصابئون» فقرأ الجمهور بالهمز في جميع القرآن. وكان نافع لا يهمز ~~كل المواضع. قال PageV01P072 # الزجاج: معنى الصابئين: الخارجون من دين إلى دين، يقال: صبأ فلان: إذا ~~خرج من دينه. وصبأت النجوم: إذا طلعت، وصبأ نابه: إذا خرج. وفي الصابئين ~~سبعة أقوال: أحدها: أنه صنف من النصارى ألين قولا منهم، وهم السائحون ~~المحلقة أوساط رؤوسهم، روي عن ابن عباس. والثاني: أنهم قوم بين النصارى ~~والمجوس، ليس لهم دين، قاله مجاهد. والثالث: أنهم قوم بين اليهود والنصارى، ~~قاله سعيد بن جبير. والرابع: قوم كالمجوس، قاله الحسن والحكم. والخامس: ~~فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور، قاله أبو العالية. والسادس: قوم يصلون ~~إلى القبلة، ويعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور، قاله قتادة. والسابع: قوم ~~يقولون: لا إله إلا الله، فقط، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي، قاله ابن ~~زيد. # قوله تعالى: من آمن، في إعادة ذكر الإيمان ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لما ~~ذكر مع المؤمنين طوائف من الكفار رجع قوله: من آمن إليهم. والثاني: أن ~~المعنى من أقام على إيمانه. والثالث: أن الايمان الأول ms0066 نطق المنافقين ~~بالإسلام. والثاني: اعتقاد القلوب. # قوله تعالى: وعمل صالحا. قال ابن عباس: أقام الفرائض. # فصل: وهل هذه الآية محكمة أم منسوخة؟ فيه قولان: أحدهما: أنها محكمة، ~~قاله مجاهد والضحاك في آخرين، وقدروا فيها: إن الذين آمنوا، ومن آمن من ~~الذين هادوا. والثاني: أنها منسوخة بقوله: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن ~~يقبل منه «1» ، ذكره جماعة من المفسرين. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 63] # وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما ~~فيه لعلكم تتقون (63) # قوله تعالى: وإذ أخذنا ميثاقكم. الخطاب بهذه الآية لليهود. والميثاق: ~~مفعال من التوثق بيمين أو عهد أو نحو ذلك من الأمور التي تؤكد القول. وفي ~~هذا الميثاق ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أخذ ميثاقهم أن يعملوا بما في التوراة، فكرهوا الإقرار بما ~~فيها، فرفع عليهم الجبل، قاله مقاتل. قال أبو سليمان الدمشقي: أعطوا الله ~~عهدا ليعملن بما في التوراة، فلما جاء بها موسى فرأوا ما فيها من التثقيل، ~~امتنعوا من أخذها، فرفع الطور عليهم. # والثاني: أنه ما أخذه الله تعالى على الرسل وتابعيهم من الإيمان بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، ذكره الزجاج. # والثالث: ذكره الزجاج أيضا، فقال: يجوز أن يكون الميثاق يوم أخذ الذرية ~~من ظهر آدم. # قوله تعالى: ورفعنا فوقكم الطور، قال أبو عبيدة: الطور في كلام العرب: ~~الجبل. وقال ابن قتيبة: الطور: الجبل بالسريانية. وقال ابن عباس: ما أنبت ~~من الجبال فهو طور، وما لم ينبت فليس بطور. وأي الجبال هو؟ فيه ثلاثة ~~أقوال: أحدها: جبل من جبال فلسطين، قاله ابن عباس. والثاني: # جبل نزلوا بأصله، قاله قتادة. والثالث: الجبل الذي تجلى له ربه، قاله ~~مجاهد. # وجمهور العلماء على أنه إنما رفع الجبل عليهم لإبائهم التوراة. وقال ~~السدي: لإبائهم دخول الأرض المقدسة. PageV01P073 # قوله تعالى: خذوا ما آتيناكم بقوة. وفي المراد «بقوة» أربعة أقوال: ~~أحدها: الجد والاجتهاد، قاله ابن عباس وقتادة والسدي. والثاني: الطاعة، ~~قاله أبو العالية. والثالث: العمل بما فيه، قاله مجاهد. والرابع: الصدق، ~~قاله ابن زيد. قوله تعالى: واذكروا ما فيه، ms0067 قولان: أحدهما: اذكروا ما تضمنه ~~من الثواب والعقاب، قاله ابن عباس. والثاني: معناه: ادرسوا ما فيه، قاله ~~الزجاج. قوله تعالى: لعلكم تتقون، قال ابن عباس: تتقون العقوبة. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 64] # ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ~~(64) # قوله تعالى: ثم توليتم، أي: أعرضتم عن العمل بما فيه من بعد إعطاء ~~المواثيق ليأخذنه بجد، فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ~~بالعقوبة. ### | [سورة البقرة (2) : آية 65] # ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (65) # قوله تعالى: ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت. السبت: اليوم ~~المعروف، قاله ابن الأنباري: ومعنى السبت في كلام العرب: القطع، يقال: قد ~~سبت رأسه: إذا حلقه وقطع الشعر منه، ويقال: نعل سبتية: إذا كانت مدبوغة ~~بالقرظ محلوقة الشعر، فسمي السبت سبتا، لأن الله عز وجل ابتدأ الخلق فيه، ~~وقطع فيه بعض خلق الأرض، أو: لأن الله تعالى أمر بني إسرائيل بقطع الأعمال ~~وتركها. # وقال بعضهم: سمي سبتا، لأن الله تعالى أمرهم بالاستراحة فيه من الأعمال، ~~وهذا خطأ، لأنه لا يعرف في كلام العرب: سبت بمعنى: استراح. # وفي صفة اعتدائهم في السبت قولان: أحدهما: أنهم أخذوا الحيتان يوم السبت، ~~قاله الحسن ومقاتل. والثاني: أنهم حبسوها يوم السبت وأخذوها يوم الأحد، ~~وذلك أن الرجل كان يحفر الحفرة ويجعل لها نهرا إلى البحر، فاذا كان يوم ~~السبت فتح النهر، وقد حرم الله عليه العمل يوم السبت، فيقبل الموج بالحيتان ~~حتى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت الخروج فلا يطيق، فيأخذها يوم الأحد، ~~قاله السدي. # (الإشارة إلى قصة مسخهم) روى عثمان بن عطاء عن أبيه قال: نودي الذين ~~اعتدوا في السبت ثلاثة أصوات: نودوا: يا أهل القرية، فانتبهت طائفة [ثم ~~نودوا: يا أهل القرية فانتبهت طائفة] «1» أكثر من الأولى، ثم نودوا: يا أهل ~~القرية، فانتبه الرجال والنساء والصبيان، فقال الله لهم: كونوا قردة ~~خاسئين، فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون: يا فلان ألم ننهكم؟ ~~فيقولون برءوسهم: بلى. قال قتادة: فصار ms0068 القوم قردة تعاوي، لها أذناب بعد ما ~~كانوا رجالا ونساء. وفي رواية عن قتادة: صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير، ~~وما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم. وقال غيره: كانوا نحوا من سبعين ~~ألفا، وعلى هذا القول العلماء، غير ما روي عن مجاهد أنه قال: مسخت قلوبهم ~~ولم تمسخ أبدانهم، وهو قول بعيد، قال ابن PageV01P074 # عباس: لم يحيوا على الأرض إلا ثلاثة أيام، ولم يحي مسخ في الأرض فوق ~~ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وزعم مقاتل أنهم عاشوا سبعة أيام، ~~وماتوا في اليوم الثامن، وهذا كان في زمان داود عليه السلام. # قوله تعالى: خاسئين: الخاسئ في اللغة: المبعد، يقال للكلب: اخسأ، أي: ~~تباعد. ### | [سورة البقرة (2) : آية 66] # فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين (66) # قوله تعالى: فجعلناها. في المكنى عنها أربعة أقوال: أحدها: أنها الخطيئة، ~~رواه عطية عن ابن عباس. والثاني: العقوبة، رواه الضحاك عن ابن عباس. وقال ~~الفراء: الهاء كناية عن المسخة التي مسخوها. والثالث: أنها القرية، والمراد ~~أهلها، قاله قتادة وابن قتيبة. والرابع: أنها الأمة التي مسخت، قاله ~~الكسائي، والزجاج. وفي النكال قولان: أحدهما: أنه العقوبة، قاله مقاتل. ~~والثاني: العبرة، قاله ابن قتيبة والزجاج. # قوله تعالى: لما بين يديها وما خلفها، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لما بين ~~يديها من القرى وما خلفها، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: لما بين يديها ~~من الذنوب، وما خلفها: ما عملوا بعدها، رواه عطية عن ابن عباس. والثالث: ~~لما بين يديها من السنين التي عملوا فيها بالمعاصي، وما خلفها: ما كان ~~بعدهم في بني اسرائيل لئلا يعملوا بمثل أعمالهم، قاله عطية. # وفي المتقين قولان: أحدهما: أنه عام في كل متق إلى يوم القيامة، قاله ابن ~~عباس. والثاني: أن المراد بهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله السدي عن ~~أشياخه، وذكره عطية وسفيان. ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 67 الى # 68] # وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا ~~قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ms0069 (67) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ~~قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون ~~(68) # قوله تعالى: وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة. # (ذكر السبب في أمرهم بذبح البقرة) روى ابن سيرين عن عبيدة قال: كان في ~~بني اسرائيل رجل عقيم لا يولد له، وله مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، ~~فقتله واحتمله ليلا، فأتى به حيا آخرين، فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح ~~يدعيه حتى تسلحوا، وركب بعضهم إلى بعض، فأتوا موسى فذكروا له ذلك، فأمرهم ~~بذبح البقرة. وروى السدي عن أشياخه أن رجلا من بني إسرائيل كانت له بنت ~~وابن أخ فقير، فخطب إليه ابنته، فأبى، فغضب وقال: والله لأقتلن عمي، ولآخذن ~~ماله ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته، فأتاه فقال: قد قدم تجار في بعض أسباط ~~«1» بني إسرائيل، فانطلق معي فخذ لي من تجارتهم لعلي أصيب فيها ربحا، فخرج ~~معه، فلما بلغا ذلك السبط، قتله الفتى، ثم رجع، فلما أصبح، جاء كأنه يطلب ~~عمه لا يدري أين هو، PageV01P075 # فاذا بذلك السبط قد اجتمعوا عليه، فأمسكهم وقال: قتلتم عمي، وجعل يبكي ~~وينادي: وا عماه. قال أبو العالية: والذي سأل موسى أن يسأل الله البيان: ~~القاتل، وقال غيره: بل القوم اجتمعوا فسألوا موسى. # فلما أمرهم بذبح بقرة قالوا أتتخذنا هزوا؟ وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، والكسائي: # «هزؤا» بضم الهاء والزاي والهمزة، وقرأ حمزة، وإسماعيل، وخلف في اختياره، ~~والفراء عن عبد الوارث، والمفضل: «هزأ» باسكان الزاي. ورواه حفص بالضم من ~~غير همزة، وحكى أبو علي الفارسي أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، فمن ~~العرب من يثقله، ومنهم من يخففه، نحو العسر واليسر. قوله تعالى: قال أعوذ ~~بالله أن أكون من الجاهلين. وإنما انتفى من الهزء، لأن الهازئ جاهل لاعب. ~~فلما تبين لهم أن الأمر من عند الله، قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي. ~~قال الزجاج: # وإنما سألوا: ما هي، لأنهم لا يعلمون أن ms0070 بقرة يحيا بضرب بعضها ميت. # فأما الفارض فهي: المسنة، يقال: فرضت البقرة فهي فارض: إذا أسنت. والبكر: ~~الصغيرة التي لم تلد، والعوان: دون المسنة، وفوق الصغيرة، يقال: حرب عوان: ~~إذا لم تكن أول حرب، وكانت ثانية. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 69 الى 70] # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع ~~لونها تسر الناظرين (69) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه ~~علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون (70) # في الصفراء قولان: أحدهما: أنه من الصفرة، وهو: اللون المعروف، قاله ابن ~~عباس، وقتادة، وابن زيد، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: أنها السوداء، قاله ~~الحسن البصري، ورده جماعة، فقال ابن قتيبة: هذا غلط في نعوت البقر، وإنما ~~يكون ذلك في نعوت الإبل، يقال: بعير أصفر، أي: أسود، لأن السوداء من الإبل ~~يشوب سوادها صفرة، ويدل على ذلك قوله تعالى: فاقع لونها، والعرب لا تقول ~~«أسود فاقع» إنما تقول: «أسود حالك» و «أصفر فاقع» . قال الزجاج: وفاقع نعت ~~للأصفر الشديد الصفرة، يقال: أصفر فاقع، وأحمر قانئ وأخضر ناضر، وأبيض يقق، ~~وأسود حالك، وحلكوك ودجوجي، فهذه صفات المبالغة في الألوان «1» . # ومعنى تسر الناظرين: تعجبهم، قال ابن عباس: شدد القوم فشدد عليهم. ~~PageV01P076 # (25) وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ~~«لولا أن بني إسرائيل استثنوا لم يعطوا الذي أعطوا» ، يعني بذلك قولهم: ~~وإنا إن شاء الله لمهتدون. # وفي المراد باهتدائهم قولان: أحدهما: أنهم أرادوا: المهتدون إلى البقرة، ~~وهو قول الأكثرين. # والثاني: إلى القاتل، ذكره أبو صالح عن ابن عباس. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 71] # قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية ~~فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون (71) # قوله تعالى: قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول، قال قتادة: لم يذلها العمل ~~فتثير الأرض. قال ابن قتيبة: يقال في الدواب: دابة ذلول: بينة الذل. بكسر ~~الذال، وفي الناس: رجل ذليل بين الذل، بضم ms0071 الذال. تثير الأرض: تقلبها ~~للزراعة، ويقال للبقرة: المثيرة. قال الفراء: لا تقفن على ذلول، لأن ~~المعنى: ليست بذلول فتثير الأرض. وحكى ابن القاسم أن أبا حاتم السجستاني ~~أجاز الوقف على ذلول، ثم أنكره عليه جدا، وعلل بأن التي تثير الأرض لا يعدم ~~منها سقي الحرث، ومتى أثارت الأرض كانت ذلولا. # ومعنى: ولا تسقي الحرث: لا يستقى عليها الماء لسقي الزرع. # قوله تعالى: مسلمة فيه أربعة أقوال: أحدها: مسلمة من العيوب، قاله ابن ~~عباس، وأبو العالية، وقتادة، ومقاتل. والثاني: مسلمة من العمل، قاله الحسن ~~وابن قتيبة. والثالث: مسلمة من الشية، قاله مجاهد وابن زيد. والرابع: مسلمة ~~القوائم والخلق، قاله عطاء الخراساني. # فأما الشية، فقال الزجاج: الوشي في اللغة: خلط لون بلون. ويقال: وشيت ~~الثوب أشيه شية ووشيا، كقولك: وديت فلانا أدية دية. ونصب: لا شية فيها، على ~~النفي. معنى الكلام: ليس فيها لون يفارق سائر لونها، وقال عطاء الخراساني: ~~لونها لون واحد. # قوله تعالى: الآن جئت بالحق، قال ابن قتيبة: الآن: هو الوقت الذي أنت ~~فيه، وهو حد الزمانين، حد الماضي من آخره، وحد المستقبل من أوله، ومعنى جئت ~~بالحق: بينت لنا. قوله تعالى: وما كادوا يفعلون، فيه قولان: أحدهما: لغلاء ~~ثمنها، قاله ابن كعب القرظي. والثاني: # لخوف الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل منهم، قاله وهب. قال ابن عباس: ~~مكثوا يطلبون البقرة PageV01P077 # أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل، فأبى أن يبيعها الا بملء مسكها ذهبا، ~~وهذا قول مجاهد، وعكرمة، وعبيدة، ووهب، وابن زيد، والكلبي، ومقاتل في مقدار ~~الثمن. # فأما السبب الذي لأجله غلا ثمنها، فيحتمل وجهين: أحدهما: أنهم شددوا فشدد ~~الله عليهم. # والثاني: لإكرام الله عز وجل صاحبها، فإنه كان برا بوالديه. فذكر بعض ~~المفسرين أنه كان شاب من بني اسرائيل برا بأبيه، فجاء رجل يطلب سلعة هي ~~عنده، فانطلق ليبيعه إياها، فاذا مفاتيح حانوته مع أبيه، وأبوه نائم، فلم ~~يوقظه ورد المشتري، فأضعف له المشتري الثمن، فرجع إلى أبيه فوجده نائما، ~~فعاد إلى المشتري فرده، فأضعف له الثمن، فلم ms0072 يزل ذلك دأبهما حتى ذهب ~~المشتري، فأثابه الله على بره بأبيه أن نتجت له بقرة من بقرة تلك البقرة. ~~وروي عن وهب بن منبه في حديث طويل: أن فتى كان برا بوالديه، وكان يحتطب على ~~ظهره، فاذا باعه تصدق بثلثه، وأعطى أمه ثلثه، وأبقى لنفسه ثلثه، فقالت له ~~أمه يوما: إني ورثت من أبيك بقرة، فتركتها في البقر على اسم الله، فاذا ~~أتيت البقر، فادعها باسم إله إبراهيم، فذهب فصاح بها، فأقبلت، فأنطقها ~~الله، فقالت: اركبني يا فتى، فقال: لم تأمرني أمي بهذا. # فقالت: أيها البر بأمه، لو ركبتني لم تقدر علي، فانطلق، فلو أمرت الجبل ~~أن ينقلع من أصله لانقلع ببرك لأمك. فلما جاء بها قالت أمه: بعها بثلاثة ~~دنانير على رضى مني، فبعث الله ملكا فقال: بكم هذه؟ قال: بثلاثة دنانير على ~~رضى من أمي. قال: لك ستة ولا تستأمرها، فأبى، ورجع إلى أمه فأخبرها، فقالت: ~~بعها بستة على رضى مني، فجاء الملك فقال: خذ اثني عشر ولا تستأمرها، فأبى، ~~وعاد إلى أمه فأخبرها، فقالت: يا بني، ذاك ملك، فقل له: بكم تأمرني أن ~~أبيعها؟ فجاء إليه فقال له ذلك، فقال: يا فتى يشتري بقرتك هذه موسى بن ~~عمران لقتيل يقتل في بني إسرائيل «1» . ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 72] # وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) # قوله تعالى: وإذ قتلتم نفسا هذه الآية مؤخرة في التلاوة، مقدمة في ~~المعنى، لأن السبب في الأمر بذبح البقرة قتل النفس، فتقدير الكلام: وإذ ~~قتلتم نفسا فادارأتم فيها، فسألتم موسى فقال: إن الله يأمركم أن تذبحوا ~~بقرة. ونظيرها قوله تعالى: ولم يجعل له عوجا (1) قيما «2» ، أراد: أنزل ~~الكتاب قيما، ولم يجعل له عوجا، فأخر المقدم وقدم المؤخر، لأنه من عادة ~~العرب، قال الفرزدق: # إن الفرزدق صخرة ملمومة ... طالت فليس تنالها الأوعالا # أراد: طالت الأوعال. وقال جرير: # طاف الخيال وأين منك لماما ... فارجع لزورك بالسلام سلاما # أراد: طاف الخيال لماما، وأين هو منك؟ وقال الآخر: # خير من القوم العصاة أميرهم ... - يا ms0073 قوم فاستحيوا- النساء الجلس # أراد: خير من القوم العصاة النساء، فاستحيوا من هذا. # ومعنى قوله تعالى: فادارأتم: اختلفتم، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال ~~الزجاج: ادارأتم، PageV01P078 # بمعنى: تدارأتم، أي: تدافعتم، وألقى بعضكم على بعض، تقول: درأت فلانا: ~~إذا دفعته، وداريته: إذا لاينته، ودريته إذا ختلته، فأدغمت التاء في الدال، ~~لأنهما من مخرج واحد، فأما الذي كتموه فهو أمر القتيل. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 73] # فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ~~(73) # قوله تعالى: فقلنا اضربوه ببعضها # . من قال: أقاموا في طلبها أربعين سنة، قال: ضربوا قبره، ومن لم يقل ذلك، ~~قال: ضربوا جسمه قبل دفنه، وفي الذي ضرب به ستة أقوال: أحدها: أنه ضرب ~~بالعظم الذي يلي الغضروف، رواه عكرمة عن ابن عباس. قال أبو سليمان الدمشقي: ~~وذلك العظم هو أصل الأذن، وزعم قوم أنه لا يكسر ذلك العظم من أحد فيعيش. ~~قال الزجاج: الغضروف في الأذن، وهو: ما أشبه العظم الرقيق من فوق الشحمة، ~~وجميع أعلى صدفة الأذن، وهو معلق الشنوف، فأما العظمان اللذان خلف الأذن ~~الناتئان من مؤخر الأذن، فيقال لهما: الخشاوان، والخششاوان، واحدهما: # خشاء، وخششاء. والثاني: أنه ضرب بالفخذ، روي عن ابن عباس أيضا، وعكرمة، ~~ومجاهد، وقتادة، وذكر عكرمة ومجاهد أنه الفخذ الأيمن. والثالث: أنه البضعة ~~التي بين الكتفين، رواه السدي عن أشياخه. والرابع: أنه الذنب، رواه ليث عن ~~مجاهد. والخامس: أنه عجب الذنب، وهو عظم عليه بني البدن، روي عن سعيد بن ~~جبير. والسادس: أنه اللسان، قاله الضحاك. وفي الكلام اختصار تقديره: # فقلنا: اضربوه ببعضها ليحيا، فضربوه فحيي، فقام فأخبر بقاتله. وفي قاتله ~~أربعة أقوال: أحدها: بنو أخيه، رواه عطية عن ابن عباس. والثاني: ابنا عمه، ~~رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهذان القولان يدلان على أن قاتله أكثر من ~~واحد. والثالث: ابن أخيه، قاله السدي عن أشياخه وعبيدة. والرابع: # أخوه، قاله عبد الرحمن بن زيد. قوله تعالى: كذلك يحي الله الموتى # فيه قولان: أحدهما: أنه خطاب لقوم موسى. والثاني: لمشركي قريش، احتج ~~عليهم إذ ms0074 جحدوا البعث بما يوافق عليه أهل الكتاب. قال أبو عبيدة: وآياته: ~~عجائبه. ### | [سورة البقرة (2) : آية 74] # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما ~~يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من ~~خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (74) # قوله تعالى: ثم قست قلوبكم، قال ابراهيم بن السري: قست في اللغة: غلظت ~~ويبست وعست. فقسوة القلب: ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه. والقاسي: ~~والعاسي: الشديد الصلابة. # وقال ابن قتيبة: قست وعست وعتت واحد، أي: يبست. # وفي المشار إليهم بها قولان: أحدهما: جميع بني إسرائيل. والثاني: القاتل. # قال ابن عباس: قال الذين قتلوه بعد أن سمى قاتله: والله ما قتلناه. وفي ~~كاف «ذلك» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إشارة إلى إحياء الموتى، فيكون الخطاب ~~لجميع بني إسرائيل. والثاني: إلى كلام القتيل، فيكون الخطاب للقاتل، ذكرهما ~~المفسرون. والثالث: إلى ما شرح من الآيات من مسخ القردة والخنازير، ورفع ~~الجبل وانبجاس الماء، وإحياء القتيل، ذكره الزجاج. # PageV01P079 # وفي «أو» أقوال، هي بعينها مذكورة في قوله تعالى: أو كصيب «1» ، وقد ~~تقدمت. # قوله تعالى: وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، قال مجاهد: كل حجر ~~ينفجر منه الماء، وينشق عن ماء، أو يتردى من رأس جبل، فمن خشية الله. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 75] # أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ~~من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) # قوله تعالى: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم. في المخاطبين بهذه الآية ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، قاله ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: أنهم المؤمنون، تقديره: أفتطمعون أن تصدقوا نبيكم، قاله أبو ~~العالية وقتادة. # والثالث: أنهم الأنصار، فانهم لما أسلموا أحبوا إسلام اليهود للرضاعة ~~التي كانت بينهم، ذكره النقاش. قال الزجاج: وألف «أفتطمعون» ألف استخبار، ~~كأنه آيسهم من الطمع في إيمانهم. # وفي سماعهم لكلام الله قولان: أحدهما: أنهم قرءوا التوراة فحرفوها، هذا ~~قول مجاهد والسدي في آخرين، فيكون سماعهم لكلام الله ms0075 بتبليغ نبيهم، ~~وتحريفهم: تغيير ما فيها. والثاني: أنهم التسعون رجلا الذين اختارهم موسى، ~~فسمعوا كلام الله كفاحا عند الجبل، فلما جاءوا إلى قومهم قالوا: قال لنا: ~~كذا وكذا، وقال في آخر قوله: إن لم تستطيعوا ترك ما أنهاكم عنه فافعلوا ما ~~تستطيعون. هذا قول مقاتل، والأول أصح. وقد أنكر بعض أهل العلم، منهم ~~الترمذي صاحب «النوادر» هذا القول إنكارا شديدا، وقال: إنما خص بالكلام ~~موسى وحده، وإلا فأي ميزة؟ وجعل هذا من الأحاديث التي رواها الكلبي وكان ~~كذابا. # ومعنى عقلوه: سمعوه ووعوه. وفي قوله تعالى: وهم يعلمون قولان: أحدهما: ~~وهم يعلمون أنهم حرفوه. والثاني: وهم يعلمون عقاب تحريفه. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 76 الى 77] # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا ~~أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون (76) أولا ~~يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون (77) # قوله تعالى: وإذا لقوا الذين آمنوا. هذه الآية نزلت في نفر من اليهود، ~~كانوا إذا لقوا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين قالوا: آمنا، وإذا خلا ~~بعضهم إلى بعض، قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم، هذا قول ابن عباس ~~وأبي العالية ومجاهد وقتادة وعطاء الخراساني وابن زيد ومقاتل «2» . # وفي معنى: بما فتح الله عليكم قولان: أحدهما: بما قضى الله عليكم، ~~والفتح: القضاء، PageV01P080 # ومنه قوله تعالى: ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق «1» ، قال السدي عن ~~أشياخه: كان ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين بما ~~عذبوا به، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب، ~~ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم. والثاني: أن معناه: ~~بما علمكم الله. قال ابن عباس وأبو العالية وقتادة: الذي فتحه عليهم، ما ~~أنزله من التوراة في صفة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال مقاتل: كان المسلم ~~يلقى حليفه، أو أخاه من الرضاعة من اليهود، فيسأله: أتجدون محمدا في ~~كتابكم؟ فيقولون: نعم، إنه لحق. فسمع كعب بن الأشرف وغيره، فقال لليهود في ~~السر: # أتحدثون ms0076 أصحاب محمد بما فتح الله عليكم؟ أي: بما بين لكم في التوراة من ~~أمر محمد ليخاصموكم به عند ربكم باعترافكم أنه نبي، أفلا تعقلون أن هذا حجة ~~عليكم «2» ؟! قوله تعالى: عند ربكم فيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى: في حكم ~~ربكم، كقوله تعالى: # فأولئك عند الله هم الكاذبون «3» . والثاني: أنه أراد به يوم القيامة. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 78] # ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (78) # قوله تعالى: ومنهم أميون، يعنى: اليهود. والأمي: الذي لا يكتب ولا يقرأ، ~~قاله مجاهد. # وفي تسميته بالأمي قولان: أحدهما: لأنه على خلقة الأمة التي لم تتعلم ~~الكتاب، فهو على جبلته، قاله الزجاج. والثاني: أنه ينسب إلى أمه، لأن ~~الكتابة في الرجال كانت دون النساء. وقيل: لأنه على ما ولدته أمه. قوله ~~تعالى: لا يعلمون الكتاب، قال قتادة: لا يدرون ما فيه. قوله تعالى: إلا ~~أماني جمهور القراء على تشديد الياء، وقرأ الحسن، وأبو جعفر، بتخفيف الياء، ~~وكذلك: تلك أمانيهم «4» وليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب «5» في أمنيته ~~«6» ، وو غرتكم الأماني «7» ، كله بتخفيف الياء وكسر الهاء من «أمانيهم» ~~ولا خلاف في فتح ياء «الأماني» . وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ~~الأكاذيب. قال ابن عباس: إلا أماني: يريد إلا قولا يقولونه بأفواههم كذبا. ~~وهذا قول مجاهد واختيار الفراء. وذكر الفراء أن بعض العرب قال لابن دأب «8» ~~وهو يحدث: أهذا شيء رويته، أم شيء تمنيته؟ يريد: افتعلته. والثاني: أن ~~الأماني: التلاوة، فمعناه: لا يعلمون فقه الكتاب، إنما يقتصرون على ما ~~يسمعونه يتلى عليهم، قال الشاعر: # تمنى كتاب الله أول ليلة ... تمني داود الزبور على رسل PageV01P081 # وهذا قول الكسائي والزجاج. والثالث: أنها أمانيهم على الله، قاله قتادة. ~~قوله تعالى: وإن هم إلا يظنون، قال مقاتل: ليسوا على يقين، فان كذب الرؤساء ~~أو صدقوا تابعوهم. ### | [سورة البقرة (2) : آية 79] # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ~~ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) # قوله تعالى: فويل للذين ms0077 يكتبون الكتاب بأيديهم. هذه الآية نزلت في أهل ~~الكتاب الذين بدلوا التوراة وغيروا صفة النبي صلى الله عليه وسلم فيها. ~~وهذا قول ابن عباس وقتادة وابن زيد وسفيان. # فأما الويل: فروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # (26) «ويل: واد في جهنم، يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره» ~~. # وقال الزجاج: الويل: كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة، ويستعملها هو ~~أيضا. وأصلها في اللغة: العذاب والهلاك. قال ابن الأنباري: ويقال: معنى ~~الويل: المشقة من العذاب، ويقال: # أصله: وي لفلان، أي: حزن لفلان، وكثر الاستعمال للحرفين، فوصلت اللام ب ~~«وي» وجعلت حرفا واحدا ثم خبر عن «ويل» بلام أخرى، وهذا اختيار الفراء. ~~والكتاب هاهنا: التوراة. وذكر الأيدي توكيد، والثمن القليل: ما يفنى من ~~الدنيا. # وفيما يكسبون قولان: أحدهما: أنه عوض ما كتبوا. والثاني: إثم ما فعلوا. ### | [سورة البقرة (2) : آية 80] # وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن ~~يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80) # قوله تعالى: وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة، وهم: اليهود. وفيما ~~عنوا بهذه الأيام قولان: أحدهما: أنهم أرادوا أربعين يوما، قاله ابن عباس ~~وعكرمة، وأبو العالية، وقتادة، والسدي. ولماذا قدروها بأربعين؟ فيه ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنهم قالوا: بين طرفي جهنم مسيرة أربعين PageV01P082 # سنة، ونحن نقطع مسيرة كل سنة في يوم، ثم ينقضي العذاب وتهلك النار، قاله ~~ابن عباس. والثاني: # أنهم قالوا: عتب علينا ربنا في أمر، فأقسم ليعذبنا أربعين ليلة، ثم ~~يدخلنا الجنة، فلن تمسنا النار إلا أربعين يوما تحلة القسم، وهذا قول الحسن ~~وأبي العالية. والثالث: أنها عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل، قاله ~~مقاتل. والقول الثاني: أن الأيام المعدودة سبعة أيام، وذلك لأن عندهم أن ~~الدنيا سبعة آلاف سنة، والناس يعذبون لكل ألف سنة يوما من أيام الدنيا، ثم ~~ينقطع العذاب، قاله ابن عباس. # قل أتخذتم عند الله عهدا، أي: عهد إليكم أنه لا يعذبكم إلا هذا المقدار؟! ms0078 ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 81 الى # 82] # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(81) والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (82) # قوله تعالى: بلى من كسب سيئة بلى: بمنزلة «نعم» إلا أن «بلى» جواب النهي، ~~و «نعم» جواب الإيجاب، قال الفراء: إذا قال الرجل لصاحبه: ما لك علي شيء، ~~فقال الآخر: نعم، كان تصديقا أن لا شيء له عليه. ولو قال: بلى كان ردا ~~لقوله: قال ابن الأنباري: وإنما صارت «بلى» تتصل بالجحد، لأنها رجوع عن ~~الجحد إلى التحقيق، فهي بمنزلة «بل» . و «بل» سبيلها أن تأتي بعد الجحد، ~~كقولهم: ما قام أخوك، بل أبوك. وإذا قال الرجل للرجل: ألا تقوم؟ فقال له: ~~بلى أراد: بل أقوم، فزاد الألف على «بل» ليحسن السكوت عليها، لأنه لو قال: ~~بل، كان يتوقع كلاما بعد بل، فزاد الألف ليزول هذا التوهم عن المخاطب، ~~ومعنى بلى من كسب سيئة: بل من كسب. قال الزجاج: بلى: رد لقولهم: لن تمسنا ~~النار إلا أياما معدودة. والسيئة هاهنا: الشرك في قول ابن عباس وعكرمة، ~~وأبي وائل، وأبي العالية، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل. وأحاطت به، أي: # أحدقت به خطيئته، وقرأ نافع «خطيئاته» بالجمع. قال عكرمة: مات ولم يتب ~~منها، وقال أبو وائل: الخطيئة: صفة للشرك، قال أبو علي: إما أن يكون ~~المعنى: أحاطت بحسنته خطيئته، أي: # أحبطتها، من حيث أن المحيط أكثر من المحاط به، فيكون كقوله تعالى: وإن ~~جهنم لمحيطة بالكافرين «1» ، وقوله: أحاط بهم سرادقها «2» ، أو يكون معنى ~~أحاطت به: أهلكته، كقوله: إلا أن يحاط بكم «3» . ### | [سورة البقرة (2) : آية 83] # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي ~~القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (83) # قوله تعالى: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل، هذا الميثاق مأخوذ عليهم في ~~التوراة. وقوله تعالى: لا تعبدون قرأ عاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر: ~~بالتاء على الخطاب لهم. وقرأ ابن كثير وحمزة ms0079 والكسائي: بالياء على الإخبار ~~عنهم. قوله تعالى: وبالوالدين إحسانا، أي: ووصيناهم بآبائهم PageV01P083 # وأمهاتهم خيرا. قال الفراء: والعرب تقول: أوصيك به خيرا، وآمرك به خيرا، ~~والمعنى: آمرك أن تفعل به، ثم تحذف «أن» فيوصل الخير بالوصية والأمر. قال ~~الشاعر: # عجبت من دهماء إذ تشكونا ... ومن أبي دهماء إذ يوصينا # خيرا بها كأننا جافونا وأما الإحسان إلى الوالدين فهو برهما. قال ابن ~~عباس: لا تنفض ثوبك فيصيبهما الغبار. وقالت عائشة: ما بر والده من شد النظر ~~إليه، وقال عروة: لا تمتنع عن شيء أحباه. # قوله تعالى: وذي القربى، أي: ووصيناهم بذي القربى أن يصلوا أرحامهم. وأما ~~اليتامى فجمع: يتيم. قال الأصمعي: اليتم في الناس، من قبل الأب، وفي غير ~~الناس: من قبل الأم. وقال ابن الأنباري: قال ثعلب: اليتم معناه في كلام ~~العرب: الانفراد: فمعنى صبي يتيم: منفرد عن أبيه. # وأنشدنا: # أفاطم إني هالك فتبيني ... ولا تجزعي كل النساء يتيم # وقال: يروى: يتيم ويئيم، فمن روى يتيم بالتاء أراد: كل النساء ضعيف ~~منفرد. ومن روى بالياء أراد: كل النساء يموت عنهن أزواجهن. وقال: أنشدنا ~~ابن الأعرابي: # ثلاثة أحباب: فحب علاقة ... وحب تملاق وحب هو القتل «1» # قال: فقلنا له: زدنا، فقال: البيت يتيم، أي: هو منفرد. وقرأت على شيخنا ~~أبي منصور اللغوي، قال: إذا بلغ الصبي، زال عنه اسم اليتم. يقال منه: يتم ~~ييتم يتما ويتما، وجمع اليتيم: يتامى، وأيتام. وكل منفرد عند العرب يتيم ~~ويتيمة. قال: وقيل: أصل اليتم: الغفلة، وبه سمي اليتيم، لأنه يتغافل عن ~~بره. والمرأة تدعى: يتيمة ما لم تزوج، فاذا تزوجت زال عنها اسم اليتم، ~~وقيل: لا يزول عنها اسم اليتم أبدا. وقال أبو عمرو، اليتم: الإبطاء، ومنه ~~أخذ اليتيم، لأن البر يبطئ عنه. # «والمساكين» : جمع مساكين، وهو اسم مأخوذ من السكون، كأن المساكين قد ~~أسكنه الفقر. وقوله تعالى: وقولوا للناس حسنا، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~ونافع، وعاصم، وابن عامر: حسنا بضم الحاء والتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي: ~~(حسنا) بفتح الحاء والتثقيل. قال أبو علي: من قرأ «حسنا» ms0080 فجائز أن يكون ~~الحسن لغة في الحسن، كالبخل، والبخل، والرشد والرشد. وجاء ذلك في الصفة كما ~~جاء في الاسم، ألا تراهم قالوا: العرب والعرب ويجوز أن يكون الحسن مصدرا ~~كالكفر والشكر والشغل، وحذف المضاف معه، كأنه قال: قولوا قولا ذا حسن. ومن ~~قرأ (حسنا) جعله صفة، والتقدير عنده: قولوا للناس قولا حسنا، فحذف الموصوف. ~~واختلفوا في المخاطب بهذا على قولين: # أحدهما: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، وابن جبير، وابن جريج. ومعناه: ~~اصدقوا وبينوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم. والثاني: أنهم أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، قال أبو العالية: قولوا للناس معروفا، وقال محمد بن علي بن ~~الحسين عليه السلام: كلموهم بما تحبون أن يقولوا لكم. وزعم قوم أن المراد ~~بذلك مساهلة الكفار في دعائهم إلى الإسلام. فعلى هذا، تكون منسوخة بآية ~~السيف. PageV01P084 # قوله تعالى: ثم توليتم، أي: أعرضتم إلا قليلا منكم، وفيهم قولان: أحدهما: ~~أنهم أولوهم الذين لم يبدلوا. والثاني: أنهم الذين آمنوا بالنبي محمد صلى ~~الله عليه وسلم في زمانه. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 84 الى 85] # وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم ~~أقررتم وأنتم تشهدون (84) ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم ~~من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو ~~محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ~~ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما ~~الله بغافل عما تعملون (85) # قوله تعالى: وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم، أي: لا يسفك بعضكم دم ~~بعض، ولا يخرج بعضكم بعضا من داره. قال ابن عباس: ثم أقررتم يومئذ بالعهد، ~~وأنتم اليوم تشهدون على ذلك، فالإقرار على هذا متوجه إلى سلفهم، والشهادة ~~متوجهة إلى خلفهم. ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم، أي: يقتل بعضكم بعضا. روى ~~السدي عن أشياخه قال: كانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج فكانوا ~~يقاتلون في حرب سمير «1» ، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير، وكانت ~~النضير تقاتل قريظة ms0081 وحلفاءها، فيغلبونهم فيقتلون ويخربون الديار ويخرجون ~~منها، فاذا أسر الرجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه، فتعيرهم ~~العرب بذلك فتقول: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟! فيقولون: أمرنا أن نفديهم، ~~وحرم علينا قتلهم. فتقول العرب: فلم تقاتلونهم؟ فيقولون: # نستحيي أن يستذل حلفاؤنا، فعيرهم الله عز وجل، فقال: ثم أنتم هؤلاء ~~تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم إلى قوله تعالى: أفتؤمنون ببعض ~~الكتاب وتكفرون ببعض، فكان إيمانهم ببعضه فداءهم الأسارى، وكفرهم قتل بعضهم ~~بعضا. # قوله تعالى: تظهرون، قرأ عاصم وحمزة والكسائي (تظاهرون) ، وفي التحريم: # «تظهرا» «2» ، بتخفيف الظاء، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بتشديد الظاء ~~مع إثبات الألف. قال أبو علي: من قرأ (تظاهرون) بتشديد الظاء، أدغم التاء ~~في الظاء، لمقاربتها لها، فخفف بالإدغام. ومن قرأ (تظاهرون) خفيفة، حذف ~~التاء التي أدغمها أولئك من اللفظ، فخفف بالحذف. والتاء التي أدغمها ابن ~~كثير هي التي حذفها عاصم. وروي عن الحسن وأبي جعفر «تظهرون» بتشديد الظاء ~~من غير ألف، فالتظاهر: التعاون. قال ابن قتيبة: وأصله من الظهر، فكأن ~~التظاهر: أن يجعل كل واحد من الرجلين الآخر ظهرا له يتقوى به، ويستند إليه. ~~قال مقاتل: والإثم: المعصية، والعدوان: الظلم. # قوله تعالى: وإن يأتوكم أسارى تفادوهم، أصل الأسر: الشد. قرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو وابن عامر (أسارى) ، وقرأ الأعمش وحمزة «أسرى» ، قال الفراء: أهل ~~الحجاز يجمعون الأسير: «أسارى» وأهل نجد أكثر كلامهم «أسرى» وهو أجود ~~الوجهين في العربية، لأنه بمنزلة قولهم: جريح وجرحى، وصريع وصرعى، وروى ~~الأصمعي عن أبي عمرو قال: الأسارى: ما شدوا، والأسرى: في أيديهم، ~~PageV01P085 # إلا أنهم لم يشدوا. قال الزجاج: «فعلى» جمع لكل ما أصيب به الناس في ~~أبدانهم وعقولهم. يقال هالك وهلكى، ومريض ومرضى، وأحمق وحمقى، وسكران ~~وسكرى، فمن قرأ: أسارى، فهي جمع الجمع. يقال: أسير وأسرى وأسارى جمع أسرى. # قوله تعالى: تفادوهم، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: «تفدوهم» ، ~~وقرأ نافع وعاصم والكسائي: تفادوهم بألف. والمفادة: إعطاء شيء، وأخذ شيء ~~مكانه. أفتؤمنون ببعض الكتاب، وهو: فكاك الأسرى. وتكفرون ببعض وهو: ms0082 الإخراج ~~والقتل. وقال مجاهد: تفديه في يد غيرك، وتقتله أنت بيدك؟! وفي المراد ~~بالخزي قولان: أحدهما: أنه الجزية، قاله ابن عباس. والثاني: قتل قريظة ونفي ~~النضير، قاله مقاتل. ### | [سورة البقرة (2) : آية 86] # أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينصرون (86) # قوله تعالى: أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة. قال ابن عباس: هم ~~اليهود. وقال مقاتل: باعوا الآخرة بما يصيبونه من الدنيا. ### | [سورة البقرة (2) : آية 87] # ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم ~~البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ~~ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) # قوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتاب يريد التوراة: وقفينا: أتبعنا. قال ~~ابن قتيبة: وهو مأخوذ من القفا، يقال: قفوت الرجل: إذا سرت في أثره. ~~والبينات: الآيات الواضحات كإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى. وأيدناه: ~~قويناه. والأيد: القوة. وفي روح القدس ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه جبريل. والقدس: الطهارة، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والضحاك، ~~والسدي في آخرين. وكان ابن كثير يقرأ: (بروح القدس) ساكنة الدال. قال أبو ~~علي: التخفيف والتثقيل فيه حسنان، نحو: العنق والعنق، والطنب والطنب. # وفي تأييده به ثلاثة أقوال ذكرها الزجاج: أحدها: أنه أيد به لإظهار حجته ~~وأمر دينه. والثاني: # لدفع بني إسرائيل عنه إذا أرادوا قتله. والثالث: أنه أيد به في جميع ~~أحواله. # والقول الثاني: أنه الاسم الذي كان يحيي به الموتى، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس. # والثالث: أنه الإنجيل، قاله ابن زيد. ### | [سورة البقرة (2) : آية 88] # وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون (88) # قوله تعالى: وقالوا قلوبنا غلف قرأ الجمهور بإسكان اللام، وقرأ قوم منهم ~~الحسن وابن محيصن بضمها. قال الزجاج: من قرأ: غلف بتسكين اللام، فمعناه: ~~ذوات غلف، فكأنهم قالوا: # قلوبنا في أوعية، ومن قرأ «غلف» بضم اللام، فهو جمع «غلاف» فكأنهم قالوا: ~~قلوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا تفهم وهي أوعية للعلم؟! فعلى الأول ~~يقصدون إعراضه عنهم، وكأنهم يقولون: ما نفهم شيئا. وعلى الثاني يقولون: لو ~~كان ms0083 قولك حقا لقبلته قلوبنا. # وقوله تعالى: فقليلا ما يؤمنون فيه خمسة أقوال: أحدها: فقليل من يؤمن ~~منهم، قاله ابن # PageV01P086 # عباس وقتادة. والثاني: أن المعنى: قليل ما يؤمنون به. قال معمر: يؤمنون ~~بقليل مما في أيديهم، ويكافرون بأكثره. والثالث: أن المعنى: فما يؤمنون ~~قليلا ولا كثيرا. ذكره ابن الأنباري، وقال: هذا على لغة قوم من العرب، ~~يقولون: قلما رأيت مثل هذا الرجل، وهم يريدون: ما رأيت مثله. والرابع: # فيؤمنون قليلا من الزمان كقوله تعالى: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ~~وجه النهار «1» ، ذكره ابن الأنباري أيضا. والخامس: أن المعنى: فإيمانهم ~~قليل، ذكره ابن جرير الطبري. وحكى في «ما» قولين: # أحدهما: أنها زائدة. والثاني: أن «ما» تجمع جميع الأشياء ثم تخص بعض ما ~~عمته بما يذكر بعدها. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 89 الى 90] # ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على ~~الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (89) ~~بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله ~~على من يشاء من عباده فباؤ بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين (90) # قوله تعالى: ولما جاءهم كتاب من عند الله، يعني: القرآن. ويستفتحون: ~~يستنصرون. # وكانت اليهود إذا قاتلت المشركين استنصروا باسم نبي الله محمد صلى الله ~~عليه وسلم «2» . # قوله تعالى: بئسما اشتروا به أنفسهم، بئس: كلمة مستوفية لجميع الذم، ~~ونقيضها: # «نعم» . واشتروا، بمعنى: باعوا، والذي باعوها به قليل من الدنيا. قوله ~~تعالى: بغيا قال قتادة: # حسدا. ومعنى الكلام: كفروا بغيا، لأن نزل الله الفضل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # وفي قوله تعالى: بغضب على غضب خمسة أقوال: أحدها: أن الغضب الأول ~~لاتخاذهم العجل، والثاني: لكفرهم بمحمد، حكاه السدي عن ابن مسعود وابن ~~عباس. والثاني: أن الأول PageV01P087 # لتكذيبهم رسول الله. والثاني: لعداوتهم لجبريل. رواه شهر عن ابن عباس. ~~والثالث: أن الأول حين قالوا: يد الله مغلولة» # ، والثاني: حين كذبوا نبي الله. رواه أبو صالح عن ابن عباس، واختاره ~~الفراء. ms0084 والرابع: أن الأول لتكذيبهم بعيسى والإنجيل. والثاني: لتكذيبهم ~~بمحمد والقرآن، قاله الحسن، والشعبي، وعكرمة، وأبو العالية، وقتادة، ~~ومقاتل. والخامس: أن الأول لتبديلهم التوراة. # والثاني: لتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد. والمهين: ~~المذل. ### | [سورة البقرة (2) : آية 91] # وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما ~~وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم ~~مؤمنين (91) # قوله تعالى: وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله، يعني: القرآن، قالوا نؤمن ~~بما أنزل علينا، يعنون: التوراة. وفي قوله تعالى: ويكفرون بما وراءه قولان: ~~أحدهما: أنه أراد بما سواه. ومثله: # وأحل لكم ما وراء ذلكم «2» ، قاله الفراء ومقاتل. والثاني: بما بعد الذي ~~أنزل عليهم، قاله الزجاج. # قوله تعالى: وهو الحق يعود على ما وراءه. قوله تعالى: فلم تقتلون أنبياء ~~الله هذا جواب قولهم: نؤمن بما أنزل علينا، فإن الأنبياء جاءوا بتأييد ~~التوراة. وإنما نسب القتل إلى المتأخرين لأنهم في ذلك على رأي المتقدمين. ~~وتقتلون بمعنى: قتلتم، فوضع المستقبل في موضع الماضي، لأن الوهم لا يذهب ~~إلى غيره. وأنشدوا في ذلك: # شهد الحطيئة حين يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر # أراد: يشهد. ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 92 الى # 93] # ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (92) وإذ ~~أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا ~~سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم ~~إن كنتم مؤمنين (93) # قوله تعالى: ولقد جاءكم موسى بالبينات، فيها قولان: أحدهما: ما في ~~الألواح من الحلال والحرام، قاله ابن عباس. والثاني: الآيات التسع، قاله ~~مقاتل. # وفي هاء «بعده» قولان: أحدهما: أنها تعود إلى موسى، فمعناه: من بعد ~~انطلاقه إلى الجبل، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: أنها تعود إلى المجيء، ~~لأن «جاءكم» يدل على المجيء، وفي ذكر عبادتهم العجل تكذيب لقولهم: نؤمن بما ~~أنزل علينا. # قوله تعالى: قالوا سمعنا وعصينا، قال ابن عباس: كانوا إذا نظروا إلى ~~الجبل، قالوا: سمعنا ms0085 وأطعنا، وإذا نظروا إلى الكتاب قالوا: سمعنا وعصينا. # قوله تعالى: وأشربوا في قلوبهم العجل، أي: سقوا حب العجل، فحذف المضاف، ~~وهو الحب، وأقام المضاف إليه مقامه، ومثله قوله: الحج أشهر معلومات «3» أي: ~~وقت الحج. وقوله: PageV01P088 # أجعلتم سقاية الحاج «1» أي: أجعلتم صاحب سقاية الحاج. وقوله: وسئل القرية ~~«2» ، أي: أهلها. # وقوله: إذا لأذقناك ضعف الحياة «3» ، أي: ضعف عذاب الحياة. وقوله: لهدمت ~~صوامع وبيع وصلوات «4» ، أي: بيوت صلوات. وقوله: بل مكر الليل والنهار «5» ~~، أي: مكركم فيهما. وقوله: # فليدع ناديه «6» ، أي: أهله. ومن هذا قول الشاعر: # أنبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس # أي: أهل المجلس، وقال الآخر: # وشر المنايا ميت بين أهله # أي: وشر المنايا منية ميت بين أهله. # قوله تعالى: قل بئسما يأمركم به إيمانكم، أي: أن تكذبوا المرسلين، ~~وتقتلوا النبيين بغير حق، وتكتموا الهدى. قوله تعالى: إن كنتم مؤمنين، في ~~«إن» قولان: # أحدهما: أنها بمعنى: الجحد، فالمعنى: ما كنتم مؤمنين إذ عصيتم الله، ~~وعبدتم العجل. # والثاني: أن تكون «إن» شرطا معلقا بما قبله، فالمعنى: إن كنتم مؤمنين ~~فبئس الإيمان إيمان يأمركم بعبادة العجل وقتل الأنبياء، ذكرهما ابن ~~الأنباري. ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 94 الى # 96] # قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت ~~إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ~~(95) ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف ~~سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون (96) # قوله تعالى: قل إن كانت لكم الدار الآخرة، كانت اليهود تزعم أن الله ~~تعالى لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وولده، فنزلت هذه الآية. ومن الدليل على ~~علمهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم صادق، أنهم ما تمنوا الموت، وأكبر ~~الدليل على صدقه أنه أخبر أنهم لا يتمنونه بقوله تعالى: ولن يتمنوه فما ~~تمناه أحد منهم. والذي قدمته أيديهم: قتل الأنبياء وتكذيبهم، وتبديل ~~التوراة. # قوله تعالى: ولتجدنهم، اللام: لام القسم، والنون توكيد له، والمعنى: ms0086 ~~ولتجدن اليهود في حال دعائهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة، وأحرص من ~~الذين أشركوا. # وفي الذين أشركوا قولان: أحدهما: أنهم: المجوس، قاله ابن عباس، وابن ~~قتيبة والزجاج. # والثاني: مشركو العرب، قاله مقاتل. # قوله تعالى: يود أحدهم، في الهاء والميم من «أحدهم» قولان: أحدهما: أنها ~~تعود على الذين أشركوا، قاله الفراء. والثاني: ترجع إلى اليهود، قاله ~~مقاتل. PageV01P089 # قال الزجاج: وإنما ذكر ألف سنة لأنها نهاية ما كانت المجوس تدعو بها ~~لملوكها، كان الملك يحيا بأن يقال له: عش ألف نيروز، وألف مهرجان. # قوله تعالى: وما هو فيه قولان ذكرهما الزجاج: أحدهما: أنه كناية عن أحدهم ~~الذي جرى ذكره، تقديره: وما أحدهم بمزحزحه من العذاب تعميره. والثاني: أن ~~يكون «هو» كناية عما جرى من التعمير، فيكون المعنى: وما تعميره بمزحزحه من ~~العذاب، ثم جعل «أن يعمر» مبينا عنه، كأنه قال: # ذلك الشيء الدنيء ليس بمزحزحه من العذاب. ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 97 الى # 99] # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه ~~وهدى وبشرى للمؤمنين (97) من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ~~فإن الله عدو للكافرين (98) ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا ~~الفاسقون (99) # قوله تعالى: قل من كان عدوا لجبريل. قال ابن عباس: # (27) أقبلت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: من يأتيك من ~~الملائكة؟ قال: جبريل. فقالوا: ذاك ينزل بالحرب والقتال، ذاك عدونا، فنزلت ~~هذه الآية والتي تليها. # وفي جبريل إحدى عشرة لغة: إحداها: جبريل، بكسر الجيم والراء من غير همز، ~~وهي لغة أهل الحجاز، وبها قرأ ابن عامر، وأبو عمرو. قال ورقة بن نوفل: # وجبريل يأتيه وميكال معهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل # وقال عمران بن حطان: # والروح جبريل فيهم لا كفاء له ... وكان جبريل عند الله مأمونا ~~PageV01P090 # وقال حسان: # وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء # واللغة الثانية: «جبريل» بفتح الجيم وكسر الراء، وبعدها ياء ساكنة من غير ~~همز على وزن: # فعليل، وبها ms0087 قرأ الحسن البصري، وابن كثير، وابن محيصن. وقال الفراء: لا ~~أشتهيها، لأنه ليس في الكلام فعليل، ولا أرى الحسن قرأها إلا وهو صواب، ~~لأنه اسم أعجمي. # والثالثة: «جبرئيل» : بفتح الجيم والراء، وبعدها همزة مكسورة على وزن: ~~جبرعيل، وبها قرأ الأعمش، وحمزة، والكسائي. قال الفراء: وهي لغة تميم وقيس، ~~وكثير من أهل نجد. وقال الزجاج: # هي أجود اللغات، وقال جرير: # عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد ... وبجبرئيل وكذبوا ميكالا # والرابعة: جبرئل، بفتح الجيم والراء وهمزة بين الراء واللام، مكسورة من ~~غير مد على وزن جبرعل، رواها أبو بكر عن عاصم. والخامسة: «جبرئل» بفتح ~~الجيم وكسر الهمزة وتشديد اللام، وهى قراءة أبان عن عاصم ويحيى بن يعمر. ~~والسادسة: جبرائيل، بهمزة مكسورة بعدها ياء مع الألف. # والسابعة: جبراييل بيائين بعد الألف أولاهما مكسورة. والثامنة: جبرين، ~~بفتح الجيم ونون مكان اللام. # والتاسعة: جبرين، بكسر الجيم وبنون، قال الفراء: هي لغة بني أسد. وقرأت ~~على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن الأنباري قال: في جبريل تسع لغات، ~~فذكرهن. وذكر ابن الأنباري في كتاب «الرد على من خالف مصحف عثمان» : ~~«جبرائل» ، بفتح الجيم وإثبات الألف مع همزة مكسورة ليس بعدها ياء. # وجبرئين، بفتح الجيم مع همزة مكسورة بعدها ياء ونون. # فأما ميكائيل، ففيه خمس لغات: إحداهن: «ميكال» ، مثل: مفعال بغير همز، ~~وهي لغة أهل الحجاز، وبها قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم. والثانية: «ميكائيل» ~~باثبات ياء ساكنة بعد الهمزة، مثل: ميكاعيل، وهي لغة تميم وقيس، وكثير من ~~أهل نجد، وبها قرأ ابن عامر، وابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن ~~عاصم. والثالثة: «ميكائل» بهمزة مكسورة بعد الألف من غير ياء، مثل ميكاعل، ~~وبها قرأ نافع وابن شنبوذ، وابن الصباح، جميعا عن قنبل. والرابعة: «ميكئل» ~~، على وزن ميكعل، وبها قرأ ابن محيصن. والخامسة: «ميكائين» بهمزة معها ياء ~~ونون بعد الألف، ذكرها ابن الأنباري. # قال الكسائي: جبريل وميكائيل، اسمان لم تكن العرب تعرفهما، فلما جاءا ~~عربتهما. قال ابن عباس: جبريل وميكائيل، كقوله: عبد الله، وعبد الرحمن، ذهب ~~إلى أن «إيل» ms0088 اسم الله، واسم الملك «جبر» و «ميكا» . وقال عكرمة: معنى ~~جبريل: عبد الله، ومعنى ميكائيل: عبيد الله. وقد دخل جبريل وميكائيل في ~~الملائكة، لكنه أعاد ذكرهما لشرفهما، كقوله تعالى: فيهما فاكهة ونخل ورمان ~~(68) «1» . # وإنما قال: فإن الله عدو للكافرين، ولم يقل: لهم، ليدل على أنهم كافرون ~~بهذه العداوة. PageV01P091 ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 100 الى # 101] # أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (100) ولما جاءهم ~~رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله ~~وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101) # قوله تعالى: أوكلما عاهدوا عهدا، الواو واو العطف، أدخلت عليها ألف ~~الاستفهام. قال ابن عباس ومجاهد: والمشار اليهم: اليهود، وقيل: العهد الذي ~~عاهدوه، أنهم قالوا: والله لئن خرج محمد لنؤمنن به. وروي عن عطاء أنها ~~العهود التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم، فنقضوها، كفعل ~~قريظة والنضير. ومعنى نبذه: رفضه. قوله تعالى: نبذ فريق من الذين أوتوا ~~الكتاب، يعني اليهود. # والكتاب: التوراة. وفي قوله تعالى: كتب الله قولان: أحدهما: أنه القرآن. ~~والثاني: أنه التوراة، لأن الكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم قد نبذوا ~~التوراة. ### | [سورة البقرة (2) : آية 102] # واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما ~~يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون ~~به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما ~~يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) # قوله تعالى: واتبعوا ما تتلوا الشياطين في سبب نزولها قولان: أحدهما: أن ~~اليهود كانوا لا يسألون النبي عن شيء من التوراة إلا أجابهم، فسألوه عن ~~السحر وخاصموه به، فنزلت هذه الآية، قاله أبو العالية. والثانية: أنه لما ~~ذكر سليمان في القرآن قال يهود المدينة: ألا تعجبون لمحمد يزعم أن ابن ms0089 داود ~~كان نبيا؟! والله ما كان إلا ساحرا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن إسحاق. # و «تتلو» بمعنى: تلت، و «على» بمعنى: «في» قاله المبرد. قال الزجاج ~~وقوله: على ملك سليمان، أي: على عهد ملك سليمان. وفي كيفية ما تلت الشياطين ~~على ملك سليمان ستة أقوال: # أحدها: أنه لما خرج سليمان عن ملكه كتبت الشياطين السحر، ودفنته في ~~مصلاه، فلما توفي استخرجوه، وقالوا: بهذا كان يملك الملك، ذكر هذا المعنى ~~أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول مقاتل. والثاني: أن آصف كان يكتب ما يأمر به ~~سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان، استخرجته الشياطين، فكتبوا بين ~~كل سطرين سحرا وكذبا، وأضافوه إلى سليمان، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. ~~والثالث: أن الشياطين كتبت السحر بعد موت سليمان، ثم أضافته إليه، قاله ~~عكرمة. # والرابع: أن الشياطين ابتدعت السحر، فأخذه سليمان، فدفنه تحت كرسيه لئلا ~~يتعلمه الناس، فلما قبض استخرجته، فعلمته الناس وقالوا: هذا علم سليمان، ~~قاله قتادة. والخامس: أن سليمان أخذ عهود الدواب، فكانت الدابة إذا أصابت ~~إنسانا طلب إليها بذلك العهد، فتخلي عنه، فزاد السحرة السجع والسحر، قاله ~~أبو مجلز. والسادس: أن الشياطين كانت في عهد سليمان تسترق السمع، فتسمع من ~~كلام الملائكة ما يكون في الأرض من موت أو غيث أو أمر، فيأتون الكهنة ~~فيخبرونهم، فتحدث الكهنة # PageV01P092 # الناس، فيجدونه كما قالوا، حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم، وأدخلوا فيه ~~غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتاب، ~~وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس، فجمع تلك ~~الكتاب في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن ~~يدنو من الكرسي إلا احترق، وقال: لا أسمع أحدا يذكر أن الشياطين يعلمون ~~الغيب إلا ضربت عنقه. فلما مات سليمان جاء شيطان إلى نفر من بني إسرائيل، ~~فدلهم على تلك الكتاب وقال: إنما كان سليمان يضبط أمر الخلق بهذا ففشا في ~~الناس أن سليمان كان ساحرا، واتخذ بنو ms0090 إسرائيل تلك الكتاب، فلما جاء محمد ~~صلى الله عليه وسلم، خاصموه بها، هذا قول السدي. # و «سليمان» : اسم عبراني، وقد تكلمت به العرب في الجاهلية، وقد جعله ~~النابغة سليما ضرورة، فقال: # ونسج سليم كل قضاء ذائل «1» واضطر الحطيئة فجعله: سلاما، فقال: # فيه الرماح وفيه كل سابغة ... جدلاء محكمة من نسج سلام # وأرادا جميعا: داود أبا سليمان، فلم يستقم لهما الشعر، فجعلاه: سليمان ~~وغيراه. كذلك قرأته على شيخنا أبي منصور اللغوي. # وفي قوله: وما كفر سليمان دليل على كفر الساحر، لأنهم نسبوا سليمان إلى ~~السحر، لا إلى الكفر. قوله تعالى: ولكن الشياطين كفروا. وقرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وعاصم بتشديد نون (ولكن) ونصب نون (الشياطين) . وقرأ ابن ~~عامر وحمزة والكسائي بتخفيف النون من «لكن» ورفع نون «الشياطين» . قوله ~~تعالى: وما أنزل على الملكين، وقرأ ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ~~والزهري «الملكين» بكسر اللام، وقراءة الجمهور أصح. وفي «ما» قولان «2» : ~~أحدهما: أنها PageV01P093 # معطوفة على «ما» الأولى، فتقديره: واتبعوا ما تتلو الشياطين وما أنزل على ~~الملكين. والثاني: أنها معطوفة على السحر، فتقديره: يعلمون الناس السحر، ~~ويعلمونهم ما أنزل على الملكين. فإن قيل: إذا كان السحر نزل على الملكين، ~~فلماذا ذكره؟ فالجواب من وجهين: ذكرهما ابن السري: أحدهما: أنهما كانا ~~يعلمان الناس: ما السحر، ويأمران باجتنابه، وفي ذلك حكمة لأن سائلا لو قال: ~~ما الزنى؟ # لوجب أن يوقف عليه، ويعلم أنه حرام. والثاني: أنه من الجائز أن يكون الله ~~تعالى امتحن الناس بالملكين، فمن قبل التعلم كان كافرا، ومن لم يقبله فهو ~~مؤمن، كما امتحن بنهر طالوت. # وفي الذي أنزل على الملكين قولان: أحدهما: أنه السحر، روي عن ابن مسعود ~~والحسن، وابن زيد. والثاني: أنه التفرقة بين المرء وزوجه، لا السحر، روي عن ~~مجاهد وقتادة، وعن ابن عباس كالقولين. قال الزجاج: وهذا من باب السحر أيضا. # (الإشارة إلى قصة الملكين) ذكر العلماء أن الملكين إنما أنزلا إلى الأرض ~~لسبب، وهو أنه لما كثرت خطايا بني آدم دعت عليهم الملائكة، فقال الله ~~تعالى: ms0091 لو أنزلت الشهوة والشياطين منكم منزلتهما من بني آدم، لفعلتم مثل ما ~~فعلوا، فحدثوا أنفسهم أنهم إن ابتلوا، اعتصموا، فأوحى الله إليهم أن ~~اختاروا من أفضلكم ملكين، # PageV01P094 # فاختاروا هاروت وماروت. وهذا مروي عن ابن مسعود، وابن عباس. واختلف ~~العلماء: ماذا فعلا من المعصية على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهما زنيا، وقتلا، ~~وشربا الخمرة، قاله ابن عباس. والثاني: أنهما جارا في الحكم، قاله عبيد ~~الله بن عتبة. والثالث: أنهما هما بالمعصية فقط. ونقل عن علي عليه السلام ~~أن الزهرة كانت امرأة جميلة وأنها خاصمت إلى الملكين هارون وماروت، فراودها ~~كل واحد منهما على نفسها، ولم يعلم صاحبه، وكانا يصعدان السماء آخر النهار، ~~فقالت لهما: بم تهبطان وتصعدان؟ قالا: # باسم الله الأعظم، فقالت: ما أنا بمواتيتكما إلى ما تريدان حتى تعلمانيه، ~~فعلماها إياه، فطارت إلى السماء، فمسخها الله كوكبا «1» . # (28) وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم «لعن الزهرة، وقال: إنها ~~فتنت ملكين» ، إلا أن هذه الأشياء PageV01P095 # بعيدة عن الصحة. وتأول بعضهم هذا فقال: إنه لما رأى الكوكب، ذكر تلك ~~المرأة، لا أن المرأة مسخت نجما. واختلف العلماء في كيفية عذابهما فروي عن ~~ابن مسعود أنهما معلقان بشعورهما إلى يوم القيامة، وقال مجاهد: إن جبا ملئ ~~نارا فجعلا فيه. # فأما بابل فروي عن الخليل أن ألسن الناس تبلبلت بها. واختلفوا في حدها ~~على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها: الكوفة وسوادها، قاله ابن مسعود. والثاني: أنها من نصيبين ~~إلى رأس العين، قاله قتادة. # والثالث: أنها جبل في وهدة من الأرض، قاله السدي. # قوله تعالى: إنما نحن فتنة أي اختبار وابتلاء. قوله تعالى: إلا بإذن ~~الله، يريد: # بقضائه. ولقد علموا: إشارة إلى اليهود لمن اشتراه، يعني: اختاره، يريد: ~~السحر. واللام لام اليمين. فأما الخلاق فقال الزجاج: هو النصيب الوافر من ~~الخير. قوله تعالى: ولبئس ما شروا به أنفسهم، أي: باعوها به، لو كانوا ~~يعلمون العقاب فيه. # فصل: اختلف الفقهاء في حكم الساحر «1» فمذهب إمامنا أحمد رضي الله عنه ~~أنه يكفر بسحره، قتل به، أو لم يقتل، ms0092 وهل تقبل توبته؟ على روايتين. وقال ~~الشافعي: لا يكفر بسحره، فان قتل بسحره وقال: سحري يقتل مثله، وتعمدت ذلك، ~~قتل قودا. وإن قال: قد يقتل، وقد يخطئ، لم يقتل، وفيه الدية. فأما ساحر أهل ~~الكتاب، فانه لا يقتل عند أحمد إلا أن يضر بالمسلمين، فيقتل لنقض العهد، ~~وسواء في ذلك الرجل والمرأة. وقال أبو حنيفة: حكم ساحر أهل الكتاب حكم ساحر ~~المسلمين في PageV01P096 # إيجاب القتل، فأما المرأة الساحرة، فقال: تحبس، ولا تقتل «1» . ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 103 الى 104] # ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون (103) يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب ~~أليم (104) # قوله تعالى: ولو أنهم آمنوا يعني: اليهود، والمثوبة: الثواب. لو كانوا ~~يعلمون قال الزجاج: أي: يعلمون بعلمهم. قوله تعالى: لا تقولوا راعنا قرأ ~~الجمهور بلا تنوين، وقرأ الحسن، والأعمش، وابن محيصن «2» بالتنوين، و ~~«راعنا» بلا تنوين من راعيت، وبالتنوين من الرعونة، قال ابن قتيبة: راعنا ~~بالتنوين: هو اسم مأخوذ من الرعن والرعونة، أراد: لا تقولوا جهلا ولا حمقا. # وقال غيره: كان الرجل إذا أراد استنصات صاحبه، قال: راعني سمعك، فكان ~~المنافقون يقولون: # راعنا، يريدون: أنت أرعن. وقوله: انظرنا بمعنى: انتظرنا، وقال مجاهد: ~~انظرنا: اسمع منا، PageV01P097 # وقال ابن زيد: لا تعجل علينا. قوله: واسمعوا أي: ما تؤمرون به. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 105] # ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ~~ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (105) # قوله تعالى: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب. قال ابن عباس: هم يهود ~~المدينة، ونصارى نجران، فالمشركون مشركو أهل مكة. أن ينزل عليكم، أي: على ~~رسولكم. من خير من ربكم، أراد: النبوة والإسلام. وقال أبو سليمان الدمشقي: ~~أراد بالخير: العلم والفقه والحكمة. والله يختص برحمته من يشاء. في هذه ~~الرحمة قولان: أحدهما: أنها النبوة، قاله علي بن أبي طالب، ومحمد بن علي بن ~~الحسين، ومجاهد والزجاج. والثاني: أنها الإسلام، قاله ابن ms0093 عباس ومقاتل. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 106 الى 107] # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل ~~شيء قدير (106) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا نصير (107) # قوله تعالى: ما ننسخ من آية. سبب نزولها: أن اليهود قالت لما نسخت ~~القبلة: إن محمدا يحل لأصحابه إذا شاء، ويحرم عليهم إذا شاء فنزلت هذه ~~الآية. قال الزجاج: النسخ في اللغة: إبطال شيء وإقامة آخر مقامه، تقول ~~العرب: نسخت الشمس الظل: إذا أذهبته وحلت محله. وفي المراد بهذا النسخ ~~ثلاثة أقوال: أحدها: رفع اللفظ والحكم. والثاني: تبديل الآية بغيرها. رويا ~~عن ابن عباس، والأول قول السدي، والثاني قول مقاتل. والثالث: رفع الحكم مع ~~بقاء اللفظ، رواه مجاهد عن أصحاب ابن مسعود، وبه قال أبو العالية. وقرأ ابن ~~عامر: «ما ننسخ» بضم النون، وكسر السين. قال أبو علي: أي: ما نجده منسوخا ~~كقولك: أحمدت فلانا، أي: وجدته محمودا، وإنما يجده منسوخا بنسخه إياه. # قوله تعالى: أو ننسها، قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «ننسأها» بفتح النون مع ~~الهمزة، والمعنى: # نؤخرها. قال أبو زيد: نسأت الإبل عن الحوض، فأنا أنسأها: إذا أخرتها، ~~ومنه: النسيئة في البيع. # وفي معنى نؤخرها ثلاثة أقوال: أحدها: نؤخرها عن النسخ فلا ننسخها، قاله ~~الفراء. والثاني: نؤخر إنزالها، فلا ننزلها البتة. والثالث: نؤخرها عن ~~العمل بها بنسخنا إياها، حكاهما أبو علي الفارسي. وقرأ سعد بن أبي وقاص ~~«تنسها» بتاء مفتوحة ونون. وقرأ سعيد بن المسيب والضحاك «تنسها» بضم التاء. # وقرأ نافع: «أو ننسها» بنونين: الأولى مضمومة، والثانية ساكنة. أراد: أو ~~ننسكها، من النسيان. # قوله تعالى: نأت بخير منها، قال ابن عباس: بألين منها، وأيسر على الناس. # قوله تعالى: أو مثلها، أي: في الثواب والمنفعة، فتكون الحكمة في تبديلها ~~بمثلها الاختبار. ألم تعلم لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه التوقيف والتقرير. ~~والملك في اللغة: تمام القدرة واستحكامها، فالله عز وجل يحكم بما يشاء على ~~عباده ويغير ما يشاء ms0094 من أحكام. # PageV01P098 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 108] # أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر ~~بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108) # قوله تعالى: أم تريدون أن تسئلوا رسولكم. في سبب نزولها خمسة أقوال: # (29) أحدها: أن رافع بن حريملة، ووهب بن زيد، قالا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ائتنا بكتاب نقرؤه تنزله من السماء علينا، وفجر لنا أنهارا حتى ~~نتبعك، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # (30) والثاني: أن قريشا سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ~~ذهبا، فقال: «هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل» فأبوا. قاله مجاهد. # (31) والثالث: أن رجلا قال: يا رسول الله، لو كانت كفاراتنا ككفارات بني ~~إسرائيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا نبغيها، ما أعطاكم الله ~~خير مما أعطى بني إسرائيل، كانوا إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على ~~بابه وكفارتها، فان كفرها كانت له خزيا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له ~~خزيا في الآخرة، فقد أعطاكم الله خيرا مما أعطى بني إسرائيل، فقال: ومن ~~يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما # (110) «1» الآية. وقال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما ~~بينهن» فنزلت هذه الآية، قاله أبو العالية. # (32) والرابع: أن عبد الله بن أبي أمية المخزومي أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في رهط من قريش، فقال: يا محمد، والله لا أؤمن بك حتى تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا، فنزلت هذه الآية. ذكره ابن السائب. # (33) والخامس: أن جماعة من المشركين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال بعضهم: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا. وقال آخر: لن أؤمن ~~حتى تسير لنا جبال مكة، وقال عبد الله بن أبي أمية: لن أؤمن لك حتى تأتي ~~بكتاب من السماء، فيه: من الله رب العالمين إلى ابن أمية: اعلم أني قد ~~أرسلت محمدا إلى الناس. وقال آخر: هلا جئت بكتابك مجتمعا، كما جاء موسى ~~بالتوراة. فنزلت هذه الآية. ذكره محمد بن إسحاق الأنباري. ms0095 # وفي المخاطبين بهذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم قريش، قاله ابن عباس ~~ومجاهد. والثاني: PageV01P099 # اليهود، قاله مقاتل. والثالث: جميع العرب، قاله أبو سليمان الدمشقي. # وفي أم قولان: أحدهما: أنها بمعنى: بل، تقول العرب: هل لك علي حق، أم أنت ~~معروف بالظلم. يريدون: بل أنت. وأنشدوا: # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أم أنت في العين أملح # ذكره الفراء والزجاج. والثاني: أنها بمعنى الاستفهام. فان اعترض معترض، ~~فقال: إنما تكون للاستفهام إذا كانت مردودة على استفهام قبلها، فأين ~~الاستفهام الذي تقدمها؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أنه قد تقدمها استفهام، وهو قوله: ألم تعلم أن الله على كل شيء ~~قدير، ذكره الفراء، وكذلك قال ابن الأنباري: هي مردودة على الألف في: ألم ~~تعلم، فإن اعترض على هذا الجواب، فقيل: كيف يصح العطف ولفظ: ألم تعلم ينبئ ~~عن الواحد، وتريدون عن جماعة؟ # فالجواب: أنه إنما رجع الجواب من التوحيد إلى الجمع، لأن ما خوطب به ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقد خوطبت به أمته، فاكتفى به من أمته في ~~المخاطبة الأولى، ثم أظهر المعنى في المخاطبة الثانية. ومثل هذا قوله ~~تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن «1» . ذكر هذا ~~الجواب ابن الأنباري. # فأما الجواب الثاني عن أم فهو أنها للاستفهام، وليست مردودة على شيء. قال ~~الفراء: إذا توسط الاستفهام الكلام ابتدئ بالألف وبأم، وإذا لم يسبقه كلام ~~لم يكن إلا بالألف أو ب «هل» . # وقال ابن الأنباري: «أم» جارية مجرى «هل» ، غير أن الفرق بينهما: أن «هل» ~~استفهام مبتدأ، لا يتوسط ولا يتأخر، و «أم» : استفهام متوسط، لا يكون إلا ~~بعد كلام. # فأما الرسول ها هنا: فهو: محمد صلى الله عليه وسلم، والذي سئل موسى من ~~قبل قولهم: أرنا الله جهرة «2» ، وهل سألوا ذلك نبيا أم لا؟ فيه قولان: ~~أحدهما: أنهم سألوا ذلك، فقالوا: لن نؤمن لك حتى ... # تأتي بالله والملائكة قبيلا «3» ، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم بالغوا ~~في المسائل، فقيل لهم بهذه الآية: # لعلكم تريدون أن تسألوا محمدا أن ms0096 يريكم الله جهرة، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. # والكفر: الجحود. والإيمان: التصديق. وقال أبو العالية: المعنى: ومن يتبدل ~~الشدة بالرخاء. # وسواء السبيل: وسطه. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 109] # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن ~~الله على كل شيء قدير (109) # قوله تعالى: ود كثير من أهل الكتاب في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (34) أحدها: أن حيي بن أخطب، وأبا ياسر كانا جاهدين في رد الناس عن ~~الإسلام، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. PageV01P100 # (35) والثاني: أن كعب بن الأشرف كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدمها، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالصفح عنهم، فنزلت هذه الآية، قاله عبد الله بن كعب بن مالك. # (36) والثالث: أن نفرا من اليهود دعوا حذيفة وعمارا إلى دينهم، فأبيا، ~~فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # ومعنى ود: أحب وتمنى. وأهل الكتاب: اليهود. قال الزجاج: من عند أنفسهم ~~موصول: ب ود كثير، لا بقوله: حسدا، لأن حسد الإنسان لا يكون إلا من عند ~~نفسه. # والمعنى: مودتهم لكفركم من عند أنفسهم، لا أنه عندهم الحق. فأما الحسد: ~~فهو تمني زوال النعمة عن المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، وتفارقه ~~الغبطة، فانها تمني مثلها من غير حب زوالها عن المغبوط. وحد بعضهم الحسد، ~~فقال: هو أذى يلحق بسبب العلم بحسن حال الأخيار، ولا يجوز أن يكون الفاضل ~~حسودا، لأن الفاضل يجري على ما هو الجميل. وقال بعض الحكماء: كل أحد يمكن ~~أن ترضيه إلا الحاسد، فانه لا يرضيه إلا زوال نعمتك. وقال الأصمعي: سمعت ~~أعرابيا يقول: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد، حزن لازم، ونفس دائم، ~~وعقل هائم، وحسرة لا تنقضي. قوله تعالى: حتى يأتي الله بأمره، قال ابن ~~عباس: فجاء الله بأمره في النضير بالجلاء والنفي، وفي قريظة ms0097 بالقتل والسبي. # فصل: وقد روي عن ابن عباس وابن مسعود، وأبي العالية، وقتادة رضي الله ~~عنهم: أن العفو والصفح منسوخ بقوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ~~ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله «1» ، وأبى هذا القول ~~جماعة من المفسرين والفقهاء، واحتجوا بأن الله لم يأمر بالصفح والعفو ~~مطلقا، وإنما أمر به إلى غاية، وما بعد الغاية يخالف حكم ما قبلها، وما هذا ~~سبيله لا يكون من باب المنسوخ، بل يكون الأول قد انقضت مدته بغايته، والآخر ~~يحتاج إلى حكم آخر. ### | [سورة البقرة (2) : آية 110] # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ~~إن الله بما تعملون بصير (110) # قوله تعالى: تجدوه، أي: تجدوا ثوابه. PageV01P101 ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 111 الى 113] # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين (111) بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ~~ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (112) وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ~~وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا ~~يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ~~(113) # قوله تعالى: وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى. قال ابن ~~عباس: # (37) اختصم يهود المدينة ونصارى نجران عند النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقالت اليهود: ليست النصارى على شيء، ولا يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، ~~وكفروا بالإنجيل وعيسى، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء، وكفروا ~~بالتوراة وموسى، فقال الله تعالى تلك أمانيهم. # واعلم أن الكلام في هذه الآية مجمل ومعناه: قالت اليهود لن يدخل الجنة ~~إلا من كان هودا. # وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا. والهود، جمع: هائد. ~~تلك أمانيهم، أي: ذاك شيء يتمنونه، وظن يظنونه، هذا معنى قول ابن عباس، ~~ومجاهد. قل هاتوا برهانكم، أي: حجتكم إن كنتم صادقين بأن الجنة لا يدخلها ~~إلا من كان هودا أو نصارى. ثم بين الله ms0098 تعالى أن ليس كما زعموا، فقال: بلى ~~من أسلم وجهه، وأسلم، بمعنى: أخلص. وفي الوجه قولان: # أحدهما: أنه الدين. والثاني: العمل. # قوله تعالى: وهو محسن، أي: في عمله، فله أجره، قال الزجاج: يريد: فهو ~~يدخل الجنة. قوله تعالى: وهم يتلون الكتاب، أي: كل منهم يتلو كتابه بتصديق ~~ما كفر به، قاله السدي، وقتادة. كذلك قال الذين لا يعلمون، وفيهم قولان: ~~أحدهما: أنهم مشركو العرب قالوا لمحمد وأصحابه: لستم على شيء، قاله السدي ~~عن أشياخه. والثاني: أنهم أمم كانوا قبل اليهود والنصارى، كقوم نوح وهود ~~وصالح، قاله عطاء. قوله تعالى: فالله يحكم بينهم يوم القيامة، قال الزجاج: ~~يريد حكم الفصل بينهم، فيريهم من يدخل الجنة عيانا، ومن يدخل النار عيانا، ~~فأما الحكم بينهم في العقد فقد بينه لهم في الدنيا بما أقام على الصواب من ~~الحجج. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 114] # ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما ~~كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ~~(114) # قوله تعالى: ومن أظلم ممن منع مساجد الله، اختلفوا فيمن نزلت على قولين: ~~أحدهما: أنها نزلت في الروم، كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس من ~~أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا، فخرب وطرحت الجيف فيه، قاله ابن ~~عباس في آخرين. والثاني: أنها في المشركين PageV01P102 # الذين حالوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين مكة يوم الحديبية، ~~قاله ابن زيد. # وفي المراد بخرابها قولان: أحدهما: أنه نقضها. والثاني: منع ذكر الله ~~فيها. # قوله تعالى: أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين، فيه قولان: أحدهما: ~~أنه إخبار عن أحوالهم بعد ذلك. قال السدي: لا يدخل رومي بيت المقدس إلا وهو ~~خائف أن يضرب عنقه، أو قد أخيف بأداء الجزية. والثاني: أنه خبر في معنى ~~الأمر، تقديره: عليكم بالجد في جهادهم كي لا يدخلها أحد إلا وهو خائف. لهم ~~في الدنيا خزي، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن خزيهم الجزية، ms0099 قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنه فتح القسطنطينة، قاله السدي. والثالث: أنه طردهم عن المسجد ~~الحرام، فلا يدخله مشرك أبدا ظاهرا، قاله ابن زيد. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 115] # ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم (115) # قوله تعالى: ولله المشرق والمغرب. في نزولها أربعة أقوال: # (38) أحدها: أن الصحابة كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~في ليلة مظلمة، فلم يعرفوا القبلة، فجعل كل واحد منهم مسجدا بين يديه وصلى، ~~فلما أصبحوا إذا هم على غير القبلة، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. رواه عامر بن ربيعه. # (39) والثاني: أنها نزلت في التطوع بالنافلة. قاله ابن عمر. # (40) والثالث: أنه لما نزل قوله تعالى: ادعوني أستجب لكم «1» ، قالوا: ~~إلى أين؟ فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. # (41) والرابع: أنه لما مات النجاشي، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالصلاة عليه قالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة فنزلت هذه الآية، قاله ~~قتادة. PageV01P103 # قوله تعالى: فثم وجه الله، فيه قولان: أحدهما: فثم الله، يريد: علمه معكم ~~أين كنتم. وهذا قول ابن عباس، ومقاتل. والثاني: فثم قبلة الله، قاله عكرمة، ~~ومجاهد. والواسع: الذي وسع غناه مفاقر عباده، ورزقه جميع خلقه. والسعة في ~~كلام العرب: الغنى. # فصل: وهذه الآية مستعملة الحكم في المجتهد إذا صلى إلى غير القبلة، وفي ~~صلاة المتطوع على الراحلة، والخائف. وقد ذهب قوم إلى نسخها، فقالوا: إنها ~~لما نزلت توجه رسول الله إلى بيت المقدس، ثم نسخ ذلك بقوله: وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره «1» ، وهذا مروي عن ابن عباس. # قال شيخنا علي بن عبيد الله: وليس في القرآن أمر خاص بالصلاة إلى بيت ~~المقدس، وقوله: فأينما تولوا فثم وجه الله ليس صريحا بالأمر بالتوجه إلى ~~بيت المقدس، بل فيه ما يدل على أن الجهات كلها سواء في جواز التوجه إليها، ~~فإذا ثبت هذا، دل على أنه وجب التوجه إلى بيت المقدس بالسنة، ثم نسخ ~~بالقرآن. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 116] # وقالوا ms0100 اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون ~~(116) # قوله تعالى: وقالوا اتخذ الله ولدا. اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: ~~أحدها: أنها نزلت في اليهود إذ جعلوا عزيرا ابن الله، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنها نزلت في نصارى نجران حيث قالوا: # عيسى ابن الله، قاله مقاتل. والثالث: أنها في النصارى ومشركي العرب، لأن ~~النصارى قالت: عيسى ابن الله، والمشركين قالوا: الملائكة بنات الله، ذكره ~~إبراهيم بن السري. والرابع: أنها في اليهود والنصارى ومشركي العرب، ذكره ~~الثعلبي. # فأما القنوت فقال الزجاج: هو في اللغة بمعنيين: أحدهما: القيام. والثاني: ~~الطاعة. والمشهور في اللغة والاستعمال أن القنوت: الدعاء في القيام، ~~فالقانت: القائم بأمر الله. ويجوز أن يقع في جميع الطاعات، لأنه إن لم يكن ~~قيام على الرجلين، فهو قيام بالنية. وقال ابن قتيبة: لا أرى أصل القنوت إلا ~~الطاعة، لأن جميع الخلال من الصلاة، والقيام فيها والدعاء وغير ذلك يكون ~~عنها. وللمفسرين في المراد بالقنوت هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الطاعة، ~~قاله ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنه الإقرار بالعبادة، قاله عكرمة، والسدي. والثالث: القيام، ~~قاله الحسن، والربيع. وفي معنى القيام قولان: أحدهما: أنه القيام له ~~بالشهادة بالعبودية. والثاني: أنه القيام بين يديه يوم القيامة. فان قيل: ~~كيف عم بهذا القول وكثير من الخلق ليس له بمطيع؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: ~~أن يكون ظاهرها ظاهر العموم، ومعناها معنى الخصوص. والمعنى: كل أهل الطاعة ~~له قانتون. والثاني: أن الكفار تسجد ظلالهم لله بالغدوات والعشيات، فنسب ~~القنوت إليهم بذلك. والثالث: أن كل مخلوق قانت له بأثر صنعه فيه، وجري ~~أحكامه عليه، فذلك دليل على ذله لربه. ذكرهن ابن الأنباري. ### | [سورة البقرة (2) : آية 117] # بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (117) # قوله تعالى: بديع السماوات. البديع: المبدع، وكل من أنشأ شيئا لم يسبق ~~إليه قيل له: PageV01P104 # أبدعت. قال الخطابي: البديع، فعيل بمعنى: مفعل، ومعناه: أنه فطر الخلق ~~مخترعا له لا على مثال سبق. قوله تعالى: وإذا ms0101 قضى أمرا، قال ابن عباس: معنى ~~القضاء: الإرادة. وقال مقاتل: إذا قضى أمرا في علمه، فإنما يقول له: كن ~~فيكون. والجمهور على ضم نون فيكون، بالرفع على القطع. # والمعنى: فهو يكون. وقرأ ابن عامر بنصب النون. قال مكي بن أبي طالب: ~~النصب على الجواب ل «كن» ، وفيه بعد. # فصل: وقد استدل أصحابنا على قدم القرآن بقوله: كن فقالوا: لو كانت «كن» ~~مخلوقة لافتقرت إلى إيجادها بمثلها وتسلسل ذلك، والتسلسل محال «1» . فان ~~قيل: هذا خطاب لمعدوم فالجواب أنه خطاب تكوين يظهر أثر القدرة، ويستحيل أن ~~يكون المخاطب به موجودا، لأنه بالخطاب كان، فامتنع وجوده قبله أو معه. ~~ويحقق هذا أن ما سيكون متصور العلم فضاهى بذلك الموجود، فجاز خطابه لذلك. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 118] # وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من ~~قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون (118) # قوله تعالى: وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله، فيهم ثلاثة أقوال ~~«2» : أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس. والثاني: النصارى، قاله مجاهد. ~~والثالث: مشركو العرب، قاله قتادة، والسدي عن أشياخه. ولولا بمعنى: هلا. # وفي الذين من قبلهم، ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، ~~ومجاهد. # والثاني: اليهود والنصارى، قاله السدي عن أشياخه. والثالث: اليهود ~~والنصارى وغيرهم من الكفار، قاله قتادة «3» . تشابهت قلوبهم، أي: في الكفر. ~~PageV01P105 ### | [سورة البقرة (2) : آية 119] # إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم (119) # قوله تعالى: إنا أرسلناك بالحق. في سبب نزولها قولان: # (42) أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما: «ليت شعري ما فعل ~~أبواي!» ، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # (43) والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أنزل الله بأسه ~~باليهود لآمنوا» فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # وفي المراد بالحق هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه القرآن، قاله ابن عباس. ~~والثاني: الإسلام، قاله ابن كيسان. والثالث: الصدق. قوله تعالى: ولا تسئل، ~~قرأه الأكثرون بضم التاء، على الخبر، والمعنى: لست بمسؤول عن أعمالهم. وقرأ ~~نافع ms0102 ويعقوب بفتح التاء وسكون اللام، على السؤال عنهم. وجوز أبو الحسن ~~الأخفش أن يكون معنى هذه القراءة: لا تسأل عنهم فإنهم في أمر عظيم، فيكون ~~ذلك على وجه التعظيم لما هم فيه، فأما الجحيم فقال الفراء: النار على النار ~~والجمر على الجمر. وقال أبو عبيدة: الجحيم: النار المستحكمة المسلطة. وقال ~~الزجاج: الجحيم: النار الشديدة الوقود، وقد جحم فلان النار: إذا شدد ~~وقودها، ويقال لعين الأسد: حجمة لشدة توقدها. ويقال لوقود الحرب، وهو شدة ~~القتال فيها: جاحم. وقال ابن فارس: الجاحم: المكان الشديد الحر. قال ~~الأعشى: # يعدون للهيجاء قبل لقائها ... غداة احتضار البأس والموت جاحم # ولذلك سميت الجحيم. وقال ابن الأنباري: قال أحمد بن عبيد: إنما سميت ~~النار جحيما، لأنها أكثر وقودها، من قول العرب: جحمت النار أجحمها: إذا ~~أكثرت لها الوقود. قال عمران بن حطان: # يرى طاعة الله الهدى وخلافه ... الضلالة يصلي أهلها جاحم الجمر ### | [سورة البقرة (2) : آية 120] # ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ~~ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير ~~(120) # قوله تعالى: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى. في سبب نزولها ثلاثة ~~أقوال: # (44) أحدها: أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى قبلتهم، فلما PageV01P106 # صرف إلى الكعبة يئسوا منه، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم دعوه إلى دينهم، فنزلت، قاله مقاتل. والثالث: أنهم كانوا ~~يسألونه الهدنة، ويطمعونه في أنه إن هادنهم وافقوه فنزلت، ذكر معناه ~~الزجاج. # قال الزجاج: والملة في اللغة: السنة والطريقه «1» . قال ابن عباس: وهدى ~~الله هاهنا: # الإسلام. وفي الذي جاءه من العلم أربعة أقوال: أحدها: أنه التحول إلى ~~الكعبة، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه البيان بأن دين الله الإسلام. والثالث: أنه القرآن. ~~والرابع: العلم بضلالة القوم. ما لك من الله من ولي ينفعك ولا نصير يمنعك ~~من عقوبته. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 121 الى 124] # الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ms0103 أولئك يؤمنون به ومن يكفر به ~~فأولئك هم الخاسرون (121) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ~~وأني فضلتكم على العالمين (122) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون (123) وإذ ابتلى إبراهيم ربه ~~بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي ~~الظالمين (124) # قوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب. اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على ~~قولين: أحدهما: أنها نزلت في الذين آمنوا من اليهود، قاله ابن عباس. ~~والثاني: في المؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قاله عكرمة، ~~وقتادة. وفي الكتاب قولان: أحدهما: أنه القرآن، قاله قتادة. والثاني: أنه ~~التوراة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: يتلونه حق تلاوته، أي: يعملون به حق عمله، قاله مجاهد. قوله ~~تعالى: أولئك يؤمنون به في هاء به قولان: أحدهما: أنها تعود على الكتاب. ~~والثاني: على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وما بعد هذا قد سبق بيانه إلى ~~قوله: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات، والابتلاء: الاختبار. وفي إبراهيم ست ~~لغات: أحدها: إبراهيم، وهي اللغة الفاشية. والثانية: إبراهم. والثالثة: ~~ابراهم. والرابعة: إبراهم، ذكرهن الفراء. والخامسة: إبراهام. والسادسة: ~~إبرهم. قال عبد المطلب: # عذت بما عاذ به إبرهم ... مستقبل الكعبة وهو قائم # وقال أيضا: # نحن آل الله في كعبته ... لم يزل ذاك على عهد ابرهم PageV01P107 # وفي الكلمات خمسة أقوال: أحدها: أنها خمس في الرأس، وخمس في الجسد. أما ~~التي في الرأس، فالفرق، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك. وفي ~~الجسد: تقليم الأظافر، وحلق العانة، ونتف الإبط، والاستطابة بالماء، ~~والختان، رواه طاوس عن ابن عباس. والثاني: أنها عشر ست في الإنسان، وأربع ~~في المشاعر، فالتي في الإنسان: حلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، ~~وقص الشارب، والسواك، والغسل من الجنابة، والغسل يوم الجمعة. والتي في ~~المشاعر: # الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة. رواه ~~حنش بن عبد الله عن ابن عباس. والثالث: أنها المناسك، رواه قتادة عن ابن ~~عباس. والرابع: أنه ابتلاه بالكوكب، والشمس، ms0104 والقمر، والهجرة، والنار، وذبح ~~ولده، والختان، قاله الحسن. والخامس: أنها كل مسألة في القرآن، مثل قوله: ~~رب اجعل هذا البلد آمنا «1» ، ونحو ذلك، قاله مقاتل. فمن قال: هي أفعال ~~فعلها قال: معنى فأتمهن: عمل بهن. ومن قال: هي دعوات ومسائل قال: معنى ~~فأتمهن: أجابه الله إليهن. وقد روي عن أبي حنيفة أنه قرأ «2» «إبراهيم» ~~برفع الميم «ربه» بنصب الباء، على معنى: اختبر ربه هل يستجيب دعاءه، ويتخذه ~~خليلا أم لا؟ # قوله تعالى: ومن ذريتي، في الذرية قولان: أحدهما: أنها فعلية من الذر، ~~لأن الله أخرج الخلق من صلب آدم كالذر. والثاني: أن أصلها ذرورة، على وزن: ~~فعلولة، ولكن لما كثر التضعيف أبدل من الراء الأخيرة ياء، فصارت: ذروية، ثم ~~أدغمت الواو في الياء، فصارت: ذرية، ذكرهما الزجاج، وصوب الأول. وفي العهد ~~هاهنا سبعة أقوال: أحدها: أنه الإمامة «3» ، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ~~وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير. والثاني: أنه الطاعة، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس. والثالث: الرحمة، قاله عطاء وعكرمة. والرابع: الدين، قاله أبو ~~العالية. والخامس: النبوة، قاله السدي عن أشياخه. # والسادس: الأمان، قاله أبو عبيدة. والسابع: الميثاق، قاله ابن قتيبة، ~~والأول أصح. وفي المراد بالظالمين هاهنا قولان: أحدهما: أنهم الكفار، قاله ~~ابن جبير، والسدي. والثاني: العصاة، قاله عطاء. PageV01P108 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 125] # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا ~~إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) # قوله تعالى: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس، البيت هاهنا: الكعبة، والألف ~~واللام تدخل للمعهود، أو للجنس، فلما علم المخاطبون أنه لم يرد الجنس انصرف ~~إلى المعهود، قال الزجاج: # والمثاب والمثابة واحد، كالمقام والمقامة، قال ابن قتيبة: والمثابة: ~~المعاد، من قولك: ثبت إلى كذا، أي: عدت إليه، وثاب إليه جسمه إذا رجع بعد ~~العلة، فأراد: أن الناس يعودون إليه مرة بعد مرة. قوله تعالى: وأمنا، قال ~~ابن عباس: يريد أن من أحدث حدثا في غيره، ثم لجأ إليه فهو آمن، ولكن ينبغي ~~لأهل مكة ms0105 أن لا يبايعوه، ولا يطعموه، ولا يسقوه، ولا يؤووه، ولا يكلم حتى ~~يخرج، فاذا خرج أقيم عليه الحد «1» . قال القاضي أبو يعلى: وصف البيت ~~بالأمن، والمراد جميع الحرم كما قال: # هديا بالغ الكعبة، والمراد: الحرم كله لأنه لا يذبح في الكعبة، ولا في ~~المسجد الحرام، وهذا على طريق الحكم، لا على وجه الخبر فقط. # وفي مقام إبراهيم، ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحرم كله، قاله ابن عباس. ~~والثاني: عرفة والمزدلفة والجمار، قاله عطاء. وعن مجاهد كالقولين. وقد روي ~~عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، قالوا: الحج كله مقام إبراهيم. والثالث: ~~الحجر، قاله سعيد بن جبير، وهو الأصح. # (45) قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم ~~مصلى، فنزلت. # وفي سبب وقوف إبراهيم على الحجر قولان: أحدهما: أنه جاء يطلب ابنه ~~إسماعيل، فلم يجده، فقالت له زوجته: انزل، فأبى، فقالت: فدعني أغسل رأسك، ~~فأتته بحجر فوضع رجله عليه، وهو راكب، فغسلت شقه، ثم رفعته وقد غابت رجله ~~فيه، فوضعته تحت الشق الآخر وغسلته، فغابت رجله فيه، فجعله الله من شعاره، ~~ذكره السدي عن ابن مسعود وابن عباس. والثاني: أنه قام على الحجر لبناء ~~البيت، وإسماعيل يناوله الحجارة، قاله سعيد بن جبير. PageV01P109 # قرأ الجمهور، منهم: ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ~~واتخذوا بكسر الخاء على الأمر. وقرأ نافع، وابن عامر بفتح الخاء على الخبر. # (46) قال ابن زيد: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أين ترون أن أصلي بكم» ~~؟ فقال عمر: إلى المقام، فنزلت: # واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. قال: رضي الله ذلك من أعمالهم. وقال أبو ~~علي: وجه فتح الخاء أنه معطوف على ما أضيف إليه، كأنه قال: وإذ اتخذوا. ~~ويؤكد الفتح في الخاء أن الذي بعده خبر، وهو قوله: وعهدنا. # قوله تعالى: وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل، أي: أمرناهما وأوصيناهما. ~~وإسماعيل: اسم أعجمي، وفيه لغتان: إسماعيل، و: إسماعين. وأنشدوا: # قال جواري الحي لما جينا ... هذا ورب البيت إسماعينا # قوله تعالى: أن طهرا بيتي، قال قتادة: يريد من عبادة الأوثان ms0106 والشرك، ~~وقول الزور. فان قيل: لم يكن هناك بيت، فما معنى أمرهما بتطهيره؟ فعنه ~~جوابان: أحدهما: أنه كانت هناك أصنام، فأمر بإخراجها، قاله عكرمة. والثاني: ~~أن معناه: ابنياه مطهرا، قاله السدي. والعاكفون: المقيمون، يقال: عكف يعكف ~~ويعكف عكوفا: إذا أقام، ومنه: الاعتكاف. # (47) وقد روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إن الله ~~تعالى ينزل في كل ليلة ويوم عشرين ومائة رحمة تنزل على البيت: ستون ~~للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين» . ### | [سورة البقرة (2) : آية 126] # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن ~~منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار ~~وبئس المصير (126) # قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا، البلد: صدر القرى، ~~والبالد: المقيم بالبلد، والبلدة: الصدر، ووضعت الناقة بلدتها: إذا بركات. ~~والمراد بالبلد هاهنا: مكة. ومعنى آمنا: ذا أمن. وأمن البلدة مجاز، ~~والمراد: أمن من فيه. وفي المراد بهذا الأمن ثلاثة أقوال: أحدها: أنه سأله ~~PageV01P110 # الأمن من القتل. والثاني: من الخسف والقذف. والثالث: من القحط والجدب. ~~قال مجاهد: قال إبراهيم: لمن آمن، فقال الله عز وجل: ومن كفر فسأرزقه. # قوله تعالى: فأمتعه، وقرأ ابن عامر: «فأمتعه» بالتخفيف، من أمتعت. وقرأ ~~الباقون بالتشديد من: متعت. والإمتاع: إعطاء ما تحصل به المتعة. والمتعة: ~~أخذ الحظ من لذة ما يشتهي. وبماذا يمتعه؟ فيه قولان: أحدهما: بالأمن. ~~والثاني: بالرزق. والاضطرار: الإلجاء إلى الشيء، والمصير: ما ينتهي إليه ~~الأمر. ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 127 الى # 129] # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم (127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا ~~مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (128) ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ~~يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ~~(129) # قوله تعالى: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل. القواعد: أساس ~~البيت، واحدها: # قاعدة. فأما قواعد النساء فواحدتها: قاعد، وهي العجوز. ربنا تقبل منا، ms0107 ~~أي: يقولان: ربنا، فحذف ذلك كقوله: والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23) ~~سلام عليكم «1» ، أراد: يقولون. والسميع بمعنى: السامع، لكنه: أبلغ، لأن ~~بناء فعيل للمبالغة. قال الخطابي: ويكون السماع بمعنى القبول والإجابة. ~~كقول النبي صلى الله عليه وسلم: # (48) «أعوذ بك من دعاء لا يسمع» ، أي: لا يستجاب. وقول المصلي: سمع الله ~~لمن حمده، أي: قبل الله حمد من حمده. وأنشدوا: # دعوت الله حتى خفت أن لا ... يكون الله يسمع ما أقول # (إشارة إلى بناء البيت) (49) روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«كانت الملائكة تحج إلى البيت قبل آدم» . PageV01P111 # وقال ابن عباس: لما أهبط آدم قال الله تعالى له: يا آدم! اذهب فابن لي ~~بيتا فطف به، واذكرني حوله كما رأيت ملائكتي تصنع حول عرشي. فأقبل يسعى حتى ~~انتهى إلى البيت الحرام، وبناه من خمسة أجبل: من لبنان، وطور سيناء، وطور ~~زيتا، والجودي، وحراء، فكان آدم أول من أسس البيت، وطاف به، ولم يزل كذلك ~~حتى بعث الله الطوفان، فدرس موضع البيت، فبعث الله إبراهيم وإسماعيل. وقال ~~علي بن أبي طالب، عليه السلام: لما أمر الله تعالى إبراهيم ببناء البيت ضاق ~~به ذرعا، ولم يدر كيف يصنع، فأنزل الله عليه كهيئة السحابة، فيها رأس ~~يتكلم، فقال: يا إبراهيم! علم على ظلي، فلما علم ارتفعت. وفي رواية عنه أنه ~~كان يبني عليها كل يوم، قال: وحفر إبراهيم من تحت السكينة، فأبدى عن قواعد، ~~ما تحرك القاعدة منها دون ثلاثين رجلا. فلما بلغ موضع الحجر، قال لإسماعيل: ~~التمس لي حجرا فذهب يطلب حجرا، فجاء جبريل بالحجر الأسود، فوضعه، قال: من ~~جاءك بهذا الحجر؟ قال: جاء به من لم يتكل على بنائي وبنائك. وقال ابن عباس، ~~وابن المسيب، وأبو العالية: رفعا القواعد التي كانت قواعد قبل ذلك. وقال ~~السدي: لما أمره ببناء البيت لم يدر أين يبني، فبعث الله ريحا، فكنست حول ~~الكعبة عن الأساس الأول الذي كان البيت عليه قبل الطوفان. # قوله تعالى: ربنا واجعلنا مسلمين لك، قال الزجاج: المسلم ms0108 في اللغة: الذي ~~قد استسلم لأمر الله، وخضع. والمناسك: المتعبدات. فكل متعبد منسك ومنسك. ~~ومنه قيل للعابد: ناسك. # وتسمى الذبيحة المتقرب بها إلى الله تعالى: النسيكة. وكأن الأصل في النسك ~~إنما هو من الذبيحة لله تعالى. # قوله تعالى: وأرنا مناسكنا، أي: مذابحنا، قاله مجاهد. وقال غيره: هي جميع ~~أفعال الحج. # وقرأ ابن كثير: «وأرنا» بجزم الراء. و «رب أرني» و «أرنا اللذين أضلانا» ~~. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي وأرنا بكسر الراء في جميع ذلك. وقرأ أبو بكر ~~عن عاصم وابن عامر كذلك، إلا أنهما أسكنا الراء من «أرنا اللذين» وحدها. ~~قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: «أرنا أذين أضلانا» وكثير من العرب يجزم ~~الراء، فيقول: «أرنا مناسكنا» ، وقرأ بها بعض الثقات. وأنشد بعضهم: # قالت سليمى اشتر لنا دقيقا ... واشتر فعجل خادما لبيقا # وأنشدني الكسائي: # ومن يتق فان الله معه ... ورزق الله مؤتاب وغادي «1» # قال قتادة: أراهما الله مناسكهما: الموقف بعرفات، والإفاضة من جمع، ورمي ~~الجمار، والطواف، والسعي. وقال أبو مجلز: لما فرغ إبراهيم من البيت أتاه ~~جبريل، فأراه الطواف، ثم أتى به جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فأخذ جبريل ~~سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبعا، وقال له: ارم PageV01P112 # وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان. ثم أتى به الجمرة الوسطى، ~~فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبع حصيات، فقال ~~له: ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان. ثم أتى به الجمرة ~~القصوى، فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبع ~~حصيات. فقال له: ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان، ثم أتى ~~به منى، فقال: هاهنا يحلق الناس رؤوسهم، ثم أتى به جمعا، فقال: هاهنا يجمع ~~الناس، ثم أتى به عرفة، فقال: أعرفت؟ قال: نعم. قال: فمن ثم سميت عرفات. # قوله تعالى: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم، في الهاء والميم من فيهم قولان: # أحدهما: أنها تعود على الذرية، قاله مقاتل والفراء. # والثاني: على أهل مكة في قوله: وارزق أهله، والمراد ms0109 بالرسول: محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # (50) وقد روى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قيل: يا رسول ~~الله! ما كان بدء أمرك؟ قال: «دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه ~~خرج منها نور أضاءت له قصور الشام» . # والكتاب: القرآن. والحكمة: السنة، قاله ابن عباس. وروي عنه: الحكمة: ~~الفقه والحلال والحرام، ومواعظ القرآن. وسميت الحكمة حكمة، لأنها تمنع من ~~الجهل. # وفي قوله تعالى: ويزكيهم، ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: يأخذ الزكاه ~~منهم فيطهرهم بها، قاله ابن عباس والفراء. والثاني: يطهرهم من الشرك ~~والكفر، قاله مقاتل. والثالث: يدعوهم إلى ما يصيرون به أزكياء. قوله تعالى: ~~إنك أنت العزيز، قال الخطابي: العز في كلام العرب على ثلاث أوجه: أحدها: ~~بمعنى الغلبة، يقولون: من عز بز، أي: من غلب سلب، يقال منه: عز يعز، بضم ~~العين من يعز، ومنه قوله تعالى: وعزني في الخطاب «1» . والثاني: بمعنى ~~الشدة والقوة، يقال منه: عز يعز، بفتح العين من يعز. والثالث: أن يكون ~~بمعنى نفاسة القدر، يقال منه: عز يعز، بكسر العين من يعز، ويتأول معنى ~~العزيز على أنه الذي لا يعادله شيء، ولا مثل له. PageV01P113 ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 130 الى # 132] # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين (130) إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ~~(131) ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون (132) # قوله تعالى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم. سبب نزولها: أن عبد الله بن سلام ~~دعا ابني أخيه مهاجرا وسلمة إلى الإسلام، فأسلم سلمة، ورغب عن الإسلام ~~مهاجر، فنزلت هذه الآية «1» ، قاله مقاتل. قال الزجاج: و «من» لفظها لفظ ~~الاستفهام، ومعناها التقرير والتوبيخ. والمعنى: ما يرغب عن ملة إبراهيم إلا ~~من سفه نفسه. ويقال: رغبت في الشيء: إذا أردته. ورغبت عنه: إذا تركته. وملة ~~إبراهيم: دينه. # قوله تعالى: إلا من سفه نفسه فيه أربعة أقوال: أحدها: أن معناها: إلا ms0110 من ~~سفه نفسه، قاله الأخفش ويونس. قال يونس: ولذلك تعدى إلى النفي فنصبها، وقال ~~الأخفش: نصبت النفس لإسقاط حرف الجر، لأن المعنى: إلا من سفه في نفسه. قال ~~الشاعر: # نغالي اللحم للأضياف نيئا ... ونرخصه إذا نضج القدور # والثاني: إلا من أهلك نفسه، قاله أبو عبيدة. والثالث: إلا من سفهت نفسه، ~~كما يقال: غبن فلان رأيه، وهذا مذهب الفراء وابن قتيبة. قال الفراء: نقل ~~الفعل عن النفس إلى ضمير «من» ، ونصبت النفس على التشبيه بالتفسير، كما ~~يقال: ضقت بالأمر ذرعا، يريدون: ضاق ذرعي به، ومثله: # واشتعل الرأس شيبا «2» . والرابع: إلا من جهل نفسه، فلم يفكر فيها، وهو ~~اختيار الزجاج. # قوله تعالى: وإنه في الآخرة لمن الصالحين، قال ابن الأنباري: لمن الصالحي ~~الحال عند الله تعالى. وقال الزجاج: الصالح في الآخرة: الفائز. # قوله تعالى: إذ قال له ربه أسلم، وذلك حين وقوع الاصطفاء، قال ابن عباس: ~~لما رأى الكوكب والقمر والشمس، قال له ربه: أسلم، أي: أخلص. قوله تعالى: ~~ووصى، قرأ ابن عامر وأهل المدينة: «وأوصى» بألف، مع تخفيف الصاد، والباقون ~~بغير ألف مشددة الصاد، وهذا لاختلاف المصاحف. أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا ~~ثابت، قال: أخبرنا ابن قشيش، قال: أخبرنا ابن حيويه، قال: حدثنا ابن ~~الأنباري، قال: أخبرنا ثعلب، قال: أملى علي خلف بن هشام البزاز، قال: اختلف ~~مصحفا أهل المدينة وأهل العراق في اثني عشر حرفا: # كتب أهل المدينة: «وأوصى» ، وأهل العراق: «ووصى» . # وكتب أهل المدينة: «سارعوا إلى مغفرة» بغير واو، وأهل العراق: «وسارعوا» ~~«3» . # وكتب أهل المدينة: «يقول الذين آمنوا» ، وأهل العراق: «ويقول» «4» . ~~PageV01P114 # وكتب أهل المدينة: «من يرتدد» ، وأهل العراق: «من يرتد» «1» . # وكتب أهل المدينة: «الذين اتخذوا مسجدا» ، وأهل العراق: «والذين» «2» . # وكتب أهل المدينة: «خيرا منهما منقلبا» ، وأهل العراق: «منها» «3» . # وكتب أهل المدينة: «فتوكل على العزيز» ، وأهل العراق: «وتوكل» «4» . # وكتب أهل المدينة: «وأن يظهر في الأرض الفساد» ، وأهل العراق: «أو أن ~~يظهر» «5» . # وكتب أهل المدينة في «حم عسق» : «بما كسبت أيديكم» بغير فاء، وأهل ~~العراق: «فبما» «6» . # وكتب أهل المدينة: «ما تشتهيه ms0111 الأنفس» «7» بالهاء، وأهل العراق: «ما ~~تشتهي» . # وكتب أهل المدينة: «فان الله الغني الحميد» في سورة الحديد، وأهل العراق: ~~«فإن الله هو الغني» «8» . وكتب أهل المدينة: «فلا يخاف عقباها» بالفاء، ~~وأهل العراق: «ولا يخاف» «9» . # ووصى أبلغ من أوصى، لأنها تكون لمرات كثيرة، وهاء «بها» تعود على الملة، ~~قاله عكرمة والزجاج. قال مقاتل: وبنوه أربعة: إسماعيل، وإسحاق، ومدين، ~~ومدائن. وذكر غير مقاتل أنهم ثمانية. قوله تعالى: فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون، يريد: الزموا الإسلام، فاذا أدرككم الموت صادفكم عليه. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 133 الى 134] # أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا ~~نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ~~(133) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا ~~يعملون (134) # قوله تعالى: أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت. # (51) سبب نزولها: أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألست تعلم ~~أن يعقوب أوصى بنيه يوم مات باليهودية؟ فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # قوله تعالى: تلك أمة قد خلت، أي: مضت، يشير إلى إبراهيم وبنيه، ويعقوب ~~وبنيه. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 135 الى 136] # وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين (135) قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136) PageV01P115 # قوله تعالى: وقالوا كونوا هودا أو نصارى. معناه: قالت اليهود: كونوا ~~هودا، وقالت النصارى: كونوا نصارى، تهتدوا. بل ملة إبراهيم حنيفا، المعنى: ~~بل نتبع ملة إبراهيم في حال حنيفيته، وفي الحنيف قولان: أحدهما: أنه المائل ~~إلى العبادة، قال الزجاج: الحنيف في اللغة: المائل إلى الشيء، أخذ من ~~قولهم: رجل أحنف، وهو الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها. # قالت أم الأحنف ترقصه «1» : # والله لولا حنف برجله ... ودقة في ساقه من هزله # ما كان في فتيانكم من ms0112 مثله والثاني: أنه المستقيم، ومنه قيل للأعرج: ~~حنيف، نظرا له إلى السلامة، هذا قول ابن قتيبة. وقد وصف المفسرون الحنيف ~~بأوصاف، فقال عطاء: هو المخلص، وقال ابن السائب: هو الذي يحج. # وقال غيرهما: هو الذي يوحد ويحج، ويضحي ويختتن، ويستقبل الكعبة. # فأما الأسباط: فهم بنو يعقوب، وكانوا اثني عشر رجلا، قال الزجاج: السبط ~~في اللغة: الجماعة الذين يرجعون إلى رب واحد. والسبط في اللغة: الشجرة، ~~فالسبط: الذين هم من شجرة واحدة. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 137] # فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق ~~فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137) # قوله تعالى: فإن آمنوا، يعني: أهل الكتاب. وفي قوله تعالى: بمثل ما آمنتم ~~به ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: مثل إيمانكم، فزيدت الباء للتوكيد، كما ~~زيدت في قوله: وهزي إليك بجذع النخلة «2» ، قاله ابن الأنباري. والثاني: أن ~~المراد بالمثل هاهنا: الكتاب، وتقديره: فان آمنوا بكتابكم كما آمنتم ~~بكتابهم، قاله أبو معاذ النحوي. والثالث: أن المثل هاهنا: صلة، والمعنى: ~~فان آمنوا بما آمنتم به. ومثله قوله: ليس كمثله شيء «3» ، أي: ليس كهو شيء. ~~وأنشدوا: # يا عاذلي دعني من عذلكا ... مثلي لا يقبل من مثلكا # أي: أنا لا أقبل منك. فأما الشقاق فهو المشاقة والعداوة، ومنه قولهم: ~~فلان قد شق عصا المسلمين، يريدون: فارق ما اجتمعوا عليه من اتباع إمامهم، ~~فكأنه صار في شق غير شقهم. # قوله تعالى: فسيكفيكهم الله، هذا ضمان لنصر النبي صلى الله عليه وسلم. ### | [سورة البقرة (2) : آية 138] # صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (138) # قوله تعالى: صبغة الله. سبب نزولها: أن النصارى كانوا إذا ولد لأحدهم ~~ولد، فأتى عليه سبعة أيام، صبغوه في ماء لهم، يقال له: المعمودية، ليطهروه ~~بذلك، ويقولون: هذا طهور مكان PageV01P116 # الختان، فاذا فعلوا ذلك قالوا: صار نصرانيا حقا، فنزلت هذه الآية «1» ، ~~قاله ابن عباس. # قال ابن مسعود وابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والنخعي، وابن زيد: صبغة ~~الله: دينه. # قال الفراء: صبغة الله مردودة على الملة «2» . وقرأ ابن ms0113 عبلة: «صبغة ~~الله» بالرفع على معنى: هذه صبغة الله. وكذلك قرأ: «ملة إبراهيم» بالرفع ~~أيضا على معنى: هذه ملة إبراهيم. # قال ابن قتيبة: المراد بصبغة الله: الختان، فسماه صبغة، لأن النصارى ~~كانوا يصبغون أولادهم في ماء ويقولون: هذا طهرة لهم، كالختان للحنفاء، فقال ~~الله تعالى: صبغة الله، أي: الزموا صبغة الله، لا صبغة النصارى أولادهم، ~~وأراد بها ملة ابراهيم، وقال غيره: إنما سمي الدين صبغة لبيان أثره على ~~الإنسان، كظهور الصبغ على الثوب. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 139] # قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له ~~مخلصون (139) # قوله تعالى: قل أتحاجوننا في الله، قال ابن عباس: يريد: يهود المدينة، ~~ونصارى نجران. # والمحاجة: المخاصمة في الدين، فان اليهود قالت: نحن أهل الكتاب الأول. ~~وقيل: ظاهرت اليهود عبدة الأوثان، فقيل لهم: تزعمون أنكم موحدون، ونحن ~~نوحد، فلم ظاهرتم من لا يوحد؟! قوله تعالى: ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم، قال ~~أكثر المفسرين: هذا الكلام اقتضى نوع مساهلة، ثم نسخ بآية السيف. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 140 الى 141] # أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو ~~نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله ~~بغافل عما تعملون (140) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسئلون عما كانوا يعملون (141) # قوله تعالى: أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل.. الآية. سبب نزولها: أن يهود ~~المدينة، ونصارى نجران قالوا للمؤمنين: إن أنبياء الله كانوا منا من بني ~~إسرائيل، وكانوا على ديننا، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل «3» . ومعنى ~~الآية: إن الله قد أعلمنا بدين الأنبياء، ولا أحد أعلم به منه. قرأ ابن ~~كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو «أم يقولون» بالياء على وجه ~~الخبر عن اليهود. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: تقولون ~~بالتاء لأن ما قبلها مخاطبة، وهي أتحاجوننا، وبعدها قل أأنتم أعلم. # وفي الشهادة التي كتموها قولان: أحدهما: أن الله تعالى شهد عندهم بشهادة ~~لإبراهيم ومن ms0114 ذكر معه أنهم كانوا مسلمين، فكتموها، قاله الحسن، وزيد بن ~~أسلم. والثاني: أنهم كتموا الإسلام وأمر محمد وهم يعلمون أنه نبي ودينه ~~الإسلام، قاله أبو العالية، وقتادة. PageV01P117 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 142] # سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله ~~المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (142) # قوله تعالى: سيقول السفهاء من الناس. فيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم ~~اليهود، قاله البراء بن عازب، ومجاهد، وسعيد بن جبير. والثاني: أنهم أهل ~~مكة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: # أنهم المنافقون، ذكره السدي عن ابن مسعود، وابن عباس. وقد يمكن أن يكون ~~الكل قالوا ذلك، والآية نزلت بعد تحويل القبلة. والسفهاء: الجهلة. ما ~~ولاهم، أي: صرفهم عن قبلتهم، يريد: قبلة المقدس. # واختلف العلماء في مدة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ~~بعد قدومه المدينة على ستة أقوال: # (52) أحدها: أنه ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر، قاله البراء بن عازب. # والثاني: سبعة عشر شهرا، قاله ابن عباس. والثالث: ثلاثة عشر شهرا، قاله ~~معاذ بن جبل. # والرابع: تسعة أشهر، قاله أنس بن مالك. والخامس: ستة عشر شهرا. والسادس: ~~ثمانية عشر شهرا، روي القولان عن قتادة. # وهل كان استقباله بيت المقدس برأيه، أو عن وحي؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه كان بأمر الله تعالى ووحيه، قاله ابن عباس «1» ، وابن جريج. ~~PageV01P118 # والثاني: أنه كان باجتهاده ورأيه، قاله الحسن وأبو العالية، وعكرمة، ~~والربيع. # وقال قتادة: كان الناس يتوجهون إلى أي جهة شاؤوا، بقوله: ولله المشرق ~~والمغرب. ثم أمرهم باستقبال بيت المقدس. وفي سبب اختياره بيت المقدس قولان: ~~أحدهما: ليتألف أهل الكتاب، ذكره بعض المفسرين. والثاني: لامتحان العرب ~~بغير ما ألفوه، قاله الزجاج. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 143] # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب ~~على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم إن الله بالناس ms0115 لرؤف رحيم (143) # قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا. سبب نزولها: أن اليهود قالوا: ~~قبلتنا قبلة الأنبياء، ونحن عدل بين الناس، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. ~~والأمة: الجماعة. والوسط: العدل، قاله ابن عباس، وأبو سعيد، ومجاهد، ~~وقتادة، وقال ابن قتيبة: الوسط: العدل الخيار، ومنه قوله تعالى: قال أوسطهم ~~«1» ، أي: أعدلهم وخيرهم. قال الشاعر: # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم # وأصل ذلك أن خير الأشياء أوساطها، والغلو والتقصير مذمومان. وذكر ابن ~~جرير الطبري أنه من التوسط في الفعل، فان المسلمين لم يقصروا في دينهم ~~كاليهود، فإنهم قتلوا الأنبياء، وبدلوا كتاب الله، ولم يغلوا كالنصارى، ~~فانهم زعموا أن عيسى ابن الله. وقال أبو سليمان الدمشقي: في هذا الكلام ~~محذوف، ومعناه: جعلت قبلتكم وسطا بين القبلتين، فان اليهود يصلون نحو ~~المغرب، والنصارى نحو المشرق، وأنتم بينهما. # قوله تعالى: لتكونوا شهداء على الناس فيه قولان: أحدهما: أن معناه: ~~لتشهدوا للأنبياء على أممهم. PageV01P119 # قوله تعالى: ويكون الرسول عليكم شهيدا، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~وبماذا يشهد عليهم؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: بأعمالهم، قاله ابن عباس، وأبو ~~سعيد الخدري، وابن زيد. والثاني: بتبليغهم الرسالة، قاله قتادة، ومقاتل. ~~والثالث: بإيمانهم، قاله أبو العالية. فيكون على هذا «عليكم» بمعنى: لكم. ~~قال عكرمة: لا يسأل عن هذه الأمة إلا نبيها. # قوله تعالى: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها، يريد: قبلة بيت المقدس. ~~إلا لنعلم فيه أربعة أقوال: أحدها: لنرى. والثاني: لنميز. رويا عن ابن ~~عباس. والثالث: لنعلمه واقعا، إذ علمه قديم، قاله جماعة من أهل التفسير وهو ~~يرجع إلى قول ابن عباس: «لنرى» . والرابع: أن العلم راجع إلى المخاطبين، ~~والمعنى: لتعلموا أنتم، قاله الفراء. # قوله تعالى: ممن ينقلب على عقبيه، أي: يرجع إلى الكفر، قاله ابن زيد، ~~ومقاتل. # قوله تعالى: وإن كانت لكبيرة، في المشار إليها قولان: # أحدهما: أنه التولية إلى الكعبة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل. # والثاني: أنها قبلة بيت المقدس قبل التحول عنها، قاله أبو العالية، ~~والزجاج. # قوله تعالى: وما كان الله ms0116 ليضيع إيمانكم، نزل على سبب: # (54) وهو أن المسلمين قالوا: يا رسول الله، أرأيت إخواننا الذين ماتوا ~~وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله: وما كان الله ليضيع إيمانكم. # والإيمان المذكور هاهنا أريد به: الصلاة في قول الجماعة. وقيل: إنما سمى ~~الصلاة إيمانا، لاشتمالها على قول ونية وعمل. قال الفراء: وإنما أسند ~~الإيمان إلى الأحياء من المؤمنين، والمعنى: # فيمن مات من المسلمين قبل أن تحول القبلة لأنهم داخلون معهم في الملة. ~~قوله تعالى: لرؤف قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «لرؤوف» ~~على وزن: لرعوف، في جميع القرآن، ووجهها: أن فعولا أكثر في كلامهم من فعل، ~~فباب ضروب وشكور، أوسع من باب حذر ويقظ. وقرأ أبو عمرو وحمزة، والكسائي، ~~وأبو بكر، عن عاصم: «لرؤف» على وزن: رعف، ويقال: هو الغالب على أهل الحجاز. ~~قال جرير: # ترى للمسلمين عليك حقا ... كفعل الوالد الرؤف الرحيم # والرؤوف بمعنى: الرحيم، هذا قول الزجاج، وذكر الخطابي عن بعض أهل العلم ~~أن الرأفة أبلغ الرحمة وأرقها. قال: ويقال: الرأفة أخص، والرحمة أعم. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 144] # قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه ~~الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون (144) PageV01P120 # قوله تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء. سبب نزولها: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يحب أن يوجه إلى الكعبة، قاله البراء «1» ، وابن عباس، وابن ~~المسيب، وأبو العالية، وقتادة. # وذكر بعض المفسرين أن هذه الآية مقدمة في النزول على قوله تعالى: سيقول ~~السفهاء من الناس. واختلفوا في سبب اختيار النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة ~~على بيت المقدس على قولين: أحدهما: لأنها كانت قبلة إبراهيم، روي عن ابن ~~عباس. والثاني: لمخالفة اليهود، قاله مجاهد. # ومعنى تقلب وجهه: نظره إليها يمينا وشمالا. و (في) بمعنى إلى، وترضاها ~~بمعنى: تحبها. # و (الشطر) : النحو من غير خلاف. # (55) قال ابن عمر: أتى الناس آت وهم في صلاة ms0117 الصبح بقباء، فقال: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وأمر أن يستقبل الكعبة، ~~ألا فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا وهم في صلاتهم. # فصل: اختلف العلماء أي وقت حولت القبلة؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ~~حولت في صلاة الظهر يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا من ~~مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قاله البراء بن عازب «2» ، ~~ومعقل بن يسار. والثاني: أنها حولت يوم الثلاثاء للنصف من شعبان على رأس ~~ثمانية عشر شهرا من مقدمه المدينة، قاله قتادة. والثالث: جمادى الآخرة، ~~حكاه ابن سلامة المفسر عن إبراهيم الحربي. # وفي الذين أوتوا الكتاب قولان: أحدهما: اليهود، قاله مقاتل. والثاني: ~~اليهود والنصارى، قاله أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: ليعلمون أنه الحق ~~يشير إلى ما أمر به من التوجه إلى الكعبة، ثم توعدهم بباقي الآية على ~~كتمانهم ما علموا. ومن أين علموا أنه الحق؟ فيه أربعة أقوال: أحدها: أن في ~~كتابهم الأمر بالتوجه إليها، قاله أبو العالية. والثاني: يعلمون أن المسجد ~~الحرام قبلة إبراهيم. # والثالث: أن في كتابهم أن محمدا رسول صادق، فلا يأمر إلا بحق. والرابع: ~~أنهم يعلمون جواز النسخ. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 145] # ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع ~~قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من ~~العلم إنك إذا لمن الظالمين (145) # قوله تعالى: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية. سبب نزولها أن يهود ~~المدينة ونصارى PageV01P121 # نجران قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ائتنا بآية كما أتى الأنبياء ~~قبلك، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل «1» . # قوله تعالى: ما تبعوا قبلتك، يريد: الكعبة وما بعضهم بتابع قبلة بعض لأن ~~اليهود يصلون قبل المغرب إلى بيت المقدس، والنصارى قبل المشرق ولئن اتبعت ~~أهواءهم فصليت إلى قبلتهم من بعد ما جاءك من العلم، قال مقاتل: يريد ~~بالعلم: البيان. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 146] # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن ms0118 فريقا منهم ليكتمون ~~الحق وهم يعلمون (146) # قوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه. في هاء «يعرفونه» قولان: ~~أحدهما: أنها تعود على النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. والثاني: ~~تعود على صرفه إلى الكعبة، قاله أبو العالية، وقتادة، والسدي، ومقاتل. وروي ~~عن ابن عباس أيضا. وفي الحق الذي كتموه قولان: أحدهما: أنه النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قاله مجاهد. والثاني: أنه التوجه إلى الكعبة، قاله السدي، ~~ومقاتل في آخرين. وفي قوله تعالى: وهم يعلمون قولان: أحدهما: وهم يعلمون ~~أنه حق. والثاني: وهم يعلمون ما على مخالفته من العقاب. ### | [سورة البقرة (2) : آية 147] # الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) # قوله تعالى: الحق من ربك. قال الزجاج: أي: هذا الحق من ربك. والممترون: ~~الشاكون، والخطاب عام. ### | [سورة البقرة (2) : آية 148] # ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ~~إن الله على كل شيء قدير (148) # قوله تعالى: لكل وجهة # ، أي: لكل أهل دين وجهة. المراد بالوجهة: القبلة، قاله ابن عباس في ~~آخرين. قال الزجاج: يقال: جهة، ووجهة. وفي «هو» ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الله تعالى، فالمعنى: الله موليها إياهم، أي: أمرهم ~~بالتوجه إليها. # والثاني: ترجع إلى المتولي، فالمعنى: هو موليها نفسه، فيكون «هو» ضمير ~~كل. # والثالث: يرجع إلى البيت، قاله مجاهد: أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة. ~~والجمهور يقرءون: # «موليها» ، وقرأ ابن عامر، والوليد عن يعقوب: «هو مولاها» بألف بعد ~~اللام، فضمير «هو» لكل، ومعنى القراءتين متقارب. # قوله تعالى: استبقوا الخيرات # ، أي: بادروها. وقال قتادة: لا تغلبوا على قبلتكم، ين ما تكونوا يأت بكم ~~الله جميعا # ، قال ابن عباس وغيره: هذا في يوم القيامة. فأما إعادة قوله: ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 149 الى 150] # ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله ~~بغافل عما تعملون (149) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما ~~كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم ~~فلا تخشوهم واخشوني ولأتم ms0119 نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150) PageV01P122 # قوله تعالى: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام، فانه تكرير تأكيد، ~~ليحسم طمع أهل الكتاب في رجوع المسلمين أبدا إلى قبلتهم. # قوله تعالى: لئلا يكون للناس، في «الناس» قولان: أحدهما: أنهم أهل ~~الكتاب، قاله ابن عباس، وأبو العالية، وقتادة، ومقاتل. والثاني: مشركو ~~العرب، رواه السدي عن أشياخه. فمن قال بالأول قال: احتجاج أهل الكتاب أنهم ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما لك تركت قبلة بيت المقدس؟! إن كانت ~~ضلالة فقد دنت الله بها، وإن كانت هدى، فقد نقلت عنها. وقال قتادة: قالوا: ~~اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه. ومن قال بالثاني قال: احتجاج المشركين ~~أنهم قالوا: قد رجع إلى قبلتكم، ويوشك أن يعود إلى دينكم. # وتسمية باطلهم حجة على وجه الحكاية عن المحتج به، كقوله تعالى: حجتهم ~~داحضة عند ربهم «1» ، وقوله: فرحوا بما عندهم من العلم «2» . قوله تعالى: ~~إلا الذين ظلموا منهم، قال الزجاج: معناه: إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح ~~له، كما تقول: ما لك علي حجة إلا الظلم، أي: # إلا أن تظلمني، أي: ما لك علي البتة ولكنك تظلمين. قال ابن عباس: فلا ~~تخشوهم في انصرافكم إلى الكعبة واخشوني في تركها. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 151] # كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب ~~والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) # قوله تعالى: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم، قال الزجاج: «كما» لا تصلح أن ~~تكون جوابا لما قبلها، والأجود أن تكون معلقة بقوله: فاذكروني، وقد روي ~~معناه عن علي، وابن عباس، ومجاهد، ومقاتل. والآية خطاب لمشركي العرب. وفي ~~قوله: ويزكيهم، ثلاثة أقوال، قد سبق ذكرها في قصة إبراهيم. والكتاب: ~~القرآن. والحكمة: السنة. ### | [سورة البقرة (2) : آية 152] # فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152) # قوله تعالى: فاذكروني. قال ابن عباس، وابن جبير: اذكروني بطاعتي أذكركم ~~بمغفرتي. وقال إبراهيم بن السري: كما أنعمت عليكم بالرسالة، فاذكروني ~~بتوحيدي وتصديق نبيي. قال: فان قيل: # كيف يكون جواب: كما أرسلنا فاذكروني، فان قوله: فاذكروني أمر، ms0120 وقوله: ~~أذكركم جزاؤه فالجواب: أن المعنى: إن تذكروني أذكركم. # قوله تعالى: واشكروا لي، الشكر: الاعتراف بحق المنعم، مع الثناء عليه. ~~PageV01P123 ### | [سورة البقرة (2) : آية 153] # يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (153) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة. سبب نزولها: ~~أن المشركين قالوا: # سيرجع محمد إلى ديننا، كما رجع إلى قبلتنا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. ~~وقال ابن عباس: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على أداء الفرائض، ~~وبالصلاة، وقد سبق الكلام في الصبر، وبيان الاستعانة به وبالصلاة. ### | [سورة البقرة (2) : آية 154] # ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون (154) # قوله تعالى: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات. سبب نزولها: أنهم ~~كانوا يقولون لقتلى بدر وأحد: مات فلان ببدر، مات فلان بأحد، فنزلت هذه ~~الآية «1» ، قاله ابن عباس. # ورفع الأموات بإضمار مكنى من أسمائهم، أي: لا تقولوا: هم أموات، ذكر نحوه ~~الفراء. فان قيل: فنحن نراهم موتى، فما وجه النهي؟ فالجواب أن المعنى: لا ~~تقولوا: هم أموات لا تصل أرواحهم إلى الجنات، ولا تنال من تحف الله ما لا ~~يناله الأحياء، بل هم أحياء، أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، فهم ~~أحياء من هذه الجهة، وإن كانوا أمواتا من جهة خروج الأرواح ذكره ابن ~~الأنباري، فان قيل: أليس جميع المؤمنين منعمين بعد موتهم؟ فلم خصصتم ~~الشهداء؟ فالجواب: أن الشهداء فضلوا على غيرهم بأنهم مرزوقون من مطاعم ~~الجنة ومآكلها، وغيرهم منعم بما دون ذلك، ذكره ابن جرير الطبري. ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 155 الى # 157] # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر ~~الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ~~(156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157) # قوله تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع. قال الفراء: «من» تدل على ~~أن لكل صنف منها شيئا مضمرا، فتقديره: بشيء من الخوف، وشيء من الجوع، وشيء ~~من نقص الأموال. # وفيمن أريد بهذه الآية أربعة ms0121 أقوال: أحدها: أنهم أصحاب النبي خاصة، قاله ~~عطاء. والثاني: # أنهم أهل مكة. والثالث: أن هذا يكون في آخر الزمان. قال كعب: يأتي على ~~الناس زمان لا تحمل النخلة إلا تمرة. والرابع: أن الآية على عمومها. # فأما الخوف فقال ابن عباس: وهو الفزع في القتال. والجوع: المجاعة التي ~~أصابت أهل مكة سبع سنين. ونقص من الأموال: ذهاب أموالهم، والأنفس بالموت ~~والقتل الذي نزل بهم، والثمرات لم تخرج كما كانت تخرج. وحكى أبو سليمان ~~الدمشقي عن بعض أهل العلم: أن الخوف في الجهاد والجوع في فرض الصوم، ونقص ~~الأموال: ما فرض فيها من الزكاة والحج ونحو ذلك. والأنفس: ما يستشهد منها ~~في القتال، والثمرات: ما فرض فيها من الصدقات. وبشر الصابرين على هذه ~~البلاوي PageV01P124 # بالجنة. واعلم أنه إنما أخبرهم بما سيصيبهم، ليوطنوا أنفسهم على الصبر، ~~فيكون ذلك أبعد لهم من الجزع. # قالوا إنا لله، يريدون: نحن عبيده يفعل بنا ما يشاء، وإنا إليه راجعون، ~~يريدون: نحن مقرون بالبعث والجزاء على أعمالنا، والثواب على صبرنا. قال ~~سعيد بن جبير: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة شيئا لم يعطه الأنبياء ~~قبلهم الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) أولئك ~~عليهم صلوات من ربهم ورحمة. ولو أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب، إذ يقول: ~~يا أسفى على يوسف «1» . قال الفراء: وللعرب في المصيبة ثلاث لغات: مصيبة، ~~ومصابة، ومصوبة، زعم الكسائي أنه سمع أعرابيا يقول: جبر الله مصوبتك. # قوله تعالى: أولئك عليهم صلوات من ربهم. قال سعيد بن جبير: الصلوات من ~~الله: المغفرة، وأولئك هم المهتدون بالاسترجاع. وقال عمر بن الخطاب: نعم ~~العدلان، ونعمت العلاوة: # أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157) . ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 158 الى 159] # إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158) إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم ~~الله ويلعنهم اللاعنون (159) # قوله تعالى: ms0122 إن الصفا والمروة من شعائر الله. في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (56) أحدها: أن رجالا من الأنصار ممن كان يهل لمناة في الجاهلية- ومناة: ~~صنم كان بين مكة والمدينة- قالوا: يا رسول الله! إنا كنا لا نطوف بين الصفا ~~والمروة تعظيما لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما؟ فنزلت هذه الآية. ~~رواه عروة عن عائشة. # (57) والثاني: أن المسلمين كانوا لا يطوفون بين الصفا والمروة، لأنه كان ~~على الصفا تماثيل وأصنام فنزلت هذه الآية. رواه عكرمة عن ابن عباس. ~~PageV01P125 # (58) وقال الشعبي: كان وثن على الصفا يدعى: إساف، ووثن على المروة يدعى: ~~نائلة، وكان أهل الجاهلية يسعون بينهما ويمسحونهما، فلما جاء الإسلام كفوا ~~عن السعي بينهما، فنزلت هذه الآية. # (59) والثالث: أن الصحابة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا كنا نطوف ~~في الجاهلية بين الصفا والمروة، وإن الله تعالى ذكر الطواف بالبيت، ولم ~~يذكره بين الصفا والمروة، فهل علينا من حرج أن لا نطوف بهما، فنزلت هذه ~~الآية. رواه الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن جماعة من أهل العلم. # قال إبراهيم بن السري: الصفا في اللغة: الحجارة الصلبة الصلدة التي لا ~~تنبت شيئا، وهو جمع، واحده صفاة وصفا، مثل: حصاة وحصى. والمروة: الحجارة ~~اللينة، وهذان الموضعان من شعائر الله، أي: من أعلام متعبداته. وواحد ~~الشعائر: شعيرة. والشعائر: كل ما كان من موقف أو مسعى أو ذبح. # والشعائر: من شعرت بالشيء: إذا علمت به، فسميت الأعلام التي هي متعبدات ~~الله: شعائر. والحج في اللغة: القصد، وكذلك كل قاصد شيئا فقد اعتمره. ~~والجناح: الإثم، أخذ من جنح: إذا مال وعدل، وأصله من جناح الطائر، وإنما ~~اجتنب المسلمون الطواف بينهما، لمكان الأوثان، فقيل لهم: إن نصب الأوثان ~~بينهما قبل الإسلام لا يوجب اجتنابهما، فأعلم الله عز وجل أنه لا جناح في ~~التطوف بهما، وأن من تطوع بذلك فان الله شاكر عليم. والشكر من الله، ~~المجازاة والثناء الجميل، والجمهور قرءوا ومن تطوع بالتاء ونصب العين، ~~منهم: ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وقرأ حمزة، ms0123 والكسائي ~~«يطوع» بالياء وجزم العين. وكذلك خلافهم في التي بعدها بآيات. # فصل: اختلفت الرواية عن إمامنا أحمد في السعي بين الصفا والمروة، فنقل ~~الأثرم أن من ترك السعي لم يجزه حجه. ونقل أبو طالب: لا شيء في تركه عمدا ~~أو سهوا، ولا ينبغي أن يتركه. ونقل الميموني أنه تطوع «1» . PageV01P126 # قوله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى، قال أبو صالح ~~عن ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود، كتموا ما أنزل الله في التوراة من ~~البينات والهدى «1» . فالبينات: الحلال والحرام والحدود والفرائض. والهدى: ~~نعت النبي صلى الله عليه وسلم وصفته من بعد ما بيناه للناس، قال مقاتل: ~~لبني إسرائيل، وفي الكتاب قولان: أحدهما: أنه التوراة، وهو قول ابن عباس. ~~والثاني: التوراة والإنجيل، قاله قتادة. أولئك إشارة إلى الكاتمين يلعنهم ~~الله قال ابن قتيبة: أصل اللعن في اللغة: الطرد، ولعن الله إبليس، أي: ~~طرده، ثم انتقل ذلك فصار قولا. قال الشماخ وذكر ماء: # ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين # أي: الطريد. وفي اللاعنين أربعة أقوال: # (60) أحدها: أن المراد بهم: «دواب الأرض» ، رواه البراء عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وهو قول مجاهد، وعكرمة. قال مجاهد: يقولون إنما منعنا ~~القطر بذنوبكم فيلعنونهم. # والثاني: أنهم المؤمنون، قاله عبد الله بن مسعود. والثالث: أنهم الملائكة ~~والمؤمنون، قاله أبو العالية، وقتادة. والرابع: أنهم الجن والإنس وكل دابة، ~~قاله عطاء. # فصل: وهذه الآية توجب إظهار علوم الدين، منصوصة كانت أو مستنبطة، وتدل ~~على امتناع جواز أخذ الأجرة على ذلك، إذ غير جائز استحقاق الأجر على ما يجب ~~فعله. # (61) وقد روى الأعرج عن أبي هريرة أنه قال: إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، والله الموعد، وأيم الله: لولا آية في كتاب ~~الله ما حدثت أحدا بشيء أبدا، ثم تلا إن الذين يكتمون ما أنزلنا ... إلى ~~آخرها. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 160] # إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ~~(160) # قوله تعالى: إلا الذين تابوا. قال ابن ms0124 مسعود: إلا الذين تابوا من اليهود ~~وأصلحوا أعمالهم، وبينوا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم. # فصل: وقد ذهب قوم إلى أن الآية التي قبل هذه منسوخة بالاستثناء في هذه، ~~وهذا ليس بنسخ، لأن الاستثناء إخراج بعض ما شمله اللفظ، وذلك يقتضي التخصيص ~~دون النسخ، ومما يحقق هذا أن PageV01P127 # الناسخ والمنسوخ لا يمكن العمل بأحدهما إلا بترك العمل بالآخر، وهاهنا ~~يمكن العمل بالمستثنى والمستثنى منه. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 161] # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين (161) # قوله تعالى: إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار. إنما شرط الموت على الكفر، ~~لأن حكمه يستقر بالموت عليه، فان قيل: كيف قال: والناس أجمعين، وأهل دينه ~~لا يلعنونه، فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنهم يلعنونه في الآخرة، قال الله عز وجل: ثم يوم القيامة يكفر ~~بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا، وقال: كلما دخلت أمة لعنت أختها. والثاني: أن ~~المراد بالناس هاهنا المؤمنون، قاله ابن مسعود وقتادة ومقاتل. فيكون على ~~هذا من العام الذي أريد به الخاص. والثالث: أن اللعنة من الأكثر يطلق ~~عليها: لعنة جميع الناس تغليبا لحكم الأكثر على الأقل. ### | [سورة البقرة (2) : آية 162] # خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (162) # قوله تعالى: خالدين فيها في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها تعود إلى ~~اللعنة، قاله ابن مسعود، ومقاتل. والثاني: أنها ترجع إلى النار، وإن لم يجر ~~لها ذكر فقد علمت. ### | [سورة البقرة (2) : آية 163] # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) # قوله تعالى: وإلهكم إله واحد. قال ابن عباس: إن كفار قريش قالوا: يا محمد ~~صف لنا ربك وانسبه، فنزلت هذه الآية، وسورة الإخلاص. والإله بمعنى: ~~المعبود. ### | [سورة البقرة (2) : آية 164] # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد ~~موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ~~لآيات لقوم يعقلون (164) # قوله ms0125 تعالى: إن في خلق السماوات والأرض. في سبب نزولها ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا الصفا ذهبا ~~إن كنت صادقا فنزلت هذه الآية، حكاه السدي عن ابن مسعود، وابن عباس «1» . ~~والثاني: أنهم لما قالوا: انسب لنا ربك وصفه، فنزلت: وإلهكم إله واحد، ~~قالوا: # فأرنا آية ذلك فنزلت: إن في خلق السماوات والأرض إلى قوله: يعقلون، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس «2» . والثالث: أنه لما نزلت وإلهكم إله واحد، قال ~~كفار قريش: كيف يسع الناس إله واحد؟ PageV01P128 # فنزلت هذه الآية، قاله عطاء «1» . # فأما السماوات، فتدل على صانعها، إذ هي قائمة بغير عمد، وفيها من الآيات ~~الظاهرة، ما يدل يسيره على مبدعه، وكذلك الأرض في ظهور ثمارها، وتمهيد ~~سهولها وإرساء جبالها، إلى غير ذلك. واختلاف الليل والنهار كل واحد منهما ~~حادث بعد أن لم يكن، وزائل بعد أن كان، والفلك: السفن. قال ابن قتيبة: ~~الواحد والجمع بلفظ واحد. وقال اليزيدي: واحده فلكة، ويذكر ويؤنث. وقال ~~الزجاج: الفلك السفن، ويكون واحدا، ويكون جمعا، لأن فعل، وفعل جمعهما واحد، ~~ويأتيان كثيرا بمعنى واحد. يقال: العجم والعجم، والعرب والعرب، والفلك ~~والفلك. والفلك: يقال لكل مستدير، أو فيه استدارة. و «البحر» : الماء ~~الغزير بما ينفع الناس من المعايش. وما أنزل الله من السماء من ماء، يعني: ~~المطر، والمطر ينزل على معنى واحد، وأجزاء الأرض والهواء على معنى واحد، ~~والأنواع تختلف في النبات والطعوم والألوان والأشكال المختلفات، وفي ذلك رد ~~على من قال: إنه من فعل الطبيعة، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يتفق موجبها، إذ ~~المتفق لا يوجب المختلف، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى في قوله: يسقى ~~بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل «2» . # قوله تعالى: وبث، أي: فرق. قرأ ابن كثير الرياح على الجمع في خمسة مواضع: # هاهنا. وفي (الحجر) : وأرسلنا الرياح لواقح «3» ، وفي (الكهف) : تذروه ~~الرياح «4» ، وفي (الروم) : # الحرف الأول (الرياح) . وفي (الجاثية) : وتصريف الرياح «5» ، وقرأ باقي ~~القرآن «الريح» . وقرأ أبو جعفر «الريح» في خمسة ms0126 عشر موضعا في (البقرة) ، ~~وفي (الأعراف) : يرسل الرياح «6» ، وفي (إبراهيم) : «اشتدت به الرياح» ، ~~وفي (الحجر) : الرياح لواقح، وفي (سبحان) «7» ، وفي (الكهف) : # تذروه الرياح، وفي (الأنبياء) وفي (الفرقان) : أرسل الرياح «8» ، وفي ~~(النمل) . والثاني من (الروم) : وفي (سبأ) ، وفي (فاطر) : أرسل الرياح «9» ~~، وفي (عسق) : «يسكن الرياح» ، وفي (الجاثية) : وتصريف الرياح، تابعه نافع ~~إلا في (سبحان) ، و «رياح» سليمان. وتابع نافعا أبو عمرو إلا في حرفين: ~~«الريح» في (إبراهيم) و (عسق) . ووافق أبا عمر، وعاصم، وابن عامر. وقرأ ~~حمزة «الريح» جمعا في موضعين: في (الفرقان) ، والحرف الأول من (الروم) ، ~~وباقيهن على التوحيد. وقرا الكسائي مثل حمزة، إلا إنه زاد عليه في (الحجر) ~~: الرياح لواقح، ولم يختلفوا فيما ليس فيه ألف ولام، فمن جمع فكل ريح تساوي ~~أختها في الدلالة على التوحيد والنفع، ومن وحد أراد الجنس. # ومعنى تصريف الرياح: تقلبها شمالا مرة، وجنوبا مرة، ودبورا أخرى، وعذابا ~~ورحمة، والسحاب المسخر: المذلل. والآية فيه من أربعة أوجه: ابتداء كونه، ~~وانتهاء تلاشيه، وقيامه بلا PageV01P129 # دعامة ولا علاقة، وإرساله إلى حيث شاء الله تعالى. (لآيات) . الآية: ~~العلامة. # أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: أخبرنا عاصم قال: أخبرنا ابن بشران قال: ~~أخبرنا ابن صفوان قال: حدثنا ابن أبي الدنيا قال: حدثني هارون قال: حدثني ~~عفان عن مبارك بن فضاله قال: سمعت الحسن يقول: كانوا يقولون- يعني أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الرفيق، الذي لو جعل هذا الخلق خلقا ~~دائما لا ينصرف، لقال الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق رب لحادثه، وإن ~~الله تعالى قد حادث بما ترون من الآيات، إنه جاء بضوء طبق ما بين الخافقين ~~وجعل فيها معاشا، وسراجا وهاجا، ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق، وجاء بظلمة ~~طبقت ما بين الخافقين، وجعل فيه شهبا ونجوما، وقمرا منيرا، وإذا شاء بنى ~~بناء، جعل فيه المطر، والبرق، والرعد، والصواعق، ما شاء، وإذا شاء صرف ذلك، ~~وإذا شاء جاء ببرد يقرقف «1» الناس، وإذا شاء ذهب بذلك، وجاء بحر يأخذ ~~أنفاس الناس، ليعلم الناس أن لهذا الخلق ms0127 ربا يحادثه بما ترون من الآيات، ~~كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 165] # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله ~~شديد العذاب (165) # قوله تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا. في الأنداد قولان قد ~~تقدما في أول السورة. وفي قوله: يحبونهم كحب الله قولان: أحدهما: أن معناه: ~~يحبونهم كحب الذين آمنوا لله، هذا قول ابن عباس، وعكرمة، وأبي العالية، ~~وابن زيد، ومقاتل، والفراء. والثاني: يحبونهم كمحبتهم لله، أي: يسوون بين ~~الأوثان وبين الله تعالى في المحبة. هذا اختيار الزجاج، قال: والقول الأول ~~ليس بشيء، والدليل على نقضه قوله: والذين آمنوا أشد حبا لله، قال المفسرون: ~~أشد حبا لله من أهل الأوثان لأوثانهم. # قوله تعالى: ولو يرى الذين ظلموا قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وعاصم، وحمزة، ~~والكسائي: # «يرى» بالياء، ومعناه: لو يرون عذاب الآخرة لعلموا أن القوة لله جميعا. ~~وقرأ نافع وابن عامر، ويعقوب: «ولو ترى» بالتاء، على الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، والمراد به جميع الناس، وجوابه محذوف، تقديره: لرأيتم أمرا ~~عظيما، كما تقول: لو رأيت فلانا والسياط تأخذه. فإنما حذف الجواب، لأن ~~المعنى معلوم. قال أبو علي: وإنما قال: «إذ» ولم يقل: «إذا» وإن كانت «إذ» ~~لما مضى، لإرادة تقريب الأمر، فأتى بمثال الماضي، وإنما حذف جواب «لو» لأنه ~~أفخم، لذهاب المتوعد إلى كل ضرب من الوعيد. وقرا أبو جعفر: «إن القوة» و ~~«إن الله» بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف، كأنه يقول: ولا يحزنك ما ترى ~~من محبتهم أصنامهم «إن القوة لله جميعا» ، قال ابن عباس: القوة: القدرة، ~~والمنعة. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 166 الى 167] # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ~~(166) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا كذلك ~~يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار (167) PageV01P130 # قوله ms0128 تعالى: من الذين اتبعوا، فيهم قولان: أحدهما: أنهم القادة والرؤساء، ~~قاله ابن عباس، وأبو العالية، وقتادة، ومقاتل، والزجاج. والثاني: أنهم ~~الشياطين، قاله السدي. # قوله تعالى: ورأوا العذاب، يشمل الكل. وتقطعت بهم الأسباب، أي: عنهم، مثل ~~قوله: فسئل به خبيرا «1» . وفي الأسباب أربعة أقوال: أحدها: أنها المودات، ~~وإلى نحوه يذهب ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أنها الأعمال، رواه ~~السدي عن ابن مسعود، وابن عباس، وهو قول أبي صالح وابن زيد. والثالث: أنها ~~الأرحام، رواه ابن جريج عن ابن عباس. # والرابع: أنها تشمل جميع ذلك. قال ابن قتيبة: هي الأسباب التي كانوا ~~يتواصلون بها في الدنيا، فأما تسميتها بالأسباب، فالسبب في اللغة: الحبل، ~~ثم قيل لكل ما يتوصل به إلى مقصود: سبب. والكرة: # الرجعة إلى الدنيا، قاله ابن عباس، وقتادة في آخرين فنتبرأ منهم، يريدون: ~~من القادة كما تبرؤا منا في الآخرة. كذلك يريهم الله أعمالهم، قال الزجاج: ~~أي: كتبرؤ بعضهم من بعض، يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، لأن أعمال الكافر ~~لا تنفعه. وقال ابن الأنباري: يريهم الله أعمالهم القبيحة حسرات عليهم إذا ~~رأوا أحسن المجازاة للمؤمنين بأعمالهم، قال: ويجوز أن يكون: كذلك يريهم ~~الله ثواب أعمالهم وجزاءها، فحذف الجزاء وأقام الأعمال مقامه. قال ابن ~~فارس: والحسرة: # التلهف على الشيء الفائت. وقال غيره: الحسرة: أشد الندامة. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 168] # يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (168) # قوله تعالى: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا نزلت في ثقيف، ~~وخزاعة، وبني عامر بن صعصعة، حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام، وحرموا ~~البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: ولا تتبعوا خطوات الشيطان، قرأ ابن كثير، وابن عامر، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم «خطوات» مثقلة. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن ~~عاصم، وحمزة «خطوات» ساكنة الطاء خفيفة. وقرا الحسن، وأبو الجوزاء «خطوات» ~~بفتح الخاء وسكون الطاء من غير همز. وقرا أبو عمران الجوني بضم الخاء ~~والطاء مع الهمز. قال ms0129 ابن قتيبة: خطواته: سبيله ومسلكه، وهي جمع خطوة، ~~والخطوة بضم الخاء: ما بين القدمين، وبفتحها: الفعلة الواحدة. واتباعهم ~~خطواته: أنهم كانوا يحرمون أشياء قد أحلها الله، ويحلون أشياء قد حرمها ~~الله. # قوله تعالى: إنه لكم عدو مبين، أي: بين. وقيل: أبان عداوته بما جرى له مع ~~آدم. ### | [سورة البقرة (2) : آية 169] # إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (169) # قوله تعالى: إنما يأمركم بالسوء، السوء: كل إثم وقبح. قال ابن عباس: ~~وإنما سمي سوءا، لأنه تسوء عواقبه، وقيل: لأنه يسوء إظهاره والفحشاء من: ~~فحش الشيء: إذا جاز قدره. وفي المراد بها هاهنا خمسة أقوال: أحدها: أنها كل ~~معصية لها حد في الدنيا. والثاني: أنها ما لا يعرف في PageV01P131 # شريعة ولا سنة. والثالث: أنها البخل، وهذه الأقوال الثلاثة منقولة عن ابن ~~عباس. والرابع: أنها الزنا، قاله السدي. والخامس: المعاصي، قاله مقاتل. # قوله تعالى: وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون. أي: أنه حرم عليكم ما لم ~~يحرم. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 170] # وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ~~أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) # قوله تعالى: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله. اختلفوا فيمن نزلت على ~~ثلاثة أقوال: أحدها: # أنها في الذين قيل لهم: كلوا مما في الأرض حلالا طيبا، فعلى هذا تكون ~~الهاء والميم عائدة عليهم، وهذا قول مقاتل. والثاني: أنها نزلت في اليهود، ~~وهي قصة مستأنفة، فتكون الهاء والميم كناية عن غير مذكور، ذكره ابن إسحاق ~~عن ابن عباس. والثالث: أنها في مشركي العرب وكفار قريش، فتكون الهاء والميم ~~عائدة إلى قوله: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا، فعلى القول الأول ~~يكون المراد بالذي أنزل الله: تحليل الحلال، وتحريم الحرام. وعلى الثاني ~~يكون: الإسلام. وعلى الثالث: التوحيد والإسلام. وألفينا بمعنى: وجدنا. قوله ~~تعالى: أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من الدين، ولا يهتدون له، أيتبعونهم ~~في خطئهم وافترائهم! ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 171 الى 172] # ومثل الذين ms0130 كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي ~~فهم لا يعقلون (171) يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا ~~لله إن كنتم إياه تعبدون (172) # قوله تعالى: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق. في معنى هذه الآية ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أن معناها: ومثل الذين كفروا كمثل البهائم التي ينعق بها الراعي، ~~وهذا قول الفراء، وثعلب، قالا جميعا: أضاف المثل إلى الذين كفروا، ثم شبههم ~~بالراعي، ولم يقل: كالغنم، والمعنى: # ومثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من الصوت، ~~فلو قال لها الراعي: ارعي، أو اشربي، لم تدر ما يقول، فكذلك الذين كفروا ~~فيما يأتيهم من القرآن، وإنذار الرسول، فأضيف التشبيه إلى الراعي، والمعنى ~~في المرعي، وهو ظاهر في كلام العرب، يقولون: فلان يخافك كخوف الأسد، ~~والمعنى: كخوفه الأسد، لأن الأسد هو المعروف بأنه المخوف. قال الشاعر: # كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم # المعنى: كما كان الرجم فريضة الزنى. # والثاني: أن معناها: ومثل الذين كفروا، ومثلنا في وعظهم، كمثل الناعق ~~والمنعوق به، فحذف «ومثلنا» اختصارا، إذ كان في الكلام ما يدل عليه. وهذا ~~قول ابن قتيبة، والزجاج. # والثالث: ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي يعبدون، كمثل الذي ~~ينعق، هذا قول ابن زيد، والذي ينعق هو الراعي، يقال: نعق بالغنم، ينعق نعقا ~~ونعيقا ونعاقا ونعقانا. قال ابن الأنباري: # والفاشي في كلام العرب أنه لا يقال: نعق، إلا في الصياح بالغنم وحدها، ~~فالغنم تسمع الصوت ولا تعقل المعنى. صم بكم إنما وصفهم بالصم والبكم، لأنهم ~~في تركهم قبول ما يسمعون بمنزلة من لا # PageV01P132 # يسمع، وكذلك في النطق والنظر، وقد سبق شرح هذا المعنى. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 173] # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) # قوله تعالى: إنما حرم عليكم الميتة. قرأ أبو جعفر «الميتة» هاهنا، وفي ~~(المائدة) و (النحل) ، و «بلدة ms0131 ميتا» بالتشديد، حيث وقع. والميتة في عرف ~~الشرع: اسم لكل حيوان خرجت روحه بغير ذكاة. وقيل: إن الحكمة في تحريم ~~الميتة أن جمود الدم فيها بالموت يحدث أذى للآكل، وقد يسمى المذبوح في بعض ~~الأحوال: ميتة حكما، لأن حكمه حكم الميتة، كذبيحة المرتد فأما الدم فالمحرم ~~منه: المسفوح، لقوله تعالى: أو دما مسفوحا «1» . قال القاضي أبو يعلى: فأما ~~الدم الذي يبقى في خلل اللحم بعد الذبح، وما يبقى في العروق فهو مباح. # فأما لحم الخنزير فالمراد: جملته، وإنما خص اللحم، لأنه معظم المقصود. ~~قال الزجاج: # الخنزير يشتمل على الذكر والأنثى. ومعنى وما أهل به لغير الله: ما رفع ~~فيه الصوت بتسمية غير الله، ومثله الإهلال بالحج، إنما هو رفع الصوت ~~بالتلبية. # قوله تعالى: فمن اضطر، أي: ألجئ بضرورة. وقرأ أبو جعفر: (فمن اضطر) بكسر ~~الطاء حيث كان. وأدغم ابن محيصن الضاد في الطاء. # قوله تعالى: غير باغ، قال الزجاج: البغي: قصد الفساد، يقول: بغى الجرح: ~~إذا ترامى إلى الفساد. وفي قوله: غير باغ ولا عاد أربعة أقوال: أحدها: أن ~~معناه غير باغ على الولاة، ولا عاد يقطع السبيل، هذا قول سعيد بن جبير، ~~ومجاهد. والثاني: غير باع في أكله فوق حاجته، ولا متعد بأكلها وهو يجد ~~غيرها. هذا قول الحسن، وعكرمة، وقتادة، والربيع. والثالث: غير باغ، أي: # مستحل، ولا عاد: غير مضطر، روي عن سعيد بن جبير، ومقاتل. والرابع: غير ~~باغ شهوته بذلك، ولا عاد بالشبع منه، قاله السدي. # فصل: معنى الضرورة في إباحة الميته: أن يخاف على نفسه أو بعض أعضائه. سئل ~~أحمد، رضي الله عنه، عن المضطر إذا لم يأكل الميتة، فذكر عن مسروق أنه قال: ~~من اضطر فلم يأكل فمات دخل النار. وأما مقدار ما يأكل فنقل حنبل: يأكل ~~بمقدار ما يقيمه عن الموت، ونقل ابن منصور: # يأكل بقدر ما يستغني. فظاهر الأولى: أنه لا يجوز له الشبع، وهو قول أبي ~~حنيفة والشافعي، وظاهر الثانية: جواز الشبع وهو قول مالك «2» . PageV01P133 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 174] # إن الذين يكتمون ms0132 ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما ~~يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم (174) # قوله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب. قال ابن عباس: نزلت ~~في اليهود، كتموا اسم النبي صلى الله عليه وسلم، وغيروه في كتابهم «1» . ~~والثمن القليل: ما يصيبونه من أتباعهم من الدنيا. أولئك ما يأكلون في ~~بطونهم إلا النار، قال الزجاج: معناه: إن الذين يأكلونه يعذبون به، فكأنهم ~~يأكلون النار، ولا يكلمهم الله هذا دليل على أن الله لا يكلم الكفار ولا ~~يحاسبهم. وفي قوله تعالى: ولا يزكيهم، ثلاثة أقوال: أحدها: لا يزكي ~~أعمالهم، قاله مقاتل. والثاني: لا يثني عليهم، قاله الزجاج. والثالث: لا ~~يطهرهم من دنس كفرهم وذنوبهم، قاله ابن جرير. ### | [سورة البقرة (2) : آية 175] # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على ~~النار (175) # قوله تعالى: أولئك الذين اشتروا الضلالة، أي: اختاروها على الهدى. وفي ~~قوله تعالى: # فما أصبرهم على النار، أربعة أقوال: أحدها: أن معناه: فما أصبرهم على عمل ~~يؤديهم إلى النار! قاله عكرمة، والربيع. والثاني: ما أجرأهم على النار قاله ~~الحسن، ومجاهد. وذكر الكسائي أن أعرابيا حلف له رجل كاذبا، فقال الأعرابي: ~~ما أصبرك على الله، يريد: ما أجرأك. والثالث: ما أبقاهم في النار، كما ~~تقول: ما أصبر فلانا على الحبس، أي: ما أبقاه فيه، ذكره الزجاج. والرابع: ~~أن المعنى: # فأي شيء صبرهم على النار؟! قاله ابن الأنباري. وفي «ما» قولان: أحدهما: ~~أنها للاستفهام، تقديرها: # ما الذي أصبرهم؟ قاله عطاء، والسدي، وابن زيد، وأبو بكر بن عياش. ~~والثاني: أنها للتعجب، PageV01P134 # كقولك: ما أحسن زيدا، وما أعلم عمرا. وقال ابن الأنباري: معنى الآية ~~التعجب، والله يعجب المخلوقين، ولا يعجب هو كعجبهم. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 176] # ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق ~~بعيد (176) # قوله تعالى: ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق الإشارة بذلك إلى ما تقدم من ~~الوعيد بالعذاب، فتقديره: ذلك العذاب بأن ms0133 الله نزل الكتاب بالحق، فكفروا به ~~واختلفوا فيه. # وفي «الكتاب» قولان: أحدهما: أنه التوراة. والثاني: القرآن. وفي «الحق» ~~قولان: أحدهما: أنه العدل، قاله ابن عباس. والثاني: أنه ضد الباطل، قاله ~~مقاتل. # قوله تعالى: وإن الذين اختلفوا في الكتاب فيه قولان: # أحدهما: أنه التوراة، ثم في اختلافهم فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أن اليهود ~~والنصارى اختلفوا فيها، فادعى النصارى فيها صفة عيسى، وأنكر اليهود ذلك. ~~والثاني: أنهم خالفوا ما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم. ~~والثالث: أنهم خالفوا سلفهم في التمسك بها. # والثاني: أنه القرآن، فمنهم من قال: شعر، ومنهم من قال: إنما يعلمه بشر. # والشقاق: معاداة بعضهم لبعض. وفي معنى «بعيد» قولان: أحدهما: أن بعضهم ~~متباعد في مشاقة بعض، قاله الزجاج. والثاني: أنه بعيد من الهدى. ### | [سورة البقرة (2) : آية 177] # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177) # قوله تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم. قال قتادة: # (62) ذكر لنا أن رجلا سأل عن «البر» ، فأنزلت هذه الآية، فدعاه رسول ~~الله، فتلاها عليه. # وفيمن خوطب بها قولان: أحدهما: أنهم المسلمون. والثاني: أهل الكتابين. ~~فعلى القول الاول معناها: ليس البر كله في الصلاة، ولكن البر ما في هذه ~~الآية. وهذا مروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، والضحاك وسفيان. وعلى القول ~~الثاني معناها: ليس البر صلاة اليهود إلى المغرب، وصلاة النصارى إلى ~~المشرق، ولكن البر ما في هذه الآية، وهذا قول قتادة، والربيع، وعوف ~~الأعرابي، ومقاتل. # وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم: ليس البر بنصب الراء، وقرأ الباقون برفعها، قال ~~أبو علي: PageV01P135 # كلاهما حسن، لأن كل واحد من الاسمين اسم «ليس» وخبرها، معرفة، فاذا ~~اجتمعا في التعريف تكافآ في كون أحدهما اسما، والآخر خبرا، كما تتكافأ ~~النكرتان. # وفي المراد بالبر ms0134 ثلاثة أقوال: أحدها: الإيمان. والثاني: التقوى. ~~والثالث: العمل الذي يقرب إلى الله. قوله تعالى: ولكن البر من آمن بالله، ~~فيه قولان: أحدهما: أن معناه: ولكن البر بر من آمن بالله. والثاني: ولكن ذا ~~البر من آمن بالله، حكاهما الزجاج. # وقرأ نافع، وابن عامر: «ولكن البر» بتخفيف نون «لكن» ورفع «البر» . وإنما ~~ذكر اليوم الآخر، لأن عبدة الأوثان لا يؤمنون بالبعث. وفي المراد بالكتاب ~~هاهنا قولان: أحدهما: أنه القرآن. والثاني: # أنه بمعنى الكتاب، فيدخل في هذا اليهود، لتكذيبهم بعض النبيين وردهم ~~القرآن. # قوله تعالى: وآتى المال على حبه، في هاء «حبه» قولان: أحدهما: أنها ترجع ~~إلى المال. # والثاني: إلى الإيتاء. وكان الحسن إذا قرأها قال: سوى الزكاة المفروضة. # قوله تعالى: ذوي القربى، يريد: قرابة المعطي. وقد شرحنا معنى: واليتامى ~~والمساكين عند رأس ثلاث وثمانين آية من هذه السورة. # فأما «ابن السبيل» ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الضيف، قاله سعيد بن ~~جبير، والضحاك، ومقاتل، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: أنه الذي ~~يمر بك مسافرا، قاله الربيع بن أنس، وعن مجاهد، وقتادة كالقولين. وقد روي ~~عن الإمام أحمد أنه قال: هو المنقطع به يريد بلدا آخر وهو الطريق، وابنه: ~~صاحبه الضارب فيه، فله حق على من يمر به إذا كان محتاجا. ولعل أصحاب القول ~~الأول أشاروا إلى هذا، لأنه إن كان مسافرا، فانه ضيف لم ينزل. والقول ~~الثالث: أنه الذي يريد سفرا، ولا يجد نفقة، ذكره الماوردي وغيره عن ~~الشافعي. # قوله تعالى: وفي الرقاب أي في فك الرقاب. ثم فيه قولان: أحدهما: أنهم ~~المكاتبون يعانون في كتابتهم بما يعتقون به، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ~~وهو مروي عن علي بن أبي طالب، والحسن، وابن زيد، والشافعي. والثاني: أنهم ~~عبيد يشترون بهذا السهم ويعتقون، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال مالك بن ~~أنس، وأبو عبيد، وأبو ثور. وعن أحمد كالقولين. # وأما البأساء فهي: الفقر. والضراء: المرض. وحين البأس: القتال قاله ~~الضحاك. أولئك الذين صدقوا، قال أبو العالية: تكلموا بالإيمان وحققوه ~~بالعمل. ### | ### | [سورة ms0135 البقرة (2) : آية # 178] # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (178) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص. روى شيبان عن قتادة ~~أن أهل الجاهلية كان فيهم بغي، وكان الحي منهم إذا كان فيهم عدد وعدة، فقتل ~~عبدهم عبد قوم آخرين قالوا: لن نقتل به إلا حرا، تعززا لفضلهم على غيرهم. ~~وإذا قتلت امرأة منهم امرأة من آخرين قالوا: لن نقتل بها إلا # PageV01P136 # رجلا فنزلت هذه الآية «1» . ومعنى «كتب» : فرض، قاله ابن عباس وغيره. ~~والقصاص: مقابلة الفعل بمثله، مأخوذ من: قص الأثر، فإن قيل: كيف يكون ~~القصاص فرضا والولي مخير بينه وبين العفو؟ # فالجواب: أنه فرض على القاتل للولي، لا على الولي. # قوله تعالى: فمن عفي له من أخيه شيء، أي: من دم أخيه أي: ترك له القتل، ~~ورضي منه بالدية. ودل قوله: من أخيه على أن القاتل لم يخرج عن الإسلام، ~~فاتباع بالمعروف أي: مطالبته بالمعروف، يأمر آخذ الدية بالمطالبة الجميلة ~~التي لا يرهقه فيها. وأداء إليه بإحسان يأمر المطالب بأن لا يبخس ولا يماطل ~~ذلك تخفيف من ربكم، قال سعيد بن جبير: كان حكم الله على أهل التوراة أن ~~يقتل قاتل العمد، ولا يعفى عنه، ولا يؤخذ منه دية، فرخص الله لأمة محمد، ~~فان شاء ولي المقتول عمدا قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية. # قوله تعالى: فمن اعتدى، أي: ظلم، فقتل قاتل صاحبه بعد أخذ الدية فله عذاب ~~أليم، قال قتادة: يقتل ولا تقبل منه الدية. # فصل: ذهب جماعة من المفسرين إلى أن دليل خطاب هذه الآية منسوخ، لأنه لما ~~قال: الحر بالحر اقتضى أن لا يقتل العبد بالحر، وكذلك لما قال: والأنثى ~~بالأنثى اقتضى أن لا يقتل الذكر بالأنثى من جهة دليل الخطاب، وذلك منسوخ ~~بقوله تعالى: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ms0136 «2» ، وقال شيخنا علي بن ~~عبد الله: وهذا عند الفقهاء ليس بنسخ، لأن الفقهاء يقولون: دليل الخطاب حجة ~~ما لم يعارضه دليل أقوى منه «3» . PageV01P137 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 179] # ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179) # قوله تعالى: ولكم في القصاص حياة. قال الزجاج: إذا علم الرجل أنه إن قتل ~~قتل أمسك عن القتل، وكان في ذلك حياة للذي هم بقتله ولنفسه، لأنه من أجل ~~القصاص أمسك. وأخذ هذا المعنى الشاعر فقال: # أبلغ أبا مالك عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام «1» # يريد: أنهم إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب. والألباب: العقول، وإنما ~~خصهم بهذا الخطاب وإن كان الخطاب عاما، لأنهم المنتفعون بالخطاب، لكونهم ~~يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه. وقوله تعالى: لعلكم تتقون، قال ابن عباس: ~~لعلكم تتقون الدماء. وقال ابن زيد: لعلك تتقي أن يقتله فتقتل به. # فصل: نقل ابن منصور عن أحمد: إذا قتل رجل رجلا بعصا أو خنقه أو شدخ رأسه ~~بحجر يقتل بمثل الذي قتل به. فظاهر هذا أن القصاص يكون بغير السيف، ويكون ~~بمثل الآلة التي قتل بها، وهو قول مالك والشافعي. ونقل عنه حرب: إذا قتله ~~بخشبة قتل بالسيف. ونقل أبو طالب: إذا خنقه قتل بالسيف. فظاهر هذا أنه لا ~~يكون القصاص إلا بالسيف، وهو قول أبي حنيفة «2» . PageV01P138 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 180] # كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ~~بالمعروف حقا على المتقين (180) # قوله تعالى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت. قال الزجاج: المعنى: وكتب ~~عليكم، إلا أن الكلام إذا طال استغنى عن العطف بالواو. وعلم أن معناه معنى ~~الواو، وليس المراد: كتب عليكم أن يوصي أحدكم عند الموت، لأنه في شغل ~~حينئذ، وإنما المعنى: كتب عليكم أن توصوا وأنتم قادرون على الوصية، فيقول ~~الرجل: إذا أنا مت، فلفلان كذا، فأما الخير هاهنا فهو المال في قول ~~الجماعة. وفي مقدار المال الذي تقع هذه الوصية فيه ستة أقوال: أحدها: أنه ~~ألف درهم فصاعدا، روي عن علي، وقتادة. والثاني: أنه سبعمائة ms0137 درهم فما ~~فوقها، رواه طاوس عن ابن عباس. والثالث: # ستون دينارا فما فوقها، رواه عكرمة عن ابن عباس. والرابع: أنه المال ~~الكثير الفاضل عن نفقة العيال. # قالت عائشة لرجل سألها: إني أريد الوصية، فقالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة ~~آلاف، قالت: كم عيالك؟ # قال: أربعة. قالت: هذا شيء يسير، فدعه لعيالك. والخامس: أنه من ألف درهم ~~إلى خمسمائة، قاله إبراهيم النخعي. والسادس: أنه القليل والكثير، رواه معمر ~~عن الزهري. فأما المعروف فهو الذي لا حيف فيه. # فصل: وهل كانت الوصية ندبا أو واجبة؟ فيه قولان: أحدهما: أنها كانت ندبا. ~~والثاني: أنها كانت فرضا، وهو أصح، لقوله تعالى: كتب، ومعناه: فرض. قال ابن ~~عمر: نسخت هذه الآية بآية الميراث. وقال ابن عباس: نسخها: للرجال نصيب مما ~~ترك الوالدان والأقربون. والعلماء متفقون على نسخ الوصية للوالدين ~~والأقربين الذين يرثون، وهم مختلفون في الأقربين الذين لا يرثون: هل تجب ~~الوصية لهم؟ على قولين، أصحهما أنها لا تجب لأحد «1» . ### | [سورة البقرة (2) : آية 181] # فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم ~~(181) # قوله تعالى: فمن بدله، قال الزجاج: من بدل أمر الوصية بعد سماعه إياها، ~~فانما إثمه على مبدله، لا على الموصي، ولا على الموصى له إن الله سميع لما ~~قد قاله الموصي عليم بما يفعله الموصى إليه. PageV01P139 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 182] # فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ~~(182) # قوله تعالى: فمن خاف من موص، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص ~~عن عاصم (موص) ساكنة الواو، وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم «موص» ~~مفتوحة الواو مشددة الصاد. وفي المراد بالخوف هاهنا قولان: أحدهما: أنه ~~العلم. والثاني: نفس الخوف، فعلى الأول يكون الجور قد وجد. وعلى الثاني: ~~يخشى وجوده. و «الجنف» : الميل عن الحق. قال الزجاج: # جنفا، أي: ميلا، أو إثما أي قصد الإثم. وقال ابن عباس: الجنف: الخطأ، ~~والإثم: التعمد، إلا أن المفسرين علقوا الجنف على المخطئ، والإثم على ms0138 ~~العامد. وفي توجيه هذه الآية قولان: أحدهما: أن معناها: من حضر رجلا يموت، ~~فأسرف في وصيته أو قصر عن حق، فليأمره بالعدل، وهذا قول مجاهد. والثاني: أن ~~معناها: من أوصى بجور، فرد وليه وصيته، أو ردها من أئمة المسلمين إلى كتاب ~~الله وسنة نبيه فلا إثم عليه، وهذا قول قتادة. # قوله تعالى: فأصلح بينهم، أي: بين الذين أوصى لهم، ولم يجر لهم ذكر، غير ~~أنه لما ذكر الموصي أفاد مفهوم الخطاب أن هناك موصى له، وأنشد الفراء: # وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني؟! # أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني # فكنى في البيت الأول عن الشر بعد ذكره الخير وحده، لما في مفهوم اللفظ من ~~الدلالة. ### | [سورة البقرة (2) : آية 183] # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون (183) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام. الصيام في اللغة: ~~الإمساك في الجملة، يقال: صامت الخيل: إذا أمسكت عن السير، وصامت الريح: ~~إذا أمسكت عن الهبوب. والصوم في الشرع: عبارة عن الإمساك عن الطعام والشراب ~~والجماع مع انضمام النية إليه. # وفي الذين من قبلنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أهل الكتاب، رواه عطاء ~~الخراساني عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. والثاني: أنهم النصارى، قاله ~~الشعبي، والربيع. والثالث: أنهم جميع أهل الملل، ذكره أبو صالح عن ابن ~~عباس. # وفي موضع التشبيه في كاف كما كتب قولان: أحدهما: أن التشبيه في حكم الصوم ~~وصفته، لا في عدده. قال سعيد بن جبير: كتب عليهم إذا نام أحدهم قبل أن يطعم ~~لم يحل له أن يطعم إلى القابلة، والنساء عليهم حرام ليلة الصيام، وهو عليهم ~~ثابت. وقد أرخص لكم. فعلى هذا تكون هذه الآية منسوخة بقوله: أحل لكم ليلة ~~الصيام الرفث، فإنها بين صوم أهل الكتاب وبين صوم المسلمين. والثاني: أن ~~التشبيه في عدد الأيام. ثم في ذلك قولان: أحدهما: أنه فرض على هذه الأمة ~~صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقد كان ذلك ms0139 فرضا على من قبلهم. قال عطية عن ابن ~~عباس في قوله تعالى: كما كتب على الذين من قبلكم، قال: كان ثلاثة أيام من ~~كل شهر، ثم نسخ برمضان. # وقال معمر عن قتادة: كان الله قد كتب على الناس قبل رمضان ثلاثة أيام من ~~كل شهر، فعلى هذا القول تكون الآية منسوخة بقوله تعالى: شهر رمضان الذي ~~أنزل فيه القرآن. والثاني: أنه فرض على من # PageV01P140 # قبلنا صوم رمضان بعينه. قال ابن عباس: فقدم النصارى يوما ثم يوما، وأخروا ~~يوما، ثم قالوا: نقدم عشرا ونؤخر عشرا. وقال السدي عن أشياخه: اشتد على ~~النصارى صوم رمضان، فجعل يتقلب عليهم في الشتاء والصيف، فلما رأوا ذلك ~~اجتمعوا فجعلوا صياما في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: # نزيد عشرين يوما نكفر بها ما صنعنا، فعلى هذا تكون الآية محكمة غير ~~منسوخة. # قوله تعالى: لعلكم تتقون، لأن الصيام وصلة إلى التقى، إذ هو يكف النفس عن ~~كثير مما تتطلع إليه من المعاصي، وقيل: لعلكم تتقون محظورات الصوم. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 184] # أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير ~~لكم إن كنتم تعلمون (184) # قوله تعالى: أياما معدودات، قال الزجاج: نصب «أياما» على الظرف، كأنه ~~قال: كتب عليكم الصيام في هذه الأيام. والعامل فيه «الصيام» ، كأن المعنى: ~~كتب عليكم أن تصوموا أياما معدودات. وفي هذه الأيام ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنها ثلاثة أيام من كل شهر. والثاني: أنها ثلاثة أيام من كل شهر ويوم ~~عاشوراء. والثالث: أنها شهر رمضان، وهو الأصح، وتكون الآية محكمة في هذا ~~القول، وفي القولين قبله تكون منسوخة. فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام، فيه إضمار: فأفطر. # فصل: وليس المرض والسفر على الإطلاق، فان المريض إذا لم يضر به الصوم لم ~~يجز له الإفطار، وإنما الرخصة موقوفة على زيادة المرض بالصوم. واتفق ~~العلماء أن السفر مقدر، واختلفوا في تقديره، فقال أحمد، ms0140 ومالك، والشافعي: ~~أقله مسيرة ستة عشر فرسخا: يومان، وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقله مسيرة ~~ثلاثة أيام، مسيرة أربعة وعشرين فرسخا. وقال الأوزاعي: أقله مرحلة يوم، ~~مسيرة ثمانية فراسخ. وقيل: إن السفر مشتق من السفر الذي هو الكشف، يقال: ~~سفرت المرأة عن وجهها، وأسفر الصبح: إذا أضاء، فسمي الخروج إلى المكان ~~البعيد: سفرا، لأنه يكشف عن أخلاق المسافر «1» . PageV01P141 # قوله تعالى: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، نقل عن ابن مسعود، ~~ومعاذ بن جبل، وابن عمر، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، وعلقمة، والزهري في ~~آخرين في هذه الآية أنهم قالوا: # كان من شاء صام، ومن شاء أفطر وافتدى، يطعم عن كل يوم مسكينا، حتى نزلت: ~~فمن شهد منكم الشهر فليصمه، فعلى هذا يكون معنى الكلام: وعلى الذين يطيقونه ~~ولا يصومونه فدية، ثم نسخت. # وروي عن عكرمة أنه قال: نزلت في الحامل والمرضع. وقرا أبو بكر الصديق، ~~وابن عباس: «وعلى الذين يطوقونه» بضم الياء وفتح الطاء وتشديد الواو. قال ~~ابن عباس: هو الشيخ والشيخة. قوله تعالى: # فدية طعام مسكين، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة والكسائي (فدية) ~~منون طعام مساكين موحد. وقرأ نافع، وابن عامر: «فدية» بغير تنوين «طعام» ~~بالخفض «مساكين» بالجمع، وقال أبو علي: معنى القراءة الأولى: على كل واحد ~~طعام مساكين. ومثله: فاجلدوهم ثمانين «1» ، أي: # اجلدوا كل واحد ثمانين. قال أبو زيد: أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة، ~~وأعطانا كلنا مائة، أي: فعل ذلك بكل واحد منا. قال: فأما من أضاف الفدية ~~إلى الطعام، فكإضافة البعض إلى ما هو بعض له، وذلك أنه سمى الطعام الذي ~~يفدى به فدية، ثم أضاف الفدية إلى الطعام الذي يعم الفدية وغيرها، فهو على ~~هذا من باب: خاتم حديد. وفي قوله تعالى: فمن تطوع خيرا، ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أن معناه: من أطعم مسكينين، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: أن ~~التطوع إطعام مساكين، قاله طاوس. والثالث: أنه زيادة المساكين على قوته، ~~وهو مروي عن مجاهد، وفعله أنس بن مالك لما كبر. وأن تصوموا خير لكم عائد ms0141 ~~إلى من تقدم ذكره من الأصحاء المقيمين المخيرين بين الصوم والإطعام على ما ~~حكينا في أول الآية عن السلف، ولم يرجع ذلك إلى المرضى والمسافرين، والحامل ~~والمرضع، إذ الفطر في حق هؤلاء أفضل من الصوم، وقد نهوا عن تعريض أنفسهم ~~للتلف، وهذا يقوي قول القائلين بنسخ الآية. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 185] # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما ~~هداكم ولعلكم تشكرون (185) # قوله تعالى: شهر رمضان. قال الأخفش: شهر رمضان بالرفع على تفسير الأيام، ~~كأنه لما قال: أياما معدودات فسرها فقال: هي شهر رمضان، قال أبو عبيد: وقرأ ~~مجاهد: «شهر رمضان» بالنصب، وأراه نصبه على معنى الإغراء: عليكم شهر رمضان ~~فصوموه كقوله: ملة أبيكم «2» ، PageV01P142 # وقوله: صبغة الله «1» ، قلت: وممن قرأ بالنصب معاوية والحسن وزيد بن علي ~~وعكرمة ويحيى بن يعمر. قال ابن فارس: الرمض: حر الحجارة من شدة حر الشمس، ~~ويقال: شهر رمضان، من شدة الحر، لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة ~~القديمة، سموها بالأزمنة التى وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، ~~ويجمع على رمضانات وأرمضاء وأرمضة. قوله تعالى: الذي أنزل فيه القرآن، فيه ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أنزل القرآن فيه جملة واحدة، وذلك في ليلة القدر ~~إلى بيت العزة من السماء الدنيا، قاله ابن عباس. والثاني: أن معناه: أنزل ~~القرآن بفرض صيامه، وروي عن مجاهد، والضحاك. والثالث: أن معناه: إن القرآن ~~ابتدئ بنزوله فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن إسحاق، وأبو ~~سليمان الدمشقي. قال مقاتل: والفرقان المخرج في الدين من الشبهة والضلالة. ~~قوله تعالى: # فمن شهد منكم الشهر فليصمه «2» ، أي: من كان حاضرا غير مسافر. فإن قيل: ~~ما الفائدة في إعادة PageV01P143 # المرض والسفر في هذه الآية، وقد تقدم ذلك؟ قيل: لأن في الآية المتقدمة ~~منسوخا، فأعاده لئلا يكون مقرونا بالمنسوخ. ms0142 قوله تعالى: يريد الله بكم ~~اليسر، قال ابن عباس، ومجاهد وقتادة والضحاك: اليسر: الإفطار في السفر، ~~والعسر: الصوم فيه. وقال عمر بن عبد العزيز: أي ذلك كان أيسر عليك فافعل: ~~الصوم في السفر، أو الفطر. قوله تعالى: ولتكملوا العدة، قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «ولتكملوا» باسكان الكاف خفيفة. وقرأ ~~أبو بكر عن عاصم بتشديد الميم، وذلك مثل: «وصى» و «أوصى» وقال ابن عباس: ~~ولتكملوا عدة ما أفطرتم. وقال بعضهم: المراد به: لا تزيدوا على ما افترض، ~~كما فعلت النصارى، ولا تنقلوه عن زمانه كما نقلته، ولتكبروا الله على ما ~~هداكم، قال ابن عباس: حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال، أن يكبروا ~~لله حتى يفرغوا من عيدهم. فان قيل: ما وجه دخول الواو في قوله: ولتكملوا ~~العدة ولتكبروا الله، وليس هناك ما يعطف عليه؟ فالجواب: أن هذه الواو عطفت ~~اللام التي بعدها على لام محذوفة، والمعنى: ولا يريد بكم العسر، ليسعدكم، ~~ولتكملوا العدة، فحذفت اللام الأولى لوضوح معناها، ذكره ابن الأنباري. # فصل: ومن السنة إظهار التكبير ليلة الفطر، وليلة النحر، وإذا غدوا إلى ~~المصلى. واختلفت الرواية عن أحمد، رضي الله عنه، متى يقطع في عيد الفطر، ~~فنقل عنه حنبل: يقطع بعد فراغ الإمام من الخطبة. ونقل الأثرم: إذا جاء ~~المصلى، قطع. قال القاضي أبو يعلى: يعني: إذا جاء المصلى وخرج الإمام «1» . ~~PageV01P144 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 186] # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186) # قوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني. في سبب نزولها خمسة أقوال: # (63) أحدها: أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أقريب ~~ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت هذه الآية، رواه الصلت بن حكيم عن ~~أبيه عن جده. # (64) والثاني: أن يهود المدينة قالوا: يا محمد! كيف يسمع ربنا دعاءنا، ~~وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام؟! فنزلت هذه الآية، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس. # (65) والثالث: أنهم قالوا: يا رسول الله! ms0143 لو نعلم أية ساعة أحب إلى الله ~~أن ندعو فيها دعونا، فنزلت هذه الآية، قاله عطاء. # (66) والرابع: أن أصحاب النبي قالوا له: أين الله؟ فنزلت هذه الآية، قاله ~~الحسن. # (67) والخامس: أنه لما حرم في الصوم الأول على المسلمين بعد النوم الأكل ~~والجماع أكل PageV01P145 # رجل منهم بعد أن نام، ووطيء رجل بعد أن نام، فسألوا: كيف التوبة مما ~~عملوا؟ فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. ومعنى الكلام: إذا سألوك عني فأعلمهم ~~أني قريب. # وفي معنى «أجيب» قولان: أحدهما: أسمع، قاله الفراء، وابن القاسم. ~~والثاني: أنه من الإجابة: # فليستجيبوا لي، أي: فليجيبوني. قال الشاعر: # فلم يستجبه عند ذاك مجيب أراد: فلم يجبه. وهذا قول أبي عبيدة، وابن ~~قتيبة، والزجاج. لعلهم يرشدون، قال أبو العالية: يعني: يهتدون. # فصل: إن قال قائل: هذه الآية تدل على أن الله تعالى يجيب أدعية الداعين، ~~وترى كثيرا من الداعين لا يستجاب لهم! (68) فالجواب: أن أبا سعيد روى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «ما من مسلم دعا الله بدعوة ليس فيها ~~قطيعة رحم ولا إثم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل دعوته، ~~وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها» . # وجواب آخر: وهو أن الدعاء تفتقر إجابته إلى شروط أصلها الطاعة لله، ومنها ~~أكل الحلال، فإن أكل الحرام يمنع إجابة الدعاء، ومنها حضور القلب. # (69) ففي بعض الحديث: «لا يقبل الله دعاء من قلب غافل لاه» . PageV01P146 # وجواب آخر: وهو أن الداعي قد يعتقد المصلحة في إجابته إلى ما سأل، وقد لا ~~تكون المصلحة في ذلك، فيجاب إلى مقصوده الأصلي، وهو: طلب المصلحة، وقد تكون ~~المصلحة في التأخير أو في المنع. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 187] # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ~~ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر ثم أتموا ms0144 الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ~~تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187) # قوله تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث. سبب نزول هذه الآية: # (70) أن الصحابة كانوا إذا نام الرجل قبل الأكل والجماع، حرما عليه إلى ~~أن يفطر، فجاء شيخ PageV01P147 # من الأنصار وهو صائم إلى أهله، فقال: عشوني، فقالوا: حتى نسخن لك طعاما، ~~فوضع رأسه فنام، فجاؤوا بالطعام، فقال: قد كنت نمت، فبات يتقلب ظهرا لبطن، ~~فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقام عمر بن الخطاب فقال: ~~يا رسول الله! إني أردت أهلي الليلة، فقالت: إنها قد نامت، فظننتها تعتل، ~~فواقعتها، فأخبرتني أنها قد نامت، فأنزل الله تعالى في عمر بن الخطاب: أحل ~~لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، وأنزل الله في الأنصاري: وكلوا واشربوا ~~حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، هذا قول جماعة من ~~المفسرين. واختلفوا في اسم هذا الأنصاري على أربعة أقوال «1» : # أحدها: قيس بن صرمة، قاله البراء. والثاني: صرمة بن أنس، قاله القاسم بن ~~محمد. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: صرمة بن مالك. والثالث: ضمرة بن أنس. ~~والرابع: أبو قيس بن عمر. # وذكر القولين أبو بكر الخطيب. فأما «الرفث» فقال ابن عمر وابن عباس ~~ومجاهد وعطاء والحسن وابن جبير في آخرين: هو الجماع. # قوله تعالى: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، فيه قولان: أحدهما: أن اللباس ~~السكن. ومثله جعل لكم الليل لباسا، أي سكنا. وهذا قول ابن عباس وابن جبير ~~ومجاهد وقتادة. والثاني: أنهن بمنزلة اللباس لإفضاء كل واحد ببشرته إلى ~~بشرة صاحبه، فكنى عن اجتماعهما متجردين باللباس. قال الزجاج: والعرب تسمي ~~المرأة: لباسا وإزارا، قال النابغة الجعدي: # إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تثنت فكانت عليه لباسا # وقال غيره: # ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري # يريد بالإزار: امرأته. # قوله تعالى: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم، قال ابن قتيبة: يريد: ~~تخونونها بارتكاب ما حرم عليكم. قال ms0145 ابن عباس: وعنى بذلك فعل عمر، فإنه أتى ~~أهله، فلما اغتسل أخذ يلوم نفسه ويبكي. فالآن باشروهن، أصل المباشرة: إلصاق ~~البشرة بالبشرة. وقال ابن عباس: المراد بالمباشرة هاهنا الجماع. وابتغوا ما ~~كتب الله لكم فيه أربعة أقوال «2» : أحدها: أنه الولد، قاله ابن ~~PageV01P148 # عباس، والحسن، ومجاهد في آخرين. قال بعض أهل العلم: لما كانت المباشرة قد ~~تقع على ما دون الجماع، أباحهم الجماع الذي يكون من مثله الولد، فقال: ~~وابتغوا ما كتب الله لكم، يريد: الولد. # والثاني: أن الذي كتب لهم الرخصة، وهو قول قتادة، وابن زيد. والثالث: أنه ~~ليلة القدر، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. والرابع: أنه القرآن، فمعنى ~~الكلام: اتبعوا القرآن، فما أبيح لكم وأمرتم به فهو المبتغى، وهذا اختيار ~~الزجاج. # قوله تعالى: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض. قال عدي بن حاتم: # (71) لما نزلت هذه الآية، عمدت إلى عقالين، أبيض وأسود، فجعلتهما تحت ~~وسادتي، فجعلت أقوم في الليل ولا أستبين الأسود من الأبيض، فلما أصبحت غدوت ~~على رسول الله فأخبرته، فضحك وقال: «إن كان وسادك إذا لعريض، إنما ذاك بياض ~~النهار من سواد الليل» . # (72) وقال سهل بن سعد: نزلت هذه الآية: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود، ولم ينزل: من الفجر، وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم ~~في رجليه الخيط الأسود والخيط الأبيض، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له ~~رؤيتهما، فأنزل الله بعد ذلك من الفجر، فعلموا أنما يعني بذلك الليل ~~والنهار. # فصل: إذا شك في الفجر، فهل يدع السحور أم لا؟ فظاهر كلام أحمد يدل على ~~أنه لا يدع السحور، بل يأكل حتى يستيقن طلوع الفجر. وقال مالك: أكره له أن ~~يأكل إذا شك في طلوع الفجر، فان أكل فعليه القضاء. وقال الشافعي: لا شيء ~~عليه «1» . # قوله تعالى: ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد، في هذه المباشرة ~~قولان: أحدهما: أنها المجامعة، وهو قول الاكثرين. والثاني: أنها ما دون ~~الجماع من اللمس والقبلة، قاله ابن زيد. وقال قتادة: كان الرجل المعتكف إذا ms0146 ~~خرج من المسجد، فلقي امرأته باشرها إذا أراد ذلك، فوعظهم الله في ذلك. # فصل: الاعتكاف في اللغة: اللبث، يقال: فلان معتكف على كذا، وعاكف. وهو ~~فعل مندوب إليه، إلا أن ينذره الإنسان، فيجب. ولا يجوز إلا في مسجد تقام ~~فيه الجماعات، ولا يشترط في حق PageV01P149 # المرأة مسجد تقام فيه الجماعة، إذ الجماعه لا تجب عليها. وهل يصح بغير ~~صوم؟ فيه عن أحمد روايتان «1» . # قوله تعالى: تلك حدود الله، قال ابن عباس: يعني: المباشرة فلا تقربوها، ~~قال الزجاج: PageV01P150 # الحدود ما منع الله من مخالفتها، فلا يجوز مجاوزتها. وأصل الحد في اللغة: ~~المنع، ومنه: حد الدار، وهو ما يمنع غيرها من الدخول فيها. والحداد في ~~اللغة: الحاجب والبواب، وكل ما منع شيئا فهو حداد، قال الأعشى: # فقمنا ولما يصح ديكنا ... إلى جونة عند حدادها # أي: عند ربها الذي يمنعها إلا بما يريده. وأحدث المرأة على زوجها، وحدت ~~فهي حاد، ومحد: إذا قطعت الزينة، وامتنعت منها، وأحددت النظر إلى فلان: إذا ~~منعت نظرك من غيره. وسمي الحديد حديدا، لأنه يمتنع به من الأعداء. # قوله تعالى: كذلك يبين الله، أي: مثل هذا البيان الذي ذكر. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 188] # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا ~~من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (188) # قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل. PageV01P151 # أنها ترجع إلى الأموال، كأنه قال: لا تصانعوا ببعضها جورة الحكام. ~~والثاني: أنها ترجع إلى الخصومة. # إن قيل: كيف أعاد ذكر الأكل فقال: ولا تأكلوا لتأكلوا؟ فالجواب: أنه وصل ~~اللفظة الأولى بالباطل، والثانية بالإثم، فأعادها للزيادة في المعنى، ذكره ~~ابن الأنباري. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 189] # يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت ~~من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون (189) # قوله تعالى: يسئلونك عن الأهلة. هذه الآية من أولها إلى قوله: والحج، ~~نزلت على سبب: # (74) وهو أن رجلين من الصحابة قالا: يا رسول الله! ما بال الهلال يبدو ~~دقيقا، ms0147 ثم يزيد ويمتلئ حتى يستدير ويستوي، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود ~~كما كان؟ فنزلت: يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج، هذا قول ابن ~~عباس «1» . # ومن قوله تعالى: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها إلى آخرها يدل على ~~سبب آخر: # (75) وهو أنهم كانوا إذا حجوا، ثم قدموا المدينة، لم يدخلوا من باب، ~~ويأتون البيوت من ظهورها، فنسي رجل، فدخل من باب، فنزلت: وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها هذا قول البراء بن عازب. # وفيما كانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها لأجله أربعة أقوال: أحدها: أنهم ~~كانوا يفعلون ذلك لأجل الإحرام، قاله ابن عباس، وأبو العالية، والنخعي، ~~وقتادة، وقيس النهشلي. والثاني: لأجل دخول الشهر الحرام، قاله البراء بن ~~عازب. والثالث: أن أهل الجاهلية كانوا إذا هم أحدهم بالشيء فاحتبس عنه لم ~~يأت بيته من بابه حتى يأتي الذي كان هم به، قاله الحسن. والرابع: أن أهل ~~المدينة كانوا إذا رجعوا من عيدهم فعلوا ذلك، رواه عثمان بن عطاء عن أبيه. ~~PageV01P152 # فأما التفسير فانما سألوه عن وجه الحكمة في زيادة الأهلة ونقصانها، ~~فأخبرهم أنها مقادير لما يحتاج الناس إليه في صومهم وحجهم وغير ذلك. ~~والأهلة: جمع هلال. وكم يبقى الهلال على هذه التسمية؟ فيه للعرب أربعة ~~أقوال: أحدها: أنه يسمى هلالا لليلتين من الشهر. والثاني: لثلاث ليال، ثم ~~يسمى قمرا. والثالث: إلى أن يحجر، وتحجيره: أن يستدير بخطة دقيقة، وهو قول ~~الأصمعي. # والرابع: إلى أن يبهر ضوؤه سواد الليل. حكى هذه الأقوال ابن السري واختار ~~الأول، قال: واشتقاق الهلال من قولهم: استهل الصبي: إذا بكى حين يولد. وأهل ~~القوم بالحج: إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية، فسمي هلالا لأنه حين يرى يهل ~~الناس بذكره. # قوله تعالى: ولكن البر من اتقى، مثل قوله تعالى: ولكن البر من آمن بالله، ~~وقد سبق بيانه، واختلف القراء في البيوت وما أشبهها، قرأ ابن كثير، وابن ~~عامر، والكسائي بكسر باء «البيوت» وعين «العيون» وغين «الغيوب» ، وروي عن ~~نافع أنه ضم باء «البيوت» وعين «العيون» ms0148 وغين «الغيوب» وجيم «الجيوب» وشين ~~«الشيوخ» ، وروى عنه قالون أنه كسر باء «البيوت» ، وقرأ أبو عمرو، وأبو ~~جعفر بضم الأحرف الخمسة، وكسرهن جميعا حمزة، واختلف عن عاصم. قال الزجاج: ~~من ضم «البيوت» فعلى أصل الجمع: بيت وبيوت، مثل: قلب وقلوب، وفلس وفلوس. ~~ومن كسر، الياء بعد الباء، وذلك عند البصريين رديء جدا، لأنه ليس في الكلام ~~فعول بكسر الفاء. وسمعت شيخنا أبا منصور اللغوي يقول: إذا كان الجمع على ~~فعول، وثانيه ياء، جاز فيه الضم والكسر، تقول: بيوت وبيوت، وشيوخ وشيوخ، ~~وقيود وقيود. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 190] # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين (190) # قوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم (76) سبب نزولها: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صد عن البيت، ونحر هديه بالحديبية، ~~وصالحه المشركون على أن يرجع من العام المقبل رجع، فلما تجهز في العام ~~المقبل خاف أصحابه أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم ويقاتلوهم، وكره ~~أصحابه القتال في الشهر الحرام فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # قوله تعالى: ولا تعتدوا، أي: ولا تظلموا. وفي المراد بهذا الاعتداء أربعة ~~أقوال: أحدها: # أنه قتل النساء والولدان، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: أن معناه: لا ~~تقاتلوا من لم يقاتلكم، قاله سعيد بن جبير، وأبو العالية، وابن زيد. ~~والثالث: أنه إتيان ما نهوا عنه، قاله الحسن. والرابع: أنه ابتداؤهم ~~بالقتال في الحرم في الشهر الحرام، قاله مقاتل. # فصل: اختلف العلماء: هل هذه الآية منسوخة أم لا؟ على قولين: # أحدهما: أنها منسوخة. واختلف أرباب هذا القول في المنسوخ منها على قولين: ~~أحدهما: أنه PageV01P153 # أولها، وهو قوله: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، قالوا: وهذا ~~يقتضي أن القتال يباح في حق من قاتل من الكفار، ولا يباح في حق من لم ~~يقاتل، وهذا منسوخ بقوله: واقتلوهم حيث ثقفتموهم. # والثاني: أن المنسوخ منها: ولا تعتدوا، ولهؤلاء في هذا الاعتداء قولان: ~~أحدهما: أنه قتل من لم يقاتل. والثاني: أنه ابتداء المشركين بالقتال، وهذا ms0149 ~~منسوخ بآية السيف. # والقول الثاني: أنها محكمة، ومعناها عند أرباب هذا القول: وقاتلوا في ~~سبيل الله الذين يقاتلونكم، وهم الذين أعدوا أنفسهم للقتال، فأما من ليس ~~بمعد نفسه للقتال، كالرهبان والشيوخ الفناة، والزمنى، والمكافيف، ~~والمجانين، فان هؤلاء لا يقاتلون وهذا حكم باق غير منسوخ «1» . # فصل: واختلف العلماء في أول آية نزلت في إباحة القتال على قولين: أحدهما: ~~أنها قوله تعالى: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، قاله أبو بكر الصديق، ~~وابن عباس، وسعيد بن جبير، والزهري. والثاني: أنها هذه الآية: وقاتلوا في ~~سبيل الله، قاله أبو العالية، وابن زيد. PageV01P154 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 191] # واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك ~~جزاء الكافرين (191) # قوله تعالى: واقتلوهم حيث ثقفتموهم. أي: وجدتموهم. يقال: ثقفته أثقفه: ~~إذا وجدته. قال القاضي أبو يعلى: قوله تعالى: واقتلوهم حيث ثقفتموهم، عام ~~في جميع المشركين، إلا من كان بمكة، فانهم أمروا باخراجهم منها، إلا من ~~قاتلهم فإنهم أمروا بقتالهم، يدل على ذلك قوله في نسق الآية: # ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، وكانوا قد آذوا ~~المسلمين بمكة حتى اضطروهم إلى الخروج، فكأنهم أخرجوهم. فأما الفتنة، ففيها ~~قولان: أحدهما: أنها الشرك، قاله ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وقتادة في ~~آخرين. والثاني: أنها ارتداد المؤمن إلى عبادة الأوثان، قاله مجاهد. فيكون ~~معنى الكلام على القول الأول: شرك القوم أعظم من قتلكم إياهم في الحرم. ~~وعلى الثاني: ارتداد المؤمن إلى الأوثان أشد عليه من أن يقتل محقا. قوله ~~تعالى: ولا تقاتلوهم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم، وقرأ ~~حمزة والكسائي وخلف: (ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فان قتلوكم) ، بحذف الألف ~~فيهن. وقد اتفق الكل على قوله: فاقتلوهم، فاحتج من قرأ بالألف بقوله: ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، واحتج من حذف الألف بقوله: فاقتلوهم. # فصل: واختلف العلماء في قوله: ولا تقاتلوهم ms0150 عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه، هل هو منسوخ أم لا؟ فذهب مجاهد في جماعة من الفقهاء إلى أنه ~~محكم وأنه لا يقاتل فيه إلا من قاتل. # (77) ويدل على ذلك الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه خطب ~~يوم فتح مكة، فقال: «يا أيها الناس! إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات ~~والارض، ولم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي. # وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم عادت حراما إلى يوم القيامة» . # فبين صلى الله عليه وسلم أنه خص في تلك الساعة بالإباحة على سبيل ~~التخصيص، لا على وجه النسخ، فثبت بذلك حظر القتال في الحرم، إلا أن يقاتلوا ~~فيدفعون دفعا، وهذا أمر مستمر الحكم غير منسوخ، وقد ذهب قتادة إلى أنه ~~منسوخ بقوله تعالى: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، فأمر بقتالهم في الحل ~~والحرم وعلى كل حال. وذهب الربيع بن أنس، وابن زيد، إلى أنه منسوخ بقوله ~~تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، وزعم مقاتل إلى أنه منسوخ بقوله تعالى: ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم. والقول الأول أصح. قوله تعالى: فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم، قال مقاتل: أي: فقاتلوهم. ### | [سورة البقرة (2) : آية 192] # فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) # قوله تعالى: فإن انتهوا. فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: فإن انتهوا ~~عن شركهم وقتالكم. PageV01P155 # والثاني: عن كفرهم. والثالث: عن قتالكم دون كفرهم، فعلى القولين الأولين ~~تكون الآية محكمة، ويكون معنى: فإن الله غفور رحيم غفور لشركهم وجرمهم، ~~وعلى القول الأخير يكون في معنى قوله: غفور رحيم قولان: أحدهما: غفور لكم ~~حيث أسقط عنكم تكليف قتالهم. والثاني: أن معناه: يأمركم بالغفران والرحمة ~~لهم. فعلى هذا تكون الآية منسوخة بآية السيف. ### | [سورة البقرة (2) : آية 193] # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على ~~الظالمين (193) # قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة. قال ابن عباس والحسن ومجاهد ~~وقتادة في آخرين: # الفتنة هاهنا: الشرك. قوله تعالى: ويكون الدين لله، قال ابن عباس: أي ~~يخلص له التوحيد. # والعدوان: الظلم، وأريد به هاهنا ms0151 الجزاء، فسمي الجزاء عدوانا مقابلة ~~للشيء بمثله، كقوله: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه، والظالمون هاهنا ~~المشركون، قاله عكرمة وقتادة في آخرين. # فصل: وقد روي عن جماعة من المفسرين، منهم قتادة، أن قوله تعالى: فإن ~~انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين، منسوخ بآية السيف، وإنما يستقيم هذا ~~إذا قلنا: إن معنى الكلام: فإن انتهوا عن قتالكم مع إقامتهم على دينهم، ~~فأما إذا قلنا: إن معناه: فإن انتهوا عن دينهم فالآية محكمة. ### | [سورة البقرة (2) : آية 194] # الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) # قوله تعالى: الشهر الحرام بالشهر الحرام هذه الآية نزلت على سبب واختلفوا ~~فيه على قولين: # (78) أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل هو وأصحابه معتمرين في ذي ~~القعدة ومعهم الهدي، فصدهم المشركون، فصالحهم نبي الله على أن يرجع عنهم ثم ~~يعود في العام المقبل، فيكون بمكة ثلاث ليال، ولا يدخلها بسلاح، ولا يخرج ~~بأحد من أهل مكة، فلما كان العام المقبل أقبل هو وأصحابه فدخولها، فافتخر ~~المشركون عليه إذ ردوه يوم الحديبية، فأقصه الله منهم وأدخله مكة في الشهر ~~الذي ردوه فيه، فقال: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص، وإلى هذا ~~المعنى ذهب ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وأبو العالية، وقتادة في آخرين. # (79) والثاني: أن مشركي العرب قالوا للنبي عليه السلام: أنهيت عن قتالنا ~~في الشهر الحرام؟ قال: # «نعم» ، وأرادوا أن يفتروه في الشهر الحرام، فيقاتلوه فيه، فنزلت هذه ~~الآية، يقول: إن استحلوا منكم شيئا في الشهر الحرام، فاستحلوا منهم مثله، ~~هذا قول الحسن، واختاره إبراهيم بن السري الزجاج. PageV01P156 # وأما أرباب القول الأول فيقولون: معنى الآية: الشهر الحرام الذي دخلتم ~~فيه الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم فيه عام أول. والحرمات قصاص: اقتصصت ~~لكم منهم في ذي القعدة كما صدوكم في ذي القعدة. وقال الزجاج: الشهر الحرام، ~~أي: قتال الشهر الحرام بالشهر الحرام، فأعلم الله عز وجل أن أمر هذه ~~الحرمات لا تجوز للمسلمين إلا قصاصا، ms0152 ثم نسخ ذلك بآية السيف، وقيل: إنما ~~جمع الحرمات، لأنه أراد الشهر الحرام بالبلد الحرام، وحرمة الإحرام. # قوله تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه، قال ابن عباس: من قاتلكم في ~~الحرم فقاتلوه. # وإنما سمى المقابلة على الاعتداء اعتداء، لأن صورة الفعلين واحدة، وإن ~~كان أحدهما طاعة والآخر معصية. قال الزجاج: والعرب تقول: ظلمني فلان ~~فظلمته، أي: جازيته بظلمه. وجهل فلان علي، فجهلت عليه. وقد سبق بيان هذا ~~المعنى في أول السورة. # قوله تعالى: واتقوا الله، قال سعيد بن جبير: واتقوا الله ولا تبدأوهم ~~بقتال في الحرم. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 195 الى 196] # وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب ~~المحسنين (195) وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ~~ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من ~~رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ~~فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ~~تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله ~~واعلموا أن الله شديد العقاب (196) # قوله تعالى: وأنفقوا في سبيل الله. هذه الآية نزلت على سبب، وفيه قولان: # (80) أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بالتجهز إلى مكة، قال ~~ناس من الأعراب: يا رسول الله! بماذا نتجهز؟ فو الله ما لنا زاد ولا مال! ~~فنزلت، قاله ابن عباس. PageV01P157 # أحدها: أنها ترك النفقة في سبيل الله، قاله حذيفة، وابن عباس، والحسن، ~~وابن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك. والثاني: أنها القعود عن ~~الغزو شغلا بالمال، قاله أبو أيوب الأنصاري. # والثالث: أنها القنوط من رحمة الله، قاله البراء، والنعمان بن بشير، ~~وعبيدة. والرابع: أنها عذاب الله، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس «1» . # قوله تعالى: وأحسنوا، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: أحسنوا الإنفاق، ~~وهو قول أصحاب القول الأول. والثاني: أحسنوا الظن بالله، قاله عكرمة، ~~وسفيان، وهو يخرج ms0153 على قول من قال: التهلكة: القنوط. والثالث: أن معناه: ~~أدوا الفرائض، رواه سفيان عن أبي إسحاق. # قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله، قال ابن فارس: الحج في اللغة: ~~القصد، والاعتمار في الحج أصله: الزيارة. قال ثعلب: الحج بفتح الحاء: ~~المصدر، وبكسرها: الاسم. قال: وربما قال الفراء: هما لغتان. وذكر ابن ~~الأنباري في العمرة قولين: أحدهما: الزيارة. والثاني: القصد. وفي إتمامها ~~أربعة أقوال: أحدها: أن معنى إتمامها: أن يفصل بينهما، فيأتي بالعمرة في ~~غير أشهر الحج، قاله عمر بن الخطاب، والحسن وعطاء. والثاني: أن يحرم الرجل ~~من دويرة أهله، قاله علي بن أبي طالب، وطاوس، وابن جبير. والثالث: أنه إذا ~~شرع في أحدهما لم يفسخه حتى يتم، قاله ابن عباس. # والرابع: أنه فعل ما أمر الله فيهما، قاله مجاهد. # وجمهور القراء على نصب «العمرة» بايقاع الفعل عليها. وقرأ الأصمعي عن ~~نافع والقزاز عن أبي عمرو والكسائي عن أبي جعفر برفعها، وهي قراءة ابن ~~مسعود وأبي رزين والحسن والشعبي. PageV01P158 # وممن ذهب إلى أن العمرة واجبة، علي، وابن عمر، وابن عباس، والحسن، وابن ~~سيرين، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأحمد، والشافعي. وروي عن ابن ~~مسعود، وجابر، والشعبي، وإبراهيم، وأبي حنيفة، ومالك، أنها سنة وتطوع «1» . # قوله تعالى: فإن أحصرتم، قال ابن قتيبة: أحصره المرض والعدو: إذا منعه من ~~السفر، ومنه هذه الآية. وحصره العدو: إذا ضيق عليه. قال الزجاج: يقال للرجل ~~إذا منعه الخوف والمرض من التصرف قد أحصر فهو محصر. يقال للرجل إذا حبس: قد ~~حصر، فهو محصور. وللعلماء في هذا الإحصار قولان: أحدهما: أنه لا يكون إلا ~~بالعدو، ولا يكون المريض محصرا. وهذا مذهب ابن عمر، وابن عباس، وأنس، ~~ومالك، والليث، والشافعي، وأحمد. ويدل عليه قوله: فإذا أمنتم. # والثاني: أنه يكون بكل حابس من مرض أو عدو أو عذر، وهو قول عطاء، ومجاهد، ~~وقتادة، وأبي حنيفة. وفي الكلام اختصار وحذف، والمعنى: فإن أحصرتم دون تمام ~~الحج والعمرة فحللتم فعليكم ما استيسر من الهدي. ومثله: أو به أذى من رأسه ~~ففدية، تقديره: ms0154 فحلق، ففدية. والهدي: ما أهدي إلى البيت. وأصله: هدي مشدد، ~~فخفف، قاله ابن قتيبة. وبالتشديد يقرأ الحسن ومجاهد. وفي المراد فما استيسر ~~من الهدي ثلاثة أقوال: أحدها: أنه شاة، قاله علي بن أبي طالب وابن عباس ~~والحسن وعطاء وابن جبير وإبراهيم وقتادة والضحاك ومغيرة. والثاني: أنه ما ~~تيسر من الإبل والبقر لا غير، قاله ابن عمر وعائشة، والقاسم. والثالث: أنه ~~على قدر الميسرة، رواه طاوس عن ابن عباس، وروي عن الحسن وقتادة قالا: أعلاه ~~بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسه شاة. وقال أحمد: الهدي من الأصناف الثلاثة، الإبل ~~والبقر، والغنم، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله. # قوله تعالى: حتى يبلغ الهدي محله، قال ابن قتيبة: المحل: الموضع الذي يحل ~~به نحره وهو من: # حل يحل. وفي المحل قولان: أحدهما: أنه الحرم، قاله ابن مسعود، والحسن، ~~وعطاء، وطاوس، PageV01P159 # ومجاهد، وابن سيرين، والثوري، وأبو حنيفة. والثاني: أنه الموضع الذي أحصر ~~به فيذبحه ويحل، قاله مالك، والشافعي، وأحمد «1» . # قوله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية، هذا نزل على ~~سبب: # (82) وهو أن كعب بن عجرة كثر قمل رأسه حتى تهافت على وجهه، فنزلت هذه ~~الآية فيه، فكان يقول: في أنزلت خاصة. PageV01P160 # فصل: قال شيخنا علي بن عبيد الله: اقتضى قوله: ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله، تحريم حلاق الشعر، سواء وجد به الأذى، أو لم يجد، حتى نزل فمن ~~كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية، فاقتضى هذا إباحة حلق الشعر عند ~~الأذى مع الفدية، فصار ناسخا لتحريمه المتقدم. # ومعنى الآية: فمن كان منكم- أي: من المحرمين، محصرا كان أو غير محصر- ~~مريضا، واحتاج إلى لبس أو شيء يحظره الإحرام، ففعله، أو به أذى من رأسه ~~فحلق ففدية من صيام. وفي الصيام قولان: # (83) أحدهما: أنه ثلاثة أيام، روي في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول الجمهور. والثاني: أنه صيام عشرة أيام، ~~روي عن الحسن وعكرمة ونافع. # وفي الصدقة قولان: ms0155 أحدهما: إطعام ستة مساكين، روي في حديث كعب، وهو قول ~~من قال: # الصوم ثلاثة أيام. والثاني: أنها إطعام عشرة مساكين، وهو قول من أوجب صوم ~~عشرة أيام. والنسك: # ذبح شاة، يقال: نسكت لله، أي: ذبحت له. وفي النسك لغتان: ضم النون ~~والسين، وبها قرأ الجمهور، وضم النون مع تسكين السين، وهي قراءة الحسن. # قوله تعالى: فإذا أمنتم، أي: من العدو، إذ المرض لا تؤمن معاودته، وقال ~~علقمة في آخرين: فاذا أمنتم من الخوف أو المرض. فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، ~~معناه: من بدأ بالعمرة في أشهر الحج، وأقام الحج من عامه ذلك فعليه ما ~~استيسر من الهدي. وهذا قول ابن عمر وابن عباس، وابن المسيب، وعطاء، ~~والضحاك. وقد سبق الكلام فيما استيسر من الهدي. فمن لم يجد فصيام ثلاثة ~~أيام في الحج، قال الحسن: هي قبل التروية بيوم والتروية، وعرفة، وهذا قول ~~عطاء، والشعبي، وأبي العالية، وابن جبير، وطاوس، وإبراهيم. وقد نقل عن علي ~~عليه السلام. وقد روي عن الحسن، وعطاء قالا: # في أي العشر شاء صامهن. ونقل عن طاوس، ومجاهد، وعطاء، أنهم قالوا: في أي ~~أشهر الحج شاء فليصمهن. ونقل عن ابن عمر أنه قال: من حين يحرم إلى يوم ~~عرفة. # فصل: فإن لم يجد الهدي، ولم يصم الثلاثة الأيام قبل يوم النحر، فماذا ~~يصنع؟ قال عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن جبير، وطاوس، وإبراهيم: لا يجزيه ~~إلا الهدي ولا يصوم. وقال ابن عمر وعائشة: يصوم أيام منى. ورواه صالح عن ~~أحمد، وهو قول مالك. وذهب آخرون إلى أنه لا يصوم أيام التشريق، بل يصوم ~~بعدهن. روي عن علي. ورواه المروذي عن أحمد، وهو قول الشافعي «1» . ~~PageV01P161 # فصل: فان وجد الهدي بعد الدخول في صوم الثلاثة الأيام، لم يلزمه الخروج ~~منه، وهو قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: يلزمه الخروج، وعليه الهدي. ~~وقال عطاء: إن صام يومين ثم أيسر فعليه الهدي. وإن صام ثلاثة ثم أيسر، ~~فليصم السبعة، ولا هدي عليه «1» . # وفي معنى قوله: في الحج، قولان: أحدهما: أن معناه: ms0156 في أشهر الحج. ~~والثاني: في زمن الإحرام بالحج. وفي قوله تعالى: وسبعة إذا رجعتم، قولان: ~~أحدهما: إذا رجعتم إلى أمصاركم، قاله ابن عباس، والحسن، وأبو العالية، ~~والشعبي، وقتادة. والثاني: إذا رجعتم من حجكم، وهو قول عطاء، وسعيد بن ~~جبير، وأبي حنيفة، ومالك. قال الأثرم: قلت لأبي عبيد الله، يعني: أحمد بن ~~حنبل: فصيام السبعة الأيام إذا رجع متى يصومهن؟ أفي الطريق، أم في أهله؟ ~~قال: كل ذلك قد تأوله الناس. قيل لأبي عبد الله: ففرق بينهن، فرخص في ذلك ~~«2» . # قوله تعالى: تلك عشرة كاملة، فيه خمسة أقوال: أحدها: أن معناه: كاملة في ~~قيامها مقام الهدي، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس، والحسن. قال القاضي أبو ~~يعلى: وقد كان يجوز أن يظن ظان أن الثلاثة قد قامت مقام الهدي في باب ~~استكمال الثواب، فأعلمنا الله تعالى أن العشرة بكمالها هي PageV01P162 # القائمة مقامه. والثاني: أن الواو قد تقوم مقام «أو» في مواضع، منها ~~قوله: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فأزال الله عز وجل ~~احتمال التخيير في هذه الآية بقوله: تلك عشرة كاملة، وإلى هذا المعنى ذهب ~~الزجاج. والثالث: أن ذلك للتوكيد. وأنشدوا للفرزدق: # ثلاث واثنتان فهن خمس ... وسادسة تميل إلى شمام «1» # وقال آخر: # هلا سألت جوع كندة يوم ولوا أين أينا وقال آخر: # كم نعمة كانت له كم كم وكم # والقرآن نزل بلغة العرب، وهي تكرر الشيء لتوكيده. والرابع: أن معناه: تلك ~~عشرة كاملة في الفصل، وإن كانت الثلاثة في الحج، والسبعة بعده، لئلا يسبق ~~إلى وهم أحد أن السبعة دون الثلاثة، قاله أبو سليمان الدمشقي. والخامس: ~~أنها لفظة خبر ومعناها: الأمر، فتقديره: تلك عشرة فأكملوها. # قوله تعالى: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، في المشار إليه ~~بذلك قولان: # أحدهما: أنه التمتع بالعمرة إلى الحج. والثاني: أنه الجزاء بالنسك ~~والصيام. واللام من «لمن» في هذا القول بمعنى: «على» . فأما حاضرو المسجد ~~الحرام فقال ابن عباس، وطاوس، ومجاهد: هم أهل الحرم. وقال عطاء: من كان ~~منزله دون ms0157 المواقيت. قال ابن الأنباري: ومعنى الآية: إن هذا الفرض لمن كان ~~من الغرباء، وإنما ذكر أهله، وهو المراد بالحضور، لأن الغالب على الرجل أن ~~يسكن حيث أهله ساكنون. ### | [سورة البقرة (2) : آية 197] # الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ~~وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي ~~الألباب (197) # قوله تعالى: الحج أشهر معلومات. في الحج لغتان: فتح الحاء، وهي لأهل ~~الحجاز، وبها قرأ الجمهور. وكسرها، وهي لتميم، وقيل: لأهل نجد، وبها قرأ ~~الحسن. قال سيبويه: يقال: حج حجا، كقولهم: ذكر ذكرا. وقالوا: حجة، يريدون: ~~عمل سنة. قال الفراء: المعنى: وقت الحج هذه الأشهر. وقال الزجاج: معناه: ~~أشهر الحج أشهر معلومات. # وفي أشهر الحج قولان: أحدهما: أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، ~~قاله ابن مسعود، وابن عمر وابن عباس، وابن الزبير، والحسن، وابن سيرين، ~~وعطاء، والشعبي، وطاوس، والنخعي، وقتادة، ومكحول، والضحاك، والسدي، وأبو ~~حنيفة، وأحمد بن حنبل، والشافعي، رضي الله عنهم. والثاني: أنها شوال وذو ~~القعدة وذو الحجة، وهو مروي عن ابن عمر أيضا، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، ~~والزهري، والربيع، ومالك بن أنس. قال ابن جرير الطبري: إنما أراد هؤلاء أن ~~هذه الأشهر ليست أشهر العمرة، إنما هي للحج، وإن كان عمل الحج قد انقضى ~~بانقضاء أيام منى، وقد PageV01P163 # كانوا يستحبون أن يفعلوا العمرة في غيرها. قال ابن سيرين: ما أحد من أهل ~~العلم شك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج، وإنما ~~قال: الحج أشهر # ، وهي شهران وبعض الآخر على عادة العرب. قال الفراء: تقول العرب: له ~~اليوم يومان لم أره، وإنما هو يوم، وبعض آخر. # وتقول: زرتك العام، وأتيتك اليوم، وإنما وقع الفعل في ساعة. وذكر ابن ~~الأنباري في هذا قولين: # أحدهما: أن العرب توقع الجمع على التثنية، إذا كانت التثنية أقل الجمع. ~~كقوله تعالى: أولئك مبرؤن مما يقولون «1» ، وإنما يريد عائشة وصفوان، وكذلك ~~قوله: وكنا لحكمهم شاهدين «2» ، يريد: ms0158 داود وسليمان. والثاني: أن العرب ~~توقع الوقت الطويل على الوقت القصير، فيقولون: قتل ابن الزبير أيام الحج، ~~وإنما كان القتل في أقصر وقت. # فصل: اختلف العلماء فيمن أحرم بالحج قبل أشهر الحج، فقال عطاء، وطاوس ~~ومجاهد، والشافعي: لا يجزئه ذلك، وجعلوا فائدة قوله: الحج أشهر معلومات أنه ~~لا ينعقد الحج إلا فيهن. # وقال أبو حنيفة، ومالك، والثوري، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل: يصح ~~الإحرام بالحج قبل أشهر «3» ، فعلى هذا يكون قوله: الحج أشهر معلومات، أي: ~~معظم الحج يقع في هذه الأشهر. # (84) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة» . # قوله تعالى: فمن فرض فيهن الحج، قال ابن مسعود: هو الإهلال بالحج ~~والإحرام به. وقال طاوس وعطاء: هو أن يلبي. وروي عن علي وابن عمر ومجاهد ~~والشعبي في آخرين: أنه إذا قلد بدنته فقد أحرم، وهذا محمول على أنه قلدها ~~ناويا الحج. ونص الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في رواية الأثرم: أن ~~الإحرام بالنية. قيل له: يكون محرما بغير تلبية؟ قال: نعم إذا عزم على ~~الإحرام، وهذا قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الدخول في ~~الإحرام إلا بالتلبية أو تقليد الهدي وسوقه. # قوله تعالى: فلا رفث، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر: «فلا رفث ولا ~~فسوق» بالضم والتنوين. # وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بغير تنوين، ولم يرفع أحد منهم ~~لام «جدال» إلا أبو جعفر. قال أبو علي: حجة من فتح أنه أشد مطابقة للمعنى ~~المقصود، لأنه بالفتح قد نفى جميع الرفث والفسوق، كقوله: لا ريب فيه، فاذا ~~رفع ونون، كان النفي لواحد منه، وإنما فتحوا لام (الجدال) ، ليتناول النفي ~~جميع جنسه، فكذلك ينبغي أن يكون جمع الاسمين قبله. وحجة من رفع أنه قد علم ~~من فحوى الكلام نفي جميع الرفث، وقد يكون اللفظ واحدا والمراد بالمعنى ~~الجميع، قال الشاعر: PageV01P164 # فقتلا بتقتيل وضربا بضربكم وفي الرفث ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الجماع، ~~قاله ابن عمر، والحسن، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة في آخرين. والثاني: أنه ~~الجماع، ms0159 وما دونه من التعريض به، وهو مروي عن ابن عمر أيضا، وابن عباس، ~~وعمرو بن دينار في آخرين. والثالث: أنه اللغو من الكلام، قاله أبو عبد ~~الرحمن اليزيدي. وفي الفسوق ثلاثة أقوال: أحدها: أنه السباب، قاله ابن عمر، ~~وابن عباس، وإبراهيم في آخرين. والثاني: # أنه التنابز بالألقاب، مثل أن تقول لأخيك: يا فاسق، يا ظالم، رواه الضحاك ~~عن ابن عباس. والثالث: # أنه المعاصي، قاله الحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وقتادة في آخرين، وهو ~~الذي نختاره، لأن المعاصي تشمل الكل، ولأن الفاسق: الخارج من الطاعة إلى ~~المعصية. قوله تعالى: ولا جدال في الحج، الجدال: المراء. وفي معنى الكلام ~~قولان: أحدهما: أن معناه: لا يمارين أحد أحدا، فيخرجه المراء إلى الغضب، ~~وفعل ما لا يليق بالحج، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عمر، وابن عباس، وطاوس، ~~وعطاء، وعكرمة، والنخعي، وقتادة، والزهري، والضحاك في آخرين. والثاني: أن ~~معناه: # لا شك في الحج ولا مراء، فانه قد استقام أمره وعرف وقته وزال النسيء عنه. # (85) قال مجاهد: كانوا يحجون في ذي الحجة عامين، وفي المحرم عامين، ثم ~~حجوا في صفر عامين، وكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين حتى وافقت حجة ~~أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم ~~بسنة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم من قابل في ذي الحجة، فذلك حين قال: ~~«إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» ، وإلى هذا ~~المعنى ذهب السدي عن أشياخه، والقاسم بن محمد. # قوله تعالى: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى. # (86) قال ابن عباس: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن ~~المتوكلون، فيسألون الناس، فأنزل الله تعالى: وتزودوا فإن خير الزاد ~~التقوى، قال الزجاج: أمروا أن يتزودوا، وأعلموا أن خير ما تزود تقوى الله ~~عز وجل. ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 198 الى # 199] # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله ~~عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله ms0160 لمن الضالين (198) ~~ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) # قوله تعالى: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم. قال ابن عباس: # (87) كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم، ويقولون: أيام ذكر فنزلت ~~هذه الآية. PageV01P165 # والابتغاء: الالتماس. والفضل هاهنا: النفع بالتجارة والكسب قال ابن ~~قتيبة: أفضتم، بمعنى: # دفعتم، وقال الزجاج: معناه: دفعتم بكثرة، يقال: أفاض القوم في الحديث: ~~إذا اندفعوا فيه، وأكثروا التصرف. وفي تسمية «عرفات» قولان: أحدهما: أن ~~الله تعالى بعث جبريل إلى إبراهيم فحج به، فلما أتى عرفات قال: قد عرفت، ~~فسميت «عرفة» ، قاله علي عليه السلام «1» . والثاني: أنها سميت بذلك ~~لاجتماع آدم وحواء، وتعارفهما بها، قاله الضحاك «2» . قال الزجاج والمشعر: ~~المعلم، سمي بذلك لأن الصلاة عنده. والمقام والمبيت والدعاء من معالم الحج، ~~وهو مزدلفة وهي جمع يسمى بالاسمين. # قال ابن عمر ومجاهد: المشعر الحرام المزدلفة كلها. # قوله تعالى: واذكروه كما هداكم، أي: جزاء هدايته لكم، فان قيل: ما فائدة ~~تكرير الذكر؟ قيل: فعنه أربعة أجوبة: أحدها: أنه كرره للمبالغة في الأمر ~~به. والثاني: أنه وصل بالذكر الثاني ما لم يصل بالذكر الأول، فحسن تكريره. ~~فالمعنى: اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته. والثالث: أنه كرره ليدل على ~~مواصلته، والمعنى: اذكروه ذكرا بعد ذكر، ذكر هذه الأقوال محمد بن القاسم ~~النحوي. # والرابع: أن الذكر في قوله: فاذكروا الله عند المشعر الحرام، هو: صلاة ~~المغرب والعشاء اللتان يجمع بينهما بالمزدلفة. والذكر في قوله: كما هداكم ~~هو: الذكر المفعول عند الوقوف بمزدلفة غداة جمع، حكاه القاضي أبو يعلى. # قوله تعالى: وإن كنتم من قبله، في هاء الكناية ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ~~ترجع إلى الإسلام، قاله ابن عباس. والثاني: أنها ترجع إلى الهدى، قاله ~~مقاتل، والزجاج. والثالث: أنها ترجع إلى القرآن، قاله سفيان الثوري. # قوله تعالى: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس. قالت عائشة: # (88) كانت قريش ومن يدين بدينها، وهم الحمس، يقفون عشية عرفة بالمزدلفة، ~~يقولون: نحن قطين البيت، وكان بقية العرب والناس يقفون بعرفات، فنزلت هذه ~~الآية. قال ms0161 الزجاج: سموا الحمس لأنهم تحمسوا في دينهم، أي: تشددوا. ~~والحماسة: الشدة في كل شيء. # وفي المراد بالناس هاهنا أربعة أقوال «3» : أحدها: أنهم جميع العرب غير ~~الحمس، ويدل عليه حديث عائشة، وهو قول عروة، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أن ~~المراد بالناس هاهنا: إبراهيم الخليل، PageV01P166 # عليه السلام، قاله الضحاك بن مزاحم. والثالث: أن المراد بالناس آدم، قاله ~~الزهري. وقد قرأ أبو المتوكل، وأبو نهيك، ومورق العجلي: «الناسي» باثبات ~~الياء. والرابع: أنهم أهل اليمن وربيعة، فانهم كانوا يفيضون من عرفات، قاله ~~مقاتل. # وفي المخاطبين بذلك قولان: أحدهما: أنه خطاب لقريش، وهو قول الجمهور. ~~والثاني: أنه خطاب لجميع المسلمين، وهو يخرج على قول من قال: الناس آدم، أو ~~إبراهيم. # والإفاضة هاهنا على ما يقتضيه ظاهر اللفظ: هي الإفاضة من المزدلفة إلى ~~منى صبيحة النحر، إلا أن جمهور المفسرين على أنها الإفاضة من عرفات، فظاهر ~~الكلام لا يقتضي ذلك، كيف يقال: فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله، ثم ~~أفيضوا من عرفات؟! غير أني أقول: وجه الكلام على ما قال أهل التفسير: أن ~~فيه تقديما وتأخيرا، تقديره: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فاذا أفضتم من ~~عرفات فاذكروا الله. # و «الغفور» : من أسماء الله، عز وجل، وهو من قولك: غفرت الشيء: إذا ~~غطيته، فكأن الغفور الساتر لعبده برحمته، أو الساتر لذنوب عباده. والغفور: ~~هو الذي يكثر المغفرة، لأن بناء المفعول للمبالغة من الكثرة، كقولك: صبور، ~~وضروب، وأكول. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 200 الى 203] # فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من ~~يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) ومنهم من يقول ~~ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (201) أولئك لهم ~~نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) واذكروا الله في أيام معدودات فمن ~~تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله ~~واعلموا أنكم إليه تحشرون (203) # قوله تعالى: فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله. في سبب نزولها ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أن ms0162 أهل الجاهلية كانوا إذا اجتمعوا بالموسم، ذكروا أفعال آبائهم ~~وأيامهم وأنسابهم في الجاهلية، فتفاخروا بذلك فنزلت هذه الآية «1» . وهذا ~~المعنى مروي عن الحسن، وعطاء، ومجاهد. # والثاني: أن العرب كانوا إذا حدثوا أو تكلموا يقولون: وأبيك إنهم لفعلوا ~~كذا وكذا فنزلت هذه الآية. # وهذا مروي عن الحسن أيضا «2» . والثالث: أنهم كانوا إذا قضوا مناسكهم، ~~قام الرجل بمنى، فقال: # اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، كثير المال، فأعطني مثل ذلك، فلا يذكر ~~الله، إنما يذكر أباه ويسأل أن يعطى في دنياه فنزلت هذه الآية، وهذا قول ~~السدي «3» . PageV01P167 # والمناسك: المتعبدات، وفي المراد بها هاهنا قولان: أحدهما: أنها أفعال ~~الحج، قاله الحسن. # والثاني: أنها إراقة الدماء، قاله مجاهد. وفي ذكرهم آباءهم أربعة أقوال: ~~أحدها: أنه إقرارهم بهم. # والثاني: أنه حلفهم بهم. والثالث: أنه ذكر إحسان آبائهم إليهم، فانهم ~~كانوا يذكرونهم وينسون إحسان الله إليهم. والرابع: أنه ذكر الأطفال الآباء، ~~لأنهم أول نطقهم بذكر آبائهم، روي هذا المعنى عن عطاء، والضحاك. وفي «أو» ~~قولان: أحدهما: أنها بمعنى «بل» . والثاني: بمعنى الواو. و «الخلاق» قد ~~تقدم ذكره. # وفي حسنة الدنيا سبعة أقوال: أحدها: أنها المرأة الصالحة، قاله علي عليه ~~السلام. والثاني: أنها العبادة، رواه سفيان بن حسين عن الحسن. والثالث: ~~أنها العلم والعبادة، رواه هشام عن الحسن. # والرابع: المال، قاله أبو وائل، والسدي، وابن زيد. والخامس: العافية، ~~قاله قتادة. والسادس: الرزق الواسع، قاله مقاتل. والسابع: النعمة، قاله ابن ~~قتيبة. # وفي حسنة الآخرة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الحور العين، قاله علي عليه ~~السلام. والثاني: # الجنة، قاله الحسن، والسدي، ومقاتل. والثالث: العفو والمعافاة، روي عن ~~الحسن، والثوري. # قوله تعالى: أولئك لهم نصيب مما كسبوا، قال الزجاج: معناه: دعاؤهم ~~مستجاب، لأن كسبهم هاهنا هو الدعاء، وهذه الآية متعلقه بما قبلها، إلا أنه ~~قد روي أنها نزلت على سبب يخالف سبب أخواتها. # (89) فروى الضحاك عن ابن عباس أن رجلا قال: يا رسول الله، مات أبي ولم ~~يحج، أفأحج عنه؟ فقال: «لو كان على أبيك دين قضيته، أفكان ذلك يجزئ عنه؟» ms0163 ~~قال: نعم، قال: «فدين الله أحق أن يقضى» ! قال: فهل لي من أجر؟ فنزلت هذه ~~الآية. # وفي معنى سرعة الحساب خمسة أقوال: أحدها: أنه قلته، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنه قرب مجيئه، قاله مقاتل. والثالث: أنه لما علم ما للمحاسب وما ~~عليه قبل حسابه، كان سريع الحساب لذلك. والرابع: أن المعنى: والله سريع ~~المجازاة، ذكر هذا القول والذي قبله الزجاج. والخامس: أنه لا يحتاج إلى فكر ~~وروية كالعاجزين، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: واذكروا الله في أيام معدودات في هذا الذكر قولان: # أحدهما: أنه التكبير عند الجمرات، وأدبار الصلوات، وغير ذلك من أوقات ~~الحج. PageV01P168 # والثاني: أنه التكبير عقيب الصلوات المفروضات. واختلف أرباب هذا القول في ~~الوقت الذي يبتدئ فيه بالتكبير ويقطع على ستة أقوال: أحدها: أنه يكبر من ~~صلاة الفجر يوم عرفة، إلى ما بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق، قاله علي ~~عليه السلام، وأبو يوسف، ومحمد. والثاني: أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى ~~صلاة العصر من يوم النحر، قاله ابن مسعود، وأبو حنيفة. والثالث: من بعد ~~صلاة الظهر يوم النحر إلى ما بعد العصر من آخر يوم التشريق، قاله ابن عمر، ~~وزيد بن ثابت وابن عباس، وعطاء. والرابع: أنه يكبر من صلاة الظهر يوم النحر ~~إلى ما بعد صلاة الظهر من يوم النفر، وهو الثاني من أيام التشريق، قاله ~~الحسن. والخامس: أنه يكبر من الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام ~~التشريق، قاله مالك بن أنس، وهو أحد قولي الشافعي. والسادس: أنه يكبر من ~~صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، هذا قول ~~للشافعي، ومذهب إمامنا أحمد أنه إن كان محلا، كبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة ~~أولها الفجر يوم عرفة، وآخرها العصر من آخر أيام التشريق، وإن كان محرما ~~كبر عقيب سبعة عشر أولها الظهر من يوم النحر، وآخرها العصر من آخر أيام ~~التشريق. # وهل يختص هذا التكبير عقيب الفرائض بكونها في جماعة، أم لا؟ فيه عن أحمد ~~روايتان: # إحداهما: ms0164 يختص بمن صلاها في جماعة، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله. ~~والثانية: يختص بالفريضة، وإن صلاها وحده، وهو قول الشافعي «1» . # وفي الأيام المعدودات ثلاثة أقوال: أحدها: أنها أيام التشريق، قاله ابن ~~عمر، وابن عباس، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وقتادة في آخرين. والثاني: أنها ~~يوم النحر ويومان بعده، روي عن علي، وابن عمر. والثالث: أنها أيام العشر، ~~قاله سعيد بن جبير، والنخعي. # قال الزجاج: و «معدودات» يستعمل كثيرا للشيء القليل، كما يقال: دريهمات ~~وحمامات. # قوله تعالى: فمن تعجل في يومين، أي: فمن تعجل النفر الأول في اليوم ~~الثاني من أيام منى، فلا إثم عليه، ومن تأخر إلى النفر الثاني، وهو اليوم ~~الثالث من أيام منى، فلا إثم عليه. # فان قيل: إنما يخاف الإثم المتعجل، فما بال المتأخر ألحق به، والذي أتى ~~به أفضل؟! فعنه أربعة أجوبة: أحدها: أن المعنى: لا إثم على المتعجل، ~~والمتأخر مأجور، فقال: لا إثم عليه، لتوافق اللفظة الثانية الأولى كقوله: ~~فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه. والثاني: أن المعنى: فلا إثم على المتأخر في ~~ترك استعمال الرخصة. والثالث: أن المعنى: قد زالت آثام المتعجل والمتأخر ~~التي كانت عليهما قبل حجهما. والرابع: أن المعنى: طرح المأثم عن المتعجل ~~والمتأخر إنما يكون بشرط التقوى. # وفي معنى «لمن اتقى» ثلاثة أقوال: أحدها: لمن اتقى قتل الصيد، قاله ابن ~~عباس. والثاني: لمن اتقى المعاصي في حجه، قاله قتادة. وقال ابن مسعود: إنما ~~مغفرة الله لمن اتقى الله في حجه. # والثالث: لمن اتقى فيما بقي من عمره، قاله أبو العالية، وإبراهيم. ~~PageV01P169 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 204] # ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ~~ألد الخصام (204) # قوله تعالى: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا. اختلفوا فيمن ~~نزلت هذه الآية على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، كان ~~لين الكلام، كافر القلب، يظهر للنبي صلى الله عليه وسلم الحسن، ويحلف له ~~أنه يحبه ويتبعه على دينه، وهو يضمر غير ذلك «1» ، هذا قول ابن عباس، ms0165 ~~والسدي ومقاتل. والثاني: أنها فيمن نافق فأظهر بلسانه ما ليس في قلبه. وهذا ~~قول الحسن، وقتادة، وابن زيد. # (90) والثالث: أنها نزلت في سرية الرجيع، وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة: إنا قد أسلمنا، فابعث لنا نفرا من ~~أصحابك يعلمونا ديننا، فبعث صلى الله عليه وسلم خبيب بن عدي، ومرثدا ~~الغنوي، وخالد بن بكير، وعبد الله بن طارق، وزيد بن الدثنة، وأمر عليهم ~~عاصم بن ثابت، فساروا نحو مكة، فنزلوا بين مكة والمدينة ومعهم تمر، فأكلوا ~~منه، فمرت عجوز فأبصرت النوى، فرجعت إلى قومها وقالت: قد سلك هذا الطريق ~~أهل يثرب، فركب سبعون منهم حتى أحاطوا بهم، فحاربوهم فقتلوا مرثدا، وخالدا، ~~وابن طارق، ونثر عاصم كنانته وفيها سبعة أسهم، فقتل بكل سهم رجلا من ~~عظمائهم، ثم قال: اللهم إني حميت دينك صدر النهار، فاحم لحمي آخر النهار، ~~ثم أحاطوا به فقتلوه، وأرادوا حز رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وكان قتل ~~بعض أهلها، فنذرت: لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه الخمر، فأرسل الله ~~تعالى رجلا من الدبر- وهي الزنابير- فحمته، فلم يقدروا عليه، فقالوا: دعوه ~~حتى يمسي فجاءت سحابة فأمطرت كالعزالي «2» ، فبعث الله الوادي، فاحتمله ~~فذهب به، وأسروا خبيبا وزيدا، فابتاع بنو الحارث بن عامر خبيبا ليقتلوه، ~~لأنه قتل آباءهم، فلما خرجوا به ليقتلوه، قال: دعوني أصلي ركعتين، ثم قال: ~~لولا أن تقولوا: جزع خبيب، لزدت، وأنشأ يقول: # ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي شق كان في الله مصرعي # وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع PageV01P170 # فصلبوه حيا، فقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس حولي من يبلغ رسولك سلامي، ~~فجاءه رجل منهم يقال له: أبو سروعة، ومعه رمح، فوضعه بين يدي خبيب، فقال له ~~خبيب: اتق الله، فما زاده ذلك إلا عتوا. وأما زيد فابتاعه صفوان بن أمية ~~ليقتله بأبيه، فجاءه سفيان بن حرب حين قدم ليقتله، فقال: يا زيد! أنشدك ~~الله، أتحب أن محمدا مكانك، وأنك في أهلك؟ فقال: ms0166 والله ما أحب أن محمدا ~~الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي، ثم قتل. ~~وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم الخبر، فقال: أيكم يحتمل خبيبا عن خشبته وله ~~الجنة؟ فقال الزبير: أنا وصاحبي المقداد، فخرجا يمشيان بالليل ويمكثان ~~بالنهار، حتى وافيا المكان، وإذا حول الخشبة أربعون مشركا نيام نشاوى، وإذا ~~هو رطب يتثنى لم يتغير فيه شيء بعد أربعين يوما، فحمله الزبير على فرسه ~~وسار، فلحقه سبعون منهم، فقذف الزبير خبيبا فابتلعته الأرض، وقال الزبير: ~~ما جرأكم علينا يا معشر قريش؟! ثم رفع العمامة عن رأسه وقال: أنا الزبير بن ~~العوام، وأمي صفية بنت عبد المطلب، وصاحبي المقداد، أسدان رابضان يدفعان عن ~~شبلهما، فان شئتم ناضلتكم، وإن شئتم نازلتكم، وإن شئتم انصرفتم، فانصرفوا، ~~وقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عنده، فقال: «يا محمد إن ~~الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك» . # وقال بعض المنافقين في أصحاب خبيب: ويح هؤلاء المقتولين لا في بيوتهم ~~قعدوا، ولا رسالة صاحبهم أدوا، فأنزل الله تعالى في الزبير والمقداد وخبيب ~~وأصحابه والمنافقين هذه الآية، وثلاث آيات بعدها. وهذا الحديث بطوله مروي ~~عن ابن عباس. # قوله تعالى: ويشهد الله على ما في قلبه، فيه قولان: أحدهما: أنه يقول: إن ~~الله يشهد أن ما ينطق به لساني هو الذي في قلبي. الثاني: أنه يقول: اللهم ~~اشهد علي بهذا القول. # وقرأ ابن مسعود: «ويستشهد الله» بزيادة سين وتاء. وقرأ الحسن، وطلحة بن ~~مصرف، وابن محيصن وابن أبي عبلة: «ويشهد» بفتح الياء «الله» بالرفع. # قوله تعالى: وهو ألد الخصام، الخصام: جمع خصم، يقال: خصم وخصام وخصوم. ~~قال الزجاج: والألد: الشديد الخصومة، واشتقاقه من لديدي العنق، وهما صفحتا ~~العنق، ومعناه: أن خصمه في أي وجه أخذ من أبواب الخصومة، غلبه في ذلك. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 205] # وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب ~~الفساد (205) # قوله تعالى: وإذا تولى، فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه بمعنى: غضب، روي عن ms0167 ~~ابن عباس، وابن جريج. والثاني: أنه الانصراف عن القول الذي قاله، قاله ~~الحسن. والثالث: أنه من الولاية، فتقديره: إذا صار واليا، قاله مجاهد ~~والضحاك. والرابع: أنه الانصراف بالبدن، قاله مقاتل وابن قتيبة. # وفي معنى «سعى» قولان: أحدهما: أنه بمعنى: عمل، قاله ابن عباس ومجاهد. ~~والثاني: أنه من السعي بالقدم، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي الفساد قولان: ~~أحدهما: أنه الكفر. والثاني: الظلم. والحرث: # الزرع. والنسل: نسل كل شيء من الحيوان، هذا قول ابن عباس وعكرمة في ~~آخرين. وحكى الزجاج عن قوم: أن الحرث: النساء، والنسل: الأولاد. قال: وليس ~~هذا بمنكر، لأن المرأة تسمى حرثا. وفي معنى إهلاكه للحرث والنسل ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه إهلاك ذلك بالقتل والإحراق والإفساد، قاله # PageV01P171 # الأكثرون. والثاني: أنه إذا ظلم كان الظلم سببا لقطع القطر، فيهلك الحرث ~~والنسل، قاله مجاهد. وهو يخرج على قول من قال: إنه من التولي. والثالث: أنه ~~إهلاك ذلك بالضلال الذي يؤول إلى الهلاك، حكاه بعض المفسرين. # قوله تعالى: والله لا يحب الفساد، قال ابن عباس: لا يرضى بالمعاصي. # وقد احتجت المعتزلة بهذه الآية، فأجاب أصحابنا بأجوبة. منها: الأول: أنه ~~لا يحبه دينا، ولا يريده شرعا، فأما أنه لم يرده وجودا فلا. والثاني: أنه ~~لا يحبه للمؤمنين دون الكافرين. والثالث: أن الإرادة معنى غير المحبة، فان ~~الإنسان قد يتناول المر، ويريد ربط الجرح، ولا يحب شيئا من ذلك. # وإذا بان في المعقول الفرق بين الإرادة والمحبة، بطل ادعاؤهم التساوي ~~بينهما، وهذا جواب معتمد. # وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ولا يرضى لعباده الكفر «1» . ### | [سورة البقرة (2) : آية 206] # وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) # قوله تعالى: أخذته العزة، قال ابن عباس: هي الحمية. وأنشدوا: # أخذته عزة من جهله ... فتولى مغضبا فعل الضجر # ومعنى الكلام: حملته الحمية على الفعل بالإثم. وفي «جهنم» قولان، ذكرهما ~~ابن الأنباري: # أحدهما: أنها أعجمية لا تجر للتعريف والعجمة. والثاني: أنها اسم عربي، ~~ولم يجر للتأنيث والتعريف. قال رؤبة: ركية جهنام: بعيدة القعر. وقال ~~الأعشى: # دعوت ms0168 خليلي مسحلا ودعوا له ... جهنام جدعا للهجين المذمم # فترك صرفه يدل على أنه اسم أعجمي معرب. # وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: فحسبه جهنم جزاء عن إثمه. والثاني: فحسبه ~~جهنم ذلا من عزه. والمهاد: الفراش، ومهدت لفلان: إذا وطأت له، ومنه: مهد ~~الصبي. ### | [سورة البقرة (2) : آية 207] # ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد (207) # قوله تعالى: ومن الناس من يشري نفسه، اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على ~~خمسة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهو معنى قول عمر ~~وعلي عليهما السلام. # والثاني: أنها نزلت في الزبير والمقداد حين ذهبا لإنزال خبيب من خشبته، ~~وقد شرحنا القصة. وهذا قول ابن عباس والضحاك. والثالث: أنها نزلت في صهيب ~~الرومي، واختلفوا في قصته. PageV01P172 # قد علمتم أني من أرماكم بسهم، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهم ~~معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، فان شئتم دللتكم على مالي. ~~قالوا: فدلنا على مالك نخل عنك، فعاهدهم على ذلك، فنزلت فيه هذه الآية، ~~فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ربح البيع يا أبا يحيى» ؟ وقرأ ~~عليه القرآن. هذا قول سعيد بن المسيب، وذكر نحوه أبو صالح عن ابن عباس، ~~وقال: إن الذي تلقاه فبشره بما نزل فيه أبو بكر الصديق «1» . # وذكر مقاتل أنه قال للمشركين: أنا شيخ كبير لا يضركم إن كنت معكم أو ~~عليكم، ولي عليكم حق لجواري فخذوا مالي غير راحلة، واتركوني وديني، فاشترط ~~أن لا يمنع عن صلاة ولا هجرة، فأقام ما شاء الله، ثم ركب راحلته، فأتى ~~المدينة مهاجرا، فلقيه أبو بكر فبشره وقال: نزلت فيك هذه الآية «2» . وقال ~~عكرمة: إنها نزلت في صهيب، وأبي ذر الغفاري، فأما صهيب، فأخذه أهله فافتدى ~~بماله، وأما أبو ذر، فأخذه أهله فأفلت منهم حتى قدم مهاجرا «3» . # والرابع: أنها نزلت في المجاهدين في سبيل الله، قاله الحسن وابن زيد في ~~آخرين. # والخامس: أنها نزلت في المهاجرين والأنصار حين قاتلوا على دين الله ms0169 حتى ~~ظهروا، هذا قول قتادة. و «يشري» كلمة من الأضداد، يقال: شرى، بمعنى: باع، ~~وبمعنى: اشترى، فمعناها على قول من قال: نزلت في صهيب معنى: يشتري. وعلى ~~بقية الأقوال بمعنى: يبيع. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 208 الى 210] # يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين (208) فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله ~~عزيز حكيم (209) هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ~~وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور (210) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، اختلفوا فيمن ~~نزلت على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب، كانوا ~~بعد إسلامهم يتقون السبت ولحم الجمل، وأشياء يتقيها أهل الكتاب، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس «4» . والثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب الذين ~~PageV01P173 # لم يؤمنوا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، أمروا بالدخول في الإسلام. ~~روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الضحاك «1» . والثالث: أنها نزلت في ~~المسلمين، يأمرهم بالدخول في شرائع الإسلام كلها، قاله مجاهد وقتادة «2» . # وفي «السلم» ثلاث لغات: كسر السين وتسكين اللام. وبها قرأ أبو عمرو وابن ~~عامر في «البقرة» وفتحا السين في «الأنفال» وسورة «محمد» . وفتح السين مع ~~تسكين اللام. وبها قرأ ابن كثير ونافع والكسائي في المواضع الثلاثة، وفتح ~~السين واللام. وبها قرأ الأعمش في «البقرة» خاصة. وفي معنى «السلم» قولان: ~~أحدهما: أنه الإسلام، قاله ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، ~~وابن قتيبة، والزجاج في آخرين. والثاني: أنها الطاعة، روي عن ابن عباس ~~أيضا، وهو قول أبي العالية، والربيع. # وقال الزجاج: و «كافة» بمعنى الجميع، وهو في اشتقاق اللغة: ما يكف الشيء ~~في آخره، من ذلك: كفة القميص، وكل مستطيل فحرفه كفة: بضم الكاف. ويقال في ~~كل مستدير: كفه بكسر الكاف نحو: كفة الميزان. ويقال: إنما سميت كفة الثوب، ~~لأنها تمنعه أن ينتشر، وأصل الكف: المنع، وقيل لطرف اليد: كف، لأنها تكف ~~بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف: قد ms0170 كف بصره أن ينظر. واختلفوا: # هل قوله: «كافة» يرجع إلى السلم، أو إلى الداخلين فيه؟ على قولين: ~~أحدهما: أنه راجع إلى السلم، فتقديره: ادخلوا في جميع شرائع الإسلام. وهذا ~~يخرج على القول الأول الذي ذكرناه في نزول الآية. # والثاني: أنه يرجع إلى الداخلين فيه، فتقديره: ادخلوا كلكم في الإسلام، ~~وبهذا يخرج على القول الثاني. وعلى القول الثالث يحتمل قوله: «كافة» ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أن يكون أمرا للمؤمنين بألسنتهم أن يؤمنوا بقلوبهم. والثاني: ~~أن يكون أمرا للمؤمنين بالدخول في جميع شرائعه. والثالث: أن يكون أمرا لهم ~~بالثبات عليه، كقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا آمنوا «3» . # و «خطوات الشيطان» : المعاصي. وقد سبق شرحها. و «البينات» : الدلالات ~~الواضحات. وقال ابن جريج: هي الإسلام والقرآن. و «ينظرون» بمعنى: ينتظرون. # قوله تعالى: إلا أن يأتيهم الله كان جماعة من السلف يمسكون عن الكلام في ~~مثل هذا. وقد ذكر القاضي أبو يعلى عن أحمد أنه قال: المراد به: قدرته ~~وأمره. قال: وقد بينه في قوله تعالى: و يأتي أمر ربك # . قوله تعالى: في ظلل، أي: بظلل. والظلل: جمع ظلة. و «الغمام» : السحاب ~~الذي لا ماء فيه. قال الضحاك: في قطع من السحاب. ومتى يكون مجيء الملائكة؟ ~~فيه قولان: PageV01P174 # أحدهما: أنه يوم القيامة أيضا، وهو قول الجمهور. والثاني: أنه عند الموت، ~~قاله قتادة. وقرأ الحسن بخفض «الملائكة» . وو قضي الأمر: فرغ منه. وو إلى ~~الله ترجع الأمور، أي: تصير. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم، «ترجع» ~~بضم التاء. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي بفتحها. فان قيل: # فكأن الأمور كانت إلى غيره؟ فعنه أربعة أجوبة: أحدها: أن المراد به إعلام ~~الخلق أنه المجازي على الأعمال بالثواب والعقاب، قاله الزجاج. والثاني: أنه ~~لما عبد قوم غيره، ونسبوا أفعاله إلى سواه، ثم انكشف الغطاء يوم القيامة ~~ردوا إليه ما أضافوا إلى غيره. والثالث: أن العرب تقول: قد رجع علي من فلان ~~مكروه: إذا صار إليه منه مكروه، وإن لم يكن سبق. قال الشاعر: # فان تكن الأيام أحسن مرة ... إلي ms0171 فقد عادت لهن ذنوب # ذكرهما ابن الأنباري. ومما يشبه هذا قول لبيد: # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع # أراد: يصير رمادا لا أنه كان رمادا، ومثله قول أمية بن أبي الصلت: # تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا «1» # أي: صارا. والرابع: أنه لما كانت الأمور إليه قبل الخلق، ثم أوجدهم ~~فملكهم بعضها رجعت إليه بعد هلاكهم. فإن قيل: قد جرى ذكر اسمه تعالى في ~~قوله: أن يأتيهم الله، فما الحكمة في أنه لم يقل: وإليه ترجع الأمور؟ ~~فالجواب: أن إعادة اسمه أفخم وأعظم، والعرب إذا جرى ذكر شيء يفخم أعادوا ~~لفظه، وأنشدوا: # لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # فأعادوا ذكر الموت لفخامته في صدورهم، ذكره الزجاج. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 211] # سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما ~~جاءته فإن الله شديد العقاب (211) # قوله تعالى: سل بني إسرائيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: ~~له وللمؤمنين. قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: «سل» بغير همز، وبعض تميم ~~يقولون: «اسأل» بالهمز، وبعضهم يقول: «إسل» «2» بالألف وطرح الهمز، والأولى ~~أغربهن، وبها جاء الكتاب. وفي المراد بالسؤال قولان: أحدهما: أنه ~~PageV01P175 # التقرير والإذكار بالنعم. والثاني: التوبيخ على ترك الشكر. # والآية البينة: العلامة الواضحة، كالعصا، والغمام، والمن، والسلوى، ~~والبحر. وفي المراد بنعمة الله قولان: أحدهما: أنها الآيات التي ذكرناها، ~~قاله قتادة. والثاني: أنها حجج الله الدالة على أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قاله الزجاج. وفي معنى تبديلها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الكفر بها، ~~قاله أبو العالية ومجاهد. والثاني: تغيير صفة النبي صلى الله عليه وسلم في ~~التوراة، قاله أبو سليمان الدمشقي. والثالث: تعطيل حجج الله بالتأويلات ~~الفاسدة. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 212] # زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا ~~فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب (212) # قوله تعالى: زين للذين كفروا الحياة الدنيا، في نزولها ثلاثة أقوال: ~~أحدها: ms0172 أنها نزلت في أبي جهل وأصحابه، قاله ابن عباس. والثاني: نزلت في ~~علماء اليهود، قاله عطاء. والثالث: في عبد الله بن أبي وأصحابه من ~~المنافقين، قاله مقاتل. قال الزجاج: وإنما جاز في «زين» لفظ التذكير، لأن ~~تأنيث الحياة ليس بحقيقي، إذ معنى الحياة ومعنى العيش واحد. وإلى من يضاف ~~هذا التزيين «1» فيه قولان: # أحدهما: أنه يضاف إلى الله. وقرأ أبي بن كعب والحسن، ومجاهد، وابن محيصن، ~~وابن أبي عبلة: # «زين» بفتح الزاي والياء، على معنى: زينها الله لهم. والثاني: أنه يضاف ~~إلى الشيطان، روي عن الحسن. قال شيخنا علي بن عبيد الله: والتزيين من الله ~~تعالى: هو التركيب الطبيعي فإنه وضع في الطبائع محبة المحبوب لصورة فيه ~~تزينت للنفس، وذلك من صنعه، وتزيين الشيطان بإذكار ما وقع من إغفاله مما ~~مثله يدعو إلى نفسه لزينته، فالله تعالى يزين بالوضع، والشيطان يزين ~~بالإذكار. # وما السبب في سخرية الكفار من المؤمنين؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم ~~سخروا منهم للفقر. # والثاني: لتصديقهم بالآخرة. والثالث: لاتباعهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقيل: إنهم كانوا يوهمونهم أنكم على الحق، سخرية منهم بهم. وفي معنى كونهم ~~«فوقهم» ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك على أصله، لأن المؤمنين في عليين، ~~والكفار في سجين. والثاني: أن حجج المؤمنين فوق شبه الكافرين، فهم ~~المنصورون. والثالث: في أن نعيم المؤمنين في الجنة فوق نعيم الكافرين في ~~الدنيا. قوله تعالى: والله يرزق من يشاء بغير حساب، فيه قولان: أحدهما: أنه ~~يرزق من يشاء رزقا واسعا غير ضيق. والثاني: # يرزق من يشاء بلا محاسبة في الآخرة. PageV01P176 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 213] # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من ~~بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ~~من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (213) # قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة، في المراد ب «الناس» هاهنا ثلاثة أقوال ~~«1» : أحدها: ms0173 جميع بني آدم، وهو قول الجمهور. والثاني: آدم وحده، قاله ~~مجاهد. قال ابن الأنباري: وهذا الوجه جائز، لأن العرب توقع الجمع على ~~الواحد. ومعنى الآية: كان آدم ذا دين واحد، فاختلف ولده بعده. # والثالث: آدم وأولاده كانوا على الحق، فاختلفوا حين قتل قابيل هابيل. ~~ذكره ابن الأنباري. والأمة هاهنا: الصنف الواحد على مقصد واحد. وفي ذلك ~~المقصد الذي كانوا عليه قولان: أحدهما: أنه الإسلام، قاله أبي بن كعب، ~~وقتادة، والسدي، ومقاتل. والثاني: أنه الكفر، رواه عطية عن ابن عباس. # ومتى كان ذلك، فيه خمسة أقوال: أحدها: أنه حين عرضوا على آدم وأقروا ~~بالعبودية، قاله أبي بن كعب. والثاني: في عهد إبراهيم كانوا كفارا، قاله ~~ابن عباس. والثالث: بين آدم ونوح، وهو قول قتادة. # والرابع: حين ركبوا السفينة، كانوا على الحق، قاله مقاتل. والخامس: في ~~عهد آدم. ذكره ابن الأنباري. # فبعث الله النبيين مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار. هذا قول الأكثرين. وقال ~~بعض السلف: مبشرين لمن آمن بك يا محمد، ومنذرين لمن كذبك. والكتاب: اسم ~~جنس، كما تقول: كثر الدرهم في أيدي الناس. وذكر بعضهم أنه في التوراة. وفي ~~المراد بالحق هاهنا قولان: أحدهما: أنه بمعنى الصدق والعدل. والثاني: أنه ~~القضاء فيما اختلفوا فيه. ليحكم بين الناس، في الحاكم هاهنا ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه الله تعالى. والثاني: النبي الذي أنزل عليه الكتاب. والثالث: ~~الكتاب كقوله تعالى: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، وقرأ أبو جعفر: «ليحكم» ~~بضم الياء وفتح الكاف. وقرأ مجاهد «لتحكم» بالتاء على الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم. # قوله تعالى: فيما اختلفوا فيه، يعني: الدين. قوله تعالى: وما اختلف فيه ~~في هذه الهاء ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تعود إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ~~قاله ابن مسعود. والثاني: إلى الدين، قاله مقاتل. # والثالث: إلى الكتاب، قاله أبو سليمان الدمشقي. فأما هاء «أوتوه» فعائدة ~~على الكتاب من غير خلاف. # قال الزجاج: ونصب «بغيا» على معنى المفعول له، فالمعنى: لم يوقعوا ~~الاختلاف إلا للبغي، لأنهم عالمون بحقيقة الأمر في كتبهم. وقال الفراء: ms0174 في ~~اختلافهم وجهان: أحدهما: كفر بعضهم بكتاب بعض. والثاني: تبديل ما بدلوا. ~~PageV01P177 # قوله تعالى: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه، أي: لمعرفة ما ~~اختلفوا فيه، أو تصحيح ما اختلفوا فيه. وفي الذي اختلفوا فيه ستة أقوال: # أحدها: أنه الجمعة، جعلها اليهود السبت، والنصارى الأحد. # (92) فروى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ~~وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله ~~له. اليوم لنا، وغدا لليهود، وبعد غد للنصارى» . # والثاني: أنه الصلاة، فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم من يصلي إلى ~~المغرب. # والثالث: أنه إبراهيم. قالت اليهود: كان يهوديا، وقالت النصارى: كان ~~نصرانيا. # والرابع: أنه عيسى، جعلته اليهود لفرية، وجعلته النصارى إلها. # والخامس: أنه الكتاب، آمنوا ببعضها، وكفروا ببعضها. # والسادس: أنه الدين، وهو الأصح، لأن جميع الأقوال داخلة في ذلك. # قوله تعالى: بإذنه، قال الزجاج: إذنه: علمه. وقال غيره: أمره. قال بعضهم: ~~توفيقه. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 214] # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ~~ألا إن نصر الله قريب (214) # قوله تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، في سبب نزولها ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أن الصحابة أصابهم يوم الأحزاب بلاء وحصر، فنزلت هذه الآية، ذكره ~~السدي عن أشياخه وهو قول قتادة «1» . # (93) والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة هو وأصحابه ~~اشتد بهم الضر، فنزلت هذه الآية، قاله عطاء. والثالث: أن المنافقين قالوا ~~للمؤمنين: لو كان محمد نبيا لم يسلط عليكم القتل، فأجابوهم: # من قتل منا دخل الجنة، فقالوا: لم تمنون أنفسكم بالباطل؟ فنزلت هذه ~~الآية، قاله مقاتل. وزعم أنها نزلت يوم أحد «2» . # قال الفراء: أم حسبتم بمعنى: أظننتم، وقال الزجاج: «أم» بمعنى: بل. وقد ~~شرحنا «أم» فيما تقدم شرحا كافيا. والمثل بمعنى: الصفة. و «زلزلوا» خوفوا ms0175 ~~وحركوا بما يؤذي، وأصل الزلزلة في اللغة من: زل الشيء عن مكانه، فاذا قلت: ~~زلزلته، فتأويله: كررت زلزلته من مكانه، وكل ما كان فيه ترجيع كررت فيه فاء ~~الفعل، تقول: أقل فلان الشيء: إذا رفعه من مكانه، فاذا كرر رفعه ورده، قيل: ~~PageV01P178 # قلقله. فالمعنى: أنه تكرر عليهم التحريك بالخوف، قاله ابن عباس. البأساء: ~~الشدة والبؤس، والضراء: البلاء والمرض. وكل رسول بعث إلى أمته يقول: متى ~~نصر الله، والنصر: الفتح، والجمهور على فتح لام «حتى يقول» ، وضمها نافع. # فصل: ومعنى الآية: أن البلاء والجهد بلغ بالأمم المتقدمة إلى أن استبطئوا ~~النصر لشدة البلاء. # وقد دلت على أن طريق الجنة إنما هو الصبر على البلاء. # (94) قالت عائشة: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعا ~~من خبز بر حتى مضى لسبيله. # (95) وقال حذيفة: أقر أيامي لعيني، يوم أرجع إلى أهلي فيشكون إلي الحاجة. ~~قيل: ولم ذلك؟ # قال: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يتعاهد ~~المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالخير، وإن الله ليحمي المؤمن من ~~الدنيا، كما يحمي المريض أهله الطعام» . # أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا أبو سعيد بن أبي صادق، قال: أخبرنا ~~أبو عبد الله الشيرازي، قال: سمعت أبا الطيب بن الفرخان يقول: سمعت الجنيد ~~يقول: دخلت على سري السقطي وهو يقول: # وما رمت الدخول عليه حتى ... حللت محلة العبد الذليل # وأغضيت الجفون على قذاها ... وصنت النفس عن قال وقيل «1» ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 215] # يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (215) # قوله تعالى: يسئلونك ماذا ينفقون، في سبب نزولها قولان: # (96) أحدهما: أنها نزلت في عمرو بن الجموح الأنصاري، وكان له مال كثير، ~~فقال: يا PageV01P179 # رسول الله بماذا نتصدق، وعلى من ننفق؟ فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. # (97) والثاني: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن لي دينارا، ~~فقال: «أنفقه على نفسك» ms0176 ، فقال: إن لي دينارين، فقال: «أنفقهما على أهلك» ، ~~فقال: إن لي ثلاثة، فقال: «أنفقها على خادمك» ، فقال: إن لي أربعة، فقال: ~~«أنفقها على والديك» ، فقال: إن لي خمسة، فقال: «أنفقها على قرابتك» ، ~~فقال: إن لي ستة، فقال: «أنفقها في سبيل الله، وهو أحسنها» ، فنزلت فيه هذه ~~الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. # قال الزجاج: «ماذا» في اللغة على ضربين: أحدهما: أن تكون «ذا» بمعنى ~~الذي، و «ينفقون» صلته، فيكون المعنى: يسألونك: أي شيء الذي ينفقون؟ ~~والثاني: أن تكون «ما» مع «ذا» اسما واحدا، فيكون المعنى: يسألونك: أي شيء ~~الذي ينفقون، قال: وكأنهم سألوا: على من ينبغي أن يفضلوا، وما وجه الذي ~~ينفقون؟ لأنهم يعلمون ما المنفق، فأعلمهم الله أن أولى من أفضل عليه ~~الوالدان والأقربون. # والخير: المال، قاله ابن عباس في آخرين. وقال: ومعنى «فللوالدين» : فعلى ~~الوالدين. # فصل: وأكثر علماء التفسير على أن هذه الآية منسوخة، قال ابن مسعود: ~~نسختها آية الزكاة. # وذهب الحسن إلى إحكامها، وقال ابن زيد هي في النوافل، وهذا الظاهر من ~~الآية، لأن ظاهرها يقتضي الندب، ولا يصح أن يقال: إنها منسوخة، إلا أن ~~يقال: إنها اقتضت وجوب النفقة على المذكورين فيها. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 216] # كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) # قوله تعالى: كتب عليكم القتال، قال ابن عباس: لما فرض الله على المسلمين ~~الجهاد شق عليهم وكرهوه، فنزلت هذه الآية. و «كتب» بمعنى: فرض في قول ~~الجماعة. # قال الزجاج: كرهت الشيء أكرهه كرها وكرها، وكراهة وكراهية. وكل ما في ~~كتاب الله من الكره، فالفتح فيه جائز، إلا أن أبا عبيد ذكر أن الناس ~~مجتمعون على ضم هذا الحرف الذي في هذه الآية. وإنما كرهوه لمشقته على ~~النفوس، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى. وقال الفراء: الكره والكره: # لغتان. وكأن النحويين يذهبون بالكره إلى ما كان منك مما لم تكره عليه، ~~فإذا أكرهت على الشيء استحبوا ms0177 «كرها» بالفتح. وقال ابن قتيبة: الكره ~~بالفتح، معناه الإكراه والقهر، وبالضم معناه: المشقة. # ومن نظائر هذا: الجهد: الطاقة، والجهد: المشقة. ومنهم من يجعلهما واحدا. ~~وعظم الشيء: أكبره وعظمه: نفسه. وعرض الشيء: إحدى نواحيه. وعرضه: خلاف ~~طوله. والأكل: مصدر أكلت، والأكل: المأكول، وقال أبو علي: هما لغتان، ~~كالفقر والفقر، والضعف والضعف، والدف والدف، والشهد والشهد. قوله تعالى: ~~وعسى أن تكرهوا شيئا، قال ابن عباس: يعنى الجهاد. وهو خير لكم فتح وغنيمة ~~أو شهادة. وعسى أن تحبوا شيئا وهو القعود عنه. وهو شر لكم، لا تصيبون ~~PageV01P180 # فتحا ولا غنيمة ولا شهادة. والله يعلم أن الجهاد خير لكم. وأنتم لا ~~تعلمون حين أحببتم القعود عنه. # فصل: اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنها من المحكم الناسخ للعفو عن المشركين. والثاني: أنها منسوخة، لأنها ~~أوجبت الجهاد على الكل، فنسخ ذلك بقوله تعالى: وما كان المؤمنون لينفروا ~~كافة «1» . والثالث: إنها ناسخة من وجه، منسوخة من وجه. وقالوا: إن الحال ~~في القتال كانت على ثلاثة مراتب: الأولى: المنع من القتال، ومنه قوله ~~تعالى: ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم «2» . والثانية: أمر الكل ~~بالقتال، ومنه قوله تعالى: انفروا خفافا وثقالا «3» ، ومثلها هذه الآية. ~~والثالثة: كون القتال فرضا على الكفاية، وهو قوله تعالى: وما كان المؤمنون ~~لينفروا كافة، فيكون الناسخ منها إيجاب القتال بعد المنع منه، والمنسوخ ~~وجوب القتال على الكل. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 217] # يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله ~~وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من ~~القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد ~~منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (217) # قوله تعالى: يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه. # (98) روى جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطا ~~واستعمل عليهم أبا عبيدة بن الحارث فلما ms0178 انطلق ليتوجه بكى صبابة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فبعث مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا، ~~وأمره ألا يقرأه إلا بمكان كذا وكذا، وقال: «لا تكرهن أحدا من أصحابك على ~~المسير معك» ، فلما صار إلى المكان، قرأ الكتاب واسترجع، وقال: سمعا وطاعة ~~لأمر الله ولرسوله فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب. فرجع رجلان من أصحابه، ~~ومضى بقيتهم، فأتوا ابن الحضرمي فقتلوه، فلم يدروا ذلك اليوم، أمن رجب، أو ~~من جمادى الآخرة؟ فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأتوا ~~PageV01P181 # النبي فحدثوه الحديث فنزلت هذه الآية، فقال بعض المسلمين: لئن كان أصابهم ~~خير فما لهم أجر، فنزلت: إن الذين آمنوا والذين هاجروا إلى قوله: رحيم. # قال الزهري: اسم ابن الحضرمي: عمرو، واسم الذي قتله عبد الله بن واقد ~~الليثي. قال ابن عباس: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يظنون تلك ~~الليلة من جمادى، وكانت أول رجب. # وقد روى عطية عن ابن عباس أنها نزلت في شيئين: أحدهما: هذا. والثاني: ~~دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة في شهر حرام يوم الفتح، حين عاب ~~المشركون عليه القتال في شهر حرام «1» . # وفي السائلين النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك قولان: أحدهما: أنهم ~~المسلمون، سألوه: هل أخطئوا أم أصابوا؟ قاله ابن عباس وعكرمة ومقاتل. ~~والثاني: أنهم المشركون سألوه على وجه العيب على المسلمين، قاله الحسن، ~~وعروة، ومجاهد. والشهر الحرام: شهر رجب، وكان يدعى الأصم، لأنه لم يكن يسمع ~~فيه للسلاح قعقعة تعظيما له، قتال فيه أي: يسألونك عن قتال فيه. قل قتال ~~فيه كبير قال ابن مسعود وابن عباس: لا يحل. قال القاضي أبو يعلى: كان أهل ~~الجاهلية يعتقدون تحريم القتال في هذه الأشهر، فأعلمهم الله تعالى في هذه ~~الآية ببقاء التحريم. # فصل: اختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم: هل هو باق أم نسخ؟ ~~على قولين «2» : أحدهما: أنه باق. روى ابن جريج أن عطاء كان يحلف بالله: ما ~~يحل للناس الآن أن يغزوا في الحرم، ولا في ms0179 الأشهر الحرم، إلا أن يقاتلوا ~~فيه أو يغزوا، وما نسخت. والثاني: أنه منسوخ، قال سعيد بن المسيب، وسليمان ~~بن يسار: القتال جائز في الشهر الحرام، هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم «3» ، وبقوله تعالى: قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر «4» ، وهذا قول فقهاء الأمصار. PageV01P182 # قوله تعالى: وصد عن سبيل الله، هو مرفوع بالابتداء، وخبر هذه الأشياء: ~~أكبر عند الله. # وفي المراد ب «سبيل الله» هاهنا قولان: أحدهما: أنه الحج، لأنهم صدوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن مكة. قاله ابن عباس والسدي عن أشياخه. ~~والثاني: أنه الإسلام، قاله مقاتل. وفي هاء الكناية في قوله «وكفر به» ~~قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى، قاله السدي عن أشياخه، وقتادة، ~~ومقاتل، وابن قتيبة. # والثاني: أنها تعود إلى السبيل، قاله ابن عباس. قال ابن قتيبة: وخفض ~~«المسجد الحرام» نسقا على: # سبيل الله، كأنه قال: وصد عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام. قوله تعالى: ~~وإخراج أهله منه لما آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اضطروهم ~~إلى الخروج فكأنهم أخرجوهم، فأعلمهم الله أن هذه الأفعال أعظم من قتل كل ~~كافر. «والفتنة» هاهنا بمعنى الشرك، قاله ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وابن ~~جبير، وقتادة، والجماعة. والفتنة في القرآن على وجوه كثير، قد ذكرتها في ~~كتاب «النظائر» . ولا يزالون، يعني الكفار، يقاتلونكم يعني: المسلمين. ~~وحبطت بمعنى: بطلت. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 218] # إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت ~~الله والله غفور رحيم (218) # قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هاجروا، في سبب نزولها قولان: أحدهما: ~~أنه لما نزل القرآن بالرخصة لأصحاب عبد الله بن جحش في قتل ابن الحضرمي، ~~قال بعض المسلمين: ما لهم أجر، فنزلت هذه الآية «1» ، وقد ذكرنا هذا في سبب ~~نزول قوله تعالى: يسئلونك عن الشهر الحرام، عن جندب بن عبد الله. والثاني: ~~أنه لما نزلت لهم الرخصة قاموا، فقالوا: يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا ~~غزاة نعطى فيها أجر المجاهدين، فنزلت ms0180 هذه الآية «2» ، قاله ابن عباس. وقال: ~~هاجروا من مكة إلى المدينة، وجاهدوا في طاعة الله ابن الحضرمي وأصحابه. ~~ورحمت الله: مغفرته وجنته. قال الشعبي: أول لواء عقد في الإسلام لواء عبد ~~الله بن جحش، وأول مغنم قسم في الإسلام: مغنمه. ### | [سورة البقرة (2) : آية 219] # يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر ~~من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون (219) # قوله تعالى: يسئلونك عن الخمر والميسر، في سبب نزولها قولان: # (99) أحدهما: أن عمر بن الخطاب قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، ~~فنزلت هذه الآية. # (100) والثاني: أن جماعة من الأنصار جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وفيهم عمر، ومعاذ، فقالوا: أفتنا PageV01P183 # في الخمر، فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال، فنزلت هذه الآية. # وفي تسمية الخمر خمرا ثلاثة أقوال: أحدها: أنها سميت خمرا، لأنها تخامر ~~العقل، أي: # تخالطه. والثاني: لأنها تخمر العقل، أي: تستره. والثالث: أنها تخمر، أي: ~~تغطى. ذكر هذه الأقوال محمد بن القاسم. وقال الزجاج: الخمر في اللغة: ما ~~ستر على العقل، يقال: دخل فلان في خمار الناس، أي: في الكثير الذي يستتر ~~فيهم، وخمار المرأة قناعها، سمي خمارا لأنه يغطي. قال: والخمر هاهنا في ~~المجمع عليها، وقياس كل ما عمل عملها أن يقال له: خمر، وأن يكون في التحريم ~~بمنزلتها، لأن العلماء أجمعوا على أن القمار كله حرام، وإنما ذكر الميسر من ~~بينه، وجعل كله قياسا على الميسر، والميسر إنما يكون قمارا في الجزر «1» ~~خاصة. فأما الميسر، فقال ابن عباس، وابن عمر، والحسن، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد، وقتادة في الآخرين: هو القمار. قال ابن قتيبة: يقال: يسرت: إذا ~~ضربت بالقداح، ويقال للضارب بالقداح: ياسر وياسرون، ويسر وأيسار. وكان ~~أصحاب الثروة والأجواد في الشتاء عند شدة الزمان وكلبه ينحرون جزورا ~~ويجزئونها أجزاء ثم يضربون عليها بالقداح فاذا قمر القامر، جعل ذلك لذوي ~~الحاجة والمسكنة، وهو النفع الذي ذكره الله تعالى، وكانوا يتمادحون بأخذ ~~القداح، ويتسابون بتركها ويعيبون من لا ms0181 ييسر. # قوله تعالى: قل فيهما إثم كبير، قرأ الأكثرون «كبير» بالباء، وقرأ حمزة ~~والكسائي بالثاء. # وفي إثم الخمر ثلاثة أقوال: أحدها: أن شربها ينقص الدين، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنه إذا شرب سكر فآذى الناس، رواه السدي عن أشياخه. والثالث: أنه ~~وقوع العداوة والبغضاء وتغطية العقل الذي يقع به التمييز، قاله الزجاج. وفي ~~إثم الميسر قولان: أحدهما: أنه يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة، ويوقع ~~العداوة، قاله ابن عباس. والثاني: أنه يدعو إلى الظلم ومنع الحق. رواه ~~السدي عن أشياخه وجائز أن يراد جميع ذلك. وأما منافع الخمر فمن وجهين: ~~أحدهما: الربح في بيعها. والثاني: انتفاع الأبدان «2» مع التذاذ النفوس. ~~وأما منافع الميسر: فاصابة الرجل المال من غير تعب. وفي قوله تعالى: # وإثمهما أكبر من نفعهما، قولان: أحدهما: أن معناه: وإثمهما بعد التحريم ~~أكبر من نفعهما قبل التحريم، قاله سعيد بن جبير والضحاك ومقاتل. والثاني: ~~وإثمهما قبل التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم أيضا. لأن الإثم الذي يحدث ~~في أسبابهما أكبر من نفعهما. وهذا منقول عن ابن جبير أيضا، واختلفوا بماذا ~~كانت الخمرة مباحة؟ على قولين: أحدهما: بقوله تعالى: ومن ثمرات النخيل ~~والأعناب تتخذون منه سكرا «3» ، قاله ابن جبير. والثاني: بالشريعة الاولى، ~~وأقر المسلمون على ذلك حتى حرمت. # فصل: اختلف العلماء: هل لهذه الآية تأثير في تحريم الخمر أم لا؟ على ~~قولين: أحدهما: أنها PageV01P184 # تقتضي ذمها دون تحريمها، رواه السدي عن أشياخه، وبه قال سعيد بن جبير، ~~ومجاهد وقتادة، ومقاتل. وعلى هذا القول تكون هذه الآية منسوخة. والقول ~~الثاني: أن لها تأثيرا في التحريم، وهو أن الله تعالى أخبر أن فيها إثما ~~كبيرا والإثم كله محرم بقوله: والإثم والبغي «1» ، هذا قول جماعة من ~~العلماء، وحكاه الزجاج، واختاره القاضي أبو يعلى للعلة التي بيناها، واحتج ~~لصحته بعض أهل المعاني، فقال: لما قال تعالى: فيهما إثم كبير ومنافع للناس، ~~وقع التساوي بين الأمرين، فلما قال: وإثمهما أكبر من نفعهما صار الغالب ~~الإثم، وبقي النفع مستغرقا في جنب الإثم، فعاد الحكم للغالب المستغرق، ms0182 فغلب ~~جانب الخطر. # فصل: فأما الميسر فالقول فيه مثل القول في الخمر، إن قلنا: إن هذه الآية ~~دلت على التحريم، فالميسر حكمها حرام أيضا، وإن قلنا: إنها دلت على الكراهة ~~فأقوم الأقوال أن نقول: إن الآية التي في المائدة نصت على تحريم الميسر. # قوله تعالى: ويسئلونك ماذا ينفقون، قال ابن عباس: الذي سأله عن ذلك عمرو ~~بن الجموح. # قال ابن قتيبة: والمراد بالنفقة هاهنا: الصدقة والعطاء. قوله تعالى: قل ~~العفو، قرأ أبو عمرو برفع واو «العفو» ، وقرأ الباقون بنصبها، قال أبو علي: ~~«ماذا» في موضع نصب، فجوابه العفو بالنصب، كما تقول في جواب: ماذا أنفقت؟ ~~درهما، أي: أنفقت درهما، هذا وجه نصب العفو. ومن رفع جعل «ذا» بمنزلة الذي، ~~ولم يجعل «ماذا» اسما واحدا، فاذا قال قائل: ماذا أنزل ربكم؟ فكأنه قال: ما ~~الذي أنزل ربكم؟ فجوابه: قرآن. قال الزجاج: «العفو» في اللغة: الكثرة ~~والفضل، يقال: قد عفا القوم: إذا كثروا. و «العفو» : يأتي بغير كلفة. وقال ~~ابن قتيبة: العفو: الميسور. يقال: خذ ما عفاك، أي: ما أتاك سهلا بلا إكراه ~~ولا مشقة. # وللمفسرين في المراد بالعفو هاهنا خمسة أقوال: أحدها: أنه ما يفضل عن ~~حاجة المرء وعياله، رواه مقسم عن ابن عباس. والثاني: ما تطيب به أنفسهم من ~~قليل وكثير، رواه عطية عن ابن عباس. # والثالث: أنه القصد من الإسراف والإقتار، قاله الحسن، وعطاء، وسعيد بن ~~جبير. والرابع: أنه الصدقة المفروضة، قاله مجاهد. والخامس: أنه ما لا يتبين ~~عليهم مقداره، من قولهم: عفا الأثر إذا خفي ودرس، حكاه شيخنا عن طائفة من ~~المفسرين «2» . # فصل: وقد تكلم علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فروى السدي عن أشياخه ~~أنها نسخت بالزكاة، وأبى نسخها آخرون. وفصل الخطاب في ذلك: أنا متى قلنا: ~~إنه فرض عليهم بهذه الآية التصدق بفاضل المال، أو قلنا: أوجبت عليهم هذه ~~الآية صدقة قبل الزكاة، فالآية منسوخة بآية الزكاة، PageV01P185 # ومتى قلنا: إنها محمولة على الزكاة المفروضة كما قال مجاهد، أو على ~~الصدقة المندوب إليها، فهي محكمة. # قوله تعالى: ms0183 كذلك يبين الله، قال الزجاج: إنما قال كذلك، وهو يخاطب ~~جماعة، لأن الجماعة معناها: القبيل، كأنه قال: كذلك يا أيها القبيل. وجائز ~~أن تكون الكاف للنبي صلى الله عليه وسلم، كأنه قال: # كذلك يا أيها النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الخطاب له مشتمل على خطاب ~~أمته. وقال ابن الأنباري: الكاف في «كذلك» إشارة إلى ما بين من الإنفاق، ~~فكأنه قال: مثل ذلك الذي بينه لكم في الإنفاق يبين الآيات. # ويجوز أن يكون «كذلك» غير إشارة إلى ما قبله، فيكون معناه: هكذا، قاله ~~ابن عباس. لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة فتعرفون فضل ما بينهما، فتعملون ~~للباقي منهما. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 220] # في الدنيا والآخرة ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز ~~حكيم (220) # قوله تعالى: ويسئلونك عن اليتامى، في سبب نزولها قولان: # (101) أحدهما: أنه لما أنزل الله تعالى: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ~~هي أحسن # «1» ، وإن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما «2» ، انطلق من كان عنده مال ~~يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، وجعل يفضل الشيء من طعامه ~~فيحبس له حتى يأكله أو يفسد. فاشتد ذلك عليهم، فذكروه للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، ~~ومقاتل. # (102) والثاني: أن العرب كانوا يشددون في أمر اليتيم حتى لا يأكلون معه ~~في قصعته، ولا يستخدمون له خادما، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~مخالطتهم، فنزلت هذه الآية، ذكره السدي عن أشياخه، وهو قول الضحاك. # وفي السائلين للنبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك قولان: أحدهما: أن الذي ~~سأله ثابت بن رفاعة الأنصاري، قاله مقاتل. والثاني: عبد الله بن رواحة، ~~قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: قل إصلاح لهم خير، قال ابن قتيبة: معناه: تثمير أموالهم، ~~والتنزه عن أكلها لمن وليها خير. وإن تخالطوهم فإخوانكم، أي: فهم إخوانكم، ~~حكمهم في ذلك حكم إخوانكم. قال ابن عباس: والمخالطة: ms0184 أن يشرب من لبنك، ~~وتشرب من لبنه، ويأكل في قصعتك، وتأكل في قصعته. PageV01P186 # والله يعلم المفسد من المصلح، يريد: المتعمد أكل مال اليتيم، من المتحرج ~~الذي لا يألو إلا الإصلاح. ولو شاء الله لأعنتكم، قال ابن عباس: أي ~~لأحرجكم، ولضيق عليكم. وقال ابن الأنباري: أصل العنت: التشديد. تقول العرب: ~~فلان يتعنت فلانا ويعنته، أي: يشدد عليه، ويلزمه المشاق، قال: ثم نقلت إلى ~~معنى الهلاك، واشتقاق الحرف «1» من قول العرب: أكمة عنوت: إذا كانت شديدة ~~شاقة المصعد، فجعلت هذه اللفظة مستعملة في كل شدة. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 221] # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا ~~تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون ~~إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم ~~يتذكرون (221) # قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن في سبب نزولها قولان: # (103) أحدهما: أن رجلا يقال له: مرثد بن أبي مرثد بعثه النبي صلى الله ~~عليه وسلم، إلى مكة ليخرج ناسا من المسلمين بها أسرى، فلما قدمها سمعت به ~~امرأة يقال لها: عناق، وكانت خليلة له في الجاهلية، فلما أسلم أعرض عنها، ~~فأتته فقالت: ويحك يا مرثد، ألا تخلو؟ فقال: إن الإسلام قد حال بيني وبينك، ~~ولكن إن شئت تزوجتك، إذا رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، استأذنته ~~في ذلك، فقالت: أبي يتبرم؟! واستغاثت عليه، فضربوه ضربا شديدا، ثم خلوا ~~سبيله، فلما قضى حاجته بمكة رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله: أتحل ~~لي أن أتزوجها؟ فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس. وذكر مقاتل بن سليمان ~~أنه أبو مرثد الغنوي. # (104) والثاني: أن عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها ~~فلطمها، ثم فزع، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبرها فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «وما هي يا عبد الله» ؟ فقال: يا رسول الله، هي ~~تصوم وتصلي وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، ms0185 وأنك رسول الله، فقال: ~~«يا عبد الله، هذه مؤمنة» . فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها ~~ففعل، فعابه ناس من المسلمين، وقالوا: أنكح أمة، وكانوا يرغبون في نكاح ~~المشركات رغبة في أحسابهن، فنزلت هذه الآية. رواه السدي عن أشياخه. وقد ذكر ~~بعض المفسرين أن قصة عناق وأبي مرثد كانت سببا لنزول قوله تعالى: ولا ~~تنكحوا المشركات حتى يؤمن PageV01P187 # ، وقصة ابن رواحة كانت سببا لنزول قوله تعالى: ولأمة مؤمنة خير من مشركة. # فأما التفسير، فقال المفضل: أصل النكاح: الجماع، ثم كثر ذلك حتى قيل ~~للعقد: نكاح. وقد حرم الله عز وجل نكاح المشركات عقدا ووطأ. وفي «المشركات» ~~هاهنا قولان: أحدهما: أنه يعم الكتابيات وغيرهن، وهو قول الأكثرين «1» . ~~والثاني: أنه خاص في الوثنيات، وهو قول سعيد بن جبير، والنخعي، وقتادة. وفي ~~المراد بالأمة قولان: أحدهما: أنها المملوكة، وهو قول الأكثرين، فيكون ~~المعنى: ولنكاح أمة مؤمنة خير من نكاح حرة مشركة. والثاني: أنها المرأة، ~~وإن لم تكن مملوكة، كما يقال: هذه أمة الله، هذا قول الضحاك، والأول أصح. ~~وفي قوله تعالى: ولو أعجبتكم قولان: # أحدهما: بجمالها وحسنها. والثاني: بحسبها ونسبها. # فصل: اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فقال القائلون بأن ~~المشركات الوثنيات: # هي محكمة، وزعم بعض من نصر هذا القول أن اليهود والنصارى ليسوا بمشركين ~~بالله، وإن جحدوا بنبوة نبينا. قال شيخنا: وهو قول فاسد من وجهين: أحدهما: ~~أن حقيقة الشرك ثابتة في حقهم حيث قالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله. ~~والثاني: أن كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، يوجب أن يقولوا: إن ما جاء به ~~ليس من عند الله، وإضافة ذلك إلى غير الله شرك. # فأما القائلون بأنها عامة في جميع المشركات، فلهم في ذلك قولان: أحدهما: ~~أن بعض حكمها PageV01P188 # منسوخ بقوله: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، وبقي الحكم في ~~غير أهل الكتاب محكما. # والثاني: أنها ليست بمنسوخة، ولا ناسخة، بل هي عامة في جميع المشركات، ~~وما أخرج عن عمومها من إباحة كافرة فدليل خاص، وهو قوله تعالى: والمحصنات ms0186 ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، فهذه خصصت عموم تلك من غير نسخ، وعلى هذا ~~عامة الفقهاء. وقد روي معناه عن جماعة من الصحابة، منهم: عثمان، وطلحة، ~~وحذيفة، وجابر، وابن عباس «1» . # قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركين، أي: لا تزوجوهم بمسلمة حتى يؤمنوا ~~والكلام في قوله تعالى: ولعبد مؤمن، وفي قوله تعالى: ولو أعجبكم، مثل ~~الكلام في أول الآية. # قوله تعالى: والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه، قرأ الجمهور بخفض ~~«المغفرة» وقرأ الحسن، والقزاز، عن أبي عمرو، برفعها. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 222] # ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين (222) # قوله تعالى: ويسئلونك عن المحيض. روى ثابت عن أنس، قال: # (105) كانت اليهود إذا حاضت المرأة منهن لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم ~~يجامعوها في البيوت، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت هذه ~~الآية، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤاكلوهن ويشاربوهن ويكونوا ~~معهن في البيوت، وأن يفعلوا كل شيء ما عدا النكاح. # (106) وقال ابن عباس: جاء رجل يقال له: ابن الدحداحة من الأنصار، إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: # كيف نصنع بالنساء إذا حضن؟ فنزلت هذه الآية. PageV01P189 # وفي المحيض قولان: أحدهما: أنه اسم للحيض، قال الزجاج: يقال: قد حاضت ~~المرأة تحيض حيضا ومحاضا ومحيضا. وقال ابن قتيبة: المحيض: الحيض. والثاني: ~~أنه اسم لموضع الحيض، كالمقيل، فإنه موضع القيلولة، والمبيت موضع البيتوتة. ~~وذكر القاضي أبو يعلى أن هذا ظاهر كلام أحمد. فأما أرباب القول الأول ~~فأكدوه بأن في اللفظ ما يدل على قولهم، وهو أنه وصفه بالأذى، وذلك صفة ~~لتفسير الحيض، لا لمكانه. وأما أرباب القول الثاني، فقالوا: لا يمتنع أن ~~يكون المحيض صفة لموضع، ثم وصفه بما قاربه وجاوره، كالعقيقة، فإنها اسم ~~لشعر الصبي، وسميت بها الشاة التي تذبح عند حلق رأسه مجازا. والراوية: اسم ~~للجمل، وسميت المزادة راوية مجازا. والأذى يحصل للواطئ بالنجاسة، ونتن ~~الريح. وقيل: يورث ms0187 جماع الحائض علة بالغة في الألم. فاعتزلوا النساء في ~~المحيض، المراد به اعتزال الوطء في الفرج، لأن المحيض نفس الدم أو نفس ~~الفرج، ولا تقربوهن، أي: لا تقربوا جماعهن، وهو تأكيد لقوله: فاعتزلوا ~~النساء. قوله تعالى: حتى يطهرن، قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وحفص، عن عاصم (حتى يطهرن) خفيفة. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو ~~بكر، عن عاصم (يطهرن) بتشديد الطاء والهاء وفتحهما. قال ابن قتيبة: # يطهرن: ينقطع عنهن الدم، يقال: طهرت المرأة وطهرت: إذا رأت الطهر، وإن لم ~~تغتسل بالماء. ومن قرأ: «يطهرن» بالتشديد أراد: يغتسلن بالماء. والأصل ~~يتطهرن، فأدغمت التاء في الطاء. قال ابن عباس ومجاهد: حتى يطهرن من الدم، ~~فاذا تطهرن اغتسلن بالماء. # قوله تعالى: فأتوهن إباحة من حظر، لا على الوجوب. قوله تعالى: من حيث ~~أمركم الله فيه أربعة أقوال: أحدها: أن معناه: من قبل الطهر، لا من قبل ~~الحيض، قاله ابن عباس، وأبو رزين، وقتادة، والسدي في آخرين. والثاني: أن ~~معناه: فأتوهن من حيث أمركم الله أن لا تقربوهن فيه، وهو محل الحيض، قاله ~~مجاهد. وقال من نصر هذا القول: إنما قال: أمركم الله، والمعنى: نهاكم، لأن ~~النهي أمر بترك المنهي عنه، و «من» بمعنى «في» ، كقوله تعالى: إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة «1» . والثالث: فأتوهن من قبل التزويج والحلال، لا من ~~قبل الفجور، قاله ابن الحنفية. # والرابع: أن معناه: فأتوهن من الجهات التي يحل أن تقرب فيها المرأة، ولا ~~تقربوهن من حيث لا ينبغي مثل أن كن صائمات أو معتكفات أو محرمات. وهذا قول ~~الزجاج وابن كيسان. وفي قوله تعالى: إن الله يحب التوابين، قولان: أحدهما: ~~التوابين من الذنوب، قاله عطاء، ومجاهد في آخرين. والثاني: # التوابين من إتيان الحيض، ذكره بعض المفسرين. وفي قوله: ويحب المتطهرين، ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: المتطهرين من الذنوب، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو العالية. ~~والثاني: المتطهرين بالماء، قاله عطاء. والثالث: المتطهرين من إتيان أدبار ~~النساء، روي عن مجاهد. PageV01P190 # فصل: أقل الحيض يوم وليلة في إحدى الروايتين عن ms0188 أحمد. والثانية: يوم «1» ~~. وقال أبو حنيفة: # أقله ثلاثة أيام. وقال مالك وداود: ليس لأقله حد. وفي أكثره روايتان عن ~~أحمد: إحداهما: خمسة عشر يوما، وهو قول مالك والشافعي. والثانية: سبعة عشر ~~يوما، وقال أبو حنيفة: أكثره عشرة أيام. # والحيض مانع من عشرة أشياء: فعل الصلاة، ووجوبها، وفعل الصيام دون وجوبه، ~~والجلوس في المسجد، والاعتكاف، والطواف، وقراءة القرآن، وحمل المصحف، ~~والاستمتاع فى الفرج، وحصول نية الطلاق. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 223] # نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا ~~أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (223) # قوله تعالى: نساؤكم حرث لكم، في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (107) أحدها: أن اليهود أنكرت جواز إتيان المرأة إلا من بين يديها، وعابت ~~من يأتيها على غير تلك الصفة، فنزلت هذه الآية. روي عن جابر، والحسن، ~~وقتادة. # (108) والثاني: أن حيا من قريش كانوا يتزوجون النساء بمكة، ويتلذذون بهن ~~مقبلات ومدبرات، فلما قدموا المدينة، تزوجوا من الأنصار، فذهبوا ليفعلوا ~~ذلك، فأنكرنه، وانتهى الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه ~~الآية. رواه مجاهد عن ابن عباس. # (109) والثالث: أن عمر بن الخطاب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: هلكت، حولت رحلي الليلة، PageV01P191 # فنزلت هذه الآية. رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والحرث: المزدرع، وكنى به هاهنا عن الجماع، فسماهن حرثا، لأنهن مزدرع ~~الأولاد، كالأرض للزرع، فان قيل: النساء جمع، فلم لم يقل: حروث؟ فعنه ثلاثة ~~أجوبة، ذكرها ابن القاسم الأنباري النحوي: أحدها: أن يكون الحرث مصدرا في ~~موضع الجمع، فلزمه التوحيد، كما تقول العرب: # إخوتك صوم، وأولادك فطر، يريدون: صائمين ومفطرين، فيؤدي المصدر بتوحيده ~~عن اللفظ المجموع. والثاني: أن يكون أراد: حروث لكم، فاكتفى بالواحد من ~~الجمع، كما قال الشاعر: # كلوا في نصف بطنكم تعيشوا # أي: في أنصاف بطونكم. والثالث: أنه إنما وحد الحرث، لأن النساء شبهن به، ~~ولسن من جنسه، والمعنى: نساؤكم مثل حروث لكم. # قوله تعالى: أنى شئتم، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بمعنى: كيف شئتم، ثم ~~فيه قولان: # أحدهما: أن المعنى: ms0189 كيف شئتم، مقبلة أو مدبرة، وعلى كل حال، إذا كان ~~الإتيان في الفرج. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وعطية، والسدي، وابن قتيبة ~~في آخرين. والثاني: أنها نزلت في العزل، قاله سعيد بن المسيب، فيكون ~~المعنى: إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا. والقول الثاني: أنه بمعنى: # إذا شئتم، ومتى شئتم، وهو قول ابن الحنفية والضحاك، وروي عن ابن عباس ~~أيضا. والثالث: أنه بمعنى: حيث شئتم، وهذا محكي عن ابن عمر ومالك بن أنس، ~~وهو فاسد من وجوه: أحدها: أن سالم بن عبد الله لما بلغه أن نافعا تحدث بذلك ~~عن ابن عمر، قال: كذب العبد، إنما قال عبد الله: # يؤتون في فروجهن من أدبارهن. وأما أصحاب مالك، فانهم ينكرون صحته عن مالك ~~«1» . PageV01P192 # (110) والثاني: أن أبا هريرة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ~~«ملعون من أتى النساء في أدبارهن» ، فدل على أن الآية لا يراد بها هذا. ~~والثالث: أن الآية نبهت على أنه محل الولد بقوله: فأتوا حرثكم، وموضع ~~الزرع: هو مكان الولد. قال ابن الأنباري: لما نص الله على ذكر الحرث، ~~والحرث به يكون النبات، والولد مشبه بالنبات، لم يجز أن يقع الوطء في محل ~~لا يكون منه ولد. والرابع: أن تحريم إتيان الحائض كان لعلة الأذى، والأذى ~~ملازم لهذا المحل لا يفارقه. # قوله تعالى: وقدموا لأنفسكم فيه أربعة أقوال: أحدها: أن معناه: وقدموا ~~لأنفسكم من العمل الصالح، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: وقدموا ~~التسمية عند الجماع، رواه عطاء عن ابن عباس. والثالث: وقدموا لأنفسكم في ~~طلب الولد، قاله مقاتل. والرابع: وقدموا طاعة الله واتباع أمره، قاله ~~الزجاج. PageV01P193 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 224] # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله ~~سميع عليم (224) # قوله تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم، في سبب نزولها أربعة أقوال: # (111) أحدها: أنها نزلت في عبد الله بن رواحة، كان بينه وبين ختنه «1» ~~شيء، فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه، وجعل يقول: قد حلفت بالله، ms0190 ~~ولا يحل لي، إلا أن تبر يميني، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. والثاني: ~~أن الرجل كان يحلف بالله أن لا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس، فنزلت هذه ~~الآية، قاله الربيع بن أنس. والثالث: أنها نزلت في أبي بكر حين حلف: لا ~~ينفق على مسطح، قاله ابن جريج «2» . والرابع: نزلت في أبي بكر، حلف أن لا ~~يصل ابنه عبد الرحمن حتى يسلم، قاله المقاتلان: ابن حيان، وابن سليمان «3» ~~. # قال الفراء: والمعنى: ولا تجعلوا الله معترضا لأيمانكم. وقال أبو عبيد: ~~نصبا لأيمانكم، كأنه يعني: أنكم تعترضونه في كل شيء فتحلفون به. # وفي معنى الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناها: لا تحلفوا بالله أن لا ~~تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس، هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، ~~وابن جبير، والضحاك، وقتادة، والسدي، ومقاتل، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج ~~في آخرين. والثاني: أن معناها: لا تحلفوا بالله كاذبين لتتقوا المخلوقين ~~وتبروهم، وتصلحوا بينهم بالكذب، روى هذا المعنى عطية عن ابن عباس. والثالث: ~~أن معناها: لا تكثروا الحلف بالله وإن كنتم بارين مصلحين، فان كثرة الحلف ~~بالله ضرب من الجرأة عليه، هذا قول ابن زيد. ### | [سورة البقرة (2) : آية 225] # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله ~~غفور حليم (225) # قوله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، قال الزجاج: اللغو في ~~كلام العرب: ما أطرح ولم يعقد عليه أمر، ويسمى ما لا يعتد به، لغوا. وقال ~~ابن فارس: اشتقاق ذلك من قولهم لما لا يعد من أولاد الإبل في الدية أو ~~غيرها لغو، يقال منه: لغا يلغو، وتقول: لغي بالأمر يلغى: إذا لهج به. وقيل: # إن اشتقاق اللغة منه: أي يلهج صاحبها بها. وفي المراد باللغو هاهنا خمسة ~~أقوال: أحدها: أن يحلف على الشيء ويظن أنه كما حلف، ثم يتبين له أنه ~~بخلافه، وإلى هذا المعنى ذهب أبو هريرة، وابن عباس، والحسن، وعطاء، ~~والشعبي، وابن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي عن أشياخه، ومالك، ومقاتل. ~~والثاني: أنه: لا والله، وبلى والله، من ms0191 غير قصد لعقد اليمين، وهو قول ~~عائشة، وطاوس، وعروة، والنخعي، والشافعي. واستدل أرباب هذا القول بقوله ~~تعالى: ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم، وكسب القلب: عقده وقصده، وهذان ~~القولان منقولان عن الإمام أحمد، روى عنه ابنه PageV01P194 # عبد الله أنه قال: اللغو عندي أن يحلف على اليمين، يرى أنه كذلك، ولا ~~كفارة. والرجل يحلف ولا يعقد قلبه على شيء، فلا كفارة. والثالث: أنه يمين ~~الرجل وهو غضبان، رواه طاوس عن ابن عباس. # والرابع: أنه حلف الرجل على معصية، فليحنث، وليكفر، ولا إثم عليه، قاله ~~سعيد بن جبير. # والخامس: أن يحلف الرجل على شيء، ثم ينساه، قاله النخعي. وقول عائشة أصح ~~الجميع. قال حنبل: سئل أحمد عن اللغو فقال: الرجل يحلف فيقول: لا والله، ~~وبلى والله، لا يريد عقد اليمين، فاذا عقد على اليمين لزمته الكفارة. قوله ~~تعالى: ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم، قال مجاهد: أي: # ما عقدت عليه قلوبكم. «والحليم» : ذو الصفح الذي لا يستفزه غضب، فيعجل، ~~ولا يستخفه جهل جاهل مع قدرته على العقوبة. قال أبو سليمان الخطابي: ولا ~~يستحق اسم الحليم من سامح مع العجز عن المجازاة، إنما الحليم الصفوح مع ~~القدرة، المتأني الذي لا يعجل بالعقوبة. وقد أنعم بعض الشعراء أبياتا في ~~هذا المعنى، فقال: # لا يدرك المجد أقوام وإن كرموا ... حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام # ويشتموا فترى الألوان مسفرة ... لا صفح ذل ولكن صفح أحلام # قال: ويقال: حلم الرجل يحلم حلما بضم اللام في الماضي والمستقبل. وحلم في ~~النوم، بفتح اللام، يحلم حلما، اللام في المستقبل والحاء في المصدر ~~مضمومتان. # فصل: الأيمان على ضربين، ماض ومستقبل، فالماضي على ضربين: يمين محرمة، ~~وهي: # اليمين الكاذبة، وهي أن يقول: والله ما فعلت، وقد فعل. أو: قد فعلت، وما ~~فعل. ويمين مباحة، وهي أن يكون صادقا في قوله: ما فعلت، أو: لقد فعلت. ~~والمستقبلة على خمسة أقسام: أحدها: يمين عقدها طاعة والمقام عليها طاعة، ~~وحلها معصية، مثل أن يحلف: لأصلين الخمس، ولأصومن رمضان، أو: لا شربت ~~الخمر. والثاني: عقدها معصية، والمقام ms0192 عليها معصية، وحلها طاعة، وهي عكس ~~الأولى. والثالث: يمين عقدها طاعة، والمقام عليها طاعة، وحلها مكرهة، مثل ~~أن يحلف: # ليفعلن النوافل من العبادات. والرابع: يمين عقدها مكروه، والمقام عليها ~~مكروه، وحلها طاعة، وهي عكس التي قبلها. والخامس: يمين عقدها مباح، والمقام ~~عليها مباح، وحلها مباح مثل أن يحلف: لا دخلت بلدا فيه من يظلم الناس، ولا ~~سلكت طريقا مخوفا، ونحو ذلك «1» . ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 226] # للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم (226) # قوله تعالى: للذين يؤلون من نسائهم. # (112) قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية إذا طلب الرجل من امرأته شيئا، ~~فأبت أن تعطيه PageV01P195 # حلف أن لا يقربها السنة، والثلاث، فيدعها لا أيما ولا ذات بعل، فلما كان ~~الإسلام جعل الله تعالى ذلك للمسلمين أربعة أشهر، وأنزل هذه الآية. وقال ~~سعيد بن المسيب: كان الإيلاء ضرار أهل الجاهلية، وكان الرجل لا يريد ~~المرأة، ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدا، فجعل الله ~~تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر، وأنزل هذه ~~الآية. قال ابن قتيبة: يؤلون، أي: يحلفون، يقال: آليت من امرأتي، أولي ~~إيلاء: إذا حلف لا يجامعها. والاسم: # الألية. وقال الزجاج: يقال من الإيلاء: آليت أولي إيلاء وألية وألوة ~~وألوة وإلوة، وهي بالكسر أقل اللغات، قال كثير: # قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن بدرت منه الألية برت # وحكي ابن الأنباري عن بعض اللغويين أنه قال: «من» بمعنى: «في» أو: «على» ~~، والتقدير: على وطء نسائهم، فحذف الوطء، وأقام النساء مقامه، كقوله تعالى: ~~ما وعدتنا على رسلك «1» ، أي: على ألسنة رسلك. وقيل: في الكلام حذف، ~~تقديره: يؤلون، يعتزلون من نسائهم. والتربص: الانتظار. ولا يكون مؤليا إلا ~~إذا حلف بالله لا يصيب زوجته أكثر من أربعة أشهر، فإن حلف على أربعة أشهر ~~فما دون، لم يكن مؤليا. وهذا قول مالك، وأحمد، والشافعي «2» . وفاؤوا: ~~رجعوا، ومعناه رجعوا إلى PageV01P196 # الجماع، قاله علي، وابن عباس، وابن جبير، ومسروق، والشعبي، وإذا كان ~~للمؤلي عذر ms0193 لا يقدر معه على الجماع، فإنه يقول: متى قدرت جامعتها، فيكون ~~ذلك من قوله فيئة فمتى قدر فلم يفعل، أمر بالطلاق، فان لم يطلق، طلق الحاكم ~~عليه. # قوله تعالى: فإن الله غفور رحيم، قال علي، وابن عباس: غفور لإثم اليمين. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 227] # وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (227) # قوله تعالى: وإن عزموا الطلاق، أي: حققوه «1» . وفي عزم الطلاق قولان: # أحدهما: أنه إذا مضت الأربعة أشهر استحق عليه أن يفيء، أو يطلق، وهو مروي ~~عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وسهل بن سعد، وعائشة، وطاوس، ومجاهد، ~~والحكم، وأبي صالح. # وحكاه أبو صالح عن اثني عشر رجلا من الصحابة، وهو قول مالك، وأحمد، ~~والشافعي. والثاني: أنه لا يفيء حتى يمضي أربعة أشهر، فتطلق بذلك من غير أن ~~يتكلم بطلاق. # واختلف أرباب هذا القول فيما سيلحقها من الطلاق على قولين: أحدهما: طلقة ~~بائنة. روي عن عثمان، وعلي، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وقبيصة بن ذؤيب. ~~والثاني: طلقة رجعية، روي عن سعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وابن ~~شبرمة. قوله تعالى: فإن الله سميع عليم فيه قولان: أحدهما: سميع لطلاقه، ~~عليم بنيته. والثاني: سميع ليمينه، عليم بها. ### | [سورة البقرة (2) : آية 228] # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ~~أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز ~~حكيم (228) # قوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، سبب نزولها: أن المرأة ~~كانت إذا طلقت وهي راغبة في زوجها، قالت: أنا حبلى، وليست حبلى، لكي ~~يراجعها، وإن كانت حبلى وهي كارهة، قالت: لست بحبلى، لكي لا يقدر على ~~مراجعتها. فلما جاء الإسلام ثبتوا على هذا، فنزل قوله تعالى: PageV01P197 # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة «1» ، ثم ~~نزلت: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # فأما التفسير فالطلاق: التخلية. قال ابن الأنباري: هي من ms0194 قول العرب: ~~أطلقت الناقة، فطلقت: # إذا كانت مشدودة، فأزلت الشد عنها، وخليتها، فشبه ما يقع للمرأة بذلك، ~~لأنها كانت متصلة الأسباب بالرجل، وكانت الأسباب كالشد لها فلما طلقها قطع ~~الأسباب. ويقال: طلقت المرأة وطلقت. وقال غيره: الطلاق: من أطلقت الشيء من ~~يدي، إلا أنهم لكثرة استعمالهم اللفظتين فرقوا بينهما، ليكون التطليق ~~مقصورا في الزوجات. وأما القروء: فيراد بها: الأطهار، ويراد بها الحيض. ~~يقال: أقرأت المرأة إذا حاضت، وأقرأت: إذا طهرت. # (113) قال النبي صلى الله عليه وسلم في المستحاضة: «تقعد أيام أقرائها» ، ~~يريد: أيام حيضها. # وقال الأعشى: # وفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا «2» # مورثة مالا، وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا # أراد بالقروء: الأطهار، لأنه لما خرج عن نسائه أضاع أطهارهن. واختلف أهل ~~اللغة في أصل القروء على قولين: أحدهما: أن أصله الوقت، يقال: رجع فلان ~~لقرئه، أي: لوقته الذي كان يرجع PageV01P198 # فيه، ورجع لقارئه أيضا. قال الهذلي: # كرهت العقر عقر بني شليل ... إذا هبت لقارئها الرياح # فالحيض يأتي لوقت، والطهر يأتي لوقت، هذا قول ابن قتيبة. والثاني: أن ~~أصله الجمع. # وقولهم: قرأت القرآن، أي: لفظت به مجموعا. والقرء: اجتماع الدم في البدن، ~~وذلك إنما يكون في الظهر، وقد يجوز أن يكون اجتماعه في الرحم، وكلاهما حسن، ~~هذا قول الزجاج. # واختلف الفقهاء في الأقراء على قولين «1» : أحدهما: أنها الحيض، روي عن ~~عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، ~~وعكرمة، والضحاك، والسدي، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وأبي ~~حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل رضي الله عنه، فإنه قال: قد كنت أقول: إن ~~القروء: الأطهار، وأنا اليوم أذهب إلى أنها الحيض. والثاني: أنها الأطهار، ~~روي عن زيد بن ثابت، وابن عمر، وعائشة، والزهري، وأبان بن عثمان، ومالك بن ~~أنس، والشافعي، وأومأ إليه أحمد. # ولفظ قوله تعالى: والمطلقات يتربصن، لفظ الخبر، ومعناه: الأمر، كقوله ~~تعالى: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين «2» ، وقد يأتي لفظ الأمر في ~~معنى الخبر كقوله تعالى: فليمدد له الرحمن ms0195 مدا «3» ، والمراد بالمطلقات في ~~هذه الآية، البالغات المدخول بهن غير الحوامل. قوله تعالى: ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحمل، قاله ~~عمر، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: ~~أنه الحيض، قاله عكرمة، وعطية، والنخعي، والزهري. والثالث: الحمل والحيض، ~~قاله ابن عمر، وابن زيد. وقوله تعالى: إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر، خرج ~~مخرج الوعيد لهن والتوكيد، قال الزجاج: وهو كما تقول للرجل: إن كنت مؤمنا ~~فلا تظلم. وفي سبب وعيدهم بذلك قولان: أحدهما: أنه لأجل ما يستحقه الزوج من ~~الرجعة، قاله ابن عباس. والثاني: لأجل إلحاق الولد بغير أبيه، قاله قتادة. ~~وقيل: كانت المرأة إذا PageV01P199 # رغبت عن زوجها، قالت: إني حائض، وقد طهرت. وإذا زهدت فيه، كتمت حيضها حتى ~~تغتسل، فتفوته. # والبعولة: الأزواج. و «ذلك» : إشارة إلى العدة، قاله مجاهد، والنخعي، ~~وقتادة في آخرين. # وفي الآية دليل على أن خصوص آخر اللفظ لا يمنع عموم أوله، ولا يوجب ~~تخصيصه، لأن قوله تعالى: والمطلقات يتربصن، عام في المبتوتات والرجعيات، ~~وقوله تعالى: وبعولتهن أحق بردهن خاص في الرجعيات. # قوله تعالى: إن أرادوا إصلاحا، قيل: إن الرجل كان إذا أراد الإضرار ~~بامرأته، طلقها واحدة وتركها، فاذا قارب انقضاء عدتها راجعها، ثم تركها ~~مدة، ثم طلقها، فنهوا عن ذلك. وظاهر الآية يقتضي أنه إنما يملك الرجعة على ~~غير وجه المضارة بتطويل العدة عليها، غير أنه قد دل قوله تعالى: # ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا، على صحة الرجعة وإن قصد الضرار، لأن الرجعة ~~لو لم تكن صحيحة إذا وقعت على وجه الضرار لما كان ظالما بفعلها. # قوله تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وهو: المعاشرة الحسنة، ~~والصحبة الجميلة. # (114) روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن حق المرأة على الزوج ~~فقال: «أن يطعمها إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه، ولا يقبح، ~~ولا يهجر إلا في البيت» . # وقال ابن عباس: إني أحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي لهذه ms0196 ~~الآية. # قوله تعالى: وللرجال عليهن درجة، قال ابن عباس: بما ساق إليها من المهر، ~~وأنفق عليها من المال. وقال مجاهد: بالجهاد والميراث. وقال أبو مالك: ~~يطلقها، وليس لها من الأمر شيء. وقال الزجاج: تنال منه من اللذة كما ينال ~~منها، وله الفضل بنفقته. # (115) وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو أمرت ~~أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» . PageV01P200 # وقالت ابنة سعيد بن المسيب: ما كنا نكلم أزواجنا إلا كما تكلمون أمراءكم. # فصل: اختلف العلماء في هذه الآية: هل تدخل في الآيات المنسوخات أم لا؟ ~~على قولين: # أحدهما: أنها تدخل في ذلك. واختلف هؤلاء في المنسوخ منها، فقال قوم: ~~المنسوخ منها قوله تعالى: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، وقالوا: فكان يجب على كل مطلقة أن ~~تعتد بثلاثة قروء، فنسخ حكم الحامل بقوله تعالى: وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن «1» ، وحكم المطلقة قبل الدخول بقوله تعالى: إذا نكحتم المؤمنات ~~ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها «2» ، وهذا ~~مروي عن ابن عباس، والضحاك في آخرين. وقال قوم: أولها محكم، والمنسوخ قوله ~~تعالى: وبعولتهن أحق بردهن، قالوا: كان الرجل إذا طلق امرأته كان أحق ~~برجعتها، سواء كان الطلاق ثلاثا، أو دون ذلك، فنسخ بقوله تعالى: فإن طلقها ~~فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره «3» . # والقول الثاني: أن الآية كلها محكمة، فأولها عام. والآيات الواردة في ~~العدد خصت ذلك من العموم، وليس بنسخ. وأما ما قيل في الارتجاع، فقد ذكرنا ~~أن معنى قوله تعالى: وبعولتهن أحق بردهن في ذلك، أي: في العدة قبل انقضاء ~~القروء الثلاثة، وهذا القول هو الصحيح. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 229] # الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد ~~حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) # قوله ms0197 تعالى: الطلاق مرتان. PageV01P201 # (116) سبب نزولها: أن الرجل كان يطلق امرأته، ثم يراجعها ليس لذلك شيء ~~ينتهي إليه، فقال رجل من الأنصار لامرأته: والله لا أؤويك إلي أبدا ولا ~~تحلين مني. فقالت: كيف ذلك؟ قال: أطلقك، فاذا دنا أجلك، راجعتك، فذهبت إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، تشكو إليه ذلك فنزلت هذه الآية، فاستقبلها الناس ~~جديدا من كان طلق، ومن لم يكن يطلق. رواه هشام بن عروة عن أبيه. # فأما التفسير، ففي قوله تعالى: الطلاق مرتان قولان: أحدهما: أنه بيان ~~لسنة الطلاق، وأن يوقع في كل قرء طلقة، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: ~~أنه بيان للطلاق الذي تملك معه الرجعة، قاله عروة، وقتادة، وابن قتيبة، ~~والزجاج في آخرين. # قوله تعالى: فإمساك بمعروف، معناه: فالواجب عليكم إمساك بمعروف، وهو ما ~~يعرف من إقامة الحق في إمساك المرأة. وقال عطاء، ومجاهد، والضحاك، والسدي: ~~المراد بقوله تعالى: # فإمساك بمعروف: الرجعة بعد الثانية. وفي قوله تعالى: أو تسريح بإحسان، ~~قولان: # أحدهما: أن المراد به: الطلقة الثالثة، قاله عطاء، ومجاهد، ومقاتل. # والثاني: أنه الإمساك عن رجعتها حتى تنقضي عدتها، قاله الضحاك، والسدي. ~~قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء وهذا هو الصحيح، لأنه قال ~~عقيب الآية: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره، والمراد بهذه ~~الطلقة الثالثة بلا شك، فيجب إذن أن يحمل قوله تعالى: أو تسريح بإحسان على ~~تركها حتى تنقضي عدتها، لأنه إن حمل على الثالثة، وجب أن يحمل قوله تعالى: ~~فإن طلقها على رابعة، وهذا لا يجوز. # فصل: الطلاق على أربعة أضرب: واجب، ومندوب إليه، ومحظور، ومكروه. ~~فالواجب: # طلاق المؤلي بعد التربص، إذا لم يفئ، وطلاق الحكمين في شقاق الزوجين، إذا ~~رأيا الفرقة. # والمندوب: إذا لم يتفقا، واشتد الشقاق بينهما، ليتخلصا من الإثم. ~~والمحظور: في الحيض، إذا كانت مدخولا بها، وفي طهر جامعها فيه قبل أن تطهر. ~~والمكروه: إذا كانت حالهما مستقيمة، وكل واحد منهما قيم بحال صاحبه. # قوله تعالى: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن ms0198 شيئا. # (117) نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، أتت زوجته إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقالت: والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خلق، ولكني أكره الكفر في ~~الإسلام، لا أطيقه بغضا. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: PageV01P202 # «أتردين عليه حديقته» ؟ قالت: نعم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم، أن ~~يأخذها، ولا يزداد. رواه عكرمة عن ابن عباس. واختلفوا في اسم زوجته، فقال ~~ابن عباس: جميلة. ونسبها يحيى بن أبي كثير، فقال: جميلة بنت عبد الله بن ~~أبي بن سلول، وكناها مقاتل، فقال: أم حبيبة بنت عبد الله بن أبي. وقال ~~آخرون: إنما هي جميلة أخت عبد الله بن أبي، وروى يحيى بن سعيد عن عمرة ~~روايتين: إحداهما: أنها حبيبة بنت سهل. والثانية: سهلة بنت حبيب. وهذا ~~الخلع أول خلع كان في الإسلام. والخوف في الآية بمعنى: # العلم. والحدود قد سبق بيان معناها. # ومعنى الآية: أن المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها لبغضها إياه، ~~وخاف الزوج أن يعتدي عليها لامتناعها عن طاعته جاز له أن يأخذ منها الفدية، ~~إذا طلبت ذلك. هذا على قراءة الجمهور في فتح «ياء» يخافا، وقرأ الحسن، ~~ومجاهد، وأبو جعفر، وحمزة والأعمش: (يخافا) بضم الياء. قوله تعالى فإن ~~خفتم، قال قتادة: هو خطاب للولاة، فلا جناح عليهما على المرأة فيما افتدت ~~به، وعلى الزوج فيما أخذ، لأنه ثمن حقه. وقال الفراء: يجوز أن يراد الزوج ~~وحده، وإن كانا قد ذكرا جميعا كقوله تعالى: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان «1» ~~، وإنما يخرج من أحدهما. # وقوله: نسيا حوتهما «2» : وإنما نسي أحدهما. # فصل: وهل يجوز له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها؟ فيه قولان «3» : أحدهما: ~~يجوز، وبه قال عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن عباس والحسن ومجاهد والنخعي ~~والضحاك ومالك والشافعي. # والثاني: لا يجوز، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والشعبي وطاوس وابن جبير ~~والزهري وأحمد بن PageV01P203 # حنبل، وقد نقل عن علي والحسن أيضا. وهل يجوز الخلع دون السلطان؟ قال عمر ~~وعثمان وعلي وابن عمر ms0199 وطاوس وشريح والزهري: يجوز، وهو قول جمهور العلماء. ~~وقال الحسن وابن سيرين وقتادة: لا يجوز إلا عند السلطان. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 230] # فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح ~~عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم ~~يعلمون (230) # قوله تعالى: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره، ذكر مقاتل ~~أن هذه الآية نزلت في تميمة بنت وهب بن عتيك النضيري، وفي زوجها رفاعة بن ~~عبد الرحمن القرظي. # (118) وقال غير مقاتل: إنها عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك، كانت تحت ~~رفاعة بن وهب بن عتيك وهو ابن عمها، فطلقها ثلاثا، فتزوجت بعده عبد الرحمن ~~بن الزبير، ثم طلقها، فأتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني كنت ~~عند رفاعة، فطلقني، فأبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنه ~~طلقني قبل أن يمسني، أفأرجع إلى ابن عمي؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق ~~عسيلتك» . # قوله تعالى: فإن طلقها، يعني: الزوج المطلق مرتين. قال ابن عباس، ومجاهد، ~~وقتادة: هي الطلقة الثالثة. واعلم أن الله تعالى عاد بهذه الآية بعد الكلام ~~في حكم الخلع إلى تمام الكلام في الطلاق. قوله تعالى: فإن طلقها، يعني: ~~الثاني فلا جناح عليهما يعني: المرأة، والزوج الأول إن ظنا أن يقيما حدود ~~الله، قال طاوس: ما فرض الله على كل واحد منهما من حسن العشرة والصحبة. ~~قوله تعالى: وتلك حدود الله يبينها قراءة الجمهور (يبينها) بالياء. وقرأ ~~الحسن ومجاهد، والمفضل عن عاصم بالنون لقوم يعلمون، قال الزجاج: يعلمون أن ~~أمر الله حق. ### | [سورة البقرة (2) : آية 231] # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله ~~هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ~~واتقوا الله واعلموا أن الله ms0200 بكل شيء عليم (231) # قوله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن، قال ابن عباس: كان الرجل ~~يطلق امرأته، ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها، ثم يطلقها، يفعل ذلك يضارها ~~ويعضلها بذلك، فنزلت هذه الآية. والأجل هاهنا: زمان العدة. ومعنى البلوغ ~~هاهنا: مقارنة الأجل دون حقيقة الانتهاء إليه، يقال: بلغت المدينة: # إذا قاربتها، وبلغتها: إذا دخلتها. وإنما حمل العلماء هذا البلوغ على ~~المقاربة، لأنه ليس بعد انقضاء العدة رجعة. قوله تعالى: فأمسكوهن بمعروف، ~~قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة: المراد به الرجعة قبل انقضاء العدة. ~~قوله تعالى: أو سرحوهن بمعروف، وهو تركها حتى تنقضي عدتها. PageV01P204 # والمعروف في الإمساك: القيام بما يجب لها من حق، والمعروف في التسريح: أن ~~لا يقصد إضرارها، بأن يطيل عدتها بالمراجعة، وهو معنى قوله: ولا تمسكوهن ~~ضرارا لتعتدوا، قاله الحسن ومجاهد، وقتادة في آخرين. وقال الضحاك: إنما ~~كانوا يضارون المرأة لتفتدي ومن يفعل ذلك الاعتداء، فقد ظلم نفسه بارتكاب ~~الإثم. قوله تعالى: ولا تتخذوا آيات الله هزوا فيه قولان: أحدهما: أنه ~~الرجل يطلق أو يراجع، أو يعتق، ويقول: كنت لاعبا. روي عن عمر، وأبي ~~الدرداء، والحسن. والثاني: أنه المضار بزوجته في تطويل عدتها بالمراجعة قبل ~~الطلاق، قاله مسروق، ومقاتل. واذكروا نعمت الله عليكم، قال ابن عباس: ~~احفظوا منته عليكم بالإسلام. قال: والكتاب: القرآن. والحكمة: الفقه. # واتقوا الله، في الضرار واعلموا أن الله بكل شيء به وبغيره عليم. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 232] # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا ~~بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى ~~لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) # قوله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن في سبب نزولها ~~قولان: # (119) أحدهما: ما روى الحسن أن معقل بن يسار زوج أخته من رجل من ~~المسلمين، فكانت عنده ما كانت، فطلقها تطليقة ثم تركها ومضت العدة، وكانت ~~أحق بنفسها، فخطبها مع الخطاب، فرضيت أن ترجع إليه، فخطبها إلى معقل، فغضب ~~معقل، وقال: أكرمتك بها، ms0201 فطلقتها؟! لا والله! لا ترجع إليك آخر ما عليك. ~~قال الحسن: فعلم الله، عز وجل، حاجة الرجل إلى امرأته، وحاجة المرأة إلى ~~بعلها، فنزلت هذه الآية، فسمعها معقل، فقال: سمعا لربي، وطاعة، فدعا زوجها، ~~فقال: # أزوجك، وأكرمك. ذكر عبد الغني الحافظ عن الكلبي أنه سمى هذه المرأة، ~~فقال: جميلة بنت يسار. # (120) والثاني: أن جابر بن عبد الله الأنصاري كانت له ابنة عم، فطلقها ~~زوجها تطليقة، فانقضت عدتها، ثم رجع يريد رجعتها، فأبى جابر، وقال: طلقت ~~ابنة عمنا، ثم تريد أن تنكحها الثانية؟! وكانت المرأة تريد زوجها، قد ~~راضته، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. # فأما بلوغ الأجل في هذه الآية، فهو انقضاء العدة، بخلاف التي قبلها. قال ~~الشافعي رضي الله عنه: دل اختلاف الكلامين على افتراق البلوغين. قوله ~~تعالى: فلا تعضلوهن، خطاب للأولياء، قال ابن عباس، وابن جبير، وابن قتيبة ~~في آخرين: معناه لا تحبسوهن، والعرب تقول للشدائد: معضلات. # وداء عضال: قد أعيا. قال أوس بن حجر: # وليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يذمك إن ولى ويرضيك مقبلا # ولكنه النائي إذا كنت آمنا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا ~~PageV01P205 # وقالت ليلى الأخيلية: # إذا نزل الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها # شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها # قال الزجاج: وأصل العضل، من قولهم: عضلت الدجاجة، فهي معضل: إذا احتبس ~~بيضها ونشب «1» فلم يخرج، وعضلت الناقة أيضا: إذا احتبس ولدها في بطنها. # قوله تعالى: إذا تراضوا بينهم بالمعروف، قال السدي، وابن قتيبة: معناه ~~إذا تراضى الزوجان بالنكاح الصحيح. قال الشافعي: وهذه الآية أبين آية في ~~أنه ليس للمرأة أن تتزوج إلا بولي. # قوله تعالى: ذلك يوعظ به، قال مقاتل: الإشارة إلى نهي الولي عن المنع. ~~قال الزجاج: إنما قال: «ذلك» ولم يقل: «ذلكم» وهو يخاطب جماعة، لأن لفظ ~~الجماعة لفظ الواحد، فالمعنى: ذلك أيها القبيل. قوله تعالى: ذلكم أزكى لكم، ~~يعني رد النساء إلى أزواجهن، أفضل من التفرقة بينهم، وأطهر، أي: أنقى ~~لقلوبكم من الريبة لئلا يكون هناك نوع ms0202 محبة، فيجتمعان على غير وجه صلاح. # قوله تعالى: والله يعلم وأنتم لا تعلمون فيه قولان: أحدهما: أن معناه: ~~يعلم ود كل واحد منهما لصاحبه، قاله ابن عباس، والضحاك. والثاني: يعلم ~~مصالحكم عاجلا وآجلا، قاله الزجاج في آخرين. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 233] # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة ~~بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض ~~منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح ~~عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون ~~بصير (233) # قوله تعالى: والوالدات يرضعن أولادهن لفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر، ~~كقوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء «2» ، وقال القاضي أبو ~~يعلى: وهذا الأمر انصرف إلى الآباء، لأن عليهم الاسترضاع، لا إلى الوالدات، ~~بدليل قوله تعالى: وعلى المولود له رزقهن، وقوله تعالى: فآتوهن أجورهن «3» ~~، فلو كان متحتما على الوالدة، لم تستحق الأجرة، وهل هو عام في جميع ~~الوالدات؟ فيه قولان: أحدهما: أنه خاص في المطلقات، قاله سعيد بن جبير، ~~ومجاهد، والضحاك، والسدي، ومقاتل في آخرين. والثاني: أنه عام في الزوجات ~~والمطلقات، ولهذا يقال: لها أن تؤجر نفسها لرضاع ولدها، سواء كانت مع ~~الزوج، أو مطلقة، قاله القاضي أبو يعلى، وأبو سليمان الدمشقي في آخرين. # والحول: السنة، وفي قوله: كاملين قولان: أحدهما: أنه دخل للتوكيد كقوله ~~تعالى: تلك عشرة كاملة «4» . والثاني: أنه لما جاز أن يقول: «حولين» ، ~~ويريد أقل منهما، كما قال: فمن تعجل في يومين «5» ، ومعلوم أنه يتعجل في ~~يوم، وبعض آخر. وتقول العرب: لم أر فلانا منذ يومين، وإنما PageV01P206 # يريدون: يوما وبعض آخر- قال: كاملين لتبيين أنه لا يجوز أن ينقص منهما، ~~وهذا قول الزجاج، والفراء. # فصل: اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية، فقال بعضهم: هو ~~محكم، والمقصود منه بيان مدة الرضاع، ويتعلق به أحكام، منها أنه كمال ~~الرضاع، ومنها أنه يلزم الأب ms0203 نفقة الرضاع مدة الحولين، ويجبره الحاكم على ~~ذلك، ومنها أنه يثبت تحريم الرضاع في مدة الحولين، ولا يثبت فيما زاد، ونقل ~~عن قتادة، والربيع بن أنس في آخرين أنه منسوخ بقوله تعالى: فإن أرادا فصالا ~~عن تراض منهما، قال شيخنا علي بن عبيد الله: وهذا قول بعيد، لأن الله تعالى ~~قال في أولها: لمن أراد أن يتم الرضاعة، فلما قال في الثاني: فإن أرادا ~~فصالا عن تراض منهما خير بين الإرادتين، وذلك لا يعارض المدة المقدرة في ~~التمام. # قوله تعالى: لمن أراد أن يتم الرضاعة، أي: هذا التقدير بالحولين لمريدي ~~إتمام الرضاعة. وقرأ مجاهد بتاءين «تتم الرضاعة» وبالرفع، وهي رواية الحلبي ~~عن عبد الوارث. وقد ذكر التمام على نفي حكم الرضاع بعد الحولين، وأكثر ~~القراء على فتح راء «الرضاعة» ، وقرأ طلحة بن مصرف، وابن أبي عبلة، وأبو ~~رجاء بكسرها، قال الزجاج، يقال: الرضاعة بفتح الراء وكسرها، والفتح أكثر، ~~ويقال: ما حمله على ذلك إلا اللؤم والرضاعة بالفتح هاهنا لا غير. # قوله تعالى: وعلى المولود له، يعني: الأب. رزقهن وكسوتهن يعني: المرضعات. ~~وفي قوله: # بالمعروف دلالة على أن الواجب على قدر حال الرجل في إعساره ويساره، إذ ~~ليس من المعروف إلزام المعسر ما لا يطيقه، ولا الموسر النزر الطفيف. وفي ~~الآية دليل على تسويغ اجتهاد الرأي في أحكام الحوادث، إذ لا يتوصل إلى ~~تقدير النفقة بالمعروف إلا من جهة غالب الظن، إذ هو معتبر بالعادة. قوله ~~تعالى: لا تكلف نفس إلا وسعها، أي: إلا ما تطيقه. لا تضار والدة بولدها، ~~قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبان عن عاصم (لا تضار) برفع الراء، وقرأ نافع ~~وعاصم، وحمزة، والكسائي بنصبها، قال أبو علي: من رفع، فلأجل المرفوع قبله، ~~وهو «لا تكلف» ، فأتبعه بما قبله ليقع تشابه اللفظ، ومن نصب جعله أمرا، ~~وفتح الراء لتكون حركته موافقة لما قبلها وهو الألف، قال ابن قتيبة: # معناه: لا تضارر، فأدغمت الراء في الراء. وقال سعيد بن جبير: لا يحملن ~~المطلقة مضارة الزوج أن تلقي إليه ولده. ms0204 وقال مجاهد: لا تأبى أن ترضعه ~~ضرارا بأبيه، ولا يضار الوالد بولده، فيمنع أمه أن ترضعه، ليحزنها بذلك. ~~وقال عطاء، وقتادة، والزهري، وسفيان، والسدي في آخرين: إذا رضيت بما يرضى ~~به غيرها، فهي أحق به. وقرأ أبو جعفر: «لا تضار» بتخفيفها وإسكانها. # قوله تعالى: وعلى الوارث فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه وارث المولود، وهو ~~قول عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وابن أبي ليلى، وقتادة، والسدي، والحسن ~~بن صالح، ومقاتل في آخرين واختلف أرباب هذا القول، فقال بعضهم: هو وارث ~~المولود من عصبته، كائنا من كان، وهذا مروي عن عمر، وعطاء، والحسن، ومجاهد، ~~وإبراهيم، وسفيان. وقال بعضهم: هو وارث المولود على الإطلاق من الرجال ~~والنساء، روي عن ابن أبي ليلى، وقتادة، والحسن بن صالح، وإسحاق، وأحمد بن ~~حنبل. وقال آخرون: هو من كان ذا رحم محرم من ورثة المولود، روي عن أبي ~~حنيفة، # PageV01P207 # وأبي يوسف، ومحمد. والقول الثاني: أن المراد بالوارث هاهنا، وارث الوالد، ~~روي عن الحسن والسدي. والثالث: أن المراد بالوارث الباقي من والدي الولد ~~بعد وفاة الآخر، روي عن سفيان. # والرابع: أنه أريد بالوارث الصبي نفسه، فالنفقة عليه، فإن لم يملك شيئا، ~~فعلى عصبته، قاله الضحاك، وقبيصة بن ذؤيب. قال شيخنا علي بن عبيد الله: ~~وهذا القول لا ينافي قول من قال: المراد بالوارث وارث الصبي، لأن النفقة ~~تجب للموروث على الوارث إذا ثبت إعسار المنفق عليه. وفي قوله تعالى: # مثل ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الإشارة إلى أجرة الرضاع والنفقة، روي ~~عن عمر، وزيد بن ثابت، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وابراهيم، وقتادة، وقبيصة بن ~~ذؤيب، والسدي. واختاره ابن قتيبة. والثاني: أن الإشارة بذلك إلى النهي عن ~~الضرار، روي عن ابن عباس والشعبي والزهري. # واختاره الزجاج. والثالث: أنه إشارة إلى جميع ذلك، روي عن سعيد بن جبير ~~ومجاهد ومقاتل وأبي سليمان الدمشقي واختاره القاضي أبو يعلى. ويشهد لهذا ~~أنه معطوف على ما قبله، وقد ثبت أن على المولود له النفقة والكسوة، وأن لا ~~يضار، فيجب أن يكون قوله: مثل ذلك ms0205 مشيرا إلى جميع ما على المولود له. # قوله تعالى: فإن أرادا فصالا، الفصال: الفطام. قال ابن قتيبة: يقال: فصلت ~~الصبي من أمه: # إذا فطمته. ومنه قيل للحوار «1» إذا قطع عن الرضاع: فصيل، لأنه فصل عن ~~أمه، وأصل الفصل: # التفريق. قال مجاهد: التشاور فيما دون الحولين إن أرادت أن تفطم وأبى، ~~فليس لها، وإن أراد هو، ولم ترد، فليس له ذلك حتى يقع ذلك عن تراض منهما ~~وتشاور، يقول: غير مسيئين إلى أنفسهما وإلى صبيهما. قوله تعالى: وإن أردتم ~~أن تسترضعوا أولادكم، قال الزجاج: أي: لأولادكم. قال مقاتل: إذا لم ترض ~~الأم بما يرضى به غيرها، فلا حرج على الأب أن يسترضع لولده. وفي قوله ~~تعالى: إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف قولان: أحدهما: إذا سلمتم أيها الآباء ~~إلى أمهات الأولاد أجور ما أرضعن قبل امتناعهن، قاله مجاهد، والسدي. ~~والثاني: إذا سلمتم إلى الظئر أجرها بالمعروف، قاله سعيد بن جبير، ومقاتل. ~~وقرأ ابن كثير (ما أتيتم) بالقصر، قال أبو علي: وجهه أن يقدر فيه: ما ~~أوتيتم نقده أو أوتيتم سوقه، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما ~~تقول: أتيت جميلا، أي: فعلته. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 234] # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا ~~بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون ~~خبير (234) # قوله تعالى: والذين يتوفون منكم، أي: يقبضون بالموت. وقرأ المفضل عن عاصم ~~«يتوفون» بفتح الياء في الموضعين. قال ابن قتيبة: هو من استيفاء العدد، ~~واستيفاء الشيء: أن نستقصيه كله، يقال: توفيته واستوفيته، كما يقال: تيقنت ~~الخير واستيقنته، هذا الأصل، ثم قيل للموت: وفاة وتوف يتربصن ينتظرن، قال ~~الفراء: وإنما قال: وعشرا ولم يقل: عشرة، لأن العرب إذا أبهمت العدد من ~~الليالي والأيام، غلبوا عليه الليالي على الأيام، حتى إنهم ليقولون: صمنا ~~عشرا من شهر رمضان، PageV01P208 # لكثرة تغليبهم الليالي على الأيام، فاذا أظهروا مع العدد تفسيره، كانت ~~الإناث بغير هاء، والذكور بالهاء «1» كقوله تعالى: سخرها عليهم سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما «2» # . فان ms0206 قيل: ما وجه الحكمة في زيادة هذه العشرة؟ فالجواب: أنه يبين صحة ~~الحمل بنفخ الروح فيه، قاله سعيد بن المسيب، وأبو العالية. # (121) ويشهد له الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن خلق ~~أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون ~~مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح» . # فصل: وهذه الآية ناسخة للتي تشابهها، وهي تأتي بعد آيات، وهي قوله: ~~والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول لأن تلك ~~كانت تقتضي وجوب العدة سنة، PageV01P209 # وسنذكر ما يتعلق بها هنالك، إن شاء الله. فأما التي نحن في تفسيرها: فقد ~~روي عن ابن عباس أنه قال: # نسختها وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن «1» . والصحيح: أنها عامة ~~دخلها التخصيص، لأن ظاهرها يقتضي وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها أربعة ~~أشهر وعشرا، سواء كانت حاملا، أو غير حامل، غير أن قوله تعالى: وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن خص أولات الحمل، وهي خاصة أيضا في الحرائر، ~~فإن الأمة عدتها شهران وخمسة أيام، فبان أنها من العام الذي دخله التخصيص. # قوله تعالى: فإذا بلغن أجلهن، يعني: انقضاء العدة. قوله تعالى: فلا جناح ~~عليكم فيه قولان: أحدهما أن معناه: فلا جناح على الرجال في تزويجهن بعد ~~ذلك. والثاني: فلا جناح على الرجال في ترك الإنكار عليهن إذا تزين وتزوجن. ~~قال أبو سليمان الدمشقي: وهو خطاب لأوليائهن. # قوله تعالى: فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف فيه قولان: أحدهما: أنه التزين ~~والتشوف للنكاح، قاله الضحاك، ومقاتل. والثاني: أنه النكاح، قاله الزهري، ~~والسدي. # و «الخبير» من أسماء الله تعالى، ومعناه: العالم بكنه الشيء المطلع على ~~حقيقته. و «الخبير» في صفة المخلوقين، إنما يستعمل في نوع من العلم، وهو ~~الذي يتوصل إليه بالاجتهاد دون النوع المعلوم ببداءة العقول. وعلم الله ~~تعالى سواء فيما غمض ولطف وفيما تجلى وظهر. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 235] # ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم ~~الله ms0207 أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا ~~تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في ~~أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (235) # قوله تعالى: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء، هذا خطاب لمن ~~أراد تزويج معتدة. والتعريض: الإيماء والتلويح من غير كشف، فهو إشارة ~~بالكلام إلى ما ليس له في الكلام ذكر. والخطبة بكسر الخاء: طلب النكاح، ~~والخطبة بضم الخاء: مثل الرسالة التي لها أول وآخر. # وقال ابن عباس: التعريض أن يقول: إني أريد أن أتزوج. وقال مجاهد: أن ~~يقول: إنك لجميلة، وإنك لحسنة، وإنك لإلى خير. قوله تعالى: أو أكننتم في ~~أنفسكم، قال الفراء: فيه لغتان: # كننت الشيء، وأكننته. وقال ثعلب: أكننت الشيء: إذا أخفيته في نفسك، ~~وكننته: إذا سترته بشيء. # وقال ابن قتيبة: أكننت الشيء: إذا سترته، ومنه هذه الآية، وكننته: إذا ~~صنته، ومنه قوله تعالى: كأنهن بيض مكنون «2» ، قال بعضهم: يجعل كننته، ~~وأكننته، بمعنى. قوله تعالى: علم الله أنكم ستذكرونهن، قال مجاهد: ذكره ~~إياها في نفسه. قوله تعالى: ولكن لا تواعدوهن سرا فيه أربعة أقوال: أحدها: ~~أن المراد بالسر هاهنا: النكاح، قاله ابن عباس. وأنشد بيت امرئ القيس: # ألا زعمت بسباسة «3» اليوم أنني ... كبرت وأن لا يشهد السر أمثالي ~~PageV01P210 # وفي رواية: يشهد اللهو. قال الفراء: ويرى أنه مما كنى الله عنه كقوله ~~تعالى: أو جاء أحد منكم من الغائط «1» . وذكر الزجاج عن أبي عبيدة أن السر: ~~الإفضاء بالنكاح المحرم، وأنشد «2» : # ويحرم سر جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع «3» # قال ابن قتيبة: استعير السر للنكاح، لأن النكاح يكون سرا، فالمعنى: لا ~~تواعدوهن بالتزويج، وهن في العدة تصريحا، إلا أن تقولوا قولا معروفا لا ~~تذكرون فيه رفثا ولا نكاحا. والثاني: أن المواعدة سرا: أن يقول لها: إني لك ~~محب، وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، روي عن ابن عباس أيضا. والثالث: أن ~~المراد بالسر الزنى، قاله الحسن، وجابر بن زيد، وأبو مجلز، وإبراهيم، ~~وقتادة، والضحاك. والرابع: أن ms0208 المعنى: لا تنكحوهن في عدتهن سرا، فاذا حلت ~~أظهرتم ذلك، قاله ابن زيد. # وفي القول المعروف قولان: أحدهما: أنه التعريض لها، وهو قول ابن عباس، ~~وسعيد بن جبير، وعطاء، والقاسم بن محمد، والشعبي، ومجاهد، وإبراهيم، ~~وقتادة، والسدي. والثاني: أنه إعلام وليها برغبته فيها، وهو قول عبيدة. # قوله تعالى: ولا تعزموا عقدة النكاح، قال الزجاج: لا تعزموا على عقدة ~~النكاح، وحذفت «على» استخفافا، كما قالوا: ضرب زيد الظهر والبطن، معناه: ~~على الظهر والبطن. حتى يبلغ الكتاب أجله، أي: حتى يبلغ فرض الكتاب أجله، ~~قال: ويجوز أن يكون «الكتاب» بمعنى «الفرض» كقوله تعالى: كتب عليكم الصيام ~~«4» ، فيكون المعنى: حتى يبلغ الفرض أجله. قال ابن عباس، ومجاهد، والشعبي، ~~وقتادة، والسدي: بلوغ الكتاب أجله: انقضاء العدة. # قوله تعالى: واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم، قال ابن عباس: من ~~الوفاء، فاحذروه أن تخالفوه في أمره. والحليم قد سبق بيانه. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 236] # لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن ~~على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين (236) # قوله تعالى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن، قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وعاصم، وابن عامر، وأبو عمرو «تمسوهن» بغير الف حيث كان، وبفتح ~~التاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف «تماسوهن» بألف وضم التاء في الموضعين ~~هنا، وفي الأحزاب ثالث. قال أبو علي: وقد يراد بكل واحد من «فاعل» و «فعل» ~~ما يراد بالآخر، تقول: طارقت النعال وعاقبت اللص. # (122) قال مقاتل بن سليمان: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار تزوج امرأة ~~من بني حنيفة، PageV01P211 # ولم يسم لها مهرا، فطلقها قبل أن يمسها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«هل متعتها بشيء؟» قال: لا، قال: «متعها ولو بقلنسوتك» ، ومعنى الآية: ما ~~لم تمسوهن، ولم تفرضوا لهن فريضة. وقد تكون «أو» بمعنى الواو. # كقوله تعالى: ولا تطع منهم آثما أو كفورا «1» . # والمس: النكاح، والفريضة: الصداق، وقد دلت الآية على جواز عقد النكاح ~~بغير تسمية مهر ومتعوهن ms0209 أي: أعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على قدر ~~أحوالكم في الغنى والفقر. والمتاع: اسم لما ينتفع به، فذلك معنى قوله ~~تعالى: على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، وقرأ ابن كثير ونافع، وأبو عمرو ~~«قدره» باسكان الدال في الحرفين، وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي بتحريك ~~الحرفين، وعن عاصم: كالقراءتين وهما لغتان. # فصل: وهل هذه المتعة واجبة، أم مستحبة؟ فيه قولان: أحدهما: واجبة، واختلف ~~أرباب هذا القول، لأي المطلقات تجب، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها واجبة ~~لكل مطلقة، روي عن علي والحسن وأبي العالية والزهري. والثاني: أنها تجب لكل ~~مطلقة إلا المطلقة التي فرض لها صداقا ولم يمسها، فإنه يجب لها نصف ما فرض، ~~روي عن ابن عمر والقاسم بن محمد وشريح وإبراهيم. # والثالث: أنها تجب للمطلقة قبل الدخول إذا لم يسم لها مهرا، فان دخل بها، ~~فلا متعة، ولها مهر المثل، روي عن الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وأحمد بن ~~حنبل. # والثاني: أن المتعة مستحبة، ولا تجب على أحد، سواء سمى للمرأة، أو لم ~~يسم، دخل بها، أو لم يدخل، وهو قول مالك، والليث بن سعد، والحكم، وابن أبي ~~ليلى. # واختلف العلماء في مقدار المتعة، فنقل عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب: ~~أعلاها خادم، وأدناها كسوة يجوز لها أن تصلي فيها، وروي عن حماد وأبي ~~حنيفة: أنه قدر نصف صداق مثلها. وعن الشافعي وأحمد: أنه قدر يساره وإعساره، ~~فيكون مقدرا باجتهاد الحاكم. ونقل عن أحمد: أن المتعة بقدر ما تجزئ فيه ~~الصلاة من الكسوة، وهو درع وخمار. # قوله تعالى: متاعا بالمعروف، أي: بقدر الإمكان، والحق: الواجب. وذكر ~~المحسنين والمنافقين ضرب من التأكيد. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 237] # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن ~~يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا ~~الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير (237) # قوله تعالى: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، أي: قبل الجماع وقد فرضتم ~~لهن أي: PageV01P212 # أوجبتم لهن شيئا التزمتم به، ms0210 وهو المهر إلا أن يعفون، يعني: النساء، وعفو ~~المرأة: ترك حقها من الصداق. وفي الذي بيده عقدة النكاح ثلاثة أقوال «1» : ~~أحدها: أنه الزوج، وهو قول علي، وجبير بن مطعم، وابن المسيب، وابن جبير، ~~ومجاهد، وشريح، وجابر بن زيد، والضحاك، ومحمد بن كعب القرظي، والربيع بن ~~أنس، وابن شبرمة، والشافعي، وأحمد رضي الله عنهم في آخرين. والثاني: أنه ~~الولي، روي عن ابن عباس، والحسن، وعلقمة، وطاوس، والشعبي، وابراهيم في ~~آخرين. والثالث: أنه أبو البكر، روي عن ابن عباس، والزهري، والسدي في ~~آخرين. فعلى القول الأول عفو الزوج: أن يكمل لها الصداق، وعلى الثاني: عفو ~~الولي: ترك حقها إذا أبت، روي عن ابن عباس، وأبي الشعثاء. وعلى الثالث يكون ~~قوله: إلا أن يعفون يختص بالثيبات. وقوله: PageV01P213 # أو يعفوا، يختص أبا البكر، قاله الزهري، والأول أصح، لأن عقدة النكاح ~~خرجت من يد الولي، فصارت بيد الزوج، والعفو إنما يطلق على ملك الإنسان، ~~وعفو الولي عفو عما لا يملك، ولأنه قال: # ولا تنسوا الفضل بينكم، والفضل في هبة الإنسان مال نفسه، لا مال غيره. ~~قوله تعالى: وأن تعفوا أقرب للتقوى، فيه قولان: أحدهما: أنه خطاب للزوجين ~~جميعا، روي عن ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنه خطاب للزوج وحده، قاله ~~الشعبي، وكان يقرأ: «وأن يعفو» بالياء. قوله تعالى: # ولا تنسوا الفضل بينكم، خطاب للزوجين، قال مجاهد: هو إتمام الرجل الصداق، ~~وترك المرأة شطرها. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 238] # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) # قوله تعالى: حافظوا على الصلوات، المحافظة: المواظبة والمداومة، والصلوات ~~بالألف واللام ينصرف إلى المعهود، والمراد: الصلوات الخمس. # قوله تعالى: والصلاة الوسطى قال الزجاج: هذه الواو تنصرف إلى المعهود ~~والمراد الصلوات الخمس إذا جاءت مخصصة، فهي دالة على فضل الذي تخصصه، كقوله ~~تعالى: وجبريل وميكال «1» قال سعيد بن المسيب: كان أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه «2» . # ثم فيها خمسة أقوال: أحدها: أنها العصر. # (123) روى مسلم في أفراده من حديث علي رضي الله عنه عن ms0211 النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أنه قال يوم الأحزاب: # «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ قبورهم وبيوتهم نارا» . # (124) وروى ابن مسعود، وسمرة، وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها ~~صلاة العصر. PageV01P214 # (125) وروى مسلم في أفراده من حديث البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية ~~«حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر» ، فقرأناها ما شاء الله، ~~ثم نسخها الله، فنزلت: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهذا قول علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه، وابن مسعود، وأبي، وأبي أيوب، وابن عمر في رواية، ~~وسمرة بن جندب، وأبي هريرة، وابن عباس في رواية عطية، وأبي سعيد الخدري، ~~وعائشة في رواية، وحفصة، والحسن، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء في ~~رواية، وطاوس، والضحاك، والنخعي، وعبيد بن عمير، وزر بن حبيش، وقتادة، وأبي ~~حنيفة، ومقاتل في آخرين، وهو مذهب أصحابنا. # والثاني: أنها الفجر، روي عن عمر، وعلي في رواية، وأبي موسى، ومعاذ، ~~وجابر بن عبد الله، وأبي أمامة، وابن عمر في رواية مجاهد، وزيد بن أسلم، في ~~رواية أبي رجاء العطاردي، وعكرمة، وجابر بن زيد، وأنس بن مالك، وعطاء، ~~وطاوس في رواية ابنه، وعبد الله بن شداد، ومجاهد، ومالك، والشافعي. وروى ~~أبو العالية قال صليت مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الغداة فقلت ~~لهم: أيما الصلاة الوسطى؟ فقالوا: التي صليت قبل. والثالث: أنها الظهر، روي ~~عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وأبي سعيد الخدري، وعائشة في ~~رواية، وروى [عاصم بن ضمرة] «1» عن علي عليه السلام قال: هي صلاة الجمعة، ~~وهي سائر الأيام الظهر. والرابع: أنها المغرب، روي عن ابن عباس، وقبيصة بن ~~ذؤيب. والخامس: أنها العشاء الأخيرة، ذكره علي بن أحمد النيسابوري في ~~«تفسيره» . # وفي المراد بالوسطى ثلاثة أقوال: أحدها: أنها أوسط الصلوات محلا. ~~والثاني: أوسطها مقدارا. # والثالث: أفضلها، ووسط الشيء: خيره وأعدله. ومنه قوله تعالى: وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا «2» ، فان قلنا: إن الوسطى بمعنى: الفضلى، جاز أن يدعي ~~هذا كل ذي مذهب فيها. وإن قلنا: ms0212 إنها أوسطها مقدارا، فهي المغرب، لأن أقل ~~المفروضات ركعتان، وأكثرها أربعا. وإن قلنا: أوسطها محلا، فللقائلين: إنها ~~العصر أن يقولوا: قبلها صلاتان في النهار، وبعدها صلاتان في الليل، فهي ~~الوسطى. PageV01P215 # ومن قال: هي الفجر، فقال عكرمة: هي وسط بين الليل والنهار، وكذلك قال ابن ~~الأنباري: هي وسط بين الليل والنهار، وقال: وسمعت أبا العباس يعني، ثعلبا ~~يقول: النهار عند العرب أوله: طلوع الشمس. قال ابن الأنباري: فعلى هذا صلاة ~~الصبح من صلاة الليل، قال: وقال آخرون: بل هي من صلاة النهار، لأن أول ~~وقتها أول وقت الصوم. قال: والصواب عندنا أن نقول: الليل المحض خاتمته طلوع ~~الفجر، والنهار المحض أوله: طلوع الشمس، والذي بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس ~~يجوز أن يسمى نهارا، ويجوز أن يسمى ليلا، لما يوجد فيه من الظلمة والضوء، ~~فهذا قول يصح به المذهبان. # قال ابن الأنباري: ومن قال: هي الظهر، قال: هي وسط النهار، فأما من قال: ~~هي المغرب، فاحتج بأن أول صلاة فرضت، الظهر، فصارت المغرب وسطى، ومن قال: ~~هي العشاء، فإنه يقول: هي بين صلاتين لا تقصران. قوله تعالى: وقوموا لله ~~قانتين، المراد بالقيام هاهنا: القيام في الصلاة، فأما القنوت، فقد شرحناه ~~فيما تقدم. وفي المراد به هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الطاعة، قاله ابن ~~عباس، والحسن، ومجاهد، وابن جبير، والشعبي، وطاوس، والضحاك، وقتادة في ~~آخرين. والثاني: أنه طول القيام في الصلاة، روي عن ابن عمر، والربيع بن ~~أنس، وعن عطاء كالقولين. والثالث: أنه الإمساك عن الكلام في الصلاة. ~~PageV01P216 # (128) أن أبا سعيد روى أن ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: فإن خفتم فرجالا ~~أو ركبانا، قال أبو بكر الأثرم: فقد بين أن ذلك الفعل الذي كان يوم الخندق ~~منسوخ. # قوله تعالى: فإذا أمنتم فاذكروا الله، في هذا الذكر قولان: أحدهما: أنه ~~الصلاة، فتقديره: # فصلوا كما كنتم تصلون آمنين. والثاني: أنه الثناء على الله، والحمد له. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 240] # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج فإن خرجن فلا ms0213 جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز ~~حكيم (240) # قوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا. # (129) روى ابن حيان أن هذه الآية نزلت في رجل من أهل الطائف، يقال له: ~~حكيم بن الحارث هاجر إلى المدينة، ومعه أبواه وامرأته، وله أولاد، فمات ~~فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فأعطى النبي صلى ~~الله عليه وسلم أبويه وأولاده من ميراثه، ولم يعط امرأته شيئا، غير أنه ~~أمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا. # قوله تعالى: وصية لأزواجهم قرأ أبو عمرو، وحمزة، وابن عامر «وصية» ~~بالنصب، وقرأ ابن كثير، ونافع، والكسائي «وصية» بالرفع. وعن عاصم ~~كالقراءتين. قال أبو علي: من نصب حمله على الفعل، أي: ليوصوا وصية، ومن ~~رفع، فمن وجهين: أحدهما: أن يجعل الوصية مبتدأ، والخبر لأزواجهم. والثاني: ~~أن يضمر له خبرا، تقديره: فعليهم وصية. والمراد منه من قارب الوفاة، فليوص، ~~لأن المتوفى لا يؤمر ولا ينهى. قوله تعالى: متاعا إلى الحول، أي: متعوهن ~~إلى الحول، ولا تخرجوهن. والمراد بذلك نفقة السنة وكسوتها وسكناها فإن خرجن ~~أي: من قبل أنفسهن فلا جناح عليكم يعني: أولياء الميت في ما فعلن في أنفسهن ~~من معروف يعني التشوف للنكاح. وفي ماذا رفع الجناح عن الرجال؟ فيه قولان: ~~أحدهما: أنه في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول. PageV01P217 # والثاني: في ترك منعهن من الخروج، لأنه لم يكن مقامها الحول واجبا عليها، ~~بل كانت مخيرة في ذلك. # (130) فصل: ذكر علماء التفسير أن أهل الجاهلية كان إذا مات أحدهم، مكثت ~~زوجته في بيته حولا، ينفق عليها من ميراثه، فاذا تم الحول، خرجت إلى باب ~~بيتها، ومعها بعرة، فرمت بها كلبا، وخرجت بذلك من عدتها. وكان معنى رميها ~~بالبعرة أنها تقول: مكثي بعد وفاة زوجي أهون عندي من هذه البعرة. ثم جاء ~~الإسلام، فأقرهم على ما كانوا عليه من مكث الحول بهذه الآية، ثم نسخ ذلك ~~بالآية المتقدمة في نظم القرآن على هذه الآية، وهي قوله تعالى: والذين ~~يتوفون ms0214 منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا. # ونسخ الأمر بالوصية لها بما فرض لها من ميراثه «1» . PageV01P218 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 241] # وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (241) # قوله تعالى: وللمطلقات متاع بالمعروف قد سبق الكلام في المتعة بما فيه ~~كفاية. ### | [سورة البقرة (2) : آية 242] # كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون (242) # قوله تعالى: كذلك يبين الله لكم آياته، أي: كما بين الذي تقدم من الأحكام ~~يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون أي: يثبت لكم وصف العقلاء باستعمال ما ~~بين لكم، وثمرة العقل استعمال الأشياء المستقيمة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ~~إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة «1» ، وإنما سموا جهالا ~~لأنهم آثروا أهواءهم على ما علموا أنه الحق. ### | [سورة البقرة (2) : آية 243] # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله ~~موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ~~(243) # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم، معناه: ألم تعلم. قال ابن ~~قتيبة: وهذا على جهة التعجب، كما تقول: ألا ترى إلى ما يصنع فلان؟ قوله ~~تعالى: وهم ألوف فيه قولان: # أحدهما: أن معناه: وهم مؤتلفون، قاله ابن زيد. والثاني: أنه من العدد، ~~وعليه العلماء. واختلفوا في عددهم على سبعة أقوال: أحدها: أنهم كانوا أربعة ~~آلاف. والثاني: أربعين ألفا، والقولان عن ابن عباس. والثالث: تسعين ألفا، ~~قاله عطاء بن أبي رباح. والرابع: سبعة آلاف، قاله أبو صالح. # والخامس: ثلاثين ألفا، قاله أبو مالك. والسادس: بضعة وثلاثين ألفا، قاله ~~السدي. والسابع: ثمانية آلاف، قاله مقاتل. وفي معنى: حذرهم من الموت، ~~قولان: أحدهما: أنهم فروا من الطاعون، وكان قد نزل بهم، قاله الحسن، ~~والسدي. والثاني: أنهم أمروا بالجهاد، ففروا منه، قاله عكرمة، والضحاك، وعن ~~ابن عباس، كالقولين. # (الإشارة الى قصتهم) روى حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف قال: كانت ~~أمة من بني إسرائيل إذا وقع فيهم الوجع، خرج أغنياؤهم، وأقام فقراؤهم، فمات ~~الذين أقاموا، ونجا الذين خرجوا، فقال الأشراف: ms0215 لو PageV01P219 # أقمنا كما أقام هؤلاء لهلكنا وقال الفقراء: لو ظعنا كما ظعن هؤلاء سلمنا، ~~فأجمع رأيهم في بعض السنين على أن يظعنوا جميعا، فظعنوا فماتوا، وصاروا ~~عظاما تبرق، فكنسهم أهل البيوت والطرق عن بيوتهم وطرقهم، فمر بهم نبي من ~~الأنبياء، فقال: يا رب لو شئت أحييتهم، فعبدوك، وولدوا أولادا يعبدونك ~~ويعمرون بلادك. قال: أو أحب إليك أن أفعل؟ قال: نعم. فقيل له: تكلم بكذا ~~وكذا، فتكلم به، فنظر إلى العظام تخرج من عند العظام التي ليست منها إلى ~~التي هي منها ثم قيل له: تكلم بكذا وكذا فتكلم به فنظر إلى العظام تكسى ~~لحما وعصبا، ثم قيل له: تكلم بكذا وكذا، فنظر فاذا هم قعود يسبحون الله ~~ويقدسونه. وأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. وهذا الحديث يدل على بعد المدة ~~التي مكثوا فيها أمواتا. وفي بعض الأحاديث: أنهم بقوا أمواتا سبعة أيام، ~~وقيل: ثمانية أيام. وفي النبي الذي دعا لهم قولان: أحدهما: أنه حزقيل. ~~والثاني: أنه شمعون. فإن قيل كيف أميت هؤلاء مرتين في الدنيا، وقد قال الله ~~تعالى: إلا الموتة الأولى «1» ، فالجواب أن موتهم بالعقوبة لم يفن أعمارهم، ~~فكان كقوله تعالى: والتي لم تمت في منامها «2» ، وقيل: كان إحياؤهم آية من ~~آيات نبيهم، وآيات الأنبياء نوادر لا يقاس عليها، فيكون تقدير قوله تعالى: ~~إلا الموتة الأولى التي ليست من آيات الأنبياء، ولا لأمر نادر. وفي هذه ~~القصة احتجاج على اليهود إذ أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر لم ~~يشاهدوه، وهم يعلمون صحته واحتجاج على المنكرين للبعث، فدلهم عليه بإحياء ~~الموتى في الدنيا، ذكر ذلك جميعه ابن الأنباري. # قوله تعالى: إن الله لذو فضل على الناس، نبه عز وجل بذكر فضله على هؤلاء ~~على فضله على سائر خلقه مع قلة شكرهم. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 244] # وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم (244) # قوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله في المخاطبين بهذا قولان: أحدهما: أنهم ~~الذين أماتهم الله، ثم أحياهم، قاله الضحاك. والثاني: أنه خطاب لأمة محمد ~~صلى ms0216 الله عليه وسلم، فمعناه: لا تهربوا من الموت كما هرب هؤلاء، فما ينفعكم ~~الهرب واعلموا أن الله سميع لأقوالكم عليم بما تنطوي عليه ضمائركم. ### | [سورة البقرة (2) : آية 245] # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ~~ويبصط وإليه ترجعون (245) # قوله تعالى: من ذا الذي يقرض الله، قال الزجاج: أصل القرض ما يعطيه الرجل ~~أو يفعله ليجازى عليه، وأصله في اللغة القطع، ومنه أخذ المقراض. فمعنى ~~أقرضته: قطعت له قطعة يجازيني عليها. فإن قيل: فما وجه تسمية الصدقة قرضا؟ ~~فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن القرض يبدل بالجزاء. والثاني: لأنه يتأخر ~~قضاؤه إلى يوم القيامة. والثالث: لتأكيد استحقاق الثواب به، إذ لا يكون قرض ~~إلا والعوض مستحق به. فأما اليهود فإنهم جهلوا هذا، فقالوا: أيستقرض الله ~~منا؟ وأما المسلمون فوثقوا بوعد الله، وبادروا إلى معاملته. قال ابن مسعود: ~~PageV01P220 # (131) لما نزلت هذه الآية، قال أبو الدحداح: وإن الله تعالى ليريد منا ~~القرض؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # «نعم» . قال: أرني يدك. قال: إني أقرضت ربي حائطي، قال: وحائطه فيه ~~ستمائة نخلة، ثم جاء إلى الحائط، فقال: يا أم الدحداح اخرجي من الحائط، فقد ~~أقرضته ربي. PageV01P221 # (133) وروى أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة أنه قال: إن الله يكتب للمؤمن ~~بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة. وقرأ هذه الآية، ثم قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة» . # والثاني: أنها معلومة المقدار، فالدرهم بسبعمائة، كما ذكر في الآية ~~بعدها، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: والله يقبض ويبصط، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي ~~«يبسط» و «بسطة» بالسين، وقرأهما نافع بالصاد. # وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: أن معناه: يقتر على من يشاء في الرزق، ~~ويبسطه على من يشاء، قاله ابن عباس، والحسن، وابن زيد ومقاتل. والثاني: ~~يقبض يد من يشاء عن الإنفاق في سبيله، ويبسط يد من يشاء بالإنفاق، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي في آخرين. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 246] # ألم تر إلى ms0217 الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ~~ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ~~قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما ~~كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين (246) # قوله تعالى: ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل، قال الفراء: الملأ: الرجال ~~في كل القرآن لا يكون فيهم امرأة، وكذلك القوم والنفر والرهط، وقال الزجاج: ~~الملأ: هم الوجوه، وذوو الرأي، وإنما سموا ملأ، لأنهم مليئون بما يحتاج ~~إليه منهم. # وفي نبيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه شمويل، قاله ابن عباس، ووهب. والثاني: ~~أنه يوشع بن نون، قاله قتادة. والثالث: أنه نبي، يقال له: سمعون بالسين ~~المهملة، سمته أمه بذلك، لأنها دعت الله أن يرزقها غلاما، فسمع دعاؤها فيه، ~~هذا قول السدي. وسبب سؤالهم ملكا أن عدوهم غلب عليهم. # قوله تعالى: نقاتل قراءة الجمهور بالنون والجزم، وقرأ ابن أبي عبلة ~~بالياء والرفع، كناية عن الملك. قوله تعالى: هل عسيتم، قراءة الجمهور بفتح ~~السين، وقرأ نافع بكسرها هاهنا، وفي سورة «محمد» وهي لغتان. قوله تعالى: إن ~~كتب عليكم القتال، أي فرض ألا تقاتلوا أي: # لعلكم تجبنون. قوله تعالى: وقد أخرجنا من ديارنا، يعنون: أخرج بعضنا، وهم ~~الذين سبوا منهم وقهروا. فظاهره العموم، ومعناه الخصوص. قوله تعالى: تولوا، ~~أي: أعرضوا عن الجهاد. إلا قليلا وهم الذين عبروا النهر، وسيأتي ذكرهم. ~~PageV01P222 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 247] # وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك ~~علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم ~~وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247) # قوله تعالى: وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، ذكر أهل ~~التفسير أن نبي بني إسرائيل سأل الله أن يبعث لهم ملكا، فأتى بعصا وقرن فيه ~~دهن، وقيل له: إن صاحبكم الذي ms0218 يكون ملكا يكون طوله طول هذه العصا، ومتى دخل ~~عليك رجل فنشق الدهن، فهو الملك، فادهن به رأسه، وملكه على بني إسرائيل ~~فقاس القوم أنفسهم بالعصا، فلم يكونوا على مقدارها. قال عكرمة، والسدي: كان ~~طالوت سقاء يسقي على حمار له، فضل حماره، فخرج يطلبه. وقال وهب: بل كان ~~دباغا يعمل الأدم، فضلت حمر لأبيه فأرسله مع غلام له في طلبها، فمرا ببيت ~~شمويل النبي فدخلا ليسألاه عن ضالتهما، فنشق الدهن، فقام شمويل، فقاس طالوت ~~بالعصا، وكان على مقدارها، فدهنه، ثم قال له: أنت ملك بني إسرائيل، فقال ~~طالوت: أما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل، وبيتي أدنى بيوتهم؟ قال: ~~بلى، قال: فبأية آية؟ قال: بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمره، فكان كما قال. # قال الزجاج: طالوت، وجالوت، وداود تنصرف، لأنها أسماء أعجمية، وهي معارف، ~~فاجتمع فيها التعريف والعجمة. # ومعنى قوله تعالى: أنى يكون من أي جهة يكون له الملك علينا. قال ابن ~~عباس: إنما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل سبطان، في أحدهما النبوة، ~~وفي الآخر الملك، فلم يكن هو من أحد السبطين. قال قتادة: كانت النبوة في ~~سبط لاوي، والملك في سبط يهوذا. # قوله تعالى: ولم يؤت سعة من المال، أي: لم يؤت ما يتملك به الملوك. قال ~~إن الله اصطفاه عليكم، أي: اختاره، وهو «افتعل» من الصفوة. والبسطة: السعة، ~~قال ابن قتيبة: هو من قولك: بسطت الشيء: إذا كان مجموعا، ففتحته، ووسعته. ~~قال ابن عباس: كان طالوت أعلم بني إسرائيل بالحرب، وكان يفوق الناس بمنكبيه ~~وعنقه ورأسه. وهل كانت هذه الزيادة قبل الملك، أم أحدثت له بعد؟ فيه قولان: ~~أحدهما: قبل الملك، قاله وهب، والسدي. والثاني: بعد الملك، قاله ابن زيد. ~~والمراد بتعظيم الجسم، فضل القوة، إذ العادة أن من كان أعظم جسما، كان أكثر ~~قوة. والواسع: # الغني. ### | [سورة البقرة (2) : آية 248] # وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية ~~مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ms0219 ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين (248) # قوله تعالى: وقال لهم نبيهم إن آية ملكه، الآية: العلامة، فمعناه: علامة ~~تمليك الله إياه أن يأتيكم التابوت وهذا من مجاز الكلام، لأن التابوت يؤتى ~~به، ولا يأتي، ومثله: فإذا عزم # PageV01P223 # الأمر # «1» ، وإنما جاز مثل هذا، لزوال اللبس فيه، كما بينا في قوله تعالى: فما ~~ربحت تجارتهم «2» . # وروي عن ابن مسعود، وابن عباس: أنهم قالوا لنبيهم: إن كنت صادقا فأتنا ~~بآية تدل على أنه ملك، فقال لهم ذلك. وقال وهب: خيرهم، أي آية يريدون؟ ~~فقالوا: أن يرد علينا التابوت. قال ابن عباس: # كان التابوت من عود الشمشار عليه صفائح الذهب، وكان يكون مع الأنبياء إذا ~~حضروا قتالا، قدموه بين أيديهم يستنصرون به، وفيه السكينة. وقال وهب بن ~~منبه: كان نحوا من ثلاث أذرع في ذراعين. قال مقاتل: فلما تفرقت بنو ~~إسرائيل، وعصوا الأنبياء، سلط الله عليهم عدوهم، فغلبوهم عليه. # وفي السكينة سبعة أقوال «3» : أحدها: أنها ريح هفافة لها وجه كوجه ~~الإنسان، رواه أبو الأحوص عن علي رضي الله عنه. والثاني: أنها دابة بمقدار ~~الهر، لها عينان لهما شعاع، وكانوا إذا التقى الجمعان، أخرجت يدها، ونظرت ~~إليهم، فيهزم الجيش من الرعب. رواه الضحاك عن ابن عباس. # وقال مجاهد: السكينة لها رأس كرأس الهرة وذنب كذنب الهرة، وجناحان. ~~والثالث: أنها طست من ذهب تغسل فيه قلوب الأنبياء، رواه أبو مالك عن ابن ~~عباس. والرابع: أنها روح من الله تعالى تتكلم، كانوا إذا اختلفوا في شيء، ~~كلمهم وأخبرهم ببيان ما يريدون، رواه عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه. ~~والخامس: أن السكينة ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها، رواه ابن جريج عن ~~عطاء بن أبي رباح، وذهب إلى نحوه الزجاج، فقال: السكينة: من السكون، ~~فمعناه: فيه ما تسكنون إليه إذا أتاكم. # والسادس: أن السكينة معناها هاهنا: الوقار، رواه معمر عن قتادة. والسابع: ~~أن السكينة: الرحمة، قاله الربيع بن أنس. # وفي البقية تسعة أقوال: أحدها: أنها رضاض «4» الألواح التي تكسرت حين ~~ألقاها موسى وعصاه، قاله ابن عباس، ms0220 وقتادة، والسدي. والثاني: أنها رضاض ~~الألواح، قاله عكرمة، ولم يذكر العصا. # وقيل: إنما اتخذ موسى التابوت ليجمع رضاض الألواح فيه. والثالث: أنها عصا ~~موسى، والسكينة، قاله وهب. والرابع: عصا موسى، وعصا هارون، وثيابهما، ~~ولوحان من التوراة، والمن، قاله أبو PageV01P224 # صالح. والخامس: أن البقية، العلم والتوراة، قاله مجاهد، وعطاء بن رباح. ~~والسادس: أنها رضاض الألواح، وقفيز «1» من من في طست من ذهب، وعصا موسى ~~وعمامته، قاله مقاتل. والسابع: أنها قفيز من من ورضاض الألواح، حكاه سفيان ~~الثوري عن بعض العلماء. والثامن: أنها عصا موسى والنعلان: # ذكره الثوري أيضا عن بعض أهل العلم. والتاسع: أن المراد بالبقية: الجهاد ~~في سبيل الله، وبذلك أمروا، قاله الضحاك. # والمراد بآل موسى وآل هارون: موسى وهارون. وأنشد أبو عبيدة: # ولا تبك ميتا بعد ميت أحبة ... علي وعباس وآل أبي بكر # يريد: أبا بكر نفسه. # قوله تعالى: تحمله الملائكة قرأ الجمهور «تحمله» بالتاء، وقرأ الحسن ~~ومجاهد والأعمش بالياء. وفي المكان الذي حملته منه الملائكة إليهم قولان: ~~أحدهما: أنه كان مرفوعا مع الملائكة بين السماء والأرض، منذ خرج عن بني ~~إسرائيل، قاله الحسن. والثاني: أنه كان في الأرض. وفي أي مكان كان؟ فيه ~~قولان: أحدهما: أنه كان في أيدي العمالقة قد دفنوه، قال ابن عباس: أخذ ~~التابوت قوم جالوت، فذفنوه في متبرز لهم، فأخذهم الباسور فهلكوا، ثم أخذه ~~أهل مدينة أخرى، فأخذهم بلاء، فهلكوا، ثم أخذه غيرهم كذلك، حتى هلكت خمس ~~مدائن، فأخرجوه على بقرتين، ووجهوهما إلى بني إسرائيل، فساقتهما الملائكة. ~~والثاني: أنه كان في برية التيه، خلفه فيها يوشع، ولم يعلموا بمكانه حتى ~~جاءت به الملائكة، قاله قتادة. # وفي كيفية مجيء الملائكة به قولان: أحدهما: أنها جاءت به بأنفسها، قال ~~وهب: قالوا لنبيهم: # اجعل لنا وقتا يأتينا فيه، فقال: الصبح، فلم يناموا ليلتهم، ووافت به ~~الملائكة مع الفجر، فسمعوا حفيف الملائكة تحمله بين السماء والأرض. ~~والثاني: أن الملائكة جاءت به على عجلة وثورين، ذكر عن وهب أيضا. فعلى ~~القول الأول: يكون معنى تحمله: تقله، وعلى الثاني: يكون ms0221 معنى حملها إياه: # تسببها في حمله. # قوله تعالى: إن في ذلك لآية لكم، أي: علامة تدل على تمليك طالوت. قال ~~المفسرون: فلما جاءهم التابوت وأقروا له بالملك، تأهب للخروج، فأسرعوا في ~~طاعته، وخرجوا معه، فذلك قوله تعالى: ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 249] # فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ~~ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم ~~فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال ~~الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين (249) # قوله تعالى: فلما فصل طالوت، أي: خرج وشخص. وفي عدد من خرج معه ثلاثة ~~أقوال: PageV01P225 # أحدها: سبعون ألفا، قاله ابن عباس. والثاني: ثمانون ألفا، قاله عكرمة ~~والسدي. والثالث: مائة ألف، قاله مقاتل. قال: وساروا في حر شديد، فابتلاهم ~~الله بالنهر. والابتلاء: الاختبار. وفي النهر لغتان: # إحداهما: تحريك الهاء، وهي قراءة الجمهور. والثانية: تسكينها، وبها قرأ ~~الحسن ومجاهد. وفي هذا النهر قولان: أحدهما: أنه نهر فلسطين، قاله ابن عباس ~~والسدي. والثاني: نهر بين الأردن وفلسطين، قاله عكرمة، وقتادة، والربيع بن ~~أنس. # ووجه الحكمة في ابتلائهم أن يعلم طالوت من له نية في القتال منهم، ومن ~~ليس له نية. # وقوله تعالى: فليس مني أي ليس من أصحابي. قوله تعالى: إلا من اغترف غرفة، ~~قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: «غرفة» بفتح الغين، وقرأ ابن عامر وعاصم ~~وحمزة والكسائي بضمها، قال الزجاج: من فتح الغين أراد المرة الواحدة باليد، ~~ومن ضمها أراد ملء اليد. وزعم مقاتل أن الغرفة كان يشرب منها الرجل ودابته ~~وخدمه ويملأ قربته. وقال بعض المفسرين: لم يرد به غرفة الكف، وإنما أراد ~~المرة الواحدة بقربة أو جرة أو ما أشبه ذلك. وفي عدد القليل الذين لم ~~يشربوا إلا غرفة قولان: # أحدهما: أنهم أربعة آلاف، قاله عكرمة والسدي. والثاني: ثلاثمائة وثلاثة ~~عشر رجلا، وهو الصحيح، لما روي عن النبي ms0222 صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لأصحابه يوم بدر: # (134) «أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقاء جالوت» ، وكانوا يوم بدر ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر. # قوله تعالى: لا طاقة لنا، أي: لا قوة لنا، قال الزجاج: أطقت الشيء، إطاقة ~~وطاقة، وطوقا، مثل قولك: أطعته إطاعة وطاعة وطوعا. واختلفوا في القائلين ~~لهذا على ثلاثة أقوال: أحدها: # أنهم الذين شربوا أكثر من غرفة، فإنهم انصرفوا ولم يشهدوا، وكانوا أهل شك ~~ونفاق، قاله ابن عباس، والسدي. والثاني: أنهم الذين قلت بصائرهم من ~~المؤمنين، قاله الحسن، وقتادة، وابن زيد. والثالث: # أنه قول الذين جاوزوا معه، وإنما قال ذلك بعضهم لبعض، لما رأوا من قلتهم، ~~وهذا اختيار الزجاج. # قوله تعالى: قال الذين يظنون في هذا الظن قولان: أحدهما: أنه بمعنى ~~اليقين، قاله السدي في آخرين. والثاني: أنه الظن الذي هو التردد، فان القوم ~~توهموا لقلة عددهم أنهم سيقتلون فيلقون الله، قاله الزجاج في آخرين. وفي ~~الظانين هذا الظن قولان: أحدهما: أنهم الثلاثمائة والثلاثة عشر، قالوا ~~للراجعين: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة، قاله السدي. والثاني: أنهم أولو ~~العزم والفضل من الثلاثمائة والثلاثة عشر. والفئة: الفرقة، قال الزجاج: ~~وإنما قيل لهم: فئة من قولهم: فأوت رأسه بالعصا، وفأيته: إذا شققته. قوله ~~تعالى: بإذن الله، قال الحسن: بنصر الله. قوله تعالى: والله مع الصابرين: ~~أي بالنصر والإعانة. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 250] # ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا ~~وانصرنا على القوم الكافرين (250) # (134) أخرجه الطبري 5732 عن قتادة مرسلا. وورد عن البراء بن عازب قال ~~«كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب ~~طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة» ~~. أخرجه البخاري 3958 وهذا هو الصواب، كونه موقوفا. # PageV01P226 # قوله تعالى: ولما برزوا، أي: صاروا بالبراز من الأرض، وهو ما ظهر واستوى. ~~وأفرغ بمعنى: اصبب وثبت أقدامنا أي: قو قلوبنا لتثبيت أقدامنا، وإنما تثبت ~~الأقدام عند قوة القلوب. قال مقاتل: كان جالوت وجنوده يعبدون ms0223 الأوثان. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 251] # فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما ~~يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على ~~العالمين (251) # قوله تعالى: فهزموهم أي: كسروهم وردوهم، قال الزجاج: أصل الهزم في اللغة: ~~كسر الشيء، وثني بعضه على بعض، يقال: سقاء منهزم ومهزم إذا كان بعضه قد ثني ~~على بعض مع جفاف، وقصب منهزم: قد كسر وشقق، والعرب تقول: هزمت على زيد، أي: ~~عطفت عليه. قال الشاعر: # هزمت عليك اليوم يا ابنة مالك ... فجودي علينا بالنوال وأنعمي # ويقال: سمعت هزمة الرعد، قال الأصمعي: كأنه صوت فيه تشقق. # وداود: هو نبي الله أبو سليمان، وهو اسم أعجمي، وقيل: إن إخوة داود كانوا ~~مع طالوت، فمضى داود لينظر إليهم، فنادته أحجار: خذني، فأخذها، وجاء إلى ~~طالوت، فقال: ما لي إن قتلت جالوت؟ قال: ثلث ملكي، وأنكحك ابنتي، فقتل ~~جالوت. # قوله تعالى: وآتاه الله الملك، يعني: آتى داود ملك طالوت. وفي المراد ب ~~«الحكمة» هاهنا قولان: أحدهما: أنها النبوة، قاله ابن عباس. والثاني: ~~الزبور، قاله مقاتل. # قوله تعالى: وعلمه مما يشاء، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها صنعة الدروع. ~~والثاني: # الزبور. والثالث: منطق الطير. قوله تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض قرأ الجمهور دفع بغير ألف هاهنا، وفي «الحج» «إن الله يدفع» ، وقرأ ~~نافع، ويعقوب، وأبان (ولولا دفاع الله) . # قال أبو علي: المعنيان متقاربان، قال الشاعر «1» : # ولقد حرصت بأن أدافع عنهم ... فاذا المنية أقبلت لا تدفع # وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: أن معناه: لولا أن الله يدفع بمن أطاعه ~~عن من عصاه، كما دفع عن المتخلفين عن طالوت بمن أطاعه، لهلك العصاة بسرعة ~~العقوبة، قاله مجاهد. # والثاني: أن معناه، لولا دفع الله المشركين بالمسلمين، لغلب المشركون على ~~الأرض، فقتلوا المسلمين، وخربوا المساجد، قاله مقاتل. ومعنى: لفسدت الأرض: ~~لهلك أهلها. ### | [سورة البقرة (2) : آية 252] # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252) # قوله تعالى: تلك آيات الله نتلوها عليك، أي: نقص عليك من ms0224 أخبار ~~المتقدمين. # وإنك لمن المرسلين حكمك حكمهم، فمن صدقك، فسبيله سبيل من صدقهم، ومن ~~عصاك، فسبيله سبيل من عصاهم. PageV01P227 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 253] # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من ~~بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ~~ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) # قوله تعالى: تلك الرسل فضلنا بعضهم، يعني: موسى عليه السلام. وقرأ أبو ~~المتوكل، وأبو نهيك «1» ، وابن السميفع: «منهم من كالم الله» بألف خفيفة ~~اللام، ونصب اسم «الله» . # وفي المراد بقوله: ورفع بعضهم درجات قولان: أحدهما: عنى بالمرفوع درجات، ~~محمدا عليه السلام، فإنه بعث إلى الناس كافة، وغيره بعث إلى أمته خاصة، هذا ~~قول مجاهد. والثاني: أنه عنى تفضيل بعضهم على بعض فيما آتاه الله، هذا قول ~~مقاتل. قال ابن جرير الطبري: والدرجات: # جمع درجة، وهي المرتبة، وأصل ذلك: مراقي السلم ودرجه، ثم يستعمل في ~~ارتفاع المنازل والمراتب. وقد تقدم تفسير «البينات» و «روح القدس» . # قوله تعالى: ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم، أي: من بعد الأنبياء. ~~وقال قتادة: من بعد موسى وعيسى. قال مقاتل: وكان بينهما ألف نبي. # قوله تعالى: ولكن اختلفوا يعني: الأمم. ### | [سورة البقرة (2) : آية 254] # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ~~ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون (254) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم، هذه الآية تحث على ~~الصدقات، والإنفاق في وجوه الطاعات. وقال الحسن: أراد الزكاة المفروضة. # قوله تعالى: من قبل أن يأتي يوم، يعني: يوم القيامة لا بيع فيه قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو: # (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) بالنصب من غير تنوين، ومثله في «إبراهيم» ~~: «لا بيع فيه» ، وفي الطور: «لا لغو فيها ولا تأثيم» ، وقرأ نافع، وعاصم، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي، جميع ذلك ms0225 بالرفع والتنوين. قال ابن عباس: لا ~~فدية فيه، وقيل: إنما ذكر لفظ البيع لما فيه من المعاوضة، وأخذ البدل. ~~والخلة: الصداقة. وقيل: إنما نفى هذه الأشياء، لأنه عنى عن الكافرين، وهذه ~~الأشياء لا تنفعهم، ولهذا قال: والكافرون هم الظالمون. ### | [سورة البقرة (2) : آية 255] # الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات ~~وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده ~~حفظهما وهو العلي العظيم (255) PageV01P228 # قوله تعالى: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. # (135) روى مسلم في «صحيحه» عن أبي بن كعب، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال له: «يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله أعظم؟» قال: قلت: الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم، قال: فضرب في صدري! قال: «ليهنك العلم يا أبا ~~المنذر» . # قال أبو عبيدة: القيوم: الذي لا يزول، لاستقامة وصفه بالوجود، حتى لا ~~يجوز عليه التغيير بوجه من الوجوه. وقال الزجاج: القيوم: القائم بتدبير أمر ~~الخلق. وقال الخطابي: القيوم: هو القائم الدائم بلا زوال، وزنه: «فيعول» من ~~القيام، وهو نعت للمبالغة للقيام على الشيء، ويقال: هو القائم على كل شيء ~~بالرعاية، يقال: قمت بالشيء: إذا وليته بالرعاية والمصلحة. وفي «القيوم» ~~ثلاث لغات: القيوم، وبه قرأ الجمهور، والقيام، وبه قرأ عمر بن الخطاب، وابن ~~مسعود، وابن أبي عبلة، والأعمش. # و «القيم» ، وبه قرأ أبو رزين، وعلقمة. وذكر ابن الأنباري أنه كذلك في ~~مصحف ابن مسعود، قال: # وأصل القيوم: القيووم. فلما اجتمعت الياء والواو والسابق ساكن، جعلتا ياء ~~مشددة. وأصل القيام: # القوام، قال الفراء: وأهل الحجاز يصرفون الفعال إلى الفيعال، فيقولون ~~للصواغ: صياغ. # فأما «السنة» فهي: النعاس من غير نوم، ومنه: الوسنان. قال ابن الرقاع: # وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم # وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم «1» # قوله تعالى: له ما ms0226 في السماوات وما في الأرض، قال بعض العلماء: إنما لم ~~يقل: والأرضين، لأنه قد سبق ذكر الجمع في السماوات، فاستغنى بذلك عن ~~إعادته، ومثله: وجعل الظلمات والنور ولم يقل: والأنوار. قوله تعالى: من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه، فيه رد على من قال: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى. قوله تعالى: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ظاهر الكلام يقتضي ~~الإشارة إلى جميع الخلق، وقال مقاتل: المراد بهم الملائكة. وفي المراد ب ما ~~بين أيديهم وما خلفهم ثلاثة أقوال: أحدها: أن الذي بين أيديهم أمر الآخرة، ~~والذي خلفهم أمر الدنيا، روي عن ابن عباس، وقتادة. والثاني: أن الذي بين ~~أيديهم الدنيا، والذي خلفهم الآخرة، قاله السدي عن أشياخه، ومجاهد، وابن ~~جريج، والحكم بن عتيبة. والثالث: ما بين أيديهم: ما قبل خلقهم، وما خلفهم: ~~ما بعد خلقهم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: ولا يحيطون، قال الليث: يقال لكل من أحرز شيئا، أو بلغ علمه ~~أقصاه: قد أحاط به. والمراد بالعلم هاهنا المعلوم. وسع كرسيه، أي: احتمل ~~وأطاق. وفي المراد بالكرسي ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كرسي فوق السماء ~~السابعة دون العرش. PageV01P229 # (136) قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما السماوات السبع في الكرسي إلا ~~كحلقة ملقاة في أرض فلاة» . وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء. والثاني: أن ~~المراد بالكرسي علم الله تعالى، رواه ابن جبير عن ابن عباس. والثالث: أن ~~الكرسي هو العرش، قاله الحسن. # قوله تعالى: ولا يؤده، أي: لا يثقله، يقال: آده الشيء يؤوده أودا وإيادا. ~~والأود: الثقل، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والجماعة. والعلي: العالي ~~القاهر، «فعيل» بمعنى «فاعل» قال الخطابي: # وقد يكون من العلو الذي هو مصدر: علا يعلو، فهو عال كقوله تعالى: الرحمن ~~على العرش استوى «1» ، ويكون ذلك من علاء المجد والشرف، يقال منه: علي يعلى ~~علاء. ومعنى العظيم: # ذو العظمة والجلال، والعظم في حقه تعالى منصرف إلى عظم الشأن، وجلالة ~~القدر، دون العظم الذي هو من نعوت الأجسام. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 256] # لا إكراه في ms0227 الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ~~فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم (256) # قوله تعالى: لا إكراه في الدين، في سبب نزولها أربعة أقوال: # (137) أحدها: أن المرأة من نساء الأنصار كانت في الجاهلية إذا لم يعش لها ~~ولد، تحلف: لئن PageV01P230 # عاش لها ولد لتهودنه. فلما أجليت يهود بني النضير، كان فيهم ناس من أبناء ~~الأنصار. فقال الأنصار: # يا رسول الله أبناؤنا؟ فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس. # وقال الشعبي: قالت الأنصار: والله لنكرهن أولادنا على الإسلام، فإنا إنما ~~جعلنا في دين اليهود إذ لم نعلم دينا أفضل منه، فنزلت هذه الآية. # (138) والثاني: أن رجلا من الأنصار تنصر له ولدان قبل أن يبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما، وقال: والله لا أدعكما ~~حتى تسلما، فأبيا، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه ~~الآية، هذا قول مسروق. # والثالث: أن ناسا كانوا مسترضعين في اليهود، فلما أجلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بني النضير، قالوا: والله لنذهبن معهم، ولندينن بدينهم، ~~فمنعهم أهلوهم، وأرادوا إكراههم على الإسلام، فنزلت الآية «1» . # والرابع: أن رجلا من الأنصار كان له غلام اسمه صبيح، كان يكرهه على ~~الإسلام، فنزلت هذه الآية، والقولان عن مجاهد. # فصل: واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية، فذهب قوم إلى ~~أنه محكم، وأنه من العام المخصوص، فإنه خص منه أهل الكتاب بأنهم لا يكرهون ~~على الإسلام، بل يخيرون بينه وبين أداء الجزية، وهذا معنى ما روي عن ابن ~~عباس ومجاهد وقتادة. وقال ابن الأنباري: معنى الآية: # ليس الدين ما تدين به في الظاهر على جهة الإكراه عليه، ولم يشهد به ~~القلب، وتنطوي عليه الضمائر، إنما الدين هو المنعقد بالقلب. وذهب قوم إلى ~~أنه منسوخ، وقالوا هذه الآية نزلت قبل الأمر بالقتال، فعلى قولهم، يكون ~~منسوخا بآية السيف، وهذا مذهب الضحاك، والسدي، وابن زيد. # والدين هاهنا: أريد به الإسلام. والرشد: الحق، والغي: الباطل. وقيل: هو ~~الإيمان ms0228 والكفر. # وأما الطاغوت فهو اسم مأخوذ من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، قال ابن قتيبة: ~~الطاغوت: واحد، وجمع، ومذكر، ومؤنث. قال تعالى: أولياؤهم الطاغوت، وقال: ~~والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها «2» ، والمراد بالطاغوت هاهنا خمسة ~~أقوال: أحدها: أنه الشيطان «3» ، قاله عمر وابن عباس PageV01P231 # ومجاهد والشعبي والسدي ومقاتل في آخرين. والثاني: أنه الكاهن، قاله سعيد ~~بن جبير وأبو العالية. # والثالث: أنه الساحر، قاله محمد بن سيرين. والرابع: أنه الأصنام، قاله ~~اليزيدي والزجاج. والخامس: # أنه مردة أهل الكتاب، ذكره الزجاج أيضا. قوله تعالى: فقد استمسك بالعروة ~~الوثقى هذا مثل للإيمان شبه التمسك به بالمتمسك بالعروة الوثيقة. وقال ~~الزجاج: معنى الكلام: فقد عقد لنفسه عقدا وثيقا. والانفصام: كسر الشيء من ~~غير إبانة. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 257] # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(257) # قوله تعالى: الله ولي الذين آمنوا، أي: متولي أمورهم، يهديهم، وينصرهم، ~~ويعينهم. # والظلمات: الضلالة، والنور، الهدى، والطاغوت: الشياطين، هذا قول ابن ~~عباس، وعكرمة في آخرين. وقال مقاتل: الذين كفروا: هم اليهود، والطاغوت: كعب ~~بن الأشرف. قال الزجاج: # الطاغوت هاهنا: واحد في معنى جماعة، وهذا جائز في اللغة إذا كان في ~~الكلام دليل على الجماعة. # قال الشاعر «1» : # بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب # يريد جلودها، فان قيل: متى كان المؤمنون في ظلمة؟ ومتى كان الكفار في ~~نور؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن عصمة الله للمؤمنين عن مواقعة الضلال، ~~إخراج لهم من ظلام الكفر، وتزيين قرناء الكفار لهم الباطل الذي يحيدون به ~~عن الهدى، إخراج لهم من نور الهدى، و «الإخراج» مستعار هاهنا. # وقد يقال للممتنع من الشيء: خرج منه، وإن لم يكن دخل فيه. قال تعالى: إني ~~تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله «2» ، وقال: ومنكم من يرد إلى أرذل العمر «3» ~~، وقد سبقت شواهد هذا في قوله تعالى: # وإلى الله ترجع الأمور «4» . والثاني: أن إيمان أهل الكتاب بالنبي قبل أن ~~يظهر نور لهم، وكفرهم ms0229 به بعد أن ظهر، خروج إلى الظلمات. والثالث: أنه لما ~~ظهرت معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان المخالف له خارجا من نور قد ~~علمه، والموافق له خارجا من ظلمات الجهل إلى نور العلم. ### | [سورة البقرة (2) : آية 258] # ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ~~ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس ~~من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ~~(258) # قوله تعالى: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه، قد سبق معنى «ألم تر» . ~~وحاج: بمعنى خاصم، وهو نمروذ في قول الجماعة. قال ابن عباس: ملك الأرض ~~شرقها وغربها مؤمنان، وكافران فالمؤمنان سليمان بن داود، وذو القرنين. ~~والكافران: نمروذ، وبختنصر «5» . قال ابن قتيبة: PageV01P232 # معنى الآية: حاج إبراهيم، لأن الله آتاه الملك، فأعجب بنفسه وملكه. # قوله تعالى: إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت، قال بعضهم: هذا جواب ~~سؤال سابق غير مذكور، تقديره: أنه قال له: من ربك؟ فقال: ربي الذين يحيي ~~ويميت. قال نمروذ: أنا أحيي وأميت. قال ابن عباس: يقول: أترك من شئت، وأقتل ~~من شئت. فإن قيل: لم انتقل إبراهيم إلى حجة أخرى، وعدل عن نصرة الأولى؟ ~~فالجواب: أن إبراهيم رأى من فساد معارضته أمرا يدل على ضعف فهمه، فإنه عارض ~~اللفظ بمثله، ونسي اختلاف الفعلين، فانتقل إلى حجة أخرى، قصدا لقطع المحاج ~~لا عجزا عن نصرة الأولى. # وقرأ أبن رزين العقيلي، وابن السميفع: فبهت، بفتح الباء والهاء، وقرأ أبو ~~الجوزاء، ويحيى بن يعمر، وأبو حياة: فبهت بفتح الباء، وضم الهاء. قال ~~الكسائي: ومن العرب من يقول: بهت، وبهت، بكسر الهاء وضمها والله لا يهدي ~~القوم الظالمين، يعني: الكافرين. قال مقاتل: لا يهديهم إلى الحجة، وعنى ~~بذلك نمروذ. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 259] # أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد ~~موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم ms0230 لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم ~~قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ~~ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين ~~له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير (259) # قوله تعالى: أو كالذي مر على قرية، قال الزجاج: هذا معطوف على معنى ~~الكلام الذي قبله، أرأيت كالذي حاج إبراهيم، أو كالذي مر على قرية؟ وفي ~~المراد بالقرية قولان: أحدهما: أنها بيت المقدس لما خربه بختنصر، قاله وهب، ~~وقتادة، والربيع بن أنس. والثاني: أنها التي خرج منها الألوف حذر الموت، ~~قاله ابن زيد. وفي الذي مر عليها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه عزير، قاله علي ~~بن أبي طالب، وأبو العالية، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وناجية بن كعب، وقتادة، ~~والضحاك، والسدي، ومقاتل. والثاني: أنه أرمياء، قاله وهب، ومجاهد وعبد الله ~~بن عبيد بن عمير. والثالث: أنه رجل كافر شك في البعث، نقل عن مجاهد أيضا. # والخاوية: الخالية، قاله الزجاج. وقال ابن قتيبة: الخاوية: الخراب، ~~والعروش: السقوف، وأصل ذلك أن تسقط السقوف، ثم تسقط الحيطان عليها قال أنى ~~يحيي هذه الله، أي: كيف يحييها. # فإن قلنا: إن هذا الرجل نبي، فهو كلام من يؤثر أن يرى كيفية الإعادة، أو ~~يستهولها، فيعظم قدرة الله، وإن قلنا: إنه كان رجلا كافرا، فهو كلام شاك، ~~والأول أصح. # قوله تعالى: فأماته الله مائة عام ثم بعثه. # (الاشارة الى قصته) روى ناجية بن كعب عن علي عليه السلام، قال: خرج عزير ~~نبي الله من مدينته، وهو رجل شاب، فمر على قرية، وهي خاوية على عروشها، ~~فقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة # PageV01P233 # عام، ثم بعثه، وأول ما خلق الله منه عيناه، فجعل ينظر إلى عظمه تنضم ~~بعضها إلى بعض، ثم كسيت لحما، ونفخ فيها الروح. قال الحسن: قبضه الله أول ~~النهار، وبعثه الله آخر النهار بعد مائة سنة. قال مقاتل: ونودي من السماء: ~~كم لبثت؟ قال قتادة: فقال: لبثت يوما، ثم نظر ms0231 فرأى بقية من الشمس، فقال: أو ~~بعض يوم. فهذا يدل على أنه عزير. # وقال وهب بن منبه: أقام أرميا بأرض مصر فأوحى الله إليه أن الحق بأرض ~~إيلياء، فركب حماره، وأخذ معه سلة من عنب وتين، ومعه سقاء جديد، فيه ماء، ~~فلما بدا له شخص بيت المقدس وما حوله من القرى والمساجد نظر إلى خراب لا ~~يوصف فلما رأى هدم بيت المقدس كالجبل العظيم قال: أنى يحيي هذه الله بعد ~~موتها؟ ثم نزل منها منزلا، وربط حماره، وعلق سقاءه، وألقى الله عليه النوم، ~~ونزع روحه مائة عام، فلما مر منها سبعون عاما، أرسل الله ملكا إلى ملك من ~~ملوك فارس، عظيم، فقال: إن الله يأمرك أن تنفر بقومك، فتعمر بيت المقدس ~~وإيلياء وأرضها حتى تعود أعمر ما كانت، فانتدب ثلاثمائة قهرمان، ودفع إلى ~~كل قهرمان ألف عامل، وما يصلحه من أداة العمل، فسار إليها قهارمته ومعهم ~~ثلاثمائة ألف عامل. فلما وقعوا في العمل، رد الله روح الحياة في عيني ~~أرميا، وآخر جسده ميت، فنظر إليها تعمر، فلما تمت بعد ثلاثين سنة رد الله ~~إليه الروح، فنظر إلى طعامه وشرابه فلم يتسنه، ونظر إلى حماره واقفا كهيئته ~~يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب، ونظر إلى الرمة في عنق الحمار لم تتغير ولم ~~تنتقص شيئا وقد نحل جسم أرميا من البلى، فأنبت الله له لحما جديدا ونشز ~~عظامه وهو ينظر، فقال له الله: (انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه، وانظر إلى ~~حمارك ولنجعلك آية للناس، وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما ~~تبين له قال: اعلم أن الله على كل شيء قدير) . # وزعم مقاتل أن هذه القصة كانت بعد رفع عيسى عليه السلام. # قوله تعالى: كم لبثت قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم «لبثت» و «لبثتم» في كل ~~القرآن باظهار التاء، وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي بالإدغام، ~~قال أبو علي الفارسي: من بين «لبثت» فلتباين المخرجين، وذلك أن الظاء ~~والذال والثاء من حيز، والطاء والتاء والدال من حيز، فلما ms0232 تباين المخرجان، ~~واختلف الحيزان، لم يدغم. ومن أدغمهما أجراها مجرى المثلين، لاتفاق الحرفين ~~في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا، واتفاقهما في الهمس، ورأى الذي ~~بينهما من الاختلاف يسيرا، فأجراهما مجرى المثلين. فأما طعامه وشرابه، فقال ~~وهب: كان معه مكتل فيه عنب وتين، وقلة فيها ماء. وقال السدي: كان معه تين ~~وعنب، وشرابه من العصير، ولم يحمض التين والعنب، ولم يختمر العصير. # قوله تعالى: لم يتسنه قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: ~~يتسنه واقتده «1» وما أغنى عني ماليه «2» وسلطانيه «3» وما هيه «4» بإثبات ~~الهاء في الوصل. # وقرأ الكسائي في حذف موضعين يتسنه واقتده وكلهم يقف على الهاء. ولم ~~يختلفوا في كتابيه وحسابيه بالهاء وصلا ووقفا. فأما معنى: لم يتسنه، فقال ~~ابن عباس، والحسن، PageV01P234 # وقتادة في آخرين: لم يتغير. وقال ابن قتيبة: لم يتغير بمر السنين عليه، ~~واللفظ مأخوذ من السنه، يقال: # سانهت النخلة: إذا حملت عاما، وحالت عاما. # قوله تعالى: وانظر إلى حمارك، قال مقاتل: انظر إليه، وقد ابيضت عظامه، ~~وتفرقت أوصاله، فأعاده الله. قوله تعالى: ولنجعلك اللام صلة مضمر تقديره: ~~فعلنا بك ذلك لنراك قدرتنا، ولنجعلك آية للناس، أي: علما على قدرتنا، فأضمر ~~الفعل لبيان معناه. قال ابن عباس: مات وهو ابن أربعين سنة، وابنه ابن عشرين ~~سنة، ثم بعث وهو ابن أربعين وابنه ابن عشرين ومائة، ثم أقبل حتى أتى قومه ~~في بيت المقدس، فقال لهم: أنا عزير، فقالوا: حدثنا آباؤنا أن عزيرا مات ~~بأرض بابل، فقال لهم: أنا هو أرسلني الله إليكم أجدد لكم توراتكم، وكانت قد ~~ذهبت، وليس منهم أحد يقرؤها فأملاها عليهم. # قوله تعالى: وانظر إلى العظام، قيل: أراد عظام نفسه، وقيل: عظام حماره، ~~وقيل: هما جميعا. قوله تعالى: كيف ننشزها قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ~~«ننشرها» بضم النون الأولى، وكسر الشين وراء مضمومة. ومعناه: نحييها. يقال: ~~أنشر الله الميت، فنشر. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (ننشزها) ~~بضم النون مع الزاي، وهو من النشز الذي هو الارتفاع. # والمعنى: نرفع بعضها إلى ms0233 بعض للأحياء. وقرأ الأعمش: (ننشزها) بفتح النون ~~ورفع الشين مع الزاي. # وقرأ الحسن، وأبان، عن عاصم: ننشرها، بفتح النون مع الراء، كأنه من النشر ~~عن الطي، فكأن الموت طواها، والإحياء نشرها. قوله تعالى: فلما تبين له، أي: ~~بان له إحياء الموتى، قال أعلم قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«أعلم» مقطوعة الألف، مضمومة الميم. والمعنى: قد علمت ما كنت أعلمه غيبا ~~مشاهدة. وقرأ حمزة والكسائي بوصل الألف، وسكون الميم على معنى الأمر، ~~والابتداء، على قراءتهما بكسر الهمزة، وظاهر الكلام أنه أمر من الله له. ~~وقال أبو علي: نزل نفسه منزلة غيره فأمرها وخاطبها. وقرأ الجعفي «1» عن أبي ~~بكر: «أعلم» بكسر اللام على معنى الأمر بإعلام الغير. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 260] # وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم (260) # قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى في سبب سؤاله هذا ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنه رأى ميتة تمزقها الهوام والسباع فسأل هذا السؤال، وهذا قول ~~ابن عباس، والحسن، وقتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني، وابن جريج، ومقاتل. ~~وما الذي كانت هذه الميتة؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: كان رجلا ميتا، قاله ~~ابن عباس. والثاني: كان جيفة حمار، قاله ابن جريج، ومقاتل. # والثالث: كان حوتا ميتا، قاله ابن زيد. PageV01P235 # والثاني: أنه لما بشر باتخاذ الله له خليلا، سأل هذا السؤال ليعلم صحة ~~البشارة، ذكره السدي عن ابن مسعود، وابن عباس. وروي عن سعيد بن جبير أنه ~~لما بشر بذلك، قال: ما علامة ذلك؟ قال: أن يجيب الله دعاءك، ويحيي الموتى ~~بسؤالك، فسأل هذا السؤال. # والثالث: أنه سأل ذلك ليزيل عوارض الوسواس، وهذا قول عطاء بن أبي رباح. # والرابع: أنه لما نازعه نمروذ في إحياء الموتى سأل ذلك ليرى ما أخبر به ~~عن الله تعالى، وهذا قول محمد بن إسحاق. # قوله ms0234 تعالى: أولم تؤمن، أي: أولست قد آمنت أني أحيي الموتى؟ وقال ابن ~~جبير: ألم توقن بالخلة؟ قوله تعالى: بلى ولكن ليطمئن قلبي، «اللام» متعلقة ~~بفعل مضمر، تقديره: ولكن سألتك ليطمئن، أو أرني ليطمئن قلبي، ثم في المعنى ~~أربعة أقوال: أحدها: لأعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، قاله ابن عباس. والثاني: ~~ليزداد قلبي يقينا، قاله سعيد بن جبير. وقال الحسن: كان إبراهيم موقنا، ~~ولكن ليس الخبر كالمعاينة. والثالث: ليطمئن قلبي بالخلة، روي عن ابن جبير ~~أيضا. والرابع: أنه كان قلبه متعلقا برؤية إحياء الموتى، فأراد: ليطمئن ~~قلبه بالنظر، قاله ابن قتيبة. وقال غيره: كانت نفسه تائقة إلى رؤية ذلك، ~~وطالب الشيء قلق إلى أن يظفر بطلبته، ويدل على أنه لم يسأل لشك، أنه قال: ~~أرني كيف تحي الموتى، وما قال: هل تحيي الموتى؟ # قوله تعالى: فخذ أربعة من الطير في الذي أخذ سبعة أقوال: أحدها: أنها ~~الحمامة، والديك، والكركي، والطاوس، رواه عبد الله بن هبيرة عن ابن عباس. ~~والثاني: أنها الطاوس، والديك، والدجاجة السندية، والأوزة، رواه الضحاك عن ~~ابن عباس. وفي لفظ آخر، رواه الضحاك مكان الدجاجه السندية الرأل، وهو فرخ ~~النعام. والثالث: أنها الشعانين، وكان قرباهم يومئذ، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. والرابع: أنها الطاوس، والنسر، والغراب، والديك، نقل عن ابن عباس ~~أيضا. # والخامس: أنها الديك، والطاوس والغراب، والحمام، قاله عكرمة، ومجاهد، ~~وعطاء، وابن جريج، وابن زيد. والسادس: أنها ديك، وغراب، وبط، وطاوس، رواه ~~ليث عن مجاهد. والسابع: أنها الديك، والبطة، والغراب، والحمامة، قاله ~~مقاتل. وقال عطاء الخراساني: أوحى الله إليه أن خذ بطة خضراء وغرابا أسود، ~~وحمامة بيضاء، وديكا أحمر. # قوله تعالى: فصرهن إليك، قرأ الجمهور بضم الصاد، والمعنى: أملهن إليك، ~~يقال: صرت الشيء فانصار، أي: أملته فمال، وأنشدوا «1» : # الله يعلم أنا في تلفتنا ... يوم الفراق إلى جيراننا صور «2» # فمعنى الكلام: اجمعهن إليك. ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا فيه إضمار ~~قطعهن. قال ابن قتيبة: أضمر «قطعهن» ، واكتفى بقوله: ثم اجعل على كل جبل ~~منهن جزءا، عن قوله: ms0235 «قطعهن» لأنه يدل عليه، وهذا كما تقول: خذ هذا الثوب، ~~واجعل على كل رمح عندك منه علما. يريد: قطعه، PageV01P236 # وافعل ذلك، وقرأ أبو جعفر، وحمزة، وخلف، والمفضل، عن عاصم «فصرهن» بكسر ~~الصاد. قال اليزيدي: هما واحد، وقال ابن قتيبة: الكسر والضم لغتان. قال ~~الفراء: أكثر العرب على ضم الصاد، وحدثني الكسائي أنه سمع بعض بني سليم ~~يقول: صرته، فأنا أصيره. وروي عن ابن عباس ووهب، وأبي مالك، وأبي الأسود ~~الدؤلي، والسدي، أن معنى المكسورة الصاد: قطعهن. # قوله تعالى: ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا، قال الزجاج: معناه: اجعل على ~~كل جبل من كل واحد منهن جزءا. وروى عوف عن الحسن قال: اذبحهن ونتفهن، ثم ~~قطعهن أعضاء، ثم خلط بينهن جميعا، ثم جزأهما أربعة أجزاء، وضع على كل جبل ~~جزءا. ثم تنحى عنهن، فدعاهن، فجعل يعدو كل جزء إلى صاحبه حتى استوين كما ~~كن، ثم أتينه يسعين. وقال قتادة: أمسك رؤوسها بيده، فجعل العظم يذهب إلى ~~العظم، والريشة إلى الريشة، والبضعة إلى البضعة، وهو يرى ذلك، ثم دعاهن، ~~فأقبلن على أرجلهن يلقي لكل طائر رأسه. وفي عدد الجبال التي قسمن عليها ~~قولان: # أحدهما: أنه قسمهن على أربعة جبال، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة. وروي ~~عن ابن عباس قال: # جعلهن أربعة أجزاء في أرباع الأرض، كأنه يعني جهات الإنسان الأربع. ~~والثاني: أنه قسمهن سبعة أجزاء على سبعة أجبال، قاله ابن جريج، والسدي. # قوله تعالى: ثم ادعهن يأتينك سعيا، قال ابن قتيبة: يقال: عدوا، ويقال: ~~مشيا على أرجلهن، ولا يقال للطائر إذا طار: سعى واعلم أن الله عزيز أي: ~~منيع لا يغلب حكيم فيما يدبر. # ويزعم مقاتل أن هذه القصة جرت لإبراهيم بالشام قبل أن يكون له ولد، وقبل ~~نزول الصحف عليه، وهو ابن خمس وسبعين سنة «1» . PageV01P237 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 261] # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) # قوله تعالى: مثل الذين ينفقون أموالهم في ms0236 سبيل الله، حدثنا عن ثعلب أنه ~~قال: إنما المثل- والله أعلم- للنفقة، لا للرجال، ولكن العرب إذا دل المعنى ~~على ما يريدون، حذفوا، مثل قوله تعالى: وأشربوا في قلوبهم العجل، فأضمر ~~«الحب» لأن المعنى معلوم، فكذلك هاهنا. أراد: # مثل نفقة الذين ينفقون ونحو هذا قوله تعالى: ولا يحسبن الذين يبخلون بما ~~آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم «1» . يريد: بخل الباخلين فحذف البخل. وفي ~~المراد ب «سبيل الله» قولان: أحدهما: أنه الجهاد. # والثاني: أنه جميع أبواب البر. قال أبو سليمان الدمشقي: والآية مردودة ~~على قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم، وقد أعلم الله عز ~~وجل بضرب هذا المثل، أن الحسنة في النفقة في سبيله تضاعف بسبعمائة ضعف. ~~وقال الشعبي: نفقة الرجل على نفسه وأهل بيته تضاعف بسبعمائة ضعف. # قال ابن زيد: والله يضاعف لمن يشاء، أي: يزيد على السبعمائة. ### | [سورة البقرة (2) : آية 262] # الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ~~لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262) # قوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله قال ابن السائب ومقاتل: ~~نزلت في عثمان بن عفان في نفقته في غزوة تبوك، وشرائه بئر رومة، ركية ~~بالمدينة، تصدق بها على المسلمين، وفي عبد الرحمن بن عوف حين تصدق بأربعة ~~آلاف درهم، وكانت نصف ماله «2» . # وأما المن ففيه قولان: أحدهما: أنه المن على الفقير، ومثل أن يقول: قد ~~أحسنت إليك ونعشتك، وهو قول الجمهور. والثاني: أنه المن على الله بالصدقة، ~~روي عن ابن عباس. فإن قيل: # كيف مدحهم بترك المن. ووصف نفسه بالمنان؟ فالجواب: يقال: من فلان على ~~فلان: إذا أنعم عليه، فهذا الممدوح، قال الشاعر: PageV01P238 # فمني علينا بالسلام فإنما ... كلامك ياقوت ودر منظم # أراد بالمن الإنعام. وأما الوجه المذموم، فهو أن يقال: من فلان على فلان، ~~إذا استعظم ما أعطاه، وافتخر بذلك قال الشاعر في ذلك: # أنلت قليلا ثم أسرعت منة ... فنيلك ممنون كذاك قليل # ذكر ذلك أبو بكر الأنباري. # وفي الأذى قولان: ms0237 أحدهما: أنه مواجهة الفقير بما يؤذيه، مثل أن يقول له: ~~أنت أبدا فقير، وقد بليت بك، وأراحني الله منك. والثاني: أنه يخبر بإحسانه ~~إلى الفقير، من يكره الفقير إطلاعه على ذلك، وكلا القولين يؤذي الفقير وليس ~~من صفة المخلصين في الصدقة. ولقد حدثنا عن حسان بن أبي سنان أنه كان يشتري ~~أهل بيت الرجل وعياله، ثم يعتقهم جميعا، ولا يتعرف إليهم، ولا يخبرهم من ~~هو. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 263] # قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (263) # قوله تعالى: قول معروف، أي: قول جميل للفقير، مثل أن يقول له: يوسع الله ~~عليك ومغفرة أي: يستر على المسلم خلته وفاقته، وقيل: أراد بالمغفرة التجاوز ~~عن السائل إن استطال على المسؤول وقت رده خير من صدقة يتبعها أذى وقد سبق ~~بيانه. ### | [سورة البقرة (2) : آية 264] # يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله ~~رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه ~~وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ~~(264) # قوله تعالى: لا تبطلوا صدقاتكم، أي: لا تبطلوا ثوابها، كما تبطل ثواب ~~صدقة المرائي الذي لا يؤمن بالله، وهو المنافق فمثله، أي: مثل نفقته، كمثل ~~صفوان، قال ابن قتيبة: الصفوان: # الحجر، والوابل: أشد المطر، والصلد: الأملس. وقال الزجاج: الصفوان: الحجر ~~الأملس، وكذلك الصفا. وقال ثعلب: الصلد: النقي. وروي عن ابن عباس، وقتادة، ~~فتركه صلدا، قالا: ليس عليه شيء. وهذا مثل ضربه الله تعالى للمرائي بنفقته، ~~لا يقدر يوم القيامة على ثواب شيء مما أنفق. ### | [سورة البقرة (2) : آية 265] # ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة ~~بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما ~~تعملون بصير (265) # قوله تعالى: ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله، أي: طلبا ~~لرضاه. وفي معنى التثبيت قولان: أحدهما: أنه الإنفاق عن يقين وتصديق، وهذا ~~قول الشعبي، والسدي، في آخرين. # والثاني: أنه التثبيت لارتياد ms0238 محل الإنفاق، فهم ينظرون أين يضعونها، وهذا ~~قول الحسن، ومجاهد، وأبي صالح. قوله تعالى: كمثل جنة الجنة: البستان، وقرأ ~~مجاهد، وعاصم الجحدري «حبة» بالحاء. والربوة: ما ارتفع. وقرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي «بربوة» بضم الراء. # PageV01P239 # وقرأ عاصم، وابن عامر، بفتح الراء وقرأ الحسن والأعمش بكسر الراء، وقرأ ~~ابن عباس، وأبو رزين، برباوة، بزيادة ألف، وفتح الراء، وقرأ أبي بن كعب، ~~والجحدري كذلك، إلا أنهما ضما الراء، وكذلك خلافهم في «المؤمنين» ، قال ~~الزجاج: يقال ربوة وربوة وربوة ورباوة. والموضع المرتفع من الأرض، إذا كان ~~له ما يرويه من الماء، فهو أكثر ريعا من السفل. وقال ابن قتيبة: الربوة ~~الارتفاع، وكل شيء ارتفع وزاد، فقد ربا، ومنه الربا في البيع. قوله تعالى: ~~فآتت أكلها، قرأ ابن كثير، ونافع: # أكلها. والأكل بسكون الكاف حيث وقع، ووافقهما أبو عمرو، فيما أضيف إلى ~~مؤنث، مثل: «أكلها» ، فأما ما أضيف إلى مذكر مثل: أكله؟ أو كان غير مضاف ~~إلى مكنى: مثل أكل خمط فثقله أبو عمرو. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي جميع ذلك مثقلا. وأكلها: ثمرها. ضعفين أي: مثلين. فأما «الطل» ~~فقال ابن قتيبة: هو أضعف المطر، وقال الزجاج: هو المطر الدائم، الصغار ~~القطر الذي لا تكاد تسيل منه المثاعب. قال ثعلب: وهذا لفظ مستقبل وهو لأمر ~~ماض، فمعناه: فان لم يكن أصابها وابل فطل، ومعنى هذا المثل: أن صاحب هذه ~~الجنة لا يخيب، فإنها إن أصابها الطل حسنت، وإن أصابها الوابل أضعفت، فكذلك ~~نفقة المؤمن المخلص. والبصير: من أسماء الله تعالى، معناه: المبصر. قال ~~الخطابي: وهو فعيل بمعنى مفعل، كقولهم: أليم بمعنى مؤلم. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 266] # أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها ~~من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ~~كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) # قوله تعالى: أيود أحدكم، هذه الآية متصلة بقوله تعالى: لا تبطلوا ~~صدقاتكم، ومعنى: # «أيود» أيحب، وإنما ذكر النخيل والأعناب، ms0239 لأنهما من أنفس ما يكون في ~~البساتين، وخص ذلك بالكبير، لأنه قد يئس من سعي الشباب في اكسابهم. # قوله تعالى: وله ذرية ضعفاء، أي: ضعاف، وإذا ضعفت الذرية كان أحنى عليهم، ~~وأكثر إشفاقا فأصابها يعني: الجنة إعصار وهي ريح شديدة، تهب بشدة، فترفع ~~إلى السماء ترابا، كأنه عمود. قال الشاعر: # إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا # أي: لاقيت أشد منك. فان قيل: كيف جاز في الكلام أن يكون له جنة فأصابها، ~~ولم يقل: # فيصيبها؟ أفيجوز أن يقال: أيود أن يصيب مالا، فضاع، والمراد: فيضيع؟ ~~فالجواب: أن ذلك جائز في «وددت» لأن العرب تلقاها مرة ب «أن» ، ومرة ب «لو» ~~، فيقولون: وددت لو ذهبت عنا، ووددت أن تذهب عنا، قاله الفراء، وثعلب. # فصل: وهذه الآية مثل ضربه الله تعالى في الحسرة بسلب النعمة عند شدة ~~الحاجة. وفيمن قصد به ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مثل الذي يختم له بالفساد في ~~آخر عمره، قاله ابن عباس. والثاني: أنه مثل للمفرط في طاعة الله تعالى حتى ~~يموت، قاله مجاهد. والثالث: أنه مثل للمرائي في النفقة، ينقطع عنه نفعها ~~أحوج ما يكون إليه، قاله السدي. # PageV01P240 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 267] # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ~~ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن ~~الله غني حميد (267) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم، في سبب ~~نزولها قولان: # (139) أحدهما: أن الأنصار كانوا إذا جذوا النخل، جاء كل رجل بشيء من ذلك ~~فعلقه في المسجد، فيأكل منه فقراء المهاجرين، وكان أناس ممن لا يرغب في ~~الخير يجيء أحدهم بالقنو «1» فيه الحشف والشيص، فيعلقه، فنزلت هذه الآية. ~~هذا قول البراء بن عازب. # (140) والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر، فجاء رجل ~~بتمر رديء، فنزلت هذه الآية. هذا قول جابر بن عبد الله. # وفي المراد بهذه النفقة قولان: أحدهما: أنها الصدقة المفروضة، قاله عبيدة ~~السلماني في آخرين. # والثاني: أنها ms0240 التطوع. وفي المراد بالطيب هاهنا قولان: أحدهما: أنه الجيد ~~الأنفس، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الحلال، قاله أبو معقل في آخرين. قوله تعالى: ولا تيمموا، ~~أي: لا تقصدوا. والتيمم في اللغة: القصد. قال ميمون بن قيس: # تيممت قيسا وكم دونه ... من الأرض من مهمه ذي شزن «2» # وفي الخبيث قولان: أحدهما: أنه الرديء، قاله الأكثرون، وسبب الآية يدل ~~عليه. والثاني: أنه الحرام، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه، قال ابن عباس: لو كان بعضكم ~~يطلب من بعض حقا له، ثم قضاه ذلك، ولم يأخذه إلى أن يرى أنه قد أغمض عن بعض ~~حقه. وقال ابن قتيبة: # أصل هذا أن يصرف المرء بصره عن الشيء، ويغمضه، فسمي الترخص إغماضا. ومنه ~~قول الناس للبائع: أغمض، أي: لا تشخص، وكن كأنك لا تبصر. وقال غيره: لما ~~كان الرجل إذا رأى ما يكره PageV01P241 # أغمض عينيه، لئلا يرى جميع ما يكره جعل التجاوز والمساهلة في كل شيء ~~إغماضا. قوله تعالى: # واعلموا أن الله غني، قال الزجاج: لم يأمركم بالتصدق عن عوز، لكنه بلا ~~أخباركم، فهو حميد على ذلك. يقال: قد غني زيد، يغنى غنى، مقصور: إذا ~~استغنى، وقد غني القوم: إذا نزلوا في مكان يغنيهم، والمكان الذي ينزلون فيه ~~مغنى. والغواني: النساء، قيل: إنما سمين بذلك، لأنهن غنين بجمالهن، وقيل: ~~بأزواجهن. فأما «الحميد» فقال الخطابي: هو بمعنى المحمود، فعيل بمعنى ~~مفعول. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 268] # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله ~~واسع عليم (268) # قوله تعالى: الشيطان يعدكم الفقر، قال الزجاج: يقال: وعدته أعده وعدا ~~وعدة وموعدا وموعدة وموعودا، ويقال: الفقر، والفقر. ومعنى الكلام: يحملكم ~~على أن تؤدوا من الرديء، يخوفكم الفقر بإعطاء الجيد. ومعنى: يعدكم الفقر، ~~أي: بالفقر، وحذفت الباء. قال الشاعر «1» : # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب # وفي الفحشاء قولان: أحدهما: البخل. والثاني: المعاصي. قال ابن عباس: ~~والله يعدكم مغفرة لفحشائكم، وفضلا في الرزق. ### | [سورة البقرة (2) : آية 269] # يؤتي الحكمة ms0241 من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا ~~أولوا الألباب (269) # قوله تعالى: يؤتي الحكمة من يشاء، في المراد بهذه الحكمة أحد عشر قولا ~~«2» : أحدها: أنها القرآن، قاله ابن مسعود، ومجاهد، والضحاك، ومقاتل في ~~آخرين. والثاني: معرفة ناسخ القرآن، ومنسوخه، ومحكمه، ومتشابهه، ومقدمه، ~~ومؤخره، ونحو ذلك، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: النبوة، ~~رواه أبو صالح عن ابن عباس. والرابع: الفهم في القرآن، قاله أبو العالية، ~~وقتادة، وإبراهيم. والخامس: العلم والفقه، رواه ليث عن مجاهد. والسادس: ~~الإصابة في القول، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. والسابع: الورع في دين ~~الله، قاله الحسن. والثامن: الخشية لله، قاله الربيع بن أنس. والتاسع: ~~العقل في الدين، قاله ابن زيد. والعاشر: الفهم، قاله شريك. والحادي عشر: ~~العلم والعمل، لا يسمى الرجل حكيما إلا إذا جمعهما، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: ومن يؤت الحكمة، قرأ يعقوب بكسر تاء «يؤت» ، ووقف عليها بهاء ~~والمعنى: # ومن يؤته الله الحكمة. وكذلك هي في قراءة ابن مسعود بهاء بعد التاء. قوله ~~تعالى: وما يذكر، قال الزجاج: أي: وما يفكر فكرا يذكر به ما قص من آيات ~~القرآن إلا ذوو العقول. قال ابن قتيبة: # «أولو» بمعنى: ذوو، وواحد «أولو» «ذو» ، و «أولات» «ذات» . PageV01P242 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 270] # وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من ~~أنصار (270) # قوله تعالى: وما أنفقتم من نفقة، النذر: ما أوجبه الإنسان على نفسه، وقد ~~يكون مطلقا، ويكون معلقا بشرط. فإن الله يعلمه، قال مجاهد: يحصيه، وقال ~~الزجاج: يجازى عليه. وفي المراد بالظالمين هاهنا، قولان: أحدهما: أنهم ~~المشركون، قاله مقاتل. والثاني: المنفقون بالمن والأذى والرياء، والمنذرون ~~في المعصية، قاله أبو سليمان الدمشقي. والأنصار: المانعون. فمعناه: ما لهم ~~مانع يمنعهم من عذاب الله. ### | [سورة البقرة (2) : آية 271] # إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر ~~عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (271) # قوله تعالى: إن تبدوا الصدقات فنعما هي. # (141) قال ابن ms0242 السائب: لما نزل قوله تعالى: وما أنفقتم من نفقة، قالوا: ~~يا رسول الله، صدقة السر أفضل، أم العلانية؟ فنزلت هذه الآية. قال الزجاج، ~~يقال: بدا الشيء يبدو: إذا ظهر، وأبديته إبداء: إذا أظهرته، وبدا لي بداء: ~~إذا تغير رأيي عما كان عليه. # وقوله تعالى: فنعما هي، في «نعم» أربع لغات: «نعم» بفتح النون، والعين، ~~مثل: علم. # و «نعم» بكسرها، و «نعم» بفتح النون، وتسكين العين، و «نعم» بكسر النون، ~~وتسكين العين. وأما قوله: # فنعما هي قرأ نافع في غير رواية «ورش» ، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي ~~بكر، والمفضل: # «فنعما» ، بكسر النون، والعين ساكنة. وقرأ ابن كثير، وعاصم في رواية حفص، ~~ونافع في رواية «ورش» ، ويعقوب بكسر النون والعين. وقرأ ابن عامر، وحمزة ~~والكسائي، وخلف: «فنعما» بفتح النون، وكسر العين، وكلهم شددوا الميم. وكذلك ~~خلافهم في سورة النساء. قال الزجاج: «ما» في تأويل الشيء، أي: فنعم الشيء ~~هو. قال أبو علي: نعم الشيء إبداؤها. قوله تعالى فهو خير لكم، فهو الإخفاء. ~~واتفق العلماء على أن إخفاء الصدقة النافلة أفضل من إظهارها، وفي الفريضة ~~قولان: أحدهما: أن إظهارها أفضل، قاله ابن عباس في آخرين. واختاره القاضي ~~أبو يعلى. وقال الزجاج: كان إخفاء الزكاة على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، أحسن، فأما اليوم، فالناس مسيئون الظن، فاظهارها أحسن. والثاني: ~~إخفاؤها أفضل، قاله الحسن، وقتادة، ويزيد بن أبي حبيب. وقد حمل أرباب القول ~~الأول الصدقات في الآية على الفريضة، وحملوا وإن تخفوها على النافلة، وهذا ~~قول عجيب. وإنما فضلت صدقة السر لمعنيين: أحدهما: يرجع إلى المعطي، وهو ~~بعده عن الرياء، وقربه من الإخلاص، والإعراض عما تؤثر النفس من العلانية. ~~والثاني: يرجع إلى المعطى، وهو دفع الذل عنه باخفاء الحال، لأنه في ~~العلانية ينكسر. قوله تعالى: ويكفر عنكم، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو ~~بكر عن عاصم (ونكفر) بالنون والرفع، والمعنى: ونحن نكفر، ويجوز أن يكون ~~مستأنفا. PageV01P243 # وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي: «ونكفر» بالنون وجزم الراء. قال أبو علي: ~~وهذا على حمل الكلام ms0243 على موضع قوله: فهو خير لكم لأن قوله: فهو خير لكم في ~~موضع جزم، ألا ترى أنه لو قال: وإن تخفوها يكون أعظم لأجركم لجزم، ومثله: ~~لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن «1» ، حمل قوله و «أكن» على موضع ~~«فأصدق» . وقرأ ابن عامر: «ويكفر» بالياء والرفع، وكذلك حفص عن عاصم على ~~الكناية عن الله عز وجل، وقرأ أبان عن عاصم، «وتكفر» بالتاء المرفوعة، وفتح ~~الفاء مع إسكان الراء. قوله تعالى: من سيئاتكم، في «من» قولان: أحدهما: ~~أنها زائدة. والثاني: أنها داخلة للتبعيض. قال أبو سليمان الدمشقي: ووجه ~~الحكمة في ذلك أن يكون العباد على خوف ووجل. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 272] # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما ~~تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ~~(272) # قوله تعالى: ليس عليك هداهم في سبب نزولها قولان: # (142) أحدهما: أن المسلمين كرهوا أن يتصدقوا على أقربائهم من المشركين، ~~فنزلت هذه الآية، هذا قول الجمهور. PageV01P244 # قوله تعالى: للفقراء الذين أحصروا، لما حثهم على الصدقات والنفقات، دلهم ~~على خير من تصدق عليه. وقد تقدم تفسير الإحصار عند قوله: فإن أحصرتم «1» . # وفي المراد ب الذين أحصروا أربعة أقوال: أحدها: أنهم أهل الصفة حبسوا ~~أنفسهم على طاعة الله، ولم يكن لهم شيء، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: ~~أنهم فقراء المهاجرين، قاله مجاهد. # والثالث: أنهم قوم حبسوا أنفسهم على الغزو، فلا يقدرون على الاكتساب، ~~قاله قتادة. والرابع: أنهم قوم أصابتهم جراحات مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فصاروا زمنى. قاله سعيد بن جبير، واختاره الكسائي، وقال: # أحصروا من المرض، ولو أراد الحبس، لقال: حصروا، وإنما الإحصار من الخوف، ~~أو المرض. # والحصر: الحبس في غيرهما. وفي سبيل الله قولان: أحدهما: أنه الجهاد. ~~والثاني: الطاعة. وفي الضرب في الأرض قولان: أحدهما: أنه الجهاد لم يمكنهم ~~لفقرهم، نقل عن ابن عباس. والثاني: # الكسب، قاله قتادة. وفي الذي منعهم من ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: الفقر، ~~قاله ابن عباس. والثاني: # أمراضهم، ms0244 قاله ابن جبير، وابن زيد. والثالث: التزامهم بالجهاد، قاله ~~الزجاج. # قوله تعالى: يحسبهم الجاهل، قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي: ~~«يحسبهم» و «يحسبن» بكسر السين في جميع القرآن. وقرأ ابن عامر، وعاصم، ~~وحمزة، بفتح السين في الكل. قال أبو علي: فتح السين أقيس، لأن الماضي إذا ~~كان على «فعل» ، نحو: حسب، كان المضارع على «يفعل» ، مثل: فرق يفرق، وشرب ~~يشرب، والكسر حسن لموضع السمع. قال ابن قتيبة: لم يرد الجهل الذي هو ضد ~~العقل، إنما أراد الجهل الذي هو ضد الخبر، فكأنه قال: يحسبهم من لا يخبر ~~أمرهم. والتعفف: ترك السؤال، يقال: عف عن الشيء وتعفف. والسيما: العلامة ~~التي يعرف بها الشيء، وأصله من السمة. وفي المراد بسيماهم ثلاثة أقوال: ~~أحدها: تجملهم، قاله ابن عباس. # والثاني: خشوعهم، قاله مجاهد. والثالث: أثر الفقر عليهم، قاله السدي ~~والربيع بن أنس. وهذا يدل على أن للسيما حكما يتعلق بها. قال إمامنا أحمد ~~في الميت يوجد في دار الحرب، ولا يعرف أمره: # ينظر إلى سيماه، فإن كان عليه سيما الكفار من عدم الختان، حكم له بحكمهم، ~~فلم يدفن في مقابر المسلمين، ولم يصل عليه، وإن كان عليه سيما المسلمين حكم ~~له بحكمهم «2» . فأما الإلحاف، فهو: # الإلحاح، قال ابن قتيبة: يقال: ألحف في المسأله: إذا ألح، وقال الزجاج: ~~معنى ألحف: شمل بالمسألة، ومنه اشتقاق اللحاف، لأنه يشمل الإنسان بالتغطية، ~~فإن قيل: فهل كانوا يسألون غير PageV01P245 # ملحفين؟ فالجواب: أن لا، وإنما معنى الكلام: أنه لم يكن منهم سؤال، فيكون ~~إلحاف. قال الأعشى: # لا يغمز الساق من أين ولا وصب ... ولا يعض على شرسوفه الصفر «1» # معناه: ليس بساقه أين ولا وصب، فيغمزها لذلك. قال الفراء: ومثله أن تقول: ~~قل ما رأيت مثل هذا الرجل، ولعلك لم تر قليلا ولا كثيرا من أشباهه، فهم لا ~~يسألون الناس إلحافا، ولا غير إلحاف. # وإلى نحو هذا ذهب الزجاج، وابن الأنباري في آخرين. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 274] # الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف ms0245 عليهم ولا هم يحزنون (274) # قوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية، اختلفوا ~~فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # (144) أحدها: أنها نزلت في الذين يرتبطون الخيل في سبيل الله عز وجل، ~~رواه حنش الصنعاني عن ابن عباس، وهو قول أبي الدرداء وأبي أمامه، ومكحول، ~~والأوزاعي في آخرين. # (145) والثاني: نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام، فإنه كانت معه ~~أربعة دراهم، فأنفق في الليل درهما وبالنهار درهما، وفي السر درهما، وفي ~~العلانية درهما، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وابن السائب، ~~ومقاتل. # (146) والثالث: أنها نزلت في علي وعبد الرحمن بن عوف، فإن عليا بعث بوسق ~~من تمر إلى أهل الصفة ليلا وبعث عبد الرحمن إليهم بدنانير كثيرة نهارا، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس. PageV01P246 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 275] # الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ~~ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه ~~موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون (275) # قوله تعالى: الذين يأكلون الربا، الربا: أصله في اللغة: الزيادة، ومنه ~~الربوة والرابية، وأربى فلان على فلان: زاد. وهذا الوعيد يشمل الأكل، ~~والعامل به، وإنما خص الأكل بالذكر، لأنه معظم المقصود. PageV01P247 # قوله تعالى: يمحق الله الربا فيه قولان: أحدهما: أن معنى محقه: تنقيصه ~~واضمحلاله، ومنه: محاق الشهر، لنقصان الهلال فيه. روى هذا المعنى أبو صالح ~~عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. والثاني: أنه إبطال ما يكون منه من ~~صدقة ونحوها، رواه الضحاك عن ابن عباس. قوله تعالى: # ويربي الصدقات، قال ابن جبير: يضاعفها. والكفار: الذي يكثر فعل ما يكفر ~~به، والأثيم: المتمادي في ارتكاب الإثم المصر عليه. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 278] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ~~(278) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا في ~~نزولها ثلاثة أقوال: # (148) أحدها: أنها ms0246 نزلت في بني عمرو بن عمير بن عوف من ثقيف، وفي بني ~~المغيرة من بني مخزوم، وكان بنو المغيرة يأخذون الربا من ثقيف، فلما وضع ~~الله الربا، طالبت ثقيف بني المغيرة بما لهم عليهم، فنزلت هذه الآية، والتي ~~بعدها، هذا قول ابن عباس. # (149) والثاني: أنها نزلت في عثمان بن عفان، والعباس، كانا قد أسلفا في ~~التمر، فلما حضر الجذاذ، قال صاحب التمر: إن أخذتما ما لكما لم يبق لي ~~ولعيالي ما يكفي، فهل لكما أن تأخذوا النصف وأضعف لكما؟ ففعلا، فلما حل ~~الأجل، طلبا الزيادة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فنهاهما عليه ~~السلام، فنزلت هذه الآية، هذا قول عطاء وعكرمة. # (150) والثالث: أنها نزلت في العباس وخالد بن الوليد، وكانا شريكين في ~~الجاهلية وكانا يسلفان في الربا، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، ~~فنزلت هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إن كل ربا من ربا ~~الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس» هذا قول السدي. # قال ابن عباس، وعكرمة، والضحاك، إنما قال: ما بقي من الربا لأن كل ربا ~~كان قد ترك، فلم يبق إلا ربا ثقيف. وقال قوم: الآية محمولة على من أربى قبل ~~إسلامه، وقبض بعضه في كفره، ثم أسلم، فيجب عليه أن يترك ما بقي، ويعفى له ~~عما مضى. فأما المراباة بعد الإسلام، فمردودة فيما قبض، ويسقط ما بقي. ~~PageV01P248 ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 279] # فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا ~~تظلمون ولا تظلمون (279) # قوله تعالى: فإن لم تفعلوا فأذنوا، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن ~~عامر فأذنوا مقصورة مفتوحة. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم «فآذنوا» بمد الألف ~~وكسر الذال. قال الزجاج: من قرأ: # فأذنوا، بقصر الألف وفتح الذال، فالمعنى: أيقنوا. ومن قرأ بمد الألف وكسر ~~الذال، فمعناه: أعلموا كل من لم يترك الربا أنه حرب. قال ابن عباس: يقال ~~يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب. # قوله تعالى: وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم ms0247 أي التي أقرضتموها، لا تظلمون ~~فتأخذون أكثر منها، ولا تظلمون فتنقصون منها، والجمهور على فتح «تاء» ~~تظلمون الأولى، وضم «تاء» تظلمون الثانية. # وروى المفضل عن عاصم: ضم الأولى، وفتح الثانية. ### | [سورة البقرة (2) : آية 280] # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ~~(280) # قوله تعالى: وإن كان ذو عسرة. ذكر ابن السائب، ومقاتل أنه لما نزل قوله ~~تعالى: وذروا ما بقي من الربا، قال بنو عمرو بن عمير لبني المغيرة: هاتوا ~~رؤوس أموالنا، وندع لكم الربا، فشكا بنو المغيرة العسرة، فنزلت هذه الآية ~~«1» . فأما العسرة، فهي الفقر، والضيق. والجمهور على تسكين السين، وضمها ~~أبو جعفر هاهنا، وفي ساعة العسرة «2» . وقرأ الجمهور بفتح سين «الميسرة» ، ~~وضمها نافع، وتابعه زيد عن يعقوب على ضم السين، إلا أنه زاد، فكسر الراء، ~~وقلب الياء هاء، ووصلها بباء. قال الزجاج: ومعنى وإن كان: وإن وقع. والنظرة ~~التأخير، فأمرهم بتأخير رأس المال بعد إسقاط الربا إذا كان المطالب معسرا، ~~وأعلمهم أن الصدقة عليه بذلك أفضل بقوله تعالى: وأن تصدقوا والأكثرون على ~~تشديد الصاد، وخففها عاصم مع تشديد الدال. وسكنها ابن أبي عبلة مع ضم الدال ~~فجعله من الصدق. ### | [سورة البقرة (2) : آية 281] # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ~~(281) # قوله تعالى: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله، قرأ أبو عمرو بفتح تاء ~~«ترجعون» وضمها الباقون. قال ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وسعيد بن جبير، ~~وعطية، ومقاتل في آخرين: # هذه آخر آية نزلت من القرآن «3» . قال ابن عباس: وتوفي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعدها بأحد وثمانين PageV01P249 # يوما «1» ، وقال ابن جريج: توفي بعدها بتسع ليال. وقال مقاتل: بسبع ليال. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 282] # يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم ~~كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه ~~الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ms0248 ~~ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن ~~تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ~~ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق ~~بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم (282) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين، قال الزجاج: يقال: ~~داينت الرجل إذا عاملته، فأخذت منه بدين، وأعطيته. قال الشاعر «2» : # داينت أروى والديون تقضى ... فماطلت بعضا وأدت بعضا # والمعنى: إذا كان لبعضكم على بعض دين إلى أجل مسمى، فاكتبوه، فأمر الله ~~تعالى بكتب الدين والإشهاد حفظا منه للأموال وللناس من الظلم، لأن من كانت ~~عليه البينة قل تحديثه لنفسه بالطمع في إذهابه. وقال ابن عباس: نزلت هذه ~~الآية في السلم خاصة. فإن قيل: ما الفائدة في قوله: «بدين» ، و «تداينتم» ~~يكفي عنه؟ فالجواب: إن تداينتم يقع على معنيين: أحدهما: المشاراة والمبايعة ~~والإقراض. # والثاني: المجازاة بالأفعال، فالأول يقال فيه: الدين بفتح الدال، ~~والثاني: يقال منه: الدين بكسر الدال. # قال تعالى: يسئلون أيان يوم الدين، أي: يوم الجزاء. وأنشدوا «3» : # دناهم كما دانوا فدل بقوله: «بدين» على المراد بقوله: «تداينتم» ، ذكره ~~ابن الأنباري. فأما العدل فهو الحق. قال قتادة: لا تدعن حقا، ولا تزيدن ~~باطلا. # قوله تعالى: ولا يأب كاتب، أي: لا يمتنع أن يكتب كما علمه الله، وفيه ~~قولان: PageV01P250 # أحدهما: كما علمه الله الكتابة، قاله سعيد بن جبير. وقال الشعبي: الكتابة ~~فرض على الكفاية كالجهاد. والثاني: كما أمره الله به من الحق، قاله الزجاج. # قوله تعالى وليملل الذي عليه الحق، قال سعيد بن جبير: يعني المطلوب، ~~يقول: ليمل ما عليه من حق الطالب على الكاتب، ولا يبخس منه، أي: لا ينقص ~~عند الإملاء. ms0249 قال شيخنا أبو منصور اللغوي: يقال: أمللت أمل، وأمليت أملي ~~لغتان: فأمليت من الإملاء وأمللت من الملل والملال، لأن الممل يطيل قوله ~~على الكاتب ويكرره. # قوله تعالى: فإن كان الذي عليه الحق سفيها، في المراد بالسفيه هاهنا ~~أربعة أقوال: أحدها: أنه الجاهل بالأموال، والجاهل بالإملاء، قاله مجاهد، ~~وابن جبير. والثاني: أنه الصبي والمرأة، قاله الحسن. والثالث: أنه الصغير، ~~قاله الضحاك، والسدي. والرابع: أنه المبذر، قاله القاضي أبو يعلى. # وفي المراد بالضعيف ثلاثة أقوال: أحدها: أنه العاجز والأخرس ومن به حمق، ~~قاله ابن عباس وابن جبير. والثاني: أنه الأحمق، قاله مجاهد والسدي. ~~والثالث: أنه الصغير، قاله القاضي أبو يعلى. قوله تعالى: أو لا يستطيع أن ~~يمل هو، قال ابن عباس: لا يستطيع لعيه. وقال ابن جبير: لا يحسن أن يمل ما ~~عليه، وقال القاضي أبو يعلى: هو المجنون. # قوله تعالى فليملل وليه في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها تعود إلى ~~الحق، فتقديره: # فليملل ولي الحق، هذا قول ابن عباس، وابن جبير، والربيع بن أنس، ومقاتل، ~~واختاره ابن قتيبة. # والثاني: أنها تعود إلى الذي عليه الحق، وهذا قول الضحاك، وابن زيد، ~~واختاره الزجاج، وعاب قول الأولين، فقال: كيف يقبل المدعى! وما حاجته إلى ~~الكتاب والإشهاد، والقول قوله؟! وهذا اختيار القاضي أبي يعلى أيضا. والعدل: ~~الإنصاف. وفي قوله تعالى: من رجالكم، قولان: أحدهما: أنه يعني الأحرار، ~~قاله مجاهد. والثاني: أهل الإسلام، وهذا اختيار الزجاج، والقاضي أبي يعلى، ~~ويدل عليه أنه خاطب المؤمنين في أول الآية. # قوله تعالى: فإن لم يكونا رجلين، أراد: فإن لم يكن الشهيدان رجلين فرجل ~~وامرأتان، ولم يرد به: إن لم يوجد رجلان. # قوله تعالى: ممن ترضون من الشهداء، قال ابن عباس: من أهل الفضل والدين. # قوله تعالى: أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، ذكر الزجاج، أن ~~الخليل، وسيبويه، وسائر النحويين الموثوق بعلمهم، قالوا: معناه: استشهدوا ~~امرأتين، لأن تذكر إحداهما الأخرى. ومن أجل أن تذكر إحداهما الأخرى. وقرأ ~~حمزة «إن تضل» بكسر الألف. والضلال هاهنا: النسيان، قاله ابن عباس، ~~والضحاك، ms0250 والسدي، ومقاتل، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. فأما قوله: «فتذكر» فقرأ ~~ابن كثير، وأبو عمرو، بالتخفيف مع نصب الراء، وقرأ حمزة بالرفع مع تشديد ~~الكاف، وقرأ الباقون بالنصب وتشديد الكاف، فمن شدد أراد الإذكار عند ~~النسيان، وفي قراءة من خفف قولان: أحدهما: أنها بمعنى المشددة أيضا، وهذا ~~قول الجمهور. قال الضحاك، والربيع بن أنس، والسدي: ومعنى القراءتين واحد. # والثاني: أنها بمعنى: تجعل شهادتهما بمنزلة شهادة ذكر، وهذا مذهب سفيان ~~بن عيينة، وحكى الأصمعي عن أبي عمرو نحوه. واختاره القاضي أبو يعلى، وقد ~~رده جماعة، منهم ابن قتيبة. قال أبو # PageV01P251 # علي: ليس مذهب ابن عيينة بالقوي، لأنهن لو بلغن ما بلغن، لم تجز شهادتهن ~~إلا أن يكون معهن رجل، ولأن الضلال هاهنا: النسيان، فينبغي أن يقابل بما ~~يعادله، وهو التذكير. # قوله تعالى: ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا، قال قتادة: كان الرجل يطوف في ~~الحواء «1» العظيم، فيه القوم فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه منهم أحد، ~~فنزلت هذه الآية. وإلى ماذا يكون هذا الدعاء؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: إلى ~~تحمل الشهادة، وإثباتها في الكتاب، قاله ابن عباس، وعطية، وقتادة، والربيع. ~~والثاني: إلى إقامتها وأدائها عند الحكام بعد أن تقدمت شهادتهم بها، قاله ~~سعيد بن جبير، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والشعبي، وأبو مجلز، والضحاك، ~~وابن زيد، ورواه الميموني عن أحمد بن حنبل. والثالث: إلى تحملها وإلى ~~أدائها، روي عن ابن عباس، والحسن، واختاره الزجاج، قال القاضي أبو يعلى: ~~إنما يلزم الشاهد أن لا يأبى إذا دعي لإقامة الشهادة إذا لم يوجد من يشهد ~~غيره، فأما إن كان قد تحملها جماعة، لم تتعين عليه، وكذلك في حال تحملها، ~~لأنه فرض على الكفاية كالجهاد، فلا يجوز لجميع الناس الامتناع منه. # قوله تعالى: ولا تسئموا، أي: لا تملوا ولا تضجروا أن تكتبوا القليل ~~والكثير الذي قد جرت العادة بتأجيله إلى أجله، أي: إلى محل أجله ذلكم أقسط ~~عند الله، أي: أعدل، وأقوم للشهادة لأن الكتاب يذكر الشهود جميع ما شهدوا ~~عليه وأدنى أي: أقرب ألا ترتابوا أي: ms0251 لا تشكوا إلا أن تكون الأموال تجارة ~~أي: إلا أن تقع تجارة. وقرأ عاصم «تجارة» بالنصب على معنى: # إلا أن تكون الأموال تجارة حاضرة، وهي البيوع التي يستحق كل واحد منهما ~~على صاحبه تسليم ما عقد عليه من جهته بلا تأجيل. فأباح ترك الكتاب فيها ~~توسعة، لئلا يضيق عليهم أمر تبايعهم في مأكول ومشروب. قوله تعالى: وأشهدوا ~~إذا تبايعتم، الإشهاد مندوب إليه فيما جرت العادة بالإشهاد عليه. # فصل: وهذه الآية تتضمن الأمر باثبات الدين في كتاب، وإثبات شهادة في ~~البيع والدين. # واختلف العلماء، هل هذا أمر وجوب «2» ، أم على وجه الاستحباب؟ فذهب ~~الجمهور إلى أنه أمر ندب واستحباب، فعلى هذا هو محكم، وذهبت طائفة إلى أن ~~الكتابة والإشهاد واجبان، روي عن ابن عمر وأبي موسى ومجاهد وابن سيرين ~~وعطاء والضحاك وأبي قلابة والحكم وابن زيد. ثم اختلف هؤلاء، هل هذا الحكم ~~باق أم منسوخ؟ فذهب أكثرهم إلى أنه محكم غير منسوخ، وذهبت طائفة إلى أنه ~~منسوخ بقوله تعالى: فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته. # قوله تعالى: ولا يضار كاتب ولا شهيد، قرأ أبو جعفر بتخفيف الراء من ~~«يضار» وسكونها. # وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: إن معناه: لا يضار بأن يدعى وهو ~~مشغول، هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والسدي، والربيع بن أنس، ~~والفراء، ومقاتل. وقال الربيع: كان أحدهم PageV01P252 # يجيء إلى الكاتب فيقول: اكتب لي، فيقول: إني مشغول، فيلزمه، ويقول: إنك ~~قد أمرت بالكتابة، فيضاره، ولا يدعه، وهو يجد غيره، وكذلك يفعل الشاهد، ~~فنزلت ولا يضار كاتب ولا شهيد. # والثاني: أن معناه: النهي للكاتب أن يضار من يكتب له بأن يكتب غير ما يمل ~~عليه، وللشاهد أن يشهد بما لم يستشهد عليه، هذا قول الحسن، وطاوس، وقتادة، ~~وابن زيد، واختاره ابن قتيبة، والزجاج. # واحتج الزجاج على صحته بقوله تعالى: وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم، قال: ولا ~~يسمى من دعا كاتبا ليكتب، وهو مشغول، أو شاهدا فاسقا، إنما يسمى من حرف ~~الكتاب، أو كذب في الشهادة، فاسقا. والثالث: أن ms0252 معنى المضارة: امتناع ~~الكاتب أن يكتب، والشاهد أن يشهد، وهذا قول عطاء في آخرين. # قوله تعالى: وإن تفعلوا، يعني: المضارة. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 283] # وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد ~~الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه والله بما تعملون عليم (283) # قوله تعالى: وإن كنتم على سفر، إنما خص السفر، لأن الأغلب عدم الكاتب ~~والشاهد فيه، ومقصود الكلام: إذا عدمتم التوثق بالكتاب والإشهاد، فخذوا ~~الرهن. # قوله تعالى: فرهان قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعبد الوارث (فرهن) بضم ~~الراء والهاء من غير ألف، وأسكن الهاء عبد الوارث وجماعة. وقرأ نافع، ~~وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي فرهان بكسر الراء، وفتح الهاء، وإثبات ~~الألف. قال ابن قتيبة من قرأ فرهان أراد: جمع رهن، ومن قرأ «رهن» أراد: جمع ~~رهان، فكأنه جمع الجمع. وقوله تعالى: مقبوضة، يدل على أن من شرط لزوم الرهن ~~القبض، وقبض الرهن أخذه من راهنه منقولا، فإن كان مما لا ينقل، كالدور ~~والأرضين، فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه. # قوله تعالى: فإن أمن بعضكم بعضا، أي: فإن وثق رب الدين بأمانة الغريم، ~~فدفع ماله بغير كتاب ولا شهود، ولا رهن، فليؤد الذي اؤتمن وهو المدين ~~أمانته وليتق الله ربه أن يخون من ائتمنه. وقوله تعالى: فإنه آثم قلبه، قال ~~السدي عن أشياخه: فانه فاجر قلبه. قال القاضي أبو يعلى: إنما أضاف الإثم ~~إلى القلب، لأن المآثم تتعلق بعقد القلب، وكتمان الشهادة إنما هو عقد النية ~~لترك أدائها. ### | [سورة البقرة (2) : آية 284] # لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير (284) # قوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله أما إبداء ~~ما في النفس، فانه العمل بما أضمره العبد، أو النطق، وهذا مما يحاسب عليه ~~العبد، ويؤاخذ به، وأما ما يخفيه في نفسه، فاختلف ms0253 العلماء في المراد ~~بالمخفي في هذه الآية على قولين: # PageV01P253 # أحدهما: أنه عام في جميع المخفيات، وهو قول الأكثرين. واختلفوا: هل هذا ~~الحكم ثابت في المؤاخذة أم منسوخ؟ على قولين: أحدهما: أنه منسوخ بقوله ~~تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، هذا قول ابن مسعود، وأبي هريرة، وابن ~~عباس في رواية، والحسن، والشعبي، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعطاء ~~الخراساني، والسدي، وابن زيد، ومقاتل. والثاني: أنه ثابت في المؤاخذة على ~~العموم، فيؤاخذ به من يشاء، ويغفره لمن يشاء، وهذا مروي عن ابن عمر، ~~والحسن، واختاره أبو سليمان الدمشقي، والقاضي أبو يعلى. وروى ابن أبي طلحة ~~عن ابن عباس أنه قال: هذه الآية لم تنسخ، ولكن الله عز وجل إذا جمع ~~الخلائق، يقول لهم: إني مخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطلع عليه ~~ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم، ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله ~~تعالى: يحاسبكم به الله، يقول: يخبركم به الله، وأما أهل الشرك والريب، ~~فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب وهو قوله تعالى: فيغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء، والأكثرون على تسكين راء «فيغفر» وباء «يعذب» منهم ابن كثير ونافع، ~~وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي. إنما جزموا لإتباع هذا ما قبله، وهو «يحاسبكم» ~~وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم ويعقوب: برفع الراء، والباء فيهما. فهؤلاء ~~قطعوا الكلام عن الأول، قال ابن الأنباري: وقد ذهب قوم إلى أن المحاسبة ~~هاهنا هي إطلاع الله العبد يوم القيامة على ما كان حدث به نفسه في الدنيا، ~~ليعلم أنه لم يعزب عنه شيء. قال: والذي نختاره أن تكون الآية محكمة، لأن ~~النسخ إنما يدخل على الأمر والنهي. وقد روي عن عائشة أنها قالت: أما ما ~~أعلنت، فالله يحاسبك به، وأما ما أخفيت، فما عجلت لك به العقوبة في الدنيا. # والقول الثاني: أنه أمر خاص في نوع من المخفيات، ولأرباب هذا القول فيه ~~قولان: أحدهما: # أنه كتمان الشهادة، قاله ابن عباس في رواية، وعكرمة والشعبي. والثاني: ~~أنه الشك واليقين، قاله مجاهد. فعلى هذا المذكور ms0254 تكون الآية محكمة. ### | ### | [سورة البقرة (2) : آية # 285] # آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير (285) # قوله تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه. # (151) روى البخاري ومسلم في «صحيحيهما» من حديث أبي مسعود البدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما ~~في ليلة كفتاه» ، قال أبو بكر النقاش: معناه: كفتاه عن قيام الليل. وقيل: ~~إنهما نزلتا على سبب. # (152) وهو ما روى العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، قال: لما أنزل الله تعالى ~~PageV01P254 # وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله، اشتد ذلك على أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله ثم جثوا على الركب. فقالوا: قد ~~أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل ~~الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك ~~المصير» . فلما قالوها وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها آمن الرسول. # قال الزجاج: لما ذكر ما تشتمل عليه هذه السورة من القصص والأحكام ختمها ~~بتصديق نبيه، والمؤمنين. وقرأ ابن عباس «وكتابه» ، فقيل له في ذلك، فقال: ~~كتاب أكثر من كتب، ذهب به إلى اسم الجنس، كما تقول: كثر الدرهم في أيدي ~~الناس. وقد وافق ابن عباس في قراءته حمزة والكسائي وخلف، وكذلك في ~~«التحريم» وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر (وكتبه) ~~هاهنا بالجمع، وفي «التحريم» بالتوحيد. وقرأ أبو عمرو بالجمع في الموضعين. ~~قوله تعالى لا نفرق بين أحد من رسله، قرأ أبو عمرو ما أضيف إلى مكنى على ~~حرفين، مثل «رسلنا» و «رسلكم» باسكان السين، وثقل ما عدا ذلك. وفي قوله ~~تعالى: على رسلك، روايتان، بالتخفيف والتثقيل وقرأ الباقون كل ما كان في ~~القرآن من هذا الجنس بالتثقيل، ومعنى قوله: لا نفرق بين أحد من رسله، أي: ~~لا نفعل كما فعل أهل الكتاب، ms0255 آمنوا ببعض، وكفروا ببعض، وقرأ يعقوب «لا ~~يفرق» بالياء وفتح الراء. # قوله تعالى: غفرانك، أي: نسألك غفرانك. والمصير: المرجع. ### | [سورة البقرة (2) : آية 286] # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين ~~من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ~~أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286) # قوله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، الوسع: الطاقة، قاله ابن عباس، ~~وقتادة. # ومعناه: لا يكلفها ما لا قدرة لها عليه لاستحالته، كتكليف الزمن السعي، ~~والأعمى النظر. فأما تكليف ما يستحيل من المكلف، لا لفقد الآلات، فيجوز ~~كتكليف الكافر الذي سبق في العلم القديم أنه لا يؤمن الإيمان، فالآية ~~محمولة على القول الأول. ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى في سياق الآية ~~ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، فلو كان تكليف ما لا يطاق ممتنعا، كان ~~السؤال عبثا، وقد أمر الله تعالى نبيه بدعاء قوم قال فيهم: وإن تدعهم إلى ~~الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا «1» ، وقال ابن الأنباري: # المعنى: لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه، وان كنا مطيقين له على تجشم، ~~وتحمل مكروه، فخاطب العرب على حسب ما تعقل، فإن الرجل منهم يقول للرجل ~~يبغضه: ما أطيق النظر إليك، وهو مطيق لذلك، لكنه يثقل عليه، ومثله قوله ~~تعالى: ما كانوا يستطيعون السمع «2» . قوله تعالى: لها ما كسبت، قال ابن ~~عباس: لها ما كسبت من طاعة وعليها ما اكتسبت من معصية. قال أبو بكر النقاش: # فقوله: «لها» دليل على الخير، و «عليها» دليل على الشر. وقد ذهب قوم إلى ~~أن «كسبت» لمرة ومرات PageV01P255 # و «اكتسبت» لا يكون إلا لشيء بعد شيء، وهما عند آخرين لغتان بمعنى واحد ~~كقوله عز وجل: فمهل الكافرين أمهلهم رويدا «1» . # قوله تعالى: ربنا لا تؤاخذنا، هذا تعليم من الله تعالى للخلق أن يقولوا ~~ذلك، قال ابن الأنباري: والمراد بالنسيان هاهنا: الترك مع ms0256 العمد، لأن ~~النسيان الذي هو بمعنى الغفلة قد أمنت الآثام من جهته. والخطأ أيضا هاهنا ~~من جهة العمد، لا من جهة السهو، يقال: أخطأ الرجل: إذا تعمد، كما يقال: ~~أخطأ إذا أغفل. وفي «الإصر» قولان: أحدهما أنه العهد، قاله ابن عباس، ~~ومجاهد، والضحاك، والسدي. والثاني: الثقل، أي: لا تثقل علينا من الفروض ما ~~ثقلته على بني اسرائيل، قاله ابن قتيبة. قوله تعالى: ولا تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به، فيه خمسة أقوال «2» : أحدها: أنه ما يصعب ويشق من الأعمال، قاله ~~الضحاك، والسدي، وابن زيد، والجمهور. والثاني: أنه المحبة، رواه الثوري عن ~~منصور عن إبراهيم. والثالث: الغلمة «3» ، قاله مكحول. والرابع: حديث النفس ~~ووساوسها. # والخامس: عذاب النار. # قوله تعالى: أنت مولانا، أي أنت ولينا فانصرنا أي: أعنا. # وكان معاذ إذا فرغ من هذه السورة، قال: آمين. PageV01P256 ### | سورة آل عمران # (153) ذكر أهل التفسير أنها مدنية، وأن صدرا من أولها نزل في وفد نجران، ~~قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم في ستين راكبا، فيهم العاقب، والسيد، ~~فخاصموه في عيسى، فقالوا: إن لم يكن ولد الله، فمن أبوه؟ فنزلت فيهم صدر ~~(آل عمران) إلى بضع وثمانين آية منها. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا ~~لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) # قوله تعالى: نزل عليك الكتاب يعني: القرآن بالحق يعني: العدل. مصدقا لما ~~بين يديه من الكتاب. وقيل: إنما قال في القرآن: «نزل» بالتشديد، وفي ~~التوراة والإنجيل: أنزل، لأن كل واحد منهما أنزل في مرة واحدة، وأنزل ~~القرآن في مرات كثيرة. فأما التوراة. فذكر ابن قتيبة عن الفراء أنه يجعلها ~~من: وري الزند يري: إذا خرجت ناره، وأوريته، يريد أنها ضياء. قال ابن ~~قتيبة: وفيه لغة أخرى: ورى يري، ويقال: وريت بك زنادي. والإنجيل، من نجلت ~~الشيء: إذا أخرجته، وولد الرجل: نجله، كأنه هو استخرجه، يقال: قبح الله ~~ناجليه، أي: والديه، وقيل للماء يظهر ms0257 من البئر: # نجل، يقال: قد استنجل الوادي: إذا ظهر نزوزه. وإنجيل: إفعيل من ذلك، كأن ~~الله أظهر به عافيا من الحق دارسا. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: والإنجيل: ~~أعجمي معرب، قال: وقال بعضهم: إن كان عربيا، فاشتقاقه من النجل، وهو ظهور ~~الماء على وجه الارض، واتساعه، ونجلت الشيء: إذا استخرجته وأظهرته، ~~فالإنجيل مستخرج به علوم وحكم، وقيل: هو إفعيل من النجل وهو الأصل: # فالإنجيل أصل لعلوم وحكم. وفي الفرقان هاهنا قولان: أحدهما: أنه القرآن، ~~قاله قتادة، والجمهور. # قال أبو عبيدة: سمي القرآن فرقانا، لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن ~~والكافر. والثاني: أنه الفصل بين الحق والباطل في أمر عيسى حين اختلفوا ~~فيه، قاله أبو سليمان الدمشقي. وقال السدي: في الآية PageV01P257 # تقديم وتأخير، تقديره: وأنزل التوراة، والإنجيل، والفرقان، فيه هدى ~~للناس. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 4] # من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد ~~والله عزيز ذو انتقام (4) # قوله تعالى: إن الذين كفروا بآيات الله قال ابن عباس: يريد وفد نجران ~~النصارى، كفروا بالقرآن، وبمحمد. والانتقام: المبالغة في العقوبة. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 5 الى # 6] # إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) هو الذي يصوركم في ~~الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6) # قوله تعالى: إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، قال أبو ~~سليمان الدمشقي: هذا تعريض بنصارى أهل نجران فيما كانوا ينطوون عليه من كيد ~~النبي عليه السلام. وذكر التصوير في الأرحام تنبيه على أمر عيسى. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 7] # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب (7) # قوله تعالى: منه آيات محكمات المحكم: المتقن المبين. وفي المراد به هاهنا ~~ثمانية أقوال «1» : # أحدها: أنه الناسخ، ms0258 قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، السدي في آخرين. ~~والثاني: أنه الحلال والحرام، روي عن ابن عباس ومجاهد. والثالث: أنه ما علم ~~العلماء تأويله، روي عن جابر بن عبد الله. والرابع: أنه الذي لم ينسخ، قاله ~~الضحاك. والخامس: أنه ما لم تتكرر ألفاظه، قاله ابن زيد. # والسادس: أنه ما استقل بنفسه، ولم يحتج إلى بيان، ذكره القاضي أبو يعلى ~~عن الإمام أحمد. وقال الشافعي، وابن الأنباري: هو ما لم يحتمل من التأويل ~~إلا وجها واحدا. والسابع: أنه جميع القرآن غير الحروف المقطعة. والثامن: ~~أنه الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والحلال والحرام، ذكر هذا والذي قبله ~~القاضي أبو يعلى بن الفراء. # وأم الكتاب أصله. قاله ابن عباس، وابن جبير، فكأنه قال: هن أصل الكتاب ~~اللواتي يعمل عليهن في الأحكام، ومجمع الحلال والحرام. PageV01P258 # وفي المتشابه سبعة أقوال: أحدها: أنه المنسوخ، قاله ابن مسعود، وابن ~~عباس، وقتادة، والسدي في آخرين. والثاني: أنه ما لم يكن للعلماء إلى معرفته ~~سبيل، كقيام الساعة، روي عن جابر بن عبد الله. والثالث: أنه الحروف المقطعة ~~كقوله: «ألم» ونحو ذلك، قاله ابن عباس. والرابع: أنه ما اشتبهت معانيه، ~~قاله مجاهد. والخامس: أنه ما تكررت ألفاظه، قاله ابن زيد. والسادس: أنه ما ~~احتاج إلى بيان، ذكره القاضي أبو يعلى عن أحمد. وقال الشافعي: ما احتمل من ~~التأويل وجوها. وقال ابن الأنباري: المحكم ما لا يحتمل التأويلات، ولا يخفى ~~على مميز، والمتشابه: الذي تعتوره تأويلات. # والسابع: أنه القصص والأمثال، ذكره القاضي أبو يعلى. # فإن قيل: فما فائدة إنزال المتشابه، والمراد بالقرآن البيان والهدى؟ فعنه ~~أربعة أجوبة: # أحدها: أنه لما كان كلام العرب على ضربين: أحدهما: الموجز الذي لا يخفى ~~على سامعه، ولا يحتمل غير ظاهره. والثاني: المجاز، والكنايات، والإشارات، ~~والتلويحات، وهذا الضرب الثاني هو المستحلى عند العرب، والبديع في كلامهم، ~~أنزل الله تعالى القرآن على هذين الضربين، ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله، ~~فكأنه قال: عارضوه بأي الضربين شئتم، ولو نزل كله محكما واضحا، لقالوا: هلا ~~نزل بالضرب المستحسن عندنا؟ ومتى وقع ms0259 الكلام إشارة أو كناية، أو تعريض أو ~~تشبيه، كان أفصح وأغرب. قال امرؤ القيس: # ما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل # فجعل النظر بمنزلة السهم على جهة التشبيه، فحلا هذا عند كل سامع ومنشد، ~~وزاد في بلاغته، وقال امرؤ القيس أيضا: # رمتني بسهم أصاب الفؤاد ... غداة الرحيل فلم أنتصر # وقال أيضا: # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل «1» # فجعل لليل صلبا وصدرا على جهة التشبيه، فحسن بذلك شعره. وقال غيره: # من كميت أجادها طابخاها ... لم تمت كل موتها في القدور # أراد بالطابخين: الليل والنهار على جهة التشبيه. وقال آخر: # تبكي هاشما في كل فجر ... كما تبكي على الفنن الحمام # وقال الآخر: # عجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفتح بمنطقها فما # فجعل لها غناء وفما على جهة الاستعارة. # والجواب الثاني: أن الله تعالى أنزله مختبرا به عباده، ليقف المؤمن عنده، ~~ويرده إلى عالمه، فيعظم بذلك صوابه، ويرتاب به المنافق، فيداخله الزيغ، ~~فيستحق بذلك العقوبة، كما ابتلاهم بنهر PageV01P259 # طالوت. والثالث: أن الله تعالى أراد أن يشغل أهل العلم بردهم المتشابه ~~إلى المحكم فيطول بذلك فكرهم، ويتصل بالبحث عنه اهتمامهم فيثابون على ~~تعبهم، كما أثيبوا على سائر عباداتهم، ولو جعل القرآن كله محكما لاستوى فيه ~~العالم والجاهل، ولم يفضل العالم على غيره، ولماتت الخواطر، وإنما تقع ~~الفكرة والحيلة مع الحاجة إلى الفهم، وقد قال الحكماء: عيب الغنى: أنه يورث ~~البلادة، وفضل الفقر: أنه يبعث على الحيلة، لأنه إذا احتاج احتال. والرابع: ~~أن أهل كل صناعة يجعلون في علومهم معاني غامضة، ومسائل دقيقة ليحرجوا بها ~~من يعلمون، ويمرونهم على انتزاع الجواب، لأنهم إذا قدروا على الغامض، كانوا ~~على الواضح أقدر، فلما كان ذلك حسنا عند العلماء، جاز أن يكون ما أنزل الله ~~تعالى من المتشابه على هذا النحو، وهذه الأجوبة معنى ما ذكره ابن قتيبة ~~وابن الأنباري. # قوله تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ في الزيغ قولان: أحدهما: أنه الشك، ~~قاله مجاهد، والسدي. والثاني: أنه الميل، قاله أبو ms0260 مالك، وعن ابن عباس ~~كالقولين، وقيل: هو الميل عن الهدى. # وفي هؤلاء القوم أربعة أقوال: أحدها: أنهم الخوارج، قاله الحسن. والثاني: ~~المنافقون، قاله ابن جريج. والثالث: وفد نجران من النصارى، قاله الربيع. ~~والرابع: اليهود، طلبوا معرفة بقاء هذه الأمة من حساب الجمل، قاله ابن ~~السائب. قوله تعالى: فيتبعون ما تشابه منه قال ابن عباس: يحيلون المحكم على ~~المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبسون. وقال السدي يقولون: ما بال هذه ~~الآية عمل بها كذا وكذا، ثم نسخت. وفي المراد بالفتنة هاهنا، ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنها الكفر، قاله السدي، والربيع، ومقاتل، وابن قتيبة. والثاني: ~~الشبهات، قاله مجاهد. والثالث: إفساد ذات البين، قاله الزجاج. وفي التأويل ~~وجهان: أحدهما: أنه التفسير. والثاني: العاقبة المنتظرة. والراسخ: الثابت، ~~رسخ يرسخ رسوخا. # وهل يعلم الراسخون تأويله أم لا؟ فيه قولان «1» : أحدهما: أنهم لا ~~يعلمونه، وأنهم مستأنفون، PageV01P260 # وقد روى طاوس عن ابن عباس أنه قرأ «ويقول الراسخون في العلم آمنا به» ~~وإلى هذا المعنى ذهب ابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، وعروة، وقتادة، ~~وعمر بن عبد العزيز، والفراء، وأبو عبيدة، وثعلب، وابن الأنباري، والجمهور. ~~قال ابن الأنباري: في قراءة عبد الله «إن تأويله، إلا عند الله» وفي قراءة ~~أبي، وابن عباس «ويقول الراسخون» وقد أنزل الله تعالى في كتابه أشياء، ~~استأثر بعلمها، وقوله تعالى: وقرونا بين ذلك كثيرا «1» فأنزل تعالى المجمل، ~~ليؤمن به المؤمن، فيسعد، ويكفر به الكافر، فيشقى. والثاني: أنهم يعلمون، ~~فهم داخلون في الاستثناء. وقد روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: أنا ممن يعلم ~~تأويله، وهذا قول مجاهد، والربيع، واختاره ابن قتيبة، وأبو سليمان الدمشقي. ~~قال ابن الأنباري: الذي روى هذا القول عن مجاهد ابن أبي نجيح، ولا تصح ~~روايته التفسير عن مجاهد. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 8 الى 9] # ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ~~(8) ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد (9) # قوله تعالى: ربنا لا تزغ قلوبنا أي يقولون: ms0261 ربنا لا تمل قلوبنا عن الهدى ~~بعد إذ هديتنا. قال أبو عبد الرحمن السلمي، وابن يعمر، والجحدري «لا تزغ» ~~بفتح التاء «قلوبنا» برفع الباء. ولدنك: بمعنى عندك. والوهاب: الذي يجود ~~بالعطاء من غير استثابة، والمخلوقون لا يملكون أن يهبوا شفاء لسقيم، ولا ~~ولدا لعقيم، والله تعالى قادر على أن يهب جميع الأشياء. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 10] # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم ~~وقود النار (10) # قوله تعالى: لن تغني عنهم أموالهم أي: لن تدفع، لأن المال يدفع عن صاحبه ~~في الدنيا، وكذلك الأولاد، فأما في الآخرة، فلا ينفع الكافر ماله، ولا ~~ولده. وقوله تعالى: من الله أي: # من عذابه ### | [سورة آل عمران (3) : آية 11] # كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله ~~شديد العقاب (11) # قوله تعالى: كدأب آل فرعون، في الدأب قولان: أحدهما: أنه العادة، فمعناه: ~~كعادة آل PageV01P261 # فرعون، يريد: كفر اليهود. ككفر من قبلهم، قاله ابن قتيبة. وقال ابن ~~الأنباري: و «الكاف» في «كدأب» متعلقة بفعل مضمر، كأنه قال: كفرت اليهود ~~ككفر آل فرعون. والثاني: أنه الاجتهاد، فمعناه: أن دأب هؤلاء وهو اجتهادهم ~~في كفرهم، وتظاهرهم على النبي صلى الله عليه وسلم كتظاهر آل فرعون على موسى ~~عليه السلام، قاله الزجاج. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 12] # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) # قوله تعالى: قل للذين كفروا ستغلبون قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وابن عامر ستغلبون وتحشرون بالتاء ويرونهم بالياء، وقرأ نافع ثلاثتهن ~~بالتاء! وقرأهن حمزة، والكسائي بالياء. وفي سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (154) أحدها: أن يهود المدينة لما رأوا وقعة بدر، هموا بالإسلام، وقالوا: ~~هذا هو النبي الذي نجده في كتابنا، لا ترد له راية، ثم قال بعضهم لبعض: لا ~~تعجلوا حتى تنظروا له وقعة أخرى، فلما كانت أحد، شكوا، وقالوا: ما هو به، ~~ونقضوا عهدا كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، وانطلق كعب بن ~~الأشرف في ستين راكبا إلى أهل مكة، ms0262 فقالوا: تكون كلمتنا واحدة، فنزلت هذه ~~الآية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. # (155) والثاني: أنها نزلت في قريش قبل وقعة بدر، فحقق الله وعده يوم بدر، ~~روي عن ابن عباس، والضحاك. # (156) والثالث: أن أبا سفيان في جماعة ن قريش، جمعوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد وقعة بدر، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 13] # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ~~يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار (13) # قوله تعالى: قد كان لكم آية في فئتين التقتا في المخاطبين بهذا ثلاثة ~~أقوال «1» : أحدها: PageV01P262 # أنهم المؤمنون، روي عن ابن مسعود، والحسن. والثاني: الكفار، فيكون معطوفا ~~على الذي قبله، وهو يخرج على قول ابن عباس الذي ذكرناه آنفا. والثالث: أنهم ~~اليهود، ذكره الفراء، وابن الأنباري، وابن جرير. فإن قيل: لم قال قد كان ~~لكم ولم يقل قد كانت لكم: فالجواب من وجهين: أحدهما: أن ما ليس بمؤنث ~~حقيقي، يجوز تذكيره. والثاني: أنه رد المعنى إلى البيان، فمعناه: قد كان ~~لكم بيان فذهب إلى المعنى، وترك اللفظ، وأنشدوا: # إن امرأ غره منكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور # وقد سبق معنى «الآية» ، و «الفئة» وكل مشكل تركت شرحه، فإنك تجده فيما ~~سبق، والمراد بالفئتين: النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومشركو قريش يوم ~~بدر. قاله قتادة والجماعة. # وفي قوله تعالى: يرونهم مثليهم قولان: أحدهما: يرونهم ثلاثة أمثالهم قاله ~~الفراء، واحتج بأنك إذا قلت: عندي ألف دينار، وأحتاج إلى مثليه، فانك تحتاج ~~إلى ثلاثة آلاف. والثاني: أن معناه يرونهم ومثلهم، قال الزجاج: وهو الصحيح. # قوله تعالى: رأي العين أي: في رأي العين. قال ابن جرير: جاء هذا على مصدر ~~رأيته، يقال: رأيته رأيا، ورؤية. واختلفوا في الفئة الرائية على ثلاثة ~~أقوال: هي التي ذكرناها في قوله تعالى: # قد كان لكم آية فان قلنا: إن الفئة الرائية المسلمون، فوجهه أن المشركين ~~كانوا يضعفون على عدد ms0263 المسلمين، فرأوهم على ما هم عليه، ثم نصرهم الله، ~~وكذلك إن قلنا: إنهم اليهود. وإن قلنا: # إنهم المشركون، فتكثير المسلمين في أعينهم من أسباب النصر. وقد قرأ نافع: ~~«ترونهم» بالتاء. قال ابن الأنباري: ذهب إلى أن الخطاب لليهود. قال الفراء: ~~ويجوز لمن قرأ «يرونهم» بالياء أن يجعل الفعل لليهود، وإن كان قد خاطبهم في ~~قوله تعالى: قد كان لكم آية لأن العرب ترجع من الخطاب إلى الغيبة، ومن ~~الغيبة إلى الخطاب. وقد شرحنا هذا في «الفاتحة» وغيرها. فإن قيل: كيف يقال: ~~إن المشركين استكثروا المسلمين، وإن المسلمين استكثروا المشركين، وقد بين ~~قوله تعالى: وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ~~«1» أن الفئتين تساوتا في استقلال إحداهما للأخرى؟ فالجواب: أنهم استكثروهم ~~في حال، واستقلوهم في حال، فإن قلنا: إن الفئة الرائية المسلمون، فإنهم ~~رأوا عدد المشركين عند بداية القتال على ما هم عليه، ثم قلل الله المشركين ~~في أعينهم حتى اجترءوا عليهم، فنصرهم الله بذلك السبب. قال ابن مسعود: ~~نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم، فما رأيناهم ~~يزيدون علينا رجلا واحدا. وقال في رواية اخرى: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت ~~لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا منهم رجلا فقلت: # كم كنتم؟ قال: ألفا. وإن قلنا: إن الفئة الرائية المشركون فإنهم استقلوا ~~المسلمين في حال، فاجترؤوا عليهم، واستكثروهم في حال، فكان ذلك سبب ~~خذلانهم، وقد نقل أن المشركين لما أسروا يومئذ، قالوا للمسلمين: كم كنتم؟ ~~قالوا: كنا ثلاثمائة وثلاثة عشر. قالوا: ما كنا نراكم إلا تضعفون علينا. # قوله تعالى: والله يؤيد، أي: يقوي، إن في ذلك في الإشارة قولان: أحدهما: ~~أنها PageV01P263 # ترجع إلى النصر. والثاني: إلى رؤية الجيش مثليهم. والعبرة: الدلالة ~~الموصلة إلى اليقين، المؤدية إلى العلم، وهي من العبور، كأنه طريق يعبر به ~~ويتوصل به المراد. وقيل: العبرة: الآية التي يعبر منها من منزلة الجهل إلى ~~العلم. والأبصار: العقول والبصائر. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 14] # زين للناس حب الشهوات من النساء ms0264 والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده ~~حسن المآب (14) # قوله تعالى: زين للناس حب الشهوات قرأ أبو رزين العقيلي وأبو رجاء ~~العطاردي، ومجاهد، وابن محيصن «زين» بفتح الزاي «حب» بنصب الباء، وقد سبق ~~في «البقرة» بيان التزيين. والقناطير: # جمع قنطار، قال ابن دريد: ليست النون فيه أصلية، وأحسب أنه معرب. واختلف ~~العلماء: هل هو محدود أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه محدود، ثم فيه أحد عشر قولا: # (157) أحدها: أنه ألف ومائتا أوقية، رواه أبي بن كعب عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وبه قال معاذ بن جبل، وابن عمر، وعاصم بن أبي النجود، والحسن في ~~رواية. # (158) والثاني: أنه اثنا عشر ألف أوقية، رواه أبو هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وعن أبي هريرة كالقولين، وفي رواية عن أبي هريرة أيضا: ~~اثنا عشر أوقية. # (159) والثالث: أنه ألف ومائتا دينار، ذكره الحسن عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ورواه العوفي عن ابن عباس. # والرابع: أنه اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس، وروي عن الحسن، والضحاك، كهذا القول، والذي قبله. والخامس: أنه سبعون ~~ألف دينار، روي عن ابن عمر، ومجاهد. والسادس: ثمانون ألف درهم، أو مائة رطل ~~من الذهب، روي عن سعيد بن المسيب، وقتادة. والسابع: أنه سبعة آلاف دينار، ~~قاله عطاء. والثامن: ثمانية آلاف مثقال، قاله السدي. والتاسع: # أنه ألف مثقال ذهب أو فضة، قاله الكلبي. والعاشر: أنه ملء مسك ثور ذهبا، ~~قاله أبو نضرة، وأبو عبيدة. والحادي عشر: أن القنطار: رطل من الذهب، أو ~~الفضة، حكاه ابن الأنباري. PageV01P264 # والقول الثاني: أن القنطار ليس بمحدود. وقال الربيع بن أنس «1» : ~~القنطار: المال الكثير، بعضه على بعض، وروي عن أبي عبيدة أنه ذكر عن العرب ~~أن القنطار وزن لا يحد، وهذا اختيار ابن جرير الطبري. قال ابن الأنباري قال ~~بعض اللغويين القنطار العقدة الوثيقة المحكمة من المال. # وفي معنى المقنطرة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها المضعفة، قال ms0265 ابن عباس: ~~القناطير ثلاثة، والمقنطرة تسعة، وهذا قول الفراء. والثاني: أنها المكملة، ~~كما تقول: بدرة مبدرة، وألف مؤلفة، وهذا قول ابن قتيبة. والثالث: أنها ~~المضروبة حتى صارت دنانير ودراهم، قاله السدي. # في المسومة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الراعية، رواه العوفي عن ابن عباس، ~~وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد في رواية، والضحاك، والسدي، والربيع، ومقاتل. ~~قال ابن قتيبة: يقال: سامت الخيل، وهي سائمة: إذا رعت، وأسمتها وهي مسامة، ~~وسومتها، فهي مسومة: إذا رعيتها، والمسومة في غير هذا: المعلمة في الحرب ~~بالسومة وبالسيماء أي: بالعلامة. والثاني: أنها المعلمة، رواه ابن أبي طلحة ~~عن ابن عباس، وبه قال قتادة، واختاره الزجاج، وعن الحسن كالقولين وفي معنى ~~المعلمة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها معلمة بالشية، وهو اللون الذي يخالف سائر ~~لونها، روي عن قتادة. # والثاني: بالكي، روي عن المؤرج. والثالث: أنها البلق، قاله ابن كيسان. ~~والثالث: أنها الحسان، قاله عكرمة، ومجاهد. # فأما الأنعام، فقال ابن قتيبة: هي: الإبل، والبقر، والغنم، واحدها نعم ~~وهو جمع لا واحد له من لفظه. والمآب: المرجع. وهذه الأشياء المذكورة قد ~~تحسن نية العبد بالتلبس بها، فيثاب عليها، وإنما يتوجه الذم إلى سوء القصد ~~فيها. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 15] # قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (15) # قوله تعالى: قل أأنبئكم بخير من ذلكم، روى عطاء بن السائب عن أبي بكر بن ~~حفص قال: # لما نزلت زين للناس حب الشهوات قال عمر: يا رب الآن حين زينتها؟! فنزلت: ~~قل أأنبئكم بخير من ذلكم ووجه الآية أنه خبر أن ما عنده خير مما في الدنيا، ~~وإن كان محبوبا، ليتركوا ما يحبون لما يرجون. فأما الرضوان فقرأ عاصم، إلا ~~حفصا وأبان بن يزيد عنه، برفع الراء في جميع القرآن، واستثنى يحيى والعليمي ~~كسر الراء في المائدة في قوله تعالى: من اتبع رضوانه «2» ، وقراء الباقون ~~بكسر الراء، والكسر لغة قريش. قال الزجاج: يقال: رضيت الشيء أرضاه رضى ms0266 ~~ومرضاة ورضوانا ورضوانا، والله بصير بالعباد، يعلم من يؤثر ما عنده ممن ~~يؤثر شهوات الدنيا، فهو يجازيهم على أعمالهم. PageV01P265 ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 16 الى 17] # الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (16) ~~الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار (17) # قوله تعالى: الصابرين أي: على طاعة الله عز وجل، وعن محارمه والصادقين في ~~عقائدهم وأقوالهم والقانتين بمعنى المطيعين لله والمنفقين في طاعته. وقال ~~ابن قتيبة يعني: بالنفقة الصدقة. وفي معنى استغفارهم قولان: أحدهما: أنه ~~الاستغفار المعروف باللسان، قاله ابن مسعود، والحسن في آخرين. والثاني: أنه ~~الصلاة. قاله مجاهد، وقتادة، والضحاك ومقاتل في آخرين. فعلى هذا إنما سميت ~~الصلاة استغفارا، لأنهم طلبوا بها المغفرة. فأما السحر، فقال إبراهيم بن ~~السري: # السحر: الوقت الذي قبل طلوع الفجر، وهو أول إدبار الليل إلى طلوع الفجر، ~~فوصفهم الله بهذه الطاعات، ثم وصفهم بأنهم لشدة خوفهم يستغفرون. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 18] # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم (18) # قوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو. # (160) سبب نزول هذه الآية أن حبرين من أحبار الشام قدما النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فلما أبصرا المدينة، قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة ~~بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، عرفاه بالصفة، فقالا: أنت محمد؟ قال: «نعم» . قالا: وأحمد؟ قال: ~~«نعم» . قالا: نسألك عن شهادة، فإن أخبرتنا بها، آمنا بك، فقال: «سلاني» . ~~فقالا أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله، فنزلت هذه الآية، فأسلما، قاله ~~ابن السائب. # وقال غيره: هذه الآية رد على نصارى نجران فيما ادعوا في عيسى عليه ~~السلام، وقد سبق ذكر خبرهم في أول السورة. وقال سعيد بن جبير: كان حول ~~الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، وكان لكل حي من العرب صنم أو صنمان، فلما نزلت ~~هذه الآية، خرت الأصنام سجدا. وفي معنى شهد الله قولان: أحدهما: أنه بمعنى ~~قضى وحكم، ms0267 قاله مجاهد والفراء وأبو عبيدة. والثاني: بمعنى بين، قاله ثعلب ~~والزجاج. قال ابن كيسان: شهد الله بتدبيره العجيب، وأموره المحكمة عند ~~خلقه، أنه لا إله إلا هو. وسئل بعض الأعراب: ما الدليل على وجود الصانع؟ ~~فقال: إن البعرة تدل على البعير، وآثار القدم تدل على المسير، فهيكل علوي ~~بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أما يدلان على الصانع الخبير؟! ~~وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وعاصم الجحدري (شهداء الله) بضم «الشين» وفتح ~~«الهاء والدال» وبهمزة مرفوعة بعد المد، وخفض «الهاء» من اسم الله تعالى. ~~قائما بالقسط أي بالعدل. # قال جعفر الصادق: وإنما كرر لا إله إلا هو لأن الأولى وصف وتوحيد، ~~والثانية رسم وتعليم، أي قولوا: لا إله إلا هو. PageV01P266 ### | [سورة آل عمران (3) : آية 19] # إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) # قوله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام الجمهور على كسر «إن» إلا ~~الكسائي، فإنه فتح «الألف» ، وهي قراءة ابن مسعود، وابن عباس، وأبي رزين، ~~وأبي العالية، وقتادة. قال أبو سليمان الدمشقي: لما ادعت اليهود أنه لا دين ~~أفضل من اليهودية، وادعت النصارى أنه لا دين أفضل من النصرانية، نزلت هذه ~~الآية. قال الزجاج: الدين: اسم لجميع ما تعبد الله به خلقه، وأمرهم ~~بالإقامة عليه، وأن يكون عادتهم، وبه يجزيهم. وقال شيخنا علي بن عبيد الله: ~~الدين: ما التزمه العبد لله عز وجل. قال ابن قتيبة: والإسلام الدخول في ~~السلم، أي: في الانقياد والمتابعة، ومثله الاستسلام، يقال: سلم فلان لأمرك، ~~واستسلم، وأسلم، كما تقول: أشتى الرجل، أي: دخل في الشتاء، وأربع: # دخل في الربيع. وفي الذين أوتوا الكتاب ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم اليهود، ~~قاله الربيع. والثاني: أنهم النصارى، قاله محمد بن جعفر بن الزبير. ~~والثالث: أنهم اليهود، والنصارى، قاله ابن السائب. وقيل: # الكتاب هاهنا: اسم جنس بمعنى الكتاب. وفي الذين اختلفوا فيه أربعة أقوال: ~~أحدها: دينهم. والثاني: # أمر عيسى. والثالث: دين ms0268 الإسلام، وقد عرفوا صحته. والرابع: نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وقد عرفوا صفته. # قوله تعالى: إلا من بعد ما جاءهم العلم أي: الإيضاح لما اختلفوا فيه بغيا ~~بينهم قال الزجاج: # معناه: اختلفوا للبغي، لا لقصد البرهان، وقد ذكرنا في «البقرة» معنى: ~~سريع الحساب. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 20] # فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير ~~بالعباد (20) # قوله تعالى: فإن حاجوك أي: جادلوك، وخاصموك. قال مقاتل: يعني اليهود، قال ~~ابن جرير: # يعني نصارى نجران في أمر عيسى، وقال غيرهما: اليهود والنصارى. فقل أسلمت ~~وجهي قال الفراء: # معناه: أخلصت عملي، وقال الزجاج: قصدت بعبادتي إلى الله. # قوله تعالى: ومن اتبعن أثبت الياء في الوصل دون الوقف أهل المدينة ~~والبصرة، وابن شنبوذ عن قنبل، ووقف ابن شنبوذ ويعقوب بياء. قال الزجاج: ~~والأحب إلى اتباع المصحف. وما حذف من الياءات في مثل قوله تعالى: ومن اتبعن ~~ولئن أخرتن وربي أكرمن وربي أهانن. فهو على ضربين: أحدهما: ما كان مع ~~النون، فإن كان رأس آية، فأهل اللغة يجيزون حذف الياء، ويسمون أواخر الآي ~~الفواصل، كما أجازوا ذلك في الشعر. قال الأعشى: # ومن شانئ كاسف باله ... إذا ما انتسبت له أنكرن «1» # وهل يمنعني ارتيادي البلا ... د من حذر الموت أن يأتين # فأما إذا لم يكن آخر آية أو قافية، فالأكثر إثبات الياء، وحذفها جيد ~~أيضا، خاصة مع النونات، لأن أصل «اتبعني» «اتبعي» ولكن «النون» زيدت لتسلم ~~فتحة العين، فالكسرة مع النون تنوب عن الياء، PageV01P267 # فأما إذا لم تكن النون، نحو غلامي وصاحبي، فالأجود إثباتها، وحذفها عند ~~عدم النون جائز على قلته، تقول: هذا غلام، قد جاء غلامي، وغلامي. بفتح ~~الياء وإسكانها، فجاز الحذف، لأن الكسرة تدل عليها. قوله تعالى: وقل للذين ~~أوتوا الكتاب يريد اليهود والنصارى والأميين بمعنى مشركي العرب، وقد سبق في ~~البقرة شرح هذا الاسم. قوله تعالى: أأسلمتم قال الفراء: هو استفهام ومعناه ~~الأمر، كقوله تعالى: ms0269 فهل أنتم منتهون «1» . # فصل: اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فذهبت طائفة إلى أنها ~~محكمة، وأن المراد بها تسكين نفس النبي صلى الله عليه وسلم عند امتناع من ~~لم يجبه، لأنه كان يحرص على إيمانهم، ويتألم من تركهم الإجابة. وذهبت طائفة ~~إلى أن المراد بها الاقتصار على التبليغ، وهذا منسوخ بآية السيف. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 21 الى 22] # إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (21) أولئك الذين حبطت أعمالهم ~~في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (22) # قوله تعالى: إن الذين يكفرون بآيات الله قال أبو سليمان الدمشقي: عنى ~~بذلك اليهود والنصارى. قال ابن عباس: والمراد بآيات الله محمد والقرآن. وقد ~~تقدم في «البقرة» شرح قتلهم الأنبياء، والقسط، والعدل. وقرأ الجمهور ~~ويقتلون الذين يأمرون بالقسط وقرأ حمزة «ويقاتلون» بألف. وروى أبو عبيدة بن ~~الجراح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # (161) «قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة ~~واحدة، فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بني اسرائيل، فأمروا من قتلهم ~~بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعا في آخر النهار» فهم الذين ذكرهم ~~الله في كتابه وأنزل الآية فيهم، وإنما وبخ بهذا الذين كانوا في زمن النبي ~~عليه السلام لأنهم تولوا أولئك، ورضوا بفعلهم. فبشرهم بمعنى: أخبرهم، وقد ~~تقدم شرحه في «البقرة» . ومعنى حبطت: بطلت. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 23] # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ~~ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون (23) PageV01P268 # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب في سبب نزولها أربعة ~~أقوال: # (162) أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيت المدراس على جماعة من ~~اليهود، فدعاهم إلى الله فقال رجلان منهم: على أي دين أنت؟ فقال: على ملة ~~إبراهيم. قالا: فإنه كان يهوديا. قال: فهلموا إلى التوراة، فأبيا عليه، ~~فنزلت هذه الآية. رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس (163) والثاني: ms0270 أن رجلا ~~وامرأة من اليهود زنيا، فكرهوا رجمهما لشرفهما، فرفعوا أمرهما إلى النبي ~~عليه السلام رجاء أن يكون عنده رخصة، فحكم عليهما بالرجم، فقالوا: جرت ~~علينا يا محمد، ليس علينا الرجم. فقال: بيني وبينكم التوراة، فجاء ابن ~~صوريا، فقرأ من التوراة، فلما أتى على آية الرجم، وضع كفه عليها، وقرأ ما ~~بعدها، فقال ابن سلام: قد جاوزها، ثم قام، فقرأها، فأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم باليهوديين، فرجما، فغضب اليهود. فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس. # (164) والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا اليهود إلى الإسلام، ~~فقال نعمان بن أبي أوفى: هلم نحاكمك إلى الأحبار. فقال: بل إلى كتاب الله، ~~فقال: بل إلى الأحبار، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. # (165) والرابع: أنها نزلت في جماعة من اليهود، دعاهم النبي إلى الإسلام، ~~فقالوا: نحن أحق بالهدى منك، وما أرسل الله نبيا إلا من بني اسرائيل. قال: ~~فأخرجوا التوراة، فإني مكتوب فيها أني نبي، فأبوا، فنزلت هذه الآية، قاله ~~مقاتل بن سليمان. # فأما التفسير، فالنصيب الذي أوتوه: العلم الذي علموه من التوراة. وفي ~~الكتاب الذي دعوا إليه قولان: أحدهما: أنه التوراة، رواه عكرمة عن ابن ~~عباس، وهو قول الأكثرين. والثاني: أنه القرآن، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ~~وهو قول الحسن وقتادة. وفي الذي أريد أن يحكم الكتاب بينهم فيه أربعة ~~أقوال: أحدها: ملة إبراهيم. والثاني: حد الزنى. رويا عن ابن عباس. والثالث: ~~صحة دين الإسلام، قاله السدي. والرابع: صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~قاله مقاتل. فان قيل: التولي هو الإعراض، فما فائدة تكريره؟ فالجواب من ~~أربعة أوجه: أحدها: التأكيد. والثاني: أن يكون المعنى: يتولون عن الداعي، ~~ويعرضون عما دعا إليه. والثالث: يتولون بأبدانهم، ويعرضون عن الحق بقلوبهم. ~~والرابع: أن يكون الذين تولوا علماءهم، والذين أعرضوا أتباعهم، قاله ابن ~~الأنباري. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 24] # ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما ~~كانوا يفترون (24) # قوله تعالى: ذلك بأنهم قالوا يعني: ms0271 الذي حملهم على التولي والإعراض أنهم ~~قالوا: PageV01P269 # لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وقد ذكرناها في «البقرة» . ويفترون: ~~يختلقون. وفي الذي اختلقوه قولان: أحدهما: أنه قولهم: لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودات، قاله مجاهد، والزجاج. والثاني: # قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، قاله قتادة، ومقاتل. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 25] # فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ~~(25) # قوله تعالى: فكيف إذا جمعناهم معناه: فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم ليوم ~~أي: لجزاء يوم، أو لحساب يوم. وقيل «اللام» بمعنى: «في» . ### | [سورة آل عمران (3) : آية 26] # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من ~~تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (26) # قوله تعالى: قل اللهم مالك الملك في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (166) أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما فتح مكة، ووعد أمته ملك ~~فارس والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات، فنزلت هذه الآية، قاله ~~ابن عباس، وأنس بن مالك. # (167) والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس ~~والروم في أمته، فنزلت هذه الآية، حكاه قتادة. # والثالث: أن اليهود قالوا: والله لا نطيع رجلا جاء ينقل النبوة من بني ~~اسرائيل إلى غيرهم، فنزلت هذه الآية، قاله أبو سليمان الدمشقي. # فأما التفسير، فقال الزجاج: قال الخليل وسيبويه وجميع النحويين الموثوق ~~بعلمهم: «اللهم» بمعنى «يا الله» ، و «الميم» المشددة زيدت عوضا من «يا» ~~لأنهم لم يجدوا «يا» مع هذه «الميم» في كلمة، ووجدوا اسم الله عز وجل ~~مستعملا ب «يا» إذا لم تذكر الميم، فعلموا أن الميم في آخر الكلمة بمنزلة ~~«ياء» في أولها والضمة التي في «الهاء» هي ضمة الاسم المنادى المفرد. قال ~~أبو سليمان الخطابي: # ومعنى «مالك الملك» : أنه بيده، يؤتيه من يشاء، قال: وقد يكون معناه: ~~مالك الملوك، ويحتمل أن يكون معناه: وارث المالك يوم لا يدعيه مدع، كقوله ~~تعالى: الملك يومئذ الحق للرحمن. قوله تعالى: # تؤتي الملك من ms0272 تشاء في هذا الملك قولان: أحدهما: أنه النبوة، قاله ابن ~~جبير، ومجاهد. والثاني: # أنه المال، والعبيد، والحفدة، ذكره الزجاج. وقال مقاتل: تؤتي الملك من ~~تشاء، يعني محمدا وأمته، وتنزع الملك ممن تشاء، يعني فارس الروم. وتعز من ~~تشاء محمدا وأمته وتذل من تشاء فارس والروم. وبماذا يكون هذا العز والذل؟ ~~فيه ثلاثة أقوال: أحدها: العز بالنصر، والذل بالقهر. والثاني: # العز بالغنى، والذل بالفقر. والثالث: العز بالطاعة، والذل بالمعصية. قوله ~~تعالى: بيدك الخير قال ابن عباس: يعني النصر والغنيمة، وقيل: معناه بيدك ~~الخير والشر، فاكتفى بأحدهما، لأنه المرغوب فيه. PageV01P270 ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 27] # تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج ~~الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب (27) # قوله تعالى: تولج الليل في النهار أي: تدخل ما نقصت من هذا في هذا. قال ~~ابن عباس، ومجاهد: ما ينقص من أحدهما يدخل في الآخر. قال الزجاج: يقال: ولج ~~الشيء يلج ولوجا وولجا وولجة. قوله تعالى: وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت ~~من الحي قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم «وتخرج الحي ~~من الميت وتخرج الميت من الحي» ، و «لبلد ميت» «1» ، وأ ومن كان ميتا «2» ، ~~وو إن يكن ميتة «3» ، والأرض الميتة «4» : كله بالتخفيف. وقرأ نافع، وحمزة، ~~والكسائي: وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ولبلد ميت وإلى بلد ميت ~~«5» ، وخفف حمزة، والكسائي غير هذه الحروف. وقرأ نافع: «أو من كان ميتا» ، ~~و «الأرض الميتة» ، و «لحم أخيه ميتا» «6» ، وخفف في سائر القرآن ما لم ~~يمت. وقال أبو علي: الأصل التثقيل، والمخفف محذوف منه، وما مات، وما لم يمت ~~في هذا الباب مستويان في الاستعمال. وأنشدوا: # ومنهل فيه الغراب ميت ... سقيت منه القوم واستقيت # فهذا قد مات. وقال آخر: «7» # ليس من مات، فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء # فخفف ما مات، وشدد ما لم يمت. وكذلك قوله تعالى: إنك ميت وإنهم ميتون «8» ~~. ثم في معنى الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إخراج ms0273 الإنسان حيا من النطفة، ~~وهي ميتة. وإخراج النطفة من الإنسان، وكذلك إخراج الفرخ من البيضة من ~~الطائر، هذا قول ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، والجمهور. ~~والثاني: أنه إخراج المؤمن الحي بالإيمان من الكافر الميت بالكفر، وإخراج ~~الكافر الميت بالكفر من المؤمن الحي بالإيمان، روى نحو هذا الضحاك عن ابن ~~عباس، وهو قول الحسن، وعطاء. والثالث: أنه إخراج السنبلة الحية من الحبة ~~الميتة، والنخلة الحية من النواة الميتة، والنواة الميتة من النخلة الحية، ~~قاله السدي. وقال الزجاج: يخرج النبات الغض من الحب اليابس، والحب اليابس ~~من النبات الحي النامي. # قوله تعالى: بغير حساب أي: بغير تقتير. قال الزجاج: يقال للذي ينفق ~~موسعا: فلان ينفق بغير حساب، كأنه لا يحسب ما أنفقه إنفاقا. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 28] # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من ~~الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ~~(28) # قوله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء، في سبب نزولها أربعة ~~أقوال: PageV01P271 # (168) أحدها: أن عبادة بن الصامت كان له حلفاء من اليهود، فقال يوم ~~الأحزاب: يا رسول الله إن معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن أستظهر بهم ~~على العدو، فنزلت هذه الآية، رواه الضحاك عن ابن عباس. # (169) والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين كانوا ~~يتولون اليهود، ويأتونهم بالأخبار يرجون لهم الظفر من النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فنهى الله المؤمنين عن مثل فعلهم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # (170) والثالث: أن قوما من اليهود، كانوا يباطنون نفرا من الأنصار ~~ليفتنوهم عن دينهم، فنهاهم قوم من المسلمين عن ذلك، وقالوا: اجتنبوا هؤلاء ~~اليهود، فأبوا، فنزلت هذه الآية. روي عن ابن عباس أيضا. # (171) والرابع: أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، كانوا يظهرون ~~المودة لكفار مكة، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، هذا قول المقاتلين، ابن ~~سليمان، وابن حيان. # فأما التفسير، فقال الزجاج: معنى قوله تعالى: من دون المؤمنين أي: لا ms0274 ~~يجعل المؤمن ولايته لمن هو غير مؤمن، أي: لا يتناول الولاية من مكان دون ~~مكان المؤمنين، وهذا كلام جرى على المثل في المكان، كما تقول: زيد دونك، ~~ولست تريد المكان، ولكنك جعلت الشرف بمنزلة الارتفاع في المكان، والخسة ~~كالاستفال في المكان. ومعنى فليس من الله في شيء أي: فالله بريء منه. قوله ~~تعالى: إلا أن تتقوا منهم تقاة قرأ يعقوب والمفضل عن عاصم «تقية» بفتح ~~التاء من غير ألف، قال مجاهد: إلا مصانعة في الدنيا. قال أبو العالية: ~~التقاة باللسان لا بالعمل. # فصل: والتقية رخصة، وليست بعزيمة. قال الإمام أحمد: وقد قيل: إن عرضت على ~~السيف تجيب؟ قال: لا. وقال: إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل، فمتى ~~يتبين الحق؟ وسنشرح هذا المعنى في «النحل» عند قوله تعالى: إلا من أكره «1» ~~، إن شاء الله. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 29] # قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما ~~في الأرض والله على كل شيء قدير (29) PageV01P272 # قوله تعالى: إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه قال ابن عباس: يعني من اتخاذ ~~الكافرين أولياء. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 30] # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها ~~وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد (30) # قوله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا قال الزجاج: نصب ~~«اليوم» بقوله: # ويحذركم الله نفسه في ذلك اليوم. قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون متعلقا ~~بالمصير، والتقدير: # والى الله المصير يوم تجد. ويجوز أن يكون متعلقا بفعل مضمر، والتقدير: ~~اذكر يوم تجد. وفي كيفية وجود العمل وجهان: أحدهما: وجوده مكتوبا في ~~الكتاب. والثاني: وجود الجزاء عليه. والأمد: # الغاية. قال الطرماح: # كل حي مستكمل عدة العم ... ر ومود إذا انقضى أمده # يريد: غاية أجله. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 31] # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور ~~رحيم (31) # قوله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله ms0275 فاتبعوني، في سبب نزولها أربعة أقوال: # (172) أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم، وقف على قريش، وقد نصبوا ~~أصنامهم. فقالوا: يا محمد إنما نعبد هذه حبا لله، ليقربونا إلى الله زلفى، ~~فنزلت هذه الآية، رواه الضحاك عن ابن عباس. # (173) والثاني: أن اليهود قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، فنزلت هذه ~~الآية، فعرضها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، فلم يقبلوها، رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس. # (174) والثالث: أن ناسا قالوا: إنا لنحب ربنا حبا شديدا، فأحب الله أن ~~يجعل لحبه علما، فأنزل هذه الآية، قاله الحسن، وابن جريج. # (175) والرابع: أن نصارى نجران، قالوا: إنما نقول هذا في عيسى حبا لله ~~وتعظيما له، فنزلت هذه الآية، ذكره ابن اسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير، ~~واختاره أبو سليمان الدمشقي. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 32] # قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين (32) ~~PageV01P273 # قوله تعالى: قل أطيعوا الله والرسول، في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (176) أحدها: أن عبد الله بن أبي قال لأصحابه: إن محمدا يجعل طاعته كطاعة ~~الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى ابن مريم، فنزلت هذه الآية، ~~هذا قول ابن عباس. # (177) والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا اليهود إلى الإسلام، ~~فقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن أشد حبا لله مما تدعونا إليه، فنزلت ~~قل إن كنتم تحبون الله ونزلت هذه الآية، هذا قول مقاتل. والثالث: # أنها نزلت في نصارى نجران «1» ، قاله أبو سليمان الدمشقي. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 33] # إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (33) # قوله تعالى: إن الله اصطفى آدم، قال ابن عباس: قالت اليهود: نحن أبناء ~~إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونحن على دينهم، فنزلت هذه الآية. قال الزجاج: ~~ومعنى اصطفاهم في اللغة: اختارهم، فجعلهم صفوة خلقه، وهذا تمثيل بما يرى، ~~لأن العرب تمثل المعلوم بالشيء المرئي، فاذا سمع السامع ذلك المعلوم كان ~~عنده بمنزلة ما يشاهد عيانا، فنحن نعاين الشيء الصافي أنه النقي من الكدر، ~~فكذلك صفوة الله من خلقه. ms0276 وفيه ثلاث لغات: صفوة، وصفوة، وصفوة. وأما آدم ~~فعربي وقد ذكرنا اشتقاقه في «البقرة» . وأما نوح، فأعجمي معرب، قال أبو ~~سليمان الدمشقي: اسم نوح: السكن، وإنما سمي نوحا، لكثرة نوحه. وفي سبب نوحه ~~خمسة أقوال: أحدها: أنه كان ينوح على نفسه، قاله يزيد الرقاشي. والثاني: ~~أنه كان ينوح لمعاصي أهله، وقومه. والثالث: لمراجعته ربه في ولده. والرابع: # لدعائه على قومه بالهلاك. والخامس: أنه مر بكلب مجذوم، فقال: اخسأ يا ~~قبيح، فأوحى الله إليه: # أعبتني يا نوح أم عبت الكلب؟ # وفي آل إبراهيم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم من كان على دينه، قاله ابن ~~عباس، والحسن. # والثاني: أنهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، قاله مقاتل. والثالث: أن ~~المراد ب «آل إبراهيم» هو نفسه، كقوله: وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ~~«2» ، ذكره بعض أهل التفسير. وفي «عمران» قولان: أحدهما: أنه والد مريم، ~~قاله الحسن ووهب. والثاني: أنه والد موسى وهارون، قاله مقاتل. # وفي «آله» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه عيسى عليه السلام، قاله الحسن. ~~والثاني: أن آله موسى وهارون، قاله مقاتل. والثالث: أن المراد ب «آله» ~~نفسه، ذكره بعض المفسرين. وإنما خص هؤلاء بالذكر، لأن الأنبياء كلهم من ~~نسلهم. # وفي معنى اصطفاء هؤلاء المذكورين ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد اصطفى ~~دينهم على سائر PageV01P274 # الأديان، قاله ابن عباس، واختاره الفراء، والدمشقي. والثاني: اصطفاهم ~~بالنبوة، قاله الحسن، ومجاهد، ومقاتل. والثالث: اصطفاهم بتفضيلهم في الأمور ~~التي ميزهم بها على أهل زمانهم. والمراد ب «العالمين» : عالمو زمانهم، كما ~~ذكرنا في «البقرة» . ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 34] # ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (34) # قوله تعالى: ذرية بعضها من بعض، قال الزجاج: نصبها على البدل، والمعنى: ~~اصطفى ذرية بعضها من بعض. قال ابن الأنباري: وإنما قال: بعضها، لأن لفظ ~~الذرية مؤنث، ولو قال: بعضهم، ذهب إلى معنى الذرية. وفي معنى هذه البعضية ~~قولان: أحدهما: أن بعضهم من بعض في التناصر والدين، لا في التناسل، وهو ~~معنى قول ابن عباس، وقتادة. والثاني: أنه في التناسل، لأن جميعهم ذرية آدم، ~~ثم ms0277 ذرية نوح، ثم ذرية إبراهيم، ذكره بعض أهل التفسير. قال أبو بكر النقاش: ~~ومعنى قوله: # ذرية بعضها من بعض أن الأبناء ذرية للآباء، والآباء ذرية للأبناء كقوله ~~تعالى: حملنا ذريتهم في الفلك المشحون «1» ، فجعل الآباء ذرية للأبناء، ~~وإنما جاز ذلك، لأن الذرية مأخوذة من قوله: ذرأ الله الخلق، فسمي الولد ~~للوالد ذرية، لأنه ذرئ منه، وكذلك يجوز أن يقال للأب: ذرية للابن، لأن ابنه ~~ذرئ منه، فالفعل يتصل به من الوجهين، ومثله: يحبونهم كحب الله، فأضاف الحب ~~إلى الله، والمعنى: كحب المؤمن لله، ومثله ويطعمون الطعام على حبه، فأضاف ~~الحب إلى الطعام. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 35] # إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت ~~السميع العليم (35) # قوله تعالى: إذ قالت امرأت عمران، في «إذ» قولان: أحدهما: أنها زائدة، ~~واختاره أبو عبيدة، وابن قتيبة. والثاني: أنها أصل في الكلام، وفيها ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أن المعنى: اذكر إذ قالت امرأة عمران، قاله المبرد، والأخفش. ~~والثاني: أن العامل في إذ قالت معنى الاصطفاء، فيكون المعنى: # اصطفى آل عمران، إذ قالت امرأة عمران، واصطفاهم إذ قالت الملائكة: يا ~~مريم، هذا اختيار الزجاج. # والثالث: أنها من صلة «سميع» تقديره: والله سميع إذ قالت، وهذا اختيار ~~ابن جرير الطبري. قال ابن عباس: واسم امرأة عمران حنة، وهي أم مريم، وهذا ~~عمران بن ماتان، وليس ب «عمران أبي موسى» ، وليست هذه مريم أخت موسى. وبين ~~عيسى وموسى ألف وثمانمائة سنة. والمحرر: العتيق. قال ابن قتيبة: يقال: ~~أعتقت الغلام، وحررته: سواء. وأرادت: أي: نذرت أن أجعل ما في بطني محررا من ~~التعبيد للدنيا، ليعبدك. وقال الزجاج: كان على أولادهم فرضا أن يطيعوهم في ~~نذرهم، فكان الرجل ينذر في ولده أن يكون خادما في متعبدهم. وقال ابن اسحاق: ~~كان السبب في نذرها أنه أمسك عنها الولد حتى أسنت، فرأت طائرا يطعم فرخا ~~له، فدعت الله أن يهب لها ولدا، وقالت: اللهم لك علي إن رزقتني ولدا أن ~~أتصدق به على بيت ms0278 المقدس، فحملت بمريم، وهلك عمران، وهي حامل. قال القاضي ~~أبو يعلى: والنذر في مثل ما نذرت صحيح في شريعتنا، فإنه إذا نذر الإنسان أن ~~ينشئ ولده الصغير على عبادة الله وطاعته، وأن يعلمه القرآن، والفقه، وعلم ~~الدين، صح النذر. PageV01P275 ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 36] # فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر ~~كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36) # قوله تعالى: والله أعلم بما وضعت، قرأ ابن عامر، وعاصم إلا حفصا ويعقوب ~~(بما وضعت) بإسكان العين، وضم التاء. وقرأ الباقون بفتح العين، وجزم التاء، ~~قال ابن قتيبة: من قرأ بجزم التاء، وفتح العين، فيكون في الكلام تقديم ~~وتأخير، وتقديره: إني وضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، والله أعلم بما ~~وضعت. ومن قرأ بضم التاء، فهو كلام متصل من كلام أم مريم. # قوله تعالى: وليس الذكر كالأنثى، من تمام اعتذارها، ومعناه: لا تصلح ~~الأنثى لما يصلح له الذكر، من خدمته المسجد، والإقامة فيه، لما يلحق الأنثى ~~من الحيض والنفاس. قال السدي: ظنت أن ما في بطنها غلام، فلما وضعت جارية، ~~اعتذرت. ومريم: اسم أعجمي. وفي الرجيم قولان: # أحدهما: أنه الملعون، قاله قتادة. والثاني: أنه المرجوم بالحجارة، كما ~~تقول: قتيل بمعنى مقتول، قاله أبو عبيدة، فعلى هذا سمي رجيما، لأنه يرمى ~~بالنجوم. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 37] # فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها ~~زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ~~إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (37) # قوله تعالى: فتقبلها ربها بقبول حسن، وقرأ مجاهد (فتقبلها) بسكون اللام ~~«ربها» بنصب الباء (وأنبتها) بكسر الباء وسكون التاء على معنى الدعاء. قال ~~الزجاج: الأصل في العربية: فتقبلها بتقبل حسن، ولكن «قبول» محمول على قبلها ~~قبولا يقال: قبلت الشيء قبولا، ويجوز قبولا: إذا رضيته. # وأنبتها نباتا حسنا، أي: جعل نشوءها نشوءا حسنا، وجاء «نباتا» على غير ~~لفظ أنبت، على معنى: # نبتت نباتا حسنا. ms0279 وقال ابن الأنباري: لما كان «أنبت» يدل على نبت حمل ~~الفعل على المعنى، فكأنه قال: وأنبتها، فنبتت هي نباتا حسنا. قال امرؤ ~~القيس: # فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال # أراد: أي رياضة، فلما دل «رضت» على «أذللت» حمله على المعنى. # وللمفسرين في معنى النبات الحسن، قولان: # أحدهما: أنه كمال النشوء، قال ابن عباس: كان تنبت في اليوم ما ينبت ~~المولود في عام. # والثاني: أنه ترك الخطايا، حدثنا أنها كانت لا تصيب الذنوب، كما يصيب بنو ~~آدم. # قوله تعالى: وكفلها، قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «كفلها» ~~بفتح الفاء خفيفة، و «زكرياء» مرفوع ممدود. وروى أبو بكر عن عاصم: تشديد ~~الفاء، ونصب «زكرياء» ، وكان يمد «زكرياء» في كل القرآن في رواية أبي بكر. ~~وروى حفص عن عاصم: تشديد الفاء و «زكريا» مقصور في كل القرآن. وكان حمزة ~~والكسائي يشددان و «كفلها» ، ويقصران «زكريا» في كل القرآن. فأما «زكريا» ~~فقال الفراء: فيه ثلاث لغات: أهل الحجاز يقولون: هذا زكريا قد جاء، مقصور، ~~وزكرياء، ممدود، وأهل نجد يقولون: زكري، فيجرونه، ويلقون الألف. وقرأت على ~~شيخنا أبي منصور اللغوي، عن ابن # PageV01P276 # دريد، قال: زكريا اسم أعجمي، يقال: زكري، وزكرياء ممدود، وزكريا مقصور. ~~وقال غيره: وزكري بتخفيف الياء، فمن قال: زكرياء بالمد، قال في التثنيه: ~~زكرياوان، وفي الجمع زكرياوون، ومن قال: # زكريا بالقصر، قال في التثنيه زكريان كما نقول: مدنيان، ومن قال: زكري ~~بتخفيف الياء، قال في التثنية: زكريان الياء خفيفة، وفي الجمع: زكرون بطرح ~~الياء. # (الإشارة إلى كفالة زكريا مريم) قال السدي: انطلقت بها أمها في خرقها، ~~وكانوا يقترعون على الذين يؤتون بهم، فقال زكريا وهو نبيهم يومئذ: أنا ~~أحقكم بها، عندي أختها، فأبوا، وخرجوا إلى نهر الأردن، فألقوا أقلامهم التي ~~يكتبون بها، فجرت الأقلام، وثبت قلم زكريا، فكفلها، قال ابن عباس: كانوا ~~سبعة وعشرين رجلا، فقالوا: # نطرح أقلامنا، فمن صعد قلمه مغالبا للجرية فهو أحق بها، فصعد قلم زكريا، ~~فعلى هذا القول كانت غلبة زكريا بمصاعدة قلمه، ms0280 وعلى قول السدي بوقوفه في ~~جريان الماء. وقال مقاتل: كان يغلق عليها الباب، ومعه المفتاح، لا يأمن ~~عليه أحدا، وكانت إذا حاضت، أخرجها إلى منزله تكون مع أختها أم يحيى، فاذا ~~طهرت، ردها إلى بيت المقدس. والأكثرون على أنه كفلها منذ كانت طفلة ~~بالقرعة، وقد ذهب قوم إلى أنه كفلها عند طفولتها بغير قرعة، لأجل أن أمها ~~ماتت وكانت خالتها عنده. فلما بلغت، أدخلوها الكنيسة لنذر أمها، وإنما كان ~~الاقتراع بعد ذلك بمدة، لأجل سنة أصابتهم. فقال محمد بن إسحاق: كفلها زكريا ~~إلى أن أصابت الناس سنة، فشكا زكريا إلى بني إسرائيل ضيق يده، فقالوا: ونحن ~~أيضا كذلك، فجعلوا يتدافعونها حتى اقترعوا، فخرج السهم على جريج النجار، ~~وكان فقيرا، وكان يأتيها باليسير، فينمي، فدخل زكريا، فقال: ما هذا على قدر ~~نفقة جريج، فمن أين هذا؟ قالت: هو من عند الله. والصحيح ما عليه الأكثرون، ~~وأن القوم تشاحوا على كفالتها، لأنها كانت بنت سيدهم وإمامهم عمران، كذلك ~~قال قتادة في آخرين، وأن زكريا ظهر عليهم بالقرعة منذ طفولتها. # فأما المحراب فقال أبو عبيدة: المحراب سيد المجالس، ومقدمها، وأشرفها، ~~وكذلك هو من المسجد. وقال الأصمعي: المحراب هاهنا: الغرفة. وقال الزجاج: ~~المحراب في اللغة: الموضع العالي الشريف. قال الشاعر «1» : # ربة محراب إذا جئتها ... لم ألقها أو أرتقي سلما # قوله تعالى: وجد عندها رزقا، قال ابن عباس: ثمار الجنة، فاكهة الصيف في ~~الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، وهذا قول الجماعة. قوله تعالى: أنى لك هذا ~~أي: من أين؟ قال الربيع بن أنس: كان زكريا إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب ~~«2» ، فإذا دخل وجد عندها رزقا. وقال الحسن: لم ترتضع ثديا قط، وكان يأتيها ~~رزقها من الجنة، فيقول زكريا: أنى لك هذا؟ فتقول: هو من عند الله، فتكلمت ~~وهي صغيرة، وزعم مقاتل أن زكريا استأجر لها ظئرا، وعلى ما ذكرنا عن ابن ~~إسحاق يكون PageV01P277 # قوله لها: أنى لك هذا؟ لاستكثار ما يرى عندها. وما عليه الجمهور أصح. ~~والحساب في اللغة: # التقتير والتضييق. ### | ### | [سورة آل عمران ms0281 (3) : آية # 38] # هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ~~(38) # قوله تعالى: هنالك دعا زكريا ربه قال المفسرون: لما عاين زكريا هذه الآية ~~المعجبة من رزق الله تعالى مريم الفاكهة في غير حينها، طمع في الولد على ~~الكبر. ومن لدنك بمعنى: من عندك. والذرية، تقال للجمع، وتقال للواحد، ~~والمراد بها هاهنا: الواحد. قال الفراء: وإنما قال: # طيبة، لتأنيث الذرية، والمراد بالطيبة: النقية الصالحة. والسميع: بمعنى ~~السامع. وقيل: أراد مجيب الدعاء. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 39] # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا ~~بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) # قوله تعالى: فنادته الملائكة قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: «فنادته» بالتاء، وقرأ حمزة، والكسائي: «فناداه» بألف ممالة، ~~قال أبو علي: هو كقوله تعالى: وقال نسوة «1» . وقرأ علي، وابن مسعود، وابن ~~عباس: «فناداه» بألف. وفي الملائكة قولان: أحدهما: # جبريل وحده، قاله السدي، ومقاتل، ووجهه أن العرب تخبر عن الواحد بلفظ ~~الجمع، تقول ركبت في السفن، وسمعت هذا من الناس. والثاني: أنهم جماعة من ~~الملائكة، وهو مذهب قوم، منهم ابن جرير الطبري. وفي المحراب قولان: أحدهما: ~~أنه المسجد. والثاني: أنه قبلة المسجد. وفي تسمية محراب الصلاة محرابا، ~~ثلاثة أقوال: أحدها: لانفراد الإمام فيه، وبعده من الناس، ومنه قولهم: فلان ~~حرب لفلان: إذا كان بينهما مباغضة، وتباعد، ذكره ابن الأنباري عن أبيه، عن ~~أحمد بن عبيد. والثاني: أن المحراب في اللغة أشرف الأماكن، وأشرف المسجد ~~مقام الإمام. والثالث: أنه من الحرب، فالمصلي محارب للشيطان. # قوله تعالى: أن الله يبشرك قرأ الأكثرون بفتح الألف على معنى: فنادته ~~الملائكة بأن الله، فلما حذف الجار منها، وصل الفعل إليها، فنصبها. وقرأ ~~ابن عامر، وحمزة، بكسر «إن» فأضمر القول. # والتقدير: فنادته، فقالت: إن الله يبشرك. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: ~~«يبشرك» بضم الياء، وفتح الباء، والتشديد في جميع القرآن إلا في «حم عسق» : ~~يبشر الله عباده «2» فإنهما فتحا الياء وضما الشين، وخففاها. ms0282 فأما نافع، ~~وابن عامر، وعاصم، فشددا كل القرآن. وقرأ حمزة: «يبشر» خفيفا في كل القرآن، ~~إلا قوله تعالى: فبم تبشرون «3» . وقرأ الكسائي «يبشر» مخففة في خمسة ~~مواضع، في (آل عمران) في قصة زكريا، وقصة مريم، وفي بني (إسرائيل) وفي ~~(الكهف) وفي (حم عسق) ، قال الزجاج: وفي «يبشرك» ثلاث لغات: أحدها: يبشرك ~~بفتح الباء وتشديد الشين. والثانية: «يبشرك» باسكان الباء، وضم الشين. ~~والثالثة: «يبشرك» بضم الياء وإسكان الباء، فمعنى «يبشرك» بالتشديد ~~PageV01P278 # و «يبشرك» بضم الياء: البشارة. ومعنى «يبشرك» بفتح الياء: يسرك ويفرحك، ~~يقال: بشرت الرجل أبشره،: إذا أفرحته، وبشر الرجل يبشر: وأنشد الأخفش ~~والكسائي: # وإذا لقيت الباهشين الى الندى ... غبرا أكفهم بقاع ممحل # فأعنهم وابشر بما بشروا به ... واذا هم نزلوا بضنك فانزل «1» # فهذا على بشر يبشر: إذا فرح. وأصل هذا كله أن بشرة الإنسان تنبسط عند ~~السرور، ومنه قولهم: # يلقاني ببشر، أي: بوجه منبسط. # وفي معنى تسميته «يحيى» خمسة أقوال: أحدها: لأن الله تعالى أحيا به عقر ~~أمه. قاله ابن عباس. # والثاني: لأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان. قاله قتادة. والثالث: لأنه ~~أحياه بين شيخ وعجوز، قاله مقاتل. والرابع: لأنه حيي بالعلم والحكمة التي ~~أوتيها، قاله الزجاج. والخامس: لأن الله أحياه بالطاعة، فلم يعص، ولم يهم، ~~قاله الحسن بن الفضل. # وفي «الكلمة» قولان: أحدهما: أنها عيسى، وسمي كلمة، لأنه بالكلمة كان، ~~وهي «كن» وهذا قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة والسدي، ومقاتل، وقيل: ~~إن يحيى كان أكبر من عيسى بستة أشهر، وقتل يحيى قبل رفع عيسى. والثاني: أن ~~الكلمة كتاب الله وآياته، وهو قول أبي عبيدة في آخرين. ووجهه أن العرب ~~تقول: أنشدني فلان كلمة، أي: قصيدة. # وفي معنى السيد ثمانية أقوال: أحدها: أنه الكريم على ربه، قاله ابن عباس، ~~ومجاهد. والثاني: # أنه الحليم التقي، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الضحاك. والثالث: أنه ~~الحكيم، قاله الحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء وأبو الشعثاء والربيع ~~ومقاتل. والرابع: أنه الفقيه العالم، قاله سعيد بن المسيب. والخامس: أنه ~~التقي، رواه سالم ms0283 عن ابن جبير. والسادس: أنه الحسن الخلق، رواه أبو روق عن ~~الضحاك. والسابع: أنه الشريف، قاله ابن زيد. والثامن: أنه الذي يفوق قومه ~~في الخير، قاله الزجاج. وقال ابن الأنباري: السيد هاهنا الرئيس، والإمام في ~~الخير. # فأما «الحصور» فقال ابن قتيبة: هو الذي لا يأتي النساء، وهو فعول بمعنى ~~مفعول، كأنه محصور عنهن، أي: محبوس عنهن. وأصل الحصر: الحبس. ومما جاء على ~~«فعول» بمعنى «مفعول» : ركوب بمعنى مركوب، وحلوب بمعنى محلوب، وهيوب بمعنى ~~مهيب، واختلف المفسرون لماذا كان لا يأتي النساء؟ على أربعة أقوال: أحدها: ~~أنه لم يكن له ما يأتي به النساء. # (178) فروى عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل بني ~~آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا PageV01P279 # ما كان من يحيى بن زكريا» قال: ثم دلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ~~إلى الأرض، فأخذ عودا صغيرا، ثم قال: # «وذلك أنه لم يكن له ما للرجال إلا مثل هذا العود، ولذاك سماه الله سيدا ~~وحصورا» وقال سعيد بن المسيب: كان له كالنواة. # والثاني: أنه كان لا ينزل الماء، قاله ابن عباس والضحاك. والثالث: أنه ~~كان لا يشتهي النساء، قاله الحسن وقتادة والسدي. والرابع: أنه كان يمنع ~~نفسه من شهواتها، ذكره الماوردي «1» . # قوله تعالى: ونبيا من الصالحين قال ابن الأنباري: معناه: من الصالحي ~~الحال عند الله. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 40] # قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله ~~يفعل ما يشاء (40) # قوله تعالى: قال رب أنى يكون لي غلام أي كيف يكون؟!. قال الكميت: # أنى ومن أين آبك الطرب «2» قال العلماء، منهم الحسن، وابن الأنباري، وابن ~~كيسان: كأنه قال: من أي وجه يكون لي الولد؟ # أيكون بازالة العقر عن زوجتي، ورد شبابي؟ أم يأتي ونحن على حالنا؟ فكان ~~ذلك على سبيل الاستعلام، لا على وجه الشك، قال الزجاج: يقال: غلام بين ~~الغلومية، وبين الغلامية، وبين الغلومة. # قال شيخنا أبو منصور اللغوي: الغلام: فعال، من الغلمة، وهي ms0284 شدة شهوة ~~النكاح، ويقال للكهل: # غلام. قالت ليلى الأخيلية تمدح الحجاج: # غلام إذا هز القناة سقاها «3» وكأن قولهم للكهل: غلام، أي: قد كان مرة ~~غلاما. وقولهم للطفل: غلام على معنى التفاؤل، أي: سيصير غلاما. قال: وقيل: ~~الغلام الطار الشارب، ويقال للجارية: غلامة. قال الشاعر «4» : # يهان لها الغلامة والغلام قوله تعالى: وقد بلغني الكبر أي: وقد بلغت ~~الكبر، قال الزجاج: كل شيء بلغته فقد بلغك. وفي سنة يومئذ ستة أقوال: ~~أحدها: أنه كان ابن مائة وعشرين سنة، وامرأته بنت ثمان وتسعين، قاله ابن ~~عباس. والثاني: أنه كان ابن بضع وسبعين سنة، قاله قتادة. والثالث: ابن خمس ~~وسبعين، قاله PageV01P280 # مقاتل. والرابع: ابن سبعين، حكاه فضيل بن غزوان. والخامس: ابن خمس وستين. ~~والسادس: ابن ستين، حكاهما الزجاج. قال اللغويون: والعاقر من الرجال ~~والنساء: الذي لا يأتيه الولد، وإنما قال: # «عاقر» ولم يقل: عاقرة، لأن الأصل في هذا الوصف للمؤنث، والمذكر فيه ~~كالمستعار، فأجري مجرى «طالق» و «حائض» ، هذا قول الفراء. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 41] # قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ~~ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار (41) # قوله تعالى: رب اجعل لي آية أي: علامة على وجود الحمل. وفي علة سؤاله ~~«آية» قولان: # أحدهما: أن الشيطان جاءه، فقال: هذا الذي سمعت من صوت الشيطان، ولو كان ~~من وحي الله، لأوحاه إليك، كما يوحي إليك غيره، فسأل الآية، ذكره السدي عن ~~أشياخه. والثاني: أنه إنما سأل الآية على وجود الحمل ليبادر بالشكر، ~~وليتعجل السرور، لأن شأن الحمل لا يتحقق بأوله فجعل الله آية وجود الحمل ~~حبس لسانه ثلاثة أيام. فأما «الرمز» فقال الفراء: الرمز بالشفتين، ~~والحاجبين، والعينين، وأكثره في الشفتين. قال ابن عباس: جعل يكلم الناس ~~بيده، وإنما منع من مخاطبة الناس ولم يحبس عن الذكر لله تعالى. وقال ابن ~~زيد: كان يذكر الله، ويشير إلى الناس. وقال عطاء بن السائب: اعتقل لسانه من ~~غير مرض. وجمهور العلماء على أنه إنما اعتقل لسانه آية على وجود ms0285 الحمل. ~~وقال قتادة، والربيع بن أنس: كان ذلك عقوبة له إذ سأل الآية بعد مشافهة ~~الملائكة بالبشارة. # قوله تعالى: وسبح قال مقاتل: صل. قال الزجاج: يقال: فرغت من سبحتي، أي: ~~من صلاتي. وسميت الصلاة تسبيحا، لأن التسبيح تعظيم الله، وتبرئته من السوء، ~~فالصلاة يوصف فيها بكل ما يبرئه من السوء. قوله تعالى: بالعشي العشي: من ~~حين نزول الشمس إلى آخر النهار والإبكار ما بين طلوع الفجر إلى وقت الضحى: ~~قال الشاعر: # فلا الظل في برد الضحى تستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي يذوق # قال الزجاج: يقال: أبكر الرجل يبكر إبكارا، وبكر يبكر تبكيرا، وبكر يبكر ~~في كل شيء تقدم فيه. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 42] # وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء ~~العالمين (42) # قوله تعالى: وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك، قال جماعة من ~~المفسرين: المراد بالملائكة: جبريل وحده، وقد سبق معنى الاصطفاء. وفي ~~المراد بالتطهير هاهنا أربعة أقوال: أحدها: # أنه التطهير من الحيض، قاله ابن عباس. وقال السدي: كانت مريم لا تحيض. ~~وقال قوم: من الحيض والنفاس. والثاني: من مس الرجال، روي عن ابن عباس أيضا. ~~والثالث: من الكفر، قاله الحسن ومجاهد. والرابع: من الفاحشة والإثم، قاله ~~مقاتل. وفي هذا الاصطفاء الثاني أربعة أقوال: أحدها: أنه تأكيد للأول. ~~والثاني: أن الأول للعبادة. والثاني لولادة عيسى عليه السلام. والثالث: أن ~~الاصطفاء الأول اختيار مبهم، وعموم يدخل فيه صوالح من النساء، فأعاد ~~الاصطفاء لتفضيلها على نساء العالمين. # والرابع: أنه لما أطلق الاصطفاء الاول، أبان بالثاني أنها مصطفاة على ~~النساء دون الرجال. قال ابن # PageV01P281 # عباس، والحسن، وابن جريج: اصطفاها على عالمي زمانها. قال ابن الأنباري: ~~وهذا قول الأكثرين. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 43] # يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) # قوله تعالى: يا مريم اقنتي لربك قد سبق شرح القنوت في «البقرة» ، وفي ~~المراد به هاهنا أربعة أقوال: أحدها: أنه العبادة، قاله الحسن. والثاني: ~~طول القيام في الصلاة، قاله مجاهد. والثالث: # الطاعة، قاله قتادة، والسدي، ms0286 وابن زيد. والرابع: الإخلاص، قاله سعيد بن ~~جبير. # وفي تقديم السجود على الركوع أربعة أقوال: أحدها: أن الواو لا تقتضي ~~الترتيب، وإنما تؤذن بالجمع، فالركوع مقدم، ذكره الزجاج في آخرين. والثاني: ~~أن المعنى استعملي السجود في حال، والركوع في حال، لا أنهما يجتمعان في ~~ركعة، فكأنه حث لها على فعل الخير. والثالث: أنه مقدم ومؤخر، والمعنى: ~~اركعي واسجدي، كقوله تعالى: إني متوفيك ورافعك إلي «1» ذكرهما ابن ~~الأنباري. والرابع: أنه كذلك كان في شريعتهم تقديم السجود على الركوع، ذكره ~~أبو سليمان الدمشقي. # قال مقاتل: ومعناه اركعي مع المصلين قراء بيت المقدس. قال مجاهد: سجدت ~~حتى قرحت. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 44 الى 46] # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (44) إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله ~~يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن ~~المقربين (45) ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46) # قوله تعالى: ذلك من أنباء الغيب «ذلك» إشارة إلى ما تقدم من قصة زكريا، ~~ويحيى، وعيسى، ومريم. والأنباء: الأخبار. والغيب: ما غاب عنك. والوحي: كل ~~شيء دللت به من كلام أو كتاب، أو إشارة، أو رسالة، قاله ابن قتيبة. والوحي ~~في القرآن على أوجه تراها في كتابنا الموسوم ب «الوجوه والنظائر» مونقة. ~~وفي الأقلام ثلاثة أقوال: أحدها: أنها التي يكتب بها، قاله ابن عباس، وابن ~~جبير، والسدي. والثاني: أنها العصي، قاله الربيع بن أنس. والثالث: أنها ~~القداح، وهو اختيار ابن قتيبة، وكذلك قال الزجاج: هي قداح جعلوا عليها ~~علامات يعرفونها على جهة القرعة. وإنما قيل للسهم: # القلم، لأنه يقلم، أي: يبرى. وكل ما قطعت منه شيئا بعد شيء، فقد قلمته، ~~ومنه القلم الذي يكتب به، لأنه قلم مرة بعد مرة، ومنه: قلمت أظفاري. قال: ~~ومعنى: أيهم يكفل مريم لينظروا أيهم تجب له كفالة مريم، وهو الضمان للقيام ~~بأمرها. ومعنى لديهم: عندهم. وقد سبق شرح كفالتهم لها آنفا. # وفي المراد بالكلمة هاهنا ms0287 ثلاثة أقوال: أحدها: أنه قول الله له: «كن» ~~فكان، قاله ابن عباس، وقتادة. والثاني: أنها بشارة الملائكة مريم بعيسى، ~~حكاه أبو سليمان. والثالث: أن الكلمة اسم لعيسى، وسمي كلمة، لأنه كان عن ~~الكلمة. وقال القاضي أبو يعلى: لأنه يهتدى به كما يهتدى بالكلمة من الله ~~تعالى. وفي تسميته بالمسيح ستة أقوال: أحدها: أنه لم يكن لقدمه أخمص، ~~والأخمص: ما يتجافى عن الأرض من القدم، رواه عطاء عن ابن عباس. والثاني: ~~أنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برأ، رواه PageV01P282 # الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أنه مسح بالبركة، قاله الحسن، وسعيد. ~~والرابع: أن معنى المسيح: # الصديق قاله مجاهد، وإبراهيم النخعي، وذكره اليزيدي. قال أبو سليمان ~~الدمشقي: ومعنى هذا أن الله مسحه، فطهره من الذنوب. والخامس: أنه كان يمسح ~~الأرض أي: يقطعها، ذكره ثعلب. وبيانه: أنه كان كثير السياحة. والسادس: أنه ~~خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن، قاله أبو سليمان الدمشقي، وحكاه ابن القاسم. ~~وقال أبو عبيد: المسيح في كلام العرب على معنيين: أحدهما: المسيح الدجال، ~~والأصل فيه: الممسوح، لأنه ممسوح أحد العينين. والمسيح عيسى، وأصله ~~بالعبرانية «مشيحا» بالشين، فلما عربته العرب، أبدلت من شينه سينا، كما ~~قالوا: موسى، وأصله بالعبرانية موشى. قال ابن الأنباري: وإنما بدأ بلقبه، ~~فقال: المسيح عيسى ابن مريم، لأن المسيح أشهر من عيسى، لأنه قل أن يقع على ~~سمي يشتبه به، وعيسى قد يقع على عدد كثير، فقدمه لشهرته، ألا ترى أن ألقاب ~~الخلفاء أشهر من أسمائهم. فأما قوله: عيسى ابن مريم، فإنما نسبه إلى أمه ~~لينفي ما قاله عنه الملحدون من النصارى، إذ أضافوه إلى الله تعالى. # قوله تعالى: وجيها قال ابن زيد: الوجيه في كلام العرب: المحبب المقبول. ~~وقال ابن قتيبة: # الوجيه: ذو الجاه. وقال الزجاج: هو ذو المنزلة الرفيعة عند ذوي القدر ~~والمعرفة، يقال: قد وجه الرجل يوجه وجاهة، ولفلان جاه عند الناس، أي: منزلة ~~رفيعة. قوله تعالى: ومن المقربين قال قتادة: عند الله يوم القيامة. والمهد: ~~مضجع الصبي في رضاعه، وهو مأخوذ ms0288 من التمهيد، وهو التوطئة. # وفي تكليمه للناس في تلك الحال قولان: أحدهما: لتبرئة أمه مما قذفت به. ~~والثاني: لتحقيق معجزته الدالة على نبوته. قال ابن عباس: تكلم ساعة في ~~مهده، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغ النطق. # وكهلا قال: ابن ثلاثين سنة أرسله الله تعالى، فمكث في رسالته ثلاثين ~~شهرا، ثم رفعه الله. وقال وهب بن منبه: جاءه الوحي على رأس ثلاثين سنة فمكث ~~في نبوته ثلاث سنين، ثم رفعه الله. وقال ابن الأنباري: كان عليه السلام قد ~~زاد على الثلاثين، ومن أربى عليها، فقد دخل في الكهولة. والكهل عند العرب: ~~الذي قد جاوز الثلاثين، وإنما سمي الكهل كهلا، لاجتماع قوته، وكمال شبابه، ~~وهو من قولهم: قد اكتهل النبات. وقال ابن فارس: الكهل: الرجل حين وخطه ~~الشيب. فإن قيل: فقد علم أن الكهل يتكلم، فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن هذا ~~الكلام خرج مخرج البشارة بطول عمره، أي: أنه يبلغ الكهولة، وقد روي عن ابن ~~عباس أنه قال: وكهلا قال: ذلك بعد نزوله من السماء. والثاني: أنه أخبرهم أن ~~الزمان يؤثر فيه، وأن الأيام تنقله من حال إلى حال، ولو كان إلها لم يدخل ~~عليه هذا التغير، ذكره ابن جرير الطبري. والثالث: أن المراد بالكهل: ~~الحليم، قاله مجاهد. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 47] # قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47) # قوله تعالى: قالت رب أنى يكون لي ولد في علة قولها هذا قولان: أحدهما: ~~أنها قالت هذا تعجبا واستفهاما، لا شكا وإنكارا، على ما أشرنا إليه في قصة ~~زكريا، وعلى هذا الجمهور. والثاني: أن الذي خاطبها كان جبريل، وكانت تظنه ~~آدميا يريد بها سوءا، ولهذا قالت: أعوذ بالرحمن منك # فلما بشرها # PageV01P283 # لم تتيقن صحة قوله، لأنها لم تعلم أنه ملك، فلذلك قالت: أنى يكون لي ولد، ~~قاله ابن الأنباري. # قوله تعالى: ولم يمسسني بشر أي: ولم يقربني زوج. والمس: الجماع، قاله ابن ~~فارس. وسمي البشر ms0289 بشرا، لظهورهم، والبشرة: ظاهر جلد الإنسان، وأبشرت الأرض: ~~أخرجت نباتها. وبشرت الأديم: إذا قشرت وجهه، وتباشير الصبح: أوائله. قال: ~~يعني جبريل: كذلك الله يخلق ما يشاء أي: بسبب، وبغير سبب. وباقي الآية مفسر ~~في «البقرة» . ### | [سورة آل عمران (3) : آية 48] # ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (48) # قوله تعالى: ويعلمه الكتاب قرأ الأكثرون «ونعلمه» بالنون. وقرأ نافع، ~~وعاصم بالياء، فعطفاه على قوله «يبشرك» . وفي الكتاب قولان: أحدهما: أنه ~~كتب النبيين وعلمهم، قاله ابن عباس. والثاني: # الكتابة، قاله ابن جريج ومقاتل. قال ابن عباس: والحكمة الفقه وقضاء ~~النبيين. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 49] # ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين ~~كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي ~~الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية ~~لكم إن كنتم مؤمنين (49) # قوله تعالى: ورسولا قال الزجاج: ينتصب على وجهين: أحدهما: ونجعله رسولا، ~~والاختيار عندي: ويكلم الناس رسولا. # قوله تعالى: أني أخلق قرأ الأكثرون «أني» بالفتح، فجعلوها بدلا من آية، ~~فكأنه قال: قد جئتكم بأني أخلق، وقرأ نافع بالكسر، قال أبو علي «1» : يحتمل ~~وجهين: أحدهما: أن يكون مستأنفا. # والثاني: أنه فسر الآية بقوله: إني أخلق، أي: أصور وأقدر. قال ابن عباس: ~~أخذ طينا، وصنع منه خفاشا، ونفخ فيه، فاذا هو يطير، ويقال: لم يصنع غير ~~الخفاش، ويقال: إن بني إسرائيل نعتوه بذلك لأن الخفاش عجيبة الخلق. وروي عن ~~أبي سعيد الخدري أنه قال لهم: ماذا تريدون؟ قالوا: الخفاش. # فسألوه أشد الطير خلقا، لأنه يطير من غير ريش. وقال وهب: كان الذي صنعه ~~يطير ما دام الناس ينظرونه، فاذا غاب عن أعينهم، سقط ميتا، ليتميز فعل ~~الخلق من فعل الخالق. والأكثرون قرءوا فيكون طيرا وقرأ نافع هاهنا وفي ~~(المائدة) «طائرا» قال أبو علي: حجة الجمهور قوله تعالى: # كهيئة الطير ولم يقل: كهيئة الطائر. ووجهة قراءة نافع، أنه أراد: يكون ما ~~أنفخ فيه، أو ما أخلقه، طائرا. # وفي «الأكمه» أربعة أقوال: ms0290 أحدها: أنه الذي يولد أعمى، رواه الضحاك عن ~~ابن عباس، وسعيد عن قتادة، وبه قال اليزيدي، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: ~~أنه الأعمى، ذكره ابن جريج عن ابن عباس، ومعمر عن قتادة، وبه قال الحسن، ~~والسدي، وحكى الزجاج عن الخليل أن الأكمه: هو الذي يولد أعمى، وهو الذي ~~يعمى، وإن كان بصيرا. والثالث: أنه الأعمش، قاله عكرمة. والرابع: أنه الذي ~~يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل، قاله مجاهد والضحاك. PageV01P284 # والأبرص: الذي به وضح. وكان الغالب على زمان عيسى عليه السلام، علم الطب، ~~فأراهم المعجزة من جنس ذلك، إلا أنه ليس في الطب إبراء الأكمه والأبرص، ~~وكان ذلك دليلا على صدقه. # قال وهب: ربما اجتمع على عيسى من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفا، ~~وإنما كان يداويهم بالدعاء. وذكر المفسرون أنه أحيا أربعة أنفس من الموتى. ~~وعن ابن عباس: أن الأربعة كلهم بقي حتى ولد له، إلا سام بن نوح. # قوله تعالى: وأنبئكم بما تأكلون قال سعيد بن جبير: كان عيسى إذا كان في ~~المكتب يخبرهم بما يأكلون، ويقول للغلام: يا غلام إن أهلك قد هيئوا لك كذا ~~وكذا من الطعام فتطعمني منه؟ وقال مجاهد: بما أكلتم البارحة، وبما خبأتم ~~منه. وعلى هذا المفسرون، إلا أن قتادة كان يقول: وأنبئكم بما تأكلون من ~~المائدة التي تنزل عليكم، وما تدخرون منها، وكان أخذ عليهم أن يأكلوا منها، ~~ولا يدخروا، فلما خانوا، مسخوا خنازير. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 50 الى 51] # ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية ~~من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (50) إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط ~~مستقيم (51) # قوله تعالى: ومصدقا لما بين يدي قال الزجاج: نصب «مصدقا» على الحال، أي: ~~وجئتكم مصدقا ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم قال قتادة: كان قد حرم عليهم ~~موسى الإبل والثروب «1» وأشياء من الطير، فأحلها عيسى. قوله تعالى: وجئتكم ~~بآية أي: بآيات تعلمون بها صدقي وإنما وحد، لأن الكل من جنس واحد من ربكم ~~أي: من عند ربكم. ### | ### | [سورة ms0291 آل عمران (3) : آية # 52] # فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن ~~أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52) # قوله تعالى: فلما أحس عيسى أي: علم. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: يقال: ~~أحسست بالشيء، وحسست به، وقول الناس في المعلومات «محسوسات» خطأ، إنما ~~الصواب «المحسات» فأما المحسوسات، فهي المقتولات، يقال: حسه: إذا قتله. ~~والأنصار: الأعوان. و «إلى» بمعنى «مع» في قول الجماعة، قال الزجاج: وإنما ~~حسنت في موضع «مع» لأن «إلى» غاية و «مع» تضم الشيء بالشيء. # قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون المعنى: من أنصاري إلى أن أبين أمر ~~الله. واختلفوا في سبب استنصاره بالحواريين، فقال مجاهد: لما كفر به قومه، ~~وأرادوا قتله، استنصر الحواريين. وقال غيره: # لما كفر به قومه، وأخرجوه من قريتهم، استنصر الحواريين. وقيل: استنصرهم، ~~لإقامة الحق، وإظهار الحجة. والجمهور على تشديد «ياء» الحواريين. وقرأ ~~الجوني، والجحدري، وأبو حياة: الحواريون بتخفيف الياء. # وفي معنى الحواريين أقوال: أحدها: أنهم الخواص الأصفياء، قال ابن عباس: ~~الحواريون: # أصفياء عيسى. وقال الفراء: كانوا خاصة عيسى. وقال الزجاج: الحواريون في ~~اللغة: الذين أخلصوا، PageV01P285 # ونقوا من كل عيب، وكذلك الدقيق: الحواري، إنما سمي بذلك، لأنه ينقى من ~~لباب البر وخالصه. # قال حذاق اللغويين: الحواريون: صفوة الأنبياء الذين خلصوا وأخلصوا في ~~تصديقهم ونصرتهم. # ويقال: عين حوراء: إذا اشتد بياضها، وخلص، واشتد سوادها، ولا يقال: امرأة ~~حوراء، إلا أن تكون مع حور عينها بيضاء. والثاني: أنهم البيض الثياب، روى ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس أنهم سموا بذلك، لبياض ثيابهم. والثالث: أنهم ~~القصارون، سموا بذلك، لأنهم كانوا يحورون الثياب، أي: # يبيضونها. قال الضحاك، ومقاتل: الحواريون: هم القصارون. قال اليزيدي: ~~ويقال للقصارين: # الحواريون، لأنهم يبيضون الثياب، ومنه سمي الدقيق: الحوارى، والعين ~~الحوراء: النقية المحاجر. # والرابع: الحواريون: المجاهدون. وأنشدوا: # ونحن أناس يملأ البيض هامنا ... ونحن حواريون حين نزاحف # جماجمنا يوم اللقاء تراسنا ... إلى الموت نمشي ليس فينا تحانف «1» # والخامس: الحواريون: الصيادون. والسادس: الحواريون: الملوك «2» ، حكى هذه ~~الأقوال الثلاثة ابن الأنباري. قال ms0292 ابن عباس: عدد الحواريين اثنا عشر رجلا. ~~وفي صناعتهم قولان: أحدهما: أنهم كانوا يصطادون السمك رواه سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس. والثاني: أنهم كانوا يغسلون الثياب، قاله الضحاك، وأبو أرطاة. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 53] # ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53) # قوله تعالى: ربنا آمنا بما أنزلت هذا قول الحواريين. والذي أنزل: ~~الإنجيل. والرسول: # عيسى. وفي المراد بالشاهدين خمسة أقوال: أحدها: أنهم محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وأمته، لأنهم يشهدون للرسل بالتبليغ، رواه عكرمة عن ابن عباس «3» . ~~والثاني: أنهم من آمن قبلهم من المؤمنين، رواه أبو صالح عن ابن عباس. ~~والثالث: أنهم الأنبياء، لأن كل نبي شاهد أمته، قاله عطاء. والرابع: أن ~~الشاهدين: # الصادقون، قاله مقاتل. والخامس: أنهم الذين شهدوا للأنبياء بالتصديق. ~~فمعنى الآية: واعترفنا فاكتبنا مع من فعل فعلنا، هذا قول الزجاج. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 54] # ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (54) # قوله تعالى: ومكروا ومكر الله قال الزجاج: المكر من الخلق: خبث وخداع، ~~ومن الله عز وجل: المجازاة، فسمي باسم ذلك، لأنه مجازاة عليه، كقوله تعالى: ~~الله يستهزئ بهم «4» ، PageV01P286 # والله خير الماكرين، لأن مكره مجازاة، ونصر للمؤمنين. قال ابن عباس: ~~ومكرهم، أن اليهود أرادوا قتل عيسى، فدخل خوخة «1» ، فدخل رجل منهم، فألقى ~~عليه شبه عيسى، ورفع عيسى إلى السماء، فلما خرج إليهم، ظنوه عيسى، فقتلوه. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 55] # إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم ~~فيما كنتم فيه تختلفون (55) # قوله تعالى: إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك قال ابن قتيبة: التوفي، من ~~استيفاء العدد يقال: # توفيت، واستوفيت، كما يقال: تيقنت الخبر، واستيقنته، ثم قيل للموت: وفاة، ~~وتوف. وأنشد أبو عبيدة «2» : # إن بني الأدرد ليسوا من أحد ... ليسوا إلى قيس وليسوا من أسد # ولا توفاهم قريش في العدد أي: لا تجعلهم وفاء لعددها، والوفاء: التمام. ~~وفي هذا التوفي قولان: أحدهما: أنه الرفع ms0293 إلى السماء. والثاني: أنه الموت. ~~فعلى القول الأول يكون نظم الكلام مستقيما من غير تقديم ولا تأخير، ويكون ~~معنى «متوفيك» قابضك من الأرض وافيا تاما من غير أن ينال منك اليهود شيئا، ~~هذا قول الحسن، وابن جريج، وابن قتيبة، واختاره الفراء. ومما يشهد لهذا ~~الوجه قوله تعالى: فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم «3» ، أي: رفعتني إلى ~~السماء من غير موت، لأنهم إنما بدلوا بعد رفعه، لا بعد موته. وعلى القول ~~الثاني يكون في الآية تقديم وتأخير، وتقديره: إني رافعك إلي ومطهرك من ~~الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك، هذا قول الفراء، والزجاج في آخرين. فتكون ~~الفائدة في إعلامه بالتوفي تعريفه أن رفعه إلى السماء لا يمنع من موته «4» ~~. قال سعيد بن المسيب: رفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وقال مقاتل: رفع ~~من بيت المقدس ليلة القدر في رمضان. وقيل: عاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين. ~~ويقال: ماتت قبل رفعه. # قوله تعالى: ومطهرك من الذين كفروا فيه قولان: أحدهما: أنه رفعه من بين ~~أظهرهم. # والثاني: منعهم من قتله «5» . وفي الذين اتبعوه قولان: أحدهما: أنهم ~~مسلمون من أمة محمد عليه السلام، لأنهم صدقوا بنبوته، وأنه روح الله ~~وكلمته، وهذا قول قتادة، والربيع، وابن السائب. والثاني: PageV01P287 # أنهم النصارى، فهم فوق اليهود، واليهود مستذلون مقهورون، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: فيما كنتم فيه تختلفون يعني الدين. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 56] # فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ~~ناصرين (56) # قوله تعالى: فأما الذين كفروا قيل: هم اليهود والنصارى. وعذابهم في ~~الدنيا بالسيف والجزية، وفي الآخرة بالنار. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 57] # وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ~~(57) # قوله تعالى: فيوفيهم أجورهم قرأ الأكثرون بالنون، وقرأ الحسن، وقتادة، ~~وحفص عن عاصم: «فيوفيهم» بالياء معطوفا على قوله تعالى إذ قال الله يا ~~عيسى. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 58] # ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم (58) # قوله تعالى: ذلك نتلوه عليك يعني ما جرى من القصص. من الآيات ms0294 يعني ~~الدلالات على صحة رسالتك، إذ كانت أخبارا لا يعلمها أمي. والذكر الحكيم قال ~~ابن عباس: هو القرآن. قال الزجاج: معناه: ذو الحكمة في تأليفه ونظمه، ~~وإبانة الفوائد منه. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 59] # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59) # قوله تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم قال أهل التفسير: سبب نزول ~~هذه الآية، مخاصمة وفد نجران من النصارى للنبي صلى الله عليه وسلم، في أمر ~~عيسى، وقد ذكرناه في أول السورة «1» . فأما تشبيه عيسى بآدم، فلأنهما جميعا ~~من غير أب. # وقوله تعالى: خلقه من تراب يعني: آدم. قال ثعلب: وهذا تفسير لأمر آدم. ~~وليس بحال. # قوله تعالى: ثم قال له يعني آدم، وقيل لعيسى كن فيكون أي: فكان: فأريد ~~بالمستقبل الماضي، كقوله تعالى: واتبعوا ما تتلوا الشياطين «2» أي: ما تلت. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 60] # الحق من ربك فلا تكن من الممترين (60) # قوله تعالى: الحق من ربك قال الزجاج: الحق مرفوع على خبر ابتداء محذوف، ~~المعنى: # الذي أنبأتك به في قصة عيسى الحق من ربك فلا تكن من الممترين أي: ~~الشاكين. والخطاب للنبي خطاب للخلق، لأنه لم يشك. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 61] # فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ~~ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين ~~(61) # قوله تعالى: فمن حاجك فيه في هاء «فيه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى ~~عيسى. والثاني: PageV01P288 # إلى الحق. والعلم: البيان والإيضاح. # قوله تعالى: فقل تعالوا قال ابن قتيبة: تعال: تفاعل، من علوت، ويقال ~~للاثنين من الرجال والنساء: تعاليا، وللنساء: تعالين. قال الفراء: أصلها من ~~العلو، ثم إن العرب لكثرة استعمالهم إياها، صارت عندهم بمنزلة «هلم» حتى ~~استجازوا أن يقولوا للرجل، وهو فوق شرف: تعال، أي: اهبط. # وإنما أصلها: الصعود. قال المفسرون: أراد بأبنائنا: فاطمة، والحسن، ~~والحسين. وروى مسلم في «صحيحه» من حديث سعد بن أبي وقاص قال: # (179) لما نزلت هذه الآية تعالوا ندع أبناءنا ms0295 وأبناءكم دعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: «اللهم هؤلاء أهلي» . # قوله تعالى: وأنفسنا فيه خمسة أقوال: أحدها: أراد علي بن أبي طالب، قاله ~~الشعبي. # والعرب تخبر عن ابن العم بأنه نفس ابن عمه. والثاني: أراد الإخوان، قاله ~~ابن قتيبة. والثالث: أراد أهل دينه، قاله أبو سليمان الدمشقي. والرابع: ~~أراد الأزواج. والخامس: أراد القرابة القريبة، ذكرهما علي بن أحمد ~~النيسابوري. فأما الابتهال، فقال ابن قتيبة: هو التداعي باللعن، يقال: عليه ~~بهلة الله، وبهلته، أي: لعنته. وقال الزجاج: معنى الابتهال في اللغة: ~~المبالغة في الدعاء وأصله: الالتعان، يقال: بهله الله، أي: لعنه. وأمر ~~بالمباهلة بعد إقامة الحجة. # (180) قال جابر بن عبد الله: قدم وفد نجران فيهم السيد والعاقب فذكر ~~الحديث.. إلى أن قال: # فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه أن يغادياه، فغدا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل اليهما، فأبيا أن ~~يجيباه، فأقرا له بالخراج فقال: «والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي ~~نارا» ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 62] # إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم ~~(62) # قوله تعالى: وما من إله إلا الله قال الزجاج: دخلت «من» هاهنا توكيدا ~~ودليلا على نفي جميع ما ادعى المشركون من الآلهة. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 63] # فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (63) # قوله تعالى: فإن تولوا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: عن الملاعنة، قاله مقاتل. ~~والثاني: أنه عن البيان الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ~~الزجاج. والثالث: عن الإقرار بوحدانية الله، وتنزيهه عن الصاحبة والولد، ~~قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي الفساد هاهنا قولان: أحدهما: أنه العمل ~~بالمعاصي، قاله PageV01P289 # مقاتل. والثاني: الكفر، قاله أبو سليمان الدمشقي. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 64] # قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ~~ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا ~~اشهدوا بأنا مسلمون (64) # قوله تعالى: ms0296 قل يا أهل الكتاب فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم اليهود، قاله ~~قتاده، وابن جريج، والربيع بن أنس. والثاني: وفد نجران الذين حاجوا في ~~عيسى، قاله السدي ومقاتل. والثالث: أهل الكتابين جميعا «1» ، قاله الحسن. ~~PageV01P290 # تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله. وجائز أن يكون «أن» في موضوع رفع، كأن ~~قائلا قال: ما الكلمة؟ # فأجيب، فقيل: هي ألا نعبد إلا الله. # قوله تعالى: ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه سجود بعضهم لبعض، قاله عكرمة. والثاني: لا يطيع بعضنا بعضا في ~~معصية الله، قاله ابن جريج. والثالث: # لا نجعل غير الله ربا، كما قالت النصارى في المسيح، قاله مقاتل والزجاج. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 65] # يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من ~~بعده أفلا تعقلون (65) # قوله تعالى: يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم. قال ابن عباس والحسن ~~والسدي: # (182) اجتمع عند النبي صلى الله عليه وسلم نصارى نجران، وأحبار اليهود، ~~فقال هؤلاء: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقال هؤلاء: ما كان إلا نصرانيا. ~~فنزلت هذه الآية. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 66] # ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66) # قوله تعالى: ها أنتم قرأ ابن كثير «ها أنتم» مثل: هعنتم، فأبدل من همزة ~~الاستفهام «الهاء» أراد: أأنتم. وقرأ نافع وأبو عمرو «هانتم» ممدودا ~~استفهام بلا همزة، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، «ها أنتم» ~~ممدودا مهموزا ولم يختلفوا في مد «هؤلاء» و «أولاء» . # قوله تعالى: فيما لكم به علم فيه قولان: أحدهما: أنه ما رأوا وعاينوا ~~قاله قتادة. والثاني: ما أمروا به ونهوا عنه، قاله السدي. فأما الذي ليس ~~لهم به علم، فهو شأن إبراهيم عليه السلام. روى أبو صالح عن ابن عباس أنه ~~كان بين إبراهيم وموسى، خمسمائة وخمس وسبعون سنة. وبين موسى وعيسى ألف ~~وستمائة واثنتان وثلاثون سنة «1» . وقال ابن إسحاق: كان بين إبراهيم وموسى ~~خمسمائة وخمس ms0297 وستون سنة، وبين موسى وعيسى ألف وتسعمائة وخمس وعشرون سنة. ~~وقد سبق في «البقرة» معنى الحنيف. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 67 الى 68] # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين (67) إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا والله ولي المؤمنين (68) PageV01P291 # قوله تعالى: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه، في سبب نزولها قولان: # (183) أحدهما: أن رؤساء اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد علمت ~~أنا أولى بدين إبراهيم منك، وأنه كان يهوديا، وما بك إلا الحسد، فنزلت هذه ~~الآية. ومعناها: أحق الناس بدين إبراهيم، الذين اتبعوه على دينه، وهذا ~~النبي محمد صلى الله عليه وسلم على دينه، قاله ابن عباس. PageV01P292 # قوله تعالى: لم تكفرون بآيات الله قال قتادة: يعني: محمدا والإسلام وأنتم ~~تشهدون أن بعث محمد في كتابكم، ثم تكفرون به. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 71] # يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (71) # قوله تعالى: لم تلبسون الحق بالباطل قال اليزيدي: معناه: لم تخلطون الحق ~~بالباطل؟ قال ابن فارس: واللبس: اختلاط الأمر، وفي الأمر لبسة، أي: ليس ~~بواضح. وفي الحق والباطل أربعة أقوال: # أحدها: أن الحق: إقرارهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم، والباطل: ~~كتمانهم بعض أمره. والثاني: الحق: # إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم غدوة، والباطل: كفرهم به عشية، رويا ~~عن ابن عباس. والثالث: الحق: التوراة، والباطل: ما كتبوه فيها بأيديهم، ~~قاله الحسن، وابن زيد. والرابع: الحق: الإسلام. والباطل: اليهودية ~~والنصرانية، قاله قتادة. # قوله تعالى: وتكتمون الحق قال قتادة: كتموا الإسلام، وكتموا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 72] # وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ~~واكفروا آخره لعلهم يرجعون (72) # قوله تعالى: وقالت طائفة من أهل الكتاب في سبب نزولها قولان: أحدهما: أن ~~طائفة من اليهود قالوا: إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار، فآمنوا، وإذا كان ~~آخره، فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب، وهم أعلم منا، ms0298 ~~فينقلبون عن دينهم، رواه عطية عن ابن عباس «1» . وقال الحسن والسدي: تواطأ ~~اثنا عشر حبرا من اليهود، فقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد باللسان أول ~~النهار، واكفروا آخره، وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا، وشاورنا علماءنا، ~~فوجدنا محمدا ليس بذلك، فيشك أصحابه في دينهم، ويقولون: هم أهل الكتاب، وهم ~~أعلم منا، فيرجعون إلى دينكم، فنزلت هذه الآية «2» . وإلى هذا المعنى ذهب ~~الجمهور. والثاني: أن الله تعالى صرف نبيه إلى الكعبة عند صلاة الظهر، فقال ~~قوم من علماء اليهود: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار يقولون: ~~آمنوا بالقبلة التي صلوا إليها الصبح، واكفروا بالتي صلوا إليها آخر ~~النهار، لعلهم يرجعون إلى قبلتكم، رواه أبو صالح عن ابن عباس «3» . قال ~~مجاهد وقتادة، والزجاج في آخرين: وجه النهار: أوله. وأنشد الزجاج «4» : # من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار PageV01P293 # يجد النساء حواسرا يندبنه ... قد قمن قبل تبلج الأسحار «1» ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 73] # ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع ~~عليم (73) # قوله تعالى: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، اختلف العلماء في توجيه هذه ~~الآية على أربعة أقوال: أحدها: أن معناه: ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم، ولا ~~تصدقوا أن يؤتى أحد مما أوتيتم من العلم، وفلق البحر، والمن والسلوى، وغير ~~ذلك، ولا تصدقوا أن يجادلوكم عند ربكم، لأنكم أصح دينا منهم، فيكون هذا كله ~~من كلام اليهود بينهم، وتكون اللام في «لمن» صلة، ويكون قوله تعالى: # قل إن الهدى هدى الله كلاما معترضا بين كلامين، هذا معنى قول مجاهد، ~~والأخفش. والثاني: أن كلام اليهود تام عند قوله: لمن تبع دينكم والباقي من ~~قول الله تعالى، لا يعترضه شيء من قولهم، وتقديره: قل يا محمد: إن الهدى ~~هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد، إلا أن تجادلكم اليهود ~~بالباطل، فيقولون: نحن أفضل ms0299 منكم، هذا معنى قول الحسن، وسعيد بن جبير. وقال ~~الفراء: # معنى: «أن يؤتى» : أن لا يؤتى. والثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا ~~تقديره: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، إلا من تبع دينكم، فأخرت ~~«أن» ، وهي مقدمة في النية على مذهب العرب في التقديم والتأخير، ودخلت ~~اللام على جهة التوكيد، كقوله تعالى: عسى أن يكون ردف لكم «2» أي: # ردفكم. وقال الشاعر: # ما كنت أخدع للخليل بخلة ... حتى يكون لي الخليل خدوعا # أراد: ما كنت أخدع الخليل. وقال الآخر «3» : # يذمون للدنيا وهم يحلبونها ... أفاويق حتى ما يدر لها ثعل # أراد: يذمون الدنيا، ذكره ابن الأنباري. والرابع: أن اللام غير زائدة، ~~والمعنى: لا تجعلوا تصديقكم النبي في شيء مما جاء به إلا لليهود. فإنكم إن ~~قلتم ذلك للمشركين كان عونا لهم على تصديقه، قاله الزجاج. وقال ابن ~~الأنباري: لا تؤمنوا أن محمدا وأصحابه على حق، إلا لمن تبع دينكم، مخافة أن ~~يطلع على عنادكم الحق، ويحاجوكم به عند ربكم. فعلى هذا يكون معنى الكلام: ~~لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، وقد ذكر هذا ~~المعنى مكي بن أبي طالب النحوي. # وقرأ ابن كثير: «أان يؤتى» بهمزتين: الأولى مخففة، والثانية ملينة على ~~الاستفهام، مثل: أانتم أعلم. # قال أبو علي: ووجهها أن «أن» في موضع رفع بالابتداء، وخبره: يصدقون به، ~~أو يعترفون به، أو يذكرونه لغيركم، ويجوز أن يكون موضع «أن» نصبا، فيكون ~~المعنى: أتشيعون، أو أتذكرون أن يؤتى PageV01P294 # أحد، ومثله في المعنى: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم «1» . وقرأ الأعمش ~~وطلحة بن مصرف: «إن يؤتى» ، بكسر الهمزة، على معنى: ما يؤتى. # وفي قوله تعالى أو يحاجوكم عند ربكم قولان: أحدهما: أن معناه: ولا تصدقوا ~~أنهم يحاجوكم عند ربكم، لأنهم لا حجة لهم، قاله قتادة. والثاني: أن معناه: ~~حتى يحاجوكم عند ربكم على طريق التعبد، كما يقال: لا يلقاه أو تقوم الساعة، ~~قاله الكسائي. # قوله تعالى: إن الفضل بيد الله قال ابن عباس: يعني النبوة، والكتاب، ~~والهدى يؤتيه ms0300 من يشاء لا ما تمنيتموه أنتم يا معشر اليهود من أنه لا يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 74] # يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (74) # قوله تعالى: يختص برحمته من يشاء في الرحمة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ~~الإسلام، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: النبوة، قاله مجاهد. والثالث: ~~القرآن والإسلام، قاله ابن جريج. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 75] # ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار ~~لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين ~~سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (75) # قوله تعالى: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار قال ابن عباس: أودع رجل ~~ألفا ومائتي أوقيه من ذهب عبد الله بن سلام، فأداها إليه، فمدحه الله بهذه ~~الآية، وأودع رجل فنحاص بن عازوراء دينارا، فخانه «2» . وأهل الكتاب: ~~اليهود. وقد سبق الكلام في القنطار. وقيل. إن «الباء» في قوله: «بقنطار» ~~بمعنى «على» . فأما الدينار، فقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: ~~الدينار فارسي معرب، وأصله: دنار، وهو وإن كان معربا، فليس تعرف له العرب ~~اسما غير الدينار، فقد صار كالعربي، ولذلك ذكره الله عز وجل في كتابه، لأنه ~~خاطبهم بما عرفوا، واشتقوا منه فعلا، فقالوا: رجل مدنر: # كثير الدنانير. وبرذون «3» مدنر: أشهب مستدير النقش ببياض وسواد. فان ~~قيل: لم خص أهل الكتاب بأن فيهم خائنا وأمينا والخلق على ذلك، فالجواب: ~~أنهم يخونون المسلمين استحلالا لذلك، وقد بيته في قوله تعالى: ليس علينا في ~~الأميين سبيل فحذر منهم. وقال مقاتل: الأمانة إلى من أسلم منهم، والخيانة ~~إلى من لم يسلم. وقيل: إن الذين يؤدون الأمانة: النصارى، والذين لا ~~يؤدونها: اليهود. # قوله تعالى: إلا ما دمت عليه قائما قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: دمت ~~ودمتم، ومت ومتم، وتميم يقولون: مت ودمت بالكسر، ويجتمعون في «يفعل» يدوم ~~ويموت. وفي هذا القيام PageV01P295 # قولان: أحدهما: أنه التقاضي، قاله مجاهد، وقتادة، والفراء، وابن قتيبة، ~~والزجاج. قال ابن قتيبة: # والمعنى: ms0301 ما دمت مواظبا بالاقتضاء له والمطالبة. وأصل هذا أن المطالب ~~بالشيء يقوم فيه ويتصرف والتارك له يقعد عنه، قال الأعشى: # يقوم على الرغم في قومه ... فيعفو إذا شاء أو ينتقم # أي: يطالب بالذحل «1» ولا يقعد عنه. قال تعالى: ليسوا سواء من أهل الكتاب ~~أمة قائمة «2» أي: عاملة غير تاركة، وقال تعالى: أفمن هو قائم على كل نفس ~~بما كسبت «3» أي: آخذ لها بما كسبت. والثاني: أنه القيام حقيقة، فتقديره: ~~إلا ما دمت قائما على رأسه، فإنه يعترف بأمانته، فاذا ذهبت ثم جئت، جحدك، ~~قاله السدي. # قوله تعالى: ذلك يعني: الخيانة. والسبيل: الإثم والحرج، ونظيره ما على ~~المحسنين من سبيل «4» قال قتادة: إنما استحل اليهود أموال المسلمين، لأنهم ~~عندهم ليسوا أهل كتاب. # قوله تعالى: ويقولون على الله الكذب قال السدي: يقولون: قد أحل الله لنا ~~أموال العرب. # وفي قوله تعالى: وهم يعلمون قولان: أحدهما: يعلمون أن الله قد أنزل في ~~التوراة الوفاء، وأداء الأمانة. والثاني: يقولون الكذب، وهم يعلمون أنه ~~كذب. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 76] # بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (76) # قوله تعالى: بلى رد الله عز وجل عليهم قولهم: ليس علينا في الأميين سبيل ~~بقوله: بلى قال الزجاج: وهو عندي وقف التمام، ثم استأنف، فقال: من أوفى ~~بعهده، ويجوز أن يكون استأنف جملة الكلام بقوله: بلى من أوفى. والعهد: ما ~~عاهدهم الله عز وجل عليه في التوراة. وفي «هاء» بعهده قولان: أحدهما: أنها ~~ترجع إلى الله تعالى. والثاني: إلى الموفي. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 77] # إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في ~~الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب ~~أليم (77) # قوله تعالى: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا في سبب ~~نزولها ثلاثة أقوال: # (185) أحدها: أن الأشعث بن قيس خاصم بعض اليهود في أرض، فجحده اليهودي ~~فقدمه إلى PageV01P296 # النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: «ألك بينة» ؟ قال: لا. قال لليهودي: ~~«أتحلف» ؟ فقال الأشعث: ms0302 إذا يحلف فيذهب بمالي. فنزلت هذه الآية. أخرجه ~~البخاري ومسلم. # (186) والثاني: أنها نزلت في اليهود، عهد الله إليهم في التوراة تبين صفة ~~النبي عليه السلام، فجحدوا، وخالفوا لما كانوا ينالون من سفلتهم من الدنيا، ~~هذا قول عكرمة، ومقاتل. # (187) والثالث: أن رجلا أقام سلعته في السوق أول النهار، فلما كان آخره، ~~جاء رجل يساومه، فحلف: لقد منعها أول النهار من كذا، ولولا المساء لما ~~باعها به، فنزلت هذه الآية. هذا قول الشعبي، ومجاهد. # فعلى القول الأول، والثالث، العهد: لزوم الطاعة، وترك المعصية، وعلى ~~الثاني: ما عهده إلى اليهود في التوراة. واليمين: الحلف. وإن قلنا: إنها في ~~اليهود، والكفار، فإن الله لا يكلمهم يوم القيامة أصلا. وإن قلنا: إنها في ~~العصاة، فقد روي عن ابن عباس أنه قال: لا يكلمهم الله كلام خير. ومعنى ولا ~~ينظر إليهم، أي: لا يعطف عليهم بخير مقتا لهم، قال الزجاج: تقول: فلان لا ~~ينظر إلى فلان، ولا يكلمه معناه: أنه غضبان عليه. # قوله تعالى: ولا يزكيهم أي: لا يطهرهم من دنس كفرهم وذنوبهم. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 78] # وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من ~~الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب ~~وهم يعلمون (78) # قوله تعالى: وإن منهم لفريقا اختلفوا فيمن نزلت على قولين: أحدهما: أنها ~~نزلت في اليهود، رواه عطية عن ابن عباس. والثاني: في اليهود والنصارى، رواه ~~الضحاك عن ابن عباس. وقوله تعالى: وإن هي كلمة مؤكدة، واللام في قوله: ~~«لفريقا» توكيد زائد على توكيد «إن» ، قال ابن قتيبه: # ومعنى يلوون ألسنتهم: يقلبونها بالتحريف والزيادة. والألسنة: جمع لسان، ~~قال أبو عمرو: اللسان يذكر ويؤنث، فمن ذكره جمعه: ألسنة، ومن أنثه، جمعه: ~~ألسنا. وقال الفراء: اللسان بعينه لم نسمعه من العرب إلا مذكرا. وتقول: سبق ~~من فلان لسان، يعنون به الكلام، فيذكرونه. وأنشد ابن الأعرابي: # لسانك معسول ونفسك شحة ... وعند الثريا من صديقك مالكا # وأنشد ثعلب «1» : # (186) ضعيف. أخرجه الطبري 7275 عن عكرمة ms0303 مرسلا. وذكره السيوطي في ~~«اللباب» ص 58، ونقل عن الحافظ قوله: الآية محتملة، لكن العمدة في ذلك ما ~~ثبت في الصحيح اه. وهو المتقدم. وذكره الواحدي في «أسباب النزول» 220 بدون ~~إسناد. PageV01P297 # ندمت على لسان كان مني ... فليت بأنه في جوف عكم «1» # والعكم: العدل. ودل بقوله: كان مني، على أن اللسان الكلام. وأنشد ثعلب: # أتتني لسان بني عامر ... أحاديثها بعد قول نكر # فأنث لسان، لأنه عنى الكلمة والرسالة. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 79] # ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون (79) # قوله تعالى: ما كان لبشر، في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (188) أحدها: أن قوما من رؤساء اليهود والنصارى، قالوا: يا محمد أتريد أن ~~نتخذك ربا؟ # فقال: معاذ الله، ما بذلك بعثني، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # (189) والثاني: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا نسجد لك؟ قال ~~«لا، فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله» فنزلت هذه الآية، قاله الحسن ~~البصري. # والثالث: أنها نزلت في نصارى نجران حيث عبدوا عيسى. قاله الضحاك، ومقاتل. # وفيمن عنى ب «البشر» قولان: أحدهما: محمد صلى الله عليه وسلم. والكتاب: ~~القرآن، قاله ابن عباس، وعطاء. # والثاني: عيسى، والكتاب: الإنجيل، قاله الضحاك، ومقاتل. والحكم: الفقه ~~والعلم، قاله قتادة في آخرين. قال الزجاج: ومعنى الآية لا يجتمع لرجل نبوة، ~~والقول للناس: كونوا عبادا لي من دون الله، لأن الله لا يصطفي الكذبة. # قوله تعالى: ولكن كونوا أي: ولكن يقول لهم: كونوا، فحذف القول لدلالة ~~الكلام عليه. # فأما الربانيون، فروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: هم الذين ~~يغذون الناس بالحكمة، ويربونهم عليها. وقال ابن عباس، وابن جبير: هم ~~الفقهاء المعلمون. وقال قتادة، وعطاء: هم الفقهاء العلماء الحكماء. قال ابن ~~قتيبة: واحدهم رباني، وهم العلماء المعلمون. وقال أبو عبيد: أحسب الكلمة ~~ليست بعربية، إنما هي عبرانية، أو سريانية، وذلك أن عبيدة ms0304 زعم أن العرب لا ~~تعرف الربانيين. # وقال أبو عبيد: وإنما عرفها الفقهاء، وأهل العلم، قال: وسمعت رجلا عالما ~~بالكتب يقول: هم العلماء PageV01P298 # بالحلال والحرام، والأمر والنهي. وحكى ابن الأنباري عن بعض اللغويين: ~~الرباني: منسوب إلى الرب، لأن العلم: مما يطاع الله به، فدخلت الألف والنون ~~في النسبة للمبالغة، كما قالوا: رجل لحياني: إذا بالغوا في وصفه بكبر ~~اللحية. # قوله تعالى: بما كنتم تعلمون الكتاب قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: ~~«تعلمون» ، باسكان العين، ونصب اللام، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: (تعلمون) مثقلا، وكلهم قرءوا: # «تدرسون» خفيفة. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو رزين وسعيد بن جبير، ~~وطلحة بن مصرف، وأبو حياة: «تدرسون» ، بضم التاء مع التشديد. والدراسة: ~~القراءة. قال الزجاج: ومعنى الكلام: ليكن هديكم في التعليم هدي العلماء ~~والحكماء، لأن العالم إنما يستحق هذا الاسم إذا عمل بعلمه. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 80] # ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم مسلمون (80) # قوله تعالى: ولا يأمركم قرأ ابن عامر، وحمزة، وخلف، ويعقوب، وعاصم في بعض ~~الروايات عنه وعبد الوارث، عن أبي عمرو، واليزيدي في اختياره، بنصب الراء. ~~وقرأ الباقون برفع الراء، فمن نصب كان المعنى: وما كان لبشر أن يأمركم، ومن ~~رفع قطعه مما قبله. قال ابن جريج: ولا يأمركم محمد. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 81] # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق ~~لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا ~~أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81) # قوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين، قال الزجاج: موضع «إذ» نصب، ~~المعنى: واذكر في أقاصيصك إذ أخذ الله. قال ابن عباس: الميثاق: العهد. وفي ~~الذي أخذ ميثاقهم عليه قولان: # أحدهما: أنه تصديق محمد صلى الله عليه وسلم، روي عن علي، وابن عباس، ~~وقتادة، والسدي. # والثاني: أنه أخذ ميثاق الأول من الأنبياء ليؤمنن بما جاء به الآخر منهم، ~~قاله طاوس. قال مجاهد والربيع بن أنس: هذه الآية خطأ ms0305 من الكتاب «1» ، وهي ~~في قراءة ابن مسعود: «وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب» واحتج الربيع ~~بقوله تعالى: ثم جاءكم رسول. وقال بعض أهل العلم: إنما أخذ الميثاق على ~~النبيين وأممهم، فاكتفى بذكر الأنبياء عن ذكر الأمم، لأن في أخذ الميثاق ~~على المتبوع دلالة على أخذه على التابع، وهذا معنى قول ابن عباس والزجاج. ~~PageV01P299 # واختلف العلماء في لام «لما» فقرأ الأكثرون «لما» بفتح اللام مع التخفيف، ~~وقرأ حمزة مثلها، إلا أنه كسر اللام، وقرأ سعيد بن جبير «لما» مشددة الميم، ~~فقراءة ابن جبير، معناها: حين آتيتكم. # وقال الفراء في قراءة حمزة: يريد أخذ الميثاق للذي آتاهم، ثم جعل قوله: ~~لتؤمنن به من الأخذ. # قال الفراء: ومن نصب اللام جعلها زائدة. و «ما» هاهنا بمعنى الشرط ~~والجزاء، فالمعنى: لئن آتيتكم ومهما آتيتكم شيئا من كتاب وحكمة. قال ابن ~~الأنباري: اللام في قوله تعالى: لما آتيتكم على قراءة من شدد أو كسر: جواب ~~لأخذ الميثاق، لأن أخذ الميثاق يمين. وعلى قراءة من خففها، معناها: # القسم، وجواب القسم اللام في قوله: لتؤمنن به وإنما خاطب، فقال: آتيتكم. ~~بعد أن ذكر النبيين وهم غيب، لأن في الكلام معنى قول وحكاية، فقال مخاطبا ~~لهم: لما آتيتكم. وقرأ نافع «آتيناكم» بالنون والألف. # قوله تعالى: ثم جاءكم رسول قال علي عليه السلام: ما بعث الله نبيا إلا ~~أخذ عليه العهد، إن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه. وقال غيره: أخذ ~~ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضا. # والإصر هاهنا: العهد في قول الجماعة. قال ابن قتيبة: أصل الإصر الثقل، ~~فسمي العهد إصرا، لأنه منع من الأمر الذي أخذ له، وثقل وتشديد. وكلهم كسر ~~ألف «إصري» وروى أبو بكر، عن عاصم ضمه. # قال أبو علي: يشبه أن يكون الضم لغة. # قوله تعالى: قال فاشهدوا قال ابن فارس: الشهادة: الإخبار بما شوهد. وفيمن ~~خوطب بهذا قولان: أحدهما: أنه خطاب للنبيين ثم فيه قولان: أحدهما: أن ~~معناه: فاشهدوا على أممكم، قاله علي بن أبي طالب. والثاني: فاشهدوا على ~~أنفسكم، قاله ms0306 مقاتل. والثاني: أنه خطاب للملائكة، قاله سعيد بن المسيب، ~~فعلى هذا يكون كناية عن غير مذكور. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 82 الى # 83] # فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (82) أفغير دين الله يبغون وله أسلم ~~من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون (83) # قوله تعالى: أفغير دين الله يبغون قرأ أبو عمرو: «يبغون» بالياء مفتوحة. ~~«وإليه ترجعون» بالتاء مضمومة، وقرأها الباقون بالياء في الحرفين. وروى حفص ~~عن عاصم: «يبغون» و «يرجعون» بالياء فيهما، وفتح الياء وكسر الجيم، يعقوب ~~على أصله. # (190) قال ابن عباس: اختصم أهل الكتابين، فزعمت كل فرقة أنها أولى بدين ~~إبراهيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلا الفريقين بريء من دين ~~إبراهيم» . فغضبوا، وقالوا: والله لا نرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك، فنزلت ~~هذه الآية. # والمراد بدين الله، دين محمد صلى الله عليه وسلم. وله أسلم انقاد، وخضع ~~طوعا وكرها الطوع: # الانقياد بسهولة، والكره: الانقياد بمشقة وإباء من النفس. وفي معنى الطوع ~~والكره ستة أقوال: أحدها: PageV01P300 # أن إسلام الكل كان يوم الميثاق طوعا وكرها، رواه مجاهد عن ابن عباس، ~~والأعمش عن مجاهد، وبه قال السدي. والثاني: أن المؤمن يسجد طائعا، والكافر ~~يسجد ظله وهو كاره، روي عن ابن عباس، ورواه ابن أبي نجيح، وليث عن مجاهد. ~~والثالث: أن الكل أقروا له بأنه الخالق، وإن أشرك بعضهم، فإقراره بذلك حجة ~~عليه في إشراكه، هذا قول أبي العالية، ورواه منصور عن مجاهد. والرابع: أن ~~المؤمن أسلم طائعا، والكافر أسلم مخافة السيف، هذا قول الحسن. والخامس: أن ~~المؤمن أسلم طائعا، والكافر أسلم حين رأى بأس الله، فلم ينفعه في ذلك ~~الوقت، وهذا قول قتادة. والسادس: أن إسلام الكل خضوعهم لنفاذ أمره في ~~جبلتهم، لا يقدر أحدهم أن يمتنع من جبلة جبله عليها، ولا على تغييرها، هذا ~~قول الزجاج، وهو معنى قول الشعبي: انقاد كلهم له. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 84 الى # 87] # قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى ms0307 والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون (84) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين (85) كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن ~~الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) أولئك جزاؤهم ~~أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (87) # قوله تعالى: كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم في سبب نزولها ثلاثة ~~أقوال: # (191) أحدها: أن رجلا من الأنصار ارتد، فلحق بالمشركين، فنزلت هذه الآية، ~~إلى قوله إلا الذين تابوا فكتب بها قومه إليه، فرجع تائبا فقبل النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك منه وخلى عنه. رواه عكرمة عن ابن عباس. وذكر مجاهد ~~والسدي أن اسم ذلك الرجل: الحارث بن سويد. # والثاني: أنها نزلت في عشرة رهط ارتدوا، فيهم الحارث بن سويد، فندم، فرجع ~~«1» . رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. والثالث: أنها في أهل ~~الكتاب، عرفوا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كفروا به. # رواه عطية عن ابن عباس «2» . وقال الحسن: هم اليهود والنصارى. وقيل: إن ~~«كيف» هاهنا لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها الجحد، أي: لا يهدي الله هؤلاء. ~~PageV01P301 ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 88 الى 89] # خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (88) إلا الذين تابوا من ~~بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (89) # قوله تعالى: خالدين فيها قال الزجاج أي: في عذاب اللعنة ولا هم ينظرون ~~أي: يؤخرون عن الوقت. ومعنى: وأصلحوا أي: أظهروا أنهم كانوا على ضلال، ~~وأصلحوا ما كانوا أفسدوه، وغروا به من تبعهم ممن لا علم له. # فصل: وهذه الآية استثنت من تاب ممن لم يتب، وقد زعم قوم أنها نسخت ما ~~تضمنته الآيات قبلها من الوعيد، والاستثناء ليس بنسخ. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 90] # إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم ~~الضالون (90) # قوله تعالى: إن الذين كفروا بعد إيمانهم اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنها نزلت فيمن لم يتب من أصحاب الحارث بن ms0308 سويد، فإنهم ~~قالوا: نقيم بمكة ونتربص بمحمد ريب المنون «1» ، قاله ابن عباس، ومقاتل. ~~والثاني: أنها نزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفرا بمحمد ~~والقرآن، قاله الحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني. والثالث: أنها نزلت في ~~اليهود والنصارى، كفروا بمحمد بعد إيمانهم بصفته، ثم ازدادوا كفرا باقامتهم ~~على كفرهم، قاله أبو العالية. # قال الحسن: كلما نزلت آية كفروا بها، فازدادوا كفرا. # وفي علة امتناع قبول توبتهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم ارتدوا، وعزموا على ~~إظهار التوبة لستر أحوالهم، والكفر في ضمائرهم، قاله ابن عباس. والثاني: ~~أنهم قوم تابوا من الذنوب في الشرك، ولم يتوبوا من الشرك، قاله أبو ~~العالية. والثالث: أن معناه: لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت، وهو قول ~~الحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والسدي. والرابع: لن تقبل توبتهم بعد ~~الموت إذا ماتوا على الكفر، وهو قول مجاهد. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 91] # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين (91) # قوله تعالى: إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار. # (192) روى أبو صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح ~~مكة، دخل من كان من أصحاب PageV01P302 # الحارث بن سويد حيا في الإسلام، فنزلت هذه الآية فيمن مات منهم كافرا. # قال الزجاج: وملء الشيء: مقدار ما يملؤه. قال سيبويه، والخليل: والملء ~~بفتح الميم: الفعل، تقول: ملأت الشيء أملؤه ملأ، المصدر بالفتح لا غير. ~~والملاءة: التي تلبس، ممدودة. والملاوة من الدهر: القطعة الطويلة منه، ~~يقولون: ابل جديدا، وتمل حبيبا، أي: عش معه دهرا طويلا. وذهبا منصوب على ~~التمييز. وقال ابن فارس: ربما أنث الذهب، فقيل: ذهبة، ويجمع على الأذهاب. # قوله تعالى: ولو افتدى به قال الفراء: الواو هاهنا قد يستغنى عنها، ولو ~~حذفت كان صوابا، كقوله تعالى: وليكون من الموقنين «1» . قال الزجاج: هذا ~~غلط، لأن فائدة الواو بينة، فليست مما يلقى. قال النحاس: قال أهل النظر من ~~النحويين في هذه الآية: الواو ليست مقحمة وتقديره: فلن ms0309 يقبل من أحدهم ملء ~~الأرض ذهبا تبرعا ولو افتدى به. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 92] # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ~~(92) # قوله تعالى: لن تنالوا البر، في البر أربعة أقوال: أحدها: أنه الجنة، ~~قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي في آخرين. قال ابن جرير: فيكون المعنى: لن ~~تنالوا بر الله بكم الذي تطلبونه بطاعتكم. والثاني: التقوى، قاله عطاء، ~~ومقاتل. والثالث: الطاعة، قاله عطية. والرابع: الخير الذي يستحق به الأجر، ~~قاله أبو روق. قال القاضي أبو يعلى: لم يرد نفي الأصل، وإنما نفي وجود ~~الكمال. # فكأنه قال: لن تنالوا البر الكامل. # قوله تعالى: حتى تنفقوا مما تحبون، فيه قولان: # (193) أحدهما: أنه نفقة العبد من ماله وهو صحيح شحيح، رواه ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنه الإنفاق من محبوب المال، قاله قتادة، والضحاك. وفي المراد ~~بهذه النفقة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الصدقة المفروضة، قاله ابن عباس، ~~والحسن، والضحاك. والثاني: أنها جميع الصدقات، قاله ابن عمر. والثالث: أنها ~~جميع النفقات التي يبتغى بها وجه الله تعالى، سواء كانت صدقة، أو لم تكن، ~~نقل عن الحسن، واختاره القاضي أبو يعلى. # (194) وروى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث أنس بن مالك قال: كان ~~أبو طلحة PageV01P303 # أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء «1» ، ~~وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء ~~فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قام ~~أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، إن الله يقول: لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها ~~عند الله تعالى، فضعها حيث أراك الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «بخ بخ، ~~ذاك مال رابح أو رائح- شك الراوي «2» - وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن ~~تجعلها في الأقربين» فقسمها أبو طلحة في أقاربه، وبني عمه. # وروي عن عبد الله بن عمر ms0310 أنه قرأ هذه الآية فقال: لا أجد شيئا أحب إلي من ~~جاريتي رميثة «3» ، فهي حرة لوجه الله، ثم قال: لولا أني أعود في شيء جعلته ~~لله لنكحتها، فأنكحها نافعا، فهي أم ولده «4» . وسئل أبو ذر: أي الأعمال ~~أفضل؟ فقال: الصلاة عماد الإسلام، والجهاد سنام العمل، والصدقة شيء عجب. ~~فقال السائل: يا أبا ذر لقد تركت شيئا هو أوثق عمل في نفسي ما ذكرته. قال: # ما هو؟ قال: الصيام. فقال: قربة وليس هناك، وتلا قوله تعالى: لن تنالوا ~~البر حتى تنفقوا مما تحبون «5» . قال الزجاج: ومعنى قوله تعالى: فإن الله ~~به عليم أي يجازي عليه. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 93] # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن ~~تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) # قوله تعالى: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل سبب نزولها أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # (195) «أنا على ملة إبراهيم» فقالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل، ~~وتشرب ألبانها؟ # فقال: «كان ذلك حلالا لإبراهيم» . فقالوا: كل شيء نحرمه نحن، فإنه كان ~~محرما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا. فنزلت هذه الآية تكذيبا لهم. قاله ~~أبو روق، وابن السائب. # و «الطعام» : اسم للمأكول. قال ابن قتيبة: والحل: الحلال، والحرم ~~والحرام، واللبس واللباس. # وفي الذي حرمه على نفسه، ثلاثة أقوال: أحدها: لحوم الإبل وألبانها. روي ~~عن ابن عباس، وهو قول الحسن، وعطاء بن أبي رباح، وأبي العالية في آخرين. ~~والثاني: أنه العروق، رواه سعيد بن جبير عن PageV01P304 # ابن عباس، وهو قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي في آخرين. والثالث: ~~أنه زائدتا الكبد، والكليتان، والشحم إلا ما على الظهر، قاله عكرمة. # وفي سبب تحريمه لذلك أربعة أقوال: # (196) أحدها: أنه طال به مرض شديد، فنذر: لئن شفاه الله، ليحرمن أحب ~~الطعام والشراب إليه، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنه اشتكى عرق النسا فحرم العروق، قاله ابن عباس في آخرين. ~~والثالث: أن الأطباء وصفوا له حين أصابه «النسا» اجتناب ms0311 ما حرمه، فحرمه، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس. والرابع: أنه كان إذا أكل ذلك الطعام، أصابه عرق ~~النسا فيبيت وقيدا «1» ، فحرمه، قاله أبو سليمان الدمشقي. واختلفوا: # هل حرم ذلك بإذن الله، أم باجتهاده؟ على قولين. واختلفوا: بماذا ثبت ~~تحريم الطعام الذي حرمه على اليهود، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه حرم عليهم ~~بتحريمه، ولم يكن محرما في التوراة، قاله عطية. # وقال ابن عباس: قال يعقوب: لئن عافاني الله لا يأكله لي ولد. والثاني: ~~أنهم وافقوا أباهم يعقوب في تحريمه، لا أنه حرم عليهم بالشرع، ثم أضافوا ~~تحريمه إلى الله، فأكذبهم الله بقوله: قل فأتوا بالتوراة فاتلوها، هذا قول ~~الضحاك. والثالث: أن الله حرمه عليهم بعد التوراة لا فيها. وكانوا إذا ~~أصابوا ذنبا عظيما، حرم عليهم به طعام طيب، أو صب عليهم عذاب، هذا قول ابن ~~السائب. قال ابن عباس: # فأتوا بالتوراة فاتلوها هل تجدون فيها تحريم لحوم الإبل وألبانها!. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 94] # فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) # قوله تعالى: فمن افترى # يقول: اختلق على الله الكذب من بعد ذلك # أي: من بعد البيان في كتابهم، وقيل: من بعد مجيئكم بالتوراة وتلاوتكم. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 95] # قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (95) # قوله تعالى: قل صدق الله الصدق: الإخبار بالشيء على ما هو به، وضده ~~الكذب. واختلفوا أي خبر عنى بهذه الآية؟ على قولين: # أحدهما: أنه عنى قوله تعالى: ما كان إبراهيم يهوديا، قاله مقاتل، وأبو ~~سليمان الدمشقي. # والثاني: أنه عنى قوله تعالى: كل الطعام كان حلا قاله ابن السائب. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 96] # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) PageV01P305 # قوله تعالى: إن أول بيت وضع للناس قال مجاهد: افتخر المسلمون واليهود، ~~فقالت اليهود: # بيت المقدس أفضل من الكعبة. وقال المسلمون: الكعبة أفضل. فنزلت هذه ~~الآية. وفي معنى كونه أولا قولان: أحدهما: أنه أول بيت كان في الأرض، ~~واختلف أرباب هذا القول، كيف كان أول ms0312 بيت على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ظهر ~~على وجه الماء حين خلق الله الأرض، فخلقه قبلها بألفي عام، ودحاها من تحته، ~~فروى سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: كانت الكعبة حشفة «1» على وجه الماء، ~~عليها ملكان يسبحان الليل والنهار قبل الأرض بألفي سنة. وقال ابن عباس: وضع ~~البيت في الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي سنة، ثم دحيت ~~الأرض من تحت البيت، وبهذا القول يقول ابن عمر، وابن عمرو، وقتادة، ومجاهد، ~~والسدي في آخرين. والثاني: أن آدم استوحش حين أهبط، فأوحى الله إليه، أن: ~~ابن لي بيتا في الأرض، فاصنع حوله نحو ما رأيت ملائكتي تصنع حول عرشي، ~~فبناه، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. والثالث: أنه أهبط مع آدم، فلما كان ~~الطوفان، رفع فصار معمورا في السماء، وبنى إبراهيم على أثره، رواه شيبان عن ~~قتادة. القول الثاني: أنه أول بيت وضع للناس للعبادة، وقد كانت قبله بيوت، ~~هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والحسن، وعطاء بن السائب في آخرين. # فأما بكة، فقال الزجاج: يصلح هذا الاسم أن يكون مشتقا من البك. يقال: بك ~~الناس بعضهم بعضا، أي: دفع. واختلفوا في تسميتها ببكة على ثلاثة أقوال: ~~أحدها: لازدحام الناس بها، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، ~~والفراء، ومقاتل. والثاني: لأنها تبك أعناق الجبابرة، أي: # تدقها، فلم يقصدها جبار إلا قصمه الله، روي عن عبد الله بن الزبير، وذكره ~~الزجاج. والثالث: لأنها تضع من نخوة المتجبرين، يقال: بككت الرجل، أي: وضعت ~~منه، ورددت نخوته، قاله أبو عبد الرحمن اليزيدي، وقطرب. واتفقوا على أن مكة ~~اسم لجميع البلدة. واختلفوا في بكة على أربعة أقوال: أحدها: أنه اسم للبقعة ~~التي فيها الكعبة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو مالك، وإبراهيم، وعطية. ~~والثاني: أنها ما حول البيت، ومكة ما وراء ذلك، قاله عكرمة. والثالث: أنها ~~المسجد، والبيت. ومكة: اسم للحرم كله، قاله الزهري، وضمرة بن حبيب. ~~والرابع: أن بكة هي مكة، قاله الضحاك، وابن قتيبة، واحتج ابن ms0313 قتيبة بأن ~~الباء تبدل من الميم يقال: سمد رأسه، وسبد رأسه: إذا استأصله. وشر لازم، ~~ولازب. # قوله تعالى: مباركا قال الزجاج: هو منصوب على الحال. المعنى: الذي استقر ~~بمكة في حال بركته. وهدى، أي: وذا هدى. ويجوز أن يكون «هدى» في موضع رفع، ~~المعنى: وهو هدى. فأما بركته، ففيه تغفر الذنوب، وتضاعف الحسنات، ويأمن من ~~دخله. # (197) وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من طاف ~~بالبيت، لم يرفع قدما، ولم يضع PageV01P306 # أخرى، إلا كتب الله له بها حسنة، وحظ عنه بها خطيئة، ورفع له بها درجة» . # قوله تعالى: وهدى للعالمين، في معنى الهدى هاهنا أربعة أقوال: أحدها: أنه ~~بمعنى القبلة، فتقديره: وقبلة للعالمين. والثاني: أنه بمعنى: الرحمة. ~~والثالث: أنه بمعنى: الصلاح، لأن من قصده، صلحت حاله عند ربه. والرابع: أنه ~~بمعنى: البيان، والدلالة على الله تعالى بما فيه من الآيات التي لا يقدر ~~عليها غيره، حيث يجتمع الكلب والظبي في الحرم، فلا الكلب يهيج الظبي، ولا ~~الظبي يستوحش منه، قاله القاضي أبو يعلى. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 97] # فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97) # قوله تعالى: فيه آيات بينات، الجمهور يقرءون: آيات. وروى عطاء عن ابن ~~عباس أنه قرأ: # (فيه آية بينة مقام إبراهيم) ، وبها قرأ مجاهد. قالا: مقام إبراهيم. فأما ~~من قرأ: آيات فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الآيات: مقام إبراهيم، ~~وأمن من دخله. فعلى هذا يكون الجمع معبرا عن التثنية، وذلك جائز في اللغة، ~~كقوله تعالى: وكنا لحكمهم شاهدين «1» وقال أبو رجاء: كان الحسن يعدهن، وأنا ~~أنظر إلى أصابعه: مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا، ولله على الناس حج ~~البيت. وقال ابن جرير: في الكلام إضمار، تقديره: منهن مقام إبراهيم. قال ~~المفسرون: الآيات فيه كثيرة، منها مقام إبراهيم، ومنها: أمن من دخله، ~~ومنها: امتناع الطير من العلو عليه، واستشفاء المريض منها به، وتعجيل ms0314 ~~العقوبة لمن انتهك حرمته، وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا إخرابه، إلى غير ~~ذلك. قال القاضي أبو يعلى: والمراد بالبيت هاهنا: الحرم كله، لأن هذه ~~الآيات موجودة فيه، ومقام إبراهيم ليس في البيت، والآية في مقام إبراهيم ~~أنه قام على حجر، فأثرت قدماه فيه، فكان ذلك دليلا على قدرة الله، وصدق ~~إبراهيم. # قوله تعالى: ومن دخله كان آمنا، قال القاضي أبو يعلى: لفظه لفظ الخبر، ~~ومعناه: الأمر، وتقديره: ومن دخله، فأمنوه، وهو عام فيمن جنى جناية قبل ~~دخوله، وفيمن جنى فيه بعد دخوله، إلا PageV01P307 # أن الإجماع انعقد على أن من جنى فيه لا يؤمن، لأنه هتك حرمة الحرم ورد ~~الأمان، فبقي حكم الآية فيمن جنى خارجا منه، ثم لجأ إلى الحرم. وقد اختلف ~~الفقهاء في ذلك، فقال أحمد في رواية المروذي: إذا قتل، أو قطع يدا، أو أتى ~~حدا في غير الحرم، ثم دخله، لم يقم عليه الحد، ولم يقتص منه، ولكن لا ~~يبايع، ولا يشارى، ولا يؤاكل حتى يخرج، فإن فعل شيئا من ذلك في الحرم، ~~استوفي منه. وقال أحمد في رواية حنبل: إذا قتل خارج الحرم، ثم دخله، لم ~~يقتل. وإن كانت الجناية دون النفس، فإنه يقام عليه الحد، وبه قال أبو حنيفة ~~وأصحابه. وقال مالك والشافعي: يقام عليه جميع ذلك في النفس، وفيما دون ~~النفس «1» . # وفي قوله تعالى: ومن دخله كان آمنا دليل على أنه لا يقام عليه شيء من ~~ذلك، وهو مذهب ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، والشعبي، وسعيد بن جبير، وطاوس. # قوله تعالى: ولله على الناس حج البيت، الأكثرون على فتح حاء «الحج» ، ~~وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: بكسرها. قال مجاهد: لما أنزل قوله ~~تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه قال أهل الملل كلهم: نحن ~~مسلمون، فنزلت هذه الآية، فحجه المسلمون، وتركه المشركون، وقالت اليهود: لا ~~نحجه أبدا. # قوله تعالى: من استطاع إليه سبيلا، قال النحويون: «من» بدل من «الناس» ، ~~وهذا بدل البعض، كما تقول: ضربت زيدا رأسه. # (198) وقد روي عن ابن ms0315 مسعود، وابن عمر، وأنس، وعائشة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه سئل: ما السبيل؟ فقال: «من وجد الزاد والراحلة» . ~~PageV01P308 # قوله تعالى: ومن كفر، فيه خمسة أقوال: أحدها: أن معناه: من كفر بالحج ~~فاعتقده غير واجب، رواه مقسم عن ابن عباس، وابن جريج عن مجاهد، وبه قال ~~الحسن، وعطاء، وعكرمة، والضحاك، ومقاتل. والثاني: من لم يرج ثواب حجه، ولم ~~يخف عقاب تركه، فقد كفر به، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وابن أبي ~~نجيح عن مجاهد. والثالث: أنه الكفر بالله، لا بالحج، وهذا المعنى مروي عن ~~عكرمة، ومجاهد. والرابع: أنه إذا أمكنه الحج، فلم يحج حتى مات، وسم بين ~~عينيه: كافر، هذا قول ابن عمر. والخامس: أنه أراد الكفر بالآيات التي أنزلت ~~في ذكر البيت، لأن قوما من المشركين قالوا: نحن نكفر بهذه الآيات، هذا قول ~~ابن زيد. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 98 الى 99] # قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون (98) قل ~~يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما ~~الله بغافل عما تعملون (99) # قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب. قال الحسن: هم اليهود والنصارى. فأما آيات ~~الله فقال ابن عباس: هي القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم. وأما الشهيد، ~~فقال ابن قتيبة: هو بمعنى الشاهد، وقال الخطابي: هو الذي لا يغيب عنه شيء، ~~كأنه الحاضر الشاهد. # قوله تعالى: يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن. قال مقاتل: دعت ~~اليهود حذيفة، وعمار بن ياسر، إلى دينهم، فنزلت هذه الآية. # وفي المراد بأهل الكتاب هاهنا قولان: أحدهما: أنهم اليهود والنصارى، قاله ~~الحسن. والثاني: # اليهود. قاله زيد بن أسلم، ومقاتل. قال ابن عباس: لم تصدون عن سبيل الله: ~~الإسلام، والحج. # وقال قتادة: لم تصدون عن نبي الله، وعن الإسلام. قال السدي: كانوا إذا ~~سئلوا: هل تجدون محمدا في كتبكم؟ قالوا: لا. فصدوا عنه الناس. # قوله تعالى: تبغونها، قال اللغويون: الهاء كناية عن السبيل، والسبيل ms0316 يذكر ~~ويؤنث. وأنشدوا: # فلا تبعد فكل فتى أناس ... سيصبح سالكا تلك السبيلا # ومعنى «تبغونها» : تبغون لها، تقول العرب: ابغني خادما، يريدون: ابتغه ~~لي، فاذا أرادوا: ابتغ معي، وأعني على طلبه، قالوا: ابغني، ففتحوا الألف، ~~ويقولون: وهبتك درهما، كما يقولون: وهبت لك. قال الشاعر: # فتولى غلامهم ثم نادى ... أظليما أصيدكم أم حمارا؟ «1» # أراد: أصيد لكم. ومعنى الآية: يلتمسون لسبيل الله الزيغ والتحريف، ~~ويريدون رد الإيمان والاستقامة إلى الكفر والاعوجاج، ويطلبون العدول عن ~~القصد، هذا قول الفراء، والزجاج، واللغويين. PageV01P309 # قال ابن جرير: خرج هذا الكلام على السبيل، والمعنى: لأهله، كأن المعنى: ~~تبغون لأهل دين الله، ولمن هو على سبيل الحق عوجا. أي: ضلالا. قال أبو ~~عبيدة: العوج بكسر العين، في الدين، والكلام، والعمل، والعوج بفتحها، في ~~الحائط والجذع. وقال الزجاج: العوج بكسر العين: فيما لا ترى له شخصا، وما ~~كان له شخص قلت: عوج بفتحها، تقول: في أمره ودينه عوج، وفي العصا عوج. وروى ~~ابن الأنباري عن ثعلب قال: العوج عند العرب بكسر العين: في كل ما لا يحاط ~~به، والعوج بفتح العين في كل ما لا يحصل، فيقال: في الأرض عوج، وفي الدين ~~عوج، لأن هذين يتسعان، ولا يدركان. وفي العصا عوج، وفي السن عوج، لأنهما ~~يحاط بهما، ويبلغ كنههما. وقال ابن أبي فارس: العوج بفتح العين: في كل ~~منتصب، كالحائط. والعوج: ما كان في بساط أو أرض، أو دين، أو معاش. # قوله تعالى: وأنتم شهداء فيه قولان: أحدهما: أن معناه، وأنتم شاهدون بصحة ~~ما صددتم عنه، وبطلان ما أنتم فيه، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، وقتادة، ~~والأكثرين. والثاني: أن معنى الشهداء هاهنا: العقلاء، ذكره القاضي أبو يعلى ~~في آخرين. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 100] # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد ~~إيمانكم كافرين (100) # (199) سبب نزولها أن الأوس والخزرج كان بينهما حرب في الجاهلية، فلما جاء ~~النبي عليه السلام أطفأ تلك الحرب بالإسلام، فبينما رجلان أوسي وخزرجي ~~يتحدثان، ومعهما يهودي، جعل اليهودي يذكرهما أيامهما، ms0317 والعداوة التي كانت ~~بينهما حتى اقتتلا، فنادى كل واحد منهما بقومه، فخرجوا بالسلاح، فجاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فأصلح بينهم، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد، وعكرمة، ~~والجماعة. قال المفسرون: والخطاب بهذه الآية للأوس والخزرج. قال زيد بن ~~أسلم: وعنى بذلك الفريق: شاس بن قيس اليهودي وأصحابه. قال الزجاج: ومعنى ~~طاعتهم: تقليدهم. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 101] # وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد ~~هدي إلى صراط مستقيم (101) # قوله تعالى: ومن يعتصم بالله. قال ابن قتيبة: أي: يمتنع، وأصل العصمة: ~~المنع، قال الزجاج: ويعتصم جزم ب «من» والجواب: فقد هدي ### | [سورة آل عمران (3) : آية 102] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~(102) # قال عكرمة: نزلت في الأوس والخزرج حين اقتتلوا، وأصلح النبي صلى الله ~~عليه وسلم بينهم. # وفي حق تقاته ثلاثة أقوال: # (200) أحدها: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، ~~رواه ابن مسعود PageV01P310 # عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهو قول ابن مسعود، والحسن، وعكرمة، ~~وقتادة، ومقاتل. # والثاني: أن يجاهد في الله حق الجهاد، وأن لا يأخذ العبد فيه لومة لائم، ~~وأن يقوموا له بالقسط، ولو على أنفسهم، وآبائهم، وأبنائهم، رواه ابن أبي ~~طلحة عن ابن عباس. # والثالث: أن معناه: اتقوه فيما يحق عليكم أن تتقوه فيه، قاله الزجاج. # فصل: واختلف العلماء: هل هذا الكلام محكم أو منسوخ؟ على قولين: أحدهما: ~~أنه منسوخ، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن زيد، والسدي، ~~ومقاتل. قالوا: لما نزلت هذه الآية، شقت على المسلمين، فنسخها قوله تعالى: ~~فاتقوا الله ما استطعتم «1» . والثاني: أنها محكمة، رواه علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس، وهو قول طاوس. قال شيخنا علي بن عبد الله: والاختلاف في نسخها ~~وإحكامها، يرجع إلى اختلاف المعنى المراد بها، فالمعتقد نسخها يرى أن حق ~~تقاته الوقوف مع جميع ما يجب له ويستحقه، وهذا يعجز الكل عن الوفاء به، ~~فتحصيله من الواحد ممتنع، والمعتقد إحكامها ms0318 يرى أن حق تقاته أداء ما يلزم ~~العبد على قدر طاقته، فكان قوله تعالى: # ما استطعتم مفسرا ل حق تقاته لا ناسخا ولا مخصصا. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 103] # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم ~~أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار ~~فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103) # قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا قال الزجاج: اعتصموا: استمسكوا. ~~فأما الحبل، ففيه ستة أقوال: أحدها: أنه كتاب الله: القرآن. رواه شقيق عن ~~ابن مسعود، وبه قال قتادة، والضحاك، والسدي. والثاني: أنه الجماعة، رواه ~~الشعبي عن ابن مسعود. والثالث: أنه دين الله، قاله ابن عباس، وابن زيد، ~~ومقاتل، وابن قتيبة. وقال ابن زيد: هو الإسلام. والرابع: عهد الله، قاله ~~مجاهد، وعطاء، وقتادة في رواية، وأبو عبيد، واحتج له الزجاج بقول الأعشى: # وإذا تجوزها حبال قبيلة ... أخذت من الأخرى إليك حبالها # وأنشد ابن الأنباري: # فلو حبلا تناول من سليمى ... لمد بحبلها حبلا متينا «2» # والخامس: أنه الإخلاص، قاله أبو العالية. والسادس: أنه أمر الله وطاعته، ~~قاله مقاتل بن حيان. # قال الزجاج: وقوله: جميعا منصوب على الحال، أي: كونوا مجتمعين على ~~الاعتصام به. وأصل PageV01P311 # تفرقوا: تتفرقوا، إلا أن التاء حذفت لاجتماع حرفين من جنس واحد، ~~والمحذوفة هي الثانية، لأن الأولى دليلة على الاستقبال، فلا يجوز حذف الحرف ~~الذي يدل على الاستقبال، وهو مجزوم بالنهي، والأصل: ولا تتفرقون، فحذفت ~~النون، لتدل على الجزم. # قوله تعالى: واذكروا نعمت الله عليكم، اختلفوا فيمن أريد بهذا الكلام على ~~قولين: # أحدهما: أنهم مشركو العرب، كان القوي يستبيح الضعيف، قاله الحسن، وقتادة. # والثاني: الأوس والخزرج، كان بينهم حرب شديد، قاله ابن إسحاق. والأعداء: ~~جمع عدو. # قال ابن فارس: وهو من عدا: إذا ظلم. # قوله تعالى: فأصبحتم أي: صرتم. قال الزجاج: وأصل الأخ في اللغة أنه الذي ~~مقصده مقصد أخيه، والعرب تقول: فلان يتوخى مسار فلان، أي: ما يسره. والشفا: ~~الحرف. واعلم أن هذا مثل ضربه الله ms0319 لإشرافهم على الهلاك، وقربهم من العذاب، ~~كأنه قال: كنتم على حرف حفرة من النار، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا ~~الموت على الكفر. قال السدي: فأنقذكم منها محمد صلى الله عليه وسلم. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 104] # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~وأولئك هم المفلحون (104) # قوله تعالى: ولتكن منكم أمة قال الزجاج: معنى الكلام: ولتكونوا كلكم أمة ~~تدعون إلى الخير، وتأمرون بالمعروف، ولكن «من» هاهنا تدخل لتحض المخاطبين ~~من سائر الأجناس، وهي مؤكدة أن الأمر للمخاطبين، ومثله: فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان معناه: اجتنبوا الأوثان، فانها رجس. ومثله قول الشاعر «1» : # أخو رغائب يعطيها ويسألها ... يأبى الظلامة منه النوفل الزفر # وهو النوفل الزفر. لأنه وصفه بإعطاء الرغائب. والنوفل: الكثير الإعطاء ~~للنوافل، والزفر: الذي يحمل الأثقال. ويدل على أن الكل أمروا بالمعروف ~~والنهي عن المنكر قوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر قال: ويجوز أن يكون أمر منهم فرقة، لأن الدعاة ينبغي أن ~~يكونوا علماء بما يدعون إليه، وليس الخلق كلهم علماء ينوب بعض الناس فيه عن ~~بعض، كالجهاد. فأما الخير، ففيه قولان: أحدهما: أنه الإسلام، قاله مقاتل. ~~والثاني: العمل بطاعة الله، قاله أبو سليمان الدمشقي. وأما المعروف فهو ما ~~يعرف كل عاقل صوابه، وضده المنكر، وقيل: # المعروف ها هنا: طاعة الله، والمنكر: معصيته. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 105] # ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم ~~عذاب عظيم (105) # قوله تعالى: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا فيهم قولان: أحدهما: أنهم ~~اليهود والنصارى، قاله ابن عباس، والحسن في آخرين. والثاني: أنهم الحرورية ~~«2» ، قاله أبو أمامة. PageV01P312 ### | [سورة آل عمران (3) : آية 106] # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) # قوله تعالى: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه قرأ أبو رزين العقيلي، وأبو عمران ~~الجوني، وأبو نهيك: تبيض وتسود، بكسر التاء فيهما. وقرأ الحسن، والزهري، ~~وابن محيصن، وأبو الجوزاء: # تبياض وتسواد بألف، ومدة فيهما. وقرأ ms0320 أبو الجوزاء، وابن يعمر. «فأما ~~الذين اسوادت وأما الذين ابياضت» بألف ومدة. قال الزجاج: أخبر الله بوقت ~~ذلك العذاب، فقال: يوم تبيض وجوه. قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة، ~~وتسود وجوه أهل البدعة. وفي الذين اسودت وجوههم، خمسة أقوال: أحدها: أنهم ~~كل من كفر بالله بعد إيمانه يوم الميثاق، قاله أبي بن كعب. والثاني: أنهم ~~الحرورية، قاله أبو أمامة، وأبو إسحاق الهمذاني. والثالث: اليهود، قاله ابن ~~عباس. والرابع: أنهم المنافقون، قاله الحسن. والخامس: أنهم أهل البدع، قاله ~~قتادة. # قوله تعالى: أكفرتم قال الزجاج: معناه: فيقال لهم: أكفرتم، فحذف القول ~~لأن في الكلام دليلا عليه، كقوله تعالى: وإسماعيل ربنا تقبل منا «1» ، أي ~~ويقولان: ربنا تقبل منا. ومثله: من كل باب (23) سلام عليكم والمعنى: ~~يقولون: سلام عليكم. والألف لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها التقرير ~~والتوبيخ. فإن قلنا: إنهم جميع الكفار، فإنهم آمنوا يوم الميثاق، ثم كفروا، ~~وإن قلنا: إنهم الحرورية، وأهل البدع، فكفرهم بعد إيمانهم: مفارقة الجماعة ~~في الاعتقاد، وإن قلنا: اليهود، فإنهم آمنوا بالنبي قبل مبعثه، ثم كفروا ~~بعد ظهوره، وإن قلنا: المنافقون، فإنهم قالوا بألسنتهم، وأنكروا بقلوبهم. # قوله تعالى: فذوقوا العذاب أصل الذوق إنما يكون بالفم، وهذا استعارة منه، ~~فكأنهم جعلوا ما يتعرف ويعرف مذوقا على وجه التشبيه بالذي يعرف عند التطعم، ~~تقول العرب: قد ذقت من إكرام فلان ما يرغبني في قصده، يعنون: عرفت، ويقولون ~~ذق الفرس، فاعرف ما عنده. قال تميم بن مقبل: # أو كاهتزاز رديني تذاوقه ... أيدي التجار فزادوا متنه لينا # وقال الآخر: # وإن الله ذاق حلوم قيس ... فلما راء خفتها قلاها # يعنون بالذوق: العلم. وفي كتاب الخليل: كل ما نزل بإنسان من مكروه، فقد ~~ذاقه. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 107] # وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمت الله هم فيها خالدون (107) # قوله تعالى: وأما الذين ابيضت وجوههم قال ابن عباس: هم المؤمنون. ورحمة ~~الله: جنته، قال ابن قتيبة: وسمى الجنة رحمة، لأن دخولهم إياها كان برحمته. ~~وقال الزجاج: معناه: في ثواب رحمته، قال: وأعاد ذكر «فيها» توكيدا. ### | [سورة ms0321 آل عمران (3) : آية 108] # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين (108) ~~PageV01P313 # قوله تعالى: وما الله يريد ظلما للعالمين قال بعضهم: معناه: لا يعاقبهم ~~بلا جرم. وقال الزجاج: # أعلمنا أنه يعذب من عذبه باستحقاق. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 109 الى 110] # ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور (109) كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن ~~أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (110) # قوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس سبب نزولها أن مالك بن الصيف ووهب ~~بن يهوذا اليهوديين، قالا لابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ~~ومعاذ بن جبل: ديننا خير مما تدعونا إليه، ونحن أفضل منكم، فنزلت هذه الآية ~~«1» ، هذا قول عكرمة ومقاتل. # وفيمن أريد بهذه الآية، أربعة أقوال: أحدها: أنهم أهل بدر. والثاني: أنهم ~~المهاجرون. # والثالث: جميع الصحابة. والرابع: جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، نقلت ~~هذه الأقوال كلها عن ابن عباس. # (201) وقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أنه قال: «إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها على الله عز وجل» . ~~قال الزجاج: وأصل الخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يعم سائر ~~أمته. # وفي قوله تعالى: كنتم، قولان: أحدهما: أنها على أصلها، والمراد بها ~~الماضي، ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: كنتم في اللوح المحفوظ. ~~والثاني: أن معناه: خلقتم وجدتم. ذكرهما المفسرون. والثالث: أن المعنى: ~~كنتم مذ كنتم، ذكره ابن الأنباري. والثاني: أن معنى كنتم: أنتم، كقوله ~~تعالى: وكان الله غفورا رحيما «2» . ذكره الفراء، والزجاج. قال ابن قتيبة: ~~وقد يأتي الفعل على بنية الماضي، وهو راهن، أو مستقبل، كقوله تعالى: كنتم ~~ومعناه: أنتم، ومثله: وإذ قال الله يا عيسى «3» ، أي: وإذ يقول. ومثله: أتى ~~أمر الله «4» ، أي: سيأتي، ومثله: PageV01P314 # كيف نكلم من كان في المهد «1» ، أي: من هو في المهد، ومثله: وكان الله ~~سميعا بصيرا «2» أي: والله سميع ms0322 بصير، ومثله: فتثير سحابا فسقناه «3» أي: ~~فنسوقه. # وفي قوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس قولان: أحدهما: أن معناه: كنتم ~~خير الناس للناس. قال أبو هريرة: يأتون بهم في السلاسل حتى يدخلوهم في ~~الإسلام. والثاني: أن معناه: كنتم خير الأمم التي أخرجت. # وفي قوله تعالى: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر قولان: أحدهما: أنه ~~شرط في الخيرية، وهذا المعنى مروي عن عمر بن الخطاب، ومجاهد، والزجاج. ~~والثاني: أنه ثناء من الله عليهم، قاله الربيع بن أنس. قال أبو العالية: ~~والمعروف: التوحيد. والمنكر: الشرك. قال ابن عباس: # وأهل الكتاب: النصارى واليهود. # قوله تعالى: منهم المؤمنون: من أسلم، كعبد الله بن سلام وأصحابه. وأكثرهم ~~الفاسقون يعني: الكافرين، وهم الذين لم يسلموا. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 111] # لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111) # قوله تعالى: لن يضروكم إلا أذى قال مقاتل: سبب نزولها أن رؤساء اليهود ~~عمدوا إلى عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم، فنزلت هذه الآية «4» ~~. قال ابن عباس: والأذى قولهم: # «عزير ابن الله» و «المسيح ابن الله» و «ثالث ثلاثة» . وقال الحسن: هو ~~الكذب على الله، ودعاؤهم المسلمين إلى الضلالة. وقال الزجاج: هو البهت ~~والتحريف. ومقصود الآية إعلام المسلمين بأنه لن ينالهم منهم إلا الأذى ~~باللسان من دعائهم إياهم إلى الضلال، وإسماعهم الكفر، ثم وعدهم النصر عليهم ~~في قوله: وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار، وكذلك كان. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 112] # ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤ بغضب ~~من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112) # قوله تعالى: أين ما ثقفوا معناه: أدركوا ووجدوا، وذلك أنهم أين نزلوا ~~احتاجوا إلى عهد من أهل المكان، وأداء جزية. قال الحسن: أدركتهم هذه الأمة، ~~وإن المجوس لتجبيهم الجزية. وأما الحبل، فقال ابن عباس، وعطاء، والضحاك، ~~وقتادة، والسدي، وابن زيد: الحبل: العهد، قال بعضهم: ومعنى الكلام: إلا ~~بعهد يأخذونه من المؤمنين بإذن ms0323 الله. قال الزجاج: وما بعد الاستثناء في ~~قوله تعالى: إلا بحبل من الله ليس من الأول، وإنما المعنى: أنهم أذلاء، إلا ~~أنهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه. وقد سبق في «البقرة» تفسير باقي الآية. ~~PageV01P315 ### | [سورة آل عمران (3) : آية 113] # ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم ~~يسجدون (113) # قوله تعالى: ليسوا سواء، في سبب نزولها قولان: # (202) أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم، احتبس عن صلاة العشاء ليلة ~~حتى ذهب ثلث الليل، ثم جاء فبشرهم، فقال: «إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من ~~أهل الكتاب» ، فنزلت هذه الآية، قاله ابن مسعود. # والثاني: أنه لما أسلم ابن سلام في جماعة من اليهود، قال أحبارهم: ما آمن ~~بمحمد إلا أشرارنا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس، ومقاتل. # وفي معنى الآية قولان: أحدهما: ليس أمة محمد واليهود سواء، هذا قول ابن ~~مسعود، والسدي. # والثاني: ليس اليهود كلهم سواء، بل فيهم من هو قائم بأمر الله، هذا قول ~~ابن عباس، وقتادة. وقال الزجاج: الوقف التام ليسوا سواء أي: أهل الكتاب ~~متساوين. # وفي معنى «قائمة» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الثابتة على أمر الله، قاله ~~ابن عباس، وقتادة. # والثاني: أنها العادلة، قاله الحسن، ومجاهد، وابن جريج. والثالث: أنها ~~المستقيمة، قاله أبو عبيد، والزجاج. قال الفراء: ذكر أمة واحدة ولم يذكر ~~بعدها أخرى، والكلام مبني على أخرى، لأن «سواء» لا بد لها من اثنين، وقد ~~تستجيز العرب إضمار أحد الشيئين إذا كان في الكلام دليل عليه، قال أبو ~~ذؤيب: # عصيت إليها القلب إني لأمره ... سميع فما أدري أرشد طلابها؟! # ولم يقل: أم لا، ولا أم غي، لأن الكلام معروف المعنى. وقال آخر «1» : # وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني # أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني # ومثله قوله تعالى: أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما ولم يذكر ضده، ~~لأن في قوله: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون «2» ، دليلا على ~~ما أضمر من ذلك، وقد رد هذا القول ms0324 الزجاج، فقال: قد جرى ذكر أهل الكتاب في ~~قوله تعالى: كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق فأعلم الله ~~أن منهم أمة قائمة. فما الحاجة إلى أن يقال: وأمة غير قائمة؟ وإنما بدأ ~~بذكر فعل الأكثر منهم، وهو الكفر والمشاقة، فذكر من كان منهم مباينا ~~لهؤلاء. قال: وآناء الليل ساعاته، وواحد PageV01P316 # الآناء: إنى. قال ابن فارس: يقال: مضى من الليل إنى وإنيان، والجمع: ~~الآناء. واختلف المفسرون: هل هذه الآناء معينة من الليل أم لا؟ على قولين: ~~أحدهما: أنها معينة، ثم فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها صلاة العشاء، قاله ~~ابن مسعود، ومجاهد. والثاني: أنها ما بين المغرب والعشاء، رواه سفيان عن ~~منصور. والثالث: جوف الليل، قاله السدي. والثاني: أنها ساعات الليل من غير ~~تعيين، قاله قتادة في آخرين. # وفي قوله تعالى: وهم يسجدون، قولان: أحدهما: أنه كناية عن الصلاة، قاله ~~مقاتل، والفراء، والزجاج. والثاني: أنه السجود المعروف، وليس المراد أنهم ~~يتلون في حال السجود، ولكنهم جمعوا الأمرين، التلاوة والسجود. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 114 الى 115] # يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون ~~في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله ~~عليم بالمتقين (115) # قوله تعالى: وما يفعلوا من خير فلن يكفروه قرأ ابن كثير، ونافع، وابن ~~عامر وأبو بكر عن عاصم: تفعلوا، وتكفروه، بالتاء في الموضعين على الخطاب، ~~لقوله تعالى: كنتم خير أمة. قال قتادة: فلن تكفروه: لن يضل عنكم. وقرأ قوم، ~~منهم: حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وعبد الوارث عن أبي عمرو: يفعلوا، ~~ويكفروه، بالياء فيهما، إخبارا عن الأمة القائمة. وبقية أصحاب أبي عمرو ~~يخيرون بين الياء والتاء. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 116 الى 117] # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (116) مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ~~ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن ~~أنفسهم يظلمون (117) # قوله تعالى: ثل ما ينفقون في هذه الحياة ms0325 الدنيا # اختلفوا فيمن أنزلت على أربعة أقوال: # أحدها: أنها في نفقات الكفار، وصدقاتهم، قاله مجاهد. الثاني: في نفقة ~~سفلة اليهود على علمائهم، قاله مقاتل. والثالث: في نفقة المشركين يوم بدر. ~~والرابع: في نفقة المنافقين إذا خرجوا مع المسلمين لحرب المشركين، ذكر هذين ~~القولين أبو الحسن الماوردي. وقال السدي: إنما ضرب الإنفاق مثلا لأعمالهم ~~في شركهم. # وفي الصر ثلاثة أقوال: أحدها: أنه البرد، قاله الأكثرون. والثاني: أنه ~~النار، قاله ابن عباس، قال ابن الأنباري: وإنما وصفت النار بأنها صر ~~لتصويتها عند الالتهاب. والثالث: أن الصر: التصويت، والحركة من الحصى ~~والحجارة، ومنه: صرير النعل، ذكره ابن الأنباري. # والحرث: الزرع. وفي معنى لموا أنفسهم # قولان: أحدهما: ظلموها بالكفر، والمعاصي، ومنع حق الله تعالى. والثاني: ~~بأن زرعوا في غير وقت الزرع. # قوله تعالى: ما ظلمهم الله # قال ابن عباس: أي: ما نقصهم ذلك بغير جرم أصابوه، وإنما أنزل بهم ذلك ~~لظلمهم أنفسهم بمنع حق الله منه، وهذا مثل ضربه الله لإبطال أعمالهم في ~~الآخرة. # PageV01P317 # وحدثنا عن ثعلب، قال: بدأ الله عز وجل هذه الآية بالريح، والمعنى: على ~~الحرث، كقوله تعالى: # كمثل الذي ينعق بما لا يسمع «1» وإنما المعنى على المنعوق به. وقريب منه ~~قوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن «2» فخبر عن ~~«الأزواج» وترك «الذين» ، كأنه قال: أزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، فبدأ ~~بالذين، ومراده: بعد الأزواج. وأنشد: # لعلي إن مالت بي الريح ميلة ... عن ابن أبي ديان أن يتندما # فخبر عن ابن أبي ديان، وترك نفسه، وإنما أراد: لعل ابن أبي ديان أن ~~يتندما إن مالت بي الريح ميلة. وقد يبدأ بالشيء، والمراد التأخير، كقوله ~~تعالى: ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة «3» والمعنى: ~~ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة يوم القيامة. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 118] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما ~~عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات ~~إن كنتم تعقلون ms0326 (118) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم قال ابن عباس، ~~ومجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين، ويواصلون رجالا ~~من اليهود لما كان بينهم من القرابة، والصداقة، والجوار، والرضاع، والحلف، ~~فنهوا عن مباطنتهم. قال الزجاج: البطانة: الدخلاء الذين يستبطنون أمره ~~وينبسط إليهم، يقال: فلان بطانة لفلان، أي: مداخل له، مؤانس. ومعنى لا ~~يألونكم: # لا يتقون غاية في إلقائكم فيما يضركم. # قوله تعالى: ودوا ما عنتم أي: ودوا عنتكم، وهو ما نزل بكم من مكروه وضر، ~~ويقال: فلان يعنت فلانا، أي: يقصد إدخال المشقة والأذى عليه، وأصل هذا من ~~قولهم: أكمة عنوت، إذا كانت طويلة، شاقة المسلك. قال ابن قتيبة: ومعنى من ~~دونكم أي: من غير المسلمين. والخبال: الشر. # قوله تعالى: قد بدت البغضاء من أفواههم قال ابن عباس: أي: قد ظهر لكم ~~منهم الكذب، والشتم، ومخالفة دينكم، قال القاضي أبو يعلى: وفي هذه الآية ~~دلالة على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور المسلمين من العمالات ~~والكتبة «4» ، ولهذا قال أحمد: لا يستعين الإمام بأهل الذمة على قتال أهل ~~الحرب، وروي عن عمر أنه بلغه أن أبا موسى استكتب رجلا من أهل الذمة، فكتب ~~إليه يعنفه، وقال: لا تردوهم إلى العز بعد إذ أذلهم الله. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 119] # ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا ~~آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم ~~بذات الصدور (119) PageV01P318 # قوله تعالى: ها أنتم أولاء تحبونهم قال ابن عباس: كان عامة الأنصار ~~يواصلون اليهود ويواصلونهم، فلما أسلم الأنصار بغضهم اليهود، فنزلت هذه ~~الآية. والخطاب بهذه الآية للمؤمنين. قال ابن قتيبة: ومعنى الكلام: ها أنتم ~~يا هؤلاء. فأما «تحبونهم» ، فالهاء والميم عائدة إلى الذين نهوا عن ~~مصافاتهم. وفي معنى محبة المؤمنين لهم أربعة أقوال: أحدها: أنها الميل ~~إليهم بالطباع، لموضع القرابة والرضاع والحلف، وهذا المعنى منقول عن ابن ~~عباس. والثاني: أنها بمعنى الرحمة لهم، لما يفعلون من المعاصي ms0327 التي يقابلها ~~العذاب الشديد، وهذا المعنى منقول عن قتادة. والثالث: أنها لموضع إظهار ~~المنافقين الإيمان، روي عن أبي العالية. والرابع: أنها بمعنى الإسلام لهم، ~~وهم يريدون المسلمين على الكفر، وهذا قول المفضل، والزجاج. والكتاب: بمعنى ~~الكتاب، قاله الزجاج. # قوله تعالى: وإذا لقوكم قالوا آمنا هذه حالة المنافقين، وقال مقاتل: هم ~~اليهود. والأنامل: # أطراف الأصابع. قال ابن عباس: والغيظ: الحنق عليكم، وقيل: هذا من مجاز ~~الكلام، ضرب مثلا لما حل بهم، وإن لم يكن هناك عض على أنملة، ومعنى موتوا ~~بغيظكم: ابقوا به حتى تموتوا، وإنما كان غيظهم من رؤية شمل المسلمين ~~ملتئما. قال ابن جرير: هذا أمر من الله تعالى لنبيه أن يدعو عليهم بأن ~~يهلكم الله كمدا من الغيظ. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 120] # إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (120) # قوله تعالى: إن تمسسكم حسنة قال قتادة: وهي الألفة والجماعة. والسيئة: ~~الفرقة والاختلاف، وإصابة طرف من المسلمين. وقال ابن قتيبة: الحسنة: ~~النعمة. والسيئة: المصيبة. # قوله تعالى: وإن تصبروا فيه قولان: أحدهما: على أذاهم، قاله ابن عباس. ~~والثاني: على أمر الله، قاله مقاتل. وفي قوله تعالى: وتتقوا قولان: أحدهما: ~~الشرك، قاله ابن عباس. والثاني: # المعاصي، قاله مقاتل. # قوله تعالى: لا يضركم قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو «لا يضركم» بكسر ~~الضاد، وتخفيف الراء. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «لا يضركم» ~~بضم الضاد وتشديد الراء. # قال الزجاج: الضر والضير بمعنى واحد. فأما الكيد فقال ابن قتيبة: هو ~~المكر. قال أبو سليمان الخطابي: والمحيط: الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، ~~وأحاط علمه بالأشياء كلها. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 121] # وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (121) # قوله تعالى: وإذ غدوت من أهلك قال المفسرون: في هذا الكلام تقديم وتأخير، ~~تقديره: ولقد نصركم الله ببدر، وإذ غدوت من أهلك. وقال ابن قتيبة: تبوئ، من ~~قولك: بوأتك منزلا: إذا أفدتك إياه، أو أسكنتكه. ومعنى مقاعد للقتال: ms0328 ~~المعسكر والمصاف. واختلفوا في أي يوم كان ذلك، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~يوم أحد، قاله عبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، والزهري، وقتادة ~~والسدي، والربيع وابن إسحاق، وذلك أنه خرج يوم أحد من بيت عائشة إلى أحد، ~~فجعل يصف أصحابه للقتال. والثاني: أنه يوم الأحزاب، قاله الحسن، ومجاهد، ~~ومقاتل. والثالث: يوم بدر نقل عن # PageV01P319 # الحسن أيضا. قال ابن جرير: والأول أصح، لقوله تعالى: إذ همت طائفتان منكم ~~أن تفشلا وقد اتفق العلماء أن ذلك كان يوم أحد. # قوله تعالى: والله سميع عليم قال أبو سليمان الدمشقي: سميع لمشاورتك ~~إياهم في الخروج، ومرادهم للخروج عليم بما يخفون من حب الشهادة. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 122] # إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~(122) # قوله تعالى: إذ همت طائفتان قال الزجاج: كانت التبوئة في ذلك الوقت. ~~وتفشلا: تجبنا، وتخورا. والله وليهما، أي: ناصرهما. قال جابر بن عبد الله: # (203) نحن هم بنو سلمة، وبنو حارثة، وما نحب أن لو لم يكن ذلك لقول الله: ~~والله وليهما. وقال الحسن: هما طائفتان من الأنصار همتا بذلك، فعصمهما ~~الله. وقيل: لما رجع عبد الله بن أبي في أصحابه يوم أحد، همت الطائفتان ~~باتباعه، فعصمهما الله. # فصل: فأما التوكل، فقال ابن عباس: هو الثقة بالله. وقال ابن فارس: هو ~~إظهار العجز في الأمر والاعتماد على غيرك، ويقال: فلان وكله تكلة، أي: ~~عاجز، يكل أمره إلى غيره. وقال غيره: هو تفعل من الوكالة، يقال: وكلت أمري ~~إلى فلان فتوكل به، أي: ضمنه، وقام به، وأنا متوكل عليه. وقال بعضهم: هو ~~تفويض الأمر إلى الله ثقة بحسن تدبيره. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 123] # ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (123) # قوله تعالى: ولقد نصركم الله ببدر في تسمية بدر قولان: أحدهما: أنها بئر ~~لرجل اسمه بدر، قاله الشعبي. والثاني: أنه اسم للمكان الذي التقوا عليه، ~~ذكره الواقدي عن أشياخه. # قوله تعالى: وأنتم أذلة أي لقلة العدد والعدد لعلكم تشكرون أي ms0329 لتكونوا من ~~الشاكرين. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 124] # إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ~~منزلين (124) # قوله تعالى: إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم قال الشعبي: قال ~~كرز بن جابر لمشركي مكة: إني أمدكم بقومي، فاشتد ذلك على المسلمين، فنزلت ~~هذه الآية. وفي أي يوم كان ذلك؟ فيه قولان: أحدهما: يوم بدر، قاله ابن ~~عباس، وعكرمة ومجاهد، وقتادة. والثاني: يوم أحد، وعدهم فيه بالمدد إن ~~صبروا، فلما لم يصبروا لم يمدوا، روي عن عكرمة، والضحاك، ومقاتل. # والأول أصح. والكفاية: مقدار سد الخلة. والاكتفاء: الاقتصار على ذلك. ~~والإمداد: إعطاء الشيء بعد الشيء. # قوله تعالى: منزلين قرأ الأكثرون بتخفيف الزاي، وشددها ابن عامر. ~~PageV01P320 ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 125] # بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين (125) # قوله تعالى: ويأتوكم من فورهم هذا فيه قولان: أحدهما: أن معناه: من وجههم ~~وسفرهم هذا، قاله ابن عباس والحسن، وقتادة ومقاتل، والزجاج. والثاني: من ~~غضبهم هذا، قاله عكرمة، ومجاهد، والضحاك في آخرين. قال ابن جرير: من قال: ~~من وجههم، أراد ابتداء مخرجهم يوم بدر، ومن قال: # من غضبهم أراد ابتداء غضبهم لقتلاهم يوم بدر. وأصل الفور ابتداء الأمر ~~يؤخذ فيه، يقال: فارت القدر: إذ ابتداء ما فيها بالغليان، ثم اتصل. وقال ~~ابن فارس: الفور: الغليان، يقال: فارت القدر تفور، وفار غضبه: إذا جاش، ~~ويقولون: فعله من فوره، أي: قبل أن يسكن. وفي يوم فورهم قولان: # أحدهما: أنه يوم بدر، قاله قتادة. والثاني: يوم أحد، قال مجاهد، والضحاك: ~~كانوا غضبوا يوم أحد ليوم بدر مما لقوا. # قوله تعالى: مسومين قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم بكسر الواو، والباقون ~~بفتحها، فمن فتح الواو، أراد أن الله سومها، ومن كسرها، أراد أن الملائكة ~~سومت أنفسها. وقال الأخفش: سومت خيلها. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال يوم بدر: # (204) «سوموا فإن الملائكة قد سومت» ونسب الفعل إليها، فهذا دليل الكسر. # قال ابن قتيبة: ومعنى ms0330 مسومين: معلمين بعلامة الحرب، وهو من السيماء، ~~والسومة: العلامة التي يعلم بها الفارس نفسه. قال علي عليه السلام: وكان ~~سيماء خيل الملائكة يوم بدر، الصوف الأبيض في أذنابها ونواصيها. وقال أبو ~~هريرة: العهن الأحمر. وقال مجاهد: كانت أذناب خيولهم مجزوزة، وفيها العهن. ~~وقال هشام بن عروة: كانت الملائكة على خيل بلق، وعليهم عمائم صفر. # (205) وروى ابن عباس عن رجل من بني غفار قال: حضرت أنا وابن عم لي بدرا، ~~ونحن على شركنا، فأقبلت سحابة، فلما دنت من الجبل سمعنا فيها حمحمة الخيل، ~~وسمعنا فارسا يقول: أقدم حيزوم، فأما صاحبي فمات مكانه، وأما أنا فكدت ~~أهلك، ثم انتعشت. # (206) وقال أبو داود المازني: إني لأتبع يوم بدر رجلا من المشركين ~~لأضربه، فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن غيري قد قتله. ~~PageV01P321 # وفي عدد الملائكة يوم بدر خمسة أقوال: أحدها: خمسة آلاف، قاله الحسن. # (207) وروى [محمد بن] «1» جبير بن مطعم عن علي عليه السلام قال: بينا أنا ~~أمتح «2» من قليب بدر، [إذ] جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها، ثم جاءت ريح ~~شديدة لم أر أشد منها إلا التي كانت قبلها، ثم جاءت ريح شديدة لم أر أشد ~~منها، فكانت الريح الأولى جبريل نزل في ألفين من الملائكة، وكان مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألفين من ~~الملائكة عن يمين رسول الله، وكانت الريح الثالثة إسرافيل نزل في ألف من ~~الملائكة عن يسار رسول الله، وكنت عن يساره، وهزم الله أعداءه. # والثاني: أربعة آلاف، قاله الشعبي. والثالث: ألف، قاله مجاهد. والرابع: ~~تسعة آلاف، ذكره الزجاج. والخامس: ثمانية آلاف، ذكره بعض المفسرين. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 126] # وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله ~~العزيز الحكيم (126) # قوله تعالى: وما جعله الله يعني المدد إلا بشرى، أي: إلا بشارة تطيب ~~أنفسكم، ولتطمئن قلوبكم به، فتسكن في الحرب، ولا تجزع. والأكثرون على أن ~~هذا المدد يوم بدر. وقال مجاهد: ms0331 # يوم أحد، وروي عنه ما يدل على أن الله أمدهم بالملائكة في اليومين جميعا، ~~غير أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر. # قوله تعالى: وما النصر إلا من عند الله أي: ليس بكثرة العدد والعدد. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 127] # ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين (127) # قوله تعالى: ليقطع طرفا معناه: نصركم ببدر ليقطع طرفا. قال الزجاج: أي: ~~ليقتل قطعة منهم. وفي أي يوم كان ذلك فيه قولان: أحدهما: في يوم بدر، قاله ~~الحسن، وقتادة، والجمهور. # والثاني: يوم أحد، قتل منهم ثمانية وعشرون، قاله السدي. # قوله تعالى: أو يكبتهم فيه سبعة أقوال: أحدها: أن معناه: يهزمهم، قاله ~~ابن عباس، والزجاج. والثاني: يخزيهم، قاله قتادة، ومقاتل. والثالث: يصرعهم، ~~قاله أبو عبيد، واليزيدي. وقال الخليل: هو الصرع على الوجه. والرابع: ~~يهلكهم، قاله أبو عبيدة. والخامس: يلعنهم، قاله السدي. # والسادس: يظفر عليهم، قاله المبرد. والسابع: يغيظهم، قاله النصر بن شميل ~~واختاره ابن قتيبة. وقال ابن قتيبة: أهل النظر يرون أن التاء فيه منقلبة عن ~~دال، كأن الأصل فيه: يكبدهم، أي: يصيبهم في PageV01P322 # أكبادهم بالحزن والغيظ، وشدة العداوة، ومنه يقال: فلان قد أحرق الحزن ~~كبده، وأحرقت العداوة كبده، والعرب تقول: العدو: أسود الكبد، قال الأعشى: # فما أجشمت من إتيان قوم ... هم الأعداء والأكباد سود # كأن الأكباد لما احترقت بشدة العداوة، اسودت، ومنه يقال للعدو: كاشح، ~~لأنه يخبأ العداوة في كشحه. والكشح: الخاصرة، وإنما يريدون الكبد. لأن ~~الكبد هناك. قال الشاعر: # وأضمر أضغانا علي كشوحها «1» # والتاء والدال متقاربتا المخرج، والعرب تدغم إحداهما في الأخرى، وتبدل ~~إحداهما من الأخرى، كقولهم: هرت الثوب وهرده: إذا خرقه، وكذلك: كبت العدو، ~~وكبده، ومثله كثير. # قوله تعالى: فينقلبوا خائبين قال الزجاج: الخائب: الذي لم ينل ما أمل. ~~وقال غيره: الفرق بين الخيبة واليأس، أن الخيبة لا تكون إلا بعد الأمل، ~~واليأس قد يكون من غير أمل. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 128] # ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (128) # قوله تعالى: ليس لك من الأمر ms0332 شيء في سبب نزولها خمسة أقوال: # (208) أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في ~~جبهته حتى سال الدم على وجهه، فقال: «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو ~~يدعوهم إلى ربهم عز وجل؟!» فنزلت هذه الآية. أخرجه مسلم في أفراده من حديث ~~أنس. وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، والربيع. # (209) والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم، لعن قوما من المنافقين، ~~فنزلت هذه الآية، قاله ابن عمر. # والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم هم بسب الذين انهزموا يوم أحد، ~~فنزلت هذه للآية، فكف عن ذلك، نقل عن ابن مسعود، وابن عباس «2» . ~~PageV01P323 # (210) والرابع: أن سبعين من أهل الصفة، خرجوا إلى قبيلتين من بني سليم، ~~عصية وذكوان، فقتلوا جميعا، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم أربعين ~~يوما، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل بن سليمان. # (211) والخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى حمزة ممثلا به، قال: ~~«لأمثلن بكذا وكذا منهم» فنزلت هذه الآية، قاله الواقدي. # وفي معنى الآية قولان: أحدهما: ليس لك من استصلاحهم أو عذابهم شيء. ~~والثاني: ليس لك من النصر والهزيمة شيء. وقيل: إن «لك» بمعنى «إليك» . # قوله تعالى: أو يتوب عليهم قال الفراء: في نصبه وجهان إن شئت جعلته ~~معطوفا على قوله تعالى: ليقطع طرفا وإن شئت جعلت نصبه على مذهب «حتى» كما ~~تقول: لا أزال معك حتى تعطيني. ولما نفى الأمر عن نبيه، أثبت أن جميع ~~الأمور إليه بقوله تعالى: ولله ما في السماوات وما في الأرض. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 129 الى 130] # ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله ~~غفور رحيم (129) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون (130) PageV01P324 # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا قال أهل التفسير: هذه ~~الآية نزلت في ربا الجاهلية. قال سعيد بن جبير: كان الرجل يكون له على ~~الرجل المال، فاذا حل الأجل، فيقول: أخر عني، وأزيدك على مالك، ms0333 فتلك ~~الأضعاف المضاعفة. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 131] # واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) # قوله تعالى: واتقوا النار التي أعدت للكافرين قال ابن عباس: هذا تهديد ~~للمؤمنين، لئلا يستحلوا الربا. قال الزجاج: والمعنى: اتقوا أن تحلوا ما حرم ~~الله فتكفروا. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 132 الى 133] # وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (132) وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة ~~عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين (133) # قوله تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم كلهم أثبت الواو في وسارعوا إلا ~~نافعا، وابن عامر، فإنهما لم يذكراها. وقال أبو علي: وكذلك هي في مصاحف أهل ~~المدينة والشام، فمن قرأ بالواو، عطف وسارعوا على وأطيعوا ومن حذفها، فلأن ~~الجملة الثانية ملتبسة بالأولى، فاستغنت عن العطف. ومعنى الآية: بادروا إلى ~~ما يوجب المغفرة. وفي المراد بموجب المغفرة هاهنا عشرة أقوال: أحدها: أنه ~~الإخلاص، قاله عثمان بن عفان رضي الله عنه. والثاني: أداء الفرائض، قاله ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والثالث: الإسلام، قاله ابن عباس. والرابع: ~~التكبيرة الأولى من الصلاة، قاله أنس بن مالك. والخامس: الطاعة، قاله سعيد ~~بن جبير. والسادس: التوبة، قاله عكرمة. والسابع: # الهجرة، قاله أبو العالية. والثامن: الجهاد، قاله الضحاك. والتاسع: ~~الصلوات الخمس، قاله يمان. # والعاشر: الأعمال الصالحة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: وجنة عرضها السماوات والأرض قال ابن قتيبة: أراد بالعرض ~~السعة، ولم يرد العرض الذي يخالف الطول، والعرب تقول: بلاد عريضة، أي: ~~واسعة. # (212) وقال النبي صلى الله عليه وسلم للمنهزمين يوم أحد: «لقد ذهبتم فيها ~~عريضة» . # قال الشاعر «1» : # كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل # قال: وأصل هذا من العرض الذي هو خلاف الطول، وإذا عرض الشيء اتسع، وإذا ~~لم يعرض ضاق ودق. وقال سعيد بن جبير: لو ألصق بعضهن إلى بعض كانت الجنة في ~~عرضهن. PageV01P325 ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 134] # الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين (134) # قوله تعالى: الذين ينفقون في السراء والضراء قال ابن عباس: في العسر ~~واليسر، ومعنى الآية: # أنهم رغبوا ms0334 في معاملة الله، فلم يبطرهم الرخاء فينسيهم، ولم تمنعهم ~~الضراء فيبخلوا. # قوله تعالى: والكاظمين الغيظ قال الزجاج: يقال: كظمت الغيظ: إذا أمسكت ~~على ما في نفسك منه، وكظم البعير على جرته: إذا رددها في حلقه. وقال ابن ~~الأنباري: الأصل في الكظم: # الإمساك على غيظ وغم. # (213) وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما تجرع عبد ~~جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله تبارك وتعالى» . # قوله تعالى: والعافين عن الناس فيه قولان: أحدهما: أنه العفو عن ~~المماليك، قاله ابن عباس. والثاني: أنه على إطلاقه، فهم يعفون عمن ظلمهم، ~~قاله زيد بن أسلم، ومقاتل. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 135 الى 136] # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ~~ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135) أولئك ~~جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر ~~العاملين (136) # قوله تعالى: والذين إذا فعلوا فاحشة، في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (214) أحدها: أن امرأة أتت إلى نبهان التمار تشتري منه تمرا فضمها، ~~وقبلها، ثم ندم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك فنزلت هذه الآية، ~~رواه عطاء عن ابن عباس. # (215) والثاني: أن أنصاريا وثقفيا آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، ~~فخرج الثقفي مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه، فكان الأنصاري ~~يتعاهد أهل الثقفي، فجاء ذات يوم فأبصر المرأة قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، ~~فدخل ولم يستأذن فذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها، فقبله ثم ندم، فأدبر ~~راجعا، PageV01P326 # فقالت: سبحان الله خنت أمانتك، وعصيت ربك ولم تصب حاجتك، قال: فخرج يسيح ~~في الجبال، ويتوب إلى الله من ذنبه. فلما قدم الثقفي أخبرته المرأة بفعله، ~~فخرج يطلبه حتى دل عليه، فندم على صنيعه، فوافقه ساجدا يقول: ذنبي ذنبي، قد ~~خنت أخي. فقال له: يا فلان انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله ~~عن ذنبك، لعل الله أن يجعل لك منه مخرجا، ms0335 فرجع إلى المدينة، فنزلت هذه ~~الآية بتوبته، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وذكره مقاتل. # (216) والثالث: أن المسلمين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: بنو إسرائيل ~~أكرم على الله منا! كان أحدهم إذا أذنب، أصبحت كفارة ذنوبه مكتوبة في عتبة ~~بابه، فنزلت هذه الآية، فقال النبي عليه السلام: «ألا أخبركم بخير من ذلك» ~~؟ فقرأ هذه الآية، والتي قبلها، هذا قول عطاء. # واختلفوا هل هذه الآية نعت للمنفقين في السراء والضراء؟ أم لقوم آخرين؟ ~~على قولين: أحدهما: # أنها نعت لهم، قاله الحسن. والثاني: أنها لصنف آخر، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. # والفاحشة: القبيحة، وكل شيء جاوز قدره فهو فاحش. وفي المراد بها هاهنا ~~قولان: أحدهما: # أنها الزنى، قاله جابر بن زيد، والسدي، ومقاتل. والثاني: أنها كل كبيرة، ~~قاله جماعة من المفسرين. # واختلفوا في «الظلم» المذكور بعدها، فلم يفرق قوم بينه وبين الفاحشة، ~~وقالوا: الظلم للنفس فاحشة أيضا، وفرق آخرون، فقالوا: هو الصغائر. # وفي قوله تعالى: ذكروا الله قولان: أحدهما: أنه ذكر اللسان، وهو ~~الاستغفار، قاله ابن مسعود، وعطاء في آخرين. والثاني: أنه ذكر القلب، ثم ~~فيه خمسة أقوال: أحدها: أنه ذكر العرض على الله، قاله الضحاك. والثاني: أنه ~~ذكر السؤال عنه يوم القيامة، قاله الواقدي. والثالث: ذكر وعيد الله لهم على ~~ما أتوا، قاله ابن جرير. والرابع: ذكر نهي الله لهم عنه. والخامس: ذكر ~~غفران الله ذكر القولين أبو سليمان الدمشقي. # فأما الإصرار، فقال الزجاج: هو الإقامة على الشيء. وقال ابن فارس: هو ~~العزم على الشيء والثبات عليه. وللمفسرين في المراد بالإصرار ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه مواقعة الذنب عند الاهتمام به. # وهذا مذهب مجاهد. والثاني: أنه الثبوت عليه من غير استغفار، وهذا مذهب ~~قتادة، وابن إسحاق. # والثالث: أنه ترك الاستغفار منه، وهذا مذهب السدي. # وفي معنى وهم يعلمون ثلاثة أقوال: أحدها: وهم يعلمون أن الإصرار يضر، وأن ~~تركه أولى من التمادي، قاله ابن عباس، والحسن. والثاني: يعلمون أن الله ~~يتوب على من تاب، قاله مجاهد، وأبو عمارة. والثالث: يعلمون أنهم قد أذنبوا، ms0336 ~~قاله السدي، ومقاتل. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 137] # قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ~~(137) # قوله تعالى: قد خلت من قبلكم سنن السنن: جمع سنة، وهي الطريقة. وفي معنى ~~الكلام قولان: أحدهما: قد مضى قبلكم أهل سنن وشرائع، فانظروا ماذا صنعنا ~~بالمكذبين منهم، وهذا قول PageV01P327 # ابن عباس. والثاني: قد مضت قبلكم سنن الله في إهلاك من كذب من الأمم، ~~فاعتبروا بهم، وهذا قول مجاهد. وفي معنى فسيروا في الأرض قولان: أحدهما: ~~أنه السير في السفر. قال الزجاج: إذا سرتم في أسفاركم، عرفتم أخبار ~~الهالكين بتكذيبهم. والثاني: أنه التفكر. ومعنى: فانظروا: اعتبروا، ~~والعاقبة: آخر الأمر. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 138] # هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (138) # قوله تعالى: هذا بيان للناس قال سعيد بن جبير: هذه الآية أول ما نزل من ~~«آل عمران» . # وفي المشار إليه ب «هذا» قولان: أحدهما: أنه القرآن، قاله الحسن، وقتادة، ~~ومقاتل. والثاني: أنه شرح أخبار الأمم السالفة، قاله ابن اسحاق. والبيان: ~~الكشف عن الشيء، بان الشيء: اتضح، وفلان أبين من فلان، اي: أفصح. قال ~~الشعبي: هذا بيان للناس من العمى، وهدى من الضلالة، وموعظة من الجهل. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 139] # ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) # قوله تعالى: ولا تهنوا ولا تحزنوا. # (217) سبب نزولها أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انهزموا يوم ~~أحد، أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا ~~بك» فنزلت هذه الآيات، قاله ابن عباس. # قال ابن عباس، ومجاهد: ولا تهنوا أي: ولا تضعفوا. وفيما نهوا عن الحزن ~~عليه أربعة أقوال: أحدها: أنه قتل إخوانهم من المسلمين، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنه هزيمتهم يوم أحد، وقتلهم، قاله مقاتل. والثالث: أنه ما أصاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم من شجه، وكسر رباعيته، ذكره الماوردي. # والرابع: أنه ما فات من الغنيمة، ذكره علي بن أحمد ms0337 النيسابوري. # قوله تعالى: وأنتم الأعلون، قال ابن عباس: يقول: أنتم الغالبون وآخر ~~الأمر لكم. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 140] # إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ~~وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) # قوله تعالى: إن يمسسكم قرح. قال ابن عباس: # (218) أصابهم يوم أحد قرح، فشكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لقوا، ~~فنزلت هذه الآية. PageV01P328 # فأما المس، فهو الإصابة، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ونافع ~~«قرح» بفتح القاف. # وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم «قرح» بضم القاف. واختلفوا هل ~~معنى القراءتين واحد أم لا؟ فقال أبو عبيد: القرح بالفتح: الجراح، والقتل. ~~والقرح بالضم: ألم الجراح. وقال الزجاج: # هما في اللغة بمعنى واحد، ومعناه: الجراح وألمها، قال: ومعنى نداولها: ~~أي: نجعل الدولة في وقت للكفار على المؤمنين إذا عصى المؤمنون، فأما إذا ~~أطاعوا، فهم منصورون، قال: ومعنى وليعلم الله أي: ليعلم واقعا منهم، لأنه ~~عالم قبل ذلك، وإنما يجازي على ما وقع. وقال ابن عباس: معنى العلم هاهنا: ~~الرؤية. # قوله تعالى: ويتخذ منكم شهداء قال أبو الضحى: نزلت في قتلى أحد، قال ابن ~~جريج: كان المسلمون يقولون: ربنا أرنا يوما كيوم بدر، نلتمس فيه الشهادة، ~~فاتخذ منهم شهداء يوم أحد. قال ابن عباس: والظالمون هاهنا: المنافقون. وقال ~~غيره: هم الذين انصرفوا يوم أحد مع ابن أبي المنافق. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 141] # وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) # قوله تعالى: وليمحص الله الذين آمنوا قال الزجاج: معنى الكلام: جعل الله ~~الأيام مداولة بين الناس، ليمحص المؤمنين، ويمحق الكافرين. وفي التمحيص ~~قولان: # أحدهما: أنه الابتلاء والاختبار، وأنشدوا «1» : # رأيت فضيلا كان شيئا ملففا ... فكشفه التمحيص حتى بدا ليا # وهذا قول الحسن، ومجاهد، والسدي، ومقاتل، وابن قتيبة في آخرين. # والثاني: أنه التنقية، والتخليص، وهو قول الزجاج، وحكي عن المبرد، قال: ~~يقال: محص الحبل محصا: إذا ذهب منه الوبر حتى يتخلص، ومعنى قوله: اللهم محص ~~عنا ذنوبنا: أذهبها عنا. # وذكر الزجاج ms0338 عن الخليل أن المحص: التخليص، يقال: محصت الشيء أمحصه محصا: ~~إذا أخلصته. # فعلى القول الأول التمحيص: ابتلاء المؤمنين بما يجري عليهم، وعلى الثاني: ~~هو تنقيتهم من الذنوب بذلك. قال الفراء: معنى الآية: وليمحص الله بالذنوب ~~عن الذين آمنوا. # قوله تعالى: ويمحق الكافرين فيه أربعة أقوال: أحدها: يهلكهم، قاله ابن ~~عباس. والثاني: # يذهب دعوتهم، قاله مقاتل. والثالث: ينقصهم ويقللهم، قاله الفراء. ~~والرابع: يحبط أعمالهم، ذكره الزجاج. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 142 الى 143] # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين (142) ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم ~~تنظرون (143) PageV01P329 # قوله تعالى: ولقد كنتم تمنون الموت قال ابن عباس: لما أخبرهم الله تعالى ~~على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، بما فعل بشهداء يوم بدر من الكرامة، ~~رغبوا في ذلك، فتمنوا قتالا يستشهدون فيه، فيلحقون بإخوانهم، فأراهم الله ~~يوم أحد، فلم يلبثوا أن انهزموا إلا من شاء الله منهم، فنزل فيهم ولقد كنتم ~~تمنون الموت يعني القتال من قبل أن تلقوه أي: من قبل أن تنظروا إليه يوم ~~أحد فقد رأيتموه يومئذ، قال الفراء، وابن قتيبة: أي: رأيتم أسبابه، وهي ~~السيف ونحوه من السلاح. وفي معنى وأنتم تنظرون ثلاثة أقوال: أحدها: تنظرون ~~إلى السيوف، قاله ابن عباس. والثاني: أنه ذكر للتوكيد، قاله الأخفش. وقال ~~الزجاج: معناه: فقد رأيتموه، وأنتم بصراء، كما تقول: رأيت كذا وكذا، وليس ~~في عينك علة، أي: رأيته رؤية حقيقية. والثالث: أن معناه: وأنتم تنظرون ما ~~تمنيتم. وفي الآية إضمار، أي: فقد رأيتموه فلم انهزمتم!؟ ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 144] # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (144) # قوله تعالى: وما محمد إلا رسول. قال ابن عباس: # (219) صاح الشيطان يوم أحد: قتل محمد. فقال قوم: لئن كان قتل لنعطينهم ~~بأيدينا إنهم لعشائرنا وإخواننا، ولو كان محمد حيا لم نهزم، فترخصوا في ~~الفرار، ms0339 فنزلت هذه الآية. # وقال الضحاك: قال قوم من المنافقين: قتل محمد، فالحقوا بدينكم الأول، ~~فنزلت هذه الآية. # وقال قتادة: قال أناس: لو كان نبيا ما قتل، وقال ناس من علية أصحاب رسول ~~الله: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى تلحقوا به، فنزلت هذه الآية. ~~ومعنى الآية: أنه يموت كما ماتت قبله الرسل، أفإن مات على فراشه، أو قتل ~~كمن قتل قبله من الأنبياء، أتنقلبون على أعقابكم؟! أي: ترجعون إلى ما كنتم ~~عليه من الكفر؟! وهذا على سبيل المثل، يقال لكل من رجع عما كان عليه: قد ~~انقلب على عقبيه، وأصله: # رجعة القهقرى، والعقب: مؤخر القدم. # وقوله تعالى: فلن يضر الله شيئا أي: لن ينقص الله شيئا برجوعه، وإنما يضر ~~نفسه وسيجزي أي: يثيب الشاكرين، وفيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم الثابتون ~~على دينهم، قاله علي عليه السلام، وقال: كان أبو بكر أمير الشاكرين. ~~والثاني: أنهم الشاكرون على التوفيق والهداية. # والثالث: على الدين. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 145] # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا ~~نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145) # قوله تعالى: وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله في الإذن قولان: ~~PageV01P330 # أحدهما: أنه الأمر، قاله ابن عباس. والثاني: الإذن نفسه، قاله مقاتل. # وقال الزجاج: ومعنى الآية: وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله. # قوله تعالى: كتابا مؤجلا توكيد، والمعنى: كتب الله ذلك كتابا ذا أجل. ~~والأجل: الوقت المعلوم، ومثله في التوكيد كتاب الله عليكم «1» ، لأنه لما ~~قال: حرمت عليكم أمهاتكم «2» دل على أنه مرفوض، فأكد بقوله: كتاب الله ~~عليكم، وكذلك قوله تعالى: صنع الله «3» لأنه لما قال: # وترى الجبال تحسبها جامدة «4» دل على أنه خلق الله فأكد بقوله: صنع الله. # قوله تعالى: ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها أي: من قصد بعمله الدنيا، ~~أعطي منها، قليلا كان أو كثيرا، ومن قصد الآخرة بعمله، أعطي منها. وقال ~~مقاتل: عنى بالآية: من ثبت يوم أحد، ومن طلب الغنيمة. # فصل: وأكثر ms0340 العلماء على أن هذا الكلام محكم، وذهبت طائفة إلى نسخه بقوله ~~تعالى: عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد والصحيح أنه محكم، لأنه لا يؤتى أحد ~~شيئا إلا بقدرة الله ومشيئته. # ومعنى قوله تعالى: نؤته منها أي ما نشاء، وما قدرنا له، ولم يقل: ما يشاء ~~هو. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 146] # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ~~ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) # قوله تعالى: وكأين من نبي قرأ الجمهور وكأين في وزن «كعين» . وقرأ ابن ~~كثير «وكائن» في وزن «كاعن» . قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: «كأين» مثل: ~~«كعين» ينصبون الهمزة، ويشددون الياء. # وتميم يقولون: «وكائن» كأنه فاعل من كئت. وأنشدني الكسائي: # وكائن ترى يسعى من الناس جاهدا ... على ابن غدا منه شجاع وعقرب # وقال آخر: # وكائن أصابت مؤمنا من مصيبة ... على الله عقباها ومنه ثوابها # وقال ابن قتيبة: كائن بمعنى «كم» مثل قوله تعالى: وكأين من قرية عتت عن ~~أمر ربها «5» وفيها لغتان. «كأين» بالهمزة وتشديد الياء، و «كائن» على وزن ~~«قائل» ، وقد قرئ بهما جميعا في القرآن، والأكثر والأفصح تخفيفها. قال ~~الشاعر «6» : # وكائن أرينا الموت من ذي تحية ... إذا ما ازدرانا أو أصر لمأثم # وقال الآخر» # وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم PageV01P331 # قوله تعالى: قاتل معه ربيون قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبان، ~~والمفضل كلاهما عن عاصم: «قتل» بضم القاف، وكسر التاء من غير ألف، وقرأ ~~الباقون: قاتل بألف، وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين، وأبو رجاء، والحسن، وابن ~~يعمر، وابن جبير، وقتادة، وعكرمة، وأيوب: «ربيون» بضم الراء. وقرأ ابن ~~عباس، وأنس وأبو مجلز، وأبو العالية، والجحدري بفتحها. فعلى حذف الألف ~~يحتمل وجهين ذكرهما الزجاج: أحدهما: أن يكون قتل للنبي وحده، ويكون المعنى: ~~وكأين من نبي قتل، ومعه ربيون، فما وهنوا بعد قتله. والثاني: أن يكون قتل ~~للربيين، ويكون «فما وهنوا» لمن بقي منهم. # وعلى إثبات الألف يكون المعنى: أن القوم قاتلوا، فما ms0341 وهنوا. وفي معنى ~~الربيين خمسة أقوال: # أحدها: أنهم الألوف، قاله ابن مسعود، وابن عباس في رواية، واختاره ~~الفراء. والثاني: الجماعات الكثيرة رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~مجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، والسدي، والربيع، واختاره ابن قتيبة. ~~والثالث: أنهم الفقهاء والعلماء، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال ~~الحسن، واختاره اليزيدي، والزجاج. والرابع: أنهم الأتباع، قاله ابن زيد. ~~والخامس: أنهم المتألهون العارفون بالله تعالى، قاله ابن فارس. # قوله تعالى: فما وهنوا فيه قولان: أحدهما: أنه الضعف، قاله ابن عباس، ~~وابن قتيبة. # والثاني: أنه العجز، قاله قتادة. # قال ابن قتيبة: والاستكانة: الخشوع والذل، ومنه أخذ المساكين. وفي معنى ~~الكلام قولان: # أحدهما: فما وهنوا بالخوف، وما ضعفوا بنقصان القوة، ولا استكانوا ~~بالخضوع. والثاني: فما وهنوا لقتل نبيهم، ولا ضعفوا عن عدوهم، ولا استكانوا ~~لما أصابهم. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 147] # وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (147) # قوله تعالى: وما كان قولهم يعني الربيين. إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا أي: ~~لم يكن قولهم غير الاستغفار. والإسراف: مجاوزة الحد، وقيل: أريد بالذنوب ~~الصغائر، وبالإسراف: الكبائر. قوله تعالى: وثبت أقدامنا قال ابن عباس: على ~~القتال. وقال الزجاج: معناه: ثبتنا على دينك، فإن الثابت على دينه ثابت في ~~حربه. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 148] # فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (148) # قوله تعالى: فآتاهم الله ثواب الدنيا فيه قولان: أحدهما: أنه النصر، قاله ~~قتادة. والثاني: # الغنيمة، قاله ابن جريج. وروي عن ابن عباس، أنه النصر والغنيمة. # وفي حسن ثواب الآخرة قولان: أحدهما: أنه الجنة. والثاني: الأجر والمغفرة. ~~وهذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين ما يفعلون ويقولون عند لقاء العدو. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 149] # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا ~~خاسرين (149) # PageV01P332 # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا. قال ابن عباس: ~~نزلت في قول ابن أبي للمسلمين لما رجعوا من ms0342 أحد: لو كان نبيا ما أصابه الذي ~~أصابه «1» . # وفي الذين كفروا هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم المنافقون، على قول ابن ~~عباس، ومقاتل. # والثاني: أنهم اليهود والنصارى، قاله ابن جريج. والثالث: أنهم عبدة ~~الأوثان، قاله السدي. قالوا: # وكانوا قد أمروا المسلمين بالرجوع عن دينهم. ومعنى يردوكم على أعقابكم: ~~يصرفوكم إلى الشرك. فتنقلبوا خاسرين بالعقوبة. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 150] # بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (150) # قوله تعالى: بل الله مولاكم أي: وليكم ينصركم عليهم، فاستغنوا عن موالاة ~~الكفار. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 151] # سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين (151) # قوله تعالى: سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب. # (220) قال السدي: لما ارتحل المشركون يوم أحد نحو مكة ندموا في بعض ~~الطريق، وقالوا: # قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشرذمة، تركتموهم؟! ارجعوا فاستأصلوهم، ~~فقذف الله في قلوبهم الرعب، ونزلت هذه الآية. # والإلقاء: القذف. والرعب: الخوف. قرأ ابن كثير، ونافع وعاصم، وأبو عمرو، ~~وحمزة «الرعب» ساكنة العين خفيفة، وقرأ ابن عامر، والكسائي، ويعقوب، وأبو ~~جعفر، مضمومة العين، مثقله، أين وقعت. والسلطان هاهنا: الحجة في قول ~~الجماعة. والمأوى: المكان الذي يؤوى إليه. # والمثوى: المقام، والثوى: الإقامة. قال ابن عباس: والظالمون هاهنا: ~~الكافرون. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 152] # ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ~~وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ~~ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين (152) # قوله تعالى: ولقد صدقكم الله وعده. # (221) قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~من أحد، قال قوم منهم: من أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله النصر؟! فنزلت ~~هذه الآية. وقال المفسرون: وعد الله تعالى المؤمنين PageV01P333 # النصر بأحد، فنصرهم فلما خالفوا، وطلبوا الغنيمة، هزموا. # (222) وقال ابن عباس: ما نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في موطن ما ~~نصر في أحد، فأنكر ms0343 ذلك عليه، فقال: بيني وبينكم كتاب الله، إن الله يقول: ~~ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه. فأما الحس، فهو القتل، قاله ابن ~~عباس، والحسن، ومجاهد، والسدي، والجماعة. وقال ابن قتيبة: # تحسونهم، أي تستأصلونهم بالقتل، يقال: سنة حسوس: إذا أتت على كل شيء، ~~وجراد محسوس: إذا قتله البرد. # وفي قوله تعالى: بإذنه ثلاثة أقوال: أحدها: بأمره، قاله ابن عباس. ~~والثاني: بعلمه، قاله الزجاج. والثالث: بقضائه، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: حتى إذا فشلتم قال الزجاج: أي: جبنتم وتنازعتم أي: اختلفتم ~~من بعد ما أراكم ما تحبون يعني: النصرة. وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير، ~~معناه: حتى إذا تنازعتم في الأمر، فشلتم وعصيتم، وهذه الواو زائدة، كقوله ~~تعالى: فلما أسلما وتله للجبين (103) وناديناه «1» معناه: # ناديناه. # (223) فأما تنازعهم، فإن بعض الرماة قال: قد إنهزم المشركون، فما يمنعنا ~~من الغنيمة؟ وقال بعضهم: بل نثبت مكاننا كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فترك المركز بعضهم، وطلب الغنيمة، وتركوا مكانهم، فذلك عصيانهم، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصاهم: «لو رأيتم الطير تخطفنا فلا تبرحوا من ~~مكانكم» . # قوله تعالى: منكم من يريد الدنيا قال المفسرون: هم الذين طلبوا الغنيمة، ~~وتركوا مكانهم ومنكم من يريد الآخرة وهم الذين ثبتوا. وقال ابن مسعود: ما ~~كنت أظن أحدا من PageV01P334 # أصحاب محمد يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية. # قوله تعالى: صرفكم عنهم أي: ردكم عن المشركين بقتلكم وهزيمتكم. ليبتليكم ~~أي: # ليختبركم، فيبين الصابر من الجازع. # قوله تعالى: ولقد عفا عنكم فيه قولان: أحدهما: عفا عن عقوبتكم، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: عفا عن استئصالكم، قاله الحسن. وكان يقول: هؤلاء مع رسول الله، ~~في سبيل الله غضاب لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فضيعوه، فما تركوا ~~حتى غموا بهذا الغم، والفاسق اليوم يتجرم كل كبيرة ويركب كل داهية، ويزعم ~~أن لا بأس عليه، فسوف يعلم. # قوله تعالى: والله ذو فضل على المؤمنين فيه قولان: أحدهما: إذا عفا عنهم، ~~قاله ابن عباس. # والثاني: إذ لم يقتلوا جميعا، قاله ms0344 مقاتل. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 153] # إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم ~~لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (153) # قوله تعالى: إذ تصعدون قال المفسرون: «إذ» متعلقة بقوله تعالى: ولقد عفا ~~عنكم وأكثر القراء على ضم التاء، وكسر العين، من قوله تعالى: «تصعدون» وهو ~~من الإصعاد. وروى أبان عن ثعلب، عن عاصم فتحهما، وهي قراءة الحسن، ومجاهد، ~~وهو من الصعود. قال الفراء: الإصعاد في ابتداء الأسفار، والمخارج، تقول: ~~أصعدنا من بغداد إلى خراسان، فإذا صعدت على سلم أو درجة، قلت: صعدت، ولا ~~تقول: أصعدت. وقال الزجاج: كل من ابتدأ مسيرا من مكان، فقد أصعد، فأما ~~الصعود، فهو من أسفل إلى فوق، قال ومن فتح التاء والعين، أراد الصعود في ~~الجبل. # وللمفسرين في معنى الآية قولان: أحدهما: أنه صعودهم في الجبل، قاله ابن ~~عباس ومجاهد. والثاني: # أنه الإبعاد في الهزيمة، قاله قتادة، وابن قتيبة. # وتلوون بمعنى: تعرجون. وقوله تعالى: على أحد عام. # (224) وقد روي عن ابن عباس أنه أريد به النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يناديهم من خلفهم: «إلي عباد الله، أنا رسول ~~الله» . # وقرأت عائشة وأبو مجلز وأبو الجوزاء وحميد «على أحد» بضم الألف والحاء، ~~يعنون الجبل. # قوله تعالى: فأثابكم أي: جازاكم. قال الفراء: الإثابة هاهنا بمعنى عقاب، ~~ولكنه كما قال الشاعر «1» : # أخاف زيادا أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سمرا PageV01P335 # المحدرجة: السياط. والسود فيما يقال: القيود. # قوله تعالى: غما بغم في هذه الباء أربعة أقوال: أحدها: أنها بمعنى «مع» . ~~والثاني: بمعنى «بعد» . والثالث: بمعنى «على» ، فعلى هذه الثلاثة الأقوال ~~يتعلق الغمان بالصحابة. وللمفسرين في المراد بهذين الغمين خمسة أقوال: ~~أحدها: أن الغم الأول ما أصابهم من الهزيمة والقتل، والثاني: # إشراف خالد بن الوليد بخيل المشركين عليهم، قاله ابن عباس ومقاتل. ~~والثاني: أن الأول قرارهم الأول، والثاني. قرارهم حين سمعوا أن محمدا قد ~~قتل، قاله مجاهد. والثالث: أن الأول ما فاتهم ms0345 من الغنيمة وأصابهم من القتل ~~والجراح، والثاني: حين سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، قاله ~~قتادة. والرابع: أن الأول ما فاتهم من الغنيمة، والفتح، والثاني: إشراف أبي ~~سفيان عليهم، قاله السدي. والخامس: أن الأول إشراف خالد بن الوليد عليهم، ~~والثاني: إشراف أبي سفيان عليهم، ذكره الثعلبي. والقول الرابع: # أن الباء بمعنى الجزاء، فتقديره: غمكم كما غممتم غيركم، فيكون أحد الغمين ~~للصحابة، وهو أحد غمومهم التي ذكرناها عن المفسرين، ويكون الغم الذي جوزوا ~~لأجله لغيرهم. وفي المراد بغيرهم قولان: أحدهما: أنهم المشركون غموهم يوم ~~بدر، قاله الحسن. والثاني: أنه النبي صلى الله عليه وسلم غموه حيث خالفوه، ~~فجوزوا على ذلك بأن غموا بما أصابهم، قاله الزجاج. # قوله تعالى: لكيلا تحزنوا في «لا» قولان: أحدهما: أنها باقية على أصلها، ~~ومعناها النفي، فعلى هذا في معنى الكلام قولان: أحدهما: فأثابكم غما أنساكم ~~الحزن على ما فاتكم وما أصابكم، وقد روي أنهم لما سمعوا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد قتل، نسوا ما أصابهم وما فاتهم. والثاني: أنه متصل بقوله ~~تعالى: ولقد عفا عنكم فمعنى الكلام: عفا عنكم، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ~~وأصابكم، لأن عفوه يذهب كل غم. والقول الثاني: أنها صلة، ومعنى الكلام: لكي ~~تحزنوا على ما فاتكم وأصابكم عقوبة لكم في خلافكم. ومثلها قوله تعالى: لئلا ~~يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله «1» أي: ليعلم. هذا قول ~~المفضل. قال ابن عباس: والذي فاتهم: الغنيمة، والذي أصابهم: القتل ~~والهزيمة. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 154] # ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم ~~أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل ~~إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من ~~الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل ~~إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم ms0346 والله عليم ~~بذات الصدور (154) # قوله تعالى: ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة قال ابن قتيبة: الأمنة: ~~الأمن. يقال: وقعت الأمنة في الأرض. وقال الزجاج: معنى الآية: أعقبكم بما ~~نالكم من الرعب أن أمنكم أمنا تنامون معه، لأن الشديد الخوف لا يكاد ينام. ~~و «نعاسا» منصوب على البدل من «أمنة» ، يقال: نعس الرجل ينعس PageV01P336 # نعاسا، فهو ناعس. وبعضهم يقول: نعسان. قال الفراء: قد سمعتها، ولكني لا ~~أشتهيها. قال العلماء: # النعاس: أخف النوم. وفي وجه الامتنان عليهم بالنعاس قولان: أحدهما: أنه ~~أمنهم بعد خوفهم حتى ناموا، فالمنة بزوال الخوف، لأن الخائف لا ينام. ~~والثاني: قواهم بالاستراحة على القتال. # قوله تعالى: يغشى طائفة منكم قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وابن عامر: # «يغشى» بالياء مع التفخيم، وهو يعود إلى النعاس. وقرأ حمزة، والكسائي، ~~وخلف «تغشى» بالتاء مع الإمالة، وهو يرجع إلى الأمنة. فأما الطائفة التي ~~غشيها النوم، فهم المؤمنون، والطائفة الذين أهمتهم أنفسهم: المنافقون، ~~أهمهم خلاص أنفسهم، فذهب النوم عنهم. # (225) قال أبو طلحة: كان السيف يسقط من يدي، ثم آخذه، ثم يسقط، وآخذه من ~~النعاس. # وجعلت أنظر، وما منهم أحد يومئذ إلا يميد تحت حجفته «1» من النعاس. # (226) وقال الزبير: أرسل الله علينا النوم، فما منا رجل إلا ذقنه في ~~صدره، فو الله إني لأسمع كالحلم قول معتب بن قشير: لو كان لنا من الأمر شيء ~~ما قتلنا هاهنا فحفظتها منه. # قوله تعالى: يظنون بالله غير الحق فيه أربعة أقوال: أحدها: أنهم ظنوا أن ~~الله لا ينصر محمدا وأصحابه، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنهم ~~كذبوا بالقدر، رواه الضحاك، عن ابن عباس. # والثالث: أنهم ظنوا أن محمدا قد قتل، قاله مقاتل. والرابع: ظنوا أن أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم مضمحل، قاله الزجاج. # قوله تعالى: ظن الجاهلية، قال ابن عباس: أي: كظن الجاهلية. # قوله تعالى: يقولون هل لنا من الأمر من شيء لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه: ~~الجحد، تقديره: ما لنا من الأمر من شيء. قال الحسن: قالوا: لو كان الأمر ms0347 ~~إلينا ما خرجنا، وإنما أخرجنا كرها. وقال غيره: المراد بالأمر: النصر ~~والظفر، قالوا: إنما النصر للمشركين، قل إن الأمر كله، أي: النصر والظفر، ~~والقضاء والقدر لله. والأكثرون قرءوا إن الأمر كله لله بنصب اللام، وقرأ ~~أبو عمرو برفعها، قال أبو علي: حجة من نصب، أن «كله» بمنزلة «أجمعين» في ~~الإحاطة والعموم، فلو قال: إن الأمر أجمع، لم يكن إلا النصب، و «كله» ~~بمنزلة «أجمعين» ، ومن رفع، فلأنه قد ابتدأ به، كما ابتدأ بقوله تعالى: ~~وكلهم آتيه. # قوله تعالى: يخفون في أنفسهم في الذي أخفوه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~قولهم: «لو كنا في PageV01P337 # بيوتنا ما قتلنا هاهنا» . والثاني: أنه إسرارهم الكفر، والشك في أمر ~~الله. والثالث: الندم على حضورهم مع المسلمين بأحد. # قال أبو سليمان الدمشقي: والذي قال: هل لنا من الأمر من شيء عبد الله بن ~~أبي. والذي قال: لو كان لنا من الأمر شيء معتب بن قشير. # قوله تعالى: قل لو كنتم في بيوتكم أي: لو تخلفتم، لخرج منكم من كتب عليه ~~القتل، ولم ينجه القعود. والمضاجع: المصارع بالقتل. # قال الزجاج: ومعنى لبرز: صاروا إلى براز، وهو المكان المنكشف. ومعنى ~~وليبتلي الله ما في صدوركم أي: ليختبره بأعمالكم، لأنه قد علمه غيبا، ~~فيعلمه شهادة. # قوله تعالى: وليمحص ما في قلوبكم قال قتادة: أراد ليظهرها من الشك ~~والارتياب، بما يريكم من عجائب صنعه من الأمنة، وإظهار سرائر المنافقين. ~~وهذا التمحيص خاص للمؤمنين. وقال غيره: # أراد بالتمحيص: إبانة ما في القلوب من الاعتقاد لله، ولرسوله، وللمؤمنين، ~~فهو خطاب للمنافقين. # قوله تعالى: والله عليم بذات الصدور أي: بما فيها. وقال ابن الأنباري: ~~معناه: عليم بحقيقة ما في الصدور من المضمرات، فتأنيث ذات بمعنى الحقيقة، ~~كما تقول العرب: لقيته ذات يوم. فيؤنثون لأن مقصدهم: لقيته مرة في يوم. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 155] # إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (155) # قوله تعالى: إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ms0348 الخطاب للمؤمنين، ~~وتوليهم: فرارهم من العدو. والجمعان: جمع المؤمنين، وجمع المشركين، وذلك ~~يوم أحد. واستزلهم: طلب زللهم، قال ابن قتيبة: هو كما تقول: استعجلت فلانا، ~~أي: طلبت عجلته، واستعملته: طلبت عمله. والذي كسبوا: يريد به الذنوب. وفي ~~سبب فرارهم يومئذ قولان: أحدهما: أنهم سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد قتل، فترخصوا في الفرار «1» ، قاله ابن عباس في آخرين. والثاني: أن ~~الشيطان أذكرهم خطاياهم، فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها، قاله ~~الزجاج. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 156] # يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا ~~في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك ~~حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير (156) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا أي كالمنافقين ~~الذين قالوا لإخوانهم في النفاق، وقيل: إخوانهم في النسب. قال الزجاج: ~~وإنما قال: إذا ضربوا ولم يقل: إذ ضربوا، لأنه يريد: شأنهم هذا أبدا، تقول: ~~فلان إذا حدث صدق، وإذا ضرب صبر. و «إذا» لما يستقبل، إلا أنه لم يحكم له ~~بهذا المستقبل إلا لما قد خبر منه فيما مضى. قال المفسرون: ومعنى ضربوا في ~~الأرض: PageV01P338 # ساروا وسافروا. و «غزى» جمع غازي. وفي الكلام محذوف تقديره: إذا ضربوا في ~~الأرض فماتوا، أو غزوا، فقتلوا. # قوله تعالى: ليجعل الله ذلك قال ابن عباس: ليجعل الله ما ظنوا من أنهم لو ~~كانوا عندهم، سلموا، حسرة في قلوبهم أي: حزنا. قال ابن فارس: الحسرة: ~~التلهف على الشيء الفائت. قوله تعالى: والله يحيي ويميت أي: ليس تحرز ~~الإنسان يمنعه من أجله. # قوله تعالى: والله بما تعملون بصير قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: ~~«يعملون» بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. قال أبو علي: حجة من قرأ بالياء أن ~~قبلها غيبة، وهو قوله عز وجل: وقالوا لإخوانهم، ومن قرأ بالتاء، فحجته لا ~~تكونوا كالذين كفروا. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 157] # ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة ms0349 خير مما يجمعون ~~(157) # قوله تعالى: ولئن قتلتم اللام في «لئن» لام القسم، تقديره: والله لئن ~~قتلتم في الجهاد أو متم في إقامتكم. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم: «مت» و «متم» و «متنا» برفع الميم في جميع القرآن، وروى ~~حفص عن عاصم: أو متم ولئن متم برفع الميم في هذين دون باقي القرآن. وقرأ ~~نافع، وحمزة، والكسائي كل ما في القرآن بالكسر. # قوله تعالى: لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون أي: من أعراض الدنيا ~~التي تتركون الجهاد لجمعها. وقرأ حفص عن عاصم: يجمعون بالياء، ومعناه: خير ~~مما يجمع غيركم مما تركوا الجهاد لجمعه. قال ابن عباس: خير مما يجمع ~~المنافقون في الدنيا. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 158] # ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158) # قوله تعالى: ولئن متم أي: في إقامتكم. أو قتلتم في جهادكم. لإلى الله ~~تحشرون. # وهذا تخويف من القيامة. والحشر: الجمع من سوق. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 159] # فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف ~~عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب ~~المتوكلين (159) # قوله تعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم قال الفراء وابن قتيبة والزجاج: ~~«ما» هاهنا صلة، ومثله: فبما نقضهم ميثاقهم. قال ابن الأنباري: دخول «ما» ~~هاهنا يحدث توكيدا. قال النابغة: # المرء يهوى أن يعيش ... وطول عيش ما يضره # فأكد بذكر «ما» . وفيمن تتعلق به هذه الرحمة قولان: أحدهما: أنها تتعلق ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم. والثاني: # بالمؤمنين. # قال قتادة: ومعنى لنت لهم لان جانبك، وحسن خلقك، وكثر احتمالك. قال ~~الزجاج: # والفظ: الغليظ الجانب، السيئ الخلق، يقال: فظظت تفظ فظاظة وفظظا، والفظ: ~~ماء الكرش والفرث، وإنما سمي فظا لغلظ مشربه. فأما الغليظ القلب، فقيل: هو ~~القاسي القلب، فيكون ذكر # PageV01P339 # الفظاظة والغلظ- وإن كانا بمعنى واحد- توكيدا. وقال ابن عباس: الفظ: في ~~القول، والغليظ القلب: # في الفعل. # قوله تعالى: لانفضوا أي: تفرقوا. وتقول: فضضت عن الكتاب ختمه: إذا فرقته ms0350 ~~عنه. # فاعف عنهم أي: تجاوز عن هفواتهم، وسل الله المغفرة لذنوبهم وشاورهم في ~~الأمر معناه: # استخرج آراءهم، واعلم ما عندهم. ويقال: إنه من: شرت العسل. وأنشدوا «1» : # وقاسمها بالله حقا لأنتم ... ألذ من السلوى إذا ما نشورها # قال الزجاج: يقال: شاورت الرجل مشاورة وشورا، وما يكون عن ذلك اسمه ~~المشورة وبعضهم يقول: المشورة. ويقال: فلان حسن الصورة والشورة، أي: حسن ~~الهيئة واللباس. ومعنى قولهم: # شاورت فلانا، أظهرت ما عنده وما عندي. وشرت الدابة: إذا امتحنتها. فعرفت ~~هيئتها في سيرها. # وشرت العسل: إذا أخذته من مواضع النحل. وعسل مشار. قال الأعشى: # كأن القرنفل والزنجبيل ... باتا بفيها وأريا مشارا # والأري: العسل. واختلف العلماء لأي معنى أمر الله نبيه بمشاورة أصحابه مع ~~كونه كامل الرأي، تام التدبير، على ثلاثة أقوال: أحدها: ليستن به من بعده، ~~وهذا قول الحسن، وسفيان بن عيينة. # والثاني: لتطيب قلوبهم، وهو قول قتادة، والربيع، وابن إسحاق، ومقاتل. قال ~~الشافعي رضي الله عنه: # نظير هذا قوله عليه السلام: # (227) «البكر تستأمر في نفسها» ، إنما أراد استطابة نفسها، فإنها لو ~~كرهت، كان للأب أن يزوجها، وكذلك مشاورة إبراهيم عليه السلام لابنه حين أمر ~~بذبحه. # والثالث: للإعلام ببركة المشاورة، وهو قول الضحاك. # ومن فوائد المشاورة أن المشاور إذا لم ينجح أمره، علم أن امتناع النجاح ~~محض قدر، فلم يلم نفسه، ومنها أنه قد يعزم على أمر، فيبين له الصواب في قول ~~غيره، فيعلم عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح. قال علي عليه السلام: ~~الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبير قبل العمل ~~يؤمنك من الندم. وقال بعض الحكماء: ما استنبط الصواب بمثل المشاورة، ولا ~~حصنت النعم بمثل المواساة، ولا اكتسب البغضاء بمثل الكبر. واعلم أنه إنما ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما لم يأته فيه وحي، وعمهم ~~بالذكر، والمقصود أرباب الفضل والتجارب منهم. # وفي الذي أمر بمشاورتهم فيه قولان، حكاهما القاضي أبو يعلى: أحدهما: أنه ~~أمر الدنيا خاصة. # والثاني: أمر الدين والدنيا، وهو أصح. PageV01P340 # وقد قرأ ابن مسعود، وابن ms0351 عباس «وشاورهم في بعض الأمر» . # قوله تعالى: فإذا عزمت قال ابن فارس: العزم: عقد القلب على الشيء ويريد ~~أن يفعله. وقد قرأ أبو رزين، وأبو مجلز، وأبو العالية، وعكرمة، والجحدري: ~~(فإذا عزمت) بضم التاء. فأما التوكل، فقد سبق شرحه. # ومعنى الكلام: فإذا عزمت على فعل شيء، فتوكل على الله، لا على المشاورة. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 160] # إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون (160) # قوله تعالى: إن ينصركم الله قال ابن فارس: النصر: العون، والخذلان: ترك ~~العون. وقيل الكناية في قوله تعالى من بعده تعود إلى خذلانه. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 161] # وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت وهم لا يظلمون (161) # قوله تعالى: وما كان لنبي أن يغل، في سبب نزولها سبعة أقوال: # (228) أحدها: أن قطيفة من المغنم فقدت يوم بدر، فقال ناس: لعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم أخذها، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. # (229) والثاني: أن رجلا غل من غنائم هوازن يوم حنين، فنزلت هذه الآية، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس. # (230) والثالث: أن قوما من أشراف الناس طلبوا من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يخصهم بشيء من الغنائم، فنزلت هذه الآية، نقل عن ابن عباس أيضا. # (231) والرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث طلائعا، فغنم النبي صلى ~~الله عليه وسلم غنيمة، ولم يقسم للطلائع، فقالوا قسم الفيء ولم يقسم لنا، ~~فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك. PageV01P341 # (232) والخامس: أن قوما غلوا يوم بدر، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. ~~PageV01P342 # (234) قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فذكر الغلول، فعظمه، ~~وعظم أمره، ثم قال: «لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له ~~رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ~~ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة، فيقول: يا رسول الله ~~أغثني، ms0352 فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم ~~القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك ~~لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها ~~صياح، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ~~ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله ~~أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم ~~القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك ~~شيئا، قد أبلغتك» . الرغاء: صوت البعير، والثغاء: صوت الشاة، والنفس: ما ~~يغل من السبي، والرقاع: الثياب، والصامت: المال. # والقول الثاني: أنه يأتي حاملا إثم ما غل. والثالث: أنه يرد عوض ما غل من ~~حسناته. والقول الأول أصح لمكان الأثر الصحيح. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 162] # أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ~~(162) # قوله تعالى: أفمن اتبع رضوان الله اختلفوا في معنى هذه الآية على قولين: # أحدهما: أن معناها: أفمن اتبع رضوان الله، فلم يغل، كمن باء بسخط من الله ~~حين غل؟! هذا قول سعيد بن جبير، والضحاك، والجمهور. # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر المسلمين باتباعه يوم أحد، ~~اتبعه المؤمنون، وتخلف جماعة من المنافقين، فأخبر الله بحال من تبعه، ومن ~~تخلف عنه، هذا قول الزجاج. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 163] # هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون (163) # قوله تعالى: هم درجات، قال الزجاج: معناه: هم ذوو درجات. وفي معنى درجات ~~قولان: # أحدهما: أنها درجات الجنة، قاله الحسن. والثاني: أنها فضائلهم، فبعضهم ~~أفضل من بعض، قاله الفراء، وابن قتيبة. وفيمن عنى بهذا الكلام قولان: ~~أحدهما: أنهم الذين اتبعوا رضوان الله، والذين باؤوا بسخط من الله، فلمن ~~اتبع رضوانه الثواب، ولمن باء بسخطه العذاب، هذا قول ابن عباس. # والثاني: أنهم الذين اتبعوا رضوان الله فقط، فإنهم يتفاوتون في المنازل، ~~هذا ms0353 قول سعيد بن جبير، وأبي صالح، ومقاتل. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 164] # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (164) ~~PageV01P343 # قوله تعالى: لقد من الله على المؤمنين أي: أنعم عليهم. و «أنفسهم» : ~~جماعتهم، وقيل: # نسبهم. وقرأ الضحاك، وأبو الجوزاء: (من أنفسهم) بفتح الفاء. وفي وجه ~~الامتنان عليهم بكونه من أنفسهم أربعة أقوال: أحدها: لكونه معروف النسب ~~فيهم، قاله ابن عباس، وقتادة. والثاني: لكونهم قد خبروا أمره، وعلموا صدقه، ~~قاله الزجاج. والثالث: ليسهل عليهم التعلم منه، لموافقة لسانه للسانهم، ~~قاله أبو سليمان الدمشقي. والرابع: لأن شرفهم يتم بظهور نبي منهم، قاله ~~الماوردي. وهل هذه الآية خاصة أم عامة؟ فيه قولان: أحدهما: أنها خاصة ~~للعرب. روي عن عائشة والجمهور. والثاني: أنها عامة لسائر المؤمنين، فيكون ~~المعنى أنه ليس بملك، ولا من غير بني آدم، وهذا اختيار الزجاج. وقد سبق في ~~(البقرة) بيان باقي الآية. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 165] # أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ~~إن الله على كل شيء قدير (165) # قوله تعالى: أولما أصابتكم مصيبة، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لما ~~كان يوم أحد، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر، من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، ~~وفر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على ~~رأسه، وسال الدم على وجهه، فنزلت هذه الآية إلى قوله تعالى قل هو من عند ~~أنفسكم قال: بأخذكم الفداء. # قوله تعالى أولما قال الزجاج: هذه واو النسق، دخلت عليها ألف الاستفهام، ~~فبقيت مفتوحة على هيئتها قبل دخولها، ومثل ذلك قول القائل: تكلم فلان بكذا ~~وكذا فيقول المجيب له: أو هو ممن يقول ذلك؟ فأما «المصيبة» فما أصابهم يوم ~~أحد، وكانوا قد أصابوا مثليها من المشركين يوم بدر، لأنهم قتل منهم سبعون، ~~فقتلوا يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين، وهذا قول ابن عباس، والضحاك، وقتادة، ~~والجماعة، إلا أن الزجاج قال: قد ms0354 أصبتم يوم أحد مثلها، ويوم بدر مثلها، ~~فجعل المثلين في اليومين. # قوله تعالى: أنى هذا، قال ابن عباس: من أين أصابنا هذا ونحن مسلمون؟ # قوله تعالى: قل هو من عند أنفسكم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن معناه: بأخذكم الفداء يوم بدر، قاله عمر بن الخطاب. # (235) وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: جاء جبريل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: إن الله قد كره ما صنع قومك من أخذهم الفداء، وقد أمرك أن ~~تخيرهم بين أن يضربوا أعناق الأسارى، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل ~~منهم عدتهم، فذكر ذلك للناس، فقالوا: عشائرنا وإخواننا، بل نأخذ منهم ~~الفداء، ويستشهد منا عدتهم، فقتل منهم يوم أحد سبعون، عدد أسارى بدر، فعلى ~~هذا يكون المعنى: قل هو بأخذكم الفداء، واختياركم القتل لأنفسكم. # والثاني: أنه جرى ذلك بمعصية الرماة يوم أحد، وتركهم أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قاله ابن عباس، PageV01P344 # ومقاتل في آخرين. والثالث: أنه بمخالفتهم الرسول في الخروج من المدينة ~~يوم أحد، فإنه أمرهم بالتحصن فيها، فقالوا: بل نخرج، قاله قتادة، والربيع. # قال مقاتل: إن الله على كل شيء من النصر والهزيمة قدير. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 166 الى 167] # وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم ~~الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم ~~قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس ~~في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) # قوله تعالى: وما أصابكم يوم التقى الجمعان الجمعان: النبي وأصحابه، وأبو ~~سفيان وأصحابه، وذلك في يوم أحد، وقد سبق ذكر ما أصابهم. # قوله تعالى: فبإذن الله فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أمره. والثاني: قضاؤه، ~~رويا عن ابن عباس. # والثالث: علمه، قاله الزجاج. # قوله تعالى: وليعلم المؤمنين أي: ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم على ما ~~نالهم، ويظهر نفاق المنافقين بفشلهم وقلة صبرهم. # قال ابن قتيبة: والنفاق مأخوذ من نافقاء اليربوع، وهو جحر من جحرته، يخرج ~~منه إذا أخذ عليه الجحر ms0355 الذي دخل فيه. قال ابن قتيبة: قال الزيادي عن ~~الأصمعي: ولليربوع أربعة أجحرة: النافقاء: # وهو الذي يخرج منه كثيرا، ويدخل منه كثيرا. والقاصعاء، سمي بذلك لأنه ~~يخرج تراب الجحر، ثم يقصع ببعضه كأنه يسد به فم الجحر، ومنه يقال: جرح فلان ~~قد قصع بالدم: إذا امتلأ ولم يسل. # والداماء، سمي بذلك، لأنه يخرج التراب من فم الجحر، ثم يدم به فم الجحر، ~~كأنه يطليه، ومنه يقال: ادمم قدرك بشحم، أي اطلها به. والراهطاء، ولم يذكر ~~اشتقاقه، وإنما يتخذ هذه الجحر عددا، فاذا أخذ عليه بعضها، خرج من بعض. # قال أبو زيد: فشبه المنافق به، لأنه يدخل في الإسلام بلفظه، ويخرج منه ~~بعقده، كما يدخل اليربوع من باب ويخرج من باب. قال ابن قتيبة: والنفاق: لفظ ~~إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبل الإسلام. قال ابن عباس: والمراد بالذين ~~نافقوا عبد الله بن أبي، وأصحابه. # (236) قال موسى بن عقبة: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ومعه ~~المسلمون، وهم ألف رجل، والمشركون ثلاثة آلاف، فرجع عنه ابن أبي في ~~ثلاثمائة. # فأما القتال، فمباشرة الحرب. وفي المراد بالدفع ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~التكثير بالعدد. رواه مجاهد عن ابن عباس، وهو قول الحسن، وعكرمة، والضحاك، ~~والسدي، وابن جريج في آخرين. # والثاني: أن معناه: ادفعوا عن أنفسكم وحريمكم، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وهو قول مقاتل. # والثالث: أنه بمعنى القتال أيضا. قاله ابن زيد. # قوله تعالى: لو نعلم قتالا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: لو نعلم أن ~~اليوم يجري قتال ما PageV01P345 # أسلمناكم، ذكره ابن اسحاق. والثاني: لو كنا نحسن القتال لاتبعناكم. ~~والثالث: إن معناه: أن هناك قتلا وليس بقتال، ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: هم للكفر أي: إلى الكفر أقرب منهم للإيمان أي: إلى الإيمان، ~~وإنما قال: # يومئذ، لأنهم فيما قبل لم يظهروا مثل ما أظهروا، فكانوا بظاهر حالهم فيما ~~قبل أقرب إلى الإيمان. قوله تعالى: يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم فيه ~~وجهان ذكرهما الماوردي: أحدهما: ينطقون بالإيمان، وليس في قلوبهم إلا ms0356 ~~الكفر. والثاني: يقولون: نحن أنصار، وهم أعداء. وذكر في الذي يكتمون وجهين: ~~أحدهما: أنه النفاق. والثاني: العداوة. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 168] # الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم ~~الموت إن كنتم صادقين (168) # قوله تعالى: الذين قالوا لإخوانهم قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن ~~أبي. وفي إخوانهم قولان: أحدهما: أنهم إخوانهم في النفاق، قاله ابن عباس. ~~والثاني: إخوانهم في النسب، قاله مقاتل. # فعلى الأول يكون المعنى: قالوا لإخوانهم المنافقين: لو أطاعنا الذين ~~قتلوا مع محمد ما قتلوا، وعلى الثاني يكون المعنى: قالوا عن إخوانهم الذين ~~استشهدوا بأحد: لو أطاعونا ما قتلوا. # قوله تعالى: وقعدوا يعني القائلين قعدوا عن الجهاد. قوله تعالى: فادرؤا ~~أي: فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين أن الحذر ينفع مع القدر. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 169] # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ~~(169) # قوله تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا قرأ ابن عامر: ~~قتلوا بالتشديد. واختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في ~~شهداء أحد. # (237) روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لما أصيب ~~إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل ~~من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب ~~مأكلهم ومشربهم، وحسن مقيلهم، قالوا: ليت إخواننا يعلمون بما صنع الله لنا، ~~لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب قال الله تعالى: أنا أبلغهم ~~عنكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية» وهذا قول سعيد بن جبير، وأبي الضحى. # والثاني: أنها نزلت في شهداء بدر لما أفضوا إلى كرامة الله عز وجل ~~وقالوا: ربنا أعلم إخواننا، PageV01P346 # فنزلت هذه الآية والتي بعدها، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس «1» ، وهو ~~قول مقاتل. # (238) والثالث: أنها نزلت في شهداء بئر معونة. روى محمد بن إسحاق عن ~~أشياخ له، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث المنذر بن عمرو ms0357 في سبعين رجلا ~~من خيار المسلمين إلى أهل نجد، فلما نزلوا بئر معونة، خرع حرام بن ملحان ~~إلى عامر بن الطفيل بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينظر فيه ~~عامر، وخرج رجل من كسر «2» البيت برمح، فضرب به في جنب حرام حتى خرج من ~~الشق الآخر، فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة، وقتل سائر أصحابه غير واحد ~~منهم، قال أنس بن مالك: فأنزل الله تعالى فيهم: # «بلغوا قومنا عنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه» ثم رفعت، ~~فنزلت هذه الآية: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا. # فهذا اختلاف الناس فيمن نزلت، واختلفوا في سبب نزولها على ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أن الشهداء بعد استشهادهم سألوا الله أن يخبر إخوانهم بمصيرهم، وقد ~~ذكرناه عن ابن عباس. والثاني: أن رجلا قال: يا ليتنا نعلم ما لقي إخواننا ~~الذين استشهدوا، فنزلت، قاله مقاتل. والثالث: أن أولياء الشهداء كانوا إذا ~~أصابتهم نعمة أو سرور، تحسروا، وقالوا نحن في النعمة والسرور، وآباؤنا، ~~وأبناؤنا، وإخواننا، في القبور، فنزلت هذه الآية، ذكره علي بن أحمد ~~النيسابوري. # فأما التفسير، فمعنى الآية: لا تحسبنهم أمواتا كالأموات الذين لم يقتلوا ~~في سبيل الله، وقد بينا هذا المعنى في (البقرة) وذكرنا أن معنى حياتهم: أن ~~أرواحهم في حواصل طير تأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها. قال مجاهد: ~~يرزقون من ثمر الجنة. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 170] # فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ~~ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) # قوله تعالى: فرحين قال ابن قتيبة: الفرح: المسرة، فأما الذي آتاهم الله، ~~فما نالوا من كرامة الله ورزقه، والاستبشار: السرور بالبشارة، بالذين لم ~~يلحقوا بهم من خلفهم إخوانهم من المسلمين. وفي سبب استبشارهم بهم ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أن الله تعالى لما أخبر بكرامة الشهداء، أخبر الشهداء بأني ~~قد أنزلت على نبيكم، وأخبرته بأمركم فاستبشروا، وعلموا أن إخوانهم سيحرصون ~~على الشهادة، قاله سعيد بن جبير. والثاني: يستبشرون بإخوانهم الذين يرجون ~~لهم ms0358 الشهادة، يقولون: إن قتلوا نالوا ما نلنا من الفضل، قاله قتادة. ~~والثالث: أن الشهيد يؤتى بكتاب فيه ذكر من تقدم عليه من إخوانه وأهله، وفيه ~~يقدم عليه فلان يوم كذا وكذا، فيستبشر بقدومه، كما يستبشر أهل الغائب به، ~~هذا قول السدي. PageV01P347 # و «الهاء» و «الميم» في قوله تعالى: ألا خوف عليهم تعود إلى الذين لم ~~يلحقوا بهم. قال الفراء: # معناه: يستبشرون لهم بأنهم لا خوف عليهم، ولا حزن. وفي ماذا يرتفع ~~«الخوف» و «الحزن» عنهم؟ # فيه قولان: # أحدهما: لا خوف عليهم فيمن خلفوه من ذريتهم، ولا يحزنون على ما خلفوا من ~~أموالهم. # والثاني: لا خوف عليهم فيما يقدمون عليه، ولا يحزنون على مفارقة الدنيا ~~فرحا بالآخرة. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 171] # يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (171) # قوله تعالى: يستبشرون بنعمة من الله وفضل قال مقاتل: برحمة ورزق. # قوله تعالى: وأن الله قرأ الجمهور بالفتح على معنى: ويستبشرون بأن الله، ~~وقرأ الكسائي بالكسر على الاستئناف. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 172] # الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم ~~واتقوا أجر عظيم (172) # قوله تعالى: الذين استجابوا لله والرسول في سبب نزولها قولان: # (239) أحدهما: أن المشركين لما انصرفوا يوم أحد، ندب النبي صلى الله عليه ~~وسلم أصحابه لاتباعهم، ثم خرج بمن انتدب معه، فلقي أبو سفيان قوما، فقال: ~~إن لقيتم محمدا، فأخبروه أني في جمع كثير، فلقيهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسألهم عنه؟ فقالوا: لقيناه في جمع كثير، ونراك في قلة، فأبى إلا أن يطلبه، ~~فسبقه أبو سفيان، فدخل مكة، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس، والجمهور. # (240) والثاني: أن أبا سفيان لما أراد الانصراف عن أحد، قال: يا محمد، ~~موعد بيننا وبينك موسم بدر، فلما كان العام المقبل، خرج أبو سفيان، ثم ألقى ~~الله في قلبه الرعب، فبدا له الرجوع، فلقي نعيم بن مسعود، فقال: إني قد ~~واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى، وهذا عام جدب، لا يصلح ~~لنا، فثبطهم ms0359 عنا، وأعلمهم أنا في جمع كثير، فلقيهم فخوفهم، فقالوا: حسبنا ~~الله ونعم الوكيل، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، حتى أقاموا ببدر ~~ينتظرون أبا سفيان، فنزل قوله تعالى: الذين استجابوا لله والرسول الآيات. ~~وهذا المعنى مروي عن مجاهد، وعكرمة. والاستجابة: الإجابة. # وأنشدوا: # فلم يستجبه عند ذاك مجيب «1» PageV01P348 # أي: فلم يجبه. وفي مراد النبي صلى الله عليه وسلم وخروجه وندب الناس إلى ~~الخروج ثلاثة أقوال: # أحدها: ليرهب العدو باتباعهم. والثاني: لموعد أبي سفيان. والثالث: لأنه ~~بلغه عن القوم أنهم قالوا: أصبتم شوكتهم، ثم تركتموهم. وقد سبق الكلام في ~~القرح. # قوله تعالى: للذين أحسنوا منهم أي: أحسنوا بطاعة الرسول، واتقوا مخالفته. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 173] # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا ~~حسبنا الله ونعم الوكيل (173) # قوله تعالى: الذين قال لهم الناس في المراد بالناس ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنهم ركب لقيهم أبو سفيان، فضمن لهم ضمانا لتخويف النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، قاله ابن عباس، وابن إسحاق. والثاني: أنه نعيم بن مسعود الأشجعي، ~~قاله مجاهد، وعكرمة، ومقاتل في آخرين. والثالث: أنهم المنافقون، لما رأوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم يتجهز، نهوا المسلمين عن الخروج، وقالوا: إن ~~أتيتموهم في ديارهم، لم يرجع منكم أحد، هذا قول السدي. # قوله تعالى: إن الناس قد جمعوا لكم يعني أبا سفيان وأصحابه. # قوله تعالى: فزادهم إيمانا قال الزجاج: زادهم ذلك التخويف ثبوتا في ~~دينهم، وإقامة على نصرة نبيهم، وقالوا: حسبنا الله أي: هو الذي يكفينا ~~أمرهم. فأما «الوكيل» ، فقال الفراء: الوكيل: # الكافي، واختاره ابن القاسم. وقال ابن قتيبة: هو الكفيل، قال: ووكيل ~~الرجل في ماله: هو الذي كفله له، وقام به. وقال الخطابي: الوكيل: الكفيل ~~بأرزاق العباد ومصالحهم، وحقيقته: أنه الذي يستقل بالأمر الموكول إليه. ~~وحكى ابن الأنباري أن قوما قالوا: الوكيل: الرب. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 174] # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو ~~فضل عظيم (174) # قوله تعالى: فانقلبوا بنعمة من الله ms0360 الانقلاب: الرجوع. وفي النعمة، ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنها الأجر، قاله مجاهد. والثاني: العافية، قاله السدي. ~~والثالث: الإيمان والنصر، قاله الزجاج. وفي الفضل، ثلاثة أقوال: أحدها: ربح ~~التجارة، قاله مجاهد، والسدي، وهذا قول من يرى أنهم خرجوا لموعد أبي سفيان. ~~قال الزهري: لما استنفر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين لموعد أبي سفيان ~~ببدر، خرجوا ببضائع لهم، وقالوا: إن لقينا أبا سفيان، فهو الذي خرجنا إليه، ~~وإن لم نلقه ابتعنا ببضائعنا، وكانت بدر متجرا يوافى كل عام، فانطلقوا ~~فقضوا حوائجهم، وأخلف أبو سفيان الموعد. والثاني: أنهم أصابوا سرية ~~بالصفراء، فرزقوا منها، قاله مقاتل. والثالث: أنه الثواب، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: لم يمسسهم سوء قال ابن عباس: لم يؤذهم أحد. واتبعوا رضوان ~~الله في طلب القوم. والله ذو فضل أي: ذو من بدفع المشركين عن المؤمنين. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 175] # إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (175) # قوله تعالى: إنما ذلكم الشيطان قال الزجاج: معناه: ذلك التخويف كان فعل ~~الشيطان، سوله للمخوفين. وفي قوله تعالى: يخوف أولياءه قولان: # PageV01P349 # أحدهما: أن معناه: يخوفكم بأوليائه، قاله الفراء، واستدل بقوله تعالى: ~~لينذر بأسا شديدا «1» أي: ببأس، وبقوله تعالى: لينذر يوم التلاق «2» أي: ~~بيوم التلاق. وقال الزجاج: معناه: يخوفكم من أوليائه، بدليل قوله تعالى: ~~فلا تخافوهم وخافون. وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وإبراهيم، ~~وابن قتيبة. وأنشد ابن الأنباري في ذلك «3» : # وأيقنت التفرق يوم قالوا ... تقسم مال أربد بالسهام # أراد: أيقنت بالتفرق. قال: فلما أسقط الباء أعمل الفعل فيما بعدها ونصبه. ~~قال: والذي نختاره في الآية: أن المعنى: يخوفكم أولياءه. تقول العرب: قد ~~أعطيت الأموال، يريدون: أعطيت القوم الأموال، فيحذفون القوم، ويقتصرون على ~~ذكر المفعول الثاني. فهذا أشبه من ادعاء «باء» ما عليها دليل، ولا تدعو ~~إليها ضرورة. # والثاني: أن معناه: يخوف أولياءه المنافقين، ليقعدوا عن قتال المشركين، ~~قاله الحسن والسدي، وذكره الزجاج. # قوله تعالى: فلا تخافوهم يعني: أولياء الشيطان وخافون في ترك أمري. وفي ~~«إن» قولان: # أحدهما: أنها بمعنى: ms0361 «إذ» ، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنها للشرط، ~~وهو قول الزجاج في آخرين. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 176] # ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا ~~يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) # قوله تعالى: ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر، قرأ نافع «يحزنك» ~~«ليحزنني» «ليحزن» بضم الياء وكسر الزاي في جميع القرآن، إلا في (الأنبياء) ~~لا يحزنهم الفزع «4» ، فإنه فتح الياء، وضم الزاي. وقرأ الباقون كل ما في ~~القرآن بفتح الياء وضم الزاي. قال أبو علي: يشبه أن يكون نافع تبع في سورة ~~(الأنبياء) أثرا، أو أحب أن يأخذ بالوجهين. وفي الذين يسارعون في الكفر ~~أربعة أقوال: أحدها: # أنهم المنافقون، ورؤساء اليهود، قاله ابن عباس. والثاني: المنافقون، قاله ~~مجاهد. والثالث: كفار قريش، قاله الضحاك. والرابع: قوم ارتدوا عن الإسلام، ~~ذكره الماوردي. # وقيل: معنى مسارعتهم في الكفر: مظاهرتهم للكفار، ونصرهم إياهم. فإن قيل: ~~كيف لا يحزنه المسارعة في الكفر؟ فالجواب: لا يحزنك فعلهم، فإنك منصور ~~عليهم. # قوله تعالى: إنهم لن يضروا الله شيئا فيه قولان: أحدهما: لن ينقصوا الله ~~شيئا بكفرهم، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: لن يضروا أولياء الله شيئا، ~~قاله عطاء. # قال ابن عباس: والحظ: النصيب، والآخرة: الجنة. ولهم عذاب عظيم في النار. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 177] # إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (177) ~~PageV01P350 # قوله تعالى: إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان، قال مجاهد: المنافقون آمنوا ~~ثم كفروا، وقد سبق في (البقرة) معنى الاشتراء. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 178] # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما ولهم عذاب مهين (178) # قوله تعالى: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، اختلفوا ~~فيمن نزلت على أربعة أقوال: أحدها: في اليهود والنصارى والمنافقين، قاله ~~ابن عباس. والثاني: في قريظة والنضير، قاله عطاء. والثالث: في مشركي مكة، ~~قاله مقاتل. والرابع: في كل كافر، قاله أبو سليمان الدمشقي. وقرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو، ونافع: ms0362 «ولا يحسبن الذين كفروا» «ولا يحسبن الذين يبخلون» «ولا ~~يحسبن الذين يفرحون» بالياء وكسر السين، ووافقهم ابن عامر غير أنه فتح ~~السين، وقرأ حمزة بالتاء، وقرأ عاصم والكسائي كل ما في هذه السورة بالتاء ~~غير حرفين ولا يحسبن الذين كفروا ولا يحسبن الذين يبخلون فإنهما بالياء، ~~إلا أن عاصما فتح السين، وكسرها الكسائي، ولم يختلفوا في ولا تحسبن الذين ~~قتلوا أنها بالتاء. نملي لهم: أي: نطيل لهم في العمر، ومثله: واهجرني مليا. ~~قال ابن الأنباري: # واشتقاق «نملي لهم» من الملوة، وهي المدة من الزمان، يقال: ملوة من ~~الدهر، وملوة، وملوة، وملاوة، وملاوة، وملاوة، بمعنى واحد، ومنه قولهم: ~~وتمل حبيبا، أي: لتطل أيامك معه. قال متمم بن نويرة: # بودي لو أني تمليت عمره ... بما لي من مال طريف وتالد «1» ### | [سورة آل عمران (3) : آية 179] # ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ~~وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا ~~بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (179) # قوله تعالى: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه في سبب نزولها ~~خمسة أقوال: # أحدها: أن قريشا قالت: تزعم يا محمد أن من اتبعك فهو في الجنة، ومن خالفك ~~فهو في النار؟! فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن، فنزلت هذه الآية، هذا قول ~~ابن عباس «2» . # والثاني: أن المؤمنين سألوا أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن ~~والمنافق، فنزلت هذه الآية، هذا قول أبي العالية. # (241) والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عرضت علي أمتي، وأعلمت ~~من يؤمن بي ومن يكفر، فبلغ ذلك المنافقين فاستهزءوا وقالوا: فنحن معه ولا ~~يعرفنا، فنزلت هذه الآية، هذا قول السدي. PageV01P351 # والرابع: أن اليهود، قالت: يا محمد قد كنتم راضين بديننا، فكيف بكم لو ~~مات بعضكم قبل نزول كتابكم؟! فنزلت هذه الآية. هذا قول عمر مولى غفرة. # والخامس: أن قوما من المنافقين ادعوا أنهم في إيمانهم مثل المؤمنين، ~~فأظهر الله نفاقهم يوم أحد، وأنزل ms0363 هذه الآية، هذا قول أبي سليمان الدمشقي. # وفي المخاطب بهذه الآية قولان: أحدهما: أنهم الكفار والمنافقون، وهو قول ~~ابن عباس، والضحاك. والثاني: أنهم المؤمنون، فيكون المعنى: ما كان الله ~~ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق. قال الثعلبي: وهذا قول ~~أكثر أهل المعاني. # قوله تعالى: حتى يميز الخبيث من الطيب قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو، ~~وابن عامر حتى يميز وليميز الله الخبيث بفتح الياء والتخفيف. وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وخلف، ويعقوب: # «يميز» بالتشديد، وكذلك في الأنفال: «ليميز الله الخبيث» . قال أبو علي: ~~مزت وميزت لغتان. قال ابن قتيبة: ومعنى يميز: يخلص. فأما الطيب، فهو ~~المؤمن. وفي الخبيث قولان: أحدهما: أنه المنافق، قاله مجاهد، وابن جريج. ~~والثاني: الكافر، قاله قتادة، والسدي. # وفي الذي وقع به التمييز بينهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الهجرة والقتال، ~~قاله قتادة، وهو قول من قال: الخبيث: الكافر. والثاني: أنه الجهاد، وهو قول ~~من قال: هو المنافق. قال مجاهد: فميز الله يوم أحد بين المؤمنين ~~والمنافقين، حيث أظهروا النفاق وتخلفوا. والثالث: أنه جميع الفرائض ~~والتكاليف. # فإن المؤمن مستور الحال بالإقرار، فإذا جاءت التكاليف بان أمره، هذا قول ~~ابن كيسان. وفي المخاطب بقوله تعالى: وما كان الله ليطلعكم على الغيب ~~قولان: أحدهما: أنهم كفار قريش، فمعناه: ما كان الله ليبين لكم المؤمن من ~~الكافر، لأنهم طلبوا ذلك، فقالوا: أخبرنا بمن يؤمن ومن لا يؤمن، هذا قول ~~ابن عباس. والثاني: أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فمعناه: وما كان الله ~~ليطلع محمدا على الغيب، قاله السدي. و «يجتبي» بمعنى يختار، قاله الزجاج ~~وغيره. فمعنى الكلام على القول الأول: أن الله لا يطلع على الغيب أحدا إلا ~~الأنبياء الذين اجتباهم، وعلى القول الثاني: أن الله لا يطلع على الغيب ~~أحدا إلا أنه يجتبي من يشاء فيطلعه على ما يشاء. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 180] # ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم ~~سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات ms0364 والأرض والله بما ~~تعملون خبير (180) # قوله تعالى: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله اختلفوا فيمن نزلت ~~على قولين: # أحدهما: أنها نزلت في الذين يبخلون أن يؤدوا زكاة أموالهم، وهو قول ابن ~~مسعود وأبي هريرة، وابن عباس في رواية أبي صالح، والشعبي، ومجاهد، وفي ~~رواية السدي في آخرين. # والثاني: أنها في الأحبار الذين كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ونبوته، رواه عطية عن ابن عباس، وابن جريج عن مجاهد، واختاره الزجاج. # قال الفراء: ومعنى الكلام: لا يحسبن الباخلون البخل هو خيرا لهم، فاكتفى ~~بذكر «يبخلون» من البخل، كما تقول: قدم فلان، فسررت به، أي: سررت بقدومه. ~~قال الشاعر: # PageV01P352 # إذا نهي السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف «1» # يريد جرى إلى السفه. والذي آتاهم الله على قول من قال: البخل بالزكاة: هو ~~المال، وعلى قول من قال: البخل بذكر صفة النبي صلى الله عليه وسلم هو ~~العلم. # قوله تعالى: هو إشارة إلى البخل وليس مذكورا، ولكنه مدلول عليه ب ~~«يبخلون» . # وفي معنى تطويقهم به أربعة أقوال: أحدها: أنه يجعل كالحية يطوق بها ~~الإنسان. # (242) روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من رجل لا ~~يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاع «2» أقرع يفر منه، وهو يتبعه ~~حتى يطوق في عنقه» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيطوقون ما بخلوا ~~به يوم القيامة، وهذا مذهب ابن مسعود، ومقاتل. # والثاني: أنه يجعل طوقا من نار، رواه منصور عن مجاهد، وإبراهيم. # والثالث: أن معنى تطويقهم به: تكليفهم أن يأتوا به، رواه ابن أبي نجيح، ~~عن مجاهد. # والرابع: أن معناه: يلزم أعناقهم إثمه، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: ولله ميراث السماوات والأرض قال ابن عباس: يموت أهل السماوات ~~وأهل الأرض، ويبقى رب العالمين، قال الزجاج: خوطب القوم بما يعقلون، لأنهم ~~يجعلون ما رجع إلى الإنسان ميراثا إذا كان ملكا له، وقال ابن الأنباري: ~~معنى الميراث: انفراد الرجل بما كان لا ينفرد به، فلما مات الخلق، وانفرد ms0365 ~~عز وجل صار ذلك له وراثة. # قوله تعالى: والله بما تعملون خبير قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «يعملون» ~~بالياء إتباعا لقوله تعالى سيطوقون وقرأ الباقون بالتاء، لأن قبله وإن ~~تؤمنوا وتتقوا. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 181] # لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق (181) # قوله تعالى: لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير في سبب نزولها ~~قولان: # (243) أحدهما: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه دخل بيت مدراس اليهود، ~~فوجدهم قد PageV01P353 # اجتمعوا على رجل منهم، اسمه فنحاص، فقال له أبو بكر: اتق الله وأسلم، فو ~~الله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله. فقال: والله يا أبا بكر ما بنا إلى ~~الله من فقر. وإنه إلينا لفقير، ولو كان غنيا عنا ما استقرضنا. # فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والله لولا العهد الذي ~~بيننا لضربت عنقك. # فذهب فنحاص يشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبره أبو بكر بما قال، ~~فجحد فنحاص، فنزلت هذه الآية، ونزل فيما بلغ من أبي بكر من الغضب ولتسمعن ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا «1» ، هذا قول ~~ابن عباس، وإلى نحوه ذهب مجاهد، وعكرمة والسدي، ومقاتل. # والثاني: أنه لما نزل قوله تعالى: من ذا الذي يقرض الله قرضا «2» قالت ~~اليهود: إنما يستقرض الفقير من الغني، فنزلت هذه الآية، هذا قول الحسن، ~~وقتادة. # وفي الذين قالوا: إن الله فقير، أربعة أقوال: أحدها: أنه فنحاص بن ~~عازوراء اليهودي، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: حيي بن أخطب، قاله الحسن ~~وقتادة. والثالث: أن جماعة من اليهود قالوه. قال مجاهد: صك أبو بكر رجلا من ~~الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء لم يستقرضنا وهو غني؟! والرابع: أنه ~~النباش بن عمرو اليهودي، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: سنكتب ما قالوا قرأ حمزة وحده: «سيكتب» بياء مضمومة و ~~«قتلهم» بالرفع و «يقول» بالياء، وقرأ الباقون: سنكتب ما ms0366 قالوا بالنون، وو ~~قتلهم بالنصب و «نقول» بالنون، وقرأ ابن مسعود «ويقال» وقرأ الأعمش وطلحة: ~~«ويقول» . # وفي معنى سنكتب ما قالوا قولان: أحدهما: سنحفظ عليهم ما قالوا، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: سنأمر الحفظة بكتابته، قاله مقاتل. # قوله تعالى: وقتلهم الأنبياء أي: ونكتب ذلك. فإن قيل: هذا القائل لم يقتل ~~نبيا قط! فالجواب: أنه رضي بفعل متقدميه لذلك، كما بينا في قوله تعالى: ~~ويقتلون النبيين بغير الحق. قال الزجاج: ومعنى عذاب الحريق: عذاب محرق، أي: ~~عذاب بالنار، لأن العذاب قد يكون بغير النار. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 182] # ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (182) # قوله تعالى: ذلك إشارة إلى العذاب، والذي قدمت أيديهم: الكفر والخطايا. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 183] # الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله ~~النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم ~~صادقين (183) PageV01P354 # قوله تعالى: الذين قالوا إن الله عهد إلينا. قال ابن عباس: # (244) نزلت في كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وحيي بن أخطب، وجماعة من ~~اليهود، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الله عهد إلينا، ~~أي: أمرنا في التوراة: أن لا نؤمن لرسول، أي: لا نصدق رسولا يزعم أنه رسول، ~~حتى يأتينا بقربان تأكله النار. # قال ابن قتيبة: والقربان: ما تقرب به إلى الله تعالى من ذبح وغيره. وإنما ~~طلبوا القربان، لأنه كان من سنن الأنبياء المتقدمين، وكان نزول النار علامة ~~القبول. قال ابن عباس: كان الرجل يتصدق، فإذا قبلت منه، نزلت نار من السماء ~~فأكلته، وكانت نارا لها دوي، وحفيف. وقال عطاء: كان بنو إسرائيل يذبحون ~~لله، فيأخذون أطايب اللحم، فيضعونها في وسط البيت تحت السماء، فيقوم النبي ~~في البيت، ويناجي ربه، فتنزل نار، فتأخذ ذلك القربان، فيخر النبي ساجدا، ~~فيوحي الله إليه ما يشاء. قال ابن عباس: قل يا محمد لليهود قد جاءكم رسل من ~~قبلي بالبينات أي: بالآيات، وبالذي سألتم من القربان. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية ms0367 # 184] # فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤ بالبينات والزبر والكتاب المنير (184) # قوله تعالى: فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك معناه: لست بأول رسول كذب. # قال أبو علي: وقرأ ابن عامر وحده «بالبينات وبالزبر» بزيادة باء، وكذلك ~~في مصاحف أهل الشام، ووجهه أن إعادة الباء ضرب من التأكيد، ووجه قراءة ~~الجمهور أن الواو قد أغنت عن تكرير العامل، تقول: مررت بزيد وعمرو، فتستغني ~~عن تكرير الباء. # قوله تعالى: والكتاب المنير قال أبو سليمان: يعني به الكتاب النيرة ~~بالبراهين والحجج. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 185] # كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار ~~وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (185) # قوله تعالى: كل نفس ذائقة الموت. قال ابن عباس: # (245) لما نزل قوله تعالى: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم «1» قالوا: ~~يا رسول الله إنما نزل في بني آدم، فأين ذكر الموت في الجن، والطير، ~~والأنعام، فنزلت هذه الآية. # وفي ذكر الموت تهديد للمكذبين بالمصير، وتزهيد في الدنيا وتنبيه على ~~اغتنام الأجل. وفي قوله تعالى: وإنما توفون أجوركم يوم القيامة بشارة ~~للمحسنين، وتهديد للمسيئين. PageV01P355 # قوله تعالى: فمن زحزح قال ابن قتيبة: نجي وأبعد. فقد فاز قال الزجاج: ~~تأويل فاز. # تباعد عن المكروه ولقي ما يحب، يقال لمن نجا من هلكة ولمن لقي ما يغتبط ~~به: قد فاز. # قوله تعالى: وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور يريد أن العيش فيها يغر ~~الإنسان بما يمنيه من طول البقاء، وسيقطع عن قريب. قال سعيد بن جبير: هي ~~متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة، فأما من يشتغل بطلب الآخرة، فهي له ~~متاع بلاغ إلى ما هو خير منها. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 186] # لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن ~~الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (186) # قوله تعالى: لتبلون في أموالكم وأنفسكم في سبب نزولها خمسة أقوال: # (246) أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم ms0368 مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي، ~~وعبد الله بن رواحة، فغشي المجلس عجاجة الدابة، فخمر ابن أبي أنفه بردائه، ~~وقال: لا تغبروا علينا، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعاهم إلى ~~الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال ابن أبي: إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقا ~~فلا تؤذنا في مجالسنا. وقال ابن رواحة: اغشنا به في مجالسنا يا رسول الله، ~~فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون، والمشركون، واليهود، فنزلت هذه الآية، رواه ~~عروة عن أسامة بن زيد. # والثاني: أن المشركين واليهود كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه أشد الأذى، فنزلت هذه الآية، قال كعب بن مالك الأنصاري. والثالث: ~~أنها نزلت فيما جرى بين أبي بكر الصديق، وبين فنحاص اليهودي «1» ، وقد سبق ~~ذكره عن ابن عباس. والرابع: أنها نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي ~~بكر الصديق، قاله أبو صالح عن ابن عباس. واختاره مقاتل. وقال عكرمة: نزلت ~~في النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر الصديق، وفنحاص اليهودي «2» . # (247) والخامس: أنها نزلت في كعب بن الأشرف، كان يحرض المشركين على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم PageV01P356 # وأصحابه في شعره، وهذا مذهب الزهري. # قال الزجاج: ومعنى لتبلون: لتخبرن، أي: توقع عليكم المحن، فيعلم المؤمن ~~حقا من غيره. و «النون» دخلت مؤكدة مع لام القسم، وضمت الواو لسكونها وسكون ~~النون. # وفي البلوى في الأموال قولان: أحدهما: ذهابها ونقصانها. والثاني: ما فرض ~~فيها من الحقوق. # وفي البلوى في الأنفس أربعة أقوال: أحدها: المصائب، والقتل. والثاني: ما ~~فرض من العبادات. # والثالث: الأمراض. والرابع: المصيبة بالأقارب، والعشائر. # وقال عطاء: هم المهاجرون أخذ المشركون أموالهم، وباعوا رباعهم، وعذبوهم. # قوله تعالى: ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب قال ابن عباس: هم اليهود ~~والنصارى، والذين أشركوا: مشركو العرب وإن تصبروا على الأذى وتتقوا الله ~~بمجانبة معاصيه. قوله تعالى: فإن ذلك من عزم الأمور أي: ما يعزم عليه، ~~لظهور رشده. # فصل: والجمهور على إحكام هذه الآية، وقد ذهب قوم إلى أن الصبر المذكور ~~منسوخ بآية السيف. ms0369 ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 187] # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ~~وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (187) # قوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب فيهم ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، وابن جبير، والسدي، ومقاتل. فعلى هذا، ~~الكتاب: التوراة. والثاني: أنهم اليهود والنصارى، والكتاب: التوراة ~~والإنجيل. والثالث: أنهم جميع العلماء فيكون الكتاب اسم جنس. # قوله تعالى: لتبيننه. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر، والمفضل عن ~~عاصم، وزيد عن يعقوب (ليبيننه للناس ولا يكتمونه) بالياء فيهما، وقرأ ~~الباقون، وحفص عن عاصم بالتاء فيهما. وفي هاء الكناية في «لتبيننه» و ~~«تكتمونه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وهذا قول من قال: # هم اليهود. والثاني: أنها ترجع إلى الكتاب، قاله الحسن، وقتادة، وهو أصح، ~~لأن الكتاب أقرب المذكورين، ولأن من ضرورة تبيينهم ما فيه إظهار صفة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وهذا قول من ذهب إلى أنه عام في كل كتاب. وقال علي بن ~~أبي طالب عليه السلام: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على ~~أهل العلم أن يعلموا «1» . PageV01P357 # قوله تعالى: فنبذوه قال الزجاج: أي: رموا به، يقال للذي يطرح الشيء ولا ~~يعبأ به: قد جعلت هذا الأمر بظهر. قال الفرزدق: # تميم بن قيس لا تكونن حاجتي ... بظهر ولا يعيا علي جوابها «1» # معناه: لا تكونن حاجتي مهملة عندك، مطرحة. # وفي هاء «فنبذوه» قولان: أحدهما: أنها تعود إلى الميثاق. والثاني: إلى ~~الكتاب. # قوله تعالى: واشتروا به يعني: استبدلوا بما أخذ الله عليهم القيام به، ~~ووعدهم عليه الجنة ثمنا قليلا أي: عرضا يسيرا من الدنيا. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 188] # لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (188) # قوله تعالى: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا وقرأ أهل الكوفة: لا تحسبن ~~بالتاء. وفي سبب نزولها ثمانية أقوال «2» : # (248) أحدها: أن النبي ms0370 صلى الله عليه وسلم، سأل اليهود عن شيء، فكتموه، ~~وأخبروه بغيره، وأروه أنهم قد أخبروه به، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما ~~أتوا من كتمانهم إياه، فنزلت هذه الآية. # والثاني: أنها نزلت في قوم من اليهود، فرحوا بما يصيبون من الدنيا، ~~وأحبوا أن يقول الناس: # إنهم علماء، وهذا القول والذي قبله عن ابن عباس. والثالث: أن اليهود ~~قالوا: نحن على دين إبراهيم، وكتموا ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، فنزلت ~~هذه الآية، قاله سعيد بن جبير «3» . والرابع: أن يهود المدينة كتبت إلى ~~يهود العراق واليمن، ومن بلغهم كتابهم من اليهود في الأرض كلها، أن محمدا ~~ليس بنبي، فاثبتوا على دينكم، فاجتمعت كلمتهم على الكفر به، ففرحوا بذلك، ~~وقالوا: نحن أهل الصوم والصلاة، وأولياء PageV01P358 # الله، فنزلت هذه الآية «1» ، هذا قول الضحاك، والسدي. # (249) والخامس: أن يهود خيبر أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ~~فقالوا: نحن على رأيكم، ونحن لكم ردء، وهم مستمسكون بضلالتهم، فأرادوا أن ~~يحمدهم نبي الله بما لم يفعلوا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. # والسادس: أن ناسا من اليهود جهزوا جيشا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~واتفقوا عليهم، فنزلت هذه الآية، قاله إبراهيم النخعي» # . والسابع: أن قوما من أهل الكتاب دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~خرجوا من عنده فذكروا للمسلمين أنهم قد أخبروا بأشياء قد عرفوها، فحمدوهم، ~~وأبطنوا خلاف ما أظهروا، فنزلت هذه الآية، ذكره الزجاج «3» . # (250) والثامن: أن رجالا من المنافقين كانوا يتخلفون عن الغزو مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما ~~لم يفعلوا، فنزلت هذه الآية، قاله أبو سعيد الخدري، وهذا القول يدل على ~~أنها نزلت في المنافقين، وما قبله من الأقوال يدل على أنها في اليهود. # وفي الذي أتوا ثمانية «4» أقوال: أحدها: أنه كتمانهم ما عرفوا من الحق. ~~والثاني: تبديلهم التوراة. والثالث: إيثارهم الفاني من الدنيا على الثواب. ~~والرابع: إضلالهم الناس. والخامس: # اجتماعهم على تكذيب النبي. والسادس: نفاقهم بإظهار ما في قلوبهم ضده. ~~والسابع: اتفاقهم على ms0371 محاربة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه أقوال من قال: ~~هم اليهود. والثامن: تخلفهم في الغزوات، وهذا قول من قال: هم المنافقون. # وفي قوله تعالى: ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ستة أقوال: أحدها: أحبوا ~~أن يحمدوا على إجابة النبي صلى الله عليه وسلم، عن شيء سألهم عنه وما ~~أجابوه. والثاني: أحبوا أن يقول الناس: إنهم علماء، وليسوا كذلك. والثالث: ~~أحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الصلاة والصيام، وهذه الأقوال الثلاثة عن ~~ابن PageV01P359 # عباس. والرابع: أحبوا أن يحمدوا على قولهم: نحن على دين إبراهيم، وليسوا ~~عليه، قاله سعيد بن جبير. والخامس: أحبوا أن يحمدوا على قولهم: إنا راضون ~~بما جاء به النبي، وليسوا كذلك، قاله قتادة. وهذه أقوال من قال: هم اليهود. ~~والسادس: أنهم كانوا يحلفون للمسلمين، إذا نصروا: إنا قد سررنا بنصركم، ~~وليسوا كذلك، قاله أبو سعيد الخدري، وهو قول من قال: هم المنافقون. # قوله تعالى: فلا تحسبنهم قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «فلا يحسبنهم» ، ~~بالياء وضم الباء. وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: بالتاء، ~~وفتح الباء. قال الزجاج: إنما كررت «تحسبنهم» لطول القصة، والعرب تعيد إذا ~~طالت القصة «حسبت» وما أشبهها، إعلاما أن الذي يجرى متصل بالأول، وتوكيدا ~~له، فتقول: لا تظنن زيدا إذا جاء وكلمك بكذا وكذا، فلا تظننه صادقا. قوله ~~تعالى بمفازة قال ابن زيد، وابن قتيبة: بمنجاة. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 189] # ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير (189) # قوله تعالى: ولله ملك السماوات والأرض فيه تكذيب القائلين: بأنه فقير. ~~وفي قوله تعالى: # والله على كل شيء قدير تهديد لهم، أي: لو شئت لعجلت عذابهم. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 190] # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ~~(190) # قوله تعالى: إن في خلق السماوات والأرض في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (251) أحدها: أن قريشا قالوا لليهود: ما الذي جاءكم به موسى؟ قالوا: عصاه ~~ويده البيضاء. # وقالوا للنصارى: ما الذي جاءكم به عيسى؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص ~~ويحيي الموتى. فأتوا ms0372 النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ادع ربك يجعل لنا ~~الصفا ذهبا، فنزلت هذه الآية، رواه ابن جبير عن ابن عباس. # والثاني: أن أهل مكة سألوه أن يأتيهم بآية، فنزلت هذه الآية، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. والثالث: # أنه لما نزل قوله تعالى: وإلهكم إله واحد «1» قالت قريش: قد سوى بين ~~آلهتنا، إئتنا بآية، فنزلت هذه الآية، قاله أبو الضحى، واسمه: مسلم بن ~~صبيح. فأما تفسير الآية فقد سبق. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 191] # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات ~~والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) # قوله تعالى: الذين يذكرون الله قياما وقعودا في هذا الذكر ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه الذكر في PageV01P360 # الصلاة، يصلي قائما، فإن لم يستطع، فعلى جنب، هذا قول علي، وابن مسعود، ~~وابن عباس، وقتادة. # والثاني: أنه الذكر في الصلاة وغيرها، وهو قول طائفة من المفسرين. ~~والثالث: أنه الخوف، فالمعنى: # يخافون الله قياما في تصرفهم وقعودا في دعتهم، وعلى جنوبهم في منامهم. # قوله تعالى: ويتفكرون في خلق السماوات والأرض قال ابن فارس: الفكرة: تردد ~~القلب في الشيء. قال ابن عباس: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة، ~~والقلب ساه. # قوله تعالى: ربنا قال الزجاج: معناه: يقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلا أي: ~~خلقته دليلا عليك، وعلى صدق ما أتت به أنبياؤك. ومعنى سبحانك: براءة لك من ~~السوء، وتنزيها لك أن تكون خلقتهما باطلا، فقنا عذاب النار فقد صدقنا أن لك ~~جنة ونارا. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 192] # ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192) # قوله تعالى: ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته قال الزجاج: المخزى في ~~اللغة المذل المحقور بأمر لزمه وبحجة. يقال: أخزيته، أي: ألزمته حجة أذللته ~~معها. وفيمن يتعلق به هذا الخزي قولان: أحدهما: أنه يتعلق بمن يدخلها ~~مخلدا، قاله أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، وقتادة، وابن جريج، ~~ومقاتل. والثاني: أنه يتعلق بكل داخل إليها، وهذا المعنى ms0373 مروي عن جابر بن ~~عبد الله، واختاره ابن جرير الطبري، وأبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: وما للظالمين من أنصار قال ابن عباس: وما للمشركين من مانع ~~يمنعهم عذاب الله تعالى. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 193] # ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر ~~لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) # قوله تعالى: ربنا إننا سمعنا مناديا في المنادي قولان: أحدهما: أنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس، وابن جريج، وابن زيد، ومقاتل. والثاني: ~~أنه القرآن، قاله محمد بن كعب القرظي، واختاره ابن جرير الطبري. # قوله تعالى: ينادي للإيمان فيه قولان: أحدهما: ينادي إلى الإيمان، ومثله: ~~الذي هدانا لهذا «1» ، بأن ربك أوحى لها «2» ، قاله الفراء. والثاني: بأنه ~~مقدم ومؤخر، والمعنى: سمعنا مناديا للإيمان ينادي، قاله أبو عبيدة. # قوله تعالى: وكفر عنا سيئاتنا قال مقاتل: امح عنا خطايانا. وقال غيره: ~~غطها عنا، وقيل: إنما جمع بين غفران الذنوب، وتكفير السيئات، لأن الغفران ~~بمجرد الفضل، والتكفير بفعل الخير. وتوفنا مع الأبرار قرأ نافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «الأبرار» و «الأشرار» و «ذات قرار» وما كان ~~مثله بين الفتح والكسر، وقرأ ابن كثير، وعاصم بالفتح. ومعنى مع الأبرار: ~~فيهم، قال ابن عباس: وهم الأنبياء والصالحون. PageV01P361 ### | [سورة آل عمران (3) : آية 194] # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف ~~الميعاد (194) # قوله تعالى: ربنا وآتنا ما وعدتنا قال ابن عباس: يعنون: الجنة على رسلك ~~أي: على ألسنتهم. فإن قيل: ما وجه هذه المسألة والله لا يخلف الميعاد؟ فعنه ~~ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه خرج مخرج المسألة، ومعناه: الخبر، تقديره: فآمنا، فاغفر لنا ~~لتؤتينا ما وعدتنا. # والثاني: أنه سؤال له، أن يجعلهم ممن آتاه ما وعده، لا أنهم استحقوا ذلك، ~~إذ لو كانوا قد قطعوا أنهم من الأبرار لكانت تزكية لأنفسهم. والثالث: أنه ~~سؤال لتعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء، لأنه وعدهم نصرا غير مؤقت، ~~فرغبوا في تعجيله، ذكر هذه الأجوبة ابن جرير، وقال: أولى ms0374 الأقوال بالصواب، ~~أن هذه صفة المهاجرين، رغبوا في تعجيل النصر على أعدائهم. فكأنهم قالوا: لا ~~صبر لنا على حلمك عن الأعداء فعجل خزيهم، وظفرنا عليهم. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 195] # فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ~~فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن ~~عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله ~~والله عنده حسن الثواب (195) # قوله تعالى: فاستجاب لهم ربهم. # (252) روي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، لا أسمع ذكر النساء في ~~الهجرة بشيء؟ # فنزلت هذه الآية. واستجاب: بمعنى أجاب. والمعنى: أجابهم بأن قال لهم: إني ~~لا أضيع عمل عامل منكم ذكرا أو أنثى. # وفي معنى قوله تعالى: بعضكم من بعض ثلاثة أقوال: أحدها: بعضكم من بعض في ~~الدين، والنصرة والموالاة. والثاني: حكم جميعكم في الثواب واحد، لأن الذكور ~~من الإناث والإناث من الذكور. والثالث: كلكم من آدم وحواء. # قوله تعالى: فالذين هاجروا أي: تركوا الأوطان والأهل والعشائر وأخرجوا من ~~ديارهم يعني: # المؤمنين الذين أخرجوا من مكة بأذى المشركين، فهاجروا، وقتلوا المشركين ~~وقتلوا. قرأ ابن كثير، وابن عامر: «وقاتلوا وقتلوا» مشددة التاء. وقرأ ~~نافع، وأبو عمرو، وعاصم: «وقاتلوا وقتلوا» خفيفة. وقرأ حمزة، والكسائي: و ~~«قتلوا وقاتلوا» . قال أبو علي: تقديم «قتلوا» جائز، لأن المعطوف بالواو ~~يجوز أن يكون أولا في المعنى، مؤخرا في اللفظ. PageV01P362 # قوله تعالى: ثوابا من عند الله قال الزجاج: هو مصدر مؤكد لما قبله، لأن ~~معنى ولأدخلنهم جنات: لأثيبنهم. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 196 الى 197] # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم ~~وبئس المهاد (197) # قوله تعالى: لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد اختلفوا فيمن نزلت على ~~قولين: أحدهما: # أنها نزلت في اليهود، ثم في ذلك قولان: أحدهما: أن اليهود كانوا يضربون ~~في الأرض. فيصيبون الأموال، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # (253) والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم، أراد أن يستسلف من ms0375 بعضهم ~~شعيرا، فأبى إلا على رهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أعطاني ~~لأوفيته، إني لأمين في السماء أمين في الأرض» فنزلت، ذكره أبو سليمان ~~الدمشقي. # والقول الثاني: أنها نزلت في مشركي العرب كانوا في رخاء، فقال بعض ~~المؤمنين: قد أهلكنا الجهد، وأعداء الله فيما ترون، فنزلت هذه الآية، هذا ~~قول مقاتل. قال قتادة: والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد غيره. ~~وقال غيره: إنما خاطبه تأديبا وتحذيرا، وإن كان لا يغتر. # وفي معنى «تقلبهم» ثلاثة أقوال: أحدها: تصرفهم في التجارات، قاله ابن ~~عباس، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: تقلب ليلهم ونهارهم، وما ~~يجري عليهم من النعم، قاله عكرمة ومقاتل. # والثالث: تقلبهم غير مأخوذين بذنوبهم، ذكره بعض المفسرين. قال الزجاج: ~~ذلك الكسب والربح متاع قليل، وقال ابن عباس: منفعة يسيرة في الدنيا. ~~والمهاد: الفراش. ### | ### | [سورة آل عمران (3) : آية # 198] # لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا ~~من عند الله وما عند الله خير للأبرار (198) # قوله تعالى: لكن الذين اتقوا ربهم قرأ أبو جعفر: «لكن» بالتشديد هاهنا، ~~وفي «الزمر» قال مقاتل: وحدوا. قال ابن عباس: «النزل» الثواب. قال ابن ~~فارس: النزل: ما يهيأ للنزيل، والنزيل: # الضيف. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 199] # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين ~~لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله ~~سريع الحساب (199) # قوله تعالى: وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله اختلفوا فيمن نزلت على ~~أربعة أقوال: PageV01P363 # (254) أحدها: أنها نزلت في النجاشي، لأنه لما مات صلى عليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال قائل: يصلي على هذا العلج النصراني، وهو في أرضه؟! ~~فنزلت هذه الآية، هذا قول جابر بن عبد الله، وابن عباس، وأنس. وقال الحسن، ~~وقتادة: فيه وفي أصحابه. # والثاني: أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب من اليهود والنصارى، روى هذا ~~المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. والثالث: في عبد الله بن ms0376 ~~سلام، وأصحابه، قاله ابن جريج، وابن زيد، ومقاتل. والرابع: في أربعين من ~~أهل نجران، وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى، ~~فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، قاله عطاء «1» . # قوله تعالى: وما أنزل إليكم يعني: القرآن، وما أنزل إليهم يعني: كتابهم. ~~والخاشع: # الذليل. لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أي: عرضا من الدنيا كما فعل ~~رؤساء اليهود. وقد سلف بيان سرعة الحساب. ### | [سورة آل عمران (3) : آية 200] # يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ~~(200) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اصبروا قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: ~~نزلت في انتظار الصلاة بعد الصلاة، وليس يومئذ غزو يرابط. # وفي الذي أمروا بالصبر عليه خمسة أقوال: أحدها: البلاء والجهاد، قاله ابن ~~عباس. والثاني: # الدين، قاله الحسن، والقرظي، والزجاج. والثالث: المصائب، روي عن الحسن ~~أيضا. والرابع: # الفرائض، قاله سعيد بن جبير. والخامس: طاعة الله، قاله قتادة. # وفي الذي أمروا بمصابرته قولان: أحدهما: العدو، قاله ابن عباس، والجمهور. ~~والثاني: الوعد الذي وعدهم الله: قاله عطاء، والقرظي. PageV01P364 # وفيما أمروا بالمرابطة عليه قولان: أحدهما: الجهاد للأعداء، قاله ابن ~~عباس، والحسن، وقتادة في آخرين. قال ابن قتيبة: وأصل المرابطة والرباط: أن ~~يربط هؤلاء خيولهم، وهؤلاء خيولهم في الثغر، كل يعد لصاحبه. والثاني: أنه ~~الصلاة، أمروا بالمرابطة عليها، قاله أبو سلمة بن عبد الرحمن. # وقد ذكرنا في (البقرة) معنى «لعل» ، ومعنى «الفلاح» «1» . PageV01P365 ### | سورة النساء # مدنية بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان ~~عليكم رقيبا (1) # اختلفوا في نزولها على قولين «1» : أحدهما: أنها مكية، رواه عطية عن ابن ~~عباس، وهو قول الحسن، ومجاهد، وجابر بن زيد، وقتادة. والثاني: أنها مدنية، ~~رواه عطاء عن ابن عباس، وهو قول مقاتل. وقيل: إنها مدنية، إلا آية نزلت ~~بمكة في عثمان بن طلحة حين أراد النبي ms0377 صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منه ~~مفاتيح الكعبة، فيسلمها إلى العباس، وهي قوله تعالى: إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها «2» ذكره الماوردي. # قوله تعالى: اتقوا ربكم فيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى الطاعة، قاله ابن ~~عباس. والثاني: # بمعنى الخشية. قاله مقاتل. والنفس الواحدة: آدم، وزوجها حواء، و «من» في ~~قوله تعالى: وخلق منها للتبعيض في قول الجمهور. وقال ابن بحر: «منها» ، أي: ~~من جنسها. # واختلفوا أي وقت خلقت له، على قولين: أحدهما: أنها خلقت بعد دخوله الجنة، ~~قاله ابن مسعود، وابن عباس. والثاني: قبل دخوله الجنة، قاله كعب الأحبار، ~~ووهب، وابن إسحاق. قال ابن عباس: لما خلق الله آدم، ألقى عليه النوم، فخلق ~~حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى، فلم تؤذه بشيء، ولو وجد الأذى ما عطف عليها ~~أبدا، فلما استيقظ قيل: يا آدم ما هذه؟ قال: حواء. # قوله تعالى: وبث منهما قال الفراء: بث: نشر، ومن العرب من يقول: أبث الله ~~الخلق، ويقولون: بثثتك ما في نفسي، وأبثثتك. # قوله تعالى: الذي تسائلون به قرأ ابن كثير، وابن عامر، والبرجمي، عن أبي ~~بكر، عن عاصم. PageV01P366 # واليزيدي، وشجاع، والجعفي، وعبد الوارث، عن أبي عمرو: «تساءلون» ~~بالتشديد. وقرأ عاصم، وحمزة والكسائي، وكثير من أصحاب أبي عمرو عنه ~~بالتخفيف. قال الزجاج: الأصل: تتساءلون، فمن قرأ بالتشديد. أدغم التاء في ~~السين، لقرب مكان هذه من هذه، ومن قرأ بالتخفيف، حذف التاء الثانية لاجتماع ~~التاءين. وفي معنى «تساءلون به» ثلاثة أقوال: أحدها: تتعاطفون به، قاله ابن ~~عباس. والثاني: # تتعاقدون، وتتعاهدون به. قاله الضحاك، والربيع. والثالث: تطلبون حقوقكم ~~به، قاله الزجاج. # فأما قوله «والأرحام» فالجمهور على نصب الميم على معنى: واتقوا الأرحام ~~أن تقطعوها، وفسرها على هذا ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والسدي، وابن زيد. ~~وقرأ الحسن، وقتادة، والأعمش، وحمزة بخفض الميم على معنى: تساءلون به ~~وبالأرحام، وفسرها على هذا الحسن، وعطاء والنخعي. وقال الزجاج: الخفض في ~~«الأرحام» خطأ في العربية لا يجوز إلا في اضطرار الشعر، وخطأ في الدين، لأن ~~النبي صلى الله عليه ms0378 وسلم قال: # (255) «لا تحلفوا بآبائكم» ، وذهب إلى نحو هذا الفراء، وقال ابن ~~الأنباري: إنما أراد، حمزة الخبر عن الأمر القديم الذي جرت عادتهم به، ~~فالمعنى: الذي كنتم تساءلون به وبالأرحام في الجاهلية. # قال أبو علي: من جر، عطف على الضمير المجرور بالباء، وهو ضعيف في القياس، ~~قليل في الاستعمال، فترك الأخذ به أحسن. # فأما الرقيب، فقال ابن عباس، ومجاهد: الرقيب: الحافظ. وقال الخطابي: هو ~~الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، وهو في نعوت الآدميين الموكل بحفظ الشيء، ~~المترصد له، المتحرز عن الغفلة فيه، يقال منه: رقبت الشيء أرقبه رقبة. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 2] # وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2) # قوله تعالى: وآتوا اليتامى أموالهم. # (256) سبب نزولها: أن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، ~~فلما بلغ، طلب ماله فمنعه، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت، ~~قاله سعيد بن جبير. # والخطاب بقوله تعالى: «وآتوا» للأولياء والأوصياء. قال الزجاج: وإنما ~~سموا يتامى بعد البلوغ، بالاسم الذي كان لهم، وقد كان يقال للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: يتيم أبي طالب. # قوله تعالى: ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، قرأ ابن محيصن: «تبدلوا» بتاء ~~واحدة. ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: أنه إبدال حقيقة، ثم فيه قولان: ~~أحدهما: أنه أخذ الجيد، وإعطاء الرديء PageV01P367 # مكانه، قاله سعيد بن المسيب، والضحاك، والنخعي، والزهري، والسدي. قال ~~السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها ~~المهزولة، ويأخذ الدراهم الجياد، ويطرح مكانها الزيوف. والثاني: أنه الربح ~~على اليتيم، واليتيم غر لا علم له، قاله عطاء. والقول الثاني: أنه ليس ~~بإبدال حقيقة، وإنما هو أخذه مستهلكا، ثم فيه قولان: أحدهما: أنهم كانوا لا ~~يورثون النساء والصغار، وإنما يأخذ الميراث الأكابر من الرجال، فنصيب الرجل ~~من الميراث طيب، وما أخذه من حق اليتيم خبيث، هذا قول ابن زيد. والثاني: ~~أنه أكل مال اليتيم بدلا من أكل أموالهم، قاله الزجاج. # و «إلى» بمعنى «مع» والحوب: ms0379 الإثم. وقرأ الحسن، وقتادة، والنخعي بفتح ~~الحاء. قال الفراء: # أهل الحجاز يقولون: حوب بالضم، وتميم يقولونه بالفتح. قال ابن الأنباري: ~~وقال الفراء: المضموم الاسم، والمفتوح المصدر. قال ابن قتيبة: وفيه ثلاث ~~لغات: حوب، وحوب، وحاب. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 3] # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ~~(3) # قوله تعالى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى اختلفوا في تنزيلها وتأويلها ~~على ستة أقوال: # أحدها: أن القوم كانوا يتزوجون عددا كثيرا من النساء في الجاهلية، ولا ~~يتحرجون من ترك العدل بينهن، وكانوا يتحرجون في شأن اليتامى، فقيل لهم بهذه ~~الآية: احذروا من ترك العدل بين النساء، كما تحذرون من تركه في اليتامى. ~~وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير والضحاك، وقتادة، والسدي ~~ومقاتل. والثاني: أن أولياء اليتامى كانوا يتزوجون النساء بأموال اليتامى، ~~فلما كثر النساء، مالوا على أموال اليتامى، فقصروا على الأربع حفظا لأموال ~~اليتامى. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس أيضا، وعكرمة. والثالث: أن معناها: ~~وإن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا في صدقات اليتامى إذا نكحتموهن، ~~فانكحوا سواهن من الغرائب اللواتي أحل الله لكم، وهذا المعنى مروي عن ~~عائشة. # والرابع: أن معناها: وإن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا في نكاحهن، ~~وحذرتم سوء الصحبة لهن، وقلة الرغبة فيهن، فانكحوا غيرهن، وهذا المعنى مروي ~~عن عائشة أيضا، والحسن. والخامس: أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى، ~~فأمروا بالتحرج من الزنى أيضا، وندبوا إلى النكاح الحلال، وهذا المعنى مروي ~~عن مجاهد. والسادس: أنهم تحرجوا من نكاح اليتامى، كما تحرجوا من أموالهم، ~~فرخص الله لهم بهذه الآية، وقصرهم على عدد يمكن العدل فيه، فكأنه قال: وإن ~~خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن، فانكحوهن، ولا تزيدوا على أربع ~~لتعدلوا، فإن خفتم أن لا تعدلوا فيهن، فواحدة، وهذا المعنى مروي عن الحسن ~~«1» . PageV01P368 # قال ابن قتيبة: ومعنى قوله: وإن خفتم، أي: ms0380 فإن علمتم أنكم لا تعدلون بين ~~اليتامى. يقال: # أقسط الرجل: إذا عدل، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # (257) المقسطون في الدنيا على منابر من لؤلؤ يوم القيامة. # ويقال قسط الرجل: إذا جار، ومنه قول الله أما القاسطون فكانوا لجهنم ~~حطبا. # وفي معنى العدل في اليتامى قولان: أحدهما: في نكاح اليتامى. والثاني: في ~~أموالهم. # قوله تعالى: فانكحوا ما طاب لكم أي: ما حل لكم. قال ابن جرير: وأراد ~~بقوله تعالى: ما طاب لكم، الفعل دون أعيان النساء، ولذلك قال: «ما» ولم ~~يقل: «من» واختلفوا: هل النكاح من اليتامى، أو من غيرهن؟ على قولين قد ~~سبقا. # قوله تعالى: مثنى وثلاث ورباع. قال الزجاج: هو بدل من «ما طاب لكم» ~~ومعناه: اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا. وإنما خاطب الله العرب ~~بأفصح اللغات، وليس من شأن البليغ أن يعبر في العدد عن التسعة باثنتين، ~~وثلاث، وأربع، لأن التسعة قد وضعت لهذا العدد، فيكون عيا في الكلام. # وقال ابن الأنباري: هذه الواو معناها التفرق، وليست جامعة، فالمعنى: ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وانكحوا ثلاث في غير الحال الأولى، ~~وانكحوا رباع في غير الحالين. وقال القاضي أبو يعلى: # الواو هاهنا لإباحة أي الأعداد شاء، لا للجمع، وهذا العدد إنما هو ~~للأحرار، لا للعبيد، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك: هم كالأحرار. ~~ويدل على قولنا: أنه قال: فانكحوا، فهذا منصرف إلى من يملك النكاح، والعبد ~~لا يملك ذلك بنفسه، وقال في سياقها فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، والعبد لا ~~ملك له، فلا يباح له الجمع إلا بين اثنتين. # قوله تعالى: فإن خفتم فيه قولان: أحدهما: علمتم. والثاني: خشيتم. # قوله تعالى: ألا تعدلوا قال القاضي أبو يعلى: أراد العدل في القسم بينهن. # قوله تعالى: فواحدة أي: فانكحوا واحدة، وقرأ الحسن، والأعمش، وحميد: ~~«فواحدة» بالرفع، المعنى، فواحدة تقنع. # قوله تعالى: أو ما ملكت أيمانكم يعني: السراري. قال ابن قتيبة: معنى ~~الآية: فكما تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى إذا كفلتموهم، فخافوا أيضا أن ~~لا ms0381 تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهن، فقصرهم على أربع، ليقدروا على العدل، ~~ثم قال: فإن خفتم أن لا تعدلوا بين هؤلاء الأربع، فانكحوا واحدة، واقتصروا ~~على ملك اليمين. # قوله تعالى: ذلك أدنى أي: أقرب. وفي معنى تعولوا ثلاثة أقوال: أحدها: ~~تميلوا، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، وإبراهيم، وقتادة، ~~والسدي، ومقاتل، والفراء. وقال PageV01P369 # أبو مالك، وأبو عبيدة، تجوروا. قال ابن قتيبة، والزجاج: تجوروا وتميلوا ~~بمعنى واحد. واحتكم رجلان من العرب إلى رجل، فحكم لأحدهما، فقال المحكوم ~~عليه: إنك والله تعول علي، أي تميل وتجور. والثاني: تضلوا، قاله مجاهد. ~~والثالث: تكثر عيالكم، قال ابن زيد، ورواه أبو سليمان الدمشقي في «تفسيره» ~~عن الشافعي، ورده الزجاج، فقال: أهل اللغة يقولون: هذا القول خطأ، لأن ~~الواحدة يعولها، وإباحة ملك اليمين أزيد في العيال من أربع. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 4] # وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا (4) # قوله تعالى: وآتوا النساء صدقاتهن نحلة اختلفوا فيمن خوطب بهذا على ~~قولين: # أحدهما: أنهم الأزواج، وهو قول الجمهور، واحتجوا بأن الخطاب للناكحين قد ~~تقدم، وهذا معطوف عليه، وقال مقاتل: كان الرجل يتزوج بلا مهر، فيقول: أرثك ~~وترثيني، فتقول المرأة: نعم، فنزلت هذه الآية. # والثاني: أنه متوجه إلى الأولياء ثم فيه قولان: أحدهما: أن الزوج كان إذا ~~زوج أيمة حاز صداقها دونها، فنهوا بهذه الآية، هذا قول أبي صالح واختاره ~~الفراء، وابن قتيبة. والثاني: أن الرجل كان يعطي الرجل أخته ويأخذ أخته ~~مكانها من غير مهر، فنهوا عن هذا بهذه الآية، رواه أبو سليمان التيمي عن ~~بعض أشياخه. # قال ابن قتيبة: والصدقات: المهور، واحدها: صدقة. # وفي قوله تعالى: نحلة أربعة أقوال: أحدها: أنها بمعنى الفريضة، قاله ابن ~~عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد ومقاتل. والثاني: أنها الهبة والعطية، قاله ~~الفراء. قال ابن الأنباري: كانت العرب في الجاهلية لا تعطي النساء شيئا من ~~مهورهن، فلما فرض الله لهن المهر، كان نحلة من الله، أي: هبة للنساء، فرضا ~~على الرجال. وقال الزجاج: هو ms0382 هبة من الله للنساء. قال القاضي أبو يعلى: ~~وقيل: إنما سمي المهر: نحلة، لأن الزوج لا يملك بدله شيئا، لأن البضع بعد ~~النكاح في ملك المرأة، ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة، كان المهر لها دون ~~الزوج، وإنما الذي يستحقه الزوج الاستباحة، لا الملك. # والثالث: أنها العطية بطيب نفس، فكأنه قال: لا تعطوهن مهورهن وأنتم ~~كارهون، قاله أبو عبيدة. # والرابع: أن معنى «النحلة» : الديانة، فتقديره: وآتوهن صدقاتهن ديانة، ~~يقال: فلان ينتحل كذا، أي: # يدين به، ذكره الزجاج عن بعض العلماء. # قوله تعالى: فإن طبن لكم يعني: النساء المنكوحات. وفي لكم قولان: أحدهما: ~~أنه يعني الأزواج. والثاني: الأولياء. و «الهاء» في منه كناية عن الصداق، ~~قال الزجاج: ومنه هاهنا للجنس، كقوله تعالى: فاجتنبوا الرجس من الأوثان ~~معناه: فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن، فكأنه قال: كلوا الشيء الذي هو مهر، ~~فيجوز أن يسأل الرجل المهر كله. ونفسا: منصوب على التمييز. # فالمعنى: فان طابت أنفسهن لكم بذلك، فكلوه هنيئا مريئا. وفي الهنيء ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه ما تؤمن عاقبته. والثاني: ما أعقب نفعا وشفاء. والثالث: ~~أنه الذي لا ينغصه شيء. وأما «المريء» فيقال: مرئ الطعام: إذا انهضم، وحمدت ~~عاقبته. # PageV01P370 ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 5] # ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها ~~واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5) # قوله تعالى: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم، المراد بالسفهاء خمسة أقوال: ~~أحدها: أنهم النساء، قاله ابن عمر. والثاني: النساء والصبيان، قاله سعيد بن ~~جبير، وقتادة، والضحاك، ومقاتل، والفراء، وابن قتيبة. وعن الحسن ومجاهد ~~كالقولين. والثالث: الأولاد، قاله أبو مالك، وهذه الأقوال الثلاثة مروية عن ~~ابن عباس، وروي عن الحسن، قال: هم الأولاد الصغار. والرابع: اليتامى، قاله ~~عكرمة، وسعيد بن جبير في رواية. قال الزجاج: ومعنى الآية: ولا تؤتوا ~~السفهاء أموالهم، بدليل قوله تعالى: # وارزقوهم فيها وإنما قال: «أموالكم» ذكرا للجنس الذي جعله الله أموالا ~~للناس. وقال غيره: أضافها إلى الولاة، لأنهم قوامها. والخامس: أن القول على ~~إطلاقه، والمراد به كل سفيه يستحق الحجر عليه، ذكره ms0383 ابن جرير، وأبو سليمان ~~الدمشقي، وغيرهما، وهو ظاهر الآية. # وفي قوله تعالى: أموالكم قولان: أحدهما: أنه أموال اليتامى. والثاني: ~~أموال السفهاء. # قوله تعالى: التي جعل الله لكم قياما قرأ الحسن: «اللاتي جعل الله لكم ~~قواما» . وقرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو عمرو: «قياما» ~~بالألف، وقرأ نافع، وابن عامر: «قيما» بغير ألف. # قال ابن قتيبة: قياما وقواما بمنزلة واحدة، تقول: هذا قوام أمرك وقيامه، ~~أي: ما يقوم به أمرك. وذكر أبو علي الفارسي أن «قواما» و «قياما» و «قيما» ~~، بمعنى القوام الذي يقيم الشأن، قال: وليس قول من قال «القيم» هاهنا: جمع ~~«قيمة» بشيء. # قوله تعالى: وارزقوهم فيها أي: منها. وفي «القول المعروف» ثلاثة أقوال: ~~أحدها: العدة الحسنة، قاله ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، ومقاتل. والثاني: الرد ~~الجميل، قاله الضحاك. والثالث: # الدعاء، كقولك: عافاك الله، قاله ابن زيد. ### | [سورة النساء (4) : آية 6] # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن ~~كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى ~~بالله حسيبا (6) # قوله تعالى: وابتلوا اليتامى. # (258) سبب نزولها أن رجلا، يقال له: رفاعة، مات وترك ولدا صغيرا، يقال ~~له: ثابت، فوليه عمه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن ابن أخي ~~يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله؟ ومتى أدفع إليه ماله؟ فنزلت هذه الآية، ~~ذكر نحوه مقاتل. # والابتلاء: الاختبار. وبماذا يختبرون؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم ~~يختبرون في عقولهم، قاله ابن عباس، والسدي، وسفيان، ومقاتل. والثاني: ~~يختبرون في عقولهم ودينهم، قاله الحسن، وقتادة. # وعن مجاهد كالقولين. والثالث: في عقولهم ودينهم، وحفظهم أموالهم، ذكره ~~الثعلبي. قال القاضي أبو يعلى: وهذا الابتلاء قبل البلوغ. PageV01P371 # قوله تعالى: حتى إذا بلغوا النكاح قال ابن قتيبة: أي: بلغوا أن ينكحوا ~~النساء فإن آنستم أي: # علمتم، وتبينتم. وأصل: أنست: أبصرت. وفي الرشد أربعة أقوال: أحدها: ~~الصلاح في الدين، وحفظ المال، قاله ابن عباس، والحسن. والثاني: الصلاح في ms0384 ~~العقل، وحفظ المال، روي عن ابن عباس والسدي. والثالث: أنه العقل، قاله ~~مجاهد، والنخعي. والرابع: العقل، والصلاح في الدين، روي عن السدي. # فصل: واعلم أن الله تعالى علق رفع الحجر عن اليتامى بأمرين: بالبلوغ ~~والرشد، وأمر الأولياء باختبارهم، فإذا استبانوا رشدهم، وجب عليهم تسليم ~~أموالهم إليهم. # والبلوغ يكون بأحد خمسة أشياء، ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء: ~~الاحتلام، واستكمال خمس عشرة سنة، والإنبات، وشيئان يختصان بالنساء: الحيض ~~والحمل «1» . # قوله تعالى: ولا تأكلوها إسرافا خطاب للأولياء، قال ابن عباس: لا تأكلوها ~~بغير حق. PageV01P372 # وبدارا تبادرون أكل المال قبل بلوغ الصبي ومن كان غنيا فليستعفف بماله عن ~~مال اليتيم. # وفي الأكل بالمعروف أربعة أقوال: أحدها: أنه الأخذ على وجه القرض، وهذا ~~مروي عن عمر، وابن عباس، وابن جبير، وأبي العالية، وعبيدة، وأبي وائل، ~~ومجاهد، ومقاتل. والثاني: الأكل بمقدار الحاجة من غير إسراف، وهذا مروي عن ~~ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وعطاء، والنخعي، وقتادة، والسدي. والثالث: أنه ~~الأخذ بقدر الأجرة إذا عمل لليتيم عملا، روي عن ابن عباس، وعائشة، وهي ~~رواية أبي طالب، وابن منصور، عن أحمد رضي الله عنه. والرابع: أنه الأخذ عند ~~الضرورة، فان أيسر قضاه، وإن لم يوسر، فهو في حل، وهذا قول الشعبي «1» . # فصل: واختلف العلماء هل هذه الآية محكمة أو منسوخة؟ على قولين: # أحدهما: محكمة، وهو قول عمر، وابن عباس، والحسن، والشعبي، وأبي العالية، ~~ومجاهد، وابن جبير، والنخعي، وقتادة في آخرين. وحكمها عندهم أن الغني ليس ~~له أن يأكل من مال اليتيم شيئا، فأما الفقير الذي لا يجد ما يكفيه، وتشغله ~~رعاية مال اليتيم عن تحصيل الكفاية، فله أن يأخذ قدر كفايته بالمعروف من ~~غير إسراف. وهل عليه الضمان إذا أيسر؟ فيه قولان لهم: أحدهما: أنه لا ضمان ~~عليه، بل يكون كالأجرة له على عمله، وهو قول الحسن، والشعبي، والنخعي، ~~وقتادة، وأحمد بن حنبل. والثاني: إذا أيسر وجب عليه القضاء، روي عن عمر ~~وغيره، وعن ابن عباس أيضا كالقولين. # والقول الثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل ms0385 «2» وهذا مروي عن ابن عباس ولا يصح. # قوله تعالى: فأشهدوا عليهم قال القاضي أبو يعلى: هذا على طريق الاحتياط ~~لليتيم، والولي، وليس بواجب، فأما اليتيم، فإنه إذا كانت عليه بينة، كان ~~أبعد من أن يدعي عدم القبض، وأما الولي، فإنه تظهر أمانته، ويسقط عنه ~~اليمين عند إنكار اليتيم للدفع. # وفي «الحسيب» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الشهيد، قاله ابن عباس، والسدي، ~~ومقاتل. والثاني: # أنه الكافي، من قولك: أحسبني هذا الشيء، أي كفاني، والله حسيبي وحسيبك، ~~أي: وكافينا، أي يكون حكما بيننا كافيا، قال الشاعر «3» : # ونقفي وليد الحي إن كان جائعا ... ونحسبه إن كان ليس بجائع PageV01P373 # أي: نعطيه ما يكفيه حتى يقول: حسبي. قاله ابن قتيبة والخطابي. والثالث: ~~أنه المحاسب، فيكون في مذهب جليس، وأكيل، وشريب، حكاه ابن قتيبة والخطابي. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 7] # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (7) # قوله تعالى: للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون. # (259) سبب نزولها أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك ثلاث بنات وامرأة، ~~فقام رجلان من بني عمه، يقال لهما: قتادة، وعرفطة «1» فأخذوا ماله، ولم ~~يعطيا امرأته، ولا بناته شيئا، فجاءت امرأته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكرت له ذلك، وشكت الفقر، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. وقال قتادة: ~~كانوا لا يورثون النساء، فنزلت هذه الآية. # والمراد بالرجال: الذكور، وبالنساء: الإناث، صغارا كانوا أو كبارا. و ~~«النصيب» : الحظ من الشيء، وهو مجمل في هذه الآية، ومقداره معلوم من موضع ~~آخر، وذلك مثل قوله تعالى: وآتوا حقه يوم حصاده «2» وقوله تعالى: خذ من ~~أموالهم صدقة «3» . والمفروض: الذي فرضه الله، وهو آكد من الواجب. ### | [سورة النساء (4) : آية 8] # وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا ~~لهم قولا معروفا (8) PageV01P374 # قوله تعالى: وإذا حضر القسمة أولوا القربى في هذه القسمة قولان: أحدهما: ~~قسمة الميراث بعد موت الموروث، فعلى هذا يكون الخطاب للوارثين، وبهذا قال ~~الأكثرون، منهم ابن عباس، والحسن، والزهري. والثاني: أنها ms0386 وصية الميت قبل ~~موته، فيكون مأمورا. بأن يعين لمن لا يرثه شيئا، روي عن ابن عباس، وابن ~~زيد. قال المفسرون: والمراد بأولي القربى: الذين لا يرثون، فارزقوهم منه ~~أي: أعطوهم منه، وقيل: أطعموهم، وهذا على الاستحباب عند الأكثرين، وذهب قوم ~~إلى أنه واجب في المال، فان كان الورثة كبارا، تولوا إعطاءهم، وإن كانوا ~~صغارا تولى ذلك عنهم ولي مالهم، فروي عن عبيدة أنه قسم مال أيتام، فأمر ~~بشاة، فاشتريت من مالهم، وبطعام فصنع، وقال: لولا هذه الآية لأحببت أن يكون ~~من مالي، وكذلك فعل محمد بن سيرين في أيتام وليهم، وكذلك روي عن مجاهد: أن ~~ما تضمنته هذه الآية واجب. # وفي «القول المعروف» أربعة أقوال: أحدها: أن يقول لهم الولي حين يعطيهم: ~~خذ بارك الله فيك، رواه سالم الأفطس، عن ابن جبير. والثاني: أن يقول الولي: ~~إنه مال يتامى، وما لي فيه شيء، رواه أبو بشر عن ابن جبير، وفي رواية أخرى ~~عن ابن جبير، قال: إن كان الميت أوصى لهم بشيء أنفذت لهم وصيتهم، وإن كان ~~الورثة كبارا رضخوا لهم، وإن كانوا صغارا، قال وليهم: إني لست أملك هذا ~~المال، إنما هو للصغار، فذلك القول المعروف. والثالث: أنه العدة الحسنة، ~~وهو أن يقول لهم أولياء الورثة: إن هؤلاء الورثة صغار، فاذا بلغوا أمرناهم ~~أن يعرفوا حقكم. رواه عطاء بن دينار، عن ابن جبير. والرابع: أنهم يعطون من ~~المال، ويقال لهم عند قسمة الأرضين والرقيق: بورك فيكم، وهذا القول ~~المعروف. قال الحسن والنخعي: أدركنا الناس يفعلون هذا. # فصل: اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين: # أحدهما: أنها محكمة، وهو قول أبي موسى الأشعري، وابن عباس، والحسن، وأبي ~~العالية، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والنخعي، ~~والزهري، وقد ذكرنا أن ما تضمنته من الأمر مستحب عند الأكثرين، وواجب عند ~~بعضهم. # والقول الثاني: أنها منسوخة، نسخها قوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم ~~رواه مجاهد عن ابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب، وعكرمة، والضحاك، وقتادة ~~في آخرين ms0387 «1» . PageV01P375 ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 9] # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله ~~وليقولوا قولا سديدا (9) # قوله تعالى: وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا اختلفوا في ~~المخاطب بهذه الآية على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه خطاب للحاضرين عند الموصي. وفي معنى الآية على هذا القول ~~قولان: # أحدهما: وليخش الذين يحضرون موصيا في ماله أن يأمروه بتفريقه فيمن لا ~~يرثه، فيفرقه ويترك ورثته، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، والحسن، وسعيد بن ~~جبير، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومقاتل. # والثاني: على الضد من هذا القول، وهو أنه نهي لحاضري الموصي أن يمنعوه من ~~الوصية لأقاربه، وأن يأمروه بالاقتصار على ولده، وهذا قول مقسم، وسليمان ~~التيمي في آخرين. # والقول الثاني: أنه خطاب لأولياء اليتامى، متعلق بقوله تعالى: ولا ~~تأكلوها إسرافا وبدارا فمعنى الكلام: أحسنوا فيمن وليتم من اليتامى، كما ~~تحبون أن يحسن ولاة أولادكم بعدكم، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، وابن ~~السائب. # والثالث: أنه خطاب للأوصياء أمروا بأداء الوصية على ما رسم الموصي، وأن ~~تكون الوجوه التي عينها مرعية بالمحافظة كرعي الذرية الضعاف من غير تبديل، ~~ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم ~~عليه «1» فأمر الوصي، بهذه الآية إذا وجد ميلا عن الحق أن يستعمل قضية ~~الشرع، ويصلح بين الورثة، ذكره شيخنا علي بن عبيد الله، وغيره في «الناسخ ~~والمنسوخ» ، فعلى هذا تكون الآية منسوخة، وعلى ما قبله تكون محكمة. # و «الضعاف» : جمع ضعيف، وهم الأولاد الصغار، وقرأ حمزة: ضعافا، بإمالة ~~العين. # قال أبو علي: ووجهها: أن ما كان على «فعال» وكان أوله حرفا مستعليا ~~مكسورا، نحو ضعاف، وقفاف، وخفاف حسنت فيه الإمالة، لأنه قد يصعد بالحرف ~~المستعلي، ثم يحدر بالكسر، فيستحب أن لا يصعد بالتفخيم بعد التصوب بالكسر، ~~فيجعل الصوت على طريقة واحدة، وكذلك قرأ حمزة: # خافوا عليهم بامالة الخاء، والإمالة هاهنا حسنة، وإن كانت «الخاء» حرفا ~~مستعليا، لأنه يطلب PageV01P376 # الكسرة التي في «خفت» فينحو نحوها بالإمالة. والقول ms0388 السديد: الصواب. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 10] # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون ~~سعيرا (10) # قوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما في سبب نزولها قولان: ~~أحدهما: أن رجلا من غطفان، يقال له: مرثد بن زيد، ولي مال ابن أخيه، فأكله، ~~فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل بن حيان «1» . والثاني: أن حنظلة بن الشمردل ~~ولي يتيما، فأكل ماله، فنزلت هذه الآية، ذكره بعض المفسرين. وإنما خص الأكل ~~بالذكر، لأنه معظم المقصود، وقيل: عبر به عن الأخذ. # قال سعيد بن جبير: ومعنى الظلم: أن يأخذه بغير حق. وأما ذكر «البطون» ~~فللتوكيد، كما تقول: # نظرت بعيني، وسمعت بأذني. وفي المراد بأكلهم النار قولان: # أحدهما: أنهم سيأكلون يوم القيامة نارا، فسمي الأكل بما يؤول إليه أمرهم، ~~كقوله تعالى: # أعصر خمرا «2» قال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظلما، ولهب النار يخرج من ~~فيه، ومن مسامعه، وأذنيه، وأنفه، وعينيه، يعرفه من رآه يأكل مال اليتيم. # والثاني: أنه مثل. معناه: يأكلون ما يصيرون به إلى النار، كقوله تعالى: ~~ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه «3» أي: رأيتم أسبابه. # قوله تعالى: وسيصلون قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ~~«وسيصلون» بفتح الياء، وقرأ الحسن، وابن عامر، بضم الياء، ووافقهما ابن ~~مقسم، إلا أنه شدد. والمعنى: # سيحرقون بالنار، ويشوون. والسعير: النار المستعرة، واستعار النار: ~~توقدها. # فصل: وقد توهم قوم لا علم لهم بالتفسير وفقهه، أن هذه الآية منسوخة، ~~لأنهم سمعوا أنها لما نزلت، تحرج القوم عن مخالطة اليتامى، فنزل قوله ~~تعالى: وإن تخالطوهم فإخوانكم «4» وهذا غلط، وإنما ارتفع عنهم الحرج بشرط ~~قصد الإصلاح، لا على إباحة الظلم. ### | [سورة النساء (4) : آية 11] # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين ~~فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس ~~مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان ~~له إخوة فلأمه السدس من بعد ms0389 وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون ~~أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما (11) # قوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم في سبب نزولها ثلاثة أقوال: ~~PageV01P377 # (260) أحدها: أن جابر بن عبد الله مرض، فعاده رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: كيف أصنع في مالي يا رسول الله، فنزلت هذه الآية، رواه البخاري ~~ومسلم. # (261) والثاني: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بابنتين لها، ~~فقالت: يا رسول الله قتل أبو هاتين معك يوم أحد، وقد استفاء «1» عمهما ~~مالهما، فنزلت، روي عن جابر بن عبد الله أيضا. # (262) والثالث: أن عبد الرحمن أخا حسان بن ثابت مات، وترك امرأة، وخمس ~~بنات، فأخذ ورثته ماله، ولم يعطوا امرأته، ولا بناته شيئا، فجاءت امرأته ~~تشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، هذا قول السدي. # قال الزجاج: ومعنى يوصيكم: يفرض عليكم، لأن الوصية منه فرض «2» . وقال ~~غيره: إنما ذكره بلفظ الوصية لأمرين: أحدهما: أن الوصية تزيد على الأمر، ~~فكانت آكد. والثاني: أن في الوصية حقا للموصي، فدل على تأكيد الحال بإضافته ~~إلى حقه. وقرأ الحسن. وابن أبي عبلة: «يوصيكم» بالتشديد. # قوله تعالى: للذكر مثل حظ الأنثيين يعني، للابن من الميراث مثل حظ ~~الأنثيين. ثم ذكر نصيب الإناث من الأول فقال فإن كن يعني: البنات نساء فوق ~~اثنتين وفي قوله تعالى: فوق قولان: أحدهما: أنها زائدة، كقوله تعالى: ~~فاضربوا فوق الأعناق. والثاني: أنها بمعنى الزيادة. قال القاضي أبو يعلى: ~~إنما نص على ما فوق الاثنتين، والواحدة، ولم ينص على الاثنتين، لأنه لما ~~جعل لكل واحدة مع الذكر الثلث، كان لها مع الأنثى الثلث أولى. # قوله تعالى: وإن كانت واحدة قرأ الجمهور بالنصب، وقرأ نافع بالرفع، على ~~معنى: وإن وقعت، أو وجدت واحدة. PageV01P378 # قوله تعالى: ولأبويه قال الزجاج: أبواه تثنية أب وأبة، والأصل في الأم أن ~~يقال لها: أبة، ولكن استغنى عنها بأم، والكناية في قوله «لأبويه» عن الميت ~~وإن لم يجر له ذكر. # وقوله تعالى: ms0390 فلأمه الثلث أي: إذا لم يخلف غير أبوين، فثلث ماله لأمه، ~~والباقي للأب، وإنما خص الأم بالذكر، لأنه لو اقتصر على قوله تعالى: وورثه ~~أبواه ظن الظان أن المال يكون بينهما نصفين، فلما خصها بالثلث، دل على ~~التفضيل. # وقرأ ابن كثير، ونافع وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: فلأمه وفي بطون ~~أمهاتكم «1» وفي أمها «2» وفي أم الكتاب بالرفع. وقرأ حمزة والكسائي كل ذلك ~~بالكسر إذا وصلا، وحجتهما: أنهما أتبعا الهمزة ما قبلها، من ياء أو كسرة. # قوله تعالى: فإن كان له إخوة أي: مع الأبوين، فإنهم يحجبون الأم عن ~~الثلث، فيردونها إلى السدس، واتفقوا على أنهم إذا كانوا ثلاثة إخوة حجبوا، ~~فإن كانا أخوين، فهل يحجبانها؟ فيه قولان: # أحدهما: يحجبانها عن الثلث، قاله عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، والجمهور. ~~والثاني: لا يحجبها إلا ثلاثة، قاله ابن عباس، واحتج بقوله: إخوة. والأخوة: ~~اسم جمع، واختلفوا في أقل الجمع، فقال الجمهور: أقله ثلاثة، وقال قوم: ~~اثنان، والأول: أصح. وإنما حجب العلماء الأم بأخوين لدليل اتفقوا عليه، وقد ~~يسمى الاثنان بالجمع، قال الزجاج: جميع أهل اللغة يقولون: إن الأخوين ~~جماعة، وحكى سيبويه أن العرب تقول: وضعا رحالهما، يريدون: رحلي راحلتيهما. # قوله تعالى: من بعد وصية أي: هذه السهام إنما تقسم بعد الوصية والدين. ~~وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر، عن عاصم «يوصى بها» بفتح الصاد في ~~الحرفين. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «يوصي» فيهما بالكسر، ~~وقرأ حفص، عن عاصم الأولى بالكسر، والثانية بالفتح. # واعلم أن الدين مؤخر في اللفظ، مقدم في المعنى، لأن الدين حق عليه، ~~والوصية حق له، وهما جميعا مقدمان على حق الورثة إذا كانت الوصية في ثلث ~~المال، و «أو» لا توجب الترتيب، إنما تدل على أن أحدهما إن كان، فالميراث ~~بعده، وكذلك إن كانا. # قوله تعالى: آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فيه قولان: ~~أحدهما: أنه النفع في الآخرة، ثم فيه قولان: أحدهما: أن الوالد إذا كان ~~أرفع درجة من ولده، رفع إليه ولده، وكذلك الولد، رواه ms0391 أبو صالح، عن ابن ~~عباس. والثاني: أنه شفاعة بعضهم في بعض، رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن ~~عباس. والقول الثاني: أنه النفع في الدنيا، قاله مجاهد. ثم في معناه قولان: ~~أحدهما: أن المعنى: # لا تدرون هل موت الآباء أقرب، فينتفع الأبناء بأموالهم، أو موت الأبناء، ~~فينتفع الآباء بأموالهم؟ قاله ابن بحر. والثاني: أن المعنى: أن الآباء ~~والأبناء يتفاوتون في النفع، حتى لا يدري أيهم أقرب نفعا، لأن الأولاد ~~ينتفعون في صغرهم بالآباء، والآباء ينتفعون في كبرهم بالأبناء، ذكره القاضي ~~أبو يعلى. # وقال الزجاج: معنى الكلام: أن الله قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة. ~~ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم، فتضعون الأموال على غير حكمة. ~~إن الله كان عليما بما يصلح PageV01P379 # خلقه، حكيما فيما فرض. وفي معنى «كان» ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناها: ~~كان عليما بالأشياء قبل خلقها، حكيما فيما يقدر تدبيره منها، قاله الحسن. ~~والثاني: أن معناها: لم يزل. قال سيبويه: كأن القوم شاهدوا علما وحكمة، ~~فقيل له: إن الله كان كذلك، أي: لم يزل على ما شاهدتم، ليس ذلك بحادث. ~~والثالث: أن لفظة «كان» في الخبر عن الله عز وجل يتساوى ماضيها ومستقبلها، ~~لأن الأشياء عنده على حال واحدة، ذكر هذه الأقوال الزجاج. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 12] # ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع ~~مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ~~ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ~~وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن ~~كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير ~~مضار وصية من الله والله عليم حليم (12) # قوله تعالى: وإن كان رجل يورث كلالة قرأ الحسن: «يورث» بفتح الواو، وكسر ~~الراء مع التشديد. وفي الكلالة ms0392 أربعة أقوال: أحدها: أنها ما دون الوالد ~~والولد، قاله أبو بكر الصديق. وقال عمر بن الخطاب: أتى علي حين وأنا لا ~~أعرف ما الكلالة، فإذا هو: من لم يكن له والد ولا ولد، وهذا قول علي، وابن ~~مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء، والزهري، ~~وقتادة، والفراء، وذكر الزجاج عن أهل اللغة، أن «الكلالة» : من قولهم: ~~تكلله النسب، أي: لم يكن الذي يرثه ابنه، ولا أباه. قال: والكلالة سوى ~~الوالد والولد، وإنما هو كالاكليل على الرأس. وذكر ابن قتيبة عن أبي عبيدة ~~أنه مصدر تكلله النسب: إذا أحاط به. والابن والأب: طرفان للرجل. فاذا مات، ~~ولم يخلفهما، فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسمي ذهاب الطرفين: كلالة. والثاني: ~~أن الكلالة: من لا ولد له، رواه ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، وهو قول طاوس. ~~والثالث: أن الكلالة: ما عدا الوالد، قاله الحكم. والرابع: أن الكلالة: بنو ~~العم الأباعد، ذكره ابن فارس، عن ابن الأعرابي «1» . # واختلفوا على ما يقع اسم الكلالة على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه اسم للحي ~~الوارث، وهذا مذهب أبي بكر الصديق، وعامة العلماء الذين قالوا: إن الكلالة ~~من دون الوالد والولد، فانهم قالوا: الكلالة: # اسم للورثة إذا لم يكن فيهم ولد ولا والد، قال بعض الأعراب: مالي كثير، ~~ويرثني كلالة متراخ PageV01P380 # نسبهم. والثاني: أنه اسم للميت، قاله ابن عباس: والسدي، وأبو عبيدة في ~~جماعة. قال القاضي أبو يعلى: الكلالة: اسم للميت، ولحاله، وصفته، ولذلك ~~انتصب. والثالث: أنه اسم للميت والحي، قاله ابن زيد. # وفيما أخذت منه الكلالة قولان: أحدهما: أنه اسم مأخوذ من الإحاطة، ومنه ~~الاكليل، لإحاطته بالرأس. والثاني: أنه مأخوذ من الكلال، وهو التعب، كأنه ~~يصل إلى الميراث من بعد وإعياء. قال الأعشى: # فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفى حتى تزور محمدا # قوله تعالى: وله أخ أو أخت يعني: من الأم بإجماعهم. # قوله تعالى: فهم شركاء في الثلث قال قتادة: ذكرهم وأنثاهم فيه سواء. # قوله تعالى: غير مضار قال الزجاج: «غير» ms0393 منصوب على الحال، والمعنى: يوصي ~~بها غير مضار، يعني: للورثة. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 13] # تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) # قوله تعالى: تلك حدود الله قال ابن عباس: يريد ما حد الله من فرائضه في ~~الميراث ومن يطع الله ورسوله في شأن المواريث يدخله جنات قرأ ابن عامر، ~~ونافع: «ندخله» بالنون في الحرفين جميعا، والباقون بالياء فيهما. ### | [سورة النساء (4) : آية 14] # ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ~~(14) # قوله تعالى: ومن يعص الله فلم يرض بقسمه يدخله نارا، فان قيل: كيف قطع ~~للعاصي بالخلود؟ فالجواب: أنه إذا رد حكم الله، وكفر به، كان كافرا مخلدا ~~في النار. ### | [سورة النساء (4) : آية 15] # واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا ~~فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (15) # قوله تعالى: واللاتي يأتين الفاحشة قال الزجاج: «التي» تجمع اللاتي ~~واللواتي. قال الشاعر: # من اللواتي والتي واللاتي ... زعمن أني كبرت لداتي «1» # وتجمع اللاتي بإثبات التاء وحذفها. قال الشاعر: # من اللاتي لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا # والفاحشة: الزنى في قول الجماعة. PageV01P381 # وفي قوله تعالى: فاستشهدوا عليهن قولان: أحدهما: أنه خطاب للأزواج. ~~والثاني: خطاب للحكام، فالمعنى: اسمعوا شهادة أربعة منكم، ذكرهما الماوردي. ~~قال عمر بن الخطاب: إنما جعل الله عز وجل الشهود أربعة سترا ستركم به دون ~~فواحشكم. ومعنى «منكم» : من المسلمين. قوله تعالى: # فأمسكوهن في البيوت قال ابن عباس: كانت المرأة إذا زنت، حبست في البيت ~~حتى تموت، فجعل الله لهن سبيلا، وهو الجلد أو الرجم. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 16] # والذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان ~~توابا رحيما (16) # قوله تعالى: والذان قرأ ابن كثير: «واللذان» بتشديد النون، و «هذان» في ~~طه والحج و «هاتين» في القصص: «إحدى ابنتي هاتين» و «فذانك» كله بتشديد ~~النون. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، بتخفيف ذلك ms0394 كله، ~~وشدد أبو عمرو «فذانك» وحدها. # وقوله: واللذان: يعني: الزانيين. وهل هو عام، أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه عام في الأبكار والثيب من الرجال والنساء، قاله الحسن، ~~وعطاء. # والثاني: أنه خاص في البكرين إذا زنيا، قاله أبو صالح، والسدي، وابن زيد، ~~وسفيان. قال القاضي أبو يعلى: والأول أصح، لأن هذا تخصيص بغير دلالة. # قوله تعالى: يأتيانها يعني الفاحشة. قوله تعالى فآذوهما فيه قولان: ~~أحدهما: أنه الأذى بالكلام، والتعيير، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ~~قتادة، والسدي، والضحاك، ومقاتل. # والثاني: أنه التعيير، والضرب بالنعال، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. ~~فإن تابا من الفاحشة وأصلحا العمل فأعرضوا عن أذاهما. وهذا كله كان قبل ~~الحد. # فصل: كان حد الزانيين، فيما تقدم، الأذى لهما، والحبس للمرأة خاصة، فنسخ ~~الحكمان جميعا، واختلفوا بماذا وقع نسخهما: # (263) فقال قوم بحديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب جلد مائة، ~~ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة» وهذا على قول من يرى نسخ ~~القرآن بالسنة. # وقال قوم: نسخ بقوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة «1» قالوا: وكان قوله PageV01P382 # تعالى والذان يأتيانها للبكرين، فنسخ حكمها بالجلد، ونسخ حكم الثيب من ~~النساء بالرجم «1» . # وقال قوم: يحتمل أن يكون النسخ وقع بقرآن، ثم رفع رسمه، وبقي حكمه. لأن ~~في حديث عبادة «قد جعل الله لهن سبيلا» والظاهر: أنه جعل بوحي لم تستقر ~~تلاوته. قال القاضي أبو يعلى: وهذا وجه صحيح، يخرج على قول من لم ينسخ ~~القرآن بالسنة. قال: ويمتنع أن يقع النسخ بحديث عبادة، لأنه من أخبار ~~الآحاد، والنسخ لا يجوز بذلك. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 17] # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ~~فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) # قوله تعالى: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة قال الحسن: ~~إنما التوبة التي يقبلها الله. فأما «السوء» ، فهو ms0395 المعاصي، سمي سوءا لسوء ~~عاقبته. # قوله تعالى: بجهالة قال مجاهد: كل عاص فهو جاهل حين معصيته. وقال الحسن، ~~وعطاء، وقتادة، والسدي في آخرين: إنما سموا جهالا لمعاصيهم، لا أنهم غير ~~مميزين. # وقال الزجاج: ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء، لأن المسلم لو أتى ما ~~يجهله، كان كمن لم يوقع سوءا، وإنما يحتمل أمرين: أحدهما: أنهم عملوه، وهم ~~يجهلون المكروه فيه. والثاني: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته ~~مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل، فسموا جهالا، لإيثارهم القليل على الراحة ~~الكثيرة، والعاقبة الدائمة. PageV01P383 # وفي «القريب» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه التوبة في الصحة، رواه أبو صالح، ~~عن ابن عباس، وبه قال السدي، وابن السائب. والثاني: أنه التوبة قبل معاينة ~~ملك الموت. رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه قال أبو مجلز. والثالث: ~~أنه التوبة قبل الموت، وبه قال ابن زيد في آخرين. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 18] # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت ~~الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (18) # قوله تعالى: وليست التوبة للذين يعملون السيئات في السيئات ثلاثة أقوال: ~~أحدها: # الشرك، قاله ابن عباس، وعكرمة. والثاني: أنها النفاق، قاله أبو العالية، ~~وسعيد بن جبير. والثالث: # أنها سيئات المسلمين، قاله سفيان الثوري، واحتج بقوله تعالى: ولا الذين ~~يموتون وهم كفار. # قوله تعالى: حتى إذا حضر أحدهم الموت في الحضور قولان: أحدهما: أنه السوق ~~«1» ، قاله ابن عمر. والثاني: أنه معاينة الملائكة لقبض الروح، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. وقد روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال: أنزل الله ~~تعالى بعد هذه الآية إن الله لا يغفر أن يشرك به «2» الآية. # فحرم المغفرة على من مات مشركا، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فعلى هذا ~~تكون منسوخة في حق المؤمنين. ### | [سورة النساء (4) : آية 19] # يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن ~~كرهتموهن فعسى ms0396 أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها. # (264) سبب نزولها: أن الرجل كان إذا مات، كان أولياؤه أحق بامرأته، إن ~~شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فنزلت هذه الآية. قاله ابن عباس. وقال ~~في رواية أخرى: كانوا في أول الإسلام إذا مات الرجل، قام أقرب الناس منه، ~~فيلقي على امرأته ثوبا، فيرث نكاحها. وقال مجاهد: كان إذا توفي الرجل، ~~فابنه الأكبر أحق بامرأته، فينكحها إن شاء، أو ينكحها من شاء. # (265) وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ~~ابنه أن يتزوج امرأته من بعده، وكان ذلك لهم في الجاهلية، فنزلت هذه الآية. ~~PageV01P384 # قال عكرمة، واسم هذه المرأة: كبيشة بنت معن بن عاصم «1» ، وكان هذا في ~~العرب. وقال أبو مجلز: كانت الأنصار تفعله. وقال ابن زيد: كان هذا في أهل ~~المدينة. وقال السدي: إنما كان ذلك للأولياء ما لم تسبق المرأة، فتذهب إلى ~~أهلها، فإن ذهبت، فهي أحق بنفسها. # وفي معنى قوله تعالى: أن ترثوا النساء كرها قولان: أحدهما: أن ترثوا نكاح ~~النساء، وهذا قول الجمهور. والثاني: أن ترثوا أموالهن كرها. روى ابن أبي ~~طلحة، عن ابن عباس، قال: كان يلقي حميم «2» الميت على الجارية ثوبا، فان ~~كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت، فيرثها. # واختلف القراء في فتح كاف «الكره» وضمها في أربعة مواضع: هاهنا، وفي ~~التوبة، وفي الأحقاف في موضعين، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو بفتح ~~الكاف فيهن، وضمهن حمزة. وقرأ عاصم، وابن عامر بالفتح في النساء والتوبة، ~~وبالضم في الأحقاف. وهما لغتان، قد ذكرناهما في البقرة. وفيمن خوطب بقوله ~~تعالى: ولا تعضلوهن ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه خطاب للأزواج، ثم في العضل الذي نهى عنه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أن الرجل كان يكره صحبة امرأته، ولها عليه مهر، فيحبسها، ويضربها لتفتدي، ~~قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي. والثاني: أن الرجل كان ينكح ~~المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه، فيفارقها ms0397 على أن لا تتزوج إلا بإذنه، ~~ويشهد على ذلك، فاذا خطبت، فأرضته، أذن لها، وإلا عضلها، قاله ابن زيد. ~~والثالث: أنهم كانوا بعد الطلاق يعضلون، كما كانت الجاهلية تفعل، فنهوا عن ~~ذلك، روي عن ابن زيد أيضا. وقد ذكرنا في البقرة أن الرجل كان يطلق المرأة، ~~ثم يراجعها، ثم يطلقها كذلك أبدا إلى غير غاية، يقصد إضرارها، حتى نزلت ~~الطلاق مرتان «3» . # والقول الثاني: أنه خطاب للأولياء، ثم في ما نهوا عنه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أن الرجل كان في الجاهلية إذا كانت له قرابة قريبة، ألقى عليها ~~ثوبه، فلم تتزوج أبدا غيره إلا بإذنه، قاله ابن عباس. # والثاني: أن اليتيمة كانت تكون عند الرجل، فيحبسها حتى تموت، أو تتزوج ~~بابنه، قاله مجاهد. # والثالث: أن الأولياء كانوا يمنعون النساء من التزويج، ليرثوهن، روي عن ~~مجاهد أيضا. # والقول الثالث: انه خطاب لورثة أزواج النساء الذين قيل لهم: لا يحل لكم ~~أن ترثوا النساء كرها. # كان الرجل يرث امرأة قريبة، فيعضلها حتى تموت، أو ترد عليه صداقها. هذا ~~قول ابن عباس في آخرين «4» وعلى هذا يكون الكلام متصلا بالأول، وعلى ~~الأقوال التي قبله يكون ذكر العضل منفصلا عن PageV01P385 # قوله تعالى: أن ترثوا النساء. # وفي الفاحشة قولان: أحدهما: أنها النشوز على الزوج، قاله ابن مسعود، وابن ~~عباس، وقتادة في جماعة. والثاني: الزنى، قاله الحسن، وعطاء، وعكرمة في ~~جماعة. # قد روى معمر، عن عطاء الخراساني، قال: كانت المرأة إذا أصابت فاحشة، أخذ ~~زوجها ما ساق إليها، وأخرجها، فنسخ ذلك بالحد. قال ابن جرير: وهذا القول ~~ليس بصحيح، لأن الحد حق الله، والافتداء حق للزوج، وليس أحدهما مبطلا ~~للآخر، والصحيح: أنها إذا أتت بأي فاحشة كانت، من زنى الفرج، أو بذاءة ~~اللسان، جاز له أن يعضلها، ويضيق عليها حتى تفتدي. فأما قوله تعالى: مبينة ~~فقرأ ابن كثير، وأبو بكر، عن عاصم: «مبينة» ، و «آيات مبينات» «1» بفتح ~~الياء فيهما جميعا. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص، عن عاصم: بكسر ~~الياء فيهما، وقرأ نافع، وأبو عمرو «مبينة» كسرا و ms0398 «آيات مبينات» فتحا. وقد ~~سبق ذكر «العشرة» . # قوله تعالى: فعسى أن تكرهوا شيئا قال ابن عباس: ربما رزق الله منهما ~~ولدا، فجعل الله في ولدها خيرا كثيرا. وقد ندبت الآية إلى إمساك المرأة مع ~~الكراهة لها، ونبهت على معنيين: # أحدهما: أن الإنسان لا يعلم وجوه الصلاح، فرب مكروه عاد محمودا، ومحمود ~~عاد مذموما. # والثاني: أن الإنسان لا يكاد يجد محبوبا ليس فيه ما يكره، فليصبر على ما ~~يكره لما يحب. وأنشدوا في هذا المعنى: # ومن لم يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب # ومن يتتبع جاهدا كل عثرة ... يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 20] # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20) # قوله تعالى: وإن أردتم استبدال زوج هذا الخطاب للرجال. والزوج: المرأة. ~~وقد سبق ذكر «القنطار» في (آل عمران) . # قوله تعالى: فلا تأخذوا منه شيئا إنما ذلك في حق من وطئها، أو خلا بها، ~~وقد بينت ذلك الآية التي بعدها. قال القاضي أبو يعلى: وإنما خص النهي عن ~~أخذ شيء مما أعطى بحال الاستبدال، وإن كان المنع عاما، لئلا يظن أنه لما ~~عاد البضع إلى ملكها، وجب أن يسقط حقها من المهر، أو يظن ظان أن الثانية ~~أولى بالمهر منها، لقيامها مقامها. # وفي البهتان قولان: أحدهما: أنه الظلم، قاله ابن عباس، وابن قتيبة. ~~والثاني: الباطل، قاله الزجاج. ومعنى الكلام: أتأخذونه مباهتين آثمين. ~~PageV01P386 ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 21] # وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا (21) # قوله تعالى: وكيف تأخذونه أي: كيف تستجيزون أخذه. وفي «الإفضاء» قولان: # أحدهما: أنه الجماع، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي، ومقاتل، وابن قتيبة. ~~والثاني: الخلوة بها، وإن لم يغشها، قاله الفراء. # وفي المراد بالميثاق هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الذي أخذه الله ~~للنساء على الرجال الإمساك بمعروف، أو التسريح بإحسان. هذا قول ابن عباس، ~~والحسن، وابن سيرين، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومقاتل. والثاني: أنه عقد ~~النكاح، قاله ms0399 مجاهد، وابن زيد. والثالث: أنه أمانة الله، قاله الربيع. ### | [سورة النساء (4) : آية 22] # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا ~~وساء سبيلا (22) # قوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم، قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية ~~يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين، فنزلت هذه الآية. # (266) وقال بعض الأنصار: توفي أبو قيس بن الأسلت، فخطب ابنه قيس امرأته، ~~فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تستأذنه، وقالت: إنما كنت أعده ولدا، فنزلت ~~هذه الآية. # قال أبو عمر غلام ثعلب: الذي حصلناه عن ثعلب، عن الكوفيين، والمبرد عن ~~البصريين، أن «النكاح» في أصل اللغة: اسم للجمع بين الشيئين. وقد سموا ~~الوطء نفسه نكاحا من غير عقد. قال الأعشى: # ومنكوحة غير ممهورة «1» # يعني المسبية الموطوءة بغير مهر ولا عقد. قال القاضي أبو يعلى: قد يطلق ~~النكاح على العقد، قال الله تعالى: إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن «2» وهو حقيقة في الوطء، مجازا في العقد، لأنه اسم للجمع، ~~والجمع: إنما يكون بالوطء، فسمي العقد نكاحا، لأنه سبب إليه. # قوله تعالى: إلا ما قد سلف فيه ستة أقوال: أحدها: أنها بمعنى: بعد ما قد ~~سلف، فإن الله يغفره، قاله الضحاك، والمفضل. وقال الأخفش: المعنى: لا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم، فإنكم تعذبون به، إلا ما قد سلف، فقد وضعه الله ~~عنكم. والثاني: أنها بمعنى: سوى ما قد سلف، قاله الفراء. PageV01P387 # والثالث: أنها بمعنى: لكن ما قد سلف فدعوه، قاله قطرب. وقال ابن ~~الأنباري: لكن ما قد سلف، فإنه كان فاحشة. والرابع: أن المعنى: ولا تنكحوا ~~كنكاح آبائكم النساء، أي: كما نكحوا على الوجوه الفاسدة التي لا تجوز في ~~الإسلام إلا ما قد سلف في جاهليتكم، من نكاح لا يجوز ابتداء مثله في ~~الإسلام، فإنه معفو لكم عنه، وهذا كقول القائل: لا تفعل ما فعلت، أي: لا ~~تفعل مثل ما فعلت، ذكره ابن جرير «1» . والخامس: أنها بمعنى «الواو» ~~فتقديرها: ولا ما قد سلف، فيكون المعنى: ms0400 إقطعوا ما أنتم عليه من نكاح ~~الآباء، ولا تبتدئوا، قاله بعض أهل المعاني. والسادس: أنها للاستثناء، ~~فتقدير الكلام: # لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء بالنكاح الجائز الذي كان عقده بينهم ~~إلا ما قد سلف منهم بالزنى، والسفاح، فإنهن حلال لكم، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: إنه يعني النكاح، و «الفاحشة» : ما يفحش ويقبح. و «المقت» : ~~أشد البغض. # وفي المراد بهذا «المقت» قولان: أحدهما: أنه اسم لهذا النكاح، وكانوا ~~يسمون نكاح امرأة الأب في الجاهلية: مقتا، ويسمون الولد منه: المقتي. ~~فاعلموا أن هذا الذي حرم عليهم من نكاح امرأة الأب لم يزل منكرا في قلوبهم ~~ممقوتا عندهم. هذا قول الزجاج. والثاني: أنه يوجب مقت الله لفاعله، قاله ~~أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: وساء سبيلا قال ابن قتيبة: أي: قبح هذا الفعل طريقا. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 23] # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات ~~الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا ~~جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ~~قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (23) # قوله تعالى: حرمت عليكم أمهاتكم قال الزجاج: الأصل في أمهات: أمات، ولكن ~~الهاء زيدت مؤكدة، كما زادوها في: أهرقت الماء، وإنما أصله: أرقت. # قوله تعالى: وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم إنما سمين أمهات، لموضع الحرمة. ~~واختلفوا: هل يعتبر في الرضاع العدد، أم لا؟ فنقل حنبل، عن أحمد: أنه يتعلق ~~التحريم بالرضعة الواحدة، وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، والحسن، ~~وطاوس، والشعبي، والنخعي، والزهري، والأوزاعي، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة، ~~وأصحابه. ونقل محمد بن العباس، عن أحمد: أنه يتعلق التحريم بثلاث رضعات. ~~ونقل أبو الحارث، عن أحمد: لا يتعلق بأقل من خمس رضعات متفرقات، وهو قول ~~الشافعي «2» . PageV01P388 # قوله تعالى: وأمهات نسائكم أمهات النساء: يحرمن بنفس العقد على البنت، ~~سواء دخل بالبنت، أو لم يدخل، وهذا قول عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وعمران ms0401 ~~بن حصين ومسروق، وعطاء، وطاوس، والحسن، والجمهور. وقال علي رضي الله عنه في ~~رجل طلق امرأته قبل الدخول: # له أن يتزوج أمها، وهذا قول مجاهد، وعكرمة «1» . # قوله تعالى: وربائبكم الربيبة: بنت امرأة الرجل من غيره. ومعنى الربيبة: ~~مربوبة، لأن الرجل يربيها، وخرج الكلام على الأعم من كون التربية في حجر ~~الرجل، لا على الشرط «2» . # قوله تعالى: وحلائل أبنائكم قال الزجاج: الحلائل: الأزواج. وحليلة بمعنى ~~محلة، وهي PageV01P389 # مشتقة من الحلال. وقال غيره: سميت بذلك، لأنها تحل معه أينما كان. وقرأت ~~على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: الحليل: الزوج، والحليلة: المرأة، وسميا ~~بذلك، إما لأنهما يحلان في موضع واحد، أو لأن كل واحد منهما يحال صاحبه، ~~أي: ينازله، أو لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه. # قوله تعالى: الذين من أصلابكم قال عطاء: إنما ذكر الأصلاب، لأجل ~~الأدعياء. والكلام في قوله تعالى: إلا ما قد سلف على نحو ما تقدم في الآية ~~التي قبلها. وقد زادوا في هذا قولين آخرين: # أحدهما: إلا ما قد سلف من أمر يعقوب عليه السلام، لأنه جمع بين أم يوسف ~~وأختها، وهذا مروي عن عطاء، والسدي، وفيه ضعف لوجهين: أحدهما: أن هذا ~~التحريم يتعلق بشريعتنا، وليس كل الشرائع تتفق، ولا وجه للعفو عنا فيما ~~فعله غيرنا. والثاني: أنه لو طولب قائل هذا بتصحيح نقله، لعسر عليه. والقول ~~الثاني: أن تكون فائدة هذا الاستثناء أن العقود المتقدمة على الأختين لا ~~تنفسخ، ويكون للانسان أن يختار إحداهما. # (267) ومنه حديث فيروز الديلمي قال: أسلمت وعندي أختان، فأتيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: «طلق إحداهما» ، ذكره القاضي أبو يعلى. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 24] # والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن ~~فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن ~~الله كان عليما حكيما (24) # قوله: والمحصنات من النساء. أما سبب نزولها: # (268) فروى أبو سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا يوم ms0402 أوطاس لهن أزواج، ~~فكرهنا أن نقع عليهن، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، ~~فاستحللناهن. # وأما خلاف القراء، فقرأ ابن كثير، ونافع، وابو عمرو، وعاصم، وابن عامر، ~~وحمزة بفتح الصاد في كل القرآن، وفتح الكسائي الصاد في هذه وحدها، وقرأ ~~سائر القرآن «والمحصنات» و «محصنات» . # قال ابن قتيبة: والإحصان: أن يحمي الشيء، ويمنع منه، فالمحصنات من ~~النساء: ذوات الأزواج، لأن الأزواج أحصنوهن، ومنعوا منهن. قال الله تعالى: ~~والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم، والمحصنات: الحرائر وإن لم يكن ~~متزوجات، لأن الحرة تحصن وتحصن، وليست كالأمة، قال الله PageV01P390 # تعالى: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات وقال: فعليهن ~~نصف ما على المحصنات من العذاب يعني: الحرائر. والمحصنات: العفائف. قال ~~الله تعالى: والذين يرمون المحصنات يعني العفائف وقال تعالى: ومريم ابنت ~~عمران التي أحصنت فرجها أي: عفت. وفي المراد بالمحصنات هنا ثلاثة أقوال: ~~أحدها: ذوات الأزواج. وهذا قول ابن عباس. وسعيد بن المسيب والحسن، وابن ~~جبير، والنخعي، وابن زيد، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: العفائف: ~~فإنهن حرام على الرجال إلا بعقد نكاح، أو ملك يمين. وهذا قول عمر بن ~~الخطاب، وأبي العالية، وعطاء، وعبيدة، والسدي. والثالث: الحرائر، فالمعنى: ~~أنهن حرام بعد الأربع اللواتي ذكرن في أول السورة، روي عن ابن عباس، ~~وعبيدة. # فعلى القول الأول في معنى قوله تعالى: إلا ما ملكت أيمانكم قولان: ~~أحدهما: أن معناه: # إلا ما ملكت أيمانكم من السبايا في الحروب، وعلى هذا تأول الآية علي، ~~وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس، وكان هؤلاء لا يرون بيع الأمة ~~طلاقا. والثاني: إلا ما ملكت أيمانكم من الإماء ذوات الأزواج، بسبي أو غير ~~سبي، وعلى هذا تأول الآية ابن مسعود، وأبي بن كعب، وجابر، وأنس. # وكان هؤلاء يرون بيع الأمة طلاقا. وقد ذكر ابن جرير، عن ابن عباس، وسعيد ~~بن المسيب، والحسن: # أنهم قالوا: بيع الأمة طلاقها، والأول أصح. # (269) لأن النبي صلى الله عليه وسلم خير بريرة إذ أعتقتها عائشة، بين ~~المقام مع ms0403 زوجها الذي زوجها منه سادتها في حال رقها، وبين فراقه، ولم يجعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عتق عائشة إياها طلاقا، ولو كان طلاقا لم يكن ~~لتخييره إياها معنى. ويدل على صحة القول الأول ما ذكرناه من سبب نزول ~~الآية. # وعلى القول الثاني: العفائف حرام إلا بملك، والملك يكون عقدا، ويكون ملك ~~يمين. # وعلى القول الثالث: الحرائر حرام بعد الأربع إلا ما ملكت أيمانكم من ~~الإماء، فانهن لم يحصرن بعدد. # قوله تعالى: كتاب الله عليكم قال الزجاج: هو منصوب على التوكيد، محمول ~~على المعنى، لأن معنى «حرمت عليكم أمهاتكم» : كتب الله عليكم هذا كتابا، ~~قال: ويجوز أن ينتصب على جهة الأمر، ويكون «عليكم» مفسرا له، فيكون المعنى: ~~إلزموا كتاب الله. قال: وأحل لكم ما وراء ذلكم أي: ما بعد هذه الأشياء، إلا ~~أن السنة قد حرمت تزويج المرأة على عمتها، وتزويجها على خالتها «1» . # وقرأ ابن السميفع، وأبو عمران: «كتب الله عليكم» بفتح الكاف، والتاء، ~~والباء، من غير ألف، ورفع PageV01P391 # الهاء. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: وأحل بفتح الحاء، ~~وقرأ حمزة، والكسائي: # بضم الألف. # فصل: قال شيخنا علي بن عبيد الله: وعامة العلماء ذهبوا إلى أن قوله ~~تعالى: وأحل لكم ما وراء ذلكم تحليل ورد بلفظ العموم، وأنه عموم دخله ~~التخصيص، والمخصص له: # (270) نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها، أو على ~~خالتها. وليس هذا على سبيل النسخ. # وذهب طائفة إلى أن التحليل المذكور في الآية منسوخ بهذا الحديث. # قوله تعالى: أن تبتغوا بأموالكم أي: تطلبوا إما بصداق في نكاح، أو ثمن في ~~ملك محصنين قال ابن قتيبة: متزوجين، وقال الزجاج: عاقدين التزويج، وقال ~~غيرهما: متعففين غير زانين. # والسفاح: الزنى، قال ابن قتيبة.. أصله من سفحت القربة: إذا صببتها، فسمي ~~الزنى سفاحا، لأنه حين يسافح يصب النطفة، وتصب المرأة النطفة. وقال ابن ~~فارس: السفاح: صب الماء بلا عقد، ولا نكاح، فهو كالشيء يسفح ضياعا. # قوله تعالى: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فيه قولان: ms0404 # أحدهما: أنه الاستمتاع في النكاح بالمهور، قاله ابن عباس، والحسن، ~~ومجاهد، والجمهور. # والثاني: أنه الاستمتاع إلى أجل مسمى من غير عقد نكاح. وقد روي عن ابن ~~عباس أنه كان يفتي بجواز المتعة، ثم رجع عن ذلك. وقد تكلف قوم من مفسري ~~القراء، فقالوا: المراد بهذه الآية نكاح المتعة، ثم نسخت بما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه: # (271) نهى عن متعة النساء، وهذا تكلف لا يحتاج إليه، لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أجاز المتعة، ثم منع منها، فكان قوله منسوخا بقوله. وأما الآية، ~~فإنها لم تتضمن جواز المتعة، لأنه تعالى قال فيها: أن تبتغوا بأموالكم ~~محصنين غير مسافحين فدل ذلك على النكاح الصحيح. PageV01P392 # قال الزجاج: ومعنى قوله تعالى: فما استمتعتم به منهن فما نكحتموهن على ~~الشريطة التي جرت، وهو قوله: محصنين غير مسافحين أي: عاقدين التزويج فآتوهن ~~أجورهن أي: مهورهن. # ومن ذهب في الآية إلى غير هذا، فقد أخطأ، وجهل اللغة. # قوله تعالى: ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة فيه ستة ~~أقوال: # أحدها: أن معناه: لا جناح عليكم فيما تركته المرأة من صداقها، ووهبته ~~لزوجها، هذا مروي عن ابن عباس، وابن زيد. والثاني: ولا جناح عليكم فما ~~تراضيتم به من مقام، أو فرقة بعد أداء الفريضة، روي عن ابن عباس أيضا. ~~والثالث: ولا جناح عليكم أيها الأزواج إذا أعسرتم بعد الفرض لنسائكم فيما ~~تراضيتم به من أن ينقصنكم، أو يبرئنكم، قاله أبو سليمان التيمي. والرابع: ~~لا جناح عليكم إذا انقضى أجل المتعة أن يزدنكم في الأجل، وتزيدونهن في ~~الأجر من غير استبراء، قاله السدي، وهو يعود إلى قصة المتعة. والخامس: لا ~~جناح عليكم أن تهب المرأة للرجل مهرها، أو يهب هو للتي لم يدخل بها نصف ~~المهر الذي لا يجب عليه. قاله الزجاج. والسادس: أنه عام في الزيادة، ~~والنقصان، والتأخير، والإبراء، قاله القاضي أبو يعلى «1» . ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 25] # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم ~~من فتياتكم المؤمنات ms0405 والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن ~~وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم ~~وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (25) # قوله تعالى: ومن لم يستطع منكم طولا «الطول» : الغنى والسعة في قول ~~الجماعة. # و «المحصنات» : الحرائر، قال الزجاج: والمعنى: من لم يقدر على مهر الحرة، ~~يقال: قد طال فلان طولا على فلان، أي: كان له فضل عليه في القدرة. والمراد ~~بالفتيات هاهنا: المملوكات، يقال: # للأمة: فتاة، وللعبد: فتى، وقد سمي بهذا الاسم من ليس بمملوك. قرأت على ~~شيخنا الإمام أبي منصور اللغوي قال: المتفتية: الفتاة والمراهقة، ويقال ~~للجارية الحدثة: فتاة، وللغلام: فتى. قال القتيبي: وليس الفتى بمعنى الشاب ~~والحدث، إنما هو بمعنى الكامل الجزل من الرجال. # فأما ذكر الايمان، فشرط في إباحتهن، ولا يجوز نكاح الأمة الكتابية، هذا ~~قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: يجوز. PageV01P393 # قوله تعالى: والله أعلم بإيمانكم قال الزجاج: معناه: اعملوا على ظاهركم ~~في الإيمان، فإنكم متعبدون بما ظهر من بعضكم لبعض. قال: وفي قوله تعالى: ~~بعضكم من بعض وجهان: أحدهما: # أنه أراد النسب، أي كلكم ولد آدم. ويجوز أن يكون معناه: دينكم واحد، لأنه ~~ذكر هاهنا المؤمنات. # وإنما قيل لهم ذلك، لأن العرب كانت تطعن في الأنساب، وتفخر بالأحساب، ~~وتسمي ابن الأمة: # الهجين، فأعلم الله عز وجل أن أمر العبيد وغيرهم مستو في باب الإيمان، ~~وإنما كره التزويج بالأمة، وحرم إذا وجد إلى الحرة سبيلا، لأن ولد الأمة من ~~الحر يصيرون رقيقا، ولأن الأمة ممتهنة في عشرة الرجال، وذلك يشق على الزوج. # قال ابن الأنباري: ومعنى الآية: كلكم بنو آدم، فلا يتداخلكم شموخ وأنفة ~~من تزوج الإماء عند الضرورة. وقال ابن جرير: في الكلام تقديم وتأخير، ~~تقديره: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضكم من ~~بعض، لينكح هذا فتاة هذا. # قوله تعالى: فانكحوهن يعني: الإماء بإذن أهلهن، أي: سادتهن. و «الأجور» ms0406 : ~~المهور. # وفي قوله: بالمعروف قولان: أحدهما: أنه مقدم في المعنى، فتقديره: انكحوهن ~~بإذن أهلهن بالمعروف، أي: بالنكاح الصحيح وآتوهن أجورهن. والثاني: أن ~~المعنى: وآتوهن أجورهن بالمعروف، كمهور أمثالهن. قال ابن عباس: محصنات: ~~عفائف غير زوان ولا متخذات أخدان يعني: أخلاء، كان الجاهلية يحرمون ما ظهر ~~من الزنى، ويستحلون ما خفي. وقال في رواية أخرى: # «المسافحات» : المعلنات بالزنى. و «المتخذات أخدان» : ذات الخليل الواحد. ~~وقال غيره: كانت المرأة تتخذ صديقا تزني معه، ولا تزني مع غيره. # قوله تعالى: فإذا أحصن قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«أحصن» مضمومة الألف. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر، والمفضل عن عاصم: ~~بفتح الألف، والصاد. قال ابن جرير: من قرأ بالفتح، أراد: أسلمن، فصرن ~~ممنوعات الفروج عن الحرام بالاسلام، ومن قرأ بالضم، أراد: فاذا تزوجن، فصرن ~~ممنوعات الفروج من الحرام بالأزواج. فأما «الفاحشة» ، فهي الزنى، ~~والمحصنات: الحرائر، و «العذاب» : الحد. قال القاضي أبو يعلى: وليس الإسلام ~~والتزويج شرطا في إيجاب الحد على الأمة، بل يجب وإن عدما، وإنما شرط ~~الإحصان في الحد، لئلا يتوهم متوهم أن عليها نصف ما على الحرة إذا لم تكن ~~محصنة، وعليها مثل ما على الحرة إذا كانت محصنة. # قوله تعالى: ذلك الإشارة إلى إباحة تزويج الإماء. وفي العنت خمسة أقوال: # أحدها: أنه الزنى، قاله ابن عباس، والشعبي، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك، ~~وابن زيد، ومقاتل، وابن قتيبة. والثاني: أنه الهلاك، ذكره أبو عبيدة، ~~والزجاج. والثالث: لقاء المشقة في محبة الأمة، حكاه الزجاج. والرابع: أن ~~العنت هاهنا: الإثم. والخامس: أنه العقوبة التي تعنته، وهي الحد، ذكرهما ~~ابن جرير الطبري. # قال القاضي أبو يعلى: وهذه الآية تدل على إباحة نكاح الإماء المؤمنات ~~بشرطين: أحدهما: عدم طول الحرة. والثاني: خوف الزنى، وهذا قول ابن عباس، ~~والشعبي، وابن جبير، ومسروق، ومكحول، وأحمد، ومالك، والشافعي. وقد روي عن ~~علي، والحسن، وابن المسيب، ومجاهد، # PageV01P394 # والزهري، قالوا: ينكح الأمة، وإن كان موسرا، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. # قوله تعالى: وأن تصبروا خير لكم، قال ابن عباس والجماعة: ms0407 عن نكاح الإماء، ~~وإنما ندب إلى الصبر عنه، لاسترقاق الأولاد. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 26] # يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم ~~حكيم (26) # قوله تعالى: يريد الله ليبين لكم. اللام بمعنى «أن» ، وهذا مذهب جماعة من ~~أهل العربية، واختاره ابن جرير، ومثله: وأمرت لأعدل بينكم «1» ، وأمرنا ~~لنسلم «2» ، يريدون ليطفؤا «3» . # والبيان من الله تعالى بالنص تارة، وبدلالة النص أخرى. قال الزجاج: و ~~«السنن» : الطرق، فالمعنى يدلكم على طاعته، كما دل الأنبياء وتابعيهم. وقال ~~غيره: معنى الكلام: يريد الله ليبين لكم سنن من قبلكم من أهل الحق والباطل، ~~لتجتنبوا الباطل وتجيبوا الحق، ويهديكم إلى الحق. ### | [سورة النساء (4) : آية 27] # والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا ~~عظيما (27) # قوله تعالى: والله يريد أن يتوب عليكم قال الزجاج: يريد أن يدلكم على ما ~~يكون سببا لتوبتكم. وفي الذين اتبعوا الشهوات أربعة أقوال: أحدها: أنهم ~~الزناة، قاله مجاهد، ومقاتل. والثاني: # اليهود والنصارى، قاله السدي. والثالث: أنهم اليهود خاصة، ذكره ابن جرير. ~~والرابع: أهل الباطل، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: أن تميلوا ميلا عظيما أي: عن الحق بالمعصية. ### | [سورة النساء (4) : آية 28] # يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28) # قوله تعالى: يريد الله أن يخفف عنكم التخفيف: تسهيل التكليف، أو إزالة ~~بعضه. قال ابن جرير: والمعنى: يريد أن ييسر لكم بإذنه في نكاح الفتيات ~~المؤمنات لمن لم يستطع طولا لحرة. وفي المراد بضعف الإنسان ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه الضعف في أصل الخلقة. قال الحسن: هو أنه خلق من ماء مهين. ~~والثاني: أنه قلة الصبر عن النساء، قاله طاوس، ومقاتل. والثالث: أنه ضعف ~~العزم عن قهر الهوى، وهذا قول الزجاج، وابن كيسان. ### | [سورة النساء (4) : آية 29] # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) # قوله تعالى: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، الباطل: ما لا يحل في ~~الشرع. # قوله تعالى: إلا أن تكون تجارة ms0408 قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: «تجارة» بالرفع. وقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم بالنصب، وقد بينا العلة ~~في آخر (البقرة) . # قوله تعالى: ولا تقتلوا أنفسكم فيه خمسة أقوال: أحدها: أنه على ظاهره، ~~وأن الله حرم على PageV01P395 # العبد قتل نفسه، وهذا الظاهر. والثاني: أن معناه: لا يقتل بعضكم بعضا، ~~وهذا قول ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، والسدي، ~~ومقاتل، وابن قتيبة. والثالث: أن المعنى: لا تكلفوا أنفسكم عملا ربما أدى ~~إلى قتلها وإن كان فرضا. # (272) وعلى هذا تأولها عمرو بن العاص في غزاة ذات السلاسل حيث صلى ~~بأصحابه جنبا في ليلة باردة، فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، قال ~~له: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقال: يا رسول الله إني احتلمت في ليلة ~~باردة، وأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قوله تعالى: ولا تقتلوا أنفسكم، ~~فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والرابع: أن المعنى: لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظها، فكأنما ~~قتلها، هذا قول الفضيل بن عياض. والخامس: لا تقتلوها بارتكاب المعاصي. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 30] # ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (30) # قوله تعالى: ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما في المشار إليه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه قتل النفس، قاله ابن عباس، وعطاء. والثاني: أنه عائد إلى كل ما ~~نهى الله عنه من أول السورة إلى هاهنا، روي عن ابن عباس أيضا. والثالث: قتل ~~النفس، وأكل الأموال بالباطل، قاله مقاتل. ### | [سورة النساء (4) : آية 31] # إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ~~(31) # قوله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه، اجتناب الشيء: تركه جانبا. # وفي الكبائر أحد عشر قولا: # (273) أحدها: أنها سبع. فروى البخاري، ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، ~~قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل ms0409 مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف ~~المحصنات المؤمنات الغافلات» . # (274) وقد روي هذا الحديث من طريق آخر عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «الكبائر سبع، الإشراك بالله أولهن، وقتل النفس بغير ~~حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بدارا أن يكبروا، والفرار من الزحف، ~~ورمي المحصنات، وانقلاب إلى أعرابية بعد هجرة» . PageV01P396 # وروي عن علي عليه السلام قال: هي سبع، فعد هذه. وروي عن عطاء أنه قال: هي ~~سبع، وعد هذه، إلا أنه ذكر مكان الإشراك والتعرب شهادة الزور وعقوق ~~الوالدين. # (275) والثاني: أنها تسع. روى عبيد بن عمير، عن أبيه، وكان من الصحابة، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل ما الكبائر؟ فقال: «تسع، أعظمهن ~~الإشراك بالله، وقتل نفس المؤمن بغير حق، والفرار من الزحف، وأكل مال ~~اليتيم، والسحر، وأكل الربا، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين المسلمين، ~~واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا» . # (276) والثالث: أنها أربع. روى البخاري، ومسلم في «الصحيحين» من حديث عبد ~~الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الكبائر: الإشراك ~~بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس» «1» . # (277) وروى أنس بن مالك قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر، ~~أو سئل عنها، فقال: «الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين» وقال: «ألا ~~أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور، أو شهادة الزور» . # وروي عن ابن مسعود أنه قال: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والأمن لمكر ~~الله، والقنوط من رحمة الله، والإياس من روح الله، وعن عكرمة نحوه. # (278) والرابع: أنها ثلاث. فروى عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الشرك بالله، وعقوق الوالدين- ~~وكان متكئا فاحتفز «2» - قال: والزور» . PageV01P397 # (279) وروى البخاري، ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي بكرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، فقال: الإشراك ~~بالله، وعقوق الوالدين- وكان متكئا فجلس- فقال: وشهادة الزور» فما زال ~~يكررها حتى قلنا: ليته سكت. # (280) وأخرجا في «الصحيحين» من حديث ابن مسعود قال: ms0410 سألت النبي صلى الله ~~عليه وسلم: أي الذنب أكبر؟ # قال: «أن تجعل لله تعالى ندا وهو خلقك» . قلت: ثم أي؟ قال: «ثم أن تقتل ~~ولدك مخافة أن يطعم معك» . قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» . # والخامس: أنها مذكورة من أول السورة إلى هذه الآية، قاله ابن مسعود وابن ~~عباس. # والسادس: أنها إحدى عشرة: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين ~~الغموس، وقتل النفس. # وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، وقذف المحصنات، وشهادة ~~الزور، والسحر، والخيانة. روي عن ابن مسعود أيضا. والسابع: أنها كل ذنب ~~يختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن ~~عباس. والثامن: أنها كل ما أوجب الله عليه النار في الآخرة، والحد في ~~الدنيا، روى هذا المعنى أبو صالح، عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. والتاسع: ~~أنها كل ما عصي الله به، روي عن ابن عباس، وعبيدة «1» ، وهو قول ضعيف. ~~والعاشر: أنها كل ذنب أوعد الله عليه النار، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد، والضحاك في رواية، والزجاج. والحادي عشر: # أنها ثمان، الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل المؤمن، وقذف المحصنة، ~~والزنا، وأكل مال اليتيم، وقول الزور، واقتطاع الرجل بيمينه وعهده ثمنا ~~قليلا. رواه محرز، عن الحسن البصري. # قوله تعالى: نكفر عنكم سيئاتكم روى المفضل، عن عاصم: «يكفر» «ويدخلكم» ~~بالياء فيهما، وقرأ الباقون بالنون فيهما، وقرأ نافع، وأبان، عن عاصم، ~~والكسائي، عن أبي بكر، عن عاصم: «مدخلا» بفتح الميم هاهنا، وفي «الحج» وضم ~~الباقون «الميم» ، ولم يختلفوا في ضم «ميم» مدخل صدق ومخرج صدق «2» . قال ~~أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون «المدخل» مصدرا ويجوز أن يكون مكانا، سواء ~~فتح، أو ضم: قال السدي: السيئات هاهنا: هي الصغائر. والمدخل الكريم: # الجنة. قال ابن قتيبة: والكريم: بمعنى: الشريف. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 32] # ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا ~~وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما ~~(32) PageV01P398 # قوله تعالى: ولا ms0411 تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض في سبب نزولها ~~ثلاثة أقوال: # (281) أحدها: أن أم سلمة قالت: يا رسول الله: يغزو الرجال، ولا نغزو، ~~وإنما لنا نصف الميراث، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. # (282) والثاني: أن النساء قلن: وددن أن الله جعل لنا الغزو، فنصيب من ~~الأجر ما يصيب الرجال، فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. # (283) والثالث: أنه لما نزل للذكر مثل حظ الأنثيين قال الرجال: إنا لنرجو ~~أن نفضل على النساء بحسناتنا، كما فضلنا عليهن في الميراث، وقال النساء: ~~إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال، كما لنا الميراث على ~~النصف من نصيبهم، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة، والسدي. # وفي معنى هذا التمني قولان: أحدهما: أن يتمنى الرجل مال غيره، قاله ابن ~~عباس، وعطاء. # والثاني: أن يتمنى النساء أن يكن رجالا. وقد روي عن أم سلمة أنها قالت: ~~يا ليتنا كنا رجالا، فنزلت هذه الآية «1» . وللتمني وجوه: أحدها: أن يتمنى ~~الإنسان أن يحصل له مال غيره، ويزول عن الغير، فهذا الحسد. والثاني: أن ~~يتمنى مثل ما لغيره، ولا يحب زواله عن الغير، فهذا هو الغبطة وربما لم يكن ~~نيل ذلك مصلحة في حق المتمني. قال الحسن: لا تمن مال فلان، ولا مال فلان، ~~وما يدريك لعل هلاكه في ذلك المال؟ والثالث: أن تتمنى المرأة أن تكون رجلا، ~~ونحو هذا مما لا يقع، فليعلم العبد أن الله أعلم بالمصالح، فليرض بقضاء ~~الله، ولتكن أمانيه الزيادة من عمل الآخرة. # قوله تعالى: للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن فيه قولان: # أحدهما: أن المراد بهذا الاكتساب: الميراث، وهو قول ابن عباس، وعكرمة. # والثاني: أنه الثواب والعقاب. فالمعنى: أن المرأة تثاب كثواب الرجل، ~~وتأثم كإثمه، هذا قول قتادة، وابن السائب، ومقاتل، واحتج على صحته أبو ~~سليمان الدمشقي بأن الميراث لا يحصل بالاكتساب، وبأن الآية نزلت لأجل ~~التمني والفضل. # قوله تعالى: وسئلوا الله من فضله قرأ ابن كثير، والكسائي، وأبان، وخلف في ~~اختياره «وسلوا الله» «فسل الذين» «فسل بني إسرائيل» «وسل ms0412 من أرسلنا» وما ~~كان مثله من الأمر المواجه به، وقبله «واو» أو «فاء» فهو غير مهموز عندهم. ~~وكذلك نقل عن أبي جعفر، وشيبة «2» . وقرأ الباقون PageV01P399 # بالهمز في ذلك كله، ولم يختلفوا في قوله تعالى: وليسئلوا ما أنفقوا «1» ~~أنه مهموز. وفي المراد بالفضل قولان: أحدهما: أن الفضل: الطاعة، قاله سعيد ~~بن جبير، ومجاهد، والسدي. والثاني: أنه الرزق، قاله ابن السائب، فيكون ~~المعنى: سلوا الله ما تتمنونه من النعم، ولا تتمنوا مال غيركم. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 33] # ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا (33) # قوله تعالى: ولكل جعلنا موالي الموالي: الأولياء، وهم الورثة من العصبة ~~وغيرهم. # ومعنى الآية: لكل إنسان موالي يرثون ما ترك. وارتفاع الوالدين والأقربين ~~على معنيين من الإعراب: # أحدهما: أن يكون الرفع على خبر الابتداء، والتقدير: وهم الوالدان ~~والأقربون، ويكون تمام الكلام قوله: مما ترك. والثاني: أن يكون رفعا على أن ~~الفاعل التارك للمال، فيكون الوالدان، هم المولى. # قوله تعالى: والذين عقدت أيمانكم قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: «عاقدت» بالألف، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «عقدت» بلا ألف. قال ~~أبو علي: من قرأ بالألف، فالتقدير: والذين عاقدتهم أيمانكم، ومن حذف الألف، ~~فالمعنى: عقدت حلفهم أيمانكم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. وفيهم ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أهل الحلف، كان الرجل يحالف الرجل، فأيهما مات ~~ورثه الآخر، فنسخ ذلك بقوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض «2» ، ~~رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وروى عنه عطية قال: كان الرجل يلحق الرجل ~~في الجاهلية، فيكون تابعه، فإذا مات الرجل، صار لأهله الميراث، وبقي تابعه ~~بغير شيء، فأنزل الله «والذين عاقدت أيمانكم» فأعطي من ميراثه، ثم نزل من ~~بعد ذلك وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض، وممن قال هم الحلفاء: سعيد بن ~~جبير وعكرمة وقتادة. # (284) والثاني: أنهم الذين آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ~~المهاجرون والأنصار، كان المهاجرون يورثون الأنصار دون ذوي رحمهم للأخوة ~~التي عقدها ms0413 رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم. رواه سعيد بن جبير، عن ابن ~~عباس. وبه قال ابن زيد. # والثالث: أنهم الذين كانوا يتبنون أبناء غيرهم في الجاهلية، هذا قول سعيد ~~بن المسيب. # فأما أرباب القول الأول، فقالوا: نسخ حكم الحلفاء الذين كانوا يتعاقدون ~~على النصرة والميراث بآخر (الأنفال) ، وإليه ذهب ابن عباس، والحسن، وعكرمة، ~~وقتادة، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وأحمد، والشافعي. وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه: هذا الحكم باق غير أنه جعل ذوي الأرحام أولى من PageV01P400 # موالي المعاقدة. وذهب قوم إلى أن المراد: فآتوهم نصيبهم من النصر ~~والنصيحة من غير ميراث، وهذا مروي عن ابن عباس، ومجاهد. وذهب قوم آخرون إلى ~~أن المعاقدة: إنما كانت في الجاهلية على النصرة لا غير، والإسلام لم يغير ~~ذلك، وإنما قرره. # (285) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما حلف كان في الجاهلية، فإن ~~الإسلام لم يزده إلا شدة» أراد: النصر والعون. وهذا قول سعيد بن جبير، وهو ~~يدل على أن الآية محكمة. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 34] # الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من ~~أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن ~~فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن ~~الله كان عليا كبيرا (34) # قوله تعالى: الرجال قوامون على النساء. # (286) سبب نزولها: أن رجلا لطم زوجته لطمة فاستعدت عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وذكر ~~المفسرون أنه سعد بن الربيع الأنصاري «1» . # قال ابن عباس: «قوامون» أي: مسلطون على تأديب النساء في الحق. وروى هشام ~~بن محمد عن أبيه «2» في قوله تعالى: الرجال قوامون على النساء قال: إذا ~~كانوا رجالا، وأنشد: # أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونارا توقد بالليل نارا «3» # قوله تعالى: بما فضل الله بعضهم على بعض يعني: الرجال على النساء، وفضل ~~الرجل على المرأة بزيادة العقل، وتوفير الحظ في الميراث، والغنيمة، ~~والجمعة، والجماعات، والخلافة، والإمارة، والجهاد، وجعل الطلاق إليه، إلى ~~غير ذلك. # قوله تعالى: ms0414 وبما أنفقوا من أموالهم قال ابن عباس يعني: المهر والنفقة ~~عليهن. وفي «الصالحات» قولان: أحدهما: المحسنات إلى أزواجهن، قاله ابن ~~عباس. والثاني: العاملات بالخير، قاله ابن المبارك. قال ابن عباس: و ~~«القانتات» : المطيعات لله في أزواجهن، والحافظات للغيب، أي: PageV01P401 # لغيب أزواجهن. وقال عطاء، وقتادة: يحفظن ما غاب عنه الأزواج من الأموال، ~~وما يجب عليهن من صيانة أنفسهن لهم. # قوله تعالى: بما حفظ الله قرأ الجمهور برفع اسم «الله» . وفي معنى الكلام ~~على قراءتهم ثلاثة أقوال: أحدها: بحفظ الله إياهن، قاله ابن عباس، ومجاهد، ~~وعطاء، ومقاتل، وروى ابن المبارك، عن سفيان، قال: بحفظ الله إياها أن جعلها ~~كذلك. والثاني: بما حفظ الله لهن مهورهن، وإيجاب نفقتهن، قاله الزجاج. ~~والثالث: أن معناه: حافظات للغيب بالشيء الذي يحفظ به أمر الله، حكاه ~~الزجاج. وقرأ أبو جعفر بنصب اسم الله. والمعنى: بحفظهن الله في طاعته. # قوله تعالى: واللاتي تخافون نشوزهن في الخوف قولان: أحدهما: أنه بمعنى ~~العلم، قاله ابن عباس. والثاني: بمعنى الظن لما يبدو من دلائل النشوز، قاله ~~الفراء، وأنشد: # وما خفت يا سلام أنك عائبي «1» # قال ابن قتيبة: والنشوز: بغض المرأة للزوج، يقال: نشزت المرأة على زوجها، ~~ونشصت: إذا فركته «2» ، ولم تطمئن عنده، وأصل النشوز: الانزعاج. وقال ~~الزجاج: أصله من النشز، وهو المكان المرتفع من الأرض. # قوله تعالى: فعظوهن قال الخليل: الوعظ: التذكير بالخير فيما يرق له ~~القلب. قال الحسن: # يعظها بلسانه، فان أبت، وإلا هجرها. واختلفوا في المراد بالهجر في المضجع ~~على أربعة أقوال: # أحدها: أنه ترك الجماع، رواه سعيد بن جبير، وابن أبي طلحة، والعوفي، عن ~~ابن عباس، وبه قال ابن جبير، ومقاتل. والثاني: أنه ترك الكلام، لا ترك ~~الجماع، رواه أبو الضحى، عن ابن عباس، وخصيف، عن عكرمة، وبه قال السدي، ~~والثوري. والثالث: أنه قول الهجر من الكلام في المضاجع، روي عن ابن عباس، ~~والحسن، وعكرمة. فيكون المعنى: قولوا لهن في المضاجع هجرا من القول. # والرابع: أنه هجر فراشها، ومضاجعتها. روي عن الحسن، والشعبي، ومجاهد، ~~والنخعي، ومقسم، وقتادة. قال ms0415 ابن عباس: اهجرها في المضجع، فان أقبلت وإلا ~~فقد أذن الله لك أن تضربها ضربا غير مبرح. وقال جماعة من أهل العلم: الآية ~~على الترتيب، فالوعظ عند خوف النشوز، والهجر عند ظهور النشوز، والضرب عند ~~تكرره، واللجاج فيه. ولا يجوز الضرب عند ابتداء النشوز. قال القاضي أبو ~~يعلى: وعلى هذا مذهب أحمد. وقال الشافعي: يجوز ضربها في ابتداء النشوز. # قوله تعالى: فإن أطعنكم قال ابن عباس: يعني في المضجع فلا تبغوا عليهن ~~سبيلا أي: # فلا تتجن عليها العلل. وقال سفيان بن عيينة: لا تكلفها الحب، لأن قلبها ~~ليس في يدها. وقال ابن جرير: المعنى: فلا تلتمسوا سبيلا إلى ما لا يحل لكم ~~من أبدانهن وأموالهن بالعلل، وذلك أن تقول لها وهي مطيعة لك: لست لي محبة، ~~فتضربها، أو تؤذيها. # قوله تعالى: إن الله كان عليا كبيرا قال أبو سليمان الدمشقي: لا تبغوا ~~على أزواجكم، PageV01P402 # فهو ينتصر لهن منكم. وقال الخطابي: الكبير: الموصوف بالجلال، وكبر الشأن، ~~يصغر دون جلاله كل كبير. ويقال: هو الذي كبر عن شبه المخلوقين. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 35] # وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا ~~إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا (35) # قوله تعالى: وإن خفتم شقاق بينهما، في الخوف قولان: أحدهما: أنه الحذر من ~~وجود ما لا يتيقن وجوده، قاله الزجاج. والثاني: أنه العلم، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. قال الزجاج: والشقاق: # العداوة، واشتقاقه من المتشاقين، كل صنف منهم في شق. و «الحكم» : هو ~~القيم بما يسند إليه. وفي المأمور بانفاذ الحكمين قولان: أحدهما: أنه ~~السلطان إذا ترافعا إليه، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. # والثاني: الزوجان، قاله السدي. # قوله تعالى: إن يريدا إصلاحا قال ابن عباس: يعني الحكمين. وفي قوله ~~تعالى: يوفق الله بينهما قولان: أحدهما: أنه راجع إلى الحكمين، قاله ابن ~~عباس، وابن جبير، ومجاهد، وعطاء، والسدي، والجمهور. والثاني: أنه راجع إلى ~~الزوجين، ذكره بعض المفسرين. # فصل: والحكمان وكيلان للزوجين، ويعتبر رضى الزوجين فيما يحكمان به، هذا ~~قول ms0416 أحمد وأبي حنيفة وأصحابه. وقال مالك والشافعي: لا يفتقر حكم الحكمين ~~إلى رضى الزوجين «1» . PageV01P403 ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 36] # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى ~~والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ~~ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) # قوله تعالى: واعبدوا الله قال ابن عباس: وحدوه. # قوله تعالى: وبالوالدين إحسانا قال الفراء: أغراهم بالإحسان إلى ~~الوالدين. # قوله تعالى: والجار ذي القربى فيه قولان: أحدهما: أنه الجار الذي بينك ~~وبينه قرابة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، ~~ومقاتل في آخرين. والثاني: أنه الجار المسلم، قاله نوف الشامي. فيكون ~~المعنى: ذي القربى منكم بالإسلام. # قوله تعالى: والجار الجنب روى المفضل، عن عاصم: «والجار الجنب» بفتح ~~الجيم، وإسكان النون. قال أبو علي: المعنى: والجار ذي الجنب، فحذف المضاف. ~~وفي الجار الجنب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الغريب الذي ليس بينك وبينه ~~قرابة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والضحاك، وابن زيد، ومقاتل ~~في آخرين. والثاني: أنه جارك عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك، وخلفك، رواه ~~الضحاك، عن ابن عباس. والثالث: أنه اليهودي والنصراني، قاله نوف الشامي. ~~وفي الصاحب بالجنب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الزوجة، قاله علي، وابن مسعود، ~~والحسن، وإبراهيم النخعي، وابن أبي ليلى. والثاني: أنه الرفيق في السفر، ~~قاله ابن عباس في رواية مجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن قتيبة. وعن ~~سعيد بن جبير كالقولين. والثالث: أنه الرفيق، رواه ابن جريج، عن ابن عباس، ~~وبه قال عكرمة. قال ابن زيد: هو الذي يلصق بك رجاء خيرك. وقال مقاتل: هو ~~رفيقك حضرا وسفرا. وفي ابن السبيل أقوال قد ذكرناها في (البقرة) . # قوله تعالى: وما ملكت أيمانكم يعني: المملوكين. وقال بعضهم: يدخل فيه ~~الحيوان البهيم. قال ابن عباس: والمختال: البطر في مشيته، والفخور: المفتخر ~~على الناس بكبره. وقال مجاهد: هو الذي يعد ما أعطى، ولا يشكر الله، وقال ~~ابن قتيبة: المختال: ذو الخيلاء والكبر. وقال الزجاج: المختال: الصلف ~~التياه الجهول. وإنما ms0417 ذكر الاختيال هاهنا، لأن المختال يأنف من ذوي ~~قراباته، ومن جيرانه إذا كانوا فقراء. ### | [سورة النساء (4) : آية 37] # الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (37) # قوله تعالى: الذين يبخلون ذكر المفسرون أنها نزلت في اليهود. فأما سبب ~~نزولها، فقال ابن عباس: كان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن ~~حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن ~~التابوت، يأتون رجالا من الأنصار من أصحاب رسول # PageV01P404 # الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يخالطونهم، وينتصحون لهم، فيقولون لهم: ~~لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم ~~لا تدرون ما يكون، فنزلت هذه الآية. # وفي الذي بخلوا به وأمروا الناس بالبخل به قولان: أحدهما: أنه المال، ~~قاله ابن عباس، وابن زيد. والثاني: أنه إظهار صفة النبي صلى الله عليه وسلم ~~ونبوته، قاله مجاهد، وقتادة، والسدي. # قوله تعالى: ويأمرون الناس بالبخل قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وعاصم، وابن عامر: «بالبخل» خفيفا. وقرأ حمزة والكسائي: «بالبخل» محركا، ~~وكذلك في سورة الحديد. # وفي الذين آتاهم الله من فضله قولان: # أحدهما: أنهم اليهود، أوتوا علم نعت النبي صلى الله عليه وسلم، فكتموه، ~~هذا قول الجمهور. والثاني: أنهم أرباب الأموال بخلوا بها، وكتموا الغنى، ~~ذكره الماوردي في آخرين «1» . # قوله تعالى: وأعتدنا قال الزجاج: معناه: جعلنا ذلك عتادا لهم، أي: مثبتا ~~لهم. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 38] # والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن ~~يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (38) # قوله تعالى: والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس اختلفوا فيمن نزلت على ~~ثلاثة أقوال: أحدها: # أنهم اليهود، قاله ابن عباس ومجاهد ومقاتل. والثاني: أنهم المنافقون، ~~قاله السدي، والزجاج وأبو سليمان الدمشقي. والثالث: مشركو مكة أنفقوا على ~~عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، ذكره الثعلبي. # والقرين: الصاحب المؤالف، وهو فعيل من الاقتران بين الشيئين. وفي معنى ~~مقارنة الشيطان قولان: أحدهما: مصاحبته في الفعل. والثاني: مصاحبته في ms0418 ~~النار. ### | [سورة النساء (4) : آية 39] # وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان ~~الله بهم عليما (39) # قوله تعالى: وماذا عليهم المعنى: وأي شيء على هؤلاء الذين ينفقون أموالهم ~~رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله، لو آمنوا!. وفي الإنفاق المذكور هاهنا ~~قولان: أحدهما: أنه الصدقة، قاله ابن عباس. # والثاني: الزكاة، قاله أبو سليمان الدمشقي. # وفي قوله تعالى: وكان الله بهم عليما تهديد لهم على سوء مقاصدهم. ~~PageV01P405 ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 40] # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ~~(40) # قوله تعالى: إن الله لا يظلم مثقال ذرة قد شرحنا الظلم فيما سلف، وهو ~~مستحيل على الله عز وجل، لأن قوما قالوا: الظلم: تصرف فيما لا يملك، والكل ~~ملكه، وقال آخرون: هو وضع الشيء في غير موضعه، وحكمته لا تقتضي فعلا لا ~~فائدة تحته. ومثقال الشيء: زنة الشيء. قال ابن قتيبة: يقال: # هذا على مثقال هذا، أي: على وزنه. قال الزجاج: وهو مفعال من الثقل. # وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: يظن الناس أن المثقال وزن دينار ~~لا غير، وليس كما يظنون. مثقال كل شيء: وزنه، وكل وزن يسمى مثقالا، وإن كان ~~وزن ألف. قال الله تعالى: وإن كان مثقال حبة من خردل قال أبو حاتم: سألت ~~الأصمعي عن صنجة مثقال الميزان، فقال: # فارسي، ولا أدري كيف أقول، ولكني أقول: مثقال، فإذا قلت للرجل: ناولني ~~مثقالا، فأعطاك صنجة ألف، أو صنجة حبة، كان ممتثلا. # وفي المراد بالذرة خمسة أقوال: أحدها: أنه رأس نملة حمراء، رواه عكرمة عن ~~ابن عباس. # والثاني: ذرة يسيرة من التراب، رواه يزيد بن الأصم، عن ابن عباس. ~~والثالث: أصغر النمل، قاله ابن قتيبة، وابن فارس. والرابع: الخردلة. ~~والخامس: الواحدة من الهباء الظاهر في ضوء الشمس إذا طلعت من ثقب، ذكرهما ~~الثعلبي. واعلم أن ذكر الذرة ضرب مثل بما يعقل، والمقصود أنه لا يظلم قليلا ~~ولا كثيرا. # قوله تعالى: وإن تك حسنة قرأ ابن كثير، ونافع: «حسنة» بالرفع. وقرأ ~~الباقون ms0419 بالنصب. قال الزجاج: من رفع، فالمعنى: وإن تحدث حسنة، ومن نصب، ~~فالمعنى: وإن تك فعلته حسنة. قوله تعالى: يضاعفها قرأ ابن عامر، وابن كثير: ~~«يضعفها» بالتشديد من غير ألف. وقرأ الباقون: # «يضاعفها» بألف مع كسر العين. قال ابن قتيبة: يضاعفها بالألف: يعطي مثلها ~~مرات، ويضعفها بغير ألف: يعطي مثلها مرة. # قوله تعالى: من لدنه أي: من قبله. والأجر العظيم: الجنة «1» . ### | [سورة النساء (4) : آية 41] # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) # قوله تعالى: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد قال الزجاج: معنى الآية فكيف ~~يكون حال هؤلاء يوم القيامة، فحذف الحال، لأن في الكلام دليلا عليه. ولفظ ~~«كيف» لفظ الاستفهام، ومعناها: PageV01P406 # التوبيخ. والشهيد: نبي الأمة. وبماذا يشهد فيه أربعة أقوال: أحدها: بأنه ~~قد بلغ أمته. قاله ابن مسعود، وابن جريج، والسدي، ومقاتل. والثاني: ~~بإيمانهم، قاله أبو العالية. والثالث: بأعمالهم، قاله مجاهد، وقتادة. ~~والرابع: يشهد لهم وعليهم، قاله الزجاج. # قوله تعالى: وجئنا بك يعني: نبينا صلى الله عليه وسلم. وفي «هؤلاء» ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنهم جميع أمته، ثم فيه قولان: أحدهما: أنه يشهد عليهم. ~~والثاني: يشهد لهم فتكون «على» بمعنى: اللام. والقول الثاني: أنهم الكفار ~~يشهد عليهم بتبليغ الرسالة، قاله مقاتل. والثالث: اليهود والنصارى، ذكره ~~الماوردي. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 42] # يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله ~~حديثا (42) # قوله تعالى: لو تسوى بهم الأرض قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو: «لو ~~تسوى» ، بضم التاء، وتخفيف السين. والمعنى: ودوا لو جعلوا ترابا، فكانوا هم ~~والأرض سواء، هذا قول الفراء في آخرين. # قال أبو هريرة: إذا حشر الله الخلائق، قال للبهائم، والدواب، والطير: ~~كوني ترابا. فعندها يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. # وقرأ نافع، وابن عامر: «لو تسوى» ، بفتح التاء، وتشديد السين، والمعنى: ~~لو تتسوى، فأدغمت التاء في السين، لقربها منها. قال أبو علي: وفي هذه ~~القراءة اتساع، لأن الفعل مسند إلى الأرض، وليس المراد: ودوا لو صارت الأرض ~~مثلهم، وإنما المعنى: ms0420 ودوا لو يتسوون بها. # ثم في المعنى للمفسرين قولان: أحدهما: أن معناه: ودوا لو تخرقت بهم ~~الأرض، فساخوا فيها، قاله قتادة، وأبو عبيدة، ومقاتل. والثاني: أن معناه: ~~ودوا أنهم لم يبعثوا، لأن الأرض كانت مستوية بهم قبل خروجهم منها، قاله ابن ~~كيسان، وذكر نحوه الزجاج. # وقرأ حمزة، والكسائي: «لو تسوى» ، بفتح التاء، وتخفيف السين والواو مشددة ~~ممالة، وهي بمعنى: تتسوى، فحذف التاء التي أدغمها نافع، وابن عامر. فأما ~~معنى القراءتين، فواحد. # قوله تعالى: ولا يكتمون الله حديثا في الحديث قولان: أحدهما: أنه قولهم: ~~ما كنا مشركين، هذا قول الجمهور. والثاني: أنه أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم وصفته ونعته، قاله عطاء. فعلى الأول يتعلق الكتمان بالآخرة، وعلى ~~الثاني يتعلق بما كان في الدنيا، فيكون المعنى: ودوا أنهم لم يكتموا ذلك. # وفي معنى الآية ستة أقوال: أحدها: ودوا إذا فضحتهم جوارحهم أنهم لم ~~يكتموا الله شركهم، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس. والثاني: أنهم لما شهدت ~~عليهم جوارحهم لم يكتموا الله حديثا بعد ذلك، روي عن ابن عباس أيضا. ~~والثالث: أنهم في موطن لا يكتمونه حديثا، وفي موطن يكتمون، ويقولون: ما كنا ~~مشركين، قاله الحسن. والرابع: أن قوله تعالى: ولا يكتمون الله حديثا كلام ~~مستأنف لا يتعلق بقوله: «لو تسوى بهم الأرض» ، هذا قول الفراء، والزجاج. ~~ومعنى: لا يكتمون الله حديثا: # لا يقدرون على كتمانه، لأنه ظاهر عند الله. والخامس: أن المعنى: ودوا لو ~~سويت بهم الأرض، وأنهم لم يكتموا الله حديثا. والسادس: أنهم لم يعتقدوا ~~قولهم: ما كنا مشركين كذبا، وإنما اعتقدوا أن عبادة الأصنام طاعة، ذكر ~~القولين ابن الأنباري. وقال القاضي أبو يعلى: أخبروا بما توهموا، إذ كانوا # PageV01P407 # يظنون أنهم ليسوا بمشركين، وذلك لا يخرجهم عن أن يكونوا قد كذبوا. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 43] # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ~~ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء ms0421 فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا (43) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى. # (287) روى أبو عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد ~~الرحمن بن عوف طعاما، فدعانا، وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت ~~الصلاة، فقدموني، فقرأت قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ~~ما تعبدون، فنزلت هذه الآية. وفي رواية أخرى، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ~~رضي الله عنه أن الذي قدموه، وخلط في هذه السورة، عبد الرحمن بن عوف. # وفي معنى قوله تعالى: لا تقربوا الصلاة قولان: أحدهما: لا تتعرضوا بالسكر ~~في أوقات الصلاة. والثاني: لا تدخلوا في الصلاة في حال السكر، والأول أصح، ~~لأن السكران لا يعقل ما يخاطب به. وفي معنى: وأنتم سكارى قولان: أحدهما: من ~~الخمر، قاله الجمهور. والثاني: من النوم، قاله الضحاك، وفيه بعد. وهذه ~~الآية اقتضت إباحة السكر في غير أوقات الصلاة، ثم نسخت بتحريم الخمر. قوله ~~تعالى: ولا جنبا قال ابن قتيبة: الجنابة: البعد، قال الزجاج: يقال: رجل ~~جنب، ورجلان جنب، ورجال جنب، كما يقال: رجل رضى، وقوم رضى. وفي تسمية الجنب ~~بهذا الاسم قولان: أحدهما: لمجانبة مائه محله. والثاني: لما يلزمه من ~~اجتناب الصلاة، وقراءة القرآن، ومس المصحف، ودخول المسجد «1» . PageV01P408 # قوله تعالى: إلا عابري سبيل فيه قولان: أحدهما: أن المعنى: لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين غير واجدين للماء فتيمموا، وتصلوا. ~~وهذا المعنى مروي عن علي رضي الله عنه. # ومجاهد، والحكم، وقتادة، وابن زيد، ومقاتل، والفراء، والزجاج. # والثاني: لا تقربوا مواضع الصلاة- وهي المساجد- وأنتم جنب إلا مجتازين، ~~ولا تقعدوا. وهذا المعنى مروي عن ابن مسعود، وأنس بن مالك، والحسن، وسعيد ~~بن المسيب، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والزهري، وعمرو بن دينار، وأبي الضحى، ~~وأحمد، والشافعي، وابن قتيبة «1» . وعن ابن عباس، وسعيد بن جبير، كالقولين، ~~فعلى القول الأول: «عابر السبيل» : المسافر، وقربان الصلاة: PageV01P409 # فعلها، وعلى الثاني: «عابر السبيل» : المجتاز في المسجد، ms0422 وقربان الصلاة: ~~دخول المسجد الذي تفعل فيه الصلاة. # قوله تعالى: وإن كنتم مرضى، في سبب نزول هذا الكلام قولان: # (288) أحدهما: أن رجلا من الأنصار كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ~~ولم يكن له خادم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك، فنزلت: ~~وإن كنتم مرضى أو على سفر قاله مجاهد. # (289) والثاني: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم جراحات، ~~ففشت فيهم وابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فنزلت وإن كنتم مرضى الآية كلها، قاله إبراهيم النخعي. # قال القاضي أبو يعلى: وظاهر الآية يقتضي جواز التيمم مع حصول المرض الذي ~~يستضر معه باستعمال الماء، سواء كان يخاف التلف، أو لا يخاف، وكذلك السفر ~~يجوز فيه التيمم عند عدم الماء، سواء كان قصيرا، أو طويلا، وعدم الماء ليس ~~بشرط في جواز التيمم للمريض، وإنما الشرط: حصول الضرر، وأما السفر، فعدم ~~الماء شرط في إباحة التيمم، وليس السفر بشرط، وإنما ذكر السفر، لأن الماء ~~يعدم فيه غالبا «1» . PageV01P410 # قوله تعالى: أو جاء أحد منكم من الغائط «أو» بمعنى الواو، لأنها لو لم ~~تكن كذلك، لكان وجوب الطهارة على المريض والمسافر غير متعلق بالحدث. ~~والغائط: المكان المطمئن من الأرض، فكني عن الحدث بمكانه، قاله ابن قتيبة. ~~وكذلك قالوا للمزادة: راوية، وإنما الراوية للبعير الذي يسقى عليه، وقالوا ~~للنساء: ظعائن، وإنما الظعائن: الهوادج، وكن يكن فيها، وسموا الحدث عذرة، ~~لأنهم كانوا يلقون الحدث بأفنية الدور. # قوله تعالى: أو لامستم النساء قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وابن عامر: «أو لامستم» بألف هاهنا، وفي (المائدة) وقرأ حمزة، والكسائي، ~~وخلف في اختياره، والمفضل عن عاصم، والوليد بن عتبة، عن ابن عامر «أو ~~لمستم» بغير ألف هاهنا، وفي «المائدة» . # وفي المراد بالملامسة قولان: أحدهما: أنها الجماع، قاله علي، وابن عباس، ~~والحسن، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أنها الملامسة باليد، قاله ابن مسعود، ~~وابن عمر، والشعبي، وعبيدة، وعطاء، وابن سيرين، والنخعي، والنهدي، والحكم، ~~وحماد. قال أبو علي: اللمس يكون باليد، ms0423 وقد اتسع فيه، فأوقع على غيره، فمن ~~ذلك وأنا لمسنا السماء «1» أي: عالجنا غيب السماء، ومنا من يسترقه فيلقيه ~~إلى الكهنة، ويخبرهم به. فلما كان اللمس يقع على غير المباشرة باليد، قال: ~~فلمسوه بأيديهم «2» فخص اليد، لئلا يلتبس بالوجه الآخر، كما قال: وحلائل ~~أبنائكم الذين من أصلابكم «3» لأن الابن قد يتبنى وليس من الصلب «4» . ~~PageV01P411 # قوله تعالى: فلم تجدوا ماء فتيمموا. # (290) سبب نزولها: أن عائشة رضي الله عنها كانت مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في بعض أسفاره، فانقطع عقد لها، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم على ~~التماسه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فنزلت هذه الآية، فقال أسيد بن ~~حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. أخرجه البخاري، ومسلم. # (291) وفي رواية أخرى أخرجها البخاري، ومسلم أيضا: أن عائشة استعارت من ~~أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا في طلبها، ~~فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا بغير وضوء، وشكوا ذلك إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فنزلت آية التيمم. # والتيمم في اللغة: القصد، وقد ذكرناه في قوله تعالى: ولا تيمموا الخبيث. ~~وأما الصعيد: فهو التراب، قاله علي، وابن مسعود، والفراء، وأبو عبيد، ~~والزجاج، وابن قتيبة. وقال الشافعي: لا يقع اسم الصعيد إلا على تراب ذي ~~غبار. وفي الطيب قولان: أحدهما: أنه الطاهر. والثاني: الحلال. # قوله تعالى: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم الوجه الممسوح في التيمم هو المحدود ~~في الوضوء. PageV01P412 # وفيما يجب مسحه من الأيدي ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه إلى الكوعين حيث يقطع السارق. # (292) روى عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «التيمم ضربة للوجه ~~والكفين» ، وبهذا قال سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، ~~والأوزاعي، ومكحول، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وداود. # والثاني: أنه إلى المرفقين. # (293) روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه تيمم، فمسح ذراعيه. ~~وبهذا قال ابن عمر، وابنه سالم، والحسن، وأبو حنيفة، والشافعي، وعن الشعبي ~~كالقولين. # والثالث: أنه يجب المسح من رؤوس الأنامل إلى الآباط. # (294) روى عمار بن ms0424 ياسر قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سفر، فنزلت الرخصة في المسح، PageV01P413 # فضربنا بأيدينا ضربة لوجوهنا، وضربة لأيدينا إلى المناكب والآباط. وهذا ~~قول الزهري «1» . # قوله تعالى: إن الله كان عفوا قال الخطابي: «العفو» : بناء للمبالغة. و ~~«العفو» : الصفح عن الذنوب، وترك مجازاة المسيء. وقيل: إنه مأخوذ من عفت ~~الريح الأثر: إذا درسته، وكأن العافي عن الذنوب يمحوه بصفحه عنه. ~~PageV01P414 ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 44] # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا ~~السبيل (44) # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، اختلفوا فيمن نزلت ~~على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت. # (295) والثاني: أنها نزلت في رجلين كانا إذا تكلم النبي صلى الله عليه ~~وسلم لويا ألسنتهما وعاباه، روي القولان عن ابن عباس. والثالث: أنها نزلت ~~في اليهود، قاله قتادة. # وفي النصيب الذي أوتوه قولان: أحدهما: أنه علم نبوة محمد النبي صلى الله ~~عليه وسلم. والثاني: العلم بما في كتابهم دون العمل. # قوله تعالى: يشترون الضلالة قال ابن قتيبة: هذا من الاختصار، والمعنى: ~~يشترون الضلالة بالهدى، ومثله وتركنا عليه في الآخرين «1» أي: تركنا عليه ~~ثناء حسنا، فحذف الثناء لعلم المخاطب. وفي معنى اشترائهم الضلالة أربعة ~~أقوال: أحدها: أنه استبدالهم الضلالة بالايمان، قاله أبو صالح، عن ابن ~~عباس. والثاني: أنه استبدالهم التكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ظهوره ~~بإيمانهم به قبل ظهوره، قاله مقاتل. # والثالث: أنه إيثارهم التكذيب بالنبي لأخذ الرشوة، وثبوت الرئاسة لهم، ~~قاله الزجاج. والرابع: أنه إعطاؤهم أحبارهم أموالهم على ما يصنعونه من ~~التكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: ويريدون أن تضلوا خطاب للمؤمنين. والمراد بالسبيل: طريق ~~الهدى. ### | [سورة النساء (4) : آية 45] # والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45) # قوله تعالى: والله أعلم بأعدائكم فهو يعلمكم ما هم عليه، فلا تستنصحوهم، ~~وهم اليهود، وكفى بالله وليا لكم، فمن كان وليه، لم يضره عدوه. قال ~~الخطابي: «الولي» : الناصر، و «الولي» ms0425 : # المتولي للأمر، والقائم به، وأصله من الولي، وهو القرب، و «النصير» : ~~فعيل بمعنى فاعل. ### | [سورة النساء (4) : آية 46] # من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير ~~مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ~~واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا ~~قليلا (46) # قوله تعالى: من الذين هادوا قال مقاتل: نزلت في رفاعة بن زيد، ومالك ابن ~~الضيف، وكعب بن أسيد، وكلهم يهود. وفي «من» قولان، ذكرهما الزجاج: # أحدهما: أنها من صلة الذين أوتوا الكتاب، فيكون المعنى: ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا. والثاني: أنها مستأنفة، فالمعنى: من ~~الذين هادوا قوم يحرفون، فيكون قوله: PageV01P415 # يحرفون، صفة، ويكون الموصوف محذوفا، وأنشد سيبويه: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح «1» # والمعنى: فمنهما تارة أموت فيها. قال أبو علي الفارسي: والمعنى: وكفى ~~بالله نصيرا من الذين هادوا، أي: إن الله ينصر عليهم. # فأما «التحريف» ، فهو التغيير. والكلم: جمع كلمة. وقيل: إن «الكلام» ~~مأخوذ من «الكلم» ، وهو الجرح الذي يشق الجلد واللحم، فسمي الكلام كلاما، ~~لأنه يشق الأسماع بوصوله إليها، وقيل: بل لتشقيقه المعاني المطلوبة في ~~أنواع الخطاب. # وفي معنى تحريفهم الكلم قولان: أحدهما: أنهم كانوا يسألون النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن الشيء، فإذا خرجوا، حرفوا كلامه، قاله ابن عباس. والثاني: أنه ~~تبديلهم التوراة، قاله مجاهد. # قوله تعالى: عن مواضعه، أي: عن أماكنه ووجوهه. # قوله تعالى: ويقولون سمعنا وعصينا قال مجاهد: سمعنا قولك، وعصينا أمرك. # قوله تعالى: واسمع غير مسمع فيه قولان: أحدهما: أن معناه: اسمع لا سمعت، ~~قاله ابن عباس، وابن زيد، وابن قتيبة. والثاني: أن معناه: اسمع غير مقبول ~~ما تقول، قاله الحسن، ومجاهد. # وقد تقدم في (البقرة) معنى: وراعنا. # قوله تعالى: ليا بألسنتهم قال قتادة: «اللي» : تحريك ألسنتهم بذلك. وقال ~~ابن قتيبة معنى «ليا بألسنتهم» : أنهم يحرفون «راعنا» عن طريق المراعاة، ~~والانتظار إلى السب والرعونة. قال ابن عباس: # لكان خيرا ms0426 لهم مما بدلوا وأقوم أي أعدل ولكن لعنهم الله بكفرهم بمحمد. # قوله تعالى: فلا يؤمنون إلا قليلا فيه قولان: أحدهما: فلا يؤمن منهم إلا ~~قليل، وهم عبد الله بن سلام، ومن تبعه، قاله ابن عباس. والثاني: فلا يؤمنون ~~إلا إيمانا قليلا، قاله قتادة، والزجاج. قال مقاتل: وهو اعتقادهم أن الله ~~خلقهم ورزقهم. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 47] # يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن ~~نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر ~~الله مفعولا (47) # قوله تعالى: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا سبب نزولها: # (296) أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا قوما من أحبار اليهود، منهم عبد ~~الله بن صوريا، وكعب بن أسد إلى الإسلام، وقال لهم: إنكم لتعلمون أن الذي ~~جئت به حق، فقالوا: ما نعرف ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس. ~~PageV01P416 # وفي الذين أوتوا الكتاب قولان: أحدهما: أنهم اليهود، قاله الجمهور. ~~والثاني: اليهود والنصارى، ذكره الماوردي. وعلى الأول يكون الكتاب: ~~التوراة، وعلى الثاني: التوراة والإنجيل. # والمراد بما نزلنا: القرآن، وقد سبق في (البقرة) بيان تصديقه لما معهم. # قوله تعالى: من قبل أن نطمس وجوها في طمس الوجوه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~إعماء العيون، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك. والثاني: أنه طمس ما فيها ~~من عين، وأنف، وحاجب، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، واختيار ابن قتيبة. ~~والثالث: أنه ردها عن طريق الهدى، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن، ومجاهد، ~~والضحاك، والسدي. وقال مقاتل: من قبل أن نطمس وجوها، أي: # نحول الملة عن الهدى والبصيرة. فعلى هذا القول يكون ذكر الوجه مجازا. ~~والمراد: البصيرة والقلوب. وعلى القولين قبله يكون المراد بالوجه: العضو ~~المعروف. # قوله تعالى: فنردها على أدبارها خمسة أقوال: أحدها: نصيرها في الأقفاء، ~~ونجعل عيونها في الأقفاء، هذا قول ابن عباس، وعطية. والثاني: نصيرها ~~كالأقفاء، ليس فيها فم، ولا حاجب، ولا عين، وهذا قول قوم، منهم ابن قتيبة. ~~والثالث: نجعل الوجه منبتا للشعر، كالقرود، ms0427 هذا قول الفراء. # والرابع: ننفيها مدبرة عن ديارها ومواضعها. وإلى نحوه ذهب ابن زيد. قال ~~ابن جرير: فيكون المعنى: # من قبل أن نطمس وجوههم التي هم فيها. وناحيتهم التي هم بها نزول، (فنردها ~~على أدبارها) من حيث جاءوا بديا «1» من الشام. والخامس: نردها في الضلالة، ~~وهذا قول الحسن، ومجاهد، والضحاك، والسدي، ومقاتل. # قوله تعالى: أو نلعنهم يعود إلى أصحاب الوجوه. وفي معنى لعن أصحاب السبت ~~قولان: # أحدهما: مسخهم قردة، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل. والثاني: طردهم في ~~التيه حتى هلك فيه أكثرهم، ذكره الماوردي. قوله تعالى: وكان أمر الله ~~مفعولا قال ابن جرير: الأمر هاهنا بمعنى المأمور، سمي باسم الأمر لحدوثه ~~عنه. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 48] # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله ~~فقد افترى إثما عظيما (48) # قوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به (297) قال ابن عمر: لما نزلت ~~PageV01P417 # يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا «1» قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والشرك؟ فكره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فنزلت هذه. وقد سبق معنى الإشراك. # والمراد من الآية: لا يغفر لمشرك مات على شركه. وفي قوله تعالى: لمن يشاء ~~نعمة عظيمة من وجهين: أحدهما: أنها تقتضي أن كل ميت على ذنب دون الشرك لا ~~يقطع عليه بالعذاب، وإن مات مصرا. والثاني: أن تعليقه بالمشيئة فيه نفع ~~للمسلمين، وهو أن يكونوا على خوف وطمع. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 49] # ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا ~~(49) # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم. # (298) سبب نزولها: أن مرحب بن زيد، وبحري بن عون- وهما من اليهود، أتيا ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأطفالهما، ومعهما طائفة من اليهود فقالوا: يا ~~محمد هل على هؤلاء من ذنب؟ قال: لا، قالوا: والله ما نحن إلا كهيئتهم، ما ~~من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل، وما من ms0428 ذنب نعمله بالليل إلا كفر ~~عنا بالنهار، فنزلت هذه الآية. هذا قول ابن عباس. # وفي قوله تعالى: ألم تر قولان: أحدهما: ألم تخبر، قاله ابن قتيبة. ~~والثاني: ألم تعلم، قاله الزجاج. وفي الذين يزكون أنفسهم قولان: أحدهما: ~~اليهود على ما ذكرنا عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل. والثاني: ~~أنهم اليهود، والنصارى، وبه قال الحسن، وابن زيد. ومعنى «يزكون أنفسهم» : ~~يزعمون أنهم أزكياء، يقال: زكى الشيء: إذا نما في الصلاح. وفي الذي زكوا به ~~أنفسهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم برؤوا أنفسهم من الذنوب، رواه أبو صالح، ~~عن ابن عباس. # والثاني: أن اليهود قالوا: إن أبناءنا الذين ماتوا يزكوننا عند الله، ~~ويشفعون لنا، رواه عطية، عن ابن عباس. والثالث: أن اليهود كانوا يقدمون ~~صبيانهم في الصلاة فيؤمونهم، يزعمون أنهم لا ذنوب لهم، هذا قول عكرمة، ~~ومجاهد، وأبي مالك. والرابع: أن اليهود والنصارى قالوا: نحن أبناء الله ~~وأحباؤه «2» وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى «3» ، هذا قول ~~الحسن، وقتادة. # قوله تعالى: بل الله يزكي من يشاء أي: يجعله زاكيا، ولا يظلم الله أحدا ~~مقدار فتيل قال ابن جرير: وأصل «الفتيل» : المفتول، صرف عن مفعول إلى فعيل، ~~كصريع، ودهين. # وفي الفتيل قولان: أحدهما: أنه ما يكون في شق النواة، رواه عكرمة، عن ابن ~~عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء بن أبي رباح، والضحاك، وقتادة، وعطية، وابن ~~زيد، ومقاتل، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: أنه ما يخرج بين ~~الأصابع من الوسخ إذا دلكن، رواه العوفي، عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن ~~جبير، وأبو مالك، والسدي، والفراء. PageV01P418 ### | [سورة النساء (4) : آية 50] # انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا (50) # قوله تعالى: انظر كيف يفترون على الله الكذب وهو قولهم نحن أبناء الله ~~وأحباؤه وقولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وقولهم: لا ذنب لنا ~~ونحو ذلك مما كذبوا فيه، وكفى به أي: وحسبهم بقيلهم الكذب إثما مبينا يتبين ~~كذبهم لسامعيه. ### | [سورة النساء (4) : آية 51] # ألم تر إلى ms0429 الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون ~~للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب في سبب نزولها أربعة ~~أقوال: # أحدها: أن جماعة من اليهود قدموا على قريش، فسألوهم: أديننا خير، أم دين ~~محمد؟ فقال اليهود: بل دينكم، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس. # (299) والثاني: أن كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، قدما مكة، فقالت لهما ~~قريش: أنحن خير، أم محمد؟ فقالا: أنتم، فنزلت هذه الآية، هذا قول عكرمة في ~~رواية. وقال قتادة: نزلت في كعب، وحيي، ورجلين آخرين من بني النضير قالوا ~~لقريش: أنتم أهدى من محمد. # والثالث: أن كعب بن الأشرف وهو الذي قال لكفار قريش: أنتم أهدى من محمد، ~~فنزلت هذه الآية. وهذا قول مجاهد، والسدي، وعكرمة في رواية. # والرابع: أن حيي بن أخطب قال للمشركين: نحن وإياكم خير من محمد، فنزلت ~~هذه الآية، هذا قول ابن زيد. والمراد بالمذكورين في هذه الآية اليهود. # وفي «الجبت» سبعة أقوال: أحدها: أنه السحر، قاله عمر بن الخطاب، ومجاهد، ~~والشعبي. # والثاني: الأصنام، رواه عطية، عن ابن عباس. وقال عكرمة: الجبت: صنم. ~~والثالث: حيي بن أخطب، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، ~~والفراء. والرابع: كعب بن الأشرف، رواه الضحاك، عن ابن عباس، وليث عن ~~مجاهد. والخامس: الكاهن، روي عن ابن عباس، وبه قال ابن سيرين، ومكحول. ~~والسادس: الشيطان، قاله سعيد بن جبير في رواية، وقتادة، والسدي. # والسابع: الساحر، قاله أبو العالية، وابن زيد. وروى أبو بشر، عن سعيد بن ~~جبير، قال: الجبت: # الساحر بلسان الحبشة. # وفي المراد بالطاغوت ها هنا ستة أقوال: أحدها: الشيطان، قاله عمر بن ~~الخطاب، ومجاهد في رواية، والشعبي، وابن زيد. والثاني: أنه اسم للذين ~~يكونون بين يدي الأصنام يعبرون عنها ليضلوا الناس، رواه العوفي، عن ابن ~~عباس. والثالث: كعب بن الأشرف، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه قال ~~الضحاك، والفراء. والرابع: الكاهن، وبه قال سعيد بن جبير، وأبو ms0430 العالية، ~~وقتادة، والسدي. والخامس: أنه الصنم، قاله عكرمة. وقال: الجبت والطاغوت ~~صنمان. والسادس: الساحر، PageV01P419 # روي عن ابن عباس، وابن سيرين، ومكحول. فهذه الأقوال تدل على أنهما اسمان ~~لمسميين. وقال اللغويون منهم ابن قتيبة، والزجاج: كل معبود من دون الله، من ~~حجر، أو صورة، أو شيطان، فهو جبت وطاغوت «1» . # قوله تعالى: ويقولون للذين كفروا يعني لمشركي قريش: أنتم أهدى من الذين ~~آمنوا، يعنون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه سبيلا في الديانة ~~والاعتقاد. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 52 الى 53] # أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (52) أم لهم نصيب ~~من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (53) # قوله تعالى: أم لهم نصيب من الملك هذا استفهام معناه الإنكار، فالتقدير: ~~ليس لهم. وقال الفراء: قوله فإذا لا يؤتون الناس نقيرا جواب لجزاء مضمر، ~~تقديره: ولئن كان لهم نصيب لا يؤتون الناس نقيرا. وفي «النقير» أربعة ~~أقوال: أحدها: أنه النقطة التي في ظهر النواة، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن ~~عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن ~~زيد، ومقاتل، والفراء، وابن قتيبة في آخرين. والثاني: أنه القشر الذي يكون ~~في وسط النواة، رواه التيمي، عن ابن عباس. وروي عن مجاهد: أنه الخيط الذي ~~يكون في وسط النواة. والثالث: أنه نقر الرجل الشيء بطرف إبهامه، رواه أبو ~~العالية، عن ابن عباس. والرابع: أنه حبة النواة التي في وسطها، رواه ابن ~~أبي نجيح، عن مجاهد. قال الأزهري: و «الفتيل» و «النقير» و «القطمير» : ~~تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 54] # أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ~~والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (54) # قوله تعالى: أم يحسدون الناس. # (300) سبب نزولها: أن أهل الكتاب قالوا: يزعم محمد أنه أوتي ما أوتي في ~~تواضع، وله تسع نسوة، فأي ملك أفضل من هذا، فنزلت، رواه العوفي، عن ابن ~~عباس. # وفي «أم» قولان: أحدهما: أنها بمعنى ألف الاستفهام، قاله ابن قتيبة. ~~والثاني: بمعنى «بل» قاله ms0431 PageV01P420 # الزجاج. وقد سبق ذكر «الحسد» في (سورة البقرة) والحاسدون هاهنا: اليهود. ~~وفي المراد بالناس ها هنا أربعة أقوال: أحدها: النبي محمد صلى الله عليه ~~وسلم، رواه عطية عن ابن عباس، وبه قال عكرمة ومجاهد والضحاك والسدي ومقاتل. ~~والثاني: النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، روي عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه. والثالث: العرب، قاله قتادة. والرابع: النبي والصحابة، ~~ذكره الماوردي. وفي الذي آتاهم الله من فضله ثلاثة أقوال: أحدها: إباحة ~~الله تعالى نبيه أن ينكح ما شاء من النساء من غير عدد، روي عن ابن عباس، ~~والضحاك، والسدي. والثاني: أنه النبوة، قاله ابن جريج، والزجاج. والثالث: ~~بعثة نبي منهم على قول من قال: هم العرب «1» . # قوله تعالى: فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب يعني: التوراة، والإنجيل، ~~والزبور. كله كان في آل إبراهيم، وهذا النبي من أولاد إبراهيم. وفي الحكمة ~~قولان: أحدهما: النبوة، قاله السدي، ومقاتل. # والثاني: الفقه في الدين، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي الملك العظيم ~~خمسة أقوال «2» : أحدها: ملك سليمان، رواه عطية، عن ابن عباس. والثاني: ملك ~~داود، وسليمان في النساء، كان لداود مائة امرأة، ولسليمان سبعمائة امرأة ~~وثلاثمائة سرية «3» ، رواه أبو صالح، عن ابن عباس، وبه قال السدي. والثالث: # النبوة، قاله مجاهد. والرابع: التأييد بالملائكة، قاله ابن زيد في آخرين. ~~الخامس: الجمع بين سياسة الدنيا، وشرع الدين، ذكره الماوردي. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 55] # فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (55) # قوله تعالى: فمنهم من آمن به فيمن تعود عليه الهاء والميم قولان: # أحدهما: اليهود الذين أنذرهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول ~~مجاهد، ومقاتل، والفراء في آخرين. # فعلى هذا القول في هاء به ثلاثة أقوال: أحدها: تعود على ما أنزل الله على ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد: قال أبو سليمان: فيكون الكلام ~~مبنيا على قوله تعالى: على ما آتاهم الله من فضله وهو النبوة، والقرآن. ~~والثاني: أنها تعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتكون متعلقة ms0432 بقوله: أم ~~يحسدون الناس يعني بالناس: محمدا صلى الله عليه وسلم، ويكون المراد بقوله: ~~فمنهم من آمن به عبد الله بن سلام، وأصحابه. # والثالث: أنها تعود إلى النبأ عن آل إبراهيم، قاله الفراء. PageV01P421 # والقول الثاني: أن الهاء، والميم في قوله فمنهم تعود إلى آل إبراهيم، ~~فعلى هذا في هاء به قولان: أحدهما: أنها عائدة إلى إبراهيم، قاله السدي. ~~والثاني: إلى الكتاب، قاله مقاتل. # قوله تعالى: ومنهم من صد عنه وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وابن جبير، ~~وعكرمة، وابن يعمر، والجحدري: «من صد عنه» برفع الصاد. وقرأ أبي بن كعب، ~~وأبو الجوزاء وأبو رجاء والجوني: # بكسر الصاد. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 56] # إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (56) # قوله تعالى: سوف نصليهم نارا قال الزجاج: أي نشويهم في نار. # (301) ويروى أن يهودية أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاة مصلية، أي ~~مشوية. # وفي قوله تعالى بدلناهم جلودا غيرها قولان: أحدهما: أنها غيرها حقيقة، ~~ولا يلزم على هذا أن يقال: كيف بدلت جلود التذت بالمعاصي بجلود ما التذت، ~~لأن الجلود آلة في إيصال العذاب إليهم، كما كانت آلة في إيصال اللذة، وهم ~~المعاقبون لا الجلود. والثاني: أنها هي بعينها تعاد بعد احتراقها، كما تعاد ~~بعد البلى في القبور. فتكون الغيرية عائدة إلى الصفة، لا إلى الذات، ~~فالمعنى: بدلناهم جلودا غير محترقة، كما تقول: صغت من خاتمي خاتما آخر. ~~وقال الحسن البصري: في هذه الآية: تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة، كلما ~~أكلتهم قيل لهم: عودوا، فعادوا. ### | [سورة النساء (4) : آية 57] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (57) # قوله تعالى: وندخلهم ظلا ظليلا قال الزجاج: هو الذي يظل من الحر والريح، ~~وليس كل ظل كذلك، فأعلم الله تعالى أن ظل الجنة ظليل لا حر معه، ولا برد. ~~فان قيل: أفي الجنة برد أو حر يحتاجون معه ms0433 إلى ظل؟ فالجواب: أن لا، وإنما ~~خاطبهم بما يعقلون مثله، كقوله تعالى: ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا «1» . ~~وجواب آخر: وهو أنه إشارة إلى كمال وصفها، وتمكين بنائها، فلو كان البرد أو ~~الحر يتسلط عليها، لكان في أبنيتها وشجرها ظل ظليل. PageV01P422 ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 58] # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (58) # قوله تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها في سبب نزولها ~~ثلاثة أقوال: # (302) أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، طلب مفتاح البيت ~~من عثمان بن أبي طلحة، فذهب ليعطيه إياه، فقال العباس: بأبي أنت وأمي اجمعه ~~لي مع السقاية، فكف عثمان يده مخافة أن يعطيه للعباس، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «هات المفتاح» فأعاد العباس قوله، وكف عثمان، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «أرني المفتاح إن كنت تؤمن بالله وباليوم الآخر» فقال: ~~هاكه يا رسول الله بأمانة الله، فأخذ المفتاح، ففتح البيت، فنزل جبريل بهذه ~~الآية، فدعا عثمان، فدفعه إليه. رواه أبو صالح، عن ابن عباس، وبه قال ~~مجاهد، والزهري، وابن جريج، ومقاتل. # والثاني: أنها نزلت في الأمراء. رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه قال ~~زيد بن أسلم، وابنه، ومكحول، واختاره أبو سليمان الدمشقي، وقال: أمر ~~الأمراء أن يؤدوا الأمانة في أموال المسلمين. والثالث: أنها نزلت عامة، وهو ~~مروي عن أبي بن كعب، وابن عباس، والحسن، وقتادة، واختاره القاضي أبو يعلى. ~~واعلم أن نزولها على سبب لا يمنع عموم حكمها، فإنها عامة في الودائع وغيرها ~~من الأمانات. وقال ابن مسعود: الأمانة في الوضوء، وفي الصلاة، وفي الصوم، ~~وفي الحديث، وأشد ذلك في الودائع. # قوله تعالى: نعما يعظكم به يقول: نعم الشيء يعظكم به، وقد ذكرناه في ~~(البقرة) . ### | [سورة النساء (4) : آية 59] # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ms0434 تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا (59) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول في سبب ~~نزولها قولان: # (303) أحدهما: أنها نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي إذ بعثه ~~النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، أخرجه البخاري، ومسلم، من حديث ابن ~~عباس. PageV01P423 # (304) والثاني: أن عمار بن ياسر كان مع خالد بن الوليد في سرية، فهرب ~~القوم، ودخل رجل منهم على عمار، فقال: إني قد أسلمت، هل ينفعني، أو أذهب ~~كما ذهب قومي؟ قال عمار: أقم فأنت آمن، فرجع الرجل، وأقام فجاء خالد، فأخذ ~~الرجل، فقال عمار: إني قد أمنته، وإنه قد أسلم، قال: أتجير علي وأنا ~~الأمير؟ فتنازعا، وقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه ~~الآية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. # قوله تعالى: وأطيعوا الرسول طاعة الرسول في حياته: امتثال أمره، واجتناب ~~نهيه، وبعد مماته: # اتباع سنته. وفي أولي الأمر أربعة أقوال: أحدها: أنهم الأمراء، قاله أبو ~~هريرة، وابن عباس في رواية، وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل. والثاني: أنهم ~~العلماء، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وهو قول جابر بن عبد الله والحسن ~~وأبي العالية وعطاء والنخعي والضحاك، ورواه خصيف عن مجاهد. # والثالث: أنهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، رواه ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد، وبه قال بكر بن عبد الله المزني. # والرابع: أنهم أبو بكر وعمر، وهذا قول عكرمة «1» . # قوله تعالى: فإن تنازعتم في شيء قال الزجاج: معناه: اختلفتم. وقال كل ~~فريق: القول قولي. # واشتقاق المنازعة: أن كل واحد ينتزع الحجة. # قوله تعالى: فردوه إلى الله والرسول في كيفية هذا الرد قولان: أحدهما: أن ~~رده إلى الله رده إلى كتابه، ورده إلى النبي رده إلى سنته، هذا قول مجاهد، ~~وقتادة، والجمهور. قال القاضي أبو يعلى: # وهذا الرد يكون من وجهين: أحدهما: إلى المنصوص عليه باسمه ومعناه. ~~والثاني: الرد إليهما من جهة الدلالة عليه، واعتباره من طريق القياس، ~~والنظائر. والقول الثاني: أن رده إلى الله ورسوله أن ms0435 يقول من لا يعلم ~~الشيء: الله ورسوله أعلم، ذكره قوم، منهم الزجاج. PageV01P424 # وفي المراد بالتأويل أربعة أقوال: أحدها: أنه الجزاء، والثواب، وهو قول ~~مجاهد، وقتادة. # والثاني: أنه العاقبة، وهو قول السدي، وابن زيد، وابن قتيبة، والزجاج. ~~والثالث: أنه التصديق، مثل قوله تعالى: هذا تأويل رءياي. قاله ابن زيد في ~~رواية. والرابع: أن معناه: ردكم إياه إلى الله ورسوله أحسن من تأويلكم، ~~ذكره الزجاج «1» . ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 60] # ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن ~~يضلهم ضلالا بعيدا (60) # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا في سبب نزولها أربعة ~~أقوال: # (305) أحدها: أنها نزلت في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة، ~~فقال اليهودي: # انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف، فأبى اليهودي، ~~فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى لليهودي، فلما خرجا، قال المنافق: ~~ننطلق إلى عمر بن الخطاب، فأقبلا إليه، فقصا عليه القصة، فقال: رويدا حتى ~~أخرج إليكما، فدخل البيت، فاشتمل على السيف، ثم خرج، فضرب به المنافق حتى ~~برد «2» ، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت هذه ~~الآية. رواه أبو صالح، عن ابن عباس. PageV01P425 # (306) والثاني: أن أبا برزة» # الأسلمي كان كاهنا يقضي بين اليهود، فتنافر إليه ناس من المسلمين فنزلت ~~هذه الآية، رواه عكرمة، عن ابن عباس. # (307) والثالث: أن يهوديا ومنافقا كانت بينهما خصومة، فدعا اليهودي ~~المنافق إلى النبي، لأنه لا يأخذ الرشوة، ودعا المنافق إلى حكامهم، لأنهم ~~يأخذون الرشوة، فلما اختلفا، اجتمعا أن يحكما كاهنا، فنزلت هذه الآية، هذا ~~قول الشعبي. # (308) والرابع: أن رجلا من بني النضير قتل رجلا من بني قريظة، فاختصموا، ~~فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي برزة الكاهن، فقال المسلمون من ~~الفريقين: بل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى المنافقون، فانطلقوا إلى ~~الكاهن، فنزلت هذه الآية. هذا قول السدي. # والزعم والزعم لغتان، وأكثر ms0436 ما يستعمل في قول ما لا تتحقق صحته، وفي ~~الذين زعموا أنهم آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله قولان: أحدهما: أنه ~~المنافق. والثاني: أن الذي زعم أنه آمن بما أنزل إليه المنافق، والذي زعم ~~أنه آمن بما أنزل من قبله اليهودي. والطاغوت: كعب بن الأشرف، قاله ابن ~~عباس، ومجاهد، والضحاك، والربيع، ومقاتل. قوله تعالى: وقد أمروا أن يكفروا ~~به قال مقاتل: أن يتبرؤوا من الكهنة، و «الضلال البعيد» : الطويل. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 61] # وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون ~~عنك صدودا (61) # قوله تعالى: وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله قال مجاهد: هذه الآية ~~والتي قبلها نزلتا في خصومة اليهودي، والمنافق، والهاء والميم في «لهم» : ~~إشارة إلى الذين يزعمون، وما أنزل الله: # أحكام القرآن. وإلى الرسول أي: إلى حكمه «2» . PageV01P426 ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 62] # فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا ~~إلا إحسانا وتوفيقا (62) # قوله تعالى: فكيف إذا أصابتهم مصيبة أي: كيف يصنعون ويحتالون إذا أصابتهم ~~عقوبة من الله؟ وفي المراد بالمصيبة قولان: أحدهما: أنه تهديد ووعيد. ~~والثاني: أنه قتل المنافق الذي قتله عمر. وفي الذي قدمت أيديهم ثلاثة ~~أقوال: أحدها: نفاقهم واستهزاؤهم. والثاني: ردهم حكم النبي صلى الله عليه ~~وسلم. والثالث: معاصيهم المتقدمة. # قوله تعالى: إن أردنا بمعنى. ما أردنا. قوله تعالى: إلا إحسانا وتوفيقا ~~فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لما قتل عمر صاحبهم، جاءوا يطلبون بدمه، ويحلفون ما أردنا في ~~المطالبة بدمه إلا إحسانا إلينا، وما يوافق الحق في أمرنا. والثاني: ما ~~أردنا بالترافع إلى عمر إلا إحسانا وتوفيقا. والثالث: أنهم جاءوا يعتذرون ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم من محاكمتهم إلى غيره، ويقولون: ما أردنا في ~~عدولنا عنك إلا إحسانا بالتقريب في الحكم، وتوفيقا بين الخصوم دون الحمل ~~على مر الحق. ### | [سورة النساء (4) : آية 63] # أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم ~~قولا بليغا (63) # قوله تعالى: ms0437 أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم أي: من النفاق والزيغ. ~~وقال ابن عباس: إضمارهم خلاف ما يقولون فأعرض عنهم ولا تعاقبهم وعظهم ~~بلسانك وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا أي: تقدم إليهم: إن فعلتم الثانية، ~~عاقبتكم. وقال الزجاج: يقال: بلغ الرجل يبلغ بلاغة فهو بليغ: إذا كان يبلغ ~~بعبارة لسانه كنه ما في قلبه. # وقد تكلم العلماء في حد «البلاغة» فقال بعضهم: «البلاغة» : إيصال المعنى ~~إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، وقيل: «البلاغة» : حسن العبارة مع صحة ~~المعنى، وقيل: البلاغة: الإيجاز مع الإفهام، والتصرف من غير إضجار. قال ~~خالد بن صفوان: أحسن الكلام ما قلت ألفاظه، وكثرت معانيه، وخير الكلام ما ~~شوق أوله إلى سماع آخره، وقال غيره: إنما يستحق الكلام اسم البلاغة إذا ~~سابق لفظه معناه، ومعناه لفظه، ولم يكن لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى ~~قلبك. # فصل: وقد ذهب قوم إلى أن «الإعراض» المذكور في هذه الآية منسوخ بآية ~~السيف. ### | [سورة النساء (4) : آية 64] # وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (64) # قوله تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع قال الزجاج: «من» دخلت ~~للتوكيد. والمعنى: # PageV01P427 # وما أرسلنا رسولا إلا ليطاع. وفي قوله: بإذن الله قولان: أحدهما: أنه ~~بمعنى: الأمر، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الاذن نفسه، قاله مجاهد. وقال ~~الزجاج: المعنى: إلا ليطاع بأن الله أذن له في ذلك. وقوله تعالى: ولو أنهم ~~إذ ظلموا أنفسهم يرجع إلى المتحاكمين اللذين سبق ذكرهما. قال ابن عباس: ~~ظلموا أنفسهم بسخطهم قضاء الرسول: جاؤك فاستغفروا الله من صنيعهم. ### | [سورة النساء (4) : آية 65] # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) # قوله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون في سبب نزولها قولان: # (309) أحدهما: أنها نزلت في خصومة كانت بين الزبير وبين رجل من الأنصار ~~في شراج الحرة «1» ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير: «اسق ms0438 ثم أرسل ~~إلى جارك» فغضب الأنصاري، قال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك! فتلون وجه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال للزبير: «اسق يا زبير ثم احبس الماء ~~حتى يبلغ الجدر» قال الزبير: فو الله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك. ~~أخرجه البخاري ومسلم. # والثاني: أنها نزلت في المنافق، واليهودي اللذين تحاكما إلى كعب بن ~~الأشرف، وقد سبقت قصتهما، قاله مجاهد «2» . # قوله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون أي: لا يكونون مؤمنين حتى يحكموك، وقيل: ~~«لا» رد لزعمهم أنهم مؤمنون، والمعنى: فلا، أي: ليس الأمر كما يزعمون أنهم ~~آمنوا، وهم يخالفون حكمك. # ثم استأنف، فقال: وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، أي: فيما ~~اختلفوا فيه. وفي «الحرج» قولان: أحدهما: أنه الشك، قاله ابن عباس، ومجاهد، ~~وقتادة، والسدي في آخرين. # والثاني: الضيق، قاله أبو عبيدة، والزجاج. وفي قوله: ويسلموا تسليما ~~قولان: أحدهما: يسلموا لما أمرتهم به، فلا يعارضونك، هذا قول ابن عباس، ~~والزجاج، والجمهور. والثاني: يسلموا ما تنازعوا فيه لحكمك، قاله الماوردي ~~«3» . PageV01P428 ### | [سورة النساء (4) : الآيات 66 الى 68] # ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا ~~قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) ~~وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا مستقيما (68) # قوله تعالى: ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم (310) سبب نزولها: أن ~~رجلا من اليهود قال: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلناها. ~~فقال ثابت بن قيس بن الشماس: والله لو كتب الله علينا ذلك لفعلنا، فنزلت ~~هذه الآية. هذا قول السدي. # قال الزجاج: «لو» يمتنع به الشيء لامتناع غيره، تقول: لو جاءني زيد ~~لجئته. والمعنى: أن مجيئك امتنع لامتناع مجيئه، وكتبنا بمعنى: فرضنا. ~~والمعنى: لو أنا فرضنا على المؤمنين بك أن اقتلوا أنفسكم. قرأ أبو عمرو: أن ~~اقتلوا أنفسكم، بكسر النون، «أو اخرجوا» بضم الواو. وقرأ ابن عامر، وابن ~~كثير، ونافع، والكسائي: «أن اقتلوا» «أو اخرجوا» بضم النون والواو. ms0439 وقرأ ~~عاصم، وحمزة بكسرهما. والمعنى: لو فرضنا عليهم كما فرضنا على قوم موسى، لم ~~يفعله إلا قليل منهم هذه قراءة الجمهور. وقرأ ابن عامر: «إلا قليلا» ~~بالنصب. ولو أنهم يعني: المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا، وهم يتحاكمون ~~إلى الطاغوت، ويصدون عنك فعلوا ما يوعظون به أي: ما يذكرون به من طاعة ~~الله، والوقوف مع أمره، لكان خيرا لهم وأثبت لأمورهم. وقال السدي: وأشد ~~تثبيتا أي: تصديقا. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 69 الى 70] # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) ذلك الفضل من الله ~~وكفى بالله عليما (70) # قوله تعالى: ومن يطع الله والرسول في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (311) أحدها: أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد ~~المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم، فرآه رسول الله يوما PageV01P429 # فعرف الحزن في وجهه، فقال: يا ثوبان ما غير وجهك؟ قال: ما بي من وجع غير ~~أني إذا لم أرك اشتقت إليك، فأذكر الآخرة، فأخاف أن لا أراك هناك، فنزلت ~~هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # (312) والثاني: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: ما ~~ينبغي أن نفارقك في الدنيا، فانك إذا فارقتنا رفعت فوقنا، فنزلت هذه الآية. ~~هذا قول مسروق. # (313) والثالث: أن رجلا من الأنصار جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~محزون، فقال: ما لي أراك محزونا؟ فقال: يا رسول الله غدا ترفع مع الأنبياء، ~~فلا نصل إليك. فنزلت هذه الآية. هذا قول سعيد بن جبير. # قال ابن عباس: ومن يطع الله في الفرائض، والرسول في السنن. قال ابن ~~قتيبة: والصديق: # الكثير الصدق، كما يقال: فسيق، وسكير، وشريب، وخمير، وسكيت، وفجير، ~~وعشيق، وضليل، وظليم: إذا كثر منه ذلك. ولا يقال ذلك لمن فعل الشيء مرة، أو ~~مرتين حتى يكثر منه ذلك، أو يكون عادة. فأما الشهداء، فجمع شهيد وهو القتيل ~~في سبيل الله. وفي تسميته بالشهيد خمسة أقوال: أحدها: # لأن الله تعالى وملائكته ms0440 شهدوا له بالجنة، قاله ثعلب. والثاني: لأن ~~ملائكة الرحمة تشهده. والثالث: # لسقوطه بالأرض، والأرض: هي الشاهدة، ذكر القولين ابن فارس اللغوي. ~~والرابع: لقيامه بشهادة الحق في أمر الله حتى قتل، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. والخامس: لأنه يشهد ما أعد الله له من الكرامة بالقتل، قاله شيخنا ~~على بن عبيد الله. # فأما الصالحون، فهو اسم لكل من صلحت سريرته وعلانيته. والجمهور على أن ~~النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين عام في جميع من هذه صفته. وقال ~~عكرمة: المراد بالنبيين هاهنا محمد، والصديقين أبو بكر، وبالشهداء عمر ~~وعثمان وعلي، وبالصالحين سائر الصحابة. # قوله تعالى: وحسن أولئك رفيقا قال الزجاج: «رفيقا» منصوب على التمييز، ~~وهو ينوب عن رفقاء، قال الشاعر: # بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب «1» # وقال آخر: # في حلقكم عظم وقد شجينا «2» يريد: في حلوقكم عظام. ذلك الفضل الذي أعطى ~~المذكورين من الله وكفى بالله عليما بالمقاصد والنيات. PageV01P430 ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 71] # يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (71) # قوله تعالى: خذوا حذركم فيه قولان: أحدهما: احذروا عدوكم. والثاني: خذوا ~~سلاحكم. # قوله تعالى: فانفروا ثبات قال ابن قتيبة: أي: جماعات، واحدتها: ثبة، يريد ~~جماعة بعد جماعة. # وقال الزجاج: «الثبات» : الجماعات المتفرقة. قال زهير: # وقد أغدوا على ثبة كرام ... نشاوى واجدين لما نشاء # قال ابن عباس: فانفروا ثبات، أي: عصبا، سرايا متفرقين، أو انفروا جميعا، ~~يعنى كلكم. # فصل: وقد نقل عن ابن عباس أن هذه الآية وقوله انفروا خفافا وثقالا «1» ~~وقوله تعالى: # إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما «2» منسوخات بقوله: وما كان المؤمنون ~~لينفروا كافة «3» قال أبو سليمان الدمشقي: والأمر في ذلك بحسب ما يراه ~~الإمام، وليس في هذا من المنسوخ شيء. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 72 الى 73] # وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن ~~معهم شهيدا (72) ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه ~~مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (73) # قوله تعالى: وإن منكم لمن ليبطئن ms0441 اختلفوا فيمن نزلت على قولين: # (314) أحدهما: أنها في المنافقين، كعبد الله بن أبي، وأصحابه كانوا ~~يتثاقلون عن الجهاد، فان لقيت السرية نكبة، قال من أبطأ منهم: لقد أنعم ~~الله علي، وإن لقوا غنيمة، قال: يا ليتني كنت معهم. # هذا قول ابن عباس، وابن جريج. # والثاني: أنها نزلت في المسلمين الذين قلت علومهم بأحكام الدين، فتثبطوا ~~لقلة العلم، لا لضعف الدين، ذكره الماوردي وغيره. فعلى الأول تكون إضافتهم ~~إلى المؤمنين بقوله «منكم» لموضع نطقهم بالإسلام، وجريان أحكامه عليهم، ~~وعلى الثاني تكون الإضافة حقيقة. # قال ابن جرير: اللام في لمن لام تأكيد. قال الزجاج: واللام في ليبطئن لام ~~القسم، كقولك: إن منكم لمن أحلف بالله ليبطئن، يقال: «أبطأ الرجل» و «بطؤ» ~~فمعنى «أبطأ» : تأخر، ومعنى «بطؤ» : ثقل. وقرأ أبو جعفر: «ليبطئن» بتخفيف ~~الهمزة. وفي معنى «ليبطئن» قولان: أحدهما: ليبطئن هو نفسه، وهو قول ابن ~~عباس. والثاني: ليبطئن غيره، قاله ابن جريج. قال ابن عباس: و «المصيبة» : # النكبة. و «الفضل من الله» : الفتح والغنيمة. # قوله تعالى: كأن لم تكن بينكم وبينه مودة قرأ ابن كثير، وحفص، والمفضل، ~~عن عاصم: PageV01P431 # (كأن لم تكن) بالتاء، لأن الفاعل المسند إليه مؤنث في اللفظ، وقرأ نافع، ~~وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم: يكن بالياء، لأن التأنيث ليس بحقيقي. ~~قال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى: ليقولن يا ليتني كنت معهم، كأن لم يكن ~~بينكم وبينه مودة، أي: كأنه لم يعاقدكم على أن يجاهد معكم، ويجوز أن يكون ~~هذا الكلام معترضا به، فيكون المعنى: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يا ~~ليتني كنت معهم فان أصابتكم مصيبة، قال: قد أنعم الله علي، كأن لم يكن ~~بينكم وبينه مودة. فيكون معنى «المودة» أي: كأنه لم يعاقدكم على الإيمان. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 74] # فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في ~~سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (74) # قوله تعالى: الذين يشرون الحياة الدنيا يشرون هاهنا: بمعنى يبتغون في قول ~~الجماعة. # وأنشدوا: # وشريت ... بردا ليتني ms0442 ... من بعد برد كنت هامة «1» # و «برد» غلام له باعه. # ومعنى الآية: ليكن قتال المقاتلين على وجه الإخلاص وطلب الآخرة. # قوله تعالى: فيقتل أو يغلب خرج مخرج الغالب، وقد يثاب من لم يغلب ولم ~~يقتل. ### | [سورة النساء (4) : آية 75] # وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ~~وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا (75) # قوله تعالى: والمستضعفين من الرجال قال الفراء: تقديره: وفي المستضعفين. ~~وكذلك روي عن ابن عباس. وقال الزجاج: المستضعفون في موضع خفض، والمعنى في ~~سبيل الله، وسبيل المستضعفين، أي: ما لكم لا تسعون في خلاص هؤلاء؟ قال ابن ~~عباس: وهم ناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا. و «القرية» : مكة ~~في قول الجماعة. قال الفراء: وإنما خفض الظالم لأنه نعت للأهل، فلما عاد ~~الأهل على القرية كان فعل ما أضيف إليها بمنزلة فعلها، تقول: مررت بالرجل ~~الواسعة داره. # قوله تعالى: واجعل لنا من لدنك وليا قال أبو سليمان: سألوا الله وليا من ~~عنده يلي إخراجهم منها، ونصيرا يمنعهم من المشركين. قال ابن عباس: # (315) فلما فتح رسول الله مكة، جعل الله عز وجل النبي عليه السلام وليهم، ~~واستعمل عليهم PageV01P432 # رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد، فكان نصيرا لهم، ينصف الضعيف ~~من القوي. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 76] # الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ~~فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا (76) # قوله تعالى: يقاتلون في سبيل الطاغوت الطاغوت هاهنا في معنى جماعة، كقوله ~~ولحم الخنزير معناه: ولحم الخنازير. قوله تعالى: إن كيد الشيطان يعني: مكره ~~وصنيعه كان ضعيفا حيث خذل أصحابه يوم بدر. ### | [سورة النساء (4) : آية 77] # ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما ~~كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ~~ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل ms0443 متاع الدنيا قليل ~~والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77) # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم اختلفوا فيمن نزلت على ~~قولين: # (316) أحدهما: أنها نزلت في نفر من المهاجرين، كانوا يحبون أن يؤذن لهم ~~في قتال المشركين وهم بمكة قبل أن يفرض القتال، فنهوا عن ذلك، فلما أذن لهم ~~فيه، كرهه بعضهم. روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول قتادة، ~~والسدي، ومقاتل. # والثاني: أنها نزلت واصفة أحوال قوم كانوا في الزمان المتقدم، فحذرت هذه ~~الأمة من مثل حالهم، روى هذا المعنى عطية، عن ابن عباس. قال أبو سليمان ~~الدمشقي: كأنه يومئ إلى قصة الذين قالوا: إبعث لنا ملكا. وقال مجاهد: هي في ~~اليهود. # فأما كف اليد، فالمراد به: الامتناع عن القتال، ذلك كان بمكة. و «كتب» ~~بمعنى: فرض، وذلك بالمدينة، هذا على القول الأول. # قوله تعالى: إذا فريق منهم في هذا الفريق ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم ~~المنافقون. والثاني: أنهم كانوا مؤمنين، فلما فرض القتال، نافقوا جبنا ~~وخوفا. والثالث: أنهم مؤمنون غير أن طبائعهم غلبتهم، فنفرت نفوسهم عن ~~القتال. # قوله: يخشون الناس في المراد بالناس قولان: أحدهما: كفار مكة. والثاني: ~~جميع الكفار. # قوله تعالى: أو أشد خشية قيل: إن «أو» بمعنى الواو، و «كتبت» بمعنى: ~~فرضت. و «لولا» بمعنى «هلا» ، قال الفراء: إذا لم تر بعدها اسما فهي ~~استفهام بمعنى هلا، وإذا رأيت بعدها اسما مرفوعا، فهي PageV01P433 # التي جوابها اللام، تقول: لولا عبد الله لضربتك. وقال ابن قتيبة: إذا ~~رأيتها بغير جواب، فهي بمعنى «هلا» ، تقول: لولا فعلت كذا، ومثلها «لوما» ، ~~فاذا رأيت ل «لولا» جوابا، فليست بمعنى «هلا» ، إنما هي التي تكون لأمر يقع ~~بوقوع غيره، كقوله تعالى: فلولا أنه كان من المسبحين. للبث في بطنه إلى يوم ~~يبعثون «1» . قلت: فأما «لولا» التي لها جواب فكثيرة في الكلام، وأنشدوا في ~~ذلك: # لولا الحياء وأن رأسي قد عثا ... فيه المشيب لزرت ام القاسم «2» # وأما التي بمعنى «هلا» فأنشدوا منها: # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ms0444 ضوطرى لولا الكمي المقنعا «3» # أراد: فهلا تعدون الكمي، والكمي: الداخل في السلاح. # وفي الأجل القريب قولان: أحدهما: أنه الموت، فكأنهم قالوا: هلا تركتنا ~~نموت موتا، وعافيتنا من القتل، هذا قول السدي، ومقاتل. والثاني: أنه إمهال ~~زمان، فكأنهم قالوا: هلا أخرت فرض الجهاد عنا قليلا حتى نكثر ونقوى، قاله ~~أبو سليمان الدمشقي في آخرين. # قوله تعالى: قل متاع الدنيا قليل أي: مدة الحياة فيها قليلة. # قوله تعالى: ولا تظلمون فتيلا قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ~~ولا يظلمون بالياء. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم: بالتاء، وقد سبق ذكر ~~المتاع والفتيل. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 78] # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا ~~هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال ~~هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) # قوله تعالى: أينما تكونوا يدرككم الموت. سبب نزولها أن المنافقين قالوا ~~في حق شهداء أحد: # لو كانوا عندنا ما ماتوا، وما قتلوا، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس ~~«4» ، ومقاتل. والبروج: # الحصون، قاله ابن عباس وابن قتيبة. وفي «المشيدة» خمسة أقوال «5» : ~~أحدها: أنها الحصينة، قاله ابن عباس، وقتادة. والثاني: المطولة، قاله أبو ~~مالك، ومقاتل، وابن قتيبة. والثالث: المجصصة، قاله PageV01P434 # هلال بن خباب، واليزيدي. والرابع: أنها المبنية بالشيد، وهو الجص، قاله ~~أبو سليمان الدمشقي. # والخامس: أنها بروج في السماء، قاله الربيع بن أنس، والثوري. وقال السدي: ~~هي قصور بيض في السماء مبنية. # قوله تعالى: وإن تصبهم اختلفوا فيهم على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم ~~المنافقون واليهود، قاله ابن عباس. والثاني: المنافقون، قاله الحسن. ~~والثالث: اليهود، قاله ابن السري. وفي الحسنة والسيئة قولان: أحدهما: أن ~~الحسنة: الخصب، والمطر. والسيئة: الجدب، والغلاء، رواه أبو صالح، عن ابن ~~عباس. والثاني: أن الحسنة: الفتح والغنيمة، والسيئة: الهزيمة والجراح، ونحو ~~ذلك، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وفي قوله تعالى: من عندك قولان: ~~أحدهما: بشؤمك، قال ابن عباس. # والثاني: بسوء تدبيرك، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: ms0445 قل كل من عند الله قال ابن عباس: الحسنة والسيئة، أما ~~الحسنة، فأنعم بها عليك، وأما السيئة، فابتلاك بها. قوله تعالى: فمال هؤلاء ~~القوم وقف أبو عمرو، والكسائي على الألف من «فما» في قوله تعالى: فمال ~~هؤلاء القوم ومال هذا الكتاب ومال هذا الرسول وفمال الذين كفروا، والباقون ~~وقفوا على اللام. فأما «الحديث» ، فقيل: هو القرآن، فكأنه قال: لا يفقهون ~~القرآن، فيؤمنون به، ويعلمون أن الكل من عند الله. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 79] # ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس ~~رسولا وكفى بالله شهيدا (79) # قوله تعالى: ما أصابك من حسنة فمن الله في المخاطب بهذا الكلام ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه عام، فتقديره: ما أصابك أيها الإنسان، قاله قتادة. # والثاني: أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به غيره، ذكره ~~الماوردي. وقال ابن الأنباري: ما أصابك الله من حسنة، وما أصابك الله به من ~~سيئة، فالفعلان يرجعان إلى الله عز وجل. # وفي «الحسنة» و «السيئة» ثلاثة أقوال: أحدها: أن الحسنة: ما فتح عليه يوم ~~بدر، والسيئة: ما أصابه يوم أحد، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. والثاني: ~~الحسنة: الطاعة، والسيئة: المعصية، قاله أبو العالية. والثالث: الحسنة: ~~النعمة، والسيئة: البلية، قاله ابن قتيبة، وعن أبي العالية نحوه، وهو أصح، ~~لأن الآية عامة. وروى كرداب، عن يعقوب: «ما أصابك من حسنة فمن الله» بتشديد ~~النون ورفعها ونصب الميم وخفض اسم الله، «وما أصابك من سيئة فمن نفسك» بنصب ~~الميم ورفع السين. # وقرأ ابن عباس: «وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك» . وقرأ ~~ابن مسعود: «وأنا عددتها عليك» . قوله تعالى: فمن نفسك أي: فبذنبك، قاله ~~الحسن، وقتادة، والجماعة، وذكر فيه ابن الأنباري وجها آخر، فقال: المعنى: ~~أفمن نفسك، فأضمرت ألف الاستفهام كما أضمرت في قوله وتلك نعمة أي: أو تلك ~~نعمة. # قوله تعالى: وأرسلناك للناس رسولا قال الزجاج: ذكر الرسول مؤكد لقوله ~~تعالى: وأرسلناك، والباء في «بالله» مؤكدة. والمعنى: وكفى بالله شهيدا. و ms0446 ~~«شهيدا» : منصوب على التمييز، لأنك إذا قلت: كفى بالله، ولم تبين في أي شيء ~~الكفاية كنت مبهما. وفي المراد بشهادة الله هاهنا ثلاثة أقوال: # PageV01P435 # أحدها: شهيدا لك بأنك رسوله، قاله مقاتل. والثاني: على مقالتهم، قاله ابن ~~السائب. والثالث: لك بالبلاغ، وعليهم بالتكذيب والنفاق، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. # فان قيل: كيف عاب الله هؤلاء حين قالوا: إن الحسنة من عند الله، والسيئة ~~من عند النبي عليه السلام، ورد عليهم بقوله تعالى: كل من عند الله ثم عاد ~~فقال: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك فهل قال القوم ~~إلا هكذا؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أنهم أضافوا السيئة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشاؤما به، فرد ~~عليهم، فقال: كل بتقدير الله. ثم قال: ما أصابك من حسنة، فمن الله، أي: من ~~فضله، وما أصابك من سيئة، فبذنبك، وإن كان الكل من الله تقديرا. والثاني: ~~أن جماعة من أرباب المعاني قالوا: في الكلام محذوف مقدر، تقديره: فما ~~لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا، يقولون: ما أصابك من حسنة فمن الله، ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك. فيكون هذا من قولهم. والمحذوف المقدر في ~~القرآن كثير، ومنه قوله تعالى: ربنا تقبل منا «1» أي: يقولان: ربنا. ومثله ~~أو به أذى من رأسه ففدية «2» أي: فحلق، ففدية. ومثله فأما الذين اسودت ~~وجوههم أكفرتم «3» أي: فيقال لهم. ومثله والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. ~~سلام عليكم «4» أي: يقولون سلام. ومثله أو كلم به الموتى بل لله الأمر «5» ~~أراد: لكان هذا القرآن. ومثله ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف ~~رحيم «6» أراد: لعذبكم. ومثله ربنا أبصرنا وسمعنا أي: يقولون. وقال النمر ~~بن تولب: # فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادفه أينما # أراد: أينما ذهب. وقال غيره: # فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا «7» # أراد: لرددناه. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 80] # من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (80) # قوله تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله ms0447 سبب نزولها: # (317) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أطاعني، فقد أطاع الله، ومن ~~أحبني، فقد أحب الله» فقال المنافقون: لقد قارب هذا الرجل الشرك، فنزلت هذه ~~الآية، قاله مقاتل. PageV01P436 # ومعنى الكلام: من قبل ما أتى به الرسول، فانما قبل: ما أمر الله به، ومن ~~تولى، أي: أعرض عن طاعته. وفي «الحفيظ» قولان: أحدهما: أنه الرقيب، قاله ~~ابن عباس. والثاني: المحاسب، قاله السدي، وابن قتيبة. # فصل: قال المفسرون: وهذا كان قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ بآية السيف. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 81] # ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله ~~يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (81) # قوله تعالى: ويقولون طاعة. # (318) نزلت في المنافقين، كانوا يؤمنون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليأمنوا، فاذا خرجوا، خالفوا، هذا قول ابن عباس. قال الفراء: والرفع في ~~«طاعة» على معنى: أمرك طاعة. # قوله تعالى: بيت طائفة قرأ أبو عمرو، وحمزة: بيت، بسكون «التاء» وإدغامها ~~في «الطاء» ، ونصب الباقون «التاء» ، قال أبو علي: التاء والطاء والدال من ~~حيز واحد، فحسن الإدغام، ومن بين، فلانفصال الحرفين، واختلاف المخرجين. قال ~~ابن قتيبة: والمعنى (فاذا برزوا من عندك) أي خرجوا، (بيت طائفة منهم غير ~~الذي تقول) ، أي «1» قالوا، وقدروا ليلا غير ما أعطوك نهارا. قال الشاعر: # أتوني فلم أرض ما بيتوا ... وكانوا أتوني بشيء نكر «2» # والعرب تقول: هذا أمر قد قدر بليل، [وفرغ منه بليل، ومنه قول الحارث بن ~~حلزة: # أجمعوا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء] «3» # وقال بعضهم: بيت، بمعنى: بدل، وأنشد: # وبيت قولي عند المليك ... قاتلك الله عبدا كفورا «4» # وفي قوله تعالى: غير الذي تقول قولان: أحدهما: غير الذي تقول الطائفة ~~عندك، وهو قول ابن عباس، وابن قتيبة. والثاني: غير الذي تقول أنت يا محمد، ~~وهو قول قتادة، والسدي. PageV01P437 # قوله تعالى: والله يكتب ما يبيتون فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يكتبه في ~~الأعمال التي تثبتها الملائكة، قاله مقاتل في آخرين. والثاني: ينزله إليك ~~في كتابه. ms0448 والثالث: يحفظه عليهم ليجازوا به، ذكر القولين الزجاج. قال ابن ~~عباس: فأعرض عنهم: فلا تعاقبهم، وثق بالله عز وجل، وكفى بالله ثقة لك. قال: ~~ثم نسخ هذا الإعراض، وأمر بقتالهم. # فإن قيل: ما الحكمة في أنه ابتدأ بذكرهم جملة، ثم قال: بيت طائفة، والكل ~~منافقون؟ # فالجواب من وجهين، ذكرهما أهل التفسير: أحدهما: أنه أخبر عمن سهر ليله، ~~ودبر أمره منهم دون غيره منهم. والثاني: أنه ذكر من علم أنه يبقى على نفاقه ~~دون من علم أنه يرجع. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 82] # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~(82) # قوله تعالى: أفلا يتدبرون القرآن قال الزجاج: «التدبر» : النظر في عاقبة ~~الشيء. و «الدبر» النحل، سمي دبرا، لأنه يعقب ما ينتفع به، و «الدبر» : ~~المال الكثير، سمي دبرا لكثرته، لأنه يبقى للأعقاب، والأدبار. وقال ابن ~~عباس: أفلا يتدبرون القرآن، فيتفكرون فيه، فيرون تصديق بعضه لبعض، وأن أحدا ~~من الخلائق لا يقدر عليه. قال ابن قتيبة: والقرآن من قولك: ما قرأت الناقة ~~سلى «1» قط، أي: ما ضمت في رحمها ولدا، وأنشد أبو عبيدة: # هجان اللون لم تقرأ جنينا «2» وإنما سمي قرآنا، لأنه جمع السور، وضمها. # قوله تعالى: لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~التناقض، قاله ابن عباس، وابن زيد، والجمهور. والثاني: الكذب، قاله مقاتل، ~~والزجاج. والثالث: أنه اختلاف تفاوت من جهة بليغ من الكلام، ومرذول، إذ لا ~~بد للكلام إذا طال من مرذول، وليس في القرآن إلا بليغ، ذكره الماوردي في ~~جماعة. ### | [سورة النساء (4) : آية 83] # وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (83) # قوله تعالى: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف في سبب نزولها قولان: # (319) أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتزل نساءه، دخل عمر ~~المسجد، فسمع الناس يقولون: طلق PageV01P438 # رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، فدخل على ms0449 النبي عليه السلام فسأله: ~~أطلقت نساءك؟ قال: «لا» . فخرج فنادى: # ألا إن رسول الله لم يطلق نساءه. فنزلت هذه الآية. فكان هو الذي استنبط ~~الأمر. انفرد بإخراجه مسلم، من حديث ابن عباس، عن عمر. # (320) والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية من ~~السرايا فغلبت أو غلبت، تحدثوا بذلك، وأفشوه، ولم يصبروا حتى يكون النبي هو ~~المتحدث به. فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح، عن ابن عباس. # وفي المشار إليهم بهذه الآية قولان: أحدهما: أنهم المنافقون. قاله ابن ~~عباس، والجمهور. # والثاني: أهل النفاق، وضعفة المسلمين، ذكره الزجاج. وفي المراد بالأمن ~~أربعة أقوال: أحدها: فوز السرية بالظفر والغنيمة، وهو قول الأكثرين. ~~والثاني: أنه الخبر يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه ظاهر على قوم، ~~فيأمن منهم، قاله الزجاج. والثالث: أنه ما يعزم عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الموادعة والأمان لقوم، ذكره الماوردي. والرابع: أنه الأمن ~~يأتي من المأمن وهو المدينة، ذكره أبو سليمان الدمشقي مخرجا من حديث عمر. ~~وفي الخوف ثلاثة أقوال: أحدها: أنه النكبة التي تصيب السرية، ذكره جماعة من ~~المفسرين. والثاني: أنه الخبر يأتي أن قوما يجمعون للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، فيخاف منهم، قاله الزجاج. والثالث: # ما يعزم عليه النبي من الحرب والقتال، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: أذاعوا به قال ابن قتيبة: أشاعوه. وقال ابن جرير: والهاء ~~عائدة على الأمر. قوله تعالى: ولو ردوه يعني: الأمر إلى الرسول حتى يكون هو ~~المخبر به وإلى أولي الأمر منهم # وفيهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم مثل أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، قاله ~~ابن عباس. والثاني: # أنهم أبو بكر، وعمر، قاله عكرمة. والثالث: العلماء، قاله الحسن، وقتادة، ~~وابن جريج. والرابع: # أمراء السرايا، قاله ابن زيد، ومقاتل. وفي الذين يستنبطونه قولان: ~~أحدهما: أنهم الذين يتتبعونه من المذيعين له، قاله مجاهد. والثاني: أنهم ~~أولو الأمر، قاله ابن زيد. و «الاستنباط» في اللغة: # الاستخراج. قال الزجاج: أصله من النبط، وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ~~ما ms0450 تحفر، يقال من ذلك: قد أنبط فلان في غضراء، أي: استنبط الماء من طين حر. ~~والنبط: سموا نبطا، لاستنباطهم ما يخرج من الأرض. # قال ابن جرير: ومعنى الآية: وإذا جاءهم خبر عن سرية للمسلمين بخير أو بشر ~~أفشوه، ولو سكتوا حتى يكون الرسول وذوو الأمر يتولون الخبر عن ذلك، فيصححوه ~~إن كان صحيحا، أو يبطلوه إن كان باطلا، لعلم حقيقة ذلك من يبحث عنه من أولى ~~الأمر. # قوله تعالى: ولولا فضل الله عليكم. في المراد بالفضل أربعة أقوال: أحدها: ~~أنه رسول الله. # والثاني: الإسلام. والثالث: القرآن. والرابع: أولو الأمر. وفي الرحمة ~~أربعة أقوال: أحدها: أنها الوحي. والثاني: اللطف. والثالث: النعمة. ~~والرابع: التوفيق. PageV01P439 # قوله تعالى: لاتبعتم الشيطان إلا قليلا في معنى هذا الاستثناء ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه راجع إلى الإذاعة، فتقديره: أذاعوا به إلا قليلا. وهذا ~~قول ابن عباس وابن زيد، واختاره القراء وابن جرير. # والثاني: أنه راجع إلى المستنبطين، فتقديره: لعلمه الذين يستنبطونه منهم ~~إلا قليلا، وهذا قول الحسن وقتادة، واختاره ابن قتيبة. فعلى هذين القولين ~~في الآية تقديم وتأخير. والثالث: أنه راجع إلى اتباع الشيطان، فتقديره: ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا منكم، وهذا قول الضحاك، واختاره الزجاج. وقال ~~بعض العلماء: المعنى: لولا فضل الله بإرسال النبي إليكم، لضللتم إلا قليلا ~~منكم كانوا يستدركون بعقولهم معرفة الله، ويعرفون ضلال من يعبد غيره، كقس ~~بن ساعدة. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 84] # فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس ~~الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا (84) # قوله تعالى: فقاتل في سبيل الله سبب نزولها: # (321) أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ندب الناس لموعد أبي سفيان ببدر ~~الصغرى بعد أحد، كره بعضهم ذلك، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح، عن ابن ~~عباس. # وفي «فاء» فقاتل قولان: أحدهما: أنه جواب قوله ومن يقاتل في سبيل الله ~~فيقتل أو يغلب. والثاني: أنها متصلة بقوله وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ~~ذكرهما ابن السري. والمراد بسبيل الله: الجهاد. ms0451 # قوله تعالى: لا تكلف إلا نفسك أي: إلا المجاهدة بنفسك. و «حرض» : بمعنى ~~حضض. # قال الزجاج: ومعنى عسى في اللغة: معنى الطمع والإشفاق. والإطماع من الله ~~واجب. و «البأس» : # الشدة. وقال ابن عباس: والله أشد عذابا. قال قتادة: و «التنكيل» : ~~العقوبة. ### | [سورة النساء (4) : آية 85] # من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل ~~منها وكان الله على كل شيء مقيتا (85) # قوله تعالى: من يشفع شفاعة حسنة، في المراد بالشفاعة أربعة أقوال: أحدها: ~~أنها شفاعة الإنسان للانسان، ليجتلب له نفعا، أو يخلصه من بلاء، وهذا قول ~~الحسن ومجاهد وقتادة، وابن زيد. # والثاني: أنها الإصلاح بين اثنين، قاله ابن السائب. والثالث: أنه الدعاء ~~للمؤمنين والمؤمنات، ذكره الماوردي. والرابع: أن المعنى: من يصر شفعا لوتر ~~أصحابك يا محمد، فيشفعهم في جهاد عدوهم وقتالهم في سبيل الله، قاله ابن ~~جرير وأبو سليمان الدمشقي. # وفي الشفاعة السيئة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها السعي بالنميمة، قاله ابن ~~السائب، ومقاتل. # والثاني: أنها الدعاء على المؤمنين والمؤمنات، وكانت اليهود تفعله، ذكره ~~الماوردي. والثالث: أن المعنى: من يشفع وتر أهل الكفر، فيقاتل المؤمنين ~~قاله ابن جرير وأبو سليمان الدمشقي. PageV01P440 # قال الزجاج: و «الكفل» في اللغة: النصيب، وأخذ من قولهم: اكتفلت البعير: ~~إذا أدرت على سنامه، أو على موضع من ظهره كساء، وركبت عليه. وإنما قيل له: ~~كفل، لأنه لم يستعمل الظهر كله، وإنما استعمل نصيبا منه. # وفي المقيت» سبعة أقوال: أحدها: أنه المقتدر، قال أحيحة بن الجلاح: # وذي ضغن كففت النفس عنه ... وكنت على مساءته مقيتا «1» # وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس، وابن جرير، والسدي، وابن زيد، والفراء، ~~وأبو عبيد، وابن قتيبة، والخطابي. والثاني: أنه الحفيظ، رواه ابن أبي طلحة، ~~عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والزجاج. # وقال: هو بالحفيظ أشبه، لأنه مشتق من القوت، يقال: قت الرجل أقوته قوتا: ~~إذا حفظت عليه نفسه بما يقوته. والقوت: اسم الشيء الذي يحفظ نفسه، ولا فضل ~~فيه على قدر الحفظ، فمعنى المقيت: # الحافظ الذي يعطي الشيء ms0452 على قدر الحاجة من الحفظ. قال الشاعر: # ألي الفضل أم علي إذا حو ... سبت إني على الحساب مقيت # والثالث: أنه الشهيد، رواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد، واختاره أبو سليمان ~~الدمشقي. والرابع: # أنه الحسيب، رواه خصيف عن مجاهد. والخامس: الرقيب، رواه أبو شيبة عن ~~عطاء. والسادس: # الدائم، رواه ابن جريج عن عبد الله بن كثير. والسابع: أنه معطي القوت، ~~قاله مقاتل بن سليمان. وقال الخطابي: المقيت يكون بمعنى معطي القوت، قال ~~الفراء: يقال: قاته وأقاته. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 86] # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء ~~حسيبا (86) # قوله تعالى: وإذا حييتم بتحية في التحية قولان: أحدهما: أنها السلام، ~~قاله ابن عباس والجمهور. والثاني: الدعاء، ذكره ابن جرير والماوردي. فأما ~~«أحسن منها» فهو الزيادة عليها، وردها: # قول مثلها. قال الحسن: إذا قال أخوك المسلم: السلام عليكم، فرد السلام، ~~وزد: ورحمة الله. أو رد ما قال ولا تزد. وقال الضحاك: إذا قال: السلام ~~عليك، قلت: وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا قال: # السلام عليك ورحمة الله، قلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وهذا ~~منتهى السلام. وقال قتادة: # بأحسن منها للمسلم، أو ردوها على أهل الكتاب «2» . PageV01P441 ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 87] # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من ~~الله حديثا (87) # قوله تعالى: الله لا إله إلا هو قال مقاتل: نزلت في الذين شكوا في البعث. ~~قال الزجاج: # واللام في «ليجمعنكم» لام القسم، كقولك: والله ليجمعنكم، قال: وجائز أن ~~تكون سميت القيامة، لقيام الناس من قبورهم، وجائز أن تكون، لقيامهم للحساب. # قوله تعالى: ومن أصدق من الله حديثا إنما وصف نفسه بهذا، لأن جميع الخلق ~~يجوز عليهم الكذب، ويستحيل في حقه. ### | [سورة النساء (4) : آية 88] # فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من ~~أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) # PageV01P442 # قوله تعالى: فما لكم في المنافقين فئتين في سبب نزولها سبعة أقوال «1» : # (322) أحدها: أن قوما ms0453 أسلموا، فأصابهم وباء بالمدينة وحماها، فخرجوا ~~فاستقبلهم نفر من المسلمين، فقالوا: ما لكم خرجتم؟ قالوا: أصابنا وباء ~~بالمدينة، واجتويناها «2» ، فقالوا: أما لكم في رسول الله أسوة؟ فقال ~~بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا، فنزلت هذه الآية، رواه أبو سلمة بن ~~عبد الرحمن عن أبيه. # (323) والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد، رجع ~~ناس ممن خرج معه، فافترق فيهم أصحاب رسول الله، ففرقة تقول: نقتلهم، وفرقة ~~تقول: لا نقتلهم، فنزلت هذه الآية، هذا في «الصحيحين» من قول زيد بن ثابت. # (324) والثالث: أن قوما كانوا بمكة تكلموا بالإسلام وكانوا يعاونون ~~المشركين، فخرجوا من مكة لحاجة لهم، فقال قوم من المسلمين: اخرجوا إليهم ~~فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عدوكم. وقال قوم: # كيف نقتلهم وقد تكلموا بمثل ما تكلمنا به؟ فنزلت هذه الآية، رواه عطية عن ~~ابن عباس. # (325) والرابع: أن قوما قدموا المدينة، فأظهروا الإسلام، ثم رجعوا إلى ~~مكة، فأظهروا الشرك، فنزلت هذه الآية، هذا قول الحسن، ومجاهد. # (326) والخامس: أن قوما أعلنوا الإيمان بمكة وامتنعوا من الهجرة، فاختلف ~~المؤمنون فيهم، فنزلت هذه الآية، وهذا قول الضحاك. PageV01P443 # (327) والسادس: أن قوما من المنافقين أرادوا الخروج من المدينة، فقالوا ~~للمؤمنين: إنه قد أصابتنا أوجاع في المدينة، فلعلنا نخرج فنتماثل، فإنا كنا ~~أصحاب بادية، فانطلقوا، واختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فنزلت هذه الآية. هذا قول السدي. # (328) والسابع: أنها نزلت في شأن ابن أبي حين تكلم في عائشة بما تكلم، ~~وهذا قول ابن زيد. # وقوله تعالى: فما لكم خطاب للمؤمنين. والمعنى: أي شيء لكم في الاختلاف في ~~أمرهم؟ # و «الفئة» : الفرقة. وفي معنى «أركسهم» أربعة أقوال: أحدها: ردهم، رواه ~~عطاء، عن ابن عباس. قال ابن قتيبة: ركست الشيء، وأركسته: لغتان، أي: نكسهم ~~وردهم في كفرهم، وهذا قول الفراء، والزجاج. والثاني: أوقعهم، رواه ابن أبي ~~طلحة، عن ابن عباس. والثالث: أهلكهم، قاله قتادة. # والرابع: أضلهم، قاله السدي. # فأما الذي كسبوا، فهو كفرهم، وارتدادهم. قال أبو سليمان. إنما قال: ~~أتريدون أن تهدوا من أضل ms0454 الله، لأن قوما من المؤمنين قالوا: إخواننا، ~~وتكلموا بكلمتنا. # قوله تعالى: فلن تجد له سبيلا فيه قولان: أحدهما: إلى الحجة، قاله ~~الزجاج. والثاني: إلى الهدى، قاله أبو سليمان الدمشقي. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 89] # ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى ~~يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا ~~منهم وليا ولا نصيرا (89) # قوله تعالى: ودوا لو تكفرون كما كفروا أخبر الله عز وجل المؤمنين بما في ~~ضمائر تلك الطائفة، لئلا يحسنوا الظن بهم، ولا يجادلوا عنهم، وليعتقدوا ~~عداوتهم. # قوله تعالى: فلا تتخذوا منهم أولياء أي: لا توالوهم فإنهم أعداء لكم حتى ~~يهاجروا أي: # يرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: فإن تولوا عن الهجرة ~~والتوحيد، فخذوهم أي: ائسروهم، واقتلوهم حيث وجدتموهم في الحل والحرم. # فصل: قال القاضي أبو يعلى: كانت الهجرة فرضا إلى أن فتحت مكة «1» . وقال ~~الحسن: فرض PageV01P444 # الهجرة باق، واعلم أن الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب: أحدها: من تجب ~~عليه، وهو الذي لا يقدر على إظهار الإسلام في دار الحرب، خوفا على نفسه، ~~وهو قادر على الهجرة، فتجب عليه لقوله ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها «1» . والثاني: من لا تجب عليه بل تستحب له، وهو من كان قادرا على ~~إظهار دينه في دار الحرب. والثالث: من لا تستحب له وهو الضعيف الذي لا يقدر ~~على إظهار دينه، ولا على الحركة كالشيخ الفاني، والزمن، فلم تستحب له للحوق ~~المشقة. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 90] # إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤكم حصرت صدورهم أن ~~يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن ~~اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ~~(90) # قوله تعالى: إلا الذين يصلون هذا الاستثناء راجع إلى القتل، لا إلى ~~الموالاة وفي «يصلون» قولان: أحدهما: أنه بمعنى يتصلون ويلجئون. # (329) قال ابن عباس: كان هلال بن عويمر الأسلمي وادع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms0455 على أن لا يعينه ولا يعين عليه. فكان من وصل إلى هلال من قومه ~~وغيرهم، فلهم من الجوار مثل ما لهلال. # والثاني: أنه بمعنى ينتسبون، قاله ابن قتيبة، وأنشد. # إذا اتصلت قالت أبكر بن وائل ... وبكر سبتها والأنوف رواغم # يريد: إذا انتسبت، قالت: أبكرا، أي: يا آل بكر. # وفي القوم المذكورين أربعة أقوال: أحدها: أنهم بنو بكر بن زيد مناة، قاله ~~ابن عباس. والثاني: # أنهم هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك، وخزيمة بن عامر بن عبد ~~مناف، قاله عكرمة. # والثالث: أنهم بنو مدلج، قاله الحسن. والرابع: خزاعة وبنو مدلج، قاله ~~مقاتل. قال ابن عباس: # «والميثاق» : العهد. # قوله تعالى: أو جاؤكم فيه قولان: أحدهما: أن معناه: أو يصلون إلى قوم ~~جاءوكم، قاله الزجاج في جماعة. والثاني: أنه يعود إلى المطلوبين للقتل. ~~فتقديره: أو رجعوا فدخلوا فيكم، وهو بمعنى قول السدي. قوله تعالى: حصرت ~~صدورهم فيه قولان: أحدهما: أن فيه إضمار «قد» . # والثاني: أنه خبر بعد خبر، فقوله جاؤكم: خبر قد تم، وحصرت: خبر مستأنف، ~~حكاهما PageV01P445 # الزجاج. وقرأ الحسن ويعقوب والمفضل، عن عاصم: «حصرة صدورهم» على الحال. و ~~«حصرت» : # ضاقت، ومعنى الكلام: ضاقت صدورهم عن قتالكم للعهد الذي بينكم وبينهم، أو ~~يقاتلوا قومهم، يعني قريشا. قال مجاهد: هلال بن عويمر هو الذي حصر صدره أن ~~يقاتلكم، أو يقاتل قومه. قوله تعالى: ولو شاء الله لسلطهم عليكم قال ~~الزجاج: أخبر أنه إنما كفهم بالرعب الذي قذف في قلوبهم. # وفي السلم قولان: أحدهما: أنه الإسلام، قاله الحسن. والثاني: الصلح، قاله ~~الربيع، ومقاتل. # فصل: قال جماعة من المفسرين: معاهدة المشركين وموادعتهم المذكورة في هذه ~~الآية منسوخة بآية السيف. قال القاضي أبو يعلى: لما أعز الله الإسلام أمروا ~~أن لا يقبلوا من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف «1» . ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 91] # ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة ~~أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا (91) # قوله تعالى: ms0456 ستجدون آخرين اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: # (330) أحدها: أنها نزلت في أسد وغطفان، كانوا قد تكلموا بالإسلام ليأمنوا ~~المؤمنين بكلمتهم، ويأمنوا قومهم بكفرهم، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في بني عبد الدار، رواه الضحاك، عن ابن عباس. # (331) والثالث: أنها نزلت في قوم أرادوا أخذ الأمان من النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقالوا: لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، قاله قتادة. # (332) والرابع: أنها نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي، كان يأمن في ~~المسلمين والمشركين، PageV01P446 # فينقل الحديث بين النبي عليه السلام وبينهم، ثم أسلم نعيم، هذا قول ~~السدي. # ومعنى الآية: ستجدون قوما يظهرون الموافقة لكم ولقومهم، ليأمنوا ~~الفريقين، كلما دعوا إلى الشرك، عادوا فيه، فان لم يعتزلوكم في القتال، ~~ويلقوا إليكم الصلح، ويكفوا أيديهم عن قتالكم، فخذوهم، أي: ائسروهم، ~~واقتلوهم حيث أدركتموهم، وأولائكم جعلنا لكم عليهم حجة بينة في قتلهم. # فصل: قال أهل التفسير: والكف عن هؤلاء المذكورين في هذه الآية منسوخ بآية ~~السيف. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 92] # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله ~~عليما حكيما (92) # قوله تعالى: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ في سبب نزولها قولان: # (333) أحدهما: أن عياش بن أبي ربيعة أسلم بمكة قبل هجرة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثم خاف أن يظهر إسلامه لقومه، فخرج إلى المدينة فقالت أمه ~~لابنيها أبي جهل، والحارث ابني هشام، وهما أخواه لأمه: # والله لا يظلني سقف، ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى تأتياني به. فخرجا في ~~طلبه، ومعهما الحارث بن زيد، حتى أتوا عياشا وهو متحصن في أطم «1» ، فقالوا ~~له: انزل فإن أمك لم يؤوها سقف، ولم تذق طعاما، ولا شرابا، ولك ms0457 علينا أن لا ~~نحول بينك وبين دينك، فنزل، فأوثقوه، وجلده كل واحد منهم مائة جلدة، فقدموا ~~به على أمه، فقالت: والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر، فطرح موثقا في الشمس ~~حتى أعطاهم ما أرادوا، فقال له الحارث بن زيد: يا عياش لئن كان ما كنت عليه ~~هدى لقد تركته، وإن كان ضلالا لقد ركبته فغضب، وقال: والله لا ألقاك خاليا ~~إلا قتلتك، ثم أفلت عياش بعد ذلك وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة، ثم أسلم الحارث بعده وهاجر، ولم يعلم عياش، فلقيه يوما فقتله، ~~فقيل له: إنه قد أسلم، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان، ~~وقال: لم أشعر باسلامه، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. وهو ~~قول سعيد بن جبير، والسدي، والجمهور. # (334) والثاني: أن أبا الدرداء قتل رجلا قال لا إله إلا الله في بعض ~~السرايا، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، PageV01P447 # فذكر له ما صنع، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن زيد. # قال الزجاج: معنى الآية: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة. والاستثناء ~~ليس من الأول، وإنما المعنى: إلا أن يخطئ المؤمن. روى أبو عبيدة، عن يونس: ~~أنه سأل رؤبة عن هذه الآية، فقال: ليس له أن يقتله عمدا ولا خطأ «1» ، ~~ولكنه أقام «إلا» مقام «الواو» قال الشاعر: # وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان «2» # أراد: والفرقدان. وقال بعض أهل المعاني: تقدير الآية: لكن قد يقتله خطأ، ~~وليس ذلك فيما جعل الله له، لأن الخطأ لا تصح فيه الإباحة، ولا النهي. ~~وقيل: إنما وقع الاستثناء على ما تضمنته الآية من استحقاق الإثم، وإيجاب ~~القتل. # قوله تعالى: فتحرير رقبة مؤمنة قال سعيد بن جبير: عتق الرقبة واجب على ~~القاتل في ماله، واختلفوا في عتق الغلام الذي لا يصح منه فعل الصلاة ~~والصيام، فروي عن أحمد جوازه، وكذلك روى ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وهذا ~~قول عطاء، ومجاهد. وروي عن أحمد: لا يجزئ إلا من صام ms0458 وصلى، وهو قول ابن ~~عباس في رواية، والحسن، والشعبي، وإبراهيم، وقتادة. قوله تعالى: ودية مسلمة ~~إلى أهله قال القاضي أبو يعلى: ليس في هذه الآية بيان من تلزمه هذه الدية، ~~واتفق الفقهاء على أنها عاقلة القاتل، تحملها عنه على طريق المواساة، وتلزم ~~العاقلة في ثلاث سنين، كل سنة ثلثها، والعاقلة: العصبات من ذوي الأنساب. ~~ولا يلزم الجاني منها شيء. وقال أبو حنيفة: هو كواحد من العاقلة «3» . ~~وللنفس ستة أبدال: من الذهب ألف دينار، ومن الورق اثنا عشر ألف درهم، ومن ~~الإبل مائة، ومن البقرة مائتا بقرة، ومن الغنم ألفا شاة، وفي الحلل روايتان ~~عن أحمد. إحداهما: أنها أصل، فتكون مائتا حلة. فهذه دية الذكر الحر المسلم، ~~ودية الحرة المسلمة على النصف من ذلك «4» . قوله PageV01P448 # تعالى: إلا أن يصدقوا قال سعيد بن جبير: إلا أن يتصدق أولياء المقتول ~~بالدية على القاتل. # قوله تعالى: فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فيه قولان: أحدهما: أن ~~معناه: وإن كان المقتول خطأ من قوم كفار، ففيه تحرير رقبة من غير دية، لأن ~~أهل ميراثه كفار. والثاني: وإن كان مقيما بين قومه، فقتله من لا يعلم ~~بإيمانه، فعليه تحرير رقبة ولا دية، لأنه ضيع نفسه بإقامته مع الكفار، ~~والقولان مرويان عن ابن عباس، وبالأول قال النخعي، وبالثاني سعيد بن جبير. ~~وعلى الأول تكون «من» للتبعيض، وعلى الثاني تكون بمعنى في. # قوله تعالى: وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فيه قولان: أحدهما: أنه ~~الرجل من أهل الذمة يقتل خطأ، فيجب على قاتله الدية، والكفارة، هذا قول ابن ~~عباس، والشعبي، وقتادة، والزهري. ولأبي حنيفة، والشافعي، ولأصحابنا تفصيل ~~في مقدار ما يجب من الدية «1» . والثاني: أنه المؤمن يقتل، وقومه مشركون، ~~ولهم عقد، فديته لقومه، وميراثه للمسلمين، هذا قول النخعي. # قوله تعالى: فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين اختلفوا هل هذا الصيام بدل ~~من الرقبة وحدها إذا عدمها، أو بدل من الرقبة والدية؟ فقال الجمهور: عن ~~الرقبة وحدها، وقال مسروق، ومجاهد، وابن سيرين: عنهما. واتفق العلماء على ms0459 ~~أنه إذا تخلل صوم الشهرين إفطار لغير عذر، فعليه الابتداء، فأما إذا تخللها ~~المرض، أو الحيض، فعندنا لا ينقطع التتابع. وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: # المرض يقطع! والحيض لا يقطع، وفرق بينهما بأنه يمكن في العادة صوم شهرين ~~بلا مرض، ولا يمكن ذلك في الحيض، وعندنا أنها معذورة في الموضعين «2» . ~~PageV01P449 # قوله تعالى: توبة من الله قال الزجاج: معناه: فعل الله ذلك توبة منه. ~~قوله: وكان الله عليما أي: لم يزل عليما بما يصلح خلقه من التكليف حكيما ~~فيما يقضي بينهم، ويدبره في أمورهم. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 93] # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد ~~له عذابا عظيما (93) # قوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا. # (335) سبب نزولها: أن مقيس بن صبابة وجد أخاه هشام بن صبابة قتيلا في بني ~~النجار، وكان مسلما، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأرسل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا من بني فهر، فقال له: إيت بني النجار، ~~فأقرئهم مني السلام، وقل لهم: إن رسول الله يأمركم إن علمتم قاتل هشام، ~~فادفعوه إلى مقيس، وإن لم تعلموا له قاتلا، فادفعوا إليه ديته، فأبلغهم ~~الفهري ذلك، فقالوا: والله ما نعلم له قاتلا، ولكنا نعطي ديته، فأعطوه مائة ~~من الإبل، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة، فأتى الشيطان مقيس بن صبابة، ~~فقال: تقبل دية أخيك، فيكون عليك سبة ما بقيت. اقتل الذي معك مكان أخيك، ~~وافضل بالدية، فرمى الفهري بصخرة، فشدخ رأسه، ثم ركب بعيرا منها، وساق ~~بقيتها راجعا إلى مكة، وهو يقول: # قتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع # وأدركت ثأري واضطجعت موسدا ... وكنت إلى الأصنام أول راجع «1» # فنزلت هذه الآية، ثم أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح، فقتل، ~~رواه أبو صالح عن ابن عباس. # وفي قوله تعالى: متعمدا قولان: أحدهما: متعمدا لأجل أنه مؤمن، قاله سعيد ~~بن جبير. # والثاني: متعمدا لقتله، ذكره بعض المفسرين. وفي قوله تعالى: فجزاؤه جهنم ~~قولان: ms0460 # أحدهما: أنها جزاؤه قطعا. والثاني: أنها جزاؤه إن جازاه. واختلف العلماء ~~هل للمؤمن إذا قتل مؤمنا متعمدا توبة أم لا؟ فذهب الأكثرون إلى أن له توبة، ~~وذهب ابن عباس إلى أنه لا توبة له. # فصل: اختلف العلماء في هذه الآية هل هي محكمة أم منسوخة؟ فقال قوم: هي ~~محكمة، PageV01P450 # واحتجوا بأنها خبر، والأخبار لا تحتمل النسخ، ثم افترق هؤلاء فرقتين، ~~إحداهما قالت: هي على ظاهرها، وقاتل المؤمن مخلد في النار، والفرقة الثانية ~~قالت: هي عامة قد دخلها التخصيص بدليل أنه لو قتله كافر، ثم أسلم الكافر، ~~انهدرت عنه العقوبة في الدنيا والآخرة، فإذا ثبت كونها من العام المخصص، ~~فأي دليل صلح للتخصيص وجب العمل به. ومن أسباب التخصيص أن يكون قتله ~~مستحلا، فيستحق الخلود لاستحلاله. وقال قوم: هي مخصوصة في حق من لم يتب، ~~واستدلوا بقوله تعالى في «الفرقان» : إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما «1» . وقال آخرون: ~~هي منسوخة بقوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء «2» . PageV01P451 ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 94] # يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ~~كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا ~~(94) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا في سبب ~~نزولها أربعة أقوال: # (336) أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها المقداد بن ~~الأسود، فلما أتوا القوم، وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، ~~فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فأهوى إليه المقداد بن الأسود فقتله. فقال ~~له رجل من أصحابه: أقتلت رجلا يشهد أن لا إله إلا الله؟! لأذكرن ذلك للنبي. ~~فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله إن رجلا ~~شهد أن لا إله إلا ms0461 الله، فقتله المقداد، فقال: ادعوا لي المقداد، فقال: يا ~~مقداد أقتلت رجلا قال: لا إله إلا الله، فكيف لك ب «لا إله إلا الله غدا» ! ~~فنزلت هذه الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد: كان رجل مؤمن ~~يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته؟ # وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل. رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # (337) والثاني: أن رجلا من بني سليم مر على نفر من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومعه غنم، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم عليكم إلا ليتعوذ ~~منا، فعمدوا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فنزلت هذه الآية. رواه عكرمة، عن ابن عباس. # (338) والثالث: أن قوما من أهل مكة سمعوا بسرية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنها تريدهم فهربوا، وأقام PageV01P452 # رجل منهم كان قد أسلم، يقال له: مرداس، وكان على السرية رجل، يقال له: ~~غالب بن فضالة، فلما رأى مرداس الخيل، كبر، ونزل إليهم، فسلم عليهم، فقتله ~~أسامة بن زيد، واستاق غنمه، ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، ~~فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدا شديدا، وأنزلت هذه الآية. ~~رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال السدي: كان أسامة أمير السرية. # (339) والرابع: أن رسول الله بعث أبا حدرد الأسلمي، وأبا قتادة، ومحلم بن ~~جثامة في سرية إلى إضم «1» ، فلقوا عامر بن الأضبط الأشجعي، فحياهم بتحية ~~الإسلام، فحمل عليه محلم بن جثامة، فقتله، وسلبه بعيرا وسقاء. فلما قدموا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، أخبروه، فقال: أقتلته بعد ما قال آمنت؟! ~~ونزلت هذه الآية. رواه ابن أبي حدرد، عن أبيه. # فأما التفسير، فقوله تعالى: إذا ضربتم في سبيل الله أي: سرتم وغزوتم. ~~وقوله تعالى: # فتبينوا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: فتبينوا ~~بالنون من التبيين للأمر قبل الإقدام عليه. وقرأ حمزة والكسائي وخلف ~~«فتثبتوا» بالثاء من الثبات وترك الاستعجال، وكذلك قرءوا في «الحجرات» . # قوله تعالى: لمن ms0462 ألقى إليكم السلام قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر، ~~وحفص، عن عاصم، والكسائي: «السلام» بالألف مع فتح السين. قال الزجاج: يجوز ~~أن يكون بمعنى التسليم، ويجوز أن يكون بمعنى الاستسلام. وقرأ نافع. وابن ~~عامر، وحمزة، وخلف، وجبلة عن المفضل عن عاصم: «السلم» بفتح السين واللام من ~~غير ألف وهو من الاستسلام. وقرأ أبان بن يزيد عن عاصم بكسر السين وإسكان ~~اللام من غير ألف. و «السلم» : الصلح. وقرأ الجمهور: لست مؤمنا، بكسر ~~الميم، وقرأ علي، وابن عباس، وعكرمة، وأبو العالية، ويحيى بن يعمر وأبو ~~جعفر: بفتح الميم من الأمان. # قوله تعالى: تبتغون عرض الحياة الدنيا و «عرضها» : ما فيها من مال، قل أو ~~كثر. قال المفسرون: والمراد به: ما غنموه من الرجل الذي قتلوه. # قوله تعالى: فعند الله مغانم كثيرة فيه قولان: أحدهما: أنه ثواب الجنة، ~~قاله مقاتل. # والثاني: أنها أبواب الرزق في الدنيا، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: كذلك كنتم من قبل فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: كذلك ~~كنتم تأمنون من قومكم المؤمنين بهذه الكلمة، فلا تخيفوا من قالها، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. والثاني: PageV01P453 # كذلك كنتم تخفون إيمانكم بمكة كما كان هذا يخفي إيمانه، رواه سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس. # والثالث: كذلك كنتم من قبل مشركين، قاله مسروق وقتادة وابن زيد. # قوله تعالى: فمن الله عليكم في الذي من به أربعة أقوال: أحدها: الهجرة، ~~قاله ابن عباس. والثاني: إعلان الإيمان، قاله سعيد بن جبير. والثالث: ~~الإسلام، قاله قتادة، ومسروق. # والرابع: التوبة على الذي قتل ذلك الرجل، قاله السدي. # قوله تعالى: فتبينوا تأكيد للأول. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 95] # لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ~~وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95) # قوله تعالى: لا يستوي القاعدون قال أبو سليمان الدمشقي: نزلت هذه الآية ~~من أجل قوم كانوا إذا حضرت غزاة يستأذنون في القعود. # (340) وقال ms0463 زيد بن ثابت: إني لقاعد إلى جنب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، إذ غشيته السكينة، ثم سري عنه، فقال: «اكتب» (لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين والمجاهدون ... ) الآية، فقام ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، ~~فكيف بمن لا يستطيع الجهاد؟ فو الله ما قضى كلامه حتى غشيت رسول الله ~~السكينة، ثم سري عنه، فقال: اقرأ، فقرأت (لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~والمجاهدون) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: غير أولي الضرر فألحقتها. # قوله تعالى: لا يستوي القاعدون يعني عن الجهاد، والمعنى: أن المجاهدين ~~أفضل. قال ابن عباس: وأريد بهذا الجهاد غزوة بدر. وقال مقاتل: غزاة تبوك. # قوله تعالى: غير أولي الضرر قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة: «غير» برفع ~~الراء، وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، وخلف، والمفضل: بنصبها. قال أبو ~~علي: من رفع الراء، جعل «غير» صفة للقاعدين، ومن نصبها، جعلها استثناء من ~~القاعدين «1» . وفي «الضرر» قولان: PageV01P454 # أحدهما: أنه العجز بالزمانة والمرض، ونحوهما. قال ابن عباس: هم قوم كانت ~~تحسبهم عن الغزاة أمراض وأوجاع. وقال ابن جبير، وابن قتيبة: هم أولو ~~الزمانة. وقال الزجاج: الضرر: أن يكون ضريرا أو أعمى أو زمنا. والثاني: أنه ~~العذر، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # قوله تعالى: فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة في ~~هؤلاء القاعدين قولان: # أحدهما: أنهم القاعدون بالضرر، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: القاعدون ~~من غير ضرر، قاله أبو سليمان الدمشقي. قال ابن جرير: والدرجة: الفضيلة. ~~فأما الحسنى فهي الجنة في قول الجماعة. قوله تعالى: وفضل الله المجاهدين ~~على القاعدين قال ابن عباس: القاعدون هاهنا: غير أولي الضرر، وقال سعيد بن ~~جبير: هم الذين لا عذر لهم. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 96] # درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (96) # قوله تعالى: درجات منه قال الزجاج: درجات، في موضع نصب بدلا من قوله ~~تعالى: أجرا عظيما، وهو مفسر للأجر. وفي المراد بالدرجات قولان «1» : ~~أحدهما: أنها درجات الجنة، قال ابن محيريز: الدرجات: سبعون درجة ما بين كل ~~درجتين حضر ms0464 الفرس الجواد المضمر «2» سبعين سنة، وإلى نحوه ذهب مقاتل. ~~والثاني: أن معنى الدرجات: الفضائل، قاله سعيد بن جبير. قال قتادة: كان ~~PageV01P455 # يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، ~~والقتل في الجهاد درجة. وقال ابن زيد: الدرجات: هي السبع التي ذكرها الله ~~تعالى في براءة حين قال: ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ... إلى قوله: ولا يقطعون ~~واديا إلا كتب لهم ... «1» . فان قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى ذكر في ~~أول الكلام درجة، وفي آخره درجات؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن الدرجة الأولى ~~تفضيل المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر منزلة، والدرجات: تفضيل ~~المجاهدين على القاعدين من غير أولي الضرر منازل كثيرة، وهذا معنى قول ابن ~~عباس. والثاني: أن الدرجة الأولى درجة المدح والتعظيم، والدرجات: منازل ~~الجنة، ذكره القاضي أبو يعلى. ### | [سورة النساء (4) : آية 97] # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) # قوله تعالى: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم في سبب نزولها ثلاثة ~~أقوال: # (341) أحدها: أن أناسا كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فلما خرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى بدر لم تدع قريش أحدا إلا أخرجوه معهم، فقتل أولئك ~~الذين أقروا بالإسلام، فنزلت فيهم هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. # (342) وقال قتادة: نزلت في أناس تكلموا بالإسلام، فخرجوا مع أبي جهل، ~~فقتلوا يوم بدر، واعتذروا بغير عذر، فأبى الله أن يقبل منهم. # (343) والثاني: أن قوما نافقوا يوم بدر، وارتابوا، وقالوا: غر هؤلاء ~~دينهم وأقاموا مع المشركين حتى قتلوا، فنزلت فيهم هذه الآية. رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس. # (344) والثالث: أنها نزلت في قوم تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولم يخرجوا معه، فمن مات منهم قبل أن يلحق بالنبي، ضربت الملائكة وجهه ~~ودبره، رواه العوفي عن ابن عباس. # وفي «التوفي» قولان: أحدهما: أنه قبض الأرواح بالموت، قاله ابن عباس، ~~ومقاتل. والثاني: # الحشر إلى النار، قاله ms0465 الحسن. قال مقاتل: والمراد بالملائكة ملك الموت ~~وحده. وقال في موضع PageV01P456 # آخر: ملك الموت وأعوانه، وهم ستة، ثلاثة يلون أرواح المؤمنين، وثلاثة ~~يلون أرواح الكفار. قال الزجاج: «ظالمي أنفسهم» نصب على الحال، والمعنى: ~~تتوفاهم في حال ظلمهم أنفسهم، والأصل. # ظالمين، لأن النون حذفت استخفافا. فأما ظلمهم لأنفسهم، فيحتمل على ما ذكر ~~في قصتهم أربعة أقوال: أحدها: أنه ترك الهجرة. والثاني: رجوعهم إلى الكفر. ~~والثالث: الشك بعد اليقين. والرابع: # إعانة المشركين. # قوله تعالى: فيم كنتم قال الزجاج: هو سؤال توبيخ، والمعنى: كنتم في ~~المشركين أو في المسلمين. قوله تعالى: قالوا كنا مستضعفين في الأرض قال ~~مقاتل: كنا مقهورين في أرض مكة، لا نستطيع أن نذكر الإيمان، قالت الملائكة: ~~ألم تكن أرض الله واسعة يعني المدينة فتهاجروا فيها يعني: # إليها. وقول الملائكة لهم يدل على أنهم كانوا يستطيعون الهجرة. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 98 الى 99] # إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون ~~سبيلا (98) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا (99) # قوله تعالى: إلا المستضعفين. # (345) سبب نزولها: أن المسلمين قالوا في حق المستضعفين من المسلمين بمكة: ~~هؤلاء بمنزلة الذين قتلوا ببدر، فنزلت هذه الآية. قاله مجاهد. # قال الزجاج: «المستضعفين» نصب على الاستثناء من قوله تعالى: مأواهم جهنم. ~~قال أبو سليمان: «المستضعفون» : ذوو الأسنان، والنساء، والصبيان. # قوله تعالى: لا يستطيعون حيلة أي: لا يقدرون على حيلة في الخروج من مكة، ~~ولا على نفقة، ولا قوة. وفي قوله تعالى: ولا يهتدون سبيلا قولان: أحدهما: ~~أنهم لا يعرفون الطريق إلى المدينة، قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد. ~~والثاني: أنهم لا يعرفون طريقا يتوجهون إليه، فإن خرجوا هلكوا، قاله ابن ~~زيد. وفي عسى قولان: أحدهما: أنها بمعنى الإيجاب، قاله الحسن. # والثاني: أنها بمعنى الترجي، فالمعنى: أنهم يرجون العفو، قاله الزجاج. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 100] # ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان ms0466 الله ~~غفورا رحيما (100) # قوله تعالى: يجد في الأرض مراغما قال سعيد بن جبير، ومجاهد: متزحزحا عما ~~يكره. وقال ابن قتيبة: المراغم والمهاجر: واحد، يقال: راغمت وهاجرت، وأصله: ~~أن الرجل كان إذا أسلم، خرج عن قومه، مراغما، أي: مغاضبا لهم، ومهاجرا، أي: ~~مقاطعا من الهجران، فقيل للمذهب: مراغم، وللمصير إلى النبي عليه السلام ~~هجرة، لأنها كانت بهجرة الرجل قومه. # وفي السعة قولان: أحدهما: أنها السعة في الرزق، قاله ابن عباس، والجمهور. ~~والثاني: التمكن PageV01P457 # من إظهار الدين، قاله قتادة. # قوله تعالى: ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله اتفقوا على أنه نزل ~~في رجل خرج مهاجرا، فمات في الطريق، واختلفوا فيه على ستة أقوال: # (346) أحدها: أنه ضمرة بن العيص، وكان ضريرا موسرا، فقال: احملوني فحمل، ~~وهو مريض، فمات عند التنعيم، فنزل فيه هذا الكلام، رواه سعيد بن جبير. # (347) والثاني: أنه العيص بن ضمرة بن زنباع الخزاعي، أمر أهله أن يحملوه ~~على سريره، فلما بلغ التنعيم، مات، فنزلت فيه هذه الآية، رواه أبو بشر عن ~~سعيد بن جبير. # (348) والثالث: أنه ابن ضمرة الجندعي، مرض فقال لبنيه: أخرجوني من مكة، ~~فقد قتلني غمها، فقالوا: أين؟ فأومأ بيده نحو المدينة، يريد الهجرة، فخرجوا ~~به، فمات في الطريق، فنزل فيه هذا، ذكره ابن إسحاق. وقال مقاتل: هو جندب بن ~~ضمرة. # (349) والرابع: أن اسمه سبرة، فلما نزل قوله تعالى: إن الذين توفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم إلى قوله: مراغما كثيرا قال لأهله وهو مريض: ~~احملوني، فإني موسر، ولي من المال ما يبلغني إلى المدينة، فلما جاوز الحرم، ~~مات فنزل فيه هذا، قاله قتادة. # (350) والخامس: أنه رجل من بني كنانة هاجر فمات في الطريق، فسخر منه ~~قومه، فقالوا: لا هو بلغ ما يريد، ولا أقام في أهله حتى يدفن، فنزل فيه ~~هذا، قاله ابن زيد. # (351) والسادس: أنه خالد بن حزام أخو حكيم بن حزام، خرج مهاجرا، فمات في ~~الطريق، ذكره الزبير بن بكار. وقوله تعالى: وقع معناه وجب. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 101] # وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ms0467 جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (101) # قوله تعالى: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة. ~~PageV01P458 # (352) روى مجاهد عن أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعسفان «1» ، وعلى المشركين خالد بن الوليد، قال: فصلينا الظهر، فقال ~~المشركون: لقد أصبنا غرة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية ~~القصر فيما بين الظهر والعصر. # والضرب في الأرض: السفر، والجناح: الإثم، والقصر: النقص، والفتنة: القتل. # وفي القصر قولان: أحدهما: أنه القصر من عدد الركعات. والثاني: أنه القصر ~~من حدودها. # وظاهر الآية يدل على أن القصر لا يجوز إلا عند الخوف، وليس الأمر كذلك، ~~وإنما نزلت الآية على غالب أسفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثرها لم ~~يخل عن خوف العدو. وقيل: إن قوله: أن تقصروا من الصلاة كلام تام. وقوله ~~تعالى: إن خفتم كلام مبتدأ، ومعناه: وإن خفتم. # واختلف العلماء هل صلاة المسافر ركعتين مقصورة أم لا؟ فقال قوم: ليست ~~مقصورة، وإنما فرض المسافر ذلك، وهو قول ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وسعيد ~~بن جبير، والسدي، وأبي حنيفة، فعلى هذا القول قصر الصلاة أن تكون ركعة، ولا ~~يجوز ذلك إلا بوجود السفر والخوف، لأن عند هؤلاء أن الركعتين في السفر إذا ~~لم يكن فيه خوف تمام غير قصر. # (353) واحتجوا بما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذي قرد ~~«2» ، فصف الناس خلفه صفين، صفا خلفه، وصفا موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ~~ركعة، ثم انصرف هؤلاء، إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة، ولم ~~يقضوا. # (354) وعن ابن عباس أنه قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر ~~أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. # والثاني: أنها مقصورة، وليست بأصل، وهو قول مجاهد وطاوس، وأحمد، ~~والشافعي. # (355) قال يعلى بن أمية: قلت لعمر بن الخطاب: عجبت من قصر الناس اليوم، ~~وقد أمنوا وإنما PageV01P459 # قال الله تعالى: إن خفتم ms0468 فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فذكرت ذلك لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال: # صدقة تصدق الله بها عليكم. فاقبلوا صدقته. # فصل: وإنما يجوز للمسافر القصر إذا كان سفره مباحا، وبهذا قال مالك، ~~والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز له القصر في سفر المعصية. فأما مدة الإقامة ~~التي إذا نواها أتم الصلاة، وإن نوى أقل منها، قصر، فقال أصحابنا: إقامة ~~اثنين وعشرين صلاة، وقال أبو حنيفة: خمسة عشر يوما. وقال مالك، والشافعي: ~~أربعة أيام «1» . PageV01P460 ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 102] # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ~~فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ~~وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102) # قوله تعالى: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة سبب نزولها: # (356) أن المشركين لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه قد صلوا ~~الظهر، ندموا إذ لم يكبوا عليهم، فقال بعضهم لبعض: دعوهم فإن لهم صلاة هي ~~أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، يعنون العصر، فإذا قاموا فشدوا عليهم، فلما ~~قاموا إلى صلاة العصر، نزل جبريل بهذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عباس. # قوله تعالى: وإذا كنت فيهم خطاب للنبي عليه السلام، ولا يدل على أن الحكم ~~مقصور عليه، فهول كقوله تعالى خذ من أموالهم صدقة «1» وقال أبو يوسف: لا ~~تجوز صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم، والهاء والميم من «فيهم» ~~تعود على الضاربين في الأرض «2» . PageV01P461 # قوله تعالى: فأقمت لهم الصلاة أي: ابتدأتها، فلتقم طائفة منهم معك أي: ~~لتقف، ومثله وإذا أظلم عليهم قاموا «1» . وليأخذوا أسلحتهم فيهم قولان: ~~أحدهما: أنهم الباقون، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم المصلون معه، ذكره ابن ~~جرير، قال: وهذا السلاح كالسيف، يتقلده الإنسان، والخنجر يشده إلى ذراعه. # قوله تعالى: فإذا سجدوا يعني المصلين معه فليكونوا ms0469 في المشار إليهم ~~قولان: # أحدهما: أنهم الطائفة التي لم تصل، أمرت أن تحرس الطائفة المصلية، وهذا ~~معنى قول ابن عباس. والثاني: أنهم المصلون معه، أمروا إذا سجدوا أن ينصرفوا ~~إلى الحرس. # واختلف العلماء كيف ينصرفون بعد السجود، فقال قوم: إذا أتموا مع الإمام ~~ركعة أتموا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا وانصرفوا، وقد تمت صلاتهم، وقال آخرون: ~~ينصرفون عن ركعة، واختلف هؤلاء، فقال بعضهم: إذا صلوا مع الإمام ركعة ~~وسلموا، فهي تجزئهم. وقال آخرون منهم أبو حنيفة: بل ينصرفون عن تلك الركعة ~~إلى الحرس وهم على صلاتهم، فيكونوا في وجه العدو مكان الطائفة التي لم تصل، ~~وتأتي تلك الطائفة. واختلفوا في الطائفة الأخرى، فقال قوم: إذا صلى بهم ~~الإمام أطال التشهد حتى يقضوا الركعة الفائتة، ثم يسلم بهم، وقال آخرون: بل ~~يسلم هو عند فراغه من الصلاة بهم، فإذا سلم قضوا ما فاتهم. وقال آخرون: بلى ~~يصلي بالطائفة الثانية ركعة ويسلم هو، ولا تسلم هي، بل ترجع إلى وجه العدو، ~~ثم تجيء الأولى، فتقضي ما بقي من صلاتها وتسلم، وتمضي وتجيء الأخرى، فتتم ~~صلاتها، وهذا مذهب أبي حنيفة «2» . PageV01P462 # قوله تعالى: وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم قال ابن عباس: يريد الذين صلوا ~~أولا. وقال الزجاج: يجوز أن يريد به الذين وجاه العدو، لأن المصلي غير ~~مقاتل، ويجوز أن يكون الجماعة أمروا بحمل السلاح، لأنه أرهب للعدو، وأحرى ~~أن لا يقدموا عليهم. و «الجناح» الإثم، وهو من: # جنحت: إذا عدلت عن المكان، وأخذت جانبا عن القصد. فالمعنى: أنكم إذا ~~وضعتم أسلحتكم، لم تعدلوا عن الحق. # قوله تعالى: إن كان بكم أذى من مطر قال ابن عباس: رخص لهم في وضع الأسلحة ~~لثقلها على المريض وفي المطر، وقال: وخذوا حذركم كي لا يتغفلوكم. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 103] # فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم ~~فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103) # قوله تعالى: فإذا قضيتم الصلاة يعني صلاة الخوف، وقضيتم بمعنى: فرغتم. # قوله تعالى: فاذكروا الله في هذا الذكر قولان: أحدهما: ms0470 أنه الذكر لله في ~~غير الصلاة، وهذا قول ابن عباس، والجمهور قالوا: وهو التسبيح، والتكبير، ~~والدعاء، والشكر. والثاني: أنه الصلاة، فيكون المعنى: فصلوا قياما، فان لم ~~تستطيعوا فقعودا، فان لم تستطيعوا فعلى جنوبكم، هذا قول ابن مسعود. وفي ~~المراد بالطمأنينة قولان: أحدهما: أنه الرجوع إلى الوطن عن السفر، وهو قول ~~الحسن، ومجاهد وقتادة. والثاني: أنه الأمن بعد الخوف، وهو قول السدي، ~~والزجاج، وأبي سليمان الدمشقي. # وفي إقامة الصلاة قولان: أحدهما: إتمامها، قاله مجاهد وقتادة والزجاج ~~وابن قتيبة. والثاني: أنه إقامة ركوعها وسجودها، وما يجب فيها مما قد يترك ~~في حالة الخوف، هذا قول السدي. # PageV01P463 # قوله تعالى: كانت على المؤمنين كتابا موقوتا أي: فرضا. وفي «الموقوتا» ~~قولان: # أحدهما: أنه بمعنى المفروض، قاله ابن عباس. ومجاهد، والسدي، وابن زيد. ~~والثاني: أنه الموقت في أوقات معلومة، وهو قول ابن مسعود، وقتادة، وزيد بن ~~أسلم، وابن قتيبة. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 104] # ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (104) # قوله تعالى: ولا تهنوا في ابتغاء القوم قال أهل التفسير: # (357) سبب نزولها: أن النبي عليه السلام أمر أصحابه لما انصرفوا من أحد ~~أن يسيروا في أثر أبي سفيان وأصحابه، فشكوا ما بهم من الجراحات، فنزلت هذه ~~الآية. # قال الزجاج: ومعنى «تهنوا» : تضعفوا، يقال: وهن يهن: إذا ضعف، وكل ضعف ~~فهو وهن. # وابتغى القوم: طلبهم بالحرب. و «القوم» هاهنا: الكفار إن تكونوا تألمون ~~أي: توجعون، فانهم يجدون من الوجع بما ينالهم من الجراح والتعب، كما تجدون، ~~وأنتم مع ذلك ترجون ما لا يرجون. # وفي هذا الرجاء قولان: أحدهما: أنه الأمل، قاله مقاتل. قال الزجاج: وهو ~~إجماع أهل اللغة الموثوق بعلمهم. والثاني: أنه الخوف، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. قال الفراء: ولم نجد الخوف بمعنى الرجاء إلا ومعه جحد، فإذا كان كذلك ~~كان الخوف على جهة الرجاء والخوف، وكان الرجاء كذلك، كقوله تعالى: ما لكم ~~لا ترجون لله وقارا «1» وقوله: لا يرجون ms0471 أيام الله «2» قال الشاعر: # لا ترتجي حين تلاقي الذائدا ... أسبعة لاقت معا أم واحدا «3» # وقال الهذلي: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عوامل «4» # ولا يجوز رجوتك وأنت تريد خفتك، ولا خفتك وأنت تريد رجوتك. قال الزجاج: ~~وإنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف، لأنه أمل قد يخاف أن لا يتم، فعلى ~~القول الأول يكون المعنى: ترجون PageV01P464 # النصر وإظهار دينكم والجنة. وعلى الثاني: تخافون من عذاب الله ما لا ~~يخافون. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 105] # إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن ~~للخائنين خصيما (105) # قوله تعالى: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (358) أحدها: أن طعمة بن أبيرق سرق درعا لقتادة بن النعمان، وكان الدرع ~~في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتشر من خرق في الجراب، حتى انتهى إلى ~~الدار، ثم خبأها عند رجل من اليهود، فالتمست الدرع عند طعمة، فلم توجد ~~عنده، وحلف: ما لي بها علم، فقال أصحابها: بلى والله، لقد دخل علينا ~~فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق، فلما حلف تركوه، ~~واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزلي اليهودي فأخذوه، فقال: دفعها إلي ~~طعمة، فقال قوم طعمة: انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليجادل ~~عن صاحبنا فإنه بريء، فأتوه فكلموه في ذلك، فهم أن يفعل، وأن يعاقب ~~اليهودي، فنزلت هذه الآيات كلها. رواه أبو صالح عن ابن عباس. # (359) والثاني: أن رجلا من اليهود، استودع طعمة بن أبيرق درعا، فخانها، ~~فلما خاف اطلاعهم عليها، ألقاها في دار أبي مليل الأنصاري، فجادل قوم طعمة ~~عنه، وأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه أن يبرئه، ويكذب اليهودي، ~~فنزلت الآيات. هذا قول السدي، ومقاتل. # (360) والثالث: أن مشربة «1» رفاعة بن زيد نقبت، وأخذ طعامه وسلاحه، ~~فاتهم به بنو أبيرق، وكانوا ثلاثة: بشير، ومبشر، وبشر، فذهب قتادة بن ~~النعمان إلى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله إن أهل بيت منا فيهم ~~جفاء «2» نقبوا مشربة لعمي رفاعة ms0472 بن زيد، وأخذوا سلاحه، وطعامه، فقال: أنظر ~~في ذلك، فذهب قوم من قوم بني أبيرق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ~~إن قتادة بن النعمان، وعمه عمدوا إلى PageV01P465 # أهل بيت منا يرمونهم بالسرقة وهم أهل بيت إسلام وصلاح، فقال النبي ~~لقتادة: رميتهم بالسرقة على غير بينة! فنزلت هذه الآيات. قاله قتادة بن ~~النعمان. # والكتاب: القرآن. والحق: الحكم بالعدل. لتحكم بين الناس: أي لتقضي بينهم. ~~وفي قوله تعالى: بما أراك الله قولان «1» : أحدهما: أنه الذي علمه، والذي ~~علمه أن لا يقبل دعوى أحد على أحد إلا ببرهان. والثاني: أنه ما يؤدي إليه ~~اجتهاده، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: ولا تكن للخائنين خصيما قال الزجاج: لا تكن مخاصما، ولا ~~دافعا عن خائن. # واختلفوا هل خاصم عنه أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه قام خطيبا فعذره. ~~رواه العوفي عن ابن عباس «2» . والثاني: أنه هم بذلك، ولم يفعله، قاله سعيد ~~بن جبير، وقتادة «3» . # قال القاضي أبو يعلى: وهذه الآية تدل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن ~~غيره في إثبات حق أو نفيه، وهو غير عالم بحقيقة أمره، لأن الله تعالى عاتب ~~نبيه على مثل ذلك. ### | [سورة النساء (4) : آية 106] # واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (106) # قوله تعالى: واستغفر الله في الذي أمر بالاستغفار منه قولان «4» : # أحدهما: أنه القيام بعذر. والثاني: أنه العزم على ذلك. PageV01P466 ### | [سورة النساء (4) : الآيات 107 الى 108] # ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما ~~(107) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى ~~من القول وكان الله بما يعملون محيطا (108) # قوله تعالى: ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم # أي: يخونون أنفسهم، فيجعلونها خائنة بارتكاب الخيانة. قال عكرمة: والمراد ~~بهم: طعمة بن أبيرق، وقومه الذين جادلوا عنه. # (361) وفي حديث العوفي عن ابن عباس قال: انطلق نفر من عشيرة طعمة ليلا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن صاحبنا بريء. # و «الاستخفاء» : الاستتار، والمعنى: يستترون من الناس لئلا ms0473 يطلعوا على ~~خيانتهم وكذبهم، ولا يستترون من الله، وهو معهم بالعلم. وكل ما فكر فيه، أو ~~خيض فيه بليل، فقد بيت. وجمهور العلماء على أن المشار إليه بالاستخفاء ~~والتبييت، قوم طعمة. والذي بيتوا: احتيالهم في براءة صاحبهم بالكذب. وقال ~~الزجاج: هو السارق نفسه، والذي بيت أنه قال: أرمي اليهودي بأنه سارق الدرع، ~~وأحلف أني لم أسرقها، فتقبل يميني، ولا تقبل يمين اليهودي. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 109] # ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم ~~القيامة أم من يكون عليهم وكيلا (109) # قوله تعالى: ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم # قال الزجاج: «ها» للتنبيه، وأعيدت في أوله. # والمعنى: ها أنتم الذين جادلتم. و «المجادلة، والجدال» : شدة المخاصمة، و ~~«الجدل» : شدة الفتل. # والكلام يعود إلى من احتج عن السارق. فأما قوله: «عنهم» فانه عائد إلى ~~السارق. و «عليهم» بمعنى «لهم» . والوكيل: القائم بأمر من وكله. فكأنه قال: ~~من الذي يتوكل لهم منكم في خصومة ربهم؟! ### | [سورة النساء (4) : آية 110] # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (110) # قوله تعالى: ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه # اختلفوا في نزولها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت خطابا للسارق، ~~وعرضا للتوبة عليه. رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ابن زيد، ومقاتل. # والثاني: أنها للذين جادلوا عنه من قومه، رواه العوفي عن ابن عباس. ~~والثالث: أنه عنى بها كل مسيء ومذنب. ذكره أبو سليمان الدمشقي. وإطلاقها لا ~~يمنع أن تكون نزلت على سبب. وفي هذا السوء ثلاثة أقوال: أحدها: أنه السرقة. ~~والثاني: الشرك. والثالث: أنه كل ما يأثم به. وفي هذا الظلم قولان: # أحدهما: أنه رمي البريء بالتهمة. والثاني: ما دون الشرك. ### | [سورة النساء (4) : آية 111] # ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (111) # قوله تعالى: ومن يكسب إثما # أي: ومن يعمل ذنبا فإنما يكسبه على نفسه # يقول: إنما يعود PageV01P467 # وباله عليه. قاله مقاتل. وهذه في طعمة أيضا. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 112] # ومن يكسب خطيئة ms0474 أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ~~(112) # قوله تعالى: ومن يكسب خطيئة أو إثما # جمهور العلماء على أنها نزلت متعلقة بقصة طعمة بن أبيرق. # (362) وقد روى الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول ~~إذ رمى عائشة عليها السلام بالإفك. # وفي قوله تعالى: خطيئة أو إثما # أربعة أقوال «1» : أحدها: أن «الخطيئة» يمين السارق الكاذبة، و «الإثم» : ~~سرقته الدرع، ورميه اليهودي، قاله ابن السائب. والثاني: أن «الخطيئة» ما ~~يتعلق به من الذنب، و «الإثم» : قذفه البريء، قاله مقاتل. والثالث: أن ~~«الخطيئة» قد تقع عن عمد، وقد تقع عن خطأ، و «الإثم» : يختص العمد. قاله ~~ابن جرير، وأبو سليمان الدمشقي. وذكر الزجاج أن الخطيئة نحو قتل الخطأ الذي ~~يرتفع فيه الإثم. والرابع: أنه لما سمى الله عز وجل بعض المعاصي خطيئة، ~~وبعضها إثما، أعلم أن من كسب ما يقع عليه أحد هذين الاسمين، ثم قذف به ~~بريئا، فقد احتمل بهتانا، ذكره الزجاج أيضا. # فأما قوله تعالى: ثم يرم به بريئا # أي: يقذف بما جناه بريئا منه. # فإن قيل: الخطيئة والإثم اثنان، فكيف قال: به، فعنه أربعة أجوبة: أحدها: ~~أنه أراد: ثم يرم بهما، فاكتفى بإعادة الذكر على الإثم من إعادته على ~~الخطيئة، كقوله تعالى: انفضوا إليها «2» فخص التجارة، والمعنى للتجارة ~~واللهو. والثاني: أن الهاء تعود على الكسب، فلما دل ب «يكسب» على الكسب، ~~كنى عنه. والثالث: أن الهاء راجعة على معنى الخطيئة والإثم، كأنه قال: ومن ~~يكسب ذنبا، ثم يرم به. ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري. والرابع: أن الهاء ~~تعود على الإثم خاصة، قاله ابن جرير الطبري. # وفي المراد بالبريء الذي قذفه هذا السارق قولان: أحدهما: أنه كان يهوديا، ~~قاله ابن عباس، وعكرمة، وابن سيرين وقتادة وابن زيد، وسماه عكرمة، وقتادة: ~~زيد بن السمين «3» . والثاني: أنه كان مسلما، روي عن ابن عباس، وقتادة بن ~~النعمان، والسدي، ومقاتل، واختلفوا في ذلك المسلم، فقال PageV01P468 # الضحاك عن ابن عباس: هو عائشة لما قذفها ابن أبي، وقال ms0475 قتادة بن النعمان: ~~هو لبيد بن سهل، وقال السدي، ومقاتل: هو أبو مليل الأنصاري. # فأما البهتان: فهو الكذب الذي يحير من عظمه، يقال: بهت الرجل: إذا تحير. ~~قال ابن السائب: # فقد احتمل بهتانا برميه البريء، وإثما مبينا بيمينه الكاذبة. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 113] # ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا ~~أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن ~~تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (113) # قوله تعالى: ولولا فضل الله عليك ورحمته # في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أنها متعلقة بقصة طعمة وقومه، حيث لبسوا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمر صاحبهم، هذا قول ابن عباس من طريق ابن السائب «1» . # (363) والثاني: أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: جئناك نبايعك على أن لا نحشر ولا نعشر، وعلى أن تمتعنا بالعزى سنة، ~~فلم يجبهم، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس في رواية الضحاك. # وفي المراد بفضل الله ورحمته قولان: أحدهما: النبوة والعصمة. والثاني: ~~الإسلام والقرآن، رويا عن ابن عباس. قال مقاتل: لولا فضل الله عليك حيث بين ~~لك أمر طعمة وحولك بالقرآن عن تصديق الخائن لهمت طائفة منهم أن يضلوك. قال ~~الفراء: والمعنى لقد همت. فإن قيل: كيف قال: ولولا فضل الله عليك ورحمته ~~لهمت طائفة # وقد همت باضلاله؟ فالجواب: أنه لولا فضل الله، لظهر تأثير ما هموا به. ~~فأما الطائفة، فعلى رواية ابن السائب عن ابن عباس: قوم طعمة، وعلى رواية ~~الضحاك: # وفد ثقيف. # وفي الإضلال قولان «2» : أحدهما: التخطئة في الحكم: والثاني: الاستزلال ~~عن الحق. قال PageV01P469 # الزجاج: وما يضلون إلا أنفسهم، لأنهم يعملون عمل الضالين، فيرجع الضلال ~~إليهم. # فأما «الكتاب» ، فهو القرآن. وفي «الحكمة» ثلاثة أقوال: أحدها: القضاء ~~بالوحي، قاله ابن عباس. والثاني: الحلال والحرام، قاله مقاتل. والثالث: ~~بيان ما في الكتاب، وإلهام الصواب، وإلقاء صحة الجواب في الروع، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. وفي قوله تعالى: وعلمك ما لم تكن تعلم # ثلاثة أقوال: ms0476 أحدها: أنه الشرع، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: أخبار ~~الأولين والآخرين، قاله أبو سليمان. والثالث: الكتاب والحكمة، ذكره ~~الماوردي. وفي قوله تعالى: وكان فضل الله عليك عظيما # ثلاثة اقوال: أحدها: أنه المنة بالإيمان. والثاني: المنة بالنبوة، هذان ~~عن ابن عباس. # والثالث: أنه عام في جميع الفضل الذي خصه الله به، قاله أبو سليمان. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 114] # لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ~~ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (114) # قوله تعالى: لا خير في كثير من نجواهم قال ابن عباس: هم قوم طعمة، وقال ~~مقاتل: # وكلهم يهود تناجوا في أمر طعمة، وقال مجاهد: هو عام في نجوى جميع الناس. ~~قال الزجاج: ومعنى النجوى: ما تنفرد به الجماعة أو الاثنان، سرا كان أو ~~ظاهرا. ومعنى «نجوت الشيء» في اللغة. خلصته وألقيته، يقال: نجوت الجلد: إذا ~~ألقيته عن البعير وغيره. قال الشاعر: # فقلت انجوا عنها نجا الجلد إنه ... سيرضيكما منها سنام وغاربه «1» # وقد نجوت فلانا: إذا استنكهته، قال الشاعر: # نجوت مجالدا فوجدت منه ... كريح الكلب مات قديم عهد «2» # وأصله كله من النجوة، وهو ما ارتفع من الأرض، قال الشاعر يصف سيلا: # فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكن كمن يمشي بقرواح «3» # والمراد بنجواهم: ما يدبرونه بينهم من الكلام. # فأما قوله: إلا من أمر بصدقة فيجوز أن يكون بمعنى: إلا في نجوى من أمر ~~بصدقة، ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول، فيكون بمعنى: لكن من أمر ~~بصدقة، ففي نجواهم خير. وأما قوله تعالى: أمر بصدقة فالمعنى: حث عليها. ~~وأما المعروف، ففيه قولان: # أحدهما: أنه الفرض، روي عن ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنه عام في جميع ~~أفعال البر، وهو PageV01P470 # اختيار القاضي أبي يعلى، وأبي سليمان الدمشقي. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 115] # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ~~ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) # قوله تعالى: ومن يشاقق الرسول في سبب نزولها قولان: # (364) أحدهما: أنه ms0477 لما نزل القرآن بتكذيب طعمة، وبيان ظلمه، وخاف على ~~نفسه من القطع والفضيحة، هرب إلى مكة، فلحق بأهل الشرك، فنزلت هذه الآية، ~~هذا قول ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، والسدي. # (365) وقال مقاتل: لما قدم مكة نزل على الحجاج بن علاط السلمي فأحسن ~~نزله، فبلغه أن في بيته ذهبا، فخرج في الليل فنقب حائط البيت، فعلموا به ~~فأحاطوا بالبيت، فلما رأوه، أرادوا أن يرجموه، فاستحيا الحجاج، لأنه ضيفه، ~~فتركوه، فخرج، فلحق بحرة بني سليم يعبد صنمهم حتى مات على الشرك، فنزل فيه: ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به. وقال غيره: بل خرج مع تجار فسرق منهم شيئا، ~~فرموه بالحجارة حتى قتلوه، وقيل: ركب سفينة، فسرق فيها مالا، فعلم به، ~~فألقي في البحر. # والقول الثاني: أن قوما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا، ~~ثم ارتدوا، فنزلت فيهم هذه الآية، روي عن ابن عباس. # ومعنى الآية: ومن يخالف الرسول في التوحيد، والحدود، من بعد ما تبين له ~~التوحيد والحكم، ويتبع غير دين المسلمين، نوله ما تولى، أي: نكله إلى ما ~~اختار لنفسه، ونصله جهنم: ندخله إياها. # قال ابن فارس: تقول صليت اللحم أصليه: إذا شويته، فإن أردت أنك أحرقته، ~~قلت: أصليته. وساءت مصيرا، أي: مرجعا يصار إليه «1» . PageV01P471 ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 116] # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله ~~فقد ضل ضلالا بعيدا (116) # قوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به في سبب نزولها قولان: # أحدهما: أنها نزلت في حق طعمة بن أبيرق لما هرب من مكة، ومات على الشرك، ~~وهذا قول الجمهور، منهم سعيد بن جبير. # (366) والثاني: أن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: إني منهمك في الذنوب، إلا أني لم أشرك بالله منذ عرفته، وإني لنادم ~~مستغفر، فما حالي؟ فنزلت هذه الآية، روي عن ابن عباس. فأما تفسيرها، فقد ~~تقدم. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 117 الى 118] # إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن ms0478 يدعون إلا شيطانا مريدا (117) لعنه الله ~~وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (118) # قوله تعالى: إن يدعون من دونه إلا إناثا، «إن» بمعنى: «ما» ويدعون بمعنى: # يعبدون. والهاء في دونه ترجع إلى الله عز وجل. والقراءة المشهورة إناثا. ~~وقرأ سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأبو مجلز، وأبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء: «إلا وثنا» ، بفتح الواو، والثاء من غير ألف. وقرأ ابن عباس، وأبو ~~رزين: «أنثا» ، برفع الهمزة والنون من غير ألف. وقرأ أبو العالية، ومعاذ ~~القارئ، وأبو نهيك: (أناثا) ، برفع الهمزة وبألف بعد الثاء. وقرأ أبو ~~هريرة، والحسن، والجوني: «إلا أنثى» ، على وزن «فعلى» . وقرأ أيوب ~~السختياني: «إلا وثنا» ، برفع الواو والثاء من غير ألف. وقرأ مورق العجلي: ~~(أثنا) ، برفع الهمزة والثاء من غير ألف. قال الزجاج: فمن قال: إناثا، فهو ~~جمع أنثى وإناث، ومن قال: أنثا، فهو جمع إناث، ومن قال: أثنا، فهو جمع وثن، ~~والأصل: وثن، إلا أن الواو إذا انضمت جاز إبدالها همزة، كقوله تعالى: وإذا ~~الرسل أقتت «1» الأصل: وقتت. وجائز أن يكون أثن أصلها: أثن، فأتبعت الضمة ~~الضمة، وجائز أن يكون أثن، مثل أسد وأسد. PageV01P472 # فأما المفسرون، فلهم في معنى الإناث أربعة أقوال «1» : أحدها: أن الإناث ~~بمعنى الأموات، قاله ابن عباس: والحسن في رواية، وقتادة. وقال الحسن: كل ~~شيء لا روح فيه، كالحجر، والخشبة، فهو إناث. قال الزجاج: والموات كلها يخبر ~~عنها، كما يخبر عن المؤنث، تقول من ذلك: الأحجار تعجبني، والدراهم تنفعني. ~~والثاني: أن الإناث. الأوثان، وهو قول عائشة، ومجاهد. والثالث: أن الإناث ~~اللات والعزى ومناة، كلهن مؤنث، وهذا قول أبي مالك، وابن زيد والسدي. وروى ~~أبو رجاء عن الحسن قال: لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يسمونه: ~~أنثى بني فلان، فنزلت هذه الآية. قال الزجاج: والمعنى: ما يدعون إلا ما ~~يسمونه باسم الإناث. والرابع: أنها الملائكة كانوا يزعمون أنها بنات الله، ~~قاله الضحاك. # وفي المراد بالشيطان ثلاثة أقوال: أحدها: شيطان يكون في الصنم. قال ابن ~~عباس: في كل صنم شيطان ms0479 يتراءى للسدنة فيكلمهم. وقال أبي بن كعب: مع كل صنم ~~جنية. والثاني: أنه إبليس، وعبادته: # طاعته فيما سول لهم، هذا قول مقاتل، والزجاج. والثالث: أنه أصنامهم التي ~~عبدوا، ذكره الماوردي. # فأما «المريد» فقال الزجاج: «المريد» : المارد، وهو الخارج عن الطاعة، ~~ومعناه: أنه قد مرد في الشر، يقال: مرد الرجل يمرد مرودا: إذا عتا، وخرج عن ~~الطاعة. وتأويل المرود: أن يبلغ الغاية التي يخرج بها من جملة ما عليه ذلك ~~الصنف، وأصله في اللغة: املساس الشيء، ومنه قيل للانسان: أمرد: إذا لم يكن ~~في وجهه شعر، وكذلك يقال: شجرة مرداء: إذا تناثر ورقها، وصخرة مرداء: إذا ~~كانت ملساء. # وفي قوله تعالى: لعنه الله قولان: أحدهما: أنه ابتداء دعاء عليه باللعن، ~~وهو قول من قال: # هو الأوثان. والثاني: أنه إخبار عن لعن متقدم، وهو قول من قال: هو إبليس. # قال ابن جرير: المعنى: قد لعنه الله. قال ابن عباس: معنى الكلام: دحره ~~الله، وأخرجه من الجنة. وقال يعني إبليس: لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا. ~~قال ابن قتيبة: أي حظا افترضته لنفسي منهم، فأضلهم. وقال مقاتل: النصيب ~~المفروض في اللغة: القطع أن من كل ألف إنسان واحد في الجنة، وسائرهم في ~~النار. قال الزجاج: «الفرض» في اللغة: القطع، و «الفرضة» : الثلمة تكون في ~~النهر. و «الفرض» في القوس: الحز الذي يشد فيه الوتر، والفرض فيما ألزمه ~~الله العباد: جعله حتما عليهم قاطعا. ### | [سورة النساء (4) : آية 119] # ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (119) ~~PageV01P473 # قوله تعالى: ولأضلنهم قال ابن عباس: عن سبيل الهدى، وقال غيره: ليس له من ~~الضلال سوى الدعاء إليه. وفي قوله تعالى: ولأمنينهم أربعة أقوال: أحدها: ~~أنه الكذب الذي يخبرهم به، قال ابن عباس: يقول لهم: لا جنة، ولا نار، ولا ~~بعث. والثاني: أنه التسويف بالتوبة، روي عن ابن عباس. والثالث: أنه إيهامهم ~~أنهم سينالون من الآخرة حظا، قاله الزجاج. والرابع: أنه تزيين الأماني لهم، ~~قاله أبو سليمان. ms0480 # قوله تعالى: فليبتكن آذان الأنعام قال قتادة، وعكرمة، والسدي: هو شق أذن ~~البحيرة، قال الزجاج: ومعنى «يبتكن» يشققن، يقال: بتكت الشيء أبتكه بتكا: ~~إذا قطعته، وبتكه وبتك، مثل قطعه وقطع. وهذا في البحيرة كانت الجاهلية إذا ~~ولدت الناقة خمسة أبطن، وكان الخامس ذكرا، شقوا أذن الناقة، وامتنعوا من ~~الانتفاع بها، ولم تطرد عن ماء، ولا مرعى، وإذا لقيها المعيي، لم يركبها. # سول لهم إبليس أن هذا قربة إلى الله تعالى. # وفي المراد بتغيير خلق الله خمسة أقوال «1» : أحدها: أنه تغيير دين الله، ~~رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن في رواية، وسعيد بن المسيب ~~وابن جبير والنخعي والضحاك والسدي وابن زيد ومقاتل. وقيل: معنى تغيير ~~الدين: تحليل الحرام وتحريم الحلال. والثاني: أنه تغيير الخلق بالخصاء، ~~رواه عكرمة عن ابن عباس، وهو مروي عن أنس بن مالك، وعن مجاهد وقتادة ~~وعكرمة، كالقولين. والثالث: أنه التغيير بالوشم، وهو قول ابن مسعود، والحسن ~~في رواية. والرابع: أنه تغيير أمر الله، رواه أبو شيبة عن عطاء. والخامس: ~~أنه عبادة الشمس والقمر والحجارة، وتحريم ما حرموا من الأنعام، وإنما خلق ~~ذلك للانتفاع به، قاله الزجاج. # قوله تعالى: ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله في المراد بالولي قولان: ~~أحدهما: أنه بمعنى الرب، قاله مقاتل. والثاني: من الموالاة، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. # فان قال قائل: من أين لإبليس العلم بالعواقب حتى قال: ولأضلنهم. وقال في ~~سورة الأعراف ولا تجد أكثرهم شاكرين «2» . وقال في سورة بني إسرائيل ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا «3» ، فعنه ثلاثة أجوبة. أحدها: أنه ظن ذلك، فتحقق ~~ظنه، وذلك قوله تعالى: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه «4» قاله الحسن، وابن زيد. ~~وفي سبب ذلك الظن قولان: أحدهما: أنه لما قال الله تعالى له: PageV01P474 # لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين «1» علم أنه ينال ما يريد. ~~والثاني: أنه لما استزل آدم، قال: ذرية هذا أضعف منه. والثاني: أن المعنى: ~~لأحرضن ولأجتهدن في ذلك، لا انه كان يعلم الغيب، قاله ابن الأنباري. # والثالث: أن من ms0481 الجائز أن يكون علم من جهة الملائكة بخبر من الله تعالى ~~أن أكثر الخلق لا يشكرون، ذكره الماوردي. # فان قيل: فلم اقتصر على بعضهم؟ فقال: نصيبا مفروضا «2» وقال: ولا تجد ~~أكثرهم شاكرين وقال: إلا قليلا فعنه ثلاثة أجوبة. أحدها: أنه يجوز أن يكون ~~علم مآل الخلق من جهة الملائكة، كما بينا. والثاني: أنه لما لم ينل من آدم ~~كل ما يريد، طمع في بعض أولاده، وأيس من بعض. # والثالث: انه لما عاين الجنة والنار، علم أنهما خلقتا لمن يسكنهما، فأشار ~~بالنصيب المفروض إلى ساكني النار. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 120 الى 122] # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (120) أولئك مأواهم جهنم ولا ~~يجدون عنها محيصا (121) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا (122) # قوله تعالى: يعدهم يعني: الشيطان يعد أولياءه. وفيما يعدهم به قولان: ~~أحدهما: أنه لا بعث لهم، قاله مقاتل. والثاني: النصرة لهم، ذكره أبو سليمان ~~الدمشقي، وفيما يمنيهم قولان: # أحدهما: الغرور والأماني، مثل أن يقول: سيطول عمرك، وتنال من الدنيا ~~مرادك: والثاني: الظفر بأولياء الله. # قوله تعالى: وما يعدهم الشيطان إلا غرورا أي: باطلا يغرهم به. فأما ~~المحيص، فقال الزجاج: هو المعدل والملجأ، يقال: حصت عن الرجل أحيص، ورووا: ~~جضت أجيض بالجيم والضاد، بمعنى: حصت، ولا يجوز ذلك في القرآن، وإن كان ~~المعنى واحدا، لأن القراءة سنة، والذي في القرآن أفصح مما يجوز، ويقال: حصت ~~أحوص حوصا وحياصة: إذا خطت، قال الأصمعي: # يقال: حص عين صقرك، أي: خط عينه، والحوص في العين: ضيق مؤخرها، ويقال: ~~وقع في حيص بيص، وحاص باص: إذا وقع فيما لا يقدر على التخلص منه. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 123] # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من ~~دون الله وليا ولا نصيرا (123) # قوله تعالى: ليس بأمانيكم في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (367) أحدها: أن أهل الأديان اختصموا، فقال أهل التوراة: كتابنا خير ~~الكتاب، ونبينا خير PageV01P475 # الأنبياء، ms0482 وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال المسلمون: كتابنا نسخ كل كتاب، ~~ونبينا خاتم الأنبياء، فنزلت هذه الآية، ثم خير بين الأديان بقوله تعالى: ~~ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله. رواه العوفي عن ابن عباس، وإلى هذا ~~المعنى ذهب مسروق وأبو صالح وقتادة والسدي. # (368) والثاني: أن العرب قالت: لا نبعث، ولا نعذب، ولا نحاسب، فنزلت هذه ~~الآية، هذا قول مجاهد. # (369) والثالث: أن اليهود والنصارى قالوا: لا يدخل الجنة غيرنا، وقالت ~~قريش: لا نبعث، فنزلت هذه الآية، هذا قول عكرمة. # قال الزجاج: اسم «ليس» مضمر، والمعنى: ليس ثواب الله عز وجل بأمانيكم، ~~وقد جرى ما يدل على الثواب، وهو قوله تعالى: سندخلهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار. # وفي المشار إليهم بقوله «أمانيكم» قولان «1» : أحدهما: أنهم المسلمون على ~~قول الأكثرين. # والثاني: المشركون على قول مجاهد. فأما أماني المسلمين، فما نقل من ~~قولهم: كتابنا ناسخ للكتب، ونبينا خاتم الأنبياء، وأماني المشركين قولهم: ~~لا نبعث، وأماني أهل الكتاب قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وإن النار لا ~~تمسنا إلا أياما معدودة، وأن كتابنا خير الكتاب، ونبينا خير الأنبياء، ~~فأخبر الله عز وجل أن دخول الجنة والجزاء، بالأعمال لا بالأماني. # وفي المراد «بالسوء» قولان «2» : أحدهما: أنه المعاصي. PageV01P476 # (370) ومنه حديث أبي بكر الصديق أنه قال: يا رسول الله كيف الصلاح بعد ~~هذه الآية: من يعمل سوءا يجز به فإذا عملنا سوءا جزينا به، فقال: غفر الله ~~لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء «1» ؟ فذلك ما ~~تجزون به. # والثاني: أنه الشرك، قاله ابن عباس، ويحيى بن أبي كثير. # وفي هذا الجزاء قولان: أحدهما: أنه عام في كل من عمل سوءا فإنه يجازى به، ~~وهو معنى قول أبي بن كعب، وعائشة، واختاره ابن جرير، واستدل عليه بحديث أبي ~~بكر الذي قدمناه. والثاني: أنه خاص في الكفار يجازون بكل ما فعلوا، فأما ~~المؤمن فلا يجازى بكل ما جنى، قاله الحسن البصري. # وقال ابن زيد: وعد الله المؤمنين أن يكفر عنهم سيئاتهم، ولم يعد ~~المشركين. # قوله تعالى: ms0483 ولا يجد له من دون الله وليا قال أبو سليمان: لا يجد من أراد ~~الله أن يجزيه بشيء من عمله وليا، وهو القريب، ولا ناصرا يمنعه من عذاب ~~الله وجزائه. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 124] # ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا ~~يظلمون نقيرا (124) PageV01P477 # قوله تعالى: ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن. # (371) قال مسروق: لما نزلت ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب قال أهل ~~الكتاب: نحن وأنتم سواء، فنزلت ومن يعمل من الصالحات، وهذه تدل على ارتباط ~~الإيمان بالعمل الصالح، فلا يقبل أحدهما إلا بوجود الآخر، وقد سبق ذكر ~~«النقير» . ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 125] # ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ ~~الله إبراهيم خليلا (125) # قوله تعالى: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله قال ابن عباس: خير الله بين ~~الأديان بهذه الآية. وأسلم بمعنى: أخلص. وفي «الوجه» قولان: أحدهما: أنه ~~الدين. والثاني: العمل. وفي الإحسان قولان: أحدهما: أنه التوحيد، قاله ابن ~~عباس. والثاني: القيام لله بما فرض الله، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي ~~اتباع ملة إبراهيم قولان: أحدهما: اتباعه على التوحيد والطاعة. والثاني: ~~اتباع شريعته، اختاره القاضي أبو يعلى. # فأما الخليل، فقال ابن عباس: الخليل الصفي، وقال غيره: المصافي، وقال ~~الزجاج: هو المحب الذي ليس في محبته خلل. قال: وقيل: الخليل: الفقير، فجائز ~~أن يكون إبراهيم سمي خليل الله بأنه أحبه محبة كاملة، وجائز أن يكون لأنه ~~لم يجعل فقره وفاقته إلا إليه، و «الخلة» : الصداقة، لأن كل واحد يسد خلل ~~صاحبه، و «الخلة» بفتح الخاء: الحاجة: سميت خلة للاختلال الذي يلحق الانسان ~~فيما يحتاج إليه، وسمي الخل الذي يؤكل خلا، لأنه اختل منه طعم الحلاوة. ~~وقال ابن الأنباري: # الخليل: فعيل من الخلة، والخلة: المودة. وقال بعض أهل اللغة: الخليل، ~~المحب، والمحب الذي ليس في محبته نقص ولا خلل، والمعنى: أنه كان يحب الله، ~~ويحبه الله محبة لا نقص فيها، ولا خلل، ويقال: ms0484 الخليل: الفقير، فالمعنى: ~~اتخذه فقيرا ينزل فقره وفاقته به، لا بغيره. وفي سبب اتخاذ الله له خليلا ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أنه اتخذه خليلا لإطعامه الطعام. # (372) روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا ~~جبريل، لم اتخذ الله إبراهيم خليلا؟ # قال: لإطعامه الطعام» . # (373) والثاني: أن الناس أصابتهم سنة فأقبلوا إلى باب إبراهيم يطلبون ~~الطعام، وكانت له ميرة من صديق له بمصر في كل سنة، فبعث غلمانه بالإبل إلى ~~صديقه، فلم يعطهم شيئا، فقالوا: لو احتملنا PageV01P478 # من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة، فملؤوا الغرائر» # رملا، ثم أتوا إبراهيم عليه السلام، فأعلموه، فاهتم إبراهيم لأجل الخلق. ~~فنام وجاءت سارة وهي لا تعلم ما كان، ففتحت الغرائر، فاذا دقيق حواري، ~~فأمرت الخبازين فخبزوا، وأطعموا الناس، فاستيقظ إبراهيم، فقال: من أين هذا ~~الطعام؟ # فقالت: من عند خليلك المصري، فقال: بل من عند خليلي الله عز وجل، فيومئذ ~~اتخذه الله خليلا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنه اتخذه خليلا لكسره الأصنام، وجداله قومه، قاله مقاتل. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 126] # ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا (126) # قوله تعالى: وكان الله بكل شيء محيطا أي: أحاط علمه بكل شيء. ### | [سورة النساء (4) : آية 127] # ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في ~~يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين ~~من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به ~~عليما (127) # قوله تعالى: ويستفتونك في النساء في سبب نزولها خمسة أقوال: # (374) أحدها: أنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال، فلما ~~فرض الله المواريث في هذه السورة، شق ذلك عليهم، فسألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد، وقتادة، وابن زيد. # (375) والثاني: أن ولي اليتيمة كان يتزوجها إذا كانت جميلة وهويها، فيأكل ~~مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال ms0485 حتى تموت، فاذا ماتت ورثها، فنزلت هذه ~~الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # (376) والثالث: أنهم كانوا لا يؤتون النساء صدقاتهن، ويتملك ذلك ~~أولياؤهن، فلما نزل قوله PageV01P479 # تعالى: وآتوا النساء صدقاتهن نحلة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول عائشة عليها السلام. # (377) والرابع: أن رجلا كانت له امرأة كبيرة، وله منها أولاد، فأراد ~~طلاقها، فقالت: لا تفعل، واقسم لي في كل شهر إن شئت أو أكثر فقال: لئن كان ~~هذا يصلح، فهو أحب إلي، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك، ~~فقال: «قد سمع الله ما تقول، فإن شاء أجابك» ، فنزلت هذه الآية، والتي ~~بعدها، رواه سالم الأفطس عن سعيد بن جبير. # والخامس: أن ولي اليتيمة كان إذا رغب في مالها وجمالها لم يبسط لها في ~~صداقها، فنزلت هذه الآية، ونهوا أن ينكحوهن، أو يبلغوا بهن سنتهن من ~~الصداق، ذكره القاضي أبو يعلى. # وقوله تعالى: ويستفتونك أي: يطلبون منك الفتوى، وهي تبيين المشكل من ~~الأحكام. وقيل: # الاستفتاء: الاستخبار. قال المفسرون: والذي استفتوه فيه، ميراث النساء، ~~وذلك أنهم قالوا: كيف ترث المرأة والصبي الصغير؟ # قوله تعالى: وما يتلى عليكم قال الزجاج: موضع «ما» رفع، المعنى: الله ~~يفتيكم فيهن، وما يتلى عليكم في الكتاب أيضا يفتيكم فيهن. وهو قوله تعالى: ~~وآتوا اليتامى أموالهم الآية. والذي تلي عليهم في التزويج قوله تعالى: وإن ~~خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء «1» . وفي يتامى ~~النساء قولان: أحدهما: أنهن النساء اليتامى، فأضيفت الصفة إلى الاسم، كما ~~تقول: يوم الجمعة. والثاني: أنهن أمهات اليتامى، فأضيف إليهن أولادهن ~~اليتامى. # وفي الذي كتب لهن قولان: أحدهما: أنه الميراث، قاله ابن عباس، ومجاهد في ~~آخرين. # والثاني: أنه الصداق. ثم في المخاطب بهذا قولان: أحدهما: أنهم أولياء ~~المرأة كانوا يحوزون صداقها دونها. والثاني: ولي اليتيمة، كان إذا تزوجها ~~لم يعدل في صداقها. # وفي قوله تعالى: وترغبون أن تنكحوهن قولان: أحدهما: وترغبون في نكاحهن ~~رغبة في جمالهن، ms0486 وأموالهن، هذا قول عائشة، وعبيدة. والثاني: وترغبون عن ~~نكاحهن لقبحهن، فتمسكوهن رغبة في أموالهن، وهذا قول الحسن. # قوله تعالى: والمستضعفين من الولدان قال الزجاج: موضع «المستضعفين» خفض ~~على قوله تعالى: وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء المعنى: وفي ~~الولدان. قال ابن عباس: يريد أنهم لم يكونوا يورثون صغيرا من الغلمان ~~والجواري، فنهاهم الله عن ذلك، وبين لكل ذي سهم PageV01P480 # سهمه. قوله تعالى: وأن تقوموا لليتامى بالقسط قال الزجاج: موضع «أن» خفض، ~~فالمعنى: في يتامى النساء، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط. قال ابن عباس: ~~يريد العدل في مهورهن ومواريثهن. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 128] # وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا ~~بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان ~~بما تعملون خبيرا (128) # قوله تعالى: وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (378) أحدها: أن سودة خشيت أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقالت: يا رسول الله لا تطلقني، وأمسكني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت ~~هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. # (379) والثاني: أن بنت محمد بن مسلمة كانت تحت رافع بن خديج، فكره منها ~~أمرا، إما كبرا، وإما غيره، فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلقني، واقسم لي ما ~~شئت، فنزلت هذه الآية، رواه الزهري عن سعيد بن المسيب، وقال مقاتل: واسمها ~~خويلة «1» . # والثالث: قد ذكرناه عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير في نزول الآية التي ~~قبلها. # (380) وقالت عائشة: نزلت في المرأة تكون عند الرجل، فلا يستكثر منها، ~~ويريد فراقها، ولعلها تكون له محبة أو يكون لها ولد فتكره فراقه، فتقول له: ~~لا تطلقني وأمسكني، وأنت في حل من شأني. رواه البخاري، ومسلم. # وفي خوف النشوز قولان: أحدهما: أنه العلم به عند ظهوره. والثاني: الحذر ~~من وجوده لأماراته. قال الزجاج: والنشوز من بعل المرأة: أن يسيء عشرتها، ~~وأن يمنعها نفسه ونفقته. وقال أبو PageV01P481 # سليمان: نشوزا، أي: نبوا عنها إلى غيرها، أو إعراضا عنها، واشتغالا ~~بغيرها. ms0487 فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: «يصالحا» بفتح الياء والتشديد. والأصل: # «يتصالحا» ، فأدغمت التاء في الصاد. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «يصلحا» ~~بضم الياء والتخفيف. قال المفسرون: والمعنى: أن يوقعا بينهما أمرا يرضيان ~~به، وتدوم بينهما الصحبة، مثل أن تصبر على تفضيله. وروي عن علي، وابن عباس: ~~أنهما أجازا لهما أن يصطلحا على ترك بعض مهرها، أو بعض أيامها، بأن يجعله ~~لغيرها. # وفي قوله تعالى: والصلح خير قولان «1» : أحدهما: خير من الفرقة، قاله ~~مقاتل، والزجاج. # والثاني: خير من النشوز والإعراض، ذكره الماوردي. قال قتادة: متى ما رضيت ~~بدون ما كان لها، واصطلحا عليه، جاز، فان أبت لم يصلح أن يحبسها على الخسف. # قوله تعالى: وأحضرت الأنفس الشح «أحضرت» بمعنى: ألزمت. و «الشح» : ~~الإفراط في الحرص على الشيء. وقال ابن فارس: «الشح» : البخل مع الحرص، ~~وتشاح الرجلان على الأمر: لا يريدان أن يفوتهما، وفيمن يعود إليه هذا الشح ~~من الزوجين قولان: أحدهما: المرأة، فتقديره: # وأحضرت نفس المرأة الشح بحقها من زوجها، هذا قول ابن عباس، وسعيد بن ~~جبير. والثاني: # الزوجان جميعا، فالمرأة تشح على مكانها من زوجها، والرجل يشح عليها بنفسه ~~إذا كان غيرها أحب إليه، هذا قول الزجاج. وقال ابن زيد: لا تطيب نفسه أن ~~يعطيها شيئا فتحلله، ولا تطيب نفسها أن تعطيه شيئا من مالها، فتعطفه عليها. # قوله تعالى: وإن تحسنوا فيه قولان: أحدهما: بالصبر على التي يكرها. ~~والثاني: بالإحسان إليها في عشرتها. قوله تعالى: وتتقوا يعني الجور عليها ~~فإن الله كان بما تعملون خبيرا فيجازيكم عليه. ### | [سورة النساء (4) : آية 129] # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ~~فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما (129) # قوله تعالى: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء قال أهل التفسير: لن ~~تطيقوا أن تسووا بينهن في المحبة التي هي ميل الطباع، لأن ذلك ليس من كسبكم ~~ولو حرصتم على ذلك فلا تميلوا إلى التي تحبون في النفقة والقسم. وقال ms0488 ~~مجاهد: لا تتعمدوا الإساءة فتذروا الأخرى كالمعلقة قال ابن عباس: المعلقة: ~~التي لا هي أيم، ولا ذات بعل. وقال قتادة: المعلقة: المسجونة. قوله تعالى: ~~وإن تصلحوا أي: بالعدل في القسمة وتتقوا الجور فإن الله كان غفورا لميل ~~القلوب. PageV01P482 ### | [سورة النساء (4) : الآيات 130 الى 132] # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما (130) ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن ~~اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا ~~حميدا (131) ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (132) # قوله تعالى: وإن يتفرقا يقول: وإن أبت المرأة أن تسمح لزوجها بإيثار التي ~~يميل إليها، واختارت الفرقة، فإن الله يغني كل واحد من سعته. قال ابن ~~السائب: يغني المرأة برجل، والرجل بامرأة. ثم ذكر ما يوجب الرغبة إليه في ~~طلب الخير، فقال: ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم يعني: أهل التوراة، والإنجيل، وسائر الكتاب وإياكم يا أهل ~~القرآن أن اتقوا الله قيل: وحدوه وإن تكفروا بما أوصاكم به فإن لله ما في ~~السماوات وما في الأرض فلا يضره خلافكم. وقيل: له ما في السماوات، وما في ~~الأرض من الملائكة، فهم أطوع له منكم. وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى ~~«الغني الحميد» «1» ، وفي آل عمران معنى «الوكيل» «2» . ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 133] # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا (133) # قوله تعالى: إن يشأ يذهبكم أيها الناس قال ابن عباس: يريد المشركين ~~والمنافقين ويأت بآخرين أطوع له منكم. وقال أبو سليمان: هذا تهدد للكفار، ~~يقول: إن يشأ يهلككم كما أهلك من قبلكم إذ كفروا به، وكذبوا رسله. ### | [سورة النساء (4) : آية 134] # من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا ~~بصيرا (134) # قوله تعالى: من كان يريد ثواب الدنيا قيل: إن هذه الآية نزلت من أجل ~~المنافقين كانوا لا يصدقون بالقيامة، وإنما ms0489 يطلبون عاجل الدنيا، ذكره أبو ~~سليمان. وقال الزجاج: كان مشركو العرب يتقربون إلى الله ليعطيهم من خير ~~الدنيا، ويصرف عنهم شرها، ولا يؤمنون بالبعث، فأعلم الله عز وجل أن خير ~~الدنيا والآخرة عنده. وذكر الماوردي أن المراد بثواب الدنيا: الغنيمة في ~~الجهاد، وثواب الآخرة: الجنة. قال: والمراد بالآية: حث المجاهد على قصد ~~ثواب الله. ### | [سورة النساء (4) : آية 135] # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ~~أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا (135) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط في سبب نزولها ~~قولان: PageV01P483 # (381) أحدهما: أن فقيرا وغنيا اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ~~صغوه «1» مع الفقير يرى أن الفقير لا يظلم الغني، فنزلت هذه الآية، هذا قول ~~السدي. والثاني: أنها متعلقة بقصة ابن أبيرق، فهي خطاب للذين جادلوا عنه، ~~ذكره أبو سليمان الدمشقي «2» . # و «القوام» : مبالغة من قائم. و «القسط» : العدل. قال ابن عباس: كونوا ~~قوالين بالعدل في الشهادة على من كانت، ولو على أنفسكم. وقال الزجاج: معنى ~~الكلام: قوموا بالعدل، واشهدوا لله بالحق، وإن كان الحق على الشاهد، أو على ~~والديه، أو قريبه «3» ، إن يكن المشهود له غنيا فالله أولى به، وإن يكن ~~فقيرا فالله أولى به. فأما الشهادة على النفس، فهي إقرار الإنسان بما عليه ~~من حق. وقد أمرت الآية بأن لا ينظر إلى فقر المشهود عليه، ولا إلى غناه، ~~فإن الله تعالى أولى بالنظر إليهما. قال عطاء: لا تحيفوا على الفقير، ولا ~~تعظموا الغني، فتمسكوا عن القول فيه. وممن قال: إن الآية نزلت في الشهادات، ~~ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، والزهري، وقتادة، والضحاك. # قوله تعالى: فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا فيه أربعة أقوال: أحدها: أن ~~معناه: فلا تتبعوا الهوى، واتقوا الله أن تعدلوا عن الحق، قاله مقاتل. ~~والثاني: ولا تتبعوا الهوى لتعدلوا، قاله الزجاج. والثالث: فلا تتبعوا ~~الهوى كراهية أن ms0490 تعدلوا عن الحق. والرابع: فلا تتبعوا الهوى فتعدلوا، ~~ذكرهما الماوردي. قوله PageV01P484 # تعالى: وإن تلووا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، والكسائي، ~~تلووا، بواوين، الأولى مضمومة، واللام ساكنة. وفي معنى هذه القراءة ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أن يلوي الشاهد لسانه بالشهادة إلى غير الحق. قال ابن عباس: ~~يلوي لسانه بغير الحق، ولا يقيم الشهادة على وجهها، أو يعرض عنها ويتركها. ~~وهذا قول مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد. ~~والثاني: أن يلوي الحاكم وجهه إلى بعض الخصوم، أو يعرض عن بعضهم، روي عن ~~ابن عباس أيضا. والثالث: # أن يلوي الإنسان عنقه إعراضا عن أمر الله لكبره وعتوه. ويكون: «أو ~~تعرضوا» بمعنى: وتعرضوا، ذكره الماوردي. وقرأ الأعمش، وحمزة، وابن عامر: ~~«تلوا» بواو واحدة، واللام مضمومة. والمعنى: أن تلوا أمور الناس، أو ~~تتركوا، فيكون الخطاب للحكام. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 136] # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ~~والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا (136) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله في سبب نزولها ~~قولان: # (382) أحدهما: أن عبد الله بن سلام، وأسدا، وأسيدا ابني كعب، وثعلبة بن ~~قيس، وسلاما، وسلمة، ويامين. وهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب أتوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله نؤمن بك، وبكتابك، وبموسى، والتوراة، ~~وعزير، ونكفر بما سوى ذلك من الكتاب والرسل، فنزلت هذه الآية، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. والثاني: أن مؤمني أهل الكتاب كان بينهم وبين اليهود ~~كلام لما أسلموا، فنزلت هذه الآية، هذا قول مقاتل «1» . # وفي المشار إليهم بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ثلاثة أقوال «2» : ~~أحدها: أنهم المسلمون، قاله الحسن، فيكون المعنى: يا أيها الذين آمنوا ~~بمحمد والقرآن اثبتوا على إيمانكم. والثاني: اليهود والنصارى، قاله الضحاك، ~~فيكون المعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى، والتوراة، وبعيسى، والإنجيل: # آمنوا بمحمد والقرآن. والثالث: المنافقون، قاله مجاهد، فيكون المعنى: يا ~~أيها الذين آمنوا في الظاهر بألسنتهم، ms0491 آمنوا بقلوبكم. PageV01P485 # قوله تعالى: والكتاب الذي نزل على رسوله قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: «نزل على رسوله، والكتاب الذي أنزل من قبل» مضمومتين. وقرأ نافع، ~~وعاصم، وحمزة، والكسائي: نزل على رسوله، والكتاب الذي أنزل مفتوحتين. ~~والمراد بالكتاب: الذي نزل على رسوله القرآن، والكتاب الذي أنزل من قبل: كل ~~كتاب أنزل قبل القرآن، فيكون «الكتاب» ها هنا اسم جنس. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 137] # إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ~~ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا (137) # قوله تعالى: إن الذين آمنوا ثم كفروا اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال ~~«1» : أحدها: أنها في اليهود آمنوا بموسى، ثم كفروا بعد موسى، ثم آمنوا ~~بعزير، ثم كفروا بعده بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد عليه السلام، هذا قول ~~ابن عباس. وروي عن قتادة قال: آمنوا بموسى، ثم كفروا بعبادة العجل، ثم ~~آمنوا به بعد عوده، ثم كفروا بعده بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد. والثاني: ~~أنها في اليهود والنصارى، آمن اليهود بالتوراة، وكفروا بالإنجيل، وآمن ~~النصارى بالإنجيل. ثم تركوه فكفروا به، ثم ازدادوا كفرا بالقرآن وبمحمد، ~~رواه شيبان عن قتادة. وروي عن الحسن قال: هم قوم من أهل الكتاب، قصدوا ~~تشكيك المؤمنين، فكانوا يظهرون الإيمان ثم الكفر، ثم ازدادوا كفرا بثبوتهم ~~على دينهم. وقال مقاتل: آمنوا بالتوراة وموسى، ثم كفروا من بعد موسى، ثم ~~آمنوا بعيسى والإنجيل، ثم كفروا من بعده، ثم ازدادوا كفرا بمحمد والقرآن. ~~والثالث: أنها في المنافقين آمنوا، ثم ارتدوا، ثم ماتوا على كفرهم، قاله ~~مجاهد. وروى ابن جريج عن مجاهد ثم ازدادوا كفرا قال: ثبتوا عليه حتى ماتوا. ~~قال ابن عباس: لم يكن الله ليغفر لهم ما أقاموا على ذلك ولا ليهديهم سبيلا ~~أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين. قال: وإنما علق امتناع المغفرة بكفر بعد كفر، ~~لأن المؤمن بعد الكفر يغفر له كفره، فإذا ارتد طولب بالكفر الأول «2» . ~~PageV01P486 ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 138] # بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما (138) # قوله تعالى: بشر المنافقين زعم ms0492 مقاتل أنه لما نزلت المغفرة في سورة الفتح ~~للنبي والمؤمنين قال عبد الله بن أبي ونفر معه: فما لنا؟ فنزلت هذه الآية ~~«1» . وقال غيره: كان المنافقون يتولون اليهود، فألحقوا بهم في التبشير ~~بالعذاب. وقال الزجاج: معنى الآية: اجعل موضع بشارتهم العذاب. والعرب تقول: ~~تحيتك الضرب، أي: هذا بدل لك من التحية. قال الشاعر: # وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع «2» ### | [سورة النساء (4) : آية 139] # الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن ~~العزة لله جميعا (139) # قوله تعالى: الذين يتخذون الكافرين أولياء قال ابن عباس: يتخذون اليهود ~~أولياء في العون والنصرة. قوله تعالى: أيبتغون عندهم العزة أي: القوة ~~بالظهور على محمد وأصحابه، والمعنى: # أيتقون بهم؟ قال مقاتل: وذلك أن اليهود أعانوا مشركي العرب على قتال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وقال الزجاج: أيبتغي المنافقون عند الكافرين ~~العزة. و «العزة» : المنعة، وشدة الغلبة، وهو مأخوذ من قولهم: أرض عزاز. ~~قال الأصمعي: العزاز: الأرض التي لا تنبت. فتأويل العزة: الغلبة والشدة ~~التي لا يتعلق بها إذلال. قالت الخنساء: # كأن لم يكونوا حمى يتقى ... إذ الناس إذ ذاك من عز بزا # أي: من قوي وغلب سلب. ويقال: قد استعز على المريض، أي: اشتد وجعه. وكذلك ~~قول الناس: يعز علي أن يفعل، أي: يشتد، وقولهم: قد عز الشيء: إذا لم يوجد، ~~معناه: صعب أن يوجد، والباب واحد. ### | [سورة النساء (4) : آية 140] # وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ~~فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع ~~المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (140) # قوله تعالى: وقد نزل عليكم في الكتاب وقرأ عاصم، ويعقوب: «نزل» بفتح ~~النون والزاي. # قال المفسرون: الذي نزل عليهم في النهي عن مجالستهم، قوله في الأنعام ~~وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم «3» وكان المنافقون يجلسون ~~إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن ويكذبون به، فنهى الله المسلمين عن ~~مجالستهم. وآيات الله: هي القرآن. والمعنى: إذا سمعتم ms0493 الكفر بآيات الله، ~~والاستهزاء بها، فلا تقعدوا معهم حتى يأخذوا في حديث غير الكفر، ~~والاستهزاء. إنكم إن جالستموهم على ما هم عليه من ذلك، فأنتم مثلهم، وفي ~~ماذا تقع المماثلة فيه، قولان: أحدهما: PageV01P487 # في العصيان. والثاني: في الرضى بحالهم، لأن مجالس الكافر غير كافر. وقد ~~نبهت الآية على التحذير من مجالسة العصاة. قال إبراهيم النخعي: إن الرجل ~~ليجلس فيتكلم بالكلمة، فيرضي الله بها، فتصيبه الرحمة فتعم من حوله، وإن ~~الرجل ليجلس في المجلس، فيتكلم بالكلمة، فيسخط الله بها، فيصيبه السخط، ~~فيعم من حوله. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 141] # الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان ~~للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم ~~بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) # قوله تعالى: الذين يتربصون بكم قال أبو سليمان: هذه الآية نزلت في ~~المنافقين خاصة. قال مقاتل: كان المنافقون يتربصون بالمؤمنين الدوائر، فإن ~~كان الفتح، قالوا ألم نكن معكم؟ فاعطونا من الغنيمة. وإن كان للكافرين ~~نصيب، أي دولة على المؤمنين، قالوا للكفار: ألم نستحوذ عليكم؟ # قال المبرد: ومعنى: ألم نستحوذ عليكم: ألم نغلبكم على رأيكم. وقال ~~الزجاج: ألم نغلب عليكم بالموالاة لكم. و «نستحوذ» في اللغة، بمعنى: ~~نستولي، يقال: حذت الإبل، وحزتها: إذا استوليت عليها وجمعتها. وقال غيره: ~~ألم نستول عليكم بالمعونة والنصرة؟ وقال ابن جريج: ألم نبين لكم أنا على ~~دينكم؟ وفي قوله تعالى: ونمنعكم من المؤمنين ثلاثة أقوال: أحدها: نمنعكم ~~منهم بتخذيلهم عنكم. والثاني: بما نعلمكم من أخبارهم. والثالث: بصرفنا ~~إياكم عن الدخول عن الإيمان. ومراد الكلام: إظهار المنة من المنافقين على ~~الكفار، أي: فاعرفوا لنا هذا الحق عليكم. # قوله تعالى: فالله يحكم بينكم يوم القيامة يعني المؤمنين والمنافقين. قال ~~ابن عباس: يريد أنه أخر عقاب المنافقين. قوله تعالى: ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لا سبيل لهم عليهم يوم القيامة، روى يسيع الحضرمي عن علي بن ~~أبي طالب أن ms0494 رجلا جاءه، فقال: أرأيت قول الله عز وجل: ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا وهم يقاتلوننا فيظهرون ويقتلون، فقال: ولن ~~يجعل الله للكافرين يوم القيامة على المؤمنين سبيلا. هذا مروي عن ابن عباس، ~~وقتادة. والثاني: أن المراد بالسبيل: الظهور عليهم، يعني: أن المؤمنين هم ~~الظاهرون، والعاقبة لهم، وهذا المعنى في رواية عكرمة، عن ابن عباس. ~~والثالث: أن السبيل: الحجة. قال السدي: لم يجعل الله عليهم حجة، يعني فيما ~~فعلوا بهم من القتل والإخراج من الديار. قال ابن جرير: لما وعد الله ~~المؤمنين أنه لا يدخل المنافقين مدخلهم من الجنة، ولا المؤمنين مدخل ~~المنافقين، لم يكن للكافرين على المؤمنين حجة بأن يقولوا لهم: أنتم كنتم ~~أعداءنا، وكان المنافقون أولياءنا، وقد اجتمعتم في النار. ### | [سورة النساء (4) : آية 142] # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142) # قوله تعالى: إن المنافقين يخادعون الله # أي: يعملون عمل المخادع. وقيل: يخادعون نبيه، # PageV01P488 # وهو خادعهم، أي: مجازيهم على خداعهم. وقال الزجاج: لما أمر بقبول ما ~~أظهروا، كان خادعا لهم بذلك. وقيل: خداعه إياهم يكون في القيامة بإطفاء ~~نورهم، وقد شرحنا طرفا من هذا في (البقرة) . قوله تعالى: وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى # أي: متثاقلين. وكسالى # : جمع كسلان، و «الكسل» : # التثاقل عن الأمر. وقرأ أبو عمران الجوني: «كسالى» بفتح الكاف، وقرأ ابن ~~السميقع: «كسلى» ، بفتح الكاف من غير ألف. وإنما كانوا هكذا، لأنهم يصلون ~~حذرا على دمائهم، لا يرجون بفعلها ثوابا، ولا يخافون بتركها عقابا. قوله ~~تعالى: يراؤن الناس # أي: يصلون ليراهم الناس. قال قتادة: والله لولا الناس ما صلى المنافق. ~~وفي تسمية ذكرهم بالقليل ثلاثة أقوال: أحدها: أنه سمي قليلا، لأنه غير ~~مقبول، قاله علي رضي الله عنه، وقتادة. والثاني: لأنه رياء، ولو كان لله ~~لكان كثيرا، قاله ابن عباس، والحسن. والثالث: أنه قليل في نفسه، لأنهم ~~يقتصرون على ما يظهر، دون ما يخفى من القراءة والتسبيح، ذكره الماوردي. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 143] # مذبذبين ms0495 بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له ~~سبيلا (143) # قوله تعالى: مذبذبين بين ذلك المذبذب: المتردد بين أمرين، وأصل التذبذب: ~~التحرك، والاضطراب، وهذه صفة المنافق، لأنه محير في دينه لا يرجع إلى ~~اعتقاد صحيح. قال قتادة: ليسوا بالمشركين المصرحين بالشرك، ولا بالمؤمنين ~~المخلصين. قال ابن زيد: ومعنى بين ذلك: بين الاسلام والكفر، لم يظهروا ~~الكفر فيكونوا إلى الكفار، ولم يصدقوا الإيمان، فيكونوا إلى المؤمنين. # قال ابن عباس: ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا إلى الهدى. # (383) وقد روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل ~~المنافق: مثل الشاة العائرة «1» بين الغنمين تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه ~~مرة، ولا تدري أيها تتبع» . ### | [سورة النساء (4) : آية 144] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون ~~أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا (144) # قوله تعالى: لا تتخذوا الكافرين أولياء في المراد بالكافرين قولان: # أحدهما: اليهود، قاله ابن عباس. والثاني: المنافقون، قال الزجاج: ومعنى ~~الآية: لا تجعلوهم بطانتكم وخاصتكم. والسلطان: الحجة الظاهرة، وإنما قيل ~~للأمير: سلطان، لأنه حجة الله في أرضه، واشتقاق السلطان: من السليط. ~~والسليط: ما يستضاء به، ومن هذا قيل للزيت: السليط. والعرب تؤنث السلطان ~~وتذكره، تقول: قضت عليك السلطان، وأمرتك السلطان، والتذكير أكثر، وبه جاء ~~القرآن، فمن أنث، ذهب إلى معنى الحجة، ومن ذكر، أراد صاحب السلطان. قال ابن ~~الأنباري: تقدير PageV01P489 # الآية: أتريدون أن تجعلوا لله عليكم بموالاة الكافرين حجة بينة تلزمكم ~~عذابه، وتكسبكم غضبه؟ ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 145] # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) # قوله تعالى: إن المنافقين في الدرك الأسفل قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر: بفتح الراء، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف: بتسكين ~~الراء. قال الفراء: وهي لغتان. قال أبو عبيدة: جهنم أدراك، أي: منازل، ~~وأطباق. فكل منزل منها: درك. وحكى ابن الأنباري عن بعض العلماء أنه قال: ~~الدركات: مراق، بعضها تحت بعض. وقال الضحاك: الدرج: إذا كان ms0496 بعضها فوق ~~بعضها، والدرك: إذا كان بعضها أسفل من بعض. وقال ابن فارس: الجنة درجات، ~~والنار دركات. # وقال ابن مسعود في هذه الآية: هم في توابيت من حديد مبهمة عليهم. قال ابن ~~الأنباري: المبهمة: # التي لا أقفال عليها، يقال: أمر مبهم: إذا كان ملتبسا ولا يعرف معناه، ~~ولا بابه. # قوله تعالى: ولن تجد لهم نصيرا قال ابن عباس: مانعا من عذاب الله. ### | [سورة النساء (4) : آية 146] # إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع ~~المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146) # قوله تعالى: إلا الذين تابوا قال مقاتل: سبب نزولها: أن قوما قالوا عند ~~ذكر مستقر المنافقين: فقد كان فلان وفلان منافقين، فتابوا، فكيف يفعل بهم؟ ~~فنزلت هذه الآية «1» . ومعنى الآية: # إلا الذين تابوا من النفاق وأصلحوا أعمالهم بعد التوبة واعتصموا بالله ~~أي: استمسكوا بدينه. # وأخلصوا دينهم فيه قولان: # أحدهما: أنه الإسلام، وإخلاصه: رفع الشرك عنه، قاله مقاتل. # والثاني: أنه العمل، وإخلاصه: رفع شوائب النفاق والرياء منه، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: فأولئك مع المؤمنين في «مع» قولان: # أحدهما: أنها على أصلها، وهو الاقتران. وفي ماذا اقترنوا بالمؤمنين؟ فيه ~~قولان: # أحدهما: في الولاية، قاله مقاتل. والثاني: في الدين والثواب. قاله أبو ~~سليمان. # والثاني: أنها بمعنى «من» فتقديره: فأولئك من المؤمنين، قاله الفراء. ### | [سورة النساء (4) : آية 147] # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما (147) # قوله تعالى: ما يفعل الله بعذابكم «ما» حرف استفهام، ومعناه: التقرير، ~~أي: إن الله لا يعذب الشاكر المؤمن، ومعنى الآية: ما يصنع الله بعذابكم إن ~~شكرتم نعمه، وآمنتم به وبرسوله. # والإيمان مقدم في المعنى وإن أخر في اللفظ. وروي عن ابن عباس أن المراد ~~بالشكر: التوحيد. قوله تعالى: وكان الله شاكرا عليما أي: للقليل من ~~أعمالكم، عليما بنياتكم، وقيل: شاكرا، أي: قابلا. PageV01P490 ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 148] # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما ~~(148) # قوله تعالى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول في سبب ms0497 نزولها قولان: # (384) أحدهما: أن ضيفا تضيف قوما فأساؤوا قراه فاشتكاهم، فنزلت هذه الآية ~~رخصة في أن يشكوا، قاله مجاهد. # (385) والثاني: أن رجلا نال من أبي بكر الصديق والنبي صلى الله عليه وسلم ~~حاضر، فسكت عنه أبو بكر مرارا، ثم رد عليه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال أبو بكر: يا رسول الله شتمني فلم تقل له شيئا، حتى إذا رددت عليه ~~قمت؟! فقال: «إن ملكا كان يجيب عنك، فلما رددت عليه، ذهب الملك، وجاء ~~الشيطان» فنزلت هذه الآية، هذا قول مقاتل. # واختلف القراء في قراءة إلا من ظلم فقرأ الجمهور بضم الظاء، وكسر اللام. ~~وقرأ عبد الله بن عمرو، والحسن، وابن المسيب، وأبو رجاء، وسعيد بن جبير، ~~وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، بفتحهما. فعلى قراءة الجمهور، في معنى ~~الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: إلا أن يدعو المظلوم على من ظلمه، فإن الله قد ~~أرخص له، قاله ابن عباس. والثاني: إلا أن ينتصر المظلوم من ظالمه، قاله ~~الحسن، والسدي. والثالث: إلا أن يخبر المظلوم بظلم من ظلمه، رواه ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد. وروى ابن جريج عنه قال: إلا أن يجهر الضيف بذم من لم يضيفه. ~~فأما قراءة من فتح الظاء، فقال ثعلب: هي مردودة على قوله تعالى: ما يفعل ~~الله بعذابكم إلا من ظلم. وذكر الزجاج فيها قولين: أحدهما: # أن المعنى: إلا أن الظالم يجهر بالسوء ظلما. والثاني: إلا أن تجهروا ~~بالسوء للظالم. فعلى هذا تكون «إلا» في هذا المكان استثناء منقطعا، ~~ومعناها: لكن المظلوم يجوز له أن يجهر لظالمه بالسوء. ولكن الظالم قد يجهر ~~بالسوء. واجهروا له بالسوء. وقال ابن زيد: إلا من ظلم، أي: أقام على ~~النفاق، فيجهر له بالسوء حتى ينزع. # قوله تعالى: وكان الله سميعا أي: لما تجهرون به من سوء القول عليما بما ~~تخفون. وقيل: # سميعا لقول المظلوم، عليما بما في قلبه، فليتق الله، ولا يقل إلا الحق. ~~وقال الحسن: من ظلم، فقد رخص له أن يدعو على ظالمه من غير أن يعتدي، مثل أن ms0498 ~~يقول: اللهم أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حل بينه وبين ما يريد. ~~PageV01P491 ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 149] # إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا (149) # قوله تعالى: إن تبدوا خيرا قال ابن عباس: يريد من أعمال البر كالصيام ~~والصدقة. وقال بعضهم: إن تبدوا خيرا بدلا من السوء. وأكثرهم على أن «الهاء» ~~في تخفوه تعود إلى الخير. وقال بعضهم: تعود إلى السوء. قوله تعالى: فإن ~~الله كان عفوا قال أبو سليمان: أي: لم يزل ذا عفو مع قدرته، فاعفوا أنتم مع ~~القدرة. ### | [سورة النساء (4) : آية 150] # إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون ~~نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) # قوله تعالى: إن الذين يكفرون بالله ورسله فيهم قولان: أحدهما: أنهم ~~اليهود، كانوا يؤمنون بموسى، وعزير، والتوراة، ويكافرون بعيسى، والإنجيل، ~~ومحمد، والقرآن، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم اليهود والنصارى، آمن اليهود بالتوراة وموسى، وكفروا ~~بالإنجيل وعيسى، وآمن النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بمحمد والقرآن، قاله ~~قتادة. # ومعنى قوله تعالى: ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله أي: يريدون أن ~~يفرقوا بين الإيمان بالله، والإيمان برسله، ولا يصح الإيمان به والتكذيب ~~برسله أو ببعضهم ويريدون أن يتخذوا بين ذلك أي: بين إيمانهم ببعض الرسل، ~~وتكذيبهم ببعض سبيلا أي: مذهبا يذهبون إليه، وقال ابن جريج: دينا يدينون ~~به. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 151 الى 152] # أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151) والذين آمنوا ~~بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله ~~غفورا رحيما (152) # قوله تعالى: أولئك هم الكافرون حقا ذكر «الحق» هاهنا توكيا لكفرهم إزالة ~~لتوهم من يتوهم أن إيمانهم ببعض الرسل يزيل عنهم اسم الكفر. ### | [سورة النساء (4) : آية 153] # يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ~~ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ~~ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا ms0499 (153) # قوله تعالى: يسئلك أهل الكتاب في سبب نزولها ثلاثة أقوال «1» : # أحدها: أنهم سألوه أن ينزل كتابا عليهم خاصة، هذا قول الحسن، وقتادة. ~~PageV01P492 # (386) والثاني: أن اليهود والنصارى أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقالوا: لا نبايعك حتى تأتينا بكتاب من عند الله إلى فلان أنك رسول ~~الله، وإلى فلان بكتاب أنك رسول الله، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن جريج. # (387) والثالث: أن اليهود سألوا النبي عليه السلام أن ينزل عليهم كتابا ~~من السماء مكتوبا كما نزلت التوراة على موسى، هذا قول القرظي، والسدي. # وفي المراد بأهل الكتاب قولان: أحدهما: اليهود والنصارى. والثاني: ~~اليهود. وفي المراد بالكتاب المنزل من السماء قولان: أحدهما: كتاب مكتوب ~~غير القرآن. والثاني: كتاب بتصديقه في رسالته. وقد بينا في البقرة معنى ~~سؤالهم رؤية الله جهرة، واتخاذهم العجل. والبينات الآيات التي جاء بها ~~موسى. فإن قيل: كيف قال: ثم اتخذوا العجل، و «ثم» تقتضي التراخي، والتأخر، ~~أفكان اتخاذ العجل بعد قولهم: أرنا الله جهرة؟ فعنه أربعة أجوبة: ذكرهن ابن ~~الأنباري. أحدهن: أن تكون «ثم» مردودة على فعلهم القديم، والمعنى: وإذ ~~وعدنا موسى أربعين فخالفوا أيضا، ثم اتخذوا العجل. # والثاني: أن تكون مقدمة في المعنى، مؤخرة في اللفظ، والتقدير: فقد اتخذوا ~~العجل، ثم سألوا موسى أكبر من ذلك، ومثله فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ~~ماذا يرجعون «1» المعنى: فألقه إليهم، ثم انظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم. ~~والثالث: أن المعنى، ثم كانوا اتخذوا العجل، فأضمر الكون. والرابع: أن ثم ~~معناها التأخير في الإخبار، والتقديم في الفعل، كما يقول القائل: شربت ~~الماء، ثم أكلت الخبز، يريد: # شربت الماء، ثم أخبركم أني أكلت الخبز بعد إخباري بشرب الماء. # قوله تعالى: فعفونا عن ذلك أي: لم نستأصل عبدة العجل. و «السلطان المبين» ~~: الحجة البينة. قال ابن عباس: اليد والعصا. وقال غيره: الآيات التسع. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 154] # ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا ~~تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (154) # قوله تعالى: ورفعنا فوقهم ms0500 الطور بميثاقهم أي: بما أعطوا الله من العهد ~~والميثاق: ليعملن بما في التوراة. قوله تعالى: لا تعدوا في السبت قرأ نافع: ~~«لا تعدوا» بتسكين العين وتشديد الدال، وروى عنه ورش «تعدوا» بفتح العين ~~وتشديد الدال، وقرأ الباقون «تعدوا» خفيفة، وقد ذكرنا هذا وغيره في البقرة. ~~و «الميثاق الغليظ» : العهد المؤكد. PageV01P493 ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 155] # فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم ~~قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (155) # قوله تعالى: فبما نقضهم ميثاقهم «ما» صلة مؤكدة. قال الزجاج: والمعنى: ~~فبنقضهم ميثاقهم، وهو أن الله أخذ عليهم الميثاق أن يبينوا ما أنزل عليهم ~~من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره. والجالب للباء العامل فيها، وقوله ~~تعالى: حرمنا عليهم طيبات «1» أي: بنقضهم ميثاقهم، والأشياء التي ذكرت بعده ~~حرمنا عليهم. وقوله تعالى: فبظلم «2» بدل من قوله تعالى: فبما نقضهم. وجعل ~~الله جزاءهم على كفرهم أن طبع على قلوبهم. وقال ابن فارس: الطبع: الختم ومن ~~ذلك طبع الله على قلب الكافر كأنه ختم عليه حتى لا يصل إليه هدى ولا نور ~~فلم يوفق لخير، والطابع: الخاتم يختم به. قوله تعالى: فلا يؤمنون إلا قليلا ~~فيه قولان: أحدهما: فلا يؤمن منهم إلا القليل، وهم عبد الله بن سلام، ~~وأصحابه، قاله ابن عباس. والثاني: المعنى: إيمانهم قليل، وهو قولهم: ربنا ~~الله، قاله مجاهد. ### | [سورة النساء (4) : آية 156] # وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) # قوله تعالى: وبكفرهم في إعادة ذكر الكفر فائدة وفيها قولان: أحدهما: أنه ~~أراد: وبكفرهم بمحمد والقرآن، قاله ابن عباس. والثاني: وبكفرهم بالمسيح، ~~وقد بشروا به، قاله أبو سليمان الدمشقي. فأما «البهتان» فهو في قول ~~الجماعة: قذفهم مريم بالزنى. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 157 الى 158] # وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ~~ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع ~~الظن وما قتلوه يقينا (157) بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما ms0501 (158) # قوله تعالى: وقولهم إنا قتلنا المسيح قال الزجاج: أي باعترافهم بقتلهم ~~إياه، وما قتلوه، يعذبون عذاب من قتل، لأنهم قتلوا الذي قتلوا على أنه نبي. # وفي قوله تعالى: رسول الله قولان: أحدهما: أنه من قول اليهود، فيكون ~~المعنى: أنه رسول الله على زعمه. والثاني: أنه من قول الله، لا على وجه ~~الحكاية عنهم. # قوله تعالى: ولكن شبه لهم أي: ألقي شبهه على غيره. وفيمن ألقي عليه شبهه ~~قولان: # أحدهما: أنه بعض من أراد قتله من اليهود. روى أبو صالح عن ابن عباس: أن ~~اليهود لما اجتمعت على قتل عيسى، أدخله جبريل خوخة لها روزنة «3» ، ودخل ~~وراءه رجل منهم، فألقى الله عليه شبه عيسى، فلما خرج على أصحابه، قتلوه ~~يظنونه عيسى، ثم صلبوه، وبهذا قال مقاتل وأبو سليمان. والثاني: أنه رجل من ~~أصحاب عيسى، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن عيسى خرج على أصحابه لما ~~أراد الله رفعه، فقال: أيكم يلقى عليه شبهي، فيقتل مكاني، ويكون معي في ~~درجتي؟ فقام شاب، فقال: PageV01P494 # أنا، فقال: اجلس، ثم أعاد القول، فقام الشاب، فقال عيسى: اجلس، ثم أعاد، ~~فقال الشاب: أنا، فقال: نعم أنت ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى، وجاء ~~اليهود، فأخذوا الرجل، فقتلوه، ثم صلبوه «1» . وبهذا القول قال وهب بن ~~منبه، وقتادة، والسدي. # قوله تعالى: وإن الذين اختلفوا فيه في المختلفين قولان: # أحدهما: أنهم اليهود، فعلى هذا في هاء «فيه» قولان: أحدهما: أنها كناية ~~عن قتله، فاختلفوا هل قتلوه أم لا؟ وفي سبب اختلافهم في ذلك قولان: أحدهما: ~~أنهم لما قتلوا الشخص المشبه كان الشبه قد ألقي على وجهه دون جسده، فقالوا: ~~الوجه وجه عيسى، والجسد جسد غيره، ذكره ابن السائب. # والثاني: أنهم قالوا: إن كان هذا عيسى، فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا، ~~فأين عيسى يعنون الذي دخل في طلبه، هذا قول السدي. والثاني: أن «الهاء» ~~كناية عن عيسى، واختلافهم فيه قول بعضهم: # هو ولد زنى، وقول بعضهم، هو ساحر. # والثاني: أن المختلفين النصارى، فعلى هذا في هاء ms0502 «فيه» قولان: أحدهما: ~~أنها ترجع إلى قتله، هل قتل أم لا؟ والثاني: أنها ترجع إليه، هل هو إله أم ~~لا؟ # وفي هاء «منه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى قتله. والثاني: إلى نفسه، هل ~~هو إله، أم لغير رشدة «2» ، أم هو ساحر؟ # قوله تعالى: ما لهم به من علم إلا اتباع الظن قال الزجاج: «اتباع» منصوب ~~بالاستثناء، وهو استثناء ليس من الأول. والمعنى: ما لهم به من علم إلا أنهم ~~يتبعون الظن، وإن رفع جاز على أن يجعل علمهم اتباع الظن، كما تقول العرب: ~~تحيتك الضرب. # قوله تعالى: وما قتلوه في «الهاء» ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الظن فيكون المعنى: وما قتلوا ظنهم يقينا، هذا قول ~~ابن عباس. # والثاني: أنها ترجع إلى العلم، أي: ما قتلوا العلم به يقينا، تقول: قتلته ~~يقينا، وقتلته علما للرأي والحديث. هذا قول الفراء، وابن قتيبة. قال ابن ~~قتيبة: وأصل هذا: أن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة، يقول: فلم ~~يكن علمهم بقتل المسيح علما أحيط به، إنما كان ظنا. # والثالث: أنها ترجع إلى عيسى، فيكون المعنى: وما قتلوا عيسى حقا، هذا قول ~~الحسن، وقال ابن الأنباري: اليقين مؤخر في المعنى، فالتقدير: وما قتلوه، بل ~~رفعه الله إليه يقينا. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 159] # وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ~~(159) # قوله تعالى: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قال الزجاج: المعنى: وما ~~منهم أحد إلا ليؤمنن PageV01P495 # به، ومثله وإن منكم إلا واردها «1» . وفي أهل الكتاب قولان: أحدهما: أنهم ~~اليهود، قاله ابن عباس. # والثاني: اليهود والنصارى، قاله الحسن، وعكرمة. وفي هاء «به» قولان: ~~أحدهما: أنها راجعة إلى عيسى، قاله ابن عباس: والجمهور. والثاني: أنها ~~راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، قاله عكرمة. وفي هاء «موته» قولان «2» ~~: # أحدهما: أنها ترجع إلى المؤمن. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ليس ~~يهودي يموت أبدا حتى يؤمن بعيسى، فقيل لابن عباس: إن خر من فوق بيت؟ قال: ~~يتكلم ms0503 به في الهوي «3» . قال: # وهي في قراءة أبي: «قبل موتهم» ، وهذا قول مجاهد، وسعيد بن جبير. وروى ~~الضحاك عن ابن عباس قال: يؤمن اليهودي قبل أن يموت، ولا تخرج روح النصراني ~~حتى يشهد أن عيسى عبد. وقال عكرمة: # لا تخرج روج اليهودي والنصراني حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنها تعود إلى عيسى، روى عطاء عن ابن عباس قال: إذا نزل إلى ~~الأرض لا يبقى يهودي ولا نصراني، ولا أحد يعبد غير الله إلا اتبعه، وصدقه، ~~وشهد أنه روح الله، وكلمته، وعبده PageV01P496 # ونبيه. وهذا قول قتادة، وابن زيد، وابن قتيبة، واختاره ابن جرير، وعن ~~الحسن كالقولين وقال الزجاج: هذا بعيد، لعموم قوله: وإن من أهل الكتاب ~~والذين يبقون حينئذ شرذمة منهم، إلا أن يكون المعنى: أنهم كلهم يقولون: إن ~~عيسى الذي ينزل لقتل الدجال نؤمن به. # قوله تعالى: ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا قال قتادة: يكون عليهم شهيدا ~~أنه قد بلغ رسالات ربه، وأقر بالعبودية على نفسه. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 160] # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله ~~كثيرا (160) # قوله تعالى: فبظلم من الذين هادوا قال مقاتل: حرم الله على أهل التوراة ~~الربا، وأن يأكلوا أموال الناس ظلما، ففعلوا، وصدوا عن دين الله، وعن ~~الإيمان بمحمد عليه السلام، فحرم الله عليهم ما ذكر في قوله تعالى: وعلى ~~الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر «1» عقوبة لهم. قال أبو سليمان: # وظلمهم: نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وما ذكر في الآيات قبلها. ~~وقال مجاهد: وبصدهم عن سبيل الله قال: صدهم أنفسهم وغيرهم عن الحق. قال ابن ~~عباس: صدهم عن سبيل الله، يعني الإسلام، وأكلهم أموال الناس بالباطل، أي: ~~بالكذب على دين الله، وأخذ الرشى على حكم الله، وتبديل الكتاب التي أنزلها ~~الله ليستديموا المأكل. ### | [سورة النساء (4) : آية 161] # وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين ~~منهم عذابا أليما (161) # قوله تعالى: وأعتدنا أي: أعددنا للكافرين، يعني اليهود، وقيل: إنما قال ~~«منهم» ، لأنه علم ms0504 أن قوما منهم يؤمنون، فيأمنون العذاب. ### | [سورة النساء (4) : آية 162] # لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك ~~سنؤتيهم أجرا عظيما (162) # قوله تعالى: لكن الراسخون في العلم قال ابن عباس: هذا استثناء لمؤمني أهل ~~الكتاب، فأما الراسخون، فهم الثابتون في العلم. قال أبو سليمان: وهم عبد ~~الله بن سلام، ومن آمن معه، والذين آمنوا من أهل الإنجيل ممن قدم مع جعفر ~~من الحبشة، والمؤمنون، يعني أصحاب رسول الله. فأما قوله تعالى: والمقيمين ~~الصلاة فهم القائمون بأدائها كما أمروا. # وفي نصب «المقيمين» أربعة أقوال: أحدها: أنه خطأ من الكاتب، وهذا قول ~~عائشة «2» ، وروي عن عثمان بن عفان أنه قال: إن في المصحف لحنا ستقيمه ~~العرب بألسنتها «3» . وقد قرأ ابن مسعود، PageV01P497 # وأبي، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والجحدري: «والمقيمون الصلاة» بالواو. وقال ~~الزجاج: قول من قال إنه خطأ، بعيد جدا، لأن الذين جمعوا القرآن هم أهل ~~اللغة، والقدوة، فكيف يتركون في كتاب الله شيئا يصلحه غيرهم؟! فلا ينبغي أن ~~ينسب هذا إليهم. وقال الأنباري: حديث عثمان لا يصح، لأنه غير متصل، ومحال ~~أن يؤخر عثمان شيئا فاسدا، ليصلحه من بعده. والثاني: أنه نسق على «ما» ~~والمعنى يؤمنون بما أنزل إليك، وبالمقيمين الصلاة، فقيل: هم الملائكة، ~~وقيل: الأنبياء. والثالث: أنه نسق على الهاء والميم من قوله منهم فالمعنى: ~~لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة يؤمنون بما أنزل إليك. ~~قال الزجاج: وهذا رديء عند النحويين، لا ينسق بالظاهر المجرور على المضمر ~~المجرور إلا في الشعر. والرابع: أنه منصوب على المدح، فالمعنى: اذكر ~~المقيمين الصلاة، وهم المؤتون الزكاة. وأنشدوا: # لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر # النازلين بكل معترك ... والطيبون معاقد الأزر «1» # وهذا على معنى: اذكر النازلين، وهم الطيبون، ومن هذا قولك: مررت بزيد ~~الكريم، إن أردت أن تخلصه من غيره. فالخفض هو الكلام، وإن أردت المدح ~~والثناء، فإن شئت نصبت، فقلت: بزيد الكريم، كأنك قلت: اذكر الكريم، ms0505 وإن شئت ~~رفعت على معنى: هو الكريم. وتقول: جاءني قومك المطعمين في المحل، والمغيثون ~~في الشدائد على معنى: اذكر المطعمين، وهم المغيثون، وهذا القول اختيار ~~الخليل، وسيبويه. فهذه الأقوال حكاها الزجاج، واختار هذا القول. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 163] # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان ~~وآتينا داود زبورا (163) # قوله تعالى: إنا أوحينا إليك قال ابن عباس: قال عدي بن زيد، وسكين: يا ~~محمد ما نعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فنزلت هذه الآية. وقد ~~ذكرنا في «آل عمران» معنى الوحي، وذكرنا نوحا هنالك. وإسحاق: أعجمي، وإن ~~وافق لفظ العربي، يقال: أسحقه الله يسحقه إسحاقا، ويعقوب: أعجمي. فأما ~~اليعقوب، وهو ذكر الحجل وهي القبج «2» فعربي، كذلك قرأته على شيخنا أبي ~~PageV01P498 # منصور اللغوي، وأيوب: أعجمي، ويونس: اسم أعجمي. قال أبو عبيدة، يقال: ~~يونس ويونس بضم النون وكسرها، وحكى أبو زيد الأنصاري عن العرب همزة مع ~~الكسرة والضمة والفتحة. وقال الفراء: # يونس بضم النون من غير همز لغة أهل الحجاز، وبعض بني أسد يقول: يؤنس ~~بالهمز، وبعض بني عقيل يقول: يونس بفتح النون من غير همز. والمشهور في ~~القراءة يونس برفع النون من غير همز. وقد قرأ ابن مسعود، وقتادة، ويحيى بن ~~يعمر، وطلحة: يؤنس بكسر النون مهموزا. وقرأ أبو الجوزاء وأبو عمران ~~والجحدري: يونس بفتح النون من غير همز. وقرأ أبو المتوكل: يؤنس بفتح النون ~~مهموزا. وقرأ أبو السماك العدوي: يونس بكسر النون من غير همز. وقرأ عمرو بن ~~دينار برفع النون مهموزا. # وهارون: اسم أعجمي، وباقي الأنبياء قد تقدم ذكرهم. فأما الزبور، فأكثر ~~القراء على فتح الزاي، وقرأ أبو رزين، وأبو رجاء، والأعمش، وحمزة بضم ~~الزاي. قال الزجاج: فمن فتح الزاي، أراد: كتابا، ومن ضم، أراد: كتبا. ومعنى ~~ذكر «داود» أي: لا تنكروا تفضيل محمد بالقرآن، فقد أعطى الله داود الزبور. ~~وقال أبو علي: كأن حمزة جعل كتاب داود أنحاء، وجعل كل نحو ms0506 زبرا، ثم جمع، ~~فقال: # زبورا. وقال ابن قتيبة: الزبور فعول بمعنى مفعول، كما تقول: حلوب وركوب ~~بمعنى: محلوب ومركوب، وهو من قولك: زبرت الكتاب أزبره زبرا: إذا كتبته، ~~قال: وفيه لغة أخرى: الزبور بضم الزاي، كأنه جمع. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 164] # ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى ~~تكليما (164) # قوله تعالى: وكلم الله موسى تكليما تأكيد كلم بالمصدر يدل على أنه سمع ~~كلام الله حقيقة. # روى أبو سليمان الدمشقي، قال: سمعت إسماعيل بن محمد الصفار يقول: سمعت ~~ثعلبا يقول: لولا أن الله تعالى أكد الفعل بالمصدر، لجاز أن يكون كما يقول ~~أحدنا للآخر: قد كلمت لك فلانا، بمعنى: # كتبت إليه رقعة، أو بعثت إليه رسولا، فلما قال: تكليما، لم يكن إلا كلاما ~~مسموعا من الله. ### | [سورة النساء (4) : آية 165] # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله ~~عزيزا حكيما (165) # قوله تعالى: لئلا يكون للناس على الله حجة أي: لئلا يحتجوا في ترك ~~التوحيد والطاعة بعدم الرسل، لأن هذه الأشياء إنما تجب بالرسل. ### | [سورة النساء (4) : آية 166] # لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله ~~شهيدا (166) # قوله تعالى: لكن الله يشهد في سبب نزولها قولان: # (388) أحدهما: أن النبي عليه السلام دخل على جماعة من اليهود، فقال: «إني ~~والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله» ، فقالوا: ما نعلم ذلك. فنزلت هذه ~~الآية، هذا قول ابن عباس. # (389) والثاني: أن رؤساء أهل مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا: سألنا عنك اليهود، فزعموا أنهم PageV01P499 # لا يعرفونك، فائتنا بمن يشهد لك أن الله بعثك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ~~ابن السائب. # قال الزجاج: الشاهد: المبين لما يشهد به، فالله عز وجل بين ذلك، ويعلم مع ~~إبانته أنه حق. # وفي معنى أنزله بعلمه ثلاثة أقوال: أحدها: أنزله وفيه علمه، قاله الزجاج. ~~والثاني: أنزله من علمه، ذكره أبو سليمان الدمشقي. والثالث: أنزله إليك ~~بعلم منه أنك خيرته من خلقه، قاله ابن جرير. ms0507 # قوله تعالى: والملائكة يشهدون، فيه قولان: أحدهما: يشهدون أن الله أنزله. ~~والثاني: يشهدون بصدقك. قوله تعالى: وكفى بالله شهيدا قال الزجاج: «الباء» ~~دخلت مؤكدة. والمعنى: اكتفوا بالله في شهادته. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 167] # إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا (167) # قوله تعالى: إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قال مقاتل وغيره: هم ~~اليهود كفروا بمحمد، وصدوا الناس عن الإسلام. قال أبو سليمان: وكان صدهم عن ~~الإسلام قولهم للمشركين ولأتباعهم: ما نجد صفة محمد في كتابنا. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 168 الى 169] # إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا (168) ~~إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا (169) # قوله تعالى: إن الذين كفروا وظلموا قال مقاتل وغيره: هم اليهود أيضا ~~كفروا بمحمد والقرآن. # وفي الظلم المذكور هاهنا قولان: أحدهما: أنه الشرك، قاله مقاتل. والثاني: ~~أنه جحدهم صفة محمد النبي صلى الله عليه وسلم في كتابهم. قوله تعالى: لم ~~يكن الله ليغفر لهم يريد من مات منهم على الكفر. وقال أبو سليمان: لم يكن ~~الله ليستر عليهم قبيح فعالهم، بل يفضحهم في الدنيا، ويعاقبهم بالقتل ~~والجلاء والسبي، وفي الآخرة بالنار ولا ليهديهم طريقا ينجون فيه. وقال ~~مقاتل: طريقا إلى الهدى وكان ذلك على الله يسيرا يعني كان عذابهم على الله ~~هينا. ### | [سورة النساء (4) : آية 170] # يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا ~~فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (170) # قوله تعالى: يا أيها الناس الكلام عام، وروي عن ابن عباس أنه قال: أراد ~~المشركين. قد جاءكم الرسول بالحق أي: بالهدى، والصدق. قوله تعالى: فآمنوا ~~خيرا لكم قال الزجاج عن الخليل وجميع البصريين: إنه منصوب بالحمل على ~~معناه، لأنك إذا قلت: انته خيرا لك، وأنت تدفعه عن أمر فتدخله في غيره، كان ~~المعنى: انته وأت خيرا لك، وادخل في ما هو خير لك. وأنشد الخليل وسيبويه ~~قول عمر بن أبي ربيعة: # فواعديه سرحتي ms0508 مالك ... أو الربا بينهما أسهلا «1» PageV01P500 # كأنه قال: ائتي مكانا أسهل. # قوله تعالى: وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض أي: هو غني عنكم. ~~وعن إيمانكم. # وكان الله عليما بما يكون من إيمان أو كفر حكيما في تكليفكم مع علمه بما ~~يكون منكم. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 171] # يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا ~~بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه ~~أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (171) # قوله تعالى: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم قال مقاتل: نزلت في نصارى ~~نجران: السيد والعاقب ومن معهما «1» . والجمهور على أن المراد بهذه الآية: ~~النصارى. وقال الحسن: نزلت في اليهود والنصارى. والغلو: الإفراط ومجاوزة ~~الحد، ومنه غلا السعر. وقال الزجاج: الغلو: مجاوزة القدر في الظلم. وغلو ~~النصارى في عيسى: قول بعضهم: هو الله، وقول بعضهم: هو ابن الله، وقول ~~بعضهم: هو ثالث ثلاثة. وعلى قول الحسن غلو اليهود فيه قولهم: إنه لغير رشدة ~~«2» . وقال بعض العلماء: لا تغلوا في دينكم بالزيادة في التشدد فيه. # قوله تعالى: ولا تقولوا على الله إلا الحق أي: لا تقولوا: إن الله له ~~شريك أو ابن أو زوجة. # وقد ذكرنا معنى «المسيح» والكلمة في (آل عمران) . وفي معنى وروح منه سبعة ~~أقوال: أحدها: أنه روح من أرواح الأبدان. قال أبي بن كعب: لما أخذ الله ~~الميثاق على بني آدم كان عيسى روحا من تلك الأرواح، فأرسله إلى مريم، فحملت ~~به. والثاني: أن الروح النفخ، فسمي روحا، لأنه حدث عن نفخة جبريل في درع ~~«3» مريم. ومنه قول ذي الرمة: # وقلت له ارفعها إليك وأحيها ... بروحك واقتته لها قيتة قدرا «4» ~~PageV01P501 # هذا قول أبي روق. والثالث: أن معنى وروح منه إنسان حي باحياء الله له. ~~والرابع: أن الروح: الرحمة، فمعناه: ورحمة منه، ومثله وأيدهم بروح منه ms0509 «1» ~~. والخامس: أن الروح هاهنا جبريل. فالمعنى ألقاها الله إلى مريم، والذي ~~ألقاها روح منه، ذكر هذه الأقوال الثلاثة أبو سليمان الدمشقي. والسادس: أنه ~~سماه روحا، لأنه يحيا به الناس كما يحيون بالأرواح، ولهذا المعنى سمي ~~القرآن روحا، ذكره القاضي أبو يعلى. والسابع: أن الروح: الوحي أوحى إلى ~~مريم يبشرها به، وأوحى إلى جبريل بالنفخ في درعها، وأوحى إلى ذات عيسى أن: ~~كن فكان. ومثله: ينزل الملائكة بالروح من أمره «2» أي. بالوحي، ذكره ~~الثعلبي. # فأما قوله «منه» فانه إضافة تشريف، كما تقول: بيت الله، والمعنى من أمره، ~~ومما يقاربها قوله تعالى: وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ~~«3» . # قوله تعالى: ولا تقولوا ثلاثة قال الزجاج: رفعه بإضمار: لا تقولوا آلهتنا ~~ثلاثة إنما الله إله واحد أي: ما هو إلا إله واحد سبحانه ومعنى «سبحانه» : ~~تبرئته من أن يكون له ولد. قاله أبو سليمان: وكفى بالله وكيلا أي: قيما على ~~خلقه، مدبرا لهم. ### | ### | [سورة النساء (4) : آية # 172] # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن ~~عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) # قوله تعالى: ن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله. # (390) سبب نزولها: أن وفد نجران وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا: يا محمد لم تذكر صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى، قال: وأي ~~شيء أقول له؟ هو عبد الله، قالوا: بل هو الله، فقال: إنه ليس بعار عليه أن ~~يكون عبد الله، قالوا: بلى، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # قال الزجاج: معنى يستنكف: يأنف، واصله في اللغة من نكفت الدمع: إذا نحيته ~~باصبعك من خدك. قال الشاعر: # فبانوا فلولا ما تذكر منهم ... من الحلف لم ينكف لعينيك مدمع «4» # قوله تعالى: لا الملائكة المقربون # قال ابن عباس: هم حملة العرش. ### | [سورة النساء (4) : آية 173] # فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما ~~الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله ~~وليا ولا نصيرا ms0510 (173) # قوله تعالى: فيوفيهم أجورهم أي: ثواب أعمالهم ويزيدهم من فضله مضاعفة ~~الحسنات. PageV01P502 # (391) وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ~~فيوفيهم أجورهم قال: يدخلون الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة لمن وجبت له ~~النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا. ### | [سورة النساء (4) : آية 174] # يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) # قوله تعالى: قد جاءكم برهان من ربكم في البرهان ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~الحجة، قاله مجاهد، والسدي. والثاني: القرآن، قاله قتادة. والثالث: أنه ~~النبي محمد عليه السلام، قاله سفيان الثوري. فأما النور المبين، فهو ~~القرآن، قاله قتادة، وإنما سماه نورا، لأن الأحكام تبين به بيان الأشياء ~~بالنور. ### | [سورة النساء (4) : آية 175] # فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم ~~إليه صراطا مستقيما (175) # قوله تعالى: واعتصموا به أي: استمسكوا. وفي «هاء» به قولان: أحدهما: أنها ~~تعود إلى النور وهو القرآن، قاله ابن جريج. والثاني: تعود إلى الله تعالى، ~~قاله مقاتل. وفي «الرحمة» قولان: # أحدهما: أنها الجنة، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنها نفس الرحمة، ~~والمعنى: سيرحمهم، قاله أبو سليمان. وفي «الفضل» قولان: أحدهما: أنه الرزق ~~في الجنة، قاله مقاتل. والثاني: أنه الإحسان، قاله أبو سليمان. # قوله تعالى: ويهديهم إليه صراطا مستقيما أي: يوفقهم لإصابة الطريق ~~المستقيم. وقال ابن الحنفية: الصراط المستقيم: دين الله. ### | [سورة النساء (4) : آية 176] # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها ~~نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ~~مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم ~~أن تضلوا والله بكل شيء عليم (176) # قوله تعالى: يستفتونك في سبب نزولها قولان: # (392) أحدهما: أنها نزلت في جابر بن عبد الله. روى أبو الزبير عن جابر ~~قال: مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني هو وأبو بكر وهما ~~ماشيان فوجدني قد أغمي علي، فتوضأ رسول الله صلى الله ms0511 عليه وسلم، ثم صب علي ~~من وضوئه، فأفقت، وقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالي وكان لي تسع أخوات، ~~ولم PageV01P503 # يكن لي ولد؟ فلم يجبني بشيء، ثم خرج وتركني، ثم رجع إلي وقال: يا جابر لا ~~أراك ميتا من وجعك هذا، وإن الله عز وجل قد أنزل في أخواتك، وجعل لهن ~~الثلثين، فقرأ علي هذه الآية: يستفتونك قل الله يفتيكم فكان جابر يقول: ~~أنزلت هذه الآية في. والثاني: أن الصحابة أهمهم بيان شأن الكلالة فسألوا ~~عنها نبي الله، فنزلت هذه الآية، هذا قول قتادة «1» . # (393) وقال سعيد بن المسيب: سأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كيف نورث الكلالة؟ # فقال: «أو ليس قد بين الله ذلك، ثم قرأ: وإن كان رجل يورث كلالة فأنزل ~~الله عز وجل يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة. # قوله تعالى: إن امرؤ هلك أي: مات ليس له ولد يريد: ولا والد: فاكتفى بذكر ~~أحدهما، ويدل على المحذوف أن الفتيا في الكلالة، وهي من ليس له ولد ولا ~~والد «2» . # قوله تعالى: وله أخت يريد من أبيه وأمه فلها نصف ما ترك عند انفرادها وهو ~~يرثها أي: يستغرق ميراث الأخت إذا لم يكن لها ولد ولا والد، وهذا هو الأخ ~~من الأب والأم، أو من الأب فإن كانتا اثنتين يعني: أختين. وسئل الأخفش ما ~~فائدة قوله «اثنتين» وكانتا لا يفسر إلا باثنتين؟ # فقال: أفادت العدد العاري عن الصفة، لأنه يجوز في كانتا صغيرتين، أو ~~حرتين، أو صالحتين، أو طالحتين، فلما قال: اثنتين فاذا اطلاق العدد على أي ~~وصف كانتا عليه. فلهما الثلثان من تركة أخيهما الميت وإن كانوا يعني ~~المخلفين. # قوله تعالى: يبين الله لكم أن تضلوا قال ابن قتيبة: لئلا تضلوا. وقال ~~الزجاج: فيه قولان: # أحدهما: أن لا تضلوا، فأضمرت لا. والثاني: كراهية أن تضلوا، وهو قول ~~البصريين. قال ابن جريج: # أن تضلوا في شأن المواريث. PageV01P504 ### | سورة المائدة # قال ابن عباس، والضحاك: هي مدنية. وقال مقاتل: نزلت نهارا وكلها مدنية. ~~وقال أبو سليمان ms0512 الدمشقي: فيها من المكي اليوم أكملت لكم دينكم قال: وقيل: ~~فيها من المكي يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله والصحيح أن قوله ~~تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم نزلت بعرفة يوم عرفة، فلهذا نسبت إلى مكة. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اختلفوا في المخاطبين بهذا على قولين: ~~أحدهما: أنهم المؤمنون من أمتنا، وهذا قول الجمهور. والثاني: أنهم أهل ~~الكتاب، قاله ابن جريج. # وبالعقود: العهود، قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة والضحاك والسدي ~~والجماعة وقال الزجاج: «العقود» : أوكد العهود. واختلفوا في المراد بالعهود ~~هاهنا على خمسة أقوال «1» : # أحدها: أنها عهود الله التي أخذها على عباده فيما أحل وحرم، وهذا قول ابن ~~عباس ومجاهد. والثاني: # أنها عهود الدين كلها، قاله الحسن. والثالث: أنها عهود الجاهلية، وهي ~~الحلف الذي كان بينهم، قاله قتادة. والرابع: أنها العهود التي أخذها الله ~~على أهل الكتاب من الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن جريج، ~~وقد ذكرنا عنه أن الخطاب للكتابيين. والخامس: أنها عقود الناس بينهم من بيع ~~ونكاح، أو عقد الإنسان على نفسه من نذر أو يمين، وهذا قول ابن زيد «2» . ~~PageV01P505 # قوله تعالى: أحلت لكم بهيمة الأنعام في بهيمة الأنعام ثلاثة أقوال «1» : ~~أحدها: أنها أجنة الأنعام التي توجد ميتة في بطون أمهاتها إذا ذبحت ~~الأمهات، قاله ابن عمر، وابن عباس. والثاني: أنها الإبل، والبقر، والغنم، ~~قاله الحسن، وقتادة، والسدي. وقال الربيع: هي الأنعام كلها. وقال ابن ~~قتيبة: # هي الإبل، والبقر، والغنم، والوحوش كلها. والثالث: أنها وحش الأنعام ~~كالظباء، وبقر الوحش، روي عن ابن عباس، وأبي صالح. وقال الفراء: بهيمة ~~الأنعام: بقر الوحش، والظباء، والحمر الوحشية. قال الزجاج: وإنما قيل لها ~~بهيمة، لأنها أبهمت عن أن تميز، وكل حي لا يميز فهو بهيمة. # قوله تعالى: إلا ms0513 ما يتلى عليكم، روي عن ابن عباس أنه قال: هي الميتة ~~وسائر ما في القرآن تحريمه. وقال ابن الأنباري: المتلو علينا من المحظور ~~الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة. قوله تعالى: غير ~~محلي الصيد قال أبو الحسن الأخفش: أوفوا بالعقود غير محلي الصيد، فانتصب ~~على الحال. وقال غيره: المعنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام غير مستحلي ~~اصطيادها، وأنتم حرم، قال الزجاج: الحرم: المحرمون، وواحد الحرم: حرام، ~~يقال: رجل حرام، وقوم حرم. # قال الشاعر: # فقلت لها فيئي إليك فإنني ... حرام وإني بعد ذاك لبيب «2» # أي: ملب. وقوله تعالى: إن الله يحكم ما يريد أي: الخلق له يحل ما يشاء ~~لمن يشاء، ويحرم ما يريد على من يريد. PageV01P506 ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 2] # يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا ~~القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم ~~فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب (2) # قوله تعالى: لا تحلوا شعائر الله في سبب نزولها قولان. # (394) أحدهما: أن شريح بن ضبيعة أتى المدينة، فدخل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: إلام تدعو؟ # فقال: «إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله» ، فقال: إن لي ~~أمراء خلفي أرجع إليهم أشاورهم، ثم خرج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر، وما الرجل بمسلم» ، فمر شريح بسرح ~~لأهل المدينة، فاستاقه، فلما كان عام الحديبية، خرج شريح إلى مكة معتمرا، ~~ومعه تجارة، فأراد أهل السرح أن يغيروا عليه كما أغار عليهم، فاستأذنوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. وقال السدي: اسمه الحطم بن هند البكري. قال: ولما ساق السرح جعل ~~يرتجز: # قد لفها الليل بسواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر وضم ... باتوا ms0514 نياما وابن هند لم ينم # بات يقاسيها غلام كالزلم ... خدلج الساقين ممسوح القدم «1» # (395) والثاني: أن ناسا من المشركين جاءوا يؤمون البيت يوم الفتح مهلين ~~بعمرة، فقال المسلمون: لا ندع هؤلاء بل نغير عليهم، فنزل قوله تعالى ولا ~~آمين البيت الحرام. # قال ابن قتيبة: وشعائر الله: ما جعله الله علما لطاعته. وفي المراد بها ~~هنا سبعة أقوال «2» : # أحدها: أنها مناسك الحج، رواه الضحاك عن ابن عباس. وقال الفراء: كان عامة ~~العرب لا يرون الصفا PageV01P507 # والمروة من الشعائر، ولا يطوفون بينهما، فقال الله تعالى: لا تستحلوا ترك ~~ذلك. والثاني: أنها ما حرم الله تعالى في حال الإحرام، رواه العوفي عن ابن ~~عباس. والثالث: دين الله كله، قاله الحسن. والرابع: # حدود الله، قاله عكرمة وعطاء. والخامس: حرم الله، قاله السدي. والسادس: ~~الهدايا المشعرة لبيت الله الحرام، قاله أبو عبيدة والزجاج. والسابع: أنها ~~أعلام الحرم، نهاهم أن يتجاوزوها غير محرمين إذا أرادوا دخول مكة، ذكره ~~الماوردي، والقاضي أبو يعلى. # قوله تعالى: ولا الشهر الحرام قال ابن عباس: لا تحلوا القتال فيه. وفي ~~المراد بالشهر الحرام ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ذو القعدة، قاله عكرمة، ~~وقتادة. والثاني: أن المراد به الأشهر الحرم. قال مقاتل: كان جنادة بن عوف ~~يقوم في سوق عكاظ كل سنة فيقول: ألا إني قد أحللت كذا، وحرمت كذا. والثالث: ~~أنه رجب، ذكره ابن جرير الطبري. والهدي: كل ما أهدي إلى بيت الله تعالى من ~~شيء. # وفي القلائد قولان: أحدهما: أنها المقلدات من الهدي، رواه العوفي عن ابن ~~عباس. والثاني: أنها ما كان المشركون يقلدون به إبلهم وأنفسهم في الجاهلية، ~~ليأمنوا به عدوهم، لأن الحرب كانت قائمة بين العرب إلا في الأشهر الحرم، ~~فمن لقوة مقلدا نفسه، أو بعيره، أو مشعرا بدنه أو سائقا هديا لم يتعرض له. ~~قال ابن عباس: كان من أراد أن يسافر في غير الأشهر الحرم، قلد بعيره من ~~الشعر والوبر، فيأمن حيث ذهب. # (396) وروى مالك بن مغول عن عطاء قال: كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم، ~~فيأمنون به ms0515 إذا خرجوا من الحرم، فنزلت هذه الآية. # وقال قتادة: كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من ~~السمر، فلم يعرض له أحد، وإذا رجع تقلد قلادة شعر، فلم يعرض له أحد. وقال ~~الفراء: كان أهل مكة يقلدون بلحاء الشجر، وسائر العرب يقلدون بالوبر ~~والشعر. وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال «1» : أحدها: لا تستحلوا المقلدات من ~~الهدي. والثاني: لا تستحلوا أصحاب القلائد. والثالث: أن هذا نهي للمؤمنين ~~أن ينزعوا شيئا من شجر الحرم، فيتقلدوه كما كان المشركون يفعلون في ~~جاهليتهم، رواه عبد الملك عن عطاء، وبه قال مطرف، والربيع بن أنس. # قوله تعالى: ولا آمين البيت الحرام «الآم» : القاصد، و «البيت الحرام» : ~~الكعبة، والفضل: # الربح في التجارة، والرضوان من الله يطلبونه في حجهم على زعمهم. ومثله ~~قوله تعالى: وانظر إلى إلهك الذي «2» ، وقيل: ابتغاء الفضل عام، وابتغاء ~~الرضوان للمؤمنين خاصة. PageV01P508 # قوله تعالى: وإذا حللتم فاصطادوا لفظه لفظ الأمر، ومعناه الإباحة، نظيره ~~فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض «1» وهو يدل على إحرام متقدم. # قوله تعالى: ولا يجرمنكم وروى الوليد عن يعقوب «يجرمنكم» بسكون النون، ~~وتخفيفها. قال ابن عباس: لا يحملنكم، قال غيره: لا يدخلنكم في الجرم، كما ~~تقول: آثمته أي: أدخلته في الإثم، وقال ابن قتيبة: لا يكسبنكم يقال: فلان ~~جارم أهله، أي: كاسبهم، وكذلك جريمتهم. وقال الهذلي: # ووصف عقابا: # جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا «2» # والناهض: فرخها، يقول: هي تكسب له، وتأتيه بقوته. و «الشنآن» البغض، ~~يقال: شنئته أشنؤه: # إذا أبغضته. وقال ابن الأنباري: «الشنآن» : البغض، و «الشنآن» بتسكين ~~النون: البغيض. واختلف القراء في نون الشنآن، فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي: بتحريكها، وأسكنها ابن عامر، وروى حفص عن عاصم تحريكها، ~~وأبو بكر عنه تسكينها، وكذلك اختلف عن نافع. قال أبو علي: # «الشنآن» ، قد جاء وصفا، وقد جاء اسما، فمن حرك، فلأنه مصدر، والمصدر ~~يكثر على فعلان، نحو النزوان، ومن سكن. قال: هو مصدر، وقد جاء المصدر على ~~فعلان، تقول: لويته دينه ليانا، ms0516 فالمعنى في القراءتين واحد، وإن اختلف ~~اللفظان. # واختلفوا في قوله تعالى: أن صدوكم فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالكسر، وقرأ ~~الباقون بالفتح، فمن فتح جعل الصد ماضيا، فيكون المعنى من أجل أن صدوكم، ~~ومن كسرها، جعلها للشرط، فيكون الصد مترقبا. قال أبو الحسن الأخفش: وقد ~~يكون الفعل ماضيا مع الكسر، كقوله تعالى: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل «3» ~~وقد كانت السرقة عندهم قد وقعت، وأنشد أبو علي الفارسي: # إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ... ولم تجدي من أن تقري بها بدا # فانتفاء الولادة أمر ماض وقد جعله جزاء، والجزاء إنما يكون بالمستقبل ~~فيكون المعنى إن ننتسب لا تجدني مولود لئيمة. # قال ابن جرير: وقراءة من فتح الألف أبين، لأن هذه السورة نزلت بعد ~~الحديبية، وقد كان الصد تقدم. فعلى هذا في معنى الكلام قولان: أحدهما: ولا ~~يحملنكم بغض أهل مكة أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا فيه، فتقاتلوهم، ~~وتأخذوا أموالهم إذا دخلتموه، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: لا ~~يحملنكم بغض أهل مكة، وصدهم إياكم أن تعتدوا بإتيان ما لا يحل لكم من ~~الغارة على المعتمرين من المشركين، على ما سبق في نزول الآية. # قوله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى قال الفراء: ليعن بعضكم بعضا. قال ~~ابن عباس: البر ما PageV01P509 # أمرت به، و «التقوى» : ترك ما نهيت عنه. فأما «الإثم» فالمعاصي. ~~والعدوان: التعدي في حدود الله، قاله عطاء. # فصل: اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين: # أحدهما: أنها محكمة، روي عن الحسن أنه قال: ما نسخ من المائدة شيء، وكذلك ~~قال أبو ميسرة في آخرين قالوا: ولا يجوز استحلال الشعائر، ولا الهدي قبل ~~أوان ذبحه، واختلفوا في «القلائد» فقال قوم: يحرم رفع القلادة عن الهدي حتى ~~ينحر، وقال آخرون: كانت الجاهلية تقلد من شجر الحرم، فقيل لهم: لا تستحلوا ~~أخذ القلائد من الحرم، ولا تصدوا القاصدين إلى البيت. # والثاني: أنها منسوخة، وفي المنسوخ منها أربعة أقوال: أحدها: أن جميعها ~~منسوخ، وهو قول الشعبي. والثاني: ms0517 أنها وردت في حق المشركين كانوا يقلدون ~~هداياهم، ويظهرون شعائر الحج من الاحرام والتلبية، فنهي المسلمون بهذه ~~الآية عن التعرض لهم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم «1» وهذا قول الأكثرين. والثالث: أن الذي نسخ قوله تعالى: ولا ~~آمين البيت الحرام نسخه قوله تعالى: فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم ~~هذا «2» روي عن ابن عباس، وقتادة. والرابع: أن المنسوخ منها: تحريم الشهر ~~الحرام، وآمون البيت الحرام: إذا كانوا مشركين، وهدي المشركين. إذا لم يكن ~~لهم من المسلمين أمان، قاله أبو سليمان الدمشقي. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 3] # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على ~~النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا ~~تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (3) # قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة مفسر في «البقرة» ، فأما والمنخنقة فقال ~~ابن عباس: هي التي تختنق فتموت، وقال الحسن، وقتادة: هي التي تختنق بحبل ~~الصائد وغيره. قلت: والمنخنقة حرام كيف وقع ذلك، قال ابن قتيبة: والموقوذة: ~~التي تضرب حتى توقذ، أي: تشرف على الموت، ثم تترك حتى تموت، وتؤكل بغير ~~ذكاة، ومنه يقال: فلان وقيذ، وقد وقذته العبادة. و «المتردية» : الواقعة من ~~جبل أو حائط، أو في بئر، يقال: تردى: إذا سقط. والنطيحة: التي تنطحها شاة ~~أخرى أو بقرة، «فعيلة» في معنى «مفعولة» وما أكل السبع وقرأ ابن عباس، وأبو ~~رزين، وأبو مجلز، وابن أبي ليلى: # السبع: بسكون الباء. والمراد: ما افترسه فأكل بعضه إلا ما ذكيتم أي: إلا ~~ما لحقتم من هذا كله وبه حياة، فذبحتموه «3» . فأما الاستثناء، ففيه قولان: ~~أحدهما: أنه يرجع إلى المذكور من عند قوله تعالى: PageV01P510 # والمنخنقة. والثاني: أنه يرجع إلى ما أكل السبع خاصة، والعلماء على ~~الأول. # فصل في الذكاة: قال الزجاج: أصل الذكاة في اللغة: ms0518 تمام الشيء، فمنه ~~الذكاء في السن، وهو تمام السن. قال الخليل: الذكاء: أن تأتي على قروحه ~~سنة، وذلك تمام استكمال القوة، ومنه الذكاء في الفهم، وهو أن يكون فهما ~~تاما، سريع القبول. وذكيت النار، أي: أتممت إشعالها. وقد روي عن علي، وابن ~~عباس، والحسن، وقتادة أنهم قالوا: ما أدركت ذكاته بأن توجد له عين تطرف أو ~~ذنب يتحرك، فأكله حلال. قال القاضي أبو يعلى: ومذهب أصحابنا أنه إن كان ~~يعيش مع ما به، حل بالذبح، فان كان لا يعيش مع ما به، نظرت، فان لم تكن ~~حياته مستقرة، وإنما حركته حركة المذبوح، مثل أن شق جوفه، وأبينت حشوته، ~~فانفصلت عنه، لم يحل أكله، وإن كانت حياته مستقرة يعيش اليوم واليومين، مثل ~~أن يشق جوفه، ولم تقطع الأمعاء، حل أكله. ومن الناس من يقول: إذا كانت فيه ~~حياة في الجملة أبيح بالذكاة، والصحيح ما ذكرنا، لأنه إذا لم تكن فيه حياة ~~مستقرة، فهو في حكم الميت. # ألا ترى أن رجلا لو قطع حشوة آدمي، ثم ضرب عنقه آخر، فالأول هو القاتل، ~~لأن الحياة لا تبقى مع الفعل الأول. # وفي ما يجب قطعه في الذكاة روايتان «1» : إحداهما: أنه الحلقوم والمريء ~~والعرقان اللذان بينهما الحلقوم والمريء، فإن نقص من ذلك شيئا لم يؤكل، هذا ~~ظاهر كلام أحمد في رواية عبد الله. # والثانية: يجزئ قطع الحلقوم والمريء، وهو ظاهر كلامه في رواية حنبل، وبه ~~قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يجزئ قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين. وقال ~~مالك: يجزئ قطع الأوداج، وإن لم يقطع الحلقوم. وقال الزجاج: الحلقوم بعد ~~الفم، وهو موضع النفس، وفيه شعب تتشعب منه في الرئة. PageV01P511 # والمريء: مجرى الطعام، والودجان: عرقان يقطعهما الذابح. فأما الآلة التي ~~تجوز بها الذكاة، فهي كل ما أنهر الدم، وفرى الأوداج سوى السن والظفر، سواء ~~كانا منزوعين أو غير منزوعين. وأجاز أبو حنيفة الذكاة بالمنزوعين. فأما ~~البعير إذا توحش أو تردى في بئر، فهو بمنزلة الصيد ذكاته عقره. وقال مالك: # ذكاته ذكاة المقدور عليه. فإن رمى صيدا ms0519 فأبان بعضه وفيه حياة مستقرة ~~فذكاه، أو تركه حتى مات جاز أكله، وفي أكل ما بان منه روايتان. # قوله تعالى: وما ذبح على النصب في النصب قولان: أحدهما: أنها أصنام تنصب، ~~فتعبد من دون الله، قاله ابن عباس، والفراء، والزجاج، فعلى هذا القول يكون ~~المعنى، وما ذبح على اسم النصب، وقيل لأجلها، فتكون «على» بمعنى «اللام» ، ~~وهما يتعاقبان في الكلام، كقوله تعالى: فسلام لك «1» أي: عليك، وقوله ~~تعالى: وإن أسأتم فلها «2» . والثاني: أنها حجارة كانوا يذبحون عليها، ~~ويشرحون اللحم عليها ويعظمونها، وهو قول ابن جريج. # وقرأ الحسن، وخارجة عن أبي عمرو: على النصب، بفتح النون، وسكون الصاد، ~~قال ابن قتيبة، يقال: نصب ونصب ونصب، وجمعه أنصاب. # قوله تعالى: وأن تستقسموا بالأزلام قال ابن جرير: أي: وأن تطلبوا علم ما ~~قسم لكم، أو لم يقسم بالأزلام، واستفعلت من القسم، قسم الرزق والحاجات. قال ~~ابن قتيبة: الأزلام: القداح، واحدها: زلم وزلم. والاستقسام بها: أن يضرب ~~بها فيعمل بما يخرج فيها من أمر أو نهي، فكانوا إذا أرادوا أن يقتسموا شيئا ~~بينهم، فأحبوا أن يعرفوا قسم كل امرئ تعرفوا ذلك منها، فأخذ الاستقسام من ~~القسم وهو النصيب. قال سعيد بن جبير: الأزلام: حصى بيض، كانوا إذا أرادوا ~~غدوا، أو رواحا، كتبوا في قدحين، في أحدهما: أمرني ربي، وفي الآخر: نهاني ~~ربي، ثم يضربون بهما، فأيهما خرج، عملوا به. وقال مجاهد: الأزلام: سهام ~~العرب، وكعاب «3» فارس التي يتقامرون بها. وقال السدي: # كانت الأزلام تكون عند الكهنة. وقال مقاتل: في بيت الأصنام. وقال قوم: ~~كانت عند سدنة الكعبة. # قال الزجاج: ولا فرق بين ذلك وبين قول المنجمين: لا تخرج من أجل نجم كذا، ~~أو اخرج من أجل نجم كذا. # قوله تعالى: ذلكم فسق في المشار إليه بذلكم قولان: أحدهما: أنه جميع ما ~~ذكر في الآية، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وبه قال سعيد بن جبير. ~~والثاني: أنه الاستقسام بالأزلام، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والفسق: ~~الخروج عن طاعة الله إلى معصيته. ms0520 # قوله تعالى: اليوم يئس الذين كفروا من دينكم في هذا «اليوم» ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه اليوم الذي دخل فيه رسول الله مكة في حجة الوداع، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس «4» . وقال ابن السائب: نزلت ذلك اليوم. والثاني: أنه يوم ~~عرفة، قاله مجاهد، وابن زيد. PageV01P512 # والثالث: أنه لم يرد يوما بعينه، وإنما المعنى: الآن يئسوا، كما تقول: ~~أنا اليوم قد كبرت، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: العرب توقع اليوم على ~~الزمان الذي يشتمل على الساعات والليالي، فيقولون: قد كنت في غفلة، فاليوم ~~استيقظت، يريدون: فالآن، ويقولون: كان فلان يزورنا، وهو اليوم يجفونا، ولا ~~يقصدون باليوم قصد يوم واحد. قال الشاعر: # فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر «1» # أراد: فزمان لنا، وزمان علينا، ولم يقصد ليوم واحد لا ينضم إليه غيره. # وفي معنى يأسهم قولان: أحدهما: أنهم يئسوا أن يرجع المؤمنون إلى دين ~~المشركين، قاله ابن عباس والسدي. والثاني: يئسوا من بطلان الإسلام، قاله ~~الزجاج. قال ابن الأنباري: وإنما يئسوا من إبطال دينهم لما نقل الله خوف ~~المسلمين إليهم. وأمنهم إلى المسلمين، فعلموا أنهم لا يقدرون على إبطال ~~دينهم، ولا على استئصالهم، وإنما قاتلوهم بعد ذلك ظنا منهم أن كفرهم يبقى. ~~قوله تعالى: # فلا تخشوهم قال ابن جريج: لا تخشوهم أن يظهروا عليكم، وقال ابن السائب: ~~لا تخشوهم أن يظهروا على دينكم، واخشوني في مخالفة أمري. # قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم. # (397) روى البخاري، ومسلم في «الصحيحين» من حديث طارق بن شهاب قال: جاء ~~رجل من اليهود إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين إنكم تقرؤون آية من كتابكم ~~لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: وأي آية هي؟ قال: ~~قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي فقال عمر: إني لأعلم ~~اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله، والساعة التي نزلت فيها، والمكان الذي ~~نزلت فيه على رسول الله وهو قائم بعرفة في يوم جمعة. وفي لفظ «نزلت عشية ~~عرفة» قال سعيد بن جبير: عاش رسول ms0521 الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أحدا ~~وثمانين يوما «2» . # فأما قوله تعالى: اليوم ففيه قولان: أحدهما: أنه يوم عرفة، وهو قول ~~الجمهور. والثاني: أنه ليس بيوم معين، رواه عطية عن ابن عباس، وقد ذكرنا ~~هذا آنفا. # وفي معنى إكمال الدين خمسة أقوال «3» : أحدها: أنه إكمال فرائضه وحدوده، ~~ولم ينزل بعد هذه PageV01P513 # الآية تحليل ولا تحريم، قاله ابن عباس، والسدي، فعلى هذا يكون المعنى: ~~اليوم أكملت لكم شرائع دينكم. والثاني: أنه بنفي المشركين عن البيت، فلم ~~يحج معهم مشرك عامئذ، قاله سعيد بن جبير، وقتادة. وقال الشعبي: كمال الدين ~~هاهنا: عزه وظهوره، وذل الشرك ودروسه، لا تكامل الفرائض والسنن، لأنها لم ~~تزل تنزل إلى أن قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا يكون المعنى: ~~اليوم أكملت لكم نصر دينكم. والثالث: أنه رفع النسخ عنه. وأما الفرائض فلم ~~تزل تنزل عليه حتى قبض، روي عن ابن جبير أيضا. والرابع: أنه زوال الخوف من ~~العدو، والظهور عليهم، قاله الزجاج. والخامس: أنه أمن هذه الشريعة من أن ~~تنسخ بأخرى بعدها، كما نسخ بها ما تقدمها. وفي إتمام النعمة ثلاثة أقوال: # أحدها: منع المشركين من الحج معهم، قاله ابن عباس، وابن جبير، وقتادة. ~~والثاني: الهداية إلى الإيمان، قاله ابن زيد. والثالث: الإظهار على العدو، ~~قاله السدي. # قوله تعالى: فمن اضطر أي: دعته الضرورة إلى أكل ما حرم عليه. في مخمصة ~~أي: # مجاعة، والخمص: الجوع. قال الشاعر يذم رجلا: # يرى الخمص تعذيبا وإن يلق شبعة ... يبت قلبه من قلة الهم مبهما «1» # وهذا الكلام يرجع إلى المحرمات المتقدمة من الميتة والدم، وما ذكر معهما. # قوله تعالى: غير متجانف قال ابن قتيبة: غير مائل إلى ذلك، و «الجنف» : ~~الميل. وقال ابن عباس، والحسن، ومجاهد: غير متعمد لإثم. وفي معنى «تجانف ~~الإثم» قولان: # أحدهما: أن يتناول منه بعد زوال الضرورة، روي عن ابن عباس في آخرين. # والثاني: أن يتعرض لمعصية في مقصده، قاله قتادة. وقال مجاهد: من بغى وخرج ~~في معصية، حرم عليه أكله. قال القاضي ms0522 أبو يعلى: وهذا أصح من القول الأول، ~~لأن الآية تقتضي اجتماع تجانف الاثم مع الاضطرار، وذلك إنما يصح في سفر ~~العاصي، ولا يصح حمله على تناول الزيادة على سد الرمق، لأن الاضطرار قد ~~زال. قال أبو سليمان: ومعنى الآية: فمن اضطر فأكله غير متجانف لإثم، فإن ~~الله غفور، أي: متجاوز عنه، رحيم إذ أحل ذلك للمضطر. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 4] # يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ~~واتقوا الله إن الله سريع الحساب (4) # قوله تعالى: يسئلونك ماذا أحل لهم في سبب نزولها قولان: # (398) أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل الكلاب، قال ~~الناس: يا رسول الله ماذا أحل لنا من PageV01P514 # هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت هذه الآية، أخرجه أبو عبد الله الحاكم ~~في صحيحه من حديث أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم. # (399) وكان السبب في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها أن جبريل عليه ~~السلام استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن له، فلم يدخل وقال: ~~«إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة» ، فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو. # (400) والثاني: أن عدي بن حاتم، وزيد الخيل الذي سماه رسول الله: زيد ~~الخير، قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة «1» ، فمنه ما ~~ندرك ذكاته، ومنه ما لا ندرك ذكاته، وقد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا ~~منها؟ فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير. # قال الزجاج: ومعنى الكلام: يسألونك أي شيء أحل لهم؟ قل: أحل لكم الطيبات، ~~وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح، والتأويل أنهم سألوا عنه ولكن حذف ذكر ~~صيد ما علمتم، لأن في الكلام دليلا عليه. وفي الطيبات قولان: أحدهما: أنها ~~المباح من الذبائح. والثاني: أنها ما استطابته العرب مما لم يحرم. فأما ~~الجوارح فهي ما صيد به من سباع البهائم والطير، كالكلب، والفهد، والصقر ~~والبازي، ونحو ذلك ms0523 مما يقبل التعليم «2» . قال ابن عباس: كل شيء صاد فهو ~~جارح. وفي تسميتها بالجوارح قولان: أحدهما: لكسب أهلها بها. قال ابن قتيبة: ~~أصل الاجتراح: الاكتساب، يقال: امرأة لا جارح لها، أي: لا كاسب. والثاني: ~~لأنها تجرح ما تصيد في الغالب، ذكره الماوردي. قال أبو سليمان الدمشقي: ~~وعلامة التعليم أنك إذا دعوته أجاب، وإذا أسدته على الصيد استأسد، ومضى في ~~طلبه، وإذا أمسك أمسك عليك لا على نفسه. وعلامة إمساكه عليك: أن لا يأكل ~~منه شيئا، هذا في السباع والكلاب «3» ، فأما تعليم جوارح الطير فبخلاف ~~السباع، لأن الطائر إنما يعلم الصيد بالأكل، PageV01P515 # والفهد، والكلب، وما أشبههما يعلمون بترك الأكل، فهذا فرق ما بينهما. # وفي قوله تعالى: مكلبين ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أصحاب الكلاب، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس، وهو قول ابن عمر، وسعيد بن جبير، وعطاء، والضحاك، ~~والسدي، والفراء، والزجاج، وابن قتيبة. قال الزجاج: يقال: رجل مكلب وكلابي، ~~أي: صاحب صيد بالكلاب. والثاني: أن معنى مكلبين: مصرين على الصيد، وهذا ~~مروي عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد. والثالث: ان مكلبين بمعنى: معلمين. قال ~~أبو سليمان الدمشقي: وإنما قيل لهم: مكلبين، لأن الغالب من صيدهم إنما يكون ~~بالكلاب. قال ثعلب: وقرأ الحسن، وأبو رزين: مكلبين، بسكون الكاف، يقال: # أكلب الرجل: إذا كثرت كلابه، وأمشى: إذا كثرت ماشيته، والعرب تدعو الصائد ~~مكلبا. # قوله تعالى: تعلمونهن مما علمكم الله قال سعيد بن جبير: تؤدبونهن لطلب ~~الصيد. وقال الفراء: # تؤدبونهن أن لا يأكلن صيدهن. واختلفوا هل إمساك الصائد عن الأكل شرط في ~~صحة التعليم أم لا؟ # على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه شرط في كل الجوارح، فان أكلت، لم يؤكل، روي ~~عن ابن عباس، وعطاء. والثاني: أنه ليس بشرط في الكل، ويؤكل وإن أكلت، روي ~~عن سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبي هريرة، وسلمان الفارسي. والثالث: أنه ~~شرط في جوارح البهائم، وليس بشرط في جوارح الطير، وبه قال الشعبي، والنخعي، ~~والسدي، وهو أصح لما بينا أن جارح الطير يعلم على الأكل، فأبيح ما أكل منه، ms0524 ~~وسباع البهائم تعلم على ترك الأكل، فأبيح ما أكلت منه. فعلى هذا إذا أكل ~~الكلب والفهد من الصيد، لم يبح أكله. فأما ما أكل منه الصقر والبازي، ~~فمباح، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، وقال مالك: يباح أكل ما أكل منه الكلب، ~~والفهد، والصقر، فإن قتل الكلب، ولم يأكل، أبيح. وقال أبو حنيفة: لا يباح، ~~فان أدرك الصيد، وفيه حياة، فمات قبل أن يذكيه، فإن كان ذلك قبل القدرة على ~~ذكاته أبيح، وإن أمكنه فلم يذكه، لم يبح، وبه قال مالك، والشافعي. وقال أبو ~~حنيفة: لا يباح في الموضعين. فأما الصيد بكلب المجوسي، فروي عن أحمد أنه لا ~~يكره، وهو قول الأكثرين، وروي عنه الكراهة، وهو قول الثوري لقوله تعالى: ~~وما علمتم من الجوارح وهذا خطاب للمؤمنين «1» . قال القاضي أبو يعلى: ومنع ~~أصحابنا الصيد بالكلب الأسود، وإن كان معلما، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمر بقتله، PageV01P516 # والأمر بالقتل: يمنع ثبوت اليد، ويبطل حكم الفعل، فيصير وجوده كالعدم، ~~فلا يباح صيده «1» . # قوله تعالى: فكلوا مما أمسكن عليكم قال الأخفس: «من» زائدة كقوله تعالى: ~~فيها من برد «2» . # قوله تعالى: واذكروا اسم الله عليه في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ~~ترجع إلى الإرسال، قاله ابن عباس، والسدي، وعندنا أن التسمية شرط في إباحة ~~الصيد «3» . والثاني: ترجع إلى الأكل فتكون التسمية مستحبة. # قوله تعالى: واتقوا الله قال سعيد بن جبير: لا تستحلوا ما لم يذكر اسم ~~الله عليه. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 5] # اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا ~~آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد ~~حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين (5) # قوله تعالى: اليوم أحل لكم الطيبات قال القاضي أبو يعلى: يجوز أن يريد ~~باليوم اليوم الذي أنزلت فيه الآية، ويجوز أن يريد اليوم الذي تقدم ذكره في ~~قوله تعالى: اليوم يئس الذين كفروا من دينكم، وفي قوله تعالى: اليوم ms0525 أكملت ~~لكم دينكم، وقيل: ليس بيوم معين، وقد سبق الكلام في «الطيبات» وإنما كرر ~~إحلالها تأكيدا. فأما أهل الكتاب، فهم اليهود والنصارى. وطعامهم: ذبائحهم، ~~PageV01P517 # هذا قول ابن عباس، والجماعة. وإنما أريد بها الذبائح خاصة، لأن سائر ~~طعامهم لا يختلف بمن تولاه من مجوسي وكتابي، وإنما الذكاة تختلف، فلما خص ~~أهل الكتاب بذلك، دل على أن المراد الذبائح، فأما ذبائح المجوس، فأجمعوا ~~على تحريمها. واختلفوا في ذبائح من دان باليهودية والنصرانية من عبدة ~~الأوثان «1» ، فروي عن ابن عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب، فقال: لا ~~بأس بها، وتلا قوله تعالى: ومن يتولهم منكم فإنه منهم وهذا قول الحسن، ~~وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، وعكرمة، وقتادة، والزهري، والحكم، وحماد. وقد ~~روي عن علي، وابن مسعود في آخرين أن ذبائحهم لا تحل. ونقل الخرقي عن أحمد ~~في نصارى بني تغلب روايتين. إحداهما: تباح ذبائحهم، وهو قول أبي حنيفة، ~~ومالك. والثانية: لا تباح. وقال الشافعي: من دخل في دين أهل الكتاب بعد ~~نزول القرآن، لم يبح أكل ذبيحته. # قوله تعالى: وطعامكم حل لهم أي: وذبائحكم لهم حلال، فاذا اشتروا منا شيئا ~~كان الثمن لنا حلالا، واللحم لهم حلالا. قال الزجاج. والمعنى: أحل لكم أن ~~تطعموهم. # فصل: وقد زعم قوم أن هذه الآية اقتضت إباحة ذبائح أهل الكتاب مطلقا وإن ~~ذكروا غير اسم الله عليها، فكان هذا ناسخا لقوله تعالى: ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه «2» والصحيح أنها أطلقت إباحة ذبائحهم، لأن الأصل أنهم ~~يذكرون الله فيحمل أمرهم على هذا. فإن تيقنا أنهم ذكروا غيره فلا نأكل ولا ~~وجه للنسخ، وإلى هذا الذي قلته ذهب علي، وابن عمر، وعبادة، وأبو الدرداء، ~~والحسن في جماعة. PageV01P518 # قوله تعالى: والمحصنات من المؤمنات فيهن قولان: أحدهما: العفائف، قاله ~~ابن عباس. والثاني: # الحرائر، قاله مجاهد. وفي قوله تعالى: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ~~قولان: أحدهما: الحرائر أيضا، قاله ابن عباس. والثاني: العفائف، قاله ~~الحسن، والشعبي، والنخعي، والضحاك والسدي، فعلى هذا القول يجوز تزويج الحرة ~~منهن والأمة. # فصل: ms0526 وهذه الآية أباحت نكاح الكتابية. وقد روي عن عثمان أنه تزوج نائلة ~~بنت الفرافصة على نسائه وهي نصرانية. وعن طلحة بن عبيد الله: أنه تزوج ~~يهودية. وقد روي عن عمر، وابن عمر كراهة ذلك. واختلفوا في نكاح الكتابية ~~الحربية، فقال ابن عباس: لا تحل، والجمهور على خلافه، وإنما كرهوا ذلك، ~~لقوله تعالى: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله «1» ، والنكاح يوجب الود. واختلفوا في نكاح نساء تغلب، فروي عن علي ~~رضي الله عنه الحظر، وبه قال جابر بن زيد، والنخعي، وروي عن ابن عباس ~~الإباحة. وعن أحمد روايتان. واختلفوا في إماء أهل الكتاب، فروي عن ابن ~~عباس، والحسن، ومجاهد: أنه لا يجوز نكاحهن، وبه قال الأوزاعي، ومالك، ~~والليث بن سعد، والشافعي، وأصحابنا، وروي عن الشعبي، وأبي ميسرة جواز ذلك، ~~وبه قال أبو حنيفة. فأما المجوس، فالجمهور على أنهم ليسوا بأهل كتاب، وقد ~~شذ من قال: إنهم أهل كتاب. # (401) ويبطل قولهم قوله عليه السلام: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» . # فأما «الأجور» ، و «الإحصان» ، و «السفاح» ، و «الأخذان» فقد سبق في سورة ~~النساء. # قوله تعالى: ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله. # (402) سبب نزول هذا الكلام: أن الله تعالى لما رخص في نكاح الكتابيات قلن ~~بينهن: لولا أن الله تعالى قد رضي علينا، لم يبح للمؤمنين تزويجنا، وقال ~~المسلمون: كيف يتزوج الرجل منا الكتابية، وليست على ديننا، فنزلت: ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # وقال مقاتل بن حيان: نزلت فيما أحصن المسلمون من نساء أهل الكتاب، يقول: ~~ليس إحصان المسلمين إياهن بالذي يخرجهن من الكفر. وروى ليث عن مجاهد: ومن ~~يكفر بالإيمان قال: # الإيمان بالله تعالى، وقال الزجاج: معنى الآية: من أحل ما حرم الله، أو ~~حرم ما أحله الله فهو كافر. # وقال أبو سليمان: من جحد ما أنزله الله من شرائع الإيمان، وعرفه من ~~الحلال والحرام، فقد حبط PageV01P519 # عمله المتقدم. وسمعت الحسن بن أبي بكر النيسابوري الفقيه يقول: إنما أباح ~~الله ms0527 عز وجل الكتابيات، لأن بعض المسلمين قد يعجبه حسنهن، فحذر ناكحهن من ~~الميل إلى دينهن بقوله تعالى: ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 6] # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6) # قوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة قال الزجاج: المعنى: إذا أردتم القيام ~~إلى الصلاة، كقوله تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله «1» قال ابن ~~الأنباري: وهذا كما تقول: إذا آخيت فآخ أهل الحسب، وإذا اتجرت فاتجر في ~~البز «2» . قال: ويجوز أن يكون الكلام مقدما ومؤخرا، تقديره: إذا غسلتم ~~وجوهكم، واستوفيتم الطهور، فقوموا إلى الصلاة. وللعلماء في المراد بالآية ~~قولان «3» . # أحدهما: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، فاغسلوا، فصار الحدث مضمرا في وجوب ~~الوضوء، وهذا قول سعد بن أبي وقاص، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، ~~والفقهاء. والثاني: أن الكلام على إطلاقه من غير إضمار، فيجب الوضوء على كل ~~من يريد الصلاة، محدثا كان، أو غير محدث، وهذا مروي عن علي رضي الله عنه ~~وعكرمة، وابن سيرين. ونقل عنهم أن هذا الحكم غير منسوخ، ونقل عن جماعة من ~~العلماء أن ذلك كان واجبا، ثم نسخ بالسنة. # (403) وهو ما روى بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح خمس ~~صلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: لقد صنعت شيئا لم تكن تصنعه؟ فقال: «عمدا ~~فعلته يا عمر» . PageV01P520 # وقال قوم: في الآية تقديم وتأخير، ومعناها: إذا قمتم إلى الصلاة من النوم ~~أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء، فاغسلوا وجوهكم «1» . # قوله تعالى: وأيديكم إلى المرافق «إلى» حرف موضوع للغاية، وقد تدخل ~~الغاية فيها تارة، وقد لا تدخل، فلما كان الحديث يقينا، لم يرتفع إلا ms0528 بيقين ~~مثله، وهو غسل المرفقين. فأما الرأس فنقل عن أحمد وجوب مسح جميعه «2» ، وهو ~~قول مالك، وروي عنه: يجب مسح أكثره، وروي عن أبي حنيفة روايتان: إحداهما: ~~أنه يتقدر بربع الرأس. والثانية: بمقدار ثلاث أصابع. # قوله تعالى: وأرجلكم إلى الكعبين قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وأبو ~~بكر عن عاصم: # بكسر اللام عطفا على مسح الرأس، وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم، ويعقوب: # بفتح اللام عطفا على الغسل، فيكون من المقدم والمؤخر. قال الزجاج: الرجل ~~من أصل الفخذ إلى القدم، فلما حد الكعبين، علم أن الغسل ينتهي إليهما، ويدل ~~على وجوب الغسل التحديد بالكعبين، كما جاء في تحديد اليد «إلى المرافق» ولم ~~يجيء في شيء من المسح تحديد. ويجوز أن يراد الغسل على قراءة الخفض، لأن ~~التحديد بالكعبين يدل على الغسل، فينسق بالغسل على المسح. قال الشاعر: ~~PageV01P521 # يا ليت بعلك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا «1» # والمعنى: وحاملا رمحا. وقال الآخر. # علفتها تبنا وماء باردا «2» والمعنى: وسقيتها ماء باردا. وقال أبو الحسن ~~الأخفش: يجوز الجر على الإتباع، والمعنى: # الغسل، نحو قولهم: جحر ضب خرب. وقال ابن الأنباري: لما تأخرت الأرجل بعد ~~الرؤوس، نسقت عليها للقرب والجوار، وهي في المعنى نسق على الوجوه كقولهم: ~~جحر ضب خرب، ويجوز أن تكون منسوقة عليها، لأن العرب تسمي الغسل مسحا، لأن ~~الغسل لا يكون إلا بمسح. وقال أبو علي: من جر فحجته أنه وجد في الكلام ~~عاملين: أحدهما: الغسل، والآخر: الباء الجارة، ووجه العاملين إذا اجتمعا: ~~أن يحمل الكلام على الأقرب منهما دون الأبعد، وهو «الباء» هاهنا، وقد قامت ~~الدلالة على أن المراد بالمسح: الغسل من وجهين «3» : PageV01P522 # أحدهما: أن أبا زيد قال: المسح خفيف الغسل، قالوا: تمسحت للصلاة، وقال ~~أبو عبيدة: # فطفق مسحا بالسوق «1» ، أي ضربا، فكأن المسح في الآية غسل خفيف. فإن قيل: ~~فالمستحب التكرار ثلاثا؟ قيل: إنما جاءت الآية بالمفروض دون المسنون. # والوجه الثاني: أن التحديد والتوقيت إنما جاء في المغسول دون الممسوح، ~~فلما وقع التحديد مع المسح، علم أنه في ms0529 حكم الغسل لموافقته الغسل في ~~التحديد، وحجة من نصب أنه حمل ذلك على الغسل لاجتماع فقهاء الأمصار على ~~الغسل. # قوله تعالى: إلى الكعبين «إلى» بمعنى «مع» ، والكعبان: العظمان الناتئان ~~من جانبي القدم. # قوله تعالى: وإن كنتم جنبا فاطهروا أي: فتطهروا، فأدغمت التاء في الطاء، ~~لأنهما من مكان واحد، وقد بين الله عز وجل طهارة الجنب في سورة النساء ~~بقوله تعالى: حتى تغتسلوا «2» وقد ذكرنا هناك الكلام في تمام الآية إلى ~~قوله تعالى: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج و «الحرج» : الضيق، فجعل الله ~~الدين واسعا حين رخص في التيمم. # قوله تعالى: ولكن يريد ليطهركم أي: يريد أن يطهركم. قال مقاتل: من ~~الأحداث والجنابة، وقال غيره: من الذنوب والخطايا، لأن الوضوء يكفر الذنوب. # قوله تعالى: وليتم نعمته عليكم في الذي يتم به النعمة أربعة أقوال: # أحدها: بغفران الذنوب. # (404) قال محمد بن كعب القرظي: حدثني عبد الله بن دارة، عن حمران قال: ~~مررت على عثمان بفخارة من ماء، فدعا بها فتوضأ، فأحسن الوضوء ثم قال: لو لم ~~أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة أو مرتين أو ثلاثا ما ~~حدثتكم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما توضأ عبد فأحسن ~~الوضوء، ثم قام إلى الصلاة، إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى» قال ~~محمد بن كعب: وكنت إذا سمعت الحديث التمسته في القرآن. فالتمست هذا فوجدته ~~في قوله تعالى: إنا فتحنا لك فتحا مبينا. ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر ويتم نعمته عليك «3» فعلمت أن الله لم يتم النعمة عليه حتى غفر له ~~ذنوبه، ثم قرأت الآية التي في المائدة: إذا قمتم إلى الصلاة إلى قوله وليتم ~~نعمته عليكم فعلمت أنه لم يتم النعمة عليهم حتى غفر لهم. PageV01P523 # والثاني: بالهداية إلى الإيمان، وإكمال الدين، وهذا قول ابن زيد. ~~والثالث: بالرخصة في التيمم، قاله مقاتل، وأبو سليمان. والرابع: ببيان ~~الشرائع، ذكره بعض المفسرين. ### | [سورة المائدة (5) : آية 7] # واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم ms0530 به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ~~واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (7) # قوله تعالى: واذكروا نعمة الله عليكم يعني النعم كلها. وفي هذا حث على ~~الشكر. # وفي الميثاق أربعة أقوال «1» : أحدها: أنه إقرار كل مؤمن بما آمن به. قال ~~ابن عباس: لما أنزل الله الكتاب، وبعث الرسول، فقالوا: آمنا، ذكرهم ميثاقه ~~الذي أقروا به على أنفسهم، وأمرهم بالوفاء. # والثاني: أنه الميثاق الذي أخذه من بني آدم حين أخرجهم من ظهره، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وابن زيد. والثالث: أنه ما وثق على ~~المؤمنين على لسان نبيه عليه السلام من الأمر بالوفاء بما أقروا به من ~~الإيمان. روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. والرابع: أنه ~~الميثاق الذي أخذ من الصحابة على السمع والطاعة في بيعة العقبة، وبيعة ~~الرضوان، ذكره بعض المفسرين. قوله تعالى: واتقوا الله قال مقاتل: اتقوه في ~~نقض الميثاق إن الله عليم بذات الصدور أي: بما فيها من إيمان وشك. ### | [سورة المائدة (5) : آية 8] # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم ~~على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ~~(8) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله في سبب نزولها ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنها نزلت من أجل كفار قريش أيضا، وقد تقدم ذكرهم في قوله تعالى: ~~ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام روى نحو هذا أبو صالح، عن ~~ابن عباس، وبه قال مقاتل. # (405) والثاني: أن قريشا بعثت رجلا ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأطلع الله نبيه على ذلك، ونزلت هذه الآية، والتي بعدها، هذا قول الحسن. # (406) والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى يهود بني النضير ~~يستعينهم في دية، فهموا بقتله، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد، وقتادة. # ومعنى الآية: كونوا قوامين لله بالحق، ولا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل ~~اعدلوا في PageV01P524 # الولي والعدو هو أقرب للتقوى أي: إلى التقوى. والمعنى: أقرب ms0531 إلى أن ~~تكونوا متقين، وقيل: هو أقرب إلى اتقاء النار. ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 9 الى 10] # وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم (9) والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (10) # قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة في معناها ~~قولان: # أحدهما: أن المعنى: وعدهم الله أن يغفر لهم ويأجرهم فاكتفى بما ذكر عن ~~هذا المعنى. # والثاني: أن المعنى: وعدهم فقال: لهم مغفرة. وقد بينا في البقرة معنى ~~«الجحيم» » . ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 11] # يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم ~~أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) # في سبب نزولها أربعة أقوال «2» : # (407) أحدها: أن رجلا من محارب قال لقومه: الا أقتل لكم محمدا، فقالوا: ~~وكيف تقتله؟ # فقال: أفتك به، فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيفه في حجره، ~~فأخذه، وجعل يهزه، ويهم به، فيكبته الله، ثم قال: يا محمد ما تخافني؟ قال: ~~لا، قال: لا تخافني وفي يدي السيف؟! قال: يمنعني الله منك، فأغمد السيف، ~~فنزلت هذه الآية، رواه الحسن البصري عن جابر بن عبد الله. وفي بعض الألفاظ: ~~فسقط السيف من يده. وفي لفظ آخر: فما قال له النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ~~ولا عاقبه. واسم هذا الرجل: غورث بن الحارث من محارب خصفة. PageV01P525 # (408) والثاني: أن اليهود عزموا على الفتك برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فكفاه الله شرهم، قال ابن عباس: # صنعوا له طعاما، فأوحي إليه بشأنهم، فلم يأت. # (409) وقال مجاهد، وعكرمة: خرج إليهم يستعينهم في دية، فقالوا: اجلس حتى ~~نعطيك، فجلس هو وأصحابه، فخلا بعضهم ببعض، وقالوا: لن تجدوا محمدا أقرب منه ~~الآن، فمن يظهر على هذا البيت، فيطرح عليه صخرة؟ فقال عمرو بن جحاش: أنا، ~~فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه، فأمسك الله يده، وجاء جبريل، فأخبره، ~~وخرج، ونزلت هذه الآية. # (410) والثالث: أن بني ثعلبة، وبني محارب أرادوا أن يفتكوا بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم وبأصحابه، وهم ببطن نخلة ms0532 في غزاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم السابعة، فقالوا: إن لهم صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم، فإذا ~~سجدوا وقعنا بهم، فأطلع الله نبيه على ذلك، وأنزل صلاة الخوف، ونزلت هذه ~~الآية، هذا قول قتادة. # والرابع: أنها نزلت في حق اليهود حين ظاهروا المشركين على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، هذا قول ابن زيد. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 12] # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله ~~إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم ~~الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12) # قوله تعالى: ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل قال أبو العالية: أخذ الله ~~ميثاقهم أن يخلصوا له العبادة، ولا يعبدوا غيره. وقال مقاتل: أن يعملوا بما ~~في التوراة. # وفي معنى النقيب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الضمين، قاله الحسن، ومعناه: ~~أنه ضمين ليعرف أحوال من تحت يده، ولا يجوز أن يكون ضمينا عنهم بالوفاء، ~~لأن ذلك لا يصح ضمانه. وقال ابن قتيبة: هو الكفيل على القوم. والنقابة ~~شبيهة بالعرافة. والثاني: أنه الشاهد، قاله قتادة. وقال ابن فارس: # النقيب: شاهد القوم، وضمينهم. والثالث: الأمين، قاله الربيع بن أنس، ~~واليزيدي، وهذه الأقوال تتقارب. قال الزجاج: النقيب في اللغة، كالأمين ~~والكفيل، يقال: نقب الرجل على القوم ينقب: إذا صار نقيبا عليهم، وصناعته ~~النقابة، وكذلك عرف عليهم: إذا صار عريفا، ويقال لأول ما يبدو من الجرب: ~~النقبة، ويجمع النقب والنقب. وقال الشاعر: PageV01P526 # متبذلا تبدو محاسنه ... يضع الهناء مواضع النقب «1» # ويقال: في فلان مناقب جميلة، وكل الباب معناه: التأثير الذي له عمق ~~ودخول، ومن ذلك نقبت الحائط، أي: بلغت في النقب آخره، والنقبة من الجرب: ~~داء شديد الدخول. وإنما قيل: نقيب، لأنه يعلم دخيلة أمر القوم، ويعرف ~~مناقبهم، وهو الطريق إلى معرفة أمورهم. ونقل أن الله تعالى أمر موسى وقومه ~~بالسير إلى الأرض المقدسة، وكان يسكنها الجبارون، فقال تعالى: يا ms0533 موسى اخرج ~~إليها وجاهد من فيها من العدو، وخذ من قومك اثني عشر نقيبا، من كل سبط ~~نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما أمروا به، فاختاروا النقباء. وفيما ~~بعثوا له قولان: # أحدهما: أن موسى بعثهم إلى بيت المقدس، ليأتوه بخبر الجبارين، قاله ابن ~~عباس، ومجاهد، والسدي. والثاني: أنهم بعثوا ضمناء على قومهم بالوفاء ~~بميثاقهم، قاله الحسن، وابن إسحاق. وفي نبوتهم قولان: أصحهما: أنهم ليسوا ~~بأنبياء. # قوله تعالى: وقال الله في الكلام محذوف. تقديره: وقال الله لهم. وفي ~~المقول لهم قولان: أحدهما: أنهم بنو إسرائيل، قاله الجمهور. والثاني: أنهم ~~النقباء، قاله الربيع، ومقاتل. ومعنى إني معكم أي: بالعون والنصرة، وفي ~~معنى: وعزرتموهم قولان: أحدهما: أنه الإعانة والنصر، قاله ابن عباس، ~~والحسن، ومجاهد وقتادة والسدي. والثاني: أنه التعظيم والتوقير، قاله عطاء ~~واليزيدي، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. # قوله تعالى: وأقرضتم الله قرضا حسنا في هذا الإقراض قولان: أحدهما: أنه ~~الزكاة الواجبة. # والثاني: صدقة التطوع. وقد شرحنا في البقرة معنى القرض الحسن. # قوله تعالى: فمن كفر بعد ذلك منكم يشير إلى الميثاق فقد ضل سواء السبيل ~~أي: أخطأ قصد الطريق. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 13] # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف ~~عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (13) # قوله تعالى: فبما نقضهم في الكلام محذوف، تقديره: فنقضوا، فبنقضهم ~~لعناهم. وفي المراد بهذه اللعنة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها التعذيب بالجزية، ~~قاله ابن عباس. والثاني: التعذيب بالمسخ، قاله الحسن، ومقاتل. والثالث: ~~الإبعاد من الرحمة، قاله عطاء، والزجاج. # قوله تعالى: وجعلنا قلوبهم قاسية قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: قاسية بالألف، يقال: قست، فهي قاسية، وقرأ حمزة، والكسائي، ~~والمفضل، عن عاصم: «قسية» بغير ألف مع تشديد الياء، لأنه قد يجيء فاعل ~~وفعيل، مثل شاهد وشهيد، وعالم وعليم. و «القسوة» : خلاف اللين والرقة. وقد ~~ذكرنا هذا في (البقرة) . PageV01P527 # وفي تحريفهم الكلم ثلاثة أقوال: أحدها: تغيير حدود ms0534 التوراة، قاله ابن ~~عباس. والثاني: تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل. والثالث: ~~تفسيره على غير ما أنزل، قاله الزجاج. # قوله تعالى: عن مواضعه مبين في (سورة النساء) . # قوله تعالى: ونسوا حظا مما ذكروا به النسيان هاهنا: الترك عن عمد. والحظ: ~~النصيب. # قال مجاهد: نسوا كتاب الله الذي أنزل عليهم، وقال غيره: تركوا نصيبهم من ~~الميثاق المأخوذ عليهم. # وفي معنى ذكروا به قولان: أحدهما: أمروا. والثاني: أوصوا. # قوله تعالى: ولا تزال تطلع على خائنة منهم وقرأ الأعمش «على خيانة منهم» ~~قال ابن قتيبة: # الخائنة: الخيانة. ويجوز أن تكون صفة للخائن، كما يقال: رجل طاغية، ~~وراوية للحديث. قال ابن عباس: وذلك مثل نقض قريظة عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وخروج كعب بن الأشرف إلى أهل مكة للتحريض على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلا قليلا منهم لم ينقضوا العهد، وهم عبد الله بن سلام ~~وأصحابه. وقيل: بل القليل ممن لم يؤمن. # قوله تعالى: فاعف عنهم واصفح واختلفوا في نسخها على قولين: # أحدهما: أنها منسوخة، قاله الجمهور. واختلفوا في ناسخها على ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنها آية السيف. والثاني: قوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ~~ولا باليوم الآخر ... «1» . والثالث: # قوله تعالى: وإما تخافن من قوم خيانة ... «2» . # (411) والثاني: أنها نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه ~~وسلم عهد، فغدروا، وأرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم فأظهره الله ~~عليهم، ثم أنزل الله هذه الآية، ولم تنسخ. # قال ابن جرير: يجوز أن يعفى عنهم في غدرة فعلوها، ما لم ينصبوا حربا، ولم ~~يمتنعوا من أداء الجزية والإقرار بالصغار، فلا يتوجه النسخ. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 14] # ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا ~~بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ~~(14) # قوله تعالى: ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم قال الحسن: إنما ~~قال: قالوا: # إنا نصارى، ولم يقل: من النصارى، ليدل على أنهم ليسوا على منهاج ms0535 النصارى ~~حقيقة، هم الذين اتبعوا المسيح. وقال قتادة: كانوا بقرية، يقال لها: ناصرة، ~~فسموا بهذا الاسم، قال مقاتل: أخذ عليهم الميثاق، كما أخذ على أهل التوراة ~~أن يؤمنوا بمحمد، فتركوا ما أمروا به. # قوله تعالى: فأغرينا بينهم قال النصر: هيجنا، وقال المؤرج: حرشنا بعضهم ~~على بعض وقال الزجاج: ألصقنا بهم ذلك، يقال: غريت بالرجل غرى مقصورا: إذا ~~لصقت به، هذا قول الأصمعي. PageV01P528 # وقال غير الأصمعي: غريت به غراء ممدود، وهذا الغراء الذي يغرى به إنما ~~يلصق به الأشياء، ومعنى أغرينا بينهم العداوة والبغضاء: أنهم صاروا فرقا ~~يكفر بعضهم بعضا. وفي الهاء والميم من قوله بينهم قولان: أحدهما: أنها ترجع ~~إلى اليهود والنصارى، قاله مجاهد وقتادة والسدي. الثاني: أنها ترجع إلى ~~النصارى خاصة، قاله الربيع. وقال الزجاج: هم النصارى، منهم النسطورية ~~واليعقوبية والملكية، وكل فرقة منهم تعادي الأخرى. وفي تمام الآية وعيد ~~شديد لهم. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 15] # يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ~~ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15) # قوله تعالى: يا أهل الكتاب فيهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود. والثاني: ~~اليهود والنصارى. و «الرسول» : محمد صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: يبين ~~لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب قال ابن عباس: أخفوا آية الرجم «1» ، ~~وأمر محمد عليه السلام وصفته ويعفوا عن كثير يتجاوز، فلا يخبرهم بكتمانه. ~~فان قيل: كيف كان له أن يمسك عن حق كتموه فلا يبينه؟ # فعنه جوابان: أحدهما: أنه كان متلقيا ما يؤمر به، فإذا أمر باظهار شيء من ~~أمرهم، أظهره، وأخذهم به، وإلا سكت. والثاني: أن عقد الذمة إنما كان على أن ~~يقروا على دينهم، فلما كتموا كثيرا مما أمروا به، واتخذوا غيره دينا، أظهر ~~عليهم ما كتموه من صفته وعلامة نبوته، لتتحقق معجزته عندهم، واحتكموا إليه ~~في الرجم، فأظهر ما كتموا مما يوافق شريعته، وسكت عن أشياء ليتحقق إقرارهم ~~على دينهم. قوله تعالى: قد جاءكم من الله نور قال قتادة: يعني بالنور: ms0536 ~~النبي محمدا صلى الله عليه وسلم. وقال غيره: هو الإسلام، فأما الكتاب ~~المبين، فهو القرآن. ### | [سورة المائدة (5) : آية 16] # يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور ~~بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم (16) # قوله تعالى: يهدي به الله يعني: بالكتاب. ورضوانه: ما رضيه الله تعالى. و ~~«السبل» ، جمع سبيل، قال ابن عباس: سبل السلام: دين الاسلام. وقال السدي: ~~«السلام» : هو الله، و «سبله» : # دينه الذي شرعه. قال الزجاج: وجائز أن يكون «سبل السلام» طريق السلامة ~~التي من سلكها سلم في دينه، وجائز أن يكون «السلام» اسم الله عز وجل، فيكون ~~المعنى: طرق الله عز وجل. قوله تعالى: # ويخرجهم من الظلمات قال ابن عباس: يعني الكفر إلى النور يعني: الإيمان ~~بإذنه أي: # بأمره ويهديهم إلى صراط مستقيم وهو الإسلام. وقال الحسن: طريق الحق. ### | [سورة المائدة (5) : آية 17] # لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله ~~شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير (17) ~~PageV01P529 # قوله تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قال ابن ~~عباس: هؤلاء نصارى أهل نجران، وذلك أنهم اتخذوه إلها قل فمن يملك من الله ~~شيئا أي: فمن يقدر أن يدفع من عذابه شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم ~~أي: فلو كان إلها كما تزعمون لقدر أن يرد أمر الله إذا جاءه بإهلاكه أو ~~إهلاك أمه، ولما نزل أمر الله بأمه، لم يقدر أن يدفع عنها. وفي قوله تعالى: # يخلق ما يشاء رد عليهم حيث قالوا للنبي: فهات مثله من غير أب «1» . فإن ~~قيل: فلم قال ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ولم يقل: وما بينهن؟ ~~فالجواب أن المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء، قاله ابن جرير. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 18] # وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل ~~أنتم ms0537 بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما وإليه المصير (18) # قوله تعالى: وقالت اليهود والنصارى قال مقاتل: هم يهود المدينة، ونصارى ~~نجران. وقال السدي: قالوا: إن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل: إن ولدك بكري ~~من الولد. فأدخلهم النار فيكونون فيها أربعين يوما حتى تطهرهم، وتأكل ~~خطاياهم، ثم ينادي مناد: أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل. # وقيل: إنهم لما قالوا: المسيح ابن الله، كان معنى قولهم: نحن أبناء الله ~~أي: منا ابن الله. وفي قوله: قل فلم يعذبكم بذنوبكم إبطال لدعواهم، لأن ~~الأب لا يعذب ولده، والحبيب لا يعذب حبيبه وهم يقولون: إن الله يعذبنا ~~أربعين يوما بالنار. وقيل: معنى الكلام: فلم عذب منكم من مسخه قردة ~~وخنازير؟ وهم أصحاب السبت والمائدة. # قوله تعالى: بل أنتم بشر ممن خلق أي: أنتم كسائر بني آدم تجازون بالإحسان ~~والإساءة. قال عطاء: يغفر لمن يشاء، وهم الموحدون، ويعذب من يشاء، وهم ~~المشركون. ### | [سورة المائدة (5) : آية 19] # يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير (19) # قوله تعالى: يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا. # (412) سبب نزولها: أن معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة، وعقبة بن وهب، قالوا: ~~يا معشر اليهود اتقوا الله، والله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، كنتم ~~تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه بصفته. فقال وهب بن يهوذا، ورافع: ما قلنا ~~هذا لكم، وما أنزل الله بعد موسى من كتاب، ولا أرسل رسولا بشيرا ولا نذيرا ~~بعده، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # فأما «الفترة» فأصلها السكون، يقال: فتر الشيء يفتر فتورا: إذا سكنت ~~حدته، وانقطع عما كان PageV01P530 # عليه، والطرف الفاتر: الذي ليس بحديد. والفتور: الضعف. وفي مدة الفترة ~~بين عيسى ومحمد عليهما السلام أربعة أقوال: أحدها: أنه كان بين عيسى ومحمد ~~عليهما السلام ستمائة سنة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سلمان ~~الفارسي، ومقاتل. والثاني: ms0538 خمسمائة سنة وستون سنة، قاله قتادة. # والثالث: أربع مائة وبضع وثلاثون سنة، قاله الضحاك. والرابع: خمسمائة سنة ~~وأربعون سنة، قاله ابن السائب. وقال أبو صالح عن ابن عباس على فترة من ~~الرسل أي: انقطاع منهم، قال: وكان بين ميلاد عيسى، وميلاد محمد عليهما ~~السلام خمسمائة سنة وتسعة وتسعون سنة، وهي فترة. وكان بعد عيسى أربعة من ~~الرسل، فذلك قوله تعالى: إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث «1» ~~. قال: والرابع لا أدري من هو. وكان بين تلك السنين مائة سنة، وأربع ~~وثلاثون نبوة وسائرها فترة. قال أبو سليمان الدمشقي: والرابع، والله أعلم: ~~خالد بن سنان الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (413) «نبي ضيعه قومه» . # قوله تعالى: أن تقولوا قال الفراء: كي لا تقولوا: مثل قوله تعالى: يبين ~~الله لكم أن تضلوا «2» . وقال غيره: لئلا تقولوا، وقيل: كراهة أن تقولوا. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 20] # وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء ~~وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20) # قوله تعالى: إذ جعل فيكم أنبياء فيهم قولان: أحدهما: أنهم السبعون الذين ~~اختارهم موسى، وانطلقوا معه إلى الجبل، جعلهم الله أنبياء بعد موسى وهارون، ~~وهذا قول ابن السائب ومقاتل. # والثاني: أنهم الأنبياء الذين أرسلوا من بني إسرائيل بعد موسى، ذكره ~~الماوردي. # وبماذا جعلهم ملوكا؟ فيه ثمانية أقوال: أحدها: بالمن والسلوى والحجر. ~~والثاني: بأن جعل للرجل منهم زوجة وخادما. والثالث: بالزوجة والخادم ~~والبيت، رويت هذه الثلاثة عن ابن عباس، وهذا الثالث اختيار الحسن، ومجاهد. ~~والرابع: بالخادم والبيت، قال عكرمة. والخامس: بتمليكهم الخدم. وكانوا أول ~~من ملك الخدم، ومن اتخذ خادما فهو ملك، قاله قتادة. والسادس: بكونهم أحرارا ~~يملك الإنسان منهم نفسه وأهله وماله، قاله السدي. والسابع: بالمنازل ~~الواسعة، فيها المياه الجارية، قاله الضحاك. والثامن: بأن جعل لهم الملك ~~والسلطان، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين اختلفوا فيمن خوطب بهذا ~~على قولين: # أحدهما: أنهم قوم موسى، وهذا مذهب ابن ms0539 عباس، ومجاهد. قال ابن عباس: ويعني ~~بالعالمين: الذين PageV01P531 # هم بين ظهرانيهم. وفي الذي آتاهم ثلاثة أقوال: أحدها: المن والسلوى ~~والحجر والغمام، رواه مجاهد عن ابن عباس وقال به. والثاني: أنه الدار ~~والخادم والزوجة، رواه عطاء عن ابن عباس. قال ابن جرير: # ما أوتي أحد من النعم في زمان قوم موسى ما أوتوا. والثالث: كثرة الأنبياء ~~فيهم، ذكره الماوردي. # والثاني: أن الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا مذهب سعيد بن ~~جبير وأبي مالك. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 21] # يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين (21) # قوله تعالى: يا قوم ادخلوا وقرأ ابن محيصن: «يا قوم ادخلوا» بضم الميم، ~~وكذلك «يا قوم اذكروا» و «يا قوم اعبدوا» «1» . وفي معنى المقدسة قولان: # أحدهما: المطهرة، قاله ابن عباس، والزجاج. قال: وقيل للسطل: القدس، لأنه ~~يتطهر منه، وسمي بيت المقدس، لأنه يتطهر فيه من الذنوب. وقيل: سماها مقدسة، ~~لأنها طهرت من الشرك، وجعلت مسكنا للأنبياء والمؤمنين. والثاني: أن ~~المقدسة: المباركة، قاله مجاهد. # وفي المراد بتلك الأرض أربعة أقوال: أحدها: أنها أريحا: رواه عكرمة عن ~~ابن عباس، وبه قال السدي، وابن زيد. قال السدي: أريحا هي أرض بيت المقدس. ~~وروي عن الضحاك أنه قال: المراد بهذه الأرض إيلياء وبيت المقدس. قال ابن ~~قتيبة: وقرأت في مناجاة موسى أنه قال: اللهم إنك اخترت من الأنعام الضائنة، ~~ومن الطير الحمامة، ومن البيوت بكة وإيلياء ومن إيلياء بيت المقدس، فهذا ~~يدل على أن إيلياء الأرض التي فيها بيت المقدس، وقرأت على شيخنا أبي منصور ~~اللغوي أن إيلياء بيت المقدس، وهو معرب. قال الفرزدق: # وبيتان بيت الله نحن ولاته ... وبيت بأعلى إيلياء مشرف # والثاني: أنها الطور وما حوله، رواه مجاهد عن ابن عباس وقال به. والثالث: ~~أنها دمشق وفلسطين وبعض الأردن، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والرابع: أنها ~~الشام كلها، قاله قتادة. # وفي قوله تعالى: التي كتب الله لكم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بمعنى أمركم ~~وفرض عليكم دخولها، قاله ابن ms0540 عباس، والسدي. والثاني: أنه بمعنى: وهبها الله ~~لكم، قاله محمد بن إسحاق. وقال ابن قتيبة: جعلها لكم. والثالث: كتب في ~~اللوح المحفوظ أنها مساكنكم. # فإن قيل: كيف قال: فإنها محرمة عليهم، وقد كتبها لهم؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أنه إنما جعلها لهم بشرط الطاعة، فلما عصوا حرمها عليهم. # والثاني: أنه كتبها لبني إسرائيل، وإليهم صارت، ولم يعن موسى أن الله ~~كتبها للذين أمروا بدخولها بأعيانهم. قال ابن جرير: ويجوز أن يكون الكلام ~~خرج مخرج العموم، وأريد به الخصوص فتكون مكتوبة لبعضهم، وقد دخلها يوشع، ~~وكالب. # قوله تعالى: ولا ترتدوا على أدباركم فيه قولان: # أحدهما: لا ترجعوا عن أمر الله إلى معصيته. والثاني: لا ترجعوا إلى الشرك ~~به. PageV01P532 ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 22] # قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن ~~يخرجوا منها فإنا داخلون (22) # قوله تعالى: إن فيها قوما جبارين قال الزجاج: الجبار من الآدميين: الذي ~~يجبر الناس على ما يريد، يقال: جبار: بين الجبرية، والجبرية بكسر الجيم ~~والباء، والجبروة والجبورة والتجبار والجبروت. وفي معنى وصفه هؤلاء ~~بالجبارين ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم كانوا ذوي قوة، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنهم كانوا عظام الخلق والأجسام، قاله قتادة. والثالث: أنهم كانوا ~~قتالين، قاله مقاتل. # (الإشارة إلى القصة) قال ابن عباس: لما نزل موسى وقومه بمدينة الجبارين، ~~بعث اثني عشر رجلا، ليأتوه بخبرهم، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في ~~كسائه، فأتى بهم المدينة، ونادى في قومه، فاجتمعوا، فقالوا لهم: من أين ~~أنتم؟ فقالوا: نحن قوم موسى بعثنا لنأتيه بخبركم، فأعطوهم حبة من عنب توقر ~~«1» الرجل، وقالوا لهم، قولوا لموسى وقومه: اقدروا قدر فاكههم، فلما رجعوا، ~~قالوا: يا موسى إن فيها قوما جبارين. وقال السدي: كان الذي لقيهم، يقال له: ~~عاج، يعني: عوج بن عناق، فأخذ الاثني عشر، فجعلهم في حجرته وعلى رأسه حزمة ~~حطب، وانطلق بهم إلى امرأته، فقال: انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم ~~يريدون قتالنا، فطرحهم بين يديها، قال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: ~~لا، بل خل ms0541 عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا. فلما خرجوا قالوا: يا قوم إن ~~أخبرتم بني إسرائيل بخبر القوم، ارتدوا عن نبي الله، فأخذوا الميثاق بينهم ~~على كتمان ذلك، فنكث عشرة، وكتم رجلان، وقال مجاهد: لما رأى النقباء ~~الجبارين، وجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا ~~خمسة أو أربعة، ويدخل في شطر الرمانة إذ نزع حبها خمسة أو أربعة، فرجع ~~النقباء كلهم ينهى سبطه عن قتالهم إلا يوشع، وابن يوقنا «2» . ### | [سورة المائدة (5) : آية 23] # قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا ~~دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23) # قوله تعالى: قال رجلان من الذين يخافون في الرجلين ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنهما يوشع بن نون، وكالب بن يوقنة، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ابن يوقنا، ~~وهما من النقباء. والثاني: أنهما كانا من الجبارين فأسلما، روي عن ابن ~~عباس. والثالث: أنهما كانا في مدينة الجبارين، وهما على دين موسى، قاله ~~الضحاك. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو رجاء، وأيوب: «يخافون» ~~بضم الياء، على معنى أنهما كانا من العدو، فخرجا مؤمنين. وفي معنى «خوفهم» ~~ثلاثة أقوال: أحدها: # أنهم خافوا الله وحده. والثاني: خافوا الجبارين، ولم يمنعهم خوفهم قول ~~الحق. والثالث: يخاف منهم، على قراءة ابن جبير. وفيما أنعم به عليهما أربعة ~~أقوال: أحدها: الإسلام، قاله ابن عباس. PageV01P533 # والثاني: الصلاح والفضل واليقين، قاله عطاء. والثالث: الهدى، قاله ~~الضحاك. والرابع: الخوف، ذكره ابن جرير عن بعض السلف. قوله تعالى: ادخلوا ~~عليهم الباب قال ابن عباس: قال الرجلان: # ادخلوا عليهم باب القرية فانهم قد ملئوا منا رعبا وفرقا. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 24] # قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا ~~إنا هاهنا قاعدون (24) # قوله تعالى: فاذهب أنت وربك فقاتلا قال ابن زيد: قالوا له: انظر كما صنع ~~ربك بفرعون وقومه، فليصنع بهؤلاء. وقال مقاتل: فاذهب أنت وسل ربك النصر. ~~وقال غيرهما: اذهب أنت وليعنك ربك. # (414) قال ابن مسعود: لقد ms0542 شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي ~~مما عدل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا ~~نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ~~ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك. # فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرق لذلك وجهه وسر به. # (415) وقال أنس: استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم خرج إلى ~~بدر، فأشار عليه أبو بكر، ثم استشارهم، فأشار عليه عمر فسكت، فقال رجل من ~~الأنصار: إنما يريدكم، فقالوا: يا رسول الله! لا نقول لك كما قالت بنو ~~إسرائيل لموسى: اذهب وأنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن والله لو ~~ضربت أكبادها حتى تبلغ برك الغماد لكنا معك. ### | [سورة المائدة (5) : آية 25] # قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25) # قوله تعالى: لا أملك إلا نفسي وأخي فيه قولان: أحدهما: لا أملك إلا نفسي، ~~وأخي لا يملك إلا نفسه. والثاني: لا أملك إلا نفسي وإلا أخي، أي: وأملك ~~طاعة أخي، لأن أخاه إذا أطاعه فهو كالملك له، وهذا على وجه المجاز، كما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # (416) «ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر» فبكى أبو بكر، وقال: هل ~~أنا ومالي إلا لك يا رسول الله، يعني: أني متصرف حيث صرفتني، وأمرك جائز في ~~مالي. # قوله تعالى: فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين قال ابن عباس: اقض بيننا ~~وبينهم. وقال أبو عبيدة: باعد، وافصل، وميز. وفي المراد بالفاسقين ثلاثة ~~أقوال: أحدها: العاصون، قاله ابن عباس. PageV01P534 # والثاني: الكاذبون، قاله ابن زيد. والثالث: الكافرون، قاله أبو عبيدة، ~~قال السدي: غضب موسى حين قالوا له: اذهب أنت وربك، فدعا عليهم، وكانت عجلة ~~من موسى عجلها. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 26] # قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم ~~الفاسقين (26) # قوله تعالى: فإنها محرمة عليهم الإشارة إلى الأرض ms0543 المقدسة. ومعنى تحريمها ~~عليهم: منعهم منها. فأما نصب «الأربعين» ، فقال الفراء: هو منصوب بالتحريم، ~~وجائز أن يكون منصوبا ب «يتيهون» . وقال الزجاج: لا يجوز أن ينتصب ~~بالتحريم، لأن التفسير جاء أنها محرمة عليهم أبدا، قلت: وقد اختلف المفسرون ~~في ذلك، فذهب الأكثرون، منهم عكرمة، وقتادة، إلى ما قال الزجاج، وأنها حرمت ~~عليهم أبدا، قال عكرمة: فإنها محرمة عليهم أبدا يتيهون في الأرض أربعين ~~سنة، وذهب قوم، منهم الربيع بن أنس، إلى أنها حرمت عليهم أربعين سنة، ثم ~~أمروا بالسير إليها، وهذا اختيار ابن جرير. قال: إنما نصبت بالتحريم، ~~والتحريم كان عاما في حق الكل، ولم يدخلها في هذه المدة منهم أحد، فلما ~~انقضت، أذن لمن بقي منهم بالدخول مع ذراريهم. قال أبو عبيدة: ومعنى: ~~يتيهون: # يحورون ويضلون. # (الإشارة إلى قصتهم) قال ابن عباس: حرم الله على الذين عصوا دخول بيت ~~المقدس، فلبثوا في تيههم أربعين سنة، وماتوا في التيه، ومات موسى وهارون، ~~ولم يدخل بيت المقدس إلا يوشع وكالب بأبناء القوم، وناهض يوشع بمن بقي معه ~~مدينة الجبارين فافتتحها. وقال مجاهد: تاهوا أربعين سنة يصبحون حيث أمسوا، ~~ويمسون حيث أصبحوا. وقال السدي: لما ضرب الله عليهم التيه، ندم موسى على ~~دعائه عليهم، وقالوا له: ما صنعت بنا، أين الطعام؟ فأنزل الله المن. قالوا: ~~فأين الشراب؟ فأمر موسى أن يضرب بعصاه الحجر. قالوا: فأين الظل؟ فظلل عليهم ~~الغمام. قالوا: فأين اللباس؟ وكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان، ولا ~~يتخرق لهم ثوب، وقبض موسى ولم يبق أحد ممن أبى دخول قرية الجبارين إلا مات، ~~ولم يشهد الفتح. وفيه قول آخر أنه لما مضت الأربعون خرج موسى ببني إسرائيل ~~من التيه، وقال لهم: ادخلوا هذه القرية، فكلوا منها حيث شئتم رغدا، وادخلوا ~~الباب سجدا، وقولوا حطة ... إلى آخر القصة. وهذا قول الربيع بن أنس، وعبد ~~الرحمن بن زيد. قال ابن جرير الطبري، وأبو سليمان الدمشقي: وهذا الصحيح، ~~وأن موسى هو الذي فتح مدينة الجبارين مع الصالحين من بني إسرائيل، لأن أهل ~~السيرة ms0544 أجمعوا على أن موسى هو قاتل عوج، وكان عوج ملكهم، وكان بلعم بن ~~باعوراء فيمن سباه موسى وقتله، ولم يدخل مع موسى من قدمائهم غير يوشع ~~وكالب، وإنما حرمت على الذين لم يطيعوا. وفي مسافة أرض التيه قولان: ~~أحدهما: تسعة فراسخ، قاله ابن عباس. قال مقاتل: هذا عرضها، وطولها ثلاثون ~~فرسخا. والثاني: ستة فراسخ في طول اثني عشر فرسخا، حكاه مقاتل أيضا. # قوله تعالى: فلا تأس على القوم الفاسقين قال الزجاج: لا تحزن على قوم ~~شأنهم المعاصي، ومخالفة الرسل. وقال ابن قتيبة: يقال أسيت على كذا، أي: ~~حزنت، فأنا آسي أسى. # PageV01P535 ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 27] # واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل ~~من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) # قوله تعالى: واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق النبأ: الخبر. وفي ابني آدم ~~قولان: # أحدهما: أنهما ابناه لصلبه، وهما قابيل وهابيل، قاله ابن عمر، وابن عباس، ~~ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنهما أخوان من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وهذا ~~قول الحسن، والعلماء على الأول، وهو أصح لقوله تعالى: ليريه كيف يواري سوأة ~~أخيه «1» ولو كان من بني إسرائيل، لكان قد عرف الدفن. # (417) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال عنه: «إنه أول من سن القتل» . # وقوله تعالى: بالحق أي: كما كان. والقربان: فعلان من القرب، وقد ذكرناه ~~في آل عمران. # وفي السبب الذي قربا لأجله قولان: أحدهما: أن آدم عليه السلام كان قد نهي ~~أن ينكح المرأة أخاها الذي هو توأمها، وأجيز له أن ينكحها غيره من إخوتها، ~~وكان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فولدت له ابنة وسيمة، وأخرى دميمة، فقال ~~أخو الدميمة لأخي الوسيمة: أنكحني أختك، وأنكحك أختى، فقال أخو الوسيمة: ~~أنا أحق بأختي، وكان أخو الوسيمة صاحب حرث، وأخو الدميمة صاحب غنم، فقال: ~~هلم فلنقرب قربانا، فأينا تقبل قربانه فهو أحق بها، فجاء صاحب الغنم بكبش ~~أبيض أعين أقرن، وجاء صاحب الحرث بصبرة «2» من طعام، فتقبل ms0545 الكبش، فخزنه ~~الله في الجنة أربعين خريفا، فهو الذي ذبحه إبراهيم، فقتله صاحب الحرث، ~~فولد آدم كلهم من ذلك الكافر، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: ~~أنهما قرباه من غير سبب. روى العوفي عن ابن عباس أن ابني آدم كانا قاعدين ~~يوما، فقالا: لو قربنا قربانا، فجاء صاحب الغنم بخير غنمه وأسمنها، وجاء ~~الآخر ببعض زرعه، فنزلت النار، فأكلت الشاة، وتركت الزرع، فقال لأخيه: ~~أتمشي في الناس وقد علموا أن قربانك تقبل، وأنك خير مني لأقتلنك. # واختلفوا هل قابيل وأخته ولدا قبل هابيل وأخته، أم بعدهما؟ على قولين، ~~وهل كان قابيل كافرا أو فاسقا غير كافر؟ فيه قولان: وفي سبب قبول قربان ~~هابيل قولان: أحدهما: أنه كان أتقى الله من قابيل. والثاني: أنه تقرب بخيار ~~ماله، وتقرب قابيل بشر ماله. وهل كان قربانهما بأمر آدم، أم من قبل ~~أنفسهما؟ فيه قولان: أحدهما: أنه كان وآدم قد ذهب إلى زيارة البيت. ~~والثاني: أن آدم أمرهما بذلك. PageV01P536 # وهل قتل هابيل بعد تزويج أخت قابيل، أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه قتله ~~قبل ذلك لئلا يصل إليها. # والثاني: أنه قتله بعد نكاحها. # قوله تعالى: قال لأقتلنك وروى زيد عن يعقوب: «لأقتلنك» بسكون النون ~~وتخفيفها. # والقائل: هو الذي لم يتقبل منه. قال الفراء: إنما حذف ذكره، لأن المعنى ~~يدل عليه، ومثل ذلك في الكلام أن تقول: إذا رأيت الظالم والمظلوم أعنت، ~~وإذا اجتمع السفيه والحليم حمد، وإنما كان ذلك، لأن المعنى لا يشكل، فلو ~~قلت: مر بي رجل وامرأة، فأعنت، وأنت تريد أحدهما، لم يجز، لأنه ليس هناك ~~علامة تدل على مرادك. وفي المراد بالمتقين قولان: أحدهما: أنهم الذين يتقون ~~المعاصي، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم الذين يتقون الشرك، قاله الضحاك. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 28] # لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب ~~العالمين (28) # قوله تعالى: ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك فيه قولان: أحدهما: أما أنا ~~بمنتصر لنفسي، قاله ابن عباس. والثاني: ما كنت ms0546 لأبتدئك، قاله عكرمة. وفي ~~سبب امتناعه من دفعه عنه قولان: أحدهما: # أنه منعه التحرج مع قدرته على الدفع وجوازه له، قاله ابن عمر وابن عباس. ~~والثاني: أن دفع الانسان عن نفسه لم يكن في ذلك الوقت جائزا، قاله الحسن ~~ومجاهد. # وقال ابن جرير: ليس في الآية دليل على أن المقتول علم عزم القاتل على ~~قتله، ثم ترك الدفع عن نفسه، وقد ذكر أنه قتله غيلة، فلا يدعى ما ليس في ~~الآية إلا بدليل. ### | [سورة المائدة (5) : آية 29] # إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ~~(29) # قوله تعالى: إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فيه قولان: # أحدهما: إني أريد أن ترجع بإثم قتلي وإثمك الذي في عنقك، هذا قول ابن ~~مسعود، وابن عباس. ومجاهد، وقتادة، والضحاك. والثاني: أن تبوء بإثمي في ~~خطاياي، وإثمك في قتلك لي، وهو مروي عن مجاهد أيضا. قال ابن جرير: والصحيح ~~عن مجاهد القول الأول. # (418) وقد روى البخاري ومسلم في «صحيحيهما» من حديث ابن مسعود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول ~~من سن القتل» . # فإن قيل: كيف أراد هابيل وهو من المؤمنين أن يبوء قابيل بالإثم وهو ~~معصية، والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ فعنه ثلاثة أجوبة «1» : أحدها: أنه ~~ما أراد لأخيه الخطيئة، وإنما أراد: إن قتلتني أردت أن تبوء بالإثم، وإلى ~~هذا المعنى ذهب الزجاج. والثاني: أن في الكلام محذوفا، وتقديره: إني ~~PageV01P537 # أريد أن لا تبوء بإثمي وإثمك، فحذف «لا» كقوله تعالى: وألقى في الأرض ~~رواسي أن تميد بكم أي: أن لا تميد بكم، ومنه قول امرئ القيس: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي «1» # أراد: لا أبرح. وهذا مذهب ثعلب. والثالث: أن المعنى: أريد زوال أن تبوء ~~باثمي وإثمك، وبطلان أن تبوء باثمي وإثمك. فحذف ذلك، وقامت «أن» مقامه، ~~كقوله تعالى: وأشربوا في قلوبهم العجل «2» أي: حب العجل، ذكره والذي ms0547 قبله ~~ابن الأنباري. # قوله تعالى: وذلك جزاء الظالمين الإشارة إلى مصاحبة النار. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 30] # فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) # قوله تعالى: فطوعت له نفسه فيه خمسة أقوال: أحدها: تابعته على قتل أخيه، ~~قاله ابن عباس. والثاني: شجعته، قاله مجاهد. والثالث: زينت له، قاله قتادة. ~~والرابع: رخصت له، قاله أبو الحسن الأخفش. والخامس: أن «طوعت» فعلت من ~~«الطوع» والعرب تقول: طاع لهذه الظبية أصول هذا الشجر، وطاع له كذا، أي: ~~أتاه طوعا، حكاه الزجاج عن المبرد. وقال ابن قتيبة: شايعته وانقادت له، ~~يقال: لساني لا يطوع بكذا، أي: لا ينقاد، وهذه المعاني تتقارب. # وفي كيفية قتله ثلاثة أقوال: أحدها: أنه رماه بالحجارة حتى قتله، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: ضرب رأسه بصخرة وهو نائم، رواه مجاهد عن ابن عباس، والسدي عن ~~أشياخه. والثالث: # رضخ رأسه بين حجرين، قال ابن جريج: لم يدر كيف يقتله، فتمثل له إبليس، ~~وأخذ طائرا فوضع رأسه على حجر، ثم شدخه بحجر آخر، ففعل به هكذا، وكان ل ~~«هابيل» يومئذ عشرون سنة. وفي موضع مصرعه ثلاثة أقوال: أحدها: على جبل ثور، ~~قاله ابن عباس. والثاني: بالبصرة، قاله جعفر الصادق. # والثالث: عند عقبة حراء، حكاه ابن جرير الطبري. # وفي قوله تعالى: فأصبح من الخاسرين ثلاثة أقوال: أحدها: من الخاسرين ~~الدنيا والآخرة، فخسرانه الدنيا: أنه أسخط والديه، وبقي بلا أخ، وخسرانه ~~الآخرة: أنه أسخط ربه، وصار إلى النار، قاله ابن عباس. والثاني أنه أصبح من ~~الخاسرين الحسنات، قاله الزجاج. والثالث: من الخاسرين أنفسهم بإهلاكهم ~~إياها، قاله القاضي أبو يعلى. ### | [سورة المائدة (5) : آية 31] # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى ~~أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين (31) # قوله تعالى: فبعث الله غرابا يبحث قال ابن عباس: حمله على عاتقه، فكان ~~إذا مشى تخط يداه ورجلاه في الأرض، وإذا قعد وضعه إلى جنبه حتى رأى غرابين ~~اقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، ثم ms0548 بحث PageV01P538 # له الأرض حتى واراه بعد أن حمله سنين. وقال مجاهد: حمله على عاتقه مائة ~~سنة. وقال عطية: حمله حتى أروح «1» . وقال مقاتل: حمله ثلاثة أيام. # وفي المراد بسوأة أخيه قولان: أحدهما: عورة أخيه. والثاني: جيفة أخيه. # قوله تعالى: فأصبح من النادمين، فان قيل: أليس الندم توبة، فلم لم يقبل ~~منه؟ فعنه أربعة أجوبة: أحدها: أنه يجوز أن لا يكون الندم توبة لمن تقدمنا، ~~ويكون توبة لهذه الأمة، لأنها خصت بخصائص لم تشارك فيها، قاله الحسن بن ~~الفضل. والثاني: أنه ندم على حمله لا على قتله. والثالث: # أنه ندم إذ لم يواره حين قتله. والرابع: أنه ندم على فوات أخيه، لا على ~~ركوب الذنب. وفي هذه القصة تحذير من الحسد، لأنه الذي أهلك قابيل. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 32] # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد ~~جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (32) # قوله تعالى: من أجل ذلك قال الضحاك: من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلما، ~~وقال أبو عبيدة: من جناية ذلك، ومن جري ذلك. قال الشاعر: # وأهل خباء صالح ذات بينهم ... قد احتربوا في عاجل أنا آجله «2» # أي: جانيه وجار ذلك عليهم. وقال قوم: الكلام متعلق بما قبله، والمعنى: ~~فأصبح من النادمين من أجل ذلك. فعلى هذا يحسن الوقف هاهنا، وعلى الأول لا ~~يحسن الوقف. والأول أصح. # وكتبنا بمعنى: فرضنا. ومعنى قتل نفسا بغير نفس أي: قتلها ظلما ولم تقتل ~~نفسا. أو فساد في الأرض «فساد» منسوق على نفس، المعنى: أو بغير فساد تستحق ~~به القتل. وقيل: أراد بالفساد هاهنا: الشرك. # وفي معنى قوله تعالى: فكأنما قتل الناس جميعا خمسة أقوال: أحدها: أن عليه ~~إثم من قتل الناس جميعا، قاله الحسن، والزجاج. والثاني: أنه يصلى النار ~~بقتل المسلم، كما لو قتل الناس جميعا، قاله مجاهد، وعطاء. وقال ابن قتيبة: ~~يعذب كما يعذب ms0549 قاتل الناس جميعا. والثالث: أنه يجب عليه من القصاص مثل ما ~~لو قتل الناس جميعا، قاله ابن زيد. والرابع: أن معنى الكلام: ينبغي لجميع ~~الناس أن يعينوا ولي المقتول حتى يقيدوه منه، كما لو قتل أولياءهم جميعا، ~~ذكره القاضي أبو يعلى. # والخامس: أن المعنى: من قتل نبيا أو إماما عادلا، فكأنما قتل الناس ~~جميعا، رواه عكرمة عن ابن عباس. والقول بالعموم أصح. # فإن قيل: إذا كان إثم قاتل الواحد كاثم من قتل الناس جميعا، دل هذا على ~~أنه لا إثم عليه في PageV01P539 # قتل من يقتله بعد قتل الواحد إلى أن يفنى الناس؟ فالجواب: أن المقدار ~~الذي يستحقه قاتل الناس جميعا معلوم عند الله محدود، فالذي يقتل الواحد ~~يلزمه ذلك الإثم المعلوم، والذي يقتل الاثنين يلزمه مثلاه، وكلما زاد قتلا ~~زاده الله إثما، ومثل هذا قوله تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها «1» ~~فالحسنة معلوم عند الله مقدار ثوابها، فعاملها يعطى بمثل ذلك عشر مرات. ~~وهذا الجواب عن سؤال سائل إن قال: إذا كان من أحيا نفسا فله ثواب من أحيا ~~الناس، فما ثواب من أحيا الناس كلهم؟ هذا كله منقول عن المفسرين. والذي ~~أراه أن التشبيه بالشيء تقريب منه، لأنه لا يجوز أن يكون إثم قاتل شخصين ~~كإثم قاتل شخص، وإنما وقع التشبيه ب «كأنما» ، لأن جميع الخلائق من شخص ~~واحد، فالمقتول يتصور منه نشر عدد الخلق كلهم. # وفي قوله تعالى: ومن أحياها خمسة أقوال: أحدها: استنقذها من هلكة، روي عن ~~ابن مسعود، ومجاهد. قال الحسن. من أحياها من غرق أو حرق أو هلاك. وفي رواية ~~عكرمة عن ابن عباس: من شد عضد نبي أو إمام عادل، فكأنما أحيا الناس جميعا. ~~والثاني: ترك قتل النفس المحرمة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~مجاهد في رواية. والثالث: أن يعفو أولياء المقتول عن القصاص، قاله الحسن ~~وابن زيد وابن قتيبة. والرابع: أن يزجر عن قتلها وينهى. والخامس: أن يعين ~~الولي على استيفاء القصاص لأن في القصاص حياة، ذكرهما القاضي ms0550 أبو يعلى. وفي ~~قوله تعالى: # فكأنما أحيا الناس جميعا قولان: أحدهما: فله أجر من أحيا الناس جميعا، ~~قاله الحسن وابن قتيبة. والثاني: فعلى جميع الناس شكره كما لو أحياهم، ذكره ~~الماوردي. قوله تعالى: ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات يعني: بني إسرائيل الذين ~~جرى ذكرهم. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 33] # إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) # قوله تعالى: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله في سبب نزولها أربعة ~~أقوال: # (419) أحدها: أنها نزلت في ناس من عرينة قدموا المدينة، فاجتووها، فبعثهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في PageV01P540 # إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا، فصحوا، ~~وارتدوا عن الاسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فأرسل رسول الله في ~~آثارهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم، وألقاهم ~~بالحرة حتى ماتوا، ونزلت هذه الآية، رواه قتادة عن أنس، وبه قال سعيد بن ~~جبير، والسدي. # (420) والثاني: أن قوما من أهل الكتاب كان بينهم وبين النبي صلى الله ~~عليه وسلم عهد وميثاق، فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله ~~بهذه الآية: إن شاء أن يقتلهم، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. ~~رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. # (421) والثالث: أن أصحاب أبي بردة الأسلمي قطعوا الطريق على قوم جاءوا ~~يريدون الاسلام، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # (422) وقال ابن السائب: كان أبو بردة، واسمه هلال بن عويمر، وادع النبي ~~صلى الله عليه وسلم على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين ~~لم يهج، ومن مر بهلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهج، فمر قوم من ~~بني كنانة يريدون الاسلام بناس من قوم هلال، فنهدوا إليهم، فقتلوهم وأخذوا ~~أموالهم، ولم يكن هلال حاضرا، فنزلت هذه الآية. # والرابع: أنها نزلت في المشركين، رواه ms0551 عكرمة عن ابن عباس وبه قال الحسن ~~«1» . # واعلم أن ذكر «المحاربة» لله عز وجل في الآية مجاز. وفي معناها للعلماء ~~قولان: أحدهما: أنه سماهم محاربين له تشبيها بالمحاربين حقيقة، لأن المخالف ~~محارب، وإن لم يحارب. فيكون المعنى: PageV01P541 # يخالفون الله ورسوله بالمعاصي. والثاني: أن المراد: يحاربون أولياء الله، ~~وأولياء رسوله. وقال سعيد بن جبير: أراد بالمحاربة لله ورسوله، الكفر بعد ~~الاسلام. وقال مقاتل: أراد بها الشرك «1» . فأما «الفساد» فهو القتل ~~والجراح وأخذ الأموال، وإخافة السبيل. # قوله تعالى: أن يقتلوا أو يصلبوا اختلف العلماء هل هذه العقوبة على ~~الترتيب، أم على التخيير؟ فمذهب أحمد رضي الله عنه أنها على الترتيب «2» ، ~~وأنهم إذا قتلوا، وأخذوا المال، أو قتلوا ولم يأخذوا، قتلوا وصلبوا، وإن ~~أخذوا المال، ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن لم يأخذوا ~~المال، نفوا. قال ابن الأنباري: فعلى هذا تكون «أو» مبعضة، فالمعنى: بعضهم ~~يفعل به كذا، وبعضهم كذا، ومثله قوله تعالى: كونوا هودا أو نصارى «3» ~~المعنى: قال بعضهم هذا، وقال بعضهم هذا. وهذا القول اختيار أكثر اللغويين. ~~وقال الشافعي: إذا قتلوا وأخذوا المال، قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم ~~يأخذوا المال، قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا، قطعت أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف. وقال مالك: الإمام مخير في إقامة أي الحدود شاء، سواء ~~قتلوا أو لم يقتلوا، أخذوا المال أو لم يأخذوا، والصلب بعد القتل. وقال أبو ~~حنيفة، ومالك: يصلب ويبعج برمح حتى يموت. # واختلفوا في مقدار زمان الصلب. فعندنا أنه يصلب بمقدار ما يشتهر صلبه. ~~واختلف أصحاب الشافعي، فقال بعضهم: ثلاثة أيام، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال ~~بعضهم: يترك حتى يسيل صديده. # قال أبو عبيدة: معنى «من خلاف» أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، يخالف ~~بين قطعهما. فأما «النفي» فأصله الطرد والإبعاد. وفي صفة نفيهم أربعة ~~أقوال: أحدها: إبعادهم من بلاد الاسلام إلى دار الحرب، قاله أنس بن مالك، ~~والحسن، وقتادة، وهذا إنما يكون في حق المحارب المشرك، فأما المسلم فلا ~~ينبغي أن يضطر إلى ذلك. والثاني: أن ms0552 يطلبوا لتقام عليهم الحدود، فيبعدوا، ~~قاله ابن عباس، ومجاهد. والثالث: إخراجهم من مدينتهم إلى مدينة أخرى، قاله ~~سعيد بن جبير. وقال مالك: # ينفى إلى بلد غير بلده، فيحبس هناك. والرابع: أنه الحبس، قاله أبو حنيفة ~~وأصحابه. وقال أصحابنا: # صفة النفي: أن يشرد ولا يترك يأوي في بلد، فكلما حصل في بلد نفي إلى بلد ~~غيره. وفي «الخزي» PageV01P542 # قولان: أحدهما: أنه العقاب. والثاني: الفضيحة. # وهل يثبت لهم حكم المحاربين في المصر، أم لا؟ ظاهر كلام أصحابنا أنه لا ~~يثبت لهم ذلك في المصر وهو قول أبي حنيفة. وقال الشافعي، وأبو يوسف: المصر ~~والصحارى سواء «1» ، ويعتبر في المال المأخوذ قدر نصاب، كما يعتبر في حق ~~السارق، خلافا لمالك. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 34] # إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34) # قوله تعالى: إلا الذين تابوا قال أكثر المفسرين: هذا الاستثناء في ~~المحاربين المشركين إذا تابوا من شركهم وحربهم وفسادهم، وآمنوا قبل القدرة ~~عليهم، فلا سبيل عليهم فيما أصابوا من مال أو دم، وهذا لا خلاف فيه. فأما ~~المحاربون المسلمون، فاختلفوا فيهم، ومذهب أصحابنا: أن حدود الله تسقط عنهم ~~من انحتام القتل والصلب والقطع والنفي. فأما حقوق الآدميين من الجراح ~~والأموال، فلا تسقطها التوبة، وهذا قول الشافعي «2» . ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 35 الى 37] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله ~~لعلكم تفلحون (35) إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم (36) يريدون ~~أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم (37) # قوله تعالى: وابتغوا إليه الوسيلة في «الوسيلة» قولان: # أحدهما: أنها القربة، قاله ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، والفراء. وقال ~~قتادة: تقربوا إليه بما يرضيه. قال أبو عبيدة: يقال: توسلت إليه، أي: تقربت ~~إليه. وأنشد: PageV01P543 # إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا ... وعاد التصافي بيننا والوسائل «1» # والثاني: المحبة، يقول: تحببوا إلى الله، هذا قول ابن زيد. ### | [سورة المائدة (5) : آية 38] # والسارق ms0553 والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله ~~عزيز حكيم (38) # قوله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما قال ابن السائب: نزلت في ~~طعمة بن أبيرق «2» ، وقد مضت قصته في سورة النساء. وو السارق: إنما سمي ~~سارقا، لأنه يأخذ الشيء في خفاء، واسترق السمع: إذا تسمع مستخفيا. قال ~~المبرد: والسارق هاهنا مرفوع بالابتداء، لأنه ليس القصد منه واحدا بعينه، ~~وإنما هو، كقولك: من سرق فاقطع يده. وقال ابن الأنباري: وإنما دخلت الفاء، ~~لأن في الكلام معنى الشرط، تقديره: من سرق فاقطعوا يده، قال الفراء: وإنما ~~قال: فاقطعوا أيديهما لأن كل شيء موحد من خلق الإنسان إذا ذكر مضافا إلى ~~اثنين فصاعدا، جمع، تقول: قد هشمت رؤوسهما وملأت ظهورهما وبطونهما ضربا، ~~ومثله فقد صغت قلوبكما «3» وإنما اختير الجمع على التثنية، لأن أكثر ما ~~تكون عليه الجوارح اثنين اثنين في الانسان: اليدين، والرجلين، والعينين، ~~فلما جرى أكثره على هذا، ذهب بالواحد منه إذا أضيف إلى اثنين مذهب التثنية، ~~وقد يجوز تثنيتهما. # قال أبو ذؤيب. # فتخالسا نفسيهما بنوافذ ... كنوافذ العبط التي لا ترقع «4» # فصل: وهذه الآية اقتضت وجوب القطع على كل سارق «5» ، وبينت السنة أن ~~المراد به السارق لنصاب من حرز مثله، كما قال تعالى: فاقتلوا المشركين» . # (423) ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء، والصبيان، وأهل ~~الصوامع. واختلف في مقدار النصاب، فمذهب أصحابنا: أن للسرقة نصابين: ~~أحدهما: من الذهب ربع دينار، ومن الورق ثلاثة دراهم، أو PageV01P544 # قيمة ثلاثة دراهم من العروض وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة: لا يقطع حتى ~~تبلغ السرقة عشرة دراهم. وقال الشافعي: الاعتبار في ذلك بربع دينار، وغيره ~~مقوم به، فلو سرق درهمين قيمتهما ربع دينار، قطع، فان سرق نصابا من التبر، ~~فعليه القطع. وقال أبو حنيفة: لا يقطع حتى يبلغ ذلك نصابا مضروبا، فان سرق ~~منديلا لا يساوي نصابا، في طرفه دينار، وهو لا يعلم، لا يقطع. وقال ~~الشافعي: # يقطع. فإن سرق ستارة الكعبة، قطع، خلافا لأبي حنيفة. فإن سرق صبيا صغيرا ~~حرا، لم يقطع، وإن ms0554 كان على الصغير حلي. وقال مالك: يقطع بكل حال. وإذا ~~اشترك جماعة في سرقة نصاب، قطعوا «1» ، وبه قال مالك، إلا أنه اشترط أن ~~يكون المسروق ثقيلا يحتاج إلى معاونة بعضهم لبعض في إخراجه. # وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا قطع عليه بحال ويجب القطع على جاحد العارية ~~عندنا، وبه قال سعيد بن المسيب، والليث بن سعد، خلافا لأكثر الفقهاء. # فصل: فأما الحرز، فهو ما جعل للسكنى، وحفظ الأموال، كالدور والمضارب ~~والخيم التي يسكنها الناس، ويحفظون أمتعتهم بها، فكل ذلك حرز، وإن لم يكن ~~فيه حافظ ولا عنده، وسواء سرق من ذلك وهو مفتوح الباب، أو لا باب له إلا ~~أنه محجر بالبناء. فأما ما كان في غير بناء ولا خيمة، فإنه ليس في حرز إلا ~~أن يكون عنده من يحفظه. ونقل الميموني عن أحمد: إذا كان المكان مشتركا في ~~الدخول إليه، كالحمام والخيمة لم يقطع السارق منه، ولم يعتبر الحافظ. ونقل ~~عنه ابن منصور: لا يقطع سارق الحمام إلا أن يكون على المتاع أجير حافظ. ~~فأما النباش، فقال أحمد في رواية أبي طالب: # يقطع، وبه قال مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى. وقال الثوري، والأوزاعي، ~~وأبو حنيفة: لا يقطع. # فصل: فأما موضع قطع السارق «2» ، فمن مفصل الكف، ومن مفصل الرجل. فأما ~~اليد اليسرى PageV01P545 # والرجل اليمنى، فروي عن أحمد: لا تقطع، وهو قول أبي بكر، وعمر، وعلي، ~~وأبي حنيفة، وروي عنه: أنها تقطع، وبه قال مالك، والشافعي. ولا يثبت القطع ~~إلا باقراره مرتين، وبه قال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو يوسف. وقال أبو ~~حنيفة، ومالك، والشافعي: يثبت بمرة. ويجتمع القطع والغرم موسرا كان أو ~~معسرا. وقال أبو حنيفة: لا يجتمعان، فان كانت العين باقية أخذها ربها، وإن ~~كانت مستهلكة، فلا ضمان. وقال مالك: يضمنها إن كان موسرا، ولا شيء عليه إن ~~كان معسرا «1» . # قوله تعالى: نكالا من الله قد ذكرنا «النكال» في البقرة. قوله تعالى: ~~والله عزيز حكيم قال سعيد بن جبير: شديد في انتقامه، حكيم إذا حكم بالقطع. ~~قال الأصمعي: قرأت ms0555 هذه الآية، وإلى جنبي أعرابي، فقلت: والله غفور رحيم، ~~سهوا، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ قلت: كلام الله. قال: أعد فأعدت: والله ~~غفور رحيم، فقال: ليس هذا كلام الله، فتنبهت، فقلت: والله عزيز حكيم. فقال: # أصبت، هذا كلام الله. فقلت له: أتقرأ القرآن؟ قال: لا. قلت: فمن أين علمت ~~أني أخطأت؟ فقال: يا هذا عز فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع. ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 39 الى 40] # فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم (39) ~~ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ~~والله على كل شيء قدير (40) # قوله تعالى: فمن تاب من بعد ظلمه. سبب نزولها: PageV01P546 # (424) أن امرأة كانت قد سرقت، فقالت: يا رسول الله هل لي من توبة؟ فنزلت ~~هذه الآية. قاله عبد الله بن عمرو. وقال سعيد بن جبير: فمن تاب من بعد ~~ظلمه، أي: سرقته، وأصلح العمل، فإن الله يتجاوز عنه، إن الله غفور لما كان ~~منه قبل التوبة، رحيم لمن تاب. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 41] # يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين ~~لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم ~~تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم ~~يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (41) # قوله تعالى: يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر اختلفوا ~~فيمن نزلت على خمسة أقوال «1» : # (425) أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بيهودي وقد حمموه «2» ~~وجلدوه، فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلا من ~~علمائهم، فقال: أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد ~~الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا نترك الشريف، ~~ونقيمه على الوضيع، فقلنا: تعالوا ms0556 نجمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، ~~فاجتمعنا على التحميم والجلد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ~~إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه» فأمر به فرجم، ونزلت هذه الآية، رواه ~~البراء بن عازب. PageV01P547 # (426) والثاني: أنها نزلت في ابن صوريا آمن ثم كفر، وهذا المعنى مروي عن ~~أبي هريرة. # (427) والثالث: أنها نزلت في يهودي قتل يهوديا، ثم قال: سلوا محمدا فإن ~~كان بعث بالدية، اختصمنا إليه، وإن كان بعث بالقتل، لم نأته، قاله الشعبي. # والرابع: أنها نزلت في المنافقين، قاله ابن عباس، ومجاهد «1» . # (428) والخامس: أن رجلا من الأنصار أشارت إليه قريظة يوم حصارهم: على ~~ماذا ننزل؟ فأشار إليهم: أنه الذبح، قاله السدي. # (429) قال مقاتل: هو أبو لبابة بن عبد المنذر، قالت له قريظة: اننزل على ~~حكم سعد؟ فأشار بيده: أنه الذبح، وكان حليفا لهم. قال أبو لبابة: فعلمت أني ~~قد خنت الله ورسوله، فنزلت هذه الآية. # ومعنى الكلام: لا يحزنك مسارعة الذي يسارعون في الكفر من الذين قالوا ~~آمنا بأفواههم وهم المنافقون، ومن الذين هادوا وهم اليهود. سماعون للكذب ~~قال سيبويه: هو مرفوع بالابتداء. قال أبو الحسن الأخفش: ويجوز أن يكون رفعه ~~على معنى: ومن الذين هادوا سماعون للكذب. وفي معناه أربعة أقوال: أحدها: ~~سماعون منك ليكذبوا عليك. والثاني: سماعون للكذب، أي: قائلون له. # والثالث: سماعون للكذب الذي بدلوه في توراتهم. والرابع: سماعون للكذب، أي ~~قابلون له، ومنه: # «سمع الله لمن حمده» أي: قبل. # وفي قوله تعالى: سماعون لقوم آخرين لم يأتوك قولان: أحدهما: يسمعون ~~لأولئك، فهم عيون لهم. والثاني: سماعون من قوم آخرين، وهم رؤساؤهم المبدلون ~~التوراة. وفي السماعين للكذب، وللقوم الآخرين قولان: أحدهما: أن «السماعين ~~للكذب» يهود المدينة، والقوم الآخرون الذين لم يأتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يهود فدك. والثاني: بالعكس من هذا. # وفي تحريفهم الكلم خمسة أقوال: أحدها: أنه تغيير حدود الله في التوراة، ~~وذلك أنهم غيروا الرجم، قاله ابن عباس، والجمهور. والثاني: تغيير ما ~~يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب ms0557 عليه، قاله الحسن. والثالث: ~~إخفاء صفة النبي صلى الله عليه وسلم. والرابع: إسقاط القود بعد استحقاقه. ~~والخامس: سوء التأويل. وقال ابن جرير: المعنى يحرفون حكم الكلم، فحذف ذكر ~~الحكم لمعرفة السامعين بذلك. PageV01P548 # قوله تعالى: من بعد مواضعه قال الزجاج: أي من بعد أن وضعه الله مواضعه، ~~فأحل حلاله وحرم حرامه. قوله تعالى: يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه في ~~القائلين لهذا قولان: # (430) أحدهما: أنهم اليهود، وذلك أن رجلا وامرأة من أشرافهم زنيا، فكان ~~حدهما الرجم، فكرهت اليهود رجمهما، فبعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يسألونه عن قضائه في الزانيين إذا أحصنا، وقالوا: إن أفتاكم بالجلد فخذوه، ~~وإن أفتاكم بالرجم فلا تعملوا به، هذا قول الجمهور. # (431) والثاني: أنهم المنافقون. قال قتادة: وذلك أن بني النضير كانوا لا ~~يعطون قريظة القود إذا قتلوا منهم، وإنما يعطونهم الدية، فإذا قتلت قريظة ~~من النضير لم يرضوا إلا بالقود تعززا عليهم، فقتل بنو النضير رجلا من قريظة ~~عمدا، فأرادوا رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رجل من ~~المنافقين: إن قتيلكم قتيل عمد، ومتى ترفعوا ذلك إلى محمد خشيت عليكم ~~القود، فان قبلت منكم الدية فأعطوا، وإلا فكونوا منه على حذر. # وفي معنى فاحذروا ثلاثة أقوال: أحدها: فاحذروا أن تعملوا بقوله الشديد. ~~والثاني: فاحذروا أن تطلعوه على ما في التوراة فيأخذكم بالعمل به. والثالث: ~~فاحذروا أن تسألوه بعدها. # قوله تعالى: ومن يرد الله فتنته في «الفتنة» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ~~بمعنى الضلالة، قاله ابن عباس ومجاهد. والثاني: العذاب، قاله الحسن، ~~وقتادة. والثالث: الفضيحة، ذكره الزجاج. قوله تعالى: فلن تملك له من الله ~~شيئا أي: لا تغني عنه، ولا تقدر على استنقاذه. وفي هذا تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم من حزنه على مسارعتهم في الكفر. # قوله تعالى: لم يرد الله أن يطهر قلوبهم قال السدي: يعني المنافقين ~~واليهود، لم يرد أن يطهر قلوبهم من دنس الكفر، ووسخ الشرك بطهارة الإيمان ~~والإسلام. # قوله تعالى: لهم في الدنيا خزي أما خزي المنافقين، فبهتك ستره وإطلاع ms0558 ~~النبي على كفرهم، وخزي اليهود بفضيحتهم في إظهار كذبهم إذ كتموا الرجم، ~~وبأخذ الجزية منهم. قال مقاتل: وخزي قريظة بقتلهم وسبيهم، وخزي النضير ~~بإجلائهم. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 42] # سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ~~(42) # قوله تعالى: سماعون للكذب قال الحسن: يعني حكام اليهود يسمعون الكذب ممن ~~يكذب عندهم في دعواه، ويأتيهم برشوة فيأخذونها. وقال أبو سليمان: هم اليهود ~~يسمعون الكذب، وهو قول بعضهم لبعض: محمد كاذب، وليس بنبي، وليس في التوراة ~~رجم، وهم يعلمون كذبهم. قوله تعالى: PageV01P549 # أكالون للسحت قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو جعفر «السحت» ~~مضمومة الحاء مثقلة. # وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة «السحت» ساكنة الحاء خفيفة. وروى ~~خارجة بن مصعب عن نافع «أكالون للسحت» بفتح السين وجزم الحاء. قال أبو علي: ~~السحت والسحت لغتان، وهما اسمان للشيء المسحوت، وليسا بالمصدر، فأما من فتح ~~السين، فهو مصدر سحت، فأوقع اسم المصدر على المسحوت، كما أوقع الضرب على ~~المضروب في قولهم: هذا الدرهم ضرب الأمير. وفي المراد بالسحت ثلاثة أقوال: ~~أحدها: الرشوة في الحكم. والثاني: الرشوة في الدين، والقولان عن ابن مسعود. ~~والثالث: أنه كل كسب لا يحل، قاله الأخفش. # قوله تعالى: فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم فيمن أريد بهذا الكلام ~~قولان: # أحدهما: اليهوديان اللذان زنيا، قاله الحسن، ومجاهد، والسدي. والثاني: ~~رجلان من قريظة والنضير قتل أحدهما الآخر، قاله قتادة. وقال ابن زيد: كان ~~حيي بن أخطب قد جعل للنضيري ديتين، والقرظي دية، لأنه كان من النضير، فقالت ~~قريظة: لا نرضى بحكم حيي، ونتحاكم إلى محمد، فقال الله تعالى لنبيه: فإن ~~جاؤك فاحكم بينهم الآية. # فصل: اختلف علماء التفسير في هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها منسوخة، ~~وذلك أن أهل الكتاب كانوا إذا ترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~مخيرا، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ms0559 وأن ~~احكم بينهم بما أنزل الله فلزمه الحكم، وزال التخيير، وهذا مروي عن ابن ~~عباس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والسدي. والثاني: أنها محكمة، وأن الإمام ~~ونوابه في الحكم مخيرون إذا ترافعوا إليهم، إن شاؤوا حكموا بينهم، وإن ~~شاؤوا أعرضوا عنهم، وهذا مروي عن الحسن، والشعبي، والنخعي، والزهري، وبه ~~قال أحمد بن حنبل، وهو الصحيح، لأنه لا تنافي بين الآيتين، لأن إحداهما: ~~خيرت بين الحكم وتركه. والثانية: بينت كيفية الحكم إذا كان. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 43] # وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين (43) # قوله تعالى: وكيف يحكمونك وعندهم التوراة قال المفسرون: هذا تعجيب من ~~الله عز وجل لنبيه من تحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حكم ~~ما تحاكموا إليه فيه، وتقريع لليهود إذ يتحاكمون إلى من يجحدون نبوته، ~~ويتركون حكم التوراة التي يعتقدون صحتها. # قوله تعالى: فيها حكم الله فيه قولان: أحدهما: حكم الله بالرجم، وفيه ~~تحاكموا، قاله الحسن. والثاني: حكمه بالقود، وفيه تحاكموا، قاله قتادة. # قوله تعالى: ثم يتولون من بعد ذلك فيه قولان: أحدهما: من بعد حكم الله في ~~التوراة. # والثاني: من بعد تحكيمك. وفي قوله تعالى: وما أولئك بالمؤمنين قولان: ~~أحدهما: ليسوا بمؤمنين لتحريفهم التوراة. والثاني: ليسوا بمؤمنين أن حكمك ~~من عند الله لجحدهم نبوتك. # PageV01P550 ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 44] # إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ~~فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون (44) # قوله تعالى: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور قال المفسرون: سبب نزول ~~هذه الآية: استفتاء اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الزانيين، ~~وقد سبق «1» . و «الهدى» : البيان. فالتوراة مبينة صحة نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، ومبينة ما تحاكموا فيه إليه. و «النور» : الضياء الكاشف ~~للشبهات، والموضح للمشكلات. # وفي «النبيين الذين أسلموا» ثلاثة أقوال: # أحدها: ms0560 أنهم الأنبياء من لدن موسى إلى عيسى، قاله الأكثرون. فعلى هذا ~~القول في معنى «أسلموا» أربعة أقوال: أحدها: سلموا لحكم الله، ورضوا ~~بقضائه. والثاني: انقادوا لحكم الله، فلم يكتموه كما كتم هؤلاء. والثالث: ~~أسلموا أنفسهم إلى الله عز وجل. والرابع: أسلموا لما في التوراة ودانوا ~~بها، لأنه قد كان فيهم من لم يعمل بكل ما فيها كعيسى عليه السلام. قال ابن ~~الأنباري: وفي «المسلم» قولان: أحدهما: أنه سمي بذلك لاستسلامه وانقياده ~~لربه. والثاني: لإخلاصه لربه، من قوله تعالى: ورجلا سلما لرجل «2» أي: ~~خالصا له. # والثاني: أن المراد بالنبيين نبيا محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن، ~~والسدي. وذلك حين حكم على اليهود بالرجم، وذكره بلفظ الجمع كقوله تعالى: أم ~~يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله «3» . وفي الذي حكم به منها قولان: ~~أحدهما: الرجم والقود. والثاني: الحكم بسائرها ما لم يرد في شرعه ما يخالف. # والثالث: النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن قبله من الأنبياء صلوات ~~الله عليهم، قاله عكرمة. # قوله تعالى: للذين هادوا قال ابن عباس: تابوا من الكفر. قال الحسن: هم ~~اليهود. قال الزجاج: ويجوز أن يكون في الآية تقديم وتأخير. على معنى: إنا ~~أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا، يحكم بها النبيون الذين أسلموا. ~~فأما «الربانيون» فقد سبق ذكرهم في (آل عمران) . وأما «الأحبار» فهم ~~العلماء واحدهم حبر وحبر، والجمع أحبار وحبور. وقال الفراء: أكثر ما سمعت ~~العرب تقول في واحد الأحبار: حبر بكسر الحاء. وفي اشتقاق هذا الاسم ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه من الحبار وهو الأثر الحسن، قاله الخليل. والثاني: أنه ~~من الحبر الذي يكتب به، قاله الكسائي. والثالث: أنه من الحبر الذي هو ~~الجمال والبهاء. # (432) وفي الحديث «يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره» أي: جماله ~~وبهاؤه. فالعالم PageV01P551 # بهي بجمال العلم، وهذا قول قطرب. # وهل بين الربانيين والأحبار فرق أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: لا فرق، والكل ~~العلماء، هذا قول الأكثرين، منهم ابن قتيبة، والزجاج. وقد روي عن مجاهد أنه ~~قال: ms0561 الربانيون: الفقهاء العلماء، وهم فوق الأحبار. وقال السدي: الربانيون ~~العلماء، والأحبار القراء. وقال ابن زيد: الربانيون: الولاة، والأحبار: ~~العلماء، وقيل: الربانيون: علماء النصارى، والأحبار: علماء اليهود. # قوله تعالى: بما استحفظوا من كتاب الله قال ابن عباس: بما استودعوا من ~~كتاب الله وهو التوراة. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: يحكمون بحكم ما ~~استحفظوا. والثاني: العلماء بما استحفظوا. قال ابن جرير: «الباء» في قوله ~~تعالى: بما استحفظوا من صلة الأحبار. # وفي قوله تعالى: وكانوا عليه شهداء قولان: # أحدهما: وكانوا على ما في التوراة من الرجم شهداء، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: وكانوا شهداء لمحمد عليه السلام بما قال أنه حق. رواه العوفي عن ~~ابن عباس. # قوله تعالى: فلا تخشوا الناس واخشون قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، وابن ~~عامر، والكسائي «واخشون» بغير ياء في الوصل والوقف. وقرأ أبو عمرو بياء في ~~الوصل، وبغير ياء في الوقف، وكلاهما حسن. وقد أشرنا إلى هذا في سورة آل ~~عمران «1» . ثم في المخاطبين بهذا قولان. # أحدهما: أنهم رؤساء اليهود، قيل لهم: فلا تخشوا الناس في إظهار صفة محمد، ~~والعمل بالرجم، واخشوني في كتمان ذلك، روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن ~~عباس. قال مقاتل: الخطاب ليهود المدينة، قيل لهم: لا تخشوا يهود خيبر أن ~~تخبروهم بالرجم، ونعت محمد، واخشوني في كتمانه. # والثاني: أنهم المسلمون، قيل لهم: لا تخشوا الناس، كما خشيت اليهود ~~الناس، فلم يقولوا الحق، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا في المراد بالآيات قولان: ~~أحدهما: أنها صفة محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. والثاني: الأحكام ~~والفرائض. والثمن القليل مذكور في البقرة. # فأما قوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. وقوله ~~تعالى بعدها: # فأولئك هم الظالمون فأولئك هم الفاسقون. فاختلف العلماء فيمن نزلت على ~~خمسة أقوال «2» : # أحدها: أنها نزلت في اليهود خاصة، رواه عبيد بن عبد الله عن ابن عباس، ~~وبه قال قتادة. والثاني: أنها نزلت في المسلمين، روى سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس ms0562 نحو هذا المعنى. والثالث: أنها عامة في PageV01P552 # اليهود، وفي هذه الأمة، قاله ابن مسعود، والحسن، والنخعي، والسدي. ~~والرابع: أنها نزلت في اليهود والنصارى، قاله أبو مجلز. والخامس: أن الأولى ~~في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى، قاله الشعبي. # وفي المراد بالكفر المذكور في الآية الأولى قولان: أحدهما: أنه الكفر ~~بالله تعالى. والثاني: أنه الكفر بذلك الحكم، وليس بكفر ينقل عن الملة. # وفصل الخطاب: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا له، وهو يعلم أن الله ~~أنزله، كما فعلت اليهود، فهو كافر، ومن لم يحكم به ميلا إلى الهوى من غير ~~جحود، فهو ظالم وفاسق. وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: من ~~جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو فاسق وظالم. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 45] # وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن ~~بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الظالمون (45) # قوله تعالى: وكتبنا أي: فرضنا عليهم أي: على اليهود فيها أي: في التوراة. ~~قال ابن عباس: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، فما بالهم يخالفون، ~~فيقتلون النفسين بالنفس، ويفقئون العينين بالعين؟ وكان على بني إسرائيل ~~القصاص أو العفو، وليس بينهم دية في نفس ولا جرح، فخفف الله عن أمة محمد ~~بالدية. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: النفس بالنفس، والعين بالعين، ~~والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، ينصبون ذلك كله، ويرفعون ~~«والجروح» . وكان نافع، وعاصم، وحمزة ينصبون ذلك كله، وكان الكسائي يقرأ: ~~«أن النفس بالنفس» نصبا، ويرفع ما بعد ذلك. قال أبو علي: وحجته أن الواو ~~لعطف الجمل، لا للاشتراك في العامل، ويجوز أن يكون حمل الكلام على المعنى، ~~لأن معنى: وكتبنا عليهم: قلنا لهم: النفس بالنفس، فحمل العين على هذا، وهذه ~~حجة من رفع الجروح. ويجوز أن يكون مستأنفا، لا أنه مما كتب على القوم، ~~وإنما هو ابتداء ايجاب. قال ms0563 القاضي أبو يعلى: وقوله تعالى: العين بالعين، ~~ليس المراد قلع العين بالعين، لتعذر استيفاء المماثلة، لأنا لا نقف على ~~الحد الذي يجب قلعه، وإنما يجب فيما ذهب ضوؤها وهي قائمة، وصفة ذلك أن تشد ~~عين القالع، وتحمى مرآة، فتقدم من العين التي فيها القصاص حتى يذهب ضوؤها. ~~وأما الأنف فإذا قطع المارن، وهو ما لان منه، وتركت قصبته، ففيه القصاص، ~~وأما إذا قطع من أصله، فلا قصاص فيه، لأنه لا يمكن استيفاء القصاص، كما لو ~~قطع يده من نصف الساعد. وقال أبو يوسف، ومحمد: فيه القصاص إذا استوعب. وأما ~~الأذن، فيجب القصاص إذا استوعبت، وعرف المقدار. وليس في عظم قصاص إلا في ~~السن، فان قلعت قلع مثلها، وإن كسر بعضها، برد بمقدار ذلك. وقوله تعالى: ~~والجروح قصاص يقتضي إيجاب القصاص في سائر الجراحات التي يمكن استيفاء المثل ~~فيها. # قوله تعالى: فمن تصدق به يشير إلى القصاص. فهو كفارة له في هاء «له» ~~قولان: # PageV01P553 # أحدهما: أنها إشارة إلى المجروح، فاذا تصدق بالقصاص كفر من ذنوبه، وهو ~~قول ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والحسن، والشعبي. والثاني: ~~إشارة إلى الجارح إذا عفا عنه المجروح، كفر عنه ما جنى، وهذا قول ابن عباس، ~~ومجاهد، ومقاتل، وهو محمول على أن الجاني تاب من جنايته، لأنه إذا كان مصرا ~~فعقوبة الإصرار باقية. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 46] # وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه ~~الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين ~~(46) # قوله تعالى: وقفينا على آثارهم أي: وأتبعنا على آثار النبيين الذين ~~أسلموا بعيسى فجعلناه يقفو آثارهم مصدقا أي: بعثناه مصدقا لما بين يديه ~~وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا ليس هذا تكرار للأول، لأن الأول ~~لعيسى، والثاني للإنجيل، لأن عيسى كان يدعو إلى التصديق بالتوراة، والإنجيل ~~أنزل وفيه ذكر التصديق بالتوراة. ### | [سورة المائدة (5) : آية 47] # وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الفاسقون (47) # قوله ms0564 تعالى: وليحكم أهل الإنجيل قرأ الأكثرون بجزم اللام على معنى الأمر، ~~تقديره: وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه. وقرأ الأعمش، وحمزة بكسر ~~اللام، وفتح الميم على معنى «كي» ، فكأنه قال: وآتيناه الإنجيل لكي يحكم ~~أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه. ### | [سورة المائدة (5) : آية 48] # وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ~~فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ~~فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (48) # قوله تعالى: وأنزلنا إليك الكتاب يعني القرآن بالحق أي: بالصدق مصدقا لما ~~بين يديه من الكتاب قال ابن عباس: يريد كل كتاب أنزله الله تعالى. # وفي «المهيمن» أربعة أقوال: أحدها: أنه المؤيمن، رواه التميمي عن ابن ~~عباس، وبه قال سعيد بن جبير. وعكرمة، وعطاء، والضحاك. وقال المبرد: «مهيمن» ~~في معنى: «مؤيمن» إلا أن الهاء بدل من الهمزة، كما قالوا: أرقت الماء، ~~وهرقت، وإياك وهياك. وأرباب هذا القول يقولون: المعنى: # أن القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتاب. إلا أن ابن أبي نجيح روى عن ~~مجاهد: ومهيمنا عليه. قال: # محمد مؤتمن على القرآن. فعلى قوله، في الكلام محذوف، كأنه قال: وجعلناك ~~يا محمد مهيمنا عليه، فتكون هاء «عليه» راجعة إلى القرآن. وعلى غير قول ~~مجاهد ترجع إلى الكتاب المتقدمة. والثاني: أنه الشاهد، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل. والثالث: أنه المصدق على ~~ما أخبر عن الكتاب، وهذا قول ابن زيد، وهو قريب من القول الأول. والرابع: ~~أنه الرقيب الحافظ، قاله الخليل. # PageV01P554 # قوله تعالى: فاحكم بينهم يشير إلى اليهود بما أنزل الله إليك في القرآن ~~ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق. قاله أبو سليمان: المعنى: فترجع عما ~~جاءك. قال ابن عباس: لا تأخذ بأهوائهم في جلد المحصن. # قوله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا قال مجاهد: الشرعة: السنة، ~~والمنهاج: ms0565 الطريق. # وقال ابن قتيبة: الشرعة والشريعة واحد، والمنهاج: الطريق الواضح. فان ~~قيل: كيف نسق «المنهاج» على «الشرعة» وكلاهما بمعنى واحد؟ فعنه جوابان: ~~أحدهما: أن بينهما فرقا من وجهين: أحدهما: أن «الشرعة» ابتداء الطريق، ~~والمنهاج: الطريق المستمر، قاله المبرد. والثاني: أن «الشرعة» الطريق الذي ~~ربما كان واضحا، وربما كان غير واضح، والمنهاج: الطريق الذي لا يكون إلا ~~واضحا، ذكره ابن الأنباري. فلما وقع الاختلاف بين الشرعة والمنهاج، حسن نسق ~~أحدهما على الآخر. والثاني: أن الشرعة والمنهاج بمعنى واحد، وإنما نسق ~~أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظين. قال الحطيئة: # ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد # فنسق البعد على النأي لما خالفه في اللفظ، وإن كان موافقا له في المعنى، ~~ذكره ابن الأنباري. # وأجاب عنه أرباب القول الأول، فقالوا: «النأي» كل ما قل بعده أو كثر كأنه ~~المفارقة، والبعد إنما يستعمل فيما كثرت مسافة مفارقته. # وللمفسرين في معنى الكلام قولان: أحدهما: لكل ملة جعلنا شرعة ومنهاجا، ~~فلأهل التوراة شريعة، ولأهل الإنجيل شريعة، ولأهل القرآن شريعة، هذا قول ~~الأكثرين. قال قتادة: الخطاب للأمم الثلاث: أمة موسى، وعيسى، وأمة محمد، ~~فللتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللفرقان شريعة، يحل الله فيها ما يشاء، ~~ويحرم ما يشاء بلاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولكن الدين الواحد الذي لا ~~يقبل غيره، التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به الرسل. والثاني: أن المعنى: ~~لكل من دخل في دين محمد جعلنا القرآن شرعة ومنهاجا، هذا قول مجاهد. # قوله تعالى: ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة فيه قولان: أحدهما: لجمعكم ~~على الحق. # والثاني: لجعلكم على ملة واحدة ولكن ليبلوكم أي: ليختبركم في ما آتاكم من ~~الكتاب، وبين لكم من الملل. فإن قيل: إذا كان المعنى بقوله تعالى: لكل ~~جعلنا منكم شرعة: نبينا محمدا مع سائر الأنبياء قبله، فمن المخاطب بقوله ~~تعالى: ليبلوكم؟ فالجواب: أنه خطاب لنبينا، والمراد به سائر الأنبياء ~~والأمم. قال ابن جرير: والعرب من شأنها إذا خاطبت غائبا، فأرادت الخبر عنه ~~أن تغلب المخاطب، فتخرج الخبر ms0566 عنهما على وجه الخطاب. # قوله تعالى: فاستبقوا الخيرات قال ابن عباس، والضحاك: هو خطاب لأمة محمد ~~عليه السلام. قال مقاتل: و «الخيرات» : الأعمال الصالحة: إلى الله مرجعكم ~~في الآخرة فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون من الدين. قال ابن جرير: قد بين ~~ذلك في الدنيا بالأدلة والحجج، وغدا بيبنه بالمجازاة. # PageV01P555 ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 49] # وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ~~ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ~~وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) # قوله تعالى: وأن احكم بينهم بما أنزل الله سبب نزولها: # (433) أن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسد «1» ، وعبد الله بن صوريا، ~~وشأس بن قيس، قال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه، ~~فأتوه، فقالوا: يا محمد، قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم، وأنا إن ~~تبعناك، اتبعك اليهود، وإن بيننا وبين قوم خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا ~~عليهم، ونحن نؤمن بك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت هذه ~~الآية، هذا قول ابن عباس. وذكر مقاتل: أن جماعة من بني النضير قالوا له: هل ~~لك أن تحكم لنا على أصحابنا أهل قريظة في أمر الدماء، كما كنا عليه من قبل، ~~ونبايعك؟ فنزلت هذه الآية. # قال القاضي أبو يعلى: وليس هذه الآية تكرارا لما تقدم، وإنما نزلتا في ~~شيئين مختلفين: # أحدهما: في شأن الرجم. والآخر: في التسوية في الديات حتى تحاكموا إليه في ~~الأمرين. # قوله تعالى: واحذرهم أن يفتنوك أي: يصرفوك عن بعض ما أنزل الله إليك وفيه ~~قولان: # أحدهما: أنه الرجم، قاله ابن عباس. والثاني: شأن القصاص والدماء، قاله ~~مقاتل. # قوله تعالى: فإن تولوا فيه قولان: أحدهما: عن حكمك. والثاني: عن الإيمان، ~~فاعلم أن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يعذبهم ببعض ذنوبهم. وفي ذكر ~~البعض قولان: أحدهما: أنه على حقيقته، وإنما يصيبهم ببعض ما يستحقونه. ~~والثاني: أن المراد به الكل، كما يذكر لفظ الواحد ويراد به الجماعة، ms0567 كقوله ~~تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء «2» والمراد: جميع المسلمين. وقال ~~الحسن: أراد ما عجله من إجلاء بني النضير وقتل بني قريظة. # قوله تعالى: وإن كثيرا من الناس لفاسقون قال المفسرون: أراد اليهود. وفي ~~المراد بالفسق هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: الكفر، قاله ابن عباس. والثاني: ~~الكذب، قاله ابن زيد. والثالث: المعاصي، قاله مقاتل. ### | [سورة المائدة (5) : آية 50] # أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (50) # قوله تعالى: أفحكم الجاهلية يبغون قرأ الجمهور «يبغون» بالياء، لأن قبله ~~غيبة، وهي قوله تعالى: وإن كثيرا من الناس لفاسقون. وقرأ ابن عامر «تبغون» ~~بالتاء، على معنى: قل لهم. # (434) وسبب نزولها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكم بالرجم على ~~اليهوديين تعلق بنو قريظة ببني النضير، PageV01P556 # وقالوا: يا محمد هؤلاء إخواننا، أبونا واحد، وديننا واحد، إذا قتلوا منا ~~قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر، وإن قتلنا منهم واحدا أخذوا منا أربعين ~~ومائة وسق، وإن قتلنا منهم رجلا قتلوا به رجلين، وإن قتلنا امرأة قتلوا بها ~~رجلا، فاقض بيننا بالعدل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس لبني ~~النضير على بني قريظة فضل في عقل ولا دم» فقال بنو النضير: والله لا نرضى ~~بقضائك، ولا نطيع أمرك، ولنأخذن بأمرنا الأول، فنزلت هذه الآية، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. # قال الزجاج: ومعنى الآية: أتطلب اليهود حكما لم يأمر الله به، وهم أهل ~~كتاب الله، كما تفعل الجاهلية؟! قوله تعالى: ومن أحسن من الله حكما قال ابن ~~عباس: ومن أعدل؟! وفي قوله تعالى: لقوم يوقنون قولان: أحدهما: يوقنون ~~بالقرآن، قاله ابن عباس. والثاني: # يوقنون بالله، قاله مقاتل. وقال الزجاج: من أيقن تبين عدل الله في حكمه. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 51] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (51) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء في ~~سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (435) أحدها: أنها نزلت في ms0568 أبي لبابة حين قال لبني قريظة إذ رضوا بحكم ~~سعد: إنه الذبح، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول عكرمة. # (436) والثاني: أن عبادة بن الصامت قال: يا رسول الله إن لي موالي من ~~اليهود، وإني أبرأ إلى الله من ولاية يهود، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل ~~أخاف الدوائر، ولا أبرأ إلى الله من ولاية يهود، فنزلت هذه الآية، قاله ~~عطية العوفي. PageV01P557 # (437) والثالث: أنه لما كانت وقعة أحد خافت طائفة من الناس أن يدال عليهم ~~الكفار، فقال رجل لصاحبه: أما أنا فألحق بفلان اليهودي، فآخذ منه أمانا، أو ~~أتهود معه، فنزلت هذه الآية، قاله السدي، ومقاتل. # قال الزجاج: لا تتولوهم في الدين. وقال غيره: لا تستنصروا بهم، ولا ~~تستعينوا، بعضهم أولياء بعض في العون والنصرة. # قوله تعالى: ومن يتولهم منكم فإنه منهم فيه قولان: أحدهما: من يتولهم في ~~الدين، فانه منهم في الكفر. والثاني: من يتولهم في العهد فانه منهم في ~~مخالفة الأمر. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 52] # فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى ~~الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ~~(52) # قوله تعالى: فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم قال المفسرون: نزلت ~~في المنافقين، ثم لهم في ذلك قولان: # (438) أحدهما: أن اليهود والنصارى كانوا يميرون «1» المنافقين ويقرضونهم ~~فيوادونهم، فلما نزلت لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء قال المنافقون: كيف ~~نقطع مودة قوم إن أصابتنا سنة وسعوا علينا، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس. وممن قال: نزلت في المنافقين، ولم يعين: # مجاهد، وقتادة. # والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن أبي، قاله عطية العوفي «2» . # وفي المراد بالمرض قولان: أحدهما: أنه الشك، قاله مقاتل. والثاني: ~~النفاق، قاله الزجاج. # وفي قوله تعالى: يسارعون فيهم ثلاثة أقوال: أحدها: يسارعون في موالاتهم ~~ومناصحتهم، قاله مجاهد، وقتادة. والثاني: في رضاهم، قاله ابن قتيبة. ~~والثالث: في معاونتهم على المسلمين، قاله الزجاج. وفي المراد «بالدائرة» ~~قولان: أحدهما: الجدب والمجاعة، ms0569 قاله ابن عباس. قال ابن قتيبة: # نخشى أن يدور علينا الدهر بمكروه، يعنون الجدب، فلا يبايعوننا، ونمتار ~~فيهم فلا يميروننا. والثاني: # انقلاب الدولة لليهود على المسلمين، قاله مقاتل. وفي المراد بالفتح أربعة ~~أقوال: أحدها: فتح مكة، قاله ابن عباس، والسدي. والثاني: فتح قرى اليهود، ~~قاله الضحاك. والثالث: نصر النبي صلى الله عليه وسلم على من خالفه، قاله ~~قتادة، والزجاج. والرابع: الفرج، قاله ابن قتيبة. وفي الأمر أربعة أقوال: ~~أحدها: إجلاء PageV01P558 # بني النضير وأخذ أموالهم، وقتل قريظة، وسبي ذراريهم، قاله ابن السائب، ~~ومقاتل. والثاني: الجزية، قاله السدي. والثالث: الخصب، قاله ابن قتيبة. ~~والرابع: أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم باظهار أمر المنافقين وقتلهم، ~~قاله الزجاج. وفيما أسروا قولان: أحدهما: موالاتهم. والثاني: قولهم: لعل ~~محمدا لا ينصر. ### | [سورة المائدة (5) : آية 53] # ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ~~حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53) # قوله تعالى: ويقول الذين آمنوا قرأ أبو عمرو، بنصب اللام على معنى: وعسى ~~أن يقول. # ورفعه الباقون، فجعلوا الكلام مستأنفا. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: ~~«يقول» ، بغير واو، مع رفع اللام، وكذلك في مصاحف أهل مكة والمدينة. # قال المفسرون: لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، اشتد ~~ذلك على المنافقين، وجعلوا يتأسفون على فراقهم، وجعل المنافق يقول لقريبه ~~المؤمن إذا رآه جادا في معاداة اليهود: أهذا جزاؤهم منك، طال والله ما ~~أشبعوا بطنك؟ فلما قتلت قريظة، لم يطق أحد من المنافقين ستر ما في نفسه، ~~فجعلوا يقولون: أربعمائة حصدوا في ليلة، فلما رأى المؤمنون ما قد ظهر من ~~المنافقين، قالوا: أهؤلاء يعنون المنافقين الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ~~قال ابن عباس: أغلظوا في الأيمان. وقال مقاتل: # جهد أيمانهم القسم بالله. وقال الزجاج: اجتهدوا في المبالغة في اليمين ~~إنهم لمعكم على عدوكم حبطت أعمالهم بنفاقهم. ### | [سورة المائدة (5) : آية 54] # يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ms0570 ولا ~~يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (54) # قوله تعالى: من يرتد منكم عن دينه قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي: # يرتد، بإدغام الدال الأولى في الأخرى، وقرأ نافع، وابن عامر: يرتدد، ~~بدالين. قال الزجاج: «يرتدد» هو الأصل، لأن الثاني إذا سكن من المضاعف، ظهر ~~التضعيف. فأما «يرتد» فأدغمت الدال الأولى في الثانية، وحركت الثانية ~~بالفتح، لالتقاء الساكنين. قال الحسن: علم الله أن قوما يرجعون عن الإسلام ~~بعد موت نبيهم عليه السلام، فأخبرهم أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه. وفي ~~المراد بهؤلاء القوم ستة أقوال «1» : أحدها: أبو بكر الصديق وأصحابه الذين ~~قاتلوا أهل الردة، قاله علي بن أبي طالب، والحسن عليهما السلام، وقتادة، ~~والضحاك، وابن جريج. قال أنس بن مالك: كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة، ~~وقالوا: أهل القبلة، فتقلد ابو بكر سيفه، وخرج وحده، فلم يجدوا بدا من ~~الخروج على أثره. # والثاني: أبو بكر، وعمر، روي عن الحسن، أيضا. والثالث: أنهم قوم أبي موسى ~~الأشعري. PageV01P559 # (439) روى عياض الأشعري أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «هم قوم هذا» يعني: # أبا موسى. # والرابع: أنهم أهل اليمن، رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال مجاهد. ~~والخامس: أنهم الأنصار، قاله السدي. والسادس: المهاجرون والأنصار، ذكره أبو ~~سليمان الدمشقي. قال ابن جرير: # وقد أنجز الله ما وعد فأتى بقوم في زمن عمر كانوا أحسن موقعا في الإسلام ~~ممن ارتد. # قوله تعالى: أذلة على المؤمنين قال علي بن أبي طالب عليه السلام: أهل رقة ~~على أهل دينهم، أهل غلظة على من خالفهم في دينهم. وقال الزجاج: معنى «أذلة» ~~: جانبهم لين على المؤمنين، لا أنهم أذلاء. يجاهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون لومة لائم لأن المنافقين يراقبون الكفار، ويظاهرونهم، ويخافون ~~لومهم، فأعلم الله عز وجل أن الصحيح الإيمان لا يخاف في الله لومة لائم، ثم ~~أعلمك أن ذلك لا يكون إلا بتوفيقه، فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء يعني: ~~محبتهم لله، ولين جانبهم للمسلمين، ms0571 وشدتهم على الكافرين. ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 55 الى 56] # إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون (55) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون (56) # قوله تعالى: إنما وليكم الله ورسوله اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: # (440) أحدها: أن عبد الله بن سلام وأصحابه جاءوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقالوا: إن قوما قد أظهروا لنا العداوة، ولا نستطيع أن نجالس ~~أصحابك لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية، فقالوا: رضينا PageV01P560 # بالله وبرسوله وبالمؤمنين، وأذن بلال بالصلاة، فخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإذا مساكين يسأل الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل ~~أعطاك أحد شيئا» ؟ قال: نعم. قال: «ماذا» ؟ قال: خاتم فضة. قال: «من ~~أعطاكه» ؟ قال: ذاك القائم، فاذا هو علي بن أبي طالب، أعطانيه وهو راكع، ~~فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ~~وبه قال مقاتل. وقال مجاهد: نزلت في علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع «1» . # والثاني: أن عبادة بن الصامت لما تبرأ من حلفائه اليهود نزلت هذه الآية ~~في حقه «2» ، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: أنها نزلت في أبي بكر ~~الصديق، قاله عكرمة. والرابع: أنها نزلت فيمن مضى من المسلمين ومن بقي ~~منهم، قاله الحسن. # قوله تعالى: ويؤتون الزكاة وهم راكعون فيه قولان: أحدهما: أنهم فعلوا ذلك ~~في ركوعهم، وهو تصدق علي عليه السلام بخاتمه في ركوعه. والثاني: أن من ~~شأنهم إيتاء الزكاة وفعل الركوع. وفي المراد بالركوع ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنه نفس الركوع على ما روى أبو صالح عن ابن عباس. وقيل: إن الآية نزلت وهم ~~في الركوع. والثاني: أنه صلاة التطوع بالليل والنهار، وإنما أفرد الركوع ~~بالذكر تشريفا له، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. والثالث: أنه الخضوع ~~والخشوع، وأنشدوا «3» : # لا تذل الفقير علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه # ذكره الماوردي. فأما حزب الله فقال الحسن: هم جند الله. وقال أبو عبيدة: ~~أنصار الله. ms0572 ثم فيهم قولان: أحدهما: أنهم المهاجرون والأنصار، قاله ابن ~~عباس. والثاني: الأنصار، ذكره أبو سليمان. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 57] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (57) # قوله تعالى: لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا سبب نزولها: # (441) أن رفاعة بن زيد بن التابوت، وسويد بن الحارث كانا قد أظهرا ~~الإسلام، ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فنزلت هذه الآية، ~~قاله ابن عباس. PageV01P561 # فأما اتخاذهم الدين هزوا ولعبا، فهو إظهارهم الإسلام وإخفاؤهم الكفر ~~وتلاعبهم بالدين. والذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى، والكفار: عبدة ~~الأوثان. قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة: # والكفار بالنصب على معنى: لا تتخذوا الكفار أولياء. وقرأ أبو عمرو ~~والكسائي: «والكفار» خفضا، لقرب الكلام من العامل الجار، وأمال أبو عمرو ~~الألف. واتقوا الله أن تولوهم. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 58] # وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (58) # قوله تعالى: وإذا ناديتم إلى الصلاة في سبب نزولها قولان: # (442) أحدهما: أن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نادى إلى ~~الصلاة، وقام المسلمون إليها، قالت اليهود: قاموا لا قاموا، صلوا لا صلوا، ~~على سبيل الاستهزاء والضحك، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب. # (443) والثاني: أن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمسلمين على ذلك، وقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئا لم نسمع به ~~فيما مضى من الأمم الخالية، فان كنت تدعي النبوة، فقد خالفت في هذا الأذان ~~الأنبياء قبلك، فما أقبح هذا الصوت، وأسمج هذا الأمر، فنزلت هذه الآية، ~~ذكره بعض المفسرين. # (444) وقال السدي: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: ~~أشهد أن محمدا رسول الله، قال: حرق الكاذب، فدخلت خادمه ذات ليلة بنار وهو ~~نائم، وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله. # والمناداة: هي الأذان، واتخاذهم إياها هزوا: تضاحكهم وتغامزهم ذلك بأنهم ~~قوم لا يعقلون ما لهم في ms0573 إجابة الصلاة، وما عليهم في استهزائهم بها. ### | [سورة المائدة (5) : آية 59] # قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون (59) # قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا. # (445) سبب نزولها: أن نفرا من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فذكر جميع الأنبياء، فلما ذكر عيسى، جحدوا ~~نبوته، وقالوا: والله ما نعلم دينا شرا من دينكم، فنزلت هذه الآية والتي ~~بعدها، قاله ابن عباس. # وقرأ الحسن، والأعمش: «تنقمون» بفتح القاف. قال الزجاج: يقال: نقمت على ~~الرجل أنقم، PageV01P562 # ونقمت عليه أنقم، والأول أجود. ومعنى «نقمت» : بالغت في كراهة الشيء، ~~والمعنى: هل تكرهون منا إلا إيماننا، وفسقكم، لأنكم علمتم أننا على حق، ~~وأنكم فسقتم. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 60] # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل ~~منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل ~~(60) # قوله تعالى: هل أنبئكم بشر من ذلك قال المفسرون: سبب نزولها قول اليهود ~~للمؤمنين: والله ما علمنا أهل دين أقل حظا منكم في الدنيا والآخرة، ولا ~~دينا شرا من دينكم. وفي قوله تعالى: بشر من ذلك قولان: أحدهما: بشر من ~~المؤمنين، قاله ابن عباس. والثاني: بشر مما نقمتم من إيماننا، قاله الزجاج. ~~فأما «المثوبة» فهي الثواب. # قال الزجاج: وموضع «من» في قوله تعالى: من لعنه الله إن شئت كان رفعا، ~~وإن شئت كان خفضا، فمن خفض جعله بدلا من «شر» فيكون المعنى: أنبئكم بمن ~~لعنه الله؟ ومن رفع فباضمار «هو» كأن قائلا قال: من ذلك؟ فقيل: هو من لعنه ~~الله. قال أبو صالح عن ابن عباس: من لعنه الله بالجزية، وغضب عليه بعبادة ~~العجل، فهم شر مثوبة عند الله. # وروي عن ابن عباس أن المسخين من أصحاب السبت: مسخ شبابهم قردة، ومشايخهم ~~خنازير. # وقال غيره: القردة: أصحاب السبت، والخنازير: كفار مائدة عيسى. وكان ابن ~~قتيبة يقول: أنا أظن ms0574 أن هذه القردة والخنازير هي المسوخ بأعيانها توالدت. ~~قال: واستدللت بقوله تعالى: وجعل منهم القردة والخنازير فدخول الألف واللام ~~يدل على المعرفة، وعلى أنها القردة التي تعاين، ولو كان أراد شيئا انقرض ~~ومضى، لقال: وجعل منهم قردة وخنازير، إلا أن يصح حديث أم حبيبة في «المسوخ» ~~فيكون كما قال عليه السلام. قلت أنا: # (446) وحديث أم حبيبة في «الصحيح» انفرد بإخراجه مسلم، وهو أن رجلا سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، القردة والخنازير هي مما ~~مسخ؟ فقال النبي عليه السلام: «إن الله لم يمسخ قوما أو يهلك قوما، فيجعل ~~لهم نسلا ولا عاقبة، وإن القردة والخنازير قد كانت قبل ذلك» وقد ذكرنا في ~~سورة البقرة عن ابن عباس زيادة بيان ذلك، فلا يلتفت إلى ظن ابن قتيبة. # قوله تعالى: وعبد الطاغوت فيها عشرون قراءة. قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، ونافع، والكسائي: «وعبد» بفتح العين والباء والدال، ونصب ~~تاء «الطاغوت» . وفيها وجهان: # أحدهما: أن المعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت. ~~والثاني: أن المعنى: من لعنه الله وعبد الطاغوت. وقرأ حمزة: «وعبد الطاغوت» ~~بفتح العين والدال، وضم الباء، وخفض تاء الطاغوت. قال ثعلب: ليس لها وجه ~~إلا أن يجمع فعل على فعل. وقال الزجاج: وجهها أن الاسم بني على «فعل» كما ~~تقول: علم زيد، ورجل حذر، أي: مبالغ في الحذر. فالمعنى: جعل منهم خدمة ~~PageV01P563 # الطاغوت ومن بلغ في طاعة الطاغوت الغاية. وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، ~~«وعبدوا» ، بفتح العين والباء ورفع الدال على الجمع «الطاغوت» بالنصب. وقرأ ~~ابن عباس، وابن أبي عبلة: «وعبد» بفتح العين والباء والدال، إلا أنهما كسرا ~~تاء «الطاغوت» . قال الفراء: أرادا «عبدة» فحذفا الهاء. وقرأ أنس بن مالك: ~~«وعبيد» بفتح العين والدال وبياء بعد الباء وخفض تاء «الطاغوت» . وقرأ ~~أيوب، والأعمش: # «وعبد» ، برفع العين ونصب الباء والدال مع تشديد الباء، وكسر تاء ~~«الطاغوت» . وقرأ أبو هريرة، وأبو رجاء، وابن السميفع، «وعابد» بألف، ~~مكسورة الباء مفتوحة الدال، مع كسر تاء ms0575 الطاغوت. وقرأ أبو العالية، ويحيى ~~بن وثاب: «وعبد» برفع العين والباء وفتح الدال، مع كسر تاء الطاغوت. قال ~~الزجاج: # هو جمع عبيد، وعبد مثل رغيف، ورغف، وسرير، وسرر، والمعنى: وجعل منهم عبيد ~~الطاغوت. # وقرأ أبو عمران الجوني، ومورق العجلي، والنخعي: «وعبد» برفع العين وكسر ~~الباء مخففة، وفتح الدال مع ضم تاء «الطاغوت» . وقرأ أبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء، وعكرمة: «وعبد» بفتح العين والدال وتشديد الباء، مع نصب تاء ~~الطاغوت. وقرأ الحسن، وأبو مجلز، وأبو نهيك: «وعبد» بفتح العين والدال، ~~وسكون الباء خفيفة مع كسر تاء الطاغوت. وقرأ قتادة، وهذيل بن شرحبيل: ~~«وعبدة» بفتح العين والباء والدال وتاء في اللفظ منصوبة بعد الدال ~~«الطواغيت» بالف وواو وياء بعد الغين على الجمع. وقرأ الضحاك، وعمرو بن ~~دينار: «وعبد» برفع العين وفتح الباء والدال مع تخفيف الباء، وكسر تاء ~~«الطاغوت» . وقرأ سعيد بن جبير، والشعبي: «وعبدة» مثل حمزة، إلا أنهما رفعا ~~تاء «الطاغوت» . # وقرأ يحيى بن يعمر، والجحدري: «وعبد» بفتح العين ورفع الباء مع كسر تاء ~~«الطاغوت» . وقرأ أبو الأشهب العطاردي: «وعبد» برفع العين وتسكين الباء، ~~ونصب الدال، مع كسر تاء «الطاغوت» . وقرأ أبو السمال: «وعبدة» بفتح العين ~~والباء والدال وتاء في اللفظ بعد الدال مرفوعة مع كسر تاء «الطاغوت» . وقرأ ~~معاذ القارئ: «وعابد» مثل قراءة أبي هريرة إلا أنه ضم الدال. وقرأ أبو ~~حياة: # «وعباد» بتشديد الباء وبألف بعدها مع رفع العين، وفتح الدال. وقرأ ابن ~~حذلم، وعمرو بن فائد: # «وعباد» مثل أبي حياة إلا أن العين مفتوحة والدال مضمومة. وقد سبق ذكر ~~«الطاغوت» في سورة البقرة. وفي المراد به هاهنا قولان: أحدهما: الأصنام. ~~والثاني: الشيطان. # قوله تعالى: أولئك شر مكانا أي: هؤلاء الذين وصفناهم شر مكانا من ~~المؤمنين، ولا شر في مكان المؤمنين، ولكن الكلام مبني على كلام الخصم، حين ~~قالوا للمؤمنين: لا نعرف شرا منكم، فقيل: من كان بهذه الصفة، فهو شر منهم. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 61] # وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما ms0576 ~~كانوا يكتمون (61) # قوله تعالى: وإذا جاؤكم قالوا آمنا. # (447) قال قتادة: هؤلاء ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فيخبرونه أنهم مؤمنون بما جاء به، وهم متمسكون بضلالتهم. ~~PageV01P564 # قوله تعالى: وقد دخلوا بالكفر أي: دخلوا كافرين، وخرجوا كافرين، فالكفر ~~معهم في حالتيهم، والله أعلم بما كانوا يكتمون من الكفر والنفاق. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 62] # وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا ~~يعملون (62) # قوله تعالى: وترى كثيرا منهم يعني: اليهود يسارعون، أي: يبادرون في الإثم ~~وفيه قولان: أحدهما: أنه المعاصي، قاله ابن عباس. والثاني: الكفر، قاله ~~السدي. # فأما العدوان فهو الظلم. وفي «السحت» ثلاثة أقوال: أحدها: الرشوة في ~~الحكم. والثاني: # الرشوة في الدين. والثالث: الربا. ### | [سورة المائدة (5) : آية 63] # لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما ~~كانوا يصنعون (63) # قوله تعالى: لولا ينهاهم الربانيون والأحبار «لولا» بمعنى: «هلا» ، و ~~«الربانيون» مذكورون في آل عمران، وو الأحبار قد تقدم ذكرهم في هذه السورة. ~~وهذه الآية من أشد الآيات على تاركي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن ~~الله تعالى جمع بين فاعل المنكر وتارك الإنكار في الذم. قال ابن عباس: ما ~~في القرآن آية أشد توبيخا من هذه الآية. ### | [سورة المائدة (5) : آية 64] # وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه ~~مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا ~~للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين (64) # قوله تعالى: وقالت اليهود يد الله مغلولة قال أبو صالح عن ابن عباس: نزلت ~~في فنحاص اليهودي وأصحابه، قالوا: يد الله مغلولة. وقال مقاتل: فنحاص وابن ~~صلوبا «1» ، وعازر بن أبي عازر. وفي سبب قولهم هذا ثلاثة أقوال: أحدها: أن ~~الله تعالى كان قد بسط لهم الرزق، فلما عصوا الله تعالى في أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم وكفروا به كف عنهم بعض ما ms0577 كان بسط لهم، فقالوا: يد الله ~~مغلولة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عكرمة. والثاني: أن الله تعالى ~~استقرض منهم كما استقرض من هذه الأمة، فقالوا: # إن الله بخيل، ويده مغلولة فهو يستقرضنا، قاله قتادة. والثالث: أن ~~النصارى لما أعانوا بختنصر المجوسي على تخريب بيت المقدس، قالت اليهود: لو ~~كان الله صحيحا لمنعنا منه، فيده مغلولة، ذكره قتادة أيضا. # والمغلولة: الممسكة المنقبضة. وعن ماذا عنوا أنها ممسكة، فيه قولان: # أحدهما: عن العطاء، قاله ابن عباس، وقتادة، والفراء، وابن قتيبة، ~~والزجاج. # والثاني: ممسكة من عذابنا، فلا يعذبنا إلا تحلة القسم بقدر عبادتنا ~~العجل، قاله الحسن. # وفي قوله تعالى: غلت أيديهم ثلاثة أقوال: أحدها: غلت في جهنم، قاله ~~الحسن. والثاني: # أمسكت عن الخير، قاله مقاتل. والثالث: جعلوا بخلاء، فهم أبخل قوم، قاله ~~الزجاج. قال ابن PageV01P565 # الأنباري: وهذا خبر أخبر الله تعالى به الخلق أن هذا قد نزل بهم، وموضعه ~~نصب على معنى الحال. # تقديره: قالت اليهود هذا في حال حكم الله بغل أيديهم، ولعنته إياهم، ~~ويجوز أن يكون المعنى: فغلت أيديهم، ويجوز أن يكون دعاء، معناه: تعليم الله ~~لنا كيف ندعو عليهم، كقوله تعالى: تبت يدا أبي لهب «1» وقوله تعالى: لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين «2» . # وفي قوله تعالى: ولعنوا بما قالوا ثلاثة أقوال: أحدها: أبعدوا من رحمة ~~الله. والثاني: عذبوا قردة بالجزية، وفي الآخرة بالنار. الثالث: مسخوا قردة ~~وخنازير. # (448) وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من لعن شيئا ~~لم يكن للعنه أهلا رجعت اللعنة على اليهود بلعنة الله إياهم» . # قال الزجاج: وقد ذهب قوم إلى أن معنى «يد الله» : نعمته، وهذا خطأ ينقضه ~~بل يداه مبسوطتان فيكون المعنى على قولهم: نعمتاه، ونعم الله أكثر من أن ~~تحصى. والمراد بقوله: بل يداه مبسوطتان: # أنه جواد ينفق كيف يشاء، وإلى نحو هذا ذهب ابن الأنباري. قال ابن عباس: ~~إن شاء وسع في الرزق، وإن شاء قتر. # قوله تعالى: وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ms0578 ربك طغيانا وكفرا قال ~~الزجاج: كلما أنزل عليك شيء كفروا به، فيزيد كفرهم. و «الطغيان» هاهنا: ~~الغلو في الكفر. وقال مقاتل: وليزيدن بني النضير ما أنزل إليك من ربك من ~~أمر الرجم والدماء طغيانا وكفرا. # قوله تعالى: وألقينا بينهم العداوة والبغضاء فيمن عني بهذا قولان: ~~أحدهما: اليهود والنصارى، قاله ابن عباس: ومجاهد، ومقاتل. فإن قيل: فأين ~~ذكر النصارى؟ فالجواب: أنه قد تقدم في قوله تعالى: لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء. والثاني: أنهم اليهود، قاله قتادة. # قوله تعالى: كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ذكر إيقاد النار مثل ضرب ~~لاجتهادهم في المحاربة، وقيل: إن الأصل في استعارة اسم النار للحرب أن ~~القبيلة من العرب كانت إذا أرادت حرب أخرى أوقدت النار على رؤوس الجبال، ~~والمواضع المرتفعة، ليعلم استعدادهم للحرب، فيتأهب من يريد إعانتهم. وقيل: ~~كانوا إذا تحالفوا على الجد في حربهم، أوقدوا نارا، وتحالفوا. وفي معنى ~~الآية قولان: أحدهما: كلما جمعوا لحرب النبي صلى الله عليه وسلم فرقهم ~~الله. والثاني: كلما مكروا مكرا رده الله. قوله PageV01P566 # تعالى: ويسعون في الأرض فسادا فيه أربعة أقوال: أحدها: بالمعاصي، قاله ~~ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: بمحو ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من كتبهم، ودفع الإسلام، ~~قاله الزجاج. والثالث: بالكفر. والرابع: # بالظلم، ذكرهما الماوردي. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 65] # ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات ~~النعيم (65) # قوله تعالى: ولو أن أهل الكتاب يعني: اليهود والنصارى آمنوا بالله وبرسله ~~واتقوا الشرك لكفرنا عنهم سيئاتهم التي سلفت. ### | [سورة المائدة (5) : آية 66] # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون (66) # قوله تعالى: ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل قال ابن عباس: عملوا بما ~~فيها. وفيما أنزل إليهم من ربهم قولان: أحدهما: كتب أنبياء بني إسرائيل. ~~والثاني: القرآن، لأنهم لما خوطبوا به، كان نازلا إليهم. قوله تعالى: ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم فيه قولان: # أحدهما: لأكلوا بقطر السماء، ونبات الأرض، ms0579 وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، ~~وقتادة. # والثاني: أن المعنى: لوسع عليهم، كما يقال: فلان في خير من قرنه إلى ~~قدمه، ذكره الفراء، والزجاج. وقد أعلم الله تعالى بهذا أن التقوى سبب في ~~توسعة الرزق كما قال: لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض «1» وقال: ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب «2» . # قوله تعالى: منهم أمة مقتصدة يعني: من أهل الكتاب، وهم الذين أسلموا ~~منهم، قاله ابن عباس، ومجاهد. وقال القرظي: هم الذين قالوا: المسيح عبد ~~الله ورسوله. و «الاقتصاد» الاعتدال في القول والعمل من غير غلو ولا تقصير. ### | [سورة المائدة (5) : آية 67] # يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (67) # قوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ذكر المفسرون أن هذه الآية ~~نزلت على أسباب: روى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # (449) «لما بعثني الله برسالته، ضقت بها ذرعا، وعرفت أن من الناس من ~~يكذبني» ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يهاب قريشا واليهود ~~والنصارى، فأنزل الله هذه الآية. PageV01P567 # (450) وقال مجاهد: لما نزلت يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك قال: ~~«يا رب كيف أصنع؟ # إنما أنا وحدي يجتمع علي الناس» ، فأنزل الله وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته والله يعصمك من الناس. # (451) وقال مقاتل: لما دعا اليهود، وأكثر عليهم، جعلوا يستهزئون به، فسكت ~~عنهم، فحرض بهذه الآية. # (452) وقال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس فيرسل معه ~~أبو طالب كل يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت عليه هذه الآية، فقال: ~~«يا عماه إن الله قد عصمني من الجن والإنس» . # (453) وقال أبو هريرة: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم تحت ~~شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه، فقال: يا محمد من يمنعني منك؟ فقال: ~~«الله» ، فنزل قوله تعالى: والله يعصمك من الناس. # (454) وقالت عائشة: سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ms0580 ليلة، فقلت: ما ~~شأنك؟ قال: ألا رجل صالح يحرسني الليلة، فبينما نحن في ذلك إذ سمعت صوت ~~السلاح، فقال: «من هذا» ؟ فقال: سعد وحذيفة جئنا نحرسك، فنام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه «1» ، فنزلت والله يعصمك من الناس، فأخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قبة أدم «2» وقال «انصرفوا أيها ~~الناس، فقد عصمني الله تعالى» . PageV01P568 # قال الزجاج: قوله تعالى: بلغ ما أنزل إليك معناه: بلغ جميع ما أنزل إليك، ~~ولا تراقبن أحدا، ولا تتركن شيئا منه مخافة أن ينالك مكروه، فان تركت منه ~~شيئا، فما بلغت. قال ابن قتيبة: # يدل على هذا المحذوف قوله تعالى: والله يعصمك. وقال ابن عباس: إن كتمت ~~آية فما بلغت رسالتي. وقال غيره: المعنى: بلغ جميع ما أنزل إليك جهرا، فان ~~أخفيت شيئا منه لخوف أذى يلحقك، فكأنك ما بلغت شيئا. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: «رسالته» على التوحيد. وقرأ نافع «رسالاته» على الجمع. # قوله تعالى: والله يعصمك من الناس قال ابن قتيبة: أي يمنعك منهم. وعصمة ~~الله: منعه للعبد من المعاصي، ويقال: طعام لا يعصم، أي: لا يمنع من الجوع. ~~فان قيل: فأين ضمان العصمة وقد شج جبينه، وكسرت رباعيته، وبولغ في أذاه؟ ~~فعنه جوابان: أحدهما: أنه عصمه من القتل والأسر وتلف الجملة، فأما عوارض ~~الأذى، فلا تمنع عصمة الجملة. والثاني: أن هذه الآية نزلت بعد ما جرى عليه ~~ذلك، لأن «المائدة» من أواخر ما نزل. # قوله تعالى: إن الله لا يهدي القوم الكافرين فيه قولان: أحدهما: لا ~~يهديهم إلى الجنة. # والثاني: لا يعينهم على بلوغ غرضهم. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 68] # قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا ~~تأس على القوم الكافرين (68) # قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب لستم على شيء سبب نزولها: # (455) أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألست تؤمن بما عندنا من ~~التوراة، وتشهد أنها ms0581 حق؟ قال: # بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها، فأنا بريء من إحداثكم. فقالوا: نحن ~~على الهدى، ونأخذ بما في أيدينا، ولا نؤمن بك، فنزلت هذه الآية، قاله ابن ~~عباس. # فأما أهل الكتاب، فالمراد بهم اليهود والنصارى. وقوله تعالى: لستم على ~~شيء أي: لستم على شيء من الدين الحق حتى تقيموا التوراة والإنجيل، ~~وإقامتهما: العمل بما فيهما، ومن ذلك الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. ~~وفي الذي أنزل إليهم من ربهم قولان قد سبقا، وكذلك باقي الآية. ### | [سورة المائدة (5) : آية 69] # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (69) # قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون قد ذكرنا تفسيرها في ~~البقرة. وكذلك اختلفوا في إحكامها ونسخها كما بينا هناك. فأما رفع ~~«الصابئين» فذكر الزجاج عن البصريين، منهم الخليل، وسيبويه أن قوله: ~~«والصابئون» محمول على التأخير، ومرفوع بالابتداء. والمعنى: إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون. PageV01P569 # والصابئون والنصارى كذلك أيضا، وأنشدوا: # وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق «1» # المعنى: فاعلموا أنا بغاة ما بقينا في شقاق، وأنتم أيضا كذلك. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 70] # لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا ~~تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) # قوله تعالى: لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل قال مقاتل: أخذ ميثاقهم في ~~التوراة بأن يعملوا بما فيها. قال ابن عباس: كان فيمن كذبوا. محمد وعيسى، ~~وفيمن قتلوا: زكريا ويحيى. قال الزجاج: # فأما التكذيب، فاليهود والنصارى يشتركون فيه. وأما القتل فيختص اليهود. ### | [سورة المائدة (5) : آية 71] # وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير ~~منهم والله بصير بما يعملون (71) # قوله تعالى: وحسبوا ألا تكون فتنة قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن ~~عامر: تكون بالنصب، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «تكون» بالرفع، ولم ~~يختلفوا في رفع «فتنة» . قال مكي بن أبي طالب: ms0582 من رفع جعل «أن» مخففة من ~~الثقيلة، وأضمر معها «الهاء» ، وجعل «حسبوا» بمعنى: أيقنوا، لأن «أن» ~~للتأكيد، والتأكيد لا يجوز إلا مع اليقين. والتقدير: أنه لا تكون فتنة. ومن ~~نصب جعل «أن» هي الناصبة للفعل، وجعل «حسبوا» بمعنى: ظنوا. ولو كان قبل ~~«أن» فعل لا يصلح للشك، لم يجز أن تكون إلا مخففة من الثقيلة، ولم يجز نصب ~~الفعل بها، كقوله تعالى: أفلا يرون ألا يرجع إليهم «2» وعلم أن سيكون «3» . ~~وقال أبو علي: الأفعال ثلاثة: فعل يدل على ثبات الشيء واستقراره، نحو العلم ~~والتيقن، وفعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار، وفعل يجذب إلى هذا مرة، ~~وإلى هذا أخرى، فما كان معناه العلم، وقعت بعده «أن» الثقيلة، لأن معناها ~~ثبوت الشيء واستقراره، كقوله تعالى: ويعلمون أن الله هو الحق المبين «4» ~~ألم يعلم بأن الله يرى «5» ، وما كان على غير وجه الثبات والاستقرار نحو: ~~أطمع وأخاف وأرجو، وقعت بعده «أن» الخفيفة، كقوله تعالى: فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله «6» تخافون أن يتخطفكم «7» فخشينا أن يرهقهما «8» أطمع أن ~~يغفر لي «9» ، وما كان مترددا بين الحالين مثل حسبت وظننت، فإنه يجعل تارة ~~بمنزلة العلم، وتارة بمنزلة أرجو وأطمع، وكلتا القراءتين في وحسبوا ألا ~~تكون فتنة قد جاء بها التنزيل. فمثل مذهب من نصب: أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم # «10» أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا «11» PageV01P570 # أحسب الناس أن يتركوا «1» ، ومثل مذهب من رفع: أيحسبون أنما نمدهم «2» أم ~~يحسبون أنا لا نسمع سرهم «3» . قال ابن عباس: ظنوا أن الله لا يعذبهم، ولا ~~يبتليهم بقتلهم الأنبياء، وتكذيبهم الرسل. # قوله تعالى: فعموا وصموا قال الزجاج: هذا مثل تأويله: أنهم لم يعملوا بما ~~سمعوا ورأوا من الآيات، فصاروا كالعمي الصم. # قوله تعالى: ثم تاب الله عليهم فيه قولان: أحدهما: رفع عنهم البلاء، قاله ~~مقاتل. وقال غيره: هو ظفرهم بالأعداء، وذلك مذكور في قوله تعالى: ثم رددنا ~~لكم الكرة عليهم. والثاني: أن معنى «تاب عليهم» : أرسل إليهم محمدا يعلمهم ~~أن الله قد تاب عليهم إن آمنوا وصدقوا، ms0583 قاله الزجاج. # وفي قوله تعالى: ثم عموا وصموا قولان: أحدهما: لم يتوبوا بعد رفع البلاء، ~~قاله مقاتل. والثاني: # لم يؤمنوا بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الزجاج. # قوله تعالى: كثير منهم أي: عمي وصم كثير منهم، كما تقول: جاءني قومك ~~أكثرهم. قال ابن الأنباري: هذه الآية نزلت في قوم كانوا على الكفر قبل أن ~~يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بعث كذبوه بغيا وحسدا، وقدروا أن ~~هذا الفعل لا يكون موبقا لهم، وجانيا عليهم، فقال الله تعالى: وحسبوا ألا ~~تكون فتنة أي: ظنوا ألا تقع بهم فتنة في الإصرار على الكفر، فعموا وصموا ~~بمجانبة الحق. ثم تاب الله عليهم أي: عرضهم للتوبة بأن أرسل محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وإن لم يتوبوا، ثم عموا وصموا بعد بيان الحق بمحمد، كثير منهم، ~~فخص بعضهم بالفعل الأخير، لأنهم لم يجتمعوا كلهم على خلاف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 72] # لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني ~~إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ~~ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) # قوله تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قال مقاتل: ~~نزلت في نصارى نجران، قالوا ذلك. قوله تعالى: وقال المسيح أي: وقد كان ~~المسيح قال لهم وهو بين أظهرهم: إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة. ### | [سورة المائدة (5) : آية 73] # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ~~ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) # قوله تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة قال مجاهد: هم ~~النصارى. قال وهب بن منبه: لما ولد عيسى لم يبق صنم إلا خر لوجهه، فاجتمعت ~~الشياطين إلى إبليس، فأخبروه، فذهب فطاف أقطار الأرض، ثم رجع، فقال: هذا ~~المولود الذي ولد من غير ذكر، أردت أن أنظر إليه، فوجدت ms0584 الملائكة قد حفت ~~بأمه، فليتخلف عندي اثنان من مردتكم، فلما أصبح. خرج بهما في PageV01P571 # صورة الرجال، فأتوا مسجد بني إسرائيل وهم يتحدثون بأمر عيسى، ويقولون: ~~مولود من غير أب. # فقال إبليس: ما هذا ببشر، ولكن الله أحب أن يتمثل في امرأة ليختبر ~~العباد، فقال أحد صاحبيه: ما أعظم ما قلت، ولكن الله أحب أن يتخذ ولدا. ~~وقال الثالث: ما أعظم ما قلت، ولكن الله أراد أن يجعل إلها في الأرض، ~~فألقوا هذا الكلام على ألسنة الناس، ثم تفرقوا، فتكلم به الناس. وقال محمد ~~بن كعب: لما رفع عيسى اجتمع مائة من علماء بني إسرائيل، وانتخبوا منهم ~~أربعة، فقال أحدهم: # عيسى هو الله كان في الأرض ما بدا له، ثم صعد إلى السماء، لأنه لا يحيي ~~الموتى ولا يبرئ الأكمه والأبرص إلا الله. وقال الثاني: ليس كذلك، لأنا قد ~~عرفنا عيسى، وعرفنا أمه، ولكنه ابن الله. وقال الثالث: لا أقول كما قلتما، ~~ولكن جاءت به أمه من عمل غير صالح. فقال الرابع: لقد قلتم قبيحا، ولكنه عبد ~~الله ورسوله، وكلمته، فخرجوا، فاتبع كل رجل منهم عنق «1» من الناس. قال ~~المفسرون: # ومعنى الآية: أن النصارى قالت: الإلهية مشتركة بين الله وعيسى ومريم، وكل ~~واحد منهم إله. وفي الآية إضمار، فالمعنى: ثالث ثلاثة آلهة، فحذف ذكر ~~الآلهة، لأن المعنى مفهوم، لأنه لا يكفر من قال: هو ثالث ثلاثة، ولم يرد ~~الآلهة، لأنه ما من اثنين إلا وهو ثالثهما، وقد دل على المحذوف قوله تعالى: ~~وما من إله إلا إله واحد. قال الزجاج: ومعنى ثالث ثلاثة: أنه أحد ثلاثة. ~~ودخلت «من» في قوله تعالى: وما من إله للتوكيد. والذين كفروا منهم، هم ~~المقيمون على هذا القول. وقال ابن جرير: المعنى: ليمسن الذين يقولون: ~~المسيح هو الله، والذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، وكل كافر يسلك سبيلهم، ~~عذاب أليم. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 74] # أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) # قوله تعالى: أفلا يتوبون إلى الله قال الفراء: لفظه لفظ الاستفهام، ~~ومعناه الأمر، كقوله ms0585 تعالى: فهل أنتم منتهون. ### | [سورة المائدة (5) : آية 75] # ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا ~~يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون (75) # قوله تعالى: ما المسيح ابن مريم إلا رسول فيه رد على اليهود في تكذيبهم ~~رسالته، وعلى النصارى في ادعائهم إلهيته. والمعنى: أنه ليس باله، وإنما ~~حكمه حكم من سبقه من الرسل. وفي قوله تعالى: وأمه صديقة رد على من نسبها من ~~اليهود إلى الفاحشة. قال الزجاج: والصديقة: المبالغة في الصدق، وصديق ~~«فعيل» من أبنية المبالغة، كما تقول: فلان سكيت، أي: مبالغ في السكوت. وفي ~~قوله تعالى: كانا يأكلان الطعام قولان: أحدهما: أنه بين أنهما يعيشان ~~بالغذاء، ومن لا يقيمه إلا أكل الطعام فليس باله، قاله الزجاج. والثاني: ~~أنه نبه بأكل الطعام على عاقبته، وهو الحدث، إذ لا بد لآكل الطعام من ~~الحدث، قاله ابن قتيبة. قال: وقوله تعالى: انظر كيف نبين لهم الآيات من ~~ألطف ما يكون من الكناية. و «يؤفكون» : يصرفون عن الحق ويعدلون، يقال: أفك ~~الرجل عن كذا: PageV01P572 # إذا عدل عنه، وأرض مأفوكة: محرومة المطر والنبات، كأن ذلك صرف عنها وعدل. ### | [سورة المائدة (5) : آية 76] # قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع ~~العليم (76) # قوله تعالى: قل أتعبدون من دون الله قال مقاتل: قل لنصارى نجران: أتعبدون ~~من دون الله، يعني عيسى ما لا يملك لكم ضرا في الدنيا، ولا نفعا في الآخرة. ~~والله هو السميع لقولهم: المسيح ابن الله، وثالث ثلاثة، العليم بمقالتهم. ### | [سورة المائدة (5) : آية 77] # قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ~~ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77) # قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب قال مقاتل: هم نصارى نجران. والمعنى: لا ~~تغلوا في دينكم، فتقولوا غير الحق في عيسى. وقد بينا معنى «الغلو» في آخر ~~سورة (النساء) . قوله تعالى: ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ms0586 قال أبو ~~سليمان: من قبل أن تضلوا. وفيهم قولان: أحدهما: أنهم رؤساء الضلالة من ~~اليهود. والثاني: رؤساء اليهود والنصارى، والآية خطاب للذين كانوا في عصر ~~نبينا صلى الله عليه وسلم نهوا أن يتبعوا أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم. ### | [سورة المائدة (5) : آية 78] # لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما ~~عصوا وكانوا يعتدون (78) # قوله تعالى: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل في لعنهم قولان: # أحدهما: أنه نفس اللعن، ومعناه المباعدة من الرحمة. قال ابن عباس: لعنوا ~~على لسان داود، فصاروا قردة، ولعنوا على لسان عيسى في الإنجيل. قال الزجاج: ~~وجائز أن يكون داود وعيسى أعلما أن محمدا نبي، ولعنا من كفر به. والثاني: ~~أنه المسخ، قاله مجاهد، لعنوا على لسان داود فصاروا قردة، وعلى لسان عيسى، ~~فصاروا خنازير. وقال الحسن، وقتادة: لعن أصحاب السبت على لسان داود، فانهم ~~لما اعتدوا، قال داود: اللهم العنهم، واجعلهم آية، فمسخوا قردة. ولعن أصحاب ~~المائدة على لسان عيسى، فانهم لما أكلوا منها ولم يؤمنوا قال عيسى: اللهم ~~العنهم كما لعنت أصحاب السبت، فجعلوا خنازير. # قوله تعالى: ذلك بما عصوا أي: ذلك اللعن بمعصيتهم لله تعالى في مخالفتهم ~~أمره ونهيه، وباعتدائهم في مجاوزة ما حده لهم. ### | [سورة المائدة (5) : آية 79] # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (79) # قوله تعالى: كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه التناهي: تفاعل من النهي، ~~أي: كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن المنكر. وذكر المفسرون في هذا المنكر ~~ثلاثة أقوال: أحدها: صيد السمك يوم السبت. والثاني: أخذ الرشوة في الحكم. ~~والثالث: أكل الربا، وأثمان الشحوم. وذكر المنكر منكرا يدل على الإطلاق، ~~ويمنع هذا الحصر، ويدل على ما قلنا: # PageV01P573 # (456) ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الرجل من بني ~~إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيرا، فإذا كان الغد لم ~~يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشريبه، فلما رأى الله تعالى ذلك ~~منهم ضرب بقلوب بعضهم على ms0587 بعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم» . # قوله تعالى: لبئس ما كانوا يفعلون قال الزجاج: اللام دخلت للقسم ~~والتوكيد، والمعنى: # لبئس شيئا فعلهم. ### | ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 80 الى # 81] # ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله ~~عليهم وفي العذاب هم خالدون (80) ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل ~~إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون (81) # قوله تعالى: ترى كثيرا منهم يتولون في المشار إليهم قولان: أحدهما: أنهم ~~المنافقون، روي عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد. والثاني: أنهم اليهود، قاله ~~مقاتل في آخرين، فعلى هذا القول انتظام الآيات ظاهر، وعلى الأول يرجع ~~الكلام إلى قوله تعالى فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم. وفي الذين ~~كفروا قولان: أحدهما: أنهم اليهود، قاله أرباب القول الأول. # والثاني: أنهم مشركو العرب، قاله أرباب هذا القول الثاني. # قوله تعالى: لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أي: بئسما قدموا لمعادهم أن سخط ~~الله عليهم قال الزجاج: يجوز أن تكون «أن» في موضع رفع على إضمار هو، كأنه ~~قيل: هو أن سخط الله عليهم. ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 82 الى 83] # لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم ~~لا يستكبرون (82) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ~~مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (83) # قوله تعالى: لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود قال المفسرون: ~~نزلت هذه الآية وما بعدها مما يتعلق بها في النجاشي وأصحابه. قال سعيد بن ~~جبير: بعث النجاشي قوما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلموا، فنزلت ~~فيهم هذه الآية والتي بعدها، وسنذكر قصتهم فيما بعد. قال الزجاج: واللام في ~~«لتجدن» لام القسم، والنون دخلت تفصل بين الحال والاستقبال، و «عداوة» ~~منصوب على التمييز، واليهود ظاهروا المشركين على المؤمنين حسدا للنبي عليه ~~السلام. # قوله تعالى: والذين أشركوا يعني: عبدة الأوثان. فأما الذين قالوا ms0588 إنا ~~نصارى، فهل هذا عام PageV01P574 # في كل النصارى أم خاص؟ فيه قولان: أحدهما: أنه خاص، ثم فيه قولان: ~~أحدهما: أنه أراد النجاشي وأصحابه لما أسلموا، قاله ابن عباس وابن جبير. ~~والثاني: أنهم قوم من النصارى كانوا متمسكين بشريعة عيسى، فلما جاء محمد ~~عليه السلام أسلموا، قاله قتادة. والقول الثاني: أنه عام. قال الزجاج: # يجوز أن يراد به النصارى لأنهم كانوا أقل مظاهرة للمشركين من اليهود. # قوله تعالى: ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا قال الزجاج: «القس» و «القسيس» ~~من رؤساء النصارى. وقال قطرب: القسيس: العالم بلغة الروم، فأما الرهبان: ~~فهم العباد أرباب الصوامع. قال ابن فارس: الترهب: التعبد، فان قيل: كيف ~~مدحهم بأن منهم قسيسين ورهبانا وليس ذلك من أمر شريعتنا؟ فالجواب: أنه ~~مدحهم بالتمسك بدين عيسى حين استعملوا في أمر محمد ما أخذ عليهم في كتابهم، ~~وقد كانت الرهبانية مستحسنة في دينهم. والمعنى: بأن فيهم علماء بما أوصى به ~~عيسى من أمر محمد صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو يعلى: وربما ظن جاهل ~~أن في هذه الآية مدح النصارى، وليس كذلك، لأنه إنما مدح من آمن منهم، ويدل ~~عليه ما بعد ذلك، ولا شك أن مقالة النصارى أقبح من مقالة اليهود. # قوله تعالى: وأنهم لا يستكبرون، أي: لا يتكبرون عن إتباع الحق. # قوله تعالى: وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول. # (457) قال ابن عباس: لما حضر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي ~~النجاشي، وقرءوا القرآن، سمع ذلك القسيسون والرهبان، فانحدرت دموعهم مما ~~عرفوا من الحق، فقال الله تعالى: ذلك بأن منهم قسيسين إلى قوله تعالى: ~~الشاهدين. # (458) وقال سعيد بن جبير: بعث النجاشي من خيار أصحابه ثلاثين رجلا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهم القرآن، فبكوا ورقوا، وقالوا: ~~نعرف والله، وأسلموا، وذهبوا إلى النجاشي فأخبروه فأسلم، فأنزل الله فيهم ~~وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ... الآية. # (459) وقال السدي: كانوا اثني عشر رجلا سبعة من القسيسين، وخمسة من ~~الرهبان، فلما قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه ms0589 وسلم القرآن، بكوا ~~وآمنوا، فنزلت هذه الآية فيهم «1» . PageV01P575 # قوله تعالى: فاكتبنا مع الشاهدين، أي: مع من يشهد بالحق. وللمفسرين في ~~المراد بالشاهدين هاهنا أربعة أقوال: أحدها: محمد وأمته، رواه علي بن أبي ~~طلحة، وعكرمة عن ابن عباس. # والثاني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. ~~والثالث: الذين يشهدون بالإيمان، قاله الحسن. والرابع: الأنبياء والمؤمنون، ~~قاله الزجاج. ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 84 الى 86] # وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم ~~الصالحين (84) فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها وذلك جزاء المحسنين (85) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب ~~الجحيم (86) # قوله تعالى: وما لنا لا نؤمن بالله قال ابن عباس: لامهم قومهم على ~~الإيمان، فقالوا هذا، وفي القوم الصالحين ثلاثة أقوال: أحدها: أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. والثاني: رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه، قاله ابن زيد. والثالث: المهاجرون الأولون، قاله مقاتل. # قوله تعالى: وذلك جزاء المحسنين قال ابن عباس: ثواب المؤمنين. ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 87 الى 88] # يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين (87) وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي ~~أنتم به مؤمنون (88) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم في سبب ~~نزولها ثلاثة أقوال: # (460) أحدها: أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم عثمان بن ~~مظعون، حرموا اللحم والنساء على أنفسهم، وأرادوا جب أنفسهم ليتفرغوا ~~للعبادة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم أومر بذلك» ، ونزلت هذه ~~الآية، رواه العوفي عن ابن عباس. PageV01P576 # (461) وروى أبو صالح عن ابن عباس، قال: كانوا عشرة: أبو بكر، وعمر، وعلي، ~~وابن مسعود، وعثمان بن مظعون، والمقداد بن الأسود، وسالم مولى أبي حذيفة، ~~وسلمان الفارسي، وأبو ذر، وعمار بن ياسر، اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون، ~~فتواثقوا على ذلك، فبلغ ذلك رسول ms0590 الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من رغب عن ~~سنتي فليس مني» ونزلت هذه الآية. # (462) قال السدي: كان سبب عزمهم على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جلس يوما، فلم يزدهم على التخويف، فرق الناس، وبكوا، فعزم هؤلاء على ذلك، ~~وحلفوا على ما عزموا عليه. # (463) وقال عكرمة: إن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعثمان بن مظعون، ~~والمقداد، وسالما مولى أبي حذيفة في أصحابه، تبتلوا، فجلسوا في البيوت، ~~واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح «1» ، وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما ~~يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام ~~الليل وصيام النهار، فنزلت هذه الآية. # (464) والثاني: أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني إذا ~~أكلت من هذا اللحم، أقبلت على النساء، وإني حرمته علي، فنزلت هذه الآية، ~~رواه عكرمة عن ابن عباس. # (465) والثالث: أن ضيفا نزل بعبد الله بن رواحة، ولم يكن حاضرا، فلما ~~جاء، قال لزوجته: هل أكل الضيف؟ فقالت: انتظرتك. فقال: حبست ضيفي من أجلي؟! ~~طعامك علي حرام. فقالت: وهو علي حرام إن لم تأكله، فقال الضيف: وهو علي ~~حرام إن لم تأكلوه، فلما رأى ذلك ابن رواحة قال: # قربي طعامك، كلوا بسم الله، ثم غدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره ~~بذلك فقال: أحسنت، ونزلت هذه الآية، وقرأ حتى بلغ لا يؤاخذكم الله باللغو ~~في أيمانكم، رواه عبد الرحمن بن زيد عن أبيه. # فأما «الطيبات» فهي اللذيذات التي تشتهيها النفوس مما أبيح، وفي قوله ~~تعالى: ولا تعتدوا خمسة أقوال: أحدها: لا تجبوا أنفسكم، قاله ابن عباس، ~~ومجاهد، وقتادة، وإبراهيم. والثاني: لا PageV01P577 # تأتوا ما نهى الله عنه، قاله الحسن. والثالث: لا تسيروا بغير سيرة ~~المسلمين من ترك النساء، وإدامة الصيام، والقيام، قاله عكرمة. والرابع: لا ~~تحرموا الحلال، قاله مقاتل. والخامس: لا تغصبوا الأموال المحرمة، ذكره ~~الماوردي. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 89] # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ~~فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو ms0591 كسوتهم أو تحرير ~~رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا ~~أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون (89) # قوله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم سبب نزولها: # (466) أنه لما نزل قوله تعالى: لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم قال ~~القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا ~~التي حلفنا عليها؟ فنزلت هذه الآية، رواه العوفي عن ابن عباس. وقد سبق ذكر ~~«اللغو» في سورة البقرة. # قوله تعالى: بما عقدتم الأيمان قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن ~~عاصم: # «عقدتم» بغير ألف، مشددة القاف. قال أبو عمرو: معناها: وكدتم، وقرأ أبو ~~بكر، والمفضل عن عاصم: «عقدتم» خفيفة بغير ألف، واختارها أبو عبيد. قال ابن ~~جرير: معناها: أوجبتموها على أنفسكم «1» . وقرأ ابن عامر: «عاقدتم» بألف، ~~مثل «عاهدتم» . قال القاضي أبو يعلى: وهذه القراءة المشددة لا تحتمل إلا ~~عقد قول. فأما المخففة، فتحتمل عقد القلب، وعقد القول. وذكر المفسرون في ~~PageV01P578 # معنى الكلام قولين: أحدهما: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم عليه قلوبكم في ~~التعمد لليمين، قاله مجاهد. # والثاني: بما عقدتم عليه قلوبكم أنه كذب، قاله سعيد بن جبير. # قوله تعالى: فكفارته «1» قال ابن جرير: الهاء عائدة على «ما» في قوله: ~~«بما عقدتم» . # فصل: فأما إطعام المساكين «2» ، فروي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وابن ~~عباس، والحسن في آخرين: أن لكل مساكين مد بر، وبه قال مالك، والشافعي. وروي ~~عن عمر، وعلي، وعائشة في آخرين: لكل مساكين نصف صاع من بر، قال عمر، ~~وعائشة: أو صاعا من تمر، وبه قال أبو حنيفة. # ومذهب أصحابنا في جميع الكفارات التي فيها إطعام، مثل كفارة اليمين، ~~والظهار، وفدية الأذى، والمفرطة في قضاء رمضان، مد بر، أو نصف صاع تمر أو ~~شعير. ومن شرط صحة الكفارة، تمليك الطعام للفقراء، فإن غداهم وعشاهم، لم ~~يجزئه، وبه قال سعيد بن جبير، والحكم، والشافعي. وقال الثوري، والأوزاعي: ~~يجزئه، وبه قال أبو حنيفة، ومالك «3» . ولا يجوز صرف مدين إلى مساكين واحد ms0592 ~~«4» ، ولا إخراج القيامة في الكفارة، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: ~~يجوز. قال الزجاج: وإنما وقع لفظ التذكير في المساكين، ولو كانوا إناثا ~~لأجزأ، لأن المغلب في كلام العرب التذكير. وفي قوله تعالى: من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم قولان: # أحدهما: من أوسطه في القدر، قاله عمر، وعلي، وابن عباس، ومجاهد. ~~PageV01P579 # والثاني: من أوسط أجناس الطعام، قاله ابن عمر، والأسود، وعبيدة، والحسن، ~~وابن سيرين. # وروي عن ابن عباس قال: كان أهل المدينة يقرون للحر من القوت أكثر ما ~~للمملوك، وللكبير أكثر ما للصغير، فنزلت من أوسط ما تطعمون أهليكم ليس ~~بأفضله ولا بأخسه. # وفي كسوتهم خمسة أقوال: أحدها: أنها ثوب واحد، قاله ابن عباس، ومجاهد، ~~وطاوس، وعطاء، والشافعي. والثاني: ثوبان، قاله أبو موسى الأشعري، وابن ~~المسيب، والحسن، وابن سيرين، والضحاك. والثالث: إزار ورداء وقميص، قاله ابن ~~عمر. والرابع: ثوب جامع كالملحفة، قاله إبراهيم النخعي. والخامس: كسوة تجزئ ~~فيها الصلاة، قاله مالك. ومذهب أصحابنا: أنه إن كسا الرجل، كساه ثوبا، ~~والمرأة ثوبين، درعا وخمارا، وهو أدنى ما تجزئ فيه الصلاة. # وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو الجوزاء ويحيى بن يعمر: «أو كسوتهم» بضم ~~الكاف. وقد قرأ سعيد بن جبير وأبو العالية وأبو نهيك ومعاذ القارئ: «أو ~~كاسوتهم» بهمزة مكسورة مفتوحة الكاف مكسورة التاء والهاء. وقرأ ابن السميفع ~~وأبو عمران الجوني مثله، إلا إنهما فتحا الهمزة. قال المصنف: # ولا أرى هذه القراءة جائزة لأنها تسقط أصلا من أصول الكفارة. # قوله تعالى: أو تحرير رقبة تحريرها: عتقها، والمراد بالرقبة: جملة الشخص. ~~واتفقوا على اشتراط إيمان الرقبة في كفارة القتل لموضع النص. واختلفوا في ~~إيمان الرقبة المذكورة في هذه الكفارة على قولين: أحدهما: أنه شرط، وبه قال ~~الشافعي، لأن الله تعالى قيد بذكر الإيمان في كفارة القتل، فوجب حمل المطلق ~~على المقيد. والثاني: ليس بشرط، وبه قال أبو حنيفة، وعن أحمد رضي الله عنه ~~في إيمان الرقبة المعتقة في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع، ~~والمنذورة، روايتان. قوله تعالى: فمن لم يجد اختلفوا فيما إذا ms0593 لم يجده، ~~صام، على خمسة أقوال: أحدها: أنه إذا لم يجد درهمين صام، قاله الحسن. ~~والثاني: ثلاثة دراهم، قاله سعيد بن جبير. والثالث: إذا لم يجد إلا قدر ما ~~يكفر به، صام، قاله قتادة. والرابع: مائتي درهم، قاله أبو حنيفة. والخامس: ~~إذا لم يكن له إلا قدر قوته وقوت عائلته يومه وليلته «1» ، قاله أحمد، ~~والشافعي. وفي تتابع الثلاثة أيام «2» ، قولان: أحدهما: أنه PageV01P580 # شرط، وكان أبي، وابن مسعود يقرآن: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» وبه قال ~~ابن عباس، ومجاهد، وطاوس، وعطاء، وقتادة، وأبو حنيفة، وهو قول أصحابنا. ~~والثاني: ليس بشرط، ويجوز التفريق، وبه قال الحسن، ومالك. وللشافعي فيه ~~قولان. # قوله تعالى: ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم فيه إضمار تقديره: إذا حلفتم ~~وحنثتم. # وفي قوله تعالى: واحفظوا أيمانكم ثلاثة أقوال: أحدها: أقلوا منها، ويشهد ~~له قوله تعالى: # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم، وأنشدوا: # قليل الألايا حافظ ليمينه «1» # والثاني: احفظوا أنفسكم من الحنث فيها. والثالث: راعوها لكي تؤدوا ~~الكفارة عند الحنث فيها. ### | [سورة المائدة (5) : آية 90] # يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر في سبب نزولها أربعة ~~أقوال: # (467) أحدها: أن سعد بن أبي وقاص أتى نفرا من المهاجرين والأنصار، فأكل ~~عندهم، وشرب الخمر قبل أن تحرم، فقال: المهاجرون خير من الأنصار، فأخذ رجل ~~لحي جمل فضربه، فجدع أنفه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، ~~فنزلت هذه الآية، رواه مصعب بن سعد عن أبيه. # (468) وقال سعيد بن جبير: صنع رجل من الأنصار صنيعا، فدعا سعد بن أبي ~~وقاص، فلما أخذت فيهم الخمرة افتخروا واستبوا، فقام الأنصاري إلى لحي بعير، ~~فضرب به رأس سعد، فإذا الدم على وجهه، فذهب سعد يشكو إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فنزل تحريم الخمر في قوله تعالى: إنما الخمر والميسر إلى قوله ~~تعالى: تفلحون. # (469) والثاني: أن عمر بن الخطاب قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا ~~شافيا فنزلت التي في «البقرة» ms0594 فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ~~فنزلت التي في النساء لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فقال: اللهم بين لنا في ~~الخمر بيانا شافيا، فنزلت هذه الآية، رواه أبو ميسرة عن عمر. # (470) والثالث: أن أناسا من المسلمين شربوها، فقاتل بعضهم بعضا، وتكلموا ~~بما لا يرضاه الله من القول، فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. PageV01P581 # (471) والرابع: أن قبيلتين من الأنصار شربوا، فلما ثملوا عبث بعضهم ببعض، ~~فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه وبرأسه وبلحيته، فيقول: صنع بي هذا ~~أخي فلان!! والله لو كان بي رؤوفا ما صنع بي هذا، حتى وقعت في قلوبهم ~~الضغائن، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس. # وقد ذكرنا الخمر والميسر في البقرة «1» وذكرنا في «النصب» في أول هذه ~~السورة «2» قولين، وهما اللذان ذكرهما المفسرون في الأنصاب. وذكرنا هناك ~~«الأزلام» . فأما الرجس، فقال الزجاج: هو اسم لكل ما استقذر من عمل، يقال: ~~رجس الرجل يرجس، ورجس يرجس: إذا عمل عملا قبيحا، والرجس بفتح الراء: شدة ~~الصوت، فكأن الرجس، العمل الذي يقبح ذكره، ويرتفع في القبح، ويقال: # رعد رجاس: إذا كان شديد الصوت. # قوله تعالى: من عمل الشيطان قال ابن عباس: من تزيين الشيطان. فإن قيل: ~~كيف نسب إليه، وليس من فعله؟ فالجواب: أن نسبته إليه مجاز، وإنما نسب إليه، ~~لأنه هو الداعي إليه، المزين له، ألا ترى أن رجلا لو أغرى رجلا بضرب رجل، ~~لجاز أن يقال له: هذا من عملك. # قوله تعالى: فاجتنبوه قال الزجاج: اتركوه. واشتقاقه في اللغة: كونوا ~~جانبا منه. فإن قيل: # كيف ذكر في هذه الآية أشياء، ثم قال: فاجتنبوه؟ فالجواب: أن الهاء عائدة ~~على الرجس، والرجس واقع على الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، ورجوع ~~الهاء عليه بمنزلة رجوعها على الجمع الذي هو واقع عليه، ومنبئ عنه، ذكره ~~ابن الأنباري. ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 91 الى 92] # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ~~ويصدكم عن ذكر ms0595 الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (91) وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين (92) # قوله تعالى: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر أما «الخمر» فوقوع العداوة والبغضاء فيها على نحو ما ذكرنا في سبب ~~نزول الآية من القتال والمماراة. وأما الميسر، فقال قتادة: كان الرجل يقامر ~~على أهله وماله، فيقمر ويبقى حزينا سليبا، فينظر إلى ماله في يد غيره، ~~فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء. # قوله تعالى: فهل أنتم منتهون فيه قولان: أحدهما: أنه لفظ استفهام، ومعناه ~~الأمر. تقديره: # انتهوا. قال الفراء: ردد علي أعرابي: هل أنت ساكت، هل أنت ساكت؟ وهو ~~يريد: اسكت، اسكت. # والثاني: أنه استفهام، لا بمعنى الأمر. ذكر شيخنا علي بن عبيد الله أن ~~جماعة كانوا يشربون الخمر بعد PageV01P582 # هذه الآية، ويقولون: لم يحرمها، إنما قال: فهل أنتم منتهون، فقال بعضنا: ~~انتهينا، وقال بعضنا: لم ننته، فلما نزلت قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن والإثم حرمت، لأن «الإثم» اسم للخمر. # وهذا القول ليس بشيء، والأول أصح. # قوله تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فيما أمراكم، واحذروا خلافهما ~~فإن توليتم أي: # أعرضتم، فاعلموا أنما على رسولنا محمد البلاغ المبين وهذا وعيد لهم، كأنه ~~قال فاعلموا أنكم قد استحققتم العقاب لتوليكم. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 93] # ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا ~~وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب ~~المحسنين (93) # قوله تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا سبب ~~نزولها: # (472) أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ماتوا وهم يشربون ~~الخمر، إذ كانت مباحة، فلما حرمت قال ناس: كيف بأصحابنا وقد ماتوا وهم ~~يشربونها؟! فنزلت هذه الآية، قاله البراء بن عازب. # و «الجناح» : الإثم. وفيما طعموا ثلاثة أقوال: أحدها: ما شربوا من الخمر ~~قبل تحريمها، قاله ابن عباس، قال ابن قتيبة: يقال: لم أطعم خبزا وأدما ولا ~~ماء ولا نوما. قال الشاعر: # فإن ms0596 شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا «1» # النقاخ: الماء البارد الذي ينقخ الفؤاد ببرده، والبرد: النوم. # والثاني: ما شربوا من الخمر وأكلوا من الميسر. والثالث: ما طعموا من ~~المباحات. # وفي قوله تعالى: إذا ما اتقوا ثلاثة أقوال: أحدها: اتقوا بعد التحريم، ~~قاله ابن عباس. # والثاني: اتقوا المعاصي والشرك. والثالث: اتقوا مخالفة الله في أمره. وفي ~~قوله تعالى: وآمنوا قولان: أحدهما: آمنوا بالله ورسوله. والثاني: آمنوا ~~بتحريمها. # قوله تعالى: وعملوا الصالحات قال مقاتل: أقاموا على الفرائض. PageV01P583 # قوله تعالى: ثم اتقوا في هذه التقوى المعادة أربعة أقوال: أحدها: أن ~~المراد خوف الله عز وجل. والثاني: أنها تقوى الخمر والميسر بعد التحريم. ~~والثالث: أنها الدوام على التقوى. والرابع: أن التقوى الأولى مخاطبة لمن ~~شربها قبل التحريم، والثانية لمن شربها بعد التحريم. # قوله تعالى: وآمنوا في هذا الإيمان المعاد قولان: أحدهما: صدقوا بجميع ما ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. والثاني: آمنوا بما يجيء من الناسخ ~~والمنسوخ. # قوله تعالى: ثم اتقوا وأحسنوا في هذه التقوى الثالثة أربعة أقوال: أحدها: ~~اجتنبوا العود إلى الخمر بعد تحريمها، قاله ابن عباس: والثاني: اتقوا ظلم ~~العباد. والثالث: توقوا الشبهات. والرابع: # اتقوا جميع المحرمات. وفي الإحسان قولان: أحدهما: أحسنوا العمل بترك ~~شربها بعد التحريم، قاله ابن عباس. والثاني: أحسنوا العمل بعد تحريمها، ~~قاله مقاتل. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 94] # يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ~~ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (94) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد. # (473) قال المفسرون: لما كان عام الحديبية، وأقام النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالتنعيم، كانت الوحوش والطير تغشاهم في رحالهم، وهم محرمون، فنزلت ~~هذه الآية، ونهوا عنها ابتلاء. # قال الزجاج: اللام في «ليبلونكم» لام القسم، ومعناه: لنختبرن طاعتكم من ~~معصيتكم. وفي «من» قولان: أحدهما: أنها للتبعيض، ثم فيه قولان: أحدهما: أنه ~~عنى صيد البر دون صيد البحر. # والثاني: أنه عنى الصيد ما ms0597 داموا في الإحرام كأن ذلك بعض الصيد. والثاني: ~~أنها لبيان الجنس، كقوله تعالى: فاجتنبوا الرجس من الأوثان. # قوله تعالى: تناله أيديكم ورماحكم قال مجاهد: الذي تناله اليد: الفراخ ~~والبيض، وصغار الصيد، والذي تناله الرماح: كبار الصيد. # قوله تعالى: ليعلم الله قال مقاتل: ليرى الله من يخافه بالغيب ولم يره، ~~فلا يتناول الصيد وهو محرم فمن اعتدى فأخذ الصيد عمدا بعد النهي للمحرم عن ~~قتل الصيد فله عذاب أليم قال ابن عباس: يوسع بطنه وظهره جلدا، وتسلب ثيابه. ### | [سورة المائدة (5) : آية 95] # يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا ~~فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة ~~طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد ~~فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (95) PageV01P584 # قوله تعالى: لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم بين الله عز وجل بهذه الآية من أي ~~وجه تقع البلوى، وفي أي زمان، وما على من قتله بعد النهي؟. وفي قوله: وأنتم ~~حرم ثلاثة أقوال: # أحدها: وأنتم محرمون بحج أو عمرة، قاله الأكثرون. والثاني: وأنتم في ~~الحرم، يقال: أحرم: # إذا دخل في الحرم، وأنجد: إذا أتى نجدا. والثالث: الجمع بين القولين. # قوله تعالى: ومن قتله منكم متعمدا فيه قولان: أحدهما: أن يتعمد قتله ~~ذاكرا لإحرامه، قاله ابن عباس، وعطاء. والثاني: أن يتعمد قتله ناسيا ~~لإحرامه، قاله مجاهد. فأما قتله خطأ، ففيه قولان: # أحدهما: أنه كالعمد، قاله عمر، وعثمان، والجمهور. قال الزهري: نزل القرآن ~~بالعمد، وجرت السنة في الخطأ، يعني: ألحقت المخطئ بالمتعمد في وجوب الجزاء. # (474) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الضبع صيد وفيه كبش ~~إذا قتله المحرم» . # وهذا عام في العامد والمخطئ. قال القاضي أبو يعلى: أفاد تخصيص العمد ~~بالذكر ما ذكر في أثناء الآية من الوعيد، وإنما يختص ذلك بالعامد. والثاني: ~~أنه لا شيء فيه، قاله ابن عباس وابن جبير وطاوس وعطاء وسالم والقاسم وداود. ~~وعن ms0598 أحمد روايتان، أصحهما الوجوب. # قوله تعالى: فجزاء مثل ما قتل من النعم قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: «فجزاء مثل» مضافة وبخفض «مثل» . وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: ~~«فجزاء» منون «مثل» مرفوع. قال أبو علي: من أضاف، فقوله تعالى: من النعم ~~يكون صفة للجزاء، وإنما قال: مثل ما قتل، وإنما عليه جزاء المقتول لا جزاء ~~مثله، لأنهم يقولون: أنا أكرم مثلك، يريدون: أنا أكرمك، فالمعنى: جزاء ما ~~قتل. ومن رفع «المثل» ، فالمعنى: فعليه جزاء من النعم مماثل للمقتول، ~~والتقدير: فعليه جزاء. قال ابن قتيبة: النعم: الإبل، وقد يكون البقر ~~والغنم، والأغلب عليها الإبل. وقال الزجاج: النعم في اللغة: # الإبل والبقر والغنم، فان انفردت الابل، قيل لها: نعم، وإن انفردت البقر ~~والغنم، لم تسم نعما. # فصل: قال القاضي أبو يعلى: والصيد الذي يجب الجزاء بقتله: ما كان مأكول ~~اللحم، كالغزال، وحمار الوحش، والنعامة، ونحو ذلك، أو كان متولدا من حيوان ~~يؤكل لحمه، كالسمع، فإنه متولد من الضبع، والذئب، وما عدا ذلك من السباع ~~كلها، فلا جزاء على قاتلها سواء ابتدأ قتلها، أو عدت عليه فقتلها دفعا عن ~~نفسه، لأن السبع لا مثل له صورة ولا قيمة، فلم يدخل تحت الآية. # (475) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز للمحرم قتل الحية، والعقرب، ~~والفويسقة، والغراب، والحدأة، والكلب العقور، والسبع العادي. قال: والواجب ~~بقتل الصيد فيما له مثل من الأنعام مثله، وفيما لا مثل PageV01P585 # له قيمته، وهو قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: الواجب فيه القيامة، ~~وحمل المثل على القيامة، وظاهر الآية يرد ما قال، ولأن الصحابة حملوا الآية ~~على المثل من طريق الصورة، فقال ابن عباس: # المثل: النظير، ففي الظبية شاة، وفي النعامة بعير. # قوله تعالى: يحكم به ذوا عدل منكم يعني بالجزاء، وإنما ذكر اثنين، لأن ~~الصيد يختلف في نفسه، فافتقر الحكم بالمثل إلى عدلين. وقوله تعالى: منكم ~~يعني: من أهل ملتكم. # قوله تعالى: هديا بالغ الكعبة قال الزجاج: هو منصوب على الحال، والمعنى: ~~يحكمان به مقدرا أن يهدى «1» . ولفظ قوله ms0599 «بالغ الكعبة» لفظ معرفة، ومعناه: ~~النكرة. والمعنى: بالغا الكعبة، إلا أن التنوين حذف استخفافا. قال ابن ~~عباس: إذا أتى مكة ذبحه، وتصدق به. # قوله تعالى: أو كفارة قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: ~~أو كفارة منونا طعام رفعا. وقرأ نافع، وابن عامر: «أو كفارة» رفعا غير منون ~~«طعام مساكين» على الاضافة. # قال أبو علي: من رفع ولم يضف، جعله عطفا على الكفارة عطف بيان، لأن ~~الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة إلى الطعام، لأن الكفارة لقتل الصيد، ~~لا للطعام، ومن أضاف الكفارة إلى الطعام، فلأنه لما خير المكفر بين الهدي، ~~والطعام، والصيام، جازت الإضافة لذلك، فكأنه قال: كفارة طعام، لا كفارة ~~هدي، ولا صيام. والمعنى: أو عليه بدل الجزاء والكفارة، وهي طعام مساكين «2» ~~. وهل يعتبر في إخراج الطعام قيمة النظير، أو قيمة الصيد؟ فيه قولان: ~~أحدهما: قيمة النظير، وبه قال عطاء، والشافعي، وأحمد. والثاني: قيمة الصيد، ~~وبه قال قتادة، وأبو حنيفة، ومالك. وفي قدر الإطعام لكل PageV01P586 # مساكين قولان: أحدهما: مدان من بر، وبه قال ابن عباس، وأبو حنيفة. ~~والثاني: مد بر، وبه قال الشافعي، وعن أحمد روايتان، كالقولين. # قوله تعالى: أو عدل ذلك صياما قرأ أبو رزين، والضحاك، وقتادة، والجحدري، ~~وطلحة: «أو عدل ذلك» ، بكسر العين. وقد شرحنا هذا المعنى في البقرة. قال ~~أصحابنا: يصوم عن كل مد بر، أو نصف صاع تمر، أو شعير يوما. وقال أبو حنيفة: ~~يصوم يوما عن نصف صاع في الجميع. وقال مالك، والشافعي: يصوم يوما عن كل مد ~~من الجميع. # فصل: وهل هذا الجزاء على الترتيب، أم على التخيير؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه على التخيير بين إخراج النظير، وبين الصيام، وبين الإطعام. # والثاني: أنه على الترتيب، إن لم يجد الهدي، اشترى طعاما، فإن كان معسرا ~~صام، قاله ابن سيرين. والقولان مرويان عن ابن عباس، وبالأول قال جمهور ~~الفقهاء. # قوله تعالى: ليذوق وبال أمره أي: جزاء ذنبه. قال الزجاج: «الوبال» : ثقل ~~الشيء في المكروه، ومنه قولهم: طعام وبيل، وماء وبيل: إذا كانا ثقيلين. ms0600 قال ~~الله عز وجل: فأخذناه أخذا وبيلا أي: ثقيلا شديدا. # قوله تعالى: عفا الله عما سلف فيه قولان: أحدهما: ما سلف في الجاهلية، من ~~قتلهم الصيد، وهم محرمون، قاله عطاء. والثاني: ما سلف من قتل الصيد في أول ~~مرة، حكاه ابن جرير، والأول أصح. فعلى القول الأول يكون معنى قوله: ومن عاد ~~في الإسلام، وعلى الثاني: ومن عاد ثانية بعد أولى. قال أبو عبيدة: «عاد» في ~~موضع يعود، وأنشد: # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا «1» # قوله تعالى: فينتقم الله منه «الانتقام» : المبالغة في العقوبة، وهذا ~~الوعيد بالانتقام لا يمنع إيجاب جزاء ثان إذا عاد، وهذا قول الجمهور، وبه ~~قال مالك والشافعي، وأحمد. وقد روي عن ابن عباس، والنخعي، وداود: أنه لا ~~جزاء عليه في الثاني، إنما وعد بالانتقام. ### | [سورة المائدة (5) : آية 96] # أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (96) # قوله تعالى: أحل لكم صيد البحر قال أحمد: يؤكل كل ما في البحر إلا الضفدع ~~والتمساح، لأن التمساح يأكل الناس يعني: أنه يفرس. وقال أبو حنيفة، ~~والثوري: لا يباح منه إلا السمك. وقال ابن أبي ليلى، ومالك: يباح كل ما فيه ~~من ضفدع وغيره. PageV01P587 # فأما طعامه، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: ما نبذه البحر ميتا، قاله أبو بكر، ~~وعمر، وابن عمر، وأبو أيوب، وقتادة. والثاني: أنه مليحه، قاله سعيد بن ~~المسيب، وسعيد بن جبير والسدي، وعن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة كالقولين. ~~واختلفت الرواية عن النخعي. فروي عنه كالقولين، وروي عنه أنه جمع بينهما، ~~فقال: طعامه المليح «1» ، وما لفظه. والثالث: أنه ما نبت بمائة من زروع ~~البر، وإنما قيل لهذا: طعام البحر، لأنه ينبت بمائه، حكاه الزجاج. # وفي المتاع قولان: أحدهما: أنه المنفعة، قاله ابن عباس، والحسن وقتادة. ~~والثاني: أنه الحل قاله النخعي. قال مقاتل: متاعا لكم يعني المقيمين، ~~وللسيارة، يعني المسافرين. # قوله تعالى: وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما أما الاصطياد فمحرم على ~~المحرم ms0601 «2» ، فإن صيد لأجله، حرم عليه أكله خلافا لأبي حنيفة، فإن أكل ~~فعليه الضمان خلافا لأحد قولي الشافعي. فإن ذبح المحرم صيدا، فهو ميتة، ~~خلافا لأحد قولي الشافعي أيضا. فإن ذبح الحلال صيدا في الحرم، فهو ميتة ~~أيضا، خلافا لأكثر الحنفية. ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 97 الى 98] # جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ~~ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء ~~عليم (97) اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (98) # قوله تعالى: جعل الله الكعبة جعل بمعنى: صير. وفي تسمية الكعبة كعبة ~~قولان: # أحدهما: لأنها مربعة، قاله عكرمة، ومجاهد. # والثاني: لعلوها ونتوئها، يقال: كعبت المرأة كعابة، وهي كاعب، إذا نتأ ~~ثديها. # ومعنى تسمية البيت بأنه حرام: أنه حرم أن يصاد عنده، وأن يختلى ما عنده ~~من الخلا، وأن يعضد شجره، وعظمت حرمته. والمراد بتحريم البيت سائر الحرم، ~~كما قال: هديا بالغ الكعبة «3» وأراد: الحرم. والقيام: بمعنى القوام. وقرأ ~~ابن عامر: قيما بغير ألف. قال أبو علي: وجهه على أحد أمرين، إما أن يكون ~~جعله مصدرا، كالشبع. أو حذف الألف وهو يريدها، كما يقصر الممدود. وفي معنى ~~الكلام ستة أقوال: أحدها: قياما للدين، ومعالم للحج، رواه ابن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. # والثاني: قياما لأمر من توجه إليها، رواه العوفي عن ابن عباس. قال قتادة: ~~كان الرجل لو جر كل PageV01P588 # جريرة، ثم لجأ إليها، لم يتناول. والثالث: قياما لبقاء الدين، فلا يزال ~~في الأرض دين ما حجت واستقبلت، قاله الحسن. والرابع: قوام دنيا وقوام دين، ~~قاله أبو عبيدة. والخامس: قياما للناس، أي: # مما أمروا أن يقوموا بالفرض فيه، ذكره الزجاج. والسادس: قياما لمعايشهم ~~ومكاسبهم بما يحصل لهم من التجارة عندها، ذكره بعض المفسرين. # فأما الشهر الحرام، فالمراد به الأشهر الحرم، كانوا يأمن بعضهم بعضا ~~فيها، فكان ذلك قواما لهم، وكذلك إذا أهدى الرجل هديا أو قلد بعيره أمن كيف ~~تصرف، فجعل الله تعالى هذه الأشياء عصمة للناس بما جعل في ms0602 صدورهم من ~~تعظيمها. # قوله تعالى: ذلك لتعلموا ذكر ابن الأنباري في المشار إليه بذلك أربعة ~~أقوال: # أحدها: أن الله تعالى أخبر في هذه السورة بغيوب كثيرة من أخبار الأنبياء ~~وغيرهم، وأطلع على أشياء من أحوال اليهود والمنافقين، فقال: ذلك لتعلموا، ~~أي: ذلك الغيب الذي أنبأتكم به عن الله يدلكم على أنه يعلم ما في السماوات ~~وما في الأرض، ولا تخفى عليه خافية. # والثاني: أن العرب كانت تسفك الدماء بغير حلها، وتأخذ الأموال بغير حقها، ~~ويقتل أحدهم غير القاتل، فاذا دخلوا البلد الحرام، أو دخل الشهر الحرام، ~~كفوا عن القتل. والمعنى: جعل الله الكعبة أمنا، والشهر الحرام أمنا، إذ لو ~~لم يجعل للجاهلية وقتا يزول فيه الخوف لهلكوا، فذلك يدل على أنه يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض. # والثالث: أن الله تعالى صرف قلوب الخلق إلى مكة في الشهور المعلومة، فاذا ~~وصلوا إليها عاش أهلها معهم، ولولا ذلك ماتوا جوعا، لعلمه بما في ذلك من ~~صلاحهم، وليستدلوا بذلك على أنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض. # والرابع: أن الله تعالى جعل مكة أمنا، وكذلك الشهر الحرام، فإذا دخل ~~الظبي الوحشي الحرم، أنس بالناس، ولم ينفر من الكلب، ولم يطلبه الكلب، فإذا ~~خرجا عن حدود الحرم، طلبه الكلب، وذعر هو منه، والطائر يأنس بالناس في ~~الحرم، ولا يزال يطير حتى يقرب من البيت، فإذا قرب منه عدل عنه، ولم يطر ~~فوقه إجلالا له، فإذا لحقه وجع طرح نفسه على سقف البيت استشفاء به، فهذه ~~الأعاجيب في ذلك المكان، وفي ذلك الشهر قد دللن على أن الله تعالى يعلم ما ~~في السماوات وما في الأرض. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 99] # ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (99) # قوله تعالى: ما على الرسول إلا البلاغ في هذه الآية تهديد شديد. وزعم ~~مقاتل أنها نزلت والتي بعدها، في أمر شريح بن ضبيعة وأصحابه، وهم حجاج ~~اليمامة حين هم المسلمون بالغارة عليهم، وقد سبق ذكر ذلك في أول السورة. ~~وهل هذه ms0603 الآية محكمة، أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: أنها محكمة، وأنها تدل على أن الواجب على الرسول التبليغ، وليس ~~عليه الهدى. # والثاني: أنها كانت قبل الأمر بالقتال، ثم نسخت بآية السيف. # PageV01P589 ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 100] # قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي ~~الألباب لعلكم تفلحون (100) # قوله تعالى: لا يستوي الخبيث والطيب. # (476) روى جابر بن عبد الله أن رجلا قال: يا رسول الله إن الخمر كانت ~~تجارتي، فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبل إلا الطيب» فنزلت هذه الآية تصديقا لقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وفي الخبيث والطيب أربعة أقوال: أحدها: الحلال والحرام، قاله ابن عباس، ~~والحسن. والثاني: # المؤمن والكافر، قاله السدي. والثالث: المطيع والعاصي. والرابع: الرديء ~~والجيد، ذكرهما الماوردي. ومعنى الإعجاب هاهنا: السرور بما يتعجب منه. ### | [سورة المائدة (5) : آية 101] # يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسئلوا ~~عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (101) # قوله تعالى: لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم في سبب نزولها ستة ~~أقوال: # (477) أحدها: أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه ~~بالمسألة، فقام مغضبا خطيبا، فقال: # «سلوني فو الله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا بينته لكم» ، ~~فقام رجل من قريش، يقال له: عبد الله بن حذافة كان إذا لاحى «1» يدعى إلى ~~غير أبيه، فقال: يا نبي الله من أبي؟ قال: أبوك حذافة، فقام آخر، فقال: أين ~~أبي؟ قال: في النار، فقام عمر فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، ~~وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، إنا حديثو عهد بجاهلية، والله أعلم من ~~أباؤنا، فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن أبي هريرة، وقتادة ~~عن أنس. # (478) والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس، فقال: «إن ~~الله كتب عليكم الحج، فقام عكاشة PageV01P590 # ابن محصن، فقال: ms0604 أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: أما إني لو قلت نعم ~~لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لضللتم، اسكتوا عني ما سكت عنكم، فإنما هلك من ~~هلك ممن كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم» فنزلت هذه الآية، ~~رواه محمد بن زياد عن أبي هريرة. وقيل: إن السائل عن ذلك الأقرع بن حابس. # (479) والثالث: أن قوما كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فنزلت ~~هذه الآية، رواه أبو الجويرية «1» عن ابن عباس. # (480) والرابع: أن قوما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة، ~~والسائبة، والوصيلة، والحام، فنزلت هذه الآية، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه ~~قال ابن جبير. # والخامس: أن قوما كانوا يسألون الآيات والمعجزات، فنزلت هذه الآية، روي ~~هذا المعنى عن عكرمة. # والسادس: أنها نزلت في تمنيهم الفرائض، وقولهم: وددنا أن الله تعالى أذن ~~لنا في قتال المشركين، وسؤالهم عن أحب الأعمال إلى الله، ذكره أبو سليمان ~~الدمشقي. # قال الزجاج: أشياء في موضع خفض إلا أنها فتحت، لأنها لا تنصرف. وتبد لكم: ~~تظهر لكم. فأعلم الله تعالى أن السؤال عن مثل هذا الجنس لا ينبغي أن يقع، ~~لأنه يسوء الجواب عنه. وقال ابن عباس: إن تبد لكم، أي: إن نزل القرآن فيها ~~بتغليظ ساءكم ذلك. # قوله تعالى: وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن أي: حين ينزل القرآن فيها ~~بفرض أو إيجاب، أو نهي أو حكم، وليس في ظاهر ما نزل دليل على شرح ما بكم ~~إليه حاجة، فإذا سألتم حينئذ عنها تبد لكم. وفي قوله تعالى: عفا الله عنها ~~قولان: أحدهما: أنها إشارة إلى الأشياء. والثاني: إلى المسألة. فعلى القول ~~الأول في الآية تقديم وتأخير. والمعنى: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم، عفا الله عنها. ويكون معنى: عفا الله عنها: أمسك عن ذكرها، فلم يوجب ~~فيها حكما. وعلى القول الثاني، الآية على نظمها، ومعنى: عفا الله عنها: لم ~~يؤاخذ بها. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 102] ms0605 # قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (102) # قوله تعالى: قد سألها قوم من قبلكم في هؤلاء القوم أربعة أقوال: أحدها: ~~أنهم الذين سألوا عيسى نزول المائدة، قاله ابن عباس، والحسن. والثاني: أنهم ~~قوم صالح حين سألوا الناقة، هذا PageV01P591 # على قول السدي. وهذان القولان يخرجان على أنهما سألوا الآيات. والثالث: ~~أن القوم هم الذين سألوا في شأن البقرة وذبحها، فلو ذبحوا بقرة لأجزأت، ~~ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم، قاله ابن زيد. وهذا يخرج على سؤال من سأل عن ~~الحج، إذ لو أراد الله أن يشدد عليهم بالزيادة في الفرض لشدد. والرابع: # أنهم الذين قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، وهذا عن ~~ابن زيد أيضا، وهو يخرج على من قال: إنما سألوا عن الجهاد والفرائض تمنيا ~~لذلك. قال مقاتل: كان بنو إسرائيل يسألون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أخبروهم ~~بها تركوا قولهم ولم يصدقوهم، فأصبحوا بتلك الأشياء كافرين. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 103] # ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا ~~يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون (103) # قوله تعالى: ما جعل الله من بحيرة أي: ما أوجب ذلك، ولا أمر به. وفي ~~«البحيرة» أربعة أقوال: أحدها: أنها الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا إلى ~~الخامس، فإن كان ذكرا نحروه، فأكله الرجال والنساء، وإن كان أنثى شقوا ~~أذنها، وكانت حراما على النساء لا ينتفعن بها، ولا يذقن من لبنها، ومنافعها ~~للرجال خاصة، فإذا ماتت، إشترك فيها الرجال والنساء، قاله ابن عباس، ~~واختاره ابن قتيبة. والثاني: أنها الناقة تلد خمس إناث ليس فيهن ذكر، ~~فيعمدون إلى الخامسة، فيبتكون أذنها، قاله عطاء. والثالث: أنها ابنة ~~السائبة، قاله ابن إسحاق، والفراء. قال ابن إسحاق: كانت الناقة إذا تابعت ~~بين عشر إناث، ليس فيهن ذكر، سيبت، فإذا نتجت بعد ذلك أنثى، شقت أذنها، ~~وسميت بحيرة، وخليت مع أمها. والرابع أنها الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن، ~~وكان آخرها ذكرا بحروا أذنها، أي: # شقوها، وامتنعوا من ركوبها ms0606 وذبحها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع عن مرعى، ~~وإذا لقيها لم يركبها، قاله الزجاج. # فأما «السائبة» ، فهي فاعلة بمعنى: مفعولة، وهي المسيبة، كقوله تعالى: في ~~عيشة راضية: أي مرضية. وفي السائبة خمسة أقوال: أحدها: أنها التي تسيب من ~~الأنعام للآلهة، لا يركبون لها ظهرا، ولا يحلبون لها لبنا، ولا يجزون منها ~~وبرا، ولا يحملون عليها شيئا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: أن ~~الرجل كان يسيب من ماله ما شاء، فيأتي به خزنة الآلهة، فيطعمون ابن السبيل ~~من ألبانه ولحومه إلا النساء، فلا يطعمونهن شيئا منه إلا أن يموت، فيشترك ~~فيه الرجال والنساء، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وقال الشعبي: كانوا يهدون ~~آلهتهم الإبل والغنم، ويتركونها عند الآلهة، فلا يشرب منها إلا رجل، فان ~~مات منها شيء أكله الرجال والنساء. والثالث: أنها الناقة إذا ولدت عشرة ~~أبطن، كلهن إناث، سيبت، فلم تركب، ولم يجز لها وبر، ولم يشرب لبنها إلا ضيف ~~أو ولدها حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء، ذكره الفراء. والرابع: ~~أنها البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله تعالى من مرض أو بلغه ~~منزله أن يفعل ذلك، قاله ابن قتيبة. قال الزجاج: كان الرجل إذا نذر لشيء من ~~هذا، قال: ناقتي سائبة، فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها ولا تمنع من ماء ~~ومرعى. والخامس: أنه البعير يحج عليه الحجة، فيسيب، ولا يستعمل شكرا ~~لنجحها، حكاه الماوردي عن الشافعي. # PageV01P592 # وفي «الوصيلة» خمسة أقوال: أحدها: أنها الشاة إذا نتجت سبعة أبطن، نظروا ~~إلى السابع، فإن كان أنثى، لم ينتفع النساء منها بشيء إلا أن تموت، فيأكلها ~~الرجال والنساء، وإن كان ذكرا، ذبحوه، فأكلوه جميعا، وإن كان ذكرا وأنثى، ~~قالوا: وصلت أخاها، فتترك مع أخيها فلا تذبح، ومنافعها للرجال دون النساء، ~~فإذا ماتت، اشترك فيها الرجال والنساء، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وذهب ~~إلى نحوه ابن قتيبة، فقال: إن كان السابع ذكرا، ذبح فأكل منه الرجال ~~والنساء، وإن كان أنثى، تركت في ms0607 النعم، وإن كان ذكرا وأنثى، قالوا: وصلت ~~أخاها، فلم تذبح، لمكانها، وكانت لحومها حراما على النساء، ولبن الأنثى ~~حراما على النساء إلا أن يموت منها شيء فيأكله الرجال والنساء. والثاني: ~~أنها الناقة البكر تبتكر في أول نتاج الإبل بالأنثى، ثم تثني بالأنثى، ~~فكانوا يستبقونها لطواغيتهم، ويدعونها الوصيلة، أي: وصلت إحداهما بالأخرى، ~~ليس بينهما ذكر، رواه الزهري عن ابن المسيب. والثالث: أنها الشاة تنتج عشر ~~إناث متتابعات في خمسة أبطن، فيدعونها الوصيلة، وما ولدت بعد ذلك فللذكور ~~دون الإناث، قاله ابن إسحاق. والرابع: أنها الشاة تنتج سبعة أبطن، عناقين ~~عناقين «1» ، فإذا ولدت في سابعها عناقا وجديا، قيل: وصلت أخاها، فجرت مجرى ~~السائبة، قاله الفراء. والخامس: أن الشاة كانت إذا ولدت أنثى، فهي لهم، ~~وإذا ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم فإن ولدت ذكرا وأنثى، قالوا: وصلت أخاها، فلم ~~يذبحوا الذكر لآلهتهم، قاله الزجاج. # وفي «الحام» ستة أقوال: أحدها: أنه الفحل، ينتج من صلبه عشرة أبطن، ~~فيقولون: قد حمى ظهره، فيسيبونه لأصنامهم، ولا يحمل عليه، قاله ابن مسعود، ~~وابن عباس، واختاره أبو عبيدة، والزجاج. والثاني: أنه الفحل يولد لولده، ~~فيقولون: قد حمى هذا ظهره، فلا يحملون عليه، ولا يجزون وبره، ولا يمنعونه ~~ماء، ولا مرعى، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، واختاره الفراء، وابن ~~قتيبة. والثالث: أنه الفحل يظهر من أولاده عشر إناث من بناته، وبنات بناته، ~~قاله عطاء. والرابع: أنه الذي ينتج له سبع إناث متواليات، قاله ابن زيد. ~~والخامس: أنه الذي لصلبه عشرة كلها تضرب في الإبل، قاله أبو روق. والسادس: ~~أنه الفحل يضرب في إبل الرجل عشر سنين، فيخلى ويقال: قد حمى ظهره، ذكره ~~الماوردي عن الشافعي. # قال الزجاج: والذي ذكرناه في البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام أثبت ~~ما روينا عن أهل اللغة. وقد أعلم الله عز وجل في هذه الآية أنه لم يحرم من ~~هذه الأشياء شيئا، وأن الذين كفروا افتروا على الله عز وجل. قال مقاتل: ~~وافتراؤهم: قولهم: إن الله حرمه، وأمرنا به. # وفي قوله تعالى: وأكثرهم لا يعقلون ms0608 قولان: أحدهما: وأكثرهم، يعني: ~~الأتباع لا يعقلون أن ذلك كذب على الله من الرؤساء الذين حرموا، قاله ~~الشعبي. والثاني: لا يعقلون أن هذا التحريم من الشيطان، قاله قتادة. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 104] # وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا ~~عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (104) PageV01P593 # قوله تعالى: وإذا قيل لهم يعني: إذا قيل لهؤلاء المشركين الذين حرموا على ~~أنفسهم هذه الأنعام: تعالوا إلى ما أنزل الله في القرآن من تحليل ما حرمتم ~~على أنفسكم، قالوا: حسبنا أي: # يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا من الدين والمنهاج أولو كان آباؤهم لا ~~يعلمون شيئا من الدين ولا يهتدون له، أيتبعونهم في خطئهم. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 105] # يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله ~~مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون (105) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم في سبب نزولها قولان: # (481) أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هجر، وعليهم المنذر ~~بن ساوي يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فليؤدوا الجزية، فلما أتاه الكتاب، ~~عرضه على من عنده من العرب واليهود والنصارى والمجوس، فأقروا بالجزية، ~~وكرهوا الإسلام، فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما العرب فلا ~~تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس، فاقبل منهم ~~الجزية» فلما قرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمت العرب، ~~وأعطى أهل الكتاب والمجوس الجزية، فقال منافقو مكة: عجبا لمحمد يزعم أن ~~الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا، وقد قبل من مجوس هجر، وأهل الكتاب ~~الجزية، فهلا أكرههم على الإسلام، وقد ردها على إخواننا من العرب، فشق ذلك ~~على المسلمين، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # (482) وقال مقاتل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الجزية إلا ~~من أهل الكتاب فلما أسلمت العرب طوعا وكرها، قبلها من مجوس هجر، فطعن ~~المنافقون في ذلك، فنزلت هذه ms0609 الآية. # والثاني: أن الرجل كان إذا أسلم، قالوا له: سفهت آباءك وضللتهم، وكان ~~ينبغي لك أن تنصرهم، فنزلت هذه الآية، قاله ابن زيد «1» . # قال الزجاج: ومعنى الآية: إنما ألزمكم الله أمر أنفسكم، ولا يؤاخذكم ~~بذنوب غيركم، وهذه الآية لا توجب ترك الأمر بالمعروف، لأن المؤمن إذا تركه ~~وهو مستطيع له، فهو ضال، وليس بمهتد. # وقال عثمان بن عفان: لم يأت تأويلها بعد. وقال ابن مسعود: تأويلها في آخر ~~الزمان: قولوا ما قبل منكم، فإذا غلبتم، فعليكم أنفسكم. وفي قوله تعالى: لا ~~يضركم من ضل إذا اهتديتم قولان: PageV01P594 # أحدهما: لا يضركم من ضل بترك الأمر بالمعروف إذا اهتديتم أنتم للأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر، قاله حذيفة بن اليمان، وابن المسيب. والثاني: ~~لا يضركم من ضل من أهل الكتاب إذا أدوا الجزية، قاله مجاهد. وفي قوله ~~تعالى: فينبئكم بما كنتم تعملون تنبيه على الجزاء. # فصل: فعلى ما ذكرنا عن الزجاج في معنى الآية، هي محكمة، وقد ذهب قوم من ~~المفسرين إلى أنها منسوخة، ولهم في ناسخها قولان: أحدهما: أنه آية السيف. ~~والثاني: أن آخرها نسخ أولها. # روي عن أبي عبيد أنه قال: ليس في القرآن آية جمعت الناسخ والمنسوخ غير ~~هذه، وموضع المنسوخ منها إلى قوله تعالى: لا يضركم من ضل والناسخ: قوله: ~~إذا اهتديتم. والهدى هاهنا: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 106] # يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ~~ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة ~~الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ~~ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين (106) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم. # (483) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان تميم الداري، وعدي بن بداء ~~يختلفان إلى مكة، فصحبهما رجل من قريش من بني سهم، فمات بأرض ليس فيها أحد ~~من المسلمين، فأوصى إليهما بتركته، فلما قدما، ms0610 دفعاها إلى أهله، وكتما جاما ~~كان معه من فضة، وكان مخوصا بالذهب، فقالا: لم نره، فأتي بهما إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فاستحلفهما بالله: ما كتما، وخلى سبيلهما، ثم إن الجام ~~وجد عند قوم من أهل مكة، فقالوا: ابتعناه من تميم الداري، وعدي بن بداء، ~~فقام أولياء السهمي، فأخذوا الجام، وحلف رجلان منهم بالله: إن هذا الجام ~~جام صاحبنا، وشهادتنا أحق من شهادتهما، وما اعتدينا، فنزلت هذه الآية، ~~والتى بعدها. # قال مقاتل: واسم الميت: بزيل بن أبي مارية مولى العاص بن وائل السهمي، ~~وكان تميم، وعدي نصرانيين، فأسلم تميم، ومات عدي نصرانيا. # فأما التفسير: فقال الفراء: معنى الآية: ليشهدكم اثنان إذا حضر أحدكم ~~الموت. قال الزجاج: # المعنى: شهادة هذه الحال شهادة اثنين، فحذف «شهادة» ويقوم «اثنان» ~~مقامهما. وقال ابن الأنباري: # معنى الآية: ليشهدكم في سفركم إذا حضركم الموت، وأردتم الوصية اثنان. وفي ~~هذه الشهادة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الشهادة على الوصية التي ثبتت عند ~~الحكام، وهو قول ابن مسعود، وأبي موسى، وشريح، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، ~~والثوري، والجمهور. والثاني: أنها أيمان الوصي بالله تعالى إذا PageV01P595 # ارتاب الورثة بهما، وهو قول مجاهد. والثالث: أنها شهادة الوصية، أي: ~~حضورها، كقوله تعالى: أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت «1» ، جعل الله ~~الوصي هاهنا اثنين تأكيدا، واستدل أرباب هذا القول بقوله تعالى: فيقسمان ~~بالله قالوا: والشاهد لا يلزمه يمين. فأما «حضور الموت» فهو حضور أسبابه ~~ومقدماته. وقوله تعالى: حين الوصية، أي: وقت الوصية. وفي قوله: «منكم» ~~قولان: أحدهما: # من أهل دينكم وملتكم، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسعيد ~~بن جبير وشريح، وابن سيرين، والشعبي، وهو قول أصحابنا. والثاني: من عشيرتكم ~~وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضا، قاله الحسن وعكرمة، والزهري، والسدي. قوله ~~تعالى: أو آخران تقديره: أو شهادة آخرين من غيركم. # وفي قوله تعالى: من غيركم قولان: أحدهما: من غير ملتكم ودينكم، قاله ~~أرباب القول الأول. # والثاني: من غير عشيرتكم وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضا، قاله أرباب القول ~~الثاني. وفي «أو» قولان: # أحدهما: ms0611 أنها ليست للتخيير، وإنما المعنى: أو آخران من غيركم إن لم تجدوا ~~منكم، وبه قال ابن عباس، وابن جبير. والثاني: أنها للتخيير، ذكره الماوردي. # فصل: والقائل بأن المراد بالآية شهادة مسلمين من القبيلة، أو من غير ~~القبيلة لا يشك في إحكام هذه الآية. فأما القائل بأن المراد بقوله: أو ~~آخران من غيركم أهل الكتاب إذا شهدوا على الوصية في السفر، فلهم فيها ~~قولان: أحدهما: أنها محكمة، والعمل على هذا باق، وهو قول ابن عباس. وابن ~~المسيب، وابن جبير، وابن سيرين، وقتادة، والشعبي، والثوري، وأحمد في آخرين. ~~والثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: وأشهدوا ذوي عدل منكم «2» وهو قول زيد ~~بن أسلم، وإليه يميل أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، قالوا: وأهل الكفر ليسوا ~~بعدول. والأول أصح، لأن هذا موضع ضرورة كما يجوز في بعض الأماكن شهادة نساء ~~لا رجل معهن بالحيض والنفاس والاستهلال. # قوله تعالى: إن أنتم ضربتم في الأرض هذا الشرط متعلق بالشهادة، والمعنى: ~~ليشهدكم اثنان إن أنتم ضربتم في الأرض، أي: سافرتم. فأصابتكم مصيبة الموت ~~فيه محذوف، تقديره: وقد أسندتم الوصية إليهما، ودفعتم إليهما مالكم ~~تحبسونهما من بعد الصلاة خطاب للورثة إذا ارتابوا. وقال ابن عباس: هذا من ~~صلة قوله: «أو آخران من غيركم» أي: من الكفار، فأما إذا كانا مسلمين، فلا ~~يمين عليهما. وفي هذه الصلاة قولان «3» : أحدهما: صلاة العصر، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس، وبه قال شريح، وابن جبير، وإبراهيم، وقتادة، والشعبي. ~~والثاني: من بعد صلاتهما في دينهما، حكاه السدي عن ابن عباس «4» . وقال به. ~~وقال الزجاج: كان الناس بالحجاز يحلفون بعد صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع ~~الناس. وقال ابن قتيبة: لأنه وقت يعظمه أهل الأديان. # قوله تعالى: فيقسمان بالله أي: فيحلفان إن ارتبتم أي: شككتم يا أولياء ~~الميت. ومعنى PageV01P596 # الآية: إذا قدم الموصى إليهما بتركة المتوفي، فاتهمهما الوارث، استحلفا ~~بعد صلاة العصر: أنهما لم يسرقا، ولم يخونا. فالشرط في قوله: «إن ارتبتم» ~~متعلق بتحبسونهما، كأنه قال: إن إرتبتم حبستموهما فاستحلفتموهما، فيحلفان ~~بالله: لا نشتري به أي: بأيماننا، ms0612 وقيل: بتحريف شهادتنا، فالهاء عائدة على ~~المعنى. ثمنا أي: عرضا من الدنيا ولو كان ذا قربى أي: ولو كان المشهود له ~~ذا قرابة منا، وخص ذا القرابة، لميل القريب إلى قريبه. والمعنى: لا نحابي ~~في شهادتنا أحدا، ولا نميل مع ذي القربى في قول الزور ولا نكتم شهادة الله ~~إنما أضيفت إليه، لأمره بإقامتها، ونهيه عن كتمانها، وقرأ سعيد بن جبير: ~~«ولا نكتم شهادة» بالتنوين «الله» بقطع الهمزة وقصرها، وكسر الهاء، ساكنة ~~النون في الوصل. وقرأ سعيد بن المسيب، وعكرمة «شهادة» بالتنوين والوصل ~~منصوبة الهاء. وقرأ أبو عمران الجوني «شهادة» بالتنوين وإسكانها في الوصل ~~«الله» بقطع الهمزة وقصرها مفتوحة الهاء، وقرأ الشعبي وابن السميفع «شهادة» ~~بالتنوين وإسكانها في الوصل «الله» بقطع الهمزة، ومدها، وكسر الهاء. وقرأ ~~أبو العالية، وعمرو بن دينار مثله، إلا أنهما نصبا الهاء. # واختلف العلماء لأي معنى وجبت اليمين على هذين الشاهدين، على ثلاثة ~~أقوال: أحدها: # لكونهما من غير أهل الإسلام، روي هذا المعنى عن أبي موسى الأشعري. ~~والثاني: لوصية وقعت بخط الميت وفقد ورثته بعض ما فيها، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. والثالث: لأن الورثة كانوا يقولون: # كان مال ميتنا أكثر، فاستخانوا الشاهدين، قاله الحسن، ومجاهد. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 107] # فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق ~~عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا ~~إذا لمن الظالمين (107) # قوله تعالى: فإن عثر على أنهما استحقا إثما. قال المفسرون: # (484) لما نزلت الآية الأولى، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عديا ~~وتميما، فاستحلفهما عند المنبر: أنهما لم يخونا شيئا مما دفع إليهما فحلفا، ~~وخلى سبيلهما، ثم ظهر الإناء الذي كتماه، فرفعهما أولياء الميت إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فإن عثر على أنهما استحقا إثما. # ومعنى «عثر» : اطلع أي: إن عثر أهل الميت، أو من يلي أمره، على أن ~~الشاهدين اللذين هما آخران من غيرنا استحقا إثما لميلهما عن الاستقامة في ~~شهادتهما فآخران يقومان مقامهما أي: ms0613 # مقام هذين الخائنين من الذين استحق عليهم الأوليان قرأ ابن كثير ونافع ~~وأبو عمرو وابن عامر والكسائي: «استحق» بضم التاء، الأوليان على التثنية. ~~وفي قوله تعالى: من الذين استحق عليهم قولان: أحدهما: أنهما الذميان. ~~والثاني: الوليان. # فعلى الأول في معنى استحق عليهم أربعة أقوال: أحدها: استحق عليهم ~~الإيصاء، قال ابن الأنباري: المعنى: من القوم الذين استحق فيهم الإيصاء، ~~استحقه الأوليان بالميت، وكذلك قال PageV01P597 # الزجاج: المعنى: من الذين استحقت الوصية أو الإيصاء عليهم. والثاني: أنه ~~الظلم، والمعنى: من الذين استحق عليهم ظلم الأوليان فحذف الظلم، وأقام ~~الأوليين مقامه، ذكره ابن القاسم أيضا. # والثالث: أنه الخروج مما قاما به من الشهادة، لظهور خيانتهما. والرابع: ~~أنه الإثم، والمعنى: استحق منهم الإثم، ونابت «على» عن «من» كقوله تعالى: ~~على الناس يستوفون «1» أي: منهم. وقال الفراء: # «على» بمعنى «في» كقوله تعالى: على ملك سليمان «2» أي: في ملكه، ذكر ~~القولين أبو علي الفارسي. # وعلى هذه الأقوال مفعول «استحق» محذوف مقدر. # وعلى القول الثاني في معنى استحق عليهم قولان: أحدهما: استحق منهم ~~الأوليان، وهو اختيار ابن قتيبة. والثاني: جني عليهم الإثم، ذكره الزجاج. # فأما «الأوليان» فقال الأخفش: الأوليان: اثنان، واحدهما: الأولى، والجمع: ~~الأولون: ثم للمفسرين فيهما قولان: أحدهما: أنهما أولياء الميت، قاله ~~الجمهور، قال الزجاج: «الأوليان» في قول أكثر البصريين يرتفعان على البدل ~~مما في «يقومان» والمعنى: فليقم الأوليان بالميت مقام هذين الخائنين. وقال ~~أبو علي: لا يخلو الأوليان أن يكون ارتفاعهما على الابتداء، أو يكون خبر ~~مبتدأ محذوف، كأنه قال: فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان، أو يكون بدلا ~~من الضمير الذي في «يقومان» والتقدير: فيقوم الأوليان. والقول الثاني: أن ~~الأوليان: هما الذميان، والمعنى: أنهما الأوليان بالخيانة، ذكرهما ابن ~~الأنباري، فعلى هذا يكون المعنى: يقومان، إلا من الذين استحق عليهم. قال ~~الشاعر: # فليت لنا من ماء زمزم شربة ... مبردة باتت على طهيان «3» # أي بدلا من ماء زمزم. # وروى قرة عن ابن كثير، وحفص عن «4» عاصم: «استحق» بفتح التاء والحاء ~~«الأوليان» على التثنية، والمعنى: استحق عليهم الأوليان بالميت ms0614 وصيته التي ~~أوصى بها، فحذف المفعول. وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: «استحق» برفع التاء، ~~وكسر الحاء، «الأولين» بكسر اللام، وفتح النون على الجمع، والتقدير: من ~~الأولين الذين استحق فيهم الإثم، أي: جني عليهم، لأنهم كانوا أولين في ~~الذكر، ألا ترى أنه قد تقدم ذوا عدل منكم على قوله تعالى: أو آخران من ~~غيركم. وروى الحلبي عن عبد الوارث «الأولين» بفتح الواو وتشديدها، وفتح ~~اللام، وسكون الياء، وكسر النون، وهو تثنية: # أول. وقرأ الحسن البصري: «استحق» بفتح التاء والحاء، «الأولان» تثنية ~~«أول» على البدل من قوله: # «فآخران» . # وقال ابن قتيبة: أشبه الأقوال بالآية أن الله تعالى أراد أن يعرفنا كيف ~~يشهد بالوصية عند حضور الموت فقال: ذوا عدل منكم أي: عدلان من المسلمين، ~~وعلم أن من الناس من يسافر فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين، وينزل ~~القرية التي لا يسكنها غيرهم، ويحضره الموت، فلا يجد من يشهده من المسلمين، ~~فقال: أو آخران من غيركم، أي: من غير أهل دينكم، فالذميان في السفر ~~PageV01P598 # خاصة إذا لم يوجد غيرهما، تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ~~ارتبتم أراد: تحبسونهما من بعد صلاة العصر إن ارتبتم في شهادتهما، وخشيتم ~~أن يكونا قد خانا، أو بدلا فإذا حلفا، مضت شهادتهما، فإن عثر أي: ظهر على ~~أنهما استحقا إثما، أي: حنثا في اليمين بكذب أو خيانة، فآخران، أي: قام في ~~اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت الذين استحق منهم الأوليان، وهما ~~الوليان يقال: # هذا الأولى بفلان، ثم يحذف من الكلام «بفلان» فيقال: هذا الأولى، وهذان ~~الأوليان، و «عليهم» بمعنى: «منهم» فيحلفان بالله: لقد ظهرنا على خيانة ~~الذميين، وكذبهما، وما اعتدينا عليهما، ولشهادتنا أصح، لكفرهما وإيماننا، ~~فيرجع على الذميين بما اختانا، وينقض ما مضى من الحكم بشهادتهما تلك. # وقال غيره: لشهادتنا، أي: ليميننا أحق، وسميت اليمين شهادة، لأنها ~~كالشهادة على ما يحلف عليه أنه كذلك. قال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية ~~قام عمرو بن العاص، والمطلب بن أبي وداعة السهميان، فحلفا بالله، ودفع ~~الإناء إليهما ms0615 وإلى أولياء الميت. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 108] # ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد ~~أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين (108) # قوله تعالى: ذلك أدنى أي: ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين، أقرب إلى ~~إتيان أهل الذمة بالشهادة على وجهها، أي: على ما كانت، وأقرب أن يخافوا أن ~~ترد أيمان أولياء الميت بعد أيمانهم، فيحلفون على خيانتهم، فيفتضحوا، ~~ويغرموا، فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا ذلك. واتقوا الله أن تحلفوا كاذبين، ~~أو تخونوا أمانة، واسمعوا الموعظة. ### | [سورة المائدة (5) : آية 109] # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام ~~الغيوب (109) # قوله تعالى: يوم يجمع الله الرسل قال الزجاج: نصب «يوم» محمول على قوله ~~تعالى: واتقوا الله: واتقوا يوم جمعة للرسل. ومعنى مسألته للرسل توبيخ ~~الذين أرسلوا إليهم. فأما قول الرسل: # لا علم لنا ففيه ستة أقوال «1» : أحدها: أنهم طاشت عقولهم حين زفرت جهنم، ~~فقالوا: لا علم لنا ثم ترد إليهم عقولهم، فينطلقون بحجتهم، رواه أبو الضحى ~~عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، والسدي. والثاني: أن المعنى لا علم ~~لنا إلا علم أنت أعلم به منا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: أن ~~المراد بقوله تعالى: ماذا أجبتم: ماذا عملوا بعدكم، وأحدثوا، فيقولون: # لا علم لنا، قاله ابن جريج، وفيه بعد. والرابع: أن المعنى: لا علم لنا مع ~~علمك، لأنك تعلم الغيب، ذكره الزجاج. والخامس: أن المعنى: لا علم لنا ~~كعلمك، إذ كنت تعلم ما أظهر القوم وما أضمروا، ونحن نعلم ما أظهروا، ولا ~~نعلم ما أضمروا، فعلمك فيهم أنفذ من علمنا، هذا اختيار ابن الأنباري. ~~والسادس: لا علم لنا بجميع أفعالهم إذ كنا نعلم بعضها وقت حياتنا، ولا نعلم ~~ما كان بعد وفاتنا، وإنما يستحق الجزاء بما تقع به الخاتمة، حكاه ابن ~~الأنباري. قال المفسرون: إذا رد الأنبياء PageV01P599 # العلم إلى الله أبلست الأمم، وعلمت أن ما أتته في الدنيا غير غائب عنه، ~~وأن الكل لا ms0616 يخرجون عن قبضته. # قوله تعالى: علام الغيوب قال الخطابي: العلام: بمنزلة العليم، وبناء ~~«فعال» بناء التكثير، فأما «الغيوب» فجمع غيب، وهو ما غاب عنك. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 110] # إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح ~~القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني ~~وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل ~~عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين (110) # قوله تعالى: إذ قال الله يا عيسى قال ابن عباس: معناه: وإذ يقول. # قوله تعالى: اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك في تذكيره النعم فائدتان: ~~إحداهما: إسماع الأمم ما خصه به من الكرامة. والثانية: توكيد حجته على ~~جاحده. ومن نعمه على مريم أنه اصطفاها وطهرها، وأتاها برزقها من غير سبب. ~~وقال الحسن: المراد بذكر النعمة: الشكر. فأما النعمة، فلفظها لفظ الواحد، ~~ومعناها الجمع. فإن قيل: لم قال هاهنا: فتنفخ فيها وفي آل عمران (فيه) «1» ~~؟ # فالجواب: أنه جائز أن يكون ذكر الطير على معنى الجميع، وأنث على معنى ~~الجماعة، وجاز أن يكون «فيه» للطير، «وفيها» للهيئة ذكره أبو علي الفارسي. # قوله تعالى: إن هذا إلا سحر مبين قرأ ابن كثير، وعاصم هاهنا، وفي «هود» و ~~«الصف» : # إلا سحر مبين، وقرأ في «يونس» : لسحر مبين بألف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، الأربعة «سحر مبين» بغير ألف، فمن قرأ «سحر» أشار إلى ما جاء ~~به، ومن قرأ «ساحر» ، أشار إلى الشخص. ### | [سورة المائدة (5) : آية 111] # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا ~~مسلمون (111) # وفي الوحي إلى الحواريين قولان: أحدهما: أنه بمعنى الإلهام، قاله الفراء. ~~وقال السدي: قذف في قلوبهم. والثاني: أنه بمعنى الأمر، فتقديره: أمرت ~~الحواريين، و «إلى» صلة، قاله أبو عبيدة. # وفي قوله تعالى: واشهد قولان: أحدهما: أنهم يعنون الله تعالى. والثاني: ~~عيسى عليه السلام. وقوله ms0617 تعالى: بأننا مسلمون أي: مخلصون للعبادة والتوحيد. ~~وقد سبق شرح ما أهمل هاهنا فيما تقدم. ### | [سورة المائدة (5) : آية 112] # إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من ~~السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) PageV01P600 # قوله تعالى: هل يستطيع ربك قال الزجاج: أي: هل يقدر. وقرأ الكسائي: «هل ~~تستطيع» بالتاء، ونصب الرب. قال الفراء: معناه: هل تقدر أن تسأل ربك. قال ~~ابن الأنباري: ولا يجوز لأحد أن يتوهم أن الحواريين شكوا في قدرة الله، ~~وإنما هذا كما يقول الإنسان لصاحبه: هل تستطيع أن تقوم معي، وهو يعلم أنه ~~مستطيع، ولكنه يريد: هل يسهل عليك. وقال أبو علي: المعنى: هل يفعل ذلك ~~بمسألتك إياه. وزعم بعضهم أنهم قالوا ذلك قبل استحكام إيمانهم ومعرفتهم، ~~فرد عليهم عيسى بقوله: # اتقوا الله، أن تنسبوه إلى عجز، والأول أصح. # فأما «المائدة» فقال اللغويون: المائدة: كل ما كان عليه من الأخونة «1» ~~طعام، فإذا لم يكن عليه طعام فليس بمائدة، والكأس: كل إناء فيه شراب فإذا ~~لم يكن فيه شراب، فليس بكأس، ذكره الزجاج. # قال الفراء: وسمعت بعض العرب يقول للطبق الذي تهدى عليه الهدية: هو ~~المهدى، مقصور، ما دامت عليه الهدية، فإذا كان فارغا رجع إلى اسمه إن كان ~~طبقا أو خوانا أو غير ذلك. وذكر الزجاج عن أبي عبيدة أن لفظها فاعلة، وهي ~~في المعنى مفعولة، مثل عيشة راضية. قال أبو عبيدة: وهي من العطاء، ~~والممتاد: المفتعل المطلوب منه العطاء، قال الشاعر: # إلى أمير المؤمنين الممتاد «2» # وماد زيد عمرا: إذا أعطاه. قال الزجاج: والأصل عندي في «مائدة» أنها ~~فاعلة من: ماد يميد: إذا تحرك، فكأنها تميد بما عليها. وقال ابن قتيبة: ~~المائدة: الطعام، من: مادني يميدني، كأنها تميد الآكلين، أي: تعطيهم، أو ~~تكون فاعلة بمعنى: مفعول بها، أي: ميد بها الآكلون. # قوله تعالى: اتقوا الله إن كنتم مؤمنين فيه ثلاثة أقوال: أحدها: اتقوه أن ~~تسألوه البلاء، لأنها إن نزلت وكذبتم، عذبتم، قاله مقاتل. والثاني: أن ~~تسألوه ما لم تسأله الأمم ms0618 قبلكم، ذكره أبو عبيد. # والثالث: أن تشكوا في قدرته. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 113] # قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها ~~من الشاهدين (113) # قوله تعالى: قالوا نريد أن نأكل منها هذا اعتذار منهم بينوا به سبب ~~سؤالهم حين نهوا عنه. # وفي إرادتهم للأكل منها ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أرادوا ذلك للحاجة، ~~وشدة الجوع، قاله ابن عباس. # والثاني: ليزدادوا إيمانا، ذكره ابن الأنباري. والثالث: للتبرك بها، ذكره ~~الماوردي. وفي قوله تعالى: # وتطمئن قلوبنا ثلاثة أقوال: أحدها: تطمئن إلى أن الله تعالى قد بعثك ~~إلينا نبيا. والثاني: إلى أن الله تعالى قد إختارنا أعوانا لك. والثالث: ~~إلى أن الله تعالى قد أجابك. وقال ابن عباس: قال لهم عيسى: # هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوما، ثم لا تسألونه شيئا إلا أعطاكم؟ ~~فصاموا، ثم سألوا المائدة. # فمعنى: ونعلم أن قد صدقتنا في أنا إذا صمنا ثلاثين يوما لم نسأل الله ~~شيئا إلا أعطانا. وفي هذا العلم قولان: أحدهما: أنه علم يحدث لهم لم يكن، ~~وهو قول من قال: كان سؤالهم قبل استحكام معرفتهم. والثاني: أنه زيادة علم ~~إلى علم، ويقين إلى يقين، وهو قول من قال: كان سؤالهم بعد PageV01P601 # معرفتهم. وقرأ الأعمش: «وتعلم» بالتاء، والمعنى: وتعلم القلوب أن قد ~~صدقتنا. وفي قوله تعالى: # من الشاهدين أربعة أقوال: أحدها: من الشاهدين لله بالقدرة، ولك بالنبوة. ~~والثاني: عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم، وذلك أنهم كانوا مع عيسى في ~~البرية عند هذا السؤال. والثالث: من الشاهدين عند من يأتي من قومنا بما ~~شاهدنا من الآيات الدالة على أنك نبي. والرابع: من الشاهدين لك عند الله ~~بأداء ما بعثت به. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 114] # قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا ~~لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (114) # قوله تعالى: تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وقرأ ابن محيصن، وابن السميفع، ~~والجحدري: # «لأولانا وأخرانا» برفع الهمزة، وتخفيف الواو، والمعنى: يكون اليوم الذي ~~نزلت فيه ms0619 عيدا لنا، نعظمه نحن ومن بعدنا، قاله قتادة، والسدي. وقال كعب: ~~أنزلت عليهم يوم الأحد، فاتخذوه عيدا. وقال ابن قتيبة: عيدا، أي: مجمعا. ~~قال الخليل بن أحمد: العيد: كل يوم يجمع، كأنهم عادوا إليه. وقال ابن ~~الأنباري: سمي عيدا للعود من الترح إلى الفرح. # قوله تعالى: وآية منك أي علامة منك تدل على توحيدك، وصحة نبوة نبيك. وقرأ ~~ابن السميفع، وابن محيصن، والضحاك «وأنه منك» بفتح الهمزة، وبنون مشددة. # وفي قوله تعالى: وارزقنا قولان: أحدهما: ارزقنا ذلك من عندك. والثاني: ~~ارزقنا الشكر على ما أنعمت به من إجابتك لنا. ### | [سورة المائدة (5) : آية 115] # قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه ~~أحدا من العالمين (115) # قوله تعالى: قال الله إني منزلها عليكم قرأ نافع وعاصم وابن عامر ~~«منزلها» بالتشديد، وقرأ الباقون خفيفة. وهذا وعد بإجابة سؤال عيسى. واختلف ~~العلماء: هل نزلت أم لا؟ على قولين «1» : # أحدهما: أنها نزلت، قاله الجمهور، فروى وهب بن منبه عن أبي عثمان النهدي، ~~عن سلمان الفارسي قال: لما رأى عيسى أنهم قد جدوا في طلبها لبس جبة من شعر، ~~ثم توضأ، واغتسل، وصف قدميه في محرابه حتى استويا، وألصق الكعب بالكعب، ~~وحاذى الأصابع بالأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وطأطأ رأسه ~~خضوعا، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت تسيل دموعه على خده، وتقطر من ~~أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض من دموعه حيال وجهه، ثم رفع رأسه إلى السماء، ~~فقال: اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء، فبينما عيسى كذلك، هبطت ~~عليهم مائدة من السماء، سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة من تحتها، وغمامة من ~~فوقها، وعيسى يبكي ويتضرع، ويقول: إلهي اجعلها سلامة، لا تجعلها عذابا، حتى ~~استقرت بين يديه، والحواريون من حوله، فأقبل هو وأصحابه حتى قعدوا حولها، ~~وإذا عليها منديل مغطى، فقال عيسى: أيكم أوثق بنفسه وأقل بلاء عند ربه ~~فليأخذ PageV01P602 # هذا المنديل، وليكشف لنا عن هذه الآية. قالوا: يا روح الله أنت أولانا ~~بذلك، فاكشف عنها، فاستأنف وضوا ms0620 جديدا، وصلى ركعتين، وسأل ربه أن يأذن له ~~بالكشف عنها، ثم قعد إليها، وتناول المنديل، فإذا عليها سمكة مشوية، ليس ~~فيها شوك، وحولها من كل البقل ما خلا الكراث، وعند رأسها الخل، وعند ذنبها ~~الملح، وحولها خمسة أرغفة، على رغيف تمر، وعلى رغيف زيتون، وعلى رغيف خمس ~~رمانات. فقال شمعون رأس الحواريين: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا، أمن ~~طعام الجنة؟ فقال عيسى: سبحان الله أما تنتهون! ما أخوفني عليكم. قال ~~شمعون: لا وإله بني إسرائيل ما أردت بهذا سوءا. قال عيسى: ليس ما ترون ~~عليها من طعام الدنيا، ولا من طعام الجنة، إنما هو شيء ابتدعه الله، فقال ~~له: «كن» فكان أسرع من طرفة عين. فقال الحواريون: يا روح الله إنما نريد أن ~~ترينا في هذه الآية آية، فقال: سبحان الله! ما اكتفيتم بهذه الآية؟! ثم ~~أقبل على السمكة فقال: عودي بإذن الله حية طرية، فعادت تضطرب على المائدة، ~~ثم قال: عودي كما كنت، فعادت مشوية، فقال: يا روح الله كن أنت أول من يأكل ~~منها، فقال: معاذ الله بل يأكل منها من سألها، فلما رأوا امتناعه، خافوا أن ~~يكون نزولها عقوبة، فلما رأى عيسى ذلك دعا لها الفقراء والزمنى واليتامى، ~~فقال: كلوا من رزق ربكم، ودعوة نبيكم، ليكون مهنؤها لكم، وعقوبتها على ~~غيركم، فأكل منها ألف وسبعمائة إنسان، يصدرون عنها شباعا وهي كهيئتها حين ~~نزلت، فصح كل مريض، واستغنى كل فقير أكل منها، ثم نزلت بعد ذلك عليهم، ~~فازدحموا عليها، فجعلها عيسى نوبا بينهم، فكانت تنزل عليهم أربعين يوما، ~~تنزل يوما وتغب «1» يوما، وكانت تنزل عند ارتفاع الضحى، فيأكلون منها حتى ~~إذا قالوا، ارتفعت إلى السماء وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض «2» . وقال ~~قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشية، حيث كانوا. وقال غيره: # نزلت يوم الأحد مرتين. وقيل: نزلت غدوة وعشية يوم الأحد، فلذلك جعلوه ~~عيدا. وفي الذي كان على المائدة ثمانية أقوال: أحدها: أنه خبز ولحم، روي عن ~~عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه ms0621 وسلم أنه قال: # (485) «نزلت المائدة من السماء خبزا ولحما» . PageV01P603 # والثاني: أنها سمكة مشوية، وخمس أرغفة، وتمر، وزيتون، ورمان. وقد ذكرناه ~~عن سلمان. # والثالث: ثمر من ثمار الجنة، قاله عمار بن ياسر، وقال قتادة: ثمر من ثمار ~~الجنة، وطعام من طعامها. # والرابع: خبز، وسمك، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وأبو عبد ~~الرحمن السلمي. # والخامس: قطعة من ثريد، رواه الضحاك عن ابن عباس. والسادس: أنه أنزل ~~عليها كل شيء إلا اللحم، قاله سعيد بن جبير. والسابع: سمكة فيها طعم كل شيء ~~من الطعام، قاله عطية العوفي. # والثامن: خبز أرز وبقل، قاله ابن السائب. # والقول الثاني: أنها لم تنزل، روى قتادة عن الحسن أن المائدة لم تنزل، ~~لأنه لما قال الله تعالى: # فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين قالوا: لا ~~حاجة لنا فيها. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: أنزلت مائدة عليها ألوان ~~من الطعام، فعرضها عليهم، وأخبرهم أنه العذاب إن كفروا، فأبوها فلم تنزل. ~~وروى ليث عن مجاهد قال: هذا مثل ضربه الله تعالى لخلقه، لينهاهم عن مسألة ~~الآيات لأنبيائه، ولم ينزل عليهم شيء، والأول أصح. # قوله تعالى: فمن يكفر بعد منكم أي: بعد إنزال المائدة. وفي العذاب ~~المذكور قولان: # أحدهما: أنه المسخ. والثاني: جنس من العذاب لم يعذب به أحد سواهم. قال ~~الزجاج: ويجوز أن يعجل لهم في الدنيا، ويجوز أن يكون في الآخرة. # وفي «العالمين» قولان: أحدهما: أنه عام. والثاني: عالمو زمانهم. # وقد ذكر المفسرون أن جماعة من أصحاب المائدة مسخوا. وفي سبب مسخهم ثلاثة ~~أقوال: # (486) أحدها: أنهم أمروا أن لا يخونوا، ولا يدخروا، فخانوا وادخروا، ~~فمسخوا قردة وخنازير، رواه عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أن عيسى خص بالمائدة الفقراء، فتكلم الأغنياء بالقبيح من القول، ~~وشككوا الناس فيها، وارتابوا، فلما أمسى المرتابون بها، وأخذوا مضاجعهم، ~~مسخهم الله خنازير، قاله سلمان الفارسي. # والثالث: أن الذين شاهدوا المائدة، ورجعوا إلى قومهم، فأخبروهم، فضحك بهم ~~من لم يشهد، ms0622 وقالوا: إنما سحر أعينكم، وأخذ بقلوبكم، فمن أراد الله به ~~خيرا، ثبت على بصيرته، ومن أراد به فتنة، رجع إلى كفره. فلعنهم عيسى، ~~فأصبحوا خنازير، فمكثوا ثلاثة أيام، ثم هلكوا، قاله ابن عباس. ### | ### | [سورة المائدة (5) : آية # 116] # وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته ~~تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) # قوله تعالى: وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم في زمان هذا القول قولان: # أحدهما: أنه يقوله له يوم القيامة، قاله ابن عباس، وقتادة، وابن جريج. ~~PageV01P604 # والثاني: أنه قاله له حين رفعه إليه، قاله السدي، والأول أصح. # وفي «إذ» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها زائدة، والمعنى: وقال الله، قاله أبو ~~عبيدة. والثاني: أنها على أصلها، والمعنى: وإذ يقول الله له، قاله ابن ~~قتيبة. والثالث: أنها بمعنى: «إذا» ، كقوله تعالى: # ولو ترى إذ فزعوا «1» والمعنى: إذا. قال أبو النجم: # ثم جزاك الله عني إذ جزى ... جنات عدن في السماوات العلا # ولفظ الآية لفظ الاستفهام، ومعناها التوبيخ لمن ادعى ذلك على عيسى. # قال أبو عبيدة: وإنما قال: «إلهين» ، لأنهم إذ أشركوا فعل ذكر مع فعل ~~أنثى ذكروهما. فإن قيل: فالنصارى لم يتخذوا مريم إلها، فكيف قال الله تعالى ~~ذلك فيهم؟ فالجواب: أنهم لما قالوا: لم تلد بشرا، وإنما ولدت إلها، لزمهم ~~أن يقولوا: إنها من حيث البعضية بمثابة من ولدته، فصاروا بمثابة من قاله. # قوله تعالى: قال سبحانك أي: براءة لك من السوء ما يكون لي أن أقول ما ليس ~~لي بحق أي: # لست أستحق العبادة فأدعو الناس إليها. وروى عطاء بن السائب عن ميسرة قال: ~~لما قال الله تعالى لعيسى: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ~~رعد كل مفصل منه حتى وقع مخافة أن يكون قد قاله، وما قال: إني لم أقل، ~~ولكنه قال: إن كنت قلته ms0623 فقد علمته. فإن قيل: ما الحكمة في سؤال الله تعالى ~~له عن ذلك وهو يعلم أنه ما قاله؟ فالجواب: أنه تثبيت للحجة على قومه، ~~وإكذاب لهم في ادعائهم عليه أنه أمرهم بذلك، ولإنه إقرار من عيسى بالعجز في ~~قوله: ولا أعلم ما في نفسك وبالعبودية في قوله: أن اعبدوا الله ربي وربكم. # قوله تعالى: تعلم ما في نفسي قال الزجاج: تعلم ما أضمره، ولا أعلم ما ~~عندك علمه، والتأويل: تعلم ما أعلم وأنا لا أعلم ما تعلم. ### | [سورة المائدة (5) : آية 117] # ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ~~ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117) # قوله تعالى: أن اعبدوا الله قال مقاتل: وحدوه. # قوله تعالى: وكنت عليهم شهيدا أي: على ما يفعلون ما كنت مقيما فيهم، ~~وقوله: فلما توفيتني فيه قولان: أحدهما: بالرفع إلى السماء. والثاني: ~~بالموت عند انتهاء الأجل. و «الرقيب» مشروح في سورة (النساء) ، و «الشهيد» ~~في (آل عمران) . ### | [سورة المائدة (5) : آية 118] # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118) # قوله تعالى: إن تعذبهم فإنهم عبادك قال الحسن، وأبو العالية: إن تعذبهم، ~~فبإقامتهم على كفرهم، وإن تغفر لهم، فبتوبة كانت منهم. وقال الزجاج: علم ~~عيسى أن منهم من آمن، ومنهم من أقام PageV01P605 # على الكفر، فقال في جملتهم: إن تعذبهم أي: إن تعذب من كفر منهم فإنهم ~~عبادك، وأنت العادل فيهم، لأنك قد أوضحت لهم الحق، فكفروا، وإن تغفر لهم، ~~أي: وإن تغفر لمن أقلع منهم، وآمن، فذلك تفضل منك، لأنه قد كان لك أن لا ~~تغفر لهم بعد عظيم فريتهم، وأنت في مغفرتك لهم عزيز، لا يمتنع عليك ما ~~تريد، حكيم في ذلك. وقال ابن الأنباري: معنى الكلام: لا ينبغي لأحد أن ~~يعترض عليك، فإن عذبتهم، فلا اعتراض عليك، وإن غفرت لهم- ولست فاعلا إذا ~~ماتوا على الكفر- فلا اعتراض عليك. وقال غيره: العفو لا ينقص عزك، ولا يخرج ~~عن حكمك. # (487) وقد روى ms0624 أبو ذر قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام ليلة ~~بآية يرددها: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم. ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 119 الى 120] # قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) لله ملك ~~السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير (120) # قوله تعالى: قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم قرأ الجمهور برفع ~~«اليوم» ، وقرأ نافع بنصبه على الظرف. قال الزجاج: المعنى: قال الله هذا ~~لعيسى في يوم ينفع الصادقين صدقهم، ويجوز أن يكون على معنى: قال الله هذا ~~الذي ذكرناه يقع في يوم ينفع الصادقين صدقهم. والمراد باليوم: يوم القيامة. ~~وإنما خص نفع الصدق به لأنه يوم الجزاء. وفي هذا الصدق قولان: أحدهما: أنه ~~صدقهم في الدنيا ينفعهم في الآخرة. والثاني: صدقهم في الآخرة ينفعهم هنالك. ~~وفي هذه الآية تصديق لعيسى فيما قال. # قوله تعالى: رضي الله عنهم أي: بطاعتهم، ورضوا عنه بثوابه. وفي قوله ~~تعالى: لله ملك السماوات والأرض تنبيه على عبودية عيسى، وتحريض على تعليق ~~الآمال بالله وحده. PageV01P606 ### | الجزء الثاني ### | فهرس الموضوعات # الموضوع: الصفحة 6- تفسير ### | سورة الأنعام: # 7 7- تفسير سورة الأعراف: 100 8- تفسير سورة الأنفال: 186 9- تفسير سورة ~~التوبة: 230 10- تفسير سورة يونس: 314 11- تفسير سورة هود: 355 12- تفسير ~~سورة يوسف: 411 13- تفسير سورة الرعد: 479 14- تفسير سورة إبراهيم: 503 15- ~~تفسير سورة الحجر: 522 16- تفسير سورة النحل: 548. # PageV02P005 ### | سورة الانعام # (فصل في نزولها:) روى مجاهد عن ابن عباس: أن سورة الأنعام مما نزل بمكة. ~~وهذا قول الحسن، وقتادة، وجابر بن زيد. # (488) وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس، قال: نزلت سورة الأنعام جملة ليلا ~~بمكة. # وحولها سبعون ألف ملك. # (489) وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هي مكية، نزلت جملة واحدة، ونزلت ~~ليلا وكتبوها من ليلتهم، غير ست آيات منها مدنيات قل تعالوا أتل ما حرم ~~ربكم عليكم إلى آخر الثلاث آيات «1» ، وقوله: وما ms0625 قدروا الله حق قدره «2» ~~الآية. وقوله: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي «3» إلى ~~آخر الآيتين. وذكر مقاتل نحو هذا. وزاد آيتين: قوله: والذين آتيناهم الكتاب ~~يعلمون أنه منزل من ربك بالحق «4» ، وقوله: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ~~«5» . # وروي عن ابن عباس، وقتادة قالا: هي مكية، إلا آيتين نزلتا بالمدينة قوله: ~~وما قدروا الله حق قدره. وقوله: وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ~~«6» . وذكر أبو الفتح بن شيطاء: أنها PageV02P007 # مكية، غير آيتين نزلتا بالمدينة قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، والتي ~~بعدها. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون (1) # فأما التفسير، فقال كعب: فاتحة التوراة فاتحة الأنعام، وخاتمتها خاتمة ~~هود وإنما ذكر السماوات والأرض، لأنهما من أعظم المخلوقات. والمراد ~~«بالجعل» : الخلق. وقيل: إن «جعل» هاهنا: صلة والمعنى: والظلمات. وفي ~~المراد بالظلمات والنور ثلاثة أقوال: أحدها: الكفر والإيمان، قاله الحسن. # والثاني: الليل والنهار، قاله السدي. والثالث: جميع الظلمات والأنوار. ~~قال قتادة: خلق السماوات قبل الأرض، والظلمات قبل النور، والجنة قبل النار. # قوله تعالى: ثم الذين كفروا يعني: المشركين بعد هذا البيان بربهم يعدلون، ~~أي: # يجعلون له عديلا، فيعبدون الحجارة الموات، مع إقرارهم بأنه الخالق لما ~~وصف. يقال: عدلت هذا بهذا: إذا ساويته به. قال أبو عبيدة: هو مقدم ومؤخر، ~~تقديره: يعدلون بربهم. وقال النصر بن شميل: # الباء: بمعنى «عن» . ### | [سورة الأنعام (6) : آية 2] # هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون (2) # قوله تعالى: هو الذي خلقكم من طين يعني: آدم، وذلك أنه لما شك المشركون ~~في البعث، وقالوا: من يحيي هذه العظام؟ أعلمهم أنه خلقهم من طين، فهو قادر ~~على إعادة خلقهم. # قوله تعالى: ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده فيه ستة اقوال «1» : أحدها: أن ~~الأجل الأول: أجل الحياة إلى الموت والأجل الثاني: أجل الموت إلى البعث، ~~روي عن ابن عباس، والحسن، ms0626 وابن المسيب، وقتادة، والضحاك، ومقاتل. والثاني: ~~أن الأجل الأول: النوم الذي تقبض فيه الروح، ثم ترجع في حال اليقظة والأجل ~~المسمى عنده: أجل موت الإنسان. رواه العوفي عن ابن عباس. # والثالث: أن الأجل الأول: أجل الآخرة متى يأتي، والأجل الثاني: أجل ~~الدنيا، قاله مجاهد في رواية. # والرابع: أن الأول: خلق الأشياء في ستة أيام، والثاني: ما كان بعد ذلك ~~إلى يوم القيامة، قاله عطاء الخراساني. والخامس: أن الأول: قضاه حين أخذ ~~الميثاق على خلقه، والثاني: الحياة في الدنيا، قاله PageV02P008 # ابن زيد، كأنه يشير إلى أجل الذرية حين أحياهم وخاطبهم. والسادس: أن ~~الأول: أجل من قد مات من قبل، والثاني: أجل من يموت من بعد، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: ثم أنتم أي بعد هذا البيان تمترون وفيه قولان: أحدهما: تشكون ~~قاله قتادة، والسدي. وفيما شكوا فيه قولان: أحدهما: الوحدانية. والثاني: ~~البعث. والثاني: يختلفون: مأخوذ من المراء، ذكره الماوردي. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 3] # وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3) # قوله تعالى: وهو الله في السماوات وفي الأرض فيه أربعة اقوال «1» : ~~أحدها: هو المعبود في السماوات وفي الأرض، قاله ابن الأنباري. والثاني: وهو ~~المنفرد بالتدبير في السماوات وفي الأرض، قاله الزجاج. والثالث: وهو الله ~~في السماوات، ويعلم سركم وجهركم في الأرض، قاله ابن جرير. # والرابع: أنه مقدم ومؤخر. والمعنى: وهو الله يعلم سركم وجهركم في ~~السماوات والأرض، ذكره بعض المفسرين. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 4 الى 5] # وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) فقد كذبوا ~~بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن (5) # قوله تعالى: وما تأتيهم من آية من آيات ربهم نزلت في كفار قريش. وفي ~~«الآية» قولان: # أحدهما: أنها الآية من القرآن. والثاني: المعجزة، مثل انشقاق القمر. # والمراد بالحق: القرآن. والأنباء: الأخبار. والمعنى: سيعلمون عاقبة ~~استهزائهم. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 6] # ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ~~وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار ms0627 تجري من تحتهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (6) # قوله تعالى: كم أهلكنا من قبلهم من قرن القرن: اسم أهل كل عصر. وسموا ~~بذلك، لاقترانهم في الوجود: وللمفسرين في المراد بالقرن سبعة أقوال «2» : # (490) أحدها: أنه أربعون سنة، ذكره ابن سيرين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # والثاني: ثمانون سنة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. PageV02P009 # (491) والثالث: مائة سنة، قاله عبد الله بن بسر «1» المازني وأبو سلمة بن ~~عبد الرحمن. # والرابع: مائة وعشرون سنة، قاله زرارة بن أوفى، وإياس بن معاوية. ~~والخامس: عشرون سنة، حكاه الحسن البصري. والسادس: سبعون سنة، ذكره الفراء. ~~والسابع: أن القرن: أهل كل مدة كان فيها نبي، أو طبقة من العلماء، قلت ~~السنون، أو كثرت بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: # (492) «خيركم قرني» يعني: أصحابي «ثم الذين يلونهم» يعني: التابعين «ثم ~~الذين يلونهم» يعني: الذين أخذوا عن التابعين. فالقرن: مقدار التوسط في ~~أعمار أهل الزمان فهو في كل قوم على مقدار أعمالهم. # واشتقاق القرن: من الاقتران. وفي معنى ذلك الاقتران قولان: أحدهما: أنه ~~سمي قرنا، لأنه المقدار الذي هو أكثر ما يقترن فيه أهل ذلك الزمان في ~~بقائهم. هذا اختيار الزجاج. والثاني: أنه سمي قرنا، لأنه يقرن زمانا بزمان، ~~وأمة بأمة، قاله ابن الأنباري. وحكى ابن قتيبة عن أبي عبيدة قال: يرون أن ~~أقل ما بين القرنين: ثلاثون سنة. # قوله تعالى: مكناهم في الأرض قال ابن عباس: أعطيناهم ما لم نعطكم. يقال: ~~مكنته ومكنت له: إذا أقدرته على الشيء باعطاء ما يصح به الفعل من العدة. ~~وفي هذه الآية رجوع من الخبر إلى الخطاب. فأما السماء: فالمراد بها المطر. ~~ومعنى «أرسلنا» : أنزلنا. و «المدرار» : مفعال، من در يدر والمعنى: نرسلها ~~كثيرة الدر. ومفعال: من أسماء المبالغة، كقولهم: امرأة مذكار: إذا كانت ~~كثيرة الولادة للذكور، وكذلك مئناث. فان قيل: السماء مؤنثة، فلم ذكر ~~مدرارا؟! فالجواب: # أن حكم ما انعدل من النعوت عن منهاج الفعل وبنائه، أن يلزم التذكير في كل ~~حال، سواء كان وصفا لمذكر أو مؤنث ms0628 كقولهم: امرأة مذكار، ومعطار وامرأة ~~مذكر، ومؤنث: وهي كفور، وشكور. ولو PageV02P010 # بنيت هذه الأوصاف على الفعل، لقيل: كافرة، وشاكرة، ومذكرة فلما عدل عن ~~بناء الفعل، جرى مجرى ما يستغني بقيام معنى التأنيث فيه عن العلامة كقولهم: ~~النعل لبستها، والفأس كسرتها، وكان إيثارهم التذكير للفرق بين المبني على ~~الفعل، والمعدول عن مثل الأفاعيل. والمراد بالمدرار: # المبالغة في اتصال المطر ودوامه يعني: أنها تدر وقت الحاجة إليها لا أنها ~~تدوم ليلا ونهارا، فتفسد، ذكره ابن الأنباري. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 7] # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا ~~إلا سحر مبين (7) # قوله تعالى: ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس. # (493) سبب نزولها: أن مشركي مكة قالوا: يا محمد، والله لن نؤمن لك حتى ~~تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة، يشهدون أنه من عند ~~الله، وأنك رسوله، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب. # قال ابن قتيبة: والقرطاس: الصحيفة، يقال للرامي إذا أصاب الصحيفة: قرطس. ~~قال شيخنا أبو منصور اللغوي: القرطاس قد تكلموا به قديما. ويقال: إن أصله ~~غير عربي. والجمهور على كسر قافه، وضمها أبو رزين، وعكرمة، وطلحة، ويحيى بن ~~يعمر. # فأما قوله تعالى: فلمسوه بأيديهم فهو توكيد لنزوله، وقيل: إنما علقه ~~باللمس باليد إبعادا له عن السحر، لأن السحر يتخيل في المرئيات دون ~~الملموسات. ومعنى الآية: إنهم يدفعون الصحيح. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 8] # وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) # قوله تعالى: وقالوا لولا أنزل عليه ملك قال مقاتل: # (494) نزلت في النضر بن الحارث، وعبد الله بن أبي أمية، ونوفل بن خويلد. # و «لولا» بمعنى «هلا» أنزل عليه ملك نصدقه: ولو أنزلنا ملكا فعاينوه ولم ~~يؤمنوا، لقضي الأمر وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن المعنى: لماتوا، ولم ~~يؤخروا طرفة عين لتوبة، قاله ابن عباس. # والثاني: لقامت الساعة، قاله عكرمة، ومجاهد. والثالث: لعجل لهم العذاب، ~~قاله قتادة. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 9] # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) PageV02P011 # قوله تعالى: ولو جعلناه ms0629 أي: ولو جعلنا الرسول إليهم ملكا، لجعلناه في ~~صورة رجل، لأنهم لا يستطيعون رؤية الملك على صورته، وللبسنا عليهم أي: ~~لشبهنا عليهم. يقال: ألبست الأمر على القوم، ألبسه أي: شبهته عليهم، ~~وأشكلته. والمعنى: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا، فلا يدرون ~~أملك هو أم آدمي؟ فأضللناهم بما به ضلوا قبل أن يبعث الملك. وقال الزجاج: ~~كانوا يلبسون على ضعفتهم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فيقولون: إنما ~~هذا بشر مثلكم فقال تعالى: لو رأوا الملك رجلا، لكان يلحقهم فيه من اللبس ~~مثل ما لحق ضعفتهم منه. وقرأ الزهري، ومعاذ القارئ، وأبو رجاء: «وللبسنا» ، ~~بالتشديد، «عليهم ما يلبسون» ، مشددة أيضا. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 10 الى 11] # ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن ~~(10) قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (11) # قوله تعالى: فحاق بالذين سخروا أي: أحاط. قال الزجاج: الحيق في اللغة: ما ~~اشتمل على الإنسان من مكروه فعله، ومنه: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ~~«1» أي: لا ترجع عاقبة مكروهه إلا عليهم. قال السدي: وقع بهم العذاب الذي ~~استهزءوا به. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 12] # قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى ~~يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) # قوله تعالى: قل لمن ما في السماوات والأرض المعنى: فان أجابوك، وإلا ف قل ~~لله كتب على نفسه الرحمة قال ابن عباس: قضى لنفسه أنه أرحم الراحمين. قال ~~الزجاج: ومعنى كتب: أوجب ذلك إيجابا مؤكدا، وجائز أن يكون كتب في اللوح ~~المحفوظ وإنما خوطب الخلق بما يعقلون، فهم يعقلون أن توكيد الشيء المؤخر أن ~~يحفظ بالكتاب. وقال غيره: رحمته عامة فمنها تأخير العذاب عن مستحقه، وقبول ~~توبة العاصي. # قوله تعالى: ليجمعنكم إلى يوم القيامة اللام: لام القسم. كأنه قال: والله ~~ليجمعنكم إلى اليوم الذي أنكرتموه. وذهب قوم إلى أن «إلى» بمعنى: «في» ثم ~~اختلفوا، فقال قوم: في يوم القيامة. وقال ms0630 آخرون: في قبوركم إلى يوم ~~القيامة. # قوله تعالى: الذين خسروا أنفسهم أي: بالشرك، فهم لا يؤمنون، لما سبق فيهم ~~من القضاء. وقال ابن قتيبة: قوله: الذين خسروا أنفسهم مردود إلى قوله: كيف ~~كان عاقبة المكذبين الذين خسروا. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 13] # وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم (13) # قوله تعالى: وله ما سكن في الليل والنهار. PageV02P012 # (495) سبب نزولها أن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: قد علمنا ~~أنه إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجة فنحن نجعل لك نصيبا في أموالنا ~~حتى تكون من أغنانا رجلا، وترجع عما أنت عليه، فنزلت هذه الآية، قاله ابن ~~عباس. # وفي معنى «سكن» قولان: أحدهما: أنه من السكنى. قال ابن الأعرابي: «سكن» ~~بمعنى حل. # والثاني: أنه من السكون الذي يضاد الحركة. قال مقاتل: من المخلوقات ما ~~يستقر بالنهار، وينتشر بالليل ومنها ما يستقر بالليل، وينتشر بالنهار. فان ~~قيل: لم خص السكون بالذكر دون الحركة؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن السكون ~~أعم وجودا من الحركة. والثاني: أن كل متحرك قد يسكن، وليس كل ساكن يتحرك. ~~والثالث: أن في الآية إضمارا والمعنى: وله ما سكن وتحرك كقوله تعالى تقيكم ~~الحر «1» أراد: والبرد فاختصر. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 14] # قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني ~~أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) # قوله تعالى: قل أغير الله أتخذ وليا. # (496) ذكر مقاتل أن سبب نزولها، أن كفار قريش قالوا: يا محمد، ألا ترجع ~~إلى دين آبائك؟ # فنزلت هذه الآية. وهذا الاستفهام معناه الإنكار أي: لا أتخذ وليا غير ~~الله أتولاه، وأعبده، وأستعينه. # قوله تعالى: فاطر السماوات والأرض الجمهور على كسر راء «فاطر» . وقرأ ابن ~~أبي عبلة برفعها. # قال أبو عبيدة: الفاطر، معناه: الخالق. وقال ابن قتيبة: المبتدئ. # (497) ومنه «كل مولود يولد على الفطرة» أي: على ابتداء الخلقة، وهو ~~الإقرار بالله حين أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم. وقال ابن عباس: كنت لا ~~أدري ما فاطر ms0631 السماوات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال ~~أحدهما: أنا فطرتها، أي: أنا ابتدأتها. قال الزجاج: إن قيل: # كيف يكون الفطر بمعنى الخلق والانفطار الانشقاق في قوله تعالى: إذا ~~السماء انفطرت (1) «2» فالجواب: إنما يرجعان إلى شيء واحد، لأن معنى ~~«فطرهما» : خلقهما خلقا قاطعا. والانفطار، والفطور: تقطع وتشقق. # قوله تعالى: وهو يطعم ولا يطعم قرأ الجمهور بضم الياء من الثاني ومعناه: ~~وهو يرزق ولا PageV02P013 # يرزق، لأن بعض العبيد يرزق مولاه. وقرأ عكرمة والأعمش «ولا يطعم» بفتح ~~الياء. قال الزجاج: وهذا الاختيار عند البصراء بالعربية، ومعناه: وهو يرزق ~~ويطعم ولا يأكل. # قوله تعالى: إني أمرت أن أكون أول من أسلم أي: أول مسلم من هذه الأمة ولا ~~تكونن من المشركين قال الأخفش: معناه: وقيل لي: لا تكونن، فصارت: أمرت، ~~بدلا من ذلك لأنه حين قال: أمرت، قد أخبر أنه قيل له. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 15] # قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) # قوله تعالى: قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) زعم بعض ~~المفسرين أنه كان يجب عليه أن يخاف عاقبة الذنوب، ثم نسخ ذلك بقوله: ليغفر ~~لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر «1» ، والصحيح أن الآيتين خبر، والخبر لا ~~يدخله النسخ، وإنما هو معلق بشرط، ومثله: لئن أشركت ليحبطن عملك «2» . ### | [سورة الأنعام (6) : آية 16] # من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين (16) # قوله تعالى: من يصرف عنه قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن ~~عاصم من يصرف بضم الياء وفتح الراء، يعنون: العذاب. وقرأ حمزة والكسائي ~~وأبو بكر عن عاصم «يصرف» بفتح الياء وكسر الراء الضمير قوله: إن عصيت ربي ~~ومما يحسن هذه القراءة قوله تعالى: فقد رحمه، فقد اتفق إسناد الضميرين إلى ~~اسم الله عز وجل، ويعني بقوله: يصرف العذاب يومئذ، يعني: يوم القيامة، وذلك ~~يعني: صرف العذاب. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 17] # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء ~~قدير (17) # قوله تعالى: وإن ms0632 يمسسك الله بضر الضر: اسم جامع لكل ما يتضرر به الإنسان، ~~من فقر ومرض وغير ذلك والخير: اسم جامع لكل ما ينتقع به الإنسان. وللمفسرين ~~في الضر والخير قولان: # أحدهما: أن الضر السقم والخير: العافية. والثاني: أن الضر: الفقر، ~~والخير: الغنى. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 18] # وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) # قوله تعالى: وهو القاهر فوق عباده القاهر: الغالب، والقهر: الغلبة. ~~والمعنى: أنه قهر الخلق فصرفهم على ما أراد طوعا وكرها فهو المستعلي عليهم، ~~وهم تحت التسخير والتذليل. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 19] # قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن ~~لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما ~~هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (19) # قوله تعالى: قل أي شيء أكبر شهادة. PageV02P014 # (498) سبب نزولها: أن رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا: يا محمد، ما نرى أحدا يصدقك بما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود ~~والنصارى، فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا من يشهد أنك رسول ~~الله فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس. # ومعنى الآية: قل لقريش: أي شيء أعظم شهادة؟ فان أجابوك، وإلا فقل: الله، ~~وهو شهيد بيني وبينكم على ما أقول. وقال الزجاج: أمره الله تعالى أن يحتج ~~عليهم بأن شهادة الله عز وجل في نبوته أكبر شهادة، وأن القرآن الذي أتى به، ~~يشهد له أنه رسول الله، وهو قوله: وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ففي ~~الإنذار به دليل على نبوته، لأنه لم يأت أحد بمثله، ولا يأتي وفيه خبر ما ~~كان وما يكون ووعد فيه بأشياء، فكانت كما قال. وقرأ عكرمة، وابن السميفع، ~~والجحدري «وأوحى إلي» بفتح الهمزة والحاء «القرآن» بالنصب فأما «الإنذار» ، ~~فمعناه: التخويف، ومعنى ومن بلغ أي: من بلغ إليه هذا القرآن، فإني نذير له. ~~قال القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وكلمه. # (499) وقال أنس بن مالك: لما ms0633 نزلت هذه الآية، كتب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وكل جبار يدعوهم إلى الله عز وجل. # قوله تعالى: أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى هذا استفهام معناه ~~الانكار عليهم. قال الفراء: وإنما قال: «أخرى» ولم يقل: «آخر» لأن الآلهة ~~جمع والجمع يقع عليه التأنيث، كما قال: # ولله الأسماء الحسنى «1» . وقال: فما بال القرون الأولى «2» . ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 20] # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم ~~لا يؤمنون (20) # قوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب، في الكتاب قولان: أحدهما: أنه التوراة ~~والإنجيل وهذا قول الجمهور. والثاني: أنه القرآن. # وفي هاء يعرفونه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قاله السدي. # (500) وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لعبد الله بن سلام: إن ~~الله قد أنزل على نبيه بمكة الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم، فكيف هذه المعرفة؟ فقال: لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني، ~~ولأنا أشد معرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم مني بابني. فقال عمر: وكيف ذاك؟ ~~فقال: إني أشهد أنه رسول الله حقا، ولا أدري ما يصنع النساء «3» . ~~PageV02P015 # والثاني: أنها ترجع إلى الدين والنبي. فالمعنى: يعرفون الإسلام أنه دين ~~الله عز وجل، وأن محمدا رسول الله، قاله قتادة. والثالث: أنها ترجع إلى ~~القرآن. فالمعنى: يعرفون الكتاب الدال على صدقه ذكره الماوردي. # وفي الذين خسروا أنفسهم قولان: أحدهما: أنهم مشركو مكة. والثاني: كفار ~~أهل الكتابين. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 21] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون ~~(21) # قوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أي: اختلق على الله الكذب ~~في ادعاء شريك معه. # وفي «آياته» قولان: أحدهما: أنها محمد والقرآن، قاله ابن السائب. ~~والثاني: القرآن، قاله مقاتل. # والمراد بالظلم المذكور في هذه الآية: الشرك. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 22] # ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ~~(22) # قوله تعالى: ويوم نحشرهم جميعا انتصب «اليوم» ms0634 بمحذوف تقديره: واذكر يوم ~~نحشرهم. قال ابن جرير: والمعنى: لا يفلحون اليوم، ولا يوم نحشرهم. وقرأ ~~يعقوب: «يحشرهم» «ثم يقول» بالياء فيهما. وفي الذين عني قولان: أحدهما: ~~المسلمون والمشركون. والثاني: العابدون والمعبودون. # وقوله: أين شركاؤكم سؤال توبيخ. والمراد بشركائهم: الأوثان وإنما أضافها ~~إليهم لأنهم زعموا أنها شركاء لله. وفي معنى تزعمون قولان: أحدهما: يزعمون ~~أنهم شركاء مع الله. والثاني: يزعمون أنها تشفع لهم. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 23] # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) # قوله تعالى: ثم لم تكن فتنتهم قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم: ~~«ثم لم تكن» بالتاء، «فتنتهم» بالرفع. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن ~~عاصم: «تكن» بالتاء أيضا، «فتنتهم» بالنصب وقد رويت عن ابن كثير ايضا. وقرأ ~~حمزة، والكسائي: «يكن» بالياء، «فتنتهم» بالنصب. وفي «الفتنة» أربعة أقوال ~~«1» : أحدها: أنها بمعنى الكلام والقول. قال ابن عباس، والضحاك: لم يكن ~~كلامهم. والثاني: أنها المعذرة. قال قتادة، وابن زيد: لم تكن معذرتهم. قال ~~ابن الأنباري: فالمعنى: # اعتذروا بما هو مهلك لهم، وسبب لفضيحتهم. والثالث: أنها بمعنى البلية. ~~قال عطاء الخراساني: لم تكن بليتهم. وقال ابو عبيد: لم تكن بليتهم التي ~~ألزمتهم الحجة، وزادتهم لائمة. والرابع: أنها بمعنى الافتتان. والمعنى: لم ~~تكن عاقبة فتنتهم. # قال الزجاج: لم يكن افتتانهم بشركهم، وإقامتهم عليه، إلا أن تبرؤوا منه. ~~ومثل ذلك في اللغة PageV02P016 # أن ترى إنسانا يحب غاويا، فاذا وقع في هلكة تبرأ منه فيقول: ما كانت ~~محبتك لفلان إلا أن انتفيت منه. قال: وهذا تأويل لطيف، لا يعرفه إلا من عرف ~~معاني الكلام، وتصرف العرب في ذلك. وقال ابن الأنباري: المعنى: أنهم ~~افتتنوا بقولهم هذا، إذ كذبوا فيه، ونفوا عن أنفسهم ما كانوا معروفين به في ~~الدنيا. # قوله تعالى: إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «والله ربنا» بكسر الباء. وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وخلف: بنصب الباء. وفي هؤلاء القوم الذين هذا وصفهم قولان «1» : ~~أحدهما: أنهم ms0635 المشركون. والثاني: المنافقون. # ومتى يحلفون؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا من ~~كان مسلما، قالوا: # تعالوا نكابر عن شركنا، فحلفوا، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم إذا دخلوا ~~النار، ورأوا أهل التوحيد يخرجون، فحلفوا واعتذروا، قاله سعيد بن جبير، ~~ومجاهد. والثالث: أنهم إذا سئلوا: أين شركاؤكم؟ # تبرؤوا، وحلفوا: ما كنا مشركين، قاله مقاتل. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 24] # انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24) # قوله تعالى: انظر كيف كذبوا على أنفسهم أي: باعتذارهم بالباطل. وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون أي: ذهب ما كانوا يدعون ويختلقون من أن الاصنام شركاء لله، ~~وشفعاؤهم في الآخرة. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 25 الى 26] # ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ~~وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن ~~هذا إلا أساطير الأولين (25) وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا ~~أنفسهم وما يشعرون (26) # قوله تعالى: ومنهم من يستمع إليك. # (501) سبب نزولها: أن نفرا من المشركين، منهم عتبة، وشيبة، والنضر بن ~~الحارث، وأمية وأبي ابنا خلف، جلسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~واستمعوا إليه، ثم قالوا للنضر بن الحارث: ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها ~~بنية، ما أدري ما يقول؟ إلا أني أرى تحرك شفتيه، وما يقول إلا أساطير ~~الأولين، مثلما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كثير الحديث عن ~~القرون الأولى، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # فأما «الأكنة» ، فقال الزجاج: هي جمع كنان، وهو الغطاء مثل عنان وأعنة. ~~PageV02P017 # وأما: «أن يفقهوه» ، فمنصوب على انه مفعول له. المعنى: وجعلنا على قلوبهم ~~أكنة لكراهة أن يفقهوه، فلما حذفت اللام، نصبت الكراهة ولما حذفت الكراهة، ~~انتقل نصبها إلى «أن» . # «الوقر» : ثقل السمع، يقال: في أذنه وقر، وقد وقرت الأذن توقر. قال ~~الشاعر: # وكلام سيئ قد وقرت ... أذني عنه وما بي من صمم «1» # والوقر، بكسر الواو أن يحمل البعير وغيره مقدار ما ms0636 يطيق، يقال: عليه وقر، ~~ويقال: نخلة موقر، وموقرة، وإنما فعل ذلك بهم مجازاة لهم باقامتهم على ~~كفرهم، وليس المعنى أنهم لم يفهموه، ولم يسمعوه ولكنهم لما عدلوا عنه، ~~وصرفوا فكرهم عما عليهم في سوء العاقبة، كانوا بمنزلة من لم يعلم ولم يسمع. ~~وإن يروا كل آية أي: كل علامة تدل على رسالتك، لا يؤمنوا بها. ثم أعلم الله ~~عز وجل مقدار احتجاجهم وجدلهم، وأنهم إنما يستعملون في الاحتجاج أن يقولوا: ~~إن هذا، أي: # ما هذا إلا أساطير الأولين وفيها قولان: # أحدهما: أنها ما سطر من أخبارهم وأحاديثهم. روى أبو صالح عن ابن عباس ~~قال: أساطير الأولين: كذبهم، وأحاديثهم في دهرهم. وقال أبو الحسن الاخفش: ~~يزعم بعضهم أن واحدة الأساطير: أسطورة. وقال بعضهم: أسطارة ولا أراه إلا من ~~الجمع الذي ليس له واحد، نحو عباديد ومذاكير وأبابيل. وقال ابن قتيبة: ~~أساطير الأولين: أخبارهم وما سطر منها، أي: ما كتب، ومنه قوله تعالى: ن ~~والقلم وما يسطرون «2» أي: يكتبون، واحدها سطر، ثم أسطار، ثم أساطير جمع ~~الجمع، مثل قول، وأقوال، وأقاويل. # والقول الثاني: أن معنى أساطير الأولين: الترهات. قال أبو عبيدة: واحد ~~الأساطير: أسطورة، وإسطارة، ومجازها مجاز الترهات. قال ابن الأنباري: ~~الترهات عند العرب: طرق غامضة، ومسالك مشكلة، يقول قائلهم: قد أخذنا في ~~ترهات البسابس، يعني: قد عدلنا عن الطريق الواضح إلى المشكل وعما يعرف إلى ~~ما لا يعرف. و «البسابس» : الصحاري الواسعة، والترهات: طرق تتشعب من الطريق ~~الأعظم، فتكثر وتشكل، فجعلت مثلا لما لا يصح وينكشف. # فان قيل: لم عابوا القرآن بأنه أساطير الأولين، وقد سطر الأولون ما فيه ~~علم وحكمة، وما لا عيب على قائله؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنهم نسبوه إلى أنه ~~ليس بوحي من الله. والثاني: أنهم عابوه بالإشكال والغموض، استراحة منهم إلى ~~البهت والباطل. فعلى الجواب الأول تكون «أساطير» من التسطير، وعلى الثاني ~~تكون بمعنى الترهات، وقد شرحنا معنى الترهات. # قوله تعالى: وهم ينهون عنه وينأون عنه في سبب نزولها قولان: # (502) أحدهما: أن أبا طالب كان ينهى المشركين ms0637 أن يؤذوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ويتباعد عما جاء PageV02P018 # به، فنزلت فيه هذه الآية، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهو قول عمرو ~~بن دينار، وعطاء بن دينار، والقاسم بن مخيمرة. # (503) وقال مقاتل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أبي طالب يدعوه ~~إلى الإسلام، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~سوءا، فسألوا أبا طالب أن يدفعه إليهم، فيقتلوه، فقال: ما لي عنه صبر ~~فقالوا: ندفع إليك من شبابنا من شئت مكان ابن أخيك، فقال أبو طالب: حين ~~تروح الإبل، فان حنت ناقة إلى غير فصيلها دفعته إليكم، وقال: # والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا # فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقر بذاك منك عيونا # وعرضت دينا لا محالة أنه ... من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا «1» # فنزلت فيه هذه الآية (504) والثاني: أن كفار مكة كانوا ينهون الناس عن ~~اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، ويتباعدون بأنفسهم عنه، رواه الوالبي عن ~~ابن عباس، وبه قال ابن الحنفية، والضحاك، والسدي. فعلى القول الأول، يكون ~~قوله تعالى: «وهم» كناية عن واحد وعلى الثاني: عن جماعة. وفي هاء «عنه» ~~قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ثم فيه قولان «2» . ~~أحدهما: ينهون عن أذاه والثاني: عن اتباعه. والقول الثاني: أنها ترجع إلى ~~القرآن، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد. وينأون بمعنى PageV02P019 # يبعدون. وفي هاء «عنه» قولان: أحدهما: أنها راجعة إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم. والثاني: إلى القرآن. # قوله تعالى: وإن يهلكون أي: وما يهلكون إلا أنفسهم بالتباعد عنه وما ~~يشعرون أنهم يهلكونها. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 27] # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ~~ونكون من المؤمنين (27) # قوله تعالى: ولو ترى إذ وقفوا على النار في معنى «وقفوا» ستة أقوال. ~~أحدها: حبسوا عليها، قاله ابن السائب. والثاني: عرضوا عليها، قاله مقاتل. ~~والثالث: عاينوها. والرابع: وقفوا ms0638 عليها وهي تحتهم. والخامس: دخلوا إليها ~~فعرفوا مقدار عذابها، تقول: وقفت على ما عند فلان، أي فهمته وتبينته، ذكر ~~هذه الأقوال الثلاثة الزجاج، واختار الأخير. وقال ابن جرير: على هاهنا ~~بمعنى «في» . # السادس: جعلوا عليها وقفا، كالوقوف المؤبدة على سبلها، ذكره الماوردي. ~~والخطاب بهذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم، والوعيد للكفار، وجواب «لو» ~~محذوف، ومعناه: لو رأيتهم في تلك الحال، لرأيت عجبا. # قوله تعالى: ولا نكذب بآيات ربنا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم برفع الباء من «نكذب» والنون من «نكون» . # قال الزجاج: والمعنى أنهم تمنوا الرد، وضمنوا أنهم لا يكذبون. والمعنى: ~~يا ليتنا نرد، ونحن لا نكذب بآيات ربنا، رددنا أو لم نرد، ونكون من ~~المؤمنين، لأنا قد عاينا مالا نكذب معه أبدا. قال: # ويجوز الرفع على وجه آخر، على معنى «يا ليتنا نرد» ، يا ليتنا لا نكذب، ~~كأنهم تمنوا الرد والتوفيق للتصديق. وقال الأخفش: إذا رفعت جعلته على مثل ~~اليمين، كأنهم قالوا: ولا نكذب- والله- بآيات ربنا، ونكون- والله- من ~~المؤمنين. وقرأ حمزة إلا العجلي «1» ، وحفص عن عاصم، ويعقوب: بنصب الباء من ~~«نكذب» ، والنون من «نكون» . قال مكي بن أبي طالب: وهذا النصب على جواب ~~التمني، وذلك بإضمار «أن» ، حملا على مصدر «نرد» ، فأضمرت «أن» لتكون مع ~~الفعل مصدرا، فعطف بالواو مصدرا على مصدر. وتقديره: يا ليت لنا ردا، ~~وانتفاء من التكذيب، وكونا من المؤمنين. وقرأ ابن عامر برفع الباء من ~~«نكذب» ، ونصب النون من «نكون» بالرفع قد بينا علته، والنصب على جواب ~~التمني. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 28 الى 29] # بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون (28) وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29) # قوله تعالى: بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل «بل» : ها هنا رد لكلامهم، ~~أي: ليس الأمر على ما قالوا من أنهم لو ردوا لآمنوا. وقال الزجاج: «بل» ~~استدراك وإيجاب بعد نفي تقول: ما جاء زيد بل عمرو. # وفي معنى الآية ms0639 أربعة أقوال: أحدها: بدا ما كان يخفيه بعضهم عن بعض، قاله ~~الحسن. والثاني: # بدا بنطق الجوارح ما كانوا يخفون من قبل بألسنتهم، قاله مقاتل. والثالث: ~~بدا لهم جزاء ما كانوا PageV02P020 # يخفونه، قاله المبرد. والرابع: بدا للأتباع ما كان يخفيه الرؤساء، قاله ~~الزجاج. # قوله تعالى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه قال ابن عباس: لعادوا إلى ما ~~نهوا عنه من الشرك، وإنهم لكاذبون في قولهم: ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين. قال ابن الانباري: كذبهم الله في إخبارهم عن أنفسهم أنهم إن ردوا ~~آمنوا ولم يكذبوا، ولم يكذبهم في التمني. # قوله تعالى: وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا هذا إخبار عن منكري البعث. # (505) قال مقاتل: لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كفار مكة بالبعث، ~~قالوا هذا. وكان عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: هذا حكاية قولهم، لو ردوا ~~لقالوا «1» . ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 30] # ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (30) # قوله تعالى: ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال مقاتل: عرضوا على ربهم قال ~~أليس هذا العذاب بالحق. وقال غيره: أليس هذا البعث حقا؟ فعلى قول مقاتل: ~~بما كنتم تكفرون بالعذاب، وعلى قول غيره: تكفرون بالبعث. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 31] # قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا ~~حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ~~(31) # قوله تعالى: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله إنما وصفوا بالخسران، لأنهم ~~باعوا الإيمان بالكفر، فعظم خسرانهم. والمراد بلقاء الله: البعث والجزاء ~~والساعة: القيامة والبغتة: الفجأة. قال الزجاج: # كل ما أتى فجأة فقد بغت يقال: قد بغته الأمر يبغته بغتا وبغتة: إذا أتاه ~~فجأة. قال الشاعر: # ولكنهم بانوا ولم أخش بغتة ... وأفظع شيء حين يفجؤك البغت «2» # قوله تعالى: يا حسرتنا الحسرة: التلهف على الشيء الفائت، وأهل التفسير ~~يقولون: يا ندامتنا. # فإن قيل: ما معنى دعاء الحسرة، وهي لا تعقل؟ فالجواب: ms0640 أن العرب إذا ~~اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن عظيم ما تقع فيه، جعلته نداء، فتدخل عليه ~~«يا» للتنبيه، والمراد تنبيه الناس، لا تنبيه المنادي. ومثله قولهم: لا ~~أرينك ها هنا. لفظه لفظ الناهي لنفسه، والمعنى للمنهي ومن هذا قولهم: # يا خيل الله اركبي، يراد: يا فرسان خيل الله. وقال سيبويه: إذا قلت: يا ~~عجباه، فكأنك قلت: احضر وتعال يا عجب، فهذا زمانك. فأما التفريط فهو: ~~التضييع. وقال الزجاج: التفريط في اللغة: تقدمه العجز. وفي المكني عنه ~~بقوله: «فيها» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الدنيا، فالمعنى: على ما ضيعنا في ~~الدنيا من عمل الآخرة، قاله مقاتل. والثاني: أنها الصفقة، لأن الخسران لا ~~يكون إلا في صفقة، وترك PageV02P021 # ذكرها اكتفاء بذكر الخسران قاله ابن جرير. والثالث: أنها الطاعة ذكره بعض ~~المفسرين. # فأما الأوزار، فقال ابن قتيبة: هي الآثام، وأصل الوزر: الحمل على الظهر. ~~وقال ابن فارس: # الوزر: الثقل. وهل هذا الحمل حقيقة؟ فيه قولان: أحدهما: أنه على حقيقته. ~~قال عمير بن هانئ: # يحشر مع كل كافر عمله في صورة رجل قبيح، كلما كان هول عظمه عليه، وزاده ~~خوفا، فيقول: بئس الجليس أنت، ما لي ولك؟ فيقول: أنا عملك، طالما ركبتني في ~~الدنيا، فلأركبنك اليوم حتى أخزيك على رؤوس الناس، فيركبه ويتخطى به الناس ~~حتى يقف بين يدي ربه، فذلك قوله: وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم وهذا قول ~~السدي، وعمرو بن قيس الملائي، ومقاتل. والثاني: أنه مثل، والمعنى: يحملون ~~ثقل ذنوبهم، قاله الزجاج. قال. فجعل ما ينالهم من العذاب بمنزلة أثقل ما ~~يتحمل. # ومعنى ألا ساء ما يزرون: بئس الشيء شيئا يزرونه، أي يحملونه. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 32] # وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون (32) # قوله تعالى: وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو فيه ثلاثة أقوال: أحدها: وما ~~الحياة الدنيا في سرعة انقطاعها، وقصر عمرها إلا كالشيء يلعب به. والثاني: ~~وما أمر الدنيا والعمل لها إلا لعب ولهو، فأما فعل الخير، فهو من عمل ~~الآخرة، لا من ms0641 الدنيا. والثالث: وما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو، ~~لاشتغالهم عما أمروا به. واللعب: ما لا يجدي نفعا. # قوله تعالى: وللدار الآخرة خير اللام: لام القسم، والدار الآخرة: الجنة ~~«أفلا يعقلون» فيعملون لها. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو وحمزة، والكسائي، ~~«يعقلون» بالياء، في الأنعام والأعراف ويوسف ويس، وقرءوا في القصص بالتاء. ~~وقرأ نافع كل ذلك بالياء، وروى حفص، عن عاصم كل ذلك بالتاء، إلا في يس في ~~الخلق أفلا يعقلون «1» ، بالياء وقرأ ابن عامر الذي في يس بالياء، والباقي ~~بالتاء. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 33] # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون (33) # قوله تعالى: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون في سبب نزولها أربعة أقوال: # (506) أحدها: أن رجلا من قريش يقال له: الحارث بن عامر، قال: والله يا ~~محمد ما كذبتنا قط فنتهمك اليوم، ولكنا إن نتبعك نتخطف من أرضنا، فنزلت هذه ~~الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # وقال مقاتل: كان الحارث بن عامر يكذب النبي في العلانية، فاذا خلا مع أهل ~~بيته، قال: ما محمد من أهل الكذب، فنزلت فيه هذه الآية «2» . PageV02P022 # والثاني: أن المشركين كانوا إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا ~~فيما بينهم: إنه لنبي، فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح «1» . # (507) والثالث: أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك، ~~ولكن نكذب الذي جئت به، فنزلت هذه الآية، قاله ناجية بن كعب. # (508) وقال أبو يزيد المدني: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل، ~~فصافحه أبو جهل فقيل له: # أتصافح هذا الصابئ؟ فقال: والله إني لأعلم أنه نبي، ولكن متى كنا تبعا ~~لبني عبد مناف؟ فأنزل الله هذه الآية. # (509) والرابع: أن الأخنس بن شريق لقي أبا جهل فقال الأخنس: يا أبا ~~الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو، أم كاذب؟ فليس ها هنا من يسمع كلامك ~~غيري. فقال أبو جهل: والله إن محمدا لصادق، وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو ~~قصي باللواء، والسقاية، والحجابة، ms0642 والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فنزلت ~~هذه الآية، قاله السدي، ذكره الطبري مطولا. # فأما الذي يقولون، فهو التكذيب للنبي صلى الله عليه وسلم، والكفر بالله. ~~وفي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية عما يواجهونه به. # قوله تعالى: فإنهم لا يكذبونك قرأ نافع، والكسائي: «يكذبونك» بالتخفيف ~~وتسكين الكاف. # وفي معناها قولان: أحدهما: لا يلفونك كاذبا قاله ابن قتيبة. والثاني: لا ~~يكذبون الشيء الذي جئت به، إنما يجحدون آيات الله، ويتعرضون لعقوباته. قال ~~ابن الأنباري: وكان الكسائي يحتج لهذه القراءة بأن العرب تقول: كذبت الرجل: ~~إذا نسبته إلى الكذب وصنعة الأباطيل من القول وأكذبته: إذا أخبرت أن الذي ~~يحدث به كذب، ليس هو الصانع له. قال: وقال غير الكسائي: يقال: أكذبت الرجل: ~~إذا أدخلته في جملة الكذابين، ونسبته إلى صفتهم، كما يقال: أبخلت الرجل: ~~إذا نسبته إلى البخل، وأجبنته: إذا وجدته جبانا. قال الشاعر: # فطائفة قد أكفروني بحبكم ... وطائفة قالوا مسيء ومذنب «2» PageV02P023 # وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة وابن عامر: «يكذبونك» بالتشديد ~~وفتح الكاف وفي معناها خمسة أقوال: أحدها: لا يكذبونك بحجة، وإنما هو تكذيب ~~عناد وبهت، قاله قتادة، والسدي. والثاني: لا يقولون لك: إنك كاذب، لعلمهم ~~بصدقك، ولكن يكذبون ما جئت به، قاله ناجية ابن كعب. والثالث: لا يكذبونك في ~~السر، ولكن يكذبونك في العلانية، عداوة لك، قاله ابن السائب، ومقاتل. ~~والرابع: لا يقدرون أن يقولوا لك فيما أنبأت به مما في كتبهم: كذبت. ~~والخامس: # لا يكذبونك بقلوبهم، لأنهم يعلمون أنك صادق، ذكر القولين الزجاج. وقال ~~أبو علي: يجوز أن يكون معنى القراءتين واحدا وإن اختلفت اللفظتان، إلا أن ~~«فعلت» : إذا أرادوا أن ينسبوه إلى أمر أكثر من «فعلت» . ويؤكد أن ~~القراءتين بمعنى، ما حكاه سيبويه أنهم قالوا: قللت، وأقللت، وكثرت، وأكثرت ~~بمعنى. قال أبو علي: ومعنى «لا يكذبونك» : لا يقدرون أن ينسبوك إلى الكذب ~~فيما أخبرت به مما جاء في كتبهم، ويجوز أن يكون معنى الحقيقة: لا يصادفونك ~~كاذبا، كما تقول: أحمدت فلانا: إذا أصبته محمودا، لأنهم ms0643 يعرفونك بالصدق ~~والأمانة ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون بألسنتهم ما يعلمونه يقينا، ~~لعنادهم. وفي «آيات الله» ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنها محمد صلى الله ~~عليه وسلم، قاله السدي. والثاني: # محمد والقرآن، قاله ابن السائب. والثالث: القرآن، قاله مقاتل. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 34] # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا ~~مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين (34) # قوله تعالى: ولقد كذبت رسل من قبلك هذه تعزية له على ما يلقى منهم. قال ~~ابن عباس: # فصبروا على ما كذبوا رجاء ثوابي، وأوذوا حتى نشروا بالمناشير، وحرقوا ~~بالنار حتى أتاهم نصرنا بتعذيب من كذبهم. # قوله تعالى: ولا مبدل لكلمات الله فيه خمسة أقوال: أحدها: لا خلف ~~لمواعيده، قاله ابن عباس. والثاني: لا مبدل لما أخبر به وما أمر به، قاله ~~الزجاج. والثالث: لا مبدل لحكوماته وأقضيته النافذة في عباده، فعبرت ~~الكلمات عن هذا المعنى، كقوله تعالى: ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ~~أي: وجب ما قضي عليهم. فعلى هذا القول، والذي قبله، يكون المعنى: لا مبدل ~~لحكم كلمات الله، ولا ناقض لما حكم به، وقد حكم بنصر أنبيائه بقول: لأغلبن ~~أنا ورسلي «1» . والرابع: # أن معنى الكلام معنى النهي، وإن كان ظاهره الإخبار فالمعنى: لا يبدلن أحد ~~كلمات الله، فهو كقوله: # لا ريب فيه. والخامس: أن المعنى: لا يقدر أحد على تبديل كلام الله، وإن ~~زخرف واجتهد، لأن الله تعالى صانه برصين اللفظ، وقويم الحكم، أن يختلط ~~بألفاظ أهل الزيغ، ذكر هذه الألفاظ الثلاثة ابن الأنباري. # قوله تعالى: ولقد جاءك من نبإ المرسلين أي: فيما صبروا عليه من الأذى ~~فنصروا. وقيل: إن «من» صلة. PageV02P024 ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 35] # وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في ~~السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ~~(35) # قوله تعالى: وإن كان كبر عليك إعراضهم. # (510) سبب نزولها: أن الحارث بن عامر أتى رسول الله صلى الله عليه ms0644 وسلم ~~في نفر من قريش فقال: يا محمد، ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي قومها ~~بالآيات، فإن فعلت آمنا بك، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # و «كبر» : بمعنى «عظم» . وفي إعراضهم قولان: أحدهما: عن استماع القرآن. ~~والثاني: عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم. فأما «النفق» ، فقال ابن ~~قتيبة: النفق في الأرض: المدخل، وهو السرب. والسلم في السماء: المصعد. وقال ~~الزجاج: النفق: الطريق النافذ في الأرض. والنافقاء، ممدود: أحد جحرة ~~اليربوع يخرقه من باطن الأرض إلى جلدة الأرض، فاذا بلغ الجلدة أرقها، حتى ~~إن رابه ريب، دفع برأسه ذلك المكان وخرج، ومنه سمي المنافق، لأنه أبطن غير ~~ما أظهر، كالنافقاء الذي ظاهره غير بين، وباطنه حفر في الأرض. و «السلم» ~~مشتق من السلامة، وهو الشيء الذي يسلمك إلى مصعدك. # والمعنى: فان استطعت هذا فافعل، وحذف «فافعل» ، لأن في الكلام دليلا ~~عليه. وقال أبو عبيدة: # السلم: السبب والمرقاة، تقول: اتخذتني سلما لحاجتك، أي: سببا. وفي قوله ~~تعالى: فتأتيهم بآية قولان: أحدهما: بآية قد سألوك إياها، وذلك أنهم سألوا ~~نزول ملك الموت، ومثل آيات الأنبياء، كعصا موسى، وناقة صالح. والثاني: بآية ~~هي أفضل من آيتك. # قوله تعالى: ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لو ~~شاء أن يطبعهم على الهدى لطبعهم. والثاني: لو شاء لأنزل ملائكة تضطرهم إلى ~~الإيمان. ذكرهما الزجاج. والثالث: لو شاء لآمنوا كلهم، فأخبر إنما تركوا ~~الإيمان بمشيئته، ونافذ قضائه. # قوله تعالى: فلا تكونن من الجاهلين فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لا تجهل أنه ~~لو شاء لجمعهم على الهدى. والثاني: لا تجهل أنه يؤمن بك بعضهم، ويكفر ~~بعضهم. والثالث: لا تكونن ممن لا صبر له، لأن قلة الصبر من أخلاق الجاهلين. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 36] # إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (36) # قوله تعالى: إنما يستجيب الذين يسمعون أي: إنما يجيبك من يسمع، والمراد ~~به سماع قبول. # وفي المراد بالموتى قولان: أحدهما: أنهم الكفار، قاله الحسن، ومجاهد ~~وقتادة، فيكون المعنى: إنما ms0645 يستجيب المؤمنون فأما الكفار، فلا يستجيبون حتى ~~يبعثهم الله تعالى: ثم يحشرهم كفارا، فيجيبون اضطرارا. والثاني: أنهم ~~الموتى حقيقة، ضربهم الله تعالى مثلا والمعنى: أن الموتى لا يستجيبون حتى ~~يبعثهم الله، فكذلك الذين لا يسمعون. PageV02P025 # قوله تعالى: ثم إليه يرجعون يعني: المؤمنين والكافرين، فيجازي الكل. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 37] # وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (37) # قوله تعالى: وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قال ابن عباس: نزلت في ~~رؤساء قريش. # و «لولا» : بمعنى «هلا» وقد شرحناها في سورة النساء. # وقال مقاتل: أرادوا بالآية مثل آيات الأنبياء. وقال غيره: أرادوا نزول ~~ملك يشهد له بالنبوة. # وفي قوله تعالى: ولكن أكثرهم لا يعلمون ثلاثة أقوال: أحدها: لا يعلمون ~~بأن الله سبحانه وتعالى قادر على إنزال الآية. والثاني: لا يعلمون ما عليهم ~~من البلاء في إنزالها، لأنهم إن لم يؤمنوا بها، زاد عذابهم. والثالث: لا ~~يعلمون المصلحة في نزول الآية. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 38] # وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون (38) # قوله تعالى: وما من دابة في الأرض قال ابن عباس: يريد كل ما دب على ~~الأرض. قال الزجاج: # وذكر الجناحين توكيد، وجميع ما خلق لا يخلو إما أن يدب، وإما أن يطير. # وقوله تعالى: إلا أمم أمثالكم قال مجاهد: أصناف مصنفة. وقال أبو عبيدة: ~~أجناس يعرفون الله ويعبدونه. وفي معنى «أمثالكم» أربعة أقوال: أحدها: ~~أمثالكم في كون بعضها يفقه عن بعض، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: في ~~معرفة الله، قاله عطاء. والثالث: أمثالكم في الخلق والموت والبعث، قاله ~~الزجاج. والرابع: أمثالكم في كونها تطلب الغذاء، وتبتغي الرزق، وتتوقى ~~المهالك، قاله ابن قتيبة. قال ابن الانباري: وموضع الاحتجاج من هذه الآية ~~أن الله تعالى ركب في المشركين عقولا، وجعل لهم أفهاما ألزمهم بها أن ~~يتدبروا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ويتمسكوا بطاعته، ms0646 كما جعل للطير ~~أفهاما يعرف بها بعضها إشارة بعض، وهدى الذكر منها لإتيان الأنثى، وفي كل ~~ذلك دليل على نفاذ قدرة المركب ذلك فيها. # قوله تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء في الكتاب قولان: أحدهما: أنه ~~اللوح المحفوظ. # روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ما تركنا شيئا إلا وقد كتبناه في أم ~~الكتاب، وإلى هذا المعنى ذهب قتادة، وابن زيد. والثاني: أنه القرآن. روى ~~عطاء عن ابن عباس: ما تركنا من شيء إلا وقد بيناه لكم. # فعلى هذا يكون من العام الذي أريد به الخاص، فيكون المعنى: ما فرطنا في ~~شيء بكم إليه حاجة إلا وبيناه في الكتاب، إما نصا، وإما مجملا، وإما دلالة، ~~كقوله تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء «1» أي: لكل شيء يحتاج ~~إليه في أمر الدين. # قوله تعالى: ثم إلى ربهم يحشرون فيه قولان «2» : أحدهما: أنه الجمع يوم ~~القيامة. PageV02P026 # (511) روى أبو ذر قال: «انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا أبا ذر، أتدري فيما انتطحتا؟ # قلت: لا. قال: لكن الله يدري، وسيقضي بينهما» . # (512) وقال أبو هريرة: يحشر الله الخلق يوم القيامة، البهائم والدواب ~~والطير وكل شيء، فيبلغ من عدله أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ~~ترابا، فيقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. # والثاني: أن معنى حشرها: موتها، قاله ابن عباس، والضحاك. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 39] # والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم (39) # قوله تعالى: والذين كذبوا بآياتنا يعني ما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم صم عن القرآن لا يسمعونه، وبكم عنه لا ينطقون به في الظلمات أي: في ~~الشرك والضلالة. من يشأ الله يضلله فيموت على الكفر ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم وهو الإسلام. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 40] # قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين (40) # قوله تعالى: قل أرأيتكم قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة: «أرأيتم» ms0647 PageV02P027 # و «أرأيتكم» و «أرأيت» بالألف في كل القرآن مهموزا ولين الهمزة نافع في ~~الكل. وقرأ الكسائي بغير همز ولا ألف. قال الفراء: العرب تقول: أرأيتك، وهم ~~يريدون: أخبرني. # فأما عذاب الله، ففي المراد به ها هنا قولان: أحدهما: أنه الموت، قاله ~~ابن عباس. والثاني: # العذاب الذي كان يأتي الأمم الخالية، قاله مقاتل. فأما الساعة، فهي ~~القيامة. قال الزجاج: وهو اسم للوقت الذي يصعق فيه العباد، وللوقت الذي ~~يبعثون فيه. # قوله تعالى: أغير الله تدعون أي: أتدعون صنما أو حجرا لكشف ما بكم؟! ~~فاحتج عليهم بما لا يدفعونه، لأنهم كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله. # وقوله تعالى: إن كنتم صادقين جواب لقوله تعالى: «أرأيتكم» ، لأنه بمعنى ~~أخبروا، كأنه قيل لهم: إن كنتم صادقين، فأخبروا من تدعون عند نزول البلاء ~~بكم؟. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 41] # بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون (41) # قوله تعالى: بل إياه تدعون قال الزجاج: أعلمهم أنهم لا يدعون في الشدائد ~~إلا إياه وفي ذلك أعظم الحجج عليهم، لأنهم عبدوا الأصنام. فيكشف ما تدعون ~~إليه إن شاء المعنى: فيكشف الضر الذي من أجله دعوتم، وهذا على اتساع الكلام ~~مثل قوله تعالى: وسئل القرية «1» ، أي: اهل القرية. وتنسون: يجوز أن يكون ~~بمعنى «تتركون» ويجوز أن يكون المعنى: إنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من قد ~~نسيهم. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 42] # ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ~~(42) # قوله تعالى: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك في الآية محذوف، تقديره: ولقد ~~أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا فخالفوهم، فأخذناهم بالبأساء وفيها ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنها الزمانة والخوف، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: ~~أنها البؤس، وهو الفقر، قاله ابن قتيبة. والثالث: أنها الجوع، ذكره الزجاج. ~~وفي الضراء ثلاثة أقوال: أحدها: البلاء، والجوع، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. والثاني: # النقص في الأموال والأنفس، ذكره الزجاج. والثالث: الاسقام والأمراض، قاله ~~أبو سليمان. # قوله تعالى: لعلهم يتضرعون أي: لكي يتضرعوا. والتضرع: التذلل والاستكانة. ~~وفي ms0648 الكلام محذوف تقديره: فلم يتضرعوا. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 43] # فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا ~~يعملون (43) # قوله تعالى: فلولا معناه: «فهلا» . والبأس: العذاب. ومقصود الآية: أن ~~الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قد أرسل إلى قوم قبله بلغوا ~~من القسوة أنهم أخذوا بالشدائد، فلم يخضعوا، وأقاموا على كفرهم، وزين لهم ~~الشيطان ضلالتهم فأصروا عليها. PageV02P028 ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 44] # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا ~~أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) # قوله تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به قال ابن عباس: تركوا ما وعظوا به. ~~فتحنا عليهم أبواب كل شيء يريد رخاء الدنيا وسرورها. وقرأ أبو جعفر، وابن ~~عامر: «فتحنا» بالتشديد هنا وفي الأعراف، وفي الأنبياء: «فتحت» ، وفي ~~القمر: «فتحنا» ، والجمهور على تخفيفهن. قال الزجاج: # أبواب كل شيء كان مغلقا عنهم من الخير، حتى إذا ظنوا أن ما كان نزل بهم، ~~لم يكن انتقاما، وما فتح عليهم، باستحقاقهم، أخذناهم بغتة، أي: فاجأهم ~~عذابنا. # وقال ابن الانباري: إنما أراد بقوله تعالى: «كل شيء» : التأكيد، كقول ~~القائل: أكلنا عند فلان كل شيء، وكنا عنده في كل سرور، يريد بهذا العموم ~~تكثير ما يصفه والإطناب فيه، كقوله تعالى: وأوتيت من كل شيء «1» . وقال ~~الحسن: من وسع عليه فلم ير أنه لم يمكر به، فلا رأي له ومن قتر عليه فلم ير ~~أنه ينظر له، فلا رأي له، ثم قرأ هذه الآية، وقال: مكر بالقوم ورب الكعبة، ~~أعطوا حاجاتهم ثم أخذوا. # قوله تعالى: فإذا هم مبلسون في المبلس خمسة اقوال: أحدها: أنه الآيس من ~~رحمة الله عز وجل، رواه الضحاك عن ابن عباس وقال في رواية أخرى: الآيس من ~~كل خير. وقال الفراء: # المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، ولذلك قيل للذي يسكت عند انقطاع حجته، فلا ~~يكون عنده جواب: # قد أبلس. قال العجاج: # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا ... قال نعم! أعرفه! وأبلسا «2» # أي: لم يحر جوابا. وقيل: المكرس: ms0649 الذي قد بعرت فيه الإبل، وبولت، فيركب ~~بعضه بعضا. # والثاني: أنه المفتضح. قال مجاهد: الإبلاس: الفضيحة. والثالث: أنه ~~المهلك، قاله السدي. والرابع: # أنه المجهود المكروب الذي قد نزل به من الشر ما لا يستطيعه، قاله ابن ~~زيد. والخامس: أنه الحزين النادم، قاله أبو عبيدة، وأنشد لرؤبة: # وحضرت يوم الخميس الأخماس ... وفي الوجوه صفرة وإبلاس # أي: اكتئاب، وكسوف، وحزن. وقال الزجاج: هو الشديد الحسرة، الحزين، ~~اليائس. وقال في موضع آخر: المبلس: الساكت المتحير. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 45] # فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (45) # قوله تعالى: فقطع دابر القوم الذين ظلموا قال ابن السائب: دابرهم: الذي ~~يتخلف في آخرهم. # والمعنى: أنهم استؤصلوا. وقال أبو عبيدة: دابرهم: آخرهم الذي يدبرهم: قال ~~ابن قتيبة: هو كما PageV02P029 # يقال: اجتث أصلهم. قال المفسرون: وإنما حمد نفسه على قطع دابرهم، لأن ذلك ~~إنعام على رسلهم الذين كذبوهم، وعلم الحمد على كفايته شر الظالمين. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 46] # قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله ~~يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (46) # قوله تعالى: قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم أي: أذهبها وختم على ~~قلوبكم حتى لا تعرفون شيئا من إله غير الله يأتيكم به؟ في هاء «به» ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنها تعود على الفعل، والمعنى: يأتيكم بما أخذ الله منكم، ~~قاله الزجاج. وقال الفراء: إذا كنيت عن الأفاعيل، وإن كثرت، وحدت الكناية، ~~كقولك للرجل: إقبالك وإدبارك يؤذيني. والثاني: أنها تعود إلى الهدى، ذكره ~~الفراء. # فعلى هذا تكون الكناية عن غير مذكور، ولكن المعنى يشتمل عليه، لأن من أخذ ~~سمعه وبصره وختم على قلبه لم يهتد. والثالث: أنها تعود على السمع، ويكون ما ~~عطف عليه داخلا معه في القصة، لأنه معطوف عليه، ذكره الزجاج. والجمهور ~~يقرءون: من إله غير الله يأتيكم به انظر بكسر هاء «به» . # وروى المسيبي عن نافع: «به انظر» : بالضم. قال أبو علي: من كسر، حذف ~~الياء التي تلحق الهاء في نحو: بهي ms0650 عيب، ومن ضم، فعلى قول من قال: فخسفنا ~~بهو بدارهو الأرض، فحذف الواو. # قوله تعالى: انظر كيف نصرف الآيات قال مقاتل: يعني تكون العلامات في أمور ~~شتى، فيخوفهم بأخذ الأسماع والأبصار والقلوب، وبما صنع بالأمم الخالية ثم ~~هم يصدفون، أي: # يعرضون فلا يعتبرون. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 47] # قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون ~~(47) # قوله تعالى: قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة قال الزجاج: ~~البغتة: المفاجأة والجهرة: أن يأتيهم وهم يرونه. هل يهلك إلا القوم ~~الظالمون أي: هل يهلك إلا أنتم ومن أشبهكم، لأنكم كفرتم معاندين، فقد علمتم ~~أنكم ظالمون. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 48 الى 49] # وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون (48) والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (49) # قوله تعالى: وما نرسل المرسلين إلا مبشرين أي: بالثواب ومنذرين بالعقاب ~~وليس إرسالهم ليأتوا بما يقترحونه من الآيات. ثم ذكر ثواب من صدق، وعقاب من ~~كذب في تمام الآية والتي بعدها. # وقال ابن عباس: يفسقون: بمعنى يكافرون. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 50] # قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50) # قوله تعالى: قل لا أقول لكم عندي خزائن الله. # PageV02P030 # (513) سبب نزولها: أن أهل مكة قالوا: يا محمد، لو أنزل الله عليك كنزا ~~فتستغني به، فانك فقير محتاج أو تكون لك جنة تأكل منها، فانك تجوع، فنزلت ~~هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # قال الزجاج: وهذه الآية متصلة بقوله تعالى: لولا أنزل عليه آية من ربه، ~~فأعلمهم أنه لا يملك خزائن الله التي منها يرزق ويعطي، ولا يعلم الغيب ~~فيخبرهم به إلا بوحي، ولا يقول: إنه ملك، لأن الملك يشاهد من أمور الله ~~تعالى ما لا يشاهده البشر. وقرأ ابن مسعود، وابن جبير، وعكرمة، والجحدري: ~~«إني ملك» بكسر اللام. وفي الأعمى والبصير قولان: # أحدهما: ms0651 أن الأعمى: الكافر، والبصير: المؤمن، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: الأعمى: الضال، والبصير: المهتدي، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد. # وفي قوله تعالى: أفلا تتفكرون قولان: أحدهما: فيما بين لكم من الآيات ~~الدالة على وحدانيته وصدق رسوله. والثاني: فيما ضرب لكم من مثل الأعمى ~~والبصير وأنهما لا يستويان. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 51] # وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ~~لعلهم يتقون (51) # قوله تعالى: وأنذر به قال الزجاج: يعني بالقرآن، وإنما ذكر الذين يخافون ~~الحشر دون غيرهم، وإن كان منذرا لجميع الخلق، لأن الحجة على الخائفين الحشر ~~أظهر، لاعترافهم بالمعاد، فهم أحد رجلين: إما مسلم، فينذر ليؤدي حق الله ~~عليه في إسلامه، وإما كتابي، فأهل الكتاب مجمعون على البعث. وذكر الولي ~~والشفيع، لأن اليهود والنصارى ذكرت أنها أبناء الله وأحباؤه، فأعلم عز وجل ~~أن أهل الكفر ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع. وقال غيره: ليس لهم من دونه ~~ولي، أي: ليس لهم غير الله ولي ولا شفيع، لأن شفاعة الشافعين بأمره. # وقال أبو سليمان الدمشقي: هذه الآية متعلقة بقوله: وأوحي إلي هذا القرآن ~~لأنذركم به «1» . روى سعد بن أبي وقاص قال:. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 52] # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم ~~من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين (52) # قوله تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم، روى سعد بن أبي وقاص قال: # (514) نزلت هذه الآية في ستة: في، وفي ابن مسعود، وصهيب، وعمار، ~~والمقداد، وبلال. # قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نرضى أن نكون أتباعا ~~لهؤلاء، فاطردهم عنك. فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما شاء ~~الله أن يدخل، فنزلت هذه الآية. PageV02P031 # (515) وقال خباب بن الأرت: نزلت فينا، كنا ضعفاء عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم يعلمنا بالغداة والعشي ما ينفعنا، فجاء الأقرع بن حابس، وعيينة بن ~~حصن، فقالا: إنا من أشراف قومنا، وإنا نكره ms0652 أن يرونا معهم، فاطردهم إذا ~~جالسناك. قال: «نعم» . فقالوا: لا نرضى حتى تكتب بيننا كتابا، فأتي بأديم ~~ودواة، ودعا عليا ليكتب، فلما أراد ذلك، ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل ~~بقوله تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم إلى قوله: فتنا بعضهم ببعض، فرمى ~~بالصحيفة ودعانا، فأتيناه وهو يقول: «سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة» ~~. فدنونا منه يومئذ حتى وضعنا ركبنا على ركبته. # (516) وقال ابن مسعود: مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعنده خباب، وصهيب، وبلال، وعمار، فقالوا: يا محمد، رضيت بهؤلاء، ~~أتريد أن نكون تبعا لهم؟! فنزلت: ولا تطرد الذين يدعون ربهم. # (517) وقال عكرمة: جاء عتبة، وشيبة ابنا ربيعة، ومطعم بن عدي والحارث بن ~~نوفل، في أشراف بني عبد مناف، إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك يطرد ~~عنه موالينا وعبيدنا كان أعظم في صدورنا، وأدنى لاتباعنا إياه، فأتاه أبو ~~طالب فحدثه بذلك، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي ~~يريدون، فنزلت هذه الآيات، فأقبل عمر يعتذر من مقالته. # (518) وروى أبو صالح عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت في الموالي، منهم ~~بلال، وصهيب، وخباب، وعمار، ومهجع، وسلمان، وعامر بن فهيرة، وسالم مولى أبي ~~حذيفة وأن قوله: # وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم نزلت فيهم أيضا. # (519) وقد روى العوفي عن ابن عباس: أن أناسا من الأشراف قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: نؤمن لك، وإذا صلينا فأخر هؤلاء الذين معك، فليصلوا خلفنا. ~~فعلى هذا، إنما سألوه تأخيرهم عن الصف، وعلى PageV02P032 # الأقوال التي قبله، سألوه طردهم عن مجلسه. # قوله تعالى: يدعون ربهم في هذا الدعاء خمسة أقوال «1» : أحدها: أنه ~~الصلاة المكتوبة، قاله ابن عمر، وابن عباس. وقال مجاهد: هي الصلوات الخمس ~~وفي رواية عن مجاهد، وقتادة قالا: # يعني صلاة الصبح والعصر. وزعم مقاتل أن الصلاة يومئذ كانت ركعتين ~~بالغداة، وركعتين بالعشي ثم فرضت الصلوات الخمس بعد ذلك. والثاني: أنه ذكر ~~الله تعالى، قاله إبراهيم النخعي، وعنه كالقول ms0653 الأول. والثالث: أنه عبادة ~~الله، قاله الضحاك. والرابع: أنه تعلم القرآن غدوة وعشية، قاله أبو جعفر. # والخامس: أنه دعاء الله بالتوحيد، والإخلاص له، وعبادته، قاله الزجاج. # وقرأ الجمهور: «بالغداة» وقرأ ابن عامر ها هنا وفي سورة الكهف أيضا: ~~«بالغدوة» بضم الغين وإسكان الدال وبعدها واو. قال الفراء: والعرب لا تدخل ~~الألف واللام على «الغدوة» لأنها معرفة بغير ألف ولام، ولا تضيفها العرب ~~يقولون: أتيتك غداة الخميس، ولا يقولون: غدوة الخميس، فهذا دليل على أنها ~~معرفة. وقال أبو علي: الوجه: الغداة، لأنها تستعمل نكرة، وتتعرف باللام ~~وأما غدوة، فمعرفة. وقال الخليل: يجوز أن تقول: أتيتك اليوم غدوة وبكرة، ~~فجعلها بمنزلة ضحوة، فهذا وجه قراءة ابن عامر. # فان قيل: دعاء القوم كان متصلا بالليل والنهار، فلماذا خص الغداة والعشي؟ # فالجواب: أنه نبه بالغداة على جميع النهار، وبالعشي على الليل، لأنه إذا ~~كان عمل النهار خالصا له، كان عمل الليل أصفى. # قوله تعالى: يريدون وجهه قال الزجاج: أي يريدون الله، فشهد الله لهم بصحة ~~النيات، وأنهم مخلصون في ذلك. وأما الحساب المذكور في الآية، ففيه ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه حساب الأعمال، PageV02P033 # قاله الحسن. والثاني: حساب الأرزاق. والثالث: أنه بمعنى الكفاية. ~~والمعنى: ما عليك من كفايتهم، ولا عليهم كفايتك. # قوله تعالى: فتكون من الظالمين قال ابن الأنباري: عظم هذا الأمر على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وخوف بالدخول في جملة الظالمين، لأنه كان قد هم ~~بتقديم الرؤساء على الضعفاء. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 53] # وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين (53) # قوله تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض المعنى: وكما ابتلينا قبلك الغني ~~بالفقير، ابتلينا أيضا بعضهم ببعض. و «فتنا» بمعنى: ابتلينا واختبرنا ~~ليقولوا، يعني الكبراء: أهؤلاء # يعنون الفقراء والضعفاء من الله عليهم بالهدى؟ وهذا استفهام معناه ~~الانكار، كأنهم أنكروا أن يكونوا سبقوهم بفضيلة. قال ابن السائب: ابتلى ~~الله الرؤساء بالموالي فاذا نظر الشريف إلى الوضيع قد آمن قبله، أنف أن ~~يسلم، ويقول: سبقني هذا! قوله تعالى: أليس ms0654 الله بأعلم بالشاكرين أي: بالذين ~~يشكرون نعمته إذا من عليهم بالهداية. # والمعنى: إنما يهدي الله من يعلم أنه يشكر. والاستفهام في «أليس» ، معناه ~~التقرير، أي: إنه كذلك. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 54] # وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ~~أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم (54) # قوله تعالى: وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا اختلفوا فيمن نزلت على خمسة ~~أقوال: # (520) أحدها: أنها نزلت في رجال أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: إنا أصبنا ذنوبا عظيمة، فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فنزلت هذه الآية، قاله أنس بن مالك. # (521) والثاني: أنها نزلت في الذين نهي عن طردهم، فكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: «الحمد الله الذي جعل في أمتي من ~~أمرني أن أبدأهم بالسلام» ، قاله الحسن وعكرمة. # (522) والثالث: أنها نزلت في أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وحمزة، وجعفر، ~~وعثمان بن مظعون، وأبي عبيدة، ومصعب بن عمير، وسالم، وأبي سلمة، والأرقم بن ~~أبي الأرقم، وعمار، وبلال، قاله عطاء. # (523) والرابع: أن عمر بن الخطاب كان اشار على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بتأخير الفقراء، استمالة PageV02P034 # للرؤساء إلى الإسلام، فلما نزلت: ولا تطرد الذين يدعون ربهم، جاء عمر بن ~~الخطاب يعتذر من مقالته ويستغفر منها، فنزلت فيه هذه الآية، قاله ابن ~~السائب. # (524) والخامس: أنها نزلت مبشرة باسلام عمر بن الخطاب فلما جاء وأسلم ~~تلاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # فأما قوله تعالى: يؤمنون بآياتنا فمعناه: يصدقون بحججنا وبراهيننا. # قوله تعالى: فقل سلام عليكم فيه قولان: أحدهما: أنه أمر بالسلام عليهم ~~تشريفا لهم وقد ذكرناه عن الحسن، وعكرمة. والثاني: أنه أمر بابلاغ السلام ~~إليهم عن الله تعالى، قاله ابن زيد. قال الزجاج: ومعنى السلام: دعاء ~~للانسان بأن يسلم من الآفات. وفي السوء قولان: أحدهما: أنه الشرك. # والثاني: المعاصي. # وقد ذكرنا في سورة النساء معنى الجهالة. # قرأ ابن كثير، وأبو ms0655 عمرو، وحمزة والكسائي: «أنه من عمل منكم سوءا» «فانه ~~غفور» بكسر الألف فيهما. وقرأ عاصم، وابن عامر: بفتح الألف فيهما. وقرأ ~~نافع. بنصب ألف «أنه» وكسر ألف «فانه غفور» . قال أبو علي: من كسر ألف ~~«إنه» جعله تفسيرا للرحمة ومن كسر ألف «فانه غفور» فلأن ما بعد الفاء حكمه ~~الابتداء، ومن فتح ألف «أنه من عمل» جعل «أن» بدلا من الرحمة، والمعنى: كتب ~~ربكم «أنه من عمل» ، ومن فتحها بعد الفاء أضمر خبرا تقديره: فله «أنه غفور ~~رحيم» والمعنى: فله غفرانه. وكذلك قوله تعالى: فأن له نار جهنم «1» معناه: ~~فله أن له نار جهنم، وأما قراءة نافع، فانه أبدل من الرحمة: واستأنف ما بعد ~~الفاء. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 55] # وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) # قوله تعالى: وكذلك نفصل الآيات أي: وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا ~~وأعلامنا على المشركين، كذلك نبين لك حجتنا في كل حق ينكره أهل الباطل. قال ~~ابن قتيبة: ومعنى تفصيلها: # إتيانها متفرقة شيئا بعد شيء. # قوله تعالى: ولتستبين وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: «ولتستبين» ~~بالتاء، «سبيل» بالرفع. وقرأ نافع، وزيد عن يعقوب: بالتاء أيضا، إلا أنهما ~~نصبا السبيل. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «وليستبين» بالياء، ~~«سبيل» بالرفع. فمن قرأ ولتستبين بالياء أو التاء، فلأن السبيل تذكر وتؤنث ~~على ما بينا في آل عمران، ومن نصب اللام، فالمعنى: ولتستبين أنت يا محمد ~~سبيل المجرمين. وفي سبيلهم التي بينت له، قولان: أحدهما: أنها طريقهم في ~~الشرك، ومصيرهم إلى الخزي، قاله ابن عباس. والثاني: أنها مقصودهم في طرد ~~الفقراء عنه، وذلك إنما هو الحسد، لا إيثار مجالسته واتباعه، قاله أبو ~~سليمان. PageV02P035 # فان قيل: كيف انفردت لام «كي» في قوله: «ولتستبين» وسبيلها أن تكون شرطا ~~لفعل يتقدمها أو يأتي بعدها؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري بجوابين: أحدهما: ~~أنها شرط لفعل مضمر، يراد به: ونفعل ذلك لكي تستبين. والثاني: أنها معطوفة ~~على لام مضمرة، تأويله: نفصل الآيات لينكشف أمرهم، ولتستبين سبيلهم. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 56] ms0656 # قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت ~~إذا وما أنا من المهتدين (56) # قوله تعالى: قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله يعني: الأصنام. ~~وفي معنى تدعون قولان: أحدهما: تدعونهم آلهة. والثاني: تعبدون قاله ابن ~~عباس. وأهواؤهم: دينهم. قال الزجاج: أراد إنما عبدتموها على طريق الهوى، لا ~~على طريق البينة والبرهان. ومعنى «إذا» معنى الشرط والمعنى: قد ضللت إن ~~عبدتها. وقرأ طلحة، وابن أبي ليلى: «قد ضللت» بكسر اللام. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 57] # قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا ~~لله يقص الحق وهو خير الفاصلين (57) # قوله تعالى: قل إني على بينة من ربي. # (525) سبب نزولها أن النضر بن الحارث وسائر قريش قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: يا محمد ائتنا بالعذاب الذي تعدنا به، استهزاء وقام النضر عند ~~الكعبة وقال: اللهم إن كان ما يقول حقا، فائتنا بالعذاب فنزلت هذه الآية ~~رواه أبو صالح عن ابن عباس. # فأما البينة، فهي الدلالة التي تفصل بين الحق والباطل. قال الزجاج: أنا ~~على أمر بين، لا متبع لهوى. قوله تعالى: وكذبتم به في هاء الكناية، ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى الرب. # والثاني: ترجع إلى البيان. والثالث: ترجع إلى العذاب الذي طلبوه استهزاء. # قوله تعالى: ما عندي ما تستعجلون به أي: ما بيدي. وفي الذي استعجلوا به ~~قولان: # أحدهما: أنه العذاب قاله ابن عباس، والحسن. والثاني: أنه الآيات التي ~~كانوا يقترحونها ذكره الزجاج. قوله تعالى: إن الحكم إلا لله فيه قولان: ~~أحدهما: أنه الحكم الذي يفصل به بين المختلفين بايجاب الثواب والعقاب. ~~والثاني: أنه القضاء بانزال العذاب على المخالف. # قوله تعالى: يقص الحق قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع «يقص الحق» بالصاد ~~المشددة، من القصص والمعنى: أن كل ما أخبر به فهو حق. وقرأ أبو عمرو، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي: # «يقضي الحق» من القضاء والمعنى: يقضي القضاء الحق. PageV02P036 ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 58] # قل لو ms0657 أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم ~~بالظالمين (58) # قوله تعالى: قل لو أن عندي ما تستعجلون به أي: من العذاب لقضي الأمر بيني ~~وبينكم قال ابن عباس: يقول: لم أمهلكم ساعة، ولأهلكتكم. # قوله تعالى: والله أعلم بالظالمين فيه قولان: أحدهما: أن المعنى: إن شاء ~~عاجلهم، وإن شاء أخر عقوبتهم. والثاني: أعلم بما يؤول إليهم أمرهم، وأنه قد ~~يهتدي منهم قوم، ولا يهتدي آخرون فلذلك يؤخرهم. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 59] # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ~~(59) # قوله تعالى: وعنده مفاتح الغيب قال ابن جرير: المفاتح: جمع مفتح يقال: ~~مفتح ومفتاح، فمن قال: مفتح، جمعه: مفاتح. ومن قال: مفتاح، جمعه: مفاتيح. ~~وفي «مفاتح الغيب» سبعة أقوال: # أحدها: أنها خمس لا يعلمها إلا الله عز وجل. # (526) روى البخاري في أفراده من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، لا يعلم متى تقوم ~~الساعة إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد ~~إلا الله، ولا تعلم نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى ينزل الغيث ~~إلا الله» . # (527) قال ابن مسعود: أوتي نبيكم علم كل شيء إلا مفاتيح الغيب. # والثاني: أنها خزائن غيب السماوات من الأقدار والأرزاق، قاله ابن عباس. ~~والثالث: ما غاب عن الخلق من الثواب والعقاب، وما تصير إليه الأمور، قاله ~~عطاء. والرابع: خزائن غيب العذاب، متى ينزل، قاله مقاتل. والخامس: الوصلة ~~إلى علم الغيب إذا استعلم، قاله الزجاج. والسادس: عواقب الأعمار وخواتيم ~~الأعمال. والسابع: ما لم يكن، هل يكون، أم لا يكون؟ وما يكون كيف يكون، وما ~~لا يكون إن كان، كيف يكون؟ فأما البر، فهو القفر. # وفي البحر قولان: أحدهما: أنه الماء، قاله الجمهور. والثاني: أنه القرى، ~~قاله مجاهد. # قوله تعالى: وما تسقط من ms0658 ورقة إلا يعلمها قال الزجاج: المعنى: أنه يعلمها ~~ساقطة وثابتة، كما تقول: ما يجيئك أحد إلا وأنا أعرفه، ليس تأويله: اعرفه ~~في حال مجيئه فقط. فأما ظلمات الأرض، فالمراد بها بطن الأرض. # وفي الرطب واليابس، خمسة أقوال: أحدها: أن الرطب: الماء، واليابس: ~~البادية. والثاني: # الرطب. ما ينبت، واليابس: ما لا ينبت. والثالث: الرطب: الحي، واليابس: ~~الميت. والرابع: # الرطب: لسان المؤمن يذكر الله، واليابس: لسان الكافر لا يتحرك بذكر الله. ~~والخامس: أنهما الشيء PageV02P037 # ينتقل من إحدى الحالتين إلى الأخرى، فهو يعلمه رطبا، ويعلمه يابسا. # وفي الكتاب المبين قولان: أحدهما: أنه اللوح المحفوظ قاله مقاتل. ~~والثاني: أنه علم الله المتقن ذكره الزجاج. # فان قيل: ما الفائدة في إحصاء هذه الأشياء في كتاب؟ فعنه ثلاثة أجوبة، ~~ذكرهن ابن الأنباري: # أحدها: أنه أحصاها في كتاب، لتقف الملائكة على نفاذ علمه. والثاني: أنه ~~نبه بذلك عباده على تعظيم الحساب، وأعلمهم أنه لا يفوته ما يصنعون، لأن من ~~يثبت ما لا ثواب فيه ولا عقاب، فهو إلى إثبات ما فيه ثواب وعقاب أسرع. ~~والثالث: أن المراد بالكتاب: العلم فالمعنى: أنها مثبتة في علمه. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 60] # وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل ~~مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) # قوله تعالى: وهو الذي يتوفاكم بالليل يريد به النوم، لأنه يقبض الأرواح ~~عن التصرف، كما يقبض بالموت. وقال ابن عباس: يقبض أرواحكم في منامكم. ~~وجرحتم: بمعنى كسبتم. ثم يبعثكم أي: يوقظكم فيه، أي: في النهار. ليقضى أجل ~~مسمى أي: لتبلغوا الأجل المسمى لانقطاع حياتكم، فدل باليقظة بعد النوم على ~~البعث بعد الموت. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 61] # وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا وهم لا يفرطون (61) # قوله تعالى: ويرسل عليكم حفظة الحفظة: الملائكة، واحدهم: حافظ، والجمع: ~~حفظة، مثل كاتب وكتبة، وفاعل وفعلة. وفيما يحفظونه قولان: أحدهما: أعمال ~~بني آدم قاله ابن عباس. والثاني: # أعمالهم وأجسادهم، قاله السدي. # قوله تعالى: توفته رسلنا ms0659 وقرأ حمزة: «توفاه رسلنا» وحجته أنه فعل مسند ~~إلى مؤنث غير حقيقي، وإنما التأنيث للجمع، فهو مثل: وقال نسوة «1» . وفي ~~المراد بالرسل ثلاثة أقوال: أحدها: # أنهم أعوان ملك الموت، قاله ابن عباس. وقال النخعي: أعوانه يتوفون ~~النفوس، وهو يأخذها منهم. # والثاني: أن المراد بالرسل: ملك الموت وحده، قاله مقاتل. والثالث: أنهم ~~الحفظة، قاله الزجاج. # قوله تعالى: وهم لا يفرطون قال ابن عباس: لا يضيعون. # فان قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: توفته رسلنا وبين قوله تعالى: قل ~~يتوفاكم ملك الموت «2» ؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه يجوز أن يريد بالرسل ملك ~~كالموت وحده، وقد يقع الجمع على الواحد. والثاني: أن أعوان ملك الموت ~~يفعلون بأمره، فأضيف الكل إلى فعله. وقيل: توفي أعوان ملك الموت بالنزع، ~~وتوفي ملك الموت بأن يأمر الأرواح فتجيب، ويدعوها فتخرج، وتوفي الله تعالى ~~بأن يخلق الموت في الميت. PageV02P038 ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 62] # ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين (62) # قوله تعالى: ثم ردوا إلى الله يعني العباد. وفي متولي الرد قولان: ~~أحدهما: أنهم الملائكة، ردتهم بالموت إلى الله تعالى. والثاني: أنه الله عز ~~وجل، ردهم بالبعث في الآخرة. وفي معنى ردهم إلى الله تعالى، قولان: أحدهما: ~~أنهم ردوا إلى المكان الذي لا يملك الحكم فيه إلا الله وحده. # والثاني: أنهم ردوا إلى تدبيره وحده لأنه لما أنشأهم كان منفردا ~~بتدبيرهم، فلما مكنهم من التصرف صاروا في تدبير أنفسهم، ثم كفهم عنه بالموت ~~فصاروا مردودين إلى تدبيره. # قوله تعالى: ألا له الحكم يعني القضاء. وبيان سرعة الحساب، في سورة ~~البقرة. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 63 الى 64] # قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه ~~لنكونن من الشاكرين (63) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون ~~(64) # قوله تعالى: قل من ينجيكم قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر: قل من ~~ينجيكم قل الله ينجيكم، مشددين. وقرأ يعقوب، والقزاز عن عبد الوارث: بسكون ~~النون وتخفيف الجيم. # قال الزجاج: والمشددة أجود ms0660 للكثرة. وظلمات البر والبحر: شدائدها والعرب ~~تقول لليوم الذي تلقى فيه شدة: يوم مظلم، حتى إنهم يقولون: يوم ذو كواكب، ~~أي: قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل. # قال الشاعر: # فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا «1» # قوله تعالى: تدعونه تضرعا أي: مظهرين الضراعة، وهي شدة الفقر إلى الشيء، ~~والحاجة. قوله تعالى: وخفية قرأ عاصم إلا حفصا: «وخفية» بكسر الخاء وكذلك ~~في سورة الأعراف. وقرأ الباقون بضم الخاء، وهما لغتان. قال الفراء: وفيها ~~لغة أخرى بالواو، ولا تصلح في القراءة: # خفوة، وخفوة. ومعنى الكلام، أنكم تدعونه في أنفسكم، كما تدعونه ظاهرا: ~~«لئن أنجيتنا» ، كذلك قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو عمرو: «لئن ~~أنجيتنا» ، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: # «لئن أنجانا» بألف، لمكان الغيبة في قوله: «تدعونه» . وكان حمزة، ~~والكسائي، وخلف، يميلون الجيم. قوله تعالى: من هذه يعني: في أي شدة وقعتم، ~~قلتم: «لئن أنجيتنا من هذه» . قال ابن عباس: و «الشاكرون» ها هنا: ~~المؤمنون. وكانت قريش تسافر في البر والبحر، فاذا ضلوا الطريق وخافوا ~~الهلاك، دعوا الله مخلصين، فأنجاهم. فأما «الكرب» فهو الغم الذي يأخذ ~~بالنفس، ومنه اشتقت الكربة. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 65] # قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو ~~يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (65) ~~PageV02P039 # قوله تعالى: قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ~~أرجلكم فيه قولان: # أحدهما: أن الذي فوقهم: العذاب النازل من السماء، كما حصب قوم لوط، ~~وأصحاب الفيل. والذي من تحت أرجلهم: كما خسف بقارون، قاله ابن عباس، ~~والسدي، ومقاتل. وقال غيرهم: ومنه الطوفان، والريح، والصيحة، والرجفة. ~~والقول الثاني: أن الذي من فوقهم: من قبل أمرائهم. والذي من تحتهم من ~~سفلتهم، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال في رواية أخرى: الذي من ~~فوقهم: أئمة السوء والذي من تحت أرجلهم: عبيد السوء. # قوله تعالى: أو يلبسكم شيعا قال ابن عباس: يبث ms0661 فيكم الأهواء المختلفة، ~~فتصيرون فرقا. قال ابن قتيبة: يلبسكم: من الالتباس عليهم. والمعنى: حتى ~~تكونوا شيعا، أي: فرقا مختلفين. ثم يذيق بعضكم بأس بعض بالقتال والحرب. ~~وقال الزجاج: يلبسكم، أي: يخلط أمركم خلط اضطراب، لا خلط اتفاق. يقال: لبست ~~عليهم الأمر، ألبسه: إذا لم أبينه. ومعنى شيعا: أي يجعلكم فرقا، فاذا كنتم ~~مختلفين، قاتل بعضكم بعضا. # قوله تعالى: ويذيق بعضكم بأس بعض أي: يقتل بعضكم بيد بعض. # وفيمن عني بهذه الآية، ثلاثة أقوال: أحدها: أنها في المسلمين أهل الصلاة، ~~هذا مذهب ابن عباس، وأبي العالية، وقتادة. # (528) وقال أبي بن كعب في هذه الآية: هن أربع خلال، وكلهن عذاب، وكلهن ~~واقع قبل يوم القيامة، فمضت اثنتان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بخمس وعشرين سنة، ألبسوا شيعا، وأذيق بعضهم بأس بعض. وثنتان واقعتان لا ~~محالة: الخسف، والرجم. # والثاني: أن العذاب للمشركين، وباقي الآية للمسلمين، قاله الحسن. # (529) وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سألت ربي ثلاثا، ~~فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته أن لا يصيبكم بعذاب أصابه من كان ~~قبلكم، فأعطانيها، وسألته إن لا يسلط عليكم عدوا يستبيح بيضتكم، فأعطانيها، ~~وسألته أن لا يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض، فمنعنيها» . # والثالث: أنها تهدد للمشركين، قاله ابن جرير الطبري، وأبو سليمان ~~الدمشقي. PageV02P040 ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 66] # وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) # قوله تعالى: وكذب به قومك في هاء «به» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها كناية عن ~~القرآن. والثاني: # عن تصريف الآيات. والثالث: عن العذاب. # قوله تعالى: قل لست عليكم بوكيل فيه قولان: # أحدهما: لست حفيظا على أعمالكم لأجازيكم بها، إنما أنا منذر، قاله الحسن. # والثاني: لست حفيظا عليكم، أخذكم بالإيمان، إنما أدعوكم إلى الله تعالى، ~~قاله الزجاج. # فصل: وفي هذا القدر من الآية قولان: أحدهما: أنه اقتضى الاقتصار في حقهم ~~على الإنذار من غير زيادة، ثم نسخ ذلك بآية السيف. والثاني: أن معناه: لست ~~حفيظا عليكم، إنما أطالبكم بالظواهر من الإقرار والعمل، لا بالأسرار فعلى ms0662 ~~هذا هو محكم. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 67] # لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون (67) # قوله تعالى: لكل نبإ مستقر أي: لكل خبر يخبر الله به وقت يقع فيه من غير ~~خلف ولا تأخير. قال السدي: فاستقر نبأ القرآن بما كان يعدهم من العذاب يوم ~~بدر. وقال مقاتل: منه في الدنيا يوم بدر، وفي الآخرة جهنم. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 68] # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ~~وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) # قوله تعالى: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فيمن أريد بهذه الآية ~~ثلاثة أقوال: أحدها: # المشركون. والثاني: اليهود. والثالث: أصحاب الأهواء. والآيات: القرآن. ~~وخوض المشركين فيه: # تكذيبهم به واستهزاؤهم، ويقاربه خوض اليهود، وخوض أهل الأهواء، والمراء، ~~والخصومات. # قوله تعالى: فأعرض عنهم أي: فاترك مجالستهم، حتى يكون خوضهم في غير ~~القرآن. وإما ينسينك وقرأ ابن عامر: «ينسينك» ، بفتح النون، وتشديد السين، ~~والنون الثانية. ومثل هذا: غرمته وأغرمته. وفي التنزيل: فمهل الكافرين ~~أمهلهم «1» والمعنى: إذا أنساك الشيطان، فقعدت معهم ناسيا نهينا لك، فلا ~~تقعد بعد الذكرى. والذكر والذكرى: واحد. قال ابن عباس: قم إذا ذكرت ~~والظالمون: # المشركون. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 69] # وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) # قوله تعالى: وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء في سبب نزولها ثلاثة ~~أقوال: # (530) أحدها: أن المسلمين قالوا: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن ~~وخاضوا فيه PageV02P041 # فمنعناهم، لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام ولا أن نطوف بالبيت، فنزلت ~~هذه الآية. # (531) والثاني: أن المسلمين قالوا: إنا نخاف الإثم إن لم ننههم عن الخوض، ~~فنزلت هذه الآية. # (532) والثالث: أن المسلمين قالوا: لو قمنا عنهم إذا خاضوا، فانا نخشى ~~الإثم في مجالستهم، فنزلت هذه الآية. هذا عن مقاتل، والأولان عن ابن عباس. # قوله تعالى: وما على الذين يتقون فيه قولان: أحدهما: يتقون الشرك. ~~والثاني: يتقون الخوض. قوله تعالى: من حسابهم يعني: حساب الخائضين. وفي ~~«حسابهم» قولان: أحدهما: أنه كفرهم وآثامهم. والثاني: عقوبة خوضهم. ms0663 # قوله تعالى: ولكن ذكرى أي: ولكن عليكم أن تذكروهم، وفيما تذكرونهم به، ~~قولان: # أحدهما: المواعظ. والثاني: قيامكم عنهم. قال مقاتل: إذا قمتم عنهم، منعهم ~~من الخوض الحياء منكم، والرغبة في مجالستكم. قوله تعالى: لعلهم يتقون فيه ~~قولان: أحدهما: يتقون الاستهزاء. # والثاني: يتقون الوعيد. # فصل: وقد ذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة، لأنها اقتضت جواز مجالسة ~~الخائضين والاقتصار على تذكيرهم، ثم نسخت بقوله تعالى: وقد نزل عليكم في ~~الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم «1» . ~~والصحيح أنها محكمة، لأنها خبر، وإنما دلت على أن كل عبد يختص بحساب نفسه، ~~ولا يلزمه حساب غيره. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 70] # وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل ~~نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ ~~منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون (70) # قوله تعالى: وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا فيهم قولان: أحدهما: أنهم ~~الكفار. # والثاني: اليهود والنصارى. وفي اتخاذهم دينهم لعبا ولهوا، ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه استهزاؤهم بآيات الله إذا سمعوها. والثاني: أنهم دانوا بما ~~اشتهوا، كما يلهون بما يشتهون. والثالث: أنهم يحافظون على دينهم إذا ~~اشتهوا، كما يلهون إذا اشتهوا. قال الفراء: ويقال: إنه ليس من قوم إلا ولهم ~~عيد، فهم يلهون في أعيادهم، إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فان أعيادهم ~~صلاة وتكبير وبر وخير. # فصل: ولعلماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية، قولان: أحدهما: أنه ~~خرج مخرج PageV02P042 # التهديد، كقوله تعالى: ذرني ومن خلقت وحيدا «1» . فعلى هذا هو محكم، وإلى ~~هذا المعنى ذهب مجاهد. والثاني: أنه اقتضى المسامحة لهم والإعراض عنهم، ثم ~~نسخ بآية السيف وإلى هذا ذهب قتادة، والسدي. # قوله تعالى: وذكر به أي: عظ بالقرآن. وفي قوله: أن تبسل قولان: أحدهما: ~~لئلا تبسل نفس، كقوله تعالى: أن تضلوا «2» . والثاني: ذكرهم إبسال المبسلين ~~بجناياتهم لعلهم يخافون. # وفي معنى «تبسل» ms0664 سبعة اقوال: أحدها: تسلم، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه ~~قال الحسن، ومجاهد، والسدي. وقال ابن قتيبة: تسلم إلى الهلكة. قال الشاعر: # وإبسالي بني بغير جرم ... بعوناه ولا بدم مراق «3» # أي: بغير جرم أجرمناه والبعو: الجناية. وقال الزجاج: تسلم بعملها غير ~~قادرة على التخلص. # والمستبسل: المستسلم الذي لا يعلم أنه يقدر على التخلص. والثاني: تفضح، ~~رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: تدفع، رواه الضحاك عن ابن عباس. ~~والرابع: تهلك، روي عن ابن عباس أيضا. # والخامس: تحبس وتؤخذ، قاله قتادة، وابن زيد. والسادس: تجزى، قاله ابن ~~السائب، والكسائي. # والسابع: ترتهن، قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: ترتهن وتسلم وأنشد: # هنالك لا أرجو حياة تسرني ... سمير الليالي مبسلا بالجرائر «4» # سمير الليالي: أبد الليالي. فأما الولي: فهو الناصر الذي يمنعها من عذاب ~~الله. والعدل: الفداء. # قال ابن زيد: وإن تفتد كل فداء لا يقبل منها. فأما الحميم، فهو الماء ~~الحار. قال ابن قتيبة: ومنه سمي الحمام. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 71 الى 72] # قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ ~~هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى ~~الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين (71) وأن ~~أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72) # قوله تعالى: قل أندعوا من دون الله أي أنعبد ما لا يضرنا إن لم نعبده، ~~ولا ينفعنا إن عبدناه، وهي الأصنام. ونرد على أعقابنا أي: نرجع إلى الكفر ~~بعد إذ هدانا الله إلى الإسلام، فنكون كالذي استهوته الشياطين. وقرأ حمزة: ~~«استهواه الشياطين» ، على قياس قراءته: «توفاه رسلنا» . وفي معنى ~~«استهوائها» قولان: أحدهما: أنها هوت به وذهبت، قاله ابن قتيبة. وقال أبو ~~عبيدة: تشبه له الشياطين، فيتبعها حتى تهوي به في الأرض، فتضله. والثاني: ~~زينت له هواه، قاله الزجاج. قال: # و «حيران» منصوب على الحال، أي: استهوته في حال حيرته. قال السدي: قال ~~المشركون للمسلمين: PageV02P043 # اتبعوا سبيلنا، واتركوا دين محمد، فقال تعالى: قل أندعوا من ms0665 دون الله ما ~~لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله فنكون كرجل كان مع ~~قوم على طريق، فضل، فحيرته الشياطين، وأصحابه على الطريق يدعونه: يا فلان ~~هلم إلينا، فانا على الطريق، فيأبى. # (533) وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ~~دعاه أبوه وأمه إلى الإسلام فأبى. قال مقاتل: والمراد بأصحابه: أبواه «1» . # قوله تعالى: قل إن هدى الله هو الهدى هذا رد على من دعا إلى عبادة ~~الأصنام، وزجر عن إجابته، كأنه قيل له: لا تفعل ذلك، لأن هدى الله هو ~~الهدى، لا هدى غيره. # قوله تعالى: وأمرنا لنسلم قال الزجاج: العرب تقول: أمرتك أن تفعل، وأمرتك ~~لتفعل، وأمرتك بأن تفعل. فمن قال: «بأن» فالباء للالصاق. والمعنى: وقع ~~الأمر بهذا الفعل، ومن قال: «أن تفعل» فعلى حذف الباء ومن قال: «لتفعل» فقد ~~أخبر بالعلة التي لها وقع الامر. قال: وفي قوله: وأن أقيموا الصلاة وجهان: ~~أحدهما: أمرنا لأن نسلم، ولأن نقيم الصلاة. والثاني: أن يكون محمولا على ~~المعنى، لأن المعنى: أمرنا بالإسلام، وبإقامة الصلاة. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 73] # وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله ~~الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير (73) # قوله تعالى: وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق فيه أربعة أقوال: أحدها: ~~خلقهما للحق. والثاني: خلقهما حقا. والثالث: خلقهما بكلامه وهو الحق. ~~والرابع: خلقهما بالحكمة. # قوله تعالى: ويوم يقول كن فيكون قال الزجاج: الأجود أن يكون منصوبا على ~~معنى: # واذكر يوم يقول كن فيكون، لأن بعده وإذ قال إبراهيم فالمعنى: واذكر هذا ~~وهذا. وفي الذي يقول له كن فيكون، ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يوم القيامة، ~~قاله مقاتل. والثاني: ما يكون في القيامة. والثالث: # أنه الصور، وما ذكر من أمر الصور يدل عليه، قالهما الزجاج. قال: وخص ذلك ~~اليوم بسرعة إيجاد الشيء، ليدل على سرعة أمر البعث. # قوله تعالى: قوله الحق أي: الصدق الكائن لا محالة وله الملك يوم ينفخ في ms0666 ~~الصور. # وروى إسحاق بن يوسف الأزرق عن أبي عمرو «ننفخ» بنونين. ومعنى الكلام: أن ~~الملوك يومئذ لا ملك لهم، فهو المنفرد بالملك وحده، كما قال: والأمر يومئذ ~~لله «2» . وفي «الصور» قولان: # أحدهما: أنه قرن ينفخ فيه. PageV02P044 # (534) روى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الصور، فقال: «هو قرن ينفخ فيه. وقال مجاهد: الصور كهيئة البوق. ~~وحكى ابن قتيبة: أن الصور: القرن، في لغة قوم من أهل اليمن، وأنشد: # نحن نطحنا غداة الجمعين ... بالضابحات في غبار النقعين # نطحا شديدا لا كنطح الصورين «1» # وأنشد الفراء: # لولا ابن جعدة لم يفتح قهندزكم ... ولا خراسان حتى ينفخ الصور «2» # وهذا اختيار الجمهور. # والثاني: أن الصور جمع صورة يقال: صورة وصور، بمنزلة سورة وسور، كسورة ~~البناء والمراد نفخ الأرواح في صور الناس، قاله قتادة، وأبو عبيدة. وكذلك ~~قرأ الحسن، ومعاذ القارئ، وأبو مجلز، وأبو المتوكل «في الصور» بفتح الواو. ~~قال ثعلب: الأجود أن يكون الصور: القرن، لأنه قال عز وجل: ونفخ في الصور ~~فصعق من في السماوات ومن في الأرض ثم قال: ثم نفخ فيه أخرى ولو كان الصور، ~~كان: ثم نفخ فيها، أو فيهن وهذا يدل على أنه واحد وظاهر القرآن يشهد أنه ~~ينفخ في الصور مرتين. # (535) وقد روى أهل التفسير عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «الصور قرن ينفخ فيه PageV02P045 # ثلاث نفخات: الأولى: نفخة الفزع. والثانية: نفخة الصعق. والثالثة: نفخة ~~القيام لرب العالمين» . قال ابن عباس: وهذه النفخة المذكورة في هذه الآية ~~هي الأولى، يعني: نفخة الصعق. # قوله تعالى: عالم الغيب وهو ما غاب عن العباد مما لم يعاينوه، والشهادة ~~وهو ما شاهدوه ورأوه. وقال الحسن: يعني بذلك السر والعلانية. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 74] # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال ~~مبين (74) # قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر في «آزر» أربعة أقوال: أحدها: أنه ~~أسم أبيه، روي عن ابن عباس، والحسن، والسدي، وابن ms0667 إسحاق. والثاني: أنه اسم ~~صنم، فأما اسم أبي إبراهيم، فتارح، قاله مجاهد. فيكون المعنى: أتتخذ آزر ~~أصناما؟ فكأنه جعل أصناما بدلا من آزر، والاستفهام معناه الإنكار. والثالث: ~~أنه ليس باسم، إنما هو سب بعيب، وفي معناه قولان: أحدهما: أنه المعوج، كأنه ~~عابه بزيغه وتعويجه عن الحق، ذكره الفراء. والثاني: أنه المخطئ، فكأنه قال: ~~يا مخطئ أتتخذ أصناما؟ ذكره الزجاج. والرابع: أنه لقب لأبيه، وليس باسمه، ~~قاله مقاتل بن حيان. قال ابن الانباري: # قد يغلب على اسم الرجل لقبه، حتى يكون به أشهر منه باسمه. والجمهور على ~~قراءة «آزر» بالنصب. # وقرأ الحسن، ويعقوب بالرفع. قال الزجاج: من نصب، فموضع «آزر» خفض بدلا من ~~أبيه ومن رفع فعلى النداء. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 75] # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (75) # قوله تعالى: وكذلك نري إبراهيم أي: وكما أريناه البصيرة في دينه، والحق ~~في خلاف قومه، نريه ملكوت السماوات والأرض. وقيل: «نري» بمعنى أرينا. قال ~~الزجاج: والملكوت بمنزلة الملك، إلا أن الملكوت أبلغ في اللغة، لأن الواو ~~والتاء يزادان للمبالغة ومثل الملكوت: الرغبوت والرهبوت. # قال مجاهد: ملكوت السماوات والأرض: آياتها تفرجت له السماوات السبع، حتى ~~العرش، فنظر فيهن، وتفرجت له الأرضون السبع، فنظر فيهن. وقال قتادة: ملكوت ~~السماوات: الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض: الجبال والشجر والبحار. ~~وقال السدي: أقيم على صخرة، وفتحت له السماوات والأرض، فنظر إلى ملك الله ~~عز وجل، حتى نظر إلى العرش، وإلى منزله من الجنة، وفتحت PageV02P046 # له الأرضون السبع، حتى نظر إلى الصخرة التي عليها الأرضون. # قوله تعالى: وليكون من الموقنين هذا عطف على المعنى، لأن معنى الآية: ~~نريه ملكوت السماوات والأرض ليستدل به، وليكون من الموقنين. وفي ما يوقن به ~~ثلاثة أقوال: أحدها: وحدانية الله وقدرته. والثاني: نبوته ورسالته. ~~والثالث: ليكون موقنا بعلم كل شيء حسا، لا خبرا. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 76] # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ~~(76) # قوله تعالى: فلما جن عليه الليل قال الزجاج: يقال: جن عليه ms0668 الليل، وأجنه ~~الليل: إذا أظلم، حتى يستر بظلمته ويقال لكل ما ستر: جن، وأجن، والاختيار ~~أن يقال: جن عليه الليل، وأجنه الليل. # الإشارة إلى بذء قصة إبراهيم عليه السلام: روى أبو صالح عن ابن عباس قال: ~~ولد إبراهيم في زمن نمروذ، وكان لنمروذ كهان، فقالوا له: يولد في هذه السنة ~~مولود يفسد آلهة أهل الأرض، ويدعوهم إلى غير دينهم، ويكون هلاك أهل بيتك ~~على يديه، فعزل النساء عن الرجال، ودخل آزر إلى بيته، فوقع على زوجته، ~~فحملت، فقال الكهان لنمروذ: إن الغلام قد حمل به الليلة. فقال: كل من ولدت ~~غلاما فاقتلوه. فلما أخذ أم إبراهيم المخاض، خرجت هاربة، فوضعته في نهر ~~يابس، ولفته في خرقة، ثم وضعته في حلفاء، وأخبرت به أباه، فأتاه، فحفر له ~~سربا، وسد عليه بصخرة، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه، حتى شب وتكلم، فقال ~~لأمه: من ربي؟ فقالت: أنا. قال: فمن ربك؟ قالت: # أبوك. قال: فمن رب أبي؟ قالت: اسكت. فسكت، فرجعت إلى زوجها، فقالت: إن ~~الغلام الذي كنا نتحدث أنه يغير دين أهل الأرض، ابنك. فأتاه، فقال له مثل ~~ذلك. فلما جن عليه الليل، دنا من باب السرب، فنظر فرأى كوكبا. قرأ ابن ~~كثير، وحفص عن عاصم «رأى» ، بفتح الراء والهمزة وقرأ أبو عمرو: «رإى» بفتح ~~الراء وكسر الهمزة، وقرأ أبن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم. # «رإى» ، بكسر الراء والهمزة، واختلفوا فيها إذا لقيها ساكن، وهو آت في ~~ستة مواضع: رأى القمر فلما رأى الشمس وفي النحل وإذا رأى الذين ظلموا وإذا ~~رأى الذين أشركوا «1» وفي الكهف: ورأى المجرمون النار «2» ، وفي الأحزاب: ~~ولما رأ المؤمنون «3» . وقرأ أبو بكر عن عاصم، وحمزة إلا العبسي، وخلف في ~~اختياره: بكسر الراء وفتح الهمزة في الكل، وروى العبسي كسرة الهمزة أيضا، ~~وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: وابن عامر، والكسائي: بفتح الراء ~~والهمزة. فان اتصل ذلك بمكني، نحو: رآك، ورآه، ورآها فان حمزة، والكسائي، ~~وخلف، والوليد عن ابن عامر، والمفضل، وأبان، والقزاز عن عبد الوارث، ~~والكسائي ms0669 عن أبي بكر: يكسرون الراء، ويميلون الهمزة. # وفي الكوكب الذي رآه قولان: أحدهما: أنه الزهرة، قاله ابن عباس، وقتادة. ~~والثاني: # المشتري، قاله مجاهد، والسدي. # قوله تعالى: قال هذا ربي فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه على ظاهره. روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قال هذا ربي، ~~فعبده حتى PageV02P047 # غاب، وعبد القمر حتى غاب، وعبد الشمس حتى غابت واحتج أرباب هذا القول ~~بقوله تعالى: لئن لم يهدني ربي وهذا يدل على نوع تحيير، قالوا: وإنما قال ~~هذا في حال طفولته على ما سبق إلى وهمه، قبل أن يثبت عنده دليل. وهذا القول ~~لا يرتضى، والمتأهلون للنبوة محفوظون من مثل هذا على كل حال. فأما قوله: ~~لئن لم يهدني ربي فما زال الأنبياء يسألون الهدى، ويتضرعون في دفع الضلال ~~عنهم، كقولهم: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام «1» ، ولأنه قد آتاه رشده من ~~قبل، وأراه ملكوت السماوات والأرض ليكون موقنا، فكيف لا يعصمه عن مثل هذا ~~التحيير؟! والثاني: أنه قال ذلك استدراجا للحجة، ليعيب آلهتهم ويريهم بغضها ~~عند أفولها، ولا بد أن يضمر في نفسه: إما على زعمكم، أو فيما تظنون، فيكون ~~كقوله: أين شركائي «2» ، وإما أن يضمر: يقولون، فيكون كقوله تعالى: ربنا ~~تقبل منا «3» ، أي: يقولان ذلك، ذكر نحو هذا أبو بكر بن الانباري، ويكون ~~مراده استدراج الحجة عليهم، كما نقل عن بعض الحكماء أنه نزل بقوم يعبدون ~~صنما، فأظهر تعظيمه، فأكرموه، وصدروا عن رأيه، فدهمهم عدو، فشاورهم ملكهم، ~~فقال: ندعو إلهنا ليكشف ما بنا، فاجتمعوا يدعونه، فلم ينفع، فقال: ها هنا ~~إله ندعوه، فيستجيب، فدعوا الله، فصرف عنهم ما يحذرون، وأسلموا. والثالث: ~~أنه قال مستفهما، تقديره: أهذا ربي؟ فأضمرت ألف الاستفهام، كقوله: # أفإن مت فهم الخالدون «4» ؟ أي: أفهم الخالدون؟ قال الشاعر: # كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا «5» # أراد: أكذبتك؟ قال ابن الأنباري: وهذا القول شاذ، لأن حرف الاستفهام لا ~~يضمر إذ كان فارقا بين الإخبار والاستخبار وظاهر قوله: هذا ربي أنه إشارة ~~إلى الصانع. وقال الزجاج: كانوا ms0670 أصحاب نجوم، فقال: هذا ربي، أي هذا الذي ~~يدبرني، فاحتج عليهم أن هذا الذي تزعمون أنه مدبر، لا نرى فيه إلا مدبر. و ~~«أفل» بمعنى: غاب يقال: أفل النجم يأفل ويأفل أفولا. # قوله تعالى: لا أحب الآفلين أي: حب رب معبود، لأن ما ظهر وأفل كان حادثا ~~مدبرا. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 77 الى # 78] # فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن ~~من القوم الضالين (77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما ~~أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (78) # قوله تعالى: فلما رأى القمر قال ابن قتيبة: سمي القمر قمرا لبياضه ~~والأقمر: الأبيض وليلة قمراء، أي: مضيئة. فأما البازغ، فهو الطالع. ومعنى ~~لئن لم يهدني: لئن لم يثبتني على الهدى. فان قيل: لم قال في الشمس: هذا، ~~ولم يقل: هذه؟ فعنه أربعة أجوبه: أحدها: أنه رأى ضوء الشمس، لا عينها، قاله ~~محمد بن مقاتل. والثاني: أنه أراد: هذا الطالع ربي، قاله الأخفش. والثالث: ~~أن الشمس بمعنى الضياء والنور، فحمل الكلام على المعنى. والرابع: أن الشمس ~~ليس في لفظها علامة من علامات التأنيث، وإنما يشبه لفظها لفظ المذكر، فجاز ~~تذكيرها. ذكره والذي قبله ابن الأنباري. PageV02P048 ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 79 الى 80] # إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79) ~~وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن ~~يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80) # قوله تعالى: إني وجهت وجهي قال الزجاج: جعلت قصدي بعبادتي وتوحيدي لله رب ~~العالمين عز وجل. وباقي الآية قد تقدم. # وقوله تعالى: وحاجه قومه قال ابن عباس: جادلوه في آلهتهم، وخوفوه بها، ~~فقال منكرا عليهم: أتحاجوني. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: ~~أتحاجوني وتأمروني بتشديد النون. وقرأ نافع، وابن عامر بتخفيفها، فحذفا ~~النون الثانية لالتقاء النونين. ومعنى أتحاجوني في الله أي: في توحيده. وقد ~~هدان، أي: بين لي ما به اهتديت. وقرأ ms0671 الكسائي: «هداني» ، بامالة الدال. ~~والإمالة حسنة فيما كان أصله الياء، وهذا من هدى يهدي. # قوله تعالى: ولا أخاف ما تشركون به أي: لا أرهب آلهتكم، وذلك أنهم قالوا: ~~نخاف أن تمسك آلهتنا بسوء، فقال: لا أخافها لأنها لا تضر ولا تنفع إلا أن ~~يشاء ربي شيئا فله أخاف وسع ربي كل شيء علما أي: علمه علما تاما. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 81 الى 82] # وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (82) # قوله تعالى: وكيف أخاف ما أشركتم أي: من هذه الأصنام التي لا تضر ولا ~~تنفع، ولا تخافون أنتم أنكم أشركتم بالله الذي خلقكم ورزقكم، وهو قادر على ~~ضركم ونفعكم ما لم ينزل به عليكم سلطانا أي: حجة فأي الفريقين أحق بالأمن ~~أي: بأن يأمن العذاب، الموحد الذي يعبد من بيده الضر والنفع؟ أم المشرك ~~الذي يعبد ما لا يضر ولا ينفع؟ ثم بين الأحق من هو بقوله تعالى: الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أي: لم يخلطوه بشرك. # (536) روى البخاري، ومسلم في «صحيحيهما» من حديث ابن مسعود قال: لما نزلت ~~هذه الآية، شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، وأينا ذلك؟ فقال: ~~إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قاله لقمان لابنه: إن الشرك لظلم عظيم «1» ؟ ~~PageV02P049 # وفيمن عني بهذه الآية، ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إبراهيم وأصحابه، وليست ~~في هذه الأمة، قاله علي بن أبي طالب. وقال في رواية أخرى: هذه الآية ~~لإبراهيم خاصة، ليس لهذه الأمة منها شيء. # والثاني: أنه من هاجر إلى المدينة، قاله عكرمة. والثالث: أنها عامة، ذكره ~~بعض المفسرين. وهل هي من قول ابراهيم لقومه، أم جواب من الله تعالى؟ فيه ~~قولان. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 83] # وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم ~~عليم (83) # قوله تعالى: وتلك حجتنا يعني ما جرى بينه وبين قومه من الاستدلال ms0672 على ~~حدوث الكوكب والقمر والشمس، وعيبهم، إذ سووا بين الصغير والكبير، وعبدوا من ~~لا ينطق، وإلزامه إياهم الحجة. # آتيناها إبراهيم أرشدناه إليها بالإلهام. وقال مجاهد: الحجة قول ابراهيم: ~~فأي الفريقين أحق بالأمن؟ # قوله تعالى: نرفع درجات من نشاء قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عمرو وابن ~~عامر: «درجات من نشاء» ، مضافا. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي درجات، منونا، ~~وكذلك قرءوا في (يوسف) . ثم في المعنى قولان: أحدهما: أن الرفع بالعلم ~~والفهم والمعرفة. والثاني: بالاصطفاء للرسالة. قوله تعالى: إن ربك حكيم قال ~~ابن جرير: حكيم في سياسة خلقه، وتلقينه أنبياءه الحج على أممهم المكذبة ~~عليم بما يؤول إليه أمر الكل. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 84 الى 87] # ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود ~~وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) وزكريا ويحيى ~~وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا ~~على العالمين (86) ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى ~~صراط مستقيم (87) # قوله تعالى: ووهبنا له إسحاق ولدا لصلبه ويعقوب ولدا لإسحاق كلا من هؤلاء ~~المذكورين هدينا أي: أرشدنا. # قوله تعالى: ومن ذريته في «هاء الكناية» ، قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى ~~نوح رواه أبو صالح عن ابن عباس، واختاره الفراء، ومقاتل، وابن جرير الطبري. ~~والثاني: إلى إبراهيم، قاله عطاء. # وقال الزجاج: كلا القولين جائز، لأن ذكرهما جميعا قد جرى، واحتج ابن جرير ~~للقول الأول بأن الله تعالى، ذكر في سياق الآيات لوطا، وليس من ذرية ~~إبراهيم، وأجاب عنه أبو سليمان الدمشقي بأنه يحتمل أن يكون أراد: ووهبنا له ~~لوطا في المعاضدة والنصرة، ثم قوله تعالى: وكذلك نجزي المحسنين من أبين ~~دليل على انه إبراهيم، لأن افتتاح الكلام إنما هو بذكر ما أثاب به إبراهيم. ~~فأما «يوسف» فهو اسم أعجمي. قال الفراء: «يوسف» . بضم السين من غير همز، ~~لغة أهل الحجاز، وبعض بني أسد يقول: «يؤسف» ، بالهمز، وبعض العرب يقول: ~~«يوسف» بكسر السين، وبعض بني عقيل يقول: # «يوسف» بفتح السين. # قوله تعالى: وكذلك نجزي المحسنين أي: ms0673 كما جزينا إبراهيم على توحيده ~~وثباته على دينه، بأن # PageV02P050 # رفعنا درجته، ووهبنا له أولادا أنبياء أتقياء، كذلك نجزي المحسنين. فأما ~~عيسى، وإلياس، واليسع، ولوطا، فأسماء أعجمية، وجمهور القراء يقرءون «اليسع» ~~بلام واحدة مخففة، منهم ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو وابن عامر. وقرأ ~~حمزة، والكسائي ها هنا وفي (ص) «إلليسع» بلامين مع التشديد. قال الفراء: ~~وهي أشبه بالصواب، وبأسماء الأنبياء من بني إسرائيل، ولأن العرب لا تدخل ~~على «يفعل» ، إذا كان في معنى فلان، ألفا ولاما، يقولون: هذا يسع قد جاء، ~~وهذا يعمر، وهذا يزيد، فهكذا الفصيح من الكلام. وأنشدني بعضهم. # وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا ... شديدا بأحناء الخلافة كاهله «1» # فلما ذكر الوليد بالألف واللام، أتبعه يزيد بالألف واللام، وكل صواب. ~~وقال مكي: من قرأه بلام واحدة، فالأصل عنده: يسع، ومن قرأه بلامين، فالأصل ~~عنده: ليسع، فأدخلوا عليه حرف التعريف. وباقي أسماء الأنبياء قد تقدم ~~بيانها، والمراد بالعالمين: عالمو زمانهم. # قوله تعالى: ومن آبائهم وذرياتهم «من» ها هنا للتبعيض. قال الزجاج: ~~المعنى: هدينا هؤلاء، وهدينا بعض آبائهم وذرياتهم. واجتبيناهم مثل اخترناهم ~~واصطفيناهم، وهو مأخوذ من جبيت الشيء: # إذا أخلصته لنفسك. وجبيت الماء في الحوض: إذا جمعته فيه. فأما الصراط ~~المستقيم، فهو التوحيد. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 88] # ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون (88) # قوله تعالى: ذلك هدى الله قال ابن عباس: ذلك دين الله الذي هم عليه يهدي ~~به من يشاء من عباده. ولو أشركوا يعني الأنبياء المذكورين لحبط أي: لبطل ~~وزال عملهم، لأنه لا يقبل عمل مشرك. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 89] # أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا ~~بها قوما ليسوا بها بكافرين (89) # قوله تعالى: أولئك الذين آتيناهم الكتاب يعني الكتاب التي أنزلها عليهم. ~~والحكم: الفقه والعلم فإن يكفر بها يعني بآياتنا. وفيمن أشير إليه ب ~~«هؤلاء» ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنهم أهل مكة، قاله ابن عباس، وسعيد بن ~~المسيب، وقتادة. والثاني: أنهم قريش، قاله السدي. والثالث: ms0674 أمة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قاله الحسن. PageV02P051 # قوله تعالى: فقد وكلنا بها قال أبو عبيدة: فقد رزقناها قوما. وقال ~~الزجاج: وكلنا بالإيمان بها قوما. وفي هؤلاء القوم أربعة أقوال: أحدها: ~~أنهم أهل المدينة من الأنصار، قاله ابن عباس، وابن المسيب، وقتادة، والسدي. ~~والثاني: الأنبياء والصالحون، قاله الحسن. وقال قتادة: هم النبيون الثمانية ~~عشر، المذكورون في هذا المكان، وهذا اختيار الزجاج، وابن جرير. والثالث: ~~أنهم الملائكة، قاله أبو رجاء. والرابع: أنهم المهاجرون والأنصار. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 90] # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ~~ذكرى للعالمين (90) # قوله تعالى: أولئك الذين هدى الله يعني النبيين المذكورين. وفي قوله ~~تعالى: فبهداهم اقتده قولان: أحدهما: بشرائعهم وبسننهم فاعمل، قاله ابن ~~السائب. والثاني: اقتد بهم في صبرهم، قاله الزجاج. وكان ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، وعاصم، يثبتون الهاء من قوله: «اقتده» في الوصل ساكنة. وكان ~~حمزة، والكسائي وخلف، ويعقوب، والكسائي عن أبي بكر، واليزيدي في اختياره، ~~يحذفون الهاء في الوصل. ولا خلاف في إثباتها في الوقف، وإسكانها فيه. قوله ~~تعالى: قل لا أسئلكم عليه أجرا يعني على القرآن. والذكرى: العظة. والعالمون ~~ها هنا: الجن والإنس. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 91] # وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون ~~كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم ~~يلعبون (91) # قوله تعالى: وما قدروا الله حق قدره في سبب نزولها سبعة أقوال «1» : ~~PageV02P052 # (537) أحدها: أن مالك بن الصيف رأس اليهود، أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذات يوم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنشدك بالذي أنزل ~~التوراة على موسى، أتجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين» ؟ قال: نعم. # قال: «فأنت الحبر السمين» . فغضب، ثم قال: ما أنزل الله على بشر من شيء، ~~فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس وكذلك ms0675 قال سعيد بن جبير، ~~وعكرمة: نزلت في مالك بن الصيف. # (538) والثاني: أن اليهود قالوا: يا محمد، أنزل الله عليك كتابا؟ قال: ~~«نعم» . قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا، فنزلت هذه الآية، رواه ~~الوالبي عن ابن عباس. # (539) والثالث: أن اليهود قالوا: يا محمد، إن موسى جاء بألواح يحملها من ~~عند الله، فائتنا بآية كما جاء موسى، فنزل: يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم ~~كتابا من السماء، إلى قوله: # عظيما «1» . فلما حدثهم بأعمالهم الخبيثة، قالوا: والله ما أنزل الله ~~عليك ولا على موسى وعيسى، ولا على بشر، من شيء، فنزلت هذه الآية، قاله محمد ~~بن كعب. # والرابع: أنها نزلت في اليهود والنصارى، آتاهم الله علما، فلم ينتفعوا ~~به، قاله قتادة. # (540) والخامس: أنها نزلت في فنحاص اليهودي، وهو الذي قال: ما أنزل الله ~~على بشر من شيء قاله السدي. # (541) والسادس: أنها نزلت في مشركي قريش، قالوا: والله ما أنزل الله على ~~بشر من شيء، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والسابع: أن أولها، إلى قوله: من شيء في مشركي قريش. وقوله تعالى: من ~~أنزل الكتاب الذي جاء به موسى في اليهود، رواه ابن كثير عن مجاهد. # وفي معنى وما قدروا الله حق قدره ثلاثة أقوال: أحدها: ما عظموا الله حق ~~عظمته، قاله ابن PageV02P053 # عباس، والحسن، والفراء، وثعلب، والزجاج. والثاني: ما وصفوه حق صفته، قاله ~~أبو العالية، واختاره الخليل. والثالث: ما عرفوه حق معرفته، قاله أبو ~~عبيدة. # قوله تعالى: «يجعلونه قراطيس» معناه: يكتبونه في قراطيس. وقيل: إنما قال: ~~قراطيس، لأنهم كانوا يكتبونه في قراطيس مقطعة، حتى لا تكون مجموعة، ليخفوا ~~منها ما شاؤوا. # قوله تعالى: «يبدونها» قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «يجعلونه قراطيس ~~يبدونها» و «يخفون» بالياء فيهن. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: بالتاء فيهن. فمن قرأ بالياء، فلأن القوم غيب، بدليل قوله تعالى: ~~وما قدروا الله حق قدره. ومن قرأ بالتاء، فعلى الخطاب والمعنى: تبدون منها ~~ما تحبون، وتخفون كثيرا، مثل صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وآية الرجم، ms0676 ~~ونحو ذلك مما كتموه. # قوله تعالى: وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم في المخاطب بهذا قولان: # أحدهما: أنهم اليهود، قاله الجمهور. والثاني: أنه خطاب للمسلمين، قاله ~~مجاهد. فعلى الأول: # علموا ما في التوراة وعلى الثاني: علموا على لسان محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # قوله تعالى: قل الله هذا جواب لقوله: من أنزل الكتاب وتقديره: فإن ~~أجابوك، وإلا فقل: # الله أنزله. # قوله تعالى: ثم ذرهم تهديد. وخوضهم: باطلهم. وقيل: إن هذا أمر بالإعراض ~~عنهم، ثم نسخ بآية السيف. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 92] # وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها ~~والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (92) # قوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه يعني القرآن. قال الزجاج: والمبارك: الذي ~~يأتي من قبله الخير الكثير. والمعنى: أنزلناه للبركة والإنذار. # قوله تعالى: مصدق الذي بين يديه من الكتاب. # قوله تعالى: ولتنذر أم القرى قرأ عاصم إلا حفصا: «ولينذر» بالياء فيكون ~~الكتاب هو المنذر. # وقرأ الباقون: بالتاء، على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. فأما أم ~~القرى، فهي مكة. قال الزجاج: والمعنى: لتنذر أهل أم القرى. وفي تسميتها بأم ~~القرى أربعة أقوال: أحدها: أنها سميت بذلك، لأن الأرض دحيت من تحتها، قاله ~~ابن عباس. والثاني: لأنها أقدمها، قاله ابن قتيبة. والثالث: لأنها قبلة ~~جميع الناس، يؤمونها. والرابع: لأنها كانت أعظم القرى شأنا، ذكرهما الزجاج. # قوله تعالى: ومن حولها قال ابن عباس: يريد الأرض كلها. # قوله تعالى: والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به في هاء الكناية قولان: ~~أحدهما: أنها ترجع إلى القرآن. والثاني: إلى النبي محمد صلى الله عليه ~~وسلم. والمعنى: من آمن بالآخرة آمن به ومن لم يؤمن به، فليس إيمانه بالآخرة ~~حقيقة، ولا يعتد به، ألا ترى إلى قوله: وهم على صلاتهم يحافظون فدل على أنه ~~أراد المؤمنين الذين يحافظون على الصلوات. # PageV02P054 ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 93] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن ~~قال سأنزل مثل ما أنزل ms0677 الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة ~~باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على ~~الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون (93) # قوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي اختلفوا ~~فيمن نزلت على ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أن أولها، إلى قوله: ولم يوح إليه ~~شيء نزل في مسيلمة الكذاب. وقوله تعالى: # ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله (542) نزل في عبد الله بن سعد بن أبي ~~سرح، كان قد تكلم بالإسلام، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~بعض الأحايين فاذا أملي عليه: «عزيز حكيم» كتب: «غفور رحيم» فيقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # هذا وذاك سواء. فلما نزلت: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ~~أملاها عليه، فلما انتهى إلى قوله: خلقا آخر عجب عبد الله بن سعد، فقال: ~~فتبارك الله أحسن الخالقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «كذا أنزلت علي، فاكتبها» فشك حينئذ، وقال: لئن كان محمد صادقا، لقد أوحي ~~إلي كما أوحي إليه، ولئن كان كاذبا، لقد قلت كما قال، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. قال عكرمة: ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة. # والقول الثاني: أن جميع الآية في عبد الله بن سعد، قاله السدي. ~~PageV02P055 # (543) والثالث: أنها نزلت في مسيلمة، والأسود العنسي، قاله قتادة. # فان قيل: كيف أفرد قوله: أو قال أوحي إلي من قوله: ومن أظلم ممن افترى ~~وذاك مفتر أيضا؟ # فعنه جوابان: أحدهما: أن الوصفين لرجل واحد، وصف بأمر بعد أمر ليدل على ~~جرأته. والثاني: أنه خص بقوله: أو قال أوحي إلي بعد أن عم بقوله: افترى على ~~الله لأنه ليس كل مفتر على الله يدعي أنه أوحي إليه، ذكرهما ابن الأنباري. # قوله تعالى: سأنزل مثل ما أنزل الله أي: سأقول. قال ابن عباس: يعنون ~~الشعر، وهم المستهزئون. وقيل: هو قول عبد الله بن سعد بن أبي سرح. قال ~~الزجاج: وهذا جواب لقولهم: لو نشاء لقلنا مثل ms0678 هذا. # قوله تعالى: ولو ترى إذ الظالمون فيهم ثلاثة أقوال: # (544) أحدها: أنهم قوم كانوا مسلمين بمكة، فأخرجهم الكفار معهم إلى قتال ~~بدر، فلما أبصروا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا عن الإيمان ~~فنزل فيهم هذا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنهم الذين قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء قاله أبو ~~سليمان. والثالث: الموصوفون في هذه الآية، وهم المفترون والمدعون الوحي ~~إليهم، ومماثلة كلام الله. قال الزجاج: وجواب «لو» محذوف، والمعنى: لو ~~تراهم في غمرات الموت لرأيت عذابا عظيما. ويقال لكل من كان في شيء كبير: قد ~~غمر فلانا ذلك. قال ابن عباس: غمرات الموت: سكراته. قال ابن الانباري: قال ~~اللغويون: # سميت غمرات لأن أهوالها يغمرن من يقعن به. # قوله تعالى: والملائكة باسطوا أيديهم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: بالضرب، ~~قاله ابن عباس. # والثاني: بالعذاب، قاله الحسن، والضحاك. والثالث: باسطوها لقبض الأرواح ~~من الأجساد، قاله الفراء. وفي الوقت الذي يكون هذا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~عند الموت. قال ابن عباس: هذا عند الموت، الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، ~~وملك الموت يتوفاهم. والثاني: يوم القيامة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. ~~والثالث: في النار، قاله الحسن. # قوله تعالى: أخرجوا أنفسكم فيه إضمار «يقولون» وفي معناه قولان: # أحدهما: استسلموا لإخراج أنفسكم. والثاني: أخرجوا أنفسكم من العذاب إن ~~قدرتم. # قوله تعالى: تجزون عذاب الهون قال أبو عبيدة: الهون: مضموم، وهو الهوان ~~وإذا فتحوا أوله، فهو الرفق والدعة. قال الزجاج: والمعنى: تجزون العذاب ~~الذي يقع به الهوان الشديد. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 94] # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ~~وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ~~ما كنتم تزعمون (94) PageV02P056 # قوله تعالى: ولقد جئتمونا فرادى. # (545) سبب نزولها: أن النضر بن الحارث قال: سوف تشفع لي اللات والعزى، ~~فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. # ومعنى فرادى: وحدانا. وهذا إخبار من الله تعالى بما يوبخ به المشركين يوم ~~القيامة. قال أبو عبيدة: ms0679 فرادى، أي: فرد فرد. وقال ابن قتيبة: فرادى: جمع ~~فرد. وللمفسرين في معنى «فرادى» خمسة اقوال متقاربة المعنى: أحدها: فرادى ~~من الأهل والمال والولد، قاله ابن عباس. والثاني: كل واحد على حدة، قاله ~~الحسن. والثالث: ليس معكم من الدنيا شيء، قاله مقاتل. والرابع: كل واحد ~~منفرد عن شريكه في الغي، وشقيقه، قاله الزجاج. والخامس: فرادى من ~~المعبودين، قاله ابن كيسان. # قوله تعالى: كما خلقناكم أول مرة فيه ثلاثة اقوال: أحدها: لا مال ولا أهل ~~ولا ولد. والثاني: # حفاة عراة غرلا. والغرل: القلف. والثالث: أحياء. وخولناكم: بمعنى ~~ملكناكم. وراء ظهوركم أي: في الدنيا. والمعنى أن ما دأبتم في تحصيله في ~~الدنيا فني، وبقي الندم على سوء الاختيار. وفي شفعائهم، قولان: أحدهما: ~~أنها الأصنام. قال ابن عباس: شفعاؤكم، أي: آلهتكم الذين زعمتم أنهم يشفعون ~~لكم. وزعمتم أنهم فيكم أي: عندكم شركاء. وقال ابن قتيبة: زعمتم أنهم لي في ~~خلقكم شركاء. والثاني: أنها الملائكة كانوا يعتقدون شفاعتها، قاله مقاتل. # قوله تعالى: لقد تقطع بينكم قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~وأبو بكر عن عاصم: بالرفع. وقرأ نافع، والكسائي، وحفص عن عاصم: بنصب النون ~~على الظرف. قال الزجاج: # الرفع أجود، ومعناه: لقد تقطع وصلكم، والنصب جائز ومعناه: لقد تقطع ما ~~كنتم فيه من الشركة بينكم. وقال ابن الانباري: التقدير: لقد تقطع ما بينكم، ~~فحذف «ما» لوضوح معناها. قال أبو علي: # الذين رفعوه، جعلوه اسما، فأسندوا الفعل الذي هو «تقطع» إليه والمعنى: ~~لقد تقطع وصلكم. والذين نصبوا، أضمروا اسم الفاعل في الفعل، والمضمر هو ~~الوصل فالتقدير: لقد تقطع وصلكم بينكم. # وفي الذي كانوا يزعمون قولان: أحدهما: شفاعة آلهتهم. والثاني: عدم البعث ~~والجزاء. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 95] # إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم ~~الله فأنى تؤفكون (95) # قوله تعالى: إن الله فالق الحب والنوى في معنى الفلق قولان: أحدهما: أنه ~~بمعنى الخلق، فالمعنى: خالق الحب والنوى، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~الضحاك، ومقاتل. والثاني: أن ms0680 الفلق بمعنى الشق. ثم في معنى الكلام قولان: ~~أحدهما: أنه فلق الحبة عن السنبلة، والنواة عن النخلة، روى هذا المعنى أبو ~~صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، والسدي، وابن زيد. والثاني: أنه الشقان ~~اللذان في الحب والنوى، قاله مجاهد، وأبو مالك. قال ابن السائب: الحب: ما ~~لم يكن له نوى، كالبر PageV02P057 # والشعير والنوى: مثل نوى التمر. # قوله تعالى: يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي قد سبق تفسيره في ~~(آل عمران) . # قوله تعالى: فأنى تؤفكون أي: كيف تصرفون عن الحق بعد هذا البيان. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 96] # فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز ~~العليم (96) # قوله تعالى: فالق الإصباح في معنى الفلق قولان قد سبقا. فأما الإصباح، ~~فقال الأخفش: هو مصدر من أصبح. وقال الزجاج: الإصباح والصبح واحد. ~~وللمفسرين في الإصباح، ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل، رواه ابن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. والثاني: أنه إضاءة الفجر، قاله مجاهد. وقال ابن زيد: فلق ~~الإصباح من الليل. والثالث: أنه نور النهار، قاله الضحاك. وقرأ أنس بن ~~مالك، والحسن، وأبو مجلز، وأيوب، والجحدري: «فالق الأصباح» بفتح الهمزة. ~~قال أبو عبيدة: ومعناه جمع صبح. # قوله تعالى: وجعل الليل سكنا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«جاعل» بألف، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «وجعل» بغير ألف. «الليل» نصبا. ~~قال أبو علي: من قرأ: «وجاعل» فلأجل «فالق» وهم يراعون المشاكلة. ومن قرأ: ~~«جعل» فلأن «فاعلا» ها هنا. بمعنى: «فعل» بدليل قوله: والشمس والقمر ~~حسبانا. فأما السكن، فهو ما سكنت إليه. والمعنى: أن الناس يسكنون فيه سكون ~~راحة. وفي الحسبان قولان: # أحدهما: أنه الحساب، قاله الجمهور. قال ابن قتيبة: يقال: خذ من كل شيء ~~بحسبانه، أي: # بحسابه. وفي المراد بهذا الحساب، ثلاثة أقوال: أحدها: أنهما يجريان إلى ~~أجل جعل لهما، رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: يجريان في منازلهما ~~بحساب، ويرجعان إلى زيادة ونقصان، قاله السدي. والثالث: أن جريانهما سبب ~~لمعرفة حساب الشهور، والأعوام، ms0681 قاله مقاتل. # والقول الثاني: أن معنى الحسبان: الضياء، قاله قتادة. قال الماوردي: كأنه ~~أخذه من قوله تعالى: # ويرسل عليها حسبانا من السماء «1» أي: نارا. قال ابن جرير: وليس هذا من ~~ذاك في شيء. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 97] # وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا ~~الآيات لقوم يعلمون (97) # قوله تعالى: وهو الذي جعل لكم النجوم جعل، بمعنى خلق. وإنما امتن عليهم ~~بالنجوم، لأن سالكي القفار وراكبي البحار، إنما يهتدون في الليل لمقاصدهم ~~بها. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 98] # وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم ~~يفقهون (98) # قوله تعالى: وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة يعني آدم فمستقر قرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو، ويعقوب، إلا رويسا: بكسر القاف. وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي: بفتحها. # قال الزجاج: من كسر، فالمعنى: «فمنكم مستقر» ومن نصب، فالمعنى: «فلكم ~~مستقر» . فأما مستودع، PageV02P058 # فبالفتح، لا غير. ومعناه على فتح القاف: «ولكم مستودع» وعلى كسرها «ومنكم ~~مستودع» . وللمفسرين في معنى المستقر والمستودع تسعة أقوال «1» : أحدها: ~~فمستقر في الأرحام، ومستودع في الأصلاب، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، والنخعي، وقتادة، والسدي، وابن زيد. ~~والثاني: المستقر في الأرحام، والمستودع في القبر، قاله ابن مسعود. ~~والثالث: # المستقر في الأرض، والمستودع في الأصلاب، رواه ابن جبير عن ابن عباس. ~~والرابع: المستقر والمستودع في الرحم، رواه قابوس عن أبيه عن ابن عباس. ~~والخامس: المستقر حيث يأوي، والمستودع حيث يموت، رواه مقسم عن ابن عباس. ~~والسادس: المستقر في الدنيا والمستودع في القبر. والسابع: المستقر في ~~القبر، والمستودع في الدنيا، وهو عكس الذي قبله، رويا عن الحسن. # والثامن: المستقر في الدنيا، والمستودع عند الله تعالى، قاله مجاهد. ~~والتاسع: المستقر في الأصلاب، والمستودع في الأرحام، قاله ابن بحر، وهو عكس ~~الأول. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 99] # وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا ~~نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية ms0682 وجنات من أعناب ~~والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ~~ذلكم لآيات لقوم يؤمنون (99) # قوله تعالى: وهو الذي أنزل من السماء ماء يعني المطر فأخرجنا به أي: ~~بالمطر. وفي قوله تعالى: نبات كل شيء قولان: أحدهما: نبات كل شيء من ~~الثمار، لأن كل ما ينبت، فنباته بالماء. # والثاني: رزق كل شيء وغذاؤه. وفي قوله تعالى: فأخرجنا منه قولان: أحدهما: ~~من الماء، أي: # به. والثاني: من النبات. قال الزجاج: الخضر بمعنى الأخضر يقال: اخضر، فهو ~~أخضر، وخضر، مثل أعور، فهو أعور، وعور. # قوله تعالى: نخرج منه أي: من الخضر حبا متراكبا كالسنبل والشعير. ~~والمتراكب: # الذي بعضه فوق بعض. قوله تعالى: ومن النخل من طلعها قنوان دانية وروى ~~الخفاف عن أبي عمرو: # «قنوان» بضم القاف وروى هارون عنه بفتحها. قال الفراء: معناه: ومن النخل ~~ما قنوانه دانية وأهل الحجاز يقولون: «قنوان» بكسر القاف وقيس يضمونها ~~وضبة، وتميم يقولون: «قنيان» أنشدني المفضل عنهم: PageV02P059 # فأثت أعاليه وآدت أصوله ... ومال بقنيان من البسر أحمرا «1» # ويجتمعون جميعا، فيقولون: «قنو» و «قنو» ولا يقولون: «قني» ولا «قني» ~~وكلب تقول: «ومال بقنيان» . قلت: هذا البيت لامرئ القيس رواه أبو سعيد ~~السكري: «ومال بقنوان» مكسورة القاف مع الواو، ففيه أربع لغات: قنوان، ~~وقنوان، وقنيان، وقنيان و «أثت» : كثرت ومنه: شعر أثيث. # و «آدت» : اشتدت. وقال ابن قتيبة: القنوان: عذوق النخل، واحدها: قنو، جمع ~~على لفظ تثنية ومثله: صنو وصنوان في التثنية، وصنوان في الجميع. وقال ~~الزجاج: قنوان: جمع قنو، وإذا ثنيته فهما قنوان، بكسر النون. ودانية، أي: ~~قريبة المتناول، ولم يقل: «ومنها قنوان بعيدة» لأن في الكلام دليلا أن ~~البعيدة السحيقة قد كانت غير سحيقة، فاجتزئ بذكر القريبة عن ذكر البعيدة ~~كقوله تعالى: # سرابيل تقيكم الحر «2» . وقال ابن عباس: القنوان الدانية: قصار النخل ~~اللاصقة عذوقها بالأرض. # قوله تعالى: وجنات من أعناب قال الزجاج: هو نسق على قوله: «خضرا» ~~والزيتون والرمان المعنى: وأخرجنا منه شجر الزيتون والرمان وقد روى أبو زيد ~~عن المفضل: «وجنات» ms0683 بالرفع. # قوله تعالى: مشتبها وغير متشابه فيه ثلاثة أقوال: أحدها: مشتبها في ~~المنظر وغير متشابه في الطعم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: مشتبها ~~ورقه، مختلفا ثمره، قاله قتادة، وهو في معنى الأول. والثالث: منه ما يشبه ~~بعضه بعضا، ومنه ما يخالف. قال الزجاج: وإنما قرن الزيتون بالرمان، لأنهما ~~شجرتان تعرف العرب أن ورقهما يشتمل على الغصن من أوله إلى آخره. قال ~~الشاعر. # بورك الميت الغريب كما بو ... رك نضح الرمان والزيتون «3» # ومعناه: أن البركة في ورقه اشتماله على عوده كله. # قوله تعالى: انظروا إلى ثمره قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وعاصم: # انظروا إلى ثمره، وكلوا من ثمره، وليأكلوا من ثمره: بالفتح في ذلك. وقرأ ~~حمزة. # والكسائي، وخلف: بالضم فيهن. قال الزجاج: يقال: ثمرة، ثمر، وثمار، وثمر ~~فمن قرأ: «إلى ثمره» بالضم أراد جمع الجمع. وقال أبو علي: يحتمل وجهين: ~~أحدهما: هذا، وهو أن يكون الثمر جمع ثمار، والثاني: أن تكون الثمر جمع ~~ثمرة، وكذلك: أكمة، وأكم، وخشبة وخشب. قال الفراء: # يقول: انظروا إليه أول ما يعقد، وانظروا إلى ينعه، وهو نضجه وبلوغه. وأهل ~~الحجاز يقولون: ينع، بفتح الياء، وبعض أهل نجد يضمونها. قال ابن قتيبة: ~~يقال: ينعت الثمر، وأينعت: إذا أدركت، وهو الينع والينع. وقرأ الحسن، ~~ومجاهد، وقتادة، والأعمش، وابن محصن: «وينعه» بضم الياء. قال الزجاج: ~~الينع: النضج. قال الشاعر: PageV02P060 # في قباب حول دسكرة ... حولها الزيتون قد ينعا «1» # وبين الله تعالى لهم بتصريف ما خلق، ونقله من حال إلى حال لا يقدر عليه ~~الخلق، أنه كذلك يبعثهم. # قوله تعالى: إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون قال ابن عباس: يصدقون أن الذي ~~أخرج هذا النبات قادر على أن يحيي الموتى. وقال مقاتل: يصدقون بالتوحيد. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 100] # وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه ~~وتعالى عما يصفون (100) # قوله تعالى: وجعلوا لله شركاء الجن جعلوا، بمعنى وصفوا. قال الزجاج: نصب ~~«الجن» من وجهين: أحدهما: أن يكون مفعولا، فيكون المعنى: وجعلوا لله الجن ms0684 ~~شركاء ويكون الجن مفعولا ثانيا، كقوله تعالى: وجعلوا الملائكة الذين هم ~~عباد الرحمن إناثا «2» . والثاني: أن يكون الجن بدلا من شركاء، ومفسرا ~~للشركاء. وقرأ ابو المتوكل، وأبو عمران، وأبو حياة، والجحدري: «شركاء الجن» ~~برفع النون وقرأ ابن عبلة، ومعاذ القارئ: «الجن» بخفض النون. وفي معنى ~~جعلهم الجن شركاء ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أطاعوا الشياطين في عبادة ~~الأوثان، فجعلوهم شركاء لله، قاله الحسن، والزجاج. # والثاني: قالوا: إن الملائكة بنات الله فهم شركاؤه، كقوله تعالى: وجعلوا ~~بينه وبين الجنة نسبا فسمى الملائكة جنا لاجتنانهم، قاله قتادة والسدي، ~~وابن زيد. والثالث: أن الزنادقة قالوا: الله خالق النور والماء والدواب ~~والأنعام، وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب، وفيهم نزلت هذه ~~الآية. # قاله ابن السائب «3» . # قوله تعالى: وخلقهم في الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الجاعلين له ~~الشركاء، فيكون المعنى: وجعلوا للذي خلقهم شركاء لا يخلقون. والثاني: أنها ~~ترجع إلى الجن، فيكون المعنى: والله خلق الجن، فكيف يكون الشريك لله محدثا؟ ~~ذكرهما الزجاج. # قوله تعالى: وخرقوا له بنين وبنات وقرأ نافع: «وخرقوا» بالتشديد، ~~للمبالغة والتكثير، لأن المشركين ادعوا الملائكة بنات الله، والنصارى ~~المسيح. واليهود عزيرا. وقرأ ابن عباس، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء: «وحرفوا» ~~بحاء غير معجمة وبتشديد الراء وبالفاء. وقرأ ابن السميفع، والجحدري: # «وخارقوا» بألف وخاء معجمة قال السدي: أما «البنون» ، فقول اليهود، عزير ~~ابن الله، وقول النصارى: # المسيح ابن الله، وأما «البنات» فقول مشركي العرب: الملائكة بنات الله. ~~قال الفراء: خرقوا، واخترقوا، وخلقوا، واختلقوا، بمعنى افتروا. وقال أبو ~~عبيدة: خرقوا: جعلوا. قال الزجاج: ومعنى: PageV02P061 # «بغير علم» أنهم لم يذكروه من علم، إنما ذكروه تكذبا. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 101 الى 102] # بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو ~~بكل شيء عليم (101) ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو ~~على كل شيء وكيل (102) # قوله تعالى: أنى يكون له ولد قال الزجاج: أي: من أين يكون له ولد، والولد ~~لا يكون إلا من صاحبة؟! واحتج ms0685 عليهم في نفي الولد بقوله تعالى: وخلق كل شيء ~~فليس مثل خالق الأشياء، فكيف يكون الولد لمن لا مثل له؟! فاذا نسب إليه ~~الولد، فقد جعل له مثل. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 103] # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) # قوله تعالى: لا تدركه الأبصار في الإدراك قولان «1» : أحدهما: أنه بمعنى ~~الإحاطة. # والثاني: بمعنى الرؤية. وفي «الأبصار» قولان: أحدهما: أنها العيون، قاله ~~الجمهور. والثاني: أنها العقول، رواه عبد الرحمن بن مهدي عن أبي حصين ~~القارئ. ففي معنى الآية ثلاثة أقوال: أحدها: لا تحيط به الأبصار، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء. وقال الزجاج: # معنى الآية: الإحاطة بحقيقته، وليس فيها دفع للرؤية، لما صح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من الرؤية، وهذا مذهب أهل السنة والعلم والحديث. ~~والثاني: لا تدركه الأبصار إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، رواه عكرمة عن ابن ~~عباس. والثالث: لا تدركه الأبصار في الدنيا، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ~~وبه قال PageV02P062 # الحسن، ومقاتل، ويدل على أن الآية مخصوصة بالدنيا، قوله تعالى: وجوه ~~يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة «1» فقيد النظر إليه بالقيامة، وأطلق في ~~هذه الآية، والمطلق يحمل على المقيد. وقوله تعالى: # وهو يدرك الأبصار فيه القولان: قال الزجاج: وفي هذا الإعلام دليل على أن ~~خلقه لا يدركون الأبصار، أي: لا يعرفون حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به ~~الإنسان يبصر من عينيه، دون أن يبصر من غيرهما من أعضائه فأعلم الله أن ~~خلقا من خلقه لا يدرك المخلوقون كنهه، ولا يحيطون بعلمه فكيف به عز وجل؟! ~~فأما «اللطيف» ، فقال أبو سليمان الخطابي: هو البر بعباده، الذي يلطف لهم ~~من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون. قال ابن الاعرابي: ~~اللطيف: الذي يوصل إليك أربك في رفق ومنه قولهم: لطف الله بك ويقال: هو ~~الذي لطف عن أن يدرك بالكيفية. # وقد يكون اللطف بمعنى الدقة والغموض، ويكون بمعنى الصغر في نعوت الأجسام، ~~وذلك مما لا يليق ms0686 بصفات الباري سبحانه. وقال الأزهري: اللطيف من أسماء ~~الله، معناه: الرفيق بعباده والخبير: العالم بكنه الشيء، المطلع على ~~حقيقته. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 104] # قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم ~~بحفيظ (104) # قوله تعالى: قد جاءكم بصائر من ربكم البصائر: جمع بصيرة، وهي الدلالة ~~التي توجب البصر بالشيء والعلم به. قال الزجاج: والمعنى: قد جاءكم القرآن ~~الذي فيه البيان والبصائر فمن أبصر فلنفسه نفع ذلك ومن عمي فعلى نفسه ضرر ~~ذلك، لأن الله عز وجل غني عن خلقه. وما أنا عليكم بحفيظ أي: لست آخذكم ~~بالإيمان أخذ الحفيظ والوكيل، وهذا قبل الأمر بالقتال. # (فصل:) وذكر المفسرون أن هذه الآية نسخت بآية السيف. وقال بعضهم: معناها: ~~لست رقيبا عليكم، أحصي أعمالكم فعلى هذا لا وجه للنسخ. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 105] # وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون (105) # قوله تعالى: وكذلك نصرف الآيات قال الأخفش: وكذلك معناها: وهكذا. وقال ~~الزجاج: المعنى: ومثل ما بينا فيما تلي عليك، نبين الآيات، قال ابن عباس: ~~نصرف الآيات، أي نبينها في كل وجه، ندعوهم بها مرة، ونخوفهم بها أخرى. ~~وليقولوا يعني أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن «دارست» . قال ابن الانباري: ~~معنى الآية: وكذلك نصرف الآيات، لنلزمهم الحجة، وليقولوا: # دارست وإنما صرف الآيات ليسعد قوم بفهمها والعمل بها، ويشقى آخرون ~~بالإعراض عنها فمن عمل بها سعد، ومن قال: دارست، شقي. قال الزجاج: وهذه ~~اللام في «ليقولوا» يسميها أهل اللغة لام الصيرورة. والمعنى: أن السبب الذي ~~أداهم إلى أن يقولوا: دارست!، هو تلاوة الآيات، وهذا كقوله تعالى: فالتقطه ~~آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا «2» وهم لم يطلبوا بأخذه أن يعاديهم، ولكن ~~كان عاقبة الأمر أن صار لهم عدوا وحزنا. ومثله أن تقول: كتب فلان الكتاب ~~لحتفه، فهو لم يقصد أن يهلك نفسه بالكتاب. ولكن العاقبة كانت الهلاك. فأما ~~«دارست» فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «دارست» PageV02P063 # بالألف وسكون السين وفتح التاء ومعناها: ذاكرت أهل الكتاب. وقرأ عاصم، ~~وحمزة، والكسائي: # «درست» بسكون السين وفتح ms0687 التاء، من غير ألف، على معنى: قرأت كتب أهل ~~الكتاب. قال المفسرون: معناها: تعلمت من جبر، ويسار. وسنبين هذا في قوله: ~~إنما يعلمه بشر «1» إن شاء الله. وقرأ ابن عامر، ويعقوب: «درست» بفتح الراء ~~والسين وسكون التاء من غير ألف. والمعنى: هذه الأخبار التي تتلوها علينا ~~قديمة قد درست. أي: قد مضت وامحت. وجميع من ذكرنا فتح الدال في قراءته. وقد ~~روي عن نافع أنه قال: «درست» برفع الدال وكسر الراء وتخفيف التاء، وهي ~~قراءة ابن يعمر ومعناها قرئت. وقرأ أبي بن كعب: «درست» بفتح الدال والسين ~~وضم الراء وتسكين التاء. # قال الزجاج: وهي بمعنى: «درست» أي: امحت إلا أن المضمومة الراء أشد ~~مبالغة. وقرأ معاذ القارئ، وأبو العالية، ومورق: «درست» برفع الدال، وكسر ~~الراء وتشديدها ساكنة السين. وقرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف: «درس» بفتح ~~الراء والسين بلا ألف ولا تاء. وروى عصمة عن الأعمش: # «دارس» بألف. # قوله تعالى: ولنبينه يعني: التصريف لقوم يعلمون ما تبين لهم من الحق ~~فيقبلوه. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 106 الى 107] # اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) ولو شاء ~~الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل (107) # قوله تعالى: وأعرض عن المشركين قال المفسرون: نسخ بآية السيف. # قوله تعالى: ولو شاء الله ما أشركوا فيه ثلاثة اقوال حكاها الزجاج: ~~أحدها: لو شاء لجعلهم مؤمنين. والثاني: لو شاء لأنزل آية تضطرهم إلى ~~الإيمان. والثالث: لو شاء لا ستأصلهم، فقطع سبب شركهم. قال ابن عباس: وباقي ~~الآية نسخ بآية السيف. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 108] # ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا ~~لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) # قوله تعالى: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله في سبب نزولها قولان: # (546) أحدهما: أنه لما قال للمشركين: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم «2» قالوا: لتنتهين يا محمد عن سب آلهتنا وعيبها، أو لنهجون إلهك الذي ms0688 ~~تعبده، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. PageV02P064 # (547) والثاني: أن المسلمين كانوا يسبون أوثان الكفار، فيردون ذلك عليهم، ~~فنهاهم الله تعالى أن يستسبوا لربهم قوما جهلة لا علم لهم بالله، قاله ~~قتادة. # ومعنى «يدعون» : يعبدون، وهي الأصنام. فيسبوا الله أي: فيسبوا من أمركم ~~بعيبها، فيعود ذلك إلى الله تعالى، لا أنهم كانوا يصرحون بسب الله تعالى، ~~لأنهم كانوا يقرون أنه خالقهم، وإن أشركوا به. وقوله تعالى: عدوا بغير علم، ~~أي: ظلما بالجهل. وقرأ يعقوب: «عدوا» ، بضم العين والدال وتشديد الواو. ~~والعرب تقول في الظلم: عدا فلان عدوا وعدوا وعدوانا. وعدا، أي: ظلم. # قوله تعالى: كذلك زينا لكل أمة عملهم أي: كما زينا لهؤلاء المشركين عبادة ~~الأصنام، وطاعة الشيطان، كذلك زينا لكل جماعة اجتمعت على حق أو باطل عملهم ~~من خير أو شر. قال المفسرون: # وهذه الآية نسخت بتنبيه الخطاب في آية السيف. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 109] # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند ~~الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) # قوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم في سبب نزولها قولان: # (548) أحدهما: أنه لما نزل في (الشعراء) : إن نشأ ننزل عليهم من السماء ~~آية «1» قال المشركون: # أنزلها علينا حتى والله نؤمن بها فقال المسلمون: يا رسول الله، أنزلها ~~عليهم لكي يؤمنوا فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس. # (549) والثاني: أن قريشا قالوا: يا محمد، تخبرنا أن موسى كان معه عصا ~~يضرب بها الحجر، فينفجر منها اثنتا عشرة عينا، وأن عيسى كان يحيي الموتى، ~~وأن ثمود كانت لهم ناقة، فائتنا بمثل هذه الآيات حتى نصدقك: فقال: «أي شيء ~~تحبون؟» قالوا: أن تجعل لنا الصفا ذهبا. قال: «فان فعلت تصدقوني؟» فقالوا: ~~نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يدعو، فجاءه جبريل فقال: إن شئت أصبح الصفا ذهبا، ولكني لم أرسل آية فلم ~~يصدق بها، إلا أنزلت العذاب، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول ~~الله ms0689 صلى الله عليه وسلم «اتركهم حتى يتوب تائبهم» ، فنزلت هذه الآية إلى ~~قوله: # يجهلون، هذا قول محمد بن كعب القرظي. # وقد ذكرنا معنى جهد أيمانهم في (المائدة) وإنما حلفوا على ما اقترحوا من ~~الآيات، PageV02P065 # كقولهم: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا «1» . # قوله تعالى: قل إنما الآيات عند الله أي: هو القادر على الإتيان بها دوني ~~ودون أحد من خلقه وما يشعركم أنها أي: يدريكم أنها. قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو، وأبو بكر عن عاصم، وخلف في اختياره: بكسر الألف، فعلى هذه القراءة ~~يكون الخطاب بقوله «يشعركم» للمشركين، ويكون تمام الكلام عند قوله تعالى: ~~وما يشعركم ويكون المعنى: وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت؟ وتكون «إنها» ~~مكسورة على الاستئناف والإخبار عن حالهم. وقال أبو علي: التقدير: وما ~~يشعركم إيمانهم؟ # فحذف المفعول. والمعنى: لو جاءت الآية التي اقترحوها، لم يؤمنوا. فعلى ~~هذا يكون الخطاب للمؤمنين. قال سيبويه: سألت الخليل عن قوله: «وما يشعركم ~~إنها» فقلت: ما منعها أن تكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال: لا يحسن ~~ذلك في هذا الموضع إنما قال: وما يشعركم ثم ابتدأ فأوجب، فقال: «إنها إذا ~~جاءت لا يؤمنون» ولو قال: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون # كان ذلك عذرا لهم. وقرأ نافع، وحفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي: «أنها» ~~بفتح الألف فعلى هذا، المخاطب بقوله: وما يشعركم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: # وما يدريكم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. وفي قراءة أبي: «لعلها إذا جاءت لا ~~يؤمنون» . والعرب تجعل «أن» بمعنى «لعل» . يقولون: ائت السوق أنك تشتري لنا ~~شيئا، أي: لعلك. قال عدي بن زيد: # أعاذل ما يدريك أن منيتي ... إلى ساعة في اليوم أو في ضحى غد # أي: لعل منيتي. وإلى هذا المعنى ذهب الخليل، والفراء في توجيه هذه ~~القراءة. # والثاني: أن المعنى: وما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون، وتكون «لا» صلة ~~كقوله تعالى: ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك «2» وقوله تعالى: وحرام ms0690 على قرية ~~أهلكناها أنهم لا يرجعون «3» ، ذكره الفراء ورده الزجاج واختار الأول. ~~والأكثرون على قراءة: «يؤمنون» بالياء منهم ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم وقرأ ابن عامر، وحمزة: بالتاء، على الخطاب ~~للمشركين. قال أبو علي: من قرأ بالياء، فلأن الذين أقسموا غيب، ومن قرأ ~~بالتاء، فهو انصراف من الغيبة إلى الخطاب. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 110] # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون (110) # قوله تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم التقليب: تحويل الشيء عن وجهه. وفي ~~معنى الكلام، أربعة أقوال: أحدها: لو أتيناهم بآية كما سألوا، لقلبنا ~~أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان بها، وحلنا بينهم وبين الهدى، فلم يؤمنوا كما ~~لم يؤمنوا بما رأوا قبلها، عقوبة لهم على ذلك. وإلى هذا المعنى ذهب ابن ~~عباس، ومجاهد، وابن زيد. والثاني: أنه جواب لسؤالهم في الآخرة الرجوع إلى ~~الدنيا فالمعنى: # لو ردوا لحلنا بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في ~~الدنيا، روى هذا المعنى ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: ونقلب أفئدة ~~هؤلاء وأبصارهم عن الإيمان بالآيات كما لم يؤمن أوائلهم PageV02P066 # من الأمم الخالية بما رأوا من الآيات، قاله مقاتل. والرابع: أن ذلك ~~التقليب في النار، عقوبة لهم، ذكره الماوردي. # وفي هاء «به» أربعة أقوال. أحدها: أنها كناية عن القرآن. والثاني: عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. والثالث: عما ظهر من الآيات. والرابع: عن ~~التقليب. # وفي المراد ب «أول مرة» ثلاثة أقوال: أحدها: أن المرة الأولى: دار ~~الدنيا. والثاني: أنها معجزات الأنبياء قبل محمد عليه السلام. والثالث: ~~أنها صرف قلوبهم عن الإيمان قبل نزول الآيات أن لو نزلت والطغيان والعمه ~~مذكوران في (البقرة) . ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 111] # ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ~~ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (111) # قوله تعالى: ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة. # (550) سبب نزولها: أن المستهزئين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~رهط من أهل مكة، ms0691 فقالوا له: ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم: أحق ما تقول، ~~أم باطل؟ أو أرنا الملائكة يشهدون لك أنك رسول الله، أو ائتنا بالله ~~والملائكة قبيلا، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # ومعنى الآية: ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة كما سألوا وكلمهم الموتى ~~فشهدوا لك بالنبوة وحشرنا أي: جمعنا: عليهم كل شيء في الدنيا قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشاء الله، فأخبر أن وقوع الإيمان بمشيئته، لا كما ظنوا ~~أنهم متى شاؤوا آمنوا، ومتى شاؤوا لم يؤمنوا. فأما قوله تعالى: # «قبلا» ، فقرأ ابن عامر، ونافع: بكسر القاف وفتح الباء. قال ابن قتيبة: ~~معناها: معاينة. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة والكسائي: «قبلا» ~~بضم القاف والباء. وفي معناها، ثلاثة أقوال: أحدها: # أنه جمع قبيل، وهو الصنف فالمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء قبيلا قبيلا، قاله ~~مجاهد، واختاره أبو عبيدة، وابن قتيبة. والثاني: أنه جمع قبيل أيضا، إلا ~~أنه: الكفيل فالمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء، فكفل بصحة ما تقول، اختاره ~~الفراء، وعليه اعتراض، وهو أن يقال: إذا لم يؤمنوا بانزال الملائكة، وتكليم ~~الموتى، فلأن لا يؤمنوا بالكفالة التي هي قول، أولى. فالجواب: أنه لو كفلت ~~الأشياء المحشورة، فنطق ما لم ينطق، كان ذلك آية بينة. والثالث: أنه بمعنى ~~المقابل، فيكون المعنى: وحشرنا عليهم كل شيء، فقابلهم، قاله ابن زيد. قال ~~أبو زيد: يقال: لقيت فلانا قبلا وقبلا وقبلا وقبيلا وقبليا ومقابلة، وكله ~~واحد، وهو المواجهة. قال أبو علي: فالمعنى في القرآن- على ما قاله أبو زيد- ~~واحد، وإن اختلفت الألفاظ. # قوله تعالى: ولكن أكثرهم يجهلون فيه قولان: أحدهما: يجهلون أن الاشياء لا ~~تكون إلا بمشيئة الله تعالى. والثاني: أنهم يجهلون أنهم لو أوتوا بكل آية ~~ما آمنوا. PageV02P067 ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 112] # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112) # قوله تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا أي: وكما جعلنا لك ولأمتك شياطين ~~الإنس والجن أعداء، ms0692 كذلك جعلنا لمن تقدمك من الأنبياء وأممهم والمعنى: كما ~~ابتليناك بالأعداء، ابتلينا من قبلك، ليعظم الثواب عند الصبر على الأذى. ~~قال الزجاج: «عدو» : في معنى أعداء، و «شياطين الإنس والجن» : منصوب على ~~البدل من «عدو» ، ومفسر له ويجوز أن يكون: «عدوا» منصوب على أنه مفعول ثان، ~~المعنى: وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء لأممهم «1» . وفي شياطين ~~الإنس والجن ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم مردة الإنس والجن، قاله الحسن، ~~وقتادة. والثاني: أن شياطين الإنس: الذين مع الإنس، وشياطين الجن: الذين مع ~~الجن، قاله عكرمة، والسدي. والثالث: أن شياطين الإنس والجن: كفارهم، قاله ~~مجاهد. # قوله تعالى: يوحي أصل الوحي: الإعلام والدلالة بستر وإخفاء. وفي المراد ~~به ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: يأمر. والثاني: يوسوس. والثالث: ~~يشير. # وأما زخرف القول، فهو ما زين منه، وحسن، وموه، وأصل الزخرف: الذهب. قال ~~أبو عبيدة: كل شيء حسنته وزينته وهو باطل، فهو زخرف. وقال الزجاج: «الزخرف» ~~في اللغة: الزينة فالمعنى: أن بعضهم يزين لبعض الأعمال القبيحة و «غرورا» ~~منصوب على المصدر وهذا المصدر محمول على المعنى، لأن معنى إيحاء الزخرف من ~~القول: معنى الغرور، فكأنه قال: يغرون غرورا. # وقال ابن عباس: زخرف القول غرورا: الأماني بالباطل. قال مقاتل: وكل إبليس ~~بالإنس شياطين يضلونهم، فاذا التقى شيطان الإنس بشيطان الجن قال أحدهما ~~لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا، فذلك وحي ~~بعضهم إلى بعض. وقال غيره: إن المؤمن إذا أعيا شيطانه، ذهب إلى متمرد من ~~الإنس، وهو شيطان الإنس، فأغراه بالمؤمن ليفتنه. وقال قتادة: إن من الجن ~~شياطين، وإن من الإنس شياطين. وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد علي ~~من شيطان الجن، لأني كإذا تعوذت من ذاك ذهب عني، وهذا يجرني إلى المعاصي ~~عيانا. # قوله تعالى: ولو شاء ربك ما فعلوه في هاء الكناية ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنها ترجع إلى الوسوسة. والثاني: ترجع إلى الكفر. والثالث: إلى الغرور، ~~وأذى النبيين. # قوله تعالى: فذرهم وما يفترون قال مقاتل: يريد كفار مكة ms0693 وما يفترون من ~~الكذب. وقال غيره: فذر المشركين وما يخاصمونك به مما يوحي إليهم أولياؤهم، ~~وما يختلقون من كذب، وهذا القدر من هذه الآية منسوخ بآية السيف. ~~PageV02P068 ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 113] # ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون (113) # قوله تعالى: ولتصغى إليه أي: ولتميل والهاء: كناية عن الزخرف والغرور. ~~والأفئدة: جمع فؤاد، مثل غراب وأغربة. قال ابن الأنباري: فعلنا بهم ذلك لكي ~~تصغى إلى الباطل أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، «وليرضوا» الباطل، ~~وليقترفوا أي: ليكتسبوا، وليعملوا ما هم عاملون. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 114] # أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (114) # قوله تعالى: أفغير الله أبتغي حكما. # (551) سبب نزولها: أن مشركي قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل ~~بيننا وبينك حكما إن شئت من أحبار اليهود، وإن شئت من أحبار النصارى، ~~ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك، فنزلت هذه الآية، ذكره الماوردي. # فأما الحكم، فهو بمعنى الحاكم والمعنى: أفغير الله أطلب قاضيا بيني ~~وبينكم؟! والكتاب: # القرآن، و «المفصل» : المبين الذي بان فيه الحق من الباطل، والأمر من ~~النهي، والحلال من الحرام. # والذين آتيناهم الكتاب فيهم قولان: أحدهما: علماء أهل الكتابين، قاله ~~الجمهور. والثاني: رؤساء أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كأبي بكر، ~~وعمر، وعثمان، وعلي، وأشباههم، قاله عطاء. قوله تعالى: # يعلمون أنه منزل قرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم: «منزل» بالتشديد وخففها ~~الباقون. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 115] # وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115) # قوله تعالى: وتمت كلمت ربك قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ونافع: ~~«كلمات» على الجمع وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، «كلمة» على التوحيد ~~وقد ذكرت العرب الكلمة، وأرادت الكثرة يقولون: قال قس في كلمته، أي: في ~~خطبته، وزهير في كلمته، أي: في قصيدته. وفي المراد بهذه الكلمات ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنها القرآن، قاله قتادة. والثاني: أقضيته وعداته. والثالث: ~~وعده ووعيده ms0694 وثوابه وعقابه. وفي قوله تعالى: صدقا وعدلا قولان: أحدهما: # صدقا فيما أخبر، وعدلا فيما قضى وقدر. والثاني: صدقا فيما وعد وأوعد، ~~وعدلا فيما أمر ونهى. # وفي قوله: لا مبدل لكلماته قولان: أحدهما: لا يقدر المفترون على الزيادة ~~فيها والنقصان منها. # والثاني: لا خلف لمواعيده، ولا مغير لحكمه. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 116] # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم ~~إلا يخرصون (116) # قوله تعالى: وإن تطع أكثر من في الأرض. PageV02P069 # (552) سبب نزولها: أن الكفار قالوا للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم، ولا ~~تأكلون ما قتل ربكم؟ # فنزلت هذه الآية، ذكره الفراء. # والمراد ب أكثر من في الأرض: الكفار، وفي ماذا يطيعهم فيه أربعة أقوال: ~~أحدها: في أكل الميتة. والثاني: في أكل ما ذبحوا للأصنام. والثالث: في ~~عبادة الأوثان. والرابع: في اتباع ملل الآباء. وسبيل الله: دينه. قال ابن ~~قتيبة: ومعنى يخرصون: يحدسون ويوقعون ومنه قيل للحازر: خارص. فان قيل: كيف ~~يجوز تعذيب من هو على ظن من شركه، وليس على يقين من كفره! فالجواب: انهم ~~لما تركوا التماس الحجة، واتبعوا أهواءهم، واقتصروا على الظن والجهل، ~~عذبوا، ذكره الزجاج. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 117] # إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117) # قوله تعالى: إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله قال الزجاج: موضع «من» رفع ~~بالابتداء، ولفظها لفظ الاستفهام والمعنى: إن ربك هو أعلم أي الناس يضل عن ~~سبيله. وقرأ الحسن: «من يضل» بضم الياء وكسر الضاد، وهي رواية ابن أبي ~~شريح. قال أبو سليمان: ومقصود الآية: لا تلتفت إلى قسم من أقسم أنه يؤمن ~~عند مجيء الآيات، فلن يؤمن إلا من سبق له القدر بالإيمان. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 118] # فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (118) # قوله تعالى: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه. PageV02P070 # (553) سبب نزولها: أن الله تعالى لما حرم الميتة، قال المشركون للمؤمنين: ~~إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتل الله لكم أحق أن تأكلوه مما قتلتم ~~أنتم، ms0695 يريدون الميتة، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 119] # وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ~~ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين (119) # قوله تعالى: وما لكم ألا تأكلوا قال الزجاج: المعنى: وأي شيء يقع لكم في ~~أن لا تأكلوا؟ # وموضع «أن» نصب، لأن «في» سقطت، فوصل المعنى إلى «أن» فنصبها. # قوله تعالى: وقد فصل لكم قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: «فصل لكم ~~ما حرم عليكم» مرفوعتان وقرأ نافع، وحفص عن عاصم، ويعقوب، والقزاز عن عبد ~~الوارث: «فصل» بفتح الفاء، «ما حرم» بفتح الحاء، وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو ~~بكر عن عاصم: «فصل» بفتح الفاء، «ما حرم» بضم الحاء. قال الزجاج: أي: فصل ~~لكم الحلال من الحرام، وأحل لكم في الاضطرار ما حرم. # وقال سعيد بن جبير: فصل لكم ما حرم عليكم، يعني: ما بين في (المائدة) من ~~الميتة، والدم، إلى آخر الآية. «وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم» يعني: مشركي ~~العرب يضلون في أمر الذبائح وغيره، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «ليضلون» ، ~~وفي (يونس) : «ربنا ليضلوا» وفي (ابراهيم) : «أندادا ليضلوا» وفي (الحج) : # «ثاني عطفه ليضل» وفي (لقمان) : «ليضل عن سبيل الله بغير علم» وفي ~~(الزمر) : «أندادا ليضل» ، بفتح الياء في هذه المواضع الستة وضمهن عاصم ~~وحمزة، والكسائي. وقرأ نافع، وابن عامر: «ليضلون بأهوائهم» . وفي (يونس) ~~«ليضلوا» بالفتح وضما الأربعة الباقية. فمن فتح، أراد: أنهم هم الذين ضلوا ~~ومن ضم، أراد: أنهم أضلوا غيرهم، وذلك أبلغ في الضلال، لأن كل مضل ضال؟ ~~وليس كل ضال مضلا. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 120] # وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ~~(120) # قوله تعالى: وذروا ظاهر الإثم وباطنه، في الإثم ها هنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الزنا، رواه أبو صالح عن ابن عباس فعلى هذا، في ظاهره وباطنه ~~قولان: أحدهما: # أن ظاهره: الإعلان به، وباطنه: الاستسرار به، قاله الضحاك، والسدي. ms0696 قال ~~الضحاك: وكانوا يرون الاستسرار بالزنا حلالا. والثاني: أن ظاهره نكاح ~~المحرمات، كالأمهات، والبنات، وما نكح الآباء. # وباطنه: الزنا، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: أنه عام في كل إثم. والمعنى: ذروا المعاصي، سرها وعلانيتها وهذا ~~مذهب أبي العالية، ومجاهد، وقتادة، والزجاج. وقال ابن الأنباري: المعنى: ~~ذروا الإثم من جميع جهاته. # والثالث: أن الإثم: المعصية، إلا أن المراد به ها هنا أمر خاص. قال ابن ~~زيد: ظاهره ها هنا: # نزع أثوابهم، إذ كانوا يطوفون بالبيت عراة، وباطنه: الزنا. PageV02P071 ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 121] # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) # قوله تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه سبب نزولها مجادلة ~~المشركين للمؤمنين في قولهم: أتأكلون مما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله! ~~على ما ذكرنا في سبب قوله تعالى: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه هذا قول ابن ~~عباس. # (554) وقال عكرمة: كتبت فارس إلى قريش: إن محمدا وأصحابه لا يأكلون ما ~~ذبحه الله، ويأكلون ما ذبحوا لأنفسهم فكتب المشركون إلى أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذلك، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فنزلت هذه ~~الآية. # وفي المراد بما لم يذكر اسم الله عليه أربعة أقوال: أحدها: أنه الميتة، ~~رواه ابن جبير عن ابن عباس. والثاني: أنه الميتة والمنخنقة، إلى قوله ~~تعالى: وما ذبح على النصب، روي عن ابن عباس. # والثالث: أنها ذبائح كانت العرب تذبحها لأوثانها، قاله عطاء. والرابع: ~~أنه عام فيما لم يسم الله عند ذبحه وإلى هذا المعنى ذهب عبد الله بن يزيد ~~الخطمي، ومحمد بن سيرين. # (فصل:) فان تعمد ترك التسمية، فهل يباح؟ فيه عن أحمد روايتان «1» . وإن ~~تركها ناسيا أبيحت. # وقال الشافعي: لا يحرم في الحالين جميعا. وقال شيخنا علي بن عبيد الله: ~~فاذا قلنا: إن ترك التسمية عمدا يمنع الإباحة، فقد نسخ من هذه الآية ذبائح ~~أهل الكتاب بقوله تعالى: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم «2» . وعلى ms0697 قول ~~الشافعي: الآية محكمة. # قوله تعالى: وإنه لفسق يعني: وإن أكل ما لم يذكر عليه اسم الله لفسق، أي: ~~خروج عن الحق والدين. وفي المراد بالشياطين ها هنا قولان: أحدهما: أنهم ~~شياطين الجن، روي عن ابن عباس الثاني: قوم من أهل فارس، وقد ذكرناه عن ~~عكرمة. فعلى الأولى: وحيهم الوسوسة، وعلى الثاني: # وحيهم الرسالة. والمراد ب «أوليائهم» الكفار الذين جادلوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في ترك أكل الميتة «3» . ثم PageV02P072 # فيهم قولان: أحدهما: أنهم مشركو قريش. والثاني: اليهود وإن أطعتموهم في ~~استحلال الميتة إنكم لمشركون. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 122] # أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (122) # قوله تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال: # (555) أحدها: أنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب، وأبي جهل، وذلك أن أبا ~~جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث، وحمزة لم يؤمن بعد، فأخبر حمزة ~~بما فعل أبو جهل، فأقبل حتى علا أبا جهل بالقوس، فقال له: أما ترى ما جاء ~~به؟ سفه عقولنا، وسب آلهتنا، فقال حمزة: ومن أسفه منكم؟ # تعبدون الحجارة من دون الله؟! أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ~~ورسوله، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس. # (556) والثاني: أنها نزلت في عمار بن ياسر، وأبي جهل، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس، وبه قال عكرمة. # (557) والثالث: في عمر بن الخطاب، وأبي جهل، قاله زيد بن أسلم، والضحاك. # والرابع: في النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي جهل، قاله مقاتل. # والخامس: أنها عامة في كل مؤمن وكافر، قاله الحسن في آخرين. # وفي قوله تعالى: كان ميتا فأحييناه قولان: أحدهما: كان ضلا فهديناه، قاله ~~مجاهد. # والثاني: كان جاهلا، فعلمناه، قاله الماوردي. وقرأ نافع: «ميتا» بالتشديد ~~قال أبو عبيدة: الميتة، PageV02P073 # مخففة: من ميتة، والمعنى واحد. وفي «النور» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~الهدى، قاله ابن عباس. # والثاني: القرآن، قاله الحسن. ms0698 والثالث: العلم. وفي قوله تعالى: يمشي به ~~في الناس ثلاثة أقوال: # أحدها: يهتدي به في الناس، قاله مقاتل. والثاني: يمشي به بين الناس إلى ~~الجنة. والثالث: ينشر به دينه في الناس، فيصير كالماشي! ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: كمن مثله المثل: صلة والمعنى: كمن هو في الظلمات. وقيل: ~~المعنى: كمن لو شبه بشيء كان شبيهه من في الظلمات. وقيل: المراد بالظلمات ~~ها هنا: الكفر. # قوله تعالى: كذلك زين أي: كما بقي هذا في ظلماته لا يتخلص منها، كذلك زين ~~للكافرين ما كانوا يعملون من الشرك والمعاصي. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 123] # وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا ~~بأنفسهم وما يشعرون (123) # قوله تعالى: وكذلك جعلنا في كل قرية: أي: وكما زينا للكافرين عملهم، ~~فكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها، وقيل معناه: وكما جعلنا فساق مكة ~~أكابرها، فكذلك جعلنا فساق كل قرية أكابرها. # وإنما جعل الأكابر فساق كل قرية، لأنهم أقرب إلى الكفر بما أعطوا من ~~الرياسة والسعة. وقال ابن قتيبة: تقدير الآية: وكذلك جعلنا في كل قرية ~~مجرميها أكابر و «أكابر» لا ينصرف، وهم العظماء. # قوله تعالى: ليمكروا فيها قال أبو عبيدة: المكر: الخديعة، والحيلة، ~~والفجور، والغدر، والخلاف. قال ابن عباس: ليقولوا فيها الكذب. قال مجاهد: ~~أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعة، ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، يقولون للناس: هذا شاعر، وكاهن. # قوله تعالى: وما يمكرون إلا بأنفسهم أي: ذلك المكر بهم يحيق. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 124] # وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا ~~يمكرون (124) # قوله تعالى: وإذا جاءتهم آية. # (558) سبب نزولها: أن أبا جهل قال: زاحمتنا بنو عبد مناف في الشرف، حتى ~~إذا صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يوحى إليه. والله لا نؤمن به ولا ~~نتبعه أو أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # قال ms0699 الزجاج: الهاء والميم تعود على الأكابر الذين جرى ذكرهم. وقال أبو ~~سليمان: تعود على المجادلين في تحريم الميتة، قال مقاتل: والآية: انشقاق ~~القمر، والدخان، قال ابن عباس في قوله تعالى: مثل ما أوتي رسل الله قال: ~~حتى يوحى إلينا، ويأتينا جبريل، فيخبرنا أن محمدا صادق. قال PageV02P074 # الضحاك: سأل كل واحد منهم أن يختص بالرسالة والوحي. # قوله تعالى: «الله أعلم حيث يجعل رسالاته» وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: ~~«رسالته» بنصب التاء على التوحيد والمعنى: أنهم ليسوا لها بأهل، وذلك أن ~~الوليد بن المغيرة قال: والله لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك، لأني ~~أكبر منك سنا، وأكثر منك مالا، فنزل قوله تعالى: «الله أعلم حيث يجعل ~~رسالاته» . وقال أهل المعاني: الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل ~~مبعثهم مطاعين في قومهم، لأن الطعن كان يتوجه عليهم، فيقال: إنما كانوا ~~رؤساء فاتبعوا، فكان الله أعلم حيث جعل الرسالة ليتيم أبي طالب، دون أبي ~~جهل والوليد، وأكابر مكة. # قوله تعالى: سيصيب الذين أجرموا صغار قال أبو عبيدة: الصغار: أشد الذل. ~~وقال الزجاج: # المعنى: هم، وإن كانوا أكابر في الدنيا، فسيصيبهم صغار عند الله، أي: ~~صغار ثابت لهم عند الله. # وجائز أن يكون المعنى: سيصيبهم عند الله صغار، وقال الفراء: معناه: صغار ~~من عند الله، فحذفت «من» . وقال ابو روق: صغار في الدنيا، وعذاب شديد في ~~الآخرة. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 125] # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125) # قوله تعالى: فمن يرد الله أن يهديه قال مقاتل: نزلت في رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبي جهل. # قوله تعالى: يشرح صدره قال ابن الاعرابي: الشرح: الفتح. قال ابن قتيبة: ~~ومنه يقال: # شرحت لك الأمر، وشرحت اللحم: إذا فتحته. وقال ابن عباس: «يشرح صدره» أي: ~~يوسع قلبه للتوحيد والإيمان. # (559) وقد روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: فمن ms0700 يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام، فقيل له: يا رسول الله، وما هذا الشرح؟ قال: ~~«نور يقذفه الله في القلب، فينفتح القلب» . قالوا: فهل لذلك من أمارة؟ قال: ~~«نعم» . قيل: وما هي؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار ~~الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله» . # قوله تعالى: ضيقا قرأ الأكثرون بالتشديد. وقرأ ابن كثير: «ضيقا» ، وفي ~~(الفرقان) : PageV02P075 # «ضيقا» «1» بتسكين الياء خفيفة. قال أبو علي: الضيق، والضيق: مثل الميت، ~~والميت. # قوله تعالى: حرجا قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ~~حرجا بفتح الراء. وقرأ نافع، وابو بكر عن عاصم: بكسر الراء، قال الفراء: ~~وهما لغتان. وكذلك قال يونس بن حبيب النحوي: هما لغتان، إلا أن الفتح أكثر ~~على ألسنة العرب من الكسر، ومجراهما مجرى الدنف والدنف. وقال الزجاج: الحرج ~~في اللغة: أضيق الضيق. # قوله تعالى: كأنما يصعد قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: # «يصعد» بتشديد الصاد والعين وفتح الصاد من غير ألف. وقرأ أبو بكر عن ~~عاصم: «يصاعد» بتشديد الصاد وبعدها ألف. وقرأ ابن كثير: «يصعد» بتخفيف ~~الصاد والعين من غير ألف والصاد ساكنة، وقرأ ابن مسعود، وطلحة: «تصعد» بتاء ~~من غير ألف. وقرأ أبي بن كعب: «يتصاعد» بألف وتاء. قال الزجاج: قوله تعالى: ~~«كأنما يصاعد في السماء» و «يصعد» ، أصله: «يتصاعد» ، و «يتصعد» ، إلا أن ~~التاء تدغم في الصاد لقربها منها، والمعنى كأنه قد كلف أن يصعد إلى السماء ~~إذا دعي إلى الإسلام من ضيق صدره عنه. ويجوز أن يكون المعنى: كأن قلبه يصعد ~~في السماء نبوا عن الإسلام والحكمة. وقال الفراء: ضاق عليه المذهب، فلم يجد ~~إلا أن يصعد في السماء، وليس يقدر على ذلك. وقال ابو علي: # «يصعد» و «يصاعد» : من المشقة، وصعوبة الشيء، ومنه قول عمر: ما تصعدني ~~شيء كما تصعدتني خطبة النكاح، أي: ما شق علي شيء مشقتها. # قوله تعالى: كذلك أي: مثل ما قصصنا عليك. يجعل الله الرجس وفيه خمسة ~~أقوال: # أحدها: أنه الشيطان، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ms0701 عباس. يعني: أن الله يسلطه ~~عليهم. والثاني: أنه المأثم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أنه مالا ~~خير فيه، قاله مجاهد. والرابع: العذاب، قاله عطاء، وابن زيد، وأبو عبيدة. ~~والخامس: أنه اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة، قاله الزجاج. وهذه الآية ~~تقطع كلام القدرية، إذ قد صرحت بأن الهداية والإضلال متعلقة بإرادة الله ~~تعالى. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 126] # وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون (126) # قوله تعالى: وهذا صراط ربك فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه القرآن، قاله ابن ~~مسعود. والثاني: # التوحيد، قاله ابن عباس. والثالث: ما هو عليه من الدين، قاله عطاء. # ومعنى استقامته: أنه يؤدي بسالكه إلى الفوز، قال مكي بن أبي طالب: و ~~«مستقيما» : نصب على الحال من «صراط» ، وهذه الحال يقال لها: الحال ~~المؤكدة، لأن صراط الله، لا يكون إلا مستقيما، ولم يؤت بها لتفرق بين ~~حالتين، إذ لا يتغير صراط الله عن الاستقامة أبدا، وليست هذه الحال كالحال ~~من قولك: «هذا زيد راكبا» ، لأن زيدا قد يخلو من الركوب. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 127] # لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127) # قوله تعالى: لهم دار السلام يعني الجنة. وفي تسميتها بذلك أربعة أقوال: ~~أحدها: أن السلام، PageV02P076 # هو الله، وهي داره، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة والسدي. والثاني: أنها ~~دار السلامة التي لا تنقطع، قاله الزجاج. والثالث: أن تحية أهلها فيها ~~السلام، ذكره أبو سليمان الدمشقي. والرابع: أن جميع حالاتها مقرونة ~~بالسلام، ففي ابتداء دخولهم: ادخلوها بسلام «1» ، وبعد استقرارهم: ~~والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23) سلام عليكم # «2» . وقوله تعالى: إلا قيلا سلاما سلاما «3» وعند لقاء الله سلام قولا ~~من رب رحيم «4» ، وقوله تعالى: تحيتهم يوم يلقونه سلام «5» . ومعنى: عند ~~ربهم أي: # مضمونة لهم عنده، وهو وليهم أي: متولي إيصال المنافع إليهم، ودفع المضار ~~عنهم بما كانوا يعملون من الطاعات. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 128] # ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من ~~الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا ms0702 الذي أجلت لنا قال النار مثواكم ~~خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) # قوله تعالى: «ويوم نحشرهم جميعا» يعني الجن والإنس. وقرأ حفص عن عاصم: ~~«يحشرهم» بالياء. قال أبو سليمان: يعني: المشركين وشياطينهم الذين كانوا ~~يوحون إليهم بالمجادلة لكم فيما حرمه الله من الميتة. قوله تعالى: يا معشر ~~الجن فيه إضمار، فيقال لهم: يا معشر والمعشر: الجماعة أمرهم واحد، والجمع: ~~المعاشر. وقوله: قد استكثرتم من الإنس أي: من إغوائهم وإضلالهم. # وقال أولياؤهم من الإنس يعني الذين أضلهم الجن: ربنا استمتع بعضنا ببعض ~~فيه ثلاثة أقوال: # (560) أحدها: أن استمتاع الإنس بالجن: أنهم كانوا إذا سافروا، فنزلوا ~~واديا، وأرادوا مبيتا، قال أحدهم: أعوذ بعظيم هذا الوادي من شر أهله ~~واستمتاع الجن بالإنس: أنهم كانوا يفخرون على قومهم، ويقولون: قد سدنا ~~الإنس حتى صاروا يعوذون بنا، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مقاتل، ~~والفراء. # والثاني: أن استمتاع الجن بالإنس: طاعتهم لهم فيما يغرونهم به من الضلالة ~~والكفر والمعاصي. # واستمتاع الإنس بالجن: أن الجن زينت لهم الأمور التي يهوونها، وشهوها ~~إليهم حتى سهل عليهم فعلها، روى هذا المعنى عطاء عن ابن عباس، وبه قال محمد ~~بن كعب، والزجاج. # والثالث: أن استمتاع الجن بالإنس: إغواؤهم إياهم. واستمتاع الإنس بالجن: ~~ما يتلقون منهم من السحر والكهانة ونحو ذلك. والمراد بالجن في هذه الآية: ~~الشياطين. # قوله تعالى: وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا فيه قولان: أحدهما: الموت، قاله ~~الحسن، والسدي. PageV02P077 # والثاني: الحشر، ذكره الماوردي. قوله تعالى: قال النار مثواكم قال ~~الزجاج: المثوى: المقام و «خالدين» منصوب على الحال. المعنى: النار مقامكم ~~في حال خلود دائم إلا ما شاء الله هو استثناء من يوم القيامة، والمعنى: ~~خالدين فيها مذ يبعثون إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم، ومدتهم ~~في محاسبتهم. ويجوز أن تكون إلا ما شاء الله أن يزيدهم من العذاب. وقال ~~بعضهم: إلا ما شاء الله من كونهم في الدنيا بغير عذاب وقيل في هذا غير قول، ~~ستجدها مشروحة في (هود) ms0703 إن شاء الله. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 129] # وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129) # قوله تعالى: وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا في معناه أربعة اقوال «1» : ~~أحدها: نجعل بعضهم أولياء بعض، رواه سعيد عن قتادة. والثاني: نتبع بعضهم ~~بعضا في النار بأعمالهم من الموالاة، وهي المتابعة، رواه معمر عن قتادة. ~~والثالث: نسلط بعضهم على بعض، قاله ابن زيد. والرابع: نكل بعضهم إلى بعض ~~ولا نعينهم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: بما كانوا يكسبون أي: من المعاصي. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 130] # يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم ~~لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على ~~أنفسهم أنهم كانوا كافرين (130) # قوله تعالى: امعشر الجن والإنس ألم يأتكم # قرأ الحسن، وقتادة: «تأتكم» بالتاء، سل منكم # . واختلفوا في الرسالة إلى الجن على أربعة اقوال «2» : أحدها: أن الرسل ~~كانت تبعث إلى الإنس خاصة، وأن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ~~إلى الإنس والجن، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أن رسل الجن، هم ~~الذين سمعوا القرآن، فولوا إلى قومهم منذرين، روي عن ابن عباس أيضا. وقال ~~مجاهد: الرسل من الإنس، والنذر من الجن، وهم قوم يسمعون كلام الرسل، ~~فيبلغون الجن ما PageV02P078 # سمعوا. والثالث: أن الله تعالى بعث إليهم رسلا منهم، كما بعث إلى الإنس ~~رسلا منهم، قاله الضحاك ومقاتل وأبو سليمان، وهو ظاهر الكلام. والرابع: أن ~~الله تعالى لم يبعث إليهم رسلا منهم وإنما جاءتهم رسل الإنس، قاله ابن جريج ~~والفراء والزجاج. قالوا: ولا يكون الجمع في قوله تعالى: لم يأتكم رسل منكم # مانعا أن تكون الرسل من أحد الفريقين، كقوله تعالى: يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان، وإنما هو خارج من الملح وحده. وفي دخول الجن الجنة إذا آمنوا ~~قولان: أحدهما: يدخلونها، ويأكلون ويشربون، قاله الضحاك. والثاني: ثوابهم ~~أن يجاروا من النار ويصيروا ترابا، رواه سفيان عن ليث. # قوله تعالى: قصون عليكم آياتي # أي: يقرءون عليكم كتبي، ينذرونكم # أي: يخوفونكم بيوم القيامة. # وفي قوله تعالى: ms0704 هدنا على أنفسنا # قولان: أحدهما: أقررنا على أنفسنا بانذار الرسل لنا. # والثاني: شهد بعضنا على بعض بانذار الرسل إياهم. ثم أخبرنا الله تعالى ~~بحالهم، فقال: غرتهم الحياة الدنيا # أي: بزينتها وإمهالهم فيها شهدوا على أنفسهم # أي: أقروا أنهم كانوا في الدنيا كافرين. وقال مقاتل: ذلك حين شهدت عليهم ~~جوارحهم بالشرك والكفر. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 131] # ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون (131) # قوله تعالى: ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم قال الزجاج: ذلك الذي ~~قصصنا عليك من أمر الرسل، وأمر عذاب من كذب، لأنه لم يكن ربك مهلك القرى ~~بظلم، أي: لا يهلكهم حتى يبعث إليهم رسولا. قال ابن عباس: «بظلم» أي: بشرك ~~وأهلها غافلون لم يأتهم رسول. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 132] # ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (132) # قوله تعالى: ولكل درجات مما عملوا أي: لكل عامل بطاعة الله أو بمعصيته ~~درجات، أي: منازل يبلغها بعمله، إن كان خيرا فخيرا، وإن كان شرا فشرا. ~~وإنما سميت درجات لتفاضلها في الارتفاع والانحطاط، كتفاضل الدرج. # قوله تعالى: عما يعملون قرأ الجمهور بالياء وقرأ ابن عامر بالتاء على ~~الخطاب. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 133 الى 134] # وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم ~~من ذرية قوم آخرين (133) إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين (134) # قوله تعالى: وربك الغني يريد: الغني عن خلقه ذو الرحمة قال ابن عباس: ~~بأوليائه وأهل طاعته. وقال غيره: بالكل. ومن رحمته تأخير الانتقام من ~~المخالفين. إن يشأ يذهبكم بالهلاك وقيل: هذا الوعيد لأهل مكة ويستخلف من ~~بعدكم ما يشاء كما أنشأكم أي: ابتدأكم من ذرية قوم آخرين يعني: آباءهم ~~الماضين. إن ما توعدون به من مجيء السعة والحشر لآت وما أنتم بمعجزين أي: ~~بفائتين. قال أبو عبيدة: يقال: أعجزني كذا، أي: فاتني وسبقني. # PageV02P079 ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 135] # قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة ~~الدار إنه لا يفلح الظالمون (135) # قوله ms0705 تعالى: على مكانتكم وقرأ أبو بكر عن عاصم: «مكاناتكم» على الجمع. ~~قال ابن قتيبة: # أي: على موضعكم، يقال: مكان ومكانة، ومنزل ومنزلة. وقال الزجاج: اعملوا ~~على تمكنكم. قال: # ويجوز أن يكون المعنى: اعملوا على ما أنتم عليه. تقول للرجل إذا أمرته أن ~~يثبت على حال: كن على مكانتك. # قوله تعالى: إني عامل أي: عامل ما أمرني به ربي فسوف تعلمون من تكون له ~~عاقبة الدار. قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو. وابن عامر، وعاصم: «تكون» ~~بالتاء. وقرأ حمزة، والكسائي: بالياء. وكذلك خلافهم في (القصص) ، ووجه ~~التأنيث، اللفظ، ووجه التذكير، أنه ليس بتأنيث حقيقي. وعاقبة الدار: الجنة. ~~والظالمون ها هنا: المشركون. فان قيل: ظاهر هذه الآية أمرهم بالاقامة على ~~ما هم عليه، وذلك لا يجوز. فالجواب: أن معنى هذا الأمر المبالغة في الوعيد ~~فكأنه قال: أقيموا على ما أنتم عليه، إن رضيتم بالعذاب، قاله الزجاج. # (فصل:) وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أن المراد بها التهديد فعلى هذا هي ~~محكمة. والثاني: # أن المراد بها ترك القتال، فعلى هذا هي منسوخة بآية السيف. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 136] # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم ساء ما يحكمون (136) # قوله تعالى: وجعلوا لله مما ذرأ قال ابن قتيبة: ذرأ، بمعنى خلق. من الحرث ~~وهو الزرع. (والأنعام) : الإبل والبقر والغنم، وكانوا إذا زرعوا، خطوا خطا، ~~فقالوا: هذا لله، وهذا لآلهتنا، فإذا حصدوا ما جعلوه لله، فوقع منه شيء ~~فيما جعلوه لآلهتهم، تركوه وقالوا: هي إليه محتاجة وإذا حصدوا ما جعلوه ~~لآلهتهم، فوقع منه شيء في مال الله، أعادوه إلى موضعه. وكانوا يجعلون من ~~الأنعام شيئا لله فاذا ولدت إناثها ميتا أكلوه، وإذا ولدت أنعام آلهتهم ~~ميتا عظموه فلم يأكلوه. وقال الزجاج: # معنى الآية: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا، وجعلوا ~~لشركائهم نصيبا، يدل عليه قوله تعالى: فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا، فدل بالإشارة ms0706 إلى النصيبين على نصيب الشركاء وكانوا إذا زكا ما ~~لله، ولم يزك ما لشركائهم، ردوا الزاكي على أصنامهم، وقالوا: هذه أحوج، ~~والله غني وإذا زكا ما للأصنام، ولم يزك ما لله، أقروه على ما به. قال ~~المفسرون: وكانوا يصرفون ما جعلوا لله إلى الضيفان والمساكين. فمعنى قوله: ~~فلا يصل إلى الله أي: إلى هؤلاء. ويصرفون نصيب آلهتهم في الزرع إلى النفقة ~~على خدامها. فأما نصيبها في الأنعام، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان ~~للنفقة عليها أيضا. والثاني: أنهم كانوا يتقربون به، فيذبحونه لها. ~~والثالث: أنه البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. وقال الحسن: كان إذا ~~هلك ما لأوثانهم غرموه، وإذا هلك ما لله لم يغرموه. وقال # PageV02P080 # ابن زيد: كانوا لا يأكلون ما جعلوه لله حتى يذكروا عليه اسم أوثانهم، ولا ~~يذكرون الله على ما جعلوه للأوثان. فأما قوله: «بزعمهم» فقرأ الجمهور: بفتح ~~الزاي وقرأ الكسائي، والأعمش: بضمها. وفي الزعم ثلاث لغات: ضم الزاي، ~~وفتحها، وكسرها ومثله: السقط، والسقط والسقط والفتك والفتك، والفتك والزعم، ~~والزعم، والزعم، قال الفراء: فتح الزاي في الزعم، لأهل الحجاز وضمها لأسد ~~وكسرها لبعض قيس فيما يحكي الكسائي. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 137] # وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم ~~دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون (137) # قوله تعالى: وكذلك زين أي: ومثل ذلك الفعل القبيح فيما قسموا بالجهل زين. ~~قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون «وكذلك» مستأنفا، غير مشار به إلى ما قبله ~~فيكون المعنى: وهكذا زين. # وقرأ الجمهور: «زين» بفتح الزاي والياء، ونصب اللام من «قتل» ، وكسر ~~الدال من «أولادهم» ، ورفع «الشركاء» ووجه هذه القراءة ظاهر. وقرأ ابن ~~عامر: بضم زاي «زين» ، ورفع اللام، ونصب الدال من «أولادهم» ، وخفض ~~«الشركاء» . قال أبو علي: ومعناها: قتل شركائهم أولادهم ففصل بين المضاف ~~والمضاف إليه بالمفعول به، وهذا قبيح، قليل في الاستعمال. وقرأ أبو عبد ~~الرحمن السلمي، والحسن: «زين» بالرفع، «قتل» بالرفع أيضا، «أولادهم» بالجر، ~~«شركاؤهم» رفعا. قال الفراء: رفع القتل إذا لم يسم فاعله، ms0707 ورفع الشركاء ~~بفعل نواه، كأنه قال: زينه لهم شركاؤهم. وكذلك قال سيبويه في هذه القراءة ~~كأنه قيل: من زينه؟ فقال: شركاؤهم. قال مكي بن أبي طالب: وقد روي عن ابن ~~عامر أيضا أنه قرأ بضم الزاي، ورفع اللام، وخفض الأولاد والشركاء فيصير ~~الشركاء اسما للأولاد، لمشاركتهم للآباء في النسب والميراث والدين. # وللمفسرين في المراد بشركائهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم الشياطين، قاله ~~الحسن، ومجاهد، والسدي. والثاني: شركاؤهم في الشرك، قاله قتادة. والثالث: ~~قوم كانوا يخدمون الاوثان، قاله الفراء، والزجاج. والرابع: أنهم الغواة من ~~الناس، ذكره الماوردي. وإنما أضيف الشركاء إليهم، لأنهم هم الذين اختلقوا ~~ذلك وزعموه. # وفي الذي زينوه لهم من قتل أولادهم قولان: أحدهما: أنه وأد البنات أحياء ~~خيفة الفقر، قاله مجاهد. والثاني: أنه كان يحلف أحدهم أنه إن ولد له كذا ~~وكذا غلاما أن ينحر أحدهم، كما حلف عبد المطلب في نحر عبد الله، قاله ابن ~~السائب، ومقاتل. # قوله تعالى: ليردوهم أي: ليهلكوهم. وفي هذه اللام قولان: أحدهما: أنها ~~لام «كي» . # والثاني: أنها لام العاقبة، كقوله تعالى: ليكون لهم عدوا «1» أي: آل ~~أمرهم إلى الردى، لا أنهم قصدوا ذلك. قوله تعالى: وليلبسوا عليهم دينهم أي: ~~ليخلطوا. قال ابن عباس: ليدخلوا عليهم الشك في دينهم وكانوا على دين ~~إسماعيل، فرجعوا عنه بتزيين الشياطين. PageV02P081 # قوله تعالى: فذرهم وما يفترون قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية إذا دفنوا ~~بناتهم قالوا: إن الله أمرنا بذلك فقال: فذرهم وما يفترون أي: يكذبون وهذا ~~تهديد ووعيد، فهو محكم، وقال قوم: مقصوده ترك قتالهم، فهو منسوخ بآية ~~السيف. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 138] # وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ~~ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا ~~يفترون (138) # قوله تعالى: وقالوا هذه أنعام وحرث حجر الحرث: الزرع، والحجر: الحرام ~~والمعنى: # أنهم حرموا أنعاما وحرثا جعلوه لأصنامهم. قال ابن قتيبة: وإنما قيل ~~للحرام: حجر، لأنه حجر على الناس أن يصيبوه. وقرأ الحسن، وقتادة: «حجر» بضم ~~الحاء. قال ms0708 الفراء: يقال: حجر، وحجر، بكسر الحاء وضمها وهي في قراءة ابن ~~مسعود: «حرج» ، مثل: «جذب» و «جبذ» . وفي هذه الأنعام التي جعلوها للأصنام ~~قولان: أحدهما: أنها البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. والثاني: أنها ~~الذبائح للأوثان، وقد سبق ذكرهما. # قوله تعالى: لا يطعمها إلا من نشاء هو كقولك: لا يذوقها إلا من نريد. ~~وفيمن أطلقوا له تناولها قولان: أحدهما: أنهم منعوا منها النساء، وجعلوها ~~للرجال، قاله ابن السائب. والثاني: عكسه، قاله ابن زيد. قال الزجاج: أعلم ~~الله عز وجل أن هذا التحريم زعم منهم، لا حجة فيه ولا برهان. وفي قوله ~~تعالى: وأنعام حرمت ظهورها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الحام، قاله ابن عباس. ~~والثاني: # البحيرة، كانوا لا يحجون عليها، قاله أبو وائل. والثالث: البحيرة، ~~والسائبة، والحام، قاله السدي. # قوله تعالى: وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها هي قربان آلهتهم، يذكرون ~~عليها اسم الأوثان خاصة. وقال أبو وائل. هي التي كانوا لا يحجون عليها وقد ~~ذكرنا هذا عنه في قوله تعالى: حرمت ظهورها، فعلى قوله، الصفتان لموصوف ~~واحد. وقال مجاهد: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها في شيء لا ~~إن ركبوا ولا إن حملوا ولا إن حلبوا، ولا إن نتجوا. وفي قوله تعالى: افتراء ~~عليه قولان: أحدهما: أن ذكر أسماء أوثانهم وترك ذكر الله! هو الافتراء. ~~والثاني: أن إضافتهم ذلك إلى الله تعالى، هو الافتراء لأنهم كانوا يقولون: ~~هو حرم ذلك. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 139] # وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ~~ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) # قوله تعالى: وقالوا ما في بطون هذه الأنعام يعني بالأنعام: المحرمات ~~عندهم، من البحيرة، والسائبة، والوصيلة. وللمفسرين في المراد بما في بطونها ~~ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنه اللبن، PageV02P082 # قاله ابن عباس، وقتادة. والثاني: الأجنة، قاله مجاهد. والثالث: الولد ~~واللبن، قاله السدي، ومقاتل. # قوله تعالى: خالصة لذكورنا قرأ الجمهور: «خالصة» على لفظ التأنيث. وفيها ~~أربعة أوجه. أحدها: أنه إنما أنثت، لأن الأنعام مؤنثة، وما في بطونها ms0709 ~~مثلها، قاله الفراء. والثاني: أن معنى «ما» التأنيث، لأنها في معنى الجماعة ~~فكأنه قال: جماعة ما في بطون هذه الأنعام خالصة، قاله الزجاج. والثالث: أن ~~الهاء دخلت للمبالغة في الوصف، كما قالوا: «علامة» و «نسابة» . # والرابع: أنه أجري مجرى المصادر التي تكون بلفظ التأنيث عن الأسماء ~~المذكرة كقولك: عطاؤك عافية، والرخص نعمة، ذكرهما ابن الأنباري. وقرأ ابن ~~مسعود، وأبو العالية، والضحاك، والأعمش، وابن أبي عبلة: «خالص» بالرفع، من ~~غير هاء. قال الفراء: وإنما ذكر لتذكير «ما» . وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، ~~وعكرمة، وابن يعمر: «خالصه» برفع الصاد والهاء على ضمير مذكر، قال الزجاج: ~~والمعنى: ما خلص حيا. وقرأ قتادة: «خالصة» بالنصب. فأما الذكور، فهم ~~الرجال، والأزواج: النساء. # قوله تعالى: وإن يكن ميتة قرأ الأكثرون: «يكن» بالياء، «ميتة» بالنصب ~~وذلك مردود على لفظ «ما» . والمعنى وإن يكن ما في بطون هذه الأنعام ميتة. ~~وقرأ ابن كثير: «يكن» بالياء، «ميتة» بالرفع. # وافقه ابن عامر في رفع الميتة غير أنه قرأ: «تكن» بالتاء. والمعنى: وإن ~~تحدث وتقع، فجعل «كان» : # تامة لا تحتاج إلى خبر. وقرأ أبو بكر عن عاصم: «تكن» بالتاء، «ميتة» ~~بالنصب. والمعنى: وإن تكن الأنعام التي في البطون ميتة. # قوله تعالى: فهم فيه شركاء يعني الرجال والنساء. سيجزيهم وصفهم قال ~~الزجاج: # أراد جزاء وصفهم الذي هو كذب. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 140] # قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء ~~على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين (140) # قوله تعالى: قد خسر الذين قتلوا أولادهم وقرأ ابن كثير، وابن عامر: ~~«قتلوا» بالتشديد. قال ابن عباس: نزلت في ربيعة، ومضر، والذين كانوا يدفنون ~~بناتهم أحياء في الجاهلية من العرب. وقال قتادة: كان أهل الجاهلية يقتل ~~أحدهم بنته مخافة السبي والفاقة، ويغذو كلبه. قال الزجاج: وقوله: # «سفها» منصوب على معنى اللام. تقديره: للسفه تقول: فعلت ذلك حذر الشر. ~~وقرأ ابن السميفع، والجحدري، ومعاذ القارئ: «سفهاء» برفع السين وفتح الفاء ~~والهمزة بالمد وبالنصب والهمز. # قوله تعالى: بغير علم: أي: كانوا يفعلون ms0710 ذلك للسفه من غير أن أتاهم علم ~~في ذلك وحرموا ما رزقهم الله من الأنعام والحرث، وزعموا أن الله أمرهم ~~بذلك. # PageV02P083 ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 141] # وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله ~~والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم ~~حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141) # قوله تعالى: وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن المعروشات ما انبسط على وجه الأرض، فانتشر مما يعرش، كالكرم، ~~والقرع، والبطيخ وغير معروشات: ما قام على ساق، كالنخل، والزرع، وسائر ~~الأشجار. والثاني: أن المعروشات: ما أنبته الناس وغير معروشات: ما خرج في ~~البراري والجبال من الثمار، رويا عن ابن عباس. والثالث: أن المعروشات، وغير ~~المعروشات: الكرم، منه ما عرش، ومنه ما لم يعرش، قاله الضحاك. والرابع: أن ~~المعروشات: الكروم التي قد عرش عنبها، وغير المعروشات: سائر الشجر الذي لا ~~يعرش، قاله أبو عبيدة. # والأكل: الثمر. والزيتون والرمان متشابها قد سبق تفسيره. # قوله تعالى: كلوا من ثمره إذا أثمر هذا أمر إباحة وقيل: إنما قدم الأكل ~~لينهى عن فعل الجاهلية في زروعهم من تحريم بعضها. # قوله تعالى: وآتوا حقه يوم حصاده قرأ ابن عامر، وعاصم وأبو عمرو: بفتح ~~الحاء، وهي لغة أهل نجد، وتميم. وقرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، والكسائي: ~~بكسرها، وهي لغة أهل الحجاز، ذكره الفراء. وفي المراد بهذا الحق قولان «1» ~~: أحدهما: أنه الزكاة، روي عن أنس بن مالك، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ~~والحسن، وطاوس، وجابر بن زيد، وابن الحنفية، وقتادة في آخرين فعلى هذا، ~~الآية محكمة. والثاني: أنه حق غير الزكاة فرض يوم الحصاد، وهو إطعام من ~~حضر، وترك ما سقط من الزرع والثمر، قاله عطاء ومجاهد. # وهل نسخ ذلك، أم لا؟ إن قلنا: إنه أمر وجوب، فهو منسوخ بالزكاة وإن قلنا: ~~إنه أمر استحباب، فهو باقي الحكم. فان قيل: هل يجب إيتاء الحق يوم الحصاد؟ ~~فالجواب: إن قلنا: إنه PageV02P084 # إطعام من حضر من الفقراء، فذلك يكون ms0711 يوم الحصاد وإن قلنا: إنه الزكاة، ~~فقد ذكرت عنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن الأمر بالإيتاء محمول على النخيل، لأن ~~صدقتها تجب يوم الحصاد. فأما الزروع، فالأمر بالإيتاء منها محمول على وجوب ~~الإخراج إلا أنه لا يمكن ذلك عند الحصاد فيؤخر إلى زمان التنقية، ذكره بعض ~~السلف. والثاني: أن اليوم ظرف للحق، لا للايتاء فكأنه قال: وآتوا حقه الذي ~~وجب يوم حصاده بعد التنقية. والثالث: أن فائدة ذكر الحصاد أن الحق لا يجب ~~فيه بنفس خروجه وبلوغه، إنما يجب يوم حصوله في يد صاحبه. وقد كان يجوز أن ~~يتوهم أن الحق يلزم بنفس نباته قبل قطعه، فأفادت الآية أن الوجوب فيما يحصل ~~في اليد، دون ما يتلف، ذكر الجوابين القاضي أبو يعلى. # وفي قوله تعالى: ولا تسرفوا ستة أقوال «1» : أحدها: أنه تجاوز المفروض في ~~الزكاة إلى حد يجحف به، قاله أبو العالية، وابن جريج. وروى أبو صالح عن ابن ~~عباس: أن ثابت بن قيس بن شماس صرم خمسمائة نخلة، ثم قسمها في يوم واحد، ~~فأمسى ولم يترك لأهله شيئا، فكره الله تعالى له ذلك، فنزلت: ولا تسرفوا إنه ~~لا يحب المسرفين. والثاني: أن الإسراف: يمنع الصدقة الواجبة! قاله سعيد بن ~~المسيب. والثالث: أنه الإنفاق في المعصية، قاله مجاهد، والزهري. والرابع: ~~أنه إشراك الآلهة في الحرث والأنعام، قاله عطية، وابن السائب. والخامس: أنه ~~خطاب للسلطان لئلا يأخذ فوق الواجب من الصدقة، قاله ابن زيد. والسادس: أنه ~~الإسراف في الأكل قبل أداء الزكاة، قاله ابن بحر. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 142] # ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (142) # قوله تعالى: ومن الأنعام حمولة هذا نسق على ما قبله والمعنى: أنشأ جنات ~~وأنشأ حمولة وفرشا. وفي ذلك خمسة أقوال: أحدها: أن الحمولة: ما حمل من ~~الإبل، والفرش: صغارها، قاله ابن مسعود، والحسن، ومجاهد، وابن قتيبة. ~~والثاني: أن الحمولة: ما انتفعت بظهورها، والفرش: الراعية، رواه الضحاك عن ~~ابن عباس. والثالث: أن الحمولة: الإبل: والخيل، والبغال، والحمير، وكل شيء ms0712 ~~يحمل عليه. والفرش: الغنم: رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والرابع: ~~PageV02P085 # الحمولة: من الإبل، والفرش: من الغنم، قاله الضحاك. والخامس: الحمولة: ~~الإبل والبقر. والفرش: # الغنم، وما لا يحمل عليه من الإبل، قاله قتادة. وقرأ عكرمة، وأبو المتوكل ~~وأبو الجوزاء: «حمولة» بضم الحاء. # قوله تعالى: كلوا مما رزقكم الله قال الزجاج: المعنى: لا تحرموا ما حرمتم ~~مما جرى ذكره، ولا تتبعوا خطوات الشيطان أي: طرقه. قال: وقوله تعالى: ~~ثمانية أزواج بدل من قوله تعالى: حمولة وفرشا. والزوج، في اللغة: الواحد ~~الذي يكون معه آخر. قلت: وهذا كلام يفتقر إلى تمام، وهو أن يقال: الزوج: ما ~~كان معه آخر من جنسه، فحينئذ يقال لكل واحد منهما: زوج. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 143 الى 145] # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين ~~أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين (143) ومن ~~الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه ~~أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (144) قل لا ~~أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا ~~أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد ~~فإن ربك غفور رحيم (145) # قوله تعالى: من الضأن اثنين الضأن: ذوات الصوف من الغنم، والمعز: ذوات ~~الشعر منها. # وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: من «المعز» بفتح العين. وقرأ نافع، ~~وحمزة، وعاصم، والكسائي: بتسكين العين. والمراد بالأنثيين: الذكر والأنثى. ~~قل آلذكرين من الضأن والمعز حرم الله عليكم أم الأنثيين منها؟ المعنى: فان ~~كان ما حرم الله عليكم الذكرين. فكل الذكور حرام، وإن كان حرم الأنثيين، ~~فكل الإناث حرام، وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، فهي تشتمل ~~على الذكور، وتشتمل على الإناث، وتشتمل على الذكور والإناث، فيكون كل جنين ms0713 ~~حراما. وقال ابن الأنباري: معنى الآية: ألحقكم التحريم من جهة الذكرين، أم ~~من جهة الأنثيين؟ فان قالوا: من جهة الذكرين حرم عليهم كل ذكر، وإن قالوا: ~~من جهة الأنثيين، حرمت عليهم كل أنثى، وإن قالوا: من جهة الرحم، حرم عليهم ~~الذكر والأنثى. وقال ابن جرير الطبري: إن قالوا: حرم الذكرين، أوجبوا تحريم ~~كل ذكر من الضأن والمعز، وهم يستمتعون بلحوم بعض الذكران منها وظهوره، وفي ~~ذلك فساد دعواهم. وإن قالوا: حرم الأنثيين أوجبوا تحريم لحوم كل أنثى من ~~ولد الضأن والمعز، وهم يستمتعون بلحوم بعض ذلك وظهوره. وإن قالوا: ما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين، فقد كانوا يستمتعون ببعض ذكورها وإناثها. قال ~~المفسرون: فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الآية والتي بعدها، لأنهم كانوا ~~يحرمون أجناسا من النعم، بعضها على الرجال والنساء، وبعضها على النساء دون ~~الرجال. # وفي قوله تعالى: آلذكرين حرم أم الأنثيين إبطال لما حرموه من البحيرة، ~~والسائبة، والوصيلة والحام. وفي قوله تعالى: أما اشتملت عليه أرحام ~~الأنثيين، إبطال قولهم: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على ~~أزواجنا. # قوله تعالى: نبئوني بعلم قال الزجاج: المعنى: فسروا ما حرمتم بعلم، أي: ~~أنتم لا علم # PageV02P086 # لكم، لأنكم لا تؤمنون بكتاب. أم كنتم شهداء أي: هل شاهدتم الله قد حرم ~~هذا، إذا كنتم لا تؤمنون برسول؟ # قوله تعالى: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم قال ~~ابن عباس: يريد عمرو بن لحي، ومن جاء بعده. والظالمون ها هنا: المشركون. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 145] # قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ~~ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) # قوله تعالى: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه نبههم بهذا ~~على أن التحريم والتحليل، إنما يثبت بالوحي، وقال طاوس، ومجاهد: معنى ~~الآية: لا أجد محرما مما كنتم تستحلون في الجاهلية ms0714 إلا هذا. والمراد ~~بالطاعم: الآكل. إلا أن يكون ميتة أي: إلا أن يكون المأكول ميتة. قرأ ابن ~~كثير، وحمزة: «إلا أن يكون» بالياء، «ميتة» نصبا! وقرأ ابن عامر: «إلا أن ~~تكون» بالتاء، «ميتة» بالرفع على معنى: إلا أن تقع ميتة، أو تحدث ميتة. أو ~~دما مسفوحا قال قتادة: إنما حرم المسفوح. فأما اللحم إذا خالطه دم، فلا بأس ~~به. وقال الزجاج: المسفوح: المصبوب. وكانوا إذا ذكوا يأكلون الدم كما ~~يأكلون اللحم. والرجس: اسم لما يستقذر، وللعذاب. أو فسقا المعنى: أو أن ~~يكون المأكول فسقا. أهل لغير الله به أي: رفع الصوت على ذبحه باسم غير ~~الله، فسمي ما ذكر عليه غير اسم الله فسقا والفسق: الخروج من الدين. # (فصل:) اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين «1» : ~~PageV02P087 # أحدهما: أنها محكمة. ولأرباب هذا القول في سبب إحكامها ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنها خبر، والخبر لا يدخله النسخ. والثاني: أنها جاءت جوابا عن سؤال ~~سألوه فكان الجواب بقدر السؤال، ثم حرم بعد ذلك ما حرم. والثالث: أنه ليس ~~في الحيوان محرم إلا ما ذكر فيها. # والقول الثاني: أنها منسوخة بما ذكر في (المائدة) من المنخنقة والموقوذة، ~~وفي السنة من تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير. ~~وقيل: إن آية (المائدة) داخلة في هذه الآية، لأن تلك الأشياء كلها ميتة. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 146] # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ~~إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا ~~لصادقون (146) # قوله تعالى: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر وقرأ الحسن، والأعمش: ~~«ظفر» بسكون الفاء وهذا التحريم تحريم بلوى وعقوبة. وفي ذي الظفر ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه ما ليس بمنفرج الأصابع، كالإبل، والنعام، والإوز، والبط، قاله ~~ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي. والثاني: أنه الإبل فقط، ~~قاله ابن زيد. والثالث: كل ذي حافر من الدواب، ومخلب من الطير، قاله ابن ~~قتيبة. قال: وسمي الحافر ظفرا على ms0715 الإستعارة والعرب تجعل الحافر والأظلاف ~~موضع القدم، استعارة وأنشدوا: # سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملك أظلافه لم تشقق «1» # أراد قدميه وإنما الأظلاف للشاء والبقر. قال ابن الأنباري: الظفر ها هنا، ~~يجري مجرى الظفر للانسان. وفيه ثلاث لغات أعلاهن: ظفر ويقال: ظفر، وأظفور. ~~وقال الشاعر: # ألم تر أن الموت أدرك من مضى ... فلم يبق منه ذا جناح وذا ظفر # وقال الآخر: # لقد كنت ذا ناب وظفر على العدى ... فأصبحت ما يخشون نابي ولا ظفري # وقال الآخر: # ما بين لقمته الأولى إذا انحدرت ... وبين أخرى تليها قيد أظفور «2» # وفي شحوم البقر والغنم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إنما حرم من ذلك شحوم ~~الثروب خاصة، قاله قتادة. والثاني: شحوم الثروب والكلى، قاله السدي، وابن ~~زيد. والثالث: كل شحم لم يكن مختلطا PageV02P088 # بعظم، ولا على عظم، قاله ابن جريج. وفي قوله تعالى: إلا ما حملت ظهورهما ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ما علق بالظهر من الشحوم، قاله ابن عباس. والثاني: الألية، ~~قاله أبو صالح، والسدي. # والثالث: ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما، قاله قتادة. فأما ~~الحوايا، فللمفسرين فيها أقوال تتقارب معانيها. قال ابن عباس، والحسن، وابن ~~جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن قتيبة: هي المباعر. وقال ابن زيد: هي ~~بنات اللبن، وهي المرابض التي تكون فيها الأمعاء. وقال الفراء: الحوايا: # هي المباعر، وبنات اللبن، وقال الاصمعي: هي بنات اللبن، واحدها: حاوياء، ~~وحاوية، وحوية. قال الشاعر: # أقتلهم ولا أرى معاويه ... الجاحظ العين العظيم الحاويه «1» # وقال الآخر: # كأن نقيق الحب في حاويائه ... فحيح الأفاعي أو نقيق العقارب «2» # وقال أبو عبيدة: الحوايا اسم لجميع ما تحوى من البطن، أي: ما استدار ~~منها. وقال الزجاج: # الحوايا: اسم لجميع ما تحوى من الأمعاء، أي: استدار. وقال ابن جرير ~~الطبري: الحوايا: ما تحوى من البطن. فاجتمع واستدار، وهي بنات اللبن، وهي ~~المباعر، وتسمى: المرابض، وفيها الأمعاء. # قوله تعالى: أو ما اختلط بعظم فيه قولان: أحدهما: أنه شحم البطن والألية، ~~لأنهما على عظم، قاله السدي. والثاني: كل شحم في القوائم، والجنب، والرأس. ms0716 ~~والعينين، والأذنين، فهو مما اختلط بعظم، قاله ابن جريج. واتفقوا على أن ما ~~حملت ظهورهما حلال، بالاستثناء من التحريم. فأما ما حملت الحوايا، أو ما ~~اختلط بعظم، ففيه قولان: أحدهما: أنه داخل في الاستثناء، فهو مباح والمعنى: ~~وأبيح لهم ما حملت الحوايا من الشحم وما اختلط بعظم، وهذا قول الأكثرين. ~~والثاني: أنه نسق على ما حرم، لا على الاستثناء فالمعنى: حرمنا عليهم ~~شحومهما، أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم، إلا ما حملت الظهور، فانه غير ~~محرم، قاله الزجاج. فأما «أو» المذكورة هاهنا، فهي بمعنى الواو، كقوله ~~تعالى آثما أو كفورا. # قوله تعالى: ذلك جزيناهم أي: ذلك التحريم عقوبة لهم على بغيهم. وفي بغيهم ~~قولان: # أحدهما: أنه قتلهم الأنبياء، وأكلهم الربا. والثاني: أنه تحريم ما أحل ~~لهم. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 147] # فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين (147) # قوله تعالى: فإن كذبوك. # (561) قال ابن عباس: لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمشركين: ~~«هذا ما أوحي إلي أنه محرم على المسلمين وعلى اليهود» ، قالوا: فانك لم ~~تصب، فنزلت هذه الآية. PageV02P089 # وفي المكذبين قولان: أحدهما: المشركون، قاله ابن عباس. والثاني: اليهود، ~~قاله مجاهد. # والمراد بذكر الرحمة الواسعة، أنه لا يعجل بالعقوبة. والبأس: العذاب. وفي ~~المراد بالمجرمين قولان: أحدهما: المشركون. والثاني: المكذبون. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 148] # سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ~~كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ~~إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) # قوله تعالى: سيقول الذين أشركوا أي: إذا لزمتهم الحجة، وتيقنوا باطل ما ~~هم عليه من الشرك وتحريم ما لم يحرمه الله لو شاء الله ما أشركنا، فجعلوا ~~هذا حجة لهم في إقامتهم على الباطل فكأنهم قالوا: لو لم يرض ما نحن عليه، ~~لحال بيننا وبينه، وإنما قالوا ذلك مستهزئين، ودافعين للاحتجاج عليهم، ~~فيقال لهم: لم تقولون عن مخالفيكم: إنهم ضالون، وإنما هم على ms0717 المشيئة أيضا؟ # فلا حجة لهم، لأنهم تعلقوا بالمشيئة، وتركوا الأمر، ومشيئة الله تعم جميع ~~الكائنات، وأمره لا يعم مراداته، فعلى العبد اتباع الأمر، وليس له أن يتعلل ~~بالمشيئة بعد ورود الأمر. # قوله تعالى: كذلك كذب الذين من قبلهم قال ابن عباس: أي: قالوا لرسلهم ~~مثلما قال هؤلاء لك، حتى ذاقوا بأسنا أي: عذابنا. قل هل عندكم من علم أي: ~~كتاب نزل من عند الله في تحريم ما حرمتم إن تتبعون إلا الظن لا اليقين و ~~«إن» بمعنى «ما» . و «تخرصون» : تكذبون. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 149] # قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) # قوله تعالى: قل فلله الحجة البالغة قال الزجاج: حجته البالغة: تبيينه أنه ~~الواحد، وإرساله الأنبياء بالحجج المعجزة. قال السدي: فلو شاء لهداكم ~~أجمعين يوم أخذ الميثاق. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 150] # قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ~~ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم ~~يعدلون (150) # قوله تعالى: قل هلم شهداءكم قال الزجاج: زعم سيبويه أن هلم هاء ضمت إليها ~~«لم» ، وجعلتا كالكلمة الواحدة فأكثر اللغات أن يقال: «هلم» : للواحد ~~والاثنين والجماعة بذلك جاء القرآن. ومن العرب من يثني ويجمع ويؤنث، فيقول ~~للذكر: «هلم» وللمرأة: «هلمي» ، وللاثنين «هلما» ، وللثنتين: «هلما» ، ~~وللجماعة: «هلموا» ، وللنسوة: «هلممن» . وقال ابن قتيبة: هلم، بمعنى: ~~«تعال» . وأهل الحجاز لا يثنونها ولا يجمعونها، وأهل نجد يجعلونها من ~~«هلممت» فيثنون ويجمعون ويؤنثون، وتوصل باللام، فيقال: «هلم لك» ، «وهلم ~~لكما» . قال: وقال الخليل: أصلها «لم» ، وزيدت الهاء في أولها. وخالفه ~~الفراء فقال: أصلها «هل» ضم إليها «أم» ، والرفعة التي في اللام من همزة ~~«أم» لما تركت انتقلت إلى ما قبلها وكذلك «اللهم» يرى أصلها: «يا ألله أمنا ~~بخير» فكثرت في الكلام، فاختلطت، وتركت الهمزة. وقال ابن الانباري: معنى ~~«هلم» : أقبل وأصله: «أم يا رجل» ، أي: «اقصد» ، فضموا «هل» إلى «أم» ~~وجعلوهما حرفا واحدا، وأزالوا «أم» عن التصرف، # PageV02P090 # وحولوا ضمة همزة «أم» إلى اللام، وأسقطوا الهمزة، فاتصلت الميم ms0718 باللام. ~~وإذا قال الرجل للرجل «هلم» ، فأراد أن يقول: لا أفعل، قال: «لا أهلم ولا ~~أهلم» . قال مجاهد: هذه الآية جواب قولهم: إن الله حرم البحيرة، والسائبة. ~~قال مقاتل: الذين يشهدون أن الله حرم هذا الحرث والأنعام، فإن شهدوا أن ~~الله حرمه فلا تشهد معهم أي: لا تصدق قولهم. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 151] # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ~~ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تعقلون (151) # قوله تعالى: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا «ما» ~~بمعنى «الذي» . # وفي «لا» قولان: أحدهما: أنها زائدة كقوله تعالى: ألا تسجد. والثاني: ~~أنها ليست زائدة، وإنما هي باقية فعلى هذا القول، في تقدير الكلام ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أن يكون قوله: «أن لا تشركوا» ، محمولا على المعنى فتقديره: ~~أتل عليكم أن لا تشركوا، أي أتل تحريم الشرك. والثاني: أن يكون المعنى: ~~أوصيكم أن لا تشركوا، لأن قوله تعالى: وبالوالدين إحسانا محمول على معنى: ~~أوصيكم بالوالدين إحسانا، ذكرهما الزجاج. والثالث: أن الكلام تم عند قوله: ~~حرم ربكم. ثم في قوله: # «عليكم» قولان: أحدهما: أنها إغراء، كقوله عليكم أنفسكم «1» ، فالتقدير: ~~عليكم أن لا تشركوا، ذكره ابن الانباري. والثاني: أن يكون بمعنى: فرض ~~عليكم، ووجب عليكم أن لا تشركوا. وفي هذا الشرك قولان: أحدهما: أنه ادعاء ~~شريك مع الله عز وجل. والثاني: أنه طاعة غيره في معصيته. # قوله تعالى: ولا تقتلوا أولادكم يريد دفن البنات أحياء، من إملاق أي: من ~~خوف فقر. # قوله تعالى: ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن فيه خمسة اقوال: # أحدها: أن الفواحش: الزنا، وما ظهر منه: الإعلان به، وما بطن: الاستسرار ~~به، قاله ابن عباس، والحسن، والسدي. والثاني: أن ما ظهر: الخمر، ونكاح ~~المحرمات. وما بطن: الزنا، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد. والثالث: أن ما ظهر: ~~الخمر، وما ms0719 بطن: الزنا، قاله الضحاك. والرابع: أنه عام في الفواحش. ~~وظاهرها: علانيتها، وباطنها: سرها، قاله قتادة. والخامس: أن ما ظهر: أفعال ~~الجوارح، وما بطن: اعتقاد القلوب، ذكره الماوردي في تفسير هذا الموضع، وفي ~~تفسير قوله: وذروا ظاهر الإثم وباطنه «2» . # والنفس التي حرم الله: نفس مسلم أو معاهد. والمراد بالحق: ادن الشرع. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 152] # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل ~~والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ~~وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) PageV02P091 # قوله تعالى: ولا تقربوا مال اليتيم # إنما خص مال اليتيم، لأن الطمع فيه، لقلة مراعيه وضعف مالكه أقوى. وفي ~~قوله: إلا بالتي هي أحسن # أربعة أقوال: أحدها: أنه أكل الوصي المصلح للمال بالمعروف وقت حاجته، ~~قاله ابن عباس، وابن زيد. والثاني: التجارة فيه، قاله سعيد بن جبير، ~~ومجاهد، والضحاك، والسدي. والثالث: أنه حفظه له إلى وقت تسليمه إليه، قاله ~~ابن السائب. # والرابع: أنه حفظه عليه، وتثميره له، قاله الزجاج. قال: و «حتى» محمولة ~~على المعنى فالمعنى: # احفظوه عليه حتى يبلغ أشده، فاذا بلغ أشده، فادفعوه إليه. # فأما الأشد، فهو استحكام قوة الشباب والسن. قال ابن قتيبة: ومعنى الآية: ~~حتى يتناهى في النبات إلى حد الرجال. يقال: بلغ أشده: إذا انتهى منتهاه قبل ~~أن يأخذ في النقصان. وقال أبو عبيدة: # الأشد لا واحد له منه فان أكرهوا على ذلك، قالوا: شد، بمنزلة: ضب والجمع: ~~أضب. قاله ابن الانباري: وقال جماعة من البصريين: واحد الأشد: شد، بضم ~~الشين. وقال بعض البصريين: واحد الأشد: شدة، كقولهم: نعمة، وأنعم. وقال بعض ~~أهل اللغة: الأشد: اسم لا واحد له. وللمفسرين في الأشد ثمانية أقوال: ~~أحدها: أنه ثلاث وثلاثون سنة، رواه ابن جبير عن ابن عباس. والثاني: ما بين ~~ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أربعون ~~سنة، روي عن عائشة عليها السلام. والرابع: ثماني عشرة سنة، قاله سعيد بن ~~جبير، ومقاتل. والخامس: ms0720 خمس وعشرون سنة، قاله عكرمة. والسادس: أربعة ~~وثلاثون سنة، قاله سفيان الثوري. والسابع: ثلاثون سنة، قاله السدي. وقال: ~~ثم جاء بعد هذه الآية: حتى إذا بلغوا النكاح «1» فكأنه يشير إلى النسخ. ~~والثامن: بلوغ الحلم، قاله زيد بن أسلم، والشعبي، ويحيى بن يعمر، وربيعة، ~~ومالك بن أنس، وهو الصحيح. ولا أظن بالذين حكينا عنهم الأقوال التي قبله ~~فسروا هذه الآية بما ذكر عنهم، وإنما أظن أن الذين جمعوا التفاسير، نقلوا ~~هذه الأقوال من تفسير قوله تعالى: ولما بلغ أشده إلى هذا المكان، وذلك ~~نهاية الأشد، وهذا ابتداء تمامه وليس هذا مثل ذاك. قال ابن جرير: وفي ~~الكلام محذوف، ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ظهر عما حذف، لأن المعنى: حتى ~~يبلغ أشده فإذا بلغ اشده، وآنستم منه رشدا، فادفعوا إليه ماله. وهذا الذي ~~ذكره ابن جرير ليس بصحيح، لأن إيناس الرشد استفيد من سورة (النساء) وكذلك ~~أولياء اليتامى، فحمل المطلق على المقيد. # قوله تعالى: وأوفوا الكيل # أي: أتموه ولا تنقصوا منه. والميزان # أي: وزن الميزان. # والقسط: العدل. لا نكلف نفسا إلا وسعها # أي: ما يسعها. ولا تضيق عنه. قال القاضي أبو يعلى: # لما كان الكيل والوزن يتعذر فيهما التحديد بأقل القليل، كلفنا الاجتهاد ~~في التحري، دون تحقيق الكيل والوزن. قوله تعالى: وإذا قلتم فاعدلوا # أي: إذا تكلمتم أو شهدتم، فقولوا الحق، ولو كان المشهود له أو عليه ذا ~~قرابة. وعهد الله يشتمل على ما عهده إلى الخلق وأوصاهم به، وعلى ما أوجبه ~~الإنسان على نفسه من نذر وغيره. ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون # أي: لتذكروه وتأخذوا به. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «تذكرون» و «يذكرون» و ~~«يذكر الإنسان» و «أن يذكر» ، و «ليذكروا» مشددا ذلك PageV02P092 # كله. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم، وابن عامر كل ذلك بالتشديد، إلا قوله ~~تعالى: أولا يذكر الإنسان فانهم خففوه. روى أبان، وحفص عن عاصم: «يذكرون» ~~خفيفة الذال في جميع القرآن. قرأ حمزة، والكسائي: «يذكرون» مشددا إذا كان ~~بالياء، ومخففا إذا كان بالتاء. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 153] ms0721 # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون (153) # قوله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو ~~عمرو: «وأن» بفتح الألف مع تشديد النون. قال الفراء: إن شئت جعلت «أن» ~~مفتوحة بوقوع «أتل» عليها وإن شئت جعلتها خفضا، على معنى: ذلكم وصاكم به، ~~وبأن هذا صراطي مستقيما. وقرأ ابن عامر بفتح الألف أيضا، إلا أنه خفف ~~النون، فجعلها مخففة من الثقيلة وحكم إعرابها حكم تلك. وقرأ حمزة، ~~والكسائي: بتشديد النون مع كسر الألف. قال الفراء: وكسر الألف على ~~الاستئناف. وفي الصراط قولان: أحدهما: أنه القرآن. والثاني: الإسلام. وقد ~~بينا إعراب قوله: «مستقيما» . فأما «السبل» ، فقال ابن عباس: هي الضلالات. ~~وقال مجاهد: البدع والشبهات. وقال مقاتل: أراد ما حرموا على أنفسهم من ~~الأنعام والحرث. فتفرق بكم عن سبيله أي: فتضلكم عن دينه. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 154] # ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة ~~لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) # قوله تعالى: ثم آتينا موسى الكتاب قال الزجاج: «ثم» ها هنا للعطف على ~~معنى التلاوة فالمعنى: أتل ما حرم ربكم، ثم اتل عليكم ما آتاه الله موسى. ~~وقال ابن الانباري: الذي بعد «ثم» مقدم على الذي قبلها في النية والتقدير: ~~ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # قوله تعالى: تماما على الذي أحسن في قوله تعالى: تماما قولان: # أحدهما: أنها كلمة متصلة بما بعدها تقول: أعطيتك كذا تماما على كذا، ~~وتماما لكذا، وهذا قول الجمهور. والثاني: أن قوله: تماما كلمة قائمة ~~بنفسها، غير متصلة بما بعدها والتقدير: آتينا موسى الكتاب تماما، أي: في ~~دفعة واحدة، لم نفرق إنزاله كما فرق إنزال القرآن، ذكره أبو سليمان ~~الدمشقي. وفي المشار إليه بقوله: أحسن # أربعة أقوال: أحدها: أنه الله عز وجل: ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: ~~تماما على إحسان الله إلى أنبيائه، قاله ابن زيد. والثاني: تماما على إحسان ~~الله تعالى ms0722 إلى موسى وعلى هذين القولين، يكون «الذي» بمعنى «ما» . والقول ~~الثاني: أنه إبراهيم الخليل عليه السلام فالمعنى: تماما للنعمة على إبراهيم ~~الذي أحسن في طاعة الله، وكانت نبوة موسى نعمة على إبراهيم، لأنه من ولده، ~~ذكره الماوردي. والقول الثالث: أنه كل محسن من الانبياء، وغيرهم. # وقال مجاهد: تماما على المحسنين، أي: تماما لكل محسن. وعلى هذا القول، ~~يكون «الذي» بمعنى «من» ، و «على» بمعنى لام الجر ومن هذا قول العرب: أتم ~~عليه، وأتم له. قال الراعي: # PageV02P093 # رعته أشهرا وخلا عليها «1» أي: لها. قال ابن قتيبة: ومثل هذا أن تقول: ~~أوصي بمالي للذي غزا وحج تريد: للغازين والحاجين. والقول الرابع: أنه موسى. ~~ثم في معنى: «أحسن» قولان: أحدهما: أحسن في الدنيا بطاعة الله عز وجل. قال ~~الحسن، وقتادة: تماما لكرامته في الجنة إلى إحسانه في الدنيا. وقال الربيع: ~~هو إحسان موسى بطاعته. وقال ابن جرير: تماما لنعمنا عنده على إحسانه في ~~قيامه بأمرنا ونهينا. والثاني: # أحسن في العلم وكتب الله القديمة وكأنه زيد على ما أحسنه من التوراة ~~ويكون «التمام» بمعنى الزيادة، ذكره ابن الانباري. فعلى هذين القولين، يكون ~~«الذي» بمعنى: «ما» . # وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو رزين، والحسن، وابن يعمر: «على الذي ~~أحسن» ، بالرفع. # قال الزجاج: معناه: على الذي هو أحسن الأشياء. وقرأ عبد الله بن عمرو، ~~وأبو المتوكل، وأبو العالية: «على الذي أحسن» برفع الهمزة وكسر السين وفتح ~~النون وهي تحتمل الإحسان، وتحتمل العلم. # قوله تعالى: وتفصيلا لكل شيء أي: تبيانا لكل شيء من أمر شريعتهم مما ~~يحتاجون إلى علمه، لكي يؤمنوا بالبعث والجزاء. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 155] # وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155) # قوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك يعني القرآن، فاتبعوه واتقوا أن ~~تخالفوه لعلكم ترحمون. قال الزجاج: لتكونوا راجين للرحمة. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 156] # أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم ~~لغافلين (156) # قوله تعالى: أن تقولوا. سبب نزولها: # (562) أن كفار مكة قالوا: قاتل الله اليهود والنصارى، كيف كذبوا ms0723 أنبياءهم ~~فو الله لو جاءنا نذير وكتاب، لكنا أهدى منهم، فنزلت هذه الآية، قاله ~~مقاتل. # قال الفراء: «أن» في موضع نصب في مكانين: أحدهما: أنزلناه لئلا تقولوا. ~~والآخر: من قوله: # واتقوا أن تقولوا. وذكر الزجاج عن البصريين، أن معناه: أنزلناه، كراهة أن ~~تقولوا ولا يجيزون إضمار «لا» . فأما الخطاب بهذه الآية، فهو لأهل مكة ~~والمراد إثبات الحجة عليهم بانزال القرآن كي لا يقولوا يوم القيامة: إن ~~التوراة والإنجيل أنزلا على اليهود والنصارى، وكنا غافلين عما فيهما. و ~~«دراستهم» : # قراءتهم الكتاب. قال الكسائي. وإن كنا عن دراستهم لغافلين لا نعلم ما هي، ~~لأن كتبهم لم تكن بلغتنا، فأنزل الله كتابا بلغتهم لتنقطع حجتهم. ~~PageV02P094 ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 157] # أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ~~ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون ~~عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (157) # قوله تعالى: لكنا أهدى منهم قال الزجاج: إنما كانوا يقولون هذا، لأنهم ~~مدلون بالأذهان والأفهام، وذلك أنهم يحفظون أشعارهم وأخبارهم، وهم أميون لا ~~يكتبون. فقد جاءكم بينة أي: ما فيه البيان وقطع الشبهات. قال ابن عباس: فقد ~~جاءكم بينة أي: حجة، وهو النبي، والقرآن، والهدى، والبيان، والرحمة، ~~والنعمة. فمن أظلم أي: أكفر ممن كذب بآيات الله يعني محمدا والقرآن. وصدف ~~عنها: أعرض فلم يؤمن بها. وسوء العذاب: قبيحه. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 158] # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم ~~يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون (158) # قوله تعالى: هل ينظرون أي: ينتظرون إلا أن تأتيهم الملائكة قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: «تأتيهم» بالتاء. وقرأ حمزة، ~~والكسائي: «يأتيهم» بالياء. وهذا الإتيان لقبض أرواحهم. وقال مقاتل: المراد ~~بالملائكة: ملك الموت وحده. # قوله تعالى: أو يأتي ربك قال الحسن: أو يأتي أمر ربك. وقال الزجاج: أو ms0724 ~~يأتي إهلاكه وانتقامه، إما بعذاب عاجل، أو بالقيامة. قوله تعالى: أو يأتي ~~بعض آيات ربك وروى عبد الوارث إلا القزاز: بتسكين ياء «أو يأتي» ، وفتحها ~~الباقون. وفي هذه الآية أربعة أقوال: # (563) أحدها: أنه طلوع الشمس من مغربها، رواه أبو سعيد الخدري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وبه قال ابن مسعود في رواية زرارة بن أوفى عنه، وعبد ~~الله بن عمرو، ومجاهد وقتادة، والسدي. # (564) وقد روى البخاري، ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، ~~فاذا طلعت ورآها الناس، آمن من عليها، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم ~~تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» . # (565) وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «لا تزال التوبة مقبولة حتى PageV02P095 # تطلع الشمس من مغربها، فاذا طلعت، طبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس ~~العمل» . # والثاني: أنه طلوع الشمس والقمر من مغربهما، رواه مسروق عن ابن مسعود. ~~والثالث: أنه إحدى الآيات الثلاث، طلوع الشمس من مغربها، والدابة، وفتح ~~يأجوج ومأجوج، روى هذا المعنى القاسم عن ابن مسعود. والرابع: أنه طلوع ~~الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض، قاله أبو هريرة والأول أصح. # والمراد بالخير ها هنا: العمل الصالح وإنما لم ينفع الإيمان والعمل ~~الصالح حينئذ، لظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان. وقال الضحاك: من أدركه ~~بعض الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه، قبل منه، كما يقبل منه قبل الآية. ~~وقيل: إن الحكمة في طلوع الشمس من مغربها، أن الملحدة والمنجمين، زعموا أن ~~ذلك لا يكون، فيريهم الله تعالى قدرته، ويطلعها من المغرب كما أطلعها من ~~المشرق، ولتحقق عجز نمرود حين قال له إبراهيم: فأت بها من المغرب فبهت «1» ~~. # (فصل:) وفي قوله: قل انتظروا إنا منتظرون قولان: أحدهما: أن المراد به ~~التهديد، فهو محكم. # والثاني: أنه أمر بالكف عن القتال، فهو منسوخ بآية السيف. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 159] ms0725 # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ~~ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (159) # قوله تعالى: إن الذين فرقوا دينهم قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «فرقوا» ~~مشددة. وقرأ حمزة، والكسائي: «فارقوا» بألف. وكذلك قرءوا في (الروم) فمن ~~قرأ: «فرقوا» ، أراد: آمنوا ببعض، وكفروا ببعض. ومن قرأ: «فارقوا» ، أراد: ~~باينوا. وفي المشار إليهم أربعة أقوال: # أحدها: أنهم أهل الضلالة من هذه الأمة، قاله أبو هريرة. والثاني: أنهم ~~اليهود والنصارى، قاله ابن عباس، والضحاك، وقتادة، والسدي. والثالث: ~~اليهود، قاله مجاهد. والرابع: جميع المشركين، قاله الحسن. فعلى هذا القول، ~~دينهم: الكفر الذي يعتقدونه دينا، وعلى ما قبله، دينهم: الذي أمرهم الله ~~به. والشيع: الفرق والأحزاب. قال الزجاج: ومعنى «شيعت» في اللغة: اتبعت. ~~والعرب تقول: # شاعكم السلام، وأشاعكم، أي: تبعكم. قال الشاعر: # ألا يا نخلة من ذات عرق ... برود الظل شاعكم السلام «2» # وتقول: أتيتك غدا، أو شيعة، أي: أو اليوم الذي يتبعه. فمعنى الشيعة: ~~الذين يتبع بعضهم بعضا، وليس كلهم متفقين. PageV02P096 # وفي قوله تعالى: لست منهم في شيء قولان: أحدهما: لست من قتالهم في شيء ثم ~~نسخ بآية السيف، وهذا مذهب السدي. والثاني: لست منهم، أي: أنت بريء منهم، ~~وهم منك برآء، إنما أمرهم إلى الله في جزائهم، فتكون الآية محكمة. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 160] # من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم ~~لا يظلمون (160) # قوله تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وقرأ يعقوب، والقزاز عن عبد ~~الوارث: «عشر» بالتنوين، «أمثالها» بالرفع. قال ابن عباس: يريد من عملها، ~~كتبت له عشر حسنات. ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا جزاء مثلها. وفي الحسنة ~~والسيئة ها هنا قولان: # أحدهما: أن الحسنة: قول لا إله إلا الله. والسيئة: الشرك، قاله ابن ~~مسعود، ومجاهد، والنخعي. والثاني: أنه عام في كل حسنة وسيئة. # (566) روى مسلم في «صحيحه» من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ms0726 أو أزيد، ومن جاء ~~بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر» . # فان قيل: إذا كانت الحسنة كلمة التوحيد، فأي مثل لها حتى يجعل جزاء ~~قائلها عشر أمثالها؟ # فالجواب: أن جزاء الحسنة معلوم القدر عند الله، فهو يجازي فاعلها بعشر ~~أمثاله، وكذلك السيئة. وقد أشرنا إلى هذا في (المائدة) عند قوله: فكأنما ~~قتل الناس جميعا «1» . فان قيل: المثل مذكر، فلم قال: عشر أمثالها والهاء ~~إنما تسقط في عدد المؤنث؟ فالجواب: أن الأمثال خلقت حسنات مؤنثة وتلخيص ~~المعني: فله عشر حسنات أمثالها، فسقطت الهاء من عشر، لأنها عدد مؤنث، كما ~~تسقط عند قولك: عشر نعال، وعشر جباب. ### | [سورة الأنعام (6) : آية 161] # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان ~~من المشركين (161) # قوله تعالى: قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم قال الزجاج: أي: دلني على ~~الدين الذي هو دين الحق. ثم فسر ذلك بقوله: دينا قيما قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو: «قيما» مفتوحة القاف، PageV02P097 # مشددة الياء. والقيم: المستقيم. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ~~«قيما» بكسر القاف وتخفيف الياء. قال الزجاج: وهو مصدر، كالصغر والكبر. ~~وقال مكي: من خففه بناه على «فعل» وكان أصله أن يأتي بالواو، فيقول: «قوما» ~~كما قالوا: عوض، وحول، ولكنه شذ عن القياس. قال الزجاج: # ونصب قوله: دينا قيما محمول على المعنى، لأنه لما قال: «هداني» دل على ~~عرفني دينا ويجوز أن يكون على البدل من قوله: إلى صراط مستقيم، فالمعنى: ~~هداني صراطا مستقيما دينا قيما. # و «حنيفا» منصوب على الحال من إبراهيم، والمعنى: هداني ملة إبراهيم في ~~حال حنيفيته. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 162 الى 163] # قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162) لا شريك له وبذلك ~~أمرت وأنا أول المسلمين (163) # قوله تعالى: قل إن صلاتي يريد: الصلاة المشروعة. والنسك: جمع نسيكة. وفي ~~النسك ها هنا أربعة أقوال: أحدها: أنها الذبائح قاله ابن عباس، وسعيد بن ~~جبير، ومجاهد، وابن قتيبة. # والثاني: الدين، قاله الحسن. والثالث: العبادة. قال الزجاج: النسك كل ما ~~تقرب ms0727 به إلى الله عز وجل، إلا أن الغالب عليه أمر الذبح. والرابع: أنه ~~الدين، والحج، والذبائح، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # قوله تعالى: ومحياي ومماتي الجمهور على تحريك ياء «محياي» ، وتسكين ياء ~~«مماتي» . وقرأ نافع: بتسكين ياء «محياي» ، ونصب ياء «مماتي» ، ثم للمفسرين ~~في معناه قولان: # أحدهما: أن معناه: لا يملك حياتي ومماتي إلا الله. # والثاني: حياتي لله في طاعته، ومماتي لله في رجوعي إلى جزائه. ومقصود ~~الآية أنه أخبرهم أن أفعالي وأحوالي لله وحده، لا لغيره كما تشركون أنتم ~~به. # قوله تعالى: وأنا أول المسلمين قال الحسن، وقتادة: أول المسلمين من هذه ~~الأمة. ### | ### | [سورة الأنعام (6) : آية # 164] # قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (164) # قوله تعالى: قل أغير الله أبغي ربا. # (567) سبب نزولها أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع عن ~~هذا الأمر، ونحن لك الكفلاء بما أصابك من تبعة، فنزلت هذه الآية، قاله ~~مقاتل. # قوله تعالى: ولا تكسب كل نفس إلا عليها أي: لا يؤخذ سواها بعملها. وقيل: ~~المعنى: إلا عليها عقاب معصيتها، ولها ثواب طاعتها. ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~قال الزجاج: لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى. والمعنى: لا يؤخذ أحد بذنب غيره. ~~قال أبو سليمان: ولما ادعت كل فرقة من اليهود والنصارى والمشركين أنهم أولى ~~بالله من غيرهم. عرفهم أنه الحاكم بينهم بقوله تعالى: PageV02P098 # فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون، ونظيره: إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ~~«1» . ### | [سورة الأنعام (6) : آية 165] # وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما ~~آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم (165) # قوله تعالى: وهو الذي جعلكم خلائف الأرض قال أبو عبيدة: الخلائف: جمع ~~خليفة. قال الشماخ: # تصيبهم وتخطئني المنايا ... وأخلف في ربوع عن ربوع «2» # وللمفسرين فيمن خلفوه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم خلفوا الجن الذين كانوا ~~سكان الأرض قاله ابن عباس. ms0728 والثاني: أن بعضهم يخلف بعضا قاله ابن قتيبة. ~~والثالث: أن أمة محمد خلفت سائر الأمم، ذكره الزجاج. # قوله تعالى: ورفع بعضكم فوق بعض درجات أي: في الرزق، والعلم، والشرف، ~~والقوة، وغير ذلك ليبلوكم أي: ليختبركم، فيظهر منكم ما يكون عليه الثواب ~~والعقاب. # قوله تعالى: إن ربك سريع العقاب فيه قولان: أحدهما: أنه سماه سريعا، لأنه ~~آت، وكل آت قريب. والثاني: أنه إذا شاء العقوبة، أسرع عقابه. PageV02P099 ### | سورة الأعراف # (فصل في نزولها:) روى العوفي، وابن أبي طلحة، وأبو صالح عن ابن عباس، أن ~~سورة (الأعراف) من المكي، وهذا قول الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، وجابر بن ~~زيد، وقتادة. وروي عن ابن عباس، وقتادة أنها مكية، إلا خمس آيات أولها قوله ~~تعالى: وسئلهم عن القرية «1» . # وقال مقاتل: كلها مكية، إلا قوله: وسئلهم عن القرية إلى قوله: وإذ أخذ ~~ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم «2» فإنهن مدنيات. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # المص (1) # فأما التفسير، فقوله تعالى: المص قد ذكرنا في أول سورة البقرة كلاما ~~مجملا في الحروف المقطعة أوائل السور، فهو يعم هذه أيضا. # فأما ما يختص بهذه الآية ففيه سبعة أقوال: أحدها: أن معناه: أنا الله ~~أعلم وأفضل، رواه أبو الضحى عن ابن عباس. والثاني: أنه قسم أقسم الله به، ~~رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: # أنها اسم من أسماء الله تعالى، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والرابع: أن ~~الألف مفتاح اسمه «الله» ، واللام مفتاح اسمه «لطيف» ، والميم مفتاح اسمه ~~«مجيد» ، قاله أبو العالية «3» . والخامس: أن المص اسم للسورة، قاله الحسن. ~~والسادس: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. والسابع: أنها بعض كلمة. ثم ~~في تلك الكلمة قولان: أحدهما: المصور، قاله السدي. والثاني: المصير إلى ~~كتاب أنزل إليك، ذكره الماوردي. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 2] # كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين (2) # قوله تعالى: كتاب أنزل إليك قال الأخفش: رفع الكتاب بالابتداء. ومذهب ~~الفراء أن الله تعالى ms0729 اكتفى في مفتتح السور ببعض حروف المعجم عن جميعها، ~~كما يقول القائل: «اب ت ث» PageV02P100 # ثمانية وعشرون حرفا فالمعنى: حروف المعجم: كتاب أنزلناه إليك. قال ابن ~~الانباري: ويجوز أن يرتفع الكتاب باضمار: هذا الكتاب. وفي الحرج قولان: ~~أحدهما: أنه الشك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن قتيبة. ~~والثاني: أنه الضيق، قاله الحسن، والزجاج. وفي هاء «منه» قولان: أحدهما: ~~أنها ترجع إلى الكتاب فعلى هذا، في معنى الكلام قولان: أحدهما: لا يضيقن ~~صدرك بالإبلاغ، ولا تخافن، قاله الزجاج. والثاني: لا تشكن أنه من عند الله. ~~والقول الثاني: أنها ترجع إلى مضمر، وقد دل عليه الإنذار، وهو التكذيب، ~~ذكره ابن الانباري. قال الفراء: فمعنى الآية: لا يضيقن صدرك إن كذبوك. قال ~~الزجاج: وقوله تعالى: لتنذر به مقدم والمعنى: أنزل إليك لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين، فلا يكن في صدرك حرج منه. وذكرى يصلح أن يكون في موضع رفع ونصب ~~وخفض فأما النصب، فعلى قوله: أنزل إليك لتنذر به، وذكرى للمؤمنين أي ولتذكر ~~به ذكرى، لان في الإنذار معنى التذكير. ويجوز الرفع على أن يكون: وهو ذكرى، ~~كقولك: وهو ذكرى للمؤمنين. فأما الخفض، فعلى معنى: لتنذر، لأن معنى «لتنذر» ~~: لأن تنذر المعنى للانذار والذكرى، وهو في موضع خفض. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 3] # اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون ~~(3) # قوله تعالى: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم إن قيل: كيف خاطبه بالإفراد في ~~الآية الأولى، ثم جمع بقوله: «اتبعوا» ؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه لما ~~علم أن الخطاب له ولأمته، حسن الجمع لذلك المعنى. والثاني: أن الخطاب الأول ~~خاص له والثاني محمول على الإنذار، والإنذار في طريق القول، فكأنه قال: ~~لتقول لهم منذرا: اتبعوا ... ، ذكرهما ابن الانباري. والثالث: أن الخطاب ~~الثاني للمشركين، ذكره جماعة من المفسرين قالوا: والذي أنزل إليهم القرآن. ~~وقال الزجاج: الذي أنزل: القرآن وما أتى عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه ~~مما أنزل عليه، لقوله تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ms0730 عنه فانتهوا ~~«1» . ولا تتبعوا من دونه أولياء أي: لا تتولوا من عدل عن دين الحق، وكل من ~~ارتضى مذهبا فهو ولي أهل المذهب. وقوله تعالى: قليلا ما تذكرون ما: زائدة ~~مؤكدة والمعنى: # قليلا تتذكرون. قرأ أبن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: ~~«تذكرون» مشددة الذال والكاف. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «تذكرون» ~~خفيفة الذال مشددة الكاف. قال أبو علي: من قرأ «تذكرون» بالتشديد، أراد ~~«تتذكرون» فأدغم التاء في الذال، وإدغامها فيها حسن، لأن التاء مهموسة، ~~والذال مجهورة والمجهور أزيد صوتا من المهموس وأقوى فإدغام الأنقص في ~~الأزيد حسن. فأما حمزة ومن وافقه، فانهم حذفوا التاء التي أدغمها هؤلاء، ~~وذلك حسن لاجتماع ثلاثة أحرف متقاربة. وقرأ ابن عامر: «يتذكرون» بياء وتاء، ~~على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: قليلا ما يتذكر هؤلاء الذين ~~ذكروا بهذا الخطاب. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 4] # وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (4) # قوله تعالى: وكم من قرية أهلكناها، و «كم» تدل على الكثرة، و «رب» : ~~موضوعة للقلة. قال PageV02P101 # الزجاج: المعنى: وكم من أهل قرية، فحذف الأهل، لأن في الكلام دليلا عليه. ~~وقوله تعالى: فجاءها بأسنا محمول على لفظ القرية والمعنى: فجاءهم بأسنا ~~غفلة وهم غير متوقعين له إما ليلا وهم نائمون، أو نهارا وهم قائلون. قال ~~ابن قتيبة: بأسنا: عذابنا، وبياتا: ليلا. وقائلون: من القائلة نصف النهار. ~~فان قيل: إنما أتاها البأس قبل الإهلاك، فكيف يقدم الهلاك؟ فعنه ثلاثة ~~أجوبة: أحدها: أن الهلاك والبأس يقعان معا، كما تقول: أعطيتني فأحسنت وليس ~~الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله، وإنما وقعا معا، قاله الفراء. والثاني: أن ~~الكون مضمر في الآية، تقديره: أهلكناها، وكان بأسنا قد جاءها، فأضمر الكون، ~~كما أضمر في قوله: واتبعوا ما تتلوا الشياطين «1» ، أي: ما كانت الشياطين ~~تتلوه، وقوله تعالى: إن يسرق «2» ، أي: إن يكن سرق. والثالث: أن في الآية ~~تقديما وتأخيرا، تقديره: # وكم من قرية جاءها بأسنا بياتا، أو هم قائلون فأهلكناها، كقوله تعالى: ~~إني متوفيك ورافعك إلي «3» أي: ms0731 رافعك ومتوفيك، ذكرهما ابن الانباري. # قوله تعالى: أو هم قائلون قال الفراء: فيه واو مضمرة والمعنى: فجاءها ~~بأسنا بياتا، أو وهم قائلون، فاستثقلوا نسقا على نسق. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 5] # فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (5) # قوله تعالى: فما كان دعواهم قال اللغويون: الدعوى ها هنا بمعنى الدعاء ~~والقول. والمعنى: # ما كان قولهم وتداعيهم إذ جاءهم العذاب إلا الاعتراف بالظلم. قال ابن ~~الانباري: وللدعوى في الكلام موضعان: أحدهما: الإدعاء. والثاني: القول ~~والدعاء. قال الشاعر: # إذا مذلت رجلي دعوتك أشتفي ... بدعواك من مذل بها فيهون «4» ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 6 الى 7] # فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين (6) فلنقصن عليهم بعلم وما ~~كنا غائبين (7) # قوله تعالى: فلنسئلن الذين أرسل إليهم يعني: الأمم يسألون: هل بلغكم ~~الرسل وماذا أجبتم؟ ويسأل الرسل: هل بلغتم، وماذا أجبتم؟. فلنقصن عليهم أي: ~~فلنخبرنهم بما عملوا بعلم منا وما كنا غائبين عن الرسل والأمم. وقال ابن ~~عباس: يوضع الكتاب، فيتكلم بما كانوا يعملون. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 8 الى 9] # والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8) ومن خفت ~~موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (9) # قوله تعالى: والوزن يومئذ الحق أي: العدل. وإنما قال: «موازينه» لأن «من» ~~في معنى جميع، يدل عليه قوله: فأولئك. وفي معنى يظلمون قولان: أحدهما: ~~يجحدون. والثاني: يكافرون. # قال الفراء: والمراد بموازينه: وزنه. والعرب تقول: هل لك في درهم بميزان ~~درهمك، ووزن درهمك، ويقولون: داري بميزان دارك، ووزن دارك ويريدون: حذاء ~~دارك. قال الشاعر: PageV02P102 # قد كنت قبل لقائكم ذا مرة ... عندي لكل مخاصم ميزانه «1» # يعني: مثل كلامه ولفظه. # (فصل:) والقول بالميزان مشهور في الحديث، وظاهر القرآن ينطق به. وأنكرت ~~المعتزلة ذلك، وقالوا: الأعمال أعراض، فكيف توزن؟ فالجواب: أن الوزن يرجع ~~إلى الصحائف، بدليل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # (568) «إن الله عز وجل يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الناس يوم القيامة، ~~فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، ms0732 كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا ~~شيئا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ # فيقول: لا يا رب. فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول: لا يا رب ~~فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة ~~فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فتوضع السجلات في ~~كفة، والبطاقة في كفة قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة» أخرجه أحمد في ~~«مسنده» ، والترمذي. # (569) وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يؤتى ~~بالرجل الطويل الأكول الشروب، فلا يزن جناح بعوضة» ، فعلى هذا يوزن ~~الإنسان. # قال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان، له لسان وكفتان. فأما ~~المؤمن، فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه. وقال ~~الحسن: للميزان لسان وكفتان. وجاء في الحديث: # (570) أن داود عليه السلام سأل ربه ان يريه الميزان، فأراه إياه فقال: يا ~~إلهي، من يقدر أن يملأ كفتيه حسنات؟ فقال: يا داود، إني إذا رضيت عن عبدي، ~~ملأتها بتمرة. # وقال حذيفة: جبريل صاحب الميزان يوم القيامة يقول له ربه: زن بينهم، ورد ~~من بعضهم على بعض فيرد على المظلوم من الظالم ما وجد له من حسنة. فان لم ~~تكن له حسنة، أخذ من سيئات المظلوم، فرد على سيئات الظالم، فيرجع وعليه مثل ~~الجبل. # فإن قيل: أليس الله عز وجل يعلم مقادير الأعمال، فما الحكمة في وزنها؟ # فالجواب أن فيه خمسة حكم: إحداها: امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا. ~~والثانية: إظهار علامة السعادة والشقاوة في الأخرى. والثالثة: تعريف العباد ~~ما لهم من خير وشر. والرابعة: إقامة PageV02P103 # الحجة عليهم. والخامسة: الإعلام بأن الله عادل لا يظلم. ونظير هذا أنه ~~أثبت الاعمال في كتاب، واستنسخها من غير جواز النسيان عليه. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 10] # ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون (10) # قوله تعالى: ولقد مكناكم في الأرض فيه قولان: أحدهما: مكناكم إياها. ~~والثاني: سهلنا عليكم التصرف فيها. وفي المعايش قولان: ms0733 أحدهما: ما تعيشون ~~به من المطاعم والمشارب. والثاني: # ما تتوصلون به إلى المعايش، من زراعة، وعمل، وكسب. وأكثر القراء على ترك ~~الهمز في «معايش» وقد رواها خارجة عن نافع مهموزة. قال الزجاج: وجميع ~~النحويين البصريين يزعمون أن همزها خطأ، لأن الهمز إنما يكون في الياء ~~الزائدة، نحو صحيفة وصحائف فصحيفة من الصحف والياء زائدة، فأما معايش، فمن ~~العيش فالياء أصلية. # قوله تعالى: قليلا ما تشكرون أي: شكركم قليل. وقال ابن عباس: يريد أنكم ~~غير شاكرين. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 11] # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ~~لم يكن من الساجدين (11) # قوله تعالى: ولقد خلقناكم ثم صورناكم فيه ثمانية أقوال «1» : أحدها: ولقد ~~خلقناكم في ظهر PageV02P104 # آدم، ثم صورناكم في الأرحام، رواه عبد الله بن الحارث عن ابن عباس. ~~والثاني: ولقد خلقناكم في أصلاب الرجال، وصورناكم في أرحام النساء، رواه ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عكرمة. # والثالث: «ولقد خلقناكم» ، يعني آدم، «ثم صورناكم» ، يعني ذريته من بعده ~~رواه العوفي عن ابن عباس. والرابع: «ولقد خلقناكم» ،: يعني آدم، «ثم ~~صورناكم» في ظهره، قاله مجاهد. والخامس: # «خلقناكم» نطفا في أصلاب الرجال، وترائب النساء، «ثم صورناكم» عند اجتماع ~~النطف في الأرحام، قاله ابن السائب. والسادس: «خلقناكم» في بطون أمهاتكم، ~~«ثم صورناكم» فيما بعد الخلق بشق السمع والبصر، قاله معمر. والسابع: ~~«خلقناكم» ، يعني آدم خلقناه من تراب، «ثم صورناكم» ، أي: صورناه، قاله ~~الزجاج، وابن قتيبة. قال ابن قتيبة: فجعل الخلق لهم إذ كانوا منه فمن قال: ~~عنى بقوله: # «خلقناكم» آدم، فمعناه: خلقنا أصلكم ومن قال: صورنا ذريته في ظهره، أراد ~~إخراجهم يوم الميثاق كهيئة الذر. والثامن: «ولقد خلقناكم» يعني الأرواح، ~~«ثم صورناكم» يعني الأجساد، حكاه القاضي أبو يعلى في «المعتمد» . وفي «ثم» ~~المذكورة مرتين قولان: أحدهما: أنها بمعنى الواو، قاله الأخفش. # والثاني: أنها للترتيب، قاله الزجاج. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 12] # قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين (12) # قوله تعالى: ms0734 ما منعك ألا تسجد «ما» استفهام، ومعناها الإنكار. قال ~~الكسائي: «لا» ها هنا زائدة. والمعنى: ما منعك أن تسجد؟. وقال الزجاج: موضع ~~«ما» رفع. والمعنى أي شيء منعك من السجود؟ و «لا» زائدة مؤكدة ومثله: لئلا ~~يعلم أهل الكتاب «1» قال ابن قتيبة: وقد تزاد «لا» في الكلام. والمعنى: ~~طرحها لإباء في الكلام، أو جحد، كهذه الآية. وإنما زاد «لا» لأنه لم يسجد. # ومثله: أنها إذا جاءت لا يؤمنون «2» على قراءة من فتح «أنها» ، فزاد «لا» ~~لأنهم لم يؤمنوا ومثله: # وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون «3» . وقال الفراء: «لا» ها هنا ~~جحد محض، وليست بزائدة، والمنع راجع إلى تأويل القول، والتأويل: من قال لك: ~~لا تسجد؟، فأحل المنع محل القول، ودخلت بعده «أن» ليدل على تأويل القول ~~الذي لم يتصرح لفظه. وقال ابن جرير: في الكلام محذوف، تقديره: ما منعك من ~~السجود، فأحوجك أن لا تسجد؟. قال الزجاج: وسؤال الله تعالى لإبليس «ما ~~منعك» توبيخ له، وليظهر أنه معاند، ولذلك لم يتب، وأتى بشيء في معنى ~~الجواب، ولفظه غير جواب، لأن قوله: أنا خير منه إنما هو جواب، أيكما خير؟ ~~ولكن المعنى: منعني من السجود فضلي عليه. ومثله قولك للرجل: كيف كنت؟ ~~فيقول: أنا صالح وإنما الجواب: كنت صالحا، فيجيب بما يحتاج إليه وزيادة. ~~قال العلماء: وقع الخطأ من إبليس حين قاس مع وجود النص، وخفي عليه فضل ~~الطين على النار وفضله من وجوه: أحدها: أن من طبع النار الطيش والالتهاب ~~والعجلة، ومن طبع الطين الهدوء والرزانة. والثاني: أن الطين سبب الإنبات ~~والإيجاد، والنار سبب الإعدام PageV02P105 # والإهلاك. والثالث: أن الطين سبب جمع الأشياء، والنار سبب تفريقها. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 13] # قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13) # قوله تعالى: فاهبط منها في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى ~~السماء، لأنه كان فيها، قاله الحسن. والثاني: إلى الجنة، قاله السدي. # قوله تعالى: فما يكون لك أن تتكبر فيها، إن قيل: فهل لأحد أن يتكبر في ms0735 ~~غيرها؟ فالجواب: أن المعنى: ما للمتكبر أن يكون فيها، وإنما المتكبر في ~~غيرها. وأما الصاغر، فهو الذليل. والصغار: # الذل. قال الزجاج: استكبر إبليس بابائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر ~~بذلك. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 14 الى # 15] # قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14) قال إنك من المنظرين (15) # قوله تعالى: قال أنظرني أي أمهلني وأخرني إلى يوم يبعثون، فأراد أن يعبر ~~قنطرة الموت وسأل الخلود، فلم يجبه إلى ذلك، وأنظره إلى النفخة الأولى حين ~~يموت الخلق كلهم. وقد بين مدة إمهاله في «الحجر» بقوله: إلى يوم الوقت ~~المعلوم «1» . وفي ما سأل الإمهال له قولان: أحدهما: # الموت. والثاني: العقوبة. فان قيل: كيف قيل له: إنك من المنظرين وليس أحد ~~أنظر سواه؟ # فالجواب: أن الذين تقوم عليهم الساعة منظرون إلى ذلك الوقت بآجالهم، فهو ~~منهم. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 16] # قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) # قوله تعالى: فبما أغويتني في معنى هذا الإغواء قولان: أحدهما: أنه بمعنى ~~الإضلال، قاله ابن عباس، والجمهور. والثاني: أنه بمعنى الإهلاك، ومنه قوله: ~~فسوف يلقون غيا «2» أي: هلاكا، ذكره ابن الأنباري. وفي معنى «فبما» قولان: ~~أحدهما: أنها بمعنى القسم، أي: فباغوائك لي. والثاني: أنها بمعنى الجزاء، ~~أي: فبأنك أغويتني، ولأجل أنك أغويتني لأقعدن لهم صراطك. قال الفراء، ~~والزجاج: # أي على صراطك. ومثله قولهم: ضرب زيد الظهر والبطن. وفي المراد بالصراط ها ~~هنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه طريق مكة، قاله ابن مسعود، والحسن، وسعيد بن جبير كأن المراد ~~صدهم عن الحج. # والثاني: أنه الإسلام، قاله جابر بن عبد الله، وابن الحنفية، ومقاتل. ~~والثالث: أنه الحق، قاله مجاهد. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 17] # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد ~~أكثرهم شاكرين (17) # قوله تعالى: ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ~~فيه سبعة أقوال «3» : أحدها: # «من بين أيديهم» أشككهم في آخرتهم، «ومن خلفهم» أرغبهم في دنياهم، «وعن ~~أيمانهم» أي: من قبل PageV02P106 # حسناتهم، «وعن شمائلهم» من قبل سيئاتهم، قاله ابن عباس وقتادة. والثاني: ~~مثله، إلا ms0736 أنهم جعلوا «من بين أيديهم» الدنيا، «ومن خلفهم» الآخرة، قاله ~~النخعي، والحكم بن عتيبة. والثالث: مثل الثاني، إلا أنهم جعلوا «وعن ~~أيمانهم» من قبل الحق أصدهم عنه، وعن شمائلهم من قبل الباطل أردهم إليه، ~~قاله مجاهد، والسدي. والرابع: من بين أيديهم من سبيل الحق، ومن خلفهم من ~~سبيل الباطل، وعن أيمانهم من قبل آخرتهم، «وعن شمائلهم» من أمر الدنيا، ~~قاله أبو صالح. والخامس: من بين أيديهم «وعن أيمانهم» من حيث يبصرون، ومن ~~خلفهم «وعن شمائلهم» من حيث لا يبصرون، نقل عن مجاهد أيضا. والسادس: أن ~~المعنى: لأتصرفن لهم في الإضلال من جميع جهاتهم، قاله الزجاج، وأبو سليمان ~~الدمشقي. فعلى هذا، يكون ذكر هذه الجهات، للمبالغة في التأكيد. والسابع: من ~~بين أيديهم فيما بقي من أعمارهم، فلا يقدمون فيه على طاعة، «ومن خلفهم» ~~فيما مضى من أعمارهم، فلا يتوبون فيه من معصية، وعن أيمانهم من قبل الغنى، ~~فلا ينفقونه في مشكور، «وعن شمائلهم» من قبل الفقر، فلا يمتنعون فيه من ~~محظور، قاله الماوردي. قوله تعالى: ولا تجد أكثرهم شاكرين فيه قولان: # أحدهما: موحدين، قاله ابن عباس. والثاني: شاكرين لنعمتك، قاله مقاتل. فان ~~قيل: من أين علم إبليس ذلك؟ فقد أسلفنا الجواب عن هذا في سورة (النساء) . ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 18 الى 19] # قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين (18) ~~ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين (19) # قوله تعالى: قال اخرج منها مذؤما وقرأ الأعمش: «مذوما» بضم الذال من غير ~~همز. قال الفراء: # الذأم: الذم يقال: ذأمت الرجل، أذأمه ذأما وذممته، أذمه ذما وذمته، أذيمه ~~ذيما ويقال: رجل مذءوم، ومذموم، ومذيم، بمعنى. قال حسان بن ثابت: # وأقاموا حتى أبيروا جميعا ... في مقام وكلهم مذءوم «1» # قال ابن قتيبة: المذؤوم: المذموم بأبلغ الذم. والمدحور: المقصى المبعد. ~~وقال الزجاج: معنى المذؤوم كمعنى المذموم، والمدحور: المبعد من رحمة الله. ~~واللام من «لأملأن» : لام القسم والكلام بمعنى الشرط والجزاء، كأنه قيل له: ~~من ms0737 تبعك، أعذبه، فدخلت اللام للمبالغة والتوكيد. فلام «لأملأن» هي لام ~~القسم، ولام «لمن تبعك» توطئة لها. فأما قوله: «منهم» فقال ابن الانباري: ~~الهاء والميم عائدتان على ولد آدم لانه حين قال: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ~~«2» كان مخاطبا لولد آدم، فرجع إليهم، فقال: لمن تبعك منهم فجعلهم غائبين، ~~لأن مخاطبتهم في ذا الموضع توقع لبسا والعرب ترجع من الخطاب إلى الغيبة، ~~ومن الغيبة إلى الخطاب. ومن قال: ولقد خلقناكم ثم صورناكم خطاب لآدم، قال: ~~أعاد الهاء والميم على ولده، لأن ذكره يكفي من ذكرهم والعرب تكتفي بذكر ~~الوالد من ذكر الأولاد إذا انكشف المعنى وزال اللبس. قال الشاعر: # أرى الخطفى بذ الفرزدق شعره ... ولكن خيرا من كليب مجاشع PageV02P107 # أراد: أرى ابن الخطفى، فاكتفى بالخطفى من ابنه. # قوله تعالى: لأملأن جهنم منكم يعني أولاد آدم المخالفين وقرناءهم من ~~الشياطين. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 20] # فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ~~ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (20) # قوله تعالى: فوسوس لهما الشيطان قيل: إن الوسوسة: إخفاء الصوت. قال ابن ~~فارس: # الوسواس: صوت الحلي، ومنه وسواس الشيطان. و «لهما» بمعنى «إليهما» ، ~~ليبدي لهما أي: ليظهر لهما ما ووري عنهما أي: ستر. وقيل: إن لام «ليبدي» ~~لام العاقبة وذلك أن عاقبة الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، ولم تكن الوسوسة ~~لظهورها. # قوله تعالى: إلا أن تكونا ملكين قال الأخفش، والزجاج: معناه: ما نهاكما ~~إلا كراهة أن تكونا ملكين. وقال ابن الانباري: المعنى: إلا أن لا تكونا، ~~فاكتفى ب «أن» من «لا» فأسقطها. # فان قيل: كيف انقاد آدم لإبليس، مستشرفا إلى أن يكون ملكا، وقد شاهد ~~الملائكة ساجدة له؟ # فعنه جوابان: أحدهما: أنه عرف قربهم من الله، واجتماع أكثرهم حول عرشه، ~~فاستشرف لذلك، قاله ابن الأنباري. والثاني: أن المعنى: إلا أن تكونا طويلي ~~العمر مع الملائكة أو تكونا من الخالدين لا تموتان أبدا، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. وقد روى يعلى بن حكيم عن ابن كثير: ms0738 «أن تكونا ملكين» بكسر اللام، ~~وهي قراءة الزهري. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 21 الى 25] # وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21) فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت ~~لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما ~~عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (22) قالا ربنا ظلمنا ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) قال اهبطوا بعضكم ~~لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (24) قال فيها تحيون وفيها ~~تموتون ومنها تخرجون (25) # قوله تعالى: وقاسمهما قال الزجاج: حلف لهما، فدلاهما في المعصية بأن ~~غرهما. قال ابن عباس: غرهما باليمين، وكان آدم لا يظن أن أحدا يحلف بالله ~~كاذبا. # قوله تعالى: فلما ذاقا الشجرة أي: فلما ذاقا ثمر الشجرة. قال الزجاج: ~~وهذا يدل على أنهما إنما ذاقاها ذواقا، ولم يبالغا في الأكل. والسوأة كناية ~~عن الفرج، لا أصل له في تسميته. ومعنى وطفقا أخذا في الفعل والأكثر: طفق ~~يطفق وقد رويت: طفق يطفق، بكسر الفاء، ومعنى يخصفان يجعلان ورقة على ورقة، ~~ومنه قيل للذي يرقع النعل: خصاف. وفي الآية دليل على أن إظهار السوأة قبيح ~~من لدن آدم ألا ترى إلى قوله: ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما فانهما ~~بادرا يستتران لقبح التكشف. وقيل: إنما سميت السوأة سوأة، لأن كشفها يسوء ~~صاحبها. قال وهب بن منبه: كان لباسهما نورا على فروجهما، لا يرى أحدهما ~~عورة الآخر فلما أصابا الخطيئة، بدت لهما سوءاتهما. وقرأ الحسن: «سوأتهما» ~~على التوحيد وكذلك قرأ «يخصفان» بكسر الياء والخاء مع تشديد الصاد. وقرأ ~~الزهري: بضم الياء وفتح الخاء مع تشديد الصاد. وفي الورق قولان: أحدهما: ~~ورق # PageV02P108 # التين، قاله ابن عباس. والثاني: ورق الموز، ذكره المفسرون. وما بعد هذا ~~قد سبق تفسيره إلى قوله: # قال فيها تحيون يعني الأرض. # واختلف العلماء في تاء «تخرجون» فقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو: ~~بضم التاء وفتح الراء، هاهنا وفي (الروم) : وكذلك تخرجون «1» . وفي ~~(الزخرف) : كذلك تخرجون «2» وفي (الجاثية) : لا يخرجون منها «3» . وقرأهن ~~حمزة، والكسائي: ms0739 بفتح التاء وضم الراء. وفتح ابن عامر التاء في (الاعراف) ~~فقط. فأما التي في (الروم) إذا أنتم تخرجون «4» ، وفي (سأل سائل) يوم ~~يخرجون «5» فمفتوحتان من غير خلاف. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 26] # يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك ~~خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (26) # قوله تعالى: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا. # (571) سبب نزولها: أن ناسا من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة، فنزلت هذه ~~الآية، قاله مجاهد. وقيل: إنه لما ذكر عري آدم، من علينا باللباس. # وفي معنى أنزلنا عليكم ثلاثة أقوال: أحدها: خلقنا لكم. والثاني: ألهمناكم ~~كيفية صنعه. # والثالث: أنزلنا المطر الذي هو سبب نبات ما يتخذ لباسا. وأكثر القراء ~~قرءوا: «وريشا» . وقرأ ابن عباس والحسن وزر بن حبيش وقتادة والمفضل، وأبان ~~عن عاصم: «ورياشا» بألف. قال الفراء: يجوز أن تكون الرياش جمع الريش، ويجوز ~~أن تكون بمعنى الريش كما قالوا: لبس، ولباس. # فلما كشفن اللبس عنه مسحنه ... بأطراف طفل زان غيلا موشما «6» # قال ابن عباس، ومجاهد: «الرياش» : المال وقال عطاء: المال والنعيم. وقال ~~ابن زيد: # الريش: الجمال وقال معبد الجهني: الريش: الرزق وقال ابن قتيبة: الريش ~~والرياش: ما ظهر من اللباس. وقال الزجاج: الريش: اللباس وكل ما ستر الإنسان ~~في جسمه ومعيشته. يقال: تريش فلان، أي: صار له ما يعيش به. أنشد سيبويه: # رياشي منكم وهواي معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما «7» PageV02P109 # وعلى قول الأكثرين: الريش والرياش بمعنى. قال قطرب: الريش والرياش واحد. ~~وقال سفيان الثوري: الريش: المال، والرياش: الثياب. # قوله تعالى: ولباس التقوى قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة: «ولباس ~~التقوى» بالرفع. وقرأ ابن عامر، ونافع، والكسائي: بنصب اللباس. قال الزجاج: ~~من نصب اللباس، عطف به على الريش ومن رفعه، فيجوز أن يكون مبتدأ، ويجوز أن ~~يكون مرفوعا باضمار: هو المعنى: وهو لباس التقوى، أي: وستر العورة لباس ~~المتقين. وللمفسرين في لباس التقوى عشرة أقوال «1» : أحدها: # أنه السمت الحسن، قاله عثمان بن عفان ورواه الذيال بن عمرو عن ابن ms0740 عباس. ~~والثاني: العمل الصالح، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: الإيمان، قاله ~~قتادة، وابن جريج، والسدي فعلى هذا، سمي لباس التقوى، لأنه يقي العذاب. ~~والرابع: خشية الله تعالى، قاله عروة بن الزبير. # والخامس: الحياء، قاله معبد الجهني، وابن الانباري. والسادس: ستر العورة ~~للصلاة، قاله ابن زيد. # والسابع: انه الدرع، وسائر آلات الحرب، قاله زيد بن علي. والثامن: ~~العفاف، قاله ابن السائب. # والتاسع: أنه ما يتقى به الحر والبرد، قاله ابن بحر. والعاشر: أن المعنى: ~~ما يلبسه المتقون في الآخرة، خير مما يلبسه أهل الدنيا، رواه عثمان بن عطاء ~~عن أبيه. # قوله تعالى: ذلك خير قال ابن قتيبة: المعنى: ولباس التقوى خير من الثياب، ~~لأن الفاجر، وإن كان حسن الثوب، فهو بادي العورة و «ذلك» زائدة. قال الشاعر ~~في هذا المعنى: # إني كأني أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط القوم عريانا «2» # قال ابن الانباري: ويقال: لباس التقوى، هو اللباس الأول، وإنما أعاده لما ~~أخبر عنه بأنه خير من التعري، إذ كانوا يتعبدون في الجاهلية بالتعري في ~~الطواف. # قوله تعالى: ذلك من آيات الله قال مقاتل: يعني: الثياب والمال من آيات ~~الله وصنعه، لكي يذكروا، فيعتبروا في صنعه. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 27] # يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا ~~الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (27) # قوله تعالى: يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان قال المفسرون: هذا الخطاب ~~للذين كانوا يطوفون PageV02P110 # عراة والمعنى: لا يخدعنكم ولا يضلنكم بغروره، فيزين لكم كشف عوراتكم، كما ~~أخرج أبويكم من الجنة بغروره. وأضيف الإخراج ونزع اللباس إليه، لأنه السبب. # وفي «لباسهما» أربعة أقوال: أحدها: أنه النور، رواه أبو صالح عن ابن عباس ~~وقد ذكرناه عن ابن منبه. والثاني: أنه كان كالظفر فلما أكلا، لم يبق عليهما ~~منه إلا الظفر، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، وابن زيد. ~~والثالث: أنه التقوى، قاله مجاهد. والرابع: ms0741 أنه كان من ثياب الجنة، ذكره ~~القاضي أبو يعلى. # قوله تعالى: ليريهما سوآتهما أي: ليري كل واحد منهما سوأة صاحبه. إنه ~~يراكم هو وقبيله قال مجاهد: قبيله: الجن والشياطين. قال ابن عباس: جعلهم ~~الله تعالى يجرون من بني آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم، فهم يرون ~~بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم. # قوله تعالى: إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون قال الزجاج: ~~سلطناهم عليهم، يزيدون في غيهم. وقال أبو سليمان: جعلناهم موالين لهم. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 28] # وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله ~~لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (28) # قوله تعالى: وإذا فعلوا فاحشة فيمن عني بهذه الآية ثلاثة أقوال: # (572) أحدها: أنهم الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة. والفاحشة: كشف ~~العورة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وزيد بن أسلم، ~~والسدي. # (573) والثاني: أنهم الذين جعلوا السائبة والوصيلة والحام، وتلك الفاحشة، ~~روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: أنهم المشركون والفاحشة: الشرك، قاله الحسن، وعطاء. # قال الزجاج: فأعلمهم عز وجل أنه لا يأمر بالفحشاء، لأن حكمته تدل على أنه ~~لا يفعل إلا المستحسن. والقسط: العدل. والعدل: ما استقر في النفوس أنه ~~مستقيم لا ينكره مميز، فكيف يأمر بالفحشاء، وهي ما عظم قبحه؟! ### | [سورة الأعراف (7) : آية 29] # قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ~~كما بدأكم تعودون (29) PageV02P111 # قوله تعالى: وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد فيه أربعة أقوال: أحدها: إذا ~~حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد، فصلوا فيه، ولا يقولن أحدكم: أصلي في مسجدي، ~~قاله ابن عباس، والضحاك، واختاره ابن قتيبة. والثاني: توجهوا حيث كنتم في ~~الصلاة إلى الكعبة، قاله مجاهد، والسدي، وابن زيد. الثالث: اجعلوا سجودكم ~~خالصا لله تعالى دون غيره، قاله الربيع بن أنس. والرابع: اقصدوا المسجد في ~~وقت كل صلاة، أمرا بالجماعة لها، ذكره الماوردي. وفي قوله: وادعوه قولان: # أحدهما: أنه العبادة. والثاني: الدعاء. وفي قوله تعالى: مخلصين ms0742 له الدين ~~قولان: أحدهما: # مفردين له العبادة. والثاني: موحدين غير مشركين. وفي قوله: كما بدأكم ~~تعودون ثلاثة أقوال: # أحدها: كما بدأكم سعداء وأشقياء، كذلك تبعثون، روى هذا المعنى علي بن أبي ~~طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والقرظي، والسدي، ومقاتل، والفراء. ~~والثاني: كما خلقتم بقدرته كذلك يعيدكم، روى هذا المعنى العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال الحسن وابن زيد والزجاج، وقال: هذا الكلام متصل بقوله: فيها ~~تحيون وفيها تموتون «1» . والثالث: كما بدأكم لا تملكون شيئا، كذلك تعودون، ~~ذكره الماوردي. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 30] # فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون ~~الله ويحسبون أنهم مهتدون (30) # قوله تعالى: فريقا هدى قال الفراء: نصب الفريق ب «تعودون» . وقال ابن ~~الانباري: نصب «فريقا» «وفريقا» على الحال من الضمير الذي في «تعودون» ، ~~يريد: تعودون كما ابتدأ خلقكم مختلفين، بعضكم سعداء، وبعضكم أشقياء. # قوله تعالى: حق عليهم الضلالة أي: بالكلمة القديمة، والإرادة السابقة. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 31] # يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين (31) # قوله تعالى: يا بني آدم خذوا زينتكم. # (574) سبب نزولها: أن ناسا من الأعراب كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال ~~بالنهار، والنساء بالليل، وكانت المرأة تعلق على فرجها سيورا، وتقول: ~~PageV02P112 # اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله # فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس. # (575) وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: كانوا إذا حجوا، فأفاضوا من منى، لا ~~يصلح لأحد منهم في دينه الذي اشترعوا أن يطوف في ثوبيه، فيلقيهما حتى يقضي ~~طوافه، فنزلت هذه الآية. # (576) وقال الزهري: كانت العرب تطوف بالبيت عراة، إلا الحمس «1» قريش ~~وأحلافها، فمن جاء من غيرهم، وضع ثيابه وطاف في ثوبي أحمس، فان لم يجد من ~~يعيره من الحمس، ألقى ثيابه وطاف عريانا، فان طاف في ثياب نفسه، جعلها ~~حراما عليه إذا قضى الطواف، فلذلك جاءت هذه الآية. # وفي هذه الزينة قولان: أحدهما: الثياب. ثم فيه ثلاثة أقوال «2» : أحدها: ~~أنه ورد في ستر العورة ms0743 في الطواف، قاله ابن عباس، والحسن في جماعة. ~~والثاني: أنه ورد في ستر العورة في الصلاة، قاله PageV02P113 # مجاهد، والزجاج. والثالث: أنه ورد في التزين بأجمل الثياب في الجمع ~~والأعياد، ذكره الماوردي. # والثاني: أن المراد بالزينة: المشط، قاله أبو رزين. # قوله تعالى: وكلوا واشربوا قال ابن السائب: كان أهل الجاهلية لا يأكلون ~~في أيام حجهم دسما، ولا ينالون من الطعام إلا قوتا، تعظيما لحجتهم، فنزل ~~قوله: وكلوا واشربوا. وفي قوله: # ولا تسرفوا أربعة اقوال «1» : أحدها: لا تسرفوا بتحريم ما أحل لكم، قاله ~~ابن عباس. والثاني: لا تأكلوا حراما، فذلك الإسراف، قاله ابن زيد. والثالث: ~~لا تشركوا، فمعنى الإسراف ها هنا: الإشراك، قاله مقاتل. والرابع: لا تأكلوا ~~من الحلال فوق الحاجة، قاله الزجاج. # (577) ونقل أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين بن ~~واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، فقال علي: قد جمع الله تعالى الطب في ~~نصف آية من كتابنا. قال: ما هي؟ قال: قوله تعالى: وكلوا واشربوا ولا ~~تسرفوا. قال النصراني: ولا يؤثر عن نبيكم شيء من الطب، فقال: قد جمع رسولنا ~~علم الطب في ألفاظ يسيرة. قال: وما هي؟ قال: «المعدة بيت الداء، والحمية ~~رأس الدواء، وعودوا كل بدن ما اعتاد» . فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا ~~نبيكم لجالينوس طبا. # قال المصنف: هكذا نقلت هذه الحكاية، إلا أن هذا الحديث المذكور فيها عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يثبت. وقد جاءت عنه في الطب أحاديث قد ذكرتها ~~في كتاب: «لقط المنافع في الطب» . ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 32] # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ~~(32) # قوله تعالى: قل من حرم زينة الله في سبب نزولها ثلاثة أقوال: أحدها: أن ~~المشركين عيروا المسلمين، إذ لبسوا الثياب في الطواف، وأكلوا الطيبات، ~~فنزلت، رواه أبو صالح عن ابن عباس «2» . # والثاني: أنهم كانوا يحرمون أشياء أحلها الله من الزروع ms0744 وغيرها، فنزلت ~~هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة PageV02P114 # عن ابن عباس «1» . والثالث: نزلت في طوافهم بالبيت عراة، قاله طاوس ~~وعطاء. # وفي زينة الله قولان: أحدهما: أنها ستر العورة فالمعنى: من حرم أن تلبسوا ~~في طوافكم ما يستركم؟ والثاني: أنها زينة اللباس. وفي الطيبات قولان: ~~أحدهما: أنها الحلال. والثاني: المستلذ. ثم في ما عني بها ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنها البحائر، والسوائب، والوصائل، والحوامي التي حرموها، قاله ابن ~~عباس، وقتادة. والثاني: أنها السمن، والألبان، واللحم، وكانوا حرموه في ~~الإحرام، قاله ابن زيد. # والثالث: الحرث، والأنعام، والألبان، قاله مقاتل. # قوله تعالى: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة قال ابن الانباري: ~~«خالصة» نصب على الحال من لام مضمرة، تقديرها: هي للذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا مشتركة، وهي لهم في الآخرة خالصة، فحذفت اللام لوضوح معناها، كما ~~تحذف العرب أشياء لا يلبس سقوطها. قال الشاعر: # تقول ابنتي لما رأتني شاحبا ... كأنك يحميك الطعام طبيب # تتابع أحداث تخرمن أخوتي ... فشيبن رأسي، والخطوب تشيب # أراد: فقلت لها: الذي اكسبني ما ترين، تتابع أحداث، فحذف لانكشاف المعنى: ~~قال المفسرون: إن المشركين شاركوا المؤمنين في الطيبات، فأكلوا ولبسوا ~~ونكحوا، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للمؤمنين، وليس للمشركين منها شيء. ~~وقيل: خالصة لهم من ضرر أو إثم. وقرأ نافع: # «خالصة» بالرفع. قال الزجاج: ورفعها على أنه خبر بعد خبر، كما تقول: زيد ~~عاقل لبيب والمعنى: # قل هي ثابتة للذين آمنوا في الدنيا، خالصة يوم القيامة. # قوله تعالى: كذلك نفصل الآيات أي: هكذا نبينها. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 33] # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ~~وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ~~(33) # قوله تعالى: قل إنما حرم ربي الفواحش قرأ حمزة: «ربي» باسكان الياء. ما ~~ظهر منها وما بطن فيه ستة أقوال: أحدها: أن المراد بها الزنا، ما ظهر منه: ~~علانيته، وما بطن: سره، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ms0745 سعيد بن ~~جبير. والثاني: أن ما ظهر: نكاح الأمهات، وما بطن: الزنا، رواه سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس، وبه قال علي بن الحسين. والثالث: أن ما ظهر: نكاح ~~الأبناء نساء الآباء، والجمع بين الأختين، وأن تنكح المرأة على عمتها أو ~~خالتها، وما بطن: الزنا، روي عن ابن عباس أيضا. والرابع: أن ما ظهر: الزنا، ~~وما بطن: العزل، قاله شريح. والخامس: أن ما ظهر: طواف الجاهلية عراة، وما ~~بطن: الزنا، قاله مجاهد. والسادس: أنه عام في جميع المعاصي. ثم في «ما ظهر ~~منها وما بطن» قولان: أحدهما: أن الظاهر: العلانية، والباطن: السر، قاله ~~أبو سليمان الدمشقي. # والثاني: أن ما ظهر: أفعال الجوارح، والباطن: اعتقاد القلوب، قاله ~~الماوردي. وفي الإثم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الذنب الذي لا يوجب الحد، ~~قاله ابن عباس والضحاك، والفراء. والثاني: المعاصي PageV02P115 # كلها، قاله مجاهد. والثالث: أنه الخمر، قاله الحسن وعطاء. قال ابن ~~الانباري: أنشدنا رجل في مجلس ثعلب بحضرته، وزعم أن أبا عبيدة أنشده: # نشرب الإثم بالصواع جهارا ... ونرى المتك بيننا مستعارا «1» # فقال أبو العباس: لا أعرفه، ولا أعرف الإثم: الخمر، في كلام العرب. ~~وأنشدنا رجل آخر: # شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم تذهب بالعقول «2» # قال أبو بكر: وما هذا البيت معروفا أيضا في شعر من يحتج بشعره، وما رأيت ~~أحدا من أصحاب الغريب أدخل الإثم في أسماء الخمر، ولا سمتها العرب بذلك في ~~جاهلية وإسلام. # فان قيل: إن الخمر تدخل تحت الإثم، فصواب، لا لأنه اسم لها. # فان قيل: كيف فصل الإثم عن الفواحش، وفي كل الفواحش إثم؟ # فالجواب: أن كل فاحشة إثم، وليس كل إثم فاحشة، فكان الإثم كل فعل مذموم ~~والفاحشة: # العظيمة فأما البغي، فقال الفراء: هو الاستطالة على الناس. # قوله تعالى: وأن تشركوا قال الزجاج: «أن» نصب فالمعنى: حرم الفواحش، وحرم ~~الشرك. # والسلطان: الحجة. # قوله تعالى: وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون عام في تحريم القول في ~~الدين من غير يقين. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 34] # ولكل أمة أجل فإذا جاء ms0746 أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (34) # قوله تعالى: ولكل أمة أجل. # (578) سبب نزولها: أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم العذاب، فأنزلت، ~~قاله مقاتل. # وفي الأجل قولان: أحدهما: أنه أجل العذاب. والثاني: أجل الحياة. قال ~~الزجاج: الأجل: # الوقت المؤقت. فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة المعنى: ولا أقل من ساعة. ~~وإنما ذكر الساعة، لأنها أقل أسماء الأوقات. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 35 الى 37] # يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون (35) والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (36) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا ~~أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم ~~كانوا كافرين (37) # (578) لا أصل له، عزاه المصنف لمقاتل، وهو ممن يضع الحديث، ومقاتل هذا ~~يجعل لكل آية سببا للنزول، وليس كذلك. PageV02P116 # قوله تعالى: يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم قال الزجاج: أضمر: ~~«فأطيعوهم» . وقد سبق معنى «إما» في سورة (البقرة) والباقي ظاهر إلى قوله: ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب ففي معناه سبعة أقوال «1» . # أحدها: ما قدر لهم من خير وشر، رواه مجاهد عن ابن عباس. والثاني: نصيبهم ~~من الأعمال، فيجزون عليها، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: ما كتب ~~عليهم من الضلالة والهدى، قاله الحسن. # وقال مجاهد، وابن جبير: من السعادة والشقاوة. والرابع: ما كتب لهم من ~~الأرزاق والأعمار والأعمال، قاله الربيع، والقرظي، وابن زيد. والخامس: ما ~~كتب لهم من العذاب، قاله عكرمة، وأبو صالح، والسدي. والسادس: ما أخبر الله ~~تعالى في الكتاب كلها: أنه من افترى على الله كذبا، اسود وجهه، قاله مقاتل. ~~والسابع: ما أخبر في الكتاب من جزائهم، نحو قوله: فأنذرتكم نارا تلظى «2» ، ~~قاله الزجاج. # فاذن في الكتاب خمسة أقوال: أحدها: أنه اللوح المحفوظ. والثاني: كتب الله ~~كلها. والثالث: # القرآن. والرابع: كتاب أعمالهم. والخامس: القضاء. # قوله تعالى: حتى ms0747 إذا جاءتهم رسلنا فيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أعوان ~~ملك الموت، قاله النخعي. والثاني: ملك الموت وحده، قاله مقاتل. والثالث: ~~ملائكة العذاب يوم القيامة. # وفي قوله: يتوفونهم ثلاثة أقوال: أحدها: يتوفونهم بالموت، قاله الأكثرون. ~~والثاني: # يتوفونهم بالحشر إلى النار يوم القيامة، قاله الحسن. والثالث: يتوفونهم ~~عذابا، كما تقول: قتلت فلانا بالعذاب، وإن لم يمت، قاله الزجاج. # قوله تعالى: أين ما كنتم تدعون أي: تعبدون من دون الله، وهذا سؤال تبكيت ~~وتقريع. قال مقاتل: المعنى: فليمنعوكم من النار. قال الزجاج: ومعنى ضلوا ~~عنا: بطلوا وذهبوا، فيعترفون عند موتهم أنهم كانوا كافرين. وقال غيره: ذلك ~~الاعتراف يكون يوم القيامة. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 38] # قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت ~~أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء ~~أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون (38) # قوله تعالى: قال ادخلوا إن الله تعالى يقول لهم ذلك بواسطة الملائكة، لأن ~~الله تعالى لا يكلم PageV02P117 # الكفار يوم القيامة. قال ابن قتيبة: و «في» بمعنى «مع» . وفي قوله: قد ~~خلت من قبلكم قولان: # أحدهما: مضت إلى العذاب. والثاني: مضت في الزمان، يعني كفار الأمم ~~الماضية. # قوله تعالى: كلما دخلت أمة لعنت أختها وهذه أخوة الدين والملة، لا أخوة ~~النسب. قال ابن عباس: يلعنون من كان قبلهم. قال مقاتل: كلما دخل أهل ملة، ~~لعنوا أهل ملتهم، فيلعن اليهود اليهود، والنصارى النصارى، والمشركون ~~المشركين، والأتباع القادة، ويقولون: أنتم ألقيتمونا هذا الملقى حين ~~أطعناكم. وقال الزجاج: إنما تلاعنوا، لأن بعضهم ضل باتباع بعض. # قوله تعالى: حتى إذا اداركوا قال ابن قتيبة: أي: تداركوا، فأدغمت التاء ~~في الدال، وأدخلت الألف ليسلم السكون لما بعدها، يريد تتابعوا فيها ~~واجتمعوا. # قوله تعالى: قالت أخراهم لأولاهم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: آخر أمة لأول ~~أمة، قاله ابن عباس. والثاني: آخر أهل الزمان لأوليهم الذين شرعوا له ذلك ~~الدين، قاله السدي. والثالث: آخرهم دخولا إلى النار، وهم ms0748 الأتباع، لأولهم ~~دخولا، وهم القادة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: هؤلاء أضلونا قال ابن عباس: شرعوا لنا أن نتخذ من دونك إلها. # قوله تعالى: فآتهم عذابا ضعفا قال الزجاج: أي: عذابا مضاعفا. # قوله تعالى: قال لكل ضعف أي: عذاب مضاعف ولكن لا تعلمون. قرأ أبو بكر، ~~والمفضل عن عاصم: «يعلمون» ، بالياء، قال الزجاج: والمعنى: لا يعلم كل فريق ~~مقدار عذاب الفريق الآخر. # وقرأ الباقون: «تعلمون» بالتاء، وفيها وجهان ذكرهما الزجاج: أحدهما: لا ~~تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق من العذاب. والثاني: لا تعلمون يا أهل ~~الدنيا مقدار ذلك. وقيل: إنما طلب الأتباع مضاعفة عذاب القادة، ليكون أحد ~~العذابين على الكفر، والثاني على إغرائهم به، فأجيبوا لكل ضعف أي: # كما كان للقادة ذلك، فلكم عذاب بالكفر، وعذاب بالاتباع. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 39] # وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكسبون (39) # قوله تعالى: فما كان لكم علينا من فضل فيه قولان: أحدهما: في الكفر، نحن ~~وأنتم فيه سواء، قاله ابن عباس. والثاني: في تخفيف العذاب، قاله مجاهد. # قوله تعالى: بما كنتم تكسبون قال مقاتل: من الشرك والتكذيب. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 40] # إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين (40) # قوله تعالى: إن الذين كذبوا بآياتنا أي: بحججنا وأعلامنا التي تدل على ~~توحيد الله ونبوة الأنبياء، وتكبروا عن الإيمان بها لا تفتح لهم أبواب ~~السماء. قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم: وابن عامر: # «تفتح» بالتاء، وشددوا التاء الثانية. وقرأ أبو عمرو: «لا تفتح» بالتاء ~~خفيفة، ساكنة الفاء. وقرأ حمزة، والكسائي: «لا يفتح» بالياء مضمومة خفيفة. ~~وقرأ اليزيدي عن اختياره: «لا تفتح» بتاء مفتوحة «أبواب السماء» بنصب ~~الباء، فكأنه أشار إلى أفعالهم. وقرأ الحسن: بياء مفتوحة، مع نصب الأبواب، ~~كأنه # PageV02P118 # يشير إلى الله عز وجل. وفي معنى الكلام أربعة أقوال: أحدها: لا تفتح ~~لأرواحهم أبواب السماء، رواه الضحاك عن ابن عباس، وهو قول أبي موسى ~~الأشعري، والسدي ms0749 في آخرين، والأحاديث تشهد به. # والثاني: لا تفتح لأعمالهم، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: لا تفتح ~~لأعمالهم ولا لدعائهم، رواه عطاء عن ابن عباس. والرابع: لا تفتح لأرواحهم ~~ولا لأعمالهم، قاله ابن جريج، ومقاتل. # وفي السماء قولان: أحدهما: أنها السماء المعروفة، وهو المشهور. والثاني: ~~أن المعنى: لا تفتح لهم أبواب الجنة ولا يدخلونها، لأن الجنة في السماء، ~~ذكره الزجاج. # قوله تعالى: حتى يلج الجمل في سم الخياط الجمل: هو الحيوان المعروف. فان ~~قال قائل: كيف خص الجمل من دون سائر الدواب، وفيها ما هو أعظم منه؟ فعنه ~~جوابان: أحدهما: أن ضرب المثل بالجمل يحصل المقصود والمقصود أنهم لا يدخلون ~~الجنة، كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة، ولو ذكر أكبر منه أو أصغر منه، ~~جاز، والناس يقولون: فلان لا يساوي درهما، وهذا لا يغني عنك فتيلا، وإن كنا ~~نجد أقل من الدرهم والفتيل. والثاني: أن الجمل أكبر شأنا عند العرب من سائر ~~الدواب، فانهم يقدمونه في القوة على غيره، لأنه يوقر بحمله فينهض به دون ~~غيره من الدواب، ولهذا عجبهم من خلق الإبل، فقال: أفلا ينظرون إلى الإبل ~~كيف خلقت «1» ، فآثر الله تعالى ذكره على غيره لهذا المعنى. ذكر الجوابين ~~ابن الانباري. # قال: وقد روى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قرأ: «حتى يلج الجمل» بضم ~~الجيم وتشديد الميم، وقال: هو القلس الغليظ. قلت: وهي قراءة أبي رزين، ~~ومجاهد، وابن محيصن، وأبي مجلز، وابن يعمر، وأبان عن عاصم. قال: وروى مجاهد ~~عن ابن عباس: «حتى يلج الجمل» بضم الجيم وفتح الميم وتخفيفها. قلت: وهي ~~قراءة قتادة، وقد رويت عن سعيد بن جبير، وأنه قرأ: «حتى يلج الجمل» بضم ~~الجيم وتسكين الميم. قلت: وهي قراءة عكرمة. قال ابن الأنباري: فالجمل يحتمل ~~أمرين: يجوز أن يكون بمعنى الجمل، ويجوز أن يكون بمعنى جملة من الجمال، قيل ~~في جمعها: # جمل، كما يقال: حجرة، وحجر، وظلمة، وظلم. وكذلك من قرأ: «الجمل» يسوغ له ~~أن يقول: # الجمل، بمعنى الجمل، وأن يقول: الجمل، جمع ms0750 جملة، مثل بسرة، وبسر. وأصحاب ~~هذه القراءات يقولون: الحبل والحبال، أشبه بالإبرة والخيوط من الجمال. وروى ~~عطاء بن يسار عن ابن عباس أنه قرأ: «الجمل» بضم الجيم والميم، وبالتخفيف، ~~وهي قراءة الضحاك، والجحدري. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء: «الجمل» بفتح ~~الجيم، وبسكون الميم خفيفة. # قوله تعالى: في سم الخياط السم في اللغة: الثقب. وفيها ثلاث لغات: فتح ~~السين، وبها قرأ الأكثرون، وضمها، وبه قرأ ابن مسعود، وأبو رزين، وقتادة، ~~وابن محيصن، وطلحة بن مصرف، وكسرها، وبه قرأ أبو عمران الجوني، وأبو نهيك، ~~والأصمعي عن نافع. قال ابن القاسم: والخياط: # المخيط، بمنزلة اللحاف والملحف، والقرام والمقرم. وقد قرأ ابن مسعود، ~~وأبو رزين، وأبو مجلز: # «في سم المخيط» . قال الزجاج: الخياط: الإبرة، وسمها: ثقبها. والمعنى: ~~أنهم لا يدخلون الجنة PageV02P119 # أبدا. قال ابن قتيبة: هذا كما يقال: لا يكون ذلك حتى يشيب الغراب، ويبيض ~~القار. # قوله تعالى: وكذلك نجزي المجرمين أي مثل ذلك نجزي الكافرين أنهم لا ~~يدخلون الجنة. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 41 الى # 42] # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين (41) والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ~~(42) # قوله تعالى: لهم من جهنم مهاد المهاد: الفراش. وفي المراد بالغواشي ثلاثة ~~أقوال: أحدها: # اللحف، قاله ابن عباس، والقرظي، وابن زيد. والثاني: ما يغشاهم من فوقهم ~~من الدخان، قاله عكرمة. والثالث: غاشية فوق غاشية من النار، قاله الزجاج. ~~قال ابن عباس: والظالمون ها هنا: # الكافرون. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 43] # ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ~~ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون (43) # قوله تعالى: ونزعنا ما في صدورهم من غل فيمن عني بهذه الآية أربعة أقوال: # أحدها: أهل بدر. روى الحسن عن علي عليه السلام أنه قال: # (579) فينا والله أهل بدر نزلت: ونزعنا ما في صدورهم من غل. # وروى عمرو بن ms0751 الشريد عن علي أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، ~~وطلحة، والزبير، من الذين قال الله: ونزعنا ما في صدورهم من غل. # والثاني: أنهم أهل الأحقاد من أهل الجاهلية حين أسلموا. # (580) روى كثير النواء عن أبي جعفر قال: نزلت هذه الآية في علي، وأبي ~~بكر، وعمر، قلت لأبي جعفر: فأي غل هو؟ قال: غل الجاهلية، كان بين بني هاشم ~~وبني تيم وبني عدي في الجاهلية شيء، فلما أسلم هؤلاء، تحابوا، فأخذت أبا ~~بكر الخاصرة، فجعل علي يسخن يده ويكمد بها خاصرة أبي بكر، فنزلت هذه الآية. # والثالث: عشرة من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، ~~وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن مسعود، ~~قاله أبو صالح «1» . والرابع: أنها في صفة أهل الجنة إذا دخلوها. ~~PageV02P120 # (581) روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يخلص ~~المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، حتى إذا هذبوا ~~ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة. فو الذي نفسي بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في ~~الجنة منه بمنزله كان في الدنيا» . # وقال ابن عباس: أول ما يدخل أهل الجنة الجنة، تعرض لهم عينان، فيشربون من ~~إحدى العينين، فيذهب الله ما في قلوبهم من غل وغيره مما كان في الدنيا، ثم ~~يدخلون إلى العين الأخرى، فيغتسلون منها، فتشرق ألوانهم، وتصفو وجوههم، ~~وتجري عليهم نضرة النعيم. # فأما النزع، فهو قلع الشيء من مكانه. والغل: الحقد الكامن في الصدر. وقال ~~ابن قتيبة: الغل: # الحسد والعداوة. # قوله تعالى: الحمد لله الذي هدانا لهذا قال الزجاج: معناه: هدانا لما ~~صيرنا إلى هذا. قال ابن عباس: يعنون ما وصلوا إليه من رضوان الله وكرامته. ~~وروى عاصم بن ضمرة عن علي عليه السلام قال: تستقبلهم الولدان كأنهم لؤلؤ ~~منثور، فيطوفون بهم كاطافتهم بالحميم جاء من الغيبة، ويبشرونهم بما أعد ~~الله لهم، ويذهبون إلى أزواجهم فيبشرونهن، فيستخفهن الفرح، فيقمن على أسكفة ~~الباب، فيقلن: أنت رأيته، أنت رأيته؟ قال: فيجيء إلى ms0752 منزله فينظر في أساسه، ~~فاذا صخر من لؤلؤ، ثم يرفع بصره، فلولا أن الله ذلله لذهب بصره، ثم ينظر ~~أسفل من ذلك، فاذا هو بالسرر الموضونة، والفرش المرفوعة، والزرابي ~~المبثوثة، فعند ذلك قالوا: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ~~أن هدانا الله. كلهم قرأ «وما كنا» باثبات الواو، غير ابن عامر، فانه قرأ ~~«ما كنا لنهتدي» بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام. قال أبو علي: وجه ~~الاستغناء عن الواو أن القصة ملتبسة بما قبلها فأغنى التباسها به عن حرف ~~العطف، ومثله رابعهم كلبهم «1» . # قوله تعالى: لقد جاءت رسل ربنا بالحق هذا قول أهل الجنة حين رأوا ما ~~وعدهم الرسل عيانا. # ونودوا أن تلكم الجنة قال الزجاج: إنما قال «تلكم» لأنهم وعدوا بها في ~~الدنيا، فكأنه قيل لهم: هذه تلكم التي وعدتم بها. وجائز أن يكون هذا قيل ~~لهم حين عاينوها قبل دخولهم إليها. وقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر ~~«أورثتموها» غير مدغمة. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي «أورثتموها» مدغمة، ~~وكذلك قرءوا في (الزخرف) قال أبو علي: من ترك الادغام، فلتباين مخرج ~~الحرفين، ومن أدغم، فلأن التاء والثاء مهموستان متقاربتان. وفي معنى ~~«أورثتموها» أربعة أقوال: # (582) أحدها: ما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما ~~من أحد إلا وله منزل في الجنة PageV02P121 # ومنزل في النار، فأما الكافر فانه يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن ~~يرث الكافر منزله من الجنة» فذلك قوله: أورثتموها بما كنتم تعملون. وقال ~~بعضهم: لما سمي الكفار أمواتا بقوله: أموات غير أحياء «1» . وسمى المؤمنين ~~أحياء بقوله: لينذر من كان حيا «2» أورث الأحياء الموتى. # والثاني: أنهم أورثوها عن الأعمال، لأنها جعلت جزاء لأعمالهم، وثوابا ~~عليها، إذ هي عواقبها، حكاه أبو سليمان الدمشقي. والثالث: أن دخول الجنة ~~برحمة الله، واقتسام الدرجات بالأعمال. فلما كان يفسر نيلها لا عن عوض، ~~سميت ميراثا. والميراث: ما أخذته عن غير عوض. والرابع: أن معنى الميراث ها ~~هنا: أن أمرهم يؤول إليها كما يؤول الميراث ms0753 إلى الوارث. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 44 الى 45] # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44) ~~الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (45) # قوله تعالى: فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا أي: من العذاب؟ وهذا سؤال تقرير ~~وتعيير. قالوا نعم. قرأ الجمهور بفتح العين في سائر القرآن، وكان الكسائي ~~يكسرها. قال الأخفش: هما لغتان. # قوله تعالى: فأذن مؤذن بينهم أي: نادى مناد. أن لعنة الله قرأ ابن كثير ~~في رواية قنبل، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: «أن لعنة الله» خفيفة النون ~~ساكنة. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: «أن» بالتشديد، «لعنة الله» ~~بالنصب. قال الأخفش: و «أن» في قوله: أن تلكم الجنة «3» وقوله: أن لعنة ~~الله، وقوله: أن الحمد لله «4» ، وأن قد وجدنا، هي «أن» الثقيلة خففت. قال ~~الشاعر: # في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل «5» # وأنشد أيضا: # أكاشره وأعلم أن كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص «6» # ومعناه: أنه كلانا وتكون «أن قد وجدنا» في معنى: أي: قال ابن عباس: ~~والظالمون ها هنا: # الكافرون. # قوله تعالى: الذين يصدون عن سبيل الله أي: أذن المؤذن ان لعنة الله على ~~الذين كفروا وصدوا عن PageV02P122 # سبيل الله، وهو الإسلام. ويبغونها عوجا مفسر في سورة آل عمران «1» . وهم ~~بالآخرة أي: وهم بكون الآخرة كافرون. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 46] # وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة ~~أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) # قوله تعالى: وبينهما حجاب أي بين الجنة والنار حاجز، وهو السور الذي ذكره ~~الله تعالى في قوله: فضرب بينهم بسور له باب «2» ، فسمي هذا السور بالأعراف ~~لارتفاعه. قال ابن عباس: الأعراف: # هو السور الذي بين الجنة والنار، له عرف كعرف الديك. وقال أبو هريرة: ~~الأعراف: جبال بين الجنة والنار، فهم على أعرافها، يعني: على ذراها، خلقتها ~~كخلقة عرف الديك. قال اللغويون: الأعراف عند ms0754 العرب: كل ما ارتفع من الأرض ~~وعلا يقال لكل عال: عرف، وجمعه: أعراف. قال الشاعر: # كل كناز لحمه نياف ... كالعلم الموفي على الأعراف «3» # وقال الآخر: # ورثت بناء آباء كرام ... علوا بالمجد أعراف البناء # وفي «أصحاب الأعراف» قولان: أحدهما: أنهم من بني آدم، قاله الجمهور. وزعم ~~مقاتل أنهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة. وفي أعمالهم تسعة أقوال ~~«4» : # (583) أحدها: أنهم قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم من دخول ~~الجنة معصية آبائهم، ومنعهم من دخول النار قتلهم في سبيل الله، وهذا مروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. والثاني: أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، ~~فلم تبلغ بهم حسناتهم دخول الجنة، ولا سيئاتهم دخول النار، قاله ابن ~~PageV02P123 # مسعود، وحذيفة، وابن عباس، وأبو هريرة، والشعبي، وقتادة. والثالث: أنهم ~~أولاد الزنا، رواه صالح مولى التوأمة عن ابن عباس. والرابع: أنهم قوم ~~صالحون فقهاء علماء، قاله الحسن، ومجاهد فعلى هذا يكون لبثهم على الأعراف ~~على سبيل النزهة. والخامس: أنهم قوم رضي عنهم آباؤهم دون أمهاتهم، أو ~~أمهاتهم دون أبائهم، رواه عبد الوهاب بن مجاهد عن إبراهيم. والسادس: أنهم ~~الذين ماتوا في الفترة ولم يبدلوا دينهم، قاله عبد العزيز بن يحيى. ~~والسابع: أنهم أنبياء، حكاه ابن الانباري. # والثامن: أنهم أولاد المشركين، ذكره المنجوفي في تفسيرة. والتاسع: أنهم ~~قوم عملوا لله تعالى، لكنهم راءوا في عملهم، ذكره بعض العلماء. # والقول الثاني: أنهم ملائكة، قاله أبو مجلز، واعترض عليه، فقيل: إنهم ~~رجال، فكيف تقول: # ملائكة؟ فقال: إنهم ذكور وليسوا باناث. # وقيل: معنى قوله تعالى: وعلى الأعراف رجال أي: على معرفة أهل الجنة من ~~أهل النار، ذكره الزجاج، وابن الانباري. وفيه بعد وخلاف للمفسرين. # قوله تعالى: يعرفون كلا بسيماهم أي: يعرف أصحاب الأعراف أهل الجنة وأهل ~~النار. وسيما أهل الجنة: بياض الوجوه، وسيما أهل النار: سواد الوجوه، وزرقة ~~العيون. والسيما: العلامة. وإنما عرفوا الناس، لأنهم على مكان عال يشرفون ~~فيه على أهل الجنة والنار. ونادوا يعني: أصحاب الأعراف أصحاب الجنة أن سلام ~~عليكم. وفي قوله: لم ms0755 يدخلوها وهم يطمعون قولان: أحدهما: أنه إخبار من الله ~~تعالى لنا أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها، قاله ~~الجمهور. # والثاني: أنه إخبار من الله تعالى لأهل الأعراف إذا رأوا زمرة يذهب بها ~~إلى الجنة أن هؤلاء لم يدخلوها وهم يطمعون في دخولها، هذا قول السدي. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 47] # وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين (47) # قوله تعالى: وإذا صرفت أبصارهم يعني أصحاب الأعراف. والتلقاء: جهة ~~اللقاء، وهي جهة المقابلة. وقال أبو عبيدة: تلقاء أصحاب النار، أي: حيالهم. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 48] # ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم ~~وما كنتم تستكبرون (48) # قوله تعالى: ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم روى أبو صالح عن ~~ابن عباس قال: # ينادون: يا وليد بن المغيرة، يا أبا جهل بن هشام، يا عاص بن وائل، يا ~~أمية بن خلف، يا أبي بن خلف، يا سائر رؤساء الكفاء، ما أغنى عنكم جمعكم في ~~الدنيا المال والوالد. وما كنتم تستكبرون أي: تتعظمون عن الإيمان. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 49] # أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا ~~أنتم تحزنون (49) # قوله تعالى: أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة فيه قولان: # أحدهما: أن أهل النار أقسموا أن أهل الأعراف داخلون النار معنا، وأن الله ~~لن يدخلهم الجنة، فيقول الله تعالى لأهل النار: أهؤلاء يعني أهل الأعراف ~~الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة رواه وهب بن منبه عن ابن ~~عباس. # PageV02P124 # (584) قال حذيفة: بينا أصحاب الأعراف هنالك، اطلع عليهم ربهم فقال لهم: ~~ادخلوا الجنة فاني قد غفرت لكم. # والثاني: أن أهل الأعراف يرون في الجنة الفقراء والمساكين الذين كان ~~الكفار يستهزئون بهم، كسلمان، وصهيب، وخباب، فينادون الكفار: أهؤلاء الذين ~~أقسمتم وأنتم في الدنيا لا ينالهم الله برحمة. قاله ابن السائب «1» . فعلى ~~هذا ينقطع كلام أهل الأعراف عند قوله: برحمة ويكون الباقي من خطاب الله ~~لأهل الجنة. # وقد ذكر المفسرون في قوله: ms0756 ادخلوا الجنة ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ~~خطابا من الله لأهل الأعراف، وقد ذكرناه. والثاني: أن يكون خطابا من الله ~~لأهل الجنة. والثالث: أن يكون خطابا من أهل الأعراف لأهل الجنة، ذكرهما ~~الزجاج. فعلى هذا الوجه الأخير، يكون معنى قول أهل الأعراف لأهل الجنة: ~~ادخلوا الجنة: اعلوا إلى القصور المشرفة، وارتفعوا إلى المنازل المنيفة، ~~لأنهم قد رأوهم في الجنة: وروى مجاهد عن عبد الله بن الحارث قال: يؤتى ~~بأصحاب الأعراف إلى نهر يقال له: الحياة، عليه قضبان الذهب مكللة باللؤلؤ، ~~فيغمسون فيه، فيخرجون، فتبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، ويقال لهم: ~~تمنوا ما شئتم، ولكم سبعون ضعفا، فهم مساكين أهل الجنة. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 50] # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم ~~الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50) # قوله تعالى: ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة قال ابن عباس: لما صار أصحاب ~~الأعراف إلى الجنة، وطمع أهل النار في الفرج بعد اليأس، فقالوا: يا رب، إن ~~لنا قرابات من أهل الجنة، فائذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فنظروا إليهم وإلى ~~ما هم فيه من النعيم فعرفوهم. ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم ~~يعرفوهم، قد اسودت وجوههم وصاروا خلقا آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة ~~بأسمائهم، وأخبروهم بقراباتهم، فينادي الرجل أخاه: يا أخي قد احترقت فأغثني ~~فيقول: # إن الله حرمهما على الكافرين. قال السدي: عنى بقوله: أو مما رزقكم الله ~~الطعام. قال الزجاج: أعلم الله عز وجل أن ابن آدم غير مستغن عن الطعام ~~والشراب، وإن كان معذبا. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 51] # الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما ~~نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (51) # قوله تعالى: الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا قال ابن عباس: هم المستهزئون. ~~والمعنى: # أنهم تلاعبوا بدينهم الذي شرع لهم. وقال أبو روق: دينهم: عيدهم. وقال ~~قتادة: لهوا ولعبا أي: # أكلا وشربا. وقال غيره: هو ما زينه الشيطان لهم من تحريم البحيرة، ~~والسائبة، ms0757 والوصيلة، والحام، PageV02P125 # والمكاء، والتصدية، ونحو ذلك من خصال الجاهلية. # قوله تعالى: فاليوم ننساهم قال الزجاج: أي: نتركهم في العذاب كما تركوا ~~العمل للقاء يومهم هذا. و «ما» نسق على «كما» في موضع جر. والمعنى: ~~وكجحدهم. قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون المعنى: فاليوم نتركهم في النار ~~على علم منا ترك ناس غافل كما استعملوا في الإعراض عن آياتنا وهم ذاكرون ما ~~يستعمله من نسي وغفل. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 52] # ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (52) # قوله تعالى: ولقد جئناهم بكتاب يعني القرآن. فصلناه أي: بيناه بايضاح ~~الحق من الباطل. # وقيل: فصلناه فصولا مرة بتعريف الحلال، ومرة بتعريف الحرام، ومرة بالوعد، ~~ومرة بالوعيد، ومرة بحديث الأمم. وفي قوله تعالى: على علم قولان: أحدهما: ~~على علم منا بما فصلناه. والثاني: على علم منا بما يصلحكم مما أنزلناه فيه. ~~وقرأ ابن السميفع، وابن محيصن، وعاصم، والجحدري، ومعاذ القارئ: «فضلناه» ~~بضاد معجمة. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 53] # هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت ~~رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) # قوله تعالى: هل ينظرون إلا تأويله قال ابن عباس: تصديق ما وعدوا في ~~القرآن. يوم يأتي تأويله وهو يوم القيامة يقول الذين نسوه أي: تركوه من قبل ~~في الدنيا قد جاءت رسل ربنا بالحق أي بالبعث بعد الموت. قوله تعالى: أو نرد ~~قال الزجاج: المعنى: أو هل نرد. وقوله. # فنعمل منصوب على جواب الفاء للاستفهام. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 54] # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54) # قوله تعالى: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام اختلفوا ~~أي يوم بدأ بالخلق على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يوم السبت. # (585) روى مسلم في ms0758 «صحيحه» من حديث أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بيدي، فقال: PageV02P126 # «خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق ~~الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، ~~وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق، في ~~آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» ، وهذا اختيار محمد بن ~~إسحاق. وقال ابن الانباري: وهذا إجماع أهل العلم. # والثاني: يوم الأحد، قاله عبد الله بن سلام، وكعب، والضحاك، ومجاهد، ~~واختاره ابن جرير الطبري، وبه يقول أهل التوراة. # والثالث: يوم الاثنين، قاله ابن إسحاق، وبهذا يقول أهل الإنجيل. # ومعنى قوله: في ستة أيام أي: في مقدار ذلك، لأن اليوم يعرف بطلوع الشمس ~~وغروبها، ولم تكن الشمس حينئذ. قال ابن عباس: مقدار كل يوم من تلك الأيام ~~ألف سنة، وبه قال كعب، ومجاهد، والضحاك، ولا نعلم خلافا في ذلك. ولو قال ~~قائل: إنها كأيام الدنيا، كان قوله بعيدا من وجهين: أحدهما: خلاف الآثار. ~~والثاني: أن الذي يتوهمه المتوهم من الإبطاء في ستة آلاف سنة، يتوهمه في ~~ستة أيام عند تصفح قوله: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون «1» ~~. فان قيل: # فهلا خلقها في لحظة، فانه قادر؟ فعنه خمسة أجوبة: أحدها: أنه أراد أن ~~يوقع في كل يوم أمرا تستعظمه الملائكة ومن يشاهده، ذكره ابن الانباري. ~~والثاني: أن التثبت في تمهيد ما خلق لآدم وذريته قبل PageV02P127 # وجوده، أبلغ في تعظيمه عند الملائكة. والثالث: أن التعجيل أبلغ في ~~القدرة، والتثبيت أبلغ في الحكمة، فأراد إظهار حكمته في ذلك، كما يظهر ~~قدرته في قول: كن فيكون. والرابع: انه علم عباده التثبت، فاذا تثبت من لا ~~يزل، كان ذو الزلل أولى بالتثبت. والخامس: أن ذلك الإمهال في خلق شيء بعد ~~شيء، أبعد من أن يظن أن ذلك وقع بالطبع أو بالاتفاق. # قوله تعالى: ثم استوى على العرش قال الخليل بن أحمد: العرش: السرير وكل ~~سرير لملك ms0759 يسمى عرشا وقلما يجمع العرش إلا في اضطرار واعلم أن ذكر العرش ~~مشهور عند العرب في الجاهلية والإسلام. قال أمية بن أبي الصلت: # مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا # بالبناء الأعلى الذي سبق النا ... س وسوى فوق السماء سريرا # شرجعا لا يناله ناظر العي ... ن ترى دونه الملائك صورا # وقال كعب: إن السماوات في العرش كالقنديل معلق بين السماء والأرض. وروى ~~إسماعيل بن أبي خالد عن سعد الطائي قال: العرش ياقوتة حمراء. وإجماع السلف ~~منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية. وقد شذ قوم فقالوا: العرش بمعنى ~~الملك. وهذا عدول عن الحقيقة الى التجوز، مع مخالفة الأثر ألم يسمعوا قوله ~~عز وجل: وكان عرشه على الماء أتراه كان الملك على الماء؟ # وكيف يكون الملك ياقوتة حمراء؟ وبعضهم يقول: استوى بمعنى استولى «1» ، ~~ويحتج بقول الشاعر: # حتى استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق # وبقول الشاعر أيضا: # هما استويا بفضلهما جميعا ... على عرش الملوك بغير زور # وهذا منكر عند اللغويين. قال ابن الاعرابي: العرب لا تعرف استوى بمعنى ~~استولى، ومن قال ذلك فقد أعظم. قالوا: وإنما يقال: استولى فلان على كذا، ~~إذا كان بعيدا عنه غير متمكن منه، ثم PageV02P128 # تمكن منه والله عز وجل لم يزل مستوليا على الأشياء والبيتان لا يعرف ~~قائلهما، كذا قال ابن فارس اللغوي. ولو صحا، فلا حجة فيهما لما بينا من ~~استيلاء من لم يكن مستوليا. نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة. # قوله تعالى: يغشي الليل النهار قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: «يغشي» ساكنة الغين خفيفة. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: ~~«يغشي» مفتوحة الغين مشددة، وكذلك قرءوا في سورة الرعد «1» . قال الزجاج: ~~المعنى: أن الليل يأتي على النهار فيغطيه وإنما لم يقل: # ويغشي النهار الليل، لأن في الكلام دليلا عليه وقد قال في موضع آخر: يكور ~~الليل على النهار ويكور النهار على الليل «2» . وقال أبو علي: إنما لم يقل: ~~يغشي النهار الليل، لأنه معلوم ms0760 من فحوى الكلام، كقوله: سرابيل تقيكم الحر ~~«3» ، وانتصب الليل والنهار، لأن كل واحد منهما مفعول به. # فأما الحثيث، فهو السريع. # قوله تعالى: والشمس والقمر والنجوم مسخرات قرأ الأكثرون: بالنصب فيهن، ~~وهو على معنى: # خلق السماوات والشمس. وقرأ ابن عامر: «والشمس والقمر والنجوم مسخرات» ~~بالرفع فيهن ها هنا وفي (النحل) «4» ، تابعه حفص في قوله تعالى: والنجوم ~~مسخرات في (النحل) فحسب. والرفع على الاستئناف. والمسخرات: المذللات لما ~~يراد منهن من طلوع وأفول وسير على حسب إرادة المدبر لهن. # قوله تعالى: ألا له الخلق لأنه خلقهم والأمر فله أن يأمر بما يشاء. وقيل: ~~الأمر: القضاء. # قوله تعالى: تبارك الله فيه أربعة أقوال: أحدها: تفاعل من البركة، رواه ~~الضحاك عن ابن عباس وكذلك قال القتيبي، والزجاج. وقال أبو مالك: افتعل من ~~البركة. وقال الحسن: تجيء البركة من قبله. # وقال الفراء: تبارك: من البركة وهو في العربية كقولك: تقدس ربنا. ~~والثاني: أن تبارك بمعنى تعالى، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وكذلك قال أبو ~~العباس: تبارك: ارتفع والمتبارك: المرتفع. والثالث: # أن المعنى: باسمه يتبرك في كل شيء، قاله ابن الانباري. والرابع: أن معنى ~~«تبارك» تقدس، أي: # تطهر، ذكره ابن الأنباري أيضا. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 55] # ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) # قوله تعالى: ادعوا ربكم تضرعا التضرع: التذلل والخضوع. والخفية: خلاف ~~العلانية. قال الحسن: كانوا يجتهدون في الدعاء، ولا تسمع إلا همسا. ومن هذا ~~حديث أبي موسى: # (586) «اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا» . PageV02P129 # وفي الاعتداء المذكور ها هنا قولان: أحدهما: أنه الاعتداء في الدعاء. ثم ~~فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن يدعو على المؤمنين بالشر، كالخزي واللعنة، قاله سعيد بن جبير، ~~ومقاتل. والثاني: أن يسأل ما لا يستحقه من منازل الأنبياء، قاله أبو مجلز. ~~والثالث: أنه الجهر في الدعاء، قاله ابن السائب. # والثاني: أنه مجاوزة المأمور به، قاله الزجاج. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 56] # ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين (56) # قوله تعالى: ولا ms0761 تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها فيه ستة أقوال: أحدها: لا ~~تفسدوها بالكفر بعد إصلاحها بالإيمان. والثاني: لا تفسدوها بالظلم بعد ~~إصلاحها بالعدل. والثالث: لا تفسدوها بالمعصية بعد إصلاحها بالطاعة. ~~والرابع: لا تعصوا، فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم بعد أن أصلحها ~~بالمطر والخصب. والخامس: لا تفسدوها بقتل المؤمن بعد إصلاحها ببقائه. # والسادس: لا تفسدوها بتكذيب الرسل بعد إصلاحها بالوحي. # وفي قوله: وادعوه خوفا وطمعا قولان: أحدهما: خوفا من عقابه، وطمعا في ~~ثوابه. والثاني: # خوفا من الرد وطمعا في الإجابة. قوله تعالى: إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين قال الفراء: رأيت العرب تؤنث القريبة في النسب، لا يختلفون في ~~ذلك، فاذا قالوا: دارك منا قريب، أو فلانة منا قريب، ومن القرب والبعد، ~~ذكروا وأنثوا، وذلك أنهم جعلوا القريب خلفا من المكان، كقوله: وما هي من ~~الظالمين ببعيد «1» ، وقوله تعالى: وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا «2» ، ~~ولو أنث ذلك لكان صوابا. قال عروة: # عشية لا عفراء منك قريبة ... فتدنو ولا عفراء منك بعيد # وقال الزجاج: إنما قيل: «قريب» لأن الرحمة والغفران والعفو بمعنى واحد، ~~وكذلك كل تأنيث ليس بحقيقي. وقال الأخفش: جائز أن تكون الرحمة ها هنا في ~~معنى المطر. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 57] # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه ~~لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى ~~لعلكم تذكرون (57) # قوله تعالى: وهو الذي يرسل الرياح قرأ أبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم: ~~«الرياح» على الجمع. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: «الريح» على التوحيد. ~~وقد يأتي لفظ التوحيد ويراد به الكثرة كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس، ~~ومثله: إن الإنسان لفي خسر «3» . # قوله تعالى: «نشرا» قرأ أبو عمرو، وابن كثير، ونافع: «نشرا» بضم النون ~~والشين أرادوا جمع نشور، وهي الريح الطيبة الهبوب، تهب من كل ناحية وجانب. ~~قال أبو عبيدة: النشر: المتفرقة من كل جانب. قال أبو علي: يحتمل أن تكون ~~النشور بمعنى المنشر، وبمعنى المنتشر، وبمعنى الناشر يقال: PageV02P130 # أنشر ms0762 الله الريح، مثل أحياها، فنشرت، أي: حييت. والدليل على أن إنشار ~~الريح إحياؤها قول الفقعسي: # وهبت له ريح الجنوب وأحييت ... له ريدة يحيي المياه نسيمها «1» # ويدل على ذلك أن الريح قد وصفت بالموت. قال الشاعر: # إني لأرجو أن تموت الريح ... وأقعد اليوم وأستريح # والريدة والريدانة: الريح. وقرأ ابن عامر، وعبد الوارث، والحسن البصري: ~~«نشرا» بالنون مضمومة وسكون الشين، وهي في معنى «نشرا» . يقال: كتب وكتب، ~~ورسل ورسل. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، والمفضل عن عاصم: «نشرا» بفتح النون ~~وسكون الشين. قال الفراء: النشر: # الريح الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب. وقال ابن الانباري: النشر: ~~المنتشرة الواسعة الهبوب. وقال أبو علي: يحتمل النشر أن يكون خلاف الطي، ~~كأنها كانت بانقطاعها كالمطوية. ويحتمل أن يكون معناها ما قاله أبو عبيدة ~~في النشر: أنها المتفرقة في الوجوه ويحتمل أن يكون من النشر الذي هو ~~الحياة، كقول الشاعر: # يا عجبا للميت الناشر «2» # قال: وهذا هو الوجه. وقرأ أبو رجاء العطاردي، وإبراهيم النخعي، ومسروق، ~~ومورق العجلي: # «نشرا» بفتح النون والشين. قال ابن القاسم: وفي النشر وجهان: أحدهما: أن ~~يكون جمعا للنشور، كما قالوا: عمود وعمد، وإهاب وأهب. والثاني: أن يكون ~~جمعا، واحده ناشر، يجري مجرى قوله: # غائب وغيب، وحافد وحفد وكل هؤلاء القراء نون الكلمة. وكذلك اختلافهم في ~~(سورة الفرقان) «3» و (سورة النمل) «4» . هذه قراءات من قرأ بالنون. وقد ~~قرأ آخرون بالباء فقرأ عاصم إلا المفضل: # «بشرى» بالباء المضمومة وسكون الشين مثل فعلى. قال ابن الانباري: وهي جمع ~~بشيرة، وهي التي تبشر بالمطر. والأصل ضم الشين، إلا أنهم استثقلوا الضمتين. ~~وقرأ ابن خثيم، وابن حذلم مثله، إلا أنهما نونا الراء. وقرأ ابو الجوزاء، ~~وأبو عمران، وابن أبي عبلة: بضم الباء والشين، وهذا على أنها جمع بشيرة. ~~والرحمة هاهنا: المطر سماه رحمة لأنه كان بالرحمة. و «أقلت» بمعنى حملت. ~~قال الزجاج: السحاب: جمع سحابة. قال ابن فارس: سمي السحاب لانسحابه في ~~الهواء. # قوله تعالى: ثقالا أي: بالماء. وقوله تعالى: سقناه رد الكناية إلى لفظ ~~السحاب، ولفظه لفظ واحد. ms0763 وفي قوله: «لبلد» قولان: أحدهما: إلى بلد. ~~والثاني: لإحياء بلد. والميت: الذي لا ينبت فيه، فهو محتاج إلى المطر. وفي ~~قوله تعالى: فأنزلنا به ثلاثة أقوال: أحدها: أن الكناية ترجع إلى السحاب. ~~والثاني: إلى المطر، ذكرهما الزجاج. والثالث: إلى البلد، ذكره ابن ~~الانباري. فأما هاء فأخرجنا به فتحتمل الأقوال الثلاثة. PageV02P131 # قوله تعالى: كذلك نخرج الموتى أي: كما أحيينا هذا البلد. وقال مجاهد: ~~نحيي الموتى بالمطر كما أحيينا البلد الميت به. قال ابن عباس: يرسل الله ~~تعالى بين النفختين مطرا كمني الرجال، فينبت الناس به في قبورهم كما نبتوا ~~في بطون أمهاتهم. # قوله تعالى: لعلكم تذكرون قال الزجاج: لعل: ترج. وإنما خوطب العباد على ~~ما يرجوه بعضهم من بعض والمعنى: لعلكم بما بيناه لكم تستدلون على توحيد ~~الله وأنه يبعث الموتى. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 58] # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف ~~الآيات لقوم يشكرون (58) # قوله تعالى: والبلد الطيب يعني الأرض الطيبة التربة، يخرج نباته وقرأ ابن ~~أبي عبلة: # «يخرج» بضم الياء وكسر الراء، «نباته» بنصب التاء، والذي خبث لا يخرج ~~كذلك أيضا. وروى ابان عن عاصم: «لا يخرج» بضم الياء وكسر الراء. والمراد ~~بالذي خبث: الأرض السبخة. # قوله تعالى: إلا نكدا قرأ الجمهور: بفتح النون وكسر الكاف، وقرأ أبو ~~جعفر: «نكدا» بفتح الكاف. وقرأ مجاهد، وقتادة، وابن محيصن: «نكدا» باسكان ~~الكاف. قال أبو عبيدة: قليلا عسيرا في شدة، وأنشد: # لا تنجز الوعد إن وعدت وإن ... أعطيت أعطيت تافها نكدا «1» # قال المفسرون: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر فالمؤمن إذا سمع ~~القرآن وعقله انتفع به وبان أثره عليه، فشبه بالبلد الطيب الذي يمرع ويخصب ~~ويحسن أثر المطر عليه وعكسه الكافر. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 59 الى # 62] # لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال ~~مبين (60) قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول ms0764 من رب العالمين (61) أبلغكم ~~رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون (62) # قوله تعالى: اعبدوا الله قال مقاتل: وحدوه وكذلك في سائر القصص بعدها. # قوله تعالى: ما لكم من إله غيره قرأ الكسائي: «غيره» بالخفض. قال أبو ~~علي: جعل غيرا صفة ل «إله» على اللفظ. # قوله تعالى: أبلغكم قرأ أبو عمرو: «أبلغكم» ساكنة الباء خفيفة اللام. ~~وقرأ الباقون: «أبلغكم» مفتوحة الباء مشددة اللام. # قوله تعالى: وأنصح لكم يقال: نصحته ونصحت له، وشكرته وشكرت له. # قوله تعالى: وأعلم من الله ما لا تعلمون أي: من مغفرته لمن تاب عليه ~~وعقوبته لمن أصر. # وقال مقاتل: أعلم من نزول العذاب ما لا تعلمونه وذلك أن قوم نوح لم ~~يسمعوا بقوم عذبوا قبلهم. PageV02P132 ### | ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 63 الى # 64] # أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ~~ترحمون (63) فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين (64) # قوله تعالى: أوعجبتم قال الزجاج: هذه واو العطف، دخلت عليها ألف ~~الاستفهام، فبقيت مفتوحة. وفي الذكر قولان: أحدهما: الموعظة. والثاني: ~~البيان. وفي قوله: على رجل منكم قولان: # أحدهما: أن «على» بمعنى: «مع» ، قاله الفراء. والثاني: أن المعنى: على ~~لسان رجل منكم، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: قوما عمين قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة الله وقدرته ~~وشدة بطشه. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 65 الى 70] # وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون (65) قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك ~~من الكاذبين (66) قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين (67) ~~أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين (68) أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم ~~على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في ~~الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون (69) # قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا ~~إن كنت من الصادقين ms0765 (70) # قوله تعالى: وإلى عاد المعنى: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا. قال الزجاج: ~~وإنما قيل: # أخوهم، لأنه بشر مثلهم من ولد أبيهم آدم. ويجوز أن يكون أخاهم لأنه من ~~قومهم. وقال أبو سليمان الدمشقي: وعاد قبيلة من ولد سام بن نوح وإنما سماه ~~أخاهم لأنه كان نسيبا لهم، وهو وهم من ولد عاد بن عوص بن إرم بن سام. # قوله تعالى: إنا لنراك في سفاهة قال ابن قتيبة: السفاهة: الجهل. وقال ~~الزجاج: # السفاهة: خفة الحلم والرأي يقال: ثوب سفيه، إذا كان خفيفا. وإنا لنظنك من ~~الكاذبين فكفروا به، ظانين، لا مستيقنين. قال يا قوم ليس بي سفاهة هذا موضع ~~أدب للخلق في حسن المخاطبة، فانه دفع ما سبوه به من السفاهة بنفيه فقط. # قوله تعالى: وأنا لكم ناصح أمين قال الضحاك: أمين على الرسالة. وقال ابن ~~السائب: كنت فيكم أمينا قبل اليوم. # قوله تعالى: واذكروا إذ جعلكم خلفاء ذكرهم النعمة حيث أهلك من كان قبلهم، ~~وأسكنهم مساكنهم. وزادكم في الخلق بصطة أي: طولا وقوة. وقال ابن عباس: كان ~~أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستين ذراعا. قال الزجاج: وآلاء الله: نعمه ~~واحدها: إلى. قال الشاعر: # أبيض لا يرهب الهزال ولا ... يقطع رحما ولا يخون إلى «1» # ويجوز أن يكون واحدها «إليا» ، «وألى» . PageV02P133 # قوله تعالى: فأتنا بما تعدنا أي: من نزول العذاب إن كنت من الصادقين في ~~أن العذاب نازل بنا. وقال عطاء: في نبوتك وإرسالك إلينا. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 71 الى # 72] # قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) ~~فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا ~~مؤمنين (72) # قوله تعالى: قال قد وقع أي وجب عليكم من ربكم رجس وغضب قال ابن عباس: ~~عذاب وسخط. وقال أبو عمرو بن العلاء: الرجز والرجس بمعنى واحد، قلبت السين ~~زايا. قوله تعالى: # أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم يعني: الأصنام. وفي تسميتهم ~~لها قولان: أحدهما: ms0766 # أنهم سموها آلهة. والثاني: أنهم سموها بأسماء مختلفة. والسلطان: الحجة: ~~فانتظروا نزول العذاب إني معكم من المنتظرين الذي يأتيكم من العذاب في ~~تكذيبكم إياي. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 73 الى 74] # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا ~~تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ~~وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء ~~الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (74) # قوله تعالى: وإلى ثمود قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها. ~~قال ابن فارس: # الثمد: الماء القليل الذي لا مادة له. # قوله تعالى: هذه ناقة الله في إضافتها إليه قولان: أحدهما: أن ذلك ~~للتخصيص والتفضيل، كما يقال: بيت الله. والثاني: لأنها كانت بتكوينه من غير ~~سبب. # قوله تعالى: لكم آية أي: علامة تدل على قدرة الله وإنما قال: «لكم» لأنهم ~~هم الذين اقترحوها، وإن كانت آية لهم ولغيرهم. وفي وجه كونها آية قولان: ~~احدهما: أنها خرجت من صخرة ملساء، فتمخضت بها تمخض الحامل، ثم انفلقت عنها ~~على الصفة التي طلبوها. والثاني: أنها كانت تشرب ماء الوادي كله في يوم، ~~وتسقيهم اللبن مكانه. # قوله تعالى: فذروها تأكل في أرض الله قال ابن الأنباري: ليس عليكم مؤنتها ~~وعلفها. # و «تأكل» مجزوم على جواب الشرط المقدر، أي: إن تذروها تأكل. # قوله تعالى: ولا تمسوها بسوء، أي: لا تصيبوها بعقر. # قوله تعالى: وبوأكم في الأرض أي: أنزلكم يقال: تبوأ فلان منزلا: إذا ~~نزله. وبوأته: # أنزلته. قال الشاعر: # وبوئت في صميم معشرها ... فتم في قومها مبوؤها «1» PageV02P134 # أي أنزلت من الكريم في صميم النسب، قاله الزجاج. # قوله تعالى: تتخذون من سهولها قصورا السهل: ضد الحزن. والقصر: ما شيد ~~وعلا من المنازل. قال ابن عباس: اتخذوا القصور في سهول الأرض للصيف، ونقبوا ~~في الجبال للشتاء. قال وهب بن منبه: كان الرجل منهم يبني البنيان، فيمر ~~عليه ms0767 مائة سنة، فيخرب، ثم يجدده، فيمر عليه مائة سنة، فيخرب ثم يجدده، فيمر ~~عليه مائة سنة، فيخرب فأضجرهم ذلك، فاتخذوا من الجبال بيوتا. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 75 الى # 76] # قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون ~~أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) قال الذين ~~استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (76) # قوله تعالى: قال الملأ الذين استكبروا وقرأ ابن عامر «وقال الملأ» بزيادة ~~واو وكذلك هي في مصاحفهم. ومعنى الآية: تكبروا عن عبادة الله. للذين ~~استضعفوا يريد: المساكين. لمن آمن منهم بدل من قوله «للذين استضعفوا» لأنهم ~~المؤمنون أتعلمون أن صالحا مرسل هذا استفهام إنكار. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 77 الى 78] # فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت ~~من المرسلين (77) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (78) # قوله تعالى: فعقروا الناقة أي: قتلوها. قال ابن قتيبة: والعقر يكون ~~بمعنى: القتل. # (587) ومنه قوله عليه السلام عند ذكر الشهداء: «من عقر جواده» . # وقال ابن إسحاق: كمن لها قاتلها في أصل شجرة فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ~~ساقها، ثم شد عليها بالسيف فكسر عرقوبها، ثم نحرها. قال الازهري: العقر عند ~~العرب: قطع عرقوب البعير، ثم جعل العقر نحرا، لأن ناحر البعير يعقره ثم ~~ينحره. قوله تعالى: وعتوا قال الزجاج: جازوا المقدار في الكفر. قال أبو ~~سليمان: عتوا عن اتباع أمر ربهم. # قوله تعالى: بما تعدنا أي: من العذاب. # قوله تعالى: فأخذتهم الرجفة قال الزجاج: الرجفة: الزلزلة الشديدة. ~~PageV02P135 # قوله تعالى: فأصبحوا في دارهم أي: في مدينتهم. فإن قيل: كيف وحد الدار ها ~~هنا، وجمعها في موضع آخر، فقال: في ديارهم «1» ؟ فعنه جوابان، ذكرهما ابن ~~الأنباري: # أحدهما: أنه أراد بالدار: المعسكر، أي: فأصبحوا في معسكرهم. وأراد بقوله: ~~في ديارهم: # المنازل التي ينفرد كل واحد منها بمنزل. # والثاني: أنه أراد بالدار: الديار، فاكتفى بالواحد من الجميع، كقول ~~الشاعر: # كلوا في نصف بطنكم تعيشوا # وشواهد هذا كثيرة في هذا الكتاب. # قوله تعالى: جاثمين ms0768 قال الفراء: أصبحوا رمادا جاثما. وقال أبو عبيدة: أي: ~~بعضهم على بعض جثوم. والجثوم للناس والطير بمنزلة البروك للإبل. وقال ابن ~~قتيبة: الجثوم: البروك على الركب. وقال غيره: كأنهم أصبحوا موتى على هذه ~~الحال. وقال الزجاج: أصبحوا أجساما ملقاة في الأرض كالرماد الجاثم. قال ~~المفسرون: معنى «جاثمين» : بعضهم على بعض، أي: إنهم سقط بعضهم على بعض عند ~~نزول العذاب. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 79 الى 82] # فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون ~~الناصحين (79) ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين (80) إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون ~~(81) وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ~~(82) # قوله تعالى: فتولى عنهم يقول: انصرف صالح عنهم بعد عقر الناقة، لأن الله ~~تعالى أوحى إليه أن اخرج من بين أظهرهم، فاني مهلكهم. وقال قتادة: ذكر لنا ~~أن صالحا أسمع قومه كما أسمع نبيكم قومه، يعني: بعد موتهم. # قوله تعالى: أتأتون الفاحشة يعني إتيان الرجال. ما سبقكم بها من أحد قال ~~عمرو ابن دينار: ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا حتى كان قوم لوط. وقال بعض ~~اللغويين: لوط: مشتق من لطت الحوض: إذا ملسته بالطين. قال الزجاج وهذا غلط، ~~لأنه اسم أعجمي كاسحاق، ولا يقال: إنه مشتق من السحق وهو البعد. # قوله تعالى: إنكم لتأتون الرجال هذا استفهام إنكار. والمسرف: المجاوز ما ~~أمر به. وقوله تعالى: أخرجوهم من قريتكم يعني: لوطا وأتباعه المؤمنين إنهم ~~أناس يتطهرون قال ابن عباس: # يتنزهون عن أدبار الرجال وأدبار النساء. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 83 الى 84] # فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (83) وأمطرنا عليهم مطرا ~~فانظر كيف كان عاقبة المجرمين (84) PageV02P136 # قوله تعالى: فأنجيناه وأهله في أهله قولان: أحدهما: ابنتاه. والثاني: ~~المؤمنون به. إلا امرأته كانت من الغابرين أي: الباقين في عذاب الله تعالى: ~~قال أبو عبيدة: وإنما قال: «من الغابرين» لأن صفة النساء مع صفة الرجال ~~تذكر إذا ms0769 أشرك بينهما. # قوله تعالى: وأمطرنا عليهم مطرا قال ابن عباس: يعني: الحجارة. قال مجاهد: ~~نزل جبريل فأدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط ورفعها ثم قلبها فجعل أعلاها ~~أسفلها ثم أتبعوا بالحجارة. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 85] # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) # قوله تعالى: وإلى مدين قال قتادة: مدين: ماء كان عليه قوم شعيب، وكذلك ~~قال الزجاج، وقال: لا ينصرف، لأنه اسم البقعة. وقال مقاتل: مدين: هو ابن ~~ابراهيم الخليل لصلبه. وقال أبو سليمان الدمشقي: مدين: هو ابن مديان بن ~~ابراهيم، والمعنى: أرسلنا إلى ولد مدين، فعلى هذا: هو اسم قبيلة. وقال ~~بعضهم: هو اسم للمدينة. فالمعنى: وإلى أهل مدين. قال شيخنا أبو منصور ~~اللغوي: # مدين أسم أعجمي. فان كان عربيا، فالياء زائدة، من قولهم: مدن بالمكان: ~~إذا أقام به. # قوله تعالى: ولا تبخسوا الناس أشياءهم قال الزجاج: البخس: النقص والقلة ~~يقال: # بخست أبخس بالسين، وبخصت عينه، بالصاد لا غير. ولا تفسدوا في الأرض أي: ~~لا تعملوا فيها بالمعاصي بعد أن أصلحها الله بالأمر بالعدل، وإرسال الرسل. # قوله تعالى: إن كنتم مؤمنين أي: مصدقين بما أخبرتكم عن الله. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 86] # ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا ~~واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86) # قوله تعالى: ولا تقعدوا بكل صراط أي: بكل طريق توعدون من آمن بشعيب ~~بالشر، وتخوفونهم بالعذاب والقتل. فان قيل: كيف أفرد الفعل، وأخلاه من ~~المفعول فهلا قال: توعدون بكذا؟ فالجواب: أن العرب إذا أخلت هذا الفعل من ~~المفعول، لم يدل إلا على شر يقولون: أوعدت فلانا. وكذلك إذا أفردوا: وعدت ~~من مفعول، لم يدل إلا على الخير. قال الفراء: يقولون: وعدته خيرا، ووعدته ~~شرا فاذا أسقطوا الخير والشر، قالوا: وعدته: في الخير، وأوعدته: في الشر ms0770 ~~فإذا جاءوا بالباء، قالوا: وعدته بالشر، وقال الراجز: # أوعدني بالسجن والأداهم «1» قال المصنف: وقرأت على شيخنا أبي منصور ~~اللغوي، قال: إذا أرادوا أن يذكروا ما تهددوا به مع أوعدت، جاءوا بالباء، ~~فقالوا: أوعدته بالضرب، ولا يقولون: أوعدته الضرب. قال السدي: كانوا ~~PageV02P137 # عشارين. وقال ابن زيد: كانوا يقطعون الطريق. # قوله تعالى: وتصدون عن سبيل الله أي: تصرفون عن دين الله من آمن به. ~~وتبغونها عوجا مفسر في (آل عمران) «1» . # قوله تعالى: واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم قال الزجاج: جائز أن يكون ~~المعنى: # جعلكم أغنياء بعد أن كنتم فقراء وجائز أن يكون: كثر عددكم بعد أن كنتم ~~قليلا، وجائز أن يكونوا غير ذوي مقدرة وأقدار، فكثرهم. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 87 الى 88] # وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى ~~يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين (87) قال الملأ الذين استكبروا من قومه ~~لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو ~~كنا كارهين (88) # قوله تعالى: وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا ~~أي: إن أختلفتم في رسالتي، فصرتم فريقين، مصدقين ومكذبين فاصبروا حتى يحكم ~~الله بيننا بتعذيب المكذبين، وإنجاء المصدقين وهو خير الحاكمين لأنه العدل ~~الذي لا يجوز. # قوله تعالى: أو لتعودن في ملتنا يعنون ديننا، وهو الشرك. قال الفراء: جعل ~~في قوله: # «لتعودن» لاما كجواب اليمين، وهو في معنى شرط ومثله في الكلام: والله ~~لأضربنك أو تقر لي، فيكون معناه معنى: «إلا» ، أو معنى: «حتى» . قال أولو ~~كنا كارهين أي: أو تجبروننا على ملتكم إن كرهناها؟! والألف للاستفهام. فان ~~قيل: كيف قالوا: «لتعودن» ، وشعيب لم يكن في كفر قط، فيعود إليه؟ ففيه ~~جوابان: أحدهما: أنهم لما جمعوا في الخطاب معه من كان كافرا، ثم آمن، ~~خاطبوا شعيبا بخطاب أتباعه، وغلبوا لفظهم على لفظه، لكثرتهم، وانفراده. ~~والثاني: أن المعنى: لتصيرن إلى ملتنا فوقع العود على معنى الابتداء، كما ~~يقال: قد عاد علي من فلان مكروه، أي: قد لحقني منه ms0771 ذلك وإن لم يكن سبق منه ~~مكروه. قال الشاعر: # فان تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب «2» # وقد شرحنا هذا في قوله: وإلى الله ترجع الأمور في (سورة البقرة) «3» . ~~وقد ذكر معنى الجوابين الزجاج، وابن الأنباري. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 89 الى 93] # قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما ~~يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على ~~الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (89) وقال ~~الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون (90) فأخذتهم ~~الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها ~~الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين (92) فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ~~أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين (93) PageV02P138 # قوله تعالى: قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم وذلك أن القوم ~~كانوا يدعون أن الله أمرهم بما هم عليه، فلذلك سموه ملة. وما يكون لنا أن ~~نعود فيها أي: في الملة، إلا أن يشاء الله أي: # إلا أن يكون قد سبق في علم الله ومشيئته أن نعود فيها، وسع ربنا كل شيء ~~علما قال ابن عباس: يعلم ما يكون قبل أن يكون. # قوله تعالى: على الله توكلنا أي: فيما توعدتمونا به، وفي حراستنا عن ~~الضلال. ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق قال أبو عبيدة: احكم بيننا، ~~وأنشد # ألا أبلغ بني عصم رسولا ... بأني عن فتاحتكم غني «1» # قال الفراء: وأهل عمان يسمون القاضي: الفاتح والفتاح. قال الزجاج: وجائز ~~أن يكون المعنى: # أظهر أمرنا حتى ينفتح ما بيننا وينكشف فجائز أن يكونوا سألوا بهذا نزول ~~العذاب بقومهم ليظهر أن الحق معهم. # قوله تعالى: كأن لم يغنوا فيها فيه أربعة أقوال: # أحدها: كأن لم يعيشوا في دارهم، قاله ابن عباس، والأخفش. قال حاتم طيء: # غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... فكلا سقاناه بكأسيهما الدهر «2» # فما زادنا بغيا على ذي قرابة ms0772 ... غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر «3» # قال الزجاج: معنى غنينا: عشنا. والتصعلك: الفقر، والعرب تقول للفقير: ~~الصعلوك. # والثاني: كأن لم يتنعموا فيها، قاله قتادة. والثالث: كأن لم يكونوا فيها، ~~قاله ابن زيد، ومقاتل. # والرابع: كأن لم ينزلوا فيها، قاله الزجاج. قال الأصمعي: المغاني: ~~المنازل، يقال: غنينا بمكان كذا، أي: نزلنا به. وقال ابن قتيبة: كأن لم ~~يقيموا فيها، ومعنى: غنينا بمكان كذا: أقمنا. قال ابن الأنباري: # وإنما كرر قوله: الذين كذبوا شعيبا للمبالغة في ذمهم كما تقول: أخوك الذي ~~أخذ أموالنا، أخوك الذي شتم أعراضنا. # قوله تعالى: فتولى عنهم فيه قولان: أحدهما: أعرض. والثاني: انصرف. وقال ~~يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي قال قتادة: أسمع شعيب قومه، وأسمع صالح قومه ~~كما أسمع نبيكم قومه يوم بدر، يعني: أنه خاطبهم بعد الهلاك. فكيف آسى أي: ~~أحزن. وقال أبو اسحاق: أصاب شعيبا على قومه حزن شديد، ثم عاتب نفسه، فقال: ~~كيف آسى على قوم كافرين. PageV02P139 ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 94] # وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم ~~يضرعون (94) # قوله تعالى: وما أرسلنا في قرية قال الزجاج: يقال لكل مدينة: قرية، ~~لاجتماع الناس فيها. # وقال غيره: في الآية اختصار، تقديره: فكذبوه. إلا أخذنا أهلها بالبأساء ~~وقد سبق تفسير البأساء والضراء في سورة الأنعام، وتفسير التضرع في هذه ~~السورة. ومقصود الآية: إعلام النبي صلى الله عليه وسلم بسنة الله في ~~المكذبين، وتهديد قريش. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 95 الى 97] # ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء ~~والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون (95) ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا ~~لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ~~(96) أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون (97) # قوله تعالى: ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة فيه قولان: أحدها: أن السيئة: ~~الشدة والحسنة الرخاء، قاله ابن عباس. والثاني: السيئة: الشر والحسنة: ~~الخير، قاله مجاهد. # قوله تعالى: حتى عفوا قال ابن عباس: كثروا، وكثرت أموالهم. وقالوا قد مس ms0773 ~~آباءنا الضراء والسراء فنحن مثلهم يصيبنا ما أصابهم، يعني: أنهم أرادوا أن ~~هذا دأب الدهر وليس بعقوبة فأخذناهم بغتة أي فجأة بنزول العذاب وهم لا ~~يشعرون بنزوله حتى أهلكهم. قوله تعالى: لفتحنا عليهم بركات من السماء ~~والأرض قال الزجاج: المعنى: أتاهم الغيث من السماء، والنبات من الأرض، وجعل ~~ذلك زاكيا كثيرا. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 98 الى 99] # أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98) أفأمنوا مكر الله ~~فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (99) # قوله تعالى: أوأمن أهل القرى قرأ ابن كثير، وابن عامر، ونافع: «أو أمن ~~أهل» باسكان الواو. وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: أوأمن بتحريك ~~الواو. وروى ورش عن نافع: «أو أمن» يدغم الهمزة، ويلقي حركتها على الساكن. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 100 الى 101] # أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ~~ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون (100) تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد ~~جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله ~~على قلوب الكافرين (101) # قوله تعالى: أولم يهد للذين وقرأ يعقوب: «نهد» بالنون، وكذلك في (طه) «1» ~~، و (السجدة) «2» . قال الزجاج: من قرأ بالياء، فالمعنى: أو لم يبين الله ~~لهم. ومن قرأ بالنون، فالمعنى: # أو لم نبين. وقوله تعالى: ونطبع ليس بمحمول على «أصبناهم» ، لأنه لو حمل ~~على «أصبناهم» لكان: ولطبعنا. وإنما المعنى: ونحن نطبع على قلوبهم. ويجوز ~~أن يكون محمولا على الماضي، PageV02P140 # ولفظه لفظ المستقبل، كما قال: أن لو نشاء، والمعنى: لو شئنا. وقال ابن ~~الانباري: يجوز أن يكون معطوفا على: أصبنا، إذ كان بمعنى نصيب فوضع الماضي ~~في موضع المستقبل عند وضوح معنى الاستقبال، كما قال: تبارك الذي إن شاء جعل ~~لك خيرا من ذلك «1» أي: إن يشأ، يدل عليه قوله: ويجعل لك قصورا، قال ~~الشاعر: # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... مني، وما سمعوا من صالح دفنوا «2» # أي: يدفنوا: # قوله تعالى: فهم لا يسمعون أي لا يقبلون، ومنه: «سمع الله لمن حمده» ، ~~قال ms0774 الشاعر: # دعوت الله حتى خفت أن لا ... يكون الله يسمع ما أقول «3» # قوله تعالى: فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل فيه خمسة أقوال «4» : ~~أحدها: فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما سبق في علم الله أنهم يكذبون ~~به يوم أقروا له بالميثاق حين أخرجهم من صلب آدم، هذا قول أبي بن كعب. ~~والثاني: فما كانوا ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا به يوم أخذ ميثاقهم ~~حين أخرجهم من صلب آدم، فآمنوا كرها حيث أقروا بالألسن، وأضمروا التكذيب، ~~قاله ابن عباس، والسدي. والثالث: فما كانوا لو رددناهم إلى الدنيا بعد ~~موتهم ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم، هذا قول مجاهد. والرابع: فما ~~كانوا ليؤمنوا بما كذب به أوائلهم من الأمم الخالية، بل شاركوهم في ~~التكذيب، قاله يمان بن رباب. والخامس: فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات ~~والعجائب بما كذبوا قبل رؤيتها. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 102] # وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (102) # قوله تعالى: وما وجدنا لأكثرهم قال مجاهد: يعني: القرون الماضية. من عهد ~~قال أبو عبيدة: أي: وفاء. قال ابن عباس: يريد الوفاء بالعهد الذي عاهدهم ~~حين أخرجهم من صلب آدم. # وقال الحسن: العهد ها هنا: ما عهده إليهم مع الأنبياء أن لا يشركوا به ~~شيئا. PageV02P141 # قوله تعالى: وإن وجدنا قال أبو عبيدة: وما وجدنا أكثرهم إلا الفاسقين. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 103 الى # 107] # ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها فانظر كيف ~~كان عاقبة المفسدين (103) وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ~~(104) حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل ~~معي بني إسرائيل (105) قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ~~(106) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (107) # قوله تعالى: ثم بعثنا من بعدهم يعني: الأنبياء المذكورين. # قوله تعالى: فظلموا بها قال ابن عباس: فكذبوا بها. وقال غيره: فجحدوا ~~بها. # قوله تعالى: حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق ms0775 «على» بمعنى الباء. ~~قال الفراء: العرب تجعل الباء في موضع «على» تقول: رميت بالقوس، وعلى ~~القوس، وجئت بحال حسنة، وعلى حال حسنة. وقال أبو عبيدة: «حقيق» بمعنى: ~~حريص. وقرأ نافع، وأبان عن عاصم: «حقيق علي» بتشديد الياء وفتحها، على ~~الاضافة. والمعنى: واجب علي. # قوله تعالى: قد جئتكم ببينة قال ابن عباس: يعني: العصا. فأرسل معي بني ~~إسرائيل أي: أطلق عنهم وكان قد استخدمهم في الأعمال الشاقة. فإذا هي ثعبان ~~مبين قال أبو عبيدة: أي: # حية ظاهرة. قال الفراء: الثعبان: أعظم الحيات، وهو الذكر. وكذلك روى ~~الضحاك عن ابن عباس: # الثعبان: الحية الذكر. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 108 الى 122] # ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (108) قال الملأ من قوم فرعون إن هذا ~~لساحر عليم (109) يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون (110) قالوا أرجه ~~وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين (111) يأتوك بكل ساحر عليم (112) # وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (113) قال نعم ~~وإنكم لمن المقربين (114) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن ~~الملقين (115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤ بسحر ~~عظيم (116) وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) # فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ~~(119) وألقي السحرة ساجدين (120) قالوا آمنا برب العالمين (121) رب موسى ~~وهارون (122) # قوله تعالى: ونزع يده قال ابن عباس: أدخل يده في جيبه، ثم أخرجها، فاذا ~~هي تبرق مثل البرق، لها شعاع غلب نور الشمس، فخروا على وجوههم ثم أدخلها ~~جيبه فصارت كما كانت. قال مجاهد: بيضاء من غير برص. # قوله تعالى: فماذا تأمرون قال ابن عباس: ما الذي تشيرون به علي؟ وهذا يدل ~~على أنه من قول فرعون، وأن كلام الملأ انقطع عند قوله: من أرضكم. قال ~~الزجاج: يجوز أن يكون من قول الملأ، كأنهم خاطبوا فرعون ومن يخصه، أو ~~خاطبوه وحده لأنه قد يقال للرئيس المطاع: ماذا ترون؟ # PageV02P142 # قوله تعالى: أرجه قرأ ابن كثير «أرجئهو» مهموز بواو بعد الهاء في اللفظ. ms0776 ~~وقرأ ابن عمرو مثله، غير أنه يضم الهاء ضمة، من غير أن يبلغ بها الواو ~~وكانا يهمزان: «مرجئون» و «ترجئ» وقرأ قالون والمسيبي عن نافع «أرجه» بكسر ~~الهاء، ولا يبلغ بها الياء، ولا يهمز. وروى عنه ورش: # «أرجهي» يصلها بياء، ولا يهمز بين الجيم والهاء. وكذلك قال إسماعيل بن ~~جعفر عن نافع، وهي قراءة الكسائي. وقرأ حمزة: «أرجه» ساكنة الهاء غير ~~مهموز، وكذلك قرأ عاصم في غير رواية المفضل، وقد روى عنه المفضل كسر الهاء ~~من غير إشباع ولا همز، وهي قراءة أبي جعفر، وكذلك اختلافهم في سورة ~~(الشعراء) «1» . قال ابن قتيبة: أرجه: أخره وقد يهمز، يقال: أرجأت الشيء، ~~وأرجيته. ومنه قوله: ترجي من تشاء منهن «2» . قال الفراء: بنو أسد تقول: ~~أرجيت الأمر، بغير همز، وكذلك عامة قيس وبعض بني تميم يقولون: أرجأت الأمر، ~~بالهمز، والقراء مولعون بهمزها، وترك الهمز أجود. # قوله تعالى: وأرسل في المدائن يعني مدائن مصر، حاشرين أي: من يحشر السحرة ~~إليك ويجمعهم. وقال ابن عباس: هم الشرط. قوله تعالى: يأتوك بكل ساحر قرأ ~~ابن كثير ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «ساحر» وفي (يونس) : بكل ~~سحار» # وقرأ حمزة والكسائي: # «سحار» في الموضعين ولا خلاف في (الشعراء) أنها: سحار «4» . # قوله تعالى: إن لنا لأجرا قرأ ابن كثير، ونافع، وحفص عن عاصم إن لنا ~~لأجرا مكسورة الألف على الخبر، وفي (الشعراء) : «آين» ممدودة مفتوحة الألف، ~~غير أن حفصا روى عن عاصم في (الشعراء) : «أإن» «5» بهمزتين. وقرأ أبو عمرو: ~~«آين لنا» ممدودة في السورتين. وقرأ أبن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر ~~عن عاصم: بهمزتين في الموضعين. قال أبو علي: الاستفهام أشبه بهذا الموضع، ~~لأنهم لم يقطعوا على أن لهم الأجر، وإنما استفهموا عنه. # قوله تعالى: وإنكم لمن المقربين أي: ولكم مع الأجر المنزلة الرفيعة عندي. # قوله تعالى: سحروا أعين الناس قال أبو عبيدة: عشوا أعين الناس وأخذوها. ~~واسترهبوهم أي: خوفوهم. وقال الزجاج: استدعوا رهبتهم حتى رهبهم الناس. # قوله تعالى: فإذا هي تلقف وقرأ كعاصم: تلقف ساكنة اللام، خفيفة القاف ms0777 ~~هاهنا وفي (طه) ، و (الشعراء) . وروى البزي. وابن فليح عن ابن كثير: «تلقف» ~~بتشديد التاء. قال الفراء: يقال: # لقفت الشيء، فأنا ألقفه لقفا ولقفانا والمعنى: تبتلع. # قوله تعالى: ما يأفكون أي: يكذبون، لأنهم زعموا أنها حيات. # قوله تعالى: فوقع الحق قال ابن عباس: استبان. وبطل ما كانوا يعملون من ~~السحر. # (الإشارة إلى قصتهم) اختلفوا في عدد السحرة على ثلاثة عشر قولا. أحدها: ~~اثنان وسبعون، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: اثنان وسبعون ألفا، روي ~~عن ابن عباس أيضا، وبه قال مقاتل. والثالث: سبعون، PageV02P143 # روي عن ابن عباس أيضا. والرابع: اثنا عشر ألفا، قاله كعب. والخامس: سبعون ~~ألفا، قاله عطاء، وكذلك قال وهب في رواية، ألا أنه قال: فاختار منهم سبعة ~~آلاف. والسادس: سبعمائة. وروى عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب أنه قال: ~~كان عدد السحرة الذين عارضوا موسى سبعين ألفا متخيرين من سبعمائة ألف، ثم ~~إن فرعون اختار من السبعين الألف سبعمائة. والسابع: خمسة وعشرون ألفا، قاله ~~الحسن. والثامن: تسعمائة، قاله عكرمة. والتاسع: ثمانون ألفا، قاله محمد بن ~~المنكدر. # والعاشر: بضعة وثلاثون ألفا، قاله السدي. والحادي عشر: خمسة عشر ألفا، ~~قاله ابن اسحاق. والثاني عشر: تسعة عشر ألفا، رواه أبو سليمان الدمشقي. ~~والثالث عشر: أربع مائة، حكاه الثعلبي. فأما أسماء رؤسائهم، فقال ابن ~~اسحاق: رؤوس السحرة ساتور، وعاذور، وحطحط، ومصفى، وهم الذين آمنوا، كذا ~~حكاه ابن ماكولا. ورأيت عن غير ابن اسحاق: سابورا، وعازورا. وقال مقاتل: ~~اسم أكبرهم. # شمعون. قال ابن عباس: ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا طوالا، فكانت ميلا في ~~ميل، فألقى موسى عصاه، فاذا هي أعظم من حبالهم وعصيهم، قد سدت الأفق، ثم ~~فتحت فاها ثمانين ذراعا، فابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، وجعلت تأكل ~~جميع ما قدرت عليه من صخرة أو شجرة، والناس ينظرون، وفرعون يضحك تجلدا، ~~فأقبلت الحية نحو فرعون، فصاح: يا موسى، يا موسى فأخذها موسى، وعرفت السحرة ~~أن هذا من السماء، وليس هذا بسحر، فخروا سجدا، وقالوا آمنا برب العالمين، ~~فقال فرعون: ms0778 إياي تعنون؟ فقالوا: رب موسى وهارون، فأصبحوا سحرة، وأمسوا ~~شهداء. وقال وهب بن منبه. لما صارت ثعبانا حملت على الناس فانهزموا منها، ~~فقتل بعضهم بعضا، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا. وقال السدي: لقي موسى أمير ~~السحرة، فقال: أرأيت إن غلبتك غدا، أتؤمن بي؟ فقال الساحر: لآتين غدا بسحر ~~لا يغلبه السحر، فو الله لئن غلبتني لأومنن بك. # فان قيل: كيف جاز أن يأمرهم موسى بالإلقاء، وفعل السحر كفر؟ فعنه ثلاثة ~~أجوبة: أحدها: أن مضمون أمره: إن كنتم محقين فألقوا. والثاني: ألقوا على ما ~~يصح، لا على ما يفسد ويستحيل، ذكرهما الماوردي. والثالث: إنما أمرهم ~~بالإلقاء لتكون معجزته أظهر، لأنهم إذا ألقوا، ألقى عصاه فابتلعت ذلك، ذكره ~~الواحدي. # فان قيل: كيف قال: وألقي السحرة ساجدين، وإنما سجدوا باختيارهم؟ فالجواب: ~~أنه لما زالت كل شبهة بما أظهر الله تعالى من أمره، اضطرهم عظيم ما عاينوا ~~إلى مبادرة السجود، فصاروا مفعولين في الإلقاء تصحيحا وتعظيما لشأن ما رأوا ~~من الآيات، ذكره ابن الأنباري. قال ابن عباس: لما آمنت السحرة، اتبع موسى ~~ستمائة ألف من بني إسرائيل. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 123 الى # 125] # قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ~~لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم ~~لأصلبنكم أجمعين (124) قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) # قوله تعالى: آمنتم به قرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو: «أآمنتم به» بهمزة ~~ومدة على الاستفهام. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «أآمنتم به» ~~فاستفهموا بهمزتين، الثانية ممدودة. وقرأ حفص عن عاصم: «آمنتم به» على ~~الخبر. وروى ابن الإخريط عن ابن كثير: «قال # PageV02P144 # فرعون وأمنتم به» فقلب همزة الاستفهام واوا، وجعل الثانية ملينة بين بين. ~~وروى قنبل عن القواس مثل رواية ابن الإخريط، غير أنه كان يهمز بعد الواو. ~~وقال أبو علي: همز بعد الواو، لأن هذه الواو منقلبة عن همزة الاستفهام، ~~وبعد همزة الاستفهام همزة «أفعلتم» فحققها ولم يخففها. # قوله تعالى: إن هذا لمكر مكرتموه قال ابن ms0779 السائب: لصنيع صنعتموه فيما ~~بينكم وبين موسى في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع لتستولوا على مصر ~~فتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون عاقبة ما صنعتم، لأقطعن أيديكم وأرجلكم من ~~خلاف وهو قطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى. قال ابن عباس: # أول من فعل ذلك، وأول من صلب، فرعون. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 126 الى # 128] # وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا ~~وتوفنا مسلمين (126) وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في ~~الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ~~(127) قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء ~~من عباده والعاقبة للمتقين (128) # قوله تعالى: وما تنقم منا أي: وما تكره منا شيئا، ولا تطعن علينا إلا ~~لأنا آمنا. ربنا أفرغ علينا صبرا قال مجاهد: على القطع والصلب حتى لا نرجع ~~كفارا وتوفنا مسلمين أي: مخلصين على دين موسى. # قوله تعالى: أتذر موسى وقومه هذا إغراء من الملأ لفرعون. وفيما أرادوا ~~بالفساد في الأرض قولان: أحدهما: قتل أبناء القبط، واستحياء نسائهم، كما ~~فعلوا ببني اسرائيل، قاله مقاتل. والثاني: # دعاؤهم الناس إلى مخالفة فرعون وترك عبادته. قوله تعالى: ويذرك جمهور ~~القراء على نصب الراء وقرأ الحسن برفعها. قال الزجاج: من نصب «ويذرك» نصبه ~~على جواب الاستفهام بالواو والمعنى: # أيكون منك أن تذر موسى وأن يذرك؟ ومن رفعه جعله مستأنفا، فيكون المعنى: ~~أتذر موسى وقومه، وهو يذرك وآلهتك، والأجود أن يكون معطوفا على «أتذر» ~~فيكون المعنى: أتذر موسى، وأ يذرك موسى؟ أي: أتطلق له هذا؟ قوله تعالى: ~~وآلهتك قال ابن عباس: كان فرعون قد صنع لقومه أصناما صغارا، وأمرهم ~~بعبادتها، وقال أنا ربكم ورب هذه الأصنام، فذلك قوله: أنا ربكم الأعلى. # وقال غيره: كان قومه يتعبدون تلك الأصنام تقربا إليه. وقال الحسن: كان ~~يعبد تيسا في السر. وقيل: # كان يعبد البقر سرا. وقيل: كان يجعل في عنقه شيئا يعبده. وقرأ ابن مسعود، ~~وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ms0780 وأبو العالية، وابن محيصن: ~~«والإهتك» بكسر الهمزة وقصرها وفتح اللام وبألف بعدها. قال الزجاج: المعنى: ~~ويذرك وربوبيتك وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: الإلاهة: # العبادة فالمعنى: ويذرك وعبادة الناس إياك. قال ابن قتيبة: من قرأ: ~~«وإلاهتك» أراد: ويذرك والشمس التي تعبد، وقد كان في العرب قوم يعبدون ~~الشمس ويسمونها آلهة. قال الأعشى: # فما أذكر الرهب حتى انقلبت ... قبيل الإلهة منها قريبا # يعني الشمس، والرهب: ناقته. يقول: اشتغلت بهذه المرأة عن ناقتي إلى هذا ~~الوقت. # قوله تعالى: سنقتل أبناءهم قرأ أبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: «سنقتل» # PageV02P145 # و «يقتلون أبناءكم» بالتشديد، وخففهما نافع. وقرأ ابن كثير: «سنقتل» ~~خفيفة، و «يقتلون» مشددة، وإنما عدل عن قتل موسى إلى قتل الأبناء لعلمه أنه ~~لا يقدر عليه. وإنا فوقهم قاهرون أي: عالون بالملك والسلطان. فشكا بنو ~~إسرائيل إعادة القتل على أبنائهم، فقال موسى: استعينوا بالله واصبروا على ~~ما يفعل بكم إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده. وقرأ الحسن، وهبيرة عن ~~حفص عن عاصم: «يورثها» بالتشديد. فأطمعهم موسى أن يعطيهم الله أرض فرعون ~~وقومه بعد إهلاكهم. # قوله تعالى: والعاقبة للمتقين فيها قولان: أحدهما: الجنة. والثاني: النصر ~~والظفر. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 129 الى 130] # قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون (129) ولقد أخذنا آل فرعون ~~بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون (130) # قوله تعالى: قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا في هذا ~~الأذى ستة أقوال: # أحدها: أن الأذى الأول والثاني أخذ الجزية، قاله الحسن. والثاني: أن ~~الأول ذبح الأبناء، والثاني إدراك فرعون يوم طلبهم، قاله السدي. والثالث: ~~أن الأول أنهم كانوا يسخرون في الأعمال إلى نصف النهار، ويرسلون في بقيته ~~يكتسبون. والثاني تسخيرهم جميع النهار بلا طعام ولا شراب، قاله جويبر. ~~والرابع: أن الأول تسخيرهم في ضرب اللبن، وكانوا يعطونهم التبن الذي يخلط ~~به الطين والثاني أنهم كلفوا ضرب اللبن وجعل التبن عليهم، قاله ابن السائب. ~~والخامس: ms0781 أن الأول قتل الأبناء، واستحياء البنات، والثاني تكليف فرعون ~~إياهم ما لا يطيقون، قاله مقاتل. والسادس: أن الأول استخدامهم وقتل أبنائهم ~~واستحياء نسائهم، والثاني إعادة ذلك العذاب. # وفي قوله تعالى: من قبل أن تأتينا قولان: أحدهما: تأتينا بالرسالة ومن ~~بعد جئتنا بها قاله ابن عباس. والثاني: تأتينا بعهد الله أنه سيخلصنا ومن ~~بعد ما جئتنا به، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: عسى ربكم أن يهلك عدوكم قال الزجاج: عسى: طمع وإشفاق، إلا أن ~~ما يطمع الله فيه فهو واجب. # قوله تعالى: ويستخلفكم في الأرض في هذا الاستخلاف قولان: أحدهما: أنه ~~استخلاف من فرعون وقومه. والثاني: استخلاف عن الله تعالى، لأن المؤمنين ~~خلفاء الله في أرضه، وفي الأرض قولان: أحدهما: أرض مصر، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أرض الشام، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: فينظر كيف تعملون قال الزجاج: أي: يراه بوقوعه منكم، لأنه ~~إنما يجازيهم على ما وقع منهم، لا على ما علم أنه سيقع منهم. # قوله تعالى: ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين قال أبو عبيدة: مجازه: ~~ابتليناهم بالجدوب. وآل فرعون: أهل دينه وقومه. وقال مقاتل: هم أهل مصر. ~~قال الفراء: «بالسنين» أي: بالقحط والجدوب عاما بعد عام. وقال الزجاج: ~~السنون في كلام العرب: الجدوب، يقال: مستهم السنة، ومعناه: جدب السنة، وشدة ~~السنة. وإنما أخذهم بالضراء، لأن أحوال الشدة ترق القلوب، وترغب فيما عند ~~الله وفي الرجوع اليه. قال قتادة: أما السنون، فكانت في بواديهم ومواشيهم، ~~وأما نقص الثمرات، فكان في # PageV02P146 # أمصارهم وقراهم. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: يبس لهم كل شيء، وذهبت ~~مواشيهم، حتى يبس نيل مصر، فاجتمعوا إلى فرعون فقالوا له: إن كنت ربا كما ~~تزعم، فاملأ لنا نيل مصر، فقال غدوة يصبحكم الماء، فلما خرجوا من عنده، ~~قال: أي شيء صنعت؟ أنا أقدر أن أجيء بالماء في نيل مصر؟ # غدوة أصبح، فيكذبوني. فلما كان جوف الليل، اغتسل، ثم لبس مدرعة من صوف، ~~ثم خرج حافيا حتى اتى بطن نيل مصر فقام في بطنه، فقال: اللهم إنك تعلم أني ~~أعلم ms0782 أنك تقدر أن تملأ نيل مصر ماء، فاملأه، فما علم إلا بخرير الماء لما ~~أراد الله به من الهلكة. قلت: وهذا الحديث بعيد الصحة لأن الرجل كان دهريا ~~لا يثبت إلها. ولو صح، كان إقراره بذلك كاقرار إبليس، وتبقى مخالفته عنادا. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 131] # فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ~~ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون (131) # قوله تعالى: فإذا جاءتهم الحسنة وهي الغيث والخصب وسعة الرزق والسلامة ~~قالوا لنا هذه أي: نحن مستحقوها على ما جرى لنا من العادة في سعة الرزق، ~~ولم يعلموا أنه من الله فيشكروا عليه. وإن تصبهم سيئة وهي القحط والجدب ~~والبلاء يطيروا بموسى ومن معه أي: يتشاءموا بهم. وكانت العرب تزجر الطير، ~~فتتشاءم بالبارح، وهو الذي يأتي من جهة الشمال، وتتبرك بالسانح، وهو الذي ~~يأتي من جهة اليمين. قوله تعالى: ألا إنما طائرهم عند الله قال أبو عبيدة: ~~«ألا» تنبيه وتوكيد ومجاز. «طائرهم» حظهم ونصيبهم، وقال ابن عباس «ألا إنما ~~طائرهم عند الله» أي: إن الذي أصابهم من الله. وقال الزجاج: المعنى: ألا إن ~~الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به في الآخرة، لا ما ينالهم في الدنيا. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 132 الى # 133] # وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (132) ~~فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (133) # قوله تعالى: وقالوا مهما قال الزجاج: زعم النحويون أن أصل «مهما» ماما، ~~ولكن أبدل من الألف الأولى الهاء ليختلف اللفظ ف «ما» الأولى هي «ما» ~~الجزاء، و «ما» الثانية هي التي تزاد تأكيدا للجزاء، ودليل النحويين على ~~ذلك أنه ليس شيء من حروف الجزاء إلا و «ما» تزاد فيه، قال الله عز وجل فإما ~~تثقفنهم «1» كقولك: إن تثقفنهم، وقال: وإما تعرضن عنهم «2» ، وتكون «ما» ~~الثانية للشرط والجزاء، والتفسير الأول هو الكلام، وعليه استعمال الناس. ~~قال ابن الأنباري: فعلى قول من قال: إن معنى «مه» الكف، يحسن ms0783 الوقف على ~~«مه» ، والاختيار عندي أن لا يوقف على «مه» دون «ما» لأنهما في المصحف حرف ~~واحد. وفي الطوفان ثلاثة أقوال «3» : PageV02P147 # أحدها: أنه الماء. قال ابن عباس: أرسل عليهم مطر دائم الليل والنهار ~~ثمانية أيام، وإلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير وقتادة والضحاك وأبو مالك ~~ومقاتل واختاره الفراء وابن قتيبة. # (588) والثاني: أنه الموت، روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبه ~~قال مجاهد، وعطاء، ووهب بن منبه، وابن كثير. # والثالث: أنه الطاعون، نقل عن مجاهد، ووهب أيضا. # وفي القمل سبعة أقوال: أحدها: أنه السوس الذي يقع في الحنطة، رواه سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس، وقال به. والثاني: أنه الدبى، رواه العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء. وقال قتادة: القمل: أولاد الجراد. وقال ابن ~~فارس: الدبى: الجراد إذا تحرك قبل أن تنبت أجنحته. والثالث: # أنه دواب سود صغار، قاله الحسن، وسعيد بن جبير. وقيل: هذه الدواب هي ~~السوس. والرابع: أنه الجعلان، قاله حبيب بن ثابت. والخامس: أنه القمل، ذكره ~~عطاء الخراساني، وزيد بن أسلم. # والسادس: أنه البراغيث، حكاه ابن زيد. والسابع: أنه الحمنان، واحدتها: ~~حمنانة، وهي ضرب من القردان، قاله أبو عبيدة. وقرأ الحسن، وعكرمة، وابن ~~يعمر: «القمل» برفع القاف وسكون الميم. وفي الدم قولان: أحدهما: أن ماءهم ~~صار دما، قاله الجمهور. والثاني: أنه رعاف أصابهم، قاله زيد بن اسلم. # (الإشارة إلى شرح القصة) قال ابن عباس: جاءهم الطوفان، فكان الرجل لا ~~يقدر ان يخرج إلى ضيعته، حتى خافوا الغرق، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك ~~يكشفه عنا، ونؤمن بك، ونرسل معك بني إسرائيل فدعا لهم، فكشفه الله عنهم، ~~وأنبت لهم شيئا لم ينبته قبل ذلك، فقالوا: هذا ما كنا نتمنى، فأرسل الله ~~عليهم الجراد فأكل ما أنبتت الأرض، فقالوا: ادع لنا ربك، فدعا، فكشف الله ~~عنهم، فأحرزوا زروعهم في البيوت، فأرسل الله عليهم القمل، فكان الرجل يخرج ~~بطحين عشرة أجربة إلى الرحى، فلا يرى منها ثلاثة أقفزة، فسألوه، فدعا لهم، ~~فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم ms0784 الضفادع، ولم يكن شيء أشد منها، كانت تجيء ~~إلى القدور وهي تغلي وتفور، فتلقي أنفسها فيها، فتفسد طعامهم وتطفئ ~~نيرانهم، وكانت الضفادع برية، فأورثها الله عز وجل برد الماء والثرى إلى ~~يوم القيامة، فسألوه، فدعا لهم، فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الدم، فجرت ~~أنهارهم وقلبهم دما، فلم يقدروا على الماء العذب، وبنو إسرائيل في الماء ~~العذب، فاذا دخل الرجل منهم يستقي من أنهار بني اسرائيل صار ما دخل فيه ~~دما، والماء من بين يديه ومن خلفه صاف عذب لا يقدر عليه، فقال فرعون: أقسم ~~بالهي يا موسى لئن كشفت عنا الرجز PageV02P148 # لنؤمنن بك، ولنرسلن معك بني إسرائيل، فدعا موسى، فذهب الدم وعذب ماؤهم، ~~فقالوا: والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل. # قوله تعالى: آيات مفصلات قال ابن قتيبة: بين الآية والآية فصل. قال ~~المفسرون: كانت الآية تمكث من السبت إلى السبت، ثم يبقون عقيب رفعها شهرا ~~في عافية، ثم تأتي الآية الأخرى. وقال وهب بن منبه: بين كل آيتين أربعون ~~يوما. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: مكث موسى في آل فرعون بعد ما غلب السحرة ~~عشرين سنة يريهم الآيات، الجراد والقمل والضفادع والدم. # وفي قوله تعالى: «فاستكبروا» قولان: أحدهما: عن الإيمان. والثاني: عن ~~الانزجار. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 134 الى # 136] # ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت ~~عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (134) فلما كشفنا عنهم الرجز ~~إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون (135) فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ~~بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (136) # قوله تعالى: ولما وقع عليهم الرجز أي: نزل بهم العذاب. وفي هذا العذاب ~~قولان «1» : # أحدهما: أنه طاعون أهلك منهم سبعين ألفا، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. # والثاني: أنه العذاب الذي سلطه الله عليهم من الجراد والقمل وغير ذلك، ~~قاله ابن زيد. # قال الزجاج: «الرجز» : العذاب، أو العمل الذي يؤدي إلى العذاب. ومعنى ~~الرجز في العذاب: # أنه المقلقل لشدته قلقلة شديدة متتابعة. ms0785 وأصل الرجز في اللغة: تتابع ~~الحركات، فمن ذلك قولهم: ناقة رجزاء، إذا كانت ترتعد قوائمها عند قيامها. ~~ومنه رجز الشعر، لأنه أقصر أبيات الشعر، والانتقال من بيت إلى بيت، سريع، ~~نحو قوله: # يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع # وزعم الخليل أن الرجز ليس بشعر، وإنما هو أنصاف أبيات وأثلاث. # قوله تعالى: بما عهد عندك فيه أربعة أقوال: أحدها: أن معناه: بما أوصاك ~~أن تدعوه به. # والثاني: بما تقدم به إليك أن تدعوه فيجيبك. والثالث: بما عهد عندك في ~~كشف العذاب عمن آمن. # والرابع: أن ذلك منهم على معنى القسم، كأنهم أقسموا عليه بما عهد عنده أن ~~يدعو لهم. # قوله تعالى: إلى أجل هم بالغوه أي: إلى وقت غرقهم. إذا هم ينكثون أي: ~~ينقضون العهد. قوله تعالى: فانتقمنا منهم قال أبو سليمان الدمشقي: انتصرنا ~~منهم باحلال نقمتنا بهم، وتلك PageV02P149 # النقمة تغريقنا إياهم في اليم. قال ابن قتيبة: اليم: البحر بالسريانية. ~~قوله تعالى: وكانوا عنها غافلين فيه قولان: أحدهما: عن الآيات، وغفلتهم: ~~تركهم الاعتبار بها. والثاني: عن النقمة. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 137 الى 138] # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا ~~فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع ~~فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (137) وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على ~~قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال ~~إنكم قوم تجهلون (138) # قوله تعالى: وأورثنا القوم يعني بني إسرائيل. الذين كانوا يستضعفون أي: ~~يستذلون بذبح الأبناء، واستخدام النساء، وتسخير الرجال. مشارق الأرض ~~ومغاربها فيه ثلاثة أقوال: أحدها: # مشارق الشام ومغاربها، قاله الحسن. والثاني: مشارق أرض الشام ومصر. ~~والثالث: أنه على إطلاق في شرق الأرض وغربها. # قوله تعالى: التي باركنا فيها قال ابن عباس: بالماء والشجر. # قوله تعالى: وتمت كلمت ربك الحسنى وهي وعد الله لبني إسرائيل باهلاك ~~عدوهم واستخلافهم في الأرض، وذلك في قوله: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا ~~في الأرض «1» ، وقد بينا علة تسمية ذلك ms0786 كله في (آل عمران) . وقوله تعالى: ~~بما صبروا فيه قولان: أحدهما: على طاعة الله تعالى. والثاني: على أذى ~~فرعون. # قوله تعالى: ودمرنا أي: أهلكنا ما كان يصنع فرعون وقومه من العمارات ~~والمزارع، والدمار: الهلاك. وما كانوا يعرشون أي: يبنون. قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «يعرشون» بكسر الراء ها ~~هنا وفي (النحل) . وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: بضم الراء فيهما. وقرأ ~~ابن أبي عبلة: «يعرشون» بالتشديد، قال الزجاج: يقال: عرش يعرش ويعرش: إذا ~~بنى. # قوله تعالى: يعكفون قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر،: ~~«يعكفون» بضم الكاف. وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضل: بكسر الكاف. وقرأ ابن ~~أبي عبلة: بضم الياء وتشديد الكاف. قال الزجاج: ومعنى يعكفون على أصنام ~~لهم: يواظبون عليها ويلازمونها، يقال لكل من لزم شيئا وواظب عليه: عكف يعكف ~~ويعكف. قال قتادة: كان أولئك القوم نزولا بالرقة، وكانوا من لخم. # وقال غيره: كانت أصنامهم تماثيل البقر. وهذا إخبار عن عظيم جهلهم حيث ~~توهموا جواز عبادة غير الله بعد ما رأوا الآيات. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 139 الى 140] # إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون (139) قال أغير الله ~~أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين (140) # قوله تعالى: إن هؤلاء متبر ما هم فيه قال ابن قتيبة: مهلك. والتبار: ~~الهلاك. PageV02P150 # قوله تعالى: قال أغير الله أبغيكم إلها أي: أطلب لكم، وهذا استفهام ~~إنكار. قال المفسرون، منهم ابن عباس، ومجاهد: والعالمون ها هنا: عالمو ~~زمانهم. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 141] # وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (141) # قوله تعالى: وإذ أنجيناكم قرأ ابن عامر: «وإذ أنجاكم» على لفظ الغائب ~~المفرد. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 142] # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال ~~موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين (142) # قوله تعالى: وواعدنا موسى ثلاثين ليلة المعنى: وعدناه انقضاء ثلاثين ~~ليلة. قال ابن عباس: # قال موسى ms0787 لقومه: إن ربي وعدني ثلاثين ليلة، فلما فصل إلى ربه زاده عشرا، ~~فكانت فتنتهم في ذلك العشر. فان قيل: لم زيد هذا العشر؟ فالجواب: أن ابن ~~عباس قال: صام تلك الثلاثين ليلهن ونهارهن، فلما انسلخ الشهر، كره أن يكلم ~~ربه وريح فمه ريح فم الصائم، فتناول شيئا من نبات الأرض فمضغه، فأوحى الله ~~تعالى إليه: لا كلمتك حتى يعود فوك على ما كان عليه، أما علمت أن رائحة فم ~~الصائم أحب إلي من ريح المسك؟ وأمره بصيام عشرة أيام. وقال أبو العالية: ~~مكث موسى على الطور أربعين ليلة، فبلغنا أنه لم يحدث حتى هبط منه. # فان قيل: ما معنى فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقد علم ذلك عند انضمام ~~العشر إلى الثلاثين. فالجواب من وجوه: أحدها: أنه للتأكيد. والثاني: ليدل ~~أن العشر، ليال لا ساعات. # والثالث: لينفي تمام الثلاثين بالعشر أن تكون من جملة الثلاثين، لأنه ~~يجوز أن يسبق إلى الوهم أنها كانت عشرين ليلة فأتمت بعشر. وقد بينا في سورة ~~(البقرة) لماذا كان هذا الوعد. # قوله تعالى: وأصلح قال ابن عباس: مرهم بالإصلاح. وقال مقاتل: ارفق. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 143 الى 144] # ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ~~ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله ~~دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (143) ~~قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من ~~الشاكرين (144) # قوله تعالى: ولما جاء موسى لميقاتنا قال الزجاج، أي: للوقت الذي وقتنا ~~له. وكلمه ربه أسمعه كلامه، ولم يكن بينه وبين الله عز وجل فيما سمع أحد. ~~قال رب أرني أنظر إليك أي: أرني نفسك. قوله تعالى: قال لن تراني تعلق بهذا ~~نفاة الرؤية وقالوا: «لن» لنفي الأبد «1» ، وذلك غلط، PageV02P151 # لأنها قد وردت وليس المراد بها الأبد في قوله: ولن يتمنوه أبدا بما قدمت ~~أيديهم «1» ثم أخبر عنهم بتمنيه في النار بقوله ms0788 تعالى: يا مالك ليقض علينا ~~ربك «2» ، ولأن ابن عباس قال في تفسيرها: لن تراني في الدنيا. وقال غيره: ~~هذا جواب لقول موسى: «أرني» ، ولم يرد: أرني في الآخرة، وإنما أراد في ~~الدنيا، فأجيب عما سأل. وقال بعضهم: لن تراني بسؤالك. وفي هذه الآية دلالة ~~على جواز الرؤية، لأن موسى مع علمه بالله تعالى، سألها، ولو كانت مما ~~يستحيل لما جاز لموسى أن يسألها، ولا يجوز أن يجهل موسى مثل ذلك، لأن معرفة ~~الأنبياء لله ليس فيها نقص، ولأن الله تعالى لم ينكر عليه المسألة وإنما ~~منعه من الرؤية، ولو استحالت عليه لقال: «لا أرى» ألا ترى أن نوحا لما قال: ~~إن ابني من أهلي أنكر عليه بقوله: إنه ليس من أهلك «3» ، ومما يدل على جواز ~~الرؤية أنه علقها باستقرار الجبل، وذلك جائز غير مستحيل، فدل على أنها ~~جائزة، ألا ترى أن دخول الكفار الجنة لما استحال علقه بمستحيل فقال: حتى ~~يلج الجمل في سم الخياط «4» . # قوله تعالى: فإن استقر مكانه أي: ثبت ولم يتضعضع. # قوله تعالى: فلما تجلى ربه قال الزجاج: ظهر، وبان. جعله دكا قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «دكا» منونة مقصورة ها هنا وفي (الكهف) ~~. وقرأ عاصم: «دكا» ها هنا منونة مقصورة، وفي (الكهف) : «دكاء» ممدودة غير ~~منونة. وقرأ حمزة والكسائي: «دكاء» ممدودة غير منونة في الموضعين. قال أبو ~~عبيدة: «جعله دكا» أي: مندكا والمندك: المستوي والمعنى: مستويا مع وجه ~~الأرض، يقال: ناقة دكاء، أي: ذاهبة السنام مستو ظهرها. قال ابن قتيبة: كأن ~~سنامها دك، أي: # التصق، قال: ويقال: إن أصل دككت: دققت، فأبدلت القاف كافا لتقارب ~~المخرجين. وقال أنس بن مالك في قوله: «جعله دكا» : ساخ الجبل. قال ابن ~~عباس: واسم الجبل: زبير، وهو أعظم جبل بمدين، وإن الجبال تطاولت ليتجلى ~~لها، وتواضع زبير فتجلى له. قوله تعالى: وخر موسى صعقا فيه قولان: أحدهما: ~~مغشيا عليه، قاله ابن عباس والحسن وابن زيد. والثاني: ميتا، قاله قتادة ~~ومقاتل. # والأول أصح، لقوله تعالى: فلما أفاق وذلك ms0789 لا يقال للميت. وقيل: بقي في ~~غشيته يوما وليلة. # قوله تعالى: سبحانك تبت إليك فيما تاب منه ثلاثة أقوال: أحدها: سؤال ~~الرؤية، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: الإقدام على المسألة قبل الإذن ~~فيها. والثالث: اعتقاد جواز رؤيته في الدنيا. # وفي قوله تعالى: وأنا أول المؤمنين قولان «5» : أحدهما: أنك لن ترى في ~~الدنيا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أول المؤمنين من بني إسرائيل، ~~رواه عكرمة عن ابن عباس. PageV02P152 # قوله تعالى: إني اصطفيتك فتح ياء «إني» ابن كثير، وأبو عمرو. وقرأ ابن ~~كثير، ونافع «برسالتي» قال الزجاج: المعنى: اتخذتك صفوة على الناس برسالاتي ~~وبكلامي، ولو كان إنما سمع كلام غير الله لما قال: «برسالاتي وبكلامي» لأن ~~الملائكة تنزل إلى الأنبياء بكلام الله. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 145] # وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر ~~قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145) # قوله تعالى: وكتبنا له في الألواح من كل شيء في ماهية الألواح سبعة ~~أقوال: # أحدها: أنها زبرجد، قاله ابن عباس. والثاني: ياقوت، قاله سعيد بن جبير. ~~والثالث: زمرد أخضر، قاله مجاهد. والرابع: برد، قاله أبو العالية. والخامس: ~~خشب، قاله الحسن. والسادس: # صخر، قاله وهب بن منبه. والسابع: زمرد وياقوت، قاله مقاتل. وفي عددها ~~أربعة أقوال: أحدها: # سبعة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: لوحان، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس، واختاره الفراء. قال: وإنما سماها الله تعالى ألواحا، على مذهب ~~العرب في إيقاع الجمع على التثنية، كقوله تعالى: وكنا لحكمهم شاهدين «1» ~~يريد داود؟؟؟؟، وسليمان، وقوله تعالى: فقد صغت قلوبكما «2» . # والثالث: عشرة، قاله وهب. والرابع: تسعة، قاله مقاتل. # وفي قوله تعالى: من كل شيء قولان: أحدهما: من كل شيء يحتاج إليه في دينه ~~من الحلال والحرام والواجب وغيره. والثاني: من الحكم والعبر. # قوله تعالى: موعظة أي: نهيا عن الجهل. وتفصيلا أي: تبيينا لكل شيء من ~~الأمر والنهي والحدود والأحكام. قوله تعالى: فخذها بقوة فيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: بجد وحزم، قاله ابن عباس. والثاني: بطاعة، ms0790 قاله أبو العالية. ~~والثالث: بشكر، قاله جويبر. # قوله تعالى: وأمر قومك يأخذوا بأحسنها إن قيل: كأن فيها ما ليس بحسن؟ ~~فعنه جوابان: # أحدهما: أن المعنى: يأخذوا بحسنها، وكلها حسن، قاله قطرب، وقال ابن ~~الأنباري: ناب «أحسن» عن «حسن» كما قال الفرزدق: # إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول «3» # أي: عزيزة طويلة. وقال غيره: «الأحسن» ها هنا صلة، والمعنى أن يأخذوا ~~بها. # والثاني: أن بعض ما فيها أحسن من بعض. ثم في ذلك خمسة أقوال: أحدها: أنهم ~~أمروا فيها بالخير ونهوا عن الشر، ففعل الخير هو الأحسن. والثاني: أنها ~~اشتملت على أشياء حسنة بعضها أحسن من بعض، كالقصاص والعفو والانتصار ~~والصبر، فأمروا أن يأخذوا بالأحسن، ذكر القولين الزجاج. # فعلى هذا القول، يكون المعنى: انهم يتبعون العزائم والفضائل، وعلى الذي ~~قبله، يكون المعنى: أنهم يتبعون الموصوف بالحسن وهو الطاعة، ويجتنبون ~~الموصوف بالقبح وهو المعصية. والثالث: أحسنها: PageV02P153 # الفرائض والنوافل، وأدونها في الحسن: المباح. والرابع: أن يكون للكلمة ~~معنيان أو ثلاثة، فتصرف إلى الاشبه بالحق. والخامس: أن أحسنها: الجمع بين ~~الفرائض والنوافل. # قوله تعالى: سأريكم دار الفاسقين فيها أربعة أقوال «1» : أحدها: أنها ~~جهنم، قاله الحسن، ومجاهد. والثاني: انها دار فرعون وقومه، وهي مصر، قاله ~~عطية العوفي. والثالث: أنها منازل من هلك من الجبابرة والعمالقة، يريهم ~~إياها عند دخولهم الشام، قاله قتادة. والرابع: أنها مصارع الفاسقين، قاله ~~السدي. ومعنى الكلام: سأريكم عاقبة من خالف أمري، وهذا تهديد للمخالف، ~~وتحذير للموافق. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 146 الى 147] # سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه ~~سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) والذين كذبوا ~~بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (147) # قوله تعالى: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق في هذه ~~الآية قولان: # أحدهما: أنها خاصة لأهل مصر فيما رأوا من الآيات. والثاني: أنها عامة، ~~وهو ms0791 أصح. وفي الآيات قولان: أحدهما: أنها آيات الكتاب المتلوة. ثم في معنى ~~الكلام ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أمنعهم فهمها. # والثاني: أمنعهم من الإيمان بها. والثالث: أصرفهم عن الاعتراض عليها ~~بالإبطال. والثاني: أنها آيات المخلوقات كالسماء والأرض والشمس والقمر ~~وغيرها، فيكون المعنى: أصرفهم عن التفكر والاعتبار بما خلقت. وفي معنى ~~يتكبرون قولان: أحدهما: يتكبرون عن الإيمان واتباع الرسول. والثاني: # يحقرون الناس ويرون لهم الفضل عليهم. # قوله تعالى: وإن يروا سبيل الرشد قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وعاصم: # «سبيل الرشد» بضم الراء خفيفة. وقرأ حمزة، والكسائي: «سبيل الرشد» بفتح ~~الراء والشين مثقلة. # قوله تعالى: ذلك بأنهم قال الزجاج: فعل الله بهم ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا ~~وكانوا عنها غافلين، PageV02P154 # أي: كانوا في تركهم الإيمان بها والتدبر لها بمنزلة الغافلين. ويجوز أن ~~يكون المعنى: وكانوا عن جزائها غافلين. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 148] # واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) # قوله تعالى: واتخذ قوم موسى من بعده أي: من بعد انطلاقه إلى الجبل ~~للميقات. من حليهم قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «من ~~حليهم» بضم الحاء. وقرأ حمزة، والكسائي: «حليهم» بكسر الحاء. وقرأ يعقوب: ~~بفتحها وسكون اللام وتخفيف الياء. والحلي: جمع حلي، مثل ثدي وثدي، وهو اسم ~~لما يتحسن به من الذهب والفضة. قال الزجاج: ومن كسر الحاء من «حليهم» أتبع ~~الحاء كسر اللام. والجسد: هو الذي لا يعقل ولا يميز، إنما هو بمعنى الجثة ~~فقط. قال ابن الانباري: ذكر الجسد دلالة على عدم الروح منه، وأن شخصه شخص ~~مثال وصورة، غير منضم إليهما روح ولا نفس. فأما الخوار، فهو صوت البقرة، ~~يقال: خارت البقرة تخور، وجأرت تجأر وقد نقل عن العرب انهم يقولون في مثل ~~صوت الإنسان من البهائم: رغا البعير، وجرجر وهدر وقبقب، وصهل الفرس وحمحم، ~~وشهق الحمار ونهق، وشحج البغل، وثغت الشاة ويعرت، وثأجت النعجة، وبغم الظبي ~~ونزب، وزأر الأسد ونأت، ووعوع ms0792 الذئب، ونهم الفيل، وزقح القرد، وضبح الثعلب، ~~وعوى الكلب ونبح، وماءت السنور، وصأت الفأرة، ونغق الغراب معجمة الغين، ~~وزقأ الديك وسقع، وصفر النسر، وهدر الحمام وهدل، ونقضت الضفادع ونقت، وعزفت ~~الجن. قال ابن عباس كان العجل إذا خار سجدوا وإذا سكت رفعوا رؤوسهم. وفي ~~رواية أبي صالح عنه: أنه خار خورة واحدة ولم يتبعها مثلها، وبهذا قال وهب، ~~ومقاتل. وكان مجاهد يقول: خواره حفيف الريح فيه وهذا يدل على أنه لم يكن ~~فيه روح. وقرأ أبو رزين العقيلي، وابو مجلز: «له جوار» بجيم مرفوعة. # قوله تعالى: ألم يروا أنه لا يكلمهم أي: لا يستطيع كلامهم. ولا يهديهم ~~سبيلا أي: لا يبين لهم طريقا إلى حجة. اتخذوه يعني اتخذوه إلها. وكانوا ~~ظالمين قال ابن عباس: # مشركين. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 149 الى 152] # ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر ~~لنا لنكونن من الخاسرين (149) ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما ~~خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ~~قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا ~~تجعلني مع القوم الظالمين (150) قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك ~~وأنت أرحم الراحمين (151) إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة ~~في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين (152) # قوله تعالى: ولما سقط في أيديهم أي: ندموا. قال الزجاج: يقال للرجل ~~النادم على ما فعل، المتحسر على ما فرط: قد سقط في يده وأسقط في يده. وقرأ ~~ابن السميفع، وأبو عمران الجوني: # PageV02P155 # «سقط» بفتح السين. قال الزجاج: والمعنى: ولما سقط الندم في أيديهم، يشبه ~~ما في القلب وفي النفس بما يرى بالعين. قال المفسرون: هذا الندم منهم إنما ~~كان بعد رجوع موسى. # قوله تعالى: لئن لم يرحمنا ربنا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وعاصم: # «يرحمنا ربنا» «ويغفر لنا» بالياء والرفع. وقرأ حمزة، والكسائي: «ترحمنا» ~~«وتغفر لنا» بالتاء، «ربنا» بالنصب. # قوله تعالى: غضبان أسفا ms0793 في الأسف ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحزين، قاله ~~ابن عباس، والحسن، والسدي. والثاني: الجزع، قاله مجاهد. والثالث: أنه ~~الشديد الغضب، قاله ابن قتيبة، والزجاج. وقال أبو الدرداء: الأسف: منزلة ~~وراء الغضب أشد منه. # قوله تعالى: قال أي: لقومه بئسما خلفتموني من بعدي فتح ياء «بعدي» أهل ~~الحجاز، وأبو عمرو والمعنى: بئس ما عملتم بعد فراقي من عبادة العجل. أعجلتم ~~أمر ربكم قال الفراء: يقال: # عجلت الأمر والشيء: سبقته، ومنه هذه الآية. وأعجلته: استحثثته. قال ابن ~~عباس: أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له؟! قال الحسن: يعني وعد الأربعين ~~ليلة. # قوله تعالى: وألقى الألواح التي فيها التوراة. وفي سبب إلقائه إياها ~~قولان: # أحدهما: أنه الغضب حين رآهم قد عبدوا العجل، قاله ابن عباس. # (589) والثاني: أنه لما رأى فضائل غير أمته من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم اشتد عليه، فألقاها، قاله قتادة «1» ، وفيه بعد. # قال ابن عباس: لما رمى بالألواح فتحطمت، رفع منها ستة أسباع، وبقي سبع. # قوله تعالى: وأخذ برأس أخيه في ما أخذ به من رأسه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~لحيته وذؤابته. # والثاني: شعر رأسه. والثالث: أذنه. وقيل: إنما فعل به ذلك، لأنه توهم أنه ~~عصى الله بمقامه بينهم وترك اللحوق به، وتعريفه ما أحدثوا بعده ليرجع إليهم ~~فيتلافاهم ويردهم إلى الحق، وذلك قوله تعالى: # ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن «2» . # قوله تعالى: ابن أم قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: «قال ~~ابن أم» نصبا. وقرأ أبن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: بكسر ~~الميم، وكذلك في (طه) «3» قال PageV02P156 # الزجاج: من فتح الميم فلكثرة استعمال هذا الاسم، ومن كسر أضافه إلى نفسه ~~بعد أن جعله اسما واحدا، ومن العرب من يقول: «يا ابن أمي» باثبات الياء. ~~قال الشاعر: # يا ابن أمي ويا شقيق نفسي ... أنت خلفتني لدهر شديد «1» # وقال أبو علي: يحتمل أن يريد من فتح: «يا ابن أم» أما، ويحذف الألف، ومن ~~كسر: «ابن أمي» فيحذف الياء. فان قيل: لم قال: «يا ابن أم» ولم ms0794 يقل: «يا ~~ابن أب» ؟ فالجواب أن ابن عباس قال: كان أخاه لأبيه وأمه، وإنما قال له ذلك ~~ليرققه عليه. قال أبو سليمان الدمشقي: والإنسان عند ذكر الوالدة أرق منه ~~عند ذكر الوالد. وقيل: كان لأمه دون أبيه، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: إن القوم يعني عبدة العجل. استضعفوني أي: استذلوني فلا تشمت ~~بي الأعداء قرأ ابن عباس، وابن محيصن وحميد: «فلا تشمت» بتاء مفتوحة مع فتح ~~الميم، «الاعداء» بالرفع، وقرأ مجاهد، وأبو العالية، والضحاك، وأبو رجاء: ~~«فلا تشمت» بفتح التاء وكسر الميم، «الأعداء» بالنصب. وقرأ أبو الجوزاء، ~~وابن أبي عبلة مثل ذلك، إلا أنهما رفعا «الأعداء» . ويعني بالأعداء: عبدة ~~العجل. ولا تجعلني في موجدتك وعقوبتك لي مع القوم الظالمين وهم عبدة العجل. # فلما تبين له عذر أخيه قال رب اغفر لي. # قوله تعالى: وذلة في الحياة الدنيا فيها قولان: أحدهما: أنها الجزية، ~~قاله ابن عباس. والثاني: # ما أمروا به من قتل أنفسهم، قاله الزجاج. فعلى الأول يكون ما أضيف إليهم ~~من الجزية في حق أولادهم، لأن أولئك قتلوا ولم يؤدوا جزية. قال عطية: وهذه ~~الآية فيما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء لتوليهم متخذي العجل ~~ورضاهم به. # قوله تعالى: وكذلك نجزي المفترين قال ابن عباس: كذلك أعاقب من اتخذ إلها ~~دوني، وقال مالك بن انس: ما من مبتدع الا وهو يجد فوق رأسه ذلة، وقرأ هذه ~~الاية. وقال سفيان بن عيينة: ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو يجد ذلة ~~تغشاه، قال: وهي في كتاب الله تعالى: قالوا: وأين هي؟ # قال: أو ما سمعتم قوله تعالى: إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم ~~وذلة في الحياة الدنيا قالوا: يا أبا محمد، هذه لأصحاب العجل خاصة، قال: ~~كلا، أتلو ما بعدها. وكذلك نجزي المفترين فهي لكل مفتر ومبتدع إلى يوم ~~القيامة. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 153] # والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم (153) # قوله تعالى: والذين عملوا السيئات فيها قولان: أحدهما: أنها الشرك. ~~والثاني: ms0795 الشرك وغيره من الذنوب. ثم تابوا من بعدها يعني السيئات. وفي قوله ~~تعالى: وآمنوا قولان: أحدهما: آمنوا بالله وهو يخرج على قول من قال: هي ~~الشرك. والثاني: آمنوا بأن الله تعالى يقبل التوبة. إن ربك من بعدها يعني ~~السيئات. PageV02P157 ### | [سورة الأعراف (7) : آية 154] # ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم ~~يرهبون (154) # قوله تعالى: ولما سكت عن موسى الغضب وقرأ ابن عباس، وأبو عمران «سكت» ~~بفتح السين وتشديد الكاف وبتاء بعدها، «الغضب» بالنصب. وقرأ سعيد بن جبير، ~~وابن يعمر، والجحدري «سكت» بضم السين وتشديد الكاف مع كسرها. وقرأ ابن ~~مسعود، وعكرمة، وطلحة «سكن» بنون. قال الزجاج «سكت» بمعنى سكن، يقال: سكت ~~يسكت سكتا: إذا سكن، وسكت يسكت سكتا وسكوتا: # إذا قطع الكلام. قال: وقال بعضهم: المعنى: ولما سكت موسى عن الغضب، على ~~القلب، كما قالوا: أدخلت القلنسوة في رأسي. والمعنى: أدخلت رأسي في ~~القلنسوة، والأول هو قول أهل العربية. # قوله تعالى: أخذ الألواح يعني التي كان ألقاها. وفي قوله تعالى: وفي ~~نسختها قولان: # أحدهما: وفيما بقي منها قاله ابن عباس. والثاني: وفيما نسخ فيها قاله ابن ~~قتيبة. # قوله تعالى: للذين هم لربهم يرهبون فيهم قولان: أحدهما: أنه عام في الذين ~~يخافون الله، وهو معنى قول قتادة. والثاني: أنهم أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم خاصة، وهو معنى قول قتادة. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 155] # واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها ~~من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ~~(155) # قوله تعالى: واختار موسى قومه المعنى: اختار من قومه، فحذف «من» ، تقول ~~العرب: اخترتك القوم، أي: اخترتك من القوم، وأنشدوا: # منا الذي اختير الرجال سماحة ... وجودا إذا هب الرياح الزعازع «1» # هذا قول ابن قتيبة، والفراء، والزجاج. # وفي هذا الميقات أربعة أقوال: أحدها: أنه الميقات الذي وقته الله لموسى ~~ليأخذ التوراة، أمر أن ms0796 يأتي معه بسبعين، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه ~~قال نوف البكالي. والثاني: أنه ميقات وقته الله تعالى لموسى، وأمره أن ~~يختار من قومه سبعين رجلا ليدعوا ربهم، فدعوا فقالوا: اللهم أعطنا ما لم ~~تعط أحدا قبلنا، ولا تعطيه أحدا بعدنا، فكره الله ذلك، وأخذتهم الرجفة، ~~رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: أنه ميقات وقته الله لموسى، ~~لأن بني إسرائيل قالوا له: إن طائفة تزعم أن الله لا يكلمك، فخذ معك طائفة ~~منا ليسمعوا كلامه فيؤمنوا فتذهب التهمة، فأوحى الله اليه ان أختر من ~~خيارهم سبعين، ثم ارتق بهم على الجبل انت وهارون، واستخلف يوشع بن نون، ~~ففعل ذلك قاله وهب بن منبه. والرابع: أنه ميقات وقته الله لموسى ليلقاه في ~~ناس من بني إسرائيل، فيعتذر إليه من فعل عبدة العجل، قاله السدي. وقال ابن ~~السائب: كان موسى لا يأتي ربه إلا بإذن منه. # فأما الرجفة فهي الحركة الشديدة. وفي سبب أخذها إياهم أربعة أقوال: ~~أحدها: أنه ادعاؤهم على موسى قتل هارون، قاله علي بن أبي طالب. والثاني: ~~اعتداؤهم في الدعاء، وقد ذكرناه في رواية ابن PageV02P158 # أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: أنهم لم ينهوا عبدة العجل ولم يرضوا نقل ~~عن ابن عباس أيضا، وقال قتادة، وابن جريج: لم يأمروهم بالمعروف، ولم ينهوهم ~~عن المنكر، ولم يزايلوهم. والرابع: # أنهم طلبوا سماع الكلام من الله تعالى، فلما سمعوه قالوا: لن نؤمن لك حتى ~~نرى الله جهرة «1» قاله السدي وابن إسحاق. # قوله تعالى: قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي قال السدي: قام موسى ~~يبكي ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي. وقال الزجاج: لو شئت أمتهم قبل أن تبتليهم بما أوجب ~~عليهم الرجفة. وقيل: لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا وإياي، فكان بنو إسرائيل ~~يعاينون ذلك ولا يتهمونني. # قوله تعالى: أتهلكنا بما فعل السفهاء منا قال المبرد: هذا استفهام ~~استعطاف، أي: لا تهلكنا. # وقال ابن الانباري: ms0797 هذا استفهام على تأويل الجحد، إذ أراد لست تفعل ذلك. ~~و «السفهاء» ها هنا: # عبدة العجل. وقال الفراء: ظن موسى أنهم أهلكوا باتخاذ أصحابهم العجل. ~~وإنما أهلكوا بقولهم: # أرنا الله جهرة. # قوله تعالى: إن هي إلا فتنتك فيها قولان: أحدهما: أنها الابتلاء، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وأبو العالية. والثاني: ~~العذاب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة. قوله تعالى: أنت ~~ولينا أي: ناصرنا وحافظنا. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 156 الى 158] # واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب ~~به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين ~~هم بآياتنا يؤمنون (156) الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون (157) قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك ~~السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ~~الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158) # قوله تعالى: واكتب لنا أي: حقق لنا وأوجب في هذه الدنيا حسنة وهي الأعمال ~~الصالحة وفي الآخرة المغفرة والجنة إنا هدنا إليك أي: تبنا، قاله ابن عباس، ~~وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبو العالية، وقتادة، والضحاك، والسدي. وقال ابن ~~قتيبة: ومنه الذين هادوا «2» كأنهم رجعوا من شيء إلى شيء. وقرأ أبو وجزة ~~السعدي: «إنا هدنا» بكسر الهاء. قال ابن الأنباري: المعنى: لا نتغير يقال: ~~هاد يهود ويهيد. PageV02P159 # قوله تعالى: قال عذابي أصيب به من أشاء. وقرأ الحسن البصري، والأعمش، ~~وأبو العالية: # «من أساء» بسين غير معجمة مع النصب. # قوله تعالى: ورحمتي وسعت كل شيء في هذا الكلام أربعة اقوال: أحدها: أن ~~مخرجه عام ومعناه خاص، وتأويله: ورحمتي وسعت المؤمنين من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، لقوله ms0798 تعالى: فسأكتبها للذين يتقون، قاله ابن عباس. والثاني: أن ~~هذه الرحمة على العموم في الدنيا، والخصوص في الآخرة وتأويلها: ورحمتي وسعت ~~كل شيء في الدنيا، البر والفاجر، وفي الآخرة هي للمتقين خاصة، قاله الحسن، ~~وقتادة. فعلى هذا، معنى الرحمة في الدنيا للكافر أنه يرزق ويدفع عنه، كقوله ~~في حق قارون: # وأحسن كما أحسن الله إليك «1» . والثالث: أن الرحمة: التوبة، فهي على ~~العموم، قاله ابن زيد. # والرابع: أن الرحمة تسع كل الخلق إلا أن أهل الكفر خارجون منها، فلو قدر ~~دخولهم فيها لوسعتهم، قاله ابن الانباري. قال الزجاج: وسعت كل شيء في ~~الدنيا. فسأكتبها للذين يتقون في الآخرة. قال المفسرون: معنى «فسأكتبها» : ~~فسأوجبها. وفي الذين يتقون قولان: أحدهما: أنهم المتقون للشرك، قاله ابن ~~عباس. والثاني: للمعاصي، قاله قتادة. وفي قوله تعالى. ويؤتون الزكاة قولان: # أحدهما: أنها زكاة الأموال، قاله الجمهور. والثاني: أن المراد بها طاعة ~~الله ورسوله، قاله ابن عباس والحسن، ذهبا إلى أنها العمل بما يزكي النفس ~~ويطهرها. # وقال ابن عباس، وقتادة: لما نزلت ورحمتي وسعت كل شيء قال إبليس: أنا من ~~ذلك الشيء، فنزعها الله من إبليس، فقال: فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون ~~الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون، فقالت اليهود والنصارى: نحن نتقي، ونؤتي ~~الزكاة، ونؤمن بآيات ربنا، فنزعها الله منهم، وجعلها لهذه الأمة، فقال: ~~الذين يتبعون الرسول النبي الأمي. وقال نوف: قال الله تعالى لموسى: # أجعل لكم الأرض طهورا ومسجدا، وأجعل السكينة معكم في بيوتكم، وأجعلكم ~~تقرؤون التوراة عن ظهور قلوبكم، يقرؤها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد ~~والصغير والكبير. فأخبر موسى قومه بذلك، فقالوا: لا نريد أن نصلي إلا في ~~الكنائس ولا أن تكون السكينة إلا في التابوت، ولا أن نقرأ التوراة إلا ~~نظرا، فقال الله تعالى: فسأكتبها للذين يتقون إلى قوله: المفلحون. وفي ~~هؤلاء المذكورين في قوله: للذين يتقون ويؤتون الزكاة إلى قوله: المفلحون ~~قولان: أحدهما: أنهم كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتبعه، قاله ابن ~~عباس. والثاني: أنه محمد صلى الله عليه وسلم، قاله السدي، ms0799 وقتادة. وفي ~~تسميته بالأمي قولان: أحدهما: لأنه لا يكتب. والثاني: لأنه من أم القرى. # قوله تعالى: الذي يجدونه مكتوبا عندهم أي: يجدون نعته ونبوته. # قوله تعالى: يأمرهم بالمعروف قال الزجاج: يجوز أن يكون مستأنفا، ويجوز أن ~~يكون «يجدونه مكتوبا عندهم» أنه يأمرهم بالمعروف. قال ابن عباس: المعروف: ~~مكارم الأخلاق، وصلة الارحام. والمنكر: عبادة الأوثان، وقطع الأرحام. وقال ~~مقاتل: المعروف: الإيمان، والمنكر: # الشرك. وقال غيره: المعروف: الحق، لأن العقول تعرف صحته، والمنكر: ~~الباطل، لأن العقول تنكر صحته. وفي الطيبات أربعة أقوال: أحدها: أنها ~~الحلال، والمعنى: يحل لهم الحلال. والثاني: أنها ما PageV02P160 # كانت العرب تستطيبه. والثالث: أنها الشحوم المحرمة على بني إسرائيل. ~~والرابع: ما كانت العرب تحرمه من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. وفي ~~الخبائث ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الحرام، فالمعنى: ويحرم عليهم الحرام. ~~والثاني: أنها ما كانت العرب تستخبثه ولا تأكله، كالحيات، والحشرات. ~~والثالث: ما كانوا يستحلونه من الميتة، والدم، ولحم الخنزير. # قوله تعالى: ويضع عنهم إصرهم قرأ ابن كثير ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي «إصرهم» . وقرأ ابن عامر «آصارهم» ممدودة الألف على الجمع. ~~وفي هذا الإصر قولان «1» : # أحدهما: أنه العهد الذي أخذ الله على بني إسرائيل أن يعملوا بما في ~~التوراة، قاله ابن عباس. والثاني: # التشديد الذي كان عليهم من تحريم السبت، والشحوم والعروق، وغير ذلك من ~~الأمور الشاقة، قاله قتادة. وقال مسروق: لقد كان الرجل من بني إسرائيل يذنب ~~الذنب، فيصبح وقد كتب على باب بيته: # إن كفارته أن تنزع عينيك، فينزعهما. # قوله تعالى: والأغلال التي كانت عليهم قال الزجاج: ذكر الأغلال تمثيل، ~~ألا ترى أنك تقول: # جعلت هذا طوقا في عنقك، وليس هناك طوق، إنما جعلت لزومه كالطوق. ~~والأغلال: أنه كان عليهم أن لا يقبل منهم في القتل دية، وأن لا يعملوا في ~~السبت، وأن يقرضوا ما أصاب جلودهم من البول. # قوله تعالى: فالذين آمنوا به يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم وعزروه وروى ~~أبان «وعزروه» بتخفيف الزاي. وفي المعنى قولان: أحدهما: نصروه وأعانوه، ~~قاله مقاتل. والثاني: عظموه، ms0800 قاله ابن قتيبة. # والنور الذي أنزل معه: القرآن، سماه نورا، لأن بيانه في القلوب كبيان ~~النور في العيون. وفي قوله «معه» قولان: أحدهما: أنها بمعنى «عليه» . ~~والثاني: بمعنى أنزل في زمانه. قال قتادة: أما نصره، فقد سبقتم إليه، ولكن ~~خيركم من آمن به واتبع النور الذي أنزل معه. # قوله تعالى: الذي يؤمن بالله وكلماته في الكلمات قولان «2» : # أحدهما: أنها القرآن، قاله ابن عباس. وقال قتادة: كلماته: آياته. # والثاني: أنها عيسى ابن مريم، قاله مجاهد، والسدي. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 159] # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (159) # قوله تعالى: ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق فيه قولان: أحدهما: يدعون إلى ~~الحق. # والثاني: يعملون به. PageV02P161 # قوله تعالى: وبه يعدلون قال الزجاج: وبالحق يحكمون. وفي المشار إليهم ~~بهذا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم قوم وراء الصين لم تبلغهم دعوة الإسلام، قاله ابن عباس، ~~والسدي. والثاني: أنهم من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم مثل ابن سلام ~~وأصحابه، قاله ابن السائب. والثالث: أنهم الذين تمسكوا بالحق في زمن ~~أنبيائهم، ذكره الماوردي. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 160 الى 162] # وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن ~~اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم ~~وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160) وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية ~~وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم ~~سنزيد المحسنين (161) فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا ~~عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون (162) # قوله تعالى: وقطعناهم يعني قوم موسى، يقول: فرقناهم اثنتي عشرة أسباطا ~~يعني أولاد يعقوب، وكانوا اثنى عشر ولدا، فولد كل واحد منهم سبطا. قال ~~الفراء: وإنما قال «اثنتي عشرة» والسبط ذكر، لأن بعده «أمما» فذهب بالتأنيث ~~إلى الأمم، ولو كان «اثني عشر» لتذكير السبط، كان جائزا. وقال الزجاج: ~~المعنى: وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة، «أسباطا» نعت «فرقة» كأنه يقول: جعلناهم ms0801 ~~أسباطا، وفرقناهم أسباطا، فيكون «أسباطا» بدلا من «اثنتي عشرة» و «أمما» من ~~نعت أسباط. والأسباط في ولد إسحاق بمنزلة القبائل ليفصل بين ولد إسماعيل ~~وبين ولد إسحاق. وقال أبو عبيدة: الأسباط: # قبائل بني إسرائيل، أحدهم: سبط. ويقال: من أي سبط أنت؟ أي: من أي قبيلة ~~وجنس؟ # قوله تعالى: فانبجست منه قال ابن قتيبة: انفجرت يقال: تبجس الماء، كما ~~يقال: تفجر والقصة مذكورة في سورة (البقرة) . # قوله تعالى: نغفر لكم خطيئاتكم قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ~~«نغفر لكم خطيئاتكم» بالتاء مهموزة على الجمع. وقرأ أبو عمرو «نغفر لكم ~~خطاياكم» مثل: قضاياكم، ولا تاء فيها. وقرأ نافع «تغفر» بالتاء مضمومة ~~«خطيئاتكم» بالهمز وضم التاء، على الجمع، وافقه ابن عامر في «تغفر» بالتاء ~~المضمومة، لكنه قرأ «خطيئتكم» على التوحيد. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 163] # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون (163) # قوله تعالى: وسئلهم يعني أسباط اليهود، وهذا سؤال تقرير وتوبيخ يقررهم ~~على قديم كفرهم، ومخالفة أسلافهم الأنبياء، ويخبرهم بما لا يعلم إلا بوحي. ~~وفي القرية خمسة أقوال «1» : PageV02P162 # أحدها: أنها أيلة «1» ، رواه مرة عن ابن مسعود، وأبو صالح عن ابن عباس، ~~وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسدي. والثاني: أنها مدين، رواه ~~عكرمة عن ابن عباس. والثالث: أنها ساحل مدين، روي عن قتادة. والرابع: أنها ~~طبرية، قاله الزهري. والخامس: أنها قرية يقال لها: مقنا «2» ، بين مدين ~~وعينونا، قاله ابن زيد. ومعنى حاضرة البحر مجاورة البحر وبقربه وعلى شاطئه. ~~إذ يعدون قال الزجاج: أي يظلمون، يقال: عدا فلان يعدو عدوانا وعداء وعدوا ~~وعدوا: إذا ظلم، وموضع «إذ» نصب والمعنى: سلهم عن وقت عدوهم في السبت. إذ ~~تأتيهم حيتانهم في موضع نصب أيضا ب «يعدون» والمعنى: سلهم إذ عدوا في وقت ~~الإتيان. شرعا أي: ظاهرة. كذلك نبلوهم أي: مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم ~~بفسقهم. ويحتمل على بعد أن يكون المعنى ويوم لا يسبتون لا ms0802 تأتيهم كذلك، أي: ~~لا تأتيهم شرعا ويكون نبلوهم مستأنفا. وقرأ الأعمش، وأبان، والمفضل عن ~~عاصم: «يسبتون» بضم الياء. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 164] # وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ~~قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) # قوله تعالى: وإذ قالت أمة منهم قال المفسرون: افترق أهل القرية ثلاث فرق ~~فرقة صادت وأكلت، وفرقة نهت وزجرت، وفرقة أمسكت عن الصيد، وقالت للفرقة ~~الناهية: لم تعظون قوما الله مهلكهم لاموهم على موعظة قوم يعلمون أنهم غير ~~مقلعين، فقالت الفرقة الناهية: معذرة إلى ربكم قرأ ابن كثير ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «معذرة» رفعا، أي: موعظتنا إياهم معذرة، ~~والمعنى أن الأمر بالمعروف واجب علينا، فعلينا موعظة هؤلاء عذرا إلى الله. ~~وقرأ حفص عن عاصم: «معذرة» نصبا، وذلك على معنى نعتذر معذرة. ولعلهم يتقون ~~أي: وجائز أن ينتفعوا بالموعظة فيتركوا المعصية. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 165 الى 167] # فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون (165) فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم ~~كونوا قردة خاسئين (166) وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من ~~يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) # قوله تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به يعني: تركوا ما وعظوا به أنجينا الذين ~~ينهون عن السوء وهم الناهون عن المنكر. والذين ظلموا هم المعتدون في السبت. # قوله تعالى: بعذاب بئيس قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: ~~«بئيس» على وزن فعيل، فالهمزة بين الباء والياء. وقرأ نافع: «بيس» بكسر ~~الباء من غير همز. وقرأ ابن عامر كذلك، إلا PageV02P163 # أنه همز. وروى خارجة عن نافع: «بيس» بفتح الباء من غير همز، على وزن ~~«فعل» . وروى أبو بكر عن عاصم: «بيأس» على وزن «فيعل» . وقرأ ابن عباس، ~~وأبو رزين، وأيوب: «بيآس» على وزن «فيعال» . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، ~~ومعاذ القارئ: «بئس» بفتح الباء وكسر الهمزة من غير ياء على وزن «تعس» . ~~وقرأ الضحاك، ms0803 وعكرمة: «بيس» بتشديد الياء مثل «قيم» . وقرأ أبو العالية، ~~وأبو مجلز: «بئس» بفتح الباء والسين وبهمزة مكسورة من غير ياء ولا ألف على ~~وزن «فعل» . وقرأ أبو المتوكل، وأبو رجاء: «بائس» بألف ومدة بعد الباء ~~وبهمزة مكسورة بوزن «فاعل» . قال أبو عبيدة: # البئيس: الشديد، وأنشد: # حيفا علي وما ترى ... لي فيهم أثرا بئيسا «1» # وقال الزجاج: يقال: بئس يبأس بأسا، والعاتي: الشديد الدخول في الفساد، ~~المتمرد الذي لا يقبل موعظة. وقال ابن جرير: «فلما عتوا» أي: تمردوا فيما ~~نهوا عنه وقد ذكرنا في سورة (البقرة) : # قصة مسخهم. وكان الحسن البصري يقول: والله ما لحوم هذه الحيتان بأعظم عند ~~الله من دماء قوم مسلمين. # قوله تعالى: وإذ تأذن ربك فيه أربعة أقوال: أحدها: أعلم، قاله الحسن، ~~وابن قتيبة، وقال: # هو من آذنتك بالأمر. وقال ابن الانباري: «تأذن» بمعنى آذن كما يقال: تعلم ~~أن فلانا قائم، أي: # اعلم. وقال أبو سليمان الدمشقي: أي: أعلم أنبياء بني إسرائيل. والثاني: ~~حتم، قاله عطاء. والثالث: # وعد، قاله قطرب. والرابع: تألى، قاله الزجاج. # قوله تعالى: ليبعثن عليهم أي: على اليهود. وقال مجاهد: على اليهود ~~والنصارى بمعاصيهم. # من يسومهم أي: يوليهم سوء العذاب. وفي المبعوث عليهم قولان: أحدهما: أنه ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وأمته، قاله ابن عباس. والثاني: العرب، كانوا ~~يجبونهم الخراج، قاله سعيد بن جبير، قال: ولم يجب الخراج نبي قط إلا موسى، ~~جباه ثلاث عشرة سنة، ثم أمسك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال السدي بعث ~~الله عليهم العرب يأخذون منهم الجزية ويقتلونهم. وفي سوء العذاب أربعة ~~أقوال: أحدها: الجزية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: المسكنة ~~والجزية، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: # الخراج، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. والرابع: أنه ~~القتال حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 168] # وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات لعلهم يرجعون (168) # قوله تعالى: وقطعناهم في الأرض أمما قال أبو عبيدة: فرقناهم فرقا. ms0804 قال ~~ابن عباس: هم اليهود، ليس من بلد إلا وفيه منهم طائفة. وقال مقاتل: هم بنو ~~إسرائيل. وقيل: معناه: شتات أمرهم وافتراق كلمتهم. منهم الصالحون وهم ~~المؤمنون بعيسى ومحمد عليهما السلام. ومنهم دون ذلك وهم الكفار. وقال ابن ~~جرير: إنما كانوا على هذه الصفة قبل أن يبعث عيسى، وقبل ارتدادهم. ~~PageV02P164 # قوله تعالى: وبلوناهم أي: اختبرناهم بالحسنات وهي الخير، والخصب، ~~والعافية، والسيئات وهي الجدب، والشر، والشدائد فالحسنات والسيئات تحث على ~~الطاعة، أما النعم فلطلب الازدياد منها، وخوف زوالها، والنقم فلكشفها، ~~والسلامة منها. لعلهم يرجعون أي: لكي يتوبوا. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 169] # فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ~~وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على ~~الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ~~(169) # قوله تعالى: فخلف من بعدهم أي: من بعد الذين وصفناهم. خلف وقرأ الجوني، ~~والجحدري: «خلف» بفتح اللام. قال أبو عبيدة: الخلف والخلف واحد وقوم يجعلون ~~المحرك اللام، للصالح، والمسكن، لغير الصالح. وقال ابن قتيبة: الخلف: ~~الرديء من الناس ومن الكلام، يقال: هذا خلف من القول. وقال ابن الأنباري: ~~أكثر ما تستعمل العرب الخلف، باسكان اللام، في الرديء المذموم، وتفتح اللام ~~في الفاضل الممدوح. وقد يوقع الخلف على الممدوح، والخلف على المذموم غير أن ~~المختار ما ذكرناه. # وفي المراد بهذا الخلف ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن ~~عباس، وابن زيد. # والثاني: النصارى. والثالث: أن الخلف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والقولان عن مجاهد. # فان قيل: الخلف واحد، فكيف قال: يأخذون وكذلك قال في (مريم) أضاعوا «2» ؟ ~~فقد ذكر ابن الأنباري عنه جوابين: أحدهما: أن الخلف جمع خالف، كما أن الركب ~~جمع راكب، والشرب جمع شارب. والثاني: أي الخلف مصدر يكون للاثنين والجميع، ~~والمذكر والمؤنث. # قوله تعالى: ورثوا الكتاب أي: انتقل إليهم انتقال الميراث من سلف إلى ~~خلف، فيخرج في الكتاب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه التوراة. والثاني: الإنجيل. ~~والثالث: القرآن. ms0805 # قوله تعالى: يأخذون عرض هذا الأدنى أي: هذه الدنيا، وهو ما يعرض لهم ~~منها. وقيل: سماه عرضا، لقلة بقائه. قال ابن عباس: يأخذون ما أحبوا من حلال ~~أو حرام. وقيل: هو الرشوة في الحكم. وفي وصفه بالأدنى قولان: أحدهما: أنه ~~من الدنو. والثاني: أنه من الدناءة. # قوله تعالى: سيغفر لنا فيه قولان: أحدهما: أن المعنى: إنا لا نؤاخذ، ~~تمنيا على الله الباطل. # والثاني: أنه ذنب يغفره الله لنا، تأميلا لرحمة الله تعالى. وفي قوله ~~تعالى: وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه PageV02P165 # قولان: أحدهما: أن المعنى: لا يشبعهم شيء، فهم يأخذون لغير حاجة، قاله ~~الحسن. والثاني: أنهم أهل إصرار على الذنوب، قاله مجاهد. # قوله تعالى: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ~~قال ابن عباس: وكد الله عليهم في التوراة أن لا يقولوا على الله إلا الحق، ~~فقالوا الباطل، وهو ما أوجبوا على الله من مغفرة ذنوبهم التي لا يتوبون ~~منها، وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار. # قوله تعالى: ودرسوا ما فيه معطوف على «ورثوا» . ومعنى «درسوا ما فيه» : ~~قرءوه، فكأنه قال: # خالفوا على علم. والدار الآخرة أي: ما فيها من الثواب خير للذين يتقون ~~أفلا تعقلون أن الباقي خير من الفاني. قرأ ابن عامر ونافع وحفص عن عاصم ~~بالتاء، والباقون بالياء. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 170] # والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (170) # قوله تعالى: والذين يمسكون بالكتاب قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم «يمسكون» مشددة، وقرءوا ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر «1» مخففة، وقرأهما أبو عمرو بالتشديد. وروى أبو بكر عن عاصم أنه ~~خففهما. ويقال: مسكت بالشيء، وتمسكت به، واستمسكت به، وامتسكت به. وهذه ~~الآية نزلت في مؤمني أهل الكتاب الذين حفظوا حدوده ولم يحرفوه، منهم عبد ~~الله بن سلام واصحابه. قال ابن الأنباري: وخبر «الذين» : «إنا» وما بعده، ~~وله ضمير مقدر بعد «المصلحين» تأويله: والذين يمسكون بالكتاب إنا لا نضيع ~~أجر المصلحين منهم، ولهذه العلة وعدهم حفظ الأجر ms0806 بشرط، إذ كان منهم من لم ~~يصلح. قال: وقال بعض النحويين: المصلحون يرجعون على الذين، وتلخيص المعنى ~~عنده: والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجرهم، فأظهرت ~~كنايتهم بالمصلحين، كما يقال: علي لقيت الكسائي، وأبو سعيد رويت عن الخدري، ~~يراد: لقيته ورويت عنه. قال الشاعر: # فيا رب ليلى أنت في كل موطن ... وأنت الذي في رحمة الله أطمع «2» # أراد في رحمته، فأظهر ضمير الهاء. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 171] # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171) # قوله تعالى: وإذ نتقنا الجبل فوقهم أي: واذكر لهم إذ نتقنا الجبل، أي: ~~رفعناه. قال مجاهد: # أخرج الجبل من الأرض، ورفع فوقهم كالظلة، فقيل لهم: لتؤمنن أو ليقعن ~~عليكم. قال قتادة: نزلوا في أصل جبل، فرفع فوقهم، فقال: لتأخذن أمري، أو ~~لأرمينكم به. # قوله تعالى: وظنوا أنه واقع بهم فيه قولان: أحدهما: أنه الظن المعروف. ~~والثاني: أنه بمعنى اليقين. وباقي الآية مفسر في (البقرة) . PageV02P166 ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 172] # وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172) # قوله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم. روى ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # (590) «أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان» - ونعمان قريب من عرفة، ذكره ~~ابن قتيبة- «فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم ~~قبلا، وقال: ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن ~~هذا غافلين» . # ومعنى الآية: وإذ أخذ ربكم من ظهور بني آدم. فقوله تعالى: من ظهورهم بدل ~~من بني آدم. وقيل: إنما قال: من ظهورهم ولم يقل: من ظهر آدم، لأنه أخرج ~~بعضهم من ظهور بعض، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لأنه قد علم أنهم بنوه، وقد ~~أخرجوا من ظهره. وقوله تعالى: ذريتهم قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي ~~«ذريتهم» على التوحيد. ms0807 وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر «ذرياتهم» على ~~الجمع. قال أبو علي: الذرية تكون جمعا، وتكون واحدا. وفي قوله تعالى: ~~وأشهدهم على أنفسهم ثلاثة أقوال: أحدها: أشهدهم على أنفسهم باقرارهم، قاله ~~مقاتل. والثاني: دلهم بخلقه على توحيده، قاله الزجاج. والثالث: أنه أشهد ~~بعضهم على بعض باقرارهم بذلك، قاله ابن جرير. # قوله تعالى: ألست بربكم والمعنى: وقال لهم: ألست بربكم؟ وهذا سؤال تقرير. ~~قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا. قال السدي: قوله «شهدنا» خبر من الله تعالى عن ~~نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم. ويحسن الوقف على قوله «بلى» ~~لأن كلام الذرية قد انقطع. وزعم الكلبي ان الذرية لما قالت: «بلى» ، قال ~~الله تعالى للملائكة: «اشهدوا» فقالوا: «شهدنا» . وروى أبو العالية عن أبي ~~بن كعب قال: جمعهم جميعا، فجعلهم أزواجا، ثم صورهم، ثم استنطقهم، ثم قال: ~~ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أنك إلهنا. قال: فإني أشهد عليكم السماوات ~~السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين لم نعلم بهذا. وقال السدي: أجابته طائفة طائعين، وطائفة ~~كارهين تقية. # قوله تعالى: أن تقولوا قرأ أبو عمرو «أن يقولوا» ، «أو يقولوا» بالياء ~~فيهما. وقرأ الباقون بالتاء فيهما. قال أبو علي: حجة أبي عمرو قوله: «وإذ ~~أخذ ربك» وقوله تعالى: «قالوا بلى» ، وحجة من قرأ بالتاء، أنه قد جرى في ~~الكلام خطاب: «ألست بربكم قالوا بلى شهدنا» . ومعنى قوله: «تقولوا» : لئلا ~~PageV02P167 # تقولوا، ومثله: أن تميد بكم «1» . وفي قوله تعالى: إنا كنا عن هذا قولان: ~~أحدهما: أنه إشارة إلى الميثاق والإقرار. والثاني: أنه إشارة إلى معرفة أنه ~~الخالق. قال المفسرون: وهذه الآية تذكير من الله تعالى بما أخذ على جميع ~~المكلفين من الميثاق، واحتجاج عليهم لئلا يقول الكفار: إنا كنا عن هذا ~~الميثاق غافلين لم نذكره، ونسيانهم لا يسقط الاحتجاج بعد أن أخبر الله ~~تعالى بذلك على لسان النبي صلى الله عليه وسلم الصادق. وإذا ثبت هذا بقول ~~الصادق، قام في النفوس مقام الذكر، فالاحتجاج به قائم. ms0808 ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 173] # أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون (173) # قوله تعالى: أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~فاتبعنا منهاجهم على جهل منا بآلهيتك أفتهلكنا بما فعل المبطلون في دعواهم ~~أن معك إلها، فقطع الله احتجاجهم بمثل هذا، إذ أذكرهم أخذ الميثاق على كل ~~واحد منهم. وجماعة أهل العلم على ما شرحنا من أنه استنطق الذر، وركب فيهم ~~عقولا وأفهاما عرفوا بها ما عرض عليهم. وقد ذكر بعضهم أن معنى أخذ الذرية: ~~إخراجهم إلى الدنيا بعد كونهم نطفا، ومعنى إشهادهم على أنفسهم: اضطرارهم ~~إلى العلم بأنه خالقهم بما أظهر لهم من الآيات والبراهين. ولما عرفوا ذلك ~~ودعاهم كل ما يرون ويشاهدون إلى التصديق، كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهدين ~~على أنفسهم بصحته، كما قال: شاهدين على أنفسهم بالكفر «2» يريدهم بمنزلة ~~الشاهدين، وإن لم يقولوا: نحن كفرة، كما يقول الرجل: قد شهدت جوارحي بصدقك، ~~أي: قد عرفته. ومن هذا الباب قوله تعالى: شهد الله «3» أي: بين وأعلم وقد ~~حكى نحو هذا القول ابن الأنباري، والأول أصح، لموافقة الآثار. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 174] # وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (174) # قوله تعالى: وكذلك نفصل الآيات أي: وكما بينا في أخذ الميثاق الآيات، ~~ليتدبرها العباد فيعملوا بموجبها ولعلهم يرجعون أي: ولكي يرجعوا عما هم ~~عليه من الكفر إلى التوحيد. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 175] # واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من ~~الغاوين (175) # قوله تعالى: واتل عليهم قال الزجاج: هذا نسق على ما قبله، والمعنى: أتل ~~عليهم إذ أخذ ربك، واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا وفيه ستة أقوال «4» : # (591) أحدها: أنه رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم بن أبر، قاله ابن ~~مسعود. وقال ابن PageV02P168 # عباس: بلعم بن باعوراء. وروي عنه: أنه بلعام بن باعور، وبه قال مجاهد، ~~وعكرمة، والسدي. وروى العوفي عن ابن عباس أن بلعما من أهل اليمن. وروى عنه ~~ابن أبي طلحة أنه من مدينة الجبارين. # (592) والثاني: أنه أمية ms0809 بن أبي الصلت، قاله عبد الله بن عمرو بن العاص، ~~وسعيد بن المسيب، وأبو روق، وزيد بن أسلم، وكان أمية قد قرأ الكتاب، وعلم ~~أن الله مرسل رسولا، ورجا أن يكون هو، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، ~~حسده وكفر. # والثالث: أنه أبو عامر الراهب، روى الشعبي عن ابن عباس قال: الأنصار ~~تقول: هو الراهب الذي بني له مسجد الشقاق، وروي عن ابن المسيب نحوه. ~~والرابع: أنه رجل كان في بني اسرائيل، أعطي ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، ~~وكانت له امرأة له منها ولد، وكانت سمجة دميمة، فقالت ادع الله أن يجعلني ~~أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا الله لها، فلما علمت أن ليس في بني ~~إسرائيل مثلها، رغبت عن زوجها وأرادت غيره، فلما رغبت عنه، دعا الله أن ~~يجعلها كلبة نباحة، فذهبت منه فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: ليس بنا على ~~هذا صبر أن صارت أمنا كلبة نباحة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردها إلى ~~الحال التي كانت عليها أولا، فدعا الله، فعادت كما كانت، فذهبت فيها ~~الدعوات الثلاث، رواه عكرمة عن ابن عباس، والذي روي لنا في هذا الحديث ~~«وكانت سمجة» بكسر الميم، وقد روى سيبويه عن العرب أنهم يقولون: رجل سمج: ~~بتسكين الميم، ولم يقولوا: سمج بكسرها. # والخامس: أنه المنافق، قاله الحسن. والسادس: أنه كل من انسلخ من الحق بعد ~~أن أعطيه من اليهود والنصارى والحنفاء، قاله عكرمة. # وفي الآيات خمسة أقوال «1» : أحدها: أنه اسم الله الأعظم، رواه علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ابن جبير. والثاني: أنها كتاب من كتب الله ~~عز وجل. روى عكرمة عن ابن عباس قال: # هو بلعام، أوتي كتابا فانسلخ منه. والثالث: أنه أوتي نبوة، فرشاه قومه ~~على أن يسكت، ففعل، وتركهم على ما هم عليه، قاله مجاهد، وفيه بعد، لأن الله ~~تعالى لا يصطفي لرسالته إلا معصوما عن مثل هذه الحال. والرابع: أنها حجج ~~التوحيد، وفهم أدلته. والخامس: أنها العلم بكتب الله عز وجل. والمشهور في ms0810 ~~التفسير أنه بلعام وكان من أمره على ما ذكره المفسرون أن موسى عليه السلام ~~غزا البلد الذي هو فيه، وكانوا كفارا، وكان هو مجاب الدعوة، فقال ملكهم: ~~ادع على موسى، فقال: إنه من أهل ديني، PageV02P169 # ولا ينبغي لي أن أدعو عليه، فأمر الملك أن تنحت خشبة لصلبه، فلما رأى ~~ذلك، خرج على أتان ليدعو على موسى، فلما عاين عسكرهم، وقفت الأتان فضربها، ~~فقالت: لم تضربني، وهذه نار تتوقد قد منعتني أن أمشي؟ فارجع، فرجع إلى ~~الملك فأخبره، فقال: إما أن تدعو عليهم، وإما أن أصلبك، فدعا على موسى باسم ~~الله الأعظم أن لا يدخل المدينة، فاستجاب الله له، فوقع موسى وقومه في ~~التيه بدعائه، فقال موسى: يا رب، بأي ذنب وقعنا في التيه؟ فقال: بدعاء ~~بلعم. فقال: يا رب، فكما سمعت دعاءه علي، فاسمع دعائي عليه، فدعا الله أن ~~ينزع منه الاسم الأعظم، فنزع منه. وقيل: إنه أمر قومه أن يزينوا النساء ~~ويرسلوهن في العسكر ليفشو الزنا فيهم، فينصروا عليهم. وقيل: إن موسى قتله ~~بعد ذلك. وروى السدي عن أشياخه أن بلعم أتى إلى قومه متبرعا، فقال: لا ~~ترهبوا بني إسرائيل، فانكم إذا خرجتم لقتالهم، دعوت عليهم فهلكوا، فكان ~~فيما شاء عندهم من الدنيا، وذلك بعد مضي الأربعين سنة التي تاهوا فيها، ~~وكان نبيهم يوشع، لا موسى. # قوله تعالى: فانسلخ منها أي: خرج من العلم بها. # قوله تعالى: فأتبعه الشيطان قال ابن قتيبة: أدركه. يقال: اتبعت القوم: ~~إذا لحقتهم، وتبعتهم: سرت في أثرهم. وقرأ طلحة بن مصرف: «فاتبعه» بالتشديد. ~~وقال اليزيدي: أتبعه واتبعه: # لغتان. وكأن «أتبعه» خفيفة بمعنى: قفاه، و «اتبعه» مشددة: حذا حذوه. ولا ~~يجوز أن تقول: أتبعناك، وأنت تريد: اتبعناك، لأن معناها: اقتدينا بك. وقال ~~الزجاج: يقال: تبع الرجل الشيء واتبعه بمعنى واحد. قال الله تعالى: فمن تبع ~~هداي «1» وقال: فأتبعهم فرعون «2» . # قوله تعالى: فكان من الغاوين فيه قولان: أحدهما: من الضالين، قاله مقاتل. ~~والثاني: من الهالكين الفاسدين، قاله الزجاج. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 176] # ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه ms0811 أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب ~~إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص ~~القصص لعلهم يتفكرون (176) # قوله تعالى: ولو شئنا لرفعناه بها في هاء الكناية في «رفعناه» قولان «3» ~~: أحدهما: أنها تعود إلى الإنسان المذكور، وهو قول الجمهور فيكون المعنى: ~~ولو شئنا لرفعنا منزلة هذا الإنسان بما علمنا. # والثاني: أنها تعود إلى الكفر بالآيات، فيكون المعنى: لو شئنا لرفعنا عنه ~~الكفر بآياتنا، وهذا المعنى مروي عن مجاهد. وقال الزجاج: لو شئنا لحلنا ~~بينه وبين المعصية. # قوله تعالى: ولكنه أخلد إلى الأرض أي: ركن إلى الدنيا وسكن. قال الزجاج: ~~يقال: أخلد PageV02P170 # وخلد، والأول أكثر في اللغة. والأرض ها هنا عبارة عن الدنيا، لأن الدنيا ~~هي الأرض بما عليها. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: أنه ركن إلى أهل ~~الدنيا، ويقال: إنه أرضى امرأته بذلك لأنها حملته عليه. وقيل: أرضى بني عمه ~~وقومه. والثاني: أنه ركن إلى شهوات الدنيا وقد بين ذلك بقوله تعالى: # واتبع هواه والمعنى أنه انقاد لما دعاه إليه الهوى. قال ابن زيد: كان ~~هواه مع قومه. وهذه الآية من أشد الآيات على أهل العلم إذا مالوا عن العلم ~~إلى الهوى. قوله تعالى: فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ~~معناه: أن هذا الكافر، إن زجرته لم ينزجر، وإن تركته لم يهتد، فالحالتان ~~عنده سواء كحالتي الكلب، فانه إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثا، وإن ترك ~~وربض كان أيضا لاهثا، والتشبيه بالكلب اللاهث خاصة فالمعنى: فمثله كمثل ~~الكلب لاهثا وإنما شبهه بالكلب اللاهث، لأنه أخس الأمثال على أخس الحالات ~~وأبشعها. وقال ابن قتيبة: كل لاهث إنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب، ~~فانه يلهث في حال راحته وحال كلاله، فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته، فقال: ~~إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال، كالكلب إن طردته وزجرته فسعى لهث، ~~أو تركته على حاله رابضا لهث. قال المفسرون: زجر في منامه عن الدعاء على ~~بني اسرائيل ms0812 فلم ينزجر، وخاطبته أتانه فلم ينته، فضرب له هذا المثل ولسائر ~~الكفار فذلك قوله تعالى: ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا لأن الكافر إن ~~وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال وهو مع إرسال الرسل إليه كمن لم يأته ~~رسول ولا بينة. # قوله تعالى: فاقصص القصص قال عطاء: قصص الذين كفروا وكذبوا أنبياءهم. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 177 الى 178] # ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) من يهد ~~الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) # قوله تعالى: ساء مثلا يقال: ساء الشيء يسوء: إذا قبح، والمعنى: ساء مثلا ~~مثل القوم، فحذف المضاف، فنصب «مثلا» على التمييز. # قوله تعالى: وأنفسهم كانوا يظلمون أي: يضرون بالمعصية. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 179] # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين ~~لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون (179) # قوله تعالى: ولقد ذرأنا أي: خلقنا. قال ابن قتيبة: ومنه ذرية الرجل، إنما ~~هي الخلق منه، ولكن همزها يتركه أكثر العرب. قوله تعالى: لجهنم هذه اللام ~~يسميها بعض أهل المعاني لام العاقبة، كقوله تعالى: ليكون لهم عدوا وحزنا، ~~ومثله قول الشاعر: # أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها # ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز يعزيه بموت ابنه، فقال: # تعز أمير المؤمنين فإنه ... لما قد ترى يغذى الصغير ويولد # وقد أخبر الله عز وجل في هذه الآية بنفاذ علمه فيهم أنهم يصيرون إليها ~~بسبب كفرهم. # PageV02P171 # قوله تعالى: لهم قلوب لا يفقهون بها لما أعرض القوم عن الحق والتفكر فيه، ~~كانوا بمنزلة من لم يفقه ولم يبصر ولم يسمع. وقال محمد بن القاسم النحوي: ~~أراد بهذا كله أمر الآخرة، فانهم يعقلون أمر الدنيا. قوله تعالى: أولئك ~~كالأنعام شبههم بالأنعام لأنها تسمع وتبصر ولا تعتبر، ثم قال: بل هم أضل ~~لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها فتلزم بعض ما تبصره، وهؤلاء يعلم أكثرهم ~~أنه معاند فيقدم على النار، أولئك هم الغافلون عن ms0813 أمر الآخرة. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 180] # ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما ~~كانوا يعملون (180) # قوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى. سبب نزولها: # (593) أن رجلا دعا الله في صلاته، ودعا الرحمن، فقال أبو جهل: أليس يزعم ~~محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو اثنين؟ فأنزل الله ~~هذه الآية، قاله مقاتل. # فأما الحسنى، فهي تأنيث الأحسن. ومعنى الآية أن أسماء الله حسنى، وليس ~~المراد أن فيها ما ليس بحسن. وذكر الماوردي أن المراد بذلك ما مالت إليه ~~النفوس من ذكره بالعفو والرحمة دون السخط والنقمة. وقوله تعالى: فادعوه بها ~~أي: نادوه بها، كقوله: يا الله، يا رحمن. # قوله تعالى: وذروا الذين يلحدون في أسمائه قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وعاصم، وابن عامر: «يلحدون» بضم الياء، وكذلك في سورة (النحل) و ~~(السجدة) «1» . وقرأ حمزة: «يلحدون» بفتح الحاء والياء فيهن، ووافقه ~~الكسائي، وخلف في سورة (النحل) «2» . قال الاخفش: ألحد ولحد: لغتان فمن قرأ ~~بهما أراد الأخذ باللغتين، فكأن الإلحاد: العدول عن الاستقامة. وقال ابن ~~قتيبة: يجورون عن الحق ويعدلون ومنه لحد القبر، لأنه في جانب. قال الزجاج: ~~ولا ينبغي لأحد أن يدعوه بما لم يسم به نفسه، فيقول: يا جواد، ولا يقول: يا ~~سخي ويقول: يا قوي، ولا يقول: يا جلد، ويقول: يا رحيم، ولا يقول: يا رفيق، ~~لأنه لم يصف نفسه بذلك. قال أبو سليمان الخطابي: ودليل هذه الآية أن الغلط ~~في أسمائه والزيغ عنها إلحاد، ومما يسمع على ألسنة العامة قولهم: يا سبحان، ~~يا برهان، وهذا مهجور مستهجن لا قدوة فيه، وربما قال بعضهم: يا رب طه ويس. ~~وقد أنكر ابن عباس على رجل قال: يا رب القرآن. وروي عن ابن عباس أن إلحادهم ~~في أسمائه أنهم سموا بها أوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، فاشتقوا اللات ~~من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان. # (فصل:) والجمهور على أن هذه الآية محكمة، لأنها خارجة مخرج التهديد، ~~كقوله تعالى: ذرني ومن خلقت وحيدا «3» ، وقد ذهب ms0814 بعضهم إلى أنها منسوخة ~~بآية القتال، لأن قوله تعالى: وذروا الذين يلحدون في أسمائه يقتضي الإعراض ~~عن الكفار، وهذا قول ابن زيد. PageV02P172 ### | [سورة الأعراف (7) : آية 181] # وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181) # قوله تعالى: وممن خلقنا أمة يهدون بالحق أي: يعملون به، وبه يعدلون أي: ~~وبالعمل به يعدلون. وفيمن أريد بهذه الآية أربعة أقوال: أحدها: أنهم ~~المهاجرون والأنصار والتابعون باحسان من هذه الأمة، قاله ابن عباس. وكان ~~ابن جريج يقول: # (594) ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هذه أمتي، بالحق يأخذون ~~ويعطون ويقضون. # (595) وقال قتادة: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تلا هذه ~~الآية قال: «هذه لكم وقد أعطي القوم مثلها» ثم يقرأ: ومن قوم موسى أمة ~~يهدون بالحق وبه يعدلون (159) «1» . # والثاني: أنهم من جميع الخلق، قاله ابن السائب. والثالث: أنهم الأنبياء. ~~والرابع: أنهم العلماء، ذكر القولين الماوردي. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 182 الى # 183] # والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) وأملي لهم إن ~~كيدي متين (183) # قوله تعالى: والذين كذبوا بآياتنا قال أبو صالح عن ابن عباس: هم أهل مكة. ~~وقال مقاتل: # نزلت في المستهزئين من قريش. # قوله تعالى: سنستدرجهم قال الخليل بن أحمد: سنطوي أعمارهم في اغترار ~~منهم. وقال أبو عبيدة: الاستدراج: أن يتدرج إلى الشيء في خفية قليلا قليلا ~~ولا يهجم عليه، وأصله من الدرجة، وذلك أن الراقي والنازل يرقى وينزل مرقاة ~~مرقاة ومنه: درج الكتاب: إذا طواه شيئا بعد شيء ودرج القوم: إذا ماتوا ~~بعضهم في إثر بعض. وقال اليزيدي: الاستدراج: أن يأتيه من حيث لا يعلم. وقال ~~ابن قتيبة: هو ان يذيقهم من بأسه قليلا قليلا من حيث لا يعلمون، ولا ~~يباغتهم به ولا يجاهرهم. وقال الأزهري: سنأخذهم قليلا قليلا من حيث لا ~~يحتسبون وذلك أن الله تعالى يفتح عليهم من النعيم ما يغتبطون به ويركنون ~~إليه، ثم يأخذهم على غرتهم أغفل ما يكونون. قال الضحاك: كلما جددوا لنا ~~معصية جددنا لهم نعمة. وفي قوله تعالى: من حيث لا يعلمون ms0815 قولان: أحدهما: من ~~حيث لا يعلمون بالاستدراج. والثاني: بالهلكة. # قوله تعالى: وأملي لهم الإملاء: الإمهال والتأخير. # قوله تعالى: إن كيدي متين قال ابن عباس: إن مكري شديد. وقال ابن فارس: ~~الكيد: # المكر فكل شيء عالجته فأنت تكيده. قال المفسرون: مكر الله وكيده: مجازاة ~~أهل المكر والكيد على نحو ما بينا في (البقرة) «2» و (آل عمران) «3» من ذكر ~~الاستهزاء والخداع والمكر. PageV02P173 ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 184 الى 186] # أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184) أولم ينظروا ~~في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب ~~أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في ~~طغيانهم يعمهون (186) # قوله تعالى: أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة سبب نزولها: # (596) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، علا على الصفا ليلة، ودعا قريشا ~~فخذا فخذا: يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، فحذرهم بأس الله ~~وعقابه، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوت حتى الصباح، فنزلت ~~هذه الآية، قاله الحسن، وقتادة. # ومعنى الآية: أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة، أي: جنون، فحثهم ~~على التفكر في أمره ليعلموا أنه بريء من الجنون، إن هو أي: ما هو إلا نذير ~~أي: مخوف مبين يبين طريق الهدى. ثم حثهم على النظر المؤدي إلى العلم فقال: ~~أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ليستدلوا على أن لها صانعا مدبرا وقد ~~سبق بيان الملكوت في (الأنعام) «1» . # قوله تعالى: وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم قرأ ابن ~~مسعود، وأبي، والجحدري: «آجالهم» . ومعنى الآية: أو لم ينظروا في الملكوت ~~وفيما خلق الله من الأشياء كلها، وفي أن عسى أن تكون آجالهم قد قربت ~~فيهلكوا على الكفر، ويصيروا إلى النار، فبأي حديث بعده يؤمنون يعني القرآن ~~وما فيه من البيان. ثم ذكر سبب إعراضهم عن الإيمان، فقال: من يضلل الله فلا ~~هادي له ويذرهم قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: ms0816 «ونذرهم» بالنون والرفع. ~~وقرأ أبو عمرو بالياء وبالرفع. # وقرأ حمزة والسكائي: «ويذرهم» بالياء مع الجزم خفيفة، فمن قرأ بالرفع ~~استأنف، ومن جزم «ويذرهم» عطف على موضع الفاء. قال سيبويه: وموضعها جزم ~~فالمعنى: من يضلل الله يذره وقد سبق في سورة (البقرة) «2» معنى الطغيان ~~والعمه. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 187] # يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها ~~إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسئلونك كأنك حفي عنها ~~قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (187) # قوله تعالى: يسئلونك عن الساعة في سبب نزولها قولان: # (597) أحدهما: أن قوما من اليهود قالوا: يا محمد، أخبرنا متى الساعة؟ ~~فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. PageV02P174 # (598) والثاني: أن قريشا قالت: يا محمد، بيننا وبينك قرابة، فبين لنا متى ~~الساعة؟ فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. وقال عروة: الذي سأله عن الساعة عتبة ~~بن ربيعة. والمراد بالساعة ها هنا التي يموت فيها الخلق. # قوله تعالى: أيان مرساها قال أبو عبيدة: أي: متى مرساها؟ أي: منتهاها. ~~ومرسى السفينة: # حيث تنتهي. وقال ابن قتيبة: «أيان» بمعنى: متى و «متى» بمعنى: أي حين، ~~ونرى أن أصلها: أي أوان فحذفت الهمزة والواو، وجعل الحرفان واحدا، ومعنى ~~الآية: متى ثبوتها؟ يقال: رسا في الأرض، أي: ثبت، ومنه قيل للجبال: رواسي. ~~قال الزجاج: ومعنى الكلام: متى وقوعها؟ # قوله تعالى: قل إنما علمها عند ربي أي: قد استأثر بعلمها لا يجليها أي: ~~لا يظهرها في وقتها إلا هو. قوله تعالى: ثقلت في السماوات والأرض فيه أربعة ~~أقوال «1» : أحدها: ثقل وقوعها على أهل السماوات والأرض، قاله ابن عباس، ~~ووجهه أن الكل يخافونها، محسنهم ومسيئهم. والثاني: عظم شأنها في السماوات ~~والأرض، قاله عكرمة، ومجاهد، وابن جريج. والثالث: خفي أمرها، فلم يعلم متى ~~كونها، قاله السدي. والرابع: أن «في» بمعنى «على» فالمعنى: ثقلت على ~~السماوات والأرض، قاله قتادة. قوله تعالى: لا تأتيكم إلا بغتة أي: فجأة. # قوله تعالى: كأنك حفي عنها فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه من ms0817 المقدم ~~والمؤخر، فتقديره: # يسألونك عنها كأنك حفي، أي: بر بهم، كقوله تعالى: إنه كان بي حفيا. قال ~~العوفي عن ابن عباس، وأسباط عن السدي: كأنك صديق لهم. والثاني: كأنك حفي ~~بسؤالهم، مجيب لهم. قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: كأنك يعجبك سؤالهم. وقال ~~خصيف عن مجاهد: كأنك تحب أن يسألونك عنها. وقال الزجاج: كأنك فرح بسؤالهم. ~~والثالث: كأنك عالم بها، قاله الضحاك عن ابن عباس، وهو قول ابن زيد، ~~والفراء. والرابع: كأنك استحفيت السؤال عنها حتى علمتها، قاله ابن ابي نجيح ~~عن مجاهد. وقال عكرمة: كأنك مسؤول عنها. وقال ابن قتيبة: كأنك معني بطلب ~~علمها. وقال ابن الانباري: فيه تقديم وتأخير، تقديره: يسألونك عنها كأنك ~~حفي بها، والحفي في كلام العرب: المعني. # قوله تعالى: قل إنما علمها عند الله أي: لا يعلمها إلا هو ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون قال مقاتل في آخرين: المراد بالناس ها هنا أهل مكة. ~~PageV02P175 # وفي قوله تعالى: لا يعلمون قولان: أحدهما: لا يعلمون أنها كائنة، قاله ~~مقاتل. والثاني: # لا يعلمون أن هذا مما استأثر الله بعلمه، قاله أبو سليمان الدمشقي. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 188] # قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) # قوله تعالى: قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا سبب نزولها. # (599) أن أهل مكة قالوا: يا محمد، ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن ~~يغلو، فتشتري فتربح، وبالأرض التي تريد أن تجدب، فترتحل عنها إلى ما قد ~~أخصب؟ فنزلت هذه الآية، روي عن ابن عباس. # وفي المراد بالنفع والضر قولان: أحدهما: أنه عام في جميع ما ينفع ويضر، ~~قاله الجمهور. # والثاني: أن النفع: الهدى، والضر: الضلالة، قاله ابن جريج. قوله تعالى: ~~إلا ما شاء الله أي: إلا ما أراد أن أملكه بتمليكه إياي ومن هو على هذه ~~الصفة فكيف يعلم علم الساعة؟ # قوله تعالى: ولو كنت أعلم الغيب فيه أربعة أقوال: أحدها: ms0818 لو كنت أعلم ~~بجدب الأرض وقحط المطر قبل كون ذلك لهيأت لسنة الجدب ما يكفيها، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. والثاني: لو كنت أعلم ما أربح فيه إذا اشتريته لاستكثرت ~~من الخير، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثالث: لو كنت أعلم متى أموت لا ~~لاستكثرت من العمل الصالح، قاله مجاهد. والرابع: لو كنت أعلم ما أسأل عنه ~~من الغيب لأجبت عنه. وما مسني السوء أي: لم يلحقني تكذيب، قاله الزجاج. ~~فأما الغيب، فهو كل ما غاب عنك. ويخرج في المراد بالخير ها هنا ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه العمل الصالح. والثاني: المال. # والثالث: الرزق. # قوله تعالى: وما مسني السوء فيه أربعة اقوال: أحدها: أنه الفقر، قاله ابن ~~عباس. والثاني: أنه كل ما يسوء، قاله ابن زيد. والثالث: الجنون، قاله ~~الحسن. والرابع: التكذيب، قاله الزجاج. فعلى قول الحسن، يكون هذا الكلام ~~مبتدأ، والمعنى: وما بي من جنون إنما أنا نذير، وعلى باقي الأقوال يكون ~~متعلقا بما قبله. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 189 الى 191] # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها ~~حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ~~لنكونن من الشاكرين (189) فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ~~فتعالى الله عما يشركون (190) أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) # قوله تعالى: هو الذي خلقكم من نفس واحدة يعني بالنفس: آدم، وبزوجها: ~~حواء. ومعنى ليسكن إليها: ليأنس بها ويأتي إليها. فلما تغشاها أي: جامعها. ~~قال الزجاج: وهذا أحسن PageV02P176 # كناية عن الجماع. والحمل، بفتح الحاء: ما كان في بطن، أو أخرجته شجرة. ~~والحمل، بكسر الحاء: # ما يحمل. والمراد بالحمل الخفيف: الماء. # قوله تعالى: فمرت به أي: استمرت به، قعدت وقامت ولم يثقلها. وقرأ سعد بن ~~أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عباس، والضحاك: «فاستمرت به» وقرأ أبي بن كعب، ~~والجوني: # «فاستمارت به» بزيادة ألف. وقرأ عبد الله بن عمرو، والجحدري: «فمارت به» ~~بألف وتشديد الراء. # وقرأ أبو العالية، وأيوب، ويحيى بن يعمر: «فمرت ms0819 به» خفيفة الراء، أي: شكت ~~وتمارت أحملت، أم لا؟ فلما أثقلت، أي: صار حملها ثقيلا. وقال الأخفش: صارت ~~ذا ثقل. يقال: أثمرنا، أي: صرنا ذوي ثمر. # قوله تعالى: دعوا الله ربهما يعني آدم وحواء لئن آتيتنا صالحا وفي المراد ~~بالصالح قولان: # أحدهما: أنه الإنسان المشابه لهما، وخافا أن يكون بهيمة، هذا قول ~~الأكثرين. والثاني: أنه الغلام، قاله الحسن، وقتادة. # (شرح السبب في دعائهما) (600) ذكر أهل التفسير أن إبليس جاء حواء، فقال: ~~ما يدريك ما في بطنك، لعله كلب أو خنزير أو حمار وما يدريك من أين يخرج، ~~أيشق بطنك، أم يخرج من فيك، أو من منخريك؟ فأحزنها ذلك، فدعوا الله حينئذ، ~~فجاء إبليس فقال: كيف تجدينك؟ قالت: ما أستطيع القيام إذا قعدت، قال: ~~أفرأيت إن دعوت الله، فجعله إنسانا مثلك ومثل آدم، أتسمينه باسمي؟ قالت: ~~نعم. فلما ولدته سويا، جاءها إبليس فقال: لم لا تسمينه بي كما وعدتني، ~~فقالت: وما اسمك؟ قال: الحارث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث، فسمته: ~~عبد الحارث، وقيل: عبد شمس برضى آدم، فذلك قوله تعالى: PageV02P177 # فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء. قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «شركاء» بضم الشين والمد، جمع شريك. وقرأ ~~نافع، وأبو بكر عن عاصم: «شركا» مكسورة الشين على المصدر، لا على الجمع. ~~قال أبو علي: من قرأ «شركا» حذف المضاف، كأنه أراد: جعلا له ذا شرك، وذوي ~~شريك فيكون المعنى: جعلا لغيره شركا، لأنه إذا كان التقدير: جعلا له ذوي ~~شرك، فالمعنى: جعلا لغيره شركا وهذه القراءة في المعنى كقراءة من قرأ ~~«شركاء» . وقال غيره: معنى «شركاء» : شريكا، فأوقع الجمع موقع الواحد كقوله ~~تعالى: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم «1» . والمراد بالشريك: ~~إبليس، لأنهما أطاعاه في الاسم، فكان الشرك في الطاعة، لا في العبادة ولم ~~يقصدا أن الحارث ربهما، لكن قصدا أنه سبب نجاة ولدهما وقد يطلق العبد على ~~من ليس بمملوك. قال الشاعر: # وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما ms0820 في إلا تلك من شيمة العبد «2» # وقال مجاهد: كان لا يعيش لآدم ولد، فقال الشيطان: إذا ولد لكما ولد ~~فسمياه عبد الحارث، فأطاعاه في الاسم، فذلك قوله تعالى: جعلا له شركاء فيما ~~آتاهما، هذا قول الجمهور، وفيه قول ثان، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~قال: ما أشرك آدم، إن أول الآية لشكر، وآخرها مثل ضربه الله لمن يعبده في ~~قوله عز وجل: جعلا له شركاء فيما آتاهما. وروى قتادة عن الحسن، قال: هم ~~اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا فهودوهم ونصروهم. وروي عن الحسن، ~~وقتادة قالا: الضمير في قوله: # «جعلا له شركاء» عائد إلى النفس وزوجه من ولد آدم، لا إلى آدم وحواء. ~~وقيل: الضمير راجع إلى الولد الصالح، وهو السليم الخلق، فالمعنى: جعل له ~~ذلك الولد شركاء. وإنما قال: «جعلا» لأن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرا ~~وأنثى. قال ابن الأنباري: الذين جعلوا له شركاء اليهود والنصارى وغيرهم من ~~الكفار الذين هم أولاد آدم وحواء. فتأويل الآية: فلما آتاهما صالحا، جعل ~~أولادهما له شركاء، فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم كما قال: وسئل القرية «3» ~~. وذهب السدي إلى أن قوله: فتعالى الله عما يشركون في مشركي العرب خاصة، ~~وأنها مفصولة عن قصة آدم وحواء. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 191] # أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) # قوله تعالى: أيشركون ما لا يخلق شيئا قال ابن زيد: هذه لآدم وحواء حيث ~~سميا ولدهما عبد شمس، والشمس لا تخلق شيئا. وقال غيره: هذا راجع إلى الكفار ~~حيث أشركوا بالله الاصنام، وهي لا تخلق شيئا. وقوله تعالى: وهم يخلقون أي: ~~وهي مخلوقة. قال ابن الأنباري: وإنما قال: «ما» ثم قال: «وهم يخلقون» لأن ~~«ما» تقع على الواحد والاثنين والجميع وإنما قال: «وهم» وهو يعني الأصنام، ~~لأن عابديها أدعوا أنها تعقل وتميز، فأجريت مجرى الناس، فهو كقوله تعالى: ~~PageV02P178 # رأيتهم لي ساجدين «1» ، وقوله تعالى: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم «2» ، ~~وقوله تعالى: وكل في فلك يسبحون «3» ، قال الشاعر: # تمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا ms0821 فتصوبوا «4» # وأنشد ثعلب لعبدة بن الطبيب: # إذ أشرف الديك يدعو بعض أسرته ... لدى الصباح وهم قوم معازيل «5» # لما جعله يدعو، جعل الديكة قوما، وجعلهم معازيل، وهم الذين لا سلاح معهم، ~~وجعلهم أسرة وأسرة الرجل: رهطه وقومه. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 192] # ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192) # قوله تعالى: ولا يستطيعون لهم نصرا يقول: إن الأصنام لا تستطيع نصر من ~~عبدها، ولا تمنع من نفسها. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 193] # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ~~(193) # قوله تعالى: وإن تدعوهم فيه قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الأصنام، ~~فالمعنى: وإن دعوتم أيها المشركون أصنامكم إلى سبيل رشاد لا يتبعوكم، لأنهم ~~لا يعقلون. والثاني: أنها ترجع إلى الكفار، فالمعنى: وإن تدع يا محمد هؤلاء ~~المشركين إلى الهدى، لا يتبعوكم، فدعاؤكم إياهم وصمتكم عنهم سواء، لأنهم لا ~~ينقادون إلى الحق. وقرأ نافع «لا يتبعوكم» بسكون التاء. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 194 الى 196] # إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم ~~صادقين (194) ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين ~~يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ~~(195) إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (196) # قوله تعالى: إن الذين تدعون من دون الله يعني الأصنام عباد أمثالكم في ~~أنهم مسخرون مذللون لأمر الله. وإنما قال «عباد» وقال: فادعوهم، وإن كانت ~~الأصنام جمادا، لما بينا عند قوله تعالى: وهم يخلقون. # قوله تعالى: فليستجيبوا لكم أي: فليجيبوكم إن كنتم صادقين أن لكم عندهم ~~نفعا وثوابا. ألهم أرجل يمشون بها في المصالح أم لهم أيد يبطشون بها في دفع ~~ما يؤذي. وقرأ أبو PageV02P179 # جعفر «يبطشون» بضم الطاء ها هنا وفي (القصص) «1» و (الدخان) » # . أم لهم أعين يبصرون بها المنافع من المضار أم لهم آذان يسمعون بها ~~تضرعكم ودعاءكم؟ وفي هذا تنبيه على تفضيل العابدين على المعبودين، وتوبيخ ~~لهم حيث عبدوا من هم أفضل منه. قل ادعوا شركاءكم ms0822 قال الحسن: كانوا يخوفونه ~~بآلهتهم، فقال الله تعالى: قل ادعوا شركاءكم، ثم كيدون أنتم وهم فلا تنظرون ~~أي: لا تؤخروا ذلك. وكان ابن كثير، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي ~~يقرءون «ثم كيدون» بغير ياء في الوصل والوقف. وقرأ أبو عمرو، ونافع في ~~رواية ابن حماد بالياء في الوصل. وروى ورش، وقالون، والمسيبي بغير ياء في ~~الوصل، ولا وقف. فأما «تنظرون» فأثبت فيها الياء يعقوب في الوصل والوقف. إن ~~وليي الله أي: ناصري الذي نزل الكتاب وهو القرآن، أي: كما أيدني بإنزال ~~الكتاب ينصرني. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 197] # والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (197) # قوله تعالى: والذين تدعون من دونه يعني الأصنام لا يستطيعون نصركم أي: لا ~~يقدرون على منعكم ممن أرادكم بسوء، ولا يمنعون أنفسهم من سوء أريد بهم. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 198] # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198) # قوله تعالى: وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا في المراد بهؤلاء قولان: ~~أحدهما: أنهم الأصنام. # ثم في قوله تعالى: وتراهم ينظرون إليك قولان: أحدهما: يواجهونك، تقول ~~العرب: داري تنظر إلى دارك، وهم لا يبصرون لأنه ليس فيهم أرواح. والثاني: ~~وتراهم كأنهم ينظرون إليك، لأن لهم أعينا مصنوعة، فأسقط كاف التشبيه، كقوله ~~تعالى: وترى الناس سكارى # «3» أي: كأنهم سكارى، وهم لا يبصرون في الحقيقة. وإنما أخبر عنهم بالهاء ~~والميم، لأنهم على هيئة بني آدم. والقول الثاني: أنهم المشركون، فالمعنى: ~~وتراهم ينظرون إليك بأعينهم ولا يبصرون بقلوبهم. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 199] # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199) # قوله تعالى: خذ العفو العفو: الميسور، وقد سبق شرحه في سورة البقرة «4» . ~~وفي الذي أمر بأخذ العفو منه ثلاثة أقوال: أحدها: أخلاق الناس، قاله ابن ~~الزبير، والحسن، ومجاهد فيكون المعنى: # إقبل الميسور من أخلاق الناس، ولا تستقص عليهم فتظهر منهم البغضاء. ~~والثاني: أنه المال، وفيه قولان: أحدهما: أن المراد بعفو المال: الزكاة، ~~قاله مجاهد في رواية، والضحاك. والثاني: أنها صدقة كانت تؤخذ قبل فرض ~~الزكاة، ثم نسخت بالزكاة، ms0823 روي عن ابن عباس. والثالث: أن المراد به: مساهلة ~~المشركين والعفو عنهم، ثم نسخ بآية السيف، قاله ابن زيد. PageV02P180 # قوله تعالى: وأمر بالعرف أي بالمعروف. وفي قوله: وأعرض عن الجاهلين ~~قولان: # أحدهما: أنهم المشركون، أمر بالإعراض عنهم، ثم نسخ ذلك بآية السيف. ~~والثاني: أنه عام فيمن جهل، أمر بصيانة النفس عن مقابلتهم على سفههم، وإن ~~وجب عليه الإنكار عليهم. وهذه الآية عند الأكثرين كلها محكمة، وعند بعضهم ~~أن وسطها محكم وطرفيها منسوخان على ما بينا. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 200 الى 201] # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200) إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201) # قوله تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ. قال ابن زيد: # (601) لما نزلت «خذ العفو» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا رب كيف ~~بالغضب» ؟ فنزلت هذه الآية. # فأما قوله تعالى: وإما فقد سبق بيانه في (البقرة) في قوله: فإما يأتينكم ~~مني هدى «1» ، وقال أبو عبيدة: ومجاز الكلام: وإما تستخفنك منه خفة وغضب ~~وعجلة. وقال السدي: النزغ: الوسوسة وحديث النفس. قال الزجاج: النزغ: أدنى ~~حركة تكون، تقول: قد نزغته: إذا حركته. وقد سبق معنى الاستعاذة. # قوله تعالى: إذا مسهم طائف قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: «طيف» بغير ~~ألف. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة: «طائف» بألف ممدودا مهموزا. وقرأ ~~ابن عباس وابن جبير والجحدري والضحاك: «طيف» بتشديد الياء من غير ألف. وهل ~~الطائف والطيف بمعنى واحد، أم يختلفان؟ فيه قولان: أحدهما: أنهما بمعنى ~~واحد، وهما ما كان كالخيال والشيء يلم بك، حكي عن الفراء. وقال الأخفش: ~~الطيف أكثر في كلام العرب من الطائف، قال الشاعر: # ألا يا لقوم لطيف الخيال ... أرق من نازح ذي دلال «2» # والثاني: أن الطائف: ما يطوف حول الشيء، والطيف: اللمة والوسوسة والخطرة، ~~حكي عن أبي عمرو، وروي عن ابن عباس أنه قال: الطائف: اللمة من الشيطان، ~~والطيف: الغضب. وقال ابن الأنباري: الطائف: الفاعل من الطيف والطيف عند أهل ~~اللغة: اللمم من الشيطان وزعم مجاهد ms0824 أنه الغضب. # قوله تعالى: تذكروا فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: تذكروا الله إذا هموا ~~بالمعاصي فتركوها، قاله مجاهد. والثاني: تفكروا فيما أوضح الله لهم من ~~الحجة، قاله الزجاج. والثالث: تذكروا غضب الله PageV02P181 # والمعنى: إذا جرأهم الشيطان على ما لا يحل، تذكروا غضب الله فأمسكوا، ~~فاذا هم مبصرون لمواضع الخطأ بالتفكر. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 202] # وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (202) # قوله تعالى: وإخوانهم في هذه الهاء والميم قولان: # أحدهما: أنها عائدة على المشركين فتكون هذه الآية مقدمة على التي قبلها، ~~والتقدير: وأعرض عن الجاهلين، وإخوان الجاهلين، وهم الشياطين يمدونهم في ~~الغي قرأ نافع: «يمدونهم» بضم الياء وكسر الميم. والباقون: بفتح الياء وضم ~~الميم. قال أبو علي: عامة ما جاء في التنزيل فيما يحمد ويستحب: أمددت، على ~~أفعلت، كقوله تعالى: أتمدونن بمال «1» أنما نمدهم به من مال «2» وأمددناهم ~~بفاكهة «3» ، وما كان على خلافه يجيء على: مددت كقوله تعالى: ويمدهم في ~~طغيانهم «4» فهذا يدل على أن الوجه فتح الياء، إلا أن وجه قراءة نافع منزلة ~~فبشرهم بعذاب أليم «5» . قال المفسرون: «يمدونهم في الغي» أي: يزينونه لهم، ~~ويريدون منهم لزومه فيكون معنى الكلام: أن الذين اتقوا إذا جرهم الشيطان ~~إلى خطيئة، تابوا منها، وإخوان الجاهلين، وهم الشياطين، وقد جرى ذكرهم ~~لقوله تعالى: من الشيطان فالمعنى: وإخوان الشياطين يمدونهم. # والثاني: أن الهاء والميم ترجع إلى المتقين فالمعنى: وإخوان المتقين من ~~المشركين، وقيل: من الشياطين يمدونهم في الغي، أي: يريدون من المسلمين أن ~~يدخلوا معهم في الكفر، ذكر هذا القول جماعة منهم ابن الأنباري. فان قيل: ~~كيف قال: «وإخوانهم» وليسوا على دينهم؟ فالجواب: أنا إن قلنا: إنهم ~~المشركون، فجائز أن يكونوا إخوانهم في النسب، أو في كونهم من بني آدم، أو ~~لكونهم يظهرون النصح كالإخوان فإن قلنا: إنهم الشياطين، فجائز أن يكونوا ~~لكونهم مصاحبين لهم، والقول الأول أصح. # قوله تعالى: ثم لا يقصرون وقرأ الزهري وابن أبي عبلة: «لا يقصرون» ~~بالتشديد. قال الزجاج: يقال: أقصر يقصر، وقصر يقصر. قال ابن عباس: لا الإنس ~~يقصرون عما ms0825 يعملون من السيئات ولا الشياطين تقصر عنهم فعلى هذا يكون قوله ~~تعالى: يقصرون من فعل الفريقين، وهذا على القول المشهور ويخرج على القول ~~الثاني أن يكون هذا وصفا للإخوان فقط. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 203] # وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي ~~هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (203) # قوله تعالى: وإذا لم تأتهم بآية يعني به المشركين. وفي معنى الكلام ~~قولان: أحدهما: إذا لم تأتهم PageV02P182 # بآية، سألوها تعنتا، قاله ابن السائب. والثاني: إذا لم تأتهم بآية لإبطاء ~~الوحي، قاله مقاتل: وفي قوله: # لولا اجتبيتها قولان: أحدهما: هلا افتعلتها من تلقاء نفسك، قاله ابن ~~عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد، والفراء، والزجاج، وابن قتيبة في ~~آخرين، وحكي عن الفراء أنه قال: العرب تقول: اجتبيت الكلام، واختلقته، ~~وارتجلته: إذا افتعلته من قبل نفسك. والثاني: هلا طلبتها لنا قبل مسألتك؟ ~~ذكره الماوردي والأول أصح. # قوله تعالى: قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي أي: ليس الأمر لي. # قوله تعالى: هذا بصائر من ربكم يعني القرآن. قال أبو عبيدة: البصائر ~~بمعنى الحجج والبرهان والبيان، واحدتها: بصيرة. وقال الزجاج: معنى البصائر: ~~ظهور الشيء وبيانه. ### | ### | [سورة الأعراف (7) : آية # 204] # وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204) # قوله تعالى: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له اختلفوا في نزولها على خمسة ~~أقوال. # (602) أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة المكتوبة، ~~فقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # (603) والثاني: أن المشركين كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا صلى، فيقول بعضهم لبعض: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه، فنزلت هذه ~~الآية، قاله سعيد بن المسيب. # (604) والثالث: أن فتى من الأنصار كان كلما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ~~شيئا، قرأ هو، فنزلت هذه الآية، قاله الزهري. # (605) والرابع: أنهم كانوا يتكلمون في صلاتهم أول ما فرضت، فيجيء الرجل ~~فيقول لصاحبه: # كم صليتم؟ فيقول: كذا وكذا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. # (606) والخامس: ms0826 أنها نزلت تأمر بالإنصات للامام في الخطبة يوم الجمعة، ~~روي عن عائشة، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار في آخرين. ~~PageV02P183 ### | [سورة الأعراف (7) : آية 205] # واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا ~~تكن من الغافلين (205) # قوله تعالى: واذكر ربك في نفسك في هذا الذكر أربعة أقوال «1» : أحدها: ~~أنه القراءة في الصلاة، قاله ابن عباس فعلى هذا، أمر أن يقرأ في نفسه في ~~صلاة الإسرار. والثاني: أنه القراءة خلف الإمام سرا في نفسه، قاله قتادة. ~~والثالث: أنه ذكر الله باللسان. والرابع: أنه ذكر الله باستدامة الفكر، لا ~~يغفل عن الله تعالى، ذكر القولين الماوردي. # وفي المخاطب بهذا الذكر قولان: أحدهما: أنه المستمع للقرآن، إما في ~~الصلاة، وإما من الخطيب، قاله ابن زيد. والثاني: أنه خطاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ومعناه عام في جميع المكلفين. # قوله تعالى: تضرعا وخيفة التضرع: الخشوع في تواضع والخيفة: الحذر من ~~عقابه. # قوله تعالى: ودون الجهر من القول الجهر: الإعلان بالشيء ورجل جهير الصوت: ~~إذا كان صوته عاليا. وفي هذا نص على أنه الذكر باللسان ويحتمل وجهين: ~~أحدهما: قراءة القرآن. والثاني: # الدعاء، وكلاهما مندوب إلى إخفائه، إلا أن صلاة الجهر قد بين أدبها في ~~قوله تعالى: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها «2» . فأما الغدو: فهو جمع غدوة ~~والآصال: جمع أصل، والأصل جمع أصيل فالآصال جمع الجمع، والآصال: العشيات. ~~وقال أبو عبيدة: هي ما بين العصر إلى المغرب وأنشد: # لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل «3» # وروي عن ابن عباس أنه قال: يعني بالغدو: صلاة الفجر وبالآصال: صلاة ~~العصر. ### | [سورة الأعراف (7) : آية 206] # إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون (206) # قوله تعالى: إن الذين عند ربك يعني الملائكة. لا يستكبرون أي: لا يتكبرون ~~ويتعظمون PageV02P184 # عن عبادته، وفي هذه العبادة قولان: أحدهما: الطاعة. الثاني: الصلاة ~~والخضوع فيها. وفي قوله تعالى: ويسبحونه قولان: أحدهما: ينزهونه عن السوء. ~~والثاني: يقولون: سبحان الله. قوله تعالى: # وله يسجدون أي: يصلون. وقيل: ms0827 سبب نزول هذه الآية أن كفار مكة قالوا: ~~أنسجد لما تأمرنا؟ # فنزلت هذه الآية تخبر أن الملائكة وهم أكبر شأنا، لا يتكبرون عن عبادة ~~الله. وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # (607) «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويله، ~~أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار» . ~~PageV02P185 ### | سورة الأنفال # وهي مدنية بإجماعهم. وحكى الماوردي عن ابن عباس أن فيها سبع آيات مكيات، ~~أولها: وإذ يمكر بك الذين كفروا «1» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) # قوله تعالى: يسئلونك عن الأنفال في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (608) أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: «من قتل ~~قتيلا فله كذا وكذا، ومن اسر أسيرا فله كذا وكذا» ، فأما المشيخة، فثبتوا ~~تحت الرايات، وأما الشبان، فسارعوا إلى القتل والغنائم، فقال المشيخة ~~للشبان: أشركونا معكم، فانا كنا لكم ردءا فأبوا، فاختصموا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فنزلت سورة (الأنفال) ، رواه عكرمة عن ابن عباس. # (609) والثاني: أن سعد بن أبي وقاص أصاب سيفا يوم بدر، فقال: يا رسول ~~الله، هبه لي، فنزلت هذه الآية، رواه مصعب بن سعد عن أبيه. وفي رواية أخرى ~~عن سعد قال: قتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه فأتيت به رسول الله، فقال: ~~«اذهب فاطرحه في القبض» فرجعت، وبي ما لا PageV02P186 # يعلمه إلا الله فما جاوزت إلا قريبا حتى نزلت سورة (الأنفال) ، فقال: ~~«اذهب فخذ سيفك» . # (610) وقال السدي: اختصم سعد وناس آخرون في ذلك السيف، فسألوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم منهم، فنزلت هذه الآية. # (611) والثالث: أن الأنفال كانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ليس لأحد منها شيء، فسالوه أن يعطيهم منها شيئا، فنزلت هذه الآية، رواه ابن ~~أبي طلحة عن ابن ms0828 عباس. # وفي المراد بالأنفال ستة أقوال: أحدهما: أنها الغنائم، رواه عكرمة عن ابن ~~عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والضحاك، وأبو عبيدة، ~~والزجاج، وابن قتيبة في آخرين. # وواحد الانفال: نفل، قال لبيد: # إن تقوى ربنا خير نفل ... وباذن الله ريثي وعجل # والثاني: أنها ما نفله رسول الله صلى الله عليه وسلم القاتل من سلب ~~قتيله. والثالث: أنها ما شذ من المشركين إلى المسلمين من عبد أو دابة بغير ~~قتال، قاله عطاء. وهذا والذي قبله مرويان عن ابن عباس أيضا. # (612) والرابع: أنه الخمس الذي أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الغنائم، قاله مجاهد. # والخامس: أنه أنفال السرايا، قاله علي بن صالح بن حي. وحكي عن الحسن قال: ~~هي السرايا التي تتقدم أمام الجيوش. والسادس: أنها زيادات يؤثر بها الإمام ~~بعض الجيش لما يراه من المصلحة، ذكره الماوردي. # وفي «عن» قولان: أحدهما: أنها زائدة، والمعنى: يسألونك الأنفال وكذلك قرأ ~~سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وأبي بن كعب وأبو العالية: «يسألونك الأنفال» ~~بحذف «عن» . والثاني: أنها أصل، والمعنى: يسألونك عن الأنفال لمن هي؟ أو عن ~~حكم الأنفال وقد ذكرنا في سبب نزولها ما يتعلق بالقولين. وذكر أنهم إنما ~~سألوا عن حكمها لأنها كانت حراما على الأمم قبلهم. # (فصل:) واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فقال بعضهم: إنها ~~ناسخة من وجه، منسوخة من وجه، وذلك أن الغنائم كانت حراما في شرائع ~~الأنبياء المتقدمين، فنسخ الله ذلك بهذه الآية، وجعل الأمر في الغنائم إلى ~~ما يراه الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه «1» . وقال آخرون: المراد بالأنفال شيئان: ~~أحدهما: ما يجعله الرسول صلى الله عليه وسلم لطائفة من شجعان العسكر ~~ومتقدميه، يستخرج به نصحهم، ويحرضهم على القتال. والثاني: ما يفضل ~~PageV02P187 # من الغنائم بعد قسمتها كما روي عن ابن عمر قال: # (613) بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فغنمنا إبلا، فأصاب ~~كل واحد منا عشر بعيرا، ونفلنا بعيرا ms0829 بعيرا. فعلى هذا هي محكمة، لأن هذا ~~الحكم باق إلى وقتنا هذا. # (فصل:) ويجوز النفل قبل إحراز الغنيمة، وهو أن يقول الإمام: من أصاب شيئا ~~فهو له، وبه قال الجمهور. فأما بعد إحرازها، ففيه عن أحمد روايتان. وهل ~~يستحق القاتل سلب المقتول إذا لم يشرطه له الإمام، فيه قولان: أحدهما: ~~يستحقه، وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي. والثاني: لا يستحقه ويكون غنيمة ~~للجيش، وبه قال أبو حنيفة ومالك وعن أحمد روايتان كالقولين. # قوله تعالى: قل الأنفال لله والرسول أي: يحكمان فيها ما أرادا، فاتقوا ~~الله بترك مخالفته وأصلحوا ذات بينكم قال الزجاج: معنى «ذات بينكم» حقيقة ~~وصلكم. والبين: الوصل كقوله تعالى: لقد تقطع بينكم «1» . ثم في المراد ~~بالكلام قولان: أحدهما: أن يرد القوي على الضعيف، قاله عطاء. والثاني: ترك ~~المنازعة تسليما لله ورسوله. # قوله تعالى: وأطيعوا الله ورسوله أي: اقبلوا ما أمرتم به في الغنائم ~~وغيرها. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 2] # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) # قوله تعالى: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله قال الزجاج: إذا ذكرت ~~عظمته وقدرته وما خوف به من عصاه، فزعت قلوبهم، قال الشاعر: # لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدوا المنية أول «2» # يقال: وجل يوجل وياجل وييجل وييجل، هذه أربع لغات حكاها سيبويه. وأجودها: ~~يوجل. # وقال السدي: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر الله فينزع عنها. # قوله تعالى: وإذا تليت عليهم آياته أي: آيات القرآن. وفي قوله: زادتهم ~~إيمانا ثلاثة أقوال: # أحدها: تصديقا، قاله ابن عباس. والمعنى: أنهم كلما جاءهم شيء عن الله ~~آمنوا به، فيزدادوا إيمانا بزيادة الآيات. والثاني: يقينا، قاله الضحاك. ~~والثالث: خشية الله، قاله الربيع بن أنس. وقد ذكرنا معنى التوكل في سورة آل ~~عمران «3» . ### | [سورة الأنفال (8) : آية 3] # الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) PageV02P188 # قوله تعالى: الذين يقيمون الصلاة قال ابن عباس: يعني الصلوات الخمس. ومما ~~رزقناهم ينفقون يعني الزكاة. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 4] # أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ms0830 ومغفرة ورزق كريم (4) # قوله تعالى: أولئك هم المؤمنون حقا، قال الزجاج: «حقا» منصوب بمعنى دلت ~~عليه الجملة، والجملة أولئك هم المؤمنون، فالمعنى: أحق ذلك حقا. وقال ~~مقاتل: المعنى: أولئك هم المؤمنون لا شك في إيمانهم كشك المنافقين. # قوله تعالى: لهم درجات عند ربهم قال عطاء: الجنة يرتقونها بأعمالهم، ~~والرزق الكريم: ما أعد لهم فيها. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 5 الى # 6] # كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5) يجادلونك ~~في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6) # قوله تعالى: كما أخرجك ربك في متعلق هذه الكاف خمسة أقوال: أحدها: أنها ~~متعلقة بالأنفال. ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: أن تأويله: امض ~~لأمر الله في الغنائم وإن كرهوا، كما مضيت في خروجك من بيتك وهم كارهون، ~~قاله الفراء. والثاني: أن الأنفال لله والرسول صلى الله عليه وسلم بالحق ~~الواجب، كما أخرجك ربك بالحق، وإن كرهوا ذلك، قاله الزجاج. والثالث: أن ~~المعنى: # يسألونك عن الأنفال مجادلة، كما جادلوك في خروجك، حكاه جماعة من ~~المفسرين. والثاني: أنها متعلقة بقوله تعالى: فاتقوا الله وأصلحوا، ~~والمعنى: إن التقوى والاصلاح خير لكم، كما كان إخراج الله نبيه محمدا خيرا ~~لكم وإن كرهه بعضكم، هذا قول عكرمة. والثالث: أنها متعلقة بقوله تعالى: # يجادلونك، فالمعنى: مجادلتهم إياك في الغنائم كاخراج الله إياك إلى بدر ~~وهم كارهون، قاله الكسائي. والرابع: أنها متعلقة بقوله تعالى: أولئك هم ~~المؤمنون، والمعنى: وهم المؤمنون حقا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، ذكره ~~بعض ناقلي التفسير. والخامس: أن «كما» في موضع قسم، معناها: والذي أخرجك من ~~بيتك، قاله أبو عبيدة، واحتج بأن «ما» في موضع «الذي» ومنه قوله: وما خلق ~~الذكر والأنثى «1» ، قاله ابن الأنباري. وفي هذا القول بعد، لأن الكاف ليست ~~من حروف الاقسام. # وفي هذا الخروج قولان: أحدهما: أنه خروجه إلى بدر، وكره ذلك طائفة من ~~أصحابه، لأنهم علموا أنهم لا يظفرون بالغنيمة إلا بالقتال. والثاني: أنه ~~خروجه من مكة إلى المدينة للهجرة. وفي معنى ms0831 قوله: «بالحق» قولان: أحدهما: ~~أنك خرجت ومعك الحق. والثاني: أنك خرجت بالحق الذي وجب عليك. وفي قوله ~~تعالى: وإن فريقا من المؤمنين لكارهون قولان: أحدهما: كارهون خروجك. ~~والثاني: كارهون صرف الغنيمة عنهم، وهذه كراهة الطبع لمشقة السفر والقتال، ~~وليست كراهة لأمر الله تعالى. # قوله تعالى: يجادلونك في الحق يعني في القتال يوم بدر، لأنهم خرجوا بغير ~~عدة، فقالوا: هلا PageV02P189 # أخبرتنا بالقتال لنأخذ العدة، فجادلوه طلبا للرخصة في ترك القتال. وفي ~~قوله تعالى: بعد ما تبين ثلاثة أقوال: أحدهما: تبين لهم فرضه. والثاني: ~~تبين لهم صوابه. والثالث: تبين لهم أنك لا تفعل إلا ما أمرت به. وفي ~~«المجادلين» قولان: أحدهما: أنهم طائفة من المسلمين، قاله ابن عباس، ~~والجمهور. # والثاني: أنهم المشركون، قاله ابن زيد، فعلى هذا، يكون جدالهم في الحق ~~الذي هو التوحيد، لا في القتال. فعلى الأول، يكون معنى قوله تعالى: كأنما ~~يساقون إلى الموت أي: في لقاء العدو وهم ينظرون، لأن أشد حال من يساق إلى ~~الموت أن يكون ناظرا إليه، وعالما به. وعلى قول ابن زيد: # كأنما يساقون إلى الموت حين يدعون إلى الإسلام لكراهتهم إياه. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 7 الى # 8] # وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون ~~لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) ليحق الحق ~~ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8) # قوله تعالى: وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين. # (614) قال أهل التفسير: أقبل أبو سفيان من الشام في عير لقريش، حتى إذا ~~دنا من بدر، نزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فخرج في جماعة ~~من أصحابه يريدهم، فبلغهم ذلك فبعثوا عمرو بن ضمضم الغفاري إلى مكة ~~مستغيثا، فخرجت قريش للمنع عنها، ولحق أبو سفيان بساحل البحر، ففات رسول ~~الله، ونزل جبريل بهذه الآية: وإذ يعدكم الله. # والمعنى: اذكروا إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين. والطائفتان: أبو سفيان ~~وما معه من المال، وأبو جهل ومن معه من قريش فلما سبق أبو سفيان بما معه ~~كتب إلى قريش: ms0832 إن كنتم خرجتم لتحرزوا ركائبكم فقد أحرزتها لكم. فقال أبو ~~جهل: والله لا نرجع. وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد القوم. فكره ~~أصحابه ذلك وودوا أن لو نالوا الطائفة التي فيها الغنيمة دون القتال فذلك ~~قوله: وتودون أن غير ذات الشوكة أي: ذات السلاح. يقال: فلان شاكي السلاح ~~بالتخفيف، وشاك في السلاح بالتشديد، وشائك. قال أبو عبيدة: ومجاز الشوكة ~~الحد يقال: ما أشد شوكة بني فلان، أي: حدهم. وقال الأخفش: إنما أنث «ذات ~~الشوكة» لأنه يعني الطائفة. # قوله تعالى: ويريد الله أن يحق الحق في المراد بالحق قولان «1» : أحدهما: ~~أنه الإسلام، قاله PageV02P190 # ابن عباس في آخرين. والثاني: أنه القرآن، والمعنى: يحق ما أنزل إليك من ~~القرآن. # قوله تعالى: بكلماته أي: بعداته التي سبقت من إعزاز الدين، كقوله تعالى: ~~ليظهره على الدين كله «1» . # قوله تعالى: ويقطع دابر الكافرين أي: يجتث أصلهم وقد بينا ذلك في ~~(الأنعام) «2» . # قوله تعالى: ليحق الحق المعنى: ويريد أن يقطع دابر الكافرين كيما يحق ~~الحق. وفي هذا الحق القولان المتقدمان. فأما الباطل، فهو الشرك والمجرمون ~~ها هنا: المشركون. ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 9 الى 10] # إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين (9) وما ~~جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله ~~عزيز حكيم (10) # قوله تعالى: إذ تستغيثون ربكم. # (615) سبب نزولها ما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم ~~بدر، نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى ~~المشركين وهم ألف وزيادة، فاستقبل القبلة، ثم مد يديه وعليه رداؤه وإزاره، ~~ثم قال: «اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك ~~هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدا» فما زال يستغيث ربه ويدعوه، حتى سقط ~~رداؤه، فأتاه أبو بكر الصديق فأخذ رداءه فرداه به، ثم التزمه من ورائه، ~~وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فانه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. ms0833 # قوله تعالى: إذ قال ابن جرير: هي من صلة «يبطل» . وفي قوله تعالى: ~~تستغيثون قولان: # أحدهما: تستنصرون. والثاني: تستجيرون. والفرق بينهما أن المستنصر يطلب ~~الظفر، والمستجير يطلب الخلاص. وفي المستغيثين قولان: أحدهما: أنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، قاله الزهري. # والثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله السدي. فأما الإمداد ~~فقد سبق في (آل عمران) «3» . # وقوله تعالى: بألف قرأ الضحاك، وأبو رجاء: «بآلاف» بهمزة ممدودة وبألف ~~على الجمع. # وقرأ أبو العالية، وأبو المتوكل: «بألوف» برفع الهمزة واللام وبواو بعدها ~~على الجمع. وقرأ ابن حذلم، والجحدري: «بألف» بضم الألف واللام من غير واو ~~ولا ألف، وقرأ أبو الجوزاء، وأبو عمران: «بيلف» بياء مفتوحة وسكون اللام من ~~غير واو ولا ألف. فأما قوله: مردفين فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي: «مردفين» بكسر الدال. قال ابن عباس، وقتادة، ~~والضحاك، وابن زيد، والفراء: هم المتتابعون. وقال أبو علي: يحتمل وجهين: ~~أحدهما: أن يكونوا مردفين مثلهم، تقول: أردفت زيدا دابتي فيكون المفعول ~~الثاني محذوفا في الآية. والثاني: أن يكونوا جاءوا PageV02P191 # بعدهم تقول العرب: بنو فلان مردوفونا، أي: هم يجيئون بعدنا. قال أبو ~~عبيدة: مردفين: جاءوا بعد. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: «مردفين» بفتح ~~الدال. قال الفراء: أراد: فعل ذلك بهم، أي: إن الله أردف المسلمين بهم. ~~وقرأ معاذ القارئ، وأبو المتوكل الناجي، وأبو مجلز: «مردفين» بفتح الراء ~~والدال مع التشديد. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو عمران: «مردفين» برفع الراء ~~وكسر الدال. وقال الزجاج: # يقال: ردفت الرجل: إذا ركبت خلفه، وأردفته: إذا أركبته خلفي. ويقال: هذه ~~دابة لا ترادف، ولا يقال: لا تردف. ويقال: أردفت الرجل: إذا جئت بعده. ~~فمعنى «مردفين» يأتون فرقة بعد فرقة. ويجوز في اللغة: مردفين ومردفين ~~ومردفين، فالدال مكسورة مشددة على كل حال، والراء يجوز فيها الفتح والضم ~~والكسر. قال سيبويه: الأصل مرتدفين، فأدغمت التاء في الدال فصارت مردفين ~~لأنك طرحت حركة التاء على الراء وإن شئت لم تطرح حركة التاء، وكسرت الراء ~~لالتقاء ms0834 الساكنين. والذين ضموا الراء، جعلوها تابعة لضمة الميم. وقد سبق في ~~(آل عمران) «1» تفسير قوله تعالى: وما جعله الله إلا بشرى، وكان مجاهد ~~يقول: ما أمد الله النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من هذه الألف التي ذكرت ~~في سورة (الأنفال) «2» وما ذكر الثلاثة والخمسة إلا بشرى، ولم يمدوا بها ~~والجمهور على خلافه، وقد ذكرنا اختلافهم في عدد الملائكة في سورة (آل ~~عمران) «3» . ### | [سورة الأنفال (8) : آية 11] # إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب ~~عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (11) # قوله تعالى: إذ يغشيكم النعاس أمنة منه قال الزجاج: «إذ» موضعها نصب على ~~معنى: وما جعله الله إلا بشرى، في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون المعنى: اذكروا ~~إذ يغشاكم النعاس. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «إذ يغشاكم» بفتح الياء وجزم ~~الغين وفتح الشين وألف، «النعاس» بالرفع. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: «يغشيكم» بضم الياء وفتح الغين مشددة الشين مكسورة، «النعاس» ~~بالنصب. وقرأ نافع: «يغشيكم» بضم الياء وجزم الغين وكسر الشين «النعاس» ~~بالنصب. وقال أبو سليمان الدمشقي: الكلام راجع على قوله تعالى: ولتطمئن به ~~قلوبكم إذ يغشاكم النعاس. قال الزجاج: و «أمنة» منصوب: مفعول له، كقولك: ~~فعلت ذلك حذر الشر. يقال: أمنت آمن أمنا وأمانا وأمنة. وقرأ أبو عبد الرحمن ~~السلمي، وأبو المتوكل، وأبو العالية، وابن يعمر، وابن محيصن: «أمنة منه» ~~بسكون الميم. # قوله تعالى: وينزل عليكم من السماء ماء. # (616) قال ابن عباس: نزل النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وبينه وبين ~~الماء رملة، وغلبهم المشركون على PageV02P192 # الماء، فأصاب المسلمين الظمأ، وجعلوا يصلون محدثين، وألقى الشيطان في ~~قلوبهم الوسوسة، يقول: # تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، ~~وأنتم تصلون محدثين، فأنزل الله عليهم مطرا، فشربوا وتطهروا، واشتد الرمل ~~حين أصابه المطر، وأزال الله رجز الشيطان، وهو وسواسه، حيث قال: قد غلبكم ~~المشركون على الماء. # وقال ابن زيد: رجز الشيطان: كيده، حيث أوقع في قلوبهم أنه ليس لكم ms0835 بهؤلاء ~~القوم طاقة. # وقال ابن الأنباري: ساءهم عدم الماء عند فقرهم إليه، فأرسل الله السماء، ~~فزالت وسوسة الشيطان التي تكسب عذاب الله وغضبه، إذ الرجز: العذاب. # قوله تعالى: وليربط على قلوبكم الربط: الشد. و «على» في قول بعضهم صلة، ~~فالمعنى: # وليربط قلوبكم. وفي الذي ربط به قلوبهم وقواها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~الصبر، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنه الإيمان، قاله مقاتل. ~~والثالث: أنه المطر الذي أرسله يثبت به قلوبهم بعد اضطرابها بالوسوسة التي ~~تقدم ذكرها. # قوله تعالى: ويثبت به الأقدام في هاء «به» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى ~~الماء فان الأرض كانت رملة، فاشتدت بالمطر، وثبتت عليها الأقدام، قاله ابن ~~عباس، ومجاهد، والسدي في آخرين. # والثاني: انها ترجع إلى الربط، فالمعنى: ويثبت بالربط الأقدام، ذكره ~~الزجاج. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 12 الى # 14] # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) ذلك ~~بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب (13) ~~ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14) # قوله تعالى: إذ يوحي ربك قال الزجاج: «إذ» في موضع نصب، والمعنى: وليربط ~~إذ يوحي. # ويجوز أن يكون المعنى: واذكروا إذ يوحي. قال ابن عباس: وهذا الوحي إلهام. ~~قوله تعالى: إلى الملائكة وهم الذين أمد بهم المسلمين. أني معكم بالعون ~~والنصرة. فثبتوا الذين آمنوا فيه أربعة أقوال: أحدها: قاتلوا معهم، قاله ~~الحسن. والثاني: بشروهم بالنصر فكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل، ~~ويقول: أبشروا فان الله ناصركم، قاله مقاتل. والثالث: ثبتوهم بأشياء ~~تلقونها في قلوبهم تقوى بها، ذكره الزجاج. والرابع: صححوا عزائمهم ونياتهم ~~على الجهاد، ذكره الثعلبي. فأما الرعب، فهو الخوف. قال السائب بن يسار: كنا ~~إذا سألنا يزيد بن عامر السوائي عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوب المشركين ~~كيف؟ كان يأخذ الحصى فيرمي به الطست فيطن، فيقول: كنا نجد في أجوافنا مثل ~~هذا. # قوله تعالى: فاضربوا فوق الأعناق في المخاطب ms0836 بهذا قولان «1» : أحدهما: ~~أنهم الملائكة. قال PageV02P193 # ابن الأنباري: لم تعلم الملائكة أين تقصد بالضرب من الناس، فعلمهم الله ~~تعالى ذلك. والثاني: أنهم المؤمنون، ذكره جماعة من المفسرين. وفي معنى ~~الكلام قولان: أحدهما: فاضربوا الأعناق، و «فوق» صلة، وهذا قول عطية، ~~والضحاك، والأخفش، وابن قتيبة. وقال أبو عبيدة: «فوق» بمعنى «على» ، تقول: ~~ضربته فوق الرأس، وضربته على الرأس. والثاني: اضربوا الرؤوس لانها فوق ~~الأعناق، وبه قال عكرمة. وفي المراد بالبنان ثلاثة أقوال: أحدها: إنه ~~الأطراف، قاله ابن عباس، والضحاك. وقال الفراء: علمهم مواضع الضرب، فقال: ~~اضربوا الرؤوس والأيدي والأرجل. وقال أبو عبيدة، وابن قتيبة: البنان: أطراف ~~الأصابع. قال ابن الأنباري: واكتفى بهذا من جملة اليد والرجل. والثاني: أنه ~~كل مفصل، قاله عطية، والسدي. والثالث: أنه الأصابع وغيرها من جميع الأعضاء، ~~والمعنى: أنه أباحهم قتلهم بكل نوع، هذا قول الزجاج. قال: واشتقاق البنان ~~من قولهم: أبن بالمكان: إذا أقام به فالبنان به يعتمل كل ما يكون للاقامة ~~والحياة. قوله تعالى: لك بأنهم شاقوا الله # «ذلك» إشارة إلى الضرب، و «شاقوا» بمعنى: جانبوا، فصاروا في شق المؤمنين. ~~قوله تعالى: ذلكم فذوقوه خطاب للمشركين والمعنى: ذوقوا هذا في عاجل الدنيا. ~~وفي فتح «أن» قولان: أحدهما: باضمار فعل، تقديره: ذلكم فذوقوه واعلموا أن ~~للكافرين. والثاني: أن يكون المعنى: ذلك بأن للكافرين عذاب النار. # فاذا ألقيت الباء، نصبت. وإن شئت، جعلت «أن» في موضع رفع يريد: ذلكم ~~فذوقوه، وذلكم أن للكافرين عذاب النار، هذا معنى قول الفراء. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 15 الى # 16] # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) ~~ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من ~~الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16) # قوله تعالى: إذا لقيتم الذين كفروا زحفا، الزحف: جماعة يزحفون إلى عدوهم ~~قاله الليث. # والتزاحف: التداني والتقارب، قال الأعشى: # لمن الظعائن سيرهن تزحف «1» # قال الزجاج: ومعنى الكلام: إذا واقفتموهم للقتال فلا تدبروا ومن يولهم ~~يوم حربهم دبره إلا أن يتحرف ليقاتل، ms0837 أو يتحيز إلى فئة ف «متحرفا» و ~~«متحيزا» منصوبان على الحال. ويجوز أن يكون نصبهما على الاستثناء فيكون ~~المعنى: إلا رجلا متحرفا أو متحيزا. وأصل متحيز: متحيوز فأدغمت الياء في ~~الواو. # قوله تعالى: ومأواه جهنم أي: مرجعه إليها ولا يدل ذلك على التخليد. ~~PageV02P194 # (فصل:) اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هذه خاصة في أهل بدر، ~~وهو مروي عن ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، والحسن، وابن جبير، وقتادة، ~~والضحاك. وقال آخرون: هي على عمومها في كل منهزم وهذا مروي عن ابن عباس ~~أيضا. وقال آخرون هي على عمومها، غير أنها نسخت بقوله تعالى: فإن يكن منكم ~~مائة صابرة يغلبوا مائتين «1» فليس للمسلمين أن يفروا من مثليهم، وبه قال ~~عطاء بن أبي رباح. وروى أبو طالب عن أحمد أنه سئل عن الفرار من الزحف، ~~فقال: # لا يفر رجل من رجلين فان كانوا ثلاثة، فلا بأس. وقد نقل نحو هذا عن ابن ~~عباس، وقال محمد بن الحسن: إذا بلغ الجيش اثني عشر ألفا، فليس لهم أن يفروا ~~من عدوهم، وإن كثر عددهم. ونقل نحو هذا عن مالك. ووجهه ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # (617) «ما هزم قوم إذا بلغوا اثني عشر ألفا من قلة إذا صبروا وصدقوا» . ### | ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 17 الى # 18] # فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي ~~المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17) ذلكم وأن الله موهن كيد ~~الكافرين (18) # قوله تعالى: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وقرأ ابن عامر، وأهل الكوفة إلا ~~عاصما «ولكن الله قتلهم» «ولكن الله رمى» بتخفيف النون ورفع اسم الله ~~فيهما. وسبب نزول هذا الكلام أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~رجعوا عن بدر جعلوا يقولون: قتلنا وقتلنا، هذا معنى قول مجاهد. فأما قوله ~~تعالى: # وما رميت إذ رميت ففي سبب نزوله ثلاثة أقوال: # (618) أحدها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: ناولني كفا من ~~حصباء، فناوله، فرمى ms0838 به في وجوه القوم، فما بقي منهم أحد إلا وقعت في عينه ~~حصاة» . وقيل: أخذ قبضة من تراب، فرمى بها، وقال: # «شاهت الوجوه» فما بقي مشرك إلا شغل بعينه يعالج التراب الذي فيها، فنزلت ~~وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وذلك يوم بدر هذا قول الأكثرين. وقال ابن ~~الأنباري: وتأويل شاهت: قبحت يقال: شاه وجهه يشوه شوها وشوهة، ويقال: رجل ~~أشوه، وامرأة شوهاء: إذا كانا قبيحين. # (619) والثاني: أن أبي بن خلف أقبل يوم أحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يريده، فاعترض له رجال من PageV02P195 # المؤمنين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخلوا سبيله، وطعنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بحربته، فسقط أبي عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، ~~فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور، فقالوا: إنما هو خدش، فقال: والذي نفسي ~~بيده، لو كان الذي بي بأهل الحجاز لماتوا أجمعون، فمات قبل أن يقدم مكة ~~فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن المسيب عن أبيه. # (620) والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى يوم خيبر بسهم، ~~فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق وهو على فراشه، فنزلت هذه الآية، ~~ذكره أبو سليمان الدمشقي في آخرين. # قوله تعالى: ولكن الله قتلهم اختلفوا في معنى إضافة قتلهم إليه على أربعة ~~أقوال «1» : # أحدها: أنه قتلهم بالملائكة الذين أرسلهم. والثاني: أنه أضاف القتل إليه ~~لأنه تولى نصرهم. والثالث: # لأنه ساقهم إلى المؤمنين، وأمكنهم منهم. والرابع: لأنه ألقى الرعب في ~~قلوبهم. وفي قوله تعالى: # وما رميت إذ رميت ثلاثة أقوال: أحدها: أن المعنى: وما ظفرت أنت ولا أصبت، ~~ولكن الله اظفرك وأيدك، قاله أبو عبيدة. والثاني: وما بلغ رميك كفا من تراب ~~أو حصى أن تملأ عيون ذلك الجيش الكثير، إنما الله تولى ذلك قاله الزجاج. ~~والثالث: وما رميت قلوبهم بالرعب إذ رميت وجوههم بالتراب ذكره ابن ~~الأنباري. # قوله تعالى: وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا أي: لينعم عليهم نعمة عظيمة ~~بالنصر والأجر. # إن الله سميع لدعائهم عليم بنياتهم. قوله تعالى: ms0839 ذلكم قال الزجاج: موضعه ~~رفع PageV02P196 # والمعنى: الأمر ذلكم. وقال غيره: «ذلكم» إشارة إلى القتل والرمي والبلاء ~~الحسن. وأن الله أي: # واعلموا أن الله. والذي ذكرناه في فتح «أن» في قوله تعالى: وأن للكافرين ~~عذاب النار هو مذكور في فتح «أن» هذه. قوله تعالى: موهن قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو «موهن» بفتح الواو وتشديد الهاء منونة «كيد» بالنصب. وقرأ ~~أبن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم «موهن» ساكنة الواو «كيد» ~~بالنصب. وروى حفص عن عاصم «موهن كيد» مضاف. والموهن: # المضعف، والكيد: المكر. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 19 الى # 20] # إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن ~~تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين (19) يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20) # قوله تعالى: إن تستفتحوا، في سبب نزولها خمسة أقوال: # (621) أحدها: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استنصروا الله ~~وسألوه الفتح، فنزلت هذه الآية وهذا المعنى مروي عن أبي بن كعب، وعطاء ~~الخراساني. # (622) والثاني: أن أبا جهل قال: اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك ~~فانصره اليوم، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # (623) والثالث: أن المشركين أخذوا بأستار الكعبة قبل خروجهم إلى بدر، ~~وقالوا اللهم انصر أعلى الجندين وأكرم القبيلتين فنزلت هذه الآية قاله ~~السدي. # (624) والرابع: أن المشركين قالوا: اللهم إنا لا نعرف ما جاء به محمد، ~~فافتح بيننا وبينه بالحق فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. # والخامس: أنهم قالوا بمكة: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم «1» ، فعذبوا يوم بدر، قاله ابن زيد. # فخرج من هذه الأقوال أن في المخاطبين بقوله تعالى: «إن تستفتحوا» قولان: ~~أحدهما: أنهم المؤمنون. والثاني: المشركون وهو الأشهر. PageV02P197 # وفي الاستفتاح قولان: أحدهما: انه الاستنصار قاله ابن عباس، والزجاج في ~~آخرين. فان قلنا: # إنهم المسلمون، كان المعنى: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر بالملائكة وإن ~~قلنا: هم المشركون احتمل ms0840 وجهين. أحدهما: إن تستنصروا فقد جاء النصر عليكم. ~~والثاني: إن تستنصروا لأحب الفريقين إلى الله، فقد جاءكم النصر لأحب ~~الفريقين. # والثاني: أن الاستفتاح: طلب الحكم، والمعنى: إن تسألوا الحكم بينكم وبين ~~المسلمين، فقد جاءكم الحكم وإلى هذا المعنى ذهب عكرمة، ومجاهد، وقتادة. # فأما قوله تعالى: وإن تنتهوا فهو خير لكم فهو خطاب للمشركين على قول ~~الجماعة. وفي معناه قولان: أحدهما: إن تنتهوا عن قتال محمد صلى الله عليه ~~وسلم، والكفر، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: # إن تنتهوا عن استفتاحكم فهو خير لكم لأنه كان عليهم لا لهم، ذكره ~~الماوردي. # وفي قوله تعالى: وإن تعودوا نعد قولان: # أحدهما: وإن تعودا إلى القتال، نعد إلى هزيمتكم، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # والثاني: وإن تعودوا إلى الاستفتاح، نعد إلى الفتح لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، قاله السدي. # قوله تعالى: ولن تغني عنكم فئتكم شيئا أي: جماعتكم وإن كثرت، وأن الله مع ~~المؤمنين بالعون والنصر. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن ~~عاصم: «وإن الله» بكسر الألف. # وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «وأن» بفتح الألف. فمن قرأ بكسر ~~«أن» استأنف. قال الفراء: وهو أحب إلي من فتحها. ومن فتحها، أراد: ولأن ~~الله مع المؤمنين. # قوله: تعالى ولا تولوا عنه فيه قولان: أحدهما: لا تولوا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. والثاني: لا تولوا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأنتم تسمعون ما نزل من القرآن، روي القولان عن ابن عباس. ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 21 الى 22] # ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21) إن شر الدواب عند الله ~~الصم البكم الذين لا يعقلون (22) # قوله تعالى: ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة ~~أقوال «1» : أحدها: # أنها نزلت في بني عبد الدار بن قصي، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: ~~في اليهود، قريظة والنضير. روي عن ابن عباس أيضا. والثالث: في المنافقين، ~~قاله ابن إسحاق، والواقدي، ومقاتل. # وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: ms0841 أنهم قالوا: سمعنا، ولم يتفكروا فيما ~~سمعوا، فكانوا كمن لم يسمع، قاله الزجاج. والثاني: أنهم قالوا: سمعنا سماع ~~من يقبل، وليسوا كذلك، حكي عن مقاتل. # قوله تعالى: إن شر الدواب عند الله الصم البكم اختلفوا فيمن نزلت على ~~قولين «2» : PageV02P198 # أحدهما: أنها نزلت في بني عبد الدار بن قصي، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: في المنافقين، قاله ابن إسحاق، والواقدي. والدواب: اسم كل حيوان ~~يدب وقد بينا في سورة (البقرة) «1» معنى الصم والبكم، ولم سماهم بذلك. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 23] # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23) # قوله تعالى: ولو علم الله فيهم خيرا فيه أربعة أقوال: أحدها: ولو علم ~~فيهم صدقا وإسلاما. # والثاني: لو علم فيهم خيرا في سابق القضاء. والثالث: لو علم أنهم يصلحون. ~~والرابع: لو علم أنهم يصغون. وفي قوله: لأسمعهم ثلاثة أقوال «2» : أحدها: ~~لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه، قاله الزجاج. والثاني: لرزقهم الفهم، قاله ~~أبو سليمان الدمشقي. والثالث: لأسمعهم كلام الموتى يشهدون بنبوتك، حكاه ~~الماوردي. وفي قوله تعالى: وهم معرضون قولان: أحدهما: مكذبون، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. والثاني: وهم معرضون عما أسمعهم لمعاندتهم، قاله الزجاج. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 24] # يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا ~~أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (24) # قوله تعالى: استجيبوا أي: أجيبوا. # قوله تعالى: إذا دعاكم يعني الرسول لما يحييكم وفيه ستة أقوال «3» : ~~أحدها: أن الذي يحييكم: كل ما يدعو الرسول إليه، وهو معنى قول أبي صالح عن ~~ابن عباس. # (625) وفي أفراد البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في ~~المسجد فدعاني PageV02P199 # رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أجبه، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله، ~~إني كنت أصلي، فقال: «ألم يقل الله: # استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم؟» قلت: بلى، ولا أعود إن شاء ~~الله. # والثاني: أنه الحق، رواه شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. والثالث: أنه ~~الإيمان، رواه ورقاء ms0842 عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال السدي. والرابع: ~~أنه اتباع القرآن، قاله قتادة، وابن زيد. # والخامس: أنه الجهاد، قاله ابن إسحاق. وقال ابن قتيبة: هو الجهاد الذي ~~يحيي دينهم ويعليهم. # والسادس: أنه إحياء أمورهم، قاله الفراء. فيخرج في إحيائهم خمسة أقوال: ~~أحدها: أنه إصلاح أمورهم في الدنيا والآخرة. والثاني: بقاء الذكر الجميل ~~لهم في الدنيا، وحياة الأبد في الآخرة. # والثالث: أنه دوام نعيمهم في الآخرة. والرابع: أنه كونهم مؤمنين، لأن ~~الكافر كالميت. والخامس: أنه يحييهم بعد موتهم، وهو على قول من قال: هو ~~الجهاد، لأن الشهداء أحياء، ولأن الجهاد يعزهم بعد ذلهم، فكأنهم صاروا به ~~أحياء. # قوله تعالى: واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وفيه عشرة أقوال «1» : # أحدها: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان، رواه ابن ~~أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. والثاني: يحول بين المؤمن ~~وبين معصيته، وبين الكافر وبين طاعته، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~الضحاك والفراء. والثالث: يحول بين المرء وقلبه حتى لا يتركه يعقل، قاله ~~مجاهد. قال ابن الأنباري: المعنى يحول بين المرء وعقله، فبادروا الأعمال، ~~فانكم لا تأمنون زوال العقول، فتحصلون على ما قدمتم. والرابع: أن المعنى: ~~هو قريب من المرء، لا يخفى عليه شيء من سره، كقوله: ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد «2» ، وهذا معنى قول قتادة. والخامس: # يحول بين المرء وقلبه، فلا يستطيع إيمانا ولا كفرا إلا بإذنه، قاله ~~السدي. والسادس: يحول بين المرء وبين هواه، ذكره ابن قتيبة. والسابع: يحول ~~بين المرء وبين ما يتمنى بقلبه من طول العمر والنصر وغيره. والثامن: يحول ~~بين المرء وقلبه بالموت، فبادروا الأعمال قبل وقوعه. والتاسع: يحول بين ~~المرء وقلبه بعلمه، فلا يضمر العبد شيئا في نفسه إلا والله عالم به، لا ~~يقدر على تغييبه عنه. والعاشر: # يحول بين ما يوقعه في قلبه من خوف أو أمن، فيأمن بعد خوفه، ويخاف بعد ~~أمنه، ذكر معنى هذه الأقوال ابن الأنباري. # وحكى الزجاج أنهم لما فكروا ms0843 في كثرة عدوهم وقلة عددهم، فدخل الخوف ~~قلوبهم، أعلمهم الله تعالى أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدله بالخوف ~~الأمن، ويبدل عدوه بالقوة الضعف، وقد أعلمت PageV02P200 # هذه الآية أن الله تعالى هو المقلب للقلوب، المتصرف فيها. # قوله تعالى: وأنه إليه تحشرون أي: للجزاء على أعمالكم. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 25] # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ~~(25) # قوله تعالى: واتقوا فتنة اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: # (626) أحدها: أنها نزلت في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، قاله ~~ابن عباس، والضحاك. # (627) وقال الزبير بن العوام: لقد قرأناها زمانا، وما نرى أنا من أهلها، ~~فاذا نحن المعنيون بها. # (628) والثاني: أنها نزلت في رجلين من قريش، قاله أبو صالح عن ابن عباس، ~~ولم يسمهما. # (629) والثالث: أنها عامة. قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: في هذه الآية، ~~أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بالعذاب. ~~وقال مجاهد: هذه الآية لكم أيضا. # (630) والرابع: أنها نزلت في علي، وعمار، وطلحة، والزبير، قاله الحسن. ~~وقال السدي: # نزلت في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجمل. # وفي الفتنة ها هنا سبعة أقوال: أحدها: القتال. والثاني: الضلالة. ~~والثالث: السكوت عن إنكار المنكر. والرابع: الاختبار. والخامس: الفتنة ~~بالأموال والأولاد. والسادس: البلاء. والسابع: ظهور البدع. # فأما قوله تعالى: لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة فقال الفراء: أمرهم، ثم ~~نهاهم، وفيه طرف من الجزاء، وإن كان نهيا، كقوله تعالى: يا أيها النمل ~~ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان «1» أمرهم، ثم نهاهم وفيه تأويل الجزاء. ~~وقال الأخفش: «لا تصيبن» ليس بجواب، وإنما هو نهي بعد نهي ولو كان جوابا ما ~~دخلت النون. وذكر ابن الأنباري فيها قولين: # أحدهما: أن الكلام تأويله تأويل الخبر، إذ كان المعنى: إن لا يتقوها، تصب ~~الذين ظلموا، أي: # لا تقع بالظالمين دون غيرهم، لكنها تقع بالصالحين والطالحين فلما ظهر ~~الفعل ظهور النهي، والنهي راجع إلى معنى الأمر، إذ القائل يقول: لا تقم، ~~يريد: دع القيام، ووقع مع هذا ms0844 جوابا للأمر، أو كالجواب له، فأكد له شبه ~~النهي، فدخلت النون المعروف دخولها في النهي وما يضارعه. والثاني: أنها ~~PageV02P201 # نهي محض، معناه: لا يقصدن الظالمون هذه الفتنة، فيهلكوا فدخلت النون ~~لتوكيد الاستقبال، كقوله تعالى: لا يحطمنكم. # وللمفسرين في معنى الكلام قولان: أحدهما: لا تصيبن الفتنة الذين ظلموا. ~~والثاني: لا يصيبن عقاب الفتنة. فان قيل: فما ذنب من لم يظلم؟ فالجواب: أنه ~~بموافقته للأشرار، أو بسكوته عن الإنكار، أو بتركه للفرار، استحق العقوبة. ~~وقد قرأ علي، وابن مسعود، وأبي بن كعب «لتصيبن الذين ظلموا» بغير ألف. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 26] # واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم ~~وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (26) # قوله تعالى: واذكروا إذ أنتم قليل قال ابن عباس: نزلت في المهاجرين خاصة، ~~كانت عدتهم قليلة، وهم مقهورون في أرض مكة، يخافون أن يستلبهم المشركون. ~~وفي المراد بالناس ثلاثة أقوال «1» : أحدهما: أنهم أهل مكة، قاله ابن عباس. ~~والثاني: فارس والروم، قاله وهب بن منبه. # والثالث: أنهم المشركون الذين حضروا بدرا، والمسلمون قليلون يومئذ، قاله ~~قتادة. # قوله تعالى: فآواكم فيه قولان: أحدهما: فآواكم إلى المدينة بالهجرة، قاله ~~ابن عباس، والأكثرون. والثاني: جعل لكم مأوى تسكنون فيه آمنين، ذكره ~~الماوردي. # وفي قوله تعالى: وأيدكم بنصره قولان: أحدهما: قواكم بالملائكة يوم بدر، ~~قاله الجمهور. # والثاني: عضدكم بنصره في بدر وغيرها، قاله أبو سليمان الدمشقي. # وفي قوله تعالى: ورزقكم من الطيبات قولان: أحدهما: أنها الغنائم التي ~~أحلها لهم، قاله السدي. والثاني: أنها الخيرات التي مكنهم منها، ذكره ~~الماوردي. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 27] # يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم ~~تعلمون (27) # قوله تعالى: لا تخونوا الله والرسول اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال ~~«2» : # (631) أحدها: أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر وذاك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، لما حاصر قريظة سألوه أن يصالحهم على ما صالح عليه بني ~~النضير، على أن يسيروا إلى أرض الشام، فأبى أن يعطيهم PageV02P202 # ذلك إلا أن ينزلوا على ms0845 حكم سعد بن معاذ، فأبوا، وقالوا: أرسل إلينا أبا ~~لبابة، وكان مناصحا لهم، لأن ولده وأهله كانوا عندهم، فبعثه إليهم، فقالوا: ~~ما ترى، أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه: إنه ~~الذبح فلا تفعلوا، فأطاعوه، فكانت تلك خيانته قال أبو لبابة: فما زالت ~~قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، ونزلت هذه الآية، هذا قول ابن ~~عباس، والأكثرين. # (632) وروي أن أبا لبابة ربط نفسه بعد نزول هذه الآية إلى سارية من سواري ~~المسجد، وقال: # والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث سبعة ~~أيام كذلك، ثم تاب الله عليه، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاء فحله بيده، فقال أبو لبابة: إن من ~~تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجزئك الثلث» . # (633) والثاني: أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبا ~~سفيان في مكان كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «اخرجوا ~~إليه واكتموا» ، فكتب إليه رجل من المنافقين: إن محمدا يريدكم، فخذوا ~~حذركم، فنزلت هذه الآية، قاله جابر بن عبد الله. # والثالث: أنها نزلت في قتل عثمان بن عفان، قاله المغيرة بن شعبة «1» . # (634) والرابع: أن قوما كانوا يسمعون الحديث من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فيفشونه حتى يبلغ المشركين، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. # وفي خيانة الله قولان: أحدهما: ترك فرائضه. والثاني: معصية رسوله. وفي ~~خيانة الرسول قولان: أحدهما: مخالفته في السر بعد طاعته في الظاهر. ~~والثاني: ترك سنته. وفي المراد بالأمانات ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنها ~~الفرائض، قاله ابن عباس. وفي خيانتها قولان. أحدهما: تنقيصها. # والثاني: تركها. والثاني: أنها الدين، قاله ابن زيد فيكون المعنى: لا ~~تظهروا الإيمان وتبطنوا الكفر. # والثالث: أنها عامة في خيانة كل مؤتمن، ويؤكده نزولها في ما جرى لأبي ~~لبابة. PageV02P203 ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات ms0846 28 الى 29] # واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم (28) يا أيها ~~الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم ~~والله ذو الفضل العظيم (29) # قوله تعالى: واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة # قال ابن عباس: هذا خطاب لأبي لبابة، لأنه كانت له أموال وأولاد عند بني ~~قريظة. فأما الفتنة، فالمراد بها: الابتلاء والامتحان الذي يظهر ما في ~~النفس من اتباع الهوى أو تجنبه وأن الله عنده أجر عظيم # خير من الأموال والأولاد. قوله تعالى: # إن تتقوا الله أي: بترك معصيته، واجتناب الخيانة لله ورسوله. # قوله تعالى: يجعل لكم فرقانا فيه أربعة أقوال «1» : أحدها: أنه المخرج، ~~رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والضحاك، وابن قتيبة، ~~والمعنى: يجعل لكم مخرجا في الدين من الضلال. والثاني: أنه النجاة، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والسدي. والثالث: أنه النصر، رواه ~~الضحاك عن ابن عباس، وبه قال الفراء. والرابع: أنه هدى في قلوبهم يفرقون به ~~بين الحق والباطل، قاله ابن زيد، وابن إسحاق. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 30] # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين (30) # قوله تعالى: وإذ يمكر بك الذين كفروا هذه الآية متعلقة بقوله: واذكروا إذ ~~أنتم قليل «2» فالمعنى: أذكر المؤمنين ما من الله به عليهم، واذكر إذ يمكر ~~بك الذين كفروا. # (الإشارة إلى كيفية مكرهم) (635) قال أهل التفسير: لما بويع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وأمر أصحابه أن يلحقوا بالمدينة، أشفقت ~~قريش أن يعلو أمره، وقالوا: والله لكأنكم به قد كر عليكم بالرجال، فاجتمع ~~جماعة من أشرافهم ليدخلوا دار الندوة فيتشاوروا في أمره، فاعترضهم إبليس في ~~صورة شيخ كبير، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا شيخ من أهل نجد، سمعت ما اجتمعتم ~~له، فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا من رأيي نصحا، فقالوا: ادخل، فدخل معهم، ~~فقالوا: انظروا في أمر هذا الرجل، فقال بعضهم: احبسوه في PageV02P204 # وثاق، وتربصوا به ريب المنون. ms0847 فقال إبليس: ما هذا برأي، يوشك أن يثب ~~أصحابه فيأخذوه من أيديكم. فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم. فقال: ما هذا ~~برأي، يوشك أن يجمع عليكم ثم يسير إليكم. فقال أبو جهل: نأخذ من كل قبيلة ~~غلاما، ثم نعطي كل غلام سيفا فيضربوه به ضربة رجل واحد، فيفرق دمه في ~~القبائل، فلا أظن هذا الحي من قريش يقوى على حرب قريش كلها، فيقبلون العقل ~~ونستريح. فقال إبليس: هذا والله الرأي. فتفرقوا عن ذلك. وأتى جبريل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأخبره بمكر القوم، ~~فلم يبت في مضجعه تلك الليلة، وأمر عليا فبات في مكانه، وبات المشركون ~~يحرسونه، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، أذن له الله في الخروج ~~إلى المدينة، وجاء المشركون لما أصبحوا، فرأوا عليا، فقالوا: أين صاحبك؟ ~~قال: لا أدري، فاقتصوا أثره حتى بلغوا الجبل، فمروا بالغار، فرأوا نسج ~~العنكبوت، فقالوا: لو دخله لم يكن عليه نسج العنكبوت. # فأما قوله تعالى: ليثبتوك فقال ابن قتيبة: معنا: ليحبسوك. يقال: فلان ~~مثبت وجعا: إذا لم يقدر على الحركة. وللمفسرين فيه قولان: أحدهما: ليثبتوك ~~في الوثاق، قاله ابن عباس والحسن في آخرين. والثاني: ليثبتوك في الحبس، ~~قاله عطاء والسدي في آخرين. وكان القوم أرادوا أن يحبسوه في بيت ويسدوا ~~عليه بابه ويلقوا إليه الطعام والشراب، وقد سبق بيان المكر في (آل عمران) ~~«1» . ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 31] # وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا ~~أساطير الأولين (31) # قوله تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا. # (636) ذكر أهل التفسير أن هذه الآيه نزلت في النضر بن الحارث بن علقمة بن ~~كلدة، وأنه لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر قصص القرون الماضية، ~~قال: لو شئت لقلت مثل هذا. # وفي قوله تعالى: قد سمعنا قولان: أحدهما: قد سمعنا منك ولا نطيعك. ~~والثاني: قد سمعنا قبل هذا مثله، وكان النضر يختلف إلى فارس تاجرا فيسمع ~~العباد يقرءون الإنجيل. وقد ms0848 بين التحدي كذب من قال لو نشاء لقلنا مثل هذا. ~~وقد سبق معنى الأساطير في (الأنعام) «2» . ### | [سورة الأنفال (8) : آية 32] # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ~~أو ائتنا بعذاب أليم (32) # قوله تعالى: وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك اختلفوا فيمن ~~نزلت على ثلاثة أقوال: # (637) أحدها: أنها نزلت في النضر أيضا، رواه جماعة عن ابن عباس، وبه قال ~~سعيد بن جبير، PageV02P205 # ومجاهد، وعطاء، والسدي. # (638) والثاني: أنها نزلت في أبي جهل، فهو القائل لهذا قاله أنس بن مالك، ~~وهو مخرج في «الصحيحين» . # والثالث: أنها نزلت في قريش، قالوا هذا ثم ندموا فقالوا: غفرانك اللهم، ~~فأنزل الله: وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون رواه أبو معشر عن يزيد بن ~~رومان، ومحمد بن قيس. # وفي المشار إليه بقوله تعالى: إن كان هذا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~القرآن. والثاني: كل ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر ~~بالتوحيد وغيره. والثالث: أنه إكرام محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة من ~~بين قريش. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 33] # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33) # قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم في المشار إليه قولان: ~~أحدهما: أهل مكة. # وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: وما كان الله ليعذبهم وأنت مقيم بين ~~أظهرهم. قال ابن عباس: لم تعذب قرية حتى يخرج نبيها والمؤمنون معه. ~~والثاني: وما كان الله ليعذبهم وأنت حي قاله أبو سليمان. والثاني: أن ~~المشار إليهم المؤمنون، والمعنى: وما كان الله ليعذب المؤمنين بضرب من ~~العذاب الذي أهلك به من قبلهم وأنت حي ذكره أبو سليمان الدمشقي. # فصل: قال الحسن، وعكرمة: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: وما لهم ألا ~~يعذبهم الله، وفيه بعد، لأن النسخ لا يدخل على الأخبار. # (639) وقال ابن أبزى: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فأنزل الله عز ~~وجل: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم فخرج إلى المدينة، فأنزل الله: وما ~~كان ms0849 الله معذبهم وهم يستغفرون. وكان أولئك البقية من المسلمين بمكة ~~يستغفرون! فلما خرجوا أنزل الله: وما لهم ألا يعذبهم الله. وجميع أقوال ~~المفسرين تدل على أن قوله تعالى: وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون، كلام ~~مبتدأ من إخبار الله عز وجل. وقد روي عن محمد بن إسحاق أنه قال: هذه الآية ~~من قول المشركين، قالوا: والله إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفر، فرد الله ~~تعالى عليهم ذلك بقوله: وما لهم ألا يعذبهم الله. # قوله تعالى: وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وفي معنى هذا الكلام خمسة ~~أقوال «1» : PageV02P206 # أحدها: وما كان الله معذب المشركين، وفيهم من قد سبق له أن يؤمن رواه ابن ~~أبي طلحة عن ابن عباس، واختاره الزجاج. والثاني: وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون الله، فانهم كانوا يلبون ويقولون: غفرانك وهذا مروي عن ابن عباس ~~أيضا، وفيه ضعف، لأن استغفار المشرك لا أثر له في القبول. والثالث: وما كان ~~الله معذبهم، يعني المشركين، وهم- يعني المؤمنين الذين بينهم- يستغفرون روي ~~عن ابن عباس أيضا، وبه قال الضحاك، وابن مالك. قال ابن الأنباري: وصفوا ~~بصفة بعضهم، لأن المؤمنين بين أظهرهم، فأوقع العموم على الخصوص، كما يقال: ~~قتل أهل المسجد رجلا، وأخذ أهل البصرة فلانا، ولعله لم يفعل ذلك إلا رجل ~~واحد. والرابع: وما كان الله معذبهم وفي أصلابهم من يستغفر الله، قاله ~~مجاهد. قال ابن الأنباري: فيكون معنى تعذيبهم: إهلاكهم فالمعنى: # وما كان الله مهلكهم، وقد سبق في علمه أنه يكون لهم أولاد يؤمنون به ~~ويستغفرونه فوصفهم بصفة ذراريهم، وغلبوا عليهم كما غلب بعضهم على كلهم في ~~الجواب الذي قبله. والخامس: أن المعنى لو استغفروا لما عذبهم الله، ولكنهم ~~لم يستغفروا فاستحقوا العذاب وهذا كما تقول العرب: ما كنت لأهينك وأنت ~~تكرمني يريدون: ما كنت لأهينك لو أكرمتني، فأما إذ لست تكرمني، فانك مستحق ~~لإهانتي، وإلى هذا القول ذهب قتادة والسدي. قال ابن الأنباري: وهو اختيار ~~اللغويين. وذكر المفسرون في معنى هذا الاستغفار ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~الاستغفار المعروف وقد ذكرناه ms0850 عن ابن عباس. والثاني: أنه بمعنى الصلاة، ~~رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، ومنصور عن مجاهد، وبه قال الضحاك. والثالث: ~~أنه بمعنى الإسلام رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال عكرمة. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 34] # وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه ~~إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون (34) # قوله تعالى: وما لهم ألا يعذبهم الله هذه الآية أجازت تعذيبهم، والأولى ~~نفت ذلك. وهل المراد بهذا: العذاب الاول، أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه هو ~~الأول، إلا أن الأول امتنع بشيئين: # أحدهما: كون النبي صلى الله عليه وسلم فيهم. والثاني: كون المؤمنين ~~المستغفرين بينهم فلما وقع التمييز بالهجرة، وقع العذاب بالباقين يوم بدر، ~~وقيل: بل وقع بفتح مكة. والثاني: أنهما مختلفان، وفي ذلك قولان: # PageV02P207 # أحدهما: أن العذاب الثاني قتل بعضهم يوم بدر، والأول استئصال الكل، فلم ~~يقع الأول لما قد علم من إيمان بعضهم، وإسلام بعض ذراريهم، ووقع الثاني. ~~والثاني: أن العذاب الأول عذاب الدنيا. والثاني: # عذاب الآخرة، قاله ابن عباس، فيكون المعنى: وما كان الله معذب المشركين ~~لاستغفارهم في الدنيا، وما لهم ألا يعذبهم الله في الآخرة. # قوله تعالى: وهم يصدون قال الزجاج: المعنى وهم يصدون عن المسجد الحرام ~~أولياءه. وفي هاء الكناية في قوله تعالى: وما كانوا أولياءه قولان: أحدهما: ~~أنها ترجع إلى «المسجد الحرام» ، وهو قول الجمهور. قال الحسن: إن المشركين ~~قالوا: نحن أولياء المسجد الحرام، فرد الله عليهم بهذا. والثاني: أنها تعود ~~إلى الله عز وجل، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: إن أولياؤه أي: ما أولياؤه إلا المتقون للشرك والمعاصي، ولكن ~~أكثر أهل مكة لا يعلمون من الأولى ببيت الله. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 35] # وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ~~(35) # قوله تعالى: وما كان صلاتهم عند البيت. # (640) سبب نزولها أنهم كانوا يطوفون بالبيت ويصفقون ويصفرون ويضعون ~~خدودهم بالأرض، فنزلت هذه الآية قاله ابن عمر. # فأما المكاء، ففيه قولان: أحدهما: ms0851 أنه الصفير، قاله ابن عمر وابن عباس ~~وابن جبير وقتادة وأبو عبيدة والزجاج وابن قتيبة. قال ابن فارس: يقال: مكا ~~الطائر يمكو مكاء: إذا صفر، ويقال: مكيت يده تمكى مكى، مقصور، أي: غلظت ~~وخشنت، ويقال: تمكى: إذا توضأ. وأنشدوا: # كالمتمكي بدم القتيل «1» # وسئل أبو سلمة بن عبد الرحمن عن المكاء، فجمع كفيه، وجعل يصفر فيهما. ~~والثاني: أنه إدخال أصابعهم في أفواههم يخلطون به وبالتصدية على محمد صلى ~~الله عليه وسلم صلاته، قاله مجاهد. قال ابن الأنباري: أهل اللغة ينكرون أن ~~يكون المكاء إدخال الأصابع في الأفواه، وقالوا: لا يكون إلا الصفير. # وفي التصدية قولان: أحدهما: أنها التصفيق، قاله ابن عمر، وابن عباس، ~~والحسن، ومجاهد، وقتادة، والجمهور. قال ابن قتيبة: يقال صدى: إذا صفق ~~بيديه. قال الراجز: # ضنت بخد وجلت عن خد ... وأنا من غرو الهوى أصدي «2» # الغرو: العجب، يقال: لا غرو من كذا، أي: لا عجب. والثاني: أن التصدية: ~~صدهم الناس عن البيت الحرام، قاله سعيد بن جبير: وقال ابن زيد: وهو صدهم عن ~~سبيل الله ودينه. PageV02P208 # (641) وزعم مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى في المسجد ~~الحرام، قام رجلان من المشركين من بني عبد الدار عن يمينه فيصفران، ورجلان ~~عن يساره فيصفقان، فتختلط على النبي صلى الله عليه وسلم صلاته وقراءته، ~~فقتلهم الله ببدر، فذلك قوله تعالى: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون بتوحيد ~~الله. # فان قيل: كيف سمى المكاء والتصدية صلاة؟ فعنه جوابان ذكرهما ابن ~~الأنباري: # أحدهما: أنهم جعلوا ذلك مكان الصلاة، ومشهور في كلام العرب أن يقول ~~الرجل: زرت عبد الله، فجعل جفائي صلتي، أي: أقام الجفاء مقام الصلة، قال ~~الشاعر: # قلت اطعمني عميم تمرا ... فكان تمري كهرة وزبرا # أي: أقام الصياح علي مقام التمر. والثاني: أن من كان المكاء والتصدية ~~صلاته فلا صلاة له، كما تقول العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء، يريدون: من ~~السخاء عيبه فلا عيب له، قال الشاعر: # فتى كملت خيراته غير أنه ... جواد فلا يبقي من المال باقيا «1» ### | ### | [سورة الأنفال ms0852 (8) : آية # 36] # إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون ~~عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (36) # قوله تعالى: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله اختلفوا ~~فيمن نزلت على ثلاثة أقوال «2» : # (642) أحدها: أنها نزلت في المطعمين ببدر، وكانوا اثني عشر رجلا يطعمون ~~الناس الطعام، كل رجل يطعم يوما، وهم: عتبة وشيبة، ومنبه ونبيه ابنا ~~الحجاج، وأبو البختري، والنضر بن الحارث، وأبو جهل وأخوه الحارث، وحكيم بن ~~حزام وأبي بن خلف، وزمعة بن الأسود، والحارث بن عامر بن نوفل، هذا قول أبي ~~صالح عن ابن عباس. # (643) والثاني: أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب، استأجر يوم أحد ألفين من ~~الأحابيش لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى من استجاش من العرب، قاله ~~سعيد بن جبير. PageV02P209 # (644) وقال مجاهد: نزلت في نفقة أبي سفيان على الكفار يوم أحد. # (645) والثالث: أنها نزلت في أهل بدر، وبه قال الضحاك. فأما سبيل الله، ~~فهو دين الله. # قوله تعالى: ثم تكون عليهم حسرة أي تكون عاقبة نفقتهم ندامة لأنهم لم ~~يظفروا. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 37] # ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ~~فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون (37) # قوله تعالى: ليميز الله الخبيث من الطيب قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، ~~وأبو عمرو، وابن عامر «ليميز» خفيفة. وقرأ حمزة، والكسائي «ليميز» بالتشديد ~~وهما لغتان: مزته وميزته. وفي لام «ليميز» قولان: أحدهما: أنها متعلقة ~~بقوله تعالى: فسينفقونها، قاله ابن الأنباري. والثاني: أنها متعلقة بقوله: ~~إلى جهنم يحشرون، قاله ابن جرير الطبري. # وفي معنى الآية ثلاثة أقوال: أحدها: ليميز أهل السعادة من أهل الشقاء، ~~رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال السدي، ومقاتل: يميز المؤمن من ~~الكافر. والثاني: ليميز العمل الطيب من العمل الخبيث، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. والثالث: ليميز الإنفاق الطيب في سبيله، من الانفاق الخبيث في سبيل ~~الشيطان، قاله ابن زيد، والزجاج. # قوله تعالى: ويجعل الخبيث بعضه على بعض أي: ms0853 يجمع بعضه فوق بعض، وهو قوله ~~تعالى: فيركمه. قال الزجاج: الركم: أن يجعل بعض الشيء على بعض، يقال: ركمت ~~الشيء أركمه ركما والركام: الاسم فمن قال: المراد بالخبيث: الكفار، فانهم ~~في النار بعضهم على بعض ومن قال: أموالهم، فله في ذلك قولان: أحدهما: أنها ~~ألقيت في النار ليعذب بها أربابها، كما قال تعالى: فتكوى بها جباههم. ~~والثاني: أنهم لما عظموها في الدنيا، أراهم هوانها بالقائها في النار كما ~~تلقى الشمس والقمر في النار، ليرى من عبدهما ذلهما. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 38] # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت ~~الأولين (38) # قوله تعالى: قل للذين كفروا نزلت في أبي سفيان وأصحابه، قاله أبو صالح عن ~~ابن عباس. وفي معنى الآية قولان: أحدهما: إن ينتهوا عن المحاربة يغفر لهم ~~ما قد سلف من حربهم، فلا يؤاخذون به، وإن يعودوا إلى المحاربة، فقد مضت سنة ~~الأولين في نصر الله أولياءه، وقيل: في قتل من قتل يوم بدر وأسر. والثاني: ~~إن ينتهوا عن الكفر يغفر لهم ما قد سلف من الإثم وإن يعودوا إليه، فقد مضت ~~سنة الأولين من الأمم السالفة حين أخذوا بالعذاب المستأصل. قال يحيى بن ~~معاذ في هذه الآية: إن توحيدا لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر، لا يعجز عن ~~هدم ما بعده من ذنب. PageV02P210 ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 39] # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما ~~يعملون بصير (39) # قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أي: شرك. وقال الزجاج: حتى لا ~~يفتن الناس فتنة كفر ويدل عليه قوله تعالى: ويكون الدين كله لله. # قوله تعالى: فإن انتهوا أي: عن الكفر والقتال فإن الله بما يعملون بصير ~~وقرأ يعقوب إلا روحا «بما تعملون» بالتاء. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 40] # وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير (40) # قوله تعالى: وإن تولوا أي: أعرضوا عن الإيمان وعادوا إلى القتال فاعلموا ~~أن الله مولاكم أي وليكم وناصركم. قال ابن ms0854 قتيبة: نعم المولى أي نعم الولي ~~ونعم النصير أي: الناصر، مثل قدير وقادر، وسميع وسامع. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 41] # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير (41) # قوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شيء اختلفوا، هل الغنيمة والفيء بمعنى ~~واحد، أم يختلفان؟ # على قولين: أحدهما: أنهما يختلفان، ثم في ذلك قولان: أحدهما: أن الغنيمة: ~~ما ظهر عليه من أموال المشركين، والفيء: ما ظهر عليه من الأرضين، قاله عطاء ~~بن السائب. والثاني: أن الغنيمة: ما أخذ عنوة، والفيء: ما أخذ عن صلح، قاله ~~سفيان الثوري. وقيل: بل الفيء: ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، كالعشور ~~والجزية، وأموال المهادنة والصلح، وما هربوا عنه. والثاني: أنهما واحد، ~~وهما كل ما نيل من المشركين، ذكره الماوردي: وقال الزجاج: الأموال ثلاثة ~~أصناف فما صار إلى المسلمين من المشركين في حال الحرب، فقد سماه الله ~~تعالى: أنفالا وغنائم وما صار من المشركين من خراج أو جزية مما لم يؤخذ في ~~الحرب، فقد سماه: فيئا، وما خرج من أموال المسلمين، كالزكاة، والنذر، ~~والقرب، سماه: صدقة. وأما قوله تعالى: من شيء فالمراد به: كل ما وقع عليه ~~اسم شيء. قال مجاهد: المخيط من الشيء. # قوله تعالى: فأن لله خمسه وروى عبد الوارث: «خمسه» بسكون الميم. وفي ~~المراد بالكلام قولان: أحدهما: أن نصيب الله مستحق يصرف إلى بيته. # (646) قال أبو العالية: كان يجاء بالغنيمة فيقسمها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على خمسة أسهم، فيقسم أربعة PageV02P211 # بين الناس ثم يجعل من السهم الخامس للكعبة وهذا مما انفرد به أبو العالية ~~فيما يقال. # والثاني: أن ذكر الله ها هنا لأحد وجهين: أحدهما: لأنه المتحكم فيه، ~~والمالك له، والمعنى: # فان للرسول خمسة ولذي القربى كقوله تعالى: يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال ~~لله والرسول. والثاني: # أن يكون المعنى: إن الخمس مصروف في وجوه القرب إلى الله تعالى، ms0855 وهذا قول ~~الجمهور. فعلى هذا تكون الواو زائدة، كقوله تعالى: فلما أسلما وتله للجبين ~~(103) وناديناه، المعنى: ناديناه ومثله كثير. # فصل: أجمع العلماء على أن أربعة أخماس الغنيمة لأهل الحرب خاصة فأما ~~الخمس الخامس، فكيف يقسم؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يقسم منه لله وللرسول ~~ولمن ذكر في الآية. وقد ذكرنا أن هذا مما انفرد به أبو العالية، وهو يقتضي ~~أن يقسم على ستة أسهم. والثاني: أنه مقسوم على خمسة أسهم: سهم للرسول، وسهم ~~لذوي القربى، وسهم لليتامى وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، على ظاهر ~~الآية، وبه قال الجمهور. والثالث: أنه يقسم على أربعة أسهم. فسهم الله عز ~~وجل وسهم رسوله عائد على ذوي القربى. # (647) لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يأخذ منه شيئا، وهذا ~~المعنى رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # فصل: فأما سهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فانه كان يصنع فيه ما بينا. ~~وهل سقط بموته، أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: لم يسقط بموته، وبه قال أحمد والشافعي في آخرين. وفيما يصنع به ~~قولان: أحدهما: أنه للخليفة بعده، قاله قتادة. والثاني: أنه يصرف في ~~المصالح، وبه قال أحمد والشافعي. والثاني: أنه يسقط بموته كما يسقط الصفي، ~~فيرجع إلى جملة الغنيمة، وبه قال أبو حنيفة. وأما ذوو القربى، ففيهم ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنهم جميع قريش. قال ابن عباس: كنا نقول: نحن هم فأبى علينا ~~قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى. والثاني: بنو هاشم وبنو المطلب، وبه ~~قال أحمد والشافعي. والثالث: # أنهم بنو هاشم فقط، قاله أبو حنيفة. وبماذا يستحقون؟ فيه قولان: أحدهما: ~~بالقرابة وإن كانوا أغنياء، وبه قال أحمد والشافعي. والثاني: بالفقر لا ~~بالاسم، وبه قال أبو حنيفة. وقد سبق في البقرة «1» معنى اليتامى والمساكين ~~وابن السبيل. وينبغي أن تعتبر في اليتيم أربعة أوصاف: موت الأب وإن كانت ~~الأم باقية. والصغر. لقوله عليه السلام: # (648) «لا يتم بعد حلم» ، والإسلام لأنه مال للمسلمين. والحاجة لأنه معد ~~للمصالح. PageV02P212 # قوله تعالى: وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان هو يوم ms0856 بدر، فرق فيه بين ~~الحق والباطل بنصر المؤمنين. والذي أنزل عليه يومئذ قوله تعالى: يسئلونك عن ~~الأنفال نزلت حين اختلفوا فيها. # فالمعنى: إن كنتم آمنتم بذلك، فاصدروا عن أمر الرسول في هذا أيضا. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 42] # إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم ~~لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ~~ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42) # قوله تعالى: إذ أنتم بالعدوة الدنيا قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «بالعدوة» ~~و «العدوة» العين فيهما مكسورة. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: بضم العين فيهما. قال الأخفش: لم يسمع من العرب إلا الكسر. وقال ~~ثعلب: بل الضم أكثر اللغتين. قال ابن السكيت: # عدوة الوادي وعدوته: جانبه والجمع: عدى وعدى. والدنيا: تأنيث الأدنى ~~وضدها: القصوى وهي تأنيث الأقصى وما كان من النعوت على «فعلى» من ذوات ~~الواو، فان العرب تحوله إلى الياء، نحو: الدنيا، من: دنوت والعليا، من: ~~علوت لأنهم يستثقلون الواو مع ضم الأول، وليس في هذا اختلاف، إلا أن أهل ~~الحجاز قالوا: القصوى، فأظهروا الواو، وهو نادر وغيرهم يقول: القصيا. قال ~~المفسرون: إذ أنتم بشفير الوادي الأدنى من المدينة، وعدوكم بشفيره الأقصى ~~إلى مكة، وكان الجمعان قد نزلا وادي بدر على هذه الصفة، والركب: أبو سفيان ~~وأصحابه. قال الزجاج: من نصب «أسفل» اراد: والركب مكانا أسفل منكم، ويجوز ~~الرفع على معنى: والركب أشد تسفلا منكم. قال قتادة كان المسلمون أعلى ~~الوادي، والمشركون أسفله. # وفي قوله: ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد قولان: أحدهما: لو تواعدتم، ~~ثم بلغكم كثرتهم، لتأخرتم عن الميعاد، قاله ابن اسحاق. والثاني: لو تواعدتم ~~على الاجتماع في المكان الذي اجتمعتم فيه من عدوتي وادي بدر لاختلفتم في ~~الميعاد، قاله أبو سليمان. وقال الماوردي: كانت تقع الزيادة والنقصان، أو ~~التقدم والتأخر من غير قصد لذلك. قوله تعالى: ولكن ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا وهو إعزاز الإسلام وإذلال الشرك. # قوله تعالى: ليهلك من هلك عن ms0857 بينة. وروى خلف عن يحيى: «ليهلك» بضم الياء ~~وفتح اللام. قوله تعالى: ويحيى من حي عن بينة قرأ أبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي: «من حي» بياء واحدة مشددة، وهذه رواية حفص عن عاصم، وقنبل ~~عن ابن كثير. وروى شبل عن ابن كثير، وابو بكر عن عاصم: «حيي» بياءين الأولى ~~مكسورة، والثانية مفتوحة، وهي قراءة نافع. فمن قرأ PageV02P213 # بياءين، بين ولم يدغم. ومن أدغم ياء «حيي» فلاجتماع حرفين من جنس واحد. ~~وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: ليقتل من قتل من المشركين عن حجة، ويبقى من ~~بقي منهم عن حجة. والثاني: # ليكفر من كفر بعد حجة، ويؤمن من آمن عن حجة. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 43] # إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في ~~الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43) # قوله تعالى: إذ يريكهم الله في منامك قليلا فيه قولان: # (649) أحدهما: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم رأى عسكر المشركين في ~~المنام قبل لقائهم في قلة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال مجاهد: لما أخبر ~~أصحابه بأنه رآهم في المنام قليلا، كان ذلك تثبيتا لهم. # قال أبو سليمان الدمشقي: والكلام متعلق بما قبله، فالمعنى: وإن الله ~~لسميع لما يقوله أصحابك، عليم بما يضمرونه، إذ حدثتهم بما رأيت في منامك. # والثاني: إذ يريكهم الله بعينك التي تنام بها، قاله الحسن «1» . قال ~~الزجاج: وكثير من النحويين يذهبون إلى هذا المذهب. ومعناه عندهم: إذ يريكهم ~~الله في موضع منامك، أي: بعينك ثم حذف الموضع، واقام المنام مقامه. # قوله تعالى: لفشلتم أي: لجبنتم وتأخرتم عن حربهم. وقال مجاهد: لفشل ~~أصحابك، ولرأوا ذلك في وجهك. قوله تعالى: ولتنازعتم في الأمر أي: لاختلفتم ~~في حربهم، فكان ذلك من دواعي هزيمتكم، ولكن الله سلم من المخالفة والفشل. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 44] # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله ~~أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (44) # قوله تعالى: وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا قال مقاتل: صدق ~~الله ms0858 رؤيا رسوله التي أخبر بها المؤمنين عن قلة عدوهم قبل لقائهم، بأن ~~قللهم وقت اللقاء في أعينهم. وقال ابن مسعود: لقد قلوا في أعيننا، حتى قلت ~~لرجل إلى جانبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة حتى أخذنا رجلا منهم، ~~فسألناه، فقال: كنا ألفا. قال أبو صالح عن ابن عباس: استقل المسلمون ~~المشركين، والمشركون المسلمين، فاجترأ بعضهم على بعض. فإن قيل: ما فائدة ~~تكرير الرؤية ها هنا. وقد ذكرت في قوله تعالى: إذ يريكهم الله؟ فعنه ~~جوابان: أحدهما: أن الأولى كانت في المنام، والثانية في اليقظة. # والثاني: أن الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، والثانية له ~~ولأصحابه. فان قيل: تكثير المؤمنين في أعين الكافرين PageV02P214 # أولى، لمكان إعزازهم. فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنهم لو كثروا في أعينهم، ~~لم يقدموا عليهم، فلم يكن قتال، والقتال سبب النصر، فقللهم لذلك. والثاني: ~~أنه قللهم لئلا يتأهب المشركون كل التأهب فاذا تحقق القتال، وجدهم المسلمون ~~غير مستعدين، فظفروا بهم. والثالث: أنه قللهم ليحمل الأعداء عليهم في ~~كثرتهم، فيغلبهم المسلمون، فيكون ذلك آية للمشركين ومنبها على نصرة الحق. ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 45 الى 46] # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون (45) وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ~~إن الله مع الصابرين (46) # قوله تعالى: إذا لقيتم فئة فاثبتوا الفئة: الجماعة. واذكروا الله كثيرا ~~فيه قولان: # أحدهما: أنه الدعاء والنصر. والثاني: ذكر الله على الإطلاق. # قوله تعالى: ولا تنازعوا فتفشلوا قد سبق ذكر التنازع والفشل آنفا. # قوله تعالى: وتذهب ريحكم وروى أبان: «ويذهب» بالياء والجزم. وفيه أربعة ~~أقوال: # أحدها: تذهب شدتكم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال السدي: حدتكم وجدكم. ~~وقال الزجاج: صولتكم وقوتكم. والثاني: يذهب نصركم، قاله مجاهد، وقتادة. ~~والثالث: تتقطع دولتكم، قاله أبو عبيدة. وقال ابن قتيبة: يقال: هبت له ريح ~~النصر: إذا كانت له الدولة. ويقال: له الريح اليوم: # أي الدولة. والرابع: أنها ريح حقيقة، ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها ~~الله فتضرب وجوه العدو ومنه ms0859 قوله عليه السلام: # (650) «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» وهذا قول ابن زيد، ومقاتل. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 47] # ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله ~~والله بما يعملون محيط (47) # قوله تعالى: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا. # (651) قال المفسرون: هم أبو جهل ومن خرج معه من مكة، خرجوا ليدفعوا عن ~~عيرهم التي كانت مع أبي سفيان، ومعهم القيان والمعازف، وهم يشربون الخمور. ~~فلما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز ما معه، كتب إليهم: إني قد أحرزت أموالكم ~~فارجعوا. فقال أبو جهل: والله لا نفعل حتى نرد بدرا فنقيم ثلاثا، وننحر ~~الجزر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمور، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابونا. ~~PageV02P215 # فساروا إلى بدر، فكانت الوقعة فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت ~~عليهم النوائح مكان القيان. فأما البطر فهو الطغيان في النعم، وترك شكرها. ~~والرياء: العمل من أجل رؤية الناس. وسبيل الله هاهنا: دينه. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 48] # وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار ~~لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ~~ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48) # قوله تعالى: وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم. # (652) قال عروة بن الزبير: لما أجمعت قريش المسير إلى بدر، ذكروا ما ~~بينهم وبين كنانة من الحرب، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك ~~المدلجي، وكان من اشراف بني كنانة، فقال لهم: # لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشيء ~~تكرهونه، فخرجوا سراعا. وفي المراد بأعمالهم ها هنا ثلاثة أقوال: # أحدها: شركهم. والثاني: مسيرهم إلى بدر. والثالث: قتالهم لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # قوله تعالى: فلما تراءت الفئتان أي: صارتا بحيث رأت إحداهما الأخرى. وفي ~~المراد بالفئتين قولان: أحدهما: فئة المسلمين، وفئة المشركين، وهو قول ~~الجمهور. والثاني: فئة المسلمين، وفئة الملائكة، ذكره الماوردي. قوله ~~تعالى: نكص على عقبيه قال أبو عبيدة: رجع من حيث جاء. ms0860 وقال ابن قتيبة: رجع ~~القهقري. قال ابن السائب: كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة، آخذا ~~بيد الحارث بن هشام فرأى الملائكة فنكص على عقبيه، فقال له الحارث: أفرارا ~~من غير قتال؟ فقال: # إني أرى ما لا ترون، فلما هزم المشركون، قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغه ~~ذلك، فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم. قال قتادة: صدق عدو ~~الله في قوله: إني أرى ما لا ترون، ذكر لنا أنه رأى جبريل ومعه الملائكة، ~~فعلم أنه لا يد له بالملائكة، وكذب عدو الله في قوله: إني أخاف الله، والله ~~ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له بهم. وقال عطاء: معناه: إني أخاف ~~الله أن يهلكني. وقال ابن الانباري: لما رأى نزول الملائكة، خاف أن تكون ~~القيامة فيكون انتهاء إنظاره فيقع به العذاب. ومعنى «نكص» رجع هاربا بخزي ~~وذل. واختلفوا في قوله تعالى: والله شديد العقاب هل هو ابتداء كلام أو تمام ~~الحكاية عن إبليس، على قولين. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 49] # إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على ~~الله فإن الله عزيز حكيم (49) # قوله تعالى: إذ يقول المنافقون قال ابن عباس: هم قوم من أهل المدينة من ~~الأوس PageV02P216 # والخزرج. فأما الذين في قلوبهم مرض، ففيهم ثلاثة أقوال: # (653) أحدها: أنهم قوم كانوا قد تكلموا بالإسلام بمكة فأخرجهم المشركون ~~معهم يوم بدر كرها فلما رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين ارتابوا ونافقوا ~~وقالوا: غر هؤلاء دينهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وإليه ذهب الشعبي في ~~آخرين. وعدهم مقاتل فقال: كانوا سبعة: قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس ~~بن الفاكه بن المغيرة والحارث بن زمعة وعلي بن أمية بن خلف والعاص بن منبه ~~بن الحجاج والوليد بن الوليد بن المغيرة والوليد بن عتبة بن ربيعة. # والثاني: أنهم المشركون، لما رأوا قلة المسلمين، قالوا: غر هؤلاء دينهم، ~~رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن. والثالث: أنهم قوم مرتابون، ~~لم يظهروا عداوة النبي ms0861 صلى الله عليه وسلم، ذكره الماوردي. والمرض ها هنا: ~~الشك، والإشارة بقوله تعالى: «هؤلاء» إلى المسلمين وإنما قالوا هذا، لأنهم ~~رأوا قلة المسلمين، فلم يشكوا في أن قريشا تغلبهم. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 50] # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا ~~عذاب الحريق (50) # قوله تعالى: ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة قرأ الجمهور «يتوفى» ~~بالياء. وقرأ ابن عامر «تتوفى» بتاءين. قال المفسرون: نزلت في الرهط الذين ~~قالوا: «غر هؤلاء دينهم» . وفي المراد بالملائكة ثلاثة أقوال: أحدها: ملك ~~الموت وحده، قاله مقاتل. والثاني: ملائكة العذاب، قاله أبو سليمان الدمشقي. ~~والثالث: الملائكة الذين قاتلوا يوم بدر، ذكره الماوردي. وفي قوله تعالى: # يضربون وجوههم وأدبارهم أربعة أقوال: أحدها: يضربون وجوههم ببدر لما ~~قاتلوا، وأدبارهم لما انهزموا. والثاني: أنهم جاءوهم من بين أيديهم ومن ~~خلفهم، فالذين أمامهم ضربوا وجوههم، والذين وراءهم ضربوا أدبارهم. والثالث: ~~يضربون وجوههم يوم القيامة إذ لقوهم، وأدبارهم إذا ساقوهم إلى النار. ~~والرابع: أنهم يضربون وجوههم وأدبارهم عند الموت بسياط من نار. وهل المراد ~~نفس الوجوه والأدبار، أم المراد ما أقبل من أبدانهم وأدبر؟ فيه قولان. # وفي قوله تعالى وذوقوا عذاب الحريق قولان: # أحدهما: أنه في الدنيا وفيه إضمار «يقولون» ، فالمعنى: يضربون ويقولون، ~~كقوله تعالى. وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا «1» أي: ~~ويقولان. قال النابغة: # كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن «2» PageV02P217 # والمعنى: كأنك جمل من جمال بني أقيش، هذا قول الفراء وأبي عبيدة. # والثاني: أن الضرب لهم في الدنيا، فاذا وردوا يوم القيامة إلى النار، قال ~~خزنتها: ذوقوا عذاب الحريق، هذا قول مقاتل. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 51] # ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (51) # قوله تعالى: ذلك بما قدمت أيديكم أي: بما كسبتم من قبائح أعمالكم. وأن ~~الله ليس بظلام للعبيد لا يظلم عباده بعقوبتهم على الكفر، وإن كان كفرهم ~~بقضائه، لأنه مالك، فله التصرف في ملكه كما شاء فيستحيل نسبة الظلم إليه. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 52] # كدأب آل فرعون والذين ms0862 من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن ~~الله قوي شديد العقاب (52) # قوله تعالى: كدأب آل فرعون أي: كعادتهم: والمعنى: كذب هؤلاء كما كذب ~~أولئك، فنزل بهم العذاب كما نزل بأولئك. قال ابن عباس: أيقن آل فرعون أن ~~موسى نبي الله وكذبوه، فكذلك هؤلاء في حق محمد صلى الله عليه وسلم. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 53] # ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن ~~الله سميع عليم (53) # قوله تعالى: ذلك بأن الله أي: ذلك الأخذ والعقاب بأن الله لم يك مغيرا ~~نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا بالكفران وترك الشكر. قال مقاتل: والمراد ~~بالقوم ها هنا أهل مكة، أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ثم بعث فيهم محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، فلم يعرفوا المنعم عليهم، فغير الله ما بهم. وقال السدي: # كذبوا بمحمد فنقله الله إلى الأنصار. قال أبو سليمان الخطابي: والقوي ~~يكون بمعنى القادر، فمن قوي على شيء فقد قدر عليه، وقد يكون معناه: التام ~~القوة الذي لا يستولي عليه العجز في حال، والمخلوق وإن وصف بالقوة فقوته ~~متناهية وعن بعض الأمور قاصرة. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 54] # كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم ~~وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (54) # قوله تعالى: كدأب آل فرعون والذين من قبلهم أي: كذب أهل مكة بمحمد ~~والقرآن، كما كذب آل فرعون بموسى والتوراة، وكذب من قبلهم بأنبيائهم. قال ~~مكي بن أبي طالب: الكاف من «كدأب» في موضع نصب، نعت لمحذوف تقديره: غيرنا ~~بهم لما غيروا تغييرا مثل عادتنا في آل فرعون، ومثلها الآية الأولى، إلا أن ~~الأولى للعادة في العذاب تقديره: فعلنا بهم ذلك فعلا مثل عادتنا في آل ~~فرعون. # قوله تعالى: فأهلكناهم يعني الأمم المتقدمة، بعضهم بالرجفة، وبعضهم ~~بالريح، فكذلك أهلكنا كفار مكة ببدر. وقال بعضهم: يعني بقوله: «فأهلكناهم» ~~الذين أهلكوا ببدر. # PageV02P218 ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 55] # إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) # قوله تعالى: إن شر الدواب ms0863 عند الله الذين كفروا قال أبو صالح عن ابن ~~عباس: نزلت في بني قريظة من اليهود، منهم كعب بن الأشرف وأصحابه. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 56] # الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56) # قوله تعالى: الذين عاهدت منهم في «من» أربعة أقوال: أحدها: أنها صلة ~~والمعنى: الذين عاهدتهم. والثاني: أنها للتبعيض، فالمعنى: إن شر الدواب ~~الكفار. وشرهم الذين عاهدت ونقضوا. # والثالث: أنها بمعنى «مع» والمعنى: عاهدت معهم. والرابع: أنها دخلت، لأن ~~العهد أخذ منهم. قوله تعالى: ثم ينقضون عهدهم في كل مرة أي: كلما عاهدتهم ~~نقضوا. # وفي قوله تعالى: وهم لا يتقون قولان: أحدهما: لا يتقون نقض العهد. ~~والثاني: لا يتقون الله في نقض العهد. قال المفسرون: # (654) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عاهد يهود قريظة أن لا ~~يحاربوه ولا يعاونوا عليه، فنقضوا العهد وأعانوا عليه مشركي مكة بالسلاح، ~~ثم قالوا: نسينا وأخطأنا ثم عاهدوه الثانية، فنقضوا ومالؤوا الكفار يوم ~~الخندق، وكتب كعب بن الأشرف إلى مكة يوافقهم على مخالفة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 57] # فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) # قوله تعالى: فإما تثقفنهم قال أبو عبيدة: مجازه: فان تثقفنهم. فعلى قوله، ~~تكون «ما» زائدة. # وقد سبق بيان «فاما» في (البقرة) «1» . قال ابن قتيبة: فمعنى «تثقفنهم» ~~تظفر بهم. فشرد بهم من خلفهم أي: افعل بهم فعلا من العقوبة والتنكيل يتفرق ~~به من وراءهم من أعدائك. قال: ويقال: شرد بهم، أي: سمع بهم، بلغة قريش. قال ~~الشاعر: # أطوف في الأباطح كل يوم ... مخافة أن يشرد بي حكيم «2» # وقال ابن عباس: نكل بهم تنكيلا يشرد غيرهم من ناقضي العهد، لعلهم يذكرون ~~النكال فلا ينقضون العهد. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 58] # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ~~(58) # قوله تعالى: وإما تخافن من قوم خيانة قال المفسرون: الخوف ها هنا بمعنى ~~العلم، والمعنى: إن علمت من قوم قد عاهدتهم خيانة، وهي نقض عهد. وقال ms0864 ~~مجاهد: نزلت في بني قريظة. PageV02P219 # وفي قوله تعالى: فانبذ إليهم على سواء أربعة أقوال «1» : أحدها: فألق ~~إليهم نقضك العهد لتكون وإياهم في العلم بالنقض سواء، وهذا قول الأكثرين، ~~واختاره الفراء، وابن قتيبة، وأبو عبيدة. والثاني: # فانبذ إليهم جهرا غير سر، ذكره الفراء أيضا في آخرين. والثالث: فانبذ ~~إليهم على مهل، قاله الوليد بن مسلم. والرابع: فانبذ إليهم على عدل من غير ~~حيف، وأنشدوا: # فاضرب وجوه الغدر الأعداء ... حتى يجيبوك إلى السواء «2» # ذكره أبو سليمان الدمشقي. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : آية # 59] # ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) # قوله تعالى: ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم «ولا تحسبن» بالتاء وكسر السين إلا أن ~~عاصما فتح السين. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم: بالياء وفتح السين. ~~وفي الكافرين ها هنا قولان: أحدهما: جميع الكفار، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. والثاني: أنهم الذين انهزموا يوم بدر، ذكره محمد بن القاسم النحوي ~~وغيره. # و «سبقوا» بمعنى فاتوا. قال ابن الأنباري: وذلك أنهم أشفقوا من هلكة تنزل ~~بهم في بعض الأوقات فلما سلموا منها، قيل: لا تحسبن أنهم فاتونا بسلامتهم ~~الآن، فانهم لا يعجزونا، أي: لا يفوتونا فيما يستقبلون من الأوقات. # قوله تعالى: إنهم لا يعجزون قرأ الجمهور: بكسر الألف. وقرأ ابن عامر: ~~بفتحها وعلى قراءته اعتراض. لقائل أن يقول: إذا كان قد قرأ «يحسبن» بالياء، ~~وقرأ «أنهم» بالفتح، فقد أقرهم على أنهم لا يعجزون ومتى علموا أنهم لا ~~يعجزون، لم يلاموا. فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال: # المعنى: «لا يحسبن الذين كفروا سبقوا» لا يحسبن أنهم يعجزون و «لا» زائدة ~~مؤكدة. وقال أبو علي: # المعنى: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا وآباءهم سبقوا، لأنهم لا ~~يفوتون، فهم يجزون على كفرهم. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 60] # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ~~وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله ~~يوف ms0865 إليكم وأنتم لا تظلمون (60) PageV02P220 # قوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة في المراد بالقوة أربعة اقوال ~~«1» : # (655) أحدها: أنها الرمي، رواه عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # وقال الحكم بن أبان: هي النبل. والثاني: ذكور الخيل، قاله عكرمة. ~~والثالث: السلاح، قاله السدي، وابن قتيبة. والرابع: أنه كل ما يتقوى به على ~~حرب العدو من آلة الجهاد. # قوله تعالى: ومن رباط الخيل يعني ربطها واقتناءها للغزو وهو عام في ~~الذكور والإناث في قول الجمهور. وكان عكرمة يقول: المراد بقوله تعالى: «ومن ~~رباط الخيل» إناثها. # قوله تعالى: ترهبون به روى رويس، وعبد الوارث «ترهبون» بفتح الراء وتشديد ~~الهاء، أي: تخيفون وترعبون به عدو الله وعدوكم، وهم مشركو مكة وكفار العرب. # قوله تعالى: وآخرين من دونهم أي: من دون كفار العرب. واختلفوا فيهم على ~~خمسة أقوال «2» : أحدها: أنهم الجن. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # (656) «هم الجن، فإن الشيطان لا يخبل أحدا في داره فرس عتيق» . ~~PageV02P221 # والثاني: أنهم بنو قريظة، قاله مجاهد. والثالث: أهل فارس، قاله السدي. ~~والرابع: المنافقون، قاله ابن زيد. والخامس: اليهود، قاله مقاتل. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 61] # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61) # قوله تعالى: وإن جنحوا للسلم قرأ أبو بكر عن عاصم «للسلم» بكسر السين. ~~قال الزجاج: # السلم: الصلح والمسالمة. يقال: سلم وسلم وسلم في معنى واحد، أي: إن مالوا ~~إلى الصلح فمل إليه. قال الفراء: إن شئت جعلت «لها» كناية عن السلم لأنها ~~تؤنث، وإن شئت جعلتها للفعلة، كقوله تعالى: إن ربك من بعدها لغفور رحيم «1» ~~. # فان قيل: لم قال «لها» ولم يقل: «إليها» ؟ فالجواب: أن «اللام» و «إلى» ~~تنوب كل واحدة منهما عن الأخرى. وفيمن أريد بهذه الآية قولان: أحدهما: ~~المشركون، وأنها نسخت بآية السيف «2» . # والثاني: أهل الكتاب. فان قيل: إنها نزلت في ترك حربهم إذا بذلوا الجزية ~~وقاموا بشرط الذمة، فهي محكمة. وإن قيل: نزلت في موادعتهم على غير جزية، ~~توجه النسخ لها ms0866 بآية الجزية. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 62 الى # 63] # وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) ~~وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ~~ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) # قوله تعالى: وإن يريدوا قال مقاتل: يعني يهود قريظة أن يخدعوك بالصلح ~~لتكف عنهم، حتى إذا جاء مشركو العرب، أعانوهم عليك فإن حسبك الله. قال ~~الزجاج: فان الذي يتولى كفايتك الله هو الذي أيدك أي: قواك. وقال مقاتل: ~~قواك بنصره وبالمؤمنين من الأنصار يوم بدر. # قوله تعالى: وألف بين قلوبهم يعني الأوس والخزرج، وهم الأنصار، كانت ~~بينهم عداوة في الجاهلية، فألف الله بينهم بالإسلام. وهذا من أعجب الآيات، ~~لأنهم كانوا ذوي أنفة شديدة فلو أن رجلا لطم رجلا، لقاتلت عنه قبيلته حتى ~~تدرك ثأره، فآل بهم الإسلام إلى أن يقتل الرجل ابنه وأباه. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 64] # يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) # قوله تعالى: حسبك الله ومن اتبعك فيه قولان: أحدهما: حسبك الله، وحسب من ~~اتبعك، هذا قول أبي صالح عن ابن عباس، وبه قال ابن زيد، ومقاتل، والأكثرون. ~~والثاني: حسبك الله ومتبعوك، قاله مجاهد. وعن الشعبي كالقولين. وأجاز ~~الفراء والزجاج الوجهين. PageV02P222 # (657) وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أسلم مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تسعة وثلاثون، ثم أسلم عمر فصاروا أربعين، فنزلت هذه الآية. قال ~~أبو سليمان الدمشقي: وهذا لا يحفظ، والسورة مدنية باجماع، والقول الأول ~~أصح. ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 65 الى 66] # يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ~~(65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (66) # قوله تعالى: حرض المؤمنين على القتال قال الزجاج: تأويله: حثهم. وتأويل ~~التحريض في اللغة: أن يحث الإنسان على ms0867 الشيء حثا يعلم معه أنه حارض إن تخلف ~~عنه. والحارض: الذي قد قارب الهلاك. قوله تعالى: إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين لفظ هذا الكلام لفظ الخبر، ومعناه الأمر، والمراد: يقاتلوا ~~مائتين، وكان هذا فرضا في أول الأمر، ثم نسخ بقوله تعالى: الآن خفف الله ~~عنكم ففرض على الرجل أن يثبت لرجلين، فان زادوا جاز له الفرار. قال مجاهد: ~~وهذا التشديد كان في يوم بدر. واتفق القراء على قوله إن يكن منكم فقرؤوا ~~«يكن» بالياء واختلفوا في قوله تعالى: وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا، وفي ~~قوله تعالى: فإن يكن منكم مائة صابرة فقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: ~~بالتاء فيهما. وقرأهما عاصم، وحمزة، والكسائي: بالياء. وقرأ أبو عمرو «يكن ~~منكم مائة يغلبوا» بالياء، «فان تكن منكم مائة صابرة» بالتاء. قال الزجاج: ~~من أنث، فللفظ المائة ومن ذكر، فلأن المائة وقعت على عدد مذكر. وقال أبو ~~علي: من قرأ بالياء، فلأنه أريد منه المذكر، بدليل قوله تعالى: «يغلبوا» ، ~~وكذلك المائة الصابرة هم رجال، فقرؤوها بالياء، لموضع التذكير. فأما أبو ~~عمرو، فانه لما رأى صفة المائة مؤنثة بقوله تعالى: «صابرة» أنث الفعل، ولما ~~رأى «يغلبوا» مذكرا، ذكر. ومعنى الكلام: إن يكن منكم عشرون صابرون يثبتون ~~عند اللقاء، يغلبوا مائتين، لأن المؤمنين يحتسبون أفعالهم، وأهل الشرك ~~يقاتلون على غير احتساب ولا طلب ثواب، فاذا صدقهم المؤمنون القتال لم ~~يثبتوا وذلك معنى قوله تعالى: لا يفقهون. # قوله تعالى: وعلم وروى المفضل «وعلم» بضم العين «أن فيكم ضعفا» وقرأ ابن ~~كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي بضم الضاد. وقرأ عاصم، وحمزة: ~~بفتح الضاد. وكذلك خلافهم في (الروم) «1» . قال الفراء: الضم لغة قريش، ~~والفتح لغة تميم. قال الزجاج: والمعنى في القراءتين واحد، PageV02P223 # يقال: هو الضعف والضعف، والمكث والمكث، والفقر والفقر، وفي اللغة كثير من ~~باب فعل وفعل، والمعنى واحد. وقرأ أبو جعفر «وعلم أن فيكم ضعفاء» على ~~فعلاء. فأما قوله تعالى: بإذن الله فهو إعلام بأن الغلبة لا تقع إلا ~~بإرادته. ### | ### | [سورة الأنفال ms0868 (8) : آية # 67] # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله ~~يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) # قوله تعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض. # (658) روى مسلم في أفراده من حديث عمر بن الخطاب قال: لما هزم الله ~~المشركين يوم بدر، وقتل منهم سبعون وأسر سبعون، استشار النبي صلى الله عليه ~~وسلم أبا بكر وعمر وعليا، فقال أبو بكر: يا نبي الله هؤلاء بنو العم ~~والعشيرة والاخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذنا منهم قوة ~~لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا. فقال رسول الله: ~~«ما ترى يا ابن الخطاب» ؟ قلت: # والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان، قريب لعمر، ~~فأضرب عنقه، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من أخيه فلان فيضرب ~~عنقه، حتى يعلم الله عز وجل أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء ~~صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهوي رسول الله ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، ~~فأخذ منهم الفداء. فلما كان من الغد، غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فاذا هو قاعد وأبو بكر الصديق وهما يبكيان. فقلت: يا رسول الله، ~~أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فان وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء ~~تباكيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبكي للذي عرض علي أصحابك من ~~الفداء. لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة» لشجرة قريبة، فأنزل الله ~~«ما كان لنبي أن يكون له أسرى» إلى قوله «عظيم» . PageV02P224 # (659) وروي عن ابن عمر قال: لما أشار عمر بقتلهم وفاداهم رسول الله أنزل ~~الله تعالى «ما كان لنبي» إلى قوله «حلالا طيبا» ، فلقي النبي صلى الله ~~عليه وسلم عمر فقال «كاد يصيبنا في خلافك بلاء» . # فأما الأسرى، فهو جمع أسير، وقد ذكرناه في سورة البقرة «1» . والجمهور ~~قرءوا «أن يكون له» بالياء، لأن الأسرى مذكر. وقرأ أبو عمرو «أن تكون» ، ~~قال أبو ms0869 علي: أنث على لفظ الأسرى، لأن الأسرى وإن كان المراد به التذكير ~~والرجال فهو مؤنث اللفظ. والأكثرون قرءوا «أسرى» وكذلك «لمن في أيديكم من ~~الأسرى» . وقرأ أبو جعفر، والمفضل «أسارى» في الموضعين، ووافقهما أبو عمرو، ~~وأبان في الثاني. قال الزجاج: والإثخان في كل شيء: قوة الشيء وشدته. يقال: ~~قد أثخنه المرض: إذا اشتدت قوته عليه. والمعنى: حتى يبالغ في قتل أعدائه. ~~ويجوز أن يكون المعنى: حتى يتمكن في الأرض. قال المفسرون: معنى الآية: ما ~~كان لنبي أن يحبس كافرا قدر عليه للفداء أو المن قبل الإثخان في الارض. ~~وكانت غزاة بدر أول قتال قاتله رسول الله، ولم يكن قد أثخن في الأرض بعد. ~~تريدون عرض الدنيا وهو المال. وكان أصحاب رسول الله قد فادوا يومئذ بأربعة ~~آلاف أربعة آلاف. وفي قوله تعالى: والله يريد الآخرة قولان: أحدهما: يريد ~~لكم الجنة، قاله ابن عباس. والثاني: يريد العمل بما يوجب ثواب الآخرة، ذكره ~~الماوردي. # فصل: وقد روي عن ابن عباس، ومجاهد في آخرين: أن هذه الآية منسوخة بقوله ~~تعالى: فإما منا بعد وإما فداء «2» ، وليس للنسخ وجه، لأن غزاة بدر كانت ~~وفي المسلمين قلة فلما كثروا واشتد سلطانهم، نزلت الآية الأخرى، ويبين هذا ~~قوله تعالى: حتى يثخن في الأرض. ### | [سورة الأنفال (8) : آية 68] # لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) # قوله تعالى: لولا كتاب من الله سبق في معناه خمسة أقوال «3» : أحدها: ~~لولا أن الله كتب في أم PageV02P225 # الكتاب أنه سيحل لكم الغنائم لمسكم فيما تعجلتم من المغانم والفداء يوم ~~بدر قبل أن تؤمروا بذلك عذاب عظيم، روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس، وبه قال مقاتل. وقال أبو هريرة: # تعجل ناس من المسلمين فأصابوا الغنائم، فنزلت الآية. والثاني: لولا كتاب ~~من الله سبق أنه لا يعذب من أتى ذنبا على جهالة لعوقبتم، روى هذا المعنى ~~عطاء عن ابن عباس، وابن جريج عن مجاهد. وقال ابن اسحاق: سبق أن لا أعذب إلا ~~بعد النهي، ولم يكن نهاهم. ms0870 والثالث: لولا ما سبق لأهل بدر أن الله لا ~~يعذبهم، لعذبتم، قاله الحسن، وابن جبير، وابن أبي نجيح عن مجاهد. والرابع: ~~لولا كتاب من الله سبق من أنه يغفر لمن عمل الخطايا ثم علم ما عليه فتاب، ~~ذكره الزجاج. والخامس: لولا القرآن الذي اقتضى غفران الصغائر، لعذبتم، ذكره ~~الماوردي. فيخرج في الكتاب قولان: أحدهما: أنه كتاب مكتوب حقيقة. ثم فيه ~~قولان: أحدهما: أنه ما كتبه الله في اللوح المحفوظ. والثاني: أنه القرآن. # والثاني: أنه بمعنى القضاء. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 69 الى # 70] # فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم (69) يا أيها ~~النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ~~مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) # قوله تعالى: فكلوا مما غنمتم قال الزجاج: الفاء للجزاء. والمعنى: قد ~~أحللت لكم الفداء فكلوا. والحلال منصوب على الحال. # (660) قال مقاتل: إن الله غفور لما أخذتم من الغنيمة قبل حلها، رحيم بكم ~~إذ أحلها لكم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، وخباب بن ~~الأرت يوم بدر على القبض، وقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ~~وانطلق بالأسارى، فيهم العباس، وعقيل، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب. وكان ~~مع العباس يومئذ عشرون أوقية من ذهب، فلم تحسب له من فدائه، وكلف أن يفدي ~~ابني أخيه، فأدى عنهما ثمانين أوقية من ذهب. وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «أضعفوا على العباس الفداء» فأخذوا منه ثمانين أوقية، وكان فداء كل ~~أسير أربعين أوقية. فقال العباس لرسول الله: لقد تركتني ما حييت أسأل قريشا ~~بكفي. # فقال له: «أين الذهب الذي تركته عند أم الفضل» ؟ فقال: أي الذهب؟ فقال: ~~«إنك قلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فان حدث بي حدث، فهو لك ~~ولولدك» فقال: ابن أخي، من أخبرك؟ # فقال: «الله أخبرني» ، فقال العباس: أشهد أنك صادق، وما علمت أنك رسول ~~الله قبل اليوم وأمر ابني أخيه فأسلما. وفيهم نزلت: ms0871 قل لمن في أيديكم من ~~الأسرى الآية. وروى العوفي عن ابن عباس أنها نزلت في جميع من أسر يوم بدر. # (661) وقال ابن زيد: لما بعث رسول الله أتاه رجال، فقالوا: لولا أنا نخاف ~~هؤلاء القوم PageV02P226 # لأسلمنا، ولكنا نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فلما كان يوم ~~بدر، قال المشركون: لا يتخلف عنا أحد إلا هدمنا داره واستحللنا ماله، فخرج ~~أولئك القوم، فقتلت طائفة منهم وأسرت طائفة. فأما الذين قتلوا، فهم الذين ~~قال الله فيهم: الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم «1» . وأما الذين ~~أسروا فقالوا: يا رسول الله أنت تعلم أنا كنا نشهد أن لا إله إلا الله وأنك ~~رسول الله، وإنما خرجنا مع هؤلاء خوفا منهم. فذلك قوله تعالى: قل لمن في ~~أيديكم من الأسرى إلى قوله تعالى: عليم حكيم. # فأما قوله تعالى: إن يعلم الله في قلوبكم خيرا فمعناه إسلاما وصدقا يؤتكم ~~خيرا مما أخذ منكم من الفداء. وفيه قولان: أحدهما: أكثر مما أخذ منكم. ~~والثاني: أحل وأطيب. وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن أبي عبلة: «مما أخذ ~~منكم» بفتح الخاء يشيرون إلى الله تعالى. وفي قوله تعالى: ويغفر لكم قولان: ~~أحدهما: يغفر لكم كفركم وقتالكم رسول الله، قاله الزجاج. # والثاني: يغفر لكم خروجكم مع المشركين، قاله ابن زيد في تمام كلامه ~~الأول. ### | ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 71 الى # 72] # وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم ~~(71) إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ~~آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72) # قوله تعالى: وإن يريدوا خيانتك يعني: إن أراد الأسراء خيانتك بالكفر بعد ~~الإسلام فقد خانوا الله من قبل إذ كفروا به قبل أسرهم. وقال ابن زيد: فقد ~~خانوا بخروجهم مع المشركين وقد ذكرنا عنه أنها نزلت في قوم تكلموا ~~بالإسلام. وقال ms0872 مقاتل: المعنى: إن خانوك أمكنتك منهم فقتلتهم وأسرتهم كما ~~أمكنتك ببدر. قال الزجاج: والله عليم بخيانة إن خانوها، حكيم في تدبيره ~~عليهم ومجازاته إياهم. # قوله تعالى: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله يعني: المهاجرين الذين هجروا ديارهم وأموالهم وقومهم في نصرة الدين. ~~والذين آووا ونصروا يعني: الأنصار، آووا رسول الله، وأسكنوا المهاجرين ~~ديارهم، ونصروهم على أعدائهم أولئك بعضهم أولياء بعض فيه قولان: أحدهما: في ~~النصرة. والثاني: في الميراث. # قال المفسرون: كانوا يتوارثون بالهجرة، وكان المؤمن الذي لم يهاجر لا يرث ~~قريبه المهاجر، وهو معنى قوله تعالى: ما لكم من ولايتهم من شيء قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، ونافع، وابن عامر، وعاصم، والكسائي: «ولايتهم» بفتح ~~الواو. وقرأ حمزة: بكسر الواو. قال الزجاج: المعنى: ليس بينكم وبينهم ميراث ~~حتى يهاجروا. ومن كسر واو الولاية، فهي بمنزلة الإمارة وإذا فتحت، فهي من ~~النصرة. وقال يونس النحوي: الولاية، بالفتح، لله عز وجل، والولاية، بالكسر، ~~من وليت الأمر. # وقال أبو عبيدة: الولاية، بالفتح، للخالق والولاية، للمخلوق. قال ابن ~~الأنباري: الولاية، بالفتح، PageV02P227 # مصدر الولي، والولاية: مصدر الوالي، يقال: ولي بين الولاية، ووال بين ~~الولاية، فهذا هو الاختيار ثم يصلح في ذا ما يصلح في ذا. وقال ابن فارس: ~~الولاية، بالفتح: النصرة، وقد تكسر. والولاية، بالكسر: السلطان. # فصل: وذهب قوم إلى أن المراد بهذه الولاية موالاة النصر والمودة. قالوا: ~~ونسخ هذا الحكم بقوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض «1» ~~فأما القائلون بأنها ولاية الميراث، فقالوا: # نسخت بقوله تعالى: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض «2» . # قوله تعالى: وإن استنصروكم في الدين أي: إن استنصركم المؤمنون الذين لم ~~يهاجروا فانصروهم، إلا أن يستنصروكم على قوم بينكم وبينهم عهد، فلا تغدروا ~~بأرباب العهد. وقال بعضهم: لم يكن على المهاجر أن ينصر من يهاجر إلا أن ~~يستنصره. ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 73 الى 74] # والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ~~(73) والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك ~~هم المؤمنون ms0873 حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74) # قوله تعالى: والذين كفروا بعضهم أولياء بعض فيه قولان «3» : أحدهما: في ~~الميراث، قاله ابن عباس. والثاني: في النصرة، قاله قتادة. وفي قوله تعالى: ~~إلا تفعلوه قولان: أحدهما: أنه يرجع إلى الميراث، فالمعنى: إلا تأخذوا في ~~الميراث بما أمرتكم، قاله ابن عباس. والثاني: أنه يرجع إلى التناصر. ~~فالمعنى: إلا تتعاونوا وتتناصروا في الدين، قاله ابن جريج. وبيانه: أنه إذا ~~لم يتول المؤمن المؤمن توليا حقا، ويتبرأ من الكافر جدا، أدى ذلك إلى ~~الضلال والفساد في الدين. فاذا هجر المسلم أقاربه الكفار، ونصر المسلمين، ~~كان ذلك أدعى لأقاربه الكفار إلى الإسلام وترك الشرك. # قوله تعالى: وفساد كبير قرأ أبو هريرة، وابن سيرين، وابن السميفع: «كثير» ~~بالثاء. # قوله تعالى: أولئك هم المؤمنون حقا أي: هم الذين حققوا إيمانهم بما ~~يقتضيه من الهجرة والنصرة، بخلاف من أقام بدار الشرك. والرزق الكريم: هو ~~الحسن، وذلك في الجنة. PageV02P228 ### | [سورة الأنفال (8) : آية 75] # والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم (75) # قوله تعالى: والذين آمنوا من بعد أي: من بعد المهاجرين الأولين. قال ابن ~~عباس: هم الذين هاجروا بعد الحديبية. # قوله تعالى: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض أي: في المواريث بالهجرة. ~~قال ابن عباس: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، وكانوا يتوارثون ~~بذلك الإخاء حتى نزلت هذه الآية، فتوارثوا بالنسب. # قوله تعالى: في كتاب الله فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه اللوح المحفوظ. ~~والثاني: أنه القرآن- وقد بين لهم قسمة الميراث في سورة (النساء) «1» . ~~والثالث: أنه حكم الله، ذكره الزجاج. PageV02P229 # سورة التوبة ### | سورة التوبة # (9) : آية 1] # براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) # فصل في نزولها: هي مدنية باجماعهم، سوى الآيتين اللتين في آخرها لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم «1» فانها نزلت بمكة. # (662) روى البخاري في «صحيحه» من حديث البراء قال: آخر سورة نزلت براءة. ~~وقد نقل عن بعض العرب أنه سمع قارئا يقرأ هذه السورة، فقال الأعرابي: إني ms0874 ~~لأحسب هذه من آخر ما نزل من القرآن. قيل له: ومن أين علمت؟ فقال: إني لأسمع ~~عهودا تنبذ، ووصايا تنفذ. # فصل: واختلفوا في أول ما نزل من (براءة) على ثلاثة أقوال: أحدها: أن أول ~~ما نزل منها قوله تعالى: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة «2» ، قاله مجاهد. ~~والثاني: انفروا خفافا وثقالا «3» ، قاله أبو الضحى وأبو مالك. والثالث: ~~إلا تنصروه «4» ، قاله مقاتل. وهذا الخلاف إنما هو في أول ما نزل منها ~~بالمدينة، فانهم قد قالوا: نزلت الآيتان اللتان في آخرها بمكة. # فصل: ولها تسعة أسماء: أحدها: سورة التوبة. والثاني: براءة وهذان مشهوران ~~بين الناس. # والثالث: سورة العذاب، قاله حذيفة. والرابع: المقشقشة، قاله ابن عمر. ~~والخامس: سورة البحوث، لأنها بحثت عن سرائر المنافقين، قاله المقداد بن ~~الأسود. والسادس: الفاضحة، لأنها فضحت المنافقين، قاله ابن عباس. والسابع: ~~المبعثرة، لأنها بعثرت أخبار الناس وكشفت عن سرائرهم، قاله الحارث بن يزيد ~~وابن إسحاق. والثامن: المثيرة، لأنها أثارت مخازي المنافقين ومثالبهم، قاله ~~قتادة. # والتاسع: الحافرة، لأنها حفرت عن قلوب المنافقين، قاله الزجاج. ~~PageV02P230 # فصل: وفي سبب امتناعهم من كتابة التسمية في أولها ثلاثة أقوال: # (663) أحدها: رواه ابن عباس، قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن ~~عمدتم إلى (الأنفال) وهي من المثاني، وإلى (براءة) وهي من المئين، فقرنتم ~~بينهما ولم تكتبوا بينهما «بسم الله الرحمن الرحيم» ؟ فقال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب، فيقول: «ضعوا ~~هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا» ، وكانت (الأنفال) من أوائل ما نزل ~~بالمدينة، و (براءة) من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها وقبض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، فظننا أنها منها فمن ثم ~~قرنت بينهما ولم أكتب بينهما: «بسم الله الرحمن الرحيم» . وذكر نحو هذا ~~المعنى عن أبي بن كعب. قال الزجاج: والشبه الذي بينهما، أن في (الأنفال) ~~ذكر العهود، وفي (براءة) نقضها. وكان قتادة يقول: هما سورة واحدة. # والثاني: رواه محمد ابن الحنفية، ms0875 قال: قلت لأبي: لم لم تكتبوا في (براءة) ~~«بسم الله الرحمن الرحيم» ؟ فقال: يا بني، إن (براءة) نزلت بالسيف، وإن ~~«بسم الله الرحمن الرحيم» أمان. وسئل سفيان بن عيينة عن هذا، فقال: لأن ~~التسمية رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت في المنافقين. # والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما كتب في صلح الحديبية «بسم ~~الله الرحمن الرحيم» ، لم يقبلوها وردوها، فما ردها الله عليهم «1» ، قاله ~~عبد العزيز بن يحيى المكي. # فصل: فأما سبب نزولها. # (664) فقال المفسرون: أخذت العرب تنقض عهودا بنتها مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأمره الله تعالى بالقاء عهودهم إليهم، فأنزل براءة في سنة تسع، ~~فبعث رسول الله أبا بكر أميرا على الموسم ليقيم للناس PageV02P231 # الحج في تلك السنة، وبعث معه صدرا من (براءة) ليقرأها على أهل الموسم، ~~فلما سار دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، فقال: «اخرج بهذه القصة ~~من صدر براءة وأذن في الناس بذلك» ، فخرج علي على ناقة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر، فرجع أبو بكر فقال: يا رسول الله، ~~أنزل في شأني شيء؟ # قال: «لا، ولكن لا يبلغ عني إلا رجل مني، أما ترضى أنك كنت صاحبي في ~~الغار، وأنك صاحبى على الحوض» ؟ قال: بلى يا رسول الله. فسار أبو بكر أميرا ~~على الحج، وسار علي ليؤذن ب «براءة» . # فصل: وفي عدد الآيات التي بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول ~~براءة خمسة أقوال: أحدها: أربعون آية، قاله علي عليه السلام. والثاني: ~~ثلاثون آية، قاله أبو هريرة. والثالث: عشر آيات، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. والرابع: سبع آيات، رواه ابن جريج عن عطاء. والخامس: تسع آيات، قاله ~~مقاتل. # فصل: فان توهم متوهم أن في أخذ (براءة) من أبي بكر، وتسليمها إلى علي، ~~تفضيلا لعلي على أبي بكر، فقد جهل لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجرى العرب ~~في ذلك على عادتهم. قال الزجاج: وقد جرت عادة العرب في عقد ms0876 عهدها ونقضها، ~~أن يتولى ذلك على القبيلة رجل منها فكان. وجائز أن تقول العرب إذا تلا ~~عليها نقض العهد من ليس من رهط النبي صلى الله عليه وسلم: هذا خلاف ما نعرف ~~فينا في نقض العهود، فأزاح النبي صلى الله عليه وسلم العلة بما فعل. وقال ~~عمرو بن بحر: ليس هذا بتفضيل لعلي على أبي بكر، وإنما عاملهم بعادتهم ~~المتعارفة في حل العقد، وكان لا يتولى ذلك إلا السيد منهم، أو رجل من رهطه ~~دنيا، كأخ، أو عم وقد كان أبو بكر في تلك الحجة الإمام، وعلي يأتم به، وأبو ~~بكر الخطيب، وعلي يستمع. # (665) وقال أبو هريرة: بعثني أبو بكر في تلك الحجة مع المؤذنين الذين ~~بعثهم يؤذنون بمنى: # أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان فأذن معنا علي ب ~~(براءة) وبذلك الكلام. # (666) وقال الشعبي: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا يؤذن بأربع ~~كلمات: «ألا لا يحج بعد العام مشرك، ألا ولا يطوف بالبيت عريان، ألا ولا ~~يدخل الجنة إلا مسلم، ألا ومن كانت بينه وبين محمد PageV02P232 # مدة فأجله إلى مدته، والله بريء من المشركين ورسوله» . # فصل: فأما التفسير، فقوله تعالى: براءة قال الفراء: هي مرفوعة باضمار ~~«هذه» ، ومثله سورة أنزلناها «1» . وقال الزجاج: يقال: برئت من الرجل ~~والدين براءة، وبرئت من المرض وبرأت أيضا أبرأ برءا، وقد رووا: برأت أبرأ ~~بروءا. ولم نجد في ما لامه همزة: فعلت أفعل، إلا هذا الحرف. ويقال: بريت ~~القلم، وكل شيء نحته: أبريه بريا، غير مهموز. وقرأ أبو رجاء، ومورق، وابن ~~يعمر: «براءة» بالنصب. قال المفسرون: والبراءة هاهنا: قطع الموالاة، ~~وارتفاع العصمة، وزوال الأمان. والخطاب في قوله تعالى: إلى الذين عاهدتم ~~لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، لأنه هو الذي يتولى المعاهدة، وأصحابه راضون فكأنهم بالرضا عاهدوا ~~أيضا وهذا عام في كل من عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مقاتل: هم ~~ثلاثة أحياء من العرب: خزاعة، وبنو مدلج، وبنو ms0877 جذيمة. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 2] # فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي ~~الكافرين (2) # قوله تعالى: فسيحوا في الأرض أي: انطلقوا فيها آمنين لا يقع بكم منا ~~مكروه. # إن قال قائل: هذه مخاطبة شاهد، والآية الأولى إخبار عن غائب، فعنه ~~جوابان: # أحدهما: أنه جائز عند العرب الرجوع من الغيبة إلى الخطاب. قال عنترة: # شطت مزار العاشقين فأصبحت ... عسرا علي طلابك ابنة مخرم «2» # هذا قول أبي عبيدة. والثاني: أن في الكلام إضمارا، تقديره: فقل لهم: ~~سيحوا في الارض، أي: اذهبوا فيها، وأقبلوا، وأدبروا، وهذا قول الزجاج. # واختلفوا فيمن جعلت له هذه الأربعة الأشهر على أربعة أقوال «3» : أحدها: ~~أنها أمان لأصحاب PageV02P233 # العهد، فمن كان عهده أكثر منها، حط إليها، ومن كان عهده أقل منها، رفع ~~إليها، ومن لم يكن له عهد، فأجله انسلاخ المحرم خمسون ليلة، قاله ابن عباس، ~~وقتادة، والضحاك. والثاني: أنها للمشركين كافة، من له عهد، ومن ليس له عهد، ~~قاله مجاهد، والزهري، والقرظي. والثالث: أنها أجل لمن كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد آمنه أقل من أربعة أشهر، أو كان أمانه غير محدود فأما من ~~لا أمان له، فهو حرب، قاله ابن إسحاق. والرابع: أنها أمان لمن لم يكن له ~~أمان ولا عهد فأما أرباب العهود، فهم على عهودهم إلى حين انقضاء مددهم، ~~قاله ابن السائب. ويؤكده ما روي أن عليا نادى يومئذ ومن كان بينه وبين رسول ~~الله عهد، فعهده إلى مدته. وفي بعض الألفاظ: فأجله أربعة أشهر. # واختلفوا في مدة هذه الأربعة الأشهر على أربعة أقوال «1» : أحدها: أنها ~~الأشهر الحرم: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أن أولها يوم الحج الأكبر، وهو يوم النحر، وآخرها العاشر من ربيع ~~الآخر، قاله مجاهد، والسدي، والقرظي. والثالث: أنها شوال، وذو القعدة، وذو ~~الحجة، والمحرم، لأن هذه الآية نزلت في شوال، قاله الزهري. قال أبو سليمان ~~الدمشقي: وهذا أضعف الأقوال، لأنه لو كان كذلك، لم يجز تأخير إعلامهم به ~~إلى ms0878 ذي الحجة، إذ كان لا يلزمهم الأمر إلا بعد الإعلام. والرابع: أن أولها ~~العاشر من ذي القعدة، وآخرها العاشر من ربيع الأول، لأن الحج في تلك السنة ~~كان في ذلك اليوم، ثم صار في السنة الثانية في العشر من ذي الحجة. # (667) وفيها حج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «إن الزمان قد ~~استدار» ، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: واعلموا أنكم غير معجزي الله أي: وإن أجلتم هذه الأربعة ~~الأشهر فلن تفوتوا الله. # قوله تعالى: وأن الله مخزي الكافرين قال الزجاج: الأجود فتح «أن» على ~~معنى: اعلموا أن، ويجوز كسرها على الاستئناف. وهذا ضمان من الله نصرة ~~المؤمنين على الكافرين. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 3] # وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من ~~المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي ~~الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3) PageV02P234 # قوله تعالى: وأذان من الله ورسوله أي: إعلام ومنه أذان الصلاة. وقرأ ~~الضحاك، وأبو المتوكل، وعكرمة، والجحدري، وابن يعمر: «وإذن» بكسر الهمزة ~~وقصرها ساكنة الذال من غير ألف. # قوله تعالى: إلى الناس أي: للناس. يقال: هذا إعلام لك، وإليك. والناس ها ~~هنا عام في المؤمنين والمشركين. وفي يوم الحج الأكبر ثلاثة أقوال «1» : ~~أحدها: أنه يوم عرفة، قاله عمر بن الخطاب، وابن الزبير، وأبو جحيفة، وطاوس، ~~وعطاء. والثاني: يوم النحر، قاله أبو موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة، وعبد ~~الله بن أبي أوفى، وابن المسيب، وابن جبير، وعكرمة، والشعبي، والنخعي، ~~والزهري، وابن زيد، والسدي في آخرين. وعن علي، وابن عباس، كالقولين. ~~والثالث: أنه أيام الحج كلها، فعبر عن الأيام باليوم، قاله سفيان الثوري. ~~قال سفيان. كما يقال: يوم بعاث، ويوم الجمل، ويوم صفين يراد به: أيام ذلك، ~~لان كل حرب من هذه الحروب دامت أياما. وعن مجاهد، كالأقوال الثلاثة. وفي ~~تسميته بيوم الحج الأكبر ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنه سماه بذلك لأنه اتفق ~~في سنة حج فيها المسلمون والمشركون، ووافق ذلك عيد اليهود والنصارى، قاله ~~الحسن. والثاني: أن ms0879 الحج الأكبر: هو الحج، والأصغر: هو العمرة، قاله عطاء، ~~والشعبي. والثالث: أن الحج الأكبر: القران، والأصغر: الإفراد، قاله مجاهد. # قوله تعالى: أن الله بريء وقرأ الحسن، ومجاهد، وابن يعمر: «إن الله» بكسر ~~الهمزة. من المشركين أي: من عهد المشركين، فحذف المضاف. ورسوله رفع على ~~الابتداء، وخبره مضمر على معنى: ورسوله أيضا بريء. وقرأ أبو رزين، وأبو ~~مجلز، وأبو رجاء، ومجاهد، وابن يعمر، وزيد عن يعقوب: «ورسوله» بالنصب. ثم ~~رجع إلى خطاب المشركين بقوله تعالى: فإن تبتم أي: رجعتم عن الشرك، وإن ~~توليتم عن الإيمان. PageV02P235 ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 4] # إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4) # قوله تعالى: إلا الذين عاهدتم من المشركين قال أبو صالح عن ابن عباس: ~~فلما قرأ علي (براءة) ، قالت بنو ضمرة: ونحن مثلهم أيضا؟ قال: لا، لأن الله ~~تعالى قد استثناكم ثم قرأ هذه الآية. # وقال مجاهد: هم قوم كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ~~ومدة، فأمر أن يفي لهم. قال الزجاج: معنى الكلام: وقعت البراءة من ~~المعاهدين الناقضين للعهود، إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوكم، فليسوا داخلين ~~في البراءة ما لم ينقضوا العهد. قال القاضي أبو يعلى: وفضل الخطاب في هذا ~~الباب: أنه قد كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين جميع المشركين ~~عهد عام، وهو أن لا يصد أحد عن البيت، ولا يخاف أحد في الشهر الحرام، فجعل ~~الله عهدهم أربعة أشهر وكان بينه وبين أقوام منهم عهود إلى آجال مسماة، ~~فأمر بالوفاء لهم وإتمام مدتهم إذا لم يخش غدرهم. ### | [سورة التوبة (9) : آية 5] # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم ~~واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ~~إن الله غفور رحيم (5) # قوله تعالى: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فيها قولان: أحدهما: أنها رجب، وذو ~~القعدة، وذو الحجة، والمحرم، قاله الأكثرون. والثاني: أنها الأربعة الأشهر ~~التي جعلت ms0880 لهم فيها السياحة، قاله الحسن في آخرين، فعلى هذا، سميت حرما لأن ~~دماء المشركين حرمت فيها. # قوله تعالى: فاقتلوا المشركين أي: من لم يكن له عهد حيث وجدتموهم قال ابن ~~عباس: في الحل والأشهر الحرم. قوله تعالى: وخذوهم أي: ائسروهم والأخيذ: ~~الأسير. واحصروهم أي: # احبسوهم والحصر: الحبس. قال ابن عباس: إن تحصنوا فاحصروهم. قوله تعالى: ~~واقعدوا لهم كل مرصد قال الأخفش: أي: على كل مرصد فألقى «على» وأعمل الفعل، ~~قال الشاعر: # نغالي اللحم للأضياف نيئا ... ونرخصه إذ نضج القدور «1» # المعنى: نغالي باللحم، فحذف الباء كما حذف «على» . وقال الزجاج: «كل ~~مرصد» ظرف، كقولك: ذهبت مذهبا، فلست تحتاج أن تقول في هذه إلا ما تقوله في ~~الظروف، مثل: خلف، وقدام. # قوله تعالى: فإن تابوا أي: من شركهم. وفي قوله تعالى: وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة قولان: أحدهما: اعترفوا بذلك. والثاني: فعلوه. # فصل: واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أن حكم الأسارى كان وجوب قتلهم، ثم نسخ بقوله تعالى: فإما منا بعد وإما ~~فداء «2» ، قاله الحسن، وعطاء في آخرين. والثاني: بالعكس، وأنه كان الحكم ~~في الأسارى: أنه لا يجوز قتلهم صبرا، وإنما يجوز المن PageV02P236 # أو الفداء بقوله تعالى: فإما منا بعد وإما فداء ثم نسخ بقوله تعالى: ~~فاقتلوا المشركين، قاله مجاهد، وقتادة. والثالث: أن الآيتين محكمتان، ~~والأسير إذا حصل في يد الإمام، فهو مخير، إن شاء من عليه، وإن شاء فاداه، ~~وإن شاء قتله صبرا، أي ذلك رأى فيه المصلحة للمسلمين فعل، هذا قول جابر بن ~~زيد، وعليه عامة الفقهاء، وهو قول الإمام أحمد. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 6] # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ~~ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) # قوله تعالى: وإن أحد من المشركين استجارك قال المفسرون: وإن أحد من ~~المشركين الذين أمرتك بقتلهم استأمنك يبتغي أن يسمع القرآن وينظر فيما أمر ~~به ونهي عنه، فأجره، ثم أبلغه الموضع الذي يأمن فيه. وفي قوله تعالى: ذلك ~~بأنهم قوم لا يعلمون ms0881 قولان: أحدهما: أن المعنى: ذلك الذي أمرناك به من أن ~~يعرفوا ويجاروا لجهلهم بالعلم. والثاني: ذلك الذي أمرناك به من رده إلى ~~مأمنه إذا امتنع من الإيمان، لأنهم قوم جهلة بخطاب الله. ### | [سورة التوبة (9) : آية 7] # كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد ~~الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) # قوله تعالى: كيف يكون للمشركين عهد أي: لا يكون لهم ذلك، إلا الذين ~~عاهدتم عند المسجد الحرام وفيهم ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنهم بنو ضمرة، ~~قاله ابن عباس. والثاني: أنهم قريش، قاله ابن عباس أيضا. وقال قتادة: هم ~~مشركو قريش الذين عاهدهم نبي الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، فنكثوا ~~وظاهروا المشركين. والثالث: أنهم خزاعة، قاله مجاهد. # (668) وذكر أهل العلم بالسير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صالح ~~سهيل بن عمرو في غزوة الحديبية، كتب بينه وبينه: «هذا ما اصطلح عليه محمد ~~بن عبد الله وسهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها ~~الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال، وأن بيننا عيبة ~~مكفوفة، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، ومن أحب أن يدخل في ~~عهد قريش PageV02P237 # وعقدها فعل، وأنه من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده إليه، وأنه من أتى ~~قريشا من أصحاب محمد لم يردوه، وأن محمدا يرجع عنا عامه هذا بأصحابه، ويدخل ~~علينا في قابل في أصحابه، فيقيم بها ثلاثا لا يدخل علينا بسلاح، إلا سلاح ~~المسافر، السيوف في القرب» ، فوثبت خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد ~~وعقده، ووثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل في عهد قريش وعقدها. ثم إن قريشا ~~أعانت بني بكر على خزاعة بالرجال والسلاح فبيتوا خزاعة ليلا، فقتلوا منهم ~~عشرين رجلا. ثم إن قريشا ندمت على ما صنعت، وعلموا أن هذا نقض للعهد والمدة ~~التي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج قوم من خزاعة إلى رسول ~~الله ms0882 صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما أصابهم، فخرج إليهم وكانت غزاة الفتح. ~~قال أبو عبيدة: # الإسلال: السرقة، والإغلال: الخيانة. قال ابن الأعرابي: وقوله: «وأن ~~بيننا عيبة مكفوفة» مثل، أراد: # أن صلحنا محكم مستوثق منه، كأنه عيبة مشرجة. وزعم بعض المفسرين أن قوله ~~تعالى: إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام نسخ بقوله تعالى: فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم. ### | [سورة التوبة (9) : آية 8] # كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى ~~قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) # قوله تعالى: كيف وإن يظهروا عليكم قال الزجاج: المعنى: كيف يكون لهم عهد ~~وإن يظهروا عليكم، فحذف ذلك، لأنه قد سبق، قال الشاعر: # وخبرتماني أنما الموت بالقرى ... فكيف وهذي هضبة وقليب «1» # أي فكيف مات وليس بقرية؟ ومثله قول الحطيئة: # فكيف ولم أعلمهم خذلوكم ... على معظم ولا أديمكم قدوا «2» # أي: فكيف تلومونني على مدح قوم؟ واستغنى عن ذكر ذلك، لأنه قد جرى في ~~القصيدة ما يدل على ما أضمر. وقوله تعالى: يظهروا يعني: يقدروا ويظفروا. # وفي قوله تعالى: لا يرقبوا ثلاثة أقوال: أحدها: لا يحفظوا، قاله ابن ~~عباس. والثاني: لا يخافوا، قاله السدي. والثالث: لا يراعوا، قاله قطرب. # وفي الإل خمسة أقوال «3» : أحدها: أنه القرابة، رواه جماعة عن ابن عباس، ~~وبه قال الضحاك، والسدي، ومقاتل، والفراء، وأنشدوا: # إن الوشاة كثير إن أطعتهم ... لا يرقبون بنا إلا ولا ذمما # وقال الآخر: PageV02P238 # لعمرك إن إلك من قريش ... كال السقب من رأل النعام «1» # والثاني: أنه الجوار، قاله الحسن. والثالث: أنه الله عز وجل، رواه ابن ~~أبي نجيج عن مجاهد، وبه قال عكرمة. والرابع: أنه العهد، رواه خصيف عن ~~مجاهد، وبه قال ابن زيد، وأبو عبيدة. # والخامس: أنه الحلف، قاله قتادة. وقرأ عبد الله بن عمرو وعكرمة وأبو رجاء ~~وطلحة بن مصرف: # «إيلا» بياء بعد الهمزة. وقرأ ابن السميفع والجحدري: «ألا» بفتح الهمزة ~~وتشديد اللام. # وفي المراد بالذمة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها العهد، قاله ابن عباس، وسعيد ~~بن جبير، وقتادة، والضحاك في آخرين. والثاني: التذمم ممن لا عهد له، قاله ms0883 ~~أبو عبيدة، وأنشد: # لا يرقبون بنا إلا ولا ذمما # والثالث: الأمان، قاله اليزيدي، واستشهد بقوله صلى الله عليه وسلم: # (669) «ويسعى بذمتهم أدناهم» . # قوله تعالى: يرضونكم بأفواههم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يرضونكم بأفواههم ~~في الوفاء، وتأبى قلوبهم إلا الغدر. والثاني: يرضونكم بأفواههم في العدة ~~بالإيمان، وتأبى قلوبهم إلا الشرك. والثالث: # يرضونكم بأفواههم في الطاعة، وتأبى قلوبهم إلا المعصية، ذكرهن الماوردي. # قوله تعالى: وأكثرهم فاسقون قال ابن عباس: خارجون عن الصدق، ناكثون ~~للعهد. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 9 الى 11] # اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون ~~(9) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون ~~(11) # قوله تعالى: اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا في المشار إليهم قولان: ~~أحدهما: أنهم الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان على طعامه، قاله مجاهد. ~~والثاني: أنهم قوم من اليهود، قاله أبو صالح. فعلى الأول، آيات الله: حججه. ~~وعلى الثاني: هي آيات التوراة. والثمن القليل: ما حصلوه بدلا من الآيات. ~~وفي وصفه بالقليل وجهان: أحدهما: لأنه حرام، والحرام قليل. والثاني: لأنه ~~من عرض الدنيا الذي بقاؤه قليل. وفي قوله تعالى: فصدوا عن سبيله ثلاثة ~~أقوال: أحدها: عن بيته، وذلك حين منعوا النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية ~~دخول مكة. والثاني: عن دينه بمنع الناس منه. والثالث: عن طاعته في الوفاء ~~بالعهد. PageV02P239 ### | [سورة التوبة (9) : آية 12] # وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم ~~لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12) # قوله تعالى: وإن نكثوا أيمانهم. قال ابن عباس: # (670) نزلت في أبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعكرمة ~~بن أبي جهل، وسائر رؤساء قريش الذين نقضوا العهد حين أعانوا بني بكر على ~~خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يسير إليهم فينصر خزاعة، وهم الذين هموا بإخراج الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. فأما النكث، فمعناه: النقض. والأيمان ms0884 ها هنا: العهود. والطعن في ~~الدين: أن يعاب، وهذا يوجب قتل الذمي إذا طعن في الإسلام، لأن المأخوذ عليه ~~أن لا يطعن فيه «1» . # قوله تعالى: فقاتلوا أئمة الكفر قرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي ~~«أئمة» بتحقيق الهمزتين. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: بتحقيق الأولى ~~وتليين الثانية. والمراد بأئمة الكفر: # رؤوس المشركين وقادتهم. إنهم لا أيمان لهم أي: لا عهود لهم صادقة هذا على ~~قراءة من فتح الألف، وهم الأكثرون. وقرأ ابن عامر «لا إيمان لهم» بالكسر ~~وفيها وجهان ذكرهما الزجاج: # أحدهما: أنه وصف لهم بالكفر ونفي الإيمان. والثاني: لا أمان لهم، تقول: ~~آمنته إيمانا، والمعنى: # فقد بطل أمانكم لهم بنقضهم. # وفي قوله تعالى: لعلهم ينتهون قولان: أحدهما: عن الشكر. والثاني: عن نقض ~~العهود. PageV02P240 # وفي «لعل» قولان: احدهما: أنها بمعنى الترجي، المعنى: ليرجى منهم ~~الانتهاء، قاله الزجاج. # والثاني: أنها بمعنى: «كي» ، قاله أبو سليمان الدمشقي. ### | ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 13 الى # 15] # ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة ~~أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13) قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (14) ويذهب غيظ قلوبهم ~~ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم (15) # قوله تعالى: ألا تقاتلون قوما قال الزجاج: هذا على وجه التوبيخ، ومعناه ~~الحض على قتالهم. قال المفسرون: وهذا نزل في نقض قريش عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الذي عاهدهم بالحديبية حيث أعانوا على خزاعة. # وفي قوله تعالى: وهموا بإخراج الرسول قولان: أحدهما: أنهم أبو سفيان في ~~جماعة من قريش، كانوا فيمن هم بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة. ~~والثاني: انهم قوم من اليهود، غدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقضوا ~~عهده وهموا بمعاونة المنافقين على إخراجه من المدينة. # قوله تعالى: وهم بدؤكم أول مرة فيه قولان: أحدهما: بدءوكم باعانتهم على ~~حلفائكم، قاله ابن عباس. والثاني: بالقتال يوم بدر، قاله مقاتل. # قوله تعالى: أتخشونهم قال الزجاج: أتخشون أن ينالكم من قتالهم مكروه؟! ~~فمكروه ms0885 عذاب الله أحق أن يخشى إن كنتم مصدقين بعذابه وثوابه. # قوله تعالى: ويشف صدور قوم مؤمنين قال ابن عباس، ومجاهد: يعني خزاعة. # قوله تعالى: ويذهب غيظ قلوبهم أي: كربها ووجدها بمعونة قريش بني بكر ~~عليها. # قوله تعالى: ويتوب الله على من يشاء قال الزجاج: هو مستأنف وليس بجواب ~~«قاتلوهم» . # وفيمن عني به قولان: أحدهما: بنو خزاعة، والمعنى: ويتوب الله على من يشاء ~~من بني خزاعة، قاله عكرمة. والثاني: أنه عام في المشركين كما تاب على أبي ~~سفيان، وعكرمة، وسهيل. والله عليم بنيات المؤمنين، حكيم فيما قضى. ### | [سورة التوبة (9) : آية 16] # أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون ~~الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (16) # قوله تعالى: أم حسبتم أن تتركوا في المخاطب بهذا قولان: أحدهما: أنهم ~~المؤمنون، خوطبوا بهذا حين شق على بعضهم القتال، قاله الأكثرون. والثاني: ~~أنهم قوم من المنافقين كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج ~~معه إلى الجهاد تعذيرا، قاله ابن عباس. وإنما دخلت الميم في الاستفهام، ~~لأنه استفهام معترض في وسط الكلام، فدخلت لتفرق بينه وبين الاستفهام ~~المبتدأ. قال الفراء: ولو أريد به الابتداء، لكان إما بالألف، أو ب «هل» ، ~~ومعنى الكلام: أن يتركوا بغير امتحان يبين به الصادق من # PageV02P241 # الكاذب. ولما يعلم الله أي: ولما تجاهدوا فيعلم الله وجود ذلك منكم وقد ~~كان يعلم ذلك غيبا، فأراد إظهار ما علم ليجازي على العمل. فأما الوليجة، ~~فقال ابن قتيبة: هي البطانة من غير المسلمين، وهو أن يتخذ الرجل من ~~المسلمين دخيلا من المشركين وخليطا ووادا وأصله من الولوج. قال أبو عبيدة: ~~وكل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في القوم وليس منهم ~~فهو وليجة فيهم. ### | ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 17 الى # 18] # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك ~~حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ms0886 الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن ~~يكونوا من المهتدين (18) # قوله تعالى: ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو: «مسجد الله» على التوحيد، «إنما يعمر مساجد الله» على الجمع. وقرأ ~~عاصم، ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي على الجمع فيهما. # (671) وسبب نزولها أن جماعة من رؤساء قريش أسروا يوم بدر فيهم العباس بن ~~عبد المطلب، فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فعيروهم بالشرك، وجعل علي بن أبي طالب يوبخ العباس بقتال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقطيعة الرحم، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا وتكتمون ~~محاسننا؟ فقالوا: # وهل لكم من محاسن؟ قالوا: نعم، لنحن أفضل منكم أجرا إنا لنعمر المسجد ~~الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، فنزلت هذه الآية، قاله ~~مقاتل في جماعة. # وفي المراد بالعمارة قولان: أحدهما: دخوله والجلوس فيه. والثاني البناء ~~له وإصلاحه فكلاهما محظور على الكافر. والمراد من قوله تعالى: ما كان ~~للمشركين أي: يجب على المسلمين منعهم من ذلك. قال الزجاج: وقوله تعالى: ~~شاهدين حال. المعنى: ما كانت لهم عمارته في حال إقرارهم بالكفر، أولئك حبطت ~~أعمالهم لأن كفرهم أذهب ثوابها. # فان قيل: كيف يشهدون على أنفسهم بالكفر، وهم يعتقدون أنهم على الصواب؟ ~~فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه قول اليهودي: أنا يهودي، وقول النصراني: أنا ~~نصراني، قاله السدي. والثاني: # أنهم ثبتوا على أنفسهم الكفر بعدولهم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وهو حق لا يخفى على مميز، فكانوا بمنزلة من شهد على نفسه. والثالث: أنهم ~~آمنوا بأنبياء شهدوا لمحمد صلى الله عليه وسلم بالتصديق، وحرضوا على ~~اتباعه، فلما آمنوا بهم وكذبوه، دلوا على كفرهم، وجرى ذلك مجرى الشهادة على ~~أنفسهم بالكفر، لأن الشهادة هي تبيين وإظهار، ذكرهما ابن الأنباري. # فان قيل: ما وجه قوله تعالى: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر ولم يذكر الرسول، والإيمان لا يتم إلا به؟ فالجواب: أن فيه دليلا على ~~الرسول، لقوله تعالى: وأقام الصلاة PageV02P242 # أي: ms0887 الصلاة التي جاء بها الرسول، قاله الزجاج. فان قيل: فعسى ترج، وفاعل ~~هذه الخصال مهتد بلا شك. فالجواب أن «عسى» من الله واجبة، قاله ابن عباس. ~~فان قيل: قد يعمر مساجد الله من ليس فيه هذه الصفات. فالجواب: أن المراد ~~أنه من كان على هذه الصفات المذكورة، كان من أهل عمارتها وليس المراد أن من ~~عمرها كان بهذه الصفة. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 19 الى 22] # أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ~~وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (19) ~~الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند ~~الله وأولئك هم الفائزون (20) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها ~~نعيم مقيم (21) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (22) # قوله تعالى: أجعلتم سقاية الحاج في سبب نزولها ستة أقوال: # (672) أحدها: رواه مسلم في «صحيحه» من حديث النعمان بن بشير قال: كنت عند ~~منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا ~~بعد الاسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال الآخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد ~~الاسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل ~~مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة، ولكني إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفتم فيه، فنزلت هذه الآية. # (673) والثاني: أن العباس بن عبد المطلب قال يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا ~~بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك ~~العاني» # ، فنزلت هذه الآية، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. # (674) والثالث: أن المشركين قالوا: عمارة البيت الحرام، والقيام على ~~السقاية، خير ممن آمن وجاهد، وكانوا يفتخرون بالحرم من أجل أنهم أهله، ~~فنزلت هذه الآية، رواه عطية العوفي عن ابن عباس. # (675) والرابع: أن عليا والعباس وطلحة- يعني سادن الكعبة- افتخروا، فقال ~~طلحة: أنا ms0888 صاحب PageV02P243 # البيت، بيدي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه. وقال العباس: أنا صاحب السقاية، ~~والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد. وقال علي: ما أدري ما تقولون، لقد ~~صليت ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فنزلت هذه الآية، قاله الحسن، ~~والشعبي، والقرظي. # (676) والخامس: أنهم لما أمروا بالهجرة قال العباس: أنا أسقي الحاج، وقال ~~طلحة: أنا صاحب الكعبة فلا نهاجر، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، قاله ~~مجاهد. # (677) والسادس: أن عليا قال للعباس: ألا تلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقال: ألست في أفضل من الهجرة، ألست أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد ~~الحرام؟ فنزلت هذه الآية والتي بعدها، قاله مرة الهمداني، وابن سيرين. # قال الزجاج: ومعنى الآية: أجعلتم أهل سقاية الحاج وأهل عمارة المسجد ~~الحرام كمن آمن بالله؟ # فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. قال الحسن: كان ينبذ زبيب، فيسقون ~~الحاج في الموسم. # وقال ابن عباس: عمارة المسجد: تجميره، وتخليقه، فأخبر الله أن أفعالهم ~~تلك لا تنفعهم مع الشرك، وسماهم ظالمين لشركهم. # قوله تعالى: أعظم درجة قال الزجاج: هو منصوب على التمييز. والمعنى: أعظم ~~من غيرهم درجة. والفائز: الذي يظفر بأمنيته من الخير. فأما النعيم، فهو لين ~~العيش. والمقيم: الدائم. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 23] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر ~~على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (23) # قوله تعالى: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء في سبب نزولها خمسة أقوال: # (678) أحدها: أنه لما أمر المسلمون بالهجرة، جعل الرجل يقول لأهله: إنا ~~قد أمرنا بالهجرة، فمنهم من يسرع إلى ذلك، ومنهم من يتعلق به عياله وزوجته ~~فيقولون: ننشدك الله أن تدعنا إلى غير شيء، فيرق قلبه فيجلس معهم، فنزلت ~~هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # (679) والثاني: أنه لما أمر الله المؤمنين بالهجرة، قال المسلمون: يا نبي ~~الله، إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين، قطعنا آباءنا وعشائرنا، وذهبت ~~تجارتنا، وخربت ديارنا، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك عن ابن عباس. ~~PageV02P244 # (680) والثالث: أنه لما قال العباس: ms0889 أنا أسقي الحاج، وقال طلحة: أنا أحجب ~~الكعبة فلا نهاجر، نزلت هذه الآية والتي قبلها، هذا قول قتادة، وقد ذكرناه ~~عن مجاهد. # (681) والرابع: أن نفرا ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، فنهى الله عن ~~ولايتهم، وأنزل هذه الآية، قاله مقاتل. # (682) والخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر الناس بالجهاز لنصرة ~~خزاعة على قريش، قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، نعاونهم على قومنا؟ ~~فنزلت هذه الآية، ذكره أبو سليمان الدمشقي. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 24] # قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (24) # قوله تعالى: قل إن كان آباؤكم الآية، في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (683) أحدها: أنها نزلت في الذين تخلفوا مع عيالهم بمكة ولم يهاجروا، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. # (684) والثاني: أن علي بن أبي طالب قدم مكة، فقال لقوم: ألا تهاجرون؟ ~~فقالوا: نقيم مع إخواننا وعشائرنا ومساكننا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن ~~سيرين. # (685) والثالث: أنه لما نزلت الآية التي قبلها، قالوا: يا رسول الله، إن ~~نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين، قطعنا آباءنا وعشيرتنا، وذهبت تجارتنا، ~~وخربت ديارنا، فنزلت هذه الآية، ذكره بعض المفسرين في هذه الآية، وذكره ~~بعضهم في الآية الأولى كما حكيناه عن ابن عباس. # فأما العشيرة، فهم الأقارب الأدنون. وروى أبو بكر عن عاصم «وعشيراتكم» ~~على الجمع. قال أبو علي: وجهه أن كل واحد من المخاطبين له عشيرة، فاذا جمعت ~~قلت: عشيراتكم وحجة من افرد: أن العشيرة واقعة على الجمع، فاستغنى بذلك عن ~~جمعها. وقال الأخفش: لا تكاد العرب تجمع عشيرة: عشيرات، إنما يجمعونها على ~~عشائر. والاقتراف بمعنى الاكتساب. والتربص: الانتظار. # وفي قوله تعالى: حتى يأتي الله بأمره قولان: أحدهما: أنه فتح مكة، قاله ~~مجاهد والأكثرون، ومعنى الآية: إن كان المقام في أهاليكم، وكانت الأموال ~~التي اكتسبتموها وتجارة تخشون كسادها لفراقكم بلدكم ومساكن ترضونها أحب ~~إليكم من الهجرة، فأقيموا ms0890 غير مثابين، حتى PageV02P245 # تفتح مكة، فيسقط فرض الهجرة. والثاني: أنه العقاب، قاله الحسن. ### | [سورة التوبة (9) : آية 25] # لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم ~~شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) # قوله تعالى: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة أي: في أماكن. قال الفراء: ~~وكل جمع كانت فيه ألف قبلها حرفان وبعدها حرفان لم يجر، مثل، صوامع، ~~ومساجد: وجري «حنين» لأنه اسم لمذكر، وهو واد بين مكة والطائف، وإذا سميت ~~ماء أو واديا أو جبلا باسم مذكر لا علة فيه، أجريته، من ذلك: حنين، وبدر، ~~وحراء، وثبير، ودابق. ومعنى الآية: أن الله عز وجل أعلمهم أنهم إنما يغلبون ~~بنصر الله لا بكثرتهم. وفي عددهم يوم حنين أربعة أقوال: أحدها: أنهم كانوا ~~ستة عشر ألفا، رواه عطاء عن ابن عباس. والثاني: عشرة آلاف، رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس. والثالث: كانوا اثني عشر ألفا، قاله قتادة، وابن زيد، وابن ~~إسحاق، والواقدي. والرابع: أحد عشر ألفا وخمسمائة، قاله مقاتل. قال ابن ~~عباس: # (686) فقال ذلك اليوم سلمة بن سلامة بن وقش، وقد عجب لكثرة الناس: لن ~~نغلب اليوم من قلة، فساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه، ووكلوا إلى ~~كلمة الرجل، فذلك قوله تعالى إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا. وقال ~~سعيد بن المسيب: القائل لذلك أبو بكر الصديق. وحكى ابن جرير أن القائل لذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» . وقيل: بل العباس. وقيل: رجل من بني ~~بكر. # قوله تعالى: وضاقت عليكم الأرض بما رحبت أي: برحبها. قال الفراء: والباء ~~هاهنا بمنزلة «في» كما تقول: ضاقت عليكم الأرض في رحبها وبرحبها. # (الإشارة إلى القصة) قال أهل العلم بالسيرة: لما فتح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مكة، تآمر عليه أشراف هوازن وثقيف، فجاؤوا حتى نزلوا أوطاس «2» ، ~~وأجمعوا المسير إليه، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ~~التقوا أعجبتهم كثرتهم فهزموا. # (687) وقال البراء بن عازب: لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على ms0891 ~~الغنائم، فأقبلوا بالسهام، فانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. PageV02P246 # وبعضهم يقول: ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ جماعة من أصحابه ~~منهم أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس، وأبو سفيان بن الحارث. وبعضهم يقول: لم ~~يبق معه سوى العباس وأبي سفيان. # (688) فجعل النبي يقول للعباس: «ناد: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة، ~~يا أصحاب سورة البقرة» فنادى، وكان صيتا، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى ~~أولادها، يقولون: يا لبيك، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى قتالهم، ~~فقال: «الآن حمي الوطيس، أنا النبي لا كذب، انا ابن عبد المطلب» ثم قال ~~للعباس: «ناولني حصيات» فناوله، فقال: «شاهت الوجوه» ورمى بها، وقال: ~~«انهزموا ورب الكعبة» ، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا. # (689) وقيل: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من تراب، فرماهم به ~~فانهزموا. وكانوا يقولون: ما بقي منا أحد إلا امتلأت عيناه بالتراب. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 26 الى 27] # ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب ~~الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (26) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ~~والله غفور رحيم (27) # قوله تعالى: ثم أنزل الله سكينته أي: بعد الهزيمة. قال أبو عبيدة: هي ~~فعيلة من السكون، وأنشد: # لله قبر غالها ماذا يجن ... لقد أجن سكينة ووقارا «1» # وكذلك قال المفسرون: الأمن والطمأنينة. # قوله تعالى: وأنزل جنودا لم تروها قال ابن عباس: يعني الملائكة. وفي ~~عددهم يومئذ ثلاثة أقوال: أحدها: ستة عشر ألفا، قاله الحسن. والثاني: خمسة ~~آلاف، قاله سعيد بن جبير. والثالث: # ثمانية، قاله مجاهد، يعني: ثمانية آلاف. وهل قاتلت الملائكة يومئذ، أم ~~لا؟ فيه قولان. وفي قوله تعالى: وعذب الذين كفروا أربعة أقوال: أحدها: ~~بالقتل، قاله ابن عباس والسدي. والثاني: # بالقتل والهزيمة، قاله ابن أبزى ومقاتل. والثالث: بالخوف والحذر، ذكره ~~الماوردي. والرابع: بالقتل والأسر وسبي الأولاد وأخذ الأموال، ذكره بعض ~~ناقلي التفسير. # قوله تعالى: ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء أي: يوفقه للتوبة من ~~الشرك. ms0892 ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 28] # يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم ~~حكيم (28) PageV02P247 # قوله تعالى: إنما المشركون نجس قال أبو عبيدة: معناه: قذر. قال الزجاج: ~~يقال لكل شيء مستقذر: نجس. وقال الفراء: لا تكاد العرب تقول: نجس، إلا ~~وقبلها رجس، فاذا أفردوها قالوا: # نجس. وفي المراد بكونهم نجسا ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنهم أنجاس ~~الأبدان، كالكلب والخنزير، حكاه الماوردي عن الحسن، وعمر بن عبد العزيز. ~~وروى ابن جرير عن الحسن قال: من صافحهم فليتوضأ. والثاني: أنهم كالأنجاس ~~لتركهم ما يجب عليهم من غسل الجنابة، وإن لم تكن أبدانهم أنجاسا، قاله ~~قتادة. والثالث: أنه لما كان علينا اجتنابهم كما تجتنب الأنجاس، صاروا بحكم ~~الاجتناب كالأنجاس، وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح. # قوله تعالى فلا يقربوا المسجد الحرام قال أهل التفسير: يريد جميع الحرم. ~~بعد عامهم هذا وهو سنة تسع من الهجرة، وهي السنة التي حج فيها أبو بكر ~~الصديق وقرئت (براءة) . وقد أخذ أحمد رضي الله عنه بظاهر الآية، وأنه يحرم ~~عليهم دخول الحرم، وهو قول مالك، والشافعي. # واختلفت الرواية عنه في دخولهم غير المسجد الحرام من المساجد، فروي عنه ~~المنع أيضا إلا لحاجة، كالحرم، وهو قول مالك. وروي عنه جواز ذلك، وهو قول ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز لهم دخول المسجد الحرام، وسائر المساجد «2» ~~. # قوله تعالى: وإن خفتم عيلة وقرأ سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، والشعبي، ~~وابن السميفع: «عايلة» . # (690) قال سعيد بن جبير: لما نزلت إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا PageV02P248 # شق على المسلمين، وقالوا: من يأتينا بطعامنا؟ وكانوا يقدمون عليهم ~~بالتجارة، فنزلت وإن خفتم عيلة قال الأخفش: العيلة: الفقر. يقال: عال يعيل ~~عيلة: إذا افتقر. وأعال إعالة فهو يعيل: # إذا صار صاحب عيال. وقال أبو عبيدة: العيلة ها هنا مصدر عال فلان: إذا ~~افتقر، وأنشد: # وما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل «1» # وللمفسرين في ms0893 قوله: «وإن» قولان: أحدهما: أنها للشرط، وهو الأظهر. ~~والثاني: أنها بمعنى «وإذ» ، قاله عمرو بن فائد. قالوا: وإنما خاف المسلمون ~~الفقر، لأن المشركين كانوا يحملون التجارات إليهم، ويجيئون بالطعام وغيره. ~~وفي قوله تعالى: فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~أنزل عليهم المطر عند انقطاع المشركين عنهم، فكثر خيرهم، قاله عكرمة. ~~والثاني: # أنه أغناهم بالجزية المأخوذة من أهل الكتاب، قاله قتادة، والضحاك. ~~والثالث: أن أهل نجد، وجرش، وأهل صنعاء أسلموا، فحملوا الطعام إلى مكة على ~~الظهر، فأغناهم الله به، قاله مقاتل. قوله تعالى: # إن الله عليم قال ابن عباس: عليم بما يصلحكم حكيم فيما حكم في المشركين. ### | [سورة التوبة (9) : آية 29] # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون (29) # قوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله قال المفسرون: نزلت في اليهود ~~والنصارى. قال الزجاج: ومعناها: لا يؤمنون بالله إيمان الموحدين، لأنهم ~~أقروا بأنه خالقهم وأنه له ولد، وكذلك إيمانهم بالبعث لأنهم لا يقرون بأن ~~أهل الجنة يأكلون ويشربون. وقال الماوردي: إقرارهم باليوم الآخر يوجب ~~الإقرار بحقوقه، وهم لا يقرون بها، فكانوا كمن لا يقر به. # قوله تعالى: ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله قال سعيد بن جبير: يعني الخمر ~~والخنزير. قوله تعالى: ولا يدينون دين الحق في الحق قولان: أحدهما: أنه اسم ~~الله، فالمعنى: دين الله، قاله قتادة. والثاني: أنه صفة للدين، والمعنى: ~~ولا يدينون الدين الحق فاضاف الاسم إلى الصفة. وفي معنى «يدينون» قولان: ~~أحدهما: أنه بمعنى الطاعة، والمعنى: لا يطيعون الله طاعة حق، قاله أبو ~~عبيدة. والثاني: أنه من: دان الرجل يدين كذا: إذا التزمه. ثم في جملة ~~الكلام قولان: أحدهما: أن المعنى: لا يدخلون في دين محمد صلى الله عليه ~~وسلم، لأنه ناسخ لما قبله. والثاني: لا يعملون بما في التوراة من اتباع ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: حتى يعطوا الجزية ms0894 قال ابن الأنباري: الجزية: الخراج المجعول ~~عليهم سميت جزية، لانها قضاء لما عليهم أخذ من قولهم: جزى يجزي: إذا قضى ~~ومنه قوله تعالى: لا تجزي نفس عن نفس شيئا «2» . PageV02P249 # (691) وقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تجزي عن أحد بعدك» . # وفي قوله تعالى: عن يد ستة أقوال: أحدها: عن قهر، قاله قتادة، والسدي. ~~وقال الزجاج: # عن قهر وذل. والثاني: أنه النقد العاجل، قاله شريك، وعثمان بن مقسم. ~~والثالث: أنه إعطاء المبتدئ بالعطاء، لا إعطاء المكافئ، قاله ابن قتيبة. ~~والرابع: أن المعنى: عن اعتراف للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم. والخامس: ~~عن إنعام عليهم بذلك لأن قبول الجزية منهم إنعام عليهم، حكاهما الزجاج. # والسادس: يؤدونها بأيديهم، ولا ينفذونها مع رسلهم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: وهم صاغرون الصاغر: الذليل الحقير. وفي ما يكلفونه من الفعل ~~الذي يوجب صغارهم خمسة أقوال: أحدها: أن يمشوا بها ملبيين، رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس. والثاني: أن لا يحمدوا على إعطائهم، قاله سلمان الفارسي. ~~والثالث: أن يكونوا قياما والآخذ جالسا، قاله عكرمة. # والرابع: أن دفع الجزية هو الصغار. والخامس: أن إجراء أحكام الإسلام ~~عليهم هو الصغار. # (فصل:) واختلف في الذين تؤخذ منهم الجزية من الكفار، فالمشهور عن أحمد: ~~أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى والمجوس، وبه قال الشافعي. ونقل الحسن ~~بن ثواب عن أحمد: أنه من سبي من أهل الأديان من العرب والعجم، فالعرب إن ~~أسلموا، وإلا السيف، وأولئك إن أسلموا، وإلا الجزية فظاهر هذا أن الجزية ~~تؤخذ من الكل، إلا من عابدي الأوثان من العرب فقط، وهو قول أبي حنيفة، ~~ومالك «1» . # (فصل:) فأما صفة الذين تؤخذ منهم الجزية، فهم أهل القتال. فأما الزمن، ~~والأعمى، والمفلوج، والشيخ الفاني، والنساء، والصبيان، والراهب الذي لا ~~يخالط الناس، فلا تؤخذ منهم. # (فصل:) فأما مقدارها، فقال أصحابنا: على الموسر: ثمانية وأربعون درهما، ~~وعلى المتوسط: # أربعة وعشرون، وعلى الفقير المعتمل: اثنا عشر، وهو قول أبي حنيفة. وقال ~~مالك: على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعون درهما، وسواء في ~~ذلك الغني ms0895 والفقير. وقال الشافعي: # على الغني والفقير دينار. وهل تجوز الزيادة والنقصان مما يؤخذ منهم؟ نقل ~~الأثرم عن أحمد: أنها تزاد وتنقص على قدر طاقتهم، فظاهر هذا: أنها على ~~اجتهاد الإمام ورأيه. ونقل يعقوب بن بختان: أنه PageV02P250 # لا يجوز للامام أن ينقص من ذلك، وله أن يزيد. # (فصل:) ووقت وجوب الجزية: آخر الحول، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: ~~تجب في أول الحول. فأما إذا دخلت سنة في سنة، فهل تسقط جزية السنة الماضية؟ ~~عندنا لا تسقط، وقال أبو حنيفة: # تسقط. فأما إذا أسلم، فانها تسقط بالإسلام. فأما إن مات فكان ابن حامد ~~يقول: لا تسقط. وقال القاضي أبو يعلى: يحتمل أن تسقط. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 30 الى 31] # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم ~~بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30) ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) # قوله تعالى: وقالت اليهود عزير ابن الله قرأ أبن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وحمزة: «عزير ابن الله» بغير تنوين. وقرأ عاصم، والكسائي، ~~ويعقوب، وعبد الوارث عن أبي عمرو: # منونا. قال مكي بن أبي طالب: من نون عزيرا رفعه على الابتداء، و «ابن» ~~خبره. ولا يحسن حذف التنوين على هذا من «عزير» لالتقاء الساكنين. ولا تحذف ~~ألف «ابن» من الخط، ويكسر التنوين لالتقاء الساكنين. ومن لم ينون «عزيرا» ~~جعله أيضا مبتدأ، و «ابن» صفة له فيحذف التنوين على هذا استخفافا لالتقاء ~~الساكنين، ولأن الصفة مع الموصوف الشيء الواحد، وتحذف ألف «ابن» من الخط، ~~والخبر مضمر تقديره: عزير بن الله نبينا وصاحبنا. # (692) وسبب نزولها أن سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك ~~بن الصيف، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت ~~قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزير ابن الله؟ # فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. وقال ابن عمر، وابن ms0896 جريج: إن القائل ~~لذلك فنحاص. # فأما عزير، فقال شيخنا أبو منصور اللغوي: هو اسم أعجمي معرب، وإن وافق ~~لفظ العربية، فهو عبراني كذا قرأته عليه. وقال مكي بن أبي طالب: العزير عند ~~كل النحويين: عربي مشتق من قوله: # يعزروه. وقال ابن عباس: إنما قالوا ذلك، لأنهم لما عملوا بغير الحق، ~~أنساهم الله التوراة، ونسخها من صدورهم، فدعا عزير الله تعالى فعاد إليه ~~الذي نسخ من صدورهم، ونزل نور من السماء فدخل جوفه، فأذن في قومه فقال: قد ~~آتاني الله التوراة فقالوا: ما أوتيها إلا لأنه ابن الله. وفي رواية أخرى ~~عن ابن عباس: أن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل، وهدم بيت المقدس، وقتل من ~~قرأ التوراة، كان عزير غلاما، فتركه. فلما توفي عزير ببابل، ومكث مائة عام، ~~ثم بعثه الله تعالى إلى بني اسرائيل، فقال: أنا عزير فكذبوه وقالوا: قد ~~حدثنا آباؤنا أن عزيرا مات ببابل، فان كنت عزيرا فأملل علينا التوراة ~~فكتبها لهم فقالوا: هذا ابن الله. وفي الذين قالوا هذا عن عزير ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنهم PageV02P251 # جميع بني اسرائيل، روي عن ابن عباس. والثاني: طائفة من سلفهم، قاله ~~الماوردي. والثالث: جماعة كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وفيهم قولان: أحدهما: فنحاص وحده، وقد ذكرناه عن ابن عمر، وابن جريج. ~~والثاني: الذين ذكرناهم في أول الآية عن ابن عباس. # فان قيل: إن كان قول بعضهم، فلم أضيف إلى جميعهم؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أن إيقاع اسم الجماعة على الواحد معروف في اللغة، تقول العرب: ~~جئت من البصرة على البغال، وإن كان لم يركب إلا بغلا واحدا. والثاني: أن من ~~لم يقله، لم ينكره. # قوله تعالى: وقالت النصارى المسيح ابن الله في سبب قولهم هذا قولان: # أحدهما: لكونه ولد من غير ذكر. # والثاني: لأنه أحيى الموتى، وأبرأ الكمة والبرص وقد شرحنا هذا المعنى في ~~(المائدة) . # قوله تعالى: ذلك قولهم بأفواههم إن قال قائل: هذا معلوم، فما فائدته؟ ~~فالجواب: أن معنى أنه قول بالفم، لا بيان فيه ولا ms0897 برهان ولا تحته معنى ~~صحيح، قاله الزجاج. # قوله تعالى: يضاهؤن قرأ الجمهور: من غير همز. وقرأ عاصم: «يضاهئون» . قال ~~ثعلب: # لم يتابع عاصما أحد على الهمز. قال الفراء: وهي لغة. قال الزجاج: يضاهون: ~~يشابهون قول من تقدمهم من كفرتهم، فانما قالوه اتباعا لمتقدميهم. وأصل ~~المضاهاة في اللغة: المشابهة والأكثر ترك الهمز واشتقاقه من قولهم: امرأة ~~ضهياء، وهي التي لا ينبت لها ثدي. وقيل: هي التي لا تحيض، والمعنى: أنها قد ~~أشبهت الرجال. قال ابن الأنباري: يقال: ضاهيت، وضاهأت: إذا شبهت. وفي الذين ~~كفروا ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم عبدة الأوثان، والمعنى: أن أولئك ~~قالوا: الملائكة بنات الله، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم اليهود، فالمعنى: ~~أن النصارى في قولهم: المسيح ابن الله، شابهوا اليهود في قولهم: عزير ابن ~~الله، قاله قتادة، والسدي. والثالث: أنهم أسلافهم، تابعوهم في أقوالهم ~~تقليدا، قاله الزجاج، وابن قتيبة. وفي قوله تعالى: قاتلهم الله ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أن معناه: لعنهم الله، قاله ابن عباس: والثاني: قتلهم الله، ~~قاله أبو عبيدة. والثالث: عاداهم الله، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: أنى يؤفكون أي: من أين يصرفون عن الحق. # قوله تعالى: اتخذوا أحبارهم قد سبق في (المائدة) معنى الأحبار والرهبان. # (693) وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية، فقال: ~~«أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، PageV02P252 # ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، واذا حرموا عليهم شيئا حرموه» ~~«1» . فعلى هذا المعنى: إنهم جعلوهم كالأرباب وإن لم يقولوا: إنهم أرباب. # قوله تعالى: والمسيح ابن مريم قال ابن عباس: اتخذوه ربا. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 32] # يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكافرون (32) # قوله تعالى: يريدون أن يطفؤا نور الله قال ابن عباس: يخمدوا دين الله ~~بتكذيبهم، يعني: # أنهم يكذبون به ويعرضون عنه يريدون إبطاله بذلك. وقال الحسن وقتادة: نور ~~الله: القرآن والإسلام. # فأما تخصيص ذلك بالأفواه، فلما ذكرنا في الآية قبلها. وقيل: إن الله ~~تعالى لم يذكر قولا مقرونا بالأفواه ms0898 والألسن إلا وهو زور. قوله تعالى: ~~ويأبى الله إلا أن يتم نوره قال الفراء: إنما دخلت «إلا» ها هنا، لأن في ~~الإباء طرفا من الجحد، ألا ترى أن «أبيت» كقولك: «لم أفعل» ، فكأنه بمنزلة ~~قولك: ما ذهب إلا زيد، قال الشاعر: # فهل لي أم غيرها إن تركتها ... أبى الله إلا أن أكون لها ابنما «2» # وقال الزجاج: المعنى: ويأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره. قال مقاتل: «يتم ~~نوره» أي: يظهر دينه. ### | [سورة التوبة (9) : آية 33] # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون (33) # قوله تعالى: هو الذي أرسل رسوله يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ~~وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: PageV02P253 # أنه التوحيد. والثاني: القرآن. والثالث: تبيان الفرائض. فأما دين الحق، ~~فهو الإسلام. وفي قوله تعالى: ليظهره قولان: أحدهما: أن الهاء عائدة على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: ليعلمه شرائع الدين كلها، فلا يخفى ~~عليه منها شيء، قاله ابن عباس. والثاني: أنها راجعة إلى الدين. ثم في معنى ~~الكلام قولان: أحدهما: ليظهر هذا الدين على سائر الملل. ومتى يكون ذلك؟ فيه ~~قولان: أحدهما: عند نزول عيسى عليه السلام، فانه يتبعه أهل كل دين، وتصير ~~الملل واحدة، فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام أو أدوا الجزية، قاله ~~أبو هريرة، والضحاك. والثاني: أنه عند خروج المهدي. قاله السدي. # والقول الثاني: أن إظهار الدين إنما هو بالحجج الواضحة، وإن لم يدخل ~~الناس فيه. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 34] # يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) # قوله تعالى: إن كثيرا من الأحبار الأحبار من اليهود، والرهبان من ~~النصارى. وفي الباطل أربعة أقوال: أحدها: أنه الظلم، قاله ابن عباس. ~~والثاني: الرشا في الحكم، قاله الحسن. # والثالث: الكذب، قاله أبو سليمان. والرابع: أخذه من الجهة المحظورة، قاله ~~القاضي أبو يعلى: # والمراد: أخذ الأموال، وإنما ذكر الأكل لأنه ms0899 معظم المقصود من المال. وفي ~~المراد بسبيل الله ها هنا قولان: أحدهما: الإيمان برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قاله ابن عباس، والسدي. والثاني: أنه الحق في الحكم. # قوله تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة ~~أقوال «1» : أحدها: # أنها نزلت عامة في أهل الكتاب والمسلمين، قاله أبو ذر، والضحاك. والثاني: ~~أنها خاصة في أهل الكتاب، قاله معاوية بن أبي سفيان. والثالث: أنها في ~~المسلمين، قاله ابن عباس، والسدي. وفي الكنز المستحق عليه هذا الوعيد ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه ما لم تؤد زكاته. # (694) قال ابن عمر: كل مال أديت زكاته وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنز، ~~وكل مال لا PageV02P254 # تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرا على وجه الأرض، وإلى هذا المعنى ذهب ~~الجمهور. فعلى هذا، معنى الإنفاق: إخراج الزكاة. والثاني: أنه ما زاد على ~~أربعة آلاف، روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: أربعة آلاف نفقة، وما فوقها ~~كنز. والثالث: ما فضل عن الحاجة، وكان يجب عليهم إخراج ذلك في أول الإسلام ~~ثم نسخ بالزكاة. # فان قيل: كيف قال: «ينفقونها» وقد ذكر شيئين؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أن المعنى: يرجع إلى الكنوز والأموال. # والثاني: أنه يرجع إلى الفضة، وحذف الذهب، لأنه داخل في الفضة، قال ~~الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف «1» # يريد: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض، ذكر القولين الزجاج. وقال ~~الفراء: إن شئت اكتفيت بأحد المذكورين، كقوله تعالى: ومن يكسب خطيئة أو ~~إثما ثم يرم به بريئا # «2» ، وقوله تعالى: وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها «3» ، وأنشد: # إني ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبى وكان وكنت غير غدور «4» # ولم يقل: غدورين، وإنما اكتفى بالواحد لاتفاق المعنى. قال أبو عبيدة: ~~والعرب إذا أشركوا بين اثنين قصروا، فخبروا عن أحدهما استغناء بذلك، ~~وتحقيقا لمعرفة السامع بأن الآخر قد شاركه، ودخل معه في ذلك الخبر، وأنشد: # فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فاني وقيار بها لغريب «5» # والنصب في «قيار» أجود، وقد يكون ms0900 الرفع. وقال حسان بن ثابت: # إن شرخ الشباب والشعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا «6» # ولم يقل: يعاصيا. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 35] # يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) # قوله تعالى: يوم يحمى عليها أي: على الأموال. # (695) قال ابن مسعود: والله ما من رجل يكوى بكنز، فيوضع دينار على دينار ~~ولا درهم على PageV02P255 # درهم، ولكن يوسع جلده، فيوضع كل دينار. ودرهم على حدته. وقال ابن عباس: ~~هي حية تنطوي على جنبيه وجبهته، فتقول: أنا مالك الذي بخلت به «1» . # قوله تعالى: هذا ما كنزتم فيه محذوف تقديره: ويقال لهم هذا ما كنزتم ~~لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون أي: عذاب ذلك. فان قيل: لم خص الجباه ~~والجنوب والظهور من بقية البدن؟ # فالجواب: أن هذه المواضع مجوفة، فيصل الحر إلى أجوافها، بخلاف اليد ~~والرجل. # (696) وكان أبو ذر يقول: بشر الكنازين بكي في الجباه وكي في الجنوب وكي ~~في الظهور، حتى يلتقي الحر في أجوافهم. وجواب آخر: وهو أن الغني إذا رأى ~~الفقير، انقبض وإذا ضمه وإياه مجلس، ازور عنه وولاه ظهره، قاله أبو بكر ~~الوراق. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 36] # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات ~~والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا ~~المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) # قوله تعالى: إن عدة الشهور عند الله قال المفسرون: نزلت هذه الآية من أجل ~~النسيء الذي كانت العرب تفعله، فربما وقع حجهم في رمضان، وربما وقع في ~~شوال، إلى غير ذلك وكانوا يستحلون المحرم عاما، ويحرمون مكانه صفر، وتارة ~~يحرمون المحرم ويستحلون صفر. قال الزجاج: # أعلم الله عز وجل أن عدد شهور المسلمين التي تعبدوا بأن يجعلوه لسنتهم: ~~اثنا عشر شهرا على منازل القمر فجعل حجهم وأعيادهم على هذا العدد، فتارة ~~يكون الحج والصوم في الشتاء، وتارة في الصيف، بخلاف ما يعتمده أهل الكتاب، ~~فانهم ms0901 يعملون على أن السنة ثلاثمائة يوم وخمسة وستون يوما وبعض يوم. وجمهور ~~القراء على فتح عين «اثنا عشر» . وقرأ أبو جعفر: اثنا عشر، وأحد عشر، وتسعة ~~عشر، بسكون العين فيهن. # قوله تعالى: في كتاب الله أي: في اللوح المحفوظ. قال ابن عباس: في الإمام ~~الذي عند الله، كتبه يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم وفيها قولان: ~~أحدهما: أنها رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، قاله الأكثرون. وقال ~~القاضي أبو يعلى: إنما سماها حرما لمعنيين. # أحدهما: تحريم القتال فيها، وقد كان أهل الجاهلية يعتقدون ذلك أيضا. ~~والثاني: لتعظيم انتهاك المحارم فيها أشد من تعظيمه في غيرها، وكذلك تعظيم ~~الطاعات فيها. والثاني: انها الأشهر التي أجل المشركون فيها للسياحة، ذكره ~~ابن قتيبة. PageV02P256 # قوله تعالى: ذلك الدين القيم فيه قولان: أحدهما: ذلك القضاء المستقيم، ~~قاله ابن عباس. # والثاني: ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوي، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: فلا تظلموا فيهن أنفسكم اختلفوا في كناية «فيهن» على قولين: ~~أحدهما: أنها تعود على الاثني عشر شهرا، قاله ابن عباس. فعلى هذا يكون ~~المعنى: لا تجعلوا حرامها حلالا، ولا حلالها حراما، كفعل أهل النسيء. ~~والثاني: أنها ترجع إلى الأربعة الحرم، وهو قول قتادة، والفراء واحتج بأن ~~العرب تقول لما بين الثلاثة إلى العشرة: لثلاث ليال خلون، وأيام خلون فاذا ~~جزت العشرة قالوا: خلت ومضت ويقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة: هن، ~~وهؤلاء فاذا جزت العشرة، قالوا: # هي، وهذه: إرادة أن تعرف سمة القليل من الكثير. وقال ابن الأنباري: العرب ~~تعيد الهاء والنون على القليل من العدد، والهاء والألف على الكثير منه ~~والقلة: ما بين الثلاثة إلى العشرة، والكثرة: ما جاوز العشرة. يقولون: وجهت ~~إليك أكبشا فاذبحهن، وكباشا فاذبحها فلهذا قال: منها أربعة حرم وقال: فلا ~~تظلموا فيهن لأنه يعني بقوله تعالى: «فيهن» الأربعة. ومن قال من المفسرين: ~~إنه يعني بقوله تعالى «فيهن» الاثني عشر، فانه ممكن لأن العرب ربما جعلت ~~علامة القليل للكثير، وعلامة الكثير للقليل. وعلى قول من قال: ترجع «فيهن» ~~إلى الأربعة ms0902 يخرج في معنى الظلم فيهن أربعة أقوال: # أحدها: أنه المعاصي فتكون فائدة تخصيص النهي عنه بهذه الأشهر، أن شأن ~~المعاصي يعظم فيها أشد من تعظيمه في غيرها، وذلك لفضلها على ما سواها، ~~كقوله تعالى: وجبريل وميكال «1» وإن كانا قد دخلا في جملة الملائكة، وقوله: ~~فاكهة ونخل ورمان «2» وإن كانا قد دخلا في جملة الفاكهة، وقوله تعالى: فلا ~~رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج «3» وإن كان منهيا عنه في غير الحج، وكما ~~أمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى وإن كان مأمورا بالمحافظة على غيرها، هذا ~~قول الأكثرين. والثاني: أن المراد بالظلم فيهن فعل النسيء، وهو تحليل شهر ~~محرم، وتحريم شهر حلال، قاله ابن اسحاق. # والثالث: أنه البداية بالقتال فيهن فيكون المعنى: فلا تظلموا أنفسكم ~~بالقتال فيهن إلا أن تبدؤوا بالقتال، قاله مقاتل. والرابع: أنه ترك القتال ~~فيهن فيكون المعنى: فلا تظلموا فيهن أنفسكم بترك المحاربة لعدوكم، قاله ابن ~~بحر، وهو عكس قول مقاتل. والسر في أن الله تعالى عظم بعض الشهور على بعض، ~~ليكون الكف عن الهوى فيها ذريعة إلى استدامة الكف في غيرها تدريجا للنفس ~~إلى فراق مألوفها المكروه شرعا. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 37] # إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه ~~عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم ~~والله لا يهدي القوم الكافرين (37) # قوله تعالى: إنما النسيء زيادة في الكفر الجمهور على همز النسيء ومده ~~وكسر سينه. # وروى شبل عن ابن كثير: «النسء» على وزن النسع. وفي رواية أخرى عن شبل: ~~«النسي» مشددة الياء من غير همز، وهي قراءة أبي جعفر والمراد بالكلمة ~~التأخير. قال اللغويون: النسيء: تأخير الشيء. PageV02P257 # وكانت العرب تحرم الأشهر الأربعة، وكان هذا مما تمسكت به من ملة إبراهيم ~~فربما احتاجوا إلى تحليل المحرم للحرب تكون بينهم، فيؤخرون تحريم المحرم ~~إلى صفر، ثم يحتاجون إلى تأخير صفر أيضا إلى الشهر الذي بعده ثم تتدافع ~~الشهور شهرا بعد شهر حتى يستدير التحريم على السنة كلها، فكأنهم ms0903 يستنسئون ~~الشهر الحرام ويستقرضونه، فأعلم الله تعالى أن ذلك زيادة في كفرهم لأنهم ~~أحلوا الحرام وحرموا الحلال ليواطؤا أي ليوافقوا عدة ما حرم الله فلا ~~يخرجون من تحريم أربعة، ويقولون: هذه بمنزلة الأربعة الحرم، ولا يبالون ~~بتحليل الحرام وتحريم الحلال. وكان القوم لا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة ~~إذا اجتمعت العرب للموسم، قال الفراء: كانت العرب في الجاهلية إذا أرادوا ~~الصدر عن منى قام رجل من بني كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة، وكان رئيس ~~الموسم، فيقول: أنا الذي لا أعاب ولا أجاب ولا يرد لي قضاء فيقولون: أنسئنا ~~شهرا يريدون: أخر عنا حرمة المحرم، واجعلها في صفر، فيفعل ذلك. وإنما دعاهم ~~إلى ذلك توالي ثلاثة أشهر حرم لا يغيرون فيها، وإنما كان معاشهم من ~~الإغارة، فتستدير الشهور كما بينا. وقيل: إنما كانوا يستحلون المحرم عاما، ~~فاذا كان من قابل ردوه إلى تحريمه. قال أبو عبيد: والتفسير الأول أحب إلي، ~~لأن هذا القول ليس فيه استدارة. # (697) وقال مجاهد: كان أول من أظهر النسيء جنادة بن عوف الكناني، فوافقت ~~حجة أبي بكر ذا القعدة. ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم في العام المقابل ~~في ذي الحجة، فذلك حين قال: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله ~~السماوات والأرض» . وقال الكلبي: أول من فعل ذلك نعيم بن ثعلبة. # قوله تعالى: يضل به الذين كفروا وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن ~~عامر، وأبو بكر عن عاصم: «يضل» بفتح الياء وكسر الضاد، والمعنى: أنهم ~~يكتسبون الضلال به. وقرأ حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم: «يضل» بضم الياء ~~وفتح الضاد على ما لم يسم فاعله. وقرأ الحسن البصري، ويعقوب إلا الوليد: ~~«يضل» بضم الياء وكسر الضاد وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: يضل الله به. والثاني: # يضل الشيطان به، ذكرهما ابن القاسم. والثالث: يضل به الذين كفروا الناس، ~~لأنهم الذين سنوه لهم. # قال أبو علي: التقدير: يضل به الذين كفروا تابعيهم. وقال ابن القاسم: ~~الهاء في «به» راجعة إلى النسيء، وأصل النسيء: المنسوء، ms0904 أي: المؤخر، فينصرف ~~عن «مفعول» إلى «فعيل» كما قيل: مطبوخ وطبيخ، ومقدور وقدير، قال: وقيل: ~~الهاء راجعة إلى الظلم، لأن النسيء كشف تأويل الظلم، فجرى مجرى المظهر ~~والأول اختيارنا. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 38] # يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ~~إلا قليل (38) # قوله تعالى: ما لكم إذا قيل لكم انفروا. PageV02P258 # (698) قال المفسرون: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزوة تبوك، ~~وكان في زمن عسرة وجدب وحر شديد، وقد طابت الثمار، عظم ذلك على الناس ~~وأحبوا المقام، فنزلت هذه الآية. وقوله تعالى: ما لكم استفهام معناه ~~التوبيخ. وقوله تعالى: انفروا معناه: اخرجوا، وأصل النفر: مفارقة مكان إلى ~~مكان آخر لأمر هاج إلى ذلك. وقوله تعالى: اثاقلتم قال ابن قتيبة: أراد: # تثاقلتم، فأدغم التاء في الثاء، وأحدثت الألف ليسكن ما بعدها، وأراد: ~~قعدتم. وفي قراءة ابن مسعود، والأعمش: «تثاقلتم» . وفي معنى إلى الأرض ~~ثلاثة أقوال: أحدها: تثاقلتم إلى شهوات الدنيا حين أخرجت الأرض ثمرها، قاله ~~مجاهد. والثاني: اطمأننتم إلى الدنيا، قاله الضحاك. والثالث: تثاقلتم إلى ~~الإقامة بأرضكم، قاله الزجاج. # قوله تعالى: أرضيتم بالحياة الدنيا أي: بنعيمها من نعيم الآخرة، فما ~~يتمتع به في الدنيا قليل بالإضافة إلى ما يتمتع به الأولياء في الجنة. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 39] # إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله ~~على كل شيء قدير (39) # قوله تعالى: إلا تنفروا يعذبكم. # (699) سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حثهم على غزو ~~الروم تثاقلوا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. وقال قوم: هذه خاصة فيمن ~~استنفره رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفر. # (700) قال ابن عباس: استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا من أحياء ~~العرب فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم المطر فكان عذابهم. # وفي قوله تعالى: ويستبدل قوما غيركم وعيد شديد في التخلف عن الجهاد، ~~وإعلام بأنه يستبدل لنصر ms0905 نبيه قوما غير متثاقلين. ثم أعلمهم أنهم إن تركوا ~~نصره لم يضروه، كما لم يضرره ذلك إذ كان بمكة. وفي هاء «تضروه» قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله، والمعنى: لا تضروا الله بترك النفير، قاله ~~الحسن. # والثاني: أنها ترجع إلى رسول الله. فالمعنى: لا تضروه بترك نصره، قاله ~~الزجاج. # (فصل:) وقد روي عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، قالوا: نسخ قوله تعالى: إلا ~~تنفروا يعذبكم عذابا أليما PageV02P259 # بقوله: وما كان المؤمنون لينفروا كافة «1» . وقال أبو سليمان الدمشقي: # ليس هذا من المنسوخ، إذ لا تنافي بين الآيتين، وإنما حكم كل آية قائم في ~~موضعها. وذكر القاضي أبو يعلى عن بعض العلماء أنهم قالوا: ليس ها هنا نسخ، ~~ومتى لم يقاوم أهل الثغور العدو، ففرض على الناس النفير إليهم، ومتى ~~استغنوا عن إعانة من وراءهم، عذر القاعدون عنهم. وقال قوم: هذا في غزوة ~~تبوك، ففرض على الناس النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 40] # إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده ~~بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله ~~عزيز حكيم (40) # قوله تعالى: إلا تنصروه أي: بالنفير معه فقد نصره الله إعانة على أعدائه، ~~إذ أخرجه الذين كفروا حين قصدوا إهلاكه على ما شرحنا في قوله تعالى: وإذ ~~يمكر بك الذين كفروا «2» فأعلمهم أن نصره ليس بهم. # قوله تعالى: ثاني اثنين العرب تقول: هو ثاني اثنين، أي: أحد الاثنين، ~~وثالث ثلاثة، أي: # أحد الثلاثة، قال الزجاج: وقوله تعالى: ثاني اثنين منصوب على الحال ~~المعنى: فقد نصره الله أحد اثنين، أي: نصره منفردا إلا من أبي بكر، وهذا ~~معنى قول الشعبي: عاتب الله أهل الأرض جميعا في هذه الآية غير أبي بكر. ~~وقال ابن جرير: المعنى: أخرجوه وهو أحد الاثنين، وهما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأبو بكر. فأما الغار، فهو ثقب ms0906 في الجبل، وقال ابن فارس: الغار: ~~الكهف، والغار: نبت طيب الريح، والغار: الجماعة من الناس، والغاران: البطن ~~والفرج، وهما الأجوفان، يقال: إنما هو عبد غاريه قال الشاعر: # ألم تر أن الدهر يوم وليلة ... وأن الفتى يسعى لغاريه دائبا «3» # قال قتادة: وهذا الغار في جبل بمكة يقال له: ثور. قال مجاهد: مكثا فيه ~~ثلاثا. وقد ذكرت حديث الهجرة في كتاب «الحدائق» . PageV02P260 # (701) قال أنس بن مالك: أمر الله عز وجل شجرة فنبتت في وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فسترته، وأمر العنكبوت فنسجت في وجهه، وأمر حمامتين وحشيتين ~~فوقعتا في فم الغار، فلما دنوا من الغار، عجل بعضهم لينظر، فرأى حمامتين، ~~فرجع فقال: رأيت حمامتين على فم الغار، فعلمت أنه ليس فيه أحد. # (702) وقال مقاتل: جاء القائف فنظر إلى الأقدام فقال: هذه قدم ابن أبي ~~قحافة، والأخرى لا أعرفها، إلا أنها تشبه القدم التي في المقام. وصاحبه في ~~هذه الآية أبو بكر. # (703) وكان أبو بكر قد بكى لما مر المشركون على باب الغار، فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» ؟ # وفي السكينة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الرحمة، قاله ابن عباس. والثاني: ~~الوقار، قاله قتادة. # والثالث: السكون والطمأنينة، قاله ابن قتيبة، وهو أصح. وفي هاء «عليه» ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى أبي بكر، وهو قول علي بن أبي طالب، وابن ~~عباس، وحبيب بن أبي ثابت. واحتج من نصر هذا القول بأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان مطمئنا. والثاني: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ~~مقاتل. والثالث: أن الهاء ها هنا في معنى تثنية، والتقدير: فأنزل الله ~~سكينته عليهما، فاكتفى باعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما، كقوله ~~تعالى: والله ورسوله أحق أن يرضوه «1» ، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: وأيده أي: قواه، يعني النبي صلى الله عليه وسلم بلا خلاف. ~~بجنود لم تروها وهم الملائكة. ومتى كان ذلك؟ فيه قولان: أحدهما: يوم بدر، ~~ويوم الأحزاب، ويوم حنين، قاله ابن عباس. والثاني: لما كان ms0907 في الغار، صرفت ~~الملائكة وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته، قاله الزجاج. # فان قيل: إذا وقع الاتفاق أن هاء الكناية في «أيده» ترجع إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فكيف تفارقها هاء «عليه» وهما متفقان في نظم الكلام؟ # فالجواب: أن كل حرف يرد إلى الأليق به، والسكينة إنما يحتاج إليها ~~المنزعج، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم منزعجا. فأما التأييد ~~بالملائكة، فلم يكن إلا للنبي صلى الله عليه وسلم ونظير هذا قوله تعالى: ~~لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه «2» يعني النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وتسبحوه يعني الله عز وجل. PageV02P261 # قوله تعالى: وجعل كلمة الذين كفروا السفلى فيها قولان: أحدهما: أن كلمة ~~الكافرين الشرك، جعلها الله السفلى لأنها مقهورة، وكلمة الله وهي التوحيد، ~~هي العليا، لأنها ظهرت، هذا قول الأكثرين. والثاني: أن كلمة الكافرين ما ~~قدروا بينهم في الكيد به ليقتلوه، وكلمة الله أنه ناصره، رواه عطاء عن ابن ~~عباس. وقرأ ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، ويعقوب: «وكلمة ~~الله» بالنصب. # قوله تعالى: والله عزيز أي: في انتقامه من الكافرين حكيم في تدبيره. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 41] # انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون (41) # قوله تعالى: انفروا خفافا وثقالا. # (704) سبب نزولها أن المقداد جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ~~عظيما سمينا، فشكا إليه وسأله أن يأذن له، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. # وفي معنى «خفافا وثقالا» أحد عشر قولا: أحدها: شيوخا وشبابا، رواه أنس عن ~~أبي طلحة، وبه قال الحسن، والشعبي، وعكرمة، ومجاهد، وأبو صالح، وشمر بن ~~عطية، وابن زيد في آخرين. # والثاني: رجالة وركبانا، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الأوزاعي. ~~والثالث: نشاطا وغير نشاط، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، ~~ومقاتل. والرابع: أغنياء وفقراء، روي عن ابن عباس. ثم في معنى هذا الوجه ~~قولان: أحدهما: أن الخفاف: ذوو العسرة وقلة العيال، والثقال: ذوو العيال ~~والميسرة، قاله الفراء. والثاني: أن الخفاف: أهل الميسرة، والثقال: أهل ~~العسرة، ms0908 حكي عن الزجاج. # والخامس: ذوي عيال، وغير ذوي عيال. قاله زيد بن أسلم. والسادس: ذوي ضياع، ~~وغير ذوي ضياع، قاله ابن زيد. والسابع: ذوي أشغال، وغير ذوي أشغال، قاله ~~الحكم. والثامن: أصحاء، ومرضى، قاله مرة الهمداني، وجويبر. والتاسع: عزابا ~~ومتأهلين، قاله يمان بن رئاب. والعاشر: خفافا إلى الطاعة، وثقالا عن ~~المخالفة، ذكره الماوردي. والحادي عشر: خفافا من السلاح، وثقالا بالاستكثار ~~منه، ذكره الثعلبي. # (فصل:) روى عطاء الخراساني عن ابن عباس ان هذه الآية منسوخة بقوله «1» ~~تعالى: PageV02P262 # وما كان المؤمنون لينفروا كافة «1» . وقال السدي: نسخت بقوله تعالى: ليس ~~على الضعفاء ولا على المرضى «2» . # قوله تعالى: وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم قال القاضي أبو يعلى: أوجب الجهاد ~~بالمال والنفس جميعا، فمن كان له مال وهو مريض أو مقعد أو ضعيف لا يصلح ~~للقتال، فعليه الجهاد بماله، بأن يعطيه غيره فيغزو به، كما يلزمه الجهاد ~~بنفسه إذا كان قويا. وإن كان له مال وقوة، فعليه الجهاد بالنفس والمال. ومن ~~كان معدما عاجزا، فعليه الجهاد بالنصح لله ورسوله، لقوله تعالى: ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله «3» . # قوله تعالى: ذلكم خير لكم فيه قولان: أحدهما: ذلكم الجهاد خير لكم من ~~تركه والتثاقل عنه. والثاني: ذلكم الجهاد خير حاصل لكم إن كنتم تعلمون ما ~~لكم من الثواب. ### | [سورة التوبة (9) : آية 42] # لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون ~~بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42) # قوله تعالى: لو كان عرضا قريبا قال المفسرون: نزلت في المنافقين الذين ~~تخلفوا عن غزوة تبوك. ومعنى الآية: لو كان ما دعوا إليه عرضا قريبا. ~~والعرض: كل ما عرض لك من منافع الدنيا، فالمعنى: لو كانت غنيمة قريبة، أو ~~كان سفرا قاصدا، أي: سهلا قريبا، لاتبعوك طمعا في المال ولكن بعدت عليهم ~~الشقة قال ابن قتيبة: الشقة: السفر وقال الزجاج: الشقة: الغاية التي تقصد ~~وقال ابن فارس: الشقة: مصير إلى أرض بعيدة، تقول: شقة شاقة. # قوله تعالى: وسيحلفون بالله ms0909 يعني المنافقين إذا رجعتم إليهم لو استطعنا ~~وقرأ زائدة عن الأعمش، والأصمعي عن نافع: «لو استطعنا» بضم الواو، وكذا أين ~~وقع، مثل: لو اطلعت عليهم «4» ، كأنه لما احتيج إلى حركة الواو، حركت بالضم ~~لأنها أخت الواو، والمعنى: لو قدرنا وكان لنا سعة في المال. يهلكون أنفسهم ~~بالكذب والنفاق والله يعلم إنهم لكاذبون لأنهم كانوا أغنياء ولم يخرجوا. ### | [سورة التوبة (9) : آية 43] # عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43) # قوله تعالى: عفا الله عنك لم أذنت لهم كان عليه السلام قد أذن لقوم من ~~المنافقين في التخلف لما خرج إلى تبوك، قال ابن عباس: ولم يكن يومئذ يعرف ~~المنافقين. # (705) قال عمرو بن ميمون: اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولم يؤمر بهما: أذنه للمنافقين، وأخذه PageV02P263 # الفداء من الأسارى فعاتبه الله كما تسمعون. قال مورق: عاتبه ربه بهذا. ~~وقال سفيان بن عيينة: انظر إلى هذا اللطف، بدأه بالعفو قبل أن يعيره ~~بالذنب. وقال ابن الأنباري: لم يخاطب بهذا لجرم أجرمه، لكن الله وقره ورفع ~~من شأنه حين افتتح الكلام بقوله تعالى: عفا الله عنك كما يقول الرجل ~~لمخاطبه إذا كان كريما عليه: عفا الله عنك، ما صنعت في حاجتي؟ ورضي الله ~~عنك، هلا زرتني. # قوله تعالى: حتى يتبين لك الذين صدقوا فيه قولان: أحدهما: أن معناه: حتى ~~تعرف ذوي العذر في التخلف ممن لا عذر له. والثاني: لو لم تأذن لهم لقعدوا ~~وبان لك كذبهم في اعتذارهم. قال قتادة: ثم إن الله تعالى نسخ هذه الآية ~~بقوله تعالى: فأذن لمن شئت منهم «1» . ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 44 الى 45] # لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~والله عليم بالمتقين (44) إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون (45) # قوله تعالى: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله قال ابن عباس: هذا تعيير ~~للمنافقين حين استأذنوا في القعود. قال الزجاج: أعلم الله عز وجل نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن علامة ms0910 النفاق في ذلك الوقت الاستئذان. # (فصل:) وروي عن ابن عباس أنه قال: نسخت هذه الآية بقوله تعالى: لم يذهبوا ~~حتى يستأذنوه «2» إلى آخر الآية. قال أبو سليمان الدمشقي: وليس للنسخ ها ~~هنا مدخل، لإمكان العمل بالآيتين، وذلك أنه إنما عاب على المنافقين أن ~~يستأذنوه في القعود عن الجهاد من غير عذر، وأجاز للمؤمنين الاستئذان لما ~~يعرض لهم من حاجة، وكان المنافقون إذا كانوا معه فعرضت لهم حاجة، ذهبوا من ~~غير استئذانه. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 46 الى 47] # ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل ~~اقعدوا مع القاعدين (46) لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا ~~خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47) # قوله تعالى: ولو أرادوا الخروج يعني المستأذنين له في القعود. وفي المراد ~~بالعدة قولان: # أحدهما: النية، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثاني: السلاح والمركوب وما ~~يصلح للخروج، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والانبعاث: الانطلاق. والتثبط: ~~ردك الإنسان عن الشيء يفعله. قوله تعالى: # وقيل اقعدوا في القائل لهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم ألهموا ذلك خذلانا ~~لهم. قاله مقاتل. # والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله غضبا عليهم. والثالث: أنه قول ~~بعضهم لبعض، ذكرهما الماوردي «3» . وفي المراد بالقاعدين قولان: أحدهما: ~~أنهم القاعدون بغير عذر، قاله ابن السائب. والثاني: أنهم القاعدون بعذر، ~~كالنساء والصبيان، ذكره علي بن عيسى. قال الزجاج: ثم أعلم الله عز وجل لم ~~كره خروجهم، PageV02P264 # فقال: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا والخبال: الفساد وذهاب الشيء. ~~وقال ابن قتيبة: الخبال: # الشر. # فان قيل: كأن الصحابة كان فيهم خبال حتى قيل: ما زادوكم إلا خبالا؟ ~~فالجواب: أنه من الاستثناء المنقطع، والمعنى: ما زادوكم قوة، لكن أوقعوا ~~بينكم خبالا. # (706) وقيل: سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج، ~~ضرب عسكره على ثنية الوداع، وخرج عبد الله بن أبي، فضرب عسكره على أسفل من ~~ذلك فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم، تخلف ابن أبي فيمن تخلف ms0911 من ~~المنافقين، فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: ولأوضعوا خلالكم قال الفراء: الإيضاع: السير بين القوم. وقال ~~أبو عبيدة: # لأسرعوا بينكم، وأصله من التخلل. قال الزجاج: يقال: أوضعت في السير: ~~أسرعت. # قوله تعالى: يبغونكم الفتنة قال الفراء: يبغونها لكم. وفي الفتنة قولان: ~~أحدهما: الكفر، قاله الضحاك، ومقاتل، وابن قتيبة. والثاني: تفريق الجماعة، ~~وشتات الكلمة. قال الحسن: لأوضعوا خلالكم بالنميمة لإفساد ذات بينكم. # قوله تعالى: وفيكم سماعون لهم فيه قولان: أحدهما: عيون ينقلون إليهم ~~أخباركم، قاله مجاهد، وابن زيد. والثاني: من يسمع كلامهم ويطيعهم، قاله ~~قتادة، وابن إسحاق. ### | [سورة التوبة (9) : آية 48] # لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله ~~وهم كارهون (48) # قوله تعالى: لقد ابتغوا الفتنة في الفتنة قولان: أحدهما: الشر، قاله ابن ~~عباس. والثاني: # الشرك، قاله مقاتل. قوله تعالى: من قبل أي: من قبل غزوة تبوك. وفي قوله ~~تعالى: وقلبوا لك الأمور خمسة أقوال: أحدها: بغوا لك الغوائل، قاله ابن ~~عباس. وقيل: إن اثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا على طريقه ليلا ليفتكوا ~~به، فسلمه الله منهم. والثاني: احتالوا في تشتت أمرك وإبطال دينك، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. قال ابن جرير: وذلك كانصراف ابن أبي يوم أحد بأصحابه. # والثالث: أنه قولهم ما ليس في قلوبهم. والرابع: أنه ميلهم إليك في ~~الظاهر، وممالأة المشركين في الباطن. والخامس: أنه حلفهم بالله لو استطعنا ~~لخرجنا معكم، ذكر هذه الأقوال الثلاثة الماوردي. # قوله تعالى: حتى جاء الحق يعني النصر وظهر أمر الله يعني الإسلام. ### | [سورة التوبة (9) : آية 49] # ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين (49) # قوله تعالى: ومنهم من يقول ائذن لي PageV02P265 # (707) سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجد بن قيس: «يا ~~جد، هل لك في جلاد بني الأصفر، لعلك أن تغنم بعض بنات الأصفر» ، فقال: يا ~~رسول الله، ائذن لي فأقيم، ولا تفتني ببنات الأصفر. فأعرض عنه، وقال: «قد ~~أذنت لك» ، ونزلت هذه الآية، قاله أبو صالح ms0912 عن ابن عباس. وهذه الآية وما ~~بعدها إلى قوله تعالى: إنما الصدقات في المنافقين. # قوله تعالى: ومنهم يعني المنافقين من يقول ائذن لي أي: في القعود عن ~~الجهاد، وهو الجد بن قيس. وفي قوله تعالى: ولا تفتني أربعة أقوال: أحدها: ~~لا تفتني بالنساء، قاله ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد. والثاني: لا تكسبني ~~الإثم بأمرك إياي بالخروج وهو غير متيسر لي، فآثم بالمخالفة، قاله الحسن، ~~وقتادة، والزجاج. والثالث: لا تكفرني بإلزامك إياي الخروج، قاله الضحاك. # والرابع: لا تصرفني عن شغلى، قاله ابن بحر. # قوله تعالى: ألا في الفتنة سقطوا في هذه الفتنة أربعة أقوال: أحدها: أنها ~~الكفر، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: الحرج، قاله علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس. والثالث: الإثم، قله قتادة، والزجاج. والرابع: العذاب في ~~جهنم، ذكره الماوردي. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 50 الى 51] # إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا ~~وهم فرحون (50) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون (51) # قوله تعالى: إن تصبك حسنة أي: نصر وغنيمة. والمصيبة: القتل والهزيمة. ~~يقولوا قد أخذنا أمرنا أي: عملنا بالحزم فلم نخرج. ويتولوا وهم فرحون ~~بمصابك وسلامتهم. قوله تعالى: إلا ما كتب الله لنا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~ما قضى علينا، قاله ابن عباس. والثاني: ما بين لنا في كتابه من أنا نظفر ~~فيكون ذلك حسنى لنا، أو نقتل فتكون الشهادة حسنى لنا أيضا، قاله الزجاج. ~~والثالث: لن يصيبنا في عاقبة أمرنا إلا ما كتب الله لنا من النصر الذي ~~وعدنا، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: هو مولانا أي: ناصرنا. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 52] # قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب ~~من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون (52) # قوله تعالى: قل هل تربصون بنا أي: تنتظرون. والحسنيان: النصر والشهادة. ~~ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده في هذا العذاب قولان: أحدهما: ~~الصواعق، قاله ابن عباس. ms0913 والثاني: الموت، قاله ابن جريج. قوله تعالى: أو ~~بأيدينا يعني: القتل. PageV02P266 ### | [سورة التوبة (9) : آية 53] # قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين (53) # قوله تعالى: أنفقوا طوعا أو كرها. # (708) سبب نزولها أن الجد بن قيس قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما عرض ~~عليه غزو الروم: إذا رأيت النساء افتتنت ولكن هذا مالي أعينك به، فنزلت هذه ~~الآية، قاله ابن عباس. # قال الزجاج: وهذا لفظ أمر، ومعناه معنى الشرط والجزاء، المعنى: إن أنفقتم ~~طائعين أو مكرهين لن يتقبل منكم. ومثله في الشعر قول كثير: # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت «1» # لم يأمرها بالإساءة، ولكن أعلمها أنها إن أساءت أو أحسنت فهو على عهدها. ~~قال الفراء. ومثله استغفر لهم أو لا تستغفر لهم «2» . ### | [سورة التوبة (9) : آية 54] # وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون ~~الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) # قوله تعالى: وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، ~~وأبو عمرو، وابن عامر: «تقبل» بالتاء: وقرأ حمزة، والكسائي: «يقبل» بالياء. ~~وقال أبو علي: من أنث، فلأن الفعل مسند إلى مؤنث في اللفظ ومن قرأ بالياء، ~~فلأنه ليس بتأنيث حقيقي، فجاز تذكيره كقوله تعالى: # فمن جاءه موعظة من ربه «3» . وقرأ الجحدري: «أن يقبل» بياء مفتوحة، ~~«نفقاتهم» بكسر التاء. وقرأ الأعمش: «نفقتهم» بغير ألف، مرفوعة التاء. وقرأ ~~أبو مجلز، وأبو رجاء: «أن يقبل» بالياء «نفقتهم» بنصب التاء على التوحيد. # قوله تعالى: إلا أنهم كفروا بالله قال ابن الانباري: «أن» هاهنا مفتوحة، ~~لأنها بتأويل المصدر مرتفعة ب «منعهم» ، والتقدير: وما منعهم قبول النفقة ~~منهم إلا كفرهم بالله. # قوله تعالى: إلا وهم كسالى قد شرحناه في سورة (النساء) «4» . # قوله تعالى: ولا ينفقون إلا وهم كارهون لأنهم يعدون الإنفاق مغرما. ### | [سورة التوبة (9) : آية 55] # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55) # قوله تعالى: فلا تعجبك أموالهم أي: ms0914 لا تستحسن ما أنعمنا به عليهم من ~~الأموال والأولاد. PageV02P267 # وفي معنى الآية أربعة أقوال «1» : أحدها: فلا تعجبك أحوالهم ولا أولادهم ~~في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، قاله ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة والسدي وابن قتيبة. فعلى هذا في الآية تقديم وتأخير، ويكون ~~تعذيبهم في الآخرة بما صنعوا في كسب الأموال وإنفاقها. والثاني: أنها على ~~نظمها، والمعنى: ليعذبهم بها في الدنيا بالمصائب في الأموال والأولاد، فهي ~~لهم عذاب، وللمؤمنين أجر، قاله ابن زيد. والثالث: أن المعنى: ليعذبهم بأخذ ~~الزكاة من أموالهم والنفقة في سبيل الله، قاله الحسن. فعلى هذا ترجع ~~الكناية إلى الأموال وحدها. والرابع: ليعذبهم بسبي أولادهم وغنيمة أموالهم، ~~ذكره الماوردي. فعلى هذا تكون في المشركين. # قوله تعالى: وتزهق أنفسهم أي: تخرج، يقال: زهق السهم: إذا جاوز الهدف. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 56 الى 57] # ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56) لو يجدون ~~ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (57) # قوله تعالى: ويحلفون بالله إنهم لمنكم أي: مؤمنون، ويفرقون بمعنى يخافون. ~~فأما الملجأ، فقال الزجاج: الملجأ واللجأ مقصور مهموز، وهو المكان الذي ~~يتحصن فيه. والمغارات: # جمع مغارة، وهو الموضع الذي يغور فيه الإنسان، أي: يستتر فيه. وقرأ سعيد ~~بن جبير، وابن أبي عبلة: «أو مغارات» بضم الميم لأنه يقال: أغرت وغرت: إذا ~~دخلت الغور. وأصل مدخل: مدتخل، ولكن التاء تبدل بعد الدال دالا، لأن التاء ~~مهموسة، والدال مجهورة، والتاء والدال من مكان واحد، فكان الكلام من وجه ~~واحد أخف. وقرأ أبي، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء: «أو متدخلا» برفع الميم، ~~وبتاء ودال مفتوحتين، مشددة الخاء. وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران: «مندخلا» ~~بنون بعد الميم المضمومة. وقرأ الحسن، وابن يعمر، ويعقوب: «مدخلا» بفتح ~~الميم وتخفيف الدال وسكونها. قال الزجاج: من قال: «مدخلا» فهو من دخل يدخل ~~مدخلا ومن قال: «مدخلا» فهو من أدخلته مدخلا، قال الشاعر: # الحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبحنا ربي ومسانا «2» # ومعنى مدخل: أنهم لو وجدوا قوما يدخلون في جملتهم لولوا إليه، ms0915 أي: إلى ~~أحد هذه الأشياء وهم يجمحون أي: يسرعون إسراعا لا يرد فيه وجوههم شيء. ~~يقال: جمح وطمح: إذا أسرع ولم يرد وجهه شيء ومنه قيل: فرس جموح للذي إذا ~~حمل لم يرده اللجام. PageV02P268 ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 58] # ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم ~~يسخطون (58) # قوله تعالى: ومنهم من يلمزك في الصدقات فيمن نزلت فيه قولان: # (709) أحدهما: أنه ذو الخويصرة التميمي، قال للنبي صلى الله عليه وسلم ~~يوما: اعدل يا رسول الله، فنزلت هذه الآية. ويقال: أبو الخواصر. ويقال: ابن ~~ذي الخويصرة. # (710) والثاني: أنه ثعلبة بن حاطب كان يقول: إنما يعطي محمد من يشاء، ~~فنزلت هذه الآية. # قال ابن قتيبة: «يلمزك» يعيبك ويطعن عليك. يقال: همزت فلانا ولمزته: إذا ~~اغتبته وعبته، والأكثرون على كسر ميم «يلمزك» . وقرأ يعقوب، ونظيف عن قنبل، ~~وأبان عن عاصم، والقزاز عن عبد الوارث: «يلمزون» و «يلمزك» و «لا تلمزوا» ~~بضم الميم فيهن. وقرأ ابن السميفع: «يلامزك» مثل: # يفاعل. وقد رواها حماد بن سلمة عن ابن كثير. قال أبو علي الفارسي: وينبغي ~~أن تكون فاعلت في هذا من واحد، نحو: طارقت النعل، وعافاه الله، لأن هذا لا ~~يكون من النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ الأعمش: «يلمزك» بتشديد الميم من ~~غير ألف، مثل: يفعلك. قال الزجاج: يقال: لمزت الرجل ألمزه وألمزه، بكسر ~~الميم وضمها: إذا عبته، وكذلك: همزته أهمزه، قال الشاعر: # إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة ... وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه «1» ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 59 الى 60] # ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59) إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن ~~السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (60) # قوله تعالى: ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله أي: قنعوا بما أعطوا. ~~إنا إلى الله راغبون في الزيادة، أي: لكان خيرا لهم. وهذا جواب «لو» ، وهو ~~محذوف في اللفظ. ms0916 # ثم بين المستحق للصدقات بقوله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~اختلفوا في صفة الفقير والمساكين على ستة أقوال «2» : أحدها: أن الفقير: ~~المتعفف عن السؤال، والمساكين: الذي يسأل PageV02P269 # وبه رمق، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وجابر بن زيد والزهري والحكم وابن ~~زيد ومقاتل. والثاني: # أن الفقير: المحتاج الذي به زمانة، والمساكين: المحتاج الذي لا زمانة به، ~~قاله قتادة. والثالث: الفقير: # المهاجر، والمساكين: الذي لم يهاجر، قاله الضحاك بن مزاحم والنخعي. ~~والرابع: الفقير: فقير المسلمين، والمساكين: من أهل الكتاب، قاله عكرمة. ~~والخامس: أن الفقير: من له البلغة من الشيء، والمساكين: الذي ليس له شيء، ~~قاله أبو حنيفة ويونس بن حبيب ويعقوب بن السكيت وابن قتيبة. # واحتجوا بقول الراعي: # أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد «1» # فسماه فقيرا، وله حلوبة تكفيه وعياله. وقال يونس: قلت لأعرابي: أفقير ~~أنت؟ قال: لا والله، بل مساكين يريد: أنا أسوأ حالا من الفقير. والسادس: أن ~~الفقير أمس حاجة من المساكين، وهذا مذهب أحمد، لأن الفقير مأخوذ من انكسار ~~الفقار، والمسكنة مأخوذة من السكون والخشوع، وذلك أبلغ. قال ابن الأنباري: ~~ويروى عن الأصمعي أنه قال: المساكين أحسن حالا من الفقير. وقال أحمد بن ~~عبيد: المساكين أحسن حالا من الفقير، لأن الفقير أصله في اللغة: المفقور ~~الذي نزعت فقره من فقر ظهره، فكأنه انقطع ظهره من شدة الفقر، فصرف عن مفقور ~~إلى فقير، كما قيل: مجروح وجريح، ومطبوخ وطبيخ، قال الشاعر: # لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل «2» # قال: ومن الحجة لهذا القول قوله تعالى: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون ~~في البحر «3» فوصف بالمسكنة من له سفينة تساوي مالا قال: وهو الصحيح عندنا. # قوله تعالى: والعاملين عليها وهم السعاة لجباية الصدقة، يعطون منها بقدر ~~أجور أمثالهم، وليس ما يأخذونه بزكاة. # قوله تعالى: والمؤلفة قلوبهم وهم قوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتألفهم على الإسلام بما يعطيهم، وكانوا ذوي شرف، وهم صنفان: مسلمون، ~~وكافرون. فأما المسلمون، فصنفان صنف كانت نياتهم في الإسلام ms0917 ضعيفة، فتألفهم ~~تقوية لنياتهم، كعيينة بن حصن، والأقرع وصنف كانت نياتهم حسنة، فأعطوا ~~تألفا لعشائرهم من المشركين، مثل عدي بن حاتم. وأما المشركون، فصنفان، صنف ~~يقصدون المسلمين بالأذى، فتألفهم دفعا لأذاهم، مثل عامر بن الطفيل وصنف كان ~~لهم ميل إلى الإسلام، PageV02P270 # تألفهم بالعطية ليؤمنوا، كصفوان بن أمية. وقد ذكرت عدد المؤلفة في كتاب ~~«التلقيح» . وحكمهم باق عند أحمد في رواية، وقال أبو حنيفة، والشافعي: ~~حكمهم منسوخ. قال الزهري: لا أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة قلوبهم. # قوله تعالى: وفي الرقاب قد ذكرناه في سورة (البقرة) «1» . # قوله تعالى: والغارمين وهم الذين لزمهم الدين ولا يجدون القضاء. قال ~~قتادة: هم ناس عليهم دين من غير فساد ولا إسراف ولا تبذير، وإنما قال هذا، ~~لأنه لا يؤمن في حق المفسد إذا قضي دينه أن يعود إلى الاستدانة لذلك ولا ~~خلاف في جواز قضاء دينه ودفع الزكاة إليه، ولكن قتادة قاله على وجه ~~الكراهية. # قوله تعالى: وفي سبيل الله يعني: الغزاة والمرابطين. ويجوز عندنا أن يعطى ~~الأغنياء منهم والفقراء، وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يعطى إلا ~~الفقير منهم. وهل يجوز أن يصرف من الزكاة إلى الحج، أم لا؟ فيه عن أحمد ~~روايتان. # قوله تعالى: وابن السبيل هو المسافر المنقطع به، وإن كان له مال في بلده ~~قاله مجاهد، وقتادة، وأبو حنيفة، وأحمد. فأما إذا أراد أن ينشئ سفرا، فهل ~~يجوز أن يعطى؟ قال الشافعي: يجوز، وعن أحمد نحوه وقد ذكرنا في سورة ~~(البقرة) فيه أقوالا فيه أقوالا عن المفسرين. # قوله تعالى: فريضة من الله يعني أن الله افترض هذا. # (فصل:) وحد الغنى الذي يمنع أخذ الزكاة عند أصحابنا بأحد شيئين: أن يكون ~~مالكا لخمسين درهما، أو عدلها من الذهب، سواء كان ذلك يقوم بكفايته أو لا ~~يقوم، والثاني: أن يكون له كفاية، إما بصنعة، أو أجرة عقار، أو عروض ~~للتجارة يقوم ربحها بكفايته. وقال أبو حنيفة: الاعتبار في ذلك أن يكون ~~مالكا لنصاب تجب عليه فيه الزكاة. فأما ذوو القربى الذين تحرم عليهم ms0918 ~~الصدقة، فهم بنو هاشم، وبنو المطلب. وقال أبو حنيفة: تحرم على ولد هاشم، ~~ولا تحرم على ولد المطلب. ويجوز أن يعمل على الصدقة من بني هاشم وبني ~~المطلب ويأخذ عمالته منها، خلافا لأبي حنيفة. فأما موالي بني هاشم وبني ~~المطلب، فتحرم عليهم الصدقة، خلافا لمالك. ولا يجوز أن يعطي صدقته من تلزمه ~~نفقته وبه قال مالك، والثوري. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يعطي والدا وإن ~~علا، ولا ولدا وإن سفل، ولا زوجه، ويعطي من عداهم. فأما الذمي فالأكثرون ~~على أنه لا يجوز إعطاؤه. وقال عبيد الله بن الحسن: إذا لم يجد مسلما، أعطي ~~الذمي. ولا يجب استيعاب الأصناف ولا اعتبار عدد من كل صنف وهو قول أبي ~~حنيفة، ومالك وقال الشافعي: يجب الاستيعاب من كل صنف ثلاثة. # فأما إذا أراد نقل الصدقة من بلد المال إلى موضع تقصر فيه الصلاة، فلا ~~يجوز له ذلك، فان نقلها لم يجزئه وهو قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: ~~يكره نقلها، وتجزئه. قال أحمد: ولا يعطي الفقير أكثر من خمسين درهما. وقال ~~أبو حنيفة: أكره أن يعطي رجل واحد من الزكاة مائتي درهم، وإن أعطيته أجزأك. ~~فأما الشافعي، فاعتبر ما يدفع الحاجة من غير حد. فان أعطى من يظنه فقيرا، ~~فبان أنه PageV02P271 # غني، فهل يجزئ، فيه عن أحمد روايتان. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 61] # ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ~~(61) # قوله تعالى: ومنهم الذين يؤذون النبي في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (711) أحدها: أن خذام بن خالد، والجلاس بن سويد، وعبيد بن هلال في آخرين، ~~كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا، ~~فانا نخاف أن يبلغه فيقع بنا، فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا، فانما محمد ~~أذن سامعة، ثم نأتيه فيصدقنا فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس. # (712) والثاني: إن رجلا من المنافقين يقال له: نبتل بن الحارث، ms0919 كان ينم ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين، فقيل له: لا تفعل فقال: ~~إنما محمد أذن، من حدثه شيئا صدقه نقول ما شئنا، ثم نأتيه فنحلف له ~~فيصدقنا، فنزلت هذه الآية قاله محمد بن إسحاق. # (713) والثالث: أن ناسا من المنافقين منهم جلاس بن سويد، ووديعة بن ثابت، ~~اجتمعوا، فأرادوا أن يقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم، وعندهم غلام من ~~الأنصار يدعى عامر بن قيس، فحقروه، فتكلموا وقالوا: لئن كان ما يقوله محمد ~~حقا، لنحن شر من الحمير، فغضب الغلام، وقال: والله إن ما يقوله محمد حق، ~~وإنكم لشر من الحمير ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فدعاهم ~~فسألهم، فحلفوا أن عامرا كاذب، وحلف عامر أنهم كذبوا، وقال: اللهم لا تفرق ~~بيننا حتى تبين صدق الصادق، وكذب الكاذب فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: ~~يحلفون بالله لكم ليرضوكم، قاله السدي. # فأما الأذى فهو عيبه ونقل حديثه. ومعنى أذن يقبل كل ما قيل له، قال ابن ~~قتيبة: الأصل في هذا أن الأذن هي السامعة، فقيل لكل من صدق بكل خبر يسمعه: ~~أذن. وجمهور القراء يقرءون: هو أذن قل أذن بالتثقيل. وقرأ نافع: «هو أذن قل ~~أذن خير» باسكان الذال فيهما. ومعنى أذن خير لكم أي: أذن خير، لا أذن شر ~~يسمع الخير فيعمل به، ولا يعمل بالشر إذا سمعه. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، ~~والحسن، ومجاهد، وابن يعمر، وابن أبي عبلة «أذن» بالتنوين، «خير» بالرفع. # والمعنى: إن كان كما قلتم، يسمع منكم ويصدقكم، خير لكم من أن يكذبكم. قال ~~أبو علي: يجوز أن تطلق الأذن على الجملة كما قال الخليل: إنما سميت الناب ~~من الإبل لمكان الناب البازل، فسميت الجملة كلها به، فأجروا على الجملة اسم ~~الجارحة لإرادتهم كثرة استعماله لها في الإصغاء بها. ثم بين PageV02P272 # ممن يقبل، فقال: يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين قال ابن قتيبة: الباء واللام ~~زائدتان والمعنى: يصدق الله ويصدق المؤمنين. وقال الزجاج: يسمع ما ينزله ~~الله عليه، فيصدق به، ويصدق المؤمنين فيما ms0920 يخبرونه به. ورحمة أي: وهو رحمة، ~~لأنه كان سبب إيمان المؤمنين. وقرأ حمزة «ورحمة» بالخفض. قال أبو علي: ~~المعنى: أذن خير ورحمة. والمعنى: مستمع خير ورحمة. ### | [سورة التوبة (9) : آية 62] # يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ~~(62) # قوله تعالى: يحلفون بالله لكم ليرضوكم. # (714) قال ابن السائب: نزلت في جماعة من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك، ~~فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم، أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم، ويحلفون ~~ويعتلون. وقال مقاتل: منهم عبد الله بن أبي، حلف لا يتخلف عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وليكونن معه على عدوه. # وقد ذكرنا في الآية التي قبلها أنهم حلفوا أنهم ما نطقوا بالعيب. وحكى ~~الزجاج عن بعض النحويين أنه قال: اللام في: «ليرضوكم» بمعنى القسم، ~~والمعنى: يحلفون بالله لكم لنرضينكم. قال: # وهذا خطأ، لأنهم حلفوا أنهم ما قالوا ما حكي عنهم ليرضوا باليمين، ولم ~~يحلفوا أنهم يرضون في المستقبل. قلت: وقول مقاتل يؤكد ما أنكره الزجاج، وقد ~~مال إليه الأخفش. # قوله تعالى: والله ورسوله أحق أن يرضوه فيه قولان: أحدهما: بالتوبة ~~والإنابة. والثاني: بترك الطعن والعيب. فان قيل: لم قال: «يرضوه» ولم يقل: ~~يرضوهما؟ فقد شرحنا هذا عند قوله تعالى: # ولا ينفقونها في سبيل الله «1» . ### | [سورة التوبة (9) : آية 63] # ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك ~~الخزي العظيم (63) # قوله تعالى: ألم يعلموا روى أبو زيد عن المفضل «ألم تعلموا» بالتاء. أنه ~~من يحادد الله فيه قولان: أحدهما: من يخالف الله، قاله ابن عباس. والثاني: ~~من يعاد الله، كقولك: من يجانب الله ورسوله، أي: يكون في حد، والله ورسوله ~~في حد. # قوله تعالى: فأن له نار جهنم قرأ الجمهور: «فأن» بفتح الهمزة، وقرأ أبو ~~رزين، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: بكسرها، فمن كسر، فعلى الاستئناف بعد ~~الفاء، كما تقول: فله نار جهنم. # ودخلت «إن» مؤكدة. ومن قال: «فأن له» فانما أعاد «أن» الأولى توكيدا لأنه ~~لما طال الكلام، كان إعادتها أوكد. ### | [سورة التوبة ms0921 (9) : آية 64] # يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن ~~الله مخرج ما تحذرون (64) PageV02P273 # قوله تعالى: يحذر المنافقون في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (715) أحدها: أن المنافقين كانوا يعيبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيما بينهم، ويقولون: عسى الله أن لا يفشي سرنا فنزلت هذه الآية، قاله ~~مجاهد. # (716) والثاني: أن بعض المنافقين قال: لوددت أني جلدت مائة جلدة، ولا ~~ينزل فينا شيء يفضحنا، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. # (717) والثالث: أن جماعة من المنافقين وقفوا للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~ليلة مظلمة عند مرجعه من تبوك ليفتكوا به، فأخبره جبريل عليه السلام، ونزلت ~~هذه الآية، قاله ابن كيسان. # وفي قوله تعالى: يحذر المنافقون قولان: أحدهما: أنه إخبار من الله عز وجل ~~عن حالهم، قاله الحسن، وقتادة واختاره ابن القاسم. والثاني: أنه أمر من ~~الله عز وجل لهم بالحذر، فتقديره: ليحذر المنافقون، قاله الزجاج. قال ابن ~~الأنباري: والعرب ربما أخرجت الأمر على لفظ الخبر، فيقولون: # يرحم الله المؤمن، ويعذب الكافر يريدون: ليرحم وليعذب، فيسقطون اللام ~~ويجرونه مجرى الخبر في الرفع، وهم لا ينوون إلا الدعاء والدعاء مضارع ~~للأمر. # قوله تعالى: قل استهزؤا هذا وعيد خرج مخرج الأمر تهديدا. وفي قوله تعالى: ~~إن الله مخرج ما تحذرون وجهان: أحدهما: مظهر ما تسرون. والثاني: ناصر من ~~تخذلون، ذكرهما الماوردي. ### | ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 65 الى # 66] # ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزؤن (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب ~~طائفة بأنهم كانوا مجرمين (66) # قوله تعالى: ولئن سألتهم في سبب نزولها ستة أقوال: # (718) أحدهما: أن جد بن قيس، ووديعة بن خذام، والجهير بن خمير، كانوا ~~يسيرون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من تبوك، فجعل رجلان ~~منهم يستهزئان برسول الله صلى الله عليه وسلم. والثالث يضحك مما يقولان ولا ~~يتكلم بشيء، فنزل جبريل فأخبره بما يستهزئون به ويضحكون فقال لعمار بن ~~ياسر: # «اذهب فسلهم عما كانوا ms0922 يضحكون منه، وقل لهم: أحرقكم الله» ، فلما سألهم، ~~وقال: أحرقكم الله PageV02P274 # علموا أنه قد نزل فيهم قرآن، فأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وقال الجهير: والله ما تكلمت بشيء، وإنما ضحكت تعجبا من قولهم ~~فنزل قوله تعالى: لا تعتذروا يعني جد بن قيس، ووديعة إن نعف عن طائفة منكم ~~يعني الجهير نعذب طائفة يعني الجد ووديعة، وهذا قول أبي صالح عن ابن عباس. # (719) والثاني: أن رجلا من المنافقين قال: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، ولا ~~أرغب بطونا، ولا أكذب، ولا أجبن عند اللقاء يعني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه فقال له عوف بن مالك. كذبت، لكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فذهب ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل فقال: يا ~~رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، هذا قول ابن عمر وزيد بن أسلم والقرظي. # (720) والثالث: أن قوما من المنافقين كانوا يسيرون مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقالوا: إن كان ما يقول هذا حقا، لنحن شر من الحمير فأعلم الله ~~نبيه ما قالوا، ونزلت: ولئن سألتهم، قاله سعيد بن جبير. # (721) والرابع: أن رجلا من المنافقين قال: يحدثنا محمد أن ناقة فلان ~~بوادي كذا وكذا، وما يدريه ما الغيب؟ فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. # (722) والخامس: أن ناسا من المنافقين قالوا: يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور ~~الشام وحصونها، هيهات فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم: «احبسوا علي الركب» ، فأتاهم، فقال: «قلتم كذا وكذا» ، فقالوا: ~~إنما كنا نخوض ونلعب فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. # (723) والسادس: أن عبد الله بن أبي، ورهطا معه، كانوا يقولون في رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما لا ينبغي، فإذا بلغ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قالوا: إنما كنا نخوض ونلعب، فقال الله تعالى: قل لهم أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن؟ قاله الضحاك. # فقوله تعالى: ولئن سألتهم أي: عما كانوا فيه من الاستهزاء ليقولن إنما ~~كنا نخوض ونلعب ms0923 أي: نلهو بالحديث. وقوله تعالى: قد كفرتم أي: قد ظهر كفركم ~~بعد إظهاركم الإيمان وهذا يدل على أن الجد واللعب في إظهار كلمة الكفر ~~سواء. # قوله تعالى: إن نعف عن طائفة منكم قرأ الأكثرون «إن يعف» بالياء، «تعذب» ~~بالتاء. وقرأ PageV02P275 # عاصم غير أبان «إن نعف» ، «نعذب» ، بالنون فيهما ونصب «طائفة» ، والمعنى: ~~إن نعف عن طائفة منكم بالتوفيق للتوبة، نعذب طائفة بترك التوبة. وقيل: ~~الطائفتان ها هنا ثلاثة، فاستهزأ اثنان وضحك واحد. # ثم أنكر عليهم بعض ما سمع. وقد ذكرنا عن ابن عباس أسماء الثلاثة، وأن ~~الضاحك اسمه الجهير، وقال غيره: هو مخشي بن خمير. وقال ابن عباس ومجاهد: ~~الطائفة الواحد فما فوقه. وقال الزجاج: # أصل الطائفة في اللغة الجماعة ويجوز أن يقال للواحد طائفة، يراد به نفس ~~طائفة. وقال ابن الأنباري: # إذا أريد بالطائفة الواحد كان أصلها طائفا، على مثال: قائم وقاعد، فتدخل ~~الهاء للمبالغة في الوصف، كما يقال: راوية، علامة، نسابة. قال عمر بن ~~الخطاب: ما فرغ من تنزيل براءة حتى ظننا أن لن يبقى منا أحد إلا سينزل فيه ~~شيء. ### | ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 67 الى # 70] # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ~~ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون (67) وعد الله ~~المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ~~ولهم عذاب مقيم (68) كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا ~~وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم ~~بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم ~~الخاسرون (69) ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم ~~إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (70) # قوله تعالى: المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض قال ابن عباس: بعضهم على ~~دين بعض وقال مقاتل: بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمنكر وهو الكفر وينهون عن ~~المعروف وهو الإيمان. وفي قوله تعالى: ويقبضون أيديهم أربعة أقوال: أحدها: ~~يقبضونها عن الإنفاق ms0924 في سبيل الله، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد. والثاني: ~~عن كل خير، قاله قتادة. والثالث: عن الجهاد في سبيل الله. والرابع: عن ~~رفعها في الدعاء إلى الله، ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: نسوا الله فنسيهم قال الزجاج: تركوا أمره، فتركهم من رحمته ~~وتوفيقه. قال: # وقوله تعالى: هي حسبهم أي: هي كفاية ذنوبهم، كما تقول: عذبتك حسب فعلك، ~~وحسب فلان ما نزل به، أي: ذلك على قدر فعله. وموضع الكاف في قوله تعالى: ~~كالذين من قبلكم # نصب، أي: وعدكم الله على الكفر به كما وعد الذين من قبلكم. وقال غيره: ~~رجع عن الخبر عنهم إلى مخاطبتهم، وشبههم في العدول عن أمره بمن كان قبلهم ~~من الأمم الماضية. # قوله تعالى: فاستمتعوا بخلاقهم قال ابن عباس: استمتعوا بنصيبهم من الآخرة ~~في الدنيا. وقال الزجاج: بحظهم من الدنيا. قوله تعالى: وخضتم أي: في الطعن ~~على الدين وتكذيب نبيكم كما خاضوا. أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا لأنها لم ~~تقبل منهم، وفي الآخرة، لأنهم لا يثابون عليها، وأولئك هم الخاسرون بفوت ~~الثواب وحصول العقاب. # PageV02P276 # قوله تعالى: وقوم إبراهيم قال ابن عباس: يريد نمرود بن كنعان وأصحاب مدين ~~يعني قوم شعيب والمؤتفكات قرى لوط. قال الزجاج: وهم جمع مؤتفكة، ائتفكت بهم ~~الأرض، أي: # انقلبت. قال: ويقال إنهم جميع من أهلك، كما يقال للهالك: انقلبت عليه ~~الدنيا. قوله تعالى: # أتتهم يعني هذه الأمم رسلهم بالبينات فكذبوا بها فما كان الله ليظلمهم ~~قال ابن عباس: # ليهلكم حتى يبعث فيهم نبيا ينذرهم، والمعنى أنهم أهلكوا باستحقاقهم. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 71 الى 72] # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن ~~الله عزيز حكيم (71) وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو ~~الفوز العظيم (72) # قوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض أي: بعضهم يوالي بعضا، ~~فهم يد واحدة، يأمرون بالإيمان، وينهون عن الكفر. # قوله تعالى: في ms0925 جنات عدن قال أبو عبيدة: في جنات خلد، يقال: عدن فلان ~~بأرض كذا، أي: أقام ومنه: المعدن، وهو في معدن صدق، أي: في أصل ثابت. قال ~~الأعشى: # وإن تستضيفوا إلى حلمه ... تضافوا إلى راجح قد عدن «1» # أي: رزين لا يستخف. قال ابن عباس: جنات عدن، هي بطنان الجنة، وبطنانها: ~~وسطها، وهي أعلى درجة في الجنة، وهي دار الرحمن عز وجل، وسقفها عرشه، خلقها ~~بيده، وفيها عين التسنيم، والجنان حولها محدقة بها. # قوله تعالى: ورضوان من الله أكبر قال ابن عباس: أكبر مما يوصف. وقال ~~الزجاج: أكبر مما هم فيه من النعيم. فان قيل: لم كان الرضوان أكبر من ~~النعيم؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن سرور القلب برضى الرب نعيم يختص بالقلب، ~~وذاك أكبر من نعيم الأكل والشرب. # (724) وفي حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول ~~الله عز وجل لأهل الجنة: يا أهل الجنة، هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا ~~نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك! فيقول: أفلا أعطيكم أفضل من ~~ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم ~~أبدا» . PageV02P277 # والثاني: أن الموجب للنعيم الرضوان، والموجب ثمرة الموجب، فهو الأصل. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 73] # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير (73) # قوله تعالى: جاهد الكفار والمنافقين أما جهاد الكفار فبالسيف. وفي جهاد ~~المنافقين قولان «1» : أحدهما: أنه باللسان، قاله ابن عباس، والحسن، ~~والضحاك، والربيع بن أنس. والثاني: # جهادهم باقامة الحدود عليهم، روي عن الحسن وقتادة. فان قيل: إذا كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بجهادهم وهو يعلم أعيانهم، فكيف تركهم بين ~~أظهر أصحابه فلم يقتلهم «2» ؟. فالجواب: أنه إنما أمر بقتال من أظهر كلمة ~~الكفر وأقام عليها، فأما من إذا أطلع على كفره، أنكر وحلف وقال: إني مسلم، ~~فإنه أمر أن يأخذ بظاهر أمره، ولا يبحث عن سره. # قوله تعالى: واغلظ عليهم قال ابن عباس: يريد شدة الانتهار لهم، والنظر ~~بالبغضة ms0926 والمقت. # وفي الهاء والميم من «عليهم» قولان: أحدهما: أنه يرجع إلى الفريقين، قاله ~~ابن عباس. والثاني: إلى المنافقين، قاله مقاتل. ### | [سورة التوبة (9) : آية 74] # يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا ~~بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك ~~خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في ~~الأرض من ولي ولا نصير (74) # قوله تعالى: يحلفون بالله ما قالوا في سبب نزولها ثلاثة أقوال «3» : ~~PageV02P278 # (725) أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر المنافقين فعابهم فقال ~~الجلاس بن سويد: إن كان ما يقول على إخواننا حقا لنحن شر من الحمير. فقال ~~عامر بن قيس: والله إنه لصادق ولأنتم شر من الحمير وأخبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بذلك، فأتى الجلاس فقال: ما قلت شيئا، فحلفا عند المنبر، ~~فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وذهب إلى نحوه الحسن ومجاهد ~~وابن سيرين. # (726) والثاني: أن عبد الله بن أبي قال: والله لئن رجعنا إلى المدينة، ~~ليخرجن الأعز منها الأذل، فسمعه رجل من المسلمين، فأخبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأرسل إليه، فجعل يحلف بالله ما قال، فنزلت هذه الآية، قاله ~~قتادة. # (727) والثالث: أن المنافقين كانوا إذا خلوا، سبوا رسول الله وأصحابه، ~~وطعنوا في الدين فنقل حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ذلك، ~~فحلفوا ما قالوا شيئا، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك. # فأما كلمة الكفر، فهي سبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وطعنهم في الدين. ~~وفي سبب قوله تعالى: وهموا بما لم ينالوا أربعة أقوال: # (728) أحدها: أنها نزلت في ابن أبي حين قال: لئن رجعنا إلى المدينة، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال قتادة. # (729) والثاني: أنها نزلت فيهم حين هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، رواه مجاهد عن ابن عباس، قال: والذي هم رجل يقال له: الأسود. وقال ~~مقاتل: هم خمسة عشر رجلا، هموا بقتله ليلة ms0927 العقبة. # (730) والثالث: أنه لما قال بعض المنافقين: إن كان ما يقول محمد حقا، ~~فنحن شر من الحمير وقال له رجل من المؤمنين: لأنتم شر من الحمير، هم ~~المنافق بقتله فذلك قوله تعالى: # وهموا بما لم ينالوا، هذا قول مجاهد. # (731) والرابع: أنهم قالوا في غزوة تبوك: إذا قدمنا المدينة، عقدنا على ~~رأس عبد الله بن أبي تاجا نباهي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ~~ينالوا ما هموا به. PageV02P279 # قوله تعالى: وما نقموا إلا أن أغناهم الله قال ابن قتيبة: أي: ليس ينقمون ~~شيئا، ولا يتعرفون من الله إلا الصنع، ومثله قول الشاعر: # ما نقم الناس من أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا «1» # وأنهم سادة الملوك ولا ... تصلح إلا عليهم العرب # وهذا ليس مما ينقم وإنما أراد أن الناس لا ينقمون عليهم شيئا، وكقول ~~النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب «2» # أي: ليس فيهم عيب. قال ابن عباس: كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه ~~وسلم المدينة في ضنك من معاشهم، فلما قدم عليهم، غنموا، وصارت لهم الأموال. ~~فعلى هذا، يكون الكلام عاما. وقال قتادة: هذا في عبد الله بن أبي. # (732) وقال عروة: هو الجلاس بن سويد، قتل له مولى، فأمر له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بديته، فاستغنى فلما نزلت فإن يتوبوا يك خيرا لهم قال ~~الجلاس: أنا أتوب إلى الله. # قوله تعالى: وإن يتولوا أي: يعرضوا عن الإيمان. قال ابن عباس: كما تولى ~~عبد الله بن أبي، يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة ~~بالنار. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 75] # ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) # قوله تعالى: ومنهم من عاهد الله في سبب نزولها أربعة أقوال: # (733) أحدها: أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري، أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله، ادع الله PageV02P280 # أن يرزقني مالا، فقال: «ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا ~~تطيقه» ، قال: ثم قال مرة ms0928 أخرى، فقال: «أما ترضى أن تكون مثل نبي الله؟ فو ~~الذي نفسي بيده، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة، لسارت» فقال: والذي ~~بعثك بالحق، لئن دعوت الله أن يرزقني مالا، لأوتين كل ذي حق PageV02P281 # حقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارزق ثعلبة مالا» ، ~~فاتخذ غنما، فنمت، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل واديا من أوديتها، ~~حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت، حتى ترك ~~الصلوات إلا الجمعة، ثم نمت، فترك الجمعة. فسأل عنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأخبر خبره، فقال: «يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة» ~~، وأنزل الله تعالى: خذ من أموالهم صدقة «1» وأنزل فرائض الصدقة فبعث رسول ~~الله رجلين على الصدقة، وكتب لهما كتابا يأخذان الصدقة، وقال: # «مرا بثعلبة، وبفلان» رجل من بني سليم، فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه ~~الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا إلا جزية، ~~ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا إلي. ~~فانطلقا فأخبر السلمي، فاستقبلهما بخيار ماله، فقالا: لا يجب هذا عليك ~~فقال: خذاه، فان نفسي بذلك طيبة فأخذا منه. فلما فرغا من صدقتهما، مرا ~~بثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى أرى ~~رأيي، فانطلقا، فأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان، فنزلت هذه ~~الآية إلى قوله تعالى: وبما كانوا يكذبون، وكان عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة، فخرج إلى ثعلبة، فأخبره فأتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وسأله أن يقبل منه صدقته، فقال: «إن الله قد منعني أن أقبل ~~صدقتك» فجعل يحثو التراب على رأسه. فقال: «هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني» . ~~فرجع إلى منزله، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقبل منه شيئا، ~~فلما ولي أبو بكر، سأله أن يقبل منه، فأبى، فلما ولي عمر، سأله أن يقبل ~~منه، فأبى، ms0929 فلما ولي عثمان، سأله أن يقبلها فقال: لم يقبلها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر، فلم يقبلها وهلك ثعلبة في خلافة عثمان ~~رضي الله عنه. روى هذا الحديث القاسم عن أبي أمامة الباهلي. # (734) وقال ابن عباس: مر ثعلبة على مجلس، فأشهدهم على نفسه: لئن آتاني ~~الله من فضله، آتيت كل ذي حق حقه، وفعلت كذا وكذا. فآتاه الله من فضله، ~~فأخلف ما وعد فقص الله علينا شأنه. # (735) والثاني: أن رجلا من بني عمرو بن عوف، كان له مال بالشام، فأبطأ ~~عنه، فجهد له جهدا شديدا، فحلف بالله لئن آتانا من فضله، أي: من ذلك المال، ~~لأصدقن منه، ولأصلن، فأتاه ذلك المال، فلم يفعل، فنزلت هذه الآية، قاله ابن ~~السائب عن أبي صالح عن ابن عباس: قال ابن السائب: # والرجل حاطب بن أبي بلتعة. # (736) والثالث: أن ثعلبة ومعتب بن قشير، خرجا على ملأ، فقالا: والله لئن ~~رزقنا الله لنصدقن. فلما رزقهما، بخلا به، فنزلت هذه الآية، قاله الحسن، ~~ومجاهد. PageV02P282 # (737) والرابع: أن نبتل بن الحارث، وجد بن قيس، وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن ~~قشير، قالوا: لئن آتانا الله من فضله لنصدقن. فلما آتاهم من فضله بخلوا به، ~~فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك. # فأما التفسير، فقوله تعالى: ومنهم يعني المنافقين من عاهد الله أي: قال: ~~علي عهد الله لنصدقن الأصل: لنتصدقن، فأدغمت التاء في الصاد لقربها منها. ~~ولنكونن من الصالحين أي: # لنعملن ما يعمل أهل الصلاح في أموالهم من صلة الرحم والإنفاق في الخير. ~~وقد روى كهمس عن معبد بن ثابت أنه قال: إنما هو شيء نووه في أنفسهم، ولم ~~يتكلموا به ألم تسمع إلى قوله تعالى: # ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 76] # فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) # قوله تعالى: فلما آتاهم من فضله أي: ما طلبوا من المال بخلوا به ولم يفوا ~~بما عاهدوا وتولوا وهم معرضون عن عهدهم. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 77 الى 78] # فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ms0930 إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون (77) ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام ~~الغيوب (78) # قوله تعالى: فأعقبهم أي: صير عاقبة أمرهم النفاق. وفي الضمير في «أعقبهم» ~~قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله، فالمعنى: جازاهم الله بالنفاق، وهذا قول ابن ~~عباس ومجاهد. # والثاني: أنها ترجع إلى البخل، فالمعنى: أعقبهم بخلهم بما نذروا نفاقا، ~~قاله الحسن. # قوله تعالى: ألم يعلموا يعني المنافقين أن الله يعلم سرهم وهو ما في ~~نفوسهم ونجواهم حديثهم بينهم. ### | [سورة التوبة (9) : آية 79] # الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم ~~فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79) # قوله تعالى: الذين يلمزون المطوعين في سبب نزولها قولان: # (738) أحدهما: أنه لما نزلت آية الصدقة، جاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن ~~الله لغني عن صاع هذا، فنزلت هذه الآية، قاله أبو مسعود. # (739) والثاني: أن عبد الرحمن بن عوف جاء بأربعين أوقية من ذهب، وجاء رجل ~~من الأنصار PageV02P283 # بصاع من طعام فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به ~~إلا رياء، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع، قاله ابن عباس. # وفي هذا الأنصاري قولان: أحدهما: أنه أبو خيثمة، قاله كعب بن مالك. ~~والثاني: أنه أبو عقيل. # وفي اسم أبي عقيل ثلاثة أقوال: أحدها: عبد الرحمن بن بيجان، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس، ويقال: ابن بيحان ويقال: سيحان. وقال مقاتل: هو أبو عقيل ~~بن قيس. والثاني: أن اسمه الحبحاب، قاله قتادة. والثالث: الحباب. قال ~~قتادة: جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف، وجاء عاصم بن عدي بن العجلان بمائة وسق ~~من تمر. ويلمزون بمعنى يعيبون. والمطوعين أي: المتطوعين، قال الفراء: أدغمت ~~التاء في الطاء، فصارت طاء مشددة. والجهد لغة أهل الحجاز، ولغة غيرهم ~~الجهد. # قال أبو عبيدة: الجهد، بالفتح والضم سواء، ومجازه: طاقتهم. وقال ابن ~~قتيبة: الجهد: الطاقة والجهد: المشقة. قال المفسرون: عني بالمطوعين عبد ~~الرحمن، وعاصم، وبالذين لا يجدون إلا جهدهم: أبو عقيل. وقوله تعالى: ms0931 سخر ~~الله منهم أي: جازاهم على فعلهم، وقد سبق هذا المعنى. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 80] # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ~~ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (80) # قوله تعالى: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم. # (740) سبب نزولها: أنه لما نزل وعيد اللامزين قالوا: يا رسول الله استغفر ~~لنا، فنزلت هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سوف أستغفر لهم ~~أكثر من سبعين، لعل الله يغفر لهم» فنزل قوله تعالى: # سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم «1» ، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # وظاهر قوله: «استغفر لهم» الأمر، وليس كذلك إنما المعنى: إن استغفرت، وإن ~~لم تستغفر، لا يغفر لهم، فهو كقوله تعالى: أنفقوا طوعا أو كرها «2» ، وقد ~~سبق شرح هذا المعنى هناك، هذا قول المحققين. وذهب قوم إلى أن ظاهر اللفظ ~~يعطي أنه إن زاد على السبعين، رجي لهم الغفران. ثم نسخت بقوله تعالى: سواء ~~عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم. PageV02P284 # فان قيل: كيف جاز أن يستغفر لهم، وقد أخبر بأنهم كفروا؟ فالجواب: أنه ~~إنما استغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير أن يتحقق خروجهم عن ~~الإسلام، ولا يجوز أن يقال: علم كفرهم ثم استغفر. فان قيل: ما معنى حصر ~~العدد بسبعين؟ فالجواب: أن العرب تستكثر في الآحاد من سبعة، وفي العشرات من ~~سبعين. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 81] # فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا ~~يفقهون (81) # قوله تعالى: فرح المخلفون يعني المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في غزوة تبوك. # والمخلف: المتروك خلف من مضى. بمقعدهم أي: بقعودهم. وفي قوله تعالى: خلاف ~~رسول الله قولان: أحدهما: أن معناه: بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قاله أبو عبيدة. والثاني: أن معناه: مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وهو ms0932 منصوب، لأنه مفعول له، فالمعنى: بأن قعدوا لمخالفة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قاله الزجاج. # وقرأ ابن مسعود، وابن يعمر، والأعمش، وابن أبي عبلة: «خلف رسول الله» ، ~~ومعناها: أنهم تأخروا عن الجهاد. وفي قوله تعالى: لا تنفروا في الحر قولان: ~~أحدهما: أنه قول بعضهم لبعض، قاله ابن اسحاق، ومقاتل. والثاني: أنهم قالوه ~~للمؤمنين، ذكره الماوردي. وإنما قالوا هذا، لأن الزمان كان حينئذ شديد ~~الحر. قل نار جهنم أشد حرا لمن خالف أمر الله. وقوله تعالى: يفقهون معناه: # يعلمون. قال ابن فارس: الفقه: العلم بالشيء. تقول: فقهت الحديث أفقهه وكل ~~علم بشيء: فقه. # ثم اختص به علم الشريعة، فقيل لكل عالم بها: فقيه. قال المصنف: وقال ~~شيخنا علي بن عبيد الله: # الفقه في إطلاق اللغة: الفهم، وفي عرف الشريعة: عبارة عن معرفة الأحكام ~~الشرعية المتعلقة بأفعال المكلفين، بنحو التحليل، والتحريم، والإيجاب، ~~والإجزاء، والصحة، والفساد، والغرم، والضمان، وغير ذلك. وبعضهم يختار أن ~~يقال: الفقه: فهم الشيء، وبعضهم يختار أن يقال: علم الشيء. ### | [سورة التوبة (9) : آية 82] # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (82) # قوله تعالى: فليضحكوا قليلا لفظه لفظ الأمر ومعناه التهديد. وفي قلة ~~ضحكهم وجهان: # أحدهما: أن الضحك في الدنيا، لكثرة حزنها وهمومها، قليل، وضحكهم فيها ~~أقل، لما يتوجه إليهم من الوعيد. والثاني: أنهم إنما يضحكون في الدنيا، ~~وبقاؤها قليل. وليبكوا كثيرا في الآخرة. قال أبو موسى الأشعري: إن أهل ~~النار ليبكون الدموع في النار، حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت، ثم إنهم ~~ليبكون الدم بعد الدموع، فلمثل ما هم فيه فليبكي. # قوله تعالى: جزاء بما كانوا يكسبون أي: من النفاق والمعاصي. ### | [سورة التوبة (9) : آية 83] # فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (83) # قوله تعالى: فإن رجعك الله أي: ردك من غزوة تبوك إلى المدينة إلى طائفة ~~من المنافقين الذين تخلفوا بغير عذر. وإنما قال: إلى طائفة لأنه ليس كل من ~~تخلف ms0933 عن تبوك كان منافقا. # PageV02P285 # فاستأذنوك للخروج معك إلى الغزو، فقل لن تخرجوا معي أبدا إلى غزاة، إنكم ~~رضيتم بالقعود عني أول مرة حين لم تخرجوا إلى تبوك. وذكر الماوردي في قوله ~~تعالى: أول مرة قولين: # أحدهما: أول مرة دعيتم. والثاني: قبل استئذانكم. # وأما الخالفون، فقال أبو عبيدة: الخالف: الذي خلف بعد شاخص، فقعد في ~~رحله، وهو الذي يتخلف عن القوم. وفي المراد بالخالفين قولان: أحدهما: أنهم ~~الرجال الذين تخلفوا لأعذار، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم النساء قاله ~~الحسن، وقتادة. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 84] # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ~~وماتوا وهم فاسقون (84) # قوله تعالى: ولا تصل على أحد منهم. # (741) سبب نزولها: أنه لما توفي عبد الله بن أبي، جاء ابنه إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: أعطني قميصك حتى أكفنه فيه، وصل عليه، واستغفر ~~له. فأعطاه قميصه فقال: آذني أصلي عليه، فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه، ~~جذبه عمر بن الخطاب، وقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ # فقال: «أنا بين خيرتين» : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم «1» فصلى عليه، ~~فنزلت هذه الآية، رواه نافع عن ابن عمر. # (742) قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «ما ~~يغني عنه قميصي من عذاب الله تعالى، والله إني لأرجو أن يسلم به ألف من ~~قومه» . قال الزجاج: فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء ~~بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأراد الصلاة عليه. # فأما قوله تعالى: «منهم» فإنه يعني المنافقين. وقوله تعالى: ولا تقم على ~~قبره. # (743) قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا دفن الميت، ~~وقف على قبره ودعا له فنهي عن ذلك في حق المنافقين. وقال ابن جرير: معناه: ~~لا تتول دفنه وهو من قولك: قام فلان بأمر فلان. # وقد تقدم تفسيره. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 85 الى 89] # ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم ms0934 بها في الدنيا ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85) وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع ~~رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين (86) رضوا بأن ~~يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (87) لكن الرسول والذين ~~آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ~~(88) أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز ~~العظيم (89) PageV02P286 # قوله تعالى: ولا تعجبك أموالهم. سبق تفسيره. قوله تعالى: وإذا أنزلت سورة ~~هذا عام في كل سورة. وقال مقاتل: المراد بها سورة (براءة) . قوله تعالى: أن ~~آمنوا أي: بأن آمنوا. وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: استديموا الإيمان. والثاني: ~~افعلوا فعل من آمن. والثالث: آمنوا بقلوبكم كما آمنتم بألسنتكم، فعلى هذا ~~يكون الخطاب للمنافقين. # قوله تعالى: استأذنك أي: في التخلف. أولوا الطول يعني الغنى، وهم الذين ~~لا عذر لهم في التخلف. وفي «الخوالف» قولان: أحدهما: أنهم النساء، قاله ابن ~~عباس، ومجاهد، وقتادة، وشمر بن عطية، وابن زيد، والفراء. وقال أبو عبيدة: ~~يجوز أن تكون الخوالف ها هنا النساء، ولا يكادون يجمعون الرجال على تقدير ~~فواعل، غير أنهم قد قالوا: فارس، والجميع: فوارس، وهالك هوالك. قال ابن ~~الأنباري: الخوالف لا يقع إلا على النساء، إذ العرب تجمع فاعلة: فواعل ~~فيقولون: # ضاربة، وضوارب، وشاتمة، وشواتم ولا يجمعون فاعلا: فواعل، إلا في حرفين: ~~فوارس، وهوالك فيجوز أن يكون مع الخوالف: المتخلفات في المنازل. ويجوز أن ~~يكون: مع المخالفات العاصيات. ويجوز أن يكون: مع النساء العجزة اللاتي لا ~~مدافعة عندهن. والقول الثاني: أن الخوالف: # خساس الناس وأدنياؤهم يقال: فلان خالفة أهله: إذا كان دونهم، ذكره ابن ~~قتيبة. فأما «طبع» ، فقال أبو عبيدة: معناه: ختم. و «الخيرات» جمع خيرة. ~~وللمفسرين في المراد بالخيرات ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الفاضلات من كل شيء، قاله أبو عبيدة. والثاني: الجواري ~~الفاضلات، قاله المبرد. # والثالث: غنائم الدنيا ومنافع الجهاد، ذكره الماوردي. ### | [سورة التوبة (9) : آية 90] # وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب ~~الذين كفروا منهم ms0935 عذاب أليم (90) # قوله تعالى: وجاء المعذرون وقرأ ابن مسعود: «المعتذرون» . وقرأ ابن عباس، ~~ومجاهد، وقتادة، وابن يعمر، ويعقوب «المعذرون» بسكون العين وتخفيف الذال. ~~وقرأ ابن السميفع «المعاذرون» بألف. قال أبو عبيدة: المعذرون من يعذر وليس ~~بجاد وإنما يعرض بما لا يفعله أو يظهر غير ما في نفسه. وقال ابن قتيبة: ~~يقال: عذرت في الأمر: إذا قصرت، وأعذرت: جددت. وقال الزجاج: من قرأ ~~«المعذرون» بتشديد الذال، فتأويله: المعتذرون الذين يعتذرون، كان لهم عذر، ~~أو لم يكن، وهو ها هنا أشبه بأن يكون لهم عذر، وأنشدوا: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر «1» # أي: فقد جاء بعذر، ويجوز أن يكون «المعذرون» الذين يعذرون، يوهمون أن لهم ~~عذرا، ولا PageV02P287 # عذر لهم، ويجوز في النحو: المعذرون بكسر العين، والمعذرون بضم العين، غير ~~أنه لم يقرأ بهما، لأن اللفظ بهما يثقل. ومن قرأ «المعذرون» بتسكين العين، ~~فتأويله: الذين أعذروا وجاءوا بعذر. وقال ابن الأنباري: المعذرون ها هنا: ~~المعتذرون بالعذر الصحيح. وأصل الكلمة عند أهل النحو: # المعتذرون، فحولت فتحة التاء إلى العين، وأبدلت الذال من التاء وأدغمت في ~~الذال التي بعدها فصارتا ذالا مشددة، ويقال في كلام العرب: اعتذر، إذا جاء ~~بعذر صحيح، وإذا لم يأت بعذر. قال الله تعالى: # قل لا تعتذروا فدل على فساد العذر، وقال لبيد: # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر أي: فقد جاء بعذر صحيح. وكان ابن عباس يقرأ ~~«المعذرون» ويقول: لعن الله المعذرين. # يريد: لعن الله المقصرين من المنافقين وغيرهم. والمعذرون: الذين يأتون ~~بالعذر الصحيح فبان من هذا الكلام أن لهم عذرا على قراءة من خفف. وهل يثبت ~~لهم عذر على قراءة من شدد؟ فيه قولان. # قال المفسرون: جاء هؤلاء ليؤذن لهم في التخلف عن تبوك، فأذن لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر وإظهار علة، ~~جرأة على الله تعالى. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 91 الى 93] # ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ms0936 ~~إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) ولا ~~على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم ~~تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) إنما السبيل على الذين ~~يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم ~~لا يعلمون (93) # قوله تعالى: ليس على الضعفاء اختلفوا فيمن نزلت على قولين: أحدهما: أنها ~~نزلت في عائذ بن عمرو وغيره من أهل العذر، قاله قتادة. والثاني: في ابن ~~مكتوم، قاله الضحاك. وفي المراد بالضعفاء ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم الزمنى ~~والمشايخ الكبار قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنهم الصغار. والثالث: ~~المجانين سموا ضعافا لضعف عقولهم، ذكر القولين الماوردي. والصحيح انهم ~~الذين يضعفون لزمانة، أو عمى، أو سن أو ضعف في الجسم. والمرضى: الذين بهم ~~أعلال مانعة من الخروج للقتال، والذين لا يجدون هم المقلون، والحرج: الضيق ~~في القعود عن الغزو بشرط النصح لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وفيه ~~وجهان: أحدهما: أن المعنى: إذا برئوا من النفاق. والثاني: إذا قاموا بحفظ ~~الذراري والمنازل. فان قيل بالوجه الأول، فهو يعم جميع المذكورين. وإن قيل ~~بالثاني. فهو يخص المقلين. وإنما شرط النصح، لأن من تخلف بقصد السعي ~~بالفساد، فهو مذموم ومن النصح لله: حث المسلمين على الجهاد، والسعي في ~~إصلاح ذات بينهم، وسائر ما يعود باستقامة الدين. # قوله تعالى: ما على المحسنين من سبيل أي من طريق بالعقوبة، لأن المحسن قد ~~سد باحسانه باب العقاب. قوله تعالى: ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ~~نزلت في البكائين، واختلف في عددهم وأسمائهم. # PageV02P288 # (744) فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هم ستة: عبد الله بن مغفل، وصخر بن ~~سلمان، وعبد الله بن كعب الأنصاري، وعلية بن زيد الانصاري، وسالم بن عمير، ~~وثعلبة بن عنمة، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم، فقال: «لا أجد ~~ما أحملكم عليه» فانصرفوا باكين. وقد ذكر محمد بن سعد كاتب الواقدي مكان ~~صخر بن سلمان: سلمة بن ms0937 صخر، ومكان ثعلبة بن عنمة: عمرو بن عنمة. قال: وقيل: # منهم معقل بن يسار. # (745) وروى ابن إسحاق عن أشياخ له أن البكائين سبعة من الأنصار: سالم بن ~~عمير، وعلية بن زيد، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، وعمرو بن الحمام بن ~~الجموح، وعبد الله بن مغفل. وبعض الناس يقول: بل عبد الله بن عمرو المزني، ~~وعرباض بن سارية، وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف. # (746) وقال مجاهد: نزلت في بني مقرن، وهم سبعة وقد ذكرهم محمد بن سعد، ~~فقال: # النعمان بن عمرو بن مقرن. وقال أبو خيثمة: هو النعمان بن مقرن، وسويد بن ~~مقرن، ومعقل بن مقرن، وسنان بن مقرن، وعقيل بن مقرن، وعبد الرحمن بن مقرن، ~~وعبد الرحمن بن عقيل بن مقرن. # وقال الحسن البصري: نزلت في أبي موسى وأصحابه. # وفي الذي طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحملهم عليه ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه الدواب، قاله ابن عباس. والثاني: الزاد، قاله أنس بن ~~مالك. والثالث: النعال، قاله الحسن. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 94] # يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله ~~من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون (94) # قوله تعالى: يعتذرون إليكم. # (747) قال ابن عباس: نزلت في المنافقين، يعتذرون إليكم إذا رجعتم من غزوة ~~تبوك، فلا تعذروهم فليس لهم عذر. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أتوه يعتذرون، فقال الله تعالى: قل لا تعتذروا لن نصدقكم، قد أخبرنا الله ~~أنه ليس لكم عذر وسيرى الله عملكم ورسوله إن عملتم خيرا وتبتم من تخلفكم ثم ~~تردون بعد الموت إلى عالم الغيب والشهادة فيخبركم بما كنتم تعملون في السر ~~والعلانية. ### | [سورة التوبة (9) : آية 95] # سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ~~ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) PageV02P289 # قوله تعالى: سيحلفون بالله لكم قال مقاتل: حلف منهم بضعة وثمانون رجلا، ~~منهم جد بن قيس، ومعتب بن قشير. قوله تعالى: ms0938 لتعرضوا عنهم فيه قولان: ~~أحدهما: لتصفحوا عن ذنبهم. # والثاني: لأجل إعراضكم. وقد شرحنا في (المائدة) معنى الرجس. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 96] # يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفاسقين (96) # قوله تعالى: يحلفون لكم لترضوا عنهم (748) قال مقاتل: حلف عبد الله بن ~~أبي للنبي صلى الله عليه وسلم لا أتخلف عنك، ولأكونن معك على عدوك وطلب منه ~~أن يرضى عنه، وحلف عبد الله بن سعد بن أبي سرح لعمر بن الخطاب، وجعلوا ~~يترضون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لما قدم المدينة: لا تجالسوهم ولا تكلموهم» . ### | [سورة التوبة (9) : آية 97] # الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ~~والله عليم حكيم (97) # قوله تعالى: الأعراب أشد كفرا قال ابن عباس: نزلت في أعاريب أسد وغطفان ~~وأعراب من حول المدينة، أخبر الله أن كفرهم ونفاقهم أشد من كفر أهل ~~المدينة، لأنهم أقسى وأجفى من أهل الحضر. قوله تعالى: وأجدر ألا يعلموا قال ~~الزجاج: «أن» في موضع نصب، لأن الباء محذوفة من «أن» ، المعنى: أجدر بترك ~~العلم. تقول: جدير أن تفعل، وجدير بأن تفعل، كما تقول: أنت خليق بأن تفعل، ~~أي: هذا الفعل ميسر فيك فاذا حذفت الباء لم يصلح إلا ب «أن» ، وإن أتيت ~~بالباء، صلح ب «أن» وغيرها، فتقول: أنت جدير بأن تقوم وجدير بالقيام. فاذا ~~قلت: أنت جدير القيام، كان خطأ، وإنما صلح مع «أن» لأن «أن» تدل على ~~الاستقبال، فكأنها عوض من المحذوف. فأما قوله تعالى: # حدود ما أنزل الله فيعني به الحلال والحرام والفرائض. وقيل: المراد ~~بالآية أن الأعم في العرب هذا. ### | [سورة التوبة (9) : آية 98] # ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء ~~والله سميع عليم (98) # قوله تعالى: ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق إذا خرج في الغزو، وقيل: ما ~~يدفعه من الصدقة مغرما لأنه لا يرجو له ثوابا. قال ابن قتيبة: المغرم: هو ~~الغرم والخسر. ms0939 وقال ابن فارس: الغرم: # ما يلزم أداؤه، والغرام: اللازم، وسمي الغريم لإلحاحه. وقال غيره: وفي ~~الالتزام ما لا يلزم. قوله تعالى: ويتربص أي: وينتظر بكم الدوائر أي: دوائر ~~الزمان بالمكروه، بالموت، أو القتل، أو الهزيمة. وقيل: ينتظر موت الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وظهور المشركين. # قوله تعالى: عليهم دائرة السوء قرأ ابن كثير، وأبو عمرو بضم السين. وقرأ ~~نافع، وعاصم وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «السوء» بفتح السين وكذلك قرءوا ~~في سورة (الفتح) «1» ، والمعنى: PageV02P290 # عليهم يعود ما ينتظرونه لك من البلاء. قال الفراء: وفتح السين من السوء ~~هو وجه الكلام. فمن فتح أراد المصدر من: سؤته سوءا ومساءة، ومن رفع السين، ~~جعله اسما، كقولك: عليهم دائرة البلاء والعذاب. لا يجوز ضم السين في قوله ~~تعالى: ما كان أبوك امرأ سوء «1» ولا في قوله تعالى: # وظننتم ظن السوء «2» لأنه ضد لقولك: رجل صدق. وليس للسوء ها هنا معنى في ~~عذاب ولا بلاء، فيضم. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 99] # ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله ~~وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم ~~(99) # قوله تعالى: ومن الأعراب من يؤمن بالله قال ابن عباس: وهم من أسلم من ~~الأعراب، مثل جهينة، وأسلم، وغفار. وفي قوله تعالى: ويتخذ ما ينفق قولان: ~~أحدهما: في الجهاد. # والثاني: في الصدقة. فأما القربات، فجمع قربة، وهي: ما يقرب العبد من رضى ~~الله ومحبته. قال الزجاج: وفي القربات ثلاثة أوجه: ضم الراء، وفتحها، ~~وإسكانها. وفي المراد بصلوات الرسول قولان: أحدهما: استغفاره، قاله ابن ~~عباس. والثاني: دعاؤه، قاله قتادة، وابن قتيبة، والزجاج، وأنشد الزجاج: # عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما، فان لجنب المرء مضطجعا «3» # قال: إن شئت قلت: مثل الذي، ومثل الذي فالأول أمر لها بالدعاء، كأنه قال: ~~ادعي لي مثل الذي دعوت. والثاني بمعنى: عليك مثل هذا الدعاء. # قوله تعالى: ألا إنها قربة لهم قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي: «قربة لهم» خفيفة. وروى ms0940 ورش، وإسماعيل بن جعفر عن ~~نافع، وأبان، والمفضل عن عاصم: «قربة لهم» بضم الراء. وفي المشار إليها ~~وجهان: أحدهما: أن الهاء ترجع إلى نفقتهم وإيمانهم. والثاني: إلى صلوات ~~الرسول. # قوله تعالى: سيدخلهم الله في رحمته قال ابن عباس: في جنته. ### | [سورة التوبة (9) : آية 100] # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك ~~الفوز العظيم (100) # قوله تعالى: والسابقون الأولون فيهم ستة أقوال: أحدها: أنهم الذين صلوا ~~إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله أبو موسى الأشعري، ~~وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، وقتادة. والثاني: أنهم الذين بايعوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، وهي الحديبية، قاله الشعبي. ~~والثالث: أنهم أهل بدر، قاله عطاء بن أبي رباح. والرابع: أنهم جميع أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، حصل لهم السبق بصحبته. قال محمد بن كعب ~~القرظي: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأوجب لهم ~~الجنة محسنهم ومسيئهم PageV02P291 # في قوله تعالى: والسابقون الأولون. والخامس: أنهم السابقون بالموت ~~والشهادة، سبقوا إلى ثواب الله تعالى. ذكره الماوردي. والسادس: أنهم الذين ~~أسلموا قبل الهجرة، ذكره القاضي أبو يعلى. # قوله تعالى: من المهاجرين والأنصار قرأ يعقوب: «والأنصار» برفع الراء. # قوله تعالى: والذين اتبعوهم بإحسان من قال: إن السابقين جميع الصحابة، ~~جعل هؤلاء تابعي الصحابة، وهم الذين لم يصحبوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: والذين اتبعوهم باحسان إلى أن تقوم ~~الساعة. ومن قال: هم المتقدمون من الصحابة، قال: هؤلاء تبعوهم في طريقهم، ~~واقتدوا بهم في أفعالهم، ففضل أولئك بالسبق، وإن كانت الصحبة حاصلة للكل. ~~وقال عطاء: اتباعهم إياهم باحسان: أنهم يذكرون محاسنهم ويترحمون عليهم. # قوله تعالى: تجري تحتها الأنهار قرأ ابن كثير: «من تحتها» فزاد «من» وكسر ~~التاء الثانية. # وقوله تعالى: رضي الله عنهم يعم الكل، قال الزجاج: رضي الله أفعالهم، ~~ورضوا ما جازاهم به. ### | ### | [سورة التوبة ms0941 (9) : آية # 101] # وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا ~~تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101) # قوله تعالى: وممن حولكم من الأعراب منافقون قال ابن عباس: مزينة، وجهينة، ~~وأسلم، وغفار، وأشجع، كان فيهم بعد إسلامهم منافقون. قال مقاتل: وكانت ~~منازلهم حول المدينة. وقوله تعالى: ومن أهل المدينة مردوا على النفاق قال ~~ابن عباس: مرنوا عليه وثبتوا، منهم عبد الله بن أبي، وجد بن قيس، والجلاس، ~~ومعتب، ووحوح، وأبو عامر الراهب. وقال أبو عبيدة: عتوا ومرنوا عليه، وهو من ~~قولهم: تمرد فلان، ومنه: شيطان مريد. # فان قيل: كيف قال: ومن أهل المدينة مردوا، وليس يجوز في الكلام: من القوم ~~قعدوا؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن تكون «من» الثانية مردودة على الأولى ~~والتقدير: وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون، ثم استأنف ~~«مردوا» . والثاني: أن يكون في الكلام «من» مضمر، تقديره: # ومن أهل المدينة من مردوا فأضمرت «من» لدلالة «من» عليها، كقوله تعالى: ~~وما منا إلا له مقام معلوم «1» يريد: إلا من له مقام معلوم وعلى هذا ينقطع ~~الكلام عند قوله تعالى: «منافقون» . والثالث: # أن «مردوا» متعلق بمنافقين، تقديره: ومن أهل المدينة منافقون مردوا، ذكر ~~هذه الأجوبة ابن الأنباري. # قوله تعالى: لا تعلمهم فيه وجهان: أحدهما: لا تعلمهم أنت حتى نعلمك بهم. ~~والثاني: لا تعلم عواقبهم. # قوله تعالى: سنعذبهم مرتين فيه عشرة أقوال «2» : أحدها: أن العذاب الأول ~~في الدنيا، وهو فضيحتهم بالنفاق. والعذاب الثاني: عذاب القبر، قاله ابن ~~عباس. PageV02P292 # (749) قال: وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة خطيبا، فقال: «يا ~~فلان اخرج فانك منافق، ويا فلان اخرج» ففضحهم. # والثاني: أن العذاب الأول: إقامة الحدود عليهم، والثاني: عذاب القبر وهذا ~~مروي عن ابن عباس أيضا. والثالث: أن أحد العذابين: الزكاة التي تؤخذ منهم، ~~والآخر: الجهاد الذي يؤمرون به، قاله الحسن. والرابع: الجوع، وعذاب القبر، ~~رواه شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال أبو مالك. والخامس: الجوع ~~والقتل، رواه سفيان عن ms0942 ابن أبي نجيح عن مجاهد. والسادس: القتل والسبي، رواه ~~معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. وقال ابن قتيبة: القتل والأسر. والسابع: ~~أنهم عذبوا بالجوع مرتين، رواه خصيف عن مجاهد. والثامن: أن عذابهم في ~~الدنيا بالمصائب في الأموال والأولاد، وفي الآخرة بالنار، قاله ابن زيد. ~~والتاسع: أن الأول: عند الموت، تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، والثاني: في ~~القبر بمنكر ونكير، قاله مقاتل بن سليمان. والعاشر: أن الأول بالسيف، ~~والثاني عند الموت قاله مقاتل بن حيان. # قوله تعالى: ثم يردون إلى عذاب عظيم يعني عذاب جهنم. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 102] # وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب ~~عليهم إن الله غفور رحيم (102) # قوله تعالى: وآخرون اعترفوا بذنوبهم اختلفوا فيمن نزلت على قولين: # (750) أحدهما: أنهم عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة تبوك، فلما دنا رجوع النبي صلى الله عليه وسلم، أوثق سبعة منهم أنفسهم ~~بسواري المسجد. فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «من هؤلاء» ؟ # قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك، فأقسموا بالله لا يطلقون ~~أنفسهم حتى تطلقهم أنت وتعذرهم، فقال: «وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا ~~أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع ~~المسلمين» ، فنزلت هذه الآية، فأرسل إليهم فأطلقهم وعذرهم، رواه علي بن أبي ~~طلحة عن ابن عباس. # (751) وروى العوفي عن ابن عباس أن الذين تخلفوا كانوا ستة، فأوثق أبو ~~لبابة نفسه ورجلان PageV02P293 # معه، وبقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم، فلما نزلت هذه الآية، أطلقهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعذرهم. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنهم كانوا ~~ثلاثة: أبو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن خذام الأنصاري. ~~وقال سعيد بن جبير، ومجاهد، وزيد بن أسلم: كانوا ثمانية. وقال قتادة: ذكر ~~لنا أنهم كانوا سبعة «1» . # والثاني: أنها نزلت في أبي لبابة وحده. واختلفوا في ذنبه على قولين: ~~أحدهما: أنه خان الله ورسوله باشارته إلى بني ms0943 قريظة حين شاوروه في النزول ~~على حكم سعد أنه الذبح، وهذا قول مجاهد، وقد شرحناه في سورة الأنفال «2» . ~~والثاني: أنه تخلفه عن تبوك. قاله الزهري. فأما الاعتراف، فهو الاقرار ~~بالشيء عن معرفة. والاعتراف بالذنب أدعى إلى صدق التوبة والقبول. # قوله تعالى: خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا قال ابن جرير: وضع الواو مكان ~~الباء، والمعنى: # بآخر سيء، كما يقال: خلطت الماء واللبن. وفي ذلك العمل قولان: أحدهما: أن ~~العمل الصالح: ما سبق من جهادهم، والسيئ: التأخر عن الجهاد، قاله السدي. ~~والثاني: أن العمل الصالح: توبتهم، والسيئ: تخلفهم، ذكره الفراء. # وفي قوله تعالى: عسى الله قولان: أحدهما: أنه واجب من الله تعالى، قاله ~~ابن عباس. # والثاني: أنه ترديد لهم بين الطمع والإشفاق، وذلك يصد عن اللهو والإهمال. ### | [سورة التوبة (9) : آية 103] # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله ~~سميع عليم (103) # قوله تعالى: خذ من أموالهم صدقة. # (752) قال المفسرون: لما تاب الله عز وجل على أبي لبابة وأصحابه، قالوا: ~~يا رسول الله، هذه أموالنا فتصدق بها عنا، فقال «ما أمرت أن آخذ من أموالكم ~~شيئا» فنزلت هذه الآية. PageV02P294 # وفي هذه الصدقة قولان «1» : أحدهما: أنها الصدقة التي بذلوها تطوعا، قاله ~~ابن زيد، والجمهور. # والثاني: الزكاة، قاله عكرمة. # قوله تعالى: تطهرهم وقرأ الحسن «تطهرهم بها» بجزم الراء. قال الزجاج: ~~يصلح أن يكون قوله: «تطهرهم» نعتا للصدقة كأنه قال: خذ من أموالهم صدقة ~~مطهرة. والأجود أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم، المعنى: فانك تطهرهم بها ~~ف «تطهرهم» بالجزم، على جواب الأمر، المعنى: إن تأخذ من أموالهم، تطهرهم. ~~ولا يجوز في: «تزكيهم» إلا إثبات الياء. اتباعا للمصحف. قال ابن عباس: ~~«تطهرهم» من الذنوب، «وتزكيهم» : تصلحهم. وفي قوله تعالى: وصل عليهم قولان: ~~أحدهما: استغفر لهم، قاله ابن عباس. والثاني: ادع لهم، قاله السدي. # قوله تعالى: إن صلاتك قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر، وأبو بكر ~~عن عاصم «إن صلواتك» على الجمع. وقرأ حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم «إن ~~صلاتك» ms0944 على التوحيد. وفي قوله تعالى: سكن لهم خمسة أقوال: أحدها: طمأنينة ~~لهم أن الله قد قبل منهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وقال أبو عبيدة: ~~تثبيت وسكون. والثاني: رحمة لهم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثالث: قربة لهم، رواه الضحاك عن ابن عباس. والرابع: وقار لهم، قاله ~~قتادة. والخامس: تزكية لهم، حكاه الثعلبي. قال الحسن وقتادة: وهؤلاء سوى ~~الثلاثة الذين خلفوا. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 104 الى 105] # ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو ~~التواب الرحيم (104) وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون ~~إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) # قوله تعالى: ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة قرأ الجمهور «يعلموا» ~~بالياء. وروى عبد الوارث «تعلموا» بالتاء. وقوله تعالى: يقبل التوبة عن ~~عباده قال أبو عبيدة: أي: من عبيده، تقول: أخذته منك، وأخذته عنك. وقوله ~~تعالى: ويأخذ الصدقات قال ابن قتيبة: أي: يقبلها. ومثله: خذ العفو «2» أي: ~~اقبله. PageV02P295 # قوله تعالى: وقل اعملوا قال ابن زيد: هذا خطاب للذين تابوا. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 106] # وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم ~~(106) # قوله تعالى: «وآخرون مرجؤون» وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي مرجون بغير همز. # (753) والآية نزلت في كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، ~~وكانوا فيمن تخلف عن تبوك من غير عذر، ثم لم يبالغوا في الاعتذار كما فعل ~~أبو لبابة وأصحابه، ولم يوثقوا أنفسهم بالسواري فوقف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمرهم، ونهى الناس عن كلامهم ومخالطتهم حتى نزل قوله تعالى: # وعلى الثلاثة الذين خلفوا «1» . # قال الزجاج: «وآخرون» عطف على قوله: «ومن أهل المدينة» ، فالمعنى: منهم ~~منافقون، ومنهم «آخرون مرجون» أي: مؤخرون و «إما» لوقوع أحد الشيئين، والله ~~تعالى عالم بما يصير إليه أمرهم، لكنه خاطب العباد بما يعلمون، فالمعنى: ~~ليكن أمرهم عندكم على الخوف والرجاء. قوله تعالى: # والله عليم حكيم أي: عليم بما يؤول إليه حالهم، حكيم بما يفعله بهم. ### | [سورة ms0945 التوبة (9) : آية 107] # والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب ~~الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون ~~(107) # قوله تعالى: والذين اتخذوا مسجدا قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، ~~والكسائي: # «والذين» بواو، وكذلك هي في مصاحفهم. وقرأ نافع، وابن عامر: «الذين» بغير ~~واو، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام. قال أبو علي: من قرأ بالواو، ~~فهو معطوف على ما قبله، نحو قوله تعالى: ومنهم من عاهد الله «2» ، ومنهم من ~~يلمزك «3» ومنهم الذين يؤذون النبي «4» ، والمعنى: # ومنهم الذين اتخذوا مسجدا. ومن حذف الواو، فعلى وجهين: أحدهما: أن يضمر- ~~ومنهم الذين اتخذوا- كقوله تعالى: أكفرتم، المعنى: فيقال لهم: أكفرتم. ~~والثاني: أن يضمر الخبر بعد، كما أضمر في قوله تعالى: إن الذين كفروا ~~ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام «5» المعنى: ينتقم منهم ويعذبون. # (754) قال أهل التفسير: لما اتخذ بنو عمرو بن عوف مسجد قباء، وبعثوا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، PageV02P296 # فأتاهم، فصلى فيه حسدهم إخوتهم بنو غنم بن عوف، وكانوا من منافقي ~~الأنصار، فقالوا: نبني مسجدا، ونرسل إلى رسول الله فيصلي فيه، ويصلي فيه ~~أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية ~~وتنصر، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، عاداه، فخرج إلى ~~الشام، وأرسل إلى المنافقين أن أعدوا ما استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا لي ~~مسجدا، فاني ذاهب إلى قيصر فآتي بجند الروم فأخرج محمدا وأصحابه، فبنوا هذا ~~المسجد إلى جنب مسجد قباء وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا: خذام بن خالد ومن ~~داره أخرج المسجد، ونبتل بن الحارث، وبجاد بن عثمان، وثعلبة بن حاطب، ومعتب ~~بن قشير، وعباد بن حنيف، ووديعة بن ثابت، وأبو حبيبة بن الأزعر، وجارية بن ~~عامر، وابناه يزيد ومجمع وكان مجمع إمامهم فيه، ثم صلحت حاله، وبحزج جد عبد ~~الله بن حنيف، وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أردت بما ~~أرى» ؟ فقال: والله ما ms0946 أردت إلا الحسنى، وهو كاذب. # وقال مقاتل: الذي حلف مجمع. # (755) وقيل: كانوا سبعة عشر فلما فرغوا منه، أتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: إنما قد ابتنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة ~~المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي فيه فدعا بقميصه ليلبسه، فنزل عليه ~~القرآن وأخبره الله خبرهم، فدعا معن بن عدي، ومالك بن الدخشم في آخرين، ~~وقال: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه وأحرقوه» ، وأمر به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف. # ومات أبو عامر بالشام وحيدا غريبا. # فأما التفسير، فقال الزجاج: «الذين» في موضع رفع، المعنى: ومنهم الذين ~~اتخذوا مسجدا ضرارا. و «ضرارا» انتصب مفعولا له، المعنى: اتخذوه للضرار ~~والكفر والتفريق والإرصاد. فلما حذفت اللام، أفضى الفعل فنصب. قال ~~المفسرون: والضرار بمعنى المضارة لمسجد قباء، وكفرا بالله ورسوله وتفريقا ~~بين المؤمنين لأنهم كانوا يصلون في مسجد قباء جميعا، فأرادوا تفريق ~~جماعتهم، والإرصاد: الانتظار، فانتظروا به مجيء أبي عامر، وهو الذي حارب ~~الله ورسوله من قبل بناء مسجد الضرار. وليحلفن إن أردنا أي: ما أردنا إلا ~~الحسنى أي: ما أردنا بابتنائه إلا الحسنى وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: طاعة ~~الله. والثاني: الجنة. والثالث: فعل التي هي أحسن من إقامة الدين والاجتماع ~~للصلاة. وقد ذكرنا اسم الحالف. PageV02P297 ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 108] # لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (108) # قوله تعالى: لا تقم فيه أي: لا تصل فيه أبدا. لمسجد أسس على التقوى أي: ~~بني على الطاعة، وبناه المتقون من أول يوم أي: منذ أول يوم. قال الزجاج: ~~«من» في الزمان، والأصل: منذ ومذ، وهو الأكثر في الاستعمال. وجائز دخول ~~«من» لأنها الأصل في ابتداء الغاية والتبعيض، ومثله قول زهير: # لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن شهر «1» # وقيل معناه: من مر حجج ومن مر شهر. وفي هذا المسجد ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه مسجد رسول الله صلى ms0947 الله عليه وسلم بالمدينة الذي فيه منبره ~~وقبره. # (756) روى سهل بن سعد أن رجلين اختلفا في عهد رسول الله في المسجد الذي ~~أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد الرسول، وقال الآخر: هو مسجد قباء، ~~فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال «هو مسجدي هذا» وبه قال ابن ~~عمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، وسعيد بن المسيب. # (757) والثاني: أنه مسجد قباء، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه ~~قال سعيد بن جبير، PageV02P298 # وقتادة، وعروة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والضحاك، ومقاتل. # والثالث: أنه كل مسجد بني في المدينة، قاله محمد بن كعب. # قوله تعالى: فيه رجال يحبون أن يتطهروا. سبب نزولها: # (758) أن رجالا من أهل قباء كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية، قاله ~~الشعبي. PageV02P299 # (759) قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية، أتاهم رسول الله فقال: «ما الذي ~~أثنى الله به عليكم» PageV02P300 # فقالوا: إنا نستنجي بالماء. فعلى هذا، المراد به الطهارة بالماء. وقال ~~أبو العالية: أن يتطهروا من الذنوب. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 109] # أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا ~~جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين (109) # قوله تعالى: أفمن أسس بنيانه قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة ~~والكسائي «أسس» بفتح الألف في الحرفين جميعا وفتح النون فيهما. وقرأ نافع ~~وابن عامر «أسس» بضم الألف «بنيانه» برفع النون. والبنيان مصدر يراد به ~~المبني. والتأسيس: إحكام أس البناء، وهو أصله، والمعنى: المؤسس بنيانه ~~متقيا يخاف الله ويرجو رضوانه خير، أم المؤسس بنيانه غير متق؟ قال الزجاج: ~~وشفا الشيء: # حرفه وحده. والشفا مقصور، يكتب بالألف ويثنى شفوان. قوله تعالى: جرف قرأ ~~ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي «جرف» مثقلا. وقرأ ابن عامر، وحمزة، ~~وأبو بكر عن عاصم: «جرف» ساكنة الراء. قال أبو علي: فالضم الأصل، والإسكان ~~تخفيف، ومثله: الشغل والشغل. قال ابن قتيبة: # المعنى: على حرف جرف هائر. والجرف: ما يتجرف بالسيول من الأودية. ms0948 ~~والهائر: الساقط. ومنه: # تهور البناء وانهار: إذا سقط. وقرأ ابن كثير: وحمزة «هار» بفتح الهاء. ~~وأمال الهاء نافع وأبو عمرو. # وعن عاصم كالقراءتين. قوله تعالى: فانهار به أي: بالباني في نار جهنم. ~~قال الزجاج: وهذا مثل، والمعنى: أن بناء هذا المسجد كبناء على جرف جهنم ~~يتهور بأهله فيها. وقال قتادة: ذكر لنا أنهم حفروا فيه حفرة فرؤي فيها ~~الدخان. قال جابر: رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان. ### | [سورة التوبة (9) : آية 110] # لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم ~~حكيم (110) # قوله تعالى: لا يزال بنيانهم يعني: مسجد الضرار الذي بنوا ريبة في قلوبهم ~~وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: شكا ونفاقا، لأنهم كانوا يحسبون أنهم محسنون في ~~بنائه، قاله ابن عباس، وابن زيد. # والثاني: حسرة وندامة، لأنهم ندموا على بنائه، قاله ابن السائب ومقاتل. ~~والثالث: أن المعنى: لا يزال هدم بنيانهم حزازة وغيظا في قلوبهم، قاله ~~السدي، والمبرد. # قوله تعالى: إلا أن تقطع قلوبهم قرأ الأكثرون: «إلا» وهو حرف استثناء. ~~وقرأ يعقوب «إلى أن» فجعله حرف جر. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «تقطع» بضم التاء. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص ~~عن عاصم: «تقطع» بفتح التاء. ثم في المعنى قولان: PageV02P301 # أحدهما: إلا أن يموتوا، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة في آخرين. ~~والثاني: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم، ~~ذكره الزجاج. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 111] # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في ~~سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن ~~أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ~~(111) # قوله تعالى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم. # (760) سبب نزولها أن الأنصار لما بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليلة العقبة وكانوا سبعين رجلا، قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله اشترط ~~لربك ولنفسك ما شئت، فقال «أشترط لربي أن تعبدوه ولا ms0949 تشركوا به شيئا، ~~وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم» ، قالوا: فاذا فعلنا ذلك، ~~فما لنا؟ # قال: «الجنة» قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت إن الله اشترى ~~من المؤمنين الآية، قاله محمد بن كعب القرظي. # فأما اشتراء النفس فبالجهاد. وفي اشتراء الأموال وجهان: أحدهما: بالإنفاق ~~في الجهاد. # والثاني: بالصدقات. وذكر الشراء ها هنا مجاز لأن المشتري حقيقة هو الذي ~~لا يملك المشترى، فهو كقوله تعالى: من ذا الذي يقرض الله «1» والمراد من ~~الكلام أن الله أمرهم بالجهاد بأنفسهم وأموالهم ليجازيهم عن ذلك بالجنة ~~فعبر عنه بالشراء لما تضمن من عوض ومعوض. وكان الحسن يقول: لا والله، إن في ~~الدنيا مؤمن إلا وقد أخذت بيعته. وقال قتادة: ثامنهم والله فأغلى لهم. قوله ~~تعالى: # فيقتلون ويقتلون قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم ~~«فيقتلون ويقتلون» فاعل ومفعول. وقرأ حمزة، والكسائي «فيقتلون ويقتلون» ~~مفعول وفاعل. قال أبو علي: القراءة الأولى بمعنى أنهم يقتلون أولا ويقتلون، ~~والأخرى يجوز أن تكون في المعنى كالأولى، لأن المعطوف بالواو يجوز أن يراد ~~به التقديم فان لم يقدر فيه التقديم، فالمعنى: يقتل من بقي منهم بعد قتل من ~~قتل، كما أن قوله تعالى: فما وهنوا لما أصابهم «2» ما وهن من بقي بقتل من ~~قتل. ومعنى الكلام: إن الجنة عوض عن جهادهم، قتلوا أو قتلوا. وعدا عليه قال ~~الزجاج: نصب «وعدا» بالمعنى، لأن معنى قوله: بأن PageV02P302 # لهم الجنة: وعدا عليه حقا، قال: وقوله تعالى: في التوراة والإنجيل يدل ~~على أن أهل كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه الجنة. قوله تعالى: ومن أوفى ~~أي: لا أحد أوفى بما وعد من الله. فاستبشروا أي: فافرحوا بهذا البيع. ### | [سورة التوبة (9) : آية 112] # التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (112) # قوله تعالى: التائبون. # (761) سبب نزولها: أنه لما نزلت التي قبلها، قال رجل: يا رسول الله، وإن ~~سرق وإن زنى وإن شرب الخمر؟ فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # قال الزجاج: ms0950 يصلح الرفع هاهنا على وجوه أحدها: المدح، كأنه قال: هؤلاء ~~التائبون، أو هم التائبون. ويجوز أن يكون على البدل، والمعنى: يقاتل ~~التائبون فهذا مذهب أهل اللغة، والذي عندي أنه رفع بالابتداء، وخبره مضمر، ~~المعنى: التائبون ومن ذكر معهم لهم الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا إذا لم ~~يقصدوا ترك الجهاد ولا العناد، لأن بعض المسلمين يجزئ عن بعض في الجهاد. ~~وللمفسرين في قوله تعالى: التائبون قولان: أحدهما: الراجعون عن الشرك ~~والنفاق والمعاصي. والثاني: الراجعون إلى الله في فعل ما أمر واجتناب ما ~~حظر. وفي قوله تعالى: العابدون ثلاثة أقوال: أحدها: المطيعون لله بالعبادة، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: المقيمون الصلاة، قاله الضحاك عن ابن ~~عباس. # والثالث: الموحدون، قاله سعيد بن جبير. # قوله تعالى: الحامدون قال قتادة: يحمدون الله تعالى على كل حال. وفي ~~السائحين أربعة أقوال: أحدها: الصائمون، قاله ابن مسعود، وابن عباس، ~~والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة في آخرين. قال الفراء: ويرى أهل النظر أن ~~الصائم إنما سمي سائحا تشبيها بالسائح، لأن السائح لا زاد معه والعرب تقول ~~للفرس إذا كان قائما لا علف بين يديه: صائم، وذلك أن له قوتين، غدوة وعشية، ~~فشبه به صيام الآدمي لتسحره وإفطاره. والثاني: أنهم الغزاة، قاله عطاء. ~~والثالث: طلاب العلم، قاله عكرمة. والرابع: المهاجرون، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: الراكعون الساجدون يعني في الصلاة الآمرون بالمعروف وهو طاعة ~~الله والناهون عن المنكر وهو معصية الله. فان قيل: ما وجه دخول الواو في ~~قوله تعالى: # والناهون؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن الواو إنما دخلت هاهنا لأنها الصفة ~~الثامنة، والعرب تعطف بالواو على السبعة، كقوله تعالى: وثامنهم كلبهم «1» ~~وقوله في صفة الجنة: وفتحت أبوابها «2» ، ذكره جماعة من المفسرين. والثاني: ~~أن الواو إنما دخلت على الناهين لأن الآمر بالمعروف ناه عن PageV02P303 # المنكر في حال أمره، فكان دخول الواو دلالة على أن الأمر بالمعروف لا ~~ينفرد دون النهي عن المنكر كما ينفرد الحامدون بالحمد دون السائحين، ~~والسائحون بالسياحة دون الحامدين في بعض الأحوال والأوقات. # قوله تعالى: ms0951 والحافظون لحدود الله قال الحسن: القائمون بأمر الله. ### | ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 113 الى # 114] # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ~~إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم ~~لأواه حليم (114) # قوله تعالى: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين في سبب ~~نزولها أربعة أقوال: # (762) أحدها: أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال: «أي عم، قل معي: ~~لا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله» ، فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا ~~أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيء ~~كلمهم به: أنا على ملة عبد المطلب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» ، فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا الآية، ~~ونزلت: إنك لا تهدي من أحببت «1» أخرجه البخاري ومسلم في «الصحيحين» من ~~حديث سعيد بن المسيب عن أبيه. # (763) وقيل: إنه لما مات أبو طالب، جعل النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر ~~له، فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قراباتنا، وقد ~~استغفر ابراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه؟ فاستغفروا للمشركين، فنزلت ~~هذه الآية. قال أبو الحسين بن المنادي: هذا لا يصح، إنما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعمه «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» قبل أن يموت، وهو في ~~السياق، فأما أن يكون استغفر له بعد الموت، فلا، فانقلب ذلك على الرواة، ~~وبقي على انقلابه. # (764) والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أمه آمنة، فتوضأ ~~وصلى ركعتين، ثم بكى فبكى الناس PageV02P304 # لبكائه، ثم انصرف إليهم، فقالوا: ما الذي أبكاك؟ فقال: «مررت بقبر أمي ~~فصليت ركعتين، ثم استأذنت ربي أن أستغفر لها، فنهيت، فبكيت، ثم عدت فصليت ~~ركعتين، واستأذنت ربي أن أستغفر ms0952 لها، فزجرت زجرا، فأبكاني» ، ثم دعا ~~براحلته فركبها فما سار هنية، حتى قامت الناقة لثقل الوحي فنزلت: ما كان ~~للنبي والذين آمنوا والأية التي بعدها، رواه بريدة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # (765) والثالث: أن رجلا استغفر لأبويه، وكانا مشركين، فقال له علي بن أبي ~~طالب: أتستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكر ~~ذلك علي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، رواه ~~أبو الخليل عن علي عليه السلام. # (766) والرابع: أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: ~~يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الرحم، ويفك العاني، ~~ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ فقال: «بلى، والله لأستغفرن لأبي كما ~~استغفر إبراهيم لأبيه» ، فنزلت هذه الآية، وبين عذر إبراهيم، قاله قتادة. # ومعنى قوله تعالى: من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم أي: من بعد ما ~~بان أنهم ماتوا كفارا. # قوله تعالى: إلا عن موعدة وعدها إياه فيه قولان: أحدهما: أن إبراهيم وعد ~~أباه الاستغفار، وذلك قوله تعالى: سأستغفر لك ربي «1» ، وما كان يعلم أن ~~الاستغفار للمشركين محظور حتى أخبره الله تعالى بذلك. والثاني: أن أباه ~~وعده أنه إن استغفر له آمن فلما تبين لإبراهيم عداوة أبيه لله تعالى بموته ~~على الكفر، ترك الدعاء له. فعلى الأول، تكون هاء الكناية في «إياه» عائدة ~~على آزر، وعلى الثاني، تعود على إبراهيم. وقرأ ابن السميفع، ومعاذ القارئ، ~~وأبو نهيك: «وعدها أباه» بالباء. PageV02P305 # وفي الأواه ثمانية أقوال «1» : # (767) أحدها: أنه الخاشع الدعاء المتضرع، رواه عبد الله بن شداد بن الهاد ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنه الدعاء، رواه زر عن عبد الله، وبه قال عبيد بن عمير. ~~والثالث: الرحيم، رواه أبو العبيد بن العامري عن ابن مسعود، وبه قال الحسن، ~~وقتادة، وأبو ميسرة. والرابع: أنه الموقن، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس، وبه ~~قال مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والضحاك. والخامس: أنه المؤمن، رواه العوفي، ~~ومجاهد، وابن أبي طلحة ms0953 عن ابن عباس. والسادس: أنه المسبح، رواه أبو إسحاق ~~عن أبي ميسرة، وبه قال سعيد بن المسيب، وابن جبير. والسابع: أنه المتأوه ~~لذكر عذاب الله، قاله الشعبي. قال أبو عبيدة: مجاز أواه مجاز فعال من ~~التأوه، ومعناه: متضرع شفقا وفرقا ولزوما لطاعة ربه، قال المثقب: # إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين «2» # والثامن: أنه الفقيه، رواه ابن جريج عن مجاهد. فأما الحليم، فهو الصفوح ~~عن الذنوب. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 115 الى 116] # وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل ~~شيء عليم (115) إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا نصير (116) # قوله تعالى: وما كان الله ليضل قوما الآية. # (768) سبب نزولها: أنه لما نزلت آية الفرائض، وجاء النسخ، وقد غاب قوم ~~وهم يعلمون بالأمر الأول مثل أمر القبلة والخمر، ومات أقوام على ذلك، سألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ~~ابن عباس. # وقال قوم: المعنى: أنه بين أنه لم يكن ليأخذهم بالاستغفار للمشركين قبل ~~تحريمه، فاذا حرمه ولم يمتنعوا عنه، فقد ضلوا. وقال ابن الأنباري: في الآية ~~حذف واختصار، والتأويل: حتى يتبين لهم ما يتقون، فلا يتقونه، فعند ذلك ~~يستحقون الضلال فحذف ما حذف لبيان معناه، كما تقول العرب: # أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال يريدون: فتجرت فكسبت. PageV02P306 ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 117] # لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ~~من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف رحيم (117) # قوله تعالى: لقد تاب الله على النبي قال المفسرون: تاب عليه من إذنه ~~للمنافقين في التخلف. # وقال أهل المعاني: هو مفتاح كلام، وذلك أنه لما كان سبب توبة التائبين، ~~ذكر معهم، كقوله تعالى: # فأن لله خمسه وللرسول «1» . قوله تعالى: الذين اتبعوه في ساعة العسرة قال ~~الزجاج: هم الذين اتبعوه في غزوة تبوك، والمراد بساعة العسرة: وقت العسرة، ms0954 ~~لأن الساعة تقع على كل الزمان، وكان في ذلك الوقت حر شديد، والقوم في ضيقة ~~شديدة، كان الجمل بين جماعة يعتقبون عليه، وكانوا في فقر، فربما اقتسم ~~التمرة اثنان، وربما مص التمرة الجماعة ليشربوا عليها الماء، وربما نحروا ~~الإبل فشربوا من ماء كروشها من الحر. # (769) وقيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن ساعة العسرة فقال: خرجنا إلى تبوك ~~في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستتقطع، حتى ~~إن الرجل ليذهب يلتمس الماء، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن ~~الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو ~~بكر: يا رسول الله، إن الله تعالى قد عودك في الدعاء خيرا، فادع لنا. قال: ~~«تحب ذلك» ؟ قال: نعم. فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فملؤوا ما ~~معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر. # قوله تعالى: من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم قرأ حمزة، وحفص عن عاصم: ~~«كاد يزيغ» بالياء. وقرأ الباقون بالتاء. وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال: ~~أحدها: تميل إلى التخلف عنه، وهم ناس من المسلمين هموا بذلك، ثم لحقوه، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أن القلوب مالت إلى الرجوع للشدة التي ~~لقوها، ولم تزغ عن الإيمان، قاله الزجاج. والثالث: أن القلوب كادت تزيغ ~~تلفا بالجهد والشدة، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: ثم تاب عليهم كرر ذكر التوبة، لأنه ليس في ابتداء الآية ذكر ~~ذنبهم، فقدم ذكر التوبة فضلا منه، ثم ذكر ذنبهم، ثم أعاد ذكر التوبة. ### | [سورة التوبة (9) : آية 118] # وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم ~~أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو ~~التواب الرحيم (118) # قوله تعالى: وعلى الثلاثة الذين خلفوا وقرأ أبو رزين، وأبو مجلز، ~~والشعبي، وابن يعمر: PageV02P307 # «خالفوا» بألف. وقرأ معاذ القارئ، وعكرمة، وحميد: «خلفوا» بفتح الخاء ~~واللام المخففة. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو العالية: «خلفوا» بفتح الخاء ~~واللام ms0955 مع تشديدها. وهؤلاء هم المرادون بقوله تعالى: # وآخرون مرجون وقد تقدمت أسماؤهم. وفي معنى «خلفوا» قولان: أحدهما: خلفوا ~~عن التوبة، قاله ابن عباس، ومجاهد. فيكون المعنى: خلفوا عن توبة الله على ~~أبي لبابة وأصحابه إذ لم يخضعوا كما خضع أولئك. والثاني: خلفوا عن غزوة ~~تبوك، قاله قتادة. وحديثهم مندرج في توبة كعب بن مالك «1» ، وقد رويتها في ~~كتاب «الحدائق» . # قوله تعالى: حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت أي: ضاقت مع سعتها. # (770) وذلك أن المسلمين منعوا من معاملتهم وكلامهم، وأمروا باعتزال ~~أزواجهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم معرضا عنهم. وضاقت عليهم أنفسهم ~~بالهم والغم. وظنوا أي: أيقنوا أن لا ملجأ أي: لا معتصم من الله ومن عذابه ~~إلا هو. ثم تاب عليهم أعاد التوبة تأكيدا، ليتوبوا قال ابن عباس: ~~ليستقيموا. وقال غيره: وفقهم للتوبة ليدوموا عليها ولا يرجعوا إلى ما ~~يبطلها. وسئل بعضهم عن التوبة النصوح، فقال: أن تضيق على التائب الارض، ~~وتضيق عليه نفسه، كتوبة كعب وصاحبيه. ### | [سورة التوبة (9) : آية 119] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (119) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين في سبب ~~نزولها قولان: أحدهما: # أنها نزلت في قصة الثلاثة المتخلفين. والثاني: أنها في أهل الكتاب. ~~والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله في إيمانكم بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وكونوا مع الصادقين. # وفي المراد بالصادقين خمسة أقوال: أحدها: أنه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، قاله ابن عمر. والثاني: # أبو بكر وعمر، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. وقد قرأ ابن السميفع، وأبو ~~المتوكل، ومعاذ القارئ: # «مع الصادقين» بفتح القاف وكسر النون على التثنية. والثالث: أنهم الثلاثة ~~الذين خلفوا، صدقوا النبي صلى الله عليه وسلم عن تأخرهم، قاله السدي. ~~والرابع: أنهم المهاجرون، لأنهم لم يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الجهاد، قاله ابن جريج. قال أبو سليمان الدمشقي. وقيل: إن أبا بكر ~~الصديق احتج بهذه الآية يوم السقيفة، فقال: يا معشر الأنصار، إن ms0956 الله يقول ~~في كتابه: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا إلى قوله تعالى: أولئك هم ~~الصادقون من هم؟ قالت الأنصار: أنتم هم. قال: فان الله تعالى يقول: اتقوا ~~الله وكونوا مع الصادقين فأمركم أن تكونوا معنا، ولم يأمرنا أن نكون معكم، ~~فنحن الأمراء وأنتم الوزراء. والخامس: أنه عام، قاله قتادة. و «مع» بمعنى: ~~«من» ، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود: # «وكونوا من الصادقين» . PageV02P308 ### | ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 120 الى # 121] # ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا ~~يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل ~~الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به ~~عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا ~~كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ~~(121) # قوله تعالى: ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب قال ابن عباس: ~~يعني: مزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، وغفار، أن يتخلفوا عن رسول الله في ~~غزوة غزاها، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه لا يرضوا لأنفسهم بالخفض والدعة ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الحر والمشقة. يقال: رغبت بنفسي عن ~~الشيء: إذا ترفعت عنه. # قوله تعالى: ذلك أي: ذلك النهي عن التخلف بأنهم لا يصيبهم ظمأ وهو العطش، ~~ولا نصب وهو التعب، ولا مخمصة وهي المجاعة، ولا ينالون من عدو نيلا أسرا أو ~~قتلا أو هزيمة، فأعلمهم الله أنه يجازيهم على جميع ذلك. # قوله تعالى: ولا ينفقون نفقة صغيرة قال ابن عباس: تمرة فما فوقها، ولا ~~يقطعون واديا مقبلين أو مدبرين إلا كتب لهم أي: أثبت لهم أجر ذلك، ليجزيهم ~~الله أحسن أي: بأحسن ما كانوا يعملون. # فصل: قال شيخنا علي بن عبيد الله: اختلف المفسرون في هذه الآية، فقالت ~~طائفة: كان في أول الأمر لا يجوز التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حيث كان الجهاد يلزم الكل ثم نسخ ذلك ms0957 بقوله تعالى: # وما كان المؤمنون لينفروا كافة وقالت طائفة: فرض الله تعالى على جميع ~~المؤمنين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ممن لا عذر له الخروج معه ~~لشيئين: أحدهما: أنه من الواجب عليهم أن يقوه بأنفسهم. # والثاني: أنه إذا خرج الرسول فقد خرج الدين كله، فأمروا بالتظاهر لئلا ~~يقل العدد، وهذا الحكم باق إلى وقتنا فلو خرج أمير المؤمنين إلى الجهاد، ~~وجب على عامة المسلمين متابعته لما ذكرنا. فعلى هذا، الآية محكمة. قال أبو ~~سليمان: لكل آية وجهها، وليس للنسخ على إحدى الآيتين طريق. ### | [سورة التوبة (9) : آية 122] # وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا ~~في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122) # قوله تعالى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة في سبب نزولها أربعة أقوال ~~«1» : PageV02P309 # (771) أحدها: أنه لما أنزل الله عز وجل عيوب المنافقين في غزوة تبوك، قال ~~المؤمنون: والله لا نتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~سرية أبدا. فلما أرسل السرايا بعد تبوك، نفر المسلمون جميعا، وتركوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وحده، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. # (772) والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا على مضر، أجدبت ~~بلادهم فكانت القبيلة منهم تقبل PageV02P310 # بأسرها إلى المدينة من الجهد ويظهرون الإسلام وهم كاذبون فضيقوا على ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة ~~عن ابن عباس. # (773) والثالث: أن ناسا أسلموا، وخرجوا إلى البوادي يعلمون قومهم، فنزلت: ~~إلا تنفروا يعذبكم «1» ، فقال ناس من المنافقين: هلك من لم ينفر من أهل ~~البوادي، فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. # (774) والرابع: أن ناسا خرجوا إلى البوادي يعلمون الناس ويهدونهم، ~~ويصيبون من الحطب ما ينتفعون به فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتم ~~أصحابكم وجئتمونا فأقبلوا من البادية كلهم، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. # قال الزجاج: ولفظ الآية لفظ الخبر، ومعناها الأمر، كقوله تعالى: ما كان ~~للنبي والذين آمنوا ms0958 أن يستغفروا للمشركين «2» ، والمعنى: ينبغي أن ينفر ~~بعضهم، ويبقى البعض. قال الفراء: ينفر وينفر، بكسر الفاء وضمها، لغتان. ~~واختلف المفسرون في المراد بهذا النفير على قولين: أحدهما: أنه النفير إلى ~~العدو، فالمعنى: ما كان لهم أن ينفروا بأجمعهم، بل تنفر طائفة، وتبقى مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم طائفة. # ليتفقهوا في الدين يعني الفرقة القاعدين. فاذا رجعت السرايا، وقد نزل ~~بعدهم قرآن أو تجدد أمر، أعلموهم به وأنذروهم به إذا رجعوا إليهم، وهذا ~~المعنى مروي عن ابن عباس. والثاني: أنه النفير إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، بل تنفر منهم طائفة ليتفقه هؤلاء الذين ينفرون، ولينذروا قومهم ~~المتخلفين، هذا قول الحسن، وهو أشبه بظاهر الآية. فعلى القول الأول، يكون ~~نفير هذه الطائفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خرج إلى غزاة أو مع ~~سراياه. وعلى القول الثاني، يكون نفير الطائفة إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لاقتباس العلم. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 123 الى 126] # يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ~~واعلموا أن الله مع المتقين (123) وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما ~~الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) أولا ~~يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون (126) # قوله تعالى: قاتلوا الذين يلونكم من الكفار قد أمر بقتال الكفار على ~~العموم، وإنما يبتدأ بالأقرب فالأقرب. وفي المراد بمن يليهم خمسة أقوال: ~~أحدها: أنهم الروم، قاله ابن عمر. والثاني: # قريظة والنضير وخيبر وفدك، قاله ابن عباس. والثالث: الديلم، قاله الحسن. ~~والرابع: العرب، قاله ابن زيد. والخامس: أنه عام في قتال الأقرب فالأقرب، ~~قاله قتادة. وقال الزجاج: وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي أن يقاتل أهل ~~كل ثغر الذين يلونهم. قال: وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم ربما تخطى ~~في حربه الذين PageV02P311 # يلونه من الأعداء ليكون ذلك أهيب ms0959 له، فأمر بقتال من يليه ليستن بذلك. وفي ~~الغلظة ثلاث لغات: # غلظة، بكسر الغين وبها قرأ الأكثرون. وغلظة، بفتح الغين، رواها جبلة عن ~~عاصم، وغلظة، بضم الغين، رواها المفضل عن عاصم، ومثلها: جذوة وجذوة وجذوة، ~~ووجنة ووجنة ووجنة، ورغوة ورغوة ورغوة، وربوة وربوة وربوة، وقسوة وقسوة ~~وقسوة، وإلوة وألوة وألوة، في اليمين. وشاة لجبة ولجبة ولجبة: قد ولى ~~لبنها. قال ابن عباس في قوله «غلظة» : شجاعة. وقال مجاهد: شدة. # قوله تعالى: فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا هذا قول المنافقين ~~بعضهم لبعض استهزاء بقول الله تعالى. فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ~~لأنهم إذا صدقوا بها وعملوا بما فيها، زادتهم إيمانا وهم يستبشرون أي: ~~يفرحون بنزولها وأما الذين في قلوبهم مرض أي: شك ونفاق. وفي المراد بالرجس ~~ثلاثة أقوال: أحدها: الشك، قاله ابن عباس. والثاني: الإثم، قاله مقاتل. ~~والثالث: # الكفر، لأنهم كلما كفروا بسورة زاد كفرهم، قاله الزجاج. قوله تعالى: أولا ~~يرون يعني المنافقين. # وقرأ حمزة: «أولا ترون» بالتاء على الخطاب للمؤمنين. وفي معنى يفتنون ~~ثمانية أقوال «1» . # أحدها: يكذبون كذبة أو كذبتين يضلون بها، قاله حذيفة بن اليمان. والثاني: ~~ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: يبتلون ~~بالغزو في سبيل الله، قاله الحسن، وقتادة. # والرابع: يفتنون بالسنة والجوع، قاله مجاهد. والخامس: بالأوجاع والأمراض، ~~قاله عطية. والسادس: # ينقضون عهدهم مرة أو مرتين، قاله يمان. والسابع: يكافرون، وذلك أنهم ~~كانوا إذا أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بما تكلموا به إذ خلوا، علموا ~~أنه نبي، ثم يأتيهم الشيطان فيقول: إنما بلغه هذا عنكم، فيشركون، قاله ~~مقاتل بن سليمان. والثامن: يفضحون باظهار نفاقهم، قاله مقاتل بن حيان. # قوله تعالى: ثم لا يتوبون أي من نفاقهم ولا هم يذكرون أي يعتبرون ~~ويتعظون. ### | ### | [سورة التوبة (9) : آية # 127] # وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف ~~الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (127) # قوله تعالى: وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض. # (775) قال ابن ms0960 عباس: كانت إذا أنزلت سورة فيها عيب المنافقين، وخطبهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض بهم في خطبته، شق ذلك عليهم ونظر بعضهم ~~إلى بعض يريدون الهرب يقولون: هل PageV02P312 # يراكم من أحد من المؤمنين إن قمتم؟ فان لم يرهم أحد خرجوا من المسجد. # قال الزجاج: كأنهم يقولون ذلك إيماء لئلا يعلم بهم أحد، ثم انصرفوا عن ~~المكان، وجائز عن العمل بما يسمعون. وقال الحسن: ثم انصرفوا على عزم ~~التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به. قوله تعالى: صرف الله ~~قلوبهم قال ابن عباس: عن الإيمان. وقال الزجاج: أضلهم مجازاة على فعلهم. ### | [سورة التوبة (9) : آية 128] # لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف ~~رحيم (128) # قوله تعالى: لقد جاءكم رسول من أنفسكم قرأ الجمهور بضم الفاء. وقرأ ابن ~~عباس، وأبو العالية، والضحاك، وابن محيصن. ومحبوب عن أبي عمرو: بفتحها. وفي ~~المضمومة أربعة أقوال: أحدها: من جميع العرب، قاله ابن عباس وقال: ليس في ~~العرب قبيلة إلا وقد ولدت رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني: ممن ~~تعرفون، قاله قتادة. والثالث: من نكاح لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، قاله ~~جعفر الصادق. والرابع: بشر مثلكم، فهو آكد للحجة، لأنكم تفقهون عمن هو ~~مثلكم، قاله الزجاج. # وفي المفتوحة ثلاثة أقوال: أحدها: أفضلكم خلقا. والثاني: أشرفكم نسبا. ~~والثالث: أكثركم طاعة لله عز وجل. قوله تعالى: عزيز عليه ما عنتم فيه ~~قولان: أحدهما: شديد عليه ما شق عليكم، رواه الضحاك عن ابن عباس. قال ~~الزجاج: شديد عليه عنتكم. والعنت: لقاء الشدة. والثاني: شديد عليه ما ~~آثمكم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قوله تعالى: بالمؤمنين رؤف رحيم قال ابن ~~عباس: سماه باسمين من أسمائه. وقال أبو عبيدة: «رؤوف» فعول، من الرأفة، وهي ~~أرق من الرحمة ويقال: # «رؤف» ، وأنشد: # ترى للمؤمنين عليك حقا ... كفعل الوالد الرؤف الرحيم «1» # وقيل: رؤوف بالمطيعين، رحيم بالمذنبين. ### | [سورة التوبة (9) : آية 129] # فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش ms0961 العظيم ~~(129) # قوله تعالى: فإن تولوا أي: أعرضوا عن الإيمان فقل حسبي الله أي: يكفيني ~~رب العرش العظيم. وقرأ ابن محيصن: «العظيم» برفع الميم. وإنما خص العرش ~~بالذكر، لأنه الأعظم، فيدخل فيه الأصغر. # (776) قال أبي بن كعب: آخر آية أنزلت: لقد جاءكم رسول إلى آخر السورة. ~~PageV02P313 ### | سورة يونس # فصل في نزولها: روى عطية، وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية، وبه قال ~~الحسن، وعكرمة. وروى أبو صالح عن ابن عباس أن فيها من المدني قوله: ومنهم ~~من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به «1» الآية. وفي رواية عن ابن عباس: فيها ~~ثلاث آيات من المدني، أولها قوله: فإن كنت في شك «2» إلى رأس ثلاث آيات، ~~وبه قال قتادة. وقال مقاتل: هي مكية، غير آيتين، قوله: فإن كنت في شك والتي ~~تليها. وقال بعضهم: هي مكية إلا آيتين، وهي قوله تعالى: قل بفضل الله ~~وبرحمته «3» والتي تليها. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة يونس (10) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) # فأما قوله تعالى: الر: قرأ ابن كثير: «الر» بفتح الراء، وقرأ أبو عمرو، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «الر» على الهجاء مكسورة. وقد ذكرنا في أول ~~سورة «البقرة» ما يشتمل على بيان هذا الجنس. وقد خصت هذه الكلمة بستة أقوال ~~«4» : أحدها: أن معناها: أنا الله أرى، رواه الضحاك عن ابن عباس «5» . ~~والثاني: أنا الله الرحمن، رواه عطاء عن ابن عباس. والثالث: أنه بعض اسم من ~~أسماء الله. روى عكرمة عن ابن عباس قال: «آلر» و «حم» و «نون» حروف الرحمن. ~~والرابع: أنه قسم أقسم الله به، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والخامس: ~~أنه اسم من أسماء القرآن، قاله مجاهد، وقتادة. # والسادس: أنه اسم للسورة، قاله ابن زيد. # وفي قوله تعالى: تلك قولان: أحدهما: أنه بمعنى «هذه» ، قاله أبو صالح عن ~~ابن عباس، واختاره أبو عبيدة. والثاني: أنه على أصله. ثم فيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أن الإشارة إلى الكتاب المتقدمة من التوراة والإنجيل. قاله مجاهد، ~~وقتادة فيكون المعنى: ms0962 هذه الأقاصيص التي تسمعونها، تلك PageV02P314 # الآيات التي وصفت في التوراة والإنجيل. والثاني: أن الإشارة إلى الآيات ~~التي جرى ذكرها، من القرآن، قاله الزجاج. والثالث: أن «تلك» إشارة إلى ~~«الر» وأخواتها من حروف المعجم، أي: تلك الحروف المفتتحة بها السور هي آيات ~~الكتاب لأن الكتاب بها يتلى، وألفاظه إليها ترجع، ذكره ابن الأنباري. قال ~~أبو عبيدة: الحكيم بمعنى المحكم المبين الموضح. والعرب قد تضع فعيلا في ~~معنى مفعل قال الله تعالى: ما لدي عتيد «1» أي: معد. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 2 الى 3] # أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا ~~أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين (2) إن ربكم الله ~~الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من ~~شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون (3) # قوله تعالى: أكان للناس عجبا: سبب نزولها: أن الله تعالى لما بعث محمدا ~~صلى الله عليه وسلم أنكرت الكفار ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله ~~بشرا مثل محمد. فنزلت هذه الآية «2» . والمراد بالناس هاهنا: أهل مكة، ~~والمراد بالرجل: محمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى (منهم) : يعرفون نسبه، ~~قاله ابن عباس. # فأما الألف فهي للتوبيخ والإنكار. قال ابن الأنباري: والاحتجاج عليهم في ~~كونهم عجبوا من إرسال محمد، محذوف هاهنا، وهو مبين في قوله: نحن قسمنا ~~بينهم معيشتهم «3» أي: فكما وضح لكم هذا التفاضل بالمشاهدة فلا تنكروا ~~تفضيل الله من شاء بالنبوة. وإنما حذفه هاهنا اعتمادا على ما بينه في موضع ~~آخر. قال: وقيل: إنما عجبوا من ذكر البعث والنشور لأن الإنذار والتبشير ~~يتصلان بهما، فكان جوابهم في مواضع كثيرة يدل على كون ذلك مثل قوله: وهو ~~أهون عليه «4» ، وقوله: يحييها الذي أنشأها أول مرة «5» . # وفي المراد بقوله: قدم صدق سبعة أقوال: أحدها: أنه الثواب الحسن بما ~~قدموا من أعمالهم. # رواه العوفي عن ابن عباس، وروى عنه أبو صالح قال: عمل صالح يقدمون عليه. ~~والثاني: ms0963 أنه ما سبق لهم من السعادة في الذكر الأول، رواه ابن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. قال أبو عبيدة: سابقة صدق. # والثالث: شفيع صدق، وهو محمد صلى الله عليه وسلم يشفع لهم يوم القيامة. ~~قاله الحسن. والرابع: سلف صدق تقدموهم بالإيمان، قاله مجاهد، وقتادة. ~~والخامس: مقام صدق لا زوال عنه، قاله عطاء. والسادس: # أن قدم الصدق: المنزلة الرفيعة. قاله الزجاج. والسابع: أن القدم هاهنا: ~~مصيبة المسلمين بنبيهم صلى الله عليه وسلم وما يلحقهم من ثواب الله عند ~~أسفهم على فقده ومحبتهم لمشاهدته «6» ، ذكره ابن الأنباري. PageV02P315 # فإن قيل: لم آثر القدم هاهنا على اليد، والعرب تستعمل اليد في موضع ~~الإحسان؟ # فالجواب: أن القدم ذكرت هاهنا للتقدم، لأن العادة جارية بتقدم الساعي على ~~قدميه، والعرب تجعلها كناية عن العمل الذي يتقدم فيه ولا يقع فيه تأخر، قال ~~ذو الرمة: # لكم قدم لا ينكر الناس أنها ... مع الحسب العادي طمت على البحر «1» # فإن قيل: ما وجه إضافة القدم إلى الصدق؟ # فالجواب: أن ذلك مدح للقدم، وكل شيء أضفته إلى الصدق، فقد مدحته ومثله: ~~أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق «2» وقوله: في مقعد صدق «3» . # وفي الكلام محذوف تقديره: أن أوحينا إلى رجل منهم، فلما أتاهم الوحي قال ~~الكافرون إن هذا لساحر مبين قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي: «لساحر» ~~بألف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «لسحر» بغير ألف «4» . قال أبو ~~علي: قد تقدم قوله تعالى: أن أوحينا إلى رجل منهم فمن قال: «ساحر» ، أراد ~~الرجل، ومن قال: «سحر» أراد الذي أوحي سحر، أي: الذين تقولون أنتم فيه: إنه ~~وحي: سحر. قال الزجاج: لما أنذرهم بالبعث والنشور، فقالوا: هذا سحر، أخبرهم ~~أن الذي خلق السماوات والأرض قادر على بعثهم بقوله تعالى: إن ربكم الله وقد ~~سبق تفسيره في سورة الأعراف «5» . # قوله تعالى: يدبر الأمر قال مجاهد: يقضيه. وقال غيره: يأمر به ويمضيه. # قوله تعالى: ما من شفيع إلا من بعد إذنه فيه قولان: # أحدهما: لا يشفع أحد إلا أن يأذن له، قاله ابن عباس. ms0964 قال الزجاج: لم يجر ~~للشفيع ذكر قبل هذا، ولكن الذين خوطبوا كانوا يقولون: الأصنام شفعاؤنا. ~~والثاني: أن المعنى: لا ثاني معه، مأخوذ من الشفع «6» ، لأنه لم يكن معه ~~أحد، ثم خلق الأشياء. فقوله تعالى: إلا من بعد إذنه أي: من بعد أمره أن ~~يكون الخلق فكان. ذكره الماوردي. # قوله تعالى: فاعبدوه: قال مقاتل: وحدوه. وقال الزجاج: المعنى: فاعبدوه ~~وحده. # وقوله تعالى: تذكرون معناه: تتعظون. ### | [سورة يونس (10) : آية 4] # إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم ~~بما كانوا يكفرون (4) PageV02P316 # قوله تعالى: إليه مرجعكم أي: مصيركم يوم القيامة. وعد الله حقا قال ~~الزجاج: «وعد الله» منصوب على معنى: وعدكم الله وعدا، لأن قوله: إليه ~~مرجعكم معناه: الوعد بالرجوع، و «حقا» منصوب على: أحق ذلك حقا. قوله تعالى: ~~إنه يبدؤا الخلق قرأه الأكثرون بكسر الألف. # وقرأت عائشة، وأبو رزين، وعكرمة، وأبو العالية، والأعمش «أنه» بفتحها. ~~قال الزجاج: من كسر، فعلى الاستئناف، ومن فتح، فالمعنى: إليه مرجعكم، لأنه ~~يبدأ الخلق. قال مقاتل: يبدأ الخلق ولم يكن شيئا، ثم يعيده بعد الموت. فأما ~~«القسط» فهو العدل. # فإن قيل: كيف خص جزاء المؤمنين بالعدل، وهو في جزاء الكافرين عادل أيضا؟ # فالجواب: أنه لو جمع الفريقين في القسط، لم يتبين في حال اجتماعهما ما ~~يقع بالكافرين من العذاب الأليم والشرب من الحميم، ففصلهم من المؤمنين ~~ليبين ما يجزيهم به مما هو عدل أيضا. ذكره ابن الأنباري. # فأما الحميم: فهو الماء الحار، وقال أبو عبيدة: كل حار فهو حميم. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 5 الى 10] # هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين ~~والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5) إن في ~~اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون ~~(6) إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم ~~عن آياتنا غافلون (7) أولئك مأواهم النار بما كانوا ms0965 يكسبون (8) إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات ~~النعيم (9) # دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين (10) # قوله تعالى: هو الذي جعل الشمس ضياء قرأ الأكثرون: «ضياء» بهمزة واحدة، ~~وقرأ ابن كثير: # «ضئاء» بهمزتين في كل القرآن، أي: ذات ضياء. والقمر نورا أي: ذا نور. ~~وقدره منازل أي: # قدر له، فحذف الجار، والمعنى: هيأ ويسر له منازل. قال الزجاج: الهاء ترجع ~~إلى «القمر» : لأنه المقدر لعلم السنين والحساب. وقد يجوز أن يعود إلى ~~الشمس والقمر، فحذف أحدهما اختصارا. # وقال الفراء: إن شئت جعلت تقدير المنازل للقمر خاصة، لأن به تعلم الشهور، ~~وإن شئت جعلت التقدير لهما، فاكتفي بذكر أحدهما من صاحبه، كقوله تعالى: ~~والله ورسوله أحق أن يرضوه «1» . قال ابن قتيبة: منازل القمر ثمانية وعشرون ~~منزلا من أول الشهر إلى ثماني وعشرين ليلة، ثم يستسر. وهذه المنازل، هي ~~النجوم التي كانت العرب تنسب إليها الأنواء، وأسماؤها عندهم: الشرطان، ~~والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، ~~والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزبانى، والإكليل، ~~والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، ~~وسعد الأخبية، وفرغ الدلو المقدم، وفرغ الدلو المؤخر، والرشاء وهو الحوت. ~~PageV02P317 # قوله تعالى: ما خلق الله ذلك إلا بالحق أي: للحق، من إظهار صنعه وقدرته ~~والدليل على وحدانيته. يفصل الآيات: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن ~~عاصم: «يفصل» بالياء. وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي وأبو بكر عن ~~عاصم: «نفصل الآيات» بالنون، والمعنى: نبينها. # لقوم يعلمون: يستدلون بالأمارات على قدرته. # قوله تعالى: لآيات لقوم يتقون فيه قولان: أحدهما: يتقون الشرك. والثاني: ~~عقوبة الله تعالى. فيكون المعنى: إن الآيات لمن لم يحمله هواه على خلاف ما ~~وضح له من الحق. # قوله تعالى: لا يرجون لقاءنا قال ابن عباس: لا يخافون البعث. ورضوا ~~بالحياة الدنيا: # اختاروا ما فيها على الآخرة واطمأنوا بها: آثروها. وقال غيره: ركنوا ~~إليها، لأنهم لا يؤمنون بالآخرة والذين هم عن ms0966 آياتنا غافلون فيها قولان: ~~أحدهما: أنها آيات القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. # والثاني: ما ذكره في أول السورة من صنعه، قاله مقاتل. فأما قوله تعالى: ~~غافلون فقال ابن عباس: # مكذبون. وقال غيره: معرضون. قال ابن زيد: وهؤلاء هم الكفار. # قوله تعالى: بما كانوا يكسبون قال مقاتل: من الكفر والتكذيب. # قوله تعالى: يهديهم ربهم بإيمانهم فيه أربعة أقوال: أحدها: يهديهم إلى ~~الجنة ثوابا بإيمانهم. # والثاني: يجعل لهم نورا يمشون به بإيمانهم. والثالث: يزيدهم هدى ~~بإيمانهم. والرابع: يثيبهم بإيمانهم، فأما الهداية فقد سبقت لهم. # قوله تعالى: تجري من تحتهم الأنهار أي: تجري بين أيديهم وهم يرونها من ~~علو. # قوله تعالى: دعواهم فيها أي: دعاؤهم. وقد شرحنا ذلك في أول الأعراف «1» . ~~وفي المراد بهذا الدعاء قولان: أحدهما: أنه استدعاؤهم ما يشتهون. قال ابن ~~عباس: كلما اشتهى أهل الجنة شيئا، قالوا: سبحانك اللهم فيأتيهم ما يشتهون، ~~فاذا طعموا، قالوا: الحمد لله رب العالمين فذلك آخر دعواهم. وقال ابن جريج: ~~إذا مر بهم الطير يشتهونه قالوا: سبحانك اللهم فيأتيهم الملك بما اشتهوا، ~~فيسلم عليهم فيردون عليه: فذلك قوله: وتحيتهم فيها سلام. فإذا أكلوا حمدوا ~~ربهم فذلك قوله: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. والثاني: أنهم إذا أرادوا الرغبة ~~إلى الله تعالى في دعاء يدعونه به قالوا: (سبحانك اللهم) ، قاله قتادة. # قوله تعالى: وتحيتهم فيها سلام فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تحية بعضهم ~~لبعض وتحية الملائكة لهم، قاله ابن عباس. والثاني: أن الله تعالى يحييهم ~~بالسلام. والثالث: أن التحية: الملك، فالمعنى: ملكهم فيها سالم، ذكرهما ~~الماوردي. # قوله تعالى: وآخر دعواهم أي: دعاؤهم. وقولهم: أن الحمد لله رب العالمين ~~قرأ أبو مجلز، وعكرمة، ومجاهد، وابن يعمر، وقتادة، ويعقوب: «أن الحمد لله» ~~بتشديد النون ونصب الدال. قال الزجاج: أعلم الله أنهم يبتدئون بتعظيم الله ~~وتنزيهه، ويختمون بشكره والثناء عليه. وقال ابن كيسان: يفتتحون كلامهم ~~بالتوحيد، ويختمونه بالتوحيد «2» . PageV02P318 ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 11] # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين ms0967 ~~لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) # قوله تعالى: ولو يعجل الله للناس الشر: ذكر بعضهم أنها نزلت في النضر بن ~~الحارث حيث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك «1» والتعجيل: تقديم ~~الشيء قبل وقته. وفي المراد بالآية قولان: أحدهما: ولو يعجل الله للناس ~~الشر إذا دعوا على أنفسهم عند الغضب وعلى أهليهم، واستعجلوا به، كما يعجل ~~لهم الخير، لهلكوا. هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثاني: ولو يعجل ~~الله للكافرين العذاب على كفرهم كما عجل لهم خير الدنيا من المال والولد، ~~لعجل لهم قضاء آجالهم ليتعجلوا عذاب الآخرة. حكاه الماوردي. ويقوي هذا تمام ~~الآية وسبب نزولها. وقد قرأ الجمهور: «لقضي إليهم» بضم القاف «أجلهم» بضم ~~اللام. وقرأ ابن عامر: «لقضى» بفتح القاف «أجلهم» بنصب اللام. وقد ذكرنا في ~~أول سورة البقرة «2» معنى الطغيان والعمه. ### | [سورة يونس (10) : آية 12] # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره ~~مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (12) # قوله تعالى: وإذا مس الإنسان الضر: اختلفوا فيمن نزلت على قولين: أحدهما: ~~أنها نزلت في أبي حذيفة، واسمه هاشم بن المغيرة بن عبد الله المخزومي. قاله ~~ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنها نزلت في عتبة بن ربيعة، والوليد بن ~~المغيرة. قاله عطاء. # والضر: الجهد والشدة. واللام في قوله: لجنبه بمعنى «على» . # وفي معنى الآية قولان: أحدهما: إذا مسه الضر دعا على جنبه، أو دعا قاعدا، ~~أو دعا قائما، قاله ابن عباس. والثاني: إذا مسه الضر في هذه الأحوال، دعا، ~~ذكره الماوردي «3» . # قوله تعالى: فلما كشفنا عنه ضره مر فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أعرض عن ~~ادعاء، قاله مقاتل. # والثاني: مر في العافية على ما كان عليه قبل أن يبتلى، ولم يتعظ بما ~~يناله، قاله الزجاج. والثالث: مر طاغيا على ترك الشكر. قوله تعالى: كأن لم ~~يدعنا قال الزجاج: «كأن» هذه مخففة من الثقيلة، المعنى: كأنه لم يدعنا، ~~قالت الخنساء: # كأن لم يكونوا حمى يتقى ... إذ الناس ms0968 إذ ذاك من عز بزا «4» # قوله تعالى: كذلك زين للمسرفين المعنى: كما زين لهذا الكافر الدعاء عند ~~البلاء والإعراض عند الرخاء، كذلك زين للمسرفين، وهم المجاوزون الحد في ~~الكفر والمعصية، عملهم. PageV02P319 ### | [سورة يونس (10) : آية 13] # ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ~~ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) # قوله تعالى: ولقد أهلكنا القرون من قبلكم: قال مقاتل: هذا تخويف لكفار ~~مكة. والظلم هاهنا بمعنى الشرك. وفي قوله: وما كانوا ليؤمنوا: قولان: ~~أحدهما: أنه عائد على أهل مكة، قاله مقاتل. والثاني: على القرون المتقدمة، ~~قاله أبو سليمان. قال ابن الأنباري: ألزمهم الله ترك الإيمان لمعاندتهم ~~الحق وإيثارهم الباطل. وقال الزجاج: جائز أن يكون جعل جزاءهم الطبع على ~~قلوبهم، وجائز أن يكون أعلم ما قد علم منهم. قوله تعالى: كذلك نجزي أي: ~~نعاقب ونهلك، القوم المجرمين: يعني المشركين من قومك. ### | [سورة يونس (10) : آية 14] # ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون (14) # قوله تعالى: ثم جعلناكم خلائف: قال ابن عباس: جعلناكم يا أمة محمد خلائف، ~~أي: # استخلفناكم في الأرض. وقال قتادة: ما جعلنا الله خلائف إلا لينظر إلى ~~أعمالنا، فأروا الله من أعمالكم خيرا بالليل والنهار. ### | [سورة يونس (10) : آية 15] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير ~~هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) # قوله تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا: اختلفوا فيمن نزلت على قولين: # أحدهما: أنها نزلت في المستهزئين بالقرآن من أهل مكة، قاله أبو صالح عن ~~ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في مشركي مكة، قاله مجاهد، وقتادة. # والمراد «بالآيات» : القرآن. و «يرجون» بمعنى: يخافون. وفي علة طلبهم سوى ~~هذا القرآن أو تبديله قولان: أحدهما: أنهم أرادوا تغيير آية العذاب ~~بالرحمة، وآية الرحمة بالعذاب، قاله ابن عباس. # والثاني: أنهم كرهوا منه ذكر البعث والنشور، لأنهم لا يؤمنون به، وكرهوا ~~عيب آلهتهم، فطلبوا ما ms0969 يخلو من ذلك، قاله الزجاج. والفرق بين تبديله ~~والإتيان بغيره، أن تبديله لا يجوز أن يكون معه، والإتيان بغيره قد يجوز أن ~~يكون معه. # قوله تعالى: ما يكون لي حرك هذه الياء ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وأسكنها ~~الباقون. من تلقاء نفسي حركها نافع، وأبو عمرو، وأسكنها الباقون. والمعنى: ~~من عند نفسي، فالمعنى: أن الذي أتيت به من عند الله لا من عندي فأبدله. إني ~~أخاف فتح هذه الياء ابن كثير ونافع وأبو عمرو. # إن عصيت ربي أي: في تبديله أو تغييره، عذاب يوم عظيم يعني في القيامة. # فصل: وقد تكلم علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ما بينا في ~~نظيرتها في الأنعام «1» ، PageV02P320 # ومقصود الآيتين تهديد المخالفين، وأضيف ذلك إلى الرسول ليصعب الأمر فيه. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 16 الى 17] # قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ~~أفلا تعقلون (16) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا ~~يفلح المجرمون (17) # قوله تعالى: قل لو شاء الله ما تلوته عليكم يعني القرآن. وذلك أنه كان لا ~~ينزله علي فيأمرني بتلاوته عليكم ولا أدراكم به أي: ولا أعلمكم الله به. ~~قرأ ابن كثير: «ولأدراكم» بلام التوكيد من غير ألف بعدها، يجعلها لاما دخلت ~~على «أدراكم» . وقرأ أبو عمرو، وحمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «أدريكم» ~~بالإمالة. وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة، وشيبة بن نصاح: «ولا أدرأتكم» بتاء ~~بين الألف والكاف «1» . فقد لبثت فيكم عمرا: وقرأ الحسن، والأعمش: «عمرا» ~~بسكون الميم. # قال أبو عبيدة: وفي «العمر» ثلاث لغات: عمر، وعمر، وعمر. قال ابن عباس: ~~أقمت فيكم أربعين سنة لا أحدثكم بشيء من القرآن. أفلا تعقلون أنه ليس من ~~قبلي. فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا يريد: إني لم أفتر على الله ولم ~~أكذب عليه، وأنتم فعلتم ذلك حيث زعمتم أن معه شريكا. # والمجرمون ها هنا: المشركون. ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 18] # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون ms0970 هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى ~~عما يشركون (18) # قوله تعالى: ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم أي: لا يضرهم إن لم يعبدوه، ~~ولا ينفعهم إن عبدوه. قاله مقاتل، والزجاج. # قوله تعالى: ويقولون- يعني المشركين- هؤلاء يعنون: الأصنام. قال أبو ~~عبيدة: خرجت كنايتها على لفظ كناية الآدميين. وقد ذكرنا هذا المعنى في سورة ~~الأعراف عند قوله: وهم يخلقون «2» . وفي قوله: شفعاؤنا عند الله قولان: ~~PageV02P321 # أحدهما: شفعاؤنا في الآخرة، قاله أبو صالح عن ابن عباس، ومقاتل. # والثاني: شفعاؤنا في إصلاح معايشنا في الدنيا، لأنهم لا يقرون بالبعث، ~~قاله الحسن. # قوله تعالى: قل أتنبئون الله بما لا يعلم قال الضحاك: أتخبرون الله أن له ~~شريكا، ولا يعلم الله لنفسه شريكا في السماوات ولا في الأرض. ### | [سورة يونس (10) : آية 19] # وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~فيما فيه يختلفون (19) # قوله تعالى: وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا قد شرحنا هذا في سورة ~~البقرة، وأحسن الأقوال أنهم كانوا على دين واحد موحدين، فاختلفوا وعبدوا ~~الأصنام، فكان أول من بعث إليهم نوح عليه السلام. # قوله تعالى: ولولا كلمة سبقت من ربك فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: ولولا كلمة سبقت بتأخير هذه الأمة أنه لا يهلكهم بالعذاب كما أهلك ~~الذين من قبلهم لقضي بينهم بنزول العذاب، فكان ذلك فصلا بينهم فيما فيه ~~يختلفون من الدين. # والثاني: أن الكلمة: أن لكل أمة أجلا، وللدنيا مدة لا يتقدم ذلك على ~~وقته. # والثالث: أن الكلمة: أنه لا يأخذ أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه. # وفي قوله تعالى: لقضي بينهم قولان: أحدهما: لقضي بينهم بإقامة الساعة. ~~والثاني: بنزول العذاب على المكذبين. ### | [سورة يونس (10) : آية 20] # ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم ~~من المنتظرين (20) # قوله تعالى: ويقولون- يعني المشركين- لولا- أي: هلا- أنزل عليه آية من ~~ربه مثل العصا واليد وآيات الأنبياء. فقل إنما الغيب لله فيه قولان: ~~أحدهما: أن سؤالكم: «لم ms0971 لم تنزل الآية» غيب، ولا يعلم علة امتناعها إلا ~~الله. والثاني: أن «نزول الآية متى يكون؟» غيب، ولا يعلمه إلا الله. قوله ~~تعالى: فانتظروا فيه قولان: أحدهما: انتظروا نزول الآية. والثاني: قضاء ~~الله بيننا بإظهار المحق على المبطل. ### | [سورة يونس (10) : آية 21] # وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله ~~أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21) # قوله تعالى: وإذا أذقنا الناس رحمة. سبب نزولها: # (777) أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا على أهل مكة بالجدب فقحطوا ~~سبع سنين أتاه أبو سفيان فقال: «ادع PageV02P322 # لنا بالخصب، فإن أخصبنا صدقناك» . فدعا لهم، فسقوا ولم يؤمنوا، ذكره ~~الماوردي. # قال المفسرون: المراد بالناس ها هنا: الكفار. وفي المراد بالرحمة والضراء ~~ثلاثة أقوال: أحدها: # أن الرحمة: العافية والسرور، والضراء: الفقر والبلاء، قاله ابن عباس. ~~والثاني: الرحمة: الإسلام، والضراء: الكفر، وهذا في حق المنافقين، قاله ~~الحسن. والثالث: أن الرحمة: الخصب، والضراء: # الجدب، قاله الضحاك. وفي المراد بالمكر ها هنا أربعة أقوال: أحدها: أنه ~~الاستهزاء والتكذيب، قاله مجاهد، ومقاتل. والثاني: أنه الجحود والرد، قاله ~~أبو عبيدة. والثالث: أنه إضافة النعم إلى غير الله، فيقولون: سقينا بنوء ~~كذا، قاله مقاتل بن حيان. والرابع: أن المكر: النفاق، لأنه إظهار الإيمان ~~وإبطان الكفر، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: قل الله أسرع مكرا أي: جزاء على المكر إن رسلنا يعني الحفظة ~~يكتبون ما تمكرون أي: يحفظون ذلك لمجازاتكم عليه «1» . وقرأ يعقوب إلا ~~رويسا وأبا حاتم، وأبان عن عاصم: «يمكرون» بالياء. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 22 الى 23] # هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط ~~بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين (22) ~~فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على ~~أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون (23) # قوله تعالى: ms0972 هو الذي يسيركم أي: الله هو أسرع مكرا، هو الذي يسيركم في ~~البر على الدواب، وفي البحر على السفن، فلو شاء انتقم منكم في البر أو في ~~البحر. وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر: «ينشركم» بالنون والشين من النشر، وهو في ~~المعنى مثل قوله: وبث منهما رجالا كثيرا. # والفلك: السفن. قال الفراء: الفلك تذكر وتؤنث، وتكون واحدة وتكون جمعا، ~~قال تعالى ها هنا: # جاءتها فأنث، وقال في يس: في الفلك المشحون «2» فذكر. # قوله تعالى: وجرين بهم: عاد بعد المخاطبة لهم إلى الإخبار عنهم. قال ~~الزجاج: كل من أقام الغائب مقام من يخاطبه جاز أن يرده إلى الغائب، قال ~~الشاعر: PageV02P323 # شطت مزار العاشقين فأصبحت ... عسرا علي طلابك ابنة مخرم «1» # قوله تعالى: بريح طيبة أي: لينة: وفرحوا بها للينها. جاءتها يعني الفلك. ~~قال الفراء: # وإن شئت جعلتها للريح، كأنك قلت: جاءت الريح الطيبة ريح عاصف، والعرب ~~تقول: عاصف وعاصفة، وقد عصفت الريح وأعصفت، والألف لغة لبني أسد. قال ابن ~~عباس: الريح العاصف: # الشديدة. قال الزجاج: يقال: عصفت الريح، فهي عاصف وعاصفة، وأعصفت، فهي ~~معصف ومعصفة. وجاءهم الموج من كل مكان أي: من كل أمكنة الموج. # قوله تعالى: وظنوا فيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى اليقين. والثاني: أنه ~~التوهم. # وفي قوله تعالى: أحيط بهم قولان: أحدهما: دنوا من الهلكة. قال ابن قتيبة: ~~وأصل هذا أن العدو إذا أحاط ببلد، فقد دنا أهله من الهلكة. وقال الزجاج: ~~يقال لكل من وقع في بلاء: قد أحيط بفلان، أي: أحاط به البلاء. والثاني: ~~أحاطت بهم الملائكة، ذكره الزجاج. # قوله تعالى: دعوا الله مخلصين له الدين دون أوثانهم. قال ابن عباس: تركوا ~~الشرك، وأخلصوا لله الربوبية، وقالوا: لئن أنجيتنا من هذه الريح العاصف ~~لنكونن من الشاكرين أي: الموحدين. # قوله تعالى: يبغون في الأرض البغي: الترامي في الفساد. قال الأصمعي: ~~يقال: بغى الجرح: إذا ترامى إلى فساد. قال ابن عباس: يبغون في الأرض ~~بالدعاء إلى عبادة غير الله والعمل بالمعاصي والفساد. يا أيها الناس يعني ~~أهل مكة. إنما بغيكم على ms0973 أنفسكم أي: جناية مظالمكم بينكم على أنفسكم. وقال ~~الزجاج: عملكم بالظلم عليكم يرجع. # قوله تعالى: متاع الحياة الدنيا قرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأبو عبد ~~الرحمن السلمي، والحسن، وحفص، وأبان عن عاصم: «متاع الحياة الدنيا» بنصب ~~المتاع. قال الزجاج: من رفع المتاع، فالمعنى أن ما تنالونه بهذا البغي إنما ~~تنتفعون به في الدنيا، ومن نصب المتاع، فعلى المصدر. فالمعنى: # تمتعون متاع الحياة الدنيا. وقرأ أبو المتوكل، واليزيدي في اختياره، ~~وهارون العتكي عن عاصم: «متاع الحياة الدنيا» ، بكسر العين. قال ابن عباس: ~~متاع الحياة الدنيا أي: منفعة في الدنيا. ### | [سورة يونس (10) : آية 24] # إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما ~~يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم ~~قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ~~كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) # قوله تعالى: إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء هذا مثل ضربه ~~الله للدنيا الفانية، فشبهها بمطر نزل من السماء فاختلط به نبات الأرض يعني ~~التف النبات بالمطر وكثر. مما يأكل الناس من الحبوب وغيرها، والأنعام من ~~المرعى. حتى إذا أخذت الأرض زخرفها قال ابن قتيبة: # زينتها بالنبات. وأصل الزخرف: الذهب، ثم يقال للنقش والنور والزهر وكل ~~شيء زين: زخرف. وقال PageV02P324 # الزجاج: الزخرف: كمال حسن الشيء. # قوله تعالى: وازينت قرأه الجمهور «وازينت» بالتشديد. وقرأ سعد بن أبي ~~وقاص، وأبو عبد الرحمن، والحسن، وابن يعمر: بفتح الهمزة وقطعها ساكنة ~~الزاي، على وزن: وأفعلت. قال الزجاج: من قرأ «وازينت» بالتشديد، فالمعنى: ~~وتزينت، فأدغمت التاء في الزاي، وسكنت الزاي فاجتلبت لها ألف الوصل ومن قرأ ~~«وأزينت» بالتخفيف على أفعلت، فالمعنى: جاءت بالزينة. وقرأ أبي، وابن ~~مسعود: «وتزينت» «1» . # قوله تعالى: وظن أهلها أي: أيقن أهل الأرض أنهم قادرون عليها أي: على ما ~~أنبتته، فأخبر عن الأرض، والمراد النبات، لأن المعنى مفهوم. أتاها أمرنا ~~أي: قضاؤنا بإهلاكها فجعلناها حصيدا أي: محصودا لا شيء فيها. والحصيد: ~~المقطوع المستأصل. كأن لم تغن ms0974 بالأمس قال الزجاج: لم تعمر. والمغاني: ~~المنازل التي يعمرها الناس بالنزول فيها. يقال: غنينا بالمكان: إذا نزلوا ~~به. وقرأ الحسن: «كأن لم يغن» بالياء، يعني الحصيد. # قال بعض المفسرين: تأويل الآية: أن الحياة في الدنيا سبب لاجتماع المال ~~وما يروق من زهرة الدنيا ويعجب، حتى إذا استتم ذلك عند صاحبه، وظن أنه ممتع ~~بذلك، سلب عنه بموته، أو بحادثة تهلكه، كما أن الماء سبب لالتفاف النبات ~~وكثرته، فإذا تزينت به الأرض، وظن الناس أنهم مستمتعون بذلك، أهلكه الله، ~~فعاد ما كان فيها كأن لم يكن. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 25 الى 26] # والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (25) للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون (26) # قوله تعالى: والله يدعوا إلى دار السلام: يعني الجنة. وقد ذكرنا معنى ~~تسميتها بذلك عند قوله: # لهم دار السلام عند ربهم «2» . واعلم أن الله عم بالدعوة، وخص بالهداية ~~من شاء، لأن الحكم له في خلقه. وفي المراد بالصراط المستقيم أربعة أقوال: # (778) أحدها: كتاب الله، رواه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم. # (779) والثاني: الإسلام، رواه النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. PageV02P325 # والثالث: الحق، قاله مجاهد، وقتادة. # والرابع: المخرج من الضلالات والشبه، قاله أبو العالية. # قوله تعالى: للذين أحسنوا: قال ابن عباس: قالوا: لا إله إلا الله. قال ~~ابن الأنباري: الحسنى: # كلمة مستغنى عن وصفها ونعتها، لأن العرب توقعها على الخلة المحبوبة ~~المرغوب فيها المفروح بها، فكان الذي تعلمه العرب من أمرها يغني عن نعتها، ~~فكذلك المزيد عليها محمول على معناها ومتعرف من جهتها، يدل على هذا قول ~~امرئ القيس: # فلما تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميال # فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال # أي: إلى الأمر المحبوب. وهصرت بمعنى: مددت. والغصن كناية عن المرأة. ~~والباء مؤكدة للكلام كما تقول العرب: ألقى بيده إلى الهلاك، يريدون: ألقى ~~يده. والشماريخ «1» : كناية عن الذوائب. ورضت معناه: أذللت. ومن ms0975 أجل هذا ~~قال: أي إذلال، ولم يقل: أي رياضة. # وللمفسرين في المراد بالحسنى خمسة أقوال: # (780) أحدها: أنها الجنة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال ~~الأكثرون. # والثاني: أنها الواحدة من الحسنات بواحدة، قاله ابن عباس. والثالث: ~~النصرة، قاله عبد الرحمن بن سابط. والرابع: الجزاء في الآخرة، قاله ابن ~~زيد. والخامس: الأمنية، ذكره ابن الأنباري. # وفي الزيادة ستة أقوال: أحدها: أنها النظر إلى الله عز وجل. # (781) روى مسلم في «صحيحه» من حديث صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «الزيادة: النظر إلى PageV02P326 # وجه الله عز وجل» . وبهذا القول قال أبو بكر الصديق، وأبو موسى الأشعري، ~~وحذيفة، وابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ~~والسدي، ومقاتل. # والثاني: أن الزيادة: غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب، رواه الحكم ~~عن علي، ولا يصح. # والثالث: أن الزيادة: مضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها، قاله ابن عباس ~~والحسن. والرابع: أن الزيادة: # مغفرة ورضوان، قاله مجاهد. والخامس: أن الزيادة: أن ما أعطاهم في الدنيا ~~لا يحاسبهم به في القيامة، قاله ابن زيد. والسادس: أن الزيادة: ما يشتهونه، ~~ذكره الماوردي. # قوله تعالى: ولا يرهق أي: لا يغشى وجوههم قتر وقرأ الحسن، وقتادة، ~~والأعمش: «قتر» باسكان التاء، وفيه أربعة أقوال: أحدها: أنه السواد. قال ~~ابن عباس: سواد الوجوه من الكآبة. وقال الزجاج: القتر: الغبرة التي معها ~~سواد. والثاني: أنه دخان جهنم، قاله عطاء. والثالث: الخزي، قاله مجاهد. ~~والرابع: الغبار، قاله أبو عبيدة. # وفي الذلة قولان: أحدهما: الكآبة، قاله ابن عباس. والثاني: الهوان، قاله ~~أبو سليمان. ### | [سورة يونس (10) : آية 27] # والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من ~~عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (27) # قوله تعالى: والذين كسبوا السيئات قال ابن عباس: عملوا الشرك. جزاء سيئة ~~بمثلها: في الآية محذوف، وفي تقديره قولان: أحدهما: أن فيها إضمار «لهم» ، ~~المعنى: لهم جزاء سيئة بمثلها، وأنشد ثعلب: # فإن سأل الواشون عنه فقل ms0976 لهم ... وذاك عطاء للوشاة جزيل # ملم بليلى لمة ثم إنه ... لهاجر ليلى بعدها فمطيل # أراد: هو ملم، وهذا قول الفراء. والثاني: أن فيها إضمار «منهم» ، المعنى: ~~جزاء سيئة منهم بمثلها، تقول العرب: رأيت القوم صائم وقائم، أي: منهم صائم ~~وقائم، أنشد الفراء: # حتى إذا ما أضاء الصبح في غلس ... وغودر البقل ملوي ومحصود # أي: منه ملوي، وهذا قول ابن الأنباري. وقال بعضهم: الباء زائدة ها هنا. # و «من» في قوله تعالى: من عاصم صلة، والعاصم: المانع كأنما أغشيت وجوههم ~~أي: PageV02P327 # ألبست قطعا قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة: «قطعا» مفتوحة ~~الطاء، وهي جمع قطعة. وقرأ ابن كثير، والكسائي، ويعقوب: «قطعا» بتسكين ~~الطاء. قال ابن قتيبة: وهو اسم ما قطع. قال ابن جرير: وإنما قال: «مظلما» ~~ولم يقل: «مظلمة» لأن المعنى: قطعا من الليل المظلم، ثم حذفت الألف واللام ~~من «المظلم» ، فلما صار نكرة، وهو من نعت الليل، نصب على القطع وقوم يسمون ~~ما كان كذلك: حالا، وقوم: قطعا. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 28 الى 29] # ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا ~~بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) فكفى بالله شهيدا بيننا ~~وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين (29) # قوله تعالى: ويوم نحشرهم جميعا: قال ابن عباس: يجمع الكفار وآلهتهم، ثم ~~نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم: أي: آلهتكم. قال الزجاج: «مكانكم» ~~منصوب على الأمر، كأنهم قيل لهم: # انتظروا مكانكم حتى نفصل بينكم، والعرب تتوعد فتقول: مكانك، أي: انتظر ~~مكانك، فهي كلمة جرت على الوعيد. # قوله تعالى: فزيلنا بينهم وقرأ ابن أبي عبلة: «فزايلنا» بألف، قال ابن ~~عباس: فرقنا بينهم وبين آلهتهم. وقال ابن قتيبة: هو من زال يزول وأزلته. ~~وقال ابن جرير: إنما قال: «فزيلنا» ولم يقل: «فزلنا» لإرادة تكرير الفعل ~~وتكثيره. # فإن قيل: كيف تقع الفرقة بينهم وهم معهم في النار، لقوله: إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم؟ «1» . فالجواب: أن الفرقة وقعت بتبري كل ~~معبود ممن عبده، وهو قوله: وقال شركاؤهم قال ms0977 ابن عباس: آلهتهم، ينطق الله ~~الأوثان، فتقول: ما كنتم إيانا تعبدون أي: لا نعلم بعبادتكم لنا، لأنه ما ~~كان فينا روح، فيقول العابدون: بلى قد عبدناكم! فتقول الآلهة: فكفى بالله ~~شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين لا نعلم بها. قال الزجاج: إن ~~كنا معناه: ما كنا إلا غافلين. # فإن قيل: ما وجه دخول الباء في قوله: فكفى بالله شهيدا؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أنها دخلت للمبالغة في المدح كما قالوا: أظرف بعبد الله، وأنبل ~~بعبد الرحمن، وناهيك بأخينا، وحسبك بصديقنا، هذا قول الفراء وأصحابه. ~~والثاني: أنها دخلت توكيدا للكلام، إذ سقوطها ممكن، كما يقال: خذ بالخطام، ~~وخذ الخطام، قاله ابن الأنباري. ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 30] # هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون (30) # قوله تعالى: هنالك تبلوا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن ~~عامر: «تبلو» بالباء. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وزيد عن يعقوب: «تتلو» ~~بالتاء. قال الزجاج: «هنالك» ظرف. والمعنى: في ذلك الوقت تبلو، وهو منصوب ~~بتبلو، إلا أنه غير متمكن، واللام زائدة، والأصل: هناك، وكسرت اللام ~~لسكونها وسكون الألف، والكاف للمخاطبة. و «تبلو» تختبر، أي: PageV02P328 # تعلم. ومن قرأ: «تتلو» بتاءين، فقد فسرها الأخفش وغيره: تتلو من التلاوة، ~~أي: تقرأ. وفسروه أيضا: تتبع كل نفس ما أسلفت. ومثله قول الشاعر «1» : # قد جعلت دلوي تستتليني أي: تستتبعني، أي: من ثقلها تستدعي اتباعي إياها. # قوله تعالى: وردوا أي في الآخرة إلى الله مولاهم الحق الذي يملك أمرهم ~~حقا لا من جعلوا معه من الشركاء وضل عنهم أي زال وبطل ما كانوا يفترون من ~~الآلهة. ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 31] # قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من ~~الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ~~(31) # قوله تعالى: قل من يرزقكم من السماء المطر، ومن الأرض النبات، أمن يملك ~~السمع أي خلق السمع والأبصار. وقد سبق معنى إخراج الحي من الميت، والميت ms0978 من ~~الحي. # قوله تعالى: ومن يدبر الأمر أي: أمر الدنيا والآخرة فسيقولون الله لأنهم ~~خوطبوا بما لا يقدر عليه إلا الله، فكان في ذلك دليل توحيده. # وفي قوله تعالى: أفلا تتقون قولان: أحدهما: أفلا تتعظون، قاله ابن عباس. ~~والثاني: تتقون الشرك، قاله مقاتل. ### | [سورة يونس (10) : آية 32] # فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (32) # قوله تعالى: فذلكم الله ربكم الحق قال الخطابي: الحق هو المتحقق وجوده، ~~وكل شيء صح وجوده وكونه، فهو حق. وقوله تعالى: فأنى تصرفون قال ابن عباس: ~~كيف تصرفون عقولكم إلى عبادة من لا يرزق ولا يحيي ولا يميت؟ ### | [سورة يونس (10) : الآيات 33 الى 35] # كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33) قل هل من شركائكم ~~من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون (34) قل ~~هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق ~~أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35) # قوله تعالى: كذلك حقت كلمة ربك قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: «كلمة ربك» ، وفي آخر السورة كذلك. وقرأ نافع، وابن عامر الحرفين ~~«كلمات» على الجمع. قال الزجاج: الكاف في موضع نصب، أي: مثل أفعالهم جازاهم ~~ربك، والمعنى: حق عليهم أنهم لا يؤمنون. وقوله: أنهم لا يؤمنون بدل من: ~~كلمة ربك. وجائز أن تكون الكلمة حقت عليهم لأنهم لا يؤمنون، وتكون الكلمة ~~ما وعدوا به من العقاب. # وذكر ابن الأنباري في كذلك قولين: أحدهما: أنها إشارة إلى مصدر «تصرفون» ~~، والمعنى: PageV02P329 # مثل ذلك الصرف حقت كلمة ربك. والثاني: أنه بمعنى هكذا. وفي معنى «حقت» ~~قولان: أحدهما: # وجبت. والثاني: سبقت. وفي كلمته قولان: أحدهما: أنها بمعنى وعده. ~~والثاني: بمعنى قضائه. ومن قرأ «كلمات» جعل كل واحدة من الكلم التي توعدوا ~~بها كلمة. وقد شرحنا معنى الكلمة في «الأعراف» «1» . # قوله تعالى: قل الله يهدي للحق أي: إلى الحق. # قوله تعالى: أمن لا يهدي قرأ ابن ms0979 كثير، وابن عامر، وورش عن نافع: «يهدي» ~~بفتح الياء والهاء وتشديد الدال. قال الزجاج: الأصل يهتدي، فأدغمت التاء في ~~الدال، فطرحت فتحتها على الهاء. وقرأ نافع إلا ورشا، وأبو عمرو: «يهدي» ~~بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال، غير أن أبا عمرو كان يشم الهاء شيئا ~~من الفتح. وقرأ حمزة، والكسائي: «يهدي» بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيف ~~الدال. قال أبو علي: والمعنى: لا يهدي غيره إلا أن يهدى هو، ولو هدي الصم ~~لم يهتد، ولكن لما جعلوه كمن يعقل، أجريت مجراه. وروى يحيى بن آدم عن أبي ~~بكر عن عاصم: «يهدي» بكسر الياء والهاء وتشديد الدال، وكذلك روى أبان وجبلة ~~عن المفضل وعبد الوارث، قال الزجاج: أتبعوا الكسرة الكسرة، وهي رديئة لثقل ~~الكسرة في الياء. وروى حفص عن عاصم، والكسائي عن أبي بكر عنه: # «يهدي» بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، قال الزجاج: وهذه في الجودة ~~كالمفتوحة الهاء، إلا أن الهاء كسرت لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن السميفع: ~~«يهتدي» بزيادة تاء. والمراد بقوله: أمن لا يهدي الصم إلا أن يهدى. وظاهر ~~الكلام يدل على أن الأصنام إن هديت اهتديت، وليست كذلك، لأنها حجارة لا ~~تهتدي، إلا أنهم لما اتخذوها آلهة، عبر عنها كما يعبر عمن يعقل، ووصفت صفة ~~من يعقل وإن لم تكن في الحقيقة كذلك ولهذا المعنى قال في صفتها: أمن لأنهم ~~جعلوها كمن يعقل. ولما أعطاها حقها في أصل وضعها، قال: يا أبت لم تعبد ما ~~لا يسمع # «2» . وقال الفراء: أمن لا يهدي أي: # أتعبدون ما لا يقدر أن ينتقل من مكانه إلا أن يحول؟ وقد صرف بعضهم الكلام ~~إلى الرؤساء والمضلين، والأول أصح. قوله تعالى: فما لكم قال الزجاج: هو ~~كلام تام، كأنه قيل لهم: أي شيء لكم في عبادة الأوثان؟ ثم قيل لهم: كيف ~~تحكمون أي: على أي حال تحكمون؟ وقال ابن عباس: كيف تقضون لأنفسكم؟ وقال ~~مقاتل: كيف تقضون بالجور؟ ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 36] # وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن ms0980 الله عليم بما ~~يفعلون (36) # قوله تعالى: وما يتبع أكثرهم أي: كلهم إلا ظنا أي: ما يستيقنون أنها ~~آلهة، بل يظنون شيئا فيتبعونه. إن الظن لا يغني من الحق شيئا أي: ليس هو ~~كاليقين، ولا يقوم مقام الحق، وقال مقاتل: # ظنهم بأنها آلهة لا يدفع عنهم من العذاب شيئا، وقال غيره: ظنهم أنها تشفع ~~لهم لا يغني عنهم. ### | [سورة يونس (10) : آية 37] # وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (37) PageV02P330 # قوله تعالى: وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله قال الزجاج: هذا ~~جواب قولهم: ائت بقرآن غير هذا أو بدله «1» وجواب قولهم: افتراه «2» . قال ~~الفراء: ومعنى الآية: ما ينبغي لمثل هذا القرآن أن يفترى من دون الله، ~~فجاءت «أن» على معنى ينبغي. وقال ابن الأنباري: يجوز أن تكون «أن» مع ~~«يفترى» مصدرا، وتقديره: وما كان هذا القرآن افتراء. ويجوز أن تكون «كان» ~~تامة، فيكون المعنى: ما نزل هذا القرآن، وما ظهر هذا القرآن لأن يفترى، ~~وبأن يفترى، فتنصب «أن» بفقد الخافض في قول الفراء، وتخفض بإضمار الخافض في ~~قول الكسائي. وقال ابن قتيبة: معنى أن يفترى أي: # يضاف إلى غير الله، أو يختلق. # قوله تعالى: ولكن تصديق الذي بين يديه فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه تصديق ~~الكتاب المتقدمة، قاله ابن عباس. فعلى هذا، إنما قال: الذي لأنه يريد ~~الوحي. والثاني: ما بين يديه من البعث والنشور، ذكره الزجاج. والثالث: ~~تصديق النبي صلى الله عليه وسلم الذي بين يدي القرآن، لأنهم شاهدوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعرفوه قبل سماعهم القرآن، ذكره ابن الأنباري. قوله ~~تعالى: وتفصيل الكتاب أي: وبيان الكتاب الذي كتبه الله على أمة محمد ~~والفرائض التي فرضها عليهم. ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 38] # أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين (38) # قوله تعالى: أم يقولون افتراه في «أم» قولان. أحدهما: أنها بمعنى الواو، ~~قاله أبو عبيدة. # والثاني: ms0981 بمعنى بل، قاله الزجاج. قوله تعالى: فأتوا بسورة مثله قال ~~الزجاج: المعنى: فأتوا بسورة مثل سورة منه، فذكر المثل لأنه إنما التمس شبه ~~الجنس، وادعوا من استطعتم ممن هو في التكذيب مثلكم إن كنتم صادقين أنه ~~اختلقه. ### | [سورة يونس (10) : آية 39] # بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (39) # قوله تعالى: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه فيه قولان: # أحدهما: أن المعنى: بما لم يحيطوا بعلم ما فيه من ذكر الجنة والنار ~~والبعث والجزاء. # والثاني: بما لم يحيطوا بعلم التكذيب به، لأنهم شاكون فيه. # وفي قوله: ولما يأتهم تأويله قولان: أحدهما: تصديق ما وعدوا به من ~~الوعيد. والتأويل: ما يؤول إليه الأمر. والثاني: ولم يكن معهم علم تأويله، ~~قاله الزجاج. # قيل لسفيان بن عيينة: يقول الناس: كل إنسان عدو ما جهل، فقال: هذا في ~~كتاب الله. قيل له: # أين؟ فقال: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه. وقيل للحسين بن الفضل: هل تجد ~~في القرآن: من جهل شيئا عاداه؟ فقال: نعم، في موضعين. قوله: بل كذبوا بما ~~لم يحيطوا بعلمه وقوله: وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم «3» . ~~PageV02P331 ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 40] # ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين (40) # قوله تعالى: ومنهم من يؤمن به في المشار إليهم قولان: أحدهما: أنهم ~~اليهود، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: قريش، قاله مقاتل بن سليمان. ~~وفي هاء «به» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم ودينه، ~~قاله مقاتل. والثاني: إلى القرآن، قاله أبو سليمان الدمشقي. # وهذه الآية تضمنت الإخبار عما سبق في علم الله، فالمعنى: ومنهم من سيؤمن ~~به. وقال الزجاج: منهم من يعلم أنه حق فيصدق به ويعاند فيظهر الكفر. ومنهم ~~من لا يؤمن به أي: يشك ولا يصدق. # قوله تعالى: وربك أعلم بالمفسدين قال عطاء: يريد المكذبين، وهذا تهديد ~~لهم. ### | [سورة يونس (10) : آية 41] # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم ms0982 بريئون مما أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون (41) # قوله تعالى: وإن كذبوك فقل لي عملي الآية. قال أبو صالح عن ابن عباس: ~~نسختها آية السيف وليس هذا بصحيح، لأنه لا تنافي بين الآيتين. ### | [سورة يونس (10) : آية 42] # ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (42) # قوله تعالى: ومنهم من يستمعون إليك اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: ~~أحدها: في يهود المدينة، كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويستمعون القرآن فيعجبون ويشتهونه ويغلب عليهم الشقاء، فنزلت هذه الآية «1» ~~. والثاني: أنها نزلت في المستهزئين، كانوا يستمعون إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم للاستهزاء والتكذيب، فلم ينتفعوا، فنزلت فيهم هذه الآية «2» ، ~~والقولان مرويان عن ابن عباس. والثالث: أنها نزلت في مشركي قريش «3» ، قاله ~~مقاتل. # قال الزجاج: ظاهرهم ظاهر من يستمع، وهم لشدة عداوتهم بمنزلة الصم. ولو ~~كانوا لا يعقلون أي: ولو كانوا مع ذلك جهالا. وقال ابن عباس: يريد أنهم شر ~~من الصم، لأن الصم لهم عقول وقلوب، وهؤلاء قد أصم الله قلوبهم. ### | [سورة يونس (10) : آية 43] # ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (43) # قوله تعالى: ومنهم من ينظر إليك قال ابن عباس يريد: متعجبين منك. أفأنت ~~تهدي العمي يريد أن الله أعمى قلوبهم فلا يبصرون. وقال الزجاج: ومنهم من ~~يقبل عليك بالنظر، وهو من بغضه لك وكراهته لما يرى من آياتك كالأعمى. وقال ~~ابن جرير: ومنهم من يستمع قولك وينظر إلى PageV02P332 # حججك على نبوتك، ولكن الله قد سلبه التوفيق. وقال مقاتل: ولو في الآيتين ~~بمعنى «إذا» . ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 44] # إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44) # قوله تعالى: إن الله لا يظلم الناس شيئا لما ذكر الذين سبق القضاء عليهم ~~بالشقاوة، أخبر أن تقدير ذلك عليهم ليس بظلم، لأنه يتصرف في ملكه كيف شاء، ~~وهم إذا كسبوا المعاصي فقد ظلموا أنفسهم، لأن الفعل منسوب إليهم، وإن كان ~~بقضاء الله. # قوله تعالى: ولكن الناس قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: «ولكن الناس» بتخفيف ~~النون وكسرها، ms0983 ورفع الاسم بعدها. ### | [سورة يونس (10) : آية 45] # ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر ~~الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين (45) # قوله تعالى: ويوم يحشرهم وقرأ حفص: يحشرهم بالياء. قال أبو سليمان ~~الدمشقي: هم المشركون. قوله تعالى: كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار فيه ~~قولان: أحدهما: كأن لم يلبثوا في قبورهم، قاله ابن عباس. والثاني: في ~~الدنيا، قاله مقاتل. قال الضحاك: قصر عندهم مقدار الوقت الذي بين موتهم ~~وبعثهم، فصار كالساعة من النهار، لهول ما استقبلوا من القيامة. # قوله تعالى: يتعارفون بينهم قال ابن عباس: إذا بعثوا من القبور تعارفوا، ~~ثم تنقطع المعرفة. # قال الزجاج: وفي معرفة بعضهم بعضا، وعلم بعضهم بإضلال بعض، التوبيخ لهم، ~~وإثبات الحجة عليهم. وقيل: إذا تعارفوا وبخ بعضهم بعضا، فيقول هذا لهذا: ~~أنت أضللتني، وكسبتني دخول النار. # قوله تعالى: قد خسر الذين كذبوا هو من قول الله عز وجل، لا من قولهم: ~~والمعنى خسروا ثواب الجنة إذ كذبوا بالبعث وما كانوا مهتدين من الضلالة. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 46 الى 47] # وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما ~~يفعلون (46) ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ~~(47) # قوله تعالى: وإما نرينك بعض الذي نعدهم قال المفسرون: كانت وقعة بدر مما ~~أراه الله في حياته من عذابهم. أو نتوفينك قبل أن نريك فإلينا مرجعهم بعد ~~الموت، والمعنى: إن لم ننتقم منهم عاجلا، انتقمنا آجلا. # قوله تعالى: ثم الله شهيد على ما يفعلون من الكفر والتكذيب. قال الفراء: ~~«ثم» ها هنا عطف، ولو قيل: معناها: هناك الله شهيد، كان جائزا. وقال غيره: ~~«ثم» ها هنا بمعنى الواو. وقرأ ابن أبي عبلة: «ثم الله شهيد» بفتح الثاء، ~~يراد به: هنالك الله شهيد. # قوله تعالى: فإذا جاء رسولهم قضي بينهم، فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: إذا جاء في الدنيا بعد الإذن له في دعائهم، قضي بينهم بتعجيل ~~الانتقام منهم، قاله الحسن. وقال غيره: إذا جاءهم ms0984 في الدنيا، حكم عليهم عند ~~اتباعه وخلافه بالطاعة والمعصية. # PageV02P333 # والثاني: إذا جاء يوم القيامة، قاله مجاهد. وقال غيره: إذا جاء شاهدا ~~عليهم. # والثالث: إذا جاء في القيامة وقد كذبوه في الدنيا، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: قضي بينهم بالقسط فيه قولان: أحدهما: بين الأمة، فأثيب ~~المحسن وعوقب المسيء. والثاني: بينهم وبين نبيهم. ### | [سورة يونس (10) : آية 48] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) # قوله تعالى: ويقولون متى هذا الوعد، في القائلين هذا قولان: # أحدهما: الأمم المتقدمة، أخبر عنهم باستعجال العذاب لأنبيائهم، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: أنهم المشركون الذين أنذرهم نبينا صلى الله عليه وسلم، قاله أبو ~~سليمان. # وفي المراد بالوعد قولان: أحدهما: العذاب، قاله ابن عباس. والثاني: قيام ~~الساعة. إن كنتم صادقين أنت وأتباعك. ### | ### | [سورة يونس (10) : الآيات 49 الى # 52] # قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء ~~أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (49) قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا ~~أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون (50) أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد ~~كنتم به تستعجلون (51) ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا ~~بما كنتم تكسبون (52) # قوله تعالى: قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا الآية، قد ذكرت تفسيرها في ~~آيتين من «الأعراف» «1» . # قوله تعالى: إن أتاكم عذابه بياتا قال الزجاج: البيات: كل ما كان بليل. ~~وقوله: ماذا في موضع رفع من جهتين: إحداهما: أن يكون «ذا» بمعنى الذي، ~~المعنى: ما الذي يستعجل منه المجرمون؟ ويجوز أن يكون «ماذا» اسما واحدا، ~~فيكون المعنى: أي شيء يستعجل منه المجرمون؟ # والهاء في «منه» تعود على العذاب. وجائز أن تعود على ذكر الله تعالى، ~~فيكون المعنى: أي شيء يستعجل المجرمون من الله تعالى؟ وعودها على العذاب ~~أجود، لقوله: أثم إذا ما وقع آمنتم به. # وذكر بعض المفسرين أن المراد بالمجرمين: المشركون، وكانوا يقولون: نكذب ~~بالعذاب ونستعجله، ثم إذا وقع العذاب آمنا به فقال الله تعالى موبخا لهم: ~~أثم إذا ما وقع آمنتم ms0985 به أي: هنالك تؤمنون فلا يقبل منكم الإيمان، ويقال ~~لكم: الآن تؤمنون، فأضمر: تؤمنون به مع آلآن وقد كنتم به تستعجلون ~~مستهزئين، وهو قوله: ثم قيل للذين ظلموا أي: كفروا، عند نزول العذاب ذوقوا ~~عذاب الخلد، لأنه إذا نزل بهم العذاب، أفضوا منه إلى عذاب الآخرة الدائم. ### | [سورة يونس (10) : آية 53] # ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين (53) # قوله تعالى: ويستنبئونك أي: ويستخبرونك أحق هو يعنون البعث والعذاب. قل ~~إي PageV02P334 # المعنى: نعم وربي، وفتح هذه الياء نافع، وأبو عمرو. وإنما أقسم مع إخباره ~~تأكيدا. وقال ابن قتيبة: «إي» بمعنى «بل» ولا تأتي إلا قبل اليمين صلة لها. # قوله تعالى: وما أنتم بمعجزين قال ابن عباس: بسابقين. وقال الزجاج: لستم ~~ممن يعجز أن يجازى على كفره. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 54 الى 56] # ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا ~~العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (54) ألا إن لله ما في السماوات ~~والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (55) هو يحيي ويميت وإليه ~~ترجعون (56) # قوله تعالى: ولو أن لكل نفس ظلمت قال ابن عباس: أشركت. ما في الأرض ~~لافتدت به عند نزول العذاب. وأسروا الندامة يعني: الرؤساء أخفوها من ~~الأتباع. وقضي بينهم أي: بين الفريقين. وقال آخرون منهم أبو عبيدة والمفضل: ~~وأسروا الندامة بمعنى أظهروها. لأنه ليس بيوم تصنع ولا تصبر، والإسرار من ~~الأضداد يقال: أسررت الشيء، بمعنى: أخفيته. وأسررته: أظهرته، قال الفرزدق: # ولما رأى الحجاج جرد سيفه ... أسر الحروري الذي كان أضمرا # يعني: أظهر. فعلى هذا القول: أظهروا الندامة عند إحراق النار لهم، لأن ~~النار ألهتهم عن التصنع والكتمان. وعلى الأول: كتموها قبل إحراق النار ~~إياهم. # قوله تعالى: ألا إن وعد الله حق قال ابن عباس: ما وعد أولياءه من الثواب، ~~وأعداءه من العقاب. ولكن أكثرهم يعني المشركين لا يعلمون. ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 57] # يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة ms0986 ~~للمؤمنين (57) # قوله تعالى: يا أيها الناس قال ابن عباس: يعني قريشا. قد جاءتكم موعظة ~~يعني القرآن. # وشفاء لما في الصدور أي: دواء لداء الجهل. وهدى أي: بيان من الضلالة. ### | [سورة يونس (10) : آية 58] # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) # قوله تعالى: قل بفضل الله وبرحمته فيه ثمانية أقوال «1» : أحدها: أن فضل ~~الله: الإسلام، ورحمته: القرآن، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~قتادة وهلال بن يساف. وروي عن الحسن، ومجاهد في بعض الرواية عنهما، وهو ~~اختيار ابن قتيبة. والثاني: أن فضل الله: القرآن، PageV02P335 # ورحمته: أن جعلهم من أهل القرآن، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال أبو ~~سعيد الخدري، والحسن في رواية. والثالث: أن فضل الله: العلم، ورحمته: محمد ~~صلى الله عليه وسلم، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والرابع: أن فضل الله: الإسلام، ورحمته: تزيينه في القلوب، قاله ابن عمر. ~~والخامس: أن فضل الله: القرآن، ورحمته: الإسلام، قاله الضحاك، وزيد بن ~~أسلم، وابنه، ومقاتل. والسادس: أن فضل الله ورحمته: القرآن، رواه ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد، واختاره الزجاج. والسابع: أن فضل الله: # القرآن، ورحمته: السنة، قاله خالد بن معدان. والثامن: فضل الله: التوفيق، ~~ورحمته: العصمة، قاله ابن عيينة. # قوله تعالى: فبذلك فليفرحوا وقرأ أبي بن كعب، وأبو مجلز، وقتادة، وأبو ~~العالية، ورويس عن يعقوب: «فلتفرحوا» بالتاء. وقرأ الحسن ومعاذ القارئ وأبو ~~المتوكل مثل ذلك، إلا أنهم كسروا اللام. وقرأ ابن مسعود وأبو عمران: «فبذلك ~~فافرحوا» . قال ابن عباس: بذلك الفضل والرحمة. هو خير مما يجمعون أي مما ~~يجمع الكفار من الأموال. وقرأ أبو جعفر وابن عامر ورويس: «تجمعون» بالتاء. ~~وحكى ابن الأنباري أن الباء في قوله: بفضل الله خبر لاسم مضمر، تأويله: هذا ~~الشفاء وهذه الموعظة بفضل الله وبرحمته، فبذلك التطول من الله فليفرحوا. ### | [سورة يونس (10) : آية 59] # قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن ~~لكم أم على الله تفترون (59) # قوله تعالى: قل أرأيتم ما أنزل الله لكم ms0987 من رزق قال المفسرون: هذا خطاب ~~لكفار قريش، كانوا يحرمون ما شاؤوا، ويحلون ما شاؤوا. وأنزل بمعنى خلق. وقد ~~شرحنا بعض مذاهبهم فيما كانوا يفعلون من البحيرة والسائبة وغير ذلك في سورة ~~المائدة وسورة الأنعام «1» . قوله تعالى: قل آلله أذن لكم أي: في هذا ~~التحليل والتحريم. ### | [سورة يونس (10) : آية 60] # وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60) # قوله تعالى: وما ظن الذين يفترون على الله الكذب في الكلام محذوف، ~~تقديره: ما ظنهم أن الله فاعل بهم يوم القيامة بكذبهم، إن الله لذو فضل على ~~الناس حين لم يعجل عليهم بالعقوبة ولكن أكثرهم لا يشكرون تأخير العذاب ~~عنهم. ### | [سورة يونس (10) : آية 61] # وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم ~~شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (61) # قوله تعالى: وما تكون في شأن أي: في عمل من الأعمال، وجمعه: شؤون. وما ~~تتلوا منه PageV02P336 # في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها تعود إلى الشأن. قال الزجاج: معنى ~~الآية: أي وقت تكون في شأن من عبادة الله، وما تلوت من الشأن من قرآن. ~~والثاني: أنها تعود إلى الله تعالى، فالمعنى: وما تلوت من الله، أي: من ~~نازل منه من قرآن، ذكره جماعة من العلماء. والخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، وأمته داخلون فيه، بدليل قوله: ولا تعملون من عمل قال ابن الأنباري: ~~جمع في هذا، ليدل على أنهم داخلون في الفعلين الأولين. # قوله تعالى: إذ تفيضون فيه الهاء عائدة على العمل. قال ابن قتيبة: تفيضون ~~بمعنى تأخذون فيه. وقال الزجاج: تنتشرون فيه، يقال: أفاض القوم في الحديث: ~~إذا انتشروا فيه وخاضوا. وما يعزب معناه: وما يبعد. وقال ابن قتيبة: ما ~~يبعد ولا يغيب. وقرأ الكسائي «يعزب» بكسر الزاي ها هنا وفي (سبأ) . وقد ~~بينا «مثقال ذرة» في ms0988 سورة النساء. # قوله تعالى: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر قرأ الجمهور بفتح الراء فيهما. ~~وقرأ حمزة، وخلف، ويعقوب، برفع الراء فيهما. قال الزجاج: من قرأ بالفتح، ~~فالمعنى: وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة، ولا مثقال أصغر من ذلك ولا أكبر، ~~والموضع موضع خفض، إلا أنه فتح لأنه لا ينصرف. ومن رفع، فالمعنى: وما يعزب ~~عن ربك مثقال ذرة ولا أصغر ولا أكبر. ويجوز رفعه على الابتداء، فيكون ~~المعنى: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. إلا في كتاب مبين قال ابن عباس: هو ~~اللوح المحفوظ. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 62 الى 64] # ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون (63) لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ~~ذلك هو الفوز العظيم (64) # قوله تعالى: ألا إن أولياء الله. روى ابن عباس أن رجلا قال: # (782) يا رسول الله، من أولياء الله؟ قال: «الذين إذا رأوا ذكر الله» . # (783) وروى عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن ~~من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء PageV02P337 # ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله عز ~~وجل» قالوا: يا رسول الله. من هم، وما أعمالهم لعلنا نحبهم؟ قال: «هم قوم ~~تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فو الله إن ~~وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور، ولا يخافون إذا خاف الناس ولا ~~يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون. # قوله تعالى: هم البشرى في الحياة الدنيا # فيها ثلاثة أقوال: # (784) أحدها: أنها الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح، أو ترى له، رواه ~~عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. PageV02P338 # والثاني: أنها بشارة الملائكة لهم عند الموت، قاله الضحاك، وقتادة، ~~والزهري. # والثالث: أنها ما بشر الله عز وجل به في كتابه من جنته وثوابه، كقوله: ~~وبشر الذين آمنوا «1» ، وأبشروا بالجنة ms0989 «2» ، يبشرهم ربهم «3» ، وهذا قول ~~الحسن، واختاره الفراء، والزجاج، واستدلال بقوله: تبديل لكلمات الله # . قال ابن عباس: لا خلف لمواعيده، وذلك أن مواعيده بكلماته، فإذا لم تبدل ~~الكلمات، لم تبدل المواعيد. # فأما بشراهم في الآخرة، ففيها ثلاثة أقوال: # (785) أحدها: أنها الجنة، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~واختارة ابن قتيبة. # والثاني: أنه عند خروج الروح تبشر برضوان الله، قاله ابن عباس. # والثالث: أنها عند الخروج من قبورهم، قاله مقاتل. ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 65] # ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم (65) # قوله تعالى: ولا يحزنك قولهم قال ابن عباس: تكذيبهم. وقال غيره: تظاهرهم ~~عليك بالعداوة وإنكارهم وأذاهم. وتم الكلام هاهنا. ثم ابتدأ فقال: إن العزة ~~لله جميعا أي: الغلبة له، فهو ناصرك وناصر دينك، هو السميع لقولهم: العليم ~~بإضمارهم، فيجازيهم على ذلك. ### | [سورة يونس (10) : آية 66] # ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون ~~الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (66) # قوله تعالى: ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض قال الزجاج: ألا ~~افتتاح كلام وتنبيه، أي: فالذي هم له، يفعل فيهم وبهم ما يشاء. قوله تعالى: ~~وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء أي: ما يتبعون شركاء على الحقيقة، ~~لأنهم يعدونها شركاء لله شفعاء لهم، وليست على ما يظنون. إن يتبعون إلا ~~الظن في ذلك وإن هم إلا يخرصون قال ابن عباس: يكذبون. # وقال ابن قتيبة: يحدسون ويحزرون. PageV02P339 ### | [سورة يونس (10) : آية 67] # هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم ~~يسمعون (67) # قوله تعالى: هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه المعنى: إن ربكم الذي يجب ~~أن تعتقدوا ربوبيته، هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه، فيزول تعب النهار ~~وكلاله بالسكون في الليل، وجعل النهار مبصرا، أي: مضيئا تبصرون فيه. وإنما ~~أضاف الإبصار إليه، لأنه قد فهم السامع المقصود، إذ النهار لا يبصر، وإنما ~~هو ظرف يفعل فيه غيره، ms0990 كقوله: عيشة راضية «1» ، إنما هي مرضية، وهذا كما ~~يقال: ليل نائم، قال جرير: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم «2» # قوله تعالى: إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون سماع اعتبار، فيعلمون أنه لا ~~يقدر على ذلك إلا الإله القادر. ### | ### | [سورة يونس (10) : الآيات 68 الى # 70] # قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن ~~عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (68) قل إن الذين ~~يفترون على الله الكذب لا يفلحون (69) متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم ~~نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (70) # قوله تعالى: قالوا اتخذ الله ولدا قال ابن عباس: يعني أهل مكة، جعلوا ~~الملائكة بنات الله. قوله تعالى: سبحانه تنزيه له عما قالوا. هو الغني عن ~~الزوجة والولد. إن عندكم أي: ما عندكم من سلطان أي: حجة بما تقولون. # قوله تعالى: لا يفلحون فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لا يبقون في الدنيا. ~~والثاني: لا يسعدون في العاقبة. والثالث: لا يفوزون. قال الزجاج: وهذا وقف ~~التمام، وقوله: متاع في الدنيا مرفوع على معنى: ذلك متاع في الدنيا. ### | [سورة يونس (10) : آية 71] # واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري ~~بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم ~~غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (71) # قوله تعالى: واتل عليهم نبأ نوح فيه دليل على نبوته، حيث أخبر عن قصص ~~الأنبياء ولم يكن يقرأ الكتاب، وتحريض على الصبر، وموعظة لقومه بذكر قوم ~~نوح وما حل بهم من العقوبة بالتكذيب. # قوله تعالى: إن كان كبر أي: عظم وشق عليكم مقامي أي: طول مكثي. وقرأ أبو ~~مجلز، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء «مقامي» برفع الميم. وتذكيري وعظي. فعلى ~~الله توكلت في نصرتي ودفع شركم عني. فأجمعوا أمركم قرأ الجمهور: «فأجمعوا» ~~بالهمز وكسر الميم، من «أجمعت» . # وروى الأصمعي عن نافع: «فاجمعوا» بفتح الميم، من «جمعت» . ومعنى «أجمعوا ~~أمركم» : أحكموا PageV02P340 # أمركم واعزموا ms0991 عليه. قال المؤرج: «أجمعت الأمر» أفصح من «أجمعت عليه» ، ~~وأنشد «1» : # يا ليت شعري والمنى لا تنفع ... هل أغدون يوما وأمري مجمع # فأما رواية الأصمعي، فقال أبو علي: يجوز أن يكون معناها: اجمعوا ذوي ~~الأمر منكم، أي: # رؤساءكم. ويجوز أن يكون جعل الأمر ما كانوا يجمعونه من كيدهم الذي ~~يكيدونه، فيكون كقوله: # فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا «2» . قوله تعالى: وشركاءكم قال الفراء وابن ~~قتيبة: المعنى: وادعوا شركاءكم. وقال الزجاج: الواو ها هنا بمعنى «مع» ، ~~فالمعنى: مع شركائكم. تقول: لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، أي: مع فصيلها. ~~وقرأ يعقوب «وشركاؤكم» بالرفع. # قوله تعالى: ثم لا يكن أمركم عليكم غمة فيه قولان: أحدهما: لا يكن أمركم ~~مكتوما، قاله ابن عباس. والثاني: غما عليكم، كما تقول: كرب وكربة، قاله ابن ~~قتيبة. وذكر الزجاج القولين. وفي قوله: ثم اقضوا إلي قولان: أحدهما: ثم ~~أقضوا إلي ما في أنفسكم، قاله مجاهد. والثاني: افعلوا ما تريدون، قاله ~~الزجاج، وابن قتيبة. وقال ابن الأنباري: معناه: اقضوا إلي بمكروهكم وما ~~توعدونني به، كما تقول العرب: قد قضى فلان، يريدون: مات ومضى. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 72 الى 73] # فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من ~~المسلمين (72) فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا ~~الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) # قوله تعالى: فإن توليتم أي: أعرضتم عن الإيمان. فما سألتكم من أجر أي: لم ~~يكن دعائي إياكم طمعا في أموالكم. وقوله تعالى: إن أجري حرك هذه الياء ابن ~~عامر، وأبو عمرو، ونافع، وحفص عن عاصم، وأسكنها الباقون. # قوله تعالى: وجعلناهم خلائف أي: جعلنا الذين نجوا مع نوح خلفا ممن هلك. ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 74] # ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما ~~كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) # قوله تعالى: ثم بعثنا من بعده أي: من بعد نوح رسلا إلى قومهم قال ابن ~~عباس: يريد: # إبراهيم وهودا وصالحا ولوطا وشعيبا. فجاؤهم بالبينات ms0992 أي: بان لهم أنهم ~~رسل الله. فما كانوا أي: أولئك الأقوام ليؤمنوا بما كذبوا يعني الذين ~~قبلهم. والمراد: أن المتأخرين مضوا على سنن المتقدمين في التكذيب. وقال ~~مقاتل: فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من العذاب من قبل نزوله. قوله ~~تعالى: كذلك نطبع أي: كما طبعنا على قلوب أولئك، كذلك نطبع على قلوب ~~المعتدين يعني المتجاوزين ما أمروا به. PageV02P341 ### | [سورة يونس (10) : آية 75] # ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملائه بآياتنا فاستكبروا ~~وكانوا قوما مجرمين (75) # قوله تعالى: ثم بعثنا من بعدهم يعني الرسل الذين أرسلوا بعد نوح. ### | ### | [سورة يونس (10) : الآيات 76 الى # 82] # فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين (76) قال موسى أتقولون ~~للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون (77) قالوا أجئتنا لتلفتنا عما ~~وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78) ~~وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم (79) فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ~~ما أنتم ملقون (80) # فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح ~~عمل المفسدين (81) ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون (82) # قوله تعالى: فلما جاءهم الحق من عندنا وهو ما جاء به موسى من الآيات. # قوله تعالى: أسحر هذا قال الزجاج: المعنى: أتقولون للحق لما جاءكم هذا ~~اللفظ، وهو قولهم: إن هذا لسحر مبين. ثم قررهم فقال: أسحر هذا؟. قال ابن ~~الأنباري: إنما أدخلوا الألف على جهة تفظيع الأمر، كما يقول الرجل إذا نظر ~~إلى الكسوة الفاخرة: أكسوة هذه؟ يريد بالاستفهام تعظيمها، وتأتي الرجل ~~جائزة، فيقول: أحق ما أرى؟ معظما لما ورد عليه. وقال غيره: تقدير الكلام: # أتقولون للحق لما جاءكم: هو سحر؟ أسحر هذا؟ فحذف السحر الأول اكتفاء ~~بدلالة الكلام عليه، كقوله: فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم «1» المعنى: ~~بعثناهم ليسوؤوا وجوهكم. # قوله تعالى: أجئتنا لتلفتنا قال ابن قتيبة: لتصرفنا. يقال: لفت فلانا عن ~~كذا: إذا صرفته. ومنه الالتفات، وهو الانصراف عما كنت مقبلا عليه. قوله ~~تعالى: وتكون لكما ms0993 الكبرياء في الأرض وروى أبان، وزيد عن يعقوب: «ويكون ~~لكما» بالياء. وفي المراد بالكبرياء ثلاثة أقوال: أحدها: الملك والشرف، ~~قاله بن عباس. والثاني: الطاعة، قاله الضحاك. والثالث: العلو، قاله ابن ~~زيد. قال ابن عباس: والأرض ها هنا: أرض مصر. # قوله تعالى: بكل ساحر قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: «بكل سحار» بتشديد الحاء ~~وتأخير الألف. وقوله تعالى: ما جئتم به السحر قرأ الأكثرون «السحر» بغير ~~مد، على لفظ الخبر، والمعنى: الذي جئتم به من الحبال والعصي، هو السحر، ~~وهذا رد لقولهم للحق: هذا سحر، فتقديره: # الذي جئتم به السحر، فدخلت الألف واللام، لأن النكرة إذا عادت، عادت ~~معرفة، كما تقول: رأيت رجلا، فقال لي الرجل. وقرأ مجاهد، وأبو عمرو، وأبو ~~جعفر، وأبان عن عاصم، وأبو حاتم عن يعقوب: «آلسحر» بمد الألف، استفهاما. ~~قال الزجاج: والمعنى: أي شيء جئتم به؟ أسحر هو؟ على جهة التوبيخ لهم. وقال ~~ابن الأنباري: هذا الاستفهام معناه التعظيم للسحر، لا على سبيل الاستفهام ~~عن الشيء الذي يجهل، وذلك مثل قول الإنسان في الخطأ الذي يستعظمه من إنسان: ~~أخطأ هذا؟ هو عظيم الشأن في الخطأ. والعرب تستفهم عما هو معلوم عندها، قال ~~امرؤ القيس: PageV02P342 # أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل # وقال قيس بن ذريح: # أراجعة يا لبن أيامنا الألى ... بذي الطلح أم لا ما لهن رجوع «1» # فاستفهم وهو يعلم أنهن لا يرجعن. # قوله تعالى: إن الله سيبطله أي: يهلكه، ويظهر فضيحتكم، إن الله لا يصلح ~~عمل المفسدين لا يجعل عملهم نافعا لهم. ويحق الله الحق أي: يظهره ويمكنه، ~~بكلماته بما سبق من وعده بذلك. ### | ### | [سورة يونس (10) : الآيات 83 الى # 92] # فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم وإن ~~فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) وقال موسى يا قوم إن كنتم ~~آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) فقالوا على الله توكلنا ربنا ~~لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين (85) ونجنا برحمتك من القوم الكافرين (86) ~~وأوحينا إلى موسى وأخيه أن ms0994 تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة ~~وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين (87) # وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ~~ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى ~~يروا العذاب الأليم (88) قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل ~~الذين لا يعلمون (89) وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده ~~بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل وأنا من المسلمين (90) آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) ~~فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا ~~لغافلون (92) # قوله تعالى: فما آمن لموسى إلا ذرية في المراد بالذرية ها هنا ثلاثة ~~أقوال «2» : أحدها: أن المراد بالذرية: القليل. قاله ابن عباس. والثاني: ~~أنهم أولاد الذين أرسل إليهم موسى مات آباؤهم لطول الزمان، وآمنوا هم، قاله ~~مجاهد. وقال ابن زيد: هم الذين نشئوا مع موسى حين كف فرعون عن ذبح ~~PageV02P343 # الغلمان. قال ابن الأنباري: وإنما قيل لهؤلاء: «ذرية» لأنهم أولاد الذين ~~بعث إليهم موسى، وإن كانوا بالغين. والثالث: أنهم قوم، أمهاتهم من بني ~~إسرائيل، وآباؤهم من القبط، قاله مقاتل، واختاره الفراء. # قال: وإنما سموا «1» ذرية كما قيل لأولاد فارس: الأبناء، لأن أمهاتهم من ~~غير جنس آبائهم. وفي هاء «قومه» قولان: أحدهما: أنها تعود إلى موسى، رواه ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: إلى فرعون، رواه أبو صالح عن ابن عباس ~~«2» . فعلى القول الأول يكون قوله: على خوف من فرعون وملائهم أي: وملأ ~~فرعون. قال الفراء: إنما قال: «وملئهم» بالجمع، وفرعون واحد، لأن الملك إذا ~~ذكر ذهب الوهم إليه وإلى من معه، تقول: قدم الخليفة فكثر الناس، تريد: بمن ~~معه. وقد يجوز أن يريد بفرعون: آل فرعون، كقوله: وسئل القرية «3» . وعلى ~~القول الثاني: يرجع ذكر الملأ إلى الذرية. قال ابن جرير: وهذا أصح، لأنه ~~كان في الذرية من أبوه قبطي وأمه إسرائيلية، فهو مع فرعون على موسى. # قوله تعالى: أن يفتنهم ms0995 يعني فرعون، ولم يقل: يفتنوهم، لأن قومه كانوا على ~~من كان عليه. # وفي هذه الفتنة قولان: أحدهما: أنها القتل، قاله ابن عباس. والثاني: ~~التعذيب، قاله ابن جرير. قوله تعالى: وإن فرعون لعال في الأرض قال ابن ~~عباس: متطاول في أرض مصر وإنه لمن المسرفين حين كان عبدا فادعى الربوبية. # قوله تعالى: إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا لما شكا بنو إسرائيل إلى ~~موسى ما يهددهم به فرعون من ذبح أولادهم، واستحياء نسائهم، قال لهم هذا. # وفي قوله: لا تجعلنا فتنة ثلاثة أقوال: أحدها: لا تهلكنا بعذاب على أيدي ~~قوم فرعون، ولا بعذاب من قبلك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا ~~ولا سلطنا عليهم. والثاني: لا تسلطهم علينا فيفتنونا، والقولان مرويان عن ~~مجاهد. والثالث: لا تسلطهم علينا فيفتتنون بنا، لظنهم أنهم على حق، قاله ~~أبو الضحى، وأبو مجلز. # قوله تعالى: أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا قال المفسرون: لما أرسل موسى، ~~أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها، ومنعوا من الصلاة، وكانوا لا ~~يصلون إلا في الكنائس فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلون فيها خوفا ~~من فرعون. و «تبوءا» معناه: اتخذا، وقد شرحناه في سورة PageV02P344 # الأعراف «1» . وفي المراد بمصر قولان: أحدهما: أنه البلد المعروف بمصر، ~~قاله الضحاك. والثاني: أنه الاسكندرية، قاله مجاهد. وفي البيوت قولان: ~~أحدهما: أنها المساجد، قاله الضحاك، والثاني: # القصور، قاله مجاهد. # وفي قوله: واجعلوا بيوتكم قبلة أربعة أقوال «2» : أحدها: اجعلوها مساجد، ~~رواه مجاهد، وعكرمة، والضحاك عن ابن عباس، وبه قال النخعي، وابن زيد. وقد ~~ذكرنا أن فرعون أمر بهدم مساجدهم، فقيل لهم: اجعلوا بيوتكم قبلة بدلا من ~~المساجد. والثاني: اجعلوها قبل القبلة، رواه العوفي عن ابن عباس. وروى ~~الضحاك عن ابن عباس، قال: قبل مكة. وقال مجاهد: أمروا أن يجعلوها مستقبلة ~~الكعبة، وبه قال مقاتل، وقتادة، والفراء. والثالث: اجعلوها يقابل بعضها ~~بعضا، وهو مروي عن ابن عباس أيضا، وبه قال سعيد بن جبير. والرابع: واجعلوا ~~بيوتكم التي بالشام قبلة لكم في الصلاة، فهي قبلة اليهود ms0996 إلى اليوم، قاله ~~ابن بحر. # فإن قيل: البيوت جمع، فكيف قال: «قبلة» على التوحيد؟ فقد أجاب عنه ابن ~~الأنباري، فقال: # من قال: المراد بالقبلة الكعبة، قال: وحدت القبلة لتوحيد الكعبة. قال: ~~ويجوز أن يكون أراد: اجعلوا بيوتكم قبلا، فاكتفى بالواحد من الجميع، كما ~~قال العباس بن مرداس: # فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور «3» # يريد: إنا إخوتكم. ويجوز أن يكون وحد «قبلة» لانه أجراها مجرى المصدر، ~~فيكون المعنى: # واجعلوا بيوتكم إقبالا على الله، وقصدا لما كنتم تستعملونه في المساجد. ~~ويجوز أن يكون وحدها، والمعنى: واجعلوا بيوتكم شيئا قبلة، ومكانا قبلة، ~~ومحلة قبلة. # قوله تعالى: وأقيموا الصلاة قال ابن عباس: أتموا الصلاة وبشر المؤمنين ~~أنت يا محمد. # قال سعيد بن جبير: بشرهم بالنصر في الدنيا، وبالجنة في الآخرة. # قوله تعالى: ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا قال ابن عباس: كان ~~لهم من لدن فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن ذهب وفضة وزبرجد ~~وياقوت. # قوله تعالى: ليضلوا عن سبيلك وفي لام «ليضلوا» أربعة أقوال: أحدها: أنها ~~لام «كي» والمعنى: آتيتهم ذلك كي يضلوا، وهذا قول الفراء. والثاني: أنها ~~لام العاقبة، والمعنى: إنك آتيتهم ذلك فأصارهم إلى الضلال، ومثله قوله: ~~ليكون لهم عدوا وحزنا أي: آل أمرهم إلى أن صار لهم عدوا، لا أنهم قصدوا ~~ذلك، وهذا كما تقول للذي كسب مالا فأداه إلى الهلاك: إنما كسب فلان ~~PageV02P345 # لحتفه، وهو لم يكسب المال طلبا للحتف، وأنشدوا: # وللمنايا تربي كل مرضعة ... وللخراب يجد الناس عمرانا «1» # وقال آخر: # وللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن «2» # وقال آخر: # فإن يكن الموت أفناهم ... فللموت ما تلد الوالده # أراد: عاقبة الأمر ومصيره إلى ذلك، هذا قول الزجاج. والثالث: أنها لام ~~الدعاء، والمعنى: ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك، ذكره ابن الأنباري. ~~والرابع: أنها لام أجل، فالمعنى: آتيتهم لأجل ضلالتهم عقوبة منك لهم، ومثله ~~قوله: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم «3» أي: # لأجل إعراضكم، حكاه بعض المفسرين. وقرأ أهل الكوفة إلا ms0997 المفضل، وزيد، ~~وأبو حاتم عن يعقوب: «ليضلوا» بضم الياء، أي: ليضلوا غيرهم. # قوله تعالى: ربنا اطمس روى الحلبي عن عبد الوارث: «اطمس» بضم الميم، على ~~أموالهم وفيه قولان: أحدهما: أنها جعلت حجارة، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه ~~قال قتادة، والضحاك، وأبو صالح، والفراء. وقال القرظي: جعل سكرهم حجارة. ~~وقال ابن زيد: صار ذهبهم ودراهمهم وعدسهم وكل شيء لهم حجارة. وقال مجاهد: ~~مسخ الله النخل والثمار والأطعمة حجارة، فكانت إحدى الآيات التسع. وقال ~~الزجاج: تطميس الشيء: إذهابه عن صورته والانتفاع به على الحال الأولى التي ~~كان عليها. والثاني: أنها هلكت، فالمعنى: أهلك أموالهم، رواه العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال مجاهد، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، ومنه يقال: طمست عينه، أي: ~~ذهبت، وطمس الطريق: إذا عفا ودرس. وفي قوله: واشدد على قلوبهم أربعة أقوال: ~~أحدها: اطبع عليها، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مقاتل، والفراء، ~~والزجاج. والثاني: أهلكهم كفارا، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ~~الضحاك. والثالث: اشدد عليها بالضلالة، قاله مجاهد. والرابع: أن معناه: قس ~~قلوبهم، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: فلا يؤمنوا فيه قولان: # أحدهما: أنه دعاء عليهم أيضا، كأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا، قاله الفراء، ~~وأبو عبيدة، والزجاج. # وقال ابن الأنباري: معناه: فلا آمنوا، قال الأعشى: # فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ... ولا تلقني إلا وأنفك راغم» # معناه: لا أنبسط، ولا لقيتني. والثاني: أنه عطف على قوله: ليضلوا عن ~~سبيلك، فالمعنى: # أنك آتيتهم ليضلوا فلا يؤمنوا، حكاه الزجاج عن المبرد. PageV02P346 # قوله تعالى: حتى يروا العذاب الأليم قال ابن عباس: هو الغرق، وكان موسى ~~يدعو، وهارون يؤمن، فقال الله تعالى: قد أجيبت دعوتكما وكان بين الدعاء ~~والإجابة أربعون سنة. # فان قيل: كيف قال: دعوتكما وهما دعوتان؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن الدعوة تقع على دعوتين وعلى دعوات وكلام يطول كما بينا في سورة ~~الأعراف «1» أن الكلمة تقع على كلمات، قال الشاعر «2» : # وكان دعا دعوة قومه ... هلم إلى أمركم قد صرم # فأوقع «دعوة» على ألفاظ بينها ms0998 آخر بيته. والثاني: أن يكون المعنى: قد ~~أجيبت دعواتكما، فاكتفى بالواحد من ذكر الجميع، ذكر الجوابين ابن الأنباري. ~~وقد روى حماد بن سلمة عن عاصم أنه قرأ: # «دعواتكما» بالألف وفتح العين. والثالث: أن موسى هو الذي دعا، فالدعوة ~~له، غير أنه لما أمن هارون، أشرك بينهما في الدعوة، لأن التأمين على الدعوة ~~منهما. # وفي قوله تعالى: فاستقيما أربعة أقوال: أحدها: فاستقيما على الرسالة وما ~~أمرتكما به، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: فاستقيما على دعاء فرعون ~~وقومه إلى طاعة الله، قاله ابن جرير. # والثالث: فاستقيما في دعائكما على فرعون وقومه. والرابع: فاستقيما على ~~ديني، ذكرهما أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: ولا تتبعان قرأ الأكثرون بتشديد تاء «تتبعان» . وقرأ ابن ~~عامر بتخفيفها مع الاتفاق على تشديد نون «تتبعان» إلا أن في بعض الروايات ~~عن ابن عامر تخفيف. قال الزجاج: موضع «تتبعان» جزم، إلا أن النون الشديدة ~~دخلت للنهي مؤكدة، وكسرت لسكونها ولسكون النون التي قبلها، واختير لها ~~الكسر لأنها بعد الألف، فشبهت بنون الاثنين. قال أبو علي: ومن خفض النون ~~أمكن أن يكون خفف النون الثقيلة، فإن شئت كان على لفظ الخبر، والمعنى ~~الأمر، كقوله: يتربصن بأنفسهن «3» ولا تضار والدة «4» أي: لا ينبغي ذلك، ~~وإن شئت جعلته حالا من قوله: فاستقيما تقديره: # استقيما غير متبعين. وفي المراد بسبيل الذين لا يعلمون قولان: أحدهما: ~~أنهم فرعون وقومه، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: الذين يستعجلون ~~القضاء قبل مجيئه ذكره أبو سليمان الدمشقي. # فإن قيل: كيف جاز أن يدعو موسى على قومه؟ # فالجواب: أن بعضهم يقول: كان ذلك بوحي، وهو قول صحيح، لأنه لا يظن بنبي ~~أن يقدم على مثل ذلك إلا عن إذن من الله عز وجل، لأن دعاءه سبب للانتقام. # قوله تعالى: فأتبعهم فرعون وجنوده قال أبو عبيدة: أتبعهم وتبعهم سواء. ~~وقال ابن قتيبة: # أتبعهم لحقهم. بغيا وعدوا أي: ظلما. وقرأ الحسن «فاتبعهم» بالتشديد، ~~وكذلك شددوا «وعدوا» مع ضم العين. قوله تعالى: حتى إذا أدركه الغرق قال ~~آمنت أنه ms0999 قرأ ابن كثير ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر «أنه» بفتح ~~الألف، والمعنى: آمنت بأنه، فلما حذف حرف الجر، وصل الفعل PageV02P347 # إلى «أن» فنصب. وقرأ حمزة والكسائي «إنه» بكسر الألف، فحملوه على القول ~~المضمر، كأنه قال: # آمنت، فقلت: إنه. قال ابن عباس: لم يقبل الله إيمانه عند رؤية العذاب. ~~قال ابن الأنباري: جنح فرعون إلى التوبة حين أغلق بابها لحضور الموت ~~ومعاينة الملائكة، فقيل له: (آلآن) أي: الآن تتوب وقد أضعت التوبة في ~~وقتها، وكنت من المفسدين بالدعاء إلى عبادة غير الله تعالى؟ والمخاطب له ~~بهذا كان جبريل عليه السلام. # (786) وجاء في الحديث «أن جبريل جعل يدس الطين في فم فرعون خشية أن يغفر ~~له» . # قال الضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس عليه ~~السلام كان عبدا صالحا، وكان يذكر الله، فلما وقع في بطن الحوت سأل الله، ~~فقال الله: فلولا أنه كان من المسبحين (143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ~~«1» وإن فرعون كان عبدا طاغيا ناسيا لذكر الله تعالى، فلما أدركه الغرق ~~قال: آمنت، فقال الله: آلآن وقد عصيت قبل. # قوله تعالى: فاليوم ننجيك وقرأ يعقوب «ننجيك» مخففة. قال اللغويون، منهم ~~يونس وأبو عبيدة: نلقيك على نجوة من الأرض، أي: ارتفاع، ليصير علما أنه قد ~~غرق. وقرأ ابن السميفع «ننحيك» بحاء. وفي سبب إخراجه من البحر بعد غرقه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن موسى وأصحابه لما خرجوا، قال من بقي من المدائن من قوم فرعون: ~~ما غرق فرعون، ولكنه هو وأصحابه يتصيدون في جزائر البحر، فأوحى الله إلى ~~البحر أن الفظ فرعون عريانا، فكانت نجاة عبرة، وأوحى الله تعالى إلى البحر: ~~أن الفظ ما فيك، فلفظهم البحر بالساحل، ولم يكن يلفظ غريقا، إلى يوم ~~القيامة، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أن أصحاب موسى قالوا: إنا نخاف أن يكون فرعون ما غرق، ولا نؤمن ~~بهلاكه، فدعا موسى ربه، فأخرجه حتى أيقنوا بهلاكه، رواه سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس، وإلى نحوه ذهب قيس بن عباد، ms1000 وعبد الله بن شداد، والسدي، ومقاتل. ~~وقال السدي: لما قال بنو إسرائيل: لم يغرق فرعون، PageV02P348 # دعا موسى، فخرج فرعون في ستمائة ألف وعشرين ألفا عليهم الحديد «1» ، ~~فأخذته بنو إسرائيل يمثلون به. وذكر غيره أنه إنما أخرج من البحر وحده دون ~~أصحابه. وقال ابن جريج: كذب بعض بني إسرائيل بغرقه، فرمى به البحر على ساحل ~~البحر حتى رآه بنو إسرائيل قصيرا أحمر كأنه ثور. وقال أبو سليمان: # عرفه بنو إسرائيل بدرع كان له من لؤلؤ لم يكن لأحد مثلها. فأما وجهه فقد ~~غيره سخط الله تعالى. # والثالث: أنه كان يدعي أنه رب، وكان يعبده قوم، فبين الله تعالى أمره، ~~فأغرقه وأصحابه، ثم أخرجه من بينهم، قاله الزجاج. # وفي قوله تعالى: ببدنك أربعة أقوال: أحدها: بجسدك من غير روح، قاله ~~مجاهد. وذكر البدن دليل على عدم الروح. والثاني: بدرعك، قاله أبو صخر. وقد ~~ذكرنا أنه كانت له درع من لؤلؤ، وقيل: من ذهب، فعرف بدرعه. والثالث: نلقيك ~~عريانا، قاله الزجاج. والرابع: ننجيك وحدك، قاله ابن قتيبة. وفي قوله: ~~لتكون لمن خلفك آية ثلاثة أقوال: أحدها: لتكون لمن بعدك في النكال آية لئلا ~~يقولوا مثل مقالتك، فإنك لو كنت إلها ما غرقت، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ~~قال أبو عبيدة: # خلفك بمعنى بعدك، والآية: العلامة. والثاني: لتكون لبني إسرائيل آية، ~~قاله السدي. والثالث: لمن تخلف من قومه، لأنهم أنكروا غرقه على ما ذكرنا في ~~أول الآية، فخرج في معنى الآية قولان: # أحدهما: عبرة للناس. والثاني: علامة تدل على غرقه. وقال الزجاج: الآية ~~أنه كان يدعي أنه رب، فبان أمره، وأخرج من بين أصحابه لما غرقوا. وقرأ ابن ~~السميفع، وابو المتوكل، وأبو الجوزاء «لمن خلقك» بالقاف. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 93 الى 97] # ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى ~~جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (93) ~~فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك لقد جاءك ~~الحق من ربك ms1001 فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات ~~الله فتكون من الخاسرين (95) إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) ~~ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم (97) # قوله تعالى: ولقد بوأنا بني إسرائيل أي: أنزلناهم منزل صدق، أي منزلا ~~كريما. وفي المراد ببني إسرائيل قولان. أحدهما: أصحاب موسى. والثاني: قريظة ~~والنضير. وفي المراد بالمنزل الذي أنزلوه خمسة أقوال: أحدها: أنه الأردن، ~~وفلسطين، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: الشام، وبيت المقدس، قاله ~~الضحاك وقتادة. والثالث: مصر، روي عن الضحاك أيضا. والرابع: بيت المقدس، ~~قاله مقاتل. والخامس: ما بين المدينة والشام من أرض يثرب، ذكره علي بن أحمد ~~النيسابوري. والمراد بالطيبات: ما أحل لهم من الخيرات الطيبة. فما اختلفوا ~~يعني بني إسرائيل. قال ابن عباس: ما اختلفوا في محمد، لم يزالوا به مصدقين، ~~حتى جاءهم العلم يعني: القرآن، وروي عنه: # حتى جاءهم العلم، يعني محمدا. فعلى هذا يكون العلم ها هنا: عبارة عن ~~المعلوم. وبيان هذا أنه لما PageV02P349 # جاءهم، اختلفوا في تصديقه، وكفر به أكثرهم بغيا وحسدا بعد أن كانوا ~~مجتمعين على تصديقه قبل ظهوره. # قوله تعالى: فإن كنت في شك في تأويل هذه الآية ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره من الشاكين، ~~بدليل قوله في آخر السورة: إن كنتم في شك من ديني «1» ، ومثله قوله تعالى: ~~يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما ~~حكيما «2» ثم قال تعالى: بما تعملون خبيرا «3» ولم يقل: بما تعمل، وهذا قول ~~الأكثرين. # والثاني: أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو المراد به. ثم في ~~المعنى قولان: أحدهما: أنه خوطب بذلك وإن لم يكن في شك، لأنه من المستفيض ~~في لغة العرب أن يقول الرجل لولده: إن كنت ابني فبرني، ولعبده: إن كنت عبدي ~~فأطعني، وهذا اختيار الفراء. # (787) وقال ابن عباس: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شك، ولا ~~سأل. والثاني: أن تكون «إن» بمعنى «ما» ms1002 فالمعنى: ما كنت في شك فسئل، ~~المعنى: لسنا نريد أن نأمرك أن تسأل لأنك شاك، ولكن لتزداد بصيرة، ذكره ~~الزجاج. # والثالث: أن الخطاب للشاكين، فالمعنى: إن كنت أيها الإنسان في شك مما ~~أنزل إليك على لسان محمد، فسل، روي عن ابن قتيبة. # وفي الذي أنزل إليه قولان: أحدهما: أنه أنزل إليه أنه رسول الله. ~~والثاني: أنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل. # قوله تعالى: فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك وهم اليهود والنصارى. وفي ~~الذين أمر بسؤالهم منهم قولان: أحدهما: من آمن منهم، كعبد الله بن سلام، ~~قاله ابن عباس، ومجاهد في آخرين. والثاني: أهل الصدق منهم، قاله الضحاك، ~~وهو يرجع إلى الأول، لأنه لا يصدق إلا من آمن. # قوله تعالى: لقد جاءك الحق من ربك هذا كلام مستأنف. # قوله تعالى: إن الذين حقت أي: وجبت عليهم كلمت ربك أي: قوله. وبماذا حقت ~~الكلمة عليهم؟ فيه أربعة أقوال: أحدها: باللعنة. والثاني: بنزول العذاب. ~~والثالث: بالسخط. والرابع: # بالنقمة. قوله تعالى: ولو جاءتهم كل آية، قال الأخفش: إنما أنث فعل «كل» ~~لأنه أضافه إلى «آية» وهي مؤنثة. ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 98] # فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم ~~عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (98) PageV02P350 # قوله تعالى: فلولا كانت قرية آمنت أي: أهل قرية. وفي «لولا» قولان: # أحدهما: أنه بمعنى لم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها أي قبل منها إلا قوم ~~يونس، قاله ابن عباس. وقال قتادة: لم يكن هذا لأمة آمنت عند نزول العذاب ~~إلا لقوم يونس. # والثاني: أنها بمعنى: فهلا، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج. قال ~~الزجاج: والمعنى: فهلا كانت قرية آمنت في وقت نفعها إيمانها، إلا قوم يونس؟ ~~وإلا ها هنا استثناء ليس من الأول، كأنه قال: لكن قوم يونس. قال الفراء: ~~نصب القوم على الانقطاع مما قبله، ألا ترى أن «ما» بعد «إلا» في الجحد يتبع ~~ما قبلها؟ تقول: ما قام أحد إلا أخوك، فإذا قلت: ما فيها أحد إلا كلبا ms1003 أو ~~حمارا، نصبت، لانقطاعهم من الجنس، كذلك كان قوم يونس منقطعين من غيرهم من ~~أمم الأنبياء، ولو كان الاستثناء وقع على طائفة منهم لكان رفعا. وذكر ابن ~~الأنباري في قوله: «إلا» قولين آخرين. أحدهما: أنها بمعنى الواو، والمعنى: ~~وقوم يونس لما آمنوا فعلنا بهم كذا وكذا، وهذا مروي عن أبي عبيدة، والفراء ~~ينكره. # والثاني: أن الاستثناء من الآية التي قبل هذه، تقديره: حتى يروا العذاب ~~الأليم إلا قوم يونس، فالاستثناء على هذا متصل غير منقطع. # قوله تعالى: كشفنا عنهم أي: صرفنا عنهم عذاب الخزي أي: عذاب الهوان والذل ~~ومتعناهم إلى حين أي: إلى حين آجالهم «1» . # (الإشارة إلى شرح قصتهم) ذكر أهل العلم بالسير والتفسير أن قوم يونس ~~كانوا ب «نينوى» من أرض الموصل، فأرسل الله عز وجل إليهم يونس يدعوهم إلى ~~الله ويأمرهم بترك الأصنام، فأبوا، فأخبرهم أن العذاب مصبحهم بعد ثلاث، ~~فلما تغشاهم العذاب، قال ابن عباس، وأنس: لم يبق بين العذاب وبينهم إلا قدر ~~ثلثي ميل، وقال مقاتل: قدر ميل، وقال أبو صالح عن ابن عباس: وجدوا حر ~~العذاب على أكتافهم، وقال سعيد بن جبير: غشيهم العذاب كما يغشى الثوب ~~القبر، وقال بعضهم: غامت السماء غيما أسود يظهر دخانا شديدا، فغشي مدينتهم، ~~واسودت سطوحهم، فلما أيقنوا بالهلاك لبسوا المسوح «2» ، وحثوا على رؤوسهم ~~الرماد، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام، وعجوا إلى الله ~~تعالى بالتوبة الصادقة، وقالوا: آمنا بما جاء به يونس، فاستجاب الله منهم. ~~قال ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم بينهم، حتى ان كان الرجل ~~ليأتي إلى الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه، فيرده، وقال أبو الجلد: ~~لما غشيهم العذاب، مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم، فقالوا: ما ترى؟ قال: ~~قولوا: # يا حي حين لا حي، يا حي محيي الموتى، يا حي لا إله إلا أنت، فقالوها، ~~فكشف العذاب عنهم. قال PageV02P351 # مقاتل: عجوا إلى الله أربعين ليلة، فكشف العذاب عنهم. وكانت التوبة عليهم ~~في يوم عاشوراء يوم الجمعة. قال: وكان يونس قد ms1004 خرج من بين أظهرهم، فقيل له: ~~ارجع إليهم، فقال: كيف أرجع إليهم فيجدوني كاذبا؟ وكان من يكذب بينهم ولا ~~بينة له يقتل، فانصرف مغاضبا، فالتقمه الحوت. وقال أبو صالح عن ابن عباس: ~~أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له شعيا، فقيل له: ائت فلانا ~~الملك، فقل له يبعث إلى بني إسرائيل نبيا قويا أمينا، وكان في مملكته خمسة ~~من الأنبياء، فقال الملك ليونس: اذهب إليهم، فقال: ابعث غيري، فعزم عليه أن ~~يذهب، فأتى بحر الروم، فركب سفينة، فالتقمه الحوت، فلما خرج من بطنها أمر ~~أن ينطلق إلى قومه فانطلق نذيرا لهم، فأبوا عليه، فوعدهم بالعذاب، وخرج، ~~فلما تابوا رفع عنهم. والقول الأول أثبت عند العلماء، وأنه إنما التقمه ~~الحوت بعد إنذاره لهم وتوبتهم. وسيأتي شرح قصته في التقام الحوت إياه في ~~مكانه إن شاء الله تعالى. # فإن قيل: كيف كشف العذاب عن قوم يونس بعد إتيانه إليهم، ولم يكشف عن ~~فرعون حين آمن؟ # فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن ذلك كان خاصا لهم كما ذكرنا في أول الآية. ~~والثاني: أن فرعون باشره العذاب، وهؤلاء دنا منهم ولم يباشرهم، فكانوا ~~كالمريض يخاف الموت ويرجو العافية، فأما الذي يعاين، فلا توبة له، ذكره ~~الزجاج. والثالث: أن الله تعالى علم منهم صدق النيات، بخلاف من تقدمهم من ~~الهالكين، ذكره ابن الأنباري. ### | ### | [سورة يونس (10) : آية # 99] # ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين (99) # قوله تعالى: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض قال ابن عباس: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمان جميع الناس، فأخبره الله تعالى أنه لا ~~يؤمن إلا من سبقت له السعادة. قال الأخفش: جاء بقوله: # «جميعا» مع «كل» تأكيدا كقوله: وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين «1» . # قوله تعالى: أفأنت تكره الناس قال المفسرون، منهم مقاتل: هذا منسوخ بآية ~~السيف. # والصحيح أنه ليس ها هنا نسخ، لأن الإكراه على الإيمان لا يصح، لأنه عمل ~~القلب. ### | [سورة يونس (10) : آية ms1005 100] # وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ~~(100) # قوله تعالى: وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله فيه ستة أقوال: أحدها: ~~بقضاء الله وقدره. # والثاني: بأمر الله؟ رويا عن ابن عباس. والثالث: بمشيئة الله، قاله عطاء ~~والرابع: إلا أن يأذن الله في ذلك، قاله مقاتل. والخامس: بعلم الله. ~~والسادس: بتوفيق الله، ذكرهما الزجاج، وابن الأنباري. قوله تعالى: ويجعل ~~الرجس أي: ويجعل الله الرجس. وروى أبو بكر عن عاصم «ونجعل الرجس» بالنون. ~~وفيه خمسة أقوال: أحدها: أنه السخط، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. ~~والثاني: الإثم والعدوان، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أنه ما لا ~~خير فيه، قاله مجاهد. والرابع: العذاب، قاله الحسن، وأبو عبيدة، والزجاج. ~~والخامس: العذاب والغضب، قاله الفراء. قوله تعالى: على الذين لا يعقلون أي: ~~لا يعقلون عن الله أمره ونهيه. وقيل: لا يعقلون حججه ودلائل توحيده. ~~PageV02P352 ### | [سورة يونس (10) : آية 101] # قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا ~~يؤمنون (101) # قوله تعالى: قل انظروا ماذا في السماوات والأرض قال المفسرون: قل ~~للمشركين الذين يسألونك الآيات على توحيد الله: انظروا بالتفكر والاعتبار ~~ماذا في السماوات والأرض من الآيات والعبر التي تدل على وحدانيته ونفاذ ~~قدرته كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، وكل هذا يقتضي خالقا ~~مدبرا. وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون في علم الله. ### | ### | [سورة يونس (10) : الآيات 102 الى # 103] # فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين (102) ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ~~(103) # قوله تعالى: فهل ينتظرون قال ابن عباس: يعني كفار قريش. إلا مثل أيام ~~الذين خلوا من قبلهم قال ابن الأنباري: أي: مثل وقائع الله بمن سلف قبلهم، ~~والعرب تكني بالأيام عن الشرور والحروب، وقد تقصد بها أيام السرور والأفراح ~~إذا قام دليل بذلك. # قوله تعالى: قل فانتظروا هلاكي إني معكم من المنتظرين لنزول العذاب بكم. ~~ثم ننجي رسلنا ms1006 والذين آمنوا من العذاب إذا نزل، فلم يهلك قوم قط إلا نجا ~~نبيهم والذين آمنوا معه. قوله تعالى: كذلك حقا علينا ننج المؤمنين وقرأ ~~يعقوب، وحفص، والكسائي في قراءته وروايته عن أبي بكر: «ننج المؤمنين» ~~بالتخفيف. ثم في هذا الإنجاء قولان: # أحدهما: ننجيهم من العذاب إذا نزل بالمكذبين، قاله الربيع بن أنس. # والثاني: ننجيهم في الآخرة من النار، قاله مقاتل. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 104 الى 106] # قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون ~~الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين (104) وأن أقم ~~وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) ولا تدع من دون الله ما لا ~~ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين (106) # قوله تعالى: قل يا أيها الناس قال ابن عباس: يعني أهل مكة إن كنتم في شك ~~من ديني الإسلام فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله وهي الأصنام ولكن أعبد ~~الله الذي يقدر أن يميتكم. وقال ابن جرير: معنى الآية: لا ينبغي لكم أن ~~تشكوا في ديني، لأني أعبد الله الذي يميت وينفع ويضر، ولا تستنكر عبادة من ~~يفعل هذا، وإنما ينبغي لكم أن تشكوا وتنكروا ما أنتم عليه من عبادة الأصنام ~~التي لا تضر ولا تنفع. فإن قيل: لم قال: الذي يتوفاكم ولم يقل: «الذي ~~خلقكم» ؟ فالجواب: أن هذا يتضمن تهديدهم، لأن ميعاد عذابهم الوفاة. # قوله تعالى: وأن أقم وجهك المعنى: وأمرت أن أقم وجهك، وفيه قولان: # أحدهما: أخلص عملك. والثاني: استقم باقبالك على ما أمرت به بوجهك. # وفي المراد بالحنيف ثلاثة أقوال. أحدها: أنه المتبع، قاله مجاهد. ~~والثاني: المخلص، قاله عطاء. والثالث: المستقيم، قاله القرظي قوله تعالى: ~~ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك إن دعوته ولا # PageV02P353 # يضرك إن تركت عبادته. و «الظالم» الذي يضع الشيء في غير موضعه. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 107 الى 109] # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب ms1007 ~~به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (107) قل يا أيها الناس قد جاءكم ~~الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا ~~عليكم بوكيل (108) واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير ~~الحاكمين (109) # قوله تعالى: وإن يمسسك الله بضر أي: بشدة وبلاء فلا كاشف لذلك إلا هو دون ~~ما يعبده المشركون من الأصنام. وإن يصبك بخير، أي: برخاء ونعمة وعافية، فلا ~~يقدر أحد أن يمنعك إياه. يصيب به أي: بكل واحد من الضر والخير. # قوله تعالى: قد جاءكم الحق من ربكم فيه قولان: # أحدهما: أنه القرآن. والثاني: محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: ومن ضل فإنما يضل عليها أي: فإنما يكون وبال ضلاله على نفسه. # قوله تعالى: وما أنا عليكم بوكيل أي: في منعكم من اعتقاد الباطل، ~~والمعنى: لست بحفيظ عليكم من الهلاك كما يحفظ الوكيل المتاع من الهلاك. قال ~~ابن عباس: وهذه منسوخة بآية القتال، والتي بعدها أيضا، وهي قوله: واصبر حتى ~~يحكم الله لأن الله تعالى حكم بقتل المشركين، والجزية على أهل الكتاب، ~~والصحيح: أنه ليس ها هنا نسخ. أما الآية الأولى، فقد ذكرنا الكلام عليها في ~~نظيرتها في «الأنعام» «1» وأما الثانية، فقد ذكرنا نظيرتها في سورة ~~«البقرة» قوله: فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره «2» . PageV02P354 ### | سورة هود # (فصل في نزولها:) روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية كلها، وبه قال ~~الحسن، وعكرمة، ومجاهد، وجابر بن زيد، وقتادة. وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~هي مكية، إلا آية، وهي قوله تعالى: وأقم الصلاة طرفي النهار «1» ، وعن ~~قتادة نحوه. وقال مقاتل: هي مكية كلها، إلا قوله: # فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك «2» وقوله: أولئك يؤمنون به «3» وقوله: إن ~~الحسنات يذهبن السيئات «4» . وروى أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال: # (788) قلت: يا رسول الله، عجل إليك الشيب، قال: «شيبتني هود وأخواتها: ~~الحاقة، والواقعة، وعم يتساءلون، وهل أتاك حديث الغاشية» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة هود (11) : آية 1] # بسم الله الرحمن ms1008 الرحيم # الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) # فأما آلر فقد ذكرنا تفسيرها في سورة يونس. PageV02P355 # قال الفراء: وكتاب مرفوع بالهجاء الذي قبله، كأنك قلت: حروف الهجاء هذا ~~القرآن، وإن شئت رفعته باضمار: هذا كتاب، والكتاب: القرآن. وفي قوله: أحكمت ~~آياته أربعة أقوال: أحدها: # أحكمت فلم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتاب والشرائع، قاله ابن عباس، واختاره ~~ابن قتيبة. والثاني: # أحكمت بالأمر والنهي، قاله الحسن، وأبو العالية. والثالث: أحكمت عن ~~الباطل، أي: منعت، قاله قتادة، ومقاتل. والرابع: أحكمت بمعنى جمعت، قاله ~~ابن زيد. فإن قيل: كيف عم الآيات ها هنا بالإحكام، وخص بعضها في قوله: منه ~~آيات محكمات «1» ؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أن الإحكام الذي عم به ها هنا، غير الذي خص به هناك. وفي معنى ~~الإحكام العام خمسة أقوال، قد أسلفنا منها أربعة في قوله: أحكمت آياته. ~~والخامس: أنه إعجاز النظم والبلاغة وتضمين الحكم المعجزة. ومعنى الإحكام ~~الخاص: زوال اللبس، واستواء السامعين في معرفة معنى الآية. # والجواب الثاني: أن الإحكام في الموضعين بمعنى واحد. والمراد بقوله: ~~أحكمت آياته: # أحكم بعضها بالبيان الواضح ومنع الالتباس، فأوقع العموم على معنى الخصوص، ~~كما تقول العرب: # قد أكلت طعام زيد، يعنون: بعض طعامه، ويقولون: قتلنا ورب الكعبة، يعنون: ~~قتل بعضنا، ذكر ذلك ابن الأنباري. # وفي قوله: ثم فصلت ستة أقوال: أحدها: فصلت بالحلال والحرام، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. والثاني: فصلت بالثواب والعقاب، رواه جسر بن فرقد «2» عن ~~الحسن. والثالث: فصلت بالوعد والوعيد، رواه أبو بكر الهذلي عن الحسن أيضا. ~~والرابع: فصلت بمعنى فسرت، قاله مجاهد. # والخامس: أنزلت شيئا بعد شيء، ولم تنزل جملة، ذكره ابن قتيبة. والسادس: ~~فصلت بجميع ما يحتاج إليه من الدلالة على التوحيد، وتثبيت نبوة الأنبياء، ~~وإقامة الشرائع، قاله الزجاج. قوله تعالى: من لدن حكيم أي: من عنده. ### | [سورة هود (11) : الآيات 2 الى 4] # ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير (2) وأن استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي ms1009 فضل فضله وإن تولوا ~~فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3) إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير ~~(4) # قوله تعالى: ألا تعبدوا إلا الله قال الفراء. المعنى: فصلت آياته بأن لا ~~تعبدوا إلا الله وأن استغفروا. «وأن» في موضع النصب بالقائك الخافض. # وقال الزجاج: المعنى: آمركم أن لا تعبدوا إلها غيره، وأن استغفروا. # قال مقاتل: والمراد بهذه العبادة: التوحيد، والخطاب لكفار مكة. ~~PageV02P356 # قوله تعالى: وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه فيه قولان: أحدهما: أن ~~الاستغفار والتوبة هاهنا من الشرك، قاله مقاتل. والثاني: استغفروه من ~~الذنوب السالفة، ثم توبوا إليه من المستأنفة متى وقعت. # وذكر عن الفراء أنه قال: «ثم» ها هنا بمعنى الواو. # قوله تعالى: يمتعكم متاعا حسنا قال ابن عباس: يتفضل عليكم بالرزق والسعة. ~~وقال ابن قتيبة: # يعمركم. وأصل الإمتاع: الإطالة، يقال: أمتع الله بك، ومتع الله بك، ~~إمتاعا ومتاعا، والشيء الطويل: ماتع، يقال: جبل ماتع، وقد متاع النهار: إذا ~~تطاول. # وفي المراد بالأجل المسمى قولان: أحدهما: أنه الموت، قاله أبو صالح عن ~~ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة. والثاني: أنه يوم القيامة، قاله سعيد بن ~~جبير. # قوله تعالى: ويؤت كل ذي فضل فضله في هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى. ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: ~~ويؤت كل ذي فضل من حسنة وخير فضله، وهو الجنة. والثاني: يؤتيه فضله من ~~الهداية إلى العمل الصالح. # والثاني: أنها ترجع إلى العبيد، فيكون المعنى: ويؤت كل من زاد في إحسانه ~~وطاعاته ثواب ذلك الفضل الذي زاده، فيفضله في الدنيا بالمنزلة الرفيعة، وفي ~~الآخرة بالثواب الجزيل. # قوله تعالى: وإن تولوا أي: تعرضوا عما أمرتم به. وقرأ أبو عبد الرحمن ~~السلمي، وأبو مجلز، وأبو رجاء: «وإن تولوا» بضم التاء. فإني أخاف عليكم فيه ~~إضمار «فقل» . واليوم الكبير: يوم القيامة. ### | [سورة هود (11) : آية 5] # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5) # قوله تعالى: ألا إنهم يثنون صدورهم، في سبب نزولها ms1010 خمسة أقوال: # (789) أحدها: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، وكان يجالس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويحلف إنه ليحبه، ويضمر خلاف ما يظهر له، فنزلت فيه هذه ~~الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # (790) والثاني: أنها نزلت في ناس كانوا يستحيون أن يفضوا إلى السماء في ~~الخلاء ومجامعة النساء، فنزلت فيهم هذه الآية، رواه محمد بن عباد عن ابن ~~عباس. # (791) والثالث: أنها نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مر برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه لئلا يراه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. قاله عبد الله بن شداد. PageV02P357 # (792) والرابع: أن طائفة من المشركين قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأرخينا ~~ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~كيف يعلم بنا؟ فأخبر الله عما كتموا، ذكره الزجاج. # (793) والخامس: أنها نزلت في قوم كانوا لشدة عداوتهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا سمعوا منه القرآن حنوا صدورهم، ونكسوا رؤوسهم، وتغشوا ثيابهم ~~ليبعد عنهم صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدخل أسماعهم شيء من ~~القرآن، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: يثنون صدورهم يقال: ثنيت الشيء: إذا عطفته وطويته. وفي معنى ~~الكلام خمسة أقوال: أحدها: يكتمون ما فيها من العداوة لمحمد عليه السلام، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: يثنون صدورهم على الكفر، قاله مجاهد. والثالث: يحنونها لئلا ~~يسمعوا كتاب الله، قاله قتادة. والرابع: يثنونها إذا ناجى بعضهم بعضا في ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن زيد. والخامس: يثنونها حياء من ~~الله تعالى، وهو يخرج على ما حكينا عن ابن عباس. # قال ابن الأنباري: وكان ابن عباس يقرؤها «ألا إنهم تثنوني صدورهم» وفسرها ~~أن ناسا كانوا يستحيون أن يفضوا إلى السماء في الخلاء ومجامعة النساء. ~~فتثنوني: تفعوعل، وهو فعل للصدور، معناه: المبالغة في تثني الصدور، كما ~~تقول العرب: احلولى الشيء، يحلولي: إذا بالغوا في وصفه بالحلاوة، قال ~~عنترة: # ألا قاتل الله الطلول البواليا ... وقاتل ذكراك السنين ms1011 الخواليا «1» # وقولك للشيء الذي لا تناله ... إذا ما هو احلولى ألا ليت ذا ليا # فعلى هذا القول، هو في حق المؤمنين، وعلى بقية الأقوال، هو في حق ~~المنافقين. وقد خرج من هذه الأقوال في معنى يثنون صدورهم قولان: أحدهما: ~~أنه حقيقة في الصدور. والثاني: أنه كتمان ما فيها. # قوله تعالى: ليستخفوا منه في هاء منه قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الله ~~تعالى. # والثاني: إلى رسوله صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: ألا حين يستغشون ~~ثيابهم قال أبو عبيدة: العرب تدخل «ألا» توكيدا وإيجابا وتنبيها. قال ابن ~~قتيبة: «يستغشون ثيابهم» : أي: يتغشونها ويستترون بها. قال قتادة: # أخفى ما يكون ابن آدم، إذا حتى ظهره، واستغشى ثيابه، وأضمر همه في نفسه. ~~قال ابن الأنباري: # أعلم الله أنه يعلم سرائرهم كما يعلم مظهراتهم. # قوله تعالى: إنه عليم بذات الصدور قد شرحناه في سورة آل عمران «2» . ~~PageV02P358 ### | [سورة هود (11) : الآيات 6 الى 7] # وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في ~~كتاب مبين (6) وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على ~~الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) # قوله تعالى: وما من دابة في الأرض قال أبو عبيدة: «من» من حروف الزوائد، ~~والمعنى: وما دابة، والدابة: اسم لكل حيوان يدب. وقوله تعالى: إلا على الله ~~رزقها قال العلماء: فضلا منه لا وجوبا عليه. و «على» ها هنا بمعنى «من» . ~~وقد ذكرنا المستقر والمستودع في سورة الأنعام «1» . قوله تعالى: كل في كتاب ~~أي: ذلك عند الله في اللوح المحفوظ، هذا قول المفسرين. وقال الزجاج: # المعنى: ذلك ثابت في علم الله عز وجل. # قوله تعالى: وكان عرشه على الماء قال ابن عباس: عرشه: سريره، وكان الماء ~~إذ كان العرش عليه على الريح. قال قتادة: ذلك قبل أن يخلق السماوات والأرض. # قوله تعالى: ليبلوكم أي: ليختبركم الاختبار الذي يجازي عليه، فيثيب ~~المعتبر بما يرى من آيات السماوات ms1012 والأرض. ويعاقب أهل العناد. # قوله تعالى: أيكم أحسن عملا فيه أربعة أقوال: # (794) أحدها: «أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله عز وجل، وأسرع في ~~طاعة الله» رواه ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أيكم أعمل بطاعة الله، قاله ابن عباس. والثالث: أيكم أتم عقلا، ~~قاله قتادة. والرابع: # أيكم أزهد في الدنيا، قاله الحسن وسفيان. # قوله تعالى: إن هذا إلا سحر مبين قال الزجاج: السحر باطل عندهم، فكأنهم ~~قالوا: إن هذا إلا باطل بين، فأعلمهم الله تعالى أن القدرة على خلق ~~السماوات والأرض تدل على بعث الموتى. ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 8] # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ~~ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (8) # قوله تعالى: ولئن أخرنا عنهم العذاب قال المفسرون: هؤلاء كفار مكة، ~~والمراد بالأمة المعدودة: الأجل المعلوم، والمعنى: إلى مجيء أمة وانقراض ~~أخرى قبلها. ليقولن ما يحبسه وإنما قالوا ذلك تكذيبا واستهزاء. قوله تعالى: ~~ألا يوم يأتيهم وقال: ليس مصروفا عنهم. وقال بعضهم: لا يصرف عنهم العذاب ~~إذا أتاهم. وقال آخرون: إذا أخذتهم سيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~تغمد PageV02P359 # عنهم حتى يباد أهل الكفر وتعلو كلمة الإخلاص. قوله تعالى: وحاق بهم قال ~~أبو عبيدة: نزل بهم وأصابهم. وفي قوله: ما كانوا به يستهزؤن قولان: أحدهما: ~~أنه الرسول صلى الله عليه وسلم والكتاب، قاله أبو صالح عن ابن عباس، فيكون ~~المعنى: حاق بهم جزاء استهزائهم. والثاني: أنه العذاب، كانوا يستهزئون ~~بقولهم: ما يحبسه، وهذا قول مقاتل. ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 9] # ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور (9) # قوله تعالى: ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنها نزلت في الوليد بن المغيرة. قاله ابن عباس. # والثاني: في عبد الله بن أبي أمية المخزومي، ذكره الواحدي والثالث: أن ~~الإنسان ها هنا اسم جنس، والمعنى: ولئن أذقنا الناس، قاله الزجاج. والمراد ~~بالرحمة: النعمة، من العافية، والمال، ms1013 والولد. واليؤوس: القنوط، قال أبو ~~عبيدة: هو فعول من يئست. قال مقاتل: إنه ليؤوس عند الشدة من الخير، كفور ~~لله في نعمه في الرخاء. ### | [سورة هود (11) : آية 10] # ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ~~(10) # قوله تعالى: ولئن أذقناه نعماء قال ابن عباس: صحة وسعة في الرزق بعد ضراء ~~بعد مرض وفقر. ليقولن ذهب السيئات عني يريد الضر والفقر. إنه لفرح أي: بطر. ~~فخور قال ابن عباس: يفاخر أوليائي بما أوسعت عليه. # فإن قيل: ما وجه عيب الإنسان في قوله: ذهب السيئات عني، وما وجه ذمه على ~~الفرح، وقد وصف الله الشهداء فقال تعالى: فرحين؟ فقد أجاب عنه ابن ~~الأنباري، فقال: إنما عابه بقوله: # ذهب السيئات عني لأنه لم يعترف بنعمة الله ولم يحمده على ما صرف عنه. ~~وإنما ذمه بهذا الفرح لأنه يرجع إلى معنى المرح والتكبر عن طاعة الله، قال ~~الشاعر: # ولا ينسيني الحدثان عرضي ... ولا ألقي من الفرح الإزارا «1» # يعني من المرح. وفرح الشهداء فرح لا كبر فيه ولا خيلاء، بل هو مقرون ~~بالشكر فهو مستحسن. ### | [سورة هود (11) : آية 11] # إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) # قوله تعالى: إلا الذين صبروا قال الفراء: هذا الاستثناء من الانسان، لأنه ~~في معنى الناس، كقوله: إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا «2» . وقال ~~الزجاج: هذا استثناء ليس من الأول، والمعنى: لكن الذين صبروا. قال ابن ~~عباس: الوصف الأول للكافر، والذين صبروا أصحاب محمد عليه السلام. ~~PageV02P360 ### | [سورة هود (11) : آية 12] # فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز ~~أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل (12) # قوله تعالى: فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك. سبب نزولها. # (795) أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ائت بقرآن غير هذا ~~أو بدله «1» فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يسمعهم عيب آلهتهم رجاء أن ~~يتبعوه، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # وفي معنى الآية ms1014 قولان: أحدهما: فلعلك تارك تبليغ بعض ما يوحى إليك من أمر ~~الآلهة، وضائق بما كلفته من ذلك صدرك، خشية أن يقولوا. لولا أنزل عليه كنز. ~~والثاني: فلعلك لعظيم ما يرد على قلبك من تخليطهم تتوهم أنهم يزيلونك عن ~~بعض ما أنت عليه من أمر ربك. فأما الضائق، فهو بمعنى الضيق. قال الزجاج: ~~ومعنى أن يقولوا: كراهية أن يقولوا. وإنما عليك أن تنذرهم بما يوحى إليك، ~~وليس عليك أن تأتيهم باقتراحهم من الآيات. # قوله تعالى: والله على كل شيء وكيل فيه قولان: أحدهما: أنه الحافظ. ~~والثاني: الشهيد، وقد ذكرناه في سورة آل عمران «2» . ### | ### | [سورة هود (11) : الآيات 13 الى # 14] # أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين (13) فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم ~~الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (14) # قوله تعالى: أم يقولون افتراه «أم» بمعنى «بل» ، و «افتراه» أتى به من ~~قبل نفسه. قل فأتوا أنتم في معارضتي بعشر سور مثله في البلاغة مفتريات ~~بزعمكم ودعواكم وادعوا من استطعتم من دون الله إلى المعاونة على المعارضة ~~إن كنتم صادقين في قولكم: «افتراه» . فإلم يستجيبوا لكم أي يجيبوكم إلى ~~المعارضة فقد قامت الحجة عليهم لكم. فإن قيل: كيف وحد القول في قوله: # «قل فأتوا» ثم جمع في قوله: «فإن لم يستجيبوا لكم» ؟ فعنه جوابان: ~~أحدهما: أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحده في الموضعين، فيكون ~~الخطاب له بقوله «لكم» تعظيما، لأن خطاب الواحد بلفظ الجميع تعظيم، هذا قول ~~المفسرين. والثاني: أنه وحد في الأول لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم. وجمع ~~في الثاني لمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قاله ابن الأنباري. # قوله تعالى: فاعلموا أنما أنزل بعلم الله فيه قولان: # أحدهما: أنزله وهو عالم بانزاله، وعالم بأنه حق من عنده. # والثاني: أنزله بما أخبر فيه من الغيب، ودل على ما سيكون وما سلف، ذكرهما ~~الزجاج. PageV02P361 # قوله تعالى: وأن لا إله إلا هو أي: واعلموا ms1015 ذلك. فهل أنتم مسلمون استفهام ~~بمعنى الأمر. وفيمن خوطب به قولان: أحدهما: أهل مكة، ومعنى إسلامهم: ~~إخلاصهم لله العبادة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنهم أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قاله مجاهد. ### | [سورة هود (11) : الآيات 15 الى 16] # من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا ~~يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها ~~وباطل ما كانوا يعملون (16) # قوله تعالى: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها اختلفوا فيمن نزلت على ~~أربعة أقوال: # أحدها: أنها عامة في جميع الخلق، وهو قول الأكثرين. والثاني: أنها في أهل ~~القبلة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أنها في اليهود والنصارى، ~~قاله أنس. والرابع: أنها في أهل الرياء، قاله مجاهد. وروى عطاء عن ابن ~~عباس: من كان يريد عاجل الدنيا ولا يؤمن بالبعث والجزاء. وقال غيره: # إنما هي في الكافر، لأن المؤمن يريد الدنيا والآخرة. # قوله تعالى: نوف إليهم أعمالهم أي: أجور أعمالهم فيها. قال سعيد بن جبير: ~~أعطوا ثواب ما عملوا من خير في الدنيا. وقال مجاهد: من عمل عملا من صلة، أو ~~صدقة، لا يريد به وجه الله، أعطاه الله ثواب ذلك في الدنيا، ويدرأ به عنه ~~في الدنيا. # قوله تعالى: وهم فيها قال ابن عباس: أي في الدنيا لا يبخسون أي لا ينقصون ~~من أعمالهم في الدنيا شيئا أولئك الذين عملوا لغير الله ليس لهم في الآخرة ~~إلا النار وحبط ما صنعوا أي ما عملوا في الدنيا من حسنة وباطل ما كانوا ~~لغير الله سبحانه يعملون. # (فصل:) وذكر قوم من المفسرين، منهم مقاتل، أن هذه الآية اقتضت أن من أراد ~~الدنيا بعمله، أعطي فيها ثواب عمله من الرزق والخير، ثم نسخ ذلك بقوله: ~~عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد «1» ، وهذا لا يصح، لأنه لا يوفي إلا لمن ~~يريد. ### | [سورة هود (11) : الآيات 17 الى 18] # أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ms1016 ~~ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية ~~منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) ومن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ~~ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) # قوله تعالى: أفمن كان على بينة من ربه في المراد أربعة أقوال: أحدها: ~~أنها الدين، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قاله الضحاك. والثالث: القرآن، قاله ابن زيد. # والرابع: البيان، قاله مقاتل. وفي المشار إليه ب «من» قولان: أحدهما: أنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس والجمهور. والثاني: أنهم ~~المسلمون، وهو يخرج على قول الضحاك. وفي قوله تعالى: PageV02P362 # ويتلوه قولان: أحدهما: يتبعه. والثاني: يقرؤه. وفي هاء «يتلوه» قولان: ~~أحدهما: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والثاني: إلى القرآن، وقد ~~سبق ذكره في قوله: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات «1» . وفي المراد بالشاهد ~~ثمانية أقوال «2» : أحدها: أنه جبريل، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد، وعكرمة، وإبراهيم في آخرين. والثاني: أنه لسان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذي كان يتلو القرآن، قاله علي بن أبي طالب، والحسن، وقتادة في ~~آخرين. والثالث: أنه علي بن أبي طالب. و «يتلوه» بمعنى يتبعه، رواه جماعة ~~عن علي بن أبي طالب «3» ، وبه قال محمد بن علي، وزيد بن علي. والرابع: أنه ~~رسول لله صلى الله عليه وسلم هو شاهد من الله عز وجل. قاله الحسين بن علي ~~عليه السلام. والخامس: أنه ملك يحفظه ويسدده، قاله مجاهد. والسادس: أنه ~~الإنجيل يتلو القرآن بالتصديق، وإن كان قد أنزل قبله، لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بشرت به التوراة، قاله الفراء. والسابع: أنه القرآن ونظمه ~~وإعجازه، قاله الحسين بن الفضل. والثامن: أنه صورة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ووجهه ومخايله، لأن كل عاقل نظر إليه علم أنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وفي هاء «منه» ms1017 ثلاثة أقوال. أحدها: أنها ترجع إلى الله تعالى. ~~والثاني: إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والثالث: إلى البينة. # قوله تعالى: ومن قبله في هذه الهاء ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد. والثاني: إلى القرآن، قاله ابن زيد. ~~والثالث: إلى الإنجيل، أي: ومن قبل الإنجيل كتاب موسى يتبع محمدا بالتصديق ~~له، ذكره ابن الأنباري. قال الزجاج: والمعنى: وكان من قبل هذا كتاب موسى ~~دليلا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون «كتاب موسى» عطفا على قوله ~~تعالى: ويتلوه شاهد منه أي: ويتلوه كتاب موسى عليه السلام، لأن موسى وعيسى ~~عليهما السلام بشرا بالنبي صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل. ونصب ~~«إماما» على الحال. # فإن قيل: كيف تتلوه التوراة، وهي قبله؟ قيل: لما بشرت به، كانت كأنها ~~تالية له، لأنها تبعته بالتصديق له. وقال ابن الأنباري: «كتاب موسى» مفعول ~~في المعنى، لأن جبريل تلاه على موسى عليه السلام، فارتفع الكتاب، وهو مفعول ~~بمضمر بعده، تأويله: ومن قبله كتاب موسى كذاك، أي: تلاه جبريل أيضا، كما ~~تقول العرب: أكرمت أخاك وأبوك، فيرفعون الأب، وهو مكرم على الاستئناف، ~~PageV02P363 # بمعنى: وأبوك مكرم أيضا. قال: وذهب قوم إلى أن كتاب موسى فاعل، لأنه تلا ~~محمدا بالتصديق كما تلاه الإنجيل. # (فصل:) فتلخيص الآية: أفمن كان على بينة من ربه كمن لم يكن؟ قال الزجاج: ~~ترك المضاد له، لأن في ما بعده دليلا عليه، وهو قوله: مثل الفريقين كالأعمى ~~والأصم» # . وقال ابن قتيبة: لما ذكر قبل هذه الآية قوما ركنوا إلى الدنيا، جاء ~~بهذه الآية، وتقدير الكلام: أفمن كانت هذه حاله كمن يريد الدنيا؟ فاكتفى من ~~الجواب بما تقدم، إذ كان فيه دليل عليه. وقال ابن الأنباري: إنما حذف ~~لانكشاف المعنى، والمحذوف المقدر كثير في القرآن والشعر، قال الشاعر: # فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك، ولكن لم نجد لك مدفعا «2» # فإن قلنا: إن المراد بمن كان على بينة من ربه، رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فمعنى الآية: ويتبع ms1018 هذا النبي شاهد، وهو جبريل عليه السلام «منه» أي: ~~من الله. وقيل: «شاهد» هو علي بن أبي طالب عليه السلام «3» ، «منه» أي: من ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: «يتلوه» يعني القرآن، يتلوه جبريل، وهو ~~شاهد لمحمد صلى الله عليه وسلم أن الذي يتلوه جاء من عند الله تعالى. وقيل: ~~ويتلو رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن وهو شاهد من الله تعالى. # وقيل: ويتلو لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فلسانه شاهد منه. ~~وقيل: ويتبع محمدا شاهد له بالتصديق، وهو الإنجيل من الله تعالى. وقيل: ~~ويتبع هذا النبي شاهد من نفسه، وهو سمته وهديه الدال على صدقه. وإن قلنا: ~~إن المراد بمن كان على بينة من ربه المسلمون، فالمعنى: أنهم يتبعون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو البينة، ويتبع هذا النبي شاهد له بصدقه. # قوله تعالى: إماما ورحمة إنما سماه إماما، لأنه كان يهتدى به، ورحمة أي: ~~وذا رحمة، وأراد بذلك التوراة، لأنها كانت إماما وسببا لرحمة من آمن بها. # قوله تعالى: أولئك فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إشارة إلى أصحاب موسى. ~~والثاني: إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. والثالث: إلى أهل الحق من أمة ~~موسى وعيسى ومحمد. # وفي هاء «به» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى التوراة. والثاني: إلى ~~القرآن. والثالث: إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وفي المراد بالأحزاب هاهنا ~~أربعة أقوال: أحدها: جميع الملل، قاله سعيد بن جبير. # والثاني: اليهود والنصارى، قاله قتادة. والثالث: قريش، قاله السدي. ~~والرابع: بنو أمية، وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي، وآل طلحة بن عبد ~~العزى، قاله مقاتل. # قوله تعالى: فالنار موعده أي: إليها مصيره، قال حسان بن ثابت: # أوردتموها حياض «4» الموت ضاحية ... فالنار موعدها والموت لاقيها # قوله تعالى: فلا تك في مرية منه قرأ الحسن، وقتادة «مرية» بضم الميم أين ~~وقع. وفي المكنى PageV02P364 # عنه قولان: أحدهما: أنه الإخبار بمصير الكافر به، فالمعنى: فلا تك في شك ~~أن موعد المكذب به النار، وهذا قول ابن عباس. والثاني: ms1019 أنه القرآن، ~~فالمعنى: فلا تك في شك من أن القرآن من الله تعالى، قاله مقاتل. قال ابن ~~عباس: والمراد بالناس هاهنا: أهل مكة. # قوله تعالى: أولئك يعرضون على ربهم قال الزجاج: ذكر عرضهم توكيدا لحالهم ~~في الانتقام منهم، وإن كان غيرهم يعرض أيضا. فأما «الأشهاد» ففيهم خمسة ~~أقوال: أحدها: أنهم الرسل، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: الملائكة، ~~قاله مجاهد وقتادة. والثالث: الخلائق، روي عن قتادة أيضا. وقال مقاتل: ~~«الأشهاد» الناس، كما يقال: على رؤوس الأشهاد، أي على رؤوس الناس. # والرابع: الملائكة والنبيون وأمة محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون على ~~الناس، والجوارح تشهد على ابن آدم، قاله ابن زيد. والخامس: الأنبياء ~~والمؤمنون، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: وفائدة إخبار الأشهاد بما يعلمه ~~الله تعظيم بالأمر المشهود عليه ودفع المجاحدة فيه. ### | [سورة هود (11) : آية 19] # الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (19) # قوله تعالى: الذين يصدون عن سبيل الله قد تقدم تفسيرها في سورة الأعراف ~~«1» . # قوله تعالى: وهم بالآخرة هم كافرون قال الزجاج: ذكرت «هم» ثانية على جهة ~~التوكيد لشأنهم في الكفر. ### | ### | [سورة هود (11) : الآيات 20 الى # 21] # أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء ~~يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) أولئك ~~الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) # قوله تعالى: أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض قال ابن عباس: لم يعجزوني ~~أن آمر الأرض فتخسف بهم. وما كان لهم من دون الله من أولياء أي: لا ولي لهم ~~ممن يعبدون يمنعهم مني. وقال ابن الأنباري: لما كانت عادة العرب جارية ~~بقولهم: لا وزر لك مني ولا نفق، يعنون بالوزر: الجبل، والنفق: السرب، ~~وكلاهما يلجأ إليه الخائف، أعلم الله تعالى أن هؤلاء الكافرين لا يسبقونه ~~هربا، ولا يجدون ما يحجز بينهم وبين عذابه من جميع ما يستر من الأرض ويلجأ ~~إليه. قال: وقوله: من أولياء يقتضي محذوفا، تلخيصه: من أولياء يمنعونهم من ~~عذاب الله، ms1020 فحذف هذا لشهرته. قوله تعالى: # يضاعف لهم العذاب يعني الرؤساء الصادين عن سبيل الله، وذلك لإضلالهم ~~أتباعهم واقتداء غيرهم بهم. وقال الزجاج: لم يكونوا معجزين في الأرض أي: في ~~دار الدنيا، ولا لهم ولي يمنع من انتقام الله، ثم استأنف: يضاعف لهم العذاب ~~لعظم كفرهم بنبيه وبالبعث والنشور. # قوله تعالى: ما كانوا يستطيعون السمع فيمن عني بهذا قولان. # أحدهما: أنهم الكفار. ثم في معناه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم لم يقدروا ~~على استماع الخير، PageV02P365 # وإبصار الحق، وفعل الطاعة، لأن الله تعالى حال بينهم وبين ذلك، هذا معنى ~~قول ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أن المعنى: يضاعف لهم العذاب بما كانوا ~~يستطيعون السمع ولا يسمعونه، وبما كانوا يبصرون حجج الله ولا يعتبرون بها، ~~فحذف الباء، كما تقول العرب: لأجزينك ما عملت، وبما عملت، ذكره الفراء، ~~وأنشد ابن الأنباري في الاحتجاج له: # نغالي اللحم للأضياف نيئا ... ونبذله إذا نضج القدور «1» # أراد: نغالي باللحم. والثالث: أنهم من شدة كفرهم وعداوتهم للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ما كانوا يستطيعون السمع ليفهموا ما يقول، قاله الزجاج. # والقول الثاني: أنهم الأصنام، فالمعنى ما كان للآلهة سمع ولا بصر، فلم ~~تستطع لذلك السمع، ولم تكن تبصر. فعلى هذا، يرجع قوله: «ما كانوا» إلى ~~أوليائهم، وهي الأصنام، وهذا المعنى منقول عن ابن عباس أيضا. ### | ### | [سورة هود (11) : الآيات 22 الى # 24] # لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون (22) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (23) مثل الفريقين ~~كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون (24) # قوله تعالى: لا جرم قال ابن عباس: يريد: حقا إنهم الأخسرون. وقال الفراء: ~~لا جرم كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة، فجرت على ذلك، وكثر ~~استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة «حقا» ، ألا ترى أن العرب تقول: لا جرم ~~لآتينك، لا جرم لقد أحسنت، وأصلها من جرمت، أي: كسبت الذنب. قال الزجاج: ~~ومعنى لا جرم: «لا» نفي لما ظنوا أنه ينفعهم، كأن المعنى: لا ينفعهم ذلك ms1021 ~~جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون، أي كسب لهم ذلك الفعل الخسران. وذكر ابن ~~الأنباري أن «لا» رد على أهل الكفر فيما قدروه من اندفاع الشر عنهم في ~~الآخرة، والمعنى: لا يندفع عنهم عذابي، ولا يجدون وليا يصرف عنهم نقمتي، ثم ~~ابتدأ مستأنفا «جرم» ، قال: وفيها قولان: # أحدهما: أنها بمعنى: كسب كفرهم وما قدروا من الباطل وقوع العذاب بهم. ف ~~جرم فعل ماض، معناه: كسب، وفاعله مضمر فيه من ذكر الكفر وتقرير الباطل. ~~والثاني: أن معنى جرم: أحق وصحح، وهو فعل ماض، وفاعله مضمر فيه، والمعنى: ~~أحق كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم، قال الشاعر: # ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا «2» # أراد: حقت الطعنة فزارة بالغضب. ومن العرب من يغير لفظ «جرم» مع «لا» ~~خاصة، فيقول بعضهم: «لا جرم» ، ويقول آخرون: «لا جر» باسقاط الميم، ويقال: ~~«لاذا جرم» و «لاذا جر» بغير ميم، و «لا إن ذا جرم» و «لا عن ذا جرم» ، ~~ومعنى اللغات كلها: حقا. PageV02P366 # قوله تعالى: وأخبتوا إلى ربهم فيه سبعة أقوال: أحدها: خافوا ربهم، رواه ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: أنابوا إلى ربهم، رواه العوفي عن ابن ~~عباس. والثالث: ثابوا إلى ربهم، قاله قتادة. # والرابع: اطمأنوا، قاله مجاهد. والخامس: أخلصوا، قاله مقاتل. والسادس: ~~تخشعوا لربهم، قاله الفراء. والسابع: تواضعوا لربهم، قاله ابن قتيبة. # فإن قيل: لم أوثرت «إلى» على اللام في قوله: وأخبتوا إلى ربهم، والعادة ~~جارية بأن يقال: # أخبتوا لربهم؟ فالجواب: أن المعنى: وجهوا خوفهم وخشوعهم وإخلاصهم إلى ~~ربهم، واطمأنوا إلى ربهم. قال الفراء: وربما جعلت العرب «إلى» في موضع ~~اللام، كقوله تعالى: بأن ربك أوحى لها «1» ، وقوله تعالى: الذي هدانا لهذا ~~«2» . وقد يجوز في العربية: فلان يخبت إلى الله، يريد: # يفعل ذلك موجهه إلى الله. قال بعض المفسرين: هذه الآية نازلة في أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وما قبلها نازل في المشركين. ثم ضرب للفريقين ~~مثلا، فقال تعالى: مثل الفريقين كالأعمى والأصم قال مجاهد: الفريقان: ~~المؤمن والكافر. فأما ms1022 الأعمى والأصم فهو الكافر، وأما البصير والسميع فهو ~~المؤمن. قال قتادة: الكافر عمي عن الحق وصم عنه، والمؤمن أبصر الحق وسمعه ~~ثم انتفع به. وقال أبو عبيدة: في الكلام ضمير، تقديره: مثل الفريقين كمثل ~~الأعمى. وقال الزجاج: مثل الفريقين المسلمين كالبصير والسميع، ومثل فريق ~~الكافرين كالأعمى والأصم، لأنهم في عداوتهم وتركهم للفهم بمنزلة من لا يسمع ~~ولا يبصر. # قوله تعالى: هل يستويان مثلا أي: هل يستويان في المشابهة؟ # والمعنى: كما لا يستويان عندكم، كذلك لا يستوي المؤمن والكافر عند الله ~~عز وجل وقال أبو عبيدة: «هل» هاهنا بمعنى الإيجاب. لا بمعنى الاستفهام، ~~والمعنى: لا يستويان. قال الفراء: وإنما لم يقل: «يستوون» لأن الأعمى ~~والأصم من صفة واحد، والسميع والبصير من صفة واحد، كقول القائل: # مررت بالعاقل واللبيب، وهو يعني واحدا قال الشاعر: # وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني «3» # فقال: أيهما. وإنما ذكر الخير وحده، لأن المعنى يعرف، إذ المبتغي للخير ~~متق للشر. وقال ابن الأنباري: الأعمى والأصم صفتان لكافر، والسميع والبصير ~~صفتان لمؤمن، فرد الفعل إلى الموصوفين بالأوصاف الأربعة، كما تقول: العاقل ~~والعالم، والظالم والجاهل، حضرا مجلسي، فتثني الخبر بعد ذكرك أربعة، لأن ~~الموصوف بالعلم هو الموصوف بالعقل، وكذلك المنعوت بالجهل هو المنعوت ~~بالظلم، فلما كان المنعوتان اثنين، رجع الخبر إليهما، ولم يلتفت إلى تفريق ~~الأوصاف، ألا ترى أنه يسوغ أن تقول: الأديب واللبيب والكريم والجميل قصدني، ~~فتوحد الفعل بعد أوصاف لعلة أن الموصوف بهن واحد، ولا يمتنع عطف النعوت على ~~النعوت بحروف العطف، والموصوف واحد، فقد قال تعالى: التائبون العابدون ثم ~~قال: الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر فلم يقتض دخول الواو وقوع خلاف ~~بين الآمرين والناهين، وقد قيل: الآمر بالمعروف ناه عن المنكر في حال أمره، ~~وكان PageV02P367 # دخول الواو دلالة على الآمر بالمعروف، لأن الأمر بالمعروف لا ينفرد دون ~~النهي عن المنكر، كما ينفرد الحامدون بالحمد دون السائحين، والسائحون ~~بالسياحة دون الحامدين، ويدل أيضا على أن العرب تنسق النعت على النعت ~~والمنعوت واحد، كقول الشاعر يخاطب ms1023 سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان: # يظن سعيد وابن عمرو بأنني ... إذا سامني ذلا أكون به أرضى # فنسق ابن عمرو على سعيد، وهو سعيد. ### | ### | [سورة هود (11) : الآيات 25 الى # 29] # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (25) أن لا تعبدوا إلا الله ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك ~~إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى ~~لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين (27) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة ~~من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28) ~~ويا قوم لا أسئلكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين ~~آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (29) # قوله تعالى: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~والكسائي «أني» بفتح الألف، والتقدير: أرسلناه بأني، وكأن الوجه بأنه لهم ~~نذير، ولكنه على الرجوع من الإخبار عن الغائب إلى خطاب نوح لقومه. وقرأ ~~نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة «إني» بكسر الألف، فحملوه على القول المضمر، ~~والتقدير: فقال لهم: إني لكم نذير. # قوله تعالى: ما نراك إلا بشرا مثلنا أي: إنسانا مثلنا، لا فضل لك علينا. ~~فأما الأراذل، فقال ابن عباس: هم السفلة. وقال ابن قتيبة: هم جمع «أرذل» ، ~~يقال: رجل رذل، وقد رذل رذالة ورذولة. # ومعنى: الأراذل: الشرار. # قوله تعالى: بادي الرأي قرأ الأكثرون «بادي» بغير همز. وقرأ أبو عمرو ~~بالهمز بعد الدال. # وكلهم همز «الرأي» غير أبي عمرو. وللعلماء في معنى «بادي» إذا لم يهمز ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى: ما نرى أتباعك إلا سفلتنا وأرذالنا في بادي الرأي لكل ~~ناظر، يعنون أن ما وصفناهم به من النقص لا يخفى على أحد فيخالفنا، هذا مذهب ~~مقاتل في آخرين. # والثاني: أن المعنى أن هؤلاء القوم اتبعوك في ظاهر ما يرى منهم، وطويتهم ~~على خلافك. # والثالث: أن المعنى: اتبعوك في ظاهر رأيهم، ولم يتدبروا ms1024 ما قلت، ولو ~~رجعوا إلى التفكر لم يتبعوك، ذكر هذين القولين الزجاج. قال ابن الأنباري: ~~وهذه الثلاثة الأقوال على قراءة من لم يهمز، لأنه من بدا، يبدو: إذا ظهر. ~~فأما من همز «بادئ» فمعناه: ابتداء الرأي، أي: اتبعوك أول ما ابتدءوا ~~ينظرون، ولو فكروا لم يعدلوا عن موافقتنا في تكذيبك. # قوله تعالى: وما نرى لكم علينا من فضل فيه ثلاثة أقوال: أحدها: من فضل في ~~الخلق، قاله ابن عباس. والثاني: في الملك والمال ونحو ذلك، قاله مقاتل. ~~والثالث: ما فضلتم باتباعكم نوحا، ومخالفتكم لنا بفضيلة نتبعكم طلبا لها، ~~ذكره أبو سليمان الدمشقي. # PageV02P368 # قوله تعالى: بل نظنكم كاذبين فيه قولان: أحدهما: نتيقنكم، قاله الكلبي. ~~والثاني: # نحسبكم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أي: على يقين وبصيرة. قال ابن ~~الأنباري: وقوله: # «إن كنت» شرط لا يوجب شكا يلحقه، لكن الشك يلحق المخاطبين من أهل الزيغ، ~~فتقديره: إن كنت على بينة من ربي عندكم. وآتاني رحمة من عنده فيها قولان: # أحدهما: أنها النبوة، قاله ابن عباس. والثاني: الهداية، قاله مقاتل. # قوله تعالى: فعميت عليكم قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم: «فعميت» بتخفيف الميم وفتح العين. قال ابن قتيبة: ~~والمعنى: عميتم عنها، يقال: عمي علي هذا الأمر: إذا لم أفهمه، وعميت عنه ~~بمعنى. قال الفراء: وهذا مما حولت العرب الفعل إليه، وهو في الأصل لغيره، ~~كقولهم: دخل الخاتم في يدي، والخف في رجلي، وإنما الإصبع تدخل في الخاتم، ~~والرجل في الخف، واستجازوا ذلك إذ كان المعنى معروفا. وقرأ حمزة، والكسائي، ~~وحفص عن عاصم: «فعميت» بضم العين وتشديد الميم. قال ابن الأنباري: ومعنى ~~ذلك: فعماها الله عليكم إذ كنتم ممن حكم عليه بالشقاء. وكذلك قرأ أبي بن ~~كعب، والأعمش: «فعماها عليكم» . وفي المشار إليها قولان: أحدهما: البينة. ~~والثاني: الرحمة. # قوله تعالى: أنلزمكموها أي: أنلزمكم قبولها؟ وهذا استفهام معناه الإنكار، ~~يقول: لا نقدر أن نلزمكم من ذات أنفسنا. قال قتادة: والله لو استطاع نبي ~~الله ms1025 صلى الله عليه وسلم لألزمها قومه، ولكن لم يملك ذلك «1» . وقيل: كان ~~مراد نوح عليه السلام رد قولهم: وما نرى لكم علينا من فضل فبين فضله وفضل ~~من آمن به بأنه على بينة من ربه، وقد آتاه رحمة من عنده، وسلب المكذبون ~~ذلك. قوله تعالى: لا أسئلكم عليه أي: على نصحي ودعائي إياكم مالا فتتهموني. ~~وقال ابن الأنباري: لما كانت الرحمة بمعنى الهدى والإيمان، جاز تذكيرها. ~~قوله تعالى: وما أنا بطارد الذين آمنوا قال ابن جريج: سألوه طردهم أنفة ~~منهم، فقال: لا يجوز لي طردهم، إذ كانوا يلقون الله فيجزيهم بايمانهم، ~~ويأخذ لهم ممن ظلمهم وصغر شؤونهم. وفي قوله تعالى: ولكني أراكم قوما تجهلون ~~قولان: # أحدهما: تجهلون أن هذا الأمر من الله تعالى، قاله ابن عباس. والثاني: ~~تجهلون لأمركم إياي بطرد المؤمنين، قاله أبو سليمان. ### | [سورة هود (11) : الآيات 30 الى 34] # ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) ولا أقول لكم عندي ~~خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم ~~لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين (31) ~~قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ~~(32) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (33) ولا ينفعكم ~~نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون ~~(34) PageV02P369 # قوله تعالى: ويا قوم من ينصرني أي: من يمنعني من عذاب الله إن طردتهم. # قوله تعالى: ولا أقول لكم عندي خزائن الله قال ابن الأنباري: أراد ~~بالخزائن: علم الغيب المطوي عن الخلق، لأنهم قالوا له: إنما اتبعك هؤلاء في ~~الظاهر وليسوا معك، فقال لهم: ليس عندي خزائن غيوب الله فأعلم ما تنطوي ~~عليه الضمائر. وإنما قيل للغيوب: خزائن، لغموضها عن الناس واستتارها عنهم. ~~قال سفيان بن عيينة: إنما آيات القرآن خزائن، فإذا دخلت خزانة فاجتهد أن لا ~~تخرج منها حتى تعرف ما فيها. # قوله تعالى: ولا أعلم ms1026 الغيب قيل: إنما قال لهم هذا، لأن أرضهم أجدبت، ~~فسألوه: متى يجيء المطر؟ وقيل: بل سألوه: متى يجيء العذاب؟ فقال: ولا أعلم ~~الغيب. وقوله عز وجل: ولا أقول إني ملك جواب لقولهم: ما نراك إلا بشرا ~~مثلنا «1» . ولا أقول للذين تزدري أعينكم أي: # تحتقر وتستصغر المؤمنين. قال الزجاج: «تزدري» تستقل وتستخس، يقال: زريت ~~على الرجل: إذا عبت عليه وخسست فعله، وأزريت به: إذا قصرت به. وأصل تزدري: ~~تزتري، إلا أن هذه التاء تبدل بعد الزاي دالا، لأن التاء من حروف الهمس، ~~وحروف الهمس خفية، فالتاء بعد الزاي تخفى، فأبدلت منها الدال لجهرها. # قوله تعالى: لن يؤتيهم الله خيرا قال ابن عباس: إيمانا. ومعنى الكلام: ~~ليس لي أن أطلع على ما في نفوسهم فأقطع عليهم بشيء، وليس لاحتقاركم إياهم ~~يبطل أجرهم. إني إذا لمن الظالمين إن قلت هذا الذي تقدم ذكره، وقيل: إن ~~طردتهم. # قوله تعالى: قد جادلتنا قال الزجاج: الجدال: هو المبالغة في الخصومة ~~والمناظرة، وهو مأخوذ من الجدل، وهو شدة الفتل، ويقال للصقر: أجدل، لأنه من ~~أشد الطير. ويقرأ «فأكثرت جدلنا» . وقوله تعالى: فأتنا بما تعدنا قال ابن ~~عباس: يعنون العذاب. إن كنت من الصادقين أنه يأتينا. # قوله تعالى: إن أردت أن أنصح لكم أي: أنصحكم. وفي هذه الآية شرطان: فجواب ~~الأول: # النصح، وجواب الثاني: النفع. قوله تعالى: إن كان الله يريد أن يغويكم فيه ~~ثلاثة أقوال: أحدها: # يضلكم، قاله ابن عباس. والثاني: يهلككم، حكاه ابن الأنباري. وقال: هو قول ~~مرغوب عنه. # والثالث: يضلكم ويهلككم، قاله الزجاج. قوله تعالى: هو ربكم أي: هو أولى ~~بكم، يتصرف في ملكه كما يشاء وإليه ترجعون بعد الموت. ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 35] # أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون (35) # قوله تعالى: أم يقولون قال الزجاج: المعنى: أيقولون: افتراه؟ قال ابن ~~قتيبة: الافتراء: # الاختلاق. فعلي إجرامي أي: جرم ذلك الاختلاق إن كنت فعلت. وأنا بريء مما ~~تجرمون في التكذيب. وقرأ أبو المتوكل، وابن السميفع: «فعلي أجرامي» بفتح ~~الهمزة. PageV02P370 ### | ### | [سورة ms1027 هود (11) : آية # 36] # وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون (36) # قوله تعالى: وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن قال ~~المفسرون: لما أوحي إليه هذا، استجاز الدعاء عليهم، فقال: لا تذر على الأرض ~~من الكافرين ديارا «1» . قوله تعالى: فلا تبتئس قال ابن عباس ومجاهد: لا ~~تحزن. وقال الفراء والزجاج: لا تستكن ولا تحزن. قال أبو صالح عن ابن عباس: ~~فلا تحزن إذا نزل بهم الغرق بما كانوا يفعلون. ### | [سورة هود (11) : الآيات 37 الى 38] # واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (37) ~~ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا ~~نسخر منكم كما تسخرون (38) # قوله تعالى: واصنع الفلك أي: واعمل السفينة. وفي قوله: بأعيننا ثلاثة ~~أقوال: أحدها: # بمرأى منا، قاله ابن عباس. والثاني: بحفظنا، قاله الربيع. والثالث: ~~بعلمنا، قاله مقاتل. قال ابن الأنباري: إنما جمع على مذهب العرب في إيقاعها ~~الجمع على الواحد، تقول: خرجنا إلى البصرة في السفن، وإنما جمع، لأن من ~~عادة الملك أن يقول: أمرنا ونهينا. وفي قوله: ووحينا قولان: # أحدهما: وأمرنا لك أن تصنعها. والثاني: وبتعليمنا إياك كيف تصنعها. قوله ~~تعالى: ولا تخاطبني في الذين ظلموا فيه قولان: أحدهما: لا تسألني الصفح ~~عنهم. والثاني: لا تخاطبني في إمهالهم. وإنما نهي عن الخطاب في ذلك صيانة ~~له عن سؤال لا يجاب فيه. # (الإشارة إلى كيفية عمل السفينة) روى الضحاك عن ابن عباس قال: كان نوح ~~يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته، يرون أنه قد مات، ثم يخرج فيدعوهم. حتى ~~إذا يئس من إيمان قومه، جاءه رجل ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصا، فقال: يا ~~بني، انظر هذا الشيخ لا يغررك، قال: يا أبت أمكني من العصا، فأخذها فضربه ~~ضربة شجه موضحة، وسالت الدماء على وجهه، فقال: رب قد ترى ما يفعل بي عبادك، ~~فان يكن لك فيهم حاجة فاهدهم، وإلا فصبرني ms1028 إلى أن تحكم، فأوحى الله إليه: ~~أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن إلى قوله تعالى: واصنع الفلك، قال: يا ~~رب، وما الفلك؟ قال: بيت من خشب يجري على وجه الماء أنجي فيه أهل طاعتي، ~~وأغرق أهل معصيتي، قال: يا رب، وأين الماء؟ قال: إني على ما أشاء قدير، ~~قال: يا رب، وأين الخشب؟ قال: اغرس الشجر، فغرس الساج عشرين سنة، وكف عن ~~دعائهم، وكفوا عنه، إلا أنهم يستهزئون به، فلما أدرك الشجر، أمره ربه، ~~فقطعه وجففه ولفقه، فقال: يا رب، كيف أتخذ هذا البيت؟ قال: أجعله على ثلاث ~~صور، رأسه كرأس الطاوس، وجؤجؤه كجؤجؤ الطائر، وذنبه كذنب الديك، واجعلها ~~مطبقة، وبعث الله إليه جبريل يعلمه، وأوحى الله إليه أن عجل عمل السفينة ~~فقد اشتد غضبي على من عصاني، فاستأجر نجارين يعملون معه، وسام، وحام، ~~ويافث، معه ينحتون السفينة، فجعل طولها ستمائة ذراع، وعرضها ثلاثمائة ~~وثلاثين ذراعا، وعلوها ثلاثا PageV02P371 # وثلاثين، وفجر الله له عين القار تغلي غليانا حتى طلاها. وعن ابن عباس ~~قال: جعل لها ثلاثة بطون، فحمل في البطن الأول الوحوش والسباع والهوام، وفي ~~الأوسط الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه البطن الأعلى. وروي عن الحسن أنه ~~قال: كانت سفينة نوح طولها ألف ذراع، ومائتا ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. ~~وقال قتادة: كانت فيما ذكر لنا طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسمائة ذراع، ~~وطولها في السماء ثلاثون ذراعا. وقال ابن جريج: كان طولها ثلاثمائة ذراع، ~~وعرضها خمسين ومائة ذراع، وطولها في السماء ثلاثون ذراعا، وكان في أعلاها ~~الطير، وفي وسطها الناس، وفي أسفلها السباع. وزعم مقاتل أنه عمل السفينة في ~~أربعمائة سنة. # قوله تعالى: وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه فيه قولان: أحدهما: ~~أنهم رأوه يبني السفينة وما رأوا سفينة قط، فكانوا يسخرون ويقولون: صرت بعد ~~النبوة نجارا؟ وهذا قول ابن إسحاق. # والثاني: أنهم قالوا له: ما تصنع؟ فقال: أبني بيتا يمشي على الماء، ~~فسخروا من قوله، وهذا قول مقاتل. وفي قوله: إن تسخروا منا فإنا نسخر ms1029 منكم ~~خمسة أقوال: أحدها: إن تسخروا من قولنا فانا نسخر من غفلتكم. والثاني: إن ~~تسخروا من فعلنا عند بناء السفينة، فانا نسخر منكم عند الغرق، ذكره ~~المفسرون. والثالث: إن تسخروا منا في الدنيا، فانا نسخر منكم في الآخرة، ~~قاله ابن جرير. والرابع: # إن تستجهلونا، فانا نستجهلكم، قاله الزجاج. والخامس: إن تسخروا منا، فانا ~~نستنصر الله عليكم، فسمى هذا سخرية، ليتفق اللفظان كما بينا في قوله تعالى: ~~الله يستهزئ بهم «1» ، هذا قول ابن الأنباري. قال ابن عباس: لم يكن في ~~الأرض قبل الطوفان نهر ولا بحر، فلذلك سخروا منه، وإنما مياه البحار بقية ~~الطوفان. ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 39] # فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39) # قوله تعالى: فسوف تعلمون هذا وعيد، ومعناه: فسوف تعلمون من هو أحق ~~بالسخرية، ومن هو أحمد عاقبة. وقوله تعالى: من يأتيه عذاب يخزيه أي: يذله، ~~وهو الغرق. ويحل عليه أي: # ويجب عليه عذاب مقيم في الآخرة. ### | [سورة هود (11) : آية 40] # حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك ~~إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (40) # قوله تعالى: حتى إذا جاء أمرنا فيه قولان: أحدهما: جاء أمرنا بعذابهم ~~وإهلاكهم. والثاني: # جاء عذابنا وهو الماء، ابتدأ بجنبات الأرض فدار حولها كالإكليل، وجعل ~~المطر ينزل من السماء كأفواه القرب، فجعلت الوحوش يطلبن وسط الأرض هربا من ~~الماء حتى اجتمعن عند السفينة، فحينئذ حمل فيها من كل زوجين اثنين. # قوله تعالى: وفار التنور الفور: الغليان والفوارة: ما يفور من القدر، ~~قاله ابن فارس. # قال المصنف: وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن دريد قال: التنور: ~~اسم فارسي PageV02P372 # معرب لا تعرف له العرب اسما غير هذا، فلذلك جاء في التنزيل، لأنهم خوطبوا ~~بما عرفوا. وروي عن ابن عباس أنه قال: التنور، بكل لسان عربي وعجمي. # وفي المراد بهذا التنور ستة أقوال: أحدها: أنه اسم لوجه الأرض، رواه ~~عكرمة عن علي عليه السلام. وروى الضحاك عن ابن عباس: ms1030 التنور: وجه الأرض، ~~قال: قيل له: إذا رأيت الماء قد علا وجه الأرض، فاركب أنت وأصحابك، وهذا ~~قول عكرمة، والزهري. والثاني: أنه تنوير الصبح، رواه أبو جحيفة عن علي رضي ~~الله عنه. وقال ابن قتيبه: التنوير عند الصلاة. والثالث: أنه طلوع الفجر، ~~روي عن علي أيضا، قال: «وفار التنور» : طلع الفجر. والرابع: أنه طلوع ~~الشمس، وهو منقول عن علي أيضا. والخامس: أنه تنور أهله، روى العوفي عن ابن ~~عباس قال: إذا رأيت تنور أهلك يخرج منه الماء، فانه هلاك قومك. وروى أبو ~~صالح عن ابن عباس: أنه تنور آدم عليه السلام، وهبه الله لنوح، وقيل له: إذا ~~فار الماء منه، فاحمل ما أمرت به. وقال الحسن: كان تنورا من حجارة، وهذا ~~قول مجاهد، والفراء، ومقاتل. والسادس: أنه أعلى الأرض وأشرفها «1» . قال ~~ابن الأنباري: شبهت أعالي الأرض وأماكنها المرتفعة لعلوها، بالتنانير. # واختلفوا في المكان الذي فار منه التنور على ثلاثة أقوال «2» : أحدها: ~~أنه فار من مسجد الكوفة، رواه حبة العرني عن علي عليه السلام. وقال زر بن ~~حبيش: فار التنور من زاوية مسجد الكوفة اليمنى. # وقال مجاهد: نبع الماء من التنور، فعلمت به امرأته فأخبرته، وكان ذلك ~~بناحية الكوفة. وكان الشعبي يحلف بالله ما كان التنور إلا بناحية الكوفة. ~~والثاني: أنه فار بالهند، رواه عكرمة عن ابن عباس. # والثالث: أنه كان في أقصى دار نوح، وكانت بالشام في مكان يقال له: عين ~~وردة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: قلنا احمل فيها أي: في السفينة من كل زوجين اثنين. وروى حفص ~~عن عاصم: «من كل» بالتنوين. قال أبو علي: والمعنى: من كل شيء، ومن كل زوج ~~زوجين، فحذف المضاف. وانتصاب «اثنين» على أنهما صفة لزوجين، وقد علم أن ~~الزوجين اثنان، ولكنه توكيد. قال مجاهد: من كل صنف، ذكرا وأنثى. وقال ابن ~~قتيبة: الزوج يكون واحدا، ويكون اثنين، وهو ها هنا واحد، ومعنى الآية: احمل ~~من كل ذكر وأنثى اثنين. وقال الزجاج: المعنى: احمل زوجين اثنين من كل شىء، ~~والزوج في كلام العرب يجوز ms1031 أن يكون معه واحد، والاثنان يقال لهما: زوجان، ~~يقال: # عندي زوجان من الطير، إنما يريد ذكرا وأنثى فقط، وقال ابن الأنباري: إنما ~~قال «اثنين» فثنى الزوج، لأنه قصد قصد الذكر والأنثى من الحيوان، وتقديره: ~~من كل ذكر وأنثى. قوله تعالى: وأهلك أي: # وأحمل أهلك. قال المفسرون: أراد بأهله: عياله وولده. إلا من سبق عليه ~~القول أي: سبق عليه القول من الله بالإهلاك. قال الضحاك: وهم امرأته وابنه ~~كنعان. PageV02P373 # قوله تعالى: ومن آمن معناه: واحمل من آمن. وما آمن معه إلا قليل وفي ~~عددهم ثمانية أقوال: أحدها: أنهم كانوا ثمانين رجلا معهم أهلوهم، رواه ~~عكرمة عن ابن عباس. والثاني: أن نوحا حمل معه ثمانين إنسانا، وبنيه ~~الثلاثة، وثلاث نسوة لبنيه، وامرأة نوح. رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس. ~~والثالث: كانوا ثمانين إنسانا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل ~~كانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة. والرابع: كانوا أربعين، ذكره ابن جريج عن ~~ابن عباس. والخامس: كانوا ثلاثين رجلا، رواه أبو نهيك عن ابن عباس. ~~والسادس: كانوا ثمانية، قال الحكم بن عتيبة: كان نوح وثلاثة بنيه وأربع ~~كنائنه. قال قتادة: ذكر لنا أنه لم ينج في السفينة إلا نوح وامرأته «1» ~~وثلاثة بنين له، ونساؤهم، فجماعتهم ثمانية، وهذا قول القرظي، وابن جريج. ~~والسابع: كانوا سبعة، نوح، وثلاث كنائن له وثلاثة بنين، قاله الأعمش. ~~والثامن: كانوا عشرة سوى نسائهم، قاله ابن إسحاق. وروي عنه أنه قال: الذين ~~نجوا مع نوح بنوه الثلاثة، ونساؤهم ثلاث، وستة ممن آمن به. ### | [سورة هود (11) : آية 41] # وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (41) # قوله تعالى: وقال يعني نوحا للذين أمر بحملهم اركبوا السفينة. قال ابن ~~عباس: ركبوا فيها لعشر مضين من رجب، وخرجوا منها يوم عاشوراء. وقال ابن ~~جريج: دفعت من عين وردة يوم الجمعة لعشر مضين من رجب، فأتت موضع البيت ~~فطافت به أسبوعا، وكان البيت قد رفع في ذلك الوقت، ورست بباقردى «2» على ~~الجودي يوم عاشوراء. قال ابن عباس: قرض الفأر حبال ms1032 السفينة، فشكا نوح ذلك، ~~فأوحى الله تعالى إليه، فمسح ذنب الأسد، فخرج سنوران، وكان في السفينة ~~عذرة، فشكا ذلك إلى ربه، فأوحى الله تعالى إليه، فمسح ذنب الفيل، فخرج ~~خنزيران فأكلا ذلك «3» . قوله تعالى: بسم الله مجراها ومرساها قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «مجراها» بضم الميم. ~~وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «مجراها» بفتح الميم، وكسر الراء. ~~وكلهم قرءوا بضم الميم من «مرساها» ، إلا أن ابن كثير، وأبا عمرو، وابن ~~عامر، وحفصا عن عاصم، كانوا يفتحون السين. ونافع، وأبو بكر عن عاصم، كانا ~~يقرءانها بين الكسر والتفخيم. وكان حمزة، والكسائي، وخلف، يميلونها. وليس ~~في هؤلاء أحد جعلها نعتا لله، وإنما جعل الوصفين نعتا لله تعالى، الحسن، ~~وقتادة، وحميد الأعرج، وإسماعيل بن مجالد عن عاصم، فقرؤوا «مجريها ومرسيها» ~~بضم الميم، وبياءين صحيحتين، مثل مبديها ومنشيها. وقرأ ابن مسعود: «مجراها» ~~بفتح PageV02P374 # الميم، وإمالة الراء بعدها ألف، «ومرساها» برفع الميم، وإمالة السين ~~بعدها ألف. وقرأ أبو رزين، وأبو المتوكل: «مجراها» بفتح الميم والراء، ~~وبألف بعدها، ومرساها، برفع الميم وفتح السين، وبألف بعدها. وقرأ أبو ~~الجوزاء، وابن يعمر: «مجراها ومرساها» بفتح الميم فيهما جميعا، وفتح الراء ~~والسين، وبألف بعدهما. وقرأ يحيى بن وثاب بفتح الميمين، إلا أنه أمال الراء ~~والسين فيهما. وقرأ أبو عمران الجوني، وابن جبير، برفع الميم فيهما، وفتح ~~الراء والسين، وبألف بعدهما جميعا. فمن قرأ بضم الميمين، جعله من أجرى ~~وأرسى. ومن فتحهما، جعله مصدرا من جرى الشيء يجري مجرى، ورسى يرسي مرسى. ~~قال الزجاج: قوله تعالى: بسم الله أي: بالله، والمعنى: أنه أمرهم أن يسموا ~~في وقت جريها ووقت استقرارها. ومن قرأ بضم الميمين، فالمعنى: بالله ~~إجراؤها، وبالله إرساؤها. ومن فتحهما، فالمعنى: بالله يكون جريها، وبالله ~~يقع إرساؤها، أي: إقرارها. وسمعت شيخنا أبا منصور اللغوي يقول: من ضم الميم ~~في «مجراها» أراد: أجراها الله مجرى، ومن فتحها، أراد: جرت مجرى. وقال ~~الضحاك: كان إذا أراد أن تجري، قال: بسم الله، فجرت. وإذا أراد ms1033 أن ترسي، ~~قال: # بسم الله، فرست. ### | ### | [سورة هود (11) : الآيات 42 الى # 43] # وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب ~~معنا ولا تكن مع الكافرين (42) قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا ~~عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ~~(43) # قوله تعالى: وهي تجري بهم في موج كالجبال شبهه بالجبال في عظمه وارتفاعه، ~~ويقال: إن الماء أرتفع على أطول جبل في الأرض أربعين ذراعا، ويروي خمس عشرة ~~ذراعا. وذكر بعض المفسرين أنه ارتفع نحو السماء سبعين فرسخا من الأرض. قوله ~~تعالى: ونادى نوح ابنه لا يختلفون أنه كان كافرا. وفي اسمه قولان «1» : ~~أحدهما: كنعان، وهو قول الأكثرين. والثاني: اسمه يام، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال عبيد بن عمير، وابن إسحاق. # قوله تعالى: وكان في معزل المعزل: المكان المنقطع. ومعنى العزل: التنحية. # وفي معنى الكلام وجهان ذكرهما الزجاج: # أحدهما: في معزل من السفينة. والثاني: في معزل من دين أبيه. # قوله تعالى: يا بني اركب معنا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، ~~وابن عامر، وحمزة، والكسائي «يا بني اركب» مضافة، بكسر الياء. وروى أبو بكر ~~عن عاصم «يا بني» مفتوحة الياء هاهنا، وباقي القرآن مكسورة. وروى حفص عنه ~~بالفتح في كل القرآن «يا بني» إذا كان واحدا. قال النحويون: الأصل في «بني» ~~ثلاث ياءات، ياء التصغير، وياء بعدها هي لام الفعل، وياء بعد لام الفعل هي ~~ياء الإضافة. فمن قرأ «يا بني» أراد: يا بنيي، فحذف ياء الاضافة، وترك ~~الكسرة تدل عليها، كما PageV02P375 # يقال: يا غلام أقبل. ومن فتح الياء، أبدل من كسرة لام الفعل فتحة، ~~استثقالا لاجتماع الياءات مع الكسرة، فانقلبت ياء الإضافة ألفا، ثم حذفت ~~الألف كما تحذف الياء، فبقيت الفتحة على حالها. # وقيل: إن المعنى: يا بني آمن واركب معنا. # قوله تعالى: سآوي أي: سأصير وأرجع إلى جبل يعصمني أي: يمنعني من الماء ~~أي: من تغريق الماء. قال لا عاصم ms1034 اليوم فيه قولان: أحدهما: لا مانع اليوم ~~من أمر الله، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: لا معصوم، ومثله: ماء ~~دافق، أي: مدفوق، وسر كاتم، وليل نائم، قاله ابن قتيبة. قوله تعالى: إلا من ~~رحم قال الزجاج: هذا استثناء ليس من الأول، والمعنى: لكن من رحم الله فانه ~~معصوم. قال مقاتل: إلا من رحم فركب السفينة. # قوله تعالى: وحال بينهما الموج في المكنى عنهما قولان: أحدهما: أنهما ابن ~~نوح والجبل الذي زعم أنه يعصمه، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. ~~والثاني: نوح وابنه، قاله مقاتل. ### | [سورة هود (11) : الآيات 44 الى 47] # وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على ~~الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (44) ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من ~~أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين (45) قال يا نوح إنه ليس من أهلك ~~إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ~~(46) قال رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني ~~أكن من الخاسرين (47) # قوله تعالى: وقيل يا أرض ابلعي ماءك وقف قوم على ظاهر الآية، وقالوا: ~~إنما ابتلعت ما نبع منها، ولم تبتلع ماء السماء، فصار ذلك بحارا وأنهارا، ~~وهو معنى قول ابن عباس. وذهب آخرون إلى أن المراد: ابلعي ماءك الذي عليك، ~~وهو ما نبع من الأرض ونزل من السماء، وذلك بعد أن غرق ما على وجه الأرض. ~~قوله تعالى: ويا سماء أقلعي أي: أمسكي عن إنزال الماء. قال ابن الأنباري: ~~لما تقدم ذكر الماء، علم أن المعنى: أقلعي عن إنزال الماء. قوله تعالى: ~~وغيض الماء أي: نقص. قال الزجاج: يقال: غاض الماء يغيض: إذا غاب في الأرض. ~~ويجوز إشمام الضم في الغين. # قوله تعالى: وقضي الأمر قال ابن عباس: غرق من غرق، ونجا من نجا. وقال ~~مجاهد: # «قضي الأمر» : هلاك قوم نوح. وقال ابن قتيبة: «وقضي الأمر» أي: فرغ منه. ms1035 ~~قال ابن الأنباري: # والمعنى: أحكمت هلكة قوم نوح، فلما دلت القصة على ما يبين هلكتهم، أغنى ~~عن نعت الأمر. # قوله تعالى: واستوت يعني السفينة على الجودي وهو اسم جبل. وقرأ الأعمش، ~~وابن أبي عبلة: «على الجودي» بسكون الياء. قال ابن الأنباري: وتشديد الياء ~~في «الجودي» لأنها ياء النسبة، فهي كالياء في علوي، وهاشمي. وقد خففها بعض ~~القراء. ومن العرب من يخفف ياء النسبة، فيسكنها في الرفع، والخفض، ويفتحها ~~في النصب، فيقول: قام زيد العلوي، ورأيت زيدا العلوي. قال ابن عباس: دارت ~~السفينة بالبيت أربعين يوما، ثم وجهها الله إلى الجودي فاستقرت عليه. ~~واختلفوا أين هذا # PageV02P376 # الجبل على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بالموصل، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ~~وبه قال الضحاك. # والثاني: بالجزيرة، قاله مجاهد، وقتادة. وقال مقاتل: هو بالجزيرة قريب من ~~الموصل. والثالث: أنه بناحية آمد، قاله الزجاج. # وفي علة استوائها عليه قولان: أحدهما: أنه لم يغرق، لأن الجبال تشامخت ~~يومئذ وتطاولت، وتواضع هو فلم يغرق، فأرست عليه، قاله مجاهد. والثاني: أنه ~~لما قل الماء أرست عليه، فكان استواؤها عليه دلالة على قلة الماء. # قوله تعالى: وقيل بعدا للقوم الظالمين قال ابن عباس: بعدا من رحمة الله ~~للقوم الكافرين. فان قيل: ما ذنب من أغرق من البهائم والأطفال؟ # فالجواب: أن آجالهم حضرت، فأميتوا بالغرق، قاله الضحاك، وابن جريج. # قوله تعالى: رب إن ابني من أهلي إنما قال نوح هذا، لأن الله تعالى وعده ~~نجاة أهله، فقال تعالى: وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال ابن عباس: ~~أعدل العادلين. وقال ابن زيد: فأنت أحكم الحاكمين بالحق. واختلفوا في هذا ~~الذي سأل فيه نوح على قولين: # أحدهما: أنه ابن نوح لصلبه، قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد، والضحاك، والجمهور. والثاني: أنه ولد على فراشه لغير رشدة ولم يكن ~~ابنه «1» . # روى ابن الأنباري باسناده عن الحسن أنه قال: لم يكن ابنه، إن امرأته ~~فجرت. وعن الشعبي قال: لم يكن ابنه، إن امرأته خانته، وعن مجاهد نحو ذلك. ~~وقال ابن جريج: ms1036 ناداه نوح وهو يحسب أنه ابنه، وكان ولد على فراشه. فعلى ~~القول الأول، يكون في معنى قوله تعالى: إنه ليس من أهلك قولان: أحدهما: ليس ~~من أهل دينك. والثاني: ليس من أهلك الذين وعدتك نجاتهم. قال ابن عباس: # ما بغت امرأة نبي قط، وإنما المعنى: ليس من أهلك الذين وعدتك نجاتهم. ~~وعلى القول الآخر: # الكلام على ظاهره، والأول أصح، لموافقته ظاهر القرآن، ولاجتماع الأكثرين ~~عليه، وهو أولى من رمي زوجة نبي بفاحشة «2» . PageV02P377 # قوله تعالى: إنه عمل غير صالح قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وحمزة: «إنه عمل» رفع منون «غير صالح» برفع الراء، وفيه قولان: ~~أحدهما: أنه يرجع إلى السؤال فيه، فالمعنى: # سؤالك إياي فيه عمل غير صالح، قاله ابن عباس، وقتادة، وهذا ظاهر، لأنه قد ~~تقدم السؤال فيه في قوله عز وجل: «رب إن ابني من أهلي» ، فرجعت الكناية ~~إليه. والثاني: أنه يرجع إلى المسؤول فيه. # وفي هذا المعنى قولان: أحدهما: أنه لغير رشدة، قاله الحسن. والثاني: أن ~~المعنى: إنه ذو عمل غير صالح، قاله الزجاج. # قال ابن الأنباري: من قال: هو لغير رشدة، قال: المعنى: إن أصل أبنك الذي ~~تظن أنه أبنك عمل غير صالح. ومن قال: إنه ذو عمل غير صالح، قال: حذف ~~المضاف، وأقام العمل مقامه، كما تقول العرب: عبد الله إقبال وإدبار، أي: ~~صاحب إقبال وإدبار. وقرأ الكسائي: «عمل» بكسر الميم وفتح اللام «غير صالح» ~~بفتح الراء، يشير إلى أنه مشرك. # قوله تعالى: فلا تسئلن ما ليس لك به علم قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: ~~«فلا تسألن» بفتح اللام، وتشديد النون، غير أن نافعا، وابن عامر، كسرا ~~النون، وفتحها ابن كثير، وحذفوا الياء في الوصل والوقف. وقرأ عاصم، وأبو ~~عمرو، وحمزة، والكسائي، بسكون اللام وتخفيف النون، غير أن أبا عمرو، وأبا ~~جعفر، أثبتا الياء في الوصل، وحذفاها في الوقف، ووقف عليها يعقوب بالياء، ~~والباقون يحذفونها في الحالين. قال أبو علي: من كسر النون، فقد عدى السؤال ~~إلى مفعولين، أحدهما: اسم المتكلم، والآخر: ms1037 الاسم الموصول، وحذفت النون ~~المتصلة بياء المتكلم لاجتماع النونات. وأما إثبات الياء في الوصل فهو ~~الأصل، وحذفها أخف، والكسرة تدل عليها، وتعلم أن المفعول مراد في المعنى. # ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: أنه نسبته إليه، وليس منه. ~~والثاني: في إدخاله إياه في جملة أهله الذين وعده نجاتهم. والثالث: سؤاله ~~في إنجاء كافر من العذاب. # قوله تعالى: إني أعظك أن تكون من الجاهلين فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن ~~تكون من الجاهلين في سؤالك من ليس من حزبك. والثاني: من الجاهلين بوعدي، ~~لأني وعدت بانجاء المؤمنين. # والثالث: من الجاهلين بنسبك، لأنه ليس من أهلك. ### | [سورة هود (11) : آية 48] # قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم ~~يمسهم منا عذاب أليم (48) # قوله تعالى: يا نوح اهبط قال ابن عباس: يريد: من السفينة إلى الأرض بسلام ~~منا أي: # بسلامه. قوله تعالى: وبركات عليك قال المفسرون: البركات عليه أنه صار أبا ~~للبشر جميعا، لأن جميع الخلق من نسله وعلى أمم ممن معك قال ابن عباس: يريد ~~من ولدك. قال ابن الأنباري: # المعنى من ذراري من معك، والمراد المؤمنون من ذريته. ثم ذكر الكفار فقال ~~عز وجل: وأمم أي من الذرية أيضا، والمعنى: وفيمن نصف لك أمم وفيمن نقص عليك ~~أمره أمم سنمتعهم أي في # PageV02P378 # الدنيا ثم يمسهم منا عذاب أليم في الآخرة. قال محمد بن كعب القرظي: لم ~~يبق مؤمن ولا مؤمنة في أصلاب الرجال وأرحام النساء يومئذ إلى أن تقوم ~~الساعة إلا وقد دخل في ذلك السلام والبركات، ولم يبق كافر إلا دخل في ذلك ~~المتاع والعذاب. ### | ### | [سورة هود (11) : الآيات 49 الى # 53] # تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ~~فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (50) يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن ~~أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (51) ويا قوم ms1038 استغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين ~~(52) قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن ~~لك بمؤمنين (53) # قوله تعالى: تلك من أنباء الغيب في المشار إليه ب «تلك» قولان: أحدهما: ~~قصة نوح. # والثاني: آيات القرآن، والمعنى: تلك من أخبار ما غاب عنك وعن قومك. # فان قيل: كيف قال هاهنا: «تلك» ، وفي مكان آخر «ذلك» ؟ # فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: «تلك» إشارة إلى آيات القرآن، و «ذلك» ~~إشارة إلى الخبر والحديث، وكلاهما معروف في اللغة الفصيحة، يقول الرجل: قد ~~قدم فلان، فيقول سامع قوله: قد فرحت به، وقد سررت بها، فاذا ذكر، عنى ~~القدوم، وإذا أنث، ذهب إلى القدمة. # قوله تعالى: من قبل هذا يعني القرآن. فاصبر كما صبر نوح على أذى قومه إن ~~العاقبة أي آخر الأمر بالظفر والتمكين للمتقين أي لك ولقومك كما كان لمؤمني ~~قوم نوح. # قوله تعالى: إن أنتم إلا مفترون أي: ما أنتم إلا في إشراككم مع الله ~~الأوثان. وما بعد هذا قد سبق تفسيره «1» إلى قوله: يرسل السماء عليكم ~~مدرارا وهذا أيضا قد سبق تفسيره في سورة الأنعام «2» . والسبب في قوله لهم ~~ذلك، أن الله حبس المطر عنهم ثلاث سنين وأعقم أرحام نسائهم، فوعدهم إحياء ~~بلادهم وبسط الرزق لهم إن آمنوا. # قوله تعالى: ويزدكم قوة إلى قوتكم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الولد ~~وولد الولد، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: يزدكم شدة إلى شدتكم، ~~قاله مجاهد، وابن زيد. والثالث: خصبا إلى خصبكم، قاله الضحاك. # قوله تعالى: ولا تتولوا مجرمين قال مقاتل: لا تعرضوا عن التوحيد مشركين. # قوله تعالى: ما جئتنا ببينة أي: بحجة واضحة. وما نحن بتاركي آلهتنا يعنون ~~الأصنام عن قولك أي: بقولك، و «الباء» و «عن» يتعاقبان. PageV02P379 ### | [سورة هود (11) : الآيات 54 الى 56] # إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء ~~مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ms1039 (55) إني توكلت على ~~الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ~~(56) # قوله تعالى: إن نقول أي: ما نقول في سبب مخالفتك إيانا إلا أن بعض آلهتنا ~~أصابك بجنون لسبك إياها، فالذي تظهر من عيبها لما لحق عقلك من التغيير. قال ~~ابن قتيبة: يقال: عراني كذا، واعتراني: إذا ألم بي. ومنه قيل لمن أتاك يطلب ~~نائلك: عار، ومنه قول النابغة: # أتيتك عاريا خلقا ثيابي ... على خوف تظن بي الظنون «1» # قوله تعالى: إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون إلى آخر الآية. ~~حرك ياء «إني» نافع. # ومعنى الآية: إن كنتم تقولون: إن الآلهة عاقبتني لطعني عليها، فاني على ~~يقين من عيبها والبراءة منها، وها أنا ذا أزيد في الطعن عليها، فكيدوني ~~جميعا أي: احتالوا أنتم وأوثانكم في ضري، ثم لا تمهلون. # قال الزجاج: وهذا من أعظم آيات الرسل، أن يكون الرسول وحده وأمته متعاونة ~~عليه، فيقول لهم: # كيدوني، فلا يستطيع أحد منهم ضره، وكذلك قال نوح لقومه: فأجمعوا أمركم ~~وشركاءكم «2» . وقال محمد صلى الله عليه وسلم: فإن كان لكم كيد فكيدون «3» ~~. # قوله تعالى: إلا هو آخذ بناصيتها قال أبو عبيدة: المعنى: أنها في قبضته ~~وملكه وسلطانه. # فان قيل: لم خص الناصية؟ فالجواب: أن الناصية هي شعر مقدم الرأس، فاذا ~~أخذت بها من شخص، فقد ملكت سائر بدنه، وذل لك. # قوله تعالى: إن ربي على صراط مستقيم قال مجاهد: على الحق. وقال غيره: في ~~الكلام إضمار، تقديره: إن ربي يدل على صراط مستقيم. # فان قيل ما وجه المناسبة بين قوله: إلا هو آخذ بناصيتها وبين كونه على ~~صراط مستقيم؟ فعنه جوابان «4» : أحدهما: أنه لما أخبر أنه آخذ بنواصي ~~الخلق، كان معناه: أنهم لا يخرجون عن قبضته، فأخبر أنه على طريق لا يعدل ~~عنه هارب، ولا يخفي عليه مستتر. والثاني: أن المعنى: أنه وإن كان قادرا ~~عليهم، فهو لا يظلمهم، ولا يريد إلا العدل، ذكرهما ابن الأنباري. ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 57] # فإن تولوا فقد أبلغتكم ما ms1040 أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا ~~تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (57) PageV02P380 # قوله تعالى: فإن تولوا فيه قولان: أحدهما: أنه فعل ماض، معناه: فان ~~أعرضوا: فعلى هذا، في الآية إضمار، تلخيصه: فان أعرضوا فقل لهم: قد ~~أبلغتكم، هذا مذهب مقاتل في آخرين. والثاني: # أنه خطاب للحاضرين، وتقديره: فان تتولوا، فاستثقلوا الجمع بين تاءين ~~متحركتين، فاقتصر على إحداهما، وأسقطت الأخرى، كما قال النابغة: # المرء يهوى أن يعي ... ش وطول عيش قد يضره # تفنى بشاشته ويب ... قى بعد حلو العيش مره # وتصرف الأيام حت ... ى ما يرى شيئا يسره # أراد: وتتصرف الأيام، فأسقط إحدى التاءين، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: ويستخلف ربي قوما غيركم فيه وعيد لهم بالهلاك. إن ربي على كل ~~شيء حفيظ فيه قولان: أحدهما: حفيظ على أعمال العباد حتى يجازيهم بها. ~~والثاني: أن «على» بمعنى اللام، فالمعنى: لكل شيء حافظ، فهو يحفظني من أن ~~تنالوني بسوء. ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 58] # ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب ~~غليظ (58) # قوله تعالى: ولما جاء أمرنا فيه قولان: أحدهما: جاء عذابنا، قاله ابن ~~عباس. والثاني: جاء أمرنا بهلاكهم. قوله تعالى: نجينا هودا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا فيه قولان: أحدهما: نجيناهم من العذاب بنعمتنا. والثاني: ~~نجيناهم بأن هديناهم إلى الإيمان، وعصمناهم من الكفر، روي القولان عن ابن ~~عباس. قوله تعالى: ونجيناهم من عذاب غليظ أي: شديد، وهو ما استحقه قوم هود ~~من عذاب الدنيا والآخرة. ### | [سورة هود (11) : آية 59] # وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) # قوله تعالى: وتلك عاد يعني القبيلة وعصوا رسله. لقائل أن يقول: إنما أرسل ~~إليهم هود وحده، فكيف ذكر بلفظ الجمع؟ # فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قد يذكر لفظ الجمع ويراد به الواحد، ~~كقوله: أم يحسدون الناس والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم وحده. ~~والثاني: أن من كذب رسولا واحدا فقد كذب الكل. والثالث: أن كل مرة ينذرهم ~~فيها هي رسالة ms1041 مجددة وهو بها رسول. # قوله تعالى: واتبعوا أي: واتبع الأتباع أمر الرؤساء. والجبار: الذي طال ~~وفات اليد. # وللعلماء في الجبار أربعة أقوال: أحدها: أنه الذي يقتل على الغضب ويعاقب ~~على الغضب، قاله الكلبي. والثاني: أنه الذي يجبر الناس على ما يريد، قاله ~~الزجاج. والثالث: أنه المسلط. والرابع: أنه العظيم في نفسه، المتكبر على ~~العباد، ذكرهما ابن الأنباري. والذي ذكرناه يجمع هذه الأقوال، وقد زدنا هذا ~~شرحا في (المائدة) . وأما العنيد: فهو الذي لا يقبل الحق. قال ابن قتيبة: ~~العنود، والعنيد، والعاند: المعارض لك بالخلاف عليك. ### | [سورة هود (11) : الآيات 60 الى 69] # وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا ~~بعدا لعاد قوم هود (60) وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا ~~إليه إن ربي قريب مجيب (61) قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ~~أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (62) ~~قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من ~~الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير (63) ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية ~~فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب (64) # فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب (65) فلما ~~جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو ~~القوي العزيز (66) وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (67) ~~كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود (68) ولقد جاءت ~~رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ (69) # PageV02P381 # قوله تعالى: وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة أي: ألحقوا لعنة تنصرف معهم. ~~ويوم القيامة أي: وفي يوم القيامة لعنوا أيضا ألا إن عادا كفروا ربهم أي ~~بربهم، فحذف الباء، وأنشدوا «1» : # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به قال الزجاج: ms1042 قوله: «ألا» ابتداء وتنبيه، و ~~«بعدا» منصوب على معنى: أبعدهم الله فبعدوا بعدا، والمعنى: أبعدهم من ~~رحمته. # قوله تعالى: هو أنشأكم من الأرض فيه قولان: أحدهما: خلقكم من آدم، وآدم ~~خلق من الأرض. والثاني: أنشأكم في الأرض. # وفي قوله: واستعمركم فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أعمركم فيها، أي: جعلكم ~~ساكنيها مدة أعماركم، ومنه العمرى، وهذا قول مجاهد. والثاني: أطال أعماركم، ~~وكانت أعمارهم من ألف سنة إلى ثلاثمائة، قاله الضحاك. والثالث: جعلكم ~~عمارها، قاله أبو عبيدة. # قوله تعالى: قد كنت فينا مرجوا قبل هذا فيه ثلاثة أقوال «2» : أحدها: ~~أنهم كانوا يرجونه للمملكة بعد ملكهم، لأنه كان ذا حسب وثروة، قاله كعب. ~~والثاني: أنه كان يبغض أصنامهم ويعدل عن دينهم، وكانوا يرجون رجوعه إلى ~~دينهم، فلما أظهر إنذارهم، انقطع رجاؤهم منه، وإلى نحو هذا ذهب مقاتل. ~~والثالث: أنهم كانوا يرجون خيره، فلما أنذرهم، زعموا أن رجاءهم لخيره قد ~~انقطع، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: وإننا لفي شك إن قال قائل: لم قال ها هنا: «وإننا» وقال في ~~«إبراهيم» : «وإنا» ؟ # فالجواب: أنهما لغتان من لغات قريش السبع التي نزل القرآن عليها. قال ~~الفراء: من قال: «إننا» أخرج PageV02P382 # الحرف على أصله، لأن كناية المتكلمين «نا» فاجتمعت ثلاث نونات، نونا «إن» ~~والنون المضمومة إلى الألف ومن قال: «إنا» اسثقل الجمع بين ثلاث نونات، ~~فأسقط الثالثة، وأبقى الأولتين وكذلك يقال: # إن وإنني، ولعلي ولعلني، وليتي وليتني، قال الله تعالى في اللغة العليا: ~~لعلي أبلغ الأسباب «1» ، وقال الشاعر في اللغة الأخرى: # أريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا «2» # وقال الله تعالى: يا ليتني كنت معهم «3» ، وقال الشاعر: # كمنية جابر إذ قال ليتي ... أصادقه وأتلف بعض مالي «4» # فأما المريب، فهو الموقع للريبة والتهمة. والرحمة يراد بها ها هنا: ~~النبوة. # قوله تعالى: فما تزيدونني غير تخسير التخسير: النقصان. وفي معني الكلام ~~قولان: أحدهما: فما تزيدونني غير بصارة في خسارتكم، قاله ابن عباس. وقال ~~الفراء: المعنى: فما تزيدونني غير تخسير لكم، أي: كلما اعتذرتم عندي بعذر ~~فهو يزيدكم ms1043 تخسيرا. وقال ابن الأعرابي: غير تخسير لكم، لا لي. وقال بعضهم: ~~المعنى: فما تزيدونني بما قلتم إلا نسبتي لكم إلى الخسارة. والقول الثاني: ~~فما تزيدونني غير الخسران إن رجعت إلى دينكم، وهذا معنى قول مقاتل. فان ~~قيل: فظاهر هذا أنه كان خاسرا، فزادوه خسارا، فقد أسلفنا الجواب في قوله: ~~لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا «5» . # قوله تعالى: هذه ناقة الله لكم آية قد شرحناها في سورة الأعراف «6» . # قوله تعالى: تمتعوا في داركم أي: استمتعوا بحياتكم، وعبر عن الحياة ~~بالتمتع، لأن الحي يكون متمتعا بالحواس. # قوله تعالى: ثلاثة أيام قال المفسرون: لما عقرت الناقة صعد فصيلها إلى ~~الجبل، ورغا ثلاث مرات، فقال صالح: لكل رغوة أجل يوم، ألا إن اليوم الأول ~~تصبح وجوهكم مصفرة، واليوم الثاني محمرة، واليوم الثالث مسودة فلما أصبحوا ~~في اليوم الأول، إذا وجوههم مصفرة، فصاحوا وضجوا، وبكوا، وعرفوا أنه ~~العذاب، فلما أصبحوا في اليوم الثاني، إذا وجوههم محمرة، فضجوا، وبكوا، ~~فلما أصبحوا في اليوم الثالث، إذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار، فصاحوا ~~جميعا: ألا قد حضركم العذاب فتكفنوا وألقوا أنفسهم بالأرض، لا يدرون من أين ~~يأتيهم العذاب، فلما أصبحوا في اليوم الرابع، أتتهم صيحة من السماء فيها ~~صوت كل صاعقة، فتقطعت قلوبهم في صدورهم. وقال مقاتل: # حفروا لأنفسهم قبورا، فلما ارتفعت الشمس من اليوم الرابع ولم يأتهم ~~العذاب ظنوا أن الله قد رحمهم فخرجوا من قبورهم يدعو بعضهم بعضا، إذ نزل ~~جبريل فقام فوق المدينة فسد ضوء الشمس فلما عاينوه PageV02P383 # دخلوا قبورهم فصاح بهم صيحة: موتوا عليكم لعنة الله، فخرجت أرواحهم ~~وتزلزلت بيوتهم فوقعت على قبورهم. # قوله تعالى: ذلك وعد أي: العذاب غير مكذوب أي: غير كذب. # قوله تعالى: ومن خزي يومئذ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر «يومئذ» ~~بكسر الميم. وقرأ الكسائي بفتحها مع الإضافة. قال مكي: من كسر الميم، أعرب ~~وخفض، لإضافة الخزي إلى اليوم، ولم يبنه ومن فتح، بنى اليوم على الفتح، ~~لإضافته إلى غير متمكن، وهو «إذ» . وقرأ ابن مسعود «ومن ms1044 خزي» بالتنوين، ~~«يومئذ» بفتح الميم. قال ابن الأنباري: هذه الواو في قوله «ومن خزي» معطوفة ~~على محذوف، تقديره: نجيناهم من العذاب ومن خزي يومئذ. قال: ويجوز أن تكون ~~دخلت لفعل مضمر، تأويله: نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا، ونجيناهم ~~من خزي يومئذ. قال: وإنما قال: «وأخذ» لأن الصيحة محمولة على الصياح. # قوله تعالى: ألا بعدا لثمود اختلفوا في صرف «ثمود» وترك إجرائه في خمسة ~~مواضع: في (هود:) ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود، وفي (الفرقان) ~~وعادا وثمود وأصحاب الرس «1» ، وفي (العنكبوت) وعادا وثمود وقد تبين لكم ~~«2» ، وفي (النجم) وثمود فما أبقى «3» . قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، ~~وابن عامر بالتنوين في أربعة مواضع منها، وتركوا ألا بعدا لثمود فلم ~~يصرفوه. وقرأ حمزة بترك صرف هذه الخمسة الأحرف، وصرفهن الكسائي. واختلف عن ~~عاصم، فروى حسين الجعفي عن أبي بكر عنه أنه أجرى الأربعة الأحرف مثل أبي ~~عمرو وروى يحيى بن آدم أنه أجرى ثلاثة، في (هود) ألا إن ثمود، وفي ~~(الفرقان) و (العنكبوت) . وروى حفص عنه أنه لم يجر شيئا منها مثل حمزة. # واعلم أن ثمودا يراد به القبيلة تارة ويراد به الحي تارة. فإذا أريد به ~~القبيلة لم يصرف، وإذا أريد به الحي صرف. وما أخللنا به فقد سبق تفسيره إلى ~~قوله: ولقد جاءت رسلنا إبراهيم. والرسل ها هنا: # الملائكة. وفي عددهم ستة أقوال: أحدها: أنهم كانوا ثلاثة، جبريل، ~~وميكائيل، وإسرافيل، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. وقال مقاتل: جبريل، ~~وميكائيل، وملك الموت. والثاني: أنهم كانوا اثني عشر، روي عن ابن عباس ~~أيضا. والثالث: ثمانية، قاله محمد بن كعب. والرابع: تسعة، قاله الضحاك. ~~والخامس: أحد عشر، قاله السدي. والسادس: أربعة، حكاه الماوردي. وفي هذه ~~البشرى أربعة أقوال «4» : أحدها: أنها البشرى بالولد، قاله الحسن، ومقاتل. ~~والثاني: بهلاك قوم لوط، قاله PageV02P384 # قتادة. والثالث: بنبوته، قاله عكرمة. والرابع: بأن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم يخرج من صلبه، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: قالوا سلاما قال ابن الأنباري: انتصب بالقول، لأنه حرف ms1045 مقول، ~~والسلام الثاني مرفوع باضمار «عليكم» . وقال الفراء: فيه وجهان: # أحدهما: أنه أضمر «عليكم» كما قال الشاعر: # فقلنا السلام فاتقت من أميرها ... فما كان إلا ومؤها بالحواجب «1» # والعرب تقول: التقينا فقلنا: سلام سلام. # والثاني: أن القوم سلموا، فقال حين أنكرهم هو: سلام، فمن أنتم؟ لإنكاره ~~إياهم. وقرأ حمزة، والكسائي: «قال سلم» ، وهو بمعنى: سلام، كما قالوا: حل ~~وحلال، وحرم وحرام فعلى هذا، يكون معنى «سلم» : سلام عليكم. قال أبو علي: ~~فيكون معنى القراءتين واحدا وإن اختلف اللفظان «2» . وقال الزجاج: من قرأ ~~«سلم» فالمعنى: أمرنا سلم، أي: لا بأس علينا. # قوله تعالى: فما لبث أي: ما أقام حتى جاء بعجل حنيذ، لأنه ظنهم أضيافا، ~~وكانت الملائكة قد جاءته في صورة الغلمان الوضاء. # وفي الحنيذ ستة أقوال «3» : أحدها: أنه النضيج، قاله ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة. والثاني: أنه الذي يقطر ماؤه ودسمه وقد شوي، قاله شمر بن عطية. ~~والثالث: أنه ما حفرت الأرض ثم غممته، وهو من فعل أهل البادية معروف، وأصله ~~محنوذ، فقيل: حنيذ، كما قيل: طبيخ للمطبوخ، وقتيل للمقتول. هذا قول الفراء. ~~والرابع: أنه المشوي، قاله أبو عبيدة. والخامس: المشوي بالحجارة المحماة، ~~قاله مقاتل وابن قتيبة. والسادس: السميط، ذكره الزجاج وقال: يقال إنه ~~المشوي فقط، ويقال المشوي الذي يقطر، ويقال المشوي بالحجارة. ### | [سورة هود (11) : آية 70] # فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا ~~أرسلنا إلى قوم لوط (70) # قوله تعالى: فلما رأى أيديهم يعنى الملائكة لا تصل إليه يعني العجل نكرهم ~~أي: # أنكرهم. قال أبو عبيدة: نكرهم وأنكرهم واستنكرهم، سواء، قال الأعشى: # وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا # قوله تعالى: وأوجس منهم خيفة أي: أضمر في نفسه خوفا. قال الفراء: وكانت ~~سنة في زمانهم إذا ورد عليهم القوم فأتوهم بالطعام فلم يمسوه، ظنوا أنهم ~~عدو أو لصوص، فهنالك أوجس في PageV02P385 # نفسه خيفة، فرأوا ذلك في وجهه، فقالوا: لا تخف. # قوله تعالى: إنا أرسلنا إلى قوم لوط قال الزجاج: أي: أرسلنا بالعذاب ~~إليهم. ms1046 قال ابن الأنباري: وإنما أضمر ذلك ها هنا، لقيام الدليل عليه بذكر ~~الله تعالى له في سورة أخرى. ### | [سورة هود (11) : الآيات 71 الى 72] # وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب (71) قالت يا ~~ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (72) # قوله تعالى: وامرأته قائمة واسمها سارة. واختلفوا أين كانت قائمة على ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: وراء الستر تسمع كلامهم، قاله وهب. والثاني: كانت قائمة تخدمهم، ~~قاله مجاهد، والسدي. والثالث: كانت قائمة تصلي، قاله محمد بن إسحاق. # وفي قوله: فضحكت ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أن الضحك ها هنا بمعنى التعجب، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أن معنى «ضحكت» حاضت، قاله مجاهد ~~وعكرمة. قال ابن قتيبة: # وهذا من قولهم: ضحكت الأرنب: إذا حاضت فعلى هذا: يكون حيضها حينئذ تأكيدا ~~للبشارة بالولد. # لأن من لا تحيض لا تحمل. وقال الفراء: لم نسمع من ثقة أن معنى (ضحكت) ~~حاضت. قال ابن الأنباري: أنكر الفراء، وأبو عبيدة، وأبو عبيد، أن يكون ~~«ضحكت» بمعنى حاضت وعرفه غيرهم. قال الشاعر: # تضحك الضبع لقتلى هذيل ... وترى الذئب لها يستهل «2» # قال بعض أهل اللغة: معناه: تحيض «3» . # والثالث: أنه الضحك المعروف، وهو قول الأكثرين. # وفي سبب ضحكها ستة أقوال: أحدها: أنها ضحكت من شدة خوف إبراهيم من ~~أضيافه، وقالت: من ماذا يخاف إبراهيم، وإنما هم ثلاثة، وهو في أهله ~~وغلمانه؟! رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. والثاني: أنها ضحكت من ~~بشارة الملائكة لإبراهيم بالولد، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا، ووهب بن منبه ~~فعلى هذا، إنما ضحكت سرورا بالبشارة، ويكون في الآية تقديم وتأخير، المعنى: ~~وامرأته قائمة فبشرناها فضحكت، وهو اختيار ابن قتيبة. والثالث: ضحكت من ~~غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، قاله قتادة. والرابع: ضحكت من إمساك ~~الأضياف عن الأكل، وقالت: # عجبا لأضيافنا، نخدمهم بأنفسنا، وهم لا يأكلون طعامنا! قاله السدي. ~~والخامس: ضحكت سرورا PageV02P386 # بالأمن، لأنها خافت كخوف إبراهيم، قاله الفراء. والسادس: أنها كانت قالت ~~لإبراهيم: اضمم إليك ابن أخيك لوطا، فانه ms1047 سينزل العذاب بقومه، فلما جاءت ~~الملائكة بعذابهم، ضحكت سرورا بموافقتها للصواب، ذكره ابن الأنباري. # قال المفسرون: قال جبريل لسارة: أبشري أيتها الضاحكة بولد اسمه إسحاق، ~~ومن وراء إسحاق يعقوب، فبشروها أنها تلد إسحاق، وأنها تعيش إلى أن ترى ولد ~~الولد. وفي معنى الوراء قولان: # أحدهما: أنه بمعنى «بعد» ، قاله أبو صالح عن ابن عباس، واختاره مقاتل، ~~وابن قتيبة. والثاني: أن الوراء: ولد الولد، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال ~~الشعبي، واختاره أبو عبيدة. فان قيل: كيف يكون يعقوب وراء إسحاق وهو ولده ~~لصلبه، وإنما الوراء: ولد الولد؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: المعنى: ~~ومن وراء المنسوب إلى إسحاق يعقوب، لأنه قد كان الوراء لإبراهيم من جهة ~~إسحاق، فلو قال: ومن الوراء يعقوب، لم يعلم أهذا الوراء منسوب إلى إسحاق، ~~أم إلى إسماعيل؟ فأضيف إلى إسحاق لينكشف المعنى ويزول اللبس. قال: ويجوز أن ~~ينسب ولد إبراهيم من غير إسحاق إلى سارة على جهة المجاز، فكان تأويل الآية: ~~من الوراء المنسوب إلى سارة، وإلى إبراهيم من جهة إسحاق، يعقوب. ومن حمل ~~الوراء على «بعد» لزم ظاهر العربية. # واختلف القراء في «يعقوب» ، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، ~~وأبو بكر عن عاصم: «يعقوب» بالرفع. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم: ~~يعقوب بالنصب. # قال الزجاج: وفي رفع «يعقوب» وجهان: أحدهما: على الابتداء المؤخر، معناه ~~التقديم والمعنى: ويعقوب يحدث لها من وراء إسحاق. والثاني: وثبت لها من ~~وراء إسحاق يعقوب. # ومن نصبه. حمله على المعنى، والمعنى: وهبنا لها إسحاق، ووهبنا لها يعقوب. # قوله تعالى: يا ويلتى أألد وأنا عجوز هذه الكلمة تقال عند الإيذان بورود ~~الأمر العظيم. ولم ترد بها الدعاء على نفسها، وإنما هي كلمة تخف على ألسنة ~~النساء عند الأمر العجيب. وقولها: أألد استفهام تعجب. قال الزجاج: وشيخا ~~منصوب على الحال. قال ابن الأنباري: إنما أشارت بقولها هذا لتنبه على ~~شيخوخيته. واختلفوا في سن إبراهيم وسارة يومئذ على أربعة أقوال «1» : ~~أحدها: أنه كان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة، وسارة ms1048 بنت ثمان وتسعين، قاله ~~أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنه كان إبراهيم ابن مائة سنة، وسارة بنت ~~تسع وتسعين، قاله مجاهد. والثالث: كان إبراهيم ابن تسعين، وسارة مثله، قاله ~~قتادة. والرابع: كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة، وسارة بنت تسعين، قاله ~~عبيد بن عمير، وابن إسحاق. ### | [سورة هود (11) : آية 73] # قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد ~~مجيد (73) # قوله تعالى: قالوا أتعجبين من أمر الله أي: من قضائه وقدرته، وهو إيجاد ~~ولد من بين كبيرين. # قال السدي: قالت سارة لجبريل: ما آية ذلك؟ فأخذ بيده عودا يابسا فلواه ~~بين أصابعه فاهتز أخضر، PageV02P387 # فقالت: هو إذن لله ذبيح. قوله تعالى: رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت ~~فيه وجهان: أحدهما: أنه من دعاء الملائكة لهم. والثاني: أنه إخبار عن ثبوت ~~ذلك لهم. ومن تلك البركات وجود أكثر الأنبياء والأسباط من إبراهيم وسارة. ~~والحميد بمعنى المحمود. فأما المجيد، فقال ابن قتيبة: المجيد. بمعنى ~~الماجد، وهو الشريف. وقال أبو سليمان الخطابي: هو الواسع الكرم. وأصل المجد ~~في كلامهم: # السعة، يقال: رجل ماجد: إذا كان سخيا واسع العطاء. وفي بعض الأمثال: في ~~كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار «1» ، أي: استكثرا منها. ### | ### | [سورة هود (11) : الآيات 74 الى # 76] # فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74) إن ~~إبراهيم لحليم أواه منيب (75) يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك ~~وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (76) # قوله تعالى: فلما ذهب عن إبراهيم الروع يعني الفزع الذي أصابه حين ~~امتنعوا من الأكل يجادلنا فيه إضمار أخذ وأقبل يجادلنا، والمراد: يجادل ~~رسلنا. # قال المفسرون: لما قالوا له: إنا مهلكوا أهل هذه القرية قال: أتهلكون ~~قرية فيها مائة مؤمن؟ # قالوا: لا. قال: أتهلكون قرية فيها خمسون مؤمنا؟ قالوا: لا. قال: أربعون؟ ~~قالوا: لا فما زال ينقص حتى قال: فواحد؟ قالوا: لا. فقال حينئذ: إن فيها ~~لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها، هذا قول ابن إسحاق. وقال غيره: قيل له: إن ms1049 ~~كان فيهم خمسة لم نعذبهم، فما كان فيهم سوى لوط وابنتيه. وقال سعيد بن ~~جبير: قال لهم: أتهلكون قرية فيها أربعة عشر مؤمنا؟ قالوا: لا وكان إبراهيم ~~يعدهم أربعة عشر مع امرأة لوط، فسكت واطمأنت نفسه وإنما كانوا ثلاثة عشر ~~فأهلكوا. قوله تعالى: إن إبراهيم لحليم أواه قد فسرناه في (براءة) «2» . ~~فعند ذلك قالت الرسل لإبراهيم: يا إبراهيم أعرض عن هذا يعنون الجدال. إنه ~~قد جاء أمر ربك بعذابهم. وقيل: قد جاء عذاب ربك، فليس بمردود، لأن الله ~~تعالى قد قضى به. ### | [سورة هود (11) : الآيات 77 الى 81] # ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) ~~وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء ~~بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (78) ~~قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) قال لو أن ~~لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا ~~إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ~~ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (81) # قوله تعالى: ولما جاءت رسلنا لوطا قال المفسرون: خرجت الملائكة من عند ~~إبراهيم نحو قرية PageV02P388 # لوط، فأتوها عشاء. وقال السدي عن أشياخه: أتوها نصف النهار، فلما بلغوا ~~نهر سدوم لقوا بنت لوط تستقي الماء لأهلها، فقالوا لها: يا جارية، هل من ~~منزل؟ قالت: نعم، مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم، فرقا عليهم من قومها فأتت ~~أباها، فقالت: يا أبتاه، أدرك فتيانا على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم هي ~~أحسن منهم، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فجاء ~~بهم، ولم يعلم بهم أحد إلا أهل بيت لوط فخرجت امرأته فأخبرت قومها، فجاؤوا ~~يهرعون إليه. # قوله تعالى: سيء بهم فيه قولان: أحدهما: ساء ظنه بقومه، قاله ابن عباس. ~~والثاني: ساءه مجيء الرسل، لأنه لم يعرفهم، وأشفق ms1050 عليهم من قومه، قاله ابن ~~جرير. قال الزجاج: وأصل «سيء بهم» سوئ بهم، من السوء، إلا أن الواو أسكنت ~~ونقلت كسرتها إلى السين. # قوله تعالى: وضاق بهم ذرعا قال ابن عباس: ضاق ذرعا بأضيافه. قال الفراء: ~~الأصل فيه: # وضاق ذرعه بهم، فنقل الفعل عن الذرع إلى ضمير لوط، ونصب الذرع بتحول ~~الفعل عنه، كما قال: # واشتعل الرأس شيبا «1» ومعناه: اشتعل شيب الرأس. قال الزجاج: يقال: ضاق ~~فلان بأمره ذرعا: # إذا لم يجد من المكروه في ذلك الأمر مخلصا. وذكر ابن الأنباري فيه ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أن معناه: # وقع به مكروه عظيم لا يصل إلى دفعه عن نفسه فالذرع كناية عن هذا المعنى. ~~والثاني: أن معناه: # ضاق صبره وعظم المكروه عليه وأصله من: ذرع فلانا القيء: إذا غلبه وسبقه. ~~والثالث: أن المعنى: # ضاق بهم وسعه، فناب الذرع والذراع عن الوسع، لأن الذراع من اليد، والعرب ~~تقول: ليس هذا في يدي، يعنون: ليس هذا في وسعي ويدل على صحة هذا أنهم ~~يجعلون الذراع في موضع الذرع، فيقولون: ضقت بهذا الأمر ذراعا، قال الشاعر: # إليك إليك ضاق بهم ذراعا # فأما العصيب، فقال أبو عبيدة: العصيب: الشديد الذي يعصب الناس بالشر، ~~وأنشد: # يوم عصيب يعصب الأبطالا ... عصب القوي السلم الطوالا # وقال أبو عبيد: يقال: يوم عصيب ويوم عصبصب: إذا كان شديدا. # قوله تعالى: يهرعون إليه قال ابن عباس، ومجاهد: «يهرعون» يسرعون. وقال ~~الفراء، والكسائي: لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة. قال ابن قتيبة: ~~الإهراع شبيه بالرعدة، يقال: أهرع الرجل: إذا أسرع، على لفظ ما لم يسم ~~فاعله، كما يقال: أرعد. قال ابن الأنباري: الإهراع فعل واقع بالقوم وهو لهم ~~في المعنى، كما قالت العرب: قد أولع الرجل بالأمر، فجعلوه مفعولا، وهو صاحب ~~الفعل، ومثله: أرعد زيد، وسهي عمرو من السهو، كل واحد من هذه الأفاعيل خرج ~~الاسم معه مقدرا تقدير المفعول، وهو صاحب الفعل لا يعرف له فاعل غيره. قال: ~~وقال بعض النحويين: لا يجوز للفعل أن يجعل فاعله مفعولا، وهذه الأفعال ~~المذكورة ms1051 فاعلوها محذوفون، وتأويل «أولع زيد» : أولعه طبعه وجبلته، و «أرعد ~~الرجل» : أرعده غضبه، و «سهي عمرو» جعله ساهيا ماله أو جهله، و «أهرع» ~~معناه: أهرعه خوفه ورعبه فلهذه العلة خرج هؤلاء الأسماء مخرج المفعول به. ~~قال: وقال بعض PageV02P389 # اللغويين: لا يكون الإهراع إلا إسراع المذعور الخائف لا يقال لكل مسرع: ~~مهرع حتى ينضم إلى إسراعه جزع وذعر. قال المفسرون: سبب إهراعهم، أن امرأة ~~لوط أخبرتهم بالأضياف. # ومن قبل أي: ومن قبل مجيئهم إلى لوط كانوا يعملون السيئات يعني فعلهم ~~المنكر. وفي قوله: هؤلاء بناتي قولان: # أحدهما: أنهن بناته لصلبه، قاله ابن عباس. فإن قيل: كيف جمع، وإنما كن ~~اثنتين؟ # فالجواب: أنه قد يقع الجمع على اثنين، كقوله: وكنا لحكمهم شاهدين. # والثاني: أنه عنى نساء أمته، لأن كل نبي أبو أمته، والمعنى: أنه عرض ~~عليهم التزويج، أو أمرهم أن يكتفوا بنسائهم، وهذا مذهب مجاهد، وسعيد بن ~~جبير، وقتادة، وابن جريج. # فإن قيل: كيف عرض تزويج المؤمنات على الكافرين؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أنه قد كان يجوز ذلك في شريعته، وكان جائزا في صدر الإسلام حتى ~~نسخ، قاله الحسن. والثاني: أنه عرض ذلك عليهم بشرط إسلامهم، قاله الزجاج، ~~ويؤكده أن عرضهن عليهم موقوف على عقد النكاح، فجاز أن يقف على شرط آخر. # قوله تعالى: هن أطهر لكم قال مقاتل: هن أحل من إتيان الرجال. # قوله تعالى: فاتقوا الله فيه قولان: أحدهما: اتقوا عقوبته. والثاني: ~~اتقوا معصيته. # قوله تعالى: ولا تخزون في ضيفي حرك ياء «ضيفي» أبو عمرو، ونافع. وفي معنى ~~هذا الخزي ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الفضيحة، قاله ابن عباس. والثاني: ~~الاستحياء، والمعنى: لا تفعلوا بأضيافي فعلا يلزمني الاستحياء منه، لأن ~~المضيف يلزمه الاستحياء من كل فعل يصل إلى ضيفه. والعرب تقول: # قد خزي الرجل يخزى خزاية: إذا استحيا، قال الشاعر: # من البيض لا تخزي إذا الريح ألصقت ... بها مرطها أو زايل الحلي جيدها «1» # والثالث: أنه بمعنى الهلاك، لأن المعرة التي تقع بالمضيف في هذه الحال ~~تلزمه هلكة، ذكرهما ابن الأنباري. قال ابن ms1052 قتيبة: والضيف ها هنا: بمعنى ~~الأضياف، والواحد يدل على الجميع، كما تقول: هؤلاء رسولي ووكيلي. # قوله تعالى: أليس منكم رجل رشيد في المراد بالرشيد قولان: أحدهما: ~~المؤمن. # والثاني: الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، رويا عن ابن عباس. # قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون الرشيد بمعنى المرشد، فيكون المعنى: أليس ~~منكم مرشد يعظكم ويعرفكم قبيح ما تأتون؟ فيكون الرشيد من صفة الفاعل، ~~كالعليم، والشهيد. ويجوز أن يكون الرشيد بمعنى المرشد، فيكون المعنى: أليس ~~منكم رجل قد أسعده الله بما منحه من الرشاد يصرفكم عن إتيان هذه المعرة؟ ~~فيجري رشيد مجرى مفعول، كالكتاب الحكيم بمعنى المحكم. # قوله تعالى: ما لنا في بناتك من حق فيه قولان: أحدهما: ما لنا فيهن حاجة، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: لسن لنا بأزواج فنستحقهن، قاله ابن ~~إسحاق، وابن قتيبة. PageV02P390 # قوله تعالى: وإنك لتعلم ما نريد قال عطاء: وإنك لتعلم أنا نريد الرجال، ~~لا النساء. # قوله تعالى: لو أن لي بكم قوة أي: جماعة أقوى بهم عليكم. وقيل: أراد ~~بالقوة البطش. أو آوي إلى ركن شديد أي: أنضم إلى عشيرة وشيعة تمنعني. وجواب ~~«لو» محذوف على تقدير: لحلت بينكم وبين المعصية. قال أبو عبيدة: قوله ~~تعالى: «آوي» من قولهم: أويت إليك، فأنا آوي أويا، والمعنى: صرت إليك ~~وانضممت. ومجاز الركن ها هنا: العشيرة العزيزة الكثيرة المنيعة، وأنشد «1» ~~: # يأوى إلى ركن من الأركان ... في عدد طيس ومجد باني # والطيس: الكثير، يقال: أتانا لبن طيس، وشراب طيس، أي: كثير. # واختلفوا أي وقت قال هذا لوط فروي عن ابن عباس أن لوطا كان قد أغلق بابه ~~والملائكة معه في الدار، وهو يناظرهم ويناشدهم وراء الباب، وهم يعالجون ~~الباب ويرومون تسور الجدار فلما رأت الملائكة ما يلقى من الكرب، قالوا: يا ~~لوط إنا رسل ربك، فافتح الباب ودعنا وإياهم ففتح الباب، فدخلوا، واستأذن ~~جبريل ربه في عقوبتهم، فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم فأعماهم، فانصرفوا ~~يقولون: النجاء النجاء، فان في بيت لوط أسحر قوم في الأرض وجعلوا يقولون: ~~يا لوط، ms1053 كما أنت حتى تصبح، يوعدونه فقال لهم لوط: متى موعد هلاكهم؟ قالوا: ~~الصبح، قال: لو أهلكتموهم الآن، فقالوا: أليس الصبح بقريب؟ وقال أبو صالح ~~عن ابن عباس: إنهم لما تواعدوه، قال في نفسه: ينطلق هؤلاء القوم غدا من ~~عندي، وأبقى مع هؤلاء فيهلكوني، فقال: لو أن لي بكم قوة. # قلت: وإنما يتوجه هذا إذا قلنا: إنه كان قبل علمه أنهم ملائكة. وقال قوم: ~~إنه إنما قال هذا لما كسروا بابه وهجموا عليه. وقال آخرون: لما نهاهم عن ~~أضيافه فأبوا قال هذا. وفي الجملة، ما أراد بالركن نصر الله وعونه، لأنه لم ~~يخل من ذلك، وإنما ذهب إلى العشيرة والأسرة. # (796) وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رحم ~~الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، وما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة ~~من قومه» . # قوله تعالى: لن يصلوا إليك قال مقاتل: فيه إضمار، تقديره: لن يصلوا إليك ~~بسوء، وذلك أنهم قالوا للوط: إنا نرى معك رجالا سحروا أبصارنا، فستعلم غدا ~~ما تلقى أنت وأهلك فقال له جبريل: إنا رسل ربك لن يصلوا إليك. # قوله تعالى: فأسر بأهلك قرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي ~~«فأسر» PageV02P391 # بإثبات الهمز في اللفظ من أسريت. وقرأ ابن كثير، ونافع «فاسر بأهلك» بغير ~~همز من سريت، وهما لغتان. قال الزجاج: يقال: سريت، وأسريت: إذا سرت ليلا، ~~قال الشاعر: # سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان «1» # وقال النابغة: # أسرت عليه من الجوزاء سارية «2» تزجي الشمال عليه جامد البرد وقد رووه: ~~سرت. فأما أهله، فقال مقاتل: هم امرأته وابنتاه، واسم ابنتيه: ربثا وزعرثا. ~~وقال السدي: اسم الكبرى: رية، واسم الصغرى: عروبة، والمراد بأهله: ابنتاه. ~~فأما القطع، فهو بمعنى القطعة يقال: مضى قطع من الليل، أي: قطعة. قال ابن ~~عباس: يريد به: آخر الليل. وقال ابن قتيبة: # «بقطع» أي: ببقية تبقى من آخره. وقال ابن الأنباري: ذكر القطع بمعنى ~~القطعة مختص بالليل، ولا يقال: عندي قطع من الثوب، ms1054 بمعنى: عندي قطعة. # قوله تعالى: ولا يلتفت منكم أحد فيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى: لا يتخلف ~~منكم أحد، قاله أبو صالح عن ابن عباس، والثاني: أنه الالتفات المعروف، قاله ~~مجاهد، ومقاتل. # قوله تعالى: إلا امرأتك قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بنصب ~~التاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو، وابن جماز عن أبي جعفر برفع التاء. قال ~~الزجاج: من قرأ بالنصب فالمعنى: فأسر بأهلك إلا امرأتك. ومن قرأ بالرفع ~~حمله على: «ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك» . وإنما أمروا بترك الالتفات ~~لئلا يروا عظيم ما ينزل بهم من العذاب. قال ابن الأنباري: وعلى قراءة الرفع ~~يكون الاستثناء منقطعا، معناه: لكن امرأتك فإنها تلتفت فيصيبها ما أصابهم ~~فإذا كان استثناء منقطعا كان التفاتها معصية لربها، لأنه ندب إلى ترك ~~الالتفات. قال قتادة: ذكر لنا أنها كانت مع لوط حين خرج من القرية، فلما ~~سمعت هدة العذاب التفتت فقالت: وا قوماه، فأصابها حجر فأهلكها، وهو قوله: ~~إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم للعذاب الصبح. # قوله تعالى: أليس الصبح بقريب قال المفسرون: قالت الملائكة: إن موعدهم ~~الصبح فقال: # أريد أعجل من ذلك، فقالوا له: أليس الصبح بقريب؟ ### | ### | [سورة هود (11) : الآيات 82 الى # 83] # فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ~~(82) مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد (83) # قوله تعالى: فلما جاء أمرنا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أمر الله الملائكة ~~بعذابهم. والثاني: أن الأمر بمعنى العذاب. والثالث: أنه بمعنى القضاء ~~بعذابهم. # قوله تعالى: جعلنا عاليها سافلها الكناية تعود إلى المؤتفكات، وهي قرى ~~قوم لوط، وقد PageV02P392 # ذكرناها في سورة براءة «1» ، ونحن نشير إلى قصة هلاكهم ها هنا. # قال ابن عباس: أمر جبريل لوطا بالخروج، وقال: اخرج وأخرج غنمك وبقرك، ~~فقال: كيف لي بذلك وقد أغلقت أبواب المدينة؟ فبسط جناحه، فحمله وبنتيه وما ~~لهم من شيء، فأخرجهم من المدينة، وسأل جبريل ربه، فقال: يا رب ولني هلاك ~~هؤلاء القوم، فأوحى الله إليه أن تول هلاكهم فلما أن بدا الصبح، غدا ms1055 عليهم ~~جبريل فاحتملها على جناحه، ثم صعد بها حتى خرج الطير في الهواء لا يدري أين ~~يذهب، ثم كفأها عليهم، وسمعوا وجبة «2» شديدة، فالتفتت امرأة لوط، فرماها ~~جبريل بحجر فقتلها، ثم صعد حتى أشرف على الأرض، فجعل يتبع مسافرهم ورعاتهم ~~ومن تحول عن القرية، فرماهم بالحجارة حتى قتلهم. وقال السدي: اقتلع جبريل ~~الأرض من سبع أرضين، فاحتملها حتى بلغ بها إلى أهل السماء الدنيا، حتى سمع ~~أهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها. وقال غيره: كانت خمس قرى، أعظمها سدوم، ~~وكان القوم أربعة آلاف ألف. وقيل: كان في كل قرية مائة ألف مقاتل، فلما ~~رفعها إلى السماء، لم ينكسر لهم إناء ولم يسقط حتى قلبها عليهم. وقيل: نجت ~~من الخمس واحدة لم تكن تعمل مثل عملهم. وانفرد سعيد بن جبير، فقال: إن ~~جبريل وميكائيل توليا قلبها. # قوله تعالى: وأمطرنا عليها في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى ~~القرى. والثاني: # إلى الأمة. وفي السجيل سبعة أقوال «3» : # أحدها: أنها بالفارسية سنك وكل، السنك: الحجر، والكل: الطين، هذا قول ابن ~~عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير. وقال مجاهد: أولها حجر، وآخرها طين. وقال ~~الضحاك: يعني الآجر. # قال ابن قتيبة: من ذهب إلى هذا القول، اعتبره بقوله: حجارة من طين يعنى ~~الآجر. وحكى الفراء أنه طين قد طبخ حتى صار بمنزلة الرحاء «4» . والثاني: ~~أنه بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض، ومنه نزلت الحجارة، قاله عكرمة. ~~والثالث: أن السجيل: اسم السماء الدنيا، فالمعنى: حجارة من السماء الدنيا، ~~قاله ابن زيد. والرابع: أنه الشديد من الحجارة الصلب، قاله أبو عبيدة، ~~وأنشد لابن مقبل: # ضربا تواصت به الأبطال سجينا «5» ورد هذا القول ابن قتيبة، فقال: هذا ~~بالنون، وذاك باللام، وإنما هو في هذا البيت فعيل من سجنت، أي: حبست، كأنه ~~يثبت صاحبه. والخامس: أن قوله: من سجيل كقولك: من سجل، أي: مما كتب لهم أن ~~يعذبوا به، وهذا اختيار الزجاج. والسادس: أنه من أسجلته، أي: أرسلته، ~~فكأنها مرسلة عليهم. والسابع: أنه من أسجلت: إذا أعطيت، حكى القولين ms1056 ~~الزجاج. PageV02P393 # وفي قوله: منضود ثلاثة أقوال: أحدها: يتبع بعضه بعضا، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنه مصفوف، قاله عكرمة، وقتادة. والثالث: نضد بعضه على بعض، لأنه ~~طين جمع فجعل حجارة، قاله الربيع بن أنس «1» . # قوله تعالى: مسومة قاله الزجاج: أي معلمة، أخذ من السومة، وهي العلامة. ~~وفي علامتها ستة أقوال: أحدها: بياض في حمرة، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه ~~قال الحسن. # والثاني: أنها كانت مختومة، فالحجر أبيض وفيه نقطة سوداء، أو أسود وفيه ~~نقطة بيضاء، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: أنها المخططة بالسواد ~~والحمرة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والرابع: عليها نضح من حمرة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع، قاله عكرمة، ~~وقتادة. والخامس: أنها كانت معلمة بعلامة يعرف بها أنها ليست من حجارة ~~الدنيا، قاله ابن جريج. والسادس: أنه كان على كل حجر منها اسم صاحبه، قاله ~~الربيع. وحكي عن بعض من رأى تلك الحجارة أنه قال: كانت مثل رأس الإبل، ومثل ~~مبارك الإبل، ومثل قبضة الرجل. # وفي قوله تعالى: عند ربك أربعة أقوال: أحدها: أن المعنى: جاءت من عند ~~ربك، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: عند ربك معدة، قاله أبو بكر الهذلي. ~~والثالث: أن المعنى: هذا التسويم لزم هذه الحجارة عند الله إيذانا بنفاذ ~~قدرته وشدة عذابه، قاله ابن الأنباري. والرابع: أن معنى قوله تعالى: # «عند ربك» : في خزائنه التي لا يتصرف في شيء منها إلا بإذنه. # قوله تعالى: وما هي من الظالمين ببعيد في المراد بالظالمين ها هنا ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أن المراد بالظالمين هاهنا: كفار قريش، خوفهم الله بها، قاله ~~الأكثرون. والثاني: أنه عام في كل ظالم قال قتادة: والله ما أجار الله منها ~~ظالما بعد قوم لوط، فاتقوا الله وكونوا منه على حذر. والثالث: أنهم قوم ~~لوط، فالمعنى: وما هي من الظالمين، أي: من قوم لوط ببعيد، والمعنى: لم تكن ~~لتخطئهم، قاله الفراء. ### | ### | [سورة هود (11) : الآيات 84 الى # 85] # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ms1057 ولا ~~تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ~~(84) ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين (85) # قوله تعالى: وإلى مدين قد فسرناه في سورة الأعراف «2» . قوله تعالى: ولا ~~تنقصوا المكيال والميزان أي: لا تطففوا وكانوا يطففون مع كفرهم. قوله ~~تعالى: إني أراكم بخير فيه قولان: PageV02P394 # أحدهما: أنه رخص الأسعار، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد. والثاني: سعة ~~المال، وهو مروي عن ابن عباس أيضا، وبه قال قتادة، وابن زيد. وقال الفراء: ~~أموالكم كثيرة، وأسعاركم رخيصة، فأي حاجة بكم إلى سوء الكيل والوزن «1» ؟! ~~قوله تعالى: وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~غلاء السعر، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: القحط والجدب والغلاء. والثاني: ~~العذاب في الدنيا، وهو الذي أصابهم، قاله مقاتل. والثالث: عذاب النار في ~~الآخرة، ذكره الماوردي «2» . # قوله تعالى: أوفوا المكيال والميزان بالقسط أي: أتموا ذلك بالعدل. ~~والإيفاء: الإتمام. # ولا تعثوا في الأرض مفسدين بنقص المكيال والميزان. ### | ### | [سورة هود (11) : الآيات 86 الى # 95] # بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (86) قالوا يا ~~شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشؤا ~~إنك لأنت الحليم الرشيد (87) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ~~ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا ~~الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (88) ويا ~~قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم ~~صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي ~~رحيم ودود (90) # قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك ~~لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله ~~واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط (92) ويا قوم اعملوا على ~~مكانتكم إني عامل ms1058 سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني ~~معكم رقيب (93) ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا ~~وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (94) كأن لم يغنوا فيها ~~ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود (95) # قوله تعالى: بقيت الله خير لكم فيه ثمانية أقوال «3» : أحدها: ما أبقى ~~الله بكم من الحلال بعد PageV02P395 # إيفاء الكيل والوزن، خير من البخس، قاله ابن عباس. والثاني: رزق الله خير ~~لكم، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال سفيان. والثالث: طاعة الله خير لكم، ~~قاله مجاهد، والزجاج. والرابع: حظكم من الله خير لكم، قاله قتادة. والخامس: ~~رحمة الله خير لكم، قاله ابن زيد. والسادس: وصية الله خير لكم، قاله ~~الربيع. والسابع: ثواب الله في الآخرة خير لكم، قاله مقاتل. والثامن: ~~مراقبة الله خير لكم، ذكره الفراء. وقرأ الحسن البصري: «تقية الله خير لكم» ~~بالتاء. # قوله تعالى: إن كنتم مؤمنين شرط الإيمان في كونه خيرا لهم، لأنهم إن ~~كانوا مؤمنين بالله عز وجل، عرفوا صحة ما يقول. وفي قوله عز وجل: وما أنا ~~عليكم بحفيظ ثلاثة أقوال: أحدها: # ما أمرت بقتالكم وإكراهكم على الإيمان. والثاني: ما أمرت بمراقبتكم عند ~~كيلكم لئلا تبخسوا. # والثالث: ما أحفظكم من عذاب الله إن نالكم. # قوله تعالى: أصلاتك تأمرك وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص: «أصلاتك» على ~~التوحيد. وفي المراد بصلواته ثلاثة أقوال: أحدها: دينة، قاله عطاء. ~~والثاني: قراءته، قاله الأعمش. # والثالث: أنها الصلوات المعروفة. وكان شعيب كثير الصلاة. # قوله تعالى: أو أن نفعل في أموالنا ما نشؤا قال الفراء: معنى الآية: ~~أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما ~~نشاء؟ # وفي معنى الكلام على قراءة من قرأ بالنون قولان: أحدهما: أن فعلهم في ~~أموالهم هو البخس والتطفيف، قاله ابن عباس فالمعنى: قد تراضينا فيما بيننا ~~بذلك. # والثاني: أنهم كانوا يقطعون الدراهم والدنانير، فنهاهم عن ذلك، قاله ابن ~~زيد. وقال القرظي: # عذبوا في قطعهم الدراهم. قال ابن الأنباري: وقرأ ms1059 الضحاك بن قيس الفهري: ~~«ما تشاء» بالتاء، ونسق «أن تفعل» على «أن تترك» ، واستغنى عن الإضمار. قال ~~سفيان الثوري: في معنى هذه القراءة أنه أمرهم بالزكاة فامتنعوا. وقرأ أبو ~~عبد الرحمن السلمي، والضحاك، وابن أبي عبلة: «أو أن تفعل في أموالنا ما ~~تشاء» بالتاء فيهما «1» ومعنى هذه القراءة كمعنى قراءة الفهري. # وفي قوله تعالى: إنك لأنت الحليم الرشيد أربعة أقوال: # أحدها: أنهم قالوه استهزاء به، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ~~قتادة، والفراء. # والثاني: أنهم قالوا له: إنك لأنت السفيه الجاهل، فكنى بهذا عن ذلك، ذكره ~~الزجاج. # والثالث: أنهم سبوه بأنه ليس بحليم ولا رشيد، فأثنى الله عز وجل عليه ~~فقال: بل إنك لأنت الحليم الرشيد، لا كما قال لك الكافرون، حكاه أبو سليمان ~~الدمشقي عن أبي الحسن المصيصي. PageV02P396 # والرابع: أنهم اعترفوا له بالحلم والرشد حقيقة، وقالوا: أنت حليم رشيد، ~~فلم تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ حكاه الماوردي، وذهب إلى نحوه ابن ~~كيسان. # قوله تعالى: إن كنت على بينة من ربي قد تقدم تفسيره. # وفي قوله تعالى: ورزقني منه رزقا حسنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحلال ~~قال ابن عباس: # وكان شعيب كثير المال. والثاني: النبوة. والثالث: العلم والمعرفة. # قال الزجاج: وجواب الشرط ها هنا متروك، والمعنى: إن كنت على بينة من ربي، ~~أتبع الضلال؟ # فترك الجواب، لعلم المخاطبين بالمعنى، وقد مر مثل هذا. # قوله تعالى: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه قال قتادة: لم أكن ~~لأنهاكم عن أمر ثم أرتكبه. وقال الزجاج: ما أقصد بخلافكم القصد إلى ~~ارتكابه. # قوله تعالى: إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت أي: ما أريد بما آمركم به إلا ~~إصلاح أموركم بقدر طاقتي. وقدر طاقتي: إبلاغكم لا إجباركم. # قوله تعالى: وما توفيقي إلا بالله فتح تاء «توفيقي» أهل المدينة، وابن ~~عامر. ومعنى الكلام: ما أصابتي الحق في محاولة صلاحكم إلا بالله، عليه ~~توكلت أي: فوضت أمري، وذلك أنهم تواعدوه بقولهم: لنخرجنك يا شعيب، وإليه ~~أنيب أي: أرجع. # قوله تعالى: لا ms1060 يجرمنكم شقاقي حرك هذه الياء ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع. ~~قال الزجاج: لا تكسبنكم عداوتكم إياي أن تعذبوا. # قوله تعالى: وما قوم لوط منكم ببعيد فيه قولان: أحدهما: أنهم كانوا قريبا ~~من مساكنهم. # والثاني: أنهم كانوا حديثي عهد بعذاب قوم لوط. قال الزجاج: كان إهلاك قوم ~~لوط أقرب الإهلاكات التي عرفوها. قال ابن الأنباري: إنما وحد بعيدا، لأنه ~~أزاله عن صفة القوم، وجعله نعتا مكان محذوف، تقديره: وما قوم لوط منكم ~~بمكان بعيد. # قوله تعالى: إن ربي رحيم ودود قد سبق معنى الرحيم. فأما الودود: فقال ابن ~~الأنباري: # معناه: المحب لعباده، من قولهم: وددت الرجل أوده ودا وودا، ويقال: وددت ~~الرجل ودادا وودادة وودادة. وقال الخطابي: هو اسم مأخوذ من الود وفيه ~~وجهان: # أحدهما: أن يكون فعولا في محل مفعول، كما قيل: رجل هيوب، بمعنى مهيب، ~~وفرس ركوب، بمعنى مركوب، فالله سبحانه مودود في قلوب أوليائه لما يتعرفونه ~~من إحسانه إليهم. # والوجه الآخر: أن يكون بمعنى الواد، أي أنه يود عباده الصالحين، بمعنى ~~أنه يرضى عنهم بتقبل أعمالهم ويكون معناه: أن يوددهم إلى خلقه، كقوله عز ~~وجل: سيجعل لهم الرحمن ودا «1» . # قوله تعالى: ما نفقه كثيرا مما تقول قال ابن الأنباري: معناه: ما نفقه ~~صحة كثير مما تقول، لأنهم كانوا يتدينون بغيره، ويجوز أن يكونوا لاستثقالهم ~~ذلك كأنهم لا يفقهونه. PageV02P397 # قوله تعالى: وإنا لنراك فينا ضعيفا فيه أربعة أقوال: أحدها: ضريرا قال ~~ابن عباس وابن جبير وقتادة: كان أعمى. قال الزجاج: ويقال إن حمير تسمي ~~المكفوف ضعيفا. والثاني: ذليلا، قاله الحسن وأبو روق ومقاتل. وزعم أبو روق ~~أن الله لم يبعث نبيا أعمى ولا نبيا به زمانة. والثالث: ضعيف البصر، قاله ~~سفيان. والرابع: عاجزا عن التصرف في المكاسب، ذكره ابن الأنباري. قوله ~~تعالى: # ولولا رهطك لرجمناك قال الزجاج: لولا عشيرتك لقتلناك بالرجم، والرجم من ~~سيئ القتلات، وكان رهطه من أهل ملتهم، فلذلك أظهروا الميل إليهم والإكرام ~~لهم. وذكر بعضهم أن الرجم ها هنا بمعنى الشتم والأذى. قوله تعالى: وما أنت ms1061 ~~علينا بعزيز فيه قولان: أحدهما: بكريم. والثاني: بممتنع أن نقتلك. # قوله تعالى: أرهطي أعز عليكم من الله وأسكن ياء «رهطي» أهل الكوفة، ~~ويعقوب، والمعنى: أتراعون رهطي في، ولا تراعون الله في؟ # قوله تعالى: واتخذتموه وراءكم في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع ~~إلى الله تعالى، قاله الجمهور. قال الفراء: المعنى: رميتم بأمر الله وراء ~~ظهوركم. قال الزجاج: والعرب تقول لكل من لا يعبأ بأمر: قد جعل فلان هذا ~~الأمر بظهر، قال الشاعر «1» : # تميم بن قيس لا تكونن حاجتي ... بظهر فلا يعيا علي جوابها # والثاني: أنها كناية عما جاء به شعيب، قاله مجاهد. # قوله تعالى: إن ربي بما تعملون محيط أي: عالم بأعمالكم، فهو يجازيكم بها. ~~وما بعد هذا قد سبق تفسيره «2» إلى قوله تعالى: سوف تعلمون. فإن قال قائل: ~~كيف قال ها هنا: «سوف» وفي أخرى: «فسوف» «3» ؟ فالجواب: أن كلا الأمرين حسن ~~عند العرب، إن أدخلوا الفاء، دلوا على اتصال ما بعد الكلام بما قبله، وإن ~~أسقطوها، بنوا الكلام الأول على أنه قد تم، وما بعده مستأنف، كقوله تعالى: ~~إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا «4» والمعنى: فقالوا: ~~أتتخذنا، بالفاء، فحذفت الفاء لتمام ما قبلها. قال امرؤ القيس: # فقالت يمين الله ما لك حيلة ... وما إن أرى عنك الغواية تنجلي # خرجت بها أمشي تجر وراءنا ... على إثرنا أذيال مرط مرحل «5» # قال ابن الأنباري: أراد: فخرجت، فأسقط الفاء لتمام ما قبلها. ويروى: فقمت ~~بها أمشي. # قوله تعالى: وارتقبوا إني معكم رقيب قال ابن عباس: ارتقبوا العذاب، فإني ~~أرتقب الثواب. قوله تعالى: وأخذت الذين ظلموا الصيحة. قال المفسرون: صاح ~~بهم جبريل فماتوا في أمكنتهم. قال محمد بن كعب: عذب أهل مدين بثلاثة أصناف ~~من العذاب، أخذتهم رجفة في ديارهم حتى خافوا أن تسقط عليهم، فخرجوا منها ~~فأصابهم حر شديد، فبعث الله الظلة، فتنادوا: هلم إلى الظل فدخلوا جميعا في ~~الظلة، فصيح بهم صيحة واحدة فماتوا كلهم. قال ابن عباس: لم تعذب أمتان ~~PageV02P398 # قط بعذاب واحد، إلا قوم شعيب وصالح، فأما ms1062 قوم صالح، فأخذتهم الصيحة من ~~تحتهم، وأما قوم شعيب، فأخذتهم من فوقهم، نشأت لهم سحابة كهيئة الظلة فيها ~~ريح بعد أن امتنعت الريح عنهم، فأتوها يستظلون تحتها فأحرقتهم. # قوله تعالى: كما بعدت ثمود أي: كما هلكت ثمود. قال ابن قتيبة: يقال: بعد ~~يبعد: إذا كان بعده هلكة وبعد يبعد: إذا نأى. ### | [سورة هود (11) : الآيات 96 الى 97] # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (96) إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر ~~فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) # قوله تعالى: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا قال الزجاج: بعلاماتنا التي تدل ~~على صحة نبوته. # وسلطان مبين أي: حجة بينة. قوله تعالى: فاتبعوا أمر فرعون وهو ما أمرهم ~~به من عبادته واتخاذه إلها. وما أمر فرعون برشيد أي: مرشد إلى خير. ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 98] # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود (98) # قوله تعالى: يقدم قومه يوم القيامة قال الزجاج: يقال: قدمت القوم أقدمهم، ~~قدما وقدوما: # إذا تقدمتهم والمعنى: يقدمهم إلى النار ويدل عليه قوله تعالى: فأوردهم ~~النار قال ابن عباس: # أوردهم بمعنى أدخلهم. وقال قتادة: يمضي بين أيديهم حتى يهجم بهم على ~~النار. وقوله تعالى: # وبئس الورد المورود قال المفسرون: الورد: الموضع الذي ترده. وقال ابن ~~الأنباري: الورد: مصدر معناه: الورود، تجعله العرب بمعنى الموضع المورود ~~فتلخيص الحرف: وبئس المدخل المدخول النار. ### | [سورة هود (11) : آية 99] # وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود (99) # قوله تعالى: وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة. في هذه اللعنة قولان: # أحدهما: أنها في الدنيا الغرق، وفي الآخرة عذاب النار، هذا قول الكلبي، ~~ومقاتل. # والثاني: أنها اللعنة في الدنيا من المؤمنين، وفي الآخرة من الملائكة، ~~ذكره الماوردي «1» . # قوله تعالى: بئس الرفد المرفود قال ابن قتيبة: الرفد: العطية يقول: ~~اللعنة بئس العطية يقال: رفدته أرفده: إذا أعطيته وأعنته. والمرفود: ~~المعطى. ### | [سورة هود (11) : آية 100] # ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (100) # قوله تعالى: ذلك من أنباء القرى يعني ما تقدم من الخبر عن القرى المهلكة. ~~نقصه عليك أي: نخبرك به منها ms1063 قائم وحصيد قال قتادة: القائم: ما يرى مكانه، ~~والحصيد: لا يرى أثره. وقال ابن قتيبة: القائم: الظاهر العين، والحصيد: ~~الذي قد أبيد وحصد. وقال الزجاج: القائم: ما بقيت حيطانه، والحصيد: الذي ~~خسف به وما قد امحى أثره. PageV02P399 ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 101] # وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون ~~الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) # قوله تعالى: وما ظلمناهم أي: بالعذاب والإهلاك. ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر ~~والمعاصي. فما أغنت عنهم آلهتهم أي: فما نفعتهم ولا دفعت عنهم شيئا لما جاء ~~أمر ربك بالهلاك. وما زادوهم يعني الآلهة غير تتبيب وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه التخسير، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، ~~واختاره ابن قتيبة، والزجاج. والثاني: أنه الشر، قاله ابن زيد. والثالث: ~~التدمير والإهلاك، قاله أبو عبيدة. # فإن قيل: الآلهة جماد، فكيف قال: «زادوهم» ؟ فعنه جوابان: أحدهما: وما ~~زادتهم عبادتها. # والثاني: أنها في القيامة تكون عونا عليهم فتزيدهم شرا. ### | [سورة هود (11) : الآيات 102 الى 104] # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (102) إن في ~~ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود (103) ~~وما نؤخره إلا لأجل معدود (104) # قوله تعالى: وكذلك أخذ ربك أي: وكما ذكر من إهلاك الأمم وأخذهم بالعذاب ~~أخذ ربك. # إذا أخذ القرى وهي ظالمة وصف القرى بالظلم، والمراد أهلها. وقال ابن ~~عباس: الظلم ها هنا: # بمعنى الكفر. # قوله تعالى: إن في ذلك لآية يعني ما ذكر من عذاب الأمم وأخذهم. والآية: ~~العبرة والعظة. # ذلك يوم مجموع له الناس لأن الخلق يحشرون فيه، ويشهده البر والفاجر، وأهل ~~السماء والأرض.. # وما نؤخره وروى زيد عن يعقوب، وأبو زيد عن المفضل «وما يؤخره بالياء» ~~والمعنى: وما نؤخر ذلك اليوم إلا لوقت معلوم لا يعلمه إلا الله عز وجل. ### | [سورة هود (11) : الآيات 105 الى 108] # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (105) فأما الذين شقوا ms1064 ~~ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106) خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ~~إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد (107) وأما الذين سعدوا ففي الجنة ~~خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) # قوله تعالى: يوم يأت قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي: «يوم يأتي» ~~بياء في الوصل وحذفوها في الوقف غير أن ابن كثير كان يقف بالياء ويصل ~~بالياء. وقرأ عاصم وابن عامر، وحمزة بغير ياء في الوصل والوقف. قال الزجاج: ~~الذي يختاره النحويون «يوم يأتي» باثبات الياء، والذي في المصحف وعليه أكثر ~~القراءات بكسر التاء، وهذيل تستعمل حذف هذه الياءات كثيرا. وقد حكى الخليل ~~وسيبويه، أن العرب تقول: لا أدر، فتحذف الياء وتجتزئ بالكسرة، ويزعمون أن ~~ذلك لكثرة الاستعمال. وقال الفراء: كل ياء ساكنة وما قبلها مكسور، أو واو ~~ساكنة وما قبلها مضموم، فإن العرب # PageV02P400 # تحذفهما وتجتزئ بالكسرة من الياء وبالضمة من الواو، وأنشدني بعضهم «1» : # كفاك كف ما تليق درهما ... جودا وأخرى تعط بالسيف الدما # قال المفسرون: وقوله تعالى: يوم يأت يعني: يأتي ذلك اليوم، لا تكلم نفس ~~إلا بإذن الله، فكل الخلائق ساكتون، إلا من أذن الله له في الكلام. وقيل: ~~المراد بهذا الكلام الشفاعة. # قوله تعالى: فمنهم شقي قال ابن عباس: منهم من كتبت عليه الشقاوة، ومنهم ~~من كتبت له السعادة. # قوله تعالى: لهم فيها زفير وشهيق فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الزفير كزفير الحمار في الصدر، وهو أول ما ينهق، والشهيق كشهيق ~~الحمار في الحلق، وهو آخر ما يفرغ من نهيقه، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ~~وبه قال الضحاك، ومقاتل، والفراء. وقال الزجاج: الزفير: شديد الأنين ~~وقبيحه، والشهيق: الأنين الشديد المرتفع جدا، وهما من أصوات المكروبين. ~~وزعم أهل اللغة من الكوفيين والبصريين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار ~~في النهيق، والشهيق بمنزلة آخر صوته في النهيق. # والثاني: أن الزفير في الحلق، والشهيق في الصدور، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس، وبه قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وفي ms1065 رواية أخرى عن ابن عباس: ~~الزفير: الصوت الشديد، والشهيق: الصوت الضعيف. وقال ابن فارس: الشهيق ضد ~~الزفير، لأن الشهيق رد النفس، والزفير إخراج النفس. وقال غيره: الزفير: ~~الشديد، مأخوذ من الزفر، وهو الحمل على الظهر لشدته والشهيق: النفس الطويل ~~الممتد، مأخوذ من قولهم: جبل شاهق، أي طويل. # والثالث: أن الزفير زفير الحمار، والشهيق شهيق البغال، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض المعروف فيه قولان: ~~أحدهما: أنها السماوات المعروفة عندنا، والأرض المعروفة. قال ابن قتيبة، ~~وابن الأنباري: للعرب في معنى الأبد الفاظ تقول: لا أفعل ذلك ما اختلف ~~الليل والنهار، وما دامت السماوات والأرض، وما اختلفت الجرة والدرة، وما ~~أطت الإبل «2» ، في أشباه لهذا كثيرة، ظنا منهم أن هذه الأشياء لا تتغير، ~~فخاطبهم الله بما يستعملون في كلامهم. والثاني: أنها سماوات الجنة والنار ~~وأرضهما. # قوله تعالى: إلا ما شاء ربك في الاستثناء المذكور في حق أهل النار سبعة ~~أقوال «3» : PageV02P401 # أحدها: أن الاستثناء في حق الموحدين الذين يخرجون بالشفاعة، قاله ابن ~~عباس، والضحاك. # والثاني: أنه استثناء لا يفعله، تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، ~~وعزيمتك على ضربه، ذكره الفراء، وهو معنى قول أبي صالح عن ابن عباس: «إلا ~~ما شاء ربك» قال: فقد شاء أن يخلدوا فيها. قال الزجاج: وفائدة هذا، أنه لو ~~شاء أن يرحمهم لرحمهم، ولكنه أعلمنا أنهم خالدون أبدا. والثالث: أن المعنى: ~~خالدين فيها أبدا، غير أن الله تعالى يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم، ثم يجدد ~~خلقهم، فيرجع الاستثناء إلى تلك الحال، قاله ابن مسعود. والرابع: أن «إلا» ~~بمعنى «سوى» تقول: لو كان معنا رجل إلا زيد، أي: سوى زيد فالمعنى: خالدين ~~فيها مقدار دوام السماوات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود والزيادة، وهذا ~~اختيار الفراء. قال ابن قتيبة: ومثله في الكلام أن تقول: لأسكننك في هذه ~~الدار حولا إلا ما شئت تريد: سوى ما شئت أن أزيدك. والخامس: أنهم إذا حشروا ~~وبعثوا، فهم في شروط القيامة فالاستثناء واقع في الخلود بمقدار ms1066 موقفهم في ~~الحساب، فالمعنى: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا مقدار موقفهم ~~للمحاسبة، ذكره الزجاج. وقال ابن كيسان: الاستثناء يعود إلى مكثهم في ~~الدنيا والبرزخ والوقوف للحساب قال ابن قتيبة: فالمعنى: خالدين في النار ~~وخالدين في الجنة دوام السماء والأرض إلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا ~~قبل ذلك، فكأنه جعل دوام السماء والأرض بمعنى الأبد على ما كانت العرب ~~تستعمل، وإن كانتا قد تتغيران. واستثنى المشيئة من دوامهما، لأن أهل الجنة ~~والنار قد كانوا في وقت من أوقات دوام السماء والأرض في الدنيا، لا في ~~الجنة، ولا في النار. والسادس: أن الاستثناء وقع على أن لهم فيها زفيرا ~~وشهيقا، إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب التي لم تذكر وكذلك لأهل الجنة ~~نعيم مما ذكر، ولهم مما لم يذكر ما شاء ربك، ذكره الزجاج أيضا. والسابع: أن ~~«إلا» بمعنى «كما» ، ومنه قوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ~~إلا ما قد سلف «1» ، ذكره الثعلبي. # فأما الاستثناء في حق أهل الجنة، ففيه ستة أقوال: أحدها: أنه استثناء لا ~~يفعله. والثاني: أن «إلا» بمعنى «سوى» . والثالث: أنه يرجع إلى وقوفهم ~~للحساب ولبثهم في القبور. والرابع: أنه بمعنى: إلا ما شاء أن يزيدهم من ~~النعيم الذي لم يذكر. والخامس: أن «إلا» بمعنى «كما» وهذه الأقوال قد سبق ~~شرحها. والسادس: أن الاستثناء يرجع إلى لبث من لبث في النار من الموحدين، ~~ثم أدخل الجنة، قاله ابن عباس، والضحاك، ومقاتل. قال ابن قتيبة: فيكون ~~الاستثناء من الخلود مكث أهل الذنوب من المسلمين في النار، فكأنه قال: إلا ~~ما شاء ربك من إخراج المذنبين إلى الجنة، وخالدين في الجنة إلا ما شاء ربك ~~من إدخال المذنبين النار مدة «2» . PageV02P402 # واختلف القراء في «سعدوا» فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو ~~بكر عن عاصم: # «سعدوا» بفتح السين. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بضمها، وهما لغتان. # قوله تعالى: عطاء غير مجذوذ نصب عطاء بما دل عليه الكلام، كأنه قال: ~~أعطاهم النعيم ms1067 عطاء. والمجذوذ: المقطوع قال ابن قتيبة: يقال: جذذت، وجددت، ~~وجذفت، وجدفت: إذا قطعت. ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 109] # فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل ~~وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109) # قوله تعالى: فلا تك في مرية أي: فلا تك يا محمد في شك مما يعبد هؤلاء ~~المشركون من الأصنام، أنه باطل وضلال، إنما يقلدون آباءهم، وإنا لموفوهم ~~نصيبهم وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: ما قدر لهم من خير وشر، قاله ابن عباس. ~~والثاني: نصيبهم من الرزق، قاله أبو العالية. والثالث: نصيبهم من العذاب، ~~قاله ابن زيد. وقال بعضهم: لا ينقصهم من عذاب آبائهم. ### | [سورة هود (11) : آية 110] # ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~وإنهم لفي شك منه مريب (110) # قوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتاب يعني التوراة فاختلف فيه فمن مصدق به ~~ومكذب كما فعل قومك بالقرآن. قال المفسرون: وهذه تعزية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم. # قوله تعالى: ولولا كلمة سبقت من ربك قال ابن عباس: يريد: إني أخرت أمتك ~~إلى يوم القيامة، ولولا ذلك لعجلت عقاب من كذبك. وقال ابن قتيبة: لولا نظرة ~~لهم إلى يوم الدين لقضي بينهم في الدنيا. وقال ابن جرير: سبقت من ربك أنه ~~لا يعجل على خلقه بالعذاب، لقضي بين المصدق منهم والمكذب باهلاك المكذب ~~وإنجاء المصدق. # قوله تعالى: وإنهم لفي شك منه أي: من القرآن مريب أي: موقع للريب. ### | [سورة هود (11) : آية 111] # وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير (111) # قوله تعالى: وإن كلا يشير إلى جميع من قص قصته في هذه السورة. وقال ~~مقاتل: يعني به كفار هذه الأمة. وقيل: المعنى: وإن كلا لخلق أو بشر ~~ليوفينهم. قرأ أبو عمرو، والكسائي «وإن» مشددة النون، «لما» خفيفة. واللام ~~في «لما» لام التوكيد، دخلت على «ما» وهي خبر «إن» . واللام في «ليوفينهم» ~~اللام التي يتلقى بها القسم، والتقدير: والله ليوفينهم، ودخلت «ما» للفصل ~~بين اللامين. قال # PageV02P403 # مكي بن أبي طالب: وقيل: ms1068 إن «ما» زائدة، لكن دخلت لتفصل بين اللامين ~~اللذين يتلقيان القسم وكلاهما مفتوح، ففصل ب «ما» بينهما. وقرأ ابن كثير ~~«وإن» بالتخفيف، وكذلك «لما» . قال سيبويه: # حدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: إن عمرا لمنطلق، فيخففون «إن» ~~ويعملونها، وأنشد: # ووجه حسن النحر ... كأن ثدييه حقان # وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: «وإن» خفيفة، «لما» مشددة، والمعنى: وما ~~كلا إلا وهذا كما تقول: سألتك لما فعلت، وإلا فعلت، ومثله قوله: إن كل نفس ~~لما عليها حافظ «1» وقرأ حمزة، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «وإن» بالتشديد، ~~«لما» بالتشديد أيضا. قال أبو علي: هذه قراءة مشكلة، لأنه كما لا يحسن: إن ~~زيدا إلا منطلق، كذلك لا يحسن تثقيل «إن» وتثقيل «لما» . وحكي عن الكسائي ~~أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل في «لما» ، ولم يبعد فيما قال. وقال مكي بن ~~أبي طالب: الأصل فيها «لمن ما» ثم أدغمت النون في الميم، فاجتمعت ثلاث ~~ميمات في اللفظ، فحذفت الميم المكسورة والتقدير: وإن كلا لمن خلق ليوفينهم. ~~قال: وقيل: التقدير: «لمن ما» بفتح الميم في «من» فتكون «ما» زائدة، وتحذف ~~إحدى الميمات لتكرير الميم في اللفظ والتقدير: لخلق ليوفينهم، ومعنى ~~الكلام: # ليوفينهم جزاء أعمالهم «2» . ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 112] # فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (112) # قوله تعالى: فاستقم كما أمرت قال ابن عيينة: استقم على القرآن. وقال ابن ~~قتيبة: امض على ما أمرت به. قوله تعالى: ومن تاب معك قال ابن عباس: من تاب ~~معك من الشرك. قوله تعالى: # ولا تطغوا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لا تطغوا في القرآن، فتحلوا وتحرموا ~~ما لم آمركم به، قاله ابن عباس. والثاني: لا تعصوا ربكم ولا تخالفوه، قاله ~~ابن زيد. والثالث: لا تخلطوا التوحيد بشك، قاله مقاتل. ### | [سورة هود (11) : آية 113] # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ~~ثم لا تنصرون (113) # قوله تعالى: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا روى عبد الوارث عن أبي عمرو: ms1069 ~~«تركنوا» بفتح التاء وضم الكاف، وهي قراءة قتادة. وروى هارون عن أبي عمرو ~~«تركنوا» بفتح التاء وكسر الكاف. وروى محبوب عن أبي عمرو: «تركنوا» بكسر ~~التاء وفتح الكاف. وقرأ ابن أبي عبلة «تركنوا» بضم التاء وفتح الكاف على ما ~~لم يسم فاعله. وفي المراد بهذا الركون أربعة أقوال «3» : أحدها: لا تميلوا ~~إلى PageV02P404 # المشركين، قاله ابن عباس. والثاني: لا ترضوا أعمالهم، قاله أبو العالية. ~~والثالث: لا تلحقوا بالمشركين، قاله قتادة. والرابع: لا تداهنوا الظلمة، ~~قاله السدي، وابن زيد. # وفي قوله تعالى: فتمسكم النار وجهان. أحدهما: فتصيبكم النار، قاله ابن ~~عباس. # والثاني: فيتعدى إليكم ظلمهم كما تتعدى النار إلى إحراق ما جاورها، ذكره ~~الماوردي. # قوله تعالى: وما لكم من دون الله من أولياء أي ليس لكم أعوان يمنعونكم من ~~العذاب. ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 114] # وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ~~ذكرى للذاكرين (114) # قوله تعالى: وأقم الصلاة طرفي النهار. # (797) أما سبب نزولها، فروى علقمة والأسود عن ابن مسعود أن رجلا قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أخذت امرأة في البستان فقبلتها، وضممتها ~~إلي، وباشرتها، وفعلت بها كل شيء، غير أني لم أجامعها فسكت النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: وأقم الصلاة طرفي النهار الآية، فدعا الرجل ~~فقرأها عليه، فقال عمر: أهي له خاصة أم للناس كافة؟ قال: «لا، بل للناس ~~كافة» . # (798) وفي رواية أخرى عن ابن مسعود: أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى ~~رسول الله، فذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية، فقال الرجل: ألي هذه الآية؟ ~~فقال: «لمن عمل بها من أمتي» . # (799) وقال معاذ بن جبل: كنت قاعدا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فجاء رجل، فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل أصاب من امرأة ما لا يحل له، ~~فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته إلا أصابه منها، غير أنه لم يجامعها؟ ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «توضأ وضوءا حسنا، ثم قم فصل» ، فأنزل ~~الله تعالى هذه ms1070 الآية، فقال معاذ: أهي له خاصة، أم للمسلمين عامة؟ فقال: ~~«بل هي للمسلمين عامة» . واختلفوا في اسم هذا الرجل. # (800) فقال أبو صالح عن ابن عباس: هو عمرو بن غزية الأنصاري، وفيه نزلت ~~هذه الآية، كان PageV02P405 # يبيع التمر، فأتته امرأة تبتاع منه تمرا، فأعجبته، فقال: إن في البيت ~~تمرا أجود من هذا، فانطلقي معي حتى أعطيك منه فذكر نحو حديث معاذ. # وقال مقاتل: هو أبو مقبل عامر بن قيس الأنصاري. وذكر أحمد بن علي بن ثابت ~~الخطيب الحافظ أنه أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري. وذكر في الذي قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، أله خاصة؟ ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أبو اليسر صاحب القصة. والثاني: معاذ بن جبل. والثالث: عمر بن ~~الخطاب «1» . # فأما التفسير، فقوله عز وجل: وأقم الصلاة أي: أتم ركوعها وسجودها. فأما ~~طرفا النهار، ففي الطرف الأول قولان: أحدهما: أنه صلاة الفجر، قاله ~~الجمهور. والثاني: أنه الظهر، حكاه ابن جرير. وفي الطرف الثاني ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه صلاة المغرب، قاله ابن عباس، وابن زيد. والثاني: # العصر، قاله قتادة. وعن الحسن كالقولين. والثالث: الظهر، والعصر، قاله ~~مجاهد، والقرظي. وعن الضحاك كالأقوال الثلاثة. # قوله تعالى: وزلفا من الليل وقرأ أبو جعفر، وشيبة «وزلفا» بضم اللام. قال ~~أبو عبيدة: # الزلف: الساعات، واحدها: زلفة، أي: ساعة ومنزلة وقربة، ومنه سميت ~~المزدلفة، قال العجاج: # ناج طواه الأين مما أوجفا ... طي الليالي زلفا فزلفا # سماوة الهلال حتى احقوقفا «2» قال ابن قتيبة: ومنه يقال: أزلفني كذا ~~عندك، أي: أدناني والمزالف: المنازل والدرج، وكذلك الزلف. وفيها للمفسرين ~~قولان: أحدهما: أنها صلاة العتمة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وعوف عن ~~الحسن، وابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال ابن زيد. # والثاني: أنها صلاة المغرب والعشاء، روي عن ابن عباس أيضا، ورواه يونس عن ~~الحسن، ومنصور عن مجاهد، وبه قال قتادة، ومقاتل، والزجاج. # قوله تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات في المراد بالحسنات قولان: أحدهما: ~~أنها الصلوات الخمس، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وابن المسيب، ومسروق، ~~ومجاهد، والقرظي، ms1071 والضحاك، والمقاتلان: ابن سليمان، وابن حيان. والثاني: ~~أنها سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، رواه منصور عن مجاهد. ~~والأول أصح، لأن الجمهور عليه. وفيه حديث مسند عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: PageV02P406 # (801) رواه عثمان بن عفان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه توضأ، ~~وقال: «من توضأ وضوئي هذا، ثم صلى الظهر، غفر له ما كان بينها وبين صلاة ~~الصبح، ومن صلى العصر، غفر له ما بينها وبين صلاة الظهر، ومن صلى المغرب، ~~غفر له ما بينها وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء، غفر له ما بينها وبين ~~صلاة المغرب، ثم لعله أن يبيت ليلته يتمرغ، ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح، ~~غفر له ما بينه وبين صلاة العشاء، وهن الحسنات يذهبن السيئات» . # فأما السيئات المذكورة ها هنا، فقال المفسرون: هي الصغائر من الذنوب. # (802) وقد روى معاذ بن جبل، قال: قلت: يا رسول الله، أوصني قال: «اتق ~~الله حيثما كنت» ، قال: قلت: زدني قال: أتبع السيئة الحسنة تمحها» ، قلت: ~~زدني قال: «خالق الناس بخلق حسن» . # قوله تعالى: ذلك ذكرى للذاكرين في المشار إليه ب ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه القرآن. والثاني: إقام الصلاة. والثالث: جميع ما تقدم من ~~الوصية بالاستقامة، والنهي عن الطغيان، وترك الميل إلى الظالمين، والقيام ~~بالصلاة. # وفي المراد بالذكرى قولان: أحدهما: أنه بمعنى التوبة. والثاني: بمعنى ~~العظة. ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 115] # واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (115) # قوله تعالى: واصبر فيما أمر بالصبر عليه قولان: # أحدهما: لما يلقاه من أذى قومه. والثاني: الصلاة. # وفي المراد بالمحسنين ثلاثة أقوال: أحدها: المصلون، قاله ابن عباس. ~~والثاني: المخلصون، PageV02P407 # قاله مقاتل. والثالث: أنهم المحسنون في أعمالهم، قاله أبو سليمان. ### | ### | [سورة هود (11) : آية # 116] # فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا ~~قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين ~~(116) # قوله تعالى: فلولا كان من القرون قال ابن عباس، والفراء: المعنى: فلم ~~يكن. وقال ابن قتيبة: المعنى: ms1072 فهلا كان من القرون من قبلكم أولو بقية. وروى ~~ابن جماز عن أبي جعفر «أولو بقية» بكسر الباء وسكون القاف وتخفيف الياء. ~~وفي معنى «أولو بقية» ثلاثة أقوال: أحدها: أولو دين، قاله ابن عباس. قال ~~ابن قتيبة: يقال: قوم لهم بقية، وفيهم بقية: إذا كانت بهم مسكة وفيهم خير. ~~والثاني: # أولو تمييز. والثالث: أولو طاعة، ذكرهما الزجاج، وقال: إذا قلت: فلان فيه ~~بقية، فمعناه: فيه فضل. # قوله تعالى: إلا قليلا استثناء منقطع، أي: لكن قليلا ممن أنجينا منهم ممن ~~نهى عن الفساد. قال مقاتل: لم يكن من القرون من ينهى عن المعاصي والشرك إلا ~~قليلا ممن أنجينا من العذاب مع الرسل. # قوله تعالى: واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه أي: اتبعوا مع ظلمهم ما ~~أترفوا فيه مع استدامة نعيمهم، فلم يقبلوا ما ينقص من ترفهم. قال الفراء: ~~آثروا اللذات على أمر الآخرة. قال: ويقال: اتبعوا ذنوبهم السيئة إلى النار. ### | [سورة هود (11) : آية 117] # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) # قوله تعالى: وما كان ربك ليهلك القرى بظلم فيه قولان: أحدهما: بغير جرم، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: بشرك، ذكره ابن جرير، وأبو سليمان. ~~وفي قوله: وأهلها مصلحون ثلاثة أقوال: أحدها: ينتصف بعضهم من بعض، رواه قيس ~~بن أبي حازم عن جرير. قال أبو جعفر الطبري: فيكون المعنى: لا يهلكهم إذا ~~تناصفوا وإن كانوا مشركين، وإنما يهلكهم إذا تظالموا. # والثاني: مصلحون لأعمالهم، متمسكون بالطاعة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ~~والثالث: مؤمنون، قاله مقاتل. ### | [سورة هود (11) : الآيات 118 الى 119] # ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ~~ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (119) # قوله تعالى: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة قال ابن عباس: لو شاء أن ~~يجعلهم كلهم مسلمين لفعل. قوله تعالى: ولا يزالون مختلفين في المشار إليهم ~~قولان «1» : أحدهما: أنهم أهل PageV02P408 # الحق وأهل الباطل، رواه الضحاك عن ابن عباس فيكون المعنى: إن هؤلاء ~~يخالفون ms1073 هؤلاء. والثاني: # أنهم أهل الأهواء لا يزالون مختلفين، رواه عكرمة عن ابن عباس. # قوله تعالى: إلا من رحم ربك قال ابن عباس: هم أهل الحق. وقال الحسن: أهل ~~رحمة الله لا يختلفون. قولة تعالى: ولذلك خلقهم في المشار إليه بذلك أربعة ~~أقوال: أحدها: أنه يرجع إلى ما هم عليه. قال ابن عباس: خلقهم فريقين، فريقا ~~يرحم فلا يختلف، وفريقا لا يرحم يختلف. والثاني: # أنه يرجع إلى الشقاء والسعادة، قاله ابن عباس أيضا، واختاره الزجاج، قال: ~~لأن اختلافهم مؤديهم إلى سعادة وشقاوة. قال ابن جرير: واللام في قوله: ~~«ولذلك» بمعنى «على» . والثالث: أنه يرجع إلى الاختلاف، رواه مبارك عن ~~الحسن. والرابع: أنه يرجع إلى الرحمة، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال ~~عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة فعلى هذا يكون المعنى: ولرحمته خلق الذين ~~لا يختلفون في دينهم «1» . # قوله تعالى: وتمت كلمة ربك قال ابن عباس: وجب قول ربك: لأملأن جهنم من ~~كفار الجنة، وكفار الناس. ### | [سورة هود (11) : آية 120] # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة ~~وذكرى للمؤمنين (120) # قوله تعالى: وكلا نقص قال الزجاج: «كلا» منصوب ب «نقص» ، المعنى: كل الذي ~~تحتاج إليه من أنباء الرسل نقص عليك. و «ما» منصوبة بدلا من كل، المعنى: ~~نقص عليك ما نثبت به فؤادك ومعنى تثبيت الفؤاد: تسكين القلب ها هنا، ليس ~~للشك، ولكن كلما كان البرهان والدلالة أكثر، كان القلب أثبت. # قوله تعالى: وجاءك في هذه الحق في المشار إليه ب «هذه» أربعة أقوال: ~~أحدها: أنها السورة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير وأبو العالية، ~~ورواه شيبان عن قتادة. والثاني: أنها الدنيا، فالمعنى: وجاءك في هذه ~~الدنيا، رواه سعيد عن قتادة وعن الحسن كالقولين. والثالث: أنها الأقاصيص ~~المذكورة. والرابع: أنها هذه الآية بعينها، ذكر القولين ابن الأنباري «2» . ~~وفي المراد بالحق ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنها البيان. والثاني: صدق ~~القصص والأنباء. والثالث: النبوة. # فإن قيل: أليس قد جاءه الحق في كل القرآن، فلم خص هذه ms1074 السورة؟ ~~PageV02P409 # فالجواب: أنا إن قلنا: إن الحق النبوة، فالإشارة ب «هذه» إلى الدنيا، ~~فيكون المعنى: وجاءك في هذه الدنيا النبوة، فيرتفع الإشكال. وإن قلنا: إنها ~~السورة، فعنه أربعة أجوبة: # أحدها: أن المراد بالحق البيان، وهذه السورة جمعت من تبيين إهلاك الأمم، ~~وشرح مآلهم، ما لم يجمع غيرها، فبان أثر التخصيص، وهذا مذهب بعض المفسرين. ~~والثاني: أن بعض الحق أوكد من بعض في ظهوره عندنا وخفائه علينا، ولهذا يقول ~~الناس: فلان في الحق إذا كان في الموت، وإن لم يكن قبله في باطل، ولكن ~~لتعظيم ما هو فيه، فكأن الحق المبين في هذه السورة أجلى من غيره، وهذا مذهب ~~الزجاج. والثالث: أنه خص هذه السورة بذلك لبيان فضلها، وإن كان في غيرها حق ~~أيضا، فهو كقوله عز وجل: والصلاة الوسطى «1» ، وقوله عز وجل: وجبريل وميكال ~~«2» ، وهذا مذهب ابن الأنباري. والرابع: أن المعنى: وجاءك في هذه السورة ~~الحق مع ما جاءك من سائر السور، قاله ابن جرير الطبري. # قوله تعالى: وموعظة وذكرى للمؤمنين أي: يتعظون إذا سمعوا هذه السورة وما ~~نزل بالأمم فتلين قلوبهم. ### | [سورة هود (11) : الآيات 121 الى 122] # وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون (121) وانتظروا إنا ~~منتظرون (122) # قوله تعالى: وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم هذا تهديد ووعيد، ~~والمعنى: اعملوا ما أنتم عاملون فستعلمون عاقبة أمركم وانتظروا ما يعدكم ~~الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا. # (فصل:) قال المفسرون: وهذه الآية اقتضت تركهم على أعمالهم، والاقتناع ~~بإنذارهم، وهي منسوخة بآية السيف. واعلم أنه إذا قلنا: إن المراد بالآية ~~التهديد، لم يتوجه نسخ. ### | [سورة هود (11) : آية 123] # ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ~~ربك بغافل عما تعملون (123) # قوله تعالى: ولله غيب السماوات والأرض أي: علم ما غاب عن العباد فيهما. ~~وإليه يرجع الأمر كله قرأ نافع، وحفص عن عاصم «يرجع الأمر كله» بضم الياء. ~~وقرأ الباقون، وأبو بكر عن عاصم «يرجع» بفتح الياء، والمعنى: إن كل الأمور ~~ترجع إليه في المعاد. فاعبده أي: وحده. ms1075 وتوكل عليه أي: ثق به. وما ربك ~~بغافل عما يعملون قرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم «تعلمون» بالتاء. وقرأ ~~الباقون بالياء. قال أبو علي: فمن قرأ بالتاء، فالمعنى: قل لهم: وما ربك ~~بغافل عما تعملون. ومن قرأ بالياء، فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ولجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، فهو أعم من التاء، وهذا وعيد، والمعنى: إنه ~~يجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. قال كعب: خاتمة التوراة خاتمة «هود» ~~. PageV02P410 ### | سورة يوسف # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب المبين (1) # (فصل في نزولها:) هي مكية بالإجماع. وفي سبب نزولها قولان: # (803) أما القول الأول: فروي عن سعد بن أبي وقاص قال: أنزل القرآن على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلاه عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله، ~~لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى: آلر تلك آيات الكتاب المبين إلى قوله ~~تعالى: نحن نقص عليك أحسن القصص، فتلاه عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله، ~~لو حدثتنا، فأنزل الله تعالى: الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~«1» كل ذلك يؤمرون بالقرآن. # (804) وقال عون بن عبد الله: مل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملة، ~~فقالوا: يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله تعالى: الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها مثاني، ثم إنهم ملوا ملة أخرى، فقالوا: يا رسول الله، فوق الحديث، ~~ودون القرآن، يعنون القصص، فأنزل الله: نحن نقص عليك أحسن القصص، فأراد ~~الحديث، فدلهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصص، فدلهم على أحسن القصص. # (805) والثاني: رواه الضحاك عن ابن عباس قال: سألت اليهود النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقالوا: حدثنا عن PageV02P411 # أمر يعقوب وولده وشأن يوسف، فأنزل الله عز وجل: الر تلك آيات الكتاب ~~المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا وذلك أن التوراة بالعبرانية، والإنجيل ~~بالسريانية، وأنتم قوم عرب، ولو أنزلته بغير العربية ما فهمتموه. وقد بينا ~~تفسير أول هذه السورة في أول سورة يونس، إلا أنه قد ذكر ابن الأنباري زيادة ~~وجه في هذه السورة، فقال: ms1076 لما لحق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملل ~~وسآمة، فقالوا له: حدثنا بما يزيل عنا هذا الملل، فقال: تلك الأحاديث التي ~~تقدرون الانتفاع بها وانصراف الملل، هي آيات الكتاب المبين. # وفي معنى «المبين» خمسة أقوال: أحدها: البين حلاله وحرامه، قاله ابن ~~عباس، ومجاهد. # والثاني: المبين للحروف التي تسقط عن ألسن الأعاجم، رواه خالد بن معدان ~~عن معاذ بن جبل. # والثالث: البين هداه ورشده، قاله قتادة. والرابع: المبين للحق من الباطل. ~~والخامس: البين إعجازه فلا يعارض، ذكرهما الماوردي «1» . ### | [سورة يوسف (12) : آية 2] # إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (2) # قوله تعالى: إنا أنزلناه في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى ~~الكتاب، قاله الجمهور. والثاني: إلى خبر يوسف، ذكره الزجاج، وابن القاسم. # قوله تعالى: قرآنا عربيا قد ذكرنا معنى القرآن واشتقاقه في سورة النساء ~~«2» . وقد اختلف الناس، هل في القرآن شيء بغير العربية، أم لا، فمذهب ~~أصحابنا أنه ليس فيه شيء بغير العربية. وقال أبو عبيدة. من زعم أن في ~~القرآن لسانا سوى العربية فقد أعظم على الله القول، واحتج بقوله: إنا ~~جعلناه قرآنا عربيا «3» . وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة أن فيه من غير ~~لسان العرب، مثل: # «سجيل» و «المشكاة» و «اليم» و «الطور» و «أباريق» و «إستبرق» وغير ذلك. ~~وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: قال أبو عبيد: وهؤلاء أعلم من أبي ~~عبيدة، ولكنهم ذهبوا إلى مذهب، وذهب هو إلى غيره، وكلاهما مصيب إن شاء ~~الله، وذلك أن هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل، فقال: # أولئك على الأصل، ثم لفظت به العرب بألسنتها فعربته فصار عربيا بتعريبها ~~إياه، فهي عربية في هذه الحالة، أعجمية الأصل، فهذا القول يصدق الفريقين ~~جميعا. قوله تعالى: لعلكم تعقلون قال ابن عباس: لكي تفهموا. ### | [سورة يوسف (12) : آية 3] # نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن ~~الغافلين (3) # قوله تعالى: نحن نقص عليك أحسن القصص قد ذكرنا سبب نزولها في أول الكلام. ~~وقد خصت بسبب آخر «4» : فروي ms1077 عن سعيد بن جبير قال: اجتمع أصحاب محمد عليه ~~السلام إلى سلمان، فقالوا: PageV02P412 # حدثنا عن التوراة فانها حسن ما فيها، فأنزل الله تعالى: نحن نقص عليك ~~أحسن القصص يعني: قصص القرآن أحسن مما في التوراة. # قال الزجاج: والمعنى نحن نبين لك أحسن البيان، والقاص: الذي يأتي بالقصة ~~على حقيقتها قال: وقوله تعالى: بما أوحينا إليك أي: بوحينا إليك هذا ~~القرآن. قال العلماء: وإنما سميت قصة يوسف أحسن القصص، لأنها جمعت ذكر ~~الأنبياء، والصالحين، والملائكة، والشياطين، والأنعام، وسير الملوك، ~~والمماليك، والتجار، والعلماء، والرجال، والنساء، وحيلهن، وذكر التوحيد، ~~والفقه، والسر، وتعبير الرؤيا، والسياسة، والمعاشرة، وتدبير المعاش، والصبر ~~على الأذى، والحلم والعز، والحكم، إلى غير ذلك من العجائب. # قوله تعالى: وإن كنت في «إن» قولان: أحدهما: أنها بمعنى «قد» . والثاني: ~~بمعنى «ما» . # قوله تعالى: من قبله قال ابن عباس: من قبل نزول القرآن. لمن الغافلين عن ~~علم خبر يوسف وما صنع به إخوته. ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 4 الى 5] # إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم ~~لي ساجدين (4) قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن ~~الشيطان للإنسان عدو مبين (5) # قوله تعالى: إذ قال يوسف لأبيه في «إذ» قولان: أحدهما: أنها صلة للفعل ~~المتقدم، والمعنى: # نحن نقص عليك إذ قال يوسف. والثاني: أنها صلة لفعل مضمر، تقديره: اذكر إذ ~~قال يوسف، ذكرهما الزجاج، وابن الأنباري. # قوله تعالى: يا أبت قرأ أبو جعفر، وابن عامر بفتح التاء، ووقفا بالهاء، ~~وافقهما ابن كثير في الوقف بالهاء، وقرأ الباقون بكسر التاء. فمن فتح ~~التاء، أراد: يا أبتا، فحذف الألف كما تحذف الياء، فبقيت الفتحة دالة على ~~الألف، كما أن الكسرة تبقى دالة على الياء. ومن وقف على الهاء، فلان تاء ~~التأنيث تبدل منها الهاء في الوقف. وقرأ أبو جعفر: «أحد عشر» ، و «تسعة ~~عشر» ، بسكون العين فيهما. # وفيما رآه يوسف قولان: أحدهما: أنه رأى الشمس والقمر والكواكب، وهو قول ~~الأكثرين. قال الفراء: # وإنما قال: «رأيتهم» على ms1078 جمع ما يعقل، لأن السجود فعل ما يعقل، كقوله ~~تعالى: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم «1» . قال المفسرون: كانت الكواكب في ~~التأويل إخوته، والشمس أمه، والقمر أباه، فلما قصها على يعقوب أشفق من حسد ~~إخوته. وقال السدي: الشمس أبوه، والقمر خالته، لأن أمه كانت قد ماتت. ~~والثاني: أنه رأى أبويه وإخوته ساجدين له، فكنى عن ذكرهم، وهذا مروي عن ابن ~~عباس، وقتادة. فأما تكرار قوله تعالى: رأيتهم فقال الزجاج: إنما كرره لما ~~طال الكلام توكيدا. وفي سن يوسف لما رأى هذا المنام ثلاثة أقوال: أحدها: ~~سبع سنين. والثاني: اثنتا عشرة سنة. والثالث: # سبع عشرة سنة. # قال المفسرون: علم يعقوب أن إخوة يوسف يعلمون تأويل رؤياه، فقال: لا تقصص ~~رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا PageV02P413 # ، قال ابن قتيبة: يحتالوا لك حيلة ويغتالوك. وقال غيره: اللام صلة، ~~والمعنى: فيكيدوك. والعدو المبين: الظاهر العداوة. ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 6] # وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل ~~يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم (6) # قوله تعالى: وكذلك يجتبيك ربك قال الزجاج، وابن الأنباري: ومثل ما رأيت ~~من الرفعة والحال الجليلة، يختارك ربك ويصطفيك من بين إخوتك. وقد شرحنا في ~~الأنعام معنى الاجتباء. وقال ابن عباس: يصطفيك بالنبوة. قوله تعالى: ويعلمك ~~من تأويل الأحاديث فيه ثلاثة اقوال: أحدها: أنه تعبير الرؤيا، قاله ابن ~~عباس ومجاهد، وقتادة، فعلى هذا سمي تأويلا لأنه بيان ما يؤول أمر المنام ~~إليه. # والثاني: أنه العلم والحكمة، قاله ابن زيد. والثالث: تأويل أحاديث ~~الأنبياء والأمم والكتاب، ذكره الزجاج. قال مقاتل: و «من» ها هنا صلة. قوله ~~تعالى: ويتم نعمته عليك فيه ثلاثة أقوال: أحدها: # بالنبوة، قاله ابن عباس. والثاني: باعلاء الكلمة. والثالث: بأن أحوج ~~إخوته إليه حتى أنعم عليهم، ذكرهما الماوردي «1» . وفي آل يعقوب ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنهم ولده، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: يعقوب ~~وامرأته وأولاده الأحد عشر، أتم عليهم نعمته بالسجود ليوسف، قاله مقاتل. # والثالث: أهله، قاله أبو ms1079 عبيدة، واحتج بأنك إذا صغرت الآل، قلت: أهيل. ~~قوله تعالى: كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق قال عكرمة: فنعمته ~~على إبراهيم أن نجاه من النار، ونعمته على إسحاق أن نجاه من الذبح. قوله ~~تعالى: إن ربك عليم أي: عليم حيث يضع النبوة حكيم في تدبير خلقه. ### | [سورة يوسف (12) : آية 7] # لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7) # قوله تعالى: لقد كان في يوسف وإخوته أي: في خبر يوسف وقصة إخوته آيات أي: ~~عبر لمن سأل عنهم، فكل حال من أحواله آية. وقرأ ابن كثير «آية» «2» . # (806) قال المفسرون: وكان اليهود قد سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن قصة يوسف، فأخبرهم بها كما في التوراة، فعجبوا من ذلك. PageV02P414 # وفي وجه هذه الآيات خمسة أقوال: أحدها: الدلالة على صدق محمد عليه السلام ~~حين أخبر أخبار قوم لم يشاهدهم، ولا نظر في الكتاب. والثاني: ما أظهر الله ~~في قصة يوسف من عواقب البغي عليه. والثالث: صدق رؤياه وصحة تأويله. ~~والرابع: ضبط نفسه وقهر شهوته حتى قام بحق الأمانة. # والخامس: حدوث السرور بعد اليأس. # فإن قيل: لم خص السائلين، ولغيرهم فيها آيات أيضا؟ فعنه جوابان: أحدهما: ~~أن المعنى: # للسائلين وغيرهم، فاكتفى بذكر السائلين من غيرهم، كما اكتفى بذكر الحر من ~~البرد في قوله تعالى: # تقيكم الحر. والثاني: أنه إذا كان للسائلين عن خبر يوسف آية، كان لغيرهم ~~آية أيضا وإنما خص السائلين، لأن سؤالهم نتج الأعجوبة وكشف الخبر. ### | [سورة يوسف (12) : آية 8] # إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال ~~مبين (8) # قوله تعالى: إذ قالوا يعني إخوة يوسف. ليوسف وأخوه يعنون بن يامين. وإنما ~~قيل له: # ابن يامين، لأن أمه ماتت نفساء. ويامين بمعنى الوجع، وكان أخاه لأمه ~~وأبيه. والباقون إخوته لأبيه دون أمه. فأما العصبة، فقال الزجاج: هي في ~~اللغة الجماعة الذين أمرهم واحد يتابع بعضهم بعضا في الفعل، ويتعصب بعضهم ~~لبعض. وللمفسرين في العصبة ستة أقوال: أحدها: أنها ما كان أكثر من عشرة، ~~رواه الضحاك ms1080 عن ابن عباس. والثاني: أنها ما بين العشرة إلى الأربعين، روي ~~عن ابن عباس أيضا، وبه قال قتادة. والثالث: أنها ستة أو سبعة، قاله سعيد بن ~~جبير. والرابع: أنها من عشرة إلى خمسة عشر، قاله مجاهد. والخامس: الجماعة، ~~قاله ابن زيد، وابن قتيبة، والزجاج. والسادس: # عشرة، قاله مقاتل. وقال الفراء: العصبة عشرة فما زاد. قوله تعالى: إن ~~أبانا لفي ضلال مبين فيه ثلاثة اقوال: أحدها: لفي خطأ من رأيه، قاله ابن ~~زيد. والثاني: في شقاء، قاله مقاتل والمراد به عناء الدنيا. والثالث: لفي ~~ضلال عن طريق الصواب الذي يقتضي تعديل المحبة بيننا، لأن نفعنا له أعم. قال ~~الزجاج: ولو نسبوه إلى الضلال في الدين كانوا كفارا، إنما أرادوا: إنه قدم ~~ابنين صغيرين علينا في المحبة ونحن جماعة نفعنا أكثر. ### | [سورة يوسف (12) : آية 9] # اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما ~~صالحين (9) # قوله تعالى: اقتلوا يوسف قال أبو علي: قرأ ابن كثير، ونافع، والكسائي: ~~«مبين اقتلوا» بضم التنوين، لأن تحريكه يلزم لالتقاء الساكنين، فحركوه ~~بالضم ليتبعوا الضمة الضمة، كما قالوا: «مد» «وظلمات» . وقرأ أبو عمرو، ~~وعاصم، وابن عامر، وحمزة، بكسر التنوين، فلم يتبعوا الضمة كما قالوا: «مد» ~~«ظلمات» . قال المفسرون: وهذا قولهم بينهم: أو اطرحوه أرضا قال الزجاج: نصب ~~«أرضا» على إسقاط «في» ، وإفضاء الفعل إليها والمعنى: أو اطرحوه أرضا يبعد ~~بها عن أبيه. وقال غيره: أرضا تأكله فيها السباع. قوله تعالى: يخل لكم وجه ~~أبيكم أي: يفرغ لكم من الشغل بيوسف. # وتكونوا من بعده أي: من بعد يوسف. قوما صالحين فيه قولان: أحدهما: صالحين ~~بالتوبة من بعد قتله، قاله ابن عباس. والثاني: يصلح حالكم عند أبيكم، قاله ~~مقاتل. وفي قصتهم نكتة عجيبة، وهو أنهم عزموا على التوبة قبل الذنب، وكذلك ~~المؤمن لا ينسى التوبة وإن كان مرتكبا للخطايا. # PageV02P415 ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 10 الى 14] # قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة ~~إن كنتم فاعلين (10) قالوا يا أبانا ما لك لا ms1081 تأمنا على يوسف وإنا له ~~لناصحون (11) أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) قال إني ~~ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون (13) قالوا ~~لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون (14) # قوله تعالى: قال قائل منهم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يهوذا، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس، وبه قال وهب بن منبه، والسدي، ومقاتل. والثاني: أنه ~~شمعون، قاله مجاهد. والثالث: روبيل، قاله قتادة، وابن إسحاق. # فأما غيابة الجب، فقال أبو عبيدة: كل شيء غيب عنك شيئا فهو غيابة. والجب: ~~الركية التي لم تطو. وقال الزجاج: الغيابة: كل ما غاب عنك، أو غيب شيئا ~~عنك، قال المنخل: # فإن أنا يوما غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل # والجب: البئر التي لم تطو سميت جبا من أجل أنها قطعت قطعا، ولم يحدث فيها ~~غير القطع من طي وما أشبهه. وقال ابن عباس: «في غيابة الجب» أي: في ظلماته. ~~وقال الحسن: في قعره. وقرأ نافع: «غيابات الجب» فجعل كل جزء منه غيابة. ~~وروى خارجة عن نافع: «غيابات» بتشديد الياء. وقرأ الحسن، وقتادة، ومجاهد: ~~«غيبة الجب» بغير ألف مع إسكان الياء «1» . وأين كان هذا الجب، فيه قولان: ~~أحدهما: بأرض الأردن، قاله وهب. وقال مقاتل: هو بأرض الأردن على ثلاث فراسخ ~~من منزل يعقوب. والثاني: ببيت المقدس، قاله قتادة. # قوله تعالى: يلتقطه بعض السيارة قال ابن عباس: يأخذه بعض من يسير. إن ~~كنتم فاعلين أي: إن أضمرتم له ما تريدون. وأكثر القراء قرءوا «يلتقطه» ~~بالياء. وقرأ الحسن، وقتادة، وابن أبي عبلة بالتاء. قال الزجاج: وجميع ~~النحويين يجيزون ذلك، لأن بعض السيارة سيارة، فكأنه قال: تلتقطه سيارة بعض ~~السيارة. وقال ابن الأنباري: من قرأ بالتاء، فقد أنث فعل بعض، وبعض مذكر، ~~وإنما فعل ذلك حملا على المعنى، إذ التأويل: تلتقطه السيارة، قال الشاعر: # رأت مر السنين أخذن مني ... كما أخذ السرار من الهلال «2» # أراد: رأت السنين، وقال الآخر: # طول الليالي أسرعت في نقضي ... طوين طولي وطوين عرضي # أراد: الليالي أسرعت، ms1082 وقال جرير: # لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع PageV02P416 # أراد: تواضعت المدينة، وقال الآخر: # وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم «1» # أراد: كما شرقت القناة. # قال المفسرون: فلما عزم القوم على كيد يوسف، قالوا لأبيه: ما لك لا تأمنا ~~قرأ الجماعة «تأمنا» بفتح الميم وإدغام النون الأولى في الثانية والإشارة ~~إلى إعراب النون المدغمة بالضم قال مكي: # لأن الأصل «تأمننا» ثم أدغمت النون الأولى، وبقي الإشمام يدل على ضمة ~~النون الأولى. والإشمام: # هو ضمك شفتيك من غير صوت يسمع، فهو بعد الإدغام وقبل فتحه النون الثانية. ~~وابن كيسان يسمي الإشمام الإشارة، ويسمى الروم إشماما والروم: صوت ضعيف ~~يسمع خفيا. وقرأ أبو جعفر «تأمنا» بفتح النون من غير إشمام إلى إعراب ~~المدغم. وقرأ الحسن «ما لك لا تأمنا» بضم الميم. وقرأ ابن مقسم «تأمننا» ~~بنونين على الأصل والمعنى: ما لك لا تأمنا على يوسف فترسله معنا، فانه قد ~~كبر ولا يعلم شيئا من أمر المعاش، وإنا له لناصحون فيما أشرنا به عليك ~~أرسله معنا غدا إلى الصحراء. # وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وذلك أنهم قالوا له: أرسله معنا، ~~فقال: إني ليحزنني أن تذهبوا به، فقالوا: ما لك لا تأمنا. # قوله تعالى: يرتع ويلعب قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو «نرتع ونلعب» ~~بالنون فيهما، والعين ساكنه وافقهم زيد عن يعقوب في «نرتع» فحسب. وفي معنى ~~«نرتع» ثلاثة أقوال: أحدها: نله، قاله الضحاك. والثاني: نسع، قاله قتادة. ~~والثالث: نأكل يقال: رتعت الإبل: إذا رعت، وأرتعتها: إذا تركتها ترعى. قال ~~الشاعر: # وحبيب لي إذا لاقيته ... وإذا يخلو له لحمي رتع «2» # أي أكله، هذا قول ابن الأنباري، وابن قتيبة. وقرأ عاصم، وحمزة والكسائي: ~~«يرتع ويلعب» بالياء فيهما وجزم العين والباء، يعنون «يوسف» . وقرأ نافع: ~~«نرتع» بكسر العين من «نرتع» من غير بلوغ إلى الياء. قال ابن قتيبة: ~~ومعناها: نتحارس، ويرعى بعضنا بعضا، أي: يحفظ ومنه يقال: رعاك الله، أي: ~~حفظك. ورويت عن ابن كثير أيضا «نرتعي» باثبات ms1083 ياء بعد العين في الوصل ~~والوقف. وقرأ أنس، وأبو رجاء «نرتعي» باثبات ياء بعد العين في الوصل ~~والوقف. وقرأ أنس، وأبو رجاء «نرتع» بنون مرفوعة وكسر التاء وسكون العين، و ~~«نلعب» بالنون. قال أبو عبيدة: أي: نرتع إبلنا «3» . # فأما قوله تعالى: «ونلعب» فقال ابن عباس: نلهو. PageV02P417 # فإن قيل: كيف لم ينكر عليهم يعقوب ذكر اللعب؟ # فالجواب من وجهين: أحدهما: أنهم لم يكونوا حينئذ أنبياء، قاله أبو عمرو ~~بن العلاء. والثاني: # أنهم عنوا مباح اللعب، قاله الماوردي «1» . # قوله تعالى: إني ليحزنني أن تذهبوا به أي: يحزنني ذهابكم به، لأنه ~~يفارقني فلا أراه. # وأخاف أن يأكله الذئب قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، ~~وحمزة: «الذئب» بالهمز في الثلاثة المواضع. وقرأ الكسائي، وأبو جعفر، وشيبة ~~بغير همز. قال أبو علي: «الذئب» مهموز في الأصل. يقال: تذاءبت الريح: إذا ~~جاءت من كل جهة كما يأتي الذئب. # وفي علة تخصيص الذئب بالذكر ثلاثة أقوال: أحدها: أنه رأى في منامة أن ~~الذئب شد على يوسف، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أن أرضهم كانت ~~كثيرة الذئاب، قاله مقاتل. والثالث: # أنه خافهم عليه فكنى بذكر الذئب، قاله الماوردي «2» . # قوله تعالى: وأنتم عنه غافلون فيه قولان: # أحدهما: غافلون في اللعب. والثاني: مشتغلون برعيتكم. قوله تعالى: لئن ~~أكله الذئب ونحن عصبة أي: جماعة نرى الذئب قد قصده ولا نرد عنه إنا إذا ~~لخاسرون أي: عاجزون. قال ابن الأنباري: ومن قرأ «عصبة» بالنصب، فتقديره: ~~ونحن نجتمع عصبة. ### | [سورة يوسف (12) : آية 15] # فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم ~~بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) # قوله تعالى: فلما ذهبوا به في الكلام اختصار وإضمار، تقديره: فأرسله معهم ~~فلما ذهبوا. # وأجمعوا أي: عزموا على أن يجعلوه في غيابة الجب. # (الإشارة إلى قصة ذهابهم به) قال المفسرون «3» : قالوا ليوسف: أما تشتاق ~~أن تخرج معنا فتلعب وتتصيد؟ قال: بلى، قالوا: # فسل أباك أن يرسلك معنا، قال: أفعل، فدخلوا بجماعتهم على يعقوب، فقالوا: ~~يا أبانا إن يوسف قد ms1084 أحب أن يخرج معنا، فقال: ما تقول يا بني؟ قال: نعم يا ~~أبت، قد أرى من إخوتي اللين واللطف، فأنا أحب أن تأذن لي، فأرسله معهم، ~~فلما أصحروا، أظهروا له ما في أنفسهم من العداوة، وأغلظوا له القول، وجعل ~~يلجأ إلى هذا، فيضربه، وإلى هذا، فيؤذيه، فلما فطن لما قد عزموا عليه، جعل ~~ينادي: # يا أبتاه، يا يعقوب، لو رأيت يوسف وما ينزل به من إخوته لأحزنك ذلك ~~وأبكاك، يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك، وضيعوا وصيتك وجعل يبكي بكاء ~~شديدا. قال الضحاك عن ابن عباس: فأخذه روبيل فجلد به الأرض، ثم جثم على ~~صدره وأراد قتله، فقال له يوسف: مهلا يا أخي لا تقتلني، قال: يا ~~PageV02P418 # ابن راحيل صاحب الأحلام، قل لرؤياك تخلصك من أيدينا، ولوى عنقه ليكسرها، ~~فنادى يوسف: يا يهوذا اتق الله في، وخل بيني وبين من يريد قتلي، فأدركته له ~~رحمة، فقال يهوذا: يا إخوتاه، ألا أدلكم على أمر هو خير لكم وأرفق به؟ ~~قالوا: وما ذاك؟ قال: تلقونه في هذا الجب فيلتقطه بعض السيارة، قالوا: نفعل ~~فانطلقوا به إلى الجب، فخلعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، لم نزعتم قميصي؟ # ردوه علي أستر به عورتي ويكون كفنا لي في مماتي فأخرج الله له حجرا في ~~البئر مرتفعا من الماء، فاستقرت عليه قدماه. # وقال السدي: جعلوا يدلونه في البئر، فيتعلق بشفير البئر فربطوا يديه ~~ونزعوا قميصه فقال: يا إخوتاه، ردوا علي قميصي أتوارى به، فقالوا: ادع ~~الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا، فدلوه في البئر، حتى إذا بلغ نصفها ألقوه ~~إرادة أن يموت، فكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فيها فقام ~~عليها فلما ألقوه في الجب جعل يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة أدركتهم ~~فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة، فمنعهم يهوذا، وكان يهوذا يأتيه ~~بالطعام. وقال كعب: جمعوا يديه إلى عنقه ونزعوا قميصه، فبعث الله إليه ~~ملكا، فحل عنه وأخرج له حجرا من الماء، فقعد عليه وكان يعقوب قد أدرج قميص ~~إبراهيم الذي كساه الله ms1085 إياه يوم ألقي في النار في قصبة، وجعلها في عنق ~~يوسف، فألبسه إياه الملك حينئذ، وأضاء له الجب. وقال الحسن: ألقي في الجب، ~~فعذب ماؤه، فكان يغنيه عن الطعام والشراب ودخل عليه جبريل، فأنس به، فلما ~~أمسى نهض جبريل ليذهب، فقال له يوسف: إنك إذا خرجت عني استوحشت، فقال: إذا ~~رهبت شيئا فقل: يا صريخ المستصرخين، ويا غوث المستغيثين، ويا مفرج كرب ~~المكروبين، قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى عليك شيء من أمري. فلما قالها ~~حفته الملائكة، فاستأنس في الجب ومكث فيه ثلاثة أيام، وكان إخوته يرعون حول ~~الجب. وقال محمد بن مسلم الطائفي: لما ألقي يوسف في الجب، قال: يا شاهدا ~~غير غائب، ويا قريبا غير بعيد، ويا غالبا غير مغلوب، اجعل لي فرجا مما أنا ~~فيه قال: فما بات فيه. وفي مقدار سنة حين ألقي في الجب أربعة أقوال: أحدها: ~~اثنتا عشرة سنة، قاله الحسن. والثاني: ست سنين، قاله الضحاك. # والثالث: سبع عشرة، قاله ابن السائب، وروي عن الحسن أيضا. والرابع: ثمان ~~عشرة. # قوله تعالى: وأوحينا إليه فيه قولان: أحدهما: أنه إلهام، قاله أبو صالح ~~عن ابن عباس. # والثاني: أنه وحي حقيقة. قال المفسرون: أوحي إليه لتخبرن إخوتك بأمرهم، ~~أي: بما صنعوا بك وأنت عال عليهم. وفي قوله تعالى: وهم لا يشعرون قولان: ~~أحدهما: لا يشعرون أنك يوسف وقت إخبارك لهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس، ~~وبه قال مقاتل. والثاني: لا يشعرون بالوحي، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد. ~~فعلى الأول يكون الكلام من صلة «لتنبئنهم» وعلى الثاني من صلة «وأوحينا ~~إليه» . # قال حميد: قلت للحسن: أيحسد المؤمن المؤمن؟ قال: لا أبا لك، ما نساك بني ~~يعقوب؟ ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 16 الى 17] # وجاؤ أباهم عشاء يبكون (16) قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف ~~عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (17) # قوله تعالى: وجاؤ أباهم عشاء يبكون وقرأ أبو هريرة، والحسن، وابن ~~السميفع، والأعمش: # PageV02P419 # «عشاء» بضم العين. قال المفسرون: جاءوا وقت العتمة ليكونوا ms1086 أجرأ في ~~الظلمة على الاعتذار بالكذب، فلما سمع صوتهم فزع، وقال: ما لكم يا بني، هل ~~أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فما اصابكم؟ وأين يوسف؟ قالوا يا ~~أبانا إنا ذهبنا نستبق وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: ننتضل، قاله ابن عباس، ~~وابن قتيبة، قال: والمعنى، يسابق بعضنا بعضا في الرمي. والثاني: نشتد، قاله ~~السدي. # والثالث: نتصيد، قاله مقاتل. فيكون المعنى على الأول: نستبق في الرمي ~~لننظر أينا أسبق سهما وعلى الثاني: نستبق على الأقدام وعلى الثالث: للصيد. # قوله تعالى: وتركنا يوسف عند متاعنا أي: ثيابنا. وما أنت بمؤمن لنا أي: ~~بمصدق. وفي قوله تعالى: ولو كنا صادقين قولان: أحدهما: أن المعنى: وإن كنا ~~قد صدقنا، قاله ابن إسحاق. # والثاني: لو كنا عندك من أهل الصدق لاتهمتنا في يوسف لمحبتك إياه، وظننت ~~أنا قد كذبناك، قاله الزجاج. ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 18] # وجاؤ على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله ~~المستعان على ما تصفون (18) # قوله تعالى: وجاؤ على قميصه بدم كذب قال اللغويون: معناه: بدم مكذوب فيه، ~~والعرب تجعل المصدر في كثير من الكلام مفعولا، فيقولون للكذب مكذوب، وللعقل ~~معقول، وللجلد مجلود، قال الشاعر: # حتى إذا لم يتركوا لعظامه ... لحما ولا لفؤاده معقولا «1» # أراد: عقلا. وقال الآخر: # قد والذي سمك السماء بقدرة ... بلغ العزاء وأدرك المجلود «2» # يريد: أدرك الجلد. ويقولون: ليس لفلان عقد رأي، ولا معقود رأي، ويقولون: ~~هذا ماء سكب، يريدون: مسكوبا، وهذا شراب صب، يريدون: مصبوبا، وماء غور، ~~يعنون: غائرا، ورجل صوم، يريدون: صائما، وامرأة نوح، يريدون: نائحة وهذا ~~الكلام مجموع قول الفراء، والأخفش، والزجاج، وابن قتيبة في آخرين. قال ابن ~~عباس: أخذوا جديا فذبحوه، ثم غمسوا قميص يوسف في دمه، وأتوه به وليس فيه ~~خرق، فقال: كذبتم، لو كان أكله الذئب لخرق القميص. وقال قتادة: كان دم ~~ظبية. وقرأ ابن أبي عبلة: «بدم كذبا» بالنصب. وقرأ ابن عباس، والحسن، وأبو ~~العالية: «بدم كدب» بالدال غير معجمة، أي: بدم طري. # قوله تعالى: بل سولت ms1087 أي: زينت لكم أنفسكم أمرا غير ما تصفون فصبر جميل ~~قال الخليل: المعنى: فشأني صبر جميل، والذي أعتقده صبر جميل. وقال الفراء: ~~الصبر مرفوع، لأنه عزى نفسه وقال: ما هو إلا الصبر، ولو أمرهم بالصبر، لكان ~~نصبا. وقال قطرب: المعنى: فصبري PageV02P420 # صبر جميل. وقرأ ابن مسعود، وأبي، وأبو المتوكل: «فصبرا جميلا» بالنصب. ~~قال الزجاج: والصبر الجميل لا جزع فيه، ولا شكوى إلى الناس. # قوله تعالى: والله المستعان على ما تصفون فيه قولان: # أحدهما: على ما تصفون من الكذب. والثاني: على احتمال ما تصفون. ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 19] # وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه ~~بضاعة والله عليم بما يعملون (19) # قوله تعالى: وجاءت سيارة أي: قوم يسيرون فأرسلوا واردهم قال الأخفش: أنث ~~السيارة وذكر الوارد، لأن السيارة في المعنى للرجال. وقال الزجاج: الوارد: ~~الذي يرد الماء ليستقي للقوم. # وفي اسم هذا الوارد قولان: أحدهما: مالك بن ذعر بن يؤيب بن عيفا بن مدين ~~بن إبراهيم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: مجلث بن رعويل، قاله وهب ~~بن منبه. # قوله تعالى: فأدلى دلوه أي: أرسلها. قال الزجاج: يقال: أدليت الدلو: إذا ~~أرسلتها لتملأها، ودلوتها: إذا أخرجتها. قال يا بشرى قرأه ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، وابن عامر: «يا بشراي» بفتح الياء وإثبات الألف. وروى ورش عن ~~نافع «بشراي» و «محياي» و «مثواي» بسكون الياء. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي ~~«يا بشرى» بألف بغير ياء. وعاصم بفتح الراء، وحمزة، والكسائي يميلانها. قال ~~الزجاج: من قرأ «يا بشراي» فهذا النداء تنبيه للمخاطبين، لأن البشرى لا ~~تجيب ولا تعقل فالمعنى: أبشروا، ويا أيها البشرى هذا من أوانك، وكذلك إذا ~~قلت: يا عجباه، فكأنك قلت: # اعجبوا، ويا أيها العجب هذا من حينك وقد شرحنا هذا المعنى. # فأما قراءة من قرأ «يا بشرى» فيجوز أن يكون المعنى: يا من حضر، هذه بشرى. ~~ويجوز أن يكون المعنى: يا بشرى هذا أوانك على ما سبق بيانه من تنبيه ~~الحاضرين. وذكر السدي أنه نادى بذاك ms1088 أحدهم وكان اسمه بشرى «1» . وقال ابن ~~الأنباري: يجوز فيه هذه الأقوال، ويجوز أن يكون اسم امرأة. وقرأ أبو رجاء، ~~وابن أبي عبلة: «يا بشري» بتشديد الياء وفتحها من غير ألف «2» . قال ابن ~~عباس: لما أدلى دلوه تعلق يوسف بالحبل فنظر إليه فإذا بغلام أحسن ما يكون ~~من الغلمان، فقال لأصحابه: البشرى، فقالوا: # ما وراءك؟ قال: هذا غلام في البئر، فأقبلوا يسألونه الشركة فيه، ~~واستخرجوه من الجب، فقال بعضهم لبعض: اكتموه عن أصحابكم لئلا يسألوكم ~~الشركة فيه، فإن قالوا: ما هذا؟ فقولوا: استبضعناه أهل الماء لنبيعه لهم ~~بمصر فجاء إخوة يوسف فطلبوه فلم يجدوه في البئر، فنظروا، فإذا هم بالقوم ~~ومعهم PageV02P421 # يوسف، فقالوا لهم: هذا غلام أبق منا، فقال مالك بن ذعر: فأنا أشتريه ~~منكم، فباعوه بعشرين درهما وحلة ونعلين، وأسره مالك بن ذعر من أصحابه، ~~وقال: استبضعناه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر. # قوله تعالى: وأسروه بضاعة قال الزجاج: «بضاعة» منصوب على الحال، كأنه ~~قال: وأسروه جاعليه بضاعة. وقال ابن قتيبة: أسروا في أنفسهم أنه بضاعة ~~وتجارة. وفي الفاعلين لذاك قولان: # أحدهما: أنهم واردو الجب، أسروا ابتياعه عن باقي أصحابهم، وتواصوا أنه ~~بضاعة استبضعهم إياها أهل الماء وقد ذكرنا هذا المعنى عن ابن عباس، وبه قال ~~مجاهد. والثاني: أنهم إخوته، أسروا أمره وباعوه، وقالوا: هو بضاعة لنا، ~~وهذا المعنى مروي عن ابن عباس أيضا «1» . قوله تعالى: والله عليم بما ~~يعملون يعم الباعة والمشترين. ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 20] # وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين (20) # قوله تعالى: وشروه هذا حرف من حروف الأضداد، تقول: شريت الشيء بمعنى بعته ~~وشريته، بمعنى اشتريته. فإن كان بمعنى باعوه، ففيهم قولان: أحدهما: أنهم ~~إخوته، وهو قول الأكثرين. والثاني: أنهم السيارة، ولم يبعه إخوته، قاله ~~الحسن، وقتادة. وإن كان بمعنى اشتروه، فإنهم السيارة «2» . قوله تعالى: ~~بثمن بخس فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحرام، قاله ابن عباس، PageV02P422 # والضحاك، وقتادة في آخرين. والثاني: أنه القليل، قاله عكرمة، والشعبي. ~~قال ابن قتيبة: البخس: # الخسيس الذي بخس به البائع. ms1089 والثالث: الناقص، وكانت الدراهم عشرين درهما ~~في العدد، وهي تنقص عن عشرين في الميزان، قاله أبو سليمان الدمشقي «1» . # قوله تعالى: دراهم معدودة قال الفراء: إنما قيل: «معدودة» ليستدل بها على ~~القلة. وقال ابن قتيبة: أي: يسيرة، سهل عددها لقلتها، فلو كانت كثيرة لثقل ~~عددها. وقال ابن عباس: كانوا في ذلك الزمان لا يزنون أقل من أربعين درهما، ~~وقيل: إنما لم يزنوها لزهدهم فيه. وفي عدد تلك الدراهم خمسة أقوال: أحدها: ~~عشرون درهما، قاله ابن مسعود، وابن عباس في رواية، وعكرمة في رواية، ونوف ~~الشامي، ووهب بن منبه، والشعبي، وعطية، والسدي، ومقاتل في آخرين. والثاني: ~~عشرون درهما وحلة، ونعلان، روي عن ابن عباس أيضا. والثالث: اثنان وعشرون ~~درهما، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. والرابع: أربعون درهما، ~~قاله عكرمة في رواية، وابن إسحاق. والخامس: # ثلاثون درهما، ونعلان، وحلة «2» ، وكانوا قالوا له بالعبرانية: إما أن ~~تقر لنا بالعبودية، وإما أن نأخذك منهم فنقتلك، قال: بل أقر لكم بالعبودية، ~~ذكره إسحاق بن بشر عن بعض أشياخه. قال المفسرون: # اقتسموا ثمنه، فاشتروا به نعالا وخفافا. وكان بعض الصالحين يقول: والله ~~ما يوسف- وإن باعه أعداؤه- بأعجب منك في بيعك نفسك بشهوة ساعة من معاصيك. # قوله تعالى: وكانوا فيه من الزاهدين الزهد: قلة الرغبة في الشيء. وفي ~~المشار إليهم قولان «3» : أحدهما: أنهم إخوته، قال ابن عباس فعلى هذا، في ~~هاء «فيه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى يوسف، لأنهم لم يعلموا مكانه من ~~الله تعالى، قاله الضحاك، وابن جريج. والثاني: أنها ترجع إلى الثمن. وفي ~~علة زهدهم قولان: أحدهما: رداءته. والثاني: أنهم قصدوا بعد يوسف، لا الثمن. # والثاني: أنهم السيارة الذين اشتروه. وفي علة زهدهم ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنهم ارتابوا لقلة ثمنه. # والثاني: أن إخوته وصفوه عندهم بالخيانة والإباق. والثالث: لأنهم علموا ~~أنه حر. PageV02P423 ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 21] # وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ~~ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على ~~أمره ms1090 ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) # قوله تعالى: وقال الذي اشتراه من مصر قال وهب: لما ذهبت به السيارة إلى ~~مصر، وقفوه في سوقها يعرضونه للبيع، فتزايد الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه ~~وزنه مسكا، ووزنه ورقا، ووزنه حريرا، فاشتراه بذلك الثمن رجل يقال له: ~~قطفير، وكان أمين فرعون وخازنه، وكان مؤمنا. وقال ابن عباس: # إنما اشتراه قطفير من مالك بن ذعر بعشرين دينارا، وزوجي نعل، وثوبين ~~أبيضين، فلما رجع إلى منزله قال لامرأته: أكرمي مثواه. وقال قوم: اسمه ~~أطفير. وفي اسم المرأة قولان: أحدهما: راعيل بنت رعاييل، قاله ابن إسحاق. ~~والثاني: أزليخا بنت تمليخا، قاله مقاتل. # قال ابن قتيبة: «أكرمي مثواه» يعني منزله ومقامه عندك، من قولك: ثويت ~~بالمكان: إذا أقمت به. # وقال الزجاج: أحسني إليه في طول مقامه عندنا. قال ابن مسعود: أفرس الناس ~~ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف، فقال لامرأته: «أكرمي مثواه عسى أن ~~ينفعنا» ، وابنة شعيب حين قالت: يا أبت استأجره «1» ، وأبو بكر حين استخلف ~~عمر. # وفي قوله تعالى: عسى أن ينفعنا قولان: أحدهما: يكفينا إذا بلغ أمورنا. ~~والثاني: بالربح في ثمنه. قوله تعالى: أو نتخذه ولدا قال ابن عباس: نتبناه. ~~وقال غيره: لم يكن لهما ولد، وكان العزيز لا يأتي النساء. قوله تعالى: ~~وكذلك مكنا ليوسف أي: وكما أنجيناه من إخوته وأخرجناه من ظلمة الجب، مكنا ~~له في الأرض، أي: ملكناه في أرض مصر فجعلناه على خزائنها. ولنعلمه قال ابن ~~الأنباري: إنما دخلت الواو في «ولنعلمه» لفعل مضمر هو المجتلب للام، ~~والمعنى: مكنا ليوسف في الأرض، واختصصناه بذلك لكي نعلمه من تأويل ~~الأحاديث. وقد سبق تفسير «تأويل الأحاديث» . # والله غالب على أمره في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الله ~~تعالى، فالمعنى: أنه غالب على ما أراد من قضائه، وهذا معنى قول ابن عباس. ~~والثاني: أنها ترجع إلى يوسف «2» ، فالمعنى: # غالب على أمر يوسف حتى يبلغه ما أراده له، وهذا معنى قول مقاتل. وقال ~~بعضهم: والله غالب على أمره حيث أمر يعقوب يوسف أن ms1091 لا يقص رؤياه على إخوته، ~~فعلموا بها، ثم أراد يعقوب أن يلتقطه بعض السيارة فيندرس أمره، فعلا أمره، ~~ثم باعوه ليكون مملوكا، فغلب أمره حتى ملك، وأرادوا أن يعطفوا أباهم، ~~فأباهم، ثم أرادوا أن يغروا يعقوب بالبكاء والدم الذي ألقوه على القميص، ~~فلم يخف عليه، ثم أرادوا أن يكونوا بعده قوما صالحين، فنسوا ذنبهم إلى أن ~~أقروا به بعد سنين. فقالوا: إنا كنا خاطئين «3» ، ثم أرادوا أن يمحوا محبته ~~من قلب أبيه، فازدادت، ثم أرادت أزليخا أن تلقي عليه التهمة بقولها: ما ~~جزاء من أراد بأهلك سوءا «4» ، فغلب أمره، حتى شهد شاهد من أهلها، وأراد ~~يوسف أن PageV02P424 # يتخلص من السجن بذكر الساقي، فنسي الساقي حتى لبث في السجن بضع سنين. ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 22] # ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (22) # قوله تعالى: ولما بلغ أشده قد ذكرنا معنى الأشد في سورة الأنعام «1» ، ~~واختلف العلماء في المراد به ها هنا على ثمانية أقوال: أحدها: أنه ثلاث ~~وثلاثون سنة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # وبه قال مجاهد، وقتادة. والثاني: ثماني عشرة سنة، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال عكرمة. # والثالث: أربعون سنة، قاله الحسن. والرابع: بلوغ الحلم، قاله الشعبي، ~~وربيعة، وزيد بن أسلم، وابنه. والخامس: عشرون سنة، قاله الضحاك. والسادس: ~~أنه من نحو سبع عشرة سنة إلى نحو الأربعين، قاله الزجاج. والسابع: أنه بلوغ ~~ثمان وثلاثين سنة، حكاه ابن قتيبة. والثامن: ثلاثون سنة، ذكره بعض المفسرين ~~«2» . # قوله تعالى: آتيناه حكما فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه الفقه والعقل، قاله ~~مجاهد. والثاني: # النبوة، قاله ابن السائب. والثالث: أنه جعل حكيما، قاله الزجاج، قال: ~~وليس كل عالم حكيما، إنما الحكيم: العالم المستعمل علمه، الممتنع به من ~~استعمال ما يجهل فيه. والرابع: أنه الإصابة في القول: # ذكره الثعلبي. قال اللغويون: الحكم عند العرب ما يصرف عن الجهل والخطأ، ~~ويمنع منهما، ويرد النفس عما يشينها ويعود عليها بالضرر، ومنه: حكمة ~~الدابة. وأصل أحكمت في اللغة: منعت، وسمي الحاكم حاكما، لأنه ms1092 يمنع من الظلم ~~والزيغ. # وفي المراد بالعلم ها هنا قولان: أحدهما: الفقه. والثاني: علم الرؤيا. # قوله تعالى: وكذلك نجزي المحسنين أي: ومثل ما وصفنا من تعليم يوسف ~~وحراسته، نثيب من أحسن عمله، واجتنب المعاصي، فننجيه من الهلكة، ونستنقذه ~~من الضلالة ونجعله من أهل العلم والحكمة كما فعلنا بيوسف. # وفي المراد بالمحسنين ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: الصابرون على النوائب. ~~والثاني: المهتدون، رويا عن ابن عباس. والثالث: المؤمنون. قال محمد بن ~~جرير: هذا، وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن، فالمراد به محمد صلى الله عليه ~~وسلم، والمعنى: كما فعلت بيوسف بعد ما لقي من البلاء فمكنته في الأرض ~~وآتيته العلم، كذلك أفعل بك وأنجيك من مشركي قومك «3» . PageV02P425 ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 23] # وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ ~~الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23) # قوله تعالى: وراودته التي هو في بيتها عن نفسه أي: طلبت منه المواقعة، ~~وقد سبق اسمها. # قال الزجاج: المعنى: راودته عما أرادته مما يريد النساء من الرجال وقالت ~~هيت لك قرأ ابن كثير: # «هيت لك» بفتح الهاء وتسكين الياء وضم التاء. وقرأ نافع، وابن عامر: «هيت ~~لك» بكسر الهاء وتسكين الياء وفتح التاء، وهي مروية عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه. وروى الحلواني عن هشام عن ابن عامر مثله، إلا أنه همزه. قال أبو ~~علي الفارسي: هو خطأ. وروي عن ابن عامر: «هئت لك» بكسر الهاء وهمز الياء ~~وضم التاء، وهي قراءة ابن عباس، وأبي الدرداء، وقتادة. قال الزجاج: هو من ~~الهيئة، كأنها قالت: تهيأت لك. وعن ابن محيصن، وطلحة بن مصرف مثل قراءة ابن ~~عباس إلا أنها بغير همز. وعن ابن محيصن بفتح الهاء وكسر التاء، وهي قراءة ~~أبي رزين، وحميد. وعن الوليد بن عتبة بكسر الهاء والتاء مع الهمز، وهي ~~قراءة أبي العالية. وقرأ ابن خثيم مثله، إلا أنه لم يهمز. وعن الوليد بن ~~مسلم عن نافع بكسر الهاء وفتح التاء مع ms1093 الهمز. وقرأ ابن مسعود، وابن ~~السميفع، وابن يعمر، والجحدري: «هيئت لك» برفع الهاء والتاء وبياء مشددة ~~مكسورة بعدها همزة ساكنة. وقرأ أبي بن كعب: «ها أنا لك» . وقرأ الباقون ~~بفتح الهاء والتاء بغير همز. قال الزجاج: وهو أجود اللغات، وأكثرها في كلام ~~العرب، ومعناها: هلم لك، أي: أقبل على ما أدعوك إليه، وقال الشاعر: # أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا ... أن العراق وأهله عنق إليك ~~فهيت هيتا «1» # أي: فأقبل وتعال. وقال ابن قتيبة: يقال: هيت فلان لفلان: إذا دعاه وصاح ~~به قال الشاعر: # قد رابني أن الكري أسكتا ... لو كان معنيا بها لهيتا «2» # أي: صار ذا سكوت. واختلف العلماء في قوله «هيت لك» بأي لغة هي، على أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنها عربية قاله مجاهد. وقال ابن الأنباري: وقد قيل: إنها من كلام ~~قريش، إلا أنها مما درس وقل في أفواههم آخرا، فأتى الله به، لأن أصله من ~~كلامهم، وهذه الكلمة لا مصدر لها، ولا تصرف، ولا تثنية، ولا جمع، ولا ~~تأنيث، يقال للاثنين: هيت لكما، وللجميع: هيت لكم، وللنسوة: هيت لكن. ~~والثاني: أنها بالسريانية، قاله الحسن. والثالث: بالحورانية، قاله عكرمة، ~~والكسائي. وقال الفراء: يقال: إنها لغة لأهل حوران، سقطت إلى أهل مكة ~~فتكلموا بها. والرابع: أنها بالقبطية، قاله السدي. # قوله تعالى: قال معاذ الله قال الزجاج: هو مصدر، والمعنى: أعوذ بالله أن ~~أفعل هذا، يقال: عذت عياذا ومعاذا ومعاذة. إنه ربي أي: إن العزيز صاحبي ~~أحسن مثواي، قال: ويجوز PageV02P426 # أن يكون «إنه ربي» يعني الله عز وجل «أحسن مثواي» أي: تولاني في طول ~~مقامي. # قوله تعالى: إنه لا يفلح الظالمون أي: إن فعلت هذا فخنته في أهله بعد ما ~~أكرمني فأنا ظالم. # وقيل: الظالمون ها هنا: الزناة. ### | [سورة يوسف (12) : آية 24] # ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24) # قوله تعالى: ولقد همت به الهم بالشيء في كلام العرب: حديث المرء نفسه ~~بمواقعته ما لم يواقع. فأما هم أزليخا، ms1094 فقال المفسرون: دعته إلى نفسها ~~واستلقت له. واختلفوا في همه بها على خمسة أقوال «1» : PageV02P427 # أحدها: أنه كان من جنس همها، ولولا أن الله تعالى عصمه لفعل، وإلى هذا ~~المعنى ذهب الحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، وهو قول عامة المفسرين ~~المتقدمين، واختاره من المتأخرين جماعة منهم ابن جرير، وابن الأنباري. وقال ~~ابن قتيبة: لا يجوز في اللغة: هممت بفلان، وهم بي، وأنت تريد اختلاف ~~الهمين. واحتج من نصر هذا القول بأنه مذهب الأكثرين من السلف والعلماء ~~الأكابر، ويدل عليه ما سنذكره من أمر البرهان الذي رآه. قالوا: ورجوعه عما ~~هم به من ذلك خوفا من الله تعالى يمحو عنه سيئ الهم، ويوجب له علو المنازل. # (807) ويدل على هذا الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن ~~ثلاثة خرجوا فلجؤوا إلى غار، فانطبقت عليهم صخرة، فقالوا: ليذكر كل واحد ~~منكم أفضل عمله. فقال أحدهم: اللهم إنك تعلم أنه كانت لي بنت عم فراودتها ~~عن نفسها فأبت إلا بمائة دينار، فلما أتيت بها وجلست منها مجلس الرجل من ~~المرأة أرعدت وقالت: إن هذا لعمل ما عملته قط، فقمت عنها وأعطيتها المائة ~~الدينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا، فزال ثلث ~~الحجر» . والحديث معروف، وقد ذكرته في «الحدائق» ، فعلى هذا نقول: إنما ~~همت، فترقت همتها إلى العزيمة، فصارت مصرة على الزنا. فأما هو، فعارضه ما ~~يعارض البشر من خطرات القلب، وحديث النفس، من غير عزم، فلم يلزمه هذا الهم ~~ذنبا، فإن الرجل الصالح قد يخطر بقلبه وهو صائم شرب الماء البارد، فإذا لم ~~يشرب لم يؤاخذ بما هجس في نفسه. # (808) وقد قال عليه السلام: «عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم ~~أو تعمل» . # (809) وقال عليه السلام: «هلك المصرون» وليس الإصرار إلا عزم القلب، فقد ~~فرق بين حديث النفس وعزم القلب. وسئل سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد بالهمة؟ ~~فقال: إذا كانت عزما. PageV02P428 # (810) ويؤيده الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«يقول الله تعالى: ms1095 إذا هم عبدي بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها ~~كتبتها عليه سيئة» . واحتج القاضي أبو يعلى على أن همته لم تكن من جهة ~~العزيمة، وإنما كانت من جهة دواعي الشهوة بقوله: قال معاذ الله إنه ربي ~~وقوله: # كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء وكل ذلك إخبار ببراءة ساحته من العزيمة ~~على المعصية، وعلى هذا تكون همته مجرد خاطر لم يخرج إلى العزم. # فإن قيل: فقد سوى القرآن بين الهمتين، فلم فرقتم؟ # فالجواب: أن الاستواء وقع في بداية الهمة، ثم ترقت همتها إلى العزيمة، ~~بدليل مراودتها واستلقائها بين يديه، ولم تتعد همته مقامها، بل نزلت عن ~~رتبتها، وانحل معقودها. بدليل هربه منها، وقوله: قال معاذ. ولا يصح ما يروى ~~عن المفسرين أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الرجل، فإنه لو كان هذا، دل ~~على العزم، والأنبياء معصومون من العزم على الزنا. # والقول الثاني: أنها همت به أن يفترشها، وهم بها، أي: تمناها أن تكون له ~~زوجة، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والقول الثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: ولقد همت به، ولولا ~~أن رأى برهان ربه لهم بها فلما رأى البرهان، لم يقع منه الهم، فقدم جواب ~~«لولا» عليها، كما يقال: قد كنت من الهالكين، لولا أن فلانا خلصك لكنت من ~~الهالكين، ومنه قول الشاعر: # فلا يدعني قومي صريحا لحرة ... لئن كنت مقتولا وتسلم عامر # أراد: لئن كنت مقتولا وتسلم عامر، فلا يدعني قومي، فقدم الجواب. وإلى هذا ~~القول ذهب قطرب، وأنكره قوم، منهم ابن الأنباري، وقالوا: تقديم جواب «لولا» ~~عليها شاذ مستكره، لا يوجد في فصيح كلام العرب، فأما البيت المستشهد به، ~~فمن اضطرار الشعراء، لأن الشاعر يضيق الكلام به عند اهتمامه بتصحيح أجزاء ~~شعره، فيضع الكلمة في غير موضعها، ويقدم ما حكمه التأخير، ويؤخر ما حكمه ~~التقديم، ويعدل عن الاختيار إلى المستقبح للضرورة، قال الشاعر: # وجزى ربه عني عدي بن حاتم ... بتركي وخذلاني جزاء موفرا # تقديره: جزى عني عدي بن حاتم ربه، فاضطر إلى تقديم الرب، وقال ms1096 الآخر: # لما جفا إخوانه مصعبا ... أدى بذاك البيع صاعا بصاع # أراد: لما جفا مصعبا إخوانه، وأنشد الفراء: # طلبا لعرفك يا ابن يحيى بعد ما ... تقطعت بي دونك الأسباب # فزاد تاء على تاء «تقطعت» لا أصل لها ليصلح وزن شعره، وأنشد ثعلب: # إن شكلي وإن شكلك شتى ... فالزمي الخفض وانعمي تبيضضي # فزاد ضادا لا أصل لها لتكمل أجزاء البيت، وقال الفرزدق: PageV02P429 # هما تفلا في في من فمويهما ... على النابح العاوي أشد لجاميا # فزاد واوا بعد الميم ليصلح شعره. ومثل هذه الأشياء لا يحمل عليها كتاب ~~الله النازل بالفصاحة، لأنها من ضرورات الشعراء. # والقول الرابع: أنه هم أن يضربها ويدفعها عن نفسه، فكان البرهان الذي رآه ~~من ربه أن الله أوقع في نفسه أنه إن ضربها كان ضربه إياها حجة عليه، لأنها ~~تقول: راودني فمنعته فضربني، ذكره ابن الأنباري. # والقول الخامس: أنه هم بالفرار منها، حكاه الثعلبي، وهو قول مرذول، ~~أفتراه أراد الفرار منها، فلما رأى البرهان أقام عندها؟! قال بعض العلماء: ~~كان هم يوسف خطيئة من الصغائر الجائزة على الأنبياء، وإنما ابتلاهم بذلك ~~ليكونوا على خوف منه، وليعرفهم مواقع نعمته في الصفح عنهم، وليجعلهم أئمة ~~لأهل الذنوب في رجاء الرحمة. قال الحسن: إن الله تعالى لم يقصص عليكم ذنوب ~~الأنبياء تعييرا لهم، ولكن لئلا تقنطوا من رحمته. يعني الحسن أن الحجة ~~للأنبياء ألزم، فاذا قبل التوبة منهم، كان إلى قبولها منكم أسرع. # (811) وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من أحد يلقى ~~الله تعالى إلا وقد هم بخطيئة أو عملها، إلا يحيى بن زكريا، فإنه لم يهم ~~ولم يعملها» . # قوله تعالى: لولا أن رأى برهان ربه جواب «لولا» محذوف. قال الزجاج: ~~المعنى: لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما هم به. قال ابن الأنباري: لزنى، ~~فلما رأى البرهان كان سبب انصراف الزنا عنه. وفي البرهان ستة أقوال: # أحدها: أنه مثل له يعقوب. روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: نودي يا ~~يوسف، أتزني فتكون مثل الطائر ms1097 الذي نتف ريشه فذهب يطير فلم يستطع؟ فلم يعط ~~على النداء شيئا، فنودي الثانية، فلم يعط على النداء شيئا فتمثل له يعقوب ~~فضرب صدره، فقام، فخرجت شهوته من أنامله. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: رأى ~~صورة أبيه يعقوب في وسط البيت عاضا على أنامله، فأدبر هاربا، وقال: وحقك يا ~~أبت لا أعود أبدا. وقال أبو صالح عن ابن عباس: رأى مثال يعقوب في الحائط ~~عاضا PageV02P430 # على شفتيه. وقال الحسن: مثل له جبريل في صورة يعقوب في سقف البيت عاضا ~~على إبهامه أو بعض أصابعه. وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد، وسعيد بن جبير، ~~وعكرمة، وقتادة، وابن سيرين، والضحاك في آخرين. وقال عكرمة: كل ولد يعقوب، ~~قد ولد له اثنا عشر ولدا، إلا يوسف فانه ولد له أحد عشر ولدا، فنقص بتلك ~~الشهوة ولدا. # والثاني: أنه جبريل عليه السلام. روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: مثل ~~له يعقوب فلم يزدجر، فنودي: أتزني فتكون مثل الطائر نتف ريشه؟! فلم يزدجر ~~حتى ركضه جبريل في ظهره، فوثب. # والثالث: أنها قامت إلى صنم في زاوية البيت فسترته بثوب، فقال لها يوسف: ~~أي شيء تصنعين؟ # قالت: أستحي من إلهي هذا أن يراني على هذه السوأة، فقال: أتستحين من صنم ~~لا يعقل ولا يسمع، ولا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت؟ فهو ~~البرهان الذي رأى، قاله علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين، والضحاك. # والرابع: أن الله تعالى بعث إليه ملكا، فكتب في وجه المرأة بالدم: ولا ~~تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا «1» ، قاله الضحاك عن ابن عباس. ~~وروي عن محمد بن كعب القرظي: أنه رأى هذه الآية مكتوبة بين عينيها، وفي ~~رواية أخرى عنه، أنه رآها مكتوبة في الحائط. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: ~~بدت فيما بينهما كف ليس فيها عضد ولا معصم، وفيها مكتوب ولا تقربوا الزنى ~~إنه كان فاحشة وساء سبيلا، فقام هاربا، وقامت، فلما ذهب عنهما الروع عادت ~~وعاد، فلما قعد إذا بكف قد بدت ms1098 فيما بينهما فيها مكتوب واتقوا يوما ترجعون ~~فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون» # الآية، فقام هاربا، فلما عاد، قال الله تعالى لجبرئيل: أدرك عبدي قبل أن ~~يصيب الخطيئة، فانحط جبريل عاضا على كفه أو أصبعه وهو يقول: يا يوسف، أتعمل ~~عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء؟!. وقال وهب بن منبه: ظهرت ~~تلك الكف وعليها مكتوب بالعبرانية أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت «3» ، ~~فانصرفا، فلما عادا رجعت وعليها مكتوب وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين ~~«4» ، فلما عادا عادت وعليها مكتوب ولا تقربوا الزنى الآية، فعاد، فعادت ~~الرابعة وعليها مكتوب واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله، فولى يوسف هاربا ~~«5» . # والخامس: أنه سيده العزيز دنا من الباب، رواه ابن إسحاق عن بعض أهل ~~العلم. وقال ابن إسحاق: يقال: إن البرهان خيال سيده، رآه عند الباب فهرب. # والسادس: أن البرهان أنه علم ما أحل الله مما حرم الله، فرأى تحريم ~~الزنا، روي عن محمد بن كعب القرظي. قال ابن قتيبة: رأى حجة الله عليه، وهي ~~البرهان، وهذا هو القول الصحيح، وما تقدمه فليس بشيء، وإنما هي أحاديث من ~~أعمال القصاص، وقد أشرت إلى فسادها في كتاب «المغني في التفسير» . وكيف يظن ~~بنبي لله كريم أنه يخوف ويرعب ويضطر إلى ترك هذه المعصية وهو مصر؟! هذا ~~غاية القبح. PageV02P431 # قوله تعالى: كذلك أي: كذلك أريناه البرهان لنصرف عنه السوء وهو خيانة ~~صاحبه والفحشاء ركوب الفاحشة إنه من عبادنا المخلصين قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو، وابن عامر بكسر اللام، والمعنى: إنه من عبادنا الذين أخلصوا دينهم. ~~وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بفتح اللام، أرادوا: من الذين أخلصهم الله من ~~الأسواء والفواحش. وبعض المفسرين يقول: السوء: الزنى، والفحشاء: المعاصي. ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 25 الى 27] # واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من ~~أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) قال هي راودتني عن نفسي ~~وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد ms1099 من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26) وإن ~~كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27) # قوله تعالى: واستبقا الباب يعني يوسف والمرأة، تبادرا إلى الباب يجتهد كل ~~واحد منهما أن يسبق صاحبه، وأراد يوسف أن يسبق ليفتح الباب ويخرج، وأرادت ~~هي إن سبقت إمساك الباب لئلا يخرج، فأدركته فتعلقت بقميصه من ورائه، فجذبته ~~إليها، فقدت قميصه من دبر، أي: قطعته من خلفه، لأنه كان هو الهارب وهي ~~الطالبة له. قال المفسرون: قطعت قميصه نصفين، فلما خرجا، ألفيا سيدها، أي: ~~صادفا زوجها عند الباب، فحضرها في ذلك الوقت كيد، فقالت سابقة بالقول مبرئة ~~لنفسها من الأمر ما جزاء من أراد بأهلك سوءا قال ابن عباس: تريد الزنى إلا ~~أن يسجن أي: ما جزاؤه إلا السجن أو عذاب أليم يعني الضرب بالسياط، فغضب ~~يوسف حينئذ وقال: هي راودتني عن نفسي وقال وهب بن منبه: قال له العزيز ~~حينئذ: أخنتني يا يوسف في أهلي، وغدرت بي، وغررتني بما كنت أرى من صلاحك! ~~فقال حينئذ: هي راودتني عن نفسي. # قوله تعالى: وشهد شاهد من أهلها وذلك أنه لما تعارض قولاهما، احتاجا إلى ~~شاهد يعلم به قول الصادق. وفي ذلك الشاهد ثلاثة «1» أقوال: أحدها: أنه كان ~~صبيا في المهد، رواه عكرمة عن ابن عباس «2» ، وشهر بن حوشب عن أبي هريرة، ~~وبه قال سعيد بن جبير، والضحاك، وهلال بن يساف PageV02P432 # في آخرين. والثاني: أنه كان من خاصة الملك. رواه ابن أبي مليكة عن ابن ~~عباس. وقال أبو صالح عن ابن عباس: كان ابن عم لها، وكان رجلا حكيما، فقال: ~~قد سمعنا الاشتداد والجلبة من وراء الباب، فإن كان شق القميص من قدامه فأنت ~~صادقة وهو كاذب، وإن كان من خلفه فهو صادق وأنت كاذبة، وقال بعضهم: كان ابن ~~خالة المرأة. والثالث: أنه شق القميص، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وفيه ~~ضعف، لقوله: من أهلها. # فإن قيل: كيف وقعت شهادة الشاهد ها هنا معلقة بشرط، والشارط غير عالم بما ~~يشرطه؟ # فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري. ms1100 # أحدهما: أن الشاهد شاهد بأمر قد علمه، فكأنه سمع بعض كلام يوسف وأزليخا، ~~فعلم، غير أنه أوقع في شهادته شرطا ليلزم المخاطبين قبول شهادته من جهة ~~العقل والتمييز، فكأنه قال: هو الصادق عندي، فإن تدبرتم ما أشترطه لكم، ~~عقلتم قولي، ومثل هذا قول الحكماء: إن كان القدر حقا، فالحرص باطل، وإن كان ~~الموت يقينا، فالطمأنينة إلى الدنيا حمق. # والجواب الثاني: أن الشاهد لم يقطع بالقول، ولم يعلم حقيقة ما جرى، وإنما ~~قال ما قال على جهة إظهار ما يسنح له من الرأي، فكان معنى قوله: وشهد شاهد: ~~أعلم وبين. فقال: الذي عندي من الرأي أن نقيس القميص ليوقف على الخائن. ~~فهذان الجوابان يدلان على أن المتكلم رجل. # فإن قلنا: إنه صبي في المهد، كان دخول الشرط مصححا لبراءة يوسف، لأن كلام ~~مثله أعجوبة ومعجزة لا يبقى معها شك. ### | [سورة يوسف (12) : آية 28] # فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28) # قوله تعالى: فلما رأى قميصه في هذا الرائي والقائل: إنه من كيدكن قولان: # أحدهما: أنه الزوج. والثاني: الشاهد. # وفي هاء الكناية في قوله: إنه من كيدكن «1» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ~~ترجع إلى تمزيق القميص، قاله مقاتل. والثاني: إلى قولها: ما جزاء من أراد ~~بأهلك سوءا، فالمعنى: قولك هذا من كيدكن، قاله الزجاج. والثالث: إلى السوء ~~الذي دعته إليه، ذكره الماوردي. # قال ابن عباس: إن كيدكن أي: عملكن عظيم تخلطن البريء والسقيم. ### | ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 29 الى # 30] # يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29) وقال نسوة في ~~المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال ~~مبين (30) PageV02P433 # قوله تعالى: يوسف أعرض عن هذا المعنى: يا يوسف أعرض. وفي القائل له هذا ~~قولان: # أحدهما: أنه ابن عمها وهو الشاهد، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الزوج، ~~ذكره جماعة من المفسرين. # قال ابن عباس: أعرض عن هذا الأمر فلا تذكره لأحد، واكتمه عليها. وروى ~~الحلبي عن عبد الوارث: # «يوسف أعرض عن ms1101 هذا» بفتح الراء على الخبر. # قوله تعالى: واستغفري لذنبك فيه قولان: أحدهما: استعفي زوجك لئلا يعاقبك، ~~قاله ابن عباس. والثاني: توبي من ذنبك فإنك قد أثمت. # وفي القائل لهذا قولان: أحدهما: ابن عمها. والثاني: الزوج. # قوله تعالى: إنك كنت من الخاطئين يعني: من المذنبين. قال المفسرون: ثم ~~شاع ذلك الحديث في مصر حتى تحدث بذلك النساء، وهو قوله: وقال نسوة في ~~المدينة، وفي عددهن قولان: أحدهما: أنهن كن أربعا: امرأة ساقي الملك، ~~وامرأة صاحب دواته، وامرأة خبازه، وامرأة صاحب سجنه، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنهن خمس: امرأة الخباز، وامرأة الساقي، وامرأة السجان، وامرأة ~~صاحب الدواة، وامرأة الآذن، قاله مقاتل. # وأما العزيز، فهو بلغتهم الملك، والفتى بمعنى العبد. قال الزجاج: كانوا ~~يسمون المملوك فتى. # وإنما تكلم النسوة في حقها، طعنا فيها، وتحقيقا لبراءة يوسف. # قوله تعالى: قد شغفها حبا أي: بلغ حبه شغاف قلبها. وفي الشغاف أربعة ~~أقوال: أحدها: أنه جلدة بين القلب والفؤاد، رواه عكرمة عن ابن عباس. ~~والثاني: أنه غلاف القلب، قاله أبو عبيدة. قال ابن قتيبة: ولم يرد الغلاف، ~~إنما أراد القلب، يقال: شغفت فلانا: إذا أصبت شغافه، كما يقال: كبدته: # إذا أصبت كبده، وبطنته: إذا أصبت بطنه. والثالث: أنه حبة القلب وسويداؤه. ~~والرابع: أنه داء يكون في الجوف في الشراسيف، وأنشدوا: # وقد حال هم دون ذلك داخل ... دخول الشغاف تبتغيه الأصابع «1» # ذكر القولين الزجاج. وقال الأصمعي: الشغاف عند العرب: داء يكون تحت ~~الشراسيف في الجانب الأيمن من البطن، والشراسيف: مقاط رؤوس الأضلاع، ~~واحدها: شرسوف. وقرأ عبد الله بن عمرو، وعلي بن الحسين، والحسن البصري، ~~ومجاهد، وابن محيصن، وابن أبي عبلة «قد شعفها» بالعين، قال الفراء: كأنه ~~ذهب بها كل مذهب، والشعف: رؤوس الجبال. # قوله تعالى: إنا لنراها في ضلال مبين أي: عن طريق الرشد، لحبها إياه. ~~والمبين: الظاهر. ### | ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 31 الى # 32] # فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا ~~وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش ms1102 لله ما هذا بشرا ~~إن هذا إلا ملك كريم (31) قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه ~~فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) # قوله تعالى: فلما سمعت يعني: امرأة العزيز بمكرهن وفيه قولان: أحدهما: ~~أنه قولهن PageV02P434 # وعيبهن لها، قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي، وابن قتيبة. قال الزجاج: ~~وإنما سمي هذا القول مكرا، لأنها كانت أطلعتهن على أمرها، واستكتمتهن، ~~فمكرن وأفشين سرها. والثاني: أنه مكر حقيقة، وإنما قلن ذلك مكرا بها لتريهن ~~يوسف، قاله ابن إسحاق. # قوله تعالى: وأعتدت قال الزجاج: أفعلت من العتاد، وكل ما اتخذته عدة لشيء ~~فهو عتاد، والعتاد: الشيء الثابت اللازم. فأما المتكأ، ففيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه المجلس فالمعنى: هيأت لهن مجلسا، قاله الضحاك عن ابن عباس. ~~والثاني: أنه الوسائد اللائي يتكئن عليها، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال ~~الزجاج: المتكأ: ما يتكأ عليه لطعام أو شراب أو حديث. والثالث: أنه الطعام، ~~قاله الحسن، ومجاهد، وقتادة. قال ابن قتيبة: يقال: اتكأنا عند فلان: إذا ~~طعمنا، قال جميل بن معمر: # فظللنا في نعمة واتكأنا ... وشربنا الحلال من قلله «1» # والأصل في هذا أن من دعوته ليطعم، أعددت له التكأة للمقام والطمأنينة، ~~فسمي الطعام متكأ على الاستعارة. قال الأزهري: إنما قيل للطعام: متكأ، لأن ~~القوم إذا قعدوا على الطعام اتكؤوا، ونهيت هذه الأمة عن ذلك. وقرأ مجاهد ~~«متكا» بإسكان التاء خفيفة، وفيه أربعة أقوال: # أحدها: أنه الأترج، قاله ابن عباس ومجاهد ويحيى بن يعمر في آخرين، ومنه ~~قول الشاعر: # وترى المتك بيننا مستعارا «2» # يريد: الأترج. والثاني: أنه الطعام أيضا، قاله عكرمة. والثالث: كل شيء ~~يحز بالسكاكين، قاله الضحاك. والرابع: أنه الزماورد، روي عن الضحاك أيضا. # وقد روي عن جماعة أنهم فسروا المتكأ بما فسروا به المتك، فروي عن ابن ~~جريج أنه قال: # المتكأ: الأترج، وكل ما يحز بالسكاكين. وعن الضحاك قال: المتكأ: كل ما ~~يحز بالسكاكين. وفرق آخرون بين القراءتين، فقال مجاهد: من قرأ «متكأ» ~~بالتثقيل، فهو الطعام، ومن قرأ بالتخفيف، فهو الأترج. ms1103 قال ابن قتيبة: من ~~قرأ «متكا» فإنه يريد الأترج، ويقال: الزماورد. وأيا ما كان، فإني لا أحسبه ~~سمي متكا إلا بالقطع، كأنه مأخوذ من البتك، فأبدلت الميم منه باء، كما ~~يقال: سمد رأسه وسبده: إذا استأصله، وشر لازم، ولازب، والميم تبدل من الباء ~~كثيرا، لقرب مخرجيها. # قوله تعالى: وآتت كل واحدة منهن سكينا إنما فعلت ذلك، لأن الطعام الذي ~~قدمت لهن يحتاج إلى السكاكين. وقيل: كان مقصودها افتضاحهن بتقطيع أيديهن ~~كما فضحنها. قال وهب بن منبه: # ناولت كل واحدة منهن أترجة وسكينا، وقالت لهن: لا تقطعن ولا تأكلن حتى ~~أعلمكن، ثم قالت ليوسف: اخرج عليهن. قال الزجاج: إن شئت ضممت التاء من ~~قوله: «وقالت» ، وإن شئت كسرت، والكسر الأصل لسكون التاء والخاء، ومن ضم ~~التاء، فلثقل الضمة بعد الكسرة. ولم يمكنه أن لا يخرج، لأنه بمنزلة العبد ~~لها. وذكر بعض أهل العلم أنها إنما قالت: «اخرج» وأضمرت في نفسها «عليهن» ، ~~فأخبر الحق عما في النفس كأن اللسان قد نطق به، ومثله: إنما نطعمكم لوجه ~~الله لا نريد منكم جزاء PageV02P435 # ولا شكورا «1» لم يقولوا ذلك، إنما أضمروه، ويدل على صحة هذا أنها لو ~~قالت له وهو شاب مستحسن: اخرج على نسوة من طبعهن الفتنة، ما فعل. # وفي قوله تعالى: أكبرنه قولان: أحدهما: أعظمنه، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال قتادة، وابن زيد. والثاني: حضن «2» ~~، رواه الضحاك عن ابن عباس. وروى علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: حضن ~~من الفرح، قال: وفي ذلك يقول الشاعر: # نأتي النساء لدى أطهارهن ولا ... نأتي النساء إذا أكثرن إكبارا «3» # وقد روى هذا المعنى ليث عن مجاهد، واختاره ابن الأنباري، ورده بعض ~~اللغويين، فروي عن أبي عبيدة أنه قال: ليس في كلام العرب «أكبرن» بمعنى ~~«حضن» ، ولكن عسى أن يكن من شدة ما أعظمنه حضن، وكذلك روي عن الزجاج أنه ~~أنكره. # قوله تعالى: وقطعن أيديهن فيه ثلاثة أقوال: أحدها: حززن أيديهن، وكن ~~يحسبن أنهن يقطعن طعاما، قاله ms1104 ابن عباس، وابن زيد. والثاني: قطعن أيديهن ~~حتى ألقينها، قاله مجاهد، وقتادة. والثالث: # كلمن الأكف وأبن الأنامل، قاله وهب بن منبه. # قوله تعالى: وقلن حاش لله قرأ أبو عمرو «حاشا» بألف في الوصل في ~~الموضعين، واتفقوا على حذف الألف في الوقف، وأبو عمرو جاء به على التمام ~~والأصل، والباقون حذفوا. وهذه الكلمة تستعمل في موضعين. أحدهما: الاستثناء. ~~والثاني: التبرئة من الشر. والأصل «حاشا» وهي مشتقة من قولك: كنت في حشا ~~فلان، أي: في ناحيته. والحشا: الناحية، وأنشدوا: # بأي الحشا أمسى الخليط المباين «4» # أي: بأي النواحي، والمعنى: صار يوسف في حشا من أن يكون بشرا، لفرط جماله. ~~وقيل: # صار في حشا مما قرفته به امرأة العزيز. وقال ابن عباس، ومجاهد: «حاش لله» ~~بمعنى: معاذ الله. قال الفراء: و «بشرا» منصوب، لأن الباء قد استعملت فيه، ~~فلا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء، فلما حذفوها أحبوا أن يكون لها أثر ~~فيما خرجت منه، فنصبوا على ذلك، وكذلك قوله: ما هن أمهاتهم «5» ، وأما أهل ~~نجد فيتكلمون بالباء وبغير الباء، فإذا أسقطوها، رفعوا، وهو أقوى الوجهين ~~في العربية. قال الزجاج: قوله: الرفع أقوى الوجهين، غلط، لأن كتاب الله ~~أقوى اللغات، ولم يقرأ بالرفع أحد. وزعم الخليل، وسيبويه، وجميع النحويين ~~القدماء أن «بشرا» منصوب، لأنه خبر «ما» و «ما» بمنزلة «ليس» . قلت: وقد ~~قرأ أبو المتوكل، وأبو نهيك، وعكرمة، ومعاذ القارئ في آخرين: «ما هذا ~~PageV02P436 # بشر» بالرفع. وقرأ أبي بن كعب، وأبو الجوزاء، وأبو السوار: «ما هذا بشرى» ~~بكسر الباء والشين مقصورا منونا. قال الفراء: أي: ما هذا بمشترى. وقرأ ابن ~~مسعود: «بشراء» بالمد والهمز مخفوضا منونا. # قوله تعالى: إن هذا إلا ملك كريم قرأ أبي، وأبو رزين، وعكرمة، وأبو حياة، ~~والجحدري: # «ملك» بكسر اللام. # قوله تعالى: فذلكن الذي لمتنني فيه قال المفسرون: لما ذهلت عقولهن فقطعن ~~أيديهن، قالت لهن ذلك. فإن قيل: كيف أشارت إليه وهو حاضر بقولها: «فذلكن» ؟ ~~فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري: أحدهما: أنها أشارت ب «ذلكن» إلى يوسف ~~بعد انصرافه من ms1105 المجلس. والثاني: أن في الكلام إضمار «هذا» تقديره: فهذا ~~ذلكن. ومعنى «لمتنني فيه» أي: في حبه. ثم أقرت عندهن، فقالت: # ولقد راودته عن نفسه فاستعصم أي: امتنع. # قوله تعالى: وليكونا من الصاغرين قال الزجاج: القراءة الجيدة تخفيف ~~«وليكونن» والوقف عليها بالألف، لأن النون الخفيفة تبدل منهما في الوقف ~~الألف، تقول: اضربا زيدا، وإذا وقفت قلت: # اضربا. وقد قرئت «وليكونن» بتشديد النون، وأكرهها، لخلاف المصحف، لأن ~~الشديدة لا يبدل منها شيء. والصاغرون: المذلون. ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 33 الى 34] # قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن ~~وأكن من الجاهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ~~(34) # قوله تعالى: قال رب السجن أحب إلي قال وهب بن منبه: لما قالت: «فذلكن ~~الذي لمتنني فيه» قلن: لا لوم عليك، قالت: فاطلبن إلى يوسف أن يسعفني ~~بحاجتي، فقلن: يا يوسف افعل، فقالت: # لئن لم يفعل لأخلدنه السجن، فعند ذلك قال: رب السجن أحب إلي. وقرأ يعقوب: ~~«السجن» بفتح السين ها هنا فحسب. قال الزجاج: من كسر سين «السجن» فعلى اسم ~~المكان، فيكون المعنى: نزول السجن أحب إلي من ركوب المعصية، ومن فتح، فعلى ~~المصدر، المعنى: أن أسجن أحب إلي. # وإلا تصرف عني كيدهن أي: إلا تعصمني أصب إليهن أي: أمل إليهن. يقال: صبا ~~إلى اللهو يصبو صبوا وصبوا وصباء: إذا مال إليه. وقال ابن الأنباري: ومعنى ~~هذا الكلام: اللهم اصرف عني كيدهن، ولذلك قال: فاستجاب له ربه. # قال: فإن قيل: إنما كادته امرأة العزيز وحدها، فكيف قال: «كيدهن» ؟ فعنه ~~ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن العرب توقع الجمع على الواحد، فيقول قائلهم: خرجت إلى البصرة ~~في السفن، وهو لم يخرج إلا في سفينة واحدة. والثاني: أن المكني عنه امرأة ~~العزيز والنسوة اللاتي عاضدنها على أمرها. والثالث: أنه عنى امرأة العزيز ~~وغيرها من نساء العالمين اللاتي لهن مثل كيدها. ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 35] # ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35) # قوله تعالى: ثم بدا ms1106 لهم من بعد ما رأوا الآيات في المراد بالآيات ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنها شق القميص، وقضاء ابن عمها عليها، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. # PageV02P437 # والثاني: أنها قد القميص، وشهادة الشاهد، وقطع الأيدي، وإعظام النساء ~~إياه، رواه مجاهد عن ابن عباس. والثالث: جماله وعفته، ذكره الماوردي. # قال وهب بن منبه: فأشار النسوة عليها بسجنه رجاء أن يستهوينه حين يخلو ~~لهن في السجن، وقلن: متى سجنتيه قطع ذلك عنك قالة الناس التي قد شاعت، ~~ورأوا أنك تبغضينه، ويذله السجن لك، فلما انصرفن عادت إلى مراودته فلم يزدد ~~إلا بعدا عنها، فلما يئست، قالت لسيدها: إن هذا العبد قد فضحني، وقد أبغضت ~~رؤيته، فائذن لي في سجنه، فأذن لها، فسجنته وأضرت به. وقال السدي: # قالت: إما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر بعذري، وإما أن تحبسه كما حبستني، ~~فظهر للعزيز وأصحابه من الرأي حبس يوسف. قال الزجاج: كان العزيز أمر ~~بالإعراض فقط، ثم تغير رأيه عن ذلك. قال ابن الأنباري: وفي معنى الآية ~~قولان: # أحدهما: «ثم بدا لهم» أي: ظهر لهم بالقول والرأي والفكر سجنه. # والثاني: ثم بدا لهم في يوسف بداء، فقالوا: والله لنسجننه، فاللام جواب ~~يمين مضمرة. # فأما «الحين» ، فهو يقع على قصير الزمان وطويله. وفي المراد به ها هنا ~~للمفسرين خمسة أقوال: # أحدها: خمس سنين، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: سنة، روي عن ابن ~~عباس أيضا. # والثالث: سبع سنين، قاله عكرمة. والرابع: إلى انقطاع القالة، قاله عطاء. ~~والخامس: أنه زمان غير محدود، ذكره الماوردي، وهذا هو الصحيح، لأنهم لم ~~يعزموا على حبسه مدة معلومة، وإنما ذكر المفسرون قدر ما لبث. ### | [سورة يوسف (12) : آية 36] # ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني ~~أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من ~~المحسنين (36) # قوله تعالى: ودخل معه السجن فتيان قال الزجاج: فيه دليل على أنه حبس، وإن ~~لم يذكر ذلك. و «فتيان» جائز أن يكونا حدثين أو شيخين، لأنهم يسمون المملوك ms1107 ~~فتى. قال ابن الأنباري: إنما قال: «فتيان» لأنهما كانا مملوكين، والعرب ~~تسمي المملوك فتى، شابا كان أو شيخا. قال المفسرون: # عمر ملك مصر فملوه، فدسوا إلى خبازه وصاحب شرابه أن يسماه، فبلغه ذلك ~~فحبسهما، فكان يوسف قال لأهل السجن: إني أعبر الأحلام، فقال أحد الفتيين: ~~هلم فلنجرب هذا العبد العبراني. واختلفوا هل كانت رؤياهما صادقة، أم لا؟ ~~على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها كانت كذبا، وإنما سألاه تجريبا، قاله ابن مسعود، والسدي. # والثاني: أنها كانت صدقا، قاله مجاهد، وابن إسحاق. # والثالث: أن الذي صلب منهما كان كاذبا، وكان الآخر صادقا، قاله أبو مجلز. # قوله تعالى: قال أحدهما يعني الساقي إني أراني أي: في النوم أعصر خمرا ~~أي: عنبا. # وفي تسمية العنب خمرا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه سماه باسم ما يؤول إليه، لأن المعنى لا يلتبس، كما يقال: فلان ~~يطبخ الآجر ويعمل الدبس، وإنما يطبخ اللبن ويصنع التمر، وهذا قول أكثر ~~المفسرين. قال ابن الأنباري: وإنما كان # PageV02P438 # كذلك، لأن العرب توقع بالفرع ما هو واقع بالأصل كقولهم: فلان يطبخ آجرا. # والثاني: أن الخمر في لغة أهل عمان اسم للعنب، قاله الضحاك، والزجاج. قال ~~ابن القاسم: # وقد نطقت قريش بهذه اللغة وعرفتها. # والثالث: أن المعنى: أعصر عنب خمر، وأصل خمر، وسبب خمر، فحذف المضاف، ~~وخلفه المضاف إليه، كقوله تعالى: وسئل القرية «1» . قال أبو صالح عن ابن ~~عباس: رأى يوسف ذات يوم الخباز والساقي مهمومين، فقال: ما شأنكما؟ قالا: ~~رأينا رؤيا، قال: قصاها علي، فقال الساقي: إني رأيت كأني دخلت كرما فجنيت ~~ثلاثة عناقيد عنب، فعصرتهن في الكأس، ثم أتيت به الملك فشربه، وقال الخباز: ~~رأيت أني خرجت من مطبخ الملك أحمل فوق رأسي ثلاث سلال من خبز، فوقع طير على ~~أعلاهن فأكل منها، نبئنا بتأويله أي: أخبرنا بتفسيره. وفي قوله تعالى: إنا ~~نراك من المحسنين خمسة أقوال: # أحدها: أنه كان يعود المرضى ويداويهم ويعزي الحزين، رواه مجاهد عن ابن ~~عباس. # والثاني: إنا نراك محسنا إن أنبأتنا بتأويله، قاله ابن إسحاق. # والثالث: إنا نراك ms1108 من العالمين قد أحسنت العلم، قاله الفراء. قال ابن ~~الأنباري: فعلى هذا يكون مفعول الإحسان محذوفا، كما حذف في قوله: وفيه ~~يعصرون «2» يعني العنب والسمسم. وإنما علموا أنه عالم، لنشره العلم بينهم. # والرابع: إنا نراك ممن يحسن التأويل، ذكره الزجاج. # والخامس: إنا نراك محسنا إلى نفسك بلزومك طاعة الله، ذكره ابن الأنباري. ### | ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 37 الى # 39] # قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما ~~مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ~~(37) واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من ~~شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38) يا ~~صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39) # قوله تعالى: قال لا يأتيكما طعام ترزقانه في معنى الكلام قولان: # أحدهما: لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة إلا أخبرتكما به قبل أن يصل ~~إليكما، لأنه كان يخبر بما غاب كعيسى عليه السلام، وهو قول الحسن. # والثاني: لا يأتيكما طعام ترزقانه في المنام إلا نبأتكما بتأويله قبل أن ~~يأتيكما في اليقظة، هذا قول السدي. قال ابن عباس: فقالا له: وكيف تعلم ذلك، ~~ولست بساحر، ولا عراف، ولا صاحب نجوم فقال: ذلكما مما علمني ربي. # فإن قيل: هذا كله ليس بجواب سؤالهما، فأين جواب سؤالهما؟ فعنه أربعة ~~أجوبة: PageV02P439 # أحدها: أنه لما علم أن أحدهما مقتول، دعاهما إلى نصيبهما من الآخرة، قاله ~~قتادة. # والثاني: أنه عدل عن الجواب لما فيه من المكروه لأحدهما، قاله ابن جريج. # والثالث: أنه ابتدأ بدعائهما إلى الإيمان قبل جواب السؤال، قاله الزجاج. # والرابع: أنه ظنهما كاذبين في رؤياهما، فعدل عن جوابهما ليعرضا عن ~~مطالبته بالجواب، فلما ألحا أجابهما، ذكره ابن الأنباري. فأما الملة فهي ~~الدين. وتكرير قوله: «هم» للتوكيد. # قوله تعالى: ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء قال ابن عباس: يريد: أن ~~الله عصمنا من الشرك ذلك من فضل الله علينا أي: اتباعنا الإيمان بتوفيق ms1109 ~~الله. وعلى الناس يعني المؤمنين بأن دلهم على دينه. وقال ابن عباس: «ذلك من ~~فضل الله علينا» أن جعلنا أنبياء «وعلى الناس» أن بعثنا إليهم ولكن أكثر ~~الناس من أهل مصر لا يشكرون نعم الله فيوحدونه. # قوله تعالى: أأرباب متفرقون يعني: الأصنام من صغير وكبير خير أي: أعظم ~~صفة في المدح أم الله الواحد القهار يعني أنه أحق بالإلهية من الأصنام؟ ~~فأما الواحد، فقال الخطابي: هو الفرد الذي لم يزل وحده، وقيل: هو المنقطع ~~القرين، المعدوم الشريك والنظير، وليس كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة، ~~فإن كل شيء سواه يدعى واحدا من جهة، غير واحد من جهات، والواحد لا يثنى من ~~لفظه، لا يقال: واحدان. والقهار: الذي قهر الجبابرة من عتاة خلقه بالعقوبة، ~~وقهر الخلق كلهم بالموت. وقال غيره: القهار: الذي قهر كل شيء فذلله، ~~فاستسلم وذل له. ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 40 الى 41] # ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون (40) يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر ~~فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (41) # قوله تعالى: ما تعبدون من دونه إنما جمع في الخطاب لهما، لأنه أراد جميع ~~من شاركهما في شركهما. وقوله: «من دونه» أي: من دون الله إلا أسماء يعني: ~~الأرباب والآلهة، ولا يصح معاني تلك الأسماء للأصنام، فكأنها أسماء فارغة، ~~فكأنهم يعبدون الأسماء، لأنها لا تصح معانيها. ما أنزل الله بها من سلطان ~~أي: من حجة بعبادتها إن الحكم إلا لله أي: ما القضاء والأمر والنهي إلا له. # ذلك الدين القيم أي: المستقيم، يشير إلى التوحيد. ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون فيه قولان: # أحدهما: أنه لا يجوز عبادة غيره. والثاني: لا يعلمون ما للمطيعين من ~~الثواب وللعاصين من العقاب. # قوله تعالى: أما أحدكما فيسقي ربه خمرا الرب هاهنا: السيد. قال ابن ~~السائب: لما قص الساقي رؤياه على ms1110 يوسف، قال له: ما أحسن ما رأيت! أما ~~الأغصان الثلاثة، فثلاثة أيام، يبعث إليك الملك عند انقضائها، فيردك إلى ~~عملك، فتعود كأحسن ما كنت فيه، وقال للخباز: بئس ما رأيت، السلال الثلاث، ~~ثلاثة أيام، ثم يبعث إليك الملك عند انقضائهن، فيقتلك ويصلبك ويأكل الطير ~~من رأسك، فقالا: ما رأينا شيئا، فقال: قضي الأمر الذي فيه تستفتيان أي: فرغ ~~منه، وسيقع بكما، صدقتما أو كذبتما. # PageV02P440 # فإن قيل: لم حتم على وقوع التأويل، وربما صدق تأويل الرؤيا وكذب؟ فعنه ~~جوابان: # أحدهما: أنه حتم ذلك لوحي أتاه من الله، وسبيل المنام المكذوب فيه أن لا ~~يقع تأويله، فلما قال: «قضي الأمر» ، دل على أنه وحي. # والثاني: أنه لم يحتم، بدليل قوله: وقال للذي ظن أنه ناج منهما، قال ~~أصحاب هذا الجواب: # معنى «قضي الأمر» : قطع الجواب الذي التمستماه من جهتي، ولم يعن أن الأمر ~~واقع بكما. وقال أصحاب الجواب الأول: الظن ها هنا بمعنى العلم. ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 42] # وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث ~~في السجن بضع سنين (42) # قوله تعالى: وقال للذي ظن أنه ناج منهما يعني الساقي. وفي هذا الظن ~~قولان: أحدهما: أنه بمعنى العلم، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه الظن الذي يخالف اليقين، قاله قتادة. # قوله تعالى: اذكرني عند ربك أي: عند صاحبك، وهو الملك، وقل له: إن في ~~السجن غلاما حبس ظلما. واسم الملك: الوليد بن الريان. # قوله تعالى: فأنساه الشيطان ذكر ربه فيه قولان: # أحدهما: فأنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف لربه، قاله أبو صالح عن ابن عباس، ~~وبه قال ابن إسحاق. والثاني: فأنسى الشيطان يوسف ذكر ربه، وأمره بذكر الملك ~~ابتغاء الفرج من عنده، قاله مجاهد ومقاتل والزجاج، وهذا نسيان عمد، لا ~~نسيان سهو، وعكسه القول الذي قبله. # قوله تعالى: فلبث في السجن بضع سنين أي: غير ما كان قد لبث قبل ذلك، ~~عقوبة له على تعلقه بمخلوق. وفي البضع تسعة أقوال: أحدها: ما بين السبع ~~والتسع. # (812) روى ابن عباس ms1111 أن أبا بكر لما ناحب قريشا عند نزول الم (1) غلبت ~~الروم، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا احتطت، فان البضع ما بين ~~السبع إلى التسع» . # والثاني: اثنتا عشرة سنة، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثالث: سبع سنين، ~~قاله عكرمة. # والرابع: أنه ما بين الخمس إلى السبع، قاله الحسن. والخامس: أنه ما بين ~~الأربع إلى التسع، قاله مجاهد. والسادس: ما بين الثلاث إلى التسع، قاله ~~الأصمعي، والزجاج. والسابع: أن البضع يكون بين الثلاث والتسع والعشر، قاله ~~قتادة. والثامن: أنه ما دون العشرة، قاله الفراء، وقال الأخفش: البضع: # من واحد إلى عشرة. والتاسع: أنه ما لم يبلغ العقد ولا نصفه، قاله أبو ~~عبيدة. قال ابن قتيبة: يعني ما بين الواحد إلى الأربعة. وروى الأثرم عن أبي ~~عبيدة: البضع: ما بين ثلاث وخمس. وفي جملة ما لبث في السجن ثلاثة أقوال: ~~أحدها: اثنتا عشرة سنة، قاله ابن عباس. والثاني: أربع عشرة، قاله الضحاك. # والثالث: سبع سنين، قاله قتادة. قال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي: ~~«اذكرني عند ربك» ، قيل PageV02P441 # له: يا يوسف، أتخذت من دوني وكيلا؟ لأطيلن حبسك، فبكى، وقال: يا رب، أنسى ~~قلبي كثرة البلوى، فقلت كلمة، فويل لإخوتي. ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 43] # وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رءياي إن كنتم للرءيا تعبرون (43) # قوله تعالى: وقال الملك يعني ملك مصر الأكبر إني أرى يعني في المنام، ولم ~~يقل: # رأيت، وهذا جائز في اللغة أن يقول القائل: أرى، بمعنى رأيت. قال وهب بن ~~منبه: لما انقضت المدة التي وقتها الله تعالى ليوسف في حبسه، دخل عليه ~~جبريل إلى السجن، فبشره بالخروج وملك مصر ولقاء أبيه، فلما أمسى الملك من ~~ليلتئذ، رأى سبع بقرات سمان خرجن من البحر، في آثارهن سبع عجاف، فأقبلت ~~العجاف على السمان، فأخذن بأذنابهن فأكلنهن إلى القرنين، ولم يزد في العجاف ~~شيء، ورأى سبع سنبلات خضر وقد أقبل عليهن سبع يابسات ms1112 فأكلنهن حتى أتين ~~عليهن، ولم يزدد في اليابسات شيء، فدعا أشراف قومه فقصها عليهم، فقالوا: ~~أضغاث أحلام. قال الزجاج: والعجاف: التي قد بلغت في الهزال الغاية. والملأ: ~~الذين يرجع إليهم في الأمور ويقتدى برأيهم، واللام في قوله: للرءيا دخلت ~~على المفعول للتبيين، المعنى: إن كنتم تعبرون. ثم بين باللام فقال: ~~«للرؤيا» . ومعنى عبرت الرؤيا وعبرتها: أخبرت بآخر ما يؤول إليه أمرها، ~~واشتقاقه من عبر النهر، وهو شاطئ النهر، فتأويل عبرت النهر: بلغت إلى عبره، ~~أي: إلى شطه، وهو آخر عرضه. وذكر ابن الأنباري في اللام قولين: أحدهما: ~~أنها للتوكيد. والثاني: أنها أفادت معنى «إلى» والمعنى: إن كنتم توجهون ~~العبارة إلى الرؤيا. ### | [سورة يوسف (12) : آية 44] # قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44) # قوله تعالى: قالوا أضغاث أحلام قال أبو عبيدة: واحدها ضغث، مكسورة، وهي ~~ما لا تأويل له من الرؤيا تراه جماعات، تجمع من الرؤيا كما يجمع الحشيش، ~~فيقال: ضغث، أي: ملء كف منه. # وقال الكسائي: الأضغاث: الرؤيا المختلطة. وقال ابن قتيبة: «أضغاث أحلام» ~~أي: أخلاط مثل أضغاث النبات يجمعها الرجل، فيكون فيها ضروب مختلفة. وقال ~~الزجاج: الضغث في اللغة: الحزمة والباقة من الشيء، كالبقل وما أشبهه، ~~فقالوا له: رؤياك أخلاط أضغاث، أي: حزم أخلاط، ليست برؤيا بينه وما نحن ~~بتأويل الأحلام بعالمين أي: ليس للرؤيا المختلطة عندنا تأويل. وقال غيره: ~~وما نحن بتأويل الأحلام الذي هذا وصفها بعالمين. والأحلام: جمع حلم، وهو ما ~~يراه الإنسان في نومه مما يصح ومما يبطل. ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 45 الى 48] # وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) يوسف ~~أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (46) قال تزرعون سبع سنين دأبا ~~فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون (47) ثم يأتي من بعد ذلك ~~سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون (48) # PageV02P442 # قوله تعالي: وقال الذي نجا منهما يعني الذي تخلص من القتل ms1113 من الفتيين، ~~وهو الساقي، وادكر اي: تذكر شأن يوسف وما وصاه به. قال الزجاج: وأصل ادكر: ~~اذتكر، ولكن التاء ابدلت منها الدال، وأدغمت الذال في الدال. وقرأ الحسن: ~~«واذكر» بالذال المشددة. # وقوله تعالى: بعد أمة أي: بعد حين، وهو الزمان الذي لبثه يوسف بعده في ~~السجن، وقد سبق بيانه. وقرأ ابن عباس، والحسن «بعد أمة» أراد: بعد نسيان. # فإن قيل: هذا يدل على أن الناسي في قوله: «فأنساه الشيطان ذكر ربه» هو ~~الساقي، ولا شك أن من قال: إن الناسي يوسف يقول: لم ينس الساقي. فالجواب: ~~أن من قال: إن يوسف نسي، يقول: # معنى قوله: «وادكر» ذكر، كما تقول العرب: احتلب بمعنى حلب، واغتدى بمعنى ~~غدا، فلا يدل إذا على نسيان سبقه. وقد روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: ~~إنما لم يذكر الساقي خبر يوسف للملك حتى احتاج الملك إلى تأويل رؤياه، خوفا ~~من أن يكون ذكره ليوسف سببا لذكره الذنب الذي من أجله حبس، ذكر هذا الجواب ~~ابن الأنباري. # قوله تعالى: أنا أنبئكم بتأويله أي: من جهة يوسف فأرسلون أثبت الياء فيها ~~وفي ولا تقربون «1» أن تفندون «2» يعقوب في الحالين، فخاطب الملك وحده ~~بخطاب الجميع، تعظيما، وقيل: خاطبه وخاطب أتباعه. وفي الكلام اختصار، ~~المعنى: فأرسلوه فأتى يوسف فقال: يا يوسف يا أيها الصديق. والصديق: الكثير ~~الصدق، كما يقال: فسيق، وسكير، وقد سبق بيانه. # قوله تعالى: لعلي أرجع إلى الناس يعني الملك وأصحابه والعلماء الذين ~~جمعهم لتعبير رؤياه. # وفي قوله: لعلهم يعلمون قولان: أحدهما: يعلمون تأويل رؤيا الملك. ~~والثاني: يعلمون بمكانك فيكون سبب خلاصك. وذكر ابن الأنباري في تكرير «لعل» ~~قولين. أحدهما: أن «لعل» الأولى متعلقة بالإفتاء، والثانية: مبنية على ~~الرجوع، وكلتاهما بمعنى «كي» . والثاني: أن الأولى بمعنى «عسى» ، والثانية ~~بمعنى «كي» فأعيدت لاختلاف المعنيين، وهذا هو الجواب عن قوله: لعلهم ~~يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون «3» . # قال: المفسرون: كان سيده العزيز قد مات، واشتغلت عنه امرأته. وقال بعضهم: ~~لم يكن العزيز قد مات، فقال يوسف للساقي: ms1114 قل للملك: هذه سبع سنين مخصبات، ~~ومن بعدهن سبع سنين شداد، إلا أن يحتال لهن، فانطلق الرسول إلى الملك ~~فأخبره، فقال له الملك: ارجع إليه فقل له: كيف يصنع؟ # فقال: تزرعون سبع سنين دأبا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم «دأبا» ساكنة الهمزة، إلا أن أبا عمرو ~~كان إذا أدرج القراءة لم يهمزها. وروى حفص عن عاصم «دأبا» بفتح الهمزة. قال ~~أبو علي: الأكثر في «دأب» الإسكان، ولعل الفتح لغة، ومعنى «دأبا» أي: زراعة ~~متوالية على عادتكم، والمعنى: تزرعون دائبين. فناب «دأب» عن «دائبين» . ~~وقال الزجاج: # المعنى: تدأبون دأبا، ودل على تدأبون «تزرعون» والدأب: الملازمة للشيء ~~والعادة. # فإن قيل: كيف حكم بعلم الغيب، فقال: «تزرعون» ولم يقل: إن شاء الله؟ فعنه ~~أربعة أجوبة: PageV02P443 # أحدها: أنه كان بوحي من الله عز وجل. والثاني: أنه بنى على علم ما علمه ~~الله من التأويل الحق، فلم يشك. والثالث: أنه أضمر «إن شاء الله» كما أضمر ~~إخوته في قولهم: ونمير أهلنا ونحفظ أخانا «1» ، فاضمروا الاستثناء في ~~نياتهم، لأنهم على غير ثقة مما وعدوا، ذكره ابن الأنباري. والرابع: أنه ~~كالآمر لهم، فكأنه قال: ازرعوا. # قوله تعالى: فذروه في سنبله فإنه أبقى له، وأبعد من الفساد. والشداد: ~~المجدبات التي تشتد على الناس. يأكلن أي: يذهبن ما قدمتم لهن في السنين ~~المخصبة، فوصف السنين بالأكل، وإنما يؤكل فيها، كما يقال: ليل نائم. # قوله تعالى: إلا قليلا مما تحصنون أي: تحرزون وتدخرون. ### | [سورة يوسف (12) : آية 49] # ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49) # قوله تعالى: ثم يأتي من بعد ذلك عام إن قيل: لم أشار إلى السنين وهي ~~مؤنثة ب «ذلك» ؟ فعنه جوابان ذكرهما ابن القاسم: أحدهما: أن السبع مؤنثه، ~~ولا علامة للتأنيث في لفظها، فأشبهت المذكر، كقوله تعالى: السماء منفطر به ~~«2» فذكر منفطرا لما لم يكن في السماء علم التأنيث، قال الشاعر: # فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها «3» # فذكر «أبقل» لما وصفنا. والثاني: أن ms1115 «ذلك» إشارة إلى الجدب، وهذا قول ~~مقاتل، والأول قول الكلبي. قال قتادة: زاده الله علم عام لم يسألوه عنه. # قوله تعالى: فيه يغاث الناس فيه قولان أحدهما: يصيبهم الغيث، قاله ابن ~~عباس. والثاني: # يغاثون بالخصب. ذكره الماوردي. قوله تعالى: وفيه يعصرون قرأ ابن كثير ~~ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم: «يعصرون» بالياء. وقرأ حمزة والكسائي ~~بالتاء، فوجها الخطاب إلى المستفتين. وفي قوله: «يعصرون» خمسة أقوال: ~~أحدها: يعصرون العنب والزيت والثمرات، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~قتادة، والجمهور. والثاني: «يعصرون» بمعنى يحتلبون، رواه ابن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. وروى ابن الأنباري عن أبيه عن أحمد بن عبيد قال: تفسير «يعصرون» ~~يحتلبون الألبان لسعة خيرهم واتساع خصبهم، واحتج بقول الشاعر: # فما عصمة الأعراب إن لم يكن لهم ... طعام ولا در من المال يعصر # أي: يحلب. والثالث: ينجون، وهو من العصر، والعصر: النجاء، والعصرة: ~~المنجاة. ويقال: # فلان في عصرة: إذا كان في حصن لا يقدر عليه، قال الشاعر: # صاديا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود «4» PageV02P444 # أي: غياثا للمغلوب المقهور، وقال عدي: # لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري «1» # هذا قول أبي عبيده. والرابع: يصيبون ما يحبون، روي عن أبي عبيدة أيضا أنه ~~قال: المعتصر: # الذي يصيب الشيء ويأخذه، ومنه هذه الآية. ومنه قول ابن أحمر: # فإنما العيش بريانه ... وأنت من أفنانه معتصر # والخامس: يعطون ويفضلون لسعة عيشهم، رواه ابن الأنباري عن بعض أهل اللغة. ~~وقرأ سعيد بن جبير: «يعصرون» بضم الياء وفتح الصاد. وقال الزجاج: أراد: ~~يمطرون من قوله: وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا «2» . ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 50 الى 51] # وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (50) قال ما خطبكن إذ راودتن ~~يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن ~~حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51) # قوله تعالى: وقال الملك ائتوني به قال ms1116 المفسرون: لما رجع الساقي إلى ~~الملك وأخبره بتأويل رؤياه، وقع في نفسه صحة ما قال، فقال: ائتوني بالذي ~~عبر رؤياي، فجاءه الرسول، فقال: أجب الملك، فأبى أن يخرج حتى تبين براءته ~~مما قرف به، فقال: ارجع إلى ربك يعني الملك فسئله ما بال النسوة وقرأ ابن ~~أبي عبلة: «النسوة» بضم النون، والمعنى: فاسأل الملك أن يتعرف ما شأن تلك ~~النسوة وحالهن ليعلم صحة براءتي، وإنما أشفق أن يراه الملك بعين مشكوك في ~~أمره أو متهم بفاحشة، وأحب أن يراه بعد استقرار براءته عنده. وظاهر قوله: ~~إن ربي بكيدهن عليم أنه يعني الله عز وجل، وحكى ابن جرير الطبري أنه أراد ~~به سيده العزيز، والمعنى: أنه يعلم براءتي. وقد روي عن نبينا صلى الله عليه ~~وسلم أنه استحسن حزم يوسف وصبره عن التسرع إلى الخروج. فقال صلى الله عليه ~~وسلم: # (813) «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم، لو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم جاءني الداعي لأجبت» . ~~PageV02P445 # وفي ذكره للنسوة دون امرأة العزيز أربعة أقوال: أحدها: أنه خلطها ~~بالنسوة، لحسن عشرة فيه وأدب، قاله الزجاج. والثاني: لأنها زوجة ملك، ~~فصانها. والثالث: لأن النسوة شاهدات عليها له. # والرابع: لأن في ذكره لها نوع تهمة، ذكر الأقوال الثلاثة الماوردي. # قال المفسرون: فرجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف، فدعا الملك النسوة ~~وفيهن امرأة العزيز، فقال: ما خطبكن أي: ما شأنكن وقصتكن إذ راودتن يوسف. ~~فإن قيل: إنما راودته واحدة، فلم جمعهن؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه ~~جمعهن في السؤال ليعلم عين المراودة. والثاني: # أن أزليخا راودته على نفسه، وراوده باقي النسوة على القبول منها. ~~والثالث: أنه جمعهن في الخطاب، والمعنى لواحدة منهن، لأنه قد يوقع على ~~النوع وصف الجنس إذا أمن من اللبس، يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # (814) «إنكن أكثر أهل النار» فجمعهن في الخطاب والمعنى لبعضهن، ذكره ابن ~~الأنباري. # قوله تعالى: قلن حاش لله قال الزجاج: قرأ الحسن «حاش» بتسكين الشين، ms1117 ولا ~~اختلاف بين النحويين أن الإسكان غير جائز، لأن الجمع بين ساكنين لا يجوز، ~~ولا هو من كلام العرب. فأعلم النسوة الملك براءة يوسف من السوء، فقالت ~~امرأة العزيز: الآن حصحص الحق أي: برز وتبين، واشتقاقه في اللغة من الحصة، ~~أي: بانت حصة الحق وجهته من حصة الباطل. وقال ابن القاسم: # «حصحص» بمعنى وضح وانكشف، تقول العرب: حصحص البعير في بروكه: إذا تمكن، ~~وأثر في الأرض، وفرق الحصى. وللمفسرين في ابتداء أزليخا بالإقرار قولان: # أحدهما: أنها لما رأت النسوة قد برأنه، قالت: لم يبق إلا أن يقبلن علي ~~بالتقرير، فأقرت، قاله الفراء. والثاني: أنها أظهرت التوبة وحققت صدق يوسف، ~~قاله الماوردي. ### | [سورة يوسف (12) : آية 52] # ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (52) # قوله تعالى: ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب قال مقاتل: «ذلك» بمعنى هذا. ~~وقال ابن الأنباري: # قال اللغويون: هذا وذلك يصلحان في هذا الموضع وأشباهه، لقرب الخبر من ~~أصحابه، فصار كالمشاهد الذي يشار إليه بهذا، ولما كان متقضيا أمكن أن يشار ~~إليه بذلك، لأن المتقضي كالغائب. # واختلفوا في القائل لهذا على ثلاثة أقوال: PageV02P446 # أحدها: أنه يوسف «1» ، وهو من أغمض ما يأتي من الكلام أن تحكي عن شخص ~~شيئا ثم تصله بالحكاية عن آخر، ونظير هذا قوله: يريد أن يخرجكم من أرضكم ~~هذا قول الملأ فماذا تأمرون «2» قول فرعون. ومثله: وجعلوا أعزة أهلها أذلة ~~هذا قول بلقيس وكذلك يفعلون «3» قول الله عز وجل. ومثله: من بعثنا من ~~مرقدنا هذا قول الكفار، فقالت الملائكة: هذا ما وعد الرحمن «4» وإنما يجوز ~~مثل هذا في الكلام، لظهور الدلالة على المعنى. واختلفوا، أين قال يوسف هذا؟ ~~على قولين: # أحدهما: أنه لما رجع الساقي إلى يوسف فأخبره وهو في السجن بجواب امرأة ~~العزيز والنسوة للملك، قال حينئذ: «ذلك ليعلم» ، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال ابن جريج. # والثاني: أنه قاله بعد حضوره مجلس الملك، رواه عطاء عن ابن عباس. # قوله تعالى: ذلك ليعلم أي: ذلك الذي فعلت من ms1118 ردي رسول الملك، ليعلم. # واختلفوا في المشار إليه بقوله: «ليعلم» وقوله: «لم أخنه» على أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنه العزيز، والمعنى: ليعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته بالغيب ~~أي: إذا غاب عني، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، ~~وقتادة، والجمهور. # والثاني: أن المشار إليه بقوله: «ليعلم» الملك، والمشار إليه بقوله: «لم ~~أخنه» العزيز، والمعنى: # ليعلم الملك أني لم أخن العزيز في أهله بالغيب، رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثالث: أن المشار إليه بالشيئين، الملك، فالمعنى: ليعلم الملك أني لم ~~أخنه، يعني الملك أيضا، بالغيب. وفي وجه خيانة الملك في ذلك قولان: أحدهما: ~~لكون العزيز وزيره، فالمعنى: لم أخنه في امرأة وزيره، قاله ابن الأنباري. ~~والثاني: لم أخنه في بنت أخنه، وكانت أزليخا بنت أخت الملك، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. # والرابع: أن المشار إليه بقوله: «ليعلم» الله عز وجل، فالمعنى: ليعلم ~~الله أني لم أخنه، روي عن مجاهد، قال ابن الأنباري: نسب العلم إلى الله في ~~الظاهر، وهو في المعنى للمخلوقين، كقوله: # حتى نعلم المجاهدين منكم «5» . # فإن قيل: إن كان يوسف قال هذا في مجلس الملك، فكيف قال: «ليعلم» ولم يقل: ~~لتعلم، وهو يخاطبه؟ فالجواب: أنا إن قلنا: إنه كان حاضرا عند الملك، فانما ~~آثر الخطاب بالياء توقيرا للملك، كما يقول الرجل للوزير: إن رأى الوزير أن ~~يوقع في قصتي. وإن قلنا: إنه كان غائبا، فلا وجه لدخول التاء، وكذلك إن ~~قلنا: إنه عنى العزيز، والعزيز غائب عن مجلس الملك حينئذ. # والقول الثاني: أنه قول امرأة العزيز، فعلى هذا يتصل بما قبله، والمعنى: ~~ليعلم يوسف أني لم PageV02P447 # أخنه في غيبته الآن بالكذب عليه «1» . # والثالث: أنه قول العزيز، والمعنى: ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب، فلم ~~أغفل عن مجازاته على أمانته، حكى القولين الماوردي. # قوله تعالى: وأن الله لا يهدي كيد الخائنين قال ابن عباس: لا يصوب عمل ~~الزناة، وقال غيره: # لا يرشد من خان أمانته ويفضحه في عاقبته. ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 53 الى 56] # وما أبرئ نفسي إن ms1119 النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم ~~(53) وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا ~~مكين أمين (54) قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) وكذلك مكنا ~~ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر ~~المحسنين (56) # قوله تعالى: وما أبرئ، في القائل لهذا ثلاثة أقوال، وهي تقدمت في الآية ~~قبلها. # فالذين قالوا: هو يوسف، اختلفوا في سبب قوله لذلك على خمسة أقوال: أحدها: ~~أنه لما قال: # «ليعلم أني لم أخنه بالغيب» غمزه جبريل عليه السلام، فقال: ولا حين هممت؟ ~~فقال: «وما أبرئ نفسي» رواه عكرمة عن ابن عباس «2» ، وبه قال الأكثرون. ~~والثاني: أن يوسف لما قال: «لم أخنه» ذكر أنه قد هم بها، فقال: «وما أبرئ ~~نفسي» ، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: أنه لما قال ذلك، PageV02P448 # خاف أن يكون قد زكى نفسه، فقال: «وما أبرئ نفسي» ، قاله الحسن. والرابع: ~~أنه لما قاله، قال له الملك الذي معه: اذكر ما هممت به، فقال: «وما أبرئ ~~نفسي» ، قاله قتادة. والخامس: أنه لما قاله، قالت امرأة العزيز: ولا يوم ~~حللت سراويلك؟ فقال: «وما أبرئ نفسي» ، قاله السدي «1» . # والذين قالوا: هذا قول امرأة العزيز، فالمعنى: وما أبرئ نفسي من سوء الظن ~~بيوسف، لأنه قد خطر لي. # قوله تعالى: لأمارة بالسوء قرأ ابن عامر، وأهل الكوفة، ويعقوب إلا رويسا: ~~«بالسوء إلا» بتحقيق الهمزتين. وقرأ أبو عمرو، وابن شنبوذ عن قنبل بتحقيق ~~الثانية وحذف الأولى. وروى نظيف عن قنبل بتحقيق الأولى وقلب الثانية ياء. ~~وقرأ أبو جعفر، وورش، ورويس بتحقيق الأولى وتليين الثانية بين بين، مثل: ~~«السوء علا» . وروى ابن فليح بتحقيق الثانية وقلب الأولى واوا، وأدغمها في ~~الواو قبلها، فتصير واوا مكسورة مشددة قبل همزة «إلا» . # قوله تعالى: إلا ما رحم ربي قال ابن الأنباري: قال اللغويون: هذا استثناء ~~منقطع، والمعنى: # إلا أن رحمة ربي عليها المعتمد. قال أبو صالح عن ابن عباس: المعنى: إلا ~~من عصم ربي وقيل «ما» ms1120 بمعنى «من» . قال الماوردي: ومن قال: هو من قول امرأة ~~العزيز، فالمعنى: إلا من رحم ربي في قهره لشهوته، أو في نزعها عنه. ومن ~~قال: هو قول العزيز، فالمعنى: إلا من رحم ربي بأن يكفيه سوء الظن، أو ~~يثبته، فلا يعجل. قال ابن الأنباري: والقول بأن هذا قول يوسف أصح لوجهين: ~~أحدهما: # لأن العلماء عليه. والثاني: لأن المرأة كانت عابدة وثن، وما تضمنته الآية ~~أليق أن يكون قول يوسف من قول من لا يعرف الله تعالى. # وقال المفسرون: فلما تبين الملك عذر يوسف وعلم أمانته، قال: ائتوني به ~~أستخلصه لنفسي أي: أجعله خالصا لي، لا يشركني فيه أحد. # فإن قيل: فقد رويتم في بعض ما مضى أن يوسف قال في مجلس الملك: «ذلك ليعلم ~~أني لم أخنه بالغيب» ، فكيف قال الملك: «ائتوني به» وهو حاضر عنده؟! ~~فالجواب: أن أرباب هذا القول يقولون: أمر الملك باحضاره ليقلده الأعمال في ~~غير المجلس الذي استحضره فيه لتعبير الرؤيا. قال وهب: لما دخل يوسف على ~~الملك، وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا، كان كلما كلمه بلسان، أجابه يوسف ~~بذلك اللسان، فعجب الملك، وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة، فقال إني أحب أن ~~أسمع رؤياي منك شفاها، فذكرها له، قال: فما ترى أيها الصديق؟ # قال: أرى أن تزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة، وتجمع الطعام، ~~فيأتيك الناس فيمتارون، وتجمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد، فقال ~~الملك: ومن لي بهذا؟ فقال يوسف: «اجعلني على خزائن الأرض» . قال ابن عباس: ~~ويريد بقوله: مكين أمين أي: قد مكنتك في ملكي وائتمنتك فيه. # وقال مقاتل: المكين: الوجيه، والأمين: الحافظ. PageV02P449 # قوله تعالى: اجعلني على خزائن الأرض أي: خزائن أرضك. وفي المراد بالخزائن ~~قولان: # أحدهما: خزائن الأموال، قاله الضحاك، والزجاج. والثاني: خزائن الطعام ~~فحسب، قاله ابن السائب. # قال الزجاج: وإنما سأل ذلك لأن الأنبياء بعثوا بالعدل، فعلم أنه لا أحد ~~أقوم بذلك منه. وفي قوله تعالى: إني حفيظ عليم ثلاثة أقوال: أحدها: حفيظ ~~لما وليتني، عليم بالمجاعة متى تكون، ms1121 قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: ~~حفيظ لما استودعتني، عليم بهذه السنين، قاله الحسن. والثالث: حفيظ للحساب، ~~عليم بالألسن، قاله السدي، وذلك أن الناس كانوا يردون على الملك من كل ~~ناحية فيتكلمون بلغات مختلفة. # واختلفوا، هل ولاه الملك يومئذ، أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ولاه ~~بعد سنة. # (815) روى الضحاك عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل: اجعلني على خزائن الأرض، لاستعمله من ~~ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة» . # (816) وذكر مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن يوسف قال إني ~~حفيظ عليم إن شاء الله، لملك من وقته» . # قال مجاهد: أسلم الملك على يد يوسف. وقال أهل السير: أقام في بيت الملك ~~سنة، فلما انصرمت دعاه الملك، فتوجه، ورداه بسيفه، وأمر له بسرير من ذهب، ~~وضرب عليه كلة من إستبرق، فجلس على السرير كالقمر، ودانت له الملوك، ولزم ~~الملك بيته وفوض أمره إليه، وعزل قطفير عما كان عليه، وجعل يوسف مكانه، ثم ~~إن قطفير هلك في تلك الليالي، فزوج الملك يوسف بامرأة قطفير، فلما دخل ~~عليها، قال: أليس هذا خيرا مما تريدين؟ فقالت: أيها الصديق لا تلمني، فاني ~~كنت امرأة حسناء في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، فغلبتني نفسي، ~~فلما بنى بها يوسف وجدها عذراء، فولدت له ابنين، إفراييم، وميشا، واستوثق ~~له ملك مصر. # والقول الثاني: أنه ملكه بعد سنة ونصف، حكاه مقاتل عن ابن عباس. # والثالث: أنه سلم إليه الأمر من وقته، قاله وهب، وابن السائب. # فان قيل: كيف قال يوسف إني حفيظ عليم ولم يقل: إن شاء الله؟ فعنه ثلاثة ~~أجوبة: # أحدها: أن ترك الاستثناء أوجب عقوبة بأن أخر تمليكه، على ما ذكرنا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنه أضمر الاستثناء، كما أضمروه في قولهم: ونمير أهلنا. # والثالث: أنه أراد أن حفظي وعلمي يزيدان على حفظ غيري وعلمه، فلم يحتج ~~هذا إلى الاستثناء، لعدم الشك فيه، ذكر هذه ms1122 الأقوال ابن الأنباري. ~~PageV02P450 # فإن قيل: كيف مدح نفسه بهذا القول، ومن شأن الأنبياء والصالحين التواضع؟ # فالجواب: أنه لما خلا مدحه لنفسه من بغي وتكبر، وكان مراده به الوصول إلى ~~حق يقيمه وعدل يحييه وجور يبطله، كان ذلك جميلا جائزا. # (817) وقد قال نبينا عليه السلام: «أنا أكرم ولد آدم على ربه» . # وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: والله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل ~~نزلت، أم بنهار. وقال ابن مسعود: لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه ~~الإبل لأتيته. فهذه الأشياء، خرجت مخرج الشكر لله، وتعريف المستفيد ما عند ~~المفيد، ذكر هذا محمد بن القاسم. قال القاضي أبو يعلى: في قصة يوسف دلالة ~~على أنه يجوز للانسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه، وأنه ليس من ~~المحظور في قوله: فلا تزكوا أنفسكم «1» . # قوله تعالى: وكذلك مكنا ليوسف في الكلام محذوف، تقديره: اجعلني على خزائن ~~الأرض، قال: قد فعلت، فحذف ذلك، لأن قوله: «وكذلك مكنا ليوسف» يدل عليه، ~~والمعنى: ومثل ذلك الإنعام الذي أنعمنا عليه في دفع المكروه عنه، وتخليصه ~~من السجن، وتقريبه من قلب الملك، أقدرناه على ما يريد في أرض مصر يتبوأ ~~منها حيث يشاء قال ابن عباس: ينزل حيث أراد. وقرأ ابن كثير، والمفضل: «حيث ~~نشاء» بالنون. # قوله تعالى: نصيب برحمتنا أي: نختص بنعمتنا من النبوة والنجاة من نشاء ~~ولا نضيع أجر المحسنين يعني المؤمنين. يقال: إن يوسف باع أهل مصر الطعام ~~بأموالهم وحليهم ومواشيهم وعقارهم وعبيدهم ثم بأولادهم ثم برقابهم، ثم قال ~~للملك: كيف ترى صنع ربي؟ فقال الملك: إنما نحن لك تبع، قال: فإني أشهد الله ~~وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر ورددت عليهم أملاكهم. وكان يوسف لا يشبع في ~~تلك الأيام، ويقول: إني أخاف أن أنسى الجائع. ### | [سورة يوسف (12) : آية 57] # ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (57) # قوله تعالى: ولأجر الآخرة خير المعنى: ما نعطي يوسف في الآخرة، خير مما ~~أعطيناه في الدنيا، وكذلك غيره من المؤمنين ممن سلك طريقه في ms1123 الصبر. ### | [سورة يوسف (12) : آية 58] # وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) # قوله تعالى: وجاء إخوة يوسف روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما فوض الملك ~~إلى PageV02P451 # يوسف أمر مصر، تلطف يوسف للناس، ولم يزل يدعوهم إلى الإسلام، فآمنوا ~~وأحبوه، فلما أصاب الناس القحط، نزل ذلك بأرض كنعان، فأرسل يعقوب ولده ~~للميرة، وذاع أمر يوسف في الآفاق، وانتشر عدله ورحمته ورأفته، فقال يعقوب: ~~يا بني، إنه قد بلغني أن بمصر ملكا صالحا، فانطلقوا إليه وأقرئوه مني ~~السلام، وانتسبوا له لعله يعرفكم، فانطلقوا فدخلوا عليه، فعرفهم وأنكروه، ~~فقال: من أين أقبلتم؟ قالوا: من أرض كنعان، ولنا شيخ يقال له: يعقوب، وهو ~~يقرئك السلام، فبكى وعصر عينيه وقال: لعلكم جواسيس جئتم تنظرون عورة بلدي، ~~فقالوا: لا والله، ولكنا من كنعان، أصابنا الجهد، فأمرنا أبونا أن نأتيك، ~~فقد بلغه عنك خير، قال: فكم أنتم؟ قالوا: أحد عشر أخا، وكنا اثني عشر فأكل ~~أحدنا الذئب، قال: فمن يعلم صدقكم؟ ائتوني بأخيكم الذي من أبيكم. وروى أبو ~~صالح عن ابن عباس قال: لما دخلوا عليه كلموه بالعبرانية، فأمر الترجمان ~~فكلمهم ليشبه عليهم، فقال للترجمان: قل لهم: أنتم عيون، بعثكم ملككم ~~لتنظروا إلى أهل مصر فتخبرونه فيأتينا بالجنود، فقالوا: لا، ولكنا قوم لنا ~~أب شيخ كبير، وكنا اثني عشر، فهلك منا واحد في الغنم، وقد خلفنا عند أبينا ~~أخا له من أمه، فقال: إن كنتم صادقين، فخلفوا عندي بعضكم رهنا، وائتوني ~~بأخيكم، فحبس عنده شمعون. # واختلفوا بماذا عرفهم يوسف على قولين: أحدهما: أنه عرفهم برؤيتهم، قاله ~~ابن عباس. # والثاني: أنه ما عرفهم حتى تعرفوا إليه، قاله الحسن. # قوله تعالى: وهم له منكرون قال مقاتل: لا يعرفونه. وفي علة كونهم لم ~~يعرفوه قولان: # أحدهما: أنهم جاءوه مقدرين أنه ملك كافر، فلم يتأملوا منه ما يزول به ~~عنهم الشك. والثاني: أنهم عاينوا من زيه وحليته ما كان سببا لإنكارهم. وقد ~~روى أبو صالح عن ابن عباس أنه كان لابسا ثياب حرير، وفي عنقه طوق من ذهب. # فإن ms1124 قيل: كيف يخفى من قد أعطي نصف الحسن، وكيف يشتبه بغيره؟ فالجواب: ~~أنهم فارقوه طفلا ورأوه كبيرا، والأحوال تتغير، وما توهموا أنه ينال هذه ~~المرتبة. # وقال ابن قتيبة: معنى كونه أعطي نصف الحسن، أن الله تعالى جعل للحسن غاية ~~وحدا، وجعله لمن شاء من خلقه، إما للملائكة، أو للحور، فجعل ليوسف نصف ذلك ~~الحسن، فكأنه كان حسنا مقاربا لتلك الوجوه الحسنة، وليس كما يزعم الناس من ~~أنه أعطي هذا الحسن، وأعطي الناس كلهم نصف الحسن. ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 59 الى 60] # ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل ~~وأنا خير المنزلين (59) فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60) # قوله تعالى: ولما جهزهم بجهازهم يقال: جهزت القوم تجهيزا: إذا هيأت لهم ~~ما يصلحهم، وجهاز البيت: متاعه. قال المفسرون: حمل لكل رجل منهم بعيرا، ~~وقال: ألا ترون أني أوفي الكيل أي: أتمه ولا أبخسه، وأنا خير المنزلين ~~يعني: المضيفين، وذلك أنه أحسن ضيافتهم. ثم أوعدهم على ترك الإتيان بأخيهم، ~~فقال: فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي وفيه قولان: أحدهما: أنه يعني به: ~~فيما بعد، وهو قول الأكثرين. والثاني: أنه منعهم الكيل في الحال، قاله وهب ~~بن منبه. # PageV02P452 ### | [سورة يوسف (12) : آية 61] # قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون (61) # قوله تعالى: قالوا سنراود عنه أباه أي: نطلبه منه، والمراودة: الاجتهاد ~~في الطلب. وفي قوله تعالى: وإنا لفاعلون ثلاثة أقوال: أحدها: أن المعنى: ~~وإنا لجاءوك به، وضامنون لك المجيء به، هذا مذهب الكلبي. والثاني: أنه ~~توكيد، قاله الزجاج، فعلى هذا يكون الفعل الذي ضمنوه عائدا إلى المراودة، ~~فيصح معنى التوكيد. والثالث: وإنا لمديمون المطالبة به لأبينا، ومتابعون ~~المشورة عليه بتوجيهه، وهذا غير المراودة، ذكره ابن الأنباري. # فإن قيل: كيف جاز ليوسف أن يطلب أخاه، وهو يعلم ما في ذلك من إدخال الحزن ~~على أبيه؟ # فعنه خمسة أجوبة: أحدها: أنه يجوز أن يكون ذلك بأمر عن الله تعالى زيادة ~~لبلاء يعقوب ليعظم ثوابه، وهذا الأظهر. والثاني: ms1125 أنه طلبه لا ليحبسه، فلما ~~عرفه قال: لا أفارقك يا يوسف، قال: لا يمكنني حبسك إلا أن أنسبك إلى أمر ~~فظيع، قال: أفعل ما بدا لك، قاله كعب. والثالث: أن يكون قصد تنبيه يعقوب ~~بذلك على حال يوسف. والرابع: ليتضاعف سرور يعقوب برجوع ولديه. والخامس: ~~ليعجل سرور أخيه باجتماعه به قبل إخوته. وكل هذه الأجوبة مدخوله، إلا ~~الأول، فانه الصحيح. ويدل عليه ما روينا عن وهب بن منبه، قال: لما جمع الله ~~بين يوسف ويعقوب، قال له يعقوب: بيني وبينك هذه المسافة القريبة، ولم تكتب ~~إلي تعرفني؟! فقال: إن جبريل أمرني أن لا أعرفك، فقال له: سل جبريل، فسأله، ~~فقال: إن الله أمرني بذلك، فقال: سل ربك، فسأله، فقال: قل ليعقوب: خفت عليه ~~الذئب، ولم تؤمني؟ ### | [سورة يوسف (12) : آية 62] # وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى ~~أهلهم لعلهم يرجعون (62) # قوله تعالى: وقال لفتيانه قرأ أبن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن ~~عاصم: «لفتيته» . # وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «لفتيانه» . قال أبو علي: الفتية جمع ~~فتى في العدد القليل، والفتيان في الكثير. والمعنى: قال لغلمانه: اجعلوا ~~بضاعتهم وهي التي اشتروا بها الطعام في رحالهم، والرحل: كل شيء يعد للرحيل. ~~لعلهم يعرفونها أي: ليعرفوها إذا انقلبوا أي: رجعوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون ~~أي: لكي يرجعوا. وفي مقصوده بذلك خمسة أقوال: أحدها: أنه تخوف أن لا يكون ~~عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى، فجعل دراهمهم في رحالهم، قاله ~~أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنه أراد أنهم إذا عرفوها، لم يستحلوا ~~إمساكها حتى يردوها، قاله الضحاك. # والثالث: أنه استقبح أخذ الثمن من والده وإخوته مع حاجتهم إليه، فرده ~~عليهم من حيث لا يعلمون سبب رده تكرما وتفضلا، ذكره ابن جرير الطبري، وأبو ~~سليمان الدمشقي. والرابع: ليعلموا أن طلبه لعودهم لم يكن طمعا في أموالهم، ~~ذكره الماوردي. والخامس: أنه أراهم كرمه وبره ليكون أدعى إلى عودهم. ### | ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 63 الى # 64] # فلما رجعوا إلى ms1126 أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا ~~نكتل وإنا له لحافظون (63) قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من ~~قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين (64) # PageV02P453 # قوله تعالى: فلما رجعوا إلى أبيهم قال المفسرون: لما عادوا إلى يعقوب، ~~قالوا: يا أبانا: قدمنا على خير رجل، أنزلنا، وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من ~~ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته. # وفي قوله تعالى: منع منا الكيل قولان قد تقدما في قوله: (فلا كيل لكم ~~عندي) . فإن قلنا: # إنه لم يكل لهم، فلفظ «منع» بين. وإن قلنا: إنه خوفهم منع الكيل، ففي ~~المعنى قولان: # أحدهما: حكم علينا بمنع الكيل بعد هذا الوقت، كما تقول للرجل: دخلت والله ~~النار بما فعلت. والثاني: أن المعنى: يا أبانا يمنع منا الكيل إن لم ترسله ~~معنا، فناب «منع» عن «يمنع» كقوله تعالى: يحسب أن ماله أخلده «1» أي: ~~يخلده، وقوله: ونادى أصحاب النار «2» ، وإذ قال الله يا عيسى «3» أي: وإذ ~~يقول، ذكرهما ابن الأنباري. # قوله تعالى: فأرسل معنا أخانا نكتل قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم ~~وابن عامر: # «نكتل» بالنون. وقرأ حمزة، والكسائي: «يكتل» بالياء. والمعنى: إن أرسلته ~~معنا اكتلنا، وإلا فقد منعنا الكيل. # قوله تعالى: هل آمنكم عليه أي لا آمنكم عليه إلا كأمني على يوسف، يريد ~~أنه لم ينفعه ذلك الأمن إذ خانوه. فالله خير حافظا قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «حفظا» ، والمعنى: خير حفظا من ~~حفظكم، وقرأ حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم: «خير حافظا» بألف. قال أبو علي: ~~ونصبه على التمييز دون الحال. ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 65 الى 68] # ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه ~~بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ~~(65) قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط ~~بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66) وقال يا بني لا ~~تدخلوا ms1127 من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء ~~إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون (67) ولما دخلوا من ~~حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب ~~قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (68) # قوله تعالى: ولما فتحوا متاعهم يعني أوعية الطعام وجدوا بضاعتهم التي ~~حملوها ثمنا للطعام ردت قال الزجاج: الأصل «رددت» ، فأدغمت الدال الأولى في ~~الثانية، وبقيت الراء مضمومة. ومن قرأ بكسر الراء جعل كسرتها منقولة من ~~الدال، كما فعل ذلك في: قيل، وبيع، ليدل على أن أصل الدال الكسر. # قوله تعالى: ما نبغي في «ما» قولان: أحدهما: أنها استفهام، المعنى: أي ~~شيء نبغي وقد ردت بضاعتنا إلينا؟ والثاني: أنها نافية، المعنى: ما نبغي ~~شيئا، أي: لسنا نطلب منك دراهم نرجع بها PageV02P454 # إليه، بل تكفينا هذه في الرجوع إليه، وأرادوا بذلك تطييب قلبه ليأذن لهم ~~بالعود. وقرأ ابن مسعود، وابن يعمر، والجحدري، وأبو حياة «ما تبغي» بالتاء، ~~على الخطاب ليعقوب. # قوله تعالى: ونمير أهلنا أي: نجلب لهم الطعام. قال ابن قتيبة: يقال: مار ~~أهله يميرهم ميرا، وهو مائر لأهله: إذا حمل إليهم أقواتهم من غير بلده. ~~قوله تعالى: ونحفظ أخانا فيه قولان: # أحدهما: نحفظ أخانا ابن يامين الذي ترسله معنا، قاله الأكثرون. والثاني: ~~ونحفظ أخانا شمعون الذي أخذ رهينة عنده، قاله الضحاك عن ابن عباس. قوله ~~تعالى: ونزداد كيل بعير أي: وقر بعير، يعنون بذلك نصيب أخيهم، لأن يوسف كان ~~لا يعطي الواحد أكثر من حمل بعير. # قوله تعالى: ذلك كيل يسير فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ذلك كيل سريع، لا حبس ~~فيه، يعنون: إذا جاء معنا، عجل الملك لنا الكيل، قاله مقاتل. والثاني: ذلك ~~كيل سهل على الذي نمضي إليه، قاله الزجاج. والثالث: ذلك الذي جئناك به كيل ~~يسير لا يقنعنا، قاله الماوردي. # قوله تعالى: حتى تؤتون موثقا من الله أي: تعطوني عهدا أثق به، والمعنى: ~~حتى تحلفوا لي ms1128 بالله لتأتنني به أي: لتردنه إلي. قال ابن الأنباري: وهذه ~~اللام جواب لمضمر، تلخيصه: وتقولوا: # والله لتأتنني به. قوله تعالى: إلا أن يحاط بكم فيه قولان: أحدهما: أن ~~يهلك جميعكم، قاله مجاهد. والثاني: أن يحال بينكم وبينه فلا تقدرون على ~~الإتيان به، قاله الزجاج. قوله تعالى: فلما آتوه موثقهم أي: أعطوه العهد، ~~وفيه قولان: أحدهما: أنهم حلفوا له بحق محمد صلى الله عليه وسلم ومنزلته من ~~ربه، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثاني: أنهم حلفوا بالله تعالى، قاله ~~السدي. قوله تعالى: قال الله على ما نقول وكيل فيه قولان: أحدهما: أنه ~~الشهيد. والثاني: كفيل بالوفاء، رويا عن ابن عباس. # قوله تعالى: لا تدخلوا من باب واحد قال المفسرون: لما تجهزوا للرحيل، قال ~~لهم يعقوب: «لا تدخلوا» يعني مصر «من باب واحد» . وفي المراد بهذا الباب ~~قولان: أحدهما: أنه أراد بابا من أبواب مصر، وكان لمصر أربعة أبواب، قاله ~~الجمهور. والثاني: أنه أراد الطرق لا الأبواب، قاله السدي، وروى نحوه أبو ~~صالح عن ابن عباس. وفي ما أراد بذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه خاف عليهم ~~العين، وكانوا أولي جمال وقوة، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. ~~والثاني: أنه خاف أن يغتالوا لما ظهر لهم في أرض مصر من التهمة، قاله وهب ~~بن منبه. والثالث: أنه أحب أن يلقوا يوسف في خلوة، قاله إبراهيم النخعي. # قوله تعالى: وما أغني عنكم من الله من شيء أي: لن أدفع عنكم شيئا قضاه ~~الله، فإنه إن شاء أهلككم متفرقين، ومصداقه في الآية التي بعدها ما كان ~~يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وهي إرادته أن يكون ~~دخولهم كذلك شفقة عليهم. قال الزجاج: «إلا حاجة» استثناء ليس من الأول، ~~والمعنى: لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها. قال ابن عباس: «قضاها» أي: أبداها ~~وتكلم بها. # قوله تعالى: وإنه لذو علم لما علمناه فيه سبعة أقوال: أحدها: إنه حافظ ~~لما علمناه، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: وإنه لذو علم أن ms1129 دخولهم ~~من أبواب متفرقة لا يغني عنهم من الله شيئا، قاله الضحاك عن ابن عباس. ~~والثالث: وإنه لعامل بما علم، قاله قتادة. وقال ابن الأنباري: سمي العمل # PageV02P455 # علما، لأن العلم أول أسباب العمل. والرابع: وإنه لمتيقن لوعدنا، قاله ~~الضحاك. والخامس: وإنه لحافظ لوصيتنا، قاله ابن السائب. والسادس: وإنه ~~لعالم بما علمناه أنه لا يصيب بنيه إلا ما قضاه الله، قاله مقاتل. والسابع: ~~وإنه لذو علم لتعليمنا إياه، قاله الفراء. ### | [سورة يوسف (12) : آية 69] # ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا ~~يعملون (69) # قوله تعالى: ولما دخلوا على يوسف يعني إخوته آوى إليه أخاه يعني بنيامين، ~~وكان أخاه لأبيه وأمه، قاله قتادة، وضمه إليه وأنزله معه. قال ابن قتيبة: ~~يقال: آويت فلانا إلي، بمد الألف: # إذا ضممته إليك، وأويت إلى بني فلان، بقصر الألف: إذا لجأت إليهم. وفي ~~قوله: قال إني أنا أخوك قولان: أحدهما: أنهم لما دخلوا عليه حبسهم بالباب، ~~وأدخل أخاه، فقال له: ما اسمك؟ # فقال: بنيامين، قال: فما اسم أمك؟ قال: راحيل بنت لاوي، فوثب إليه ~~فاعتنقه، فقال: «إني أنا أخوك» ، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وكذلك قال ابن ~~إسحاق: أخبره أنه يوسف. والثاني: أنه لم يعترف له بذلك، وإنما قال: أنا ~~أخوك مكان أخيك الهالك، قاله وهب بن منبه. وقيل: إنه أجلسهم كل اثنين على ~~مائدة، فبقي بنيامين وحيدا يبكي، وقال: لو كان أخي حيا لأجلسني معه، فضمه ~~يوسف إليه وقال: إني أرى هذا وحيدا، فأجلسه معه على مائدته. فلما جاء ~~الليل، نام كل اثنين على منام، فبقي وحيدا، فقال يوسف: هذا ينام معي. فلما ~~خلا به، قال: هل لك أخ من أمك؟ قال: كان لي أخ من أمي فهلك، فقال أتحب أن ~~أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ فقال: أيها الملك، ومن يجد أخا مثلك؟ # ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف، وقام إليه فاعتنقه، وقال: إني ~~أنا أخوك يوسف فلا تبتئس قال قتادة: لا تأس ولا تحزن، وقال ms1130 الزجاج: لا تحزن ~~ولا تستكن. قال ابن الأنباري: # «تبتئس» : تفتعل، من البؤس، وهو الضر والشدة، أي: لا يلحقنك بؤس بالذي ~~فعلوا. # قوله تعالى: بما كانوا يعملون فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم كانوا يعيرون ~~يوسف وأخاه بعبادة جدهما أبي أمهما للأصنام، فقال: لا تبتئس بما كانوا ~~يعملون من التعيير لنا، روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: لا ~~تحزن بما سيعملون بعد هذا الوقت حين يسرقونك، فتكون «كانوا» بمعنى «يكونون» ~~قال الشاعر: # فأدركت من قد كان قبلي ولم أدع ... لمن كان بعدي في القصائد مصنعا # وقال آخر: # وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح # أراد: فقد كان، وهذا مذهب مقاتل. والثالث: لا تحزن بما عملوا من حسدنا، ~~وحرصوا على صرف وجه أبينا عنا، وإلى هذا المعنى ذهب ابن إسحاق. ### | ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 70 الى # 72] # فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير ~~إنكم لسارقون (70) قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون (71) قالوا نفقد صواع ~~الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72) # PageV02P456 # قوله تعالى: فلما جهزهم بجهازهم قال المفسرون: أوفى لهم الكيل، وحمل ~~بنيامين بعيرا باسمه كما حمل لهم، وجعل السقاية في رحل أخيه، وهي الصواع، ~~فهما اسمان واقعان على شيء واحد، كالبر والحنطة، والمائدة والخوان. وقال ~~بعضهم: الاسم الحقيقي: الصواع، والسقاية وصف، كما يقال: كوز، وإناء، فالاسم ~~الخاص: الكوز. قال المفسرون: جعل يوسف ذلك الصاع مكيالا لئلا يكال بغيره. ~~وقيل: كال لإخوته بذلك، إكراما لهم. قالوا: ولما ارتحل إخوة يوسف وأمعنوا، ~~أرسل الطلب في أثرهم، فأدركوا وحبسوا، ثم أذن مؤذن قال الزجاج: أعلم معلم ~~يقال: آذنته بالشيء فهو مؤذن به أي: أعلمته، وآذنت: أكثرت الإعلام بالشيء، ~~يعني: أنه إعلام بعد إعلام. أيتها العير يريد: أهل العير، فأنث لأنه جعلها ~~للعير. قال الفراء: لا يقال: عير، إلا لأصحاب الإبل. وقال أبو عبيدة: ~~العير: الإبل المرحولة المركوبة. وقال ابن قتيبة: العير: القوم على الإبل. # فإن قيل: كيف جاز ليوسف أن يسرق من لم ms1131 يسرق؟ فعنه أربعة أجوبة: أحدها: أن ~~المعنى: إنكم لسارقون يوسف حين قطعتموه عن أبيه وطرحتموه في الجب، قاله ~~الزجاج. والثاني: أن المنادي نادى وهو لا يعلم أن يوسف أمر بوضع السقاية في ~~رحل أخيه، فكان غير كاذب في قوله، قاله ابن جرير. # والثالث: أن المنادي نادى بالتسريق لهم بغير أمر يوسف. والرابع: أن ~~المعنى: إنكم لسارقون فيما يظهر لمن لم يعلم حقيقة أخباركم، كقوله: ذق إنك ~~أنت العزيز الكريم «1» أي: عند نفسك، لا عندنا. وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # (818) «كذب إبراهيم ثلاث كذبات» أي: قال قولا يشبه الكذب، وليس به. # قوله تعالى: قالوا يعني: إخوة يوسف وأقبلوا عليهم فيه قولان: أحدهما: على ~~المؤذن وأصحابه. والثاني: أقبل المنادي ومن معه على إخوة يوسف بالدعوى. ~~ماذا تفقدون ما الذي ضل عنكم؟ قالوا نفقد صواع الملك. قال الزجاج: الصواع ~~هو الصاع بعينه، وهو يذكر ويؤنث، وكذلك الصاع يذكر ويؤنث. وقد قرئ: «صياع» ~~بياء، وقرئ: «صوغ» بغين معجمة، وقرئ: «صوع» بعين غير معجمة مع فتح الصاد، ~~وضمها، وقرأ أبو هريرة: «صاع الملك» وكل هذه لغات ترجع إلى معنى واحد، إلا ~~أن الصوغ، بالغين المعجمة، مصدر صغت، وصف الإناء به، لأنه كان مصوغا من ~~ذهب. # واختلفوا في جنسه على خمسة أقوال: أحدها: أنه كان قدحا من زبرجد. ~~والثاني: أنه كان من نحاس، رويا عن ابن عباس. والثالث: أنه كان شربة من فضة ~~مرصعة بالجوهر، قاله عكرمة. والرابع: كان كأسا من ذهب، قاله ابن زيد. ~~والخامس: كان من مس «2» ، حكاه الزجاج. وفي صفته قولان: أحدهما: أنه ~~PageV02P457 # كان مستطيلا يشبه المكوك. والثاني: أنه كان يشبه الطاس. قوله تعالى: ولمن ~~جاء به يعني الصواع حمل بعير من الطعام وأنا به زعيم أي: كفيل لمن رده ~~بالحمل، يقوله المؤذن. ### | ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 73 الى # 75] # قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (73) قالوا ~~فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك ~~نجزي الظالمين (75) # قوله تعالى: قالوا تالله ms1132 قال الزجاج: «تالله» بمعنى: والله، إلا أن التاء ~~لا يقسم بها إلا في الله عز وجل. ولا يجوز: تالرحمن لأفعلن، ولا: تربي ~~لأفعلن. والتاء تبدل من الواو، كما قالوا في وراث: تراث، وقالوا: يتزن، ~~وأصله: يوتزن، من الوزن. قال ابن الأنباري: أبدلت التاء من الواو، كما ~~أبدلت في التخمة والتراث والتجاه، وأصلهن من الوخمة والوارث والوجاه، لأنهن ~~من الوخامة والوارثة والوجه. ولا تقول العرب: تالرحمن، كما قالوا: تالله، ~~لأن الاستعمال في الإقسام كثر بالله، ولم يكن بالرحمن، فجاءت التاء بدلا من ~~الواو في الموضع الذي يكثر استعماله. # قوله تعالى: لقد علمتم يعنون يوسف ما جئنا لنفسد في الأرض أي: لنظلم أحدا ~~أو نسرق. فإن قيل: كيف حلفوا على علم قوم لا يعرفونهم؟ فالجواب من ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أنهم قالوا ذلك، لأنهم ردوا الدراهم ولم يستحلوها، فالمعنى: لقد ~~علمتم أنا رددنا عليكم دراهمكم وهي أكثر من ثمن الصاع، فكيف نستحل صاعكم، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. والثاني: لأنهم لما دخلوا مصر ~~كعموا «1» أفواه إبلهم وحميرهم حتى لا تتناول شيئا، وكان غيرهم لا يفعل ~~ذلك، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أن أهل مصر كانوا قد عرفوهم أنهم ~~لا يظلمون أحدا. # قوله تعالى: فما جزاؤه المعنى: قال المنادي وأصحابه: فما جزاؤه. قال ~~الأخفش: إن شئت رددت الكناية إلى السارق، وإن شئت رددتها إلى السرق. قوله ~~تعالى: إن كنتم كاذبين أي: في قولكم، وما كنا سارقين. قالوا يعني: إخوة ~~يوسف جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه أي: # يستعبد بذلك. قال ابن عباس: وهذه كانت سنة آل يعقوب. ### | [سورة يوسف (12) : آية 76] # فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ~~ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق ~~كل ذي علم عليم (76) # قوله تعالى: فبدأ بأوعيتهم قال المفسرون: انصرف بهم المؤذن إلى يوسف، ~~وقال: لا بد من تفتيش أمتعتكم، فبدأ يوسف بأوعيتهم قبل وعاء أخيه لإزالة ~~التهمة، ms1133 فلما وصل إلى وعاء أخيه، قال: ما أظن هذا أخذ شيئا، فقالوا: والله ~~لا نبرح حتى تنظر في رحله، فهو أطيب لنفسك. فلما فتحوا متاعه وجدوا الصاع، ~~فذلك قوله: ثم استخرجها. وفي هاء الكناية ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع ~~إلى السرقة، قاله الفراء. والثاني: إلى السقاية، قاله الزجاج. والثالث: إلى ~~الصواع على لغة من PageV02P458 # يؤنثه، ذكره ابن الأنباري. قال المفسرون: فأقبلوا على ابن يامين، وقالوا: ~~أي شيء صنعت؟! فضحتنا وأزريت بأبيك الصديق، فقال: وضع هذا في رحلي الذي وضع ~~الدراهم في رحالكم، وقد كان يوسف أخبر أخاه بما يريد أن يصنع به. # قوله تعالى: كذلك كدنا ليوسف فيه أربعة أقوال: أحدها: كذلك صنعنا له، ~~قاله الضحاك عن ابن عباس. والثاني: احتلنا له، والكيد: الحيلة، قاله ابن ~~قتيبة. والثالث: أردنا ليوسف، ذكره ابن القاسم. والرابع: دبرنا له بأن ~~ألهمناه ما فعل بأخيه ليتوصل إلى حبسه. قال ابن الأنباري: لما دبر الله ~~ليوسف ما دبر من ارتفاع المنزلة وكمال النعمة على غير ما ظن إخوته، شبه ~~بالكيد من المخلوقين، لأنهم يسترون ما يكيدون به عمن يكيدونه. # قوله تعالى: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك في المراد بالدين ها هنا ~~قولان: # أحدهما: أنه السلطان، فالمعنى: في سلطان الملك، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه القضاء، فالمعنى: في قضاء الملك، لأن قضاء الملك أن من سرق ~~إنما يضرب ويغرم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وبيانه أنه لو أجرى أخاه على ~~حكم الملك ما أمكنه حبسه، لأن حكم الملك الغرم والضرب فحسب، فأجرى الله على ~~ألسنة إخوته أن جزاء السارق الاسترقاق، فكان ذلك مما كاد الله ليوسف لطفا ~~حتى أظفره بمراده بمشيئة الله، فذلك معنى قوله تعالى: إلا أن يشاء الله. ~~وقيل: إلا أن يشاء الله إظهار علة يستحق بها أخاه. # قوله تعالى: نرفع درجات من نشاء وقرأ يعقوب «يرفع درجات من يشاء» بالياء ~~فيهما. وقرأ أهل الكوفة «درجات» بالتنوين، والمعنى: نرفع الدرجات بصنوف ~~العطاء، وأنواع الكرامات، وابواب العلوم، وقهر الهوى، والتوفيق ms1134 للهدى، كما ~~رفعنا يوسف. وفوق كل ذي علم عليم أي: فوق كل ذي علم رفعه الله بالعلم من هو ~~أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى، والكمال في العلم معدوم من غيره. ~~وفي مقصود هذا الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: أن المعنى: يوسف أعلم من إخوته، ~~وفوقه من هو أعلم منه. والثاني: أنه نبه على تعظيم العلم، وبين أنه أكثر من ~~أن يحاط به. والثالث: أنه تعليم للعالم التواضع لئلا يعجب. ### | ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 77 الى # 79] # قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ~~قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) قالوا يا أيها العزيز إن له ~~أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين (78) قال معاذ الله ~~أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون (79) # قوله تعالى: قالوا يعني: إخوة يوسف إن يسرق يعنون ابن يامين فقد سرق أخ ~~له من قبل يعنون يوسف. قال المفسرون: عوقب يوسف ثلاث مرات، قال للساقي: ~~«اذكرني عند ربك» فلبث في السجن بضع سنين، وقال للعزيز: «ليعلم أني لم أخنه ~~بالغيب» ، فقال له جبريل: ولا حين هممت؟ فقال: «وما أبرئ نفسي» ، وقال ~~لإخوته: «إنكم لسارقون» ، فقالوا: «إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل» . وفي ما ~~عنوا بهذه السرقة سبعة أقوال: أحدها: أنه كان يسرق الطعام من مائدة أبيه في ~~سني # PageV02P459 # المجاعة، فيطعمه للمساكين، رواه عطاء عن ابن عباس. والثاني: أنه سرق ~~مكحلة لخالته، رواه أبو مالك عن ابن عباس. والثالث: أنه سرق صنما لجده أبي ~~أمه، فكسره وألقاه في الطريق، فعيره إخوته بذلك، قاله سعيد بن جبير، ووهب ~~بن منبه، وقتادة. والرابع: أن عمة يوسف- وكانت أكبر ولد إسحاق- كانت تحضن ~~يوسف وتحبه حبا شديدا، فلما ترعرع، طلبه يعقوب، فقالت: ما أقدر أن يغيب ~~عني، فقال: والله ما أنا بتاركه، فعمدت إلى منطقة إسحاق، فربطتها على يوسف ~~تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق، فانظروا من أخذها، فوجدوها مع ms1135 ~~يوسف، فأخبرت يعقوب بذلك، وقالت: والله إنه لي أصنع فيه ما شئت، فقال: أنت ~~وذاك، فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت، فذاك الذي عيره به إخوته، رواه ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد. والخامس: أنه جاءه سائل يوما، فسرق شيئا، فأعطاه السائل، ~~فعيروه بذلك. وفي ذلك الشيء ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان بيضة، قاله مجاهد. # والثاني: أنه شاة، قاله كعب. والثالث: دجاجة، قاله سفيان بن عيينة. ~~والسادس: أن بني يعقوب كانوا على طعام، فنظر يوسف إلى عرق، فخبأه، فعيروه ~~بذلك، قاله عطية العوفي، وإدريس الأودي. قال ابن الأنباري: وليس في هذه ~~الأفعال كلها ما يوجب السرقة، لكنها تشبه السرقة، فعيره إخوته بذلك عند ~~الغضب. والسابع: أنهم كذبوا عليه فيما نسبوه إليه، قاله الحسن. وقرأ أبو ~~رزين، وابن أبي عبلة: «فقد سرق» بضم السين وكسر الراء وتشديدها. # قوله تعالى: فأسرها يوسف في نفسه في هاء الكناية ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنها ترجع إلى الكلمة التي ذكرت بعد هذا، وهي قوله تعالى: أنتم شر مكانا، ~~روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس. والثاني: أنها ترجع إلى الكلمة التي ~~قالوها في حقه، وهي قولهم: «فقد سرق أخ له من قبل» ، وهذا معنى قول أبي ~~صالح عن ابن عباس، فعلى هذا يكون المعنى: أسر جواب الكلمة فلم يجبهم عليها. ~~والثالث: أنها ترجع إلى الحجة، المعنى: فأسر الاحتجاج عليهم في ادعائهم ~~عليه السرقة، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: أنتم شر مكانا فيه قولان: أحدهما: شر صنيعا من يوسف لما ~~قدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم، قاله ابن عباس. والثاني: شر منزلة ~~عند الله، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: والله أعلم بما تصفون فيه قولان: أحدهما: تقولون، قاله ~~مجاهد. والثاني: بما تكذبون، قاله قتادة. قال الزجاج: المعنى: والله أعلم ~~أسرق أخ له أم لا. # وذكر بعض المفسرين، أنه لما استخرج الصواع من رحل أخيه، نقر الصواع، ثم ~~أدناه من أذنه، فقال: إن صواعي هذا يخبرني أنكم كنتم اثنى عشر رجلا، وأنكم ~~انطلقتم بأخ لكم فبعتموه، فقال ابن يامين: ms1136 أيها الملك، سل صواعك عن أخي، ~~أحي هو؟ فنقره، ثم قال: هو حي، وسوف تراه، فقال: # سل صواعك، من جعله في رحلي؟ فنقره، وقال: إن صواعي هذا غضبان، وهو يقول: ~~كيف تسألني عن صاحبي وقد رأيت مع من كنت؟ فغضب روبيل، وكان بنو يعقوب إذا ~~غضبوا لم يطاقوا، فإذا مس أحدهم الآخر ذهب غضبه، فقال: والله أيها الملك ~~لتتركنا، أو لأصيحن صيحة لا يبقى بمصر امرأة حامل إلا ألقت ما في بطنها، ~~فقال يوسف لابنه: قم إلى جنب روبيل فامسسه، ففعل الغلام، فذهب غضبه، فقال ~~روبيل: ما هذا؟! إن في هذا البلد من ذرية يعقوب؟ قال يوسف: ومن يعقوب؟ ~~فقال: أيها # PageV02P460 # الملك، لا تذكر يعقوب، فانه إسرائيل الله ابن ذبيح الله ابن خليل الله. ~~فلما لم يجدوا إلى خلاص أخيهم سبيلا، سألوه أن يأخذ منهم بديلا به، فذلك ~~قوله تعالى: يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا أي: في سنه، وقيل: في ~~قدره، فخذ أحدنا مكانه أي: تستعبده بدلا عنه إنا نراك من المحسنين فيه ~~قولان: أحدهما: فيما مضى. والثاني: إن فعلت. قال معاذ الله قد سبق تفسيره، ~~والمعنى: أعوذ بالله أن نأخذ بريئا بسقيم. ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 80 الى 81] # فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ ~~عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي ~~أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين (80) ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا ~~أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين (81) # قوله تعالى: فلما استيأسوا منه أي: يئسوا. وفي هاء «منه» قولان: أحدهما: ~~أنها ترجع إلى يوسف، فالمعنى: يئسوا من يوسف أن يخلي سبيل أخيهم. والثاني: ~~إلى أخيهم، فالمعنى: يئسوا من أخيهم. قوله تعالى: خلصوا نجيا أي: اعتزلوا ~~الناس ليس معهم غيرهم، يتناجون ويتناظرون ويتشاورون، يقال: قوم نجي، والجمع ~~أنجية، قال الشاعر: # إني إذا ما القوم كانوا أنجيه ... واضطربت أعناقهم كالأرشيه «1» # وإنما وحد «نجيا» لأنه ms1137 يجري مجرى المصدر الذي يكون للاثنين، والجمع ~~والمؤنث بلفظ واحد. وقال الزجاج: انفردوا متناجين فيما يعملون في ذهابهم ~~إلى أبيهم وليس معهم أخوهم. # قوله تعالى: قال كبيرهم فيه قولان: أحدهما: أنه كبيرهم في العقل، ثم فيه ~~قولان «2» : # أحدهما: أنه يهوذا، ولم يكن أكبرهم سنا، وإنما كان أكبرهم سنا روبيل، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، ومقاتل. والثاني: أنه شمعون، ~~قاله مجاهد. والثاني: أنه كبيرهم في السن وهو روبيل، قاله قتادة، والسدي. # قوله تعالى: ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله في حفظ ~~أخيكم ورده إليه ومن قبل ما فرطتم في يوسف قال الفراء: «ما» في موضع رفع، ~~كأنه قال: ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف، وإن شئت جعلتها نصبا، المعنى: ألم ~~تعلموا هذا، وتعلموا من قبل تفريطكم في يوسف. وإن PageV02P461 # شئت جعلت «ما» صلة، كأنه قال: ومن قبل فرطتم في يوسف. قال الزجاج: وهذا ~~أجود الوجوه، أن تكون «ما» لغوا. قوله تعالى: فلن أبرح الأرض أي: لن أخرج ~~من أرض مصر، يقال: برح الرجل براحا: إذا تنحى عن موضعه. حتى يأذن لي أبي ~~قال ابن عباس: حتى يبعث إلي أن آتيه أو يحكم الله لي فيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أو يحكم الله لي، فيرد أخي علي. والثاني: يحكم الله لي بالسيف، ~~فأحارب من حبس أخي. والثالث: يقضي في أمري شيئا، وهو خير الحاكمين أي: ~~أعدلهم وأفضلهم. # قوله تعالى: إن ابنك سرق وقرأ ابن عباس، والضحاك، وابن أبي سريج عن ~~الكسائي: # «سرق» بضم السين وتشديد الراء وكسرها. قوله تعالى: وما شهدنا إلا بما ~~علمنا فيه قولان: # أحدهما: وما شهدنا عليه بالسرقة إلا بما علمنا، لأنا رأينا المسروق في ~~رحله، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: وما شهدنا عند يوسف بأن السارق ~~يؤخذ بسرقته إلا بما علمنا من دينك، قاله ابن زيد. # وفي قوله: وما كنا للغيب حافظين ثمانية أقوال: أحدها: أن الغيب هو الليل، ~~والمعنى: لم نعلم ما صنع بالليل، قاله أبو صالح عن ms1138 ابن عباس، وهذا يدل على ~~أن التهمة وقعت به ليلا. والثاني: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق، رواه ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد، وبه قال عكرمة، وقتادة، ومكحول. قال ابن قتيبة: فالمعنى: لم ~~نعلم الغيب حين أعطيناك الموثق لنأتينك به أنه يسرق فيؤخذ. والثالث: لم ~~نستطع أن نحفظه فلا يسرق، رواه عبد الوهاب عن مجاهد. والرابع: لم نعلم أنه ~~سرق للملك شيئا، ولذلك حكمنا باسترقاق السارق، قاله ابن زيد. والخامس: أن ~~المعنى: قد رأينا السرقة قد أخذت من رحله، ولا علم لنا بالغيب فلعلهم ~~سرقوه، قاله ابن إسحاق. والسادس: ما كنا لغيب ابنك حافظين، إنما نقدر على ~~حفظه في محضره، فإذا غاب عنا، خفيت عنا أموره. والسابع: لو علمنا من الغيب ~~أن هذه البلية تقع بابنك ما سافرنا به، ذكرهما ابن الأنباري. والثامن: لم ~~نعلم أنك تصاب به كما أصبت بيوسف، ولو علمنا لم نذهب به، قاله ابن كيسان. ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 82] # وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون (82) # قوله تعالى: وسئل القرية المعنى: قولوا لأبيكم: سل أهل القرية التي كنا ~~فيها يعنون مصر والعير التي أقبلنا فيها وأهل العير، وكان قد صحبهم قوم من ~~الكنعانيين. قال ابن الأنباري: # ويجوز أن يكون المعنى: وسل القرية والعير فانها تعقل عنك لأنك نبي ~~والأنبياء قد تخاطبهم الأحجار والبهائم، فعلى هذا تسلم الآية من إضمار. ### | [سورة يوسف (12) : آية 83] # قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه ~~هو العليم الحكيم (83) # قوله تعالى: قال بل سولت لكم أنفسكم في الكلام اختصار، والمعنى: فرجعوا ~~إلى أبيهم فقالوا له ذلك، فقال لهم هذا، وقد شرحناه في أول السورة. # واختلفوا لأي علة قال لهم هذا القول، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ظن أن ~~الذي تخلف منهم، إنما تخلف حيلة ومكرا ليصدقهم، قاله وهب بن منبه. والثاني: ~~أن المعنى: سولت لكم أنفسكم أن # PageV02P462 # خروجكم بأخيكم يجلب نفعا، فجر ضررا، قاله ابن الأنباري. والثالث: سولت ~~لكم أنه سرق، ms1139 وما سرق. # قوله تعالى: عسى الله أن يأتيني بهم جميعا يعني: يوسف وابن يامين وأخاهما ~~المقيم بمصر. # وقال مقاتل: أقام بمصر يهوذا وشمعون، فأراد بقوله: «أن يأتيني بهم» يعني: ~~الأربعة. # قوله تعالى: إنه هو العليم أي: بشدة حزني، وقيل: بمكانهم، الحكيم فيما ~~حكم علي. ### | [سورة يوسف (12) : آية 84] # وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (84) # قوله تعالى: وتولى عنهم أي: أعرض عن ولده أن يطيل معهم الخطب، وانفرد ~~بحزنه، وهيج عليه ذكر يوسف وقال يا أسفى على يوسف قال ابن عباس: يا طول ~~حزني على يوسف. قال ابن قتيبة: # الأسف: أشد الحسرة. قال سعيد بن جبير: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ~~ما لم يعط الأنبياء قبلهم إنا لله وإنا إليه راجعون، ولو أعطيها الأنبياء ~~لأعطيها يعقوب، إذ يقول: «يا أسفى على يوسف» . فإن قيل: هذا لفظ الشكوى، ~~فأين الصبر؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه شكا إلى الله تعالى، لا منه. # والثاني: أنه أراد به الدعاء، فالمعنى: يا رب ارحم أسفي على يوسف. وذكر ~~ابن الأنباري عن بعض اللغويين أنه قال: نداء يعقوب الأسف في اللفظ من ~~المجاز الذي يعنى به غير المظهر في اللفظ، وتلخيصه: يا إلهي ارحم أسفي، أو ~~أنت راء أسفي، وهذا أسفي، فنادى الأسف في اللفظ، والمنادى في المعنى سواه، ~~كما قال: «يا حسرتنا» والمعنى: يا هؤلاء تنبهوا على حسرتنا، قال: والحزن ~~ونفور النفس من المكروه والبلاء لا عيب فيه ولا مأثم إذا لم ينطق اللسان ~~بكلام مؤثم ولم يشك إلا إلى ربه، فلما كان قوله: «يا أسفى» شكوى إلى ربه، ~~كان غير ملوم. وقد روي عن الحسن أن أخاه مات، فجزع الحسن جزعا شديدا، فعوتب ~~في ذلك، فقال: ما وجدت الله عاب على يعقوب الحزن حيث قال: «يا أسفى على ~~يوسف» . قوله تعالى: وابيضت عيناه من الحزن أي: انقلبت إلى حال البياض. وهل ~~ذهب بصره، أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه ذهب بصره، قاله مجاهد. والثاني: ~~ضعف بصره لبياض تغشاه ms1140 من كثرة البكاء، ذكره الماوردي. وقال مقاتل: لم يبصر ~~بعينيه ست سنين. قال ابن عباس: # وقوله: «من الحزن» أي: من البكاء، يريد أن عينيه ابيضتا لكثرة بكائه، ~~فلما كان الحزن سببا للبكاء، سمي البكاء حزنا. وقال ثابت البناني: دخل ~~جبريل على يوسف، فقال: أيها الملك الكريم على ربه، هل لك علم بيعقوب؟ قال: ~~نعم. قال: ما فعل؟ قال: ابيضت عيناه، قال: ما بلغ حزنه؟ قال: حزن سبعين ~~ثكلى، قال: فهل له على ذلك من أجر؟ قال: أجر مائة شهيد. وقال الحسن البصري: ~~ما فارق يعقوب الحزن ثمانين سنة، وما جفت عينه، وما أحد يومئذ أكرم على ~~الله منه حين ذهب بصره. قوله تعالى: فهو كظيم الكظيم بمعنى الكاظم، وهو ~~الممسك على حزنه فلا يظهره، قاله ابن قتيبة، وقد شرحنا هذا عند قوله: ~~والكاظمين الغيظ «1» . PageV02P463 ### | ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 85 الى # 87] # قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (85) قال ~~إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86) يا بني ~~اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح ~~الله إلا القوم الكافرون (87) # قوله تعالى: قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف قال ابن الأنباري: معناه: ~~والله، وجواب هذا القسم «لا» المضمرة التي تأويلها: تالله لا تفتأ، فلما ~~كان موضعها معلوما خفف الكلام بسقوطها من ظاهره، كما تقول العرب: والله ~~أقصدك أبدا، يعنون: لا أقصدك، قال امرؤ القيس: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # يريد: لا أبرح، وقالت الخنساء: # فأقسمت آسى على هالك ... أو اسأل نائحة ما لها # أرادت: لا آسى، وقال الآخر: # لم يشعر النعش ما عليه من ال ... عرف ولا الحاملون ما حملوا # تالله أنسى مصيبتي أبدا ... ما أسمعتني حنينها الإبل # وقرأ أبو عمران، وابن محيصن، وأبو حياة: «قالوا بالله» بالباء، وكذلك كل ~~قسم في القرآن. # وأما قوله: «تفتأ» فقال المفسرون وأهل اللغة: معنى «تفتأ» تزال، فمعنى ~~الكلام: لا تزال تذكر يوسف، وأنشد ms1141 أبو عبيدة: # فما فتئت خيل تثوب وتدعي ... ويلحق منها لاحق وتقطع «1» # وأنشد أبو القاسم: # فما فتئت منا رعال كأنها ... رعال القطا حتى احتوين بني صخر # قوله تعالى: حتى تكون حرضا. فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه الدنف، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. قال ابن قتيبة: يقال: أحرضه الحزن، أي: أدنفه. قال أبو ~~عبيدة: الحرض: الذي قد أذابه الحزن أو الحب، وهي في موضع محرض. وأنشد: # إني امرؤ لج بي حب فأحرضني ... حتى بليت وحتى شفني السقم «2» # أي: أذابني. وقال الزجاج: الحرض: الفاسد في جسمه، والمعنى: حتى تكون ~~مدنفا مريضا. # والثاني: أنه الذاهب العقل، قاله الضحاك عن ابن عباس. وقال ابن إسحاق: ~~الفاسد العقل. قال الزجاج: وقد يكون الحرض: الفاسد في أخلاقه. والثالث: أنه ~~الفاسد في جسمه وعقله، يقال: رجل حارض وحرض، فحارض يثني ويجمع ويؤنث، وحرض ~~لا يجمع ولا يثنى، لأنه مصدر، قاله الفراء. # والرابع: أنه الهرم، قاله الحسن، وقتادة، وابن زيد. # قوله تعالى: أو تكون من الهالكين يعنون: الموتى. فان قيل: كيف حلفوا على ~~شيء يجوز PageV02P464 # أن يتغير؟ فالجواب: أن في الكلام إضمارا، تقديره: إن هذا في تقديرنا ~~وظننا. # قوله تعالى: نما أشكوا بثي # قال ابن قتيبة: البث: أشد الحزن، سمي بذلك، لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى ~~يبثه. # قوله تعالى: لى الله # المعنى: إني لا أشكو إليكم، وذلك لما عنفوه بما تقدم ذكره. # (819) وروى الحاكم أبو عبد الله في «صحيحه» من حديث أنس بن مالك عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان ليعقوب أخ مؤاخ، فقال له ذات يوم: ~~يا يعقوب، ما الذي أذهب بصرك؟ وما الذي قوس ظهرك؟ قال: أما الذي أذهب بصري، ~~فالبكاء على يوسف، وأما الذي قوس ظهري، فالحزن على بنيامين، فأتاه جبريل، ~~فقال: يا يعقوب إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أما تستحي أن تشكو إلى ~~غيري؟ فقال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فقال جبريل: الله أعلم بما ~~تشكو، ثم قال يعقوب: أي رب، أما ترحم الشيخ الكبير؟ أذهبت بصري، ms1142 وقوست ~~ظهري، فاردد علي ريحاني أشمه شمة قبل الموت، ثم اصنع بي يا رب ما شئت، ~~فأتاه جبريل، فقال: يا يعقوب، إن الله يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر، فو ~~عزتي لو كانا ميتين لنشرتهما لك، اصنع طعاما للمساكين، فإن أحب عبادي إلي ~~المساكين، وتدري لم أذهبت بصرك، وقوست ظهرك، وصنع إخوة يوسف بيوسف ما ~~صنعوا؟ لأنكم ذبحتم شاة، فأتاكم فلان المساكين وهو صائم، فلم تطعموه منها. ~~فكان يعقوب، بعد ذلك إذا أراد الغداء أمر مناديا فنادى: ألا من أراد الغداء ~~من المساكين فليتغد مع يعقوب، وإذا كان صائما أمر مناديا فنادى: من كان ~~صائما فليفطر مع يعقوب. وقال وهب بن منبه: أوحى الله تعالى إلى يعقوب: ~~أتدري لم عاقبتك وحبست عنك يوسف ثمانين سنة؟ قال: لا، قال: لأنك شويت عناقا ~~وقترت على جارك وأكلت ولم تطعمه» . وذكر بعضهم أن السبب في ذلك أن يعقوب ~~ذبح عجل بقرة بين يديها، وهي تخور، فلم يرحمها. # فإن قيل: كيف صبر يوسف عن أبيه بعد أن صار ملكا؟ فقد ذكر المفسرون عنه ~~ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه يجوز أن يكون ذلك عن أمر الله تعالى، وهو الأظهر. والثاني: ~~لئلا يظن الملك بتعجيل PageV02P465 # استدعائه أهله، شدة فاقتهم. والثالث: أنه أحب بعد خروجه من السجن أن يدرج ~~نفسه إلى كمال السرور. والصحيح أن ذلك كان عن أمر الله تعالى، ليرفع درجة ~~يعقوب بالصبر على البلاء. وكان يوسف يلاقي من الحزن لأجل حزن أبيه عظيما، ~~ولا يقدر على دفع سببه. # قوله تعالى: أعلم من الله ما لا تعلمون # فيه أربعة أقال: أحدها: أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأنا سنسجد له، رواه ~~العوفي عن ابن عباس. والثاني: أعلم من سلامة يوسف ما لا تعلمون. # قال ابن السائب: وذلك أن ملك الموت أتاه، فقال له يعقوب: هل قبضت روح ~~ابني يوسف؟ قال: لا. # والثالث: أعلم من رحمة الله وقدرته ما لا تعلمون، قاله عطاء. والرابع: ~~أنه لما أخبره بنوه بسيرة العزيز، طمع أن يكون هو يوسف، قاله السدي، قال: ~~ولذلك ms1143 قال لهم: اذهبوا فتحسسوا. وقال وهب بن منبه: لما قال له ملك الموت: ~~ما قبضت روح يوسف، تباشر عند ذلك، ثم أصبح، فقال لبنيه: اذهبوا فتحسسوا من ~~يوسف وأخيه. قال أبو عبيدة: «تحسسوا» أي: تخبروا والتمسوا في المظان. فان ~~قيل: كيف قال: «من يوسف» والغالب أن يقال: تحسست عن كذا؟ فعنه جوابان ~~ذكرهما ابن الأنباري: أحدهما: أن المعنى: عن يوسف، ولكن نابت عنها «من» كما ~~تقول العرب: حدثني فلان من فلان، يعنون عنه. والثاني: أن «من» أوثرت ~~للتبعيض، والمعنى: تحسسوا خبرا من أخبار يوسف. # قوله تعالى: ولا تيأسوا من روح الله فيه ثلاثة أقوال: أحدها: من رحمة ~~الله، قاله ابن عباس، والضحاك. والثاني: من فرج الله، قاله ابن زيد. ~~والثالث: من توسعة الله، حكاه ابن القاسم. قال الأصمعي: الروح: الاستراحة ~~من غم القلب. وقال أهل المعاني: لا تيأسوا من الروح الذي يأتي به الله، إنه ~~لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون لأن المؤمن يرجو الله في الشدائد. ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 88 الى 93] # فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة ~~مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين (88) قال هل ~~علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (89) قالوا أإنك لأنت يوسف قال ~~أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين (90) قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين (91) قال ~~لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (92) # اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ~~(93) # قوله تعالى: فلما دخلوا عليه في الكلام محذوف، تقديره: فخرجوا إلى مصر، ~~فدخلوا على يوسف، ف قالوا يا أيها العزيز وكان يسمون ملكهم بذلك، مسنا ~~وأهلنا الضر يعنون الفقر والحاجة «1» وجئنا ببضاعة مزجاة. وفي ماهية تلك ~~البضاعة سبعة أقوال: أحدها: أنها كانت دراهم، PageV02P466 # رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: أنها كانت متاعا رثا كالحبل والغرارة، ~~رواه ابن أبي مليكة ms1144 عن ابن عباس. والثالث: كانت أقطا «1» ، قاله الحسن. ~~والرابع: كانت نعالا وأدما، رواه جويبر عن الضحاك. # والخامس: كانت سويق المقل، روي عن الضحاك أيضا. والسادس: حبة الخضراء ~~وصنوبر، قاله أبو صالح. والسابع: كانت صوفا وشيئا من سمن، قاله عبد الله بن ~~الحارث. وفي المزجاة خمسة أقوال: # أحدها: أنها القليلة. روى العوفي عن ابن عباس قال: دراهم غير طائلة، وبه ~~قال مجاهد، وابن قتيبة. # قال الزجاج: تأويله في اللغة أن التزجية: الشيء الذي يدافع به، يقال: ~~فلان يزجي العيش، أي: يدفع بالقليل ويكتفي به، فالمعنى: جئنا ببضاعة إنما ~~ندافع بها ونتقوت، وليست مما يتسع به، قال الشاعر: # الواهب المائة الهجان وعبدها ... عوذا تزجي خلفها أطفالها «2» # أي: تدفع أطفالها. والثاني: أنها الرديئة، رواه الضحاك عن ابن عباس. قال ~~أبو عبيدة: إنما قيل للرديئة: مزجاة، لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن ~~ينفقها، قال: وهي من الإزجاء، والإزجاء عند العرب: السوق والدفع، وأنشد: # ليبك على ملحان ضيف مدفع ... وأرملة تزجي مع الليل أرملا «3» # أي: تسوقه. والثالث: الكاسدة، رواه الضحاك أيضا عن ابن عباس. والرابع: ~~الرثة، وهي المتاع الخلق، رواه ابن أبي مليكة عن ابن عباس. والخامس: ~~الناقصة، رواه أبو حصين عن عكرمة. # قوله تعالى: فأوف لنا الكيل أي: أتمه لنا ولا تنقصه لرداءة بضاعتنا. قوله ~~تعالى: وتصدق علينا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: تصدق علينا بما بين سعر الجياد ~~والرديئة، قاله سعيد بن جبير، والسدي. قال ابن الأنباري: كان الذي سألوه من ~~المسامحة يشبه التصدق، وليس به. والثاني: برد أخينا، قاله ابن جريج، قال: ~~وذلك أنهم كانوا أنبياء، والصدقة لا تحل للأنبياء. والثالث: وتصدق علينا ~~بالزيادة على حقنا، قاله ابن عيينة، وذهب إلى أن الصدقة قد كانت تحل ~~للأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، حكاه عنه أبو سليمان الدمشقي، وأبو ~~الحسن الماوردي، وأبو يعلى بن الفراء. # قوله تعالى: إن الله يجزي المتصدقين أي: بالثواب. قال الضحاك: لم يقولوا: ~~إن الله يجزيك إن تصدقت علينا، لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن. # قوله تعالى: هل علمتم ما ms1145 فعلتم بيوسف وأخيه في سبب قوله لهم هذا، ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه أخرج إليهم نسخة الكتاب الذي كتبوه على أنفسهم ببيعه من مالك ~~بن ذعر، وفي آخر الكتاب: «وكتب يهوذا» فلما قرءوا الكتاب اعترفوا بصحته ~~وقالوا: هذا كتاب كتبناه على أنفسنا عند بيع عبد كان لنا، فقال يوسف عند ~~ذلك: إنكم تستحقون العقوبة، وأمر بهم ليقتلوا، فقالوا: إن كنت فاعلا، فاذهب ~~بأمتعتنا إلى يعقوب، ثم أقبل يهوذا على بعض إخوته، وقال: قد كان أبونا متصل ~~الحزن لفقد واحد من ولده، فكيف به إذا أخبر بهلكنا أجمعين؟ فرق يوسف عند ~~ذلك وكشف لهم أمره، وقال لهم هذا القول، رواه أبو صالح عن ابن عباس. ~~والثاني: أنهم لما قالوا: (مسنا وأهلنا الضر) أدركته PageV02P467 # الرحمة، فقال لهم هذا، قاله ابن إسحاق. والثالث: أن يعقوب كتب إليه ~~كتابا: إن رددت ولدي، وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك، فبكى، وقال ~~لهم هذا. وفي «هل» قولان: أحدهما: أنها استفهام لتعظيم القصة لا يراد به ~~نفس الاستفهام. قال ابن الأنباري: والمعنى: ما أعظم ما ارتكبتم، وما أسمج ~~ما آثرتم من قطيعة الرحم وتضييع الحق، وهذا مثل قول العربي: أتدري من عصيت؟ ~~هل تعرف من عاديت؟ لا يريد بذلك الاستفهام، ولكن يريد تفظيع الأمر، قال ~~الشاعر: # أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي «1» # لم يرد الاستفهام، إنما أراد أن هذا غير مرجو عندهم. قال: ويجوز أن يكون ~~المعنى: هل علمتم عقبى ما فعلتم بيوسف وأخيه من تسليم الله لهما من ~~المكروه؟ وهذه الآية تصديق قوله: لتنبئنهم بأمرهم. والثاني: أن «هل» بمعنى ~~«قد» ، ذكره بعض أهل التفسير. # فان قيل: فالذي فعلوا بيوسف معلوم، فما الذي فعلوا بأخيه، وما سعوا في ~~حبسه ولا أرادوه؟ # فالجواب من وجوه: أحدها: أنهم فرقوا بينه وبين يوسف، فنغصوا عيشه بذلك. ~~والثاني: أنهم آذوه بعد فقد يوسف. والثالث: أنهم سبوه لما قذف بسرقة الصاع. # وفي قوله: إذ أنتم جاهلون أربعة أقوال: أحدها: إذ أنتم صبيان، قاله ابن ~~عباس. والثاني: # مذنبون، قاله مقاتل. والثالث: جاهلون بعقوق ms1146 الأب، وقطع الرحم، وموافقة ~~الهوى. والرابع: جاهلون بما يؤول إليه أمر يوسف، ذكرهما ابن الأنباري. # قوله تعالى: أإنك لأنت يوسف قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وابن محيصن: «إنك» ~~على الخبر، وقرأه آخرون بهمزتين محققتين، وأدخل بعضهم بينهما ألفا «2» . # واختلف المفسرون، هل عرفوه، أم شبهوه؟ على قولين: أحدهما: أنهم شبهوه ~~بيوسف، قاله ابن عباس في رواية. والثاني: أنهم عرفوه، قاله ابن إسحاق. وفي ~~سبب معرفتهم له ثلاثة أقوال: أحدها: # أنه تبسم، فشبهوا ثناياه بثنايا يوسف، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثاني: ~~أنه كانت له علامة كالشامة في قرنه، وكان ليعقوب مثلها، ولإسحاق مثلها، ~~ولسارة، فلما وضع التاج عن رأسه، عرفوه، رواه عطاء عن ابن عباس. والثالث: ~~أنه كشف الحجاب، فعرفوه، قاله ابن إسحاق. # قوله تعالى: قال أنا يوسف قال ابن الأنباري: إنما أظهر الاسم، ولم يقل: ~~أنا هو، تعظيما لما وقع به من ظلم إخوته، فكأنه قال: أنا المظلوم المستحل ~~منه، المراد قتله، فكفى ظهور الاسم من هذه المعاني، ولهذا قال: وهذا أخي ~~وهم يعرفونه، وإنما قصد: وهذا المظلوم كظلمي. قوله تعالى: PageV02P468 # قد من الله علينا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: بخير الدنيا والآخرة. والثاني: ~~بالجمع بعد الفرقة. # والثالث: بالسلامة ثم بالكرامة. # قوله تعالى: إنه من يتق ويصبر قرأ ابن كثير في رواية قنبل: «من يتقي ~~ويصبر» بياء في الوصل والوقف، وقرأ الباقون بغير ياء في الحالين. وفي معنى ~~الكلام أربعة أقوال: أحدها: من يتق الزنى ويصبر على البلاء. والثاني: من ~~يتق الزنى ويصبر على العزوبة. والثالث: من يتق الله ويصبر على المصائب، ~~رويت هذه الأقوال عن ابن عباس. والرابع: من يتق معصية الله ويصبر على ~~السجن، قاله مجاهد. # قوله تعالى: فإن الله لا يضيع أجر المحسنين أي: أجر من كان هذا حاله. # قوله تعالى: لقد آثرك الله علينا أي: اختارك وفضلك. وبماذا عنوا أنه فضله ~~فيه؟ أربعة أقوال: أحدها: بالملك، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثاني: ~~بالصبر، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثالث: بالحلم والصفح عنا، ذكره أبو سليمان الدمشقي. ms1147 والرابع: بالعلم ~~والعقل والحسن وسائر الفضائل التي أعطاه. # قوله تعالى: وإن كنا لخاطئين قال ابن عباس: لمذنبين آثمين في أمرك. قال ~~ابن الأنباري: # ولهذا اختير «خاطئين» على «مخطئين» ، وإن كان «أخطأ» على ألسن الناس أكثر ~~من «خطئ يخطأ» لأن معنى خطئ يخطأ، فهو خاطئ: آثم، ومعنى أخطأ يخطئ، فهو ~~مخطئ: ترك الصواب ولم يأثم، قال الشاعر: # عبادك يخطئون وأنت رب ... بكفيك المنايا والحتوم «1» # أراد: يأثمون. قال: ويجوز أن يكون آثر «خاطئين» على «مخطئين» لموافقة ~~رؤوس الآيات، لأن «خاطئين» أشبه بما قبلها. وذكر الفراء في معنى «إن» ~~قولين: # أحدهما: وقد كنا خاطئين. والثاني: وما كنا إلا خاطئين. # قوله تعالى: لا تثريب عليكم اليوم قال أبو صالح عن ابن عباس: لا أعيركم ~~بعد اليوم بهذا أبدا. قال ابن الأنباري: إنما أشار إلى ذلك اليوم، لأنه أول ~~أوقات العفو، وسبيل العافي في مثله أن لا يراجع عقوبة. وقال ثعلب: قد ثرب ~~فلان على فلان: إذا عدد عليه ذنوبه. وقال ابن قتيبة: لا تعيير عليكم بعد ~~هذا اليوم بما صنعتم، وأصل التثريب: الإفساد، يقال: ثرب علينا: إذا أفسد. ~~وفي الحديث: # (820) «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد، ولا يثرب» أي: لا يعيرها ~~بالزنى. قال ابن عباس: PageV02P469 # جعلهم في حل، وسأل الله المغفرة لهم. # وقال السدي: لما عرفهم نفسه، سألهم عن أبيه، فقالوا: ذهبت عيناه، فأعطاهم ~~قميصه، وقال: # اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي وهذا القميص كان في قصبة من فضة ~~معلقا في عنق يوسف لما ألقي في الجب، وكان من الجنة، وقد سبق ذكره. # قوله تعالى: يأت بصيرا قال أبو عبيدة: يعود مبصرا. # فان قيل: من أين قطع على الغيب؟ فالجواب: أن ذلك كان بالوحي إليه، قاله ~~مجاهد. # قوله تعالى: وأتوني بأهلكم أجمعين قال الكلبي: كان أهله نحوا من سبعين ~~إنسانا. ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 94] # ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون (94) # قوله تعالى: ولما فصلت العير أي: خرجت من مصر متوجهة إلى كنعان. وكان ~~الذي حمل القميص يهوذا. ms1148 قال السدي: قال يهوذا ليوسف: أنا الذي حملت القميص ~~إلى يعقوب بدم كذب فأحزنته، وأنا الآن أحمل قميصك لأسره، فحمله، قال ابن ~~عباس: فخرج حافيا حاسرا يعدو، ومعه سبعة أرغفة لم يستوف أكلها. قوله تعالى: ~~قال أبوهم يعني يعقوب لمن حضره من أهله وقرابته وولد ولده إني لأجد ريح ~~يوسف ومعنى أجد: أشم، قال الشاعر: # وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنها أصلاب قوم تقصف «1» # وليس فتيق المسك ما تجدونه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف # فان قيل: كيف وجد يعقوب ريحه وهو بمصر، ولم يجد ريحه من الجب وبعد خروجه ~~منه، والمسافة هناك أقرب؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أن الله أخفى أمر يوسف على يعقوب في بداية الأمر لتقع البلية ~~التي يتكامل بها الأجر، وأوجده ريحه من المكان النازح عند تقضي البلاء ~~ومجيء الفرج. # والثاني: أن هذا القميص كان في قصبة من فضة معلقا في عنق يوسف على ما سبق ~~بيانه، فلما نشره فاحت روائح الجنان في الدنيا فاتصلت بيعقوب، فعلم أن ~~الرائحة من جهة ذلك القميص. قال مجاهد: هبت ريح فضربت القميص، ففاحت روائح ~~الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة، فعلم أنه ليس في الدنيا من ~~ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص، فمن ثم قال: إني لأجد ريح يوسف. وقيل: ~~إن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل البشير فأذن ~~لها، فلذلك يستروح كل محزون إلى ريح الصبا، ويجد المكروبون لها روحا، وهي ~~ريح لينة تأتي من ناحية المشرق، قال أبو صخر الهذلي: # إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني ... نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر # قال ابن عباس: وجد ريح قميص يوسف من مسيرة ثمان ليال ثمانين فرسخا. # قوله تعالى: لولا أن تفندون فيه خمسة أقوال: أحدها: تجهلون، رواه ابن أبي ~~طلحة عن ابن PageV02P470 # عباس، وبه قال مقاتل. والثاني: تسفهون، رواه عبد الله بن أبي الهذيل عن ~~ابن عباس، وبه قال عطاء، وقتادة، ومجاهد في رواية. وقال في رواية أخرى: ~~لولا أن تقولوا: ذهب ms1149 عقلك. والثالث: تكذبون، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه ~~قال سعيد بن جبير، والضحاك. والرابع: تهرمون، قاله الحسن، ومجاهد في رواية. ~~قال ابن فارس: الفند: إنكار العقل من هرم. والخامس: تعجزون، قاله ابن ~~قتيبة. # وقال أبو عبيدة: تسفهون وتعجزون وتلومون، وأنشد: # يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي ... فليس ما فات من أمر بمردود «1» # قال ابن جرير: وأصل التفنيد: الإفساد، وأقوال المفسرين تتقارب معانيها ~~«2» ، وسمعت الشيخ أبا محمد بن الخشاب يقول: قوله: «لولا أن تفندون» فيه ~~إضمار تقديره: لأخبرتكم أنه حي. ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 95] # قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) # قوله تعالى: قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم قال ابن عباس: بنو بنيه ~~خاطبوه بهذا، وكذلك قال السدي: هذا قول بني بنيه، لأن بنيه كانوا بمصر. وفي ~~معنى هذا الضلال ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه بمعنى الخطأ، قاله ابن عباس، وابن زيد. والثاني: أنه الجنون، ~~قاله سعيد بن جبير. # والثالث: الشقاء والعناء، قاله مقاتل، يريد بذلك شقاء الدنيا. ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 96 الى 98] # فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم ~~من الله ما لا تعلمون (96) قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا ~~خاطئين (97) قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم (98) # قوله تعالى: فلما أن جاء البشير فيه قولان: أحدهما: أنه يهوذا، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس، وبه قال وهب بن منبه، والسدي، والجمهور. والثاني: أنه ~~شمعون، قاله الضحاك. # فان قيل: ما الفرق بين قوله ها هنا: فلما أن جاء وقال في موضع: فلما ~~جاءهم «3» . # فالجواب: أنهما لغتان لقريش خاطبهم الله بهما جميعا، فدخول «أن» لتوكيد ~~مضي الفعل، وسقوطها للاعتماد على إيضاح الماضي بنفسه، ذكره ابن الأنباري ~~«4» . # قوله تعالى: ألقاه يعني القميص على وجهه يعني يعقوب فارتد بصيرا، ~~الارتداد: # رجوع الشيء إلى حال قد كان عليها. قال ابن الأنباري: إنما قال: ارتد، ولم ~~يقل: رد، لأن هذا من الأفعال المنسوبة إلى المفعولين، كقولهم: طالت النخلة، ~~والله أطالها، وتحركت الشجرة، والله قد ms1150 PageV02P471 # حركها. قال الضحاك: رجع إليه بصره بعد العمى، وقوته بعد الضعف، وشبابه ~~بعد الهرم، وسروره بعد الحزن. وروى يحيى بن يمان عن سفيان قال: لما جاء ~~البشير يعقوب، قال: على أي دين تركت يوسف؟ قال: على الإسلام، قال: الآن تمت ~~النعمة. # قوله تعالى: ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون فيه أقوال قد سبق ~~ذكرها قبل هذا بقليل. قوله تعالى: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا سألوه أن ~~يستغفر لهم ما أتوا، لأنه نبي مجاب الدعوة. # قال سوف أستغفر لكم ربي في سبب تأخيره لذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أخرهم لانتظار الوقت الذي هو مظنة الإجابة، ثم فيه ثلاثة ~~أقوال: # (821) أحدها: أنه أخرهم إلى ليلة الجمعة، رواه ابن عباس عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. قال وهب: كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة ~~«1» . والثاني: إلى وقت السحر من ليلة الجمعة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. ~~قال طاوس: فوافق ذلك ليلة عاشوراء. والثالث: إلى وقت السحر، رواه عكرمة عن ~~ابن عباس، وبه قال ابن مسعود، وابن عمر، وقتادة، والسدي، ومقاتل. قال ~~الزجاج: إنما أراد الوقت الذي هو أخلق لإجابة الدعاء، لا أنه ضن عليهم ~~بالاستغفار، وهذا أشبه بأخلاق الأنبياء عليهم السلام. # والقول الثاني: أنه دفعهم عن التعجيل بالوعد. قال عطاء الخراساني: طلب ~~الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف: (لا تثريب ~~عليكم اليوم) وإلى قول يعقوب: (سوف أستغفر لكم ربي) . # والثالث: أنه أخرهم ليسأل يوسف، فان عفا عنهم، استغفر لهم، قاله الشعبي. # وروي عن أنس بن مالك أنهم قالوا: يا أبانا إن عفا الله عنا، وإلا فلا قرة ~~عين لنا في الدنيا، فدعا يعقوب وأمن يوسف، فلم يجب فيهم عشرين سنة، ثم جاء ~~جبريل فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك، وعفا عما صنعوا به، واعتقد ~~مواثيقهم من بعد على النبوة. قال المفسرون: وكان يوسف قد بعث مع البشير إلى ~~يعقوب جهازا ومائتي راحلة، وسأله أن يأتيه ms1151 بأهله وولده. فلما ارتحل يعقوب ~~ودنا PageV02P472 # من مصر، استأذن يوسف الملك الذي فوقه في تلقي يعقوب، فأذن له، وأمر الملأ ~~من أصحابه بالركوب معه، فخرج في أربعة آلاف من الجند، وخرج معهم أهل مصر. ~~وقيل: إن الملك خرج معهم أيضا. # فلما التقى يعقوب ويوسف، بكيا جميعا، فقال يوسف: يا أبت بكيت علي حتى ذهب ~~بصرك، أما علمت أن القيامة تجمعني وإياك؟ قال: أي بني، خشيت أن تسلب دينك ~~فلا نجتمع. وقيل: إن يعقوب ابتدأه بالسلام، فقال: السلام عليك يا مذهب ~~الأحزان. ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 99] # فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ~~(99) # قوله تعالى: فلما دخلوا على يوسف يعني: يعقوب وولده. وفي هذا الدخول ~~قولان: # أحدهما: أنه دخول أرض مصر، ثم قال لهم: ادخلوا مصر يعني البلد. # والثاني: أنه دخول مصر، ثم قال لهم: «ادخلوا مصر» أي: استوطنوها. # وفي قوله تعالى: آوى إليه أبويه قولان: أحدهما: أبوه وخالته، لأن أمه ~~كانت قد ماتت، قاله ابن عباس والجمهور. والثاني: أبوه وأمه، قاله الحسن، ~~وابن إسحاق. # وفي قوله تعالى: إن شاء الله آمنين أربعة أقوال «1» : أحدها: أن في ~~الكلام تقديما وتأخيرا، فالمعنى: سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله، إنه هو ~~الغفور الرحيم، هذا قول ابن جريج. والثاني: أن الاستثناء يعود إلى الأمن. ~~ثم فيه قولان: أحدهما: أنه لم يثق بانصراف الحوادث عنهم. والثاني: أن الناس ~~كانوا فيما خلا يخافون ملوك مصر، فلا يدخلون إلا بجوارهم. والثالث: أنه ~~يعود إلى دخول مصر، لأنه قال لهم هذا حين تلقاهم قبل دخولهم، على ما سبق ~~بيانه. والرابع: أن «إن» بمعنى: «إذ» : # كقوله إن أردن تحصنا «2» . قال ابن عباس: دخلوا مصر يومئذ وهم نيف وسبعون ~~بين ذكر وأنثى. وقال ابن مسعود: دخلوا وهم ثلاثة وتسعون، وخرجوا مع موسى ~~وهم ستمائة ألف وسبعون ألفا «3» . ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 100 الى 101] # ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل ~~قد جعلها ربي حقا وقد ms1152 أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد ~~أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم ~~(100) رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات ~~والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين (101) # قوله تعالى: ورفع أبويه على العرش في «أبويه» قولان: قد تقدما في الآية ~~التي قبلها. والعرش ها هنا: سرير المملكة، أجلس أبويه عليه وخروا له يعني: ~~أبويه وإخوته. وفي هاء «له» قولان: PageV02P473 # أحدهما: أنها ترجع إلى يوسف، قاله الجمهور. قال أبو صالح عن ابن عباس: ~~كان سجودهم كهيئة الركوع كما يفعل الأعاجم. وقال الحسن: أمرهم الله بالسجود ~~لتأويل الرؤيا. قال ابن الأنباري: # سجدوا له على جهة التحية لا على معنى العبادة، وكان أهل ذلك الدهر يحيى ~~بعضهم بعضا بالسجود والانحناء، فحظره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروى ~~أنس بن مالك قال: # (822) «قال رجل: يا رسول الله! أحدنا يلقى صديقه، أينحني له؟ قال: لا» . # والثاني: أنها ترجع إلى الله، فالمعنى: وخروا لله سجدا، رواه عطاء، ~~والضحاك عن ابن عباس، فيكون المعنى: أنهم سجدوا شكرا لله إذ جمع بينهم وبين ~~يوسف. # قوله تعالى: هذا تأويل رءياي أي: تصديق ما رأيت، وكان قد رآهم في المنام ~~يسجدون له، فأراه الله ذلك في اليقظة. واختلفوا فيما بين رؤياه وتأويلها ~~على سبعة أقوال: أحدها: أربعون سنة، قاله سلمان الفارسي وعبد الله بن شداد ~~بن الهاد ومقاتل. والثاني: اثنتان وعشرون سنة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ~~والثالث: ثمانون سنة، قاله الحسن والفضيل بن عياض. والرابع: ست وثلاثون ~~سنة، قاله سعيد بن جبير وعكرمة والسدي. والخامس: خمس وثلاثون سنة، قاله ~~قتادة. والسادس: سبعون سنة، قاله عبد الله بن شوذب. والسابع: ثماني عشرة ~~سنة، قاله ابن إسحاق. # قوله تعالى: وقد أحسن بي أي: إلي. والبدو: البسط من الأرض. وقال ابن ~~عباس: البدو: # البادية، وكانوا أهل عمود وماشية. # قوله تعالى: من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي أي: ms1153 أفسد بيننا. قال ~~أبو عبيدة: يقال: # نزغ بينهم ينزغ، أي: أفسد وهيج، وبعضهم يكسر زاي ينزغ. إن ربي لطيف لما ~~يشاء أي: عالم بدقائق الأمور. وقد شرحنا معنى «اللطيف» في سورة (الأنعام) ~~«1» . # فان قيل: قد توالت على يوسف نعم جمة، فما السر في اقتصاره على ذكر السجن، ~~وهلا ذكر الجب، وهو أصعب؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنه ترك ذكر الجب تكرما، ~~لئلا يذكر إخوته صنيعهم، وقد قال (لا تثريب عليكم اليوم) . والثاني: أنه ~~خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك، فكانت هذه النعمة أوفى. ~~والثالث: أن طول لبثه في السجن كان عقوبة له، بخلاف الجب، فشكر الله على ~~عفوه. PageV02P474 # قال العلماء بالسير: أقام يعقوب بعد قدومه مصر أربعا وعشرين سنة. وقال ~~بعضهم: سبع عشرة سنة في أهنأ عيش، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف أن يحمل ~~إلى الشام حتى يدفنه عند أبيه إسحاق، ففعل به ذلك، وكان عمره مائة وسبعا ~~وأربعين سنة، ثم إن يوسف تاق إلى الجنة، وعلم أن الدنيا لا تدوم فتمنى ~~الموت، قال ابن عباس، وقتادة: ولم يتمن الموت نبي قبله، فقال: رب قد آتيتني ~~من الملك يعني: ملك مصر وعلمتني من تأويل الأحاديث وقد سبق تفسيرها، وفي ~~«من» قولان: أحدهما: أنها صلة، قاله مقاتل. والثاني: أنها للتبعيض، لأنه لم ~~يؤت كل الملك، ولا كل تأويل الأحاديث. # قوله تعالى: فاطر السماوات والأرض قد شرحناه في (الأنعام) «1» . أنت وليي ~~أي: الذي تلي أمري. توفني مسلما قال ابن عباس: يريد: لا تسلبني الإسلام حتى ~~تتوفاني عليه. وكان ابن عقيل يقول: لم يتمن يوسف الموت، وإنما سأل أن يموت ~~على صفة، والمعنى: توفني إذا توفيتني مسلما، وهذا الصحيح «2» . # قوله تعالى: وألحقني بالصالحين والمعنى: ألحقني بدرجاتهم، وفيهم قولان: ~~أحدهما: أنهم أهل الجنة، قاله عكرمة. والثاني: آباؤه إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب، قاله الضحاك، قالوا: فلما احتضر يوسف، أوصى إلى يهوذا، ومات، فتشاح ~~الناس في دفنه، كل يحب أن يدفن في محلته رجاء البركة، فاجتمعوا على دفنه في ~~النيل ليمر الماء عليه ms1154 ويصل إلى الجميع، فدفنوه في صندوق من رخام، فكان ~~هنالك إلى أن حمله موسى حين خرج من مصر ودفنه بأرض كنعان. قال الحسن: مات ~~يوسف وهو ابن مائة وعشرين سنة. وذكر مقاتل أنه مات بعد يعقوب بسنتين. ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 102] # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ~~(102) # قوله تعالى: ذلك من أنباء الغيب أي: ذلك الذي قصصنا عليك من أمر يوسف ~~وإخوته من الأخبار التي كانت غائبة عنك، فأنزلته عليك دليلا على نبوتك. وما ~~كنت لديهم أي: عند إخوة يوسف إذ أجمعوا أمرهم أي: عزموا على إلقائه في الجب ~~وهم يمكرون بيوسف. وفي هذا احتجاج على صحة نبوة نبينا عليه السلام، لأنه لم ~~يشاهد تلك القصة، ولا كان يقرأ الكتاب، وقد أخبر عنها بهذا الكلام المعجز، ~~فدل على أنه أخبر بوحي. ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 103 الى 104] # وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) وما تسئلهم عليه من أجر إن هو إلا ~~ذكر للعالمين (104) # قوله تعالى: وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين قال ابن الأنباري: إن قريشا ~~واليهود سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف وإخوته، فشرحها ~~شرحا شافيا، وهو يؤمل أن يكون ذلك سببا PageV02P475 # لإسلامهم، فخالفوا ظنه، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعزاه الله ~~تعالى بهذه الآية «1» . قال الزجاج: ومعناها: # وما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت على أن تهديهم. وما تسئلهم عليه أي: على ~~القرآن وتلاوته وهدايتك إياهم من أجر إن هو أي: ما هو إلا تذكرة لهم لما ~~فيه صلاحهم ونجاتهم. ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 105] # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون (105) # قوله تعالى: وكأين أي: وكم من آية أي: علامة ودلالة تدلهم على توحيد ~~الله، من أمر السماوات والأرض، يمرون عليها أي: يتجاوزونها غير مفكرين ولا ~~معتبرين. ### | [سورة يوسف (12) : آية 106] # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) # قوله تعالى: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون فيهم ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنهم المشركون، ms1155 ثم في معناها المتعلق بهم قولان: أحدهما: أنهم ~~يؤمنون بأن الله خالقهم ورازقهم وهم يشركون به، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ~~وبه قال مجاهد، وعكرمة، والشعبي، وقتادة. والثاني: # أنها نزلت في تلبية مشركي العرب، كانوا يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا ~~شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، رواه الضحاك عن ابن عباس. ~~والثاني: أنهم النصارى، يؤمنون بأنه خالقهم ورازقهم، ومع ذلك يشركون به، ~~رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: أنهم المنافقون، يؤمنون في الظاهر رئاء ~~للناس، وهم في الباطن مشركون، قاله الحسن. # فان قيل: كيف وصف المشرك بالإيمان؟ فالجواب: أنه ليس المراد به حقيقة ~~الإيمان، وإنما المعنى: أن أكثرهم، مع إظهارهم الإيمان بألسنتهم، مشركون. ### | [سورة يوسف (12) : آية 107] # أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا ~~يشعرون (107) # قوله تعالى: أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله قال ابن قتيبة: ~~الغاشية: المجللة تغشاهم. # وقال الزجاج: المعنى: يأتيهم ما يغمرهم من العذاب. والبغتة: الفجأة من ~~حيث لم تتوقع. ### | [سورة يوسف (12) : آية 108] # قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما ~~أنا من المشركين (108) # قوله تعالى: قل هذه سبيلي المعنى: قل يا محمد للمشركين: هذه الدعوة التي ~~أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها، سبيلي، أي: سنتي ومنهاجي. والسبيل ~~تذكر وتؤنث، وقد ذكرنا ذلك في (آل عمران) «2» . أدعوا إلى الله على بصيرة ~~أي: على يقين. قال ابن الأنباري: وكل مسلم لا يخلو من الدعاء إلى الله عز ~~وجل، لأنه إذا تلا القرآن، فقد دعا إلى الله بما فيه. ويجوز أن يتم الكلام ~~عند قوله: # إلى الله ثم ابتدأ فقال: على بصيرة أنا ومن اتبعني «3» . PageV02P476 # قوله تعالى: وسبحان الله المعنى: وقل: سبحان الله تنزيها له عما أشركوا. ### | ### | [سورة يوسف (12) : آية # 109] # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ~~أفلا تعقلون (109) # قوله تعالى: ms1156 وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا هذا نزل من أجل قولهم: هلا بعث ~~الله ملكا، فالمعنى: كيف تعجبوا من إرسالنا إياك، وسائر الرسل كانوا على ~~مثل حالك «يوحى إليهم» ، وقرأ حفص عن عاصم: «نوحي» بالنون. والمراد بالقرى: ~~المدائن. وقال الحسن: لم يبعث الله نبيا من أهل البادية، ولا من الجن، ولا ~~من النساء، قال قتادة: لأن أهل القرى أعلم وأحلم من اهل العمود. # قوله تعالى: أفلم يسيروا في الأرض يعني: المشركين المنكرين نبوتك فينظروا ~~إلى مصارع الأمم المكذبة فيعتبروا بذلك. ولدار الآخرة يعني: الجنة خير من ~~الدنيا للذين اتقوا الشرك. قال الفراء: أضيفت الدار إلى الآخرة، وهي ~~الآخرة، لأن العرب قد تضيف الشيء إلى نفسه إذا اختلف لفظه، كقوله: لهو حق ~~اليقين «1» والحق: هو اليقين، وقولهم: أتيتك عام الأول، ويوم الخميس. # قوله تعالى: أفلا تعقلون قرأ أهل المدينة، وابن عامر، وحفص، والمفضل، ~~ويعقوب: # تعقلون بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء، والمعنى: أفلا يعقلون هذا فيؤمنوا. ### | [سورة يوسف (12) : آية 110] # حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا ~~يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110) # قوله تعالى: حتى إذا استيأس الرسل المعنى متعلق بالآية الأولى، فتقديره: ~~وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا، فدعوا قومهم، فكذبوهم، وصبروا وطال دعاؤهم ~~وتكذيب قومهم، حتى إذا استيأس الرسل، وفيه قولان: أحدهما: استيأسوا من ~~تصديق قومهم، قاله ابن عباس. والثاني: من أن نعذب قومهم، قاله مجاهد. وظنوا ~~أنهم قد كذبوا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «كذبوا» مشددة ~~الذال مضمومة الكاف «2» ، والمعنى: وتيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم، فيكون ~~الظن ها هنا بمعنى اليقين، هذا قول الحسن، وعطاء، وقتادة. وقرأ عاصم، ~~وحمزة، والكسائي: «كذبوا» خفيفة، PageV02P477 # والمعنى: ظن قومهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا به من النصر، لأن الرسل ~~لا يظنون ذلك. وقرأ أبو رزين، ومجاهد، والضحاك: «كذبوا» بفتح الكاف والذال ~~خفيفة، والمعنى: ظن قومهم أيضا أنهم قد كذبوا، قاله الزجاج. # قوله تعالى: جاءهم نصرنا يعني: الرسل فنجي قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ms1157 ~~عمرو، وحمزة، والكسائي: «فننجي» بنونين «1» ، الأولى مضمومة والثانية ساكنة ~~والياء ساكنة. وقرأ ابن عامر، وأبو بكر، وحفص، جميعا عن عاصم، ويعقوب: ~~«فنجي» مشدده الجيم مفتوحة الياء بنون واحدة، يعني: المؤمنين، نجوا عند ~~نزول العذاب. ### | [سورة يوسف (12) : آية 111] # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي ~~بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111) # قوله تعالى: لقد كان في قصصهم أي: في خبر يوسف وإخوته. وروى عبد الوارث ~~كسر القاف، وهي قراءة قتادة، وأبي الجوزاء. عبرة أي: عظة لأولي الألباب أي: ~~لذوي العقول السليمة، وذلك من وجهين: أحدهما: ما جرى ليوسف من إعزازه ~~وتمليكه بعد استعباده، فإن من فعل ذلك به قادر على إعزاز محمد صلى الله ~~عليه وسلم وتعلية كلمته. والثاني: أن من تفكر، علم أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم مع كونه أميا، لم يأت بهذه القصة على موافقة ما في التوراة من قبل ~~نفسه، فاستدل بذلك على صحة نبوته. # قوله تعالى: ما كان حديثا يفترى في المشار إليه قولان: أحدهما: أنه ~~القرآن، قاله قتادة. # والثاني: ما تقدم من القصص، قاله ابن إسحاق. فعلى القول الأول، يكون معنى ~~قوله: ولكن تصديق الذي بين يديه: ولكن كان تصديقا لما بين يديه من الكتاب ~~وتفصيل كل شيء يحتاج إليه من أمور الدين وهدى بيانا ورحمة لقوم يؤمنون أي: ~~يصدقون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وعلى القول الثاني: وتفصيل كل ~~شيء من نبأ يوسف وإخوته. PageV02P478 # سورة الرعد # (فصل في نزولها:) اختلفوا في نزولها على قولين: # أحدهما: أنها مكية، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وسعيد بن جبير، وعطاء، وقتادة. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنها مكية، إلا ~~آيتين منها، قوله تعالى: ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة «1» ~~إلى آخر الآية، وقوله: ويقول الذين كفروا لست مرسلا «2» . # والثاني: أنها مدنية، رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس، وبه قال جابر بن ~~زيد. وروي عن ابن عباس ms1158 أنها مدنية، إلا آيتين نزلتا بمكة، وهما قوله تعالى: ~~ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض «3» إلى آخرها. وقال بعضهم: ~~المدني منها قوله تعالى: هو الذي يريكم البرق إلى قوله تعالى: له دعوة الحق ~~«4» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الرعد # (13) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون (1) الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ~~ربكم توقنون (2) # قوله تعالى: المر قد ذكرنا في سورة (البقرة) جملة من الكلام في معاني هذه ~~الحروف. وقد روي عن ابن عباس في تفسير هذه الكلمة ثلاثة أقوال «5» : أحدها: ~~أن معناها: أنا الله أعلم وأرى، رواه PageV02P479 # أبو الضحى عنه. والثاني: أنا الله أرى، رواه سعيد بن جبير عنه. والثالث: ~~أنا الله الملك الرحمن، رواه عطاء عنه. قوله تعالى: تلك آيات الكتاب في ~~«تلك» قولان، وفي «الكتاب» قولان قد تقدمت في أول «يونس» «1» . # قوله تعالى: والذي أنزل إليك من ربك الحق يعني: القرآن وغيره من الوحي ~~ولكن أكثر الناس لا يؤمنون قال ابن عباس: يعني: أهل مكة. قال الزجاج: لما ~~ذكر أنهم لا يؤمنون، عرف الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق فقال عز وجل: ~~الله الذي رفع السماوات بغير عمد قال أبو عبيدة: العمد: متحرك الحروف ~~بالفتحة وبعضهم يحركها بالضمة، لأنها جمع عمود، وهو القياس، لأن كل كلمة ~~هجاؤها أربعة أحرف الثالث منها ألف أو ياء أو واو، فجميعه مضموم الحروف، ~~نحو رسول، والجمع: رسل، وحمار، والجمع: حمر، غير أنه قد جاءت أسامي ~~استعملوا جميعها بالحركة والفتحة، نحو عمود، وأديم، وإهاب، قالوا: أدم، ~~وأهب. ومعنى «عمد» : سوار، ودعائم، وما يعمد البناء. وقرأ أبو حياة: # «بغير عمد» بضم العين والميم. # وفي قوله تعالى: ترونها قولان: أحدهما: أن هاء الكناية ترجع إلى ~~السماوات، فالمعنى: # ترونها بغير عمد، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ms1159 الحسن، وقتادة، ~~والجمهور. وقال ابن الأنباري: «ترونها» خبر مستأنف، والمعنى: رفع السماوات ~~بلا دعامة تمسكها، ثم قال: «ترونها» أي: # ما تشاهدون من هذا الأمر العظيم، يغنيكم عن إقامة الدلائل عليه. والثاني: ~~أنها ترجع إلى العمد، فالمعنى: إنها بعمد لا ترونها، رواه عطاء والضحاك عن ~~ابن عباس، وقال: لها عمد على قاف، ولكنكم لا ترون العمد، وإلى هذا القول ~~ذهب مجاهد، وعكرمة، والأول أصح «2» . قوله تعالى: # وسخر الشمس والقمر اي: ذللهما لما يراد منهما كل يجري لأجل مسمى أي: إلى ~~وقت معلوم، وهو فناء الدنيا. يدبر الأمر أي: يصرفه بحكمته. يفصل الآيات أي: ~~يبين الآيات التي تدل أنه قادر على البعث لكي توقنوا بذلك. وقرأ أبو رزين، ~~وقتادة، والنخعي: «ندبر الأمر نفصل الآيات» بالنون فيهما. ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 3] # وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها ~~زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3) ~~PageV02P480 # قوله تعالى: وهو الذي مد الأرض قال ابن عباس: بسطها على الماء. وقوله ~~تعالى: وجعل فيها رواسي قال الزجاج: أي جبالا ثوابت، يقال: رسا الشيء يرسو ~~رسوا، فهو راس: إذا ثبت. جعل فيها زوجين اثنين أي: نوعين: والزوج: الواحد ~~الذي له قرين من جنسه. قال المفسرون: ويعني بالزوجين: الحلو والحامض، ~~والعذب والملح، والأبيض والأسود. # قوله تعالى: يغشي الليل النهار قد شرحناه في سورة الأعراف «1» . ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 4] # وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى ~~بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4) # قوله تعالى: وفي الأرض قطع متجاورات فيها قولان: # أحدهما: أنها الأرض السبخة، والأرض العذبة، تنبت هذه، وهذه إلى جنبها لا ~~تنبت، هذا قول ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، والضحاك. # والثاني: أنها القرى المتجاورات، قاله قتادة، وابن قتيبة، وهو يرجع إلى ~~معنى الأول «2» . # قوله تعالى: وزرع ونخيل قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: وزرع ~~ونخيل صنوان وغير صنوان رفعا في الكل. وقرأ ms1160 نافع، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان» خفضا في الكل. ~~قال أبو علي: من رفع، فالمعنى: وفي الأرض قطع متجاورات وجنات، وفي الأرض ~~زرع، ومن خفض حمله على الأعناب، فالمعنى: جنات من أعناب، ومن زرع، ومن نخيل ~~«3» . # قوله تعالى: صنوان وغير صنوان هذا من صفة النخيل. قال الزجاج: الصنوان: ~~جمع صنو وصنو، ومعناه: أن يكون الأصل واحدا وفيه النخلتان والثلاث والأربع. ~~وكذلك قال المفسرون: # الصنوان: النخل المجتمع وأصله واحد، وغير صنوان: المتفرق. وقرأ أبو رزين، ~~وأبو عبد الرحمن السلمي، وابن جبير، وقتادة: «صنوان» بضم الصاد. قال ~~الفراء: لغة أهل الحجاز «صنوان» بكسر الصاد، وتميم وقيس يضمون الصاد. # قوله تعالى: يسقى بماء واحد قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، «تسقى» ~~بالتاء، «ونفضل» PageV02P481 # بالنون. وقرأ حمزة، والكسائي «تسقى» بالتاء أيضا، لكنهما أمالا القاف. ~~وقرأ الحسن «ويفضل» بالياء. # وقرأ عاصم، وابن عامر «يسقى» بالياء، «ونفضل» بالنون، وكلهم كسر الضاد. ~~وروى الحلبي عن عبد الوارث ضم الياء من «يفضل» وفتح الضاد، «بعضها» برفع ~~الضاد. وقال الفراء: من قرأ «تسقى» بالتاء ذهب إلى تأنيث الزرع، والجنات، ~~والنخيل «1» ، ومن كسر ذهب إلى النبت، وذلك كله يسقى بماء واحد، وأكله ~~مختلف حامض وحلو، ففي هذا آية. قال المفسرون: الماء الواحد: ماء المطر، ~~والأكل: # الثمر، بعضه أكبر من بعض، وبعضه أفضل من بعض، وبعضه حامض وبعضه حلو، إلى ~~غير ذلك، وفي هذا دليل على بطلان قول الطبائعيين، لأنه لو كان حدوث الثمر ~~من طبع الأرض، والهواء، والماء، وجب أن يتفق ما يحدث لاتفاق ما أوجب ~~الحدوث، فلما وقع الاختلاف، دل على مدبر قادر، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ~~أنه لا تجوز العبادة إلا لمن يقدر على هذا. ### | [سورة الرعد (13) : آية 5] # وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا ~~بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (5) # قوله تعالى: وإن تعجب أي: من تكذيبهم وعبادتهم ما لا ينفع ولا يضر بعد ما ms1161 ~~رأوا من تأثير قدرة الله عز وجل في خلق الأشياء، فإنكارهم البعث موضع عجب. ~~وقيل: المعنى: وإن تعجب بما وقفت عليه من القطع المتجاورات وقدرة ربك في ~~ذلك، فعجب جحدهم البعث، لأنه قد بان لهم من خلق السماوات والأرض ما يدل على ~~أن البعث أسهل في القدرة. # قوله تعالى: أإذا كنا ترابا قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، «آيذا كنا ترابا ~~آينا» جميعا بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة ثم يأتي بالياء ساكنة، ~~وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مد. # وقرأ نافع «آيذا» مثل أبي عمرو، واختلف عنه في المد، وقرأ «إنا لفي خلق» ~~مكسورة على الخبر. وقرأ عاصم، وحمزة «أإذا كنا» «أإنا» بهمزتين فيهما. وقرأ ~~ابن عامر «إذا كنا ترابا» مكسورة الألف من غير استفهام، «ءاإنا» يهمز ثم ~~يمد ثم يهمز على وزن: فاعنا. وروي عن ابن عامر أيضا «أإذا» بهمزتين لا ألف ~~بينهما. # والأغلال جمع غل، وفيها قولان: أحدهما: أنها أغلال يوم القيامة، قاله ~~الأكثرون. والثاني: أنها الأعمال التي هي أغلال، قاله الزجاج. PageV02P482 ### | [سورة الرعد (13) : الآيات 6 الى 9] # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو ~~مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) ويقول الذين كفروا لولا ~~أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (7) الله يعلم ما تحمل كل ~~أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار (8) عالم الغيب ~~والشهادة الكبير المتعال (9) # قوله تعالى: ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنها نزلت في كفار مكة، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يأتيهم بالعذاب، استهزاء منهم بذلك، قاله ابن عباس «1» . والثاني: في مشركي ~~العرب، قاله قتادة. والثالث: في النضر بن الحارث حين قال: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، قاله مقاتل. # وفي السيئة والحسنة قولان: أحدهما: بالعذاب قبل العافية، قاله ابن عباس ~~ومقاتل. والثاني: # بالشر قبل الخير، قاله قتادة. # فأما المثلات فقرأ الجمهور بفتح الميم. وقرأ ms1162 عثمان، وأبو رزين، وأبو ~~مجلز، وسعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، وابن أبي عبلة برفع الميم. ثم في ~~معناها قولان: أحدهما: أنها العقوبات، قاله ابن عباس. وقال الزجاج: المعنى: ~~قد تقدم من العذاب ما هو مثله وما فيه نكال، لو أنهم اتعظوا. # وقال ابن الأنباري: المثلة: العقوبة التي تبقي في المعاقب شينا بتغيير ~~بعض خلقه، من قولهم: مثل فلان بفلان، إذا شأن خلقه بقطع أنفه أو أذنه، أو ~~سمل عينيه ونحو ذلك. والثاني: أن المثلات: الأمثال التي ضربها الله تعالى ~~لهم، قاله مجاهد، وأبو عبيدة. # قوله تعالى: وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم قال ابن عباس: لذو تجاوز ~~عن المشركين إذا آمنوا، وإنه لشديد العقاب للمصرين على الشرك. وقال مقاتل: ~~لذو تجاوز عن شركهم في تأخير العذاب، وإنه لشديد العقاب إذا عذب. # (فصل:) وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله: إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به «2» ، والمحققون على أنها محكمة. # قوله تعالى: لولا أنزل عليه آية من ربه «لولا» بمعنى هلا، والآية التي ~~طلبوها، مثل عصا موسى وناقة صالح. ولم يقنعوا بما رأوا، فقال الله تعالى: ~~إنما أنت منذر أي: مخوف عذاب الله، وليس لك من الآيات شيء. # وفي قوله تعالى: ولكل قوم هاد ستة أقوال «3» : أحدها: أن المراد بالهادي: ~~الله عز وجل، PageV02P483 # رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، ~~والضحاك، والنخعي. فيكون المعنى: إنما إليك الإنذار، والله الهادي. ~~والثاني: أن الهادي: الداعي، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: ~~أن الهادي: النبي صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن، وعطاء، وقتادة، وابن ~~زيد، فالمعنى: ولكل قوم نبي ينذرهم. والرابع: أن الهادي: رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أيضا، قاله عكرمة، وأبو الضحى، والمعنى: أنت منذر، وأنت ~~هاد. والخامس: أن الهادي: العمل، قاله أبو العالية. والسادس: أن الهادي: ~~القائد إلى الخير أو إلى الشر، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # (823) وقد روى المفسرون من طرق ليس فيها ما يثبت عن سعيد ms1163 بن جبير عن ابن ~~عباس قال: # لما نزلت هذه الآية، وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره، ~~فقال: «أنا المنذر» ، وأومأ بيده إلى منكب علي، فقال: «أنت الهادي يا علي، ~~بك يهتدى من بعدي» . قال المصنف: وهذا من موضوعات الرافضة. # ثم إن الله تعالى أخبرهم عن قدرته، ردا على منكري البعث، فقال: الله يعلم ~~ما تحمل كل أنثى أي: من علقة أو مضغة، أو زائد أو ناقص، أو ذكر أو أنثى، أو ~~واحد أو اثنين أو أكثر، وما تغيض الأرحام أي: ما تنقص، وما تزداد وفيه ~~أربعة أقوال: # أحدها: ما تغيض: بالوضع لأقل من تسعة أشهر، وما تزداد: بالوضع لأكثر من ~~تسعة أشهر، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، والضحاك، ~~ومقاتل، وابن قتيبة، والزجاج. # والثاني: وما تغيض: بالسقط الناقص، وما تزداد: بالولد التام، رواه العوفي ~~عن ابن عباس، وعن الحسن كالقولين. والثالث: وما تغيض: بإراقة الدم في الحمل ~~حتى يتضاءل الولد، وما تزداد: إذا أمسكت الدم فيعظم الولد، قاله مجاهد. ~~والرابع: «ما تغيض الأرحام» من ولدته من قبل، «وما تزداد» من تلده من بعد، ~~روي عن قتادة، والسدي. # قوله تعالى: وكل شيء عنده بمقدار أي: بقدر. قال أبو عبيدة: هو مفعال من ~~القدر. قال ابن عباس: علم كل شيء فقدره تقديرا. PageV02P484 # قوله تعالى: عالم الغيب والشهادة قد شرحنا ذلك في (الأنعام) «1» . ~~والكبير بمعنى: # العظيم. ومعناه: يعود إلى كبر قدره واستحقاقه صفات العلو، فهو أكبر من كل ~~كبير، لأن كل كبير يصغر بالإضافة إلى عظمته. ويقال: «الكبير» الذي كبر عن ~~مشابهة المخلوقين. # فأما المتعال فقرأ ابن كثير «المتعالي» بياء في الوصل والوقف، وكذلك روى ~~عبد الوارث عن أبي عمرو، وأثبتها في الوقف دون الوصل ابن شنبوذ عن قنبل، ~~والباقون بغير ياء في الحالين. والمتعالي هو المتنزه عن صفات المخلوقين، ~~قال الخطابي: وقد يكون بمعنى العالي فوق خلقه، وروي عن الحسن أنه قال: ~~المتعالي عما يقول المشركون. ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 10] # سواء منكم من أسر ms1164 القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ~~(10) # قوله تعالى: سواء منكم قال ابن الأنباري: ناب «سواء» عن مستو، والمعنى: ~~مستو منكم من أسر القول أي أخفاه وكتمه ومن جهر به أعلنه وأظهره، والمعنى: ~~أن السر والجهر سواء عنده. قوله تعالى: ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ~~فيه قولان: أحدهما: أن المستخفي: هو المستتر المتواري في ظلمة الليل، ~~والسارب بالنهار: الظاهر المتصرف في حوائجه. يقال: سربت الإبل تسرب: إذا ~~مضت في الأرض ظاهرة، وأنشدوا: # أرى كل قوم قاربوا قيد فحلهم ... ونحن خلعنا قيده فهو سارب # أي: ذاهب. ومعنى الكلام: أن الظاهر والخفي عنده سواء، هذا قول الأكثرين. ~~وروى العوفي عن ابن عباس: «ومن هو مستخف» قال: صاحب ريبة بالليل، فإذا خرج ~~بالنهار أرى الناس أنه بريء من الإثم. والثاني: أن المستخفي بالليل: ~~الظاهر، والسارب بالنهار: المستتر، يقال: انسرب الوحش: # إذا دخل في كناسه، وهذا قول الأخفش، وذكره قطرب أيضا واحتج له ابن جرير ~~بقولهم: خفيت الشيء: إذا أظهرته، ومنه (أكاد أخفيها) «2» بفتح الألف، أي: ~~أظهرها، قال: وإنما قيل للمتواري: # سارب، لأنه صار في السرب مستخفيا. ### | [سورة الرعد (13) : آية 11] # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما ~~بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم ~~من دونه من وال (11) # قوله تعالى: له معقبات في هاء «له» أربعة أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. والثاني: إلى ~~الملك من ملوك الدنيا، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثالث: إلى الإنسان، قاله الزجاج. والرابع: إلى الله تعالى، ذكره ابن ~~جرير، وأبو سليمان الدمشقي. # وفي المعقبات قولان: أحدهما: أنها الملائكة، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه ~~قال مجاهد، والحسن، وقتادة في آخرين. قال الزجاج: والمعنى: للإنسان ملائكة ~~يعتقبون، يأتي بعضهم بعقب بعض. وقال أكثر المفسرين: هم الحفظة، اثنان ~~بالنهار واثنان بالليل، إذا مضى فريق، خلف بعده ms1165 فريق، ويجتمعون عند صلاة ~~المغرب والفجر. وقال قوم، منهم ابن زيد: هذه الآية خاصة في PageV02P485 # رسول الله صلى الله عليه وسلم، عزم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس على ~~قتله، فمنعه الله منهما، وأنزل هذه الآية «1» . # والقول الثاني: أن المعقبات حراس الملوك الذين يتعاقبون الحرس، وهذا مروي ~~عن ابن عباس وعكرمة. وقال الضحاك: هم السلاطين المشركون المحترسون من الله ~~تعالى. # وفي قوله تعالى: يحفظونه من أمر الله سبعة أقوال: أحدها: يحرسونه من أمر ~~الله ولا يقدرون، هذا على قول من قال: هي في المشركين المحترسين من أمر ~~الله. والثاني: أن المعنى: حفظهم له من أمر الله، قاله ابن عباس، وابن ~~جبير، فيكون تقدير الكلام: هذا الحفظ مما أمرهم الله به. والثالث: # يحفظونه بأمر الله، قاله الحسن، ومجاهد، وعكرمة. قال اللغويون: والباء ~~تقوم مقام «من» ، وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض. والرابع: يحفظونه من ~~الجن، قاله مجاهد، والنخعي. وقال كعب: # لولا أن الله تعالى وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم ~~وعوراتكم، إذن لتخطفتكم الجن. وقال مجاهد: ما من عبد إلا وملك موكل به ~~يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فإذا أراده شيء، قال: وراءك ~~وراءك، إلا شيء قد قضي له أن يصيبه. وقال أبو مجلز: جاء رجل من مراد إلى ~~علي عليه السلام، فقال: احترس، فإن ناسا من مراد يريدون قتلك، فقال: إن مع ~~كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر، فاذا جاء القدر خليا بينه وبينه، وإن ~~الأجل جنة حصينة. والخامس: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والمعنى: له ~~معقبات من أمر الله يحفظونه، قاله أبو صالح، والفراء. والسادس: # يحفظونه لأمر الله فيه حتى يسلموه إلى ما قدر له، ذكره أبو سليمان ~~الدمشقي، واستدل بما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: يحفظونه من أمر الله، ~~حتى إذا جاء القدر خلوا عنه. وقال عكرمة: يحفظونه لأمر الله. والسابع: ~~يحفظون عليه الحسنات والسيئات، قاله ابن جريج. قال الأخفش: وإنما أنث ~~المعقبات لكثرة ذلك منها، نحو النسابة، والعلامة ثم ms1166 ذكر في قوله: «يحفظونه» ~~لأن المعنى مذكر. # قوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم أي: لا يسلبهم نعمه حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم فيعملوا بمعاصيه. قال مقاتل: ويعني بذلك كفار مكة. قوله تعالى: ~~وإذا أراد الله بقوم سوءا فيه قولان: # أحدهما: أنه العذاب. والثاني: البلاء. # قوله تعالى: فلا مرد له أي: لا يرده شيء ولا تنفعه المعقبات. وما لهم من ~~دونه يعني: من دون الله من وال أي: من ولي يدفع عنهم العذاب والبلاء. ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 12] # هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) # قوله تعالى: هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا فيه أربعة أقوال: أحدها: ~~خوفا للمسافر وطمعا للمقيم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال قتادة: ~~فالمسافر خاف أذاه ومشقته والمقيم يرجو منفعته. والثاني: خوفا من الصواعق ~~وطمعا في الغيث، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الحسن. # والثالث: خوفا للبلد الذي يخاف ضرر المطر وطمعا لمن يرجو الانتفاع به، ~~ذكره الزجاج. والرابع: # خوفا من العقاب وطمعا في الثواب، ذكره الماوردي. وكان ابن الزبير إذا سمع ~~صوت الرعد يقول: إن هذا وعيد شديد لأهل الأرض. PageV02P486 # قوله تعالى: وينشئ السحاب الثقال أي: ويخلق السحاب الثقال بالماء. قال ~~الفراء: # السحاب، وإن كان لفظه واحدا، فانه جمع واحدته سحابة، جعل نعته على الجمع، ~~كما قال متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان «1» ولم يقل: أخضر، ولا حسن. ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 13] # ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ~~وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (13) # قوله تعالى: ويسبح الرعد بحمده فيه قولان: أحدهما: أنه اسم الملك الذي ~~يزجر السحاب، وصوته: تسبيحه، قاله مقاتل. والثاني: أنه الصوت المسموع. ~~وإنما خص الرعد بالتسبيح، لأنه من أعظم الأصوات. قال ابن الأنباري: وإخباره ~~عن الصوت بالتسبيح مجاز، كما يقول القائل: قد غمني كلامك. قوله تعالى: ~~والملائكة من خيفته في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الله عز ~~وجل، وهو الأظهر. قال ابن عباس: يخافون الله، وليس كخوف ms1167 ابن آدم، لا يعرف ~~أحدهم من على يمينه ومن على يساره، ولا يشغله عن عبادة الله شيء. والثاني: ~~أنها ترجع إلى الرعد، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء، اختلفوا فيمن نزلت على ~~ثلاثة أقوال: # (824) أحدها: أنها نزلت في أربد بن قيس، وعامر بن الطفيل، أتيا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يريدان الفتك به، فقال: «اللهم اكفنيهما بما شئت» ~~، فأما أربد فأرسل الله عليه صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته، وأما عامر ~~فأصابته غدة فهلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، هذا قول الأكثرين، منهم ابن ~~جريج، وأربد هو أخو لبيد بن ربيعة لأمه. # (825) والثاني: أنها نزلت في رجل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: حدثني يا محمد عن إلهك، أياقوت هو؟ أذهب هو؟ فنزلت على السائل صاعقة ~~فأحرقته، ونزلت هذه الآية، قاله علي بن أبي طالب عليه السلام. قال مجاهد: ~~وكان يهوديا. # (826) وقال أنس بن مالك: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض ~~فراعنة العرب يدعوه إلى الله تعالى، PageV02P487 # فقال للرسول: وما الله، أمن ذهب هو، أم من فضة، أم من نحاس؟ فرجع إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: «ارجع إليه فادعه» ، فرجع، فأعاد ~~عليه الكلام، إلى أن رجع إليه ثالثة، فبينما هما يتراجعان الكلام، إذ بعث ~~الله سحابة حيال رأسه، فرعدت ووقعت منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه، ونزلت هذه ~~الآية. # (827) والثالث: أنها في رجل أنكر القرآن وكذب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأرسل الله عليه صاعقة فأهلكته ونزلت هذه الآية، قاله قتادة. # قوله تعالى: وهم يجادلون في الله فيه قولان: أحدهما: يكذبون بعظمة الله، ~~قاله ابن عباس. # والثاني: يخاصمون في الله، حيث قال قائلهم: أهو من ذهب، أم من فضة؟ على ~~ما تقدم بيانه. قوله تعالى: وهو شديد المحال فيه خمسة أقوال: أحدها: شديد ~~الأخذ، قاله علي عليه السلام. والثاني: # شديد المكر، شديد العداوة، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: شديد ~~العقوبة، قاله أبو صالح عن ms1168 ابن عباس، وقال مجاهد في رواية عنه: شديد ~~الانتقام. وقال أبو عبيدة: شديد العقوبة والمكر والنكال، وأنشد للأعشى: # فرع نبع يهتز في غصن المج ... د، غزير الندى، شديد المحال # إن يعاقب يكن غراما وإن يع ... ط جزيلا فإنه لا يبالي # والرابع: شديد القوة، قاله مجاهد. قال الزجاج: يقال: ما حلته محالا: إذا ~~قاويته حتى تبين له أيكما الأشد، والمحل في اللغة: الشدة. والخامس: شديد ~~الحقد، قاله الحسن البصري فيما سمعناه عنه مسندا من طرق، وقد رواه عنه ~~جماعة من المفسرين منهم ابن الأنباري، والنقاش، ولا يجوز هذا في صفات الله ~~عز وجل. قال النقاش: هذا قول منكر عند أهل الخبر والنظر في اللغة لا يجوز ~~أن تكون هذه صفة من صفات الله تعالى. والذي أختاره في هذا ما قاله علي عليه ~~السلام: شديد الأخذ، يعني: # أنه إذا أخذ الكافر والظالم لم يفلته من عقوباته. ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 14] # له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه ~~إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (14) # قوله تعالى: له دعوة الحق فيه قولان: أحدهما: أنها كلمة التوحيد، وهي: لا ~~إله إلا الله، قاله علي وابن عباس والجمهور، فالمعنى له من خلقه الدعوة ~~الحق، فأضيفت الدعوة إلى الحق لاختلاف اللفظين. والثاني: أن الله عز وجل هو ~~الحق، فمن دعاه دعا الحق، قاله الحسن. PageV02P488 # قوله تعالى: والذين يدعون من دونه يعني الأصنام آلهة. قال أبو عبيدة: ~~المعنى: والذين يدعون غيره من دونه. قوله تعالى: لا يستجيبون لهم أي: لا ~~يجيبونهم. # قوله تعالى: إلا كباسط كفيه إلى الماء فيه خمسة أقوال: أحدها: أنه ~~العطشان يمد يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه وما هو ببالغه قاله علي عليه ~~السلام، وعطاء. والثاني: أنه الرجل العطشان قد وضع كفيه في الماء وهو لا ~~يرفعهما، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: أنه العطشان يرى خياله في ~~الماء من بعيد، فهو يريد أن يتناوله فلا يقدر عليه، رواه ابن ms1169 أبي طلحة عن ~~ابن عباس. والرابع: أنه الرجل يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده فلا يأتيه ~~أبدا، قاله مجاهد. والخامس: أنه الباسط كفيه ليقبض على ماء حتى يؤديه إلى ~~فيه، لا يتم له ذلك، والعرب تقول: من طلب ما لا يجد فهو القابض على الماء، ~~وأنشدوا: # وإني وإياكم وشوقا إليكم ... كقابض ماء لم تسقه أنامله «1» # أي: لم تحمله، والوسق: الحمل، وقال آخر: # فأصبحت مما كان بيني وبينها ... من الود مثل القابض الماء باليد # هذا قول أبي عبيدة، وابن قتيبة. # قوله تعالى: وما دعاء الكافرين إلا في ضلال فيه قولان: أحدهما: وما دعاء ~~الكافرين ربهم إلا في ضلال، لأن أصواتهم محجوبة عن الله عز وجل، رواه ~~الضحاك عن ابن عباس. والثاني: وما عبادة الكافرين الأصنام إلا في خسران ~~وباطل، قاله مقاتل. ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 15] # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال (15) # قوله تعالى: ولله يسجد من في السماوات أي: من الملائكة، ومن في الأرض من ~~المؤمنين طوعا وكرها. وفي معنى سجود الساجدين كرها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~سجود من دخل في الإسلام بالسيف، قاله ابن زيد. والثاني: أنه سجود ظل ~~الكافر، قاله مقاتل. والثالث: أن سجود الكاره تذلله وانقياده لما يريده ~~الله عز وجل منه من عافية ومرض وغنى وفقر «2» . # قوله تعالى: وظلالهم أي: وتسجد ظلال الساجدين طوعا وكرها، وسجودها: ~~تمايلها من جانب إلى جانب، وانقيادها للتسخير بالطول والقصر. قال ابن ~~الأنباري: قال اللغويون: الظل ما كان بالغدوات قبل انبساط الشمس، والفيء ما ~~كان بعد انصراف الشمس، وإنما سمي فيئا، لأنه فاء، أي: # رجع إلى الحال التي كان عليها قبل ان تنبسط الشمس، وما كان سوى ذلك فهو ~~ظل، نحو ظل PageV02P489 # الإنسان، وظل الجدار، وظل الثوب، وظل الشجرة، قال حميد بن ثور: # فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي تذوق # وقال لبيد: # بينما الظل ظليل مونق ... طلعت شمس عليه فاضمحل # وقال آخر: # أيا أثلاث القاع من بطن توضح ... حنيني إلى أظلالكن طويل ms1170 «1» # وقيل: إن الكافر يسجد لغير الله، وظله يسجد لله. وقد شرحنا معنى الغدو ~~والآصال في (الأعراف) «2» . ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 16] # قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات ~~والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل ~~شيء وهو الواحد القهار (16) # قوله تعالى: قل من رب السماوات والأرض قل الله إنما جاء السؤال والجواب ~~من جهة، لأن المشركين لا ينكرون أن الله خالق كل شيء فلما لم ينكروا، كان ~~كأنهم أجابوا. ثم ألزمهم الحجة بقوله: قل أفاتخذتم من دونه أولياء يعني: ~~الأصنام توليتموهم فعبدتموهم وهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فكيف ~~لغيرهم؟! ثم ضرب مثلا للذي يعبد الأصنام والذي يعبد الله بقوله: قل هل ~~يستوي الأعمى والبصير يعني المشرك والمؤمن أم هل تستوي الظلمات والنور. ~~وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «تستوي» ~~بالتاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «يستوي» بالياء. قال أبو ~~علي: التأنيث حسن، لأنه فعل مؤنث، والتذكير سائغ، لأنه تأنيث غير حقيقي. ~~ويعني بالظلمات والنور: الشرك والإيمان. أم جعلوا لله شركاء قال ابن ~~الأنباري: معناه: # أجعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه، فتشابه خلق الله بخلق هؤلاء؟ وهذا استفهام ~~إنكار، والمعنى: ليس الأمر على هذا، بل إذا فكروا علموا أن الله هو المنفرد ~~بالخلق، وغيره لا يخلق شيئا. # قوله تعالى: قل الله خالق كل شيء قال الزجاج: قل ذلك وبينه بما أخبرت به ~~من الدلالة في هذه السورة مما يدل على أنه خالق كل شيء، وقد ذكرنا في ~~(يوسف) «3» معنى الواحد القهار. ### | [سورة الرعد (13) : الآيات 17 الى 18] # أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما ~~يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك ~~يضرب الله ms1171 الأمثال (17) للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له ~~لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ~~ومأواهم جهنم وبئس المهاد (18) PageV02P490 # قوله تعالى: أنزل من السماء ماء يعني: المطر فسالت أودية وهي جمع واد، ~~وهو كل منفرج بين جبلين يجتمع إليه ماء المطر فيسيل بقدرها أي: بمبلغ ما ~~تحمل، فإن صغر الوادي، قل الماء، وإن هو اتسع، كثر. وقرأ الحسن، وابن جبير، ~~وأبو العالية، وأيوب، وابن يعمر، وأبو حاتم عن يعقوب: «بقدرها» بإسكان ~~الدال. وقوله تعالى: «فسالت أودية» توسع في الكلام، والمعنى: سالت مياهها، ~~فحذف المضاف، وكذلك قوله: «بقدرها» أي: بقدر مياهها. فاحتمل السيل زبدا ~~رابيا أي: # عاليا فوق الماء، فهذا مثل ضربه الله عز وجل. ثم ضرب مثلا آخر، فقال: ~~ومما يوقدون عليه في النار قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم: «توقدون عليه» بالتاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم بالياء. قال أبو علي: من قرأ بالتاء، فلما قبله من الخطاب، وهو قوله: # «أفاتخذتم» ، ويجوز أن يكون خطابا عاما للكافة، ومن قرأ بالياء فلأن ذكر ~~الغيبة قد تقدم في قوله: «أم جعلوا لله شركاء» . # ويعني بقوله: ومما يوقدون عليه ما يدخل إلى النار فيذاب من الجواهر ~~ابتغاء حلية يعني: # الذهب والفضة أو متاع يعني: الحديد والصفر والنحاس والرصاص تتخذ منه ~~الأواني والأشياء التي ينتفع بها، زبد مثله أي: له زبد إذا أذيب مثل زبد ~~السيل، فهذا مثل آخر. # وفيما ضرب له هذان المثلان ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنه القرآن، شبه ~~نزوله من السماء بالماء، وشبه قلوب العباد بالأودية تحمل منه على قدر ~~اليقين والشك، والعقل والجهل، فيستكن فيها، فينتفع المؤمن بما في قلبه ~~كانتفاع الأرض التي يستقر فيها المطر، ولا ينتفع الكافر بالقرآن لمكان شكه ~~وكفره، فيكون ما حصل عنده من القرآن كالزبد وكخبث الحديد لا ينتفع به. ~~والثاني: أنه الحق والباطل، فالحق شبه بالماء الباقي الصافي، والباطل مشبه ~~بالزبد الذاهب، فهو وإن علا على الماء فانه ms1172 سيمحق، كذلك الباطل، وإن ظهر ~~على الحق في بعض الأحوال، فإن الله سيبطله. والثالث: أنه مثل ضربه الله ~~للمؤمن والكافر، فمثل المؤمن واعتقاده وعمله كالماء المنتفع به، ومثل ~~الكافر واعتقاده وعمله كالزبد. # قوله تعالى: كذلك # أي: كما ذكر هذا، يضرب الله مثل الحق والباطل. وقال أبو عبيدة: # كذلك يمثل الله الحق ويمثل الباطل. # فأما الجفاء، فقال ابن قتيبة: هو ما رمى به الوادي إلى جنباته، يقال: ~~أجفأت القدر بزبدها: إذا ألقته عنها. قال ابن فارس: الجفاء: ما نفاه السيل، ~~ومنه اشتقاق الجفاء. وقال ابن الأنباري: «جفاء» أي: باليا متفرقا. قال ابن ~~عباس: إذا مس الزبد لم يكن شيئا. # قوله تعالى: وأما ما ينفع الناس من الماء والجواهر التي زال زبدها فيمكث ~~في الأرض فينتفع به كذلك يبقى الحق لأهله. قوله تعالى: للذين استجابوا ~~لربهم الحسنى يعني: المؤمنين، والذين لم يستجيبوا له PageV02P491 # يعني: الكفار. قال أبو عبيدة: استجبت لك واستجبتك سواء، وهو بمعنى: أجبت. ~~وفي الحسنى ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الجنة، قاله ابن عباس، والجمهور. ~~والثاني: أنها الحياة والرزق، قاله مجاهد. والثالث: كل خير من الجنة فما ~~دونها، قاله أبو عبيدة. # قوله تعالى: لافتدوا به اي: لجعلوه فداء أنفسهم من العذاب، ولا يقبل ~~منهم. # وفي سوء الحساب ثلاثة أقوال: أحدها: أنها المناقشة بالأعمال، رواه ابو ~~الجوزاء عن ابن عباس. وقال النخعي: هو أن يحاسب بذنبه كله، فلا يغفر له منه ~~شيء. والثاني: أن لا تقبل منهم حسنة، ولا يتجاوز لهم عن سيئة. والثالث: أنه ~~التوبيخ والتقريع عند الحساب. ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 19] # أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا ~~الألباب (19) # قوله تعالى: أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى قال ابن ~~عباس: نزلت في حمزة، وأبي جهل. إنما يتذكر أي: إنما يتعظ ذوو العقول. ~~والتذكر: الاتعاظ. ### | [سورة الرعد (13) : الآيات 20 الى 21] # الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (20) والذين يصلون ما أمر الله ~~به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء ms1173 الحساب (21) # قوله تعالى: الذين يوفون بعهد الله في هذا العهد قولان: # أحدهما: أنه ما عاهدهم عليه حين استخرجهم من ظهر آدم. # والثاني: ما أمرهم به وفرضه عليهم. وفي الذي أمر الله به، عز وجل، أن ~~يوصل، ثلاثة أقوال قد نسبناها إلى قائلها في أول سورة «البقرة» «1» ، وقد ~~ذكرنا سوء الحساب آنفا. ### | [سورة الرعد (13) : الآيات 22 الى 24] # والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) جنات عدن ~~يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من ~~كل باب (23) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) # قوله تعالى: والذين صبروا أي: على ما أمروا به ابتغاء وجه ربهم أي: طلبا ~~لرضاه وأقاموا الصلاة أتموها وأنفقوا مما رزقناهم من الأموال في طاعة الله. ~~قال ابن عباس: يريد بالصلاة: # الصلوات الخمس، وبالإنفاق: الزكاة. # قوله تعالى: ويدرؤن أي: يدفعون بالحسنة السيئة. وفي المراد بهما خمسة ~~أقوال: # أحدها: يدفعون بالعمل الصالح الشر من العمل، قاله ابن عباس. والثاني: ~~يدفعون بالمعروف المنكر، قاله سعيد بن جبير. والثالث: بالعفو الظلم، قاله ~~جويبر. والرابع: بالحلم السفه، كأنهم إذا سفه عليهم حلموا، قاله ابن قتيبة. ~~والخامس: بالتوبة الذنب، قاله ابن كيسان. # قوله تعالى: أولئك لهم عقبى الدار قال ابن عباس: يريد: عقباهم الجنة، أي: ~~تصير الجنة آخر PageV02P492 # أمرهم. قوله تعالى: ومن صلح وقرأ ابن أبي عبلة: «صلح» بضم اللام. ومعنى ~~«صلح» : آمن، وذلك أن الله تعالى ألحق بالمؤمن أهله المؤمنين إكراما له، ~~لتقر عينه بهم. والملائكة يدخلون عليهم من كل باب قال ابن عباس: بالتحية من ~~الله والتحفة والهدايا. # قوله تعالى: سلام عليكم قال الزجاج: أضمر القول ها هنا، لأن في الكلام ~~دليلا عليه. وفي هذا السلام قولان: أحدهما: أنه التحية المعروفة «1» ، يدخل ~~الملك فيسلم وينصرف. قال ابن الأنباري: # وفي قول المسلم: سلام عليكم، قولان: أحدهما: أن السلام: الله عز وجل، ~~والمعنى: الله عليكم، أي: على حفظكم. والثاني: أن المعنى: السلامة عليكم، ~~فالسلام جمع سلامة. والثاني: أن ms1174 معناه: # إنما سلمكم الله تعالى من أهوال القيامة وشرها بصبركم في الدنيا. # وفيما صبروا عليه خمسة أقوال: أحدها: أنه أمر الله، قاله سعيد بن جبير. ~~والثاني: فضول الدنيا، قاله الحسن. والثالث: الدين. والرابع: الفقر، رويا ~~عن أبي عمران الجوني. والخامس: أنه فقد المحبوب، قاله ابن زيد. ### | [سورة الرعد (13) : آية 25] # والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (25) # قوله تعالى: والذين ينقضون عهد الله قد سبق تفسيره في سورة (البقرة) «2» ~~. وقال مقاتل: نزلت في كفار أهل الكتاب. وقوله تعالى: أولئك لهم اللعنة أي: ~~عليهم. ### | [سورة الرعد (13) : آية 26] # الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا متاع (26) # قوله تعالى: الله يبسط الرزق لمن يشاء أي: يوسع على من يشاء ويقدر أي: ~~يضيق. وفرحوا بالحياة الدنيا قال ابن عباس: يريد مشركي مكة، فرحوا بما ~~نالوا من الدنيا فطغوا وكذبوا الرسل. وقوله تعالى: وما الحياة الدنيا في ~~الآخرة أي: بالقياس إليها إلا متاع أي: كالشيء الذي يتمتع به، ثم يفنى. ### | [سورة الرعد (13) : آية 27] # ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ~~ويهدي إليه من أناب (27) # قوله تعالى: ويقول الذين كفروا نزلت في مشركي مكة حين طلبوا من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مثل آيات الأنبياء «3» . قل إن الله يضل من يشاء أي: ~~يرده عن الهدى كما ردكم بعد ما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها، ويهدي ~~إليه من أناب أي: رجع إلى الحق، وإنما يرجع إلى الحق من شاء الله رجوعه، ~~فكأنه قال: ويهدي من يشاء. PageV02P493 ### | [سورة الرعد (13) : الآيات 28 الى 29] # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب (29) # قوله تعالى: الذين آمنوا هذا بدل من قوله: أناب، والمعنى: يهدي الذين ~~آمنوا، وتطمئن قلوبهم بذكر الله في هذا الذكر قولان: أحدهما: أنه القرآن. ms1175 ~~والثاني: ذكر الله على الإطلاق. وفي معنى هذه الطمأنينة قولان: أحدهما: ~~أنها الحب له والأنس به. والثاني: السكون إليه من غير شك، بخلاف الذين إذا ~~ذكر الله اشمأزت قلوبهم. # قوله تعالى: ألا بذكر الله قال الزجاج: «ألا» حرف تنبيه وابتداء، ~~والمعنى: تطمئن القلوب التي هي قلوب المؤمنين، لأن الكافر غير مطمئن القلب. # قوله تعالى: طوبى لهم فيه ثمانية أقوال: أحدها: أنه اسم شجرة في الجنة. # (828) روى أبو سعيد الخدري «عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا ~~قال: يا رسول الله، ما طوبى؟ قال: # شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها» . # وقال أبو هريرة: طوبى: شجرة في الجنة، يقول الله عز وجل لها: تفتقي لعبدي ~~عما شاء، فتتفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها، وعن الإبل بأزمتها، وعما شاء ~~من الكسوة. وقال شهر بن حوشب: طوبى: شجرة في الجنة، كل شجر الجنة منها ~~أغصانها، من وراء سور الجنة، وهذا مذهب عطية، وشمر بن عطية، ومغيث بن سمي، ~~وأبي صالح. والثاني: أنه اسم الجنة بالحبشية، رواه سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس. قال المصنف: وقرأت على شيخنا أبي منصور عن سعيد بن مسجوح قال: طوبى: ~~اسم الجنة بالهندية، وممن ذهب إلى أنه اسم الجنة عكرمة، وعن مجاهد ~~كالقولين. # والثالث: أن معنى طوبى لهم: فرح وقرة عين لهم، رواه علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. والرابع: # أن معناه: نعمى لهم، قاله عكرمة في رواية، وفي رواية أخرى عنه: نعم ما ~~لهم. والخامس: غبطة لهم، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. والسادس: أن معناه: ~~خير لهم، قاله النخعي في رواية، وفي أخرى عنه قال: الخير والكرامة اللذان ~~أعطاهم الله، وروى معمر عن قتادة قال: يقول الرجل للرجل: # طوبى لك، أي: أصبت خيرا، وهي كلمة عربية. والسابع: حسنى لهم، رواه سعيد ~~عن قتادة عن الحسن. والثامن: أن المعنى: العيش الطيب لهم. و «طوبى» عند ~~النحويين: فعلى من الطيب، هذا قول الزجاج. وقال ابن الأنباري: تأويلها: ~~الحال المستطابة، والخلة المستلذة، ms1176 وأصلها: «طيبى» فصارت الياء واوا ~~لسكونها وانضمام ما قبلها كما صارت في «موقن» والأصل فيه «ميقن» لأنه مأخوذ ~~من اليقين، فغلبت الضمة فيه الياء فجعلتها واوا. PageV02P494 # قوله تعالى: وحسن مآب المآب: المرجع والمنقلب. ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 30] # كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك ~~وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب (30) # قوله تعالى: كذلك أرسلناك أي: كما أرسلنا الأنبياء قبلك. # قوله تعالى: وهم يكفرون بالرحمن في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (829) أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لكفار قريش: اسجدوا ~~للرحمن، قالوا: وما الرحمن؟ # فنزلت هذه الآية، وقيل لهم: إن الرحمن الذي أنكرتم هو ربي، هذا قول ~~الضحاك عن ابن عباس. # (830) والثاني: أنهم لما أرادوا كتاب الصلح يوم الحديبية، كتب علي عليه ~~السلام: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: ما نعرف الرحمن إلا ~~مسيلمة، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة، وابن جريج، ومقاتل. # (831) والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما في الحجر يدعو، ~~وأبو جهل يستمع إليه وهو يقول: # يا رحمن، فولى مدبرا إلى المشركين فقال: إن محمدا كان ينهانا عن عبادة ~~الآلهة وهو يدعو إلهين! فنزلت هذه الآية، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. # قوله تعالى: وإليه متاب قال أبو عبيدة: هو مصدر تبت إليه. ### | [سورة الرعد (13) : الآيات 31 الى 32] # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله ~~الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا ~~يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي ~~وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (31) ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت ~~للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب (32) # قوله تعالى: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال. # (832) سبب نزولها أن مشركي قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لو وسعت ~~لنا أودية مكة بالقرآن، وسيرت ms1177 PageV02P495 # جبالها فاحترثناها، وأحييت من مات منا، فنزلت هذه الآية، رواه العوفي عن ~~ابن عباس. # (833) وقال الزبير بن العوام: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ادع الله أن يسير عنا هذه الجبال ويفجر لنا الأرض أنهارا فنزرع، أو يحيي ~~لنا موتانا فنكلمهم، أو يصير هذه الصخرة ذهبا فتغنينا عن رحلة الشتاء ~~والصيف فقد كان للأنبياء آيات، فنزلت هذه الآية، ونزل قوله: وما منعنا أن ~~نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون «1» . ومعنى قوله: أو قطعت به الأرض ~~أي: شققت فجعلت أنهارا، أو كلم به الموتى أي: أحيوا حتى كلموا. # واختلفوا في جواب «لو» على قولين: أحدهما: أنه محذوف. وفي تقدير الكلام ~~قولان: # أحدهما: أن تقديره: لكان هذا القرآن، ذكره الفراء، وابن قتيبة. قال ~~قتادة: لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم لفعل بقرآنكم. والثاني: أن تقديره: لو ~~كان هذا كله لما آمنوا. ودليله قوله تعالى: ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ~~وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ~~ولكن أكثرهم يجهلون «2» ، قاله الزجاج. والثاني: أن جواب «لو» مقدم، ~~والمعنى: وهم يكافرون بالرحمن، ولو أنزلنا عليهم ما سألوا، ذكره الفراء ~~أيضا. # قوله تعالى: بل لله الأمر جميعا أي: لو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذا لم ~~يشأ، لم ينفع ما اقترحوا من الآيات. ثم أكد ذلك بقوله: أفلم ييأس الذين ~~آمنوا وفيه أربعة أقوال: # أحدها: أفلم يتبين، رواه العوفي عن ابن عباس، وروى عنه عكرمة أنه كان ~~يقرؤها كذلك، ويقول: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس، وهذا قول مجاهد، وعكرمة، ~~وأبي مالك، ومقاتل. # والثاني: أفلم يعلم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وقتادة، وابن زيد. # وقال ابن قتيبة: ويقال: هي لغة للنخع «ييأس» بمعنى «يعلم» ، قال الشاعر: # أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ... ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم «3» # وإنما وقع اليأس في مكان العلم، لأن في علمك الشيء وتيقنك به يأسك من ~~غيره. # والثالث: أن المعنى: قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا واحدا، ms1178 ولو شاء الله ~~لهدى الناس جميعا، قاله أبو العالية. والرابع: أفلم ييأس الذين آمنوا أن ~~يؤمن هؤلاء المشركون، قاله الكسائي. وقال PageV02P496 # الزجاج: المعنى عندي: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين وصفهم ~~الله بأنهم لا يؤمنون، لأنه لو شاء لهدى الناس جميعا. # قوله تعالى: ولا يزال الذين كفروا فيهم قولان: أحدهما: أنهم جميع الكفار، ~~قاله ابن السائب. والثاني: كفار مكة، قاله مقاتل. فأما القارعة، فقال ~~الزجاج: هي في اللغة: النازلة الشديدة تنزل بأمر عظيم. وفي المراد بها ها ~~هنا قولان: أحدهما: أنها عذاب من السماء، رواه العوفي عن ابن عباس. ~~والثاني: السرايا والطلائع التي كان ينفذها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قاله عكرمة «1» . وفي قوله: أو تحل قريبا من دارهم قولان: أحدهما: أنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: أو تحل أنت يا محمد، رواه سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة. والثاني: أنها القارعة، قاله ~~الحسن. # وفي قوله: حتى يأتي وعد الله قولان: أحدهما: فتح مكة، قاله ابن عباس، ~~ومقاتل. والثاني: القيامة، قاله الحسن. ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 33] # أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه ~~بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن ~~السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (33) # قوله تعالى: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت يعني: نفسه عز وجل. ومعنى ~~القيام ها هنا: # التولي لأمور خلقه، والتدبير لأرزاقهم وآجالهم، وإحصاء أعمالهم للجزاء، ~~والمعنى: أفمن هو مجازي كل نفس بما كسبت، يثيبها إذا أحسنت، ويأخذها بما ~~جنت، كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام؟ قال الفراء: فترك جوابه، لأن المعنى ~~معلوم، وقد بينه بعد هذا بقوله: وجعلوا لله شركاء كأنه قيل: # كشركائهم. قوله تعالى: قل سموهم أي: بما يستحقونه من الصفات وإضافة ~~الأفعال إليهم إن كانوا شركاء لله كما يسمى الله بالخالق، والرزاق، ~~والمحيي، والمميت، ولو سموهم بشيء من هذا لكذبوا. # قوله ms1179 تعالى: أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض هذا استفهام منقطع مما ~~قبله، والمعنى: فإن سموهم بصفات الله، فقل لهم: أتنبئونه، أي: أتخبرونه ~~بشريك له في الأرض وهو لا يعلم لنفسه شريكا، ولو كان لعلمه؟ # قوله تعالى: أم بظاهر من القول فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أم بظن من القول، ~~قاله مجاهد. # والثاني: بباطل، قاله قتادة. والثالث: بكلام لا أصل له ولا حقيقة. قوله ~~تعالى: بل زين للذين كفروا مكرهم قال ابن عباس: زين لهم الشيطان الكفر. ~~قوله تعالى: وصدوا عن السبيل قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«وصدوا» بفتح الصاد، ومثله في (حم المؤمن) . وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: ~~«وصدوا» بالضم فيهما. فمن فتح، أراد: صدوا المسلمين، إما عن الإيمان، أو عن ~~البيت الحرام. ومن ضم، أراد: صدهم الله عن سبيل الهدى. ### | [سورة الرعد (13) : آية 34] # لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق ~~(34) PageV02P497 # قوله تعالى: لهم عذاب في الحياة الدنيا # وهو القتل، والأسر، والسقم، فهو لهم في الدنيا عذاب، وللمؤمنين كفارة، ~~ولعذاب الآخرة أشق # أي: أشد وما لهم من الله من واق # أي: مانع يقيهم عذابه. ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 35] # مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك ~~عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار (35) # قوله تعالى: مثل الجنة أي: صفتها أن الأنهار تجري من تحتها، هذا قول ~~الجمهور. وقال ثعلب: خبر المثل مضمر قبله، والمعنى: فيما نصف لكم مثل ~~الجنة، وفيما نقصه عليكم خبر الجنة أكلها دائم قال الحسن: يريد أن ثمارها ~~لا تنقطع كثمار الدنيا وظلها لأنه لا يزول ولا تنسخه الشمس. # قوله تعالى: تلك عقبى الذين اتقوا أي: عاقبة أمرهم المصير إليها. ### | [سورة الرعد (13) : آية 36] # والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل ~~إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا وإليه مآب (36) # قوله تعالى: والذين آتيناهم الكتاب فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم مسلمو ~~اليهود، قاله أبو صالح عن ms1180 ابن عباس. وقال مقاتل: هم عبد الله بن سلام ~~وأصحابه. والثاني: أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة. ~~والثالث: مؤمنو أهل الكتابين من اليهود والنصارى، ذكره الماوردي. والذي ~~أنزل إليه: القرآن، فرح به المسلمون وصدقوه، وفرح به مؤمنو أهل الكتاب، ~~لأنه صدق ما عندهم. # وقيل: إن عبد الله بن سلام ومن آمن معه من أهل الكتاب، ساءهم قلة ذكر ~~الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة، فلما نزل ذكره فرحوا، وكفر ~~المشركون به، فنزلت هذه الآية. # فأما الأحزاب، فهم الكفار الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمعاداة، وفيهم أربعة أقوال «1» : # أحدها: أنهم اليهود والنصارى، قاله قتادة. والثاني: أنهم اليهود والنصارى ~~والمجوس، قاله ابن زيد. # والثالث: بنو أمية وبنو المغيرة وآل أبي طلحة بن عبد العزى، قاله مقاتل. ~~والرابع: كفار قريش، ذكره الماوردي. وفي بعضه الذي أنكروه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه ذكر الرحمن والبعث ومحمد صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل. ~~والثاني: أنهم عرفوا بعثة الرسول في كتبهم وأنكروا نبوته. والثالث: أنهم ~~عرفوا صدقه، وأنكروا تصديقه، ذكرهما الماوردي. PageV02P498 ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 37] # وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك ~~من الله من ولي ولا واق (37) # قوله تعالى: وكذلك أنزلناه أي: وكما أنزلنا الكتاب على الأنبياء بلغاتهم، ~~أنزلنا عليك القرآن حكما عربيا قال ابن عباس: يريد ما فيه من الفرائض. وقال ~~أبو عبيدة: دينا عربيا. # قوله تعالى: ولئن اتبعت أهواءهم فيه قولان: أحدهما: في صلاتك إلى بيت ~~المقدس بعد ما جاءك من العلم أن قبلتك الكعبة، قاله ابن السائب. والثاني: ~~في قبول ما دعوك إليه من ملة آبائك، قاله مقاتل. قوله تعالى: ما لك من الله ~~من ولي أي: ما لك من عذاب الله من قريب ينفعك ولا واق يقيك. ### | [سورة الرعد (13) : آية 38] # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) # قوله تعالى: ولقد أرسلنا ms1181 رسلا من قبلك الآية. # (834) سبب نزولها أن اليهود عيروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة ~~التزويج، وقالوا: لو كان نبيا كما يزعم، شغلته النبوة عن تزويج النساء، ~~فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # ومعنى الآية: أن الرسل قبلك كانوا بشرا لهم أزواج، يعني النساء، وذرية، ~~يعني الأولاد. وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله أي بأمره، وهذا ~~جواب للذين اقترحوا عليه الآيات. # قوله تعالى: لكل أجل كتاب فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لكل أجل من آجال الخلق ~~كتاب عند الله، قاله الحسن. والثاني: أنه من المقدم والمؤخر، والمعنى: لكل ~~كتاب ينزل من السماء أجل، قاله الضحاك والفراء. والثالث: لكل أجل قدره الله ~~عز وجل ولكل أمر قضاه كتاب أثبت فيه ولا تكون آية ولا غيرها إلا بأجل قد ~~قضاه الله في كتاب، هذا معنى قول ابن جرير. ### | [سورة الرعد (13) : آية 39] # يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (39) # قوله تعالى: يمحوا الله ما يشاء ويثبت قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم: ~~«ويثبت» ساكنة الثاء خفيفة الباء. وقرأ ابن عامر: وحمزة، والكسائي: «ويثبت» ~~مشددة الباء مفتوحة الثاء. قال أبو علي: المعنى: ويثبته، فاستغنى بتعدية ~~الأول من الفعلين عن تعدية الثاني. # واختلف المفسرون في المراد بالذي يمحو ويثبت على ثمانية أقوال «1» : ~~أحدها: أنه عام، في PageV02P499 # الرزق، والأجل، والسعادة. والشقاوة، وهذا مذهب عمر، وابن مسعود، وأبي ~~وائل، والضحاك، وابن جريج. والثاني: أنه الناسخ والمنسوخ، فيمحو المنسوخ، ~~ويثبت الناسخ، روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد ~~بن جبير، وقتادة، والقرظي، وابن زيد. وقال ابن قتيبة: «يمحو الله ما يشاء» ~~أي: ينسخ من القرآن ما يشاء «ويثبت» أي: يدعه ثابتا لا ينسخه، وهو المحكم. ~~والثالث: # أنه يمحو ما يشاء، ويثبت، إلا الشقاوة والسعادة، والحياة والموت، رواه ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس، ودليل هذا القول ما روى مسلم في (صحيحه) من حديث ~~حذيفة بن أسيد قال: # (835) سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ms1182 «إذا مضت على النطفة خمس ~~وأربعون ليلة، يقول الملك الموكل: أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله عز وجل، ويكتب ~~الملك، فيقول: أشقي، أم سعيد؟ فيقضي الله، ويكتب الملك، فيقول: عمله وأجله؟ ~~فيقضي الله، ويكتب الملك، ثم تطوى الصحيفة، فلا يزاد فيها ولا ينقص منها» . # والرابع: يمحو ما يشاء ويثبت، إلا الشقاوة والسعادة لا يغيران، قاله ~~مجاهد. والخامس: يمحو من جاء أجله، ويثبت من لم يجئ أجله، قاله الحسن. ~~والسادس: يمحو من ذنوب عباده ما يشاء فيغفرها، ويثبت ما يشاء فلا يغفرها، ~~روي عن سعيد بن جبير. والسابع: يمحو ما يشاء بالتوبة، ويثبت مكانها حسنات، ~~قاله عكرمة. والثامن: يمحو من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ~~ويثبت ما فيه ثواب وعقاب، قاله الضحاك، وأبو صالح. وقال ابن السائب: القول ~~كله يكتب، حتى إذا كان في يوم الخميس، طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا ~~عقاب، مثل قولك: أكلت، شربت، دخلت، خرجت، ونحوه، وهو صادق، ويثبت ما فيه ~~الثواب والعقاب. # قوله تعالى: وعنده أم الكتاب قال الزجاج: أصل الكتاب. قال المفسرون: وهو ~~اللوح PageV02P500 # المحفوظ الذي أثبت فيه ما يكون ويحدث. وروى أبو الدرداء عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # (836) «إن الله تعالى في ثلاث ساعات يبقين من الليل ينظر في الكتاب الذي ~~لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت» . وروى عكرمة عن ابن عباس قال: ~~هما كتابان، كتاب سوى أم الكتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب ~~لا يغير منه شيء. ### | ### | [سورة الرعد (13) : آية # 40] # وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ~~(40) # قوله تعالى: وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أي: من العذاب وأنت حي أو ~~نتوفينك قبل أن نريك ذلك، فليس عليك إلا أن تبلغ، وعلينا الحساب قال مقاتل: ~~يعني الجزاء. وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أن قوله: فإنما عليك البلاغ ~~نسخ بآية السيف وفرض الجهاد، وبه قال قتادة. ### | [سورة الرعد (13) : آية 41] # أولم يروا أنا ms1183 نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه ~~وهو سريع الحساب (41) # قوله تعالى: أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها فيه خمسة أقوال ~~«1» : # أحدها: أنه ما يفتح الله على نبيه من الأرض، رواه العوفي عن ابن عباس، ~~وبه قال الحسن، والضحاك. قال مقاتل: (أو لم يروا) يعني: كفار مكة (أنا نأتي ~~الأرض) يعني: أرض مكة «ننقصها من أطرافها» يعني: ما حولها. والثاني: أنها ~~القرية تخرب حتى تبقى الأبيات في ناحيتها، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال ~~عكرمة. والثالث: أنه نقص أهلها وبركتها، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # وقال الشعبي: نقص الأنفس والثمرات. والرابع: أنه ذهاب فقهائها وخيار ~~أهلها، رواه عطاء عن ابن عباس. والخامس: أنه موت أهلها، قاله مجاهد، وعطاء، ~~وقتادة. # قوله تعالى: والله يحكم لا معقب لحكمه قال ابن قتيبة: لا يتعقبه أحد ~~بتغيير ولا نقص. وقد شرحنا معنى سرعة الحساب في سورة (البقرة) «2» . ~~PageV02P501 ### | [سورة الرعد (13) : آية 42] # وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم ~~الكفار لمن عقبى الدار (42) # قوله تعالى: وقد مكر الذين من قبلهم يعني: كفار الأمم الخالية، مكروا ~~بأنبيائهم يقصدون قتلهم، كما مكرت قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليقتلوه. فلله المكر جميعا يعني: أن مكر الماكرين مخلوق له، ولا يضر إلا ~~بإرادته وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسكين له. يعلم ما ~~تكسب كل نفس من خير وشر، ولا يقع ضرر إلا بإذنه. وسيعلم الكفار قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو: «وسيعلم الكافر» . قال ابن عباس: يعني: أبا جهل. ~~وقال الزجاج: الكافر ها هنا: اسم جنس. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: «الكفار» على الجمع. # قوله تعالى: لمن عقبى الدار أي: لمن الجنة آخر الأمر. ### | [سورة الرعد (13) : آية 43] # ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده ~~علم الكتاب (43) # قوله تعالى: ويقول الذين كفروا فيهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود ~~والنصارى. والثاني: كفار قريش. قل كفى ms1184 بالله شهيدا أي: شاهدا بيني وبينكم ~~بما أظهر من الآيات، وأبان من الدلالات على نبوتي. قوله تعالى: ومن عنده ~~علم الكتاب فيه سبعة أقوال «1» : أحدها: أنهم علماء اليهود والنصارى، رواه ~~العوفي عن ابن عباس. والثاني: أنه عبد الله بن سلام، قاله الحسن، ومجاهد، ~~وعكرمة، وابن زيد، وابن السائب، ومقاتل. والثالث: أنهم قوم من أهل الكتاب ~~كانوا يشهدون بالحق، منهم عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الداري، ~~قاله قتادة. والرابع: أنه جبريل عليه السلام، قاله سعيد بن جبير. والخامس: ~~أنه علي بن أبي طالب، قاله ابن الحنفية. والسادس: أنه ابن يامين، قاله شمر. ~~والسابع: أنه الله عز وجل، روي عن الحسن، ومجاهد، واختاره الزجاج واحتج له ~~بقراءة من قرأ: «ومن عنده علم الكتاب» وهي قراءة ابن السميفع، وابن أبي ~~عبلة، ومجاهد، وأبي حياة. ورواية ابن أبي سريج عن الكسائي: «ومن» بكسر ~~الميم «عنده» بكسر الدال «علم» بضم العين وكسر اللام وفتح الميم «الكتاب» ~~بالرفع. وقرأ الحسن «ومن» بكسر الميم «عنده» بكسر الدال «علم» بكسر العين ~~وضم الميم «الكتاب» مضاف، كأنه قال: أنزل من علم الله عز وجل. PageV02P502 ### | سورة ابراهيم # وهي مكية من غير خلاف علمناه بينهم، إلا ما روي عن ابن عباس، وقتادة ~~أنهما قالا: سوى آيتين منها، وهما قوله: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله ~~كفرا والتي بعدها «1» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 1 الى # 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى ~~صراط العزيز الحميد (1) الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل ~~للكافرين من عذاب شديد (2) # قوله تعالى: الر قد سبق بيانه. وقوله: كتاب قال الزجاج: المعنى: هذا ~~كتاب، والكتاب: القرآن. وفي المراد بالظلمات والنور ثلاثة أقوال: أحدها: أن ~~الظلمات: الكفر. والنور: # الإيمان، رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: أن الظلمات: الضلالة. ~~والنور: الهدى، قاله مجاهد، وقتادة. والثالث: أن الظلمات: الشك. والنور: ~~اليقين، ذكره الماوردي. وفي قوله: بإذن ربهم ثلاثة أقوال: أحدها: ms1185 بأمر ~~ربهم، قاله مقاتل. والثاني: بتوفيق ربهم، قاله أبو سليمان. والثالث: أنه ~~الإذن نفسه، فالمعنى: بما أذن لك من تعليمهم، قاله الزجاج، قال: ثم بين ما ~~النور، فقال: إلى صراط العزيز الحميد قال ابن الأنباري: وهذا مثل قول ~~العرب: جلست إلى زيد، إلى العاقل الفاضل، وإنما تعاد «إلى» بمعنى التعظيم ~~للأمر، قال الشاعر «2» : # إذا خدرت رجلي تذكرت من لها ... فناديت لبنى باسمها ودعوت # دعوت التي لو أن نفسي تطيعني ... لألقيتها من حبها وقضيت # فأعاد «دعوت» لتفخيم الأمر. # قوله تعالى: الله الذي له ما في السماوات قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~وعاصم، وحمزة، والكسائي: «الحميد الله» على البدل. وقرأ نافع، وابن عامر، ~~وأبان، والمفضل: «الحميد. الله» رفعا على الاستئناف، وقد سبق بيان ألفاظ ~~الآية. PageV02P503 ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 3 الى # 6] # الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها ~~عوجا أولئك في ضلال بعيد (3) وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ~~فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم (4) ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك ~~لآيات لكل صبار شكور (5) وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (6) # قوله تعالى: الذين يستحبون الحياة الدنيا أي: يؤثرونها على الآخرة قال ~~ابن عباس: # يأخذون ما تعجل لهم منها تهاونا بأمر الآخرة. قوله تعالى: ويصدون عن سبيل ~~الله أي: يمنعون الناس من الدخول في دينه، ويبغونها عوجا قد شرحناه في (آل ~~عمران) «1» . قوله تعالى: أولئك في ضلال أي: في ذهاب عن الحق بعيد من ~~الصواب. # قوله تعالى: إلا بلسان قومه أي: بلغتهم. قال ابن الأنباري: ومعنى اللغة ~~عند العرب: # الكلام المنطوق به، وهو مأخوذ من قولهم: لغا الطائر يلغو: إذا صوت في ~~الغلس. وقرأ أبو رجاء، وأبو المتوكل، والجحدري: «إلا بلسن قومه» برفع اللام ~~والسين من غير ألف. وقرأ أبو ms1186 الجوزاء، وأبو عمران: «بلسن قومه» بكسر اللام ~~وسكون السين من غير ألف. # قوله تعالى: ليبين لهم أي: الذي أرسل به فيفهمونه عنه. وهذا نزل، لأن ~~قريشا قالوا: ما بال الكتاب كلها أعجمية، وهذا عربي! قوله تعالى: أن أخرج ~~قومك قال الزجاج: «أن» مفسر، والمعنى: قلنا له: أخرج قومك، وقد سبق بيان ~~الظلمات والنور. وفي قوله: وذكرهم بأيام الله ثلاثة أقوال «2» : # (837) أحدها: أنها نعم الله، رواه أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وبه قال مجاهد وقتادة وابن قتيبة. PageV02P504 # والثاني: أنها وقائع الله في الأمم قبلهم، قاله ابن زيد وابن السائب ~~ومقاتل. والثالث: أنها أيام نعم الله عليهم وأيام نقمه ممن كفر من قوم نوح ~~وعاد وثمود، قاله الزجاج. # قوله تعالى: إن في ذلك يعني: التذكير لآيات لكل صبار على طاعة الله وعن ~~معصيته شكور لأنعمه. والصبار: الكثير الصبر، والشكور: الكثير الشكر، وإنما ~~خصه بالآيات، لانتفاعه بها. وما بعد هذا مشروح في سورة البقرة. ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 7 الى # 14] # وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (7) وقال ~~موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد (8) ألم يأتكم ~~نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا ~~الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما ~~أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) قالت رسلهم أفي الله شك ~~فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى ~~قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا ~~بسلطان مبين (10) قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على ~~من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون (11) # وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا ~~وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من ~~أرضنا أو لتعودن ms1187 في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (13) ولنسكننكم ~~الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (14) # قوله تعالى: وإذ تأذن ربكم مذكور في (الأعراف) «1» . وفي قوله لئن شكرتم ~~لأزيدنكم ثلاثة أقوال: أحدها: لئن شكرتم لأزيدنكم من طاعتي، قاله الحسن. ~~والثاني: لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي، قاله الربيع. والثالث: لئن ~~وحدتموني لأزيدنكم خيرا في الدنيا، قاله مقاتل. وفي قوله: ولئن كفرتم ~~قولان: أحدهما: أنه كفر بالتوحيد. والثاني: كفران النعم. قوله تعالى: # فإن الله لغني حميد أي: غني عن خلقه، محمود في أفعاله، لأنه إما متفضل ~~بفعله، أو عادل. # قوله تعالى: لا يعلمهم إلا الله قال ابن الأنباري: أي: لا يحصي عددهم إلا ~~هو، على أن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها، فانقطعت أخبارهم، وعفت ~~آثارهم، فليس يعلمهم أحد إلا الله. # قوله تعالى: فردوا أيديهم في أفواههم فيه سبعة أقوال: # أحدها: أنهم عضوا أصابعهم غيظا، قاله ابن مسعود، وابن زيد. وقال ابن ~~قتيبة: «في» ها هنا بمعنى: «إلى» ، ومعنى الكلام: عضوا عليها حنقا وغيظا، ~~كما قال الشاعر «2» : PageV02P505 # يردون في فيه عشر الحسود يعني: أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه ~~العشر، ونحوه قول الهذلي: # قد افنى أنامله أزمه ... فأضحى يعض علي الوظيفا «1» # يقول: قد أكل أصابعه حتى أفناها بالعض، فأضحى يعض علي وظيف الذراع. # والثاني: أنهم كانوا إذا جاءهم الرسول فقال: إني رسول، قالوا له: اسكت، ~~وأشاروا بأصابعهم إلى أفواه أنفسهم، ردا عليه وتكذيبا، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. والثالث: أنهم لما سمعوا كتاب الله، عجوا ورجعوا بأيديهم إلى ~~أفواههم، رواه العوفي عن ابن عباس. والرابع: أنهم وضعوا أيديهم على أفواه ~~الرسل. ردا لقولهم، قاله الحسن. والخامس: أنهم كذبوهم بأفواههم، وردوا ~~عليهم قولهم، قاله مجاهد، وقتادة. والسادس: أنه مثل، ومعناه: أنهم كفوا عما ~~أمروا بقبوله من الحق، ولم يؤمنوا به. يقال: رد فلان يده إلى فمه، أي: أمسك ~~فلم يجب، قاله أبو عبيدة. والسابع: ردوا ما لو قبلوه لكان نعما وأيادي من ~~الله، فتكون الأيدي بمعنى: الأيادي، و ms1188 «في» بمعنى: الباء، والمعنى: ردوا ~~الأيادي بأفواههم، ذكره الفراء، وقال: قد وجدنا من العرب من يجعل «في» موضع ~~الباء، فيقول: # أدخلك الله بالجنة، يريد: في الجنة، وأنشدني بعضهم: # وأرغب فيها عن لقيط ورهطه ... ولكنني عن سنبس لست أرغب # فقال: أرغب فيها، يعني: بنتا له، يريد: أرغب بها، وسنبس: قبيلة. # قوله تعالى: وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به أي: على زعمكم أنكم أرسلتم، ~~لا أنهم أقروا بإرسالهم. وباقي الآية قد سبق «2» تفسيره. قالت رسلهم أفي ~~الله شك هذا استفهام إنكار، والمعنى: # لا شك في الله، أي: في توحيده يدعوكم بالرسل والكتاب ليغفر لكم من ذنوبكم ~~قال أبو عبيدة: «من» زائدة، كقوله تعالى: فما منكم من أحد عنه حاجزين، قال ~~أبو ذؤيب: # جزيتك ضعف الحب لما شكوته ... وما إن جزاك الضعف من أحد قبلي # أي: أحد. وقوله تعالى: ويؤخركم إلى أجل مسمى وهو الموت، والمعنى: لا ~~يعاجلكم بالعذاب. قالوا للرسل إن أنتم أي: ما أنتم إلا بشر مثلنا أي: ليس ~~لكم علينا فضل، والسلطان: الحجة. قالت الرسل: إن نحن إلا بشر مثلكم ~~فاعترفوا لهم بذلك، ولكن الله يمن على من يشاء يعنون: بالنبوة والرسالة، ~~وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله أي: ليس ذلك من قبل أنفسنا. # قوله تعالى: وقد هدانا سبلنا فيه قولان: أحدهما: بين لنا رشدنا. والثاني: ~~عرفنا طريق التوكل. وإنما نص هذا وأمثاله على نبينا صلى الله عليه وسلم ~~ليقتدي بمن قبله في الصبر وليعلم ما جرى لهم. قوله تعالى: لنهلكن الظالمين ~~يعني: الكافرين بالرسل. وقوله: من بعدهم أي: بعد هلاكهم. # ذلك الإسكان لمن خاف مقامي قال ابن عباس: خاف مقامه بين يدي. قال الفراء: ~~العرب قد PageV02P506 # تضيف أفعالها إلى أنفسها، وإلى ما أوقعت عليه، فتقول: قد ندمت على ضربي ~~إياك، وندمت على ضربك، فهذا من ذاك، ومثله وتجعلون رزقكم «1» أي: رزقي ~~إياكم. وقوله تعالى: وخاف وعيد أثبت ياء «وعيدي» في الحالين يعقوب، وتابعه ~~ورش في الوصل. ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 15 الى 17] # واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ms1189 (15) من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) ~~يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب ~~غليظ (17) # قوله تعالى: واستفتحوا يعني: استنصروا. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، ~~وحميد، وابن محيصن: «واستفتحوا» بكسر التاء على الأمر. وفي المشار إليهم ~~قولان: أحدهما: أنهم الرسل، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أنهم ~~الكفار، واستفتاحهم: سؤالهم العذاب، كقولهم: # ربنا عجل لنا قطنا «2» وقولهم: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم «3» ، هذا قول ابن زيد. # قوله تعالى: وخاب كل جبار قال ابن السائب: خسر عند الدعاء، وقال مقاتل: ~~خسر عند نزول العذاب، وقال أبو سليمان الدمشقي: يئس من الإجابة. وقد شرحنا ~~معنى الجبار والعنيد في سورة (هود) «4» . قوله تعالى: من ورائه جهنم فيه ~~قولان: # أحدهما: أنه بمعنى القدام، قال ابن عباس، يريد: أمامه جهنم. وقال أبو ~~عبيدة: «من ورائه» أي: قدامه، يقال: الموت من ورائك، وأنشد «5» : # أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا # والثاني: أنها بمعنى: «بعد» ، قال ابن الأنباري: «من ورائه» أي: من بعد ~~يأسه، فدل «خاب» على اليأس، فكنى عنه، وحملت «وراء» على معنى: «بعد» كما ~~قال النابغة: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب # أراد: ليس بعد الله مذهب. قال الزجاج: والوراء يكون بمعنى الخلف والقدام، ~~لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك، قال الشاعر «6» : # أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع # قال: وليس الوراء من الأضداد كما يقول بعض أهل اللغة. وسئل ثعلب: لم قيل: ~~الوراء للأمام؟ # فقال: الوراء: اسم لما توارى عن عينك، سواء أكان أمامك أو خلفك. وقال ~~الفراء: إنما يجوز هذا في المواقيت من الأيام والليالي والدهر، تقول: وراءك ~~برد شديد، وبين يديك برد شديد. ولا يجوز أن تقول للرجل وهو بين يديك: هو ~~وراءك، ولا للرجل وراءك: هو بين يديك. # قوله تعالى: ويسقى من ماء صديد قال عكرمة، ومجاهد، ms1190 واللغويون: الصديد: ~~القيح والدم، PageV02P507 # قاله قتادة، وهو ما يخرج من بين جلد الكافر ولحمه. وقال القرظي: هو غسالة ~~أهل النار، وذلك ما يسيل من فروج الزناة. وقال ابن قتيبة: المعنى: يسقى ~~الصديد مكان الماء، قال: ويجوز أن يكون على التشبيه، أي: ما يسقى ماء كأنه ~~صديد. قوله تعالى: يتجرعه والتجرع: تناول المشروب جرعة جرعة، لا في مرة ~~واحدة، وذلك لشدة كراهته له، وإنما يكره على شربه. قوله تعالى: ولا يكاد ~~يسيغه قال الزجاج: لا يقدر على ابتلاعه، تقول: ساغ لي الشيء، وأسغته. # (838) وروى أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقرب ~~إليه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع ~~أمعاءه حتى يخرج من دبره» . # قوله تعالى: ويأتيه الموت أي: هم الموت وكربه وألمه من كل مكان وفيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: من كل شعرة في جسده، رواه عطاء عن ابن عباس. وقال سفيان الثوري: ~~من كل عرق. وقال ابن جريج: تتعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فتموت ~~ولا ترجع إلى مكانها فتجد راحة. # والثاني: من كل جهة، من فوقه وتحته وعن يمينه وشماله وخلفه وقدامه، قاله ~~ابن عباس أيضا. # والثالث: أنها البلايا التي تصيب الكافر في النار سماها موتا، قاله ~~الأخفش. قوله تعالى: وما هو بميت أي: موتا تنقطع معه الحياة. ومن ورائه أي: ~~من بعد هذا العذاب. قال ابن السائب: من بعد الصديد عذاب غليظ. وقال إبراهيم ~~التيمي: بعد الخلود في النار. والغليظ: الشديد. ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 18] # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا ~~يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد (18) # قوله تعالى: مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد قال الفراء: أضاف المثل ~~إليهم، وإنما المثل للأعمال، فالمعنى: مثل أعمال الذين كفروا. ومثله: ويوم ~~القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة «1» أي: ترى وجوههم. وجعل ~~العصوف تابعا لليوم في إعرابه، وإنما العصوف للريح، وذلك جائز على جهتين: ~~PageV02P508 # إحداهما: أن العصوف، ms1191 وإن كان للريح، فإن اليوم يوصف به، لأن الريح فيه ~~تكون، فجاز أن تقول: يوم عاصف، كما تقول: يوم بارد، ويوم حار. والوجه ~~الآخر: أن تريد: في يوم عاصف الريح، فتحذف الريح، لأنها قد ذكرت في أول ~~الكلام قال الشاعر: # وتضحك عرفان الدروع جلودنا ... إذا كان يوم مظلم الشمس كاسف # يريد: كاسف الشمس. وروي عن سيبويه أنه قال: في هذه الآية إضمار، والمعنى: ~~ومما نقص عليك مثل الذين كفروا، ثم ابتدأ فقال: أعمالهم كرماد. وقرأ ~~النخعي، وابن يعمر، والجحدري: # «في يوم عاصف» بغير تنوين اليوم. قال المفسرون: ومعنى الآية: أن كل ما ~~يتقرب به المشركون يحبط ولا ينتفعون به، كالرماد الذي سفته الريح فلا يقدر ~~على شيء منه، فهم لا يقدرون مما كسبوا في الدنيا على شيء في الآخرة، أي: لا ~~يجدون ثوابه، ذلك هو الضلال البعيد من النجاة. ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 19 الى # 20] # ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ~~(19) وما ذلك على الله بعزيز (20) # قوله تعالى: ألم تر فيه قولان: أحدهما: أن معناه: ألم تخبر، قاله ابن ~~السائب. والثاني: ألم تعلم، قاله مقاتل، وأبو عبيدة. # قوله تعالى: خلق السماوات والأرض بالحق قال المفسرون: أي: لم يخلقهن ~~عبثا، وإنما خلقهن لأمر عظيم. إن يشأ يذهبكم قال ابن عباس: يريد: يميتكم يا ~~معشر الكفار ويخلق قوما غيركم خيرا منكم وأطوع، وهذا خطاب لأهل مكة. # قوله تعالى: وما ذلك على الله بعزيز أي: بممتنع متعذر. ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 21] # وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم ~~مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا ~~أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (21) # قوله تعالى: وبرزوا لله جميعا لفظه لفظ الماضي، ومعناه المستقبل، ~~والمعنى: خرجوا من قبورهم يوم البعث، واجتمع التابع والمتبوع، فقال الضعفاء ~~وهم الأتباع للذين استكبروا وهم المتبوعون: إنا كنا لكم تبعا قال الزجاج: ~~هو جمع تابع، يقال: تابع وتبع، مثل: غائب ms1192 وغيب، والمعنى: تبعناكم فيما ~~دعوتمونا إليه. # قوله تعالى: فهل أنتم مغنون عنا أي: دافعون عنا من عذاب الله من شيء. قال ~~القتادة: لو هدانا الله أي: لو أرشدنا في الدنيا لأرشدناكم، يريدون: أن ~~الله أضلنا فدعوناكم إلى الضلال، سواء علينا أجزعنا أم صبرنا قال ابن زيد: ~~إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا نبكي ونتضرع، فإنما أدرك أهل الجنة ~~الجنة ببكائهم وتضرعهم، فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم، قالوا: # تعالوا نصبر، فانما أدرك أهل الجنة بالصبر، فصبروا صبرا لم ير مثله قط، ~~فلم ينفعهم ذلك، فعندها قالوا: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص. ~~وروى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم قال: # جزعوا مائة سنة، وصبروا مائة سنة. وقال مقاتل: جزعوا خمسمائة عام، وصبروا ~~خمسمائة عام. وقد # PageV02P509 # شرحنا معنى المحيص في سورة النساء «1» . ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 22 الى 23] # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما ~~كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن ~~الظالمين لهم عذاب أليم (22) وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (23) # قوله تعالى: وقال الشيطان قال المفسرون: يعني به إبليس، لما قضي الأمر ~~أي: فرغ منه، فدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فحينئذ يجتمع أهل ~~النار باللوم على إبليس، فيقوم فيما بينهم خطيبا ويقول: إن الله وعدكم وعد ~~الحق أي: وعدكم كون هذا اليوم فصدقكم ووعدتكم أنه لا يكون فأخلفتكم الوعد ~~وما كان لي عليكم من سلطان أي: ما أظهرت لكم حجة على ما ادعيت. # وقال بعضهم: ما كنت أملككم فأكرهكم إلا أن دعوتكم وهذا من الاستثناء ~~المنقطع، والمعنى: لكن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم حيث ~~أجبتموني من غير برهان، ما أنا بمصرخكم أي: بمغيثكم وما أنتم بمصرخي أي: ~~بمغيثي. قرأ حمزة «بمصرخي» فحرك الياء ms1193 إلى الكسر، وحركها الباقون إلى ~~الفتح. قال قطرب: هي لغة في بني يربوع يعني: قراءة حمزة. قال اللغويون: # يقال: استصرخني فلان فأصرخته، أي: استغاثني فأغثته. إني كفرت اليوم ~~بإشراككم إياي في الدنيا مع الله في الطاعة، إن الظالمين يعني: المشركين. ~~قوله تعالى: بإذن ربهم أي: بأمر ربهم. وقوله: تحيتهم فيها سلام قد ذكرناه ~~في سورة يونس «2» . ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 24 الى 25] # ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في ~~السماء (24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم ~~يتذكرون (25) # قوله تعالى: ألم تر كيف ضرب الله مثلا، قال المفسرون: ألم تر بعين قلبك ~~كيف ضرب الله مثلا أي: بين شبها، كلمة طيبة قال ابن عباس: هي شهادة أن لا ~~إله إلا الله. كشجرة طيبة # أي: طيبة الثمرة، فترك ذكر الثمرة اكتفاء بدلالة الكلام عليه. وفي هذه ~~الشجرة ثلاثة أقوال: أحدها: # أنها النخلة. # (839) وهو في (الصحيحين) من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقد رواه سعيد بن جبير عن PageV02P510 # ابن عباس، وبه قال ابن مسعود، وأنس بن مالك، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك في ~~آخرين. # والثاني: أنها شجرة في الجنة، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس. والثالث: أنها ~~المؤمن، وأصله الثابت أنه يعمل في الأرض ويبلغ عمله السماء. وقوله عز وجل: ~~تؤتي أكلها كل حين فالمؤمن يذكر الله كل ساعة من النهار، ورواه عطية عن ابن ~~عباس. # قوله تعالى: أصلها ثابت أي: في الأرض، وفرعها أعلاها عال في السماء أي: ~~نحو السماء، وأكلها: ثمرها. # وفي الحين ها هنا ستة أقوال «1» : أحدها: أنه ثمانية أشهر، قاله علي عليه ~~السلام. والثاني: ستة أشهر، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وعكرمة، وقتادة. والثالث: أنه بكرة وعشية، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس. ~~والرابع: أنه السنة، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال مجاهد، وابن زيد. ~~والخامس: أنه شهران، قاله سعيد بن المسيب. والسادس: أنه غدوة وعشية وكل ~~ساعة، قاله ابن ms1194 جرير. فمن قال: ثمانية أشهر، أشار إلى مدة حملها باطنا ~~وظاهرا، ومن قال: ستة أشهر، فهي مدة حملها إلى حين صرامها، ومن قال: بكرة ~~وعشية، أشار إلى الاجتناء منها، ومن قال: سنة، أشار إلى أنها لا تحمل في ~~السنة إلا مرة، ومن قال: شهران، فهو مدة صلاحها. قال ابن المسيب: لا يكون ~~في النخلة أكلها إلا شهرين. ومن قال: كل ساعة، أشار إلى أن ثمرتها تؤكل ~~دائما. قال قتادة: تؤكل ثمرتها في الشتاء والصيف. وقال ابن جرير: الطلع في ~~الشتاء من أكلها، والبلح والبسر والرطب والتمر في الصيف. # فأما الحكمة في تمثيل الإيمان بالنخلة، فمن أوجه: أحدها: أنها شديدة ~~الثبوت، فشبه ثبات الإيمان في قلب المؤمن بثباتها. والثاني: أنها شديدة ~~الارتفاع، فشبه ارتفاع عمل المؤمن بارتفاع فروعها. والثالث: أن ثمرتها تأتي ~~في كل حين، فشبه ما يكسب المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت بثمرتها ~~المجتناة في كل حين على اختلاف صنوفها، فالمؤمن كلما قال: لا إله إلا الله، ~~صعدت إلى السماء، ثم جاءه خيرها ومنفعتها. والرابع: أنها أشبه الشجر ~~بالإنسان، فإن كل شجرة يقطع رأسها تتشعب غصونها من جوانبها، إلا هي، إذا ~~قطع رأسها يبست، ولأنها لا تحمل حتى تلقح، ولأنها فضلة تربة آدم عليه ~~السلام فيما يروى «2» . PageV02P511 ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 26] # ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (26) # قوله تعالى: ومثل كلمة خبيثة قال ابن عباس: هي الشرك. # وقوله عز وجل: كشجرة خبيثة فيها خمسة أقوال: أحدها: # (840) أنها الحنظلة، رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبه ~~قال أنس، ومجاهد «1» . # والثاني: أنها الكافر، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وروى العوفي عنه ~~أنه قال: الكافر لا يقبل عمله، ولا يصعد إلى الله تعالى، فليس له أصل في ~~الأرض ثابت، ولا فرع في السماء. والثالث: # أنها الكشوثى «2» ، رواه الضحاك عن ابن عباس. والرابع: أنه مثل، وليست ~~بشجرة مخلوقة، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس. والخامس: أنها الثوم، روي عن ms1195 ~~ابن عباس أيضا. # قوله تعالى: اجتثت قال ابن قتيبة: استؤصلت وقطعت. قال الزجاج: ومعنى اجتث ~~الشيء في اللغة: أخذت جثته بكمالها. وفي قوله تعالى: ما لها من قرار قولان: # أحدهما: مالها من أصل، لم تضرب في الأرض عرقا. والثاني: مالها من ثبات. # ومعنى تشبيه الكافر بهذه الشجرة أنه لا يصعد للكافر عمل صالح، ولا قول ~~طيب، ولا لقوله أصل ثابت. ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 27] # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل ~~الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27) # قوله تعالى: يثبت الله الذين آمنوا أي: يثبتهم على الحق بالقول الثابت، ~~وهو شهادة أن لا إله إلا الله. قوله تعالى: في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~فيه قولان: أحدهما: أن الحياة الدنيا: زمان الحياة على وجه الأرض، والآخرة: ~~زمان المساءلة في القبر، وإلى هذا المعنى ذهب البراء بن عازب، وفيه أحاديث ~~تعضده. والثاني: أن الحياة الدنيا: زمن السؤال في القبر، والآخرة: السؤال ~~في القيامة، وإلى هذا المعنى ذهب طاوس، وقتادة. PageV02P512 # قال المفسرون: هذه الآية وردت في فتنة القبر، وسؤال الملكين، وتلقين الله ~~تعالى للمؤمنين كلمة الحق عند السؤال، وتثبيته إياهم على الحق «1» . ويضل ~~الله الظالمين يعنى: المشركين، يضلهم عن هذه الكلمة، ويفعل الله ما يشاء من ~~هداية المؤمن وإضلال الكافر. ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 28 الى # 29] # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (28) ~~جهنم يصلونها وبئس القرار (29) # قوله تعالى: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا في المشار إليهم سبعة ~~أقوال «2» : # أحدها: أنهم الأفجران من قريش: بنو أمية، وبنو المغيرة، روي عن عمر بن ~~الخطاب، وعلي بن أبي طالب. والثاني: أنهم منافقو قريش، رواه أبو الطفيل عن ~~علي. والثالث: بنو أمية، وبنو المغيرة، ورؤساء أهل بدر الذين ساقوا أهل بدر ~~إلى بدر، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والرابع: أهل مكة، رواه عطاء عن ابن ~~عباس، وبه قال الضحاك. والخامس: المشركون من أهل بدر، قاله مجاهد، وابن ~~زيد. والسادس: أنهم الذين قتلوا ببدر ms1196 من كفار قريش، قاله سعيد بن جبير، ~~وأبو مالك. والسابع: أنها عامة في جميع المشركين، قاله الحسن. # قال المفسرون: وتبديلهم نعمة الله كفرا، أن الله أنعم عليهم برسوله، ~~وأسكنهم حرمه، فكفروا بالله وبرسوله، ودعوا قومهم إلى الكفر به، فذلك قوله ~~عز وجل: وأحلوا قومهم دار البوار أي: # الهلاك. ثم فسر الدار بقوله تعالى: جهنم يصلونها أي: يقاسون حرها وبئس ~~القرار أي: بئس المقر هي. ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 30] # وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) # قوله تعالى: وجعلوا لله أندادا قد بيناه في سورة البقرة «3» ، واللام في ~~«ليضلوا» لام العاقبة، وقد سبق شرحها «4» ، ومن قرأ «ليضلوا» بضم الياء، ~~أراد: ليضلوا الناس عن دين الله. قوله تعالى: قل تمتعوا أي: في حياتكم ~~الدنيا، وهذا وعيد لهم. قال ابن عباس: لو كان الكافر مريضا لا ينام، جائعا ~~لا يأكل ولا يشرب، لكان هذا نعيما يتمتع به بالقياس إلى ما يصير إليه من ~~العذاب، ولو كان المؤمن في أنعم عيش لكان بؤسا عند ما يصير إليه من نعيم ~~الآخرة. PageV02P513 ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 31 الى 36] # قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من ~~قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال (31) الله الذي خلق السماوات والأرض ~~وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في ~~البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (32) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم ~~الليل والنهار (33) وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ~~إن الإنسان لظلوم كفار (34) وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا ~~واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (35) # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم (36) # قوله تعالى: قل لعبادي الذين آمنوا أسكن ابن عامر، وحمزة، والكسائي ياء ~~«عبادي» . # قوله تعالى: يقيموا الصلاة قال ابن الأنباري: معناه: قل لعبادي: أقيموا ~~الصلاة وأنفقوا، يقيموا وينفقوا، فحذف الأمران، وترك الجوابان، قال الشاعر: # فأي امرئ أنت ms1197 أي امرئ ... إذا قيل في الحرب من يقدم # أراد: إذا قيل: من يقدم تقدم. ويجوز أن يكون المعنى: قل لعبادي أقيموا ~~الصلاة، وأنفقوا، فصرف عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر. ويجوز أن يكون المعنى: ~~قل لهم ليقيموا الصلاة، ولينفقوا، فحذف لام الأمر، لدلالة «قل» عليها. قال ~~ابن قتيبة: والخلال مصدر خاللت فلانا خلالا ومخالة، والاسم الخلة، وهي ~~الصداقة. # قوله تعالى: وسخر لكم الأنهار أي: ذللها، تجري حيث تريدون، وتركبون فيها ~~حيث تشاؤون. وسخر لكم الشمس والقمر لتنتفعوا بهما وتستضيئوا بضوئهما دائبين ~~في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، لا يفتران. ومعنى الدؤوب: مرور الشيء ~~في العمل على عادة جارية فيه. # وسخر لكم الليل لتسكنوا فيه، راحة لأبدانكم، والنهار لتنتفعوا بمعاشكم، ~~وآتاكم من كل ما سألتموه وفيه خمسة أقوال: أحدها: أن المعنى: من كل الذي ~~سألتموه، قاله الحسن وعكرمة. # والثاني: من كل ما سألتموه لو سألتموه، قاله الفراء. والثالث: وآتاكم من ~~كل شيء سألتموه شيئا، فأضمر الشيء، كقوله تعالى: وأوتيت من كل شيء «1» أي، ~~من كل شيء في زمانها شيئا، قاله الأخفش. والرابع: من كل ما سألتموه وما لم ~~تسأله لأنكم لم تسألوا شمسا ولا قمرا ولا كثيرا من النعم التي ابتدأكم بها، ~~فاكتفي بالأول من الثاني، كقوله عز وجل: سرابيل تقيكم الحر «2» ، قاله ابن ~~الأنباري. والخامس: على قراءة ابن مسعود، وأبي رزين والحسن وعكرمة وقتادة ~~وأبان عن عاصم وأبي حاتم عن يعقوب: «من كل ما» بالتنوين من غير إضافة، ~~فالمعنى: آتاكم من كل ما لم تسألوه، قاله قتادة والضحاك. # قوله تعالى: وإن تعدوا نعمة الله أي: إنعامه لا تحصوها لا تطيقوا الإتيان ~~على جميعها بالعد لكثرتها. إن الإنسان قاله ابن عباس: يريد أبا جهل. وقال ~~الزجاج: الإنسان اسم للجنس يقصد به الكافر خاصة. وقوله تعالى: لظلوم كفار ~~الظلوم هاهنا: الشاكر غير من أنعم عليه، والكفار: # الجحود لنعم الله تعالى. PageV02P514 # قوله تعالى: اجعل هذا البلد آمنا قد سبق تفسيره في سورة البقرة «1» . # قوله تعالى: واجنبني وبني أي: جنبني وإياهم، والمعنى: ثبتني ms1198 على اجتناب ~~عبادتها. رب إنهن أضللن كثيرا من الناس يعني: الأصنام، وهي لا توصف ~~بالإضلال ولا بالفعل، ولكنهم لما ضلوا بسببها، كانت كأنها أضلتهم. فمن ~~تبعني أي: على ديني التوحيد فإنه مني أي: فهو على ملتي، ومن عصاني فإنك ~~غفور رحيم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ومن عصاني ثم تاب فانك غفور رحيم، قاله ~~السدي. والثاني: ومن عصاني فيما دون الشرك، قاله مقاتل بن حيان. والثالث: ~~ومن عصاني فكفر فإنك غفور رحيم أن تتوب عليه فتهديه إلى التوحيد، قاله ~~مقاتل بن سليمان. وقال ابن الأنباري: يحتمل أن يكون دعا بهذا قبل أن يعلمه ~~الله تعالى أنه لا يغفر الشرك كما استغفر لأبيه. ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : آية # 37] # ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا ~~الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ~~(37) # قوله تعالى: ربنا إني أسكنت من ذريتي في «من» قولان: أحدهما: أنها ~~للتبعيض، قاله الأخفش، والفراء. والثاني: أنها للتوكيد، والمعنى: أسكنت ~~ذريتي، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: بواد غير ذي زرع يعني: مكة، ولم يكن فيها حرث ولا ماء. عند ~~بيتك المحرم إنما سمي محرما، لأنه يحرم استحلال حرماته والاستخفاف بحقه. ~~فإن قيل: ما وجه قوله: عند بيتك المحرم ولم يكن هناك بيت حينئذ، إنما بناه ~~إبراهيم بعد ذلك بمدة؟ فالجواب من ثلاثة وجوه: # أحدها: أن الله تعالى حرم موضع البيت منذ خلق السماوات والأرض، قاله ابن ~~السائب. والثاني: عند بيتك الذي كان قبل أن يرفع أيام الطوفان. والثالث: ~~عند بيتك الذي قد جرى في سابق علمك أنه يحدث هاهنا، ذكرهما ابن جرير «2» . # وكان أبو سليمان الدمشقي يقول: ظاهر الكلام يدل على أن هذا الدعاء إنما ~~كان بعد أن بني البيت وصارت مكة بلدا. والمفسرون على خلاف ما قال. وروى ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد أن إبراهيم خرج من الشام ومعه ابنه إسماعيل وأمه هاجر ~~ومعه جبريل حتى قدم مكة وبها ناس يقال لهم: العماليق، خارجا من مكة، والبيت ms1199 ~~يومئذ ربوة حمراء، فقال إبراهيم لجبريل: أهاهنا أمرت أن أضعهما؟ قال: # نعم فأنزلهما في مكان من الحجر، وأمر هاجر أن تتخذ فيه عريشا، ثم قال: ~~ربنا إني أسكنت من ذريتي الآية وفتح أهل الحجاز، وأبو عمرو ياء «إني أسكنت» ~~. # قوله تعالى: ليقيموا الصلاة في متعلق هذه اللام قولان: أحدهما: أنها ~~تتعلق بقوله تعالى: # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام، فالمعنى: جنبهم الأصنام ليقيموا الصلاة، ~~هذا قول مقاتل. والثاني: # أنها تتعلق بقوله تعالى: أسكنت، فالمعنى: أسكنتهم عند بيتك ليقيموا ~~الصلاة، لأن البيت قبلة الصلوات، ذكره الماوردي. قوله تعالى: فاجعل أفئدة ~~من الناس، فيه قولان: أحدهما: أنها القلوب، قاله الأكثرون. قال ابن ~~الأنباري: وإنما عبر عن القلوب بالأفئدة، لقرب القلب من الفؤاد PageV02P515 # ومجاورته، قال امرؤ القيس: # رمتني بسهم أصاب الفؤاد ... غداة الرحيل فلم أنتصر # وقال آخر: # كأن فؤادي كلما مر راكب ... جناح غراب رام نهضا إلى وكر # وقال آخر: # وإن فؤادا قادني لصبابة ... إليك على طول الهوى لصبور # يعنون بالفؤاد: القلب. والقول الثاني: أن المراد بالأفئدة الجماعة من ~~الناس. قاله الزجاج. # قوله تعالى: تهوي إليهم قال ابن عباس: تحن إليهم. وقال قتادة: تنزع ~~إليهم. وقال الفراء: # تريدهم، كما تقول: رأيت فلانا يهوي نحوك، أي: يريدك. وقرأ بعضهم: «تهوى ~~إليهم» بمعنى: # تهواهم، كقوله: ردف لكم «1» ، أي: ردفكم. و «إلى» توكيد للكلام. وقال ابن ~~الأنباري: «تهوي» : # تنحط إليهم وتنحدر. وفي معنى هذا الميل قولان: أحدهما: أنه الميل إلى ~~الحج، قاله الأكثرون. # والثاني: أنه حب سكنى مكة، رواه عطية عن ابن عباس. وروى سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس قال: لو كان إبراهيم قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم، لحجه ~~اليهود والنصارى، ولكنه قال: من الناس. ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 38] # ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا ~~في السماء (38) # قوله تعالى: ربنا إنك تعلم ما نخفي قال أبو صالح عن ابن عباس: ما نخفي من ~~الوجد بمفارقة إسماعيل، وما نعلن من الحب له. قال المفسرون: إنما قال هذا ms1200 ~~لما نزل إسماعيل الحرم، وأراد فراقه. ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 39 الى # 40] # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء ~~(39) رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40) # قوله تعالى: الحمد لله الذي وهب لي على الكبر أي: بعد الكبر إسماعيل ~~وإسحاق قال ابن عباس: ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين، وولد له إسحاق ~~وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة. قوله تعالى: ربنا وتقبل دعاء قرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو، وحمزة، وهبيرة عن حفص عن عاصم: # «وتقبل دعائي» بياء في الوصل. وقال البزي عن ابن كثير: يصل ويقف بياء. ~~وقال قنبل عن ابن كثير: # يشم الياء في الوصل، ولا يثبتها، ويقف عليها بالألف. الباقون «دعاء» بغير ~~ياء في الحالين. قال أبو علي: الوقف والوصل بياء هو القياس، والإشمام جائز، ~~لدلالة الكسرة على الياء. ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 41] # ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) # قوله تعالى: ربنا اغفر لي ولوالدي قال ابن الأنباري: استغفر لأبويه وهما ~~حيان، طمعا في أن يهديا إلى الإسلام. وقيل: أراد بوالديه: آدم، وحواء. وقرأ ~~ابن مسعود، وأبي، والنخعي، والزهري: # «ولولدي» يعني: إسماعيل وإسحاق، يدل عليه ذكرهما قبل ذلك. وقرأ مجاهد: ~~«ولوالدي» على PageV02P516 # التوحيد. وقرأ عاصم الجحدري: «ولولدي» بضم الواو. وقرأ يحيى بن يعمر، ~~والجوني: «ولولدي» بفتح الواو وكسر الدال على التوحيد. يوم يقوم الحساب أي: ~~يظهر الجزاء على الأعمال. وقيل: # معناه: يوم يقوم الناس للحساب.، فاكتفي بذكر الحساب من ذكر الناس إذ كان ~~المعنى مفهوما. ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 42 الى 43] # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه ~~الأبصار (42) مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (43) # قوله تعالى: ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون قال ابن عباس: هذا ~~وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم. # قوله تعالى: إنما يؤخرهم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو رزين، وقتادة: ~~«نؤخرهم» بالنون، أي: يؤخر جزاءهم ليوم تشخص فيه الأبصار أي: تشخص أبصار ~~الخلائق لظهور الأحوال فلا تغتمض. ms1201 # قوله تعالى: مهطعين فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الإهطاع: النظر من غير أن ~~يطرف الناظر، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والضحاك، وأبو ~~الضحى. والثاني: أنه الإسراع، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وأبو ~~عبيدة. وقال ابن قتيبة: يقال: أهطع البعير في سيره، واستهطع: إذا أسرع. وفي ~~ما أسرعوا إليه قولان: أحدهما: إلى الداعي، قاله قتادة. والثاني: إلى ~~النار، قاله مقاتل. والثالث: أن المهطع: الذي لا يرفع رأسه، قاله ابن زيد. # وفي قوله تعالى: مقنعي رؤسهم قولان: أحدهما: رافعي رؤوسهم، رواه العوفي ~~عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وأبو عبيدة، وأنشد أبو ~~عبيدة: # أنغض نحوي رأسه وأقنعا ... كأنما أبصر شيئا أطمعا «1» # وقال ابن قتيبة: المقنع رأسه: الذي رفعه وأقبل بطرفه على ما بين يديه. ~~وقال الزجاج: رافعي رؤوسهم، ملتصقة بأعناقهم. و «مهطعين مقنعي رؤوسهم» نصب ~~على الحال، المعنى: ليوم تشخص فيه أبصارهم مهطعين. والثاني: ناكسي رؤوسهم، ~~حكاه الماوردي عن المؤرج. # قوله تعالى: لا يرتد إليهم طرفهم أي: لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة ~~النظر، فهي شاخصة. # قال ابن قتيبة: والمعنى: أن نظرهم إلى شيء واحد، وقال الحسن: وجوه الناس ~~يوم القيامة إلى السماء، لا ينظر أحد إلى أحد. # قوله تعالى: وأفئدتهم هواء الأفئدة: مساكن القلوب. وفي معنى الكلام أربعة ~~أقوال: # أحدها: أن القلوب خرجت من مواضعها فصارت في الحناجر، رواه عطاء عن ابن ~~عباس. وقال قتادة: خرجت من صدورهم فنشبت في حلوقهم، فأفئدتهم هواء ليس فيها ~~شيء. # والثاني: وأفئدتهم ليس فيها شيء من الخير، فهي كالخربة، رواه العوفي عن ~~ابن عباس. # والثالث: وأفئدتهم منخرقة لا تعي شيئا، قاله مرة بن شراحيل. وقال الزجاج: ~~متخرقة لا تعي PageV02P517 # شيئا من الخوف. والرابع: وأفئدتهم جوف لا عقول لها، قاله أبو عبيدة، ~~وأنشد لحسان: # ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوف نخب هواء # فعلى هذا يكون المعنى: أن قلوبهم خلت عن العقول لما رأوا من الهول، ~~والعرب تسمي كل أجوف خاو هواء. قال ابن قتيبة: ويقال: أفئدتهم منخوبة ms1202 من ~~الخوف والجبن. ### | ### | [سورة إبراهيم (14) : آية # 44] # وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل ~~قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال (44) # قوله تعالى: وأنذر الناس أي: خوفهم يوم يأتيهم العذاب يعني به يوم ~~القيامة وإنما خصه بذكر العذاب، وإن كان فيه ثواب، لأن الكلام خرج مخرج ~~التهديد للعصاة. قال ابن عباس: يريد بالناس هاهنا: أهل مكة. قوله تعالى: ~~فيقول الذين ظلموا أي: أشركوا ربنا أخرنا إلى أجل قريب أي: أمهلنا مدة ~~يسيرة. وقال مقاتل: سألوا الرجوع إلى الدنيا، لأن الخروج من الدنيا قريب. ~~نجب دعوتك يعني: التوحيد، فيقال لهم: أولم تكونوا أقسمتم من قبل أي: حلفتم ~~في الدنيا أنكم لا تبعثون ولا تنتقلون من الدنيا إلى الآخرة. ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 45] # وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم ~~الأمثال (45) # قوله تعالى: وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم أي: نزلتم في أماكنهم ~~وقراهم، كالحجر ومدين، والقرى التي عذب أهلها. ومعنى «ظلموا أنفسهم» ضروها ~~بالكفر والمعصية. # وتبين لكم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو المتوكل الناجي «وتببن» بضم ~~التاء. كيف فعلنا بهم يعني: كيف عذبناهم، يقول: فكان ينبغي لكم أن تنزجروا ~~عن المخالفة اعتبارا بمساكنهم بعد ما علمتم فعلنا بهم، وضربنا لكم الأمثال ~~قال ابن عباس: يريد الأمثال التي في القرآن. ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 46 الى 47] # وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال (46) ~~فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) # قوله تعالى: وقد مكروا مكرهم في المشار إليهم أربعة أقوال: # أحدها: أنه نمرود الذي حاج إبراهيم في ربه، قال: لا أنتهي حتى أنظر إلى ~~السماء، فأمر بفرخي نسر فربيا حتى سمنا واستعلجا، ثم أمر بتابوت فنحت، ثم ~~جعل في وسطه خشبة، وجعل على رأس الخشبة لحما شديد الحمرة، ثم جوعهما وربط ~~أرجلهما بأوتار إلى قوائم التابوت. ودخل هو وصاحب له في التابوت وأغلق ~~بابه، ثم أرسلهما، ms1203 فجعلا يريدان اللحم، فصعدا في السماء ما شاء الله، ثم ~~قال لصاحبه: افتح وانظر ماذا ترى؟ ففتح، فقال: أرى الأرض كأنها الدخان، ~~فقال له: أغلق، ثم صعد ما شاء الله، ثم قال: افتح فانظر، ففتح، فقال: ما ~~أرى إلا السماء، وما نزداد منها إلا بعدا، قال: فصوب # PageV02P518 # خشبتك، فصوبها، فانقضت النسور تريد اللحم، فسمعت الجبال هدتها، فكادت ~~تزول عن مراتبها «1» . # هذا قول علي بن أبي طالب عليه السلام. وفي رواية عنه: كانت النسور أربعة. ~~وروى السدي عن أشياخه: أنه ما زال يصعد إلى أن رأى الأرض يحيط بها بحر، ~~فكأنها فلكة في ماء، ثم صعد حتى وقع في ظلمة، فلم ير ما فوقه ولم ير ما ~~تحته، ففزع، فصوب اللحم، فانقضت النسور، فلما نزل أخذ في بناء الصرح. وروي ~~عن ابن عباس أنه بنى الصرح، ثم صعد منه مع النسور، فلما لم يقدر على ~~السماء، اتخذه حصنا، فأتى الله بنيانه من القواعد. وقال عكرمة: كان معه في ~~التابوت غلام قد حمل القوس والنشاب، فرمى بسهم فعاد إليه ملطخا بالدم، ~~فقال: كفيت إله السماء، وذلك من دم سمكة في بحر معلق في الهواء، فلما هاله ~~الارتفاع، قال لصاحبه: صوب الخشبة، فصوبها، فانحطت النسور، فظنت الجبال أنه ~~أمر نزل من السماء فزالت عن مواضعها. وقال غيره: لما رأت الجبال ذلك، ظنت ~~أنه قيام الساعة، فكادت تزول، وإلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير، وأبو ~~مالك. # والقول الثاني: أنه بخت نصر، وأن هذه القصة له جرت، وأن النسور لما ~~ارتفعت تطلب اللحم إلى حيث شاء الله، نودي: يا أيها الطاغية، أين تريد؟ ~~ففرق، ثم سمع الصوت فوقه، فنزل، فلما رأت الجبال ذلك، ظنت أنه قيام الساعة ~~فكادت تزول، وهذا قول مجاهد. # والثالث: أن المشار إليهم الأمم المتقدمة. قال ابن عباس: وعكرمة: مكرهم: ~~شركهم. # والرابع: أنهم الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم حين هموا بقتله ~~وإخراجه. # وفي قوله تعالى: وعند الله مكرهم قولان: أحدهما: أنه محفوظ عنده حتى ~~يجازيهم به، قاله الحسن، ms1204 وقتادة. والثاني: وعند الله جزاء مكرهم. # قوله تعالى: وإن كان مكرهم وقرأ أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي، ~~وابن عباس، وعكرمة، وأبو العالية: «وإن كاد مكرهم» بالدال، لتزول منه ~~الجبال وقرأ الأكثرون «لتزول» بكسر اللام الأولى من «لتزول» وفتح الثانية. ~~أراد: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، أي: هو أضعف وأوهن، كذلك فسرها ~~الحسن البصري. وقرأ الكسائي «لتزول» بفتح اللام الأولى وضم الثانية، أراد: # قد كادت الجبال تزول من مكرهم، كذلك فسرها ابن الأنباري. وفي المراد ~~بالجبال قولان: أحدهما: # أنها الجبال المعروفة، قاله الجمهور. والثاني: أنها ضربت مثلا لأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وثبوت دينه كثبوت الجبال الراسية، والمعنى: لو بلغ ~~كيدهم إلى إزالة الجبال، لما زال أمر الإسلام، قاله الزجاج. قال أبو علي: ~~ويدل على صحة هذا قوله عز وجل: فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله أي: فقد وعدك ~~الظهور عليهم، قال ابن عباس: يريد بوعده: النصر والفتح وإظهار الدين. إن ~~الله عزيز أي: منيع ذو انتقام من الكافرين، وهو أن يجازيهم بالعقوبة على ~~كفرهم. ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 48] # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار (48) # قوله تعالى: يوم تبدل الأرض غير الأرض وروى أبان «يوم نبدل» بالنون وكسر ~~الدال «الأرض» PageV02P519 # بالنصب، «والسماوات» بخفض التاء، ولا خلاف في نصب «غير» . وفي معنى تبديل ~~الأرض قولان: # أحدهما: أنها تلك الأرض، وإنما يزاد فيها وينقص منها، وتذهب آكامها ~~وجبالها وأوديتها وشجرها، وتمد مد الأديم، روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن ~~عباس. # (841) وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض قال: «يبسطها ويمدها مد الأديم» . # والثاني: أنها تبدل بغيرها. ثم فيه أربعة أقوال «1» : أحدها: أنها تبدل ~~بأرض غيرها بيضاء كالفضة لم يعمل عليها خطيئة، رواه عمرو بن ميمون عن ابن ~~مسعود، وعطاء عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. # والثاني: أنها تبدل نارا، قاله أبي بن كعب. والثالث: أنها تبدل بأرض من ~~فضة، قاله أنس بن مالك. # والرابع: تبدل بخبزة بيضاء، ms1205 فيأكل المؤمن من تحت قدميه، قاله أبو هريرة، ~~وسعيد بن جبير، والقرظي. وقال غيرهم: يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغ من ~~حسابهم. # فأما تبديل السماوات، ففيه ستة أقوال: أحدها: أنها تجعل من ذهب، قاله علي ~~عليه السلام. # والثاني: أنها تصير جنانا، قاله أبي بن كعب. والثالث: أن تبديلها: تكوير ~~شمسها وتناثر نجومها، قاله ابن عباس. والرابع: أن تبديلها: اختلاف أحوالها، ~~فمرة كالمهل، ومرة تكون كالدهان، قاله ابن الأنباري. والخامس: أن تبديلها ~~أن تطوى كطي السجل للكتاب. والسادس: أن تنشق فلا تظل، ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: وبرزوا لله الواحد القهار أي: خرجوا من القبور. ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 49 الى 51] # وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) سرابيلهم من قطران وتغشى ~~وجوههم النار (50) ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (51) # قوله تعالى: وترى المجرمين يعني: الكفار مقرنين يقال: قرنت الشيء إلى ~~الشيء: إذا PageV02P520 # وصلته به. وفي معنى «مقرنين» ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم يقرنون مع ~~الشياطين، قاله ابن عباس. # والثاني: أن أيديهم وأرجلهم قرنت إلى رقابهم، قاله ابن زيد. والثالث: ~~يقرن بعضهم إلى بعض، قاله ابن قتيبة. وفي الأصفاد ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ~~الأغلال، قاله ابن عباس، وابن زيد، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج، وابن ~~الأنباري. والثاني: القيود والأغلال، قاله قتادة. والثالث: القيود، قاله ~~أبو سليمان الدمشقي. فأما السرابيل، فقال أبو عبيدة: هي القمص، واحدها ~~سربال. وقال الزجاج: # السربال: كل ما لبس. وفي القطران ثلاث لغات: فتح القاف وكسر الطاء، وفتح ~~القاف مع تسكين الطاء، وكسر القاف مع تسكين الطاء، وفي معناه قولان: ~~أحدهما: أنه النحاس المذاب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: أنه ~~قطران الإبل، قاله الحسن، وهو شيء يتحلب من شجر تهنأ به الإبل. قال الزجاج: ~~وإنما جعل لهم القطران، لأنه يبالغ في اشتعال النار في الجلود، ولو أراد ~~الله تعالى المبالغة في إحراقهم بغير ذلك لقدر، ولكنه حذرهم ما يعرفون ~~حقيقته. وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأبو مجلز، وعكرمة، وقتادة، وابن أبي ~~عبلة، وأبو حاتم عن ms1206 يعقوب: «من قطر» بكسر القاف وسكون الطاء والتنوين «آن» ~~بقطع الهمزة وفتحها ومدها. والقطر: النحاس، وآن: قد انتهى حره. قوله تعالى: ~~وتغشى وجوههم النار: أي تعلوها. واللام في ليجزي متعلقة بقوله: وبرزوا. ### | [سورة إبراهيم (14) : آية 52] # هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا ~~الألباب (52) # قوله تعالى: هذا بلاغ للناس في المشار إليه قولان: أحدهما: أنه القرآن. ~~والثاني: الإنذار. # والبلاغ: الكفاية. قال مقاتل: والمراد بالناس: أهل مكة. # قوله تعالى: ولينذروا به أي: أنزل لينذروا به، وليعملوا بما فيه من الحجج ~~أنما هو إله واحد وليذكر أي: وليتعظ أولوا الألباب. # PageV02P521 ### | سورة الحجر # وهي مكية كلها من غير خلاف نعلمه بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الحجر (15) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) # قوله تعالى: الر تلك آيات الكتاب قد سبق بيانه. قوله تعالى: وقرآن مبين ~~فيه قولان: # أحدهما: أن القرآن: هو الكتاب، جمع له بين الاسمين. والثاني: أن الكتاب: ~~هو التوراة والإنجيل، والقرآن: كتابنا. وقد ذكرنا في أول يوسف معنى المبين. ### | [سورة الحجر (15) : آية 2] # ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (2) # قوله تعالى: ربما وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي ~~«ربما» مشددة. # وقرأ نافع، وعاصم، وعبد الوارث «ربما» بالتخفيف. قال الفراء: أسد وتميم ~~يقولون: «ربما» بالتشديد، وأهل الحجاز وكثير من قيس يقولون: «ربما» ~~بالتخفيف. قال الفراء: أسد وتميم يقولون: «ربما» بالتشديد، وأهل الحجاز ~~وكثير من قيس يقولون: «ربما» بالتخفيف. وتيم الرباب يقولون: «ربما» بفتح ~~الراء. # وقيل: إنما قرئت بالتخفيف، لما فيها من التضعيف، والحروف المضاعفة قد ~~تحذف، نحو «إن» و «لكن» فإنهم قد خففوها. قال الزجاج: يقولون: رب رجل ~~جاءني، ورب رجل جاءني، وأنشد: # أزهير إن يشب القذال فإنني ... رب هيضل مرس لففت بهيضل «1» # هذا البيت لأبي كبير الهذلي، وفي ديوانه: # رب هيضل لجب لففت بهيضل والهيضل: جمع هيضلة، وهي الجماعة يغرى بهم، يقول ~~لففتهم بأعدائهم في القتال. # و «رب» كلمة موضوعة للتقليل، كما أن «كم» للتكثير، وإنما زيدت «ما» ms1207 مع ~~«رب» ليليها الفعل، تقول: رب رجل جاءني، وربما جاءني زيد. وقال الأخفش: ~~أدخل مع «رب» ما، ليتكلم بالفعل بعدها، وإن شئت جعلت «ما» بمنزلة «شيء» ، ~~فكأنك قلت: رب شيء، أي: رب ود يوده الذين كفروا. وقال أبو سليمان الدمشقي: ~~«ما» ها هنا بمعنى «حين» ، فالمعنى: رب حين يودون فيه. واختلف المفسرون متى ~~يقع هذا من الكفار، على قولين: # أحدهما: أنه في الآخرة. ومتى يكون ذلك؟ فيه أربعة أقوال: PageV02P522 # (842) أحدها: «أنه إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من ~~أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: ~~فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ # قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فسمع الله ما قالوا، فأمر بمن كان في ~~النار من أهل القبلة فأخرجوا، فلما رأى ذلك الكفار، قالوا: يا ليتنا كنا ~~مسلمين فنخرج كما أخرجوا» رواه أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وذهب إليه ابن عباس في رواية وأنس بن مالك، ومجاهد، وعطاء، وأبو ~~العالية، وإبراهيم. # والثاني: أنه ما يزال الله يرحم ويشفع حتى يقول: من كان من المسلمين ~~فليدخل الجنة، فذلك حين يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين، رواه مجاهد عن ~~ابن عباس. والثالث: أن الكفار إذا عاينوا القيامة، ودوا لو كانوا مسلمين، ~~ذكره الزجاج. والرابع: أنه كلما رأى أهل الكفر حالا من أحوال القيامة يعذب ~~فيها الكافر ويسلم من مكروهها المؤمن، ودوا ذلك، ذكره ابن الأنباري. # والقول الثاني: أنه في الدنيا، إذا عاينوا وتبين لهم الضلال من الهدى ~~وعلموا مصيرهم، ودوا ذلك، قاله الضحاك. # فإن قيل: إذا قلتم: إن «رب» للتقليل، وهذه الآية خارجة مخرج الوعيد، ~~فإنما يناسب الوعيد تكثير ما يتواعد به؟ فعنه ثلاثة أجوبة ذكرها ابن ~~الأنباري: أحدها: أن «ربما» تقع على التقليل والتكثير، كما يقع الناهل على ~~العطشان والريان، والجون على الأسود والأبيض. والثاني: أن أهوال القيامة ~~وما يقع بهم من الأهوال تكثر عليهم، فإذا عادت إليهم عقولهم، ودوا ذلك. ~~والثالث: أن هذا الذي ms1208 خوفوا به، لو كان مما يود في حال واحدة من أحوال ~~العذاب، أو كان الإنسان يخاف الندم إذا حصل فيه ولا يتيقنه، لوجب عليه ~~اجتنابه. # فإن قيل: كيف جاء بعد «ربما» مستقبل، وسبيلها أن يأتي بعدها الماضي، ~~تقول: ربما لقيت عبد الله؟ فالجواب: أن ما وعد الله حق، فمستقبله بمنزلة ~~الماضي، يدل عليه قوله تعالى: وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم «1» وقوله: ~~ونادى أصحاب الجنة «2» ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت «3» ، على أن الكسائي ~~PageV02P523 # والفراء حكيا عن العرب أنهم يقولون: ربما يندم فلان، قال الشاعر: # ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال «1» ### | ### | [سورة الحجر (15) : آية # 3] # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3) # قوله تعالى: ذرهم يأكلوا ويتمتعوا أي: دع الكفار يأخذوا حظوظهم في ~~الدنيا، ويلههم الأمل أي: ويشغلهم ما يأملون في الدنيا عن أخذ حظهم من ~~الإيمان والطاعة فسوف يعلمون إذا وردوا القيامة وبال ما صنعوا، وهذا وعيد ~~وتهديد، وهذه الآية عند المفسرين منسوخة بآية السيف. ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 4 الى 5] # وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون (5) # قوله تعالى: وما أهلكنا من قرية أي: ما عذبنا من أهل قرية إلا ولها كتاب ~~معلوم أي أجل موقت لا يتقدم ولا يتأخر عنه. ما تسبق من أمة أجلها «من» صلة، ~~والمعنى: ما تتقدم وقتها الذي قدر لها بلوغه، ولا تستأخر عنه. قال الفراء: ~~إنما قال: «أجلها» لأن الأمة لفظها مؤنث، وإنما قال: # «يستأخرون» إخراجا له على معنى الرجال. ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 6 الى 8] # وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) لو ما تأتينا ~~بالملائكة إن كنت من الصادقين (7) ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا ~~إذا منظرين (8) # قوله تعالى: وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر قال مقاتل: نزلت في عبد ~~الله بن أبي أمية والنضر بن الحارث ونوفل بن خويلد والوليد بن المغيرة. قال ~~ابن عباس: والذكر القرآن. وإنما قالوا هذا استهزاء، لو أيقنوا أنه ms1209 نزل عليه ~~الذكر، ما قالوا إنك لمجنون. قال أبو علي الفارسي: وجواب هذه الآية في سورة ~~أخرى في قوله تعالى: ما أنت بنعمة ربك بمجنون «2» . # قوله تعالى: لو ما تأتينا قال الفراء: «لو ما» و «لولا» لغتان معناهما: ~~هلا، وكذلك قال أبو عبيدة: هما بمعنى واحد، وأنشد لابن مقبل: # لو ما الحياء ولو ما الدين عبتكما ... ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري # قال المفسرون: إنما سألوا الملائكة ليشهدوا له بصدقه، وأن الله أرسله، ~~فأجابهم الله تعالى بقوله: ما ننزل الملائكة إلا بالحق قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر «ما تنزل» بالتاء المفتوحة «الملائكة» بالرفع. ~~وروى أبو بكر عن عاصم «ما تنزل» بضم التاء على ما لم يسم فاعله. وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف «ما ننزل» بالنون والزاي مشددة «الملائكة» ~~نصبا. وفي المراد بالحق أربعة أقوال: أحدها: أنه العذاب إن لم يؤمنوا، قاله ~~الحسن. والثاني: الرساله، قاله مجاهد. والثالث: قبض الأرواح عند الموت، ~~قاله ابن السائب. والرابع: أنه القرآن، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: وما كانوا يعني المشركين إذا منظرين أي عند نزول الملائكة ~~إذا نزلت. PageV02P524 ### | [سورة الحجر (15) : آية 9] # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) # قوله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر، من عادة الملوك إذا فعلوا شيئا، قال ~~أحدهم: نحن فعلنا، يريد نفسه وأتباعه، ثم صار هذا عادة للملك في خطابه، وإن ~~انفرد بفعل الشيء، فخوطبت العرب بما تعقل من كلامها. والذكر: القرآن، في ~~قول جميع المفسرين. وفي هاء «له» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الذكر، قاله ~~الأكثرون. قال قتادة: أنزله الله ثم حفظه، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه ~~باطلا، ولا ينقص منه حقا. والثاني: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فالمعنى: وإنا له لحافظون من الشياطين والأعداء، لقولهم: «إنك ~~لمجنون» ، هذا قول ابن السائب، ومقاتل. ### | [سورة الحجر (15) : آية 10] # ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10) # قوله تعالى: ولقد أرسلنا من قبلك يعني: رسلا، فحذف المفعول، لدلالة ~~الإرسال عليه. # والشيع: الفرق، وحكي عن الفراء ms1210 أنه قال: الشيعة: الأمة المتابعة بعضها ~~بعضا فيما يجتمعون عليه من أمر. ### | [سورة الحجر (15) : آية 11] # وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (11) # قوله تعالى: وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن هذا تعزية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، والمعنى: إن كل نبي قبلك كان مبتلى بقومه كما ابتليت. ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 12 الى # 13] # كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12) لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين (13) # قوله تعالى: كذلك نسلكه في المشار إليه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الشرك، ~~قاله ابن عباس، والحسن، وابن زيد. والثاني: أنه الاستهزاء، قاله قتادة. ~~والثالث: التكذيب، قاله ابن جريج، والفراء. # ومعنى الآية: كما سلكنا الكفر في قلوب شيع الأولين، ندخل في قلوب هؤلاء ~~التكذيب فلا يؤمنوا. ثم أخبر عن هؤلاء المشركين، فقال تعالى: لا يؤمنون به. ~~وفي المشار إليه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الرسول. والثاني: القرآن. ~~والثالث: العذاب. # قوله تعالى: وقد خلت سنة الأولين فيه قولان: أحدهما: مضت سنة الله في ~~إهلاك المكذبين. # والثاني: مضت سنتهم بتكذيب الأنبياء. ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 14 الى 15] # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14) لقالوا إنما سكرت ~~أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15) # قوله تعالى: ولو فتحنا عليهم بابا من السماء يعني: كفار مكة فظلوا فيه ~~يعرجون أي: # يصعدون، يقال: ظل يفعل كذا: إذا فعله بالنهار. وفي المشار إليهم بهذا ~~الصعود قولان: أحدهما: # أنهم الملائكة، قاله ابن عباس، والضحاك، فالمعنى: لو كشف عن أبصار هؤلاء ~~فرأوا بابا مفتوحا في السماء والملائكة تصعد فيه، لما آمنوا به. والثاني: ~~أنهم المشركون، قاله الحسن، وقتادة، فيكون المعنى: لو وصلناهم إلى صعود ~~السماء لم يستشعروا إلا الكفر، لعنادهم. # PageV02P525 # قوله تعالى: لقالوا إنما سكرت أبصارنا قرأ الأكثرون بتشديد الكاف. وقرأ ~~ابن كثير، وعبد الوارث بتخفيفها. قال الفراء: ومعنى القراءتين متقارب، ~~والمعنى: حبست، من قولهم: سكرت الريح: إذا سكنت وركدت. وقال أبو عمرو بن ~~العلاء: معنى «سكرت» بالتخفيف، مأخوذ من سكر الشراب، يعني: أن الأبصار ~~حارت، ووقع بها من فساد النظر مثل ms1211 ما يقع بالرجل السكران من تغير العقل. ~~قال ابن الأنباري: إذا كان هذا معنى الوصف، فسكرت، بالتشديد، يراد به وقوع ~~هذا الأمر مرة بعد مرة. وقال أبو عبيدة: «سكرت» بالتشديد، من السكور التي ~~تمنع الماء الجرية، فكأن هذه الأبصار منعت من النظر كما يمنع السكر الماء ~~من الجري. وقال الزجاج: «سكرت» بالتشديد، فسروها: # أغشيت، و «سكرت» بالتخفيف: تحيرت وسكنت عن أن تنظر، والعرب تقول: سكرت ~~الريح تسكر: # إذا سكنت. وروى العوفي عن ابن عباس: إنما سكرت أبصارنا قال: أخذ بأبصارنا ~~وشبه علينا، وإنما سحرنا. وقال مجاهد: «سكرت» سدت بالسحر، فيتماثل لأبصارنا ~~غير ما ترى. ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 16 الى # 18] # ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (16) وحفظناها من كل شيطان ~~رجيم (17) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18) # قوله تعالى: ولقد جعلنا في السماء بروجا في البروج ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنها بروج الشمس والقمر، أي: منازلهما، قاله ابن عباس، وأبو عبيدة في ~~آخرين. قال ابن قتيبة: وأسماؤها: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، ~~والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. ~~والثاني: أنها قصور، روي عن ابن عباس أيضا. وقال عطية: هي قصور في السماء ~~فيها الحرس. وقال ابن قتيبة: أصل البروج: الحصون. والثالث: أنها الكواكب، ~~قاله مجاهد، وقتادة، ومقاتل. قال أبو صالح: هي النجوم العظام. قال قتادة: ~~سميت بروجا، لظهورها. # قوله تعالى: وزيناها أي: حسناها بالكواكب. وفي المراد بالناظرين قولان: # أحدهما: أنهم المبصرون. والثاني: المعتبرون. # قوله تعالى: وحفظناها من كل شيطان رجيم أي: حفظناها أن يصل إليها شيطان ~~أو يعلم من أمرها شيئا إلا استراقا، ثم يتبعه الشهاب. والرجيم مشروح في ~~سورة آل عمران «1» . واختلف العلماء: # هل كانت الشياطين ترمى بالنجوم قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم، أم ~~لا؟ على قولين: أحدهما: أنها لم ترم حتى بعث صلى الله عليه وسلم، وهذا ~~المعنى: مذكور في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس. # (843) وقد أخرج في «الصحيحين» من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ~~«انطلق PageV02P526 # رسول الله صلى ms1212 الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، ~~وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب» . وظاهر هذا ~~الحديث أنها لم تكن قبل ذلك. قال الزجاج: ويدل على أنها إنما كانت بعد مولد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن شعراء العرب الذين يمثلون بالبرق والأشياء ~~المسرعة، لم يوجد في أشعارها ذكر الكواكب المنقضة، فلما حدثت بعد مولد ~~نبينا صلى الله عليه وسلم، استعملت الشعراء ذكرها، فقال ذو الرمة: # كأنه كوكب في إثر عفرية ... مسوم في سواد الليل منقضب «1» # والثاني: أنه قد كان ذلك قبل نبينا صلى الله عليه وسلم. # (844) فروى مسلم في «صحيحه» من حديث علي بن الحسين عن ابن عباس قال: بينا ~~النبي صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من أصحابه، إذ رمي بنجم، فاستنار، ~~فقال: «ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية» ؟ قالوا: كنا نقول: ~~يموت عظيم، أو يولد عظيم، قال: «فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ~~ولكن ربنا إذا قضى أمرا، سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، ~~حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء، ثم يستخبر أهل كل سماء أهل سماء، حتى ~~ينتهي الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن ويرمون، فما جاءوا به على وجهه فهو ~~حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون» . وروي عن ابن عباس أن الشياطين كانت لا ~~تحجب عن السماوات، فلما ولد عيسى، منعت من ثلاث سماوات، فلما ولد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، منعوا من السماوات كلها. وقال الزهري: قد كان يرمى ~~بالنجوم قبل مبعث رسول الله، ولكنها غلظت حين بعث صلى الله عليه وسلم، وهذا ~~مذهب ابن قتيبة، قال: وعلى هذا وجدنا الشعر القديم، قال بشر بن أبي خازم، ~~وهو جاهلي: # والعير يرهقها الغبار وجحشها ... ينقض خلفهما انقضاض الكوكب # وقال أوس بن حجر، وهو جاهلي: # فانقض كالدريء يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا # قوله تعالى: إلا من استرق السمع أي: اختطف ما سمعه من كلام الملائكة. قال ~~ابن فارس: # استرق ms1213 السمع: إذا تسمع مستخفيا. فأتبعه أي: لحقه شهاب مبين قال ابن ~~قتيبة: كوكب مضيء. # وقيل: «مبين» بمعنى: ظاهر يراه أهل الأرض. وإنما يسترق الشيطان ما يكون ~~من أخبار الأرض، فأما وحي الله عز وجل، فقد صانه عنهم. واختلفوا، هل يقتل ~~الشهاب، أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه PageV02P527 # يحرق ويخبل ولا يقتل، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنه يقتل، قاله ~~الحسن. فعلى هذا القول، هل يقتل الشيطان قبل أن يخبر بما سمع، فيه قولان: ~~أحدهما: أنه يقتل قبل ذلك، فعلى هذا، لا تصل أخبار السماء إلى غير ~~الأنبياء. قال ابن عباس: ولذلك انقطعت الكهانة. والثاني: أنه يقتل بعد ~~إلقائه ما سمع إلى غيره من الجن، ولذلك يعودون إلى الاستراق، ولو لم يصل ~~لقطعوا الاستراق. ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 19 الى 20] # والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون (19) ~~وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20) # قوله تعالى: والأرض مددناها أي: بسطناها على وجه الماء وألقينا فيها ~~رواسي وهي الجبال الثوابت وأنبتنا فيها في المشار إليها قولان: أحدهما: ~~أنها الأرض، قاله الأكثرون. والثاني: الجبال، قاله الفراء. وفي قوله: من كل ~~شيء موزون قولان «1» : # أحدهما: أن الموزون: المعلوم، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن ~~جبير، والضحاك. وقال مجاهد، وعكرمة في آخرين: الموزون: المقدور. فعلى هذا ~~يكون المعنى: معلوم القدر كأنه قد وزن، لأن أهل الدنيا لما كانوا يعلمون ~~قدر الشيء بوزنه، أخبر الله تعالى عن هذا أنه معلوم القدر عنده بأنه موزون. ~~وقال الزجاج: المعنى: أنه جرى على وزن من قدر الله تعالى، لا يجاوز ما قدره ~~الله تعالى عليه، ولا يستطيع خلق زيادة فيه ولا نقصانا. # والثاني: أنه عنى به الشيء الذي يوزن كالذهب، والفضة، والرصاص، والحديد، ~~والكحل، ونحو ذلك، وهذا المعنى مروي عن الحسن، وعكرمة، وابن زيد، وابن ~~السائب، واختاره الفراء. # قوله تعالى: وجعلنا لكم فيها معايش في المشار إليها قولان: # أحدهما: أنها الأرض. والثاني: أنها الأشياء التي أنبتت. # والمعايش جمع معيشة. والمعنى: جعلنا لكم ms1214 فيها أرزاقا تعيشون بها. # وفي قوله: ومن لستم له برازقين أربعة أقوال «2» : أحدها: أنه الدواب ~~والأنعام، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. والثاني: الوحوش، رواه منصور، عن ~~مجاهد. وقال ابن قتيبة: الوحش، والطير، والسباع، وأشباه ذلك مما لا يرزقه ~~ابن آدم. والثالث: العبيد والإماء، قاله الفراء. والرابع: العبيد، ~~والأنعام، والدواب، قاله الزجاج. قال الفراء: و «من» في موضع نصب، فالمعنى: ~~جعلنا لكم فيها المعايش، والعبيد، والإماء. ويقال: إنها في موضع خفض، ~~فالمعنى: جعلنا لكم فيها معايش ولمن لستم له برازقين. وقال الزجاج: المعنى: ~~جعلنا لكم الدواب، والعبيد، وكفيتم مؤونة أرزاقها. # فإن قيل: كيف قلتم: إن «من» هاهنا للوحوش والدواب، وإنما تكون لمن يعقل؟ # فالجواب: أنه لما وصفت الوحوش وغيرها بالمعاش الذي الغالب عليه أن يوصف ~~به الناس، PageV02P528 # فيقال: للآدمي معاش، ولا يقال: للفرس معاش، جرت مجرى الناس، كما قال: يا ~~أيها النمل ادخلوا مساكنكم «1» ، وقال: رأيتهم لي ساجدين «2» ، وقال: كل في ~~فلك يسبحون «3» ، وإن قلنا: أريد به العبيد، والوحوش، فإنه إذا اجتمع الناس ~~وغيرهم، غلب الناس على غيرهم، لفضيلة العقل والتمييز. ### | [سورة الحجر (15) : آية 21] # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) # قوله تعالى: وإن من شيء أي: وما من شيء إلا عندنا خزائنه وهذا الكلام عام ~~في كل شيء. وذهب قوم من المفسرين إلى أن المراد به المطر خاصة، فالمعنى ~~عندهم: وما من شيء من المطر إلا عندنا خزائنه، أي: في حكمنا وتدبيرنا، وما ~~ننزله كل عام إلا بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص، فما من عام أكثر مطرا من ~~عام، غير أن الله تعالى يصرفه إلى من يشاء، ويمنعه من يشاء. ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 22 الى # 23] # وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له ~~بخازنين (22) وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون (23) # قوله تعالى: وأرسلنا الرياح لواقح وقرأ حمزة وخلف: «الريح» . وكان أبو ~~عبيدة يذهب إلى أن «لواقح» بمعنى ملاقح، فسقطت الميم منه، قال الشاعر: # ليبك يزيد بائس لضراعة ... وأشعث ممن طوحته ms1215 الطوائح «4» # أراد: المطاوح، فحذف الميم، فمعنى الآية عنده: وأرسلنا الرياح ملقحة، ~~فيكون هاهنا فاعل بمعنى مفعل، كما أتى فاعل بمعنى مفعول، كقوله تعالى: ماء ~~دافق «5» أي: مدفوق، وعيشة راضية «6» أي: مرضية، وكقولهم: ليل نائم، أي: ~~منوم فيه، ويقولون: أبقل النبت، فهو باقل، أي: مبقل. قال ابن قتيبة: يريد ~~أبو عبيدة أنها تلقح الشجر، وتلقح السحاب كأنها تنتجه. ولست أدري ما اضطره ~~إلى هذا التفسير بهذا الاستكراه وهو يجد العرب تسمي الرياح لواقح، والريح ~~لاقحا، قال الطرماح، وذكر بردا مده على أصحابه في الشمس يستظلون به: # قلق لأفنان الريا ... ح للاقح منها وحائل «7» # فاللاقح: الجنوب، والحائل: الشمال، ويسمون الشمال أيضا: عقيما، والعقيم: ~~التي لا تحمل، كما سموا الجنوب لاقحا، قال كثير: # ومر بسفساف التراب عقيمها «8» PageV02P529 # يعني: الشمال. وإنما جعلوا الريح لاقحا، أي: حاملا، لأنها تحمل السحاب ~~وتقلبه وتصرفه، ثم تحله فينزل، فهي على هذا حامل، ويدل على هذا قوله تعالى: ~~حتى إذا أقلت سحابا «1» أي: # حملت، قال ابن الأنباري: شبه ما تحمله الريح من الماء وغيره، بالولد الذي ~~تشتمل عليه الناقة، وكذلك يقولون: حرب لاقح، لما تشتمل عليه من الشر، فعلى ~~قول أبي عبيدة، يكون معنى «لواقح» : # أنها ملقحة لغيرها، وعلى قول ابن قتيبة: أنها لاقحة نفسها، وأكثر ~~الأحاديث تدل على القول الأول «2» . # قال عبد الله بن مسعود: يبعث الله الرياح لتلقح السحاب، فتحمل الماء، ~~فتمجه في السحاب ثم تمريه «3» ، فيدر كما تدر اللقحة «4» . وقال الضحاك: ~~يبعث الله الرياح على السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء. # قال النخعي: تلقح السحاب ولا تلقح الشجر. وقال الحسن في آخرين: تلقح ~~السحاب والشجر، يعنون أنها تلقح السحاب حتى يمطر والشجر حتى يثمر. # قوله تعالى: فأنزلنا من السماء يعني السحاب ماء يعني المطر فأسقيناكموه ~~أي: جعلناه سقيا لكم. قال الفراء: العرب مجتمعون على أن يقولوا: سقيت ~~الرجل، فأنا أسقيه: إذا سقيته لشفته، فإذا أجروا للرجل نهرا قالوا: أسقيته ~~وسقيته، وكذلك السقيا من الغيث، قالوا فيها: سقيت وأسقيت، وقال أبو عبيدة: ~~كل ما كان من السماء، ففيه لغتان: ms1216 أسقاه الله، وسقاه الله، قال لبيد: # سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرا والقبائل من هلال # فجاء باللغتين. وتقول: سقيت الرجل ماء وشرابا من لبن وغيره، وليس فيه إلا ~~لغة واحدة بغير ألف، إذا كان في الشفه، وإذا جعلت له شربا، فهو: أسقيته، ~~وأسقيت أرضه، وإبله، ولا يكون غير هذا، وكذلك إذا استسقيت له، كقول ذي ~~الرمة: # وقفت على رسم «5» لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه # وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه # فإذا وهبت له إهابا ليجعله سقاء، فقد أسقيته إياه. # قوله تعالى: وما أنتم له يعني: الماء المنزل بخازنين وفيه قولان: أحدهما: ~~بحافظين، أي: ليست خزائنه بأيديكم، قاله مقاتل. والثاني: بمانعين، قاله ~~سفيان الثوري. # قوله تعالى: ونحن الوارثون يعني: أنه الباقي بعد فناء الخلق. PageV02P530 ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 24 الى # 25] # ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24) وإن ربك هو ~~يحشرهم إنه حكيم عليم (25) # قوله تعالى: ولقد علمنا المستقدمين يقال: استقدم الرجل، بمعنى: تقدم، ~~واستأخر، بمعنى: # تأخر، وفي سبب نزولها قولان: # (845) أحدهما: أن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فكان بعضهم يستقدم حتى PageV02P531 # يكون في أول الصف لئلا يراها، ويتأخر بعضهم حتى يكون في آخر صف، فإذا ركع ~~نظر من تحت إبطه، فنزلت هذه الآية، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. # (846) والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم حرض على الصف الأول، ~~فازدحموا عليه، وقال قوم بيوتهم قاصية عن المدينة: لنبيعن دورنا، ولنشترين ~~دورا قريبة من المسجد حتى ندرك الصف المتقدم، فنزلت هذه الأية ومعناها: ~~إنما تجزون على النيات، فاطمأنوا وسكنوا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # وللمفسرين في معنى المستقدمين والمستأخرين ثمانية أقوال «1» : أحدها: ~~التقدم في الصف الأول، والتأخر عنه، وهذا على القولين المذكورين في سبب ~~نزولها، فعلى الأول: هو التقدم للتقوى، والتأخر للخيانة بالنظر، وعلى ~~الثاني: هو التقدم لطلب الفضيلة، والتأخر للعذر. والثاني: أن المستقدمين: ~~من مات، والمستأخرين: من هو حي لم يمت، رواه العوفي عن ابن عباس، وخصيف عن ms1217 ~~مجاهد، وبه قال عطاء، والضحاك، والقرظي. والثالث: أن المستقدمين: من خرج من ~~الخلق فكان. والمستأخرين: الذين في أصلاب الرجال، رواه الضحاك عن ابن عباس، ~~وبه قال عكرمة. # والرابع: أن المستقدمين: من مضى من الأمم، والمستأخرين: أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. والخامس: أن المستقدمين: ~~المتقدمون في الخير، والمستأخرين، المثبطون عنه، قاله الحسن وقتادة. ~~والسادس: أن المستقدمين في صفوف القتال، والمستأخرين عنها، قاله الضحاك. ~~والسابع: أن المستقدمين: من قتل في الجهاد، والمستأخرين: من لم يقتل، قاله ~~القرظي. والثامن: أن المستقدمين: # أول الخلق، والمستأخرين: آخر الخلق، قاله الشعبي. ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 26 الى # 28] # ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون (26) والجان خلقناه من قبل من ~~نار السموم (27) وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون ~~(28) # قوله تعالى: ولقد خلقنا الإنسان يعني آدم من صلصال وفيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه الطين اليابس الذي لم تصبه نار، فإذا نقرته صل، فسمعت له صلصلة، ~~قاله ابن عباس وقتادة وأبو عبيدة وابن قتيبة. والثاني: أنه الطين المنتن، ~~قاله مجاهد والكسائي وأبو عبيد. ويقال: صل اللحم: إذا تغيرت رائحته. ~~والثالث: أنه طين خلط برمل، فصار له صوت عند نقره، قاله الفراء. # فأما الحمأ، فقال أبو عبيدة: هو جمع حمأة، وهو الطين المتغير. وقال ابن ~~الأنباري: لا خلاف أن الحمأ: الطين الأسود المتغير الريح، وروى السدي عن ~~أشياخه قال: بل التراب حتى صار طينا. ثم ترك حتى أنتن وتغير. # وفي المسنون أربعة أقوال: أحدها: أنه المنتن أيضا، رواه مجاهد عن ابن ~~عباس، وبه قال PageV02P532 # مجاهد، وقتادة في آخرين. قال ابن قتيبة: المسنون: المتغير الرائحة. ~~والثاني: أنه الطين الرطب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: أنه ~~المصبوب، قاله أبو عمرو بن العلاء، وأبو عبيد. والرابع: # أنه المحكوك، ذكره ابن الأنباري، قال: فمن قال: المسنون: المنتن، قال: هو ~~من قولهم: قد تسنى الشيء: إذا أنتن، ومنه قوله تعالى: لم يتسنه «1» ، وإنما ~~قيل له: مسنون لتقادم السنين ms1218 عليه، ومن قال: الطين الرطب، قال: سمي مسنونا، ~~لأنه يسيل وينبسط، فيكون كالماء المسنون المصبوب. ومن قال: المصبوب، احتج ~~بقول العرب: قد سننت علي الماء: إذا صببته. ويجوز أن يكون المصبوب على صورة ~~ومثال، من قوله: رأيت سنة وجهه، أي: صورة وجهه، قال الشاعر: # تريك سنة وجه غير مقرفة ... ملساء ليس بها خال ولا ندب «2» # ومن قال: المحكوك، احتج بقول العرب: سننت الحجر على الحجر: إذا حككته ~~عليه. وسمي المسن مسنا، لأن الحديد يحك عليه. قال: وإنما كررت «من» لأن ~~الأولى متعلقة ب «خلقنا» ، والثانية متعلقة بالصلصال، تقديره: ولقد خلقنا ~~الإنسان من الصلصال الذي هو من حمأ مسنون. # قوله تعالى: والجان فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مسيخ الجن «3» ، كما أن ~~القردة والخنازير مسيخ الإنس «4» ، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: أنه ~~أبو الجن، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وروى عنه الضحاك أنه قال: الجان أبو ~~الجن، وليسوا بشياطين، والشياطين ولد إبليس «5» لا يموتون إلا مع إبليس، ~~والجن يموتون، ومنهم المؤمن ومنهم الكافر. والثالث: أنه إبليس، قاله الحسن، ~~وعطاء، وقتادة، ومقاتل. # فإن قيل: أليس أبو الجن هو إبليس؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه هو، فيكون ~~هذا القول هو الذي قبله. والثاني: أن الجان أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين، ~~فبينهما إذا فرق على ما ذكرنا عن ابن عباس، قال العلماء: وإنما سمي جانا، ~~لتواريه عن العيون. # قوله تعالى: من قبل يعني: قبل خلق آدم من نار السموم، وقال ابن مسعود: من ~~نار الريح الحارة، وهي جزء من سبعين جزءا من نار جهنم «6» . والسموم في ~~اللغة: الريح الحارة وفيها نار، قال PageV02P533 # ابن السائب: وهي نار لا دخان لها. ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 29 الى # 41] # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (29) فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون (30) إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (31) قال يا إبليس ما لك ~~ألا تكون مع الساجدين (32) قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ ~~مسنون (33) # قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) وإن عليك اللعنة إلى ms1219 يوم الدين (35) قال ~~رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) قال فإنك من المنظرين (37) إلى يوم الوقت ~~المعلوم (38) # قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك ~~منهم المخلصين (40) قال هذا صراط علي مستقيم (41) # قوله تعالى: فإذا سويته أي: عدلت صورته، وأتممت خلقته ونفخت فيه من روحي ~~هذه الروح هي التي يحيا بها الإنسان، ولا تعلم ماهيتها، وإنما أضافها إليه، ~~تشريفا لآدم، وهذه إضافة ملك. وإنما سمي إجراء الروح فيه نفخا، لأنها جرت ~~في بدنه على مثل جري الريح فيه. # قوله تعالى: فقعوا أمر من الوقوع. وقوله تعالى: كلهم أجمعون قال فيه ~~سيبويه والخليل: # هو توكيد بعد توكيد. وقال المبرد: «أجمعون» يدل على اجتماعهم في السجود، ~~فالمعنى: سجدوا كلهم في حالة واحدة. قال ابن الأنباري: وهذا، لأن «كلا» تدل ~~على اجتماع القوم في الفعل، ولا تدل على اجتماعهم في الزمان. قال الزجاج: ~~وقول سيبويه أجود، لأن «أجمعين» معرفة، ولا تكون حالا. # قوله تعالى: وإن عليك اللعنة قال المفسرون: معناه: يلعنك أهل السماء ~~والأرض إلى يوم الحساب. قال ابن الأنباري: وإنما قال: إلى يوم الدين لأنه ~~يوم له أول وليس له آخر، فجرى مجرى الأبد الذي لا يفنى، والمعنى: عليك ~~اللعنة أبدا. # قوله تعالى: إلى يوم الوقت المعلوم يعني: المعلوم بموت الخلائق فيه، ~~فأراد أن يذيقه ألم الموت قبل أن يذيقه العذاب الدائم في جهنم. # قوله تعالى: لأزينن لهم في الأرض مفعول التزيين محذوف، والمعنى: لأزينن ~~لهم الباطل حتى يقعوا فيه. ولأغوينهم أي: ولأضلنهم. والمخلصون: الذين ~~أخلصوا دينهم لله عن كل شائبة تناقض الإخلاص. وما أخللنا به من الكلمات ها ~~هنا، فقد سبق تفسيرها في سورة الأعراف وغيرها. # قوله تعالى: قال هذا صراط علي مستقيم اختلفوا في معنى هذا الكلام على ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يعني بقوله هذا: الإخلاص، فالمعنى: إن الإخلاص طريق إلي ~~مستقيم، و «علي» بمعنى «إلي» . والثاني: هذا طريق علي جوازه، لأني ~~بالمرصاد، فأجازيهم بأعمالهم، وهو خارج مخرج الوعيد، كما تقول للرجل ~~تخاصمه: طريقك علي، فهو كقوله: ms1220 إن ربك لبالمرصاد «1» . والثالث: هذا صراط ~~علي استقامته، أي: أنا ضامن لاستقامته بالبيان والبرهان. # وقرأ قتادة، ويعقوب: «هذا صراط علي» بكسر اللام ورفع الياء وتنوينها، أي: ~~رفيع. PageV02P534 ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 42 الى # 44] # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (42) وإن جهنم ~~لموعدهم أجمعين (43) لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم (44) # قوله تعالى: إن عبادي فيهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم المؤمنون. والثاني: ~~المعصومون، رويا عن قتادة. والثالث: المخلصون، قاله مقاتل. والرابع: ~~المطيعون، قاله ابن جرير. فعلى هذه الأقوال، تكون الآية من العام الذي أريد ~~به الخاص، وفي المراد بالسلطان قولان: أحدهما: أنه الحجة، قاله ابن جرير، ~~فيكون المعنى: ليس لك حجة في إغوائهم. والثاني: أنه القهر والغلبة إنما له ~~أن يغر ويزين، قاله أبو سليمان الدمشقي. وسئل سفيان بن عيينة عن هذه الآية، ~~فقال: ليس لك عليهم سلطان أن تلقيهم في ذنب يضيق عفوي عنه. # قوله تعالى: وإن جهنم لموعدهم أجمعين يعني: الذين اتبعوه. # قوله تعالى: لها سبعة أبواب وهي دركاتها بعضها فوق بعض، قال علي عليه ~~السلام: أبواب جهنم ليست كأبوابكم هذه، ولكنها هكذا وهكذا وهكذا بعضها فوق ~~بعض، ووصف الراوي عنه بيده وفتح أصابعه. قال ابن جرير: لها سبعة أبواب، ~~أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. ~~وقال الضحاك: هي سبعة أدراك بعضها فوق بعض، فأعلاها فيه أهل التوحيد يعذبون ~~على قدر ذنوبهم ثم يخرجون، والثاني فيه النصارى، والثالث فيه اليهود، ~~والرابع فيه الصابئون، والخامس فيه المجوس، والسادس فيه مشركو العرب، ~~والسابع فيه المنافقون. قال ابن الأنباري: لما اتصل العذاب بالباب، وكان ~~الباب من سببه، سمي باسمه للمجاورة، كتسميتهم الحدث غائطا. # قوله تعالى: لكل باب منهم أي من أتباع إبليس جزء مقسوم والجزء بعض الشيء. ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 45 الى 48] # إن المتقين في جنات وعيون (45) ادخلوها بسلام آمنين (46) ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) لا يمسهم فيها نصب وما هم منها ~~بمخرجين ms1221 (48) # قوله تعالى: إن المتقين في جنات وعيون (45) قد شرحنا في سورة (البقرة) ~~معنى التقوى والجنات. فأما العيون، فهي عيون الماء، والخمر، والسلسبيل، ~~والتسنيم، وغير ذلك مما ذكر أنه من شراب الجنة. # قوله تعالى: ادخلوها بسلام المعنى: يقال لهم: ادخلوها بسلام، وفيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: بسلامة من النار. والثاني: بسلامة من كل آفة. والثالث: بتحية من ~~الله تعالى. # وفي قوله: آمنين أربعة أقوال: أحدها: آمنين من عذاب الله. والثاني: من ~~الخروج. # والثالث: من الموت. والرابع: من الخوف والمرض. # قوله تعالى: ونزعنا ما في صدورهم من غل قد ذكرنا تفسيرها في سورة الأعراف ~~«1» ، فإن المفسرين ذكروا ما هناك هاهنا من تفسير وسبب نزول. PageV02P535 # قوله تعالى: إخوانا منصوب على الحال، والمعنى: أنهم متوادون. # فإن قيل: كيف نصب «إخوانا» على الحال، فأوجب ذلك أن التآخي وقع من نزع ~~الغل وقد كان التآخي بينهم في الدنيا؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: ما ~~مضى من التآخي قد كان تشوبه ضغائن وشحناء، وهذا التآخي بينهم الموجود عند ~~نزع الغل هو تآخي المصافاة والإخلاص، ويجوز أن ينتصب على المدح، المعنى: ~~اذكر إخوانا. فأما السرر، فجمع سرير، قال ابن عباس: على سرر من ذهب مكللة ~~بالزبرجد والدر والياقوت، السرير مثل ما بين عدن إلى أيلة «1» ، متقابلين ~~لا يرى بعضهم قفا بعض، حيثما التفت رأى وجها يحبه يقابله. # قوله تعالى: لا يمسهم فيها نصب أي: لا يصيبهم في الجنة إعياء وتعب. ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 49 الى # 53] # نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) وأن عذابي هو العذاب الأليم (50) ~~ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون ~~(52) قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم (53) # قوله تعالى: نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. # (847) سبب نزولها ما روى ابن المبارك بإسناد له عن رجل من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو ~~شيبة، ونحن نضحك، فقال: «ألا أراكم تضحكون؟» ثم أدبر، حتى ms1222 إذا كان عند ~~الحجر، رجع إلينا القهقرى، فقال: «إني لما خرجت، جاء جبريل عليه السلام، ~~فقال: يا محمد، يقول الله تعالى: لم تقنط عبادي؟ نبئ عبادي أني أنا الغفور ~~الرحيم» . # وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو بتحريك ياء «عبادي» وياء «أني أنا» ، ~~وأسكنها الباقون. # قوله تعالى: ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) قد شرحنا القصة في (هود) «2» ~~وبينا هنالك معنى الضيف والسبب في خوفه منهم، وذكرنا معنى الوجل في ~~(الأنفال) «3» . # قوله تعالى: بغلام عليم أي: إنه يبلغ ويعلم. PageV02P536 ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 54 الى # 66] # قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون (54) قالوا بشرناك بالحق فلا ~~تكن من القانطين (55) قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (56) قال فما ~~خطبكم أيها المرسلون (57) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) # إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين (59) إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ~~(60) فلما جاء آل لوط المرسلون (61) قال إنكم قوم منكرون (62) قالوا بل ~~جئناك بما كانوا فيه يمترون (63) # وأتيناك بالحق وإنا لصادقون (64) فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ~~ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون (65) وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر ~~هؤلاء مقطوع مصبحين (66) # قوله تعالى: قال أبشرتموني أي: بالولد على أن مسني الكبر أي: على حالة ~~الكبر والهرم فبم تبشرون قرأ أبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ~~«تبشرون» بفتح النون. وقرأ نافع بكسر النون، ووافقه ابن كثير في كسرها، ~~لكنه شددها. وهذا استفهام تعجب، كأنه عجب من الولد على كبره. قالوا بشرناك ~~بالحق أي: بما قضى الله أنه كائن فلا تكن من القانطين يعني: # الآيسين. قال ومن يقنط قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة: ~~«ومن يقنط» بفتح النون في جميع القرآن. وقرأ أبو عمرو، والكسائي: «يقنط» ~~بكسر النون. وكلهم قرءوا من بعد ما قنطوا بفتح النون، وروى خارجة عن أبي ~~عمرو «ومن يقنط» بضم النون. قال الزجاج: يقال: قنط يقنط، وقنط يقنط، ~~والقنوط بمعنى اليأس، ولم يكن إبراهيم قانطا، ولكنه استبعد وجود الولد. قال ~~فما خطبكم أي: ما أمركم؟ ms1223 قالوا إنا أرسلنا أي: بالعذاب. وقوله تعالى: إلا ~~آل لوط استثناء ليس من الأول. فأما آل لوط فهم أتباعه المؤمنون. قوله ~~تعالى: إنا لمنجوهم قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«لمنجوهم» مشددة الجيم. وقرأ حمزة والكسائي «لمنجوهم» خفيفة. # قوله تعالى: إلا امرأته المعنى: إنا لمنجوهم إلا امرأته قدرنا وروى أبو ~~بكر عن عاصم «قدرنا» بالتخفيف، والمعنى واحد، يقال: قدرت وقدرت، والمعنى: ~~قضينا إنها لمن الغابرين يعني: الباقين في العذاب. # قوله تعالى: إنكم قوم منكرون يعني: لا أعرفكم، قالوا بل جئناك بما كانوا ~~فيه يمترون يعنون: العذاب، كانوا يشكون في نزوله. وأتيناك بالحق أي: بالأمر ~~الذي لا شك فيه من عذاب قومك. قوله تعالى: واتبع أدبارهم أي: سر خلفهم ~~وامضوا حيث تؤمرون أي: حيث يأمركم جبريل، وفي المكان الذي أمروا بالمضي ~~إليه قولان: أحدهما: أنه الشام، قاله ابن عباس. والثاني: # قرية من قرى لوط، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: وقضينا إليه ذلك الأمر أي: أوحينا إليه ذلك الأمر، أي: الأمر ~~بهلاك قومه. قال الزجاج: فسر: ما الأمر بباقي الآية، والمعنى: وقضينا إليه ~~أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين. فأما الدابر، فقد سبق تفسيره، والمعنى: إن آخر ~~من يبقى منكم يهلك وقت الصبح. # PageV02P537 ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 67 الى # 71] # وجاء أهل المدينة يستبشرون (67) قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) ~~واتقوا الله ولا تخزون (69) قالوا أولم ننهك عن العالمين (70) قال هؤلاء ~~بناتي إن كنتم فاعلين (71) # قوله تعالى: وجاء أهل المدينة وهي قرية لوط، واسمها سدوم «1» ، يستبشرون ~~بأضياف لوط، طمعا في ركوب الفاحشة، فقال لهم لوط: إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون ~~أي: بقصدكم إياهم بالسوء، يقال: فضحه يفضحه: إذا أبان من أمره ما يلزمه به ~~العار. وقد أثبت يعقوب ياء «تفضحون» ، وياء «تخزون» في الوصل والوقف. # قوله تعالى: أولم ننهك عن العالمين أي: عن ضيافة العالمين. # قوله تعالى: بناتي إن كنتم حرك ياء «بناتي» نافع، وأبو جعفر. ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 72 الى 77] # لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) فجعلنا ~~عاليها ms1224 سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (74) إن في ذلك لآيات للمتوسمين ~~(75) وإنها لبسبيل مقيم (76) # إن في ذلك لآية للمؤمنين (77) # قوله تعالى: لعمرك فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: وحياتك يا محمد، ~~رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. والثاني: لعيشك، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس، وبه قال الأخفش، وهو يرجع إلى معنى الأول. والثالث: أن معناه: وحقك ~~على أمتك، تقول العرب: لعمر الله لا أقوم، يعنون: # وحق الله، ذكره ابن الأنباري، قال: وفي العمر ثلاث لغات: عمر وعمر، وعمر، ~~وهو عند العرب: # البقاء. وحكى الزجاج أن الخليل وسيبويه وجميع أهل اللغة قالوا: العمر ~~والعمر في معنى واحد، فإذا استعمل في القسم، فتح لا غير، وإنما آثروا الفتح ~~في القسم، لأن الفتح أخف عليهم، وهم يؤثرون القسم ب «لعمري» و «لعمرك» فلما ~~كثر استعمالهم إياه، لزموا الأخف عليهم، قال: وقال النحويون: # ارتفع «لعمرك» بالابتداء، والخبر محذوف، والمعنى: لعمرك قسمي، ولعمرك ما ~~أقسم به، وحذف الخبر، لأن في الكلام دليلا عليه. المعنى: أقسم إنهم لفي ~~سكرتهم يعمهون وفي المراد بهذه السكرة قولان: أحدهما: أنها بمعنى الضلالة، ~~قاله قتادة. والثاني: بمعنى الغفلة، قاله الأعمش، وقد شرحنا معنى العمه في ~~سورة البقرة «2» . وفي المشار إليهم بهذا قولان: أحدهما: أنهم قوم لوط، ~~قاله الأكثرون. والثاني: قوم نبينا صلى الله عليه وسلم، قاله عطاء. # قوله تعالى: فأخذتهم الصيحة يعني: صيحة العذاب، وهي صيحة جبريل عليه ~~السلام. # مشرقين قال الزجاج: يقال: أشرقنا، فنحن مشرقون: إذا صادفوا شروق الشمس ~~وهو طلوعها، كما يقال: أصبحنا: إذا صادفوا الصبح، يقال: شرقت الشمس: إذا ~~طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت وصفت، هذا أكثر اللغة. وقد قيل: شرقت وأشرقت في ~~معنى واحد، إلا أن «مشرقين» في معنى PageV02P538 # مصادفين لطلوع الشمس. قوله تعالى: فجعلنا عاليها سافلها قد فسرنا الآية ~~في سورة (هود) «1» ، وفي المتوسمين أربعة أقوال: أحدها: أنهم المتفرسون. # (848) روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اتقوا ~~فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» ثم PageV02P539 # قرأ: إن في ذلك لآيات ms1225 للمتوسمين قال: «المتفرسين» وبهذا قال مجاهد، وابن ~~قتيبة. قال ابن قتيبة: # يقال: توسمت في فلان الخير، أي: تبينته. وقال الزجاج: المتوسمون، في ~~اللغة: النظار المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء، يقال: توسمت ~~في فلان كذا، أي: عرفت وسم ذلك فيه. وقال غيره: المتوسم: الناظر في السمة ~~الدالة على الشيء. # والثاني: المعتبرون، قاله قتادة. والثالث: الناظرون، قاله الضحاك. ~~والرابع: المتفكرون، قاله ابن زيد، والفراء. # قوله تعالى: وإنها يعني: قرية قوم لوط لبسبيل مقيم فيه قولان: أحدهما: ~~لبطريق واضح، رواه نهشل عن الضحاك عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والزجاج. ~~وقال ابن زيد: لبطريق مبين. # والثاني: لبهلاك. رواه أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس، والمعنى: إنها ~~بحال هلاكها لم تعمر حتى الآن! فالاعتبار بها ممكن، وهي على طريق قريش إذا ~~سافروا إلى الشام. ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 78 الى # 79] # وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين (78) فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين ~~(79) # قوله تعالى: وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين قال الزجاج: معنى «إن» واللام: ~~التوكيد، والأيك: # الشجر الملتف، فالفصل بين واحده وجمعه، الهاء. فالمعنى: أصحاب الشجرة. ~~قال المفسرون: هم قوم شعيب، كان مكانهم ذا شجر، فكذبوا شعيبا فأهلكوا بالحر ~~كما بينا في سورة (هود) . # قوله تعالى: وإنهما في المكنى عنهما قولان: أحدهما: أنهما الأيكة ومدينة ~~قوم لوط، قاله الأكثرون. والثاني: لوط وشعيب، ذكره ابن الأنباري. وفي قوله: ~~لبإمام مبين قولان: أحدهما: # لبطريق ظاهر، قاله ابن عباس، قال ابن قتيبة: وقيل للطريق: إمام، لأن ~~المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده. والثاني: لفي كتاب ~~مستبين، قاله السدي. قال ابن الأنباري: «وإنهما» يعني: # لوطا وشعيبا لبطريق من الحق يؤتم به. ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 80 الى 81] # ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين (80) وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين ~~(81) # قوله تعالى: ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين يعني بهم ثمود. قال ابن عباس: ~~كانت منازلهم بالحجر بين المدينة والشام، وفي الحجر قولان: أحدهما: أنه اسم ~~الوادي الذي كانوا به، قاله قتادة، والزجاج. والثاني: اسم مدينتهم، قاله ~~الزهري، ms1226 ومقاتل. # قال المفسرون: والمراد بالمرسلين: صالح وحده، لأنه من كذب نبيا فقد كذب ~~الكل. # والمراد بالآيات: الناقة، قال ابن عباس: كان فيها آيات: خروجها من ~~الصخرة، ودنو نتاجها عند خروجها، وعظم خلقها فلم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها ~~حتى كان يكفيهم جميعا، فكانوا عنها معرضين لم يتفكروا فيها ولم يستدلوا ~~بها. ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 82 الى 86] # وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (82) فأخذتهم الصيحة مصبحين (83) ~~فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (84) وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل (85) إن ربك هو الخلاق ~~العليم (86) # PageV02P540 # قوله تعالى: وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا قد شرحناه في (الأعراف) «1» . ~~وفي قوله: آمنين ثلاثة أقوال: أحدها: آمنين أن تقع عليهم. والثاني: آمنين ~~من خرابها. والثالث: من عذاب الله عز وجل. وفي قوله: ما كانوا يكسبون ~~قولان: أحدهما: ما كانوا يعملون من نحت الجبال. والثاني: ما كانوا يكسبون ~~من الأموال والأنعام. # قوله تعالى: إلا بالحق أي: للحق ولإظهار الحق، وهو ثواب المصدق وعقاب ~~المكذب. # وإن الساعة لآتية أي: وإن القيامة لتأتي، فيجازى المشركون بأعمالهم، ~~فاصفح الصفح الجميل عنهم، وهو الإعراض الخالي من جزع وفحش، قال المفسرون: ~~وهذا منسوخ بآية السيف. # فأما الخلاق فهو خالق كل شيء. والعليم قد سبق شرحه في سورة البقرة «2» . ### | ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 87 الى # 89] # ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم (87) لا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين (88) وقل إني ~~أنا النذير المبين (89) # قوله تعالى: ولقد آتيناك سبعا من المثاني. سبب نزولها: # (849) «أن سبع قوافل وافت من بصرى وأذرعات «3» ليهود قريظة والنضير في ~~يوم واحد، فيها أنواع من البز والطيب والجواهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه ~~الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، وقال: أعطيتكم سبع آيات هي خير لكم من هذه السبع القوافل» ، ويدل ~~على صحة هذا قوله: لا تمدن عينيك الآية، قاله الحسين بن الفضل. وفي المراد ~~بالسبع المثاني أربعة ms1227 أقوال: # (850) أحدها: أنها فاتحة الكتاب، قاله عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، ~~وابن مسعود في رواية، وابن عباس في رواية الأكثرين عنه، وأبو هريرة، ~~والحسن، وسعيد بن جبير في رواية، ومجاهد في رواية، وعطاء، وقتادة في آخرين. ~~فعلى هذا، إنما سميت بالسبع، لأنها سبع آيات. وفي تسميتها بالمثاني سبعة ~~أقوال «4» : أحدها: لأن الله تعالى استثناها لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فلم يعطها أمة قبلهم، PageV02P541 # رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: لأنها تثنى في كل ركعة، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس. # قال ابن الأنباري: والمعنى: آتيناك السبع الآيات التي تثنى في كل ركعة، ~~وإنما دخلت «من» للتوكيد، كقوله تعالى: ولهم فيها من كل الثمرات «1» . وقال ~~ابن قتيبة: سمي «الحمد» مثاني، لأنها تثنى في كل صلاة. والثالث: لأنها ما ~~أثني به على الله تعالى، لأن فيها حمد الله وتوحيده وذكر مملكته، ذكره ~~الزجاج. والرابع: لأن فيها «الرحمن الرحيم» مرتين، ذكره أبو سليمان الدمشقي ~~عن بعض اللغويين، وهذا على قول من يرى التسمية منها. والخامس: لأنها مقسومة ~~بين الله تعالى وبين عبده. # (851) ويدل عليه حديث أبي هريرة «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي» . # والسادس: لأنها نزلت مرتين، ذكره الحسين بن الفضل. والسابع: لأن كلماتها ~~مثناة، مثل: # الرحمن الرحيم، إياك إياك، الصراط صراط، عليهم عليهم، غير غير «2» ، ذكره ~~بعض المفسرين. # ومن أعظم فضائلها أن الله تعالى جعلها في حيز، والقرآن كله في حيز، وامتن ~~عليه بها كما امتن عليه بالقرآن كله. # والقول الثاني: أنها السبع الطول، قاله ابن مسعود في رواية، وابن عباس في ~~رواية، وسعيد بن جبير في رواية، ومجاهد في رواية، والضحاك. فالسبع الطول ~~هي: (البقرة) ، و (آل عمران) ، و (النساء) ، و (المائدة) ، و (الأنعام) ، و ~~(الأعراف) ، وفي السابعة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها (يونس) ، قاله سعيد بن ~~جبير. والثاني: (براءة) ، قاله أبو مالك. والثالث: (الأنفال) و (براءة) ~~جميعا، رواه سفيان عن مسعر عن بعض أهل العلم. قال ابن قتيبة: وكانوا يرون ~~(الأنفال) و (براءة) سورة واحدة، ولذلك لم ms1228 يفصلوا بينهما. قال شيخنا أبو ~~منصور اللغوي: هي الطول بضم الطاء، ولا تقلها بالكسر، فعلى هذا، في تسميتها ~~بالمثاني قولان: أحدهما: لأن الحدود والفرائض والأمثال ثنيت فيها، قاله ابن ~~عباس. والثاني: لأنها تجاوز المائة الأولى إلى المائة الثانية، ذكره ~~الماوردي. # والقول الثالث: أن السبع المثاني سبع معان أنزلت في القرآن: أمر ونهي، ~~وبشارة، وإنذار، وضرب الأمثال وتعداد النعم، وأخبار الأمم، قاله زياد بن ~~أبي مريم. # والقول الرابع: أن المثاني: القرآن كله، قاله طاوس، والضحاك، وأبو مالك، ~~فعلى هذا، في تسمية القرآن بالمثاني أربعة أقوال: أحدها: لأن بعض الآيات ~~يتلو بعضا، فتثنى الآخرة على الأولى، ولها مقاطع تفصل الآية بعد الآية حتى ~~تنقضي السورة، قاله أبو عبيدة. والثاني: أنه سمي بالمثاني لما يتردد فيه من ~~الثناء على الله عز وجل. والثالث: لما يتردد فيه من ذكر الجنة، والنار، ~~والثواب، والعقاب. والرابع: لأن الأقاصيص، والأخبار، والمواعظ، والآداب، ~~ثنيت فيه، ذكرهن ابن الأنباري. # وقال ابن قتيبة: قد يكون المثاني سور القرآن كله، قصارها وطوالها، وإنما ~~سمي مثاني، لأن الأنبياء PageV02P542 # والقصص تثنى فيه، فعلى هذا القول، المراد بالسبع: سبعة أسباع القرآن، ~~ويكون في الكلام إضمار، تقديره: وهي القرآن العظيم. # فأما قوله تعالى: من المثاني ففي «من» قولان: أحدهما: أنها للتبعيض، ~~فيكون المعنى: آتيناك سبعا من جملة الآيات التي يثنى بها على الله تعالى، ~~وآتيناك القرآن. والثاني: أنها للصفة، فيكون السبع هي المثاني، ومنه قوله ~~تعالى: فاجتنبوا الرجس من الأوثان «1» لا أن بعضها رجس، ذكر الوجهين ~~الزجاج، وقد ذكرنا عن ابن الأنباري قريبا من هذا المعنى. # قوله تعالى: والقرآن العظيم يعني: العظيم القدر، لأنه كلام الله تعالى، ~~ووحيه، وفي المراد به ها هنا قولان: أحدهما: أنه جميع القرآن. قاله ابن ~~مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والضحاك. # والثاني: أنه الفاتحة أيضا، قاله أبو هريرة، وقد روينا فيه حديثا في أول ~~تفسير (الفاتحة) . قال ابن الأنباري: فعلى القول الأول، يكون قد نسق الكل ~~على البعض، كما يقول العربي: رأيت جدار الدار والدار، وإنما يصلح هذا، لأن ~~الزيادة التي ms1229 في الثاني من كثرة العدد أشبه بها ما يغاير الأول، فجوز ذلك ~~عطفه عليه. وعلى القول الثاني، نسق الشيء على نفسه لما زيد عليه معنى المدح ~~والثناء، كما قالوا: # روي ذلك عن عمر، وابن الخطاب، يعنون بابن الخطاب: الفاضل العالم الرفيع ~~المنزلة، فلما دخلته زيادة، أشبه ما يغاير الأول فعطف عليه. # ولما ذكر الله تعالى منته عليه بالقرآن، نهاه عن النظر إلى الدنيا ~~ليستغني بما آتاه من القرآن عن الدنيا، فقال: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا ~~به أزواجا منهم أي: أصنافا من اليهود والمشركين، والمعنى: أنه نهاه عن ~~الرغبة في الدنيا، وفي قوله: ولا تحزن عليهم قولان: # أحدهما: لا تحزن عليهم إن لم يؤمنوا. والثاني: لا تحزن بما أنعمت عليهم ~~في الدنيا. # قوله تعالى: واخفض جناحك للمؤمنين أي: ألن جانبك لهم، وخفض الجناح، عبارة ~~عن السكون وترك التعصب والإباء، قال ابن عباس: ارفق بهم ولا تغلظ عليهم. # قوله تعالى: وقل إني أنا النذير المبين حرك ياء «إني» ابن كثير، وأبو ~~عمرو، ونافع. # وذكر بعض المفسرين أن معناها منسوخ بآية السيف. ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 90 الى 93] # كما أنزلنا على المقتسمين (90) الذين جعلوا القرآن عضين (91) فو ربك ~~لنسئلنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون (93) # قوله تعالى: كما أنزلنا على المقتسمين (90) في هذه الكاف قولان: # أحدهما: أنها متعلقة بقوله تعالى: ولقد آتيناك سبعا من المثاني ثم في ~~معنى الكلام قولان: # أحدهما: أن المعنى: ولقد آتيناك سبعا من المثاني، كما أنزلنا الكتاب على ~~المقتسمين، قاله مقاتل. # والثاني: أن المعنى: ولقد شرفناك وكرمناك بالسبع المثاني، كما شرفناك ~~وأكرمناك بالذي أنزلناه على المقتسمين من العذاب، والكاف بمعنى «مثل» و ~~«ما» بمعنى «الذي» ذكره ابن الأنباري. والثاني: أنها PageV02P543 # متعلقة بقوله: إني أنا النذير، والمعنى: إني أنا النذير، أنذرتكم مثل ~~الذي أنزل على المقتسمين من العذاب، وهذا معنى قول الفراء. فخرج في معنى ~~«أنزلنا» قولان: أحدهما: أنزلنا الكتاب، على قول مقاتل. والثاني: العذاب، ~~على قول الفراء. # وفي «المقتسمين» ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم اليهود والنصارى، رواه العوفي ~~عن ابن عباس، ms1230 وبه قال الحسن ومجاهد. فعلى هذا في تسميتهم بالمقتسمين ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنهم آمنوا ببعض القرآن وكفروا ببعضه، رواه سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس. والثاني: أنهم اقتسموا القرآن، فقال بعضهم: هذه السورة لي، وقال ~~آخر: هذه السورة لي، استهزاء به، قاله عكرمة. والثالث: أنهم اقتسموا كتبهم ~~فآمن بعضهم ببعضها وكفر ببعضها، وآمن آخرون بما كفر به غيرهم، قاله مجاهد. # والثاني: أنهم مشركو قريش. قاله قتادة، وابن السائب، فعلى هذا في تسميتهم ~~بالمقتسمين قولان: أحدهما: أن أقوالهم تقسمت في القرآن، فقال بعضهم: إنه ~~سحر، وزعم بعضهم أنه كهانة، وزعم بعضهم أنه أساطير الأولين، منهم الأسود بن ~~عبد يغوث، والوليد بن المغيرة، وعدي بن قيس السهمي، والعاص بن وائل، قاله ~~قتادة. والثاني: أنهم اقتسموا على عقاب مكة، قال ابن السائب: هم رهط من أهل ~~مكة اقتسموا على عقاب مكة حين حضر الموسم، قال لهم الوليد بن المغيرة: ~~انطلقوا فتفرقوا على عقاب مكة حيث يمر بكم أهل الموسم، فاذا سألوكم عنه، ~~يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليقل بعضكم: كاهن، وبعضكم: ساحر، ~~وبعضكم: شاعر، وبعضكم: غاو، فإذا انتهوا إلي صدقتكم، ومنهم حنظلة بن أبي ~~سفيان، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل، والعاص بن ~~هشام، وابو قيس بن الوليد، وقيس بن الفاكه، وزهير بن أبي أمية، وهلال بن ~~عبد الأسود، والسائب بن صيفي، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، ~~وزمعة بن الحجاج، وأمية بن خلف، وأوس بن المغيرة. # والثالث: أنهم قوم صالح الذي تقاسموا بالله: لنبيتنه وأهله فكفاه الله ~~شرهم، قاله عبد الرحمن بن زيد. فعلى هذا هو من القسم، لا من القسمة. # قوله تعالى: الذين جعلوا القرآن عضين في المراد بالقرآن قولان: أحدهما: ~~أنه كتابنا، وهو الأظهر، وعليه الجمهور. والثاني: أن المراد به: كتب ~~المتقدمين قبلنا. وفي «عضين» قولان: أحدهما: # أنه مأخوذ من الأعضاء. قال الكسائي، وأبو عبيدة: اقتسموا بالقرآن وجعلوه ~~أعضاء. ثم فيما فعلوا فيه قولان: أحدهما: أنهم عضوه أعضاء، فآمنوا ببعضه، ~~وكفروا ببعضه، والمعضي: المفرق، ms1231 والتعضية: # تجزئة الذبيحة أعضاء، قال علي عليه السلام: لا تعضية في ميراث، أراد: ~~تفريق ما يوجب تفريقه ضررا على الورثة كالسيف، ونحوه. وقال رؤبة: # وليس دين الله بالمعضى» # وهذا المعنى في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: أنهم عضوا ~~القول فيه، أي: # فرقوا، فقالوا: شعر، وقالوا: سحر، وقالوا: كهانة، وقالوا: أساطير ~~الأولين، وهذا المعنى في رواية PageV02P544 # ابن جريج عن مجاهد، وبه قال قتادة، وابن زيد. والثاني: أنه مأخوذ من ~~العضه، والعضه، بلسان قريش: السحر، ويقولون للساحرة: عاضهة. وفي الحديث: # (852) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن العاضهة والمستعضهة. فيكون ~~المعنى: جعلوه سحرا، وهذا المعنى في رواية عكرمة عن ابن عباس، وبه قال ~~عكرمة، والفراء. # قوله تعالى: فو ربك لنسئلنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون هذا سؤال ~~توبيخ، يسألون عما عملوا في ما أمروا به من التوحيد والإيمان، فيقال لهم: ~~لم عصيتم وتركتم الإيمان؟ فتظهر فضيحتهم عند تعذر الجواب. قال أبو العالية: ~~يسأل العباد كلهم يوم القيامة عن خلتين: عما كانوا يعبدون، وعما أجابوا ~~المرسلين. فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية، وبين قوله: فيومئذ لا يسئل عن ~~ذنبه إنس ولا جان «1» ؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه لا يسألهم: هل عملتم كذا؟ ~~لأنه أعلم، وإنما يقول: لم عملتم كذا؟ رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. ~~والثاني: أنهم يسألون في بعض مواطن القيامة، ولا يسألون في بعضها، رواه ~~عكرمة عن ابن عباس. ### | [سورة الحجر (15) : آية 94] # فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) # قوله تعالى: فاصدع بما تؤمر فيه ثلاثة أقوال: أحدها: فامض لما تؤمر، قاله ~~ابن عباس. # والثاني: أظهر أمرك، رواه ليث عن مجاهد، قال ابن قتيبة: «فاصدع بما تؤمر» ~~أي: أظهر ذلك. # وأصله: الفرق والفتح، يريد: اصدع الباطل بحقك. وقال الزجاج: اظهر بما ~~تؤمر به، أخذ ذلك من الصديع، وهو الصبح، قال الشاعر: # كأن بياض غرته صديع «2» # وقال الفراء: إنما لم يقل: بما تؤمر به، لأنه أراد: فاصدع بالأمر. وذكر ~~ابن الأنباري أن «به» مضمرة، كما تقول: مررت بالذي مررت. ms1232 والثالث: أن ~~المراد به: الجهر بالقرآن في الصلاة، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. قال موسى ~~بن عبيدة: # (853) ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا حتى نزلت هذه الآية، ~~فخرج هو وأصحابه. # وفي قوله: وأعرض عن المشركين ثلاثة أقوال: أحدها: اكفف عن حربهم. ~~والثاني: لا تبال بهم، ولا تلتفت إلى لومهم على إظهار أمرك. والثالث: أعرض ~~عن الاهتمام باستهزائهم. وأكثر المفسرين على أن هذا القدر من الآية منسوخ ~~بآية السيف. PageV02P545 ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 95 الى 99] # إنا كفيناك المستهزئين (95) الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ~~(96) ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك وكن من ~~الساجدين (98) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99) # قوله تعالى: إنا كفيناك المستهزئين (95) المعنى: فاصدع بأمري كما كفيتك ~~المستهزئين، وهم قوم كانوا يستهزئون به وبالقرآن، وفي عددهم قولان: # أحدهما: أنهم كانوا خمسة: الوليد بن المغيرة، وأبو زمعة، والأسود بن عبد ~~يغوث، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس، قاله ابن عباس، واسم أبي زمعة: ~~الأسود بن المطلب. وكذلك ذكرهم سعيد بن جبير، إلا أنه قال مكان الحارث بن ~~قيس، الحارث ابن غيطلة، قال الزهري: غيطلة أمه، وقيس أبوه، فهو واحد، وإنما ~~ذكرت ذلك، لئلا يظن أنه غيره، وقد ذكرت في كتاب «التلقيح» «1» من ينسب إلى ~~أمه من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وسميت آباءهم ليعرفوا إلى أي الأبوين ~~نسبوا. وفي رواية عن ابن عباس مكان الحارث بن قيس: عدي بن قيس. # والثاني: أنهم كانوا سبعة، قاله الشعبي، وابن أبي بزة، وعدهم ابن أبي ~~بزة، فقال: العاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، والحارث بن عدي، والأسود بن ~~المطلب، والأسود بن عبد يغوث، وأصرم وبعكك ابنا عبد الحارث بن السباق. ~~وكذلك عدهم مقاتل، إلا أنه قال مكان الحارث بن عدي: # الحارث بن قيس السهمي، وقال: أصرم وبعكك ابنا الحجاج بن السباق. # (ذكر ما أهلكهم الله به فكفى رسوله صلى الله عليه وسلم أمرهم) (854) قال ~~المفسرون: أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمستهزئون يطوفون ~~بالبيت، ms1233 فمر الوليد بن المغيرة، فقال جبريل: يا محمد، كيف تجد هذا؟ فقال ~~«بئس عبد الله» ، قال: قد كفيت، وأومأ إلى ساق الوليد، فمر الوليد برجل ~~يريش «2» نبلا له، فتعلقت شظية من نبل بإزاره، فمنعه الكبر أن يطامن «3» ~~لينزعها، وجعلت تضرب ساقه، فمرض ومات. وقيل: تعلق سهم بثوبه فأصاب أكحله ~~فقطعه، فمات. # ومر العاص بن وائل، فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد، فقال: «بئس عبد ~~الله» فأشار إلى أخمص PageV02P546 # رجله، وقال: قد كفيت، فدخلت شوكة في أخمصه، فانتفخت رجله ومات. ومر ~~الأسود بن المطلب، فقال: كيف تجد هذا؟ قال: «عبد سوء» فأشار بيده إلى ~~عينيه، فعمي وهلك. وقيل: جعل ينطح برأسه الشجر ويضرب وجهه بالشوك، فاستغاث ~~بغلامه، فقال: لا أرى أحدا يصنع بك هذا غير نفسك، فمات وهو يقول: قتلني رب ~~محمد. ومر الأسود بن عبد يغوث، فقال جبريل: كيف تجد هذا؟ فقال: «بئس عبد ~~الله» ، فقال: قد كفيت، وأشار إلى بطنه، فسقى بطنه، فمات. وقيل: أصاب عينه ~~شوك، فسالت حدقتاه، وقيل: خرج عن أهله فأصابه السموم، فاسود حتى عاد حبشيا، ~~فلما أتى أهله لم يعرفوه، فأغلقوا دونه الأبواب حتى مات. ومر به الحارث بن ~~قيس، فقال: كيف تجد هذا؟ قال: «عبد سوء» فأومأ إلى رأسه، وقال: قد كفيت، ~~فانتفخ رأسه فمات، وقيل: أصابه العطش، فلم يزل يشرب الماء حتى انقد بطنه، ~~وأما أصرم وبعكك، فقال مقاتل: أخذت أحدهما الدبيلة «1» والآخر ذات الجنب، ~~فماتا جميعا. قال عكرمة: هلك المستهزئون قبل بدر. وقال ابن السائب: أهلكوا ~~جميعا في يوم وليلة. # قوله تعالى: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فيه قولان: أحدهما: أنه ~~التكذيب. والثاني: # الاستهزاء. قوله تعالى: فسبح بحمد ربك فيه قولان: أحدهما: قل سبحان الله ~~وبحمده، قاله الضحاك. والثاني: فصل بأمر ربك، قاله مقاتل. وفي قوله: وكن من ~~الساجدين قولان: أحدهما: من المصلين. والثاني: من المتواضعين، رويا عن ابن ~~عباس. قوله تعالى: حتى يأتيك اليقين فيه قولان: أحدهما: أنه الموت، قاله ~~ابن عباس، ومجاهد، والجمهور. وسمي يقينا، لأنه موقن ms1234 به. وقال الزجاج: معنى ~~الآية: اعبد ربك أبدا، ولو قيل: اعبد ربك، بغير توقيت، لجاز إذا عبد ~~الإنسان مرة أن يكون مطيعا، فلما قال: حتى يأتيك اليقين أمر بالإقامة على ~~العبادة ما دام حيا «2» . والثاني: أنه الحق الذي لا ريب فيه من نصرك على ~~أعدائك، حكاه الماوردي. PageV02P547 # سورة النحل # (فصل في نزولها:) روى مجاهد، وعطية، وابن أبي طلحة عن ابن عباس: أنها ~~مكية، وكذلك روي عن الحسن، وعكرمة، وعطاء: أنها مكية كلها. وقال ابن عباس ~~في رواية: إنه نزل منها بعد قتل حمزة: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم ~~به «1» . وقال في رواية: هي مكية إلا ثلاث آيات نزلن بالمدينة، وهي قوله: ~~ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إلى قوله: يعملون «2» . وقال الشعبي: كلها ~~مكية إلا قوله: وإن عاقبتم ... إلى آخر الآيات. وقال قتادة: هي مكية إلا ~~خمس آيات: ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا ... الآيتين، ومن قوله: وإن ~~عاقبتم ... إلى آخرها. وقال ابن السائب: هي مكية إلا خمس آيات: والذين ~~هاجروا في الله من بعد ما ظلموا «3» الآية، وقوله: ثم إن ربك للذين هاجروا ~~من بعد ما فتنوا «4» الآية، وقوله: وإن عاقبتم إلى آخرها. وقال مقاتل: # مكية إلا سبع آيات، قوله: ثم إن ربك للذين هاجروا الآية، وقوله: من كفر ~~بالله من بعد إيمانه «5» الآية، وقوله: والذين هاجروا في الله من بعد ما ~~ظلموا لنبوئنهم الآية، وقوله: وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة «6» الآية، ~~وقوله: وإن عاقبتم إلى آخرها. قال جابر بن زيد: أنزل من أول النحل أربعون ~~آية بمكة وبقيتها بالمدينة. وروى حماد عن علي بن زيد قال: كان يقال لسورة ~~النحل: سورة النعم، يريد لكثرة تعداد النعم فيها. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النحل # (16) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) ينزل الملائكة ~~بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ~~(2) خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) # قوله تعالى: ms1235 أتى أمر الله قرأ حمزة والكسائي بالإمالة. PageV02P548 # (855) سبب نزولها: أنه لما نزل قوله تعالى: اقتربت الساعة «1» ، فقال ~~الكفار بعضهم لبعض: # إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ~~ننظر، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نرى شيئا، فأنزل الله تعالى: ~~اقترب للناس حسابهم «2» فأشفقوا، وانتظروا قرب الساعة، فلما امتدت الأيام ~~قالوا: يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به، فأنزل الله تعالى: أتى أمر ~~الله، فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفع الناس رؤوسهم، فنزل: فلا ~~تستعجلوه فاطمأنوا، قاله ابن عباس. # وفي قوله: أتى ثلاثة أقوال: أحدها: أتى بمعنى: يأتي، كما يقال: أتاك ~~الخير فأبشر، أي: # سيأتيك، قاله ابن قتيبة، وشاهده: ونادى أصحاب الجنة «3» ، وإذ قال الله ~~يا عيسى «4» ونحو ذلك. # والثاني: أتى بمعنى: قرب، قال الزجاج: أعلم الله تعالى أن ذلك في قربه ~~بمنزلة ما قد أتى. والثالث: # أن «أتى» للماضي، والمعنى: أتى بعض عذاب الله، وهو: الجدب الذي نزل بهم، ~~والجوع. فلا تستعجلوه فينزل بكم مستقبلا كما نزل ماضيا، قاله ابن الأنباري. # وفي المراد ب «أمر الله» خمسة أقوال: أحدها: أنها الساعة، وقد يخرج على ~~قول ابن عباس الذي قدمناه، وبه قال ابن قتيبة. والثاني: خروج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، رواه الضحاك عن ابن عباس، يعني: أن خروجه من أمارات ~~الساعة. وقال ابن الأنباري: أتى أمر الله من أشراط الساعة، فلا تستعجلوا ~~قيام الساعة. والثالث: أنه الأحكام والفرائض، قاله الضحاك «5» . والرابع: ~~عذاب الله، ذكره ابن الأنباري. # والخامس: وعيد المشركين، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: فلا تستعجلوه أي: لا تطلبوه قبل حينه، سبحانه أي: تنزيه له ~~وبراءة من السوء عما يشركون به من الأصنام. # قوله تعالى: ينزل الملائكة قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «ينزل» بإسكان النون ~~وتخفيف الزاي. # وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ينزل بالتشديد، وروى ~~الكسائي عن أبي بكر عن عاصم: «تنزل» بالتاء مضمومة، وفتح الزاي مشددة. ~~«الملائكة» رفع. قال ابن عباس: يريد PageV02P549 # بالملائكة جبريل عليه ms1236 السلام وحده. وفي المراد بالروح ستة أقوال «1» : # أحدها: الوحي، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: أنه النبوة، رواه ~~عكرمة عن ابن عباس. والثالث: أن المعنى: تنزل الملائكة بأمره، رواه العوفي ~~عن ابن عباس. فعلى هذا يكون المعنى: أن أمر الله كله روح. قال الزجاج: ~~الروح ما كان فيه من أمر الله حياة النفوس بالإرشاد. # والرابع: أنه الرحمة، قاله الحسن، وقتادة. والخامس: أنه أرواح الخلق: لا ~~ينزل ملك إلا ومعه روح، قاله مجاهد. والسادس: أنه القرآن، قاله ابن زيد. ~~فعلى هذا سماه روحا، لأن الدين يحيا به، كما أن الروح تحيي البدن. # وقال بعضهم: الباء في قوله: بالروح بمعنى: مع، فالتقدير: مع الروح، من ~~أمره أي: # بأمره، على من يشاء من عباده يعني: الأنبياء، أن أنذروا قال الزجاج: ~~والمعنى: أنذروا أهل الكفر والمعاصي أنه لا إله إلا أنا أي: مروهم بتوحيدي، ~~وقال غيره: أنذروا بأنه لا إله إلا أنا، أي: # مروهم بالتوحيد مع تخويفهم إن لم يقروا. ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 4] # خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) # قوله تعالى: خلق الإنسان من نطفة قال المفسرون: أخذ أبي بن خلف عظما ~~رميما، فجعل يفته ويقول: يا محمد كيف يبعث الله هذا بعد ما رم؟ فنزلت فيه ~~هذه الآية. والخصيم: المخاصم، والمبين: الظاهر الخصومه. والمعنى: أنه مخلوق ~~من نطفة، وهو مع ذلك يخاصم وينكر البعث، أفلا يستدل بأولة على آخرة، وأن من ~~قدر على إيجاده أولا، يقدر على إعادتة ثانيا؟! وفية تنبية على إنعام الله ~~عليه حين نقله من حال ضعف النطفة إلى القوة التي أمكنه معها الخصام. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 5 الى 7] # والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5) ولكم فيها جمال حين ~~تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق ~~الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم (7) # قوله تعالى: والأنعام خلقها لكم الأنعام: الإبل، البقر، والغنم. # قوله تعالى: لكم فيها دفء فيه قولان: أحدهما: أنه ما استدفئ من أوبارها ~~تتخذ ثيابا، وأخبية، وغير ذلك. ms1237 روى العوفي عن ابن عباس أنه قال: يعني ~~بالدفء: اللباس، وإلى هذا المعنى ذهب الأكثرون. والثاني: أنه نسلها. روى ~~عكرمة عن ابن عباس: فيها دفء قال: الدفء: نسل كل دابة، وذكر ابن السائب ~~قال: يقال: الدفء أولادها، ومن لا يحمل من الصغار، وحكى ابن فارس اللغوي عن ~~الأموي، قال: الدفء عند العرب: نتاج الإبل وألبانها. # قوله تعالى: ومنافع أي: سوى الدفء من الجلود، والألبان، والنسل، والركوب، ~~والعمل عليها، إلى غير ذلك، ومنها تأكلون يعني: من لحوم الأنعام. ~~PageV02P550 # قوله تعالى: ولكم فيها جمال أي: زينة، حين تريحون أي: حين تردونها إلى ~~مراحها، وهو المكان الذي تأوي إليه، فترجع عظام الضروع والأسنمة، فيقال: ~~هذا مال فلان، وحين تسرحون: # ترسلونها بالغداة إلى مراعيها. فإن قيل: لم قدم الرواح وهو مؤخر؟ ~~فالجواب: أنها في حال الرواح تكون أجمل لأنها قد رعت، وامتلأت ضروعها، ~~وامتدت أسنمتها. # قوله تعالى: وتحمل أثقالكم الإشارة بهذا إلى ما يطيق الحمل منها، ~~والأثقال: جمع ثقل، وهو متاع المسافر. وفي قوله تعالى: إلى بلد قولان: ~~أحدهما: أنه عام في كل بلد يقصده المسافر، وهو قول الأكثرين. والثاني: أن ~~المراد به: مكة، قاله عكرمة، والأول أصح. والمعنى: أنها تحملكم إلى كل بلد ~~لو تكلفتم أنتم بلوغه لم تبلغوه إلا بشق الأنفس. # وفي معنى «شق الأنفس» قولان: أحدهما: أنه المشقة، قاله الأكثرون. قال ابن ~~قتيبة: يقال: # نحن بشق من العيش، أي: بجهد. # (856) وفي حديث أم زرع: «وجدني في أهل غنيمة بشق» . # والثاني: أن الشق: النصف، فكان الجهد ينقص من قوة الرجل ونفسه كأنه قد ~~ذهب نصفه، ذكره الفراء. # قوله تعالى: إن ربكم لرؤف رحيم أي حين من عليكم بالنعم التي فيها هذه ~~المرافق. ### | [سورة النحل (16) : آية 8] # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) # قوله تعالى: والخيل أي: وخلق الخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة قال ~~الزجاج: # المعنى: وخلقها زينة. # فصل: ويجوز أكل لحم الخيل، وإنما لم يذكر في الآية، لأنه ليس هو المقصود، ~~وإنما معظم المقصود بها الركوب والزينة، وبهذا قال الشافعي. ms1238 وقال أبو حنيفة ~~ومالك: لا تؤكل لحوم الخيل. # قوله تعالى: ويخلق ما لا تعلمون ذكر قوم من المفسرين: أن المراد به عجائب ~~المخلوقات في السماوات والأرض التي لم يطلع عليها، مثل ما يروى: أن لله ~~ملكا من صفته كذا، وتحت العرش نهر من صفته كذا. وقال قوم: هو ما أعد الله ~~لأهل الجنة فيها ولأهل النار. وقال أبو سليمان الدمشقي: في الناس من كره ~~تفسير هذا الحرف. وقال الشعبي: هذا الحرف من أسرار القرآن. ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 9 الى # 12] # وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) هو الذي أنزل ~~من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) ينبت لكم به الزرع ~~والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ~~(11) وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون (12) PageV02P551 # قوله تعالى: وعلى الله قصد السبيل القصد: استقامة الطريق، يقال: طريق قصد ~~وقاصد: إذا قصد بك ما تريد. قال الزجاج: المعنى: وعلى الله تبيين الطريق ~~المستقيم، والدعاء إليه بالحجج والبرهان. قوله تعالى: ومنها جائر قال أبو ~~عبيدة: السبيل لفظه لفظ الواحد، وهو في موضع الجميع، فكأنه قال: ومن السبل ~~سبيل جائر. قال ابن الأنباري: لما ذكر السبيل، دل على السبل، فلذلك قال: ~~ومنها جائر، كما دل الحدثان على الحوادث في قول العبدي: # ولا يبقى على الحدثان حي ... فهل يبقى عليهن السلام # أراد: فهل يبقى على الحوادث، والسلام: الصخور، قال: ويجوز أن يكون إنما ~~قال: (ومنها) لأن السبيل تؤنث وتذكر، فالمعنى: من السبيل جائر. وقال ابن ~~قتيبة: المعنى: ومن الطرق جائر لا يهتدون فيه، والجائر: العادل عن القصد، ~~قال ابن عباس: ومنها جائر الأهواء المختلفة. وقال ابن المبارك: الأهواء ~~والبدع. # قوله تعالى: هو الذي أنزل من السماء ماء يعني: المطر لكم منه شراب وهو ما ~~تشربونه، ومنه شجر ذكر ابن الأنباري في معناه قولين: أحدهما: ومنه سقي شجر، ~~وشرب شجر، فخلف المضاف إليه المضاف، كقوله: وأشربوا في ms1239 قلوبهم العجل «1» . ~~والثاني: أن المعنى: ومن جهة الماء شجر، ومن سقيه شجر، ومن ناحيته شجر، ~~فحذف الأول، وخلفه الثاني، قال زهير: # لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن شهر «2» # أي: من ممر حجج. قال ابن قتيبة: والمراد بهذه الشجر: المرعى. وقال ~~الزجاج: كل ما نبت على الأرض فهو شجر، قال الشاعر يصف الخيل: # يعلفها اللحم إذا عز الشجر ... والخيل في إطعامها اللحم ضرر # يعني: أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض. وتسيمون بمعنى: ترعون، ~~يقال: # سامت الإبل فهي سائمة: إذا رعت، وإنما أخذ ذلك من السومة، وهي: العلامة، ~~وتأويلها: أنها تؤثر في الأرض برعيها علامات. # قوله تعالى: ينبت لكم به الزرع وروى أبو بكر عن عاصم: «ننبت» بالنون. قال ~~ابن عباس: # يريد الحبوب، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى: والنجوم مسخرات بأمره قال ~~الأخفش: المعنى: # وجعل النجوم مسخرات، فجاز إضمار فعل غير الأول، لأن هذا المضمر في المعنى ~~مثل المظهر، وقد تفعل العرب أشد من هذا، قال الراجز: # تسمع في أجوافهن صردا ... وفي اليدين جسأة وبددا «3» # المعنى: وترى في اليدين. والجسأة: اليبس. والبدد: السعة. وقال غيره: قوله ~~تعالى: # مسخرات حال مؤكدة، لأن تسخيرها قد عرف بقوله تعالى: وسخر. وقرأ ابن عامر: ~~«والشمس PageV02P552 # والقمر والنجوم مسخرات» ، رفعا كله، وروى حفص عن عاصم: بالنصب كالجمهور ~~إلا قوله تعالى: والنجوم مسخرات فإنه رفعها. ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 13 الى # 16] # وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (13) وهو ~~الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى ~~الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) وألقى في الأرض رواسي ~~أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون (15) وعلامات وبالنجم هم يهتدون ~~(16) # قوله تعالى: وما ذرأ لكم أي: وسخر ما ذرأ لكم. وذرأ بمعنى: خلق. وسخر ~~البحر أي: ذلله للركوب والغوص فيه لتأكلوا منه لحما طريا يعني: السمك ~~وتستخرجوا منه حلية تلبسونها يعني: الدر، واللؤلؤ، والمرجان، وفي هذا دلالة ~~على أن حالفا لو حلف: لا ms1240 يلبس حليا، فلبس لؤلؤا، أنه يحنث، وقال أبو حنيفة: ~~لا يحنث. قوله تعالى: وترى الفلك يعني: # السفن. وفي معنى مواخر قولان: أحدهما: جواري، قاله ابن عباس. قال ~~اللغويون: يقال: # مخرت السفينة مخرا: إذا شقت الماء في جريانها. والثاني: المواخر، يعني: ~~المملوءة، قاله الحسن. # وفي قوله تعالى: ولتبتغوا من فضله قولان: أحدهما: بالركوب فيه للتجارة ~~ابتغاء الربح من فضل الله؟! والثاني: بما تستخرجون من حليته، وتصيدون من ~~حيتانه. قال ابن الأنباري: وفي دخول الواو في قوله تعالى: ولتبتغوا من فضله ~~وجهان: أحدهما: أنها معطوفة على لام محذوفة تقديره: وترى الفلك مواخر فيه ~~لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا. والثاني: أنها دخلت لفعل مضمر، تقديره: # وفعل ذلك لكي تبتغوا. # قوله تعالى: وألقى في الأرض رواسي أي: نصب فيها جبالا ثوابت أن تميد أي: ~~لئلا تميد، وقال الزجاج: كراهة أن تميد، يقال: ماد الرجل يميد ميدا: إذا ~~أدير به، وقال ابن قتيبة: الميد: الحركة والميل، يقال: فلان يميد في مشيته، ~~أي: يتكفأ. قوله تعالى: وأنهارا قال الزجاج: المعنى: وجعل فيها سبلا، لأن ~~معنى «ألقى» : «جعل» ، فأما السبل، فهي الطرق، لعلكم تهتدون أي: لكي تهتدوا ~~إلى مقاصدكم. قوله تعالى: وعلامات فيها ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنها ~~معالم الطرق بالنهار، وبالنجم هم يهتدون بالليل، رواه العوفي عن ابن عباس. ~~والثاني: أنها النجوم أيضا، منها ما يكون PageV02P553 # علامة لا يهتدى به، ومنها ما يهتدى به، قاله مجاهد، وقتادة، والنخعي. ~~والثالث: الجبال، قاله ابن السائب، ومقاتل. وفي المراد بالنجم أربعة أقوال: ~~أحدها: أنه الثريا، والفرقدان، وبنات نعش، والجدي، قاله السدي. والثاني: ~~أنه الجدي، والفرقدان، قاله ابن السائب. والثالث: أنه الجدي وحده، لأنه ~~أثبت النجوم كلها في مركزه، ذكره الماوردي. والرابع: أنه اسم جنس، والمراد ~~جميع النجوم، قاله الزجاج. وقرأ الحسن، والضحاك، وأبو المتوكل، ويحيى بن ~~وثاب: «وبالنجم» بضم النون وإسكان الجيم، وقرأ الجحدري: «وبالنجم» بضم ~~النون والجيم، وقرأ مجاهد: «وبالنجوم» بواو على الجمع. # وفي المراد بهذا الاهتداء قولان: أحدهما: الاهتداء إلى القبلة. والثاني: ~~إلى الطريق في السفر. ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 17 ms1241 الى # 19] # أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ~~إن الله لغفور رحيم (18) والله يعلم ما تسرون وما تعلنون (19) # قوله تعالى: أفمن يخلق كمن لا يخلق يعني: الأوثان، وإنما عبر عنها ب «من» ~~لأنهم نحلوها العقل والتمييز، أفلا تذكرون يعني: المشركين، يقول: أفلا ~~تتعظون كما اتعظ المؤمنون؟ قال الفراء: وإنما جاز أن يقول: كمن لا يخلق، ~~لأنه ذكر مع الخالق، كقوله: فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين «1» ، والعرب تقول: اشتبه علي الراكب وجمله، فما أدري من ذا من ذا، ~~لأنهم لما جمعوا بين الإنسان وغيره صلحت «من» فيهما جميعا. # قوله تعالى: وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها قد فسرناه في سورة إبراهيم ~~«2» . # قوله تعالى: إن الله لغفور أي: لما كان منكم من تقصيركم في شكر نعمه رحيم ~~بكم إذ لم يقطعها عنكم بتقصيركم. # قوله تعالى: والله يعلم ما تسرون وما تعلنون (19) ، روى عبد الوارث، إلا ~~القزاز «يسرون» و «يعلنون» بالياء. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 20 الى 21] # والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (20) أموات غير ~~أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (21) # قوله تعالى: «والذين يدعون من دون الله» ، قرأ عاصم: يدعون، بالياء. # قوله تعالى: أموات غير أحياء يعني: الأصنام. قال الفراء: ومعنى الأموات ~~هاهنا: أنها لا روح فيها. قال الأخفش: وقوله: غير أحياء توكيد. # قوله تعالى: وما يشعرون أيان يبعثون، «أيان» بمعنى: «متى» . وفي المشار ~~إليهم قولان: # أحدهما: أنها الأصنام، عبر عنها كما يعبر عن الآدميين. قال ابن عباس: ~~وذلك أن الله تعالى يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها، فيتبرؤون من ~~عبادتهم، ثم يؤمر بالشياطين والذين كانوا يعبدونها إلى النار. الثاني: أنهم ~~الكفار، لا يعلمون متى بعثهم، قاله مقاتل. PageV02P554 ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 22 الى # 27] # إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) ~~لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين (23) وإذا ~~قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) ليحملوا ms1242 أوزارهم كاملة ~~يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (25) قد ~~مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم ~~وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (26) # ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال ~~الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين (27) # قوله تعالى: إلهكم إله واحد قد ذكرناه في سورة (البقرة) «1» . # قوله تعالى: فالذين لا يؤمنون بالآخرة أي: بالبعث والجزاء قلوبهم منكرة ~~أي: جاحدة لا تعرف التوحيد وهم مستكبرون أي: ممتنعون من قبول الحق. # قوله تعالى: لا جرم قد فسرناه في (هود) «2» . ومعنى الآية: أنه يجازيهم ~~بسرهم وعلنهم، لأنه يعلمه. والمستكبرون: المتكبرون عن التوحيد والإيمان. ~~وقال مقاتل: (ما يسرون) حين بعثوا في كل طريق من يصد الناس عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، (وما يعلنون) حين أظهروا العداوة لرسول الله. قوله ~~تعالى: وإذا قيل لهم يعني: المستكبرين ماذا أنزل ربكم على محمد صلى الله ~~عليه وسلم؟ قال الزجاج: «ماذا» بمعنى «ما الذي» . وأساطير الأولين مرفوعة ~~على الجواب، كأنهم قالوا: الذي أنزل: أساطير الأولين، أي: الذي تذكرون أنتم ~~أنه منزل أساطير الأولين. وقد شرحنا معنى الأساطير في سورة الأنعام «3» . ~~قال مقاتل: الذين بعثهم الوليد بن المغيرة في طرق مكة يصدون الناس عن ~~الإيمان، ويقول بعضهم: إن محمدا ساحر، ويقول بعضهم: شاعر، وقد شرحنا هذا ~~المعنى في الحجر: في ذكر المقتسمين «4» . # قوله تعالى: ليحملوا أوزارهم هذه لام العاقبة، وقد شرحناها في غير موضع، ~~والأوزار: # الآثام، وإنما قال: كاملة، لأنه لم يكفر منها شيء بما يصيبهم من نكبة، أو ~~بلية، كما يكفر عن المؤمن، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم أي: أنهم ~~أضلوهم بغير دليل، وإنما حملوا من أوزار الأتباع، لأنهم كانوا رؤساء يقتدى ~~بهم في الضلالة، وقد ذكر ابن الأنباري في «من» وجهين: أحدهما: # أنها للتبعيض، فهم يحملون ما شركوهم فيه، فأما ما ركبه أولئك باختيارهم ~~من غير تزيين هؤلاء، فلا يحملونه، فيصح معنى التبعيض. والثاني: ms1243 أن «من» ~~مؤكدة، والمعنى: وأوزار الذين يضلونهم. ألا ساء ما يزرون أي: بئس ما حملوا ~~على ظهورهم. # قوله تعالى: قد مكر الذين من قبلهم قال المفسرون: يعني به: النمرود بن ~~كنعان، وذلك أنه بنى صرحا طويلا، واختلفوا في طوله، فقال ابن عباس: خمسة ~~آلاف ذراع، وقال مقاتل: كان طوله فرسخين، قالوا: ورام أن يصعد إلى السماء ~~ليقاتل أهلها بزعمه. ومعنى «المكر» ها هنا: التدبير PageV02P555 # الفاسد. وفي الهاء والميم من «قبلهم» قولان: أحدهما: أنها للمقتسمين على ~~عقاب مكة، قاله ابن السائب. والثاني: لكفار مكة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: فأتى الله بنيانهم من القواعد أي: من الأساس. قال المفسرون: ~~أرسل الله ريحا فألقت رأس الصرح في البحر، وخر عليهم الباقي. قال السدي: ~~لما سقط الصرح، تبلبلت ألسن الناس من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا، ~~فلذلك سميت «بابل» «1» ، وإنما كان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وهذا ~~قول مردود، لأن التبلبل يوجب الاختلاط والتكلم بشيء غير مستقيم، فأما أن ~~يوجب إحداث لغة مضبوطة الحواشي، فباطل، وإنما اللغات تعليم من الله تعالى. ~~فإن قيل: إذا كان الماكر واحدا، فكيف قال: «الذين» ولم يقل: «الذي» ؟، فعنه ~~ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه كان الماكر ملكا له أتباع، فأدخلوا معه في الوصف. ~~والثاني: أن العرب توقع الجمع على الواحد، فيقول قائلهم: # خرجت إلى البصرة على البغال، وإنما خرج على بغل واحد. والثالث: أن ~~«الذين» غير موقع على واحد معين، لكنه يراد به: قد مكر الجبارون الذين من ~~قبلهم، فكان عاقبة مكرهم رجوع البلاء عليهم، ذكر هذه الأجوبة ابن الأنباري. ~~قال: وذكر بعض العلماء: أنه إنما قال: «من فوقهم» ، لينبه على أنهم كانوا ~~تحته، إذ لو لم يقل ذلك، لاحتمل أنهم لم يكونوا تحته، لأن العرب تقول: سقط ~~علينا البيت، وخر علينا الحانوت، وتداعت علينا الدار، وليسوا تحت ذلك. # قوله تعالى: وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون أي: من حيث ظنوا أنهم آمنون ~~فيه. قال السدي: أخذوا من مأمنهم، وروى عطية عن ابن عباس قال: خر عليهم ~~عذاب من السماء، ms1244 وعامة المفسرين على ما حكيناه من أنه بنيان سقط. وقال ابن ~~قتيبة: هذا مثل، والمعنى: أهلكهم الله، كما هلك من هدم مسكنه من أسفله، فخر ~~عليه. # قوله تعالى: ثم يوم القيامة يخزيهم أي: يذلهم بالعذاب. ويقول أين شركائي ~~قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، «شركائي الذين» ~~بهمزة وفتح الياء، وقال البزي عن ابن كثير: «شركاي» مثل: هداي، والمعنى: ~~أين شركائي على زعمكم؟ هلا دفعوا عنكم!. الذين كنتم تشاقون فيهم أي: ~~تخالفون المسلمين فتعبدونهم وهم يعبدون الله، وقرأ نافع: «تشاقون» بكسر ~~النون، أراد: تشاقونني، فحذف النون الثانية، وأبقى الكسرة تدل عليها، ~~والمعنى: كنتم تنازعونني فيهم، وتخالفون أمري لأجلهم. # قوله تعالى: قال الذين أوتوا العلم فيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم ~~الملائكة، قاله ابن عباس. # والثاني: الحفظة من الملائكة، قاله مقاتل. والثالث: أنهم المؤمنون. # فأما «الخزي» فقد شرحناه في مواضع «2» ، و «السوء» ها هنا: العذاب. ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 28 الى # 29] # الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء ~~بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (28) فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ~~فلبئس مثوى المتكبرين (29) PageV02P556 # قوله تعالى: الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قال عكرمة: هؤلاء قوم ~~كانوا بمكة أقروا بالإسلام ولم يهاجروا، فأخرجهم المشركون كرها إلى بدر، ~~فقتل بعضهم، وقد شرحنا هذا في سورة (النساء) «1» . قوله تعالى: فألقوا ~~السلم قال ابن قتيبة: انقادوا واستسلموا، والسلم: الاستسلام. قال المفسرون: ~~وهذا عند الموت يتبرؤون من الشرك، وهو قولهم: ما كنا نعمل من سوء وهو ~~الشرك، فترد عليهم الملائكة فتقول: «بلى» . وقيل: هذا رد خزنة جهنم عليهم ~~بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون من الشرك والتكذيب. ثم يقال لهم: ادخلوا ~~أبواب جهنم، وقد سبق تفسير ألفاظ الآية «2» . ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 30 الى # 32] # وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا ~~حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) جنات عدن يدخلونها تجري من ~~تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤن كذلك يجزي الله المتقين (31) الذين ms1245 ~~تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ~~(32) # قوله تعالى: وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم. # (857) روى أبو صالح عن ابن عباس أن مشركي قريش بعثوا ستة عشر رجلا إلى ~~عقاب «3» مكة أيام الحج على طريق الناس، ففرقوهم على كل عقبة أربعة رجال، ~~ليصدوا الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا لهم: من أتاكم من ~~الناس يسألكم عن محمد فليقل بعضكم شاعر، وبعضكم كاهن، وبعضكم مجنون، وألا ~~تروه ولا يراكم خير لكم، فإذا انتهوا إلينا صدقناكم، فبلغ ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى كل أربعة منهم أربعة من المسلمين، فيهم عبد ~~الله بن مسعود، فأمروا أن يكذبوهم، فكان الناس إذا مروا على المشركين، ~~فقالوا ما قالوا، رد عليهم المسلمون، وقالوا: كذبوا، بل يدعو إلى الحق ~~ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الخير، فيقولون: وما هذا الخير ~~الذي يدعو إليه؟ فيقولون: # للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة. # قوله تعالى: قالوا خيرا أي: أنزل خيرا، ثم فسر ذلك الخير فقال: للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا قالوا: لا إله إلا الله، وأحسنوا العمل حسنة أي: ~~كرامة من الله تعالى في الآخرة، وهي الجنة، وقيل: «للذين أحسنوا في هذه ~~الدنيا حسنة» في الدنيا وهي ما رزقهم من خيرها وطاعته فيها، ولدار الآخرة ~~يعني: الجنة خير من الدنيا. # وفي قوله تعالى: ولنعم دار المتقين قولان: أحدهما: أنها الجنة، قاله ~~الجمهور. قال ابن الأنباري: في الكلام محذوف، تقديره: ولنعم دار المتقين ~~الآخرة، غير أنه لما ذكرت أولا، عرف PageV02P557 # معناها آخرا، ويجوز أن يكون المعنى: ولنعم دار المتقين جنات عدن. ~~والثاني: أنها الدنيا. قال الحسن: ولنعم دار المتقين الدنيا، لأنهم نالوا ~~بالعمل فيها ثواب الآخرة. # قوله تعالى: جنات عدن قد شرحناه في (براءة) «1» . # قوله تعالى: الذين تتوفاهم الملائكة وقرأ حمزة «يتوفاهم» بياء مع ~~الإمالة. وفي معنى طيبين خمسة أقوال: أحدها: مؤمنين. والثاني: طاهرين من ~~الشرك. والثالث: زاكية أفعالهم وأقوالهم. # والرابع: طيبة وفاتهم سهل خروج أرواحهم. والخامسة: طيبة أنفسهم ms1246 بالموت، ~~ثقة بالثواب. قوله تعالى: يقولون يعني الملائكة سلام عليكم، وفي أي وقت ~~يكون هذا السلام؟ فيه قولان: # أحدهما: عند الموت. قال البراء بن عازب: يسلم عليه ملك الموت إذا دخل ~~عليه. وقال القرظي: # ويقول له: الله عز وجل يقرأ عليك السلام، ويبشره بالجنة. والثاني: عند ~~دخول الجنة. قال مقاتل: # هذا قول خزنة الجنة لهم في الآخرة. يقولون: سلام عليكم. ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 33 الى # 34] # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من ~~قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) فأصابهم سيئات ما ~~عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (34) # قوله تعالى: ل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة # وقرأ حمزة، والكسائي «يأتيهم» بالياء، وهذا تهديد للمشركين، وقد شرحناه ~~في سورة البقرة «2» . وآخر سورة الأنعام «3» . وفي قوله تعالى: و يأتي أمر ~~ربك # قولان: أحدهما: أمر الله فيهم، قاله ابن عباس. والثاني: العذاب في ~~الدنيا، قاله مقاتل. # قوله تعالى: ذلك فعل الذين من قبلهم # يريد: كفار الأمم الماضية، كذبوا كما كذب هؤلاء. # ما ظلمهم الله # بإهلاكهم لكن كانوا أنفسهم يظلمون # بالشرك فأصابهم سيئات ما عملوا أي: جزاؤها، قال ابن عباس: جزاء ما عملوا ~~من الشرك، وحاق بهم قد بيناه في سورة الأنعام «4» ، والمعنى: أحاط بهم ما ~~كانوا به يستهزؤن من العذاب. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 35 الى 37] # وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا ~~البلاغ المبين (35) ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (36) إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي ~~من يضل وما لهم من ناصرين (37) # قوله تعالى: وقال الذين أشركوا يعني: كفار مكة لو شاء الله ما عبدنا من ~~دونه من شيء PageV02P558 # يعني: الأصنام، أي: لو شاء ما أشركنا ms1247 ولا حرمنا من دونه من شيء من ~~البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، والحرث، وذلك أنه لما نزل: وما تشاؤن ~~إلا أن يشاء الله «1» قالوا هذا، على سبيل الاستهزاء، لا على سبيل ~~الاعتقاد، وقيل: معنى كلامهم: لو لم يأمرنا بهذا ويرده منا، لم نأته. # قوله تعالى: ذلك فعل الذين من قبلهم # أي: من تكذيب الرسل وتحريم ما أحل الله، فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ~~يعني: ليس عليهم إلا التبليغ، فأما الهداية، فهي إلى الله تعالى، وبين ذلك ~~بقوله: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أي: كما بعثناك في هؤلاء أن اعبدوا الله ~~أي: وحدوه واجتنبوا الطاغوت وهو الشيطان فمنهم من هدى الله أي: أرشده ومنهم ~~من حقت عليه الضلالة أي: وجبت في سابق علم الله، فأعلم الله عز وجل أنه ~~إنما بعث الرسل بالأمر بالعبادة، وهو من وراء الإضلال والهداية، فسيروا في ~~الأرض أي: معتبرين بآثار الأمم المكذبة، ثم أكد أن من حقت عليه الضلالة لا ~~يهتدي، فقال: إن تحرص على هداهم أي: إن تطلب هداهم بجهدك فإن الله لا يهدي ~~من يضل قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وابن عامر، «لا يهدى» برفع الياء ~~وفتح الدال، والمعنى: من أضله، فلا هادي له، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: ~~«يهدي» بفتح الياء وكسر الدال، ولم يختلفوا في «يضل» أنها بضم الياء وكسر ~~الضاد، وهذه القراءة تحتمل معنيين، ذكرهما ابن الأنباري: أحداهما: لا يهدي ~~من طبعه ضالا، وخلقه شقيا. والثاني: لا يهدي، أي: لا يهتدي من أضله، أي: من ~~أضله الله لا يهتدي، فيكون معنى يهدي: يهتدي، تقول العرب: قد هدى فلان ~~الطريق، يريدون: اهتدى. ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 38 الى # 42] # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون (38) ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا ~~أنهم كانوا كاذبين (39) إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ~~(40) والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر ~~الآخرة ms1248 أكبر لو كانوا يعلمون (41) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (42) # قوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم. # (858) سبب نزولها أن رجلا من المسلمين كان له على رجل من المشركين دين، ~~فأتاه يتقاضاه، فكان فيما تكلم به: والذي أرجوه بعد الموت، فقال المشرك: ~~وإنك لتزعم أنك تبعث بعد الموت؟! فأقسم بالله لا يبعث الله من يموت، فنزلت ~~هذه الآية، قاله أبو العالية. # وجهد أيمانهم مفسر في المائدة «2» . وقوله: بلى رد عليهم، قال الفراء: ~~والمعنى: # بلى ليبعثنهم وعدا عليه حقا. # قوله تعالى: ليبين لهم الذي يختلفون فيه قال الزجاج: يجوز أن يكون متعلقا ~~بالبعث، فيكون PageV02P559 # المعنى: بلى يبعثهم فيبين لهم، ويجوز أن يكون متعلقا بقوله تعالى: ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا ليبين لهم. وللمفسرين في قوله ليبين لهم قولان: ~~أحدهما: أنهم جميع الناس، قاله قتادة. والثاني: # أنهم المشركون، يبين لهم بالبعث ما خالفوا المؤمنين فيه. # قوله تعالى: أنهم كانوا كاذبين أي: فيما أقسموا عليه من نفي البعث. ثم ~~أخبر بقدرته على البعث بقوله: إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة «فيكون» رفعا، وكذلك ~~في كل القرآن. وقرأ ابن عامر، والكسائي «فيكون» نصبا. قال مكي بن إبراهيم: ~~من رفع، قطعه عما قبله، والمعنى: فهو يكون، ومن نصب، عطفه على «يقول» ، ~~وهذا مثل قوله: وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، وقد فسرناه في ~~البقرة «1» . فإن قيل: كيف سمي الشيء قبل وجوده شيئا؟. فالجواب: أن الشيء ~~وقع على المعلوم عند الله قبل الخلق، لأنه بمنزلة ما قد عوين وشوهد. # قوله تعالى: والذين هاجروا في الله اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # (859) أحدها: أنها نزلت في ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~بلال، وعمار، وصهيب، وخباب بن الأرت، وعايش وجبر موليان لقريش، أخذهم أهل ~~مكة فجعلوا يعذبونهم، ليردوهم عن الإسلام، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنها نزلت في أبي جندل بن سهيل بن عمرو، قاله داود بن أبي هند. ms1249 # والثالث: أنهم جميع المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قاله قتادة. ومعنى (هاجروا في الله) ، أي: في طلب رضاه وثوابه من بعد ما ~~ظلموا بما نال المشركون منهم، لنبوئنهم في الدنيا حسنة وفيها خمسة أقوال ~~«2» : أحدها: لنزلنهم المدينة، روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وبه ~~قال الحسن، والشعبي، وقتادة، فيكون المعنى: لنبوئنهم دارا حسنة وبلدة حسنة. ~~والثاني: لنرزقنهم في الدنيا الرزق الحسن، قاله مجاهد. والثالث: النصر على ~~العدو، قاله الضحاك. والرابع: أنه ما بقي بعدهم من الثناء الحسن، وصار ~~لأولادهم من الشرف، ذكره الماوردي، وقد روي معناه عن مجاهد، فروى عنه ابن ~~أبي نجيح أنه قال: لنبوئنهم في الدنيا حسنة قال: لسان صادق. والخامس: أن ~~المعنى: لنحسنن إليهم في الدنيا، قال بعض أهل المعاني: فتكون على هذه ~~الأقوال «لنبوئنهم» ، على سبيل الاستعارة، إلا على القول الأول. # قوله تعالى: ولأجر الآخرة أكبر قال ابن عباس: يعني: الجنة، لو كانوا ~~يعلمون يعني: # أهل مكة. ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه كان إذا أعطى الرجل من ~~المهاجرين عطاءه، PageV02P560 # قال: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ذخر لك في ~~الآخرة أفضل، ثم يتلو هذه الآية. ثم إن الله أثنى عليهم ومدحهم بالصبر ~~فقال: الذين صبروا أي: على دينهم، لم يتركوه لأذى نالهم، وهم في ذلك واثقون ~~بربهم. ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 43 الى # 44] # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون (43) بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ~~ولعلهم يتفكرون (44) # قوله تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا. # (860) قال المفسرون: لما أنكر مشركو قريش نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فهلا بعث إلينا ملكا! فنزلت هذه ~~الآية. # والمعنى: أن الرسل كانوا مثلك آدميين، إلا أنهم يوحى إليهم. وقرأ حفص عن ~~عاصم: «نوحي» بالنون وكسر الحاء. فسئلوا يا معشر المشركين أهل الذكر وفيهم ms1250 ~~أربعة أقوال «1» : أحدها: أنهم أهل التوراة والإنجيل، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. والثاني: أهل التوراة، قاله مجاهد. والثالث: # أهل القرآن، قاله ابن زيد. والرابع: العلماء بأخبار من سلف، ذكره ~~الماوردي. وفي قوله تعالى: إن كنتم لا تعلمون قولان: أحدهما: لا تعلمون أن ~~الله تعالى بعث رسولا من البشر. والثاني: لا تعلمون أن محمدا رسول الله. ~~فعلى القول الأول، جائز أن يسأل من آمن برسول الله ومن كفر، لأن أهل الكتاب ~~والعلم بالسير متفقون على أن الأنبياء كلهم من البشر، وعلى الثاني إنما ~~يسأل من آمن من أهل الكتاب. # وقد روي عن مجاهد فسئلوا أهل الذكر قال: عبد الله بن سلام، وعن قتادة، ~~قال: سلمان الفارسي. # قوله تعالى: بالبينات والزبر في هذه «الباء» قولان: أحدهما: أن في الكلام ~~تقديما وتأخيرا، تقديره: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا أرسلناهم بالبينات. ~~والزبر: الكتاب. وقد شرحنا هذا في آل عمران «2» . PageV02P561 # قوله تعالى: وأنزلنا إليك الذكر وهو القرآن بإجماع المفسرين لتبين للناس ~~ما نزل إليهم فيه من حلال وحرام، ووعد ووعيد ولعلهم يتفكرون في ذلك ~~فيعتبرون. ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 45 الى # 47] # أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون (45) أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين (46) أو يأخذهم على ~~تخوف فإن ربكم لرؤف رحيم (47) # قوله تعالى: أفأمن الذين مكروا السيئات قال المفسرون: أراد مشركي مكة. ~~ومكرهم السيئات: # شركهم وتكذيبهم، وسمي ذلك مكرا، لأن المكر في اللغة: السعي بالفساد، وهذا ~~استفهام إنكار، ومعناه: ينبغي أن لا يأمنوا العقوبة، وكان مجاهد يقول: عنى ~~بهذا الكلام نمرود بن كنعان. قوله تعالى: # أو يأخذهم في تقلبهم فيه أربعة أقوال: أحدها: في أسفارهم، رواه العوفي عن ~~ابن عباس، وبه قال قتادة. والثاني: في منامهم، رواه الضحاك عن ابن عباس. ~~والثالث: في ليلهم ونهارهم، قاله الضحاك وابن جريج ومقاتل. والرابع: أنه ~~جميع ما يتقلبون فيه، قاله الزجاج. قوله تعالى: أو يأخذهم على تخوف فيه ~~قولان: أحدهما: على تنقص، قاله ابن عباس، ms1251 ومجاهد، والضحاك. قال ابن قتيبة: # التخوف: التنقص، ومثله التخون. يقال: تخوفته الدهور وتخونته: إذا نقصته ~~وأخذت من ماله وجسمه. وقال الهيثم بن عدي: التخوف: التنقص، بلغة أزد شنوءة. ~~ثم في هذا التنقص ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه تنقص من أعمالهم، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: أخذ واحد ~~بعد واحد، روي عن ابن عباس أيضا. والثالث: تنقص أموالهم وثمارهم حتى ~~يهلكهم، قاله الزجاج. والثاني: أنه التخوف نفسه، ثم فيه قولان: أحدهما: ~~يأخذهم على خوف أن يعاقب أو يتجاوز، قاله قتادة. والثاني: # أنه يأخذ قرية لتخاف القرية الأخرى، قاله الضحاك. وقال الزجاج: يأخذهم ~~بعد أن يخيفهم بأن يهلك قرية فتخاف التي تليها، فعلى هذا خوفهم قبل هلاكهم، ~~فلم يتوبوا، فاستحقوا العذاب. # قوله تعالى: فإن ربكم لرؤف رحيم إذ لم يعجل بالعقوبة، وأمهل للتوبة. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 48 الى 50] # أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا ~~لله وهم داخرون (48) ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة ~~والملائكة وهم لا يستكبرون (49) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ~~(50) # قوله تعالى: أولم يروا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: «أو لم ~~يروا» بالياء وقرأ حمزة، والكسائي: «تروا» بالتاء، واختلف عن عاصم. قوله ~~تعالى: إلى ما خلق الله من شيء أراد من شيء له ظل، من جبل، أو شجر، أو جسم ~~قائم يتفيؤا قرأ الجماعة بالياء، وقرأ أبو عمرو، ويعقوب بالتاء ظلاله وهو ~~جمع ظل، وإنما جمع وهو مضاف إلى واحد، لأنه واحد يراد به الكثرة، كقوله ~~تعالى: لتستووا على ظهوره «1» قال ابن قتيبة: ومعنى يتفيأ ظلاله: يدور ~~ويرجع من جانب إلى جانب، والفيء: الرجوع، ومنه قيل للظل بالعشي: فيء، لأنه ~~فاء عن المغرب إلى المشرق، قال PageV02P562 # المفسرون: إذا طلعت الشمس وأنت متوجه إلى القبلة، كان الظل قدامك، فإذا ~~ارتفعت كان عن يمينك، فإذا كان بعد ذلك كان خلفك، وإذا دنت للغروب كان على ~~يسارك، وإنما وحد اليمين، والمراد به: الجمع، إيجازا في اللفظ، ms1252 كقوله ~~تعالى: ويولون الدبر «1» ، ودلت «الشمائل» على أن المراد به الجميع، وقال ~~الفراء: إنما وحد اليمين، وجمع الشمائل، ولم يقل: الشمال، لأن كل ذلك جائز ~~في اللغة، وأنشد: # الواردون وتيم في ذرى سبأ ... قد عض أعناقهم جلد الجواميس «2» # ولم يقل: جلود، ومثله: # كلوا في نصف بطنكم تعيشوا ... فان زمانكم زمن خميص «3» # وإنما جاز التوحيد، لأن أكثر الكلام يواجه به الواحد. وقال غيره: اليمين ~~راجعة إلى لفظ ما وهو واحد، والشمائل راجعة إلى المعنى. # قوله تعالى: سجدا لله قال ابن قتيبة: مستسلمة، منقادة، وقد شرحنا هذا ~~المعنى عند قوله تعالى: وظلالهم بالغدو والآصال «4» . وفي قوله تعالى: وهم ~~داخرون قولان: أحدهما: والكفار صاغرون. والثاني: وهذه الأشياء داخرة مجبولة ~~على الطاعة، قال الأخفش: إنما ذكر من ليس من الإنس، لأنه لما وصفهم بالطاعة ~~أشبهوا الإنس في الفعل. # قوله تعالى: ولله يسجد ما في السماوات الآية. الساجدون على ضربين: ~~أحدهما: من يعقل، فسجوده عبادة. والثاني: من لا يعقل، فسجوده بيان أثر ~~الصنعة فيه، والخضوع الذي يدل على أنه مخلوق، هذا قول جماعة من العلماء، ~~واحتجوا في ذلك بقول الشاعر: # بجيش تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيه سجدا للحوافر «5» # قال ابن قتيبة: حجراته، أي: جوانبه، يريد أن حوافر الخيل قد قلعت الأكم ~~ووطئتها حتى خشعت وانخفضت. فأما الشمس والقمر والنجوم، فألحقها جماعة بمن ~~يعقل، فقال أبو العالية: # سجودها حقيقة، ما منها غارب إلا خر ساجدا بين يدي الله عز وجل، ثم لا ~~ينصرف حتى يؤذن له. # ويشهد لقول أبي العالية حديث أبي ذر قال: # (861) كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد حين وجبت الشمس، ~~فقال: «يا أبا ذر! تدري أين PageV02P563 # ذهبت الشمس» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ~~ربها عز وجل، فتستأذن في الرجوع، فيؤذن لها، فكأنها قد قيل لها: ارجعي من ~~حيث جئت، فترجع إلى مطلعها فذلك مستقرها، ثم قرأ: والشمس تجري لمستقر لها ~~«1» ، أخرجه البخاري ومسلم. # وأما النبات والشجر، فلا يخلو سجوده من أربعة ms1253 أشياء. أحدها: أن يكون ~~سجودا لا نعلمه وهذا إذا قلنا: إن الله يودعه فهما. والثاني: أنه تفيؤ ~~ظلاله. والثالث: بيان الصنعة فيه. والرابع: الانقياد لما سخر له. # قوله تعالى: والملائكة إنما أخرج الملائكة من الدواب لخروجهم بالأجنحة عن ~~صفة الدبيب. # وفي قوله: وهم لا يستكبرون (49) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ~~قولان: # أحدهما: أنه من صفة الملائكة خاصة، قاله ابن السائب، ومقاتل. # والثاني: أنه عام في جميع المذكورات، قاله أبو سليمان الدمشقي. # وفي قوله: من فوقهم قولان، ذكرهما ابن الأنباري: أحدهما: أنه ثناء على ~~الله تعالى، وتعظيم لشأنه، وتلخيصه: يخافون ربهم عاليا رفيعا عظيما. ~~والثاني: أنه حال، وتلخيصه: يخافون ربهم معظمين له عالمين بعظيم سلطانه. ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 51 الى # 52] # وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون (51) ~~وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون (52) # قوله تعالى: وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين. # (862) سبب نزولها: أن رجلا من المسلمين دعا الله في صلاته، ودعا الرحمن، ~~فقال رجل من المشركين: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا، فما ~~بال هذا يدعو ربين اثنين؟ فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # قال الزجاج: ذكر الاثنين توكيد، كما قال تعالى: إنما هو إله واحد. # قوله تعالى: وله الدين واصبا في المراد بالدين أربعة أقوال: أحدها: أنه ~~الإخلاص، قاله مجاهد. والثاني: العبادة، قاله سعيد بن جبير. والثالث: شهادة ~~أن لا إله إلا الله، وإقامة الحدود، والفرائض، قاله عكرمة. والرابع: ~~الطاعة، قاله ابن قتيبة. # وفي معنى «واصبا» أربعة أقوال. أحدها: دائما، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس، وبه قال الحسن وعكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد والثوري ~~واللغويون. قال أبو الأسود الدؤلي: # لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه ... يوما بذم الدهر أجمع واصبا PageV02P564 # قال ابن قتيبة: معنى الكلام: أنه ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك ~~عنه بزوال أو هلكة، غير الله عز وجل، فإن الطاعة تدوم له. والثاني: واجبا، ~~رواه عكرمة عن ابن ms1254 عباس. والثالث: # خالصا، قاله الربيع بن أنس. والرابع: وله الدين موصبا، أي: متعبا، لأن ~~الحق ثقيل، وهو كما تقول العرب: هم ناصب، أي: منصب، قال النابغة: # كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب # ذكره ابن الأنباري. قال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى: له الدين، ~~والطاعة، رضي العبد بما يؤمر به وسهل عليه، أو لم يسهل، فله الدين وإن كان ~~فيه الوصب. والوصب: شدة التعب. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 53 الى 55] # وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون (53) ثم إذا كشف ~~الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا ~~فسوف تعلمون (55) # قوله تعالى: وما بكم من نعمة قال الزجاج: المعنى: ما حل بكم من نعمة، من ~~صحة في جسم، أو سعة في رزق، أو متاع من مال وولد فمن الله وقرأ ابن أبي ~~عبلة: «فمن الله» بتشديد النون. قوله تعالى: ثم إذا مسكم الضر قال ابن ~~عباس: يريد الأسقام، والأمراض، والحاجة. قوله تعالى: فإليه تجئرون قال ~~الزجاج: «تجأرون» : ترفعون أصواتكم إليه بالاستغاثة، يقال: جأر يجأر جؤارا، ~~والأصوات مبنية على «فعال» و «فعيل» ، فأما «فعال» فنحو «الصراخ» و ~~«الخوار» ، وأما «الفعيل» فنحو «العويل» و «الزئير» ، والفعال أكثر. قوله ~~تعالى: إذا فريق منكم قال ابن عباس: يريد أهل النفاق. قال ابن السائب: يعني ~~الكفار. قوله تعالى: ليكفروا بما آتيناهم قال الزجاج: المعنى: # ليكفروا بأنا أنعمنا عليهم، فجعلوا نعمنا سببا إلى الكفر، وهو كقوله ~~تعالى: ربنا إنك آتيت فرعون إلى قوله: ليضلوا عن سبيلك «1» ، ويجوز أن يكون ~~«ليكفروا» ، أي: ليجحدوا نعمة الله في ذلك. قوله تعالى: فتمتعوا تهدد، فسوف ~~تعلمون عاقبة أمركم. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 56 الى 59] # ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ~~(56) ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (57) وإذا بشر أحدهم ~~بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ~~أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (59) # قوله ms1255 تعالى: ويجعلون لما لا يعلمون يعني: الأوثان. وفي الذين لا يعلمون ~~قولان: أحدهما: أنهم الجاعلون، وهم المشركون، والمعنى: لما لا يعلمون لها ~~ضرا ولا نفعا فمفعول العلم محذوف، وتقديره: ما قلنا، هذا قول مجاهد، ~~وقتادة. والثاني: أنها الأصنام التي لا تعلم شيئا، وليس لها حس ولا معرفة، ~~وإنما قال: يعلمون، لأنهم لما نحلوها الفهم، أجراها مجرى من يعقل على ~~زعمهم، قاله جماعة من أهل المعاني، قال المفسرون: وهؤلاء مشركو العرب جعلوا ~~لأوثانهم جزءا من أموالهم، كالبحيرة والسائبة وغير ذلك مما شرحناه في ~~الأنعام «2» . PageV02P565 # قوله تعالى: تالله لتسئلن رجع عن الإخبار عنهم إلى الخطاب لهم، وهذا سؤال ~~توبيخ. # قوله تعالى: ويجعلون لله البنات قال المفسرون: يعني: خزاعة وكنانة، زعموا ~~أن الملائكة بنات الله سبحانه أي: تنزه عما زعموا. ولهم ما يشتهون يعني: ~~البنين. قال أبو سليمان: المعنى: # ويتمنون لأنفسهم الذكور. قوله تعالى: وإذا بشر أحدهم بالأنثى أي أخبر ~~بأنه قد ولد له بنت ظل وجهه مسودا قال الزجاج: أي: متغيرا تغير مغتم، يقال ~~لكل من لقي مكروها: قد اسود وجهه غما وحزنا. قوله تعالى: وهو كظيم أي: يكظم ~~شدة وجده، فلا يظهره، وقد شرحناه في سورة يوسف. # قوله تعالى: يتوارى من القوم قال المفسرون: وهذا صنيع مشركي العرب، كان ~~أحدهم إذا ضرب امرأته المخاض، توارى إلى أن يعلم ما يولد له، فإن كان ذكرا ~~سر به، وإن كانت أنثى، لم يظهر أياما يدبر كيف يصنع في أمرها، وهو قوله: ~~أيمسكه على هون فالهاء ترجع إلى ما في قوله: ما بشر به، والهون في كلام ~~العرب: الهوان. وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة، والجحدري: «على هوان» ، ~~والدس: إخفاء الشيء في الشيء، وكانوا يدفنون البنت وهي حية ألا ساء ما ~~يحكمون إذ جعلوا لله البنات اللاتي محلهن منهم هذا، ونسبوه إلى الولد، ~~وجعلوا لأنفسهم البنين. ### | [سورة النحل (16) : آية 60] # للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ~~(60) # قوله تعالى: للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء أي: صفة السوء من ~~احتياجهم ms1256 إلى الولد، وكراهتهم للإناث، خوف الفقر والعار ولله المثل الأعلى ~~أي: الصفة العليا من تنزهه وبراءته عن الولد. ### | [سورة النحل (16) : آية 61] # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61) # قوله تعالى: ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم أي: بشركهم ومعاصيهم، كلما وجد ~~شيء منهم أو خذوا به ما ترك عليها يعني: الأرض، وهذه كناية عن غير مذكور، ~~غير أنه مفهوم، لأن الدواب إنما هي على الأرض. وفي قوله: من دابة ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه عنى جميع ما يدب على وجه الأرض، قاله ابن مسعود. قال ~~قتادة: وقد فعل ذلك في زمن نوح عليه السلام، وقال السدي: المعنى: # لأقحط المطر فلم تبق دابة إلا هلكت، وإلى نحوه ذهب مقاتل، والثاني: أنه ~~أراد من الناس خاصة، قاله ابن جريج. والثالث: من الإنس والجن، قاله ابن ~~السائب، وهو اختيار الزجاج. # قوله تعالى: ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى وهو منتهى آجالهم، وباقي الآية قد ~~تقدم. ### | [سورة النحل (16) : آية 62] # ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم ~~النار وأنهم مفرطون (62) # قوله تعالى: ويجعلون لله ما يكرهون المعنى: ويحكمون له بما يكرهونه ~~لأنفسهم، وهو البنات، وتصف ألسنتهم الكذب أي: تقول الكذب، وقرأ أبو ~~العالية، والنخعي، وابن أبي عبلة: # «الكذب» بضم الكاف والذال. ثم فسر ذلك الكذب بقوله: أن لهم الحسنى وفيها ~~ثلاثة أقوال: # PageV02P566 # أحدها: أنها البنون، قاله مجاهد، وقتادة، ومقاتل. والثاني: أنها الجزاء ~~الحسن من الله تعالى، قاله الزجاج. والثالث: أنها الجنة، وذلك أنه لما وعد ~~الله المؤمنين الجنة، قال المشركون: إن كان ما تقولونه حقا، لندخلنها ~~قبلكم، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: لا جرم قد شرحناها فيما مضى «1» . وقال الزجاج: «لا» رد ~~لقولهم، والمعنى: # ليس ذلك كما وصفوا «جرم» أن لهم النار، المعنى: جرم فعلهم، أي: كسب فعلهم ~~هذا أن لهم النار وأنهم مفرطون وفيه أربعة أوجه، قرأ الأكثرون: «مفرطون» ~~بسكون الفاء وتخفيف الراء ms1257 وفتحها، وفي معناها قولان: أحدهما: متركون، قاله ~~ابن عباس. وقال الفراء: منسيون في النار. والثاني: معجلون، قاله ابن عباس ~~أيضا. وقال ابن قتيبة: معجلون إلى النار. قال الزجاج: معنى «الفرط» في ~~اللغة: # المتقدم، فمعنى «مفرطون» : مقدمون إلى النار، ومن فسرها «متركون» فهو ~~كذلك أيضا، أي: قد جعلوا مقدمين إلى العذاب أبدا، متروكين فيه. وقرأ نافع، ~~ومحبوب عن أبي عمرو، وقتيبة عن الكسائي «مفرطون» بسكون الفاء وكسر الراء ~~وتخفيفها، قال الزجاج: ومعناها: أنهم أفرطوا في معصية الله. وقرأ أبو جعفر ~~وابن أبي عبلة «مفرطون» بفتح الفاء وتشديد الراء وكسرها، قال الزجاج: ~~ومعناها: أنهم فرطوا في الدنيا فلم يعملوا فيها للآخرة، وتصديق هذه ~~القراءة: يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله «2» ، وروى الوليد بن مسلم عن ~~ابن عامر «مفرطون» بفتح الفاء والراء وتشديدها، قال الزجاج: وتفسيرها ~~كتفسير القراءة الأولى، فالمفرط والمفرط بمعنى واحد. ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 63 الى # 64] # تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم ~~اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي ~~اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) # قوله تعالى: تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك قال المفسرون: هذه تعزية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فزين لهم الشيطان أعمالهم الخبيثة حتى عصوا ~~وكذبوا، فهو وليهم اليوم فيه قولان: أحدهما: أنه يوم القيامة، قاله ابن ~~السائب، ومقاتل، كأنهما أرادا: فهو وليهم يوم تكون لهم النار. والثاني: أنه ~~الدنيا، فالمعنى: # فهو مواليهم في الدنيا ولهم عذاب أليم في الآخرة، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. قوله تعالى: إلا لتبين لهم يعني: الكفار الذي اختلفوا فيه أي: ما ~~خالفوا فيه المؤمنين من التوحيد والبعث والجزاء، فالمعنى: أنزلناه بيانا ~~لما وقع فيه الاختلاف. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 65 الى 67] # والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم ~~يسمعون (65) وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم ~~لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) ومن ثمرات النخيل ms1258 والأعناب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67) # قوله تعالى: والله أنزل من السماء ماء يعني: المطر فأحيا به الأرض بعد ~~موتها أي: بعد يبسها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون أي: يعتبرون. PageV02P567 # قوله تعالى: وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم قرأ أبو عمرو، وابن كثير، ~~وحمزة، والكسائي: # «نسقيكم» بضم النون، ومثله في (المؤمنين) «1» . وقرأ نافع، وابن عامر ~~وأبو بكر عن عاصم: «نسقيكم» بفتح النون فيهما. وقرأ أبو جعفر: «تسقيكم» ~~بتاء مفتوحة، وكذلك في (المؤمنين) وقد سبق بيان الأنعام، وذكرنا معنى ~~«العبرة» في آل عمران «2» ، والفرق بين «سقى» و «أسقى» في (الحجر) «3» . ~~فأما قوله: مما في بطونه فقال الفراء: النعم والأنعام شيء واحد، وهما ~~جمعان، فرجع التذكير إلى معنى «النعم» إذ كان يؤدي عن الأنعام، أنشدني ~~بعضهم. # وطاب ألبان اللقاح وبرد «4» فرجع إلى اللبن، لأن اللبن والألبان في معنى ~~قال: وقال الكسائي: أراد: نسقيكم مما في بطون ما ذكرنا، وهو صواب، أنشدني ~~بعضهم: # مثل الفراخ نتفت حواصله «5» وقال المبرد: هذا فاش في القرآن، كقوله ~~للشمس: هذا ربي «6» يعني: هذا الشيء الطالع وكذلك: وإني مرسلة إليهم بهدية ~~ثم قال: فلما جاء سليمان «7» ولم يقل: «جاءت» لأن المعنى: جاء الشيء الذي ~~ذكرنا، وقال أبو عبيدة: الهاء في «بطونه» للبعض، والمعنى: نسقيكم مما في ~~بطون البعض الذي له لبن، لأنه ليس لكل الأنعام لبن، وقال ابن قتيبة: ذهب ~~بقوله: «مما في بطونه» إلى النعم، والنعم تذكر وتؤنث. والفرث: ما في الكرش، ~~والمعنى: أن اللبن كان طعاما، فخلص من ذلك الطعام دم، وبقي فرث في الكرش، ~~وخلص من ذلك الدم لبنا خالصا سائغا للشاربين أي: سهلا في الشرب لا يشجى به ~~شاربه، ولا يغص. وقال بعضهم: سائغا، أي: لا تعافه النفس وإن كان قد خرج من ~~بين فرث ودم، وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: إذا استقر العلف في الكرش ~~طحنه فصار أسفله فرثا، وأعلاه دما، وأوسطه لبنا، والكبد مسلطة على هذه ~~الأصناف الثلاثة، فيجري الدم في العروق، واللبن ms1259 في الضرع، ويبقى الفرث في ~~الكرش. # قوله تعالى: ومن ثمرات النخيل والأعناب تقدير الكلام: ولكم من ثمرات ~~النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا. والعرب تضمر «ما» كقوله: وإذا رأيت ثم ~~«8» أي: ما ثم. والكناية في «منه» عائدة على «ما» المضمرة. وقال الأخفش: ~~إنما لم يقل: منهما، لأنه أضمر الشيء، كأنه قال: ومنها شيء تتخذون منه ~~سكرا. وفي المراد بالسكر ثلاثة أقوال «9» : أحدها: أنه الخمر، قاله ابن ~~مسعود، وابن عمر، والحسن وسعيد بن جبير، ومجاهد، وإبراهيم، وابن أبي ليلى، ~~والزجاج، وابن قتيبة. وروى PageV02P568 # عمرو بن سفيان عن ابن عباس قال: السكر: ما حرم من ثمرتها، وقال هؤلاء ~~المفسرون: وهذه الآية نزلت إذ كانت الخمرة مباحة، ثم نسخ ذلك بقوله: ~~فاجتنبوه «1» ، وممن ذكر أنها منسوخة، سعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، ~~والنخعي. والثاني: أن السكر: الخل، بلغة الحبشة، رواه العوفي عن ابن عباس. ~~وقال الضحاك: هو الخل، بلغة اليمن. والثالث: أن «السكر» الطعم، يقال: هذا ~~له سكر، أي: # طعم، وأنشدوا: # جعلت عيب الأكرمين سكرا «2» # قاله أبو عبيدة. فعلى هذين القولين، الآية محكمة. فأما الرزق الحسن، فهو ~~ما أحل منهما، كالتمر، والعنب، والزبيب، والخل، ونحو ذلك. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 68 الى 69] # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ~~(68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ~~ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69) # قوله تعالى: وأوحى ربك إلى النحل في هذا الوحي قولان: أحدهما: أنه إلهام، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والضحاك، ومقاتل. والثاني: أنه ~~أمر، رواه العوفي عن ابن عباس. وروى ابن مجاهد عن أبيه قال: أرسل إليها. ~~والنحل: زنابير العسل، واحدتها نحلة، و «يعرشون» يجعلونه عريشا، وقرأ ابن ~~عامر، وأبو بكر عن عاصم «يعرشون» بضم الراء، وهما لغتان، يقال: «يعرش» و ~~«يعرش» مثل «يعكف» و «يعكف» ثم فيه قولان: أحدهما: ما يعرشون من الكروم، ~~قاله ابن زيد. # والثاني: أنها سقوف البيوت، قاله الفراء، وقال ms1260 ابن قتيبة: كل شيء عرش، من ~~كرم، أو نبات، أو سقف، فهو عرش، ومعروش. وقيل: المراد ب «مما يعرشون» : مما ~~يبنون لهم من الأماكن التي تلقي فيها العسل، ولولا التسخير، ما كانت تأوي ~~إليها. # قوله تعالى: ثم كلي من كل الثمرات قال ابن قتيبة: أي: من الثمرات، و «كل» ~~ها هنا ليست على العموم، ومثله قوله: تدمر كل شيء «3» . قال الزجاج: فهي ~~تأكل الحامض، والمر، وما لا يوصف PageV02P569 # طعمه، فيحيل الله عز وجل من ذلك عسلا. # قوله تعالى: فاسلكي سبل ربك السبل: الطرق، وهي التي يطلب فيها الرعي. و ~~«الذلل» جمع ذلول. وفي الموصوف بها قولان: أحدهما: أنها السبل، فالمعنى: ~~اسلكي السبل مذللة لك، فلا يتوعر عليها مكان سلكته، وهذا قول مجاهد، ~~واختيار الزجاج. والثاني: أنها النحل، فالمعنى، إنك مذللة بالتسخير لبني ~~آدم، وهذا قول قتادة، واختيار ابن قتيبة. قوله تعالى: يخرج من بطونها شراب ~~يعني: # العسل مختلف ألوانه قال ابن عباس: منه أحمر، وأبيض، وأصفر. قال الزجاج: ~~يخرج من بطونها، إلا أنها تلقيه من أفواهها، وإنما قال: من بطونها، لأن ~~استحالة الأطعمة لا تكون إلا في البطن، فيخرج كالريق الدائم الذي يخرج من ~~فم ابن آدم. # قوله تعالى: فيه شفاء للناس في هاء الكناية ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى العسل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ابن ~~مسعود، واختلفوا هل الشفاء الذي فيه يختص بمرض دون غيره أم لا؟ على قولين: ~~أحدهما: أنه عام في كل مرض. قال ابن مسعود: العسل شفاء من كل داء. وقال ~~قتادة: فيه شفاء للناس من الأدواء. # (863) وقد روى أبو سعيد الخدري قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال: «اسقه عسلا» فسقاه، ثم أتى فقال: قد ~~سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، قال: «اسقه عسلا» ، فذكر الحديث ... إلى أن ~~قال: فشفي، إما في الثالثة، وإما في الرابعة. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «صدق الله وكذب بطن أخيك» أخرجه البخاري، ومسلم. # ويعني بقوله: ms1261 «صدق الله» : هذه الآية. والثاني: فيه شفاء للأوجاع التي ~~شفاؤها فيه، قاله السدي. والصحيح أن ذلك خرج مخرج الغالب. قال ابن ~~الأنباري: الغالب على العسل أنه يعمل في الأدواء، ويدخل في الأدوية، فإذا ~~لم يوافق آحاد المرضى، فقد وافق الأكثرين، وهذا كقول العرب: # الماء حياة كل شيء، وقد نرى من يقتله الماء، وإنما الكلام على الأغلب. # والثاني: أن الهاء ترجع إلى الاعتبار. والشفاء: بمعنى الهدى، قاله ~~الضحاك. # والثالث: أنها ترجع إلى القرآن، قاله مجاهد. ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 70] # والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم ~~شيئا إن الله عليم قدير (70) # قوله تعالى: والله خلقكم أي: أوجدكم ولم تكونوا شيئا ثم يتوفاكم عند ~~انقضاء آجالكم، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وهو أردؤه، وأدونه، وهي حالة ~~الهرم. وفي مقداره من السنين ثلاثة أقوال: أحدها: خمس وسبعون سنة، قاله علي ~~عليه السلام. والثاني: تسعون سنة، قاله قتادة. # والثالث: ثمانون سنة، قاله قطرب. # قوله تعالى: لكي لا يعلم بعد علم شيئا قال الفراء: لكي لا يعقل من بعد ~~عقله الأول شيئا. وقال PageV02P570 # ابن قتيبة: أي: حتى لا يعلم بعد علمه بالأمور شيئا، لشدة هرمه. وقال ~~الزجاج: المعنى: أن منكم من يكبر حتى يذهب عقله خرفا، فيصير بعد أن كان ~~عالما جاهلا، ليريكم من قدرته، كما قدر على إماتته وإحيائه، أنه قادر على ~~نقله من العلم إلى الجهل. وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: ليس هذا في ~~المسلمين، المسلم لا يزداد في طول العمر والبقاء إلا كرامة عند الله، ~~وعقلا، ومعرفة. وقال عكرمة: # من قرأ القرآن، لم يرد إلى أرذل العمر. ### | [سورة النحل (16) : آية 71] # والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ~~ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) # قوله تعالى: والله فضل بعضكم على بعض في الرزق يعني: فضل السادة على ~~المماليك فما الذين فضلوا يعني: السادة برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم ~~فعبرت «ما» عن «من» ms1262 لأنه موضع إبهام، تقول: ما في الدار؟ فيقول المخاطب: ~~رجلان أو ثلاثة، ومعنى الآية: أن المولى لا يرد على ما ملكت يمينه من ماله ~~حتى يكون المولى والمملوك في المال سواء، وهو مثل ضربه الله تعالى للمشركين ~~الذين جعلوا الأصنام شركاء له، والأصنام ملكا له، يقول: إذا لم يكن عبيدكم ~~معكم في الملك سواء، فكيف تجعلون عبيدي معي سواء، وترضون لي ما تأنفون ~~لأنفسكم منه؟! وروى العوفي عن ابن عباس، قال: # لم يكونوا أشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في ~~سلطاني؟ وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: نزلت في نصارى نجران حين قالوا: ~~عيسى ابن الله تعالى. # قوله تعالى: أفبنعمة الله يجحدون قرأ أبو بكر عن عاصم: «تجحدون» بالتاء. ~~وفي هذه النعمة قولان: أحدهما: حجته وهدايته. والثاني: فضله ورزقه. ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 72 الى # 74] # والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم ~~من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (72) ويعبدون من دون ~~الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون (73) فلا ~~تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74) # قوله تعالى: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا يعني النساء، وفي معنى «من ~~أنفسكم» قولان: # أحدهما: أنه خلق آدم، ثم خلق زوجته منه، قاله قتادة. والثاني: «من ~~أنفسكم» ، أي: من جنسكم من بني آدم، قاله ابن زيد. وفي الحفدة خمسة أقوال: ~~أحدها: أنهم الأصهار، أختان الرجل على بناته، قاله ابن مسعود، وابن عباس في ~~رواية، ومجاهد في رواية، وسعيد بن جبير، والنخعي، وأنشدوا من ذلك: # ولو أن نفسي طاوعتني لأصبحت ... لها حفد مما يعد كثير «1» # ولكنها نفس علي أبية ... عيوف لأصهار اللئام قذور # والثاني: أنهم الخدم، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد في رواية ~~الحسن، وطاوس وعكرمة في رواية الضحاك، وهذا القول يحتمل وجهين: أحدهما: أنه ~~يراد بالخدم: الأولاد، فيكون PageV02P571 # المعنى: أن الأولاد يخدمون. قال ابن قتيبة: الحفدة: الخدم والأعوان، ~~فالمعنى: هم بنون، ms1263 وهم خدم. وأصل الحفد: مداركة الخطو والإسراع في المشي، ~~وإنما يفعل الخدم هذا، فقيل لهم: حفدة. # ومنه يقال في دعاء الوتر: # (864) «وإليك نسعى ونحفد» . # والثاني: أن يراد بالخدم: المماليك، فيكون معنى الآية: وجعل لكم من ~~أزواجكم بنين، وجعل لكم حفدة من غير الأزواج، ذكره ابن الأنباري. والثالث: ~~أنهم بنوا امرأة الرجل من غيره، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. ~~والرابع: أنهم ولد الولد، رواه مجاهد عن ابن عباس. والخامس: # أنهم: كبار الأولاد، والبنون: صغارهم، قاله ابن السائب، ومقاتل. قال ~~مقاتل: وكانوا في الجاهلية تخدمهم أولادهم. قال الزجاج: وحقيقة هذا الكلام ~~أن الله تعالى جعل من الأزواج بنين، ومن يعاون على ما يحتاج إليه بسرعة ~~وطاعة. # قوله تعالى: ورزقكم من الطيبات قال ابن عباس: يريد: من أنواع الثمار ~~والحبوب والحيوان. # قوله تعالى: أفبالباطل يؤمنون فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الأصنام، قاله ~~ابن عباس. والثاني: أنه الشريك والصاحبة والولد، فالمعنى: يصدقون أن لله ~~ذلك؟! قاله عطاء. والثالث: أنه الشيطان، أمرهم بتحريم البحيرة والسائبة، ~~فصدقوا. # وفي المراد ب «نعمة الله» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها التوحيد، قاله ابن ~~عباس. والثاني: القرآن، والرسول. والثالث: الحلال الذي أحله الله لهم. # قوله تعالى: ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا وفي المشار إليه ~~قولان: # أحدهما: أنها الأصنام، قاله قتادة. والثاني: الملائكة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: من السماوات يعني: المطر، ومن «الأرض» النبات والثمر. قوله ~~تعالى: شيئا قال الأخفش: جعل «شيئا» بدلا من الرزق، والمعنى: لا يملكون ~~رزقا قليلا ولا كثيرا ولا يستطيعون أي لا يقدرون على شيء. قال الفراء: ~~وإنما قال في أول الكلام «يملك» وفي آخره «يستطيعون» ، لأن «ما» في مذهب: ~~جمع لآلهتهم، فوحد «يملك» على لفظ «ما» وتوحيدها، وجمع في «يستطيعون» على ~~المعنى، كقوله: ومنهم من يستمعون إليك «1» . # قوله تعالى: فلا تضربوا لله الأمثال أي: لا تشبهوه بخلقه، لأنه لا يشبه ~~شيئا، ولا يشبهه شيء، فالمعنى: لا تجعلوا له شريكا. وفي قوله: إن الله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون أربعة أقوال: PageV02P572 # أحدها: ms1264 يعلم ضرب المثل، وأنتم لا تعلمون ذلك، قاله ابن السائب. والثاني: ~~يعلم أنه ليس له شريك، وأنتم لا تعلمون أنه ليس له شريك، قاله مقاتل. ~~والثالث: يعلم خطأ ما تضربون من الأمثال، وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من ~~خطئه. والرابع: يعلم ما كان ويكون، وأنتم لا تعلمون قدر عظمته حين أشركتم ~~به ونسبتموه إلى العجز عن بعث خلقه. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 75 الى 76] # ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ~~ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75) وضرب ~~الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه ~~لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (76) # قوله تعالى: ضرب الله مثلا أي: بين شبها فيه بيان المقصود، وفيه قولان: # أحدهما: انه مثل للمؤمن والكافر. فالذي لا يقدر على شيء هو الكافر، لأنه ~~لا خير عنده، وصاحب الرزق هو المؤمن، لما عنده من الخير هذا قول ابن عباس، ~~وقتادة. # والثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه وللأوثان، لأنه مالك كل شيء، وهي ~~لا تملك شيئا، هذا قول مجاهد، والسدي. # وذكر في التفسير أن هذا المثل ضرب بقوم كانوا في زمن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وفيهم قولان: # أحدهما: أن المملوك: أبو الجوار، وصاحب الرزق الحسن: سيده هشام بن عمرو، ~~رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال مقاتل: المملوك: أبو الحواجر «1» . والثاني: ~~أن المملوك: أبو جهل بن هشام، وصاحب الرزق الحسن: أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه، قاله ابن جريج. # فأما قوله: هل يستوون ولم يقل: يستويان، لأن المراد: الجنس. وقال ابن ~~الأنباري: لفظ «من» لفظ توحيد، ومعناها معنى الجمع، ولم يقع المثل بعبد ~~معين، ومالك معين، لكن عني بهما جماعة عبيد، وقوم مالكون، فلما فارق من ~~تأويل الجمع، جمع عائدها لذلك. # وقوله تعالى: الحمد لله أي: هو المستحق للحمد، لأنه المنعم، ولا نعمة ~~للأصنام، بل أكثرهم يعني المشركين ms1265 لا يعلمون أن الحمد لله. قال العلماء: ~~وصف أكثرهم بذلك، والمراد: جميعهم. # قوله تعالى: وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم قد فسرنا «البكم» في سورة ~~البقرة «2» . # ومعنى لا يقدر على شيء أي: من الكلام، لأنه لا يفهم ولا يفهم عنه. وهو كل ~~على مولاه قال ابن قتيبة: أي: ثقل على وليه وقرابته. وفيمن أريد بهذا المثل ~~أربعة أقوال «3» : أحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، فالكافر ~~هو الأبكم، والذي يأمر بالعدل هو المؤمن، رواه العوفي عن ابن PageV02P573 # عباس. والثاني: أنها نزلت في عثمان بن عفان، هو الذي يأمر بالعدل، وفي ~~مولى له كان يكره الإسلام وينهى عثمان عن النفقة في سبيل الله، وهو الأبكم، ~~رواه إبراهيم بن يعلى بن منية عن ابن عباس. # والثالث: أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه، وللوثن. فالوثن: هو الأبكم، ~~والله تعالى: هو الآمر بالعدل، وهذا قول مجاهد، وقتادة، وابن السائب، ~~ومقاتل. والرابع: أن المراد بالأبكم: أبي بن خلف، وبالذي يأمر بالعدل: ~~حمزة، وعثمان بن عفان، وعثمان بن مظعون، قاله عطاء. فيخرج على هذه الأقوال ~~في معنى مولاه» قولان: أحدهما: أنه مولى حقيقة، إذا قلنا: إنه رجل من ~~الناس. والثاني: أنه بمعنى الولي، إذا قلنا: إنه الصنم، فالمعنى: وهو ثقل ~~على وليه الذي يخدمه ويزينه. # ويخرج في معنى «أينما يوجهه» قولان: إن قلنا: إنه رجل، فالمعنى: أينما ~~يرسله. والتوجيه: # الإرسال في وجه من الطريق. وإن قلنا: إنه الصم، ففي معنى الكلام قولان: ~~أحدهما: أينما يدعوه، لا يجيبه، قاله مقاتل. والثاني: أينما توجه تأميله ~~إياه ورجاه له، لا يأته ذلك بخير، فحذف التأميل، وخلفه الصنم، كقوله: ما ~~وعدتنا على رسلك «1» أي: على ألسنة رسلك. وقرأ البزي عن ابن محيصن «أينما ~~توجهه» بالتاء على الخطاب. فأما قوله: لا يأت بخير فان قلنا: هو رجل، فانما ~~كان كذلك، لأنه لا يفهم ما يقال له، ولا يفهم عنه، إما لكفره وجحوده، أو ~~لبكم به. وإن قلنا: إنه الصنم، فلكونه جمادا. # هل يستوي هو أي: هذا الأبكم ومن يأمر بالعدل ms1266 أي: ومن هو قادر على التكلم، ~~ناطق بالحق. ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 77] # ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن ~~الله على كل شيء قدير (77) # قوله تعالى: ولله غيب السماوات والأرض قد ذكرناه في آخر (هود) «2» ، وسبب ~~نزول هذه الآية أن كفار مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: متى ~~الساعة؟ فنزلت هذه، قاله مقاتل. # وقال ابن السائب: المراد بالغيب هاهنا: قيام الساعة. # قوله تعالى: وما أمر الساعة يعني: القيامة إلا كلمح البصر واللمح: النظر ~~بسرعة، والمعنى: إن القيامة في سرعة قيامها وبعث الخلائق، كلمح العين، لأن ~~الله تعالى يقول: كن فيكون «3» ، أو هو أقرب قال مقاتل: بل هو أسرع. وقال ~~الزجاج: ليس المراد أن الساعة تأتي في أقرب من لمح البصر، ولكنه يصف سرعة ~~القدرة على الإتيان بها متى شاء. ### | [سورة النحل (16) : آية 78] # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة لعلكم تشكرون (78) # قوله تعالى: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم قرأ حمزة «إمهاتكم» بكسر الألف ~~والميم، وقرأ الكسائي بكسر الإلف وفتح الميم، والباقون بضم الألف وفتح ~~الميم، وكذلك في النور «4» والزمر «5» PageV02P574 # والنجم «1» ، ولا خلاف بينهم في الابتداء بضم الهمزة. # قوله تعالى: وجعل لكم السمع لفظه لفظ الواحد، والمراد به الجميع، وقد ~~بينا علة ذلك في أول البقرة «2» والأفئدة: جمع فؤاد. قال الزجاج: مثل غراب ~~وأغربة، ولم يجمع «فؤاد» على أكثر العدد، لم يقل فيه: «فئدان» مثل غراب ~~وغربان. وقال أبو عبيدة: وإنما جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة قبل أن ~~يخرجهم. غير أن العرب تقدم وتؤخر، وأنشد: # ضخم تعلق أشناق الديات به ... إذا المئون أمرت فوقه حملا «3» # الشنق: ما بين الفريضتين. والمئون أعظم من الشنق، فبدأ بالأقل قبل ~~الأعظم. # قال المفسرون: ومقصود الآية: أن الله تعالى أبان نعمه عليهم حيث أخرجهم ~~جهالا بالأشياء، وخلق لهم الآلات التي يتوصلون بها إلى العلم. ### | [سورة النحل (16) : آية 79] # ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ms1267 ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون (79) # قوله تعالى: مسخرات في جو السماء قال الزجاج: هو الهواء البعيد من الأرض. # قوله تعالى: ما يمسكهن إلا الله فيه قولان: أحدهما: ما يمسكهن عند قبض ~~أجنحتهن وبسطها أن يقعن على الأرض إلا الله، قاله الأكثرون. والثاني: ما ~~يمسكهن أن يرسلن الحجارة على شرار هذه الأمة، كما فعل بغيرهم، إلا الله، ~~قاله ابن السائب. ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 80 الى # 83] # والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ~~يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى ~~حين (80) والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم ~~سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ~~(81) فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82) يعرفون نعمت الله ثم ~~ينكرونها وأكثرهم الكافرون (83) # قوله تعالى: والله جعل لكم من بيوتكم سكنا أي: موضعا تسكنون فيه، وفي ~~المساكن المتخذة من الحجر والمدر تستر العورات والحرم، وذلك أن الله تعالى ~~خلق الخشب والمدر والآلة التي بها يمكن بناء البيت وتسقيفه، وجعل لكم من ~~جلود الأنعام بيوتا وهي القباب والخيم المتخذة من الأدم تستخفونها أي: يخف ~~عليكم حملها يوم ظعنكم قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو «ظعنكم» بفتح العين. ~~وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بتسكين العين، وهما لغتان، كالشعر والشعر، ~~والنهر والنهر، والمعنى: إذا سافرتم، ويوم إقامتكم أي: لا تثقل عليكم في ~~الحالين ومن أصوافها يعني: # الضأن وأوبارها يعني: الإبل وأشعارها يعني: المعز أثاثا قال الفراء: ~~الأثاث: المتاع، لا PageV02P575 # واحد له، كما أن المتاع لا واحد له. والعرب تقول: جمع المتاع أمتعه، ولو ~~جمعت الأثاث، لقلت: # ثلاثة أئثة، وأثث: مثل أعثة وعثث لا غير. وقال ابن قتيبة: الأثاث: متاع ~~البيت من الفرش والأكسية. # قال أبو زيد: واحد الأثاث: أثاثة. وقال الزجاج: يقال: قد أث يأث أثا: إذا ~~صار ذا أثاث. وروي عن الخليل أنه قال: أصله من الكثرة واجتماع بعض المتاع ~~إلى بعض، ومنه: شعر أثيث. # فأما قوله: ومتاعا فقيل: ms1268 إنما جمع بينة وبين الأثاث، لاختلاف اللفظين. ~~وفي قوله: إلى حين قولان: أحدهما: أنه الموت، والمعنى: ينتفعون به إلى حين ~~الموت، قاله ابن عباس، ومجاهد. # والثاني: أنه إلى حين البلى، فالمعنى: إلى أن يبلى ذلك الشيء، قاله ~~مقاتل. # قوله تعالى: والله جعل لكم مما خلق ظلالا أي: ما يقيكم حر الشمس، وفيه ~~خمسة أقوال: # أحدها: أنه ظلال الغمام، قاله ابن عباس. والثاني: ظلال البيوت، قاله ابن ~~السائب. والثالث: ظلال الشجر، قاله قتادة، والزجاج. والرابع: ظلال الشجر ~~والجبال، قاله ابن قتيبة. والخامس: انه كل شيء له ظل من حائط وسقف وشجر ~~وجبل وغير ذلك، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: وجعل لكم من الجبال أكنانا أي: ما يكنكم من الحر والبرد، وهي ~~الغيران والأسراب. وواحد الأكنان «كن» ، وكل شيء وقى شيئا وستره فهو «كن» . ~~وجعل لكم سرابيل وهي القمص تقيكم الحر ولم يقل: البرد، لأن ما وقى من الحر، ~~وقى من البرد. وأنشد: # وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني «1» # وقال الزجاج: إنما خص الحر لأنهم كانوا في مكاناتهم أكثر معاناة له من ~~البرد. وهذا مذهب عطاء الخراساني. # قوله تعالى: وسرابيل تقيكم بأسكم يريد الدروع التي يتقون بها شدة الطعن ~~والضرب في الحرب. قوله تعالى: كذلك يتم نعمته عليكم أي: مثلما أنعم الله ~~عليكم بهذه الأشياء، يتم نعمته عليكم في الدنيا لعلكم تسلمون والخطاب لأهل ~~مكة، وكان أكثرهم حينئذ كفارا، ولو قيل: # إنه خطاب للمسلمين، فالمعنى: لعلكم تدومون على الإسلام وتقومون بحقه. ~~وقرأ ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وأبو رجاء: «لعلكم تسلمون» بفتح ~~التاء واللام، على معنى: لعلكم إذا لبستم الدروع تسلمون من الجراح في ~~الحرب. # قوله تعالى: فإن تولوا أعرضوا عن الإيمان فإنما عليك البلاغ المبين وهذه ~~عند المفسرين منسوخة بآية السيف. # قوله تعالى: يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وفي هذه النعمة قولان «2» : # أحدهما: أنها المساكن نعم الله عز وجل عليهم في الدنيا. وفي إنكارها ~~ثلاثة أقوال: أحدها: # أنهم يقولون: هذه ورثناها عن آبائنا. روى ابن أبي ms1269 نجيح عن مجاهد قال: نعم ~~الله المساكن، والأنعام، وسرابيل الثياب، والحديد، يعرفه كفار قريش، ثم ~~ينكرونه بأن يقولوا: هذا كان لآبائنا PageV02P576 # ورثناه عنهم، وهذا عن مجاهد. والثاني: أنهم يقولون: لولا فلان، لكان كذا، ~~فهذا إنكارهم، قاله عون بن عبد الله. والثالث: يعرفون أن النعم من الله، ~~ولكن يقولون: هذه بشفاعة آلهتنا، قاله ابن السائب، والفراء، وابن قتيبة. # والثاني: أن المراد بالنعمة ها هنا: محمد صلى الله عليه وسلم يعرفون أنه ~~نبي ثم يكذبونه، وهذا مروي عن مجاهد، والسدي، والزجاج. # قوله تعالى: وأكثرهم الكافرون قال الحسن: وجميعهم كفار، فذكر الأكثر، ~~والمراد به الجميع. ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 84 الى # 87] # ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون (84) ~~وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (85) وإذا رأى ~~الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك ~~فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86) وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون (87) # قوله تعالى: ويوم نبعث من كل أمة شهيدا يعني: يوم القيامة، وشاهد كل أمة ~~نبيها يشهد عليها بتصديقها وتكذيبها ثم لا يؤذن للذين كفروا في الاعتذار ~~ولا هم يستعتبون أي: لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى ما أمر الله به لأن الآخرة ~~ليست بدار تكليف. # قوله تعالى: وإذا رأى الذين ظلموا أي: أشركوا العذاب يعني: النار فلا ~~يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون لا يؤخرون ولا يمهلون وإذا رأى الذين ~~أشركوا شركاءهم يعني: الأصنام التي جعلوها شركاء لله في العبادة، وذلك أن ~~الله يبعث كل معبود من دونه، فيقول المشركون: ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ~~ندعوا أي: نعبد من دونك. # فان قيل: فهذا معلوم عند الله تعالى، فما فائدة قولهم: «هؤلاء شركاؤنا» ؟ ~~فعنه جوابان: # أحدهما: أنهم لما كتموا الشرك في قولهم: والله ما كنا مشركين، عاقبهم ~~الله تعالى باصمات ألسنتهم، وإنطاق جوارحهم، فقالوا عند معاينة آلهتهم: ~~ربنا هؤلاء شركاؤنا أي: قد أقررنا بعد الجحد، وصدقنا بعد الكذب، التماسا ms1270 ~~للرحمة، وفرارا من الغضب، وكأن هذا القول منهم على وجه الاعتراف بالذنب، لا ~~على وجه إعلام من لا يعلم. # والثاني: أنهم لما عاينوا عظم غضب الله تعالى قالوا: هؤلاء شركاؤنا، ~~تقدير أن يعود عليهم من هذا القول روح، وأن تلزم الأصنام إجرامهم، أو بعض ~~ذنوبهم إذ كانوا يدعون لها العقل والتمييز، فأجابتهم الأصنام بما حسم ~~طمعهم. # قوله تعالى: فألقوا إليهم القول أي: أجابوهم وقالوا لهم: إنكم لكاذبون ~~قال الفراء: # ردت عليهم آلهتهم قولهم. وقال أبو عبيدة: «فألقوا» ، أي: قالوا لهم. ~~يقال: ألقيت إلى فلان كذا، أي: قلت له. قال العلماء: كذبوهم في عبادتهم ~~إياهم، وذلك أن الأصنام كانت جمادا لا تعرف # PageV02P577 # عابديها فظهرت فضيحتهم يومئذ إذ عبدوا من لم يعلم بعبادتهم وذلك كقوله: ~~سيكفرون بعبادتهم «1» . # قوله تعالى: وألقوا إلى الله يومئذ السلم المعنى: أنهم استسلموا له. وفي ~~المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم المشركون، قاله الأكثرون. ثم في معنى استسلامهم قولان: ~~أحدهما: أنهم استسلموا له بالإقرار بتوحيده وربوبيته. والثاني: أنهم ~~استسلموا لعذابه. والثاني: أنهم المشركون والأصنام كلهم. # قال الكلبي: والمعنى: أنهم استسلموا لله منقادين لحكمه. # قوله تعالى: وضل عنهم ما كانوا يفترون فيه قولان: أحدهما: بطل قولهم أنها ~~تشفع لهم. # والثاني: ذهب عنهم ما زين لهم الشيطان أن لله شريكا وولدا. ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 88 الى # 89] # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا ~~يفسدون (88) ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على ~~هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89) # قوله تعالى: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قال ابن عباس: منعوا الناس ~~من طاعة الله والإيمان بمحمد. قوله تعالى: زدناهم عذابا فوق العذاب إنما ~~نكر العذاب الأول، لأنه نوع خاص لقوم بأعيانهم، وعرف العذاب الثاني، لأنه ~~العذاب الذي يعذب به أكثر أهل النار، فكان في شهرته بمنزلة النار في قول ~~القائل: نعوذ بالله من النار، وقد قيل: إنما زيدوا هذا العذاب على ما ~~يستحقونه من عذابهم، ms1271 بصدهم عن سبيل الله. وفي صفة هذا العذاب الذي زيدوا ~~أربعة أقوال: أحدها: أنها عقارب كأمثال النخل الطوال، رواه مسروق عن ابن ~~مسعود. والثاني: أنها حيات كأمثال الفيلة، وعقارب كأمثال البغال، رواه زر ~~عن ابن مسعود. والثالث: أنها خمسة أنهار من صفر «2» مذاب تسيل من تحت العرش ~~يعذبون بها، ثلاثة على مقدار الليل، واثنان على مقدار النهار، قاله ابن ~~عباس. والرابع: أنه الزمهرير، ذكره ابن الأنباري. قال الزجاج: يخرجون من حر ~~الزمهرير، فيتبادرون من شدة برده إلى النار. # قوله تعالى: وجئنا بك شهيدا على هؤلاء وفي المشار إليهم قولان: أحدهما: ~~أنهم قومه، قاله ابن عباس. والثاني: أمته قاله مقاتل. وتم الكلام ها هنا. ~~ثم قال: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا قال الزجاج: التبيان: اسم في معنى ~~البيان. فأما قوله تعالى: لكل شيء فقال العلماء بالمعاني: يعني: # لكل شيء من أمور الدين، إما بالنص عليه، أو بالإحالة على ما يوجب العلم، ~~مثل بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع المسلمين. PageV02P578 ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 90 الى # 93] # إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90) وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ~~(91) ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا ~~بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم ~~القيامة ما كنتم فيه تختلفون (92) ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل ~~من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون (93) # قوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه شهادة أن ~~لا إله إلا الله، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: أنه الحق، رواه ~~الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أنه استواء السريرة والعلانية في العمل لله ~~تعالى، قاله سفيان بن عيينة. والرابع: أنه القضاء بالحق، ذكره الماوردي. ~~قال أبو سليمان: العدل في كلام العرب: الإنصاف، ms1272 وأعظم الإنصاف: الاعتراف ~~للمنعم بنعمته. وفي المراد بالإحسان خمسة أقوال «1» : أحدها: أنه أداء ~~الفرائض، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: العفو. رواه الضحاك عن ~~ابن عباس. والثالث: الإخلاص، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والرابع: أن تعبد ~~الله كأنك تراه، رواه عطاء عن ابن عباس. والخامس: أن تكون السريرة أحسن من ~~العلانية، قاله سفيان بن عيينة. # فأما قوله تعالى: وإيتاء ذي القربى فالمراد به: صلة الأرحام. # وفي الفحشاء قولان: أحدهما: أنها الزنا، قاله ابن عباس. والثاني: ~~المعاصي، قاله مقاتل. # وفي (المنكر) أربعة أقوال: أحدها: أنه الشرك، قاله مقاتل. والثاني: أنه ~~ما لا يعرف في شريعة ولا سنة. والثالث: أنه ما وعد الله عليه النار، ذكرهما ~~ابن السائب. والرابع: أن تكون علانية الإنسان أحسن من سريرته، قاله سفيان ~~بن عيينة. # فأما (البغي) فقال ابن عباس: هو الظلم، وقد سبق شرحه في مواضع. # قوله تعالى: يعظكم قال ابن عباس: يؤدبكم، وقد ذكرنا معنى الوعظ في سورة ~~النساء «2» . # وتذكرون بمعنى: تتعظون. قال ابن مسعود: هذه الآية أجمع آية في القرآن ~~لخير أو لشر. وقال الحسن: والله ما ترك العدل والاحسان شيئا من طاعة الله ~~إلا جمعاه، ولا تركت الفحشاء والمنكر والبغي شيئا من معصية الله إلا جمعوه. # قوله تعالى: وأوفوا بعهد الله اختلفوا فيمن نزلت على قولين «3» : أحدهما: ~~أنها نزلت في PageV02P579 # حلف أهل الجاهلية، قاله مجاهد، وقتادة. والثاني: أنها نزلت في الذين ~~بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال المفسرون: العهد الذي يجب الوفاء ~~به، هو الذي يحسن فعله، فاذا عاهد العبد عليه، وجب الوفاء به، والوعد من ~~العهد ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها أي: بعد تغليظها وتشديدها بالعزم ~~والعقد على اليمين، بخلاف لغو اليمين، ووكدت الشيء توكيدا، لغة أهل الحجاز. ~~فأما أهل نجد، فيقولون: أكدته تأكيدا. وقال الزجاج: يقال: وكدت الأمر، ~~وأكدت، لغتان جيدتان، والأصل الواو، والهمزة بدل منها. قوله تعالى: وقد ~~جعلتم الله عليكم كفيلا أي: بالوفاء وذلك أن من حلف بالله، فكأنه أكفل الله ~~بالوفاء بما حلف ms1273 عليه. وللمفسرين في معنى «كفيلا» ثلاثة أقوال: أحدها: # شهيدا، قاله سعيد بن جبير. والثاني: وكيلا، قاله مجاهد. والثالث: حفيظا ~~مراعيا لعقدكم، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها قال مجاهد: هذا فعل نساء أهل ~~نجد، تنقض إحداهن حبلها، ثم تنفشه، ثم تخلطه بالصوف فتغزله. وقال مقاتل: هي ~~امرأة من قريش تسمى «ريطة» بنت عمرو بن كعب، كانت إذا غزلت، نقضته. وقال ~~ابن السائب: اسمها «رائطة» وقال ابن الأنباري: # اسمها «ريطة» بنت عمرو المرية، ولقبها الجعراء، وهي من أهل مكة، وكانت ~~معروفة عند المخاطبين، فعرفوها بوصفها، ولم يكن لها نظير في فعلها ذلك، ~~كانت متناهية الحمق، تغزل الغزل من القطن أو الصوف فتحكمه، ثم تأمر جاريتها ~~بتقطيعه. وقال بعضهم: كانت تغزل هي وجواريها، ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن، ~~فضربها الله مثلا لناقضي العهد. و «نقضت» ، بمعنى: تنقض، كقوله: ونادى ~~أصحاب الجنة «1» بمعنى: وينادي. وفي المراد بالغزل قولان: أحدهما: أنه ~~الغزل المعروف، سواء كان من قطن أو صوف أو شعر، وهو قول الأكثرين. والثاني: ~~أنه الحبل، قاله مجاهد. وقوله: من بعد قوة قال قتادة: من بعد إبرام، وقوله: ~~أنكاثا أي: أنقاضا. قال ابن قتيبة: الأنكاث: ما نقض من غزل الشعر وغيره. ~~وواحدها: نكث. يقول: لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود، ثم تنقضوا ذلك ~~وتحنثوا فيه، فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت، ثم نقضت ذلك النسج، فجعلته ~~أنكاثا. # قوله تعالى: تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أي: دغلا، ومكرا، وخديعة، وكل شيء ~~دخله عيب، فهو مدخول، وفيه دخل. # قوله تعالى: أن تكون أمة قال ابن قتيبة: لأن تكون أمة، هي أربى أي: هي ~~أغنى من أمة وقال الزجاج: المعنى: بأن تكون أمة هي أكثر، يقال: ربا الشيء ~~يربو: إذا كثر. قال ابن الأنباري: قال اللغويون: «أربى» : أزيد عددا. قال ~~مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم PageV02P580 # وأعز، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك، فنهوا عن ذلك! وقال الفراء: ~~المعنى: لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم، أو قلتكم وكثرتهم وقد غررتموهم ~~بالأيمان. # قوله تعالى: إنما ms1274 يبلوكم الله به في هذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ~~ترجع إلى الكثرة، قاله سعيد بن جبير، وابن السائب، ومقاتل، فيكون المعنى: ~~إنما يختبركم الله بالكثرة، فاذا كان بين قومين عهد فكثر أحدهما، فلا ينبغي ~~أن يفسخ الذي بينه وبين الأقل. فان قيل: إذا كنى عن الكثرة، فهلا قيل بها؟ ~~فقد أجاب عنه ابن الأنباري. بأن الكثرة ليس تأنيثها حقيقيا، فحملت على معنى ~~التذكير، كما حملت الصيحة على معنى الصياح. والثاني: أنها ترجع إلى العهد، ~~فانه لدلالة الأيمان عليه، يجرى مجرى المظهر، ذكره ابن الأنباري. والثالث: ~~أنها ترجع إلى الأمر بالوفاء، ذكره بعض المفسرين. # قوله تعالى: ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة قد فسرناه في آخر هود «1» . # قوله تعالى: ولكن يضل من يشاء صريح في تكذيب القدرية، حيث أضاف الإضلال ~~والهداية إليه، وعلقهما بمشيئته. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 94 الى 96] # ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما ~~صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا ~~إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (95) ما عندكم ينفد وما عند الله ~~باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96) # قوله تعالى: ولا تتخذوا أيمانكم دخلا هذا استئناف للنهي عن أيمان ~~الخديعة. فتزل قدم بعد ثبوتها قال أبو عبيدة: هذا مثل يقال لكل مبتلى بعد ~~عافية، أو ساقط في ورطة بعد سلامة: زلت به قدمه. قال مقاتل: ناقض العهد يزل ~~في دينه كما تزل قدم الرجل بعد الاستقامة. قال المفسرون: وهذا نهي للذين ~~بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام ونصرة الدين عن نقض ~~العهد، ويدل عليه قوله تعالى: # وتذوقوا السوء يعني: العقوبة بما صددتم عن سبيل الله يريد أنهم إذا نقضوا ~~عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، صدوا الناس عن الإسلام، فاستحقوا ~~العذاب. # وقوله تعالى: ولكم عذاب عظيم يعني: في الآخرة. ثم أكد ذلك بقوله: ولا ~~تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا. # (865) قال أبو صالح عن ابن عباس: ms1275 نزلت في رجلين اختصما إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أرض، يقال لأحدهما: «عيدان بن أشوع» وهو صاحب الأرض، ~~وللآخر: «امرؤ القيس» وهو المدعى عليه، فهم امرؤ القيس أن يحلف، فأخره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. PageV02P581 # وذكر أبو بكر الخطيب أن اسم صاحب الأرض «ربيعة بن عبدان» ، وقيل: «عيدان» ~~، بفتح العين وياء معجمة باثنتين. ومعنى الآية: لا تنقضوا عهودكم، تطلبون ~~بنقضها عرضا يسيرا من الدنيا، إن ما عند الله من الثواب على الوفاء هو خير ~~لكم من العاجل. ما عندكم ينفد أي: يفنى وما عند الله في الآخرة باق وقف ~~بالياء ابن كثير في رواية عنه، ولا خلاف في حذفها في الوصل. ولنجزين الذين ~~صبروا قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «وليجزين» بالياء. ~~وقرأ ابن كثير، وعاصم «ولنجزين» بالنون. ولم يختلفوا في ولنجزينهم أجرهم ~~أنها بالنون، ومعنى هذه الآية: # وليجزين الذين صبروا على أمره أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون في الدنيا، ~~ويتجاوز عن سيئاتهم. ### | [سورة النحل (16) : آية 97] # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97) # قوله تعالى: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن في سبب نزولها قولان: ~~أحدهما: أن امرأ القيس المتقدم ذكره أقر بالحق الذي كان هم أن يحلف عليه، ~~فنزلت فيه: من عمل صالحا، وهو إقراره بالحق، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ~~والثاني: أن ناسا من أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل الأوثان جلسوا ~~فتفاضلوا، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح. # قوله تعالى: فلنحيينه حياة طيبة اختلفوا أين تكون هذه الحياة الطيبة على ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها في الدنيا، رواه العوفي عن ابن عباس. ثم فيها للمفسرين تسعة ~~أقوال «1» : أحدها: أنها القناعة، قاله علي عليه السلام، وابن عباس في ~~رواية، والحسن في رواية، ووهب بن منبه. والثاني: # أنها الرزق الحلال، رواه أبو مالك عن ابن عباس. وقال الضحاك: يأكل حلالا ~~ويلبس حلالا. # والثالث: أنها السعادة، رواه علي ms1276 بن أبي طلحة عن ابن عباس. والرابع: أنها ~~الطاعة، قاله عكرمة. # والخامس: أنها رزق يوم بيوم، قاله قتادة. والسادس: أنها الرزق الطيب، ~~والعمل الصالح، قاله إسماعيل بن أبي خالد. والسابع: أنها حلاوة الطاعة، ~~قاله أبو بكر الوراق. والثامن: العافية والكفاية. # والتاسع: الرضى بالقضاء، ذكرهما الماوردي. والثاني: أنها في الآخرة، قاله ~~الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن زيد، وذلك إنما يكون في الجنة. ~~والثالث: أنها في القبر، رواه أبو غسان عن شريك. ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 98 الى # 102] # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) إنه ليس له سلطان ~~على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون (100) وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل ~~قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101) قل نزله روح القدس من ربك ~~بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102) PageV02P582 # قوله تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى: فاذا أردت القراءة فاستعذ، ومثله: إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم «1» وقوله: وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب «2» ~~وقوله: إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة «3» . ومثله في ~~الكلام: إذا أكلت، فقل بسم الله، هذا قول عامة العلماء واللغويين. والثاني: ~~أنه على ظاهره، وأن الاستعاذة بعد القراءة، روي عن أبي هريرة، وداود «4» . # والثالث: أنه من المقدم والمؤخر، فالمعنى: فاذا استعذت بالله فاقرأ، قاله ~~أبو حاتم السجستاني، والأول أصح. # فصل: والاستعاذة عند القراءة سنة في الصلاة وغيرها. وفي صفتها عن أحمد ~~روايتان: # إحداهما: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم، رواها ~~أبو بكر المروزي. # والثانية: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، إن الله هو ~~السميع العليم، رواها حنبل. وقد بينا معنى «أعوذ» في أول الكتاب، وشرحنا ~~اشتقاق الشيطان في البقرة «5» والرجيم في آل عمران «6» . # قوله تعالى: إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا في المراد بالسلطان قولان ~~«7» : أحدهما: أنه التسلط. ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ليس له ms1277 عليهم سلطان ~~بحال، لأن الله صرف سلطانه عنهم بقوله: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين «8» . والثاني: ليس ~~له عليهم سلطان، لاستعاذتهم منه. والثالث: ليس له قدرة على أن يحملهم على ~~ذنب لا يغفر. والثاني: أنه الحجة. # فالمعنى: ليس له حجة على ما يدعوهم إليه من المعاصي، قاله مجاهد. فأما ~~قوله: يتولونه معناه: # يطيعونه. وفي هاء الكناية في قوله: والذين هم به مشركون قولان: أحدهما: ~~أنها ترجع إلى الله تعالى، قاله مجاهد، والضحاك. والثاني: أنها ترجع إلى ~~الشيطان، فالمعنى: الذين هم من أجله مشركون بالله، وهذا كما يقال: صار فلان ~~بك عالما، أي: من أجلك، هذا قول ابن قتيبة. وقال ابن الأنباري: المعنى: ~~والذين هم باشراكهم إبليس في العبادة، مشركون بالله تعالى. # قوله تعالى: وإذا بدلنا آية مكان آية. # (866) سبب نزولها أن الله تعالى كان ينزل الآية، فيعمل بها مدة، ثم ~~ينسخها، فقال كفار قريش: والله ما محمد إلا يسخر من أصحابه، يأمرهم اليوم ~~بأمر، ويأتيهم غدا بما هو أهون عليهم منه، PageV02P583 # فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والمعنى: إذا نسخنا آية بآية، إما نسخ الحكم والتلاوة، أو نسخ الحكم مع ~~بقاء التلاوة والله أعلم بما ينزل من ناسخ ومنسوخ، وتشديد وتخفيف، فهو عليم ~~بالمصلحة في ذلك قالوا إنما أنت مفتر أي: كاذب بل أكثرهم لا يعلمون فيه ~~قولان: # أحدهما: لا يعلمون أن الله أنزله. والثاني: لا يعلمون فائدة النسخ. # قوله تعالى: قل نزله يعني: القرآن روح القدس يعني: جبريل. وقد شرحنا هذا ~~الاسم في البقرة «1» . وقوله تعالى: من ربك أي: من كلامه بالحق أي: بالأمر ~~الصحيح ليثبت الذين آمنوا بما فيه من البينات فيزدادوا يقينا. ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 103 الى # 105] # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا ~~لسان عربي مبين (103) إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم ~~عذاب أليم (104) إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم ~~الكاذبون (105) # قوله تعالى: ms1278 ولقد نعلم أنهم يقولون يعني: قريشا إنما يعلمه بشر أي: آدمي، ~~وما هو من عند الله. وفيمن أرادوا بهذا البشر تسعة أقوال: # (867) أحدها: أنه كان لبني المغيرة غلام يقال له: يعيش، يقرأ التوراة، ~~فقالوا: منه يتعلم محمد، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال ~~عكرمة في رواية: كان هذا الغلام لبني عامر بن لؤي، وكان روميا. # (868) والثاني: أنه فتى كان بمكة يسمى بلعام وكان نصرانيا أعجميا، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه، فلما رأى المشركون دخوله إليه وخروجه، ~~قالوا ذلك، روي عن ابن عباس أيضا. # (869) والثالث: أنه نزلت في كاتب كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فيملى عليه «سميع عليم» فيكتب هو «عزيز حكيم» أو نحو هذا، فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي ذلك كتبت فهو كذلك» ، فافتتن، وقال: إن ~~محمدا يكل ذلك إلي فأكتب ما شئت، روي عن سعيد بن المسيب. # (870) والرابع: أنه غلام أعجمي لامرأة من قريش يقال له: جابر، وكان جابر ~~يأتي PageV02P584 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتعلم منه، فقال المشركون: إنما يتعلم ~~محمد من هذا، قاله سعيد بن جبير. # (871) والخامس: أنهم عنوا سلمان الفارسي، قاله الضحاك وفيه بعد من جهة أن ~~سلمان أسلم بالمدينة، وهذه الآية مكية. # (872) والسادس: أنهم عنوا به رجلا حدادا كان يقال له: يحنس النصراني، ~~قاله ابن زيد. # (873) والسابع: أنهم عنوا به غلاما لعامر بن الحضرمي، وكان يهوديا ~~أعجميا، واسمه «يسار» ، ويكنى أبا فكيهة، قاله مقاتل. وقد روي عن سعيد بن ~~جبير نحو هذا، إلا أنه لم يقل: إنه كان يهوديا. # (874) والثامن: أنهم عنوا غلاما أعجميا اسمه عايش، وكان مملوكا لحويطب، ~~وكان قد أسلم، قاله الفراء، والزجاج. # (875) والتاسع: أنهما رجلان، قال عبد الله بن مسلم الحضرمي: كان لنا ~~عبدان من أهل عين التمر، يقال لأحدهما: «يسار» وللآخر «جبر» وكانا يصنعان ~~السيوف بمكة، ويقرآن الإنجيل، فربما مر بهما النبي صلى الله عليه وسلم وهما ~~يقرآن، فيقف يستمع، فقال المشركون: إنما يتعلم منهما. قال ابن ms1279 الأنباري ~~فعلى هذا القول، يكون البشر واقعا على اثنين، والبشر من أسماء الأجناس، ~~يعبر عن اثنين، كما يعبر «أحد» عن الاثنين والجميع، والمذكر والمؤنث. # قوله تعالى: لسان الذي يلحدون إليه أعجمي قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، وعاصم: «يلحدون» بضم الياء وكسر الحاء، وقرأ حمزة ~~والكسائي: «يلحدون» بفتح الياء والحاء. فأما القراءة الأولى، فقال ابن ~~قتيبة: «يلحدون» أي: يميلون إليه، ويزعمون أنه يعلمه، وأصل الإلحاد الميل. ~~وقال الفراء: «يلحدون» بضم الياء: يعترضون، ومنه قوله: ومن يرد فيه بإلحاد ~~بظلم أي: باعتراض، و «يلحدون» بفتح الياء: يميلون. وقال الزجاج: يلحدون ~~إليه، أي: يميلون القول فيه أنه أعجمي. قال ابن قتيبة: لا يكاد عوام الناس ~~يفرقون بين العجمي والأعجمي، والعربي والأعرابي، فالأعجمي: الذي لا يفصح ~~وإن كان نازلا بالبادية، والعجمي: منسوب إلى العجم وإن كان فصيحا ~~والأعرابي: هو البدوي، والعربي: منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدويا. قوله ~~تعالى: # وهذا لسان يعني: القرآن، عربي قال الزجاج: أي: أن صاحبه يتكلم بالعربية. ~~قوله تعالى: # إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله أي: الذين إذا رأوا الآيات ~~التي لا يقدر عليها إلا PageV02P585 # الله، كذبوا بها، وأولئك هم الكاذبون أي: أن الكذب نعت لازم لهم، وعادة ~~من عاداتهم، وهذا رد عليهم إذ قالوا: إنما أنت مفتر «1» . وهذه الآية من ~~أبلغ الزجر عن الكذب، لأنه خص به من لا يؤمن. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 106 الى 111] # من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من ~~شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) ذلك بأنهم ~~استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين (107) ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون (108) ~~لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (109) ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما ~~فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110) # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ms1280 ~~(111) # قوله تعالى: من كفر بالله من بعد إيمانه. قال مقاتل: # (876) نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي، ومقيس بن صبابة، وعبد ~~الله بن أنس بن خطل، وطعمة بن أبيرق، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وقيس بن ~~الفاكه المخزومي. # فأما قوله تعالى: إلا من أكره فاختلفوا فيمن نزل على أربعة أقوال: # (877) أحدها: أنه نزل في عمار بن ياسر، أخذه المشركون فعذبوه، فأعطاهم ما ~~أرادوا بلسانه، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال قتادة. # (878) والثاني: أنه لما نزل قوله: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~إلى آخر الآيتين اللتين PageV02P586 # في سورة النساء «1» ، كتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى من كان بمكة، ~~فخرج ناس ممن أقر بالإسلام، فاتبعهم المشركون، فأدركوهم، فأكرهوهم حتى ~~أعطوا الفتنة، فنزل: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، رواه عكرمة عن ابن ~~عباس، وبه قال مجاهد. # (879) والثالث: أنه نزل في عياش بن أبي ربيعة، كان قد هاجر فحلفت أمه ألا ~~تستظل ولا تشبع من طعام حتى يرجع، فرجع إليها، فأكرهه المشركون حتى أعطاهم ~~بعض ما يريدون، قاله ابن سيرين. # (880) والرابع: أنه نزل في جبر، غلام ابن الحضرمي، كان يهوديا فأسلم، ~~فضربه سيده حتى رجع إلى اليهودية، قاله مقاتل. # وأما قوله: ولكن من شرح بالكفر صدرا فقال مقاتل: هم النفر المسمون في أول ~~الآية. # فأما التفسير، فاختلف النحاة في قوله: من كفر وقوله: ولكن من شرح فقال ~~الكوفيون: # جوابهما جميعا في قوله: فعليهم غضب، فقال البصريون: بل قوله: من كفر ~~مرفوع بالرد على الذين لا يؤمنون. قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون خبر من ~~كفر محذوفا، لوضوح معناه، تقديره: من كفر بالله، فالله عليه غضبان. # قوله تعالى: وقلبه مطمئن بالإيمان أي: ساكن إليه راض به. ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا قال قتادة: من أتاه بايثار واختيار. وقال ابن قتيبة: من فتح له ~~صدره بالقبول. وقال أبو عبيدة: المعنى: # من تابعته نفسه، وانبسط إلى ذلك، يقال: ما ينشرح صدري بذلك، أي: ما يطيب: ~~وجاء قوله: # فعليهم غضب على معنى ms1281 الجميع، لأن «من» تقع على الجميع. # فصل: الإكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها. وفي الإكراه المبيح لذلك عن ~~أحمد روايتان «2» : # إحداهما: أنه يخاف على نفسه أو على بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أمر ~~به. والثانية: أن التخويف لا يكون إكراها حتى ينال بعذاب. وإذا ثبت جواز ~~«التقية» فالأفضل ألا يفعل، نص عليه أحمد، في أسير خير بين القتل وشرب ~~الخمر، فقال: إن صبر على القتل فله الشرف، وإن لم يصبر، فله الرخصة، فظاهر ~~هذا، الجواز. وروى عنه الأثرم أنه سئل عن التقية في شرب الخمر فقال: إنما ~~PageV02P587 # التقية في القول. فظاهر هذا أنه لا يجوز له ذلك. فأما إذا أكره على ~~الزنا، لم يجز له الفعل، ولم يصح إكراهه، نص عليه أحمد. فان أكره على ~~الطلاق، لم يقع طلاقه، نص عليه أحمد، وهو قول مالك، والشافعي. وقال أبو ~~حنيفة: يقع. # قوله تعالى: ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا في المشار إليه بذلك قولان: # أحدهما: أنه الغضب والعذاب، قاله مقاتل. # والثاني: أنه شرح الصدر للكفر. و «استحبوا» بمعنى: أحبوا الدنيا ~~واختاروها على الآخرة. # قوله تعالى: وأن الله أي: وبأن الله لا يريد هدايتهم. وما بعد هذا قد سبق ~~شرحه «1» إلى قوله: وأولئك هم الغافلون ففيه قولان: # أحدهما: الغافلون عما يراد بهم، قاله ابن عباس. والثاني: عن الآخرة، قاله ~~مقاتل. # قوله تعالى: لا جرم قد شرحناها في هود «2» . وقوله تعالى: ثم إن ربك ~~للذين هاجروا من بعد ما فتنوا اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: # (881) أحدها: أنها نزلت فيمن كان يفتن بمكة من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # (882) والثاني: أن قوما من المسلمين خرجوا للهجرة، فلحقهم المشركون ~~فأعطوهم الفتنة، فنزل فيهم: ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في ~~الله جعل فتنة الناس كعذاب الله «3» فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا، ~~وأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقتل من قتل، فنزلت فيهم هذه ~~الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. # (883) والثالث: ms1282 أنها نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان الشيطان قد ~~أزله حتى لحق بالكفار، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم ~~الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وهذا مروي عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وفيه بعد، لأن المشار إليه وإن كان ~~قد عاد إلى الإسلام، فان الهجرة انقطعت بالفتح. # والرابع: أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة، وأبي جندل بن سهيل بن عمرو، ~~وعبد الله بن أسيد الثقفي، قاله مقاتل. # فأما قوله تعالى: من بعد ما فتنوا فقرأ الأكثرون: «فتنوا» بضم الفاء وكسر ~~التاء، على معنى: # من بعد ما فتنهم المشركون عن دينهم. قال ابن عباس: فتنوا بمعنى: عذبوا. ~~وقرأ عبد الله بن عامر: PageV02P588 # «فتنوا» بفتح الفاء والتاء، على معنى: من بعد ما فتنوا الناس عن دين ~~الله، يشير إلى من أسلم من المشركين. وقال أبو علي: من بعد ما فتنوا أنفسهم ~~باظهار ما أظهروا للتقية، لأن الرخصة لم تكن نزلت بعد. قوله تعالى: ثم ~~جاهدوا أي: قاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبروا على الدين ~~والجهاد. # إن ربك من بعدها في المكني عنها أربعة أقوال: أحدها: الفتنة، وهو مذهب ~~مقاتل. والثاني: # الفعلة التي فعلوها، قاله الزجاج. والثالث: المجاهدة، والمهاجرة، والصبر. ~~والرابع: المهاجرة. # ذكرهما واللذين قبلهما ابن الأنباري. # قوله تعالى: يوم تأتي قال الزجاج: هو منصوب على أحد شيئين، إما على معنى: ~~إن ربك لغفور يوم تأتي، وإما على معنى: اذكر يوم تأتي. ومعنى تجادل عن ~~نفسها أي: عنها. والمراد: أن كل إنسان يجادل عن نفسه. وقد روي عن عمر بن ~~الخطاب أنه قال لكعب الأحبار: يا كعب خوفنا، فقال: إن لجهنم زفرة ما يبقى ~~ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا وقع جاثيا على ركبتيه، حتى إن إبراهيم خليل ~~الرحمن ليدلي بالخلة فيقول: يا رب أنا خليلك إبراهيم، لا أسألك إلا نفسي، ~~وإن تصديق ذلك في كتاب الله: يوم تأتي كل نفس تجادل عن ms1283 نفسها. وقد شرحنا ~~معنى «الجدال» في هود «1» . ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 112] # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ~~فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (112) # قوله تعالى: وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة في هذه القرية قولان: # أحدهما: أنها مكة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والجمهور، وهو الصحيح. # والثاني: أنها قرية أوسع الله على أهلها حتى كانوا يستنجون بالخبز، فبعث ~~الله عليهم الجوع حتى كانوا يأكلون ما يقاعدون، قاله الحسن. فأما ما يروى ~~عن حفصة أنها قالت: هي المدينة، فذلك على سبيل التمثيل، لا على وجه ~~التفسير، وبيانه: ما روى سليم بن عتر «2» ، قال: صدرنا من الحج مع حفصة، ~~وعثمان محصور بالمدينة، فرأت راكبين فسألتهما عنه، فقالا: قتل، فقالت: ~~والذي نفسي بيده إنها للقرية، تعني المدينة التي قال الله تعالى في كتابه: ~~وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة، تعني حفصة: أنها كانت على قانون ~~الاستقامة في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر رضي الله ~~عنهما، فكفرت بأنعم الله عند قتل عثمان رضي الله عنه. ومعنى كانت آمنة أي: ~~ذات أمن يأمن فيها أهلها أن يغار عليهم، مطمئنة أي: ساكنة بأهلها لا ~~يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق. وقد شرحنا معنى الرغد في البقرة ~~«3» . # وقوله تعالى: من كل مكان أي: يجلب إليها من كل بلد وذلك كله بدعوة ~~إبراهيم عليه السلام، فكفرت بأنعم الله بتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وفي واحد الأنعم قولان: أحدهما: أن واحدها «نعم» قاله أبو عبيدة، ~~وابن قتيبة. والثاني: «نعمة» قاله الزجاج: قال ابن قتيبة: ليس قول من ~~PageV02P589 # قال: هو جمع «نعمة» بشيء، لأن «فعلة» لا تجمع على «أفعل» ، وإنما هو جمع ~~«نعم» ، يقال: يوم نعم، ويوم بؤس، ويجمع «أنعما» ، و «أبؤسا» . # قوله تعالى: فأذاقها الله لباس الجوع والخوف وروى عبيد بن عقيل، وعبد ~~الوارث عن أبي عمرو: «والخوف» بنصب الفاء. وأصل الذوق إنما هو بالفم، وهذا ~~استعارة منه، وقد ms1284 شرحنا هذا المعنى في آل عمران «1» . وإنما ذكر اللباس ~~هاهنا تجوزا، لما يظهر عليهم من أثر الجوع والخوف، فهو كقوله: ولباس التقوى ~~«2» وذلك لما يظهر على المتقي من أثر التقوى. قال المفسرون: عذبهم الله ~~بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام المحترقة. فأما الخوف، فهو خوفهم ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سراياه التي كان يبعثها حولهم. ~~والكلام في هذه الآية خرج على القرية، والمراد أهلها، ولذلك قال: بما كانوا ~~يصنعون يعني به: بتكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإخراجهم إياه وما ~~هموا به من قتله. ### | [سورة النحل (16) : آية 113] # ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (113) # قوله تعالى: ولقد جاءهم يعني أهل مكة رسول منهم يعني: محمدا صلى الله ~~عليه وسلم فكذبوه فأخذهم العذاب وفيه قولان: أحدهما: أنه الجوع، قاله ابن ~~عباس. والثاني: القتل ببدر، قاله مجاهد. قال ابن السائب: وهم ظالمون أي: ~~كافرون. ### | ### | [سورة النحل (16) : الآيات 114 الى # 115] # فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون ~~(114) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن ~~اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115) # قوله تعالى: فكلوا مما رزقكم الله في المخاطبين بهذا قولان: # أحدهما: أنهم المسلمون، وهو قول الجمهور. # والثاني: أنهم أهل مكة المشركون، لما اشتدت مجاعتهم، كلم رؤساؤهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: # إن كنت عاديت الرجال، فما بال النساء والصبيان؟! فأذن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم للناس أن يحملوا الطعام إليهم، حكاه الثعلبي، وذكر نحوه الفراء. ~~وهذه الآية والتي تليها مفسرتان في البقرة «3» . ### | [سورة النحل (16) : الآيات 116 الى 117] # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله ~~الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116) متاع قليل ولهم عذاب ~~أليم (117) # قوله تعالى: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب قال ابن الأنباري: اللام ~~في «لما» بمعنى من أجل، وتلخيص الكلام: ولا تقولوا: هذه الميتة ms1285 حلال، وهذه ~~البحيرة حرام، من أجل كذبكم، وإقدامكم على الوصف، والتخرص «4» لما لا أصل ~~له، فجرت اللام ها هنا مجراها في قوله: PageV02P590 # وإنه لحب الخير لشديد «1» أي: وإنه من أجل حب الخير لبخيل، و «ما» بمعنى ~~المصدر، والكذب منصوب ب «تصف» ، والتخليص: لا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب. ~~وقرأ ابن أبي عبلة: «الكذب» ، قال ابن القاسم: هو نعت الألسنة، وهو جمع ~~كذوب. قال المفسرون: والمعنى: أن تحليلكم وتحريمكم ليس له معنى إلا الكذب. ~~والإشارة بقوله: هذا حلال وهذا حرام إلى ما كانوا يحلون ويحرمون، لتفتروا ~~على الله الكذب وذلك أنهم كانوا ينسبون ذلك التحليل والتحريم إلى الله ~~تعالى، ويقولون: هو أمرنا بهذا. # وقوله تعالى: متاع قليل أي: متاعهم بهذا الذي فعلوه قليل. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 118 الى 119] # وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون (118) ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (119) # قوله تعالى: وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل يعني به ما ذكر ~~في الأنعام «2» وهو قوله: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر، وما ظلمناهم بتحريمنا ما حرمنا عليهم، ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بالبغي والمعاصي. # قوله تعالى: ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة قد شرحناه في سورة ~~النساء «3» ، وشرحنا في البقرة «4» التوبة والاصلاح، وذكرنا معنى قوله: من ~~بعدها آنفا. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 120 الى 122] # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120) شاكرا ~~لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين (122) # قوله تعالى: إن إبراهيم كان أمة قال ابن الأنباري: هذا مثل قول العرب: ~~فلان رحمة، وفلان علامة، ونسابة، ويقصدون بهذا التأنيث قصد التناهي في ~~المعنى الذي يصفونه، والعرب قد توقع الأسماء المبهمة على الجماعة، وعلى ~~الواحد، كقوله: فنادته الملائكة «5» ، وإنما ناداه جبريل وحده. # وللمفسرين في المراد بالأمة ها هنا ثلاثة أقوال «6» : أحدها: أن الأمة: ~~الذي ms1286 يعلم الخير، قاله ابن مسعود، والفراء، وابن قتيبة. والثاني: أنه ~~المؤمن وحده في زمانه، روى هذا المعنى الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. ~~والثالث: أنه الإمام الذي يقتدى به، قاله قتادة، ومقاتل، وأبو عبيدة، وهو ~~في معنى القول الأول. فأما القانت فقال ابن مسعود: هو المطيع، وقد شرحنا ~~«القنوت» في البقرة «7» وكذلك الحنيف «8» . # قوله تعالى: ولم يك قال الزجاج: أصلها: لم يكن، وإنما حذفت النون عند ~~سيبويه، لكثرة PageV02P591 # استعمال هذا الحرف، وذكر الجلة من البصريين أنها إنما احتملت الحذف، لأنه ~~اجتمع فيها كثرة الاستعمال، وأنها عبارة عن كل ما يمضي من الأفعال وما ~~يستأنف، وأنها قد أشبهت حروف اللين، وأنها تكون علامة كما تكون حروف اللين ~~علامة، وأنها غنة تخرج من الأنف، فلذلك احتملت الحذف. # قوله تعالى: شاكرا لأنعمه انتصب بدلا من قوله: أمة قانتا وقد ذكرنا واحد ~~الأنعم آنفا، وشرحنا معنى «الاجتباء» في (الأنعام) «1» . قال مقاتل: ~~والمراد بالصراط المستقيم ها هنا: الإسلام. # قوله تعالى: وآتيناه في الدنيا حسنة فيها ستة أقوال «2» : أحدها: أنها ~~الذكر الحسن، قاله ابن عباس. والثاني: النبوة، قاله الحسن. والثالث: لسان ~~صدق، قاله مجاهد. والرابع: اجتماع الملل على ولايته، فكلهم يتولونه ~~ويرضونه، قاله قتادة. والخامس: أنها الصلاة عليه مقرونة بالصلاة على محمد ~~صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل بن حيان. والسادس: الأولاد الأبرار على ~~الكبر، حكاه الثعلبي. وباقي الآية مفسر في البقرة «3» . ### | ### | [سورة النحل (16) : آية # 123] # ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123) # قوله تعالى: ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ملته: دينه. وفيما أمر ~~باتباعه من ذلك قولان: # أحدهما: أنه أمر باتباعه في جميع ملته، إلا ما أمر بتركه، وهذا هو ~~الظاهر. والثاني: اتباعه في التبرؤ من الأوثان، والتدين بالإسلام، قاله أبو ~~جعفر الطبري. وفي هذه الآية دليل على جواز اتباع المفضول، لأن رسولنا أفضل ~~الرسل، وإنما أمر باتباعه، لسبقه إلى القول بالحق. ### | [سورة النحل (16) : آية 124] # إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم ms1287 القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون (124) # قوله تعالى: إنما جعل السبت أي: إنما فرض تعظيمه وتحريمه، وقرأ الحسن، ~~وأبو حياة: # «إنما جعل» بفتح الجيم والعين، «السبت» بنصب التاء على الذين اختلفوا فيه ~~والهاء ترجع إلى السبت. وفي معنى اختلافهم فيه قولان: أحدهما: أن موسى قال ~~لهم: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما، فاعبدوه في يوم الجمعة، ولا تعملوا ~~فيه شيئا من صنيعكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك، وقالوا: لا نبتغي إلا اليوم الذي ~~فرغ فيه من الخلق، وهو يوم السبت، فجعل ذلك عليهم، وشدد عليهم فيه، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل: لما أمرهم موسى بيوم الجمعة، قالوا: ~~نتفرغ يوم السبت، فان الله لم يخلق فيه شيئا، فقال: إنما أمرت بيوم الجمعة، ~~فقال أحبارهم: انتهوا إلى أمر نبيكم، فأبوا، PageV02P592 # فذلك اختلافهم، فلما رأى موسى حرصهم على السبت، أمرهم به، فاستحلوا فيه ~~المعاصي. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: رأى موسى رجلا يحمل قصبا يوم ~~السبت، فضرب عنقه، وعكفت عليه الطير أربعين صباحا. وذكر ابن قتيبة في ~~(مختلف الحديث) : أن الله تعالى بعث موسى بالسبت، ونسخ السبت بالمسيح. ~~والثاني: أن بعضهم استحله، وبعضهم حرمه، قاله قتادة. ### | [سورة النحل (16) : آية 125] # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) # قوله تعالى: ادع إلى سبيل ربك قال ابن عباس: نزلت مع الآية التي بعدها، ~~وسنذكر هناك السبب. فأما السبيل، فقال مقاتل: هو دين الإسلام. وفي المراد ~~بالحكمة ثلاثة أقوال «1» : أحدها: # أنها القرآن، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: الفقه، قاله الضحاك عن ~~ابن عباس. والثالث: # النبوة، ذكره الزجاج. وفي والموعظة الحسنة قولان «2» : أحدهما: مواعظ ~~القرآن، قاله أبو صالح عن ابن عباس «3» . والثاني: الأدب الجميل الذي ~~يعرفونه، قاله الضحاك عن ابن عباس. قوله تعالى: # وجادلهم في المشار إليهم قولان: أحدهما: أنهم أهل مكة، قاله أبو صالح. ~~والثاني: أهل الكتاب، قاله مقاتل. وفي قوله: بالتي هي أحسن ثلاثة ms1288 أقوال: ~~أحدها: جادلهم بالقرآن. والثاني: ب «لا آله إلا الله» ، روي القولان عن ابن ~~عباس. والثالث: جادلهم غير فظ ولا غليظ، وألن لهم جانبك، قاله الزجاج. وقال ~~بعض علماء التفسير: وهذا منسوخ بآية السيف «4» . قوله تعالى: إن ربك هو ~~أعلم المعنى: هو أعلم بالفريقين، فهو يأمرك فيهما بما فيه الصلاح. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 126 الى 128] # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126) ~~واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (127) ~~إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128) # قوله تعالى: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به في سبب نزولها قولان: # (884) أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف على حمزة، فرآه ~~صريعا، فلم ير شيئا كان أوجع لقلبه PageV02P593 # منه، فقال: «والله لأمثلن بسبعين منهم» ، فنزل جبريل، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم واقف، بقوله: وإن عاقبتم إلى آخرها، فصبر رسول الله وكفر عن ~~يمينه، قاله أبو هريرة. # (885) وقال ابن عباس: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة قد شق بطنه، ~~وجدعت أذناه، فقال: «لولا أن تحزن النساء أو تكون سنة بعدي لتركته حتى ~~يبعثه الله من بطون السباع والطير ولأقتلن مكانه سبعين رجلا منهم» ، فنزل ~~قوله: ادع إلى سبيل ربك إلى قوله: وما صبرك إلا بالله. # (886) وروى الضحاك عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~يومئذ: «لئن ظفرت بقاتل حمزة لأمثلن به مثلة تتحدث بها العرب» ، وكانت هند ~~وآخرون معها قد مثلوا به، فنزلت هذه الآية. # (887) والثاني: أنه أصيب من الأنصار يوم أحد أربعة وستون، ومن المهاجرين ~~ستة منهم حمزة، ومثلوا بقتلاهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما من ~~الدهر، لنزيدن على عدتهم مرتين، فنزلت هذه الآية، قاله أبي بن كعب. # (888) وروى أبو صالح عن ابن عباس: أن المسلمين قالوا: لئن أمكننا الله ~~منهم لنمثلن بالأحياء فضلا عن الأموات، فنزلت هذه الآية، يقول: إن كنتم ~~فاعلين، فمثلوا بالأموات، كما مثلوا بأمواتكم. # قال ابن ms1289 الأنباري: وإنما سمى فعل المشركين معاقبة وهم ابتدءوا بالمثلة، ~~ليزدوج اللفظان، فيخف على اللسان، كقوله: وجزاء سيئة سيئة مثلها «1» . # فصل: واختلف العلماء، هل هذه الآية منسوخة، أم لا؟ على قولين «2» : ~~أحدهما: أنها نزلت قبل (براءة) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل ~~من قاتله، ولا يبدأ بالقتال، ثم نسخ ذلك، وأمر بالجهاد، قاله PageV02P594 # ابن عباس، والضحاك، فعلى هذا يكون المعنى: ولئن صبرتم عن القتال، ثم نسخ ~~هذا بقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم «1» . والثاني: أنها محكمة، وإنما نزلت ~~فيمن ظلم ظلامة، فلا يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما ناله الظالم منه، ~~قاله مجاهد، والشعبي، والنخعي، وابن سيرين، والثوري، وعلى هذا يكون المعنى: ~~ولئن صبرتم عن المثلة، لا عن القتال. # قوله تعالى: واصبر وما صبرك إلا بالله أي: بتوفيقه ومعونته. وهذا أمر ~~بالعزيمة. # وفي قوله: ولا تحزن عليهم قولان «2» : أحدهما: على كفار مكة إن لم ~~يسلموا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: ولا تحزن على قتلى أحد، فانهم ~~أفضوا إلى رحمة الله، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. قوله تعالى: ولا تك في ~~ضيق قرأ الأكثرون بنصب الضاد، وقرأ ابن كثير: «في ضيق» بكسر الضاد ها هنا ~~وفي (النمل) «3» . قال الفراء: الضيق بفتح الضاد: ما ضاق عنه صدرك، والضيق: ~~ما يكون في الذي يضيق ويتسع، مثل الدار والثوب وأشباه ذلك. وقال ابن قتيبة: ~~الضيق: # تخفيف ضيق، مثل: هين ولين. وهو، إذا كان على هذا التأويل: صفة، كأنه قال: ~~لا تك في أمر ضيق من مكرهم. قال: ويقال: مكان ضيق وضيق، بمعنى واحد، كما ~~يقال: رطل ورطل، وهذا أعجب إلي. فأما مكرهم المذكور ها هنا، فقال أبو صالح ~~عن ابن عباس: فعلهم وعملهم. قوله تعالى: إن الله مع الذين اتقوا ما نهاهم ~~عنه، وأحسنوا فيما أمرهم به، بالعون والنصر. PageV02P595 ### | الجزء الثالث ### | سورة الإسراء ### | فصل في نزولها: # هي مكية في قول الجماعة، إلا أن بعضهم يقول: فيها مدني، فروي عن ابن عباس ~~أنه قال: هي مكية إلا ثمان آيات: من ms1290 قوله تعالى: وإن كادوا ليفتنونك إلى ~~قوله تعالى: # نصيرا «1» ، وهذا قول قتادة. وقال مقاتل: فيها من المدني: وقل رب أدخلني ~~مدخل صدق «2» وقوله تعالى: إن الذين أوتوا العلم من قبله «3» وقوله تعالى: ~~إن ربك أحاط بالناس «4» وقوله تعالى: وإن كادوا ليفتنونك «5» وقوله تعالى: ~~وإن كادوا ليستفزونك «6» وقوله تعالى: ولولا أن ثبتناك والتي تليها «7» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الإسراء (17) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي ~~باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (1) # قوله تعالى: سبحان. # (889) روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن تفسير «سبحان الله» ، ~~فقال: «تنزيه الله عن كل سوء» ، وقد ذكرنا هذا المعنى في سورة البقرة «8» . # قال الزجاج: و «أسرى» : بمعنى: «سير عبده» ، يقال: أسريت وسريت: إذا سرت ~~ليلا. وقد جاءت اللغتان في القرآن، قال الله تعالى: والليل إذا يسر (4) «9» ~~. # وفي معنى التسبيح ها هنا قولان: أحدهما: أن العرب تسبح عند الأمر المعجب، ~~فكأن الله تعالى عجب العباد مما أسدى إلى رسوله من النعمة. والثاني: أن ~~يكون خرج الرد عليهم، لأنه لما حدثهم PageV03P007 # بالاسراء، كذبوه، فيكون المعنى: تنزه الله أن يتخذ رسولا كذابا. ولا خلاف ~~أن المراد بعبده هاهنا: # محمد صلى الله عليه وسلم. وفي قوله تعالى: من المسجد الحرام قولان: ~~أحدهما: أنه أسري به من نفس المسجد، قاله الحسن، وقتادة. ويسنده حديث مالك ~~بن صعصعة، وهو في (الصحيحين) : # (890) «بينما أنا في الحطيم» وربما قال بعض الرواة: في «الحجر» «1» . # والثاني: أنه أسري به من بيت أم هانئ «2» ، وهو قول أكثر المفسرين «3» ، ~~فعلى هذا يعني بالمسجد الحرام: الحرم. والحرم كله مسجد، ذكره القاضي أبو ~~يعلى وغيره. # فأما المسجد الأقصى فهو بيت المقدس، وقيل له: الأقصى، لبعد المسافة بين ~~المسجدين. # ومعنى باركنا حوله: أن الله أجرى حوله الأنهار، وأنبت الثمار. وقيل: لأنه ~~مقر الأنبياء، ومهبط الملائكة. واختلف العلماء، هل دخل بيت المقدس، أم لا؟ # (891) فروى أبو هريرة أنه دخل بيت المقدس، وصلى فيه بالأنبياء، ms1291 ثم عرج به ~~إلى السماء. # وقال حذيفة بن اليمان: لم يدخل بيت المقدس ولم يصل فيه، ولا نزل عن ~~البراق حتى عرج به «4» . فإن PageV03P008 # قيل: ما معنى قوله تعالى: إلى المسجد الأقصى وأنتم تقولون: صعد إلى ~~السماء؟ فالجواب: أن الإسراء كان إلى هنالك، والمعراج كان من هنالك. وقيل: ~~إن الحكمة في ذكر ذلك، أنه لو أخبر بصعوده إلى السماء في بدء الحديث، لاشتد ~~إنكارهم، فلما أخبر ببيت المقدس، وبان لهم صدقه فيما أخبرهم به من العلامات ~~الصادقة، أخبر بمعراجه. # قوله تعالى: لنريه من آياتنا يعني: ما رأى تلك الليلة من العجائب التي ~~أخبر بها الناس. إنه هو السميع لمقالة قريش، البصير بها. وقد ذكرنا في ~~كتابنا المسمى ب «الحدائق» أحاديث المعراج، وكرهنا الإطالة ها هنا. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 2 الى # 3] # وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ~~(2) ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3) # قوله تعالى: وآتينا موسى الكتاب لما ذكر في الآية الأولى إكرام محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ذكر في هذه كرامة موسى. والكتاب: التوراة. وجعلناه هدى ~~لبني إسرائيل أي: دللناهم به على الهدى. ألا تتخذوا قرأ أبو عمرو: «يتخذوا» ~~بالياء، والمعنى: هديناهم لئلا يتخذوا، وقرأ الباقون بالتاء، قال أبو علي: ~~وهو على الانصراف إلى الخطاب بعد الغيبة، مثل: الحمد لله ثم قال: إياك ~~نعبد. قوله تعالى: وكيلا قال مجاهد: شريكا. وقال الزجاج: ربا. قال ابن ~~الأنباري: وإنما قيل للرب: وكيل، لكفايته وقيامه بشأن عباده، من أجل أن ~~الوكيل عند الناس قد علم أنه يقوم بشئون أصحابه، وتفقد أمورهم، فكان الرب ~~وكيلا من هذه الجهة، لا على معنى ارتفاع منزلة الموكل وانحطاط أمر الوكيل. # قوله تعالى: ذرية من حملنا قال مجاهد: هو نداء: يا ذرية من حملنا. قال ~~ابن الأنباري: # من قرأ: «ألا تتخذوا» بالتاء، فإنه يقول: بعد الذرية مضمر حذف اعتمادا ~~على دلالة ما سبق، تلخيصه: # يا ذرية من حملنا مع نوح لا تتخذوا وكيلا، ويجوز أن يستغني عن ms1292 الإضمار ~~بقوله تعالى: إنه كان عبدا شكورا لأنه بمعنى: اشكروني كشكره. ومن قرأ: «ألا ~~يتخذوا» بالياء، جعل النداء متصلا بالخطاب، و «الذرية» تنتصب بالنداء، ~~ويجوز نصبها بالاتخاذ على أنها مفعول ثان، تلخيص الكلام: ألا يتخذوا ذرية ~~من حملنا مع نوح وكيلا. قال قتادة: الناس كلهم ذرية من أنجى الله في تلك ~~السفينة. قال العلماء: ووجه الإنعام على الخلق بهذا القول، أنهم كانوا في ~~صلب من نجا. قوله تعالى: إنه كان عبدا شكورا قال سلمان الفارسي: كان إذا ~~أكل قال: «الحمد لله» وإذا شرب قال: «الحمد لله» . وقال غيره: كان إذا لبس ~~ثوبا قال: «الحمد لله» فسماه الله «عبدا شكورا» . ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 4 الى 6] # وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا ~~كبيرا (4) فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ~~فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا (5) ثم رددنا لكم الكرة عليهم ~~وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا (6) # PageV03P009 # قوله تعالى: وقضينا إلى بني إسرائيل فيه قولان «1» : أحدهما: أخبرناهم، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: قضينا عليهم، رواه العوفي عن ابن عباس. ~~وبه قال قتادة، فعلى الأول: تكون إلى على أصلها، ويكون الكتاب: التوراة، ~~وعلى الثاني: تكون إلى بمعنى «على» ، ويكون «الكتاب» : الذكر الأول. # قوله تعالى: لتفسدن في الأرض يعني: أرض مصر مرتين بالمعاصي ومخالفة ~~التوراة. وفي من قتلوه من الأنبياء في الفساد الأول قولان: أحدهما: زكريا، ~~قاله السدي عن أشياخه. والثاني: # شعيا، قاله ابن إسحاق. فأما المقتول من الأنبياء في الفساد الثاني: فهو ~~يحيى بن زكريا. قال مقاتل: # كان بين الفسادين مائتا سنة وعشر سنين. فأما السبب في قتلهم زكريا، فإنهم ~~اتهموه بمريم، وقالوا: منه حملت، فهرب منهم، فانفتحت له شجرة فدخل فيها ~~وبقي من ردائه هدب، فجاءهم الشيطان فدلهم عليه، فقطعوا الشجرة بالمنشار وهو ~~فيها. وأما السبب في قتلهم «شعيا» ، فهو أنه قام فيهم برسالة من الله ~~ينهاهم عن المعاصي. وقيل: هو الذي هرب منهم فدخل في الشجرة حتى قطعوه ~~بالمنشار، وأن ms1293 زكريا مات حتف أنفه. فأما السبب في قتلهم يحيى بن زكريا، ~~ففيه قولان: أحدهما: أن ملكهم أراد نكاح امرأة لا تحل له، فنهاه عنها يحيى. ~~ثم فيها أربعة أقوال: أحدها: أنها ابنة أخيه، قاله ابن عباس. # والثاني: ابنته، قاله عبد الله بن الزبير. والثالث: أنها امرأة أخيه، ~~وكان ذلك لا يصلح عندهم، قاله الحسين بن علي عليهما السلام. والرابع: ابنة ~~امرأته، قاله السدي عن أشياخه، وذكر أن السبب في ذلك: أن ملك بني إسرائيل ~~هوي بنت امرأته، فسأل يحيى عن نكاحها، فنهاه، فحنقت أمها على يحيى حين نهاه ~~أن يتزوج ابنتها، وعمدت إلى ابنتها فزينتها وأرسلتها إلى الملك حين جلس على ~~شرابه، وأمرتها أن تسقيه، وأن تعرض له، فان أرادها على نفسها، أبت حتى يؤتى ~~برأس يحيى بن زكريا في طست، ففعلت ذلك، فقال: ويحك سليني غير هذا، فقالت: ~~ما أريد إلا هذا، فأمر، فأتي برأسه والرأس يتكلم ويقول: لا تحل لك، لا تحل ~~لك. والقول الثاني: أن امرأة الملك رأت يحيى عليه السلام وكان قد أعطي حسنا ~~وجمالا، فأرادته على نفسه، فأبى، فقالت لابنتها: سلي أباك رأس يحيى، ~~فأعطاها ما سألت، قاله الربيع بن أنس. قال العلماء بالسير: ما زال دم يحيى ~~يغلي حتى قتل عليه من بني إسرائيل سبعون ألفا، فسكن، وقيل: لم يسكن حتى جاء ~~قاتله، فقال: أنا قتلته، فقتل، فسكن. # قوله تعالى: ولتعلن علوا كبيرا أي: لتعظمن عن الطاعة ولتبغن. # قوله تعالى: فإذا جاء وعد أولاهما أي: عقوبة أولى المرتين بعثنا أي: ~~أرسلنا عليكم عبادا لنا وفيهم خمسة أقوال: أحدها: أنهم جالوت وجنوده، قاله ~~ابن عباس، وقتادة. والثاني: «بختنصر» ، قاله سعيد بن المسيب، واختاره ~~الفراء، والزجاج. والثالث: العمالقة، وكانوا كفارا، قاله الحسن. # والرابع: سنحاريب، قاله سعيد بن جبير. والخامس: قوم من أهل فارس، قاله ~~مجاهد. وقال ابن زيد: PageV03P010 # سلط الله عليهم سابور ذا الأكتاف من ملوك فارس. # قوله تعالى: أولي بأس شديد أي: ذوي عدد وقوة في القتال. # وفي قوله: فجاسوا خلال الديار ثلاثة أقوال: أحدها: ms1294 مشوا بين منازلهم، ~~قاله ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال مجاهد: يتجسسون أخبارهم ولم يكن قتال. ~~وقال الزجاج: طافوا خلال الديار ينظرون هل بقي أحد لم يقتلوه؟ و «الجوس» : ~~طلب الشيء باستقصاء. والثاني: قتلوهم بين بيوتهم، قاله الفراء، وأبو عبيدة. ~~والثالث: عاثوا وأفسدوا، يقال: جاسوا وحاسوا، فهم يجوسون ويحوسون إذا فعلوا ~~ذلك، قاله ابن قتيبة. فأما الخلال: فهي جمع خلل، وهو الانفراج بين الشيئين. ~~وقرأ أبو رزين، والحسن، وابن جبير، وأبو المتوكل: «خلل الديار» بفتح الخاء ~~واللام من غير ألف. وكان وعدا مفعولا أي: لا بد من كونه. # قوله تعالى: ثم رددنا لكم الكرة عليهم أي: أظفرناكم بهم. والكرة، معناها: ~~الرجعة والدولة، وذلك حين قتل داود جالوت وعاد ملكهم إليهم. وحكى الفراء أن ~~رجلا دعا على «بختنصر» فقتله الله، وعاد ملكهم إليهم. وقيل: غزوا ملك بابل ~~فأخذوا ما كان في يده من المال والأسرى. قوله تعالى: وجعلناكم أكثر نفيرا ~~أي: أكثر عددا وأنصارا منهم. قال ابن قتيبة: النفير والنافر واحد، كما ~~يقال: قدير وقادر، وأصله: من ينفر مع الرجل من عشيرته وأهل بيته. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 7 الى # 8] # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا ~~وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا (7) عسى ~~ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا (8) # قوله تعالى: إن أحسنتم أي: وقلنا لكم إن أحسنتم فأطعتم الله أحسنتم ~~لأنفسكم أي: # عاقبة الطاعة لكم وإن أسأتم بالفساد والمعاصي فلها وفيه قولان: أحدهما: ~~أنه بمعنى: فاليها. # والثاني: فعليها. فإذا جاء وعد الآخرة جواب «فاذا» محذوف، تقديره: فاذا ~~جاء وعد عقوبة المرة الآخرة من إفسادكم، بعثناهم ليسوءوا وجوهكم، وهذا ~~الفساد الثاني، هو قتلهم يحيى بن زكريا، وقصدهم قتل «عيسى» فرفع، وسلط الله ~~عليهم ملوك فارس والروم فقتلوهم وسبوهم، فذلك قوله تعالى: ليسوؤا وجوهكم. ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: «ليسوؤوا» بالياء على ~~الجميع والهمز بين الواوين، والإشارة إلى المبعوثين. وقرأ ابن عامر، ms1295 وحمزة، ~~وأبو بكر عن عاصم: «ليسوء وجوهكم» على التوحيد قال أبو علي: فيه وجهان. ~~أحدهما: ليسوء الله عز وجل. # والثاني: ليسوء البعث. وقرأ الكسائي: «لنسوء» بالنون، وذلك راجع إلى الله ~~تعالى. وفيمن بعث عليهم في المرة الثانية قولان: أحدهما: بختنصر، قاله ~~مجاهد، وقتادة. وكثير من الرواة يأبى هذا القول، ويقولون: كان بين تخريب ~~«بختنصر» بيت المقدس، وبين مولد يحيى بن زكريا زمان طويل. والثاني: # انطياخوس الرومي، قاله مقاتل. ومعنى ليسوؤا وجوهكم أي: ليدخلوا عليكم ~~الحزن بما يفعلون من قتلكم وسبيكم، وخصت المساءة بالوجوه، والمراد: أصحاب ~~الوجوه، لما يبدو عليها من أثر الحزن والكآبة. # PageV03P011 # قوله تعالى: وليدخلوا المسجد يعني: بيت المقدس كما دخلوه في المرة الأولى ~~وليتبروا أي: ليدمروا ويخربوا. قال الزجاج: يقال لكل شيء ينكسر من الزجاج ~~والحديد والذهب: # تبر. ومعنى ما علوا أي: ليدمروا في حال علوهم عليكم. # قوله تعالى: عسى ربكم أن يرحمكم هذا مما وعدوا به في التوراة، و «عسى» من ~~الله واجبة، فرحمهم الله بعد انتقامه منهم، وعمر بلادهم، وأعاد نعمهم بعد ~~سبعين سنة. وإن عدتم إلى معصيتنا عدنا إلى عقوبتكم. قال المفسرون: ثم إنهم ~~عادوا إلى المعصية، فبعث الله عليهم ملوكا من ملوك فارس والروم. قال قتادة: ~~ثم كان آخر ذلك أن بعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فهم في عذاب ~~إلى يوم القيامة، فيعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. # قوله تعالى: وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا فيه قولان: أحدهما: سجنا، قاله ~~ابن عباس، والضحاك، وقتادة. وقال مجاهد: يحصرون فيها. وقال أبو عبيدة، وابن ~~قتيبة: محبسا، وقال الزجاج: # «حصيرا» : حبسا، أخذ من قولك: حصرت الرجل، إذا حبسته، فهو محصور، وهذا ~~حصيره، أي: # محبسه، والحصير: المنسوج. سمي حصيرا، لأنه حصرت طاقاته بعضها مع بعض، ~~ويقال للجنب: # حصير، لأن بعض الأضلاع محصور مع بعض. وقال ابن الأنباري: حصيرا: بمعنى: ~~حاصرة، فصرف من حاصرة إلى حصير، كما صرف «مؤلم» إلى أليم. والثاني: فراشا ~~ومهادا، قاله الحسن. قال أبو عبيدة: ويجوز أن تكون جهنم لهم مهادا بمنزلة ~~الحصير، ms1296 والحصير: البساط الصغير. ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 9 الى 10] # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ~~أن لهم أجرا كبيرا (9) وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما ~~(10) # قوله تعالى: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم قال ابن الأنباري: «التي» ~~وصف للجمع، والمعنى: يهدي إلى الخصال التي هي أقوم الخصال. قال المفسرون: ~~وهي توحيد الله والإيمان به وبرسله والعمل بطاعته، ويبشر المؤمنين الذين ~~يعملون الصالحات أن لهم أي: بأن لهم أجرا وهو الجنة، وأن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة أي: ويبشرهم بالعذاب، لأعدائهم، وذلك أن المؤمنين كانوا في أذى من ~~المشركين، فعجل الله لهم البشرى في الدنيا بعقاب الكافرين. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 11] # ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا (11) # قوله تعالى: ويدع الإنسان بالشر وذلك أن الإنسان يدعو في حال الضجر ~~والغضب على نفسه وأهله بما لا يحب أن يستجاب له كما يدعو لنفسه بالخير. ~~وكان الإنسان عجولا يعجل بالدعاء بالشر عند الغضب والضجر عجلته بالدعاء ~~بالخير. # وفي المراد بالإنسان هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه اسم جنس يراد به ~~الناس، قاله الزجاج وغيره. والثاني: آدم، فاكتفى بذكره من ذكر ولده، ذكره ~~ابن الأنباري. والثالث: أنه النضر بن الحارث حين قال: فأمطر علينا حجارة من ~~السماء «1» ، قاله مقاتل. وقال سلمان الفارسي: أول ما خلق PageV03P012 # الله من آدم رأسه، فجعل ينظر إلى جسده كيف يخلق، قال: فبقيت رجلاه، فقال: ~~يا رب عجل، فذلك قوله: وكان الإنسان عجولا «1» . ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 12] # وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا ~~(12) # قوله تعالى: وجعلنا الليل والنهار آيتين أي: علامتين يدلان على قدرة ~~خالقهما. فمحونا آية الليل فيه قولان: أحدهما: أن آية الليل: القمر، ~~ومحوها: ما في بعض القمر من الاسوداد. وإلى هذا المعنى ذهب علي رضي الله ~~عنه، وابن عباس في آخرين. والثاني: آية الليل محيت بالظلمة التي جعلت ~~ملازمة لليل فنسب ms1297 المحو إلى الظلمة إذ كانت تمحو الأنوار وتبطلها، ذكره ابن ~~الأنباري. ويروى أن الشمس والقمر كانا في النور والضوء سواء، فأرسل الله ~~جبريل فأمر جناحه على وجه القمر وطمس عنه الضوء. # قوله تعالى: وجعلنا آية النهار يعني: الشمس مبصرة فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: منيرة، قاله قتادة. قال ابن الأنباري: وإنما صلح وصف الآية ~~بالإبصار على جهة المجاز، كما يقال: لعب الدهر ببني فلان. والثاني: أن معنى ~~مبصرة: مبصرا بها، قاله ابن قتيبة. # والثالث: أن معنى مبصرة مبصرة، فجرى «مفعل» ، مجرى «مفعل» ، والمعنى: ~~أنها تبصر الناس، أي: تريهم الأشياء، قاله ابن الأنباري. ومعاني الأقوال ~~تتقارب. # قوله تعالى: لتبتغوا فضلا من ربكم أي: لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم ~~وتطلبون رزقكم بالنهار ولتعلموا عدد السنين والحساب بمحو آية الليل، ولولا ~~ذلك، لم يعرف الليل من النهار، ولم يتبين العدد. وكل شيء أي: ما يحتاج ~~إليه، فصلناه تفصيلا بيناه تبيينا لا يلتبس معه بغيره. ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 13 الى 14] # وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا (13) اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (14) # قوله تعالى: وكل إنسان وقرأ ابن أبي عبلة «وكل» برفع وقرأ ابن مسعود، ~~وأبي، والحسن «ألزمناه طيره» بياء ساكنة من غير ألف. وفي الطائر أربعة ~~أقوال: أحدها: شقاوته وسعادته، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال مجاهد: ما ~~من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي، أو سعيد. # والثاني: عمله، قاله الفراء، وعن الحسن كالقولين. والثالث: أنه ما يصيبه، ~~قاله خصيف. وقال أبو عبيدة: حظه. قال ابن قتيبة: والمعنى فيما أرى- والله ~~أعلم-: أن لكل امرئ حظا من الخير والشر قد قضاه الله عليه، فهو لازم عنقه، ~~والعرب تقول لكل ما لزم الإنسان: قد لزم عنقه، وهذا لك علي وفي عنقي حتى ~~أخرج منه، وإنما قيل للحظ من الخير والشر: «طائر» ، لقول العرب: جرى له ~~الطائر بكذا من الخير، وجرى له الطائر بكذا من الشر، على طريق الفأل ~~والطيرة، فخاطبهم الله بما يستعملون، PageV03P013 # وأعلمهم ms1298 أن ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر، هو الذي يلزمه أعناقهم. وقال ~~الأزهري: الأصل في هذا أن الله تعالى لما خلق آدم، علم المطيع من ذريته، ~~والعاصي، فكتب ما علمه منهم أجمعين، وقضى سعادة من علمه مطيعا، وشقاوة من ~~علمه عاصيا، فصار لكل منهم ما هو صائر إليه عند خلقه وإنشائه، فذلك قوله: ~~ألزمناه طائره في عنقه. والرابع: أنه ما يتطير من مثله من شيء عمله، وذكر ~~العنق عبارة عن اللزوم له، كلزوم القلادة العنق من بين ما يلبس، هذا قول ~~الزجاج. وقال ابن الأنباري: الأصل في تسميتهم العمل طائرا، أنهم كانوا ~~يتطيرون من بعض الأعمال. # قوله تعالى: ونخرج له قرأ أبو جعفر: «ويخرج» بياء مضمومة وفتح الراء. ~~وقرأ يعقوب. # وعبد الوارث: بالياء مفتوحة وضم الراء. وقرأ قتادة، وأبو المتوكل: ~~«ويخرج» بياء مرفوعة وكسر الراء. # وقرأ أبو الجوزاء، والأعرج: «وتخرج» بتاء مفتوحة ورفع الراء، يوم القيامة ~~كتابا وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والضحاك: «كتاب» بالرفع، يلقاه وقرأ ابن ~~عامر، وأبو جعفر «يلقاه» بضم الياء وتشديد القاف. وأمال حمزة، والكسائي ~~القاف. قال المفسرون: هذا كتابه الذي فيه ما عمل. وكان أبو السوار العدوي ~~إذا قرأ هذه الآية قال: نشرتان وطية، أما ما حييت يا ابن آدم، فصحيفتك ~~منشورة، فأمل فيها شئت، فاذا مت، طويت، ثم إذا بعثت، نشرت. # قوله تعالى: اقرأ كتابك، وقرأ أبو جعفر: «اقرا» بتخفيف الهمزة وفيه إضمار ~~تقديره، فيقال له إقرأ كتابك. قال الحسن: يقرؤه أميا كان أو غير أمي، ولقد ~~عدل عليك من جعلك حسيب نفسك. وفي معنى حسيبا ثلاثة أقوال: أحدها: محاسبا. ~~والثاني: شاهدا. والثالث: كافيا، والمعنى: أن الإنسان يفوض إليه حسابه، ~~ليعلم عدل الله بين العباد، ويرى وجوب حجة الله عليه، واستحقاقه العقوبة، ~~ويعلم أنه إن دخل الجنة، فبفضل الله، لا بعمله، وإن دخل النار، فبذنبه. قال ~~ابن الأنباري: وإنما قال: # حسيبا والنفس مؤنثة، لأنه يعني بالنفس: الشخص، أو لأنه لا علامة للتأنيث ~~في لفظ النفس، فشبهت بالسماء والأرض، قال الله تعالى: السماء منفطر به «1» ~~، قال الشاعر: ms1299 # ولا أرض أبقل إبقالها # «2» ### | [سورة الإسراء (17) : آية 15] # من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15) # قوله تعالى: من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه أي: له ثواب اهتدائه، وعليه عقاب ~~ضلاله. # قوله تعالى: ولا تزر وازرة أي: نفس وازرة وزر أخرى قال ابن عباس: إن ~~الوليد بن المغيرة قال: اتبعوني وأنا أحمل أوزاركم، فقال الله تعالى: ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى، قال أبو عبيدة: # والمعنى: ولا تأثم آثمة إثم أخرى. قال الزجاج: يقال: وزر، يزر، فهو وازر، ~~وزرا، ووزرا، ووزرة، ومعناه: أثم إثما. وفي تأويل هذه الآية وجهان: أحدهما: ~~أن الآثم لا يؤخذ بذنب غيره. والثاني: أنه PageV03P014 # لا ينبغي أن يعمل الإنسان بالإثم، لأن غيره عمله، كما قال الكفار: إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة «1» ومعنى حتى نبعث رسولا أي: حتى نبين ما به نعذب، ~~وما من أجله ندخل الجنة. ### | فصل: # قال القاضي أبو يعلى: في هذا دليل على أن معرفة الله لا تجب عقلا، وإنما ~~تجب بالشرع، وهو بعثة الرسل، وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك، لم يقطع عليه ~~بالنار «2» . قال: وقيل معناه: # أنه لا يعذب في ما طريقه السمع إلا بقيام حجة السمع من جهة الرسول، ولهذا ~~قالوا: لو أسلم بعض أهل الحرب في دار الحرب ولم يسمع بالصلاة والزكاة ~~ونحوها، لم يلزمه قضاء شيء منها، لأنها لم تلزمه إلا بعد قيام حجة السمع، ~~والأصل فيه قصة أهل قباء حين استداروا إلى الكعبة ولم يستأنفوا «3» ، ولو ~~أسلم في دار الإسلام ولم يعلم بفرض الصلاة، فالواجب عليه القضاء، لأنه قد ~~رأى الناس يصلون في المساجد بأذان وإقامة، وذلك دعاء إليها. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 16 الى # 17] # وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ~~فدمرناها تدميرا (16) وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب ~~عباده خبيرا بصيرا (17) PageV03P015 # قوله تعالى: وإذا أردنا أن نهلك قرية # في سبب إرادته لذلك قولان: أحدهما: ما سبق لهم ms1300 في قضائه من الشقاء. ~~والثاني: عنادهم الأنبياء وتكذيبهم إياهم. # قوله تعالى: أمرنا مترفيها # قرأ الأكثرون: «أمرنا» مخففة، على وزن «فعلنا» ، وفيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه من الأمر، وفي الكلام إضمار، تقديره: أمرنا مترفيها بالطاعة، ~~ففسقوا، هذا مذهب سعيد بن جبير. قال الزجاج: ومثله في الكلام: أمرتك ~~فعصيتني، فقد علم أن المعصية مخالفة الأمر. # والثاني: كثرنا، يقال: أمرت الشيء وآمرته، أي: كثرته، ومنه قولهم: مهرة ~~مأمورة، أي: كثيرة النتاج، يقال: أمر بنو فلان يأمرون أمرا: إذا كثروا، هذا ~~قول أبي عبيدة، وابن قتيبة. والثالث: أن معنى «أمرنا» : أمرنا، يقال: أمرت ~~الرجل، بمعنى: أمرته، والمعنى: سلطنا مترفيها بالإمارة، ذكره ابن الأنباري. ~~وروى خارجة عن نافع: «آمرنا» ممدودة، مثل «آمنا» ، وكذلك روى حماد بن سلمة ~~عن ابن كثير، وهي قراءة ابن عباس، وأبي الدرداء، وأبي رزين، والحسن، ~~والضحاك، ويعقوب. قال ابن قتيبة: وهي اللغة العالية المشهورة، ومعناه: ~~كثرنا، أيضا. وروى ابن مجاهد أن أبا عمرو قرأ: «أمرنا» مشددة الميم، وهي ~~رواية أبان عن عاصم، وهي قراءة أبي العالية، والنخعي، والجحدري. قال ابن ~~قتيبة: المعنى: جعلناهم أمراء، وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن يعمر: ~~«أمرنا» بفتح الهمزة مكسورة الميم مخففة. فأما المترفون، فهم المتنعمون ~~الذين أبطرتهم النعمة وسعة العيش، والمفسرون يقولون: هم الجبارون والمسلطون ~~والملوك، وإنما خص المترفين بالذكر، لأنهم الرؤساء، ومن عداهم تبع لهم. # قوله تعالى: ففسقوا فيها # أي: تمردوا في كفرهم، لأن الفسق في الكفر: الخروج إلى أفحشه. # وقد شرحنا معنى «الفسق» في البقرة «1» . قوله تعالى: فحق عليها القول # قال مقاتل: وجب عليها العذاب. وقد ذكرنا معنى «التدمير» في الأعراف «2» . ~~قوله تعالى: وكم أهلكنا من القرون وهو جمع قرن. وقد ذكرنا اختلاف الناس فيه ~~في الأنعام «3» وشرحنا معنى الخبير والبصير في سورة البقرة «4» قال مقاتل: ~~وهذه الآية تخويف لكفار مكة. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 18 الى # 19] # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم ~~يصلاها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ms1301 فأولئك ~~كان سعيهم مشكورا (19) # قوله تعالى: من كان يريد العاجلة يعني: من كان يريد بعمله الدنيا، فعبر ~~بالنعت عن الاسم، عجلنا له فيها ما نشاء من عرض الدنيا، وقيل: من البسط ~~والتقتير، لمن نريد فيه قولان: أحدهما: # لمن نريد هلكته، قاله أبو إسحاق الفزاري. والثاني: لمن نريد أن نعجل له ~~شيئا وفي هذا ذم لمن أراد بعمله الدنيا، وبيان أنه لا ينال ما يقصده منها ~~إلا ما قدر له، ثم يدخل النار في الآخرة. وقال ابن جرير: PageV03P016 # هذه الآية لمن لا يوقن بالمعاد. وقد ذكرنا معنى «جهنم» في سورة البقرة ~~«1» ، ومعنى يصلاها في سورة النساء «2» ، ومعنى مذموما مدحورا في الأعراف ~~«3» . # قوله تعالى: ومن أراد الآخرة يعني: الجنة وسعى لها سعيها أي: عمل لها ~~العمل الذي يصلح لها، وإنما قال: وهو مؤمن لأن الإيمان شرط في صحة الأعمال، ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا أي: مقبولا. وشكر الله عز وجل لهم: ثوابه إياهم، ~~وثناؤه عليهم. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 20 الى # 22] # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20) انظر كيف ~~فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (21) لا تجعل مع الله ~~إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا (22) # قوله تعالى: كلا نمد هؤلاء قال الزجاج: «كلا» منصوب ب «نمد» ، «هؤلاء» ~~بدل من «كل» والمعنى: نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، قال المفسرون: كلا ~~نعطي من الدنيا، البر والفاجر، والعطاء ها هنا: الرزق، والمحظور: الممنوع، ~~والمعنى: أن الرزق يعم المؤمن والكافر، والآخرة للمتقين خاصة. انظر يا محمد ~~كيف فضلنا بعضهم على بعض وفيما فضلوا فيه قولان: أحدهما: # الرزق، منهم مقل، ومنهم مكثر. والثاني: الرزق والعمل، فمنهم موفق لعمل ~~صالح، ومنهم ممنوع من ذلك. قوله تعالى: لا تجعل مع الله إلها آخر الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى عام لجميع المكلفين. # والمخذول: الذي لا ناصر له، والخذلان: ترك العون. قال مقاتل: نزلت حين ~~دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملة آبائه. ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 23 الى 25] # وقضى ms1302 ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) ~~واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (24) ربكم ~~أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا (25) # قوله تعالى: وقضى ربك روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أمر ربك. ونقل ~~عنه الضحاك أنه قال: إنما هي «ووصى ربك» فالتصقت إحدى الواوين ب «الصاد» ، ~~وكذلك قرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل، وسعيد بن جبير: «ووصى» ، وهذا على ~~خلاف ما انعقد عليه الإجماع، فلا يلتفت إليه. وقرأ أبو عمران، وعاصم ~~الجحدري، ومعاذ القارئ: «وقضاء ربك» بقاف وضاد بالمد والهمز والرفع وخفض ~~اسم الرب. قال ابن الأنباري: هذا القضاء ليس من باب الحتم والوجوب، لكنه من ~~باب الأمر والفرض، وأصل القضاء في اللغة: قطع الشيء باحكام وإتقان، قال ~~الشاعر يرثي عمر: # قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق في أكمامها لم تفتق «4» PageV03P017 # أراد: قطعتها محكما لها. # قوله تعالى: وبالوالدين إحسانا أي: وأمر بالوالدين إحسانا وهو البر ~~والإكرام، وقد ذكرنا هذا في البقرة «1» . قوله تعالى: إما يبلغن قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو وعاصم، وابن عامر: «يبلغن» على التوحيد. وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وخلف: «يبلغان» على التثنية. قال الفراء: جعلت «يبلغن» فعلا ~~لأحدهما وكرت عليهما «كلاهما» ومن قرأ «يبلغان» فإنه ثنى لأن الوالدين قد ~~ذكرا قبل هذا، فصار الفعل على عددهما، ثم قال: أحدهما أو كلاهما على ~~الاستئناف، كقوله تعالى: فعموا وصموا «2» ثم استأنف فقال: وكثير منهم. # قوله تعالى: فلا تقل لهما أف قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن ~~عاصم: «أف» بالكسر من غير تنوين، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، ~~والمفضل: «أف» بالفتح من غير تنوين. # وقرأ نافع، وحفص عن عاصم: أف بالكسر والتنوين. وقرأ أبو الجوزاء وابن ~~يعمر: «أف» بالرفع والتنوين وتشديد الفاء. وقرأ معاذ القارئ، وعاصم، ~~الجحدري، وحميد بن قيس: «أفا» مثل «تعسا» . # وقرأ أبو عمران الجوني، وأبو ms1303 السمال العدوي: «أف» بالرفع من غير تنوين مع ~~تشديد الفاء، وهي رواية الأصمعي عن أبي عمرو. وقال عكرمة، وأبو المتوكل، ~~وأبو رجاء، وأبو الجوزاء: «أف» باسكان الفاء وتخفيفها قال الأخفش: وهذا لأن ~~بعض العرب يقول: أف لك، على الحكاية، والرفع قبيح، لأنه لم يجئ بعده بلام. ~~وقرأ أبو العالية، وأبو حصين الأسدي: «أفي» بتشديد الفاء وبياء وروى ابن ~~الأنباري أن بعضهم قرأها: «إف» بكسر الهمزة. وقال الزجاج: فيها سبع لغات: ~~الكسر بلا تنوين، وبتنوين والضم بلا تنوين، وبتنوين، والفتح بلا تنوين، ~~وبتنوين، واللغة السابعة لا تجوز في القراءة: «أفي» بالياء، هكذا قال ~~الزجاج. وقال ابن الأنباري: في «أف» عشرة أوجه: «أف» بفتح الفاء، و «أف» ~~بكسرها، و «أف» ، و «أفا» لك بالنصب والتنوين على مذهب الدعاء كما تقول: ~~«ويلا» للكافرين، و «أف» لك، بالرفع والتنوين، وهو رفع باللام، كقوله ~~تعالى: ويل للمطففين «3» و «أفه» لك، بالخفض والتنوين، تشبيها بالأصوات، ~~كقولك: «صه» و «مه» ، و «أفها» لك، على مذهب الدعاء أيضا، و «أفي» لك، على ~~الإضافة إلى النفس، و «أف» لك، بسكون الفاء تشبيها بالأدوات، مثل: «كم» و ~~«هل» و «بل» ، و «إف» لك، بكسر الألف، وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، ~~قال: وتقول: «أف» منه، و «أف» ، و «أف» ، و «أف» ، و «أفا» ، و «أف» ، و ~~«أفي» مضاف، و «أفها» و «أفا» بالألف، ولا تقل: # «أفي» بالياء فانه خطأ. # فأما معنى أف ففيه خمسة أقوال: أحدها: أنه وسخ الظفر، قاله الخليل. ~~والثاني: وسخ الأذن، قاله الأصمعي. والثالث: قلامة الظفر، قاله ثعلب. ~~والرابع: أن «الأف» الاحتقار والاستصغار، من «الأفف» ، والأفف عند العرب: ~~القلة، ذكره ابن الأنباري. والخامس: أن «الأف» ما رفعته من الأرض من عود أو ~~قصبة، حكاه ابن فارس اللغوي. وقرأت على شيخنا أبي منصور قال: معنى «الأف» : ~~النتن، والتضجر، وأصلها: نفخك الشيء يسقط عليك من تراب ورماد، وللمكان تريد ~~إماطة الأذى عنه، فقيلت لكل مستثقل، قلت: وأما قولهم: «تف» ، فقد جعلها قوم ~~بمعنى «أف» ، فروي عن PageV03P018 # أبي عبيد أنه ms1304 قال: أصل «الأف» و «التف» : الوسخ على الأصابع إذا فتلته. ~~وحكى ابن الأنباري فرقا، فقال: قال اللغويون: أصل «الأف» في اللغة: وسخ ~~الأذن، و «التف» : وسخ الأظفار، فاستعملتهما العرب فيما يكره ويستقذر ويضجر ~~منه. وحكى الزجاج فرقا آخر، فقال: قد قيل: إن «أف» : وسخ الأظفار، و «التف» ~~: الشيء الحقير، ونحو وسخ الأذن، أو الشظية تؤخذ من الأرض، ومعنى «أف» : # النتن، ومعنى الآية: لا تقل لهما كلاما تتبرم فيه بهما إذا كبرا وأسنا، ~~فينبغي أن تتولى من خدمتهما مثل الذي توليا من القيام بشأنك وخدمتك، ولا ~~تنهرهما أي: لا تكلمهما ضجرا صائحا في وجوههما. # وقال عطاء بن أبي رباح: لا تنقض يدك عليهما، يقال: نهرته أنهره نهرا، ~~وانتهرته انتهارا، بمعنى واحد، وقال ابن فارس: نهرت الرجل وانتهرته مثل: ~~زجرته. قال المفسرون: وإنما نهى عن أذاهما في الكبر، وإن كان منهيا عنه على ~~كل حال، لأن حالة الكبر يظهر فيها منهما ما يضجر ويؤذي، وتكثر خدمتهما. # قوله تعالى: وقل لهما قولا كريما أي: لينا لطيفا أحسن ما تجد. وقال سعيد ~~بن المسيب: # قول العبد المذنب للسيد الفظ. قوله تعالى: واخفض لهما جناح الذل من ~~الرحمة أي: ألن لهما جانبك متذللا لهما من رحمتك إياهما. وخفض الجناح قد ~~شرحناه في الحجر «1» . قال عطاء: جناحك: # يداك، فلا ترفعهما على والديك. والجمهور يضمون الذال من «الذل» وقرأ أبو ~~رزين، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعاصم الجحدري، وابن أبي عبلة: بكسر ~~الذال. قال الفراء: الذل: أن تتذلل لهما، من الذل، والذل: أن تتذلل ولست ~~بذليل في الخدمة «2» والذل والذلة: مصدر الذليل، والذل بالكسر: مصدر ~~الذلول، مثل الدابة والأرض. قال ابن الأنباري: من قرأ «الذل» ، بكسر الذال، ~~جعله بمعنى الذل، بضم الذال، والذي عليه كبراء أهل اللغة أن الذل من الرجل ~~الذليل، والذل من الدابة الذلول. # قوله تعالى: وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا أي: مثل رحمتها إياي في ~~صغري حتى ربياني، وقد ذهب قوم إلى أن هذا الدعاء المطلق نسخ منه الدعاء ~~لأهل الشرك بقوله تعالى: ms1305 ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ~~«3» ، وهذا المعنى منقول عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، ومقاتل. قال المصنف: ~~ولا أرى هذا نسخا عند الفقهاء، لأنه عام دخله التخصيص، وقد ذكر قريبا مما ~~قلته ابن جرير. قوله تعالى: ربكم أعلم بما في نفوسكم أي: بما تضمرون من ~~البر والعقوق، فمن بدرت منه بادرة وهو لا يضمر العقوق، غفر له ذلك، وهو ~~قوله تعالى: إن تكونوا صالحين أي: # طائعين لله، وقيل بارين، وقيل: توابين، فإنه كان للأوابين غفورا في ~~الأواب عشرة أقوال «4» : # أحدها: أنه المسلم، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: أنه التواب، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وأبو عبيدة، ~~وقال ابن قتيبة: هو التائب مرة بعد مرة. # وقال الزجاج: هو التواب المقلع عن جميع ما نهاه الله عنه، يقال: قد آب ~~يؤوب أوبا: إذا رجع. PageV03P019 # والثالث: أنه المسبح، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والرابع: أنه ~~المطيع لله تعالى، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. والخامس: أنه الذي ~~يذكر ذنبه في الخلاء، فيستغفر الله منه، قاله عبيد بن عمير. والسادس: أنه ~~المقبل إلى الله تعالى بقلبه وعمله، قاله الحسن. والسابع: المصلي، قاله ~~قتادة. # والثامن: هو الذي يصلي بين المغرب والعشاء، قاله ابن المنكدر. والتاسع: ~~الذي يصلي صلاة الضحى، قاله عون العقيلي. والعاشر: أنه الذي يذنب سرا ويتوب ~~سرا، قاله السدي. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 26 الى # 28] # وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (26) إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (27) وإما تعرضن ~~عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (28) # قوله تعالى: وآت ذا القربى حقه فيه قولان «1» : أحدهما: أنه قرابة الرجل ~~من قبل أبيه وأمه، قاله ابن عباس، والحسن، فعلى هذا في حقهم ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أن المراد به: برهم وصلتهم. # والثاني: النفقة الواجبة لهم وقت الحاجة. والثالث: الوصية لهم عند ~~الوفاة. # والثاني: أنهم قرابة الرسول، قاله علي بن الحسين عليهما ms1306 السلام والسدي. ~~فعلى هذا، يكون حقهم: إعطاؤهم من الخمس، ويكون الخطاب للولاة. # قوله تعالى: والمسكين وابن السبيل قال القاضي أبو يعلى: يجوز أن يكون ~~المراد: الصدقات الواجبة، يعني، الزكاة، ويجوز أن يكون الحق الذي يلزمه ~~إعطاؤه عند الضرورة إليه. وقيل: حق المسكين، من الصدقة، وابن السبيل، من ~~الضيافة. # قوله تعالى: ولا تبذر تبذيرا في التبذير قولان: أحدهما: أنه إنفاق المال ~~في غير حق، قاله ابن مسعود، وابن عباس. وقال مجاهد: لو أنفق الرجل ماله كله ~~في حق، ما كان مبذرا، وأنفق مدا في غير حق، كان مبذرا. قال الزجاج: ~~التبذير: النفقة في غير طاعة الله، وكانت الجاهلية تنحر الإبل وتبذر ~~الأموال تطلب بذلك الفخر والسمعة، فأمر الله عز وجل بالنفقة في وجهها فيما ~~يقرب منه. والثاني: أنه الإسراف المتلف للمال، ذكره الماوردي. وقال أبو ~~عبيدة: المبذر: هو المسرف المفسد العائث. قوله تعالى: إن المبذرين كانوا ~~إخوان الشياطين لأنهم يوافقونهم فيما يدعونهم إليه، ويشاكلونهم في معصية ~~الله تعالى: وكان الشيطان لربه كفورا أي: جاحدا لنعمه. وهذا يتضمن أن ~~المسرف كفور للنعم. # قوله تعالى: وإما تعرضن عنهم في المشار إليهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم ~~الذين تقدم ذكرهم من الأقارب والمساكين وأبناء السبيل، قاله الأكثرون، فعلى ~~هذا في علة هذا الإعراض قولان: # أحدهما: الإعسار، قاله الجمهور. والثاني: خوف إنفاقهم ذلك في معصية الله، ~~قاله ابن زيد. وعلى هذا في الرحمة قولان: أحدهما: الرزق، قاله الأكثرون. ~~والثاني: أنه الصلاح والتوبة. هذا على قول ابن زيد. والثاني: أنهم ~~المشركون، فالمعنى: وإما تعرضن عنهم لتكذيبهم، قاله سعيد بن جبير. # فتحتمل إذا الرحمة وجهين: أحدهما: انتظار النصر عليهم. والثاني: الهداية ~~لهم. PageV03P020 # (892) والثالث: أنهم ناس من مزينة جاءوا يستحملون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه» ، فبكوا، فنزلت هذه الآية، قاله ~~عطاء الخراساني. # (893) والرابع: أنها نزلت في خباب، وبلال، وعمار، ومهجع، من الفقراء، ~~كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجد ما يعطيهم، فيعرض عنهم ~~ويسكت، قاله مقاتل، فعلى هذا القول ms1307 والذي قبله تكون الرحمة بمعنى الرزق. # قوله تعالى: فقل لهم قولا ميسورا قال أبو عبيدة: لينا هينا، وهو من ~~اليسر. وللمفسرين فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه العدة الحسنة، قاله ابن ~~عباس، والحسن، ومجاهد. والثاني: أنه القول الجميل، مثل أن يقول: رزقنا الله ~~وإياك، قاله ابن زيد وهذا على ما تقدم من قوله. والثالث: أنه المداراة لهم ~~باللسان، على قول من قال: هم المشركون، قاله أبو سليمان الدمشقي، وعلى هذا ~~القول، تحتمل الآية النسخ. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 29 الى # 31] # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ~~(29) إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30) ~~ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا ~~(31) # قوله تعالى: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك. # (894) سبب نزولها: أن غلاما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال، ~~إن أمي تسألك كذا وكذا، قال: «ما عندنا اليوم شيء» ، قال: فتقول لك: اكسني ~~قميصك، قال: فخلع قميصه فدفعه إليه، وجلس في البيت حاسرا، فنزلت هذه الآية، ~~قاله ابن مسعود. وروى جابر بن عبد الله نحو هذا، فزاد فيه، فأذن بلال ~~للصلاة، وانتظروه فلم يخرج، فشغل قلوب الصحابة، فدخل عليه بعضهم، فرأوه ~~عريانا، فنزلت هذه الآية. # والمعنى: لا تمسك يدك عن البذل كل الإمساك حتى كأنها مقبوضة إلى عنقك، ~~ولا تبسطها كل البسط في الإعطاء والنفقة فتقعد ملوما تلوم نفسك ويلومك ~~الناس، محسورا قال ابن قتيبة: # تحسرك العطية وتقطعك كما يحسر السفر البعير فيبقى منقطعا به. قال الزجاج: ~~المحسور: الذي قد بلغ الغاية في التعب والإعياء، فالمعنى: فتقعد وقد بالغت ~~في الحمل على نفسك وحالك حتى صرت بمنزلة من قد حسر. قال القاضي أبو يعلى: ~~وهذا الخطاب أريد به غير رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن يدخر ~~شيئا PageV03P021 # لغد «1» ، وكان يجوع حتى يشد الحجر على بطنه «2» ، وقد كان كثير من فضلاء ~~الصحابة ينفقون جميع ما يملكون، فلم ينههم الله، ms1308 لصحة يقينهم، وإنما نهى من ~~خيف عليه التحسر على ما خرج من يده، فأما من وثق بوعد الله تعالى، فهو غير ~~مراد بالآية. # قوله تعالى: إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أي: يوسع على من يشاء ~~ويضيق، إنه كان بعباده خبيرا بصيرا حيث أجرى أرزاقهم على ما علم فيه ~~صلاحهم. # قوله تعالى: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق قد فسرناه في سورة الأنعام ~~«3» . # قوله تعالى: كان خطأ كبيرا قرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ~~«خطءا» مكسورة الخاء ساكنة الطاء مهموزة مقصورة. وقرأ ابن كثير،: «خطاء» ~~مكسورة الخاء ممدودة مهموزة. # وقرأ ابن عامر: «خطأ» بنصب الخاء والطاء وبالهمز من غير مد. وقرأ أبو ~~رزين كذلك، إلا أنه مد وقرأ الحسن، وقتادة: «خطءا» بفتح الخاء وسكون الطاء ~~مهموزا مقصورا، وقرأ الزهري، وحميد بن قيس: # «خطا» بكسر الخاء وتنوين الطاء من غير همز ولا مد. قال الفراء: الخطء: ~~الإثم، وقد يكون في معنى «خطأ» كما قالوا: «قتب» و «قتب» و «حذر» و «حذر» و ~~«نجس» و «نجس» ، والخطء، والخطاء، والخطاء، ممدود: لغات. وقال أبو عبيدة: ~~خطئت وأخطأت، لغتان. وقال أبو علي: قراءة ابن كثير «خطاء» ، يجوز أن تكون ~~مصدر «خاطأ» وإن لم يسمع «خاطأ» ولكن قد جاء ما يدل عليه، أنشد أبو عبيدة: # تخاطأت إليك أحشاؤه # وقال الأخفش: خطئ يخطأ بمعنى «أذنب» وليس بمعنى «أخطأ» ، لأن «أخطأ» : ~~فيما لم يصنعه عمدا. وتقول فيما أتيته عمدا، «خطئت» ، وفيما لم تتعمده: ~~«أخطأت» . وقال ابن الأنباري: «الخطء» : # الإثم، يقال: قد خطئ يخطأ: إذا أثم، وأخطأ يخطئ: إذا فارق الصواب. وقد ~~شرحنا هذا في سورة يوسف عند قوله: وإن كنا لخاطئين «4» . PageV03P022 ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 32 الى # 33] # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32) ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في ~~القتل إنه كان منصورا (33) # قوله تعالى: ولا تقربوا الزنى وقرأ أبو رزين، وأبو الجوزاء، والحسن: ~~بالمد. وقال أبو عبيدة: # وقد يمد «الزنى» في ms1309 كلام أهل نجد، قال الفرزدق: # أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا # وقال أيضا «1» : # أخضبت فعلك للزناء ولم تكن ... يوم اللقاء لتخضب الأبطالا # وقال آخر: # كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم «2» # قوله تعالى: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قد ذكرناه في سورة الأنعام ~~«3» . # قوله تعالى: فقد جعلنا قال الزجاج: الأجود إدغام الدال مع الجيم، ~~والإظهار جيد بالغ، إلا أن الجيم من وسط اللسان، والدال من طرف اللسان، ~~والإدغام جائز، لأن حروف وسط اللسان تقرب من حروف طرف اللسان. ووليه: الذي ~~بينه وبينه قرابة توجب المطالبة بدمه، فإن لم يكن له ولي، فالسلطان وليه. # وللمفسرين في السلطان قولان: أحدهما: أنه الحجة، قاله ابن عباس. والثاني: ~~أنه الوالي، والمعنى: فقد جعلنا لوليه سلطانا ينصره وينصفه في حقه، قاله ~~ابن زيد. # قوله تعالى: فلا يسرف في القتل قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: ~~فلا يسرف بالياء. وقرأ ابن عامر، وحمزة والكسائي: بالتاء. وفي المشار إليه ~~في الآية قولان: أحدهما: # أنه ولي المقتول. وفي المراد بإسرافه خمسة أقوال: أحدها: أن يقتل غير ~~القاتل، قاله ابن عباس، والحسن. والثاني: أن يقتل اثنين بواحد، قاله سعيد ~~بن جبير. والثالث: أن يقتل أشرف من الذي قتل، قاله ابن زيد. والرابع: أن ~~يمثل، قاله قتادة. والخامس: أن يتولى هو قتل القاتل دون السلطان، ذكره ~~الزجاج. والثاني: أن الإشارة إلى القاتل الأول، والمعنى: فلا يسرف القاتل ~~بالقتل تعديا وظلما، قاله مجاهد. # قوله تعالى: إنه كان منصورا أي: معانا عليه. وفي هاء الكناية أربعة ~~أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى الولي، فالمعنى: إنه كان منصورا بتمكينه من ~~القود، قاله قتادة، والجمهور. والثاني: أنها ترجع إلى المقتول، فالمعنى: ~~إنه كان منصورا بقتل قاتله، قاله مجاهد. والثالث: أنها ترجع إلى الدم، ~~فالمعنى: # إن دم المقتول كان منصورا، أي: مطلوبا به. والرابع: أنها ترجع إلى القتل، ~~ذكر القولين الفراء. PageV03P023 ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 34 الى # 36] # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ ms1310 أشده وأوفوا بالعهد إن ~~العهد كان مسؤلا (34) وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك ~~خير وأحسن تأويلا (35) ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد ~~كل أولئك كان عنه مسؤلا (36) # قوله تعالى: ولا تقربوا مال اليتيم قد شرحناه في سورة الأنعام «1» . # قوله تعالى: وأوفوا بالعهد وهو عام فيما بين العبد وبين ربه، وفيما بينه ~~وبين الناس. قال الزجاج: كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد. # قوله تعالى: كان مسؤلا قال ابن قتيبة: أي: مسؤولا عنه. # قوله تعالى: وأوفوا الكيل أي: أتموه ولا تبخسوا منه. قوله تعالى: وزنوا ~~بالقسطاس فيه خمس لغات: إحداها: «قسطاس» ، بضم القاف وسينين، وهذه قراءة ~~ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر، وأبي بكر عن عاصم ها هنا وفي سورة ~~الشعراء «2» . والثانية: كذلك إلا أن القاف مكسورة، وهذه قراءة حمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم. قال الفراء: هما لغتان والثالثة: «قصطاص» ، ~~بصادين. والرابعة: «قصطاس» ، بصاد قبل الطاء وسين بعدها، وهاتان مرويتان عن ~~حمزة. والخامسة: # «قسطان» ، بالنون. قرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن دريد قال: ~~القسطاس: الميزان، رومي معرب، «قسطاس» و «قسطاس» . قوله تعالى: ذلك خير أي: ~~ذلك الوفاء خير عند الله وأقرب إليه، وأحسن تأويلا أي: عاقبة في الجزاء. # قوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم قال الفراء: أصل «تقف» من القيافة، ~~وهي: تتبع الأثر، وفيه لغتان: قفا يقفو، وقاف يقوف وأكثر القراء يجعلونها ~~من «قفوت» فيحرك الفاء إلى الواو ويجزم القاف كما تقول: لا تدع، وقرأ معاذ ~~القارئ: «لا تقف» ، مثل: تقل والعرب تقول: قفت أثره، وقفوت، ومثله: عاث ~~وعثا، وقاع الجمل الناقة، وقعاها: إذا ركبها. قال الزجاج: من قرأ باسكان ~~الفاء وضم القاف من: قاف يقوف، فكأنه مقلوب من قفا يقفو، والمعنى واحد: ~~تقول: قفوت الشيء أقفوه قفوا: إذا تبعت أثره. وقال ابن قتيبة: «لا تقف» ، ~~أي: لا تتبعه الظنون والحدس، وهو من القفاء مأخوذ، كأنك تقفو الأمور، أي: ~~تكون في أقفائها وأواخرها تتعقبها، والقائف: ms1311 الذي يعرف الآثار ويتبعها ~~فكأنه مقلوب عن القافي. # وللمفسرين في المراد به أربعة أقوال: أحدها: لا ترم أحدا بما ليس لك به ~~علم، رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: لا تقل: رأيت، ولم تر، ولا سمعت، ~~ولم تسمع. رواه عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس، وبه قال قتادة. ~~والثالث: لا تشرك بالله شيئا، رواه عطاء أيضا عن ابن عباس. والرابع: # لا تشهد بالزور، قاله محمد بن الحنفية. # قوله تعالى: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك قال الزجاج: إنما قال: كل، ~~ثم قال: # كان، لأن كلا في لفظ الواحد، وإنما قال: أولئك لغير الناس، لأن كل جمع ~~أشرت إليه من PageV03P024 # الناس وغيرهم من الموات، تشير إليه بلفظ «أولئك» قال جرير: # الآية ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام # قال المفسرون: الإشارة إلى الجوارح المذكورة، يسأل العبد يوم القيامة ~~فيما إذا استعملها، وفي هذا زجر عن النظر إلى ما لا يحل، والاستماع إلى ما ~~يحرم، والعزم على ما لا يجوز. ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 37 الى 39] # ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (37) كل ~~ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا ~~تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا (39) # قوله تعالى: ولا تمش في الأرض مرحا وقرأ الضحاك، وابن يعمر: «مرحا» بكسر ~~الراء، قال الأخفش: والكسر أجود، لأن «مرحا» اسم الفاعل قال الزجاج: كلاهما ~~في الجودة سواء، غير أن المصدر أوكد في الاستعمال، تقول: جاء زيد ركضا، ~~وجاء زيد راكضا، ف «ركضا» أوكد في الاستعمال، لأنه يدل على توكيد الفعل، ~~وتأويل الآية: لا تمش في الأرض مختالا فخورا، والمرح: # الأشر والبطر. وقال ابن فارس: المرح: شدة الفرح. # قوله تعالى: إنك لن تخرق الأرض فيه قولان: أحدهما: لن تقطعها إلى آخرها. ~~والثاني: لن تنفذها وتنقبها. قال ابن عباس: لن تخرق الأرض بكبرك، ولن تبلغ ~~الجبال طولا بعظمتك. قال ابن قتيبة: والمعنى: لا ينبغي للعاجز أن ms1312 يبذخ ~~ويستكبر. # قوله تعالى: كل ذلك كان سيئه قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «سيئة» ~~منونا غير مضاف، على معنى: كان خطيئة، فعلى هذا يكون قوله تعالى: كل ذلك ~~إشارة إلى المنهي عنه من المذكور فقط. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: «سيئه» مضافا مذكرا، فتكون لفظة «كل» يشار بها إلى سائر ما تقدم ~~ذكره. وكان أبو عمرو لا يرى هذه القراءة. قال الزجاج: وهذا غلط من أبي ~~عمرو، لأن في هذه الأقاصيص سيئا وحسنا، وذلك أن فيها الأمر ببر الوالدين، ~~وإيتاء ذي القربى، والوفاء بالعهد، ونحو ذلك، فهذه القراءة أحسن من قراءة ~~من نصب السيئة، وكذلك قال أبو عبيدة: تدبرت الآيات من قوله تعالى: وقضى ربك ~~ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو ~~كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) فوجدت فيها ~~أمورا حسنة. # وقال أبو علي: من قرأ «سيئة» رأى أن الكلام انقطع عند قوله تعالى: وأحسن ~~تأويلا، وأن قوله: # ولا تقف لا حسن فيه. # قوله تعالى: ذلك مما أوحى إليك ربك يشير إلى ما تقدم من الفرائض والسنن، ~~من الحكمة، أي: من الأمور المحكمة والأدب الجامع لكل خير. وقد سبق معنى ~~«المدحور» «1» . ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 40] # أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما ~~(40) PageV03P025 # قوله تعالى: أفأصفاكم ربكم بالبنين قال مقاتل: نزلت في مشركي العرب الذين ~~قالوا: # الملائكة بنات الرحمن. وقال أبو عبيدة: ومعنى أفأصفاكم: اختصكم. وقال ~~المفضل: أخلصكم. # وقال الزجاج: اختار لكم صفوة الشيء، وهذا توبيخ للكفار، والمعنى: اختار ~~لكم البنين دونه، وجعل البنات مشتركة بينكم وبينه، فاختصكم بالأعلى وجعل ~~لنفسه الأدون؟! ### | [سورة الإسراء (17) : آية 41] # ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا (41) # قوله تعالى: ولقد صرفنا معنى التصريف ها هنا: التبيين، وذلك أنه إنما ~~يصرف القول ليبين. # وقال ابن قتيبة: «صرفنا» بمعنى: وجهنا، وهو من قولك: صرفت إليك كذا، أي: ~~عدلت به إليك، وشدد للتكثير، كما تقول: فتحت الأبواب. قوله تعالى: ms1313 ليذكروا ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم وابن عامر: «ليذكروا» مشددا. وقرأ ~~حمزة، والكسائي، وخلف: «ليذكروا» مخففا، وكذلك قرءوا في الفرقان «1» : ~~والتذكر: الاتعاظ والتدبر. وما يزيدهم تصريفنا وتذكيرنا إلا نفورا قال ابن ~~عباس: ينفرون من الحق، ويتبعون الباطل. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 42 الى # 44] # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (42) ~~سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (43) تسبح له السماوات السبع والأرض ~~ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما ~~غفورا (44) # قوله تعالى: قل لو كان معه آلهة كما يقولون قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «تقولون» بالتاء. وقرأ ابن كثير، ~~وحفص عن عاصم: «يقولون» بالياء. # قوله تعالى: إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا فيه قولان: أحدهما: لابتغوا ~~سبيلا إلى ممانعته وإزالة ملكه، قاله الحسن، وسعيد بن جبير. والثاني: ~~لابتغوا سبيلا إلى رضاه، لأنهم دونه، قاله قتادة. # قوله تعالى: عما يقولون قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو ~~بكر، وحفص عن عاصم: «يقولون» بالياء. وقرأ حمزة، والكسائي: بالتاء.. # قوله تعالى: تسبح له السماوات السبع قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص ~~عن عاصم: # «تسبح» بالتاء. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: ~~«يسبح» بالياء. قال الفراء: # وإنما حسنت «الياء» ها هنا، لأنه عدد قليل، وإذا قل العدد من المؤنث ~~والمذكر، كانت الياء فيه أحسن من التاء، قال عز وجل في المؤنث القليل: وقال ~~نسوة «2» وقال في المذكر: فإذا انسلخ الأشهر الحرم «3» . قال العلماء: ~~والمراد بهذا التسبيح: الدلالة على أنه الخالق القادر. قوله تعالى: وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده وإن بمعنى «ما» . وهل هذا على إطلاقه، أم لا؟ فيه ~~قولان: أحدهما: أنه على إطلاقه، فكل شيء يسبحه حتى الثوب والطعام وصرير ~~الباب، قاله إبراهيم النخعي. والثاني: أنه عام يراد به الخاص. ثم فيه ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه كل شيء فيه الروح، قاله الحسن، وقتادة والضحاك. # والثاني: ms1314 أنه كل ذي روح، وكل نام من شجر أو نبات، قال عكرمة: الشجرة ~~تسبح، والأسطوانة لا PageV03P026 # تسبح وجلس الحسن على طعام فقدموا الخوان، فقيل له: أيسبح هذا الخوان؟، ~~فقال: قد كان يسبح مرة. والثالث: أنه كل شيء لم يغير عن حاله، فإذا تغير ~~انقطع تسبيحه، روى خالد بن معدان عن المقدام بن معديكرب قال: إن التراب ~~ليسبح ما لم يبتل، فاذا ابتل ترك التسبيح، وإن الورقة تسبح ما دامت على ~~الشجرة، فاذا سقطت تركت التسبيح، وإن الثوب ليسبح ما دام جديدا، فاذا توسخ ~~ترك التسبيح. فأما تسبيح الحيوان الناطق، فمعلوم، وتسبيح الحيوان غير ~~الناطق، فجائز أن يكون بصوته، وجائز أن يكون بدلالته على صانعه. وفي تسبيح ~~الجمادات ثلاثة أقوال: أحدها: أنه تسبيح لا يعلمه إلا الله. والثاني: أنه ~~خضوعه وخشوعه لله. والثالث: دلالته على صانعه، فيوجب ذلك تسبيح مبصره. فإن ~~قلنا: إنه تسبيح حقيقة، كان قوله تعالى: ولكن لا تفقهون تسبيحهم لجميع ~~الخلق وإن قلنا: إنه دلالته على صانعه، كان الخطاب للكفار، لأنهم لا ~~يستدلون، ولا يعتبرون. وقد شرحنا معنى «الحليم» و «الغفور» في سورة البقرة. ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 45 الى 52] # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ~~(45) وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في ~~القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا (46) نحن أعلم بما يستمعون به إذ ~~يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (47) ~~انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (48) وقالوا أإذا كنا ~~عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (49) # قل كونوا حجارة أو حديدا (50) أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من ~~يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو قل عسى ~~أن يكون قريبا (51) يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ~~(52) # قوله تعالى: حجابا مستورا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الحجاب: هو الأكنة ~~على قلوبهم، قاله قتادة. والثاني: أنه حجاب يستره فلا يرونه ms1315 وقيل: إنها ~~نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن. # (895) قال الكلبي: وهم أبو سفيان والنضر بن الحارث وأبو جهل وأم جميل ~~امرأة أبي لهب، PageV03P027 # فحجب الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن، فكانوا يأتونه ويمرون به ~~ولا يرونه. # والثالث: أنه منع الله عز وجل إياهم عن أذاه، حكاه الزجاج. # وفي معنى مستورا قولان: أحدهما: أنه بمعنى ساتر قال الزجاج: وهذا قول أهل ~~اللغة. قال الأخفش: وقد يكون الفاعل في لفظ المفعول، كما تقول: إنك مشؤوم ~~علينا، وميمون علينا، وإنما هو شائم ويامن، لأنه من «شأمهم» و «يمنهم» . ~~والثاني: أن المعنى: حجابا مستورا عنكم لا ترونه، ذكره الماوردي. وقال ابن ~~الأنباري: إذا قيل: الحجاب هو الطبع على قلوبهم، فهو مستور عن الأبصار، ~~فيكون «مستورا» باقيا على لفظه. # قوله تعالى: وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه قد شرحناه في سورة الأنعام ~~«1» . # قوله تعالى: وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده يعني: قلت: لا إله إلا الله، ~~وأنت تتلو القرآن ولوا على أدبارهم قال أبو عبيدة: أي على أعقابهم، نفورا ~~وهو: جمع نافر، بمنزلة قاعد وقعود، وجالس وجلوس. وقال الزجاج: تحتمل ~~مذهبين: أحدهما: المصدر، فيكون المعنى: ولوا نافرين نفورا. # والثاني: أن يكون «نفورا» جمع نافر. وفي المشار إليهم قولان: أحدهما: ~~أنهم الشياطين، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم المشركون، وهذا مذهب ابن زيد. # قوله تعالى: نحن أعلم بما يستمعون. # (896) قال المفسرون: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه ~~أن يتخذ طعاما ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين، ففعل ذلك، ودخل عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى التوحيد، ~~وكانوا يستمعون ويقولون فيما بينهم: هو ساحر، هو مسحور، فنزلت هذه الآية: ~~نحن أعلم بما يستمعون به، أي: يستمعونه، والباء زائدة. إذ يستمعون إليك وإذ ~~هم نجوى قال أبو عبيدة: هي مصدر من «ناجيت» واسم منها، فوصف القوم بها، ~~والعرب تفعل ذلك، كقولهم: إنما هو عذاب، وأنتم غم، فجاءت في موضع ms1316 «متناجين» ~~. وقال الزجاج: والمعنى: وإذ هم ذوو نجوى، وكانوا يستمعون من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويقولون بينهم: هو ساحر، وهو مسحور، وما أشبه ذلك من القول. # قوله تعالى: إذ يقول الظالمون يعني: أولئك المشركون إن تتبعون أي: ما ~~تتبعون إلا رجلا مسحورا وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الذي سحر فذهب بعقله، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: مخدوعا مغرورا، قاله مجاهد. والثالث: له سحر، أي: رئة وكل دابة ~~أو طائر أو بشر يأكل فهو: مسحور ومسحر، لأن له سحرا، قال لبيد: PageV03P028 # فان تسألينا فيم نحن فاننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر # وقال امرؤ القيس: # أرانا مرصدين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب # أي: نغذى، لأن أهل السماء لا يأكلون، فأراد أن يكون ملكا. فعلى هذا يكون ~~المعنى: إن تتبعون إلا رجلا به سحر، خلقه الله كخلقكم، وليس بملك، وهذا قول ~~أبي عبيدة. قال ابن قتيبة: # والقول قول مجاهد، أي مخدوعا، لأن السحر حيلة وخديعة ومعنى قول لبيد ~~«المسحر» : المعلل، وقول امرئ القيس: «ونسحر» أي: نعلل، وكأنا نخدع، والناس ~~يقولون: سحرتني بكلامك، أي: # خدعتني، ويدل عليه قوله تعالى: انظر كيف ضربوا لك الأمثال، لأنهم لو ~~أرادوا رجلا ذا رئة، لم يكن في ذلك مثل ضربوه، فلما أرادوا مخدوعا- كأنه ~~بالخديعة سحر- كان مثلا ضربوه، وكأنهم ذهبوا إلى أن قوما يعلمونه ويخدعونه. ~~قال المفسرون: ومعنى ضربوا لك الأمثال بينوا لك الأشباه، حتى شبهوك بالساحر ~~والشاعر والمجنون فضلوا عن الحق، فلا يستطيعون سبيلا فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يجدون سبيلا إلى تصحيح ما يعيبونك به. والثاني: لا يستطيعون ~~سبيلا إلى الهدى، لأنا طبعنا على قلوبهم. والثالث: لا يأتون سبيل الحق، ~~لثقله عليهم ومثله قولهم: لا أستطيع أن أنظر إلى فلان، يعنون أنا مبغض له، ~~فنظري إليه يثقل، ذكرهن ابن الأنباري. قوله تعالى: أإذا كنا عظاما قرأ ابن ~~كثير: «أيذا» بهمزة ثم يأتي بياء ساكنة من غير مد، «أينا» ، مثله وكذلك في ~~كل القرآن. وكذلك روى قالون عن نافع، إلا أن نافعا كان لا ms1317 يستفهم في «أينا» ~~، كان يجعل الثاني خبرا في كل القرآن، وكذلك مذهب الكسائي، غير أنه يهمز ~~الأولى همزتين. وقرأ عاصم، وحمزة بهمزتين في الحرفين جميعا. وقرأ ابن عامر: ~~«إذا كنا» بغير استفهام بهمزة واحدة «ءاءنا» بهمزتين يمد بينهما مدة. # قوله تعالى: ورفاتا فيه قولان: أحدهما: أنه التراب ولا واحد له، فهو ~~بمنزلة الدقاق والحطام، قاله الفراء، وهو مذهب مجاهد. والثاني: أنه العظام ~~ما لم تتحطم، والرفات: الحطام، قاله أبو عبيدة. وقال الزجاج: الرفات: ~~التراب. والرفات: كل شيء حطم وكسر، وخلقا جديدا في معنى مجددا. # قوله تعالى: أو خلقا مما يكبر في صدوركم فيه ثلاثة أقوال «1» : أحدها: ~~أنه الموت، قاله ابن عمر، وابن عباس، والحسن، والأكثرون. والثاني: أنه ~~السماء والأرض والجبال، قاله مجاهد. # والثالث: أنه ما يكبر في صدوركم، من كل ما استعظموه من خلق الله تعالى، ~~قاله قتادة. # فان قيل: كيف قيل لهم: كونوا حجارة أو حديدا وهم لا يقدرون على ذلك؟ فعنه ~~جوابان: # أحدهما: إن قدرتم على تغير حالاتكم، فكونوا حجارة أو أشد منها، فانا ~~نميتكم، وننفذ أحكامنا فيكم، ومثل هذا قولك للرجل: اصعد إلى السماء فإني لا ~~حقك. والثاني: تصوروا أنفسكم حجارة أو أصلب منها، فإنا سنبيدكم، قال ~~الأحوص: PageV03P029 # إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبا ... فكن حجرا من يابس الصخر جامدا «1» # معناه: فتصور نفسك حجرا، وهؤلاء قوم اعترفوا أن الله خالقهم، وجحدوا ~~البعث، فأعلموا أن الذي ابتدأ خلقهم هو الذي يحييهم. # قوله تعالى: فسينغضون قال قتادة: يحركونها تكذيبا واستهزاء. قال الفراء: ~~يقال: أنغض رأسه: إذا حركه إلى فوق وإلى أسفل. وقال ابن قتيبة: المعنى ~~يحركونها كما يحرك الآيس من الشيء والمستبعد له رأسه، يقال: نغضت سنه: إذا ~~تحركت. # قوله تعالى: ويقولون متى هو يعنون البعث قل عسى أن يكون قريبا أي: هو ~~قريب. ثم بين متى يكون فقال: يوم يدعوكم يعني: من القبور بالنداء الذي ~~يسمعكم، وهو النفخة الأخيرة فتستجيبون أي: تجيبون. قال مقاتل: يقوم إسرافيل ~~على صخرة بيت المقدس يدعو أهل القبور في قرن. فيقول: أيتها العظام ms1318 البالية، ~~وأيتها اللحوم المتمزقة، وأيتها الشعور المتفرقة، وأيتها العروق المتقطعة، ~~اخرجوا إلى فصل القضاء لتجزوا بأعمالكم، فيسمعون الصوت، فيسعون إليه. وفي ~~معنى بحمده أربعة أقوال «2» : أحدها: بأمره، قاله ابن عباس وابن جريج وابن ~~زيد. والثاني: يخرجون من القبور وهم يقولون: سبحانك وبحمدك، قاله سعيد بن ~~جبير. والثالث: أن معنى بحمده: بمعرفته وطاعته، قاله قتادة، قال الزجاج: ~~تستجيبون مقرين أنه خالقكم. والرابع: تجيبون بحمد الله لا بحمد أنفسكم، ~~ذكره الماوردي. # قوله تعالى: وتظنون إن لبثتم إلا قليلا في هذا الظن قولان: أحدهما: أنه ~~بمعنى اليقين. # والثاني: أنه على أصله. وأين يظنون أنهم لبثوا قليلا؟ فيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: بين النفختين ومقداره أربعون سنة، ينقطع في ذلك العذاب عنهم، فيرون ~~لبثهم في زمان الراحة قليلا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: في ~~الدنيا، لعلمهم بطول اللبث في الآخرة، قاله الحسن. والثالث: في القبور، ~~قاله مقاتل. فعلى هذا إنما قصر اللبث في القبور عندهم، لأنهم خرجوا إلى ما ~~هو أعظم عذابا من عذاب القبور. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية خطاب ~~للمؤمنين، لأنهم يجيبون المنادي يحمدون الله على إحسانه إليهم، ويستقلون ~~مدة اللبث في القبور، لأنهم كانوا غير معذبين. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 53] # وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان ~~للإنسان عدوا مبينا (53) # قوله تعالى: وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن في سبب نزولها قولان: # (897) أحدهما: أن المشركين كانوا يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بمكة، بالقول والفعل، PageV03P030 # فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. # (898) والثاني: أن رجلا من الكفار شتم عمر بن الخطاب، فهم به عمر رضي ~~الله عنه، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل، والمعنى: وقل لعبادي المؤمنين ~~يقولوا الكلمة التي هي أحسن. # واختلفوا فيمن تقال له هذه الكلمة على قولين: أحدهما: أنهم المشركون، قال ~~الحسن: تقول له: يهديك الله، وما ذكرنا من سبب نزول الآية يؤيد هذا القول. ~~وذهب ms1319 بعضهم إلى أنهم أمروا بهذه الآية بتحسين خطاب المشركين قبل الأمر ~~بقتالهم، ثم نسخت هذه الآية بآية السيف. والثاني: أنهم المسلمون، قاله ابن ~~جرير. المعنى: وقل لعبادي يقول بعضهم لبعض التي هي أحسن من المحاورة ~~والمخاطبة. وقد روى مبارك عن الحسن قال: «التي هي أحسن» أن يقول له مثل ~~قوله، ولكن يقول له: # يرحمك الله، يغفر الله لك. قال الأخفش: وقوله يقولوا مثل قوله: ويقيموا ~~الصلاة، وقد شرحنا ذلك في سورة ابراهيم «1» . قوله تعالى: إن الشيطان ينزغ ~~بينهم أي: يفسد ما بينهم، والعدو المبين: # الظاهر العداوة. ### | [سورة الإسراء (17) : آية 54] # ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا ~~(54) # قوله تعالى: ربكم أعلم بكم فيمن خوطب بهذا قولان: أحدهما: أنهم المؤمنون. ~~ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أهل مكة أو إن ~~يشأ يعذبكم فيسلطهم عليكم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: إن يشأ ~~يرحمكم بالتوبة، أو يعذبكم بالإقامة على الذنوب، قاله الحسن. والثاني: أنهم ~~المشركون. ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: إن يشأ يرحمكم، فيهديكم ~~للإيمان، أو إن يشأ يعذبكم، فيميتكم على الكفر، قاله مقاتل. والثاني: أنه ~~لما نزل القحط بالمشركين فقالوا: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) «2» ~~، قال الله تعال: ربكم أعلم بكم من الذي يؤمن، ومن الذي لا يؤمن إن يشأ ~~يرحمكم فيكشف القحط عنكم أو إن يشأ يعذبكم فيتركه عليكم، ذكره أبو سليمان ~~الدمشقي. قال ابن الأنباري: و «أو» ها هنا دخلت لسعة الأمرين عند الله ~~تعالى، وأنه لا يرد عنهما، فكانت ملحقة ب «أو» المبيحة في قولهم: جالس ~~الحسن، أو ابن سيرين، يعنون: قد وسعنا لك الأمر. # قوله تعالى: وما أرسلناك عليهم وكيلا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: كفيلا تؤخذ ~~بهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: حافظا وربا، قاله الفراء. ~~والثالث: كفيلا بهدايتهم وقادرا على إصلاح قلوبهم، ذكره ابن الأنباري. وذهب ~~بعض المفسرين إلى أن هذا منسوخ بآية السيف. ### | [سورة الإسراء (17) : آية 55] # وربك أعلم بمن ms1320 في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا ~~داود زبورا (55) PageV03P031 # قوله تعالى: وربك أعلم بمن في السماوات والأرض لأنه خالقهم، فهدى من شاء، ~~وأضل من شاء، وكذلك فضل بعض النبيين على بعض، وذلك عن حكمة منه وعلم، فخلق ~~آدم بيده، ورفع إدريس، وجعل الذرية لنوح، واتخذ ابراهيم خليلا، وموسى ~~كليما، وجعل عيسى روحا، وأعطى سليمان ملكا جسيما، ورفع محمدا صلى الله عليه ~~وسلم فوق السموات، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. يجوز أن يكون ~~المفضلون أصحاب الكتب، لأنه ختم الكلام بقوله تعالى: وآتينا داود زبورا. ~~وقد شرحنا معنى «الزبور» في سورة النساء «1» . ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 56 الى 57] # قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) ~~أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57) # قوله تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من دونه في سبب نزولها قولان: # (899) أحدهما: أن نفرا من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجن ~~والنفر من العرب لا يشعرون، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، روي عن ابن ~~مسعود. # (900) والثاني: أن المشركين كانوا يعبدون الملائكة، ويقولون: هي تشفع لنا ~~عند الله، فلما ابتلوا بالقحط سبع سنين، قيل لهم: «ادعوا الذين زعمتم» ، ~~قاله مقاتل، والمعنى: قل ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة، فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا له إلى غيركم. # قوله تعالى: أولئك الذين يدعون في المشار إليهم ب أولئك ثلاثة أقوال» # أحدها: أنهم الجن الذين أسلموا. والثاني: الملائكة، وقد سبق بيان ~~القولين. والثالث: أنهم المسيح، وعزير، والملائكة! والشمس والقمر، قاله ابن ~~عباس. وفي معنى «يدعون» قولان: أحدهما: # يعبدون، أي: يدعونهم آلهة، وهذا قول الأكثرين. والثاني: أنه بمعنى ~~يتضرعون إلى الله في طلب الوسيلة. وعلى هذا يكون قوله تعالى: «يدعون» راجعا ~~إلى «أولئك» ، ويكون قوله: «يبتغون» تماما للكلام. وعلى القول الأول: يكون ~~«يدعون» راجعا إلى المشركين، ويكون قوله: «يبتغون» وصفا ل «أولئك» مستأنفا. ~~وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو ms1321 عبد الرحمن: «تدعون» بالتاء. قال ابن ~~الأنباري: فعلى هذا، الفعل مردود إلى قوله تعالى: فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ومن قرأ «يدعون» بالياء، قال: العرب تنصرف من الخطاب إلى الغيبة إذا أمن ~~اللبس. ومعنى «يدعون» : PageV03P032 # يدعونهم آلهة. وقد فسرنا معنى «الوسيلة» في المائدة «1» . # وفي قوله تعالى: أيهم أقرب قولان: ذكرهما الزجاج. أحدهما: أن يكون «أيهم» ~~مرفوعا بالابتداء، وخبره أقرب ويكون المعنى: يطلبون الوسيلة إلى ربهم ~~ينظرون أيهم أقرب إليه فيتوسلون إلى الله به. والثاني: أن يكون «أيهم أقرب» ~~بدلا من الواو في «يبتغون» ، فيكون المعنى: يبتغي أيهم هو أقرب الوسيلة إلى ~~الله، أي: يتقرب إليه بالعمل الصالح. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 58] # وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ~~ذلك في الكتاب مسطورا (58) # قوله تعالى: وإن من قرية إلا نحن مهلكوها «إن» بمعنى «ما» ، والقرية ~~الصالحة هلاكها بالموت، والعاصية بالعذاب، والكتاب: اللوح المحفوظ، ~~والمسطور: المكتوب. ### | [سورة الإسراء (17) : آية 59] # وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59) # قوله تعالى: وما منعنا أن نرسل بالآيات في سبب نزولها قولان: # (901) أحدهما: أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل ~~لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن تستأني ~~بهم لعلنا نجتبي منهم، وإن شئت نؤتيهم الذي سألوا، فان كفروا أهلكوا كما ~~أهلك من كان قبلهم، قال: «لا، بل أستأني» ، فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس. # والثاني: قد ذكرناه عن الزبير في قوله تعالى: ولو أن قرآنا سيرت به ~~الجبال «2» ، ومعنى الآية: # وما منعنا إرسال الآيات التي سألوها إلا تكذيب الأولين، يعني أن هؤلاء ~~سألوا الآيات التي استوجب بتكذيبها الأولون العذاب، فلم يرسلها لئلا يكذب ~~بها هؤلاء، فيهلكوا كما هلك أولئك، وسنة الله في الأمم أنهم إذا سألوا ~~الآيات ثم كذبوا بها عذبهم. # قوله تعالى: وآتينا ثمود الناقة مبصرة قال ابن قتيبة: ms1322 أي: بينة، يريد: ~~مبصرا بها. قال ابن الأنباري: ويجوز أن تكون مبصرة، ويصلح أن يكون المعنى: ~~مبصر مشاهدوها، فنسب إليها فعل غيرها تجوزا، كما يقال: لا أرينك ها هنا، ~~فأدخل حرف النهي على غير المنهي عنه، إذ المعنى: لا تحضر PageV03P033 # ها هنا، حتى إذا جئت لم أرك فيه. ومن قرأ «مبصرة» بفتح الميم والصاد، ~~فمعناه: المبالغة في وصف الناقة بالتبيان، كقولهم: «الولد مجبنة» . # قوله تعالى: فظلموا بها قال ابن عباس: فجحدوا بها. وقال الأخفش: بها كان ~~ظلمهم. قوله تعالى: وما نرسل بالآيات إلا تخويفا أي: نخوف العباد ليتعظوا. ~~وللمفسرين في المراد بهذه الآية أربعة أقوال: أحدها: أنها الموت الذريع، ~~قاله الحسن. والثاني: معجزات الرسل جعلها الله تعالى تخويفا للمكذبين. ~~والثالث: آيات الانتقام تخويفا من المعاصي. والرابع: تقلب أحوال الإنسان من ~~صغر إلى شباب، ثم إلى كهولة، ثم إلى مشيب، ليعتبر بتقلب أحواله فيخاف عاقبة ~~أمره، ذكر هذه الأقوال الثلاثة الماوردي، ونسب الأخير منها إلى إمامنا أحمد ~~رضي الله عنه. ### | [سورة الإسراء (17) : آية 60] # وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ~~(60) # قوله تعالى: وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أحاط علمه بالناس، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الربيع بن أنس. وقال ~~مقاتل: أحاط علمه بالناس، يعني: أهل مكة، أن يفتحها لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم. والثاني: أحاطت قدرته بالناس، فهم في قبضته، قاله مجاهد. والثالث: # حال بينك وبين الناس أن يقتلوك، لتبلغ رسالته، قاله الحسن، وقتادة. # قوله تعالى: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس في هذه الرؤيا ~~قولان «1» : # أحدهما: أنها رؤيا عين، وهي ما أري ليلة أسري به من العجائب والآيات. روى ~~عكرمة عن ابن عباس قال: هي رؤيا عين رآها ليلة أسري به، وإلى هذا المعنى ~~ذهب الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، ومسروق، والنخعي، وقتادة، وأبو ~~مالك، وأبو صالح، وابن جريج، وابن ms1323 زيد في آخرين. فعلى هذا يكون معنى ~~الفتنة: الاختبار، فإن قوما آمنوا بما قال، وقوما كفروا. قال ابن الأنباري: ~~المختار في هذه الرؤية أن تكون يقظة، ولا فرق بين أن يقول القائل: رأيت ~~فلانا رؤية، ورأيته رؤيا، إلا أن الرؤية يقل استعمالها في المنام، والرؤيا ~~يكثر استعمالها في المنام، ويجوز كل واحد منهما في المعنيين. والثاني: أنها ~~رؤيا منام. ثم فيها قولان: # (902) أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد أري أنه يدخل مكة، ~~هو وأصحابه، وهو يومئذ بالمدينة، فعجل قبل الأجل، فرده المشركون، فقال ~~أناس: قد رد، وكان حدثنا أنه سيدخلها، فكان رجوعهم فتنتهم، رواه العوفي عن ~~ابن عباس. وهذا لا ينافي حديث المعراج، لأن هذا كان بالمدينة، والمعراج كان ~~بمكة: قال أبو سليمان الدمشقي: وإنما ذكره ابن عباس على وجه الزيادة في ~~الإخبار لنا أن المشركين بمكة افتتنوا برؤيا عينه، والمنافقين بالمدينة ~~افتتنوا برؤيا نومه. PageV03P034 # (903) والثاني: أنه أري بني أمية على المنابر، فساءه ذلك، فقيل له: إنها ~~الدنيا يعطونها، فسري عنه. فالفتنة ها هنا: البلاء، رواه علي بن زيد بن ~~جدعان عن سعيد بن المسيب، وإن كان مثل هذا لا يصح، ولكن قد ذكره عامة ~~المفسرين. # وروى ابن الأنباري أن سعيد بن المسيب قال: رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قوما على منابر، فشق ذلك عليه، وفيه نزل: والشجرة الملعونة في القرآن، ~~قال: ومعنى قوله: إلا فتنة للناس: إلا بلاء للناس «1» . قال ابن الأنباري: ~~فمن ذهب إلى أن الشجرة رجال رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في منامه يصعدون ~~المنابر، احتج بأن الشجرة يكنى بها عن المرأة لتأنيثها، وعن الجماعة ~~لاجتماع أغصانها. قالوا: ووقعت اللعنة بهؤلاء الذين كنى عنهم بالشجرة. قال ~~المفسرون: وفي الآية تقديم وتأخير، تقديره: وما جعلنا الرؤيا والشجرة إلا ~~فتنة للناس. وفي هذه الشجرة ثلاثة أقوال «2» : # أحدها: أنها شجرة الزقوم، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد ~~بن جبير، وعكرمة، ومسروق، والنخعي، والجمهور. # (904) وقال مقاتل: لما ذكر الله تعالى شجرة ms1324 الزقوم، قال أبو جهل: يا معشر ~~قريش إن محمدا يخوفكم بشجرة الزقوم، ألستم تعلمون أن النار تحرق الشجر، ~~ومحمد يزعم أن النار تنبت الشجر، فهل تدرون ما الزقوم، فقال عبد الله بن ~~الزبعرى: إن الزقوم بلسان بربر: التمر والزبد، فقال أبو جهل: يا جارية ~~ابغينا تمرا وزبدا، فجاءته به، فقال لمن حوله: تزقموا من هذا الذي يخوفكم ~~به محمد، فأنزل الله عز وجل: ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا: قال ابن ~~قتيبة: كانت فتنتهم بالرؤيا قولهم: # كيف يذهب إلى بيت المقدس، ويرجع في ليلة؟! وبالشجرة قولهم: كيف يكون في ~~النار شجرة؟! وللعلماء في معنى «الملعونة» ثلاثة اقوال: أحدها: المذمومة، ~~قاله ابن عباس. والثاني: الملعون آكلها، ذكره الزجاج، وقال: إن لم يكن في ~~القرآن ذكر لعنها، ففيه لعن آكليها قال: والعرب تقول لكل طعام مكروه وضار: ~~ملعون فأما قوله تعالى: في القرآن فالمعنى: التي ذكرت في القرآن، وهي ~~PageV03P035 # مذكورة في قوله: إن شجرة الزقوم (43) طعام الأثيم (44) «1» . والثالث: أن ~~معنى «الملعونة» : # المبعدة عن منازل أهل الفضل، ذكره ابن الانباري. # والقول الثاني: أن الشجرة الملعونة هي التي تلتوي على الشجر، يعني: ~~الكشوثى «2» ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: أن الشجرة كناية عن الرجال على ما ذكرنا عن سعيد بن المسيب. # قوله تعالى: ونخوفهم قال ابن الأنباري: مفعول «نخوفهم» محذوف، تقديره: ~~ونخوفهم العذاب، فما يزيدهم أي: فما يزيدهم التخويف إلا طغيانا وقد ذكرنا ~~معنى الطغيان في سورة البقرة «3» ، وذكرنا هناك تفسير قوله تعالى: وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا «4» . ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 61 الى # 65] # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ~~(61) قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ~~ذريته إلا قليلا (62) قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ~~(63) واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في ~~الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64) إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (65) # قوله تعالى: ms1325 «آسجد» قرأه الكوفيون: بهمزتين. وقرأه الباقون: بهمزة مطولة ~~وهذا استفهام إنكار، يعني به: لم أكن لأفعل. # قوله تعالى: لمن خلقت طينا قال الزجاج: «طينا» منصوب على وجهين: أحدهما: ~~التمييز، المعنى: لمن خلقته من طين. والثاني: على الحال، المعنى: أنشأته في ~~حال كونه من طين. ولفظ قال أرأيتك جاء ها هنا بغير حرف عطف، لأن المعنى: ~~قال آسجد لمن خلقت طينا، وأ رأيتك، وهي في معنى: أخبرني، والكاف ذكرت في ~~المخاطبة توكيدا، والجواب محذوف، والمعنى: أخبرني عن هذا الذي كرمت علي، لم ~~كرمته علي وقد خلقتني من نار وخلقته من طين؟! فحذف هذا، لأن في الكلام ~~دليلا عليه. # قوله تعالى: لئن أخرتن إلى يوم القيامة قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمر: ~~«أخرتني» بياء في الوصل. ووقف ابن كثير بالياء. وقرأ ابن عامر، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي بغير ياء في وصل ولا في وقف. قوله تعالى: لأحتنكن ذريته ~~فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لأستولين عليهم، قاله ابن عباس، والفراء. والثاني: ~~لأضلنهم، قاله ابن زيد. والثالث: لأستأصلنهم يقال: احتنك الجراد ما على ~~الأرض: إذا أكله واحتنك فلان ما عند فلان من العلم: إذا استقصاه، فالمعنى: ~~لأقودنهم كيف شئت، PageV03P036 # هذا قول ابن قتيبة. فإن قيل: من أين علم الغيب. فقد أجبنا عنه في سورة ~~النساء «1» . قوله تعالى: إلا قليلا قال ابن عباس: هم أولياء الله الذي ~~عصمهم. قوله تعالى: قال اذهب هذا اللفظ يتضمن إنظاره فمن تبعك، أي: تبع ~~أمرك منهم، يعني: ذرية آدم. والموفور: الموفر. قال ابن قتيبة: # يقال: وفرت ماله عليه، ووفرته، بالتخفيف والتشديد. # قوله تعالى: واستفزز من استطعت منهم قال ابن قتيبة: استخف، ومنه تقول: ~~استفزني فلان. # وفي المراد بصوته قولان «2» : أحدهما: أنه كل داع دعا إلى معصية الله، ~~قاله ابن عباس. والثاني: أنه الغناء والمزامير، قاله مجاهد. # قوله تعالى: وأجلب عليهم أي: صح بخيلك ورجلك واحثثهم عليهم بالإغراء ~~يقال: # أجلب القوم وجلبوا: إذا صاحوا. وقال الزجاج: المعنى: اجمع عليهم كل ما ~~تقدر عليه من مكايدك فعلى هذا تكون الباء زائدة. قال ابن ms1326 قتيبة: والرجل: ~~الرجالة يقال: راجل ورجل، مثل تاجر وتجر، وصاحب وصحب. قال ابن عباس: كل خيل ~~تسير في معصية الله، وكل رجل يسير في معصية الله. # وقال قتادة: إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس. وروى حفص عن عاصم: «بخيلك ~~ورجلك» بكسر الجيم، وهي قراءة ابن عباس، وابي رزين، وأبي عبد الرحمن ~~السلمي. قال أبو زيد: يقال: رجل رجل: للرجال، ويقال: جاءنا حافيا رجلا. ~~وقرأ ابن السميفع، والجحدري: «بخيلك ورجالك» برفع الراء وتشديد الجيم ~~مفتوحة وبألف بعدها. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وعكرمة: «ورجالك» ~~بكسر الراء وتخفيف الجيم مع ألف. # قوله تعالى: وشاركهم في الأموال فيه أربعة أقوال: أحدها: أنها ما كانوا ~~يحرمونه من أنعامهم، رواه عطية عن ابن عباس. والثاني: الأموال التي أصيبت ~~من حرام، قاله مجاهد. والثالث: التي أنفقوها في معاصي الله، قاله الحسن. ~~والرابع: ما كانوا يذبحون لآلهتهم، قاله الضحاك. فأما مشاركته إياهم في ~~الأولاد، ففيها أربعة أقوال «3» : أحدها: أنهم أولاد الزنا، رواه عطية عن ~~ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك. والثاني: الموءودة من ~~أولادهم، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: أنه تسمية أولادهم ~~عبيدا لأوثانهم، كعبد شمس، وعبد العزى، وعبد مناف، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. والرابع: ما مجسوا وهودوا ونصروا، وصبغوا من أولادهم غير صبغة ~~الإسلام، قاله الحسن، وقتادة. # قوله تعالى: وعدهم قد ذكرناه في قوله تعالى: يعدهم ويمنيهم «4» إلى آخر ~~الآية. وهذه PageV03P037 # الآية لفظها لفظ الأمر، ومعناها التهديد، ومثلها في الكلام أن تقول ~~للانسان: اجهد جهدك فسترى ما ينزل بك. قال الزجاج: إذا تقدم الأمر نهي عما ~~يؤمر به، فمعناه التهديد والوعيد، تقول للرجل: لا تدخلن هذه الدار فاذا ~~حاول أن يدخلها قلت: ادخلها وأنت رجل، فلست تأمره بدخولها، ولكنك توعده ~~وتهدده، ومثله: اعملوا ما شئتم «1» وقد نهوا أن يعملوا بالمعاصي. وقال ابن ~~الانباري: هذا أمر معناه التهديد، تقديره: إن فعلت هذا عاقبناك وعذبناك، ~~فنقل إلى لفظ الأمر عن الشرط، كقوله تعالى: # فمن شاء فليؤمن ومن شاء ms1327 فليكفر «2» . # قوله تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان قد شرحناه في الحجر «3» . قوله ~~تعالى: وكفى بربك وكيلا قال الزجاج: كفى به وكيلا لأوليائه يعصمهم من ~~القبول من إبليس. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 66 الى # 70] # ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما ~~(66) وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم وكان الإنسان كفورا (67) أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل ~~عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ~~فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا (69) ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) # قوله تعالى: ربكم الذي يزجي لكم الفلك أي: يسيرها. قال الزجاج: يقال: ~~زجيت الشيء، أي قدمته. قوله تعالى: لتبتغوا من فضله أي: في طلب التجارة. ~~وفي «من» ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها زائدة. والثاني: أنها للتبعيض. والثالث: أن المفعول محذوف، ~~والتقدير: لتبتغوا من فضله الرزق والخير، ذكرهن ابن الأنباري. # قوله تعالى: إنه كان بكم رحيما هذا الخطاب خاص للمؤمنين، ثم خاطب ~~المشركين فقال: # وإذا مسكم الضر في البحر يعني: خوف الغرق ضل من تدعون أي: يضل من يدعون ~~من الآلهة، إلا الله تعالى. ويقال: ضل بمعنى غاب، يقال: ضل الماء في اللبن: ~~إذا غاب، والمعنى: أنكم أخلصتم الدعاء لله، ونسيتم الأنداد. وقرأ مجاهد، ~~وأبو المتوكل: «ضل من يدعون» بالياء. فلما نجاكم إلى البر أعرضتم عن ~~الإيمان والإخلاص وكان الإنسان يعني الكافر كفورا بنعمة ربه. أفأمنتم إذا ~~خرجتم من البحر أن يخسف بكم قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «نخسف بكم» «أو نرسل» ~~«أن نعيدكم» «فنرسل» «فنغرقكم» بالنون في الكل. وقرأ نافع، وعاصم، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي، بالياء في الكل. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي، بالياء في الكل. ومعنى يخسف بكم جانب البر، أي: نغيبكم ~~ونذهبكم في ناحية البر، والمعنى: ms1328 إن حكمي نافذ في البر نفوذه في البحر، أو ~~يرسل عليكم حاصبا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الحاصب: حجارة من السماء، ~~قاله قتادة. والثاني: # أنه الريح العاصف تحصب، قاله أبو عبيدة، وأنشد للفرزدق: PageV03P038 # مستقبلين شمال الريح تضربهم ... بحاصب كنديف القطن منثور # وقال ابن قتيبة: الحاصب: الريح، سميت بذلك لأنها تحصب، أي: ترمي ~~بالحصباء، وهي الحصى الصغار. وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: الحاصب ~~الريح التي فيها الحصى. وإنما قال في الريح: حاصبا ولم يقل: «حاصبة» لأنه ~~وصف لزم الريح ولم يكن لها مذكر تنتقل إليه في حال، فكان بمنزلة قولهم: ~~«حائض» للمرأة، حين لم يقل: رجل حائض. قال: وفيه جواب آخر، وهو أن نعت ~~الريح عري من علامة التأنيث، فأشبهت بذلك أسماء المذكر، كما قالوا: السماء ~~أمطر، والأرض أنبت. والثالث: أن الحاصب: التراب الذي فيه حصباء، قاله ~~الزجاج. # قوله تعالى: ثم لا تجدوا لكم وكيلا أي: مانعا وناصرا. # قوله تعالى: أم أمنتم أن يعيدكم فيه أي: في البحر تارة أخرى أي: مرة ~~أخرى، والجمع: # تارات. فيرسل عليكم قاصفا من الريح قال أبو عبيدة: هي التي تقصف كل شيء. ~~قال ابن قتيبة: # القاصف: الريح التي تقصف الشجر، أي: تكسره. # قوله تعالى: فيغرقكم وقرأ أبو المتوكل، وأبو جعفر، وشيبة، ورويس: ~~«فتغرقكم» بالتاء، وسكون الغين، وتخفيف الراء. وقرأ أبو الجوزاء، وأيوب: ~~«فيغرقكم» بالياء، وفتح الغين، وتشديدها. # وقرأ أبو رجاء مثله، إلا أنه بالتاء بما كفرتم أي: بكفركم حيث نجوتم في ~~المرة الأولى، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا قال ابن قتيبة: أي: من يتبع ~~بدمائكم، أي: يطالبنا. قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ريح العذاب ~~أربع، اثنتان في البر، واثنتان في البحر، فاللتان في البر: الصرصر، ~~والعقيم، واللتان في البحر: العاصف، والقاصف. # قوله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم أي: فضلناهم. قال أبو عبيدة: و «كرمنا» ~~أشد مبالغة من «أكرمنا» . وللمفسرين فيما فضلوا به أحد عشر قولا: أحدها: ~~أنهم فضلوا على سائر الخلق غير طائفة من الملائكة: جبريل، وميكائيل، ~~وإسرافيل، وملك الموت، ms1329 وأشباههم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. فعلى هذا يكون ~~المراد: المؤمنين منهم، ويكون تفضيلهم بالإيمان. والثاني: أن سائر الحيوان ~~يأكل بفيه، إلا ابن آدم فإنه يأكل بيده، رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس. ~~وقال بعض المفسرين: # المراد بهذا التفضيل: أكلهم بأيديهم، ونظافة ما يقتاتونه، إذ الجن ~~يقتاتون العظام والروث. والثالث: # فضلوا بالعقل، روي عن ابن عباس. والرابع: بالنطق والتمييز، قاله الضحاك. ~~والخامس: بتعديل القامة وامتدادها، قاله عطاء. والسادس: بأن جعل محمدا صلى ~~الله عليه وسلم منهم، قاله محمد بن كعب. والسابع: فضلوا بالمطاعم واللذات ~~في الدنيا، قاله زيد بن أسلم. والثامن: بحسن الصورة، قاله يمان. والتاسع: # بتسليطهم على غيرهم من الخلق، وتسخير سائر الخلق لهم، قاله محمد بن جرير. ~~والعاشر: بالأمر والنهي، ذكره الماوردي. والحادي عشر: بأن جعلت اللحى ~~للرجال، والذوائب للنساء، ذكره الثعلبي. # فإن قيل: كيف أطلق ذكر الكرامة على الكل، وفيهم الكافر المهان؟ فالجواب ~~من وجهين: # أحدهما: أنه عامل الكل معاملة المكرم بالنعم الوافرة. والثاني: أنه لما ~~كان فيهم من هو بهذه الصفة، أجرى الصفة على جماعتهم، كقوله تعالى: كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس «1» . PageV03P039 # قوله تعالى: وحملناهم في البر على أكباد رطبة، وهي: الإبل، والخيل، ~~والبغال، والحمير، وفي البحر على أعواد يابسة، وهي: السفن. ورزقناهم من ~~الطيبات فيه قولان: أحدهما: الحلال. # والثاني: المستطاب في الذوق. قوله تعالى: وفضلناهم على كثير ممن خلقنا ~~تفضيلا فيه قولان: # أحدهما: أنه على لفظه، وأنهم لم يفضلوا على سائر المخلوقات. وقد ذكرنا عن ~~ابن عباس أنهم فضلوا على سائر الخلق غير طائفة من الملائكة. وقال غيره: بل ~~الملائكة أفضل. والثاني: أن معناه: # وفضلناهم على جميع من خلقنا. والعرب تضع الأكثر والكثير في موضع الجمع، ~~كقوله تعالى: يلقون السمع وأكثرهم كاذبون «1» . # (905) وقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«المؤمن أكرم على الله عز وجل من الملائكة الذين عنده» . ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 71 الى # 72] # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ms1330 ~~ولا يظلمون فتيلا (71) ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ~~(72) # قوله تعالى: يوم ندعوا كل أناس بإمامهم قال الزجاج: هو منصوب على معنى: ~~«اذكر يوم ندعو كل أناس بإمامهم» . والمراد به: يوم القيامة. وقرأ الحسن ~~البصري: «يوم يدعو» بالياء (كل) بالنصب. وقرأ أبو عمران الجوني: «يوم يدعى» ~~بياء مرفوعة، وفتح العين، وبعدها ألف، «كل» بالرفع. # وفي المراد بإمامهم أربعة أقوال «2» : أحدها: أنه رئيسهم، قاله أبو صالح ~~عن ابن عباس، وروى عنه سعيد بن جبير أنه قال: إمام هدى، أو إمام ضلالة. ~~والثاني: عملهم، رواه عطية عن ابن عباس، وبه PageV03P040 # قال الحسن، وأبو العالية. والثالث: نبيهم، قاله أنس بن مالك، وسعيد بن ~~جبير، وقتادة، ومجاهد في رواية. والرابع: كتابهم، قاله عكرمة، ومجاهد في ~~رواية. ثم فيه قولان: أحدهما: أنه كتابهم الذي فيه أعمالهم، قاله قتادة، ~~ومقاتل. والثاني: كتابهم الذي أنزل عليهم، قاله الضحاك، وابن زيد. فعلى ~~القول الأول يقال: يا متبعي موسى، يا متبعي عيسى، يا متبعي محمد ويقال: يا ~~متبعي رؤساء الضلالة. # وعلى الثاني: يا من عمل كذا وكذا. وعلى الثالث: يا أمة موسى، يا أمة ~~عيسى، يا أمة محمد. وعلى الرابع: يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل، يا أهل ~~القرآن. أو يا صاحب الكتاب الذي فيه عمل كذا وكذا. # قوله تعالى: فأولئك يقرؤن كتابهم معناه: يقرءون حسابهم، لأنهم أخذوا ~~كتبهم بأيمانهم. قوله تعالى: ولا يظلمون فتيلا أي: لا ينقصون من ثوابهم ~~بقدر الفتيل، وقد بيناه في سورة النساء «1» . # قوله تعالى: ومن كان في هذه أعمى قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: أعمى ~~فهو في الآخرة أعمى مفتوحتي الميم، وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم ~~بكسر الميمين، وقرأ أبو عمرو: # «في هذه أعمى» بكسر الميم، «فهو في الآخرة أعمى» بفتحها. # وفي المشار إليها ب هذه قولان «2» : أحدهما: أنها الدنيا، قاله مجاهد. ثم ~~في معنى الكلام خمسة أقوال: أحدها: من كان في الدنيا أعمى عن معرفة قدرة ~~الله في خلق الأشياء، فهو عما وصف له في ms1331 الآخرة أعمى، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس. والثاني: من كان في الدنيا أعمى بالكفر، فهو في الآخرة أعمى، لأنه في ~~الدنيا تقبل توبته، وفي الآخرة لا تقبل، قاله الحسن. والثالث: من عمي عن ~~آيات الله في الدنيا، فهو عن الذي غيب عنه من أمور الآخرة أشد عمى. ~~والرابع: من عمي عن نعم الله التي بينها في قوله تعالى: ربكم الذي يزجي لكم ~~الفلك في البحر إلى قوله: تفضيلا فهو في الآخرة أعمى عن رشاده وصلاحه، ~~ذكرهما ابن الأنباري. والخامس: من كان فيها أعمى عن الحجة، فهو في الآخرة ~~أعمى عن الجنة، قاله أبو بكر الوراق. والثاني: أنها النعم. ثم في الكلام ~~قولان: # أحدهما: من كان أعمى عن النعم التي ترى وتشاهد، فهو في الآخرة التي لم تر ~~أعمى، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: من كان أعمى عن معرفة حق الله في ~~هذه النعم المذكورة في قوله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم ولم يؤد شكرها، فهو ~~فيما بينه وبين الله مما يتقرب به إليه أعمى وأضل سبيلا، قاله السدي. قال ~~أبو علي الفارسي: ومعنى قوله: في الآخرة أعمى أي: أشد عمى، لأنه كان في ~~الدنيا يمكنه الخروج عن عماه بالاستدلال، ولا سبيل له في الآخرة إلى الخروج ~~من عماه. وقيل: معنى العمى في الآخرة: أنه لا يهتدي إلى طريق الثواب، وهذا ~~كله من عمى القلب. فإن قيل: لم قال: # فهو في الآخرة أعمى ولم يقل: أشد عمى، لأن العمى خلقة بمنزلة الحمرة، ~~والزرقة، والعرب تقول: # ما أشد سواد زيد، وما أبين زرقة عمرو، وقلما يقولون: ما أسود زيدا، وما ~~أزرق عمرا؟ فالجواب: أن PageV03P041 # المراد بهذا العمى عمى القلب، وذلك يتزايد ويحدث منه شيء بعد شيء، فيخالف ~~الخلق اللازمة التي لا تزيد، نحو عمى العين، والبياض، والحمرة، ذكره ابن ~~الأنباري. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 73 الى # 77] # وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك ~~خليلا (73) ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) إذا ~~لأذقناك ضعف ms1332 الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75) وإن كادوا ~~ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا (76) سنة ~~من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (77) # قوله تعالى: وإن كادوا ليفتنونك في سبب نزولها أربعة أقوال «1» : # (906) أحدها: أن وفد ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~متعنا باللات سنة، وحرم وادينا كما حرمت مكة، فأبى ذلك، فأقبلوا يكثرون ~~مسألتهم، وقالوا: إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، فإن خشيت أن يقول ~~العرب: أعطيتهم ما لم تعطنا، فقل: الله أمرني بذلك فأمسك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عنهم ودخلهم الطمع، فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ابن ~~عباس. وروى عطية عن ابن عباس أنهم قالوا: أجلنا سنة، ثم نسلم ونكسر ~~أصنامنا، فهم أن يؤجلهم، فنزلت هذه الآية. # (907) والثاني: أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نكف عنك ~~إلا بأن تلم بآلهتنا، ولو بأطراف أصابعك، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ما علي لو فعلت والله يعلم إني لكاره» ؟ فنزلت هذه الآية، قاله سعيد ~~بن جبير، وهذا باطل لا يجوز أن يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ما ~~ذكرنا عن عطية من أنه هم أن ينظرهم سنة، وكل ذلك محال في حقه وفي حق ~~الصحابة أنهم رووا عنه. # (908) والثالث: أن قريشا خلوا برسول الله ليلة إلى الصباح يكلمونه ~~ويفخمونه، ويقولون: أنت سيدنا وابن سيدنا، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في ~~بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، ونزلت هذه الآية، قاله قتادة. ~~PageV03P042 # (909) والرابع: أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اطرد عنك سقاط ~~الناس، ومواليهم، وهؤلاء الذين رائحتهم رائحة الضأن، وذلك أنهم كانوا ~~يلبسون الصوف، حتى نجالسك ونسمع منك، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يفعل ما يستدعي به إسلامهم، فنزلت هذه الآيات. حكاه الزجاج قال: ومعنى ~~الكلام: كادوا يفتنونك، ودخلت «إن» واللام للتوكيد. قال المفسرون: وإنما ~~قال: ليفتنونك، لأن في إعطائهم ms1333 ما سألوا مخالفة لحكم القرآن. # قوله تعالى: لتفتري أي: لتختلق علينا غيره وهو قولهم: قل الله أمرني ~~بذلك، وإذا لو فعلت ذلك لاتخذوك خليلا أي: والوك وصافوك. # قوله تعالى: ولولا أن ثبتناك على الحق، لعصمتنا إياك لقد كدت تركن إليهم ~~أي: # هممت وقاربت أن تميل إلى مرادهم شيئا قليلا قال ابن عباس: وذلك حين سكت ~~عن جوابهم، والله أعلم بنيته. وقال ابن الأنباري: الفعل في الظاهر للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، وفي الباطن للمشركين، وتقديره: لقد كادوا يركنونك ~~إليهم، وينسبون إليك ما يشتهونه مما تكرهه، فنسب الفعل إلى غير فاعله عند ~~أمن اللبس، كما يقول الرجل للرجل: كدت تقتل نفسك اليوم، يريد: كدت تفعل ~~فعلا يقتلك غيرك من أجله فهذا المجاز والاتساع وشبيه بهذا قوله تعالى: فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون «1» ، وقول القائل: # لا أرينك في هذا الموضع. # قوله تعالى: إذا لأذقناك المعنى: لو فعلت ذلك الشيء القليل لأذقناك ضعف ~~الحياة أي: ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، ومثله قول الشاعر: # واستب بعدك يا كليب المجلس «2» # أي: أهل المجلس. وقال ابن عباس: ضعف عذاب الدنيا والآخرة. وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم معصوما، ولكنه تخويف لأمته، لئلا يركن أحد من المؤمنين ~~إلى أحد من المشركين في شيء من أحكام الله وشرائعه. # قوله تعالى: وإن كادوا ليستفزونك من الأرض في سبب نزولها قولان «3» : # (910) أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، حسدته ~~اليهود على مقامه بالمدينة، وكرهوا PageV03P043 # قربه، فقالوا: يا محمد أنبي أنت؟ قال: نعم، قالوا: فو الله لقد علمت ما ~~هذه بأرض الأنبياء، وإن أرض الأنبياء الشام، فان كنت نبيا فائت الشام، ~~فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال سعيد بن جبير: هم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يشخص عن المدينة، فنزلت هذه الآية. وقال عبد ~~الرحمن بن غنم: لما قالت له اليهود هذا، صدق ما قالوا، وغزا غزوة تبوك لا ~~يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك، نزلت هذه الآية «1» . # (911) والثاني: ms1334 أنهم المشركون أهل مكة هموا باخراج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من مكة، فأمره الله بالخروج، وأنزل هذه الآية إخبارا عما هموا ~~به، قاله الحسن، ومجاهد. وقال قتادة: هم أهل مكة باخراجه من مكة، ولو فعلوا ~~ذلك ما نوظروا، ولكن الله كفهم عن إخراجه حتى أمره بالخروج. وقيل: # ما لبثوا بعد ذلك حتى بعث الله عليهم القتل ببدر. # فعلى القول الأول، المشار إليهم: اليهود، والأرض: المدينة. وعلى الثاني: ~~هم المشركون، والأرض: مكة، وقد ذكرنا معنى «الاستفزاز» آنفا «2» ، وقيل: ~~المراد به ها هنا: القتل، ليخرجوه من الأرض كلها، روي عن الحسن. # قوله تعالى: وإذا لا يلبثون خلافك قرأ أبن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو ~~بكر عن عاصم: # «خلفك» . وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «خلافك» . قال ~~الأخفش «خلافك» في معنى خلفك، والمعنى: لا يلبثون بعد خروجك إلا قليلا أي: ~~لو أخرجوك لا ستأصلناهم بعد خروجك بقليل، وقد جازاهم الله على ما هموا به، ~~فقتل صناديد المشركين ببدر، وقتل من اليهود بني قريظة، وأجلى النضير. وقال ~~ابن الأنباري: معنى الكلام: لا يلبثون على خلافك ومخالفتك، فسقط حرف الخفض. ~~وقرأ أبو رزين، وأبو المتوكل: «خلافك» بضم الخاء، وتشديد اللام، ورفع ~~الفاء. قوله تعالى: سنة من قد أرسلنا قال الفراء: نصب السنة على العذاب ~~المضمر، أي: يعذبون كسنتنا فيمن أرسلنا. وقال الأخفش: المعنى: سنها سنة. ~~وقال الزجاج: انتصب بمعنى PageV03P044 # «لا يلبثون» وتأويله: إنا سننا هذه السنة فيمن أرسلنا قبلك أنهم إذا ~~أخرجوا نبيهم أو قتلوه، لم يلبث العذاب أن ينزل بهم. ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 78 الى 81] # أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا (78) ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ~~(79) وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا ~~نصيرا (80) وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (81) # قوله تعالى: أقم الصلاة أي: أدها لدلوك الشمس أي: عند دلوكها. وذكر ابن ~~الأنباري في «اللام» ms1335 قولين: أحدهما: أنها بمعنى «في» . والثاني: أنها ~~مؤكدة، كقوله تعالى: ردف لكم «1» . وقال أبو عبيدة: دلوكها: من عند زوالها ~~إلى أن تغيب. وقال الزجاج: ميلها وقت الظهيرة دلوك، وميلها للغروب دلوك. ~~وقال الأزهري: معنى «الدلوك» في كلام العرب: الزوال، ولذلك قيل للشمس إذا ~~زالت نصف النهار: دالكة، وإذا أفلت: دالكة، لأنها في الحالين زائلة. ~~وللمفسرين في المراد بالدلوك ها هنا قولان «2» : أحدهما: أنه زوالها نصف ~~النهار. # (912) روى جابر بن عبد الله قال: دعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ~~شاء من أصحابه، فطعموا عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: «اخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس» وهذا قول ابن ~~عمر، وأبي برزة، وأبي هريرة، والحسن، والشعبي، وسعيد بن جبير، وأبي ~~العالية، ومجاهد، وعطاء، وعبيد بن عمير، وقتادة، والضحاك، ومقاتل، وهو ~~اختيار الأزهري. قال الأزهري: لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس، فيكون ~~المعنى: أقم «3» الصلاة من وقت زوال الشمس PageV03P045 # إلى غسق الليل، فيدخل فيها الأولى، والعصر، وصلاتا غسق الليل، وهما ~~العشاءان، ثم قال: وقرآن الفجر، فهذه خمس صلوات. # والثاني: أنه غروبها، قاله ابن مسعود، والنخعي، وابن زيد، وعن ابن عباس ~~كالقولين، قال الفراء: ورأيت العرب تذهب في الدلوك إلى غيبوبة الشمس، وهذا ~~اختيار ابن قتيبة، قال: لأن العرب تقول: دلك النجم: إذا غاب قال ذو الرمة: # مصابيح ليست باللواتي تقودها ... نجوم ولا بالآفلات الدوالك «1» # وتقول في الشمس: دلكت براح «2» ، يريدون: غربت، والناظر قد وضع كفه على ~~حاجبه ينظر إليها، قال الشاعر: # والشمس قد كادت تكون دنفا ... أدفعها بالراح كي تزحلفا «3» # فشبهها بالمريض الدنف، لأنها قد همت بالغروب كما قارب الدنف الموت، وإنما ~~ينظر إليها من تحت الكف ليعلم كم بقي لها إلى أن تغيب، ويتوقى الشعاع بكفه. ~~فعلى هذا، المراد بهذه الصلاة: # المغرب. فأما غسق الليل فظلامه. وفي المراد بالصلاة المتعلقة بغسق الليل ~~ثلاثة أقوال: أحدها: # العشاء، قاله ابن مسعود. والثاني: المغرب، قاله ابن عباس. قال القاضي أبو ~~يعلى: فيحتمل أن يكون ms1336 المراد بيان وقت المغرب، أنه من غروب الشمس إلى غسق ~~الليل. والثالث: المغرب والعشاء، قاله الحسن. # قوله تعالى: وقرآن الفجر المعنى: وأقم قراءة الفجر. قال المفسرون: المراد ~~به: صلاة الفجر. قال الزجاج: وفي هذا فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا ~~تكون إلا بقراءة، حين سميت الصلاة قرآنا. قوله تعالى: إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا. # (913) روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تشهده ملائكة ~~الليل، وملائكة النهار» . # قوله تعالى: ومن الليل فتهجد به قال ابن عباس: فصل بالقرآن. قال مجاهد، ~~وعلقمة، والأسود: التهجد بعد النوم. قال ابن قتيبة: تهجدت: سهرت، وهجدت: ~~نمت. وقال ابن الأنباري: PageV03P046 # التهجد ها هنا بمعنى: التيقظ والسهر، واللغويون يقولون: هو من حروف ~~الأضداد يقال للنائم: هاجد ومتهجد، وكذلك للساهر، قال النابغة: # ولو انها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متهجد # لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد «1» # يعني بالمتهجد: الساهر، وقال لبيد: # قال هجدنا فقد طال السرى «2» # أي: نومنا. وقال الأزهري: المتهجد: القائم إلى الصلاة من النوم: وقيل له: ~~متهجد، لإلقائه الهجود عن نفسه، كما يقال: تحرج وتأثم. # قوله تعالى: نافلة لك النافلة في اللغة: ما كان زائدا على الأصل. # وفي معنى هذه الزيادة في حقه قولان «3» : أحدهما: أنها زائدة فيما فرض ~~عليه، فيكون المعنى: # فريضة عليك، وكان قد فرض عليه قيام الليل، هذا قول ابن عباس، وسعيد بن ~~جبير. والثاني: أنها زائدة على الفرض، وليست فرضا فالمعنى: تطوعا وفضيلة. ~~قال أبو أمامة، والحسن، ومجاهد: إنما النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~خاصة. قال مجاهد: وذلك أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما زاد ~~على فرضه فهو نافلة له وفضيلة، وهو لغيره كفارة. وذكر بعض أهل العلم: أن ~~صلاة الليل كانت فرضا عليه في الابتداء، ثم رخص له في تركها، فصارت نافلة. ~~وذكر ابن الأنباري في هذا قولين: أحدهما: # يقارب ما قاله مجاهد، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تنفل ~~لا يقدر له أن ms1337 يكون بذلك ماحيا للذنوب، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر، وغيره إذا تنفل كان راجيا، ومقدرا محو السيئات عنه بالتنفل، فالنافلة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم زيادة على الحاجة، وهي لغيره مفتقر إليها، ~~ومأمول بها دفع المكروه. والثاني: # أن النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، والمعنى: ومن الليل فتهجدوا ~~به نافله لكم، فخوطب النبي صلى الله عليه وسلم بخطاب أمته. # قوله تعالى: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا «عسى» من الله واجبه، ومعنى ~~«يبعثك» يقيمك مقاما محمودا وهو الذي يحمده لأجله جميع أهل الموقف. وفيه ~~قولان: # أحدهما: أنه الشفاعة للناس يوم القيامة، قاله ابن مسعود، وحذيفة بن ~~اليمان، وابن عمر، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، والحسن، وهي رواية ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد. # والثاني: يجلسه على العرش يوم القيامة. روى أبو وائل عن عبد الله أنه قرأ ~~هذه الآية، وقال: PageV03P047 # يقعده على العرش، وكذلك روى الضحاك عن ابن عباس، وليث عن مجاهد. # قوله تعالى: وقل رب أدخلني مدخل صدق وقرأ الحسن، وعكرمة، والضحاك، وحميد ~~بن قيس، وقتادة، وابن أبي عبلة بفتح الميم في «مدخل» و «مخرج» . قال ~~الزجاج: المدخل، بضم الميم: مصدر أدخلته مدخلا، ومن قال: مدخل صدق، فهو على ~~أدخلته، فدخل مدخل صدق، وكذلك شرح «مخرج» مثله. وللمفسرين في المراد بهذا ~~المدخل والمخرج أحد عشر قولا «1» : أحدها: أدخلني المدينة مدخل صدق، ~~وأخرجني من مكة مخرج صدق. # (914) روى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بمكة، ثم أمر بالهجرة، فنزلت عليه هذه الآية. وإلى هذا المعنى ذهب الحسن في ~~رواية سعيد بن جبير، وقتادة، وابن زيد. والثاني: # أدخلني القبر مدخل صدق، وأخرجني منه مخرج صدق، رواه العوفي عن ابن عباس. ~~والثالث: أدخلني المدينة، وأخرجني إلى مكة، يعني: لفتحها، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. والرابع: أدخلني مكة مدخل صدق، وأخرجني منها مخرج صدق، فخرج منها ~~آمنا من المشركين، ودخلها ظاهرا عليها يوم الفتح، قاله الضحاك. والخامس: ~~أدخلني ms1338 مدخل صدق الجنة، وأخرجني مخرج صدق من مكة إلى المدينة، رواه قتادة ~~عن الحسن. والسادس: أدخلني في النبوة والرسالة، وأخرجني منها مخرج صدق، ~~قاله مجاهد، يعني: أخرجني مما يجب علي فيها. والسابع: أدخلني في الإسلام، ~~وأخرجني منه، قاله أبو صالح يعني: من أداء ما وجب علي فيه إذا جاء الموت. ~~والثامن: أدخلني في طاعتك، وأخرجني منها، أي: سالما غير مقصر في أدائها، ~~قاله عطاء. والتاسع: أدخلني الغار، وأخرجني منه، قاله محمد بن المنكدر. ~~والعاشر: أدخلني في الدين، وأخرجني من الدنيا وأنا على الحق، ذكره الزجاج. # والحادي عشر: أدخلني مكة، وأخرجني إلى حنين، ذكره أبو سليمان الدمشقي. ~~وأما إضافة الصدق إلى المدخل والمخرج، فهو مدح لهما. وقد شرحنا هذا المعنى ~~في سورة يونس «2» . # قوله تعالى: واجعل لي من لدنك أي: من عندك سلطانا وفيه ثلاثة أقوال «3» : ~~أحدها: أنه التسلط على الكافرين بالسيف، وعلى المنافقين باقامة الحدود، ~~قاله الحسن. والثاني: أنه الحجة البينة، قاله مجاهد. والثالث: الملك العزيز ~~الذي يقهر به العصاة، قاله قتادة. وقال ابن الأنباري: وقوله تعالى: نصيرا ~~يجوز أن يكون بمعنى منصرا، ويصلح أن يكون تأويله ناصرا. PageV03P048 # قوله تعالى: وقل جاء الحق وزهق الباطل فيه أربعة أقوال «1» : أحدها: أن ~~الحق: الإسلام، والباطل: الشرك، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أن ~~الحق: القرآن، والباطل: الشيطان، قاله قتادة. والثالث: أن الحق: الجهاد، ~~والباطل: الشرك، قاله ابن جريج. والرابع: الحق: عبادة الله، والباطل: عبادة ~~الأصنام، قاله مقاتل. ومعنى «زهق» : بطل واضمحل. وكل شيء هلك وبطل فقد زهق، ~~وزهقت نفسه: تلفت. # (915) وروى ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وحول ~~البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل إن ~~الباطل كان زهوقا» . # فإن قيل: كيف قلتم: إن وزهق بمعنى بطل، والباطل موجود معمول عليه عند ~~أهله؟ # فالجواب: أن المراد من بطلانه وهلكته: وضوح عيبه، فيكون هالكا عند ~~المتدبر الناظر. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : آية # 82] # وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا ms1339 خسارا ~~(82) # قوله تعالى: وننزل من القرآن ما هو شفاء «من» ها هنا لبيان الجنس، فجميع ~~القرآن شفاء. # وفي هذا الشفاء ثلاثة أقوال: أحدها: شفاء من الضلال، لما فيه من الهدى. ~~والثاني: شفاء من السقم، لما فيه من البركة. والثالث: شفاء من البيان ~~للفرائض والأحكام. وفي «الرحمة» قولان: أحدهما: # النعمة. والثاني: سبب الرحمة. قوله تعالى: ولا يزيد الظالمين يعني ~~المشركين إلا خسارا لأنهم يكفرون به، ولا ينتفعون بمواعظه، فيزيد خسرانهم. ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 83 الى 84] # وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤسا (83) ~~قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84) # قوله تعالى: وإذا أنعمنا على الإنسان قال ابن عباس: الإنسان ها هنا: ~~الكافر، والمراد به الوليد بن المغيرة. قال المفسرون: وهذا الإنعام: سعة ~~الرزق، وكشف البلاء. ونأى بجانبه قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن ~~عاصم: «ونأى» على وزن «نعى» بفتح النون والهمزة. وقرأ ابن عامر: «ناء» مثل ~~«باع» . وقرأ الكسائي، وخلف عن سليم عن حمزة: «وناء» بامالة النون والهمزة. # وروى خلاد عن سليم: «نئي» بفتح النون، وكسر الهمزة، والمعنى: تباعد عن ~~القيام بحقوق النعم، PageV03P049 # وقيل: تعظم وتكبر. وإذا مسه الشر أي: نزل به البلاء والفقر كان يؤسا أي: ~~قنوطا شديد اليأس، لا يرجو فضل الله. قوله تعالى: قل كل يعمل على شاكلته ~~فيها ثلاثة أقوال: أحدها: على ناحيته، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. قال ~~الفراء: الشاكلة: الناحية، والجديلة، والطريقة، سمعت بعض العرب يقول: وعبد ~~الملك إذ ذاك على جديلته، وابن الزبير على جديلته، يريد: على ناحيته. وقال ~~أبو عبيدة: على ناحيته وخليقته. وقال ابن قتيبة: على خليقته وطبيعته، وهو ~~من الشكل. يقال: لست على شكلي، ولا شاكلتي. وقال الزجاج: على طريقته، وعلى ~~مذهبه. والثاني: على نيته قاله الحسن، ومعاوية بن قرة. وقال الليث: الشاكلة ~~من الأمور: ما وافق فاعله. والثالث: على دينه، قاله ابن زيد. # وتحرير المعنى: أن كل واحد يعمل على طريقته التي تشاكل أخلاقه، فالكافر ~~يعمل ما يشبه ms1340 طريقته من الإعراض عند النعم واليأس عند الشدة، والمؤمن يعمل ~~ما يشبه طريقته من الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء، والله يجازي ~~الفريقين. وذكر أبو صالح عن ابن عباس: ان هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم «1» ، وليس بشيء. ### | [سورة الإسراء (17) : آية 85] # ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ~~(85) # قوله تعالى: ويسئلونك عن الروح في سبب نزولها قولان: # (916) أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بناس من اليهود، ~~فقالوا: سلوه عن الروح، فقال بعضهم: # لا تسألوه، فيستقبلكم بما تكرهون. فأتاه نفر منهم، فقالوا: يا أبا ~~القاسم: ما تقول في الروح؟ فسكت، ونزلت هذه الآية، قاله ابن مسعود. # (917) والثاني: أن اليهود قالت لقريش: سلوا محمدا عن ثلاث، فإن أخبركم عن ~~اثنتين وأمسك عن الثالثة فهو نبي سلوه عن فتية فقدوا، وسلوه عن ذي القرنين، ~~وسلوه عن الروح. فسألوه عنها، ففسر لهم أمر الفتية في الكهف، وفسر لهم قصة ~~ذي القرنين، وأمسك عن قصة الروح، فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. # وفي المراد بالروح ها هنا ستة أقوال: أحدها: أنه الروح الذي يحيا به ~~البدن، روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس. وقد اختلف الناس في ماهية ~~الروح، ثم اختلفوا هل الروح النفس، أم هما شيئان فلا يحتاج إلى ذكر ~~اختلافهم لأنه لا برهان على شيء من ذلك وإنما هو شيء أخذوه عن الطب ~~PageV03P050 # والفلاسفة؟ فأما السلف، فانهم أمسكوا عن ذلك، لقوله تعالى: قل الروح من ~~أمر ربي، فلما رأوا أن القوم سألوا عن الروح فلم يجابوا، والوحي ينزل، ~~والرسول حي، علموا أن السكوت عما لم يحط بحقيقة علمه أولى. والثاني: أن ~~المراد بهذا الروح ملك من الملائكة على خلقة هائلة، روي عن علي عليه ~~السلام، وابن عباس، ومقاتل. والثالث: أن الروح: خلق من خلق الله عز وجل ~~صورهم على صور بني آدم، رواه مجاهد عن ابن عباس. والرابع: أنه جبريل عليه ~~السلام، قاله الحسن، وقتادة. # والخامس: أنه القرآن، ms1341 روي عن الحسن أيضا. والسادس: أنه عيسى ابن مريم، ~~حكاه الماوردي. قال أبو سليمان الدمشقي: قد ذكر الله تعالى الروح في مواضع ~~من القرآن، فغالب ظني أن الناقلين نقلوا تفسيره من موضعه إلى موضع لا يليق ~~به، وظنوه مثله، وإنما هو الروح الذي يحيى به ابن آدم. وقوله تعالى: من أمر ~~ربي أي: من علمه الذي منع أن يعرفه أحد. # قوله تعالى: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا في المخاطبين بهذا قولان «1» ~~: أحدهما: أنهم اليهود، قاله الأكثرون. والثاني: أنهم جميع الخلق، علمهم ~~قليل بالإضافة إلى علم الله عز وجل، ذكره الماوردي. # فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية، وبين قوله تعالى: ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا «2» ؟ # فالجواب: أن ما أوتيه الناس من العلم، وإن كان كثيرا، فهو بالإضافة إلى ~~علم الله قليل. ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 86 الى 87] # ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا (86) ~~إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا (87) # قوله تعالى: ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك قال الزجاج: المعنى: لو ~~شئنا لمحوناه من القلوب والكتب، حتى لا يوجد له أثر، ثم لا تجد لك به علينا ~~وكيلا أي: لا تجد من يتوكل علينا في رد شيء منه، إلا رحمة من ربك هذا ~~استثناء ليس من الأول، والمعنى: لكن الله رحمك فأثبت ذلك في قلبك وقلوب ~~المؤمنين. # وقال ابن الأنباري: المعنى: لكن رحمة من ربك تمنع من أن تسلب القرآن، ~~وكان المشركون قد خاطبوا نساءهم من المسلمين في الرجوع إلى دين آبائهم، ~~فهددهم الله عز وجل بسلب النعمة، فكان ظاهر الخطاب للرسول، ومعنى التهدد ~~للأمة. وقال أبو سليمان: «ثم لا تجد لك به» أي: بما نفعله بك، من إذهاب ما ~~عندك «وكيلا» يدفعنا عما نريده بك. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ~~يسرى على القرآن في ليلة واحدة، فيجيء جبريل من جوف الليل، فيذهب به من ~~صدورهم ومن بيوتهم، فيصبحون لا يقرءون آية، ولا يحسنونها «3» . ورد ms1342 أبو ~~سليمان الدمشقي صحة هذا الحديث بقوله عليه الصلاة والسلام: PageV03P051 # (918) «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا» ، وحديث ابن مسعود مروي من طرق ~~حسان، فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أراد بالعلم ما سوى القرآن، ~~فإن العلم ما يزال ينقرض حتى يكون رفع القرآن آخر الأمر «1» . ### | [سورة الإسراء (17) : آية 88] # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) # قوله تعالى: قل لئن اجتمعت الإنس والجن قال المفسرون: هذا تكذيب للنضر بن ~~الحارث حين قال: «لو شئنا لقلنا مثل هذا» . والمثل الذي طلب منهم: كلام له ~~نظم كنظم القرآن، في أعلى طبقات البلاغة. والظهير: المعين. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 89 الى # 93] # ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا ~~(89) وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو تكون لك جنة ~~من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91) أو تسقط السماء كما زعمت ~~علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (92) أو يكون لك بيت من زخرف أو ~~ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل ~~كنت إلا بشرا رسولا (93) # قوله تعالى: ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن قد فسرناه في هذه السورة «2» ~~، والمعنى: من كل PageV03P052 # مثل من الأمثال التي يكون بها الاعتبار فأبى أكثر الناس يعني أهل مكة إلا ~~كفورا أي: جحودا للحق وإنكارا. # قوله تعالى: وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا. # (919) سبب نزول هذه الآية وما يتبعها، أن رؤساء قريش، كعتبة، وشيبة، وأبي ~~جهل، وعبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث في آخرين، اجتمعوا عند ~~الكعبة، فقال بعضهم لبعض: # ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: إن أشراف ~~قومك قد اجتمعوا ليكلموك، فجاءهم سريعا، وكان حريصا على رشدهم، فقالوا: يا ~~محمد، إنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، ~~لقد ms1343 شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فإن كنت إنما ~~جئت بهذا لتطلب مالا، جعلنا لك من أموالنا ما تكون به أكثر مالا، وإن كنت ~~إنما تطلب الشرف فينا، سودناك علينا، وإن كان هذا الرئي الذي يأتيك قد غلب ~~عليك، بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه، أو نعذر فيك. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «إن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا ~~والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» . ~~قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا، فقد علمت أنه ليس من الناس ~~أحد أضيق بلادا ولا أشد عيشا منا، سل لنا ربك يسير لنا هذه الجبال التي ~~ضيقت علينا، ويجري لنا أنهارا، ويبعث من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث ~~لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما تقول: أحق هو؟ فإن ~~فعلت صدقناك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بهذا بعثت، وقد ~~أبلغتكم ما أرسلت به» قالوا: فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك، وسله أن يجعل لك ~~جنانا، وكنوزا، وقصورا من ذهب وفضة تغنيك قال: «ما أنا بالذي يسأل ربه هذا» ~~قالوا: فأسقط السماء علينا كما زعمت بأن ربك إن شاء فعل فقال: «ذلك إلى ~~الله عز وجل» فقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا، ~~وقال عبد الله بن أبي أمية: لا أؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلما، وترقى ~~فيه وأنا أنظر، وتأتي بنسخة منشورة معك، ونفر من الملائكة يشهدون لك، ~~فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حزينا لما رأى من مباعدتهم إياه، ~~فأنزل الله تعالى: وقالوا لن نؤمن لك ... الآيات، رواه عكرمة عن ابن عباس. # قوله تعالى: حتى تفجر قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «حتى ~~تفجر» بضم التاء، وفتح الفاء، وتشديد الجيم مع الكسرة. وقرأ عاصم، وحمزة ~~والكسائي: «حتى تفجر» بفتح التاء، وتسكين الفاء، وضم الجيم مع التخفيف. ms1344 فمن ~~ثقل، أراد كثرة الانفجار من الينبوع، ومن خفف، فلأن الينبوع واحد. فأما ~~الينبوع: فهو عين ينبع الماء منها قال أبو عبيدة: وهو يفعول، من نبع الماء، ~~أي: ظهر وفار. قوله تعالى: أو تكون لك جنة أي: بستان فتفجر الأنهار أي: ~~تفتحها وتجريها خلالها أي: وسط تلك الجنة. قوله تعالى: أو تسقط السماء وقرأ ~~مجاهد، وأبو مجلز، وأبو رجاء، وحميد، والجحدري: «أو تسقط» بفتح التاء، ورفع ~~القاف «السماء» بالرفع. PageV03P053 # قوله تعالى: كسفا قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «كسفا» ~~بتسكين السين في جميع القرآن إلا في الروم «1» فإنهم حركوا السين. وقرأ ~~نافع، وأبو بكر عن عاصم بتحريك السين في الموضعين، وفي باقي القرآن ~~بالتسكين. وقرأ ابن عامر ها هنا بفتح السين، وفي باقي القرآن بتسكينها. # قال الزجاج: من قرأ «كسفا» بفتح السين، جعلها جمع كسفة، وهي: القطعة، ومن ~~قرأ «كسفا» بتسكين السين، فكأنهم قالوا: أسقطها طبقا علينا واشتقاقه من ~~كسفت الشيء: إذا غطيته، يعنون: أسقطها علينا قطعة واحدة. وقال ابن ~~الأنباري: من سكن قال: تأويله: سترا وتغطية، من قولهم: قد انكسفت الشمس: ~~إذا غطاها ما يحول بين الناظرين إليها وبين أنوارها. # قوله تعالى: أو تأتي بالله والملائكة قبيلا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~عيانا، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال قتادة، وابن جريج، ومقاتل. وقال ~~أبو عبيدة: معناه: مقابلة، أي: معاينة، وأنشد الأعشى: # نصالحكم حتى تبوءوا بمثلها ... كصرخة حبلى يسرتها قبيلها # أي: قابلتها. ويروى: وجهتها، يعني: بدل يسرتها. # والثاني: كفيلا أنك رسول الله، قاله أبو صالح عن ابن عباس، واختاره ~~الفراء، قال: القبيل، والكفيل، والزعيم، سواء تقول: قبلت، وكفلت، وزعمت. ~~والثالث: قبيلة قبيلة، كل قبيلة على حدتها، قاله الحسن، ومجاهد. فأما ~~الزخرف، فالمراد به الذهب، وقد شرحنا أصل هذه الكلمة في سورة يونس «2» ، ~~وترقى: بمعنى «تصعد» يقال: رقيت أرقى رقيا. # قوله تعالى: حتى تنزل علينا كتابا قال ابن عباس: كتابا من رب العالمين ~~إلى فلان بن فلان يصبح عند كل واحد منا يقرؤه. # قوله تعالى: قل سبحان ربي قرأ ms1345 نافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: ~~«قل» . وقرأ ابن كثير، وابن عامر: «قال» ، وكذلك هي في مصاحف أهل مكة ~~والشام، هل كنت إلا بشرا رسولا، أي: أن هذه الأشياء ليست في قوى البشر. # فإن قيل: لم اقتصر على حكاية «قالوا» من غير إيضاح الرد؟ # فالجواب: أنه لما خصهم بقوله تعالى: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن فلم يكن في وسعهم، عجزهم، فكأنه يقول: قد أوضحت لكم ~~بما سبق من الآيات ما يدل على نبوتي، ومن ذلك التحدي بمثل هذا القرآن، فأما ~~عنتكم فليس في وسعي، ولأنهم ألحوا عليه في هذه الأشياء، ولم يسألوه أن يسأل ~~ربه، فرد قولهم بكونه بشرا، فكفى ذلك في الرد. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 94 الى # 96] # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا ~~رسولا (94) قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا (95) قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده ~~خبيرا بصيرا (96) PageV03P054 # قوله تعالى: وما منع الناس أن يؤمنوا قال ابن عباس: يريد أهل مكة. قال ~~المفسرون: ومعنى الآية: وما منعهم من الإيمان إذ جاءهم الهدى وهو البيان ~~والإرشاد في القرآن إلا أن قالوا قولهم في التعجب والإنكار: أبعث الله بشرا ~~رسولا؟ وفي الآية اختصار، تقديره: هلا بعث الله ملكا رسولا، فأجيبوا على ~~ذلك بقوله تعالى: قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين أي: مستوطنين ~~الأرض. ومعنى الطمأنينة: السكون والمراد من الكلام أن رسول كل جنس ينبغي أن ~~يكون منهم. قوله تعالى: قل كفى بالله شهيدا قد فسرناه في الرعد «1» إنه كان ~~بعباده خبيرا بصيرا قال مقاتل: # حين اختص الله محمدا بالرسالة. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 97 الى # 100] # ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم ~~يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ~~(97) ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا ms1346 ~~لمبعوثون خلقا جديدا (98) أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر ~~على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا (99) ~~قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان ~~قتورا (100) # قوله تعالى: من يهد الله فهو المهتدي قرأ نافع، وأبو عمرو بالياء في ~~الوصل، وحذفاها في الوقف. وأثبتها يعقوب في الوقف، وحذفها الأكثرون في ~~الحالتين. قال ابن عباس: من يرد الله هداه فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم ~~أولياء من دونه يهدونهم. # قوله تعالى: ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~يمشيهم على وجوههم، وشاهده ما روى البخاري ومسلم في «صحيحيهما» من حديث أنس ~~بن مالك أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يحشر الكافر على ~~وجهه يوم القيامة؟ قال: # (920) «إن الذي أمشاه على رجليه في الدنيا، قادر على أن يمشيه على وجهه ~~يوم القيامة» . # والثاني: أن المعنى: ونحشرهم مسحوبين على وجوههم، قاله ابن عباس. ~~والثالث: نحشرهم مسرعين مبادرين، فعبر بقوله تعالى: «على وجوههم» عن ~~الإسراع، كما تقول العرب: قد مر القوم على وجوههم: إذا أسرعوا، قاله ابن ~~الأنباري. # قوله تعالى: عميا وبكما وصما فيه قولان: أحدهما: عميا لا يرون شيئا ~~يسرهم، وبكما لا ينطقون بحجة، وصما لا يسمعون شيئا يسرهم، قاله ابن عباس. ~~وقال في رواية: عميا عن النظر إلى ما جعل الله تعالى لأوليائه، وبكما عن ~~مخاطبة الله تعالى، وصما عما مدح به أولياءه، وهذا قول الأكثرين. والثاني: ~~أن هذا الحشر في بعض أحوال القيامة بعد الحشر الأول. قال مقاتل: هذا يكون ~~حين يقال لهم: اخسؤا فيها «2» فيصيرون عميا بكما صما لا يرون ولا يسمعون ~~ولا ينطقون بعد ذلك. PageV03P055 # قوله تعالى: كلما خبت قال ابن عباس: أي: سكنت. قال المفسرون: وذلك أنهم ~~تأكلهم، فإذا لم تبق منهم شيئا وصاروا فحما ولم تجد شيئا تأكله، سكن، ~~فيعادون خلقا جديدا، فتعود لهم. وقال ابن قتيبة: يقال: خبت النار: إذا سكن ~~لهبها. فاللهب يسكن، ms1347 والجمر يعمل، فإن سكن اللهب، ولم يطفأ الجمر، قيل: ~~خمدت تخمد خمودا، فإن طفئت ولم يبق منها شيء، قيل: همدت تهمد همودا. ومعنى ~~زدناهم سعيرا: نارا تتسعر، أي تتلهب. وما بعد هذا قد سبق تفسيره «1» إلى ~~قوله تعالى: قادر على أن يخلق مثلهم أي: على أن يخلقهم مرة ثانية، وأراد ب ~~«مثلهم» إياهم، وذلك أن مثل الشيء مساو له، فجاز أن يعبر به عن نفس الشيء، ~~يقال: مثلك لا يفعل هذا، أي: أنت، ومثله قوله تعالى: فإن آمنوا بمثل ما ~~آمنتم به «2» وقد تم الكلام عند قوله تعالى: مثلهم، ثم قال: وجعل لهم أجلا ~~لا ريب فيه يعني: أجل البعث فأبى الظالمون إلا كفورا أي: جحودا بذلك الأجل. ~~قوله تعالى: قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي قال الزجاج: المعنى: لو ~~تملكون أنتم، قال المتلمس: # ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... نصبت لهم فوق العرانين ميسما «3» # المعنى: لو أراد غير أخوالي. # وفي هذه الخزائن قولان: أحدهما: خزائن الأرزاق. والثاني: خزائن النعم. # فيخرج في الرحمة قولان: أحدهما: الرزق. والثاني: النعمة. وتحرير الكلام: ~~لو ملكتم ما يملكه الله عز وجل لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفاقة. وكان ~~الإنسان يعني: الكافر قتورا أي: # بخيلا ممسكا يقال: قتر يقتر، وقتر يقتر: إذا قصر في الإنفاق. وقال ~~الماوردي: لو ملك أحد من المخلوقين من خزائن الله تعالى، لما جاد كجود الله ~~تعالى، لأمرين: أحدهما: أنه لا بد أن يمسك منه لنفقته ومنفعته. والثاني: ~~أنه يخاف الفقر، والله تعالى منزه في جوده عن الحالين. # ثم إن الله تعالى ذكر إنكار فرعون آيات موسى، تشبيها بحال هؤلاء ~~المشركين، فقال: ولقد آتينا موسى تسع آيات وفيها قولان: أحدهما: أنها بمعنى ~~المعجزات والدلالات، ثم اتفق جمهور المفسرين على سبع آيات منها، وهي: يده، ~~والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، واختلفوا في الآيتين ~~الآخرتين على ثمانية أقوال: أحدها: أنهما لسانه والبحر الذي فلق له، رواه ~~العوفي عن ابن عباس يعني بلسانه: أنه كان فيه عقدة فحلها الله تعالى له. ~~والثاني: البحر والجبل ms1348 الذي نتق فوقهم، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: ~~السنون ونقص الثمرات، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والشعبي، ~~وعكرمة، وقتادة. وقال الحسن: السنون ونقص الثمرات آية واحدة. والرابع: ~~البحر والموت أرسل عليهم، قاله الحسن، ووهب. والخامس: الحجر والبحر، قاله ~~سعيد بن جبير. والسادس: لسانه وإلقاء العصا مرتين عند فرعون، قاله الضحاك. ~~والسابع: البحر والسنون، قاله محمد بن كعب. والثامن: ذكره محمد بن إسحاق عن ~~محمد بن كعب أيضا، فذكر السبع الآيات الأولى، إلا أنه جعل مكان يده البحر، ~~وزاد الطمسة والحجر، يعني قوله تعالى: اطمس على أموالهم. PageV03P056 # والثاني: أنها آيات الكتاب. # (921) روى أبو داود السجستاني من حديث صفوان بن عسال، أن يهوديا قال ~~لصاحبه: تعال حتى نسأل هذا النبي، فقال الآخر: لا تقل: إنه نبي، فإنه لو ~~سمع ذلك، صارت له أربعة أعين، فأتياه فسألاه عن تسع آيات بينات، فقال: «لا ~~تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ~~ولا تسرقوا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا بالبريء إلى السلطان ليقتله، ولا ~~تسحروا، ولا تقذفوا المحصنات، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة يهود ألا ~~تعدوا في السبت» ، قال: فقبلا يده، وقالا: نشهد أنك نبي. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 101 الى # 104] # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون ~~إني لأظنك يا موسى مسحورا (101) قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا (102) فأراد أن يستفزهم ~~من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا (103) وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا ~~الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا (104) # قوله تعالى: فسئل بني إسرائيل قرأ الجمهور: «فاسأل» على معنى الأمر لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وإنما أمر أن يسأل من آمن منهم عما أخبر به عنهم، ~~ليكون حجة على من لم يؤمن منهم. وقرأ ابن عباس: # «فسأل بني إسرائيل» ، على معنى الخبر عن موسى أنه سأل فرعون أن يرسل معه ~~بني إسرائيل. فقال ms1349 له فرعون إني لأظنك أي: لأحسبك يا موسى مسحورا وفيه ~~ثلاثة أقوال: أحدها: مخدوعا، قاله ابن عباس. والثاني: مسحورا قد سحرت، قاله ~~ابن السائب. والثالث: ساحرا، فوضع مفعولا في موضع فاعل، هذا مروي عن ~~الفراء، وأبي عبيدة. فقال موسى: لقد علمت قرأ الجمهور بفتح التاء. وقرأ علي ~~عليه السلام بضمها، وقال: والله ما علم عدو الله، ولكن موسى هو الذي علم، ~~فبلغ ذلك ابن عباس، فاحتج بقوله تعالى: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم «1» . ~~واختار الكسائي وثعلب قراءة علي عليه السلام، وقد رويت عن ابن عباس، وأبي ~~رزين، وسعيد بن جبير، وابن يعمر. واحتج من نصرها بأنه لما نسب موسى إلى أنه ~~مسحور، أعلمه بصحة عقله بقوله تعالى: «لقد علمت» ، والقراءة الأولى أصح، ~~لاختيار الجمهور، ولأنه قد أبان موسى من المعجزات ما أوجب علم فرعون بصدقه، ~~فلم يرد عليه إلا بالتعلل والمدافعة، فكأنه قال: لقد علمت بالدليل والحجة ~~«ما أنزل هؤلاء» يعني الآيات. وقد شرحنا معنى «البصائر» في سورة الأعراف ~~«2» . PageV03P057 # قوله تعالى: وإني لأظنك قال أكثر المفسرين: الظن ها هنا بمعنى العلم، على ~~خلاف ظن فرعون في موسى، وسوى بينهما بعضهم، فجعل الأول بمعنى العلم أيضا. ~~وفي المثبور ستة أقوال: # أحدها: أنه الملعون، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. ~~والثاني: المغلوب، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: الناقص العقل، رواه ~~ميمون بن مهران عن ابن عباس. والرابع: # المهلك، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال أبو عبيدة، وابن قتيبة. ~~قال الزجاج: يقال: ثبر الرجل، فهو مثبور، إذا أهلك. والخامس: الهالك، قاله ~~مجاهد. والسادس: الممنوع من الخير تقول العرب: ما ثبرك عن هذا، أي: ما ~~منعك، قاله الفراء. # قوله تعالى: فأراد أن يستفزهم من الأرض يعني: فرعون أراد أن يستفز بني ~~إسرائيل من أرض مصر. وفي معنى يستفزهم قولان: أحدهما: يستأصلهم، قاله ابن ~~عباس. والثاني: يستخفهم حتى يخرجوا، قاله ابن قتيبة. وقال الزجاج: جائز أن ~~يكون استفزازهم إخراجهم منها بالقتل أو بالتنحية. قال العلماء: وفي هذه ~~الآية تنبيه ms1350 على نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه لما خرج موسى ~~فطلبه فرعون، هلك فرعون وملك موسى، فكذلك أظهر الله نبيه بعد خروجه من مكة ~~حتى رجع إليها ظاهرا عليها. قوله تعالى: وقلنا من بعده أي: من بعد هلاك ~~فرعون لبني إسرائيل اسكنوا الأرض وفيها ثلاثة أقوال: # أحدها: فلسطين والأردن، قاله ابن عباس. والثاني: أرض وراء الصين، قاله ~~مقاتل. والثالث: أرض مصر والشام. قوله تعالى: فإذا جاء وعد الآخرة يعني: ~~القيامة جئنا بكم لفيفا أي: جميعا، قاله ابن عباس، ومجاهد، وابن قتيبة. ~~وقال الفراء: لفيفا، أي: من ها هنا ومن ها هنا. وقال الزجاج: # اللفيف: الجماعات من قبائل شتى. ### | ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 105 الى # 109] # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (105) وقرآنا ~~فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (106) قل آمنوا به أو لا ~~تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ~~(107) ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (108) ويخرون للأذقان ~~يبكون ويزيدهم خشوعا (109) # قوله تعالى: وبالحق أنزلناه الهاء كناية عن القرآن، والمعنى: أنزلنا ~~القرآن بالأمر الثابت والدين المستقيم، فهو حق، ونزوله حق، وما تضمنه حق. ~~وقال أبو سليمان الدمشقي: «وبالحق أنزلناه» أي: # بالتوحيد، «وبالحق نزل» يعني: بالوعد والوعيد، والأمر والنهي. # قوله تعالى: وقرآنا فرقناه قرأ علي عليه السلام، وسعد بن أبي وقاص، وأبي ~~بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو رزين، ومجاهد، والشعبي، وقتادة، ~~والأعرج، وأبو رجاء، وابن محيصن: # «فرقناه» بالتشديد. وقرأ الجمهور بالتخفيف. # فأما قراءة التخفيف، ففي معناها ثلاثة أقوال: أحدها: بينا حلاله وحرامه، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: فرقنا فيه بين الحق والباطل، قاله ~~الحسن. والثالث: أحكمناه، وفصلناه، كقوله تعالى: # فيها يفرق كل أمر حكيم «1» ، قاله الفراء. وأما المشددة، فمعناها: أنه ~~أنزل متفرقا، ولم ينزل جملة واحدة. وقد بينا في أول كتابنا هذا مقدار المدة ~~التي نزل فيها. PageV03P058 # قوله تعالى: لتقرأه على الناس على مكث قرأ أنس، والشعبي، والضحاك، ~~وقتادة، وأبو رجاء، وأبان عن عاصم، ms1351 وابن محيصن: بفتح الميم والمعنى: على ~~تؤدة وترسل ليتدبروا معناه. # قوله تعالى: قل آمنوا به أو لا تؤمنوا هذا تهديد لكفار مكة، والهاء كناية ~~عن القرآن. إن الذين أوتوا العلم وفيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم ناس من ~~أهل الكتاب، قاله مجاهد. والثاني: أنهم الأنبياء عليهم السلام، قاله ابن ~~زيد. والثالث: طلاب الدين، كأبي ذر، وسلمان، وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو، ~~قاله الواحدي. # وفي هاء الكناية في قوله تعالى: من قبله قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى ~~القرآن، والمعنى: # من قبل نزوله. والثاني: ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن ~~زيد. فعلى الأول إذا يتلى عليهم القرآن. # وعلى قول ابن زيد إذا يتلى عليهم ما أنزل إليهم من عند الله. # قوله تعالى: يخرون للأذقان اللام ها هنا بمعنى «على» . قال ابن عباس: ~~قوله «للأذقان» أي: # للوجوه. قال الزجاج: الذي يخر وهو قائم، إنما يخر لوجهه، والذقن: مجتمع ~~اللحيين. وهو عضو من أعضاء الوجه، فإذا ابتدأ يخر، فأقرب الأشياء من وجهه ~~إلى الأرض الذقن. وقال ابن الأنباري: أول ما يلقى الأرض من الذي يخر، فأقرب ~~الأشياء من وجهه إلى الأرض الذقن. وقال ابن الأنباري: أول ما يلقى الأرض من ~~الذي يخر قبل أن يصوب جبهته ذقنه، فلذلك قال: «للأذقان» ويجوز أن يكون ~~المعنى: يخرون للوجوه، فاكتفى بالذقن من الوجه كما يكتفى بالبعض من الكل، ~~وبالنوع من الجنس. # قوله تعالى: ويقولون سبحان ربنا نزهوا الله تعالى عن تكذيب المكذبين ~~بالقرآن، وقالوا: إن كان وعد ربنا بإنزال القرآن وبعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم لمفعولا واللام دخلت للتوكيد. وهؤلاء قوم كانوا يسمعون أن الله باعث ~~نبيا من العرب، ومنزل عليه كتابا، فلما عاينوا ذلك، حمدوا الله تعالى على ~~إنجاز الوعد، ويخرون للأذقان كرر القول ليدل على تكرار الفعل منهم. ويزيدهم ~~خشوعا أي: يزيدهم القرآن تواضعا. وكان عبد الأعلى التيمي يقول: من أوتي من ~~العلم ما لا يبكيه، لخليق أن لا يكون أوتي علما ينفعه، لأن الله تعالى نعت ~~العلماء فقال: إن ms1352 الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان ~~سجدا إلى قوله تعالى: يبكون «1» . PageV03P059 ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 110 الى 111] # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) وقل الحمد لله الذي لم ~~يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ~~(111) # قوله تعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن الآية. هذه الآية نزلت على ~~سببين، نزل أولها إلى قوله تعالى: الحسنى على سبب، وفيه ثلاثة أقوال «1» : # (922) أحدها: أن رسول الله تهجد ذات ليلة بمكة، فجعل يقول في سجوده: «يا ~~رحمن، يا رحيم» ، فقال المشركون: كان محمد يدعو إلها واحدا، فهو الآن يدعو ~~إلهين اثنين: الله، والرحمن، ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون: ~~مسيلمة، فأنزل الله تعالى هذه الآية، قاله ابن عباس. # (923) والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب في أول ما أوحي ~~إليه: باسمك اللهم، حتى نزل: # إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم «2» فكتب: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، فقال مشركو العرب: هذا الرحيم نعرفه، فما الرحمن؟ فنزلت هذه الآية، ~~قاله ميمون بن مهران. # (924) والثالث: أن أهل الكتاب قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك ~~لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم، فنزلت هذه الآية، ~~قاله الضحاك. # فأما قوله تعالى: ولا تجهر بصلاتك. فنزل على سبب، وفيه ثلاثة أقوال: # (925) أحدها: أن رسول الله كان يرفع صوته بالقرآن بمكة فيسب المشركون ~~القرآن ومن أتى به PageV03P060 # بخفض رسول الله صوته بعد ذلك حتى لم يسمع أصحابه، فأنزل الله تعالى ولا ~~تجهر بصلاتك. أي: # بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ولا تخافت بها عن أصحابك، فلا ~~يسمعون، قاله ابن عباس. # (926) والثاني: أن الأعرابي كان يجهر في التشهد ويرفع صوته، فنزلت هذه ~~الآية، هذا قول عائشة. # (927) والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة عند ~~الصفا، فجهر بالقرآن في صلاة الغداة، ms1353 فقال أبو جهل: لا تفتر على الله، فخفض ~~النبي صلى الله عليه وسلم صوته، فقال أبو جهل للمشركين: ألا ترون ما فعلت ~~بابن أبي كبشة؟! رددته عن قراءته، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # فأما التفسير، فقوله تعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن المعنى: إن ~~شئتم فقولوا: يا ألله، وإن شئتم فقولوا: يا رحمن، فانهما يرجعان إلى واحد، ~~أيا ما تدعوا المعنى: أي أسماء الله تدعوا قال الفراء: و «ما» قد تكون صلة، ~~كقوله تعالى: عما قليل ليصبحن نادمين «1» ، وتكون في معنى: «أي» معادة لما ~~اختلف لفظهما. # قوله تعالى: ولا تجهر بصلاتك فيه قولان: # أحدهما: أنها الصلاة الشرعية. ثم في المراد بالكلام ستة أقوال: أحدها: لا ~~تجهر بقراءتك، ولا تخافت بها، فكأنه نهي عن شدة الجهر بالقراءة وشدة ~~المخافتة، قاله ابن عباس. فعلى هذا في تسمية القراءة بالصلاة قولان: ذكرهما ~~ابن الأنباري: أحدهما: أن يكون المعنى: فلا تجهر بقراءة صلاتك. # والثاني: أن القراءة بعض الصلاة، فنابت عنها، كما قيل لعيسى: كلمة الله، ~~لأنه بالكلمة كان. والثاني: # لا تصل مراءاة للناس، ولا تدعها مخافة الناس، قاله ابن عباس أيضا. ~~والثالث: لا تجهر بالتشهد في صلاتك، روي عن عائشة في رواية، وبه قال ابن ~~سيرين. والرابع: لا تجهر بفعل صلاتك ظاهرا ولا تخافت بها شديد الاستتار، ~~قاله عكرمة. والخامس: لا تحسن علانيتها، وتسئ سريرتها، قاله الحسن. # والسادس: لا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بجميعها، فاجهر في صلاة الليل، ~~وخافت في صلاة النهار، على ما أمرناك به، ذكره القاضي أبو يعلى. # والقول الثاني: أن المراد بالصلاة: الدعاء، وهو قول عائشة، وأبي هريرة، ~~ومجاهد. # قوله تعالى: ولا تخافت بها المخافتة: الإخفاء، يقال: صوت خفيت. وابتغ بين ~~ذلك سبيلا PageV03P061 # أي: اسلك بين الجهر والمخافتة طريقا. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخت ~~هذه الآية بقوله تعالى: واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول ~~«1» ، وقال ابن السائب: نسخت بقوله تعالى: فاصدع بما تؤمر «2» وعلى ~~التحقيق، وجود النسخ ها هنا بعيد. # قوله تعالى: ms1354 ولم يكن له شريك في الملك وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، ~~وطلحة بن مصرف: # «في الملك» بكسر الميم. ولم يكن له ولي من الذل قال مجاهد: لم يحالف ~~أحدا، ولم يبتغ نصر أحد والمعنى: أنه لا يحتاج إلى موالاة أحد لذل يلحقه، ~~فهو مستغن عن الولي والنصير. وكبره تكبيرا أي: عظمه تعظيما تاما. والله ~~أعلم بالصواب. PageV03P062 ### | سورة الكهف ### | فصل في نزولها: # روى أبو صالح عن ابن عباس أن سورة الكهف مكية، وكذلك قال الحسن، ومجاهد ~~وقتادة. وهذا إجماع المفسرين من غير خلاف نعلمه، إلا أنه قد روي عن ابن ~~عباس، وقتادة أن فيها آية مدنية وهي قوله: واصبر نفسك» # . وقال مقاتل: من أولها إلى قوله تعالى: صعيدا جرزا «2» مدني، وقوله ~~تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات «3» الآيتان مدنية، وباقيها مكي. # (928) وروى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ~~حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف ثم أدرك الدجال لم يضره، ومن حفظ خواتيم ~~سورة الكهف كانت له نورا يوم القيامة» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 1 الى # 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) قيما لينذر ~~بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ~~(2) ماكثين فيه أبدا (3) وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا (4) # ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا (5) فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6) # قوله تعالى: الحمد لله قد شرحناه في أول «الفاتحة» . والمراد بعبده ها ~~هنا: محمد صلى الله عليه وسلم، وبالكتاب: القرآن، تمدح بانزاله، لأنه إنعام ~~على الرسول خاصة، وعلى الناس عامة. قال العلماء باللغة والتفسير: في هذه ~~الآية تقديم وتأخير، تقديرها: أنزل على عبده الكتاب قيما أي: مستقيما عدلا. # وقرأ أبو رجاء، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن يعمر، والنخعي، ~~والأعمش: «قيما» بكسر القاف، وفتح الياء، وقد فسرناه في الأنعام «4» . ~~PageV03P063 # قوله ms1355 تعالى: ولم يجعل له عوجا أي: لم يجعل فيه اختلافا، وقد سبق بيان ~~العوج في سورة آل عمران «1» . قوله تعالى: لينذر بأسا أي: عذابا شديدا، من ~~لدنه أي: من عنده، ومن قبله، والمعنى: لينذر الكافرين ويبشر المؤمنين أي: ~~بأن لهم أجرا حسنا وهو الجنة. ماكثين أي: # مقيمين، وهو منصوب على الحال. وينذر بعذاب الله الذين قالوا اتخذ الله ~~ولدا وهم اليهود حين قالوا: عزير ابن الله، والنصارى حين قالوا: المسيح ابن ~~الله، والمشركون حين قالوا: الملائكة بنات الله، ما لهم به أي: بذلك القول ~~من علم لأنهم قالوا افتراء على الله، ولا لآبائهم الذين قالوا ذلك، كبرت ~~أي: عظمت كلمة الجمهور على النصب. وقرأ ابن مسعود، والحسن، ومجاهد، وأبو ~~رزين، وأبو رجاء، ويحيى بن يعمر، وابن محيصن، وابن أبي عبلة: «كلمة» ~~بالرفع. # قال الفراء: من نصب، أضمر: كبرت تلك الكلمة كلمة، ومن رفع، لم يضمر شيئا، ~~كما تقول: عظم قولك. وقال الزجاج: من نصب، فالمعنى: كبرت مقالتهم: اتخذ ~~الله ولدا كلمة، و «كلمة» منصوب على التمييز. ومن رفع، فالمعنى: عظمت كلمة ~~هي قولهم: اتخذ الله ولدا. # قوله تعالى: تخرج من أفواههم أي: إنها قول بالفم لا صحة لها، ولا دليل ~~عليها، إن يقولون أي: ما يقولون إلا كذبا ثم «2» عاتبه على حزنه لفوت ما ~~كان يرجو من إسلامهم، فقال: # فلعلك باخع نفسك وقرأ سعيد بن جبير، وأبو الجوزاء، وقتادة: «باخع نفسك» ~~بكسر السين، على الإضافة. قال المفسرون واللغويون: فلعلك مهلك نفسك، وقاتل ~~نفسك، وأنشد أبو عبيدة لذي الرمة: # ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه ... لشيء نحته عن يديه المقادر # أي: نحته. فإن قيل: كيف قال: فلعلك والغالب عليها الشك، والله عالم ~~بالأشياء قبل كونها؟ فالجواب: أنها ليست بشك، إنما هي مقدرة تقدير ~~الاستفهام الذي يعنى به التقرير، فالمعنى: # هل أنت قاتل نفسك؟! لا ينبغي أن يطول أساك على إعراضهم، فإن من حكمنا ~~عليه بالشقوة لا تجدي عليه الحسرة ذكره ابن الأنباري. قوله تعالى: على ~~آثارهم أي: من بعد توليهم عنك إن ms1356 لم يؤمنوا بهذا الحديث يعني القرآن أسفا ~~وفيه أربعة أقوال: أحدها: حزنا، قاله ابن عباس، وابن قتيبة. # والثاني: جزعا، قاله مجاهد. والثالث: غضبا، قاله قتادة. والرابع: ندما، ~~قاله السدي. وقال أبو عبيدة: ندما وتلهفا وأسى. قال الزجاج: الأسف: ~~المبالغة في الحزن، أو الغضب، يقال: قد أسف الرجل، فهو أسيف، قال الشاعر: # أرى رجلا منهم أسيفا كأنما ... يضم إلى كشحيه كفا مخضبا «3» PageV03P064 # وهذه الآية يشير بها إلى نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثرة الحرص ~~على إيمان قومه لئلا يؤدي ذلك إلى هلاك نفسه بالأسف. ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 7 الى # 8] # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) وإنا ~~لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (8) # قوله تعالى: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها فيه أربعة أقوال: أحدها: ~~أنهم الرجال، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: العلماء، رواه مجاهد ~~عن ابن عباس. فعلى هذين القولين تكون «ما» في موضع «من» لأنها في موضع ~~إبهام، قاله ابن الانباري. والثالث: أنه ما عليها من شيء، قاله مجاهد. ~~والرابع: النبات والشجر، قاله مقاتل. وقول مجاهد أعم، يدخل فيه النبات، ~~والماء، والمعادن، وغير ذلك. # فإن قيل: قد نرى بعض ما على الأرض سمجا وليس بزينة. فالجواب: أنا إن ~~قلنا: إن المراد به شيء مخصوص، فالمعنى: إنا جعلنا بعض ما على الأرض زينة ~~لها، فخرج مخرج العموم، ومعناه الخصوص. فإن قلنا: هم الرجال أو العلماء، ~~فلعبادتهم أو لدلالتهم على خالقهم. وإن قلنا: النبات والشجر، فلأنه زينة ~~لها تجري مجرى الكسوة والحلية. وإن قلنا: إنه عام في كل ما عليها، فلكونه ~~دالا على خالقه، فكأنه زينة الأرض من هذه الجهة. # قوله تعالى: لنبلوهم أي: لنختبر الخلق، والمعنى: لنعاملهم معاملة ~~المبتلى. قال ابن الأنباري: من قال إن ما على الأرض يعني به النبات، قال: ~~الهاء والميم ترجع إلى سكان الأرض المشاهدين للزينة، ومن قال: «ما على ~~الأرض» الرجال، رد الهاء والميم على «ما على» لأنها بتأويل الجميع، ومعنى ~~الآية: لنبلوهم فنرى ms1357 أيهم أحسن عملا، هذا، أم هذا. قال الحسن: أيهم أزهد في ~~الدنيا. وقد ذكرنا في هذه الآية أربعة أقوال في سورة هود «1» . ثم أعلم ~~الخلق أنه يفني جميع ذلك، فقال تعالى: وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا قال ~~الزجاج: الصعيد: الطريق الذي لا نبات فيه. وقال ابن الأنباري: قال ~~اللغويون: الصعيد: التراب، ووجه الأرض. فأما الجرز، فقال الفراء: أهل ~~الحجاز يقولون: أرض «جرز» ، وأسد تقول: «جرز» وجرز، وتميم تقول: أرض «جرز» ~~وجرز بالتخفيف، وقال أبو عبيدة: الصعيد الجرز: الغليظ الذي لا ينبت شيئا. ~~ويقال للسنة المجدبة: جرز، «وسنون أجراز» لجدوبتها، وقلة مطرها، وأنشد: # قد جرفتهن السنون الأجراز «2» # وقال الزجاج: الجرز: الأرض التي لا ينبت فيها شيء، كأنها تأكل النبت ~~أكلا. وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: الجرز: الأرض التي لا يبقى بها ~~نبات، تحرق كل نبات يكون بها. قال المفسرون: وهذا يكون يوم القيامة، يجعل ~~الله الأرض مستوية لا نبات فيها ولا ماء. PageV03P065 ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 9 الى 12] # أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (9) إذ أوى الفتية ~~إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا (10) ~~فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين ~~أحصى لما لبثوا أمدا (12) # قوله تعالى: أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم نزلت على سبب قد ذكرناه عند ~~قوله تعالى: ويسئلونك عن الروح «1» قال ابن قتيبة: ومعنى «أم حسبت» : ~~أحسبت. فأما «الكهف» فقال المفسرون: هو المغارة في الجبل، إلا أنه واسع، ~~فاذا صغر، فهو غار. قال ابن الأنباري: قال اللغويون: الكهف بمنزلة الغار في ~~الجبل. # فأما الرقيم، ففيه ستة أقوال «2» : أحدها: أنه لوح من رصاص كانت فيه ~~أسماء الفتية مكتوبة ليعلم من اطلع عليهم يوما من الدهر ما قصتهم، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس، وبه قال وهب بن منبه، وسعيد بن جبير في رواية. وقال ~~السدي: الرقيم: صخرة كتب فيها أسماء الفتية، وجعلت في سور المدينة. وقال ~~مقاتل: الرقيم: كتاب كتبه رجلان صالحان، وكانا يكتمان ms1358 إيمانهما من الملك ~~الذي فر منه الفتية، كتبا أمر الفتية في لوح من رصاص، ثم جعلاه في تابوت من ~~نحاس، ثم جعلاه في البناء الذي سدوا به باب الكهف، فقالا: لعل الله أن يطلع ~~على هؤلاء الفتية أحدا فيعلمون أمرهم إذا قرءوا الكتاب. وقال الفراء: كتب ~~في اللوح أسماؤهم، وأنسابهم، ودينهم، وممن كانوا، قال أبو عبيدة، وابن ~~قتيبة: الرقيم: الكتاب، وهو فعيل بمعنى مفعول، ومنه: كتاب مرقوم، أي: ~~مكتوب. والثاني: أنه اسم القرية التي خرجوا منها، قاله كعب. والثالث: اسم ~~الجبل، قاله الحسن، وعطية. والرابع: أن الرقيم: الدواة، بلسان الروم، قاله ~~عكرمة ومجاهد في رواية. والخامس: اسم الكلب، قاله سعيد بن جبير. والسادس: ~~اسم الوادي الذي فيه الكهف، قاله قتادة: والضحاك. # قوله تعالى: كانوا من آياتنا عجبا قال المفسرون: ومعنى الكلام: أحسبت ~~أنهم كانوا أعجب آياتنا؟! قد كان في آياتنا ما هو أعجب منهم، فإن خلق ~~السموات والأرض وما بينهما أعجب من قصتهم. وقال ابن عباس: الذي آتيتك من ~~الكتاب والسنة والعلم، أفضل من شأنهم. # قوله تعالى: إذ أوى الفتية قال الزجاج: معنى: أووا إليه: صاروا إليه، ~~وجعلوه مأواهم. # والفتية: جمع فتى، مثل غلام وغلمة، وصبي وصبية. و «فعلة» من أسماء الجمع، ~~وليس ببناء يقاس عليه لا يجوز غراب وغربة، ولا غني وغنية، قال بعض ~~المفسرين: الفتية: بمعنى الشبان. وقد ذكرنا عن القتيبي أن الفتى: بمعنى ~~الكامل من الرجال، وبيناه في قوله تعالى: من فتياتكم المؤمنات «3» . # قوله تعالى: فقالوا ربنا آتنا من لدنك أي: من عندك رحمة أي: رزقا وهيئ ~~لنا أي: أصلح لنا PageV03P066 # من أمرنا رشدا أي: أرشدنا إلى ما يقربنا منك. والمعنى: هيئ لنا من أمرنا ~~ما نصيب به الرشد. # والرشد والرشد، والرشاد: نقيض الضلالة. ### | تلخيص قصة أصحاب الكهف # اختلف العلماء في بدو أمرهم، وسبب مصيرهم إلى الكهف، على ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنهم هربوا ليلا من ملكهم حين دعاهم إلى عبادة الأصنام، فمروا براع ~~له كلب، فتبعهم على دينهم، فأووا إلى الكهف يتعبدون، ورجل منهم يبتاع لهم ~~أرزاقهم ms1359 من المدينة، إلى أن جاءهم يوما فأخبرهم أنهم قد ذكروا، فبكوا ~~وتعوذوا بالله تعالى من الفتنة، فضرب الله تعالى على آذانهم، وأمر الملك ~~فسد عليهم الكهف، وهو يظنهم أيقاظا، وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم، ~~وكلبهم قد غشيه ما غشيهم. ثم إن رجلين مؤمنين يكتمان إيمانهما كتبا أسماءهم ~~وأنسابهم وخبرهم في لوح من رصاص، وجعلاه في تابوت من نحاس في البنيان، ~~وقالا: لعل الله يطلع عليهم قوما مؤمنين، فيعلمون خبرهم، هذا قول ابن عباس. ~~وقال عبيد بن عمير: فقدهم قومهم فطلبوهم، فعمى الله عليهم أمرهم، فكتبوا ~~أسماءهم وأنسابهم في لوح: فلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر كذا، في ~~سنة كذا، في مملكة فلان، ووضعوا اللوح في خزانة الملك، وقالوا: ليكونن لهذا ~~شأن. والثاني: أن أحد الحواريين جاء إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن ~~يدخلها، فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلا سجد له، فكره أن ~~يدخلها، فأتى حماما قريبا من المدينة، فكان يعمل فيه بالأجر، وعلقه فتية من ~~أهل المدينة، فجعل يخبرهم عن خبر السماء والأرض، وخبر الآخرة، فآمنوا به ~~وصدقوه، حتى جاء ابن الملك يوما بامرأة، فدخل معها الحمام، فأنكر عليه ~~الحواري ذلك، فسبه ودخل، فمات وماتت المرأة في الحمام، فأتى الملك، فقيل ~~له: إن صاحب الحمام قتل ابنك، فالتمس فهرب، فقال: من كان يصحبه؟ فسمي له ~~الفتية، فالتمسوا فخرجوا من المدينة، فمروا على صاحب لهم في زرع، وهو على ~~مثل أمرهم، فانطلق معهم ومعه كلب حتى آواهم الليل إلى الكهف، فدخلوه ~~فقالوا: نبيت ها هنا، ثم نصبح إن شاء الله فترون رأيكم، فضرب الله على ~~آذانهم فناموا وخرج الملك، وأصحابه يتبعونهم، فوجدوهم قد دخلوا الكهف، ~~فكلما أراد رجل أن يدخل الكهف أرعب، فقال قائل للملك: أليس قلت: إن قدرت ~~عليهم قتلتهم؟ قال: بلى، قال: فابن عليهم باب الكهف حتى يموتوا جوعا وعطشا، ~~ففعل، هذا قول وهب بن منبه. والثالث: أنهم كانوا أبناء عظماء المدينة ~~وأشرافهم، خرجوا فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد، فقال رجل ms1360 منهم: هو ~~أسنهم: إني لأجد في نفسي شيئا ما أظن أحدا يجده، فقالوا: ما تجد؟ قال: أجد ~~في نفسي أن ربي رب السموات والأرض، فقاموا جميعا فقالوا: ربنا رب السموات ~~والأرض. فأجمعوا أن يدخلوا الكهف، فدخلوا، فلبثوا ما شاء الله، هذا قول ~~مجاهد. وقال قتادة: # كانوا أبناء ملوك الروم، فتفردوا بدينهم في الكهف، فضرب الله على آذانهم. ### | فصل: # فأما سبب بعث أصحاب الكهف من نومهم، فقال عكرمة: جاءت أمة مسلمة، وكان ~~ملكهم مسلما، فاختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل: يبعث الروح والجسد. ~~وقال قائل: يبعث الروح وحده، والجسد تأكله الأرض فلا يكون شيئا، فشق ~~اختلافهم على الملك، فانطلق فلبس المسوخ، وقعد على الرماد، ودعا الله أن ~~يبعث لهم آية تبين لهم، فبعث الله أصحاب الكهف. قال # PageV03P067 # وهب بن منبه: جاء راع قد أدركه المطر إلى الكهف، فقال: لو فتحت هذا ~~الكهف، وأدخلته غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتحه، ورد الله إليهم ~~أرواحهم حين أصبحوا من الغد. وقال ابن السائب: # احتاج صاحب الأرض التي فيها الكهف أن يبني حظيرة لغنمه، فهدم ذلك السد، ~~فبنى به، فانفتح باب الكهف. وقال ابن إسحاق: ألقى الله في نفس رجل من أهل ~~البلد أن يهدم ذلك البنيان فيبني به حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين ينزعان ~~تلك الحجارة، فنزعاها، وفتحا باب الكهف، فجلسوا فرحين، فسلم بعضهم على بعض ~~لا يرون في وجوههم ولا أجسادهم شيئا يكرهونه، إنما هم كهيئتهم حين رقدوا ~~وهم يرون أن ملكهم في طلبهم، فصلوا، وقالوا ليمليخا صاحب نفقتهم: انطلق ~~فاستمع، ما نذكر به، وابتغ لنا طعاما، فوضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان ~~يتنكر فيها، وخرج فرأى الحجارة قد نزعت عن باب الكهف، فعجب، ثم مر مستخفيا ~~متخوفا أن يراه أحد فيذهب به إلى الملك، فلما رأى باب المدينة رأى عليه ~~علامة تكون لأهل الإيمان، فعجب، فخيل إليه أنها ليست بالمدينة التي يعرف، ~~ورأى ناسا لا يعرفهم، فجعل يتعجب ويقول: لعلي نائم فلما دخلها رأى قوما ~~يحلفون باسم عيسى، فقام مسندا ظهره ms1361 إلى جدار، وقال في نفسه: والله ما أدري ~~ما هذا، عشية أمس لم يكن على وجه الأرض من يذكر عيسى إلا قتل، واليوم ~~أسمعهم يذكرونه، لعل هذه ليست المدينة التي أعرف، والله ما أعرف مدينة قرب ~~مدينتنا فقام كالحيران، وأخرج ورقا فأعطاه رجلا فقال: بعني طعاما، فنظر ~~الرجل إلى نقشه فعجب، ثم ألقاه إلى آخر، فجعلوا يتطارحونه بينهم، ويتعجبون، ~~ويتشاورون، وقالوا: إن هذا قد أصاب كنزا، ففرق منهم، وظنهم قد عرفوه، فقال: ~~أمسكوا طعامكم فلا حاجة بي إليه، فقالوا له: من أنت يا فتى؟ والله لقد وجدت ~~كنزا وأنت تريد أن تخفيه، شاركنا فيه وإلا أتينا بك إلى السلطان فيقتلك. # فلم يدر ما يقول، فطرحوا كساءه في عنقه وهو يبكي ويقول: فرق بيني وبين ~~إخوتي يا ليتهم يعلمون ما لقيت. فأتوا به إلى رجلين كانا يديران أمر ~~المدينة، فقالا: أين الكنز الذي وجدت؟ قال: ما وجدت كنزا، ولكن هذه ورق ~~آبائي، ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن والله ما أدري ما شأني، ولا ما أقول ~~لكم. قال مجاهد: كان ورق أصحاب الكهف مثل أخفاف الإبل، فقالوا: من أنت، وما ~~اسم أبيك؟ # فأخبرهم، فلم يجدوا من يعرفه، فقال له أحدهما: أتظن أنك تسخر منا وخزائن ~~هذه البلدة بأيدينا، وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار؟! إني سآمر بك ~~فتعذب عذابا شديدا، ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز، فقال يمليخا: أنبئوني ~~عن شيء أسالكم عنه، فإن فعلتم صدقتكم، قالوا: سل، قال: ما فعل الملك ~~دقيانوس؟ قالوا: لا نعرف اليوم على وجه الأرض ملكا يسمى دقيانوس، وإنما هذا ~~ملك كان منذ زمان طويل، وهلكت بعده قرون كثيرة، فقال: والله ما يصدقني أحد ~~بما أقوله، لقد كنا فتية، وأكرهنا الملك على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت ~~فهربنا منه عشية أمس فنمنا، فلما انتبهنا خرجت أشتري لأصحابي طعاما، فإذا ~~أنا كما ترون، فانطلقوا معي إلى الكهف أريكم أصحابي. # فانطلقوا معه وسائر أهل المدينة، وكان أصحابه قد ظنوا لإبطائه عليهم أنه ~~قد أخذ، فبينما هم يتخوفون ذلك، ms1362 إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل، فظنوا أنهم ~~رسل دقيانوس، فقاموا إلى الصلاة، وسلم بعضهم على بعض، فسبق يمليخا إليهم ~~وهو يبكي، فبكوا معه، وسألوه عن شأنه، فأخبرهم خبره، وقص عليهم النبأ كله، ~~فعرفوا أنهم كانوا نياما بأمر الله تعالى، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس، ~~وتصديقا للبعث، ونظر الناس إلى المسطور الذي فيه أسماؤهم وقصتهم، فعجبوا، ~~وأرسلوا إلى ملكهم فجاء، # PageV03P068 # واعتنق القوم، وبكى، فقالوا له: نستودعك الله ونقرأ عليك السلام، حفظك ~~الله، وحفظ ملكك. فبينا الملك قائم رجعوا إلى مضاجعهم، وتوفى الله عز وجل ~~أنفسهم، فأمر الملك أن يجعل لكل واحد منهم تابوت من ذهب، فلما أمسوا رآهم ~~في المنام، فقالوا: إنا لم نخلق من ذهب وفضة، ولكن خلقنا من تراب، فاتركنا ~~كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله عز وجل منه، وحجبهم الله عز ~~وجل حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يقدر أحد أن يدخل عليهم، وأمر الملك ~~فجعل على باب الكهف مسجد يصلى فيه، وجعل لهم عيدا عظيما يؤتى كل سنة، وقيل: ~~إنه لما جاء يمليخا ومعه الناس، قال: # دعوني أدخل على أصحابي فأبشرهم، فانهم إن رأوكم معي أرعبتموهم، فدخل ~~فبشرهم، وقبض الله روحه وأرواحهم، فدخل الناس، فإذا أجساد لا ينكرون منها ~~شيئا، غير أنها لا أرواح فيها، فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم. # قوله تعالى: فضربنا على آذانهم قال الزجاج: المعنى: أنمناهم ومنعناهم ~~السمع، لأن النائم إذا سمع انتبه. وعددا منصوب على ضربين: أحدهما: على ~~المصدر، المعنى: تعد عددا. # والثاني: أن يكون نعتا للسنين، المعنى: سنين ذات عدد، والفائدة في ذكر ~~العدد في الشيء المعدود، توكيد كثرة الشيء، لأنه إذا قل فهم مقداره، وإذا ~~كثر احتيج إلى أن يعد العدد الكثير. ثم بعثناهم من نومهم، يقال لكل من خرج ~~من الموت إلى الحياة، أو من النوم إلى الانتباه: مبعوث، لأنه قد زال عنه ما ~~كان يحبسه عن التصرف والانبعاث. وقيل: معنى سنين عددا: أنه لم يكن فيها ~~شهور ولا أيام، إنما هي كاملة، ذكره الماوردي. ms1363 قوله تعالى: لنعلم أي ~~الحزبين قال المفسرون: أي: لنرى. وقال بعضهم: المعنى: لتعلموا أنتم أي ~~الحزبين. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو عمران، والنخعي: «ليعلم» بضم الياء، على ~~ما لم يسم فاعله ويعني بالحزبين: المؤمنين والكافرين من قوم أصحاب الكهف. ~~أحصى لما لبثوا أي: لنعلم أهؤلاء أحصى للأمد أو هؤلاء، فكأنه وقع بينهم ~~تنازع في مدة لبثهم في الكهف بعد خروجهم من بينهم، فبعثهم الله ليبين ذلك ~~ويظهر. قال قتادة: لم يكن للفريقين علم بلبثهم، لا لمؤمنيهم، ولا لكافريهم، ~~قال مقاتل: لما بعثوا زال الشك وعرفت حقيقة اللبث. وقال القاضي أبو يعلى: ~~معنى الكلام: بعثناهم ليظهر المعلوم في اختلاف الحزبين في مدة لبثهم، لما ~~في ذلك من العبرة. ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 13 الى # 15] # نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (13) وربطنا ~~على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها ~~لقد قلنا إذا شططا (14) هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم ~~بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا (15) # قوله تعالى: نحن نقص عليك نبأهم أي: خبر الفتية بالحق أي: بالصدق. # قوله تعالى: وزدناهم هدى أي: ثبتناهم على الإيمان، وربطنا على قلوبهم أي: ~~ألهمناها الصبر إذ قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس فقالوا ربنا رب السماوات ~~والأرض وذلك أنه كان يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، فعصم الله هؤلاء حتى ~~عصوا ملكهم. وقال الحسن: قاموا في قومهم # PageV03P069 # فدعوهم إلى التوحيد. وقيل: هذا قولهم بينهم لما اجتمعوا خارج المدينة على ~~ما ذكرنا في أول القصة. # فأما الشطط، فهو الجور. قال الزجاج: يقال: شط الرجل، وأشط: إذ جار. ثم ~~قال الفتية: هؤلاء قومنا يعنون الذين كانوا في زمن دقيانوس اتخذوا من دونه ~~آلهة أي: عبدوا الأصنام لولا أي: هلا يأتون عليهم أي: على عبادة الأصنام ~~بسلطان بين أي: بحجة وإنما قال: عليهم والأصنام مؤنثة، لأن الكفار نحلوها ~~العقل والتمييز، فجرت مجرى المذكرين من الناس. # قوله تعالى: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ms1364 فزعم أن له شريكا؟! ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 16 الى 17] # وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من ~~رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (16) وترى الشمس إذا طلعت تتزاور عن كهفهم ~~ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله ~~من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (17) # قوله تعالى: وإذ اعتزلتموهم قال ابن عباس: هذا قول يمليخا، وهو رئيس ~~أصحاب الكهف، قال لهم: وإذ اعتزلتموهم، أي: فارقتموهم، يريد: عبدة الأصنام، ~~وما يعبدون إلا الله فيه قولان: # أحدهما: واعتزلتم ما يعبدون، إلا الله، فإن القوم كانوا يعبدون الله ~~ويعبدون معه آلهة، فاعتزل الفتية عبادة الآلهة، ولم يعتزلوا عبادة الله، ~~هذا قول عطاء الخراساني، والفراء. والثاني: وما يعبدون غير الله قال قتادة: ~~هي في مصحف، عبد الله: «وما يعبدون من دون الله» ، وهذا تفسيرها. قوله ~~تعالى: # فأووا إلى الكهف أي: اجعلوه مأواكم، ينشر لكم ربكم من رحمته أي: يبسط ~~عليكم من رزقه، ويهيئ لكم من أمركم مرفقا قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم، ~~وحمزة، والكسائي: «مرفقا» بكسر الميم، وفتح الفاء، وقرأ نافع، وابن عامر: ~~«مرفقا» بفتح الميم وكسر الفاء، قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: «مرفقا» ~~بفتح الميم وكسر الفاء في كل مرفق ارتفقت به، ويكسرون مرفق الإنسان، والعرب ~~قد يكسرون الميم منهما جميعا. قال ابن الأنباري: معنى الآية: ويهيئ لكم من ~~أمركم الصعب مرفقا، قال الشاعر: # فليت لنا من ماء زمزم شربة ... مبردة باتت على طهيان «1» # معناه: فليت لنا بدلا من ماء زمزم. قال ابن عباس: «ويهيئ لكم» : يسهل ~~عليكم ما تخافون من الملك وظلمه ويأتكم باليسر والرفق واللطف. # قوله تعالى: وترى الشمس إذا طلعت المعنى: لو رأيتها لرأيت ما وصفنا. ~~تتزاور قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «تزاور» بتشديد الزاي. وقرأ عاصم، ~~وحمزة، والكسائي: «تزاور» خفيفة. # وقرأ ابن عامر: «تزور» مثل: «تحمر» . وقرأ أبي بن كعب، وأبو مجلز، وأبو ~~رجاء، والجحدري: # «تزوار» باسكان الزاي، وبألف ممدودة ms1365 بعد الواو من غير همزة، مشددة الراء. ~~وقرأ ابن مسعود، وأبو المتوكل، وابن السميفع: «تزوئر» بهمزة قبل الراء، ~~مثل: «تزوعر» . وقرأ أبو الجوزاء، وأبو السمال: PageV03P070 # «تزور» بفتح التاء والزاي وتشديد الواو المفتوحة خفيفة الراء، مثل: ~~«تكور» والمعنى: تميل أو تعدل. # قال الزجاج: «تزاور» : تتزاور، فأدغمت التاء في الزاي، و (تقرضهم) أي: ~~تعدل عنهم وتتركهم، وقال ذو الرمة: # إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف ... شمالا وعن أيمانهن الفوارس «1» # يقرضن: يتركن. وأصل القرض: القطع والتفرقة بين الأشياء، ومنه: أقرضني ~~درهما، أي: اقطع لي من مالك درهما. قال المفسرون: كان كهفهم بازاء بنات نعش ~~في أرض الروم، فكانت الشمس تميل عنهم طالعة وغاربة لا تدخل عليهم فتؤذيهم ~~بحرها وتغير ألوانهم. ثم أخبر أنهم كانوا في متسع من الكهف ينالهم فيه برد ~~الريح، ونسيم الهواء، فقال: وهم في فجوة منه قال أبو عبيدة: أي: في متسع، ~~والجميع: فجوات، وفجاء، بكسر الفاء. وقال الزجاج: إنما صرف الشمس عنهم آية ~~من الآيات، ولم يرض قول من قال: كان كهفهم بازاء بنات نعش. # قوله تعالى: ذلك من آيات الله يشير إلى ما صنعه بهم من اللطف في هدايتهم، ~~وصرف أذى الشمس عنهم، والرعب الذي ألقى عليهم حتى لم يقدر الملك الظالم ولا ~~غيره على أذاهم. «من آيات الله» أي: من دلائله على قدرته ولطفه. من يهد ~~الله فهو المهتد هذا بيان أنه هو الذي تولى هداية القوم، ولولا ذلك لم ~~يهتدوا. ### | [سورة الكهف (18) : آية 18] # وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ~~ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا (18) # قوله تعالى: وتحسبهم أيقاظا أي: لو رأيتهم لحسبتهم أيقاظا. قال الزجاج: ~~الأيقاظ: # المنتبهون، واحدهم: يقظ، ويقظان، والجميع: أيقاظ والرقود: النيام. وقال ~~الفراء: واحد الأيقاظ: # يقظ، ويقظ. قال ابن السائب: وإنما يحسبون أيقاظا، لأن أعينهم مفتحة وهم ~~نيام. وقيل: لتقلبهم يمينا وشمالا. وذكر بعض أهل العلم: أن وجه الحكمة في ~~فتح أعينهم، أنه لو دام طبقها لذابت. قوله تعالى: ونقلبهم وقرأ الحسن وأبو ms1366 ~~رجاء: «وتقلبهم» بتاء مفتوحة، وسكون القاف، وتخفيف اللام المكسورة. وقرأ ~~أبو الجوزاء، وعكرمة: «ونقلبهم» مثلها، إلا أنه بالنون. ذات اليمين أي: على ~~أيمانهم وعلى شمائلهم. قال ابن عباس: كانوا يقلبون في كل عام مرتين، ستة ~~أشهر على هذا الجنب، وستة أشهر على هذا الجنب، لئلا تأكل الأرض لحومهم. ~~وقال مجاهد: كانوا ثلاثمائة عام على شق واحد، ثم قلبوا تسع سنين. # قوله تعالى: وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد أخبر أن الكلب كان على مثل حالهم ~~في النوم، وهو في رأي العين منتبه. وفي الوصيد أربعة أقوال «2» : أحدها: ~~أنه الفناء فناء الكهف، رواه ابن أبي PageV03P071 # طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، ~~والفراء. قال الفراء: # يقال: الوصيد والأصيد لغتان، مثل الإكاف والوكاف. وأرخت الكتاب وورخت، ~~ووكدت الأمر وأكدت وأهل الحجاز يقولون: الوصيد، وأهل نجد يقولون: الأصيد، ~~وهو: الحظيرة والفناء. # والثاني: أنه الباب، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال السدي، قال ابن ~~قتيبة: فيكون المعنى: # وكلبهم باسط ذراعيه بالباب، قال الشاعر: # بأرض فضاء لا يسد وصيدها ... علي ومعروفي بها غير منكر «1» # والثالث: أنه الصعيد، وهو التراب، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد ~~بن جبير، ومجاهد في رواية عنهما. والرابع: أنه عتبة الباب، قاله عطاء. قال ~~ابن قتيبة: وهذا أعجب إلي، لأنهم يقولون: أوصد بابك، أي: أغلقه، ومنه قوله ~~تعالى: إنها عليهم مؤصدة «2» ، أي: مطبقة مغلقة، وأصله أن يلصق الباب ~~بالعتبة، إذا أغلقته، ومما يوضح هذا أنك إذا جعلت الكلب بالفناء، كان خارجا ~~من الكهف، وإن جعلته بعتبة الباب، أمكن أن يكون داخل الكهف، والكهف وإن لم ~~يكن له باب وعتبة، فانما أراد أن الكلب بموضع العتبة من البيت، فاستعير. # قوله تعالى: لو اطلعت عليهم وقرأ الأعمش وأبو حصين: «لو اطلعت» بضم ~~الواو، أي لو أشرفت عليهم لوليت منهم فرارا رهبة لهم ولملئت قرأ عاصم وابن ~~عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي: «ولملئت» خفيفة مهموزة. وقرأ ابن كثير ~~ونافع: «ولملئت» مشددة مهموزة، رعبا أي فزعا وخوفا، وذلك أن ms1367 الله تعالى ~~منعهم بالرعب لئلا يدخل إليهم أحد. وقيل: إنهم طالت شعورهم وأظفارهم جدا ~~فلذلك كان الرائي لهم لو رآهم هرب مرعوبا، حكاه الزجاج. ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 19 الى 20] # وكذلك بعثناهم ليتسائلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما ~~أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى ~~المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم ~~أحدا (19) إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا ~~إذا أبدا (20) # قوله تعالى: وكذلك بعثناهم أي: وكما فعلنا بهم ما ذكرنا، بعثناهم من تلك ~~النومة ليتسائلوا أي: ليكون بينهم تساؤل وتنازع واختلاف في مدة لبثهم، ~~فيفيد تساؤلهم اعتبار المعتبرين بحالهم. قال قائل منهم كم لبثتم أي: كم مر ~~علينا منذ دخلنا هذا الكهف؟ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم وذلك أنهم دخلوا ~~غدوة، وبعثهم الله في آخر النهار، فلذلك قالوا: «يوما» ، فلما رأوا الشمس ~~قالوا: أو بعض يوم، قالوا ربكم أعلم بما لبثتم قال ابن عباس: القائل لهذا ~~يمليخا رئيسهم، رد علم ذلك إلى الله تعالى. وقال في رواية أخرى: إنما قاله ~~مكسلمينا، وهو أكبرهم. قال أبو سليمان: PageV03P072 # وهذا يوجب أن تكون نفوسهم قد حدثتهم أنهم قد لبثوا أكثر مما ذكروا. وقيل: ~~إنما قالوا ذلك، لأنهم رأوا أظفارهم وأشعارهم قد طالت جدا. # قوله تعالى: فابعثوا أحدكم قال ابن الأنباري: إنما قال: «أحدكم» ، ولم ~~يقل: واحدكم، لئلا يلتبس البعض بالممدوح المعظم، فان العرب تقول: رأيت أحد ~~القوم، ولا يقولون: رأيت واحد القوم، إلا إذا أرادوا المعظم، فأراد بأحدهم: ~~بعضهم، ولم يرد شريفهم. # قوله تعالى: بورقكم قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم: # «بورقكم» الراء مكسورة خفيفة. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم ~~ساكنة الراء. وعن أبي عمرو: «بورقكم» مدغمة يشمها شيئا من التثقيل قال ~~الزجاج: تصير كافا خالصة. قال الفراء: الورق لغة أهل الحجاز، وتميم يقولون: ~~الورق، وبعض العرب يكسرون الواو، فيقولون: الورق. قال ابن قتيبة. الورق: ms1368 ~~الفضة، دراهم كانت أو غير دراهم، يدلك على ذلك حديث عرفجة أنه اتخذ أنفا من ~~ورق. قوله تعالى: إلى المدينة يعنون التي خرجوا منها، واسمها دقسوس، ويقال: ~~هي اليوم طرسوس. قوله تعالى: فلينظر أيها قال الزجاج: المعنى: أي أهلها ~~أزكى طعاما، وللمفسرين في معناه ستة أقوال: أحدها: أحل ذبيحة، قاله ابن ~~عباس، وعطاء، وذلك أن عامة أهل بلدهم كانوا كفارا، فكانوا يذبحون للطواغيت، ~~وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم. والثاني: أحل طعاما، قاله سعيد بن جبير قال ~~الضحاك: وكان أكثر أموالهم غصوبا. وقال مجاهد: قالوا لصاحبهم: لا تبتع ~~طعاما فيه ظلم ولا غصب. والثالث: أكثر، قاله عكرمة. والرابع: خير، أي: ~~أجود، قاله قتادة. والخامس: أطيب، قاله ابن السائب، ومقاتل. والسادس: أرخص، ~~قاله يمان بن رئاب. قال ابن قتيبة: وأصل الزكاء: النماء والزيادة. # قوله تعالى: فليأتكم برزق منه أي: بما تأكلونه. وليتلطف أي: ليدقق النظر ~~فيه، وليحتل لئلا يطلع عليه. ولا يشعرن بكم أي: ولا يخبرن أحدا بمكانكم. ~~إنهم إن يظهروا أي: يطلعوا ويشرفوا عليكم، يرجموكم وفيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: يقتلوكم، قاله ابن عباس. وقال الزجاج: يقتلوكم بالرجم. والثاني: ~~يرجموكم بأيديهم، استنكارا لكم، قاله الحسن. والثالث: بألسنتهم شتما لكم، ~~قاله مجاهد، وابن جريج. # قوله تعالى: أو يعيدوكم في ملتهم أي: يردوكم في دينهم، ولن تفلحوا إذا ~~أبدا أي: إن رجعتم في دينهم، لم تسعدوا في الدنيا ولا في الآخرة. ### | [سورة الكهف (18) : آية 21] # وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ ~~يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين ~~غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (21) # قوله تعالى: وكذلك أعثرنا عليهم أي: وكما أنمناهم وبعثناهم، أطلعنا ~~وأظهرنا عليهم. قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن من عثر بشيء وهو غافل، نظر إليه ~~حتى يعرفه، فاستعير العثار مكان التبيين والظهور، ومنه قول الناس: ما عثرت ~~على فلان بسوء قط، أي: ما ظهرت على ذلك منه. قوله تعالى: # ليعلموا في المشار إليهم بهذا العلم قولان: أحدهما: أنهم ms1369 أهل بلدهم حين ~~اختصموا في البعث، # PageV03P073 # فبعث الله أهل الكهف ليعلموا أن وعد الله بالبعث والجزاء حق وأن القيامة ~~لا شك فيها، هذا قول الأكثرين. والثاني: أنهم أهل الكهف، بعثناهم ليروا بعد ~~علمهم أن وعد الله حق، ذكره الماوردي. قوله تعالى: إذ يتنازعون يعني: أهل ~~ذلك الزمان. قال ابن الأنباري: المعنى: إذ كانوا يتنازعون، ويجوز أن يكون ~~المعنى: إذ تنازعوا. وفي ما تنازعوا فيه خمسة أقوال: أحدها: أنهم تنازعوا ~~في البنيان، والمسجد. فقال المسلمون: نبني عليهم مسجدا، لأنهم على ديننا ~~وقال المشركون: نبني عليهم بنيانا، لأنهم من أهل سنتنا، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنهم تنازعوا في البعث، فقال المسلمون: # تبعث الأجساد والأرواح، وقال بعضهم: تبعث الأرواح دون الأجساد، فأراهم ~~الله تعالى بعث الأرواح والأجساد ببعثه أهل الكهف، قاله عكرمة. والثالث: ~~أنهم تنازعوا ما يصنعون بالفتية، قاله مقاتل. # والرابع: أنهم تنازعوا في قدر مكثهم. والخامس: تنازعوا في عددهم، ذكرهما ~~الثعلبي. قوله تعالى: # ابنوا عليهم بنيانا أي: استروهم من الناس بأن تجعلوهم وراء ذلك البنيان. ~~وفي القائلين لهذا قولان: # أحدهما: أنهم مشركو ذلك الزمان، وقد ذكرناه عن ابن عباس. والثاني: أنهم ~~الذين أسلموا حين رأوا أهل الكهف، قاله ابن السائب. قوله تعالى: قال الذين ~~غلبوا على أمرهم قال ابن قتيبة: يعني المطاعين والرؤساء، قال المفسرون: وهم ~~الملك وأصحابه المؤمنين اتخذوا عليهم مسجدا. قال سعيد بن جبير: # بنى عليهم الملك بيعة. ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 22 الى 24] # سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ~~ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا ~~تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا (22) ولا تقولن لشيء ~~إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن ~~يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا (24) # قوله تعالى: سيقولون ثلاثة قال الزجاج: ثلاثة مرفوع بخبر الابتداء، ~~المعنى: سيقول الذين يتنازعون في أمرهم هم ثلاثة. وفي هؤلاء القائلين ~~قولان: # (929) أحدهما: أنهم نصارى نجران، ناظروا رسول الله صلى ms1370 الله عليه وسلم في ~~عدة أهل الكهف، فقالت الملكية: هم ثلاثة رابعهم كلبهم، وقالت اليعقوبية: هم ~~خمسة سادسهم كلبهم، وقالت النسطورية: هم سبعة وثامنهم كلبهم، فنزلت هذه ~~الآية: رواه الضحاك عن ابن عباس. # والثاني: أنهم أهل مدينتهم قبل ظهورهم عليهم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: رجما بالغيب أي: ظنا غير يقين، قال زهير: # وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم # فأما دخول الواو في قوله: وثامنهم كلبهم ولم تدخل فيما قبل هذا، ففيه ~~أربعة أقوال: # أحدها: أن دخولها وخروجها واحد، قاله الزجاج. والثاني: أن ظهور الواو في ~~الجملة الثامنة دلالة على PageV03P074 # أنها مرادة في الجملتين المتقدمتين، فأعلم بذكرها ها هنا أنها مرادة فيما ~~قبل، وإنما حذفت تخفيفا، ذكره أبو نصر في «شرح اللمع» . والثالث: أن دخولها ~~يدل على انقطاع القصة، وأن الكلام قد تم، ذكره الزجاج أيضا، وهو مذهب مقاتل ~~بن سليمان، وإن الواو تدل على تمام الكلام قبلها، واستئناف ما بعدها قال ~~الثعلبي: فهذه واو الحكم والتحقيق، كأن الله تعالى حكى اختلافهم، فتم ~~الكلام عند قوله: # ويقولون سبعة، ثم حكم أن ثامنهم كلبهم. وجاء في بعض التفسير أن المسلمين ~~قالوا عند اختلاف النصارى: هم سبعة، فحقق الله قول المسلمين. والرابع: أن ~~العرب تعطف بالواو على السبعة، فيقولون: ستة، سبعة، وثمانية، لأن العقد ~~عندهم سبعة، كقوله: التائبون العابدون ... إلى أن قال في الصفة الثامنة: ~~والناهون عن المنكر «1» ، وقوله في صفة الجنة: وفتحت أبوابها وفي صفة ~~النار: فتحت أبوابها «2» ، لأن أبواب النار سبعة، وأبواب الجنة ثمانية، ذكر ~~هذا المعنى أبو إسحاق الثعلبي. # وقد اختلف العلماء في عددهم على قولين: أحدهما: أنهم كانوا سبعة، قاله ~~ابن عباس. والثاني: # ثمانية، قاله ابن جريج، وابن إسحاق. وقال ابن الأنباري: وقيل: معنى قوله: ~~وثامنهم كلبهم: # صاحب كلبهم، كما يقال: السخاء حاتم، والشعر زهير، أي: السخاء سخاء حاتم، ~~والشعر شعر زهير. # فأما أسماؤهم «3» ، فقال هشيم: مكسلمينا، ويمليخا، وطرينوس، وسدينوس، ~~وسرينوس، ونواسس، ويرانوس، وفي التفسير خلاف في أسمائهم فلم أطل به. # واختلفوا في كلبهم ms1371 لمن كان على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان لراع مروا به ~~فتبعهم الراعي والكلب، قاله ابن عباس. والثاني: أنه كان لهم يتصيدون عليه، ~~قاله عبيد بن عمير. والثالث: أنهم مروا بكلب فتبعهم، فطردوه، فعاد، ففعلوا ~~ذلك به مرارا، فقال لهم الكلب: ما تريدون مني؟! لا تخشوا جانبي أنا أحب ~~أحباء الله تعالى، فناموا حتى أحرسكم. قاله كعب الأحبار. وفي اسم كلبهم ~~أربعة أقوال: أحدها: قطمير، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: إن اسمه ~~الرقيم، وقد ذكرناه عن سعيد بن جبير. والثالث: قطمور، قاله عبد الله بن ~~كثير. والرابع: حمران، قاله شعيب الجبائي «4» . # وفي صفته ثلاثة أقوال: أحدها: أحمر، حكاه الثوري. والثاني: أصفر، حكاه ~~ابن إسحاق. والثالث: # أحمر الرأس، أسود الظهر، أبيض البطن، أبلق الذنب، ذكره ابن السائب. # قوله تعالى: ربي أعلم بعدتهم حرك الياء ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وأسكنها الباقون. # قوله تعالى: ما يعلمهم إلا قليل أي: ما يعلم عددهم إلا قليل من الناس. ~~قال عطاء يعني بالقليل: هم سبعة، إن الله عدهم حتى انتهى إلى السبعة. # قوله تعالى: فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا قال ابن عباس، وقتادة: لا تمار ~~أحدا، حسبك ما قصصت عليك من أمرهم. وقال ابن زيد: لا تمار في عدتهم إلا ~~مراء ظاهرا أن تقول لهم: ليس كما PageV03P075 # تقولون، ليس كما تعلمون. وقيل: «إلا مراء ظاهرا» بحجة واضحة، حكاه ~~الماوردي. والمراء في اللغة: الجدال يقال: مارى يماري مماراة ومراء، أي: ~~جادل. قال ابن الأنباري: معنى الآية: لا تجادل إلا جدال متيقن عالم بحقيقة ~~الخبر، إذ الله تعالى ألقى إليك ما لا يشوبه باطل. وتفسير المراء في اللغة: ~~استخراج غصب المجادل، من قولهم: مريت الشاة: إذا استخرجت لبنها. قوله ~~تعالى: ولا تستفت فيهم أي: في أصحاب الكهف، (منهم) قال ابن عباس: يعني: من ~~أهل الكتاب. قال الفراء: # أتاه فريقان من النصارى، نسطوري، ويعقوبي، فسألهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن عددهم، فنهي عن ذلك. # قوله تعالى: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا ms1372 أن يشاء الله. # (930) سبب نزولها أن قريشا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي ~~القرنين، وعن الروح، وعن أصحاب الكهف، فقال: غدا أخبركم بذلك، ولم يقل: إن ~~شاء الله، فأبطأ عليه جبريل خمسة عشر يوما لتركه الاستثناء، فشق ذلك عليه، ~~ثم نزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ومعنى الكلام: ولا تقولن ~~لشيء إني فاعل ذلك غدا، إلا أن تقول: إن شاء الله، فحذف القول. # قوله تعالى: واذكر ربك إذا نسيت قال ابن الأنباري: معناه: واذكر ربك بعد ~~تقضي النسيان، كما تقول: اذكر لعبد الله- إذا صلى- حاجتك، أي: بعد انقضاء ~~الصلاة. # وللمفسرين في معنى الآية ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أن المعنى: إذا نسيت ~~الاستثناء ثم ذكرت، PageV03P076 # فقل: إن شاء الله، ولو كان بعد يوم أو شهر أو سنة، قاله سعيد بن جبير، ~~والجمهور. والثاني: أن معنى «إذا نسيت» : إذا غضبت، قاله عكرمة، قال ابن ~~الأنباري: وليس ببعيد، لأن الغضب ينتج النسيان. والثالث: إذا نسيت الشيء ~~فاذكر الله ليذكرك إياه، حكاه الماوردي. ### | فصل: # وفائدة الاستثناء أن يخرج الحالف من الكذب إذا لم يفعل ما حلف عليه، ~~كقوله تعالى في قصة موسى: ستجدني إن شاء الله صابرا «1» ، ولم يصبر، فسلم ~~من الكذب لوجود الاستثناء في حقه. ولا تختلف الرواية عن أحمد أنه لا يصح ~~الاستثناء في الطلاق والعتاق، وأنه إذا قال: أنت طالق إن شاء الله، وأنت حر ~~إن شاء الله، أن ذلك يقع، وهو قول مالك وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يقع ~~شيء من ذلك. وأما اليمين بالله تعالى، فإن الاستثناء فيها يصح، بخلاف ~~الطلاق، وكذلك الاستثناء في كل ما يكفر، كالظهار، والنذر، لأن الطلاق ~~والعتاق لفظه لفظ إيقاع، وإذا علق به المشيئة، علمنا وجودها، لوجود لفظ ~~الإيقاع من جهته، بخلاف سائر الأيمان، لأنها ليست بموجبات للحكم، وإنما ~~تتعلق بأفعال مستقبلة. وقد اختلف في الوقت الذي يصح فيه الاستثناء على ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يصح الاستثناء إلا موصولا بالكلام، وقد روي عن ~~أحمد نحو هذا، وبه قال أكثر الفقهاء. ms1373 والثاني: أنه يصح ما دام في المجلس ~~قاله الحسن وطاوس، وعن أحمد نحوه. والثالث: أنه لو استثنى بعد سنة، جاز، ~~قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، وقال ابن جرير ~~الطبري: الصواب للإنسان أن يستثني ولو بعد حنثه في يمينه، فيقول: إن شاء ~~الله، ليخرج بذلك مما ألزمه الله في هذه الآية، فيسقط عنه الحرج، فأما ~~الكفارة فلا تسقط عنه بحال، إلا أن يكون الاستثناء موصولا بيمينه، ومن قال: ~~له ثنياه ولو بعد سنة، أراد سقوط الحرج الذي يلزمه بترك الاستثناء دون ~~الكفارة. # قوله تعالى: وقل عسى أن يهدين ربي قرأ نافع، وأبو عمرو: «يهديني ربي» ~~بياء في الوصل دون الوقف. وقرأ ابن كثير بياء في الحالين. وقرأ ابن عامر، ~~وعاصم، وحمزة، والكسائي بغير ياء في الحالين. وفي معنى الكلام قولان: ~~أحدهما: عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوه ما يكون أقرب في ~~الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف، ففعل الله له ذلك، وآتاه من علم غيوب ~~المرسلين ما هو أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف هذا قول ~~الزجاج. # والثاني: أن قريشا لما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم خبر ~~أصحاب الكهف، قال: «غدا أخبركم» «2» كما شرحنا في سبب نزول الآية، فقال ~~الله تعالى له: وقل عسى أن يهدين ربي أي: عسى أن يعرفني جواب مسائلكم قبل ~~الوقت الذي حددته لكم، ويعجل لي من جهته الرشاد، هذا قول ابن الأنباري. ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 25 الى # 26] # ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) قل الله أعلم بما ~~لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا ~~يشرك في حكمه أحدا (26) # قوله تعالى: ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو، وعاصم وابن عامر: «ثلاثمائة سنين» منونا وقرأ حمزة والكسائي: ~~«ثلاثمائة سنين» مضافا غير منون. قال أبو PageV03P077 # علي: العدد المضاف إلى الآحاد قد جاء مضافا إلى الجميع، قال الشاعر: ms1374 # وما زودوني غير سحق عمامة ... وخمسمئ منها قسي وزائف # «1» وفي هذا الكلام قولان «2» : أحدهما: أنه حكاية عما قال الناس في ~~حقهم، وليس بمقدار لبثهم، قاله ابن عباس، واستدل عليه فقال: لو كانوا لبثوا ~~ذلك لما قال: قل الله أعلم بما لبثوا وكذلك قال قتادة، هذا قول أهل الكتاب. ~~والثاني: أنه مقدار ما لبثوا، قاله عبيد بن عمير ومجاهد والضحاك وابن زيد ~~والمعنى: لبثوا هذا القدر من يوم دخلوه إلى أن بعثهم الله وأطلع الخلق ~~عليهم. قوله تعالى: # سنين قال الفراء وأبو عبيدة والكسائي والزجاج: التقدير: سنين ثلاثمائة. ~~قال ابن قتيبة: المعنى: # أنها لم تكن شهورا ولا أياما، إنما كانت سنين. وقال أبو علي الفارسي: ~~«سنين» بدل من قوله: # «ثلاثمائة» . قال الضحاك: نزلت ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة فقالوا: أياما ~~أو شهورا أو سنين؟ # فنزلت: «سنين» فلذلك قال: «سنين» ، ولم يقل: سنة. # قوله تعالى: وازدادوا تسعا يعني: تسع سنين، فاستغنى عن ذكر السنين بما ~~تقدم من ذكرها. ثم أعلم أنه أعلم بقدر مدة لبثهم من أهل الكتاب المختلفين ~~فيها، فقال: قل الله أعلم بما لبثوا قال ابن السائب: قالت نصارى نجران: أما ~~الثلاثمائة، فقد عرفناها، وأما التسع، فلا علم لنا بها «3» ، فنزل قوله ~~تعالى: قل الله أعلم بما لبثوا وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: إن للفتية منذ ~~دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمائة وتسع سنين، فرد عليهم ذلك، وقال: قل ~~الله أعلم بما لبثوا بعد أن قبض أرواحهم إلى يومكم هذا، لا يعلم بذلك غير ~~الله. وقيل: إنما زاد التسع، لأنه تفاوت ما بين السنين الشمسية والسنين ~~القمرية، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: أبصر به وأسمع فيه قولان: أحدهما: أنه على مذهب التعجب، ~~فالمعنى: ما أسمع الله وأبصره، أي: هو عالم بقصة أصحاب الكهف وغيرهم، هذا ~~قول الزجاج، وذكر أنه إجماع العلماء. والثاني: أنه في معنى الأمر، فالمعنى: ~~أبصر بدين الله وأسمع، أي: أبصر بهدى الله واسمع، فترجع الهاء إما على ~~الهدى، وإما على الله عز وجل، ذكره ابن الأنباري. قوله تعالى: ms1375 ما لهم من ~~دونه أي: ليس لأهل السموات والأرض من دون الله من ناصر، ولا يشرك في حكمه ~~أحدا ولا يجوز أن يحكم حاكم بغير ما حكم به، وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه ~~فيكون شريكا لله عز وجل في حكمه. وقرأ ابن عامر: «ولا تشرك» جزما بالتاء، ~~والمعنى: لا تشرك أيها الإنسان. ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 27 الى 28] # واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا ~~(27) واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد ~~عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا (28) PageV03P078 # قوله تعالى: واتل ما أوحي إليك في هذه التلاوة قولان: أحدهما: أنها بمعنى ~~القراءة. والثاني: # بمعنى الاتباع. فيكون المعنى على الأول: اقرأ القرآن، وعلى الثاني: اتبعه ~~واعمل به. وقد شرحنا في سورة الأنعام معنى لا مبدل لكلماته «1» . قوله ~~تعالى: ولن تجد من دونه ملتحدا قال مجاهد، والفراء: ملجأ. وقال الزجاج: ~~معدلا عن أمره ونهيه. وقال غيرهم: موضعا تميل إليه في الالتجاء. # قوله تعالى: واصبر نفسك سبب نزولها: # (931) أن المؤلفة قلوبهم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عيينة ~~بن حصن، والأقرع بن حابس، وذووهم، فقالوا: يا رسول الله: لو أنك جلست في ~~صدر المجلس، ونحيت هؤلاء عنا، - يعنون سليمان وأبا ذر وفقراء المسلمين، ~~وكانت عليهم جباب الصوف- جلسنا إليك، وأخذنا عنك، فنزلت هذه الآية إلى ~~قوله: إنا أعتدنا للظالمين نارا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يلتمسهم، حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله، قال: «الحمد لله الذي ~~لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا ومعكم ~~الممات» . هذا قول سلمان الفارسي. # ومعنى قوله: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم أي: احبسها معهم على أداء ~~الصلوات بالغداة والعشي. وقد فسرنا هذه الآية في سورة الأنعام «2» إلى قوله ~~تعالى: ولا تعد عيناك عنهم أي: لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ms1376 ذوي الغنى والشرف ~~وكان عليه السلام حريصا على إيمان الرؤساء ليؤمن أتباعهم، ولم يكن مريدا ~~لزينة الدنيا قط، فأمر أن يجعل إقباله على فقراء المؤمنين. قوله تعالى: ولا ~~تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا سبب نزولها أن أمية بن خلف الجمحي، دعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى طرد الفقراء عنه، وتقريب صناديد أهل مكة، ~~فنزلت هذه الآية «3» ، رواه الضحاك عن ابن عباس. # وفي رواية أخرى عنه أنه قال: هو عيينة وأشباهه. ومعنى «أغفلنا قلبه» : ~~جعلناه غافلا. وقرأ أبو مجلز: # «ومن أغفلنا» بفتح اللام، ورفع باء القلب. «عن ذكرنا» : أي عن التوحيد ~~والقرآن والإسلام، واتبع هواه PageV03P079 # في الشرك. وكان أمره فرطا فيه أربعة أقوال «1» : أحدها: أنها أفرط في ~~قوله، لأنه قال: إنا رؤوس مضر، وإن نسلم يسلم الناس بعدنا، قاله أبو صالح ~~عن ابن عباس. والثاني: ضياعا، قاله مجاهد. وقال أبو عبيدة: سرفا وتضييعا. ~~والثالث: ندما، حكاه ابن قتيبة عن أبي عبيدة. والرابع: كان أمره التفريط، ~~والتفريط: تقديم العجز، قاله الزجاج. ### | [سورة الكهف (18) : آية 29] # وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ~~نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس ~~الشراب وساءت مرتفقا (29) # قوله تعالى: وقل الحق من ربكم قال الزجاج: المعنى: وقل الذي أتيتكم به، ~~الحق من ربكم. # قوله تعالى: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فيه ثلاثة أقوال» # : أحدها: فمن شاء الله فليؤمن، روي عن ابن عباس. والثاني: أنه وعيد ~~وإنذار، وليس بأمر، قاله الزجاج. والثالث: أن معناه: لا تنفعون الله ~~بإيمانكم، ولا تضرونه بكفركم، قاله الماوردي. وقال بعضهم: هذا إظهار للغنى، ~~لا إطلاق في الكفر. # قوله تعالى: إنا أعتدنا أي: هيأنا وأعددنا، وقد شرحناه في قوله: وأعتدت ~~لهن متكأ «3» فأما الظالمون، فقال المفسرون: هم الكافرون. فأما السرادق، ~~فقال الزجاج: السرادق: كل ما أحاط بشيء، نحو الشقة في المضرب، أو الحائط ~~المشتمل على الشيء. وقال ابن قتيبة: السرادق: الحجرة التي تكون حول ~~الفسطاط. وقرأت على شيخنا أبي منصور ms1377 اللغوي، قال: السرادق فارسي معرب، ~~وأصله بالفارسية سرادار، وهو الدهليز، قال الفرزدق: # تمنيتهم حتى إذا ما لقيتهم ... تركت لهم قبل الضراب السرادقا «4» # وفي المراد بهذا السرادق قولان: أحدهما: أنه سرادق من نار، قاله ابن ~~عباس. # (932) روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«لسرادق النار أربعة جدر كثف، كل جدار منها مسيرة أربعين سنة» . وفي رواية ~~أبي صالح عن ابن عباس، قال: السرادق: لسان من النار، يخرج من النار فيحيط ~~بهم حتى يفرغ من حسابهم. PageV03P080 # والثاني: أنه دخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الظل ذو ثلاث شعب الذي ~~ذكره الله تعالى في المرسلات «1» ، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: وإن يستغيثوا أي: مما هم فيه من العذاب وشدة العطش يغاثوا ~~بماء كالمهل وفيه سبعة أقوال: أحدها: أنه ماء غليظ كدردي الزيت، رواه ~~العوفي عن ابن عباس. والثاني: أنه كل شيء أذيب حتى انماع، قاله ابن مسعود، ~~وقال أبو عبيدة، والزجاج: كل شيء أذبته من نحاس أو رصاص أو نحو ذلك، فهو ~~مهل. والثالث: قيح ودم أسود كعكر الزيت، قاله مجاهد. والرابع: أنه الفضة ~~والرصاص يذابان، روي عن مجاهد أيضا. والخامس: أنه الذي قد انتهى حره، قاله ~~سعيد بن جبير. والسادس: أنه الصديد، ذكره ابن الأنباري. قال مغيث بن سمي: ~~هذا الماء هو ما يسيل من عرق أهل الموقف في الآخرة وبكائهم، وما يجري منهم ~~من دم وقيح، يسيل ذلك إلى واد في جهنم، فتطبخه جهنم، فيكون أول ما يغاث به ~~أهل النار. والسابع: أنه الرماد الذي ينفذ عن الخبزة إذا خرجت من التنور، ~~حكاه ابن الأنباري. # قوله تعالى: يشوي الوجوه قال المفسرون: إذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه ~~«2» . ثم ذمه، فقال بئس الشراب وساءت النار مرتفقا وفيه خمسة أقوال: أحدها: ~~منزلا، قاله ابن عباس. والثاني: # مجتمعا، قاله مجاهد. والثالث: متكأ، قاله أبو عبيدة، وأنشد لأبي ذؤيب: # إني أرقت فبت الليل مرتفقا ... كأن عيني فيها الصاب مذبوح # «3» وذبحه: انفجاره قال الزجاج: «مرتفقا» منصوب على التمييز. أي ms1378 متكأ على ~~المرفق. # والرابع: ساءت مجلسا قاله ابن قتيبة. والخامس: ساءت مطلبا للرفق، لأن من ~~طلب رفقا من جهتها، عدمه، ذكره ابن الأنباري. ومعاني هذه الأقوال تتقارب. ~~وأصل المرفق في اللغة: ما يرتفق به. ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 30 الى # 31] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) أولئك ~~لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ~~ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت ~~مرتفقا (31) # قوله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات «4» قال الزجاج: خبر «إن» ها ~~هنا على ثلاثة PageV03P081 # أوجه: أحدها: أن يكون على إضمار: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، ولم ~~يحتج إلى ذكر «منهم» لأن الله تعالى قد أعلمنا أنه محبط عمل غير المؤمنين. ~~والثاني: أن يكون خبر «إن» : أولئك لهم جنات عدن، ويكون قوله: إنا لا نضيع ~~قد فصل به بين الاسم وخبره، لأنه يحتوي على معنى الكلام الأول، لأن من أحسن ~~عملا بمنزلة الذين آمنوا. والثالث: أن يكون الخبر: إنا لا نضيع أجر من أحسن ~~عملا، بمعنى: إنا لا نضيع أجرهم. # قال المفسرون: ومعنى لا نضيع أجر من أحسن عملا أي: لا نترك أعماله تذهب ~~ضياعا، بل نجازيه عليها بالثواب. فأما الأساور، فقال الفراء: في الواحد ~~منها ثلاث لغات: إسوار، وسوار، وسوار فمن قال: إسوار، جمعه أساور، ومن قال: ~~سوار أو سوار، جمعه أسورة، وقد يجوز أن يكون واحد أساورة وأساور: سوار وقال ~~الزجاج: الأساور جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، يقال: # سوار اليد، بالكسرة، وقد حكي: سوار. قال المفسرون: لما كانت الملوك تلبس ~~في الدنيا الأساور في اليد والتيجان على الرؤوس، جعل الله تعالى ذلك لأهل ~~الجنة. قال سعيد بن جبير: يحلى كل واحد منهم بثلاثة من الأساور، واحد من ~~فضة، وواحد من ذهب، وواحد من لؤلؤ ويواقيت. فأما «السندس» و «الإستبرق» ، ~~فقال ابن قتيبة: السندس: رقيق الديباج، والإستبرق ثخينه. وقرأت على شيخنا ~~أبي منصور اللغوي، قال: السندس: ms1379 رقيق الديباج، لم يختلف أهل اللغة في أنه ~~معرب، قال الراجز: # وليلة من الليالي جندس ... لون حواشيها كلون السندس # والاستبرق: غليظ الديباج، فارسي معرب، وأصله إستفره. وقال ابن دريد: ~~استروه، ونقل من العجمية إلى العربية، فلو حقر «إستبرق» ، أو كسر، لكان في ~~التحقير «أبيرق» ، وفي التكسير «أبارق» بحذف السين، والتاء جميعا. قوله ~~تعالى: متكئين فيها الاتكاء: التحامل على الشيء. قال أبو عبيدة: # والأرائك: الفرش في الحجال، ولا تكون الأريكة إلا بحجلة وسرير. وقال ابن ~~قتيبة: الأرائك: السرر في الحجال، واحدها: أريكة. وقال ثعلب: لا تكون ~~الأريكة إلا سريرا في قبة عليه شواره ومتاعه قال ابن قتيبة: الشوار، مفتوح ~~الشين، وهو متاع البيت. وقال الزجاج: الأرائك: الفرش في الحجال. قال: # وقيل: إنها الفرش، وقيل إنها الأسرة، وهي على الحقيقة: الفرش كانت في ~~حجال لهم. ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 32 الى # 36] # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل ~~وجعلنا بينهما زرعا (32) كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا ~~خلالهما نهرا (33) وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا ~~وأعز نفرا (34) ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) ~~وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36) # قوله تعالى: واضرب لهم مثلا رجلين روى عطاء عن ابن عباس، قال: هما ابنا ~~ملك كان في بني إسرائيل توفي وتركهما، فاتخذ أحدهما الجنان والقصور، وكان ~~الآخر زاهدا في الدنيا، فكان إذا عمل أخوه شيئا من زينة الدنيا، أخذ مثل ~~ذلك فقدمه لآخرته، حتى نفد ماله، فضربهما الله عز وجل مثلا # PageV03P082 # للمؤمن والكافر الذي أبطرته النعمة. وروى أبو صالح عن ابن عباس: أن ~~المسلم لما احتاج، تعرض لأخيه الكافر، فقال الكافر: أين ما ورثت عن أبيك؟ ~~فقال: أنفقته في سبيل الله، فقال الكافر: لكني ابتعت منه جنانا وغنما، ~~وبقرا، والله لا أعطيتك شيئا أبدا حتى تتبع ديني، ثم أخذ بيد المسلم فأدخله ~~جنانه يطوف به فيها، ويرغبه في دينه. ms1380 وقال مقاتل: اسم المؤمن يمليخا، واسم ~~الكافر فرطس، وقيل: # فطرس، وقيل: هذا المثل ضرب لعيينة بن حصن وأصحابه، ولسلمان وأصحابه «1» . ~~قوله تعالى: # وحففناهما بنخل الحف: الإحاطة بالشيء، ومنه قوله تعالى: حافين من حول ~~العرش «2» والمعنى: # جعلنا النخل مطيفا. وقوله تعالى: وجعلنا بينهما زرعا إعلام أن عمارتهما ~~كاملة. # قوله تعالى: كلتا الجنتين آتت أكلها قال الفراء: لم يقل تعالى: آتتا، لأن ~~«كلتا» ثنتان لا تفرد واحدتهما، وأصله: «كل» ، كما تقول للثلاثة: «كل» ، ~~فكان القضاء أن يكون للثنتين ما كان للجمع، وجاز توحيده على مذهب «كل» ، ~~وتأنيثه جائز للتأنيث الذي ظهر في «كلتا» ، وكذلك فافعل ب «كلا» و «كلتا» و ~~«كل» ، إذا أضفتهن إلى معرفة وجاء الفعل بعدهن فوحد واجمع، فمن التوحيد ~~قوله تعالى: # وكلهم آتيه يوم القيامة فردا «3» ، ومن الجمع: وكل أتوه داخرين «4» ، ~~والعرب قد تفعل ذلك أيضا في «أي» فيؤنثون ويذكرون، قال الله تعالى: وما ~~تدري نفس بأي أرض تموت «5» ، ويجوز في الكلام «بأية أرض» ، وكذلك في أي ~~صورة ما شاء ركبك «6» ، ويجوز في الكلام «في أية» ، قال الشاعر: # بأي بلاء أم بأية نعمة ... تقدم قبلي مسلم والمهلب # قال ابن الأنباري: «كلتا» وإن كان واقعا في المعنى على اثنتين، فإن لفظه ~~لفظ واحدة مؤنثة، فغلب اللفظ، ولم يستعمل المعنى ثقة بمعرفة المخاطب به ومن ~~العرب من يؤثر المعنى على اللفظ، فيقول: «كلتا الجنتين آتتا أكلها» ، ويقول ~~آخرون: «كلتا الجنتين آتى أكله» ، لأن «كلتا» تفيد معنى «كل» ، قال الشاعر: # وكلتاهما قد خط لي في صحيفتي ... فلا الموت أهواه ولا العيش أروح # يعني: وكلهما قد خط لي، وقد قالت العرب: كلكم ذاهب، وكلكم ذاهبون. فوحدوا ~~للفظ «كل» وجمعوا لتأويلها. وقال الزجاج: إنما لم يقل: «آتتا» ، لأن لفظ ~~«كلتا» لفظ واحدة، والمعنى: كل واحدة منهما آتت أكلها ولم تظلم أي: لم تنقص ~~منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا فأعلمنا أن شربهما كان من ماء نهر، وهو من ~~أغزر الشرب. وقال الفراء: إنما قال: «فجرنا» بالتشديد، وهو نهر واحد، لأن ~~النهر يمتد، فكان التفجر فيه ms1381 كله. قرأ أبو رزين، وأبو مجلز، وأبو العالية، ~~وابن يعمر، وابن أبي عبلة: «وفجرنا» بالتخفيف. وقرأ أبو مجلز، وأبو ~~المتوكل: «خللهما» . وقرأ أبو العالية، وأبو عمران: # «نهرا» بسكون الهاء. # قوله تعالى: وكان له يعني: للأخ الكافر (ثمر) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي: «وكان له ثمر» ، «وأحيط بثمره» بضمتين. وقرأ عاصم: ~~«وكان له ثمر» ، «وأحيط بثمره» PageV03P083 # بفتح التاء والميم فيهما. وقرأ أبو عمرو: «ثمر» و «بثمره» بضمة واحدة ~~وسكون الميم. قال الفراء: # الثمر، بفتح الثاء والميم: المأكول، وبضمها: المال وقال ابن الأنباري: ~~الثمر، بالفتح: الجمع الأول، والثمر، بالضم: جمع الثمر، يقال: ثمر، وثمر، ~~كما يقال: أسد، وأسد، ويصلح أن يكون الثمر جمع الثمار، كما يقال: حمار ~~وحمر، وكتاب وكتب، فمن ضم، قال: الثمر أعم، لأنها تحتمل الثمار المأكولة، ~~والأموال المجموعة. قال أبو علي الفارسي: وقراءة أبي عمرو: «ثمر» يجوز أن ~~تكون جمع ثمار، ككتاب، وكتب، فتخفف، فيقال: كتب، ويجوز أن يكون «ثمر» جمع ~~ثمرة، كبدنة وبدن، وخشبة، وخشب. ويجوز أن يكون (ثمر) واحدا، كعنق، وطنب. ~~وقد ذكر المفسرون في قراءة من ضم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه المال الكثير من ~~صنوف الأموال، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الذهب، والفضة، قاله مجاهد. ~~والثالث: أنه جمع ثمرة، قال الزجاج: يقال: ثمرة، وثمار، وثمر. فإن قيل: ما ~~الفائدة في ذكر الثمر بعد ذكر الجنتين، وقد علم أن صاحب الجنة لا يخلو من ~~ثمر؟ فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه لم يكن أصل الأرض ملكا له، وإنما كانت له الثمار، قاله ابن ~~عباس. والثاني: أن ذكر الثمر دليل على كثرة ما يملك من الثمار في الجنتين ~~وغيرهما، ذكره ابن الأنباري. والثالث: قد ذكرنا أن المراد بالثمر الأموال ~~من الأنواع وذكرنا أنها الذهب، والفضة، وذلك يخالف الثمر المأكول قال أبو ~~علي الفارسي: من قال: هو الذهب، والورق، فإنما قيل لذلك: ثمر على التفاؤل، ~~لأن الثمر نماء في ذي الثمر، وكونه ها هنا بالجنى أشبه بالذهب والفضة. ~~ويقوي ذلك: وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما ms1382 أنفق فيها والإنفاق من ~~الورق، لا من الشجر. # قوله تعالى: فقال يعني الكافر لصاحبه المؤمن وهو يحاوره أي: يراجعه ~~الكلام ويجاوبه. وفيما تحاورا فيه قولان: أحدهما: أنه الإيمان والكفر. ~~والثاني: طلب الدنيا، وطلب الآخرة. فأما «النفر» فهم الجماعة، ومثلهم: ~~القوم والرهط ولا واحد لهذه الألفاظ من لفظها. وقال ابن فارس اللغوي: ~~النفر: عدة رجال من ثلاثة إلى العشرة. # وفيمن أراد بنفره ثلاثة أقوال: أحدها: عبيده، قاله ابن عباس. والثاني: ~~ولده، قاله مقاتل. # والثالث: عشيرته ورهطه، قاله أبو سليمان. # قوله تعالى: ودخل جنته يعني: الكافر وهو ظالم لنفسه بالكفر وكان قد أخذ ~~بيد أخيه فأدخله معه: قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا أنكر فتاء الدنيا، وفناء ~~جنته، وأنكر البعث والجزاء بقوله تعالى: وما أظن الساعة قائمة وهذا شك منه ~~في البعث، ثم قال: ولئن رددت إلى ربي أي: كما تزعم أنت. قال ابن عباس: يقول ~~إن كان البعث حقا لأجدن خيرا منها قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ~~«خيرا منها» ، وكذلك هي في مصاحف أهل البصرة والكوفة. وقرأ ابن كثير، ~~ونافع، وابن عامر: «خيرا منهما» بزيادة ميم على التثنية، وكذلك هي في مصاحب ~~أهل مكة والمدينة والشام. قال أبو علي: الإفراد أولى، لأنه أقرب إلى الجنة ~~المفردة في قوله: ودخل جنته، والتثنية لا تمتنع، لتقدم ذكر الجنتين. # قوله تعالى: منقلبا أي: كما أعطاني هذا في الدنيا، سيعطيني في الآخرة ~~أفضل منه. ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 37 الى # 41] # قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك ~~رجلا (37) لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38) ولولا إذ دخلت جنتك ~~قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (39) فعسى ~~ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا ~~(40) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41) # PageV03P084 # قوله تعالى: قال له صاحبه يعني: المؤمن وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من ~~تراب يعني: # خلق أباك ms1383 آدم ثم من نطفة يعني: ما أنشئ هو منه، فلما شك في البعث كان ~~كافرا. # قوله تعالى: لكنا هو الله ربي قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة ~~والكسائي، وقالون عن نافع: لكنا هو الله ربي، باسقاط الألف في الوصل، ~~وإثباتها في الوقف. وقرأ نافع في رواية المسيبي بإثبات الألف وصلا ووقفا. ~~وأثبت الألف ابن عامر في الحالين. وقرأ أبو رجاء: «لكن» بإسكان النون خفيفة ~~من غير ألف في الحالين. وقرأ ابن يعمر «لكن» بتشديد النون من غير ألف في ~~الحالين. وقرأ الحسن: «لكن أنا هو الله ربي» باسكان نون «لكن» وإثبات «أنا» ~~. قال الفراء: فيها ثلاث لغات: لكنا، ولكن، ولكنه بالهاء، أنشدني أبو ~~ثروان: # وترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكن إياك لا أقلي # وقال أبو عبيدة: مجازه: لكن أنا هو الله ربي، ثم حذفت الألف الأولى، ~~وأدغمت إحدى النونين في الأخرى فشددت. قال الزجاج: وهذه الألف تحذف في ~~الوصل، وتثبت في الوقف، فأما من أثبتها في الوصل كما تثبت في الوقف، فهو ~~على لغة من يقول: أنا قمت، فأثبت الألف، قال الشاعر: # أنا سيف العشيرة فاعرفوني «1» وهذه القراءة جيدة، لأن الهمزة قد حذفت من ~~«أنا» ، فصار إثبات الألف عوضا من الهمزة. # قوله تعالى: ولولا إذ دخلت جنتك أي: وهلا ومعنى الكلام التوبيخ. قال ~~الفراء: ما شاء الله في موضع رفع، إن شئت رفعته بإضمار هو، يريد: هو ما شاء ~~الله وإن شئت أضمرت فيه: ما شاء الله كان وجاز طرح جواب الجزاء، كما جاز في ~~قوله: فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض «2» ليس له جواب، لأنه معروف، قال ~~الزجاج: وقوله: لا قوة إلا بالله الاختيار النصب بغير تنوين على النفي، ~~كقوله: لا ريب فيها «3» ويجوز: «لا قوة إلا بالله» على الرفع بالابتداء، ~~والخبر «بالله» المعنى: لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا الله ~~تعالى، ولا يكون له إلا ما شاء الله. # قوله تعالى: إن ترن قرأ ابن كثير: «إن ترني أنا» و «يؤتيني خيرا» ms1384 بياء في ~~الوصل والوقف. # وقرأ نافع، وأبو عمرو بياء في الوصل. وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة بحذف ~~الياء فيهما وصلا ووقفا. أنا أقل وقرأ ابن أبي عبلة: «أنا أقل» برفع اللام. ~~قال الفراء: «أنا» ها هنا عماد إن نصبت «أقل» ، واسم إذا رفعت «أقل» ، ~~والقراءة بهما جائز. # قوله تعالى: فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك أي: في الآخرة، ويرسل عليها ~~حسبانا وفيه PageV03P085 # أربعة أقوال: أحدها: أنه العذاب، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~قتادة، والضحاك، وقال أبو صالح عن ابن عباس: نارا من السماء. والثاني: قضاء ~~من الله يقضيه، قاله ابن زيد. والثالث: مرامي من السماء، واحدها: حسبانة، ~~قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة. قال النضر بن شميل: الحسبان: سهام يرمي بها ~~الرجل في جوف قصبة تنزع في القوس، ثم يرمي بعشرين منها دفعة، فعلى هذا ~~القول يكون المعنى: ويرسل عليها مرامي من عذابه، إما حجارة أو بردا أو ~~غيرهما مما يشاء من أنواع العذاب. # والرابع: أن الحسبان: الحساب، كقوله: الشمس والقمر بحسبان «1» أي: بحساب، ~~فيكون المعنى: # ويرسل عليها عذاب حساب ما كسبت يداه، هذا قول الزجاج. # قوله تعالى: فتصبح صعيدا زلقا (40) أو يصبح ماؤها غورا قال ابن قتيبة: ~~الصعيد: الأملس المستوي، والزلق: الذي تزل عنه الأقدام، والغور: الغائر، ~~فجعل المصدر صفة، يقال: ماء غور، ومياه غور، ولا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث، ~~كما يقال: رجل نوم، ورجل صوم، ورجل فطر، ورجال نوم، ونساء نوم، ونساء صوم. ~~ويقال للنساء إذا نحن: نوح، والمعنى: يذهب ماؤها غائرا في الأرض، أي: ذاهبا ~~فيها. فلن تستطيع له طلبا فلا يبقى له أثر تطلبه به، ولا تناله الأيدي ولا ~~الأرشية. وقال ابن الأنباري: «غورا» إذا غور، فسقط المضاف، وخلفه المضاف ~~إليه، والمراد بالطلب ها هنا: الوصول، فقام الطلب مقامه لأنه سببه. وقرأ ~~أبو المتوكل وأبو الجوزاء: «غؤورا» برفع الغين والواو الأولى جميعا وواو ~~بعدها. ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 42 الى 44] # وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ~~ويقول ms1385 يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42) ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله ~~وما كان منتصرا (43) هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (44) # قوله تعالى: وأحيط بثمره أي: أحاط الله العذاب بثمره، وقد سبق معنى ~~الثمر. فأصبح يقلب كفيه أي: يضرب بيد على يد، وهذا فعل النادم، على ما أنفق ~~فيها أي: في جنته، و «في» ها هنا بمعنى «على» . وهي خاوية أي: خالية ساقطة ~~على عروشها والعروش: السقوف والمعنى: أن حيطانها قائمة والسقوف قد تهدمت ~~فصارت في قرارها، فصارت الحيطان كأنها على السقوف. ويقول يا ليتني لم أشرك ~~بربي أحدا فأخبر الله تعالى أنه لما سلبه ما أنعم به عليه، وحقق ما أنذره ~~به أخوه في الدنيا، ندم على شركه حين لا تنفعة الندامة. وقيل: إنما يقول ~~هذا في القيامة. ولم تكن له فئة قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: ~~«ولم تكن» بالتاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: «ولم يكن» بالياء. والفئة: ~~الجماعة ينصرونه أي: يمنعونه من عذاب الله. # قوله تعالى: هنالك الولاية قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم: ~~«الولاية» بفتح الواو، و «لله الحق» بكسر القاف أيضا. وقرأ حمزة «الولاية» ~~بكسر الواو، و «الحق» بكسر القاف أيضا. وقرأ أبو عمرو بفتح واو الولاية، ~~ورفع «الحق» ، ووافقه الكسائي في رفع القاف، لكنه كسر «الولاية» ، قال ~~الزجاج: معنى الولاية في مثل تلك الحال: تبيين نصرة ولي الله. وقال غيره: ~~هذا الكلام عائد إلى ما PageV03P086 # قبل قصة الرجلين. فأما من فتح واو «الولاية» فإنه أراد الموالاة والنصرة، ~~ومن كسر، أراد السلطان والملك على ما شرحنا في آخر الأنفال «1» . فعلى ~~قراءة الفتح، في معنى الكلام قولان: أحدهما: أنهم يتولون الله تعالى في ~~القيامة، ويؤمنون به، ويتبرؤون مما كانوا يعبدون، قاله ابن قتيبة. والثاني: ~~هنالك يتولى الله أمر الخلائق، فينصر المؤمنين ويخذل الكافرين. وعلى قراءة ~~الكسر، يكون المعنى: هنالك السلطان لله. قال أبو علي: من كسر قاف «الحق» ، ~~جعله من وصف الله عز وجل، ومن رفعه جعله صفة للولاية. ms1386 فإن قيل: لم نعتت ~~الولاية وهي مؤنثة بالحق وهو مصدر؟ فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري: ~~أحدهما: أن تأنيثها ليس حقيقيا، فحملت على معنى النصر والتقدير: هنالك ~~النصر لله الحق، كما حملت الصيحة على معنى الصياح في قوله: وأخذ الذين ~~ظلموا الصيحة «2» . والثاني: أن الحق مصدر يستوي في لفظه المذكر والمؤنث ~~والاثنان والجمع، فيقال: قولك حق، وكلمتك حق، وأقوالكم حق. ويجوز ارتفاع ~~الحق على المدح للولاية، وعلى المدح لله تعالى بإضمار «هو» . # قوله تعالى: هو خير ثوابا أي: هو أفضل ثوابا ممن يرجى ثوابه، وهذا على ~~تقدير أنه لو كان غيره يثيب لكان ثوابه أفضل. قوله تعالى: وخير عقبا قرأ ~~ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي: «عقبا» مضمومة القاف. وقرأ ~~عاصم وحمزة: «عقبا» ساكنة القاف. قال أبو علي: ما كان على «فعل» جاز ~~تخفيفه، كالعنق والطنب. قال أبو عبيدة: العقب والعقب والعقبى والعاقبة، ~~بمعنى: # وهي الآخرة، والمعنى عاقبة طاعة الله خير من عاقبة طاعة غيره. ### | [سورة الكهف (18) : آية 45] # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا (45) # قوله تعالى: واضرب لهم مثل الحياة الدنيا أي: في سرعة نفادها وذهابها، ~~وقيل: في تصرف أحوالها، إذ مع كل فرحة ترحة، وهذا مفسر في سورة يونس «3» ~~إلى قوله: فأصبح هشيما. قال الفراء: الهشيم: كل شيء كان رطبا فيبس. وقال ~~الزجاج: الهشيم: النبات الجاف. وقال ابن قتيبة: # الهشيم من النبت: المتفتت، وأصله من هشمت الشيء: إذا كسرته، ومنه سمي ~~الرجل هاشما. # وتذروه الرياح تنسفه. وقرأ أبي وابن عباس وابن أبي عبلة: «تذريه» برفع ~~التاء وكسر الراء بعدها ياء ساكنة وهاء مكسورة. وقرأ ابن مسعود كذلك، إلا ~~أنه فتح التاء. والمقتدر: مفتعل، من قدرت. قال المفسرون: وكان الله على كل ~~شيء من الإنشاء والإفناء مقتدرا. ### | [سورة الكهف (18) : آية 46] # المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا ~~وخير أملا (46) # قوله تعالى: المال والبنون زينة الحياة الدنيا هذا رد ms1387 على المشركين الذين ~~كانوا يفتخرون بالأموال والأولاد، فأخبر الله تعالى أن ذلك مما يتزين به في ~~الدنيا، لا مما ينفع في الآخرة. قوله تعالى: والباقيات الصالحات فيها خمسة ~~أقوال «4» : أحدها: أنها «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا PageV03P087 # الله، والله أكبر» . # (933) روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن عجزتم ~~عن الليل، أن تكابدوه، وعن العدو أن تجاهدوه، فلا تعجزوا عن قول: «سبحان ~~الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فقولوها، فإنهن الباقيات ~~الصالحات» ، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وبه قال مجاهد، وعطاء، ~~وعكرمة، والضحاك. وسئل عثمان بن عفان عن الباقيات الصالحات، فقال هذه ~~الكلمات، وزاد فيها: # «ولا حول ولا قوة إلا بالله» . وقال سعيد بن المسيب، ومحمد بن كعب القرظي ~~مثله سواء. # (934) والثاني: أنها «لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله ولا قوة ~~إلا بالله» رواه علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثالث: الصلوات الخمس، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال ابن ~~مسعود، ومسروق، وإبراهيم. والرابع: الكلام الطيب، رواه العوفي عن ابن عباس. ~~والخامس: هي جميع أعمال الحسنات، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~قتادة، وابن زيد. # قوله تعالى: خير عند ربك ثوابا أي: أفضل جزاء وخير أملا أي: خير مما ~~تؤملون، لأن آمالكم كواذب، وهذا أمل لا يكذب. ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 47 الى # 51] # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (47) ~~وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم ~~موعدا (48) ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ~~مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ~~ولا يظلم ربك أحدا (49) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ~~كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو ~~بئس للظالمين بدلا (50) ما أشهدتهم ms1388 خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما ~~كنت متخذ المضلين عضدا (51) # قوله تعالى: ويوم نسير الجبال قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: «ويوم ~~تسير» بالتاء «الجبال» رفعا. وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي: «نسير» ~~بالنون «الجبال» نصبا. وقرأ ابن محيصن: «ويوم تسير» بفتح التاء وكسر السين ~~وتسكين الياء «الجبال» بالرفع. قال الزجاج: «ويوم» منصوب على معنى اذكر، ~~ويجوز أن يكون منصوبا على: والباقيات الصالحات خير يوم تسير الجبال. # قال ابن عباس: تسير الجبال عن وجه الأرض، كما يسير السحاب في الدنيا، ثم ~~تكسر فتكون في PageV03P088 # الأرض كما خرجت منها. قوله تعالى: وترى الأرض بارزة وقرأ عمرو بن العاص، ~~وابن السميفع، وأبو العالية: «وترى الأرض» برفع التاء والضاد. وقرأ أبو ~~رجاء العطاردي كذلك، إلا أنه فتح ضاد «الأرض» . وفي معنى «بارزة» قولان: ~~أحدهما: ظاهرة فليس عليها شيء من جبل أو شجر أو بناء، قاله الأكثرون. ~~والثاني: بارزا أهلها من بطنها، قاله الفراء. # قوله تعالى: وحشرناهم يعني المؤمنين والكافرين فلم نغادر قال ابن قتيبة: ~~أي: فلم نخلف، يقال: غادرت كذا: إذا خلفته، ومنه سمي الغدير، لأنه ماء ~~تخلفه السيول. وروى أبان: «فلم تغادر» بالتاء. قوله تعالى: عرضوا على ربك ~~صفا # إن قيل: هذا أمر مستقبل، فكيف عبر عنه بالماضي؟ # فالجواب: أن ما قد علم الله وقوعه، يجري مجرى المعاين، كقوله تعالى: ~~ونادى أصحاب الجنة «1» . # وفي معنى قوله: فا # أربعة أقوال: أحدها: أنه بمعنى جميعا، كقوله: ثم ائتوا صفا «2» قاله ~~مقاتل. والثاني: أن المعنى: وعرضوا على ربك مصفوفين، هذا مذهب البصريين. ~~والثالث: أن المعنى: وعرضوا على ربك صفوفا، فناب الواحد عن الجميع، كقوله: ~~ثم نخرجكم طفلا «3» . # والرابع: أنه لم يغب عن الله منهم أحد، فكانوا كالصف الذي تسهل الإحاطة ~~بجملته، ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري، وقد قيل: إن كل أمة وزمرة صف. # قوله تعالى: قد جئتمونا # ، فيه إضمار «فقال لهم» . وفي المخاطبين بهذا قولان: أحدهما: # أنهم الكل. والثاني: الكفار، فيكون اللفظ عاما، والمعنى خاصا. وقوله: ما ~~خلقناكم أول مرة # مفسر في الأنعام «4» . وقوله: ms1389 ل زعمتم # خطاب للكفار خاصة، والمعنى: زعمتم في الدنيالن نجعل لكم موعدا # للبعث، والجزاء. # قوله تعالى: ووضع الكتاب فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الكتاب الذي سطر ~~فيه ما تعمل الخلائق قبل وجودهم، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الحساب، قاله ~~ابن السائب. والثالث: كتاب الأعمال، قاله مقاتل. وقال ابن جرير: وضع كتاب ~~أعمال العباد في أيديهم، فعلى هذا، الكتاب اسم جنس. قوله تعالى: فترى ~~المجرمين قال مجاهد: هم الكافرون، وذكر بعض أهل العلم أن كل مجرم ذكر في ~~القرآن، فالمراد به: الكافر. قوله تعالى: مشفقين أي: خائفين مما فيه من ~~الأعمال السيئة ويقولون يا ويلتنا هذا قول كل واقع في هلكة. وقد شرحنا هذا ~~المعنى في قوله: # يا حسرتنا «5» . # قوله تعالى: لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها هذا على ظاهره في صغير ~~الأمور وكبيرها وقد روى عكرمة عن ابن عباس، قال: الصغيرة: التبسم، ~~والكبيرة: القهقهة، وقد يتوهم أن المراد بذلك صغائر الذنوب وكبائرها، وليس ~~كذلك، إذ ليس الضحك والتبسم، بمجردهما من الذنوب، وإنما المراد أن التبسم ~~من صغار الأفعال، والضحك فعل كبير، وقد روى الضحاك عن ابن عباس، قال: # الصغيرة: التبسم والاستهزاء بالمؤمنين، والكبيرة: القهقهة بذلك فعلى هذا ~~يكون ذنبا من الذنوب لمقصود فاعله، لا لنفسه. ومعنى «أحصاها» : عدها ~~وأثبتها، والمعنى: وجدت محصاة. ووجدوا ما عملوا حاضرا PageV03P089 # أي: مكتوبا مثبتا في الكتاب، وقيل: رأوا جزاءه حاضرا. وقال أبو سليمان: ~~الصحيح عند المحققين أن صغائر المؤمنين الذين وعدوا العفو عنها إذا اجتنبوا ~~الكبائر، إنما يعفى عنها في الآخرة بعد أن يراها صاحبها. # قوله تعالى: ولا يظلم ربك أحدا قال أبو سليمان: لا تنقص حسنات المؤمن، ~~ولا يزاد في سيئات الكافر. وقيل: إن كان للكافر فعل خير، كعتق رقبة، وصدقة، ~~خفف عنه به من عذابه، وإن ظلمه مسلم، أخذ الله من المسلم، فصار الحق لله. # ثم إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر هؤلاء المتكبرين ~~عن مجالسة الفقراء قصة إبليس وما أورثه الكبر، فقال: وإذ قلنا أي: اذكر ms1390 ~~ذلك. # وفي قوله: كان من الجن قولان: أحدهما: أنه من الجن حقيقة، لهذا النص ~~واحتج قائلو هذا بأن له ذرية- وليس للملائكة ذرية- وأنه كفر، والملائكة رسل ~~الله، فهم معصومون من الكفر. # والثاني: أنه كان من الملائكة، وإنما قيل: «من الجن» ، لأنه كان من قبيل ~~من الملائكة يقال لهم: # الجن، قاله ابن عباس وقد شرحنا هذا في سورة البقرة «1» . # قوله تعالى: ففسق عن أمر ربه فيه ثلاثة أقوال: أحدها: خرج عن طاعة ربه، ~~تقول العرب: # فسقت الرطبة من قشرها: إذا خرجت منه، قاله الفراء، وابن قتيبة. والثاني: ~~أتاه الفسق لما أمر فعصى، فكان سبب فسقه عن أمر ربه، قال الزجاج: وهذا مذهب ~~الخليل وسيبويه، وهو الحق عندنا. والثالث: # ففسق عن رد أمر ربه، حكاه الزجاج عن قطرب. # قوله تعالى: أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني أي: توالونهم بالاستجابة ~~لهم؟! قال الحسن، وقتادة: ذريته: أولاده، وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم. ~~قال مجاهد: ذريته الشياطين، ومن ذريته زلنبور صاحب راية إبليس بكل سوق، ~~وثبر، وهو صاحب المصائب، والأعور صاحب الرياء، ومسوط صاحب الأخبار يأتي بها ~~فيطرحها على أفواه الناس، فلا يوجد لها أصل، وداسم صاحب الإنسان إذا دخل ~~بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله، فهو يأكل معه إذا أكل. قال بعض أهل ~~العلم: إذا كانت خطيئة الإنسان في كبر فلا ترجه، وإن كانت في شهوة فارجه، ~~فإن معصية إبليس كانت بالكبر، ومعصية آدم بالشهوة. # قوله تعالى: بئس للظالمين بدلا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: بئس الاتخاذ ~~للظالمين بدلا. والثاني: # بئس الشيطان. والثالث: بئس الشيطان والذرية، ذكرهن ابن الأنباري. # قوله تعالى: ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض وقرأ أبو جعفر، وشيبة: «ما ~~أشهدناهم» بالنون والألف. وفي المشار إليهم أربعة أقوال: أحدها: إبليس ~~وذريته. والثاني: الملائكة. والثالث: جميع الكفار. والرابع: جميع الخلق ~~والمعنى: إني لم أشاورهم في خلقهن وفي هذا بيان للغناء عن الأعوان، وإظهار ~~كمال القدرة. قوله تعالى: ولا خلق أنفسهم أي: ما أشهدت بعضهم خلق بعض، ولا ~~استعنت ببعضهم على إيجاد بعض. PageV03P090 # قوله تعالى: وما ms1391 كنت متخذ المضلين يعني: الشياطين عضدا أي: أنصارا ~~وأعوانا. والعضد يستعمل كثيرا في معنى العون، لأنه قوام اليد، قال الزجاج: ~~والاعتضاد: التقوي وطلب المعونة، يقال: # اعتضدت بفلان، أي: استعنت به. وفي ما نفى اتخاذهم عضدا فيه قولان: ~~أحدهما: أنه الولايات، فالمعنى: ما كنت الولي المضلين، قاله مجاهد. ~~والثاني: أنه خلق السموات والأرض، قاله مقاتل. # وقرأ الحسن، والجحدري، وأبو جعفر: «وما كنت» بفتح التاء. ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 52 الى # 53] # ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا ~~بينهم موبقا (52) ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها ~~مصرفا (53) # قوله تعالى: ويوم يقول وقرأ حمزة: «نقول» بالنون، يعني: يوم القيامة ~~نادوا شركائي أضاف الشركاء إليه على زعمهم، والمراد: نادوهم لدفع العذاب ~~عنكم، أو الشفاعة لكم، الذين زعمتم أي: زعمتموهم شركاء فدعوهم فلم يستجيبوا ~~لهم أي: لم يجيبوهم، وجعلنا بينهم في المشار إليهم قولان: أحدهما: أنهم ~~المشركون والشركاء. والثاني: أهل الهدى وأهل الضلالة. وفي معنى موبقا ستة ~~أقوال «1» : أحدها: مهلكا، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك، وقال ابن ~~قتيبة: # مهلكا بينهم وبين آلهتهم في جهنم، ومنه يقال: أوبقته ذنوبه، أي أهلكته، ~~وقال الزجاج: المعنى: # جعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم، أي: يهلكهم، فالموبق: المهلك، يقال: ~~وبق، ييبق ويابق، وبقا، ووبق، يبق، وبوقا، فهو وابق وقال الفراء: جعلنا ~~تواصلهم في الدنيا موبقا، أي: مهلكا لهم في الآخرة، فالبين، على هذا القول ~~بمعنى التواصل، كقوله تعالى: لقد تقطع بينكم «2» على قراءة من ضم النون. ~~والثاني: أن الموبق: واد عميق يفرق به بين أهل الضلالة وأهل الهدى، قاله ~~عبد الله بن عمرو. والثالث: أنه واد في جهنم، قاله أنس بن مالك ومجاهد. ~~والرابع: أن معنى الموبق: العداوة، قاله الحسن. والخامس: أنه المحبس، قاله ~~الربيع بن أنس. والسادس: أنه الموعد، قاله أبو عبيدة. # قال ابن الأنباري: إن قيل: لم قال: «موبقا» ولم يقل: «موبقا» ، بضم ~~الميم، إذ كان معناه عذابا موبقا؟ فالجواب: أنه اسم موضوع لمحبس في النار، ~~والأسماء لا تؤخذ بالقياس، فيعلم ms1392 أن «موبقا» : # مفعل، من أوبقه الله: إذا أهلكه، فتنفتح ميمه كما تنفتح في موعد ومولد ~~ومحتد إذ سميت الشخوص بهن. # قوله تعالى: ورأى المجرمون النار أي: عاينوها وهي تتغيظ حنقا عليهم. ~~والمراد بالمجرمين: # الكفار. فظنوا أي: أيقنوا أنهم مواقعوها أي: داخلوها. ومعنى المواقعة: ~~ملابسة الشيء بشدة ولم يجدوا عنها مصرفا أي: معدلا والمصرف: الموضع الذي ~~يصرف إليه، وذلك أنها أحاطت بهم من كل جانب، فلم يقدروا على الهرب. ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 54 الى 55] # ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ~~(54) وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم ~~سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55) PageV03P091 # قوله تعالى: ولقد صرفنا في هذا القرآن قد فسرناه في سورة بني إسرائيل «1» ~~. # قوله تعالى: وكان الإنسان أكثر شيء جدلا فيمن نزلت قولان: أحدهما: أنه ~~النضر بن الحارث، وكان جداله في القرآن، قاله ابن عباس. والثاني: أبي بن ~~خلف، وكان جداله في البعث حين أتى بعظم قد رم، فقال: أيقدر الله على إعادة ~~هذا؟! قاله ابن السائب «2» . قال الزجاج: كل ما يعقل من الملائكة والجن ~~يجادل، والإنسان أكثر هذه الأشياء جدلا. # قوله تعالى: وما منع الناس أن يؤمنوا قال المفسرون: يعني: أهل مكة إذ ~~جاءهم الهدى وهو محمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن، والإسلام إلا أن تأتيهم ~~سنة الأولين وهو أنهم إذا لم يؤمنوا عذبوا. وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال: ~~أحدها: ما منعهم من الإيمان إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين، قاله الزجاج. # والثاني: وما منع الشيطان الناس أن يؤمنوا إلا لأن تأتيهم سنة الأولين، ~~أي: منعهم رشدهم لكي يقع العذاب بهم، ذكره ابن الأنباري. والثالث: ما منعهم ~~إلا أني قد قدرت عليهم العذاب. وهذه الآية فيمن قتل ببدر وأحد من المشركين، ~~قاله الواحدي «3» . # قوله تعالى: أو يأتيهم العذاب ذكر ابن الأنباري في أو ها هنا ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنها بمعنى الواو. والثاني: أنها لوقوع أحد الشيئين، إذ لا ~~فائدة في بيانه. والثالث: أنها ms1393 دخلت للتبعيض، أي: أن بعضهم يقع به هذا ~~وبعضهم يقع به هذا وهذه الأقوال الثلاثة قد أسلفنا بيانها في قوله تعالى: # أو كصيب من السماء. قوله تعالى: قبلا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: «قبلا» بكسر القاف وفتح الباء. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: ~~«قبلا» بضم القاف والباء. وقد بينا علة القراءتين في سورة الأنعام «4» . ~~وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود. «قبيلا» بوزن فعيل. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو ~~المتوكل «قبلا» بفتح القاف من غير ياء، قال ابن قتيبة: أراد استئنافا. فإن ~~قيل: إذا كان المراد بسنة الأولين العذاب، فما فائدة التكرار بقوله: أو ~~يأتيهم العذاب؟ # فالجواب: أن سنة الأولين أفادت عذابا مبهما يمكن أن يتراخى وقته، وتخلف ~~أنواعه، وإتيان العذاب قبلا أفاد القتل يوم بدر. قال مقاتل: «سنة الأولين» ~~: عذاب الأمم السالفة، «أو يأتيهم العذاب قبلا» ، أي: عيانا قتلا بالسيف ~~يوم بدر. ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 56 الى # 59] # وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا (56) ومن أظلم ممن ذكر ~~بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا (57) وربك ~~الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن ~~يجدوا من دونه موئلا (58) وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم ~~موعدا (59) PageV03P092 # قوله تعالى: ويجادل الذين كفروا بالباطل قال ابن عباس: يريد: المستهزئين ~~والمقتسمين وأتباعهم. وجدالهم بالباطل: أنهم ألزموه أن يأتي بالآيات على ~~أهوائهم ليدحضوا به الحق أي: # ليبطلوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: جدالهم: قولهم: أإذا ~~كنا عظاما ورفاتا «1» أإذا ضللنا في الأرض «2» ، ونحو ذلك ليبطلوا به ما ~~جاء في القرآن من ذكر البعث والجزاء. قال أبو عبيدة: ومعنى «ليدحضوا» : ~~ليزيلوا ويذهبوا، يقال: مكان دحض، أي: مزل لا يثبت فيه قدم ولا حافر. قوله ~~تعالى: # واتخذوا آياتي يعني القرآن. وما أنذروا أي: خوفوا ms1394 به من النار والقيامة ~~هزوا أي: مهزوءا به. # قوله تعالى: ومن أظلم قد شرحنا هذه الكلمة في البقرة «3» وذكر بمعنى: ~~وعظ. وآيات ربه: # القرآن، وإعراضه عنها: تهاونه بها. ونسي ما قدمت يداه أي: ما سلف من ~~ذنوبه وقد شرحنا ما بعد هذا في الأنعام «4» إلى قوله: وإن تدعهم إلى الهدى ~~وهو: الإيمان والقرآن فلن يهتدوا هذا إخبار عن علمه فيهم. قوله تعالى: وربك ~~الغفور ذو الرحمة إذ لم يعاجلهم بالعقوبة. بل لهم موعد للبعث والجزاء لن ~~يجدوا من دونه موئلا قال الفراء: الموئل: المنجى، وهو الملجأ في المعنى، ~~لأن المنجى ملجأ، والعرب تقول: إنه ليوائل إلى موضعه، أي: يذهب إلى موضعه، ~~قال الشاعر: # لا واءلت نفسك خليتها ... للعامريين، ولم تكلم # يريد: لا نجت نفسك، وأنشد أبو عبيدة للأعشى: # وقد أخالس رب البيت غفلته ... وقد يحاذر مني ثم ما يئل # أي: ما ينجو. وقال ابن قتيبة: الموئل: الملجأ. يقال: وأل فلان إلى كذا: ~~إذا لجأ. # فإن قيل: ظاهر هذه الآية يقتضي أن تأخير العذاب عن الكفار برحمة الله، ~~ومعلوم أنه لا نصيب لهم في رحمته «5» . فعنه جوابان: أحدهما: أن الرحمة ها ~~هنا بمعنى النعمة، ونعمة الله لا يخلو منها مؤمن ولا كافر. فأما الرحمة ~~التي هي الغفران والرضى، فليس للكافر فيها نصيب. والثاني: أن رحمة الله ~~محظورة على الكفار يوم القيامة، فأما في الدنيا، فإنهم ينالون منها العافية ~~والرزق. # قوله تعالى: وتلك القرى يريد: التي قصصنا عليك ذكرها، والمراد: أهلها، ~~ولذلك قال: # أهلكناهم والمراد: قوم هود، وصالح، ولوط، وشعيب. قال الفراء: وقوله: لما ~~ظلموا معناه: # بعد ما ظلموا. قوله تعالى: وجعلنا لمهلكهم قرأ الأكثرون بضم الميم وفتح ~~اللام قال الزجاج: وفيه PageV03P093 # وجهان: أحدهما: أن يكون مصدرا، فيكون المعنى: وجعلنا لإهلاكهم. والثاني: ~~أن يكون وقتا، فالمعنى: لوقت هلاكهم. وقرأ أبو بكر عن عاصم بفتح الميم ~~واللام، وهو مصدر مثل الهلاك. وقرأ حفص عن عاصم بفتح الميم وكسر اللام، ~~ومعناه: لوقت إهلاكهم. ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 60 الى # 65] # وإذ قال موسى لفتاه لا ms1395 أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا (60) ~~فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا (61) فلما ~~جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا (62) قال أرأيت ~~إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ~~واتخذ سبيله في البحر عجبا (63) قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما ~~قصصا (64) # فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما (65) # قوله تعالى: وإذ قال موسى لفتاه ... الآية. # (935) سبب خروج موسى عليه السلام في هذا السفر، ما روى ابن عباس عن أبي ~~بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن موسى قام خطيبا في بني ~~إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله تعالى عليه إذ لم يرد ~~العلم إليه، فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال ~~موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت ~~الحوت فهو ثم. # فانطلق معه فتاه يوشع بن نون، حتى إذا أتيا الصخرة، وضعا رؤوسهما فناما، ~~واضطرب أي الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر ~~سربا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق «1» . فلما ~~استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا ~~كان من الغد قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، ~~قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، فقال فتاه: ~~أرأيت إذ أوينا إلى قوله: عجبا، قال: # فكان للحوت سربا، ولموسى ولفتاه عجبا، فقال موسى: ذلك ما كنا نبغ فارتدا ~~على آثارهما قصصا قال: رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فاذا هو ~~مسجى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام! من أنت؟ قال: ~~أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا، ~~قال: إنك لن تستطيع معي صبرا يا ms1396 موسى، إني على علم من علم الله لا تعلمه ~~علمنيه، وأنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه فقال موسى: ستجدني إن شاء ~~الله صابرا PageV03P094 # ولا أعصي لك أمرا فقال له الخضر: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث ~~لك منه ذكرا فانطلقا يمشيان على الساحل، فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم، ~~فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول «1» فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر ~~قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم قد حملونا بغير ~~نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها ... إلى قوله: عسرا؟! قال: وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانت الأولى من موسى نسيانا» قال: وجاء ~~عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما علمي ~~وعلمك من علم الله عز وجل إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم ~~خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلاما يلعب ~~مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه فقتله، فقال له موسى: أقتلت نفسا ~~زكية إلى قوله: يريد أن ينقض فقال الخضر بيده «2» هكذا، فأقامه، فقال موسى: ~~قوم أتيناهم فلم يطعمونا، ولم يضيفونا لو شئت لاتخذت عليه أجرا! قال هذا ~~فراق بيني وبينك الآية» . هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في «الصحيحين» ~~، وقد ذكرنا إسناده في كتاب «الحدائق» فآثرنا الاختصار ها هنا. # فأما التفسير، فقوله تعالى: وإذ قال موسى المعنى: واذكر ذلك. وفي موسى ~~قولان: # أحدهما: أنه موسى بن عمران، قاله الأكثرون. ويدل عليه. ما روي في ~~«الصحيحين» من حديث سعيد بن جبير قال: # (936) قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى بني إسرائيل ليس هو ~~موسى صاحب الخضر، قال: كذب عدو الله، أخبرني أبي بن كعب.. فذكر الحديث الذي ~~قدمناه آنفا. # والثاني: أنه موسى بن ميشا، قاله ابن إسحاق، وليس بشيء، للحديث الصحيح ~~الذي ذكرناه فأما فتاه فهو يوشع بن نون من غير خلاف. وإنما سمي فتاه، لأنه ~~كان يلازمه، ويأخذ ms1397 عنه العلم، ويخدمه. # ومعنى لا أبرح: لا أزال. وليس المراد به: لا أزول، لأنه إذا لم يزل لم ~~يقطع أرضا، فهو مثل قولك: ما برحت أناظر عبد الله أي: ما زلت، قال الشاعر: # إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة ... وتحمل أخرى أفرحتك الودائع «3» # أي: أثقلتك، والمعنى: لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، أي: ملتقاهما، ~~وهو الموضع الذي وعده الله بلقاء الخضر فيه، قال قتادة: بحر فارس، وبحر ~~الروم، فبحر الروم نحو المغرب، وبحر فارس نحو المشرق. وفي اسم البلد الذي ~~بمجمع البحرين قولان: أحدهما: أنه إفريقية، قاله أبي بن كعب. والثاني: ~~طنجة، قاله محمد بن كعب القرظي. # قوله تعالى: أو أمضي حقبا وقرأ أبو رزين، والحسن، وأبو مجلز، وقتادة، ~~والجحدري، PageV03P095 # وابن يعمر: «حقبا» بإسكان الكاف. قال ابن قتيبة: الحقب: الدهر، والحقب: ~~السنون، واحدتها حقبة، ويقال: حقب وحقب كما يقال: قفل وقفل، وهزو وهزؤ، ~~وكفؤ وكفؤ، وأكل وأكل، وسحت وسحت، ورعب ورعب، ونكر ونكر، وأذن وأذن، وسحق ~~وسحق، وبعد وبعد، وشغل وشغل، وثلث وثلث، وعذر وعذر، ونذر ونذر، وعمر وعمر. ~~وللمفسرين في المراد بالحقب ها هنا ثمانية أقوال: أحدها: أنه الدهر، قاله ~~ابن عباس. والثاني: ثمانون سنة، قاله عبد الله بن عمرو وأبو هريرة. # والثالث: سبعون ألف سنة، قاله الحسن. والرابع: سبعون سنة، قاله مجاهد. ~~والخامس: سبعة عشر ألف سنة، قاله مقاتل بن حيان. والسادس: أنه ثمانون سنة، ~~كل يوم ألف سنة من عدد الدنيا. والسابع: # أنه سنة بلغة قيس، ذكرهما الفراء. والثامن: الحقب عند العرب وقت غير ~~محدود، قاله أبو عبيدة. # ومعنى الكلام: لا أزال أسير، ولو احتجت أن أسير حقبا. # قوله تعالى: فلما بلغا يعني: موسى وفتاه مجمع بينهما يعني: البحرين نسيا ~~حوتهما وكانا قد تزودا حوتا مالحا في زبيل «1» فكانا يصيبان منه عند الغداء ~~والعشاء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر وضع فتاه المكتل، فأصاب ~~الحوت بلل البحر. وقيل: توضأ يوشع من عين الحياة فانتضح على الحوت الماء، ~~فعاش، فتحرك في المكتل، فانسرب في البحر، وقد ms1398 كان قيل لموسى: تزود حوتا ~~مالحا، فاذا فقدته وجدت الرجل. وكان موسى حين ذهب الحوت في البحر قد مضى ~~لحاجة فعزم فتاه أن يخبره بما جرى فنسي. وإنما قيل: «نسيا حوتهما» توسعا في ~~الكلام، لأنهما جميعا تزوداه، كما يقال: نسي القوم زادهم، وإنما نسيه ~~أحدهم. قال الفراء: ومثله قوله: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # «2» وإنما يخرج ذلك من المالح، لا من العذب. وقيل: نسي يوشع أن يحمل ~~الحوت، ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء، فلذلك أضيف النسيان، إليهما. # قوله تعالى: فاتخذ سبيله في البحر سربا أي: مسلكا ومذهبا. قال ابن عباس: ~~جعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة. وقال قتادة: جعل لا ~~يسلك طريقا إلا صار الماء جامدا. وقد ذكرنا في حديث أبي بن كعب أن الماء ~~صار مثل الطاق على الحوت. # قوله تعالى: فلما جاوزا ذلك المكان الذي ذهب فيه الحوت، أصابهما ما يصيب ~~المسافر من النصب، فدعا موسى بالطعام، فقال: آتنا غداءنا وهو الطعام الذي ~~يؤكل بالغداة. والنصب: # الإعياء. وهذا يدل على إباحة إظهار مثل هذا القول عند ما يلحق الإنسان من ~~الأذى والتعب، ولا يكون ذلك شكوى. قال يوشع لموسى أرأيت إذ أوينا إلى ~~الصخرة أي: حين نزلنا هناك فإني نسيت الحوت فيه قولان: أحدهما: نسيت أن ~~أخبرك خبر الحوت. والثاني: نسيت حمل الحوت. قوله تعالى: وما أنسانيه قرأ ~~الكسائي: «أنسانيه» باماله السين مع كسر الهاء. وقرأ ابن كثير: «أنسانيهي» ~~بإثبات ياء في الوصل بعد الهاء وروى حفص عن عاصم: «أنسانيه إلا» بضم الهاء ~~في الوصل. # قوله تعالى: واتخذ سبيله في البحر عجبا الهاء في السبيل ترجع إلى الحوت. ~~وفي المتخذ قولان: أحدهما: أنه الحوت، ثم في المخبر عنه قولان: أحدهما: أنه ~~الله عز وجل، ثم في معنى PageV03P096 # الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: فاتخذ سبيله في البحر يري عجبا، ويحدث عجبا. ~~والثاني: أنه لما قال الله تعالى: واتخذ سبيله في البحر، قال: اعجبوا لذلك ~~عجبا، وتنبهوا لهذه الآية. والثالث: أن إخبار الله تعالى انقطع ms1399 عند قوله: ~~«في البحر» فقال موسى: عجبا، لما شوهد من الحوت. ذكر هذه الأقوال ابن ~~الأنباري. والثاني: أن المخبر عن الحوت يوشع، وصف لموسى ما فعل الحوت. ~~والقول الثاني: أن المتخذ موسى، اتخذ سبيل الحوت في البحر عجبا، فدخل في ~~المكان الذي مر فيه الحوت، فرأى الخضر. وروى عطية عن ابن عباس قال: رجع ~~موسى إلى الصخرة فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر، ويتبعه موسى، حتى ~~انتهى به إلى جزيرة من جزائر البحر، فلقي الخضر. # قوله تعالى: قال يعني: موسى ذلك ما كنا نبغ أي: ذلك الذي نطلب من العلامة ~~الدالة على مطلوبنا. قرأ ابن كثير «نبغي» بياء في الوصل والوقف. وقرأ نافع، ~~وأبو عمرو، والكسائي، بياء في الوقف. وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، بحذف ~~الياء في الحالين. # قوله تعالى: فارتدا على آثارهما قال الزجاج: أي: رجعا في الطريق الذي ~~سلكاه، يقصان الأثر. والقصص: اتباع الأثر. قوله تعالى: فوجدا عبدا من ~~عبادنا يعني: الخضر. # وفي اسمه أربعة أقوال: أحدها: اليسع، قاله وهب، ومقاتل. والثاني: الخضر ~~بن عاميا. # والثالث: أرميا بن حلقيا، ذكرهما ابن المنادي. والرابع: يلياء بن ملكان، ~~ذكره علي بن أحمد النيسابوري. فأما تسميته بالخضر، ففيه قولان: # (937) أحدهما: أنه جلس في فروة بيضاء فاخضرت، رواه أبو هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # والفروة: الأرض اليابسة. # والثاني: أنه كان إذا جلس اخضر ما حوله، قاله عكرمة. وقال مجاهد: كان إذا ~~صلى اخضر ما حوله. وهل كان الخضر نبيا، أم لا؟ فيه قولان: ذكرهما أبو بكر ~~بن الأنباري، وقال: كثير من الناس يذهب إلى أنه كان نبيا، وبعضهم يقول: كان ~~عبدا صالحا. واختلف العلماء هل هو باق إلى يومنا هذا، على قولين حكاهما ~~الماوردي، وكان الحسن يذهب إلى أنه مات، وكذلك كان ابن المنادي من أصحابنا ~~يقول، ويقبح قول من يرى بقاءه، ويقول: لا يثبت حديث في بقائه. وروى أبو بكر ~~النقاش أن محمد بن إسماعيل البخاري سئل عن الخضر وإلياس: هل هما في ~~الأحياء؟ فقال: كيف يكون ms1400 ذلك. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # (938) «لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» ؟! ~~قوله تعالى: آتيناه رحمة من عندنا في هذه الرحمة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ~~النبوة، قاله PageV03P097 # مقاتل. والثاني: الرقة والحنو على من يستحقه، ذكره ابن الأنباري. ~~والثالث: النعمة، قاله أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: وعلمناه من لدنا ~~أي: من عندنا علما قال ابن عباس: أعطاه علما من علم الغيب. ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 66 الى # 69] # قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) قال إنك لن تستطيع ~~معي صبرا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) قال ستجدني إن شاء ~~الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (69) # قوله تعالى: أن تعلمن قرأ ابن كثير: «تعلمني مما» بإثبات الياء في الوصل ~~والوقف. وقرأ نافع، وأبو عمرو بياء في الوصل. وقرأ ابن عامر، وعاصم بحذف ~~الياء في الحالين. # قوله تعالى: مما علمت رشدا قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ~~«رشدا» بضم الراء، وإسكان الشين خفيفة. وقرأ أبو عمرو: «رشدا» بفتح الراء ~~والشين. وعن ابن عامر بضمهما. والرشد، والرشد: لغتان، كالبخل والبخل، ~~والعجم والعجم، والعرب والعرب، والمعنى: # أن تعلمني علما ذا رشد. وهذه القصة قد حرضت على الرحلة في طلب العلم، ~~واتباع المفضول للفاضل طلبا للفضل، وحثت على الأدب والتواضع للمصحوب. # قوله تعالى: إنك لن تستطيع معي صبرا قال ابن عباس: لن تصبر على صنعي، ~~لأني علمت من غيب علم ربي. وفي هذا الصبر وجهان: أحدهما: عن الإنكار. ~~والثاني: عن السؤال. # قوله تعالى: وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا الخبر: علمك بالشيء ~~والمعنى: كيف تصبر على أمر ظاهره منكر، وأنت لا تعلم باطنه؟! قوله تعالى: ~~ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قال ابن الأنباري: نفي العصيان ~~منسوق على الصبر. والمعنى: ستجدني صابرا ولا أعصي إن شاء الله. ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 70 الى 78] # قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا ms1401 (70) فانطلقا ~~حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا ~~(71) قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ~~ترهقني من أمري عسرا (73) فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا ~~زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا (74) # قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا (75) قال إن سألتك عن شيء بعدها ~~فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا (76) فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ~~استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال ~~لو شئت لاتخذت عليه أجرا (77) قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم ~~تستطع عليه صبرا (78) # قوله تعالى: فلا تسئلني قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، ~~والكسائي: «فلا تسألني» ساكنة اللام. وقرأ نافع: «تسألني» مفتوحة اللام ~~مشددة النون. وقرأ ابن عامر في رواية الداجوني: «فلا تسألن عن شيء» بتحريك ~~اللام من غير ياء، والنون مكسورة. والمعنى: لا تسألني عن شيء مما أفعله حتى ~~أحدث لك منه ذكرا أي: حتى أكون أنا الذي أبينه لك، لأن علمه قد غاب عنك. # PageV03P098 # قوله تعالى: خرقها أي: شقها. قال المفسرون: قلع منها لوحا، وقيل: لوحين ~~مما يلي الماء، فحشاها موسى بثوبه وأنكر عليه ما فعل بقوله: أخرقتها لتغرق ~~أهلها قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: لتغرق بالتاء ~~أهلها بالنصب. وقرأ حمزة، والكسائي: «ليغرق» بالياء، أهلها برفع اللام. ~~قوله تعالى: لقد جئت شيئا إمرا وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: منكرا، قاله ~~مجاهد. # وقال الزجاج: عظيما من المنكر. والثاني: عجبا، قاله قتادة، وابن قتيبة. ~~والثالث: داهية، قاله أبو عبيدة. قوله تعالى: لا تؤاخذني بما نسيت في هذا ~~النسيان ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنه على حقيقته، وأنه نسي. # (939) روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن الأولى كانت ~~نسيانا من موسى» . # والثاني: أنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام، قاله أبي بن كعب، وابن ~~عباس. والثالث: أنه بمعنى الترك. فالمعنى: لا ms1402 تؤاخذني بما تركته مما عاهدتك ~~عليه، ذكره ابن الأنباري. # قوله تعالى: ولا ترهقني قال الفراء: لا تعجلني. وقال أبو عبيدة، وابن ~~قتيبة، والزجاج: لا تغشني. قال أبو زيد: يقال: أرهقته عسرا: إذا كلفته ذلك. ~~قال الزجاج: والمعنى: عاملني باليسر، لا بالعسر. قوله تعالى: فانطلقا يعني: ~~موسى والخضر. قال الماوردي: يحتمل أن يوشع تأخر عنهما، لأن الإخبار عن ~~اثنين، ويحتمل أن يكون معهما ولم يذكر لأنه تبع لموسى، فاقتصر على حكم ~~المتبوع. # قوله تعالى: حتى إذا لقيا غلاما اختلفوا في هذا الغلام هل كان بالغا، أم ~~لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لم يكن بالغا، قاله ابن عباس، ومجاهد، ~~والأكثرون. والثاني: أنه كان شابا قد قبض على لحيته، حكاه الماوردي عن ابن ~~عباس أيضا، واحتج بأن غير البالغ لم يجر عليه قلم، فلا يستحق القتل. وقد ~~يسمى الرجل غلاما، قالت ليلى الأخيلية تمدح الحجاج: # شفاها من الداء العضال الذي بها «2» # وفي صفة قتله له ثلاثة أقوال: أحدها: أنه اقتلع رأسه، وقد ذكرناه في حديث ~~أبي. والثاني: كسر عنقه، قاله ابن باس. والثالث: أضجعة وذبحه بالسكين، قاله ~~سعيد بن جبير. # قوله تعالى: «أقتلت نفسا زاكية» قرأ الكوفيون، وابن عامر: «زكية» بغير ~~ألف، والياء مشددة. # وقرأ الباقون بالألف من غير تشديد. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، ~~وهما بمنزلة القاسية، والقسية. وللمفسرين فيها ستة أقوال: أحدها: أنها ~~التائبة، روي عن ابن عباس أنه قال: الزكية: التائبة، وبه قال الضحاك. ~~والثاني: أنها المسلمة، روي عن ابن عباس أيضا. والثالث: أنها الزكية التي ~~لم تبلغ الخطايا، قاله سعيد بن جبير. والرابع: أنها الزكية النامية، قاله ~~قتادة. وقال ابن الأنباري: القويمة في تزكيتها. والخامس: أن الزكية: ~~المطهرة، قاله أبو عبيدة. والسادس: أن الزكية: البريئة التي لم يظهر ما ~~PageV03P099 # يوجب قتلها، قاله الزجاج. وقد فرق بعضهم بين الزاكية، والزكية، فروي عن ~~أبي عمرو بن العلاء أنه قال: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية: التي ~~أذنبت ثم تابت. وروي عن أبي عبيدة أنه قال: الزاكية في البدن، والزكية في ms1403 ~~الدين. # قوله تعالى: بغير نفس أي: بغير قتل نفس لقد جئت شيئا نكرا قرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: نكرا خفيفة في كل القرآن، إلا قوله: إلى شيء ~~نكر «1» وخفف ابن كثير أيضا «إلى شيء نكر» . وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن ~~عاصم: «نكرا» و «إلى شيء نكر» . مثقل. والمخفف إنما هو من المثقل، كالعنق، ~~والعنق، والنكر، والنكر. قال الزجاج: والمعنى: لقد أتيت شيئا نكرا. # ويجوز أن يكون معناه: جئت بشيء نكر، فلما حذف الباء، أفضى الفعل فنصب ~~نكرا، ونكرا أقل منكرا من قوله: «إمرا» لأن تغريق من في السفينة كان عنده ~~أنكر من قتل نفس واحدة. # قوله تعالى: قال ألم أقل لك. إن قيل: لم ذكر لك ها هنا، واختزله من ~~الموضع الذي قبله؟ # فالجواب: أن إثباته للتوكيد، واختزاله له لوضوح المعنى، وكلاهما معروف ~~عند الفصحاء. تقول العرب: قد قلت لك: اتق الله. وقد قلت لك: يا فلان اتق ~~الله، وأنشد ثعلب: # قد كنت حذرتك آل المصطلق ... وقلت: يا هذا أطعني وانطلق # فقوله: يا هذا، توكيد لا يختل الكلام بسقوطه. وسمعت الشيخ أبا محمد ~~الخشاب يقول: وقره في الأول، فلم يواجهه بكاف الخطاب، فلما خالف في الثاني، ~~واجهه بها. # قوله تعالى: إن سألتك عن شيء أي: سؤال توبيخ وإنكار بعدها أي: بعد هذه ~~المسألة فلا تصاحبني وقرأ كذلك معاذ القارئ، وأبو نهيك، وأبو المتوكل، ~~والأعرج، إلا أنهم شددوا النون. قال الزجاج: ومعناه: إن طلبت صحبتك فلا ~~تتابعني على ذلك. وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي عبلة، ويعقوب: «فلا تصحبني» ~~بفتح التاء من غير ألف. وقرأ ابن مسعود، وأبو العالية، والأعمش كذلك، إلا ~~أنهم شددوا النون. وقرأ أبو رجاء، وأبو عثمان النهدي، والنخعي، والجحدري: ~~«تصحبني» بضم التاء، وكسر الحاء، وسكون الصاد والباء. قال الزجاج: فيهما ~~وجهان: أحدهما: لا تتابعني في شيء ألتمسه منك. يقال: قد أصحب المهر: إذا ~~انقاد. والثاني: لا تصحبني علما من علمك. قد بلغت من لدني قرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: من ms1404 لدني مثقل. وقرأ نافع: «من ~~لدني» بضم الدال مع تخفيف النون. وروى أبو بكر عن عاصم: «من لدني» بفتح ~~اللام مع تسكين الدال. وفي رواية أخرى عن عاصم: «لدني» بضم اللام وتسكين ~~الدال. قال الزجاج: وأجودها تشديد النون، لأن أصل «لدن» الإسكان، فاذا ~~أضفتها إلى نفسك زدت نونا، ليسلم سكون النون الأولى، تقول: من لدن زيد، ~~فتسكن النون ثم تضيف إلى نفسك، فتقول: من لدني، كما تقول: عن زيد وعني. ~~فأما إسكان دال «لدني» فإنهم أسكنوها، كما تقول في عضد: عضد، فيحذفون الضم. ~~قال ابن عباس: يريد: إنك قد أعذرت فيما بيني وبينك، يعني: أنك قد أخبرتني ~~أني لا أستطيع معك صبرا. # قوله تعالى: فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية فيها ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنها أنطاكية، قاله ابن PageV03P100 # عباس. والثاني: الأبلة، قاله ابن سيرين. والثالث: باجروان، قاله مقاتل. ~~قوله تعالى: استطعما أهلها أي: سألاهم الضيافة فأبوا أن يضيفوهما روى ~~المفضل عن عاصم: «يضيفوهما» بضم الياء الأولى وكسر الضاد وتخفيف الياء ~~الثانية. وقرأ أبو الجوزاء كذلك، إلا أنه فتح الياء الأولى وقرأ الباقون: ~~«يضيفوهما» بفتح الضاد وتشديد الياء الثانية وكسرها. قال أبو عبيدة: ومعنى ~~يضيفوهما: # ينزلوهما منزل الأضياف، يقال: ضفت أنا، وأضافني الذي ينزلني. وقال ~~الزجاج: يقال: ضفت الرجل: إذا نزلت عليه، وأضفته: إذا أنزلته وقريته. قال ~~ابن قتيبة: يقال: ضيفت الرجل: إذا أنزلته منزلة الأضياف، ومنه هذه الآية، ~~وأضفته: أنزلته، وضفته: نزلت عليه. # (940) وروى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كانوا أهل ~~قرية لئاما» . # قوله تعالى: فوجدا فيها جدارا أي: حائطا. قال ابن فارس: وجمعه جدر، ~~والجدر: أصل الحائط. ومنه حديث الزبير: «ثم دع الماء يرجع إلى الجدر» «1» ، ~~والجيدر: القصير. # قوله تعالى: يريد أن ينقض وقرأ أبي بن كعب، وأبو رجاء: «ينقاض» بألف ~~ممدودة، وضاد معجمة، وقرأ ابن مسعود، وأبو العالية، وأبو عثمان النهدي: ~~«ينقاص» بألف ومدة وصاد غير معجمة، وكله بلا تشديد. قال الزجاج: فمعنى: ~~ينقض: يسقط بسرعة، وينقاص، غير معجمة: ينشق طولا، يقال: ms1405 انقاصت سنه: إذا ~~انشقت. قال ابن مقسم: يقال انقاصت سنه، وانقاضت- بالصاد، والضاد- على معنى ~~واحد. # فإن قيل: كيف نسبت الإرادة إلى ما لا يعقل؟ # فالجواب: أن هذا على وجه المجاز تشبيها بمن يعقل، ويريد: لأن هيأته في ~~التهيؤ للوقوع قد ظهرت كما يظهر من أفعال المريدين القاصدين، فوصفت ~~بالإرادة إذ كانت الصورتان واحدة، وقد أضافت العرب الأفعال إلى ما لا يعقل ~~تجوزا، قال الله عز وجل: ولما سكت عن موسى «2» والغضب لا يسكت، وإنما يسكت ~~صاحبه، وقال: فإذا عزم الأمر «3» . وأنشدوا من ذلك: # إن دهرا يلف شملي بجمل ... لزمان يهم بالإحسان «4» # وقال آخر: # ضحكوا والدهر عنهم ساكت ... ثم أبكاهم دما لما نطق # وقال آخر: # يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل «5» PageV03P101 # وقال آخر: # يشكو إلي جملي طول السرى «1» # وهذا كثير في أشعارهم. # قوله تعالى: فأقامه أي: سواه، لأنه وجده مائلا. وفي كيفية ما فعل قولان: ~~أحدهما: أنه دفعه بيده فقام. والثاني: هدمه ثم قعد يبنيه، روي القولان عن ~~ابن عباس. # قوله تعالى: لو شئت لاتخذت عليه أجرا قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «لتخذت» ~~بكسر الخاء، غير أن أبا عمرو كان يدغم الذال، وابن كثير يظهرها. وقرأ نافع، ~~وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «لاتخذت» وكلهم أدغموا، إلا حفصا عن ~~عاصم، فإنه لم يدغم مثل ابن كثير. قال الزجاج: يقال: تخذ يتخذ في معنى: ~~اتخذ يتخذ. وإنما قال له هذا، لأنهم لم يضيفوهما. قوله تعالى: # قال يعني الخضر هذا يعني الإنكار علي فراق بيني وبينك أي: هو المفرق ~~بيننا. قال الزجاج: # المعنى: هذا فراق بيننا، أي: فراق اتصالنا، وكرر «بين» توكيدا، ومثله في ~~الكلام: أخزى الله الكاذب مني ومنك. وقرأ أبو رزين، وابن السميفع، وأبو ~~العالية، وابن أبي عبلة: «هذا فراق» بالتنوين «بيني وبينك» بنصب النون. قال ~~ابن عباس: كان قول موسى في السفينة والغلام، لربه، وكان قوله في الجدار، ~~لنفسه لطلب شيء من الدنيا. ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 79 الى # 82] # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن ms1406 أعيبها وكان وراءهم ~~ملك يأخذ كل سفينة غصبا (79) وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن ~~يرهقهما طغيانا وكفرا (80) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب ~~رحما (81) وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما ~~وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك ~~وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا (82) # قوله تعالى: فكانت لمساكين في المراد بمسكنتهم قولان: أحدهما: أنهم كانوا ~~ضعفاء في أكسابهم. والثاني: في أبدانهم. وقال كعب: كانت لعشرة إخوة، خمسة ~~زمنى، وخمسة يعملون في البحر. # قوله تعالى: فأردت أن أعيبها أي: أجعلها ذات عيب، يعني بخرقها، وكان ~~وراءهم فيه قولان: # أحدهما: أمامهم، قاله ابن عباس، وقتادة، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. وقرأ ~~أبي بن كعب، وابن مسعود: # «وكان أمامهم ملك» . والثاني: خلفهم قال الزجاج: وهو أجود الوجهين. فيجوز ~~أن يكون رجوعهم في طريقهم كان عليه، ولم يعلموا بخبره، فأعلم الله تعالى ~~الخضر خبره. قوله تعالى: يأخذ كل سفينة غصبا أي: كل سفينة صالحة. وفي قراءة ~~أبي بن كعب: «كل سفينة صحيحة» قال الخضر: إنما خرقتها، لأن الملك إذا رآها ~~منخرقة تركها ورقعها أهلها فانتفعوا بها. قوله تعالى: وأما الغلام روي عن ~~ابن عباس أنه كان يقرأ: «وأما الغلام فكان كافرا» . PageV03P102 # (941) وروى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن ~~الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا» . ~~قال الربيع بن أنس: كان الغلام على الطريق لا يمر به أحد إلا قتله أو غصبه، ~~فيدعو ذلك عليه وعلى أبويه. وقال ابن السائب: كان الغلام لصا، فإذا جاء من ~~يطلبه حلف أبواه أنه لم يفعل. # قوله تعالى: فخشينا في القائل لهذا قولان: أحدهما: الله عز وجل. ثم في ~~معنى الخشية المضافة إليه قولان: أحدهما: أنها بمعنى: العلم. قال الفراء: ~~معناه: فعلمنا. والثاني: الكراهة، قاله الأخفش، والزجاج، وقال ابن عقيل: ~~المعنى: فعلنا فعل الخاشي. والثاني: أنه الخضر، فتكون الخشية بمعنى ms1407 الخوف ~~للأمر المتوهم، قاله ابن الأنباري. وقد استدل بعضهم على أنه من كلام الخضر ~~بقوله: # فأردنا أن يبدلهما ربهما. قال الزجاج: المعنى: فأراد الله، لأن لفظ الخبر ~~عن الله تعالى هكذا أكثر من أن يحصى. ومعنى يرهقهما: يحملهما على الرهق، ~~وهو الجهل. قال أبو عبيدة: «يرهقهما» : # يغشيهما. قال سعيد بن جبير: خشينا أن يحملهما حبه على أن يدخلا في دينه. ~~وقال الزجاج: فرحا به حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه ~~هلاكهما، فرضي امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره، خير له من ~~قضائه فيما يحب. قوله تعالى: فأردنا أن يبدلهما ربهما قرأ ابن كثير، وأبو ~~بكر عن عاصم: «أن يبدلهما» بالتخفيف. وقرأ نافع، وأبو عمرو بالتشديد. قوله ~~تعالى: خيرا منه زكاة فيه ثلاثة أقوال: أحدها: دينا، قاله ابن عباس. ~~والثاني: عملا، قاله مقاتل. والثالث: صلاحا، قاله الفراء. قوله تعالى: ~~وأقرب رحما قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي: «رحما» ساكنة ~~الحاء، وقرأ ابن عامر: «رحما» مثقلة. وعن أبي عمرو كالقراءتين. وقرأ ابن ~~عباس، وابن جبير، وأبو رجاء: «رحما» بفتح الراء، وكسر الحاء. وفي معنى ~~الكلام قولان: أحدهما: أوصل للرحم وأبر للوالدين، قاله ابن عباس، وقتادة. ~~وقال الزجاج: أقرب عطفا وأمس بالقرابة. ومعنى الرحم والرحم في اللغة: العطف ~~والرحمة، قال الشاعر: # وكيف بظلم جارية ... ومنها اللين والرحم «1» # والثاني أقرب أن يرحما به، قاله الفراء، وفيما بدلا به قولان: أحدهما: ~~جارية، قاله الأكثرون. # وروى عطاء عن ابن عباس، قال: أبدلهما به جارية ولدت سبعين نبيا. والثاني: ~~غلام مسلم، قاله ابن جريج. # قوله تعالى: وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة يعني: القرية ~~المذكورة في قوله تعالى: # أتيا أهل قرية، قال مقاتل: واسمهما: أصرم، وصريم. # قوله تعالى: وكان تحته كنز لهما فيه ثلاثة أقوال «2» : PageV03P103 # (942) أحدها: أنه كان ذهبا وفضة، رواه أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وقال الحسن، وعكرمة، وقتادة: كان مالا. والثاني: أنه كان لوحا ~~من ذهب، فيه مكتوب: عجبا لمن أيقن بالقدر ms1408 ثم هو ينصب، عجبا لمن أيقن بالنار ~~كيف يضحك، عجبا لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، عجبا لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، ~~عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف ~~يطمئن إليها، أنا الله الذي لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي وفي الشق ~~الآخر: أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى ~~لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته لمن خلقته للشر ~~وأجريته على يديه، رواه عطاء عن ابن عباس. قال ابن الأنباري: فسمي كنزا من ~~جهة الذهب، وجعل اسمه هو المغلب. والثالث: كنز علم، رواه العوفي عن ابن ~~عباس. وقال مجاهد: صحف فيها علم وبه قال سعيد بن جبير، والسدي. قال ابن ~~الأنباري: فيكون المعنى على هذا القول: كان تحته مثل الكنز، لأنه يتعجل من ~~نفعه أفضل مما ينال من الأموال. قال الزجاج: والمعروف في اللغة: أن الكنز ~~إذا أفرد، فمعناه: المال المدفون المدخر، فاذا لم يكن المال، قيل: عنده كنز ~~علم، وله كنز فهم، والكنز ها هنا بالمال أشبه، وجائز أن يكون الكنز كان ~~مالا، مكتوب فيه علم، على ما روي، فهو مال وعلم عظيم. # قوله تعالى: وكان أبوهما صالحا قال ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم ~~يذكر منهما صلاحا. وقال جعفر بن محمد: كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح ~~سبعة آباء. وقال مقاتل: كان أبوهما ذا أمانة. قوله تعالى: فأراد ربك قال ~~ابن الأنباري: لما كان قوله: «فأردت» «فأردنا» كل واحد منهما يصلح أن يكون ~~خبرا عن الله عز وجل، وعن الخضر، أتبعهما بما يحصر الإرادة عليه، ويزيلها ~~عن غيره، ويكشف البغية من اللفظتين الأوليين. وإنما قال: «فأردت» «فأردنا» ~~«فأراد ربك» ، لأن العرب تؤثر اختلاف الكلام على اتفاقه مع تساوي المعاني، ~~لأنه أعذب على الألسن، وأحسن موقعا في الأسماع، فيقول الرجل: قال لي فلان ~~كذا، وأنبأني بما كان، وخبرني بما نال. فأما «الأشد» فقد سبق ذكره في مواضع ~~«1» . ولو أن الخضر لم يقم الحائط ms1409 لنقض وأخذ ذلك الكنز قبل بلوغهما. قوله ~~تعالى: # رحمة من ربك أي: رحمهما الله بذلك. وما فعلته عن أمري قال قتادة: كان ~~عبدا مأمورا. فأما قوله: تسطع فإن «استطاع» و «اسطاع» بمعنى واحد. ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 83 الى # 88] # ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا (83) إنا مكنا له في ~~الأرض وآتيناه من كل شيء سببا (84) فأتبع سببا (85) حتى إذا بلغ مغرب الشمس ~~وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ~~وإما أن تتخذ فيهم حسنا (86) قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه ~~فيعذبه عذابا نكرا (87) # وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا (88) ~~PageV03P104 # قوله تعالى: ويسئلونك عن ذي القرنين قد ذكرنا سبب نزولها عند قوله تعالى: ~~ويسئلونك عن الروح «1» . واختلفوا في اسم ذي القرنين على أربعة أقوال «2» : ~~أحدها: عبد الله، قاله علي رضي الله عنه، وروي عن ابن عباس أنه عبد الله بن ~~الضحاك. والثاني: الاسكندر، قاله وهب. والثالث: عياش، قاله محمد بن علي بن ~~الحسين. والرابع: الصعب بن جابر بن القلمس، ذكره ابن أبي خيثمة. وفي علة ~~تسميته بذي القرنين عشرة أقوال: أحدها: أنه دعا قومه إلى الله تعالى، ~~فضربوه على قرنه فهلك، فغبر زمانا، ثم بعثه الله، فدعاهم إلى الله فضربوه ~~على قرنه الآخر فهلك، فذانك قرناه، قاله علي رضي الله عنه. والثاني: أنه ~~سمي بذي القرنين، لأنه سار إلى مغرب الشمس وإلى مطلعها، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. والثالث: لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس. والرابع: لأنه رأى في ~~المنام كأنه امتد من السماء إلى الأرض وأخذ بقرني الشمس، فقص ذلك على قومه، ~~فسمي بذي القرنين. والخامس: لأنه ملك الروم وفارس. والسادس: لأنه كان في ~~رأسه شبه القرنين، رويت هذه الأقوال الأربعة عن وهب بن منبه. والسابع: لأنه ~~كانت له غديرتان من شعر، قاله الحسن. قال ابن الأنباري: والعرب تسمي ~~الضفيرتين من الشعر غديرتين، وجميرتين، وقرنين قال: ومن ms1410 قال: سمي بذلك لأنه ~~ملك فارس والروم، قال: لأنهما عاليان على جانبين من الأرض يقال لهما: ~~قرنان. والثامن: لأنه كان كريم الطرفين من أهل بيت ذوي شرف. والتاسع: لأنه ~~انقرض في زمانه قرنان من الناس، وهو حي. # والعاشر: لأنه سلك الظلمة والنور، ذكر هذه الأقوال الثلاثة أبو إسحاق ~~الثعلبي. # واختلفوا هل كان نبيا، أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه كان نبيا، قاله عبد ~~الله بن عمرو، والضحاك بن مزاحم. والثاني: أنه كان عبدا صالحا، ولم يكن ~~نبيا، ولا ملكا، قاله علي رضي الله تعالى عنه. وقال وهب: كان ملكا، ولم يوح ~~إليه. PageV03P105 # وفي زمان كونه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من القرون الأول من ولد يافث بن ~~نوح، قاله علي رضي الله تعالى عنه. والثاني: أنه كان بعد ثمود، قاله الحسن. ~~ويقال: كان عمره ألفا وستمائة سنة. والثالث: # أنه كان في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، قاله وهب. # قوله تعالى: سأتلوا عليكم منه ذكرا أي: خبرا يتضمن ذكره. إنا مكنا له في ~~الأرض أي: # سهلنا عليه السير فيها. قال علي رضي الله عنه: إنه أطاع الله، فسخر له ~~السحاب فحمله عليه، ومد له في الأسباب، وبسط له النور، فكان الليل والنهار ~~عليه سواء، وقال مجاهد: ملك الأرض أربعة: # مؤمنان، وكافران سليمان بن داود، وذو القرنين والكافران: النمرود، وبخت ~~نصر. قوله تعالى: # وآتيناه من كل شيء سببا قال ابن عباس: علما يتسبب به إلى ما يريد. وقيل: ~~هو العلم بالطرق والمسالك. قوله تعالى: فأتبع سببا قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو: «فاتبع سببا» «ثم اتبع سببا» «ثم اتبع سببا» مشددات التاء. وقرأ ~~عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «فأتبع سببا» «ثم أتبع سببا» «ثم أتبع ~~سببا» مقطوعات. قال ابن الأنباري: من قرأ «فاتبع سببا» فمعناه: قفا الأثر، ~~ومن قرأ «فأتبع» فمعناه: لحق يقال: اتبعني فلان، أي تبعني، كما يقال: ~~الحقني، بمعنى: لحقني. وقال أبو علي: # «أتبع» تقديره: أتبع سببا سببا، فأتبع ما هو عليه سببا، والسبب: الطريق، ~~والمعنى: تبع طريقا ms1411 يؤديه إلى مغرب الشمس. وكان إذا ظهر على قوم أخذ منهم ~~جيشا فسار بهم إلى غيرهم. # قوله تعالى: وجدها تغرب في عين حمئة قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وحفص عن عاصم: # «حمئة» ، وهي قراءة ابن عباس. وقرأ أبن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر ~~عن عاصم: «حامية» ، وهي قراءة عمرو، وعلي، وابن مسعود، وابن الزبير، ~~ومعاوية، وأبي عبد الرحمن، والحسن، وعكرمة، والنخعي، وقتادة، وأبي جعفر، ~~وشيبة، وابن محيصن، والأعمش، كلهم لم يهمز. قال الزجاج: فمن قرأ: «حمئة» ~~أراد في عين ذات حمأة. يقال: حمأت البئر: إذا أخرجت حمأتها وأحمأتها: إذا ~~ألقيت فيها الحمأة. وحمئت فهي حمئة: إذا صارت فيها الحمأة. ومن قرأ: ~~«حامية» بغير همز أراد: حارة. وقد تكون حارة ذات حمأة. وروى قتادة عن ~~الحسن، قال: وجدها تغرب في ماء يغلي كغليان القدور ووجد عندها قوما لباسهم ~~جلود السباع، وليس لهم طعام إلا ما أحرقت الشمس من الدواب إذا غربت نحوها، ~~وما لفظت العين من الحيتان إذا وقعت فيها الشمس. وقال ابن السائب: # وجد عندها قوما مؤمنين وكافرين، يعني عند العين. وربما توهم متوهم أن هذه ~~الشمس على عظم قدرها تغوص بذاتها في عين ماء، وليس كذلك. فإنها أكبر من ~~الدنيا مرارا، فكيف يسعها عين ماء، وقيل: إن الشمس بقدر الدنيا مائة وخمسين ~~مرة، وقيل: بقدر الدنيا مائة وعشرين مرة، والقمر بقدر الدنيا ثمانين مرة ~~وإنما وجدها تغرب في العين كما يرى راكب البحر الذي لا يرى طرفه أن الشمس ~~تغيب في الماء، وذلك لأن ذا القرنين انتهى إلى آخر البنيان فوجد عينا حمئة ~~ليس بعدها أحد. # قوله تعالى: قلنا يا ذا القرنين فمن قال: إنه نبي، قال: هذا القول وحي ~~ومن قال: ليس بنبي، قال: هذا إلهام. قوله تعالى: إما أن تعذب قال المفسرون: ~~إما أن تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليهم، وإما أن تأسرهم، فتبصرهم الرشد. ~~قال أما من ظلم أي: أشرك فسوف نعذبه بالقتل إذا لم يرجع عن الشرك. وقال ~~الحسن: كان يطبخهم في القدور، ثم ms1412 يرد إلى ربه بعد العذاب فيعذبه عذابا نكرا ~~بالنار. # PageV03P106 # قوله تعالى: فله جزاء الحسنى قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم: «جزاء الحسنى» برفع مضاف. قال الفراء: «الحسنى» : الجنة، ~~وأضيف الجزاء إليها، وهي الجزاء، كقوله: وإنه لحق اليقين (51) «1» دين ~~القيمة «2» ولدار الآخرة «3» قال أبو علي الفارسي: # المعنى: فله جزاء الخلال الحسنى، لأن الإيمان والعمل الصالح خلال. وقرأ ~~حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف، ويعقوب: «جزاء» بالنصب والتنوين قال ~~الزجاج: وهو مصدر منصوب على الحال، المعنى: فله الحسنى مجزيا بها جزاء. قال ~~ابن الأنباري: وقد يكون الجزاء غير الحسنى إذا تأول الجزاء بأنه الثواب ~~والحسنى: الحسنة المكتسبة في الدنيا، فيكون المعنى: فله ثواب ما قدم من ~~الحسنات. # قوله تعالى: وسنقول له من أمرنا يسرا أي: نقول له قولا جميلا. ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 89 الى # 91] # ثم أتبع سببا (89) حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل ~~لهم من دونها سترا (90) كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (91) # قوله تعالى: ثم أتبع سببا أي: طريقا آخر يوصله إلى المشرق. قال قتادة: ~~مضى يفتح المدائن ويجمع الكنوز ويقتل الرجال إلا من آمن حتى أتى مطلع الشمس ~~فأصاب قوما في أسراب عراة، ليس لهم طعام إلا ما أحرقت الشمس إذا طلعت، فإذا ~~توسطت السماء خرجوا من أسرابهم في طلب معايشهم مما أحرقته الشمس. وبلغنا ~~أنهم كانوا في مكان لا يثبت عليه بنيان، فيقال: إنهم الزنج. وقال الحسن: # إذا غربت الشمس خرجوا يتراعون كما يتراعى الوحش. وقرأ الحسن، ومجاهد، ~~وأبو مجلز، وأبو رجاء، وابن محيصن: «مطلع الشمس» بفتح اللام. قال ابن ~~الأنباري: ولا خلاف بين أهل العربية في أن المطلع، والمطلع كلاهما يعنى ~~بهما المكان الذي تطلع منه الشمس. ويقولون: ما كان على فعل يفعل، فالمصدر ~~واسم الموضع يأتيان على المفعل، كقولهم: المدخل، للدخول، والموضع الذي يدخل ~~منه، إلا أحد عشر حرفا جاءت مكسورة إذا أريد بها المواضع، وهي: المطلع، ~~والمسكن، والمنسك، والمشرق، والمغرب، والمسجد، والمنبت، والمجزر، والمفرق، ms1413 ~~والمسقط، والمهبل، الموضع الذي تضع فيه الناقة وخمسة من هؤلاء الأحد عشر ~~حرفا سمع فيهن الكسر والفتح: المطلع، والمطلع. والمنسك، والمنسك. والمجزر، ~~والمجزر. والمسكن، والمسكن. والمنبت، والمنبت فقرأ الحسن على الأصل من ~~احتمال المفعل الوجهين الموصوفين، بفتح العين وكسرها وقراءة العامة على ~~اختيار العرب وما كثر على ألسنتها، وخصت الموضع بالكسر، وآثرت المصدر ~~بالفتح. قال أبو عمرو: المطلع، بالكسر: الموضع الذي تطلع فيه والمطلع، ~~بالفتح: الطلوع قال ابن الأنباري: هذا هو الأصل، ثم إن العرب تتسع فتجعل ~~الاسم نائبا عن المصدر، فيقرؤون: حتى مطلع الفجر «4» بالكسر وهم يعنون ~~الطلوع ويقرأ من قرأ مطلع الشمس بالفتح على أنه موضع بمنزلة المدخل الذي هو ~~اسم للموضع الذي يدخل منه. PageV03P107 # قوله تعالى: كذلك فيه أربعة أقوال: أحدها: كما بلغ مغرب الشمس بلغ ~~مطلعها. والثاني: # أتبع سببا كما أتبع سببا. والثالث: كما وجد أولئك عند مغرب الشمس وحكم ~~فيهم، كذلك وجد هؤلاء عند مطلعها وحكم فيهم. والرابع: أن المعنى: كذلك ~~أمرهم كما قصصنا عليك ثم استأنف فقال: # وقد أحطنا بما لديه أي: بما عنده ومعه من الجيوش والعدد. وحكى أبو سليمان ~~الدمشقي: «بما لديه» أي: بما عند مطلع الشمس. وقد سبق معنى الخبر «1» . ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 92 الى # 98] # ثم أتبع سببا (92) حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون ~~يفقهون قولا (93) قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل ~~نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا (94) قال ما مكني فيه ربي خير ~~فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما (95) آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى ~~بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا (96) # فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا (97) قال هذا رحمة من ربي ~~فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا (98) # قوله تعالى: ثم أتبع سببا أي: طريقا ثالثا بين المشرق والمغرب حتى إذا ~~بلغ بين السدين قال وهب بن منبه: هما جبلان منيفان في السماء، ms1414 من ورائهما ~~البحر، ومن أمامهما البلدان، وهما بمنقطع أرض الترك مما يلي بلاد أرمينية. ~~وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس قال: الجبلان من قبل أرمينية وأذربيجان. ~~واختلف القراء في «السدين» فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم بفتح ~~السين. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي بضمها. وهل ~~المعنى واحد، أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: أنه واحد. قال ابن الأعرابي: كل ما قابلك فسد ما وراءه، فهو سد، ~~وسد، نحو: الضعف والضعف، والفقر والفقر. قال الكسائي، وثعلب: السد والسد ~~لغتان بمعنى واحد، وهذا مذهب الزجاج. والثاني: أنهما يختلفان. # وفي الفرق بينهما قولان: أحدهما: أن ما هو من فعل الله تعالى فهو مضموم، ~~وما هو من فعل الآدميين فهو مفتوح، قاله ابن عباس، وعكرمة، وأبو عبيدة. قال ~~الفراء: وعلى هذا رأيت المشيخة وأهل العلم من النحويين. والثاني: أن السد، ~~بفتح السين: الحاجز بين الشيئين، والسد، بضمها: # الغشاوة في العين، قاله أبو عمرو بن العلاء. # قوله تعالى: وجد من دونهما يعني: أمام السد قوما لا يكادون يفقهون قولا ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «يفقهون» بفتح الياء، ~~أي: لا يكادون يفهمونه. قال ابن الأنباري: كقوله تعالى: وما كادوا يفعلون ~~«2» قال المفسرون: وإن كانوا كذلك لأنهم لا يعرفون غير لغتهم. وقرأ حمزة، ~~والكسائي: «يفقهون» بضم الياء، أراد: يفهمون غيرهم. وقيل: كلم ذا القرنين ~~عنهم مترجمون ترجموا. # قوله تعالى: إن يأجوج ومأجوج هما: اسمان أعجميان، وقد همزهما عاصم. قال ~~الليث: الهمز لغة رديئة. قال ابن عباس: يأجوج رجل، وهما ابنا يافث بن نوح ~~عليه السلام، فيأجوج ومأجوج عشرة PageV03P108 # أجزاء، وولد آدم كلهم جزء، وهم شبر وشبران وثلاثة أشبار. وقال علي رضي ~~الله عنه: منهم من طوله شبر، ومنهم من هو مفرط في الطول، ولهم من الشعر ما ~~يواريهم من الحر والبرد. وقال الضحاك: هم جيل من الترك. وقال السدي: الترك ~~سرية من يأجوج ومأجوج خرجت تغير، فجاء ذو القرنين فضرب السد، فبقيت خارجه. # (943) وروى شقيق عن حذيفة، ms1415 قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~يأجوج ومأجوج، فقال: # «يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم ~~حتى ينظر إلى ألف ذكر بين يديه من صلبه كل قد حمل السلاح» قلت: يا رسول ~~الله، صفهم لنا، قال: «هم ثلاثة أصناف، صنف منهم أمثال الأرز» قلت: يا رسول ~~الله: وما الأرز؟ قال: «شجر بالشام، طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السماء ~~وصنف منهم عرضه وطوله سواء، عشرون ومائة ذراع، وهؤلاء الذين لا يقوم لهم ~~جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم أذنه، ويلتحف بالأخرى ولا يمرون بفيل ~~ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام، ~~وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية» . # قوله تعالى: مفسدون في الأرض في هذا الفساد أربعة أقوال: أحدها: أنهم ~~كانوا يفعلون فعل قوم لوط، قاله وهب بن منبه. والثاني: أنهم كانوا يأكلون ~~الناس، قاله سعيد بن عبد العزيز. والثالث: # يخرجون إلى الأرض الذين شكوا منهم أيام الربيع، فلا يدعون شيئا أخضر إلا ~~أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه إلى أرضهم، قاله ابن السائب. والرابع: كانوا ~~يقتلون الناس، قاله مقاتل. # قوله تعالى: فهل نجعل لك خرجا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وعاصم: # «خرجا» بغير ألف. وقرأ حمزة، والكسائي: «خراجا» بألف. وهل بينهما فرق؟ ~~فيه قولان: أحدهما: # أنهما لغتان بمعنى واحد، قاله أبو عبيدة، والليث. والثاني: أن الخرج: ما ~~تبرعت به، والخراج: ما لزمك أداؤه، قاله أبو عمرو بن العلاء. قال المفسرون: ~~المعنى: هل نخرج إليك من أموالنا شيئا كالجعل لك؟ # قوله تعالى: ما مكني وقرأ ابن كثير: «مكنني» بنونين، وكذلك هي في مصاحف ~~مكة. قال الزجاج: من قرأ: «مكني» بالتشديد، أدغم النون في النون لاجتماع ~~النونى. ومن قرأ: «مكنني» أظهر النونين، لأنهما من كلمتين، الأولى من ~~الفعل، والثانية تدخل مع الاسم المضمر. # وفي الذي أراد بتمكينه منه قولان: أحدهما: أنه العلم بالله، وطلب ثوابه. ~~والثاني: ما ملك من الدنيا. والمعنى: الذي ms1416 أعطاني الله خير مما تبذلون لي. # قوله تعالى: فأعينوني بقوة فيها قولان: أحدهما: أنها الرجال، قاله مجاهد، ~~ومقاتل. والثاني: # الآلة، قاله ابن السائب. فأما الردم، فهو: الحاجز قال الزجاج: والردم في ~~اللغة أكبر من السد، لأن الردم: ما جعل بعضه على بعض، يقال: ثوب مردم: إذا ~~كان قد رقع رقعة فوق رقعة. قوله تعالى: PageV03P109 # آتوني زبر الحديد قرأ الجمهور: «ردما آتوني» أي: أعطوني. وروى أبو بكر عن ~~عاصم: «ردم ائتوني» بكسر التنوين، أي: جيئوني بها. قال ابن عباس: احملوها ~~إلي. وقال مقاتل: أعطوني. وقال الفرار: # المعنى: ائتوني بها، فلما ألقيت الياء زيدت ألف. فأما الزبر، فهي: القطع، ~~واحدتها: زبرة والمعنى: # فأتوه بها فبناه، حتى إذا ساوى وروى أبان «إذا سوى» بتشديد الواو من غير ~~ألف. قال الفراء: ساوى وسوى سواء. واختلف القراء في الصدفين فقرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو، وابن عامر: «الصدفين» بضم الصاد والدال، وهي: لغة حمير. وروى ~~أبو بكر والمفضل عن عاصم: «الصدفين» بضم الصاد وتسكين الدال. وقرأ نافع، ~~وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف، بفتح الصاد والدال جميعا، وهي لغة ~~تميم، واختارها ثعلب. وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء وابن يعمر: «الصدفين» بفتح ~~الصاد ورفع الدال. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو عمران، والزهري، والجحدري برفع ~~الصاد وفتح الدال. قال ابن الأنباري: ويقال: صدف، على مثال نغر، وكل هذه ~~لغات في الكلمة. قال أبو عبيدة: الصدفان: جنبا الجبل. قال الأزهري يقال ~~لجانبي الجبل: صدفان، إذا تحاذيا، لتصادفهما، أي: لتلاقيهما. قال المفسرون: ~~حشا ما بين الجبلين بالحديد، ونسج بين طبقات الحديد الحطب والفحم، ووضع ~~عليها المنافيخ، ثم قال انفخوا فنفخوا حتى إذا جعله يعني: الحديد، وقيل: ~~الهاء ترجع إلى ما بين الصدفين نارا أي: كالنار، لأن الحديد إذا أحمي ~~بالفحم والمنافيخ صار كالنار، قال آتوني قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، والكسائي: «آتوني» ممدودة، والمعنى: أعطوني، وقرأ حمزة، وأبو ~~بكر عن عاصم: «ائتوني» مقصورة والمعنى: جيئوني به أفرغه عليه. # وفي القطر أربعة أقوال: أحدها: أنه النحاس، قاله ابن عباس، ms1417 ومجاهد، ~~وقتادة، والفراء، والزجاج. والثاني: أنه الحديد الذائب، قاله أبو عبيدة. ~~والثالث: الصفر المذاب، قاله مقاتل. والرابع: # الرصاص، حكاه ابن الأنباري. قال المفسرون: أذاب القطر ثم صبه عليه، ~~فاختلط والتصق بعضه ببعض حتى صار جبلا صلدا من حديد وقطر. قال قتادة: فهو ~~كالبرد المحبر، طريقة سوداء وطريقة حمراء. قوله تعالى: فما اسطاعوا أصله: ~~فما «استطاعوا» فلما كانت التاء والطاء من مخرج واحد أحبوا التخفيف فحذفوا. ~~قال ابن الأنباري: إنما تقول العرب: اسطاع، تخفيفا، كما قالوا: سوف يقوم، ~~أو سو يقوم، فأسقطوا الفاء. قوله تعالى: أن يظهروه أي: يعلوه يقال: ظهر ~~فلان فوق البيت: إذا علاه، والمعنى: ما قدروا أن يعلوه لارتفاعه واملاسه ~~وما استطاعوا له نقبا من أسفله، لشدته وصلابته. # (944) وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن يأجوج ~~ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، PageV03P110 # حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غدا، ~~فيعودون إليه، فيرونه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله عز وجل ~~أن يبعثهم على الناس، حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذين ~~عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غدا إن شاء الله، ويستثني، فيعودون إليه وهو ~~كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس» وذكر باقي الحديث وقد ذكرت ~~هذا الحديث بطوله وأشباهه في كتاب «الحدائق» فكرهت التطويل ها هنا. # قوله تعالى: قال هذا رحمة من ربي لما فرغ ذو القرنين من بنيانه قال هذا. ~~وفيما أشار إليه قولان: # أحدهما: أنه الردم، قاله مقاتل قال: فالمعنى: هذا نعمة من ربي على ~~المسلمين لئلا يخرجوا إليهم. # والثاني: أنه التمكين الذي أدرك به عمل السد، قاله الزجاج. قوله تعالى: ~~فإذا جاء وعد ربي فيه قولان: # أحدهما: القيامة. والثاني: وعده لخروج يأجوج ومأجوج. # قوله تعالى: جعله دكاء قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «دكا» ~~منونا غير مهموز ولا ممدود. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: دكاء مهموزة بلا ~~تنوين. وقد شرحنا معنى الكلمة في سورة الأعراف «1» . قوله تعالى: وكان وعد ~~ربي حقا ms1418 أي: بالثواب والعقاب. ### | ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 99 الى # 101] # وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا (99) وعرضنا ~~جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100) الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا ~~لا يستطيعون سمعا (101) # قوله تعالى: وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض في المشار إليهم ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنهم يأجوج ومأجوج. ثم في المراد ب «يومئذ» قولان: أحدهما: ~~أنه يوم انقضى أمر السد، تركوا يموج بعضهم في بعض من ورائه مختلطين لكثرتهم ~~وقيل: ماجوا متعجبين من السد. والثاني: أنه يوم يخرجون من السد تركوا يموج ~~بعضهم في بعض. والثاني: أنهم الكفار. والثالث: أنهم جميع الخلائق: الجن ~~والإنس يموجون حيارى. فعلى هذين القولين، المراد باليوم المذكور يوم ~~القيامة. # قوله تعالى: ونفخ في الصور هذه نفخة البعث. وقد شرحنا معنى «الصور» في ~~سورة الأنعام «2» . # قوله تعالى: وعرضنا جهنم أي: أظهرناها لهم حتى شاهدوها. قوله تعالى: ~~الذين كانت أعينهم يعني: # أعين قلوبهم في غطاء أي: في غفلة عن ذكري أي: عن توحيدي والإيمان بي ~~وبكتابي وكانوا لا يستطيعون سمعا هذا لعداوتهم وعنادهم وكراهتهم ما ينذرون ~~به، كما تقول لمن يكره قولك: ما تقدر أن تسمع كلامي. ### | [سورة الكهف (18) : آية 102] # أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم ~~للكافرين نزلا (102) # قوله تعالى: أفحسب الذين كفروا أي: أفظن المشركون أن يتخذوا عبادي في ~~هؤلاء العباد ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم الشياطين، قاله ابن عباس. والثاني: ~~الأصنام، قاله مقاتل. والثالث: الملائكة والمسيح وعزير وسائر المعبودات من ~~دونه، قاله أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: من دوني فتح هذه الياء نافع، ~~وأبو عمرو. وجواب الاستفهام في هذه الآية محذوف، وفي تقديره قولان: أحدهما: ~~PageV03P111 # أفحسبوا أن يتخذوهم أولياء، كلا بل هم أعداء لهم يتبرؤون منهم. والثاني: ~~أن يتخذوهم أولياء ولا أغضب ولا أعاقبهم. وروى أبان عن عاصم، وزيد عن ~~يعقوب: «أفحسب» بتسكين السين وضم الباء، وهي قراءة علي، وابن عباس، وسعيد ~~بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وابن يعمر، وابن محيصن ومعناها: أفيكفيهم أن ~~يتخذوهم أولياء؟ ms1419 فأما النزل ففيه قولان: أحدهما: أنه ما يهيأ للضيف ~~والعسكر، قاله ابن قتيبة. والثاني: أنه المنزل، قاله الزجاج. ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 103 الى 106] # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ~~وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ~~فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا (105) ذلك جزاؤهم جهنم بما ~~كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا (106) # قوله تعالى: قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا فيهم قولان: أحدهما: أنهم ~~القسيسون والرهبان، قاله علي، والضحاك. والثاني: اليهود والنصارى، قاله سعد ~~بن أبي وقاص. # قوله تعالى: أعمالا منصوب على التمييز، لأنه لما قال: بالأخسرين كان ذلك ~~مبهما لا يدل على ما خسروه، فبين ذلك في أي نوع وقع. قوله تعالى: الذين ضل ~~سعيهم أي: بطل عملهم واجتهادهم في الدنيا، وهم يظنون أنهم محسنون بأفعالهم. ~~فرؤساؤهم يعلمون الصحيح، ويؤثرون الباطل لبقاء رئاستهم، وأتباعهم مقلدون ~~بغير دليل. أولئك الذين كفروا بآيات ربهم جحدوا دلائل توحيده، وكفروا ~~بالبعث والجزاء، وذلك أنهم بكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن، ~~صاروا كافرين بهذه الأشياء فحبطت أعمالهم أي: بطل اجتهادهم، لأنه خلا عن ~~الإيمان فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا وقرأ ابن مسعود، والجحدري: «فلا ~~يقيم» بالياء. وفي معناه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إنما يثقل الميزان ~~بالطاعة، وإنما توزن الحسنات والسيئات، والكافر لا طاعة له. والثاني: أن ~~المعنى: لا نقيم لهم قدرا. # قال ابن الأعرابي في تفسير هذه الآية: يقال: ما لفلان عندنا وزن، أي: ~~قدر، لخسته. فالمعنى: أنهم لا يعتد بهم، ولا يكون لهم عند الله قدر ولا ~~منزلة. # (945) روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يؤتى بالرجل ~~الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة، اقرءوا إن شئتم: فلا نقيم لهم ~~يوم القيامة وزنا» . # والثالث: أنه قال: «فلا نقيم لهم» لأن الوزن عليهم لا لهم، ذكره ابن ~~الأنباري. # قوله تعالى: ذلك جزاؤهم أي: الأمر ذلك الذي ذكرت من بطلان عملهم وخسة ~~قدرهم، ثم ابتدأ فقال: جزاؤهم جهنم، وقيل: ms1420 المعنى: ذلك التصغير لهم، ~~وجزاؤهم جهنم، فأضمرت واو الحال. قوله تعالى: بما كفروا أي: بكفرهم ~~واتخاذهم آياتي التي أنزلتها ورسلي هزوا أي: # مهزوءا به. ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 107 الى 108] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا (107) خالدين ~~فيها لا يبغون عنها حولا (108) PageV03P112 # قوله تعالى: كانت لهم جنات الفردوس قال ابن الأنباري: كانت لهم في علم ~~الله قبل أن يخلقوا. # وروى البخاري ومسلم في (الصحيحين) من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # (946) «جنان الفردوس أربع، ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، ~~وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيها، وليس بين القوم وبين أن ينظروا ~~إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» . # (947) وروى عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، الفردوس ~~أعلاها، ومنها تفجر أنهار الجنة، فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس» . ~~قال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنة. قال مجاهد: الفردوس: البستان بالرومية. # وقال كعب، والضحاك: «جنات الفردوس» : جنات الأعناب. قال الكلبي، والفراء: ~~الفردوس: البستان الذي فيه الكرم. وقال المبرد: الفردوس فيما سمعت من كلام ~~العرب: الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب. وقال ثعلب: كل بستان يحوط عليه ~~فهو فردوس، قال عبد الله بن رواحة: # في جنان الفردوس ليس يخافون ... خروجا عنها ولا تحويلا # وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: قال الزجاج: الفردوس أصله رومي ~~أعرب، وهو البستان، كذلك جاء في التفسير، وقد قيل: الفردوس تعرفه العرب، ~~وتسمي الموضع الذي فيه كرم: # فردوسا. وقال أهل اللغة: الفردوس مذكر، وإنما أنث في قوله تعالى: يرثون ~~الفردوس هم فيها خالدون «1» . لأنه عنى به الجنة. وقال الزجاج: وقيل: ~~الفردوس: الأودية التي تنبت ضروبا من النبت، وقيل: هو بالرومية منقول إلى ~~لفظ العربية، قال: والفردوس أيضا بالسريانية كذا لفظه: فردوس، قال: # ولم نجده في أشعار العرب إلا في شعر حسان، وحقيقته أنه البستان الذي يجمع ~~كل ما يكون ms1421 في البساتين، لأنه عند أهل كل لغة كذلك، وبيت حسان: # فإن ثواب الله كل موحد ... جنان من الفردوس فيها يخلد «2» PageV03P113 # وقال ابن الكلبي باسناده: الفردوس: البستان بلغة الروم، وقال الفراء: وهو ~~عربي أيضا، والعرب تسمي البستان الذي فيه الكرم فردوسا. وقال السدي: ~~الفردوس أصله بالنبطية «فرداسا» . وقال عبد الله بن الحارث: الفردوس: ~~الأعناب. وقد شرحنا معنى قوله: «نزلا» «1» آنفا. # قوله تعالى: لا يبغون عنها حولا قال الزجاج: لا يريدون عنها تحولا، يقال: ~~قد حال من مكانه حولا، كما قالوا في المصادر: صغر صغرا، وعظم عظما، وعادني ~~حبها عودا قال: وقد قيل أيضا: # إن الحول: الحيلة، فيكون المعنى: لا يحتالون منزلا غيرها. # فإن قيل: قد علم أن الجنة كثيرة الخير، فما وجه مدحها بأنهم لا يبغون ~~عنها حولا؟ # فالجواب: أن الإنسان قد يجد في الدار الأنيقة معنى لا يوافقه، فيحب أن ~~ينتقل إلى دار أخرى، وقد يمل، والجنة على خلاف ذلك. ### | [سورة الكهف (18) : آية 109] # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو ~~جئنا بمثله مددا (109) # قوله تعالى: قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي سبب نزولها أنه لما نزل ~~قوله تعالى: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا «2» قالت اليهود: كيف وقد ~~أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء؟ فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس «3» . ~~ومعنى الآية: لو كان ماء البحر مددا يكتب به. قال مجاهد: والمعنى: لو كان ~~البحر مدادا للقلم، والقلم يكتب. وقال ابن الأنباري: سمي المداد مدادا ~~لإمداده الكاتب، وأصله من الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء. وقرأ الحسن، ~~والأعمش: «مددا لكلمات ربي» بغير ألف. قوله تعالى: # قبل أن تنفد كلمات ربي قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: «تنفد» ~~بالتاء. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: «ينفد» بالياء. قال أبو علي: ~~التأنيث أحسن، لأن المسند إليه الفعل مؤنث، والتذكير حسن، لأن التأنيث ليس ~~بحقيقي، وإنما لم تنفد كلمات الله، لأن كلامه صفة من صفات ذاته، ولا يتطرق ~~على صفاته النفاد، ولو جئنا بمثله أي: ms1422 بمثل البحر مددا أي: زيادة والمدد: ~~كل شيء زاد في شيء. فإن قيل: لم قال في أول الآية: «مددا» وفي آخرها: ~~«مددا» وكلاهما بمعنى واحد، واشتقاقهما غير مختلف؟ فقد أجاب عنه ابن ~~الأنباري فقال: لما كان الثاني آخر آية، وأواخر الآيات ها هنا أتت على ~~الفعل، والفعل، كقوله تعالى: «نزلا» «هزوا» «حولا» كان قوله: «مددا» أشبه ~~بهؤلاء الألفاظ من المداد، واتفاق المقاطع عند أواخر الآي، وانقضاء الآيات، ~~وتمام السجع والنثر، أخف على الألسن، وأحلى موقعا في الأسماع، فاختلفت ~~اللفظتان لهذه العلة. وقد قرأ ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبو رجاء، ~~وقتادة، وابن محيصن: «ولو جئنا بمثله مددا» فحملوها على الأولى، ولم ينظروا ~~إلى المقاطع. وقراءة الأولين أبين حجة، وأوضح منهاجا. ### | [سورة الكهف (18) : آية 110] # قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ~~ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110) # قوله تعالى: قل إنما أنا بشر مثلكم قال ابن عباس: علم الله تعالى رسوله ~~التواضع لئلا يزهى PageV03P114 # على خلقه، فأمره أن يقر على نفسه بأنه آدمي كغيره، إلا أنه أكرم بالوحي. ~~قوله تعالى: فمن كان يرجوا لقاء ربه سبب نزولها أن جندب بن زهير العامري ~~قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # (948) إني أعمل العمل لله تعالى فاذا اطلع عليه سرني، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب، ولا يقبل ما روئي فيه» ~~فنزلت فيه هذه الآية، قاله ابن عباس. # (949) وقال طاوس: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني ~~أحب الجهاد في سبيل الله وأحب أن يرى مكاني، فنزلت هذه الآية. # (950) وقال مجاهد: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني ~~أتصدق، وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى، فيذكر ذلك مني وأحمد عليه ~~فيسرني ذلك وأعجب به، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. # وفي قوله: فمن كان يرجوا قولان: أحدهما: يخاف، قاله ms1423 ابن قتيبة. والثاني: ~~يأمل، وهو اختيار الزجاج. قال ابن الأنباري: المعنى: فمن كان يرجو لقاء ~~ثواب ربه. قال المفسرون. وذلك يوم البعث والجزاء. فليعمل عملا صالحا لا ~~يرائي به ولا يشرك بعبادة ربه أحدا قال سعيد بن جبير: لا يرائي. # قال معاوية بن أبي سفيان: هذه آخر آية نزلت من القرآن. PageV03P115 ### | سورة مريم # وهي مكية بإجماعهم من غير خلاف علمناه. وقال مقاتل: هي مكية غير سجدتها، ~~فإنها مدنية. # وقال هبة الله المفسر: هي مكية غير آيتين منها، قوله: فخلف من بعدهم خلف ~~والتي تليها «1» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 1 الى # 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # كهيعص (1) ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) إذ نادى ربه نداء خفيا (3) قال رب ~~إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) # وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5) ~~يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) # قوله تعالى: كهيعص قرأ ابن كثير: كهيعص (1) ذكر بفتح الهاء والياء وتبيين ~~الدال التي في هجاء «صاد» . وقرأ أبو عمرو: «كهيعص» بكسر الهاء وفتح الياء ~~ويدغم الدال في الذال، وكان نافع يلفظ بالهاء والياء بين الكسر والفتح، ولا ~~يدغم الدال التي في هجاء «صاد» في الذال من «ذكر» . وقرأ أبو بكر عن عاصم، ~~والكسائي، بكسر الهاء والياء. إلا أن الكسائي لا يبين الدال، وعاصم يبينها. ~~وقرأ ابن عامر، وحمزة، بفتح الهاء وكسر الياء ويدغمان. وقرأ أبي بن كعب: ~~«كهيعص» برفع الهاء وفتح الياء. وقد ذكرنا في أول «البقرة» ما يشتمل على ~~بيان هذا الجنس. وقد خص المفسرون هذه الحروف المذكورة ها هنا بأربعة أقوال ~~«2» : # أحدها: أنها حروف من أسماء الله عز وجل، قاله الأكثرون. ثم اختلف هؤلاء ~~في الكاف من أي اسم هو، على أربعة أقوال. أحدها: أنه من اسم الله الكبير. ~~والثاني: من الكريم. والثالث: من الكافي، روى هذه الأقوال الثلاثة سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس. والرابع: أنه من الملك، قاله محمد بن كعب. ms1424 فأما الهاء، ~~فكلهم قالوا: هي من اسمه الهادي، إلا القرظي فإنه قال: من اسمه الله. وأما ~~الياء، ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها من حكيم. والثاني: من رحيم. ~~والثالث: من أمين، روى هذه الأقوال الثلاثة سعيد بن جبير عن ابن عباس. فأما ~~العين، ففيها أربعة أقوال: أحدها: أنها من عليم. والثاني: PageV03P116 # من عالم. والثالث: من عزيز، رواها أيضا سعيد بن جبير عن ابن عباس. ~~والرابع: أنها من عدل، قاله الضحاك. وأما الصاد، ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنها من صادق. والثاني: من صدوق، رواهما سعيد أيضا عن ابن عباس. والثالث: ~~أنها من الصمد، قاله محمد بن كعب. # والقول الثاني: أن «كهيعص» قسم أقسم الله تعالى به، وهو من أسمائه، رواه ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: هو اسم من ~~اسماء الله تعالى. وروي عنه أنه كان يقول: يا كهيعص اغفر لي. قال الزجاج: ~~والقسم بهذا والدعاء لا يدل على أنه اسم واحد، لأن الداعي إذا علم أن ~~الدعاء بهذه الحروف يدل على صفات الله تعالى فدعا بها، فكأنه قال: يا كافي، ~~يا هادي، يا عالم، يا صادق، وإذا أقسم بها، فكأنه قال: والكافي الهادي ~~العالم الصادق، وأسكنت هذه الحروف لأنها حروف تهج، النية فيها الوقف. ~~والثالث: أنه اسم للسورة، قاله الحسن، ومجاهد. والرابع: اسم من أسماء ~~القرآن، قاله قتادة. # فإن قيل: لم قالوا: هايا، ولم يقولوا في الكاف: كا، وفي العين: عا، وفي ~~الصاد: صا، لتتفق المباني كما اتفقت العلل؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري، ~~فقال: حروف المعجم التسعة والعشرون تجري مجرى الرسالة والخطبة، فيستقبحون ~~فيها اتفاق الألفاظ واستواء الأوزان، كما يستقبحون ذلك في خطبهم ورسائلهم، ~~فيغيرون بعض الكلم ليختلف الوزن وتتغير المباني، فيكون ذلك أعذب على الألسن ~~وأحلى في الأسماع. # قوله تعالى: ذكر رحمت ربك قال الزجاج: الذكر مرفوع بالمضمر، المعنى: هذا ~~الذي نتلو عليك ذكر رحمة ربك عبده. قال الفراء: وفي الكلام تقديم وتأخير ~~المعنى: ذكر ربك عبده بالرحمة، و «زكريا» ms1425 في موضع نصب. # قوله تعالى: إذ نادى ربه النداء ها هنا بمعنى الدعاء. وفي علة إخفائه ~~لذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: ليبعد عن الرياء، قاله ابن جريج. والثاني: لئلا يقول الناس: ~~انظروا إلى هذا الشيخ يسأل الولد على الكبر، قاله مقاتل. والثالث: لئلا ~~يعاديه بنو عمه، ويظنوا أنه كره أن يلوا مكانه بعده، ذكره أبو سليمان ~~الدمشقي. وهذه القصة تدل على أن المستحب إسرار الدعاء، ومنه الحديث: «إنكم ~~لا تدعون أصم» . قوله تعالى: إني وهن العظم مني وقرأ معاذ القارئ، والضحاك: ~~«وهن» بضم الهاء، أي: # ضعف. قال الفراء وغيره: وهن العظم، ووهن، بفتح الهاء وكسرها والمستقبل ~~على الحالين كليهما: # يهن. وأراد أن قوة عظامه قد ذهبت لكبره وإنما خص العظم، لأنه الأصل في ~~التركيب. وقال قتادة: # شكا ذهاب أضراسه. قوله تعالى: واشتعل الرأس شيبا يعني: انتشر الشيب فيه، ~~كما ينتشر شعاع النار في الحطب، وهذا من أحسن الاستعارات. ولم أكن بدعائك ~~أي: بدعائي إياك رب شقيا أي: لم أكن لأتعب بالدعاء ثم أخيب، لأنك قد عودتني ~~الإجابة يقال: شقي فلان بكذا: إذا تعب بسببه، ولم ينل مراده. # قوله تعالى: وإني خفت الموالي يعني: الذين يلونه في النسب، وهم بنو العم ~~والعصبة من ورائي أي: من بعد موتي. وفي ما خافهم عليه قولان: # أحدهما: أنه خاف أن يرثوه، قاله ابن عباس. فإن اعترض عليه معترض، فقال: ~~كيف يجوز لنبي # PageV03P117 # أن ينفس على قراباته بالحقوق المفروضة لهم بعد موته؟ فعنه جوابان: ~~أحدهما: أنه لما كان نبيا، والنبي لا يورث، خاف أن يرثوا ماله فيأخذوا ما ~~لا يجوز لهم. والثاني: أنه غلب عليه طبع البشر، فأحب أن يتولى ماله ولده، ~~ذكرهما ابن الأنباري. قلت: وبيان هذا أنه لا بد أن يتولى ماله وإن لم يكن ~~ميراثا، فأحب أن يتولاه ولده. # والقول الثاني: أنه خاف تضييعهم للدين ونبذهم إياه، ذكره جماعة من ~~المفسرين. # وقرأ عثمان، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، وابن جبير، ومجاهد، ~~وابن أبي سرح. # عن الكسائي: «خفت» بفتح الخاء وتشديد ms1426 الفاء على معنى «قلت» فعلى هذا يكون ~~إنما خاف على علمه ونبوته ألا يورثا فيموت العلم. وأسكن ابن شهاب الزهري ~~ياء «الموالي» . # قوله تعالى: من ورائي أسكن الجمهور هذه الياء، وفتحها ابن كثير في رواية ~~قنبل. وروى عنه شبل: «وراي» مثل «عصاي» . # قوله تعالى: فهب لي من لدنك أي: من عندك وليا أي: ولدا صالحا يتولاني. # قوله تعالى: يرثني ويرث من آل يعقوب قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن ~~عامر، وحمزة: # «يرثني ويرث» برفعهما. وقرا أبو عمرو، والكسائي: «يرثني ويرث» بالجزم ~~فيهما. قال أبو عبيدة: من قرأ بالرفع، فهو على الصفة للولي فالمعنى: هب لي ~~وليا وارثا، ومن جزم، فعلى الشرط والجزاء، كقولك: إن وهبته لي ورثني. # وفي المراد بهذا الميراث أربعة أقوال «1» : أحدها: يرثني مالي، ويرث من ~~آل يعقوب النبوة، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال أبو صالح. والثاني: ~~يرثني العلم، ويرث من آل يعقوب الملك، فأجابه الله تعالى إلى وراثة العلم ~~دون الملك، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. والثالث: يرثني نبوتي وعلمي، ويرث ~~من آل يعقوب النبوة أيضا، قاله الحسن. والرابع: يرثني النبوة، ويرث من آل ~~يعقوب الأخلاق، قاله عطاء، قال مجاهد: كان زكريا من ذرية يعقوب. وزعم ~~الكلبي أن آل يعقوب كانوا أخواله، وأنه ليس بيعقوب أبي يوسف. وقال مقاتل: ~~هو يعقوب بن ماثان، وكان يعقوب هذا وعمران- أبو مريم- أخوين. والصحيح: أنه ~~لم يرد ميراث المال لوجوه: أحدها: أنه قد صح. عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # (951) «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» . PageV03P118 # PageV03P119 # والثاني: أنه لا يجوز أن يتأسف نبي الله على مصير ماله بعد موته إذا وصل ~~إلى وارثه المستحق له شرعا. والثالث: أنه لم يكن ذا مال. # (952) وقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن زكريا كان ~~نجارا. # قوله تعالى: واجعله رب رضيا قال اللغويون: أي: مرضيا، فصرف عن مفعول إلى ~~فعيل، كما قالوا: مقتول وقتيل. ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 7 الى # 11] # يا زكريا إنا ms1427 نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) قال رب ~~أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) قال كذلك ~~قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9) قال رب اجعل لي آية ~~قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10) فخرج على قومه من المحراب ~~فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11) # قوله تعالى: يا زكريا إنا نبشرك في الكلام إضمار، تقديره: فاستجاب الله ~~له فقال: «يا زكريا إنا نبشرك» . وقرأ حمزة: «نبشرك» بالتخفيف. وقد شرحنا ~~هذا في سورة آل عمران «1» . قوله تعالى: # لم نجعل له من قبل سميا فيه ثلاثة أقوال «2» : أحدها: لم يسم يحيى قبله، ~~رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، وقتادة، وابن زيد، والأكثرون. ~~فإن اعترض معترض، فقال: ما وجه المدحة باسم لم يسم به أحد قبله، ونرى كثيرا ~~من الأسماء لم يسبق إليها؟ فالجواب: أن وجه الفضيلة أن الله تعالى تولى ~~تسميته، ولم يكل ذلك إلى أبويه، فسماه باسم لم يسبق إليه. والثاني: لم تلد ~~العواقر مثله ولدا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. فعلى هذا يكون المعنى: ~~لم نجعل له نظيرا. والثالث: لم نجعل له من قبل مثلا وشبها، قاله مجاهد. ~~فعلى هذا يكون عدم الشبه من حيث أنه لم يعص ولم يهم PageV03P120 # بمعصية. وما بعد هذا مفسر في آل عمران «1» إلى قوله: وكانت امرأتي عاقرا. ~~وفي معنى «كانت» قولان: أحدهما: انه توكيد للكلام، فالمعنى: وهي عاقر، ~~كقوله: كنتم خير أمة «2» أي: أنتم. # والثاني: أنها كانت منذ كانت عاقرا، لم يحدث ذلك بها، ذكرهما ابن ~~الأنباري، واختار الأول. قوله تعالى: وقد بلغت من الكبر عتيا قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «عتيا» و «بكيا» «3» و ~~«صليا» «4» بضم أوائلها. وقرأ حمزة، والكسائي، بكسر أوائلها، وافقهما حفص ~~عن عاصم، إلا في قوله: «بكيا» فإنه ضم أوله. وقرأ ابن عباس، ومجاهد: «عسيا» ~~بالسين قال مجاهد: «عتيا» هو قحول ms1428 العظم. وقال ابن قتيبة: أي: يبسا يقال: ~~عتا وعسا بمعنى واحد. قال الزجاج: كل شيء انتهى، فقد عتا يعتو عتيا، وعتوا، ~~وعسوا، وعسيا. # قوله تعالى: قال كذلك أي: الأمر كما قيل لك من هبة الولد على الكبر قال ~~ربك هو علي هين أي: خلق يحيى علي سهل. وقرأ معاذ القارئ، وعاصم الجحدري: ~~«هين» باسكان الياء. وقد خلقتك من قبل أي: أوجدتك. قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «خلقتك» . # وقرأ حمزة، والكسائي: «خلقناك» بالنون والألف. ولم تك شيئا المعنى: فخلق ~~الولد، كخلقك. # وما بعد هذا مفسر في سورة آل عمران «5» إلى قوله: ثلاث ليال سويا قال ~~الزجاج: «سويا» منصوب على الحال، والمعنى: تمنع عن الكلام وأنت سوي. قال ~~ابن قتيبة: أي: سليما غير أخرس. # قوله تعالى: فخرج على قومه وهذا في صبيحة الليلة التي حملت فيها أمرأته ~~من المحراب أي: من مصلاه، وقد ذكرناه في سورة آل عمران «6» . قوله تعالى: ~~فأوحى إليهم فيه قولان: أحدهما: # أنه كتب إليهم في كتاب، قاله ابن عباس. والثاني: أومأ برأسه ويديه، قاله ~~مجاهد. قوله تعالى: أن سبحوا أي: صلوا بكرة وعشيا قد شرحناه في آل عمران ~~«7» ، والمعنى: أنه كان يخرج إلى قومه فيأمرهم بالصلاة بكرة وعشيا، فلما ~~حملت امرأته أمرهم بالصلاة إشارة. ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 12 الى # 15] # يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) وحنانا من لدنا وزكاة ~~وكان تقيا (13) وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14) وسلام عليه يوم ولد ~~ويوم يموت ويوم يبعث حيا (15) # قوله تعالى: يا يحيى قال الزجاج: المعنى: فوهبنا له يحيى، وقلنا له: يا ~~يحيى خذ الكتاب يعني التوراة، وكان مأمورا بالتمسك بها. وقال ابن الأنباري: ~~المعنى: اقبل كتب الله كلها إيمانا بها واستعمالا لأحكامها. وقد شرحنا في ~~سورة البقرة «8» : معنى قوله: بقوة. # قوله تعالى: وآتيناه الحكم فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه الفهم، قاله ~~مجاهد. والثاني: اللب، قاله الحسن، وعكرمة. والثالث: العلم، قاله ابن ~~السائب. والرابع: حفظ التوراة وعلمها، قاله أبو سليمان الدمشقي. وقد زدنا ~~هذا ms1429 شرحا في سورة يوسف «9» . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: # من قرأ القرآن من قبل أن يحتلم، فهو ممن أوتي الحكم صبيا. فأما قوله: ~~صبيا ففي سنه يوم أوتي PageV03P121 # الحكم قولان: # (953) أحدهما: أنه سبع سنين، رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # والثاني: ابن ثلاث سنين. قاله قتادة، ومقاتل. # قوله تعالى: وحنانا من لدنا قال الزجاج: أي وآتيناه حنانا. وقال ابن ~~الأنباري: المعنى وجعلناه حنانا لأهل زمانه. وفي الحنان ستة أقوال: أحدها: ~~أنه الرحمة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وعكرمة، ~~وقتادة، والضحاك، والفراء، وأبو عبيدة، وأنشد: # تحنن علي هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالا «1» # قال: وعامة ما يستعمل في المنطق على لفظ الاثنين، قال طرفة: # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض «2» # قال ابن قتيبة: ومنه يقال: تحنن علي، وأصله من حنين الناقة على ولدها. ~~وقال ابن الأنباري: # لم يختلف اللغويون أن الحنان: الرحمة، والمعنى: فعلنا ذلك رحمة لأبويه، ~~وتزكية له. والثاني: أنه التعطف من ربه عليه، قاله مجاهد. والثالث: أنه ~~اللين، قاله سعيد بن جبير. والرابع: البركة، وروي عن ابن جبير أيضا. ~~والخامس: المحبة، قاله عكرمة، وابن زيد. والسادس: التعظيم، قاله عطاء بن ~~أبي رباح. # وفي قوله: وزكاة أربعة أقوال: أحدها: أنها العمل الصالح، قاله الضحاك، ~~وقتادة. والثاني: # أن معنى الزكاة: الصدقة، فالتقدير: إن الله تعالى جعله صدقة تصدق بها على ~~أبويه، قاله ابن السائب. # والثالث: أن الزكاة: التطهير، قاله الزجاج. والرابع: أن الزكاة: الزيادة، ~~فالمعنى: وآتيناه زيادة في الخير على ما وصف وذكر، قاله ابن الأنباري. # قوله تعالى: وكان تقيا قال ابن عباس: جعلته يتقيني، ولا يعدل بي غيري. ~~قوله تعالى: # وبرا بوالديه # أي: وجعلناه برا بوالديه، والبر بمعنى: البار والمعنى: لطيفا بهما، محسنا ~~إليهما. # والعصي بمعنى: العاصي. وقد شرحنا معنى الجبار في سورة هود «3» . # قوله تعالى: وسلام عليه # فيه قولان: أحدهما: أنه السلام المعروف من الله تعالى، قال عطاء: # سلام عليه مني في ms1430 هذه الأيام وهذا اختيار أبي سليمان. والثاني: أنه ~~بمعنى: السلامة، قاله ابن السائب. فإن قيل: كيف خص التسليم عليه بالأيام ~~وقد يجوز أن يولد ليلا ويموت ليلا؟ فالجواب: أن المراد باليوم الحين ~~والوقت، على ما بينا في قوله: اليوم أكملت لكم دينكم «4» . قال ابن عباس: ~~PageV03P122 # وسلام عليه حين ولد. وقال الحسن البصري: التقى يحيى وعيسى، فقال يحيى ~~لعيسى: أنت خير مني، فقال عيسى ليحيى: بل أنت خير مني، سلم الله عليك، وأنا ~~سلمت على نفسي. وقال سعيد بن جبير مثله، إلا أنه قال: أثنى الله عليك، وأنا ~~أثنيت على نفسي. وقال سفيان بن عيينه: أوحش ما يكون الإنسان في ثلاثة ~~مواطن، يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن ~~عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم يره، فخص الله تعالى يحيى فيها ~~بالكرامة والسلامة في المواطن الثلاثة. ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 16 الى # 21] # واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) فاتخذت من ~~دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ~~(19) قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) # قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا ~~مقضيا (21) # قوله تعالى: واذكر في الكتاب # يعني: القرآن مريم إذ انتبذت # قال أبو عبيدة: تنحت واعتزلت مكانا شرقيا # مما يلي المشرق، وهو عند العرب خير من الغربي. قوله تعالى: فاتخذت من ~~دونهم # يعني أهلها حجابا # أي: سترا وحاجزا، وفيه ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنها ضربت سترا، قاله ~~أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أن الشمس أظلتها، فلم يرها أحد منهم، وذلك ~~مما سترها الله به، وروي هذا المعنى عن ابن عباس أيضا. والثالث: أنها اتخذت ~~حجابا من الجدران، قاله السدي عن أشياخه وفي سبب انفرادها عنهم قولان: ~~أحدهما: أنها انفردت لتطهر من الحيض وتمتشط، قاله ابن عباس. والثاني: ms1431 لتفلي ~~رأسها، قاله عطاء. # قوله تعالى: فأرسلنا إليها روحنا # وهو جبريل في قول الجمهور. وقال ابن الأنباري: صاحب روحنا، وهو جبريل. ~~والروح بمعنى: الروح والفرح، ثم تضم الراء لتحقيق مذهب الاسم، وإبطال طريق ~~المصدر، ويجوز أن يراد بالروح ها هنا: الوحي وجبريل صاحب الوحي. # وفي وقت مجيئه إليها ثلاثة أقوال: أحدها: وهي تغتسل. والثاني: بعد ~~فراغها، ولبسها الثياب. # والثالث: بعد دخولها بيتها. وقد قيل: المراد بالروح ها هنا: الروح الذي ~~خلق منه عيسى، حكاه الزجاج، والماوردي، وهو مضمون كلام أبي بن كعب فيما ~~سنذكره عند قوله: فحملته قال ابن الأنباري: وفيه بعد، لقوله: فتمثل لها ~~بشرا سويا # ، والمعنى: تصور لها في صورة البشر التام PageV03P123 # الخلقة. وقال ابن عباس: جاءها في صورة شاب أبيض الوجه جعد قطط حين طر ~~شاربه. وقرأ أبو نهيك وأبو حيوة: «فأرسلنا إليها روحنا» بفتح الراء. # قوله تعالى: قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا # المعنى: إن كنت تتقي الله، فستنتهي بتعوذي منك، هذا هو القول عند ~~المحققين، وحكي عن ابن عباس أنه كان في زمانها رجل اسمه تقي، وكان فاجرا، ~~فظنته إياه، ذكره ابن الأنباري، والماوردي. وفي قراءة علي رضي الله عنه، ~~وابن مسعود، وأبي رجاء: «إلا أن تكون تقيا» . قوله تعالى: قال إنما أنا ~~رسول ربك # أي: فلا تخافي لأهب لك # قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «لأهب لك» ~~بالهمز. وقرأ أبو عمرو، وورش عن نافع: «ليهب لك» بغير همز. قال الزجاج: من ~~قرأ «ليهب» فالمعنى: أرسلني ليهب ومن قرأ «لأهب» فالمعنى أرسلت إليك لأهب ~~لك، وقال ابن الأنباري المعنى: أرسلني يقول لك: أرسلت رسولي إليك لأهب لك. # قوله تعالى: غلاما زكيا # أي: طاهرا من الذنوب. والبغي: الفاجرة والزانية. قال ابن الأنباري: وإنما ~~لم يقل: «بغية» لأنه وصف يغلب على النساء، فقلما تقول العرب: رجل بغي، ~~فيجري مجرى حائض، وعاقر. وقال غيره: إنما لم يقل: «بغية» لأنه مصروف عن ~~وجهه، فهو «فعيل» بمعنى: # «فاعل» . ومعنى الآية: ليس لي زوج، ولست بزانية، ms1432 وإنما يكون الولد من ~~هاتين الجهتين. قال كذلك قال ربك قد شرحناه في قصة زكريا، والمعنى: أنه ~~يسير علي أن أهب لك غلاما من غير أب. ولنجعله آية للناس أي: دلالة على ~~قدرتنا كونه من غير أب. قال ابن الأنباري: إنما دخلت الواو في قوله: ~~ولنجعله لأنها عاطفة لما بعدها على كلام مضمر محذوف، تقديره: قال ربك خلقه ~~علي هين لننفعك به، ولنجعله عبرة. # قوله تعالى: ورحمة منا أي: لمن تبعه وآمن به وكان أمرا مقضيا أي: وكان ~~خلقه أمرا محكوما به، مفروغا عنه، سابقا في علم الله تعالى كونه. ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 22 الى # 26] # فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت ~~يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23) فناداها من تحتها ألا تحزني قد ~~جعل ربك تحتك سريا (24) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25) ~~فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما ~~فلن أكلم اليوم إنسيا (26) # قوله تعالى: فحملته يعني: عيسى. وفي كيفية حملها له قولان: أحدهما: أن ~~جبريل نفخ في جيب درعها، فاستمر بها حملها، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. ~~قال السدي: نفخ في جيب درعها وكان مشقوقا من قدامها، فدخلت النفخة في صدرها ~~فحملت من وقتها. والثاني: أن الذي خاطبها هو الذي حملته، ودخل من فيها، ~~قاله أبي بن كعب «1» . PageV03P124 # وفي مقدار حملها سبعة أقوال: أحدها: أنها حين حملت وضعت، قاله ابن عباس، ~~والمعنى: أنه ما طال حملها، وليس المراد أنها وضعته في الحال، لأن الله ~~تعالى يقول: فحملته فانتبذت به، وهذا يدل على أن بين الحمل والوضع وقتا ~~يحتمل الانتباذ به. والثاني: أنها حملته تسع ساعات، ووضعت من يومها، قاله ~~الحسن. والثالث: تسعة أشهر قاله سعيد بن جبير، وابن السائب. والرابع: # ثلاث ساعات، حملته في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ساعة، قاله مقاتل بن ~~سليمان. # والخامس: ثمانية أشهر، فعاش، ولم يعش مولود قط لثمانية أشهر، فكان في هذا ~~آية، ms1433 حكاه الزجاج. # والسادس: في ستة أشهر، حكاه الماوردي. والسابع: في ساعة واحدة، حكاه ~~الثعلبي. # قوله تعالى: فانتبذت به يعني بالحمل مكانا قصيا أي: بعيدا. وقرأ ابن ~~مسعود، وابن أبي عبلة: «قاصيا» . قال ابن إسحاق: مشت ستة أميال. قال ~~الفراء: القصي والقاصي بمعنى واحد. # وقال غير الفراء: القصي والقاصي بمنزلة الشهيد والشاهد. وإنما بعدت، ~~فرارا من قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج. # قوله تعالى: فأجاءها المخاض وقرأ عكرمة، وإبراهيم النخعي، وعاصم الجحدري: # «المخاض» بكسر الميم. قال الفراء: المعنى: فجاء بها المخاض، فلما ألقيت ~~الباء، جعلت في الفعل ألفا، ومثله: آتنا غداءنا «1» أي: ومثله: آتوني زبر ~~الحديد «2» أي: بزبر الحديد. قال أبو عبيدة: # أفعلها من جاءت هي فأجاءها غيرها. وقال ابن قتيبة: المعنى: جاء بها، ~~وألجأها، وهو من حيث يقال: جاءت بي الحاجة إليك، وأجاءتني الحاجة إليك، ~~والمخاض: الحمل. وقال غيره: المخاض: # وجع الولادة. إلى جذع النخلة وهو ساق النخلة، وكانت نخلة يابسة في ~~الصحراء، ليس لها رأس ولا سعف. قالت يا ليتني مت قبل هذا اليوم، أو هذا ~~الأمر، وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص: «مت» بكسر الميم. وفي سبب ~~قولها هذا قولان: أحدهما: أنها قالته حياء من الناس. # والثاني: لئلا يأثموا بقذفها. # قوله تعالى: وكنت نسيا منسيا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، بكسر النون، وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم: «نسيا» ~~بفتح النون، قال الفراء: # وأصحاب عبد الله يقرءون: «نسيا» بفتح النون وسائر العرب بكسرها، وهما ~~لغتان، مثل الجسر والجسر، والوتر والوتر، والفتح أحب إلي، قال أبو علي ~~الفارسي: الكسر على اللغتين. وقال ابن الأنباري: من كسر النون قال: النسي: ~~اسم لما ينسى، بمنزلة البغض اسم لما يبغض، والسب اسم لما يسب. والنسي بفتح ~~النون: اسم لما ينسى أيضا على أنه مصدر ناب عن الاسم، كما يقال: الرجل دنف، ~~ودنف، فالمكسور: هو الوصف الصحيح، والمفتوح: مصدر سد مسد الوصف. ويمكن أن ~~يكون النسي والنسي اسمين لمعنى، كما يقال: الرطل والرطل. # وللمفسرين في ms1434 قوله تعالى: نسيا منسيا خمسة أقوال: أحدها: يا ليتني لم أكن ~~شيئا، قاله الضحاك عن ابن عباس وبه قال عطاء وابن زيد. والثاني: «وكنت نسيا ~~منسيا» أي دم حيضة ملقاة «3» ، PageV03P125 # قاله مجاهد، وعيد بن جبير، وكرمة. قال الفراء: النسي: ما تلقيه المرأة من ~~خرق اعتلالها. وقال ابن الأنباري: هي خرق الحيض تلقيها المرأة فلا تطلبها ~~ولا تذكرها. والثالث: أنه السقط، قاله أبو العالية والربيع. والرابع: أن ~~المعنى: ليتني لا يدرى من أنا، قاله قتادة. والخامس: أنه الشيء التافه ~~يرتحل عنه القوم، فيهون عليهم فلا يرجعون إليه، قاله ابن السائب، وقال أبو ~~عبيدة: النسي والمنسي: ما ينسى من إداوة وعصا. يعني أنه ينسى في المنزل فلا ~~يرجع إليه لاحتقار صاحبه إياه. وقال الكسائي: معنى الآية ليتني كنت ما إذا ~~ذكر لم يطلب. # قوله تعالى: فناداها من تحتها قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر وأبو ~~بكر عن عاصم: «من تحتها» بفتح الميم، والتاء. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، ~~وحفص عن عاصم: «من تحتها» بكسر الميم والتاء، فمن قرأ بكسر الميم، ففيه ~~وجهان «1» : أحدهما: ناداها الملك من تحت النخلة. وقيل: # كانت على نشز، فناداها الملك أسفل منها. والثاني: ناداها عيسى لما خرج من ~~بطنها. قال ابن عباس: # كل ما رفعت إليه طرفك، فهو فوقك، وكل ما خفضت إليه طرفك، فهو تحتك. ومن ~~قرأ من تحتها بفتح الميم، ففيه الوجهان المذكوران، وكان الفراء يقول: ما ~~خاطبها إلا الملك على القراءتين جميعا. # قوله تعالى: قد جعل ربك تحتك سريا فيه قولان» # : أحدهما: أنه النهر الصغير، قاله جمهور المفسرين، واللغويون، قال أبو ~~صالح، وابن جريج: هو الجدول بالسريانية. والثاني: أنه عيسى كان سريا من ~~الرجال، قاله الحسن، وعكرمة، وابن زيد، قال ابن الأنباري: وقد رجع الحسن عن ~~هذا القول إلى القول الأول، ولو كان وصفا لعيسى، كان غلاما سريا أو سريا من ~~الغلمان، وقلما تقول العرب: رأيت عندك نبيلا، حتى يقولوا: رجلا نبيلا. # فإن قيل: كيف ناسب تسليتها أن قيل: لا تحزني، فهذا نهر يجري؟ فالجواب ms1435 من ~~وجهين: # أحدهما: أنها حزنت لجدب مكانها الذي ولدت فيه، وعدم الطعام والشراب ~~والماء الذي يتطهر به، فقيل: لا تحزني قد أجرينا لك نهرا، وأطلعنا لك رطبا، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنها حزنت لما جرى عليها من ولادة ولد ~~عن غير زوج، فأجرى الله تعالى لها نهرا، فجاءها من الأردن، وأخرج لها الرطب ~~من الشجرة اليابسة، فكان ذلك آية تدل على قدرة الله عز وجل في إيجاد عيسى، ~~قاله مقاتل. # قوله تعالى: وهزي إليك الهز: التحريك. والباء في قوله تعالى: بجذع النخلة ~~فيها ثلاثة أقوال: أحدهما: أنها زائدة، كقوله تعالى: فليمدد بسبب إلى ~~السماء قال الفراء: معناه: فليمدد سببا. # والعرب تقول: هزه، وهز به، وخذ الخطام وخذ بالخطام، وتعلق زيدا وتعلق به. ~~والثاني: أنها مؤكدة، كقول الشاعر: # نضرب بالسيف ونرجو بالفرج «3» PageV03P126 # هذا مذهب أبي عبيدة. # والثالث: أنها دخلت على الجذع لتلصقه بالهز، فهي مفيدة للالصاق، قاله ابن ~~الأنباري. # قوله تعالى: تساقط قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، ~~وأبو بكر عن عاصم: «تساقط» بالتاء مشددة السين، وقرأ حمزة، وعبد الوارث: ~~«تساقط» بالتاء مفتوحة مخففة السين، وقرأ حفص عن عاصم: «تساقط» بضم التاء ~~وكسر القاف مخففة السين، وقرأ يعقوب، وأبو زيد عن المفضل: «يساقط» بالياء ~~مفتوحة وتشديد السين وفتح القاف. فهذه القراءات المشاهير. وقرأ أبي بن كعب، ~~وأبو حيوة: «يسقط» بفتح الياء وسكون السين ورفع القاف. وقرأ عبد الله بن ~~عمرو، وعائشة، والحسن: «يساقط» بألف وتخفيف السين ورفع الياء وكسر القاف. ~~وقرأ الضحاك، وعمرو بن دينار: # «يسقط» برفع الياء وكسر القاف مع سكون السين وعدم الألف. وقرأ عاصم ~~الجحدري، وأبو عمران الجوني مثله، إلا أنه بالتاء. وقرأ معاذ القارئ، وابن ~~يعمر مثله، إلا أنه بالنون. وقرأ أبو رزين العقيلي، وابن أبي عبلة: «تسقط» ~~بالتاء مفتوحة مع سكون السين ورفع القاف. وقرأ أبو السمال العدوي، وابن ~~حذلم: «تتساقط» بتاءين مفتوحين وبألف. وقال الزجاج: من قرأ «يساقط» ~~فالمعنى: يتساقط، فأدغمت التاء في السين. ومن قرأ «تساقط» فكذلك أيضا، ms1436 وأنث ~~لأن لفظ النخلة مؤنث. ومن قرأ «تساقط» بالتاء والتخفيف، فإنه حذف من ~~«تتساقط» اجتماع التاءين. ومن قرأ «يساقط» ذهب إلى معنى: يساقط الجذع عليك. ~~ومن قرأ «نساقط» بالنون، فالمعنى: نحن نساقط عليك، فنجعله لك آية، ~~والنحويون يقولون: # إن «رطبا» منصوب على التمييز إذا قلت: يساقط أو يتساقط، المعنى: يتساقط ~~الجزع رطبا. وإذا قلت: # تساقط بالتاء، فالمعنى: تتساقط النخلة رطبا. # قوله تعالى: جنيا قال الفراء: الجني: المجتنى، وقال ابن الأنباري: هو ~~الطري، والأصل: # مجنو، صرف من مفعول إلى فعيل، كما يقال: قديد، وطبيخ، وقال غيره: هو ~~الطري بغباره ولم يكن لتلك النخلة رأس، فأنبته الله تعالى، فلما وضعت يدها ~~عليه، سقط الرطب رطبا وكان السلف يستحبون للنفساء الرطب من أجل مريم عليها ~~السلام. # قوله تعالى: فكلي أي: من الرطب واشربي من النهر وقري عينا بولادة عيسى ~~عليه السلام. قال الزجاج: يقال: قررت به عينا أقر، بفتح القاف في المستقبل ~~وقررت في المكان أقر بكسر القاف، «وعينا» : منصوب على التمييز. وروى ابن ~~الأنباري عن الأصمعي أنه قال: معنى «وقري عينا» ولتبرد دمعتك، لأن دمعة ~~الفرح باردة، ودمعة الحزن حارة. واشتقاق «قري» من القرور، وهو الماء ~~البارد. وقال لنا أحمد بن يحيى: تفسير «قري عينا» بلغت غاية أملك حتى تقر ~~عينك من الاستشراف إلى غيره. واحتج بقول عمرو بن كلثوم: # بيوم كريهة ضربا وطعنا ... أقر به مواليك العيونا «1» # أي ظفروا وبلغوا منتهى أمنيتهم، فقرت أعينهم من تطلع إلى غيره. # قوله تعالى: فإما ترين وقرأ ابن عباس، وأبو مجلز، وابن السميفع، والضحاك، ~~وأبو العالية، PageV03P127 # وعاصم الجحدري: «ترئن» بهمزة مكسورة من غير ياء. أي: إن رأيت من البشر ~~أحدا فقولي وفيه إضمار تقديره: فسألك عن أمر ولدك. فقولي إني نذرت للرحمن ~~صوما فيه قولان: # أحدهما: صمتا، قاله ابن عباس، وأنس بن مالك، والضحاك. وكذلك قرأ أبي بن ~~كعب وأبو رزين العقيلي: «صمتا» مكان قوله: «صوما» وقرأ ابن عباس: صياما. ~~والثاني: صوما عن الطعام والشراب والكلام، قاله قتادة. وقال ابن زيد: كان ~~المجتهد من بني ms1437 إسرائيل يصوم عن الكلام كما يصوم عن الطعام، إلا من ذكر ~~الله عز وجل. قاله السدي: فأذن لها أن تتكلم بهذا القدر ثم تسكت. قال ابن ~~مسعود: أمرت بالصمت، لأنها لم تكن لها حجة عند الناس، فأمرت بالكف عن ~~الكلام ليكفيها الكلام ولدها بما يبرئ به ساحتها. وقيل: كانت تكلم الملائكة ~~ولا تكلم الإنس. قال ابن الأنباري: الصوم في لغة العرب على أربعة معان، ~~يقال: صوم لترك الطعام الشراب وصوم للصمت، وصوم لضرب من الشجر، وصوم لذرق ~~النعام. # واختلف العلماء في مقدار سن مريم يوم ولادتها على ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنها ولدت وهي بنت خمس عشرة سنة، قاله وهب بن منبه. والثاني: بنت اثنتي ~~عشرة، قاله زيد بن أسلم. والثالث: بنت ثلاث عشرة سنة، قاله مقاتل. ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 27 الى # 33] # فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) يا أخت هارون ~~ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلم ~~من كان في المهد صبيا (29) قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) ~~وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) # وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ~~ويوم أبعث حيا (33) # قوله تعالى: فأتت به قومها تحمله قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أتتهم ~~به بعد أربعين يوما حين طهرت من نفاسها. وقال في رواية الضحاك: انطلق قومها ~~يطلبونها، فلما رأتهم حملت عيسى فتلقتهم به، فلذلك قوله عز وجل: فأتت به ~~قومها تحمله. # فإن قيل: «أتت به» يغني عن «تحمله» فما فائدة التكرير؟ فالجواب: أنه لما ~~ظهرت منه آيات، جاز أن يتوهم السامع «فأتت به» أن يكون ساعيا على قدميه، ~~فيكون سعية آية كنطقه، فقطع ذلك التوهم، وأعلم أنه كسائر الأطفال، وهذا مثل ~~قول العرب: نظرت إلى فلان بعيني، فنفوا بذلك نظر العطف والرحمة، وأثبتوا ~~أنه نظر عين. وقال ابن السائب: لما دخلت على قومها بكوا، وكانوا قوما ~~صالحين وقالوا يا ms1438 مريم لقد جئت شيئا فريا وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: شيئا ~~عظيما، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، قال الفراء: الفري: العظيم، والعرب ~~تقول: تركته يفري الفري، إذا عمل فأجاد العمل ففضل الناس، قيل هذا فيه. # (954) قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فما رأيت عبقريا يفري فري عمر» . ~~PageV03P128 # والثاني: عجبا فائقا، قاله أبو عبيدة. والثالث: شيئا مصنوعا، ومنه يقال: ~~فريت الكذب، وافتريته، قاله اليزيدي. # قوله تعالى: يا أخت هارون في المراد بهارون هذا خمسة أقوال: أحدها: أنه ~~أخ لها من أمها، وكان من أمثل فتى في بني إسرائيل، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. وقال الضحاك: كان من أبيها وأمها. والثاني: أنها كانت من بني هارون، ~~قاله الضحاك عن ابن عباس. وقال السدي: كانت من بني هارون أخي موسى عليهما ~~السلام، فنسبت إليه، لأنها من ولده. والثالث: أنه رجل صالح كان من بني ~~إسرائيل، فشبهوها به في الصلاح، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا، وقتادة، ويدل ~~عليه ما روى المغيرة بن شعبة قال: # (955) بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران، فقالوا: ألستم ~~تقرؤون: «يا أخت هارون» وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى؟ فلم أدر ما ~~أجيبهم، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: «ألا ~~أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم» . # والرابع: أن قوم هارون كان فيهم فساق وزناة، فنسبوها إليهم، قاله سعيد بن ~~جبير. # والخامس: أنه رجل من فساق بني إسرائيل شبهوها به، قاله وهب بن منبه. # فعلى هذا يخرج في معنى «الأخت» قولان: أحدهما: أنها الأخت حقيقة. ~~والثاني: المشابهة، لا المناسبة، كقوله تعالى: وما نريهم من آية إلا هي ~~أكبر من أختها «1» . # قوله تعالى: ما كان أبوك يعنون: عمران امرأ سوء أي: زانيا وما كانت أمك ~~حنة بغيا زانية، فمن أين لك هذا الولد؟! قوله تعالى: فأشارت أي: أومأت إليه ~~أي: إلى عيسى فتكلم، وقيل المعنى: أشارت إليه أن كلموه. وكان عيسى قد كلمها ~~حين أتت به قومها وقال: يا أماه أبشري فإني ms1439 عبد الله ومسيحه، فلما أشارت أن ~~كلموه، تعجبوا من ذلك، وقالوا كيف نكلم من كان وفيها أربعة أقوال: أحدها: ~~أنها زائدة، فالمعنى: كيف نكلم صبيا في المهد؟! والثاني: أنها في معنى: ~~وقع، وحدث. والثالث: أنها في معنى الشرط والجزاء، فالمعنى: من يكن في المهد ~~صبيا، فكيف نكلمه؟! حكاها الزجاج واختار الأخير منها، قال ابن الأنباري: ~~وهذا كما تقول: كيف أعظ من كان لا يقبل موعظتي؟! أي: من يكن لا يقبل، ~~والماضي يكون بمعنى المستقبل في الجزاء. والرابع: أن «كان» بمعنى صار، قاله ~~قطرب. # وفي المراد بالمهد قولان: أحدهما: حجرها، قال نوف، وقتادة، والكلبي. ~~والثاني: سرير الصبي PageV03P129 # المعروف، حكاه الكلبي أيضا. # قال السدي: فلما سمع عيسى كلامهم، لم يزد على أن ترك الرضاع، وأقبل عليهم ~~بوجهه، فقال: إني عبد الله، قال المفسرون: إنما قدم ذكر العبودية، ليبطل ~~قول من ادعى فيه الربوبية. # وفي قوله: آتاني الكتاب أسكن هذه الياء حمزة. وفي معنى الآية قولان: ~~أحدهما: أنه آتاه الكتاب وهو في بطن أمه، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقيل: ~~علم التوراة والإنجيل وهو في بطن أمه. والثاني: قضى أن يؤتيني الكتاب، قاله ~~عكرمة. وفي الكتاب قولان: أحدهما: أنه التوراة. # والثاني: الإنجيل. قوله تعالى: وجعلني نبيا هذا وما بعده إخبار عما قضى ~~الله له وحكم له به ومنحه إياه مما سيظهر ويكون. وقيل: المعنى: يؤتيني ~~الكتاب ويجعلني نبيا إذا بلغت فحل الماضي محل المستقبل، كقوله تعالى: وإذ ~~قال الله يا عيسى «1» . وفي وقت تكليمه لهم قولان: أحدهما: أنه كلمهم بعد ~~أربعين يوما. والثاني: في يومه. وهو مبني على ما ذكرنا من الزمان الذي غابت ~~عنهم فيه مريم. # قوله تعالى: وجعلني مباركا أين ما كنت. # (956) روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال: ~~«نفاعا حيثما توجهت» . وقال مجاهد: معلما للخير. # وفي المراد «بالزكاة» قولان: أحدهما: زكاة الأموال، قاله ابن السائب. ~~والثاني: الطهارة: قاله الزجاج. قوله تعالى: وبرا بوالدتي قال ابن عباس: ~~لما قال هذا، ولم يقل: «بوالدي» ms1440 علموا أنه ولد من غير بشر. قوله تعالى: ولم ~~يجعلني جبارا أي: متعظما شقيا عاصيا لربه والسلام علي يوم ولدت قال ~~المفسرون: السلامة علي من الله يوم ولدت حتى لم يضرني شيطان. وقد سبق تفسير ~~الآية. فإن قيل: لم ذكر ها هنا «السلام» بألف ولام، وذكره في قصة يحيى بلا ~~ألف ولام؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أنه لما جرى ذكر السلام قبل هذا الموضع بغير ألف ولام، كان ~~الأحسن أن يرد ثانية بألف ولام، هذا قول الزجاج. وقد اعترض على هذا القول، ~~فقيل: كيف يجوز أن يعطف هذا وهو قول عيسى، على الأول وهو قول الله عز وجل؟! ~~وقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال: عيسى إنما يتعلم من ربه، فيجوز أن يكون ~~سمع قول الله في يحيى، فبنى عليه وألصقه بنفسه، ويجوز أن يكون الله عز وجل ~~عرف السلام الثاني لأنه أتى بعد سلام قد ذكره، وأجراه عليه غير قاصد به ~~إتباع اللفظ المحكي، لأن المتكلم، له أن يغير بعض الكلام الذي يحكيه، ~~فيقول: قال عبد الله: أنا رجل منصف، يريد: قال لي عبد الله: أنت رجل منصف. ~~والجواب الثاني: أن سلاما والسلام لغتان بمعنى واحد، ذكره ابن الأنباري. ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 34 الى # 36] # ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ~~ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) وإن الله ربي وربكم ~~فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) PageV03P130 # قوله تعالى: ذلك عيسى ابن مريم قال الزجاج: أي، ذلك الذي قال: إني عبد ~~الله، هو ابن مريم، لا ما تقول النصارى: إنه ابن الله، وإنه إله. قوله ~~تعالى: قول الحق قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وحمزة، والكسائي: «قول ~~الحق» برفع اللام. وقرأ عاصم، وابن عامر، ويعقوب بنصب اللام. قال الزجاج: ~~من رفع «قول الحق» فالمعنى: هو قول الحق، يعني هذا الكلام ومن نصب، ~~فالمعنى: أقول قول الحق. وذكر ابن الأنباري في الآية وجهين: أحدهما: أنه ~~لما وصف بالكلمة جاز أن ينعت ms1441 بالقول. والثاني: أن في الكلام إضمارا، ~~تقديره: ذلك نبأ عيسى، ذلك النبأ قول الحق. قوله تعالى: الذي فيه يمترون ~~أي: يشكون. قال قتادة: امترت اليهود فيه والنصارى، فزعم اليهود أنه ساحر، ~~وزعم النصارى أنه ابن الله وثالث ثلاثة. قرأ أبو مجلز، ومعاذ القارئ، وابن ~~يعمر، وأبو رجاء: # «تمترون» بالتاء. # قوله تعالى: ما كان لله أن يتخذ من ولد قال الزجاج: المعنى: أن يتخذ ~~ولدا. و «من» مؤكدة تدل على نفي الواحد والجماعة، لأن للقائل أن يقول: ما ~~اتخذت فرسا، يريد: اتخذت أكثر من ذلك، وله أن يقول: ما اتخذت فرسين ولا ~~أكثر، يريد: اتخذت فرسا واحدا فإذا قال: ما اتخذت من فرس، فقد دل على نفي ~~الواحد والجميع. قوله تعالى: كن فيكون وقرأ أبو عمران الجوني، وابن أبي ~~عبلة: # «فيكون» بالنصب، وقد ذكرنا وجهه في سورة البقرة «1» . # قوله تعالى: وإن الله ربي وربكم قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو: «وأن ~~الله» بنصب الألف، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «وإن الله» بكسر ~~الألف. وهذا من قول عيسى فمن فتح، عطفه على قوله: وأوصاني بالصلاة والزكاة ~~وبأن الله ربي ومن كسر، ففيه وجهان: أحدهما: # أن يكون معطوفا على قوله: إني عبد الله. والثاني: أن يكون مستأنفا. ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 37 الى # 40] # فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) أسمع ~~بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) وأنذرهم يوم ~~الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن نرث الأرض ومن ~~عليها وإلينا يرجعون (40) # قوله تعالى: فاختلف الأحزاب من بينهم قال المفسرون: «من» زائدة، والمعنى: ~~اختلفوا بينهم. # وقال ابن الأنباري: لما تمسك المؤمنون بالحق، كان اختلاف الأحزاب بين ~~المؤمنين مقصورا عليهم. # وفي الأحزاب قولان: أحدهما: أنهم اليهود والنصارى، فكانت اليهود تقول: ~~إنه لغير رشدة، والنصارى تدعي فيه ما لا يليق به. والثاني: أنهم فرق ~~النصارى، قال بعضهم، يعني اليعقوبية: هو الله، وقال بعضهم، يعني النسطورية: ~~ابن الله، وقال بعضهم: ثالث ثلاثة. ms1442 # قوله تعالى: فويل للذين كفروا بقولهم في المسيح من مشهد يوم عظيم أي: من ~~حضورهم ذلك اليوم للجزاء. # قوله تعالى: أسمع بهم وأبصر فيه قولان: أحدهما: أن لفظه لفظ الأمر، ~~ومعناه الخبر PageV03P131 # فالمعنى: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة، سمعوا وأبصروا حين لم ينفعهم ~~ذلك لأنهم شاهدوا من أمر الله ما لا يحتاجون معه إلى نظر وفكر فعلموا الهدى ~~وأطاعوا، وهذا قول الأكثرين. والثاني: أسمع بحديثهم اليوم، وأبصر كيف يصنع ~~بهم يوم يأتوننا، قاله أبو العالية. قوله تعالى: لكن الظالمون يعني ~~المشركين والكفار اليوم يعني في الدنيا في ضلال مبين. # قوله تعالى: وأنذرهم أي: خوف كفار مكة يوم الحسرة يعني: يوم القيامة ~~يتحسر المسيء إذا لم يحسن، والمقصر إذ لم يزدد من الخير. وموجبات الحسرة ~~يوم القيامة كثيرة، فمن ذلك ما روى أبو سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # (957) «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قيل: يا أهل الجنة، ~~فيشرئبون وينظرون، وقيل: يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيجاء بالموت كأنه ~~كبش أملح، فيقال لهم: هل تعرفون هذا؟ # فيقولون: هذا الموت، فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل ~~النار خلود فلا موت ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنذرهم يوم ~~الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) .» قال المفسرون: # فهذه هي الحسرة إذا ذبح الموت، فلو مات أحد فرحا مات أهل الجنة، ولو مات ~~أحد حزنا مات أهل النار. # ومن موجبات الحسرة ما روى عدي بن حاتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # (958) «يؤتى يوم القيامة بناس إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها واستنشقوا ~~ريحها ونظروا إلى قصورها، نودوا: أن اصرفوهم عنها، لا نصيب لهم فيها، ~~فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون بمثلها. # فيقولون: يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون ~~علينا قال: ذلك أردت بكم، كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم ~~الناس لقيتموهم مخبتين «1» ، تراؤون الناس بخلاف ms1443 ما تعطوني من قلوبكم، هبتم ~~«2» الناس ولم تهابوني، وأجللتم «3» الناس ولم تجلوني، تركتم للناس ولم ~~تتركوا لي، فاليوم أذيقكم العذاب مع ما حرمتكم من الثواب» . # ومن موجبات الحسرة ما روي عن ابن مسعود قال: ليس من نفس يوم القيامة إلا ~~وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، ثم يقال: يعني لهؤلاء: لو ~~عملتم، ولأهل الجنة: لولا أن من الله PageV03P132 # عليكم. ومن موجبات الحسرة: قطع الرجاء عند إطباق النار على أهلها. # قوله تعالى: إذ قضي الأمر قال ابن الأنباري: «قضي» في اللغة بمعنى: أتقن ~~وأحكم، وإنما سمي الحاكم قاضيا، لإتقانه وإحكامه ما ينفذ. وفي الآية ~~اختصار، والمعنى: إذ قضي الأمر الذي فيه هلاكهم. وللمفسرين في الأمر قولان: ~~أحدهما: أنه ذبح الموت، قاله ابن جريج، والسدي. والثاني: # أن المعنى: قضي العذاب لهم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: وهم في غفلة هم في الدنيا في غفلة عما يصنع بهم ذلك اليوم ~~وهم لا يؤمنون بما يكون في الآخرة. # قوله تعالى: إنا نحن نرث الأرض أي: نميت سكانها فنرثها ومن عليها وإلينا ~~يرجعون بعد الموت. فإن قيل: ما الفائدة في «نحن» وقد كفت عنها «إنا» ؟. ~~فالجواب: أنه لما جاز في قول المعظم: «إنا نفعل» أن يتوهم أن أتباعه فعلوا، ~~وأبانت «نحن» بأن الفعل مضاف إليه حقيقة. فإن قيل: # فلم قال: «ومن عليها» وهو يرث الآدميين وغيرهم؟! فالجواب: أن «من» تختص ~~أهل التمييز، وغير المميزين يدخلون في معنى الأرض ويجرون مجراها، ذكر ~~الجوابين عن السؤالين ابن الأنباري. ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 41 الى # 50] # واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال لأبيه يا أبت لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) يا أبت إني قد جاءني من ~~العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لا تعبد الشيطان إن ~~الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ~~فتكون للشيطان وليا (45) # قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك ms1444 واهجرني مليا ~~(46) قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) وأعتزلكم وما ~~تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا (48) فلما ~~اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ~~(49) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50) # قوله تعالى: واذكر في الكتاب إبراهيم أي: اذكر لقومك قصته. وقد سبق معنى ~~الصديق «1» . # قوله تعالى: ولا يغني عنك شيئا # أي: لا يدفع عنك ضرا. # قوله تعالى: إني قد جاءني من العلم بالله والمعرفة ما لم يأتك. # قوله تعالى: لا تعبد الشيطان أي: لا تطعه فيما يأمر به من الكفر ~~والمعاصي. وقد شرحنا معنى «كان» آنفا. وعصيا أي: عاصيا، فهو «فعيل» بمعنى ~~«فاعل» . # قوله تعالى: إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن قال مقاتل: في الآخرة وقال ~~غيره: في الدنيا، فتكون للشيطان وليا أي: قريبا في عذاب الله، فجرت ~~المقارنة مجرى الموالاة. وقيل: إنما طمع إبراهيم في إيمان أبيه، لأنه حين ~~خرج من النار قال له: نعم الإله إلهك يا إبراهيم، فحينئذ أقبل يعظه، فأجابه ~~أبوه: أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم! أي: أتارك عبادتها انت؟! لئن لم تنته ~~عن PageV03P133 # عيبها وشتمها لأرجمنك وفيه قولان: أحدهما: بالشتم والقول، قاله ابن عباس، ~~ومجاهد. والثاني: # بالحجارة حتى تتباعد عني، قاله الحسن. # قوله تعالى: واهجرني مليا فيه قولان: أحدهما: اهجرني طويلا، رواه ميمون ~~بن مهران عن ابن عباس، وبه قال الحسن، والفراء، والأكثرون. قال ابن قتيبة: ~~اهجرني حينا طويلا، ومنه يقال: # تمليت حبيبك. والثاني: اجتنبني سالما قبل أن تصيبك عقوبتي، رواه العوفي ~~عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والضحاك فعلى هذا يكون من قولهم: فلان ملهي ~~بكذا وكذا: إذا كان مضطلعا به، فالمعنى: # اهجرني وعرضك وافر، وأنت سليم من أذاي، قاله ابن جرير. # قوله تعالى: قال سلام عليك أي: سلمت من أن أصيبك بمكروه، وذلك أنه لم ~~يؤمر بقتاله على كفره، سأستغفر لك ربي فيه قولان: أحدهما: أن المعنى: سأسأل ~~الله لك توبة تنال ms1445 بها مغفرته. والثاني: أنه وعده الاستغفار وهو لا يعلم أن ~~ذلك محظور في حق المصرين على الكفر، ذكرهما ابن الأنباري. # قوله تعالى: إنه كان بي حفيا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لطيفا، رواه ابن ~~أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ابن زيد، والزجاج. والثاني: رحيما، رواه ~~الضحاك عن ابن عباس. والثالث: بارا عودني منه الإجابة إذا دعوته، قاله ابن ~~قتيبة. # قوله تعالى: وأعتزلكم أي: وأتنحى عنكم، وأعتزل ما تدعون من دون الله يعني ~~الأصنام. وفي معنى «تدعون» قولان: أحدهما: تعبدون. والثاني: أن المعنى: وما ~~تدعونه ربا، وأدعوا ربي أي: وأعبده عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا أي: أرجو ~~أن لا أشقى بعبادته كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام، لأنها لا تنفعهم ولا ~~تجيب دعاءهم فلما اعتزلهم قال المفسرون: هاجر عنهم إلى أرض الشام، فوهب ~~الله له إسحاق ويعقوب، فآنس الله وحشته عن فراق قومه بأولاد كرام. قال أبو ~~سليمان: وإنما وهب له إسحاق ويعقوب بعد إسماعيل. # قوله تعالى: وكلا أي: وكلا من هذين. وقال مقاتل: وكلا يعني إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب جعلنا نبيا. # قوله تعالى: ووهبنا لهم من رحمتنا قال المفسرون: المال والولد والعلم ~~والعمل، وجعلنا لهم لسان صدق عليا أي: ذكرا حسنا في الناس مرتفعا، فجميع ~~أهل الأديان يتولون إبراهيم وذريته ويثنون عليهم، فوضع اللسان مكان القول، ~~لأن القول يكون باللسان. ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 51 الى # 53] # واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) وناديناه من ~~جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ~~(53) # قوله تعالى: إنه كان مخلصا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~والمفضل عن عاصم: «مخلصا» بكسر اللام. وقرأ حمزة، والكسائى، وحفص عن عاصم ~~بفتح اللام. قال الزجاج: # المخلص، بكسر اللام: الذي وحد الله، وجعل نفسه خالصة في طاعة الله غير ~~دنسة، والمخلص، بفتح اللام: الذي أخلصه الله، وجعله مختارا خالصا من الدنس. # PageV03P134 # قوله تعالى: وكان رسولا قال ابن الأنباري: إنما أعاد «كان» لتفخيم شأن ~~النبي المذكور. # قوله تعالى: ms1446 وناديناه من جانب الطور أي: من ناحية الطور، وهو جبل بين مصر ~~ومدين اسمه زبير. قال ابن الأنباري: إنما خاطب الله العرب بما يستعملون في ~~لغتهم، ومن كلامهم: عن يمين القبلة وشمالها، يعنون: مما يلي يمين المستقبل ~~لها وشماله، فنقلوا الوصف إلى ذلك اتساعا عند انكشاف المعنى، لأن الوادي لا ~~يد له فيكون له يمين. وقال المفسرون: جاء النداء عن يمين موسى، فلهذا قال: ~~«الأيمن» ولم يرد به يمين الجبل. قوله تعالى: وقربناه نجيا قال ابن ~~الأنباري: معناه: # مناجيا، فعبر «فعيل» عن مفاعل، كما قالوا: فلان خليطي وعشيري: يعنون: ~~مخالطي ومعاشري. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: «وقربناه» قال: حتى سمع صريف ~~القلم حين كتب له في الألواح. قوله تعالى: ووهبنا له من رحمتنا أي: من ~~نعمتنا عليه إذ أجبنا دعاءه حين سأل أن نجعل معه أخاه وزيرا له. ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 54 الى # 57] # واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) وكان ~~يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55) واذكر في الكتاب إدريس ~~إنه كان صديقا نبيا (56) ورفعناه مكانا عليا (57) # قوله تعالى: إنه كان صادق الوعد هذا عام فيما بينه وبين الله، وفيما بينه ~~وبين الناس. وقال مجاهد: لم يعد ربه بوعد قط إلا وفى له به. فإن قيل: كيف ~~خص بصدق الوعد إسماعيل، وليس في الأنبياء من ليس كذلك؟ فالجواب: أن إسماعيل ~~عانى في الوفاء بالوعد ما لم يعانه غيره من الأنبياء، فأثني عليه بذلك. ~~وذكر المفسرون: أنه كان بينه وبين رجل ميعاد، فأقام ينتظره مدة فيها لهم ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أقام حولا، قاله ابن عباس. والثاني: اثنين وعشرين ~~يوما، قاله الرقاشي. والثالث: # ثلاثة أيام، قاله مقاتل. # قوله تعالى: وكان رسولا إلى قومه، وهم جرهم. وكان يأمر أهله قال مقاتل: ~~يعني: قومه. # وقال الزجاج: أهله جميع أمته. فأما الصلاة والزكاة، فهما العبادتان ~~المعروفتان. # قوله تعالى: ورفعناه مكانا عليا فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه في السماء ~~الرابعة. # (959) روى البخاري ومسلم ms1447 في «الصحيحين» من حديث مالك بن صعصعة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج: أنه رأى إدريس في السماء ~~الرابعة، وبهذا قال أبو سعيد الخدري، ومجاهد، وأبو العالية. # والثاني: أنه في السماء السادسة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ~~الضحاك. والثالث: أنه في الجنة، قاله زيد بن أسلم، وهذا يرجع إلى الأول، ~~لأنه قد روي أن الجنة في السماء الرابعة. # والرابع: أنه في السماء السابعة، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # وفي سبب صعوده إلى السماء ثلاثة أقوال: # (960) أحدها: أنه كان يصعد له من العمل مثل ما يصعد لجميع بني آدم فأحبه ~~ملك الموت، PageV03P135 # فاستأذن الله في خلته، فأذن له، فهبط إليه في صورة آدمي، وكان يصحبه، ~~فلما عرفه، قال: إني أسألك حاجة، قال: ما هي؟ قال: تذيقني الموت، فلعلي ~~أعلم ما شدته فأكون له أشد استعدادا فأوحى الله إليه أن اقبض روحه ساعة ثم ~~أرسله، ففعل، ثم قال: كيف رأيت؟ قال: كان أشد مما بلغني عنه، وإني أحب أن ~~تريني النار، قال: فحمله، فأراه إياها قال: إني أحب أن تريني الجنة، فأراه ~~إياها، فلما دخلها وطاف فيها، قال له ملك الموت: اخرج، فقال: والله لا أخرج ~~حتى يكون الله تعالى يخرجني فبعث الله ملكا فحكم بينهما، فقال: ما تقول يا ~~ملك الموت؟ فقص عليه ما جرى فقال: ما تقول يا إدريس؟ قال: إن الله تعالى ~~قال: كل نفس ذائقة الموت «1» وقد ذقته، وقال: وإن منكم إلا واردها «2» ، ~~وقد وردتها، وقال لأهل الجنة: وما هم منها بمخرجين «3» ، فو الله لا أخرج ~~حتى يكون الله يخرجني فسمع هاتفا من فوقه يقول: باذني دخل وبأمري فعل فخل ~~سبيله هذا معنى ما رواه زيد بن أسلم مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # فإن سأل سائل فقال: من أين لإدريس هذه الآيات، وهي في كتابنا؟! فقد ذكر ~~ابن الأنباري عن بعض العلماء، قال: كان الله تعالى قد أعلم إدريس بما ذكر ~~في القرآن من وجوب الورود، وامتناع الخروج من الجنة، ms1448 وغير ذلك فقال ما قاله ~~بعلم. # والثاني: أن ملكا من الملائكة استأذن ربه أن يهبط إلى إدريس، فأذن له، ~~فلما عرفه إدريس، قال: هل بينك وبين ملك الموت قرابة؟ قال: ذاك أخي من ~~الملائكة، قال: هل تستطيع أن تنفعني عند ملك الموت؟ قال: سأكلمه فيك، فيرفق ~~بك، اركب بين جناحي، فركب إدريس، فصعد به إلى السماء، فلقي ملك الموت، ~~فقال: إن لي إليك حاجة، قال أعلم ما حاجتك، تكلمني في إدريس وقد محي اسمه ~~من الصحيفة ولم يبق من أجله إلا نصف طرفة عين؟! فمات إدريس بين جناحي ملك، ~~رواه عكرمة عن ابن عباس «4» وقال أبو صالح عن ابن عباس: فقبض ملك الموت روح ~~إدريس في السماء السادسة. # والثالث: أن إدريس مشى يوما في الشمس، فأصابه وهجها، فقال: اللهم خفف ~~ثقلها عمن يحملها، يعني به الملك الموكل بالشمس، فلما أصبح الملك وجد من ~~خفة الشمس وحرها ما لا يعرف، فسأل الله تعالى عن ذلك، فقال: إن عبدي إدريس ~~سألني أن أخفف عنك حملها وحرها، فأجبته، فقال: يا رب اجمع بيني وبينه، ~~واجعل بيننا خلة، فأذن له، فأتاه، فكان مما قاله إدريس: اشفع لي إلى ملك ~~الموت ليؤخر أجلي، فقال: إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، ولكن أكلمه ~~فيك، فما كان مستطيعا أن يفعل بأحد من بني آدم فعل بك ثم حمله الملك على ~~جناحه، فرفعه إلى السماء، فوضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت فقال: إن ~~لي إليك حاجة صديق لي من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله، قال: ليس ذاك ~~إلي، ولكن إن أحببت أعلمته متى يموت، فنظر في ديوانه، PageV03P136 # فقال: إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا، ولا أجده يموت إلا عند ~~مطلع الشمس، قال: إني أتيتك وتركته هناك، قال: انطلق، فما أراك تجده إلا ~~ميتا، فو الله ما بقي من أجله شيء، فرجع الملك فرآه ميتا «1» . وهذا المعنى ~~مروي عن ابن عباس وكعب في آخرين. فهذا القول والذي قبله يدلان على أنه ms1449 ميت، ~~والقول الأول يدل على أنه حي. ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 58 الى # 65] # أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ~~ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ~~خروا سجدا وبكيا (58) فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا (59) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا ~~يظلمون شيئا (60) جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده ~~مأتيا (61) لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) # تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) وما نتنزل إلا بأمر ربك ~~له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64) رب السماوات ~~والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا (65) # قوله تعالى: أولئك يعني الذين ذكرهم من الأنبياء في هذه السورة من ذرية ~~آدم يعني إدريس وممن حملنا مع نوح يعني إبراهيم، لأنه من ولد سام بن نوح ~~ومن ذرية إبراهيم يريد: إسماعيل وإسحاق ويعقوب وإسرائيل يعني ومن ذرية ~~إسرائيل وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى. # قوله تعالى: وممن هدينا أي: وهؤلاء كانوا ممن أرشدنا، واجتبينا أي: ~~واصطفينا. قوله تعالى: # خروا سجدا قال الزجاج: «سجدا» حال مقدرة، المعنى: خروا مقدرين السجود، ~~لأن الإنسان في حال خروره لا يكون ساجدا، ف «سجدا» منصوب على الحال، وهو ~~جمع ساجد وبكيا معطوف عليه، وهو جمع باك فقد بين الله تعالى أن الأنبياء ~~كانوا إذا سمعوا آيات الله سجدوا وبكوا من خشية الله. # قوله تعالى: فخلف من بعدهم خلف قد شرحناه في سورة الأعراف «2» . وفي ~~المراد بهذا الخلف ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم اليهود، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس. والثاني: اليهود والنصارى، قاله السدي. والثالث: أنهم من هذه الأمة، ~~يأتون عند ذهاب صالحي أمة محمد صلى الله عليه وسلم يتبارون بالزنا، وينزو ~~بعضهم على بعض في الأزقة زناة، قاله مجاهد، وقتادة. قوله تعالى: أضاعوا ~~الصلاة وقرأ ابن مسعود، وأبو ms1450 رزين العقيلي، والحسن البصري: «الصلوات» على ~~الجمع. وفي المراد باضاعتهم إياها قولان «3» : أحدهما: أنهم أخروها عن ~~وقتها، قاله ابن مسعود، والنخعي، وعمرو بن عبد العزيز، PageV03P137 # والقاسم بن مخيمرة. والثاني: تركوها، قاله القرظي، واختاره الزجاج. قوله ~~تعالى: واتبعوا الشهوات قال أبو سليمان الدمشقى: وذلك مثل استماع الغناء، ~~وشرب الخمر، والزنا، واللهو، وما شاكل ذلك مما يقطع عن أداء فرائض الله عز ~~وجل. قوله تعالى: فسوف يلقون غيا ليس معنى هذا اللقاء مجرد الرؤية، وإنما ~~المراد به الاجتماع والملابسة مع الرؤية. وفي المراد بهذا الغي ستة أقوال ~~«1» : # (961) أحدها: أنه واد في جهنم، رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وبه قال كعب. # والثاني: أنه نهر في جهنم، قاله ابن مسعود. والثالث: أنه الخسران، رواه ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والرابع: أنه العذاب، قاله مجاهد. والخامس: أنه ~~الشر، قاله ابن زيد، وابن السائب. # والسادس: أن المعنى: فسوف يلقون مجازاة الغي، كقوله: يلق أثاما «2» أي: ~~مجازاة الآثام، قاله الزجاج. # قوله تعالى: إلا من تاب وآمن فيه قولان: أحدهما: تاب من الشرك، وآمن ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل. والثاني: تاب من التقصير في الصلاة، ~~وآمن من اليهود والنصارى. # قوله تعالى: جنات عدن وقرأ أبو رزين العقيلي، والضحاك، وابن يعمر، وابن ~~أبي عبلة: # «جنات» برفع التاء. وقرأ الحسن البصري، والشعبي، وابن السميفع: «جنة عدن» ~~على التوحيد مع رفع التاء. وقرأ أبو مجلز، وأبو المتوكل الناجي: «جنة عدن» ~~على التوحيد مع نصب التاء. وقوله: التي وعد الرحمن عباده بالغيب أي: وعدهم ~~بها، ولم يروها، فهي غائبة عنهم. # قوله تعالى: إنه كان وعده مأتيا فيه قولان: أحدهما: آتيا، قال ابن قتيبة: ~~وهو «مفعول» في معنى «فاعل» ، وهو قليل أن يأتي الفاعل على لفظ المفعول به. ~~وقال الفراء: إنما لم يقل: آتيا، لأن كل ما أتاك، فأنت تأتيه ألا ترى أنك ~~تقول: أتيت على خمسين سنة، وأتت علي خمسون سنة. والثاني: # مبلوغا إليه، قاله ابن الأنباري. وقال ابن جريج: «وعده» ها هنا: موعوده، ms1451 ~~وهو الجنة، و «مأتيا» : يأتيه أولياؤه. # قوله تعالى: لا يسمعون فيها لغوا فيه قولان: أحدهما: أنه التخالف عند شرب ~~الخمر، قاله مقاتل. والثاني: ما يلغى من الكلام ويؤثم فيه، قاله الزجاج. ~~وقال ابن الأنباري: اللغو في العربية: # الفاسد المطرح. قوله تعالى: إلا سلاما قال أبو عبيدة: السلام ليس من ~~اللغو، والعرب تستثني الشيء بعد الشيء وليس منه، وذلك أنها تضمر فيه، ~~فالمعنى: إلا أنهم يسمعون فيها سلاما. وقال ابن PageV03P138 # الأنباري: استثنى السلام من غير جنسه، وفي ذلك توكيد للمعنى المقصود، ~~لأنهم إذا لم يسمعوا من اللغو إلا السلام، فليس يسمعون لغوا البتة، وكذلك ~~قوله: فإنهم عدو لي إلا رب العالمين «1» . إذا لم يخرج من عداوتهم لي غير ~~رب العالمين، فكلهم عدو. وفي معنى هذا السلام قولان: أحدهما: أنه تسليم ~~الملائكة عليهم، قاله مقاتل. والثاني: أنهم لا يسمعون إلا ما يسلمهم، ولا ~~يسمعون ما يؤثمهم، قاله الزجاج. # قوله تعالى: ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا قال المفسرون: ليس في الجنة بكرة ~~ولا عشية، ولكنهم يؤتون برزقهم- على مقدار ما كانوا يعرفون- في الغداة ~~والعشي. قال الحسن: كانت العرب لا تعرف شيئا من العيش أفضل من الغداة ~~والعشاء، فذكر الله لهم ذلك. وقال قتادة: كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء ~~والعشاء أعجب به، فأخبر الله أن لهم في الجنة رزقهم بكرة وعشيا على قدر ذلك ~~الوقت، وليس ثم ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور. وروى الوليد بن مسلم، ~~قال: سألت زهير بن محمد عن قوله تعالى: بكرة وعشيا فقال: ليس في الجنة ليل ~~ولا نهار، هم في نور أبدا، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل ~~بارخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح ~~الأبواب. # قوله تعالى: تلك الجنة الإشارة إلى قوله: فأولئك يدخلون الجنة. # قوله تعالى: نورث وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، والشعبي، وقتادة، ~~وابن أبي عبلة: بفتح الواو وتشديد الراء. قال المفسرون: ومعنى «نورث» : ~~نعطي المساكن التي كانت لأهل النار- لو آمنوا- للمؤمنين. ويجوز أن يكون ~~معنى «نورث» : نعطي، فيكون كالميراث ms1452 لهم من جهة أنها تمليك مستأنف. وقد ~~شرحنا هذا في سورة الأعراف «2» . # قوله تعالى: وما نتنزل إلا بأمر ربك وقرأ ابن السميفع، وابن يعمر: «وما ~~يتنزل» بياء مفتوحة. # وفي سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (962) أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا جبريل ما يمنعك ~~أن تزورنا» ، فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # (963) والثاني: أن الملك أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه، ~~فقال: لعلي أبطأت، قال: «قد فعلت» ، قال: وما لي لا أفعل، وأنتم لا ~~تتسوكون، ولا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم، فنزلت الآية، قاله مجاهد. ~~قال ابن الأنباري: البراجم عند العرب: الفصوص التي في ظهور الأصابع، تبدو ~~إذا جمعت، وتغمض إذا بسطت. والرواجب: ما بين البراجم، بين كل برجمتين ~~راجبة. PageV03P139 # (964) والثالث: أن جبريل احتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله ~~قومه عن قصة أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح، فلم يدر ما يجيبهم، ورجا أن ~~يأتيه جبريل بجواب، فأبطأ عليه، فشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم مشقة ~~شديدة، فلما نزل جبريل قاله له: «أبطأت علي حتى ساء ظني، واشتقت إليك» فقال ~~جبريل: إني كنت أشوق، ولكني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست، ~~فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة، وقتادة، والضحاك. # وفي سبب احتباس جبريل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولان: أحدهما: ~~لامتناع أصحابه من كمال النظافة، كما ذكرنا في حديث مجاهد. والثاني: لأنهم ~~سألوه عن قصة أصحاب الكهف، فقال: «غدا أخبركم» ، ولم يقل: إن شاء الله وقد ~~سبق هذا في سورة الكهف. # وفي مقدار احتباسه عنه خمسة أقوال: أحدها: خمسة عشر يوما وقد ذكرناه في ~~الكهف عن ابن عباس. والثاني: أربعون يوما، قاله عكرمة، ومقاتل. والثالث: ~~اثنتا عشرة ليلة، قاله مجاهد. والرابع: # ثلاثة أيام، حكاه مقاتل. والخامس: خمسة وعشرون يوما، حكاه الثعلبي. وقيل: ~~إن سورة الضحى نزلت في هذا السبب. والمفسرون على أن قوله: وما نتنزل إلا ~~بأمر ربك قول جبريل. وحكى الماوردي: أنه ms1453 قول أهل الجنة إذا دخلوها، ~~فالمعنى: ما ننزل هذه الجنان إلا بأمر الله. وقيل: ما ننزل موضعا من الجنة ~~إلا بأمر الله. # وفي قوله ما بين أيدينا وما خلفنا قولان «1» : أحدهما: ما بين أيدينا: ~~الآخرة، وما خلفنا: # الدنيا، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وقتادة، ومقاتل. ~~والثاني: ما بين أيدينا: ما مضى من الدنيا، وما خلفنا من الآخرة، فهو عكس ~~الأول، قاله مجاهد: وقال الأخفش: ما بين أيدينا: # قبل أن نخلق، وما خلفنا بعد الفناء. # وفي قوله تعالى: وما بين ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: ما بين الدنيا والآخرة، ~~قاله سعيد بن جبير. والثاني: ما بين النفختين، قاله مجاهد، وعكرمة، وأبو ~~العالية. والثالث: حين كوننا، قاله الأخفش. قال ابن الأنباري: وإنما وحد ~~ذلك، والإشارة إلى شيئين: أحدهما: «ما بين أيدينا» . # والثاني: «ما خلفنا» ، لأن العرب توقع ذلك على الاثنين والجمع. # قوله تعالى: وما كان ربك نسيا النسي، بمعنى الناسي. وفي معنى الكلام ~~قولان: أحدهما: ما كان تاركا لك منذ أبطأ الوحي عنك، قاله ابن عباس. وقال ~~مقاتل: ما نسيك عند انقطاع الوحي عنك. # والثاني: أنه عالم بما كان ويكون، لا ينسى شيئا، قاله الزجاج. ~~PageV03P140 # قوله تعالى: فاعبده أي: وحده، لأن عبادته بالشرك ليست عبادة، واصطبر ~~لعبادته أي: # اصبر على توحيده وقيل: على أمره ونهيه. قوله تعالى: هل تعلم له سميا روى ~~هارون عن أبي عمرو أنه كان يدغم «هل تعلم» ، ووجهه أن سيبويه يجيز إدغام ~~اللام في التاء والثاء والدال والزاي والسين والصاد والطاء، لأن آخر مخرج ~~من اللام قريب من مخارجهن، قال أبو عبيدة: إذا كان بعد «هل» تاء، ففيه ~~لغتان وبعضهم يبين لام «هل» ، وبعضهم يدغمها. وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال: ~~أحدها: مثلا وشبها، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ~~ومجاهد، وقتادة. والثاني: هل تعلم أحدا يسمى «الله» غيره، رواه عطاء عن ابن ~~عباس. والثالث: هل تعلم أحدا يستحق أن يقال له: # خالق وقادر، إلا هو، قاله الزجاج. ### | ### | [سورة ms1454 مريم (19) : الآيات 66 الى # 72] # ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) أولا يذكر الإنسان أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) فو ربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول ~~جهنم جثيا (68) ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) ثم ~~لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70) # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71) ثم ننجي الذين اتقوا ~~ونذر الظالمين فيها جثيا (72) # قوله تعالى: ويقول الإنسان. # (965) سبب نزولها أن أبي بن خلف أخذ عظما باليا، فجعل يفته بيده ويذريه ~~في الريح ويقول: # زعم لكم محمد أن الله يبعثنا بعد أن نكون مثل هذا العظم البالي، فنزلت ~~هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وروى عطاء عن ابن عباس: أنه الوليد ~~بن المغيرة. # قوله تعالى: لسوف أخرج حيا إن قيل: ظاهره ظاهر سؤال، فأين جوابه؟ فعنه ~~ثلاثة أجوبة ذكرها ابن الأنباري: أحدها: أن ظاهر الكلام استفهام، ومعناه ~~معنى جحد وإنكار، تلخيصه: لست مبعوثا بعد الموت. والثاني: أنه لما استفهم ~~بهذا الكلام عن البعث، أجابه الله عز وجل بقوله: أولا يذكر الإنسان، فهو ~~مشتمل على معنى: نعم، وأنت مبعوث. والثالث: أن جواب سؤال هذا الكافر في يس ~~عند قوله عز وجل: وضرب لنا مثلا «1» ، ولا ينكر بعد الجواب، لأن القرآن كله ~~بمنزلة الرسالة الواحدة، والسورتان مكيتان. # قوله تعالى: أولا يذكر الإنسان قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: بفتح الذال مشددة الكاف. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر: «يذكر» ~~ساكنة الذال خفيفة. وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل الناجي أو لا يتذكر ~~الإنسان: بياء وتاء. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، ~~والحسن: «يذكر» بياء من غير تاء ساكنة الذال مخففة مرفوعة الكاف، والمعنى: ~~أولا يتذكر PageV03P141 # هذا الجاحد أول خلقه، فيستدل بالابتداء على الإعادة؟! فو ربك لنحشرنهم ~~يعني: المكذبين بالبعث والشياطين أي: مع الشياطين، وذلك أن كل كافر يحشر مع ~~شيطانه في سلسلة، ثم لنحضرنهم حول جهنم قال مقاتل: أي: في جهنم، وذلك أن ~~حول ms1455 الشيء يجوز أن يكون داخله، تقول: جلس القوم حول البيت: إذا جلسوا داخله ~~مطيفين به. وقيل: يجثون حولها قبل أن يدخلوها. فأما قوله: جثيا فقال ~~الزجاج: هو جمع جاث، مثل قاعد وقعود، وهو منصوب على الحال، والأصل ضم ~~الجيم، وجاء كسرها إتباعا لكسرة الثاء. وللمفسرين في معناه خمسة أقوال: ~~أحدها: قعودا، رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: جماعات جماعات، وروي عن ~~ابن عباس أيضا. فعلى هذا هو جمع جثوة وهي المجموع من التراب والحجارة. ~~والثالث: جثيا على الركب، قاله الحسن، ومجاهد والزجاج. والرابع: # قياما، قاله أبو مالك. والخامس: قياما على ركبهم، قاله السدي، وذلك لضيق ~~المكان بهم. # قوله تعالى: لننزعن من كل شيعة أي: لنأخذن من كل فرقة وأمة وأهل دين أيهم ~~أشد على الرحمن عتيا أي: أعظمهم له معصية، والمعنى: أنه يبدأ بتعذيب الأعتى ~~فالأعتى، وبالأكابر جرما، والرؤوس القادة في الشر. قال الزجاج: وفي رفع ~~«أيهم» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه على الاستئناف، ولم تعمل «لننزعن» شيئا، ~~وهذا قول يونس. والثاني: أنه على معنى الذي يقال لهم: أيهم أشد على الرحمن ~~عتيا؟ قاله الخليل، واختاره الزجاج، وقال: التأويل: لننزعن الذي من أجل ~~عتوه يقال: أي هؤلاء أشد عتيا؟ وأنشد: # ولقد أبيت عن الفتاة بمنزل ... فأبيت لا حرج ولا محروم # أي: أبيت بمنزلة الذي يقال له: لا هو حرج ولا محرم. # والثالث: أن «أيهم» مبنية على الضم، لأنها خالفت أخواتها، فالمعنى: أيهم ~~هو أفضل. وبيان خلافها لأخواتها أنك تقول: اضرب أيهم أفضل. ولا يحسن: اضرب ~~من أفضل، حتى تقول: من هو أفضل، ولا يحسن: كل ما أطيب، حتى تقول: ما هو ~~أطيب، ولا خذ ما أفضل، حتى تقول: الذي هو أفضل، فلما خالفت «ما» و «من» و ~~«الذي» بنيت على الضم، قاله سيبويه. # قوله تعالى: هم أولى بها صليا يعني: أن الأولى بها صليا الذين هم أشد ~~عتيا فيبتدأ بهم قبل أتباعهم. و «صليا» : منصوب على التفسير، يقال: صلي ~~النار يصلاها: إذا دخلها وقاسى حرها. قوله تعالى: وإن منكم إلا واردها ms1456 في ~~الكلام إضمار تقديره: وما منكم أحد إلا وهو واردها. وفيمن عني بهذا الخطاب ~~قولان: أحدهما: أنه عام في حق المؤمن والكافر، هذا قول الأكثرين. وروي عن ~~ابن عباس أنه قال: هذه الآية للكفار. وأكثر الروايات عنه كالقول الأول. قال ~~ابن الأنباري: ووجه هذا أنه لما قال: لنحضرنهم وقال: أيهم أشد على الرحمن ~~عتيا كان التقدير وإن منهم، فأبدلت الكاف من الهاء، كما فعل في قوله: إن ~~هذا كان لكم جزاء «1» المعنى: كان لهم، لأنه مردود على قوله: # وسقاهم ربهم «2» ، وقال الشاعر: # شطت مزار العاشقين وأصبحت ... عسرا علي طلابك ابنة مخرم PageV03P142 # أراد: طلابها. وفي هذا الورود خمسة أقوال «1» : # أحدها: أنه الدخول. روى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # (966) «الورود: الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن ~~بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار- أو قال: لجهنم- ضجيجا من ~~بردهم» . # وروي عن ابن عباس أنه سأله نافع بن الأزرق عن هذه الآية، فقال له: «أما ~~أنا وأنت فسندخلها، فانظر أيخرجنا الله عز وجل منها، أم لا؟ فاحتج بقوله ~~تعالى: فأوردهم النار «2» وبقوله تعالى: # أنتم لها واردون «3» . وكان عبد الله بن رواحة يبكي ويقول: أنبئت أني ~~وارد، ولم أنبأ أني صادر. # وحكى الحسن البصري: أن رجلا قال لأخيه: يا أخي هل أتاك أنك وارد النار؟ ~~قال: نعم قال: فهل أتاك أنك خارج منها؟ قال: لا قال: ففيم الضحك؟! وقال ~~خالد بن معدان: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قالوا: ألم يعدنا ربنا أن نرد ~~النار؟ فيقال لهم: بلى، ولكن مررتم بها وهي خامدة. وممن ذهب إلى أنه ~~الدخول: الحسن في رواية، وأبو مالك. وقد اعترض على أرباب هذا القول بأشياء. ~~فقال الزجاج: العرب تقول: وردت بلد كذا، ووردت ماء كذا: إذا أشرفوا عليه ~~وإن لم يدخلوا، ومنه قوله تعالى: ولما ورد ماء مدين «4» والحجة القاطعة في ~~هذا القول قوله تعالى: أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها «5» ، وقال ~~زهير: # فلما وردن الماء زرقا ms1457 جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم «6» # أي: لما بلغن الماء قمن عليه. قلت: وقد أجاب بعضهم عن هذه الحجج، فقال: ~~أما الآية الأولى، فإن موسى لما أقام حتى استقى الماء وسقى الغنم، كان ~~بلبثه ومباشرته كأنه دخل، وأما الآية الأخرى فإنها تضمنت الإخبار عن أهل ~~الجنة حين كونهم فيها، وحينئذ لا يسمعون حسيسها. وقد روينا آنفا عن خالد بن ~~معدان أنهم يمرون بها، ولا يعلمون. # والثاني: أن الورود: الممر عليها، قاله عبد الله بن مسعود، وقتادة. وقال ~~ابن مسعود: يرد الناس النار، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق، ~~ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب في رحله، ثم كشد الرحل، ثم كمشيه. ~~والثالث: أن ورودها: حضورها، قاله عبيد بن عمير. والرابع: # أن ورود المسلمين: المرور على الجسر، وورود المشركين: دخولها. قاله ابن ~~زيد. والخامس: أن ورود المؤمن إليها: ما يصيبه من الحمى في الدنيا، روى ~~عثمان بن الأسود عن مجاهد أنه قال: الحمى PageV03P143 # حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ: وإن منكم إلا واردها فعلى هذا من حم من ~~المسلمين، فقد وردها. # قوله تعالى: كان على ربك يعني: الورد حتما والحتم: ايجاب القضاء، والقطع ~~بالأمر. # والمقضي: الذي قضاه الله تعالى، والمعنى: إنه حتم ذلك وقضاه على الخلق. # قوله تعالى: ثم ننجي الذين اتقوا وقرأ ابن عباس، وأبو مجلز، وابن يعمر، ~~وابن أبي ليلى، وعاصم الجحدري: «ثم» بفتح الثاء. وقرأ الكسائي، ويعقوب: ~~«ننجي» مخففة. وقرأت عائشة، وأبو بحرية، وأبو الجوزاء الربعي: «ثم ينجي» ~~بياء مرفوعة قبل النون خفيفة الجيم مكسورة. وقرأ أبي بن كعب، وأبو مجلز، ~~وابن السميفع، وأبو رجاء: «ننحي» بحاء غير معجمة مشددة. وهذه الآية يحتج ~~بها القائلون بدخول جميع الخلق، لأن النجاة: تخليص الواقع في الشيء، ويؤكده ~~قوله تعالى: ونذر الظالمين فيها ولم يقل: وندخلهم وإنما يقال: نذر ونترك ~~لمن قد حصل في مكانه. ومن قال: إن الورود للكفار خاصة، قال: معنى هذا ~~الكلام: نخرج المتقين من جملة من يدخل النار. والمراد بالمتقين: الذين ~~اتقوا الشرك، وبالظالمين: الكفار، ms1458 وقد سبق معنى قوله عز وجل: جثيا. ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 73 الى # 74] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين ~~خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا ~~(74) # قوله تعالى: وإذا تتلى عليهم يعني: المشركين آياتنا يعني: القرآن قال ~~الذين كفروا يعني: # مشركي قريش للذين آمنوا أي: لفقراء المؤمنين أي الفريقين خير مقاما قرأ ~~نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، وحفص عن عاصم ~~مقاما بفتح الميم وقرأ ابن كثير بضم الميم. # قال أبو علي الفارسي: المقام: اسم المثوى، إن فتحت الميم أو ضمت. # قوله تعالى: وأحسن نديا والندي والنادي: مجلس القوم ومجتمعهم. وقال ~~الفراء: الندي والنادي، لغتان. ومعنى الكلام: أنحن خير، أم أنتم؟ فافتخروا ~~عليهم بالمساكن والمجالس، فأجابهم الله تعالى فقال: وكم أهلكنا قبلهم من ~~قرن وقد بينا معنى القرن في الأنعام «1» وشرحنا الأثاث في النحل «2» . # فأما قوله تعالى: ورءيا فقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: «ورئيا» بهمزة بين الراء والياء في وزن: «رعيا» قال الزجاج: ~~ومعناها: منظرا، من «رأيت» . وقرأ نافع، وابن عامر: «ريا» بياء مشددة من ~~غير همز، قال الزجاج: لها تفسيران. أحدهما: أنها بمعنى الأولى. # والثاني: أنها من الري، فالمعنى: منظرهم مرتو من النعمة، كأن النعيم بين ~~فيهم. وقرأ ابن عباس، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن أبي سريج عن ~~الكسائي: «زيا» بالزاي المعجمة مع تشديد الياء من غير همز. قال الزجاج: ~~ومعناها: حسن هيئتهم. ### | [سورة مريم (19) : الآيات 75 الى 76] # قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما ~~العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (75) ويزيد الله ~~الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا (76) ~~PageV03P144 # قوله تعالى: قل من كان في الضلالة أي: في الكفر والعمى عن التوحيد فليمدد ~~له الرحمن قال الزجاج: وهذا لفظ أمر، ومعناه الخبر، والمعنى: أن الله تعالى ~~جعل جزاء ضلالته أن يتركه فيها. قال ابن ms1459 الأنباري: خاطب الله العرب ~~بلسانها، وهي تقصد التوكيد للخبر بذكر الأمر، يقول أحدهم: إن زارنا عبد ~~الله فلنكرمه، يقصد التوكيد ع، وينبه على أني ألزم نفسي إكرامه ويجوز أن ~~تكون اللام لام الدعاء على معنى: قل يا محمد: من كان في الضلالة فاللهم مد ~~له في العمر مدا. قال المفسرون: # ومعنى مد الله تعالى له: إمهاله في الغي. حتى إذا رأوا يعني الذين مدهم ~~في الضلالة. وإنما أخبر عن الجماعة، لأن لفظ «من» يصح للجماعة. ثم ذكر ما ~~يوعدون فقال: إما العذاب يعني: القتل، والأسر وإما الساعة يعني: القيامة ~~وما وعدوا فيها من الخلود في النار فسيعلمون من هو شر مكانا في الآخرة، ~~أهم، أم المؤمنون؟ لأن مكان هؤلاء الجنة، ومكان هؤلاء النار، ويعلمون ~~بالنصر والقتل من أضعف جندا جندهم، أم جند رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وهذا رد عليهم في قولهم: أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا. # قوله تعالى: ويزيد الله الذين اهتدوا هدى فيه خمسة أقوال: أحدها: ويزيد ~~الله الذين اهتدوا بالتوحيد إيمانا. والثاني: يزيدهم بصيرة في دينهم. ~~والثالث: يزيدهم بزيادة الوحي إيمانا، فكلما نزلت سورة زاد إيمانهم. ~~والرابع: يزيدهم إيمانا بالناسخ والمنسوخ. والخامس: يزيد الذين اهتدوا ~~بالمنسوخ هدى بالناسخ. قال الزجاج: المعنى: إن الله تعالى يجعل جزاءهم أن ~~يزيدهم يقينا، كما جعل جزاء الكافر أن يمده في ضلالته. # قوله تعالى: والباقيات الصالحات قد ذكرناها في سورة الكهف «1» . # قوله تعالى: وخير مردا المرد ها هنا مصدر مثل الرد، والمعنى: وخير ردا ~~للثواب على عامليها، فليست كأعمال الكفار التي خسروها فبطلت. ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 77 الى # 80] # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) أطلع الغيب أم اتخذ ~~عند الرحمن عهدا (78) كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (79) ونرثه ~~ما يقول ويأتينا فردا (80) # قوله تعالى: أفرأيت الذي كفر بآياتنا في سبب نزولها قولان: # (967) أحدها: ما روى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث مسروق عن خباب ~~بن الأرت قال: كنت رجلا قينا، أي حدادا، وكان لي ms1460 على العاص بن وائل دين، ~~فأتيته أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا والله ~~لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت، ثم تبعث. قال: PageV03P145 # فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد، فأعطيتك، فنزلت فيه هذه ~~الآية، إلى قوله عز وجل: # فردا. والثاني: أنها نزلت في الوليد بن المغيرة، وهذا مروي عن الحسن. ~~والمفسرون على الأول. # قوله تعالى: لأوتين مالا وولدا قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وعاصم، ~~وابن عامر: بفتح الواو. وقرأ حمزة، والكسائي: بضم الواو. وقال الفراء: وهم ~~لغتان، كالعدم، والعدم، وليس يجمع، وقيس تجعل الولد جمعا، والولد، بفتح ~~الواو، واحدا. # وأين زعم هذا الكافر أن يؤتى المال والولد؟ فيه قولان: أحدهما: أنه أراد ~~في الجنة على زعمكم. والثاني: في الدنيا. قال ابن الأنباري: وتقدير الآية: ~~أرأيته مصيبا؟! قوله تعالى: أطلع الغيب قال ابن عباس في رواية: أعلم ما غاب ~~عنه حتى يعلم أفي الجنة هو، أم لا؟! وقال في رواية أخرى: أنظر في اللوح ~~المحفوظ؟! قوله تعالى: أم اتخذ عند الرحمن عهدا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أم ~~قال: لا إله إلا الله، فأرحمه بها؟! قاله ابن عباس. والثاني: أم قدم عملا ~~صالحا، فهو يرجوه؟! قاله قتادة. والثالث: أم عهد إليه أنه يدخله الجنة؟! ~~قاله ابن السائب. # قوله تعالى: كلا أي: ليس الأمر على ما قال من أن يؤتى المال والولد. ~~ويجوز أن يكون معنى «كلا» أي: إنه لم يطلع الغيب، ولم يتخذ عند الله عهدا. ~~سنكتب ما يقول أي: سنأمر الحفظة بإثبات قوله لنجازيه به، ونمد له من العذاب ~~مدا أي: نجعل بعض العذاب على إثر بعض. وقرأ أبو العالية الرياحي، وأبو رجاء ~~العطاردي: «سيكتب» «ويرثه» بياء مفتوحة. # قوله تعالى: ونرثه ما يقول فيه قولان: أحدهما: نرثه ما يقول أنه له في ~~الجنة، فنجعله لغيره من المسلمين، قاله أبو صالح عن ابن عباس، واختاره ~~الفراء. والثاني: نرث ما عنده من المال، والولد، باهلاكنا إياه، وإبطال ~~ملكه، وهو مروي عن ms1461 ابن عباس أيضا، وبه قال قتادة. قال الزجاج: # المعنى: سنسلبه المال والولد، ونجعله لغيره. # قوله تعالى: ويأتينا فردا أي: بلا مال ولا ولد. ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 81 الى # 84] # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) كلا سيكفرون بعبادتهم ~~ويكونون عليهم ضدا (82) ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ~~(83) فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (84) # قوله تعالى: واتخذوا من دون الله آلهة يعني: المشركين عابدي الأصنام ~~ليكونوا لهم عزا قال الفراء: ليكونوا لهم شفعاء في الآخرة. قوله تعالى: كلا ~~أي: ليس الأمر كما قدروا، سيكفرون يعني الأصنام بجحد عبادة المشركين، كقوله ~~عز وجل: ما كانوا إيانا يعبدون لأنها كانت جمادا لا تعقل العبادة، ويكونون ~~يعني: الأصنام عليهم يعني: المشركين ضدا أي: أعوانا عليهم في القيامة، ~~يكذبونهم ويلعنونهم. # قوله تعالى: ألم تر أنا أرسلنا الشياطين قال الزجاج: في معنى هذا الإرسال ~~وجهان: # أحدهما: خلينا بين الشياطين وبني الكافرين فلم نعصمهم من القبول منهم. ~~والثاني: وهو المختار: سلطناهم عليهم، وقيضناهم لهم بكفرهم. تؤزهم أزا أي: ~~تزعجهم إزعاجا حتى يركبوا # PageV03P146 # المعاصي. وقال الفراء: تزعجهم إلى المعاصي، وتغريهم بها. قال ابن فارس: ~~يقال: أزه على كذا: إذا أغراه به، وأزت القدر: غلت. قوله تعالى: فلا تعجل ~~عليهم أي: لا تعجل بطلب عذابهم. وزعم بعضهم أن هذا منسوخ بآية السيف، وليس ~~بصحيح، إنما نعد لهم عدا في هذا المعدود ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أنفاسهم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال طاوس، ~~ومقاتل. والثاني: الأيام، والليالي، والشهور، والسنون، والساعات، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. والثالث: أنها أعمالهم، قاله قطرب. ### | ### | [سورة مريم (19) : الآيات 85 الى # 87] # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ~~(86) لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا (87) # قوله تعالى: يوم نحشر المتقين قال بعضهم: هذا متعلق بقوله تعالى: ويكونون ~~عليهم ضدا يوم نحشر المتقين وقال بعضهم: تقديره: اذكر لهم يوم نحشر ~~المتقين، وهم الذين اتقوا الله بطاعته واجتناب معصيته. وقرأ ms1462 ابن مسعود، ~~وأبو عمران الجوني: «يوم يحشر» بياء مفتوحة ورفع الشين «ويسوق» بياء مفتوحة ~~ورفع السين. وقرأ أبي بن كعب، والحسن البصري، ومعاذ القارئ، وأبو المتوكل ~~الناجي: «يوم يحشر» بياء مرفوعة وفتح الشين «المتقون» رفعا «ويساق» بألف ~~وياء مرفوعة «المجرمون» بالواو على الرفع. والوفد: جمع وافد، مثل: ركب، ~~وراكب، وصحب، وصاحب. قال ابن عباس، وعكرمة، والفراء: الوفد: الركبان. قال ~~ابن الأنباري: الركبان عند العرب: ركاب الإبل. # وفي زمان هذا الحشر قولان: أحدهما: أنه من قبورهم إلى الرحمن، قاله علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه. والثاني: أنه بعد الحساب، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. # قوله تعالى: ونسوق المجرمين يعني: الكافرين إلى جهنم وردا قال ابن عباس، ~~وأبو هريرة، والحسن: عطاشا. قال أبو عبيدة: الورد: مصدر الورود. وقال ابن ~~قتيبة: الورد: جماعة يردون الماء، يعني: أنهم عطاش، لأنه لا يرد الماء إلا ~~العطشان. وقال ابن الأنباري: معنى قوله: «وردا» : واردين. # قوله تعالى: لا يملكون الشفاعة أي: لا يشفعون، ولا يشفع لهم. قوله تعالى: ~~إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا قال الزجاج: جائز أن يكون «من» في موضع رفع ~~على البدل من الواو والنون، فيكون المعنى: لا يملك الشفاعة إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا وجائز أن يكون في موضع نصب على استثناء ليس من الأول، فالمعنى: ~~لا يملك الشفاعة المجرمون، ثم قال: «إلا» على معنى «لكن» من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا فإنه يملك الشفاعة. والعهد ها هنا: توحيد الله والإيمان به. ~~وقال ابن الأنباري: تفسير العهد في اللغة: تقدمة أمر يعلم ويحفظ، من قولك: ~~عهدت فلانا في المكان، أي: عرفته، وشهدته. ### | [سورة مريم (19) : الآيات 88 الى 95] # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89) تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا (91) وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92) # إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) لقد أحصاهم وعدهم ~~عدا (94) وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (95) # PageV03P147 # قوله تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا يعني: اليهود، والنصارى، ومن ms1463 زعم من ~~المشركين أن الملائكة بنات الله لقد جئتم شيئا إدا أي: شيئا عظيما من ~~الكفر. قال أبو عبيدة: الإد، والنكر: # الأمر المتناهي العظم. # قوله تعالى: تكاد السماوات يتفطرن قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: «تكاد» بالتاء. وقرأ نافع، والكسائي: «يكاد» ~~بالياء. وقرءا جميعا: «يتفطرن» بالياء والتاء مشددة الطاء، ووافقهما ابن ~~كثير، وحفص عن عاصم في «يتفطرن» وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: «ينفطرن» ~~، بالنون وهذا خلافهم في عسق. وقرأ حمزة، وابن عامر في سورة مريم مثل أبي ~~عمرو، وفي «عسق» «1» مثل ابن كثير. ومعنى «يتفطرن منه» : يقاربن الانشقاق ~~من قولكم. قال ابن قتيبة: وقوله تعالى: هدا أي: سقوطا. # قوله تعالى: أن دعوا قال الفراء: من أن دعوا، ولأن دعوا. وقال أبو عبيدة: ~~معناه: أن جعلوا، وليس هو من دعاء الصوت، وأنشد: # ألا رب من تدعو نصيحا وإن تغب ... تجده بغيب غير منتصح الصدر «2» # قوله تعالى: وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا أي: ما يصلح له، ولا يليق به ~~اتخاذ الولد، لأن الولد يقتضي مجانسة، وكل متخذ ولدا يتخذه من جنسه، والله ~~تعالى منزه عن أن يجانس شيئا، أو يجانسه، فمحال في حقه اتخاذ الولد، إن كل ~~أي: ما كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن يوم القيامة عبدا ذليلا ~~خاضعا. والمعنى: أن عيسى وعزيرا والملائكة عبيد له. قال القاضي أبو يعلى: ~~وفي هذا دلالة على أن الوالد إذا اشترى ولده، لم يبق ملكه عليه، وإنما يعتق ~~بنفس الشراء، لأن الله تعالى نفى البنوة لأجل العبودية، فدل على أنه لا ~~يجتمع بنوة ورق. قوله تعالى: لقد أحصاهم أي: علم عددهم وعدهم عدا فلا يخفى ~~عليه مبلغ جميعهم مع كثرتهم وكلهم آتيه يوم القيامة فردا بلا مال، ولا نصير ~~يمنعه. فإن قيل: لأية علة وحد في «الرحمن» و «آتيه» وجمع في العائد في ~~«أحصاهم، وعدهم» . فالجواب: أن لكل لفظ توحيدا، وتأويل جمع، فالتوحيد محمول ~~على اللفظ، والجمع مصروف إلى التأويل. ### | [سورة مريم (19) : الآيات ms1464 96 الى 98] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96) فإنما يسرناه ~~بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97) وكم أهلكنا قبلهم من قرن ~~هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (98) # قوله تعالى: سيجعل لهم الرحمن ودا قال ابن عباس: نزلت في علي رضي الله ~~عنه، وقال معناها: يحبهم، ويحببهم إلى المؤمنين. قال قتادة: يجعل لهم ودا ~~في قلوب المؤمنين. ومن هذا حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: PageV03P148 # (968) «إذا أحب الله عبدا قال: يا جبريل، إني أحب فلانا فأحبوه، فينادي ~~جبريل في السموات إن الله يحب فلانا فأحبوه فيلقى حبه على أهل الأرض فيحب» ~~، وذكر في البغض مثل ذلك. وقال هرم بن حيان: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز ~~وجل، إلا أقبل الله عز وجل بقلوب أهل الإيمان إليه، حتى يرزقه مودتهم ~~ورحمتهم. # قوله تعالى: فإنما يسرناه بلسانك يعني: القرآن. قال ابن قتيبة: أي، ~~سهلناه، وأنزلناه بلغتك واللد: جمع ألد، وهو الخصم الجدل. # قوله تعالى: وكم أهلكنا قبلهم هذا تخويف لكفار مكة هل تحس قال الزجاج: ~~أي: هل ترى يقال: هل أحسست صاحبك، أي: هل رأيته؟ والركز: الصوت الخفي وقال ~~ابن قتيبة: الصوت الذي لا يفهم، وقال أبو صالح: حركة، والله تعالى أعلم. ~~PageV03P149 ### | سورة طه # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 1 الى # 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى (3) تنزيلا ~~ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) # الرحمن على العرش استوى (5) له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما ~~وما تحت الثرى (6) وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) الله لا إله ~~إلا هو له الأسماء الحسنى (8) # وهي مكية كلها باجماعهم. وفي سبب نزول طه ثلاثة أقوال: # (969) أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يراوح بين قدميه، يقوم ~~على رجل، حتى نزلت هذه الآية، قاله علي رضي الله عنه. # (970) والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل ms1465 عليه القرآن صلى ~~هو وأصحابه فأطال القيام، فقالت قريش: ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ~~ليشقى، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك. # والثالث: أن أبا جهل، والنضر بن الحارث، والمطعم بن عدي، قالوا يا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتشقى بترك ديننا، فنزلت هذه الآية، قاله ~~مقاتل «1» . # وفي «طه» قراءات. قرأ ابن كثير، وابن عامر: «طه» بفتح الطاء والهاء. وقرأ ~~حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: بكسر الطاء والهاء. وقرأ نافع: «طه» بين ~~الفتح والكسر، وهو إلى الفتح أقرب كذلك قال خلف عن المسيبي. وقرأ أبو عمرو: ~~بفتح الطاء وكسر الهاء وروى عنه عباس مثل حمزة. # وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين العقيلي، وسعيد بن المسيب، وأبو العالية: بكسر ~~الطاء وفتح الهاء. وقرأ الحسن «طه» بفتح الطاء وسكون الهاء، وقرأ الضحاك، ~~ومورق العجلي: «طه» بكسر الطاء وسكون الهاء. واختلفوا في معناها على أربعة ~~أقوال «2» : أحدها: أن معناها: يا رجل، رواه العوفي عن ابن PageV03P150 # عباس، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة واختلف هؤلاء ~~بأي لغة هي، على أربعة أقوال: أحدها: بالنبطية، رواه عكرمة عن ابن عباس، ~~وبه قال سعيد بن جبير في رواية، والضحاك. والثاني: بلسان عك، رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس. والثالث: بالسريانية، قاله عكرمة في رواية، وسعيد بن جبير في ~~رواية، وقتادة. والرابع: بالحبشية، قاله عكرمة في رواية. قال ابن الأنباري: # ولغة قريش وافقت هذه اللغة في المعنى. والثاني: أنها حروف من أسماء. ثم ~~فيها قولان: أحدهما: # أنها من أسماء الله تعالى. ثم فيها قولان: أحدهما: أن الطاء من اللطيف، ~~والهاء من الهادي، قاله ابن مسعود، وأبو العالية، والثاني: أن الطاء افتتاح ~~اسمه «طاهر» و «طيب» والهاء افتتاح اسمه «هادي» قاله سعيد بن جبير. والقول ~~الثاني: أنها من غير أسماء الله تعالى. ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن ~~الطاء من طابة وهي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والهاء من مكة، ~~حكاه أبو سليمان الدمشقي. والثاني: أن الطاء: طرب أهل الجنة، والهاء: هوان ms1466 ~~أهل النار. والثالث: أن الطاء في حساب الجمل تسعة، والهاء خمسة، فتكون ~~أربعة عشر. فالمعنى: يا أيها البدر ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، حكى ~~القولين الثعلبي. # والثالث: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. وقد شرحنا معنى كونه اسما في فاتحة (مريم) . وقال القرظي: أقسم ~~الله بطوله وهدايته وهذا القول قريب المعنى من الذي قبله. والرابع: أن ~~معناه: طأ الأرض بقدميك، قاله مقاتل بن حيان. ومعنى قوله تعالى لتشقى: ~~لتتعب وتبلغ من الجهد ما قد بلغت، وذلك أنه اجتهد في العبادة وبالغ، حتى ~~إنه كان يرواح بين قدميه لطول القيام، فأمر بالتخفيف. # قوله تعالى: إلا تذكرة قال الأخفش: هو بدل من قوله تعالى: لتشقى ما ~~أنزلناه إلا تذكرة، أي: عظة. قوله تعالى: تنزيلا قال الزجاج: المعنى: ~~أنزلناه تنزيلا، والعلى جمع العليا، تقول: سماء عليا، وسماوات على، مثل ~~الكبرى، والكبر، فأما «الثرى» فهو التراب الندي، والمفسرون يقولون: أراد ~~الثرى الذي تحت الأرض السابعة. # قوله تعالى: وإن تجهر بالقول أي: ترفع صوتك فإنه يعلم السر والمعنى: لا ~~تجهد نفسك برفع الصوت، فإن الله يعلم السر. وفي المراد ب «السر وأخفى» خمسة ~~أقوال «1» : أحدها: أن السر: ما أسره الإنسان في نفسه، وأخفى: ما لم يكن ~~بعد وسيكون، رواه جماعة عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. والثاني: أن السر: ما ~~حدثت به نفسك، وأخفى: ما لم تلفظ به، قاله سعيد بن جبير. # والثالث: أن السر: العمل الذي يسره الإنسان من الناس، وأخفى منه: ~~الوسوسة، قاله مجاهد. # والرابع: أن معنى الكلام: يعلم إسرار عباده وقد أخفى سره عنهم فلا يعلم، ~~قاله زيد بن أسلم، وابنه. # والخامس: يعلم ما أسره الإنسان إلى غيره، وما أخفاه في نفسه، قاله ~~الفراء. قوله تعالى: له الأسماء الحسنى قد شرحناه في سورة الأعراف «2» . ~~PageV03P151 ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 9 الى # 16] # وهل أتاك حديث موسى (9) إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا ~~لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى ms1467 (10) فلما أتاها نودي يا موسى ~~(11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12) وأنا اخترتك ~~فاستمع لما يوحى (13) # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري (14) إن الساعة ~~آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى (15) فلا يصدنك عنها من لا يؤمن ~~بها واتبع هواه فتردى (16) # قوله تعالى: وهل أتاك حديث موسى (9) هذا استفهام تقرير، ومعناه: قد أتاك. ~~قال ابن الأنباري: وهذا معروف عند اللغويين أن تأتي «هل» معبرة عن «قد» . # (971) فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفصح العرب: «اللهم هل ~~بلغت» ، يريد: قد بلغت. # قال وهب بن منبه: استأذن موسى شعيبا عليهما السلام في الرجوع إلى والدته، ~~فأذن له، فخرج بأهله، فولد له في الطريق في ليلة شاتية، فقدح فلم يور ~~الزناد، فبينا هو في مزاولته ذلك، أبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق وقد ~~ذكرنا هذا الحديث بطوله في كتاب «الحدائق» فكرهنا إطالة التفسير بالقصص، ~~لأن غرضنا الاقتصار على التفسير ليسهل حفظه، قال المفسرون: رأى نورا، ولكن ~~أخبر بما كان في ظن موسى. فقال لأهله يعنى: امرأته امكثوا اي: أقيموا ~~مكانكم وقرأ حمزة: «لأهله امكثوا» بضم الهاء ها هنا وفي القصص «1» إني آنست ~~نارا قال الفراء: إني وجدت، يقال: هل آنست أحدا، أي: وجدت؟ وقال ابن قتيبة: ~~«آنست» بمعنى أبصرت. فأما القبس، فقال الزجاج: هو ما أخذته من النار في رأس ~~عود أو في رأس فتيلة. # قوله تعالى: أو أجد على النار هدى قال الفراء: أراد: هاديا، فذكره بلفظ ~~المصدر، قال ابن الأنباري: يجوز أن تكون «على» ها هنا بمعنى «عند» ، وبمعنى ~~«مع» ، وبمعنى الباء. وذكر أهل التفسير أنه كان قد ضل عن الطريق، فعلم أن ~~النار لا تخلو من موقد. وحكى الزجاج: أنه ضل عن الماء، فرجا أن يجد من ~~يهديه الطريق أو يدله على الماء. # قوله تعالى: فلما أتاها يعني: النار نودي يا موسى (11) إني أنا ربك إنما ~~كرر الكناية، لتوكيد PageV03P152 # الدلالة وتحقيق المعرفة وإزالة الشبهة، ومثله: إني أنا ms1468 النذير المبين «1» ~~. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: «أني» بفتح الألف والياء. وقرأ نافع ~~وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: # «إني» بكسر الألف، إلا أن نافعا فتح الياء، قال الزجاج: من قرأ: «أني ~~أنا» بالفتح، فالمعنى: نودي بأني أنا ربك، ومن قرأ بالكسر، فالمعنى: نودي ~~يا موسى، فقال الله: إني أنا ربك. قوله تعالى: # فاخلع نعليك في سبب أمره بخلعهما قولان: # (972) أحدهما: أنهما كانا من جلد حمار ميت، رواه ابن مسعود عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وبه قال علي بن أبي طالب، وعكرمة. # والثاني: أنهما كانا من جلد بقرة ذكيت، ولكنه أمر بخلعهما ليباشر تراب ~~الأرض المقدسة، فتناله بركتها، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة. # قوله تعالى: إنك بالواد المقدس فيه قولان قد ذكرناهما في سورة المائدة ~~«2» عند قوله تعالى: # الأرض المقدسة. قوله تعالى: طوى قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «طوى، ~~وأنا» غير مجراة. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «طوى» مجراة ~~وكلهم ضم الطاء، وقرأ الحسن وأبو حيوة: «طوى» بكسر الطاء مع التنوين، وقرأ ~~علي بن نصر عن أبي عمرو: «طوى» بكسر الطاء من غير تنوين. قال الزجاج: في ~~«طوى» أربعة أوجه. طوى، بضم أوله من غير تنوين وبتنوين. فمن نونه، فهو اسم ~~للوادي. وهو مذكر سمي بمذكر على فعل نحو حطم وصرد، ومن لم ينونه ترك صرفه ~~من جهتين: إحداهما: أن يكون معدولا عن طاو، فيصير مثل «عمر» المعدول عن ~~عامر، فلا ينصرف كما لا ينصرف «عمر» . والجهة الثانية: أن يكون اسما ~~للبقعة، كقوله: في البقعة المباركة «3» ، وإذا كسر ونون فهو مثل معى. ~~والمعنى: المقدس مرة بعد مرة كما قال عدي بن زيد: # أعاذل، إن اللوم في غير كنهه ... علي طوى من غيك المتردد # أي: اللوم المكرر علي ومن لم ينون جعله اسما للبقعة. # وللمفسرين في معنى «طوى» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه اسم الوادي، رواه ابن ~~أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: أن معنى «طوى» : طأ الوادي، رواه عكرمة عن ~~ابن عباس، وعن مجاهد ms1469 كالقولين. # والثالث: أنه قدس مرتين، قاله الحسن وقتادة. # قوله تعالى: وأنا اخترتك أي: اصطفيتك، وقرأ حمزة، والمفضل: «وأنا» بالنون ~~المشددة PageV03P153 # «اخترناك» بألف. فاستمع لما يوحى أي: للذي يوحى، قال ابن الأنباري: ~~الاستماع ها هنا محمول على الإنصات. المعنى: فأنصت لوحيي، والوحي ها هنا ~~قوله: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني أي: وحدني، وأقم الصلاة لذكري ~~فيه قولان: أحدهما: أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة، سواء كنت في وقتها ~~أو لم تكن، هذا قول الأكثرين. # (973) وروى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من نسي صلاة ~~فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها غير ذلك، وقرأ: وأقم الصلاة لذكري» . # والثاني: أقم الصلاة لتذكرني فيها، قاله مجاهد: وقيل: إن الكلام مردود ~~على قوله: فاستمع، فيكون المعنى: فاستمع لما يوحى، واستمع لذكري. وقرأ ابن ~~مسعود، وأبي بن كعب، وابن السميفع: # «وأقم الصلاة للذكرى» بلامين وتشديد الذال. # قوله تعالى: أكاد أخفيها أكثر القراء على ضم الألف. ثم في معنى الكلام ~~ثلاثة أقوال «1» : # أحدها: أكاد أخفيها من نفسي، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد في ~~آخرين. وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب، ومحمد بن علي: أكاد أخفيها من نفسي، ~~قال الفراء: المعنى: فكيف أظهركم عليها؟ # قال المبرد: وهذا على عادة العرب، فإنهم يقولون إذا بالغوا في كتمان ~~الشيء: كتمته حتى من نفسي، أي: لم أطلع عليه أحدا. والثاني: أن الكلام تم ~~عند قوله: «أكاد» ، وبعده مضمر تقديره: أكاد آتي بها والابتداء: أخفيها، ~~قال ضابئ البرجمي: # هممت ولم أفعل وكدت «2» أراد: كدت أفعل. والثالث: أن معنى «أكاد» : أريد، ~~قال الشاعر: # كادت وكدت وتلك خير إرادة ... لو عاد من لهو الصبابة ما مضى «3» # معناه: أرادت وأردت، ذكرهما ابن الأنباري. # فإن قيل: فما فائدة هذا الإخفاء الشديد؟ فالجواب: أنه للتحذير والتخويف، ~~ومن لم يعلم متى يهجم عليه عدوه كان أشد حذرا. وقرأ سعيد بن جبير، وعروة بن ~~الزبير، وأبو رجاء العطاردي، وحميد بن قيس: «أخفيها» بفتح الألف، قال ~~الزجاج: ومعناه: أكاد أظهرها، ms1470 قال امرؤ القيس: # وإن تدفنوا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد «4» PageV03P154 # أي: إن تدفنوا الداء لا نظهره. قال: وهذه القراءة أبين في المعنى، لأن ~~معنى «أكاد أظهرها» قد أخفيتها وكدت أظهرها. لتجزى كل نفس بما تسعى أي: بما ~~تعمل. ولتجزى متعلق بقوله: «إن الساعة آتية» لتجزى، ويجوز أن يكون على «أقم ~~الصلاة لذكري» لتجزى. # قوله تعالى: فلا يصدنك عنها أي: عن الإيمان بها من لا يؤمن بها أي: من لا ~~يؤمن بكونها والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خطاب لجميع أمته، واتبع هواه ~~أي: مراده وخالف أمر الله عز وجل، فتردى أي: فتهلك قال الزجاج: يقال: ردي ~~يردى ردى: إذا هلك. ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 17 الى # 23] # وما تلك بيمينك يا موسى (17) قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ~~ولي فيها مآرب أخرى (18) قال ألقها يا موسى (19) فألقاها فإذا هي حية تسعى ~~(20) قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى (21) # واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى (22) لنريك من ~~آياتنا الكبرى (23) # قوله تعالى: وما تلك بيمينك قال الزجاج: «تلك» اسم مبهم يجري مجرى «التي» ~~، والمعنى: ما التي بيمينك؟ قوله تعالى: أتوكؤا عليها التوكؤ: التحامل على ~~الشيء اليابس وأهش بها قال الفراء: أضرب بها الشجر اليابس ليسقط ورقه ~~فترعاه غنمي، قال الزجاج: واشتقاقه من أني أحيل الشيء إلى الهشاشة ~~والإمكان. والمآرب: الحاجات، واحدها: مأربة، ومأربة، وروى قتيبة، وورش: ~~«مآرب» بامالة الهمزة. فإن قيل: ما الفائدة في سؤال الله تعالى له: وما تلك ~~بيمينك وهو يعلم؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن لفظه لفظ الاستفهام، ومجراه مجرى ~~السؤال، يجيب المخاطب بالإقرار به، فتثبت عليه الحجة باعترافه فلا يمكنه ~~الجحد، ومثله في الكلام أن تقول لمن تخاطبه وعندك ماء: ما هذا؟ فيقول: ماء، ~~فتضع عليه شيئا من الصبغ، فإن قال: لم يزل هكذا، قلت له: ألست قد اعترفت ~~بأنه ماء؟ فتثبت عليه الحجة، هذا قول الزجاج. فعلى هذا تكون الفائدة أنه ~~قرر موسى أنها عصا لما أراد أن ms1471 يريه من قدرته في انقلابها حية، فوقع المعجز ~~بها بعد التثبت في أمرها. والثاني: أنه لما اطلع الله تعالى على ما في قلب ~~موسى من الهيبة والإجلال حين التكليم، أراد أن يؤانسه ويخفف عنه ثقل ما كان ~~فيه من الخوف، فأجرى هذا الكلام للاستئناس، حكاه أبو سليمان الدمشقي. فإن ~~قيل: قد كان يكفي في الجواب أن يقول: «هي عصاي» فما الفائدة في قوله: ~~«أتوكأ عليها» إلى آخر الكلام، وإنما يشرح هذا لمن لا يعلم فوائدها؟ فعنه ~~ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه أجاب بقوله: «هي عصاي» فقيل له: ما تصنع بها؟ فذكر ~~باقي الكلام جوابا عن سؤال ثان، قاله ابن عباس، ووهب. والثاني: أنه إنما ~~أظهر فوائدها، وبين حاجته إليها، خوفا من أن يأمره بإلقائها كالنعلين، قاله ~~سعيد بن جبير. والثالث: أنه بين منافعها لئلا يكون عابثا بحملها، قاله ~~الماوردي. فإن قيل: فلم اقتصر على ذكر بعض منافعها ولم يطل الشرح؟ فعنه ~~ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه كره أن يشتغل عن كلام الله بتعداد منافعها. ~~والثاني: أنه استغنى بعلم الله فيها عن كثرة التعداد. والثالث: أنه اقتصر ~~على اللازم دون العارض. وقيل: كانت تضيء له بالليل، وتدفع عنه الهوام، ~~وتثمر له إذا اشتهى الثمار. وفي جنسها قولان: أحدهما: أنها كانت من آس ~~الجنة، قاله ابن عباس. والثاني: أنها كانت من عوسج. # PageV03P155 # فإن قيل: المآرب جمع، فكيف قال: «أخرى» ولم يقل: «أخر» ؟ فالجواب: أن ~~المآرب في معنى جماعة، فكأنه قال: جماعة من الحاجات أخرى، قاله الزجاج. # قوله تعالى: قال ألقها يا موسى قال المفسرون: ألقاها، ظنا منه أنه قد أمر ~~برفضها، فسمع حسا فالتفت فإذا هي كأعظم ثعبان تمر بالصخرة العظيمة ~~فتبتلعها، فهرب منها. # وفي وجه الفائدة في إظهار هذه الآية ليلة المخاطبة قولان: أحدهما: لئلا ~~يخاف منها إذا ألقاها بين يدي فرعون. والثاني: ليريه أن الذي أبعثك إليه ~~دون ما أريتك، فكما ذللت لك الأعظم وهو الحية، أذلل لك الأدنى. # ثم إن الله تعالى أمره بأخذها وهي على حالها حية، فوضع يده عليها ms1472 فعادت ~~عصا، فذلك قوله: # سنعيدها سيرتها الأولى قال الفراء: طريقتها، يقول: تردها عصا كما كانت، ~~قال الزجاج: # «وسيرتها» منصوبة على إسقاط الخافض وإفضاء الفعل إليها، المعنى: سنعيدها ~~إلى سيرتها. # فإن قيل: إنما كانت العصا واحدة، وكان إلقاؤها مرة، فما وجه اختلاف ~~الأخبار عنها، فإنه يقول في الأعراف: فإذا هي ثعبان مبين «1» ، وها هنا: ~~«حية» وفي مكان آخر: كأنها جان «2» ليست بالعظيمة، والثعبان أعظم الحيات؟ ~~فالجواب: أن صفتها بالجان عبارة عن ابتداء حالها، وبالثعبان إخبار عن ~~انتهاء حالها، والحية اسم يقع على الصغير والكبير والذكر والأنثى. وقال ~~الزجاج: خلقها خلق الثعبان العظيم، واهتزازها وحركتها وخفتها كاهتزاز الجان ~~وخفته. # قوله تعالى: واضمم يدك إلى جناحك قال الفراء: الجناح من أسفل العضد إلى ~~الإبط. # وقال أبو عبيدة: الجناح ناحية الجنب، وأنشد: # أضمه للصدر والجناح قوله تعالى: تخرج بيضاء من غير سوء أي: من غير برص ~~آية أخرى أي: دلالة على صدقك سوى العصا. قال الزجاج: ونصب «آية» على معنى: ~~آتيناك آية، أو نؤتيك. # قوله تعالى: لنريك من آياتنا الكبرى. إن قيل: لم لم يقل: «الكبر» ؟ فعنه ~~ثلاثة أجوبة: أحدها: # أنه كقوله: مآرب أخرى وقد شرحناه، هذا قول الفراء. والثاني: أن فيه ~~إضمارا تقديره: لنريك من آياتنا الآية الكبرى. وقال أبو عبيدة: فيه تقديم ~~وتأخير، تقديره: لنريك الكبرى من آياتنا. والثالث: أنه إنما كان ذلك لوفاق ~~الآي، حكى القولين الثعلبي. ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 24 الى # 35] # اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) قال رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي أمري (26) ~~واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي (28) # واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) وأشركه في ~~أمري (32) كي نسبحك كثيرا (33) # ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت بنا بصيرا (35) # قوله تعالى: إنه طغى أي: جاوز الحد في العصيان. # قوله تعالى: اشرح لي صدري قال المفسرون: ضاق موسى صدرا بما كلف من مقاومة ~~فرعون PageV03P156 # وجنوده، فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه للحق حتى لا يخاف فرعون وجنوده. ~~ومعنى قوله: ويسر لي أمري: سهل علي ما بعثتني له. ms1473 واحلل عقدة من لساني قال ~~ابن قتيبة: كانت فيه رتة «1» قال المفسرون: كان فرعون قد وضع موسى في حجره ~~وهو صغير، فجر لحية فرعون بيده، فهم بقتله، فقالت له آسية: إنه لا يعقل، ~~وسأريك بيان ذلك، قدم إليه جمرتين ولؤلؤتين، فإن اجتنب الجمرتين عرفت أنه ~~يعقل، فأخذ موسى جمرة فوضعها في فيه فأحرقت لسانه وصار فيه عقدة، فسأل حلها ~~ليفهموا كلامه. # وأما الوزير، فقال ابن قتيبة: أصل الوزارة من الوزر وهو الحمل، كأن ~~الوزير قد حمل عن السلطان الثقل. وقال الزجاج. اشتقاقه من الوزر، والوزر: ~~الجبل الذي يعتصم به لينجى من الهلكة، وكذلك وزير الخليفة، معناه: الذي ~~يعتمد عليه في أموره ويلتجئ إلى رأيه. ونصب «هارون» من جهتين. إحداهما: أن ~~تكون «اجعل» تتعدى إلى مفعولين، فيكون المعنى: اجعل هارون أخي وزيري، ~~فينتصب «وزيرا» على أنه مفعول ثان. ويجوز أن يكون «هارون» بدلا من قوله: ~~وزيرا، فيكون المعنى: اجعل لي وزيرا من أهلي، ثم أبدل هارون من وزير والأول ~~أجود. قال الماوردي: وإنما سأل الله تعالى أن يجعل له وزيرا، لأنه لم يرد ~~أن يكون مقصورا على الوزارة حتى يكون شريكا في النبوة، ولولا ذلك لجاز أن ~~يستوزر من غير مسألة. وحرك ابن كثير، وأبو عمرو بفتح ياء «أخي» . قوله ~~تعالى: اشدد به أزري قال الفراء: هذا دعاء من موسى، والمعنى: اشدد به يا رب ~~أزري، وأشركه يا رب في أمري. وقرأ ابن عامر: «أشدد» بالألف مقطوعة مفتوحة، ~~«وأشركه» بضم الألف، وكذلك يبتدئ بالألفين. قال أبو علي: هذه القراءة على ~~الجواب والمجازاة، والوجه الدعاء دون الإخبار، لأن ما قبله دعاء، ولأن ~~الإشراك في النبوة لا يكون إلا من الله عز وجل. قال ابن قتيبة: والأزر: ~~الظهر، يقال: آزرت فلانا على الأمر، أي: قويته عليه وكنت له فيه ظهرا. قوله ~~تعالى: وأشركه في أمري أي: # في النبوة معي كي نسبحك أي: نصلي لك ونذكرك بألسنتنا حامدين لك على ما ~~أوليتنا أي من نعمك إنك كنت بنا بصيرا أي: عالما إذ خصصتنا بهذه ms1474 النعم، ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 36 الى # 42] # قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) ولقد مننا عليك مرة أخرى (37) إذ أوحينا ~~إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم ~~بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني (39) ~~إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ~~ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ~~ثم جئت على قدر يا موسى (40) # واصطنعتك لنفسي (41) اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (42) # قوله تعالى: قال قد أوتيت سؤلك قال ابن قتيبة: أي: طلبتك، وهو «فعل» من ~~«سألت» ، أي: # أعطيت ما سألت. قوله تعالى: ولقد مننا عليك أي: أنعمنا عليك مرة أخرى قبل ~~هذه المرة. ثم بين متى كانت بقوله: إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أي: ألهمناها ~~ما يلهم مما كان سببا لنجاتك، ثم فسر PageV03P157 # ذلك بقوله: أن اقذفيه في التابوت وقذف الشيء: الرمي به. فإن قيل: ما ~~فائدة قوله: لما يوحى وقد علم ذلك؟ فقد ذكر عنه ابن الأنباري جوابين: ~~أحدهما: أن المعنى: أوحينا إليها الشيء الذي يجوز أن يوحى إليها، إذ ليس كل ~~الأمور يصلح وحيه إليها، لأنها ليست بنبي، وذلك أنها ألهمت. والثاني: أن ~~لما يوحى أفاد توكيدا، كقوله: فغشاها ما غشى «1» . # قوله تعالى: فليلقه اليم قال ابن الأنباري: ظاهر هذا الأمر، ومعناه معنى ~~الخبر، تأويله: يلقيه اليم، ويجوز أن يكون البحر مأمورا بآلة ركبها الله ~~تعالى فيه، فسمع وعقل، كما فعل ذلك بالحجارة والأشجار. فأما الساحل، فهو: ~~شط البحر. يأخذه عدو لي وعدو له يعني: فرعون. قال المفسرون: # اتخذت أمه تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى وأحكمت بالقار ~~شقوق التابوت، ثم ألقته في النيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، ~~فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية، إذا بالتابوت، فأمر الغلمان ~~والجواري بأخذه، فلما فتحوه رأوا صبيا من أصبح الناس وجها ms1475 فلما رآه فرعون ~~أحبه حبا شديدا، فذلك قوله: وألقيت عليك محبة مني، قال أبو عبيدة: ومعنى ~~«ألقيت عليك» أي: جعلت لك محبة مني. قال ابن عباس: أحبه وحببه إلى خلقه، ~~فلا يلقاه أحد إلا أحبه من مؤمن وكافر. وقال قتادة: كانت في عينيه ملاحة، ~~فما رآه أحد إلا أحبه. # قوله تعالى: ولتصنع على عيني وقرأ أبو جعفر: «ولتصنع» بسكون اللام والعين ~~والإدغام. قال قتادة: لتغذى على محبتي وإرادتي. قال أبو عبيدة: على ما أريد ~~وأحب. قال ابن الأنباري: هو من قول العرب: غذي فلان على عيني، أي: على ~~المحبة مني. وقال غيره: لتربى وتغذى بمرأى مني، يقال: # صنع الرجل جاريته: إذا رباها وصنع فرسه: إذا داوم على علفه ومراعاته، ~~والمعنى: ولتصنع على عيني، قدرنا مشي أختك وقولها: هل أدلكم على من يكفله ~~لأن هذا كان من أسباب تربيته على ما أراد الله تعالى. فأما أخته، فقال ~~مقاتل: اسمها مريم. قال الفراء: وإنما اقتصر على ذكر المشي، ولم يذكر أنها ~~مشت حتى دخلت على آل فرعون فدلتهم على الظئر، لأن العرب تجتزئ بحذف كثير من ~~الكلام، وبقليله، إذا كان المعنى معروفا، ومثله قوله: أنا أنبئكم بتأويله ~~فأرسلون «2» ، ولم يقل: فأرسل حتى دخل على يوسف. # قال المفسرون: سبب مشي أخته أن أمه قالت لها: قصيه، فاتبعت موسى على أثر ~~الماء، فلما التقطه آل فرعون جعل لا يقبل ثدي امرأة، فقالت لهم أخته: «هل ~~أدلكم على من يكفله» أي: يرضعه ويضمه إليه، فقيل لها: ومن هي؟ فقالت: أمي، ~~قالوا: وهل لها لبن؟ قالت: لبن أخي هارون، وكان هارون أسن من موسى بثلاث ~~سنين، فأرسلوها، فجاءت بالأم فقبل ثديها، فذلك قوله تعالى: # فرجعناك إلى أمك أي: رددناك إليها كي تقر عينها بك وبرؤيتك. وقتلت نفسا ~~يعني: القبطي الذي وكره فقضى عليه، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى فنجيناك ~~من الغم وكان مغموما مخافة أن يقتل به، فنجاه الله بأن هرب إلى مدين، ~~وفتناك فتونا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: اختبرناك اختبارا، رواه علي بن أبي ms1476 ~~طلحة عن ابن عباس. والثاني: أخلصناك إخلاصا، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه ~~قال مجاهد. والثالث: ابتليناك ابتلاء، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~قتادة. وقال الفراء: ابتليناك بغم PageV03P158 # القتل ابتلاء. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الفتون: وقوعه في محنة ~~بعد محنة خلصه الله منها، أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح ~~فيها الأطفال، ثم إلقاؤه في البحر، ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم جره ~~لحية فرعون حتى هم بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم قتله القبطي، ثم ~~خروجه إلى مدين خائفا وكان ابن عباس يقص هذه القصص على سعيد بن جبير، ويقول ~~له عند كل بلية: وهذا من الفتون يا ابن جبير فعلى هذا يكون معنى «فتناك» ~~خلصناك من تلك المحن كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبث. والفتون: ~~مصدر. # قوله تعالى: فلبثت سنين تقدير الكلام: فخرجت إلى أهل مدين. ومدين: بلد ~~شعيب، وكان على ثماني مراحل من مصر، فهرب إليه موسى. وقيل: مدين: اسم رجل، ~~وقد سبق هذا «1» . وفي قدر لبثه هناك قولان: أحدهما: عشر سنين، قاله ابن ~~عباس، ومقاتل. والثاني: ثمان وعشرون سنة، عشر منهن مهر امرأته، وثمان عشرة ~~أقام حتى ولد له، قاله وهب. # قوله تعالى: ثم جئت على قدر أي: جئت لميقات قدرته لمجيئك قبل خلقك، وكان ~~ذلك على رأس أربعين سنة، وهو الوقت الذي يوحى فيه إلى الأنبياء، هذا قول ~~الأكثرين. وقال الفراء: «على قدر» أي: على ما أراد الله به من تكليمه. # قوله تعالى: واصطنعتك لنفسي أي: اصطفيتك واختصصتك، والاصطناع: اتخاذ ~~الصنيعة، وهو الخير تسديه إلى إنسان. وقال ابن عباس: اصطفيتك لرسالتي ووحيي ~~اذهب أنت وأخوك بآياتي وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها العصا واليد. وقد ~~يذكر الاثنان بلفظ الجمع. والثاني: العصا واليد وحل العقدة التي ما زال ~~فرعون وقومه يعرفونها، ذكرهما ابن الأنباري. والثالث: الآيات التسع. والأول ~~أصح. قوله تعالى: ولا تنيا قال ابن قتيبة: لا تضعفا ولا تفترا يقال: ونى ~~يني ms1477 في الأمر وفيه لغة أخرى: وني، يونى. وفي المراد بالذكر ها هنا قولان ~~«2» : أحدهما: أنه الرسالة إلى فرعون. والثاني: أنه القيام بالفرائض ~~والتسبيح والتهليل. ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 43 الى # 48] # اذهبا إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ~~(44) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) قال لا تخافا إنني ~~معكما أسمع وأرى (46) فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ~~ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى (47) # إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (48) # قوله تعالى: اذهبا إلى فرعون فائدة تكرار الأمر بالذهاب، التوكيد. وقد ~~فسرنا قوله إنه طغى «3» . قوله تعالى: فقولا له قولا لينا وقرأ أبو عمران ~~الجوني، وعاصم الجحدري: «لينا» باسكان PageV03P159 # الياء، أي: لطيفا رفيقا. وللمفسرين فيه خمسة أقوال: أحدها: قولا له: قل: ~~«لا إله إلا الله وحده لا شريك له» ، رواه خالد بن معدان عن معاذ، والضحاك ~~عن ابن عباس. والثاني: أنه قوله: هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك ~~فتخشى «1» ، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. والثالث: كنياه، ~~رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال السدي. فأما اسمه، فقد ذكرناه في البقرة ~~«2» . وفي كنيته أربعة أقوال. # أحدها: أبو مرة، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: أبو مصعب، ذكره أبو ~~سليمان الدمشقي. # والثالث: أبو العباس. والرابع: أبو الوليد، حكاهما الثعلبي. والقول ~~الرابع: قولا له: إن لك ربا، وإن لك معادا، وإن بين يديك جنة ونارا، قاله ~~الحسن. والخامس: أن القول اللين: أن موسى أتاه، فقال له: تؤمن بما جئت به ~~وتعبد رب العالمين، على أن لك شبابك فلا تهرم، وتكون ملكا لا ينزع منك حتى ~~تموت، فإذا مت دخلت الجنة، فأعجبه ذلك فلما جاء هامان، أخبره بما قال موسى، ~~فقال: قد كنت أرى أن لك رأيا، أنت رب أردت أن تكون مربوبا؟! فقلبه عن رأيه، ~~قاله السدي. وحكي عن يحيى بن معاذ أنه قرأ هذه الآية، ms1478 فقال: إلهي هذا رفقك ~~بمن يقول: أنا إله، فكيف رفقك بمن يقول: # أنت إله. # قوله تعالى: لعله يتذكر أو يخشى قال الزجاج: «لعل» في اللغة: ترج وطمع، ~~تقول: لعلي أصير إلى خير، فخاطب الله تعالى العباد بما يعقلون. والمعنى عند ~~سيبويه: اذهبا على رجائكما وطمعكما. والعلم من الله تعالى من وراء ما يكون، ~~وقد علم أنه لا يتذكر ولا يخشى، إلا أن الحجة إنما تجب عليه بالآية ~~والبرهان، وإنما تبعث الرسل وهي لا تعلم الغيب ولا تدري أيقبل منها، أم لا، ~~وهم يرجون ويطمعون أن يقبل منهم، ومعنى «لعل» متصور في أنفسهم، وعلى تصور ~~ذلك تقوم الحجة. قال ابن الأنباري: ومذهب الفراء في هذا: كي يتذكر. وروى ~~خالد بن معدان عن معاذ قال: # والله ما كان فرعون ليخرج من الدنيا حتى يتذكر أو يخشى، لهذه الآية، وإنه ~~تذكر وخشي لما أدركه الغرق. وقال كعب: والذي يحلف به كعب، إنه لمكتوب في ~~التوراة: فقولا له قولا لينا، وسأقسي قلبه فلا يؤمن. قال المفسرون: كان ~~هارون يومئذ غائبا بمصر، فأوحى الله تعالى إلى هارون أن يتلقى موسى، فتلقاه ~~على مرحلة، فقال له موسى: إن الله تعالى أمرني أن آتي فرعون، فسألته أن ~~يجعلك معي فعلى هذا يحتمل أن يكونا حين التقيا قالا: ربنا إننا نخاف. قال ~~ابن الأنباري: ويجوز أن يكون القائل لذلك موسى وحده، واخبر الله عنه ~~بالتثنية لما ضم إليه هارون، فإن العرب قد توقع التثنية على الواحد، فتقول: ~~يا زيد قوما، يا حرسي اضربا عنقه. # قوله تعالى: أن يفرط علينا وقرأ عبد الله بن عمرو، وابن السميفع، وابن ~~يعمر، وأبو العالية: # «أن يفرط» برفع الياء وكسر الراء. وقرأ عكرمة، وإبراهيم النخعي: «أن ~~يفرط» بفتح الياء والراء. وقرأ أبو رجاء العطاردي، وابن محيصن: «أن يفرط» ~~بضم الياء وفتح الراء. قال الزجاج: المعنى، أن يبادر بعقوبتنا، يقال: قد ~~فرط منه أمر، أي: قد بدر وقد أفرط في الشيء: إذا اشتط فيه وفرط في الشيء: # إذا قصر ومعناه كله: التقدم في الشيء، ms1479 لأن الفرط في اللغة: المتقدم. ~~PageV03P160 # (974) ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «أنا فرطكم على الحوض» . # قوله تعالى: أو أن يطغى فيه قولان: أحدهما: يستعصي، قاله مقاتل. والثاني: ~~يجاوز الحد في الإساءة إلينا. قال ابن زيد: نخاف أن يعجل علينا قبل أن ~~نبلغه كلامك وأمرك. # قوله تعالى: إنني معكما أي: بالنصرة والعون أسمع أقوالكم وأرى أفعالكم. ~~قال الكلبي: أسمع جوابه لكما، وأرى ما يفعل بكما. # قوله تعالى: فأرسل معنا بني إسرائيل أي: خل عنهم (ولا تعذبهم) وكان ~~يستعملهم في الأعمال الشاقة، قد جئناك بآية من ربك قال ابن عباس: هي العصا. ~~قال مقاتل: أظهر اليد في مقام، والعصا في مقام. قوله تعالى: والسلام على من ~~اتبع الهدى قال مقاتل: على من آمن بالله. قال الزجاج: # وليس يعني به التحية، وإنما معناه: أن من اتبع الهدى، سلم من عذاب الله ~~وسخطه، والدليل على أنه ليس بسلام، أنه ليس بابتداء لقاء وخطاب. قوله ~~تعالى: على من كذب أي: بما جئنا به وأعرض عنه. ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 49 الى # 55] # قال فمن ربكما يا موسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50) ~~قال فما بال القرون الأولى (51) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ~~ينسى (52) الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء ~~فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى (53) # كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (54) منها خلقناكم ~~وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) # قوله تعالى: قال فمن ربكما في الكلام محذوف معناه معلوم، وتقديره: فأتياه ~~فأديا الرسالة. # قال الزجاج: وإنما لم يقل: فأتياه، لأن في الكلام دليلا على ذلك، لأن ~~قوله: «فمن ربكما» يدل على أنهما أتياه وقالا له. # قوله تعالى: أعطى كل شيء خلقه فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أعطى كل شيء ~~صورته، فخلق كل جنس من الحيوان على غير صورة جنسه، فصورة ابن آدم لا كصورة ~~البهائم، وصورة البعير لا كصورة الفرس، روى هذا المعنى الضحاك عن ابن عباس، ~~وبه قال ms1480 مجاهد، وسعيد بن جبير. والثاني: أعطى كل ذكر زوجة مثله، رواه ابن ~~أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال السدي، فيكون المعنى: أعطى كل حيوان ما ~~يشاكله. والثالث: أعطى كل شيء ما يصلحه، قاله قتادة. وفي قوله: ثم هدى ~~ثلاثة أقوال: أحدها: هدى كيف يأتي الذكر الأنثى، رواه الضحاك عن ابن عباس، ~~وبه قال ابن جبير. # والثاني: هدى للمنكح والمطعم والمسكن، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. ~~والثالث: هدى كل شيء إلى معيشته، قاله مجاهد. وقرأ عمر بن الخطاب، وابن ~~عباس، والأعمش، وابن السميفع، ونصير عن الكسائي: «أعطى كل شيء خلقه» بفتح ~~اللام. PageV03P161 # فإن قيل: ما وجه الاحتجاج على فرعون من هذا؟ # فالجواب: أنه قد ثبت وجود خلق وهداية، فلا بد من خالق وهاد. # قوله تعالى: قال فما بال القرون الأولى اختلفوا فيما سأل عنه من حال ~~القرون الأولى على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه سأله عن أخبارها وأحاديثها، ولم ~~يكن له بذلك علم، إذ التوراة إنما نزلت عليه بعد هلاك فرعون، فقال: علمها ~~عند ربي، هذا مذهب مقاتل. وقال غيره: أراد: إني رسول، وأخبار الأمم علم ~~غيب، فلا علم له بالغيب. والثاني: أن مراده من السؤال عنها: لم عبدت ~~الأصنام، ولم لم يعبد الله إن كان الحق ما وصفت؟! والثالث: أن مراده: ما ~~لها لا تبعث ولا تحاسب ولا تجازى؟! فقال: علمها عند الله، أي: علم أعمالها. ~~وقيل: الهاء في «علمها» كناية عن القيامة، لأنه سأله عن بعث الأمم، فأجابه ~~بذلك. # وقوله: في كتاب أراد: اللوح المحفوظ. قوله تعالى: لا يضل ربي ولا ينسى ~~وقرأ عبد الله بن عمرو، وعاصم الجحدري، وقتادة، وابن محيصن: «لا يضل» بضم ~~الياء وكسر الضاد، أي: لا يضيعه وقرأ أبو المتوكل، وابن السميفع: «لا يضل» ~~بضم الياء وفتح الضاد. وفي هذه الآية توكيد للجزاء على الأعمال، والمعنى: ~~لا يخطئ ربي ولا ينسى ما كان من أمرهم حتى يجازيهم بأعمالهم. وقيل: أراد: ~~لم يجعل ذلك في كتاب لأنه يضل وينسى. # قوله تعالى: الذي جعل لكم ms1481 الأرض مهدا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: # «مهادا» . وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «مهدا» بغير ألف. والمهاد: ~~الفراش، والمهد: الفرش. # وسلك لكم أي: أدخل لأجلكم في الأرض طرقا تسلكونها، وأنزل من السماء ماء ~~يعني: المطر. # وهذا آخر الإخبار عن موسى. ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بقوله: فأخرجنا به ~~يعني: بالماء أزواجا من نبات شتى أي: أصنافا مختلفة في الألوان والطعوم، كل ~~صنف منها زوج. و «شتى» لا واحد له من لفظه. كلوا أي: مما أخرجنا لكم من ~~الثمار وارعوا أنعامكم يقال: رعى الماشية، يرعاها: إذا سرحها في المرعى. ~~ومعنى هذا الأمر: التذكير بالنعم، إن في ذلك لآيات أي: لعبرا في اختلاف ~~الألوان والطعوم لأولي النهى قال الفراء: لذوي العقول، يقال للرجل: إنه لذو ~~نهية: إذا كان ذا عقل. قال الزجاج: واحد النهى: نهية، يقال: فلان ذو نهية، ~~أي: ذو عقل ينتهي به عن المقابح، ويدخل به في المحاسن قال: وقال بعض أهل ~~اللغة: ذو النهية: الذي ينتهى إلى رأيه وعقله، وهذا حسن أيضا. قوله تعالى: ~~منها خلقناكم يعني: الأرض المذكورة في قوله: «جعل لكم الأرض مهادا» . # والإشارة بقوله: «خلقناكم» إلى آدم، والبشر كلهم منه. وفيها نعيدكم بعد ~~الموت ومنها نخرجكم تارة أي: مرة أخرى بعد البعث، يعني: كما أخرجناكم منها ~~أولا عند خلق آدم من الأرض. ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 56 الى # 64] # ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56) قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا ~~بسحرك يا موسى (57) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه ~~نحن ولا أنت مكانا سوى (58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) ~~فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (60) # قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من ~~افترى (61) فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) قالوا إن هذان لساحران ~~يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) فأجمعوا ~~كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى (64) # PageV03P162 # قوله تعالى: ولقد أريناه يعني: فرعون آياتنا كلها يعني: التسع ms1482 الآيات، ~~ولم ير كل آية لله، لأنها لا تحصى، فكذب إذ نسب الآيات إلى الكذب، وقال: ~~هذا سحر وأبى أن يؤمن قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا يعني: مصر بسحرك أي: ~~تريد أن تغلب على ديارنا بسحرك فتملكها وتخرجنا منها فلنأتينك بسحر مثله ~~أي: فلنقابلن ما جئت به من السحر بمثله فاجعل بيننا وبينك موعدا أي: اضرب ~~بيننا وبينك أجلا وميقاتا لا نخلفه أي: لا نجاوزه نحن ولا أنت مكانا وقيل: # اجعل بيننا وبينك موعدا مكانا نتواعد لحضورنا ذلك المكان، ولا يقع منا ~~خلاف في حضوره. سوى قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي بكسر السين. ~~وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وخلف، ويعقوب: «سوى» بضمها. وقرأ أبي بن كعب، ~~وأبو المتوكل، وابن أبي عبلة: «مكانا سواء» بالمد والهمز والنصب والتنوين ~~وفتح السين. وقرأ ابن مسعود مثله، إلا أنه كسر السين. قال أبو عبيدة: هو ~~اسم للمكان النصف فيما بين الفريقين، والمعنى: مكانا تستوي مسافته على ~~الفريقين، فتكون مسافة كل فريق إليه كمسافة الفريق الآخر. قال موعدكم يوم ~~الزينة قرأ الجمهور برفع الميم. وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن أبي ~~عبلة، وهبيرة عن حفص بنصب الميم. وفي هذا «اليوم» أربعة أقوال: # أحدها: يوم عيد لهم، رواه أبو صالح عن ابن عباس، والسدي عن أشياخه، وبه ~~قال مجاهد، وقتادة، وابن زيد. والثاني: يوم عاشوراء، رواه سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس. والثالث: يوم النيروز، ووافق ذلك يوم السبت أول يوم من السنة، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس. والرابع: يوم سوق لهم، قاله سعيد بن جبير. # وأما رفع اليوم، فقال البصريون: التقدير: وقت موعدكم يوم الزينة، فناب ~~الموعد عن الوقت، وارتفع به ما كان يرتفع بالوقت إذا ظهر. فأما نصبه، فقال ~~الزجاج: المعنى: موعدكم يقع يوم الزينة، وأن يحشر الناس موضع «أن» رفع، ~~المعنى: موعدكم حشر الناس ضحى أي: إذا رأيتم الناس قد حشروا ضحى. ويجوز أن ~~تكون «أن» في موضع خفض عطفا على الزينة، المعنى: موعدكم يوم الزينة ويوم ~~حشر الناس ضحى. وقرأ ابن ms1483 مسعود: وابن يعمر، وعاصم الجحدري: «وأن تحشر» بتاء ~~مفتوحة ورفع الشين ونصب «الناس» . وعن ابن مسعود، والنخعي: «وأن يحشر» ~~بالياء المفتوحة ورفع الشين ونصب «الناس» . # قال المفسرون: أراد بالناس: أهل مصر، وبالضحى: ضحى اليوم، وإنما علقه ~~بالضحى، ليتكامل ضوء الشمس واجتماع الناس، فيكون أبلغ في الحجة وأبعد من ~~الريبة. # قوله تعالى: فتولى فرعون فيه قولان: أحدهما: أن المعنى: تولى عن الحق ~~الذي أمر به. # والثاني: أنه انصرف إلى منزله لاستعداد ما يلقى به موسى، أي: مكره وحيلته ~~ثم أتى أي: حضر الموعد. قال لهم موسى: أي للسحرة وقد ذكرنا عددهم في ~~الأعراف «1» . PageV03P163 # قوله تعالى: ويلكم قال الزجاج: هو منصوب على «ألزمكم الله ويلا» ويجوز أن ~~يكون على النداء، كقوله تعالى: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا «1» . # قوله تعالى: لا تفتروا على الله كذبا قال ابن عباس: لا تشركوا معه أحدا. # قوله تعالى: فيسحتكم قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو ~~بكر عن عاصم: # «فيسحتكم» بفتح الياء، من «سحت» . وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: ~~«فيسحتكم» بضم الياء، من «أسحت» . قال الفراء: ويسحت أكثر، وهو الاستئصال، ~~والعرب تقول: سحته الله، وأسحته، قال الفرزدق: # وعض زمان يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلف «2» # هكذا أنشد البيت الفراء، والزجاج، ورواه أبو عبيدة: «إلا مسحت أبو مجلف» ~~بالرفع. # قوله تعالى: فتنازعوا أمرهم بينهم يعني: السحرة تناظروا فيما بينهم في ~~أمر موسى، وتشاوروا وأسروا النجوى أي: أخفوا كلامهم من فرعون وقومه. وقيل: ~~من موسى وهارون. وقيل: «أسروا» ها هنا بمعنى «أظهروا» . # وفي ذلك الكلام الذي جرى بينهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم قالوا إن كان ~~هذا ساحرا، فإنا سنغلبه، وإن يكن من السماء كما زعمتم، فله أمره، قاله ~~قتادة. والثاني: أنهم لما سمعوا كلام موسى قالوا: ما هذا بقول ساحر، ولكن ~~هذا كلام الرب الأعلى، فعرفوا الحق، ثم نظروا إلى فرعون وسلطانه، وإلى موسى ~~وعصاه، فنكسوا على رؤوسهم، وقالوا إن هذان لساحران، قاله الضحاك، ومقاتل. ~~والثالث: أنهم قالوا إن هذان ms1484 لساحران ... الآيات، قاله السدي. # واختلف القراء في قوله تعالى: إن هذان لساحران فقرأ أبو عمرو بن العلاء: ~~«إن هذين» على إعمال «إن» وقال: إني لأستحيي من الله أن أقرأ «إن هذان» . ~~وقرأ ابن كثير: «إن» خفيفه «هذان» بتشديد النون. وقرأ عاصم في رواية حفص: ~~«إن» خفيفة «هذان» خفيفة أيضا. وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ~~«إن» بالتشديد «هاذان» بألف ونون خفيفة. فأما قراءة أبي عمرو، فاحتجاجه في ~~مخالفة المصحف بما روى عن عثمان وعائشة، أن هذا من غلط الكاتب على ما ~~حكيناه في قوله تعالى: # والمقيمين الصلاة «3» في سورة النساء. وأما قراءة عاصم، فمعناها: ما هذان ~~إلا ساحران، كقوله تعالى: وإن نظنك لمن الكاذبين «4» أي: ما نظنك إلا من ~~الكاذبين، وأنشدوا في ذلك: # ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما ... حلت عليه عقوبة المتعمد # أي: ما قتلت إلا مسلما. قال الزجاج: ويشهد لهذه القراءة، ما روي عن أبي ~~بن كعب أنه قرأ «ما هذان إلا ساحران» ، وروي عنه، «إن هذان لساحران» ~~بالتخفيف، ورويت عن الخليل «إن هذان» بالتخفيف والإجماع على أنه لم يكن أحد ~~أعلم بالنحو من الخليل. فأما قراءة الأكثرين بتشديد «إن» PageV03P164 # وإثبات الألف في قوله: «هاذان» فروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: هي لغة ~~بلحارث بن كعب وقال ابن الأنباري: هي لغة لنبي الحارث بن كعب، وافقتها لغة ~~قريش. قال الزجاج: وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب، وهو رأس من رؤوس الرواة: ~~أنها لغة لكنانة، يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد، ~~يقولون: أتاني الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان، وأنشدوا: # فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى ... مساغا لناباه الشجاع لصمما» # ويقول هؤلاء: ضربته بين أذناه وقال النحويون القدماء: ها هنا هاء مضمرة، ~~المعنى: إنه هذان لساحران. وقالوا أيضا: إن معنى «إن» : نعم «هذان لساحران» ~~، وينشدون: # ويقلن شيب قد علاك ... وقد كبرت فقلت إنه «2» # قال الزجاج: والذي عندي، وكنت عرضته على عالمنا محمد بن يزيد، وعلى ~~إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد، فقبلاه، وذكرا أنه أجود ما ms1485 سمعناه في ~~هذا، وهو أن «إن» قد وقعت موقع «نعم» ، والمعنى: نعم هذان لهما الساحران، ~~ويلي هذا في الجودة مذهب بني كنانة. وأستحسن هذه القراءة، لأنها مذهب أكثر ~~القراء، وبها يقرأ. وأستحسن قراءة عاصم، والخليل، لأنهما إمامان، ولأنهما ~~وافقا أبي بن كعب في المعنى. ولا أجيز قراءة أبي عمرو لخلاف المصحف. وحكى ~~ابن الأنباري عن الفراء قال: «ألف» «هذان» هي ألف «هذا» والنون فرقت بين ~~الواحد والتثنية، كما فرقت نون «الذين» بين الواحد والجمع. # قوله تعالى: ويذهبا بطريقتكم وقرأ أبان عن عاصم: «ويذهبا» بضم الياء وكسر ~~الهاء. وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمرو، وأبو رجاء ~~العطاردي: «ويذهبا بالطريقة» بألف ولام، مع حذف الكاف والميم. وفي الطريقة ~~قولان: أحدهما: بدينكم المستقيم، رواه الضحاك عن ابن عباس. # وقال أبو عبيدة: بسنتكم ودينكم وما أنتم عليه، يقال: فلان حسن الطريقة. ~~والثاني: بأمثلكم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال مجاهد: بأولي ~~العقل، والأشراف، والأسنان. وقال الشعبي: يصرفان وجوه الناس إليهما. قال ~~الفراء: الطريقة: الرجال الأشراف، تقول العرب للقوم الأشراف: هؤلاء طريقة ~~قومهم، وطرائق قومهم. # فأما «المثلى» فقال أبو عبيدة: هي تأنيث الأمثل. تقول في الإناث: خذ ~~المثلى منها، وفي الذكور: خذ الأمثل. وقال الزجاج: ومعنى المثلى والأمثل: ~~ذو الفضل الذي به يستحق أن يقال هذا أمثل قومه قال: والذي عندي أن في ~~الكلام محذوفا، والمعنى: يذهبا بأهل طريقتكم المثلى، وقول العرب: هذا طريقة ~~قومه، أي: صاحب طريقتهم. # قوله تعالى: فأجمعوا كيدكم قرأ الأكثرون: «فأجمعوا» بقطع الألف من ~~«أجمعت» . والمعنى: # ليكن عزمكم مجمعا عليه، لا تختلفوا فيختل أمركم. قال الفراء: والإجماع: ~~الإحكام والعزيمة على PageV03P165 # الشيء، تقول: أجمعت على الخروج، وأجمعت الخروج، تريد: أزمعت، قال الشاعر: # يا ليت شعري والمنى لا تنفع ... هل أغدون يوما وأمري مجمع «1» # يريد: قد أحكم وعزم عليه. وقرأ أبو عمرو: «فاجمعوا» بفتح الميم من «جمعت» ~~، يريد: لا تدعوا من كيدكم شيئا إلا جئتم به. فأما كيدهم، فالمراد به: ~~سحرهم، ومكرهم. # قوله تعالى: ثم ائتوا صفا ms1486 أي: مصطفين مجتمعين، ليكون أنظم لأموركم، وأشد ~~لهيبتكم. # قال أبو عبيدة: «صفا» أي: صفوفا. وقال ابن قتيبة: «صفا» بمعنى: جمعا. قال ~~الحسن: كانوا خمسة وعشرين صفا، كل ألف ساحر صف. # قوله تعالى: وقد أفلح اليوم من استعلى قال ابن عباس: فاز من غلب. ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 65 الى # 73] # قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65) قال بل ألقوا ~~فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66) فأوجس في نفسه خيفة ~~موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا ~~إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) # فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (70) قال آمنتم له قبل أن ~~آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك ~~على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة ~~الدنيا (72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر ~~والله خير وأبقى (73) # قوله تعالى: بل ألقوا قال ابن الأنباري: دخلت بل لمعنى: جحد في الآية ~~الأولى، لأن الآية إذا تؤملت وجدت مشتملة على: إما أن تلقي، وإما أن لا ~~تلقي. قوله تعالى: وعصيتهم قرأ الحسن، وأبو رجاء العطاردي، وأبو عمران ~~الجوني، وأبو الجوزاء: «وعصيهم» برفع العين. قوله تعالى: يخيل إليه وقرأ ~~أبو رزين العقيلي، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، وقتادة، والزهري، وابن ~~أبي عبلة: «تخيل» بالتاء، «إليه» أي: إلى موسى. يقال: خيل إليه: إذا شبه ~~له. وقد استدل قوم بهذه الآية على أن السحر ليس بشيء. قالوا إنما خيل إلى ~~موسى، والجواب: أنا لا ننكر أن يكون ما رآه موسى تخيلا، وليس بحقيقة، فإنه ~~من الجائز أن يكونوا تركوا الزئبق في سلوخ الحيات حتى جرت، وليس ذلك بحيات. ~~فأما السحر، فإنه يؤثر، وهو أنواع. # (975) وقد سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أثر فيه، ms1487 PageV03P166 # (976) ولعن العاضهة، وهي الساحرة. # قوله تعالى: فأوجس في نفسه خيفة قال ابن قتيبة: أضمر في نفسه خوفا. وقال ~~الزجاج: أصلها «خوفة» ولكن الواو قلبت ياء لانكسار ما قبلها. وفي خوفه ~~قولان: أحدهما: أنه خوف الطبع البشري. # والثاني: أنه لما رأى سحرهم من جنس ما أراهم في العصى، خاف أن يلتبس على ~~الناس أمره، ولا يؤمنوا، فقيل له: لا تخف إنك أنت الأعلى عليهم بالظفر ~~والغلبة. وهذا أصح من الأول. قوله تعالى: # وألق ما في يمينك يعني: العصا تلقف وقرأ ابن عامر: «تلقف ما» برفع الفاء ~~وتشديد القاف. وروى حفص عن عاصم: «تلقف» خفيفة. وكان ابن كثير يشدد التاء ~~من «تلقف» يريد: «تتلقف» . وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وسعيد بن جبير، ~~وأبو رجاء: «تلقم» بالميم. وقد شرحنا هذا في سورة الأعراف «1» ، إنما صنعوا ~~كيد ساحر قرأ حمزة، والكسائى وخلف «كيد سحر» وقرأ الباقون «كيد ساحر» بألف ~~والمعنى إن الذي صنعوا كيد ساحر» ، أي: عمل ساحر. وقرأ ابن مسعود، وأبو ~~عمران الجوني: «إنما صنعوا كيد» بنصب الدال. ولا يفلح الساحر قال ابن عباس: ~~لا يسعد حيثما كان «2» . وقيل: لا يفوز. # (977) وروى جندب بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إذا أخذتم الساحر فاقتلوه، ثم قرأ ولا يفلح الساحر حيث أتى، قال: «لا ~~يأمن حيث وجد» . # قوله تعالى: قال آمنتم له قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، وورش عن نافع: ~~«آمنتم له» على لفظ الخبر. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، «آمنتم له» ~~بهمزة ممدودة. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «أآمنتم له» بهمزتين ~~الثانية ممدودة. قوله تعالى: إنه لكبيركم قال ابن عباس: # معلمكم. قال الكسائي: الصبي بالحجاز إذا جاء عند معلمه، قال: جئت من عند ~~كبيري. قوله تعالى: # ولأصلبنكم في جذوع النخل «في» بمعنى «على» ، ومثله: أم لهم سلم يستمعون ~~فيه «3» . ولتعلمن أيها PageV03P167 # السحرة أينا أشد عذابا لكم وأبقى أي: أدوم، أنا على إيمانكم، أو رب موسى ~~على ترككم الإيمان به؟ قالوا لن نؤثرك أي: ms1488 لن نختارك على ما جاءنا من ~~البينات يعنون اليد والعصا. # فإن قيل: لم نسبوا الآيات إلى أنفسهم بقولهم: «جاءنا» وإنما جاءت عامة ~~لهم ولغيرهم. # فالجواب: أنهم لما كانوا بأبواب السحر ومذاهب الاحتيال أعرف من غيرهم، ~~وقد علموا أن ما جاء به موسى ليس بسحر، كان ذلك في حق غيرهم أبين وأوضح، ~~وكانوا هم لمعرفته أخص. # وفي قوله تعالى: والذي فطرنا وجهان ذكرهما الفراء، والزجاج: أحدهما: أن ~~المعنى: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، وعلى الذي فطرنا. والثاني: أنه ~~قسم، تقديره: وحق الذي فطرنا. # قوله تعالى: فاقض ما أنت قاض أي: فاصنع ما أنت صانع. وأصل القضاء: عمل ~~باحكام إنما تقضي هذه الحياة الدنيا قال الفراء: «إنما» حرف واحد، فلهذا ~~نصب: الحياة الدنيا» . ولو قرأ قارئ برفع «الحياة» لجاز، على أن يجعل «ما» ~~في مذهب «الذي» ، كقولك: إن الذي تقضي هذه الحياة الدنيا. # وقرأ ابن أبي عبلة، وأبو المتوكل: «إنما تقضى» بضم التاء على ما لم يسم ~~فاعله، «الحياة» برفع التاء. # قال المفسرون: والمعنى إنما سلطانك وملكك في هذه الدنيا، لا في الآخرة. ~~قوله تعالى: ليغفر لنا يعنون الشرك وما أكرهتنا عليه أي: والذي أكرهتنا ~~عليه، أي: ويغفر لنا إكراهك إيانا على السحر. # فإن قيل: كيف قالوا: أكرهتنا، وقد قالوا: إن لنا لأجرا وفي هذا دليل على ~~أنهم فعلوا السحر غير مكرهين؟ فعنه أربعة أجوبة: أحدها: أن فرعون كان يكره ~~الناس على تعلم السحر، قاله ابن عباس. # قال ابن الأنباري: كان يطالب بعض أهل مملكته بأن يعلموا أولادهم السحر ~~وهم لذلك كارهون، وذلك لشغفه بالسحر، ولما خامر قلبه من خوف موسى، فالإكراه ~~على السحر، هو الإكراه على تعلمه في أول الأمر. والثاني: أن السحرة لما ~~شاهدوا موسى بعد قولهم: «أئن لنا لأجرا» ورأوا ذكره الله تعالى وسلوكه ~~منهاج المتقين، جزعوا من ملاقاته بالسحر، وحذروا أن يظهر عليهم فيطلع على ~~ضعف صناعتهم، فتفسد معيشتهم، فلم يقنع فرعون منهم إلا بمعارضة موسى، فكان ~~هذا هو الإكراه على السحر. والثالث: أنهم خافوا أن ms1489 يغلبوا في ذلك الجمع، ~~فيقدح ذلك في صنعتهم عند الملوك والسوق وأكرههم فرعون على فعل السحر. ~~والرابع: أن فرعون أكرههم على مفارقة أوطانهم، وكان سبب ذلك السحر، ذكر هذه ~~الأقوال ابن الأنباري. # قوله تعالى: والله خير أي: خير منك ثوابا إذا أطيع وأبقى عقابا إذا عصي، ~~وهذا جواب قوله: «ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى» وهذا آخر الإخبار عن ~~السحرة. ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 74 الى # 76] # إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (74) ومن يأته ~~مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75) جنات عدن تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76) # قوله تعالى: إنه من يأت ربه مجرما يعني: مشركا فإن له جهنم لا يموت فيها ~~فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه «1» . أنشد ابن الأنباري في مثل هذا المعنى ~~قوله: PageV03P168 # ألا من لنفس لا تموت فينقضي ... شقاها ولا تحيا حياة لهم طعم # قوله تعالى: قد عمل الصالحات قال ابن عباس: قد أدى الفرائض، فأولئك لهم ~~الدرجات العلى يعني: درجات الجنة، وبعضها أعلى من بعض. والعلى، جمع العليا، ~~وهو تأنيث الأعلى. قال ابن الأنباري: وإنما قال: «فأولئك» ، لأن «من» تقع ~~بلفظ التوحيد على تأويل الجمع. فإذا غلب لفظها، وحد الراجع إليها، وإذا بين ~~تأويلها، جمع المصروف إليها. # قوله تعالى: وذلك يعني الثواب جزاء من تزكى أي: تطهر من الكفر والمعاصي. ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 77 الى # 82] # ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا ~~تخاف دركا ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ~~(78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم ~~وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى (80) كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (81) # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) # قوله تعالى: أن أسر بعبادي أي: سر بهم ليلا من أرض مصر فاضرب لهم طريقا ms1490 ~~أي: اجعل لهم طريقا في البحر يبسا قرأ أبو المتوكل والحسن والنخعي: «يبسا» ~~باسكان الباء. وقرأ الشعبي وأبو رجاء وابن السميفع: «يابسا» بألف. قال أبو ~~عبيدة: اليبس، متحرك الحروف، بمعنى اليابس، يقال: # شاة يبس، أي يابسة ليس لها لبن. وقال ابن قتيبة: يقال لليابس: يبس، ويبس. ~~قوله تعالى: لا تخف قرأ الأكثرون بألف. وقرأ أبان وحمزة عن عاصم: «لا تخف» ~~قال الزجاج: من قرأ «لا تخاف» فالمعنى: لست تخاف، ومن قرأ «لا تخف» فهو نهي ~~عن الخوف. قال الفراء: قرأ حمزة: «لا تخف» بالجزم، ورفع «ولا تخشى» على ~~الاستئناف، كقوله تعالى: يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون استأنف ب «ثم» فهذا ~~مثله، ولو نوى حمزة بقوله: «ولا تخش» الجزم وإن كانت فيه الياء، كان صوابا، ~~قال ابن قتيبة: ومعنى دركا لحاقا. قال المفسرون: قال أصحاب موسى: هذا فرعون ~~قد أدركنا، وهذا البحر بين أيدينا، فأنزل الله على موسى لا تخاف دركا أي: ~~من فرعون، ولا تخشى غرقا في البحر. # قوله تعالى: فأتبعهم فرعون قال ابن قتيبة: لحقهم. وروى هارون عن أبي ~~عمرو: «فاتبعهم» بالتشديد. وقال الزجاج: تبع الرجل الشيء، وأتبعه، بمعنى ~~واحد، ومن قرأ «فاتبعهم» بالتشديد، ففيه دليل على أنه اتبعهم ومعه الجنود. ~~ومن قرأ «فأتبعهم» فمعناه: ألحق جنوده بهم، وجائز أن يكون معهم على هذا ~~اللفظ، وجائز أن لا يكون إلا أنه قد كان معهم، فغشيهم من اليم ما غشيهم أي: ~~فغشيهم من # PageV03P169 # ماء البحر ما غرقهم، وقال ابن الأنباري: ويعني بقوله: «ما غشيهم» البعض ~~الذي غشيهم، لأنه لم يغشهم كل مائه. وقرأ ابن مسعود، وعكرمة، وأبو رجاء، ~~والأعمش: «فغشاهم من اليم ما غشاهم» بألف فيهما مع تشديد الشين وحذف الياء. # قوله تعالى: وأضل فرعون قومه أي: دعاهم إلى عبادته وما هدى أي: ما أرشدهم ~~حين أوردهم موارد الهلكة. وهذا تكذيب له في قوله: وما أهديكم إلا سبيل ~~الرشاد «1» . # قوله تعالى: وواعدناكم جانب الطور الأيمن لأخذ التوراة. وقد ذكرنا في ~~مريم «2» معنى «الأيمن» وذكرنا في البقرة «3» «المن والسلوى» . قوله تعالى: ms1491 ~~كلوا أي: وقلنا لهم: كلوا. قوله تعالى: ولا تطغوا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~لا تبطروا في نعمي فتظلموا. والثاني: لا تجحدوا نعمي فتكونوا طاغين. # والثالث: لا تدخروا منه لأكثر من يوم وليلة. قوله تعالى: فيحل عليكم غضبي ~~أي: فتجب لكم عقوبتي. والجمهور قرءوا «فيحل» بكسر الحاء ومن يحلل بكسر ~~اللام. وقرأ الكسائي: «فيحل» بضم الحاء «ومن يحلل» بضم اللام. قال الفراء: ~~والكسر أحب إلي، لأن الضم من الحلول، ومعناه: الوقوع، و «يحل» بالكسر، يجب، ~~وجاء التفسير بالوجوب، لا بالوقوع. قوله تعالى: فقد هوى أي: هلك. # قوله تعالى: وإني لغفار الغفار: الذي يغفر ذنوب عباده مرة بعد أخرى، ~~فكلما تكررت ذنوبهم تكررت مغفرته، وأصل الغفر: الستر، وبه سمي زئبر الثوب: ~~غفرا، لأنه يستر سداه. فالغفار: الستار لذنوب عباده، المسبل عليهم ثوب ~~عطفه. قوله تعالى: لمن تاب قال ابن عباس: لمن تاب من الشرك وآمن أي: وحد ~~الله وصدقه وعمل صالحا أدى الفرائض. وفي قوله تعالى: ثم اهتدى ثمانية أقوال ~~«4» : أحدها: علم أن لعمله هذا ثوابا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: ~~لم يشكك، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: علم أن ذلك توفيق من ~~الله له، رواه عطاء عن ابن عباس. # والرابع: لزم السنة والجماعة، قاله سعيد بن جبير. والخامس: استقام، قاله ~~الضحاك. والسادس: لزم الإسلام حتى يموت عليه، قاله قتادة. والسابع: اهتدى ~~كيف يعمل، قاله زيد بن أسلم. والثامن: # اهتدى إلى ولاية بيت النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ثابت البناني. ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 83 الى # 89] # وما أعجلك عن قومك يا موسى (83) قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب ~~لترضى (84) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) فرجع موسى ~~إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم ~~العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) قالوا ما ~~أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى ~~السامري (87) # فأخرج لهم عجلا جسدا ms1492 له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي (88) أفلا ~~يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) PageV03P170 # قوله تعالى: وما أعجلك عن قومك يا موسى قال المفسرون: لما نجى الله تعالى ~~بني إسرائيل وأغرق فرعون، قالوا: يا موسى، لو أتيتنا بكتاب من عند الله، ~~فيه الحلال والحرام والفرائض، فأوحى الله تعالى إليه يعده أنه ينزل عليه ~~ذلك في الموضع الذي كلمه فيه، فاختار سبعين، فذهبوا معه إلى الطور لأخذ ~~التوراة، فعجل موسى من بينهم شوقا إلى ربه، وأمرهم بلحاقه، فقال الله تعالى ~~له: ما الذي حملك على العجلة عن قومك، قال هم أولاء أي: هؤلاء على أثري، ~~وقرأ أبو رزين العقيلي، وعاصم الجحدري: «على إثري» بكسر الهمزة وسكون ~~الثاء. وقرأ عكرمة، وأبو المتوكل، وابن يعمر، برفع الهمزة وسكون الثاء. ~~وقرأ أبو رجاء، وأبو العالية: بفتح الهمزة وسكون الثاء. والمعنى: هم بالقرب ~~مني يأتون بعدي وعجلت إليك رب لترضى أي: لتزداد رضى، قال فإنا قد فتنا قومك ~~قال الزجاج: ألقيناهم في فتنة ومحنة، واختبرناهم. قوله تعالى: من بعدك أي: ~~من بعد انطلاقك من بينهم وأضلهم السامري أي: كان سببا لإضلالهم، وقرأ معاذ ~~القارئ، وأبو المتوكل، وعاصم الجحدري، وابن السميفع: «وأضلهم» برفع اللام. ~~وقد شرحنا في البقرة «1» سبب اتخاذ السامري العجل، وشرحنا في سورة الأعراف ~~«2» معنى قوله تعالى: غضبان أسفا. # قوله تعالى: ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أي: صدقا، وفيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: إعطاء التوراة. والثاني: قوله: لئن أقمتم الصلاة إلى قوله: لأكفرن ~~عنكم سيئاتكم ... الآية في المائدة «3» ، وقوله تعالى: وإني لغفار لمن تاب ~~«4» . والثالث: النصر والظفر. # قوله تعالى: أفطال عليكم العهد أي: مدة مفارقتي إياكم أم أردتم أن يحل ~~عليكم غضب من ربكم أن تصنعوا صنيعا يكون سببا لغضب ربكم فأخلفتم موعدي أي: ~~عهدي، وكانوا قد عاهدوه أنه إن فكهم الله من ملكة آل فرعون، أن يعبدوا الله ~~ولا يشركوا به، ويقيموا الصلاة، وينصروا الله ورسله. قالوا ما أخلفنا موعدك ~~بملكنا قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: ms1493 بكسر الميم، وقرأ نافع، وعاصم: ~~بفتح الميم. وقرأ حمزة، والكسائي: بضم الميم. قال أبو علي: وهذه لغات. وقال ~~الزجاج: الملك بالضم: السلطان والقدرة. والملك، بالكسر: ما حوته اليد. ~~والملك، بالفتح: # المصدر، يقال: ملكت الشيء أملكه ملكا. وللمفسرين في معنى الكلام أربعة ~~أقوال: أحدها: ما كنا نملك الذي اتخذ منه العجل ولكنها كانت زينة آل فرعون، ~~فقذفناها، قاله ابن عباس. والثاني: بطاقتنا قاله قتادة، والسدي. والثالث: ~~لم نملك أنفسنا عند الوقوع في البلية، قاله ابن زيد. والرابع: لم يملك ~~مؤمنونا سفهاءنا، ذكره الماوردي. فيخرج فيمن قال هذا لموسى قولان: أحدهما: ~~أنهم الذين لم يعبدوا العجل. والثاني: عابدوه. # قوله تعالى: ولكنا حملنا أوزارا قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن ~~عاصم: «حملنا» بضم الحاء وتشديد الميم. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو ~~بكر عن عاصم: «حملنا» خفيفة. # والأوزار: الاثقال. والمراد بها: حلي آل فرعون الذي كانوا استعاروه منهم ~~قبل خروجهم من مصر. # فمن قرأ «حملنا» بالتشديد فالمعنى: حملناها موسى، أمرنا باستعارتها من آل ~~فرعون فقذفناها أي PageV03P171 # طرحناها في الحفيرة. وقد ذكرنا سبب قذفهم إياها في سورة البقرة «1» . # قوله تعالى: فكذلك ألقى السامري فيه قولان: أحدهما: أنه ألقى حليا كما ~~ألقوا. والثاني: ألقى ما كان من تراب حافر فرس جبريل. وقد سبق شرح القصة في ~~البقرة «2» وذكرنا في الأعراف «3» معنى قوله تعالى: عجلا جسدا له خوار. # قوله تعالى: فقالوا هذا إلهكم هذا قول السامري ومن وافقه من الذين ~~افتتنوا. # قوله تعالى: فنسي في المشار إليه بالنسيان قولان: أحدهما: أنه موسى. ثم ~~في المعنى ثلاثة أقوال: أحدها: هذا إلهكم وإله موسى فنسي موسى أن يخبركم أن ~~هذا إلهه، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: فنسي موسى الطريق إلى ربه، روي ~~عن ابن عباس أيضا. والثالث: فنسي موسى إلهه عندكم، وخالفه في طريق آخر، ~~قاله قتادة. والثاني: أنه السامري، والمعنى: فنسي السامري إيمانه وإسلامه، ~~قاله ابن عباس. وقال مكحول: فنسي، أي: فترك السامري ما كان عليه من الدين. ~~وقيل: # فنسي أن العجل لا يرجع ms1494 إليهم قولا، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا. فعلى هذا ~~القول، يكون قوله تعالى: فنسي من إخبار الله عز وجل عن السامري. وعلى ما ~~قبله، فيمن قاله قولان: أحدهما: أنه السامري. والثاني: بنو إسرائيل. قوله ~~تعالى: أفلا يرون ألا يرجع قال الزجاج: المعنى: أفلا يرون أنه لا يرجع ~~إليهم قولا. ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 90 الى # 94] # ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري (90) قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ~~(91) قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) ~~قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرائيل ولم ترقب قولي (94) # قوله تعالى: ولقد قال لهم هارون من قبل أي: من قبل أن يأتي موسى يا قوم ~~إنما فتنتم به أي: ابتليتم وإن ربكم الرحمن لا العجل، قالوا لن نبرح عليه ~~عاكفين أي: لن نزال مقيمين على عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى فلما رجع ~~موسى قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا بعبادة العجل ألا تتبعن قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو: «ألا تتبعني» بياء في الوصل ساكنة، ويقف ابن كثير بالياء، ~~وأبو عمرو بغير ياء. وروى إسماعيل بن جعفر عن نافع: «ألا تتبعني أفعصيت» ~~بياء منصوبة. وروى قالون عن نافع مثل أبي عمرو سواء. وقرأ عاصم، وابن عامر، ~~وحمزة والكسائي: بغير ياء في الوصل، والوقف. والمعنى: ما منعك من اتباعي و ~~«لا» كلمة زائدة. وفي المعنى ثلاثة أقوال: أحدها: تسير ورائي بمن معك من ~~المؤمنين، وتفارقهم. رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: أن تناجزهم ~~القتال، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: في الإنكار عليهم، قاله ~~مقاتل. # قوله تعالى: أفعصيت أمري وهو قوله في وصيته إياه «اخلفني في قومي وأصلح» ~~. قال المفسرون: ثم أخذ برأس أخيه ولحيته غضبا منه عليه «4» . وهذا وإن لم ~~يذكر ها هنا، فقد ذكر في PageV03P172 # الأعراف «1» فاكتفي بذلك، وقد ms1495 شرحنا هناك معنى «يا ابن أم» واختلاف ~~القراء فيها. # قوله تعالى: لا برأسي # أي: بشعر رأسي. وهذا الغضب كان لله عز وجل لا لنفسه، لأنه وقع في نفسه، ~~أن هارون عصى الله بترك اتباع موسى. # قوله تعالى: ني خشيت # أي: إن فارقتهم واتبعتك ن تقول فرقت بين بني إسرائيل # وفيه قولان: أحدهما: باتباعي إياك ومن معي من المؤمنين. والثاني: بقتالي ~~لبعضهم ببعض. # وفي قوله تعالى: لم ترقب قولي # قولان: أحدهما: لم ترقب قولي لك: «اخلفني في قومي وأصلح» . والثاني: لم ~~تنتظر أمري فيهم. ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 95 الى # 98] # قال فما خطبك يا سامري (95) قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر ~~الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي (96) قال فاذهب فإن لك في الحياة أن ~~تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ~~لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ~~وسع كل شيء علما (98) # قوله تعالى: فما خطبك يا سامري أي: ما أمرك وشأنك الذي دعاك إلى ما صنعت؟ ~~قال ابن الأنباري: وبعض اللغويين يقول: الخطب مشتق من الخطاب. المعنى: ما ~~أمرك الذي تخاطب فيه؟! واختلفوا في اسم السامري على قولين «2» : أحدهما: ~~موسى أيضا، قاله وهب بن منبه، وقال: كان ابن عم موسى بن عمران. والثاني: ~~ميخا، قاله ابن السائب. # وهل كان من بني إسرائيل، أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: لم يكن منهم، قاله ~~ابن عباس. والثاني: # كان من عظمائهم، وكان من قبيلة تسمى «سامرة» ، قاله قتادة. # وفي بلده قولان: أحدهما: كرمان، قاله سعيد بن جبير. والثاني: باجرما، ~~قاله وهب. PageV03P173 # قوله تعالى: بصرت بما لم يبصروا به وقرأ حمزة والكسائي: «تبصروا» بالتاء، ~~فعلى قراءة الجمهور أشار إلى بني إسرائيل، وعلى هذه القراءة خاطب الجميع. ~~قال أبو عبيدة: علمت ما لم يعلموا. قال: وقوم يقولون: بصرت، وأبصرت سواء، ~~بمنزلة أسرعت، وسرعت. وقال الزجاج: # يقال: بصر الرجل يبصر: إذا صار عليما بالشيء، وأبصر يبصر: إذا نظر. ms1496 قال ~~المفسرون: فقال له موسى: وما ذاك؟ قال: رأيت جبريل على فرس، فألقي في نفسي: ~~أن اقبض من أثرها فقبضت قبضة، وقرأ أبي بن كعب، والحسن، ومعاذ القارئ: ~~«قبصة» بالصاد. قال الفراء: والقبضة بالكف كلها. والقبصة- بالصاد- بأطراف ~~الأصابع. قال ابن قتيبه: ومثل هذا: الخضم بالفم كله، والقضم بأطراف ~~الأسنان. والنضخ أكثر من النضح، والرجز: العذاب والرجس: النتن، والهلاس في ~~البدن، والسلاس في العقل، والغلط في الكلام، والغلت في الحساب، والخصر: ~~الذي يجد البرد، والخرص: الذي يجد البرد والجوع، والنار الخامدة: التي قد ~~سكن لهبها ولم يطفأ جمرها، والهامدة: # التي طفئت فذهبت البتة، والشكد: العطاء ابتداء، فإن كان جزاء فهو شكم، ~~والمائح: الذي يدخل البئر فيملأ الدلو، والماتح: الذي ينزعها. # قوله تعالى: فنبذتها أي: فقذفتها في العجل. وقرأ أبو عمرو وحمزة، ~~والكسائي، وخلف: # «فنبذتها» بالإدغام وكذلك أي: وكما حدثتك سولت لي نفسي أي: زينت لي قال ~~موسى فاذهب أي: من بيننا فإن لك في الحياة أي: ما دمت حيا أن تقول لا مساس ~~أي: لا أمس ولا أمس، فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع، لا يمس ~~أحدا، ولا يمسه أحد، عاقبه الله بذلك، وألهمه أن يقول: «لا مساس» ، فكان ~~إذا لقي أحدا يقول: لا مساس، أي: لا تقربني، ولا تمسني، وصار بذلك عقوبة ~~لولده، حتى بقاياهم اليوم، فيما ذكر أهل التفسير، بأرض الشام يقولون ذلك. ~~وحكي أنه إن مس واحد من غيرهم واحدا منهم، أخذتهما الحمى في الحال. قوله ~~تعالى: وإن لك موعدا أي: لعذابك يوم القيامة لن تخلفه أي: لن يتأخر عنك ومن ~~كسر لام «تخلف» أراد: لن تغيب عنه. # قوله تعالى: وانظر إلى إلهك يعني: العجل الذي ظلت قال ابن عباس: معناه: ~~أقمت عليه، وقال الفراء: معنى «ظلت» : فعلته نهارا. وقرأ أبي بن كعب، وأبو ~~الجوزاء، وابن يعمر: «ظلت» برفع الظاء. وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء، ~~والأعمش، وابن أبي عبلة: «ظلت» بكسر الظاء. وقال الزجاج: «ظلت» و «ظلت» ~~بفتح الظاء وكسرها، فمن فتح، فالأصل فيه: «ظللت» ولكن اللام ms1497 حذفت لثقل ~~التضعيف والكسر، وبقيت الظاء على فتحها، ومن قرأ: «ظلت» بالكسر، حول كسرة ~~اللام على الظاء. ومعنى عاكفا مقيما، لنحرقنه قرأ الجمهور لنحرقنه بضم ~~النون وفتح الحاء وتشديد الراء، وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو زرين، وابن ~~يعمر: «لنحرقنه» بفتح النون وسكون الحاء ورفع الراء مخففة. وقرأ أبو هريرة، ~~والحسن، وقتادة: «لنحرقنه» برفع النون وإسكان الحاء وكسر الراء مخففة. # قال الزجاج: إذا شدد فالمعنى: نحرقه مرة بعد مرة وتأويل «لنحرقنه» : ~~لنبردنه، يقال: حرقت أحرق وأحرق: إذا بردت الشيء، والنسف: التذرية. وجاء في ~~التفسير: أن موسى أخذ العجل فذبحه، فسال منه دم، لأنه كان قد صار لحما ~~ودما، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في البحر، ثم أخبرهم موسى عن إلههم، فقال: ~~إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو أي: هو الذي يستحق العبادة، لا العجل، # PageV03P174 # وسع كل شيء علما أي: وسع علمه كل شيء. ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 99 الى # 104] # كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا (99) من أعرض ~~عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (100) خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة ~~حملا (101) يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (102) يتخافتون ~~بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103) # نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104) # قوله تعالى: كذلك نقص عليك أي: كما قصصنا عليك يا محمد من نبأ موسى ~~وقومه، نقص عليك من أنباء ما قد سبق أي: من أخبار من مضى، والذكر ها هنا: ~~القرآن من أعرض عنه فلم يؤمن به ولم يعمل بما فيه فإنه يحمل يوم القيامة ~~وقرأ عكرمة وأبو المتوكل، وعاصم الجحدري: «يحمل» برفع الياء وفتح الحاء ~~وتشديد الميم، وزرا أي: إثما خالدين فيه أي: في عذاب ذلك الوزر وساء لهم ~~قال الزجاج: المعنى: وساء الوزر لهم يوم القيامة حملا و «حملا» منصوب على ~~التمييز. قوله تعالى: يوم ينفخ في الصور قرأ أبو عمرو: «ننفخ» بالنون. وقرأ ~~الباقون من السبعة: # «ينفخ» بالياء، على ما لم يسم ms1498 فاعله. وقرأ أبو عمران الجوني: «يوم ينفخ» ~~بياء مفتوحة ورفع الفاء وقد سبق ذكر الصور. ونحشر المجرمين وقرأ أبي بن كعب ~~وأبو الجوزاء وطلحة بن مصرف: «ويحشر» بياء مفتوحة ورفع الشين. وقرأ ابن ~~مسعود والحسن وأبو عمران: «ويحشر» بياء مرفوعة وفتح الشين، «المجرمون» ~~بالواو. قال المفسرون: والمراد بالمجرمين: المشركون يومئذ زرقا وفيه قولان: # أحدهما: عميا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال ابن قتيبة: بيض العيون من ~~العمى، قد ذهب السواد والناظر. والثاني: زرق العيون من شدة العطش، قاله ~~الزهري. والمراد: أنه يشوه خلقهم بسواد الوجوه وزرق العيون. # قوله تعالى: يتخافتون بينهم أي: يسار بعضهم بعضا إن لبثتم أي: ما لبثتم ~~إلا عشر ليال. # وهذا على طريق التقليل، لا على وجه التحديد. وفي مرادهم بمكان هذا اللبث ~~قولان: أحدهما: # القبور. ثم فيه قولان. أحدهما: أنهم عنوا طول ما لبثوا فيها، روى أبو ~~صالح عن ابن عباس: إن لبثتم بعد الموت إلا عشرا. والثاني: ما بين النفختين، ~~وهو أربعون سنة، فإنه يخفف عنهم العذاب حينئذ، فيستقلون مدة لبثهم لهول ما ~~يعاينون، حكاه علي بن أحمد النيسابوري. والقول الثاني: أنهم عنوا لبثهم في ~~الدنيا، قاله الحسن: وقتادة. # قوله تعالى: إذ يقول أمثلهم طريقة أي: أعقلهم، وأعدلهم قولا إن لبثتم إلا ~~يوما فنسي القوم مقدار لبثهم لهول ما عاينوا. ### | [سورة طه (20) : الآيات 105 الى 114] # ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105) فيذرها قاعا صفصفا (106) ~~لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت ~~الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108) يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن ~~له الرحمن ورضي له قولا (109) # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110) وعنت الوجوه للحي ~~القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ~~ظلما ولا هضما (112) وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم ~~يتقون أو يحدث لهم ذكرا (113) فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من ~~قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ms1499 رب زدني علما (114) # PageV03P175 # قوله تعالى: ويسئلونك عن الجبال. # (978) سبب نزولها أن رجالا من ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا يا محمد: كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فنزلت هذه الآية، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس. # قوله تعالى: فقل ينسفها ربي نسفا قال المفسرون: النسف: التذرية. والمعنى: ~~يصيرها رمالا تسيل سيلا، ثم يصيرها كالصوف المنفوش، تطيرها الرياح ~~فتستأصلها فيذرها أي: يدع أماكنها من الأرض إذا نسفها قاعا قال ابن قتيبة ~~القاع من الأرض: المستوي الذي يعلوه الماء، والصفصف: # المستوي أيضا، يريد: أنه لا نبت فيها. # قوله تعالى: لا ترى فيها عوجا ولا أمتا في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن ~~المراد بالعوج: # الأودية، وبالأمت: الروابي، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وكذلك قال ~~مجاهد: العوج: # الانخفاض، والأمت: الارتفاع، وهذا مذهب الحسن. وقال ابن قتيبة: الأمت: ~~النبك. والثاني: أن العوج: الميل، والأمت: الأثر مثل الشراك، رواه العوفي ~~عن ابن عباس. والثالث: أن العوج: الصدع، والأمت: الأكمة. # قوله تعالى: يومئذ يتبعون الداعي قال الفراء: أي يتبعون صوت الداعي ~~للحشر، لا عوج لهم عن دعائه: لا يقدرون أن لا يتبعوا. قوله تعالى: وخشعت ~~الأصوات أي: سكنت وخفيت فلا تسمع إلا همسا وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: وطء ~~الأقدام، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وعكرمة ~~ومجاهد في رواية، واختاره الفراء، والزجاج. والثاني: تحريك الشفاه بغير ~~نطق، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثالث: الكلام الخفي، روي عن مجاهد. ~~وقال أبو عبيدة: # الصوت الخفي. # قوله تعالى: يومئذ لا تنفع الشفاعة يعني لا تنفع أحدا إلا من أذن له ~~الرحمن أي: إلا شفاعة من أذن له الرحمن، أي: أذن أن يشفع له ورضي له قولا ~~أي: ورضي للمشفوع فيه قولا، وهو الذي كان في الدنيا من أهل «لا إله إلا ~~الله» . يعلم ما بين أيديهم الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي. وقد ~~شرحنا هذه الآية في سورة البقرة «1» وفي هاء «به» قولان: أحدهما: أنها ترجع ~~إلى الله تعالى، ms1500 قاله مقاتل. والثاني: إلى «ما بين أيديهم وما خلفهم» ، ~~قاله ابن السائب. # قوله تعالى: وعنت الوجوه قال الزجاج: «عنت» في اللغة: خضعت، يقال: عنا ~~يعنو: إذا PageV03P176 # خضع، ومنه قيل: أخذت البلاد عنوة: إذا أخذت غلبة، وأخذت بخضوع من أهلها. ~~والمفسرون: على أن هذا في يوم القيامة، إلا ما روي عن طلق بن حبيب: هو وضع ~~الجبهة والأنف والكفين والركبتين وأطراف القدمين على الأرض للسجود. وقد ~~شرحنا في آية الكرسي معنى «الحي القيوم» «1» . # قوله تعالى: وقد خاب من حمل ظلما قال ابن عباس: خسر من أشرك بالله. # قوله تعالى: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن «من» ها هنا للجنس. وإنما شرط ~~الإيمان، لأن غير المؤمن لا يقبل عمله، ولا يكون صالحا فلا يخاف أي: فهو لا ~~يخاف. وقرأ ابن كثير: «فلا يخف» على النهي. قوله تعالى: ظلما ولا هضما فيه ~~أربعة أقوال: أحدها: لا يخاف أن يظلم فيزاد في سيئاته، ولا أن يهضم من ~~حسناته، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: لا يخاف أن يظلم فيزاد من ~~ذنب غيره، ولا أن يهضم من حسناته، قاله قتادة. والثالث: لا يخاف أن يؤاخذ ~~بما لم يعمل، ولا ينتقص من عمله الصالح، قاله الضحاك. والرابع: لا يخاف أن ~~لا يجزى بعمله، ولا أن ينقص من حقه، قاله ابن زيد. قال اللغويون: الهضم: ~~النقص، تقول العرب: هضمت لك من حقي، أي: # حططت، ومنه: فلان هضيم الكشحين، أي: ضامر الجنبين، ويقال: هذا شيء يهضم ~~الطعام، أي: # ينقص ثقله. وفرق بعض المفسرين بين الظلم والهضم، فقال: الظلم: منع الحق ~~كله، والهضم: منع البعض، وإن كان ظلما أيضا. # قوله تعالى وكذلك أنزلناه أي: وكما بينا في هذه السورة، أنزلناه، أي: ~~أنزلنا هذا الكتاب قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد أي: بينا فيه ضروب ~~الوعيد. قال قتادة: يعني: وقائعه في الأمم المكذبة. قوله تعالى: لعلهم ~~يتقون أي: ليكون سببا لاتقائهم الشرك بالاتعاظ بمن قبلهم أو يحدث لهم أي: ~~يجدد لهم القرآن، وقيل: الوعيد ذكرا أي: اعتبارا، فيتذكروا ms1501 به عقاب الأمم، ~~فيعتبروا. وقرأ ابن مسعود، وعاصم الجحدري: «أو نحدث» بنون مرفوعة. قوله ~~تعالى: فتعالى الله أي: جل عن إلحاد الملحدين وقول المشركين في صفاته، ~~الملك الذي بيده كل شيء، الحق وقد ذكرناه في سورة يونس «2» . # قوله تعالى: ولا تعجل بالقرآن في سبب نزولها قولان: # (979) أحدهما: أن جبريل كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بالسورة والآي ~~فيتلوها عليه، فلا يفرغ جبريل من PageV03P177 # آخرها حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولها مخافة أن ينساها، ~~فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # (980) والثاني: أن رجلا لطم امرأته، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تطلب القصاص، فعجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص، فنزلت ~~هذه الآية، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى: الرجال ~~قوامون على النساء «1» ، قاله الحسن البصري. # قوله تعالى: من قبل أن يقضى إليك وحيه وقرأ ابن مسعود، والحسن، ويعقوب، ~~«نقضي» بالنون وكسر الضاد وفتح الياء «وحيه» بنصب الياء. # وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: لا تعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبريل ~~من تلاوته تخاف نسيانه، هذا على القول الأول. والثاني: لا تقرئ أصحابك حتى ~~نبين لك معانيه، قاله مجاهد، وقتادة. # والثالث: لا تسأل إنزاله قبل أن يأتيك الوحي، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: وقل رب زدني علما فيه ثلاثة أقوال: أحدها: زدني قرآنا، قاله ~~مقاتل. والثاني: # فهما. والثالث: حفظا، ذكرهما الثعلبي. ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 115 الى # 127] # ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (115) وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك ~~فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) ~~وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى (119) # فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ~~(120) فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى ~~آدم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه فتاب ms1502 عليه وهدى (122) قال اهبطا منها ~~جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ~~(123) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) # قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ~~وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب ~~الآخرة أشد وأبقى (127) # قوله تعالى: ولقد عهدنا إلى آدم أي: أمرناه وأوصيناه أن لا يأكل من ~~الشجرة من قبل أي: # من قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا الإيمان بي، وهم الذين ذكرهم في ~~قوله: لعلهم يتقون، PageV03P178 # والمعنى: أنهم إن نقضوا العهد، فإن آدم قد عهدنا إليه فنسي. # وفي هذا النسيان قولان: أحدهما: أنه الترك، قاله ابن عباس، ومجاهد، ~~والمعنى: ترك ما أمر به. والثاني: أنه من النسيان الذي يخالف الذكر، حكاه ~~الماوردي. وقرأ معاذ القارئ، وعاصم الجحدري، وابن السميفع: «فنسي» برفع ~~النون وتشديد السين. # قوله تعالى: ولم نجد له عزما العزم في اللغة: توطين النفس على الفعل. # وفي المعنى أربعة أقوال «1» : أحدها: لم نجد له حفظا، رواه العوفي عن ابن ~~عباس، والمعنى: # لم يحفظ ما أمر به. والثاني: صبرا، قاله قتادة، ومقاتل، والمعنى: لم يصبر ~~عما نهي عنه. والثالث: # حزما، قاله ابن السائب. قال ابن الأنباري: وهذا لا يخرج آدم من أولي ~~العزم، وإنما لم يكن له عزم في الأكل فحسب. والرابع: عزما في العود إلى ~~الذنب، ذكره الماوردي. وما بعده هذا قد تقدم تفسيره «2» إلى قوله تعالى: ~~فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى قال المفسرون: المراد به نصب الدنيا وتعبها من ~~تكلف الحرث والزرع والعجن والخبز وغير ذلك. قال سعيد بن جبير: أهبط إلى آدم ~~ثور أحمر، فكان يعتمل عليه ويمسح العرق عن جبينه، فذلك شقاؤه. قال العلماء: ~~والمعنى: فتشقيا وإنما لم يقل فتشقيا، لوجهين: أحدهما: أن آدم هو المخاطب، ~~فاكتفى به، ومثله: عن اليمين وعن الشمال قعيد «3» ، قاله الفراء. والثاني: ~~أنه لما كان آدم هو الكاسب، كان التعب في حقه أكثر، ذكره ms1503 الماوردي. # قوله تعالى: ألا تجوع فيها قرأ أبي بن كعب: «لا تجاع ولا تعرى» بالتاء ~~المضمومة والألف. # وأنك لا تظمؤا قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن ~~عاصم: «وأنك» مفتوحة الألف. وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم: «وإنك» بكسر ~~الألف. قال أبو علي: من فتح حمله على أن لك أن لا تجوع وأن لك أن لا تظمأ، ~~ومن كسر استأنف. # قوله تعالى: لا تظمؤا فيها أي: لا تعطش. يقال: ظمئ الرجل يظمأ ظمأ، فهو ~~ظمآن، أي: # عطشان. ومعنى ولا تضحى لا تبرز للشمس فيصيبك حرها، لأنه ليس في الجنة ~~شمس. قوله تعالى: هل أدلك على شجرة الخلد أي: على شجرة من أكل منها لم يمت ~~وملك لا يبلى جديده ولا يفنى، وما بعد هذا مفسر في الأعراف «4» . وفي قوله ~~تعالى: فغوى قولان: أحدهما: ضل طريق الخلود حيث أراده من قبل المعصية. ~~والثاني: فسد عليه عيشه، لأن معنى الغي: الفساد. قال ابن الأنباري: وقد غلط ~~بعض المفسرين، فقال: معنى «غوى» : أكثر مما أكل من الشجرة حتى بشم «5» ، ~~كما يقال: غوى الفصيل إذا أكثر من لبن أمه فبشم وكاد يهلك، وهذا خطأ من ~~وجهين: أحدهما: أنه لا يقال من البشم: غوى يغوي، وإنما يقال: غوي يغوى. ~~والثاني: أن قوله تعالى: فلما ذاقا الشجرة «6» يدل على أنهما لم يكثرا، ولم ~~تتأخر عنهما العقوبة حتى يصلا إلى الإكثار. قال ابن قتيبة: فنحن نقول ~~PageV03P179 # في حق آدم: عصى وغوى كما قال الله عز وجل، ولا نقول: آدم عاص وغاو، كما ~~تقول لرجل قطع ثوبه وخاطه: قد قطعه وخاطه، ولا تقول: هذا خياط، حتى يكون ~~معاودا لذلك الفعل، معروفا به. # قوله تعالى: ثم اجتباه ربه قد بينا الاجتباء في الأنعام «1» . فتاب عليه ~~وهدى أي: هداه للتوبة. قال اهبطا في المشار إليهما قولان: أحدهما: آدم ~~وإبليس، قاله مقاتل. والثاني: آدم وحواء، قاله أبو سليمان الدمشقي. ومعنى ~~قوله عز وجل: بعضكم لبعض عدو آدم وذريته، وإبليس وذريته، والحية أيضا وقد ~~شرحنا هذا في البقرة ms1504 «2» . # قوله تعالى: فمن اتبع هداي أي: رسولي وكتابي فلا يضل ولا يشقى قال ابن ~~عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه سوء ~~الحساب، ولقد ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في ~~الآخرة، ثم قرأ هذه الآية. قوله تعالى: ومن أعرض عن ذكري قال عطاء: عن ~~موعظتي. وقال ابن السائب: عن القرآن ولم يؤمن به ولم يتبعه. قوله تعالى: ~~فإن له معيشة ضنكا قال أبو عبيدة: معناه: معيشة ضيقة، والضنك يوصف به ~~الأنثى والذكر بغير هاء، وكل عيش أو مكان أو منزل ضيق، فهو ضنك، وأنشد: # وإن نزلوا بضنك فانزل «3» وقال الزجاج: الضنك أصله في اللغة: الضيق ~~والشدة. # وللمفسرين في المراد بهذه المعيشة خمسة أقوال: أحدها: أنها عذاب القبر. # (981) رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما ~~المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: عذاب الكافر في قبره، والذي ~~نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا ينفخون في جسمه ويلسعونه ~~ويخدشونه إلى يوم القيامة» . وممن ذهب إلى أنه عذاب القبر ابن مسعود، وأبو ~~سعيد الخدري، والسدي. PageV03P180 # والثاني: أنه ضغطة القبر حتى تختلف أضلاعه فيه، رواه عطاء عن ابن عباس. ~~والثالث: شدة عيشه في النار، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~وقتادة، وابن زيد. قال ابن السائب: # وتلك المعيشة من الضريع والزقوم. والرابع: أن المعيشة الضنك: كسب الحرام، ~~روى الضحاك عن ابن عباس قال: المعيشة الضنك: أن تضيق عليه أبواب الخير فلا ~~يهتدى لشيء منها، وله معيشة حرام يركض فيها. قال الضحاك: فهذه المعيشة هي ~~الكسب الخبيث، وبه قال عكرمة. والخامس: أن المعيشة الضنك: المال الذي لا ~~يتقي الله صاحبه فيه، رواه العوفي عن ابن عباس. # فخرج في مكان المعيشة ثلاثة أقوال: أحدها: القبر. والثاني: الدنيا. ~~والثالث: جهنم. # وفي قوله تعالى: ونحشره يوم القيامة أعمى قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، وحفص عن عاصم: «أعمى» «حشرتني أعمى» بفتح الميمين، وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وأبو ms1505 بكر عن عاصم بكسرهما. وقرأ نافع بين الكسر والفتح. ثم في ~~هذا المعنى للمفسرين قولان: أحدهما: أعمى البصر، روى أبو صالح عن ابن عباس ~~قال: إذا أخرج من القبر خرج بصيرا، فإذا سيق إلى المحشر عمي. # والثاني: أعمى عن الحجة، قاله مجاهد، وأبو صالح. قال الزجاج: معناه: فلا ~~حجة له يهتدي بها، لأنه ليس للناس على الله حجة بعد الرسل. # قوله تعالى: كذلك أي: الأمر كذلك كما ترى أتتك آياتنا فنسيتها أي: ~~فتركتها ولم تؤمن بها، وكما تركتها في الدنيا تترك اليوم في النار وكذلك ~~أي: وكما ذكرناه نجزي من أسرف أي: أشرك ولعذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا ~~ومن عذاب القبر وأبقى لأنه يدوم. ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 128 الى # 130] # أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك ~~لآيات لأولي النهى (128) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ~~(129) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن ~~آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130) # قوله تعالى: أفلم يهد لهم أي: أفلم يتبين لكفار مكة إذا نظروا آثار من ~~أهلكنا من الأمم وكانت قريش تتجر وترى مساكن عاد وثمود وفيها علامات ~~الهلاك، فذلك قوله تعالى: يمشون في مساكنهم. وروى زيد عن يعقوب: «أفلم نهد» ~~بالنون. # قوله تعالى: ولولا كلمة سبقت من ربك في تأخير العذاب عن هؤلاء الكفار إلى ~~يوم القيامة، وقيل: إلى يوم بدر، وقيل: إلى انقضاء آجالهم لكان لزاما أي: ~~لكان العذاب لزاما، أي: لازما لهم. واللزام: مصدر وصف به العذاب. قال ~~الفراء وابن قتيبة: في هذه الآية تقديم وتأخير، والمعنى: # ولولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاما. # قوله تعالى: فاصبر على ما يقولون أمر الله تعالى نبيه بالصبر على ما يسمع ~~من أذاهم إلى أن يحكم الله فيهم، ثم حكم فيهم بالقتل، ونسخ بآية السيف ~~إطلاق الصبر. # قوله تعالى: وسبح بحمد ربك أي: صل له بالحمد له والثناء عليه قبل طلوع ~~الشمس يريد الفجر وقبل غروبها ms1506 يعني: العصر ومن آناء الليل الآناء: الساعات، ~~وقد بيناها في آل عمران «1» ، PageV03P181 # فسبح أي: فصل. # وفي المراد بهذه الصلاة أربعة أقوال: أحدها: المغرب والعشاء، رواه أبو ~~صالح عن ابن عباس، وبه قال قتادة. والثاني: جوف الليل، رواه العوفي عن ابن ~~عباس. والثالث: العشاء، قاله مجاهد، وابن زيد. والرابع: أول الليل وأوسطه ~~وآخره، قاله الحسن. # قوله تعالى: وأطراف النهار المعنى: وسبح أطراف النهاء. قال الفراء: إنما ~~هما طرفان، فخرجا مخرج الجمع، كقوله تعالى: إن تتوبا إلى الله فقد صغت ~~قلوبكما «1» . # وللمفسرين في المراد بهذه الصلاة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الظهر، قاله ~~قتادة فعلى هذا، إنما قيل لصلاة الظهر: أطراف النهار، لأن وقتها عند ~~الزوال، فهو طرف النصف الأول النصف الثاني. # والثاني: أنها صلاة المغرب وصلاة الصبح، قاله ابن زيد وهذا على أن الفجر ~~في ابتداء الطرف الأول، والمغرب عند انتهاء الطرف الثاني. والثالث: أنها ~~الفجر والظهر والعصر فعلى هذا يكون الفجر من الطرف الأول، والظهر والعصر من ~~الطرف الثاني، حكاه الفراء. # قوله تعالى: لعلك ترضى قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة، وحفص عن عاصم: «ترضى» بفتح التاء. وقرأ الكسائي، وأبو بكر عن عاصم ~~بضمها. فمن فتح، فالمعنى: لعلك ترضى ثواب الله الذي يعطيك. ومن ضمها، ففيه ~~وجهان: أحدهما: لعلك ترضى بما تعطى. والثاني: # لعل الله أن يرضاك. ### | ### | [سورة طه (20) : الآيات 131 الى # 132] # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم ~~فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك ~~رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى (132) # قوله تعالى: ولا تمدن عينيك. # (982) سبب نزولها، ما روى أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قال: نزل ضيف برسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاني فأرسلني إلى رجل من ~~اليهود يبيع طعاما، فقال: قل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«بعني كذا وكذا من الدقيق، أو أسلفني إلى هلال رجب» فأتيته فقلت له ذلك، ~~فقال اليهودي: والله لا أبيعه ms1507 ولا أسلفه إلا برهن، فأتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: «والله لو باعني أو أسلفني لقضيته، وإني ~~لأمين في السماء أمين في الأرض، اذهب بدرعي الحديد إليه» ، فنزلت هذه الآية ~~تعزية له في الدنيا. قال أبي بن كعب: من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه ~~حسرات على الدنيا. وقد مضى تفسير هذه الآية في آخر سورة الحجر «2» . ~~PageV03P182 # قوله تعالى: زهرة الحياة الدنيا وقرأ ابن مسعود، والحسن، والزهري، ~~ويعقوب: «زهرة» بفتح الهاء. قال الزجاج: وهو منصوب بمعنى «متعنا» ، لأن ~~معنى «متعنا» : جعلنا لهم الحياة الدنيا زهرة، لنفتنهم فيه أي: لنجعل ذلك ~~فتنة لهم. وقال ابن قتيبة: لنختبرهم. قال المفسرون: زهرة الدنيا: # بهجتها وغضارتها وما يروق الناظر منها عند رؤيته، وهو من زهرة النبات ~~وحسنه. قوله تعالى: ورزق ربك خير وأبقى فيه قولان: أحدهما: أنه ثوابه في ~~الآخرة. والثاني: القناعة. # قوله تعالى: وأمر أهلك بالصلاة قال المفسرون: المراد بأهله: قومه ومن كان ~~على دينه، ويدخل في هذا أهل بيته «1» . قوله تعالى: واصطبر عليها أي: واصبر ~~على الصلاة لا نسئلك رزقا أي: لا نكلفك رزقا لنفسك ولا لخلقنا، إنما نأمرك ~~بالعبادة ورزقك علينا، والعاقبة للتقوى أي: # وحسن العاقبة لأهل التقوى. وكان بكر بن عبد الله المزني إذا أصاب أهله ~~خصاصة قال: قوموا فصلوا، ثم يقول: بهذا أمر الله تعالى ورسوله، ويتلو هذه ~~الآية. ### | [سورة طه (20) : الآيات 133 الى 135] # وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ~~(133) ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من ~~أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى (135) # قوله تعالى: وقالوا يعني: المشركين لولا أي: هلا يأتينا محمد بآية من ربه ~~أي كآيات الأنبياء، نحو الناقة والعصا أولم تأتهم قرأ نافع وأبو عمرو وحفص ~~عن عاصم: «تأتهم» بالتاء. # وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: «يأتهم» ~~بالياء. # قوله تعالى: بينة ما في الصحف ms1508 الأولى أي: أولم يأتهم في القرآن بيان ما ~~في الكتب من أخبار الأمم التي أهلكناها لما سألوا الآيات ثم كفروا بها، فما ~~يؤمنهم أن تكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك؟! ولو أنا أهلكناهم يعني: ~~مشركي مكة بعذاب من قبله في الهاء قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الكتاب، ~~قاله مقاتل. والثاني: إلى الرسول، قاله الفراء. # قوله تعالى: لقالوا يوم القيامة ربنا لولا أي: هلا أرسلت إلينا رسولا ~~يدعونا إلى طاعتك فنتبع آياتك أي: نعمل بمقتضاها من قبل أن نذل بالعذاب ~~ونخزى في جهنم. وقرأ ابن عباس، وابن السميفع، وأبو حاتم عن يعقوب: «نذل» ~~«ونخزى» برفع النون فيهما، وفتح الذال. # قل لهم يا محمد: كل منا ومنكم متربص أي: نحن نتربص بكم العذاب في الدنيا، ~~وأنتم تتربصون بنا الدوائر فتربصوا أي: فانتظروا فستعلمون إذا جاء أمر الله ~~من أصحاب الصراط السوي أي: الدين المستقيم ومن اهتدى من الضلالة، أنحن، أم ~~أنتم؟ وقيل: هذه منسوخة بآية السيف، وليس بشيء. PageV03P183 ### | سورة الأنبياء # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 1 الى # 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا ~~هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون (3) قال ربي يعلم القول ~~في السماء والأرض وهو السميع العليم (4) # بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل ~~الأولون (5) ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) وما أرسلنا ~~قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) وما ~~جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) ثم صدقناهم الوعد ~~فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9) # لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) # وهي مكية باجماعهم من غير خلاف نعلمه. # قوله عز وجل: اقترب افتعل، من القرب، يقال: قرب الشيء، واقترب. وهذه ~~الآية نزلت في كفار مكة. وقال الزجاج: اقترب للناس وقت حسابهم. قيل: اللام ~~في ms1509 قوله للناس # بمعنى: «من» . # والمراد بالحساب: محاسبة الله لهم على أعمالهم. وفي معنى قربه قولان: ~~أحدهما: أنه آت، وكل آت قريب. والثاني: لأن الزمان- لكثرة ما مضى وقلة ما ~~بقي- قريب. # قوله تعالى: وهم في غفلة أي: عما يفعل الله بهم ذلك اليوم معرضون عن ~~التأهب له. # وقيل: «اقترب للناس» عام، والغفلة والإعراض خاص في الكفار، بدلالة قوله ~~تعالى: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث، وفي هذا الذكر ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنه القرآن، قاله ابن عباس فعلى هذا تكون الإشارة بقوله: محدث إلى إنزاله ~~له، لأنه أنزل شيئا بعد شيء. والثاني: أنه ذكر من الأذكار، وليس بالقرآن، ~~حكاه أبو سليمان الدمشقي. وقال النقاش: هو ذكر من رسول الله، وليس بالقرآن. # والثالث: أنه رسول الله، بدليل قوله في سياق الآية: هل هذا إلا بشر ~~مثلكم، قاله الحسن بن الفضل. # قوله تعالى: إلا استمعوه وهم يلعبون قال ابن عباس: يستمعون القرآن ~~مستهزئين. # PageV03P184 # قوله تعالى: لاهية قلوبهم أي: غافلة عما يراد بهم. قال الزجاج: المعنى: ~~إلا استمعون لاعبين لاهية قلوبهم ويجوز أن يكون منصوبا بقوله: «يلعبون» . ~~وقرأ عكرمة، وسعيد بن جبير، وابن أبي عبلة: «لاهية» بالرفع. # قوله تعالى: وأسروا النجوى أي: تناجوا فيما بينهم، يعني المشركين. ثم بين ~~من هم فقال: # الذين ظلموا أي: أشركوا بالله. و «الذين» في موضع رفع على البدل من ~~الضمير في «وأسروا» ثم بين سرهم الذي تناجوا به فقال: هل هذا إلا بشر مثلكم ~~أي: آدمي، فليس بملك، وهذا إنكار لنبوته. وبعضهم يقول: «أسروا» ها هنا ~~بمعنى: أظهروا، لأنه من الأضداد. # قوله تعالى: أفتأتون السحر أي: أفتقبلون السحر وأنتم تبصرون أنه سحر؟! ~~يعنون أن متابعة محمد صلى الله عليه وسلم متابعة السحر. قال ربي قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «قل ربي» . وقرأ ~~حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «قال ربي» ، وكذلك هي في مصاحف الكوفيين، ~~وهذا على الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يعلم القول، أي: لا يخفى ~~عليه شيء يقال ms1510 في السماء والأرض، فهو عالم بما أسررتم. بل قالوا، قال ~~الفراء: رد ب بل على معنى تكذيبهم، وإن لم يظهر قبله الكلام بجحودهم، لأن ~~معناه الإخبار عن الجاحدين، وأعلم أن المشركين كانوا قد تحيروا في أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فاختلفت أقوالهم فيه، فبعضهم يقول: هذا الذي يأتي ~~به سحر، وبعضهم يقول: أضغاث أحلام، وهي الأشياء المختلطة ترى في المنام وقد ~~شرحناها في يوسف «1» ، وبعضهم يقول: افتراه، أي: اختلقه، وبعضهم يقول: هو ~~شاعر فليأتنا بآية كالناقة والعصا، فاقترحوا الآيات التي لا إمهال بعدها. # قوله تعالى: ما آمنت قبلهم يعني: مشركي مكة من قرية وصف القرية، والمراد ~~أهلها، والمعنى: أن الأمم التي أهلكت بتكذيب الآيات، لم يؤمنوا بالآيات لما ~~أتتهم، فكيف يؤمن هؤلاء؟! وهذه إشارة إلى أن الآية لا تكون سببا للإيمان، ~~إلا أن يشاء الله. # قوله تعالى: وما أرسلنا قبلك إلا رجالا هذا جواب قولهم: «هل هذا إلا بشر ~~مثلكم» . قوله تعالى: نوحي إليهم قرأ الأكثرون: «يوحى» بالياء. وروى حفص عن ~~عاصم: «نوحي» بالنون. وقد شرحنا هذه الآية في النحل «2» . # قوله تعالى وما جعلناهم يعني الرسل جسدا قال الفراء: لم يقل: أجسادا، ~~لأنه اسم الجنس. قال مجاهد: وما جعلناهم جسدا ليس فيهم روح. قال ابن قتيبة: ~~ما جعلنا الانبياء قبله أجسادا لا تأكل الطعام ولا تموت فنجعله كذلك. قال ~~المبرد وثعلب جميعا: العرب إذا جاءت بين الكلام بجحدين، كان الكلام إخبارا، ~~فمعنى الآية: إنما جعلناهم جسدا ليأكلوا الطعام. قال قتادة: المعنى: # وما جعلناهم جسدا إلا ليأكلوا الطعام. # قوله تعالى: ثم صدقناهم الوعد يعني: الأنبياء أنجزنا وعدهم الذي وعدناهم ~~بإنجائهم وإهلاك مكذبيهم فأنجيناهم ومن نشاء وهم الذين صدقوهم وأهلكنا ~~المسرفين يعني: أهل الشرك وهذا PageV03P185 # تخويف لأهل مكة. ثم ذكر منته عليهم بالقرآن فقال: لقد أنزلنا إليكم كتابا ~~فيه ذكركم، وفي ثلاثة أقوال «1» : أحدها: فيه شرفكم، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس. والثاني: فيه دينكم، قاله الحسن، يعني: # فيه ما تحتاجون إليه من أمر دينكم. والثالث: فيه تذكرة لكم لما ms1511 تلقونه من ~~رجعة أو عذاب، قاله الزجاج. قوله تعالى: أفلا تعقلون ما فضلتكم به على ~~غيركم. ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 11 الى # 15] # وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) فلما أحسوا ~~بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ~~ومساكنكم لعلكم تسئلون (13) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) فما زالت ~~تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (15) # ثم خوفهم فقال: وكم قصمنا قال المفسرون واللغويون: معناه: وكم أهلكنا، ~~وأصل القصم: # الكسر. قوله تعالى: كانت ظالمة أي: كافرة، والمراد: أهلها. فلما أحسوا ~~بأسنا أي: رأوا عذابنا بحاسة البصر إذا هم منها يركضون أي: يعدون، وأصل ~~الركض: تحريك الرجلين، يقال: # ركضت الفرس: إذا أعديته بتحريك رجليك فعدا. # قوله تعالى: لا تركضوا قال المفسرون: هذا قول الملائكة لهم: وارجعوا إلى ~~ما أترفتم فيه، أي: إلى نعمكم التي أترفتكم، وهذا توبيخ لهم. وفي قوله: ~~لعلكم تسئلون قولان: أحدهما: تسألون من دنياكم شيئا، استهزاء بهم، قاله ~~قتادة. والثاني: تسألون عن قتل نبيكم، قاله ابن السائب. فلما أيقنوا ~~بالعذاب قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين بكفرنا، فما زالت تلك دعواهم أي: ما ~~زالت تلك الكلمة التي هي «يا ويلنا إنا كنا ظالمين» قولهم يرددونها. حتى ~~جعلناهم حصيدا بالعذاب، وقيل: بالسيوف خامدين، أي: ميتين كخمود النار إذا ~~طفئت. ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 16 الى 24] # وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (16) لو أردنا أن نتخذ لهوا ~~لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا ~~هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا ~~يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19) يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20) # أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ~~(23) أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ~~بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) # قوله ms1512 تعالى: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين أي: لم نخلق ذلك ~~عبثا، إنما خلقناهما دلالة على قدرتنا ووحدانيتنا ليعتبر الناس بخلقه، ~~فيعلموا أن العبادة لا تصلح إلا لخالقه، لنجازي أولياءنا، ونعذب أعداءنا. # قوله تعالى: لو أردنا أن نتخذ لهوا في سبب نزولها قولان: أحدهما: أن ~~المشركين لما قالوا: PageV03P186 # الملائكة بنات الله والآلهة بناته، نزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس «1» . والثاني: أن نصارى نجران قالوا: إن عيسى ابن الله، فنزلت هذه ~~الآية، قاله مقاتل «2» . # وفي المراد باللهو ثلاثة أقوال «3» : أحدها: الولد، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال السدي. قال الزجاج: المعنى: لو أردنا أن نتخذ ولدا ذا لهو ~~نلهى به. والثاني: المرأة، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة. ~~والثالث: اللعب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # قوله تعالى: لاتخذناه من لدنا قال ابن جريج: لاتخذنا نساء وولدا من أهل ~~السماء، لا من أهل الأرض. قال ابن قتيبة: وأصل اللهو: الجماع، فكني عنه ~~باللهو، كما كني عنه بالسر، والمعنى: # لو فعلنا ذلك لاتخذناه من عندنا، لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته ~~يكونان عنده، لا عند غيره. # وفي قوله تعالى: إن كنا فاعلين قولان: أحدهما: أن أن بمعنى «ما» ، قاله ~~ابن عباس، والحسن، وقتادة. والثاني: أنها بمعنى الشرط. قال الزجاج: ~~والمعنى: إن كنا نفعل ذلك، ولسنا ممن يفعله قال: والقول الأول قول ~~المفسرين، والثاني: قول النحويين، وهم يستجيدون القول الأول أيضا، لأن «إن» ~~تكون في موضع النفي، إلا أن أكثر ما تأتي مع اللام، تقول: إن كنت لصالحا، ~~معناه: # ما كنت إلا صالحا. # قوله تعالى: بل أي: دع ذاك الذي قالوا، فإنه باطل نقذف بالحق أي: نسلط ~~الحق وهو القرآن على الباطل وهو كذبهم فيدمغه قال ابن قتيبة: أي: يكسره، ~~وأصل هذا إصابة الدماغ بالضرب، وهو مقتل فإذا هو زاهق أي: زائل ذاهب. قال ~~المفسرون: والمعنى: إنا نبطل كذبهم بما نبين من الحق حتى يضمحل، ولكم الويل ~~مما تصفون أي: من وصفكم الله ms1513 بما لا يجوز وله من في السماوات والأرض يعني: ~~هم عبيده وملكه ومن عنده يعني: الملائكة. وفي قوله: ولا يستحسرون ثلاثة ~~أقوال: أحدها: لا يرجعون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: لا ~~ينقطعون، قاله مجاهد. وقال ابن قتيبة: لا يعيون، والحسر: المنقطع الواقف ~~إعياء وكلالا. والثالث: لا يملون، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: لا يفترون قال قتادة: لا يسأمون. وسئل كعب: أما يشغلهم شأن؟ ~~أما تشغلهم حاجة؟ فقال للسائل: يا ابن أخي، جعل لهم التسبيح كما جعل لكم ~~النفس، ألست تأكل وتشرب وتقوم وتجلس وتجيء وتذهب وتتكلم وأنت تتنفس؟! فكذلك ~~جعل لهم التسبيح. ثم إن الله تعالى عاد إلى توبيخ المشركين فقال: أم اتخذوا ~~آلهة من الأرض لأن أصنامهم من الأرض هي، سواء كانت من ذهب أو فضة أو خشب أو ~~حجارة هم يعني: الآلهة ينشرون أي: يحيون الموتى. وقرأ الحسن: PageV03P187 # «ينشرون» بفتح الياء وضم الشين. وهذا استفهام بمعنى الجحد، والمعنى: ما ~~اتخذوا آلهة تنشر ميتا. # لو كان فيهما يعني: السماء والأرض آلهة يعني: معبودين إلا الله قال ~~الفراء: سوى الله. # وقال الزجاج: غير الله. # قوله تعالى: لفسدتا أي: لخربتا وبطلتا وهلك من فيهما، لوجود التمانع بين ~~الآلهة، فلا يجري أمر العالم على النظام، لأن كل أمر صدر عن اثنين فصاعدا ~~لم يسلم من الخلاف. # قوله تعالى: لا يسئل عما يفعل أي: عما يحكم في عباده من هدي وإضلال، ~~وإعزاز وإذلال، لأنه المالك للخلق، والخلق يسألون عن أعمالهم لأنهم عبيد ~~يجب عليهم امتثال أمر مولاهم. ولما أبطل عز وجل أن يكون إله سواه من حيث ~~العقل بقوله: لفسدتا، أبطل ذلك من حيث الأمر فقال: # أم اتخذوا من دونه آلهة وهذا استفهام إنكار وتوبيخ قل هاتوا برهانكم على ~~ما تقولون، هذا ذكر من معي يعني: القرآن خبر من معي على ديني ممن يتبعني ~~إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية وذكر من ~~قبلي يعني: الكتب المنزلة، والمعنى: هذا القرآن، وهذه الكتب التي أنزلت ~~قبله، ms1514 فانظروا هل في واحد منها أن الله أمر باتخاذ إله سواه؟ فبطل بهذا ~~البيان جواز اتخاذ معبود غيره من حيث الأمر به، قال الزجاج: قيل لهم: هاتوا ~~برهانكم بأن رسولا من الرسل أخبر أمته بأن لهم إلها غير الله!. قوله تعالى: ~~بل أكثرهم يعني: كفار مكة لا يعلمون الحق وفيه قولان: # أحدهما: أنه القرآن، قاله ابن عباس. والثاني: التوحيد، قاله مقاتل فهم ~~معرضون عن التفكر والتأمل وما يجب عليهم من الإيمان. ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 25 الى # 29] # وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ~~(25) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29) # قوله تعالى: من رسول إلا نوحي قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «إلا ~~نوحي» بالنون والباقون بالياء. قوله تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا في ~~القائلين لهذا قولان: أحدهما: أنهم مشركو قريش، قاله ابن عباس. وقال ابن ~~إسحاق: القائل لهذا النضر بن الحارث. والثاني: أنهم اليهود قالوا: إن الله ~~صاهر الجن فكانت منهم الملائكة، قاله قتادة. فعلى القولين، المراد بالولد: ~~الملائكة، وكذلك المراد بقوله: بل عباد مكرمون، والمعنى: بل عباد أكرمهم ~~الله واصطفاهم، لا يسبقونه بالقول، أي: لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به. وقال ~~ابن قتيبة: لا يقولون حتى يقول، ثم يقولون عنه، ولا يعملون حتى يأمرهم. ~~قوله تعالى: يعلم ما بين أيديهم أي: ما قدموا من الأعمال وما خلفهم ما هم ~~عاملون، ولا يشفعون يوم القيامة، وقيل: لا يستغفرون في الدنيا إلا لمن ~~ارتضى أي: لمن رضي عنه، وهم من خشيته أي: من خشيتهم منه، فأضيف المصدر إلى ~~المفعول، مشفقون أي: خائفون. وقال الحسن: يرتعدون. ومن يقل منهم أي: من ~~الملائكة. قال الضحاك # PageV03P188 # في آخرين: هذه خاصة لإبليس، لم يدع أحد من الملائكة إلى عبادة نفسه ms1515 سواه ~~قال أبو سليمان الدمشقي: وهذا قول من قال: إنه من الملائكة، فإن إبليس قال ~~ذلك للملائكة الذين هبطوا معه إلى الأرض، ومن قال: إنه ليس من الملائكة، ~~قال: هذا على وجه التهديد، وما قال أحد من الملائكة ذلك. ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 30 الى # 33] # أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30) وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ~~وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31) وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم ~~عن آياتها معرضون (32) وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك ~~يسبحون (33) # قوله تعالى: أولم ير الذين كفروا أي: أولم يعلموا. وقرأ ابن كثير: «ألم ~~ير الذين كفروا» بغير واو بين الألف واللام، وكذلك هي في مصاحف أهل مكة، أن ~~السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما قال أبو عبيدة: السموات جمع والأرض ~~واحدة، فخرجت صفة لفظ الجمع على لفظ صفة الواحد والعرب تفعل هذا إذا أشركوا ~~بين الجمع وبين واحد والرتق مصدر يوصف به الواحد والاثنان والجمع والمذكر ~~والمؤنث سواء، ومعنى الرتق: الذي ليس فيه ثقب. قال الزجاج: المعنى: كانتا ~~ذواتي رتق، فجعلناهما ذوات فتق، وإنما لم يقل: «رتقين» لأن الرتق مصدر. ~~وللمفسرين في المراد به ثلاثة أقوال: أحدها: أن السموات كانت رتقا لا تمطر، ~~وكانت الأرض رتقا لا تنبت، ففتق هذه بالمطر، وهذه بالنبات، رواه عبد الله ~~بن دينار عن ابن عباس، وبه قال عطاء، وعكرمة، ومجاهد في رواية، والضحاك في ~~آخرين. والثاني: أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين، ففتقهما الله تعالى، ~~رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة. والثالث: ~~أنه فتق من الأرض ست أرضين فصارت سبعا، ومن السماء ست سموات فصارت سبعا، ~~رواه السدي عن أشياخه، وابن أبي نجيح عن مجاهد. # قوله تعالى: وجعلنا من الماء كل شيء حي وقرأ معاذ القارئ وابن أبي عبلة ~~وحميد بن قيس: # «كل شيء حيا» بالنصب. وفي هذا الماء قولان: أحدهما: أنه الماء المعروف، ~~والمعنى: ms1516 جعلنا الماء سببا لحياة كل حي، قاله الأكثرون. والثاني: أنه ~~النطفة، قاله أبو العالية. # قوله تعالى: وجعلنا في الأرض رواسي قد فسرناه في سورة النحل «1» . قوله ~~تعالى: وجعلنا فيها أي: في الرواسي فجاجا، قال أبو عبيدة: هي المسالك. قال ~~الزجاج: الفجاج جمع فج، وهو كل منخرق بين جبلين، ومعنى سبلا طرقا. قال ابن ~~عباس: جعلنا من الجبال طرقا كي تهتدوا إلى مقاصدكم في الأسفار. قال ~~المفسرون. وقوله: سبلا تفسير للفجاج، وبيان أن تلك الفجاج نافذة مسلوكة، ~~فقد يكون الفج غير نافذ. وجعلنا السماء سقفا أي: هي للأرض كالسقف. وفي معنى ~~محفوظا قولان: أحدهما: بالنجوم من الشياطين، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ~~والثاني: محفوظا من الوقوع إلا باذن الله، قاله الزجاج. PageV03P189 # قوله تعالى: وهم يعني: كفار مكة عن آياتها أي: شمسها وقمرها ونجومها، قال ~~الفراء: # وقرأ مجاهد: «عن آيتها» فوحد، فجعل السماء بما فيها آية وكل صواب. # قوله تعالى: كل يعني: الطوالع في فلك قال ابن قتيبة: الفلك: مدار النجوم ~~الذي يضمها، وسماه فلكا، لاستدارته، ومنه قيل: فلكة المغزل، وقد فلك ثدي ~~المرأة. قال أبو سليمان: وقيل: إن الفلك- كهيئة الساقية من ماء- مستديرة ~~دون السماء وتحت الأرض، فالأرض وسطها والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار ~~يجرون في الفلك، وليس الفلك يديرها. ومعنى «يسبحون» : يجرون. قال الفراء: ~~لما كانت السباحة من أفعال الآدميين، ذكرت بالنون، كقوله: رأيتهم لي ساجدين ~~«1» لأن السجود من أفعال الآدميين. ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 34 الى # 36] # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) كل نفس ذائقة ~~الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) وإذا رآك الذين كفروا ~~إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون (36) # قوله تعالى: وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد سبب نزولها أن ناسا قالوا: إن ~~محمدا لا يموت، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. ومعنى الآية ما خلدنا قبلك ~~أحدا من بني آدم والخلد: البقاء الدائم. # أفإن مت فهم الخالدون يعني مشركي مكة، لأنهم قالوا: نتربص به ريب ms1517 المنون ~~«2» . قوله تعالى: # ونبلوكم بالشر والخير قال ابن زيد: نختبركم بما تحبون لننظر كيف شكركم، ~~وبما تكرهون لننظر كيف صبركم. قوله تعالى: وإلينا يرجعون قرأ ابن عامر: ~~«ترجعون» بتاء مفتوحة. وروى ابن عباس عن أبي عمرو: «يرجعون» بياء مضمومة. ~~وقرأ الباقون ترجعون بتاء مضمومة. قوله تعالى: وإذا رآك الذين كفروا قال ~~ابن عباس: يعني المستهزئين، وقال السدي: نزلت في أبي جهل، مر به رسول الله، ~~فضحك وقال: هذا نبي بني عبد مناف. وإن بمعنى «ما» ، ومعنى هزوا مهزوءا به ~~أهذا الذي يذكر آلهتكم أي: يعيب أصنامكم، وفيه إضمار «يقولون» ، وهم بذكر ~~الرحمن هم كافرون وذلك أنهم قالوا: ما نعرف الرحمن، فكفروا بالرحمن. ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 37 الى 41] # خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37) ويقولون متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين (38) لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم ~~النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (39) بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا ~~يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40) ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين ~~سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (41) # قوله تعالى: خلق الإنسان من عجل وقرأ أبو رزين العقيلي، ومجاهد، والضحاك ~~«خلق الإنسان» بفتح الخاء واللام ونصب النون. وهذه الآية نزلت حين استعجلت ~~قريش بالعذاب. # وفي المراد بالإنسان ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: النضر بن الحارث، وهو ~~الذي قال: PageV03P190 # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ~~بعذاب أليم «1» ، رواه عطاء عن ابن عباس. والثاني: آدم عليه السلام، قاله ~~سعيد بن جبير، والسدي في آخرين. والثالث: أنه اسم جنس، قاله علي بن أحمد ~~النيسابوري فعلى هذا يدخل النضر بن الحارث وغيره في هذا وإن كانت الآية ~~نزلت فيه. # فأما من قال: أريد به آدم، ففي معنى الكلام قولان: أحدهما: أنه خلق ~~عجولا، قاله الأكثرون. # فعلى هذا يقول: لما طبع آدم على هذا المعنى، وجد في أولاده، وأورثهم ~~العجل. والثاني: خلق بعجل، استعجل بخلقه قبل غروب الشمس من يوم الجمعة، وهو ~~آخر ms1518 الأيام الستة، قاله مجاهد. فأما من قال: هو اسم جنس، ففي معنى الكلام ~~قولان: أحدهما: خلق عجولا قال الزجاج: خوطبت العرب بما تعقل، والعرب تقول ~~للذي يكثر منه اللعب: إنما خلقت من لعب، يريدون المبالغة في وصفه بذلك. ~~والثاني: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والمعنى: خلقت العجلة في الإنسان، ~~قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: سأريكم آياتي فيه قولان: أحدهما: ما أصاب الأمم المتقدمة ~~والمعنى: إنكم تسافرون فترون آثار الهلاك في الماضين، قاله ابن السائب. ~~والثاني: أنها القتل ببدر، قاله مقاتل. قوله تعالى: فلا تستعجلون أثبت ~~الياء في الحالتين يعقوب. # قوله تعالى: ويقولون متى هذا الوعد يعنون: القيامة. لو يعلم الذين كفروا ~~جوابه محذوف، والمعنى: لو علموا صدق الوعد ما استعجلوا، حين لا يكفون أي: ~~لا يدفعون عن وجوههم النار إذا دخلوا ولا عن ظهورهم لإحاطتها بهم ولا هم ~~ينصرون أي: يمنعون مما نزل بهم، بل تأتيهم يعني: الساعة بغتة فجأة فتبهتهم ~~تحيرهم وقد شرحنا هذا عند قوله: فبهت الذي كفر «2» فلا يستطيعون ردها أي: ~~صرفها عنهم، ولا هم يمهلون لتوبة أو معذرة. ثم عزى نبيه، فقال: ولقد استهزئ ~~برسل من قبلك أي: كما فعل بك قومك فحاق أي: نزل بالذين سخروا منهم أي: من ~~الرسل ما كانوا به يستهزؤن يعني: العذاب الذي كانوا استهزءوا به. ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 42 الى 46] # قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون (42) أم ~~لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون (43) ~~بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44) قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم ~~الدعاء إذا ما ينذرون (45) ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا ~~إنا كنا ظالمين (46) # قوله تعالى: قل من يكلؤكم المعنى: قل لهؤلاء المستعجلين بالعذاب: من ~~يحفظكم من بأس الرحمن إن أراد إنزاله بكم؟ وهذا استفهام إنكار، أي: لا أحد ~~يفعل ذلك، بل هم عن ذكر ربهم ms1519 أي: عن كلامه ومواعظه معرضون لا يتفكرون ولا ~~يعتبرون. أم لهم آلهة تمنعهم من PageV03P191 # دوننا فيه تقديم وتأخير، وتقديره: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم؟ وها هنا ~~تم الكلام. ثم وصف آلهتهم بالضعف، فقال: لا يستطيعون نصر أنفسهم والمعنى: ~~من لا يقدر على نصر نفسه عما يراد به، فكيف ينصر غيره؟! قوله تعالى: ولا هم ~~في المشار إليهم قولان: أحدهما: أنهم الكفار، وهو قول ابن عباس. والثاني: ~~أنهم الأصنام، قاله قتادة. وفي معنى يصحبون أربعة أقوال: أحدها: يجارون، ~~رواه العوفي عن ابن عباس. قال ابن قتيبة: والمعنى: لا يجيرهم منا أحد، لأن ~~المجير صاحب لجاره. # والثاني: يمنعون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: ينصرون، قاله ~~مجاهد. والرابع: لا يصحبون بخير، قاله قتادة. # ثم بين اغترارهم بالإهمال، فقال: بل متعنا هؤلاء وآباءهم يعني أهل مكة ~~حتى طال عليهم العمر فاغتروا بذلك، أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها قد شرحناه في الرعد «1» أفهم الغالبون أي: مع هذه الحال، وهو نقص ~~الأرض، والمعنى: ليسوا بغالبين، ولكنهم المغلوبون. قل إنما أنذركم أي: ~~أخوفكم بالوحي أي: بالقرآن، والمعنى: إنني ما جئت به من تلقاء نفسي، إنما ~~أمرت فبلغت. ولا يسمع الصم الدعاء وقرأ ابن عامر: «ولا تسمع» بالتاء مضمومة ~~«الصم» نصبا. وقرأ ابن يعمر، والحسن: «ولا يسمع» بضم الياء وفتح الميم ~~«الصم» بضم الميم. شبه الكفار بالصم الذين لا يسمعون نداء مناديهم ووجه ~~التشبيه أن هؤلاء لم ينتفعوا بما سمعوا، كالصم لا يفيدهم صوت مناديهم. ولئن ~~مستهم أي: أصابتهم نفحة قال ابن عباس: طرف. وقال الزجاج: المراد أدنى شيء ~~من العذاب، ليقولن يا ويلنا والويل ينادي به كل من وقع في هلكة. ### | [سورة الأنبياء (21) : آية 47] # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة ~~من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47) # قوله تعالى: ونضع الموازين القسط قال الزجاج: المعنى: ونضع الموازين ذوات ~~القسط، والقسط: العدل، وهو مصدر يوصف به، يقال: ميزان قسط، وميزانان قسط، ~~وموازين قسط. قال ms1520 الفراء: القسط من صفة الموازين وإن كان موحدا، كما تقول: ~~أنتم عدل، وأنتم رضى. وقوله تعالى: # ليوم القيامة و «في يوم القيامة» سواء. وقد ذكرنا الكلام في الميزان في ~~أول الأعراف «2» . فإن قيل: # إذا كان الميزان واحدا، فما المعنى بذكر الموازين؟ فالجواب: أنه لما كانت ~~أعمال الخلائق توزن وزنة بعد وزنة، سميت موازين. # قوله تعالى: فلا تظلم نفس شيئا أي: لا ينقص محسن من إحسانه، ولا يزاد ~~مسيء على إساءته وإن كان مثقال حبة أي: وزن حبة. وقرأ نافع: «مثقال» برفع ~~اللام. قال الزجاج: # ونصب «مثقال» على معنى: وإن كان العمل مثقال حبة. وقال أبو علي الفارسي: ~~وإن كان الظلامة مثقال حبة، لقوله تعالى: فلا تظلم نفس شيئا» . قال: ومن ~~رفع، أسند الفعل إلى المثقال، كما أسند في قوله تعالى: وإن كان ذو عسرة «3» ~~. PageV03P192 # قوله تعالى: أتينا بها أي: جئنا بها، وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وحميد: ~~«آتينا بها» ممدودة، أي: جازينا بها. قوله تعالى: وكفى بنا حاسبين قال ~~الزجاج: هو منصوب على وجهين أحدهما: التمييز والثاني: الحال. ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 48 الى # 50] # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) الذين يخشون ~~ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له ~~منكرون (50) # قوله تعالى: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان فيه ثلاثة أقوال «1» : ~~أحدها: التوراة التي فرق بها بين الحلال والحرام، قاله مجاهد، وقتادة. ~~والثاني: البرهان الذي فرق به بين حق موسى وباطل فرعون، قاله ابن زيد. ~~والثالث: النصر والنجاة لموسى، وإهلاك فرعون، قاله ابن السائب. قوله تعالى: ~~وضياء روى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يرى الواو زائدة قال الزجاج: وكذلك ~~قال بعض النحويين أن المعنى: الفرقان ضياء، وعند البصريين: أن الواو لا ~~تزاد ولا تأتي إلا بمعنى العطف، فهي ها هنا مثل قوله تعالى: فيها هدى ونور ~~«2» قال المفسرون: والمعنى أنهم استضاءوا بالتوراة حتى اهتدوا بها في ~~دينهم. ومعنى قوله تعالى: وذكرا للمتقين أنهم يذكرونه ويعملون بما فيه. ~~الذين يخشون ربهم بالغيب فيه أربعة أقوال: ms1521 أحدها: يخافونه ولم يروه، قاله ~~الجمهور. # والثاني: يخشون عذابه ولم يروه، قاله مقاتل. والثالث: يخافونه من حيث لا ~~يراهم أحد، قاله الزجاج. # والرابع: يخافونه إذا غابوا عن أعين الناس كخوفهم له إذا كانوا بين ~~الناس، قاله أبو سليمان الدمشقي. # ثم عاد إلى ذكر القرآن، فقال: وهذا يعني: القرآن ذكر لمن تذكر به، وعظة ~~لمن اتعظ مبارك أي: كثير الخير أفأنتم يا أهل مكة له منكرون أي: جاحدون؟! ~~وهذا استفهام توبيخ. ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 51 الى 58] # ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) إذ قال لأبيه وقومه ~~ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ~~(53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54) قالوا أجئتنا بالحق أم ~~أنت من اللاعبين (55) # قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين ~~(56) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57) فجعلهم جذاذا إلا ~~كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) # قوله تعالى: ولقد آتينا إبراهيم رشده أي: هداه من قبل وفيه ثلاثة أقوال ~~«3» : PageV03P193 # أحدها: من قبل بلوغه، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: آتيناه ذلك في ~~العلم السابق، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثالث: من قبل موسى وهارون، قاله ~~الضحاك. وقد أشرنا إلى قصة إبراهيم في الأنعام «1» . قوله تعالى: وكنا به ~~عالمين أي: علمنا أنه موضع لإيتاء الرشد. ثم بين متى آتاه فقال: إذ قال ~~لأبيه وقومه ما هذه التماثيل يعني: الأصنام، والتمثال: اسم للشيء المصنوع ~~مشبها بخلق من خلق الله تعالى، وأصله من مثلث الشيء بالشيء: إذا شبهته به، ~~وفي قوله تعالى: التي أنتم لها أي: على عبادتها عاكفون أي: مقيمون، فأجابوه ~~أنهم رأوا آباءهم يعبدونها فاقتدوا بهم فأجابهم بأنهم فيما فعلوا وآباءهم ~~في ضلال مبين، قالوا أجئتنا بالحق. ينون: أجاد أنت، أم لاعب؟! قوله تعالى: ~~لأكيدن أصنامكم الكيد: احتيال الكائد في ضر المكيد. والمفسرون يقولون: ~~لأكيدنها بالكسر بعد أن تولوا أي: تذهبوا عنها، وكان لهم عيد في كل سنة ~~يخرجون إليه ولا يخلفون بالمدينة ms1522 أحدا، فقالوا لإبراهيم: لو خرجت معنا إلى ~~عيدنا أعجبك ديننا، فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق، قال: إني سقيم، وألقى ~~نفسه، وقال سرا منهم: «وتالله لأكيدن أصنامكم» ، فسمعه رجل منهم، فأفشاه ~~عليه، فرجع إلى بيت الأصنام، وكانت- فيما ذكره مقاتل بن سليمان- اثنين ~~وسبعين صنما من ذهب وفضة ونحاس وحديد وخشب، فكسرها، ثم وضع الفأس في عنق ~~الصنم الكبير، فذلك قوله: فجعلهم جذاذا قرأ الأكثرون: «جذاذا» بضم الجيم. ~~وقرأ أبو بكر الصديق، وابن مسعود، وأبو رزين، وقتادة، وابن محيصن، والأعمش، ~~والكسائي: «جذاذا» بكسر الجيم. وقرأ أبو رجاء العطاردي، وأيوب السختياني، ~~وعاصم الجحدري: «جذاذا» بفتح الجيم. وقرأ الضحاك، وابن يعمر: «جذاذا» بفتح ~~الجيم من غير ألف. وقرأ معاذ القارئ، وأبو حيوة، وابن وثاب: «جذذا» بضم ~~الجيم منن غير ألف. قال أبو عبيدة: أي: مستأصلين، قال جرير: # بني المهلب جذ الله دابرهم ... أمسوا رمادا فلا أصل ولا طرف «2» # أي: لم يبق منهم شيء، ولفظ «جذاذ» يقع على الواحد والاثنين والجميع من ~~المذكر والمؤنث. # وقال ابن قتيبة: «جذاذا» أي: فتاتا، وكل شيء كسرته فقد جذذته، ومنه قيل ~~للسويق: الجذيذ. وقرأ الكسائي: «جذاذا» بكسر الجيم على أنه جمع جذيذ، مثل ~~ثقيل وثقال، وخفيف وخفاف. والجذيذ بمعنى: المجذوذ، وهو المكسور. إلا كبيرا ~~لهم أي: كسر الأصنام إلا أكبرها. قال الزجاج: PageV03P194 # جائز أن يكون أكبرها في ذاته، وجائز أن يكون أكبرها عندهم في تعظيمهم ~~إياه، لعلهم إليه يرجعون، في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى ~~الصنم، ثم فيه قولان: أحدهما: لعلهم يرجعون إليه فيشاهدونه، هذا قول مقاتل. ~~والثاني: لعلهم يرجعون إليه بالتهمة، حكاه أبو سليمان الدمشقي. والثاني: ~~أنها ترجع إلى إبراهيم. والمعنى: لعلهم يرجعون إلى دين إبراهيم بوجوب الحجة ~~عليهم، قاله الزجاج. ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 59 الى # 63] # قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم ~~يقال له إبراهيم (60) قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) ~~قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل فعله كبيرهم هذا ~~فسئلوهم إن كانوا ينطقون ms1523 (63) # فلما رجعوا من عيدهم ونظروا إلى آلهتهم قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن ~~الظالمين أي: قد فعل ما لم يكن له فعله، فقال الذي سمع إبراهيم يقول: ~~«لأكيدن أصنامكم» : سمعنا فتى يذكرهم قال الفراء: أي يعيبهم تقول للرجل: ~~لئن ذكرتني لتندمن، تريد: بسوء. # قوله تعالى: فأتوا به على أعين الناس أي: بمرأى منهم «1» ، لا تأتوا به ~~خفية. قال أبو عبيدة: # تقول العرب إذا أظهر الأمر وشهر: كان ذلك على أعين الناس. # قوله تعالى: لعلهم يشهدون فيه ثلاثة أقوال «2» : أحدها: يشهدون أنه قال ~~لآلهتنا ما قال، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة. ~~والثاني: يشهدون أنه فعل ذلك، قاله السدي. # والثالث: يشهدون عقابه وما يصنع به، قاله محمد بن إسحاق. # قال المفسرون: فانطلقوا به إلى نمرود، فقال له: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ~~إبراهيم (62) قال بل فعله كبيرهم هذا غضب أن تعبد معه الصغار، فكسرها، ~~فسئلوهم إن كانوا ينطقون من فعله بهم؟! وهذا إلزام للحجة عليهم بأنهم جماد ~~لا يقدرون على النطق. # واختلف العلماء في وجه هذا القول من إبراهيم عليه السلام على قولين: ~~أحدهما: أنه وإن كان في صورة الكذب، إلا أن المراد به التنبيه على أن من لا ~~قدرة له، لا يصلح أن يكون إلها، ومثله قول الملكين لداود: إن هذا أخي ولم ~~يكن أخاه له تسع وتسعون نعجة «3» ، ولم يكن له شيء، فجرى هذا مجرى التنبيه ~~لداود على ما فعل، أنه هو المراد بالفعل والمثل المضروب ومثل هذا لا تسميه ~~العرب كذبا. والثاني: أنه من معاريض الكلام فروي عن الكسائي أنه كان يقف ~~عند قوله تعالى: بل فعله ويقول: معناه: فعله من فعله، ثم يبتدئ كبيرهم هذا. ~~قال الفراء: وقرأ بعضهم: «بل فعله» PageV03P195 # بتشديد اللام، يريد: بل فلعله كبيرهم هذا. وقال ابن قتيبة: هذا من ~~المعاريض، ومعناه: إن كانوا ينطقون، فقد فعله كبيرهم، وكذلك قوله: إني سقيم ~~«1» أي سأسقم، ومثله: إنك ميت «2» أي: # ستموت، وقوله: لا تؤاخذني بما نسيت «3» قال ابن عباس: لم ينس، ms1524 ولكنه من ~~معاريض الكلام، والمعنى: لا تؤاخذني بنسياني، ومن هذا قصة الخصمين إذ ~~تسوروا المحراب» # ، ومثله: وإنا أو إياكم لعلى هدى «5» ، والعرب تستعمل التعريض في كلامها ~~كثيرا، فتبلغ إرادتها بوجه هو ألطف من الكشف وأحسن من التصريح. وروي أن ~~قوما من الأعراب خرجوا يمتارون، فلما صدروا، خالف رجل في بعض الليل إلى عكم ~~«6» صاحبه، فأخذ منه برا وجعله في عكمه، فلما أراد الرحلة وقاما يتعاكمان، ~~رأى عكمه يشول، وعكم صاحبه يثقل، فأنشأ يقول: # عكم تغشى بعض أعكام القوم ... لم أر عكما سارقا قبل اليوم # فخون صاحبه بوجه هو ألطف من التصريح. قال ابن الأنباري: كلام إبراهيم كان ~~صدقا عند البحث، ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: # (983) «كذب إبراهيم ثلاث كذبات» : قال قولا يشبه الكذب في الظاهر، وليس ~~بكذب، قال المصنف: وقد ذهب جماعة من العلماء إلى هذا الوجه، وأنه من ~~المعاريض، والمعاريض لا تذم، خصوصا إذا احتيج إليها. # (984) روى عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في ~~المعاريض لمندوحة عن PageV03P196 # الكذب» ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما يسرني أن لي بما أعلم من ~~معاريض القول مثل أهلي ومالي، وقال النخعي، لهم كلام يتكلمون به إذا خشوا ~~من شيء يدرؤون به عن أنفسهم. وقال ابن سيرين: الكلام أوسع من أن يكذب ظريف. # (985) وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعجوز: «إن الجنة لا يدخلها ~~العجائز» ، أراد قوله تعالى: إنا أنشأناهن إنشاء «1» . # (986) وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يمازح بلالا، فيقول: «ما أخت ~~خالك منك» ؟ # (987) وقال لامرأة: «من زوجك» ؟ فسمته له، فقال: «الذي في عينيه بياض» ؟ # (988) وقال لرجل: «إنا حاملوك على ولد ناقة» . # (989) وقال العباس: ما ترجو لأبي طالب؟ فقال: «كل خير أرجوه من ربي» . ~~PageV03P197 # (990) وكان أبو بكر حين خرج من الغار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا سأله أحد: من هذا بين يديك؟ # يقول: هاد يهديني. # (991) وكانت امرأة ابن رواحة قد رأته مع جارية له، فقالت له: وعلى ms1525 فراشي ~~أيضا؟! فجحد، فقالت له: فاقرأ القرآن، فقال: # وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق مشهور من الصبح طالع # يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع # فقالت: آمنت بالله وكذبت بصري، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره، فضحك وأعجبه ما صنع. # وعرض شريح ناقة ليبيعها فقال له المشتري: كيف لبنها؟ قال: احلب في أي ~~إناء شئت، قال: # كيف الوطاء؟ قال: افرش ونم، قال: كيف نجاؤها «1» ؟ قال: إذا رأيتها في ~~الإبل عرفت مكانها، علق سوطك وسر، قال: كيف قوتها؟ قال: احمل على الحائط ما ~~شئت فاشتراها فلم ير شيئا مما وصف، فرجع إليه، فقال: لم أر فيها شيئا مما ~~وصفتها به، قال: ما كذبتك، قال: أقلني، قال: نعم. وخرج شريح من عند زياد ~~وهو مريض، فقيل له: كيف وجدت الأمير؟ قال: تركته يأمر وينهى، فقيل له: ما ~~معنى يأمر وينهى؟ قال: يأمر بالوصية، وينهى عن النوح. وأخذ محمد بن يوسف ~~حجرا المداري فقال: # العن عليا، فقال: إن الأمير أمرني أن ألعن عليا محمد بن يوسف، فالعنوه، ~~لعنه الله. وأمر بعض الأمراء صعصعة بن صوحان بلعن علي، فقال: لعن الله من ~~لعن الله ولعن علي، ثم قال: إن هذا الأمير قد أبى إلا أن ألعن عليا، ~~فالعنوه، لعنه الله. وامتحنت الخوارج رجلا من الشيعة، فجعل يقول: أنا من ~~علي ومن عثمان بريء. وخطب رجل امرأة وتحته أخرى، فقالوا: لا نزوجك حتى تطلق ~~امرأتك! فقال: اشهدوا أني قد طلقت ثلاثا، فزوجوه، فأقام مع المرأة الأولى، ~~فادعوا أنه قد طلق، فقال: أما تعلمون أنه كان تحتي فلانة فطلقتها، ثم فلانة ~~فطلقتها. ثم فلانة فطلقتها؟ قالوا: بلى، قال: فقد طلقت ثلاثا «2» . وحكي أن ~~رجلا عثر به الطائف ليلة، فقال له: من أنت؟ فقال: PageV03P198 # أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعود # ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام حولها وقعود # فظن الطائف أنه ابن بعض أشراف البصرة، فلما أصبح سأل عنه، فإذا هو ابن ~~باقلائي. ومثل ms1526 هذا كثير. ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 64 الى # 67] # فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) ثم نكسوا على رؤسهم ~~لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ~~ولا يضركم (66) أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) # قوله تعالى: فرجعوا إلى أنفسهم فيه قولان: أحدهما: رجع بعضهم إلى بعض. ~~والثاني: # رجع كل منهم إلى نفسه متفكرا. # قوله تعالى: فقالوا إنكم أنتم الظالمون فيه خمسة أقوال: أحدها: حين عبدتم ~~من لا يتكلم، قاله ابن عباس. والثاني: حين تتركون آلهتكم وحدها، وتذهبون، ~~قاله وهب بن منبه. والثالث: في عبادة هذه الأصاغر مع هذا الكبير، روي عن ~~وهب أيضا. والرابع: لإبراهيم حين اتهمتموه والفأس في يد كبير الأصنام، قاله ~~ابن إسحاق، ومقاتل. والخامس: أنتم ظالمون لإبراهيم حين سألتموه، وهذه ~~أصنامكم حاضرة، فاسألوها، ذكره ابن جرير. # قوله تعالى: ثم نكسوا على رؤسهم وقرأ أبو رزين العقيلي، وابن أبي عبلة، ~~وأبو حيوة: # «نكسوا» برفع النون وكسر الكاف مشددة. وقرأ سعيد بن جبير، وابن يعمر، ~~وعاصم الجحدري: # «نكسوا» بفتح النون والكاف مخففة. قال أبو عبيدة: «نكسوا» : قلبوا، تقول: ~~نكست فلانا على رأسه إذا قهرته وعلوته. # ثم في المراد بهذا الانقلاب ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أدركتهم حيرة، ~~فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون، قاله قتادة. والثاني: رجعوا إلى أول ما ~~كانوا يعرفونها به من أنها لا تنطق، قاله ابن قتيبة. # والثالث: انقلبوا على إبراهيم يحتجون عليه بعد أن أقروا به ولاموا أنفسهم ~~في تهمته، قاله أبو سليمان. # وفي قوله: لقد علمت إضمار «قالوا» ، وفي هذا إقرار منهم بعجز ما يعبدونه ~~عن النطق، فحينئذ توجهت لإبراهيم الحجة، فقال موبخا لهم: أفتعبدون من دون ~~الله ما لا ينفعكم أي: لا يرزقكم ولا يعطيكم شيئا ولا يضركم إذا لم تعبدوه، ~~وفي هذا حث لهم على عبادة من يملك النفع والضر، أف لكم قال الزجاج: معناه: ~~النتن لكم فلما لزمتهم الحجة غضبوا، فقالوا: حرقوه. وذكر في التفسير أن ~~نمرود استشارهم، بأي عذاب أعذبه، فقال رجل: ms1527 حرقوه، فخسف الله به الأرض، فهو ~~يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. PageV03P199 ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 68 الى # 73] # قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (68) قلنا يا نار كوني بردا ~~وسلاما على إبراهيم (69) وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) ونجيناه ~~ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (71) ووهبنا له إسحاق ويعقوب ~~نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) # وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73) # قوله تعالى: وانصروا آلهتكم أي: بتحريقه، لأنه يعيبها إن كنتم فاعلين أي: ~~ناصريها. ### | الإشارة إلى القصة # ذكر أهل التفسير أنهم حبسوا إبراهيم عليه السلام في بيت ثم بنوا له حيرا ~~طول جداره ستون ذراعا إلى سفح جبل منيف، ونادى منادي الملك: أيها الناس ~~احتطبوا لإبراهيم، ولا يتخلفن عن ذلك صغير ولا كبير، فمن تخلف ألقي في تلك ~~النار، ففعلوا ذلك أربعين ليلة، حتى إن كانت المرأة لتقول: إن ظفرت بكذا ~~لأحتطبن لنار إبراهيم، حتى إذا كاد الحطب يساوي رأس الجدار سدوا أبواب ~~الحير وقذفوا فيه النار، فارتفع لهبا، حتى إن الطائر ليمر بها فيحترق من ~~شدة حرها، ثم بنوا بنيانا شامخا، وبنوا فوقه منجنيقا، ثم رفعوا إبراهيم على ~~رأس البنيان، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء، فقال: اللهم أنت الواحد في ~~السماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، حسبي الله ~~ونعم الوكيل فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق ~~فيك، فائذن لنا في نصرته فقال: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه فقذفوه في ~~النار وهو ابن ست عشرة سنة، وقيل: ست وعشرين، فقال: # «حسبي الله ونعم الوكيل» . فاستقبله جبريل، فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ ~~قال: أما إليك، فلا، قال جبريل: فسل ربك، فقال: «حسبي من سؤالي علمه بحالي» ~~«1» ، فقال الله عز وجل: يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم، فلم تبق نار ~~على وجه الأرض يومئذ إلا طفئت وظنت أنها عنيت. وزعم السدي أن جبريل هو الذي ~~ناداها. وقال ابن عباس: لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم ms1528 من بردها، قال ~~السدي: # فأخذت الملائكة بضبعي «2» إبراهيم فأجلسوه على الأرض، فإذا عين من ماء ~~عذب، وورد أحمر، ونرجس، قال كعب ووهب: فما أحرقت النار من إبراهيم إلا ~~وثاقه، وأقام في ذلك الموضع سبعة أيام، وقال غيرهما: أربعين أو خمسين يوما، ~~فنزل جبريل بقميص من الجنة وطنفسة «3» من الجنة، فألبسه القميص، وأجلسه على ~~الطنفسة وقعد معه يحدثه. وإن آزر أتى نمرود فقال: أئذن لي أن أخرج عظام ~~إبراهيم فأدفنها، فانطلق نمرود ومعه الناس، فأمر بالحائط فنقب، فإذا ~~إبراهيم في روضة يهتز وثيابه تندى، وعليه القميص وتحته الطنفسة والملك إلى ~~جنبه، فناداه نمرود: يا إبراهيم إن إلهك الذي بلغت قدرته هذا لكبير، هل ~~تستطيع أن تخرج؟ قال: نعم، فقام إبراهيم يمشي حتى خرج، فقال: من الذي رأيت ~~معك؟ قال: ملك أرسله إلي ربي ليؤنسني، فقال نمرود: إني مقرب لإلهك قربانا ~~لما رأيت من PageV03P200 # قدرته، فقال: إذن لا يقبل الله منك ما كنت على دينك، فقال: يا إبراهيم، ~~لا أستطيع ترك ملكي، ولكن سوف أذبح له، فذبح القربان وكف عن إبراهيم. # قال المفسرون: ومعنى: «كوني بردا» أى: ذات برد، «وسلاما» أي: سلامة. ~~وأرادوا به كيدا وهو التحريق بالنار فجعلناهم الأخسرين وهو أن الله تعالى ~~سلط البعوض عليهم حتى أكل لحومهم وشرب دماءهم، ودخلت واحدة في دماغ نمرود ~~حتى أهلكته، والمعنى: أنهم كادوه بسوء. فانقلب السوء عليهم. قوله تعالى: ~~ونجيناه أي: من نمرود وكيده ولوطا وهو ابن أخي إبراهيم، وهو لوط بن هاران ~~بن تارخ، وكان قد آمن به، فهاجرا من أرض العراق إلى الشام. وكانت سارة مع ~~ابراهيم في قول وهب. وقال السدي: إنما هي إبنة ملك حران، لقيها إبراهيم ~~فتزوجها على أن لا يغيرها، وكانت قد طعنت على قومها في دينهم. # فأما قوله تعالى: إلى الأرض التي باركنا فيها، ففيها قولان: أحدهما: أنها ~~أرض الشام، وهذا قول الأكثرين. وبركتها: أن الله تعالى بعث أكثر الأنبياء ~~منها، وأكثر فيها الخصب والثمار والأنهار. # والثاني: أنها مكة، رواه العوفي عن ابن عباس. والأول أصح. ms1529 # قوله تعالى: ووهبنا له يعني: إبراهيم إسحاق ويعقوب نافلة. وفي معنى ~~النافلة قولان: # أحدهما: أنها بمعنى الزيادة، والمراد بها: يعقوب خاصة، فكأنه سأل واحدا، ~~فأعطي اثنين، وهذا مذهب ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، والفراء. والثاني: أن ~~النافلة بمعنى العطية، والمراد بها: إسحاق ويعقوب، وهذا مذهب مجاهد، وعطاء. ~~قوله تعالى: وكلا جعلنا صالحين يعني: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، قال أبو ~~عبيدة: «كل» يقع خبره على لفظ الواحد، لأن لفظه لفظ الواحد، ويقع خبره على ~~لفظ الجميع، لأن معناه معنى الجميع. # قوله تعالى: وجعلناهم أئمة أي: رؤوسا يقتدى بهم في الخير يهدون بأمرنا ~~أي: يدعون الناس إلى ديننا بأمرنا إياهم بذلك وأوحينا إليهم فعل الخيرات ~~قال ابن عباس: شرائع النبوة. وقال مقاتل: الأعمال الصالحة، وإقام الصلاة ~~قال الزجاج: حذف الهاء من إقامة الصلاة قليل في اللغة، تقول: أقام إقامة، ~~والحذف جائز، لأن الإضافة عوض من الهاء. ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 74 الى # 75] # ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم ~~كانوا قوم سوء فاسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين (75) # قوله تعالى: ولوطا آتيناه حكما قال الزجاج: انتصب «لوط» بفعل مضمر، لأن ~~قبله فعلا، فالمعنى: وأوحينا إليهم وآتينا لوطا. وذكر بعض النحويين أنه ~~منصوب على «واذكر لوطا» ، وهذا جائز لأن ذكر إبراهيم قد جرى، فحمل لوط على ~~معنى: واذكر. قال المفسرون: لما هاجر لوط مع إبراهيم، نزل إبراهيم أرض ~~فلسطين ونزل لوط بالمؤتفكة على مسيرة يوم وليلة أو نحو ذلك من إبراهيم، ~~فبعثه الله نبيا. فأما «الحكم» ففيه قولان: أحدهما: أنه النبوة، قاله ابن ~~عباس. والثاني: الفهم والعقل، قاله مقاتل، وقد ذكرنا فيه أقوالا في سورة ~~يوسف «1» . وأما «القرية» ها هنا، فهي سدوم، والمراد أهلها، PageV03P201 # والخبائث: أفعالهم المنكرة، فمنها إتيان الذكور، وقطع السبيل، إلى غير ~~ذلك مما قد ذكره الله عز وجل عنهم في مواضع «1» . قوله تعالى: وأدخلناه في ~~رحمتنا أي: بانجائه من بينهم. ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 76 الى 77] # ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من ms1530 الكرب العظيم (76) ~~ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين ~~(77) # قوله تعالى: ونوحا المعنى: واذكر نوحا، وكذلك ما يأتيك من ذكر الأنبياء ~~إذ نادى أي: # دعا على قومه من قبل أي: من قبل إبراهيم ولوط. فأما الكرب العظيم! فقال ~~ابن عباس: هو الغرق وتكذيب قومه. قوله تعالى: ونصرناه من القوم أي: منعناه ~~منهم أن يصلوا إليه بسوء، وقيل: # «من» بمعنى «على» . ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 78 الى 82] # وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ~~شاهدين (78) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال ~~يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل ~~أنتم شاكرون (80) ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا ~~فيها وكنا بكل شيء عالمين (81) ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ~~ذلك وكنا لهم حافظين (82) # قوله تعالى: وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث وفيه قولان: أحدهما: أنه ~~كان عنبا، قاله ابن مسعود، ومسروق، وشريح. والثاني: كان زرعا، قاله قتادة. ~~إذ نفشت فيه غنم القوم قال ابن قتيبة: # أي: رعت ليلا، يقال: نفشت الغنم بالليل، وهي إبل نفش ونفاش ونفاش، ~~والواحد: نافش، وسرحت وسربت بالنهار. قال قتادة: النفش بالليل، والهمل ~~بالنهار. وقال ابن السكيت: النفش: أن تنتشر الغنم بالليل ترعى بلا راع. ### | الإشارة إلى القصة # ذكر أهل التفسير أن رجلين كانا على عهد داود عليه السلام، أحدهما صاحب ~~حرث، والآخر صاحب غنم، فتفلتت الغنم فوقعت في الحرث فلم تبق منه شيئا، ~~فاختصما إلى داود، فقال لصاحب الحرث: لك رقاب الغنم، فقال سليمان: أو غير ~~ذلك؟ قال: ما هو؟ قال: ينطلق أصحاب الحرث بالغنم فيصيبون من ألبانها ~~ومنافعها، ويقبل أصحاب الغنم على الكرم، حتى إذا كان كليلة نفشت فيه الغنم، ~~دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم، ودفع هؤلاء إلى هؤلاء كرمهم، فقال داود: قد ~~أصبت القضاء، ثم حكم بذلك، فذلك قوله: وكنا لحكمهم وفي المشار إليهم قولان: ~~أحدهما: داود وسليمان، فذكرهما بلفظ الجمع، لأن ms1531 الاثنين جمع، هذا قول ~~الفراء. والثاني: أنهم داود وسليمان والخصوم، قاله أبو سليمان الدمشقي. ~~وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وابن أبي عبلة: «وكنا لحكمهما» على التثنية. # ومعنى «شاهدين» : أنه لم يغب عنا من أمرهم شيء. ففهمناها سليمان يعني: ~~القضية والحكومة. PageV03P202 # وإنما كنى عنها، لأنه قد سبق ما يدل عليها من ذكر الحكم، وكلا منهما ~~آتينا حكما وقد سبق بيانه. قال الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة قد ~~هلكوا، ولكنه أثنى على سليمان لصوابه، وعذر داود باجتهاده. ### | فصل: # قال أبو سليمان الدمشقي: كان قضاء داود وسليمان جميعا من طريق الاجتهاد، ~~ولم يكن نصا، إذ لو كان نصا ما اختلفا. قال القاضي أبو يعلى: وقد اختلف ~~الناس في الغنم إذا نفشت ليلا في زرع رجل فأفسدته، فمذهب أصحابنا أن عليه ~~الضمان «1» ، وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا ضمان عليه ليلا ~~ونهارا، إلا أن يكون صاحبها هو الذي أرسلها، فظاهر الآية يدل على قول ~~أصحابنا، لأن داود حكم بالضمان، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه. ~~فإن قيل: فقد ثبت نسخ هذا الحكم، لأن داود حكم بدفع الغنم إلى صاحب الحرث، ~~وحكم سليمان له بأولادها وأصوافها، ولا خلاف أنه لا يجب على من نفشت غنمه ~~في حرث رجل شيء من ذلك قيل: الآية تضمنت أحكاما، منها وجوب الضمان وكيفيته، ~~فالنسخ حصل على كيفيته، ولم يحصل على أصله، فوجب التعلق به. # (992) وقد روى حرام بن محيصة عن أبيه: أن ناقة للبراء دخلت حائط رجل ~~فأفسدت، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال حفظها بالنهار، ~~وعلى أهل المواشي حفظها بالليل. PageV03P203 # قوله تعالى: وسخرنا مع داود الجبال يسبحن تقدير الكلام: وسخرنا الجبال ~~يسبحن مع داود. # قال أبو هريرة: كان إذا سبح أجابته الجبال والطير بالتسبيح والذكر، وقال ~~غيره: كان إذا وجد فترة، أمر الجبال فسبحت حتى يشتاق هو فيسبح. قوله تعالى: ~~وكنا فاعلين أي: لذلك. قال الزجاج: # المعنى: وكنا نقدر على ما نريده. # قوله تعالى: وعلمناه صنعة لبوس ms1532 لكم في المراد باللبوس قولان: أحدهما: ~~الدروع، وكانت قبل ذلك صفائح، وكان داود أول من صنع هذه الحلق وسرد، قاله ~~قتادة. والثاني: أن اللبوس: # السلاح كله من درع إلى رمح، قاله أبو عبيدة. وقرأ أبو المتوكل، وابن ~~السميفع: «لبوس» بضم اللام. # قوله تعالى: لتحصنكم قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: ~~«ليحصنكم» بالياء. # وقرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم: «لتحصنكم» بالتاء. وروى أبو بكر عن عاصم: ~~«لنحصنكم» بالنون خفيفة. وقرأ أبو الدرداء، وأبو عمران الجوني، وأبو حيوة: ~~«لتحصنكم» بتاء مرفوعة وفتح الحاء وتشديد الصاد. وقرأ ابن مسعود، وأبو ~~الجوزاء، وحميد بن قيس: «لتحصنكم» بتاء مفتوحة مع فتح الحاء وتشديد الصاد ~~مع ضمها. وقرأ أبو رزين العقيلي، وأبو المتوكل، ومجاهد: «لنحصنكم» بنون ~~مرفوعة وفتح الحاء وكسر الصاد مع تشديدها. وقرأ معاذ القارئ، وعكرمة، وابن ~~يعمر، وعاصم الجحدري، وابن السميفع: «ليحصنكم» بياء مرفوعة وسكون الحاء ~~وكسر الصاد مشددة النون. فمن قرأ بالياء، ففيه أربعة أوجه: قال أبو علي ~~الفارسي: أن يكون الفاعل اسم الله، لتقدم معناه ويجوز أن يكون اللباس، لأن ~~اللبوس بمعنى اللباس من حيث كان ضربا منه، ويجوز أن يكون داود، ويجوز أن ~~يكون التعليم، وقد دل عليه «علمناه» . ومن قرأ بالتاء، حمله على المعنى، ~~لأنه الدرع. ومن قرأ بالنون، فلتقدم قوله: «وعلمناه» . ومعنى لتحصنكم: ~~لتحرزكم وتمنعكم (من بأسكم) يعني: الحرب. # قوله تعالى: ولسليمان الريح وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو عمران ~~الجوني، وأبو حيوة الحضرمي: «الرياح» بألف مع رفع الحاء. وقرأ الحسن، وأبو ~~المتوكل، وأبو الجوزاء: بالألف ونصب الحاء، والمعنى: وسخرنا لسليمان الريح ~~عاصفة أي: شديدة الهبوب تجري بأمره يعني: بأمر سليمان إلى الأرض التي ~~باركنا فيها وهي أرض الشام، وقد مر بيان بركتها في هذه السورة «1» والمعنى: # أنها كانت تسير به إلى حيث شاء، ثم تعود به إلى منزله بالشام. # قوله تعالى: وكنا بكل شيء عالمين علمنا أن ما نعطي سليمان يدعوه إلى ~~الخضوع لربه. قوله تعالى: ومن الشياطين من يغوصون له قال أبو عبيدة: «من» ~~تقع ms1533 على الواحد والاثنين والجميع من المذكر والمؤنث. قال المفسرون: كانوا ~~يغوصون في البحر، فيستخرجون الجواهر، ويعملون عملا دون ذلك قال الزجاج: ~~معناه: سوى ذلك: وكنا لهم حافظين أن يفسدوا ما عملوا. وقال غيره: # أن يخرجوا عن أمره. ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 83 الى 86] # وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) فاستجبنا له ~~فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ~~(84) وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) وأدخلناهم في رحمتنا ~~إنهم من الصالحين (86) PageV03P204 # قوله تعالى: وأيوب إذ نادى ربه أي: دعا ربه أني وقرأ أبو عمران الجوني: ~~«إني» بكسر الهمزة، مسني الضر وقرأ حمزة: «مسني» بتسكين الياء، أي: أصابني ~~الجهد، وأنت أرحم الراحمين أي: أكثرهم رحمة، وهذا تعريض منه بسؤال الرحمة ~~إذ أثنى عليه بأنه الأرحم وسكت. ### | الإشارة إلى قصته # ذكر أهل التفسير «1» أن أيوب عليه السلام كان أغنى أهل زمانه، وكان كثير ~~الإحسان. فقال إبليس: يا رب سلطني على ماله وولده- وكان له ثلاثة عشر ولدا- ~~فإن فعلت رأيته كيف يطيعني ويعصيك، فقيل له: قد سلطتك على ماله وولده، فرجع ~~إبليس فجمع شياطينه ومردته، فبعث بعضهم إلى دوابه ورعاته، فاحتملوها حتى ~~قذفوها في البحر، وجاء إبليس في صورة قيمه، فقال: يا أيوب ألا أراك تصلي ~~وقد أقبلت ريح عاصف فاحتملت دوابك ورعاتها حتى قذفتها في البحر؟ فلم يرد ~~عليه شيئا حتى فرغ من صلاته، ثم قال: الحمد لله الذي رزقني ثم قبله مني، ~~فانصرف خائبا، ثم أرسل بعض الشياطين إلى جنانه وزروعه، فأحرقوها، وجاء ~~فأخبره، فقال مثل ذلك، فأرسل بعض الشياطين فزلزلوا منازل أيوب وفيها ولده ~~وخدمه، فأهلكوهم، وجاء فأخبره، فحمد الله، وقال لإبليس وهو يظنه قيمه في ~~ماله: لو كان فيك خير لقبضك معهم، فانصرف خائبا، فقيل له: كيف رأيت عبدي ~~أيوب؟ قال: يا رب سلطني على جسده فسوف ترى، قيل له قد سلطتك على جسده فجاء ~~فنفخ في إبهام قدميه، فاشتعل فيه مثل النار، ولم يكن في زمانه أكثر بكاء ~~منه ms1534 خوفا من الله تعالى، فلما نزل به البلاء لم يبك مخافة الجزع، وبقي ~~لسانه للذكر، وقلبه للمعرفة والشكر، وكان يرى أمعاءه وعروقه وعظامه، وكان ~~مرضه أنه خرج في جميع جسده ثآليل كأليات الغنم ووقعت به حكة لا يملكها، فحك ~~بأظفاره حتى سقطت، ثم بالمسوح، ثم بالحجارة، فأنتن جسمه وتقطع، وأخرجه أهل ~~القرية فجعلوا له عريشا على كناسة، ورفضه الخلق سوى زوجته، واسمها رحمة بنت ~~إفراييم بن يوسف بن يعقوب، فكانت تختلف إليه بما يصلحه. وروى أبو بكر ~~القرشي عن الليث بن سعد، قال: كان ملك يظلم الناس، فكلمه في ذلك جماعة من ~~الأنبياء، وسكت عنه أيوب لأجل خيل كانت له في سلطانه، فأوحى الله إليه: ~~تركت كلامه من أجل خيلك؟! لأطيلن بلاءك. واختلفوا في مدة لبثه في البلاء ~~على أربعة أقوال: # (993) أحدها: ثماني عشرة سنة، رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. PageV03P205 # والثاني: سبع سنين، قاله ابن عباس، وكعب، ويحيى بن أبي كثير. والثالث: ~~سبع سنين وأشهر، قاله الحسن. والرابع: ثلاث سنين، قاله وهب. # وفي سبب سؤاله العافية ستة أقوال: أحدها: أنه اشتهى إداما، فلم تصبه ~~امرأته حتى باعت قرونا من شعرها، فلما علم ذلك قال: «مسني الضر» ، رواه ~~الضحاك عن ابن عباس. والثاني: أن الله تعالى أنساه الدعاء مع كثرة ذكره ~~الله، فلما انتهى أجل البلاء، يسر الله له الدعاء، فاستجاب له، رواه العوفي ~~عن ابن عباس. والثالث: أن نفرا من بني إسرائيل مروا به، فقال بعضهم لبعض: ~~ما أصابه هذا إلا بذنب عظيم، فعند ذلك قال: «مسني الضر» ، قاله نوف ~~البكالي. فقال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان له أخوان، فأتياه يوما فوجدا ~~ريحا «1» ، فقالا: لو كان الله علم منه خيرا ما بلغ به كل هذا، فما سمع ~~شيئا أشد عليه من ذلك، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة شبعان وأنا ~~أعلم مكان جائع فصدقني، فصدق وهما يسمعان، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني ~~لم ألبس قميصا وأنا أعلم مكان ms1535 عار فصدقني، فصدق وهما يسمعان، فخر ساجدا، ثم ~~قال: اللهم لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي، فكشف الله عز وجل ما به. والرابع: ~~أن إبليس جاء إلى زوجته بسخلة، فقال: ليذبح أيوب هذه لي وقد برأ، فجاءت ~~فأخبرته، فقال: لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة، أمرتني أن أذبح لغير ~~الله؟! ثم طردها عنه، فذهبت، فلما رأى أنه لا طعام له ولا شراب ولا صديق، ~~خر ساجدا وقال: «مسني الضر» ، قاله الحسن. والخامس: أن الله تعالى أوحى ~~إليه وهو في عنفوان شبابه: إني مبتليك، قال: يا رب، وأين يكون قلبي؟ قال: ~~عندي، فصب عليه من البلاء ما سمعتم، حتى إذا بلغ البلاء منتهاه، أوحى إليه ~~أني معافيك، قال: يا رب، وأين يكون قلبي؟ قال: عندك، قال: «مسني الضر» ، ~~قاله إبراهيم بن شيبان القرميسي فيما حدثنا به عنه. والسادس: أن الوحي ~~انقطع عنه أربعين يوما، فخاف هجران ربه، فقال: # «مسني الضر» ، ذكره الماوردي. # فإن قيل: أين الصبر، وهذا لفظ الشكوى؟ فالجواب: أن الشكوى إلى الله لا ~~تنافي الصبر، وإنما المذموم الشكوى إلى الخلق، ألم تسمع قول يعقوب: نما ~~أشكوا بثي وحزني إلى الله # «2» . قال سفيان بن عيينة: وكذلك من شكا إلى الناس، وهو في شكواه راض ~~بقضاء الله، لم يكن ذلك جزعا، ألم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لجبريل في مرضه: # (994) «أجدني مغموما» و «أجدني مكروبا» . PageV03P206 # (995) وقوله: «بل أنا وا رأساه» . # قوله تعالى: وآتيناه أهله يعني: أولاده ومثلهم معهم فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن الله تعالى أحيا له أهله بأعيانهم، وآتاه مثلهم معهم في ~~الدنيا، قاله ابن مسعود، والحسن، وقتادة. وروى أبو صالح عن ابن عباس: كانت ~~امرأته ولدت له سبعة بنين وسبع بنات، فنشروا له، وولدت له امرأته سبعة بنين ~~وسبع بنات. والثاني: أنهم كانوا قد غيبوا عنه ولم يموتوا، فآتاه إياهم في ~~الدنيا ومثلهم معهم في الآخرة، رواه هشام عن الحسن. والثالث: آتاه الله ~~أجور أهله في الآخرة، وآتاه مثلهم في الدنيا، قاله نوف، ومجاهد. والرابع: ms1536 ~~آتاه أهله ومثلهم معهم في الآخرة، حكاه الزجاج. # قوله تعالى: رحمة من عندنا أي: فعلنا ذلك به رحمة من عندنا، وذكرى أي: ~~عظة للعابدين قال محمد بن كعب: من أصابه بلاء فليذكر ما أصاب أيوب، فليقل: ~~إنه قد أصاب من هو خير مني. # قوله تعالى: وذا الكفل اختلفوا هل كان نبيا، أم لا؟ على قولين «1» : ~~أحدهما: أنه لم يكن نبيا، ولكنه كان عبدا صالحا، قاله أبو موسى الأشعري، ~~ومجاهد. ثم اختلف أرباب هذا القول في عله تسميته بذي الكفل على ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أن رجلا كان يصلي كل يوم مائة صلاة فتوفي، فكفل بصلاته، ~~فسمي: ذا الكفل، قاله أبو موسى الأشعري. والثاني: أنه تكفل للنبي بقومه أن ~~يكفيه أمرهم ويقيمه ويقضي بينهم بالعدل ففعل، فسمي: ذا الكفل، قاله مجاهد. ~~والثالث: أن ملكا قتل في يوم ثلاثمائة نبي، وفر منه مائة نبي، فكفلهم ذو ~~الكفل يطعمهم ويسقيهم حتى أفلتوا، فسمي ذا الكفل، قاله ابن السائب. والقول ~~الثاني: أنه كان نبيا، قاله الحسن، وعطاء. قال عطاء: أوحى الله تعالى إلى ~~نبي من الأنبياء: إني أريد قبض روحك، فاعرض ملكك على بني إسرائيل، فمن تكفل ~~لك بأنه يصلي الليل PageV03P207 # لا يفتر، ويصوم النهار لا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع ملكك ~~إليه، ففعل ذلك، فقام شاب فقال: أنا أتكفل لك بهذا، فتكفل به، فوفى، فشكر ~~الله له ذلك، ونبأه، وسمي: ذا الكفل. # (996) وقد ذكر الثعلبي حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الكفل: «أنه كان رجلا لا ينزع عن ذنب، وأنه خلا بامرأة ليفجر بها، فبكت، ~~وقالت: ما فعلت هذا قط، فقام عنها تائبا، ومات من ليلته، فأصبح مكتوبا على ~~بابه: قد غفر الله للكفل» والحديث معروف، وقد ذكرته في «الحدائق» ، فجعله ~~الثعلبي أحد الوجوه في بيان ذي الكفل، وهذا غلط، لأن ذلك اسمه الكفل، ~~والمذكور في القرآن: ذو الكفل، ولأن الكفل مات في ليلته التي تاب فيها، فلم ~~يمض عليه زمان طويل يعالج فيه الصبر عن الخطايا، ms1537 وإذا قلنا: إنه نبي، فإن ~~الأنبياء معصومون عن مثل هذا الحال. وذكرت هذا لشيخنا أبي الفضل بن ناصر، ~~فوافقني، وقال: ليس هذا بذاك. # قوله تعالى: كل من الصابرين أي: على طاعة الله وترك معصيته، وأدخلناهم في ~~رحمتنا في هذه الرحمة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الجنة، وقاله ابن عباس. ~~والثاني: النبوة، قاله مقاتل. والثالث: النعمة والموالاة، حكاه أبو سليمان ~~الدمشقي. ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 87 الى # 88] # وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) فاستجبنا له ونجيناه من الغم ~~وكذلك ننجي المؤمنين (88) # قوله تعالى: وذا النون يعني: يونس بن متى. والنون: السمكة أضيف إليها ~~لابتلاعها إياه. # قوله تعالى: إذ ذهب مغاضبا قال ابن قتيبة: المغاضبة: مفاعلة، وأكثر ~~المفاعلة من اثنين، كالمناظرة PageV03P208 # والمجادلة والمخاصمة، وربما تكون من واحد، كقولك: سافرت، وشارفت الأمر، ~~وهي ها هنا من هذا الباب. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وعاصم الجحدري، ~~وابن السميفع: «مغضبا» باسكان الغين وفتح الضاد من غير ألف. # واختلفوا في مغاضبته لمن كانت؟ على قولين «1» : أحدهما: أنه غضب على ~~قومه، قاله ابن عباس، والضحاك. وفي سبب غضبه عليهم ثلاثة أقوال: أحدها: أن ~~الله تعالى أوحى إلى نبي يقال له: # شعيا: أن ائت فلانا الملك، فقل له يبعث نبيا أمينا إلى بني إسرائيل، وكان ~~قد غزا بني إسرائيل ملك، وسبا منهم الكثير، فأراد النبي والملك أن يبعثا ~~يونس إلى ذلك الملك ليكلمه حتى يرسلهم، فقال يونس لشعيا: هل أمرك الله ~~باخراجي؟ قال: لا، قال: فهل سماني لك؟ قال: لا، قال: فهاهنا غيري من ~~الأنبياء، فألحوا عليه، فخرج مغاضبا للنبي والملك ولقومه، هذا مروي عن ابن ~~عباس وقد زدناه شرحا في سورة يونس «2» . والثاني: أنه عانى من قومه أمرا ~~صعبا من الأذى والتكذيب، فخرج عنهم قبل أن يؤمنوا ضجرا، وما ظن أن هذا ~~الفعل يوجب عليه ما جرى من العقوبة، ذكره ابن الأنباري. وقد روي عن وهب بن ~~منبه، قال: لما حملت ms1538 عليه أثقال النبوة، ضاق بها ذرعا ولم يصبر، فقذفها من ~~يده وخرج هاربا. والثالث: أنه لما أوعدهم العذاب، فتابوا ورفع عنهم، قيل ~~له: ارجع إليهم، فقال: كيف أرجع فيجدوني كاذبا؟ فانصرف مغاضبا لقومه، عاتبا ~~على ربه. وقد ذكرنا هذا في سورة يونس. # والثاني: أنه خرج مغاضبا لربه، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، والشعبي، ~~وعروة، وقال: المعنى: # مغاضبا من أجل ربه، وإنما غضب لأجل تمردهم وعصيانهم. وقال ابن قتيبة: كان ~~مغيظا عليهم لطول ما عاناه من تكذيبهم، مشتهيا أن ينزل العذاب لهم فعاقبه ~~الله على كراهيته العفو عن قومه. # قوله تعالى: فظن أن لن نقدر عليه وقرأ يعقوب: «يقدر عليه» بضم الياء ~~وتشديد الدال وفتحها. وقرأ سعيد بن جبير، وأبو الجوزاء، وابن أبي ليلى: ~~«يقدر» بياء مرفوعة مع سكون القاف وتخفيف الدال وفتحها. وقرأ أبو عمران ~~الجوني: «يقدر» بياء مفتوحة وسكون القاف وكسر الدال خفيفة. وقرأ الزهري، ~~وابن يعمر، وحميد بن قيس: «نقدر» بنون مرفوعة وفتح القاف وكسر الدال ~~وتشديدها. ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن لن نقضي عليه بالعقوبة، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، والضحاك. قال الفراء: معنى ~~الآية: فظن أن لن نقدر عليه ما قدرنا من العقوبة، والعرب تقول: قدر، بمعنى: ~~قدر، قال أبو صخر: # ولا عائدا ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تقدر يكن ولك الشكر «3» # أراد: ما تقدر، وهذا مذهب الزجاج. PageV03P209 # والثاني: فظن أن لن نضيق عليه، قاله عطاء. قال ابن قتيبة: يقال فلان مقدر ~~عليه، ومقتر عليه، ومنه قوله تعالى: فقدر عليه رزقه «1» أي ضيق عليه فيه. ~~قال النقاش: والمعنى فظن أن يضيقه عليه الخروج، فكأنه ظن أن الله تعالى قد ~~وسع عليه إن شاء أن يقيم وإن شاء أن يخرج، ولم يؤذن له في الخروج. والثالث: ~~أن المعنى: أفظن أنه يعجز ربه فلا يقدر عليه، رواه عوف عن الحسن. وقال ابن ~~زيد وسليمان التيمي: المعنى أفظن أن لن نقدر عليه فعلى هذا الوجه يكون ~~استفهاما قد حذفت ألفه وهذا الوجه يدل ms1539 على أنه من القدرة، ولا يتصور إلا مع ~~تقدير الاستفهام، ولا أعلم له وجها إلا أن يكون استفهام إنكار تقديره: ما ~~ظن عجزنا فأين يهرب منا؟! قوله تعالى: فنادى في الظلمات فيها ثلاثة أقوال ~~«2» : أحدها: أنه ظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت وظلمة الليل، قاله سعيد بن ~~جبير وقتادة والأكثرون. والثاني: أن حوتا جاء فابتلع الحوت الذي هو في بطنه ~~فنادى في ظلمة حوت ثم في ظلمة حوت ثم في ظلمة البحر، قاله سالم بن أبي ~~الجعد. # والثالث: أنها ظلمة الماء وظلمة معى السمكة وظلمة بطنها، قاله ابن ~~السائب. # (997) وقد روى سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه، كلمة أخي يونس: فنادى ~~في الظلمات أن لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين» . قال الحسن: ~~وهذا اعتراف من يونس بذنبه وتوبة من خطيئته. # قوله تعالى: فاستجبنا له أي: أجبناه ونجيناه من الغم أي: من الظلمات ~~وكذلك ننجي المؤمنين إذا دعونا. وروى أبو بكر عن عاصم أنه قرأ: «نجي ~~المؤمنين» بنون واحدة مشددة الجيم قال الزجاج: وهذا لحن لا وجه له، وقال ~~أبو علي الفارسي: غلط الراوي عن عاصم، ويدل على هذا إسكانه الياء من «نجي» ~~ونصب «المؤمنين» ولو كان على ما لم يسم فاعله ما سكن الياء، ولرفع ~~«المؤمنين» . ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 89 الى # 94] # وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) فاستجبنا له ~~ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا ~~رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90) والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا ~~وجعلناها وابنها آية للعالمين (91) إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاعبدون (92) وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) # فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (94) ~~PageV03P210 # قوله تعالى: لا تذرني فردا أي: وحيدا بلا ولد وأنت خير الوارثين أي: أفضل ~~من بقي حيا بعد ميت. قوله تعالى: وأصلحنا ms1540 له زوجه فيه ثلاثة أقوال «1» : ~~أحدها: أصلحت للولد بعد أن كانت عقيما، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~وقتادة. والثاني: أنه كان في لسانها طول، وهو: # البذاء، فأصلحت، قاله عطاء وقال السدي: كانت سليطة فكف عنه لسانها. ~~والثالث: أنه كان خلقها سيئا، قاله محمد بن كعب. قوله تعالى: إنهم كانوا ~~يسارعون في الخيرات أي: يبادرون في طاعة الله. وفي المشار إليهم قولان: ~~أحدهما: زكريا، وامرأته، ويحيى. والثاني: جميع الأنبياء المذكورون في هذه ~~السورة. قوله تعالى: ويدعوننا وقرأ ابن مسعود، وابن محيصن: «ويدعونا» بنون ~~واحدة. # قوله تعالى: رغبا ورهبا أي: رغبا فيما عندنا، ورهبا منا وقرأ الأعمش: ~~«رغبا ورهبا» بضم الراءين وجزم الغين والهاء، وهما لغتان مثل النحل، ~~والنحل، والسقم، والسقم وكانوا لنا خاشعين أي: متواضعين. # قوله تعالى: والتي أحصنت فرجها فيه قولان: أحدهما: أنه مخرج الولد، ~~والمعنى منعته مما لا يحل. وإنما وصفت بالعفاف لأنها قذفت بالزنا. والثاني: ~~أنه جيب درعها. ومعنى الفرج في اللغة: # كل فرجة بين شيئين، وموضع جيب درع المرأة مشقوق، فهو يسمى فرجا. وهذا ~~أبلغ في الثناء عليها، لأنها إذا منعت جيب درعها، فهي لنفسها أمنع. # قوله تعالى: فنفخنا فيها أي: أمرنا جبريل، فنفخ في درعها، فأجرينا فيها ~~روح عيسى كما تجري الريح بالنفخ. وأضاف الروح إليه إضافة الملك، للتشريف ~~والتخصيص وجعلناها وابنها آية قال الزجاج: لما كان شأنهما واحدا، كانت ~~الآية فيهما آية واحدة، وهي ولادة من غير فحل. # وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة: «آيتين» على التثنية. # قوله تعالى: إن هذه أمتكم قال ابن عباس: المراد بالأمة ها هنا: الدين، ~~وفي المشار إليهم قولان: أحدهما: أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو ~~معنى قول مقاتل. والثاني: أنهم الأنبياء عليهم السلام، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. ثم ذكر أهل الكتاب، فذمهم بالاختلاف، فقال تعالى: وتقطعوا أمرهم ~~بينهم أي: اختلفوا في الدين، فمن يعمل من الصالحات أي: شيئا من الفرائض ~~وأعمال البر فلا كفران لسعيه أي: لا نجحد ما عمل، قاله ابن قتيبة، والمعنى: ~~أنه يقبل ms1541 منه ويثاب عليه PageV03P211 # وإنا له كاتبون ذلك بأمر الحفظة أن يكتبوه ليجازيه به. ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 95 الى # 100] # وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ~~وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين ~~كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97) إنكم وما تعبدون ~~من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ~~وكل فيها خالدون (99) # لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100) # قوله تعالى: وحرام على قرية قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص ~~عن عاصم: # «وحرام» بألف. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: «وحرم» بكسر الحاء ~~من غير ألف، وهما لغتان. يقال: حرم وحرام. وقرأ معاذ القارئ وأبو المتوكل ~~وأبو عمران الجوني: «وحرم» بفتح الحاء وسكون الراء من غير ألف والميم ~~مرفوعة منونة. وقرأ سعيد بن جبير: «وحرم» بفتح الحاء وسكون الراء وفتح ~~الميم وكسر الراء من غير تنوين ولا ألف. وقرأ سعيد بن المسيب وأبو مجلز ~~وأبو رجاء: «وحرم» بفتح الحاء وضم الراء ونصب الميم من غير ألف. وفي معنى ~~قوله تعالى: وحرام قولان: # أحدهما: واجب، قاله ابن عباس، وأنشدوا في معناه: # فإن حراما لا أرى الدهر باكيا ... على شجوه إلا بكيت على عمرو «1» # أي: واجب. والثاني: أنه بمعنى العزم، قاله سعيد بن جبير. وقال عطاء: حتم ~~من الله، والمراد بالقرية: أهلها. # ثم في معنى الآية أربعة أقوال «2» : أحدها: واجب على قرية أهلكناها أنهم ~~لا يتوبون، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: واجب عليها أنها إذا أهلكت لا ~~ترجع إلى دنياها، هذا قول قتادة وقد روي عن ابن عباس نحوه. والثالث: أن ~~«لا» زائدة والمعنى: حرام على قرية مهلكة أنهم يرجعون إلى الدنيا، قاله ابن ~~جريج، وابن قتيبة في آخرين. والرابع: أن الكلام متعلق بما قبله، لأنه لما ~~قال: «فلا كفران لسعيه» أعلمنا أنه قد حرم قبول أعمال الكفار فمعنى الآية: ~~وحرام على قرية ms1542 أهلكناها أن يتقبل منهم عمل، لأنهم لا يتوبون، هذا قول ~~الزجاج. # فإن قيل: كيف يصح أن يحرم على الإنسان ما ليس من فعله، ورجوعهم بعد الموت ~~ليس إليهم؟ PageV03P212 # فالجواب: أن المعنى: منعوا من ذلك فلا يقدرون عليه كما يمنع الإنسان من ~~الحرام وإن قدر عليه، فكان التشبيه بالتحريم للحالتين من حيث المنع. # قوله تعالى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وقرأ ابن عامر: «فتحت» بالتشديد، ~~والمعنى: # فتح الردم عنهم وهم من كل حدب قال ابن قتيبة: من كل نشز من الأرض وأكمة ~~ينسلون من النسلان: وهو مقاربة الخطو مع الإسراع كمشي الذئب إذا بادر، ~~والعسلان مثله. وقال الزجاج: # الحدب: كل أكمة، و «ينسلون» يسرعون. وقرأ أبو رجاء العطاردي، وعاصم ~~الجحدري: «ينسلون» بضم السين. وفي قوله تعالى: وهم قولان: أحدهما: أنه ~~إشارة إلى يأجوج ومأجوج، قاله الجمهور. والثاني: إلى جميع الناس، فالمعنى: ~~وهم يحشرون إلى الموقف، قاله مجاهد. والأول أصح. # فإن قيل: أين جواب «حتى» ؟ ففيه قولان: أحدهما: أنه قوله تعالى: واقترب ~~الوعد الحق والواو في قوله تعالى: «واقترب» زائدة، قاله الفراء. قال: ~~ومثله: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها «1» وقوله تعالى: فلما أسلما وتله ~~للجبين (103) وناديناه «2» ، المعنى: ناديناه. وقال عبد الله بن مسعود: # الساعة من الناس بعد يأجوج ومأجوج، كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى ~~تفجؤهم بولدها ليلا أو نهارا. والثاني: أنه قول محذوف في قوله: يا ويلنا، ~~فالمعنى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد، قالوا: يا ويلنا. قال ~~الزجاج: هذا قول البصريين. فأما الوعد الحق فهو القيامة. # قوله تعالى: فإذا هي في «هي» أربعة أقوال: أحدها: أن «هي» كناية عن ~~الأبصار، والأبصار تفسير لها، كقول الشاعر: # لعمرو أبيها لا تقول ظعينتي ... ألا فر عني مالك بن أبي كعب # فذكر الظعينة، وقد كنى عنها في «لعمرو أبيها» . والثاني: أن «هي» ضمير ~~فصل وعماد، ويصلح في موضعها «هو» ، ومثله قوله: إنه أنا الله «3» وقوله: ~~فإنها لا تعمى الأبصار «4» ، وأنشدوا: # بثوب ودينار وشاة ودرهم ... فهل هو مرفوع بما ها هنا رأس # ذكرهما الفراء. ms1543 والثالث: أن يكون تمام الكلام عند قوله: «هي» على معنى: ~~فإذا هي بارزة واقفة، يعني: من قربها، كأنها آتية حاضرة، ثم ابتدأ فقال: ~~شاخصة، ذكره الثعلبي. والرابع: أن «هي» كناية عن القصة، والمعنى: القصة أن ~~أبصارهم شاخصة في ذلك اليوم، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. # قال المفسرون: تشخص أبصار الكفار من هول يوم القيامة، ويقولون: يا ويلنا ~~قد كنا أي: # في الدنيا في غفلة من هذا أي: عن هذا بل كنا ظالمين أنفسنا بكفرنا ~~ومعاصينا. ثم خاطب أهل مكة، فقال: إنكم وما تعبدون من دون الله يعني: ~~الأصنام حصب جهنم وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو العالية، وعمر بن عبد العزيز: ~~«حطب» بالطاء. وقرأ ابن عباس، وعائشة وابن PageV03P213 # السميفع: «حضب» بالضاد المعجمة المفتوحة. وقرأ عروة، وعكرمة، وابن يعمر، ~~وابن أبي عبلة: # «حضب جهنم» بإسكان الضاد المعجمة. وقرأ أبو المتوكل، وأبو حيوة، ومعاذ ~~القارئ «حضب» بكسر الحاء مع تسكين الضاد المعجمة. وقرأ أبو مجلز، وأبو ~~رجاء، وابن محصين: «حصب» بفتح الحاء ويصاد غير معجمة ساكنة. قال الزجاج: من ~~قرأ «حصب جهنم» فمعناه: كل ما يرمى به فيها، ومن قرأ «حطب» فمعناه: ما توقد ~~به، ومن قرأ بالضاد المعجمة، فمعناه: ما تهيج به النار وتذكى به، قال ابن ~~قتيبة: الحصب: ما ألقي فيها، وأصله من الحصباء، وهو الحصى، يقال: حصبت ~~فلانا إذا رميته حصبا، بتسكين الصاد، وما رميت به فهو حصب، بفتح الصاد. # قوله تعالى: أنتم يعني: العابدين والمعبودين لها واردون أي: داخلون. لو ~~كان هؤلاء يعني: الأصنام آلهة على الحقيقة ما وردوها فيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه إشارة إلى الأصنام، والمعنى: لو كانوا آلهة ما دخلوا النار. ~~والثاني: أنه إشارة إلى عابديها، فالمعنى: لو كانت الأصنام آلهة، منعت ~~عابديها دخول النار. والثالث: أنه إشارة إلى الآلهة وعابديها، بدليل قوله ~~تعالى: # وكل فيها خالدون يعني: العابد والمعبود. # قوله تعالى: لهم فيها زفير قد شرحنا معنى الزفير في سورة هود «1» وفي علة ~~كونهم لا يسمعون ثلاثة أقوال: # (998) أحدها: أنه يوضع في مسامعهم مسامير ms1544 من نار، ثم يقذفون في توابيت من ~~نار مقفلة عليهم، رواه أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ~~طويل. وقال ابن مسعود: إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من ~~نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخرى، فلا يسمعون شيئا، ولا يرى أحدهم ~~أن في النار أحدا يعذب غيره. # والثاني: أن السماع أنس، والله لا يحب أن يؤنسهم، قاله عون بن عمارة. # والثالث: إنما لم يسمعوا لشدة غليان جهنم، قاله أبو سليمان الدمشقي. ### | ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 101 الى # 107] # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) لا يسمعون حسيسها ~~وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم ~~الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) يوم نطوي السماء كطي السجل ~~للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين (104) ولقد كتبنا ~~في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105) # إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) ~~PageV03P214 # قوله تعالى: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى (999) سبب نزولها أنه لما ~~نزلت: «إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم» شق ذلك على قريش، وقالوا: ~~شتم آلهتنا، فجاء ابن الزبعرى، فقال: ما لكم؟ قالوا: شتم آلهتنا، قال: وما ~~قال؟ # فأخبروه، فقال: ادعوه لي، فلما دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ~~يا محمد، هذا شيء لآلهتنا خاصة، أو لكل من عبد من دون الله؟ قال: «لا، بل ~~لكل من عبد من دون الله» ، فقال ابن الزبعرى: خصمت ورب هذا البيت، ألست ~~تزعم أن الملائكة عباد صالحون، وأن عيسى عبد صالح، وأن عزيرا عبد صالح، ~~فهذه بنو مليح يعبدون الملائكة، وهذه النصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد ~~عزيرا، فضج أهل مكة، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. وقال الحسين بن ~~الفضل: إنما أراد بقوله: وما تعبدون الأصنام دون غيرها، لأنه لو أراد ~~الملائكة والناس، لقال: «ومن» وقيل: «إن» بمعنى: «إلا» ، فتقديره: إلا ~~الذين سبقت ms1545 لهم منا الحسنى، وهي قراءة ابن مسعود، وأبي نهيك، فإنهما قرءا: ~~«إلا الذين» . وروي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ هذه الآية، فقال: أنا منهم، ~~وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن. # وفي المراد «بالحسنى» قولان: أحدهما: الجنة، قاله ابن عباس، وعكرمة. ~~والثاني: السعادة، قاله ابن زيد. قوله تعالى: أولئك عنها أي: عن جهنم، وقد ~~تقدم ذكرها مبعدون والبعد: طول المسافة، والحسيس: الصوت تسمعه من الشيء إذا ~~مر قريبا منك، قال ابن عباس: لا يسمع أهل الجنة حسيس أهل النار إذا نزلوا ~~منازلهم من الجنة. # قوله تعالى: لا يحزنهم الفزع الأكبر وقرأ أبو رزين وقتادة، وابن أبي ~~عبلة، وابن محيصن، وأبو جعفر الشيزري عن الكسائي: «لا يحزنهم» بضم الياء ~~وكسر الزاي. # وفي الفزع الأكبر أربعة أقوال: أحدها: أنه النفخة الآخرة، رواه العوفي عن ~~ابن عباس وبهذه النفخة يقوم الناس من قبورهم، ويدل على صحة هذا الوجه قوله ~~تعالى: وتتلقاهم الملائكة. # والثاني: أنه إطباق النار على أهلها، رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ~~وبه قال الضحاك. والثالث: # أنه ذبح الموت بين الجنة والنار، وهو مروي عن ابن عباس أيضا، وبه قال ابن ~~جريج. والرابع: أنه حين يؤمر بالعبد إلى النار، قاله الحسن البصري. # وفي مكان تلقي الملائكة لهم قولان: أحدهما: إذا قاموا من قبورهم، قاله ~~مقاتل. والثاني: على أبواب الجنة، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: هذا يومكم فيه إضمار: «يقولون» هذا يومكم الذي كنتم توعدون ~~فيه PageV03P215 # الجنة. قوله تعالى: يوم نطوي السماء وقرأ أبو العالية، وابن أبي عبلة، ~~وأبو جعفر: «تطوى» بتاء مضمومة «السماء» بالرفع وذلك بمحو رسومها، وتكدير ~~نجومها، وتكوير شمسها، كطي السجل للكتب قرأ الجمهور: «السجل» بكسر السين ~~والجيم وتشديد اللام. وقرأ الحسن، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، ومحبوب عن ~~أبي عمرو: «السجل» بكسر السين وإسكان الجيم خفيفة. وقرأ أبو السمال كذلك، ~~إلا أنه فتح الجيم. قوله تعالى: للكتب قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: # «للكتاب» . وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «للكتب» على ms1546 الجمع. # وفي السجل أربعة أقوال «1» : أحدها: أنه ملك، قاله علي بن أبي طالب، وابن ~~عمر، والسدي. # (1000) والثاني: أنه كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه أبو ~~الجوزاء عن ابن عباس. # والثالث: أن السجل بمعنى: الرجل، روى أبو الجوزاء عن ابن عباس، قال: ~~السجل: هو الرجل. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: وقد قيل: «السجل» بلغة ~~الحبشة: الرجل. # والرابع: أنه الصحيفة. رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~والفراء وابن قتيبة. # وقرأت على شيخنا أبي منصور، قال: قال أبو بكر، يعني- ابن دريد-: السجل: ~~الكتاب، والله أعلم ولا ألتفت إلى قولهم: إنه فارسي معرب، والمعنى: كما ~~يطوى السجل على ما فيه من كتاب. و «اللام» بمعنى «على» . وقال بعض العلماء: ~~المراد بالكتاب: المكتوب، فلما كان المكتوب ينطوي بانطواء PageV03P216 # الصحيفة، جعل السجل كأنه يطوي الكتاب. # ثم استأنف، فقال تعالى: كما بدأنا أول خلق نعيده الخلق ها هنا مصدر، وليس ~~بمعنى المخلوق. وفي معنى الكلام أربعة أقوال: # أحدها: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا، كذلك نعيدهم يوم ~~القيامة. # (1001) روي عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يحشر ~~الناس يوم القيامة عراة حفاة غرلا كما خلقوا، ثم قال: كما بدأنا أول خلق ~~نعيده وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد. # والثاني: أن المعنى: إنا نهلك كل شيء كما كان أول مرة، رواه العوفي عن ~~ابن عباس. # والثالث: أن السماء تمطر أربعين يوما كمني الرجال، فينبتون بالمطر في ~~قبورهم، كما ينبتون في بطون أمهاتهم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والرابع: ~~أن المعنى: قدرتنا على الإعادة كقدرتنا على الابتداء، قاله الزجاج. # قوله تعالى: وعدا قال الزجاج: هو منصوب على المصدر، لأن قوله تعالى: ~~«نعيده» بمعنى: # وعدنا هذا وعدا، إنا كنا فاعلين أي: قادرين على فعل ما نشاء. وقال غيره: ~~إنا كنا فاعلين ما وعدنا. # قوله تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر فيه أربعة أقوال «1» : # أحدها: أن الزبور جميع الكتب المنزلة من السماء، و «الذكر» : أم ms1547 الكتاب ~~الذي عند الله، قاله سعيد بن جبير في رواية، ومجاهد، وابن زيد، وهذا معنى ~~قول ابن عباس في رواية ابن جبير، فإنه قال: الزبور: التوراة والإنجيل ~~والقرآن، والذكر: الذي في السماء. والثاني: أن الزبور: الكتب، والذكر: ~~التوراة، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: أن الزبور: القرآن، والذكر: ~~التوراة والإنجيل، قاله سعيد بن جبير في رواية. والرابع: أن الزبور: زبور ~~داود، والذكر: ذكر موسى، قاله الشعبي. # وفي الأرض المذكورة ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنها أرض الجنة، رواه ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال الأكثرون. والثاني: أرض الدنيا، وهو ~~منقول عن ابن عباس أيضا. والثالث: الأرض المقدسة، قاله ابن السائب. ~~PageV03P217 # وفي قوله تعالى: يرثها عبادي الصالحون ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وفي رواية: ترث أمة ~~محمد أرض الدنيا بالفتوح. والثاني: بنو إسرائيل، قاله ابن السائب. والثالث: ~~أنه عام في كل صالح، قاله بعض فقهاء المفسرين. # قوله تعالى: إن في هذا يعني: القرآن لبلاغا أي: لكفاية والمعنى: أن من ~~اتبع القرآن وعمل به، كان القرآن بلاغه إلى الجنة. وقوله تعالى: لقوم ~~عابدين قال كعب: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يصلون الصلوات الخمس ~~ويصومون شهر رمضان. قوله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين قال ابن ~~عباس: هذا عام للبر والفاجر، فمن آمن به تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ~~ومن كفر به صرفت عنه العقوبة إلى الموت والقيامة. وقال ابن زيد: هو رحمة ~~لمن آمن به خاصة. ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 108 الى 112] # قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) فإن تولوا ~~فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (109) إنه يعلم ~~الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى ~~حين (111) قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (112) # قوله تعالى: فهل أنتم مسلمون قال ابن عباس: فهل أنتم مخلصون له العبادة؟ ms1548 ~~قال أهل المعاني: هذا استفهام بمعنى الأمر. # قوله تعالى: فإن تولوا أي: أعرضوا ولم يؤمنوا فقل آذنتكم على سواء في ~~معنى الكلام قولان: أحدهما: نابذتكم وعاديتكم وأعلمتكم ذلك، فصرت أنا وأنتم ~~على سواء قد استوينا في العلم بذلك، وهذا من الكلام المختصر، قاله ابن ~~قتيبة. والثاني: أعلمتكم بالوحي إلي لتستووا في الإيمان به، قاله الزجاج. ~~قوله تعالى: وإن أدري أي: وما أدري أقريب أم بعيد ما توعدون بنزول العذاب ~~بكم. إنه يعلم الجهر وهو ما يقولونه للنبي صلى الله عليه وسلم متى هذا ~~الوعد «1» ، وما تكتمون إسرارهم أن العذاب لا يكون. # قوله تعالى: لعله فتنة لكم في هاء «لعله» قولان «2» : أحدهما: أنها ترجع ~~إلى ما آذنهم به، قاله الزجاج. والثاني: إلى العذاب فالمعنى: لعل تأخير ~~العذاب عنكم فتنة، قاله ابن جرير، وأبو سليمان الدمشقي. ومعنى الفتنة ها ~~هنا: الاختبار، ومتاع إلى حين أي: تستمتعون إلى انقضاء آجالكم. # وقل رب وروى حفص عن عاصم: قال رب احكم قرأ أبو جعفر: «رب احكم» بضم ~~الباء. PageV03P218 # وروى زيد عن يعقوب: «ربي» بفتح الياء «أحكم» بقطع الهمزة وفتح الكاف ورفع ~~الميم. ومعنى «احكم بالحق» أي: بعذاب كفار قومي الذي نزوله حق، فحكم عليهم ~~بالقتل في يوم بدر وفيما بعده من الأيام والمعنى على هذا: افصل بيني وبين ~~المشركين بما يظهر به الحق. ومعنى على ما تصفون أي: من كذبكم وباطلكم. وقرأ ~~ابن عامر، والمفضل عن عاصم: «يصفون» بالياء. فإن قيل: فهل يجوز على الله أن ~~يحكم بغير الحق؟ فالجواب: أن المعنى: احكم بحكمك الحق، كأنه استعجل النصر ~~عليهم، والله أعلم بالصواب. # PageV03P219 ### | سورة الحج # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الحج (22) : الآيات 1 الى # 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) يوم ترونها تذهل ~~كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ~~ولكن عذاب الله شديد (2) ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل ~~شيطان مريد (3) كتب عليه أنه ms1549 من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ~~(4) ### | فصل في نزولها # «1» : # روى أبو صالح عن ابن عباس أنها مكية كلها، غير آيتين نزلتا بالمدينة: ~~قوله سبحانه وتعالى: ومن الناس من يعبد الله على حرف، والتي تليها «2» وفي ~~رواية أخرى عن ابن عباس أنها مدنية إلا أربع آيات نزلت بمكة، وهي قوله ~~تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلى آخر الأربع «3» . وقال عطاء بن ~~السائب: نزلت بمكة إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة: هذان خصمان واللتان ~~بعدها «4» وقال أبو سليمان الدمشقي: أولها مدني إلى قوله تعالى: وبشر ~~المحسنين «5» وسائرها مكي. وقال الثعلبي: هي مكية غير ست آيات نزلت ~~بالمدينة، وهي قوله تعالى: هذان خصمان إلى قوله تعالى: الحميد «6» . وقال ~~هبة الله بن سلامة: هي من أعاجيب سور القرآن، لأن فيها مكيا، ومدنيا، ~~وحضريا، وسفريا، وحربيا، وسلميا، وليليا، ونهاريا، وناسخا، ومنسوخا. فأما ~~المكي، فمن رأس الثلاثين منها إلى آخرها. وأما المدني، فمن رأس خمس وعشرين ~~إلى رأس ثلاثين. وأما الليلي، فمن أولها إلى آخر خمس آيات. وأما النهاري، ~~فمن رأس خمس آيات. إلى رأس تسع. وأما السفري، فمن رأس تسع إلى اثنتي عشرة. ~~وأما الحضري، فإلى رأس العشرين، نسب إلى المدينة، لقرب مدته. # قوله تعالى: اتقوا ربكم أي: احذروا عقابه إن زلزلة الساعة الزلزلة: ~~الحركة على الحالة الهائلة. وفي وقت هذه الزلزلة قولان «7» : أحدهما: أنها ~~يوم القيامة بعد النشور. PageV03P220 # (1002) روى عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: إن ~~زلزلة الساعة شيء عظيم وقال: «تدرون أي يوم ذلك؟ فإنه يوم ينادي الرب عز ~~وجل آدم عليه السلام: ابعث بعثا إلى النار» فذكر الحديث. # (1003) وروى أبو سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«يقول الله تعالى يوم القيامة لآدم: # قم، فابعث بعث النار، فيقول: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف ~~تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، فحينئذ يشيب المولود، وتضع كل ذات حمل ~~حملها» ، وقرأ الآية. وقال ابن عباس: زلزلة الساعة: قيامها، يعني ms1550 أنها ~~تقارب قيام الساعة، وتكون معها. وقال الحسن، والسدي: هذه الزلزلة تكون يوم ~~القيامة. # والثاني: أنها تكون في الدنيا قبل القيامة، وهي من أشراط الساعة، قاله ~~علقمة، والشعبي، وابن جريج. وروى أبو العالية عن أبي بن كعب، قال: ست آيات ~~قبل القيامة، بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ ~~تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت، ~~واضطربت، ففزع الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، فاختلطت الدواب، والطير، ~~والوحش، فماج بعضهم في بعض، فقالت الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا ~~إلى البحور، فإذا هي نار تأجج، فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض إلى الأرض ~~السابعة، والسماء إلى PageV03P221 # السماء السابعة، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فماتوا. وقال مقاتل: هذه ~~الزلزلة قبل النفخة الأولى، وذلك أن مناديا ينادي من السماء: يا أيها الناس ~~أتى أمر الله فيفزعون فزعا شديدا فيشيب الصغير، وتضع الحوامل. # قوله تعالى: شيء عظيم أي: لا يوصف لعظمه. # قوله تعالى: يوم ترونها # يعني: الزلزلة تذهل # فيه قولان: أحدهما: تسلو عن ولدها، وتتركه، قاله ابن قتيبة. والثاني: ~~تشغل عنه، قاله قطرب، ومنه قول ابن رواحة: # ويذهل الخليل عن خليله # وقرأ أبو عمران الجوني، وابن أبي عبلة: «تذهل» برفع التاء وكسر الهاء ~~«كل» بنصب اللام. قال الأخفش: وإنما قال: «مرضعة» ، لأنه أراد- والله أعلم- ~~الفعل، ولو أراد الصفة فيما نرى، لقال: # «مرضع» . قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في ~~بطنها لغير تمام، وهو يدل على أن الزلزلة تكون في الدنيا، لأن بعد البعث لا ~~تكون حبلى. # قوله تعالى: وترى الناس سكارى # وقرأ عكرمة، والضحاك، وابن يعمر، «وترى» بضم التاء. # ومعنى «سكارى» : من شدة الخوف وما هم بسكارى # من الشراب، والمعنى: ترى الناس كأنهم سكارى من ذهول عقولهم، لشدة ما يمر ~~بهم، يضطربون اضطراب السكران من الشراب. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: «سكرى ~~وما هم بسكرى» وهي قراءة ابن مسعود. قال الفراء: وهو وجه جيد، لأنه بمنزلة ~~الهلكى والجرحى. وقرأ ms1551 عكرمة، والضحاك، وابن السميفع: «سكارى وما هم بسكارى» ~~بفتح السين والراء وإثبات الألف، ولكن عذاب الله شديد # فيه دليل على أن سكرهم من خوف عذابه. # قوله تعالى: ومن الناس من يجادل في الله قال المفسرون: نزلت في النضر بن ~~الحارث. وفيما جادل فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان كلما نزل شيء من ~~القرآن كذب به، قاله ابن عباس. والثاني: أنه زعم أن الملائكة بنات الله، ~~قاله مقاتل. والثالث: أنه قال: لا يقدر الله على إحياء الموتى، ذكره أبو ~~سليمان الدمشقي. قوله تعالى: بغير علم أي: إنما يقوله بإغواء الشيطان، لا ~~بعلم ويتبع ما يسول له كل شيطان مريد وقد ذكرنا معنى «المريد» في سورة ~~النساء «1» . قوله تعالى: كتب عليه أنه من تولاه «كتب» بمعنى: قضي. والهاء ~~في «عليه» وفي «تولاه» كناية عن الشيطان. ومعنى الآية: # قضي على الشيطان أنه يضل من اتبعه. وقرأ أبو عمران الجوني: «كتب» بفتح ~~الكاف «أنه» بفتح الهمزة «فإنه» بكسر الهمزة وقرأ أبو مجلز، وأبو العالية، ~~وابن أبي ليلى، والضحاك، وابن يعمر: «إنه» «فإنه» بكسر الهمزة فيهما. وقد ~~بينا معنى «السعير» في سورة النساء «2» . PageV03P222 ### | ### | [سورة الحج (22) : الآيات 5 الى # 7] # يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء ~~إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) ذلك بأن الله هو الحق ~~وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن ~~الله يبعث من في القبور (7) # قوله تعالى: يا أيها الناس يعني: أهل مكة إن كنتم في ريب من البعث أي: في ~~شك من القيامة فإنا خلقناكم من تراب يعني: خلق آدم ثم من نطفة يعني: خلق ms1552 ~~ولده، والمعنى: إن شككتم في بعثكم فتدبروا أمر خلقكم وابتدائكم، فإنكم لا ~~تجدون في القدرة فرقا بين الابتداء والاعادة. # فأما النطفة، فهي المني. والعلقة: دم عبيط جامد. وقيل: سميت علقة ~~لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، فإذا جفت فليست علقة. والمضغة: لحمة صغيرة. ~~قال ابن قتيبة: وسميت بذلك، لأنها بقدر ما يمضغ، كما قيل: غرفة لقدر ما ~~يغرف. # قوله تعالى: مخلقة وغير مخلقة فيه خمسة أقوال «1» : أحدها: أن المخلقة: ~~ما خلق سويا، وغير المخلقة: ما ألقته الأرحام من النطف، وهو دم قبل أن يكون ~~خلقا، قاله ابن مسعود. والثاني: أن المخلقة: ما أكمل خلقه بنفخ الروح فيه، ~~وهو الذي يولد حيا لتمام، وغير المخلقة: ما سقط غير حي لم يكمل خلقه بنفخ ~~الروح فيه، هذا معنى قول ابن عباس. والثالث: أن المخلقة: المصورة، وغير ~~المخلقة: غير مصورة، قاله الحسن. والرابع: أن المخلقة وغير المخلقة: السقط، ~~تارة يسقط نطفة وعلقة، وتارة قد صور بعضه، وتارة قد صور كله، قاله السدي. ~~والخامس: أن المخلقة: التامة، وغير المخلقة: السقط، قاله الفراء، وابن ~~قتيبة. # قوله تعالى: لنبين لكم فيه أربعة أقوال: أحدها: خلقناكم لنبين لكم ما ~~تأتون وما تذرون. # والثاني: لنبين لكم في القرآن بدو خلقكم، وتنقل أحوالكم. والثالث: لنبين ~~لكم كمال حكمتنا وقدرتنا في تقليب أحوال خلقكم. والرابع: لنبين لكم أن ~~البعث حق. # وقرأ أبو عمران الجوني، وابن أبي عبلة: «ليبين لكم» بالياء. # قوله تعالى: ونقر في الأرحام وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء: «ويقر» بياء ~~مرفوعة وفتح القاف ورفع الراء. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو إسحاق السبيعي: ~~«ويقر» بياء مرفوعة وبكسر القاف ونصب الراء. # والذي يقر في الأرحام، هو الذي لا يكون سقطا، إلى أجل مسمى وهو أجل ~~الولادة ثم نخرجكم طفلا قال أبو عبيدة: هو في موضع أطفال، والعرب قد تضع ~~لفظ الواحد في معنى الجميع، قال الله تعالى: والملائكة بعد ذلك ظهير «2» ~~أي: ظهراء، وأنشد: PageV03P223 # فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور «1» # وأنشد أيضا: # في خلقكم عظم وقد شجينا # وقال غيره: ms1553 إنما قال: «طفلا» فوحد، لأن الميم في قوله تعالى: نخرجكم قد ~~دلت على الجميع، فلم يحتج إلى أن يقول: أطفالا. قوله تعالى: ثم لتبلغوا فيه ~~إضمار، تقديره: ثم نعمركم لتبلغوا أشدكم، وقد سبق معنى «الأشد» «2» ، ومنكم ~~من يتوفى من قبل بلوغ الأشد ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وقد شرحناه في ~~النحل «3» . # ثم إن الله تعالى دلهم على إحيائه الموتى باحيائه الأرض، فقال تعالى: ~~وترى الأرض هامدة قال ابن قتيبة: أي: ميتة يابسة، ومثله: همدت النار: إذا ~~طفئت فذهبت. قوله تعالى: فإذا أنزلنا عليها الماء يعني: المطر اهتزت أي: ~~تحركت للنبات، وذلك أنها ترتفع عن النبات إذا ظهر، فهو معنى قوله تعالى: ~~وربت أي: ارتفعت وزادت. وقال المبرد: أراد: اهتز نباتها وربا، فحذف المضاف. ~~قال الفراء: وقرأ أبو جعفر المدني: «وربأت» بهمزة مفتوحة بعد الباء. فإن ~~كان ذهب إلى الربيئة الذي يحرس القوم، أي: أنه يرتفع، وإلا، فهو غلط. قوله ~~تعالى: وأنبتت من كل زوج بهيج قال ابن قتيبة: من كل جنس حسن يبهج، أي: يسر، ~~وهو فعيل في معنى فاعل. # قوله تعالى: ذلك قال الزجاج: المعنى: الأمر ذلك كما وصف لكم. والأجود أن ~~يكون موضع «ذلك» رفعا، ويجوز أن يكون نصبا على معنى: فعل الله ذلك بأنه هو ~~الحق. # قوله تعالى: وأن الساعة أي: ولتعلموا أن الساعة آتية. ### | ### | [سورة الحج (22) : الآيات 8 الى # 10] # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) ثاني ~~عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ~~(9) ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد (10) # قوله تعالى: ومن الناس من يجادل قد سبق بيانه. وهذا مما نزل في النضر ~~أيضا. والهدى: # البيان والبرهان. قوله تعالى: ثاني عطفه العطف: الجانب. وعطفا الرجل: ~~جانباه عن يمين وشمال، وهو الموضع الذي يعطفه الإنسان ويلويه عند إعراضه عن ~~المشي. قال الزجاج: «ثاني» منصوب على الحال، ومعناه: التنوين، معناه: ثانيا ~~عطفه. وجاء في التفسير: أن معناه: لاويا عنقه، ms1554 وهذا يوصف به المتكبر، ~~والمعنى: ومن الناس من يجادل بغير علم متكبرا. قوله تعالى: ليضل أي: ليصير ~~أمره إلى الضلال، فكأنه وإن لم يقدر أنه يضل، فإن أمره يصير إلى ذلك، له في ~~الدنيا خزي وهو ما أصابه يوم بدر، وذلك أنه قتل. وما بعد هذا قد سبق تفسيره ~~«4» إلى قوله تعالى: ومن الناس من يعبد الله على حرف وفي سبب نزول هذه ~~الآية قولان: أحدهما: أن ناسا من العرب كان يأتون PageV03P224 # رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: نحن على دينك، فإن أصابوا معيشة، ~~ونتجت خيلهم، وولدت نساؤهم الغلمان اطمأنوا وقال: هذا دين حق، وإن لم يجر ~~الأمر على ذلك قالوا: هذا دين سوء، فينقلبون عن دينهم، فنزلت هذه الآية، ~~هذا معنى قول ابن عباس، وبه قال الأكثرون «1» . # (1004) والثاني: أن رجلا من اليهود أسلم فذهب بصره وماله وولده، فتشاءم ~~بالإسلام، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أقلني، فقال: «إن ~~الإسلام لا يقال» . فقال: إني لم أصب في ديني هذا خيرا، أذهب بصري ومالي ~~وولدي، فقال: «يا يهودي: إن الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد ~~والفضة والذهب» ، فنزلت هذه الآية، رواه عطية عن أبي سعيد الخدري. ### | ### | [سورة الحج (22) : الآيات 11 الى # 14] # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة ~~انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) يدعوا من ~~دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12) يدعوا لمن ضره ~~أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (13) إن الله يدخل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد (14) # قوله تعالى: على حرف قال مجاهد، وقتادة: «على شك» ، قال أبو عبيدة: كل ~~شاك في شيء فهو على حرف لا يثبت ولا يدوم. وبيان هذا أن القائم على حرف ~~الشيء غير متمكن منه فشبه به الشاك، لأنه قلق في دينه على غير ثبات، ويوضحه ~~قوله تعالى: فإن أصابه ms1555 خير أي: رخاء وعافية اطمأن به على عبادة الله وإن ~~أصابته فتنة اختبار بجدب وقلة مال انقلب على وجهه أي: رجع عن دينه إلى ~~الكفر. والمعنى: انصرف إلى وجهه الذي توجه منه، وهو الكفر، خسر الدنيا حيث ~~لم يظفر بما أراد منها، وخسر الآخرة بارتداده عن الدين. وقرأ أبو رزين ~~العقيلي، وأبو مجلز، ومجاهد، وطلحة بن مصرف، وابن أبي عبلة، وزيد عن يعقوب: ~~«خاسر الدنيا» بألف قبل السين، وينصب الراء «والآخرة» بخفض التاء. يدعوا ~~هذا المرتد، أي: يعبد ما لا يضره إن لم يعبده ولا ينفعه إن أطاعه ذلك الذي ~~فعل هو الضلال البعيد عن الحق يدعوا لمن ضره قال بعضهم: اللام صلة، ~~والمعنى: يدعو من ضره. وحكى الزجاج عن البصريين والكوفيين أن اللام معناها ~~التأخير، والمعنى: يدعو من لضره أقرب من نفعه، قال: وشرح هذا أن اللام ~~لليمين والتوكيد، PageV03P225 # فحقها أن تكون أول الكلام، فقدمت لتجعل في حقها. قال السدي: ضره في ~~الآخرة بعبادته إياه أقرب من نفعه. # فإن قيل: فهل للنفع من عبادة الصنم وجه؟ فالجواب: أنه لا نفع من قبله ~~أصلا، غير أنه جاء على لغة العرب، وهم يقولون في الشيء الذي لا يكون: هذا ~~بعيد. # قوله تعالى: لبئس المولى ولبئس العشير قال ابن قتيبة: المولى: الولي. ~~والعشير: الصاحب، والخليل. ### | [سورة الحج (22) : الآيات 15 الى 17] # من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ~~ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن ~~الله يهدي من يريد (16) إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ~~والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء ~~شهيد (17) # قوله تعالى: من كان يظن أن لن ينصره الله قال مقاتل: نزلت في نفر من أسد، ~~وغطفان، قالوا: إنا نخاف أن لا ينصر محمد، فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا ~~من اليهود، وإلى نحو هذا ذهب أبو حمزة الثمالي، والسدي «1» . وحكى أبو ~~سليمان الدمشقي أن الإشارة بهذه الآية إلى الذين ms1556 انصرفوا عن رسول الله لأن ~~أرزاقهم ما اتسعت، وقد شرحنا القصة في قوله تعالى: ومن الناس من يعبد الله ~~على حرف «2» . وفي هاء «ينصره» قولان «3» : أحدهما: أنها ترجع على «من» ، ~~والنصر: بمعنى الرزق، هذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، وبه قال مجاهد. ~~قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر، فقال: من ينصرني نصره الله، أي: ~~من يعطيني أعطاه الله، ويقال: نصر المطر أرض كذا، أي: # جادها، وأحياها، قال الراعي: # وانصري أرض عامر «4» PageV03P226 # والثاني: أنها ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: من كان ~~يظن أن لن ينصر الله محمدا، رواه التميمي عن ابن عباس، وبه قال عطاء، ~~وقتادة. قال ابن قتيبة: وهذه كناية عن غير مذكور، وكان قوم من المسلمين ~~لشدة حنقهم على المشركين يستبطئون ما وعد الله رسوله من النصر، وآخرون من ~~المشركين، يريدون اتباعه، ويخشون أن لا يتم أمره، فقال هذه الآية للفريقين. ~~ثم في معنى هذا النصر قولان: أحدهما: أنه الغلبة، قاله أبو صالح عن ابن ~~عباس، والجمهور. والثاني: أنه الرزق، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: فليمدد بسبب إلى السماء في المراد بالسماء قولان: أحدهما: ~~سقف بيته، والمعنى: فليشدد حبلا في سقف بيته، فليختنق به ثم ليقطع الحبل ~~ليموت مختنقا، هذا قول الأكثرين. ومعنى الآية: ليصور هذا الأمر في نفسه لا ~~أنه يفعله، لأنه إذا اختنق لا يمكنه النظر والعلم. # والثاني: أنها السماء المعروفة، والمعنى: فليقطع الوحي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن قدر، قاله ابن زيد. قوله تعالى: ثم ليقطع قرأ أبو عمرو، ~~وابن عامر: «ثم ليقطع» «ثم ليقضوا» «1» بكسر اللام. زاد ابن عامر «وليوفوا» ~~«2» «وليطوفوا» «3» بكسر اللام أيضا. وكسر ابن كثير لام «ثم ليقضوا» فحسب. ~~وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: بسكون هذه اللامات، وكذلك في كل القرآن إذا ~~كان قبلها واو أو فاء أو ثم، قال الفراء: من سكن فقد خفف، وكل لام أمر وصلت ~~بواو أو فاء، فأكثر كلام العرب تسكينها، وقد كسرها بعضهم. قال أبو ms1557 علي: ~~الأصل الكسر، لأنك إذا ابتدأت قلت: ليقم زيد. قوله تعالى: هل يذهبن كيده ~~قال ابن قتيبة: المعنى: هل تذهبن حيلته غيظه، والمعنى: ليجهد جهده. # قوله تعالى: وكذلك أي: ومثل ذلك الذي تقدم من آيات القرآن أنزلناه يعني: ~~القرآن. # وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى: إن الله يفصل بينهم أي: يقضي يوم ~~القيامة بينهم بادخال المؤمنين الجنة والآخرين النار إن الله على كل شيء من ~~أعمالهم شهيد. ### | [سورة الحج (22) : آية 18] # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر ~~والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن ~~يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18) # قوله تعالى: ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب أي: ألم تعلم. وقد بينا في سورة ~~النحل «4» معنى السجود «5» في حق من يعقل، ومن PageV03P227 # لا يعقل. قوله تعالى: وكثير من الناس يعني: المؤمنين الذين يسجدون لله. ~~وفي قوله تعالى: # وكثير حق عليه العذاب قولان: أحدهما: أنهم الكفار، وهم يسجدون، وسجودهم ~~سجود ظلهم، قاله مقاتل. والثاني: أنهم لا يسجدون والمعنى: وكثير من الناس ~~أبى السجود، فحق عليه العذاب، لتركه السجود، هذا قول الفراء. # قوله تعالى: ومن يهن الله أي: من يشقه الله فما له من مسعد، إن الله يفعل ~~ما يشاء في خلقه من الكرامة والإهانة. ### | ### | [سورة الحج (22) : الآيات 19 الى # 22] # هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من ~~فوق رؤسهم الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقامع من ~~حديد (21) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب ~~الحريق (22) # قوله تعالى: هذان خصمان اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال «1» : # (1005) أحدها: أنها نزلت في النفر الذين تبارزوا للقتال يوم بدر، حمزة، ~~وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة، هذا قول ~~أبي ذر. # (1006) والثاني: أنها نزلت في أهل ms1558 الكتاب، قالوا للمؤمنين: نحن أولى ~~بالله، وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، ~~آمنا بمحمد، وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون نبينا ثم ~~كفرتم به حسدا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس، وقتادة. # والثالث: أنها في جميع المؤمنين والكفار، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن ~~وعطاء، ومجاهد. # والرابع: أنها نزلت في اختصام الجنة والنار، فقالت النار: خلقني الله ~~لعقوبته، وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، قاله عكرمة. # فأما قوله تعالى: هذان وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعكرمة وابن كثير: ~~«هاذان» بتشديد النون «خصمان» ، فمعناه: جمعان وليسا برجلين، ولهذا قال ~~تعالى: اختصموا ولم يقل: PageV03P228 # اختصما على أنه قرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة: «اختصما» . # وفي خصومتهم ثلاثة أقوال: أحدها: في دين ربهم، وهذا على القولين تبقى كما ~~هي. والثاني: # في البعث، قاله مجاهد. والثالث: أنه خصام مفاخرة، على قول عكرمة. # قوله تعالى: قطعت لهم ثياب أي: سويت وجعلت لباسا. قال ابن عباس: قمص من ~~نار، وقال سعيد بن جبير: المراد بالنار ها هنا: النحاس. فأما «الحميم» فهو ~~الماء الحار يصهر به قال الفراء: يذاب به، يقال: صهرت الشحم بالنار. قال ~~المفسرون: يذاب بالماء الحار ما في بطونهم من شحم أو معى حتى يخرج من ~~أدبارهم، وتنضج الجلود فتتساقط من حره، ولهم مقامع قال الضحاك: # هي المطارق. وقال الحسن: إن النار ترميهم بلهبها، حتى إذا كانوا في ~~أعلاها، ضربوا بمقامع فهووا فيها سبعين خريفا، فإذا انتهوا إلى أسفلها، ~~ضربهم زفير لهبها، فلا يستقرون ساعة. قال مقاتل: إذا جاشت جهنم، ألقتهم في ~~أعلاها، فيريدون الخروج، فتتلقاهم خزنة جهنم بالمقامع، فيضربونهم، فيهوي ~~أحدهم من تلك الضربة إلى قعرها. وقال غيره: إذا دفعتهم النار، ظنوا أنها ~~ستقذفهم خارجا منها، فتعيدهم الزبانية بمقامع الحديد. ### | ### | [سورة الحج (22) : الآيات 23 الى # 24] # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) وهدوا إلى الطيب ~~من القول وهدوا إلى صراط ms1559 الحميد (24) # قوله تعالى: ولؤلؤا قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «ولؤلؤ» ~~بالخفض. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: «ولؤلؤا» بالنصب. قال أبو علي: من ~~خفض، فالمعنى: يحلون أساور من ذهب ومن لؤلؤ ومن نصب قال: ويحلون لؤلؤا قال ~~الزجاج: واللؤلؤ اسم جامع للحب الذي يخرج من البحر. قوله تعالى: وهدوا أي: ~~أرشدوا في الدنيا إلى الطيب من القول وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه «لا إله إلا الله، والحمد لله» قاله ابن عباس. وزاد ابن زيد ~~«والله أكبر» . والثاني: القرآن، قاله السدي. والثالث: الأمر بالمعروف، ~~والنهي عن المنكر، حكاه الماوردي. فأما «صراط الحميد» فقال ابن عباس: هو ~~طريق الإسلام. ### | [سورة الحج (22) : آية 25] # إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس ~~سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25) # قوله تعالى: ويصدون عن سبيل الله أي: يمنعون الناس من الدخول في الإسلام. ~~قال الزجاج: ولفظ «يصدون» لفظ مستقبل عطف به على لفظ الماضي، لأن معنى ~~«الذين كفروا» : الذين هم كافرون، فكأنه قال: إن الكافرين والصادين فأما ~~خبر «إن» فمحذوف، فيكون المعنى: إن الذين هذه صفتهم هلكوا. # وفي «المسجد الحرام» قولان: أحدهما: جميع الحرم. روى سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس أنه قال: كانوا يرون الحرم كله مسجدا. والثاني: نفس المسجد، حكاه ~~الماوردي. # PageV03P229 # قوله تعالى: الذي جعلناه للناس هذا وقف التمام. وفي معناه قولان: أحدهما: ~~جعلناه للناس كلهم، لم نخص به بعضهم دون بعض، هذا على أنه جميع الحرم. ~~والثاني: جعلناه قبلة لصلاتهم، ومنكسا لحجهم، وهذا على أنه نفس المسجد. ~~وقرأ ابراهيم النخعي، وابن أبي عبلة، وحفص عن عاصم: «سواء» بالنصب، فيتوجه ~~الوقف على «سواء» ، وقد وقف بعض القراء كذلك. قال أبو علي الفارسي: أبدل ~~العاكف والبادي من الناس من حيث كانا كالشامل لهم، فصار المعنى: الذي ~~جعلناه للعاكف والبادي سواء. فأما العاكف: فهو المقيم، والبادي: الذي يأتيه ~~من غير أهله، وهذا من قولهم: # بدا القوم: إذا خرجوا من الحضر إلى الصحراء. وقرأ ms1560 ابن كثير، وأبو عمرو: ~~«البادي» بالياء، غير أن ابن كثير، وقف بياء، وأبو عمرو بغير ياء. وقرأ ~~عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، والمسيبي عن نافع بغير ياء في الحالتين. # ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: أن العاكف والبادي يستويان في سكنى مكة ~~والنزول بها، فليس أحدهما أحق بالمنزل من الآخر، غير أنه لا يخرج أحد من ~~بيته، هذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة وإلى نحو هذا ذهب أبو ~~حنيفة، وأحمد ومذهب هؤلاء أن كراء دور مكة وبيعها حرام «1» ، هذا على أن ~~المسجد: الحرم كله. والثاني: أنها يستويان في تفضيله وحرمته وإقامة المناسك ~~به، هذا قول الحسن، ومجاهد. ومنهم من أجاز بيع دور مكة، وإليه يذهب ~~الشافعي. وعلى هذا يجوز أن يراد بالمسجد الحرام، ويجوز أن يراد نفس المسجد. # قوله تعالى: ومن يرد فيه بإلحاد الإلحاد في اللغة: العدول عن القصد، ~~والباء زائدة، كقوله PageV03P230 # تعالى: تنبت بالدهن «1» ، وأنشدوا: # بواد يمان ينبت الشث صدره ... وأسفله بالمرخ والشبهان «2» # المعنى: وأسفله ينبت المرخ وقال آخر: # هن الحرائر لا ربات أخمرة ... سود المحاجر لا يقرأن بالسور «3» # وقال آخر: # نحن بنو جعدة أرباب الفلج ... نضرب بالسيف ونرجو بالفرج «4» # هذا قول جمهور اللغويين. قال ابن قتيبة: والباء قد تزاد في الكلام، كهذه ~~الآية، وكقوله تعالى: # اقرأ باسم ربك «5» وهزي إليك بجذع النخلة «6» بأيكم المفتون (6) «7» ~~تلقون إليهم بالمودة «8» عينا يشرب بها «9» أي: يشربها وقد تزاد «من» ، ~~كقوله تعالى: ما أريد منهم من رزق «10» ، وتزاد «اللام» كقوله تعالى: للذين ~~هم لربهم يرهبون «11» ، والكاف، كقوله تعالى: ليس كمثله شيء «12» ، و «عن» ~~، كقوله تعالى: يخالفون عن أمره «13» ، و «إن» ، كقوله تعالى فإنه ملاقيكم ~~«14» و «إن» الخفيفة، كقوله تعالى: فيما إن مكناكم فيه «15» ، و «ما» ، ~~كقوله تعالى: عما قليل ليصبحن نادمين «16» ، و «الواو» ، كقوله تعالى: وتله ~~للجبين وناديناه «17» . # وفي المراد بهذا الإلحاد خمسة أقوال «18» : أحدها: أنه الظلم، رواه ~~العوفي عن ابن عباس. وقال مجاهد: هو عمل سيئة فعلى هذا تدخل فيه جميع ~~المعاصي، وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه ms1561 قال: # لا تحتكروا الطعام بمكة، فإن احتكار الطعام بمكة إلحاد بظلم. والثاني: ~~أنه الشرك، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وبه قال الحسن، وقتادة. ~~والثالث: الشرك والقتل، قاله عطاء. والرابع: أنه استحلال محظورات الإحرام، ~~وهذا المعنى محكي عن عطاء أيضا. والخامس: استحلال الحرام تعمدا، قاله ابن ~~جريج. PageV03P231 # فإن قيل: هل يؤاخذ الإنسان إن أراد الظلم بمكة، ولم يفعله؟ فالجواب من ~~وجهين: أحدهما: # أنه إذا هم بذلك في الحرم خاصة، عوقب، هذا مذهب ابن مسعود، فإنه قال: لو ~~أن رجلا هم بخطيئة، لم تكتب عليه ما لم يعملها، ولو أن رجلا هم بقتل مؤمن ~~عند البيت، وهو ب «عدن أبين» ، أذاقه الله في الدنيا من عذاب أليم. وقال ~~الضحاك: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى، فتكتب عليه ولم ~~يعملها. وقال مجاهد: تضاعف السيئات بمكة، كما تضاعف الحسنات. وسئل الإمام ~~أحمد: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ فقال: لا، إلا بمكة لتعظيم البلد. ~~وأحمد على هذا يرى فضيلة المجاورة بها وقد جاور جابر بن عبد الله، وكان ابن ~~عمر يقيم بها «1» . والثاني: أن معنى: «ومن يرد» : من يعمل. قال أبو سليمان ~~الدمشقي: هذا قول سائر من حفظنا عنه. ### | ### | [سورة الحج (22) : الآيات 26 الى # 29] # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين ~~والقائمين والركع السجود (26) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ~~ضامر يأتين من كل فج عميق (27) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ~~(28) ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) # قوله تعالى: وإذ بوأنا قال ابن عباس: جعلنا. وقال مقاتل: دللناه عليه، ~~وقال ثعلب: وإنما أدخل اللام، على أن «بوأنا» في معنى: جعلنا، فيكون بمعنى ~~«ردف لكم» «2» أي: ردفكم. وقد شرحنا كيفية بناء البيت في سورة البقرة «3» . ~~قوله تعالى: أن لا تشرك بي شيئا المعنى: وأوحينا إليه ذلك وطهر بيتي حرك ~~هذه الياء، نافع وحفص عن عاصم. ms1562 وقد شرحنا الآية في البقرة «4» . وفي المراد ~~ب «القائمين» قولان: أحدهما: القائمون في الصلاة، قاله عطاء، والجمهور. ~~والثاني: المقيمون بمكة، حكي عن قتادة. # قوله تعالى: وأذن في الناس بالحج قال المفسرون: لما فرغ إبراهيم من بناء ~~البيت، أمره الله تعالى أن يؤذن في الناس بالحج، فقال إبراهيم: يا رب، وما ~~يبلغ صوتي؟ قال: أذن، وعلي البلاغ، فعلا على جبل أبي قبيس، وقال: يا أيها ~~الناس: إن ربكم قد بنى بيتا، فحجوه، فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام ~~النساء ممن سبق في علم الله أن يحج، فأجابوه: لبيك اللهم لبيك. والأذان ~~بمعنى النداء والإعلام، والمأمور بهذا الأذان، إبراهيم في قول الجمهور، إلا ~~ما روي عن الحسن أنه قال: المأمور به محمد صلى الله عليه وسلم والناس ها ~~هنا: اسم يعم جميع بني آدم عند الجمهور، إلا ما روى العوفي عن ابن عباس أنه ~~PageV03P232 # قال: عنى بالناس أهل القبلة. # واعلم أن من أتى البيت الذي دعا إليه إبراهيم، فكأنه قد أتى إبراهيم، ~~لأنه أجاب نداءه. وواحد الرجال ها هنا: راجل، مثل صاحب، وصحاب، والمعنى: ~~يأتوك مشاة. وقد روي أن إبراهيم وإسماعيل حجا ماشيين، وحج الحسن بن علي ~~خمسا وعشرين حجة ماشيا من المدينة إلى مكة، والنجائب تقاد معه. وحج الإمام ~~أحمد ماشيا مرتين أو ثلاثا «1» . # قوله تعالى: وعلى كل ضامر أي: ركبانا على ضمر من طول السفر. قال الفراء: ~~«ويأتين» فعل للنوق. وقال الزجاج: «يأتين» على معنى الإبل. وقرأ ابن مسعود، ~~وابن أبي عبلة: «يأتون» بالواو. # قوله تعالى: من كل فج عميق أي: طريق بعيد. وقد ذكرنا تفسير الفج عند قوله ~~تعالى: وجعلنا فيها فجاجا. # قوله تعالى: ليشهدوا أي: ليحضروا منافع لهم وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: ~~التجارة، قاله ابن عباس، والسدي. والثاني: منافع الآخرة، قاله سعيد بن ~~المسيب، والزجاج في آخرين. والثالث: # منافع الدارين جميعا، قاله مجاهد. وهو أصح، لأنه لا يكون القصد للتجارة ~~خاصة، وإنما الأصل قصد الحج والتجارة تبع. # وفي الأيام المعلومات ستة أقوال «2» : أحدها: أنها أيام العشر، رواه ~~مجاهد ms1563 عن ابن عمر، وسعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وعطاء، ~~وعكرمة ومجاهد، وقتادة والشافعي. # والثاني: تسعة أيام من العشر، قاله أبو موسى الأشعري. والثالث: يوم ~~الأضحى وثلاثة أيام بعده، رواه نافع عن ابن عمر، ومقسم عن ابن عباس. ~~والرابع: أنها أيام التشريق، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال عطاء ~~الخراساني، والنخعي، والضحاك. والخامس: أنها خمسة أيام، أولها يوم التروية، ~~رواه أبو صالح عن ابن عباس. والسادس: ثلاثة أيام، أولها يوم عرفة، قاله ~~مالك بن أنس. وقيل: إنما قال: # «معلومات» ، ليحرص على علمها بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها. قال ~~الزجاج: والذكر ها هنا يدل على التسمية على ما ينحر، لقوله تعالى: على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام قال القاضي أبو يعلى: ويحتمل أن يكون الذكر المذكور ~~ها هنا: هو الذكر على الهدايا الواجبة، كالدم الواجب لأجل التمتع والقران، ~~ويحتمل أن يكون الذكر المفعول عند رمي الجمار وتكبير التشريق، لأن الآية ~~عامة في ذلك. PageV03P233 # قوله تعالى: فكلوا منها يعني: الأنعام التي تنحر وهذا أمر إباحة. وكان ~~أهل الجاهلية لا يستحلون أكل ذبائحهم، فأعلم الله عز وجل أن لذلك جائز «1» ~~، غير أن هذا إنما يكون في الهدي المتطوع به، فأما دم التمتع والقران ~~فعندنا أنه يجوز أن يأكل منه، وقال الشافعي: لا يجوز، وقد روى عطاء عن ابن ~~عباس أنه قال: من كل الهدي يؤكل، إلا ما كان من فداء أو جزاء أو نذر. فأما ~~«البائس» فهو ذو البؤس، وهو شدة الفقر. # قوله تعالى: ثم ليقضوا تفثهم فيه أربعة أقوال: أحدها: حلق الرأس، وأخذ ~~الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظفار، والأخذ من العارضين، ورمي ~~الجمار، والوقوف بعرفة، رواه عطاء عن ابن عباس. والثاني: مناسك الحج، رواه ~~عكرمة عن ابن عباس، وهو قول ابن عمر. # والثالث: حلق الرأس، قاله مجاهد. والرابع: الشعر، والظفر، قاله عكرمة. # والقول الأول أصح، لأن التفث: الوسخ، والقذارة: من طول الشعر والأظفار ~~والشعث. # وقضاؤه: نقضه، وإذهابه، والحاج مغبر شعث لم يدهن، ولم يستحد، ms1564 فإذا قضى ~~نسكه، وخرج من إحرامه بالحلق، والقلم، وقص الأظفار، ولبس الثياب، ونحو ذلك، ~~فهذا قضاء تفثه. قال الزجاج: # وأهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير، وكأنه الخروج من الإحرام إلى ~~الإحلال. # قوله تعالى: وليوفوا نذورهم وروى أبو بكر عن عاصم: «وليوفوا» بتسكين ~~اللام وتشديد الفاء. وقال ابن عباس: هو نحر ما نذروا من البدن. وقال غيره: ~~ما نذروا من أعمال البر في أيام الحج، فإن الإنسان ربما نذر أن يتصدق إن ~~رزقه رؤية الكعبة، وقد يكون عليه نذور مطلقة، فالأفضل أن يؤديها بمكة. # قوله تعالى: وليطوفوا بالبيت العتيق هذا هو الطواف الواجب، لأنه أمر به ~~بعد الذبح، والذبح إنما يكون في يوم النحر، فدل على أنه الطواف المفروض. # وفي تسمية البيت عتيقا أربعة أقوال: أحدها: لأن الله تعال أعتقه من ~~الجبابرة. # (1007) روى عبد الله بن الزبير، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إنما سمى الله البيت: العتيق، لأن الله PageV03P234 # أعتقه من الجبابرة، فلم يظهر عليه جبار قط» وهذا قول مجاهد، وقتادة. # والثاني: أن معنى العتيق: القديم، قاله الحسن، وابن زيد. والثالث: لأنه ~~لم يملك قط، قاله مجاهد في رواية، وسفيان بن عيينة. والرابع: لأنه أعتق من ~~الغرق زمان الطوفان، قاله ابن السائب، وقد تكلمنا في هذه السورة في ~~«ليقضوا» «وليوفوا» «وليطوفوا» . ### | ### | [سورة الحج (22) : الآيات 30 الى # 33] # ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما ~~يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (30) حنفاء لله ~~غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به ~~الريح في مكان سحيق (31) ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ~~(32) لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33) # قوله تعالى: ذلك أي: الأمر ذلك، يعني: ما ذكر من أعمال الحج ومن يعظم ~~حرمات الله فيجتنب ما حرم الله عليه في الإحرام تعظيما لأمر الله. قال ~~الليث: الحرمة: ما لا يحل انتهاكه. وقال ms1565 الزجاج: الحرمة: ما وجب القيام به، ~~وحرم التفريط فيه. قوله تعالى: فهو يعني: التعظيم خير له عند ربه في الآخرة ~~وأحلت لكم الأنعام وقد سبق بيانها «1» إلا ما يتلى عليكم تحريمه، يعني به: ~~ما ذكر في سورة المائدة من المنخنقة وغيرها. وقيل: وأحلت لكم الأنعام في ~~حال إحرامكم، إلا ما يتلى عليكم في الصيد، فإنه حرام. قوله تعالى: فاجتنبوا ~~الرجس أي: دعوه جانبا، قال الزجاج: و «من» ها هنا، لتخليص جنس من الأجناس، ~~المعنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن. وقد شرحنا معنى الرجس في المائدة «2» ~~. وفي المراد بقول الزور أربعة أقوال: أحدها: شهادة الزور، قال ابن مسعود. ~~والثاني: الكذب، قاله مجاهد. والثالث: الشرك، قاله أبو مالك. والرابع: أنه ~~قول المشركين في الأنعام: هذا حلال، وهذا حرام، قاله الزجاج، قال: وقوله ~~تعالى: حنفاء لله منصوب على الحال، وتأويله: مسلمين لا ينسبون إلى دين غير ~~الإسلام. ثم ضرب الله مثلا للمشرك، فقال ومن يشرك بالله إلى قوله تعالى: ~~سحيق، والسحيق: البعيد. # واختلفوا في قراءة «فتخطفه» فقرأ الجمهور: «فتخطفه» بسكون الخاء من غير ~~تشديد الطاء. وقرأ نافع: بتشديد الطاء، وقرأ أبو المتوكل، ومعاذ القارئ: ~~بفتح التاء والخاء وتشديد الطاء ونصب الفاء. # وقرأ أبو رزين، وأبو الجوزاء، وأبو عمران الجوني: بكسر التاء والخاء ~~وتشديد الطاء ورفع الفاء. وقرأ PageV03P235 # الحسن، والأعمش: بفتح التاء وكسر وتشديد الطاء ورفع الفاء. وكلهم فتح ~~الطاء. وفي المراد بهذا المثل قولان: أحدهما: أنه شبه المشرك بالله في بعده ~~عن الهدى وهلاكه، بالذي يخر من السماء، قاله قتادة. والثاني: أنه شبه حال ~~المشرك في أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا دفع ضر يوم القيامة، بحال الهاوي من ~~السماء، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: ذلك أي: الأمر ذلك الذي ذكرناه ومن يعظم شعائر الله قد شرحنا ~~معنى الشعائر في البقرة «1» . وفي المراد بها ها هنا قولان: أحدهما: أنها ~~البدن. وتعظيمها: استحسانها واستسمانها لكم فيها منافع قبل أن يسميها ~~صاحبها هديا، أو يشعرها ويوجبها، فإذا فعل ذلك، لم يكن له من منافعها شيء، ~~روى ms1566 هذا المعنى مقسم عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، والضحاك. # وقال عطاء بن أبي رباح: لكم في هذه الهدايا منافع بعد إيجابها وتسميتها ~~هدايا إذا احتجتم إلى شيء من ذلك أو اضطررتم إلى شرب ألبانها إلى أجل مسمى ~~وهو أن تنحر. والثاني: أن الشعائر: المناسك ومشاهد مكة والمعنى: لكم فيها ~~منافع بالتجارة إلى أجل مسمى، وهو الخروج من مكة، رواه أبو رزين عن ابن ~~عباس. وقيل: لكم فيها منافع من الأجر، والثواب في قضاء المناسك إلى أجل ~~مسمى، وهو انقضاء أيام الحج. # قوله تعالى: فإنها يعني الأفعال المذكورة، من اجتناب الرجس وقول الزور، ~~وتعظيم الشعائر. وقال الفراء: «فإنها» يعني الفعلة من تقوى القلوب، وإنما ~~أضاف التقوى إلى القلوب، لأن حقيقة التقوى تقوى القلوب. قوله تعالى: ثم ~~محلها أي: حيث يحل نحرها إلى البيت يعني: # عند البيت، والمراد به: الحرم كله «2» ، لأنا نعلم أنها لا تذبح عند ~~البيت، ولا في المسجد، هذا على القول الاول، وعلى الثاني، يكون المعنى: ثم ~~محل الناس من إحرامهم إلى البيت، وهو أن يطوفوا به بعد قضاء المناسك. ### | ### | [سورة الحج (22) : الآيات 34 الى # 35] # ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ~~فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (35) # قوله تعالى: ولكل أمة جعلنا منسكا قرأ حمزة، والكسائي، وبعض أصحاب أبي ~~عمرو بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها: فمن أراد المصدر، من نسك ينسك، ومن ~~كسر أراد مكان النسك كالمجلس والمطلع. ومعنى الآية: لكل جماعة مؤمنة من ~~الأمم السالفة جعلنا ذبح القرابين ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام، وإنما خص بهيمة الأنعام، لأنها المشروعة في القرب. # والمراد من الآية: أن الذبائح ليست من خصائص هذه الأمة، وأن التسمية ~~عليها كانت مشروعة قبل هذه الأمة. قوله تعالى: فإلهكم إله واحد: لا ينبغي ~~أن تذكروا على ذبائحكم سواه فله أسلموا أي: # انقادوا واخضعوا. وقد ذكرنا ms1567 معنى الإخبات في سورة هود «3» . وكذلك ألفاظ ~~الآية التي تلي هذه. PageV03P236 ### | ### | [سورة الحج (22) : الآيات 36 الى # 37] # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها ~~صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم ~~لعلكم تشكرون (36) لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ~~كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) # قوله تعالى: والبدن وقرأ الحسن، وابن يعمر برفع الدال. قال الفراء: يقال: ~~بدن وبدن، والتخفيف أجود وأكثر، لأن كل جمع كان واحده على «فعلة» ثم ضم أول ~~جمعه، خفف، مثل: أكمة وأكم، وأجمة وأجم، وخشبة وخشب. وقال الزجاج: «البدن» ~~منصوبة بفعل مضمر يفسره الذي ظهر، والمعنى: وجعلنا البدن وإن شئت رفعتها ~~على الإستئناف، والنصب أحسن ويقال: بدن وبدن وبدنة، مثل قولك: ثمر وثمر ~~وثمرة وإنما سميت بدنة، لأنها تبدن، أي: تسمن. # وللمفسرين في البدن قولان: أحدهما: أنها الإبل والبقر، قاله عطاء. ~~والثاني: الإبل خاصة، حكاه الزجاج، وقال: الأول قول أكثر فقهاء الأمصار. ~~قال القاضي أبو يعلى: البدنة: اسم يختص الإبل في اللغة، والبقرة تقوم ~~مقامها في الحكم. # (1008) لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البدنة عن سبعة والبقرة عن ~~سبعة. # قوله تعالى: جعلناها لكم من شعائر الله أي: جعلنا لكم فيها عبادة لله، من ~~سوقها إلى البيت، وتقليدها، وإشعارها «1» ، ونحرها، والإطعام منها، لكم ~~فيها خير وهو النفع في الدنيا والأجر في الآخرة، فاذكروا اسم الله عليها ~~أي: على نحرها، صواف وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة: # «صوافن» بالنون. وقرأ الحسن، وأبو مجلز، وأبو العالية، والضحاك، وابن ~~يعمر: «صوافي» بالياء. # وقال الزجاج: «صواف» منصوبة على الحال، ولكنها لا تنون لأنها لا تنصرف ~~أي: قد صفت قوائمها «2» ، والمعنى: اذكروا اسم الله عليها في حال نحرها «3» ~~والبعير ينحر قائما، وهذه الآية تدل PageV03P237 # على ذلك. ومن قرأ: «صوافن» فالصافن: التي تقوم على ثلاث، والبعير إذا ~~أرادوا نحره، تعقل إحدى يديه، فهو الصافن، والجميع: صوافن. هذا ومن قرأ: ~~«صوافي» بالياء وبالفتح ms1568 بغير تنوين، فتفسيره: # خوالص، أي: خالصة لله لا تشركوا به في التسمية على نحرها أحدا. فإذا وجبت ~~جنوبها أي: إذا سقطت إلى الأرض، يقال: وجب الحائط وجبة، إذا سقط. ووجب ~~القلب وجيبا: إذا تحرك من فزع. # واعلم أن نحرها قياما سنة، والمراد بوقوعها على جنوبها: موتها، والأمر ~~بالأكل منها أمر إباحة، وهذا في الأضاحي. # قوله تعالى: وأطعموا القانع والمعتر وقرأ الحسن: «والمعتر» بكسر الراء ~~خفيفة. وفيهما ستة أقوال «1» : أحدها: أن القانع: الذي يسأل، والمعتر ~~السائل الذي يتعرض ولا يسأل، رواه بكر بن عبد الله PageV03P238 # عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، واختاره الفراء. والثاني: أن القانع، ~~المتعفف، والمعتر: # السائل، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والنخعي. وعن ~~الحسن كالقولين. # والثالث: أن القانع: المستغني بما أعطيته وهو في بيته والمعتر: الذي ~~يتعرض لك ويلم بك ولا يسأل، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال مجاهد: القانع: ~~جارك الذي يقنع بما أعطيته، والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل، وهذا مذهب ~~القرظي. فعلى هذا يكون معنى القانع: أن يقنع بما أعطي. ومن قال: # هو المتعفف، قال: هو القانع بما عنده. والرابع: القانع: أهل مكة، ~~والمعتر: الذي يعتر بهم من غير أهل مكة، رواه خصيف عن مجاهد. والخامس: ~~القانع: الجار وإن كان غنيا، والمعتر الذي يعتر بك، رواه ليث عن مجاهد. ~~والسادس: القانع: المسكين السائل، والمعتر: الصديق الزائر، قاله زيد بن ~~أسلم. قال ابن قتيبة: يقال: قنع يقنع قنوعا: إذا سأل، وقنع يقنع قناعة: إذا ~~رضي، ويقال في المعتر: # اعترني واعتراني وعراني. وقال الزجاج: مذهب أهل اللغة أن القانع: السائل، ~~يقال: قنع يقنع قنوعا: # إذا سأل، فهو قانع، قال الشماخ. # لمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أعف من القنوع «1» # أي: من السؤال ويقال: قنع قناعة: إذا رضي، فهو قنع، والمعتر والمعتري ~~واحد. # قوله تعالى: كذلك أي: مثل ما وصفنا من نحرها قائمة سخرناها لكم نعمة منا ~~عليكم لتتمكنوا من نحرها على الوجه المسنون لعلكم تشكرون أي: لكي تشكروا. # قوله تعالى: لن ms1569 ينال الله لحومها وقرأ عاصم الجحدري، وابن يعمر، وابن أبي ~~عبلة، ويعقوب: # «لن تنال الله لحومها» بالتاء «ولكن تناله التقوى» بالتاء أيضا. سبب ~~نزولها أن المشركين كانوا إذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء ينضحون بها ~~نحو الكعبة، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح ~~عن ابن عباس «2» . قال المفسرون: ومعنى الآية: لن ترفع إلى الله لحومها ولا ~~دماؤها، وإنما يرفع إليه التقوى وهو ما أريد به وجهه منكم، فمن قرأ «تناله» ~~بالتاء فإنه أنث للفظ التقوى ومن قرأ «يناله» بالياء، فلأن التقوى والتقى ~~واحد. والإشارة بهذه الآية إلى أنه لا يقبل اللحوم والدماء إذا لم تكن ~~صادرة عن تقوى الله، وإنما يتقبل ما يتقونه به، وهذا تنبيه على امتناع قبول ~~الأعمال إذا عريت عن نية صحيحة. # قوله تعالى: كذلك سخرها قد سبق تفسيره لتكبروا الله على ما هداكم أي: على ~~ما بين لكم وأرشدكم إلى معالم دينه ومناسك حجه، فذلك أن تقول: الله أكبر ~~على ما هدانا، وبشر المحسنين قال ابن عباس: يعني: الموحدين. ### | ### | [سورة الحج (22) : الآيات 38 الى # 41] # إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38) أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ~~ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ~~ينصره إن الله لقوي عزيز (40) الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (41) ~~PageV03P239 # قوله تعالى: إن الله يدافع عن الذين آمنوا قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: ~~«يدفع» «ولولا دفع الله» بغير ألف وهذا على مصدر «دفع» وقرأ عاصم، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي: «إن الله يدافع» بألف «ولولا دفع» بغير ألف، وهذا ~~على مصدر «دافع» والمعنى: يدفع عن الذين آمنوا غائلة المشركين بمنعهم منهم ~~ونصرهم عليهم. قال الزجاج: والمعنى: إذا فعلتم هذا وخالفتم الجاهلية فيما ~~يفعلونه ms1570 من نحرهم وإشراكهم، فإن الله يدفع عن حزبه، وال «خوان» فعال من ~~الخيانة، والمعنى: أن من ذكر غير اسم الله، وتقرب إلى الأصنام بذبيحته، فهو ~~خوان. # قوله تعالى: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا قرأ ابن كثير، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي: # «أذن» بفتح الألف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وأبو بكر، وحفص عن عاصم: «أذن» ~~بضمها. قوله تعالى: للذين يقاتلون قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: بكسر التاء. وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن ~~عاصم: بفتحها. # (1009) قال ابن عباس: كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيقول لهم: # «اصبروا، فإني لم أومر بالقتال» حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل الله هذه الآية، وهي أول آية أنزلت PageV03P240 # في القتال. وقال مجاهد: هم ناس خرجوا من مكة مهاجرين، فأدركهم كفار قريش، ~~فأذن لهم في قتالهم. قال الزجاج: معنى الآية: أذن للذين يقاتلون أن ~~يقاتلوا. بأنهم ظلموا أي: بسبب ما ظلموا. ثم وعدهم النصر بقوله: وإن الله ~~على نصرهم لقدير ولا يجوز أن تقرأ بفتح «إن» هذه من غير خلاف بين أهل ~~اللغة، لأن «إن» إذا كانت معها اللام، لم تفتح أبدا، وقوله: إلا أن يقولوا ~~ربنا الله معناه: أخرجوا لتوحيدهم. # قوله تعالى: ولولا دفع الله الناس قد فسرناه في سورة البقرة «1» . # قوله تعالى: لهدمت قرأ ابن كثير، ونافع: «لهدمت» خفيفة، والباقون بتشديد ~~الدال. # فأما الصوامع، ففيها قولان «2» : أحدهما: أنها صوامع الرهبان، قاله ابن ~~عباس، وأبو العالية، ومجاهد، وابن زيد. والثاني: أنها صوامع الصابئين، قاله ~~قتادة، وابن قتيبة. # فأما البيع، فهي جمع بيعة، وهي بيع النصارى. # وفي المراد بالصلوات قولان: أحدهما: مواضع الصلوات. ثم فيها قولان: ~~أحدهما: أنها كنائس اليهود، قاله قتادة، والضحاك، وقرأت على شيخنا أبي ~~منصور اللغوي، قال: قوله تعالى: وصلوات هي كنائس اليهود، وهي بالعبرانية ~~«صلوثا» . والثاني: أنها مساجد الصابئين، قاله أبو العالية. والقول الثاني: ~~أنها الصلوات حقيقة، والمعنى: لولا دفع الله عن المسلمين بالمجاهدين ~~لانقطعت الصلوات في المساجد، ms1571 قاله ابن زيد. # فأما المساجد، فقال ابن عباس: هي مساجد المسلمين. وقال الزجاج: معنى ~~الآية: لولا دفع بعض الناس ببعض لهدمت في زمان موسى الكنائس، وفي زمان عيسى ~~الصوامع والبيع، وفي زمان محمد المساجد. # وفي قوله تعالى: يذكر فيها قولان: أحدهما: أن الكناية ترجع إلى جميع ~~الأماكن المذكورات، قاله الضحاك. والثاني: إلى المساجد خاصة، لأن جميع ~~المواضع المذكورة، الغالب فيها الشرك، قاله أبو سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: ولينصرن الله من ينصره أي: من ينصر دينه وشرعه. # قوله تعالى: الذين إن مكناهم في الأرض قال الزجاج: هذه صفة ناصريه. قال ~~المفسرون: # التمكين في الأرض: نصرهم على عدوهم، والمعروف: لا إله إلا الله، والمنكر: ~~الشرك. قال الأكثرون: وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ~~القرظي: هم الولاة. # قوله تعالى: ولله عاقبة الأمور أي: إليه مرجعها، لأن كل ملك يبطل سوى ~~ملكه. PageV03P241 ### | ### | [سورة الحج (22) : الآيات 42 الى # 45] # وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم ~~لوط (43) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير ~~(44) فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة ~~وقصر مشيد (45) # قوله تعالى: ثم أخذتهم أي: بالعذاب فكيف كان نكير أثبت الياء في «نكير» ~~يعقوب في الحالين، ووافقه ورش في إثباتها في الوصل، والمعنى: كيف أنكرت ~~عليهم ما فعلوا من التكذيب بالإهلاك؟! والمعنى: إني أنكرت عليهم أبلغ ~~إنكار، وهذا استفهام معناه التقرير. # قوله تعالى: أهلكناها قرأ أبو عمرو: «أهلكتها» بالتاء، والباقون: ~~«أهلكناها» بالنون. # قوله تعالى: وبئر معطلة قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عمر، ~~وحمزة، والكسائي: «وبئر» مهموز، وروى ورش عن نافع بغير همز، والمعنى: وكم ~~بئر معطلة، أي: متروكة «1» وقصر مشيد فيه قولان: أحدهما: مجصص، قاله ابن ~~عباس وعكرمة. قال الزجاج: أصل الشيد الجص والنورة، وكل ما بني بهما أو ~~بأحدهما فهو مشيد. والثاني: طويل، قاله الضحاك ومقاتل. وفي الكلام إضمار، ~~تقديره: وقصر مشيد معطل أيضا ليس فيه ساكن. ### | [سورة الحج (22) : الآيات 46 الى ms1572 48] # أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) ويستعجلونك ~~بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (47) ~~وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48) # قوله تعالى: أفلم يسيروا قال المفسرون: أفلم يسر قومك في أرض اليمن ~~والشام فتكون لهم قلوب يعقلون بها إذا نظروا آثار من هلك أو آذان يسمعون ~~بها أخبار الأمم المكذبة فإنها لا تعمى الأبصار قال الفراء: الهاء في قوله: ~~«فإنها» عماد، والمعنى: أن أبصارهم لم تعم، وإنما عميت قلوبهم «2» . فأما ~~قوله تعالى: التي في الصدور فهو توكيد، لأن القلب لا يكون إلا في الصدر، ~~ومثله: # تلك عشرة كاملة «3» يطير بجناحيه «4» ، يقولون بأفواههم «5» . قوله ~~تعالى: ويستعجلونك بالعذاب PageV03P242 # قال مقاتل: نزلت في النضر بن الحارث القرشي. وقال غيره: هو قولهم له: متى ~~هذا الوعد «1» ونحوه من استعجالهم، ولن يخلف الله وعده في إنزال العذاب بهم ~~في الدنيا، فأنزله بهم يوم بدر، وإن يوما عند ربك أي: من أيام الآخرة كألف ~~سنة مما تعدون من أيام الدنيا، قرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: «تعدون» ~~بالتاء. وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: «يعدون» بالياء. # فإن قيل: كيف انصرف الكلام من ذكر العذاب إلى قوله: «وإن يوما عند ربك» ؟ ~~فعنه جوابان: # أحدهما: أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا، فقيل لهم: لن يخلف الله وعده في ~~إنزال العذاب بكم في الدنيا. وإن يوما من أيام عذابكم في الآخرة كألف سنة ~~من سني الدنيا، فكيف تستعجلون بالعذاب؟! فقد تضمنت الآية وعدهم بعذاب ~~الدنيا والآخرة، هذا قول الفراء. والثاني: وإن يوما عند الله وألف سنة سواء ~~في قدرته على عذابهم، فلا فرق بين وقوع ما يستعجلونه وبين تأخيره في ~~القدرة، إلا أن الله تفضل عليهم بالإمهال، هذا قول الزجاج. ### | ### | [سورة الحج (22) : الآيات 49 الى # 51] # قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) فالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم ms1573 (50) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك ~~أصحاب الجحيم (51) # قوله تعالى: ورزق كريم يعني به الرزق الحسن في الجنة. # قوله تعالى: والذين سعوا في آياتنا أي: عملوا في إبطالها معاجزين قرأ ~~عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «معجزين» بغير ألف. وقرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو: «معاجزين» بألف قال الزجاج: # «معاجزين» أي: ظانين أنهم يعجزوننا، لأنهم ظنوا أنهم لا يبعثون وأنه لا ~~جنة ولا نار. قال: وقيل في التفسير: معاجزين: معاندين، وليس هو بخارج عن ~~القول الأول و «معجزين» تأويلها: أنهم كانوا يعجزون من اتبع النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويثبطونهم عنه. ### | [سورة الحج (22) : الآيات 52 الى 55] # وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ~~فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (52) ليجعل ~~ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين ~~لفي شقاق بعيد (53) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به ~~فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) ولا يزال ~~الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ~~(55) # قوله تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول الآية. # (1010) قال المفسرون: سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~نزلت عليه سورة النجم قرأها حتى PageV03P243 # PageV03P244 # بلغ قوله: أفرأيتم اللات والعزى (19) ومناة الثالثة الأخرى «1» فألقى ~~الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى فلما سمعت قريش ~~بذلك فرحوا، فأتاه جبريل، فقال: ماذا صنعت؟ # تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حزنا شديدا، فنزلت هذه الآية تطييبا لقلبه، وإعلاما له أن الأنبياء قد جرى ~~لهم مثل هذا. قال العلماء المحققون: وهذا لا يصح، لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم معصوم عن مثل هذا، ولو صح، كان المعنى أن بعض شياطين الإنس قال ~~تلك الكلمات «2» ، فإنهم كانوا إذا تلا لغطوا، كما قال الله عز وجل: لا ms1574 ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه «3» . # قال: وفي معنى «تمنى» قولان «4» : PageV03P245 # أحدهما: تلا، قاله الأكثرون، وأنشدوا: # تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخره لاقى حمام المقادر # وقال آخر: # تمنى كتاب الله آخر ليله ... تمني داود الزبور على رسل # والثاني: أنه من الأمنية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمنى ~~يوما أن لا يأتيه من الله شيء ينفر عنه به قومه، فألقى الشيطان على لسانه ~~لما كان قد تمناه، قاله محمد بن كعب القرظي. # قوله تعالى: فينسخ الله ما يلقي الشيطان أي: يبطله ويذهبه ثم يحكم الله ~~آياته قال مقاتل: يحكمها من الباطل. قوله تعالى: ليجعل اللام متعلقة بقوله: ~~ألقى الشيطان، والفتنة ها هنا بمعنى البلية والمحنة. والمرض: الشك والنفاق. ~~والقاسية قلوبهم يعني: الجافية عن الإيمان. ثم أعلمه أنهم ظالمون وأنهم في ~~شقاق دائم، والشقاق: غاية العداوة. # قوله تعالى: وليعلم الذين أوتوا العلم وهو التوحيد والقرآن، وهم ~~المؤمنون. وقال السدي: # التصديق بنسخ الله. قوله تعالى: أنه الحق إشارة إلى نسخ ما يلقي الشيطان ~~فالمعنى: ليعلموا أن نسخ ذلك وإبطاله حق من الله فيؤمنوا بالنسخ فتخبت له ~~قلوبهم أي: تخضع وتذل. ثم بين بباقي الآية أن هذا الإيمان والإخبات إنما هو ~~بلطف الله وهدايته.. # قوله تعالى: في مرية منه أي: في شك. وفي هاء «منه» أربعة أقوال «1» : ~~أحدها: أنها ترجع إلى قوله: تلك الغرانيق العلى. والثاني: أنها ترجع إلى ~~سجوده في سورة النجم. والقولان عن سعيد بن جبير، فيكون المعنى: إنهم ~~يقولون: ما باله ذكر آلهتنا ثم رجع عن ذكرها؟! والثالث: أنها ترجع إلى ~~القرآن، قاله ابن جريج. والرابع: أنها ترجع إلى الدين، حكاه الثعلبي. قوله ~~تعالى: حتى تأتيهم الساعة وفيها قولان: أحدهما: القيامة تأتي من تقوم عليه ~~من المشركين، قاله الحسن. والثاني: ساعة موتهم، ذكره الواحدي. قوله تعالى: ~~أو يأتيهم عذاب يوم عقيم فيه قولان «2» : أحدهما: أنه يوم بدر، روي عن ابن ~~عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي. والثاني: أنه يوم القيامة، قاله عكرمة، ~~والضحاك. وأصل العقم في الولادة، يقال: امرأة عقيم لا ms1575 تلد، ورجل عقيم لا ~~يولد له وأنشدوا: # عقم النساء فلا يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عقم PageV03P246 # وسميت الريح العقيم بهذا الاسم، لأنها لا تأتي بالسحاب الممطر، فقيل لهذا ~~اليوم: عقيم، لأنه لم يأت بخير. # فعلى قول من قال: هو يوم بدر في تسميته بالعقيم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~لم يكن فيه للكفار بركة ولا خير، قاله الضحاك. والثاني: لأنهم لم ينظروا ~~فيه إلى الليل، بل قتلوا قبل المساء، قاله ابن جريج. والثالث: لأنه لا مثل ~~له في عظم أمره، لقتال الملائكة فيه، قاله يحيى بن سلام. وعلى قول من قال: ~~هو يوم القيامة، في تسميته بذلك قولان: أحدهما: لأنه لا ليلة له، قاله ~~عكرمة. والثاني: لأنه لا يأتي المشركين بخير ولا فرج، ذكره بعض المفسرين. ### | ### | [سورة الحج (22) : الآيات 56 الى # 59] # الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم ~~(56) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) والذين هاجروا ~~في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير ~~الرازقين (58) ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (59) # قوله تعالى: الملك يومئذ أي: يوم القيامة لله من غير منازع ولا مدع يحكم ~~بينهم أي: بين المسلمين والمشركين وحكمه بينهم بما ذكره في تمام الآية وما ~~بعدها. ثم ذكر فضل المهاجرين فقال: والذين هاجروا في سبيل الله أي: من مكة ~~إلى المدينة. وفي الرزق الحسن قولان: أحدهما: أنه الحلال، قاله ابن عباس. ~~والثاني: رزق الجنة، قاله السدي. قوله تعالى: ثم قتلوا وقرأ ابن عامر: ~~«قتلوا» بالتشديد قوله تعالى: ليدخلنهم مدخلا وقرأ نافع بفتح الميم برضوانه ~~يعني: الجنة. والمدخل يجوز أن يكون مصدرا، فيكون المعنى: ليدخلنهم إدخالا ~~يكرمون به فيرضونه ويجوز أن يكون بمعنى المكان. و «مدخلا» بفتح الميم على ~~تقدير: فيدخلون مدخلا. # وإن الله لعليم بنياتهم حليم عنهم. ### | [سورة الحج (22) : الآيات 60 الى 62] # ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو ~~غفور (60) ذلك بأن الله يولج ms1576 الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن ~~الله سميع بصير (61) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل ~~وأن الله هو العلي الكبير (62) # قوله تعالى: ذلك قال الزجاج: المعنى: الأمر ذلك، أي: الأمر ما قصصنا ~~عليكم ومن عاقب بمثل ما عوقب به والعقوبة: الجزاء والأول ليس بعقوبة، ولكنه ~~سمي عقوبة، لاستواء الفعلين في جنس المكروه، كقوله: وجزاء سيئة سيئة مثلها ~~«1» لما كانت المجازاة إساءة بالمفعول به سميت سيئة، ومثله: الله يستهزئ ~~بهم «2» قاله الحسن، ومعنى الآية: من قاتل المشركين كما قاتلوه ثم بغي عليه ~~أي: ظلم باخراجه عن منزله. وزعم مقاتل أن سبب نزول هذه الآية أن مشركي مكة ~~لقوا المسلمين لليلة بقيت من المحرم، فقاتلوهم، فناشدهم المسلمون أن لا ~~يقاتلوا في الشهر الحرام، فأبوا إلا القتال، PageV03P247 # فثبت المسلمون، ونصرهم الله على المشركين، ووقع في نفوس المسلمين من ~~القتال في الشهر الحرام، فنزلت هذه الآية، وقال: إن الله لعفو عنهم غفور ~~لقتالهم في الشهر الحرام «1» . # قوله تعالى: ذلك أي: ذلك النصر بأن الله القادر على ما يشاء، فمن قدرته ~~أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع لدعاء ~~المؤمنين بصير بهم حيث جعل فيهم الإيمان والتقوى، ذلك الذي فعل من نصر ~~المؤمنين بأن الله هو الحق أي: هو الإله الحق وأن ما يدعون قرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «يدعون» بالياء. وقرأ نافع، ~~وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: بالتاء، والمعنى: وأن ما يعبدون من دونه هو ~~الباطل. ### | [سورة الحج (22) : الآيات 63 الى 64] # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير ~~(63) له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد (64) # قوله تعالى: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء يعني: المطر فتصبح الأرض ~~مخضرة بالنبات. وحكى الزجاج عن الخليل أنه قال: معنى الكلام التنبيه، كأنه ~~قال: أتسمع، أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا. وقال ms1577 ثعلب: معنى الآية ~~عند الفراء خبر، كأنه قال: اعلم أن الله ينزل من السماء ماء فتصبح، ولو كان ~~استفهاما والفاء شرطا لنصبه. # قوله تعالى: إن الله لطيف أي: باستخراج النبات من الأرض رزقا لعباده خبير ~~بما في قلوبهم عند تأخير المطر. وقد سبق معنى الغني الحميد في سورة البقرة ~~«2» . ### | [سورة الحج (22) : الآيات 65 الى 66] # ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك ~~السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤف رحيم (65) وهو الذي ~~أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور (66) # قوله تعالى: ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض يريد البهائم التي تركب ~~ويمسك السماء أن تقع قال الزجاج: كراهة أن تقع. وقال غيره: لئلا تقع إن ~~الله بالناس لرؤف رحيم فيما سخر لهم وفيما حبس عنهم من وقوع السماء عليهم. ~~وهو الذي أحياكم بعد أن كنتم نطفا ميتة ثم يميتكم عند آجالكم ثم يحييكم ~~للبعث والحساب إن الإنسان يعني: المشرك لكفور لنعم الله إذ لم يوحده. ### | [سورة الحج (22) : الآيات 67 الى 70] # لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك ~~لعلى هدى مستقيم (67) وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68) الله يحكم ~~بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون (69) ألم تعلم أن الله يعلم ما في ~~السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير (70) PageV03P248 # قوله تعالى: لكل أمة جعلنا منسكا قد سبق بيانه في هذه السورة فلا ينازعنك ~~في الأمر أي: في الذبائح، وذلك أن كفار قريش وخزاعة خاصموا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أمر الذبيحة، فقالوا: كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما ~~قتله الله؟! يعنون: الميتة. # فإن قيل: إذا كانوا هم المنازعين له، فكيف قيل: فلا ينازعنك في الأمر؟ # فقد أجاب عنه الزجاج، فقال: المراد: النهي له عن منازعتهم، فالمعنى: لا ~~تنازعنهم، كما تقول للرجل: لا يخاصمنك فلان في هذا أبدا، وهذا جائز في ms1578 ~~الفعل الذي لا يكون إلا من اثنين، لأن المجادلة والمخاصمة لا تتم إلا ~~باثنين، فإذا قلت: لا يجادلنك فلان، فهو بمنزلة: لا تجادلنه، ولا يجوز هذا ~~في قولك: لا يضربنك فلان وأنت تريد: لا تضربنه، ولكن لو قلت: لا يضاربنك ~~فلان، لكان كقولك: لا تضاربن، ويدل على هذا الجواب قوله: وإن جادلوك. # قوله تعالى: وادع إلى ربك أي: إلى دينه والإيمان به. و «جادلوك» بمعنى: ~~خاصموك في أمر الذبائح، فقل الله أعلم بما تعملون من التكذيب، فهو يجازيكم ~~به. الله يحكم بينكم يوم القيامة أي: يقضي بينكم فيما كنتم فيه تختلفون من ~~الدين، أي: تذهبون إلى خلاف ما ذهب إليه المؤمنون وهذا أدب حسن علمه الله ~~عباده ليردوا به من جادل على سبيل التعنت، ولا يجيبوه، ولا يناظروه. ### | فصل: # قال أكثر المفسرين: هذا نزل قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ بآية السيف. وقال ~~بعضهم: # هذا نزل في حق المنافقين، كانت تظهر من أقوالهم وأفعالهم فلتات تدل على ~~شركهم، ثم يجادلون على ذلك، فوكل أمرهم إلى الله تعالى، فالآية على هذا ~~محكمة. # قوله تعالى: ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض هذا استفهام يراد ~~به التقرير والمعنى قد علمت ذلك إن ذلك يعني ما يجري في السموات والأرض في ~~كتاب يعني: اللوح المحفوظ، إن ذلك أي: علم الله بجميع ذلك على الله يسير ~~سهل لا يتعذر عليه العلم به. ### | ### | [سورة الحج (22) : الآيات 71 الى # 72] # ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما ~~للظالمين من نصير (71) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين ~~كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ~~ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير (72) # قوله تعالى: ويعبدون يعني: كفار مكة ما لم ينزل به سلطانا أي: حجة وما ~~ليس لهم به علم أنه إله، وما للظالمين، يعني: المشركين من نصير أي: مانع من ~~العذاب. وإذا تتلى عليهم آياتنا يعني القرآن والمنكر ها ms1579 هنا بمعنى الإنكار، ~~فالمعنى: أثر الإنكار من الكراهة، وتعبيس الوجوه، معروف عندهم. يكادون ~~يسطون أي: يبطشون ويوقعون بمن يتلو عليهم القرآن من شدة الغيظ، يقال: سطا ~~عليه، وسطا به: إذا تناوله بالعنف والشدة. قل لهم يا محمد: أفأنبئكم بشر من ~~ذلكم أي: بأشد عليكم وأكره إليكم من سماع القرآن، ثم ذكر ذلك فقال: النار ~~أي: هو النار. ### | [سورة الحج (22) : الآيات 73 الى 74] # يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ~~ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب ~~والمطلوب (73) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74) # PageV03P249 # قوله تعالى: يا أيها الناس ضرب مثل قال الأخفش: إن قيل: أين المثل؟ # فالجواب: أنه ليس ها هنا مثل، وإنما المعنى: يا أيها الناس ضرب مثل، أي: ~~شبهت بي الأوثان فاستمعوا لهذا المثل. وتأويل الآية: جعل المشركون الأصنام ~~شركائي فعبدوها معي فاستمعوا حالها ثم بين ذلك بقوله: إن الذين تدعون أي: ~~تعبدون من دون الله، وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وابن أبي عبلة: «يدعون» ~~بالياء المفتوحة. وقرأ ابن السميفع، وأبو رجاء وعاصم الجحدري: «يدعون» بضم ~~الياء وفتح العين، يعني: الأصنام، لن يخلقوا ذبابا والذباب واحد، والجمع ~~القليل: أذبة، والكثير: الذبان، مثل: غراب وأغربة وغربان وقيل: إنما خص ~~الذباب لمانته واستقذاره وكثرته. ولو اجتمعوا يعني: الأصنام له أي: لخلقه، ~~وإن يسلبهم يعني: # الأصنام. قال ابن عباس: كانوا يطلون أصنامهم بالزعفران فيجف، فيأتي ~~الذباب فيختلسه. وقال ابن جريج: كانوا إذا طيبوا أصنامهم عجنوا طيبهم بشيء ~~من الحلواء، كالعسل ونحوه، فيقع عليها الذباب فيسلبها إياه، فلا تستطيع ~~الآلهة ولا من عبدها أن يمنعه ذلك. وقال السدي: كانوا يجعلون للآلهة طعاما، ~~فيقع الذباب عليه فيأكل منه قال ثعلب: وإنما قال: لا يستنقذوه منه فجعل ~~أفعال الآلهة كأفعال الآدميين، إذا كانوا يعظمونها ويذبحون لها وتخاطب، ~~كقوله: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم «1» لما خاطبهم جعلهم كالآدميين، ~~ومثله: رأيتهم لي ساجدين «2» ، وقد بينا هذا المعنى في (الأعراف) ms1580 عند قوله ~~تعالى: وهم يخلقون «3» . قوله تعالى: ضعف الطالب والمطلوب فيه ثلاثة أقوال ~~«4» : أحدها: أن الطالب: الصنم، والمطلوب: الذباب، رواه عطاء عن ابن عباس. ~~والثاني: # الطالب: الذباب يطلب ما يسلبه من الطيب الذي على الصنم، والمطلوب: الصنم ~~يطلب الذباب منه سلب ما عليه، روي عن ابن عباس أيضا. والثالث: الطالب: عابد ~~الصنم يطلب التقرب بعبادته، والمطلوب: الصنم، هذا معنى قول الضحاك، والسدي. # قوله تعالى: ما قدروا الله حق قدره أي: ما عظموه حق عظمته، إذ جعلوا هذه ~~الأصنام شركاء له إن الله لقوي لا يقهر عزيز لا يرام. ### | ### | [سورة الحج (22) : الآيات 75 الى # 76] # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور (76) # قوله تعالى: الله يصطفي من الملائكة رسلا كجبريل وميكائيل وإسرافيل وملك ~~الموت، ومن الناس الأنبياء المرسلين، إن الله سميع لمقالة العباد بصير بمن ~~يتخذه رسولا. PageV03P250 # وزعم مقاتل أن هذه الآية نزلت حين قالوا: أأنزل عليه الذكر من بيننا «1» ~~. # قوله تعالى: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم الإشارة إلى الذين اصطفاهم وقد ~~بينا معنى ذلك في آية الكرسي «2» . ### | [سورة الحج (22) : الآيات 77 الى 78] # يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم ~~تفلحون (77) وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول ~~شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا ~~بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78) # قوله تعالى: اركعوا واسجدوا قال المفسرون: المراد: صلوا، لأن الصلاة لا ~~تكون إلا بالركوع والسجود، واعبدوا ربكم أي: وحدوه وافعلوا الخير يريد: ~~أبواب المعروف لعلكم تفلحون أي: لكي تسعدوا وتبقوا في الجنة. ### | ### | فصل: # # لم يختلف أهل العلم في السجدة الأولى من الحج واختلفوا في هذه السجدة ~~الأخيرة فروي عن عمر، وابن عمر، وعمار، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وابن ~~عباس، أنهم قالوا: في الحج سجدتان، وقالوا: فضلت ms1581 هذه السورة على غيرها ~~بسجدتين، وبهذا قال أصحابنا، وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه. وروي عن ابن ~~عباس أنه قال: في الحج سجدة، وبهذا قال الحسن، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن ~~جبير، وإبراهيم، وجابر بن زيد، وأبو حنيفة وأصحابه، ومالك ويدل على الأول. # (1011) ما روى عقبة بن عامر، قال: قلت: يا رسول الله أفي الحج سجدتان؟ ~~قال: «نعم، ومن PageV03P251 # لم يسجدهما فلا يقرأهما» . ### | ### | فصل # «1» : # واختلف العلماء في عدد سجود القرآن، فروي عن أحمد روايتان، إحداهما: أنها ~~أربع عشرة سجدة. وبه قال الشافعي، والثانية: أنها خمس عشرة، فزاد سجدة (ص) ~~. وقال أبو حنيفة: # هي أربع عشرة، فأخرج التي في آخر (الحج) وأبدل منها سجدة ص. ### | فصل # «2» : # وسجود التلاوة سنة، وقال أبو حنيفة: واجب. ولا يصح سجود التلاوة إلا ~~بتكبيرة الإحرام والسلام، خلافا لأصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي. ولا ~~يجزئ الركوع عن سجود التلاوة، وقال أبو حنيفة: يجزئ. ولا يسجد المستمع إذا ~~لم يسجد التالي، نص عليه أحمد رضي الله عنه. وتكره قراءة السجدة في صلاة ~~الإخفات، خلافا للشافعي. # قوله تعالى: وجاهدوا في الله في هذا الجهاد ثلاثة أقوال «3» : أحدها: أنه ~~فعل جميع الطاعات، PageV03P252 # هذا قول الأكثرين. والثاني: أنه جهاد الكفار، قاله الضحاك. والثالث: أنه ~~جهاد النفس والهوى، قاله عبد الله بن المبارك. فأما حق الجهاد، ففيه ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه الجد في المجاهدة، واستيفاء الإمكان فيها. والثاني: أنه ~~إخلاص النية لله عز وجل. والثالث: أنه فعل ما فيه وفاء لحق الله عز وجل. ### | فصل: # وقد زعم قوم أن هذه الآية منسوخة، واختلفوا في ناسخها على قولين: أحدهما: ~~قوله: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها «1» . والثاني: قوله: فاتقوا الله ما ~~استطعتم «2» وقال آخرون: بل هي محكمة، ويؤكده القولان الأولان في تفسير حق ~~الجهاد، وهو الأصح، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. # قوله تعالى: هو اجتباكم أي: اختاركم واصطفاكم لدينه. والحرج: الضيق، فما ~~من شيء وقع الإنسان فيه إلا وجد له في الشرع مخرجا بتوبة أو كفارة أو ~~انتقال ms1582 إلى رخصة ونحو ذلك. وروي عن ابن عباس أنه قال: الحرج: ما كان على ~~بني إسرائيل من الإصر والشدائد، وضعه الله عن هذه الأمة. قوله تعالى: ملة ~~أبيكم قال الفراء: المعنى: وسع عليكم كملة أبيكم، فاذا ألقيت الكاف نصبت، ~~ويجوز النصب على معنى الأمر بها، لأن أول الكلام أمر، وهو قوله تعالى ~~اركعوا واسجدوا والزموا ملة أبيكم. # فإن قيل: هذا الخطاب للمسلمين، وليس إبراهيم أبا لكلهم. فالجواب: أنه إن ~~كان خطابا عاما للمسلمين، فهو كالأب لهم، لأن حرمته وحقه عليكم كحق الوالد، ~~وإن كان الخطاب للعرب خاصة، فإبراهيم أبو العرب قاطبة، هذا قول المفسرين. ~~والذي يقع لي أن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن إبراهيم أبوه، ~~وأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلة فيما خوطب به رسول الله. # قوله تعالى: هو سماكم المسلمين في المشار إليه قولان: أحدهما: أنه الله ~~عز وجل، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور فعلى هذا في قوله: من قبل قولان. ~~أحدهما: من قبل القرآن سماكم بهذا في الكتب التي أنزلها. والثاني: «من قبل» ~~أي: في أم الكتاب، وقوله تعالى: وفي هذا أي: في القرآن. والثاني: أنه ~~إبراهيم عليه السلام حين قال: ومن ذريتنا أمة مسلمة لك «3» فالمعنى: من قبل ~~هذا الوقت، وذلك في زمان إبراهيم عليه السلام وفي هذا الوقت حين قال: ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة، هذا قول ابن زيد. # قوله تعالى: ليكون الرسول المعنى: اجتباكم وسماكم ليكون الرسول يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم شهيدا عليكم يوم القيامة أنه قد بلغكم وقد شرحنا ~~هذا المعنى في البقرة «4» إلى قوله: وآتوا الزكاة. قوله تعالى: واعتصموا ~~بالله قال ابن عباس: سلوه أن يعصمكم من كل ما يسخط. # ويكره. وقال الحسن: تمسكوا بدين الله. وما بعد هذا مشروح في الأنفال «5» ~~. PageV03P253 ### | سورة المؤمنون # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 1 الى # 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) والذين هم عن اللغو ~~معرضون (3) والذين هم للزكاة فاعلون (4) # والذين هم ms1583 لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم ~~غير ملومين (6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون (8) والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) # أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11) # سورة المؤمنين مكية في قول الجميع. # (1012) روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «لقد أنزلت علينا عشر آيات من أقامهن دخل الجنة، ثم قرأ: قد أفلح ~~المؤمنون (1) إلى عشر آيات» ، رواه الحاكم أبو عبد الله في «صحيحه» . # (1013) وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«إن الله تعالى حاط حائط الجنة PageV03P254 # لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وغرس غرسها بيده فقال لها: تكلمي، فقالت: قد ~~أفلح المؤمنون، فقال لها: طوبى لك منزل الملوك» . # قال الفراء: «قد» ها هنا يجوز أن تكون تأكيدا لفلاح المؤمنين. ويجوز أن ~~تكون تقريبا للماضي من الحال، لأن «قد» تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه ~~بحكمه، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة، قبل حال قيامها، فيكون معنى ~~الآية: إن الفلاح قد حصل لهم وإنهم عليه في الحال. وقرأ أبي بن كعب، ~~وعكرمة، وعاصم الجحدري، وطلحة بن مصرف: «قد أفلح» بضم الألف وكسر اللام ~~وفتح الحاء، على ما لم يسم فاعله. قال الزجاج: ومعنى الآية: قد نال ~~المؤمنون البقاء الدائم في الخير. ومن قرأ: «قد أفلح» بضم الألف، كان ~~معناه: قد أصيروا إلى الفلاح. وأصل الخشوع في اللغة: الخضوع والتواضع. وفي ~~المراد بالخشوع في الصلاة أربعة أقوال: «1» أحدها: أنه النظر إلى موضع ~~السجود. # (1014) روى أبو هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى رفع ~~بصره إلى السماء، فنزلت: # «الذين هم في صلاتهم خاشعون» فنكس رأسه. وإلى هذا المعنى ذهب مسلم بن ~~يسار، وقتادة. # والثاني: أنه ترك الالتفات في الصلاة، وأن تلين كنفك للرجل المسلم، قاله ~~علي بن أبي طالب. PageV03P255 # والثالث: أنه السكون في الصلاة، قاله مجاهد، وإبراهيم، والزهري. والرابع: ~~أنه الخوف، قاله ms1584 الحسن. وفي المراد باللغو ها هنا خمسة أقوال: أحدها: ~~الشرك، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: الباطل، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: المعاصي، قاله ~~الحسن. والرابع: # الكذب: قاله السدي. والخامس: الشتم والأذى الذي كانوا يسمعونه من الكفار، ~~قاله مقاتل. قاله الزجاج: واللغو: كل لعب ولهو، وكل معصية فهي مطرحة ملغاة. ~~فالمعنى شغلهم الجد فيما أمرهم الله به عن اللغو. # قوله تعالى: للزكاة فاعلون أي: مؤدون «1» ، فعبر عن التأدية بالفعل، لأنه ~~فعل. # قوله تعالى: إلا على أزواجهم قال الفراء: «على» بمعنى «من» . وقال ~~الزجاج: المعنى: أنهم يلامون في إطلاق ما حظر عليهم وأمروا بحفظه «2» ، إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم لا يلامون. قوله تعالى: فمن ابتغى ~~أي: طلب وراء ذلك أي: سوى الأزواج والمملوكات فأولئك هم العادون يعني ~~الجائرين الظالمين، لأنهم قد تجاوزوا إلى ما لا يحل، والذين هم لأماناتهم ~~قرأ ابن كثير: «لأمانتهم» وهو اسم جنس، والمعنى: للأمانات التي ائتمنوا ~~عليها، فتارة تكون الأمانة بين العبد وبين ربه، وتارة تكون بينه وبين جنسه، ~~فعليه مراعاة الكل. وكذلك العهد. ومعنى راعون: حافظون. # قال الزجاج: وأصل الرعي في اللغة: القيام على إصلاح ما يتولاه الراعي من ~~كل شيء. قوله تعالى: # على صلاتهم قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: «صلواتهم» على ~~الجمع. وقرأ حمزة، والكسائي: «صلاتهم» على التوحيد، وهو اسم جنس. والمحافظة ~~على الصلوات: أداؤها في أوقاتها. # قوله تعالى: أولئك هم الوارثون ذكر السدي عن أشياخه أن الله تعالى يرفع ~~للكفار الجنة، فينظرون إلى بيوتهم فيها لو أنهم أطاعوا، ثم تقسم بين ~~المؤمنين فيرثونهم، فذلك قوله: «أولئك هم الوارثون» . وقد شرحنا هذا في ~~الأعراف «3» عند قوله: أورثتموها، وشرحنا معنى الفردوس في الكهف «4» . ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 12 الى # 13] # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ~~(13) PageV03P256 ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 12 الى # 16] # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ~~(13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا ms1585 العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا ~~العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (14) ثم إنكم ~~بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (16) # قوله تعالى: ولقد خلقنا الإنسان فيه قولان: أحدهما: أنه آدم عليه السلام. ~~وإنما قيل: «من سلالة» لأنه استل من كل الأرض، هذا مذهب سلمان الفارسي، ~~وابن عباس في رواية، وقتادة. # والثاني: أنه ابن آدم، والسلالة: النطفة استلت من الطين، والطين: آدم ~~عليه السلام، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال الزجاج: والسلالة: فعالة، وهي ~~القليل مما ينسل، وكل مبني على «فعالة» يراد به القليل، من ذلك: الفضالة، ~~والنخالة، والقلامة. # قوله تعالى: ثم جعلناه يعني: ابن آدم نطفة في قرار وهو الرحم مكين أي: ~~حريز، قد هيئ لاستقراره فيه. وقد شرحنا في سورة الحج «1» معنى النطفة ~~والعلقة والمضغة. # قوله تعالى: فخلقنا المضغة عظاما قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: «عظاما فكسونا العظام» على الجمع. وقرأ ابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم: «عظما فسكونا العظم» على التوحيد. # قوله تعالى: ثم أنشأناه خلقا آخر هذه الحالة السابعة. قال علي رضي الله ~~عنه لا تكون موؤودة حتى تمر على التارات السبع. وفي محل هذا الإنشاء قولان: ~~أحدهما: أنه بطن الأم. ثم في صفة الإنشاء قولان: أحدهما: أنه نفخ الروح ~~فيه، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال أبو العالية، والشعبي، ومجاهد، ~~وعكرمة، والضحاك في آخرين. والثاني: أنه جعله ذكرا أو أنثى، قاله الحسن. ~~والقول الثاني: أنه بعد خروجه من بطن أمه. ثم في صفة هذا الإنشاء أربعة ~~أقوال: أحدها: أن ابتداء ذلك الإنشاء أنه استهل، ثم دل على الثدي، وعلم كيف ~~يبسط رجليه إلى أن قعد، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشى، إلى أن فطم، إلى ~~أن بلغ الحلم، إلى أن تقلب في البلاد، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: أنه استواء الشباب، قاله ابن عمر، ومجاهد. والثالث: أنه خروج ~~الأسنان والشعر، قاله الضحاك، فقيل له: أليس يولد وعلى رأسه الشعر؟ ms1586 فقال: ~~وأين العانة والإبط؟. والرابع: أنه إعطاء العقل والفهم، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: فتبارك الله أي: استحق التعظيم والثناء. وقد شرحنا معنى ~~«تبارك» في الأعراف «2» أحسن الخالقين أي: المصورين والمقدرين. والخلق في ~~اللغة: التقدير. وجاء في الحديث. # (1015) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وعنده عمر، إلى ~~قوله تعالى: خلقا آخر، فقال عمر: فتبارك الله أحسن الخالقين، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «لقد ختمت بما تكلمت به يا ابن الخطاب» . ~~PageV03P257 # فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: أحسن الخالقين وقوله: هل من خالق غير الله ~~«1» . # فالجواب: أن الخلق يكون بمعنى الإيجاد، ولا موجد سوى الله، ويكون بمعنى ~~التقدير، كقول زهير: # وبعض القوم يخلق ثم لا يفري «2» # فهذا المراد ها هنا، أن بني آدم قد يصورون ويقدرون ويصنعون الشيء، فالله ~~خير المصورين والمقدرين. وقال الأخفش: الخالقون ها هنا هم الصانعون، فالله ~~خير الخالقين. # قوله تعالى: ثم إنكم بعد ذلك أي: بعد ما ذكر من تمام الخلق لميتون عند ~~انقضاء آجالكم. # وقرأ أبو رزين العقيلي، وعكرمة، وابن أبي عبلة: «لمائتون» بألف. قال ~~الفراء: والعرب تقول لمن لم يمت: إنك مائت عن قليل، وميت، ولا يقولون للميت ~~الذي قد مات: هذا مائت، إنما يقال في الاستقبال فقط، وكذلك يقال: هذا سيد ~~قومه اليوم، فاذا أخبرت أنه يسودهم عن قليل، قلت: هذا سائد قومه عن قليل، ~~وكذلك هذا شريف القوم، وهذا شارف عن قليل وهذا الباب كله في العربية على ما ~~وصفت لك. ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 17 الى # 20] # ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (17) وأنزلنا من ~~السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (18) فأنشأنا ~~لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (19) وشجرة ~~تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (20) # قوله تعالى: ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق يعني: السموات السبع، قال ~~الزجاج: كل واحدة طريقة. وقال ابن قتيبة: إنما سميت «طرائق» بالتطارق، لأن ~~بعضها فوق بعض، ms1587 يقال: طارقت الشيء: # إذا جعلت بعضه فوق بعض. # قوله تعالى: وما كنا عن الخلق غافلين فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ما غفلنا ~~عنهم إذ بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس والقمر والكواكب. والثاني: ما ~~كنا تاركين لهم بغير رزق، فأنزلنا المطر. # والثالث: لم نغفل عن حفظهم من أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم. قوله تعالى: ~~وأنزلنا من السماء ماء بقدر يعلمه الله، وقال مقاتل: بقدر ما يكفيهم ~~للمعيشة. PageV03P258 # قوله تعالى: وشجرة هي معطوفة على قوله: جنات. وقرأ أبو مجلز، وابن يعمر، ~~وإبراهيم النخعي: «وشجرة» بالرفع. والمراد بهذه الشجرة: شجرة الزيتون. # فإن قيل: لماذا خص هذه الشجرة من بين الشجر؟ فالجواب من أربعة أوجه: # أحدها: لكثرة انتفاعهم بها، فذكرهم من نعمه ما يعرفون، وكذلك خص النخيل ~~والأعناب في الآية الأولى، لأنهما كانا جل ثمار الحجاز وما والاها، وكانت ~~النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف. والثاني: لأنهم لا يكادون ~~يتعاهدونها بالسقي، وهي تخرج الثمرة التي يكون منها الدهن. # والثالث: أنها تنبت بالماء الذي هو ضد النار، وفي ثمرتها حياة للنار ~~ومادة لها. والرابع: لأن أول زيتونة نبتت بذلك المكان فيما زعم مقاتل. # قوله تعالى: طور سيناء قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، «طور سيناء» ~~مكسورة السين، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، مفتوحة السين، وكلهم ~~مدها. قال الفراء: العرب تقول: # سيناء، بفتح السين في جميع اللغات، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون السين. ~~قال أبو علي: ولا تنصرف هذه الكلمة، لأنها جعلت اسما لبقعة أو أرض، وكذلك ~~«سينين» ولو جعلت اسما للمنزل أو للمكان أو نحو ذلك من الأسماء المذكرة ~~لصرفت، لأنك كنت قد سميت مذكرا بمذكر. والطور: الجبل. وفي معنى «سيناء» ~~خمسة أقوال: أحدها: أنه بمعنى الحسن، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال ~~الضحاك: # «الطور» : الجبل بالسريانية، و «سيناء» : الحسن بالنبطية. وقال عطاء: ~~يريد: الجبل الحسن. والثاني: # أنه المبارك، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: أنه اسم حجارة بعينها، ~~أضيف الجبل إليها لوجودها عنده، قاله مجاهد. والرابع: أن طور سيناء: الجبل ~~المشجر، قاله ms1588 ابن السائب. والخامس: أن سيناء: # اسم المكان الذي به هذا الجبل، قاله الزجاج قال الواحدي: وهو أصح الأقوال ~~«1» قال ابن زيد: # وهذا هو الجبل الذي نودي منه موسى، وهو بين مصر وأيلة. # قوله تعالى: تنبت بالدهن قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «تنبت» برفع التاء ~~وكسر الباء. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بفتح التاء وضم ~~الباء. قال الفراء: وهما لغتان: نبتت وأنبتت، وكذلك قال الزجاج: يقال: نبت ~~الشجر وأنبت في معنى واحد، قال زهير: # رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل «2» # قال: ومعنى «تنبت بالدهن» : تنبت ومعها دهن، كما تقول: جاءني زيد بالسيف، ~~أي: جاءني ومعه السيف. وقال أبو عبيدة: معنى الآية: تنبت الدهن، والباء ~~زائدة، كقوله: ومن يرد فيه بإلحاد بظلم «3» وقد بينا هذا المعنى هناك. # قوله تعالى: وصبغ وقرأ ابن مسعود، وابن مسعود، وابن يعمر، وإبراهيم ~~النخعي، والأعمش: «وصبغا» بالنصب. وقرأ ابن السميفع: «وصباغ» بألف مع ~~الخفض. قال ابن قتيبة: الصبغ مثل الصباغ، كما يقال: دبغ ودباغ، ولبس ولباس. ~~قال المفسرون: والمراد بالصبغ ها هنا: الزيت، لأنه PageV03P259 # يلون الخبز إذا غمس فيه، والمراد أنه إدام يصبغ به. ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 21 الى # 22] # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ~~ومنها تأكلون (21) وعليها وعلى الفلك تحملون (22) # قوله تعالى: وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو ~~بكر عن عاصم: # «نسقيكم» بفتح النون. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص ~~عن عاصم: بضمها. # وقد شرحنا هذا في النحل «1» إلى قوله تعالى: ولكم فيها منافع كثيرة يعني: ~~في ظهورها وألبانها وأولادها وأصوافها وأشعارها ومنها تأكلون من لحومها ~~وأولادها والكسب عليها. قوله تعالى: # عليها # يعني: الإبل خاصة على الفلك تحملون # فالإبل تحمل في البر والسفن تحمل في البحر. ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 23 الى 44] # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~أفلا تتقون (23) فقال الملأ الذين كفروا من قومه ms1589 ما هذا إلا بشر مثلكم يريد ~~أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ~~(24) إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (25) قال رب انصرني بما ~~كذبون (26) فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار ~~التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (27) # فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم ~~الظالمين (28) وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) إن في ~~ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (30) ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) ~~فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ~~(32) # وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة ~~الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) ~~ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34) أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ~~ترابا وعظاما أنكم مخرجون (35) هيهات هيهات لما توعدون (36) إن هي إلا ~~حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) # إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38) قال رب ~~انصرني بما كذبون (39) قال عما قليل ليصبحن نادمين (40) فأخذتهم الصيحة ~~بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين (41) ثم أنشأنا من بعدهم قرونا ~~آخرين (42) # ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (43) ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء ~~أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون ~~(44) # قوله تعالى: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه قال المفسرون: هذا تعزية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بذكر هذا PageV03P260 # الرسول الصابر ليتأسى به في صبره، وليعلم أن الرسل قبله قد كذبوا. # قوله تعالى: يريد أن يتفضل عليكم أي: يعلوكم بالفضيلة، فيصير متبوعا، ولو ~~شاء الله أن لا يعبد شيء سواه لأنزل ملائكة تبلغ عنه أمره، لم يرسل بشرا ما ~~سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه نوح من ms1590 التوحيد في آبائنا الأولين. فأما الجنة ~~فمعناها: الجنون. # وفي قوله: حتى حين قولان: أحدهما: أنه الموت، فتقديره: انتظروا موته. ~~والثاني: أنه وقت منكر. قوله تعالى: قال رب انصرني وقرأ عكرمة، وابن محيصن: ~~«قال رب» بضم الباء، وفي القصة الأخرى. قوله تعالى: بما كذبون وقرأ يعقوب: ~~«كذبوني» بياء، وفي القصة التي تليها أيضا: # «فاتقوني» «أن يحضروني» «رب ارجعوني» «ولا تكلموني» أثبتهن في الحالين ~~يعقوب، والمعنى: # انصرني بتكذيبهم، أي: انصرني بإهلاكهم جزاء لهم بتكذيبهم. فأوحينا إليه ~~قد شرحناه في هود «1» إلى قوله: فاسلك فيها أي: أدخل في سفينتك من كل زوجين ~~اثنين قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو ~~بكر عن عاصم: «من كل» بكسر اللام من غير تنوين. وقرأ حفص عن عاصم: من كل ~~بالتنوين. قال أبو علي: قراءة الجمهور إضافة «كل» إلى «زوجين» وقراءة حفص ~~تؤول إلى زوجين، لأن المعنى: من كل الأزواج زوجين. قوله تعالى: # وقل رب أنزلني منزلا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: «منزلا» بضم الميم. وروى أبو بكر عن عاصم فتحها. ~~والمنزل، بفتح الميم: اسم لكل ما نزلت به، والمنزل، بضمها: المصدر: بمعنى ~~الإنزال، تقول: أنزلته إنزالا ومنزلا. وفي الوقت الذي قال فيه نوح ذاك ~~قولان: أحدهما: عند نزوله في السفينة. والثاني: عند نزوله من السفينة. # قوله تعالى: إن في ذلك أي: في قصة نوح وقومه لآيات وإن كنا أي: وما كنا ~~لمبتلين أي: لمختبرين إياهم بإرسال نوح إليهم. ثم أنشأنا من بعدهم قرنا ~~آخرين يعني عادا فأرسلنا فيهم رسولا منهم وهو هود، هذا قول الأكثرين وقال ~~أبو سليمان الدمشقي: هم ثمود، والرسول صالح. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ~~أيعدكم أنكم قال الزجاج: موضع «أنكم» نصب على معنى: أيعدكم أنكم مخرجون إذا ~~متم فلما طال الكلام أعيد ذكر «أن» كقوله: ألم يعلموا أنه من يحادد الله ~~ورسوله فأن له نار جهنم «2» . # قوله تعالى: هيهات هيهات قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن ~~عامر، ms1591 وحمزة، والكسائي: هيهات هيهات بفتح التاء فيهما في الوصل، وإسكانها ~~في الوقف. وقرأ أبي بن كعب، وأبو مجلز، وهارون عن أبي عمرو: «هيهاتا ~~هيهاتا» بالنصب والتنوين. وقرأ ابن مسعود، وعاصم الجحدري، وأبو حيوة ~~الحضرمي، وابن السميفع: «هيهات هيهات» بالرفع والتنوين. وقرأ أبو العالية، ~~وقتادة: «هيهات هيهات» بالخفض والتنوين. وقرأ أبو جعفر: «هيهات هيهات» ~~بالخفض من غير تنوين، وكان يقف بالهاء. وقرأ أبو المتوكل الناجي، وسعيد بن ~~جبير، وعكرمة: «هيهات هيهات» بالرفع من غير تنوين، وقرأ معاذ القارئ، وابن ~~يعمر، وأبو رجاء، وخارجة عن أبي عمرو: «هيهات هيهات» PageV03P261 # باسكان التاء فيهما. وفي «هيهات» عشر لغات قد ذكرنا منها سبعة عن القراء، ~~والثامنة: «إيهات» ، والتاسعة: «إيهان» بالنون، والعاشرة: «إيها» بغير نون، ~~ذكرهن ابن القاسم وأنشد الأحوص في الجمع بين لغتين منهن: # تذكر أياما مضين من الصبا ... وهيهات هيهاتا إليك رجوعها # قال الزجاج: فأما الفتح، فالوقف فيه بالهاء، تقول: «هيهاه» إذا فتحت ~~ووقفت بعد الفتح، فإذا كسرت ووقفت على التاء كنت ممن ينون في الوصل، أو كنت ~~ممن لا ينون. وتأويل «هيهات» : البعد لما توعدون. وإذا قلت: «هيهات ما قلت» ~~فمعناه: بعيد ما قلت. وإذا قلت: «هيهات لما قلت» ، فمعناه: البعد لما قلت. ~~ويقال: «أيهات» في معنى «هيهات» ، وأنشدوا: # وأيهات أيهات العقيق ومن به ... وأيهات وصل بالعقيق نواصله # قال أبو عمرو بن العلاء: إذا وقفت على «هيهات» فقل: «هيهاه» وقال الفراء: ~~الكسائي يختار الوقف بالهاء، وأنا اختار التاء. # قوله تعالى: لما توعدون قرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة: «ما توعدون» بغير ~~لام. قال المفسرون: استبعد القوم بعثهم بعد الموت إغفالا منهم للتفكر في ~~بدو أمرهم وقدرة الله على إيجادهم، وأرادوا بهذا الاستبعاد أنه لا يكون ~~أبدا، إن هي إلا حياتنا الدنيا يعنون: ما الحياة إلا ما نحن فيه، وليس بعد ~~الموت حياة. فإن قيل: كيف قالوا: نموت ونحيا وهم لا يقرون بالبعث؟ فعنه ~~ثلاثة أجوبة ذكرها الزجاج: أحدها: نموت ويحيا أولادنا، فكأنهم قالوا: يموت ~~قوم ويحيا قوم. والثاني: نحيا ونموت، لأن الواو للجمع، ms1592 لا للترتيب. ~~والثالث: أبتداؤنا موات في أصل الخلقة، ثم نحيا، ثم نموت. # قوله تعالى: إن هو يعنون الرسول. وقد سبق تفسير ما بعد هذا «1» إلى قوله: ~~قال عما قليل قال الزجاج: معناه: عن قليل، و «ما» زائدة بمعنى التوكيد. # قوله تعالى: ليصبحن نادمين أي: على كفرهم، فأخذتهم الصيحة بالحق أي: ~~باستحقاقهم العذاب بكفرهم. قال المفسرون: صاح بهم جبريل صيحة رجفت لها ~~الأرض من تحتهم، فصاروا لشدتها غثاء. قال أبو عبيدة: الغثاء: ما أشبه الزبد ~~وما ارتفع على السيل ونحو ذلك مما لا ينتفع به في شيء. وقال ابن قتيبة: ~~المعنى: فجعلناهم هلكى كالغثاء، وهو ما علا السيل من الزبد والقمش «2» ، ~~لأنه يذهب ويتفرق. وقال الزجاج: الغثاء: الهالك والبالي من ورق الشجر الذي ~~إذا جرى السيل رأيته مخالطا زبده. وما بعد هذا قد سبق شرحه «3» إلى قوله ~~تعالى: ثم أرسلنا رسلنا تترا قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: «تترى ~~كلما» منونة والوقف بالألف. وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ~~بلا تنوين، والوقف عند نافع وابن عامر، بألف. وروى هبيرة، وحفص عن عاصم، ~~أنه PageV03P262 # يقف بالياء قال أبو علي: يعني بقوله: يقف بالياء، أي: بألف ممالة. قال ~~الفراء: أكثر العرب على ترك التنوين، ومنهم من نون، قال ابن قتيبة: ~~والمعنى: نتابع بفترة بين كل رسولين، وهو من التواتر، والأصل: وترى، فقلبت ~~الواو تاء كما قلبوها في التقوى والتخمة. وحكى الزجاج عن الأصمعي أنه قال: ~~معنى واترت الخبر: أتبعت بعضه بعضا، وبين الخبرين هنية. وقرأت على شيخنا ~~أبي منصور اللغوي قال: ومما تضعه العامة غير موضعه قولهم: تواترت كتبي ~~إليك، يعنون: اتصلت من غير انقطاع، فيضعون التواتر في موضع الاتصال، وذلك ~~غلط، إنما التواتر مجيء الشيء ثم انقطاعه ثم مجيئه، وهو التفاعل من الوتر، ~~وهو الفرد، يقال: واترت الخبر، أتبعت بعضه بعضا، وبين الخبرين هنيهة قال ~~الله تعالى: ثم أرسلنا رسلنا تترا أصلها «وترى» من المواترة فأبدلت التاء ~~من الواو، ومعناه: # منقطعة متفاوتة، لأن بين كل نبيين دهرا طويلا، وقال أبو ms1593 هريرة: لا بأس ~~بقضاء رمضان تترى، أي: # منقطعا، فإذا قيل: واتر فلان كتبه، فالمعنى: تابعها، وبين كل كتابين ~~فترة. # قوله تعالى: فأتبعنا بعضهم بعضا أي: أهلكنا الأمم بعضهم في إثر بعض ~~وجعلناهم أحاديث قال أبو عبيدة: أي يتمثل بهم في الشر، ولا يقال في الخير: ~~جعلته حديثا. ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 45 الى # 48] # ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين (45) إلى فرعون وملائه ~~فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا ~~عابدون (47) فكذبوهما فكانوا من المهلكين (48) # قوله تعالى: فاستكبروا أي: عن الإيمان بالله وعبادته وكانوا قوما عالين ~~أي: قاهرين للناس بالبغي والتطاول عليهم. قوله تعالى: وقومهما لنا عابدون ~~أي: مطيعون. قال أبو عبيدة: كل من دان لملك فهو عابد له. ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 49 الى 50] # ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون (49) وجعلنا ابن مريم وأمه آية ~~وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين (50) # قوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتاب يعني: التوراة، أعطيها جملة واحدة ~~بعد غرق فرعون لعلهم يعني: بني إسرائيل، والمعنى: لكي يهتدوا. # قوله تعالى: وجعلنا ابن مريم وأمه آية وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة: ~~«آيتين» على التثنية، وهذا كقوله: وجعلناها وابنها آية «1» وقد سبق شرحه. # قوله تعالى: وآويناهما أي: جعلناهما يأويان إلى ربوة قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «ربوة» بضم الراء، وقرأ عاصم، وابن ~~عامر: بفتحها. وقد شرحنا معنى الربوة في البقرة «2» ، ذات قرار أي: مستوية ~~يستقر عليها ساكنوها، والمعنى: ذات موضع قرار. وقال الزجاج: # أي: ذات مستقر ومعين وهو الماء الجاري من العيون. وقال ابن قتيبة: «ذات ~~قرار» أي: يستقر بها للعمارة «ومعين» هو الماء الظاهر، ويقال: هو مفعول من ~~العين، كأن أصله معيون، كم يقال: ثوب PageV03P263 # مخيط، وبر مكيل. واختلف المفسرون في موضع هذه الربوة الموصوفة على أربعة ~~أقوال «1» : أحدها: # أنها دمشق، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال عبد الله بن سلام، وسعيد بن ~~المسيب. والثاني: أنها بيت المقدس، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال قتادة. ~~وعن الحسن ms1594 كالقولين. والثالث: أنها الرملة من أرض فلسطين، قاله أبو هريرة. ~~والرابع: مصر، قاله وهب بن منبه، وابن زيد، وابن السائب. فأما السبب الذي ~~لأجله أويا إلى الربوة، فقال أبو صالح عن ابن عباس: فرت مريم بابنها عيسى ~~من ملكهم، ثم رجعت إلى أهلها بعد اثنتي عشرة سنة. قال وهب بن منبه: وكان ~~الملك أراد قتل عيسى. ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 51 الى 56] # يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (51) ~~وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52) فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ~~كل حزب بما لديهم فرحون (53) فذرهم في غمرتهم حتى حين (54) أيحسبون أنما ~~نمدهم به من مال وبنين (55) # نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (56) # قوله تعالى: يا أيها الرسل قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة في ~~آخرين: يعني بالرسل ها هنا محمدا صلى الله عليه وسلم وحده، وهو مذهب العرب ~~في مخاطبة الواحد خطاب الجميع، ويتضمن هذا أن الرسل جميعا كذا أمروا، وإلى ~~هذا المعنى ذهب ابن قتيبة، والزجاج، والمراد بالطيبات: الحلال. # قال عمرو بن شرحبيل: كان عيسى عليه السلام يأكل من غزل أمه. # قوله تعالى: وإن هذه أمتكم قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «وأن» بالفتح ~~وتشديد النون. # وافق ابن عامر في فتح الألف، لكنه سكن النون. وقرأ عاصم، وحمزة، ~~والكسائي: «وإن» بكسر الألف وتشديد النون. قال الفراء: من فتح، عطف على ~~قوله: «إني بما تعملون عليم» وبأن هذه أمتكم، فموضعها خفض لأنها مردودة على ~~«ما» ، وإن شئت كانت منصوبة بفعل مضمر، كأنك قلت: واعلموا هذا ومن كسر ~~استأنف. قال أبو علي الفارسي: وأما ابن عامر، فإنه خفف النون المشددة، وإذا ~~خففت تعلق بها ما يتعلق بالمشددة. وقد شرحنا معنى الآية والتي بعدها في ~~الأنبياء «2» إلى قوله: زبرا وقرأ ابن عباس، وأبو عمران الجوني: «زبرا» ~~برفع الزاي وفتح الباء. وقرأ أبو الجوزاء، وابن السميفع: # «زبرا» برفع الزاي وإسكان الباء. قال الزجاج: من قرأ «زبرا» بضم الباء، ~~فتأويله: جعلوا دينهم كتبا مختلفة، جمع زبور. ومن ms1595 قرأ «زبرا» بفتح الباء، ~~أراد قطعا. قوله تعالى: كل حزب بما لديهم فرحون أي: بما عندهم من الدين ~~الذي ابتدعوه معجبون، يرون أنهم على الحق. وفي المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم أهل الكتاب، قاله مجاهد. والثاني: أنهم أهل الكتاب ومشركو ~~العرب، قاله ابن السائب. PageV03P264 # قوله تعالى: فذرهم في غمرتهم وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب: «في غمراتهم» ~~على الجمع. # قال الزجاج: في عمايتهم وحيرتهم حتى حين أي: إلى حين يأتيهم ما وعدوا به ~~من العذاب. قال مقاتل: يعني كفار مكة. ### | فصل: # وهل هذه الآية منسوخة، أم لا؟ فيها قولان: أحدهما: أنها منسوخة بآية ~~السيف. # والثاني: أن معناها التهديد، فهي محكمة. # قوله تعالى: أيحسبون أنما نمدهم به وقرأ عكرمة، وأبو الجوزاء: «يمدهم» ~~بالياء المرفوعة وكسر الميم. وقرأ أبو عمران الجوني: «نمدهم» بنون مفتوحة ~~ورفع الميم. قال الزجاج: المعنى: # أيحسبون أن الذي نمدهم به من مال وبنين مجازاة لهم؟! إنما هو استدراج، ~~نسارع لهم في الخيرات أي: # نسارع لهم به في الخيرات. وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وأيوب السختياني: ~~«يسارع» بياء مرفوعة وكسر الراء. وقرأ معاذ القارئ، وأبو المتوكل مثله، إلا ~~أنهما فتح الراء وقرأ أبو عمران الجوني، وعاصم الجحدري، وابن السميفع: ~~«يسرع» بياء مرفوعة وسكون السين ونصب الراء من غير ألف. قوله تعالى: # بل لا يشعرون أي: لا يعلمون أن ذلك استدراج لهم. ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 57 الى # 61] # إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (58) ~~والذين هم بربهم لا يشركون (59) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم ~~إلى ربهم راجعون (60) أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) # ثم ذكر المؤمنين فقال: إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون وقد شرحنا هذا ~~المعنى في قوله: # وهم من خشيته مشفقون «1» . # قوله تعالى: والذين يؤتون ما آتوا وقرأ عاصم الجحدري: «يأتون ما أتوا» ~~بقصر همزة «أتوا» . # (1016) وسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقالت: يا ~~رسول الله، أهم الذين يذنبون وهم مشفقون؟ فقال: «لا، بل ms1596 هم الذين يصلون وهم ~~مشفقون، ويصومون وهم مشفقون، ويتصدقون PageV03P265 # وهم مشفقون أن لا يتقبل منهم» . قال الزجاج: فمعنى: «يؤتون» : يعطون ما ~~أعطوا وهم يخافون أن لا يتقبل منهم، أنهم إلى ربهم راجعون أي: لأنهم يوقنون ~~أنهم يرجعون. ومعنى «يأتون» : يعملون الخيرات وقلوبهم خائفة أن يكونوا مع ~~اجتهادهم مقصرين، أولئك يسارعون في الخيرات وقرأ أبو المتوكل، وابن ~~السميفع: «يسرعون» برفع الياء وإسكان السين وكسر الراء من غير ألف. قال ~~الزجاج: يقال: أسرعت وسارعت في معنى واحد، إلا أن «سارعت» أبلغ من «أسرعت» ~~، وهم لها أي: من أجلها، وهذا كما تقول: أنا أكرم فلانا لك، أي: من أجلك. ~~وقال بعض أهل العلم: الوجل المذكور ها هنا واقع على مضمر. ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 62 الى # 67] # ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (62) بل ~~قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون (63) حتى إذا ~~أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون (64) لا تجأروا اليوم إنكم منا لا ~~تنصرون (65) قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون (66) # مستكبرين به سامرا تهجرون (67) # قوله تعالى: ولدينا كتاب يعني: اللوح المحفوظ ينطق بالحق قد أثبت فيه ~~أعمال الخلق، فهو ينطق بما يعملون وهم لا يظلمون أي: لا ينقصون من ثواب ~~أعمالهم. ثم عاد إلى الكفار، فقال: # بل قلوبهم في غمرة من هذا قال مقاتل: في غفلة عن الإيمان بالقرآن. وقال ~~ابن جرير: في عمى عن هذا القرآن. قال الزجاج: يجوز أن يكون إشارة إلى ما ~~وصف من أعمال البر في قوله: أولئك يسارعون في الخيرات، فيكون المعنى: بل ~~قلوب هؤلاء في عماية من هذا ويجوز أن يكو إشارة إلى الكتاب، فيكون المعنى: ~~بل قلوبهم في غمرة من الكتاب الذي ينطق بالحق وأعمالهم محصاة فيه. فخرج في ~~المشار إليه ب «هذا» ثلاثة أقوال: أحدها: القرآن. والثاني: أعمال البر. ~~والثالث: اللوح المحفوظ. # قوله تعالى: ولهم أعمال من دون ذلك فيه أربعة أقوال: أحدها: أعمال سيئة ~~دون الشرك، رواه عكرمة ms1597 عن ابن عباس: والثاني: خطايا من دون ذلك الحق، قاله ~~مجاهد. وقال ابن جرير: من دون أعمال المؤمنين وأهل التقوى والخشية. ~~والثالث: أعمال غير الأعمال التي ذكروا بها سيعملونها، قاله الزجاج. ~~والرابع: أعمال- من قبل الحين الذي قدر الله تعالى أنه يعذبهم عند مجيئه- ~~من المعاصي، قاله أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: هم لها عاملون إخبار بما ~~سيعملونه من أعمالهم الخبيثة التي كتبت عليهم لا بد لهم من عملها. # قوله تعالى: حتى إذا أخذنا مترفيهم أي: أغنياءهم ورؤساءهم، والإشارة إلى ~~قريش. وفي المراد «بالعذاب» قولان: أحدهما: ضرب السيوف يوم بدر، قاله ابن ~~عباس، ومجاهد، والضحاك. والثاني: # الجوع الذي عذبوا به سبع سنين، قاله ابن السائب. ويجأرون بمعنى: يصيحون. ~~لا تجأروا اليوم أي: لا تستغيثوا من العذاب إنكم منا لا تنصرون أي: لا ~~تمنعون من عذابنا. قد كانت آياتي تتلى عليكم يعني: القرآن فكنتم على ~~أعقابكم تنكصون أي: ترجعون وتتأخرون عن الإيمان بها، مستكبرين منصوب على ~~الحال. وقوله: به الكناية عن البيت الحرام، وهي كناية عن غير مذكور ~~والمعنى: إنكم تستكبرون وتفتخرون بالبيت والحرم، لأمنكم فيه مع خوف سائر ~~الناس في # PageV03P266 # مواطنهم. تقولون: نحن أهل الحرم فلا نخاف أحدا، ونحن أهل بيت الله ~~وولاته، هذا مذهب ابن عباس وغيره. قال الزجاج: ويجوز أن تكون الهاء في «به» ~~للكتاب، فيكون المعنى: تحدث لكم تلاوته عليكم استكبارا. قوله تعالى: سامرا ~~قال أبو عبيدة: معناه: تهجرون سمارا، والسامر بمعنى السمار، بمنزلة طفل في ~~موضع أطفال، وهو من سمر الليل. وقال ابن قتيبة: «سامرا» أي: متحدثين ليلا، ~~والسمر: حديث الليل. وقرأ أبي بن كعب، وأبو العالية، وابن محيصن: «سمرا» ~~بضم السين وتشديد الميم وفتحها، جمع سامر. قرأ ابن مسعود، وأبو رجاء، وعاصم ~~الجحدري: «سمارا» برفع السين وتشديد الميم وألف بعدها. قوله تعالى: تهجرون ~~قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «تهجرون» ~~بفتح التاء وضم الجيم. وفي معناها أربعة أقوال: أحدها: تهجرون ذكر الله ~~والحق، رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: تهجرون كتاب الله تعالى ms1598 ونبيه ~~صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن. # والثالث: تهجرون البيت، قاله أبو صالح. وقال سعيد بن جبير: كانت قريش ~~تسمر حول البيت، وتفتخر به ولا تطوف به. والرابع: تقولون هجرا من القول، ~~وهو اللغو والهذيان، قاله ابن قتيبة. قال الفراء: يقال: قد هجر الرجل في ~~منامه: إذا هذى، والمعنى: إنكم تقولون في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~ليس فيه وما لا يضره. وقرأ ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن محيصن، ~~ونافع: «تهجرون» بضم التاء وكسر الجيم. قال ابن قتيبة: وهذا من الهجر، وهو ~~السب والإفحاش من المنطق، يريد سبهم للنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه. ~~وقرأ أبو العالية، وعكرمة، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك: «تهجرون» بتشديد ~~الجيم ورفع التاء قال ابن الأنباري: ومعناها معنى قراءة ابن عباس. ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 68 الى # 70] # أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين (68) أم لم يعرفوا ~~رسولهم فهم له منكرون (69) أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق ~~كارهون (70) # قوله تعالى: أفلم يدبروا القول يعني: القرآن، فيعرفوا ما فيه من الدلالات ~~والعبر على صدق رسولهم أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين المعنى: أليس قد ~~أرسل الأنبياء إلى أممهم كما أرسل محمد صلى الله عليه وسلم؟! أم لم يعرفوا ~~رسولهم هذا توبيخ لهم، لأنهم عرفوا نسبه وصدقه وأمانته صغيرا وكبيرا ثم ~~أعرضوا عنه. والجنة: الجنون، بل جاءهم بالحق يعني القرآن. ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 71 الى 73] # ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم ~~فهم عن ذكرهم معرضون (71) أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين ~~(72) وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73) # قوله تعالى: ولو اتبع الحق أهواءهم في المراد بالحق قولان: أحدهما: أنه ~~الله عز وجل، قاله مجاهد، وابن جريج، والسدي في آخرين. والثاني: أنه ~~القرآن، ذكره الفراء، والزجاج. فعلى القول الأول يكون المعنى: لو جعل الله ~~لنفسه شريكا كما يحبون. وعلى الثاني: لو نزل القرآن بما يحبون من جعل شريك ~~لله ms1599 لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم أي: فما فيه شرفهم ~~وفخرهم وهو القرآن فهم عن ذكرهم معرضون أي: قد تولوا عما جاءهم من شرف ~~الدنيا والآخرة. وقرأ ابن # PageV03P267 # مسعود، وأبي بن كعب، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء: «بل أتيناهم بذكراهم فهم ~~عن ذكراهم معرضون» بألف فيهما. أم تسألهم عما جئتهم به خرجا قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: «خرجا» بغير ألف «فخراج» بألف. وقرأ ابن عامر: ~~«خرجا» «فخرج» بغير ألف في الحرفين. وقرأ حمزة والكسائي «خراجا» بألف ~~«فخراج» بألف في الحرفين. ومعنى «خرجا» : أجرا ومالا، فخراج ربك أي فما ~~يعطيك ربك من أجره وثوابه خير وهو خير الرازقين أي: أفضل من أعطى وهذا على ~~سبيل التنبيه لهم أنه لم يسألهم أجرا، لا أنه قد سألهم. والناكب: العادل ~~يقال: نكب عن الطريق، أي: # عدل عنه. ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 74 الى # 77] # وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون (74) ولو رحمناهم وكشفنا ~~ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (75) ولقد أخذناهم بالعذاب فما ~~استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد ~~إذا هم فيه مبلسون (77) # قوله تعالى: ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر. # (1017) قال ابن عباس: الضر ها هنا: الجوع الذي نزل بأهل مكة حين دعا ~~عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم أعني على قريش بسنين كسني ~~يوسف» ، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه الضر، ~~وأنهم قد أكلوا القد «1» والعظام، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، وهو العذاب ~~المذكور في قوله: # ولقد أخذناهم بالعذاب. # قوله تعالى: حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد فيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه يوم بدر، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: أنه الجوع ~~الذي أصابهم، قاله مقاتل. والثالث: باب من عذاب جهنم في الآخرة، حكاه ~~الماوردي. # قوله تعالى: إذا هم فيه مبلسون وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ~~المتوكل، وأبو نهيك، ومعاذ القارئ: «مبلسون» بفتح اللام. وقد ms1600 شرحنا معنى ~~المبلس في سورة الأنعام. ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 78 الى 85] # وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (78) وهو ~~الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (79) وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف ~~الليل والنهار أفلا تعقلون (80) بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) قالوا ~~أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (82) # لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (83) قل لمن ~~الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) ~~PageV03P268 # قوله تعالى: قليلا ما تشكرون قال المفسرون: يريد أنهم لا يشكرون أصلا. # قوله تعالى: ذرأكم في الأرض أي: خلقكم من الأرض. # قوله تعالى: وله اختلاف الليل والنهار أي: هو الذي جعلهما مختلفين ~~يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض أفلا تعقلون مال ترون من صنعه؟! وما ~~بعد هذا ظاهر إلى قوله: قل لمن الأرض أي: قل لأهل مكة المكذبين بالبعث: لمن ~~الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون بحالها، سيقولون لله قرأ أبو عمرو: ~~«لله» بغير ألف ها هنا، وفي اللذين بعدها بألف. وقرأ الباقون: # «لله» في المواضع الثلاثة. وقراءة أبي عمرو على القياس. قال الزجاج: ومن ~~قرأ: «سيقولون الله» فهو جواب السؤال، ومن قرأ «لله» فجيد أيضا، لأنك إذا ~~قلت من صاحب هذه الدار؟ فقيل: لزيد، جاز، لأن معنى «من صاحب هذه الدار؟» : ~~لمن هي؟ وقال أبو علي الفارسي: من قرأ «لله» في الموضعين الآخرين، فقد أجاب ~~على المعنى دون ما يقتضيه اللفظ. وقرأ سعيد بن جبير، وأبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء: «سيقولون الله» «الله» «الله» بألف فيهن كلهن. قال أبو علي ~~الأهوازي: وهو في مصاحف أهل البصرة بألف فيهن. قوله تعالى: قل أفلا تذكرون ~~فتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداء، أقدر على إحياء الأموات؟! ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 86 الى # 89] # قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون لله قل أفلا ~~تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ~~(88) سيقولون لله قل فأنى ms1601 تسحرون (89) # قوله تعالى: أفلا تتقون فيه قولان: أحدهما: تتقون عبادة غيره. والثاني: ~~تخشون عذابه. فأما الملكوت، فقد شرحناه في سورة الأنعام «1» . # قوله تعالى: وهو يجير ولا يجار عليه أي: يمنع من السوء من شاء، ولا يمنع ~~منه من أراده بسوء، يقال: أجرت فلانا: أي: حميته، وأجرت عليه: أي: حميت ~~عنه. # قوله تعالى: فأنى تسحرون قال ابن قتيبة: أنى تخدعون وتصرفون عن هذا؟!. ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 90 الى 92] # بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (90) ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من ~~إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ~~(91) عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون (92) PageV03P269 # قوله تعالى: بل أتيناهم بالحق أي: بالتوحيد والقرآن وإنهم لكاذبون فيما ~~يضيفون إلى الله من الولد والشريك ثم نفاهما عنه بما بعد هذا إلى قوله: إذا ~~لذهب كل إله بما خلق أي: لانفرد بخلقه ولم يرض أن يضاف خلقه وإنعامه إلى ~~غيره، ولمنع الإله الآخر عن الاستيلاء على ما خلق ولعلا بعضهم على بعض أي: ~~غلب بعضهم بعضا. قوله تعالى: عالم الغيب قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ~~وحفص عن عاصم: «عالم» بالخفض. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ~~«عالم» بالرفع. قال الأخفش: الجر أجود ليكون الكلام من وجه واحد، والرفع ~~على أن يكون خبر ابتداء محذوف. ويقويه أن الكلام الأول قد انقطع. ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 93 الى # 98] # قل رب إما تريني ما يوعدون (93) رب فلا تجعلني في القوم الظالمين (94) ~~وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون (95) ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن ~~أعلم بما يصفون (96) وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين (97) # وأعوذ بك رب أن يحضرون (98) # قوله تعالى: إما تريني وقرأ أبو عمران الجوني، والضحاك: «ترئني» بالهمز ~~بين الراء والنون من غير ياء. والمعنى: إن أريتني ما يوعدون من القتل ~~والعذاب، فاجعلني خارجا عنهم ولا تهلكني بهلاكهم فأراهم الله تعالى ما ~~وعدهم ببدر وغيرها، ونجاه ومن معه. # قوله تعالى: ادفع بالتي هي ms1602 أحسن السيئة فيه أربعة أقوال: أحدها: ادفع ~~إساءة المسيء بالصفح، قاله الحسن. والثاني: ادفع الفحش بالسلام، قاله عطاء، ~~والضحاك. والثالث: ادفع الشرك بالتوحيد، قاله ابن السائب. والرابع: ادفع ~~المنكر بالموعظة، حكاه الماوردي. وذكر بعض المفسرين أن هذا منسوخ بآية ~~السيف «1» . # قوله تعالى: نحن أعلم بما يصفون أي: بما يقولون من الشرك والتكذيب ~~والمعنى: إنا نجازيهم على ذلك. وقل رب أعوذ أي: ألجأ وأمتنع بك من همزات ~~الشياطين قال ابن قتيبة: هو نخسها وطعنها، ومنه قيل للعائب: همزة، كأنه ~~يطعن وينخس إذا عاب. وقال ابن فارس: الهمز كالعصر، يقال: همزت الشيء في ~~كفي، ومنه الهمز في الكلام، لأنه كأنه يضغط الحرف، وقال غيره: # الهمز في اللغة: الدفع، وهمزات الشياطين: دفعهم بالإغواء إلى المعاصي. # قوله تعالى: أن يحضرون أي: أن يشهدون والمعنى: أن يصيبوني بسوء، لأن ~~الشيطان لا يحضر ابن آدم إلا بسوء. ثم أخبر أن هؤلاء الكفار المنكرين للبعث ~~يسألون الرجعة إلى الدنيا عند الموت بالآية التي تلي هذه، وقيل: هذا السؤال ~~منهم للملائكة الذين يقبضون أرواحهم. # فإن قيل: كيف قال: «ارجعون» وهو يريد: «ارجعني» ؟ # فالجواب: أن هذا اللفظ تعرفه العرب للعظيم الشأن، وذلك أنه يخبر عن نفسه ~~فيه بما تخبر به الجماعة، كقوله: إنا نحن نحيي ونميت «2» ، فجاء خطابه عن ~~نفسه، هذا قول الزجاج. ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 99 الى 104] # حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) لعلي أعمل صالحا فيما تركت ~~كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (100) فإذا نفخ في ~~الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101) فمن ثقلت موازينه فأولئك ~~هم المفلحون (102) ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم ~~خالدون (103) # تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (104) PageV03P270 # قوله تعالى: لعلي أعمل صالحا فيما تركت قال ابن عباس: فيما مضى من عمري ~~وقال مقاتل: # فيما تركت من العمل الصالح. قوله تعالى: كلا أي: لا يرجع إلى الدنيا إنها ~~يعني: مسألته الرجعة كلمة هو قائلها أي: هو كلام لا فائدة له فيه ومن ~~ورائهم ms1603 أي: أمامهم وبين أيديهم برزخ قال ابن قتيبة: البرزخ: ما بين الدنيا ~~والآخرة، وكل شيء بين شيئين فهو برزخ. وقال الزجاج: # البرزخ في اللغة: الحاجز، وهو ها هنا: ما بين موت الميت وبعثه. # قوله تعالى: فإذا نفخ في الصور في هذه النفخة قولان: أحدهما: أنها النفخة ~~الأولى، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: أنها الثانية، رواه عطاء ~~عن ابن عباس. # قوله تعالى: فلا أنساب بينهم في الكلام محذوف، تقديره: لا أنساب بينهم ~~يومئذ يتفاخرون بها أو يتقاطعون بها، لأن الأنساب لا تنقطع يومئذ، إنما ~~يرفع التواصل والتفاخر بها. # وفي قوله: ولا يتساءلون ثلاثة أقوال: أحدها: لا يتساءلون بالأنساب أن ~~يترك بعضهم لبعض حقه. والثاني: لا يسأل بعضهم بعضا عن شأنه، لاشتغال كل ~~واحد بنفسه. والثالث: لا يسأل بعضهم بعضا من أي قبيل أنت، كما تفعل العرب ~~لتعرف النسب فتعرف قدر الرجل. وما بعد هذا قد سبق تفسيره إلى قوله: تلفح ~~وجوههم النار قال الزجاج: تلفح وتنفح بمعنى واحد، إلا أن اللفح أعظم ~~تأثيرا، والكالح: الذي قد تشمرت شفته عن أسنانه، نحو ما ترى من رؤوس الغنم ~~إذا برزت الأسنان وتشمرت الشفاه. وقال ابن مسعود: قد بدت أسنانهم وتقلصت ~~شفاهم كالرأس المشيط بالنار. # (1018) وروى أبو عبد الله الحاكم في ( «صحيحه» ) من حديث أبي سعيد الخدري ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: «تشويه النار فتقلص ~~شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته الشفلى حتى تبلغ سرته» . ### | ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 105 الى # 111] # ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105) قالوا ربنا غلبت علينا ~~شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون (107) ~~قال اخسؤا فيها ولا تكلمون (108) إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين (109) # فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (110) إني جزيتهم ~~اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111) PageV03P271 # قوله تعالى: ألم تكن المعنى: ويقال لهم: ألم تكن آياتي تتلى عليكم يعني: ms1604 ~~القرآن. قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو ~~عمرو، وابن عامر: «شقوتنا» بكسر الشين من غير ألف، وقرأ عمرو بن العاص، ~~وأبو رزين العقيلي، وأبو رجاء العطاردي كذلك، إلا أنه بفتح الشين. وقرأ ابن ~~مسعود، وابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، والأعمش، وحمزة، ~~والكسائي: «شقاوتنا» بألف مع فتح الشين والقاف وعن الحسن، وقتادة كذلك، إلا ~~أن الشين مكسورة. قال المفسرون: أقر القوم بأن ما كتب عليهم من الشقاء ~~منعهم الهدى. قوله تعالى: ربنا أخرجنا منها أي: من النار. قال ابن عباس: ~~طلبوا الرجوع إلى الدنيا فإن عدنا أي: إلى الكفر والمعاصي. # قوله تعالى: اخسؤا قال الزجاج: تباعدوا تباعد سخط، يقال: خسأت الكلب ~~أخسؤه: إذا زجرته ليتباعد. قوله تعالى: ولا تكلمون أي: في رفع العذاب عنكم. ~~قال عبد الله بن عمرو: إن أهل جهنم يدعون مالكا أربعين عاما، فلا يجيبهم، ~~ثم يقول: إنكم ماكثون «1» ، ثم ينادون ربهم: # ربنا أخرجنا منها فيدعهم مثل عمر الدنيا، ثم يقول: إنكم ماكثون ثم ينادون ~~ربهم: ربنا أخرجنا منها فيدعهم مثل عمر الدنيا، ثم يرد عليهم: اخسؤا فيها ~~ولا تكلمون فما ينبس القوم بعد ذلك بكلمة إن كان، إلا الزفير والشهيق. # ثم بين الذي لأجله أخسأهم بقوله: إنه وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران الجوني، ~~وعاصم الجحدري: «أنه» بفتح الهمزة كان فريق من عبادي قال ابن عباس: يريد ~~المهاجرين. # قوله تعالى: فاتخذتموهم قال الزجاج: الأجود إدغام الذال في التاء لقرب ~~المخرجين، وإن شئت أظهرت، لأن الذال من كلمة والتاء من كلمة والتاء، من ~~كلمة، وبين الذال والتاء في المخرج شيء من التباعد. قوله تعالى: سخريا قرأ ~~نافع، وحمزة، والكسائي، وأبو حاتم عن يعقوب: «سخريا» بضم السين ها هنا وفي ~~سورة ص «2» ، تابعهم المفضل في ص. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن ~~عامر: بكسر السين في السورتين. ولم يختلف في ضم السين في الحرف الذي في ~~الزخرف. واختار الفراء الضم، والزجاج الكسر. وهل هما بمعنى؟ فيه قولان: ~~أحدهما: أنهما لغتان ومعناهما واحد، ms1605 قاله الخليل، وسيبويه، ومثله قول ~~العرب: بحر لجي ولجي، وكوكب دري ودري. والثاني: أن الكسر بمعنى الهمز، ~~والضم بمعنى السخرة والاستبعاد، قاله أبو عبيدة، وحكاه الفراء، وهو مروي عن ~~الحسن، وقتادة. قال أبو علي: قراءة من كسر أرجح من قراءة من ضم، لأنه من ~~الهزء، والأكثر في الهزء كسر السين. # (1019) قال مقاتل: كان رؤوس كفار قريش كأبي جهل وعقبة والوليد قد اتخذوا ~~فقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كعمار وبلال وخباب وصهيب سخريا ~~يستهزئون بهم ويضحكون منهم. # قوله تعالى: حتى أنسوكم ذكري أي: أنساكم الاشتغال بالاستهزاء بهم ذكري، ~~فنسب الفعل إلى PageV03P272 # المؤمنين وإن لم يفعلوه، لأنهم كانوا السبب في وجوده، كقوله: إنهن أضللن ~~كثيرا من الناس «1» . # قوله تعالى: إني جزيتهم اليوم بما صبروا أي: على أذاكم واستهزائكم أنهم ~~قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر: «أنهم» بفتح الألف. وقرأ ~~حمزة والكسائي: «إنهم» بكسرها. فمن فتح «أنهم» فالمعنى: جزيتهم بصبرهم ~~الفور، ومن كسر «إنهم» ، استأنف. ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 112 الى 118] # قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل ~~العادين (113) قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (114) أفحسبتم ~~أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) فتعالى الله الملك الحق لا ~~إله إلا هو رب العرش الكريم (116) # ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا ~~يفلح الكافرون (117) وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين (118) # قوله تعالى: قال كم لبثتم قرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: «قال ~~كم لبثتم» وهذا سؤال الله تعالى للكافرين. وفي وقته قولان: أحدهما: أنه ~~يسألهم يوم البعث. والثاني: بعد حصولهم في النار. وقرأ ابن كثير، وحمزة، ~~والكسائي: «قل كم لبثتم» وفيها قولان: أحدهما: أنه خطاب لكل واحد منهم، ~~والمعنى: قل يا أيها الكافر. والثاني: أن المعنى: قولوا، فأخرجه مخرج الأمر ~~للواحد، والمراد الجماعة، لأن المعنى مفهوم. وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي ~~يدغمون ثاء «لبثتم» ، والباقون لا يدغمونها فمن أدغم، ms1606 فلتقارب مخرج الثاء ~~والتاء، ومن لم يدغم، فلتباين المخرجين. # وفي المراد بالأرض قولان: أحدهما: أنها القبور. والثاني: الدنيا. فاحتقر ~~القوم ما لبثوا لما عاينوا من الأهوال والعذاب فقالوا: لبثنا يوما أو بعض ~~يوم قال الفراء: والمعنى: لا ندري كم لبثنا. # وفي المراد بالعادين قولان: أحدهما: الملائكة، قاله مجاهد. والثاني: ~~الحساب، قاله قتادة. وقرأ الحسن، والزهري، وأبو عمران الجوني، وابن يعمر: ~~«العادين» بتخفيف الدال. # قوله تعالى: قال إن لبثتم قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: «قال إن لبثتم» . وقرأ حمزة، والكسائي: «قل إن لبثتم» على معنى: قل ~~أيها السائل عن لبثهم. وزعموا أن في مصحف أهل الكوفة «قل» في الموضعين، ~~فقرأهما حمزة، والكسائي على ما في مصاحفهم، أي: ما لبثتم في الأرض إلا ~~قليلا لأن مكثهم في الأرض وإن طال، فإنه متناه ومكثهم في النار لا يتناهى. # وفي قوله: لو أنكم كنتم تعلمون قولان: أحدهما: لو علمتم قدر لبثكم في ~~الأرض. والثاني: لو علمتم أنكم إلى الله ترجعون، فعملتم لذلك. # قوله تعالى: أفحسبتم أي: أفظننتم أنما خلقناكم عبثا أي: للعبث والعبث في ~~اللغة: # اللعب، وقيل: هو الفعل لا لغرض صحيح، وأنكم إلينا لا ترجعون قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، وعاصم: «لا ترجعون» بضم التاء. وقرأ حمزة، والكسائي ~~بفتحها. فتعالى الله عما يصفه به الجاهلون من الشرك والولد، الملك قال ~~الخطابي: هو التام الملك الجامع لأصناف المملوكات. PageV03P273 # وأما المالك: فهو الخالص الملك. وقد ذكرنا معنى «الحق» في سورة يونس «1» ~~. # قوله تعالى: رب العرش الكريم والكريم في صفة الجماد بمعنى: الحسن. وقرأ ~~ابن محيصن: «الكريم» برفع الميم، يعني الله عز وجل. # قوله تعالى: لا برهان له به أي: لا حجة له به ولا دليل وقال بعضهم: ~~معناه: فلا برهان له به. قوله تعالى: فإنما حسابه عند ربه أي: جزاؤه عند ~~ربه. PageV03P274 # سورة النور # وهي مدنية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النور # (24) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون (1) ~~الزانية ms1607 والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في ~~دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين (2) الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (3) # (1020) روى أبو عبد الله الحاكم في صحيحه من حديث عائشة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن ~~الغزل وسورة النور» ، يعني: النساء. # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: سورة قرأ الجمهور بالرفع. وقرأ أبو ~~رزين العقيلي، وابن أبي عبلة، ومحبوب عن أبي عمرو: «سورة» بالنصب. قال أبو ~~عبيدة: من رفع، فعلى الابتداء. وقال الزجاج: هذا قبيح، لأنها نكرة، ~~وأنزلناها صفة لها، وإنما الرفع على إضمار: هذه سورة، والنصب على وجهين: ~~أحدهما على معنى: أنزلنا سورة والثاني على معنى: أتل سورة. # قوله تعالى: وفرضناها قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتشديد. وقرأ ابن مسعود ~~وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وعكرمة والضحاك والزهري ونافع وابن عامر ~~وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وابن يعمر والأعمش وابن أبي عبلة بالتخفيف. ~~قال الزجاج: من قرأ بالتشديد فعلى وجهين: أحدهما: # على معنى التكثير، أي إننا فرضنا فيها فروضا. والثاني: على معنى: بينا ~~وفصلنا ما فيها من الحلال والحرام ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه: ألزمناكم ~~العمل بما فرض فيها. وقال غيره: من شدد، أراد: ### | فصل # نا فرائضها، ومن خفف، فمعناه: فرضنا ما فيها. # قوله تعالى: الزانية والزاني القراءة المشهورة بالرفع. وقرأ أبو رزين ~~العقيلي، وأبو الجوزاء، وابن PageV03P275 # أبي عبلة، وعيسى بن عمر: «الزانية» بالنصب. واختاره الخليل وسيبويه ~~والرفع اختيار الأكثرين. قال الزجاج: والرفع أقوى في العربية، لأن معناه: ~~من زنى فاجلدوه، فتأويله الابتداء، ويجوز النصب على معنى: اجلدوا الزانية. ~~فأما الجلد، فهو ضرب الجلد، يقال: جلده: إذا ضرب جلده، كما يقال: # بطنه: إذا ضرب بطنه. قال المفسرون: ومعنى الآية: الزانية والزاني إذا ~~كانا حرين بالغين بكرين، فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة. ### | ### | فصل: # # قال شيخنا علي ms1608 بن عبيد الله: هذه الآية تقتضي وجوب الجلد على البكر ~~والثيب «1» . # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق البكر زيادة على الجلد ~~بتغريب عام، وفي حق الثيب زيادة على الجلد بالرجم بالحجارة. # (1021) فروى عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة» ~~. وممن قال بوجوب النفي في حق البكر: أبو بكر، PageV03P276 # وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وممن بعدهم عطاء، وطاوس، وسفيان، ومالك، ~~وابن أبي ليلى، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وممن قال بالجمع بين الجلد والرجم ~~في حق الثيب علي بن أبي طالب، والحسن البصري، والحسن بن صالح، وأحمد، ~~وإسحاق. قال: وذهب قوم من العلماء إلى أن المراد بالجلد المذكور في هذه ~~الآية: البكر، فأما الثيب، فلا يجب عليه الجلد، وإنما يجب الرجم، روي عن ~~عمر، وبه قال النخعي والزهري والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك، وروي عن ~~أحمد رواية مثل قول هؤلاء. # قوله تعالى: ولا تأخذكم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو رزين والضحاك ~~وابن يعمر والأعمش: «يأخذكم» بالياء بهما رأفة قرأ نافع وأبو عمرو وابن ~~عامر وعاصم وحمزة والكسائي: # «رأفة» باسكان الهمزة. وقرأ أبو المتوكل ومجاهد وأبو عمران الجوني وابن ~~كثير: بفتح الهمزة وقصرها على وزن رعفة. وقرأ سعيد بن جبير والضحاك وأبو ~~رجاء العطاردي: «رآفة» مثل سآمة وكآبة، وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: لا ~~تأخذكم بهما رأفة، فتخففوا الضرب، ولكن أوجعوهما، قاله سعيد بن المسيب ~~والحسن والزهري وقتادة. والثاني: لا تأخذكم بهما رأفة فتعطلوا الحدود ولا ~~تقيموها، قاله مجاهد والشعبي وابن زيد في آخرين. ### | ### | فصل: # # واختلف العلماء في شدة الضرب في الحدود، فقال الحسن البصري: ضرب الزنا ~~أشد من القذف، والقذف أشد من الشرب، ويضرب الشارب أشد من ضرب التعزير، وعلى ~~هذا مذهب أصحابنا، وقال أبو حنيفة: التعزير أشد الضرب، وضرب الزنى أشد من ~~ضرب الشارب، وضرب الشارب أشد من ضرب القذف. وقال مالك: الضرب في الحدود ~~كلها سواء غير ms1609 مبرح. # فصل: # فأما ما يضرب من الأعضاء، فنقل الميموني عن أحمد في جلد الزاني، قال: ~~يجرد، ويعطى كل عضو حقه، ولا يضرب وجهه ولا رأسه. ونقل يعقوب بن بختان: لا ~~يضرب الرأس ولا الوجه ولا المذاكير، وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك: لا يضرب ~~إلا في الظهر. وقال الشافعي: يتقى الفرج والوجه. # قوله تعالى: في دين الله فيه قولان: أحدهما: في حكمه، قاله ابن عباس. ~~والثاني: في طاعة الله، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: وليشهد عذابهما قال الزجاج: القراءة باسكان اللام، ويجوز ~~كسرها، والمراد بعذابهما ضربهما، وفي المراد بالطائفة ها هنا خمسة أقوال ~~«1» : أحدها: الرجل فما فوقه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ~~مجاهد. وقال النخعي: الواحد طائفة. والثاني: الاثنان فصاعدا، قاله ~~PageV03P277 # سعيد بن جبير، وعطاء وعن عكرمة كالقولين. قال الزجاج: والقول الأول على ~~غير ما عند أهل اللغة، لأن الطائفة في معنى جماعة، وأقل الجماعة اثنان. ~~والثالث: ثلاثة فصاعدا، قاله الزهري. # والرابع: أربعة، قاله ابن زيد. والخامس: عشرة، قاله الحسن البصري. # قوله تعالى: الزاني لا ينكح إلا زانية. # (1022) قال عبد الله بن عمرو: كانت امرأة تسافح، وتشترط للذي يتزوجها أن ~~تكفيه النفقة فأراد رجل من المسلمين أن يتزوجها، فذكر ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. # (1023) وقال عكرمة: نزلت في بغايا، كن بمكة، ومنهن تسع صواحب رايات، ~~وكانت بيوتهن تسمى في الجاهلية: المواخير، ولا يدخل عليهن إلا زان من أهل ~~القبلة، أو مشرك من أهل الأوثان، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن، فنزلت هذه ~~الآية. قال المفسرون: ومعنى الآية: الزاني من المسلمين لا يتزوج من أولئك ~~البغايا إلا زانية أو مشركة لأنهن كذلك كن والزانية منهن لا ينكحها إلا زان ~~أو مشرك، ومذهب أصحابنا «1» أنه إذا زنى بامرأة، لم يجز له أن يتزوجها إلا ~~بعد التوبة منهما. PageV03P278 # قوله تعالى: وحرم ذلك وقرأ أبي بن كعب وأبو المتوكل وأبو الجوزاء: «وحرم ~~الله ذلك» بزيادة اسم الله تعالى مع فتح حروف «حرم» . وقرأ زيد بن علي: ~~«وحرم ms1610 ذلك» بفتح الحاء وضم الراء مخففة. ثم فيه قولان: أحدهما: أنه نكاح ~~الزواني، قاله مقاتل. والثاني: الزنا، قاله الفراء. ### | ### | [سورة النور (24) : الآيات 4 الى # 5] # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (5) # قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات شرائط الإحصان في الزنا الموجب للرجم ~~عندنا أربعة: # البلوغ، والحرية، والعقل، والوطء في نكاح صحيح. فأما الإسلام، فليس بشرط ~~في الإحصان، خلافا لأبي حنيفة، ومالك. ومعنى الآية: يرمون المحصنات بالزنا، ~~فاكتفى بذكره المتقدم عن إعادته ثم لم يأتوا على ما رموهن به بأربعة شهداء ~~عدول يشهدون أنهم رأوهن يفعلن ذلك فاجلدوهم يعني القاذفين. ### | ### | ### | فصل: # # وقد أفادت هذه الآية أن على القاذف إذا لم يقم البينة، الحد، ورد الشهادة ~~وثبوت الفسق، واختلفوا هل يحكم بفسقه ورد شهادته بنفس القذف، أم بالحد؟ ~~فعلى قول أصحابنا: إنه يحكم بفسقه ورد شهادته إذا لم يقم البينة، وهو قول ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يحكم بفسقه، وتقبل شهادته ما لم يقم ~~الحد عليه. # فصل: # والتعريض بالقذف- كقوله لمن يخاصمه: ما أنت بزان، ولا أمك زانية- يوجب ~~الحد في المشهور من مذهبنا. وقال أبو حنيفة: لا يوجب الحد. وحد العبد في ~~القذف نصف حد الحر، وهو أربعون، قاله الجماعة، إلا الأوزاعي فانه قال: ~~ثمانون. فأما قاذف المجنون، فقال الجماعة: لا يحد. # وقال الليث: يحد. فأما الصبي، فان كان مثله يجامع أو كانت صبية مثلها ~~يجامع، فعلى القاذف الحد. # وقال مالك: يحد قاذف الصبية التي يجامع مثلها، ولا يحد قاذف الصبي. وقال ~~أبو حنيفه، والشافعي: # لا يحد قاذفهما. فان قذف رجل جماعة بكلمة واحدة، فعليه حد واحد، وإن أفرد ~~كل واحد بكلمة، فعليه لكل واحد حد، وهو قول الشعبي، وابن أبي ليلى وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه: عليه حد واحد، سواء قذفهم بكلمة أو بكلمات. # فصل: # وحد القذف حق لآدمي، يصح أن يبرئ منه، ويعفو عنه، وقال أبو ms1611 حنيفة: هو حق ~~الله عز وجل وعندنا أنه لا يستوفى إلا بمطالبة المقذوف، وهو قول الأكثرين. ~~وقال ابن أبي ليلى: يحده # PageV03P279 # الإمام وإن لم يطالب المقذوف. # قوله تعالى: إلا الذين تابوا أي: من القذف وأصلحوا قال ابن عباس: أظهروا ~~التوبة وقال غيره: لم يعودوا إلى قذف المحصنات، وفي هذا الإستثناء قولان: ~~أحدهما: أنه نسخ حد القذف وإسقاط الشهادة معا، وهذا قول عكرمة، والشعبي، ~~وطاوس، ومجاهد، والقاسم بن محمد، والزهري، والشافعي، وأحمد. والثاني: أنه ~~يعود إلى الفسق فقط، وأما الشهادة، فلا تقبل أبدا، قاله الحسن، وشريح، ~~وإبراهيم، وقتادة. فعلى هذا القول انقطع الكلام عند قوله: «أبدا» وعلى ~~القول الأول وقع الاستثناء على جميع الكلام، وهذا أصح، لأن المتكلم ~~بالفاحشة لا يكون جرما من راكبها، فإذا قبلت شهادة المقذوف بعد ثبوته، ~~فالرامي أيسر جرما، وليس القاذف بأشد جرما من الكافر، فإنه إذا أسلم قبلت ~~شهادته. ### | [سورة النور (24) : الآيات 6 الى 10] # والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6) والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من ~~الكاذبين (7) ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكاذبين (8) والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (9) ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10) # قوله تعالى: والذين يرمون أزواجهم. # (1024) سبب نزولها أن هلال بن أمية وجد عند أهله رجلا، فرأى بعينه وسمع ~~بأذنه، فلم يهجه حتى أصبح، فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~يا رسول الله: إني جئت أهلي، فوجدت عندها رجلا، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، ~~فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به، واشتد عليه، فقال سعد بن ~~عبادة: الآن يضرب رسول الله هلالا ويبطل شهادته، فقال هلال: والله إني ~~لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا، فو الله إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة ~~عن ابن عباس. # (1025) وفي حديث آخر، ms1612 أن الرجل الذي قذفها به شريك بن سحماء، وأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال PageV03P280 # لهلال حين قذفها: «ائتني بأربعة شهداء، وإلا فحد في ظهرك» ، فنزلت هذه ~~الآية، فنسخ حكم الجلد في حق الزوج القاذف. ### | فصل في بيان حكم الآية: # إذا قذف الرجل زوجته بالزنا، لزمه الحد، وله التخلص منه باقامة البينة، ~~أو باللعان، فإن أقام البينة لزمها الحد، وإن لاعنها، فقد حقق عليها الزنا، ~~ولها التخليص منه باللعان، فإن نكل الزوج عن اللعان، فعليه حد القذف، وإن ~~نكلت الزوجة، لم تحد، وحبست حتى تلاعن أو تقر بالزنا في إحدى الروايتين، ~~وفي الأخرى: يخلى سبيلها، وقال أبو حنيفة: لا يحد واحد منهما، ويحبس حتى ~~يلاعن. وقال مالك، والشافعي: يجب الحد على الناكل منهما. ### | ### | فصل: # # ولا تصح الملاعنة إلا بحضرة الحاكم. فان كانت المرأة خفرة، بعث الحاكم من ~~يلاعن بينهما. وصفة اللعان أن يبدأ الزوج فيقول: أشهد بالله إني لمن ~~الصادقين فيما رميتها به من الزنا، أربع مرات، ثم يقول في الخامسة: ولعنة ~~الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تقول الزوجة أربع مرات: أشهد بالله لقد ~~كذب فيما رماني به من الزنا، ثم تقول: وغضب الله عليها إن كان من الصادقين. ~~والسنة أن يتلاعنا قياما، ويقال للزوج إذا بلغ اللعنة: اتق الله فانها ~~الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وكذلك يقال للزوجة إذا بلغت ~~إلى الغضب. فإن كان بينهما ولد، افتقر نفيه عن الأب إلى ذكره في اللعان، ~~فيزيد في الشهادة: وما هذا الولد ولدي، وتزيد هي: وإن هذا الولد ولده. # فصل: # واختلف الفقهاء في الزوجين اللذين يجري بينهما اللعان، فالمشهور عن أحمد ~~أن كل زوج صح قذفه صح لعانه، فيدخل تحت هذا المسلم والكافر والحر والعبد، ~~وكذلك المرأة، وهذا قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يجوز اللعان ~~بين الحر والأمة، ولا بين العبد والحرة، ولا بين الذميين، أو إذا كان ~~أحدهما ذميا ونقل حرب عن أحمد نحو هذا، والمذهب هو الأول. ولا تختلف ~~الرواية عن ms1613 أحمد أن فرقة اللعان لا تقع بلعان الزوج وحده. واختلفت هل تقع ~~بلعانهما من غير فرقة الحاكم على روايتين. وتحريم اللعان مؤبد، فان أكذب ~~الملاعن نفسه لم تحل له زوجته أيضا، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، وعن ~~أحمد روايتان، أصحهما: هذا، والثانية: يجتمعان بعد التكذيب، وهو قول أبي ~~حنيفة. # قوله تعالى: ولم يكن لهم شهداء وقرأ أبو حنيفة وأبو المتوكل. وابن يعمر، ~~والنخعي: «تكن» بالتاء. قوله تعالى: فشهادة أحدهم أربع شهادات قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «أربع» بفتح العين. ~~وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: برفع العين. قال الزجاج: من رفع «أربع» ~~فالمعنى: فشهادة أحدهم التي تدرأ حد القذف أربع ومن نصب، فالمعنى: # فعليهم أن يشهد أحدهم أربع. قوله تعالى: والخامسة قرأ حفص عن عاصم: ~~«والخامسة» نصبا، حملا على نصب «أربع شهادات» . قوله تعالى: أن لعنت الله ~~عليه قرأ نافع، ويعقوب، والمفضل: # PageV03P281 # «أن لعنة الله» و «أن غضب الله» بتخفيف النون فيهما وسكونهما ورفع الهاء ~~من «لعنة» والباء من «غضب» ، إلا أن نافعا كسر الضاد من «غضب» وفتح الباء. ~~قوله تعالى: ويدرؤا عنها أي: ويدفع عنها العذاب وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنه الحد. والثاني: الحبس ذكرهما ابن جرير. والثالث: العار. # قوله تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته أي: ستره ونعمته. قال الزجاج: ~~وجواب «لولا» ها هنا متروك، والمعنى: لولا ذلك لنال الكاذب منكم عذاب عظيم، ~~وقال غيره: لولا فضل الله لبين الكاذب من الزوجين فأقيم عليه الحد، وأن ~~الله تواب يعود على من رجع عن المعاصي بالرحمة حكيم فيما فرض من الحدود. ### | [سورة النور (24) : الآيات 11 الى 20] # إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ ~~منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11) لولا إذ ~~سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين (12) لولا ~~جاؤ عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ~~(13) ولولا ms1614 فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه ~~عذاب عظيم (14) إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ~~وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15) # ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ~~(16) يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17) ويبين الله لكم ~~الآيات والله عليم حكيم (18) إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) ~~ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم (20) # قوله تعالى: إن الذين جاؤ بالإفك أجمع المفسرون أن هذه الآية وما يتعلق ~~بها بعدها نزلت في قصة عائشة رضي الله عنها، وفي حديث الإفك أن هذه الآية ~~إلى عشر آيات نزلت في قصة عائشة. وقد ذكرنا حديث الإفك في كتاب «الحدائق» ~~وفي كتاب «المغني في التفسير» فلم نطل بذكره، لأن غرضنا اختصار هذا الكتاب ~~ليحفظ. فأما الإفك، فهو الكذب، والعصبة: الجماعة. ومعنى قوله تعالى: # منكم أي: من المؤمنين. # (1026) وروى عروة عن عائشة أنها قالت: هم أربعة: حسان بن ثابت، وعبد الله ~~بن أبي بن سلول ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، وكذلك عدهم مقاتل. # قوله تعالى: لا تحسبوه شرا لكم قال المفسرون: هذا خطاب لعائشة وصفوان بن ~~المعطل، PageV03P282 # وقيل: لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعائشة والمعنى: إنكم ~~تؤجرون فيه، لكل امرئ منهم يعني: من العصبة الكاذبة ما اكتسب من الإثم أي: ~~جزاء ما اجترح من الذنب على قدر خوضه فيه، والذي تولى كبره وقرأ ابن عباس، ~~وأبو رزين، وعكرمة، ومجاهد وابن أبي عبلة، والحسن، ومحبوب عن أبي عمرو ~~ويعقوب: «كبره» بضم الكاف. قال الكسائي: وهما لغتان. وقال ابن قتيبة: كبر ~~الشيء: معظمه، ومنه هذه الآية. قال قيس بن الخطيم يذكر امرأة: # تنام عن كبر شأنها فإذا ... قامت رويدا تكاد تنغرف «1» # وفي المتولي لذلك قولان: «2» أحدهما: أنه عبد الله بن أبي، رواه أبو صالح ~~عن ابن عباس، وعروة عن ms1615 عائشة، وبه قال مجاهد، والسدي، ومقاتل. قال ~~المفسرون: هو الذي أشاع الحديث، فله عذاب عظيم بالنار. وقال الضحاك: هو ~~الذي بدأ بذلك. والثاني: أنه حسان. # (1027) روى الشعبي أن عائشة قالت: ما سمعت أحسن من شعر حسان، وما تمثلت ~~به إلا رجوت له الجنة فقيل: يا أم المؤمنين، أليس الله يقول: والذي تولى ~~كبره منهم له عذاب عظيم، فقالت: أليس قد ذهب بصره؟ # (1028) وروى عنها مسروق أنها قالت: وأي عذاب أشد من العمى، ولعل الله أن ~~يجعل ذلك العذاب العظيم، ذهاب بصره، تعني: حسان بن ثابت. # ثم إن الله عز وجل أنكر على الخائضين في الإفك بقوله تعالى: لولا إذ ~~سمعتموه أي: هلا إذ سمعتم أيتها العصبة الكاذبة قذف عائشة ظن المؤمنون من ~~العصبة الكاذبة، وهم حسان ومسطح PageV03P283 # والمؤمنات وهي: حمنة بنت جحش بأنفسهم وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: ~~بأمهاتهم. والثاني: # بأخواتهم. والثالث: بأهل دينهم، لان المؤمنين كنفس واحدة، وقالوا هذا إفك ~~مبين أي: كذب بين. وجاء في التفسير أن أبا أيوب الأنصاري قالت له أمه: # (1029) ألا تسمع ما يقول الناس في أمر عائشة؟! فقال: هذا إفك مبين، أكنت ~~يا أماه فاعلته؟ # فقالت: معاذ الله، قال: فعائشة والله خير منك فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: لولا جاؤ أي: هلا جاءت العصبة الكاذبة على قذفهم عائشة ~~بأربعة شهداء وقرأ الضحاك، وعاصم الجحدري: «بأربعة» منونة والمعنى: يشهدون ~~بأنهم عاينوا ما رموها به فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله أي: في ~~حكمه هم الكاذبون. ثم ذكر القاذفين فقال: ولولا فضل الله عليكم ورحمته أي: ~~لولا ما من الله به عليكم، لمسكم أي: لأصابكم فيما أفضتم أي: أخذتم وخضتم ~~فيه من الكذب والقذف عذاب عظيم في الدنيا والآخرة. ثم ذكر الوقت الذي لولا ~~فضله لأصابهم فيه العذاب فقال إذ تلقونه وكان الرجل منهم يلقى الرجل فيقول: ~~بلغني كذا، فيتلقاه بعضهم من بعض. وقرأ عمر بن الخطاب: «إذ تلقونه» بتاء ~~واحدة خفيفة مرفوعة وإسكان اللام وقاف منقوطة بنقطتين مرفوعة خفيفة وقرأ ~~معاوية، وابن السميفع مثله، إلا ms1616 أنهما فتحا التاء والقاف. وقرأ ابن مسعود: ~~«تتلقونه» بتاءين مفتوحتين مع نصب اللام وتشديد القاف. وقرأ أبي بن كعب، ~~وعائشة، ومجاهد، وأبو حيوة: «تلقونه» بتاء واحدة خفيفة مفتوحة وكسر اللام ~~ورفع القاف. وقال الزجاج: # «تلقونه» : يلقيه بعضكم إلى بعض وتلقونه معناه: إذ تسرعون بالكذب، يقال: ~~قد ولق يلق: إذا أسرع في الكذب وغيره، قال الشاعر: # جاءت به عنس من الشام تلق # أي: تسرع. وقال ابن قتيبة: «تلقونه» أي: تقبلونه، ومن قرأ: «تلقونه» أخذه ~~من الولق، وهو الكذب. # قوله تعالى: وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم أي: من غير أن تعلموا ~~أنه حق وتحسبونه يعني: ذلك القذف هينا أي: سهلا لا إثم فيه وهو عند الله ~~عظيم في الوزر. ثم زاد عليهم في الإنكار فقال: ولولا إذ سمعتموه قلتم ما ~~يكون لنا أي: ما يحل وما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا سبحانك وهو يحتمل التنزيه ~~والتعجب. وروت عائشة أن امرأة أبي أيوب الأنصاري قالت له: ألم تسمع ما ~~يتحدث الناس؟! فقال: «ما يكون لنا ان نتكلم بهذا ... » الآية، فنزلت الآية، ~~وقد روينا آنفا أن أمه ذكرت له ذلك، فنزلت الآية المتقدمة، وروي عن سعيد بن ~~جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ذلك قال سبحانك هذا بهتان عظيم، فقيل للناس: ~~هلا قلتم كما قال سعد؟! قوله تعالى: يعظكم الله أي: ينهاكم الله أن تعودوا ~~لمثله أي: إلى مثله إن كنتم مؤمنين PageV03P284 # لأن من شرط الإيمان ترك قذف المحصنة ويبين الله لكم الآيات في الأمر ~~والنهى. # ثم هدد القاذفين بقوله تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة أي: يحبون ~~أن يفشو القذف بالفاحشة، وهي الزنا في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا ~~يعني: الجلد والآخرة عذاب النار. # (1030) وروت عمرة عن عائشة قالت: لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على المنبر، فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة، ~~فضربوا حدهم. # (1031) وروى أبو صالح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلد ~~عبد ms1617 الله بن أبي، ومسطح ابن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة، فأما الثلاثة ~~فتابوا، وأما عبد الله فمات منافقا وبعض العلماء ينكر صحة هذا، ويقول: لم ~~يضرب أحدا. # قوله تعالى: والله يعلم شر ما خضتم فيه وما يتضمن من سخط الله وأنتم لا ~~تعلمون ذلك، ولولا فضل الله عليكم جوابه محذوف، تقديره: لعاقبكم فيما قلتم ~~لعائشة. قال ابن عباس: يريد: # مسطحا، وحسانا، وحمنة. ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 21] # يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان ~~فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من ~~أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (21) # قوله تعالى: لا تتبعوا خطوات الشيطان أي: تزيينه لكم قذف عائشة. وقد سبق ~~شرح «خطوات الشيطان» وبيان «الفحشاء والمنكر» «1» . قوله تعالى: ما زكى ~~منكم وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة: «ما زكى» بتشديد الكاف. وفيمن خوطب بهذا ~~قولان: أحدهما: أنه عام في الخلق. والثاني: أن خاص للمتكلمين في الإفك. ثم ~~في معناه أربعة أقوال: أحدها: ما اهتدى، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. ~~والثاني: ما أسلم، قاله ابن زيد. والثالث: ما صلح، قاله مقاتل. والرابع: ما ~~ظهر، قاله ابن قتيبة. PageV03P285 # قوله تعالى: ولكن الله يزكي من يشاء أي: يطهر من يشار من الإثم بالتوبة ~~والغفران فالمعنى: # وقد شئت ان أتوب عليكم والله سميع عليم علم ما في نفوسكم من التوبة ~~والندامة. ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 22] # ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~والله غفور رحيم (22) # قوله تعالى: ولا يأتل وقرأ الحسن، وأبو العالية، وأبو جعفر، وابن أبي ~~عبلة: «لا يتأل» بهمزة مفتوحة بين التاء واللام وتشديد اللام على وزن يتعل. # (1032) قال المفسرون: سبب نزولها أن أبا بكر الصديق كان ينفق على مسطح ~~لقرابته وفقره، فلما خاض في أمر عائشة قال أبو بكر: والله لا أنفق عليه ~~شيئا أبدا، فنزلت هذه الآية، فأما الفضل، فقال ms1618 أبو عبيدة: هو التفضل ~~والسعة. الجدة. قال المفسرون: والمراد به: أبو بكر. # قوله تعالى: أن يؤتوا قال ابن قتيبة: معناه: أن لا يؤتوا، فحذف «لا» . ~~فأما قوله تعالى: أولي القربى فانه يعنى مسطحا، وكان ابن خالة أبي بكر، ~~وكان مسكينا، وكان مهاجرا. قال المفسرون: فلما سمع أبو بكر ألا تحبون أن ~~يغفر الله لكم قال: بلى يا رب، وأعاد نفقته على مسطح. ### | [سورة النور (24) : الآيات 23 الى 25] # إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم ~~عذاب عظيم (23) يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ~~(24) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25) # قوله تعالى: إن الذين يرمون المحصنات يعني: العفائف الغافلات عن الفواحش، ~~لعنوا في الدنيا أي: عذبوا بالجلد، وفي الآخرة بالنار. # واختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآية على أربعة أقوال «1» : أحدها: أنها ~~نزلت في عائشة خاصة. # قال خصيف: سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية، فقلت: من قذف محصنة لعنه ~~الله؟ قال: لا، إنما أنزلت هذه الآية في عائشة خاصة. والثاني: أنها في ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، قاله الضحاك. والثالث: # أنها في المهاجرات. قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أن المرأة كانت إذا خرجت ~~إلى المدينة مهاجرة، قذفها المشركون من أهل مكة، وقالوا: إنما خرجت تفجر، ~~فنزلت هذه الآية. والرابع: أنها عامة في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~وغيرهن، وبه قال قتادة، وابن زيد. # فان قيل: لم اقتصر على ذكر المحصنات دون الرجال؟ PageV03P286 # فالجواب: أن من رمى مؤمنة فلا بد أن يرمي معها مؤمنا، فاستغني عن ذكر ~~المؤمنين، ومثله: # سرابيل تقيكم الحر «1» أراد: والبرد، قاله الزجاج. # قوله تعالى: يوم تشهد عليهم ألسنتهم وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: «يشهد» ~~بالياء وهو إقرارها بما تكلموا به من الفرية. قال ابو سليمان الدمشقي: ~~وهؤلاء غير الذين يختم على أفواههم. # وقال ابن جرير: المعنى: ان ألسنة بعضهم تشهد على بعض. # قوله تعالى: يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق أي: حسابهم العدل، وقيل: ~~جزاءهم الواجب. ms1619 وقرأ مجاهد، وأبو الجوزاء، وحميد بن قيس، والأعمش: «دينهم ~~الحق» برفع القاف ويعلمون أن الله هو الحق المبين قال ابن عباس: وذلك ان ~~عبد الله بن ابي كان يشك في الدين، فإذا كانت القيامة علم حيث لا ينفعه. ### | [سورة النور (24) : آية 26] # الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ~~أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) # قوله تعالى: الخبيثات للخبيثين فيه أربعة أقوال «2» : أحدها: الكلمات ~~الخبيثات لا يتكلم بها إلا الخبيث من الرجال والنساء، والكلمات الطيبات لا ~~يتكلم بها إلا الطيبون من الرجال والنساء. والثاني: # الكلمات الخبيثات إنما تلصق بالخبيثين من الرجال والنساء، فأما الطيبات ~~والطيبون، فلا يصلح أن يقال في حقهم إلا الطيبات. والثالث: الخبيثات من ~~النساء للخبيثين من الرجال، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال. ~~والرابع: الخبيثات من الأعمال للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس ~~للخبيثات من الأعمال، وكذلك الطيبات وقوله تعالى: أولئك يعني: عائشة وصفوان ~~مبرؤن: منزهون مما يقولون من الفرية لهم مغفرة لذنوبهم ورزق كريم في الجنة. ### | ### | [سورة النور (24) : الآيات 27 الى # 29] # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا ~~تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما ~~تعملون عليم (28) ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم ~~والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (29) # قوله تعالى: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم. PageV03P287 # (1033) ذكر أهل التفسير أن سبب نزولها أن امرأة من الانصار جاءت إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إني اكون في بيتي على حال ~~لا أحب أن يراني عليها أحد، فلا يزال يدخل علي رجل من أهلي، فنزلت هذه ~~الآية فقال ابو بكر بعد نزولها: يا رسول الله، أفرأيت الخانات والمساكن ~~التي ليس فيها ساكن، فنزل قوله تعالى: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير ~~مسكونة الآية. # ومعنى قوله تعالى: لا تدخلوا بيوتا ms1620 غير بيوتكم أي: بيوتا ليست لكم. # واختلف القراء في باء البيوت، فقرأ بعضهم بضمها، وبعضهم بكسرها. وقد بينا ~~ذلك في سورة البقرة «1» . # قوله تعالى: حتى تستأنسوا قال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: ~~حتى تسلموا وتستأنسوا. قال الزجاج: و «تستأنسوا» في اللغة، بمعنى تستأذنوا، ~~وكذلك هو في التفسير، والاستئذان: # الاستعلام، تقول: آذنته بكذا، أي: أعلمته، وآنست منه كذا، أي: علمت منه، ~~ومثله: فإن آنستم منهم رشدا «2» أي: علمتم. فمعنى الآية: حتى تستعلموا، ~~يريد أهلها ان تدخلوا، ام لا؟ قال المفسرون: وصفة الاستعلام أن تقول: ~~السلام عليكم، أأدخل؟ ولا يجوز أن تدخل بيت غيرك إلا بالاستئذان، لهذه ~~الآية، ذلكم خير لكم من أن تدخلوا بغير إذن لعلكم تذكرون أن الاستئذان خير ~~فتأخذون به، قال عطاء: قلت لابن عباس: أستأذن على أمي وأختي ونحن في بيت ~~واحد؟ قال: أيسرك أن ترى منهن عورة؟ قال: لا،. قال: فاستأذن. # قوله تعالى: فإن لم تجدوا فيها أحدا أي: إن وجدتموها خالية فلا تدخلوها ~~حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا أي: إن ردوكم فلا تقفوا على ~~أبوابهم وتلازموها، هو أزكى لكم يعني: # الرجوع خير لكم وأفضل والله بما تعملون من الدخول باذن وغير إذن عليم. # فصل «3» : وهل هذه الآية منسوخة، أم لا؟ فيها قولان: أحدهما: أن حكمها ~~عام في جميع PageV03P288 # البيوت، ثم نسخت منها البيوت التي ليس لها أهل يستأذنون بقوله تعالى: ليس ~~عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة، هذا مروي عن الحسن، وعكرمة. ~~والثاني: أن الآيتين محكمتان، فالاستئذان شرط في الأولى إذا كان للدار أهل، ~~والثانية وردت في بيوت لا ساكن لها، والإذن لا يتصور من غير آذن، فاذا بطل ~~الاستئذان، لم تكن البيوت الخالية داخلة في الأولى، وهذا أصح. # قوله تعالى: أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها خمسة اقوال «1» : أحدها: ~~أنها الخانات والبيوت المبنية للسابلة ليأووا إليها، ويؤووا أمتعتهم، قاله ~~قتادة. والثاني: أنها البيوت الخربة، والمتاع: قضاء الحاجة فيها من الغائط ~~والبول، قاله عطاء. والثالث: أنها بيوت مكة، قاله محمد بن ms1621 الحنفية. ~~والرابع: # حوانيت التجار التي بالأسواق، قاله ابن زيد. والخامس: أنها جميع البيوت ~~التي لا ساكن لها، لأن الاستئذان إنما جعل لأجل الساكن، قاله ابن جريج. ~~فيخرج في معنى «المتاع» ثلاثة أقوال: أحدها: # الأمتعة التي تباع وتشترى. والثاني: إلقاء الأذى من الغائط والبول. ~~والثالث: الانتفاع بالبيوت لاتقاء الحر والبرد. ### | ### | [سورة النور (24) : الآيات 30 الى # 31] # قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير ~~بما يصنعون (30) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين ~~زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو ~~إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو ~~التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا ~~أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (31) # قوله تعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم في «من» قولان: أحدهما: أنها ~~صلة. والثاني: # أنها أصل، لأنهم لم يؤمروا بالغض مطلقا، وإنما أمروا بالغض عما لا يحل. # وفي قوله تعالى: ويحفظوا فروجهم قولان: أحدهما: عما لا يحل لهم، قاله ~~الجمهور. # والثاني: عن أن ترى، فهو أمر لهم بالاستتار، قاله أبو العالية، وابن زيد. ~~PageV03P289 # قوله تعالى: ذلك إشارة إلى الغض وحفظ الفروج أزكى لهم أي خير وأفضل إن ~~الله خبير بما يصنعون في الأبصار والفروج. ثم امر النساء بما امر به ~~الرجال. # قوله تعالى: ولا يبدين زينتهن أي: لا يظهرنها لغير محرم. وزينتهن على ~~ضربين: خفية كالسوارين والقرطين والدملج والقلائد ونحو ذلك، وظاهر وهي ~~المشار إليها بقوله تعالى: إلا ما ظهر منها وفي سبعة أقوال «1» : أحدها: ~~انها الثياب، رواه أبو الأحوص عن ابن مسعود وفي لفظ آخر قال هو الرداء. ~~والثاني: أنها الأكف، والخاتم والوجه. والثالث: الكحل والخاتم، رواهما سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس. والرابع: القلبان، وهما السواران والخاتم والكحل، ~~قاله المسور ms1622 بن مخرمة. والخامس: الكحل والخاتم والخضاب، قاله مجاهد. ~~والسادس: الخاتم والسوار، قاله الحسن. والسابع: الوجه والكفان، قاله ~~الضحاك. قال القاضي أبو يعلى: والقول الاول أشبه، وقد نص عليه احمد، فقال: ~~الزينة الظاهرة: الثياب، وكل شيء منها عورة حتى الظفر «2» ، ويفيد هذا ~~تحريم النظر إلى شيء من الأجنبيات لغير عذر، مثل ان يريد أن يتزوجها أو ~~يشهد عليها، فانه ينظر في الحالين إلى وجهها خاصة فأما النظر إليها لغير ~~عذر، فلا يجوز لا لشهوة ولا لغيرها «3» ، وسواء في ذلك الوجه والكفان ~~وغيرهما من البدن. فان قيل: فلم لا تبطل الصلاة بكشف وجهها؟! فالجواب: أن ~~في تغطيته مشقة، فعفي عنه «4» . PageV03P290 # قوله تعالى: وليضربن بخمرهن وهي جمع خمار، وهو ما تغطى به المرأة رأسها، ~~والمعنى: # وليلقين مقانعهن على جيوبهن ليسترن بذلك شعورهن وقرطهن وأعناقهن. وقرأ ~~ابن مسعود، وأبي بن كعب، وإبراهيم النخعي، والأعمش: «على جيوبهن» بكسر ~~الجيم، ولا يبدين زينتهن يعني: # الخفية، وقد سبق بيانها إلا لبعولتهن قال ابن عباس: لا يضعن الجلباب ~~والخمار إلا لأزواجهن. # قوله تعالى: أو نسائهن يعني: المسلمات. قال أحمد: لا يحل للمسلمة ان تكشف ~~راسها عند نساء أهل الذمة واليهودية والنصرانية لا تقبلان المسلمة «1» . # قوله تعالى: أو ما ملكت أيمانهن قال اصحابنا: المراد به: الإماء دون ~~العبيد. وقال أصحاب الشافعي: يدخل فيه العبيد، يجوز للمرأة عندهم أن تظهر ~~لمملوكها ما تظهر لمحارمها، لأن مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه محرم لها، ~~وعندنا انه ليس بمحرم، ولا يجوز أن ينظر إلى غير وجهها وكفيها، وقد نص أحمد ~~على أنه لا يجوز أن ينظر إلى شعر مولاته. قال القاضي أبو يعلى: وإنما ذكر ~~الإماء في الآية، لأنه قد يظن الظان أنه لا يجوز أن تبدي زينتها للإماء، ~~لأن الذين تقدم ذكرهم احرار، فلما ذكر الإماء زال الإشكال. # قوله تعالى: أو التابعين وهم الذين يتبعون القوم ويكونون معهم لإرفاقهم ~~إياهم، او لأنهم تشؤوا فيهم. وللمفسرين في هذا التابع ستة اقوال: أحدها: ~~أنه الأحمق الذي لا تشتهيه المرأة ولا يغار عليه الرجل، ms1623 قاله قتادة، وكذلك ~~قال مجاهد: هو الأبله الذي يريد الطعام ولا يريد النساء. والثاني: أنه ~~العنين، قاله عكرمة. والثالث: المخنث، كان يتبع الرجل يخدمه بطعامه، ولا ~~يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن، قاله الحسن. والرابع: أنه الشيخ الفاني. ~~والخامس: أنه الخادم، قالهما ابن السائب. # والسادس: أنه الذي لا يكترث بالنساء، إما لكبر أو لهرم أو لصغر، ذكره ابن ~~المنادي من أصحابنا. قال الزجاج: «غير» صفة للتابعين. وفيه دليل على ان ~~قوله: أو ما ملكت أيمانهن معناه: غير أولي الإربة من الرجال فالمعنى: ولا ~~يبدين زينتهن لمماليكهن، ولا لتباعهن، إلا أن يكونوا غير أولي الإربة، ~~والإربة: الحاجة، ومعناه: غير ذوي الحاجات إلى النساء «2» . PageV03P291 # قوله تعالى: أو الطفل قال ابن قتيبة: يريد الأطفال، بدليل قوله تعالى: لم ~~يظهروا على عورات النساء أي: لم يعرفوها «1» . # قوله تعالى: ولا يضربن بأرجلهن أي: باحدى الرجلين على الأخرى ليضرب ~~الخلخال الخلخال فيعلم أن عليها خلخالين «2» . ### | [سورة النور (24) : الآيات 32 الى 34] # وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم ~~الله من فضله والله واسع عليم (32) وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى ~~يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن ~~علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من ~~بعد إكراههن غفور رحيم (33) ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين ~~خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين (34) # قوله تعالى: وأنكحوا الأيامى وهم الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، ~~يقال: رجل أيم وامرأة أيم، ورجل أرمل وامرأة أرملة، ورجل بكر وامرأة بكر: ~~إذا لم يتزوجا، وامرأة ثيب ورجل ثيب: # إذا كانا قد تزوجا، والصالحين من عبادكم أي: من عبيدكم، يقال: عبد وعباد ~~وعبيد، كما يقال: كلب وكلاب وكليب. وقرأ الحسن، ومعاذ القارئ: «من عبيدكم» ~~. قال المفسرون: والمراد بالآية الندب. # ومعنى الصلاح ها هنا: الإيمان. والمراد بالعباد: المملوكون، فالمعنى: ~~زوجوا المؤمنين من عبيدكم وولائدكم. ثم رجع إلى ms1624 الأحرار فقال: إن يكونوا ~~فقراء يغنهم الله من فضله فأخبرهم أن النكاح سبب لنفي الفقر. # قوله تعالى: وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا أي: وليطلب العفة عن الزنا ~~والحرام من لا يجد ما ينكح به من صداق ونفقة. PageV03P292 # (1034) وقد روى ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا ~~معشر الشباب عليكم بالباءة، فمن لم يجد فعليه بالصيام فانه له وجاء» . # قوله تعالى: والذين يبتغون الكتاب أي: يطلبون المكاتبة من العبيد والإماء ~~على أنفسهم، فكاتبوهم فيه قولان: أحدهما: أنه مندوب إليه، قاله الجمهور. ~~والثاني: أنه واجب، قاله عطاء، وعمرو بن دينار. وذكر المفسرون: أنها نزلت ~~في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له: صبيح، سأل مولاه الكتابة فأبى عليه، ~~فنزلت هذه الآية، فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارا. # قوله تعالى: إن علمتم فيهم خيرا فيه ستة أقوال «1» : أحدها: إن علمتم لهم ~~مالا، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء، والضحاك. والثاني: ~~إن علمتم لهم حيلة، يعني: الكسب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: ~~أن علمتم فيهم دينا، قاله الحسن. والرابع: إن علمتم أنهم يريدون بذلك ~~الخير، قاله سعيد بن جبير. والخامس: إن أقاموا الصلاة، قاله عبيدة ~~السلماني. والسادس: إن علمتم لهم صدقا ووفاء، قاله إبراهيم. قوله تعالى: ~~وآتوهم من مال الله الذي آتاكم فيه قولان «2» : # أحدهما: أنه خطاب للأغنياء الذين تجب عليهم الزكاة، أمروا ان يعطوا ~~المكاتبين من سهم الرقاب، روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: هو سهم ~~الرقاب يعطى منه المكاتبون. والثاني: أنه خطاب للسادة، أمروا أن يعطوا ~~مكاتبيهم من كتابتهم شيئا. قال أحمد والشافعي: الإيتاء واجب، وقدره أحمد ~~بربع مال الكتابة. وقال الشافعي: ليس بمقدر. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجب ~~الإيتاء: وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه كاتب غلاما له يقال له: أبو أمية، ~~فجاء بنجمه حين حل فقال: اذهب يا أبا أمية فاستعن به في مكاتبتك، قال: يا ~~أمير المؤمنين لو أخرته ms1625 حتى يكون في آخر النجوم، فقال: يا أبا أمية: # إني أخاف أن لا أدرك ذلك، ثم قرأ: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم، قال ~~عكرمة: وكان ذلك أول نجم أدي في الإسلام. # قوله تعالى: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء. # (1035) روى مسلم في «صحيحه» من حديث أبي سفيان عن جابر، قال: كان عبد ~~الله بن أبي PageV03P293 # يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئا، فنزلت هذه الآية. # (1036) قال المفسرون: وكان له جاريتان، معاذة ومسيكة، فكان يكرههما على ~~الزنا، ويأخذ منهما الضريبة، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية، يؤاجرون ~~إماءهم، فلما جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر الذي نحن فيه إن ~~كان خيرا فقد استكثرنا منه، وإن كان شرا فقد آن لنا أن ندعه، فنزلت هذه ~~الآية. وزعم مقاتل أنها نزلت في ست جوار كن لعبد الله بن أبي، معاذة، ~~ومسيكة، وأميمة، وقتيلة، وعمرة، وأروى «1» . # فأما الفتيات، فهن الإماء. والبغاء: الزنا. والتحصن: التعفف. واختلفوا في ~~معنى إن أردن تحصنا على أربعة أقوال: أحدها: أن الكلام ورد على سبب، وهو ~~الذي ذكرناه، فخرج النهي عن صفة السبب، وإن لم يكن شرطا فيه. والثاني: إنه ~~إنما شرط إرادة التحصن، لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن، فأما ~~إذا لم ترد المرأة التحصن، فانها تبغي بالطبع. والثالث: أن «إن» بمعنى «إذ» ~~، ومثله: وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين «2» وأنتم الأعلون إن كنتم ~~مؤمنين «3» . والرابع: # أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: «وأنكحوا الأيامى» إلى قوله: ~~«وإمائكم» «إن أردن تحصنا» ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا وهو كسبهن وبيع أولادهن ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن ~~غفور للمكرهات رحيم وقرأ ابن عباس، وأبو عمران الجوني، وجعفر بن محمد: # «من بعد إكراههن لهن غفور رحيم» . # قوله تعالى: آيات مبينات قرأ ابن عامر، وأهل الكوفة غير أبي بكر، وأبان: ~~«مبينات» بكسر الياء في الموضعين في هذه السورة «4» وآخر سورة الطلاق «5» . # قوله تعالى: ومثلا من الذين خلوا أي: شبها من حالهم بحالكم أيها ~~المكذبون، ms1626 وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحق المكذبين قبلهم. ### | [سورة النور (24) : آية 35] # الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ~~ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35) PageV03P294 # قوله تعالى: الله نور السماوات والأرض فيه قولان «1» : أحدهما: هادي أهل ~~السموات والأرض، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال أنس بن مالك، ~~وبيان هذا أن النور في اللغة: الضياء، وهو الذي تصل به الأبصار إلى ~~مبصراتها، فورد النور مضافا إلى الله تعالى، لأنه هو الذي يهدي المؤمنين ~~ويبين لهم ما يهتدون به. فالخلائق بنوره يهتدون. والثاني: مدبر السموات ~~والأرض، قاله مجاهد، والزجاج. وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل، وابن ~~السميفع: «الله نور» بفتح النون والواو وتشديدها ونصب الراء «السموات» ~~بالخفض «والأرض» بالنصب. # قوله تعالى: مثل نوره في هاء الكناية أربعة أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى ~~الله عز وجل، قال ابن عباس: مثل هداه في قلب المؤمن. والثاني: أنها ترجع ~~إلى المؤمن، فتقديره: مثل نور المؤمن، قاله أبي بن كعب. وكان أبي وابن ~~مسعود يقرآن: «مثل نور المؤمنين» . والثالث: أنها ترجع إلى محمد صلى الله ~~عليه وسلم، قاله كعب. والرابع: أنها ترجع إلى القرآن، قاله سفيان. # فأما المشكاة، ففيها ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنها في موضع الفتيلة من ~~القنديل الذي هو كالأنبوب، والمصباح: الضوء، قاله ابن عباس. والثاني: أنها ~~القنديل، والمصباح: الفتيلة، قاله مجاهد. والثالث: أنها الكوة التي لا منفذ ~~لها، والمصباح: السراج، قاله كعب، وكذلك قال الفراء: # المشكاة: الكوة التي ليست بنافذة. وقال ابن قتيبة: المشكاة: الكوة بلسان ~~الحبشة. وقال الزجاج: هي من كلام العرب، والمصباح: السراج. وإنما ذكر ~~الزجاجة، لأن النور في الزجاج أشد ضوءا منه في غيره. وقرأ أبو رجاء ~~العطاردي، وابن أبي عبلة: «في زجاجة الزجاجة» بفتح الزاء فيهما. وقرأ معاذ ~~القارئ، وعاصم الجحدري، وابن ms1627 يعمر: بكسر الزاء فيهما. وقال بعض أهل ~~المعاني: معنى الآية: # كمثل مصباح في مشكاة، فهو من المقلوب. # فأما الدري، فقرأ أبو عمرو، والكسائي وأبان عن عاصم «دريء» بكسر الدال ~~وتخفيف الياء ممدودا مهموزا. قال ابن قتيبة: المعنى على هذا: إنه من ~~الكواكب الدراريء، وهي اللاتي يدرأن PageV03P295 # عليك، أي: يطلعن. وقال الزجاج: هذا مأخوذ من درأ يدرأ: إذا اندفع منقضا ~~فتضاعف نوره، يقال: # تدارأ الرجلان: إذا تدافعا. وروى المفضل عن عاصم كسر الدال وتشديد الياء ~~من غير همز ولا مد، وهي قراءة عبد الله بن عمرو، والزهري. وقرأ ابن كثير، ~~ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم «دري» بضم الدال وكسر الراء وتشديد الياء ~~من غير مد ولا همز، وقرأ عثمان بن عفان، وابن عباس، وعاصم الجحدري: «دريء» ~~بفتح الدال وكسر الراء ممدودا مهموزا. وقرأ أبي بن كعب، وسعيد بن المسيب، ~~وقتادة: بفتح الدال وتشديد الراء والياء من غير مد ولا همز. وقرأ ابن ~~مسعود، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، وابن يعمر: بفتح الدال وكسر الراء ~~مهموزا مقصورا. قال الزجاج: والدريء: # منسوب إلى أنه كالدر في صفائه وحسنه. وقال الكسائي: الدريء: يشبه الدر، ~~والدريء: جار، والدرء: يلتمع، وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم، والوليد بن ~~عتبة عن ابن عامر: بضم الدال وتخفيف الياء مع إثبات الهمزة والمد، قال ~~الزجاج: والنحويون أجمعون لا يعرفون الوجه في هذا وقال الفراء: # ليس هذا بجائز في العربية، لأنه ليس في الكلام «فعيل» إلا أعجمي، مثل: ~~مريق، وما أشبهه. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي: المريق: العصفر، أعجمي ~~معرب، وليس في كلامهم اسم على زنة فعيل. قال أبو علي: وقد حكى سيبويه عن ~~أبي الخطاب: كوكب دريء: من الصفات، ومن الأسماء: # المريق: العصفر. # قوله تعالى: «توقد» قرأ ابن كثير. وأبو عمرو: بالتاء المفتوحة وتشديد ~~القاف ونصب الدال، يريدان المصباح، لأنه هو الذي يوقد. وقرأ نافع، وابن ~~عامر، وحفص عن عاصم: يوقد بالياء مضمومة مع ضم الدال، يريدون المصباح أيضا. ~~وقرأ حمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «توقد» ms1628 بضم التاء والدال، يريدون ~~الزجاجة، قال الزجاج: والمقصود: مصباح الزجاجة، فحذف المضاف. # قوله تعالى: من شجرة أي: من زيت شجرة، فحذف المضاف، يدلك على ذلك قوله ~~تعالى: يكاد زيتها يضيء والمراد بالشجرة ها هنا: شجرة الزيتون، وبركتها من ~~وجوه، فانها تجمع الأدم والدهن والوقود، فيوقد بخطب الزيتون، ويغسل برمادة ~~الإبريسم، ويستخرج دهنه أسهل استخراج، ويورق غصنه من أوله إلى آخره. وإنما ~~خصت بالذكر ها هنا دون غيرها، لأن دهنها أصفى وأضوأ. قوله تعالى: لا شرقية ~~ولا غربية فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بين الشجر، فهي خضراء ناعمة لا ~~تصيبها الشمس، قاله أبي بن كعب، ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: ~~أنها في الصحراء لا يظلها جبل ولا كهف، ولا يواريها شيء، فهو أجود لزيتها، ~~رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والزجاج. والثالث: أنها من شجر ~~الجنة، لا من شجر الدنيا، قاله الحسن. قوله تعالى: يكاد زيتها يضيء أي: ~~يكاد من صفائه يضيء قبل أن تصيبه النار بأن يوقد به. نور على نور قال ~~مجاهد: النار على الزيت. وقال ابن السائب: المصباح نور، والزجاجة نور. وقال ~~أبو سليمان الدمشقي: نور النار، ونور الزيت، ونور الزجاجة، يهدي الله لنوره ~~فيه أربعة أقوال: أحدها: لنور القرآن. والثاني: لنور الإيمان. والثالث: ~~لنور محمد صلى الله عليه وسلم. والرابع: لدينه الإسلام. ### | فصل # : فأما وجه هذا المثل ففيه ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنه شبه نور محمد ~~صلى الله عليه وسلم بالمصباح النير PageV03P296 # فالمشكاة جوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمصباح النور الذي في ~~قلبه، والزجاجة قلبه، فهو من شجرة مباركة، وهو إبراهيم عليه السلام، سماه ~~شجرة مباركة، لأن أكثر الأنبياء من صلبه «لا شرقية ولا غربية» لا يهودي ولا ~~نصراني، يكاد محمد صلى الله عليه وسلم يتبين للناس أنه نبي ولو لم يتكلم. ~~وقال القرظي: المشكاة: # إبراهيم، والزجاجة: إسماعيل، والمصباح: محمد، صلوات الله عليهم أجمعين. ~~وقال الضحاك: شبه عبد المطلب بالمشكاة، وعبد الله بالزجاجة، ومحمدا صلى ~~الله عليه وسلم بالمصباح. والثاني: أنه ms1629 شبه نور الإيمان في قلب المؤمن ~~بالمصباح، فالمشكاة: قلبه، والمصباح: نور الإيمان فيه. وقيل: المشكاة: ~~صدره، والمصباح: القرآن والإيمان اللذان في صدره، والزجاجة: قلبه، فكأنه ~~مما فيه من القرآن والإيمان كوكب مضيء توقد من شجرة، وهي الإخلاص، فمثل ~~الإخلاص عنده كشجرة لا تصيبها الشمس، فكذلك هذا المؤمن قد احترس من أن ~~تصيبه الفتن، فان أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل، فقلب ~~المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فاذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ~~كما يكاد هذا الزيت يضيء قبل أن تمسه النار، فاذا مسته اشتد نوره، فالمؤمن ~~كلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى نور يوم ~~القيامة. والثالث: أنه شبه القرآن بالمصباح يستضاء به ولا ينقص، والزجاجة: ~~قلب المؤمن، والمشكاة: لسانه وفمه، والشجرة المباركة: شجرة الوحي، تكاد حجج ~~القرآن تتضح وإن لم يقرأ. وقيل: تكاد حجج الله تضيء لمن فكر فيها وتدبرها ~~ولو لم ينزل القرآن، نور على نور أي: القرآن نور من الله لخلقه «1» مع ما ~~قد قام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن. # قوله تعالى: ويضرب الله الأمثال أي: ويبين الله الأشباه للناس تقريبا إلى ~~الأفهام وتسهيلا لسبل الإدراك. ### | ### | [سورة النور (24) : الآيات 36 الى # 38] # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ~~(36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ~~ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (38) # قوله تعالى: في بيوت قال الزجاج: في من صلة قوله: كمشكاة، فالمعنى: ~~كمشكاة في بيوت ويجوز أن تكون متصلة بقوله: يسبح له فيها فتكون فيها تكريرا ~~على التوكيد والمعنى: يسبح لله رجال في بيوت. فان قيل: المشكاة إنما تكون ~~في بيت واحد، فكيف قال: «في بيوت» ؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه من الخطاب ~~المتلون الذي يفتح بالتوحيد ويختم بالجمع، كقوله تعالى: يا أيها النبي إذا ~~طلقتم ms1630 النساء «2» . والثاني: أنه راجع إلى كل واحد من البيوت، فالمعنى: في ~~كل بيت مشكاة. # وللمفسرين في المراد بالبيوت ها هنا ثلاثة أقوال «3» : أحدها: أنها ~~المساجد، قاله ابن عباس، PageV03P297 # والجمهور. والثاني: بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ~~مجاهد. والثالث: بيت المقدس، قاله الحسن. # فأما أذن فمعناه: أمر. وفي معنى أن ترفع قولان: أحدهما: أن تعظم، قاله ~~الحسن، والضحاك. والثاني: أن تبنى، قاله مجاهد، وقتادة. # وفي قوله تعالى: ويذكر فيها اسمه قولان: أحدهما: توحيده رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. والثاني: يتلى فيها كتابه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # قوله تعالى: يسبح قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: «يسبح» بكسر الباء وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: بفتحها. ~~وقرأ معاذ القارئ، وأبو حيوة: «تسبح» بتاء مرفوعة وكسر الباء ورفع الحاء. ~~وفي قوله تعالى: يسبح له فيها قولان: # أحدهما: أنه الصلاة. ثم في صلاة الغدو قولان: احدهما: أنها صلاة الفجر، ~~رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: صلاة الضحى، روى ابن أبي مليكة عن ~~ابن عباس قال: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله، وما يغوص عليها إلا غواص، ثم ~~قرأ «يسبح له فيها بالغدو والآصال» . وفي صلاة الآصال قولان: أحدهما: أنها ~~صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قاله ابن السائب. والثاني: صلاة العصر، ~~قاله أبو سليمان الدمشقي. # والقول الثاني: أنه التسبيح المعروف، ذكره بعض المفسرين. # قوله تعالى: رجال لا تلهيهم أي: لا تشغلهم «1» تجارة ولا بيع قال ابن ~~السائب: التجار: # الجلابون، والباعة: المقيمون. وقال الواقدي: التجارة ها هنا بمعنى ~~الشراء. وفي المراد بذكر الله ثلاثة أقوال: أحدها: الصلاة المكتوبة، قاله ~~ابن عباس، وعطاء، وروى سالم عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة، ~~فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت «رجال لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله» . والثاني: عن القيام بحق الله، قاله قتادة. ~~والثالث: عن ذكر الله باللسان، ذكره أبو سليمان الدمشقي. PageV03P298 # قوله تعالى: وإقام الصلاة أي: أداؤها ms1631 لوقتها وإتمامها. فان قيل: إذا كان ~~المراد بذكر الله الصلاة، فما معنى إعادتها؟ فالجواب: أنه بين أنهم ~~يقيمونها بأدائها في وقتها. # قوله تعالى: تتقلب فيه القلوب والأبصار في معناه ثلاثة أقوال: أحدها: أن ~~من كان قلبه مؤمنا بالبعث والنشور، ازداد بصيرة برؤية ما وعد به ومن كان ~~قلبه على غير ذلك، رأى ما يوقن معه بأمر القيامة، قاله الزجاج. والثاني: أن ~~القلوب تتقلب بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك، والأبصار تتقلب، تنظر ~~من أين يؤتون كتبهم، أمن قبل اليمين، أم من قبل الشمال؟ وأي ناحية يؤخذ ~~بهم، أذات اليمين، أم ذات الشمال؟ قاله ابن جرير. والثالث: تتقلب القلوب ~~فتبلغ إلى الحناجر، وتتقلب الأبصار إلى الزرق بعد الكحل والعمى بعد النظر. # قوله تعالى: ليجزيهم المعنى: يسبحون الله ليجزيهم أحسن ما عملوا أي: ~~ليجزيهم بحسناتهم. فأما مساوئهم فلا يجزيهم بها ويزيدهم من فضله ما لم ~~يستحقوه بأعمالهم والله يرزق من يشاء بغير حساب قد شرحناه في آل عمران «1» ~~. ### | [سورة النور (24) : الآيات 39 الى 40] # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39) أو كظلمات في بحر ~~لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده ~~لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) # ثم ضرب الله مثلا للكفار فقال: والذين كفروا أعمالهم كسراب قال ابن ~~قتيبة: السراب: ما رأيته من الشمس كالماء نصف النهار، والآل «2» : ما رأيته ~~في أول النهار وآخره، وهو يرفع كل شيء، والقيعة والقاع واحد. وقرأ أبي بن ~~كعب، وعاصم الجحدري، وابن السميفع: «بقيعات» . وقال الزجاج: القيعة جمع ~~قاع، مثل جار وجيرة، والقيعة والقاع: ما انبسط من الأرض ولم يكن فيه نبات، ~~فالذي يسير فيه يرى كأن فيه ماء يجري، وذلك هو السراب، والآل مثل السراب، ~~إلا أنه يرتفع وقت الضحى، كالماء، بين السماء والأرض يحسبه الظمآن وهو ~~الشديد العطش ماء، حتى إذا ms1632 جاء إلى موضع السراب رأى أرضا لا ماء فيها، ~~فأعلم الله أن الكافر الذي يظن أن عمله قد نفعه عند الله، كظن الذي يظن ~~السراب ماء، وعمله قد حبط. # قوله تعالى: ووجد الله عنده أي: قدم على الله فوفاه حسابه أي: جازاه ~~بعمله وهذا في الظاهر خبر عن الظمآن، والمراد به الخبر عن الكافر. # قوله تعالى: والله سريع الحساب مفسر في سورة البقرة «3» : PageV03P299 # قوله تعالى: أو كظلمات في هذا المثل قولان: أحدهما: أنه لعمل الكافر، ~~قاله الجمهور، واختاره الزجاج. والثاني: أنه مثل لقلب الكافر في أنه لا ~~يعقل ولا يبصر، قاله الفراء. فأما اللجي، فهو العظيم اللجة، وهو العميق. ~~يغشاه أي: يعلو ذلك البحر موج من فوقه أي: من فوق الموج موج، والمعنى: يتبع ~~الموج موج، حتى كان بعضه فوق بعض، من فوقه أي: من فوق ذلك الموج سحاب. ثم ~~ابتدأ فقال: ظلمات يعني: ظلمة البحر، وظلمة الموج الأول، وظلمة الموج الذي ~~فوق الموج، وظلمة السحاب. وقرأ ابن كثير، وابن محيصن: «سحاب ظلمات» مضافا. ~~إذا أخرج يده يعني: إذا أخرجها مخرج، لم يكد يراها فيه قولان: أحدهما: أنه ~~لم يرها، قاله الحسن، واختاره الزجاج. قال: لأن في دون هذه الظلمات لا يرى ~~الكف وكذلك قال ابن الأنباري: معناه: لم يرها البتة، لأنه قد قام الدليل ~~عند وصف تكاثف الظلمات على أن الرؤية معدومة، فبان بهذا الكلام أن «يكد» ~~زائدة للتوكيد، بمنزلة «ما» في قوله تعالى: عما قليل ليصبحن نادمين «1» . ~~والثاني: أنه لم يرها إلا بعد الجهد، قاله المبرد. قال الفراء: وهذا كما ~~تقول: ما كدت أبلغ إليك، وقد بلغت، قال الفراء: # وهذا وجه العربية. ### | فصل: # وأما وجه المثل، فقال المفسرون: لما ضرب الله للمؤمن مثلا بالنور، ضرب ~~للكافر هذا المثل بالظلمات والمعنى: أن الكافر في حيرة لا يهتدي لرشد. ~~وقيل: الظلمات: ظلمة الشرك وظلمة المعاصي. وقال بعضهم: ضرب الظلمات مثلا ~~لعمله، والبحر اللجي لقلبه، والموج لما يغشى قلبه من الشرك والجهل والحيرة، ~~والسحاب للرين والختم على قلبه، فكلامه ظلمة، وعمله ms1633 ظلمة، ومدخله ظلمة، ~~ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة. # قوله تعالى: ومن لم يجعل الله له نورا فيه قولان: أحدهما: دينا وإيمانا، ~~قاله ابن عباس، والسدي. والثاني: هداية، قاله الزجاج. ### | ### | [سورة النور (24) : الآيات 41 الى # 42] # ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم ~~صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك السماوات والأرض وإلى ~~الله المصير (42) # قوله تعالى: ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض قد تقدم ~~تفسيره «2» . # قوله تعالى: والطير أي: وتسبح له الطير صافات أي: باسطات أجنحتها في ~~الهواء. وإنما خص الطير بالذكر، لأنها تكون بين السماء والأرض إذا طارت، ~~فهي خارجة عن جملة من في السموات والأرض. قوله تعالى: كل أي: من الجملة ~~التي ذكرها قد علم صلاته وتسبيحه قال المفسرون: الصلاة، لبني آدم، ~~والتسبيح، لغيرهم من الخلق. وفي المشار إليه بقوله: «قد علم» قولان: ~~أحدهما: أنه الله تعالى، والمعنى: قد علم الله صلاة المصلي وتسبيحه، قاله ~~الزجاج. # والثاني: أنه المصلي والمسبح. ثم فيه قولان: أحدهما: قد علم المصلي ~~والمسبح صلاة نفسه وتسبيحه، أي: قد عرف ما كلف من ذلك. والثاني: قد علم ~~المصلي صلاة الله وتسبيحه، أي: علم PageV03P300 # أن ذلك لله تعالى وحده. وقرأ قتادة، وعاصم الجحدري، وابن يعمر: «كل قد ~~علم» برفع العين وكسر اللام «صلاته وتسبيحه» بالرفع فيهما. ### | ### | [سورة النور (24) : الآيات 43 الى # 44] # ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج ~~من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن ~~من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) يقلب الله الليل والنهار إن في ~~ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) # قوله تعالى: ألم تر أن الله يزجي سحابا أي: يسوقه ثم يؤلف بينه أي: يضم ~~بعضه إلى بعض، فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة. والسحاب لفظه لفظ الواحد، ~~ومعناه الجمع، فلهذا قال: يؤلف بينه ثم يجعله ركاما أي: يجعل بعض السحاب ms1634 ~~فوق بعض فترى الودق وهو المطر. قال الليث: # الودق: المطر كله شديده وهينه. قوله تعالى: من خلاله وقرأ ابن مسعود، ~~وابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والضحاك: «من خلله» والخلال: جمع خلل، ~~مثل: جبال وجبل. وينزل من السماء مفعول الإنزال محذوف، تقديره: وينزل من ~~السماء من جبال فيها من برد بردا، فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه. و ~~«من» الأولى، لابتداء الغاية، لأن ابتداء الإنزال من السماء، والثانية، ~~للتبعيض، لأن الذي ينزله الله بعض تلك الجبال، والثالثة، لتبيين الجنس، لأن ~~جنس تلك الجبال جنس البرد، قال المفسرون: وهي جبال في السماء مخلوقة من ~~برد. وقال الزجاج: معنى الكلام: وينزل من السماء من جبال برد فيها، كما ~~تقول: هذا خاتم في يدي من حديد، المعنى: هذا خاتم حديد في يدي. قوله تعالى: ~~فيصيب به أي: بالبرد من يشاء فيضره في زرعه وثمره. والسنا: الضوء، يذهب ~~وقرأ مجاهد، وأبو جعفر: «يذهب» بضم الياء وكسر الهاء. يقلب الله الليل ~~والنهار أي: # يأتي بهذا، ويذهب بهذا إن في ذلك التقليب لعبرة لأولي الأبصار أي: دلالة ~~لأهل البصائر والعقول على وحدانية الله وقدرته. ### | [سورة النور (24) : آية 45] # والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ~~(45) # قوله تعالى: والله خلق كل دابة وقرأ حمزة، والكسائي: «والله خالق كل دابة ~~من ماء» وفي الماء قولان: أحدهما: أن الماء أصل كل دابة. والثاني: أنه ~~النطفة، والمراد به: جميع الحيوان المشاهد في الدنيا. وإنما قال: «فمنهم» ~~تغليبا لما يعقل. وإنما لم يذكر الذي يمشي على أكثر من أربع، لأنه في رأي ~~العين كالذي يمشي على أربع، وقيل: لأنه يعتمد في المشي على أربع. وإنما سمى ~~السائر على بطنه ماشيا، لأن كل سائر ومستمر يقال له: ماش وإن لم يكن ~~حيوانا، حتى إنه يقال: قد مشى هذا الأمر، هذا قول الزجاج. وقال أبو عبيدة: ~~إنما هذا على سبيل التشبيه ms1635 بالماشي، لأن المشي لا يكون على البطن، إنما ~~يكون لمن له قوائم، فإذا خلطوا ما له قوائم بما لا قوائم له، جاز ذلك، كما ~~يقولون: # أكلت خبزا ولبنا، ولا يقال: أكلت لبنا. ### | [سورة النور (24) : الآيات 46 الى 52] # لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (46) ويقولون ~~آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك ~~بالمؤمنين (47) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون (48) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) أفي قلوبهم مرض أم ~~ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون (50) # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون (51) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون (52) # PageV03P301 # قوله تعالى: ويقولون آمنا بالله. # (1037) قال المفسرون: نزلت في رجل من المنافقين يقال له: بشر كان بينه ~~وبين يهودي حكومة، فدعا اليهودي المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليحكم بينهما، فقال المنافق لليهودي: إن محمدا يحيف علينا، ولكن بيني وبينك ~~كعب بن الأشرف، فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: ثم يتولى فريق منهم يعني المنافقين من بعد ذلك أي: من بعد ~~قولهم: آمنا وما أولئك يعني المعرضين عن حكم الله ورسوله بالمؤمنين (47) ~~وإذا دعوا إلى الله أي: إلى كتابه ورسوله ليحكم بينهم الرسول إذا فريق منهم ~~معرضون ومعنى الكلام: أنهم كانوا يعرضون عن حكم الرسول عليهم، لعلمهم أنه ~~يحكم بالحق وإن كان الحق لهم على غيرهم، أسرعوا إلى حكمه مذعنين، لثقتهم ~~أنه يحكم لهم بالحق. قال الزجاج: والإذعان في اللغة: الإسراع مع الطاعة، ~~تقول: قد أذعن لي، أي: # قد طاوعني لما كنت ألتمسه منه. قوله تعالى: أفي قلوبهم مرض أي: كفر أم ~~ارتابوا أي: شكوا في القرآن؟ وهذا استفهام ذم وتوبيخ، والمعنى: إنهم كذلك، ~~وإنما ذكره بلفظ الاستفهام ليكون أبلغ في ذمهم، كما قال جرير في المدح: # ألستم خير من ركب المطايا «1» أي: أنتم ms1636 كذلك. فأما الحيف، فهو: الميل في ~~الحكم يقال: حاف في قضيته، أي: جار بل أولئك هم الظالمون أي: لا يظلم الله ~~ورسوله أحدا، بل هم الظالمون لأنفسهم بالكفر والإعراض عن حكم الرسول. # ثم نعت المؤمنين، فقال: إنما كان قول المؤمنين قال الفراء: ليس هذا بخبر ~~ماض، وإنما المعنى: إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعوا أن ~~يقولوا سمعنا. وقرأ الحسن، وأبو الجوزاء: # «إنما كان قول المؤمنين» بضم اللام. وقرأ أبو جعفر، وعاصم الجحدري، وابن ~~أبي عبلة: «ليحكم بينهم» برفع الياء وفتح الكاف. قال المفسرون: والمعنى: ~~سمعنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطعنا أمره، وإن كان ذلك فيما ~~يكرهونه. قوله تعالى: ويخش الله أي: فيما مضى من ذنوبه ويتقه فيما بعد أن ~~يعصيه. وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وورش عن نافع: «ويتقهي» موصولة ~~بياء. وروى قالون PageV03P302 # عن نافع: «ويتقه فأولئك» بكسر الهاء لا يبلغ بها الياء. وقرأ أبو عمرو، ~~وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «ويتقه» جزما. ### | [سورة النور (24) : الآيات 53 الى 54] # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة ~~إن الله خبير بما تعملون (53) قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا ~~فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين (54) # قوله تعالى: وأقسموا بالله # قال المفسرون: لما نزل في هؤلاء المنافقين ما نزل من بيان كراهتهم لحكم ~~الله، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا ~~وأموالنا ونسائنا لخرجنا، فكيف لا نرضى حكمك؟! فنزلت هذه الآية. وقد بينا ~~معنى جهد أيمانهم # «1» ، لئن أمرتهم ليخرجن # من أموالهم وديارهم، وقيل: ليخرجن إلى الجهاد قل لا تقسموا # هذا تمام الكلام ثم قال: طاعة معروفة # قال الزجاج: المعنى: أمثل من قسمكم الذي لا تصدقون فيه طاعة معروفة. قال ~~ابن قتيبة: وبعض النحويين يقول: الضمير فيها: لتكن منكم طاعة معروفة، أي: ~~صحيحة لا نفاق فيها. قوله تعالى: فإن تولوا هذا خطاب لهم، والمعنى: فان ~~تتولوا، ms1637 فحذف إحدى التاءين، ومعنى التولي: الإعراض عن طاعة الله ورسوله، ~~فإنما عليه يعني: الرسول ما حمل من التبليغ وعليكم ما حملتم من الطاعة وذكر ~~بعض المفسرين أن هذا منسوخ بآية السيف، وليس بصحيح. قوله تعالى: وإن تطيعوه ~~يعني: # رسول الله صلى الله عليه وسلم تهتدوا، وكان بعض السلف يقول: من أمر السنة ~~على نفسه قولا وفعلا، نطق بالحكمة، ومن أمر البدعة الهوى على نفسه قولا ~~وفعلا، نطق بالبدعة، لقوله تعالى: وإن تطيعوه تهتدوا. ### | [سورة النور (24) : الآيات 55 الى 56] # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد ~~خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ~~(55) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (56) # قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم. # (1038) روى أبو عبد الله الحاكم في «صحيحه» من حديث أبي بن كعب، قال: لما ~~قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار، رمتهم ~~العرب عن قوس واحدة، كانوا لا يبيتون إلا في PageV03P303 # السلاح، ولا يصبحون إلا في لأمتهم، فقالوا: أترون أنا نعيش حتى نبيت ~~آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله عز وجل؟! فنزلت هذه الآية. قال أبو ~~العالية: لما أظهر الله عز وجل رسوله على جزيرة العرب، وضعوا السلاح ~~وأمنوا، ثم قبض الله نبيه، فكانوا آمنين كذلك في إمارة أبي بكر، وعمر، ~~وعثمان، حتى وقعوا فيما وقعوا فيه وكفروا بالنعمة، فأدخل الله عز وجل عليهم ~~الخوف فغيروا، فغير الله تعالى ما بهم. وروى أبو صالح عن ابن عباس: أن هذا ~~الوعد وعده الله أمة محمد في التوراة والإنجيل. # (1039) وزعم مقاتل أن كفار مكة لما صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين عن العمرة عام الحديبية، قال المسلمون. لو أن الله تعالى فتح ~~علينا مكة، فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: ليستخلفنهم أي: ليجعلنهم يخلفون من قبلهم، والمعنى: ليورثنهم ~~أرض الكفار من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها ms1638 وسكانها. وعلى قول ~~مقاتل: المراد بالأرض مكة. قوله تعالى: كما استخلف الذين من قبلهم وقرأ أبو ~~بكر عن عاصم: «كما استخلف» بضم التاء وكسر اللام يعني: بني إسرائيل، وذلك ~~أنه لما هلكت الجبابرة بمصر، أورثهم الله أرضهم وديارهم وأموالهم. قوله ~~تعالى: وليمكنن لهم دينهم وهو الإسلام، وتمكينه: إظهاره على كل دين، ~~وليبدلنهم وقرأ ابن كثير، وأبو بكر، وأبان، ويعقوب: «وليبدلنهم» بسكون ~~الباء وتخفيف الدال من بعد خوفهم أمنا لأنهم كانوا مظلومين مقهورين، من بعد ~~خوفهم أمنا لأنهم كانوا مظلومين مقهورين، يعبدونني هذا استئناف كلام في ~~الثناء عليهم، ومن كفر بعد ذلك بهذه النعم، أي: من جحد حقها. قال المفسرون: ~~وأول من كفر بهذه النعم قتله عثمان. ### | [سورة النور (24) : آية 57] # لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير (57) # قوله تعالى: لا تحسبن الذين كفروا قرأ ابن عامر، وحمزة وحفص، عن عاصم: ~~«لا يحسبن» بالياء وفتح السين. وقرأ الباقون بالتاء وكسر السين. ### | [سورة النور (24) : الآيات 58 الى 60] # يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا ~~الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن ~~بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون ~~عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (58) وإذا ~~بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين ~~الله لكم آياته والله عليم حكيم (59) والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون ~~نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير ~~لهن والله سميع عليم (60) # قوله تعالى: ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم في سبب نزولها قولان: # (1040) أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه غلاما من الأنصار ~~يقال له: مدلج بن عمرو إلى PageV03P304 # عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر على حالة كره عمر رؤيته ~~عليها، فقال: يا رسول الله، وددت له لو أن الله تعالى أمرنا ونهانا في حال ~~الاستئذان، فنزلت هذه ms1639 الآية، قاله ابن عباس. # (1041) والثاني: أن أسماء بنت مرثد كان لها غلام، فدخل عليها في وقت ~~كرهته، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن خدمنا وغلماننا ~~يدخلون علينا في حالة نكرهها، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. ومعنى الآية: ~~ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم وفيهم قولان «1» : أحدهما: أنه أراد الذكور ~~دون الإناث، قاله ابن عمر. والثاني: الذكور والإناث، رواه أبو حصين عن أبي ~~عبد الرحمن. ومعنى الكلام: ليستأذنكم مماليككم في الدخول عليكم. قال القاضي ~~أبو يعلى: والأظهر أن يكون المراد: # العبيد الصغار والإماء الصغار، لأن العبد البالغ بمنزلة الحر البالغ في ~~تحريم النظر إلى مولاته، فكيف يضاف إلى الصبيان الذين هم غير مكلفين؟! قوله ~~تعالى: والذين لم يبلغوا الحلم وقرأ عبد الوارث: «الحلم» باسكان اللام منكم ~~أي: من أحراركم من الرجال والنساء ثلاث مرات أي: ثلاثة أوقات ثم بينها ~~فقال: من قبل صلاة الفجر وذلك لأن الإنسان قد يبيت عريانا، أو على حالة لا ~~يحب أن يطلع عليه فيها وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة أي: القائلة ومن بعد ~~صلاة العشاء حين يأوي الرجل إلى زوجته، ثلاث عورات قرأ ابن كثير ونافع وأبو ~~عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: «ثلاث عورات» برفع الثاء من «ثلاث» ، ~~والمعنى: هذه الأوقات هي ثلاث عورات، لأن الإنسان يضع فيها ثيابه، فربما ~~بدت عورته. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: «ثلاث عورات» بنصب التاء ~~قال أبو علي: جعلوه بدلا من قوله: «ثلاث مرات» والأوقات ليست عورات، ولكن ~~المعنى: أنها أوقات ثلاث عورات، فلما حذف المضاف أعرب باعراب المحذوف. وقرأ ~~أبو عبد الرحمن السلمي وسعيد بن جبير والأعمش «عورات» بفتح الواو ليس عليكم ~~يعني المؤمنين الأحرار ولا عليهم يعني الخدم والغلمان جناح أي: حرج بعدهن ~~أي بعد مضي هذه الأوقات في أن لا يستأذنوا، فرفع الحرج عن الفرقين طوافون ~~عليكم أي: هم طوافون عليكم بعضكم على بعض أي: يطوف بعضكم وهم المماليك على ~~بعض وهم الأحرار. PageV03P305 ### | فصل: # وأكثر علماء المفسرين على أن هذه الآية محكمة، وممن ms1640 روي عنه ذلك ابن ~~عباس، والقاسم بن محمد، وجابر بن زيد، والشعبي. وحكي عن سعيد بن المسيب ~~أنها منسوخة بقوله: وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا والأول أصح، ~~لأن معنى هذه الآية: وإذا بلغ الأطفال منكم، أو من الأحرار الحلم، ~~فليستأذنوا، أي: في جميع الأوقات في الدخول عليكم كما استأذن الذين من ~~قبلهم يعني: كما استأذن الأحرار الكبار، الذين هم قبلهم في الوجود، وهم ~~الذين أمروا بالاستئذان على كل حال فالبالغ يستأذن في كل وقت، والطفل ~~والمملوك يستأذنان في العورات الثلاث. قوله تعالى: والقواعد من النساء قال ~~ابن قتيبة: يعني: العجز، واحدها: قاعد، ويقال: إنما قيل لها: # قاعد، لقعودها عن الحيض والولد، وقد تقعد عن الحيض والولد ومثلها يرجو ~~النكاح، ولا أراها سميت قاعدا إلا بالقعود، لأنها إذا أسنت عجزت عن التصرف ~~وكثرة الحركة، وأطالت القعود، فقيل لها: «قاعد» بلا هاء، ليدل حذف الهاء ~~على أنه قعود كبر، كما قالوا: «امرأة حامل» ، ليدلوا بحذف الهاء على أنه ~~حمل حبل، وقالوا في غير ذلك: قاعدة في بيتها، وحاملة على ظهرها. قوله ~~تعالى: أن يضعن ثيابهن أي: عند الرجال ويعني بالثياب: الجلباب والرداء ~~والقناع الذي فوق الخمار، هذا المراد بالثياب، لا جميع الثياب، غير متبرجات ~~بزينة أي: من غير أن يردن بوضع الجلباب أن ترى زينتهن والتبرج: إظهار ~~المرأة محاسنها، وأن يستعففن فلا يضعن تلك الثياب خير لهن، قال ابن قتيبة: ~~والعرب تقول: امرأة واضع: إذا كبرت فوضعت الخمار، ولا يكون هذا إلا في ~~الهرمة. قال القاضي أبو يعلى: وفي هذه الآية دلالة على أنه يباح للعجوز كشف ~~وجهها ويديها بين يدي الرجال، وأما شعرها، فيحرم النظر إليه كشعر الشابة. ### | ### | [سورة النور (24) : آية # 61] # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت ~~إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو ms1641 صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا ~~جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ~~مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (61) # قوله تعالى: ليس على الأعمى حرج في سبب نزولها خمسة أقوال: # (1042) أحدها: أنه لما نزل قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~«1» تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعمي والعرج، وقالوا: الطعام ~~أفضل الأموال، وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر ~~موضع الطعام الطيب، والمريض لا يستوفي الطعام، فنزلت هذه الآية، قاله ابن ~~عباس. PageV03P306 # (1043) والثاني: أن ناسا كانوا إذا خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم، ~~وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذا احتاجوا، فكانوا يتقون أن ~~يأكلوا منها، ويقولون: نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيبة، فنزلت هذه الآية، ~~قاله سعيد بن المسيب. # والثالث: أن العرجان والعميان كانوا يمتنعون عن مؤاكلة الأصحاء، لأن ~~الناس يتقذرونهم، فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير، والضحاك «1» . ~~والرابع: أن قوما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا لم يكن ~~عندهم ما يطعمون المريض والزمن، ذهبوا به إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم وبعض من ~~سمى الله عز وجل في هذه الآية، فكان أهل الزمانة يتحرجون من أكل ذلك الطعام ~~لأنه أطعمهم غير مالكه، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد «2» . والخامس: أنها ~~نزلت في إسقاط الجهاد عن أهل الزمانة المذكورين في الآية، قاله الحسن، وابن ~~زيد «3» . # فعلى القول الأول يكون معنى الآية: ليس عليكم في الأعمى حرج أن تأكلوا ~~معه، ولا في الأعرج، وتكون «على» بمعنى «في» ، ذكره ابن جرير. وكذلك يخرج ~~معنى الآية على كل قول بما يليق به. وقد كان جماعة من المفسرين يذهبون إلى ~~أن آخر الكلام «ولا على المريض حرج» وأن ما بعده مستأنف لا تعلق له به، وهو ~~يقوي قول الحسن، وابن زيد. # قوله تعالى: أن تأكلوا من بيوتكم فيه ثلاثة أقوال «4» : أحدها: أنها بيوت ~~الأولاد. ms1642 والثاني: # البيوت التي يسكنونها وهم فيها عيال غيرهم، فيكون الخطاب لأهل الرجل ~~وولده وخادمه ومن يشتمل PageV03P307 # عليه منزله، ونسبها إليهم لأنهم سكانها. والثالث: أنها بيوتهم، والمراد ~~أكلهم من مال عيالهم وأزواجهم، لأن بيت المرأة كبيت الرجل. وإنما أباح ~~الأكل من بيوت القرابات المذكورين، لجريان العادة ببذل طعامهم لهم فإن كان ~~الطعام وراء حرز، لم يجز هتك الحرز. # قوله تعالى: أو ما ملكتم مفاتحه فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الوكيل، لا ~~بأس أن يأكل اليسير، وهو معنى قول ابن عباس. وقرأها سعيد بن جبير، وأبو ~~العالية: «ما ملكتم» بضم الميم وتشديد اللام مع كسرها على ما لم يسم فاعله، ~~وفسرها سعيد فقال: يعني القهرمان الذي بيده المفاتيح. وقرأ أنس بن مالك، ~~وقتادة، وابن يعمر: «مفتاحه» بكسر الميم على التوحيد. والثاني: بيت الإنسان ~~الذي يملكه، وهو معنى قول قتادة. والثالث: بيوت العبيد، قاله الضحاك. # قوله تعالى: أو صديقكم. قال ابن عباس: # (1044) نزلت هذه في الحارث بن عمرو، خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غازيا، وخلف خالد بن زيد على أهله، فلما رجع وجده مجهودا، فقال: تحرجت أن ~~آكل من طعامك بغير إذنك، فنزلت هذه الآية. وكان الحسن وقتادة يريان الأكل ~~من طعام الصديق بغير استئذان جائزا. # قوله تعالى: ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا في سبب نزول هذا ثلاثة أقوال ~~«1» : # (1045) أحدها: أن حيا من بني كنانة يقال لهم: بنو ليث كانوا يتحرجون أن ~~يأكل الرجل الطعام وحده، فربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى ~~الرواح، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة والضحاك. # والثاني: أن قوما من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ~~ضيفهم، فنزلت هذه الآية، ورخص لهم أن يأكلوا جميعا أو أشتاتا، قاله عكرمة ~~«2» . والثالث: أن المسلمين كانوا يتحرجون من مؤاكلة أهل الضر خوفا من أن ~~يستأثروا عليهم، ومن الاجتماع على الطعام، لاختلاف الناس في مآكلهم وزيادة ~~بعضهم على بعض، فوسع عليهم، وقيل: «ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا» أي: # مجتمعين «أو أشتاتا» أي: ms1643 متفرقين، قاله ابن قتيبة. PageV03P308 # قوله تعالى: فإذا دخلتم بيوتا فيها ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنها بيوت ~~أنفسكم، فسلموا على أهاليكم وعيالكم، قاله جابر بن عبد الله، وطاوس، ~~وقتادة. والثاني: أنها المساجد، فسلموا على من فيها، قاله ابن عباس. ~~والثالث: بيوت الغير، فالمعنى: إذا دخلتم بيوت غيركم فسلموا عليهم، قاله ~~الحسن. قوله تعالى: تحية قال الزجاج: هي منصوبة على المصدر، لأن قوله: ~~فسلموا بمعنى: فحيوا وليحي بعضكم بعضا تحية، من عند الله قال مقاتل: مباركة ~~بالأجر، طيبة أي: حسنة. ### | [سورة النور (24) : آية 62] # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ~~فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور ~~رحيم (62) # قوله تعالى: وإذا كانوا معه يعني: مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~أمر جامع أي: على أمر طاعة يجتمعون عليها، نحو الجهاد والجمعة والعيد ونحو ~~ذلك لم يذهبوا حتى يستأذنوه. # (1046) قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر ~~يوم الجمعة، وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر، لم يخرج حتى يقوم ~~بحيال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يراه، فيعرف أنه إنما قام ليستأذن، ~~فيأذن لمن شاء منهم، فالأمر إليه في ذلك. قال مجاهد: وإذن الإمام يوم ~~الجمعة أن يشير بيده. # قوله تعالى: واستغفر لهم الله أي: لخروجهم عن الجماعة إن رأيت لهم عذرا. ### | [سورة النور (24) : الآيات 63 الى 64] # لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين ~~يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم (63) ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ~~ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم (64) # قوله تعالى: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم فيه ثلاثة أقوال «2» : أحدها: ~~أنه نهي عن التعرض PageV03P309 # لإسخاط رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانه إذا ms1644 دعا على شخص فدعوته ~~موجبة، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم أمروا أن يقولوا: يا رسول الله، ونهوا ~~أن يقولوا: يا محمد، قاله سعيد بن جبير، وعلقمة، والأسود، وعكرمة، ومجاهد. ~~والثالث: أنه نهي لهم عن الإبطاء إذا أمرهم والتأخر إذا دعاهم، حكاه ~~الماوردي. # وقرأ الحسن، وأبو رجاء، وأبو المتوكل، ومعاذ القارئ: «دعاء الرسول نبيكم» ~~بياء مشددة ونون قبل الباء. # قوله تعالى: قد يعلم الله الذين يتسللون التسلل: الخروج في خفية. ~~واللواذ: أن يستتر بشيء مخافة من يراه. والمراد بقوله «قد يعلم» التهديد ~~بالمجازاة. قال الفراء: كان المنافقون يشهدون الجمعة فيذكرهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويعيبهم بالآيات التي أنزلت فيهم، فإن خفي لأحدهم القيام ~~قام، فذلك قوله: قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا أي: يلوذ هذا بهذا، ~~أي: يستتر ذا بذا. وإنما يقال: # «لواذا» لأنها مصدر «لاوذت» ، ولو كان مصدرا ل «لذت» لقلت: لذت لياذا، ~~كما يقال: قمت قياما. # وكذلك قال ثعلب: وقع البناء على لاوذ ملاوذة، ولو بني على لاذ يلوذ، ~~لقيل: لياذا. وقيل: هذا كان في حفر الخندق، كان المنافقون ينصرفون عن غير ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مختفين. قوله تعالى: فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الله عز وجل، ~~قاله مجاهد. # والثاني: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة. وفي «عن» قولان: ~~أحدهما: أنها زائدة، قاله الاخفش. # والثاني: أن معنى «يخالفون» : يعرضون عن أمره. وفي الفتنة ها هنا ثلاثة ~~أقوال: أحدها: الضلالة، قاله ابن عباس. والثاني: بلاء في الدنيا، قاله قاله ~~مجاهد. والثالث: كفر، قاله السدي، ومقاتل. # قوله تعالى: أو يصيبهم عذاب أليم فيه قولان: أحدهما: القتل في الدنيا. ~~والثاني: عذاب جهنم في الآخرة. قوله تعالى: قد يعلم ما أنتم عليه أي: ما في ~~أنفسكم، وما تنطوي عليه ضمائركم من الإيمان والنفاق وهذا تنبيه على الجزاء ~~على ذلك. والله أعلم بالصواب. # PageV03P310 ### | سورة الفرقان # قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة في آخرين: هي مكية «1» . ~~وحكي ms1645 عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة، ~~وهي قوله تعالى: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله تعالى: غفورا ~~رحيما «2» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1) الذي له ملك ~~السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا (2) واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون ~~لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا (3) # قوله تعالى: تبارك قد شرحناه في سورة الأعراف «3» ، والفرقان: القرآن، ~~سمي فرقانا، لأنه فرق به بين الحق والباطل. والمراد بعبده: محمد صلى الله ~~عليه وسلم، ليكون فيه قولان: # أحدهما: أنه كناية عن عبده، قاله الجمهور. والثاني: عن القرآن، حكاه ~~الماوردي. # قوله تعالى: للعالمين يعني الجن والإنس نذيرا أي: مخوفا من عذاب الله. ~~PageV03P311 # قوله تعالى: فقدره تقديرا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: سواه وهيأه لما يصلح ~~له، فلا خلل فيه ولا تفاوت. والثاني: قدر له ما يصلحه ويقيمه. والثالث: قدر ~~له تقديرا من الأجل والرزق. # ثم ذكر ما صنعه المشركون، فقال: واتخذوا من دونه آلهة يعني: الأصنام لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون أي: وهي مخلوقة ولا يملكون لأنفسهم ضرا أي: دفع ضر، ~~ولا جر نفع، لأنها جماد لا قدرة لها ولا يملكون موتا أي: لا تملك أن تميت ~~أحدا، ولا أن تحيي أحدا، ولا أن تبعث أحدا من الأموات والمعنى: كيف يعبدون ~~ما هذه صفته، ويتركون عبادة من يقدر على ذلك كله؟! ### | ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 4 الى # 6] # وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤ ~~ظلما وزورا (4) وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ~~(5) قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما (6) # قوله تعالى: وقال الذين كفروا يعني: مشركي قريش وقال مقاتل: وهو قول ~~النضر بن الحارث من ms1646 بني عبد الدار إن هذا أي: ما هذا، يعنون القرآن إلا إفك ~~أي: كذب افتراه أي: اختلقه من تلقاء نفسه وأعانه عليه قوم آخرون قال مجاهد: ~~يعنون اليهود وقال مقاتل: أشاروا إلى عداس مولى حويطب، ويسار غلام عامر بن ~~الحضرمي، وجبر مولى لعامر أيضا، وكان الثلاثة من أهل الكتاب. # قوله تعالى: فقد جاؤ ظلما وزورا. قال الزجاج: المعنى فقد جاءوا بظلم وزور ~~فلما سقطت الباء، أفضى الفعل فنصب، والزور: الكذب. وقالوا أساطير الأولين ~~المعنى: وقالوا: الذي جاء به أساطير الأولين، وقد بينا ذلك في (الأنعام) ~~«1» . قال المفسرون: والذي قال هذا هو النضر بن الحارث. # ومعنى اكتتبها أمر أن تكتب له. وقرأ ابن مسعود، وإبراهيم النخعي، وطلحة ~~بن مصرف: # «اكتتبها» برفع التاء الأولى وكسر الثانية، والابتداء على قراءتهم برفع ~~الهمزة، فهي تملى عليه أي: # تقرأ عليه ليحفظها لا ليكتبها، لأنه لم يكن كاتبا، بكرة وأصيلا أي: غدوة ~~وعشيا. قل لهم يا محمد: أنزله يعني: القرآن الذي يعلم السر أي: لا يخفى ~~عليه شيء في السماوات والأرض. ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 7 الى 9] # وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال ~~الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (8) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا ~~فلا يستطيعون سبيلا (9) # قوله تعالى: وقالوا يعني المشركين مال هذا الرسول يأكل الطعام أنكروا أن ~~يكون الرسول بشرا يأكل الطعام ويمشي في الطرق كما يمشي سائر الناس يطلب ~~المعيشة والمعنى: أنه ليس بملك ولا ملك، لأن الملائكة لا تأكل، والملوك لا ~~تتبذل في الأسواق، فعجبوا أن يكون مساويا للبشر لا يتميز عليهم بشيء وإنما ~~جعله الله بشرا ليكون مجانسا للذين أرسل إليهم، ولم يجعله ملكا يمتنع ~~PageV03P312 # من المشي في الأسواق، لأن ذلك من فعل الجبابرة، ولأنه أمر بدعائهم، ~~فاحتاج أن يمشي بينهم. قوله تعالى: لولا أنزل إليه ملك وذلك أنهم قالوا له: ~~سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك ويجعل لك ms1647 جنانا وقصورا وكنوزا فذلك قوله ~~تعالى: أو يلقى إليه كنز أي: ينزل إليه كنز من السماء أو تكون له جنة يأكل ~~منها أي: بستان يأكل من ثماره. قرأ ابن كثير ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن ~~عامر: «يأكل منها» بالياء، يعنون النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ حمزة، ~~والكسائي: «نأكل» بالنون، قال أبو علي: المعنى: يكون له علينا مزية في ~~الفضل بأكلنا من جنته. وباقي الآية مفسر في (بني إسرائيل) «1» . # قوله تعالى: انظر يا محمد كيف ضربوا لك الأمثال حين مثلوك بالمسحور، ~~وبالكاهن والمجنون والشاعر فضلوا بهذا عن الهدى فلا يستطيعون سبيلا فيه ~~قولان: # أحدهما: لا يستطيعون مخرجا من الأمثال التي ضربوها، قاله مجاهد، والمعنى ~~أنهم كذبوا ولم يجدوا على قولهم حجة وبرهانا. وقال الفراء: لا يستطيعون في ~~أمرك حيلة. # والثاني: سبيلا إلى الطاعة، قاله السدي. ### | ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 10 الى # 14] # تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل ~~لك قصورا (10) بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (11) إذا ~~رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) وإذا ألقوا منها مكانا ~~ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ~~ثبورا كثيرا (14) # ثم أخبر أنه لو شاء لأعطاه خيرا مما قالوا في الدنيا، وهو قوله: خيرا من ~~ذلك يعني: لو شئت لأعطيتك في الدنيا خيرا مما قالوا، لأنه قد شاء أن يعطيه ~~ذلك في الآخرة. ويجعل لك قصورا # قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «ويجعل لك قصورا» برفع ~~اللام. وقرأ أبو عمرو، ونافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «ويجعل» بجزم ~~اللام. فمن قرأ بالجزم، كان المعنى: إن يشأ يجعل لك جنات ويجعل لك قصورا. ~~ومن رفع، فعلى الاستئناف المعنى: وسيجعل لك قصورا في الآخرة. وقد سبق معنى ~~«اعتدنا» «2» ومعنى «السعير» «3» . # قوله تعالى: إذا رأتهم من مكان بعيد قال السدي عن أشياخه: من مسيرة مائة ~~عام. # فان قيل: السعير مذكر، فكيف قال: «إذا رأتهم» ؟ فالجواب: أنه أراد ~~بالسعير ms1648 النار. # قوله تعالى: سمعوا لها تغيظا فيه قولان: أحدهما: غليان تغيظ، قاله ~~الزجاج. قال المفسرون: # والمعنى أنها تتغيظ عليهم فيسمعون صوت تغيظها وزفيرها كالغضبان إذا غلا ~~صدره من الغيظ. والثاني: # يسمعون فيها تغيظ المعذبين وزفيرهم، حكاه ابن قتيبة. # قوله تعالى: وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا قال ~~المفسرون: تضيق عليهم كما يضيق الزج على الرمح، وهم قد قرنوا مع الشياطين. ~~والثبور: الهلكة. وقرأ عاصم الجحدري، وابن السميفع: «ثبورا» بفتح الثاء. ~~PageV03P313 # قوله تعالى: وادعوا ثبورا كثيرا قال الزجاج: الثبور مصدر، فهو للقليل ~~والكثير على لفظ الواحد، كما تقول: ضربته ضربا كثيرا، والمعنى: هلاككم أكثر ~~من أن تدعوا مرة واحدة. # (1047) وروى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول من ~~يكسى من أهل النار يوم القيامة إبليس، يكسى حلة من النار فيضعها على حاجبيه ~~ويسحبها من خلفه وذريته خلفه وهو يقول: ووا ثبوراه، وهم ينادون: يا ثبورهم، ~~حتى يقفوا على النار، فينادي: يا ثبوراه، وينادون: يا ثبورهم، فيقول الله ~~عز وجل: لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا. ### | ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 15 الى # 16] # قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) ~~لهم فيها ما يشاؤن خالدين كان على ربك وعدا مسؤلا (16) # قوله تعالى: قل أذلك يعني: السعير خير أم جنة الخلد وهذا تنبيه على تفاوت ~~ما بين المنزلتين، لا على أن في السعير خيرا. وقال الزجاج: قد وقع التساوي ~~بين الجنة والنار في أنهما منزلان، فلذلك وقع التفضيل بينهما. قوله تعالى: ~~كانت لهم جزاء أي: ثوابا ومصيرا أي: # مرجعا. قوله تعالى: كان على ربك المشار إليه، إما الدخول، وإما الخلود ~~وعدا وعدهم الله إياه على ألسنة الرسل. وفي معنى «مسؤولا» قولان: أحدهما: ~~مطلوبا. وفي الطالب له قولان. أحدهما: # أنهم المؤمنون، سألوا الله في الدنيا إنجاز ما وعدهم به. والثاني: أن ~~الملائكة سألته ذلك لهم، وهو قوله: ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم «1» ~~. والثاني: أن معنى المسؤول: الواجب. ### | [سورة ms1649 الفرقان (25) : الآيات 17 الى 20] # ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم ~~هم ضلوا السبيل (17) قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من ~~أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (18) فقد ~~كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا ~~كبيرا (19) وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في ~~الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (20) # قوله تعالى: ويوم يحشرهم قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: «يحشرهم» «فيقول» ~~بالياء PageV03P314 # فيهما. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: ~~«نحشرهم» بالنون «فيقول» بالياء. وقرأ ابن عامر: «نحشرهم» «فنقول» بالنون ~~فيهما جميعا ويعني: المشركين، وما يعبدون قال مجاهد: يعني عيسى وعزيرا ~~والملائكة. وقال عكرمة، والضحاك: يعني الأصنام، فيأذن الله للأصنام في ~~الكلام، ويخاطبها: فيقول أأنتم أضللتم عبادي أي: أمرتموهم بعبادتكم أم هم ~~ضلوا السبيل أي: أخطئوا الطريق. قالوا يعني الأصنام سبحانك نزهوا الله ~~تعالى أن يعبد غيره ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء نواليهم ~~والمعنى: ما كان ينبغي لنا أن نعبد نحن غيرك، فكيف ندعو إلى عبادتنا؟! فدل ~~هذا الجواب على أنهم لم يأمروا بعبادتهم. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وابن ~~جبير، والحسن، وقتادة، وأبو جعفر، وابن يعمر، وعاصم الجحدري: «أن نتخذ» ~~برفع النون وفتح الخاء. ثم ذكروا سبب تركهم للإيمان، فقالوا: ولكن متعتهم ~~أي: أطلت لهم العمر وأوسعت لهم الرزق حتى نسوا الذكر أي: تركوا الإيمان ~~بالقرآن والاتعاظ به وكانوا قوما بورا قال ابن عباس: هلكى. وقال في رواية ~~أخرى، البور: في لغة أزد عمان: الفاسد. قال ابن قتيبة: هو من بار يبور: إذا ~~هلك وبطل، يقال: بار الطعام: إذا كسد، وبارت الأيم: إذا لم يرغب فيها. # (1048) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من بوار الأيم. # قال: وقال أبو عبيدة: يقال رجل بور وقوم بور، لا يجمع ولا يثنى، واحتج ~~بقول الشاعر: # يا ms1650 رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور «1» # قال: وقد سمعنا ب «رجل بائر» ، ورأيناهم ربما جمعوا «فاعلا» على «فعل» ، ~~نحو عائذ وعوذ، وشارف وشرف. قال المفسرون: فيقال للكفار حينئذ فقد كذبوكم ~~أي: فقد كذبكم المعبودون في قولكم: إنهم آلهة. وقرأ سعيد بن جبير، ومجاهد، ~~ومعاذ القارئ، وابن شنبوذ عن قنبل: «بما يقولون» بالياء والمعنى: كذبوكم ~~بقولهم: سبحانك ما كان ينبغي لنا الآية هذا قول الأكثرين. وقال ابن زيد: # الخطاب للمؤمنين فالمعنى: فقد كذبكم المشركون بما تقولون: إن محمدا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: فما تستطيعون صرفا ولا نصرا قرأ الأكثرون بالياء. وفيه ~~وجهان: أحدهما: فما يستطيع المعبودون صرفا للعذاب عنكم ولا نصرا لكم. ~~والثاني: فما يستطيع الكفار صرفا لعذاب الله عنهم ولا نصرا لأنفسهم. وقرأ ~~حفص عن عاصم: «تستطيعون» بالتاء والخطاب للكفار. وحكى ابن قتيبة عن يونس ~~البصري أنه قال: الصرف: الحيلة من قولهم: إنه ليتصرف. قوله تعالى: ومن يظلم ~~منكم أي: بالشرك نذقه في الآخرة. وقرأ عاصم الجحدري، والضحاك، وأبو الجوزاء ~~وقتادة: «يذقه» بالياء عذابا كبيرا أي: شديدا. وما أرسلنا قبلك من المرسلين ~~قال الزجاج: # في الآية محذوف، تقديره: وما أرسلنا قبلك رسلا من المرسلين، فحذفت رسلا ~~لأن قوله: من المرسلين يدل عليها. # قوله تعالى: إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق أي: إنهم كانوا ~~على مثل حالك، PageV03P315 # فكيف تكون بدعا منهم؟! فان قيل: لم كسرت «إنهم» ها هنا، وفتحت في براءة ~~في قوله تعالى: أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم «1» فقد بينا علة فتح تلك ~~فأما كسر هذه فذكر ابن الأنباري فيه وجهين: # أحدهما: أن تكون فيها واو للحال مضمرة، فكسرت بعدها «إن» للاستئناف، ~~فيكون التقدير: إلا وإنهم ليأكلون الطعام، فأضمرت الواو ها هنا كما أضمرت ~~في قوله تعالى: أو هم قائلون «2» ، والتأويل، أو وهم قائلون. والثاني: أن ~~تكون كسرت لإضمار «من» قبلها، فيكون التقدير: وما أرسلنا قبلك من المرسلين ~~إلا من إنهم ليأكلون، قال الشاعر: # فظلوا ومنهم دمعه سابق له ... وآخر ms1651 يثني دمعة العين بالمهل «3» # أراد: من دمعه. # قوله تعالى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة الفتنة: الابتلاء والاختبار. وفي ~~معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: أنه افتتان الفقير بالغني، يقول: لو شاء ~~لجعلني غنيا، والأعمى بالبصير، والسقيم بالصحيح، قاله الحسن. والثاني: ~~ابتلاء الشريف بالوضيع، والعربي بالمولى، فاذا أراد الشريف أن يسلم فرأى ~~الوضيع قد سبقه بالإسلام أنف فأقام على كفره، قاله ابن السائب. والثالث: أن ~~المستهزئين من قريش كانوا إذا رأوا فقراء المؤمنين، قالوا: انظروا إلى ~~أتباع محمد من موالينا ورذالتنا، قاله مقاتل. # فعلى الأول: يكون الخطاب بقوله: أتصبرون لأهل البلاء. وعلى الثاني: ~~للرؤساء، فيكون المعنى: # أتصبرون على سبق الموالي والأتباع. وعلى الثالث: للفقراء والمعنى: ~~أتصبرون على أذى الكفار واستهزائهم، فالمعنى: قد علمتم ما وعد الصابرون، ~~وكان ربك بصيرا بمن يصبر وبمن يجزع. ### | ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 21 الى # 24] # وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد ~~استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (21) يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ ~~للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه ~~هباء منثورا (23) أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) # قوله تعالى: وقال الذين لا يرجون لقاءنا أي: لا يخافون البعث لولا أي: ~~هلا أنزل علينا الملائكة فكانوا رسلا إلينا وأخبرونا بصدقك، أو نرى ربنا ~~فيخبرنا أنك رسوله، لقد استكبروا في أنفسهم أي: تكبروا حين سألوا هذه ~~الآيات وعتوا عتوا كبيرا قال الزجاج: العتو في اللغة: مجاوزة القدر في ~~الظلم. قوله تعالى: يوم يرون الملائكة فيه قولان: أحدهما: عند الموت. ~~والثاني: يوم القيامة. قال الزجاج: وانتصب اليوم على معنى: لا بشرى ~~للمجرمين يوم يرون الملائكة، و «يومئذ» مؤكد ل «يوم يرون الملائكة» والمعنى ~~أنهم يمنعون البشرى في ذلك اليوم ويجوز أن يكون «يوم» منصوبا على معنى: ~~اذكر يوم يرون الملائكة، ثم أخبر فقال: لا بشرى والمجرمون ها هنا: الكفار. # قوله تعالى: ويقولون حجرا محجورا وقرأ قتادة، والضحاك، ومعاذ القارئ: ~~«حجرا» بضم الحاء. # قال الزجاج: وأصل الحجر في اللغة: ما ms1652 حجرت عليه، أي: منعت من أن يوصل ~~إليه، ومنه حجر PageV03P316 # القضاة على الأيتام. وفي القائلين لهذا قولان «1» : أحدهما: أنهم ~~الملائكة يقولون للكفار: حجرا محجورا، أي: حراما محرما. وفيما حرموه عليهم ~~قولان: أحدهما: البشرى، فالمعنى: حرام محرم أن تكون لكم البشرى، قاله ~~الضحاك، والفراء وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: أن تدخلوا الجنة، قاله ~~مجاهد. والثاني: أنه قول المشركين إذا عاينوا العذاب، ومعناه الاستعاذة من ~~الملائكة، روي عن مجاهد أيضا. وقال ابن فارس: كان الرجل إذا لقي من يخافه ~~في الشهر الحرام، قال: حجرا محجورا أي: حرام عليك أذاي، فاذا رأى المشركون ~~الملائكة يوم القيامة، قالوا: حجرا محجورا، يظنون أنه ينفعهم كما كان ~~ينفعهم في الدنيا. # قوله تعالى: وقدمنا قال ابن قتيبه: أي: قصدنا وعمدنا، والأصل أن من اراد ~~القدوم إلى موضع عمد له وقصده. قوله تعالى: إلى ما عملوا من عمل أي: من ~~أعمال الخير فجعلناه هباء لأن العمل لا يتقبل مع الشرك. وفي الهباء خمسة ~~أقوال «2» : أحدها: أنه ما رأيته يتطاير في الشمس التي تدخل في الكوة مثل ~~الغبار، قاله علي رضي الله عنه، والحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ~~واللغويون والمعنى أن الله أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء. والثاني: ~~أنه الماء المهراق، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: أنه ما تنسفه ~~الرياح وتذريه من التراب وحطام الشجر، رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس. ~~والرابع: أنه الشرر الذي يطير من النار إذا أضرمت، فاذا وقع لم يكن شيئا، ~~رواه عطية عن ابن عباس. والخامس: أنه ما يسطع من حوافر الدواب، قاله مقاتل. ~~والمنثور: المتفرق. # قوله تعالى: أصحاب الجنة يومئذ أي: يوم القيامة، خير مستقرا أفضل منزلا ~~من المشركين وأحسن مقيلا قال الزجاج: المقيل: المقام وقت القائلة، وهو ~~النوم نصف النهار. وقال الأزهري: القيلولة عند العرب: الاستراحة نصف النهار ~~إذا اشتد الحر وإن لم يكن مع ذلك نوم. وقال ابن مسعود، وابن عباس: لا ينتصف ~~النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. ms1653 ~~PageV03P317 ### | ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 25 الى # 29] # ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا (25) الملك يومئذ الحق ~~للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (26) ويوم يعض الظالم على يديه يقول ~~يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (27) يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ~~(28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا (29) # قوله تعالى: ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا هذا معطوف ~~على قوله: يوم يرون الملائكة، وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: «تشقق» ~~بالتشديد، فأدغموا التاء فى الشين، لأن الأصل: # تتشقق. قال الفراء: المعنى: تتشقق السماء عن الغمام، وتنزل فيه الملائكة، ~~و «على» و «عن» و «الباء» في هذا الموضع بمعنى واحد، لأن العرب تقول: رميت ~~عن القوس، وبالقوس، وعلى القوس، والمعنى واحد. وقال أبو علي الفارسي: ~~المعنى: تتشقق السماء وعليها غمام، كما تقول: ركب الأمير بسلاحه، وخرج ~~بثيابه، وإنما تتشقق السماء لنزول الملائكة. قال ابن عباس: تتشقق السماء عن ~~الغمام، وهو الغيم الأبيض، وتنزل الملائكة في الغمام. وقال مقاتل: المراد ~~بالسماء: السموات، تتشقق عن الغمام، وهو غمام أبيض كهيئة الضباب، فتنزل ~~الملائكة عند انشقاقها. وقرأ ابن كثير: «وننزل» بنونين، الأولى مضمومة، ~~والثانية ساكنة، واللام مضمومة، و «الملائكة» نصبا. وقرأ عاصم الجحدري، ~~وأبو عمران الجوني: «ونزل» بنون واحدة مفتوحة ونصب الزاي وتشديدها وفتح ~~اللام ونصب «الملائكة» . وقرأ ابن يعمر: «ونزل» بفتح النون واللام والزاي ~~والتخفيف «الملائكة» بالرفع. قوله تعالى: الملك يومئذ الحق للرحمن قال ~~الزجاج: المعنى: الملك الذي هو الملك حقا للرحمن «1» . فأما العسير، فهو ~~الصعب الشديد يشتد على الكفار، ويهون على المؤمنين فيكون كمقدار صلاة ~~مكتوبة. # قوله تعالى: ويوم يعض الظالم على يديه في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (1049) أحدها: أن أبي بن خلف كان يحضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويجالسه من غير أن يؤمن به، فزجره عقبة بن أبي معيط عن ذلك، فنزلت هذه ~~الآية، رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس. # (1050) والثاني: أن عقبة دعا قوما فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لطعام ms1654 فأكلوا، وأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل، وقال: «لا آكل ~~حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» ، فشهد بذلك عقبة، فبلغ ذلك ~~PageV03P318 # أبي بن خلف، وكان خليلا له، فقال: صبوت يا عقبة؟ فقال: لا والله، ولكنه ~~أبى أن يأكل حتى قلت ذلك، وليس من نفسي، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. # (1051) والثالث: أن عقبة كان خليلا لأمية بن خلف، فأسلم عقبة، فقال أمية: ~~وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمدا، فكفر وارتد لرضى أمية، فنزلت هذه الآية، ~~قاله الشعبي. # فأما الظالم المذكور ها هنا، فهو الكافر، وفيه قولان: # أحدهما: أنه أبي بن خلف، رواه العوفي عن ابن عباس. # والثاني: عقبة بن أبي معيط، قاله مجاهد وسعيد بن جبير، وقتادة. وقال ~~عطاء: يأكل يديه حتى تذهبا إلى المرفقين، ثم تنبتان، فلا يزال هكذا كلما ~~نبتت يده أكلها ندامة على ما فعل. # قوله تعالى: يا ليتني اتخذت الأكثرون يسكنون «يا ليتني» ، وأبو عمرو ~~يحركها، قال أبو علي: # والأصل التحريك، لأنها بازاء الكاف التي للخطاب، إلا أن حرف اللين تكره ~~فيه الحركة، ولذلك أسكن من أسكن والمعنى: ليتني اتبعته فاتخذت معه طريقا ~~إلى الهدى. # قوله تعالى: يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا في المشار إليه أربعة أقوال: ~~أحدها: أنه عنى أبي بن خلف، قاله ابن عباس. والثاني: عقبة بن أبي معيط، ~~قاله أبو مالك. والثالث: الشيطان، قاله مجاهد. والرابع: # أمية بن خلف، قاله السدي. فان قيل: إنما يكنى من يخاف المبادأة أو يحتاج ~~إلى المداجاة، فما وجه الكناية؟ فالجواب: أنه أراد بالظالم: كل ظالم، وأراد ~~بفلان: كل من أطيع في معصية الله وأرضي بسخط الله، وإن كانت الآية نزلت في ~~شخص، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: لقد أضلني عن الذكر أي: صرفني عن القرآن والإيمان به بعد إذ ~~جاءني مع الرسول، وها هنا تم الكلام. ثم قال الله تعالى: وكان الشيطان ~~للإنسان يعني: الكافر خذولا يتبرأ منه في الآخرة. ### | ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 30 الى # 31] # وقال الرسول يا ms1655 رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (30) وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا (31) # قوله تعالى: وقال الرسول يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وهذا عند كثير ~~من العلماء أنه يقوله يوم القيامة فالمعنى: ويقول الرسول يومئذ. وذهب ~~آخرون، منهم مقاتل، إلى أن الرسول قال ذلك شاكيا من قومه إلى الله تعالى ~~حين كذبوه «1» . وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «إن قومي اتخذوا» بتحريك ~~الياء وأسكنها عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي. PageV03P319 # وفي المراد بقوله: مهجورا قولان: أحدهما: متروكا لا يلتفتون إليه ولا ~~يؤمنون به، وهذا معنى قول ابن عباس، ومقاتل. والثاني: هجروا فيه، أي: جعلوه ~~كالهذيان، ومنه يقال: فلان يهجر في منامه، أي: يهذي، قاله ابن قتيبة. وقال ~~الزجاج: الهجر: ما لا ينتفع به من القول: قال المفسرون: # فعزاه الله عز وجل، فقال: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا أي: كما جعلنا لك ~~أعداء من مشركي قومك، جعلنا لكل نبي عدوا من كفار قومه والمعنى: لا يكبرن ~~هذا عليك، فلك بالأنبياء أسوة وكفى بربك هاديا لك ونصيرا يمنعك من عدوك. ~~قال الزجاج: والباء في قوله: بربك زائدة فالمعنى: كفى ربك هاديا ونصيرا. ### | ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 32 الى # 34] # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ~~ورتلناه ترتيلا (32) ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (33) ~~الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا (34) # قوله تعالى: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة أي: كما أنزلت التوراة ~~والإنجيل والزبور، فقال الله عز وجل: كذلك أي: أنزلناه كذلك متفرقا، لأن ~~معنى ما قالوا: لم نزل عليه متفرقا؟ فقيل: # إنما أنزلناه كذلك لنثبت به فؤادك أي: لنقوي به قلبك فتزداد بصيرة، وذلك ~~أنه كان يأتيه الوحي في كل أمر وحادثة، فكان أقوى لقلبه وأنور لبصيرته ~~وأبعد لاستيحاشه، ورتلناه ترتيلا أي: أنزلناه على الترتيل، وهو التمكث الذي ~~يضاد العجلة. # قوله تعالى: ولا يأتونك يعني المشركين بمثل يضربونه لك في مخاصمتك وإبطال ~~أمرك إلا ms1656 جئناك بالحق أي: بالذي هو الحق لنرد به كيدهم وأحسن تفسيرا من ~~مثلهم والتفسير: البيان والكشف. قال مقاتل: ثم أخبر بمستقرهم في الآخرة، ~~فقال: الذين يحشرون على وجوههم وذلك أن كفار مكة قالوا: إن محمدا وأصحابه ~~شر خلق الله، فنزلت هذه الآية. قوله تعالى: أولئك شر مكانا أي: منزلا ~~ومصيرا وأضل سبيلا دينا وطريقا من المؤمنين. ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 35 الى 39] # ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (35) فقلنا اذهبا ~~إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) وقوم نوح لما كذبوا ~~الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما (37) ~~وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) وكلا ضربنا له الأمثال ~~وكلا تبرنا تتبيرا (39) # قوله تعالى: اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا. إن قيل: إنما عاينوا ~~الآيات بعد وجود الرسالة، فكيف يقع التكذيب منهم قبل وجود الآيات؟ فالجواب: ~~أنهم كانوا مكذبين أنبياء الله وكتبه # PageV03P320 # المتقدمة، ومن كذب نبيا فقد كذب سائر الأنبياء، ولهذا قال: وقوم نوح لما ~~كذبوا الرسل، وقال الزجاج: يجوز ان يكون المراد به نوح وحده، وقد ذكر بلفظ ~~الجنس، كما يقال: فلان يركب الدواب، وإن لم يركب إلا دابة واحدة وقد شرحنا ~~هذا في سورة هود عند قوله: وعصوا رسله «1» . وقد سبق معنى التدمير. # قوله تعالى: وأصحاب الرس في الرس ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بئر كانت تسمى ~~الرس، قاله ابن عباس في رواية العوفي. وقال في رواية عكرمة: هي بئر ~~بأذربيجان. وزعم ابن السائب أنها بئر دون اليمامة. وقال السدي: بئر ~~بأنطاكية. والثاني: أن الرس قرية من قرى اليمامة، قاله قتادة. والثالث: ~~أنها المعدن، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة. # وفي تسميتها بالرس قولان: أحدهما: أنهم رسوا نبيهم في البئر، قاله عكرمة. ~~قال الزجاج: # رسوه، أي: دسوه فيها. والثاني: أن كل ركية لم تطو فهي رس، قاله ابن ~~قتيبة. # واختلفوا في أصحاب الرس على خمسة أقوال «2» : أحدها: أنهم قوم كانوا ~~يعبدون شجرة، فبعث الله إليهم نبيا من ولد يهوذا بن يعقوب، فحفروا له بئرا ~~وألقوه ms1657 فيها، فهلكوا، قاله علي بن أبي طالب. # والثاني: أنهم قوم كان لهم نبي يقال له: حنظلة بن صفوان، فقتلوا نبيهم ~~فأهلكهم الله، قاله سعيد بن جبير. والثالث: أنهم كانوا أهل بئر ينزلون ~~عليها، وكانت لهم مواش، وكانوا يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم شعيبا، ~~فتمادوا في طغيانهم، فانهارت البئر، فخسف بهم وبمنازلهم، قاله وهب بن منبه. # والرابع: أنهم الذين قتلوا حبيبا النجار، قتلوه في بئر لهم، وهو الذي ~~قال: يا قوم اتبعوا المرسلين «3» ، قاله السدي. والخامس: أنهم قوم قتلوا ~~نبيهم وأكلوه، وأول من عمل السحر نساؤهم، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: وقرونا المعنى: وأهلكنا قرونا بين ذلك كثيرا أي: بين عاد ~~وأصحاب الرس. # وقد سبق بيان القرون «4» وفي هذه القصص تهديد لقريش. # قوله تعالى: وكلا ضربنا له الأمثال أي: أعذرنا إليه بالموعظة وإقامة ~~الحجة وكلا تبرنا قال الزجاج: التتبير: التدمير، وكل شىء كسرته وفتته فقد ~~تبرته، وكسارته: التبر، ومن هذا قيل لمكسور الزجاج: التبر، وكذلك تبر ~~الذهب. PageV03P321 ### | ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 40 الى # 44] # ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا ~~لا يرجون نشورا (40) وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله ~~رسولا (41) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين ~~يرون العذاب من أضل سبيلا (42) أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه ~~وكيلا (43) أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم ~~أضل سبيلا (44) # قوله تعالى: ولقد أتوا يعني كفار مكة على القرية التي أمطرت مطر السوء ~~يعني قرية قوم لوط التي رميت بالحجارة أفلم يكونوا يرونها في أسفارهم ~~فيعتبروا؟! ثم أخبر بالذي جرأهم على التكذيب، فقال: بل كانوا لا يرجون ~~نشورا أي: لا يخافون بعثا، هذا قول المفسرين. وقال الزجاج: الذي عليه أهل ~~اللغة أن الرجاء ليس بمعنى الخوف، وإنما المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب ~~عمل الخير، فركبوا المعاصي. # قوله تعالى: وإذا رأوك إن يتخذونك أي: ما يتخذونك إلا هزوا أي: مهزوءا ms1658 ~~به، ثم ذكر ما يقولون من الاستهزاء: أهذا الذي بعث الله رسولا (41) إن كاد ~~ليضلنا عن آلهتنا أي: ليصرفنا عن عبادة آلهتنا لولا أن صبرنا عليها أي: على ~~عبادتها قال الله تعالى: وسوف يعلمون حين يرون العذاب في الآخرة من أضل أي: ~~من أخطأ طريقا عن الهدى، أهم، أم المؤمنون. ثم عجب نبيه من جهلهم حين عبدوا ~~ما دعاهم إليه الهوى، فقال: أرأيت من اتخذ إلهه هواه قال ابن عباس: كان ~~أحدهم يعبد الحجر، فاذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر. وقال قتادة: ~~هو الكافر لا يهوى شيئا إلا ركبه. وقال ابن قتيبة: المعنى: يتبع هواه ويدع ~~الحق، فهو له كالإله. قوله تعالى: أفأنت تكون عليه وكيلا أي: حفيظا يحفظه ~~من اتباع هواه. وزعم الكلبي أن هذه الآية منسوخة بآية القتال. # قوله تعالى: أم تحسب أن أكثرهم يسمعون يعني أهل مكة والمراد: يسمعون سماع ~~طالب للإفهام أو يعقلون ما يعاينون من الحجج والأعلام إن هم إلا كالأنعام ~~وفي وجه تشبيههم بالأنعام قولان: أحدهما: أن الأنعام تسمع الصوت ولا تفقه ~~القول. والثاني: أنه ليس لها هم إلا المأكل والمشرب. قوله تعالى: بل هم أضل ~~سبيلا لأن البهائم تهتدي لمراعيها وتنقاد لأربابها وتقبل على المحسن إليها، ~~وهم على خلاف ذلك. ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 45 الى 52] # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا (45) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ~~والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (47) وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي ~~رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما ~~خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) # ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (50) ولو شئنا ~~لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا ~~(52) # PageV03P322 # قوله تعالى: ألم تر إلى ربك أي: إلى فعل ربك. وقال الزجاج: معناه: ألم ~~تعلم، فهو من رؤية القلب، ويجوز أن يكون من رؤية العين، فالمعنى: ms1659 ألم تر ~~إلى الظل كيف مده ربك؟ والظل من وقت طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس ولو شاء ~~لجعله ساكنا أي: ثابتا لا يزول ثم جعلنا الشمس عليه دليلا فالشمس دليل على ~~الظل، فلولا الشمس ما عرف أنه شيء، كما أنه لولا النور ما عرفت الظلمة، فكل ~~الأشياء تعرف بأضدادها. قوله تعالى: ثم قبضناه إلينا يعني: الظل قبضا يسيرا ~~وفيه قولان: أحدهما: سريعا، قاله ابن عباس. والثاني: خفيا، قاله مجاهد. وفي ~~وقت قبض الظل قولان: أحدهما: عند طلوع الشمس يقبض الظل وتجمع أجزاؤه ~~المنبسطة بتسليط الشمس عليه حتى تنسجه شيئا فشيئا. والثاني: عند غروب الشمس ~~تقبض أجزاء الظل بعد غروبها، ويخلف كل جزء منه جزءا من الظلام. # قوله تعالى: وهو الذي جعل لكم الليل لباسا أي: ساترا بظلمته، لأن ظلمته ~~تغشى الأشخاص وتشتمل عليها اشتمال اللباس على لابسه والنوم سباتا قال ابن ~~قتيبة: أي: راحة، ومنه يوم السبت، لأن الخلق اجتمع يوم الجمعة، وكان الفراغ ~~منه في يوم السبت، فقيل لبني إسرائيل: استريحوا في هذا اليوم ولا تعملوا ~~فيه شيئا، فسمي يوم السبت، أي: يوم الراحة، وأصل السبت: التمدد، ومن تمدد ~~استراح. وقال ابن الأنباري: أصل السبت، القطع، فالمعنى: وجعلنا النوم قطعا ~~لأعمالكم. قوله تعالى: # وجعل النهار نشورا فيه قولان: أحدهما: تنتشرون فيه لابتغاء الرزق، قاله ~~ابن عباس. والثاني: تنشر الروح باليقظة كما تنشر بالبعث، حكاه الماوردي. ~~قوله تعالى: وهو الذي أرسل الرياح قد شرحناه في الأعراف «1» إلى قوله ~~تعالى: وأنزلنا من السماء ماء طهورا يعني: المطر. قال الأزهري: الطهور في ~~اللغة: الطاهر المطهر. والطهور ما يتطهر به، كالوضوء الذي يتوضأ به، ~~والفطور الذي يفطر عليه. # قوله تعالى: لنحيي به بلدة ميتا وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو ~~جعفر: «ميتا» بالتشديد. قال الزجاج: لفظ البلدة مؤنث، وإنما قيل: «ميتا» ~~لأن معنى البلدة والبلد سواء. وقال غيره: # إنما قال: «ميتا» ، لأنه أراد بالبلدة المكان. وقد سبق معنى صفة البلدة ~~بالموت. ومعنى: «ونسقيه» «2» . # وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء، والضحاك، والأعمش، وابن أبي ms1660 عبلة: «نسقيه» ~~بفتح النون. فأما الأناسي، فقال الزجاج: هو جمع إنسي، مثل كرسي وكراسي، ~~ويجوز أن يكون جمع إنسان، وتكون الياء بدلا من النون، الأصل: أناسين مثل ~~سراحين. وقرأ أبو مجلز، والضحاك، وأبو العالية، وعاصم الجحدري: «وأناسي» ~~بتخفيف الياء. # قوله تعالى: ولقد صرفناه يعني المطر بينهم مرة لهذه البلدة، ومرة لهذه ~~ليذكروا أي: # ليتفكروا في نعم الله عليهم فيه فيحمدوه. وقرأ حمزة، والكسائي: «ليذكروا» ~~خفيفة الذال. قال أبو علي: يذكر في معنى يتذكر، فأبى أكثر الناس إلا كفورا ~~وهم الذين يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، كفروا بنعمة الله. ولو شئنا لبعثنا ~~في كل قرية نذيرا المعنى: إنا بعثناك إلى جميع القرى لعظم كرامتك، فلا تطع ~~الكافرين، وذلك أن كفار مكة دعوه إلى دين آبائهم، وجاهدهم به أي: بالقرآن ~~جهادا كبيرا أي: تاما شديدا. PageV03P323 ### | ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 53 الى # 55] # وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا ~~وحجرا محجورا (53) وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك ~~قديرا (54) ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ~~ربه ظهيرا (55) # قوله تعالى: وهو الذي مرج البحرين قال الزجاج: أي: خلى بينهما تقول: مرجت ~~الدابة وأمرجتها: إذا خليتها ترعى. ومنه الحديث: # (1052) «مرجت عهودهم وأماناتهم» أي: اختلطت. # قال المفسرون: والمعنى «1» أنه أرسلهما في مجاريهما، فما يلتقيان، ولا ~~يختلط الملح بالعذب، ولا العذب بالملح، وهو قوله تعالى: هذا يعني: أحد ~~البحرين عذب أي: طيب، يقال: عذب الماء يعذب عذوبة، فهو عذب. قال الزجاج: ~~والفرات صفة للعذب، وهو أشد الماء عذوبة، والأجاج صفة للملح، وهو: المر ~~الشديد المرارة. وقال ابن قتيبة: هو أشد الماء ملوحة، وقيل: هو الذي ~~PageV03P324 # يخالطه مرارة، ويقال ماء ملح، ولا يقال مالح، والبرزخ: الحاجز. وفي هذا ~~الحاجز قولان: أحدهما: # أنه مانع من قدرة الله تعالى، قاله الأكثرون، قال الزجاج: فهما في مرأى ~~العين مختلطان، وفي قدرة الله منفصلان لا يختلط أحدهما بالآخر. قال أبو ~~سليمان الدمشقي: ورأيت عند عبادان من ms1661 سواد البصرة الماء العذب ينحدر في ~~دجلة نحو البحر، ويأتي المد من البحر، فيلتقيان، فلا يختلط أحد الماءين ~~بالآخر، يرى ماء البحر إلى الخضرة الشديدة، وماء دجلة إلى الحمرة الخفيفة ~~فيأتي المستقي فيغرف من ماء دجلة عذبا لا يخالطه شيء، وإلى جانبه ماء البحر ~~في مكان واحد. والثاني: أن الحاجز: الأرض واليبس، وهو قول الحسن، والأول ~~أصح. # قوله تعالى: وحجرا محجورا قال الفراء: أي: حراما محرما أن يغلب أحدهما ~~صاحبه. # قوله تعالى: وهو الذي خلق من الماء بشرا أي: من النطفة بشرا أي: إنسانا ~~فجعله نسبا وصهرا أي: ذا نسب وصهر. قال علي عليه السلام: النسب: ما لا يحل ~~نكاحه، والصهر: ما يحل نكاحه. # وقال الضحاك: النسب سبع، وهو قوله: حرمت عليكم أمهاتكم إلى قوله تعالى: ~~وبنات الأخت، والصهر خمس، وهو قوله: وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم إلى قوله: من ~~أصلابكم «1» . # وقال طاوس: الرضاعة من الصهر. وقال ابن قتيبة: «نسبا» أي: قرابة النسب، ~~«وصهرا» أي: قرابة النكاح. وكل شيء من قبل الزوج، مثل الأب والأخ، فهم ~~الأحماء، واحدهم حما، مثل: قفا، وحمو مثل أبو، وحمء مهموز ساكن الميم، وحم ~~مثل أب. وحماة المرأة: أم زوجها، لا لغة فيها غير هذه، وكل شيء من قبل ~~المرأة، فهم الأختان. والصهر يجمع ذلك كله. وحكى ابن فارس عن الخليل، أنه ~~قال: لا يقال لأهل بيت الرجل إلا أختان، ولأهل بيت المرأة إلا أصهار. ومن ~~العرب من يجعلهم أصهارا كلهم. والصهر: إذابة الشيء. وذكر الماوردي أن ~~المناكح سميت صهرا، لاختلاط الناس بها كما يختلط الشيء إذا صهر. # قوله تعالى: وكان الكافر على ربه ظهيرا فيه أربعة أقوال «2» : أحدها: ~~معينا للشيطان على ربه، لأن عبادته الأصنام معاونة للشيطان. والثاني: معينا ~~للمشركين على أن لا يوحدوا الله تعالى. والثالث: # معينا على أولياء ربه. والرابع: وكان الكافر على ربه هينا ذليلا، من ~~قولك: ظهرت بفلان: إذا جعلته وراء ظهرك ولم تلتفت إليه. قالوا: والمراد ~~بالكافر ها هنا أبو جهل. ### | ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 56 الى # 60] # وما أرسلناك إلا مبشرا ms1662 ونذيرا (56) قل ما أسئلكم عليه من أجر إلا من شاء ~~أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى ~~به بذنوب عباده خبيرا (58) الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيرا (59) وإذا قيل لهم اسجدوا ~~للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (60) PageV03P325 # قوله تعالى: ما أسئلكم عليه أي: على القرآن وتبليغ الوحي من أجر وهذا ~~توكيد لصدقه، لأنه لو سألهم شيئا من أموالهم لاتهموه، إلا من شاء معناه: ~~لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا بإنفاق ماله في مرضاة الله، فعل ذلك، ~~فكأنه قال: لا أسألكم لنفسي. وقد سبق تفسير الكلمات التي تلي هذه «1» ، إلى ~~قوله تعالى: فسئل به خبيرا، و «به» بمعنى: «عنه» ، قال ابن أحمر «2» : # فإن تسألوني بالنساء فإني ... بصير بأدواء النساء طبيب # وفي هاء «به» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى الله تعالى. والثاني: ~~إلى اسمه الرحمن، لأنهم قالوا: لا نعرف الرحمن. الثالث: إلى ما ذكر من خلق ~~السموات والأرض وغير ذلك. وفي الخبير أربعة أقوال «3» : أحدها: أنه جبريل، ~~قاله ابن عباس: والثاني: أنه الله تعالى، والمعنى: سلني فأنا الخبير، قاله ~~مجاهد. والثالث: القرآن، قاله شمر. والرابع: مسلمة أهل الكتاب، قاله أبو ~~سليمان، وهذا يخرج على قولهم: لا نعرف الرحمن، فقيل: سلوا مسلمة أهل ~~الكتاب، فإن الله خاطب موسى في التوراة باسمه الرحمن، فعلى هذا، الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد سواه. # قوله تعالى: وإذا قيل لهم يعني كفار مكة اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ~~قال المفسرون: إنهم قالوا: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فأنكروا أن ~~يكون من أسماء الله تعالى، أنسجد لما تأمرنا وقرأ حمزة، والكسائي: «يأمرنا» ~~بالياء، أي: لما يأمرنا به محمد، وهذا استفهام إنكار، ومعناها: لا نسجد ~~للرحمن الذي تأمرنا بالسجود له، وزادهم ذكر الرحمن نفورا أي: تباعدا من ~~الإيمان. ### | ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 61 الى # 62] # تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا ms1663 وقمرا منيرا (61) وهو ~~الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (62) # قوله تعالى: تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا قد شرحناه ~~في الحجر «4» : والمراد بالسراج: الشمس. وقرأ حمزة، والكسائي: «سرجا» بضم ~~السين والراء وإسقاط الألف. قال الزجاج: # أراد: الشمس والكواكب العظام ويجوز «سرجا» بتسكين الراء، مثل رسل ورسل. ~~قال الماوردي: لما اقترن بضوء الشمس وهج حرها، جعلها لأجل الحرارة سراجا، ~~ولما عدم ذلك في القمر جعله نورا. PageV03P326 # قوله تعالى: وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة فيه قولان: أحدهما: أن كل ~~واحد منهما يخالف الآخر في اللون، فهذا أبيض، وهذا أسود، روى هذا المعنى ~~الضحاك عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال قتادة. والثاني: أن ~~كل واحد منهما يخلف صاحبه، رواه عمرو بن قيس الملائي عن مجاهد، وبه قال ابن ~~زيد وأهل اللغة، وأنشدوا قول زهير: # بها العين والآرام يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم «1» # أي: إذا ذهبت طائفة جاءت طائفة. # قوله تعالى: لمن أراد أن يذكر أي: يتعظ ويعتبر باختلافهما. وقرأ حمزة: ~~«يذكر» خفيفة الذال مضمومة الكاف، وهي في معنى: يتذكر، أو أراد شكر الله ~~تعالى فيهما. ### | ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 63 الى # 67] # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما (63) والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64) والذين يقولون ربنا اصرف ~~عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (65) إنها ساءت مستقرا ومقاما (66) ~~والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (67) # قوله تعالى: وعباد الرحمن الذين يمشون وقرأ علي، وأبو عبد الرحمن السلمي، ~~وابن السميفع: «يمشون» برفع الياء وفتح الميم والشين وبالتشديد. قال ابن ~~قتيبة: إنما نسبهم إليه لاصطفائه إياهم، كقوله تعالى: ناقة الله «2» ، ~~ومعنى «هونا» : مشيا رويدا. ومنه يقال: أحبب حبيبك هونا ما. # وقال مجاهد: يمشون بالوقار والسكينة. وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ~~أي: سدادا. وقال الحسن: لا يجهلون على أحد، وإن جهل عليهم حلموا. وقال ~~مقاتل بن حيان: «قالوا سلاما» أي: # قولا ms1664 يسلمون فيه من الإثم. وهذه الآية محكمة عند الأكثرين. وزعم قوم أن ~~المراد بها أنهم يقولون للكفار: ليس بيننا وبينكم غير السلام، ثم نسخت بآية ~~السيف. # قوله تعالى: والذين يبيتون لربهم قال الزجاج: كل من أدركه الليل فقد بات، ~~نام أو لم ينم يقال: بات فلان قلقا، إنما المبيت إدراك الليل. # قوله تعالى: كان غراما فيه خمسة أقوال تتقارب معانيها: # (1053) أحدها: دائما، رواه أبو سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # والثاني: موجعا، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: ملحا، قاله ابن ~~السائب وقال ابن جريج: PageV03P327 # لا يفارق. والرابع: هلاكا، قاله أبو عبيدة: والخامس: أن الغرام في اللغة: ~~أشد العذاب، قال الشاعر: # ويوم النسار ويوم الجفا ... ركانا عذابا وكانا غراما» # قاله الزجاج. # قوله تعالى: ساءت مستقرا أي: بئس موضع الاستقرار وموضع الإقامة هي. # قوله تعالى: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وقرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو: «يقتروا» مفتوحة الياء مكسورة التاء. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: ~~«يقتروا» بفتح الياء وضم التاء. وقرأ نافع، وابن عامر: «يقتروا» بضم الياء ~~وكسر التاء. وفي معنى الكلام قولان «2» : أحدهما: أن الإسراف: مجاوزة الحد ~~في النفقة، والإقتار: التقصير عما لا بد منه، ويدل على هذا قول عمر بن ~~الخطاب: كفى بالمرء سرفا أن يأكل كل ما اشتهى. والثاني: أن الإسراف: ~~الإنفاق في معصية الله وإن قل، والإقتار: منع حق الله تعالى، قاله ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة وابن جريج في آخرين. قوله تعالى: وكان يعني الإنفاق بين ذلك ~~أي: بين الإسراف والإقتار قواما أي: عدلا قال ثعلب: القوام، بفتح القاف: # الاستقامة والعدل، وبكسرها: ما يدوم عليه الأمر ويستقر. ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 68 الى 70] # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (70) # قوله تعالى: والذين لا يدعون ms1665 مع الله إلها آخر في سبب نزولها ثلاثة ~~أقوال: # (1054) أحدها: ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود، قال: سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» ، ~~قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك» ، قلت: ثم أي؟ قال: «أن ~~تزاني حليلة جارك» ، فأنزل الله تعالى تصديقها: والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر الآية. # (1055) والثاني: أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا، ثم ~~أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن ~~لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت هذه الآية إلى قوله PageV03P328 # تعالى: غفورا رحيما، أخرجه مسلم من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس. # (1056) والثالث: أن وحشيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ~~أتيتك مستجيرا فأجرني حتى أسمع كلام الله، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: قد كنت أحب أن أراك على غير جوار، فأما إذا أتيتني مستجيرا فأنت في ~~جواري حتى تسمع كلام الله، قال: فإني أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم ~~الله وزنيت، فهل يقبل الله مني توبة؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى نزلت هذه الآية، فتلاها عليه، فقال: أرى شرطا، فلعلي لا أعمل صالحا، ~~أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزل: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء، فدعاه فتلاها عليه، فقال: ولعلي ممن لا يشاء، أنا في ~~جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزلت: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله الآية «1» ، فقال: نعم، الآن لا أرى شرطا، فأسلم، رواه ~~عطاء عن ابن عباس وهذا وحشي هو قاتل حمزة وفي هذا الحديث المذكور عنه نظر، ~~وهو بعيد الصحة، والمحفوظ في إسلامه غير هذا، وأنه قدم مع رسل الطائف فأسلم ~~من غير اشتراط. # وقوله تعالى: يدعون معناه: يعبدون. وقد سبق بيان قتل النفس بالحق في ~~الأنعام «2» . # قوله تعالى: ms1666 يلق أثاما وقرأ سعيد بن جبير، وأبو المتوكل: «يلق» برفع ~~الياء وفتح اللام وتشديد القاف مفتوحة. قال ابن عباس: يلق جزاء. وقال ~~مجاهد، وعكرمة: هو واد في جهنم. وقال ابن قتيبة: يلق عقوبة، وأنشد: # جزى الله ابن عروة حيث أمسى ... عقوقا والعقوق له أثام «3» # قال الزجاج: وقوله تعالى: يلق أثاما جزم على الجزاء. قال أبو عمرو ~~الشيباني: يقال: قد لقي أثام ذلك، أي: جزاء ذلك، وسيبويه والخليل يذهبان ~~إلى أن معناه: يلقى جزاء الأثام. قال سيبويه: وإنما جزمت «يضاعف له العذاب» ~~لأن مضاعفة العذاب لقي الآثام، فلذلك جزمت، كما قال الشاعر: # متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا # لأن الإتيان هو الإلمام، فجزم «تلمم» لانه بمعنى «تأتي» . وقرأ الحسن: ~~«يضعف» ، وهو جيد بالغ تقول: ضاعفت الشيء وضعفته. وقرأ عاصم: «يضاعف» ~~بالرفع على تفسير «يلق أثاما» كأن قائلا قال: ما لقي الأثام؟ فقيل: يضاعف ~~للآثم العذاب. وقرأ أبو المتوكل، وقتادة، وأبو حيوة: «يضعف» برفع الياء ~~وسكون الضاد وفتح العين خفيفة من غير ألف. وقرأ أبو حصين الأسدي، والعمري ~~عن أبي PageV03P329 # جعفر مثله، إلا أن العين مكسورة، و «العذاب» بالنصب. # قوله تعالى: ويخلد وقرأ أبو حيوة وقتادة والأعمش: «ويخلد» برفع الياء ~~وسكون الخاء وفتح اللام مخففة. وقرأ عاصم الجحدري وابن يعمر وأبو المتوكل ~~مثله، إلا أنهم شددوا اللام. ### | فصل: # ولعلماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية قولان: أحدهما: أنها منسوخة وفي ~~ناسخها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه قوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه ~~جهنم «1» ، قاله ابن عباس. وكان يقول: هذه مكية، والتي في النساء مدنية. ~~والثاني: أنها نسخت بقوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~الآية «2» . والثالث: أن الأولى نسخت بالثانية، وهي: إلا من تاب. # والقول الثاني: أنها محكمة والخلود إنما كان لانضمام الشرك إلى القتل ~~والزنا. وفساد القول الأول ظاهر، لأن القتل لا يوجب تخليدا عند الأكثرين ~~وقد بيناه في سورة النساء «3» ، والشرك لا يغفر إذا مات المشرك عليه، ~~والاستثناء ليس بنسخ. # قوله ms1667 تعالى: إلا من تاب. قال ابن عباس: # (1057) قرأنا على عهد رسول الله سنتين: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ~~ثم نزلت إلا من تاب فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح بشيء فرحه ~~بها، وب إنا فتحنا لك فتحا مبينا. # قوله تعالى: فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات اختلفوا في كيفية هذا ~~التبديل وفي زمان كونه، فقال ابن عباس: يبدل الله شركهم إيمانا، وقتلهم ~~إمساكا، وزناهم إحصانا وهذا يدل: أولا: # على أنه يكون في الدنيا، وممن ذهب إلى هذا المعنى سعيد بن جبير، ومجاهد، ~~وقتادة، والضحاك، وابن زيد. والثاني: أن هذا يكون في الآخرة، قاله سلمان ~~رضي الله عنه، وسعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين. وقال عمرو بن ميمون: يبدل ~~الله سيئات المؤمن إذا غفرها له حسنات، حتى إن العبد يتمنى أن تكون سيئاته ~~أكثر مما هي. وعن الحسن كالقولين. وروي عن الحسن أنه قال: ود قوم يوم ~~القيامة أنهم كانوا في الدنيا استكثروا من الذنوب فقيل: من هم؟ قال: هم ~~الذين قال الله تعالى فيهم: فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات. # (1058) ويؤكد هذا القول حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يؤتى ~~بالرجل يوم القيامة، فيقال: PageV03P330 # اعرضوا عليه صغار ذنوبه، فتعرض عليه صغار ذنوبه، وتنحى عنه كبارها، ~~فيقال: عملت يوم كذا، كذا وكذا، وهو مقر لا ينكر، وهو مشفق من الكبار، ~~فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة» ، أخرجه مسلم في «صحيحه» . ### | ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 71 الى # 74] # ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا (71) والذين لا يشهدون ~~الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم ~~يخروا عليها صما وعميانا (73) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا ~~وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما (74) # قوله تعالى: ومن تاب ظاهر هذه التوبة أنها عن الذنوب المذكورة. وقال ابن ~~عباس: يعني: # ممن لم يقتل ولم يزن، وعمل صالحا فاني قد قدمتهم وفضلتهم على من قاتل ~~نبيي واستحل محارمي. # قوله تعالى: فإنه يتوب إلى ms1668 الله متابا قال ابن الأنباري: معناه: من أراد ~~التوبة وقصد حقيقتها، فينبغي له أن يريد الله بها ولا يخلط بها ما يفسدها ~~وهذا كما يقول الرجل: من تجر فانه يتجر في البز، ومن ناظر فانه يناظر في ~~النحو، أي: من أراد ذلك، فينبغي أن يقصد هذا الفن قال: ويجوز أن يكون معنى ~~هذه الآية: ومن تاب وعمل صالحا، فان ثوابه وجزاءه يعظمان له عند ربه الذي ~~أراد بتوبته، فلما كان قوله: فإنه يتوب إلى الله متابا يؤدي عن هذا المعنى، ~~كفى منه، وهذا كما يقول الرجل للرجل: # إذا تكلمت فاعلم أنك تكلم الوزير، أي تكلم من يعرف كلامك ويجازيك، ومثله ~~قوله تعالى: إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت، ~~أي: فاني أتوكل على من ينصرني ولا يسلمني. وقال قوم: معنى الآية: فانه يرجع ~~إلى الله مرجعا يقبله منه. # قوله تعالى: والذين لا يشهدون الزور فيه ثمانية أقوال «1» : أحدها: أنه ~~الصنم، روى الضحاك عن ابن عباس ان الزور صنم كان للمشركين. والثاني: أنه ~~الغناء، قاله محمد ابن الحنفية، ومكحول وروى ليث عن مجاهد قال: لا يسمعون ~~الغناء. والثالث: الشرك، قاله الضحاك، وأبو مالك. والرابع: # لعب كان لهم في الجاهلية، قاله عكرمة. والخامس: الكذب، قاله قتادة، وابن ~~جريج. والسادس: شهادة الزور، قاله علي بن أبي طلحة. والسابع: أعياد ~~المشركين، قاله الربيع بن أنس. والثامن: أنه الخنا، قاله عمرو بن قيس. وفي ~~المراد باللغو ها هنا خمسة أقوال «2» : أحدها: المعاصي، قاله الحسن. ~~والثاني: أذى المشركين إياهم، قاله مجاهد. والثالث: الباطل، قاله قتادة. ~~والرابع: الشرك، قاله الضحاك. والخامس: # إذا ذكروا النكاح كنوا عنه، قاله مجاهد. وقال محمد بن علي: إذا ذكروا ~~الفروج كنوا عنها. PageV03P331 # قوله تعالى: مروا كراما فيه ثلاثة أقوال: أحدها: مروا حلماء، قاله ابن ~~السائب. والثاني: # مروا معرضين عنه، قاله مقاتل. والثالث: أن المعنى إذا مروا باللغو ~~جاوزوه، قاله الفراء. قوله تعالى: # والذين إذا ذكروا أي: وعظوا بآيات ربهم وهي القرآن لم يخروا عليها صما ~~وعميانا قال ابن ms1669 قتيبة: لم يتغافلوا عنها فكأنهم صم لم يسمعوها، عمي لم ~~يروها. وقال غيره من أهل اللغة: لم يثبتوا على حالتهم الأولى كأنهم لم ~~يسمعوا ولم يروا، وإن لم يكونوا خروا حقيقة تقول العرب: # شتمت فلانا فقام يبكي، وقعد يندب، وأقبل يعتذر، وظل يتحير، وإن لم يكن ~~قام ولا قعد. قوله تعالى: هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وابن عامر، وحفص عن عاصم: «وذرياتنا» على الجمع. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم: «وذريتنا» على التوحيد، قرة أعين وقرأ ابن ~~مسعود، وأبو حيوة: «قرات أعين» يعنون: من يعمل بطاعتك فتقر به أعيننا في ~~الدنيا والآخرة. وسئل الحسن عن قوله: «قرة أعين» في الدنيا، أم في الآخرة؟ ~~قال: لا، بل في الدنيا، وأي شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وولده ~~يطيعون الله، والله ما طلب القوم إلا أن يطاع الله فتقر أعينهم. قال ~~الفراء: إنما قال: «قرة» لأنها فعل، والفعل لا يكاد يجمع، ألا ترى إلى ~~قوله: وادعوا ثبورا كثيرا «1» فلم يجمعه والقرة مصدر، تقول: قرت عينه قرة، ~~ولو قيل: قرة عين أو قرات أعين كان صوابا. وقال غيره: أصل القرة من البرد، ~~لأن العرب تتأذى بالحر، وتستروح إلى البرد. # قوله تعالى: واجعلنا للمتقين إماما فيه قولان: أحدهما: اجعلنا أئمة يقتدى ~~بنا، قاله ابن عباس. وقال غيره: هذا من الواحد الذي يراد به الجمع، كقوله: ~~نا رسول رب العالمين # «2» ، وقوله: # فإنهم عدو لي «3» . والثاني: اجعلنا مؤتمين بالمتقين مقتدين بهم، قاله ~~مجاهد فعلى هذا يكون الكلام من المقلوب، فالمعنى: واجعل المتقين لنا إماما. ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 75 الى 77] # أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) خالدين فيها ~~حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف ~~يكون لزاما (77) # قوله تعالى: أولئك يجزون الغرفة قال ابن عباس: يعني الجنة. وقال غيره: ~~الغرفة: كل بناء عال مرتفع، والمراد غرف الجنة، وهي من الزبرجد والدر ~~والياقوت، بما صبروا على دينهم وعلى أذى المشركين. ms1670 قوله تعالى: ويلقون فيها ~~قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم: «ويلقون» بضم الياء وفتح اللام ~~وتشديد القاف. وقرأ أبن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: «ويلقون» ~~بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف، تحية وسلاما قال ابن عباس: يحيي ~~بعضهم بعضا بالسلام، ويرسل إليهم الرب عز وجل بالسلام. وقال مقاتل: «تحية» ~~يعني السلام، «وسلاما» أي: سلم الله لهم أمرهم وتجاوز عنهم. قوله تعالى: قل ~~ما يعبؤا بكم ربي فيه ثلاثة أقوال: PageV03P332 # أحدها: ما يصنع بكم! قاله ابن عباس. والثاني: أي وزن يكون لكم عنده تقول: ~~ما عبأت بفلان، أي: ما كان له عندي وزن ولا قدر، قاله الزجاج. والثالث: ما ~~يعبأ بعذابكم، قاله ابن قتيبة. وفي قوله تعالى: لولا دعاؤكم أربعة أقوال: ~~أحدها: لولا إيمانكم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # والثاني: لولا عبادتكم، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: لولا دعاؤه ~~إياكم لتعبدوه، قاله مجاهد والمراد نفع الخلق، لأن الله تعالى غير محتاج. ~~والرابع: لولا توحيدكم، حكاه الزجاج. وعلى قول الأكثرين ليس في الآية إضمار ~~وقال ابن قتيبة: فيها إضمار تقديره: ما يعبأ بعذابكم لولا ما تدعونه من ~~الشريك والولد، ويوضح ذلك قوله تعالى: فسوف يكون لزاما يعني: العذاب، ومثله ~~قول الشاعر: # من شاء دلى النفس في هوة ... ضنك ولكن من له بالمضيق # أي: بالخروج من المضيق. وهل هذا خطاب للمؤمنين، أو للكفار؟ فيه قولان. ~~فأما قوله تعالى: # فقد كذبتم فهو خطاب لأهل مكة حين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فسوف يكون يعني: تكذيبكم لزاما أي: عذابا لازما لكم وفيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه قتلهم يوم بدر، فقتلوا يومئذ، واتصل بهم عذاب الآخرة لازما لهم، ~~وهذا مذهب ابن مسعود، وأبي بن كعب، ومجاهد في آخرين. والثاني: # أنه الموت، قاله ابن عباس. والثالث: أن اللزام: القتال، قاله ابن زيد. ~~والله أعلم بالصواب. # PageV03P333 # سورة الشعراء # وهي مكية كلها، إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة، من قوله تعالى: ~~والشعراء يتبعهم الغاوون (224) إلى آخرها، قاله ابن عباس، ms1671 وقتادة. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الشعراء # (26) : الآيات 1 الى 9] # بسم الله الرحمن الرحيم # طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ~~(3) إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (4) # وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) فقد كذبوا ~~فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزؤن (6) أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا ~~فيها من كل زوج كريم (7) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم (9) # قوله تعالى: طسم قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «طسم» بفتح ~~الطاء وإدغام النون من هجاء «سين» عند الميم. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ~~وأبان، والمفضل: «طسم» و «طس» «1» بامالة الطاء فيهما. وأظهر النون من هجاء ~~«سين» عند الميم حمزة ها هنا وفي «القصص» . # وفي معنى «طسم» أربعة أقوال «2» : # أحدها: أنها حروف من كلمات، ثم فيها ثلاثة أقوال: # (1059) أحدها: رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما نزلت «طسم» ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطاء: طور سيناء، والسين: الاسكندرية، ~~والميم: «مكة» . والثاني: أن الطاء: طيبة، وسين: بيت المقدس، وميم: مكة، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: الطاء: شجرة طوبى، والسين: سدرة ~~المنتهى، والميم: محمد صلى الله عليه وسلم، قاله جعفر الصادق. # والثاني: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله تعالى، رواه ابن أبي ~~طلحة عن ابن عباس. وقد بينا كيف يكون مثل هذا من أسماء الله تعالى في فاتحة ~~(مريم) . وقال القرظي: أقسم الله بطوله وسنائه PageV03P334 # وملكه. والثالث: انه اسم للسورة، قاله مجاهد. والرابع: أنه اسم من أسماء ~~القرآن، قاله قتادة، وأبو روق. وما بعد هذا قد سبق تفسيره «1» إلى قوله: ~~ألا يكونوا مؤمنين والمعنى: لعلك قاتل نفسك لتركهم الإيمان. # ثم أخبر أنه لو أراد أن ينزل عليهم ما يضطرهم إلى الإيمان لفعل، فقال: إن ~~نشأ ننزل وقرأ أبو زرين، وأبو المتوكل: «إن يشأ ينزل» بالياء فيهما، عليهم ~~من السماء آية فظلت أعناقهم لها ms1672 خاضعين جعل الفعل أولا للأعناق، ثم جعل ~~«خاضعين» للرجال، لأن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون. وقيل: # لما وصف الأعناق بالخضوع، وهو من صفات بني آدم، أخرج الفعل مخرج الآدميين ~~كما بينا في قوله تعالى: والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين «2» ، وهذا اختيار ~~أبي عبيدة. وقال الزجاج: قوله: «فظلت» معناه: فتظل، لأن الجزاء يقع فيه لفظ ~~الماضي في معنى المستقبل، كقولك: إن تأتني أكرمتك، معناه: # أكرمك وإنما قال: «خاضعين» لأن خضوع الأعناق هو خضوع أصحابها، وذلك أن ~~الخضوع لما لم يكن إلا بخضوع الأعناق، جاز أن يخبر عن المضاف إليه، كما قال ~~الشاعر: # رأت مر السنين أخذن مني ... كما أخذ السرار من الهلال «3» # فلما كانت السنون لا تكون إلا بمر، أخبر عن السنين، وإن كان أضاف إليها ~~المرور. قال: وجاء في التفسير أنه يعني بالأعناق كبراءهم ورؤساءهم. وجاء في ~~اللغة أن أعناقهم جماعاتهم يقال: جاءني عنق من الناس، أي: جماعة. وما بعد ~~هذا قد سبق تفسيره «4» إلى قوله: أولم يروا إلى الأرض يعني المكذبين بالبعث ~~كم أنبتنا فيها بعد أن لم يكن بها نبات من كل زوج كريم قال ابن قتيبة: من ~~كل جنس حسن. وقال الزجاج: الزوج: النوع، والكريم: المحمود. # قوله تعالى: إن في ذلك الإنبات لآية تدل على وحدانية الله وقدرته وما كان ~~أكثرهم مؤمنين أي: ما كان أكثرهم يؤمن في علم الله، وإن ربك لهو العزيز ~~المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه. ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 10 الى # 22] # وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10) قوم فرعون ألا يتقون (11) ~~قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى ~~هارون (13) ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (14) # قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون (15) فأتيا فرعون فقولا إنا ~~رسول رب العالمين (16) أن أرسل معنا بني إسرائيل (17) قال ألم نربك فينا ~~وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من ~~الكافرين (19) # قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (20) ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي ~~حكما ms1673 وجعلني من المرسلين (21) وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ~~(22) # قوله تعالى: وإذ نادى المعنى: واتل هذه القصة على قومك. قوله تعالى: أن ~~يكذبون ياء PageV03P335 # «يكذبون» محذوفة، ومثلها أن يقتلون «1» «سيهدين» «2» «فهو يهدين» «3» ~~«ويسقين» «4» «فهو يشفين» «5» «ثم يحيين» «6» «كذبون» «7» «وأطيعون» «8» ~~فهذه ثماني آيات أثبتهن في الحالين يعقوب. # قوله تعالى: ويضيق صدري أي: بتكذيبهم إياي ولا ينطلق لساني للعقدة التي ~~كانت بلسانه. # وقرأ يعقوب: «ويضيق» «ولا ينطلق» بنصب القاف فيهما، فأرسل إلى هارون ~~المعنى: ليعينني، فحذف، لأن في الكلام دليلا عليه. ولهم علي ذنب وهو القتيل ~~الذي وكزه فقضى عليه والمعنى: # ولهم علي دعوى ذنب فأخاف أن يقتلون به قال كلا وهو ردع وزجر عن الإقامة ~~على هذا الظن والمعنى: لن يقتلوك لأني لا اسلطهم عليك، فاذهبا يعني: أنت ~~وأخوك بآياتنا وهي: ما أعطاهما من المعجزة إنا يعني نفسه عز وجل معكم ~~فأجراهما مجرى الجماعة مستمعون نسمع ما تقولان وما يجيبونكما به. # قوله تعالى: نا رسول رب العالمين # قال ابن قتيبة: الرسول يكون بمعنى الجميع، كقوله: # هؤلاء ضيفي «9» وقوله: ثم نخرجكم طفلا «10» . وقال الزجاج: المعنى: إنا ~~رسالة رب العالمين، أي: ذوو رسالة رب العالمين، قال الشاعر: # لقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول «11» # أي: برسالة. # قوله تعالى: أن أرسل المعنى: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: أطلقهم من ~~الاستعباد، فأتياه فبلغاه الرسالة، ف قال ألم نربك فينا وليدا أي: صبيا ~~صغيرا ولبثت فينا من عمرك سنين وفيها ثلاثة أقوال. أحدها: ثماني عشرة سنة، ~~قاله ابن عباس. والثاني: أربعون سنة، قاله ابن السائب. والثالث: # ثلاثون سنة، قاله مقاتل، والمعنى: فجازيتنا على ان ربيناك أن كفرت ~~نعمتنا، وقتلت منا نفسا، وهو قوله: وفعلت فعلتك وهي قتل النفس. قال الفراء: ~~وإنما نصبت الفاء، لأنها مرة واحدة، ولو أريد بها مثل الجلسة والمشية جاز ~~كسرها. # وفي قوله: وأنت من الكافرين قولان «12» : أحدهما: من الكافرين لنعمتي، ~~قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطاء، والضحاك وابن زيد. والثاني: من ~~الكافرين بالهك، كنت معنا ms1674 على ديننا الذي تعيب، قاله الحسن، والسدي. فعلى ~~الاول: وأنت من الكافرين الآن. وعلى الثاني: وكنت. وفي قوله: وأنا من ~~الضالين ثلاثة أقوال: أحدها: من الجاهلين، قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن ~~PageV03P336 # جبير، وقتادة. وقال بعض المفسرين: المعنى: إني كنت جاهلا لم يأتني من ~~الله شيء. والثاني: من الخاطئين والمعنى: إني قتلت النفس خطأ، قاله ابن ~~زيد. والثالث: من الناسين ومثله: أن تضل إحداهما «1» ، قاله أبو عبيدة. # قوله تعالى: ففررت منكم أي: ذهبت من بينكم لما خفتكم على نفسي إلى مدين، ~~وقرأ عاصم الجحدري، والضحاك، وابن يعمر: «لما» بكسر اللام وتخفيف الميم، ~~فوهب لي ربي حكما وفيه قولان: أحدهما: النبوة، قاله ابن السائب. والثاني: ~~العلم والفهم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: وتلك نعمة تمنها علي يعني التربية أن عبدت بني إسرائيل أي: ~~اتخذتهم عبيدا يقال: # عبدت فلانا وأعبدته واستعبدته: إذا اتخذته عبدا. وفي «أن» وجهان: أحدهما: ~~أن تكون في موضع رفع على البدل من «نعمة» . والثاني: أن تكون في موضع نصب ~~بنزع الخافض، تقديره: لأن عبدت، أو لتعبيدك. واختلف العلماء في تفسير الآية ~~«2» ، ففسرها قوم على الإنكار، وقوم على الإقرار، فمن فسرها على الإنكار ~~قال معنى الكلام: أو تلك نعمة؟! على طريق الاستفهام، ومثله هذا ربي «3» ، ~~وقوله: # فهم الخالدون «4» ، وأنشدوا: # لم أنس يوم الرحيل وقفتها ... وجفنها من دموعها شرق # وقولها والركاب سائرة ... تتركنا هكذا وتنطلق # وهذا قول جماعة منهم. ثم لهم في معنى الكلام ووجهه أربعة أقوال: أحدها: ~~أن فرعون أخذ أموال بني إسرائيل واستعبدهم وأنفق على موسى منها، فأبطل موسى ~~النعمة لأنها أموال بني إسرائيل، قاله الحسن. والثاني: أن المعنى: إنك لو ~~كنت لا تقتل أبناء بني إسرائيل لكفلني أهلي، وكانت أمي تستغني عن قذفي في ~~اليم، فكأنك تمن علي بما كان بلاؤك سببا له، وهذا قول المبرد، والزجاج، ~~والأزهري. والثالث: أن المعنى: تمن علي باحسانك إلي خاصة، وتنسى إساءتك ~~بتعبيدك بني إسرائيل؟! قاله مقاتل. والرابع: أن المعنى: كيف تمن علي ~~بالتربية وقد استعبدت قومي؟! ومن أهين قومه فقد ذل، ms1675 فقد حبط إحسانك بتعبيدك ~~قومي، حكاه الثعلبي. فأما من فسرها على الإقرار، فانه قال: # عدها موسى نعمة حيث رباه ولم يقتله ولا استعبده. فالمعنى: هي لعمري نعمة ~~إذ ربيتني ولم تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل ف «أن» تدل على المحذوف، ~~ومثله في الكلام- أن تضرب بعض عبيدك وتترك الآخر، فيقول المتروك-: هذه نعمة ~~علي أن ضربت فلانا وتركتني، ثم تحذف «وتركتني» لأن المعنى معروف، هذا قول ~~الفراء. ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 23 الى # 28] # قال فرعون وما رب العالمين (23) قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين (24) قال لمن حوله ألا تستمعون (25) قال ربكم ورب آبائكم ~~الأولين (26) قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27) # قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28) PageV03P337 # قوله تعالى: قال فرعون وما رب العالمين سأله عن ماهية من لا ماهية له «1» ~~، فأجابه بما يدل عليه من مصنوعاته. وفي قوله تعالى: إن كنتم موقنين قولان: ~~أحدهما: أنه خلق السموات والأرض. # والثاني: إن كنتم موقنين أن ما تعاينونه كما تعاينونه، فكذلك، فأيقنوا أن ~~رب العالمين رب السموات والأرض. قوله تعالى: قال يعني: فرعون لمن حوله من ~~أشراف قومه ألا تستمعون معجبا لهم. # فان قيل: فأين جوابهم؟ فالجواب: أنه أراد: ألا تستمعون قول موسى؟ فرد ~~موسى، لأنه المراد بالجواب، ثم زاد في البيان بقوله: ربكم ورب آبائكم ~~الأولين، فأعرض فرعون عن جوابه ونسبه إلى الجنون، فلم يحفل موسى بقول ~~فرعون، واشتغل بتأكيد الحجة ف قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم ~~تعقلون أي: إن كنتم ذوي عقول لم يخف عليكم ما أقول. ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 29 الى # 48] # قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (29) قال أولو جئتك بشيء ~~مبين (30) قال فأت به إن كنت من الصادقين (31) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان ~~مبين (32) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (33) # قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم (34) يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ~~فماذا تأمرون (35) قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين (36) يأتوك ~~بكل سحار عليم (37) فجمع السحرة ms1676 لميقات يوم معلوم (38) # وقيل للناس هل أنتم مجتمعون (39) لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ~~(40) فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (41) ~~قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42) قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون ~~(43) # فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون (44) فألقى ~~موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45) فألقي السحرة ساجدين (46) قالوا ~~آمنا برب العالمين (47) رب موسى وهارون (48) PageV03P338 # قوله تعالى: أولو جئتك بشيء مبين أي: بأمر ظاهر يعرف به صدقي أتسجنني؟! ~~وما بعد هذا مفسر في الأعراف «1» إلى قوله: فجمع السحرة لميقات يوم معلوم ~~وهو يوم الزينة، وكان عيدا لهم، وقيل للناس يعني أهل مصر. وذهب ابن زيد إلى ~~أن اجتماعهم كان بالاسكندرية. قوله تعالى: لعلنا نتبع السحرة قال الاكثرون: ~~أرادوا سحرة فرعون فالمعنى: لعلنا نتبعهم على أمرهم. وقال بعضهم: # أرادوا موسى وهارون، وإنما قالوا ذلك استهزاء. قال ابن جرير: و «لعل» ها ~~هنا بمعنى «كي» . وقوله تعالى: بعزة فرعون أي: بعظمته. ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 49 الى # 51] # قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون ~~لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين (49) قالوا لا ضير إنا إلى ~~ربنا منقلبون (50) إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين ~~(51) # قوله تعالى: فلسوف تعلمون قال الزجاج: اللام دخلت للتوكيد. # قوله تعالى: لا ضير أي: لا ضرر. قال ابن قتيبة: هو من ضاره يضوره ويضيره ~~بمعنى ضره. والمعنى: لا ضرر علينا فيما ينالنا في الدنيا لأنا ننقلب إلى ~~ربنا في الآخرة مؤملين غفرانه. # قوله تعالى: أن كنا أي: لأن كنا أول المؤمنين بآيات موسى في هذه الحال. ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 52 الى 59] # وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون (52) فأرسل فرعون في المدائن ~~حاشرين (53) إن هؤلاء لشرذمة قليلون (54) وإنهم لنا لغائظون (55) وإنا ~~لجميع حاذرون (56) # فأخرجناهم من جنات وعيون (57) وكنوز ومقام كريم (58) كذلك وأورثناها بني ~~إسرائيل (59) # قوله تعالى: إنكم متبعون أي: يتبعكم فرعون وقومه. # قوله ms1677 تعالى: إن هؤلاء المعنى: وقال فرعون إن هؤلاء، يعني بني إسرائيل ~~لشرذمة قال ابن قتيبة: أي: طائفة. قال الزجاج: والشرذمة في كلام العرب: ~~القليل. قال المفسرون: وكانوا ستمائة ألف، وإنما استقلهم بالإضافة إلى ~~جنده، وكان جنده لا يحصى. قوله تعالى: وإنهم لنا لغائظون تقول: # غاظني الشيء، إذا أغضبك. قال ابن جرير: وذكر أن غيظهم كان لقتل الملائكة ~~من قتلت من أبكارهم. # قال: ويحتمل أن غيظهم لذهابهم بالعواري التي استعاروها من حليهم، ويحتمل ~~أن يكون لفراقهم إياهم وخروجهم من أرضهم على كره منهم. # قوله تعالى: وإنا لجميع حاذرون قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «حذرون» ~~بغير ألف. وقرأ الباقون: حاذرون بألف. وهل بينهما فرق؟ فيه قولان: أحدهما: ~~أن الحاذر، المستعد، والحذر: # المتيقظ. وجاء في التفسير أن معنى حاذرين: مؤدون، أي: ذوو أداة، وهي ~~السلاح، لأنها أداة الحرب. والثاني: أنهما لغتان معناهما واحد قال أبو ~~عبيدة: يقال: رجل حذر وحذر وحاذر. والمقام الكريم: المنزل الحسن. وفي قوله ~~تعالى: كذلك قولان: أحدهما: كذلك أفعل بمن عصاني، قاله PageV03P339 # ابن السائب. والثاني: الأمر كذلك، أي: كما وصفنا، قاله الزجاج. قوله ~~تعالى: وأورثناها بني إسرائيل وذلك أن الله تعالى ردهم إلى مصر بعد غرق ~~فرعون، وأعطاهم ما كان لفرعون وقومه من المساكن والأموال. وقال ابن جرير ~~الطبري: إنما جعل ديار آل فرعون ملكا لبني إسرائيل ولم يرددهم إليها لكنه ~~جعل مساكنهم الشام. ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 60 الى # 68] # فأتبعوهم مشرقين (60) فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ~~(61) قال كلا إن معي ربي سيهدين (62) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (63) وأزلفنا ثم الآخرين (64) # وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (65) ثم أغرقنا الآخرين (66) إن في ذلك لآية ~~وما كان أكثرهم مؤمنين (67) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (68) # قوله تعالى: فأتبعوهم قال ابن قتيبة: لحقوهم مشرقين أي: حين شرقت الشمس، ~~أي: # طلعت، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أمسينا وأصبحنا. وقرأ ~~الحسن، وأيوب السختياني: «فاتبعوهم» بالتشديد. قوله تعالى: فلما تراءا ~~الجمعان وقرأ ms1678 أبو رجاء، والنخعي، والأعمش: «تراأى» بكسر الراء وفتح الهمزة، ~~أي: تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه. # قوله تعالى: كلا أي: لن يدركونا إن معي ربي سيهدين أي: سيدلني على طريق ~~النجاة. قوله تعالى: فانفلق فيه إضمار «فضرب فانفلق» ، أي: انشق الماء اثني ~~عشر طريقا فكان كل فرق أي: # كل جزء انفرق منه. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وعاصم الجحدري: «كل ~~فلق» باللام، كالطود وهو الجبل. # قوله تعالى: وأزلفنا ثم الآخرين أي: قربنا الآخرين من الغرق، وهم أصحاب ~~فرعون. وقال أبو عبيدة: «أزلفنا» أي: جمعنا. قال الزجاج: وكلا القولين حسن، ~~لأن جمعهم تقريب بعضهم من بعض، وأصل الزلفى في كلام العرب: القربى. وقرأ ~~ابن مسعود وأبي بن كعب وأبو رجاء والضحاك وابن يعمر: «أزلقنا» بالقاف، ~~وكذلك قرءوا: «أزلقت الجنة» «1» بقاف أيضا. قوله تعالى: إن في ذلك لآية ~~يعني: في إهلاك فرعون وقومه عبرة لمن بعدهم وما كان أكثرهم مؤمنين أي: لم ~~يكن أكثر أهل مصر مؤمنين، إنما آمنت آسية، وخربيل مؤمن آل فرعون، وفنة ~~الماشطة، ومريم- امرأة دلت موسى على عظام يوسف-، هذا قول مقاتل «2» . وما ~~أخللنا به من تفسير كلمات في قصة موسى، فقد سبق بيانها، وكذلك ما تفقد ذكره ~~في مكان، فهو إما أن يكون قد سبق، وإما أن يكون ظاهرا، فتنبه لهذا. ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 69 الى 82] # واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (70) قالوا ~~نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ~~ينفعونكم أو يضرون (73) # قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) ~~أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77) الذي خلقني ~~فهو يهدين (78) # والذي هو يطعمني ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم ~~يحيين (81) والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82) PageV03P340 # قوله تعالى: هل يسمعونكم والمعنى: هل يسمعون دعاءكم. وقرأ سعيد بن جبير ~~وابن يعمر وعاصم الجحدري: «هل يسمعونكم» بضم الياء وكسر الميم، إذ تدعون ~~قال الزجاج: إن شئت بينت الذال، وإن شئت أدغمتها ms1679 في التاء وهو أجود في ~~العربية لقرب الذال من التاء. قوله تعالى: أو ينفعونكم أي: إن عبدتموهم أو ~~يضرون إن لم تعبدوهم؟ فأخبروا عن تقليد آبائهم. قوله تعالى: # فإنهم عدو لي فيه وجهان: أحدهما: أن لفظه لفظ الواحد والمراد به الجميع ~~فالمعنى: فانهم أعداء لي. والثاني: فان كل معبود لكم عدو لي. فان قيل: ما ~~وجه وصف الجماد بالعداوة؟ فالجواب: من وجهين. أحدهما: أن معناه: فانهم عدو ~~لي يوم القيامة إن عبدتهم. والثاني: أنه من المقلوب والمعنى: فإني عدو لهم، ~~لأن من عاديته عاداك، قاله ابن قتيبة. وفي قوله تعالى: إلا رب العالمين ~~قولان: أحدهما: أنه استثناء من الجنس، لأنه علم أنهم كانوا يعبدون الله مع ~~آلهتهم، قاله ابن زيد. # والثاني: أنه من غير الجنس فالمعنى: ولكن رب العالمين ليس كذلك، قاله ~~أكثر النحويين. # قوله تعالى: الذي خلقني فهو يهدين أي: إلى الرشد، لا ما تعبدون والذي هو ~~يطعمني ويسقين أي هو رازقي الطعام والشراب. # فإن قيل: لم قال: «مرضت» ، ولم يقل: «أمرضني» ؟ فالجواب: أنه أراد الثناء ~~على ربه فأضاف إليه الخير المحض، لأنه لو قال: «أمرضني» لعد قومه ذلك عيبا، ~~فاستعمل حسن الأدب ونظيره قصة الخضر حين قال في العيب: «فأردت» «1» ، وفي ~~الخير المحض: «فأراد ربك» «2» . # فإن قيل: فهذا يرده قوله: والذي يميتني. فالجواب: أن القوم كانوا لا ~~ينكرون الموت، وإنما يجعلون له سببا سوى تقدير الله عز وجل، فأضافه إبراهيم ~~إلى الله تعالى، وقوله تعالى: ثم يحيين يعني للبعث، وهو أمر لا يقرون به، ~~وإنما قاله استدلالا عليهم والمعنى: أن ما وافقتموني عليه موجب لصحة قولي ~~فيما خالفتموني فيه. قوله تعالى: والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يعني: ما ~~يجري على مثلي من الزلل والمفسرون يقولون: إنما عنى الكلمات الثلاث التي ~~ذكرناها في الأنبياء «3» ، يوم الدين يعني: # يوم الحشر والحساب وهذا احتجاج على قومه أنه لا تصلح الإلهية إلا لمن فعل ~~هذه الأفعال. ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 83 الى # 89] # رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين (83) واجعل لي لسان ms1680 صدق في الآخرين (84) ~~واجعلني من ورثة جنة النعيم (85) واغفر لأبي إنه كان من الضالين (86) ولا ~~تخزني يوم يبعثون (87) # يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89) # قوله تعالى: هب لي حكما فيه ثلاثة أقوال: أحدها: النبوة، قاله أبو صالح، ~~عن ابن عباس. # والثاني: اللب، قاله عكرمة. والثالث: الفهم والعلم، قاله مقاتل، وقد بينا ~~قوله: وألحقني بالصالحين PageV03P341 # في سورة يوسف «1» ، وبينا معنى لسان صدق في مريم «2» والمراد بالآخرين: ~~الذين يأتون بعده إلى يوم القيامة. # قوله تعالى: واغفر لأبي قال الحسن: بلغني أن أمه كانت مسلمة على دينه، ~~فلذلك لم يذكرها. فإن قيل: فقد قال: اغفر لي ولوالدي «3» . قيل: أكثر الذكر ~~إنما جرى لأبيه، فيجوز أن يسأل الغفران لأمه وهي مؤمنة، فأما أبوه فلا شك ~~في كفره. وقد بينا سبب استغفاره لأبيه في براءة «4» ، وذكرنا معنى الخزي في ~~آل عمران «5» . قوله تعالى: يوم يبعثون يعني: الخلائق. قوله تعالى: إلا من ~~أتى الله بقلب سليم فيه ستة أقوال: أحدها: سليم من الشرك، قاله الحسن وابن ~~زيد. والثاني: سليم من الشك، قاله مجاهد. والثالث: سليم، أي صحيح، وهو قلب ~~المؤمن، لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قاله سعيد بن المسيب. والرابع: أن ~~السليم في اللغة: اللديغ، فالمعنى: كاللديغ من خوف الله عز وجل، قاله ~~الجنيد. والخامس: سليم من آفات المال والبنين، قاله الحسين بن الفضل. ~~والسادس: # سليم من البدعة، مطمئن على السنة، حكاه الثعلبي. ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 90 الى # 104] # وأزلفت الجنة للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91) وقيل لهم أين ما ~~كنتم تعبدون (92) من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون (93) فكبكبوا فيها هم ~~والغاوون (94) # وجنود إبليس أجمعون (95) قالوا وهم فيها يختصمون (96) تالله إن كنا لفي ~~ضلال مبين (97) إذ نسويكم برب العالمين (98) وما أضلنا إلا المجرمون (99) # فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم (101) فلو أن لنا كرة فنكون من ~~المؤمنين (102) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (103) وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم (104) # قوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين اي: قربت إليهم حتى نظروا ms1681 إليها، وبرزت ~~الجحيم أي: # أظهرت للغاوين وهم الضالون، وقيل لهم على وجه التوبيخ أين ما كنتم تعبدون ~~(92) من دون الله هل ينصرونكم أي: يمنعونكم من العذاب، أو يمتنعون منه. # قوله تعالى: فكبكبوا قال السدي: هم المشركون. قال ابن قتيبة: ألقوا على ~~رؤوسهم، وأصل الحرف «كببوا» من قولك: كببت الإناء، فأبدل من الباء الوسطى ~~كافا، استثقالا لاجتماع ثلاث باءات، كما قالوا: «كمكموا» من «الكمة» ، ~~والأصل: «كمموا» . وقال الزجاج: معناه: طرح بعضهم على بعض: وحقيقة ذلك في ~~اللغة تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر فيها. وفي ~~الغاوين ثلاثة اقوال: أحدها: المشركون، قاله ابن عباس. والثاني: الشياطين، ~~قاله قتادة، ومقاتل. # والثالث: الآلهة، قاله السدي. وجنود إبليس أتباعه من الجن والإنس. قالوا ~~وهم فيها يختصمون يعني: هم وآلهتهم، تالله إن كنا قال الفراء: لقد كنا. ~~وقال الزجاج: ما كنا إلا في ضلال. # قوله تعالى: إذ نسويكم أي: نعدلكم بالله في العبادة وما أضلنا إلا ~~المجرمون فيهم قولان: # أحدهما: الشياطين. والثاني: أولوهم الذين اقتدوا بهم، قال عكرمة: إبليس ~~وابن آدم القاتل. قوله PageV03P342 # تعالى: فما لنا من شافعين هذا قولهم إذا شفع الأنبياء والملائكة ~~والمؤمنون. # (1060) وروى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~الرجل يقول في الجنة: ما فعل صديقي فلان؟ وصديقه في الجحيم، فيقول الله عز ~~وجل: أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من بقي في النار: فما لنا من شافعين ~~ولا صديق حميم؟. والحميم: القريب الذي توده ويودك والمعنى: ما لنا من ذي ~~قرابة يهمه أمرنا، فلو أن لنا كرة أي: رجعة إلى الدنيا فنكون من المؤمنين ~~لتحل لنا الشفاعة كما حلت للموحدين. ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 105 الى # 110] # كذبت قوم نوح المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون (106) إني ~~لكم رسول أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين (109) # فاتقوا الله وأطيعون (110) # قوله تعالى: كذبت قوم نوح قال الزجاج: القوم مذكرون والمعنى كذبت جماعة ms1682 ~~قوم نوح. # قوله تعالى: إذ قال لهم أخوهم نوح كانت الأخوة من جهة النسب بينهم، لا من ~~جهة الدين، ألا تتقون عذاب الله بتوحيده وطاعته، إني لكم رسول أمين على ~~الرسالة فيما بيني وبين ربكم. وما أسئلكم عليه من أجر أي: على الدعاء إلى ~~التوحيد. ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 111 الى 116] # قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) قال وما علمي بما كانوا يعملون ~~(112) إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون (113) وما أنا بطارد المؤمنين (114) ~~إن أنا إلا نذير مبين (115) # قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين (116) # قوله تعالى: واتبعك الأرذلون وقرأ يعقوب بفتح الهمزة وتسكين التاء وضم ~~العين: «وأتباعك الأرذلون» ، وفيهم ثلاثة أقوال: أحدها: الحاكة، رواه ~~الضحاك عن ابن عباس. والثاني: الحاكة والأساكفة قاله عكرمة. والثالث: ~~المساكين الذين ليس لهم مال ولا عز، قاله عطاء. وهذا جهل منهم، لأن ~~الصناعات لا تضر في باب الديانات. # قوله تعالى: وما علمي بما كانوا يعملون أي: لم أعلم أعمالهم وصنائعهم، ~~ولم أكلف ذلك، إنما كلفت أن أدعوهم، إن حسابهم فيما يعملون إلا على ربي لو ~~تشعرون بذلك ما عبتموهم في صنائعهم، وما أنا بطارد المؤمنين أي: ما أنا ~~بالذي لا أقبل إيمانهم لزعمكم أنهم الأرذلون. وفي قوله تعالى: لتكونن من ~~المرجومين ثلاثة أقوال: أحدها: من المشتومين، قاله الضحاك. والثاني: من ~~المضروبين بالحجارة، قاله قتادة. والثالث: من المقتولين بالرجم، قاله ~~مقاتل. ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 117 الى 122] # قال رب إن قومي كذبون (117) فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من ~~المؤمنين (118) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا بعد ~~الباقين (120) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) # وإن ربك لهو العزيز الرحيم (122) PageV03P343 # قوله تعالى: فافتح بيني وبينهم أي: اقض بيني وبينهم قضاء، يعني: بالعذاب ~~ونجني ومن معي من ذلك العذاب. والفلك قد تقدم بيانه. والمشحون: المملوء، ~~يقال: شحنت الإناء: إذا ملأته وكانت سفينة نوح قد ملئت من الناس والطير ~~والحيوان كله، ثم أغرقنا بعد بعد نجاة نوح ومن معه الباقين. ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات ms1683 123 الى # 135] # كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون (124) إني لكم ~~رسول أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري ~~إلا على رب العالمين (127) # أتبنون بكل ريع آية تعبثون (128) وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (129) وإذا ~~بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا الله وأطيعون (131) واتقوا الذي أمدكم بما ~~تعلمون (132) # أمدكم بأنعام وبنين (133) وجنات وعيون (134) إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~عظيم (135) # قوله تعالى: أتبنون بكل ريع آية وقرأ عاصم الجحدري، وأبو حيوة، وابن أبي ~~عبلة: «بكل ريع» بفتح الراء. قال الفراء: هما لغتان. ثم فيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه المكان المرتفع روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: بكل شرف. قال ~~الزجاج: هو في اللغة: الموضع المرتفع من الأرض. # والثاني: أنه الطريق، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال قتادة. والثالث: ~~الفج بين الجبلين، قاله مجاهد. والآية: العلامة. وفيما أراد بهذا البناء ~~ثلاثة أقوال. أحدها: أنه أراد: تبنون ما لا تسكنون، رواه عطاء عن ابن عباس ~~والمعنى أنه جعل بناءهم ما يستغنون عنه عبثا. والثاني: بروج الحمام، قاله ~~سعيد بن جبير ومجاهد. والثالث: أنهم كانوا يبنون في المواضع المرتفعة ~~ليشرفوا على المارة فيسخروا منهم ويعبثوا بهم، وهو معنى قول الضحاك. قوله ~~تعالى: وتتخذون مصانع فيها ثلاثة أقوال: # أحدها: قصور مشيدة، قاله مجاهد. والثاني: مصانع للماء تحت الارض، قاله ~~قتادة. والثالث: بروج الحمام، قاله السدي. وفي قوله تعالى: لعلكم تخلدون ~~قولان: أحدهما: كأنكم تخلدون، قاله ابن عباس، وأبو مالك. والثاني: كيما ~~تخلدوا، قاله الفراء، وابن قتيبة. وقرأ عكرمة، والنخعي، وقتادة، وابن يعمر: ~~«تخلدون» برفع التاء وتسكين الخاء وفتح اللام مخففة. وقرأ عاصم الجحدري، ~~وأبو حسين: «تخلدون» بفتح الخاء وتشديد اللام. قوله تعالى: وإذا بطشتم ~~بطشتم جبارين المعنى: إذا ضربتم ضربتم بالسياط ضرب الجبارين، وإذا عاقبتم ~~قتلتم وإنما أنكر عليهم ذلك، لأنه صدر عن ظلم، إذ لو ضربوا بالسيف أو ~~بالسوط في حق ما ليموا. وفي قوله: عذاب يوم عظيم قولان: # أحدهما: ما عذبوا به في الدنيا. والثاني: عذاب ms1684 جهنم. ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 136 الى 145] # قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين (136) إن هذا إلا خلق ~~الأولين (137) وما نحن بمعذبين (138) فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما ~~كان أكثرهم مؤمنين (139) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (140) # كذبت ثمود المرسلين (141) إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون (142) إني لكم ~~رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون (144) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري ~~إلا على رب العالمين (145) # قوله تعالى: إن هذا إلا خلق الأولين قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي: ~~«خلق» بفتح الخاء وتسكين اللام قال ابن قتيبة: أرادوا اختلاقهم وكذبهم، ~~يقال: خلقت الحديث واختلقته، أي: افتعلته، # PageV03P344 # قال الفراء: والعرب تقول للخرافات: أحاديث الخلق. وقرأ عاصم، ونافع وابن ~~عامر وحمزة وخلف «خلق الأولين» بضم الخاء واللام. وقرأ ابن عباس، وعكرمة، ~~وعاصم الجحدري: «خلق» برفع الخاء وتسكين اللام والمعنى: عادتهم وشأنهم. قال ~~قتادة: قالوا له: هكذا كان الناس يعيشون ما عاشوا ثم يموتون، ولا بعث لهم ~~ولا حساب. # قوله تعالى: وما نحن بمعذبين أي: على ما نفعله في الدنيا. ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 146 الى # 152] # أتتركون في ما هاهنا آمنين (146) في جنات وعيون (147) وزروع ونخل طلعها ~~هضيم (148) وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (149) فاتقوا الله وأطيعون ~~(150) # ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (152) # قوله تعالى: أتتركون في ما هاهنا أي: فيما أعطاكم الله في الدنيا آمنين ~~من الموت والعذاب. قوله تعالى: طلعها هضيم الطلع: الثمر. وفي الهضيم سبعة ~~أقوال: أحدها: أنه الذي قد اينع وبلغ، رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: ~~أنه الذي يتهشم تهشما، قاله مجاهد. والثالث: أنه الذي ليس له نوى، قاله ~~الحسن. والرابع: أنه المذنب من الرطب، قاله سعيد بن جبير. والخامس: # اللين، قاله قتادة، والفراء. والسادس: أنه الحمل الكثير الذي يركب بعضه ~~بعضا، قاله الضحاك. # والسابع: أنه الطلع قبل أن ينشق عنه القشر وينفتح، يريد أنه منضم مكتنز، ~~ومنه قيل: رجل أهضم الكشحين، إذا كان منضمهما، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين ms1685 قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ~~عمرو: «فرهين» . وقرأ الباقون: «فارهين» بألف. قال ابن قتيبة: «فرهين» : ~~أشرين بطرين، ويقال: الهاء فيه مبدلة من حاء، أي: فرحين، و «الفرح» قد يكون ~~السرور، وقد يكون الأشر، ومنه قوله تعالى: إن الله لا يحب الفرحين «1» أي: ~~الأشرين، ومن قرأ: «فارهين» فهي لغة أخرى، يقال: فره وفاره، كما يقال: فرح ~~وفارح، ويقال: «فارهين» أي: حاذقين قال عكرمة: حاذقين بنحتها. # قوله تعالى: ولا تطيعوا أمر المسرفين قال ابن عباس: يعني: المشركين. وقال ~~مقاتل: هم التسعة الذين عقروا الناقة. ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 153 الى 164] # قالوا إنما أنت من المسحرين (153) ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت ~~من الصادقين (154) قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) ولا ~~تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) فعقروها فأصبحوا نادمين (157) # فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (158) وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم (159) كذبت قوم لوط المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا ~~تتقون (161) إني لكم رسول أمين (162) # فاتقوا الله وأطيعون (163) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين (164) PageV03P345 # قوله تعالى: إنما أنت من المسحرين قال الزجاج: أي: ممن له سحر، والسحر: ~~الرئة، والمعنى: أنت بشر مثلنا. وجائز أن يكون من المفعلين من السحر ~~والمعنى: ممن قد سحر مرة بعد مرة. قوله تعالى: لها شرب أي: حظ من الماء. ~~وقال ابن عباس: لها شرب معروف لا تحضروه معها، ولكم شرب لا تحضر معكم، ~~فكانت إذا كان يومهم حضروا الماء فاقتسموه، وإذا كان يومها شربت الماء كله. ~~وقال قتادة: كانت إذا كان يوم شربها، شربت ماءهم أول النهار، وسقتهم اللبن ~~آخر النهار. وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن أبي عبلة: ~~«لها شرب» بضم الشين. # قوله تعالى: فأصبحوا نادمين قال ابن عباس: ندموا حين رأوا العذاب، على ~~عقرها، وعذابهم كان بالصيحة. ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 165 الى # 175] # أتأتون الذكران من العالمين (165) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل ~~أنتم قوم عادون ms1686 (166) قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين (167) ~~قال إني لعملكم من القالين (168) رب نجني وأهلي مما يعملون (169) # فنجيناه وأهله أجمعين (170) إلا عجوزا في الغابرين (171) ثم دمرنا ~~الآخرين (172) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (173) إن في ذلك لآية ~~وما كان أكثرهم مؤمنين (174) # وإن ربك لهو العزيز الرحيم (175) # قوله تعالى: أتأتون الذكران وهو جمع ذكر من العالمين أي: من بني آدم، ~~وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم قال الزجاج: وقرأ ابن مسعود: «ما أصلح ~~لكم ربكم من أزواجكم» يعني به الفروج. وقال مجاهد: تركتم أقبال النساء إلى ~~أدبار الرجال. # قوله تعالى: بل أنتم قوم عادون أي: ظالمون معتدون. قالوا لئن لم تنته يا ~~لوط أي: لئن لم تسكت عن نهينا لتكونن من المخرجين من بلدنا. قال إني لعملكم ~~يعني: إتيان الرجال من القالين قال ابن قتيبة: أي: من المبغضين، يقال: قليت ~~الرجل: إذا أبغضته. # قوله تعالى: رب نجني وأهلي مما يعملون أي: من عقوبة عملهم فنجيناه وأهله ~~وقد ذكرناهم في هود «1» ، إلا عجوزا يعني امرأته في الغابرين أي: الباقين ~~في العذاب. ثم دمرنا الآخرين أهلكناهم بالخسف والحصب، وهو قوله تعالى: ~~وأمطرنا عليهم مطرا يعني الحجارة. ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 176 الى 180] # كذب أصحاب الأيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) إني ~~لكم رسول أمين (178) فاتقوا الله وأطيعون (179) وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين (180) # قوله تعالى: كذب أصحاب الأيكة قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: «أصحاب ~~ليكة» ها هنا، وفي (ص) «2» بغير همز والتاء مفتوحة وقرأ الباقون: «الأيكة» ~~بالهمزة فيهما والألف. وقد سبق هذا الحرف «3» . إذ قال لهم شعيب إن قيل: لم ~~لم يقل: أخوهم، كما قال في (الأعراف) «4» ؟ فالجواب: # أن شعيبا لم يكن من نسل أصحاب الأيكة، فلذلك لم يقل: أخوهم وإنما أرسل ~~إليهم بعد أن أرسل PageV03P346 # إلى مدين، وهو من نسل مدين، فلذلك قال هناك: أخوهم، هذا قول مقاتل بن ~~سليمان. وقد ذكرنا في سورة (هود) «1» عن محمد بن كعب القرظي، أن أهل ms1687 مدين ~~عذبوا بعذاب الظلة، فإن كانوا غير أصحاب الأيكة كما زعم مقاتل، فقد تساووا ~~في العذاب، وإن كان أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة، وهو مذهب ابن جرير الطبري ~~كان حذف ذكر الأخ تخفيفا، والله أعلم. ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 181 الى # 184] # أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) وزنوا بالقسطاس المستقيم (182) ~~ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (183) واتقوا الذي ~~خلقكم والجبلة الأولين (184) # قوله تعالى: ولا تكونوا من المخسرين أي: من الناقصين للكيل، يقال: أخسرت ~~الكيل والوزن: # إذا نقصته. وقد ذكرنا القسطاس في (بني إسرائيل) «2» . # قوله تعالى: واتقوا الذي خلقكم والجبلة أي: وخلق الجبلة. وقيل: المعنى: ~~واذكروا ما نزل بالجبلة الأولين. وقرأ الحسن، وأبو مجلز، وأبو رجاء، وابن ~~يعمر، وابن أبي عبلة: «الجبلة» برفع الجيم والباء جميعا مشددة اللام. وقرأ ~~أبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك، وعاصم الجحدري: بكسر الجيم وتسكين الباء ~~وتخفيف اللام. قال ابن قتيبة: الجبلة: الخلق، يقال: جبل فلان على كذا، أي: # خلق، قال الشاعر: # والموت أعظم حادث ... مما يمر على الجبله ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 185 الى 191] # قالوا إنما أنت من المسحرين (185) وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن ~~الكاذبين (186) فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين (187) قال ~~ربي أعلم بما تعملون (188) فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم ~~عظيم (189) # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (190) وإن ربك لهو العزيز الرحيم ~~(191) # قوله تعالى: فأسقط علينا كسفا قال ابن قتيبة: أي قطعة من السماء، و «كسف» ~~جمع «كسفة» ، كما يقال: قطع وقطعة. # قوله تعالى: ربي أعلم بما تعملون أي: من نقصان الكيل والميزان والمعنى: ~~إنه يجازيكم إن شاء، وليس عذابكم بيدي، فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة قال ~~المفسرون: بعث الله عليهم حرا شديدا، فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هربا ~~إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة أظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردا، ~~ونادى بعضهم بعضا، حتى إذا اجتمعوا تحتها، أرسل الله عليهم نارا، فكان ذلك ~~من أعظم العذاب، فالظلة: السحابة التي أظلتهم. ms1688 ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 192 الى 199] # وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون ~~من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195) وإنه لفي زبر الأولين (196) # أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل (197) ولو نزلناه على بعض ~~الأعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) PageV03P347 # قوله تعالى: وإنه يعني القرآن لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح ~~الأمين قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم: «نزل به» خفيفا «الروح ~~الأمين» بالرفع. وقرأ أبن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: «نزل» ~~مشددة الزاي «الروح الأمين» بالنصب. والمراد بالروح الأمين جبريل، وهو أمين ~~على وحي الله تعالى إلى أنبيائه، على قلبك قال الزجاج: معناه: نزل عليك ~~فوعاه قلبك، فثبت، فلا تنساه أبدا. قوله تعالى: لتكون من المنذرين أي: ممن ~~أنذر بآيات الله المكذبين، بلسان عربي مبين قال ابن عباس: بلسان قريش ~~ليفهموا ما فيه. # قوله تعالى: وإنه لفي زبر الأولين وقرأ الاعمش: «زبر» بتسكين الباء. وفي ~~هاء الكناية قولان: # أحدهما: أنها ترجع إلى القرآن والمعنى: وإن ذكر القرآن وخبره، هذا قول ~~الأكثرين. والثاني: أنها تعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ~~مقاتل. والزبر: الكتب. # قوله تعالى: أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: «أو لم يكن» بالياء «آية» ~~بالنصب. وقرأ ابن عامر، وابن أبي عبلة: «تكن» بالتاء «آية» بالرفع. وقرأ ~~أبو عمران الجوني، وقتادة: «تكن» بالتاء «آية» بالنصب، قال الزجاج: إذا ~~قلت: «يكن» بالياء، فالاختيار نصب «آية» وتكون «أن» اسم كان، وتكون «آية» ~~خبر كان، المعنى: أولم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حق، وأن نبوته حق؟! «آية» : علامة موضحة، لأن العلماء الذين ~~آمنوا من بني إسرائيل وجدوا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل. ومن قرأ «أولم تكن» بالتاء جعل «آية» هي الاسم، و «أن ~~يعلمه» خبر «تكن» . ويجوز أيضا «أو لم تكن» بالتاء «آية» بالنصب، ms1689 كقوله ~~تعالى: ثم لم تكن فتنتهم «1» وقرأ الشعبي، والضحاك، وعاصم الجحدري: # «أن تعلمه» بالتاء. # (1061) وقال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة يسألونهم عن ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن هذا لزمانه، وإنا لنجد في التوراة ~~صفته، فكان ذلك آية لهم على صدقه. # قوله تعالى: على بعض الأعجمين قال الزجاج: هو جمع أعجم، والأنثى عجماء، ~~والأعجم: # الذي لا يفصح، وكذلك الأعجمي فأما العجمي: فالذي من جنس العجم، أفصح أو ~~لم يفصح. قوله تعالى: ما كانوا به مؤمنين أي: لو قرأه عليهم أعجمي لقالوا: ~~لا نفقه هذا، فلم يؤمنوا. ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 200 الى # 209] # كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم ~~(201) فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (202) فيقولوا هل نحن منظرون (203) ~~أفبعذابنا يستعجلون (204) # أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ما أغنى ~~عنهم ما كانوا يمتعون (207) وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) ذكرى ~~وما كنا ظالمين (209) PageV03P348 # قوله تعالى: كذلك سلكناه قد شرحناه في الحجر «1» . والمجرمون ها هنا: ~~المشركون. قوله تعالى: لا يؤمنون به قال الفراء: المعنى: كي لا يؤمنوا. ~~فأما العذاب الأليم، فهو عند الموت. # فيقولوا عند نزول العذاب هل نحن منظرون أي: مؤخرون لنؤمن ونصدق. # (1062) قال مقاتل: فلما أوعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعذاب، ~~قالوا: فمتى هو؟ تكذيبا به، فقال الله تعالى: أفبعذابنا يستعجلون. # قوله تعالى: أفرأيت إن متعناهم سنين قال عكرمة: عمر الدنيا. قوله تعالى: ~~ثم جاءهم ما كانوا يوعدون أي: من العذاب. وما أهلكنا من قرية بالعذاب في ~~الدنيا إلا لها منذرون يعني: # رسلا تنذرهم العذاب. ذكرى أي: موعظة وتذكيرا. ### | ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 210 الى # 212] # وما تنزلت به الشياطين (210) وما ينبغي لهم وما يستطيعون (211) إنهم عن ~~السمع لمعزولون (212) # قوله تعالى: وما تنزلت به الشياطين. # (1063) سبب نزولها أن قريشا قالت: إنما تجىء بالقرآن الشياطين فتلقيه على ~~لسان محمد، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # قوله تعالى: وما ينبغي لهم أي: أن ينزلوا بالقرآن وما يستطيعون أن ms1690 يأتوا ~~به من السماء، لأنهم قد حيل بينهم وبين السمع بالملائكة والشهب. إنهم عن ~~السمع أي: عن الاستماع للوحي من السماء لمعزولون فكيف ينزلون به؟! وقال ~~عطاء: عن سماع القرآن لمحجوبون، لأنهم يرجمون بالنجوم. ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 213 الى 220] # فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (213) وأنذر عشيرتك الأقربين ~~(214) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) فإن عصوك فقل إني بريء مما ~~تعملون (216) وتوكل على العزيز الرحيم (217) # الذي يراك حين تقوم (218) وتقلبك في الساجدين (219) إنه هو السميع العليم ~~(220) # قوله تعالى: فلا تدع مع الله إلها آخر قال ابن عباس: يحذر به غيره، يقول: ~~أنت أكرم الخلق علي، ولو اتخذت من دوني إلها لعذبتك. # قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين. # (1064) روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين أنزل الله تعالى PageV03P349 # «وأنذر عشيرتك الاقربين» فقال: «يا معشر قريش: اشتروا أنفسكم من الله، لا ~~أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا، يا ~~عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا ~~أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت ما أغني عنك من ~~الله شيئا» وفي بعض الألفاظ: «سلوني من مالي ما شئتم» . وفي لفظ: «غير أن ~~لكم رحما سأبلها ببلالها» . # ومعنى قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين: رهطك الأذنين. فإن عصوك يعني: ~~العشيرة فقل إني بريء مما تعملون من الكفر. وو توكل على العزيز الرحيم أي: ~~ثق به وفوض أمرك إليه، فهو عزيز في نقمته، رحيم لم يعجل بالعقوبة. وقرا ~~نافع، وابن عامر: «فتوكل» بالفاء، وكذلك في مصاحف أهل المدينة والشام. الذي ~~يراك حين تقوم # فيه ثلاثة أقوال: أحدها: حين تقوم إلى الصلاة، قاله ابن عباس، ومقاتل. ~~والثاني: حين تقوم من مقامك، قاله أبو الجوزاء. والثالث: حين تخلو، قاله ~~الحسن. # قوله تعالى: وتقلبك أي: ونرى تقلبك في الساجدين وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~وتقلبك في أصلاب ms1691 الأنبياء حتى أخرجك، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: ~~تقلبك في الركوع والسجود والقيام مع المصلين في الجماعة والمعنى: يراك وحدك ~~ويراك في الجماعة، وهذا قول الأكثرين منهم قتادة. # والثالث: وتصرفك في ذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين، قاله الحسن. ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 221 الى 223] # هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم (222) يلقون ~~السمع وأكثرهم كاذبون (223) # قوله تعالى: هل أنبئكم على من تنزل الشياطين هذا رد عليهم حين قالوا: ~~إنما يأتيه بالقرآن الشياطين. فأما الأفاك فهو الكذاب، والأثيم: الفاجر قال ~~قتادة: وهم الكهنة. # قوله تعالى: يلقون السمع أي: يلقون ما سمعوه من السماء إلى الكهنة. وفي ~~قوله تعالى: # وأكثرهم كاذبون قولان: أحدهما: أنهم الشياطين. والثاني: الكهنة. ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 224 الى 227] # والشعراء يتبعهم الغاوون (224) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) وأنهم ~~يقولون ما لا يفعلون (226) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله ~~كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227) # قوله تعالى: والشعراء يتبعهم الغاوون وقرا نافع: «يتبعهم» بسكون التاء ~~والوجهان حسنان، يقال: تبعت واتبعت، مثل حفرت واحتفرت. # (1065) وروى العوفي عن ابن عباس، قال: كان رجلان على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد تهاجيا، فكان مع كل واحد منهما غواة من قومه، فقال الله: ~~والشعراء يتبعهم الغاوون. وفي رواية آخرى عن ابن عباس، قال: هم شعراء ~~المشركين، قال مقاتل: منهم عبد الله بن الزبعرى، وأبو سفيان بن حرب، وهبيرة ~~بن أبي وهب المخزومي، في آخرين، قالوا: نحن نقول مثل قول محمد، وقالوا ~~الشعر، فاجتمع PageV03P350 # إليهم غواة من قومهم يسمعون أشعارهم ويروون عنهم «1» . # وفي الغاوين ثلاثة أقوال: أحدها: الشياطين، قاله مجاهد، وقتادة. والثاني: ~~السفهاء، قاله الضحاك. والثالث: المشركون، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: ألم تر أنهم في كل واد يهيمون هذا مثل بمن يهيم في الأودية ~~والمعنى أنهم يأخذون في كل فن من لغو وكذب وغير ذلك فيمدحون بباطل ويذمون ~~بباطل، ويقولون: فعلنا، ولم يفعلوا: قوله تعالى: إلا الذين آمنوا. قال ms1692 ابن ~~عباس: # (1066) لما نزل ذم الشعراء، جاء كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وحسان ~~بن ثابت، فقالوا: يا رسول الله، أنزل الله هذا وهو يعلم أنا شعراء، فنزلت ~~هذه الآية. # وقال المفسرون: وهذا الاستثناء لشعراء المسلمين الذين مدحوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وذموا من هجاه، وذكروا الله كثيرا أي: لم يشغلهم الشعر ~~عن ذكر الله ولم يجعلوا الشعر همهم. قال ابن زيد: وذكروا الله في شعرهم. ~~وقيل: المراد بالذكر: الشعر في طاعة الله عز وجل. # قوله تعالى: وانتصروا أي: من المشركين من بعد ما ظلموا لأن لمشركين بدءوا ~~بالهجاء. ثم أوعد شعراء المشركين، فقال: وسيعلم الذين ظلموا أي: أشركوا ~~وهجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أي منقلب ينقلبون قال ~~الزجاج: «أي» منصوبة بقوله: «ينقلبون» لا بقوله: «سيعلم» ، لأن «أيا» وسائر ~~أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها. ومعنى الكلام: إنهم ينقلبون إلى ~~نار يخلدون فيها. وقرأ ابن مسعود، ومجاهد عن ابن عباس، وأبو المتوكل، وأبو ~~رجاء: «أي متقلب يتقلبون» بتاءين مفتوحتين وبقافين على كل واحدة منهما ~~نقطتان وتشديد اللام فيهما. وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس، وأبو العالية، ~~وأبو مجلز، وأبو عمران الجوني، وعاصم الجحدري: «أي منفلت ينفلتون» بالفاء ~~فيهما وبنونين ساكنين وبتاءين. وكان شريح يقول: سيعلم الظالمون حظ من ~~نقصوا، إن الظالم ينتظر العقاب، وإن المظلوم ينتظر النصر. والله أعلم. ~~PageV03P351 # سورة النمل # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النمل # (27) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) هدى وبشرى للمؤمنين (2) الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (3) إن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) # أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5) وإنك لتلقى ~~القرآن من لدن حكيم عليم (6) إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها ~~بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودي أن بورك من في ~~النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين (8) # قوله تعالى: طس فيه ms1693 ثلاثة أقوال: أحدها: أنه قسم أقسم الله به، وهو من ~~أسمائه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وفي رواية أخرى عنه، قال: هو اسم ~~الله الأعظم. والثاني: اسم من أسماء القرآن، قاله قتاده. والثالث: الطاء من ~~اللطيف، والسين من السميع، حكاه الثعلبي. قوله تعالى: # وكتاب مبين وقرأ أبو المتوكل، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: «وكتاب مبين» ~~بالرفع فيهما. قوله تعالى: وبشرى أي: بشرى بما فيه من الثواب للمصدقين. # قوله تعالى: زينا لهم أعمالهم أي: حببنا إليهم قبيح فعلهم. وقد بينا ~~حقيقة التزيين والعمه في سورة البقرة «1» . وسوء العذاب: شديده. # قوله تعالى: هم الأخسرون لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم وصاروا إلى النار. # قوله تعالى: وإنك لتلقى القرآن قال ابن قتيبة: أي: يلقى عليك فتتلقاه ~~أنت، أي: تأخذه. # إذ قال موسى المعنى: اذكر إذ قال «2» موسى. PageV03P352 # قوله تعالى: بشهاب قبس قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب إلا زيدا: ~~«بشهاب» بالتنوين. وقرأ الباقون على الإضافة غير منون. قال الزجاج: من نون ~~الشهاب، جعل القبس من صفة الشهاب، وكل أبيض ذي نور، فهو شهاب. فأما من ~~أضاف، فقال الفراء: هذا مما يضاف إلى نفسه إذا اختلفت الأسماء، كقوله ~~تعالى: ولدار الآخرة «1» . قال ابن قتيبة: الشهاب: النار، والقيس: النار ~~تقبس: يقال: قبست النار قبسا، واسم ما قبست: قبس. # قوله تعالى: تصطلون أي: تستدفئون، وكان الزمان شتاء. # قوله تعالى: فلما جاءها أي: جاء موسى النار، وإنما كان نورا فاعتقده ~~نارا، نودي أن بورك من في النار فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن المعنى: قدس من ~~في النار، وهو الله عز وجل، قاله ابن عباس، والحسن والمعنى: قدس من نادى من ~~النار، لا أن الله عز وجل يحل في شيء. والثاني: أن «من» زائدة فالمعنى: ~~بوركت النار، قاله مجاهد. والثالث: أن المعنى بورك على من في النار، أو ~~فيمن في النار قال الفراء: والعرب تقول: باركه الله، وبارك عليه، وبارك ~~فيه، بمعنى واحد، والتقدير: بورك في من طلب النار، وهو موسى، فحذف المضاف. ~~وهذه تحية من الله تعالى لموسى ms1694 بالبركة، كما حيا إبراهيم بالبركة على ألسنة ~~الملائكة حين دخلوا عليه، فقالوا: رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت «2» . # فخرج في قوله تعالى: بورك قولان: أحدها: قدس. والثاني: من البركة. وفي ~~قوله تعالى: ومن حولها ثلاثة أقوال: أحدها: الملائكة، قاله ابن عباس، ~~والحسن. والثاني: موسى والملائكة، قاله محمد بن كعب. والثالث: موسى ~~فالمعنى: بورك فيمن يطلبها وهو قريب منها. ### | ### | [سورة النمل (27) : الآيات 9 الى # 14] # يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9) وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها ~~جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا ~~من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم (11) وأدخل يدك في جيبك تخرج ~~بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين (12) ~~فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) # وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ~~(14) # قوله تعالى: إنه أنا الله الهاء عماد في قول أهل اللغة وعلى قول السدي: ~~هي كناية عن المنادي، لأن موسى قال: من هذا الذي يناديني؟ فقيل: «إنه أنا ~~الله» . # قوله تعالى: وألق عصاك في الآية محذوف، تقديره: فألقاها فصارت حية، فلما ~~رآها تهتز كأنها جان قال الفراء: الجان: الحية التي ليست بالعظيمة ولا ~~بالصغيرة «3» . # قوله تعالى: ولم يعقب فيه قولان: أحدهما: لم يلتفت، قاله قتادة. والثاني: ~~لم يرجع، قاله PageV03P353 # ابن قتيبة، والزجاج. قال ابن قتيبة: وأهل النظر يرون أنه مأخوذ من ~~العقب.. # قوله تعالى: إني لا يخاف لدي المرسلون أي: لا يخافون عندي. وقيل: المراد: ~~في الموضع الذي يوحى إليهم فيه، فكأنه نبهه على أن من آمنه الله بالنبوة من ~~عذابه لا ينبغي أن يخاف من حية. وفي قوله تعالى: إلا من ظلم ثلاثة أقوال ~~«1» : # أحدها: أنه استثناء صحيح، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل والمعنى: إلا من ~~ظلم منهم فانه يخاف. قال ابن قتيبة: علم الله تعالى أن موسى مستشعر خيفة من ~~ذنبه في الرجل الذي وكزه، فقال: # «إلا من ظلم ms1695 ثم بدل حسنا» أي: توبة وندما، فانه يخاف، وإني غفور رحيم. # والثاني: أنه استثناء منقطع والمعنى: لكن من ظلم فانه يخاف، قاله ابن ~~السائب والزجاج. # وقال الفراء: «من» مستثناة من الذين تركوا في الكلام، كأنه قال: لا يخاف ~~لدي المرسلون، إنما الخوف على غيرهم، إلا من ظلم، فتكون «من» مستثناة. وقال ~~ابن جرير: في الآية محذوف، تقديره: # إلا من ظلم، فمن ظلم ثم بدل حسنا. # والثالث: أن «إلا» بمعنى الواو، فهو كقوله تعالى: لئلا يكون للناس عليكم ~~حجة إلا الذين ظلموا منهم «2» ، حكاه الفراء عن بعض النحويين، ولم يرضه. # وقرأ أبي بن كعب، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعاصم الجحدري، وابن يعمر: ~~«ألا من ظلم» بفتح الهمزة وتخفيف اللام. وللمفسرين في المراد بالظلم ها هنا ~~قولان «3» : # أحدهما: المعاصي. والثاني: الشرك. ومعنى «حسنا» توبة وندما. # وقرأ ابن مسعود، والضحاك، وأبو رجاء، والأعمش، وابن السميفع، وعبد الوارث ~~عن أبي عمرو: «حسنا» بفتح الحاء والسين بعد سوء أي: بعد إساءة، وقيل: ~~الإشارة بهذا إلى أن موسى وإن كان قد ظلم نفسه بقتل القبطي، فان الله يغفر ~~له، لأنه ندم على ذلك وتاب. # قوله تعالى: وأدخل يدك في جيبك الجيب حيث جيب من القميص، أي: قطع. قال ~~ابن جرير: # إنما أمر بإدخال يده في جيبه، لأنه كان عليه حينئذ مدرعة من صوف ليس لها ~~كم. والسوء: البرص. # قوله تعالى: في تسع آيات قال الزجاج: «في» من صلة قوله: «وألق عصاك» ~~«وأدخل يدك» ، فالتأويل: PageV03P354 # أظهر هاتين الآيتين في تسع آيات. و «في» بمعنى «من» ، فتأويله: من تسع ~~آيات تقول: خذ لي عشرا من الإبل فيها فحلان، أي: منها فحلان. وقد شرحنا ~~الآيات في بني إسرائيل «1» . قوله تعالى: إلى فرعون وقومه أي: مرسلا إلى ~~فرعون وقومه، فحذف ذلك لأنه معروف. فلما جاءتهم آياتنا مبصرة أي: # بينة واضحة، وهو كقوله تعالى: وآتينا ثمود الناقة مبصرة «2» وقد شرحناه. # قوله تعالى: قالوا هذا أي: هذا الذي نراه عيانا سحر مبين. وجحدوا بها أي: ~~أنكروها واستيقنتها أنفسهم أنها من عند الله، ms1696 ظلما أي: شركا وعلوا أي: ~~تكبرا. وقال الزجاج: المعنى: # وجحدوا بها ظلما وعلوا، أي: ترفعا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى وهم ~~يعلمون أنها من عند الله. ### | ### | [سورة النمل (27) : الآيات 15 الى # 19] # ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من ~~عباده المؤمنين (15) وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير ~~وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين (16) وحشر لسليمان جنوده من ~~الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة ~~يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) ~~فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى ~~والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (19) # قوله تعالى: ولقد آتينا داود وسليمان علما قال المفسرون: علما بالقضاء ~~وبكلام الطير والدواب وتسبيح الجبال وقالا الحمد لله الذي فضلنا بالنبوة ~~والكتاب وإلانة الحديد وتسخير الشياطين والجن والإنس على كثير من عباده ~~المؤمنين قال مقاتل: كان داود أشد تعبدا من سليمان، وكان سليمان أعظم ملكا ~~منه وأفطن. # قوله تعالى: وورث سليمان داود أي: ورث نبوته وعلمه وملكه، وكان لداود ~~تسعة عشر ذكرا، فخص سليمان بذلك، ولو كانت وراثة مال لكان جميع أولاده فيها ~~سواء «3» . # قوله تعالى: وقال يعني سليمان لبني إسرائيل يا أيها الناس علمنا منطق ~~الطير قرأ أبي بن كعب: «علمنا» بفتح العين واللام. قال الفراء: «منطق ~~الطير» : كلام الطير كالمنطق إذا فهم، قال الشاعر: # عجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما «4» # ومعنى الآية: فهمنا ما تقول الطير. قال قتادة: والنمل من الطير. وأوتينا ~~من كل شيء قال الزجاج: أي: من كل شىء يجوز أن يؤتاه الأنبياء والناس. وقال ~~مقاتل: أعطينا الملك والنبوة والكتاب والرياح ومنطق الطير، وسخرت لنا الجن ~~والشياطين. وروى جعفر بن محمد عن أبيه، قال: أعطي PageV03P355 # سليمان ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سبعمائة سنة وستة أشهر، وملك اهل ~~الدنيا كلهم من ms1697 الجن والإنس والشياطين والدواب والطير والسباع، وأعطي علم ~~كل شيء ومنطق كل شيء، وفي زمانه صنعت الصنائع المعجبة، فذلك قوله: علمنا ~~منطق الطير وأوتينا من كل شيء. قوله تعالى: إن هذا يعني: الذي أعطينا لهو ~~الفضل المبين أي: الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا. وحشر لسليمان جنوده ~~أي: جمع له كل صنف من جنده على حدة، وهذا كان في مسير له، فهم يوزعون قال ~~مجاهد: يحبس أولهم على آخرهم. قال ابن قتيبة: وأصل الوزع: الكف والمنع. ~~يقال: وزعت الرجل، أي: كففته، ووازع الجيش: الذي يكفهم عن التفرق، ويرد من ~~شذ منهم. # قوله تعالى: حتى إذا أتوا أي: أشرفوا على واد النمل وفي موضعه قولان: # أحدهما: أنه بالطائف، قاله كعب. والثاني: بالشام، قاله قتادة. # قوله تعالى: قالت نملة وقرأ ابو مجلز، وأبو رجاء وعاصم الجحدري، وطلحة بن ~~مصرف: # «نملة» بضم الميم أي: صاحت بصوت، فلما كان ذلك الصوت مفهوما عبر عنه ~~بالقول ولما نطق النمل كما ينطق بنو آدم، أجري مجرى الآدميين، فقيل: ~~ادخلوا، وألهم الله تلك النملة معرفة سليمان معجزا له، وقد ألهم الله النمل ~~كثيرا من مصالحها تزيد به على الحيوانات، فمن ذلك أنها تكسر كل حبة تدخرها ~~قطعتين لئلا تنبت، إلا الكزبرة فانها تكسرها أربع قطع، لأنها تنبت إذا كسرت ~~قطعتين، فسبحان من ألهمها هذا! وفي صفة تلك النملة قولان: أحدهما: أنها ~~كانت كهيئة النعجة، قال نوف الشامي: # كان النمل في زمن سليمان بن داود كأمثال الذئاب «1» . والثاني: كانت نملة ~~صغيرة. ادخلوا مساكنكم وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل، وعاصم الجحدري: ~~«مسكنكم» على التوحيد. قوله تعالى: لا يحطمنكم الحطم: الكسر. وقرأ أبي بن ~~كعب، وأبو رجاء: «ليحطمنكم» بغير ألف بعد اللام. وقرأ ابن مسعود: «لا ~~يحطمكم» بفتح الياء وسكون الحاء وتخفيف الطاء وسكون الميم وحذف النون. وقرأ ~~عمرو بن العاص، وأبان: «يحطمنكم» بفتح الياء وسكون الحاء والنون جميعا. ~~وقرأ ابن أبو المتوكل، وأبو مجلز: «لا يحطمنكم» بفتح الياء وكسر الحاء ~~وتشديد الطاء والنون جميعا. وقرأ ابن السميفع، وابن ms1698 يعمر، وعاصم الجحدري: ~~«يحطمنكم» برفع الياء وسكون الحاء وتخفيف الطاء وتشديد النون. والحطم: ~~الكسر، والحطام: ما تحطم. قال مقاتل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال. ~~وفي قوله تعالى: وهم لا يشعرون قولان: أحدهما: وأصحاب سليمان لم يشعروا ~~بكلام النملة، قاله ابن عباس. والثاني: وأصحاب سليمان لا يشعرون بمكانكم، ~~لانها علمت أنه ملك لا بغي فيه، وأنهم لو علموا بالنمل ما توطؤوهم، قاله ~~مقاتل. # قوله تعالى: فتبسم ضاحكا قال الزجاج «ضاحكا» منصوب، حال مؤكدة، لأن ~~«تبسم» بمعنى «ضحك» . قال المفسرون: تبسم تعجبا مما قالت، وقيل: من ثنائها ~~عليه. وقال بعض العلماء: # هذه الآية من عجائب القرآن، لأنها بلفظة «يا» نادت «أيها» نبهت «النمل» ~~عينت «ادخلوا» «مساكنكم» نصت «لا يحطمنكم» حذرت «سليمان» خصت «وجنوده» عمت ~~«وهم لا يشعرون» عذرت. قوله PageV03P356 # تعالى: وقال رب أوزعني قال ابن قتيبة: ألهمني، أصل الإيزاع: الإغراء ~~بالشيء، يقال: أوزعته بكذا، أي: أغريته به، وهو موزع بكذا، ومولع بكذا، ~~وقال الزجاج. تأويله في اللغة: كفني عن الأشياء إلا عن شكر نعمتك والمعنى: ~~كفني عما يباعد منك، وأن أعمل أي: وألهمني أن أعمل صالحا ترضاه قال ~~المفسرون: إنما شكر الله تعالى لأن الريح أبلغت إليه صوتها ففهم ذلك. ### | ### | [سورة النمل (27) : الآيات 20 الى # 26] # وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لأعذبنه ~~عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) فمكث غير بعيد فقال ~~أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين (22) إني وجدت امرأة تملكهم ~~وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون ~~الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24) # ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما ~~تعلنون (25) الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (26) # قوله تعالى: وتفقد الطير التفقد: طلب ما غاب عنك والمعنى أنه طلب ما فقد ~~من الطير والطير اسم جامع للجنس، وكانت الطير تصحب سليمان في سفره تظله ~~بأجنحتها فقال ما ms1699 لي لا أرى الهدهد قرأ ابن كثير، وعاصم، والكسائي: ما لي ~~لا أرى الهدهد بفتح الياء. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة ~~بالسكون، والمعنى: ما للهدهد لا أراه؟! تقول العرب: مالي أراك كئيبا، أي: ~~مالك؟ فهذا من المقلوب الذي معناه معلوم. قال المفسرون: لما فصل سليمان عن ~~وادي النمل، وقع في قفر من الأرض، فعطش الجيش فسألوه الماء، وكان الهدهد ~~يدله على الماء، فإذا قال له: ها هنا الماء، شققت الشياطين الصخرة وفجرت ~~العيون قبل أن يضربوا أبنيتهم، وكان الهدهد يرى الماء في الأرض كما يرى ~~الماء في الزجاجة، فطلبه يومئذ فلم يجده. وقال بعضهم: إنما طلبه لأن الطير ~~كانت تظلهم من الشمس، فأخل الهدهد بمكانه، فطلعت الشمس عليهم من الخلل. # قوله تعالى: أم كان قال الزجاج: معناه: بل كان. قوله تعالى: لأعذبنه ~~عذابا شديدا فيه ستة أقوال: أحدها: نتف ريشه، قاله ابن عباس، والجمهور. ~~والثاني: نتفه وتشميسه، قاله عبد الله بن شداد. والثالث: شد رجله وتشميسه، ~~قاله الضحاك. والرابع: أن يطليه بالقطران ويشمسه، قاله مقاتل بن حيان. ~~والخامس: ان يودعه القفص. والسادس: أن يفرق بينه وبين إلفه، حكاهما ~~الثعلبي. قوله تعالى: أو ليأتيني وقرأ ابن كثير: «ليأتينني، بنونين، وكذلك ~~هي في مصاحفهم. فأما السلطان، فهو الحجة، وقيل: العذر. # وجاء في التفسير أن سليمان لما نزل في بعض مسيره، قال الهدهد: إنه قد ~~اشتغل بالنزول فأرتفع أنا إلى السماء فأنظر إلى طول الدنيا وعرضها، فارتفع ~~فرأى بستانا لبلقيس، فمال إلى الخضرة فوقع فيه، فاذا هو بهدهد قد لقيه، ~~فقال: من اين أقبلت؟ قال: من الشام مع صاحبي سليمان، فمن أين أنت؟ # قال: من هذه البلاد، وملكها امرأة يقال لها: بلقيس، فهل انت منطلق معي ~~حتى ترى ملكها؟ قال: # أخاف أن يتفقدني سليمان وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء، قال: إن صاحبك ~~يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة، فانطلق معه، فنظر إلى بلقيس وملكها، فمكث ~~غير بعيد قرأ الجمهور بضم الكاف، وقرأ # PageV03P357 # عاصم بفتحها، وقرأ ابن مسعود: «فتمكث» بزيادة تاء ms1700 والمعنى: لم يلبث إلا ~~يسيرا حتى جاء، فقال سليمان: ما الذي أبطأ بك؟ فقال أحطت بما لم تحط به أي: ~~علمت شيئا من جميع جهاته مما لم تعلم به وجئتك من سبإ قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو: «سبأ» نصبا غير مصروف، وقرأ الباقون خفضا منونا «1» . # (1067) وجاء فى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن سبأ رجل من ~~العرب» . وقال قتادة: هي أرض باليمن يقال لها: مأرب. وقال أبو الحسن ~~الأخفش: إن شئت صرفت «سبأ» فجعلته اسم أبيهم، أو اسم الحي، وإن شئت لم تصرف ~~فجعلته اسم القبيلة، أو اسم الأرض. قال الزجاج: وقد ذكر قوم من النحويين ~~أنه اسم رجل. وقال آخرون: الاسم إذا لم يدر ما هو لم يصرف وكلا القولين ~~خطأ، لأن الأسماء حقها الصرف، وإذا لم يعلم هل الاسم للمذكر أم للمؤنث، ~~فحقه الصرف حتى يعلم أنه لا ينصرف، لأن أصل الأسماء الصرف. وقول الذين ~~قالوا: هو اسم رجل، غلط، لأن سبأ هي مدينة تعرف بمأرب من اليمن، بينها وبين ~~صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، فمن لم يصرفه جعله اسم مدينة، ومن صرفه فلأنه اسم ~~البلد، فيكون مذكرا سمي بمذكر. # قوله تعالى: بنبإ يقين أي: بخبر صادق، إني وجدت امرأة تملكهم يعني بلقيس ~~وأوتيت من كل شيء قال الزجاج: معناه: من كل شيء يعطاه الملوك ويؤتاه الناس. ~~والعرش: سرير الملك. # قال قتادة: كان عرشها من ذهب، قوائمه من جوهر مكلل باللؤلؤ، وكان أحد ~~أبويها من الجن، وكان PageV03P358 # مؤخر أحد قدميها مثل حافر الدابة، وقال مجاهد: كان قدماها كحافر الحمار. ~~وقال ابن السائب: لم يكن بقدميها شيء، إنما وقع الجن فيها عند سليمان بهذا ~~القول، فلما جعل لها الصرح بان له كذبهم. قال مقاتل: كان ارتفاع عرشها ~~ثمانين ذراعا في عرض ثمانين، وكانت أمها من الجن «1» . قال ابن جرير: وإنما ~~صار هذا الخبر عذرا للهدهد، لأن سليمان كان لا يرى لأحد في الأرض مملكة ~~سواه، وكان مع ذلك يحب الجهاد، فلما دله الهدهد على مملكة لغيره، وعلى ms1701 قوم ~~كفرة يجاهدهم، صار ذلك عذرا. # قوله تعالى: ألا يسجدوا قرأ الأكثرون: «ألا» بالتشديد. قال الزجاج: ~~والمعنى: وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا، أي: فصدهم لئلا يسجدوا. وقرأ ابن ~~عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، والزهري وقتادة، وأبو العالية، ~~وحميد الأعرج، والأعمش، وابن أبي عبلة، والكسائي: «ألا يسجدوا» مخففة، على ~~معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فيكون في الكلام إضمار «هؤلاء» ويكتفى منها ب ~~«يا» ، ويكون الوقف «ألا يا» والابتداء «اسجدوا» قال الفراء: فعلى هذه ~~القراءة هي سجدة، وعلى قراءة من شدد لا ينبغي لها أن تكون سجدة. وقال أبو ~~عبيدة: هذا أمر من الله مستأنف، يعني: ألا يا أيها الناس اسجدوا. وقرأ ابن ~~مسعود، وأبي: «هلا يسجدوا» بهاء. # قوله تعالى: الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض قال ابن قتيبة: أي: ~~المستتر فيهما، وهو من خبأت الشيء: إذا أخفيته، ويقال: خبء السموات: المطر، ~~وخبء الأرض: النبات. وقال الزجاج: # كل ما خبأته فهو خبء، فالخبء: كل ما غاب فالمعنى: يعلم الغيب في السموات ~~والأرض. وقال ابن جرير: «في» بمعنى «من» فتقديره: يخرج الخبء من السموات. # قوله تعالى: ويعلم ما تخفون وما تعلنون قرأ حفص عن عاصم، والكسائي، ~~بالتاء فيهما. وقرأ الباقون بالياء. قال ابن زيد: من قوله: أحطت إلى قوله: ~~العظيم كلام الهدهد. وقرأ الضحاك، وابن محيصن: «العظيم» برفع الميم. ### | ### | [سورة النمل (27) : الآيات 27 الى # 31] # قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين (27) اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم ~~تول عنهم فانظر ماذا يرجعون (28) قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب ~~كريم (29) إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا علي ~~وأتوني مسلمين (31) # فلما فرغ الهدهد من كلامه قال سننظر فيما أخبرتنا به أصدقت فيما قلت أم ~~كنت من الكاذبين وإنما شك في خبره، لأنه أنكر أن يكون لغيره في الأرض ~~سلطان. ثم كتب كتابا وختمه بخاتمه ودفعه إلى الهدهد وقال: اذهب بكتابي هذا ~~فألقه إليهم قرأ ابن كثير، وابن عامر، والكسائي: «فألقهي» موصولة بياء. ~~وقرأ أبو عمرو، وعاصم، وأبو ms1702 جعفر، وحمزة: «فألقه» بسكون الهاء، وروى قالون ~~عن نافع: كسر الهاء من غير إشباع ويعني: إلى أهل سبأ، ثم تول عنهم فيه ~~قولان: أحدهما: أعرض. والثاني: انصرف، فانظر ماذا يرجعون أي: ماذا يردون من ~~الجواب. فإن قيل: إذا تولى عنهم فكيف يعلم جوابهم؟ فعنه جوابان «2» : ~~أحدهما: أن المعنى: ثم تول عنهم مستترا PageV03P359 # من حيث لا يرونك، فانظر ماذا يردون من الجواب، وهذا قول وهب بن منبه. ~~والثاني: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: فانظر ماذا يرجعون ثم تول ~~عنهم، وهذا مذهب ابن زيد. قال قتادة: أتاها الهدهد وهي نائمة فألقى الكتاب ~~على نحرها فقرأته وأخبرت قومها. وقال مقاتل: حمله بمنقاره حتى وقف على رأس ~~المرأة، فرفرف ساعة والناس ينظرون، فرفعت رأسها فألقي الكتاب في حجرها، ~~فلما رأت الخاتم أرعدت وخضعت وخضع من معها من الجنود. واختلفوا لأي علة ~~سمته كريما على سبعة أقوال: أحدها: لأنه كان مختوما، رواه سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس. والثاني: لأنها ظنته من عند الله عز وجل، روي عن ابن عباس أيضا. ~~والثالث: أن معنى قولها: «كريم» : حسن ما فيه، قاله قتادة، والزجاج. ~~والرابع: لكلام صاحبه، فانه كان ملكا، ذكره ابن جرير. والخامس: لأنه كان ~~مهيبا، ذكره أبو سليمان الدمشقي. والسادس: لتسخير الهدهد لحمله، حكاه ~~الماوردي. والسابع: لأنها رأت في صدره «بسم الله الرحمن الرحيم» ، حكاه ~~الثعلبي. # قوله تعالى: إنه من سليمان أي: إن الكتاب من عنده وإنه أي: وإن المكتوب ~~بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي أي: لا تتكبروا. وقرأ ابن عباس: ~~«تغلوا» بغين معجمة وأتوني مسلمين أي: منقادين طائعين. ثم استشارت قومها، ف ~~قالت يا أيها الملأ يعني الاشراف، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر قائدا، كل ~~رجل منهم على عشرة آلاف. وقال ابن عباس: كان معها مائة ألف قيل، مع كل قيل ~~مائة ألف. وقيل: كانت جنودها ألف ألف ومائتي ألف. ### | ### | [سورة النمل (27) : الآيات 32 الى # 35] # قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32) ~~قالوا نحن أولوا ms1703 قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين (33) ~~قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك ~~يفعلون (34) وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35) # قوله تعالى: أفتوني في أمري أي: بينوا لي ما أفعل، وأشيروا علي. قال ~~الفراء: جعلت المشورة فتيا، وذلك جائز لسعة اللغة. قوله تعالى: ما كنت ~~قاطعة أمرا أي: فاعلته حتى تشهدون أي: # تحضرون: والمعنى: إلا بحضوركم ومشورتكم. قالوا نحن أولوا قوة فيه قولان: ~~أحدهما: أنهم أرادوا القوة في الأبدان. والثاني: كثرة العدد والبأس ~~والشجاعة في الحرب. وفيما أرادوا بذلك القول قولان: # أحدهما: تفويض الأمر إلى رأيها. والثاني: تعريض منهم بالقتال إن أمرتهم. ~~ثم قالوا: والأمر إليك أي: في القتال وتركه. قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية ~~قال الزجاج: المعنى: إذا دخلوها عنوة عن قتال وغلبة. قوله تعالى: أفسدوها ~~أي: خربوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة أي: أهانوا أشرافها ليستقيم لهم الأمر. ~~ومعنى الكلام: أنها حذرتهم مسير سليمان إليهم ودخوله بلادها. قوله تعالى: # PageV03P360 # وكذلك يفعلون فيه قولان: أحدهما: أنه من تصديق الله تعالى لقولها، قاله ~~الزجاج. والثاني: من تمام كلامها والمعنى: وكذلك يفعل سليمان وأصحابه إذا ~~دخلوا بلادنا، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: وإني مرسلة إليهم بهدية قال ابن عباس: إنما أرسلت الهدية ~~لتعلم أنه إن كان نبيا لم يرد الدنيا، وإن كان ملكا فسيرضى بالحمل، وأنها ~~بعثت ثلاث لبنات من ذهب في كل لبنة مائة رطل وياقوتة حمراء طولها شبر ~~مثقوبة، وثلاثين وصيفا وثلاثين وصيفة، وألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ~~الذكر من الأنثى، ثم كتبت إليه: إني قد بعثت إليك بهدية فاقبلها، وبعثت ~~إليك بياقوتة طولها شبر، فأدخل فيها خيطا واختم على طرفي الخيط بخاتمك، وقد ~~بعثت إليك ثلاثين وصيفا وثلاثين وصيفة، فميز بين الجواري والغلمان فجاء ~~أمير الشياطين فأخبره بما بعثت إليه، فقال له: انطلق فافرش على طريق القوم ~~من باب مجلسي ثمانية أميال في ثمانية أميال لبنا من الذهب فانطلق، فبعث ~~الشياطين، فقطعوا اللبن من الجبال وطلوه بالذهب وفرشوه، ms1704 ونصبوا في الطريق ~~أساطين الياقوت الأحمر، فلما جاء الرسل، قال بعضهم لبعض: كيف تدخلون على ~~هذا الرجل بثلاث لبنات، وعنده ما رأيتم؟! فقال رئيسهم: إنما نحن رسل، ~~فدخلوا عليه، فوضعوا اللبن بين يديه، فقال: أتمدونني بمال؟ # ثم دعا ذرة فربط فيها خيطا وأدخلها في ثقب الياقوتة حتى خرجت من طرفها ~~الآخر، ثم جمع بين طرفي الخيط فختم عليه ودفعها إليهم، ثم ميز بين الغلمان ~~والجواري هذا كله مروي عن ابن عباس «1» . وقال مجاهد: جعلت لباس الغلمان ~~للجواري ولباس الجواري للغلمان، فميزهم ولم يقبل هديتها. وفي عدد الوصائف ~~والوصفاء خمسة أقوال: أحدها: ثلاثون وصيفا وثلاثون وصيفة، وقد ذكرناه عن ~~ابن عباس. # والثاني: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية، قاله وهب. والثالث: مائتا غلام ~~ومائتا جارية، قاله مجاهد. # والرابع: عشرة غلمان وعشر جوار، قاله ابن السائب. والخامس: مائة وصيف ~~ومائة وصيفة، قاله مقاتل. وفيما ميزهم به ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أمرهم ~~بالوضوء، فبدأ الغلام من مرفقه إلى كفه، وبدأت الجارية من كفها إلى مرفقها، ~~فميزهم بذلك، قاله سعيد بن جبير. والثاني: أن الغلمان بدءوا بغسل ظهور ~~السواعد قبل بطونها، والجواري على عكس ذلك، قاله قتادة. والثالث: أن الغلام ~~اغترف بيده، والجارية أفرغت على يدها، قاله السدي. وجاء في التفسير أنها ~~أمرت الجواري أن يكلمن سليمان بكلام الرجال، وأمرت الرجال أن يكلموه كلام ~~النساء، وأرسلت قدحا أن يملأه ماء ليس من ماء السماء ولا من ماء الأرض، ~~فجرى الخيل وملأه من عرقها. # قوله تعالى: فناظرة بم يرجع المرسلون أي: بقبول أم برد. قال ابن جرير: ~~وأصل «بم» : بما، وإنما أسقطت الألف لأن العرب إذا كانت «ما» بمعنى «أي» ثم ~~وصلوها بحرف خافض، أسقطوا ألفها، تفريقا بين الاستفهام والخبر، كقوله ~~تعالى: عم يتساءلون «2» وقالوا فيم كنتم «3» ، وربما أثبتوا فيها الألف كما ~~قال الشاعر: # على ما قام يشتمنا لئيم ... كخنزير تمرغ في رماد؟ «4» PageV03P361 ### | ### | [سورة النمل (27) : الآيات 36 الى # 40] # فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم ~~بهديتكم تفرحون (36) ارجع إليهم ms1705 فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم ~~منها أذلة وهم صاغرون (37) قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن ~~يأتوني مسلمين (38) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ~~وإني عليه لقوي أمين (39) قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن ~~يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم ~~أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (40) # قوله تعالى: فلما جاء سليمان قال الزجاج: لما جاء رسولها، ويجوز: فلما ~~جاء برها. # قوله تعالى: أتمدونن بمال قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «أتمدونني» ~~بنونين وياء في الوصل. وروى المسيبي عن نافع: «أتمدوني» بنون واحدة خفيفة ~~وياء في الوصل والوقف. وقرأ عاصم، وابن عامر، والكسائي: «أتمدونن» بغير ياء ~~في الوصل والوقف. وقرأ حمزة: «أتمدوني بمال» بنون واحدة مشددة ووقف على ~~الياء. # قوله تعالى: فما آتاني الله قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، ~~وأبو بكر عن عاصم: «فما آتان» بكسر النون من غير ياء. وقرأ أبو عمرو، ~~ونافع، وحفص عن عاصم: «أتاني الله» بفتح الياء. وكلهم فتح التاء غير ~~الكسائي، فإنه أمالها من «آتاني الله» وأمال حمزة: «أنا آتيك به» أشم النون ~~شيئا من الكسر، والمعنى: فما آتاني الله، أي: من النبوة والملك خير مما ~~آتاكم من المال بل أنتم بهديتكم تفرحون يعني إذا أهدى بعضكم إلى بعض فرح، ~~فأما أنا فلا، ثم قال للرسول: ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل أي: لا ~~طاقة لهم بها ولنخرجنهم منها يعني بلدتهم. فلما رجعت رسلها إليها بالخبر، ~~قالت: قد علمت أنه ليس بملك وما لنا به طاقة، فبعثت إليه: إني قادمة عليك ~~بملوك قومي لأنظر ما تدعو إليه، ثم أمرت بعرشها فجعل وراء سبعة أبواب، ~~ووكلت به حرسا يحفظونه، وشخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف ملك، تحت يدي كل ~~ملك ألوف. وكان سليمان مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يسأل عنه، فجلس يوما على ~~سرير ms1706 ملكه فرأى رهجا قريبا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس قد نزلت بهذا ~~المكان، وكان قدر فرسخ، وقد كان بلغه أنها احتاطت على عرشها قبل خروجها، ~~وقال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها وفي سبب طلبه له خمسة أقوال «1» : ~~أحدها: ليعلم صدق الهدهد، قاله ابن عباس. والثاني: ليجعل ذلك دليلا على صدق ~~نبوته، لأنها خلفته في دارها واحتاطت عليه، فوجدته قد تقدمها، قاله وهب بن ~~منبه. والثالث: ليختبر عقلها وفطنتها، أتعرفه أم تنكره، قاله سعيد بن جبير. # والرابع: لأن صفته أعجبته، فخشي أن تسلم فيحرم عليه مالها، فأراد أخذه ~~قبل ذلك، قاله قتادة. PageV03P362 # والخامس: ليريها قدرة الله تعالى وعظم سلطانه، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: قال عفريت من الجن قال أبو عبيدة: العفريت من كل جن أو إنس: ~~الفائق المبالغ الرئيس. وقال ابن قتيبة: العفريت: الشرير الوثيق. وقال ~~الزجاج: العفريت: النافذ في الأمر، المبالغ فيه مع خبث ودهاء. وقرأ أبي بن ~~كعب، والضحاك، وأبو العالية، وابن يعمر، وعاصم الجحدري: # «قال عفريت» بفتح العين وكسر الراء، وروى ابن أبي شريح عن الكسائي: ~~«عفرية» بفتح الياء وتخفيفها، وروي عنه أيضا تشديدها وتنوين الهاء على ~~التأنيث. وقرأ ابن مسعود، وابن السميفع: # «عفراة» بكسر العين وفتح الراء وبألف من غير ياء. # قوله تعالى: قبل أن تقوم من مقامك أي: من مجلسك ومثله: «في مقام أمين» ~~«1» . وكان سليمان يجلس للقضاء بين الناس من وقت الفجر إلى طلوع الشمس، ~~وقيل: إلى نصف النهار. وإني عليه أي: على حمله لقوي. وفي قوله تعالى: أمين ~~قولان: أحدهما: أمين على ما فيه من الجوهر والدر وغير ذلك، قاله ابن ~~السائب. والثاني: أمين أن لا آتيك بغيره بدلا منه، قاله ابن زيد. قال ~~سليمان: أريد اسرع من ذلك. قال الذي عنده علم من الكتاب وهل هو إنسي أم ~~ملك؟ فيه قولان: # أحدهما: إنسي، قاله ابن عباس، والضحاك، وأبو صالح، ثم فيه أربعة أقوال: ~~أحدها: أنه رجل من بني إسرائيل، واسمه آصف بن برخياء، قاله مقاتل. قال ابن ~~عباس: دعا آصف- وكان آصف ms1707 يقوم على رأس سليمان بالسيف- فبعث الله الملائكة ~~فحملوا السرير تحت الأرض يخدون الأرض خدا، حتى انخرقت الأرض بالسرير بين ~~يدي سليمان. والثاني: أنه سليمان عليه السلام، وإنما قال له رجل: أنا آتيك ~~به قبل أن يرتد إليك طرفك، فقال: هات، قال: أنت النبي ابن النبي، فان دعوت ~~الله جاءك، فدعا الله فجاءه، قاله محمد بن المنكدر. والثالث: أنه الخضر، ~~قاله ابن لهيعة «2» . والرابع: أنه عابد خرج يومئذ من جزيرة في البحر فوجد ~~سليمان فدعا فأتي بالعرش، قاله ابن زيد. والقول الثاني: أنه من الملائكة، ~~ثم فيه قولان: أحدهما: أنه جبريل عليه السلام. والثاني: ملك من الملائكة ~~أيد الله تعالى به سليمان، حكاهما الثعلبي. وفي العلم الذي عنده من الكتاب ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أنه اسم الله الأعظم، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ~~والجمهور. والثاني: أنه علم كتاب سليمان إلى بلقيس. والثالث: # علم ما كتب الله لبني آدم، وهذا على أنه ملك، حكى القولين الماوردي. وفي ~~قوله تعالى: قبل أن يرتد إليك طرفك أربعة أقوال: أحدها: قبل أن يأتيك أقصى ~~ما تنظر إليه، قاله سعيد بن جبير. والثاني: # قبل أن ينتهي طرفك إذا مددته إلى مداه، قاله وهب. والثالث: قبل أن يرتد ~~طرفك حسيرا إذا أدمت النظر، قاله مجاهد. والرابع: بمقدار ما تفتح عينك ثم ~~تطرف، قاله الزجاج: قال مجاهد: دعا فقال: يا ذا الجلال والإكرام، وقال ابن ~~السائب: إنما قال: يا حي يا قيوم. # قوله تعالى: فلما رآه في الكلام محذوف تقديره: فدعا الله فأتي به، فلما ~~رآه، يعني: سليمان مستقرا عنده أي: ثابتا بين يديه قال هذا يعني التمكن من ~~حصول المراد. # قوله تعالى: أأشكر أم أكفر فيه قولان: أحدهما: أأشكر على السرير إذ أتيت ~~به، أم أكفر إذا PageV03P363 # رأيت من هو دوني في الدنيا أعلم مني، قاله ابن عباس. والثاني: أأشكر ذلك ~~من فضل الله علي، أم أكفر نعمته بترك الشكر له، قاله ابن جرير. ### | ### | [سورة النمل (27) : الآيات 41 الى # 44] # قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون ms1708 من الذين لا يهتدون (41) فلما ~~جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (42) ~~وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين (43) قيل لها ~~ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من ~~قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين (44) # قوله تعالى: قال نكروا لها عرشها قال المفسرون: خافت الشياطين أن يتزوج ~~سليمان بلقيس فتفشي إليه أسرار الجن، لأن أمها كانت جنية، فلا ينفكون من ~~تسخير سليمان وذريته بعده، فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إن في عقلها شيئا، ~~وإن رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر ~~إلى قدميها ببناء الصرح. قال ابن قتيبة: ومعنى «نكروا» : غيروا، يقال: نكرت ~~الشيء فتنكر، أي: غيرته فتغير. وللمفسرين في كيفية تغييره ستة أقوال: # أحدها: أنه زيد فيه ونقص منه، رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: أنهم ~~جعلوا صفائح الذهب التي كانت عليه مكان صفائح الفضة، وصفائح الفضة مكان ~~صفائح الذهب، والياقوت مكان الزبرجد، والدر مكان اللؤلؤ، وقائمتي الزبرجد ~~مكان قائمتي الياقوت، قاله ابن عباس أيضا. والثالث: أنهم نزعوا ما عليه من ~~فصوصه وجواهره، روي عن ابن عباس أيضا. والرابع: أنهم جعلوا ما كان منه أحمر ~~أخضر، وما كان أخضر أحمر، قاله مجاهد. والخامس: أنهم جعلوا أسفله أعلاه، ~~ومقدمه مؤخره، وزادوا فيه، ونقصوا منه، قاله قتادة. والسادس: أنهم جعلوا ~~فيه تماثيل السمك، قاله أبو صالح. # وفي قوله تعالى: كأنه هو قولان: أحدهما: أنها لما رأته جعلت تعرف وتنكر، ~~ثم قالت في نفسها: من أين يخلص إلى ذلك وهو في سبعة أبيات والحرس حوله؟! ثم ~~قالت: كأنه هو، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال قتادة: شبهته بعرشها. وقال ~~السدي: وجدت فيه ما تعرفه فلم تنكر، ووجدت فيه ما تنكره فلم تثبت، فلذلك ~~قالت: كأنه هو. والثاني: أنها عرفته، ولكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها، ~~فلو أنهم قالوا: هذا عرشك، لقالت: نعم، قاله مقاتل. قال ms1709 المفسرون: فقيل ~~لها: فانه عرشك، فما أغنى عنك إغلاق الأبواب؟! وفي قوله تعالى: وأوتينا ~~العلم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه قول سليمان، قاله مجاهد، ثم في معناه قولان: ~~أحدهما: وأوتينا العلم بالله وقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة. ~~والثاني: أوتينا العلم باسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها وكنا مسلمين ~~لله. والقول الثاني: انه من قول بلقيس، فانها لما رأت عرشها، قالت: قد عرفت ~~هذه الآية، وأوتينا العلم بصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة، تعني أمر ~~الهدهد والرسل التي بعثت من قبل هذه الآية، وكنا مسلمين منقادين لأمرك قبل ~~أن نجىء. والثالث: أنه من قول قوم سليمان، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: وصدها ما كانت تعبد من دون الله قال الفراء: معنى الكلام: هي ~~عاقلة، إنما صدها عن عبادة الله عبادتها الشمس والقمر، وكان عادة من دين ~~آبائها والمعنى: وصدها أن تعبد الله ما كانت # PageV03P364 # تعبد، قال: وقد قيل: صدها سليمان، أي: منعها ما كانت تعبد. قال الزجاج: ~~المعنى: صدها عن الإيمان العادة التي كانت عليها، لأنها نشأت ولم تعرف إلا ~~قوما يعبدون الشمس، وبين عبادتها بقوله: # إنها كانت من قوم كافرين وقرأ سعيد بن جبير، وابن أبي عبلة: «أنها كانت» ~~بفتح الهمزة. # قوله تعالى: يل لها ادخلي الصرح # قال المفسرون: أمر الشياطين فبنوا له صرحا كهيئة السطح من زجاج. وفي سبب ~~أمره بذلك ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه أراد أن يريها ملكا هو اعز من ملكها، ~~قاله وهب بن منبه. والثاني: أنه أراد أن ينظر إلى قدمها من غير أن يسألها ~~كشفها، لأنه قيل له: إن رجلها كحافر الحمار، فأمر ان يهيأ لها بيت من ~~قوارير فوق الماء، ووضع سرير سليمان في صدر البيت، هذا قول محمد بن كعب ~~القرظي. والثالث: أنه فعل ذلك ليختبرها كما اختبرته بالوصائف والوصفاء، ~~ذكره ابن جرير. فأما الصرح، فقال ابن قتيبة: هو القصر، وجمعه: صروح، ومنه ~~قول الهذلي: # تحسب أعلامهن الصروحا «1» قال: ويقال: الصرح بلاط اتخذ لها من قوارير، ~~وجعل تحته ماء وسمك، قال مجاهد: كانت ms1710 بركة من ماء ضرب عليها سليمان قوارير. ~~وقال مقاتل: كان قصرا من قوارير بني على الماء وتحته السمك. قوله تعالى: ~~سبته لجة # وهي: معظم الماء كشفت عن ساقيها # لدخول الماء، فناداها سليمان نه صرح ممرد # أي: مملس ن قوارير # أي: من زجاج فعلمت حينئذ أن ملك سليمان من الله تعالى، فالت رب إني ظلمت ~~نفسي # أي: بعبادة غيرك. وقيل: ظنت في سليمان أنه يريد تغريقها في الماء، فلما ~~علمت أنه صرح ممرد قالت: رب إني ظلمت نفسي بذلك الظن، وأسلمت مع سليمان، ثم ~~تزوجها سليمان. وقيل: إنه ردها إلى مملكتها وكان يزورها في كل شهر مرة ~~ويقيم عندها ثلاثة أيام، وأنها ولدت منه. ويقال: إنه زوجها ببعض الملوك ولم ~~يتزوجها هو. ### | ### | [سورة النمل (27) : الآيات 45 الى # 47] # ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون ~~(45) قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ~~ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم ~~تفتنون (47) # قوله تعالى: فإذا هم فريقان مؤمن وكافر يختصمون وفيه قولان: أحدهما: أنه ~~قولهم: # أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه الآيات «2» . والثاني: أنه قول كل فريق ~~منهم: الحق معي. قوله تعالى: لم تستعجلون بالسيئة وذلك حين قالوا: إن كان ~~ما أتيتنا به حقا فائتنا بالعذاب. وفي السيئة والحسنة قولان: أحدهما: أن ~~السيئة: العذاب، والحسنة: الرحمة، قاله مجاهد. والثاني: أن السيئة: # البلاء، والحسنة، العافية، قاله السدي. # قوله تعالى: لولا أي: هلا تستغفرون الله من الشرك لعلكم ترحمون فلا ~~تعذبون. قالوا اطيرنا قال ابن قتيبة: المعنى: تطيرنا وتشاءمنا بك، فأدغمت ~~التاء في الطاء، وأثبتت الألف، ليسلم PageV03P365 # السكون لما بعدها. وقال الزجاج: الأصل: تطيرنا، فأدغمت التاء في الطاء، ~~واجتلبت الألف لسكون الطاء فاذا ابتدأت قلت: اطيرنا، وإذا وصلت لم تذكر ~~الألف وتسقط لأنها ألف وصل، وإنما تطيروا به، لأنهم قحطوا وجاعوا، ف قال ~~لهم طائركم عند الله وقد شرحنا هذا المعنى في الأعراف. # وفي قوله تعالى: تفتنون ثلاثة ms1711 أقوال: أحدها: تختبرون بالخير والشر، قاله ~~ابن عباس. والثاني: # تصرفون عن دينكم، قاله الحسن. والثالث: تبتلون بالطاعة والمعصية، قاله ~~قتادة. ### | ### | [سورة النمل (27) : الآيات 48 الى # 53] # وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) قالوا تقاسموا ~~بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون (49) ~~ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا ~~دمرناهم وقومهم أجمعين (51) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية ~~لقوم يعلمون (52) # وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (53) # قوله تعالى: وكان في المدينة وهي الحجر التي نزلها صالح تسعة رهط يفسدون ~~في الأرض يريد: في أرض الحجر، وفسادهم: كفرهم ومعاصيهم، وكانوا يسفكون ~~الدماء ويثبون على الأموال والفروج، وهم الذين عملوا في قتل الناقة. وروي ~~عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح قالا: كان فسادهم كسر الدراهم ~~والدنانير، قالوا فيما بينهم تقاسموا بالله أي: احلفوا بالله لنبيتنه أي: # لنقتلن صالحا (وأهله) ليلا (ثم لنقولن) وقرأ حمزة، والكسائي: «لتبيتنه ~~وأهله ثم لتقولن» بالتاء فيهما. # وقرأ مجاهد، وأبو رجاء، وحميد بن قيس: «ليبيتنه» بياء وتاء مرفوعتين «ثم ~~ليقولن» بياء مفتوحة وقاف مرفوعة وواو ساكنة ولام مرفوعة لوليه أي: لولي ~~دمه إن سألنا عنه ما شهدنا أي: ما حضرنا مهلك أهله قرأ الأكثرون بضم الميم ~~وفتح اللام والمهلك يجوز أن يكون مصدرا بمعنى الإهلاك، ويجوز أن يكون ~~الموضع. وروى ابو بكر، وأبان عن عاصم: بفتح الميم واللام، يريد الهلاك ~~يقال: هلك يهلك مهلكا. وروى عنه حفص، والمفضل: بفتح الميم وكسر اللام، وهو ~~اسم المكان، على معنى: ما شهدنا موضع هلاكهم فهذا كان مكرهم، فجازاهم الله ~~عليه فأهلكهم. وفي صفة إهلاكهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم أتوا دار صالح ~~شاهرين سيوفهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة فقتلتهم، قاله ابن عباس. والثاني: ~~رماهم الله بصخرة فقتلتهم، قاله قتادة. والثالث: أنهم دخلوا غارا ينتظرون ~~مجيء صالح، فبعث الله صخرة سدت باب الغار، قاله ابن زيد. والرابع: أنهم ~~نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا ms1712 دار صالح، فجثم عليهم الجبل ~~فأهلكهم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: أنا دمرناهم قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «أنا دمرناهم» بفتح ~~الألف. وقرأ الباقون بكسرها. فمن كسر استأنف، ومن فتح، فقال أبو علي: فيه ~~وجهان: أحدهما: أن يكون بدلا من عاقبة مكرهم. والثاني: أن يكون محمولا على ~~مبتدإ مضمر، كأنه قال: هو أنا دمرناهم. # قوله تعالى: فتلك بيوتهم خاوية قال الزجاج: هي منصوبة على الحال المعنى: ~~فانظر إلى بيوتهم خاوية. ### | [سورة النمل (27) : الآيات 54 الى 58] # ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (54) أإنكم لتأتون ~~الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55) فما كان جواب قومه إلا ~~أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56) فأنجيناه وأهله ~~إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين ~~(58) # PageV03P366 # قوله تعالى: أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون فيه قولان: أحدهما: وأنتم ~~تعلمون أنها فاحشة. والثاني: بعضكم يبصر بعضا. قوله تعالى: بل أنتم قوم ~~تجهلون قال ابن عباس: تجهلون القيامة وعاقبة العصيان. قوله تعالى: قدرناها ~~من الغابرين أي: جعلناها بتقديرنا وقضائنا عليها من الباقين في العذاب. ~~وقرأ أبو بكر عن عاصم: «قدرناها» خفيفة، وهي في معنى المشددة. وباقي القصة ~~قد تقدم تفسيره. ### | ### | [سورة النمل (27) : الآيات 59 الى # 61] # قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون (59) أمن ~~خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما ~~كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) أمن جعل الأرض ~~قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع ~~الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) # قوله تعالى: قل الحمد لله هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن ~~يحمد الله على هلاك الأمم الكافرة، وقيل: على جميع نعمه، وسلام على عباده ~~الذين اصطفى فيهم أربعة أقوال: # أحدها: الرسل، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وروى عنه عكرمة، قال: اصطفى ~~إبراهيم بالخلة، وموسى بالكلام، ومحمدا بالرؤية. والثاني: أنهم ms1713 أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم، رواه أبو مالك عن ابن عباس، وبه قال السدي. والثالث: ~~أنهم الذين وحدوه وآمنوا به، رواه عطاء عن ابن عباس. والرابع: # أنه أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: آلله خير أما يشركون قال أبو عبيدة: مجازه: أو ما تشركون، ~~وهذا خطاب للمشركين والمعنى: آلله خير لمن عبده، أم الأصنام لعابديها؟! ~~ومعنى الكلام: أنه لما قص عليهم قصص الأمم الخالية، أخبرهم أنه نجى عابديه، ~~ولم تغن الأصنام عنهم. قوله تعالى: أمن خلق السماوات تقديره: أما يشركون ~~خير، أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات ~~بهجة فأما الحدائق، فقال ابن قتيبة: هي البساتين، واحدها: حديقة، سميت بذلك ~~لأنه يحدق عليها، أي: يحظر، والبهجة: الحسن. # قوله تعالى: ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أي: ما ينبغي لكم ذلك لأنكم لا ~~تقدرون عليه. ثم قال مستفهما منكرا عليهم: أإله مع الله أي: ليس معه إله بل ~~هم يعني: كفار مكة قوم يعدلون وقد شرحناه في فاتحة (الأنعام) . أمن جعل ~~الأرض قرارا أي: مستقرا لا تميد بأهلها وجعل خلالها أي: فيما بينها أنهارا ~~وجعل لها رواسي أي: جبالا ثوابت وجعل بين البحرين حاجزا أي: مانعا من قدرته ~~بين العذب والملح ان يختلطا، بل أكثرهم لا يعلمون قدر عظمة الله عز وجل. # PageV03P367 ### | ### | [سورة النمل (27) : الآيات 62 الى # 75] # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله ~~قليلا ما تذكرون (62) أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح ~~بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون (63) أمن يبدؤا ~~الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم ~~إن كنتم صادقين (64) قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما ~~يشعرون أيان يبعثون (65) بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم ~~منها عمون (66) # وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا ms1714 لمخرجون (67) لقد وعدنا ~~هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (68) قل سيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين (69) ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما ~~يمكرون (70) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) # قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون (72) وإن ربك لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (73) وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ~~(74) وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين (75) # قوله تعالى: أمن يجيب المضطر وهو: المكروب المجهود ويكشف السوء يعني الضر ~~ويجعلكم خلفاء الأرض أي: يهلك قرنا وينشئ آخرين، وتذكرون بمعنى تتعظون. ~~وقرأها أبو عمرو بالياء، والباقون بالتاء أمن يهديكم أي: يرشدكم إلى ~~مقاصدكم إذا سافرتم في ظلمات البر والبحر وقد بيناها في الأنعام «1» وشرحنا ~~ما يليها من الكلمات فيما مضى «2» إلى قوله: وما يشعرون يعني من في السموات ~~والأرض أيان يبعثون أي: متى يبعثون بعد موتهم. # قوله تعالى: بل ادارك علمهم في الآخرة قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «بل ~~أدرك» قال مجاهد: # «بل» بمعنى «أم» والمعنى: لم يدرك علمهم، وقال الفراء: المعنى: هل أدرك ~~علمهم علم الآخرة؟ # فعلى هذا يكون المعنى: إنهم لا يقفون في الدنيا على حقيقة العلم بالآخرة. ~~وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: «بل ادارك» على معنى: بل ~~تدارك، أي: تتابع وتلاحق، فأدغمت التاء في الدال. ثم في معناها قولان: ~~أحدهما: بل تكامل علمهم يوم القيامة لأنهم مبعوثون، قاله الزجاج: # وقال ابن عباس: ما جهلوه في الدنيا، علموه في الآخرة. والثاني: بل تدارك ~~ظنهم وحدسهم في الحكم على الآخرة، فتارة يقولون: إنها كائنة، وتارة يقولون: ~~لا تكون، قاله ابن قتيبة. وروى أبو بكر عن عاصم: «بل ادرك» على وزن افتعل ~~من أدركت. قوله تعالى: بل هم في شك منها أي: بل هم اليوم في شك من القيامة ~~بل هم منها عمون قال ابن قتيبة: أي: من علمها. وما بعد هذا قد سبق بيانه ~~«3» إلى قوله: متى هذا الوعد يعنون: ms1715 العذاب الذي تعدنا. قل عسى أن يكون ردف ~~لكم قال ابن عباس: # قرب لكم. وقال ابن قتيبة: تبعكم، واللام زائدة، كأنه قال: ردفكم. وفي ما ~~تبعهم مما استعجلوه قولان: # أحدهما: يوم بدر. والثاني: عذاب القبر. # قوله تعالى: وإن ربك لذو فضل على الناس قال مقاتل: على أهل مكة حين لا ~~يعجل عليهم PageV03P368 # العذاب. قوله تعالى: وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم أي: ما تخفيه وما ~~يعلنون بألسنتهم من عداوتك وخلافك والمعنى أنه يجازيهم عليه. وما من غائبة ~~أي: وما من جملة غائبة، إلا في كتاب يعني اللوح المحفوظ والمعنى: إن علم ما ~~يستعجلونه من العذاب بين عند الله وإن غاب عن الخلق. ### | ### | [سورة النمل (27) : الآيات 76 الى # 82] # إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون (76) وإنه ~~لهدى ورحمة للمؤمنين (77) إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم (78) ~~فتوكل على الله إنك على الحق المبين (79) إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم ~~الدعاء إذا ولوا مدبرين (80) # وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ~~(81) وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون (82) # إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل وذلك أن أهل الكتاب اختلفوا فيما ~~بينهم فصاروا أحزابا يطعن بعضهم على بعض، فنزل القرآن ببيان ما اختلفوا ~~فيه، فلو أخذوا به لسلموا. إن ربك يقضي بينهم يعني بين بني إسرائيل بحكمه ~~وقرأ أبو المتوكل، وأبو عمران الجوني، وعاصم الجحدري: # «بحكمه» بكسر الحاء وفتح الكاف. # قوله تعالى: إنك لا تسمع الموتى قال المفسرون: هذا مثل ضربه الله للكفار ~~فشبههم بالموتى. # قوله تعالى: ولا تسمع الصم الدعاء وقرأ ابن كثير: «ولا يسمع الصم» بفتح ~~ميم «يسمع» وضم ميم «الصم» . قوله تعالى: إذا ولوا مدبرين أي: أن الصم إذا ~~أدبروا عنك ثم ناديتهم ولم يسمعوا، فكذلك الكافر. وما أنت بهادي العمي أي: ~~ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى، إن تسمع سماع إفهام إلا ms1716 من يؤمن ~~بآياتنا. # قوله تعالى: وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض «وقع» بمعنى ~~وجب، وفي المراد بالقول ثلاثة أقوال: أحدها: العذاب، قاله ابن عباس. ~~والثاني: الغضب، قاله قتادة. والثالث: الحجة، قاله ابن قتيبة. ومتى ذلك؟ ~~فيه قولان: أحدهما: إذا لم يأمروا بمعروف، ولم ينهوا عن منكر، قاله ابن ~~عمر، وأبو سعيد الخدري. والثاني: إذا لم يرج صلاحهم، حكاه أبو سليمان ~~الدمشقي، وهو معنى قول أبي العالية. والإشارة بقوله: عليهم إلى الكفار ~~الذين تخرج الدابة عليهم. وللمفسرين في صفة الدابة أربعة أقوال: # (1068) أحدها: أنها ذات وبر وريش، رواه حذيفة بن اليمان عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وقال ابن عباس: # ذات زغب وريش لها أربع قوائم. # والثاني: أن رأسها ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن ~~إيل، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر وذنبها ذنب كبش، ~~وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا، رواه ابن جريج عن أبي ~~الزبير. PageV03P369 # والثالث: أن وجهها وجه رجل، وسائر خلقها كخلق الطير، قاله وهب. # والرابع: أن لها أربع قوائم وزغبا وريشا وجناحين، قاله مقاتل. # وفي المكان الذي تخرج منه خمسة أقوال: أحدها: من الصفا. # (1069) روى حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بينما ~~عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون، تضطرب الأرض تحتهم، وينشق الصفا مما يلي ~~المسعى، وتخرج الدابة من الصفا، أول ما يبدو منها رأسها، ملمعة ذات وبر ~~وريش، لن يدركها طالب، ولن يفوتها هارب» . # (1070) وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «طولها ستون ~~ذراعا» ، وكذلك قال ابن مسعود: # تخرج من الصفا. # (1071) وقال ابن عمر: تخرج من صدع في الصفا كجري الفرس ثلاثة أيام وما ~~خرج ثلثها. # وقال عبد الله بن عمر: تخرج الدابة فيمس رأسها السحاب ورجلاها في الأرض ~~ما خرجتا. # (1072) والثاني: أنها تخرج من شعب أجياد، روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وعن ابن عمر مثله. # والثالث: تخرج من بعض أودية تهامة، قاله ابن ms1717 عباس. والرابع: من بحر سدوم، ~~قاله وهب بن منبه. والخامس: أنها تخرج بتهامة بين الصفا والمروة، حكاه ~~الزجاج. # (1073) وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تخرج ~~الدابة معها خاتم سليمان، وعصا موسى، فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتحطم أنف ~~الكافر بالخاتم، حتى إن أهل البيت ليجتمعون، فيقول PageV03P370 # هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر» . # (1074) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تسم المؤمن بين عينيه ~~وتكتب بين عينيه: مؤمن، وتسم الكافر بين عينيه وتكتب بين عينيه: كافر، ~~وتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين» . وقال حذيفة بن أسيد: إن للدابه ~~ثلاث خرجات: خرجة في بعض البوادي ثم تنكتم، وخرجة في بعض القرى ثم تنكتم، ~~فبينما الناس عند أشرف المساجد- يعني المسجد الحرام- إذ ارتفعت الأرض، ~~فانطلق الناس هرابا، فلا يفوتونها، حتى إنها لتأتي الرجل وهو يصلي، فتقول: ~~أتتعوذ بالصلاة، والله ما كنت من أهل الصلاة، فتخطمه، وتجلو وجه المؤمن. ~~وقال عبد الله بن عمرو: إنها تنكت في وجه الكافر نكتة سوداء فتفشو في وجهه ~~فيسود وجهه، وتنكت في وجه المؤمن نكتة بيضاء فتفشو في وجهه حتى يبيض وجهه، ~~فيعرف الناس المؤمن والكافر، ولكأني بها قد خرجت في عقب ركب من الحاج. # قوله تعالى: تكلمهم قرأ الأكثرون بتشديد اللام، فهو من الكلام. وفيما ~~تكلمهم به ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا ~~يوقنون، قاله قتادة. والثاني: تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الاسلام، قاله ~~السدي. والثالث: تقول: هذا مؤمن، وهذا كافر، حكاه الماوردي. # وقرأ ابن أبي عبلة، والجحدري: بتسكين الكاف وكسر اللام وفتح التاء فهو من ~~الكلم قال ثعلب: # والمعنى: تجرحهم. وسئل ابن عباس عن القراءتين، فقال: كل ذلك والله تفعله ~~تكلم المؤمن، وتكلم الفاجر والكافر، أي: تجرحه. # قوله تعالى: أن الناس قرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الهمزة، وكسرها ~~الباقون فمن فتح أراد: تكلمهم بأن الناس، وهكذا قرأ ابن مسعود وأبو عمران ~~الجوني: «تكلمهم بأن الناس» بزيادة باء مع فتح الهمزة ومن كسر فلأن ms1718 معنى ~~«تكلمهم» تقول لهم: إن الناس، والكلام قول. ### | ### | [سورة النمل (27) : الآيات 83 الى # 86] # ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (83) حتى إذا جاؤ ~~قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أما ذا كنتم تعملون (84) ووقع القول ~~عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون (85) ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (86) # قوله تعالى: ويوم نحشر من كل أمة فوجا الفوج: الجماعة من الناس كالزمرة، ~~والمراد به: # الرؤساء والمتبوعين في الكفر، حشروا وأقيمت الحجة عليهم. وقد سبق معنى ~~يوزعون «1» حتى إذا جاؤ إلى موقف لحساب قال الله تعالى لهم: أكذبتم بآياتي ~~هذا استفهام إنكار عليهم ووعيد لهم ولم تحيطوا بها علما فيه قولان: أحدهما: ~~لم تعرفوها حق معرفتها. والثاني: لم تحيطوا علما ببطلانها. والمعنى: إنكم ~~لم تتفكروا في صحتها، أما ذا كنتم تعملون في الدنيا فيما أمرتكم به ونهيتكم ~~عنه؟! قوله تعالى: ووقع القول عليهم قد شرحناه آنفا «2» بما ظلموا أي: بما ~~أشركوا PageV03P371 # فهم لا ينطقون بحجة عن أنفسهم. ثم احتج عليهم بالآية التي تلي هذه. ومعنى ~~قوله تعالى: والنهار مبصرا يبصر فيه لابتغاء الرزق. ### | [سورة النمل (27) : الآيات 87 الى 90] # ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ~~وكل أتوه داخرين (87) وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله ~~الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون (88) من جاء بالحسنة فله خير منها ~~وهم من فزع يومئذ آمنون (89) ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون (90) # قوله تعالى: ويوم ينفخ في الصور قال ابن عباس: هذه النفخة الأولى. # قوله تعالى: ففزع من في السماوات ومن في الأرض قال المفسرون: المعنى: ~~فيفزع من في السموات ومن في الارض، والمراد أنهم ماتوا، بلغ بهم الفزغ إلى ~~الموت. # وفي قوله تعالى: إلا من شاء الله ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم الشهداء، قاله ~~أبو هريرة، وابن عباس، وسعيد بن جبير. والثاني: ms1719 جبريل وميكائيل وإسرافيل ~~وملك الموت، ثم إن الله تعالى يميتهم بعد ذلك، قاله مقاتل. والثالث: أنهم ~~الذين في الجنة من الحور وغيرهن، وكذلك من في النار، لأنهم خلقوا للبقاء، ~~ذكره أبو إسحاق بن شاقلا من أصحابنا. قوله تعالى: وكل أي: من الأحياء الذين ~~ماتوا ثم أحيوا «آتوه» وقرأ حمزة وحفص عن عاصم: «أتوه» بفتح التاء مقصورة، ~~أي: يأتون الله يوم القيامة داخرين قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: صاغرين. ~~قال أبو عبيدة: «كل» لفظه لفظ الواحد، ومعناه يقع على الجميع، فهذه الآية ~~في موضع جمع. # قوله تعالى: وترى الجبال قال ابن قتيبة: هذا يكون إذا نفخ في الصور، تجمع ~~الجبال وتسير فهي لكثرتها تحسب جامدة أي: واقفة وهي تمر أي: تسير سير ~~السحاب، وكذلك كل جيش عظيم يحسبه الناظر من بعيد واقفا وهو يسير، لكثرته، ~~قال الجعدي يصف جيشا: # بأرعن مثل الطود تحسب أنهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج «1» # قوله تعالى: صنع الله قال الزجاج: هو منصوب على المصدر، لأن قوله تعالى: ~~وترى الجبال تحسبها جامدة دليل على الصنعة، فكأنه قال: صنع الله ذلك صنعا، ~~ويجوز الرفع على معنى: ذلك صنع الله. فأما الإتقان، فهو في اللغة: إحكام ~~الشيء. # قوله تعالى: إنه خبير بما تفعلون قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«يفعلون» بالياء. # وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي بالتاء. # قوله تعالى: من جاء بالحسنة قد شرحنا الحسنة والسيئة في آخر الأنعام «2» ~~. وفي قوله تعالى: # فله خير منها قولان: أحدهما: فله خير منها يصل إليه، وهو الثواب، قاله ~~ابن عباس والحسن PageV03P372 # وعكرمة. والثاني: فله أفضل منها، لأنه يأتي بحسنة فيعطى عشر أمثالها، ~~قاله زيد بن أسلم. # قوله تعالى: وهم من فزع يومئذ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: «من ~~فزع يومئذ» مضافا. # وقرأ عاصم. وحمزة، والكسائي: «من فزع» بالتنوين «يومئذ» بفتح الميم. وقال ~~الفراء: الإضافة أعجب إلي في العربية، لأنه فزع معلوم، ألا ترى إلى قوله: ~~لا يحزنهم الفزع الأكبر «1» . فصيره معرفة، فاذا أضفت مكان المعرفة كان أحب ~~إلي، واختار أبو ms1720 عبيدة قراءة التنوين وقال: هي أعم التأويلين، فيكون الأمن ~~من جميع فزع ذلك اليوم. قال أبو علي الفارسي: إذا نون جاز أن يعنى به فزع ~~واحد، وجاز أن يعنى به الكثرة، لأنه مصدر، والمصادر تدل على الكثرة وإن ~~كانت مفردة الألفاظ، كقوله: إن أنكر الأصوات لصوت الحمير «2» ، وكذلك إذا ~~أضيف جاز أن يعنى به فزع واحد، وجاز أن يعنى به الكثرة وعلى هذا القول، ~~القراءتان سواء، فان أريد به الكثرة، فهو شامل لكل فزع يكون في القيامة، ~~وإن أريد به الواحد، فهو المشار إليه بقوله: لا يحزنهم الفزع الأكبر. وقال ~~ابن السائب: إذا أطبقت النار على أهلها فزعوا فزعة لم يفزعوا مثلها، وأهل ~~الجنة آمنون من ذلك الفزع. قوله تعالى: ما قال في الدنيا، قاله الحسن. قوله ~~تعالى: وما ربك بغافل عما تعملون وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: ~~«تعملون» بالتاء، على معنى: قل لهم. وقرأ الباقون بالياء، على أنه وعيد لهم ~~بالجزاء على أعمالهم. والله أعلم بالصواب. PageV03P373 ### | سورة القصص # وهي مكية كلها غير آية منها، وهي قوله تعالى: إن الذي فرض عليك القرآن ~~«1» فإنها نزلت عليه وهو بالجحفة في وقت خروجه للهجرة، هذا قول ابن عباس. ~~وروي عن الحسن، وعطاء، وعكرمة: أنها مكية كلها. وزعم مقاتل: أن فيها من ~~المدني: الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) إلى قوله تعالى: ~~لا نبتغي الجاهلين «2» وفيها آية ليست بمكية ولا مدنية وهي قوله تعالى: # إن الذي فرض عليك القرآن نزلت بالجحفة. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة القصص (28) : الآيات 1 الى # 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق ~~لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم ~~يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين (4) # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ~~(5) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ~~(6) # قوله تعالى: طسم قد سبق تفسيره «3» . قوله ms1721 تعالى: إن فرعون علا في الأرض ~~أي: طغى وتجبر في أرض مصر وجعل أهلها شيعا أي: فرقا وأصنافا في خدمته ~~يستضعف طائفة منهم وهم بنو إسرائيل، واستضعافه إياهم: استعبادهم، إنه كان ~~من المفسدين بالقتل والعمل بالمعاصي. # يذبح أبناءهم وقرأ أبو رزين، والزهري، وابن محيصن، وابن أبي عبلة: «يذبح» ~~بفتح الياء وسكون الذال خفيفة. قوله تعالى: ونريد أن نمن أي: ننعم على ~~الذين استضعفوا وهم بنو إسرائيل، ونجعلهم أئمة يقتدى بهم في الخير وقال ~~قتادة: ولاة وملوكا ونجعلهم الوارثين لملك فرعون بعد غرقه. قوله تعالى: ~~ونري فرعون وهامان وجنودهما وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: «ويرى» بياء مفتوحة ~~وإمالة الألف التي بعد الراء «فرعون وهامان وجنودهما» بالرفع. ومعنى الآية: ~~أنهم أخبروا أن هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل، فكانوا على وجل منهم، ~~فأراهم الله ما كانوا يحذرون. PageV03P374 ### | ### | [سورة القصص (28) : الآيات 7 الى # 9] # وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ~~ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7) فالتقطه آل فرعون ليكون ~~لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين (8) وقالت امرأت ~~فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون ~~(9) # قوله تعالى: وأوحينا إلى أم موسى فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إلهام، ~~قاله ابن عباس. # والثاني: أن جبريل أتاها بذلك، قاله مقاتل. والثالث: أنه كان رؤيا منام، ~~حكاه الماوردي. قال مقاتل: # واسم أم موسى «يوخابذ» «1» . قوله تعالى: أن أرضعيه قال المفسرون: كانت ~~امرأة من القوابل مصافية لأم موسى، فلما وضعته تولت أمرها ثم خرجت فرآها ~~بعض العيون فجاؤوا ليدخلوا على أم موسى، فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس ~~بالباب، فلفت موسى في خرقة ووضعته في التنور وهو يسجر، فدخلوا ثم خرجوا، ~~فقالت لأخته: أين الصبي، قالت: لا أدري، فسمعت بكاءه من التنور فاطلعت وقد ~~جعل الله عليه النار بردا وسلاما، فأرضعته بعد ولادته ثلاثة أشهر، وقيل: ~~أربعة أشهر، فلما خافت عليه صنعت له التابوت «2» . وفي قوله: ms1722 فإذا خفت عليه ~~قولان «3» : أحدهما: إذا خفت عليه القتل، قاله مقاتل. والثاني: إذا خفت ~~عليه أن يصيح أو يبكي فيسمع صوته، قاله ابن السائب. وفي قوله تعالى: # ولا تخافي قولان: أحدهما: أن يغرق، قاله ابن السائب. والثاني: أن يضيع، ~~قاله مقاتل. قال الأصمعي: قلت لأعرابية: ما أفصحك! فقالت: أو بعد هذه الآية ~~فصاحة وهي قوله تعالى: وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه ~~في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين جمع فيها ~~بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين؟! قوله تعالى: فالتقطه آل فرعون ~~الالتقاط: إصابة الشيء من غير طلب. والمراد بآل فرعون: # الذين تولوا أخذ التابوت من البحر. وفي الذين التقطوه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: جواري امرأة فرعون، قاله السدي. والثاني: ابنة فرعون، قاله محمد بن ~~قيس. والثالث: أعوان فرعون، قاله ابن إسحاق. قوله تعالى: ليكون لهم عدوا ~~أي: ليصير بهم الأمر إلى ذلك، لا أنهم أخذوه لهذا، وهذه اللام تسمى لام ~~العاقبة، وقد شرحناها في يونس «4» ، وللمفسرين في معنى الكلام قولان: ~~أحدهما: ليكون لهم عدوا في دينهم وحزنا لما يصنعه بهم. والثاني: عدوا ~~لرجالهم وحزنا على نسائهم، فقتل الرجال بالغرق، واستعبد النساء. وقالت ~~امرأت فرعون وهي آسية بنت مزاحم، وكانت من بني إسرائيل تزوجها فرعون: قرت ~~عين قال الزجاج: رفع «قرة عين» على إضمار «هو» . قال المفسرون: كان فرعون ~~لا PageV03P375 # يولد له إلا البنات، فقالت: عسى أن ينفعنا فنصيب منه خيرا أو نتخذه ولدا، ~~وهم لا يشعرون فيه أربعة أقوال: أحدها: لا يشعرون أنه عدو لهم، قاله مجاهد. ~~والثاني: أن هلاكهم على يديه، قاله قتادة. والثالث: لا يشعر بنو إسرائيل ~~أنا التقطناه، قاله محمد بن قيس. والرابع: لا يشعرون أني أفعل ما أريد لا ~~ما يريدون، قاله محمد بن إسحاق. ### | ### | [سورة القصص (28) : الآيات 10 الى # 13] # وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ~~لتكون من المؤمنين (10) وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون ms1723 ~~(11) وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ~~وهم له ناصحون (12) فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد ~~الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (13) # قوله تعالى: وأصبح فؤاد أم موسى فارغا فيه أربعة أقوال: أحدها: فارغا من ~~كل شيء إلا من ذكر موسى، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~وعكرمة، وقتادة، والضحاك. # والثاني: أصبح فؤادها فزعا، رواه الضحاك عن ابن عباس، وهي قراءة أبي ~~رزين، وأبي العالية، والضحاك، وقتادة، وعاصم الجحدري، فإنهم قرءوا: «فزعا» ~~بزاي معجمة. والثالث: فارغا من وحينا بنسيانه، قاله الحسن، وابن زيد. ~~والرابع: فارغا من الحزن، لعلمها أنه لم يقتل، قاله أبو عبيدة. قال ابن ~~قتيبة: وهذا من أعجب التفسير، كيف يكون كذلك والله يقول: لولا أن ربطنا على ~~قلبها؟! وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟! قوله تعالى: إن كادت لتبدي ~~به في هذه الهاء قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى موسى. # ومتى أرادت هذا؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه حين فارقته روى سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس أنه قال: كادت تقول: يا بنياه. قال قتادة: وذلك من شدة ~~وجدها. والثاني: حين حملت لرضاعه كادت تقول: هو ابني، قاله السدي. والثالث: ~~أنه لما كبر وسمعت الناس يقولون: موسى بن فرعون، كادت تقول: لا بل هو ابني، ~~قاله ابن السائب. والقول الثاني: أنها ترجع إلى الوحي والمعنى: إن كادت ~~لتبدي بالوحي، حكاه ابن جرير. # قوله تعالى: لولا أن ربطنا على قلبها قال الزجاج: المعنى: لولا ربطنا على ~~قلبها، والربط: # إلهام الصبر وتشديد القلب وتقويته. قوله تعالى: لتكون من المؤمنين أي: من ~~المصدقين بوعد الله. # وقالت لأخته قصيه قال ابن عباس: قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرا، أي: ~~أحي هو، أو قد أكلته الدواب؟ ونسيت الذي وعدها الله فيه. وقال وهب: إنما ~~قالت لأخته: قصيه، لأنها سمعت أن فرعون قد أصاب صبيا في تابوت. قال مقاتل: ~~واسم أخته: مريم. قال ابن قتيبة: ومعنى «قصيه» ms1724 : قصي أثره واتبعيه فبصرت به ~~عن جنب أي: عن بعد منها عنه وإعراض، لئلا يفطنوا، والمجانبة من هذا. وقرأ ~~أبي بن كعب، وأبو مجلز: «عن جناب» بفتح الجيم والنون وبألف بعدهما. وقرأ ~~ابن مسعود، وأبو عمران الجوني: «عن جانب» بفتح الجيم وكسر النون وبينهما ~~ألف. وقرأ قتادة، وأبو العالية، وعاصم الجحدري: # «عن جنب» بفتح الجيم وإسكان النون من غير ألف. قوله تعالى: وهم لا يشعرون ~~فيه قولان: أحدهما: # وهم لا يشعرون أنه عدو لهم، قاله مجاهد. والثاني: لا يشعرون أنها أخته، ~~قاله السدي. # PageV03P376 # قوله تعالى: وحرمنا عليه المراضع وهي جمع مرضع من قبل أي: من قبل أن نرده ~~على أمه، وهذا تحريم منع، لا تحريم شرع. قال المفسرون: بقي ثمانية أيام ~~ولياليهن، كلما أتي بمرضع لم يقبل ثديها، فأهمهم ذلك واشتد عليهم فقالت لهم ~~أخته: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم فقالوا لها: نعم، من تلك؟ فقالت: ~~أمي، قالوا: وهل لها لبن؟ قالت: لبن هارون. فلما جاءت قبل ثديها. وقيل: ~~إنها لما قالت: وهم له ناصحون قالوا: لعلك تعرفين أهله، قالت: لا، ولكني ~~إنما قلت: وهم للملك ناصحون. # قوله تعالى: فرددناه إلى أمه قد شرحناه في طه «1» . # قوله تعالى: ولتعلم أن وعد الله برد ولدها حق وهذا علم عيان ومشاهدة ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون أن الله وعدها أن يرده إليها. ### | ### | [سورة القصص (28) : الآيات 14 الى # 17] # ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (14) ودخل ~~المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا ~~من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال ~~هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ~~فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16) قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين (17) # ولما بلغ أشده قد فسرنا هذه الآية في سورة يوسف «2» ، وكلام المفسرين في ~~لفظ الآيتين متقارب، إلا أنهم فرقوا بين بلوغ الأشد وبين ms1725 الاستواء. فأما ~~بلوغ الأشد فقد سلف بيانه في سورة الانعام «3» . وفي مدة الاستواء لهم ~~قولان: أحدهما: أنه أربعون سنة، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد. # والثاني: ستون سنة، ذكره ابن جرير. قال المفسرون: مكث عند أمه حتى فطمته، ~~ثم ردته إليهم، فنشأ في حجر فرعون وامرأته واتخذاه ولدا. # قوله تعالى: ودخل المدينة فيها قولان: أحدهما: أنها مصر. والثاني: مدينة ~~بالقرب من مصر. # قال السدي: ركب فرعون يوما وليس عنده موسى، فلما جاء موسى ركب في إثره ~~فأدركه المقيل في تلك المدينة. وقال غيره: لما توهم فرعون في موسى أنه عدوه ~~أمر باخراجه من مدينته، فلم يدخل إلا بعد أن كبر، فدخلها يوما على حين غفلة ~~من أهلها. وفي ذلك الوقت أربعة أقوال: أحدها: أنه كان يوم عيد لهم، وكانوا ~~قد اشتغلوا فيه بلهوهم، قاله علي عليه السلام. والثاني: أنه دخل نصف ~~النهار، رواه جماعة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. والثالث: بين ~~المغرب والعشاء، قاله وهب بن منبه. والرابع: أنهم لما أخرجوه لم يدخل عليهم ~~حتى كبر، فدخل على حين غفلة عن ذكره، لأنه قد نسي أمره، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: هذا من شيعته أي: من أصحابه من بني إسرائيل وهذا من عدوه أي: ~~من أعدائه من القبط، والعدو يذكر للواحد وللجمع. قال الزجاج: وإنما قيل في ~~الغائب: «هذا» و «هذا» ، PageV03P377 # على جهة الحكاية للحضرة والمعنى: أنه إذا نظر إليهما الناظر قال: هذا من ~~شيعته، وهذا من عدوه. # قال المفسرون: وكان القبطي قد سخر الإسرائيلي ليحمل حطبا إلى مطبخ فرعون ~~فاستغاثه أي: # فاستنصره، فوكزه قال الزجاج: الوكز: أن يضربه بجمع كفه. وقال ابن قتيبة: ~~«فوكزه» أي: لكزه، يقال: وكزته ولكزته ولهزته: إذا دفعته، فقضى عليه أي: ~~قتله وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه. وللمفسرين فيما وكزه به ~~قولان: أحدهما: كفه، قاله مجاهد. والثاني: عصاه، قاله قتادة. فلما مات ~~القبطي ندم موسى لأنه لم يرد قتله، وقال هذا من عمل الشيطان أي: هو الذي ~~هيج غضبي حتى ms1726 ضربت هذا، إنه عدو لابن آدم مضل له مبين عداوته. ثم استغفر ف ~~قال رب إني ظلمت نفسي أي: بقتل هذا، ولا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر. قال ~~رب بما أنعمت علي بالمغفرة فلن أكون ظهيرا للمجرمين قال ابن عباس: عونا ~~للكافرين. وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافرا. ### | ### | [سورة القصص (28) : الآيات 18 الى # 20] # فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له ~~موسى إنك لغوي مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا ~~موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في ~~الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين (19) وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ~~قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (20) # قوله تعالى: فأصبح في المدينة وهي التي قتل بها القبطي خائفا على نفسه ~~يترقب أي: # ينتظر سوءا يناله منهم ويخاف أن يقتل به فإذا الذي استنصره بالأمس وهو ~~الاسرائيلي يستصرخه أي: # يستغيث به على قبطي آخر أراد أن يسخره أيضا قال له موسى في هاء الكناية ~~قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى القبطي. الثاني: إلى الإسرائيلي، وهو أصح. ~~فعلى الأول يكون المعنى: إنك لغوي بتسخيرك وظلمك. وعلى الثاني فيه قولان: ~~أحدهما: أن يكون الغوي بمعنى المغوي، كالأليم بمعنى المؤلم والوجيع بمعنى ~~الموجع والمعنى: إنك لمضل حين قتلت بالأمس رجلا بسببك، وتدعوني اليوم إلى ~~آخر. والثاني: أن يكون الغوي بمعنى الغاوي والمعنى: إنك غاو في قتالك من لا ~~تطيق دفع شره عنك. # قوله تعالى: فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما أي: بالقبطي قال يا ~~موسى هذا قول الإسرائيلي من غير خلاف علمناه بين المفسرين قالوا: لما رأى ~~الاسرائيلي غضب موسى عليه حين قال له: «إنك لغوي مبين» ورآه قد هم أن يبطش ~~بالفرعوني، ظن أنه يريده فخاف على نفسه ف قال يا موسى أتريد أن تقتلني وكان ~~قوم فرعون لم يعلموا من ms1727 قاتل القبطي، إلا أنهم أتوا إلى فرعون فقالوا: إن ~~بني إسرائيل قتلوا رجلا منا فخذ لنا بحقنا، فقال: ابغوني قاتله ومن يشهد ~~عليه لآخذ لكم حقكم، فبينا هم يطوفون ولا يدرون من القاتل، وقعت هذه ~~الخصومة بين الإسرائيلي والقبطي في اليوم الثاني فلما قال الإسرائيلي ~~لموسى: «أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس» انطلق القبطي إلى فرعون ~~فأخبره أن موسى هو الذي قتل الرجل، فأمر بقتل موسى، فعلم بذلك رجل من شيعة ~~موسى فأتاه فأخبره، فذلك قوله تعالى: وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى. فأما ~~الجبار، فقال السدي: هو القتال، وقد شرحناه في # PageV03P378 # هود «1» ، وأقصى المدينة: آخرها وأبعدها، ويسعى، بمعنى يسرع. قال ابن ~~عباس: وهذا الرجل هو مؤمن آل فرعون، وسيأتي الخلاف في اسمه في سورة المؤمن ~~«2» . فأما الملأ، فهم الوجوه من الناس والأشراف. وفي قوله: يأتمرون بك ~~ثلاثة اقوال: أحدها: يتشاورون فيك ليقتلوك، قاله أبو عبيدة. # والثاني: يهمون بك، قاله ابن قتيبة. والثالث: يأمر بعضهم بعضا بقتلك، ~~قاله الزجاج. ### | ### | [سورة القصص (28) : الآيات 21 الى # 28] # فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين (21) ولما توجه ~~تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل (22) ولما ورد ماء مدين وجد ~~عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا ~~لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) فسقى لهما ثم تولى إلى الظل ~~فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (24) فجاءته إحداهما تمشي على ~~استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه ~~القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين (25) # قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين (26) قال ~~إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت ~~عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين (27) ~~قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول ~~وكيل ms1728 (28) # قوله تعالى: فخرج منها أي: من مصر خائفا وقد مضى تفسيره «3» . # قوله تعالى: نجني من القوم الظالمين يعني المشركين أهل مصر. ولما توجه ~~تلقاء مدين قال ابن قتيبة: أي: تجاه مدين ونحوها، وأصله: اللقاء، وزيدت فيه ~~التاء، قال الشاعر: # فاليوم قصر عن تلقائك الأمل «4» أي: عن لقائك. قال المفسرون: خرج خائفا ~~بغير زاد ولا ظهر، وكان بين مصر ومدين مسيرة ثمانية أيام، ولم يكن له ~~بالطريق علم، ف قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل أي: قصده. قال ابن عباس: ~~لم يكن له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه. وقال السدي: بعث الله تعالى له ~~ملكا فدله، قالوا: # ولم يكن له في طريقه طعام إلا ورق الشجر، فورد ماء مدين وخضرة البقل ~~تتراءى في بطنه من الهزال والأمة الجماعة، وهم الرعاة، يسقون مواشيهم ووجد ~~من دونهم أي: من سوى الأمة امرأتين وهم ابنتا شعيب قال مقاتل: واسم الكبرى: ~~صبورا، والصغرى: عبرا تذودان قال ابن قتيبة: أي: تكفان غنمهما، فحذف الغنم ~~اختصارا. قال المفسرون: إنما فعلتا ذلك ليفرغ الناس وتخلو لهما البئر، قال ~~موسى: ما خطبكما أي: ما شأنكما لا تسقيان؟! قالتا لا نسقي وقرأ ابن مسعود ~~وأبو الجوزاء وابن يعمر وابن السميفع: «لا نسقي» برفع النون حتى يصدر ~~الرعاء وقرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر: «يصدر» بفتح الياء وضم الدال، ~~أي: حتى يرجع الرعاء. وقرأ الباقون: «يصدر» بضم PageV03P379 # الياء وكسر الدال، أرادوا: حتى يرد الرعاء غنمهم عن الماء. والرعاء: جمع ~~راع، كما يقال: صاحب وصحاب. وقرأ عكرمة وسعيد بن جبير وابن يعمر وعاصم ~~الجحدري: «الرعاء» بضم الراء، والمعنى: # نحن امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال، وأبونا شيخ كبير لا يقدر أن يسقي ~~ماشيته من الكبر فلذلك احتجنا نحن إلى أن نسقي، وكان على تلك البئر صخرة ~~عظيمة، فاذا فرغ الرعاء من سقيهم أعادوا الصخرة، فتأتي المرأتان إلى فضول ~~حياض الرعاء فتسقيان غنمهما. فسقى موسى لهما. # وفي صفة ما صنع قولان: أحدهما: أنه ذهب إلى بئر أخرى عليها صخرة لا ms1729 ~~يقتلعها إلا جماعة من الناس، فاقتلعها وسقى لهما، قاله عمر بن الخطاب ~~وشريح. والثاني: أنه زاحم القوم على الماء وسقى لهما، قاله ابن إسحاق، ~~والمعنى: سقى غنمهما لأجلهما. # ثم تولى أي: انصرف إلى الظل وهو ظل شجرة فقال رب إني لما اللام بمعنى ~~إلى، فتقديره: إني إلى ما أنزلت إلي من خير فقير وأراد بالخير: الطعام. ~~وحكى ابن جرير أنه أسمع المرأتين هذا الكلام تعريضا أن تطعماه. فجاءته ~~إحداهما المعنى: فلما شربت غنمهما رجعتا إلى أبيهما فأخبرتاه خبر موسى، ~~فبعث إحداهما تدعو موسى. وفيها قولان: أحدهما: الصغرى. والثاني: # الكبرى. فجاءته تمشي على استحياء قد سترت وجهها بكم درعها. وفي سبب ~~استحيائها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان من صفتها الحياء، فهي تمشي مشي من ~~لم تعتد الخروج والدخول. والثاني: # لأنها دعته لتكافئه، وكان الأجمل عندها أن تدعوه من غير مكافأة. والثالث: ~~لأنها رسول أبيها. # قوله تعالى: ليجزيك أجر ما سقيت لنا قال المفسرون: لما سمع موسى هذا ~~القول كرهه وأراد أن لا يتبعها، فلم يجد بدا للجهد الذي به من اتباعها، ~~فتبعها، فكانت الريح تضرب ثوبها فيصف بعض جسدها، فناداها: يا أمة الله، ~~كوني خلفي ودليني الطريق فلما جاءه أي: جاء موسى شعيبا وقص عليه القصص أي: ~~أخبره بأمره من حين ولد والسبب الذي أخرجه من أرضه قال لا تخف نجوت من ~~القوم الظالمين أي: لا سلطان لفرعون بأرضنا ولسنا في مملكته. قالت إحداهما ~~وهي الكبرى: يا أبت استأجره أي: اتخذه أجيرا إن خير من استأجرت القوي ~~الأمين أي: خير من استعملت على عملك من قوي على عملك وأدى الأمانة وإنما ~~سمته قويا، لرفعه الحجر على رأس البئر، وقيل: لأنه استقى بدلو لا يقلها إلا ~~العدد الكثير من الرجال، وسمته أمينا، لأنه امرها أن تمشي خلفه. وقال ~~السدي: قال لها شعيب: قد رأيت قوته، فما يدريك بأمانته؟ فحدثته. قال ~~المفسرون: # فرغب فيه شعيب، فقال له: إني أريد أن أنكحك أي: أزوجك «1» PageV03P380 # إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج قال الفراء: ms1730 تأجرني وتأجرني، ~~بضم الجيم وكسرها، لغتان. قال الزجاج: والمعنى: تكون أجيرا لي ثماني سنين ~~فإن أتممت عشرا فمن عندك أي: فذلك تفضل منك، وليس بواجب عليك. # قوله تعالى: وما أريد أن أشق عليك أي: في العشر. ستجدني إن شاء الله من ~~الصالحين أي: في حسن الصحبة والوفاء بما قلت. قال له موسى ذلك بيني وبينك ~~أي: ذلك الذي وصفت وشرطت علي فلك، وما شرطت لي من تزويج إحداهما فلي، ~~فالأمر كذلك بيننا. وتم الكلام ها هنا. ثم قال: أيما الأجلين يعني: الثماني ~~والعشر. قال أبو عبيدة: «ما» زائدة. قوله تعالى: # قضيت أي: أتممت فلا عدوان علي أي: لا سبيل علي والمعنى: لا تعتد علي بأن ~~تلزمني أكثر منه والله على ما نقول وكيل قال الزجاج: أي: والله شاهدنا على ~~ما عقد بعضنا على بعض. واختلف العلماء في هذا الرجل الذي استأجر موسى على ~~أربعة أقوال «1» : # (1075) أحدها: أنه شعيب نبي الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا أكثر أهل ~~التفسير. وفيه أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل عليه، وبه قال وهب، ~~ومقاتل. # والثاني: أنه صاحب مدين، واسمه يثربي، قاله ابن عباس. والثالث: رجل من ~~قوم شعيب، قاله الحسن. والرابع: أنه يثرون ابن أخي شعيب، رواه عمرو بن مرة ~~عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وبه قال ابن السائب. واختلفوا في التي ~~تزوجها موسى من الابنتين على قولين: أحدهما: الصغرى، روي عن ابن عباس. ~~والثاني: الكبرى، قاله مقاتل. وفي اسم التي تزوجها ثلاثة أقوال: أحدها: ~~صفوريا، حكاه أبو عمران الجوني. والثاني: صفورة، قاله شعيب الجبائي. ~~الثالث: صبورا، قاله مقاتل. ### | ### | [سورة القصص (28) : الآيات 29 الى # 35] # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا ~~إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون (29) ~~فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا ~~موسى إني أنا الله رب العالمين (30) وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز ms1731 كأنها جان ~~ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين (31) اسلك يدك في ~~جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ~~ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين (32) قال رب إني قتلت منهم ~~نفسا فأخاف أن يقتلون (33) # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون ~~(34) قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا ~~أنتما ومن اتبعكما الغالبون (35) PageV03P381 # قوله تعالى: فلما قضى موسى الأجل. # (1076) روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أي ~~الأجلين قضى موسى، قال: «أوفاهما وأطيبهما» . قال مجاهد: مكث بعد قضاء ~~الأجل عندهم عشرا أخر. وقال وهب بن منبه: أقام عندهم بعد أن أدخل عليه ~~امرأته سنين، وقد سبق تفسير هذه الآية «1» إلى قوله تعالى: أو جذوة وقرأ ~~ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: «جذوة» بكسر الجيم. وقرأ ~~عاصم بفتحها. وقرأ حمزة، وخلف، والوليد عن ابن عامر بضمها، وكلها لغات. قال ~~ابن عباس: الجذوة: قطعة حطب فيها نار، وقال أبو عبيدة: قطعة غليظة من الحطب ~~ليس فيها لهب، وهي مثل الجذمة من أصل الشجر، قال ابن مقبل: # باتت حواطب ليلى يلتمسن لها ... جزل الجذا غير خوار ولا دعر «2» # والداعر: الذي قد نخر، ومنه رجل داعر. أي: فاسد. # قوله تعالى: نودي من شاطئ الواد وهو: جانبه الأيمن وهو الذي عن يمين موسى ~~PageV03P382 # في البقعة وهي القطعة من الأرض المباركة بتكليم الله موسى فيها من الشجرة ~~أي: من ناحيتها. # وفي تلك الشجرة قولان: أحدهما: أنها شجرة العناب، قاله ابن عباس. ~~والثاني: عوسجة، قاله قتادة، وابن السائب، ومقاتل. وما بعد هذا قد سبق ~~بيانه «1» إلى قوله تعالى: إنك من الآمنين أي: من أن ينالك مكروه. # قوله تعالى: اسلك يدك أي: أدخلها، واضمم إليك جناحك قد فسرنا الجناح في ~~طه «2» إلا ان بعض المفسرين خالف بين تفسير اللفظين، فشرحناه. وقال ابن ~~زيد: جناحه: الذراع والعضد والكف. ms1732 وقال الزجاج: الجناح ها هنا: العضد، ~~ويقال لليد كلها: جناح. وحكى ابن الأنباري عن الفراء أنه قال: الجناح: ~~العصا. قال ابن الأنباري: الجناح للانسان مشبه بالجناح للطائر، ففي حال ~~تشبه العرب رجلي الإنسان بجناحي الطائر، فيقولون: قد مضى فلان طائرا في ~~حاجته، يعنون ساعيا على قدميه، وفي حال يجعلون العضد منه بمنزلة جناحي ~~الطائر، كقوله: «واضمم يدك إلى جناحك» ، وفي حال يجعلون العصا بمنزلة ~~الجناح، لأن الإنسان يدفع بها عن نفسه كدفع الطائر عن نفسه بجناحه، كقوله ~~تعالى: واضمم إليك جناحك من الرهب، وإنما يوقع الجناح على هذه الأشياء ~~تشبيها واستعارة، كما يقال: قد قص جناح الإنسان، وقد قطعت يده ورجله: إذا ~~وقعت به جائحة أبطلت تصرفه ويقول الرجل للرجل: أنت يدي ورجلي، أي: أنت من ~~به أصل إلى محابي، قال جرير: # سأشكر أن رددت إلي ريشي ... وأنبت القوادم في جناحي # وقالت امرأة من العرب ترثي زوجها الأغر: # يا عصمتي في النائبات ويا ... ركني الأغر ويا يدي اليمنى # لا صنت وجها كنت صائنه ... أبدا ووجهك في الثرى يبلى # وأما الرهب، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «من الرهب» بفتح الراء ~~والهاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «من الرهب» بضم الراء ~~وسكون الهاء. وقرأ حفص وأبان عن عاصم: # «من الرهب» بفتح الراء وسكون الهاء. وهي قراءة ابن مسعود، وابن السميفع. ~~وقرأ أبي بن كعب، والحسن، وقتادة: بضم الراء والهاء. قال الزجاج: الرهب، ~~والرهب بمعنى واحد، مثل الرشد، والرشد. وقال أبو عبيدة: الرهب والرهبة ~~بمعنى الخوف والفرق. وقال ابن الأنباري: الرهب، والرهب، والرهب، مثل الشغل، ~~والشغل، والشغل، والبخل، والبخل، والبخل، وتلك لغات ترجع إلى معنى الخوف ~~والفرق. # وللمفسرين في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لما هرب من الحية ~~أمره الله تعالى أن يضم إليه جناحه ليذهب عنه الفزغ. قال ابن عباس: المعنى: ~~اضمم يدك إلى صدرك من الخوف ولا خوف عليك. وقال مجاهد: كل من فزع فضم جناحه ~~إليه ذهب عنه الفزع. والثاني: أنه لما هاله بياض يده ms1733 وشعاعها، أمر أن ~~يدخلها في جيبه، فعادت إلى حالتها الأولى. والثالث: أن معنى الكلام: سكن ~~روعك، وثبت جأشك. قال أبو علي: ليس يراد به الضم بين الشيئين، إنما أمر ~~بالعزم على ما أمر به PageV03P383 # والجد فيه، ومثله: اشدد حيازيمك للموت. # قوله تعالى: فذانك قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «فذانك» بالتشديد. وقرأ ~~الباقون: «فذانك» بالتخفيف. قال الزجاج: التشديد تثنية «ذلك» ، والتخفيف ~~تثنية «ذاك» ، فجعل اللام في «ذلك» بدلا من تشديد النون في «ذانك» ، ~~برهانان أي: بيانان اثنان. قال المفسرون: «فذانك» يعني العصا واليد، حجتان ~~من الله تعالى لموسى على صدقه، إلى فرعون أي: أرسلنا بهاتين الآيتين إلى ~~فرعون. وقد سبق تفسير ما بعد هذا «1» إلى قوله تعالى: هو أفصح مني لسانا ~~أي: أحسن بيانا، لأن موسى كان في لسانه أثر الجمرة التي تناولها، فأرسله ~~معي ردءا قرأ الأكثرون: «ردءا» بسكون الدال وبعدها همزة. # وقرأ أبو جعفر: «ردا» بفتح الدال وألف بعدها من غير همز ولا تنوين وقرأ ~~نافع كذلك إلا أنه نون. # قال الزجاج: الردء: العون، يقال: ردأته أردؤه ردءا: إذا أعتنته. قوله ~~تعالى: يصدقني قرأ عاصم، وحمزة: «يصدقني» بضم القاف. وقرأ الباقون بسكون ~~القاف. قال الزجاج: من جزم «يصدقني» فعلى جواب المسألة: أرسله يصدقني ومن ~~رفع، فالمعنى: ردءا مصدقا لي. وأكثر المفسرين على أنه أشار بقوله تعالى: ~~يصدقني إلى هارون وقال مقاتل بن سليمان: لكي يصدقني فرعون. # قوله تعالى: سنشد عضدك بأخيك قال الزجاج: المعنى: سنعينك بأخيك، ولفظ ~~العضد على جهة المثل، لأن اليد قوامها عضدها، وكل معين فهو عضد، ونجعل لكما ~~سلطانا أي: حجة بينة. # وقيل للزيت: السليط، لأنه يستضاء به فالسلطان: أبين الحجج. # قوله تعالى: فلا يصلون إليكما أي: بقتل ولا أذى. وفي قوله تعالى: بآياتنا ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى: تمتنعان منهم بآياتنا وحججنا فلا يصلون إليكما. ~~والثاني: أنه متعلق بما بعده، فالمعنى: بآياتنا أنتما ومن اتبعكما ~~الغالبون، أي: تغلبون بآياتنا. والثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، ~~تقديره: ونجعل لكما سلطانا بآياتنا فلا يصلون إليكما. ### | ### | [سورة القصص ms1734 (28) : الآيات 36 الى # 37] # فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا ~~بهذا في آبائنا الأولين (36) وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ~~ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) # قوله تعالى: ما هذا إلا سحر مفترى أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر ~~افتريته من قبل نفسك ولم تبعث به وما سمعنا بهذا الذي تدعونا إليه في ~~آبائنا الأولين، وقال موسى ربي أعلم وقرأ ابن كثير: «قال موسى» بلا واو، ~~وكذلك هي في مصاحفهم بمن جاء بالهدى أي: هو أعلم بالمحق منا، ومن تكون له ~~عاقبة الدار وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، والمفضل: «يكون» بالياء، والباقون ~~بالتاء. ### | [سورة القصص (28) : الآيات 38 الى 42] # وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على ~~الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (38) ~~واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (39) ~~فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (40) ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (41) وأتبعناهم في ~~هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين (42) PageV03P384 # قوله تعالى: فأوقد لي يا هامان على الطين قال ابن قتيبة: المعنى: اصنع لي ~~الآجر فاجعل لي صرحا أي: قصرا عاليا. وقال الزجاج: الصرح: كل بناء متسع ~~مرتفع. وجاء في التفسير أنه لما أمر هامان- وهو وزيره- ببناء الصرح، جمع ~~العمال والفعلة حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع، فرفعوه وشيدوه حتى ~~ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد قط، فلما تم ارتقى فرعون فوقه، وأمر ~~بنشابة فرمى بها نحو السماء، فردت وهي متلطخة بالدم، فقال: قد قتلت إله ~~موسى، فبعث الله تعالى جبريل فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، فوقعت قطعة على ~~عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، ووقعت أخرى في البحر، وأخرى في المغرب «1» . # قوله تعالى: لعلي أطلع إلى إله موسى أي: أصعد إليه وأشرف عليه وإني لأظنه ~~يعني موسى ms1735 من الكاذبين في ادعائه إلها غيري. وقال ابن جرير: المعنى: أظن ~~موسى كاذبا في ادعائه أن في السماء ربا أرسله. واستكبر هو وجنوده في الأرض ~~يعني أرض مصر بغير الحق أي: بالباطل والظلم وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ~~بالبعث للجزاء. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: # «يرجعون» برفع الياء وقرأ نافع وحمزة والكسائي: بفتحها. # قوله تعالى: وجعلناهم أي: في الدنيا أئمة أي: قادة في الكفر يأتم بهم ~~العتاة يدعون إلى النار لأن من أطاعهم دخلها و «ينصرون» بمعنى: يمنعون من ~~العذاب. وما بعد هذا مفسر في هود «2» . قوله تعالى: من المقبوحين أي: من ~~المبعدين الملعونين قال أبو زيد: يقال: قبح الله فلانا، أي: أبعده من كل ~~خير. وقال ابن جريج: معنى الآية: وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم ~~القيامة لعنة أخرى، ثم استقبل الكلام، فقال: هم من المقبوحين. ### | ### | [سورة القصص (28) : الآيات 43 الى # 47] # ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ~~ورحمة لعلهم يتذكرون (43) وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ~~وما كنت من الشاهدين (44) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ~~ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45) وما كنت بجانب ~~الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ~~لعلهم يتذكرون (46) ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47) # قوله تعالى: من بعد ما أهلكنا القرون الأولى يعني قوم نوح وعاد وثمود ~~وغيرهم بصائر للناس أي: ليتبصروا به ويهتدوا. PageV03P385 # قوله تعالى: وما كنت بجانب الغربي قال الزجاج: أي: وما كنت بجانب الجبل ~~الغربي. # قوله تعالى: إذ قضينا إلى موسى الأمر أي: أحكمنا الأمر معه بارساله إلى ~~فرعون وقومه وما كنت من الشاهدين لذلك الأمر وفي هذا بيان لصحة نبوة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم، لأنهم يعلمون أنه لم يقرأ الكتب، ولم يشاهد ما جرى، ~~فلولا أنه أوحي إليه ms1736 ذلك، ما علم. # قوله تعالى: ولكنا أنشأنا قرونا أي: خلقنا أمما من بعد موسى فتطاول عليهم ~~العمر أي: # طال إمهالهم فنسوا عهد الله وتركوا أمره وهذا يدل على أنه قد عهد إلى ~~موسى وقومه عهود في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وأمروا بالإيمان به، فلما ~~طال إمهالهم، أعرضوا عن مراعاة العهود، وما كنت ثاويا أي: مقيما في أهل ~~مدين فتعلم خبر موسى وشعيب وابنتيه فتتلو ذلك على أهل مكة ولكنا كنا مرسلين ~~أرسلناك إلى أهل مكة وأخبرناك خبر المتقدمين، ولولا ذلك ما علمته. وما كنت ~~بجانب الطور أي: بناحية الجبل الذي كلم عليه موسى إذ نادينا موسى وكلمناه، ~~هذا قول الأكثرين وقال أبو هريرة: كان هذا النداء: يا أمة محمد، أعطيتكم ~~قبل أن تسألوني، وأستجيب لكم قبل أن تدعوني. # قوله تعالى: ولكن رحمة من ربك قال الزجاج: المعنى: لم تشاهد قصص ~~الأنبياء، ولكنا أوحيناها إليك وقصصناها عليك، رحمة من ربك. ولولا أن ~~تصيبهم مصيبة جواب «لولا» محذوف، تقديره: لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال ~~إليهم لعاجلناهم بالعقوبة، وقيل: لولا ذلك لم نحتج إلى إرسال الرسل ومؤاثرة ~~الاحتجاج. ### | ### | [سورة القصص (28) : الآيات 48 الى # 55] # فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا ~~بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) قل ~~فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50) ولقد وصلنا لهم القول لعلهم ~~يتذكرون (51) الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) # وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ~~(53) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما ~~رزقناهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (55) # قوله تعالى: فلما جاءهم يعني أهل مكة الحق من ms1737 عندنا وهو محمد عليه السلام ~~والقرآن قالوا لولا أي: هلا أوتي محمد من الآيات مثل ما أوتي موسى كالعصا ~~واليد. قال المفسرون: # أمرت اليهود قريشا أن تسأل محمدا صلى الله عليه وسلم مثل ما أوتي موسى، ~~فقال الله تعالى: أولم يكفروا بما أوتي موسى أي: فقد كفروا بآيات موسى، ~~وقالوا في المشار إليهم قولان: أحدهما: اليهود. والثاني: # قريش. سحران قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: «ساحران» . تظاهرا ~~أي: تعاونا. # وروى العباس الانصاري عن أبي عمرو: «تظاهرا» بتشديد الظاء. وفيمن عنوا ~~ثلاثة أقوال: أحدها: # موسى ومحمد، قاله ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير فعلى هذا هو من قول ~~مشركي العرب. # PageV03P386 # والثاني: موسى وهارون، قاله مجاهد: فعلى هذا هو من قول اليهود لهما في ~~ابتداء الرسالة. والثالث: # محمد وعيسى عليهما السلام، قاله قتادة فعلى هذا هو من قول اليهود الذين ~~لم يؤمنوا بنبينا. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: «سحران» وفيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: التوراة والفرقان، قاله ابن عباس والسدي. والثاني: الإنجيل والقرآن، ~~قاله قتادة. والثالث: التوراة والإنجيل، قاله أبو مجلز وإسماعيل بن أبي ~~خالد. ومعنى الكلام: كل سحر منهما يقوي الآخر، فنسب التظاهر إلى السحرين ~~توسعا في الكلام، وقالوا إنا بكل كافرون يعنون ما تقدم ذكره على اختلاف ~~الأقوال، فقال الله تعالى لنبيه قل لكفار مكة فأتوا بكتاب من عند الله هو ~~أهدى منهما أي: من التوراة والقرآن إن كنتم صادقين أنهما ساحران. فإن لم ~~يستجيبوا لك أي: فان لم يأتوا بمثل التوراة والقرآن، فاعلم أنما يتبعون ~~أهواءهم أي: أن ما ركبوه من الكفر لم يحملهم عليه حجة، وإنما آثروا فيه ~~الهوى ومن أضل أي: ولا أحد أضل ممن اتبع هواه بغير هدى أي: بغير رشد ولا ~~بيان جاء من الله. ولقد وصلنا لهم القول وقرأ الحسن وأبو المتوكل وابن ~~يعمر: «وصلنا» بتخفيف الصاد. وفي المشار إليهم قولان: # أحدهما: أنهم قريش، قاله الأكثرون، منهم مجاهد. والثاني: اليهود، قاله ~~رفاعة القرظي. والمعنى: # أنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضا، ويخبر عن الأمم الخالية كيف ms1738 عذبوا لعلهم ~~يتعظون. الذين آتيناهم الكتاب وفيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم مؤمنوا أهل ~~الكتاب، رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد. والثاني: مسلمو أهل ~~الإنجيل. # (1077) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن أربعين من أصحاب النجاشي قدموا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدوا معه أحدا، فنزلت فيهم هذه الآية. # والثالث: مسلمو اليهود كعبد الله بن سلام وغيره، قاله السدي. # قوله تعالى: من قبله أي: من قبل القرآن هم به في هاء الكناية قولان: ~~أحدهما: أنها ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم لأن ذكره كان مكتوبا عندهم ~~في كتبهم فآمنوا به. والثاني: إلى القرآن. # قوله تعالى: وإذا يتلى عليهم يعني القرآن قالوا آمنا به، إنا كنا من قبله ~~أي: من قبل نزول القرآن مسلمين أي مخلصين لله تعالى مصدقين بمحمد، وذلك لأن ~~ذكره كان في كتبهم فآمنوا به أولئك يؤتون أجرهم مرتين في المشار إليهم ~~قولان: أحدهما: أنهم مؤمنو أهل الكتاب، وهذا قول الجمهور، وهو الظاهر، ~~وفيما صبروا عليه قولان: أحدهما: أنهم صبروا على الكتاب الأول وصبروا على ~~اتباعهم محمدا صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة وابن زيد. والثاني: أنهم ~~صبروا على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث ثم على اتباعه حين ~~بعث، قاله الضحاك. والقول الثاني: انهم قوم من المشركين أسلموا فكان قومهم ~~يؤذونهم فصبروا على الأذى، قاله مجاهد. # قوله تعالى: ويدرؤن بالحسنة السيئة فيه أقوال قد شرحناها في الرعد. # قوله تعالى: وإذا سمعوا اللغو فيه ثلاثة أقوال: أحدها: الاذى والسب، قاله ~~مجاهد. # والثاني: الشرك، قاله الضحاك. والثالث: أنهم قوم من اليهود آمنوا، فكانوا ~~يسمعون ما غير اليهود من PageV03P387 # صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكرهون ذلك ويعرضون عنه، قاله ابن ~~زيد. وهل هذا منسوخ، أم لا؟ فيه قولان. # وفي قوله تعالى: وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم قولان: أحدهما: لنا ~~ديننا ولكم دينكم. والثاني: لنا حلمنا ولكم سفهكم. سلام عليكم قال الزجاج: ~~لم يريدوا التحية، وإنما أرادوا: بيننا وبينكم المتاركة، وهذا ms1739 قبل أن يؤمر ~~المسلمون بالقتال. وذكر أهل التفسير، أن هذا منسوخ بآية السيف. وفي قوله ~~تعالى: لا نبتغي الجاهلين ثلاثة أقوال: أحدها: لا نبتغي دين الجاهلين. ~~والثاني: لا نطلب مجاورتهم. والثالث: لا نريد أن نكون جهالا والله أعلم ### | ### | [سورة القصص (28) : الآيات 56 الى # 58] # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (56) ~~وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى ~~إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) وكم أهلكنا من ~~قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن ~~الوارثين (58) # قوله تعالى: إنك لا تهدي من أحببت قد ذكرنا سبب نزولها عند قوله تعالى: ~~ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين «1» . # (1078) وقد روى مسلم فيما انفرد به عن البخاري من حديث أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: «قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها ~~يوم القيامة» ، فقال: لولا أن تعيرني نساء قريش، يقلن: إنما حمله على ذلك ~~الجزع، لاقررت بها عينك، فأنزل الله عز وجل: إنك لا تهدي من أحببت. قال ~~الزجاج: أجمع المفسرون أنها نزلت في أبي طالب. # وفي قوله تعالى: من أحببت قولان: أحدهما: من أحببت هدايته. والثاني: من ~~أحببته لقرابته. ولكن الله يهدي من يشاء أي: يرشد لدينه من يشاء وهو أعلم ~~بالمهتدين أي: بمن قدر له الهدى. # قوله تعالى: وقالوا إن نتبع الهدى معك قال ابن عباس في رواية العوفي: هم ~~ناس من قريش قالوا ذلك. وقال في رواية ابن أبي مليكة: إن الحارث بن عامر بن ~~نوفل قال ذلك. # (1079) وذكر مقاتل أن الحارث بن عامر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إنا لنعلم أن الذي تقول حق، ولكن يمنعنا ان نتبع الهدى معك مخافة أن ~~تتخطفنا العرب من أرضنا، يعنون مكة. PageV03P388 # ومعنى الاية: إن اتبعناك على دينك خفنا العرب لمخالفتنا إياها. والتخطف: ~~الانتزاع بسرعة فرد الله عليهم قولهم، ms1740 فقال تعالى: أولم نمكن لهم حرما أي: ~~أولم نسكنهم حرما ونجعله مكانا لهم، ومعنى آمنا: ذو أمن يأمن فيه الناس، ~~وذلك أن العرب كانت يغير بعضها على بعض، وأهل مكة آمنون في الحرم من القتل ~~والسبي والغارة، أي: فكيف يخافون إذا أسلموا وهم في حرم آمن؟! يجبى قرأ ~~نافع: «تجبي» بالتاء، أي: تجمع إليه وتحمل من كل النواحي الثمرات، رزقا من ~~لدنا أي: من عندنا ولكن أكثرهم يعني أهل مكة لا يعلمون أن الله تعالى هو ~~الذي فعل بهم ذلك فيشكرونه. ومعنى الآية: إذا كنتم آمنين في حرمي تأكلون ~~رزقي وتعبدون غيري، فكيف تخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي؟! ثم خوفهم عذاب ~~الأمم الخالية فقال تعالى: وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها قال الزجاج: ~~«معيشتها» منصوبة باسقاط «في» ، والمعنى: بطرت في معيشتها، والبطر: # الطغيان في النعمة. قال عطاء: عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا ~~الأصنام. قوله تعالى: فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا قال ابن ~~عباس: لم يسكنها إلا المسافرون ومار الطريق يوما أو ساعة، والمعنى: لم تسكن ~~من بعدهم إلا سكنى قليلة وكنا نحن الوارثين أي: لم يخلفهم أحد بعد هلاكهم ~~في منازلهم، فبقيت خرابا غير مسكونة. ### | ### | [سورة القصص (28) : الآيات 59 الى # 61] # وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما ~~كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59) وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة ~~الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون (60) أفمن وعدناه وعدا ~~حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من ~~المحضرين (61) # وما كان ربك مهلك القرى يعني القرى الكافر أهلها حتى يبعث في أمها أي: في ~~أعظمها رسولا، وإنما خص الأعظم ببعثة الرسول، لأن الرسول إنما يبعث إلى ~~الأشراف، وأشراف القوم ملوكهم، وإنما يسكنون المواضع التي هي أم ما حولها. ~~وقال قتادة: أم القرى: مكة، والرسول: # محمد صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: يتلوا عليهم آياتنا قال مقاتل: ~~يخبرهم الرسول أن العذاب نازل ms1741 بهم إن لم يؤمنوا. قوله تعالى: وما كنا مهلكي ~~القرى إلا وأهلها ظالمون أي: بظلمهم أهلكهم. # وظلمهم: شركهم. وما أوتيتم من شيء أي: ما أعطيتم من مال وخير فمتاع ~~الحياة الدنيا تتمتعون به أيام حياتكم ثم يفنى وينقضي، وما عند الله من ~~الثواب خير وأبقى أفضل وأدوم لأهله أفلا تعقلون أن الباقي أفضل من الفاني؟! ~~قوله تعالى: أفمن وعدناه وعدا حسنا اختلف فيمن نزلت على أربعة أقوال: ~~أحدها: أنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي جهل. والثاني: في ~~علي وحمزة رضي الله عنهما، وأبي جهل. والقولان مرويان عن مجاهد. والثالث: ~~في المؤمن والكافر، قاله قتادة. والرابع: في عمار والوليد بن المغيرة، قاله ~~السدي. وفي الوعد الحسن قولان: أحدهما: الجنة. والثاني: النصر. # قوله تعالى: فهو لاقيه أي: مصيبه ومدركه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ~~أي: كمن هو ممتع بشيء يفنى ويزول عن قريب ثم هو يوم القيامة من المحضرين ~~فيه قولان: # PageV03P389 # أحدهما: من المحضرين في عذاب الله تعالى، قاله قتادة. # والثاني: من المحضرين للجزاء، حكاه الماوردي. ### | ### | [سورة القصص (28) : الآيات 62 الى # 67] # ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (62) قال الذين حق ~~عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما ~~كانوا إيانا يعبدون (63) وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا ~~العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (64) ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ~~(65) فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66) # فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين (67) # قوله تعالى: ويوم يناديهم أي: ينادي الله تعالى المشركين يوم القيامة ~~فيقول أين شركائي هذا على وجه حكاية قولهم والمعنى: أين شركائي في قولكم؟! ~~قال الذين حق عليهم القول أي: وجب عليهم العذاب، وهم رؤساء الضلالة، وفيهم ~~قولان: أحدهما: أنهم رؤوس المشركين. والثاني: أنهم الشياطين ربنا هؤلاء ~~الذين أغوينا يعنون الأتباع أغويناهم كما غوينا أي: أضللناهم كما ضللنا ~~تبرأنا إليك أي: تبرأنا منهم إليك والمعنى أنهم يتبرأ بعضهم من بعض ويصيرون ~~أعداء. وقيل ms1742 لكفار بني آدم ادعوا شركاءكم أي: استغيثوا بآلهتكم لتخلصكم من ~~العذاب فدعوهم فلم يستجيبوا لهم أي: # فلم يجيبوهم إلى نصرهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون قال الزجاج: ~~جواب «لو» محذوف والمعنى: لو أنهم كانوا يهتدون لما اتبعوهم ولما رأوا ~~العذاب. قوله تعالى: ويوم يناديهم أي: ينادي الله الكفار ويسألهم فيقول ~~ماذا أجبتم المرسلين. فعميت عليهم الأنباء وقرأ أبو رزين العقيلي، وقتادة، ~~وأبو العالية، وأبو المتوكل، وعاصم الجحدري: «فعميت» برفع العين وتشديد ~~الميم. قال المفسرون: خفيت عليهم الحجج، وسميت أنباء، لأنها أخبار يخبر ~~بها. قال ابن قتيبة: المعنى: عموا عنها- من شدة الهول- فلم يجيبوا، و ~~«الأنباء» الحجج. # قوله تعالى: فهم لا يتساءلون فيه ثلاثة أقوال. أحدها: لا يسأل بعضهم بعضا ~~عن الحجة، قاله الضحاك. والثاني: أن المعنى: سكتوا فلا يتساءلون في تلك ~~الساعة، قاله الفراء. والثالث: لا يسأل بعضهم بعضا أن يحمل عنه شيئا من ~~ذنوبه، حكاه الماوردي. # فأما من تاب من الشرك وآمن أي: صدق بتوحيد الله عز وجل وعمل صالحا أدى ~~الفرائض فعسى أن يكون من المفلحين و «عسى» من الله عز وجل واجب. ### | [سورة القصص (28) : الآيات 68 الى 70] # وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما ~~يشركون (68) وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (69) وهو الله لا إله إلا ~~هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون (70) # قوله تعالى: وربك يخلق ما يشاء ويختار روى العوفي عن ابن عباس في قوله ~~تعالى: # وربك يخلق ما يشاء ويختار قال: كانوا يجعلون لآلهتهم خير أموالهم في ~~الجاهلية. # PageV03P390 # (1080) وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة حين قال: لولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم «1» . # والمعنى أنه لا تبعث الرسل باختيارهم. قال الزجاج: والوقف الجيد على قوله ~~تعالى: «ويختار» وتكون «ما» نفيا والمعنى: ليس لهم أن يختاروا على الله ~~تعالى ويجوز أن تكون «ما» بمعنى «الذي» ، فيكون المعنى: ويختار الذي لهم ~~فيه الخيرة مما يتعبدهم به ويدعوهم إليه قال الفراء: والعرب تقول لما ms1743 ~~تختاره: أعطني الخيرة والخيرة والخيرة، قال ثعلب: كلها لغات. # قوله تعالى: ما تكن صدورهم أي: ما تخفي من الكفر والعداوة وما يعلنون ~~بألسنتهم. قوله تعالى: له الحمد في الأولى والآخرة أي: يحمده أولياؤه في ~~الدنيا ويحمدونه في الجنة وله الحكم وهو الفصل بين الخلائق. والسرمد: ~~الدائم. ### | [سورة القصص (28) : الآيات 71 الى 75] # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير ~~الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار ~~سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ~~(72) ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون (73) ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74) ونزعنا ~~من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون (75) # قوله تعالى: أفلا تسمعون أي: سماع فهم وقبول فتستدلوا بذلك على وحدانية ~~الله تعالى؟! ومعنى تسكنون فيه: تستريحون من الحركة والنصب أفلا تبصرون ما ~~أنتم عليه من الخطأ والضلالة؟! ثم أخبر أن الليل والنهار رحمة منه. وقوله ~~تعالى: لتسكنوا فيه يعني في الليل ولتبتغوا من فضله أي: لتلتمسوا من رزقه ~~بالمعاش في النهار ولعلكم تشكرون الذي أنعم عليكم بهما. # قوله تعالى: ونزعنا من كل أمة شهيدا أي: أخرجنا من كل أمة رسولها الذي ~~يشهد عليها بالتبليغ فقلنا هاتوا برهانكم أي: حجتكم على ما كنتم تعبدون من ~~دوني فعلموا أن الحق لله أي: علموا أنه لا إله إلا هو وضل عنهم أي: بطل في ~~الآخرة ما كانوا يفترون في الدنيا من الشركاء. ### | [سورة القصص (28) : الآيات 76 الى 77] # إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه ~~لتنوأ بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ~~(76) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما ~~أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ms1744 (77) ~~PageV03P391 # قوله تعالى: إن قارون كان من قوم موسى أي: من عشيرته وفي نسبه إلى موسى ~~ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنه كان ابن عمه، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، ~~وبه قال عبد الله بن الحارث، وإبراهيم، وابن جريج. والثاني: ابن خالته، ~~رواه عطاء عن ابن عباس. والثالث: أنه كان عم موسى، قاله ابن إسحاق. قال ~~الزجاج: «قارون» اسم أعجمي لا ينصرف، ولو كان «فاعولا» من العربية من «قرنت ~~الشيء» لانصرف. # قوله تعالى: فبغى عليهم فيه خمسة أقوال: أحدها: أنه جعل لبغي جعلا على أن ~~تقذف موسى بنفسها، ففعلت، فاستحلفها موسى على ما قالت، فأخبرته بقصتها، ~~فكان هذا بغيه، قاله ابن عباس. # والثاني: أنه بغى بالكفر بالله تعالى، قاله الضحاك. والثالث: بالكبر، ~~قاله قتادة. والرابع: أنه زاد في طول ثيابه شبرا، قاله عطاء الخراساني، ~~وشهر بن حوشب. والخامس: أنه كان يخدم فرعون فتعدى على بني إسرائيل وظلمهم، ~~حكاه الماوردي. # وفي المراد بمفاتحه قولان: أحدهما: أنها مفاتيح الخزائن التي تفتح بها ~~الأبواب، قاله مجاهد، وقتادة. وروى الأعمش عن خيثمة قال: كانت مفاتيح قارون ~~وقر ستين بغلا، وكانت من جلود، كل مفتاح مثل الأصبع. والثاني: أنها خزائنه، ~~قاله السدي، وأبو صالح، والضحاك. قال الزجاج: وهذا الأشبه أن تكون مفاتحه ~~خزائن ماله وإلى نحو هذا ذهب ابن قتيبة. قال أبو صالح: كانت خزائنه تحمل ~~على أربعين بغلا. # قوله تعالى: لتنوأ بالعصبة أي: تثقلهم وتميلهم. ومعنى الكلام: لتنيء ~~العصبة، فلما دخلت الباء في «العصبة» انفتحت التاء، كما تقول: هذا يذهب ~~بالأبصار، وهذا يذهب الأبصار، وهذا اختيار الفراء وابن قتيبة والزجاج في ~~آخرين. وقال بعضهم: هذا من المقلوب، وتقديره: ما إن العصبة لتنوء بمفاتحه، ~~كما يقال: إنها لتنوء بها عجيزتها، أي: هي تنوء بعجيزتها، وأنشدوا: # فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوك إلا ما أطيق # أي: فديت بنفسي وبمالي نفسه، وهذا اختيار أبي عبيدة، والأخفش. وقد بينا ~~معنى العصبة في سورة يوسف «2» ، وفي المراد بها ها هنا ستة أقوال: أحدها: ~~أربعون رجلا، رواه العوفي عن ابن عباس. ms1745 والثاني: ما بين الثلاثة إلى ~~العشرة، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: خمسة عشر، قاله مجاهد. والرابع: ~~فوق العشرة إلى الأربعين، قاله قتادة. والخامس: سبعون رجلا، قاله أبو صالح. # والسادس: ما بين الخمسة عشر إلى الأربعين، حكاه الزجاج. # قوله تعالى: إذ قال له قومه في القائل له قولان: أحدهما: أنهم المؤمنون ~~من قومه، قاله السدي. والثاني: أنه قول موسى له، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: لا تفرح قال ابن قتيبة: المعنى: لا تأشر ولا تبطر، قال ~~الشاعر: # ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتحول «3» ~~PageV03P392 # أي: لست بأشر، فأما السرور، فليس بمكروه. إن الله لا يحب الفرحين وقرأ ~~أبو رجاء، وأبو حيوة، وعاصم الجحدري، وابن أبي عبلة: «الفارحين» بألف. # قوله تعالى: وابتغ فيما آتاك الله أي: اطلب فيما أعطاك الله من الأموال ~~«1» . وقرأ أبو المتوكل، وابن السميفع: «واتبع» بتشديد التاء وكسر الباء ~~وعين ساكنة غير معجمة الدار الآخرة وهي: الجنة وذلك يكون بانفاقه في رضى ~~الله تعالى وشكر المنعم به ولا تنس نصيبك من الدنيا فيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أن يعمل في الدنيا للآخرة، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور. ~~والثاني: # أن يقدم الفضل ويمسك ما يغنيه، قاله الحسن. والثالث: أن يستغني بالحلال ~~عن الحرام، قاله قتادة. # وفي معنى وأحسن كما أحسن الله إليك ثلاثة أقوال: أحدها: أعط فضل مالك كما ~~زادك على قدر حاجتك. والثاني: أحسن فيما افترض عليك كما أحسن في إنعامه ~~إليك. والثالث: أحسن في طلب الحلال كما أحسن إليك في الإحلال. قوله تعالى: ~~ولا تبغ الفساد في الأرض فتعمل فيها بالمعاصي. ### | [سورة القصص (28) : آية 78] # قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من ~~القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون (78) # قوله تعالى: إنما أوتيته يعني المال على علم عندي فيه خمسة أقوال «2» : ~~أحدها: على علم عندي بصنعة الذهب، رواه أبو صالح عن ابن عباس قال الزجاج: ~~وهذا لا أصل له، لأن الكيمياء باطل لا ms1746 حقيقة له. والثاني: برضى الله عني، ~~قاله ابن زيد. والثالث: على خير علمه الله تعالى عندي، قاله مقاتل. ~~والرابع: إنما أعطيته لفضل علمي، قاله الفراء. قال الزجاج: ادعى أنه أعطي ~~المال لعلمه بالتوراة. والخامس: على علم عندي بوجوه المكاسب، حكاه ~~الماوردي. قوله تعالى: أولم يعلم يعني قارون أن الله قد أهلك بالعذاب من ~~قبله من القرون في الدنيا حين كذبوا رسلهم من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ~~للأموال. وفي قوله تعالى: ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يسألون ليعلم ذلك من قبلهم وإن سئلوا سؤال توبيخ، قاله الحسن. ~~والثاني: أن الملائكة تعرفهم بسيماهم فلا تسألهم عن ذنوبهم، قاله مجاهد. ~~والثالث: يدخلون النار بغير حساب، قاله قتادة. # وقال السدي: يعذبون ولا يسألون عن ذنوبهم. PageV03P393 ### | ### | [سورة القصص (28) : الآيات 79 الى # 80] # فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ~~ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب ~~الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون (80) # قوله تعالى: فخرج على قومه في زينته قال الحسن: في ثياب حمر وصفر وقال ~~عكرمة: في ثياب معصفرة. وقال وهب بن منبه: خرج على بغلة شهباء عليها سرج ~~أحمر من أرجوان، ومعه أربعة آلاف مقاتل، وثلاثمائة وصيفة عليهن الحلي ~~والزينة على بغال بيض. قال الزجاج: الأرجوان في اللغة: # صبغ أحمر. قوله تعالى: لذو حظ أي: لذو نصيب وافر من الدنيا. وقال الذين ~~أوتوا العلم قال ابن عباس: يعني الأحبار من بني إسرائيل. وقال مقاتل: الذين ~~أوتوا العلم بما وعد الله في الآخرة قالوا للذين تمنوا ما أوتي قارون ويلكم ~~ثواب الله أي: ما عنده من الجزاء خير لمن آمن مما أعطي قارون. قوله تعالى: ~~ولا يلقاها قال أبو عبيدة: لا يوفق لها ويرزقها. وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي ~~عبلة: «ولا يلقاها» بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف. وفي المشار إليها ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الأعمال الصالحة، قاله مقاتل. والثاني: ms1747 أنها ~~الجنة، والمعنى: لا يعطاها في الآخرة إلا الصابرون على أمر الله تعالى، ~~قاله ابن السائب. والثالث: أنها الكلمة التي قالوها، وهي قولهم: «ثواب الله ~~خير» ، قاله الفراء. ### | [سورة القصص (28) : الآيات 81 الى 82] # فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان ~~من المنتصرين (81) وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا ~~يفلح الكافرون (82) # قوله تعالى: فخسفنا به وبداره الأرض لما أمر قارون البغي بقذف موسى على ~~ما سبق شرحه غضب موسى فدعا عليه، فأوحى الله تعالى إليه: إني قد أمرت الأرض ~~أن تطيعك فمرها فقال موسى: # يا أرض خذيه، فأخذته حتى غيبت سريره، فلما رأى ذلك ناشده بالرحم، فقال: ~~يا أرض خذيه، فأخذته حتى غيبت قدميه فما زال يقول: خذيه، حتى غيبته، فأوحى ~~الله تعالى إليه: يا موسى ما أفظك، وعزتي وجلالي لو استغاث بي لأغثته. قال ~~ابن عباس: فخسفت به الأرض إلى الأرض السفلى. وقال سمرة بن جندب: إنه يخسف ~~به كل يوم قامة، فتبلغ به الأرض السفلى يوم القيامة. قال مقاتل: فلما هلك ~~قارون قال بنو إسرائيل: إنما أهلكه موسى ليأخذ ماله وداره، فخسف الله تعالى ~~بداره وماله بعده بثلاثة أيام «1» . # قوله تعالى: ينصرونه من دون الله أي: يمنعونه من الله تعالى وما كان من ~~المنتصرين أي: من الممتنعين مما نزل به. ثم أعلمنا أن المتمنين مكانه ندموا ~~على ذلك التمني بالآية التي تلي هذه. وقوله تعالى: لخسف بنا الأكثرون على ~~ضم الخاء وكسر السين. وقرأ يعقوب، والوليد عن ابن عامر، وحفص، وأبان عن ~~عاصم: بفتح الخاء والسين. فأما قوله تعالى: «ويك» فقال ابن عباس: معناه: ~~ألم تر، وكذلك قال أبو عبيده، والكسائي. وقال الفراء: «ويك أن» في كلام ~~العرب تقرير، كقول الرجل: PageV03P394 # أما ترى إلى صنع الله تعالى وإحسانه، أنشدني بعضهم: # ويك أن من يكن له نشب يحبب ... ومن يفتقر يعش عيش ضر # وقال ms1748 ابن الأنباري: في قوله: ويكأنه ثلاثة أوجه «1» : الأول: إن شئت قلت: ~~«ويك» حرف، و «أنه» حرف والمعنى: ألم تر أنه، والدليل على هذا قول الشاعر: # سالتاني الطلاق أن رأتاني ... قل مالي قد جئتماني بنكر # ويك أن من يكن له نشب يحبب ... ومن يفتقر يعش عيش ضر «2» # والثاني: أن يكون «ويك» حرفا، «وأنه» حرفا. والمعنى: ويلك اعلم أنه، ~~فحذفت اللام، كما قالوا: قم لا أباك، يريدون: لا أبالك، وأنشدوا: # أبالموت الذي لا بد أني ... ملاق لا أباك تخوفيني «3» # أراد: لا أبالك، فحذف اللام. والثالث: أن يكون «وي» حرفا، و «كأنه» حرفا، ~~فيكون المعنى «وي» التعجب، كما تقول: وي لم فعلت كذا وكذا، ويكون معنى ~~«كأنه» : أظنه وأعلمه، كما تقول في الكلام: كأنك بالفرج قد أقبل فمعناه: ~~أظن الفرج مقبلا. وإنما وصلوا الياء بالكاف في قوله تعالى: # ويكأنه لأن الكلام بهما يكثر، كما جعلوا «يا ابن أم» «4» في المصحف حرفا ~~واحدا، وهما حرفان. # وكان جماعة منهم يعقوب، يقفون على «ويك» في الحرفين، ويبتدئون «أن» و ~~«أنه» في الموضعين. # وذكر الزجاج عن الخليل أنه قال: «وي» مفصولة من «كأن» ، وذلك أن القوم ~~تندموا فقالوا: «وي» متندمين على ما سلف منهم، وكل من ندم فأظهر ندامته ~~قال: وي. وحكى ابن قتيبة عن بعض العلماء أنه قال: معنى «ويكأن» : رحمة لك، ~~بلغة حمير. قوله تعالى: لولا أن من الله علينا أي: بالرحمة والمعافاة ~~والإيمان لخسف بنا. ### | ### | [سورة القصص (28) : الآيات 83 الى # 84] # تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~والعاقبة للمتقين (83) من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا ~~يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون (84) # قوله تعالى: تلك الدار الآخرة يعني الجنة نجعلها للذين لا يريدون علوا في ~~الأرض وفيه خمسة أقوال: أحدها: أنه البغي، قاله سعيد بن جبير. والثاني: ~~الشرف والعز، قاله الحسن. والثالث: الظلم، قاله الضحاك. والرابع: الشرك، ~~قاله يحيى بن سلام. والخامس: الاستكبار عن الإيمان، قاله مقاتل. ~~PageV03P395 # قوله تعالى: ولا فسادا فيه قولان: ms1749 أحدهما: العمل بالمعاصي، قاله عكرمة. ~~والثاني: الدعاء إلى غير عبادة الله تعالى، قاله ابن السائب. قوله تعالى: ~~والعاقبة للمتقين أي: العاقبة المحمودة لهم. قوله تعالى: من جاء بالحسنة قد ~~فسرناه في سورة النمل «1» . قوله تعالى: فلا يجزى الذين عملوا السيئات قال ~~ابن عباس: يريد الذين أشركوا إلا ما كانوا يعملون أي: إلا جزاء عملهم من ~~الشرك، وجزاؤه النار. ### | [سورة القصص (28) : الآيات 85 الى 88] # إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن ~~هو في ضلال مبين (85) وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ~~فلا تكونن ظهيرا للكافرين (86) ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك ~~وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين (87) ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله ~~إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون (88) # قوله تعالى: إن الذي فرض عليك القرآن. # (1081) قال مقاتل: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغار ليلا، فمضى ~~من وجهه إلى المدينة فسار في غير الطريق مخافة الطلب فلما أمن رجع إلى ~~الطريق فنزل الجحفة بين مكة والمدينة، فعرف الطريق إلى مكة، فاشتاق إليها، ~~وذكر مولده، فأتاه جبريل فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ قال: نعم قال: # فان الله تعالى يقول: إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد، فنزلت هذه ~~الآية بالجحفة. # وفي معنى فرض عليك القرآن ثلاثة أقوال: أحدها: فرض عليك العمل بالقرآن، ~~قاله عطاء بن أبي رباح، وابن قتيبة. والثاني: أعطاك القرآن، قاله مجاهد. ~~والثالث: أنزل عليك القرآن، قاله مقاتل والفراء وأبو عبيدة. وفي قوله ~~تعالى: لرادك إلى معاد أربعة أقوال «2» : # أحدها: إلى مكة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد في رواية، ~~والضحاك. قال ابن قتيبة: معاد الرجل: بلده، لأنه يتصرف في البلاد ويضرب في ~~الأرض ثم يعود إلى بلده. # والثاني: إلى معادك من الجنة، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ~~والزهري. فإن اعترض على هذا فقيل: الرد يقتضي أنه ms1750 قد كان فيما رد إليه فعنه ~~ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه لما كان أبوه آدم في الجنة ثم أخرج، كان كأن ولده ~~أخرج منها، فاذا دخلها فكأنه أعيد. والثاني: أنه دخلها ليلة PageV03P396 # المعراج، فاذا دخلها يوم القيامة كان ردا، ذكرهما ابن جرير. والثالث: أن ~~العرب تقول: رجع الأمر إلى كذا، وإن لم يكن له كون فيه قط، وأنشدوا: # يحور رمادا بعد إذ هو ساطع «1» # وقد شرحنا هذا في قوله وإلى الله ترجع الأمور عن ابن عباس وبه قال أبو ~~سعيد الخدري. # الثالث: لرادك إلى الموت، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال أبو ~~سعيد الخدري. والرابع: # لرادك إلى القيامة بالبعث، قاله الحسن والزهري ومجاهد في رواية والزجاج. # ثم ابتدأ كلاما يرد به على الكفار حين نسبوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى الضلال، فقال: قل ربي أعلم من جاء بالهدى والمعنى: قد علم أني جئت ~~بالهدى، وأنكم في ضلال مبين. ثم ذكره نعمه، فقال: وما كنت ترجوا أن يلقى ~~إليك الكتاب أي: أن تكون نبيا وأن يوحى إليك القرآن إلا رحمة من ربك قال ~~الفراء: هذا استثناء منقطع، والمعنى: إلا أن ربك رحمك فأنزله عليك فلا ~~تكونن ظهيرا للكافرين أي: عونا لهم على دينهم، وذلك أنهم دعوه إلى دين ~~آبائه فأمر بالاحتراز منهم والخطاب بهذا وأمثاله له، والمراد أهل دينه لئلا ~~يظاهروا الكفار ولا يوافقوهم. # قوله تعالى: كل شيء هالك إلا وجهه فيه قولان: أحدهما: إلا ما أريد به ~~وجهه، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الثوري. والثاني: إلا هو، قاله ~~الضحاك وأبو عبيدة. قوله تعالى: له الحكم أي الفصل بين الخلائق في الآخرة ~~دون غيره وإليه ترجعون في الآخرة. PageV03P397 ### | سورة العنكبوت ### | فصل في نزولها: # روى العوفي عن ابن عباس أنها مكية، وبه قال الحسن، وعطاء، وقتادة، وجابر ~~بن زيد، ومقاتل. وفي رواية عن ابن عباس أنها مدنية. وقال هبة الله بن سلامة ~~المفسر: نزلت من أولها إلى رأس العشر بمكة، وباقيها بالمدينة. وقال غيره ~~عكس هذا: نزلت ms1751 العشر بالمدينة، وباقيها بمكة. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 1 الى # 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد ~~فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3) أم حسب ~~الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) # قوله تعالى: الم (1) أحسب الناس أن يتركوا في سبب نزولها ثلاثة أقوال: # (1082) أحدها: أنه لما أمر بالهجرة، كتب المسلمون إلى إخوانهم بمكة أنه ~~لا يقبل منكم إسلامكم حتى تهاجروا، فخرجوا نحو المدينة فأدركهم المشركون ~~فردوهم، فأنزل الله تعالى من أول هذه السورة عشر آيات، فكتبوا إليهم ~~يخبرونهم بما نزل فيهم، فقالوا: نخرج، فان اتبعنا أحد قاتلناه، فخرجوا ~~فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل، ومنهم من نجا، فأنزل الله تعالى ~~فيهم: ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا «1» ، هذا قول الحسن ~~والشعبي. # (1083) والثاني: أنها نزلت في عمار بن ياسر إذ كان يعذب في الله عز وجل، ~~قاله عبد الله بن عبيد بن عمير. # (1084) والثالث: أنها نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب حين قتل ببدر، ~~فجزع عليه أبواه وامرأته، فأنزل الله تعالى في أبويه وامرأته هذه الآية. ~~PageV03P398 # قوله تعالى: أحسب الناس قال ابن عباس: يريد بالناس: الذين آمنوا بمكة ~~كعياش بن أبي ربيعة وعمار بن ياسر وسلمة بن هشام وغيرهم. قال الزجاج: لفظ ~~الآية استخبار ومعناها معنى التقرير والتوبيخ والمعنى: أحسب الناس أن ~~يتركوا بأن يقولوا: آمنا، ولأن يقولوا: آمنا، أي أحسبوا أن يقنع منهم بأن ~~يقولوا: إنا مؤمنون، فقط، ولا يمتحنون بما يبين حقيقة إيمانهم وهم لا ~~يفتنون أي: لا يختبرون بما يعلم به صدق إيمانهم من كذبه. وللمفسرين فيه ~~قولان: أحدهما: لا يفتنون في أنفسهم بالقتل والتعذيب، قاله مجاهد. والثاني: ~~لا يبتلون بالأوامر والنواهي. قوله تعالى: ولقد فتنا الذين من قبلهم أي: ~~ابتليناهم واختبرناهم فليعلمن الله فيه ثلاثة أقوال: أحدها: فليرين الله عز ~~وجل الذين صدقوا في إيمانهم عند البلاء إذا صبروا لقضائه، وليرين الكاذبين ~~في إيمانهم ms1752 إذا شكوا عند البلاء، قاله مقاتل. والثاني: فليميزن، لأنه قد ~~علم ذلك من قبل، قاله أبو عبيدة. والثالث: فليظهرن ذلك حتى يوجد معلوما، ~~حكاه الثعلبي. وقرأ علي بن أبي طالب عليه السلام، وجعفر بن محمد: «فليعلمن ~~الله» «وليعلمن الكاذبين» «وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين» ~~«1» بضم الياء وكسر اللام. # قوله تعالى: أم حسب أي: أحسب الذين يعملون السيئات يعني الشرك أن يسبقونا ~~أي: # يفوتونا ويعجزونا ساء ما يحكمون أي: بئس ما حكموا لأنفسهم حين ظنوا ذلك. ~~قال ابن عباس: # عنى بهم الوليد بن المغيرة، وأبا جهل، والعاص بن هشام، وغيرهم. ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 5 الى # 7] # من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (5) ومن جاهد ~~فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين (6) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون (7) # قوله تعالى: من كان يرجوا لقاء الله قد شرحناه في آخر الكهف «2» فإن أجل ~~الله لآت يعني الأجل المضروب للبعث والمعنى: فليعمل لذلك اليوم وهو السميع ~~لما يقول العليم بما يعمل. # ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه أي: إن ثوابه إليه يرجع. قوله تعالى: لنكفرن ~~عنهم سيئاتهم أي: # لنبطلنها حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون ~~أي: بأحسن أعمالهم، وهو الطاعة، ولا نجزيهم بمساوئ أعمالهم. ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 8 الى 9] # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9) # قوله تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وقرأ أبي بن كعب، وأبو مجلز، ~~وعاصم الجحدري: # «إحسانا» بألف. وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء: «حسنا» بفتح الحاء والسين. # (1085) وروى أبو عثمان النهدي عن سعد بن أبي وقاص، قال: في أنزلت هذه ~~الآية، كنت PageV03P399 # رجلا برا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد! ما هذا الدين الذي قد أحدثت، ~~لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال: يا قاتل ms1753 أمه، ~~قلت: لا تفعلي يا أماه، إني لا أدع ديني هذا لشيء، قال: فمكثت يوما وليلة ~~لا تأكل، فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوما آخر وليلة لا تأكل، فلما رأيت ذلك ~~قلت: تعلمين والله يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ~~ديني هذا لشيء، فكلي، وإن شئت لا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت فأنزلت هذه ~~الآية. وقيل: إنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة، وقد جرى له مع أمه نحو هذا. ~~وذكر بعض المفسرين أن هذه الآية، التي في لقمان «1» وفي الأحقاف «2» : نزلن ~~في قصة سعد. # قال الزجاج: من قرأ: «حسنا» فمعناه: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما ~~يحسن، ومن قرأ: # «إحسانا» فمعناه: ووصينا الإنسان أن يحسن إلى والديه، وكان «حسنا» أعم في ~~البر. # وإن جاهداك قال أبو عبيدة: مجاز هذا الكلام مجاز المختصر الذي فيه ضمير، ~~والمعنى: # وقلنا له: وإن جاهداك. قوله تعالى: لتشرك بي معناه: لتشرك بي شريكا لا ~~تعلمه لي وليس لأحد بذلك علم، فلا تطعهما. قوله تعالى: لندخلنهم في ~~الصالحين أي: في زمرة الصالحين في الجنة. # وقال مقاتل: «في» بمعنى «مع» . ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 10 الى # 11] # ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب ~~الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في ~~صدور العالمين (10) وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين (11) # قوله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله اختلفوا فيمن نزلت على أربعة ~~أقوال: # (1086) أحدها: أنها نزلت في المؤمنين الذين أخرجهم المشركون إلى بدر ~~فارتدوا، رواه عكرمة عن ابن عباس. # (1087) والثاني: نزلت في قوم كانوا يؤمنون بألسنتهم، فاذا أصابهم بلاء من ~~الله تعالى أو مصيبة PageV03P400 # في أنفسهم وأموالهم افتتنوا، قاله مجاهد. # (1088) والثالث: نزلت في ناس من المنافقين بمكة، كانوا يؤمنون، فإذا ~~أوذوا أو أصابهم بلاء من المشركين رجعوا إلى الشرك، قاله الضحاك. # (1089) والرابع: أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة، كان أسلم، فخاف على ~~نفسه من أهله ms1754 وقومه، فخرج من مكة هاربا إلى المدينة، وذلك قبل قدوم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجزعت أمه فقالت لأخويه أبي جهل ~~والحارث ابني هشام- وهما أخواه لأمه-: والله لا آوي بيتا ولا آكل طعاما ولا ~~أشرب شرابا حتى تأتياني به، فخرجا في طلبه فظفرا به، فلم يزالا به حتى ~~تابعهما وجاءا به إليها، فقيدته، وقالت: والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر ~~بمحمد، ثم أقبلت تجلده بالسياط وتعذبه حتى كفر بمحمد عليه السلام جزعا من ~~الضرب، فنزلت فيه هذه الآية، ثم هاجر بعد وحسن إسلامه، هذا قول ابن السائب، ~~ومقاتل. وفي رواية عن مقاتل أنهما جلداه في الطريق مائتي جلدة، فتبرأ من ~~دين محمد، فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: فإذا أوذي في الله أي: ناله أذى أو عذاب بسبب إيمانه جعل ~~فتنة الناس أي: ما يصيبه من عذابهم في الدنيا كعذاب الله في الآخرة وإنما ~~ينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذى في الله تعالى لما يرجو من ثوابه ولئن جاء ~~نصر من ربك يعني: دولة للمؤمنين ليقولن يعني المنافقين للمؤمنين إنا كنا ~~معكم على دينكم، فكذبهم الله تعالى وقال: أوليس الله بأعلم بما في صدور ~~العالمين من الإيمان والنفاق. وقد فسرنا الآية التي تلي هذه في أول السورة. ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 12 الى # 13] # وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم ~~بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون (12) وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون (13) # قوله تعالى: اتبعوا سبيلنا يعنون: ديننا. قال مجاهد: هذا قول كفار قريش ~~لمن آمن من أهل مكة، قالوا لهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا، فان كان ~~عليكم شيء فهو علينا. # قوله تعالى: ولنحمل خطاياكم قال الزجاج: هو أمر في تأويل الشرط والجزاء، ~~يعني إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم. وقال الأخفش: كأنهم أمروا أنفسهم ~~بذلك. وقرأ الحسن: «ولنحمل» بكسر اللام. قال ابن قتيبة: الواو زائدة، ~~والمعنى: لنحمل خطاياكم. # قوله تعالى: إنهم لكاذبون أي: فيما ضمنوا ms1755 من حمل خطاياهم. قوله تعالى: ~~وليحملن أثقالهم أي: أوزار أنفسهم وأثقالا مع أثقالهم أي: أوزارا مع ~~أوزارهم، وهي أوزار الذين أضلوهم، وهذا كقوله تعالى: ليحملوا أوزارهم كاملة ~~يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم «1» PageV03P401 # وليسئلن يوم القيامة سؤال توبيخ وتقريع عما كانوا يفترون من الكذب على ~~الله عز وجل وقال مقاتل: عن قولهم نحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله ~~تعالى. ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 14 الى # 15] # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم ~~الطوفان وهم ظالمون (14) فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين ~~(15) # قوله تعالى: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه وفي هذه القصة تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم حيث أعلم أن الأنبياء قد ابتلوا قبله، وفيها وعيد شديد لمن ~~أقام على الشرك. فانهم وإن أمهلوا، فقد أمهل قوم نوح أكثر ثم أخذوا. قوله ~~تعالى: فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما اختلفوا في عمر نوح على خمسة ~~أقوال «1» . # أحدها: بعث بعد أربعين سنة، وعاش في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم، ~~وعاش بعد الطوفان ستين سنة، رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس «2» . والثاني: ~~أنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد ذلك سبعين عاما، فكان مبلغ ~~عمره ألف سنة وعشرين سنة، قاله كعب الأحبار. والثالث: # أنه بعث وهو ابن خمسين وثلاثمائة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم ~~عاش بعد ذلك خمسين وثلاثمائة، قاله عون بن أبي شداد. والرابع: أنه لبث فيهم ~~قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة، ودعاهم ثلاثمائة سنة ولبث بعد الطوفان ~~ثلاثمائة وخمسين سنة، قاله قتادة. وقال وهب بن منبه: بعث لخمسين سنة. ~~والخامس: أن هذه الآية بينت مقدار عمره كله، حكاه الماوردي. فإن قيل: ما ~~فائدة قوله تعالى: # «إلا خمسين عاما» ، فهلا قال: تسعمائة وخمسين؟ فالجواب: أن المراد به ~~تكثير العدد، وذكر الألف أفخم في اللفظ، وأعظم للعدد. وقال الزجاج: تأويل ~~الاستثناء في كلام العرب: التوكيد، تقول: # جاءني إخوتك إلا زيدا، فتؤكد أن الجماعة ms1756 جاءوا، وتنقص زيدا. واستثناء نصف ~~الشيء قبيح جدا لا تتكلم به العرب، وإنما يتكلم بالاستثناء كما يتكلم ~~بالنقصان، تقول: عندي درهم ينقص قيراطا، فلو قلت: ينقص نصفه، كان الأولى أن ~~تقول: عندي نصف درهم، ولم يأت الاستثناء في كلام العرب إلا قليل من كثير. ~~قوله تعالى: فأخذهم الطوفان فيه ثلاثة أقوال: أحدها: الموت. # (1090) روت عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: فأخذهم ~~الطوفان قال: «الموت» . # والثاني: المطر، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة. قال ابن قتيبة: هو ~~المطر الشديد. والثالث: # الغرق، قاله الضحاك. قال الزجاج: الطوفان من كل شيء: ما كان كثيرا مطيفا ~~بالجماعة كلها، فالغرق PageV03P402 # الذي يشتمل على المدن الكثيرة: طوفان، وكذلك القتل الذريع، والموت ~~الجارف: طوفان. قوله تعالى: وهم ظالمون قال ابن عباس: كافرون. # قوله تعالى: وجعلناها يعني السفينة، قال قتادة: أبقاها الله تعالى آية ~~للناس بأعلى الجودي. # قال أبو سليمان الدمشقي: وجاز أن يكون أراد: الفعلة التي فعلها بهم من ~~الغرق آية، أي عبرة للعالمين بعدهم. ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 16 الى # 18] # وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ~~(16) إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون ~~الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ~~ترجعون (17) وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين (18) # قوله تعالى: وإبراهيم قال الزجاج: هو معطوف على نوح، والمعنى: أرسلنا ~~إبراهيم. # قوله تعالى: ذلكم يعني عبادة الله خير لكم من عبادة الأوثان إن كنتم ~~تعلمون ما هو خير لكم مما هو شر لكم والمعنى: ولكنكم لا تعلمون. إنما ~~تعبدون من دون الله أوثانا قال الفراء: «انما» في هذا الموضع حرف واحد، ~~وليست على معنى «الذي» ، وقوله تعالى: وتخلقون إفكا مردود على «إنما» ، ~~كقولك: إنما تفعلون كذا، وإنما تفعلون كذا. وقال مقاتل: الأوثان: # الأصنام. قال ابن قتيبة: واحدها وثن، وهو ما كان من حجارة أو جص. قوله ms1757 ~~تعالى: وتخلقون إفكا وقرأ ابن السميفع، وأبو المتوكل: «وتختلقون» بزيادة ~~تاء. ثم فيه قولان: أحدهما: تختلقون كذبا في زعمكم أنها آلهة. والثاني: ~~تصنعون الأصنام فالمعنى: تعبدون أصناما أنتم تصنعونها. ثم بين عجزهم بقوله ~~تعالى: لا يملكون لكم رزقا أي: لا يقدرون على أن يرزقوكم فابتغوا عند الله ~~الرزق أي: فاطلبوا من الله تعالى، فانه القادر على ذلك. قوله تعالى: وإن ~~تكذبوا هذا تهديد لقريش فقد كذب أمم من قبلكم والمعنى: فأهلكوا. ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 19 الى 23] # أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) قل ~~سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله ~~على كل شيء قدير (20) يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) وما ~~أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ~~(22) والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب ~~أليم (23) # أولم يروا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «يروا» بالياء. ~~وقرأ حمزة، والكسائي: بالتاء. وعن عاصم كالقراءتين. وعنى بالكلام كفار مكة ~~كيف يبدئ الله الخلق أي: # كيف يخلقهم ابتداء من نطفة، ثم من مضغة إلى أن يتم الخلق ثم يعيده أي: ثم ~~هو يعيده في الآخرة عند البعث. وقال أبو عبيدة: مجازه: أولم يروا كيف ~~استأنف الله الخلق الأول ثم يعيده. وفيه لغتان: # أبدأ وأعاد، وكان مبدئا ومعيدا، وبدأ وعاد، وكان بادئا وعائدا. # PageV03P403 # قوله تعالى: إن ذلك على الله يسير يعني الخلق الأول والخلق الثاني. قوله ~~تعالى: قل سيروا في الأرض أي: انظروا إلى المخلوقات التي في الأرض، وابحثوا ~~عنها هل تجدون لها خالقا غير الله عز وجل، فاذا علموا أنه لا خالق لهم ~~سواه، لزمتهم الحجة في الإعادة، وهو قوله تعالى: ثم الله ينشئ النشأة ~~الآخرة أي: ثم الله تعالى ينشئهم عند البعث نشأة أخرى. وأكثر القراء قرءوا: ~~«النشأة» بتسكين الشين وترك المد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «النشاءة» ~~بالمد. # قوله ms1758 تعالى: يعذب من يشاء فيه قولان: أحدهما: أنه في الآخرة بعد إنشائهم. ~~والثاني: أنه في الدنيا. ثم فيه خمسة أقوال حكاها الماوردي: أحدها: يعذب من ~~يشاء بالحرص، ويرحم من يشاء بالقناعة. والثاني: يعذب بسوء الخلق، ويرحم ~~بحسن الخلق. والثالث: يعذب بمتابعة البدعة، ويرحم بملازمة السنة. والرابع: ~~يعذب بالانقطاع إلى الدنيا، ويرحم بالإعراض عنها. والخامس: يعذب من يشاء ~~ببغض الناس له، ويرحم من يشاء بحب الناس له. قوله تعالى: وإليه تقلبون أي: ~~تردون. # وما أنتم بمعجزين في الأرض فيه قولان حكاهما الزجاج: أحدهما: وما أنتم ~~بمعجزين في الأرض، ولا أهل السماء بمعجزين في السماء. والثاني: وما أنتم ~~بمعجزين في الأرض، ولا لو كنتم في السماء. # وقال قطرب: هذا كقولك: ما يفوتني فلان لا ها هنا ولا بالبصرة، أي: ولا ~~بالبصرة لو صار إليها. قال مقاتل: والخطاب لكفار مكة والمعنى: لا تسبقون ~~الله حتى يجزيكم بأعمالكم السيئة، وما لكم من دون الله من ولي أي: قريب ~~ينفعكم ولا نصير يمنعكم من الله تعالى. # قوله تعالى: والذين كفروا بآيات الله ولقائه أي: بالقرآن والبعث أولئك ~~يئسوا من رحمتي في الرحمة قولان: أحدهما: الجنة، قاله مقاتل. والثاني: ~~العفو والمغفرة، قاله أبو سليمان. # قال ابن جرير: وذلك في الآخرة عند رؤية العذاب. ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 24 الى # 25] # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن ~~في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة ~~بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ~~ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (25) # ثم عاد الكلام إلى قصة إبراهيم، وهو قوله تعالى: فما كان جواب قومه أي: ~~حين دعاهم إلى الله تعالى ونهاهم عن الأصنام إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه ~~وهذا بيان لسفه أحلامهم حين قابلوا احتجاجه عليهم بهذا. قوله تعالى: فأنجاه ~~الله المعنى: فحرقوه فأنجاه الله من النار. قوله تعالى: إن في ذلك يشير إلى ~~إنجائه إبراهيم. # قوله تعالى: وقال يعني ms1759 إبراهيم إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة ~~بينكم قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «مودة بينكم» بالرفع والإضافة. قال الزجاج: ~~«مودة» مرفوعة باضمار «هي» كأنه قال: تلك مودة بينكم، أي: ألفتكم واجتماعكم ~~على الأصنام مودة بينكم والمعنى: إنما اتخذتم هذه الأوثان لتتوادوا بها في ~~الحياة الدنيا. ويجوز أن تكون «ما» بمعنى الذي. وقرأ ابن عباس، وسعيد بن ~~المسيب، وعكرمة، وابن أبي عبلة: «مودة» بالرفع «بينكم» بالنصب. وقرأ نافع، ~~وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «مودة بينكم» قال أبو علي: المعنى: اتخذتم ~~الأصنام للمودة، و «بينكم» نصب على الظرف، # PageV03P404 # والعامل فيه «المودة» . وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم: «مودة بينكم» بنصب ~~«مودة» مع الإضافة، وهذا على الاتساع في جعل الظرف اسما لما أضيف إليه. قال ~~المفسرون: معنى الكلام: إنما اتخذتموها لتتصل المودة بينكم واللقاء ~~والاجتماع عندها، وأنتم تعلمون أنها لا تضر ولا تنفع، ثم يوم القيامة يكفر ~~بعضكم ببعض أي: يتبرأ القادة من الأتباع ويلعن بعضكم بعضا يلعن الأتباع ~~القادة لأنهم زينوا لهم الكفر. ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 26 الى # 30] # فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (26) ووهبنا له ~~إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين (27) ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين (28) أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل ~~وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله ~~إن كنت من الصادقين (29) قال رب انصرني على القوم المفسدين (30) # قوله تعالى: فآمن له لوط أي: صدق بابراهيم وقال يعني إبراهيم إني مهاجر ~~إلى ربي فيه قولان: أحدهما: إلى رضى ربي. والثاني: إلى حيث أمرني ربي، ~~فهاجر من سواد العراق إلى الشام وهجر قومه المشركين. ووهبنا له إسحاق بعد ~~إسماعيل ويعقوب من إسحاق وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وذلك أن الله ~~تعالى لم يبعث نبيا بعد إبراهيم إلا من صلبه وآتيناه أجره في الدنيا فيه ~~أربعة أقوال: أحدها: الذكر ms1760 الحسن، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: ~~الثناء الحسن والولد الصالح، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: العافية ~~والعمل الحسن والثناء، فلست تلقى أحدا من اهل الملل إلا يتولاه، قاله ~~قتادة. والرابع: أنه أري مكانه من الجنة، قاله السدي. قوله تعالى: # وإنه في الآخرة لمن الصالحين قال ابن جرير: له هناك جزاء الصالحين غير ~~منقوص من الآخرة بما أعطي في الدنيا من الأجر. وما بعد هذا قد سبق بيانه ~~«1» إلى قوله تعالى: وتقطعون السبيل وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم كانوا ~~يعترضون من مر بهم لعملهم الخبيث، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: أنهم كانوا إذا جلسوا في مجالسهم يرمون ابن السبيل بالحجارة، ~~فيقطعون سبيل المسافر، قاله مقاتل. والثالث: أنه قطع النسل للعدول عن ~~النساء إلى الرجال، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: وتأتون في ناديكم المنكر قال ابن قتيبة: النادي: المجلس، ~~والمنكر يجمع الفواحش من القول والفعل. وللمفسرين في المراد بهذا المنكر ~~أربعة أقوال: # (1091) أحدها: أنهم كانوا يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم، فذلك المنكر، ~~روته أم هانئ PageV03P405 # بنت أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال عكرمة والسدي: كانوا ~~يحذفون كل من مر بهم. # والثاني: لف القميص على اليد، وجر الإزار، وحل الأزرار، والحذف والرمي ~~بالبندق، ولعب الحمام، والصفير، في خصال أخر رواها ميمون بن مهران عن ابن ~~عباس. # والثالث: أنه الضراط، رواه عروة عن عائشة، وكذلك فسره القاسم بن محمد. # والرابع: أنه إتيان الرجال في مجالسهم، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد. # وهذه الآية تدل على أنه لا ينبغي للمجتمعين أن يتعاشروا إلا على ما يقرب ~~من الله عز وجل، ولا ينبغي ان يجتمعوا على الهزء واللعب. # قوله تعالى: رب انصرني أي: بتصديق قولي في العذاب. ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 31 الى # 35] # ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين (31) قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (32) ولما أن جاءت ms1761 رسلنا لوطا سيء بهم ~~وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من ~~الغابرين (33) إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا ~~يفسقون (34) ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون (35) # قوله تعالى: إنا مهلكوا أهل هذه القرية يعنون قرية لوط. قوله تعالى: ~~لننجينه قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: «لننجينه» و «إنا منجوك» ~~بتشديد الحرفين، وخففهما حمزة، والكسائي. وروى أبو بكر عن عاصم: «لننجينه» ~~مشددة، و «إنا منجوك» مخففة ساكنة النون. وقد سبق شرح ما أخللنا بذكره «1» ~~إلى قوله تعالى: إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا وهو الحصب والخسف. ~~قوله تعالى: ولقد تركنا منها في المكني عنها قولان: أحدهما: أنها الفعلة ~~التي فعل بهم فعلى هذا في الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الحجارة التي ~~أدركت أوائل هذه الأمة، قاله قتادة. # والثاني: الماء الاسود على وجه الأرض، قاله مجاهد. والثالث: الخبر عما ~~صنع بهم. والثاني: أنها القرية فعلى هذا في المراد بالآية ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنها آثار منازلهم الخربة، قاله ابن عباس. PageV03P406 # والثاني: أن الآية في قريتهم إلى الآن أن أساسها أعلاها وسقوفها أسفلها، ~~أسفلها، حكاه أبو سليمان الدمشقي. # والثالث: أن المعنى: تركناها آية، تقول: إن في السماء لآية، تريد أنها هي ~~الآية، قاله الفراء. ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 36 الى # 37] # وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين (36) فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ~~(37) # قوله تعالى: وارجوا اليوم الآخر قال المفسرون: اخشوا البعث الذي فيه جزاء ~~الأعمال. ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 38 الى 40] # وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل وكانوا مستبصرين (38) وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى ~~بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين (39) فكلا أخذنا بذنبه فمنهم ~~من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم ~~من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ms1762 (40) # قوله تعالى: وعادا وثمود قال الزجاج: وأهلكنا عادا وثمودا، لأن قبل هذا ~~فأخذتهم الرجفة. قوله تعالى: وقد تبين لكم من مساكنهم أي: ظهر لكم يا أهل ~~مكة من منازلهم بالحجاز واليمن آية في هلاكهم، وكانوا مستبصرين قال الفراء: ~~أي: ذوي بصائر. وقال الزجاج: أتوا ما أتوه وقد تبين لهم أن عاقبته عذابهم. ~~وقال غيره: كانوا عند أنفسهم مستبصرين يظنون أنهم على حق. # قوله تعالى: وما كانوا سابقين أي: ما كانوا يفوتون الله تعالى أن يفعل ~~بهم ما يريد. # قوله تعالى: فكلا أخذنا بذنبه أي: عاقبنا بتكذيبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا يعني قوم لوط ومنهم من أخذته الصيحة يعني ثمودا وقوم شعيب ومنهم من ~~خسفنا به الأرض يعني قارون وأصحابه ومنهم من أغرقنا يعني قوم نوح وفرعون ~~وما كان الله ليظلمهم فيعذبهم على غير ذنب ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ~~بالإقامة على المعاصي. ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 41 الى 43] # مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما يدعون من دونه ~~من شيء وهو العزيز الحكيم (42) وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون (43) # قوله تعالى: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء يعني الأصنام يتخذها ~~المشركون أولياء يرجون نفعها ونصرها، فمثلهم في ضعف احتيالهم كمثل العنكبوت ~~اتخذت بيتا قال ثعلب: # والعنكبوت أنثى، وقد يذكرها بعض العرب، قال الشاعر: # كأن العنكبوت هو ابتناها «1» قوله تعالى: إن الله يعلم ما يدعون من دونه ~~من شيء أي: هو عالم بما عبدوه من دونه، لا PageV03P407 # يخفى عليه ذلك والمعنى أنه يجازيهم على كفرهم. وتلك الأمثال يعني أمثال ~~القرآن التي شبه بها أحوال الكفار، وقيل: إن «تلك» بمعنى «هذه» ، والعالمون ~~الذين يعقلون عن الله عز وجل. ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 44 الى 45] # خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (44) اتل ما ~~أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر ~~الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ms1763 (45) # خلق الله السماوات والأرض بالحق أي: للحق، ولإظهار الحق. # قوله تعالى: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر في المراد بالصلاة قولان: # أحدهما: أنها الصلاة المعروفة، قاله الأكثرون. # (1092) وروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ~~لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعدا» . ~~PageV03P408 # والثاني: أن المراد بالصلاة: القرآن، قاله ابن عمر، ويدل على هذا قوله ~~تعالى: ولا تجهر بصلاتك «1» وقد شرحنا معنى الفحشاء والمنكر فيما سبق «2» . # وفي معنى هذه الآية للعلماء ثلاثة أقوال: أحدها: أن الإنسان إذا أدى ~~الصلاة كما ينبغي وتدبر ما يتلو فيها، نهته عن الفحشاء والمنكر، هذا ~~مقتضاها وموجبها. والثاني: أنها تنهاه ما دام فيها. والثالث: # أن المعنى: ينبغي أن تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر. # قوله تعالى: ولذكر الله أكبر فيه أربعة أقوال: # (1093) أحدها: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، رواه ابن عمر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ~~ومجاهد في آخرين. # والثاني: ولذكر الله تعالى أفضل من كل شيء سواه، وهذا مذهب أبي الدرداء، ~~وسلمان، وقتادة. # والثالث: ولذكر الله تعالى في الصلاة أكبر مما نهاك عنه من الفحشاء ~~والمنكر، قاله عبد الله بن عون. # والرابع: ولذكر الله تعالى العبد- ما كان في صلاته- أكبر من ذكر العبد ~~لله تعالى، قاله ابن قتيبة. ### | [سورة العنكبوت (29) : آية 46] # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا ~~آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46) # قوله تعالى: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن في التي هي أحسن ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها لا إله إلا الله، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: أنها ~~الكف عنهم إذا بذلوا الجزية، فان أبوا قوتلوا، قاله مجاهد. والثالث: أنها ~~القرآن والدعاء إلى الله تعالى بالآيات والحجج. قوله تعالى: إلا الذين ~~ظلموا منهم وهم الذين نصبوا الحرب وأبوا أن يؤدوا الجزية، فجادلوا هؤلاء ~~بالسيف حتى يسلموا أو ms1764 يعطوا الجزية وقولوا لمن أدى الجزية منهم إذا أخبركم ~~بشيء مما في كتبهم آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم الآية. # (1094) وقد روى أبو هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة ~~بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية PageV03P409 # لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تصدقوا أهل الكتاب ~~ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم» الآية. ### | فصل: # واختلف في نسخ هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها نسخت بقوله تعالى: ~~قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله إلى قوله تعالى: وهم صاغرون «1» ، قاله قتادة ~~والكلبي. والثاني: أنها ثابتة الحكم، وهو مذهب ابن زيد. ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 47 الى # 49] # وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من ~~يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ~~ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) بل هو آيات بينات في صدور الذين ~~أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (49) # قوله تعالى: وكذلك أي: وكما أنزلنا الكتاب عليهم أنزلنا إليك الكتاب ~~فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به يعني مؤمني أهل الكتاب ومن هؤلاء يعني أهل ~~مكة من يؤمن به وهم الذين أسلموا وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون قال قتادة: ~~إنما يكون الجحد بعد المعرفة. قال مقاتل: وهم اليهود. # قوله تعالى: وما كنت تتلوا من قبله من كتاب قال أبو عبيدة: مجازه: ما كنت ~~تقرأ قبله كتابا، و «من» زائدة. فأما الهاء في «قبله» فهي عائدة إلى ~~القرآن. والمعنى: ما كنت قارئا قبل الوحي ولا كاتبا، وهكذا كانت صفته في ~~التوراة والإنجيل أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، وهذا يدل على ان الذي جاء به، ~~من عند الله تعالى. قوله تعالى: إذا لارتاب المبطلون أي: لو كنت قارئا ~~كاتبا لشك اليهود فيك ولقالوا: ليست هذه صفته في كتابنا. والمبطلون: الذين ~~يأتون الباطل، وفيهم ها هنا قولان: أحدهما: # كفار قريش، قاله مجاهد. والثاني: كفار اليهود، قاله مقاتل. # قوله تعالى: بل هو آيات بينات في المكني عنه قولان: أحدهما: أنه النبي ~~محمد ms1765 صلى الله عليه وسلم، ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: أن المعنى: بل ~~وجدان أهل الكتاب في كتبهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقرأ، ~~وأنه أمي، آيات بينات في صدورهم، وهذا مذهب ابن عباس، والضحاك، وابن جريج. # والثاني: أن المعنى: بل محمد عليه السلام ذو آيات بينات في صدور الذين ~~أوتوا العلم من أهل الكتاب، لأنهم يجدونه بنعته وصفته، قاله قتادة. ~~والثاني: أنه القرآن، والذين أوتوا العلم: المؤمنون الذين حملوا القرآن على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملوه بعده. وإنما أعطي الحفظ هذه ~~الأمة، وكان من قبلهم لا يقرءون كتابهم إلا نظرا، فاذا أطبقوه لم يحفظوا ما ~~فيه سوى الأنبياء، وهذا قول الحسن. وفي المراد بالظالمين ها هنا قولان: ~~أحدهما: المشركون، قاله ابن عباس. والثاني: كفار اليهود، قاله مقاتل. ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 50 الى 52] # وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا ~~نذير مبين (50) أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك ~~لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في ~~السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون (52) ~~PageV03P410 # قوله تعالى: وقالوا يعني كفار مكة لولا أنزل عليه آيات من ربه قرأ نافع، ~~وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «آيات» على الجمع. وقرأ ابن كثير، ~~وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «آية» على التوحيد. وإنما أرادوا: ~~كآيات الأنبياء قل إنما الآيات عند الله أي: هو القادر على إرسالها، وليست ~~بيدي. وزعم بعض علماء التفسير أن قوله تعالى: وإنما أنا نذير مبين منسوخ ~~بآية السيف. ثم بين الله عز وجل أن القرآن يكفي من الآيات التي سألوها ~~بقوله تعالى: أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب؟! (1095) وذكر يحيى بن ~~جعدة أن ناسا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب قد ~~كتبوها، فيها بعض ما يقول اليهود، فلما نظر إليها ألقاها وقال: «كفى بها ~~حماقة قوم أو ضلالة ms1766 قوم أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى قوم غيرهم» فنزلت: ~~أولم يكفهم إلى آخر الآية. # قوله تعالى: قل كفى بالله قال المفسرون: لما كذبوا بالقرآن نزلت: قل كفى ~~بالله بيني وبينكم شهيدا يشهد لي أني رسوله، ويشهد عليكم بالتكذيب، وشهادة ~~الله له: إثبات المعجزة له بانزال الكتاب عليه، والذين آمنوا بالباطل قال ~~ابن عباس: بغير الله تعالى. وقال مقاتل: بعبادة الشيطان. ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 53 الى # 55] # ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا ~~يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) يوم يغشاهم ~~العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون (55) # قوله تعالى: ويستعجلونك بالعذاب قال مقاتل: نزلت في النضر بن الحارث حين ~~قال: فأمطر علينا حجارة من السماء «1» . وفي الأجل المسمى أربعة أقوال. ~~أحدها: أنه يوم القيامة، قاله سعيد بن جبير. والثاني: أجل الحياة إلى حين ~~الموت، وأجل الموت إلى حين البعث، قاله قتادة. والثالث: مدة أعمارهم، قاله ~~الضحاك. والرابع: يوم بدر، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: وليأتينهم يعني العذاب. وقرأ معاذ القارئ، وأبو نهيك، وابن ~~أبي عبلة: # «ولتأتينهم» بالتاء بغتة وهم لا يشعرون باتيانه. قوله تعالى: وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين أي: PageV03P411 # جامعة لهم. قوله تعالى: ويقول ذوقوا قرأ ابن كثير: بالنون. وقرأ نافع: ~~بالياء. فمن قرأ بالياء، أراد الملك الموكل بعذابهم، ومن قرأ بالنون، فلأن ~~ذلك لما كان بأمر الله تعالى جاز أن ينسب إليه. ومعنى ما كنتم تعملون أي: ~~جزاء ما عملتم من الكفر والتكذيب. ### | ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 56 الى # 60] # يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) كل نفس ذائقة ~~الموت ثم إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من ~~الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين (58) الذين ~~صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها ~~وإياكم وهو السميع العليم (60) # قوله تعالى: يا عبادي الذين آمنوا # قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر: يا عبادي # بتحريك الياء. وقرأ أبو ms1767 عمرو، والكسائي: باسكانها. # قوله تعالى: إن أرضي واسعة # وقرأ ابن عامر وحده: «أرضي» بفتح الياء، وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه خطاب لمن آمن من أهل مكة، قيل لهم: «إن أرضي» يعني المدينة ~~«واسعة» ، فلا تجاوروا الظلمة في أرض مكة، قاله أبو صالح عن ابن عباس وكذلك ~~قال مقاتل: نزلت في ضعفاء مسلمي مكة، أي: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار ~~الإيمان، فارض المدينة واسعة. والثاني: أن المعنى: إذا عمل بالمعاصي في أرض ~~فاخرجوا منها، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عطاء. والثالث: # إن رزقي لكم واسع، قاله مطرف بن عبد الله. # قوله تعالى: فإياي فاعبدون # أثبت فيها الياء يعقوب في الحالين، وحذفها الباقون. قال الزجاج: # أمرهم بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنهم فيه عبادة الله إلى حيث تتهيأ ~~لهم العبادة ثم خوفهم بالموت لتهون عليهم الهجرة، فقال: كل نفس ذائقة الموت ~~المعنى: فلا تقيموا في دار الشرك خوفا من الموت ثم إلينا ترجعون بعد الموت ~~فنجزيكم بأعمالكم، والأكثرون قرءوا: «ترجعون» بالتاء على الخطاب وقرأ أبو ~~بكر عن عاصم بالياء. # قوله تعالى: لنبوئنهم قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«لنبوئنهم» بالباء، أي: لننزلنهم. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: «لنثوينهم» ~~بالثاء، وهو من: ثويت بالمكان: # إذا أقمت به. قال الزجاج: يقال: ثوى الرجل: إذا أقام، وأثويته: إذا ~~أنزلته منزلا يقيم فيه. قوله تعالى: # وكأين من دابة لا تحمل رزقها. قال ابن عباس: # (1096) لما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى المدينة، ~~قالوا: يا رسول الله، نخرج إلى المدينة وليس لنا بها عقار ولا مال؟! فمن ~~يؤوينا ويطعمنا؟ فنزلت هذه الآية. # قال ابن قتيبة: ومعنى الآية: كم من دابة لا ترفع شيئا لغد، قال ابن ~~عيينة: ليس شيء يخبأ إلا الإنسان والفأرة والنملة. قال المفسرون وقوله: ~~الله يرزقها أي: حيث ما توجهت وإياكم أي: PageV03P412 # ويرزقكم إن هاجرتم إلى المدينة وهو السميع لقولكم: لا نجد ما ننفق ~~بالمدينة العليم بما في قلوبكم. ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 61 ms1768 الى 63] # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون (61) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء ~~عليم (62) ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ~~ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) # قوله تعالى: ولئن سألتهم يعني كفار مكة، وكانوا يقرون بأنه الخالق ~~والرازق وإنما أمره أن يقول: الحمد لله على إقرارهم، لأن ذلك يلزمهم الحجة ~~فيوجب عليهم التوحيد بل أكثرهم لا يعقلون توحيد الله مع إقرارهم بأنه ~~الخالق. والمراد بالأكثر: الجميع. ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 64 الى 66] # وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو ~~كانوا يعلمون (64) فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما ~~نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف ~~يعلمون (66) # قوله تعالى: وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب والمعنى: وما الحياة في ~~هذه الدنيا إلا غرور ينقضي عن قليل وإن الدار الآخرة يعني الجنة لهي ~~الحيوان قال أبو عبيدة: اللام في «لهي» زائدة للتوكيد، والحيوان والحياة ~~واحد والمعنى: لهي دار الحياة التي لا موت فيها، ولا تنغيص يشوبها كما يشوب ~~الحياة في الدنيا لو كانوا يعلمون أي: لو علموا لرغبوا عن الفاني في ~~الباقي، ولكنهم لا يعلمون. قوله تعالى: فإذا ركبوا في الفلك يعني المشركين ~~دعوا الله مخلصين له الدين أي: أفردوه بالدعاء. قال مقاتل: والدين بمعنى ~~التوحيد والمعنى أنهم لا يدعون من يدعونه شريكا له، فلما نجاهم أي: خلصهم ~~من أهوال البحر، وأفضوا إلى البر إذا هم يشركون في البر، وهذا إخبار عن ~~عنادهم ليكفروا بما آتيناهم هذه لام الأمر، ومعناه التهديد والوعيد، كقوله ~~تعالى: اعملوا ما شئتم «1» والمعنى: ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم ~~وليتمتعوا قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي باسكان اللام على معنى الأمر ~~والمعنى: ليتمتعوا بباقي أعمارهم فسوف يعلمون عاقبة كفرهم. # وقرأ الباقون بكسر اللام في «ليتمتعوا» ، فجعلوا اللامين بمعنى «كي» ، ~~فتقديره: لكي ms1769 يكفروا، ولكي يتمتعوا، فيكون معنى الكلام: إذا هم يشركون ~~ليكفروا وليتمتعوا، أي: لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر والتمتع بما ~~يتمتعون به في العاجلة من غير نصيب لهم في الآخرة. ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 67 الى 69] # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون ~~وبنعمة الله يكفرون (67) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق ~~لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (68) والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69) PageV03P413 # قوله تعالى: أولم يروا يعني كفار مكة أنا جعلنا حرما آمنا يعني مكة، وقد ~~شرحنا هذا المعنى في سورة القصص «1» ويتخطف الناس من حولهم أي: أن العرب ~~يسبي بعضهم بعضا وأهل مكة آمنون أفبالباطل وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: الشرك، ~~قاله قتادة. والثاني: الأصنام، قاله ابن السائب. والثالث: الشيطان، قاله ~~مقاتل. # قوله تعالى: يؤمنون وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وعاصم الجحدري: «تؤمنون ~~وبنعمة الله تكفرون» بالتاء فيهما. قوله تعالى: وبنعمة الله يعني: محمدا ~~والإسلام، وقيل: بانعام الله عليهم حين أطعمهم وآمنهم يكفرون، ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أي: زعم أن له شريكا وأنه أمر بالفواحش أو كذب بالحق ~~لما جاءه يعني محمدا والقرآن أليس في جهنم مثوى للكافرين؟! وهذا استفهام ~~بمعنى التقرير، كقول جرير: # ألستم خير من ركب المطايا «2» # والذين جاهدوا فينا أي: قاتلوا أعداءنا لأجلنا لنهدينهم سبلنا أي: ~~لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة وقيل: لنزيدنهم هداية وإن الله لمع ~~المحسنين بالنصرة والعون. قال ابن عباس: يريد بالمحسنين: الموحدين وقال ~~غيره: يريد المجاهدين. وقال ابن المبارك: من اعتاصت عليه مسألة، فليسأل أهل ~~الثغور عنها، لقوله تعالى: لنهدينهم سبلنا. # والله أعلم بالصواب PageV03P414 # سورة الروم # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الروم # (30) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في ~~بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) # بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) # قوله تعالى: ms1770 غلبت الروم. # (1097) ذكر أهل التفسير في سبب نزولها أنه كان بين فارس والروم حرب فغلبت ~~فارس الروم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فشق ذلك ~~عليهم، وفرح المشركون بذلك، لأن فارس لم يكن لهم كتاب وكانوا يجحدون البعث ~~ويعبدون الأصنام، والروم أصحاب كتاب، فقال المشركون لأصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون، وقد ظهر ~~إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم، فان قاتلتمونا لنظهرن عليكم، ~~فنزلت هذه الآية، فخرج بها أبو بكر الصديق إلى المشركين، فقالوا: هذا كلام ~~صاحبك؟ فقال: الله أنزل هذا، فقالوا لأبي بكر: نراهنك على أن الروم لا تغلب ~~فارس، فقال أبو بكر: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فقالوا: الوسط من ذلك ~~ست، فوضعوا الرهان، وذلك قبل أن يحرم الرهان، فرجع أبو بكر إلى أصحابه ~~فأخبرهم، فلاموه وقالوا: هلا أقررتها كما أقرها الله تعالى؟! لو شاء أن ~~يقول: ستا، لقال! فلما كانت سنة ست، لم تظهر الروم على فارس، فأخذوا ~~الرهان، فلما كانت سنة سبع ظهرت الروم على فارس. # (1098) وروى ابن عباس قال: لما نزلت: آلم (1) غلبت الروم ناحب أبو بكر ~~قريشا، فقال له PageV03P415 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا احتطت، فان البضع ما بين السبع ~~والتسع» . وذكر بعضهم أنهم ضربوا الأجل خمس سنين، وقال بعضهم: ثلاث سنين، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع» ~~فخرج أبو بكر فقال لهم: أزايدكم في الخطر وأمد في الأجل إلى تسع سنين، ~~ففعلوا، فقهرهم أبو بكر، وأخذ رهانهم. وفي الذي تولى وضع الرهان من ~~المشركين قولان: أحدهما: أبي بن خلف، قاله قتادة. # والثاني: أبو سفيان بن حرب، قاله السدي. # قوله تعالى: في أدنى الأرض وقرأ أبي بن كعب، والضحاك، وأبو رجاء، وابن ~~السميفع: «في أداني الأرض» بألف مفتوحة الدال أي: أقرب الأرض أرض الروم إلى ~~فارس. قال ابن عباس: وهي طرف الشام. وفي اسم هذا المكان ثلاثة أقوال: ~~أحدها: ms1771 أنه الجزيرة، وهي أقرب أرض الروم إلى فارس، قاله مجاهد. والثاني: ~~أذرعات وكسكر، قاله عكرمة. والثالث: الأردن وفلسطين، قاله السدي. # قوله تعالى: وهم يعني الروم من بعد غلبهم وقرأ أبو الدرداء، وأبو رجاء، ~~وعكرمة، والأعمش: «غلبهم» بتسكين اللام أي: من بعد غلبة فارس إياهم، والغلب ~~والغلبة لغتان، سيغلبون فارس في بضع سنين، في البضع تسعة أقوال قد ذكرناها ~~في يوسف «1» . قال المفسرون: وهي ها هنا سبع سنين، وهذا من علم الغيب الذي ~~يدل على أن القرآن حق، لله الأمر من قبل ومن بعد أي: من قبل ان تغلب الروم ~~ومن بعد ما غلبت والمعنى أن غلبة الغالب وخذلان المغلوب، بأمر الله عز وجل ~~وقضائه ويومئذ يعني يوم غلبت الروم فارس يفرح المؤمنون (4) بنصر الله ~~للروم. وكان التقاء الفريقين في السنة السابعة من غلبة فارس إياهم، فغلبتهم ~~الروم، وجاء PageV03P416 # جبريل يخبر بنصر الروم على فارس، فوافق ذلك يوم بدر، وقيل: يوم الحديبية ~~«1» . ### | ### | [سورة الروم (30) : الآيات 6 الى # 8] # وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) يعلمون ظاهرا ~~من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7) أولم يتفكروا في أنفسهم ما ~~خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من ~~الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) # قوله تعالى: وعد الله أي: وعد الله ذلك وعدا لا يخلف الله وعده أن الروم ~~يظهرون على فارس ولكن أكثر الناس يعني كفار مكة لا يعلمون أن الله تعالى لا ~~يخلف وعده في ذلك. # ثم وصف كفار مكة، فقال: يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا قال عكرمة: هي ~~المعايش. وقال الضحاك: # يعلمون بنيان قصورها وتشقيق أنهارها. وقال الحسن: يعلمون متى زرعهم ومتى ~~حصادهم، ولقد بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر الدرهم بظفره فيخبرك ~~بوزنه ولا يحسن يصلي. قوله تعالى: وهم عن الآخرة هم غافلون لأنهم لا يؤمنون ~~بها. قال الزجاج: وذكرهم ثانية يجري مجرى التوكيد، كما تقول: زيد هو عالم، ~~وهو أوكد من قولك: زيد عالم. قوله تعالى: أولم ms1772 يتفكروا في أنفسهم قال ~~الزجاج: معناه: أو لم يتفكروا فيعلموا فحذف «فيعلموا» لأن في الكلام دليلا ~~عليه. ومعنى إلا بالحق: إلا للحق، أي: لإقامة الحق وأجل مسمى وهو وقت ~~الجزاء وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون المعنى: لكافرون بلقاء ربهم، ~~فقدمت الباء، لأنها متصلة ب «كافرون» وما اتصل بخبر «إن» جاز أن يقدم قبل ~~اللام، ولا يجوز أن تدخل اللام بعد مضي الخبر من غير خلاف بين النحويين، لا ~~يجوز أن تقول: إن زيدا كافر لبالله، لأن اللام حقها أن تدخل على الابتداء ~~والخبر أو بين الابتداء والخبر، لأنها تؤكد الجملة. وقال مقاتل في قوله ~~تعالى: وأجل مسمى: للسماوات والأرض أجل ينتهيان إليه، وهو يوم القيامة وإن ~~كثيرا من الناس يعني كفار مكة بلقاء ربهم أي: بالبعث لكافرون. ### | [سورة الروم (30) : الآيات 9 الى 11] # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد ~~منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات ~~فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) ثم كان عاقبة الذين ~~أساؤا السواى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن (10) الله يبدؤا ~~الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) # قوله تعالى: أولم يسيروا في الأرض أي: أو لم يسافروا فينظروا مصارع الأمم ~~قبلهم كيف أهلكوا بتكذيبهم فيعتبروا. # قوله تعالى: وأثاروا الأرض أي: قلبوها للزراعة، ومنه قيل للبقرة: مثيرة. ~~وقرأ أبي بن كعب، ومعاذ القارئ، وأبو حيوة: «وآثروا الأرض» بمد الهمزة وفتح ~~الثاء مرفوعة الراء، وعمروها أكثر مما عمروها أي: أكثر من عمارة أهل مكة، ~~لطول أعمار أولئك وشدة قوتهم وجاءتهم رسلهم PageV03P417 # بالبينات أي: بالدلالات فما كان الله ليظلمهم بتعذيبهم على غير ذنب ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون بالكفر والتكذيب ودل هذا على أنهم لم يؤمنوا فأهلكوا. # ثم أخبر عن عاقبتهم فقال: ثم كان عاقبة الذين أساؤا السواى يعني الخلة ~~السيئة وفيها قولان: # أحدهما: أنها العذاب، قاله الحسن. والثاني: جهنم، قاله السدي. قوله ~~تعالى: أن كذبوا قال الفراء: لأن كذبوا، فلما ألقيت اللام كان ms1773 نصبا، وقال ~~الزجاج: لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم. وقيل: # السوأى مصدر بمنزلة الإساءة فالمعنى: ثم كان التكذيب آخر أمرهم، أي: ~~ماتوا على ذلك، كأن الله تعالى جازاهم على إساءتهم أن طبع على قلوبهم حتى ~~ماتوا على التكذيب عقوبة لهم. وقال مكي بن أبي طالب النحوي: «عاقبة» اسم ~~كان، و «السوأى» خبرها، و «أن كذبوا» مفعول من أجله ويجوز أن يكون «السوأى» ~~مفعولة ب «أساؤوا» ، و «أن كذبوا» خبر كان، ومن نصب «عاقبة» جعلها خبر ~~«كان» ، و «السوأى» اسمها، ويجوز أن تكون «أن كذبوا» اسمها. وقرأ الأعمش: ~~«أساؤوا السوء» برفع السوء» . # قوله تعالى: الله يبدؤا الخلق ثم يعيده أي: يخلقهم أولا، ثم يعيدهم بعد ~~الموت أحياء كما كانوا، ثم إليه ترجعون قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «ترجعون» بالتاء فعلى هذا يكون الكلام ~~عائدا من الخبر إلى الخطاب، وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: بالياء، لأن ~~المتقدم ذكره غيبة، والمراد بذكر الرجوع: الجزاء على الأعمال، والخلق بمعنى ~~المخلوقين، وإنما قال: «يعيده» على لفظ الخلق. ### | ### | [سورة الروم (30) : الآيات 12 الى # 16] # ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون (12) ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء ~~وكانوا بشركائهم كافرين (13) ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) وأما الذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون (16) # قوله تعالى: يبلس المجرمون قد شرحنا الإبلاس في سورة الأنعام «1» . قوله ~~تعالى: ولم يكن لهم من شركائهم أي: من أوثانهم التي عبدوها شفعاء في ~~القيامة وكانوا بشركائهم كافرين يتبرؤون منها وتتبرأ منهم. قوله تعالى: ~~يومئذ يتفرقون وذلك بعد الحساب ينصرف قوم إلى الجنة، وقوم إلى النار. قوله ~~تعالى: فهم في روضة الروضة: المكان المخضر من الأرض وإنما خص الروضة، لأنها ~~كانت أعجب الأشياء إلى العرب قال أبو عبيدة: ليس شيء عند العرب أحسن من ~~الرياض المعشبة ولا أطيب ريحا، قال الأعشى: # ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل # يوما بأطيب منها نشر رائحة ms1774 ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل «2» # قال المفسرون: والمراد بالروضة: رياض الجنة. وفي معنى «يحبرون» أربعة ~~أقوال: أحدها: PageV03P418 # يكرمون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: ينعمون، قاله مجاهد، ~~وقتادة. وقال الزجاج: # والحبرة في اللغة: كل نغمة حسنة. والثالث: يفرحون، قاله السدي. وقال ابن ~~قتيبة: «يحبرون» يسرون، والحبرة السرور. والرابع: أن الحبر: السماع في ~~الجنة، فإذ أخذ أهل الجنة في السماع، لم تبق شجرة إلا وردت، قاله يحيى بن ~~أبي كثير. وسئل يحيى بن معاذ: أي الأصوات أحسن؟ فقال: # مزامير أنس، في مقاصير قدس، بألحان تحميد، في رياض تمجيد في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر «1» . # قوله تعالى: فأولئك في العذاب محضرون أي: هم حاضرون العذاب أبدا لا يخفف ~~عنهم. ### | ### | [سورة الروم (30) : الآيات 17 الى # 19] # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في السماوات والأرض ~~وعشيا وحين تظهرون (18) يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض ~~بعد موتها وكذلك تخرجون (19) # ثم ذكر ما تدرك به الجنة ويتباعد به من النار فقال: فسبحان الله حين ~~تمسون قال المفسرون: # المعنى: فصلوا لله عز وجل حين تمسون، أي: حين تدخلون في المساء وحين ~~تصبحون أي: # تدخلون في الصباح، وتظهرون تدخلون في الظهيرة، وهي وقت الزوال، وعشيا أي: ~~وسبحوه عشيا. وهذه الآية قد جمعت الصلوات الخمس، فقوله تعالى: «حين تمسون» ~~يعني به صلاة المغرب والعشاء، «وحين تصبحون» يعني به صلاة الفجر، «وعشيا» ~~العصر، و «حين تظهرون» الظهر. قوله تعالى: وله الحمد في السماوات والأرض ~~قال ابن عباس: يحمده أهل السموات وأهل الأرض ويصلون له. قوله تعالى: يخرج ~~الحي من الميت فيه أقوال قد ذكرناها في سورة آل عمران «2» . قوله تعالى: # ويحي الأرض بعد موتها أي: يجعلها منبتة بعد أن كانت لا تنبت، وتلك حياتها ~~وكذلك تخرجون قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: «تخرجون» ~~بضم التاء، وفتحها حمزة والكسائي والمراد: تخرجون يوم القيامة من الأرض، ~~أي: كما أحيا الأرض بالنبات يحييكم بالبعث. ### | [سورة الروم (30) : الآيات 20 الى 29] # ومن ms1775 آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) ومن آياته أن ~~خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون (21) ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم ~~وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22) ومن آياته منامكم بالليل والنهار ~~وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (23) ومن آياته يريكم البرق ~~خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات ~~لقوم يعقلون (24) # ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا ~~أنتم تخرجون (25) وله من في السماوات والأرض كل له قانتون (26) وهو الذي ~~يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ~~وهو العزيز الحكيم (27) ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم ~~من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يعقلون (28) بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من ~~أضل الله وما لهم من ناصرين (29) PageV03P419 # قوله تعالى: ومن آياته أي: من دلائل قدرته أن خلقكم من تراب يعني آدم ~~لأنه أصل البشر ثم إذا أنتم بشر من لحم ودم، يعني ذريته تنتشرون يعني ~~تنبسطون في الأرض. # قوله تعالى: أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا فيه قولان: أحدهما: أنه يعني ~~بذلك آدم، خلق حواء من ضلعه، وهو معنى قول قتادة. والثاني: أن المعنى: جعل ~~لكم آدميات مثلكم ولم يجعلهن من غير جنسكم، قاله الكلبي. قوله تعالى: ~~لتسكنوا إليها أي: لتأووا إلى الأزواج وجعل بينكم مودة ورحمة وذلك أن ~~الزوجين يتوادان ويتراحمان من غير رحم بينهما إن في ذلك الذي ذكره من صنعه ~~لآيات لقوم يتفكرون في قدرة الله عز وجل وعظمته. قوله تعالى: واختلاف ~~ألسنتكم يعني اللغات من العربية والعجمية وغير ذلك وألوانكم لأن الخلق بين ~~أسود وأبيض وأحمر، وهم ولد رجل واحد وامرأة واحدة. وقيل: المراد باختلاف ~~الألسنة: اختلاف النغمات والأصوات، حتى ms1776 إنه لا يشتبه صوت أخوين من أب وأم. ~~والمراد باختلاف الألوان: اختلاف الصور، فلا تشتبه صورتان مع التشاكل إن في ~~ذلك لآيات للعالمين قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «للعالمين» بفتح اللام. وقرأ حفص عن عاصم: ~~«للعالمين» بكسر اللام. # قوله تعالى: ومن آياته منامكم بالليل أي: نومكم. قال أبو عبيدة: المنام ~~من مصادر النوم، بمنزلة قام يقوم قياما ومقاما، وقال يقول مقالا، قال ~~المفسرون: وتقدير الآية: منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله وهو طلب الرزق ~~بالنهار إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون سماع اعتبار وتذكر وتدبر ومن آياته ~~يريكم البرق قال اللغويون: إنما حذف «أن» لدلالة الكلام عليه، وأنشدوا: # وما الدهر إلا تارتان فتارة ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح «1» # ومعناه: فتارة أموت فيها، وقال طرفة: # ألا أيهذا الزاجري أحصر الوغى «2» # أراد: أن أحضر. وقد شرحنا معنى الخوف والطمع في رؤية البرق في سورة الرعد ~~«3» . # قوله تعالى: أن تقوم السماء والأرض أي: تدوما قائمتين بأمره ثم إذا دعاكم ~~دعوة وهي نفخة إسرافيل الأخيرة في الصور بأمر الله عز وجل من الأرض أي: من ~~قبوركم إذا أنتم تخرجون منها، وما بعد هذا قد سبق بيانه «4» إلى قوله ~~تعالى: وهو أهون عليه وفيه أربعة أقوال: أحدها: أن الإعادة أهون عليه من ~~البداية، وكل هين عليه، قاله مجاهد، وأبو العالية. والثاني: أن «أهون» ~~بمعنى «هين» عليه، فالمعنى: وهو هين عليه، وقد يوضع «أفعل» في موضع «فاعل» ~~، ومثله قولهم في الأذان: # الله أكبر، أي: الله كبير، قال الفرزدق: PageV03P420 # إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول # وقال معن بن أوس المزني: # لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تغدو المنية أول «1» # أي: وإني لوجل، وقال غيره: # أصبحت أمنحك الصدود وإنني ... قسما إليك مع الصدود لأميل «2» # وأنشدوا أيضا: # تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد # أي: بواحد، هذا قول أبي عبيدة، وهو مروي عن الحسن، وقتادة. وقرأ أبي بن ~~كعب، وأبو عمران الجوني، ms1777 وجعفر بن محمد: «وهو هين عليه» . والثالث: أنه ~~خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب أن يكون عندهم البعث أسهل من ~~الابتداء في تقديرهم وحكمهم، فمن قدر على الإنشاء كان البعث أهون عليه، هذا ~~اختيار الفراء، والمبرد، والزجاج، وهو قول مقاتل. وعلى هذه الأقوال الثلاثة ~~تكون الهاء في «عليه» عائدة إلى الله عز وجل. والرابع: أن الهاء تعود على ~~المخلوق، لأنه خلقه نطفة ثم علقة ثم مضغة، ويوم القيامة يقول له كن فيكون، ~~رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهو اختيار قطرب. قوله تعالى: وله المثل الأعلى ~~قال المفسرون: أي: له الصفة العليا في السماوات والأرض وهي أنه لا إله ~~غيره. # قوله تعالى: ضرب لكم مثلا سبب نزولها أن أهل الجاهلية كانوا يلبون ~~فيقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، فنزلت هذه الآية، ~~قاله سعيد بن جبير، ومقاتل. ومعنى الآية: بين لكم أيها المشركون شبها، وذلك ~~الشبه من أنفسكم ثم بينه فقال: هل لكم من ما ملكت أيمانكم أي: من عبيدكم من ~~شركاء في ما رزقناكم من المال والأهل والعبيد، أي: هل يشارككم عبيدكم في ~~أموالكم فأنتم فيه سواء أي: أنتم وشركاؤكم من عبيدكم سواء تخافونهم كخيفتكم ~~أنفسكم أي: كما تخافون أمثالكم من الأحرار، وأقرباءكم كالآباء والأبناء؟ ~~قال ابن عباس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا؟ وقال غيره: تخافونهم ~~أن يقاسموكم أموالكم كما يفعل الشركاء؟ # والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويه في ~~التصرف في ذلك، فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرف فيه كما يخاف غيره من ~~الشركاء الأحرار؟، فاذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم، فلم عدلتم بي من خلقي من هو ~~مملوك لي؟! كذلك أي: كما بينا هذا المثل نفصل الآيات لقوم يعقلون عن الله ~~تعالى. ثم بين أنهم إنما اتبعوا الهوى في إشراكهم، فقال: بل اتبع الذين ~~ظلموا أي: أشركوا بالله أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وهذا يدل ~~على أنهم إنما أشركوا ms1778 باضلال الله إياهم وما لهم من ناصرين أي: مانعين من ~~عذاب الله تعالى. ### | ### | [سورة الروم (30) : الآيات 30 الى # 38] # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) منيبين إليه واتقوه ~~وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ~~ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون (33) ليكفروا بما ~~آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) # أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35) وإذا أذقنا ~~الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (36) ~~أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ~~(37) فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه ~~الله وأولئك هم المفلحون (38) PageV03P421 # قوله تعالى: فأقم وجهك قال مقاتل: أخلص دينك الإسلام للدين أي: للتوحيد. ~~وقال أبو سليمان الدمشقي: استقم بدينك نحو الجهة التي وجهك الله تعالى ~~إليها. وقال غيره: سدد عملك. # والوجه: ما يتوجه إليه، وعمل الإنسان ودينه: ما يتوجه إليه لتسديده ~~وإقامته. # قوله تعالى: حنيفا قال الزجاج: الحنيف: الذي يميل إلى الشيء ولا يرجع ~~عنه، كالحنف في الرجل، وهو ميلها إلى خارجها خلقة، لا يقدر الأحنف أن يرد ~~حنفه، وقوله: فطرت الله منصوب، بمعنى: اتبع فطرة الله، لأن معنى «فأقم ~~وجهك» : اتبع الدين القيم، واتبع فطرة الله تعالى، أي: دين الله تعالى ~~والفطرة: الخلقة التي خلق عليها البشر. # (1099) وكذلك قوله عليه السلام: «كل مولود يولد على الفطرة» !، أي: على ~~الإيمان بالله تعالى. وقال مجاهد في قوله تعالى: فطرت الله التي فطر الناس ~~عليها قال: الإسلام، وكذلك قال قتادة. والذي أشار إليه الزجاج أصح، وإليه ~~ذهب ابن قتيبة، فقال: فرق ما بيننا وبين أهل القدر في هذا الحديث، أن ~~الفطرة عندهم: الإسلام، والفطرة عندنا: الإقرار بالله عز وجل والمعرفة به، ~~لا ms1779 الإسلام، ومعنى الفطرة: ابتداء الخلقة، فالكل أقروا حين قوله تعالى: ~~ألست بربكم قالوا بلى «1» ، ولست واجدا أحدا إلا وهو مقر بأن له صانعا ~~ومدبرا وإن عبد شيئا دونه وسماه بغير اسمه فمعنى الحديث: إن كل مولود في ~~العالم على ذلك العهد وذلك الإقرار الأول، وهو الفطرة، ثم يهود اليهود ~~أبناءهم، أي: PageV03P422 # يعلمونهم ذلك، وليس الإقرار الأول مما يقع به حكم ولا ثواب، وقد ذكر نحو ~~هذا أبو بكر الأثرم، واستدل عليه بأن الناس أجمعوا على أنه لا يرث المسلم ~~الكافر، ولا الكافر المسلم، ثم أجمعوا على أن اليهودي إذا مات له ولد صغير ~~ورثه، وكذلك النصراني، والمجوسي، ولو كان معنى الفطرة الإسلام، ما ورثه إلا ~~المسلمون، ولا دفن إلا معهم، وإنما أراد بقوله عليه السلام: «كل مولود يولد ~~على الفطرة» أي: على تلك البداية التي أقروا له فيها بالوحدانية حين أخذهم ~~من صلب آدم، فمنهم من جحد ذلك بعد إقراره. ومثل هذا الحديث حديث عياض بن ~~حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # (1100) «قال الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء» ، وذلك أنه لم يدعهم يوم ~~الميثاق إلا إلى حرف واحد، فأجابوه. # قوله تعالى: لا تبديل لخلق الله لفظه لفظ النفي، ومعناه النهي والتقدير: ~~لا تبدلوا خلق الله عز وجل، وفيه قولان: أحدهما: أنه خصاء البهائم، قاله ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه. والثاني: دين الله عز وجل، قاله مجاهد، وسعيد ~~بن جبير، وقتادة، والنخعي في آخرين، وعن ابن عباس وعكرمة كالقولين. قوله ~~تعالى: ذلك الدين القيم يعني التوحيد المستقيم ولكن أكثر الناس يعني كفار ~~مكة لا يعلمون توحيد الله عز وجل. # قوله تعالى: منيبين إليه قال الزجاج: زعم جميع النحويين أن معنى هذا: ~~فأقيموا وجوهكم منيبين، لأن مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم تدخل معه فيها ~~الأمة، ومعنى «منيبين» : راجعين إليه في كل ما أمر، فلا يخرجون عن شيء من ~~أمره. وما بعد هذا قد سبق تفسيره «1» إلى قوله تعالى: وإذا مس الناس ضر ~~دعوا ربهم منيبين إليه ms1780 ثم إذا أذاقهم منه رحمة وفيه قولان: أحدهما: أنه ~~القحط، والرحمة: المطر. والثاني: # أنه البلاء، والرحمة: العافية، إذا فريق منهم وهم المشركون. والمعنى: إن ~~الكل يلتجئون إليه في PageV03P423 # شدائدهم، ولا يلتفت المشركون حينئذ إلى أوثانهم. # قوله تعالى: ليكفروا بما آتيناهم قد شرحناه في آخر العنكبوت «1» ، وقوله ~~تعالى: فتمتعوا خطاب لهم بعد الإخبار عنهم. قوله تعالى: أم أنزلنا عليهم ~~أي: على هؤلاء المشركين سلطانا أي: حجة وكتابا من السماء فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون أي: يأمرهم بالشرك؟! وهذا استفهام إنكار، ومعناه: ليس ~~الأمر كذلك. # قوله تعالى: وإذا أذقنا الناس قال مقاتل: يعني كفار مكة رحمة وهي المطر. ~~والسيئة: # الجوع والقحط، وقال ابن قتيبة: الرحمة: النعمة، والسيئة: المصيبة. قال ~~المفسرون: وهذا الفرح المذكور ها هنا، هو فرح البطر الذي لا شكر فيه. ~~والقنوط: اليأس من فضل الله عز وجل، وهذا خلاف وصف المؤمن، فانه يشكر عند ~~النعمة، ويرجو عند الشدة وقد شرحناه في بني إسرائيل «2» ، إلى قوله تعالى: ~~ذلك يعني إعطاء الحق خير أي: أفضل من الإمساك للذين يريدون وجه الله أي: ~~يطلبون بأعمالهم ثواب الله. ### | ### | [سورة الروم (30) : الآيات 39 الى # 40] # وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من ~~زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما ~~يشركون (40) # قوله تعالى: وما آتيتم من ربا في هذه الآية أربعة أقوال «3» : أحدها: أن ~~الربا ها هنا: أن يهدي الرجل للرجل الشيء يقصد أن يثيبه عليه أكثر من ذلك، ~~هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وطاوس والضحاك وقتادة والقرظي. قال ~~الضحاك: فهذا ليس فيه أجر ولا وزر، وقال قتادة: ذلك الذي لا يقبله الله عز ~~وجل ولا يجزي به، وليس فيه وزر. والثاني: أنه الربا المحرم، قاله الحسن ~~البصري. # والثالث: أن الرجل يعطي قرابته المال ليصير به غنيا لا يقصد بذلك ثواب ~~الله تعالى، ms1781 قاله إبراهيم النخعي. والرابع: أنه الرجل يعطي من يخدمه لأجل ~~خدمته، لا لأجل الله تعالى، قاله الشعبي. قوله تعالى: ليربوا في أموال ~~الناس وقرأ نافع ويعقوب: «لتربو» بالتاء وسكون الواو، أي: في اجتلاب أموال ~~الناس واجتذابها فلا يربوا عند الله أي: لا يزكو ولا يضاعف لأنكم قصدتم ~~زيادة العوض ولم تقصدوا القربة. وما آتيتم من زكاة أي: ما أعطيتم من صدقة ~~لا تطلبون بها المكافأة إنما تريدون بها ما عند الله تعالى: فأولئك هم ~~المضعفون قال ابن قتيبة: الذين يجدون التضعيف والزيادة. وقال PageV03P424 # الزجاج: أي ذوو الأضعاف من الحسنات، كما يقال: رجل مقو، أي: صاحب قوة، ~~وموسر: صاحب يسار. ### | ### | [سورة الروم (30) : الآيات 41 الى # 43] # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا ~~لعلهم يرجعون (41) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ~~كان أكثرهم مشركين (42) فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد ~~له من الله يومئذ يصدعون (43) # قوله تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر في هذا الفساد أربعة أقوال: ~~أحدها: نقصان البركة، قاله ابن عباس. والثاني: ارتكاب المعاصي، قاله أبو ~~العالية. والثالث: الشرك، قاله قتادة، والسدي: # والرابع: قحط المطر، قاله عطية. فأما البر. فقال ابن عباس: البر: البرية ~~التي ليس عندها نهر، وفي البحر قولان «1» : أحدهما: أنه ما كان من المدائن ~~والقرى على شط نهر، قاله ابن عباس. وقال عكرمة: # لا أقول: بحركم هذا، ولكن كل قرية عامرة. وقال قتادة: المراد بالبر: أهل ~~البوادي، وبالبحر: أهل القرى، وقال الزجاج: المراد بالبحر: مدن البحر التي ~~على الأنهار، وكل ذي ماء فهو بحر. والثاني: أن البحر: الماء المعروف. قال ~~مجاهد: ظهور الفساد في البر: قتل ابن آدم أخاه، وفي البحر: ملك جائر يأخذ ~~كل سفينة غصبا. وقيل لعطية: أي فساد في البحر؟ فقال: إذا قل المطر قل ~~الغوص. # قوله تعالى: بما كسبت أيدي الناس أي: بما عملوا من المعاصي ليذيقهم وقرأ ~~أبو عبد الرحمن السلمي، وعكرمة، وقتادة، وابن محيصن، ms1782 وروح عن يعقوب، وقنبل ~~عن ابن كثير: # «لنذيقهم» بالنون بعض الذي عملوا أي: جزاء بعض أعمالهم فالقحط جزاء، ~~ونقصان البركة جزاء، ووقوع المعصية منهم جزاء معجل لمعاصيهم أيضا. قوله ~~تعالى: لعلهم يرجعون في المشار إليهم قولان: أحدهما: أنهم الذين أذيقوا ~~الجزاء. ثم في معنى رجوعهم قولان: أحدهما: يرجعون عن المعاصي، قاله أبو ~~العالية. والثاني: يرجعون إلى الحق، قاله إبراهيم. والثاني: أنهم الذين ~~يأتون بعدهم فالمعنى: لعله يرجع من بعدهم، قاله الحسن. # قوله تعالى: قل سيروا في الأرض أي: سافروا فانظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبل أي: الذين كانوا قبلكم والمعنى: انظروا إلى مساكنهم وآثارهم كان ~~أكثرهم مشركين المعنى: فأهلكوا بشركهم. فأقم وجهك للدين أي: أقم قصدك ~~لاتباع الدين القيم وهو الإسلام المستقيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من ~~الله يعني القيامة، لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم، لأن الله تعالى قد قضى ~~كونه يومئذ يصدعون أي: يتفرقون إلى الجنة والنار. PageV03P425 ### | ### | [سورة الروم (30) : الآيات 44 الى # 45] # من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين (45) # من كفر فعليه كفره أي: جزاء كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون أي: ~~يوطئون. وقال مجاهد: يسوون المضاجع في القبور، قال أبو عبيدة: «من» تقع على ~~الواحد والاثنين والجمع من المذكر والمؤنث، ومجازها ها هنا مجاز الجميع، و ~~«يمهد» بمعنى يكتسب ويعمل ويستعد. ### | [سورة الروم (30) : الآيات 46 الى 47] # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ~~فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين ~~(47) # قوله تعالى: ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات تبشر بالمطر وليذيقكم من ~~رحمته وهو الغيث والخصب ولتجري الفلك في البحر بتلك الرياح بأمره ولتبتغوا ~~بالتجارة في البحر من فضله وهو الرزق وكل هذا بالرياح. قوله تعالى: جاؤهم ~~بالبينات # أي: بالدلالات على صدقهم انتقمنا من الذين أجرموا ms1783 # أي: عذبنا الذين كذبوهم كان حقا علينا # أي: واجبا هو أوجبه على نفسه صر المؤمنين # إنجاؤهم مع الرسل من عذاب المكذبين. ### | [سورة الروم (30) : الآيات 48 الى 57] # الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله ~~كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم ~~يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) فانظر ~~إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل ~~شيء قدير (50) ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) ~~فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) # وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ~~(53) الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا ~~وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ~~ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون (55) وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ~~لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا ~~تعلمون (56) فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) # قوله تعالى: يرسل الرياح وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء، والنخعي، وطلحة بن ~~مصرف، والأعمش: «يرسل الريح» بغير ألف. قوله تعالى: فتثير سحابا أي: تزعجه ~~فيبسطه الله في السماء كيف يشاء إن شاء بسطه مسيرة يوم أو يومين أو أقل أو ~~أكثر ويجعله كسفا أي: قطعا متفرقة. # والأكثرون فتحوا سين «كسفا» وقرأ أبو رزين، وقتادة، وابن عامر، وأبو ~~جعفر، وابن أبي عبلة: # PageV03P426 # بتسكينها قال أبو علي: يمكن أن يكون مثل سدرة وسدر، فيكون معنى القراءتين ~~واحدا فترى الودق يخرج من خلاله وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وأبو ~~العالية: «من خلله» وقد شرحناه في النور «1» . فإذا أصاب به أي: بالودق ~~ومعنى يستبشرون يفرحون بالمطر، وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم المطر من ~~قبله وفي هذا التكرير ثلاثة أقوال: ms1784 أحدها: أنه للتأكيد، كقوله تعالى: # فسجد الملائكة كلهم أجمعون «2» ، قاله الأخفش في آخرين. والثاني: أن ~~«قبل» الأولى للتنزيل، والثانية للمطر، قاله قطرب. قال ابن الأنباري: ~~والمعنى: من قبل نزول المطر، من قبل المطر، وهذا مثل ما يقول القائل: آتيك ~~من قبل أن تتكلم، من قبل ان تطمئن في مجلسك، فلا تنكر الإعادة، لاختلاف ~~الشيئين. والثالث: أن الهاء في قوله تعالى: «من قبله» ترجع إلى الهدى وإن ~~لم يتقدم له ذكر، فيكون المعنى: كانوا يقنطون من قبل نزول المطر، من قبل ~~الهدى، فلما جاء الهدى والإسلام زال القنوط، ذكره ابن الأنباري عن أبي عمر ~~الدريدي وأبي جعفر بن قادم. والمبلسون: الآيسون وقد سبق الكلام في هذا «3» ~~. فانظر إلى آثار رحمت الله قرأ أبن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن ~~عاصم: # «إلى أثر» . وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «إلى آثار» ~~على الجمع. والمراد بالرحمة ها هنا: المطر، وأثرها: النبت والمنبت والمعنى: ~~انظر إلى حسن تأثيره في الأرض كيف يحي الأرض أي: كيف يجعلها تنبت بعد أن لم ~~يكن فيها نبت. وقرأ عثمان بن عفان، وأبو رجاء، وأبو عمران الجوني، وسليمان ~~التيمي، «كيف تحيي» بتاء مرفوعة مكسورة الياء «الأرض» بفتح الضاد. # قوله تعالى: ولئن أرسلنا ريحا أي: ريحا باردة مضرة، والريح إذا أتت على ~~لفظ الواحد أريد بها العذاب، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~عند هبوب الريح: # (1101) «اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» . # فرأوه مصفرا يعني النبت، والهاء عائدة إلى الأثر. قال الزجاج: المعنى: ~~فرأوا النبت قد اصفر وجف لظلوا من بعده يكفرون ومعناه: ليظلن، لأن معنى ~~الكلام الشرط والجزاء، فهم يستبشرون بالغيث، ويكفرون إذا انقطع عنهم الغيث ~~وجف النبت. وقال غيره: المراد برحمة الله: المطر. # و «ظلوا» بمعنى صاروا «من بعده» أي: من بعد اصفرار النبت يجحدون ما سلف ~~من النعمة. وما بعد هذا مفسر في سورة النمل «4» إلى قوله تعالى: الله الذي ~~خلقكم من ضعف وقد ذكرنا الكلام فيه في الأنفال «5» ، قال المفسرون: ms1785 المعنى: ~~خلقكم من ماء ذي ضعف، وهو المني ثم جعل من بعد ضعف يعني ضعف الطفولة قوة ~~الشباب، ثم جعل من بعد قوة الشباب ضعف الكبر، وشيبة، يخلق ما يشاء أي: من ~~ضعف وقوة وشباب وشيبة وهو العليم بتدبير خلقه القدير على ما يشاء. ويوم ~~تقوم الساعة PageV03P427 # قال الزجاج: الساعة في القرآن على معنى الساعة التي تقوم فيها القيامة، ~~فلذلك لم تعرف أي ساعة هي. قوله تعالى: يقسم المجرمون أي: يحلف المشركون ما ~~لبثوا في القبور غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون قال ابن قتيبة: يقال: أفك ~~الرجل: إذا عدل به عن الصدق، فالمعنى أنهم قد كذبوه في هذا الوقت كما كذبوه ~~في الدنيا. وقال غيره: أراد الله تعالى أن يفضحهم يوم القيامة بين ~~المؤمنين، فحلفوا على شيء تبين للمؤمنين كذبهم فيه، ويستدلون على كذبهم في ~~الدنيا. ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم بقوله تعالى: وقال الذين أوتوا العلم ~~والإيمان وفيهم قولان: أحدهما: أنهم الملائكة. # والثاني: المؤمنون. قوله تعالى: لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ~~فيه قولان: أحدهما: أن فيه تقديما وتأخيرا، تقديره: وقال الذين أوتوا العلم ~~بكتاب الله والإيمان بالله عز وجل، قاله ابن جريج في جماعة من المفسرين. ~~والثاني: أنه على نظمه. ثم في معناه قولان: أحدهما: لقد لبثتم في علم الله، ~~عز وجل، قاله الفراء. والثاني: لقد لبثتم في خبر الكتاب، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: فهذا يوم البعث أي: اليوم الذي كنتم تنكرونه ولكنكم كنتم لا ~~تعلمون في الدنيا أنه يكون. فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: # «لا تنفع» بالتاء. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: بالياء، لأن التأنيث غير ~~حقيقي. قال ابن عباس: لا يقبل من الذين أشركوا عذر ولا توبة. ### | [سورة الروم (30) : الآيات 58 الى 60] # ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين ~~كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون ~~(59) فاصبر إن وعد الله حق ولا ms1786 يستخفنك الذين لا يوقنون (60) # قوله تعالى: ولئن جئتهم بآية أي: كعصا موسى ويده ليقولن الذين كفروا إن ~~أنتم أي: # ما أنتم يا محمد وأصحابك إلا مبطلون أي: أصحاب أباطيل، وهذا بيان ~~لعنادهم. كذلك أي: # كما طبع على قلوبهم حتى لا يصدقون الآيات يطبع الله على قلوب الذين لا ~~يعلمون توحيد الله عز وجل فالسبب في امتناع الكفار من التوحيد، الطبع على ~~قلوبهم. # قوله تعالى: فاصبر إن وعد الله بنصرك وإظهارك على عدوك حق. ولا يستخفنك ~~وقرأ يعقوب إلا روحا وزيدا: «يستخفنك» بسكون النون. قال الزجاج: لا يستفزنك ~~عن دينك الذين لا يوقنون أي: هم ضلال شاكون. وقال غيره: لا يوقنون بالبعث ~~والجزاء. وزعم بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة والله أعلم. # PageV03P428 ### | سورة لقمان # وهي مكية في قول الأكثرين. وروي عن عطاء أنه قال: هي مكية سوى آيتين منها ~~نزلتا بالمدينة، وهما قوله تعالى: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والتي ~~بعدها «1» وروى الحسن أنه قال: إلا آية نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة «2» ، لأن الصلاة والزكاة مدنيتان. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة لقمان (31) : الآيات 3 الى # 13] # هدى ورحمة للمحسنين (3) الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة ~~هم يوقنون (4) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) ومن الناس من ~~يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب ~~مهين (6) وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه ~~وقرا فبشره بعذاب أليم (7) # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) خالدين فيها وعد ~~الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في ~~الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء ~~فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (10) هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من ~~دونه بل الظالمون في ضلال مبين (11) ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ~~ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني ms1787 حميد (12) # وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ~~(13) # قوله تعالى: هدى ورحمة وقرأ حمزة وحده: «ورحمة» بالرفع. قال الزجاج: ~~القراءة بالنصب على الحال المعنى: تلك آيات الكتاب في حال الهداية والرحمة ~~ويجوز الرفع على إضمار «هو هدى ورحمة» وعلى معنى: «تلك هدى ورحمة» . وقد ~~سبق تفسير مفتتح هذه السورة «3» إلى قوله تعالى: # ومن الناس من يشتري لهو الحديث قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رجل ~~اشترى جارية مغنية. # وقال مجاهد: نزلت في شراء القيان والمغنيات. PageV03P429 # (1102) وقال ابن السائب ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، وذلك أنه كان ~~تاجرا إلى فارس، فكان يشتري أخبار الأعاجم فيحدث بها قريشا ويقول لهم: إن ~~محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم وإسفنديار وأخبار ~~الأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، فنزلت فيه هذه الآية. # وفي المراد بلهو الحديث أربعة أقوال: أحدها: أنه الغناء، كان ابن مسعود ~~يقول: هو الغناء والذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات وبهذا قال ابن ~~عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد، ~~قال: اللهو: الطبل. والثاني: أنه ما ألهى عن الله تعالى: قاله الحسن، وعنه ~~مثل القول الأول. والثالث: أنه الشرك، قاله الضحاك. والرابع: الباطل، قاله ~~عطاء. # وفي معنى «يشتري» قولان: أحدهما: يشتري بماله وحديث النضر يعضده. ~~والثاني: يختار ويستحب، قاله قتادة، ومطر. وإنما قيل لهذه الأشياء: لهو ~~الحديث، لأنها تلهي عن ذكر الله تعالى. # قوله تعالى: «ليضل» المعنى: ليصير أمره إلى الضلال، وقد بينا هذا الحرف ~~في الحج «1» . وقرأ أبو رزين، والحسن، وطلحة بن مصرف، والأعمش، وأبو جعفر: ~~ليضل بضم الياء، والمعنى: # ليضل غيره، وإذا أضل غيره فقد ضل هو أيضا. # قوله تعالى: ويتخذها قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو ~~بكر عن عاصم: # «ويتخذها» برفع الذال. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: بنصب الذال. ~~قال أبو علي: من نصب عطف على «ليضل» «ويتخذ» ، ومن رفع عطفه على «من يشتري» ms1788 ~~«ويتخذ» . وفي المشار إليه بقوله تعالى: ويتخذها قولان: أحدهما: أنها ~~الآيات. والثاني: السبيل. وما بعد هذا مفسر في مواضع قد تقدمت «2» إلى قوله ~~تعالى: ولقد آتينا لقمان الحكمة وفيها قولان «3» : أحدهما: الفهم والعقل، ~~قاله الأكثرون. والثاني: النبوة. وقد اختلف في نبوته على قولين: أحدهما: ~~أنه كان حكيما ولم يكن نبيا، قاله سعيد بن المسيب، ومجاهد، وقتادة. ~~والثاني: أنه كان نبيا، قاله الشعبي، وعكرمة، والسدي. هكذا حكاه عنهم ~~الواحدي، ولا يعرف، إلا أن هذا مما انفرد به عكرمة والقول الأول أصح. وفي ~~صناعته ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان خياطا، قاله سعيد بن المسيب. والثاني: ~~راعيا، قاله ابن زيد. والثالث: نجارا، قاله خالد الربعي. فأما صفته، فقال ~~ابن عباس كان عبدا حبشيا. وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسود من سودان ~~مصر. وقال مجاهد: كان غليظ الشفتين مشقق PageV03P430 # القدمين، وكان قاضيا على بني إسرائيل. # قوله تعالى: أن اشكر لله المعنى: وقلنا له: أن أشكر لله على ما أعطاك من ~~الحكمة ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه أي: إنما يفعل لنفسه ومن كفر النعمة، فان ~~الله لغني عن عبادة خلقه. ### | ### | [سورة لقمان (31) : الآيات 14 الى # 17] # ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر ~~لي ولوالديك إلي المصير (14) وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي ~~مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (15) يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل ~~فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ~~(16) يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ~~إن ذلك من عزم الأمور (17) # قوله تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه قال مقاتل: نزلت في سعد بن أبي وقاص، ~~وقد شرحنا ذلك في العنكبوت «1» . قوله تعالى: حملته أمه وهنا على وهن وقرأ ~~الضحاك، وعاصم الجحدري: «وهنا على وهن» بفتح الهاء فيهما، قال الزجاج: أي: ~~ضعفا ms1789 على ضعف. والمعنى لزمها بحملها إياه أن تضعف مرة بعد مرة. وموضع «أن» ~~نصب «بوصينا» المعنى: ووصينا الإنسان أن أشكر لي ولوالديك، أي: وصيناه ~~بشكرنا وشكر والديه. # قوله تعالى: وفصاله في عامين أي: فطامه يقع في انقضاء عامين. وقرأ ~~إبراهيم النخعي، وأبو عمران، والأعمش: «وفصاله» بفتح الفاء. وقرأ أبي بن ~~كعب، والحسن، وأبو رجاء، وطلحة بن مصرف، وعاصم الجحدري، وقتادة «وفصله» ~~بفتح الفاء وسكون الصاد من غير ألف والمراد: التنبيه على مشقة الوالدة ~~بالرضاع بعد الحمل. # قوله تعالى: وإن جاهداك قد فسرنا ذلك في سورة العنكبوت إلى قوله تعالى: ~~وصاحبهما في الدنيا معروفا قال الزجاج: أي: مصاحبا معروفا، تقول: صاحبه ~~مصاحبا ومصاحبة، والمعروف: ما يستحسن من الأفعال. # قوله تعالى: واتبع سبيل من أناب إلي أي: من رجع إلي وأهل التفسير يقولون: ~~هذه الآية نزلت في سعد، فهو المخاطب بها. وفي المراد بمن أناب ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه أبو بكر الصديق، قيل لسعد: اتبع سبيله في الإيمان، هذا معنى قول ~~ابن عباس في رواية عطاء. وقال ابن إسحاق: أسلم على يدي أبي بكر الصديق: ~~عثمان بن عفان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف. ~~والثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن السائب. والثالث: من ~~سلك طريق محمد وأصحابه، ذكره الثعلبي. # ثم رجع إلى الخبر عن لقمان فقال: يا بني. وقال ابن جرير: وجه اعتراض هذه ~~الآيات بين الخبرين عن وصية لقمان أن هذا مما أوصى به لقمان ابنه. قوله ~~تعالى: إنها إن تك مثقال حبة وقرأ PageV03P431 # نافع وحده «مثقال حبة» برفع اللام. وفي سبب قول لقمان لابنه هذا قولان: ~~أحدهما: أن ابن لقمان قال لأبيه: أرأيت لو كانت حبة في قعر البحر أكان الله ~~تعالى يعلمها؟ فأجابه بهذه الآية، قاله السدي. # والثاني: أنه قال: يا أبت إن عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد، كيف يعلمها ~~الله؟ فأجابه بهذا، قاله مقاتل. قال الزجاج: من قرأ برفع المثقال مع تأنيث ~~«تك» فلأن «مثقال حبة من خردل» راجع ms1790 إلى معنى: خردلة، فهي بمنزلة: إن تك ~~حبة من خردل ومن قرأ: «مثقال حبة» فعلى معنى: إن التي سألتني عنها إن تك ~~مثقال حبة، وعلى معنى: إن فعلة الإنسان وإن صغرت يأت بها الله عز وجل وقد ~~بينا معنى «مثقال حبة من خردل» في الأنبياء «1» . قوله تعالى: فتكن في صخرة ~~قال قتادة: في جبل. # وقال السدي: هي الصخرة التي تحت الأرض السابعة، ليست في السموات ولا في ~~الأرض. وفي قوله تعالى: يأت بها الله ثلاثة أقوال: أحدها: يعلمها الله ~~تعالى: قاله أبو مالك. والثاني: يظهرها، قاله ابن قتيبة. والثالث: يأت بها ~~الله في الآخرة للجزاء عليها. إن الله لطيف قال الزجاج: لطيف باستخراجها ~~خبير بمكانها. وهذا مثل لأعمال العباد، والمراد أن الله تعالى يأتي ~~بأعمالهم يوم القيامة، من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره. # قوله تعالى: واصبر على ما أصابك أي: في الأمر المعروف والنهي عن المنكر ~~من الأذى. # وباقي الآية مفسر في آل عمران «2» . ### | ### | [سورة لقمان (31) : الآيات 18 الى # 19] # ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور ~~(18) واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير (19) # قوله تعالى: ولا تصعر خدك للناس قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر، ~~ويعقوب: «تصعر» بتشديد العين من غير ألف. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي: بألف ~~من غير تشديد. قال الفراء: هما لغتان، ومعناهما الإعراض من الكبر. وقرأ أبي ~~بن كعب، وأبو رجاء وابن السميفع، وعاصم الجحدري: «ولا تصعر» باسكان الصاد ~~وتخفيف العين من غير ألف. وقال الزجاج: معناه: لا تعرض عن الناس تكبرا ~~يقال: أصاب البعير صعر: إذا أصابه داء يلوي منه عنقه. وقال ابن عباس: هو ~~الذي إذا سلم عليه لوى عنقه كالمستكبر. وقال أبو العالية: ليكن الغني ~~والفقير عندك في العلم سواء. وقال مجاهد: وهو الرجل يكون بينه وبين أخيه ~~الحنة «3» ، فيراه فيعرض عنه. وباقي الآية بعضه مفسر في بني إسرائيل «4» ~~وبعضه في سورة النساء ms1791 «5» . # قوله تعالى: واقصد في مشيك أي: ليكن مشيك قصدا، لا تخيلا ولا إسراعا. قال ~~عطاء: امش بالوقار والسكينة. قوله تعالى: واغضض من صوتك أي: انقص منه. قال ~~الزجاج: ومنه: غضضت بصري، وفلان يغض من فلان، أي: يقصر به. إن أنكر الأصوات ~~وقرأ أبو المتوكل، وابن أبي عبلة: «أن أنكر الأصوات» بفتح الهمزة. ومعنى ~~«أنكر» : أقبح تقول: أتانا فلان بوجه منكر، أي: PageV03P432 # قبيح. وقال المبرد: تأويله: أن الجهر بالصوت ليس بمحمود، وأنه داخل في ~~باب الصوت المنكر، وقال ابن قتيبة: عرفه قبح رفع الأصوات في المخاطبة ~~والملاحاة «1» بقبح أصوات الحمير، لأنها عالية. # قال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيرا، ما جعله الله عز وجل للحمير. وقال ~~سفيان الثوري: صياح كل شيء تسبيح لله عز وجل، إلا الحمار، فانه ينهق بلا ~~فائدة. فان قيل: كيف قال: «لصوت» ولم يقل: # «لأصوات الحمير» ؟ فالجواب: أن لكل جنس صوتا، فكأنه قال: إن أنكر أصوات ~~الأجناس صوت هذا الجنس. ### | ### | [سورة لقمان (31) : الآيات 20 الى # 21] # ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ~~ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ~~(20) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ~~أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21) # قوله تعالى: وأسبغ عليكم أي: أوسع وأكمل نعمه قرأ نافع، وأبو عمرو، وحفص ~~عن عاصم: «نعمه» ، أرادوا جميع ما أنعم به. وقرأ ابن كثير، وابن عامر ~~وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «نعمة» على التوحيد. قال الزجاج: هو ما ~~أعطاهم من توحيده. # (1103) وروى الضحاك عن ابن عباس، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقلت: يا رسول الله! ما هذه النعمة الظاهرة والباطنة؟ فقال: «أما ما ظهر: ~~فالإسلام، وما سوى الله من خلقك، وما أفضل عليك من الرزق. وأما ما بطن: ~~فستر مساوئ عملك، ولم يفضحك» وقال الضحاك: الباطنة: المعرفة، والظاهرة: حسن ~~الصوت، وامتداد القامة، وتسوية الأعضاء. # قوله ms1792 تعالى: أولو كان الشيطان يدعوهم هو متروك الجواب، تقديره فيتبعونه؟. ### | [سورة لقمان (31) : الآيات 22 الى 27] # ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله ~~عاقبة الأمور (22) ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا ~~إن الله عليم بذات الصدور (23) نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (24) ~~ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون (25) لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد (26) # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27) # قوله تعالى: ومن يسلم وجهه وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو العالية، ~~وقتادة: «ومن PageV03P433 # يسلم» بفتح السين وتشديد اللام. وذكر المفسرون أن قوله تعالى: ومن كفر ~~فلا يحزنك كفره منسوخ بآية السيف، ولا يصح، لأنه تسلية عن الحزن، وذلك لا ~~ينافي الأمر بالقتال. وما بعد هذا قد تقدم تفسير ألفاظه في مواضع «1» إلى ~~قوله تعالى: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام وفي سبب نزولها قولان: # (1104) أحدهما: أن أحبار اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أرأيت قول الله تعالى: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا «2» إيانا يريد، أم ~~قومك؟ فقال: «كلا» ، فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة ~~فيها تبيان كل شيء؟ فقال: «إنها في علم الله قليل» ، فنزلت هذه الآية، رواه ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: أن المشركين قالوا في القرآن: إنما هو ~~كلام يوشك أن ينفد وينقطع، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. # ومعنى الآية: لو كانت شجر الأرض أقلاما، وكان البحر ومعه سبعة أبحر ~~مدادا- وفي الكلام محذوف تقديره: فكتب بهذه الأقلام وهذه البحور كلمات الله ~~عز وجل- لتكسرت الأقلام ونفدت البحور، ولم تنفد كلمات الله، أي: لم تنقطع. ~~فأما قوله تعالى: والبحر فقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: «والبحر» بالرفع، ونصبه أبو عمرو. وقال الزجاج: من قرأ: # «والبحر» بالنصب، فهو عطف على ms1793 «ما» المعنى: ولو أن ما في الأرض، ولو أن ~~البحر والرفع حسن على معنى: والبحر هذه حاله. قال اليزيدي: ومعنى «يمده من ~~بعده» : يزيد فيه يقال: مد قدرك، أي: # زد في مائها، وكذلك قال ابن قتيبة: «يمده» من المداد، لا من الإمداد، ~~يقال: مددت دواتي بالمداد، وأمددته بالمال والرجال. ### | ### | [سورة لقمان (31) : الآيات 28 الى # 32] # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير (28) ألم تر أن ~~الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل ~~يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) ذلك بأن الله هو الحق وأن ~~ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير (30) ألم تر أن الفلك ~~تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ~~(31) وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر ~~فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور (32) # قوله تعالى: ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة. # (1105) سبب نزولها أن أبي بن خلف في آخرين من قريش قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: إن الله عز وجل خلقنا أطوارا: نطفة، علقة، مضغة، عظاما، لحما، ~~ثم تزعم أنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة؟! فنزلت هذه الآية. ~~PageV03P434 # ومعناها: ما خلقكم أيها الناس جميعا في القدرة إلا كخلق نفس واحدة، ولا ~~بعثكم جميعا في القدرة إلا كبعث نفس واحدة، قاله مقاتل. وما بعد هذا قد ~~تقدم تفسيره «1» إلى قوله تعالى: ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة ~~الله، قال ابن عباس: من نعمه جريان الفلك ليريكم من آياته أي: # ليريكم من صنعه وعجائبه في البحر، وابتغاء الرزق إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار قال مقاتل: # أي: لكل صبور على أمر الله عز وجل شكور في نعمه. # وقوله تعالى: وإذا غشيهم يعني الكفار وقال بعضهم: هو عام في الكفار ~~والمسلمين موج كالظلل قال ابن قتيبة: وهي جمع ظلة، يراد أن بعضه ms1794 فوق بعض، ~~فله سواد من كثرته. # قوله تعالى: دعوا الله مخلصين له الدين وقد سبق شرح هذا «2» ، والمعنى: ~~فإنهم لا يذكرون أصنامهم في شدائدهم إنما يذكرون الله وحده. # (1106) وجاء في الحديث أن عكرمة بن ابي جهل لما هرب يوم الفتح من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ركب البحر فأصابتهم ريح عاصف، فقال أهل السفينة: ~~أخلصوا، فان آلهتكم لا تغني عنكم شيئا ها هنا، فقال عكرمة: ما هذا الذي ~~تقولون، فقالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله تعالى: فقال: هذا إله محمد ~~الذي كان يدعونا إليه، لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجيني في ~~البر غيره، ارجعوا بنا، فرجع فأسلم. # قوله تعالى: فمنهم مقتصد فيه ثلاثة أقوال: أحدها: مؤمن، قاله الحسن. ~~والثاني: مقتصد في قوله، وهو كافر، قاله مجاهد. يعني أنه يعترف بأن الله ~~تعالى وحده القادر على إنجائه وإن كان مضمرا للشرك. والثالث: أنه العادل في ~~الوفاء بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد، قاله مقاتل. فأما «الختار» ~~فقال الحسن: هو الغدار. قال ابن قتيبة: الختر: أقبح الغدر وأشده. ### | [سورة لقمان (31) : الآيات 33 الى 34] # يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو ~~جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم ~~بالله الغرور (33) إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في ~~الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله ~~عليم خبير (34) # قوله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم قال المفسرون: هذا خطاب لكفار مكة. ~~وقوله تعالى: # لا يجزي والد عن ولده أي: لا يقضي عنه شيئا من جنايته ومظالمه. قال ~~مقاتل: وهذا يعني به PageV03P435 # الكفار. وقد شرحنا هذا في البقرة «1» . قال الزجاج: وقوله تعالى: هو جاز ~~جاءت في المصحف بغير ياء، والأصل «جازي» بضمة وتنوين. وذكر سيبويه والخليل ~~أن الاختيار في الوقف هو «جاز» بغير ياء، هكذا وقف الفصحاء من العرب ~~ليعلموا أن هذه ms1795 الياء تسقط في الوصل. وزعم يونس أن بعض العرب الموثوق بهم ~~يقف بياء، ولكن الاختيار اتباع المصحف. # قوله تعالى: إن وعد الله حق أي: بالبعث والجزاء فلا تغرنكم الحياة الدنيا ~~بزينتها عن الإسلام والتزود للآخرة ولا يغرنكم بالله أي: بحلمه وإمهاله ~~الغرور يعني: الشيطان، وهو الذي من شأنه أن يغر. قال الزجاج: «الغرور» على ~~وزن الفعول، وفعول من أسماء المبالغة، يقال: # فلان أكول: إذا كان كثير الأكل، وضروب: إذا كان كثير الضرب، فقيل للشيطان ~~غرور، لأنه يغر كثيرا. وقال ابن قتيبة: الغرور بفتح الغين: الشيطان، ~~وبضمها: الباطل. # قوله تعالى: إن الله عنده علم الساعة. # (1107) سبب نزولها أن رجلا من أهل البادية جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: إن امرأتي حبلى، فأخبرني ماذا تلد؟ وبلدنا مجدب، فأخبرني متى ~~ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت، فأخبرني متى أموت، فنزلت هذه الآية، قاله ~~مجاهد. # ومعنى الآية: «إن الله» عز وجل «عنده علم الساعة» متى تقوم، لا يعلم سواه ~~ذلك وينزل الغيث وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر: «وينزل» بالتشديد، فلا يعلم ~~أحد متى ينزل الغيث، أليلا أم نهارا ويعلم ما في الأرحام لا يعلم سواه ما ~~فيها، أذكر أم أنثى، أبيض أو أسود وما تدري نفس ماذا تكسب غدا أخيرا أم شرا ~~وما تدري نفس بأي أرض تموت أي: بأي مكان. وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، ~~وابن أبي عبلة: «بأية أرض» بتاء مكسورة. والمعنى: ليس أحد يعلم أين مضجعه ~~من الأرض حين يموت، أفي بر أو بحر أو سهل أو جبل. وقال أبو عبيدة: يقال: ~~بأي أرض كنت، وبأية أرض كنت، لغتان، وقال الفراء: من قال: بأي أرض، اجتزأ ~~بتأنيث الأرض من أن يظهر في «أي» تأنيثا آخر. قال ابن عباس: هذه الخمس لا ~~يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل مصطفى. قال الزجاج: فمن ادعى أنه يعلم شيئا ~~من هذه كفر بالقرآن لأنه خالفه. PageV03P436 ### | سورة السجدة # وتسمى سورة المضاجع، وهي مكية بإجماعهم وقال الكلبي: فيها من المدني ثلاث ~~آيات، أولها قوله ms1796 تعالى: أفمن كان مؤمنا «1» . وقال مقاتل: فيها آية مدنية، ~~وهي قوله تعالى: تتجافى جنوبهم الآية «2» . وقال غيرهما: فيها خمس آيات ~~مدنيات، أولها تتجافى جنوبهم. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة السجده (32) : الآيات 1 الى # 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (2) أم يقولون افتراه بل ~~هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون (3) الله ~~الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما ~~لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) # قوله تعالى: تنزيل الكتاب لا ريب فيه قال مقاتل: المعنى: لا شك فيه أنه ~~تنزيل من رب العالمين. أم يقولون بل يقولون، يعني المشركين افتراه محمد ~~عليه السلام من تلقاء نفسه، بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير ~~من قبلك يعني العرب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأتهم ~~نذير من قبل محمد عليه السلام. وما بعده قد سبق تفسيره «3» إلى قوله تعالى: ~~ما لكم من دونه من ولي يعني الكفار يقول: ليس لكم من دون عذابه من ولي، أي: ~~قريب يمنعكم فيرد عذابه عنكم ولا شفيع يشفع لكم أفلا تتذكرون فتؤمنون. ### | [سورة السجده (32) : الآيات 5 الى 9] # يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ~~مما تعدون (5) ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) الذي أحسن كل شيء ~~خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) ثم ~~سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ~~(9) # قوله تعالى: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض في معنى الآية قولان «4» : ~~أحدهما: يقضي PageV03P437 # القضاء من السماء فينزله مع الملائكة إلى الأرض ثم يعرج الملك إليه في ~~يوم من أيام الدنيا، فيكون الملك قد قطع في يوم واحد من أيام الدنيا في ~~نزوله وصعوده مسافة ألف سنة من مسيرة الآدمي. # والثاني: يدبر ms1797 أمر الدنيا مدة أيام الدنيا، فينزل القضاء والقدر من ~~السماء إلى الأرض «ثم يعرج إليه» أي: # يعود إليه الأمر والتدبير حين ينقطع أمر الأمراء وأحكام الحكام وينفرد ~~الله تعالى بالأمر في يوم كان مقداره ألف سنة وذلك في يوم القيامة، لأن كل ~~يوم من أيام الآخرة كألف سنة. وقال مجاهد: # يقضي أمر ألف سنة في يوم واحد، ثم يلقيه إلى ملائكته فاذا مضت قضى لألف ~~سنة آخرى، ثم كذلك أبدا. وللمفسرين في المراد بالأمر ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنه الوحي، قاله السدي. والثاني: القضاء، قاله مقاتل. والثالث: أمر الدنيا. ~~و «يعرج» بمعنى يصعد. قال الزجاج: يقال: عرجت في السلم أعرج، وعرج الرجل ~~يعرج: إذا صار أعرج. وقرأ معاذ القارئ، وابن السميفع، وابن أبي عبلة: «ثم ~~يعرج إليه» بياء مرفوعة وفتح الراء، وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء «يعرج» ~~بياء مفتوحة وكسر الراء، وقرأ أبو عمران الجوني، وعاصم الجحدري: «ثم تعرج» ~~بتاء مفتوحة ورفع الراء. # قوله تعالى: الذي أحسن كل شيء خلقه فيه خمسة أقوال «1» : أحدها: جعله ~~حسنا. والثاني: # أحكم كل شيء، رويا عن ابن عباس، وبالأول قال قتادة، وبالثاني قال مجاهد. ~~والثالث: أحسنه، ولم يتعلمه من أحد، كما يقال: فلان يحسن كذا: إذا علمه، ~~قاله السدي ومقاتل. والرابع: أن المعنى ألهم خلقه كل ما يحتاجون إليه، كأنه ~~أعلمهم كل ذلك وأحسنهم، قاله الفراء. والخامس: أحسن إلى كل شيء خلقه، حكاه ~~الماوردي. وفي قوله تعالى: «خلقه» قراءتان. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن ~~عامر: # «خلقه» ساكنة اللام. وقرأ الباقون بتحريك اللام. وقال الزجاج: فتحها على ~~الفعل الماضي وتسكينها على البدل، فيكون المعنى أحسن خلق كل شيء خلقه. وقال ~~أبو عبيدة: المعنى أحسن خلق كل شيء، والعرب تفعل مثل هذا، يقدمون ويؤخرون. # قوله تعالى: وبدأ خلق الإنسان يعني آدم، ثم جعل نسله أي: ذريته وولده، ~~وقد سبق شرح الآية «2» . ثم رجع إلى آدم فقال: ثم سواه ونفخ فيه من روحه ~~وقد سبق بيان ذلك «3» . ثم عاد إلى ذريته فقال: وجعل لكم السمع والأبصار ~~أي: ms1798 بعد كونكم نطفا. PageV03P438 ### | ### | [سورة السجده (32) : الآيات 10 الى # 12] # وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون ~~(10) قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) ولو ترى ~~إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ~~إنا موقنون (12) # قوله تعالى: وقالوا يعني منكري البعث أإذا ضللنا في الأرض وقرأ علي بن ~~أبي طالب وعلي بن الحسين وجعفر بن محمد وأبو رجاء وأبو مجلز وحميد وطلحة: ~~«ضللنا» بضاد معجمة وكسر اللام الأولى. قال الفراء: ضللنا وضللنا لغتان، ~~والمعنى: إذا صارت عظامنا ولحومنا ترابا كالأرض تقول: ضل الماء في اللبن، ~~وضل الشيء في الشيء: إذا أخفاه وغلب عليه. وقرأ أبو نهيك وأبو المتوكل وأبو ~~الجوزاء وأبو حيوة وابن أبي عبلة: «ضللنا» بضم الضاد المعجمة وتشديد اللام ~~الأولى وكسرها. وقرأ الحسن وقتادة ومعاذ القارئ: «صللنا» بصاد غير معجمة ~~مفتوحة، وذكر لها الزجاج معنيين: أحدهما: أنتنا وتغيرنا وتغيرت صورنا يقال: ~~صل اللحم وأصل: إذا أنتن وتغير. والثاني: # صرنا من جنس الصلة، وهي الأرض اليابسة. # قوله تعالى: أإنا لفي خلق جديد؟! هذا استفهام إنكار. قوله تعالى: الذي ~~وكل بكم أي: # بقبض أرواحكم ثم إلى ربكم ترجعون يوم الجزاء. ثم أخبر عن حالهم في ~~القيامة فقال: ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم أي: مطأطئوها حياء وندما، ~~ربنا فيه إضمار «يقولون ربنا» أبصرنا وسمعنا أي: علمنا صحة ما كنا به ~~مكذبين فارجعنا إلى الدنيا وجواب «لو» متروك، تقديره: لو رأيت حالهم لرأيت ~~ما يعتبر به، ولشاهدت العجب. ### | [سورة السجده (32) : الآيات 13 الى 17] # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين (13) فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا ~~عذاب الخلد بما كنتم تعملون (14) إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها ~~خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (15) تتجافى جنوبهم عن المضاجع ~~يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (16) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ~~من ms1799 قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17) # قوله تعالى: ولكن حق القول مني أي: وجب وسبق والقول هو قوله تعالى ~~لإبليس: لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين. قوله تعالى: لأملأن جهنم ~~من الجنة والناس أجمعين أي: من كفار الفريقين. فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم ~~هذا قال مقاتل: إذا دخلوا النار قالت لهم الخزنة: فذوقوا العذاب. وقال ~~غيره: إذا اصطرخوا فيها قيل لهم: ذوقوا بما نسيتم، أي بما تركتم العمل ~~للقاء يومكم هذا، إنا نسيناكم أي: تركناكم من الرحمة. # قوله تعالى: إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها أي: وعظوا بها خروا ~~سجدا أي: سقطوا على وجوههم ساجدين. وقيل: المعنى: إنما يؤمن بفرائضنا من ~~الصلوات الخمس الذين إذا ذكروا بها بالأذان والإقامة خروا سجدا. # قوله تعالى: تتجافى جنوبهم اختلفوا فيمن نزلت وفي الصلاة التي تتجافى لها ~~جنوبهم على أربعة أقوال: أحدها: أنها نزلت في المتهجدين بالليل. # PageV03P439 # (1108) روى معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ~~«تتجافى جنوبهم» قال: «قيام العبد من الليل» . وفي لفظ آخر أنه قال لمعاذ: ~~«إن شئت أنبأتك بأبواب الخير» ، قال: قلت أجل يا رسول الله، قال: «الصوم ~~جنة، والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل يبتغي وجه الله» ، ثم ~~قرأ: # «تتجافى جنوبهم عن المضاجع» . وكذلك قال الحسن، ومجاهد، وعطاء، وأبو ~~العالية، وقتادة، وابن زيد أنها في قيام الليل. وقد روى العوفي عن ابن عباس ~~قال: تتجافى جنوبهم لذكر الله تعالى، كلما استيقظوا ذكروا الله تعالى، إما ~~في الصلاة، وإما في قيام، أو في قعود، أو على جنوبهم، فهم لا يزالون يذكرون ~~الله عز وجل. # (1109) والثاني: أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يصلون ما بين المغرب PageV03P440 # والعشاء، قاله أنس بن مالك. # والثالث: أنها نزلت في صلاة العشاء، كأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا ينامون حتى يصلوها، قاله ابن عباس. والرابع: أنها صلاة العشاء ~~والصبح في جماعة، قاله أبو الدرداء والضحاك. # ومعنى «تتجافى» : ترتفع. ms1800 والمضاجع جمع مضجع، وهو الموضع الذي يضطجع عليه. ~~يدعون ربهم خوفا من عذابه وطمعا في رحمته وثوابه ومما رزقناهم ينفقون في ~~الواجب والتطوع. # فلا تعلم نفس ما أخفي لهم وأسكن ياء «أخفي» حمزة، ويعقوب. قال الزجاج: في ~~هذه الآية دليل على أن المراد بالآية التي قبلها: الصلاة في جوف الليل، ~~لأنه عمل يستسر الإنسان به، فجعل لفظ ما يجازى به «أخفي لهم» ، وإذا فتحت ~~الياء من أخفي، فعلى تأويل الفعل الماضي، وإذا أسكنتها، فالمعنى: ما أخفي ~~أنا لهم، إخبار عن الله تعالى وكذلك قال الحسن البصري: أخفي لهم، بالخفية ~~خفية، وبالعلانية علانية. # (1110) وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقول الله عز ~~وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر، اقرءوا إن شئتم: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم. # قوله تعالى: من قرة أعين وقرأ أبو الدرداء، وأبو هريرة، وأبو عبد الرحمن ~~السلمي، والشعبي، وقتادة: «من قرات أعين» بألف على الجمع. ### | ### | [سورة السجده (32) : الآيات 18 الى # 22] # أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18) أما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) وأما الذين فسقوا ~~فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب ~~النار الذي كنتم به تكذبون (20) ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر لعلهم يرجعون (21) ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من ~~المجرمين منتقمون (22) # قوله تعالى: أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا في سبب نزولها قولان: # (1111) أحدهما: أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط قال لعلي بن أبي طالب عليه ~~السلام: أنا أحد PageV03P441 # منك سنانا، وأبسط منك لسانا، وأملأ للكتيبة منك، فقال له علي: اسكت فانما ~~أنت فاسق، فنزلت هذه الآية، فعنى بالمؤمن عليا، وبالفاسق الوليد، رواه سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عطاء بن يسار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ~~ومقاتل. # والثاني: أنها نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل، ms1801 قاله شريك. # قوله تعالى: لا يستوون قال الزجاج: لا يستوي المؤمنون والكافرون ويجوز أن ~~تكون لاثنين، لأن معنى الاثنين جماعة وقد شهد الله عز وجل بهذا الكلام لعلي ~~عليه السلام بالايمان وأنه في الجنة، لقوله تعالى: أما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فلهم جنات المأوى. وقرأ ابن مسعود، وطلحة بن مصرف: «جنة المأوى» ~~على التوحيد. قوله تعالى: نزلا قرأ الحسن، والنخعي، والأعمش، وابن أبي ~~عبلة: «نزلا» بتسكين الزاي. وما بعد هذا قد سبق بيانه إلى قوله تعالى: ~~ولنذيقنهم من العذاب الأدنى وفيه ستة أقوال «1» : أحدها: أنه ما أصابهم يوم ~~بدر، رواه مسروق عن ابن مسعود، وبه قال قتادة، والسدي. والثاني: سنون أخذوا ~~بها، رواه أبو عبيدة عن ابن مسعود، وبه قال النخعي. وقال مقاتل: أخذوا ~~بالجوع سبع سنين. والثالث: مصائب الدنيا، قاله أبي بن كعب، وابن عباس في ~~رواية ابن أبي طلحة، وأبو العالية، والحسن، وقتادة، والضحاك. والرابع: ~~الحدود، رواه عكرمة عن ابن عباس. والخامس: عذاب القبر، قاله البراء. ~~والسادس: القتل والجوع، قاله مجاهد. # قوله تعالى: دون العذاب الأكبر أي: قبل العذاب الأكبر وفيه قولان: # أحدهما: أنه عذاب يوم القيامة، قاله ابن مسعود. والثاني: أنه القتل ببدر. ~~قاله مقاتل. # قوله تعالى: لعلهم يرجعون قال أبو العالية: لعلهم يتوبون. وقال ابن ~~مسعود: لعل من بقي منهم يتوب. وقال مقاتل: لكي يرجعوا عن الكفر إلى ~~الإيمان. # قوله تعالى: ومن أظلم قد فسرناه في الكهف «2» . قوله تعالى: إنا من ~~المجرمين منتقمون قال يزيد بن رفيع: هم أصحاب القدر. وقال مقاتل: هم كفار ~~مكة انتقم الله منهم بالقتل ببدر، وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجل ~~أرواحهم إلى النار. ### | ### | [سورة السجده (32) : الآيات 23 الى 30] # # ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل (23) وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون (24) إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (25) ~~أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك ~~لآيات أفلا ms1802 يسمعون (26) أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به ~~زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) # ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين ~~كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29) فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30) ~~PageV03P442 ### | [سورة السجده (32) : الآيات 23 الى 30] # ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل (23) وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون (24) إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (25) ~~أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك ~~لآيات أفلا يسمعون (26) أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به ~~زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) # ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين ~~كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29) فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30) # قوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتاب يعني التوراة فلا تكن في مرية من ~~لقائه فيه أربعة أقوال: # (1112) أحدها: فلا تكن في مرية من لقاء موسى ربه، رواه ابن عباس عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: من لقاء موسى ليلة الإسراء، قاله أبو العالية، ومجاهد، وقتادة، ~~وابن السائب. والثالث: # فلا تكن في شك من لقاء الأذى كما لقي موسى، قال الحسن. والرابع: لا تكن ~~في مرية من تلقي موسى كتاب الله عز وجل بالرضى والقبول، قاله السدي. # قال الزجاج: وقد قيل: فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب، فتكون الهاء ~~للكتاب. وقال أبو علي الفارسي: المعنى: من لقاء موسى الكتاب، فأضيف المصدر ~~إلى ضمير الكتاب، وفي ذلك مدح على امتثاله ما أمر به، وتنبيه على الأخذ ~~بمثل هذا الفعل. وفي قوله تعالى: وجعلناه هدى قولان: # أحدها: الكتاب، قاله الحسن. والثاني: موسى، قاله قتادة. وجعلنا منهم أي: ~~من بني إسرائيل أئمة أي: قادة في الخير يهدون بأمرنا أي: يدعون الناس إلى ~~طاعة الله لما صبروا وقرأ ابن كثير وعاصم ونافع ms1803 وأبو عمرو وابن عامر: «لما ~~صبروا» بفتح اللام وتشديد الميم. وقرأ حمزة والكسائي: «لما» بكسر اللام ~~خفيفة. وقرأ ابن مسعود: «بما» بباء مكان اللام والمراد: صبرهم على دينهم ~~وأذى عدوهم وكانوا بآياتنا يوقنون أنها من الله عز وجل وفيهم قولان: ~~أحدهما: أنهم الأنبياء. والثاني: أنهم قوم صالحون سوى الأنبياء. وفي هذا ~~تنبيه لقريش أنكم إن أطعتم جعلت منكم أئمة. # قوله تعالى: إن ربك هو يفصل بينهم أي: يقضي ويحكم وفي المشار إليهم ~~قولان: PageV03P443 # أحدهما: أنهم الأنبياء وأممهم. والثاني: المؤمنون والمشركون. # ثم خوف كفار مكة بقوله تعالى: أولم يهد لهم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: ~~«نهد» بالنون. # وقد سبق تفسيره «1» . أولم يروا أنا نسوق الماء يعني المطر والسيل إلى ~~الأرض الجرز وهي التي لا تنبت- وقد ذكرناها في أول الكهف «2» - فاذا جاء ~~الماء أنبت فيها ما يأكل الناس والأنعام. ويقولون يعني كفار مكة متى هذا ~~الفتح وفيه أربعة أقوال «3» : أحدها: أنه ما فتح يوم بدر روى عكرمة عن ابن ~~عباس في هذه الآية قال: يوم بدر فتح للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم ينفع ~~الذين كفروا إيمانهم بعد الموت. # والثاني: أنه يوم القيامة، وهو يوم الحكم بالثواب والعقاب، قاله مجاهد. ~~والثالث: أنه اليوم الذي يأتيهم فيه العذاب في الدنيا قاله السدي. والرابع: ~~فتح مكة، قاله ابن السائب والفراء وابن قتيبة وقد اعترض على هذا القول، ~~فقيل: كيف لا ينفع الكفار إيمانهم يوم الفتح وقد أسلم جماعة منهم وقبل ~~إسلامهم يومئذ؟! ففيه جوابان: أحدهما: لا ينفع من قتل من الكفار يومئذ ~~إيمانهم بعد الموت وقد ذكرناه عن ابن عباس. # (1113) وقد ذكر أهل السير أن خالدا دخل يوم الفتح من غير الطريق التي دخل ~~منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيه صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو في ~~آخرين فقاتلوه، فصاح خالد في أصحابه وقاتلهم، فقتل أربعة وعشرين من قريش، ~~وأربعة من هذيل، وانهزموا، فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «ألم أنه عن القتال» ؟ فقيل: إن خالدا قوتل فقاتل. # والثاني: ms1804 لا ينفع الكفار ما أعطوا من الأمان، لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # (1114) «من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» . # قال الزجاج: يقال: آمنت فلانا إيمانا، فعلى هذا يكون المعنى: لا يدفع هذا ~~الأمان عنهم عذاب PageV03P444 # الله عز وجل. وهذا القول الذي قد دافعنا عنه ليس بالمختار، وإنما بينا ~~وجهه لأنه قد قيل. # وقد خرج بما ذكرنا في الفتح قولان: أحدهما: أنه الحكم والقضاء، وهو الذي ~~نختاره. والثاني: # فتح البلد. # قوله تعالى: فأعرض عنهم وانتظر أي: انتظر عذابهم إنهم منتظرون بك حوادث ~~الدهر. # قال المفسرون: وهذه الآية منسوخة بآية السيف. والله أعلم بالصواب. # PageV03P445 ### | سورة الأحزاب # وهي مدنية بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 1 الى # 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما ~~حكيما (1) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا (2) ~~وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ~~وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ~~ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (4) # قوله تعالى: يا أيها النبي اتق الله. # (1115) سبب نزولها أن أبا سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور ~~السلمي، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموادعة التي كانت ~~بينهم، فنزلوا على عبد الله بن أبي، ومعتب بن قشير، والجد بن قيس فتكلموا ~~فيما بينهم، وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعوه إلى أمرهم وعرضوا ~~عليه أشياء كرهها، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # (1116) قال مقاتل: سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفض ذكر اللات ~~والعزى ويقول: إن لها شفاعة، فكره ذلك، ونزلت الآية. # وقال ابن جرير: ولا تطع الكافرين الذين يقولون: اطرد عنا أتباعك من ضعفاء ~~المسلمين والمنفقين فلا تقبل منهم رأيا. فان قيل: ما الفائدة في أمر الله ~~تعالى رسوله ms1805 بالتقوى، وهو سيد المتقين؟! فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن ~~المراد بذلك استدامة ما هو عليه. والثاني: الإكثار مما هو فيه. # والثالث: أنه خطاب ووجه به، والمراد أمته. قال المفسرون: وأراد بالكافرين ~~في هذه الآية: أبا سفيان، وعكرمة، وأبا الأعور، وبالمنافقين: عبد الله بن ~~أبي، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن PageV03P446 # أبيرق. وما بعد هذا قد سبق بيانه «1» إلى قوله تعالى: ما جعل الله لرجل ~~من قلبين في جوفه وفي سبب نزولها قولان: # (1117) أحدهما: أن المنافقين كانوا يقولون: لمحمد قلبان، قلب معنا، وقلب ~~مع أصحابه، فأكذبهم الله تعالى، ونزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # (1118) والثاني: أنها نزلت في جميل بن معمر الفهري- كذا نسبه جماعة من ~~المفسرين. وقال الفراء: جميل بن أسد، ويكنى: أبا معمر. وقال مقاتل: أبو ~~معمر بن أنس الفهري- وكان لبيبا حافظا لما سمع، فقالت قريش: ما حفظ هذه ~~الأشياء إلا وله قلبان في جوفه، وكان يقول: إن لي قلبين أعقل بكل واحد ~~منهما أفضل من عقل محمد، فلما كان يوم بدر وهزم المشركون وفيهم يومئذ جميل ~~بن معمر، تلقاه أبو سفيان وهو معلق إحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقال ~~له: ما حال الناس؟ # قال: انهزموا، قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال: ما ~~شعرت إلا أنهما في رجلي، فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في ~~يده وهذا قول جماعة من المفسرين. وقد قال الزهري في هذا قولا عجيبا، قال: ~~بلغنا أن ذلك في زيد بن حارثة ضرب له مثل يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك. # قال الأخفش: «من» زائدة في قوله تعالى: «من قلبين» . قال الزجاج: أكذب ~~الله عز وجل هذا الرجل الذي قال: لي قلبان، ثم قرر بهذا الكلام ما يقوله ~~المشركون وغيرهم مما لا حقيقة له، فقال: # وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم فأعلم الله تعالى أن الزوجة ~~لا تكون أما، وكانت الجاهلية تطلق بهذا الكلام، وهو أن يقول لها: أنت علي ~~كظهر أمي، ms1806 وكذلك قوله تعالى: وما جعل أدعياءكم أبناءكم أي: ما جعل من ~~تدعونه ابنا- وليس بولد في الحقيقة- ابنا ذلكم قولكم بأفواهكم أي: # نسب من لا حقيقة لنسبه قول بالفم لا حقيقة تحته والله يقول الحق أي: لا ~~يجعل غير الابن ابنا وهو يهدي السبيل أي: للسبيل المستقيم. وذكر المفسرون ~~أن قوله تعالى: «وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن» نزلت في اوس بن ~~الصامت وامرأته خولة بنت ثعلبة. ومعنى الكلام: ما جعل أزواجكم اللائي ~~تظاهرون منهن كأمهاتكم في التحريم، إنما قولكم معصية، وفيه كفارة، وأزواجكم ~~حلال لكم وسنشرح هذا في سورة المجادلة إن شاء الله. وذكروا أن قوله تعالى: ~~وما جعل أدعياءكم أبناءكم. PageV03P447 # (1119) نزل في زيد بن حارثة، أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبناه ~~قبل الوحي، فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش قال ~~اليهود والمنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عنها، فنزلت هذه ~~الآية. ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 5 الى # 6] # ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله ~~غفورا رحيما (5) النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا (6) # قوله تعالى: ادعوهم لآبائهم. قال ابن عمر: # (1120) ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزلت «أدعوهم ~~لآبائهم» . # قوله تعالى: هو أقسط أي: أعدل، فإن لم تعلموا آباءهم أي: إن لم تعرفوا ~~آباءهم فإخوانكم أي: فهم إخوانكم، فليقل أحدكم: يا أخي، ومواليكم قال ~~الزجاج: أي بنو عمكم. # ويجوز أن يكون «مواليكم» أولياءكم في الدين. وليس عليكم جناح فيما أخطأتم ~~به فيه ثلاثة أقوال: أحدها: فيما أخطأتم به قبل النهي، قاله مجاهد. ~~والثاني: في دعائكم من تدعونه إلى غير أبيه وأنتم ترونه كذلك، قاله قتادة. ~~والثالث: فيما سهوتم فيه، قاله حبيب بن أبي ثابت. فعلى ms1807 الأول يكون معنى ~~قوله تعالى: ولكن ما تعمدت قلوبكم أي: بعد النهي. وعلى الثاني والثالث. ما ~~تعمدت في دعاء الرجل إلى غير أبيه. # قوله تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم أي: أحق، فله أن يحكم فيهم ~~بما يشاء، قال ابن عباس: إذا دعاهم إلى شيء، ودعتهم أنفسهم إلى شيء، كانت ~~طاعته أولى من طاعة أنفسهم وهذا صحيح، فان أنفسهم تدعوهم إلى ما فيه ~~هلاكهم، والرسول عليه السلام يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم. # قوله تعالى: وأزواجه أمهاتهم أي: في تحريم نكاحهن على التأبيد، ووجوب ~~إجلالهن وتعظيمهن ولا تجري عليهن أحكام الأمهات في كل شيء، إذ لو كان كذلك ~~لما جاز لأحد أن يتزوج بناتهن، ولورثن المسلمين، ولجازت الخلوة بهن. وقد ~~روى مسروق عن عائشة أن أمرأة قالت: يا أماه، فقالت: لست لك بأم إنما أنا أم ~~رجالكم فبان بهذا الحديث أن معنى الأمومة تحريم نكاحهن فقط. # وقال مجاهد: «وأزواجه أمهاتهم» وهو أب لهم. وما بعد هذا مفسر في آخر ~~الأنفال إلى قوله تعالى: # من المؤمنين والمهاجرين والمعنى أن ذوي القرابات بعضهم أولى بميراث بعض ~~من أن يرثوا بالإيمان والهجرة كما كانوا يفعلون قبل النسخ إلا أن تفعلوا ~~إلى أوليائكم معروفا وهذا استثناء ليس من الأول، PageV03P448 # والمعنى: لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفا جائز، وذلك أن الله تعالى لما ~~نسخ التوارث بالحلف والهجرة، أباح الوصية للمعاقدين، فللانسان أن يوصي لمن ~~يتولاه بما أحب من ثلثه. فالمعروف ها هنا: # الوصية. قوله تعالى: كان ذلك يعني نسخ الميراث بالهجرة ورده إلى ذوي ~~الأرحام في الكتاب يعني اللوح المحفوظ مسطورا أي: مكتوبا. ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 7 الى 9] # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن ~~مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) ليسئل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين ~~عذابا أليما (8) يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم ~~جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) # قوله تعالى: وإذ أخذنا المعنى: واذكر إذ أخذنا من النبيين ميثاقهم أي: ms1808 ~~عهدهم وفيه قولان: أحدهما: أخذ ميثاق النبيين: أن يصدق بعضهم بعضا، قاله ~~قتادة. والثاني: أن يعبدوا الله تعالى ويدعوا إلى عبادته، ويصدق بعضهم ~~بعضا، وأن ينصحوا لقومهم، قاله مقاتل. وهذا الميثاق أخذ منهم حين أخرجوا من ~~ظهر آدم كالذر. قال أبي بن كعب: لما أخذ ميثاق الخلق خص النبيين بميثاق ~~آخر. # فان قيل: لم خص الأنبياء الخمسة بالذكر دون غيرهم من الأنبياء؟ فالجواب: ~~أنه نبه بذلك على فضلهم، لأنهم أصحاب الكتب والشرائع وقدم نبينا صلى الله ~~عليه وسلم بيانا لفضله عليهم «1» . # (1121) قال قتادة: كان نبينا أول النبيين في الخلق. PageV03P449 # وقوله تعالى: ميثاقا غليظا أي: شديدا على الوفاء بما حملوا. وذكر ~~المفسرون أن ذلك العهد الشديد: اليمين بالله عز وجل ليسئل الصادقين يقول: ~~أخذنا ميثاقهم لكي نسأل الصادقين، وهم الأنبياء عن صدقهم في تبليغهم. ومعنى ~~سؤال الأنبياء- وهو يعلم صدقهم- تبكيت مكذبيهم. # وها هنا تم الكلام. ثم أخبر بعد ذلك عما أعد للكافرين بالرسل. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود ~~وهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخندق. ### | الإشارة إلى القصة # (1122) ذكر أهل العلم بالسيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أجلى ~~بني النضير، ساروا إلى خيبر، فخرج نفر من أشرافهم إلى مكة فألبوا قريشا ~~ودعوهم إلى الخروج لقتاله، ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسليم، ففارقوهم ~~على مثل ذلك. وتجهزت قريش ومن تبعهم من العرب، فكانوا أربعة آلاف، وخرجوا ~~يقودهم أبو سفيان، ووافتهم بنو سليم ب «مر الظهران» ، وخرجت بنو أسد، ~~وفزارة، وأشجع، وبنو مرة، فكان جميع من وافى الخندق من القبائل عشرة آلاف، ~~وهم الأحزاب فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروجهم من مكة، أخبر ~~الناس خبرهم، وشاورهم، فأشار سلمان بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين، وعسكر بهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سفح «سلع» ، وجعل سلعا خلف ظهره ودس أبو ~~سفيان بن حرب حيي بن أخطب إلى بني قريظة يسألهم أن ينقضوا العهد الذي بينهم ms1809 ~~وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكونوا معهم عليه، فأجابوا، واشتد ~~الخوف، وعظم البلاء، ثم جرت بينهم مناوشة وقتال، وحصر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إليهم «1» الكرب، وكان نعيم بن ~~مسعود الأشجعي قد أسلم، فمشى بين قريش وقريظة وغطفان فخذل بينهم، فاستوحش ~~كل منهم من صاحبه، واعتلت قريظة بالسبت فقالوا: لا نقاتل فيه، وهبت ليلة ~~السبت ريح شديدة، فقال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله لستم بدار ~~مقام، لقد هلك الخف والحافر، وأجدب الجناب «2» ، وأخلفتنا قريظة، ولقينا من ~~الريح ما ترون، فارتحلوا فاني مرتحل فأصبحت العساكر قد أقشعت «3» كلها. قال ~~مجاهد: والريح التي أرسلت عليهم هي الصبا، حتى أكفأت «4» قدورهم، ونزعت ~~فساطيطهم «5» . والجنود: الملائكة، PageV03P450 # ولم تقاتل يومئذ. وقيل: إن الملائكة جعلت تقلع أوتادهم وتطفئ نيرانهم ~~وتكبر في جوانب عسكرهم، فاشتدت عليهم، فانهزموا من غير قتال. # قوله تعالى: لم تروها وقرأ النخعي، والجحدري، والجوني، وابن السميفع: «لم ~~يروها» بالياء وكان الله بما تعملون بصيرا وقرأ أبو عمرو: «يعملون» بالياء. ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 10 الى # 12] # إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا (10) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) ~~وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ~~(12) # قوله تعالى: إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم أي: من فوق الوادي ومن ~~أسفله وإذ زاغت الأبصار أي: مالت وعدلت، فلم تنظر إلى شيء إلا إلى عدوها ~~مقبلا من كل جانب وبلغت القلوب الحناجر وهي جمع حنجرة. والحنجرة: جوف ~~الحلقوم. قال قتادة: شخصت عن مكانها، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج ~~لخرجت. قال غيره: المعنى أنهم جبنوا وجزع أكثرهم وسبيل الجبان إذا اشتد ~~خوفه أن تنتفخ رئته فيرتفع حينئذ القلب إلى الحنجرة، وهذا المعنى مروي عن ~~ابن عباس والفراء. # وذهب ابن قتيبة إلى أن المعنى: كادت القلوب تبلغ الحلوق من الخوف. وقال ~~ابن الأنباري: «كاد» لا يضمر ولا يعرف معناه ms1810 إذا لم ينطق به. قوله تعالى: ~~وتظنون بالله الظنونا قال الحسن: اختلفت ظنونهم، فظن المنافقون أن محمدا ~~عليه السلام وأصحابه يستأصلون، وظن المؤمنون أنه ينصر. قرأ ابن كثير، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: «الظنونا» و «الرسولا» «1» و «السبيلا» «2» بألف ~~إذا وقفوا عليهن، وبطرحها في الوصل. وقال هبيرة عن حفص عن عاصم: وصل أو وقف ~~بألف. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: بالألف فيهن وصلا ووقفا. ~~وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: بغير ألف في وصل ولا وقف. قال الزجاج: ~~والذي عليه حذاق النحويين والمتبعون السنة من قرائهم أن يقرءوا: # «الظنونا» ويقفون على الألف ولا يصلون وإنما فعلوا ذلك، لأن أواخر الآيات ~~عندهم فواصل يثبتون في آخرها الألف في الوقف. # قوله تعالى: هنالك أي: عند ذلك ابتلي المؤمنون أي: اختبروا بالقتال ~~والحصر ليتبين المخلص من المنافق وزلزلوا أي: أزعجوا وحركوا بالخوف، فلم ~~يوجدوا إلا صابرين. وقال الفراء: # حركوا إلى الفتنة تحريكا، فعصموا. # قوله تعالى: وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض فيه قولان: أحدهما: ~~أنه الشرك، قاله الحسن. والثاني: النفاق، قاله قتادة، ما وعدنا الله ورسوله ~~إلا غرورا قال المفسرون: قالوا يومئذ: إن محمدا يعدنا أن نفتح مدائن كسرى ~~وقيصر وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله! هذا والله الغرور. وزعم ابن السائب ~~أن القائل هذا معتب بن قشير. PageV03P451 ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 13 الى # 17] # وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم ~~النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا (13) ولو ~~دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا ~~(14) ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤلا ~~(15) قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا ~~قليلا (16) قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم ~~رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17) # قوله تعالى: وإذ قالت طائفة ms1811 منهم يعني من المنافقين. وفي القائلين لهذا ~~منهم قولان: # أحدهما: عبد الله بن أبي وأصحابه، قاله السدي. والثاني: بنو سالم من ~~المنافقين، قاله مقاتل. # قوله تعالى: يا أهل يثرب قال أبو عبيدة: يثرب اسم أرض، ومدينة النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ناحية منها. # قوله تعالى: لا مقام لكم وقرأ حفص عن عاصم: لا مقام بضم الميم. قال ~~الزجاج: من ضم الميم، فالمعنى: لا إقامة لكم ومن فتحها، فالمعنى: لا مكان ~~لكم تقيمون فيه. وهؤلاء كانوا يثبطون المؤمنين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. قوله تعالى: فارجعوا أي: إلى المدينة. # (1123) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالمسلمين حتى عسكروا ب ~~«سلع» ، وجعلوا الخندق بينهم وبين القوم، فقال المنافقون للناس: ليس لكم ها ~~هنا مقام، لكثرة العدو، هذا قول الجمهور. # وحكى الماوردي قولين آخرين: # أحدهما: لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى دين مشركي العرب، قاله ~~الحسن. # والثاني: لا مقام لكم على القتال، فارجعوا إلى طلب الأمان، قاله الكلبي. # قوله تعالى: ويستأذن فريق منهم النبي فيه قولان: أحدهما: أنهم بنو حارثة، ~~قاله ابن عباس. # وقال مجاهد: بنو حارثة بن الحارث بن الخزرج. وقال السدي: إنما استأذنه ~~رجلان من بني حارثة. # والثاني: بنو حارثة، وبنو سلمة بن جشم، قاله مقاتل. # قوله تعالى: إن بيوتنا عورة قال ابن قتيبة: أي: خالية، فقد أمكن من أراد ~~دخولها، وأصل العورة: ما ذهب عنه الستر والحفظ، فكأن الرجال ستر وحفظ ~~للبيوت، فاذا ذهبوا أعورت البيوت، تقول العرب: أعور منزلي: إذا ذهب ستره، ~~أو سقط جداره، وأعور الفارس: إذا بان منه موضع خلل للضرب والطعن، يقول الله ~~تعالى وما هي بعورة لأن الله تعالى يحفظها، ولكن يريدون الفرار. وقال ~~الحسن، ومجاهد قالوا: بيوتنا ضائعة نخشى عليها السراق. وقال قتادة: قالوا: ~~بيوتنا مما يلي العدو، ولا نأمن على أهلنا، فكذبهم الله تعالى وأعلم أن ~~قصدهم الفرار. # قوله تعالى: ولو دخلت عليهم من أقطارها يعني المدينة والأقطار: النواحي ~~والجوانب، واحدها: قطر، ثم سئلوا الفتنة وقرأ ms1812 علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، والضحاك، والزهري، وأبو عمران وأبو جعفر، وشيبة: «ثم سيلوا» برفع ~~السين وكسر الياء من غير همز. وقرأ أبي بن كعب، ومجاهد وأبو الجوزاء: «ثم ~~سوئلوا» برفع السين ومد الواو بهمزة مكسورة بعدها. وقرأ الحسن، وأبو ~~PageV03P452 # الأشهب: «ثم سولوا» برفع السين وسكون الواو من غير مد ولا همز. وقرأ ~~الأعمش، وعاصم الجحدري: «ثم سيلوا» بكسر السين ساكنة الياء من غير همز ولا ~~واو. ومعنى: «سئلوا الفتنة» ، سئلوا فعلها والفتنة: الشرك، لآتوها قرأ ابن ~~كثير، ونافع، وابن عامر: «لأتوها» بالقصر، أي: # لقصدوها، ولفعلوها. وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «لآتوها» أي ~~بالمد، لأعطوها. # قال ابن عباس في معنى الآية: لو ان الأحزاب دخلوا المدينة ثم أمروهم ~~بالشرك لأشركوا. قوله تعالى: # وما تلبثوا بها إلا يسيرا فيه قولان: أحدهما: وما احتبسوا عن الإجابة إلى ~~الكفر إلا قليلا، قاله قتادة. والثاني: وما تلبثوا بالمدينة بعد الإجابة ~~إلا يسيرا حتى يعذبوا، قاله السدي. وحكى أبو سليمان الدمشقي في الآية قولا ~~عجيبا، وهو أن الفتنة ها هنا: الحرب، والمعنى: ولو دخلت المدينة على أهلها ~~من أقطارها ثم سئل هؤلاء المنافقون الحرب لأتوها مبادرين، وما تلبثوا- يعني ~~الجيوش الداخلة عليهم بها- إلا قليلا حتى يخرجوهم منها وإنما منعهم من ~~القتال معك ما قد تداخلهم من الشك في دينك قال: وهذا المعنى حفظته من كتاب ~~الواقدي. # قوله تعالى: ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل في وقت معاهدتهم ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم ناس غابوا عن وقعة بدر، فلما علموا ما أعطى الله عز وجل أهل ~~بدر من الكرامة قالوا: لئن شهدنا قتالا لنقاتلن، قاله قتادة. والثاني: أنهم ~~أهل العقبة، وهم سبعون رجلا بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على طاعة ~~الله تعالى ونصرة رسوله، قاله مقاتل «1» . والثالث: أنه لما نزل بالمسلمين ~~يوم أحد ما نزل، عاهد الله تعالى معتب بن قشير وثعلبة بن حاطب: لا نولي ~~دبرا قط، فلما كان يوم الأحزاب نافقا، قاله الواقدي، واختاره أبو سليمان ~~الدمشقي، وهو اليق مما قبله. ms1813 وإذا كان الكلام في حق المنافقين، فكيف يطلق ~~القول على أهل العقبة كلهم! قوله تعالى: وكان عهد الله مسؤلا أي: يسألون ~~عنه في الآخرة. # ثم أخبر أن الفرار لا يزيد في آجالهم، فقال: قل لن ينفعكم الفرار إن ~~فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون بعد الفرار في الدنيا إلا قليلا ~~وهو باقي آجالكم. # ثم أخبر ان ما قدره عليهم لا يدفع، بقوله تعالى: من ذا الذي يعصمكم من ~~الله أي: يجيركم ويمنعكم منه إن أراد بكم سوءا وهو الإهلاك والهزيمة ~~والبلاء أو أراد بكم رحمة وهي النصر والعافية والسلامة ولا يجدون لهم من ~~دون الله وليا ولا نصيرا أي: لا يجدون مواليا ولا ناصرا يمنعهم من مراد ~~الله عز وجل فيهم. ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 18 الى # 22] # قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون ~~البأس إلا قليلا (18) أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور ~~أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة ~~على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا ~~(19) يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (20) لقد ~~كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله ~~كثيرا (21) ولما رأ المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق ~~الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (22) PageV03P453 # قوله تعالى: قد يعلم الله المعوقين منكم في سبب نزولها قولان: # (1124) أحدهما: أن رجلا انصرف من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الأحزاب، فوجد أخاه لأبيه وأمه وعنده شواء ونبيذ، فقال له: أنت ها هنا ~~ورسول الله بين الرماح والسيوف؟! فقال: هلم إلي، لقد أحيط بك وبصاحبك والذي ~~يحلف به لا يستقبلها محمد أبدا فقال له: كذبت، والذي يحلف به، أما والله ~~لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمرك، فذهب إلى ms1814 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليخبره، فوجده قد نزل جبريل بهذه الآية إلى قوله تعالى: يسيرا، ~~هذا قول ابن زيد. # (1125) والثاني: أن عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير والمنافقين الذين ~~رجعوا من الخندق إلى المدينة، كانوا إذا جاءهم منافق قالوا له: ويحك اجلس ~~فلا تخرج، ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين في العسكر أن ائتونا بالمدينة ~~فإنا ننتظركم- يثبطونهم عن القتال- وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا ~~بدا، فيأتون ليرى الناس وجوههم، فاذا غفل عنهم عادوا إلى المدينة، فنزلت ~~هذه الآية، قاله ابن السائب. # والمعوق: المثبط تقول: عاقني فلان، واعتاقني، وعوقني: إذا منعك عن الوجه ~~الذي تريده. # وكان المنافقون يعوقون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصاره. # قوله تعالى: والقائلين لإخوانهم هلم إلينا فيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~المنافق الذي قال لأخيه ما ذكرناه في قول ابن زيد. والثاني: أنهم اليهود ~~دعوا إخوانهم من المنافقين إلى ترك القتال، قاله مقاتل. والثالث: أنهم ~~المنافقون دعوا المسلمين إليهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكاه ~~الماوردي. قوله تعالى: ولا يأتون البأس أي: لا يحضرون القتال في سبيل الله ~~عز وجل إلا قليلا للرياء والسمعة من غير احتساب، ولو كان ذلك القليل لله عز ~~وجل لكان كثيرا. # قوله تعالى: أشحة عليكم قال الزجاج: هو منصوب على الحال. المعنى: لا ~~يأتون الحرب إلا تعذيرا، بخلا عليكم. وللمفسرين فيما شحوا به أربعة أقوال: ~~أحدها: أشحة بالخير، قاله مجاهد. # والثاني: بالنفقة في سبيل الله عز وجل. والثالث: بالغنيمة، رويا عن ~~قتادة. وقال الزجاج: بالظفر والغنيمة. والرابع: بالقتال معكم، حكاه ~~الماوردي. # ثم أخبر عن جبنهم فقال: فإذا جاء الخوف أي: إذا حضر القتال رأيتهم ينظرون ~~إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت أي: كدوران عين الذي يغشى عليه ~~من الموت، وهو الذي دنا موته PageV03P454 # وغشيته أسبابه، فانه يخاف ويذهل عقله ويشخص بصره فلا يطرف، فكذلك هؤلاء، ~~لأنهم يخافون القتل. فإذا ذهب الخوف سلقوكم قال الفراء: يقول آذوكم بالكلام ~~في الأمن بألسنة حداد سليطة ms1815 ذربة، والعرب تقول: صلقوكم، بالصاد، ولا يجوز ~~في القراءة هذا قول الفراء. وقد قرأ بالصاد أبي بن كعب، وأبو الجوزاء، وأبو ~~عمران الجوني، وابن أبي عبلة في آخرين. وقال الزجاج: معنى «سلقوكم» : ~~خاطبوكم أشد مخاطبة وأبلغها في الغنيمة، يقال: خطيب مسلاق: إذا كان بليغا ~~في خطبته أشحة على الخير أي: خاطبوكم وهم أشحة على المال والغنيمة. قال ~~قتادة: إذا كان وقت قسمة الغنيمة، بسطوا ألسنتهم فيكم، يقولون: أعطونا ~~فلستم أحق بها منا فأما عند الباس، فأجبن قوم وأخذله للحق، وأما عند ~~الغنيمة، فأشح قوم. وفي المراد بالخير ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~الغنيمة. والثاني: على المال أن ينفقوه في سبيل الله تعالى. والثالث: على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بظفره. # قوله تعالى: أولئك لم يؤمنوا أي: هم وإن أظهروا الإيمان فليسوا بمؤمنين، ~~لنفاقهم فأحبط الله أعمالهم قال مقاتل أي: أبطل جهادهم، لأنه لم يكن في ~~إيمان وكان ذلك الإحباط على الله يسيرا. ثم أخبر عنهم بما يدل على جبنهم، ~~فقال: يحسبون الأحزاب لم يذهبوا أي: يحسب المنافقون من شدة خوفهم وجبنهم أن ~~الأحزاب بعد انهزامهم وذهابهم لم يذهبوا، وإن يأت الأحزاب أي: يرجعوا إليهم ~~كرة ثانية للقتال يودوا لو أنهم بادون في الأعراب أي: يتمنوا لو كانوا في ~~بادية الأعراب من خوفهم، يسئلون عن أنبائكم أي: ودوا لو أنهم بالبعد منكم ~~يسألون عن أخباركم، فيقولون: ما فعل محمد وأصحابه، ليعرفوا حالكم ~~بالاستخبار لا بالمشاهدة، فرقا وجبنا وقيل: بل يسألون شماتة بالمسلمين ~~وفرحا بنكباتهم ولو كانوا فيكم أي: لو كانوا يشهدون القتال معكم ما قاتلوا ~~إلا قليلا فيه قولان: أحدهما: إلا رميا بالحجارة، قاله ابن السائب. ~~والثاني: إلا رياء من غير احتساب، قاله مقاتل. # ثم عاب من تخلف بالمدينة بقوله تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة أي: قدوة صالحة. والمعنى: لقد كان لكم به اقتداء لو اقتديتم به في ~~الصبر معه كما صبر يوم أحد حتى كسرت رباعيته وشج جبينه وقتل عمه، وواساكم ~~مع ذلك بنفسه. ms1816 وقرأ عاصم: «أسوة» بضم الألف والباقون بكسر الألف وهما ~~لغتان. قال الفراء: أهل الحجاز وأسد يقولون: «إسوة» بالكسر، وتميم وبعض قيس ~~يقولون: «أسوة» بالضم. وخص الله تعالى بهذه الأسوة المؤمنين، فقال: لمن كان ~~يرجوا الله واليوم الآخر والمعنى أن الأسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنما كانت لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وفيه قولان: أحدهما: يرجو ما ~~عنده من الثواب والنعيم، قاله ابن عباس. والثاني: يخشى الله عز وجل ويخشى ~~البعث، قاله مقاتل. # قوله تعالى: وذكر الله كثيرا أي: ذكرا كثيرا، لأن ذاكر الله تعالى متبع ~~لأوامره، بخلاف الغافل عنه. ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب، فقال: ~~لما رأ المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وفي ذلك الوعد ~~قولان: أحدهما: أنه قوله تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم «1» الآية: فلما عاينوا البلاء يومئذ قالوا: هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله، قاله ابن PageV03P455 # عباس، وقتادة في آخرين. والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدهم ~~بالنصر والظهور على مدائن كسرى وقصور الحيرة، ذكره الماوردي وغيره. # قوله تعالى: وما زادهم يعني ما رأوه إلا إيمانا بوعد الله تعالى وتسليما ~~لأمره. ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 23 الى 27] # من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ~~ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين ~~إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما (24) ورد الله الذين كفروا ~~بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ~~(25) وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب ~~فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26) وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم ~~تطؤها وكان الله على كل شيء قديرا (27) # قوله تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه اختلفوا فيمن ~~نزلت على قولين: # أحدهما: أنها نزلت في أنس بن النضر، قاله أنس بن مالك. # (1126) وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك قال: ms1817 غاب عمي أنس بن ~~النضر عن قتال بدر، فلما قدم قال: غبت عن أول قتال قاتله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المشركين، لئن أشهدني الله عز وجل قتالا ليرين الله ما ~~أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف الناس، فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به ~~هؤلاء، يعني المشركين، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين ثم مشى ~~بسيفه، فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أي سعد، والذي نفسي بيده إني لأجد ريح ~~الجنة دون أحد، واها لريح الجنة. # قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع قال أنس: فوجدناه بين القتلى به ~~بضع وثمانون جراحة، من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، قد مثلوا به ~~قال: فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه قال أنس: فكنا نقول: أنزلت هذه ~~الآية «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه» فيه وفي أصحابه. # (1127) والثاني: أنها نزلت في طلحة بن عبيد الله. روى النزال بن سبرة عن ~~علي عليه السلام PageV03P456 # أنهم قالوا له: حدثنا عن طلحة، قال: ذاك امرؤ نزلت فيه آية من كتاب الله ~~تعالى: «فمنهم من قضى نحبه» لا حساب عليه فيما يستقبل. وقد جعل بعض ~~المفسرين هذا القدر من الآية في طلحة، وأولها في أنس. # قال ابن جرير: ومعنى الآية: وفوا الله بما عاهدوه عليه. وفي ذلك أربعة ~~أقوال. أحدها: أنهم عاهدوا ليلة العقبة على الإسلام والنصرة. والثاني: أنهم ~~قوم لم يشهدوا بدرا، فعاهدوا الله عز وجل أن لا يتأخروا بعدها. والثالث: ~~أنهم عاهدوا أن لا يفروا إذا لاقوا، فصدقوا. والرابع: أنهم عاهدوا على ~~البأساء والضراء وحين البأس. # قوله تعالى: فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~فمنهم من مات، ومنهم من ينتظر الموت، قاله ابن عباس. والثاني: فمنهم من قضى ~~عهده قتل أو عاش، ومنهم من ينتظر أن يقضيه بقتال أو صدق لقاء، قاله مجاهد. ~~والثالث: فمنهم من قضى نذره الذي كان نذر، قاله أبو عبيدة. فيكون النحب على ~~القول الأول: الأجل وعلى الثاني: ms1818 العهد وعلى الثالث: النذر. وقال ابن ~~قتيبة: «قضى نحبه» أي: قتل، وأصل النحب: النذر، كأن قوما نذروا أنهم إن ~~لقوا العدو قاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله عليهم، فقتلوا، فقيل: فلان قضى ~~نحبه، أي: قتل، فاستعير النحب مكان الأجل، لأن الأجل وقع بالنحب، وكان ~~النحب سببا له، ومنه قيل: للعطية: «من» ، لأن من أعطى فقد من. قال ابن ~~عباس: ممن قضى نحبه: حمزة بن عبد المطلب، وأنس بن النضر وأصحابه. وقال ابن ~~إسحاق: «فمنهم من قضى نحبه» من استشهد يوم بدر وأحد، «ومنهم من ينتظر» ما ~~وعد الله من نصره، أو الشهادة على ما مضى عليه أصحابه وما بدلوا أي: ما ~~غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم عليه كما غير المنافقون. # قوله تعالى: ليجزي الله الصادقين بصدقهم وهم المؤمنون الذين صدقوا فيما ~~عاهدوا الله تعالى عليه ويعذب المنافقين بنقض العهد إن شاء وهو أن يميتهم ~~على نفاقهم أو يتوب عليهم في الدنيا، فيخرجهم من النفاق إلى الإيمان، فيغفر ~~لهم. # ورد الله الذين كفروا يعني الأحزاب، صدهم ومنعهم عن الظفر بالمسلمين ~~بغيظهم أي: لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا لم ينالوا خيرا أي: لم يظفروا ~~بالمسلمين، وكان ذلك عندهم خيرا، فخوطبوا على استعمالهم وكفى الله المؤمنين ~~القتال بالريح والملائكة، وأنزل الذين ظاهروهم أي: # عاونوا الأحزاب، وهم بنو قريظة، وذلك أنهم نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من العهد، وصاروا مع المشركين يدا واحدة. # PageV03P457 ### | وهذه الإشارة إلى قصتهم # (1128) ذكر أهل العلم بالسيرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~انصرف من الخندق وضع عنه اللأمة واغتسل، فتبدى له جبريل، فقال: ألا أراك ~~وضعت اللأمة، وما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة؟! إن الله عز وجل ~~يأمرك أن تسير إلى بني قريظة فاني عامد إليهم فمزلزل بهم حصونهم، فدعا عليا ~~رضي الله عنه فدفع لواءه إليه، وبعث بلالا فنادى في الناس: # (1129) إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن لا تصلوا العصر إلا ~~ببني قريظة، ثم سار إليهم ms1819 فحاصرهم خمسة عشر يوما أشد الحصار، وقيل: عشرين ~~ليلة. # (1130) فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسل إلينا أبا لبابة ~~بن عبد المنذر، فأرسله إليهم، فشاوروه في أمرهم، فأشار إليهم بيده: إنه ~~الذبح، ثم ندم فقال: خنت الله تعالى ورسوله، فانصرف فارتبط في المسجد حتى ~~أنزل الله تعالى توبته، ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأمر بهم رسول الله محمد بن مسلمة، فكتفوا، ونحوا ناحية، وجعل النساء ~~والذرية ناحية. وكلمت الأوس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهبهم لهم، ~~وكانوا حلفاءهم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم إلى سعد بن ~~معاذ هكذا ذكر محمد بن سعد. # (1131) وحكى غيره: أنهم. نزلوا أولا على حكم سعد بن معاذ، وكان بينهم ~~وبين قومه حلف، فرجوا أن تأخذه فيهم هوادة، فحكم فيهم أن يقتل كل من جرت ~~عليه المواسي «1» ، وتسبى النساء PageV03P458 # والذراري، وتقسم الأموال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد حكمت ~~بحكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة» وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأمر بهم فأدخلوا المدينة، وحفر لهم أخدود في السوق، وجلس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومعه أصحابه، وأخرجوا إليه فضربت أعناقهم، وكانوا ما بين ~~ستمائة إلى سبعمائة. # قوله تعالى: من صياصيهم قال ابن عباس وقتادة: من حصونهم قال ابن قتيبة: ~~وأصل الصياصي: قرون البقر، لأنها تمتنع بها، وتدفع عن أنفسها فقيل للحصون: ~~الصياصي، لأنها تمنع، وقال الزجاج: كل قرن صيصية، وصيصية الديك: شوكة يتحصن ~~بها. # قوله تعالى: وقذف في قلوبهم الرعب أي: ألقى فيها الخوف فريقا تقتلون وهم ~~المقاتلة وتأسرون وقرأ ابن يعمر، وابن أبي عبلة: «وتأسرون» برفع السين ~~فريقا وهم النساء والذراري، وأورثكم أرضهم وديارهم يعني عقارهم ومنازلهم ~~ونخيلهم وأموالهم من الذهب والفضة والحلي والعبيد والإماء وأرضا لم تطؤها ~~أي: لم تطئوها بأقدامكم بعد، وهي مما سنفتحها عليكم وفيها أربعة أقوال «1» ~~: أحدها: أنها فارس والروم، قاله الحسن. والثاني: ما ظهر عليه المسلمون إلى ~~يوم القيامة، قاله ms1820 عكرمة. والثالث: مكة، قاله قتادة. والرابع: خيبر، قاله ~~ابن زيد، وابن السائب، وابن إسحاق، ومقاتل. ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 28 الى 34] # يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين ~~أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة ~~فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (29) يا نساء النبي من يأت منكن ~~بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا (30) ومن ~~يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا ~~كريما (31) يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول ~~فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) # وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين ~~الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا (33) واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن ~~الله كان لطيفا خبيرا (34) # قوله تعالى: يا أيها النبي قل لأزواجك ... الآية. # (1132) ذكر أهل التفسير أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سألنه شيئا من ~~عرض الدنيا، وطلبن منه زيادة في PageV03P459 # النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فآلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شهرا، وصعد إلى غرفة له فمكث فيها، فنزلت هذه الآية، (1133) وكن أزواجه ~~يومئذ تسعا: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وصفية الخيبريه، ~~وميمونة الهلالية وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، (1134) فنزل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فعرض الآية عليهن، فبدأ بعائشة، فاختارت الله ~~ورسوله، ثم قالت: يا رسول الله لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال «إن الله ~~بعثني مبلغا ولم يبعثني متعنتا» . وقد ذكرت حديث التخيير في كتاب «الحدائق» ~~وفي «المغني» بطوله. # وفي ما خيرهن فيه قولان «1» : أحدهما: أنه خيرهن بين الطلاق والمقام معه، ~~هذا قول عائشة رضي الله عنها. والثاني: أنه خيرهن بين اختيار الدنيا ~~فيفارقهن، أو اختيار الآخرة فيمسكهن، ولم يخيرهن في الطلاق، قاله الحسن، ~~وقتادة. # وفي سبب تخييره إياهن ثلاثة أقوال. أحدها: أنهن سألنه زيادة ms1821 النفقة. ~~والثاني: أنهن آذينه بالغيرة. والقولان مشهوران في التفسير. والثالث: أنه ~~لما خير بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة فاختار الآخرة، أمر بتخيير نسائه ليكن ~~على مثل حاله، حكاه أبو القاسم الصيمري. # والمراد بقوله تعالى: أمتعكن: متعة الطلاق. والمراد بالسراح: الطلاق، وقد ~~ذكرنا ذلك في البقرة «2» . والمراد بالدار الآخرة. الجنة. والمحسنات: ~~المؤثرات للآخرة. # قال المفسرون: فلما اخترنه أثابهن الله عز وجل ثلاثة أشياء: أحدها: ~~التفضيل على سائر النساء بقوله تعالى: لستن كأحد من النساء. والثاني: أن ~~جعلهن أمهات المؤمنين. والثالث: أن حظر عليه طلاقهن والاستبدال بهن بقوله ~~تعالى: لا يحل لك النساء من بعد «3» . وهل أبيح له بعد ذلك PageV03P460 # التزويج عليهن؟ فيه قولان سيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: من يأت منكن بفاحشة مبينة أي: بمعصية ظاهرة. قال ابن عباس: ~~يعني النشوز وسوء الخلق يضاعف لها العذاب ضعفين أي: يجعل عذاب جرمها في ~~الآخرة كعذاب جرمين، كما أنها تؤتى أجرها على الطاعة مرتين. وإنما ضوعف ~~عقابهن، لأنهن يشاهدن من الزواجر الرادعة ما لا يشاهد غيرهن، فاذا لم ~~يمتنعن استحققن تضعيف العذاب، ولأن في معصيتهن أذى لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وجرم من آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر من جرم غيره. # قوله تعالى: وكان ذلك على الله يسيرا أي: وكان عذابها على الله عز وجل ~~هينا. ومن يقنت أي: تطع، وأعتدنا قد سبق بيانه «1» ، والرزق الكريم: الحسن، ~~وهو الجنة. # ثم أظهر فضيلتهن على النساء بقوله تعالى: لستن كأحد من النساء قال ~~الزجاج: لم يقل: # كواحدة من النساء، لأن «أحدا» نفي عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة. ~~قال ابن عباس: يريد: # ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي، ~~وثوابكن أعظم إن اتقيتن، فشرط عليهن التقوى بيانا أن فضيلتهن إنما تكون ~~بالتقوى، لا بنفس اتصالهن برسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: فلا تخضعن بالقول أي: لا تلن بالكلام فيطمع الذي في قلبه مرض ~~أي: فجور والمعنى: لا تقلن قولا يجد به منافق ms1822 أو فاجر سبيلا إلى موافقتكن ~~له، والمرأة مندوبة إذا خاطبت الأجانب إلى الغلظة في المقالة، لأن ذلك أبعد ~~من الطمع في الريبة. وقلن قولا معروفا أي: صحيحا عفيفا لا يطمع فاجرا. وقرن ~~في بيوتكن قرأ نافع، وعاصم إلا أبان، وهبيرة، والوليد بن مسلم عن ابن عامر: ~~«وقرن» بفتح القاف وقرأ الباقون بكسرها. قال الفراء: من قرأ بالفتح، فهو من ~~قررت في المكان، فخففت، كما قال: ظلت عليه عاكفا «2» ، ومن قرأ بالكسر، فمن ~~الوقار، يقال: قر في منزلك. وقال ابن قتيبة: من قرأ بالكسر، فهو من الوقار، ~~يقال: وقر في منزله يقر وقورا. ومن قرأ بنصب القاف جعله من القرار. وقرأ ~~أبي بن كعب، وأبو المتوكل: «واقررن» باسكان القاف وبراءين الأولى مفتوحة ~~والثانية ساكنة. وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة مثله، إلا أنهما كسرا الراء ~~الأولى. # قال المفسرون: ومعنى الآية: الأمر لهن بالتوقر والسكون في بيوتهن وأن لا ~~يخرجن. # قوله تعالى: ولا تبرجن قال أبو عبيدة: التبرج: أن يبرزن محاسنهن. وقال ~~الزجاج: التبرج: # إظهار الزينة وما يستدعى به شهوة الرجل. وفي الجاهلية الأولى أربعة ~~أقوال: أحدها: أنها كانت بين إدريس ونوح، وكانت ألف سنة، رواه عكرمة عن ابن ~~عباس. والثاني: أنها كانت على عهد إبراهيم عليه السلام، وهو قول عائشة رضي ~~الله عنها. والثالث: بين نوح وآدم، قاله الحكم. والرابع: ما بين عيسى ومحمد ~~عليهما السلام، قاله الشعبي. قال الزجاج: وإنما قيل: «الأولى» ، لأن كل ~~متقدم أول، وكل متقدمة أولى، فتأويله: أنهم تقدموا أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # وفي صفة تبرج الجاهلية الأولى ستة أقوال: أحدها: أن المرأة كانت تخرج ~~فتمشي بين الرجال، فهو التبرج، قاله مجاهد. والثاني: أنها مشية فيها تكسر ~~وتغنج، قاله قتادة. والثالث: أنه التبختر، قاله PageV03P461 # ابن أبي نجيح. والرابع: أن المرأة منهن كانت تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه ~~ثم تمشي وسط الطريق ليس عليها غيره، وذلك في زمن إبراهيم عليه السلام، قاله ~~الكلبي. والخامس: أنها كانت تلقي الخمار عن رأسها ولا تشده، فيرى قرطها ~~وقلائدها، قاله ms1823 مقاتل. والسادس: أنها كانت تلبس الثياب تبلغ المال، لا ~~تواري جسدها، حكاه الفراء. # قوله تعالى: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس وفيه للمفسرين خمسة أقوال: ~~أحدها: # الشرك، قاله الحسن. والثاني: الإثم، قاله السدي. والثالث: الشيطان، قاله ~~ابن زيد. والرابع: الشك. # والخامس: المعاصي، حكاهما الماوردي. قال الزجاج: الرجس: كل مستقذر من ~~مأكول أو عمل أو فاحشة. ونصب «أهل البيت» على وجهين: أحدهما: على معنى: ~~أعني أهل البيت. والثاني: على النداء، فالمعنى: يا أهل البيت. وفي المراد ~~بأهل البيت ها هنا ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنهم نساء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، لأنهن في بيته، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، ~~وابن السائب، ومقاتل. ويؤكد هذا القول أن ما قبله وبعده متعلق بأزواج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وعلى أرباب هذا القول اعتراض، وهو أن جمع المؤنث ~~بالنون، فكيف قيل: «عنكم» «ويطهركم» ؟ فالجواب أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيهن، فغلب المذكر. والثاني: أنه خاص في رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم، قاله أبو سعيد الخدري. # (1135) وروي عن أنس وعائشة وأم سلمة نحو ذلك. PageV03P462 # والثالث: أنهم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه، قاله الضحاك. ~~وحكى الزجاج أنهم نساء النبي صلى الله عليه وسلم والرجال الذين هم آله قال: ~~واللغة تدل على أنها للنساء والرجال جميعا، لقوله تعالى: عنكم بالميم، ولو ~~كانت للنساء، لم يجز إلا «عنكن» «ويطهركن» . # قوله تعالى: ويطهركم تطهيرا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: من الشرك، قاله ~~مجاهد. والثاني: من السوء، قاله قتادة. والثالث: من الإثم، قاله السدي، ~~ومقاتل. PageV03P463 # قوله تعالى: واذكرن فيه قولان: أحدهما: أنه تذكير لهن بالنعم. والثاني: ~~أنه أمر لهن بحفظ ذلك. فمعنى «واذكرن» : واحفظن ما يتلى في بيوتكن من آيات ~~الله يعني القرآن. وفي الحكمة قولان: أحدهما: أنها السنة، قاله قتادة. ~~والثاني: الأمر والنهي، قاله قتادة. # قوله تعالى: إن الله كان لطيفا أي: ذا لطف بكن إذ جعلكن في البيوت التي ~~تتلى ms1824 فيها آياته خبيرا بكن إذ اختاركن لرسوله. ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 35] # إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات ~~والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين ~~والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله ~~كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما (35) # قوله تعالى: إن المسلمين والمسلمات في سبب نزولها خمسة أقوال: # (1136) أحدها: أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم قلن: ما له ليس يذكر ~~إلا المؤمنون، ولا يذكر المؤمنات بشيء؟! فنزلت هذه الآية، رواه أبو ظبيان ~~عن ابن عباس. # (1137) والثاني: أن أم سلمة قالت: يا رسول الله يذكر الرجال ولا نذكر! ~~فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: لا أضيع عمل عامل منكم «1» ، قاله ~~مجاهد. # (1138) والثالث: أن أم عمارة الأنصارية قالت: قلت: يا رسول الله بأبي ~~وأمي ما بال الرجال يذكرون، ولا تذكر النساء؟! فنزلت هذه الآية، قاله ~~عكرمة. وذكر مقاتل بن سليمان أن أم سلمة وأم عمارة قالتا ذلك، فنزلت الآية ~~في قولهما «2» . # (1139) والرابع: أن الله تعالى لما ذكر أزواج رسوله دخل النساء المسلمات ~~عليهن فقلن: ذكرتن ولم نذكر، ولو كان فينا خير ذكرنا، فنزلت هذه الآية، ~~قاله قتادة. # (1140) والخامس: أن أسماء بنت عميس لما رجعت من الحبشة دخلت على نساء ~~PageV03P464 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن: ~~لا، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي ~~خيبة وخسار، قال: «ومم ذاك» ؟ قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال، ~~فنزلت هذه الآية، ذكره مقاتل بن حيان. # وقد سبق تفسير ألفاظ الآية في مواضع «1» . ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 36 الى 37] # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (36) وإذ تقول للذي أنعم ~~الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله ~~مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي ~~لا يكون ms1825 على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر ~~الله مفعولا (37) # قوله تعالى: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ... الآية، في سبب نزولها قولان: # (1141) أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يخطب زينب بنت جحش ~~لزيد بن حارثة، فقالت: لا أرضاه، ولست بناكحته، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «بلى فانكحيه، فاني قد رضيته لك» ، فأبت. فنزلت هذه الآية. وهذا ~~المعنى مروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والجمهور. وذكر بعض المفسرين أن عبد ~~الله بن جحش أخا زينب كره ذلك كما كرهته زينب، فلما نزلت الآية رضيا وسلما. ~~قال مقاتل: # والمراد بالمؤمن عبد الله بن جحش، والمؤمنة زينب بنت جحش. # (1142) والثاني: أنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت أول ~~امرأة هاجرت، فوهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «قد قبلتك» ~~، وزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها، وقالا: # إنما أردنا رسول الله، فزوجها عبده؟! فنزلت هذه الآية، قاله ابن زيد. ~~والأول عند المفسرين أصح. # قوله تعالى: إذا قضى الله ورسوله أمرا أي: حكما بذلك «أن تكون» وقرأ أهل ~~الكوفة: «أن يكون» بالياء لهم الخيرة وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء: «الخيرة» ~~باسكان الياء فجمع في الكناية في قوله تعالى: «لهم» ، لأن المراد جميع ~~المؤمنين والمؤمنات، والخيرة: الاختيار، فأعلم الله عز وجل أنه لا اختيار ~~على ما قضاه الله ورسوله. # (1143) فلما زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا مكثت عنده حينا، ثم ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منزل زيد PageV03P465 # فنظر إليها وكانت بيضاء جميلة من أتم نساء قريش، فوقعت في قلبه، فقال: ~~«سبحان الله مقلب القلوب» ، وفطن زيد، فقال: يا رسول الله ائذن لي في ~~طلاقها. وقال بعضهم: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منزل زيد، فرأى ~~زينب، فقال: «سبحان مقلب القلوب» ، فسمعت ذلك زينب، فلما جاء زيد ذكرت له ~~ذلك، فعلم أنها قد وقعت في نفسه، فأتاه فقال: يا رسول الله ائذن لي في ~~طلاقها. ms1826 وقال ابن زيد: جاء PageV03P466 # رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى باب زيد- وعلى الباب ستر من شعر- فرفعت ~~الريح الستر، فرأى زينب، فلما وقعت في قلبه كرهت إلى الآخر، فجاء فقال: يا ~~رسول الله أريد فراقها، فقال: «اتق الله» . وقال مقاتل: لما فطن زيد لتسبيح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، فان ~~فيها كبرا، فهي تعظم علي وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «أمسك عليك زوجك واتق الله» . ثم إن زيدا طلقها بعد ذلك، فأنزل الله ~~تعالى: وإذ تقول للذي أنعم الله عليه بالاسلام وأنعمت عليه بالعتق. # قوله تعالى: واتق الله أي: في أمرها فلا تطلقها وتخفي في نفسك أي: تسر ~~وتضمر في قلبك ما الله مبديه أي: مظهره وفيه أربعة أقوال «1» : أحدها: ~~حبها، قاله ابن عباس. والثاني: عهد عهده الله إليه أن زينب ستكون له زوجة، ~~فلما أتى زيد يشكوها، قال له: أمسك عليك زوجك واتق الله، وأخفى في نفسه ما ~~الله مبديه، قاله علي بن الحسين. والثالث: إيثاره لطلاقها، قاله قتادة، ~~وابن جريج، ومقاتل. والرابع: أن الذي أخفاه: إن طلقها زيد تزوجتها، قاله ~~ابن زيد. # قوله تعالى: وتخشى الناس فيه قولان: أحدهما: أنه خشي اليهود أن يقولوا: ~~تزوج محمد امرأة ابنه، رواه عطاء عن ابن عباس. والثاني: أنه خشي لوم الناس ~~أن يقولوا: أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها. قوله تعالى: والله أحق أن ~~تخشاه أي: أولى في كل الأحوال. وليس المراد أنه لم يخش الله تعالى في هذه ~~الحال ولكن لما كان لخشيته بالخلق نوع تعلق قيل له: الله أحق أن تخشى منهم. # (1144) قالت عائشة: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد ~~عليه من هذه الآية، ولو كتم شيئا من الوحي لكتمها. ### | فصل: # وقد ذهب بعض العلماء إلى تنزيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من حبها ~~وإيثاره طلاقها. وإن كان ذلك PageV03P467 # شائعا في التفسير. قالوا: وإنما عوتب في هذه القصة على ms1827 شيئين: أحدهما: ~~أنه أخبر بأنها ستكون زوجة له، فقال لزيد: «أمسك عليك زوجك» وكتم ما أخبره ~~الله تعالى به من أمرها حياء من زيد ان يقول له: إن زوجتك ستكون امرأتي ~~وهذا يخرج على ما ذكرنا عن علي بن الحسين، وقد نصره الثعلبي، والواحدي. ~~والثاني: أنه لما رأى اتصال الخصومة بين زيد وزينب، ظن أنهما لا يتفقان ~~وأنه سيفارقها، وأضمر أنه إن طلقها تزوجتها صلة لرحمها، وإشفاقا عليها، ~~لأنها كانت بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، فعاتبه الله تعالى على إضمار ~~ذلك وإخفائه حين قال لزيد: «أمسك عليك زوجك» ، وأراد منه أن يكون ظاهره ~~وباطنه عند الناس سواء. # (1145) كما قيل له في قصة رجل أراد قتله: هلا أومأت إلينا بقتله؟ فقال: ~~«ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» ، ذكر هذا القول القاضي أبو يعلى ~~رحمة الله عليه. # قوله تعالى: فلما قضى زيد منها وطرا قال الزجاج: الوطر كل حاجة لك فيها ~~همة، فاذا بلغها البالغ، قيل: قد قضى وطره. وقال غيره: قضاء الوطر في ~~اللغة: بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء، ثم صار عبارة عن الطلاق، لأن ~~الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة. والمعنى: لما قضى زيد ~~حاجته من نكاحها زوجناكها، وإنما ذكر قضاء الوطر ها هنا ليبين أن امرأة ~~المتبني تحل وإن وطئها، وهو قوله تعالى: لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ~~أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا والمعنى: زوجناك زينب- وهي امرأة زيد ~~الذي تبنيته- لكيلا يظن أن امرأة المتبنى لا يحل نكاحها. # (1146) وروى مسلم في أفراده من حديث أنس بن مالك قال: لما انقضت عدة زينب ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: «اذهب فاذكرها علي» ، قال زيد: ~~فانطلقت، فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، لأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، وقلت: يا ~~زينب، أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة ~~شيئا حتى أؤامر ms1828 «1» ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن. # وذكر أهل العلم أن من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أجيز له ~~التزويج بغير مهر ليخلص قصد PageV03P468 # زوجاته لله عز وجل دون العوض، وليخفف عنه، وأجيز له التزويج بغير ولي، ~~لأنه مقطوع بكفاءته، وكذلك هو مستغن في نكاحه عن الشهود. # (1147) وكانت زينب تفاخر نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجكن ~~أهلوكن وزوجني الله عز وجل. ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 38 الى # 40] # ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل ~~وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا ~~يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (39) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ~~ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما (40) # قوله تعالى: ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له قال قتادة: فيما ~~أحل الله عز وجل له من النساء. قوله تعالى: سنة الله هي منصوبة على المصدر، ~~لأن معنى ما كان على النبي من حرج: # سن الله عز وجل سنة واسعة لا حرج فيها. والذين خلوا: هم النبيون فالمعنى: ~~أن سنة الله عز وجل في التوسعة على محمد فيما فرض له، كسنته في الأنبياء ~~الماضين. قال ابن السائب: هكذا سنة الله في الأنبياء، كداود، فانه كان له ~~مائة امرأة، وسليمان كان له سبعمائة امرأة وثلاثمائة سرية «1» ، وكان أمر ~~الله قدرا مقدورا أي: قضاء مقضيا. وقال ابن قتيبة: «سنة الله في الذين ~~خلوا» معناه: لا حرج على أحد فيما لم يحرم عليه. ثم أثنى الله تعالى على ~~الأنبياء بقوله تعالى: الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا ~~إلا الله أي: لا يخافون لائمة الناس وقولهم فيما أحل لهم. وباقي الآية قد ~~تقدم بيانه «2» . # قوله تعالى: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم قال المفسرون: # (1148) لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب، ms1829 قال الناس: إن محمدا ~~قد تزوج امرأة ابنه، فنزلت هذه الآية. والمعنى: ليس بأب لزيد فتحرم عليه ~~زوجته ولكن رسول الله قال الزجاج: من نصبه، PageV03P469 # فالمعنى: ولكن كان رسول الله عليه السلام، وكان خاتم النبيين ومن رفعه، ~~فالمعنى: ولكن هو رسول الله عليه السلام ومن قرأ: «خاتم» بكسر التاء، ~~فمعناه: وختم النبيين ومن فتحها، فالمعنى: # آخر النبيين. قال ابن عباس: يريد: لو لم أختم به النبيين، لجعلت له ولدا ~~يكون بعده نبيا. ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 41 الى # 44] # يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة وأصيلا ~~(42) هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان ~~بالمؤمنين رحيما (43) تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (44) # قوله تعالى: اذكروا الله ذكرا كثيرا قال مجاهد: هو أن لا تنساه أبدا. ~~وقال ابن السائب: يقال: # «ذكرا كثيرا» بالصلوات الخمس. وقال مقاتل بن حيان: هو التسبيح والتحميد ~~والتهليل والتكبير على كل حال. وقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # (1149) «يقول ربكم: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه» . # قوله تعالى: وسبحوه بكرة وأصيلا قال أبو عبيدة: الأصيل: ما بين العصر إلى ~~الليل. # وللمفسرين في هذا التسبيح قولان: أحدهما: أنه الصلاة، واتفق أرباب هذا ~~القول على أن المراد بالتسبيح بكرة: صلاة الفجر. واختلفوا في صلاة الأصيل ~~على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها صلاة العصر، قاله أبو العالية، وقتادة. ~~والثاني: أنها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قاله ابن السائب. الثالث: ~~أنها الظهر والعصر، قاله مقاتل. والقول الثاني: أنه التسبيح باللسان، وهو ~~قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله، قاله مجاهد. # قوله تعالى: هو الذي يصلي عليكم وملائكته في صلاة الله تعالى علينا خمسة ~~أقوال: أحدها: # أنها رحمته، قاله الحسن. والثاني: مغفرته، قاله سعيد بن جبير. والثالث: ~~ثناؤه، قاله أبو العالية. # والرابع: كرامته، قاله سفيان. والخامس: بركته، قاله أبو عبيدة. وفي صلاة ~~الملائكة قولان: أحدهما: # أنها دعاؤهم، ms1830 قاله أبو العالية. والثاني: استغفارهم، قاله مقاتل. وفي ~~الظلمات والنور هاهنا ثلاثة أقوال: # أحدها: الضلالة والهدى، قاله ابن زيد. والثاني: الإيمان والكفر، قاله ~~مقاتل. والثالث: الجنة والنار، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: تحيتهم الهاء والميم كناية عن المؤمنين. فأما الهاء في قوله ~~تعالى: يلقونه ففيها قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى. ثم فيه ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه تحيتهم من الله يوم يلقونه سلام «1» . ~~PageV03P470 # (1150) روى صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يسلم على أهل ~~الجنة. والثاني: تحيتهم من الملائكة يوم يلقون الله تعالى: سلام، قاله ~~مقاتل. وقال أبو حمزة الثمالي: تسلم عليهم الملائكة يوم القيامة، وتبشرهم ~~حين يخرجون من قبورهم. والثالث: تحيتهم بينهم يوم يلقون ربهم: سلام، وهو أن ~~يحيي بعضهم بعضا بالسلام، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # والقول الثاني: أن الهاء ترجع إلى ملك الموت، وقد سبق ذكره في ذكر ~~الملائكة. قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت يقبض روح المؤمن قال له: ربك ~~يقرئك السلام. وقال البراء بن عازب في قوله تعالى: تحيتهم يوم يلقونه قال: ~~ملك الموت، ليس مؤمن يقبض روحه إلا سلم عليه. فأما الأجر الكريم، فهو الحسن ~~في الجنة. ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 45 الى 48] # يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله ~~بإذنه وسراجا منيرا (46) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47) ~~ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ~~(48) # قوله تعالى: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا أي: على أمتك بالبلاغ ~~ومبشرا بالجنة لمن صدقك ونذيرا أي: منذرا بالنار لمن كذبك، وداعيا إلى الله ~~أي: إلى توحيده وطاعته بإذنه أي: بأمره، لا أنك فعلته من تلقاء نفسك وسراجا ~~منيرا أي: أنت لمن اتبعك «سراجا» ، أي: # كالسراج المضيء في الظلمة يهتدى به. # قوله تعالى: وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا وهو الجنة. # (1151) قال جابر بن عبد الله: لما أنزل قوله تعالى: إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا الآيات، قالت PageV03P471 # الصحابة: هنيئا لك يا ms1831 رسول الله، فما لنا؟ فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: ولا تطع الكافرين قد سبق في أول السورة. قوله تعالى: ودع ~~أذاهم قال العلماء: معناه لا تجازهم عليه وتوكل على الله في كفاية شرهم ~~وهذا منسوخ بآية السيف. ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 49] # يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (49) # قوله تعالى: إذا نكحتم المؤمنات قال الزجاج: معنى «نكحتم» تزوجتم «1» . ~~ومعنى «تمسوهن» تقربوهن. وقرأ حمزة، والكسائي: «تماسوهن» بألف. قوله تعالى: ~~فما لكم عليهن من عدة تعتدونها أجمع العلماء أنه إذا كان الطلاق قبل المسيس ~~والخلوة فلا عدة «2» وعندنا أن الخلوة توجب العده PageV03P472 # وتقرر الصداق، خلافا للشافعي رضي الله عنه. قوله تعالى: فمتعوهن المراد ~~به من لم يسم لها مهرا، لقوله تعالى: أو تفرضوا لهن فريضة «1» ، وقد بينا ~~المتعة هنالك. وكان سعيد بن المسيب وقتادة يقولان: هذه الآية منسوخة بقوله ~~تعالى: فنصف ما فرضتم «2» . قوله تعالى: وسرحوهن سراحا جميلا أي: من غير ~~إضرار. وقال قتادة: هو طلاقها طاهرا من غير جماع. وقال القاضي أبو يعلي: ~~الأظهر أن هذا التسريح ليس بطلاق، لأنه قد ذكر الطلاق، وإنما هو بيان أنه ~~لا سبيل له عليها، وأن عليه تخليتها من يده وحباله. ### | فصل: # واختلف العلماء فيمن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، ثم تزوجها فعندنا ~~أنها لا تطلق، وهو قول ابن عباس، وعائشة، والشافعي، واستدل أصحابنا بهذه ~~الآية، وأنه جعل الطلاق بعد النكاح. وقال سماك بن الفضل: النكاح عقدة، ~~والطلاق يحلها، فكيف يحل عقدة لم تعقد؟! فجعل بهذه الكلمة قاضيا على ~~«صنعاء» . وقال أبو حنيفة: ينعقد الطلاق، فاذا وجد النكاح وقع. وقال مالك: # ينعقد ذلك في خصوص النساء، وهو إذا كان في امرأة بعينها، ولا ينعقد في ~~عمومهن. فأما إذا قال: إن ملكت فلانا فهو حر، ففيه عن أحمد روايتان «3» . ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 50 الى 52] # # يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ~~مما أفاء ms1832 الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي ~~هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ~~خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت ~~أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) ترجي من تشاء منهن ~~وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر ~~أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله ~~عليما حليما (51) لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو ~~أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا (52) ~~PageV03P473 ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 50 الى 52] # يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ~~مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي ~~هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ~~خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت ~~أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) ترجي من تشاء منهن ~~وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر ~~أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله ~~عليما حليما (51) لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو ~~أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا (52) # قوله تعالى: إنا أحللنا لك أزواجك ذكر الله تعالى أنواع الأنكحة التي ~~أحلها له، فقال: أزواجك اللاتي آتيت أجورهن أي: مهورهن، وهن اللواتي ~~تزوجتهن بصداق وما ملكت يمينك يعني الجواري مما أفاء الله عليك أي: رده ~~عليك من الكفار، كصفية وجويرية، فانه أعتقهما وتزوجهما وبنات عمك وبنات ~~عماتك يعني نساء قريش وبنات خالك وبنات خالاتك يعني نساء بني زهرة اللاتي ~~هاجرن معك إلى المدينة. قال القاضي ms1833 أبو يعلى: وظاهر هذا يدل على أن من لم ~~تهاجر معه من النساء لم يحل له نكاحها. # (1152) وقالت أم هانئ: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه ~~بعذر، ثم أنزل الله تعالى: إنا أحللنا لك أزواجك إلى قوله تعالى: اللاتي ~~هاجرن معك، قالت: فلم أكن لأحل له، لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء وهذا ~~يدل من مذهبها أن تخصيصه بالمهاجرات قد أوجب حظر من لم تهاجر. # وذكر بعض المفسرين: أن شرط الهجرة في التحليل منسوخ، ولم يذكر ناسخه. ~~وحكى الماوردي في ذلك قولين: أحدهما: أن الهجرة شرط في إحلال النساء له على ~~الإطلاق. والثاني: أنه شرط في إحلال قراباته المذكورات في الآية دون ~~الأجنبيات. # قوله تعالى: وامرأة مؤمنة أي: وأحللنا لك امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها لك، ~~إن أراد النبي أن يستنكحها أي: إن آثر نكاحها خالصة لك أي: خاصة. قال ~~الزجاج: وإنما قال: إن وهبت نفسها للنبي، ولم يقل: «لك» ، لأنه لو قال: ~~«لك» ، جاز أن يتوهم أن ذلك يجوز لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ~~جاز في بنات العم وبنات العمات. و «خالصة» منصوب على الحال. وللمفسرين في ~~معنى «خالصة» ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراة إذا وهبت له نفسها، لم يلزمه ~~صداقها دون غيره من المؤمنين، قاله أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب. والثاني: ~~أن له أن ينكحها بلا ولي ولا مهر دون غيره، قاله PageV03P474 # قتادة. والثالث: خالصة لك أن تملك عقد نكاحها بلفظ الهبة دون المؤمنين، ~~وهذا قول الشافعي، وأحمد. # وفي المرأة التي وهبت له نفسها أقوال: # (1153) أحدها: أم شريك. # (1154) والثاني: خولة بنت حكيم. # (1155) ولم يدخل بواحدة منهما. # (1156) وذكروا أن ليلى بنت الخطيم وهبت نفسها له فلم يقبلها. قال ابن ~~عباس: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له. وقد ~~حكي عن ابن عباس أن التي وهبت نفسها له ميمونة بنت الحارث، وعن الشعبي: ~~أنها زينب بنت خزيمة. والأول: أصح. # قوله تعالى: قد علمنا ما فرضنا عليهم ms1834 أي: على المؤمنين غيرك في أزواجهم ~~وفيه قولان: # أحدهما: أن لا يجاوز الرجل أربع نسوة، قاله مجاهد. والثاني: أن لا يتزوج ~~الرجل المرأة إلا بولي وشاهدين وصداق، قاله قتادة. قوله تعالى: وما ملكت ~~أيمانهم أي: وما أبحنا لهم من ملك اليمين مع الأربع الحرائر من غير عدد ~~محصور. # قوله تعالى: لكيلا يكون عليك حرج هذا فيه تقديم المعنى: أحللنا لك ~~أزواجك، إلى قوله تعالى: خالصة لك من دون المؤمنين لكيلا يكون عليك حرج. # قوله تعالى: ترجي من تشاء منهن قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو ~~بكر عن عاصم: # «ترجئ» مهموزا وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: بغير همز. # (1157) وسبب نزولها أنه لما نزلت آية التخيير المتقدمة «1» ، أشفقن أن ~~يطلقن، فقلن: يا PageV03P475 # نبي الله، اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا، فنزلت هذه ~~الآية، قاله أبو رزين. # وفي معنى الآية أربعة أقوال «1» : أحدها: تطلق من تشاء من نسائك، وتمسك ~~من تشاء من نسائك، قاله ابن عباس. والثاني: تترك نكاح من تشاء، وتنكح من ~~نساء أمتك من تشاء، قاله الحسن. # والثالث: تعزل من شئت من أزواجك فلا تأتيها بغير طلاق، وتأتي من تشاء فلا ~~تعزلها. قاله مجاهد. # والرابع: تقبل من تشاء من المؤمنات اللواتي يهبن أنفسهن، وتترك من تشاء، ~~قاله الشعبي، وعكرمة. # وأكثر العلماء على أن هذه الآية نزلت مبيحة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مصاحبة نسائه كيف شاء من غير إيجاب القسمة عليه والتسوية بينهن. غير ~~أنه كان يسوي بينهن. وقال الزهري: ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أرجأ منهن أحدا، ولقد آواهن كلهن حتى مات. # (1158) وقال أبو رزين: آوى عائشة، وأم سلمة، وحفصة، وزينب، وكان قسمه من ~~نفسه وماله فيهن سواء. وأرجأ سودة، وجويرية، وصفية، وأم حبيبة، وميمونة، ~~وكان يقسم لهن ما شاء. وكان أراد فراقهن فقلن: اقسم لنا ما شئت، ودعنا على ~~حالنا. # (1159) وقال قوم: إنه أرجأ سودة وحدها لأنها وهبت يومها لعائشة، فتوفي ~~وهو يقسم لثمان. # قوله تعالى: وتؤوي ms1835 أي: تضم، ومن ابتغيت ممن عزلت أي: إذا أردت أن تؤوي ~~إليك امرأة ممن عزلت من القسمة فلا جناح عليك أي: لا ميل عليك بلوم ولا عتب ~~ذلك أدنى أن تقر أعينهن أي: ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أقرب إلى ~~رضاهن. والمعنى: إنهن إذا علمن أن هذا أمر من الله تعالى، كان أطيب ~~لأنفسهن. وقرأ ابن محيصن، وأبو عمران الجوني: «أن تقر» بضم التاء وكسر ~~القاف «أعينهن» بنصب النون. ويرضين بما آتيتهن كلهن أي: بما أعطيتهن من ~~تقريب وتأخير والله يعلم ما في قلوبكم من الميل إلى بعضهن. والمعنى: إنما ~~خيرناك تسهيلا عليك. # قوله تعالى: لا يحل لك النساء كلهم قرأ: «لا يحل» بالياء، غير أبي عمرو، ~~فانه قرأ بالتاء والتأنيث ليس بحقيقي، إنما هو تأنيث الجمع، فالقراءتان ~~حسنتان. وفي قوله تعالى: من بعد ثلاثة PageV03P476 # أقوال: أحدها: من بعد نسائك اللواتي خيرتهن فاخترن الله تعالى ورسوله، ~~قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة في آخرين، وهن التسع، فصار مقصورا عليهن ~~ممنوعا من غيرهن. وذكر أهل العلم أن طلاقه لحفصة وعزمه على طلاق سودة كان ~~قبل التخيير. والثاني: من بعد الذي أحللنا لك، فكانت الإباحة بعد نسائه ~~مقصورة على المذكور في قوله تعالى: «إنا أحللنا لك أزواجك» إلى قوله تعالى: ~~خالصة لك قاله أبي بن كعب، والضحاك. والثالث: لا تحل لك النساء غير ~~المسلمات كاليهوديات والنصرانيات والمشركات، وتحل لك المسلمات، قاله مجاهد. # قوله تعالى: ولا أن تبدل بهن فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن تطلق زوجاتك ~~وتستبدل بهن سواهن، قاله الضحاك. والثاني: أن تبدل بالمسلمات المشركات، ~~قاله مجاهد في آخرين. # (1160) والثالث: أن تعطي الرجل زوجتك وتأخذ زوجته، وهذه كانت عادة ~~للجاهلية، قاله أبو هريرة، وابن زيد. # قوله تعالى: إلا ما ملكت يمينك يعني الإماء. وفي معنى الكلام ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: إلا أن تملك بالسبي، فيحل لك وطؤها وإن كانت من غير الصنف الذي ~~أحللته لك وإلى هذا أومأ أبي بن كعب في آخرين. والثاني: إلا أن تصيب يهودية ~~أو نصرانية فتطأها بملك اليمين، ms1836 قاله ابن عباس ومجاهد. والثالث: إلا أن ~~تبدل أمتك بأمة غيرك، قاله ابن زيد. # قال أبو سليمان الدمشقي: وهذه الأقوال جائزة، إلا أنا لا نعلم أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نكح يهودية ولا نصرانية بتزويج ولا ملك يمين. # (1161) ولقد سبى ريحانة القرظية فلم يدن منها حتى أسلمت. ### | فصل: # واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين: # أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: إنا أحللنا لك أزواجك، وهذا مروي عن ~~علي، وابن عباس، وعائشة، وأم سلمة، وعلي بن الحسين، والضحاك. # (1162) وقالت عائشة: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له ~~النساء، قال أبو سليمان الدمشقي: PageV03P477 # يعني نساء جميع القبائل من المهاجرات وغير المهاجرات. # والقول الثاني: أنها محكمة ثم فيها قولان: أحدهما: أن الله تعالى أثاب ~~نساءه حين اخترنه بأن قصره عليهن، فلم يحل له غيرهن، ولم ينسخ هذا، قاله ~~الحسن وابن سيرين وأبو أمامة بن سهل وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. ~~والثاني: أن المراد بالنساء ها هنا: الكافرات، ولم يجز له أن يتزوج كافرة، ~~قاله مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وجابر بن زيد. ### | [سورة الأحزاب (33) : آية 53] # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ~~ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين ~~لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا ~~سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان ~~لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند ~~الله عظيما (53) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الآية. في سبب ~~نزولها ستة أقوال: # (1163) الأول: أخرجاه في «الصحيحين» من حديث أنس بن مالك، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب بنت جحش دعا القوم، فطعموا ثم جلسوا ~~يتحدثون، فأخذ كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام وقام من ~~القوم من قام، ms1837 وقعد ثلاثة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل فاذا ~~القوم جلوس، فرجع، وإنهم قاموا فانطلقوا، وجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، وذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، ~~وأنزل الله تعالى هذه الآية. # (1164) والثاني: أن ناسا من المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك، ثم يأكلون ولا يخرجون، ~~فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأذى بهم، فنزلت هذه الآية، قاله ابن ~~عباس. # (1165) والثالث: أن عمر بن الخطاب قال: قلت يا رسول الله! إن نساءك يدخل ~~عليهن البر PageV03P478 # والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، أخرجه البخاري من حديث ~~أنس، وأخرجه مسلم من حديث ابن عمر، كلاهما عن عمر. # (1166) والرابع: أن عمر أمر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجاب، ~~فقالت زينب: يا ابن الخطاب، إنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا؟! فنزلت ~~الآية، قاله ابن مسعود. # (1167) والخامس: أن عمر كان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: احجب ~~نساءك، فلا يفعل، فخرجت سودة ليلة، فقال عمر: قد عرفناك يا سودة- حرصا على ~~أن ينزل الحجاب- فنزل الحجاب، رواه عكرمة عن عائشة. # (1168) والسادس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطعم معه بعض ~~أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، وكانت معهم، فكره النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك، فنزلت آية الحجاب، قاله مجاهد. # قوله تعالى: إلا أن يؤذن لكم إلى طعام أي: أن تدعوا إليه «1» غير ناظرين ~~أي: منتظرين أن. قال الزجاج: موضع «أن» نصب والمعنى: إلا بأن يؤذن أو لأن ~~يؤذن، و «غير» منصوبة على الحال المعنى: إلا أن يؤذن لكم غير منتظرين. و ~~«إناه» : نضجه وبلوغه. PageV03P479 # قوله تعالى: فانتشروا أي: فاخرجوا. قوله تعالى: ولا مستأنسين لحديث ~~المعنى: ولا تدخلوا مستأنسين، أي: طالبي الأنس لحديث، وذلك أنهم كانوا ~~يجلسون بعد الأكل فيتحدثون طويلا، وكان ذلك يؤذيه، ويستحيي أن يقول لهم: ~~قوموا، فعلمهم الله تعالى الأدب، فذلك قوله تعالى: والله لا ms1838 يستحيي من الحق ~~أي: لا يترك ان يبين لكم ما هو الحق وإذا سألتموهن متاعا أي: شيئا يستمتع ~~به وينتفع به من آلة المنزل فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر أي: سؤالكم ~~إياهن المتاع من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من الريبة. # قوله تعالى: وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله أي: ما كان لكم أذاه في شيء ~~من الأشياء. # قال أبو عبيدة: «كان» من حروف الزوائد. والمعنى: ما لكم أن تؤذوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا. # (1169) روى عطاء عن ابن عباس، قال: كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: لو توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة، فأنزل ~~الله تعالى ما أنزل. # (1170) وزعم مقاتل أن ذلك الرجل طلحة بن عبيد الله. # قوله تعالى: إن ذلكم يعني نكاح أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~عند الله عظيما أي: ذنبا عظيم العقوبة. PageV03P480 ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 54 الى # 55] # إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما (54) لا جناح عليهن ~~في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ~~ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا ~~(55) # قوله تعالى: إن تبدوا شيئا أو تخفوه قيل: إنها نزلت فيما أبداه القائل: ~~لئن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لأتزوجن عائشة «1» . قوله تعالى: لا ~~جناح عليهن في آبائهن. قال المفسرون: # (1171) لما نزلت آية الحجاب، قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فأنزل الله تعالى: لا ~~جناح عليهن في آبائهن أي: في أن يروهن ولا يحتجبن عنهم، إلى قوله تعالى: ~~ولا نسائهن قال ابن عباس: يعني نساء المؤمنين، لأن نساء اليهود والنصارى ~~يصفن لأزواجهن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رأينهن. # فان قيل: ما بال العم والخال لم يذكرا؟ فعنه جوابان: أحدهما: لأن المرأة ms1839 ~~تحل لأبنائهما، فكره أن تضع خمارها عند عمها وخالها، لأنهما ينعتانها ~~لأبنائهما، هذا قول الشعبي وعكرمة. والثاني: # لأنهما يجريان مجرى الوالدين فلم يذكرا، قاله الزجاج. # فأما قوله تعالى: ولا ما ملكت أيمانهن ففيه قولان: أحدهما: أنه أراد ~~الإماء دون العبيد، قاله سعيد بن المسيب. والثاني: أنه عام في العبيد ~~والإماء. قال ابن زيد: كن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحتجبن من ~~المماليك. وقد سبق بيان هذا في سورة النور «2» . # قوله تعالى: واتقين الله أي: أن يراكن غير هؤلاء إن الله كان على كل شيء ~~شهيدا أي: لم يغب عنه شيء. ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 56 الى 58] # إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما (56) إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد ~~لهم عذابا مهينا (57) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد ~~احتملوا بهتانا وإثما مبينا (58) # قوله تعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي في صلاة الله وصلاة ~~الملائكة أقوال قد تقدمت في هذه السورة «3» . # قوله تعالى: صلوا عليه. قال كعب بن عجرة: # (1172) قلنا: يا رسول الله قد عرفنا التسليم عليك، فكيف الصلاة عليك؟ ~~فقال: قولوا: «اللهم PageV03P481 # صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، ~~وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» ، ~~أخرجه البخاري ومسلم. ومعنى قوله قد علمنا التسليم عليك: ما يقال في ~~التشهد: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» . وذهب ابن السائب ~~إلى أن معنى التسليم: سلموا لما يأمركم به. # قوله تعالى: إن الذين يؤذون الله ورسوله اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة ~~أقوال: # (1173) أحدها: في الذين طعنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اتخذ ~~صفية بنت حيي، قاله ابن عباس. # والثاني: نزلت في المصورين، قاله عكرمة. # والثالث: في المشركين واليهود والنصارى، وصفوا الله تعالى بالولد وكذبوا ~~رسوله وشجوا وجهه وكسروا رباعيته وقالوا: مجنون شاعر ساحر كذاب. ومعنى أذى ~~الله: وصفه ms1840 بما هو منزه عنه «1» ، PageV03P482 # وعصيانه ولعنهم في الدنيا: بالقتل والجلاء، وفي الآخرة: بالنار. # قوله تعالى: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات في سبب نزولها أربعة أقوال: # (1174) أحدها: أن عمر بن الخطاب رأى جارية متبرجة فضربها، وكف ما رأى من ~~زينتها، فذهبت إلى أهلها تشكو، فخرجوا إليه فآذوه، فنزلت هذه الآية، رواه ~~عطاء عن ابن عباس. # (1175) والثاني: أنها نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة ~~يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيرون المرأة فيدنون منها ~~فيغمزونها، وإنما كانوا يؤذون الإماء، غير أنه لم تكن الأمة تعرف من الحرة، ~~فشكون ذلك إلى أزواجهن، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت ~~هذه الآية، قاله السدي. # (1176) والثالث: أنها نزلت فيمن تكلم في عائشة وصفوان بن المعطل بالإفك، ~~قاله الضحاك. # (1177) والرابع: أن ناسا من المنافقين آذوا علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # قال المفسرون: ومعنى الآية: يرمونهم بما ليس فيهم. ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 59 الى # 62] # يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ~~ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) لئن لم ينته ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا ~~يجاورونك فيها إلا قليلا (60) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ~~(61) سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (62) ~~PageV03P483 # قوله تعالى: يا أيها النبي قل لأزواجك الآية. سبب نزولها: # (1178) أن الفساق كانوا يؤذون النساء إذا خرجن بالليل، فاذا رأوا المرأة ~~عليها قناع تركوها وقالوا: هذه حرة، وإذا رأوها بغير قناع قالوا: أمة، ~~فآذوها، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. # قوله تعالى: يدنين عليهن من جلابيبهن قال ابن قتيبة: يلبسن الأردية. وقال ~~غيره: يغطين رؤوسهن ووجوههن ليعلم أنهن حرائر ذلك أدنى أي: أحرى وأقرب أن ~~يعرفن أنهن حرائر فلا يؤذين. قوله تعالى: لئن لم ينته المنافقون أي: عن ~~نفاقهم والذين في قلوبهم مرض أي: فجور، وهم الزناة والمرجفون في المدينة ~~بالكذب والباطل، ms1841 يقولون: أتاكم العدو، وقتلت سراياكم وهزمت لنغرينك بهم أي: ~~لنسلطنك عليهم بأن نأمرك بقتالهم. قال المفسرون: وقد أغري بهم، فقيل له: # جاهد الكفار والمنافقين «1» . وقال يوم جمعة: # (1179) «اخرج يا فلان من المسجد فانك منافق. قم يا فلان فانك منافق» . # ثم لا يجاورونك فيها ثم لا يجاورونك فيها أي: في المدينة إلا قليلا حتى ~~يهلكوا، ملعونين منصوب على الحال أي: لا يجاورونك إلا وهم ملعونون أينما ~~ثقفوا أي: وجدوا وأدركوا أخذوا وقتلوا تقتيلا معنى الكلام: الأمر، أي: هذا ~~الحكم فيهم، سنة الله أي: سن في الذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن ~~يفعل بهم هذا. ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 63 الى # 68] # يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون ~~قريبا (63) إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (64) خالدين فيها أبدا لا ~~يجدون وليا ولا نصيرا (65) يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا ~~الله وأطعنا الرسولا (66) وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا (67) # ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (68) # قوله تعالى: يسئلك الناس عن الساعة قال عروة: الذي سأله عنها عتبة بن ~~ربيعة. # قوله تعالى: وما يدريك أي: أي شيء يعلمك أمر الساعة ومتى تكون؟ والمعنى: ~~أنت لا تعرف ذلك ثم قال: لعل الساعة تكون قريبا فإن قيل: هلا قال: قريبة؟ ~~فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: PageV03P484 # أنه أراد الظرف، ولو أراد صفة الساعة بعينها، لقال: قريبة، هذا قول أبي ~~عبيدة. والثاني: أن المعنى راجع إلى البعث، أو إلى مجيء الساعة. والثالث: ~~أن تأنيث الساعة غير حقيقي، ذكرهما الزجاج. وما بعد هذا قد سبق بيان ألفاظه ~~«1» . # فأما قوله تعالى: وأطعنا الرسولا فقال الزجاج: الاختيار الوقف بألف، لأن ~~أواخر الآي وفواصلها تجري مجرى أواخر الأبيات، وإنما خوطبوا بما يعقلونه من ~~الكلام المؤلف ليدل بالوقف بزيادة الحرف أن الكلام قد تم، وقد أشرنا إلى ~~هذا في قوله تعالى: الظنونا «2» . # قوله تعالى: أطعنا سادتنا وكبراءنا أي: أشرافنا وعظماءنا. قال مقاتل: هم ~~المطعمون في غزاة بدر. وكلهم قرءوا: ms1842 «سادتنا» على التوحيد، غير ابن عامر، ~~فانه قرأ: «ساداتنا» على الجمع مع كسر التاء، ووافقه المفضل، ويعقوب، إلا ~~أبا حاتم فأضلونا السبيلا أي: عن سبيل الهدى، ربنا آتهم يعنون السادة ضعفين ~~أي: ضعفي عذابنا، والعنهم لعنا كبيرا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي: «كثيرا» بالثاء. وقرأ عاصم، وابن عامر: «كبيرا» . وقال ~~أبو علي: الكثرة أشبه بالمرار المتكررة من الكبر. ### | ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 69 الى # 71] # يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ~~وكان عند الله وجيها (69) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا ~~سديدا (70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز ~~فوزا عظيما (71) # قوله تعالى: لا تكونوا كالذين آذوا موسى أي: لا تؤذوا محمدا كما آذى بنو ~~إسرائيل موسى فينزل بكم ما نزل بهم، وفي ما آذوا به موسى أربعة أقوال: # (1180) أحدها: أنهم قالوا: هو آدر، فذهب يوما يغتسل، ووضع ثوبه على حجر، ~~ففر الحجر PageV03P485 # بثوبه، فخرج في طلبه، فرأوه فقالوا: والله ما به من بأس. والحديث مشهور ~~في الصحاح كلها من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ~~ذكرته باسناده في «المغني» و «الحدائق» . قال ابن قتيبة: # والآدر: عظيم الخصيتين. # (1181) والثاني: أن موسى صعد الجبل ومعه هارون، فمات هارون، فقال بنو ~~إسرائيل: أنت قتلته فآذوه بذلك، فأمر الله تعالى الملائكة فحملته حتى مرت ~~به على بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة بموته حتى عرف بنو إسرائيل أنه مات، ~~فبرأه الله تعالى من ذلك، قاله علي عليه السلام. PageV03P486 # (1182) والثالث: أن قارون استأجر بغيا لتقذف موسى بنفسها على ملأ من بني ~~إسرائيل فعصمها الله تعالى وبرأ موسى من ذلك، قاله أبو العالية. # والرابع: أنهم رموه بالسحر والجنون، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: وكان عند الله وجيها قال ابن عباس: كان عند الله تعالى حظيا ~~لا يسأله شيئا إلا أعطاه. وقد بينا معنى الوجيه في سورة آل عمران «1» . ~~وقرأ ابن مسعود والأعمش، وأبو حيوة: «وكان عبد الله» ms1843 بالتنوين والباء وكسر ~~اللام. # قوله تعالى: وقولوا قولا سديدا فيه أربعة قوال: أحدها: صوابا، قاله ابن ~~عباس. والثاني: # صادقا، قاله الحسن. والثالث: عدلا، قاله السدي. والرابع: قصدا، قاله ابن ~~قتيبة. ثم في المراد بهذا القول ثلاثة أقوال: أحدها: أنه «لا إله إلا الله» ~~، قاله ابن عباس وعكرمة. والثاني: أنه العدل في جميع الأقوال، والأعمال، ~~قاله قتادة. والثالث: في شأن زينب وزيد، ولا تنسبوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى ما لا يصلح، قاله مقاتل بن حيان. قوله تعالى: يصلح لكم ~~أعمالكم فيه قولان: أحدهما: يتقبل حسناتكم، قاله ابن عباس. والثاني: يزكي ~~أعمالكم، قاله مقاتل. قوله تعالى: فقد فاز فوزا عظيما أي: نال الخير وظفر ~~به. ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 72 الى 73] # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (72) ليعذب الله المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان ~~الله غفورا رحيما (73) # قوله تعالى: إنا عرضنا الأمانة فيها قولان «2» : # أحدهما: أنها الفرائض، عرضها الله على السموات والأرض والجبال، إن أدتها ~~أثابها، وإن ضيعتها عذبها، فكرهت ذلك وعرضها على آدم فقبلها بما فيها، رواه ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس وكذلك قال سعيد بن جبير: عرضت الأمانة على آدم ~~فقيل له: تأخذها بما فيها، إن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذبتك، فقال: قبلت، ~~فما كان إلا كما بين صلاة العصر إلى أن غربت الشمس حتى أصاب الذنب. وممن ~~ذهب إلى أنها الفرائض قتادة والضحاك والجمهور. # والثاني: أنها الأمانة التي يأتمن الناس بعضهم بعضا عليها. روى السدي عن ~~أشياخه أن آدم لما أراد الحج قال للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، فأبت، وقال ~~للأرض، فأبت، وقال للجبال، فأبت، فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وتجيء وتجد ~~أهلك كما يسرك، فلما انطلق آدم قتل قابيل هابيل، PageV03P487 # فرجع آدم فوجد ابنه قد قتل أخاه، فذلك حيث يقول الله عز وجل: إنا عرضنا ~~الأمانة إلى قوله: # وحملها الإنسان وهو ابن آدم، فما قام بها. # وحكى ابن ms1844 قتيبة عن بعض المفسرين أن آدم لما حضرته الوفاة قال: يا رب، من ~~أستخلف من بعدي؟ فقيل له: اعرض خلافتك على جميع الخلق، فعرضها، فكل أباها ~~غير ولده. وللمفسرين في المراد بعرض الأمانة على السموات والأرض قولان: ~~أحدهما: أن الله تعالى ركب العقل في هذه الأعيان، وأفهمهن خطابه، وأنطقهن ~~بالجواب حين عرضها عليهن، ولم يرد بقوله: «أبين» المخالفة، ولكن أبين ~~للخشية والمخافة، لأن العرض كان تخييرا لا إلزاما، و «أشفقن» بمعنى خفن ~~منها أن لا يؤدينها فيلحقهن العقاب، هذا قول الأكثرين. والثاني: أن المراد ~~بالآية: إنا عرضنا الأمانة على أهل السموات وأهل الأرض وأهل الجبال من ~~الملائكة، قاله الحسن. # وفي المراد بالإنسان أربعة أقوال: أحدها: آدم في قول الجمهور. والثاني: ~~قابيل في قول السدي. والثالث: الكافر والمنافق، قاله الحسن. والرابع: جميع ~~الناس، قاله ثعلب. # قوله تعالى: إنه كان ظلوما جهولا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ظلوما لنفسه، ~~غرا بأمر ربه، قاله ابن عباس، والضحاك. والثاني: ظلوما لنفسه، جهولا بعاقبة ~~أمره، قاله مجاهد. والثالث: ظلوما بمعصية ربه، جهولا بعقاب الأمانة، قاله ~~ابن السائب. # وذكر الزجاج في الآية وجها يخالف أكثر الأقوال، وذكر أنه موافق للتفسير ~~فقال: إن الله تعالى ائتمن بني آدم على ما افترضه عليهم من طاعته، وائتمن ~~السموات والأرض والجبال على طاعته والخضوع له، فأما السموات والأرض فقالتا: ~~أتينا طائعين «1» وأعلمنا أن من الحجارة ما يهبط من خشية الله، وأن الشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والملائكة يسجدون لله، فعرفنا الله تعالى أن ~~السموات والأرض لم تحتمل الأمانة، لأنها أدتها، وأداؤها: طاعة الله وترك ~~معصيته، وكل من خان الأمانة فقد احتملها، وكذلك كل من أثم فقد احتمل الإثم، ~~وكذلك قال الحسن: «وحملها الإنسان» أي: الكافر والمنافق حملاها، أي: خانا ~~ولم يطيعا فأما من أطاع، فلا يقال: كان ظلوما جهولا. # قوله تعالى: ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب ~~الله على المؤمنين والمؤمنات قال ابن قتيبة: المعنى: عرضنا ذلك ليظهر نفاق ~~المنافق وشرك المشرك فيعذبهم الله، ويظهر إيمان المؤمنين فيتوب الله عليهم، ~~أي: ms1845 يعود عليهم بالرحمة والمغفرة إن وقع منهم تقصير في الطاعات. ~~PageV03P488 ### | سورة سبأ # وهي مكية بإجماعهم. وقال الضحاك، وابن السائب، ومقاتل: فيها آية مدنية، ~~وهي قوله تعالى: # ويرى الذين أوتوا العلم «1» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 1 الى # 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو ~~الحكيم الخبير (1) يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل ~~بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (3) ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم (4) # والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم (5) ويرى ~~الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز ~~الحميد (6) # قوله تعالى: الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ملكا وخلقا ~~وله الحمد في الآخرة يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة، فيقولون: الحمد لله ~~الذي صدقنا وعده «2» الحمد لله الذي هدانا لهذا «3» الحمد لله الذي أذهب ~~عنا الحزن «4» . يعلم ما يلج في الأرض من بذر أو مطر أو كنز أو غير ذلك وما ~~يخرج منها من زرع ونبات وغير ذلك وما ينزل من السماء من مطر أو رزق أو ملك ~~وما يعرج فيها من ملك أو عمل أو دعاء. وقال الذين كفروا يعني منكري البعث ~~لا تأتينا الساعة أي: لا نبعث «5» . # قوله تعالى: عالم الغيب قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو: «عالم الغيب» بكسر ~~الميم، وقرأ PageV03P489 # نافع وابن عامر برفعها. وقرأ حمزة والكسائي: «علام الغيب» بالكسر ولام ~~قبل الألف. قال أبو علي: # من كسر فعلى معنى: الحمد لله عالم الغيب ومن رفع جاز أن يكون «عالم ~~الغيب» خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو عالم الغيب، ويجوز أن يكون ابتداء خبره ~~لا ms1846 يعزب عنه و «علام» أبلغ من «عالم» . وقرأ الكسائي وحده: «لا يعزب» بكسر ~~الزاي وهما لغتان. # قوله تعالى: ولا أصغر من ذلك وقرأ ابن السميفع، والنخعي، والأعمش: «ولا ~~أصغر من ذلك ولا أكبر» بالنصب فيهما. قوله تعالى: ليجزي الذين آمنوا قال ~~الزجاج: المعنى: بل وربي لتأتينكم المجازاة، وقال ابن جرير: المعنى: أثبت ~~مثقال الذرة وأصغر منه في كتاب مبين، ليجزي الذين آمنوا، وليري الذين أوتوا ~~العلم. # قوله تعالى: من رجز أليم قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، ويعقوب، والمفضل: ~~«من رجز أليم» رفعا والباقون بالخفض فيهما «1» . وفي الذين أوتوا العلم ~~قولان: أحدهما: أنهم مؤمنوا أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه، رواه ~~أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ~~قتادة. # قوله تعالى: الذي أنزل إليك من ربك يعني القرآن هو الحق قال الفراء: «هو» ~~عماد للذي، فلذلك انتصب الحق. وما أخللنا به فقد سبق في مواضع «2» . ### | ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 7 الى # 9] # وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي ~~خلق جديد (7) أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في ~~العذاب والضلال البعيد (8) أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من ~~السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ~~ذلك لآية لكل عبد منيب (9) # قوله تعالى: وقال الذين كفروا وهم منكروا البعث، قال بعضهم لبعض: هل ~~ندلكم على رجل ينبئكم أي: يقول لكم: إنكم إذا مزقتم كل ممزق أي: فرقتم كل ~~فريق والممزق ها هنا مصدر بمعنى التمزيق إنكم لفي خلق جديد أي: يجدد خلقكم ~~للبعث. ثم أجاب بعضهم فقالوا: أفترى على الله كذبا حين زعم أنا نبعث؟! وألف ~~«أفترى» ألف استفهام، وهو استفهام تعجب وإنكار، أم به جنة أي: جنون؟! فرد ~~الله تعالى عليهم فقال: بل أي: ليس الأمر كما تقولون من الافتراء والجنون، ~~بل الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم الذين يجحدون البعث في ms1847 العذاب إذا بعثوا في ~~الآخرة والضلال البعيد من الحق في الدنيا. ثم وعظهم فقال: أفلم يروا إلى ما ~~بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض وذلك أن الإنسان حيثما نظر رأى ~~السماء والأرض قدامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله فالمعنى أنهم أين كانوا ~~فأرضي وسمائي محيطة بهم، وأنا القادر عليهم، إن شئت خسفت بهم الأرض، وإن ~~شئت أسقطت عليهم قطعة من السماء إن في ذلك أي: فيما يرون من السماء والأرض ~~PageV03P490 # لآية تدل على قدرة الله تعالى على بعثهم والخسف بهم لكل عبد منيب أي: ~~راجع إلى طاعة الله، متأمل لما يرى. ### | ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 10 الى # 11] # ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد (10) ~~أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير (11) # قوله تعالى: ولقد آتينا داود منا فضلا وهو النبوة والزبور وتسخير الجبال ~~والطير، إلى غير ذلك مما أنعم الله به عليه يا جبال أوبي معه وروى الحلبي ~~عن عبد الوارث: «أوبي» بضم الهمزة وتخفيف الواو. قال الزجاج: المعنى: ~~وقلنا: يا جبال أوبي معه، أي: ارجعي معه. والمعنى: سبحي معه ورجعي التسبيح. ~~ومن قرأ: «أوبي» معناه: عودي في التسبيح معه كلما عاد. وقال ابن قتيبة: ~~«أوبي» أي: سبحي، وأصل التأويب في السير، وهو أن يسير النهار كله، وينزل ~~ليلا، فكأنه أراد: ادأبي النهار كله بالتسبيح إلى الليل. # قوله تعالى: والطير وقرأ أبو رزين، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ~~العالية، وابن أبي عبلة: # «والطير» بالرفع. فأما قراءة النصب، فقال أبو عمرو بن العلاء: هو عطف على ~~قوله عز وجل: ولقد آتينا داود منا فضلا والطير أي: وسخرنا له الطير. قال ~~الزجاج: ويجوز أن يكون نصبا على النداء، كأنه قال: دعونا الجبال والطير، ~~فالطير معطوف على موضع الجبال، وكل منادى عند البصريين فهو في موضع نصب ~~قال: وأما الرفع، فمن جهتين: إحداهما: أن يكون نسقا على ما في «أوبي» ~~فالمعنى يا جبال رجعي التسبيح معه أنت والطير. والثانية: على النداء، ms1848 ~~المعنى: يا جبال ويا أيها الطير أوبي معه. # قال ابن عباس: كانت الطير تسبح معه إذا سبح، وكان إذا قرأ لم تبق دابة ~~إلا استمعت لقراءته وبكت لبكائه. وقال وهب بن منبه: كان يقول للجبال: سبحي. ~~وللطير: أجيبي، ثم يأخذ هو في تلاوة الزبور بين ذلك بصوته الحسن، فلا يرى ~~الناس منظرا أحسن من ذلك، ولا يسمعون شيئا أطيب منه. قوله تعالى: وألنا له ~~الحديد أي: جعلناه لينا. قال قتادة: سخر الله له الحديد بغير نار، فكان ~~يسويه بيده، لا يدخله النار، ولا يضربه بحديدة، وكان أول من صنع الدروع، ~~وكانت قبل ذلك صفائح. # قوله تعالى: أن اعمل قال الزجاج: معناه: وقلنا له: اعمل، ويكون في معنى ~~«لأن يعمل» سابغات أي: دروعا سابغات، فذكر الصفة لأنها تدل على الموصوف. ~~قال المفسرون: كان يأخذ الحديد بيده فيصير كأنه عجين يعمل به ما يشاء، ~~فيعمل الدروع في بعض يوم فيبيعه بمال كثير، فيأكل ويتصدق. والسابغات: ~~الدروع الكوامل التي تغطي لابسها حتى تفضل عنه فيجرها على الأرض. # وقدر في السرد أي: اجعله على قدر الحاجة. قال ابن قتيبة: السرد: النسج، ~~ومنه يقال لصانع الدروع: سراد وزراد، تبدل من السين الزاي، كما يقال: سراط ~~وزراط. وقال الزجاج: السرد في اللغة: تقدمة الشيء إلى الشيء تأتي به متسقا ~~بعضه في إثر بعض متتابعا، ومنه قولهم: سرد فلان الحديث. وفي معنى الكلام ~~قولان: أحدهما: عدل المسمار في الحلقة ولا تصغره فيقلق، ولا تعظمه فتنفصم ~~الحلقة، قاله مجاهد. والثاني: لا تجعل حلقه واسعة فلا تقي صاحبها، قاله ~~قتادة. قوله تعالى: # واعملوا صالحا خطاب لداود وآله. # PageV03P491 ### | ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 12 الى # 14] # ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من ~~يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير (12) ~~يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل ~~داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على ~~موته إلا دابة ms1849 الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون ~~الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14) # قوله تعالى: ولسليمان الريح قرأ الأكثرون بنصب الريح على معنى: وسخرنا ~~لسليمان الريح. # وروى أبو بكر، والمفضل عن عاصم: «الريح» رفعا، أي: له تسخير الريح. وقرأ ~~أبو جعفر: «الرياح» على الجمع. غدوها شهر قال قتادة: تغدو مسيرة شهر إلى ~~نصف النهار، وتروح مسيرة شهر إلى آخر النهار، فهي تسير في اليوم الواحد ~~مسيرة شهرين. قال الحسن: لما شغلت نبي الله سليمان الخيل عن الصلاة فعقرها، ~~أبدله الله خيرا منها وأسرع وهي الريح، فكان يغدو من دمشق فيقيل بإصطخر ~~وبينهما مسيرة شهر للمسرع، ثم يروح من إصطخر فيبيت بكابل، وبينهما مسيرة ~~شهر للمسرع. قوله تعالى: # وأسلنا له عين القطر قال الزجاج: القطر: النحاس، وهو الصفر، أذيب مذ ذاك، ~~وكان قبل سليمان لا يذوب. قال المفسرون: أجرى الله تعالى: لسليمان عين ~~الصفر حتى صنع منها ما أراد من غير نار، كما ألين لداود الحديد بغير نار، ~~فبقيت تجري ثلاثة أيام ولياليهن كجري الماء وإنما يعمل الناس اليوم مما ~~أعطي سليمان. # قوله تعالى: ومن الجن المعنى: وسخرنا له من الجن من يعمل بين يديه بإذن ~~ربه أي: # بأمره سخرهم الله له، وأمرهم بطاعته والكلام يدل على أن منهم من لم يسخر ~~له ومن يزغ منهم أي: يعدل عن أمرنا له بطاعة سليمان نذقه من عذاب السعير ~~وهل هذا في الدنيا، أم في الآخرة؟ فيه قولان: أحدهما: في الآخرة، قاله ~~الضحاك. والثاني: في الدنيا، قاله مقاتل. وقيل: إنه كان مع سليمان ملك بيده ~~سوط من نار، فمن زاغ من الجن ضربه الملك بذلك السوط. يعملون له ما يشاء من ~~محاريب وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها المساجد، قاله مجاهد، وابن قتيبة. ~~والثاني: # القصور، قاله عطية. والثالث: المساجد والقصور، قاله قتادة. وأما ~~التماثيل، فهي الصور قاله الحسن. ولم تكن يومئذ محرمة ثم فيها قولان: ~~أحدهما: أنها كانت كالطواويس والعقبان والنسور على كرسيه ودرجات سريره لكي ~~يهابها من أراد الدنو ms1850 منه، قاله الضحاك. والثاني: أنها كانت صور النبيين ~~والملائكة لكي يراهم الناس مصورين، فيعبدوا مثل عبادتهم ويتشبهوا بهم، قاله ~~ابن السائب. # وفي ما كانوا يعملونها منه قولان: أحدهما: من النحاس، قاله مجاهد. ~~والثاني: من الرخام والشبه «1» ، قاله قتادة. # قوله تعالى: وجفان كالجواب الجفان: جمع جفنة، وهي القصعة الكبيرة، ~~والجوابي جمع جابية، وهي الحوض الكبير يجبى فيه الماء، أي: يجمع. قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو: «كالجوابي» بياء، PageV03P492 # إلا أن ابن كثير يثبت الياء في الوصل والوقف، وأبو عمرو يثبتها في الوصل ~~دون الوقف. قال الزجاج: # وأكثر القراء على الوقف بغير ياء، وكان الأصل الوقف بالياء، إلا أن ~~الكسرة تنوب عنها. قال المفسرون: كانوا يصنعون له القصاع كحياض الإبل، ~~يجتمع على القصعة الواحدة ألف رجل يأكلون منها. قوله تعالى: وقدور راسيات ~~أي: ثوابت يقال: رسا يرسو: إذا ثبت. وفي علة ثبوتها في مكانها قولان: ~~أحدهما: أن أثافيها «1» منها، قاله ابن عباس. والثاني: أنها لا تنزل ~~لعظمها، قاله ابن قتيبة. قال المفسرون: وكانت القدور كالجبال لا تحرك من ~~أماكنها، يأكل من القدر ألف رجل. قوله تعالى: اعملوا آل داود شكرا المعنى: ~~وقلنا: اعملوا بطاعة الله تعالى، شكرا له على ما آتاكم. # قوله تعالى: فلما قضينا عليه الموت يعني على سليمان. قال المفسرون: كانت ~~الإنس تقول: # إن الجن تعلم الغيب الذي يكون في غد، فوقف سليمان في محرابه يصلي متوكئا ~~على عصاه، فمات، فمكث كذلك حولا والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة ولا تعلم ~~بموته حتى أكلت الأرض عصا سليمان، فخر فعلموا بموته، وعلم الإنس أن الجن لا ~~تعلم الغيب. وقيل: إن سليمان سأل الله تعالى أن يعمي على الجن موته، فأخفاه ~~الله عنهم حولا. وفي سبب سؤاله قولان: أحدهما: لأن الجن كانوا يقولون ~~للانس: إننا نعلم الغيب، فأراد تكذيبهم. والثاني: لأنه كان قد بقي من عمارة ~~بيت المقدس بقية. فاما دابة الأرض فهي: الأرضة: وقرأ أبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء، وعاصم الجحدري: «دابة الأرض» بفتح الراء. والمنسأة: العصا. قال ~~الزجاج: وإنما سميت منسأة، لأنه ينسأ ms1851 بها، أي: يطرد ويزجر. قال الفراء: أهل ~~الحجاز لا يهمزون المنسأة، وتميم وفصحاء قيس يهمزونها. # قوله تعالى: فلما خر أي: سقط تبينت الجن أي: ظهرت وانكشف للناس أنهم لا ~~يعلمون الغيب، ولو علموا ما لبثوا في العذاب المهين أي: ما عملوا مسخرين ~~وهو ميت وهم يظنونه حيا. # وقيل: تبينت الجن، أي علمت، لأنها كانت تتوهم باستراقها السمع أنها تعلم ~~الغيب، فعلمت حينئذ خطأها في ظنها. وروى رويس عن يعقوب: «تبينت» برفع التاء ~~والباء وكسر الياء. ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 15 الى 21] # لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم ~~واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم ~~وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل (16) ذلك ~~جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) وجعلنا بينهم وبين القرى التي ~~باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين ~~(18) فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم ~~كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) وما كان له ~~عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل ~~شيء حفيظ (21) PageV03P493 # قوله تعالى: لقد كان لسبإ في مسكنهم آية قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «في مساكنهم» . وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم: ~~«مسكنهم» بفتح الكاف من غير ألف. وقرأ الكسائي، وخلف: «مسكنهم» بكسر الكاف، ~~وهي لغة. # قال المفسرون: المراد بسبإ ها هنا: القبيلة التي هم من أولاد سبأ بن يشجب ~~بن يعرب بن قحطان وقد ذكرنا في سورة النمل «1» الخلاف في هذا، وأن قوما ~~يقولون: هو اسم بلد، وليس باسم رجل. وذكر الزجاج في هذا المكان أن من قرأ: ~~«لسبأ» بالفتح وترك الصرف، جعله اسما للقبيلة، ومن صرف وكسر ونون، جعله ~~اسما للحي واسما لرجل وكل جائز حسن. وآية رفع، اسم «كان» وجنتان رفع ms1852 على ~~نوعين. أحدهما: أنه بدل من «آية» . والثاني: على إضمار، كأنه لما قيل: ~~«آية» قيل: الآية جنتان. ### | الإشارة إلى قصتهم # ذكر العلماء بالتفسير والسير أن بلقيس لما ملكت قومها جعل قومها يقتتلون ~~على ماء واديهم، فجعلت تنهاهم فلا يطيعونها، فتركت ملكها وانطلقت إلى قصرها ~~فنزلته، فلما كثر الشر بينهم وندموا، أتوها فأرادوها على أن ترجع إلى ~~ملكها، فأبت، فقالوا: لترجعن أو لنقتلنك، فقالت: إنكم لا تطيعونني وليست ~~لكم عقول، فقالوا: فانا نطيعك، فجاءت إلى واديهم- وكانوا إذا مطروا أتاه ~~السيل من مسيرة أيام- فأمرت به، فسد ما بين الجبلين بمسناة «2» ، وحبست ~~الماء من وراء السد، وجعلت له أبوابا بعضها فوق بعض، وبنت من دونه بركة ~~وجعلت فيها اثني عشر مخرجا على عدة أنهارهم، فكان الماء يخرج بينهم ~~بالسوية، إلى أن كان من شأنها مع سليمان ما سبق ذكره «3» ، وبقوا بعدها على ~~حالهم، وقيل: إنما بنوا ذلك البنيان لئلا يغشى السيل أموالهم فيهلكها، ~~فكانوا يفتحون من أبواب السد ما يريدون، فيأخذون من الماء ما يحتاجون إليه، ~~وكانت لهم جنتان عن يمين واديهم وعن شماله، فأخصبت أرضهم، وكثرت فواكههم، ~~وإن كانت المرأة لتمر بين الجنتين والمكتل على رأسها، فترجع وقد امتلأ من ~~الثمر ولا تمس بيدها شيئا منه، ولم يكن يرى في بلدهم حية ولا عقرب، ولا ~~بعوضة ولا ذباب ولا برغوث، ويمر الغريب ببلدتهم وفي ثيابه القمل، فيموت ~~القمل لطيب هوائها. وقيل لهم: كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة أي: ~~هذه بلدة طيبة، أو بلدتكم بلدة طيبة، ولم تكن سبخة ولا فيها ما يؤذي ورب ~~غفور أي: والله رب غفور، وكانت ثلاث عشرة قرية، فبعث الله إليهم ثلاثة عشر ~~نبيا «4» ، فكذبوا الرسل، ولم يقروا بنعم الله، فذلك قوله تعالى: فأعرضوا ~~أي: عن الحق، وكذبوا أنبياءهم فأرسلنا عليهم سيل العرم وفيه أربعة أقوال: ~~أحدها: أن العرم: الشديد، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. # وقال ابن الأعرابي: العرم: السيل الذي لا يطاق. والثاني: أنه اسم الوادي، ~~رواه العوفي عن ابن عباس، ms1853 وبه قال قتادة، والضحاك، ومقاتل. والثالث: أنه ~~المسناة، قاله مجاهد، وأبو ميسرة، والفراء، وابن قتيبة. وقال أبو عبيدة: ~~العرم: جمع عرمة، وهي: السكر «5» والمسناة. والرابع: أن العرم: الجرذ ~~PageV03P494 # الذي نقب عليهم السكر، حكاه الزجاج. # وفي صفة إرسال هذا السيل عليهم قولان: أحدهما: أن الله تعالى بعث على ~~سكرهم دابة من الأرض فنقبت فيه نقبا، فسال ذلك الماء إلى موضع غير الموضع ~~الذي كانوا ينتفعون به، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال قتادة والضحاك في ~~آخرين: بعث الله عليهم جرذا يسمى الخلد- والخلد: الفأر الأعمى- فنقبه من ~~أسفله، فأغرق الله به جناتهم، وخرب به أرضهم. والثاني: أنه أرسل عليهم ماء ~~أحمر، أرسله في السد فنسفه وهدمه وحفر الوادي، ولم يكن الماء أحمر من السد، ~~وإنما كان سيلا أرسل عليهم، قاله مجاهد. # قوله تعالى: وبدلناهم بجنتيهم يعني اللتين تطعمان الفواكه جنتين ذواتي ~~أكل خمط قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «أكل» ~~بالتنوين. وقرأ أبو عمرو: «أكل» بالإضافة. وخفف الكاف ابن كثير ونافع، ~~وثقلها الباقون. أما الأكل، فهو الثمر. # وفي المراد بالخمط ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الأراك، قاله ابن عباس، ~~والحسن، ومجاهد، والجمهور فعلى هذا، أكله: ثمره ويسمى ثمر الأراك: البرير. ~~والثاني: أنه كل شجرة ذات شوك، قاله أبو عبيدة. والثالث: أنه كل نبت قد أخذ ~~طعما من المرارة حتى لا يمكن أكله، قاله المبرد والزجاج. فعلى هذا القول، ~~الخمط: اسم للمأكول، فيحسن على هذا قراءة من نون الأكل وعلى ما قبله، هو ~~اسم شجرة، والأكل ثمرها، فيحسن قراءة من أضاف. # فأما الأثل، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الطرفاء «1» ، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنه السمر، حكاه ابن جرير. والثالث: أنه شجر يشبه الطرفاء إلا أنه ~~أعظم منه. # قوله تعالى: وشيء من سدر قليل ففيه تقديم، تقديره: وشيء قليل من السدر ~~وهو شجر النبق. والمعنى: أنه كان الخمط والأثل في جنتيهم أكثر من السدر. ~~قال قتادة: بينما شجرهم من خير الشجر، إذ صيره الله تعالى من شر الشجر. # قوله تعالى: ذلك جزيناهم أي: ms1854 ذلك التبديل جزيناهم بما كفروا وهل نجازي ~~إلا الكفور. # فان قيل: قد يجازى المؤمن والكافر، فما معنى هذا التخصيص؟ فعنه جوابان: # أحدهما: أن المؤمن يجزى ولا يجازى، فيقال في أفصح اللغة: جزى الله ~~المؤمن، ولا يقال: # جازاه، لأن جازاه بمعنى كافأه، فالكافر يجازى بسيئته مثلها، مكافأة له، ~~والمؤمن يزاد في الثواب ويتفضل عليه، هذا قول الفراء. والثاني: أن الكافر ~~ليست له حسنة تكفر ذنوبه، فهو يجازى بجميع الذنوب، والمؤمن قد أحبطت حسناته ~~سيئاته، هذا قول الزجاج. وقال طاوس: الكافر يجازى ولا يغفر له، والمؤمن لا ~~يناقش الحساب. # قوله تعالى: وجعلنا بينهم هذا معطوف على قوله تعالى: لقد كان لسبإ ~~والمعنى: كان من قصصهم أنا جعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها وهي: ~~قرى الشام وقد سبق بيان معنى البركة PageV03P495 # فيها «1» ، هذا قول الجمهور. وحكى ابن السائب أن الله تعالى لما أهلك ~~جنتيهم قالوا للرسل: قد عرفنا نعمة الله علينا، فلئن رد إلينا ما كنا عليه ~~لنعبدنه عبادة شديدة، فرد عليهم النعمة، وجعل لهم قرى ظاهرة، فعادوا إلى ~~الفساد وقالوا: باعد بين أسفارنا فمزقوا. # قوله تعالى: قرى ظاهرة أي: متواصلة ينظر بعضها إلى بعض وقدرنا فيها السير ~~فيه قولان: # أحدهما: أنهم كانوا يغدون فيقيلون في قرية، ويروحون فيبيتون في قرية، ~~قاله الحسن، وقتادة. # والثاني: أنه جعل ما بين القرية والقرية مقدارا واحدا، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: سيروا فيها والمعنى: وقلنا لهم: سيروا فيها ليالي وأياما أي: ~~ليلا ونهارا آمنين من مخاوف السفر من جوع أو عطش أو سبع أو تعب. وكانوا ~~يسيرون أربعة أشهر في أمان، فبطروا النعمة وملوها كما مل بنو إسرائيل المن ~~والسلوى فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «بعد» ~~بتشديد العين وكسرها. وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة: «باعد» بألف وكسر العين. ~~وعن ابن عباس كالقراءتين. قال ابن عباس: إنهم قالوا: لو كانت جناتنا أبعد ~~مما هي، كان أجدر أن يشتهى جناها. قال أبو سليمان الدمشقي: لما ذكرتهم ~~الرسل نعم الله، أنكروا أن يكون ما ms1855 هم فيه نعمة، وسألوا الله أن يباعد بين ~~أسفارهم. وقرأ يعقوب: «ربنا» برفع الباء «باعد» بفتح العين والدال، جعله ~~فعلا ماضيا على طريق الإخبار للناس بما أنزله الله عز وجل بهم. وقرأ علي بن ~~أبي طالب، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو رجاء، وابن السميفع، وابن أبي ~~عبلة: «بعد» برفع العين وتخفيفها وفتح الدال من غير ألف، على طريق الشكاية ~~إلى الله عز وجل. وقرأ عاصم الجحدري وأبو عمران الجوني: «بوعد» برفع الباء ~~وبواو ساكنة مع كسر العين. قوله تعالى: وظلموا أنفسهم فيه قولان: # أحدهما: بالكفر وتكذيب الرسل. والثاني: بقولهم: «بعد بين أسفارنا» . ~~فجعلناهم أحاديث لمن بعدهم يتحدثون بما فعل بهم ومزقناهم كل ممزق أي: ~~فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق، لأن الله لما غرق مكانهم وأذهب ~~جنتيهم تبددوا في البلاد، فصارت العرب تتمثل في الفرقة بسبأ إن في ذلك أي: ~~فيما فعل بهم لآيات أي: لعبرا لكل صبار عن معاصي الله شكور لنعمه. # قوله تعالى: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه «عليهم» بمعنى «فيهم» ، وصدقه في ~~ظنه أنه ظن بهم أنهم يتبعونه إذ أغواهم، فوجدهم كذلك. وإنما قال: ولأضلنهم ~~ولأمنينهم بالظن، لا بالعلم، فمن قرأ: «صدق» بتشديد الدال، فالمعنى: حقق ما ~~ظنه فيهم بما فعل بهم ومن قرأ بالتخفيف، فالمعنى: # صدق عليهم في ظنه بهم. وفي المشار إليهم قولان: أحدهما: أنهم أهل سبأ. ~~والثاني: سائر المطيعين لإبليس. قوله تعالى: وما كان له عليهم من سلطان قد ~~شرحناه في قوله تعالى: ليس لك عليهم سلطان «2» . قال الحسن: والله ما ضربهم ~~بعصا ولا قهرهم على شيء، إلا أنه دعاهم إلى الأماني والغرور. قوله تعالى: ~~إلا لنعلم أي: ما كان تسليطنا إياه إلا لنعلم المؤمنين من الشاكين. وقرأ ~~الزهري: «إلا ليعلم» بياء مرفوعة على ما لم يسم فاعله. وقرأ ابن يعمر: ~~«ليعلم» بفتح الياء. وفي المراد بعلمه ها هنا ثلاثة أقوال: قد شرحناها في ~~أول العنكبوت «3» . وربك على كل شيء من الشك والإيمان حفيظ، وقال ابن ~~قتيبة: والحفيظ بمعنى الحافظ. قال الخطابي: ms1856 وهو فعيل بمعنى فاعل، كالقدير، ~~PageV03P496 # والعليم، فهو يحفظ السموات والأرض بما فيها لتبقى مدة بقائها، ويحفظ ~~عباده من المهالك، ويحفظ عليهم أعمالهم، ويعلم نياتهم، ويحفظ أولياءه عن ~~مواقعة الذنوب، ويحرسهم من مكايد الشيطان. ### | ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 22 الى # 23] # قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا ~~في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) ولا تنفع الشفاعة ~~عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق ~~وهو العلي الكبير (23) # قوله تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم المعنى: قل للكفار: ادعوا الذين زعمتم ~~أنهم آلهة لينعموا عليكم بنعمة، أو يكشفوا عنكم بلية. ثم أخبر عنهم فقال: ~~لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض أي: من خير وشر ونفع وضر وما ~~لهم فيهما من شرك لم يشاركونا في شيء من خلقهما، وما له أي: وما لله منهم ~~أي: من الآلهة من ظهير أي: من معين على شيء. ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن ~~أذن له قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: «أذن له» بفتح الألف. وقرأ أبو ~~عمرو، وحمزة، والكسائي، «أذن له» برفع الألف، وعن عاصم كالقراءتين. أي: لا ~~تنفع شفاعة ملك ولا نبي حتى يؤذن له في الشفاعة، وقيل: حتى يؤذن له فيمن ~~يشفع. وفي هذا رد عليهم حين قالوا: إن هذه الآلهة تشفع لنا. حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم قرأ الأكثرون: «فزع» بضم الفاء وكسر الزاي، قال ابن قتيبة: خفف عنها ~~الفزع. وقال الزجاج: معناه: كشف الفزع عن قلوبهم. وقرأ ابن عامر، ويعقوب، ~~وأبان: «فزع» بفتح الفاء والزاي، والفعل لله عز وجل. وقرأ الحسن، وقتادة، ~~وابن يعمر: «فرغ» بالراء غير معجمة، وبالغين معجمة، وهو بمعنى الأول، لأنها ~~فرغت من الفزع. وقال غيره بل فرغت من الشك والشرك. وفي المشار إليهم قولان ~~«1» : # أحدهما: أنهم الملائكة وقد دل الكلام على أنهم يفزعون لأمر يطرأ عليهم من ~~أمر الله ولم يذكره في الآية، لأن ms1857 إخراج الفزع يدل على حصوله وفي سبب فزعهم ~~قولان: أحدهما: أنهم يفزعون لسماع كلام الله تعالى. وروى عبد الله بن مسعود ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # (1183) «إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على ~~الصفا، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فاذا جاءهم جبريل فزع ~~عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل، ماذا PageV03P497 # قال ربك؟ قال: فيقول: الحق، فينادون: الحق الحق» . # (1184) وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا قضى ~~الله عز وجل الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه ~~سلسلة على صفوان، فاذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم، قالوا للذي ~~قال: الحق وهو العلي الكبير» . # والثاني: أنهم يفزعون من قيام الساعة. وفي السبب الذي ظنوه بدنو الساعة ~~ففزعوا، قولان: # (1185) أحدهما: أنه لما كانت الفترة التي بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما ~~وسلم، ثم بعث الله محمدا، أنزل الله جبريل بالوحي، فلما نزل ظنت الملائكة ~~أنه نزل بشيء من أمر الساعة، فصعقوا لذلك، فجعل جبريل يمر بكل سماء ويكشف ~~عنهم الفزع ويخبرهم أنه الوحي، قاله قتادة، ومقاتل، وابن السائب. وقيل: لما ~~علموا بالإيحاء إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فزعوا، لعلمهم أن ظهوره من ~~أشراط الساعة. # (1186) والثاني: أن الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض ~~ويكتبون أعمالهم إذا أرسلهم الله تعالى فانحدروا، يسمع لهم صوت شديد، فيحسب ~~الذين هم أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة، فيخرون سجدا، ويصعقون ~~حتى يعلموا أنه ليس من أمر الساعة، وهذا كلما مروا عليهم، رواه الضحاك عن ~~ابن مسعود. # والقول الثاني: أن الذي أشير إليهم المشركون ثم في معنى الكلام قولان: ~~أحدهما: أن المعنى: # حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند الموت- إقامة للحجة عليهم- قالت ~~لهم الملائكة: ماذا قال ربكم في الدنيا؟ قالوا: الحق، فأقروا حين لم ينفعهم ~~الإقرار، قاله الحسن، وابن زيد. والثاني: # حتى إذا كشف الغطاء عن قلوبهم يوم القيامة، قيل لهم: ماذا قال ربكم؟ قاله ~~مجاهد. ### | ### | [سورة ms1858 سبإ (34) : الآيات 24 الى # 27] # قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ~~ضلال مبين (24) قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون (25) قل يجمع ~~بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (26) قل أروني الذين ~~ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم (27) # قوله تعالى: قل من يرزقكم من السماوات يعني المطر والأرض يعني النبات ~~والثمر. وإنما PageV03P498 # أمر أن يسأل الكفار عن هذا، احتجاجا عليهم بأن الذي يرزق هو المستحق ~~للعبادة، وهم لا يثبتون رازقا سواه، ولهذا قيل له: قل الله لأنهم لا يجيبون ~~بغير هذا وها هنا تم الكلام. ثم أمره أن يقول لهم: # وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين مذهب المفسرين أن «أو» ها هنا ~~بمعنى الواو. وقال أبو عبيدة: معنى الكلام: وإنا لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال ~~مبين. وقال الفراء: معنى «أو» عند المفسرين معنى الواو، وكذلك هو في ~~المعنى، غير أن العربية على غير ذلك، لا تكون «أو» بمنزلة الواو، ولكنها ~~تكون في الأمر المفوض، كما تقول: إن شئت فخذ درهما أو اثنين، فله أن يأخذ ~~واحدا أو اثنين، وليس له أن يأخذ ثلاثة، وإنما معنى الآية: وإنا لضالون أو ~~مهتدون، وإنكم أيضا لضالون أو مهتدون، وهو يعلم أن رسوله المهتدي، وأن غيره ~~الضال، كما تقول للرجل تكذبه: والله إن أحدنا لكاذب- وأنت تعنيه- فكذبته ~~تكذيبا غير مكشوف ويقول الرجل: والله لقد قدم فلان، فيقول له من يعلم كذبه: ~~قل: إن شاء الله، فيكذبه بأحسن من تصريح التكذيب ومن كلام العرب أن يقولوا: ~~قاتله الله، ثم يستقبحونها، فيقول: قاتعه الله، ويقول بعضهم: كاتعه الله ~~ويقولون: جوعا، دعاء على الرجل، ثم يستقبحونها فيقولن: جودا، وبعضهم يقول: ~~جوسا ومن ذلك قولهم: ويحك وويسك، وإنما هي في معنى «ويلك» إلا أنها دونها. ~~قوله تعالى: قل لا تسئلون عما أجرمنا أي: لا تؤاخذون به ولا نسئل عما ~~تعملون من الكفر والتكذيب والمعنى إظهار التبري منهم. وهذه الآية عند ms1859 أكثر ~~المفسرين منسوخة بآية السيف، ولا وجه لذلك. قوله تعالى: قل يجمع بيننا ربنا ~~يعني عند البعث في الآخرة ثم يفتح بيننا أي: يقضي بالحق أي: بالعدل وهو ~~الفتاح القاضي العليم بما يقضي قل للكفار أروني الذين ألحقتم به شركاء أي: ~~أعلموني من أي وجه ألحقتموهم وهم لا يخلقون ولا يرزقون كلا ردع وتنبيه ~~والمعنى: ارتدعوا عن هذا القول، وتنبهوا عن ضلالتكم، فليس الأمر على ما ~~أنتم عليه. ### | ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 28 الى # 30] # وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (28) ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون ~~عنه ساعة ولا تستقدمون (30) # قوله تعالى: وما أرسلناك إلا كافة للناس أي: عامة لجميع الخلائق. وفي ~~الكلام تقديم، تقديره: وما أرسلناك إلا للناس كافة. وقيل: معنى «كافة ~~للناس» : تكفهم عما هم عليه من الكفر، والهاء فيه للمبالغة. ويقولون متى ~~هذا الوعد يعنون العذاب الذي يعدهم به في يوم القيامة وإنما قالوا هذا ~~لأنهم ينكرون البعث قل لكم ميعاد يوم وفيه قولان: أحدهما: أنه يوم الموت ~~عند النزع والسياق، قاله الضحاك. والثاني: يوم القيامة، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 31 الى 33] # وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ ~~الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا ~~للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين (31) قال الذين استكبروا للذين ~~استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين (32) وقال ~~الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر ~~بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في ~~أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (33) # PageV03P499 # قوله تعالى: وقال الذين كفروا يعني مشركي مكة لن نؤمن بهذا القرآن ولا ~~بالذي بين يديه يعنون التوراة والإنجيل، وذلك أن مؤمني أهل الكتاب قالوا: ~~إن صفة محمد في كتابنا، فكفر أهل مكة بكتابهم. ثم أخبر عن حالهم ms1860 في القيامة ~~فقال: ولو ترى إذ الظالمون يعني مشركي مكة موقوفون عند ربهم في الآخرة يرجع ~~بعضهم إلى بعض القول أي: يرد بعضهم على بعض في الجدال واللوم يقول الذين ~~استضعفوا وهم الأتباع للذين استكبروا وهم الأشراف والقادة: لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين أي: مصدقين بتوحيد الله والمعنى: أنتم منعتمونا عن الإيمان فأجابهم ~~المتبوعون فقالوا: أنحن صددنكم عن الهدى أي: منعناكم عن الإيمان بعد إذ ~~جاءكم به الرسول؟ بل كنتم مجرمين بترك الإيمان- وفي هذا تنبيه للكفار على ~~أن طاعة بعضهم لبعض في الدنيا تصير سببا للعداوة في الآخرة- فرد عليهم ~~الأتباع فقالوا: بل مكر الليل والنهار أي: بل مكركم بنا في الليل والنهار. # قال الفراء: وهذا مما تتوسع فيه العرب لوضوح معناه، كما يقولون: ليله ~~قائم، ونهاره صائم، فتضيف الفعل إلى غير الآدميين، والمعنى لهم. وقال ~~الأخفش: وهذا كقوله تعالى: من قريتك التي أخرجتك «1» ، قال جرير: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم «2» # وقرأ سعيد بن جبير، وأبو الجوزاء، وعاصم الجحدري: «بل مكر» بفتح الكاف ~~والراء «الليل والنهار» برفعهما. وقرأ ابن يعمر: «بل مكر» باسكان الكاف ~~ورفع الراء وتنوينها، «الليل والنهار» بنصبهما. # قوله تعالى: إذ تأمروننا أن نكفر بالله وذلك أنهم كانوا يقولون لهم: إن ~~ديننا حق ومحمد كذاب، وأسروا الندامة وقد سبق بيانه في يونس «3» . # قوله تعالى: وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا إذا دخلوا جهنم غلت ~~أيديهم إلى أعناقهم، وقالت لهم خزنة جهنم: هل تجزون إلا ما كنتم تعملون في ~~الدنيا. قال أبو عبيدة: مجاز «هل» ها هنا مجاز الإيجاب، وليس باستفهام ~~والمعنى: ما تجزون إلا ما كنتم تعملون. ### | ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 34 الى # 39] # وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ~~(34) وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (35) قل إن ربي يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36) وما أموالكم ولا ~~أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم ms1861 جزاء ~~الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37) والذين يسعون في آياتنا معاجزين ~~أولئك في العذاب محضرون (38) # قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو ~~يخلفه وهو خير الرازقين (39) PageV03P500 # وما أرسلنا في قرية من نذير أي: نبي ينذر إلا قال مترفوها وهم أغنياؤها ~~ورؤساؤها. # قوله تعالى: وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا. في المشار إليهم قولان: ~~أحدهما: أنهم المترفون من كل أمة. والثاني: مشركو مكة، فظنوا من جهلهم أن ~~الله خولهم المال والولد لكرامتهم عليه، فقالوا: وما نحن بمعذبين لأن الله ~~أحسن إلينا بما أعطانا فلا يعذبنا، فأخبر أنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ~~والمعنى أن بسط الرزق وتضييقه ابتلاء وامتحان، لا أن البسط يدل على رضى ~~الله، ولا التضييق يدل على سخطه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك. ثم صرح ~~بهذا المعنى بقوله تعالى: وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ~~قال الفراء: يصلح أن تقع «التي» على الأموال والأولاد جميعا، لأن الأموال ~~جمع والأولاد جمع وإن شئت وجهت «التي» إلى الأموال، واكتفيت بها من ذكر ~~الأولاد وأنشد لمرار الأسدي: # نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف # وقد شرحنا هذا في قوله تعالى: ولا ينفقونها في سبيل الله «1» . وقال ~~الزجاج: المعنى: وما أموالكم بالتي تقربكم، ولا أولادكم بالذين يقربونكم، ~~فحذف اختصارا. وقرأ أبي بن كعب، والحسن، وأبو الجوزاء: «باللاتي تقربكم» . ~~قال الأخفش: و «زلفى» ها هنا اسم مصدر، كأنه قال: تقربكم عندنا ازدلافا. ~~وقال ابن قتيبة: «زلفى» أي: قربى ومنزلة عندنا. # قوله تعالى: إلا من آمن قال الزجاج: المعنى: ما تقرب الأموال إلا من آمن ~~وعمل بها في طاعة الله، فأولئك لهم جزاء الضعف والمراد به ها هنا عشر ~~حسنات، تأويله: لهم جزاء الضعف الذي قد أعلمتكم مقداره. وقال ابن قتيبة: لم ~~يرد فيما يرى أهل النظر- والله أعلم- أنهم يجازون بواحد مثله، ولا اثنين، ~~ولكنه أراد جزاء التضعيف، وهو مثل يضم إلى مثل ما بلغ، وكأن الضعف الزيادة، ~~فالمعنى: لهم ms1862 جزاء الزيادة. وقرأ سعيد بن جبير، وأبو المتوكل، ورويس، وزيد ~~عن يعقوب: «لهم جزاء» بالنصب والتنوين وكسر التنوين وصلا «الضعف» بالرفع. ~~وقرأ أبو الجوزاء، وقتادة وأبو عمران الجوني: «لهم جزاء» بالرفع والتنوين ~~«الضعف» بالرفع. # قوله تعالى: وهم في الغرفات يعني غرف الجنة، وهي البيوت فوق الأبنية. ~~وقرأ حمزة: «في الغرفة» على التوحيد أراد اسم الجنس. وقرأ الحسن، وأبو ~~المتوكل: «في الغرفات» بضم الغين وسكون الراء مع الألف. وقرأ أبو الجوزاء، ~~وابن يعمر: بضم الغين وفتح الراء مع الألف آمنون من الموت والغير. وما بعد ~~هذا قد تقدم تفسيره «2» إلى قوله تعالى: وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه أي: # يأتي ببدله، يقال: أخلف الله له وعليه: إذا أبدل ما ذهب عنه. وفي معنى ~~الكلام أربعة أقوال. أحدها: ما أنفقتم من غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه، ~~قاله سعيد بن جبير. والثاني: ما أنفقتم في طاعته، فهو يخلفه في الآخرة ~~بالأجر، قاله السدي. والثالث: ما أنفقتم في الخير والبر فهو يخلفه، إما أن ~~يعجله في الدنيا، PageV03P501 # أو يدخره لكم في الآخرة، قاله ابن السائب. والرابع: أن الإنسان قد ينفق ~~ماله في الخير ولا يرى له خلفا أبدا وإنما معنى الآية: ما كان من خلف فهو ~~منه، ذكره الثعلبي. قوله تعالى: وهو خير الرازقين لما دار على الألسن أن ~~السلطان يرزق الجند، وفلان يرزق عياله، أي: يعطيهم، أخبر أنه خير المعطين. ### | ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 40 الى # 45] # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) ~~قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ~~(41) فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب ~~النار التي كنتم بها تكذبون (42) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما ~~هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك ~~مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) وما ~~آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير ms1863 (44) # وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان ~~نكير (45) # قوله تعالى: ويوم يحشرهم جميعا يعني المشركين وقال مقاتل: يعني الملائكة ~~ومن عبدها ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون وهذا استفهام تقرير ~~وتوبيخ للعابدين فنزهت الملائكة ربها عن الشرك ف قالوا سبحانك أي: تنزيها ~~لك مما أضافوه إليك من الشركاء أنت ولينا من دونهم أي: نحن نتبرأ إليك ~~منهم، ما توليناهم ولا اتخذناهم عابدين، ولسنا نريد وليا غيرك بل كانوا ~~يعبدون الجن أي: يطيعون الشياطين في عبادتهم إيانا أكثرهم بهم أي: ~~بالشياطين مؤمنون أي: # مصدقون لهم فيما يخبرونهم من الكذب أن الملائكة بنات الله، فيقول الله ~~تعالى: فاليوم يعني في الآخرة لا يملك بعضكم لبعض يعني العابدين والمعبودين ~~نفعا بالشفاعة ولا ضرا بالتعذيب ونقول للذين ظلموا فعبدوا غير الله ذوقوا ~~عذاب النار ... الآية. ثم أخبر أنهم يكذبون محمدا والقرآن بالآية التي تلي ~~هذه، وتفسيرها ظاهر. ثم أخبر أنهم لم يقولوا ذلك عن بينة، ولم يكذبوا محمدا ~~عن يقين، ولم يأتهم قبله كتاب ولا نبي يخبرهم بفساد أمره، فقال: وما ~~آتيناهم من كتب يدرسونها قال قتادة: ما أنزل الله على العرب كتابا قبل ~~القرآن ولا بعث إليهم نبيا قبل محمد وهذا محمول على الذين أنذرهم نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقد كان إسماعيل نذيرا للعرب. # ثم أخبر عن عاقبة المكذبين قبلهم مخوفا لهم، فقال: وكذب الذين من قبلهم ~~يعني الأمم الكافرة وما بلغوا معشار ما آتيناهم وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~ما بلغ كفار مكة معشار ما آتينا الأمم التي كانت قبلهم من القوة والمال ~~وطول العمر، قاله الجمهور. والثاني: ما بلغ الذين من قبلهم معشار ما أعطينا ~~هؤلاء من الحجة والبرهان. والثالث: ما بلغ الذين من قبلهم معشار شكر ما ~~أعطيناهم، حكاهما الماوردي. والمعشار: العشر. والنكير: اسم بمعنى الإنكار. ~~قال الزجاج: والمعنى: فكيف كان نكيري وإنما حذفت الياء لأنه آخر آية. ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 46 الى 50] # قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ms1864 ثم تتفكروا ما بصاحبكم ~~من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) قل ما سألتكم من أجر فهو ~~لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد (47) قل إن ربي يقذف بالحق ~~علام الغيوب (48) قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (49) قل إن ضللت ~~فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب (50) # PageV03P502 # قوله تعالى: قل إنما أعظكم أي: آمركم وأوصيكم بواحدة وفيها ثلاثة أقوال: ~~أحدها: # أنها «لا إله إلا الله» ، رواه ليث عن مجاهد. والثاني: طاعة الله، رواه ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد. والثالث: # أنها قوله تعالى: أن تقوموا لله مثنى وفرادى، قاله قتادة. والمعنى: أن ~~التي أعظكم بها، قيامكم وتشميركم لطلب الحق، وليس بالقيام على الأقدام. ~~والمراد بقوله تعالى: «مثنى» يجتمع اثنان فيتناظران في أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. والمراد ب «فرادى» أن يتفكر الرجل وحده، ومعنى الكلام: ~~ليتفكر الإنسان منكم وحده، وليخل بغيره، وليناظر، وليستشر، فيستدل ~~بالمصنوعات على صانعها، ويصدق الرسول على اتباعه، وليقل الرجل لصاحبه: هلم ~~فلنتصادق هل رأينا بهذا الرجل جنة قط، أو جربنا عليه كذبا قط. وتم الكلام ~~عند قوله: ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة، وفيه اختصار تقديره: ثم تتفكروا ~~لتعلموا صحة ما أمرتكم به وأن الرسول ليس بمجنون، إن هو إلا نذير لكم بين ~~يدي عذاب شديد في الآخرة. # قوله تعالى: قل ما سألتكم من أجر على تبليغ الرسالة فهو لكم والمعنى: ما ~~أسألكم شيئا ومثله قول القائل: ما لي في هذا فقد وهبته لك، يريد: ليس لي ~~فيه شيء. # قوله تعالى: قل إن ربي يقذف بالحق أي: يلقي الوحي إلى أنبيائه علام ~~الغيوب وقرأ أبو رجاء: # «علام» بنصب الميم. قل جاء الحق وهو الإسلام والقرآن. وفي المراد بالباطل ~~ثلاثة أقوال: أحدها: # أنه الشيطان، لا يخلق أحدا ولا يبعثه، قاله قتادة. والثاني: أنه الأصنام، ~~لا تبدئ خلقا ولا تحيي، قاله الضحاك. وقال أبو سليمان: لا يبتدئ الصنم من ~~عنده كلاما ms1865 فيجاب ولا يرد ما جاء من الحق بحجة. # والثالث: أنه الباطل الذي يضاد الحق فالمعنى: ذهب الباطل بمجيء الحق، فلم ~~تبق منه بقية يقبل بها أو يدبر أو يبدئ أو يعيد، ذكره جماعة من المفسرين. # قوله تعالى قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي أي: إثم ضلالتي على نفسي وذلك ~~أن كفار مكة زعموا أنه قد ضل حين ترك دين آبائه وإن اهتديت فبما يوحي إلي ~~ربي من الحكمة والبيان. ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 51 الى 54] # ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) وقالوا آمنا به وأنى ~~لهم التناوش من مكان بعيد (52) وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان ~~بعيد (53) وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا ~~في شك مريب (54) # قوله تعالى: ولو ترى إذ فزعوا في زمان هذا الفزع قولان: أحدهما: أنه حين ~~البعث من القبور، قاله الأكثرون. والثاني: أنه عند ظهور العذاب في الدنيا، ~~رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة. وقال سعيد بن جبير: هو الجيش الذي ~~يخسف به بالبيداء، يبقى منهم رجل فيخبر الناس بما لقوا، وهذا حديث مشروح في ~~التفسير، وأن هذا الجيش يؤم البيت الحرام لتخريبه، فيخسف بهم «1» . # وقال الضحاك وزيد بن أسلم: هذه الآية فيمن قتل يوم بدر من المشركين. قوله ~~تعالى: فلا فوت المعنى: فلا فوت لهم، أي: لا يمكنهم أن يفوتونا وأخذوا من ~~مكان قريب فيه ثلاثة أقوال: أحدها: PageV03P503 # من مكانهم يوم بدر، قاله زيد بن أسلم. والثاني: من تحت أقدامهم بالخسف، ~~قاله مقاتل. والثالث: # من القبور، قاله ابن قتيبة. وأين كانوا فهم من الله قريب. # قوله تعالى: وقالوا أي: حين عاينوا العذاب آمنا به في هاء الكناية أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنها تعود إلى الله عز وجل، قاله مجاهد. والثاني: إلى البعث، قاله ~~الحسن. والثالث: # إلى الرسول، قاله قتادة. والرابع: إلى القرآن، قاله مقاتل. # قوله تعالى: وأنى لهم التناوش قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن ~~عاصم: # «التناوش» غير مهموز. ms1866 وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، والمفضل عن عاصم: ~~بالهمز. قال الفراء: من همز جعله من «نأشت» ، ومن لم يهمز، جعله من «نشت» ، ~~وهما متقاربان والمعنى: # تناولت الشيء، بمنزلة: ذمت الشيء وذأمته: إذا عبته وقد تناوش القوم في ~~القتال: إذا تناول بعضهم بعضا بالرماح، ولم يتدانوا كل التداني، وقد يجوز ~~همز «التناؤش» وهي من «نشت» لانضمام الواو، مثل قوله تعالى: وإذا الرسل ~~أقتت «1» . وقال الزجاج: من همز «التناؤش» فلأن واو التناوش مضمومة، وكل ~~واو مضمومة ضمتها لازمة، إن شئت أبدلت منها همزة، وإن شئت لم تبدل نحو: ~~أدؤر. وقال ابن قتيبة: معنى الآية: وأنى لهم التناوش لما أرادوا بلوغه، ~~وإدراك ما طلبوا من التوبة من مكان بعيد وهو الموضع الذي تقبل فيه التوبة. ~~وكذلك قال المفسرون: أنى لهم بتناول الإيمان والتوبة وقد تركوا ذلك في ~~الدنيا والدنيا قد ذهبت؟! قوله تعالى: وقد كفروا به في هاء الكناية أربعة ~~أقوال قد تقدمت في قوله تعالى: آمنا به، ومعنى من قبل أي: في الدنيا من قبل ~~معاينة أهوال الآخرة ويقذفون بالغيب أ: يرمون بالظن من مكان بعيد وهو بعدهم ~~عن العلم بما يقولون. وفي المراد بمقالتهم هذه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم ~~يظنون أنهم يردون إلى الدنيا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: # أنه قولهم في الدنيا: لا بعث لنا ولا جنة ولا نار، قاله الحسن، وقتادة. ~~والثالث: أنه قولهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو ساحر، هو كاهن، هو ~~شاعر، قاله مجاهد. # قوله تعالى: وحيل بينهم وبين ما يشتهون أي: منع هؤلاء الكفار مما يشتهون، ~~وفيه ستة أقوال: # أحدها: انه الرجوع إلى الدنيا، قاله ابن عباس. والثاني: الأهل والمال ~~والولد، قاله مجاهد. والثالث: # الإيمان، قاله الحسن. والرابع: طاعة الله، قاله قتادة. والخامس: التوبة. ~~قاله السدي. والسادس: حيل بين الجيش الذي خرج لتخريب الكعبة وبين ذلك بأن ~~خسف بهم، قاله مقاتل «2» . # قوله تعالى: كما فعل وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبو عمران: «كما فعل» ~~بفتح الفاء والعين بأشياعهم من قبل ms1867 قال الزجاج: أي: بمن كان مذهبه مذهبهم. ~~قال المفسرون: والمعنى: كما فعل بنظرائهم من الكفار، من قبل هؤلاء، فانهم ~~حيل بينهم وبين ما يشتهون. وقال الضحاك: هم أصحاب الفيل حين أرادوا خراب ~~الكعبة إنهم كانوا في شك من البعث ونزول العذاب بهم مريب أي: موقع للريبة ~~والتهمة. والله أعلم بالصواب. PageV03P504 ### | سورة فاطر # وتسمى سورة الملائكة، وهي مكية بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 1 الى # 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى ~~وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (1) ما يفتح ~~الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم (2) # قوله تعالى: الحمد لله فاطر السماوات والأرض أي: خالقهما مبتدئا على غير ~~مثال. قال ابن عباس: ما كنت أدري ما فاطر السموات والأرض حتى اختصم ~~أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها. # قوله تعالى: جاعل الملائكة وروى الحلبي والقزاز عن عبد الوارث: «جاعل» ~~بالرفع والتنوين «الملائكة» بالنصب رسلا يرسلهم إلى الأنبياء وإلى ما شاء ~~من الأمور أولي أجنحة أي: أصحاب أجنحة مثنى وثلاث ورباع فبعضهم له جناحان، ~~وبعضهم له ثلاثة، وبعضهم له أربعة، ويزيد في الخلق ما يشاء فيه خمسة أقوال: ~~أحدها: أنه زاد في خلق الملائكة الأجنحة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # والثاني: يزيد في الأجنحة ما يشاء، رواه عباد بن منصور عن الحسن، وبه قال ~~مقاتل. والثالث: أنه الخلق الحسن، رواه عوف عن الحسن. والرابع: أنه حسن ~~الصوت، قاله الزهري: وابن جريج. # والخامس: الملاحة في العينين، قاله قتادة. # قوله تعالى: ما يفتح الله للناس من رحمة أي: من خير ورزق. وقيل: أراد بها ~~المطر فلا ممسك لها وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي عبلة: «فلا ممسك له» . وفي ~~الآية تنبيه على أنه لا إله إلا هو، إذ لا يستطيع أحد إمساك ما فتح وفتح ما ~~أمسك. ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 3 ms1868 الى 7] # يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من ~~السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من ~~قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4) يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (5) إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير (6) الذين كفروا لهم عذاب ~~شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير (7) # PageV03P505 # قوله تعالى: يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم قال المفسرون: الخطاب ~~لأهل مكة، و «اذكروا» بمعنى احفظوا، ونعمة الله عليهم: إسكانهم الحرم ومنع ~~الغارات عنهم. هل من خالق غير الله وقرأ حمزة والكسائي: «غير الله» بخفض ~~الراء، قال أبو علي: جعلاه صفة على اللفظ، وذلك حسن لإتباع الجر. وهذا ~~استفهام تقرير وتوبيخ والمعنى: لا خالق سواه يرزقكم من السماء المطر ومن ~~الأرض النبات. وما بعد هذا قد سبق بيانه «1» إلى قوله تعالى: إن الشيطان ~~لكم عدو أي: إنه يريد هلاككم فاتخذوه عدوا أي: أنزلوه من أنفسكم منزلة ~~الأعداء، وتجنبوا طاعته إنما يدعوا حزبه أي: # شيعته إلى الكفر ليكونوا من أصحاب السعير. ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 8 الى 9] # أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا ~~تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) والله الذي أرسل الرياح ~~فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور ~~(9) # قوله تعالى: أفمن زين له سوء عمله اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: # (1187) أحدها: أنها نزلت في أبي جهل ومشركي مكة، قاله ابن عباس. # والثاني: في أصحاب الأهواء والملل التي خالفت الهدى، قاله سعيد بن جبير. ~~والثالث: أنهم اليهود والنصارى والمجوس، قاله أبو قلابة. فان قيل: أين جواب ~~«أفمن زين له» ؟. فالجواب من وجهين: ذكرهما الزجاج. أحدهما: أن الجواب ~~محذوف والمعنى: أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله؟ ويدل على هذا قوله ~~تعالى: فإن الله ms1869 يضل من يشاء ويهدي من يشاء. والثاني: أن المعنى: أفمن زين ~~له سوء عمله فأضله الله ذهبت نفسك عليهم حسرات؟! ويدل على هذا قوله تعالى: ~~فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. وقرأ أبو جعفر: «فلا تذهب» بضم التاء وكسر ~~الهاء «نفسك» بنصب السين. وقال ابن عباس: لا تغتم ولا تهلك نفسك حسرة على ~~تركهم الإيمان. قوله تعالى: فتثير سحابا أي: # تزعجه من مكانه وقال أبو عبيدة: تجمعه وتجيء به، و «سقناه» بمعنى «نسوقه» ~~والعرب قد تضع «فعلنا» في موضع «نفعل» وأنشدوا: # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا «2» # المعنى: يطيروا ويدفنوا. # قوله تعالى: كذلك النشور وهو الحياة، وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: كما أحيا الله الأرض بعد موتها يحيي الموتى يوم البعث. ~~PageV03P506 # (1188) روى أبو رزين العقيلي، قال: قلت: يا رسول الله كيف يحيي الله ~~الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال: «هل مررت بوادي أهلك محلا، ثم مررت به ~~يهتز خضرا؟» قلت: نعم، قال: # «فكذلك يحيي الله الموتى، وتلك آيته في خلقه» . # والثاني: كما أحيا الله الأرض الميتة بالماء، كذلك يحيي الله الموتى ~~بالماء. قال ابن مسعود: # يرسل الله تعالى ماء من تحت العرش كمني الرجال، قال: فتنبت لحمانهم ~~وجسمانهم من ذلك الماء، كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ هذه الآية. وقد ~~ذكرنا في الأعراف «1» نحو هذا الشرح. ### | [سورة فاطر (35) : آية 10] # من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (10) # قوله تعالى: من كان يريد العزة فيه ثلاثة أقوال «2» : أحدها: من كان يريد ~~العزة بعبادة الأوثان فلله العزة جميعا، قاله مجاهد. والثاني: من كان يريد ~~العزة فليتعزز بطاعة الله، قاله قتادة. وقد روى أنس عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # (1189) «إن ربكم يقول كل يوم: أنا العزيز، فمن أراد عز الدارين فليطع ~~العزيز» . # والثالث: من كان يريد علم العزة لمن هي، فانها لله جميعا، قاله الفراء. # قوله ms1870 تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب وقرأ ابن مسعود وأبو عبد الرحمن ~~السلمي، والنخعي، والجحدري، والشيزري عن الكسائي: «يصعد الكلام الطيب» وهو ~~توحيده وذكره والعمل الصالح يرفعه قال علي بن المديني: الكلم الطيب: لا إله ~~إلا الله، والعمل الصالح: أداء الفرائض واجتناب المحارم. وفي هاء الكناية ~~في قوله تعالى: يرفعه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى الكلم الطيب فالمعنى: والعمل الصالح يرفع الكلم ~~الطيب، قاله ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك. وكان الحسن ~~يقول: يعرض القول على الفعل، فان وافق القول الفعل قبل، وإن خالف رد. ~~والثاني: أنها ترجع إلى العمل الصالح، فالمعنى: # والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب، فهو عكس القول الأول، وبه قال أبو ~~صالح، وشهر بن حوشب. # فاذا قلنا: إن الكلم الطيب هو التوحيد، كانت فائدة هذا القول أنه لا يقبل ~~عمل صالح إلا من موحد. PageV03P507 # والثالث: أنها ترجع إلى الله عز وجل، فالمعنى: والعمل الصالح يرفعه الله ~~إليه، أي: يقبله. قاله قتادة. # قوله تعالى: والذين يمكرون السيئات قال أبو عبيدة: يمكرون: بمعنى يكتسبون ~~ويجترحون. ثم في المشار إليهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم الذين مكروا برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، قاله أبو العالية. # والثاني: أنهم أصحاب الرياء، قاله مجاهد، وشهر بن حوشب. والثالث: أنهم ~~الذين يعملون السيئات، قاله قتادة، وابن السائب. والرابع: أنهم قائلو ~~الشرك، قاله مقاتل. # وفي معنى يبور قولان: أحدهما: يبطل، قاله ابن قتيبة. والثاني: يفسد، قاله ~~الزجاج. ### | ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 11 الى # 14] # والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على ~~الله يسير (11) وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ~~ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر ~~لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ms1871 ذلكم الله ربكم له الملك والذين ~~تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (13) إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو ~~سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (14) # قوله تعالى: والله خلقكم من تراب يعني آدم ثم من نطفة يعني نسله ثم جعلكم ~~أزواجا أي: أصنافا، ذكورا وإناثا قال قتادة: زوج بعضهم ببعض. # قوله تعالى: وما يعمر من معمر أي: ما يطول عمر أحد ولا ينقص وقرأ الحسن، ~~ويعقوب: # «ينقص» بفتح الياء وضم القاف من عمره في هذه الهاء قولان: أحدهما: أنها ~~كناية عن آخر، فالمعنى: ولا ينقص من عمر آخر وهذا المعنى في رواية العوفي ~~عن ابن عباس، وبه قال مجاهد في آخرين. قال الفراء: وإنما كني عنه كأنه ~~الأول، لأن لفظ الثاني لو ظهر كان كالأول، كأنه قال: ولا ينقص من عمر معمر، ~~ومثله في الكلام: عندي درهم ونصفه والمعنى: ونصف آخر. والثاني: أنها ترجع ~~إلى المعمر المذكور فالمعنى: ما يذهب من عمر هذا المعمر يوم أو ليلة إلا ~~وذلك مكتوب قال سعيد بن جبير: مكتوب في أول الكتاب: عمره كذا وكذا سنة، ثم ~~يكتب أسفل من ذلك: ذهب يوم، ذهب يومان، ذهبت ثلاثة، إلى أن ينقطع عمره وهذا ~~المعنى في رواية ابن جبير عن ابن عباس، وبه قال عكرمة وأبو مالك في آخرين. # فأما الكتاب، فهو اللوح المحفوظ. وفي قوله تعالى إن ذلك على الله يسير ~~قولان: # أحدهما: أنه يرجع إلى كتابة الآجال. والثاني: إلى زيادة العمر ونقصانه. # قوله تعالى: وما يستوي البحران يعني العذب والملح وهذه الآية وما بعدها ~~قد سبق بيانه «1» إلى قوله: ما يملكون من قطمير قال ابن عباس: هو القشر ~~الذي يكون على ظهر النواة. قوله تعالى: إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم لأنهم ~~جماد ولو سمعوا بأن يخلق الله لهم أسماعا ما استجابوا لكم PageV03P508 # أي: لم يكن عندهم إجابة ويوم القيامة يكفرون بشرككم أي: يتبرؤون من ~~عبادتكم ولا ينبئك يا محمد مثل خبير أي: عالم بالأشياء، يعني نفسه عز وجل ms1872 ~~والمعنى أنه لا أخبر منه عز وجل بما أخبر أنه سيكون. ### | ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 15 الى # 26] # يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (15) إن يشأ ~~يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز (17) ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر ~~الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى ~~الله المصير (18) وما يستوي الأعمى والبصير (19) # ولا الظلمات ولا النور (20) ولا الظل ولا الحرور (21) وما يستوي الأحياء ~~ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور (22) إن أنت ~~إلا نذير (23) إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها ~~نذير (24) # وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر ~~وبالكتاب المنير (25) ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير (26) # يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله أي: المحتاجون إليه والله هو الغني ~~عن عبادتكم الحميد عند خلقه باحسانه إليهم. وما بعد هذا قد تقدم بيانه «1» ~~إلى قوله تعالى: وإن تدع مثقلة أي: نفس مثقلة بالذنوب إلى حملها الذي حملت ~~من الخطايا لا يحمل منه شيء ولو كان الذي تدعوه ذا قربى ذا قرابة إنما تنذر ~~الذين يخشون ربهم بالغيب أي: يخشونه ولم يروه والمعنى: # إنما تنفع بانذارك أهل الخشية، فكأنك تنذرهم دون غيرهم لمكان اختصاصهم ~~بالانتفاع، ومن تزكى أي: تطهر من الشرك والفواحش، وفعل الخير فإنما يتزكى ~~لنفسه أي: فصلاحه لنفسه وإلى الله المصير فيجزي بالأعمال. وما يستوي الأعمى ~~والبصير يعني المؤمن والمشرك، ولا الظلمات يعني الشرك والضلالات ولا النور ~~الهدى والإيمان، ولا الظل ولا الحرور فيه قولان: أحدهما: ظل الليل وسموم ~~النهار، قاله عطاء. والثاني: الظل: الجنة، والحرور: النار، قاله مجاهد. قال ~~الفراء: الحرور بمنزلة السموم، وهي الرياح الحارة. والحرور تكون بالنهار ~~وبالليل، والسموم لا تكون إلا بالنهار. وقال أبو عبيدة: الحرور تكون ~~بالنهار مع الشمس، وكان رؤبة يقول: الحرور بالليل، ms1873 والسموم بالنهار. # قوله تعالى: وما يستوي الأحياء ولا الأموات فيهم قولان: أحدهما: أن ~~الأحياء: المؤمنون، والأموات: الكفار. والثاني: أن الأحياء، العقلاء: ~~والأموات: الجهال. وفي «لا» المذكورة في هذه الآية قولان: أحدهما: أنها ~~زائدة مؤكدة. والثاني: أنها نافية لاستواء أحد المذكورين مع الآخر. قال ~~قتادة: هذه أمثال ضربها الله تعالى للمؤمن والكافر، يقول: كما لا تستوي هذه ~~الأشياء، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. إن الله يسمع من يشاء أي: يفهم من ~~يريد إفهامه وما أنت بمسمع من في القبور وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، ~~والحسن، والجحدري: «بمسمع من» على الإضافة يعني الكفار، شبههم بالموتى، إن ~~أنت إلا نذير قال بعض المفسرين: نسخ معناها بآية السيف. قوله PageV03P509 # تعالى: وإن من أمة إلا خلا فيها نذير أي: ما من أمة إلا قد جاءها رسول. ~~وما بعد هذا قد سبق بيانه «1» إلى قوله تعالى: فكيف كان نكير أثبت فيها ~~الياء في الحالين يعقوب، وافقه في الوصل ورش. ### | ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 27 الى # 28] # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) ومن الناس والدواب ~~والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز ~~غفور (28) # قوله تعالى: ومن الجبال جدد بيض أي: ومما خلقنا من الجبال جدد. قال ابن ~~قتيبة: الجدد: # الخطوط والطرائق تكون في الجبال، فبعضها بيض، وبعضها حمر، وبعضها غرابيب ~~سود، والغرابيب جمع غربيب، وهو الشديد السواد، يقال: أسود غربيب، وتمام ~~الكلام عند قوله: «كذلك» ، يقول: من الجبال مختلف ألوانه، ومن الناس ~~والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك أي: كاختلاف الثمرات. قال الفراء: وفي ~~الكلام تقديم وتأخير، تقديره: وسود غرابيب، لأنه يقال: أسود غربيب، وقلما ~~يقال: غربيب أسود. وقال الزجاج: المعنى: ومن الجبال غرابيب سود، وهي ذوات ~~الصخر الأسود. وقال ابن دريد: الغربيب: الأسود، أحسب أن اشتقاقه من الغراب. ~~وللمفسرين في المراد بالغرابيب ثلاثة أقوال: أحدها: الطرائق السود، قاله ~~ابن عباس. والثاني: الأودية السود، قاله قتادة. ms1874 # والثالث: الجبال السود، قاله السدي. # ثم ابتدأ فقال: إنما يخشى الله من عباده العلماء يعني العلماء بالله عز ~~وجل. قال ابن عباس: # يريد: إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني. وقال مجاهد ~~والشعبي: العالم من خاف الله. وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس ~~بعالم. ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 29 الى 31] # إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور ~~شكور (30) والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله ~~بعباده لخبير بصير (31) # قوله تعالى: إن الذين يتلون كتاب الله يعني قراء القرآن، فأثنى عليهم ~~بقراءة القرآن وكان مطرف يقول: هذه آية القراء. وفي قوله تعالى يتلون ~~قولان: أحدهما: يقرءون. والثاني: يتبعون. # قال أبو عبيدة: وأقاموا الصلاة بمعنى ويقيمون وهو إدامتها لمواقيتها ~~وحدودها. قوله تعالى: # يرجون تجارة قال الفراء: هذا جواب قوله تعالى: إن الذين يتلون. قال ~~المفسرون: # والمعنى: يرجون بفعلهم هذا تجارة لن تفسد ولن تهلك ولن تكسد ليوفيهم ~~أجورهم أي: جزاء أعمالهم ويزيدهم من فضله قال ابن عباس: سوى الثواب ما لم ~~تر عين ولم تسمع أذن. فأما الشكور، فقال الخطابي: هو الذي يشكر اليسير من ~~الطاعة، فيثيب عليه الكثير من الثواب، ويعطي الجزيل من النعمة، ويرضي ~~باليسير من الشكر ومعنى الشكر المضاف إليه: الرضى بيسير الطاعة من العبد، ~~والقبول له، وإعظام الثواب عليه وقد يحتمل أن يكون معنى الثناء على الله ~~بالشكور ترغيب PageV03P510 # الخلق في الطاعة قلت أو كثرت، لئلا يستقلوا القليل من العمل، ولا يتركوا ~~اليسير منه. ### | ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 32 الى # 33] # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) جنات عدن يدخلونها ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (33) # قوله تعالى: ثم أورثنا الكتاب في «ثم» وجهان: أحدهما: أنها بمعنى الواو. ~~والثاني: أنها للترتيب. والمعنى: أنزلنا الكتب ms1875 المتقدمة، ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا وفيهم قولان: أحدهما: # أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم ~~الأنبياء وأتباعهم، قاله الحسن. وفي الكتاب قولان: أحدهما: أنه اسم جنس، ~~والمراد به الكتب التي أنزلها الله عز وجل، وهذا يخرج على القولين. فان ~~قلنا: الذين اصطفوا أمة محمد، فقد قال ابن عباس: إن الله أورث أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم كل كتاب أنزله. وقال ابن جرير الطبري: ومعنى ذلك: أورثهم ~~الإيمان بالكتب كلها- وجميع الكتب تأمر باتباع القرآن- فهم مؤمنون بها ~~عاملون بمقتضاها واستدل على صحة هذا القول بأن الله تعالى قال في الآية ~~التي قبل هذه: والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق وأتبعه بقوله تعالى: ثم ~~أورثنا الكتاب فعلمنا أنهم أمة محمد، إذ كان معنى الميراث: انتقال شيء من ~~قوم إلى قوم، ولم تكن أمة على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم انتقل إليهم ~~كتاب من قوم كانوا قبلهم غير أمته. فان قلنا: هم الأنبياء وأتباعهم، كان ~~المعنى: # أورثنا كل كتاب أنزل على نبي ذلك النبي وأتباعه. والقول الثاني: أن ~~المراد بالكتاب القرآن. وفي معنى «أورثنا» قولان: أحدهما: أعطينا، لأن ~~الميراث، عطاء، قاله مجاهد. والثاني: أخرنا، ومنه الميراث، لأنه تأخر عن ~~الميت فالمعنى: أخرنا القرآن عن الأمم السالفة وأعطيناه هذه الأمة، إكراما ~~لها، ذكره بعض أهل المعاني. # قوله تعالى: فمنهم ظالم لنفسه فيه أربعة أقوال «1» : أحدها: أنه صاحب ~~الصغائر (1190) روى عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له» . # (1191) وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الآية، قال: «كلهم في الجنة» . PageV03P511 # والثاني: أنه الذي مات على كبيرة ولم يتب منها، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: أنه الكافر، رواه عمرو بن دينار عن ابن عباس. # (1192) وقد رواه ابن عمر مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فعلى هذا ~~يكون الاصطفاء لجملة من أنزل عليه الكتاب، كما قال: وإنه لذكر لك ولقومك ms1876 ~~«1» أي: لشرف لكم، وكم من مكرم لم يقبل الكرامة! والرابع: أنه المنافق، حكي ~~عن الحسن. وقد روي عن الحسن أنه قال: الظالم: الذي ترجح سيئاته على حسناته، ~~والمقتصد: الذي قد استوت حسناته وسيئاته، والسابق: من رجحت حسناته. # وروي عن عثمان بن عفان أنه تلا هذه الآية، فقال: سابقنا أهل جهادنا، ~~ومقتصدنا أهل حضرنا، وظالمنا أهل بدونا. # قوله تعالى: ومنهم سابق وقرأ أبو المتوكل والجحدري وابن السميفع: «سباق» ~~مثل: فعال بالخيرات أي: بالأعمال الصالحة إلى الجنة، أو إلى الرحمة بإذن ~~الله أي: بارادته وأمره ذلك هو الفضل الكبير يعني إيراثهم الكتاب. # ثم أخبر بثوابهم، فجمعهم في دخول الجنة فقال: جنات عدن يدخلونها قرأ أبو ~~عمرو وحده: # «يدخلونها» بضم الياء وفتحها الباقون، وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: ~~ولؤلؤا بالنصب. وروى أبو بكر عن عاصم أنه كان يهمز الواو الثانية ولا يهمز ~~الأولى وفي رواية أخرى أنه كان يهمز الأولى ولا يهمز الثانية. والآية مفسرة ~~في سورة الحج «2» . قال كعب: تحاكت مناكبهم ورب الكعبة، ثم أعطوا الفضل ~~بأعمالهم. ### | ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 34 الى # 39] # وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) الذي ~~أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب (35) ~~والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ~~كذلك نجزي كل كفور (36) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي ~~كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما ~~للظالمين من نصير (37) إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات ~~الصدور (38) # هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين ~~كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) # ثم أخبر عما يقولون عند دخولها، وهو قوله تعالى: وقالوا الحمد لله الذي ~~أذهب عنا الحزن الحزن والحزن واحد، كالبخل والبخل. وفي المراد بهذا الحزن ~~خمسة أقوال «3» : أحدها: أنه الحزن PageV03P512 # لطول المقام في المحشر. # (1193) روى أبو ms1877 الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أما ~~السابق، فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد، فيحاسب حسابا يسيرا، وأما ~~الظالم لنفسه، فانه حزين في ذلك المقام» ، فهو الحزن والغم، وذلك قوله ~~تعالى: «الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» . # (1194) والثاني: أنه الجوع، رواه أبو الدرداء أيضا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولا يصح، وبه قال شمر بن عطية. وفي لفظ عن شمر أنه قال: الحزن: ~~هم الخبز، وكذلك روي عن سعيد بن جبير أنه قال: الحزن: هم الخبز في الدنيا. # والثالث: أنه حزن النار، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. والرابع: حزنهم ~~في الدنيا على ذنوب سلفت منهم، رواه عكرمة عن ابن عباس. والخامس: حزن ~~الموت، قاله عطية. # والآية عامة في هذه الأقوال وغيرها، ومن القبيح تخصيص هذا الحزن بالخبز ~~وما يشبهه، وإنما حزنوا على ذنوبهم وما يوجبه الخوف. # قوله تعالى: الذي أحلنا أي: أنزلنا دار المقامة قال الفراء: المقامة هي ~~الإقامة، والمقامة: # المجلس، بالفتح لا غير، قال الشاعر: # يومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب «1» # قوله تعالى: من فضله قال الزجاج: أي: بتفضله، لا بأعمالنا. والنصب: ~~التعب. # واللغوب: الإعياء من التعب. ومعنى لغوب: شيء يلغب أي: لا نتكلف شيئا نعنى ~~منه. # قوله تعالى: لا يقضى عليهم فيموتوا أي: لا يهلكون فيستريحوا مما هم فيه، ~~ومثله: فوكزه موسى فقضى عليه «2» . قوله تعالى: كذلك نجزي كل كفور وقرأ أبو ~~عمرو: «يجزى» بالياء «كل» PageV03P513 # برفع اللام. وقرأ الباقون: «نجزي» بالنون «كل» بنصب اللام. # قوله تعالى: وهم يصطرخون فيها وهو افتعال من الصراخ: والمعنى: يستغيثون، ~~فيقولون: # ربنا أخرجنا نعمل صالحا أي: نوحدك ونطيعك غير الذي كنا نعمل من الشرك ~~والمعاصي فوبخهم الله تعالى بقوله: أولم نعمركم قال أبو عبيدة: معناه ~~التقرير، وليس باستفهام والمعنى: أو لم نعمركم عمرا يتذكر فيه من تذكر؟! ~~وفي مقدار هذا التعمير أربعة أقوال: أحدها: أنه سبعون سنة، قال ابن عمر: ~~هذه الآية تعيير لأبناء السبعين. والثاني: أربعون سنة. والثالث: ستون سنة، ~~رواهما ms1878 مجاهد عن ابن عباس، وبالأول منهما قال الحسن، وابن السائب. والرابع: ~~ثماني عشرة سنة، قاله عطاء، ووهب بن منبه، وأبو العالية، وقتادة. # قوله تعالى: وجاءكم النذير فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه الشيب، قاله ابن ~~عمر وعكرمة وسفيان بن عيينة والمعنى: أو لم نعمركم حتى شبتم؟! والثاني: ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة وابن زيد وابن السائب ومقاتل. ~~والثالث: موت الأهل والأقارب. والرابع: الحمى، ذكرهما الماوردي. # قوله تعالى: فذوقوا يعني العذاب فما للظالمين من نصير أي: من مانع يمنع ~~عنهم. وما بعد هذا قد تقدم بيانه «1» إلى قوله تعالى: خلائف في الأرض وهي ~~الأمة التي خلفت من قبلها ورأت فيمن تقدمها ما ينبغي أن تعتبر به فمن كفر ~~فعليه كفره أي: جزاء كفره. ### | ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 40 الى # 41] # قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم ~~لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون ~~بعضهم بعضا إلا غرورا (40) إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا (41) # قوله تعالى: أرأيتم شركاءكم المعنى: أخبروني عن الذين عبدتم من دون الله ~~واتخذتموهم شركاء بزعمكم، بأي شيء أوجبتم لهم الشركة في العبادة؟! أبشيء ~~خلقوه من الارض، أم شاركوا خالق السموات في خلقها؟! ثم عاد إلى الكفار ~~فقال: أم آتيناهم كتابا يأمرهم بما يفعلون فهم على بينة منه قرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو، وحمزة، وحفص عن عاصم: «على بينة» على التوحيد. وقرأ نافع، وابن ~~عامر، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «بينات» جمعا. والمراد: البيان بأن مع ~~الله شريكا بل إن يعد الظالمون يعني المشركين يعد بعضهم بعضا أن الأصنام ~~تشفع لهم، وأنه لا حساب عليهم ولا عقاب. وقال مقاتل: ما يعد الشيطان الكفار ~~من شفاعة الآلهة إلا باطلا. قوله تعالى: إن الله يمسك السماوات والأرض أن ~~تزولا أي: يمنعهما من الزوال والذهاب والوقوع. قال الفراء ولئن بمعنى «ولو» ~~، و «إن» ms1879 بمعنى «ما» ، فالتقدير: ولو زالتا ما أمسكهما من أحد. وقال ~~الزجاج: لما قالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، ~~كادت السموات يتفطرن والجبال أن تزول والأرض أن تنشق، فأمسكها الله عز وجل ~~وإنما وحد «الأرض» مع جمع «السموات» ، لأن الأرض تدل على الأرضين. ولئن ~~زالتا تحتمل وجهين: أحدهما: زوالهما يوم القيامة. والثاني: أن يقال ~~PageV03P514 # تقديرا: وإن لم تزولا، وهذا مكان يدل على القدرة، غير أنه ذكر الحلم فيه، ~~لأنه لما أمسكهما عند قولهم: اتخذ الرحمن ولدا «1» ، حلم فلم يعجل لهم ~~العقوبة. ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 42 الى 43] # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ~~فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا ~~يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله ~~تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) # قوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم يعني كفار مكة حلفوا بالله قبل ~~إرسال محمد صلى الله عليه وسلم لئن جاءهم نذير أي: رسول ليكونن أهدى أي: ~~أصوب دينا من إحدى الأمم يعني: اليهود والنصارى والصابئين فلما جاءهم نذير ~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم ما زادهم مجيئه إلا نفورا أي: تباعدا عن ~~الهدى، استكبارا في الأرض أي: عتوا على الله وتكبرا عن الإيمان به. قال ~~الاخفش: نصب «استكبارا» على البدل من النفور. قال الفراء: المعنى: فعلوا ~~ذلك استكبارا ومكر السيئ، فأضيف المكر إلى السيئ، كقوله: وإنه لحق اليقين ~~«2» ، وتصديقه في قراءة عبد الله: «ومكرا سيئا» ، والهمزة في «السيئ» ~~مخفوضة، وقد جزمها الأعمش وحمزة، لكثرة الحركات قال الزجاج: وهذا عند ~~النحويين الحذاق لحن، إنما يجوز في الشعر اضطرارا. وقال أبو جعفر النحاس: ~~كان الأعمش يقف على «مكر السي» فيترك الحركة، وهو وقف حسن تام، فغلط الراوي ~~فروى أنه كان يحذف الإعراب في الوصل، فتابع حمزة الغلط، فقرأ في الإدراج ~~بترك الحركة. وللمفسرين في المراد ب «مكر السيئ» قولان: أحدهما: # أنه الشرك. قال ابن عباس: عاقبة الشرك لا ms1880 تحل إلا بمن أشرك. والثاني: أنه ~~المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم، حكاه الماوردي. قوله تعالى: فهل ~~ينظرون أي: ينتظرون إلا سنت الأولين أي: إلا أن ينزل العذاب بهم كما نزل ~~بالأمم المكذبة قبلهم فلن تجد لسنت الله في العذاب تبديلا وإن تأخر ولن تجد ~~لسنت الله تحويلا أي: لا يقدر أحد أن يحول العذاب عنهم إلى غيرهم. ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 44 الى 45] # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد ~~منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان ~~عليما قديرا (44) ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ~~ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا (45) # قوله تعالى: ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا هذا عام، وبعضهم يقول: أراد ~~بالناس المشركين. والمعنى: لو واخذهم بأفعالهم لعجل لهم العقوبة. وقد شرحنا ~~هذه الآية في «النحل» «3» . # وما أخللنا به فقد سبق بيانه «4» . قوله تعالى: فإن الله كان بعباده ~~بصيرا قال ابن جرير: بصيرا بمن يستحق العقوبة ومن يستوجب الكرامة. ~~PageV03P515 ### | سورة يس # وفيها قولان «1» : أحدهما: أنها مكية، قاله ابن عباس، والحسن، وعكرمة، ~~وقتادة، والجمهور. # وروي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: إنها مكية إلا آية منها، وهي قوله ~~تعالى: وإذا قيل لهم أنفقوا «2» . والثاني: أنها مدنية، حكاه أبو سليمان ~~الدمشقي، وقال: ليس بالمشهور. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة يس (36) : الآيات 1 الى # 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # يس (1) والقرآن الحكيم (2) إنك لمن المرسلين (3) على صراط مستقيم (4) # تنزيل العزيز الرحيم (5) لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6) # وفي قوله تعالى: يس خمسة أقوال: # (1195) أحدها: أن معناها: يا إنسان، بالحبشية، رواه عكرمة عن ابن عباس، ~~وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومقاتل. # والثاني: أنها قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس. # والثالث: أن معناها: يا محمد، قاله ابن الحنفية، والضحاك. والرابع: أن ~~معناها: ms1881 يا رجل، قاله الحسن. والخامس: اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. ~~وقرأ الحسن، وأبو الجوزاء: «يسن» بفتح الياء وكسر النون. وقرأ أبو المتوكل ~~وأبو رجاء وابن أبي عبلة بفتح الياء والنون جميعا. وقرأ أبو حصين الأسدي ~~بكسر الياء وإظهار النون. قال الزجاج: والذي عند أهل العربية أن هذا بمنزلة ~~افتتاح السور، وبعض العرب يقول: «يسن والقرآن» بفتح النون، وهذا جائز في ~~العربية لوجهين: أحدهما: أن «يس» اسم للسورة، فكأنه قال: اتل يس، وهو على ~~وزن هابيل وقابيل لا ينصرف. والثاني: أنه فتح لالتقاء الساكنين، والتسكين ~~أجود لأنه حرف هجاء. قوله تعالى: والقرآن الحكيم هذا قسم، وقد سبق معنى ~~PageV03P516 # «الحكيم» «1» ، قال الزجاج: وجوابه: إنك لمن المرسلين وأحسن ما جاء في ~~العربية أن يكون «لمن المرسلين» خبر «إن» ، ويكون قوله تعالى: على صراط ~~مستقيم خبرا ثانيا، فيكون المعنى: إنك لمن المرسلين، إنك على صراط مستقيم. ~~ويجوز أن يكون «على صراط» من صلة «المرسلين» ، فيكون المعنى: إنك لمن ~~المرسلين الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة. قوله تعالى: تنزيل العزيز قرأ ~~ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «تنزيل» برفع اللام. وقرأ ابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: «تنزيل» بنصب اللام. وعن عاصم كالقراءتين. قال الزجاج: من قرأ ~~بالنصب، فعلى المصدر، على معنى: نزل الله ذلك تنزيلا، ومن قرأ بالرفع، فعلى ~~معنى: الذي أنزل إليك تنزيل العزيز. وقال الفراء: من نصب، أراد: إنك لمن ~~المرسلين تنزيلا حقا منزلا ويكون الرفع على الاستئناف، كقوله: «ذلك تنزيل ~~العزيز» . # وقرأ أبي بن كعب، وأبو رزين، وأبو العالية، والحسن، والجحدري: «تنزيل» ~~بكسر اللام. وقال مقاتل: هذا القرآن تنزيل العزيز في ملكه، الرحيم بخلقه. # قوله تعالى: لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم في «ما» قولان: أحدهما: أنها نفي، ~~وهو قول قتادة والزجاج في الأكثرين. والثاني: أنها بمعنى «كما» ، قاله ~~مقاتل. وقيل: هي بمعنى «الذي» . # قوله تعالى: فهم غافلون أي: عن حجج التوحيد وأدلة البعث. ### | ### | [سورة يس (36) : الآيات 7 الى # 12] # لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ~~فهي إلى ms1882 الأذقان فهم مقمحون (8) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ~~(10) إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم ~~(11) # إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ~~(12) # لقد حق القول فيه قولان: أحدهما: وجب العذاب. والثاني: سبق القول بكفرهم. # قوله تعالى: على أكثرهم يعني أهل مكة، وهذه إشارة إلى إرادة الله تعالى ~~السابقة لكفرهم فهم لا يؤمنون لما سبق من القدر بذلك. إنا جعلنا في أعناقهم ~~أغلالا فيه ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنها مثل، وليس هناك غل على حقيقة، ~~قاله أكثر المحققين، ثم لهم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها مثل لمنعهم عن كل ~~خير، قاله قتادة. والثاني: لحبسهم عن الإنفاق في سبيل الله بموانع ~~كالأغلال، قاله الفراء، وابن قتيبة. والثالث: لمنعهم من الإيمان بالله، ~~قاله أبو سليمان الدمشقي. والقول الثاني: أنها موانع حسية منعت ما يمنع ~~الغل. PageV03P517 # (1196) قال مقاتل بن سليمان: حلف أبو جهل لئن رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يصلي ليدمغنه، فجاءه وهو يصلي، فرفع حجرا فيبست يده والتصق الحجر ~~بيده، فرجع إلى أصحابه فأخبرهم الخبر، فقام رجل منهم فأخذ الحجر، فلما دنا ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم طمس الله على بصره فلم يره، فرجع إلى ~~أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه، فنزل في أبي جهل: إنا جعلنا في أعناقهم ~~أغلالا الآية. ونزل في الآخر: وجعلنا من بين أيديهم سدا. # والقول الثالث: أنه على حقيقته، إلا أنه وصف لما سينزله الله تعالى بهم ~~في النار، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: فهي إلى الأذقان قال الفراء: «فهي» كناية عن الأيمان، ولم ~~تذكر، لأن الغل لا يكون إلا في اليمين والعنق جامعا لهما، فاكتفي بذكر ~~أحدهما عن صاحبه. وقال الزجاج: «هي» كناية عن الأيدي، ولم يذكرها إيجازا، ~~لأن الغل يتضمن اليد والعنق، وأنشد: # وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني # وإنما قال: أيهما، لأنه قد علم أن ms1883 الخير والشر معرضان للإنسان. قال ~~الفراء: والذقن: أسفل اللحيين، والمقمح: الغاض بصره بعد رفع رأسه. قال أبو ~~عبيده: كل رافع رأسه فهو مقامح وقامح، والجمع: قماح، فإن فعل ذلك بإنسان ~~فهو مقمح، ومنه هذه الآية. وقال ابن قتيبة: يقال: بعير قامح، وإبل قماح: ~~إذا رويت من الماء فقمحت، قال الشاعر- وذكر سفينة-: # ونحن على جوانبها قعود ... نغض الطرف كالإبل القماح «1» # وقال الأزهري: المراد أن أيديهم لما غلت عند أعناقهم، رفعت الأغلال ~~أذقانهم ورؤوسهم، فهم مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إياها. # قوله تعالى: وجعلنا من بين أيديهم سدا قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: ~~بفتح السين، والباقون: بضمها، وقد تكلمنا على الفرق بينهما في سورة الكهف ~~«2» . وفي معنى الآية قولان: # أحدهما: منعناهم عن الإيمان بموانع، فهم لا يستطيعون الخروج عن الكفر. ~~والثاني: حجبناهم عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظلمة لما قصدوه ~~بالأذى. PageV03P518 # قوله تعالى: فأغشيناهم قال ابن قتيبة: أغشينا عيونهم وأعميناهم عن الهدى. ~~وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، ويحيى بن يعمر: ~~«فأعشيناهم» بعين غير معجمة. ثم ذكر أن الإنذار لا ينفعهم لإضلاله إياهم ~~بالآية التي بعد هذه. ثم أخبر عمن ينفعه الإنذار بقوله تعالى: إنما تنذر ~~أي: إنما ينفع إنذارك من اتبع الذكر وهو القرآن، فعمل به وخشي الرحمن ~~بالغيب وقد شرحناه في الأنبياء «1» ، والأجر الكريم: الحسن، وهو الجنة. إنا ~~نحن نحي الموتى للبعث ونكتب ما قدموا من خير وشر في دنياهم. وقرأ النخعي، ~~والجحدري: «ويكتب» بياء مرفوعة وفتح التاء «وآثارهم» برفع الراء. # وفي أثارهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنها خطاهم بأرجلهم، قاله الحسن، ومجاهد، ~~وقتادة. # (1197) قال أبو سعيد الخدري: شكت بنو سلمة إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد منازلهم من المسجد، فأنزل الله تعالى: ونكتب ما قدموا وآثارهم، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم منازلكم، فإنما يكتب آثاركم» ، وقال ~~قتادة وعمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلا شيئا، لأغفل ما تعفي الرياح ~~«2» من أثر قدم ابن آدم. # والثاني: أنها الخطا إلى الجمعة، ms1884 قاله أنس بن مالك. والثالث: ما أثروا من ~~سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعدهم، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، واختاره ~~الفراء، وابن قتيبة، والزجاج. # قوله تعالى: وكل شيء وقرأ ابن السميفع، وابن أبي عبلة: «وكل» برفع اللام، ~~أي: من الأعمال أحصيناه أي: حفظناه في إمام مبين وهو اللوح المحفوظ. ~~PageV03P519 ### | ### | [سورة يس (36) : الآيات 13 الى # 19] # واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) إذ أرسلنا إليهم ~~اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون (14) قالوا ما أنتم ~~إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون (15) قالوا ربنا ~~يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلاغ المبين (17) # قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم ~~(18) قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (19) # قوله تعالى: واضرب لهم مثلا المعنى: صف لأهل مكة مثلا أي: شبها. وقال ~~الزجاج: # المعنى: مثل لهم مثلا أصحاب القرية وهو بدل من مثل، كأنه قال: اذكر لهم ~~أصحاب القرية. وقال عكرمة، وقتادة: هذه القرية هي أنطاكية «1» . إذ أرسلنا ~~إليهم اثنين وفي اسميهما ثلاثة أقوال «2» : # أحدها: صادق وصدوق، قاله ابن عباس، وكعب. والثاني: يوحنا وبولس، قاله وهب ~~بن منبه. # والثالث: تومان وبولس، قاله مقاتل. # قوله تعالى: فعززنا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: «فعززنا» بتشديد الزاي، قال ابن قتيبة: المعنى: ~~قوينا وشددنا، يقال: تعزز لحم الناقة: إذا صلب. وقرأ أبو بكر، والمفضل عن ~~عاصم: «فعززنا» خفيفة، قال أبو علي: أراد: فغلبنا. # قال مقاتل: واسم هذا الثالث شمعون، وكان من الحواريين، وهو وصي عيسى عليه ~~السلام. قال وهب: وأوحى الله إلى شمعون يخبره خبر الاثنين ويأمره بنصرتهما، ~~فانطلق يؤمهما. وذكر الفراء أن هذا الثالث كان قد أرسل قبلهما قال: ونراه ~~في التنزيل كأنه بعدهما، وإنما المعنى: فعززنا بالثالث الذي قبلهما، ~~والمفسرون على أنه إنما أرسل لنصرتهما، ثم إن الثالث إنما يكون بعد ثان، ~~فأما إذا سبق الاثنين فهو أول وإني لأتعجب ms1885 من قول الفراء. # واختلف المفسرون فيمن أرسل هؤلاء الرسل على قولين «3» : أحدهما: أن الله ~~تعالى أرسلهم، PageV03P520 # وهو ظاهر القرآن، وهو مروي عن ابن عباس، وكعب، ووهب. والثاني: أن عيسى ~~أرسلهم، وجاز أن يضاف ذلك إلى الله تعالى لأنهم رسل رسوله، قاله قتادة، ~~وابن جريج. # قوله تعالى: قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا أي: ما لكم علينا فضل في شيء ~~وما أنزل الرحمن من شيء أي: لم ينزل كتابا ولم يرسل رسولا. وما بعده ظاهر ~~إلى قوله: قالوا إنا تطيرنا بكم وذلك أن المطر حبس عنهم، فقالوا: إنما ~~أصابنا هذا من قبلكم لئن لم تنتهوا أي: تسكتوا عنا لنرجمنكم أي لنقتلنكم. ~~قالوا طائركم معكم أي: شؤمكم معكم بكفركم لا بنا أإن ذكرتم قرأ ابن كثير ~~«أين ذكرتم» بهمزة واحدة بعدها ياء وافقه أبو عمرو إلا أنه كان يمد. قال ~~الأخفش: معناه حيث ذكرتم، أي وعظتم وخوفتم، وهذا استفهام جوابه محذوف ~~تقديره: أئن ذكرتم تطيرتم بنا؟ وقيل: أئن ذكرتم قلتم هذا القول؟ والمسرفون ~~ها هنا المشركون. ### | ### | [سورة يس (36) : الآيات 20 الى # 29] # وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين (20) اتبعوا ~~من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون (21) وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ~~(22) أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون (23) إني إذا لفي ضلال مبين (24) # إني آمنت بربكم فاسمعون (25) قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون (26) ~~بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين (27) وما أنزلنا على قومه من بعده من ~~جند من السماء وما كنا منزلين (28) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ~~(29) # قوله تعالى: وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى واسمه حبيب النجار، وكان ~~مجذوما، وكان قد آمن بالرسل لما وردوا القرية، وكان منزله عند أقصى باب من ~~أبواب القرية، فلما بلغه أن قومه قد كذبوا الرسل وهموا بقتلهم، جاء يسعى، ~~فقال ما قصه الله علينا إلى قوله تعالى: وهم مهتدون يعني الرسل، فأخذوه ~~ورفعوه إلى ms1886 الملك، فقال له الملك: أفأنت تتبعهم؟ فقال: وما لي أسكن هذه ~~الياء حمزة، وخلف، ويعقوب لا أعبد الذي فطرني أي: وأي شيء لي إذا لم أعبد ~~خالقي وإليه ترجعون عند البعث، فيجزيكم بكفركم؟! فإن قيل: لم أضاف الفطرة ~~إلى نفسه والبعث إليهم وهو يعلم أن الله فطرهم جميعا كما يبعثهم جميعا؟ ~~فالجواب: أن إيجاد الله تعالى نعمة يوجب الشكر، والبعث في القيامة وعيد ~~يوجب الزجر، فكانت إضافة النعمة إلى نفسه أظهر في الشكر، وإضافة البعث إلى ~~الكافر أبلغ في الزجر. # ثم أنكر عبادة الأصنام بقوله تعالى: أأتخذ من دونه آلهة. # قوله تعالى: لا تغن عني شفاعتهم يعني أنه لا شفاعة لهم فتغني، ولا ينقذون ~~أثبت ها هنا # PageV03P521 # الياء في الحالين يعقوب، وورش، والمعنى: لا يخلصوني من ذلك المكروه. إني ~~إذا فتح هذه الياء نافع، وأبو عمرو. # قوله تعالى: إني آمنت بربكم فتح هذه الياء أهل الحجاز وأبو عمرو. وفيمن ~~خاطبهم بإيمانه قولان: أحدهما: أنه خاطب قومه بذلك، قاله ابن مسعود. ~~والثاني: أنه خاطب الرسل. ومعنى فاسمعون: اشهدوا لي بذلك، قاله الفراء. ~~وقال أبو عبيدة: المعنى: فاسمعوا مني. وأثبت ياء «فاسمعوني» في الحالين ~~يعقوب. قال ابن مسعود: لما خاطب قومه بذلك، وطئوه بأرجلهم. وقال السدي: ~~رموه بالحجارة، وهو يقول: اللهم اهد قومي. # قوله تعالى: قيل ادخل الجنة لما قتلوه فلقي الله عز وجل، قيل له: ادخل ~~الجنة، فلما دخلها قال يا ليت قومي يعلمون (26) بما غفر لي ربي، وفي «ما» ~~قولان: # أحدهما: أنها مع «غفر» في موضع مصدر والمعنى بغفران الله لي. والثاني: ~~أنها بمعنى «الذي» ، فالمعنى: ليتهم يعلمون بالذي غفر لي به ربي فيؤمنون، ~~فنصحهم حيا وميتا. # فلما قتلوه عجل الله لهم العذاب، فذلك قوله تعالى: وما أنزلنا على قومه ~~يعنى قوم حبيب من بعده أي: من بعد قتله من جند من السماء يعني الملائكة، ~~أي: لم ينتصر منهم بجند من السماء وما كنا ننزلهم على الأمم إذا أهلكناهم. ~~وقيل: المعنى: ما بعثنا إليهم بعده نبيا، ولا أنزلنا عليهم رسالة. ms1887 إن كانت ~~إلا صيحة واحدة قال المفسرون: أخذ جبريل عليه السلام بعضادتي باب المدينة ~~ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم ميتون لا يسمع لهم حس كالنار إذا طفئت، وهو ~~قوله تعالى: فإذا هم خامدون أي: ساكنون كهيئة الرماد الخامد. ### | ### | [سورة يس (36) : الآيات 30 الى # 36] # يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (30) ألم ~~يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) وإن كل لما جميع ~~لدينا محضرون (32) وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه ~~يأكلون (33) وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون (34) # ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (35) سبحان الذي خلق ~~الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) # قوله تعالى: يا حسرة على العباد قال الفراء: المعنى: يا لها حسرة على ~~العباد. وقال الزجاج: # الحسرة أن يركب الإنسان من شدة الندم ما لا نهاية له حتى يبقى قلبه ~~حسيرا. وفي المتحسر على العباد قولان: أحدهما: أنهم يتحسرون على أنفسهم، ~~قال مجاهد والزجاج: استهزاؤهم بالرسل كان حسرة عليهم في الآخرة. وقال أبو ~~العالية: لما عاينوا العذاب، قالوا: يا حسرتنا على المرسلين، كيف لنا بهم ~~الآن حتى نؤمن. والثاني: أنه تحسر الملائكة على العباد في تكذيبهم الرسل، ~~قاله الضحاك. # ثم خوف كفار مكة فقال: ألم يروا أي: ألم يعلموا كم أهلكنا قبلهم من ~~القرون فيعتبروا ويخافوا أن نعجل لهم الهلاك كما عجل لمن أهلك قبلهم ولم ~~يرجعوا إلى الدنيا؟!. قال الفراء: وألف أنهم مفتوحة، لأن المعنى: ألم يروا ~~أنهم إليهم لا يرجعون. وقد كسرها الحسن، كأنه لم يوقع # PageV03P522 # الرؤية على «كم» ، فلم يوقعها على «أن» وإن استأنفتها كسرتها. # قوله تعالى: وإن كل لما وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة: «لما» بالتشديد، ~~جميع لدينا محضرون أي: إن الأمم يحضرون يوم القيامة، فيجازون بأعمالهم. قال ~~الزجاج: من قرأ «لما» بالتخفيف، ف «ما» زائدة مؤكدة، والمعنى: وإن كل ~~لجميع، ومعناه: وما كل إلا جميع لدينا محضرون. ومن قرأ ms1888 «لما» بالتشديد، فهو ~~بمعنى «إلا» ، تقول: «سألتك لما فعلت» و «إلا فعلت» . # وآية لهم الأرض الميتة وقرأ نافع: «الميتة» بالتشديد، وهو الأصل، ~~والتخفيف أكثر، وكلاهما جائز و «آية» مرفوعة بالابتداء، وخبرها «لهم» ، ~~ويجوز أن يكون خبرها «الأرض الميتة» والمعنى: # وعلامة تدلهم على التوحيد وأن الله يبعث الموتى أحياء، الأرض الميتة. # قوله تعالى: فمنه يأكلون يعنى ما يقتات من الحبوب. # قوله تعالى: وجعلنا فيها وقوله تعالى وفجرنا فيها يعني في الأرض. # قوله تعالى: ليأكلوا من ثمره يعني النخيل، وهو في اللفظ مذكر. وما عملته ~~أيديهم قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «عملته» ~~بهاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «عملت» بغير هاء. والهاء ~~مثبتة في مصاحف مكة والمدينة والشام والبصرة، ومحذوفة من مصاحف أهل الكوفة. ~~قال الزجاج: موضع «ما» خفض والمعنى: ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم ~~ويجوز أن يكون «ما» نفيا المعنى: ولم تعمله أيديهم، وهذا على قراءه من أثبت ~~الهاء، فإذا حذفت الهاء، فالاختيار أن تكون «ما» في موضع خفض، وتكون بمعنى ~~«الذي» ، فيحسن حذف الهاء وكذلك ذكر المفسرون القولين، فمن قال بالأول. ~~قال: ليأكلوا مما عملت أيديهم، وهو الغروس والحروث التي تعبوا فيها، ومن ~~قال بالثاني. قال: ليأكلوا ما ليس من صنعهم، ولكنه من فعل الحق عز وجل أفلا ~~يشكرون الله تعالى فيوحدوه؟!. ثم نزه نفسه بقوله تعالى: سبحان الذي خلق ~~الأزواج كلها يعني الأجناس كلها مما تنبت الأرض من الفواكه والحبوب وغير ~~ذلك ومن أنفسهم وهم الذكور والإناث ومما لا يعلمون من دواب البر والبحر ~~وغير ذلك مما لم يقفوا على علمه. ### | ### | [سورة يس (36) : الآيات 37 الى # 40] # وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) والشمس تجري لمستقر ~~لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم (39) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل ~~في فلك يسبحون (40) # قوله تعالى: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار أي: وعلامة لهم تدل على ~~توحيدنا ms1889 وقدرتنا الليل نسلخ منه النهار قال الفراء: نرمي بالنهار عنه، و ~~«منه» بمعنى «عنه» . وقال أبو عبيدة: نخرج منه النهار ونميزه منه فتجيء ~~الظلمة، قال الماوردي: وذلك أن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء، فإذا ~~خرج منه أظلم. وقوله تعالى: فإذا هم مظلمون أي: داخلون في الظلام. والشمس ~~أي: وآية لهم الشمس تجري لمستقر لها وفيه أربعة أقوال: # أحدها: إلى موضع قرارها. روى أبو ذر قال: # PageV03P523 # (1198) سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: لمستقر لها قال: ~~«مستقرها تحت العرش» . # وقال: «إنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها، فتستأذن في الطلوع، فيؤذن لها» ~~. # والثاني: أن مستقرها مغربها لا تجاوزه ولا تقصر عنه، قاله مجاهد. ~~والثالث: لوقت واحد لا تعدوه، قاله قتاده. وقال مقاتل: لوقت لها إلى يوم ~~القيامة. والرابع: تسير في منازلها حتى تنتهي إلى مستقرها الذي لا تجاوزه، ~~ثم ترجع إلى أول منازلها، قاله ابن السائب. وقال ابن قتيبة: إلى مستقر لها، ~~ومستقرها: أقصى منازلها في الغروب، وذلك لأنها لا تزال تتقدم إلى أقصى ~~مغاربها ثم ترجع. وقرأ ابن مسعود وعكرمة وعلي بن الحسين والشيزري عن ~~الكسائي «لا مستقر لها» والمعنى أنها تجري أبدا لا تثبت في مكان واحد. قوله ~~تعالى: ذلك الذي ذكر من أمر الليل والنهار والشمس والقمر تقدير العزيز في ~~ملكه العليم بما يقدر. # قوله تعالى: والقمر قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «والقمر» بالرفع. ~~وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «والقمر» بالنصب. قال الزجاج: من ~~قرأ بالنصب، فالمعنى: وقدرنا القمر قدرناه منازل، ومن قرأ بالرفع، فالمعنى: ~~وآية لهم القمر قدرناه، ويجوز أن يكون على الابتداء، و «قدرناه» الخبر. قال ~~المفسرون: ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلا ينزلها من أول الشهر إلى آخره، ~~وقد سميناها في سورة يونس «1» ، فإذا صار إلى آخر منازله، دق فعاد ~~كالعرجون، وهو عود العذق الذي تركته الشماريخ «2» ، فإذا جف وقدم يشبه ~~الهلال. قال ابن قتيبة: و «القديم» ها هنا: الذي قد أتى عليه حول، شبه ~~القمر آخر ليلة يطلع به. قال ms1890 الزجاج: وتقدير «عرجون» : فعلون، من الانعراج. ~~وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء، والضحاك، وعاصم الجحدري، وابن السميفع: ~~«كالعرجون» ، بكسر العين. # قوله تعالى: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر فيه ثلاثة أقوال «3» : ~~أحدها: أنهما إذا اجتمعا في السماء، كان أحدهما بين يدي الآخر، فلا يشتركان ~~في المنازل، قاله ابن عباس. والثاني: لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر، قاله ~~مجاهد. والثالث: لا يجتمع ضوء أحدهما مع الآخر، فإذا جاء سلطان أحدهما ذهب ~~سلطان الآخر، قاله قتادة فيكون وجه الحكمة في ذلك أنه لو اتصل الضوء، لم ~~يعرف PageV03P524 # الليل. قوله تعالى: ولا الليل سابق النهار وقرأ أبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء، وأبو عمران، وعاصم الجحدري: «سابق» بالتنوين «النهار» بالنصب، ~~وفيه قولان: أحدهما: لا يتقدم الليل قبل استكمال النهار. والثاني: لا يأتي ~~ليل بعد ليل من غير نهار فاصل بينهما. وباقي الآية مفسر في سورة الأنبياء ~~«1» . ### | ### | [سورة يس (36) : الآيات 41 الى # 46] # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون (42) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) إلا رحمة منا ~~ومتاعا إلى حين (44) وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ~~ترحمون (45) # وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) # قوله تعالى: وآية لهم أنا حملنا ذريتهم قرأ نافع، وابن عامر: «ذرياتهم» ~~على الجمع وقرأ الباقون من السبعة: «ذريتهم» على التوحيد. قال المفسرون: ~~أراد: في سفينة نوح، فنسب الذرية إلى المخاطبين، لأنهم من جنسهم، كأنه قال: ~~ذرية الناس. وقال الفراء: أي: ذرية من هو منهم، فجعلها ذرية لهم، وقد ~~سبقتهم. وقال غيره: هو حمل الأنبياء في أصلاب الآباء حين ركبوا السفينة، ~~ومنه قول العباس: # بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق # قال المفضل بن سلمة: الذرية: النسل، لأنهم من ذرأهم الله منهم، والذرية ~~أيضا: الآباء، لأن الذر وقع منهم، فهو من الأضداد، ومنه هذه الآية، وقد ~~شرحنا هذا في قوله تعالى: ذرية بعضها من بعض «2» . والمشحون: المملوء. قوله ~~تعالى: وخلقنا ms1891 لهم من مثله فيه قولان: أحدهما: مثل سفينة نوح، وهي السفن، ~~روى هذا المعنى سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، وأبو مالك، وأبو ~~صالح، والمراد بهذا ذكر منته بأن خلق الخشب الذي تعمل منه السفن. والثاني: ~~أنها الإبل، خلقها لهم للركوب في البر مثل السفن المركوبة في البحر، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، وعن الحسن وقتادة كالقولين. # قوله تعالى: فلا صريخ لهم أي: لا مغيث ولا مجير ولا هم ينقذون أي: ينجون ~~من الغرق، يقال: أنقذه واستنقذه: إذا خلصه من المكروه، إلا رحمة منا ~~المعنى: إلا أن نرحمهم ونمتعهم إلى آجالهم. قوله تعالى: وإذا قيل لهم يعني ~~الكفار اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم فيه أربعة أقوال: # أحدها: «ما بين أيديكم» : ما مضى من الذنوب، «وما خلفكم» : ما يأتي من ~~الذنوب، قاله مجاهد. # والثاني: ما تقدم من عذاب الله للأمم، «وما خلفكم» من أمر الساعة، قاله ~~قتادة. والثالث: «ما بين أيديكم» من الدنيا، «وما خلفكم» من عذاب الآخرة، ~~قاله سفيان. والرابع: «ما بين أيديكم» من أمر الآخرة، «وما خلفكم» من أمر ~~الدنيا فلا تغتروا بها. قاله ابن عباس والكلبي. لعلكم ترحمون أي: # لتكونوا على رجاء الرحمة من الله. وجواب «إذا» محذوف، تقديره: إذا قيل ~~لهم هذا، أعرضوا ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى وما تأتيهم من آية أي: من ~~دلالة تدل على صدق الرسول. PageV03P525 ### | ### | [سورة يس (36) : الآيات 47 الى # 58] # وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم ~~من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (47) ويقولون متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين (48) ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون ~~(49) فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (50) ونفخ في الصور فإذا هم ~~من الأجداث إلى ربهم ينسلون (51) # قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) ~~إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (53) فاليوم لا تظلم نفس ms1892 ~~شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون (54) إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ~~فاكهون (55) هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكؤن (56) # لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (57) سلام قولا من رب رحيم (58) # قوله تعالى: وإذا قيل لهم أنفقوا اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: ~~أحدها: في اليهود، قاله الحسن. والثاني: في الزنادقة، قاله قتادة. # (1199) والثالث: في مشركي قريش، قاله مقاتل وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار ~~مكة: أنفقوا على المساكين النصيب الذي زعمتم أنه لله من الحرث والأنعام، ~~فقالوا: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه. # (1200) وقال ابن السائب: كان العاص بن وائل إذا سأله المسكين، قال: اذهب ~~إلى ربك فهو أولى بك مني ويقول: قد منعه الله، أطعمه أنا؟! ومعنى الكلام ~~أنهم قالوا: لو أراد الله أن يرزقهم لرزقهم، فنحن نوافق مشيئة الله فيهم ~~فلا نطعمهم وهذا خطأ منهم، لأن الله تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضا، ~~ليبلو الغني بالفقير فيما فرض له في ماله من الزكاة، والمؤمن لا يعترض على ~~المشيئة، وإنما يوافق الأمر. وقيل: إنما قالوا هذا على سبيل الاستهزاء. وفي ~~قوله تعالى: إن أنتم إلا في ضلال مبين قولان: أحدهما: أنه من قول الكفار ~~للمؤمنين، يعنون: إنكم في خطأ من اتباع محمد. والثاني: أنه من قول الله ~~للكفار لما ردوه من جواب المؤمنين. # قوله تعالى: متى هذا الوعد يعنون القيامة والمعنى: متى إنجاز هذا الوعد ~~إن كنتم صادقين؟ يعنون محمدا وأصحابه. ما ينظرون أي: ما ينتظرون إلا صيحة ~~واحدة وهي النفخة الأولى. ويخصمون بمعنى يختصمون، فأدغمت التاء في الصاد، ~~كذلك قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: # «يخصمون» بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد. وروي عن ابن عمرو اختلاس حركة ~~الخاء. وقرأ عاصم وابن عامر والكسائي «يخصمون» بفتح الياء وكسر الخاء. وعن ~~عاصم كسر الياء والخاء. وقرأ نافع بسكون الخاء وتشديد الصاد. وقرأ حمزة ~~بسكون الخاء وتخفيف الصاد، أي: يخصم بعضهم بعضا. # وقرأ أبي بن كعب: «يختصمون» بزيادة تاء والمعنى أن الساعة تأتيهم أغفل ما ~~كانوا عنها وهم يتشاغلون في متصرفاتهم ms1893 وبيعهم وشرائهم، فلا يستطيعون توصية ~~قال مقاتل: أعجلوا عن الوصية PageV03P526 # فماتوا، ولا إلى أهلهم يرجعون أي: لا يعودون من الأسواق إلى منازلهم فهذا ~~وصف ما يلقون في النفخة الأولى. ثم ذكر ما يلقون في النفخة الثانية قال: ~~ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث يعني القبور، إلى ربهم ينسلون أي: يخرجون ~~بسرعة، وقد شرحنا هذا المعنى في سورة الأنبياء «1» . # قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو رزين، ~~والضحاك، وعاصم الجحدري: # «من بعثنا» بكسر الميم والثاء وسكون العين. قال المفسرون: إنما قالوا ~~هذا، لأن الله تعالى رفع عنهم العذاب فيما بين النفختين. قال أبي بن كعب: ~~ينامون نومة قبل البعث، فإذا بعثوا قالوا هذا. # قوله تعالى: هذا ما وعد الرحمن في قائلي هذا الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنه قول المؤمنين، قاله مجاهد، وقتادة، وابن أبي ليلى. قال قتادة: أول ~~الآية للكافرين، وآخرها للمؤمنين. والثاني: أنه قول الملائكة لهم، قاله ~~الحسن. والثالث: أنه قول الكافرين، يقول بعضهم لبعض: هذا الذي أخبرنا به ~~المرسلون أننا نبعث ونجازى، قاله ابن زيد. # قال الزجاج: «من مرقدنا» هو وقف التمام، ويجوز أن يكون «هذا» من نعت ~~«مرقدنا» على معنى: من بعثنا من مرقدنا هذا الذي كنا راقدين فيه؟ ويكون في ~~قوله تعالى: ما وعد الرحمن أحد إضمارين، إما «هذا» ، وإما «حق» ، فيكون ~~المعنى: حق ما وعد الرحمن. # ثم ذكر النفخة الثانية، فقال: إن كانت إلا صيحة واحدة، وما بعد هذا ظاهر ~~إلى قوله: إن أصحاب الجنة اليوم يعني في الآخرة في شغل قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو: «في شغل» بإسكان الغين. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: «في شغل» بضم الشين والغين. وقرأ أبو هريرة، وأبو رجاء، وأيوب ~~السختياني: «في شغل» بفتح الشين والغين. وقرأ أبو مجلز، وأبو العالية، ~~وعكرمة، والضحاك، والنخعي، وابن يعمر، والجحدري: «في شغل» بفتح الشين وسكون ~~الغين، وفيه ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أن شغلهم افتضاض العذارى، رواه شقيق ~~عن ابن مسعود، ومجاهد عن ابن عباس، وبه ms1894 قال سعيد بن المسيب، وقتادة، ~~والضحاك. والثاني: ضرب الأوتار، رواه عكرمة عن ابن عباس وعن عكرمة ~~كالقولين، ولا يثبت هذا القول. والثالث: النعمة، قاله مجاهد. وقال الحسن: ~~شغلهم: # نعيمهم عما فيه أهل النار من العذاب. قوله تعالى: فاكهون وقرأ ابن مسعود، ~~وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو المتوكل، وقتادة، وأبو الجوزاء، والنخعي، ~~وأبو جعفر: «فكهون» . وهل بينهما فرق؟ # فيه قولان: أحدهما: أن بينهما فرقا. فأما «فاكهون» ففيه أربعه أقوال: ~~أحدها: فرحون، قاله ابن عباس. والثاني: معجبون، قاله الحسن، وقتادة. ~~والثالث: ناعمون، قاله أبو مالك، ومقاتل. والرابع: # ذوو فاكهة، كما يقال: فلان لابن تامر، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة. وأما ~~«فكهون» ففيه قولان: # أحدهما: أن الفكه: الذي يتفكه، تقول العرب للرجل إذا كان يتفكه بالطعام ~~أو بالفاكهة أو بأعراض PageV03P527 # الناس: إن فلانا لفكه بكذا، ومنه يقال للمزاح: فكاهة، قاله أبو عبيدة. ~~والثاني: أن فكهين بمعنى فرحين، قاله أبو سليمان الدمشقي. والقول الثاني: ~~أن فاكهين وفكهين بمعنى واحد، كما يقال: حاذر وحذر، قاله الفراء. وقال ~~الزجاج: فاكهون وفكهون بمعنى فرحين. وقال أبو زيد: الفكه: الطيب النفس ~~الضحوك، يقال: رجل فاكه وفكه. # قوله تعالى: هم وأزواجهم يعنى حلائلهم في ظلل وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: ~~«في ظلل» . قال الفراء: الظلال جمع ظل والظلل جمع ظلة وقد تكون الظلال جمع ~~ظلة أيضا، كما يقال: # خلة وخلل فإذا كثرت فهي الخلال والحلال والقلال. قال مقاتل: والظلال: ~~أكنان القصور. قال أبو عبيدة: والمعنى أنهم لا يضحون. فأما الأرائك فقد ~~بيناها في الكهف «1» . # قوله تعالى: ولهم ما يدعون قال ابن قتيبة: ما يتمنون، ومنه يقول الناس: ~~هو في خير ما ادعى، أي: ما تمنى، والعرب تقول: ادع ما شئت، أي: تمن ما شئت. ~~وقال الزجاج: وهو مأخوذ من الدعاء والمعنى: كل ما يدعو به أهل الجنة ~~يأتيهم. وقوله: سلام بدل من «ما» المعنى: لهم ما يتمنون سلام، أي: هذا منى ~~أهل الجنة أن يسلم الله عليهم. وقولا منصوب على معنى: سلام يقوله الله ~~قولا. وقال أبو عبيدة: «سلام» رفع ms1895 على «لهم» فالمعنى: لهم فيها فاكهة ولهم ~~فيها سلام. # وقال الفراء: معنى الكلام: لها ما يدعون مسلم خالص، ونصب القول، كأنك ~~قلت: قاله قولا، وإن شئت جعلته نصبا من قوله تعالى: ولهم ما يدعون قولا، ~~كقولك: عدة من الله. وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، والجحدري: «سلاما قولا» ~~بنصبهما جميعا. ### | ### | [سورة يس (36) : الآيات 59 الى # 64] # وامتازوا اليوم أيها المجرمون (59) ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا ~~تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60) وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61) ~~ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) هذه جهنم التي كنتم ~~توعدون (63) # اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون (64) # قوله تعالى: وامتازوا اليوم قال ابن قتيبة: أي: انقطعوا عن المؤمنين ~~وتميزوا منهم، يقال: مزت الشيء من الشيء: إذا عزلته عنه، فانماز وامتاز، ~~وميزته فتميز. قال المفسرون: إذا اختلط الإنس والجن في الآخرة، قيل: ~~وامتازوا اليوم أيها المجرمون فيقال للمجرمين: ألم أعهد إليكم أي: ألم ~~آمركم، ألم أوصكم؟ و «تعبدوا» بمعنى تطيعوا، والشيطان هو إبليس، زين لهم ~~الشرك فأطاعوه، إنه لكم عدو مبين ظاهر العداوة، أخرج أبويكم من الجنة. وأن ~~اعبدوني قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والكسائي: «وأن اعبدوني» بضم ~~النون. وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة: «وأن اعبدوني» بكسر النون والمعنى: ~~وحدوني هذا صراط مستقيم يعني التوحيد. ولقد أضل منكم جبلا قرأ ابن كثير، ~~وحمزة، والكسائي، وخلف: «جبلا» بضم الجيم والباء وتخفيف اللام، وقرأ أبو ~~عمرو، وابن عامر: «جبلا» بضم الجيم وتسكين الباء مع تخفيف اللام. وقرأ ~~نافع، وعاصم: «جبلا» بكسر الجيم والباء مع تشديد اللام. وقرأ علي بن أبي ~~طالب، وابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، والزهري، PageV03P528 # والأعمش: «جبلا» بضم الجيم والباء مع تشديد اللام. وقرأ عبد الله بن ~~عمرو، وابن السميفع: «جبلا» بكسر الجيم وسكون الباء وتخفيف اللام. وقرأ ~~سعيد بن جبير، وأبو المتوكل، ومعاذ القارئ: «جبلا» برفع الجيم وفتح الباء ~~وتخفيف اللام. وقرأ أبو العالية: وابن يعمر: «جبلا» بكسر الجيم وفتح الباء ~~وتخفيف اللام. وقرأ أبو عمران الجوني، وعمرو ms1896 بن دينار: «جبالا» مكسورة ~~الجيم مفتوحة الباء وبألف. ومعنى الكلمة كيف تصرفت في هذه اللغات: الخلق ~~والجماعة فالمعنى: ولقد أضل منكم خلقا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون فالمعنى: ~~قد رأيتم آثار الهالكين قبلكم بطاعة الشيطان، أفلم تعقلوا ذلك؟! وقرأ ابن ~~عباس، وأبو رزين، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو رجاء، ومجاهد، وابن يعمر: # «أفلم يكونوا يعقلون» بالياء فيهما، فإذا أدنوا إلى جهنم قيل لهم: هذه ~~جهنم التي كنتم توعدون بها في الدنيا اصلوها أي: قاسوا حرها. ### | ### | [سورة يس (36) : الآيات 65 الى # 68] # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ~~(65) ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (66) ولو ~~نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون (67) ومن نعمره ~~ننكسه في الخلق أفلا يعقلون (68) # قوله تعالى: اليوم نختم على أفواههم وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء: ~~«يختم» بياء مضمومة وفتح التاء وتكلمنا قرأ ابن مسعود: «ولتكلمنا» بزيادة ~~لام مكسورة وفتح الميم وواو قبل اللام. وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي عبلة: ~~«لتكلمنا» بلام مكسورة من غير واو قبلها وبنصب الميم وقرءوا جميعا: # «ولتشهد أرجلهم» بلام مكسورة وبنصب الدال. ومعنى «نختم» : نطبع عليها، ~~وقيل: منعها من الكلام هو الختم عليها، وفي سبب ذلك أربعة أقوال: أحدها: ~~أنهم لما قالوا: والله ربنا ما كنا مشركين «1» ختم الله على أفواههم ونطقت ~~جوارحهم، قاله أبو موسى الأشعري. والثاني: ليعلموا أن أعضاءهم التي كانت ~~أعوانا لهم على المعاصي صارت شهودا عليهم. والثالث: ليعرفهم أهل الموقف، ~~فتميزوا منهم بذلك. والرابع: لأن إقرار الجوارح أبلغ في الإقرار من نطق ~~اللسان، ذكرهن الماوردي. فإن قيل: ما الحكمة في تسمية نطق اليد كلاما ونطق ~~الرجل شهادة؟ فالجواب: أن اليد كانت مباشرة والرجل حاضرة، وقول الحاضر على ~~غيره شهادة بما رأى، وقول الفاعل على نفسه إقرار بما فعل. # قوله تعالى: ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ولو ~~نشاء لأذهبنا أعينهم حتى لا يبدو لها شق ولا جفن. والمطموس: الذي لا يكون ~~بين جفنيه شق، فاستبقوا ms1897 الصراط أي: # فتبادروا إلى الطريق فأنى يبصرون أي: فكيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم؟! ~~وقرأ أبو بكر الصديق، وعروة بن الزبير، وأبو رجاء: «فاستبقوا» بكسر الباء ~~«فأنى تبصرون» بالتاء. وهذا تهديد لأهل مكة، وهو قول الأكثرين. والثاني: ~~ولو نشاء لأضللناهم وأعميناهم عن الهدى، فأنى يبصرون الحق؟ رواه ابن أبي ~~طلحة عن ابن عباس. والثالث: ولو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم وأعميناهم عن ~~غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم، فأنى يبصرون ولم ~~أفعل ذلك بهم؟! حكي عن جماعة منهم مقاتل. PageV03P529 # قوله تعالى: ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم روى أبو بكر، عن عاصم «على ~~مكاناتهم» وقد سبق بيان هذا «1» . وفي المراد بقوله: «لمسخناهم» أربعة ~~أقوال: أحدها: لأهلكناهم، قاله ابن عباس. # والثاني: لأقعدناهم على أرجلهم، قاله الحسن، وقتادة. والثالث: لجعلناهم ~~حجارة، قاله أبو صالح، ومقاتل. والرابع: لجعلناهم قردة وخنازير لا أرواح ~~فيها، قاله ابن السائب. وفي قوله: فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ثلاثة ~~أقوال: أحدها: فما استطاعوا أن يتقدموا ولا أن يتأخروا، قاله قتادة. # والثاني: فما استطاعوا مضيا عن العذاب، ولا رجوعا إلى الخلقة الأولى بعد ~~المسخ، قاله الضحاك. # والثالث: مضيا من الدنيا ولا رجوعا إليها، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # قوله تعالى: ومن نعمره ننكسه في الخلق قرأ حمزة: «ننكسه» مشددة مع ضم ~~النون الأولى وفتح الثانية والباقون: بفتح النون الأولى وتسكين الثانية من ~~غير تشديد وعن عاصم كالقراءتين. # ومعنى الكلام: من نطل عمره ننكس خلقه، فنجعل مكان القوة الضعف، وبدل ~~الشباب الهرم، فنرده إلى أرذل العمر. أفلا يعقلون قرأ نافع، وأبو عمرو: ~~«أفلا تعقلون» بالتاء، والباقون بالياء. والمعنى: # أفلا يعقلون أن من فعل هذا قادر على البعث؟ ### | ### | [سورة يس (36) : الآيات 69 الى # 70] # وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (69) لينذر من ~~كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) # قوله تعالى: وما علمناه الشعر قال المفسرون: إن كفار مكة قالوا: إن ~~القرآن شعر وإن محمدا شاعر، فقال الله تعالى: وما علمناه الشعر وما ينبغي ~~له ms1898 أي: ما يتسهل له ذلك. قال المفسرون: # ما كان يتزن له بيت شعر، (1201) حتى إنه روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~تمثل يوما فقال: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا. # فقال أبو بكر: يا رسول الله، إنما قال الشاعر: # كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا أشهد أنك رسول الله، ما علمك الله الشعر، ~~وما ينبغي لك. # (1202) ودعا يوما بعباس بن مرداس فقال: «أنت القائل: # أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين الأقرع وعيينة» ؟ # فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي، لم يقل كذلك، فأنشده أبو بكر، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «لا يضرك بأيهما بدأت» ، فقال أبو بكر: والله ما ~~أنت بشاعر، ولا ينبغي لك الشعر. PageV03P530 # (1203) وتمثل يوما، فقال: «ويأتيك من لم تزوده بالأخبار» فقال أبو بكر: ~~ليس هكذا يا رسول الله، فقال: «إني لست بشاعر، ولا ينبغي لي» . وإنما منع ~~من قول الشعر، لئلا تدخل الشبهة على قوم فيما أتى به من القرآن فيقولون: ~~قوي على ذلك بما في طبعه من الفطنة للشعر. # قوله تعالى: إن هو يعني القرآن إلا ذكر إلا موعظة وقرآن مبين فيه الفرائض ~~والسنن والأحكام. قوله تعالى: لينذر قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي: «لينذر» بالياء، يعنون القرآن. وقرأ نافع، وابن عامر، ~~ويعقوب: «لتنذر» بالتاء، يعنون النبي صلى الله عليه وسلم، أي: لتنذر يا ~~محمد بما في القرآن. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن السميفع: ~~«لينذر» بياء مرفوعة وفتح الذال والراء جميعا. قوله تعالى: من كان حيا وفيه ~~أربعة أقوال: أحدها: حي القلب حي البصر، قاله قتادة. والثاني: من كان ~~عاقلا، قاله الضحاك. قال الزجاج: من كان يعقل ما يخاطب به، فإن الكافر ~~كالميت في ترك النذير. والثالث: مهتديا، قاله السدي. وقال مقاتل: من كان ~~مهتديا في علم الله. # والرابع: من كان مؤمنا، قاله يحيى بن سلام وهذا على المعنى الذي قد سبق ~~في قوله تعالى: إنما تنذر الذين يخشون ربهم «1» ، ويجوز أن يريد: إنما ينفع ~~إنذارك من كان مؤمنا في علم الله. قوله تعالى: ms1899 ويحق القول على الكافرين ~~معناه: يجب. وفي المراد بالقول قولان: أحدهما: أنه العذاب. # والثاني: الحجة. PageV03P531 ### | [سورة يس (36) : الآيات 71 الى 76] # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) ~~وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) ولهم فيها منافع ومشارب أفلا ~~يشكرون (73) واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون (74) لا يستطيعون نصرهم ~~وهم لهم جند محضرون (75) # فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (76) # ثم ذكرهم قدرته فقال: أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما ~~قال ابن قتيبة: يجوز أن يكون المعنى: مما عملناه بقوتنا وقدرتنا، وفي اليد ~~القدرة والقوة على العمل، فتستعار اليد فتوضع موضعها، هذا مجاز للعرب ~~يحتمله هذا الحرف، والله أعلم بما أراد. وقال غيره: ذكر الأيدي ها هنا يدل ~~على انفراده بما خلق، والمعنى: لم يشاركنا أحد في إنشائنا والواحد منا إذا ~~قال: عملت هذا بيدي، دل ذلك على انفراده بعمله. وقال أبو سليمان الدمشقي: ~~معنى الآية: مما أوجدناه بقدرتنا وقوتنا وهذا إجماع أنه لم يرد ها هنا إلا ~~ما ذكرنا. قوله تعالى: فهم لها مالكون فيه قولان: # أحدهما: ضابطون، قاله قتادة ومقاتل. قال الزجاج: ومثله في الشعر: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا «1» # أي: لا أضبط رأس البعير. والثاني: قادرون عليها بالتسخير لهم، قاله ابن ~~السائب. # قوله تعالى: وذللناها لهم أي: سخرناها، فهي ذليلة لهم فمنها ركوبهم قال ~~ابن قتيبة: # الركوب: ما يركبون، والحلوب: ما يحلبون. قال الفراء: ولو قرأ قارئ: ~~«فمنها ركوبهم» ، كان وجها، كما تقول: منها أكلهم وشربهم وركوبهم. وقد قرأ ~~بضم الراء الحسن، وأبو العالية، والأعمش، وابن يعمر في آخرين. وقرأ أبي بن ~~كعب، وعائشة: «ركوبتهم» بفتح الراء والباء وزيادة تاء مرفوعة. قال ~~المفسرون: يركبون من الأنعام الإبل، ويأكلون الغنم، ولهم فيها منافع من ~~الأصواف والأوبار والأشعار والنسل ومشارب من ألبانها، أفلا يشكرون رب هذه ~~النعم فيوحدونه؟! ثم ذكر جهلهم فقال: واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ~~ينصرون أي: لتمنعهم من عذاب الله ms1900 ثم أخبر أن ذلك لا يكون بقوله: لا ~~يستطيعون نصرهم أي: لا تقدر الأصنام على منعهم من أمر أراده الله بهم وهم ~~يعني الكفار ولهم يعني الأصنام جند محضرون وفيه أربعة أقوال: أحدها: جند في ~~الدنيا محضرون في النار، قاله الحسن. والثاني: محضرون عند الحساب، قاله ~~مجاهد. والثالث: المشركون جند للأصنام، يغضبون لها في الدنيا، وهي لا تسوق ~~إليهم خيرا ولا تدفع عنهم شرا، قاله قتادة. وقال مقاتل: الكفار يغضبون ~~للآلهة ويحضرونها في الدنيا. وقال الزجاج: هم للأصنام ينتصرون، وهي لا ~~تستطيع نصرهم. والرابع: هم جند محضرون عند الأصنام يعبدونها، قاله ابن ~~السائب. # قوله تعالى فلا يحزنك قولهم يعني قول كفار مكة في تكذيبك إنا نعلم ما ~~يسرون في ضمائرهم من تكذيبك وما يعلنون بألسنتهم من ذلك والمعنى: إنا نثيبك ~~ونجازيهم. ### | [سورة يس (36) : الآيات 77 الى 83] # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) وضرب لنا ~~مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم (78) قل يحييها الذي أنشأها أول ~~مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم ~~منه توقدون (80) أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ~~بلى وهو الخلاق العليم (81) # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) فسبحان الذي بيده ~~ملكوت كل شيء وإليه ترجعون (83) PageV03P532 # قوله تعالى: أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة اختلفوا فيمن نزلت هذه ~~الآية والتي بعدها على خمسة أقوال: # (1204) أحدها: أنه العاص بن وائل السهمي، أخذ عظما من البطحاء ففته بيده، ~~ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيحيي الله هذا بعد ما أرى؟ فقال: ~~«نعم، يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم» ، فنزلت هذه الآيات، رواه ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس. # (1205) والثاني: أنه عبد الله بن أبي ابن سلول، جرى له نحو هذه القصة، ~~رواه العوفي عن ابن عباس. # (1206) والثالث: أنه أبو جهل بن هشام، وأن هذه القصة جرت له، رواه الضحاك ~~عن ابن عباس. ms1901 # (1207) والرابع: أنه أمية بن خلف، قاله الحسن. # (1208) والخامس: أنه أبي بن خلف الجمحي، وهذه القصة جرت له، قاله مجاهد ~~وقتادة والجمهور، وعليه المفسرون. # ومعنى الكلام: التعجب من جهل هذا المخاصم في إنكاره البعث والمعنى: ألا ~~يعلم أنه مخلوق فيتفكر في بدء خلقه فيترك خصومته؟! وقيل: هذا تنبيه له على ~~نعمة الله عليه حيث أنشأه من نطفة فصار مجادلا. وضرب لنا مثلا في إنكار ~~البعث بالعظم البالي حين فته بيده، وتعجب ممن يقول: إن الله يحييه ونسي ~~خلقه أي: نسي خلقنا له، أي: ترك النظر في خلق نفسه إذ خلق من نطفة قال من ~~يحي العظام وهي رميم أي: بالية، يقال: رم العظم، إذا بلي، فهو رميم، لأنه ~~معدول عن فاعله، وكل PageV03P533 # معدول عن وجهه ووزنه فهو مصروف عن إعرابه كقوله: وما كانت أمك بغيا «1» ~~فأسقط الهاء لأنها مصروفة، عن «باغية» فقاس هذا الكافر قدرة الله تعالى ~~بقدرة الخلق، فأنكر إحياء العظم البالي لأن ذلك ليس في مقدور الخلق. قل ~~يحييها الذي أنشأها أي: ابتدأ خلقها أول مرة وهو بكل خلق من الابتداء ~~والإعادة عليم. الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا قال ابن قتيبة: أراد ~~الزنود التي توري بها الأعراب من شجر المرخ والعفار. فإن قيل: لم قال: ~~«الشجر الأخضر» . ولم يقل: الشجر الخضر. فالجواب: أن الشجر جمع، وهو يؤنث ~~ويذكر، قال الله تعالى: فمالؤن منها البطون «2» ، وقال: فإذا أنتم منه ~~توقدون. ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان، فقال: أوليس الذي خلق السماوات ~~والأرض بقادر # وقرأ أبو بكر الصديق، وعاصم الجحدري: «يقدر» بياء من غير ألف على أن يخلق ~~مثلهم وهذا استفهام تقرير والمعنى: من قدر على ذلك العظيم، قدر على هذا ~~اليسير. وقد فسرنا معنى «أن يخلق مثلهم» في بني إسرائيل «3» ثم أجاب عن هذا ~~الاستفهام فقال: بلى وهو الخلاق يخلق خلقا بعد خلق. وقرأ أبي بن كعب، ~~والحسن، وعاصم الجحدري: «وهو الخالق» العليم بجميع المعلومات. والملكوت ~~والملك واحد. وباقي السورة قد تقدم شرحه «4» . والله أعلم بالصواب. ms1902 ~~PageV03P534 # سورة الصافات # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الصافات # (37) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) فالتاليات ذكرا (3) إن إلهكم لواحد ~~(4) # رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق (5) # قوله تعالى: والصافات صفا فيها قولان: أحدهما: أنها الملائكة، قاله ابن ~~مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والجمهور. قال ابن ~~عباس: هم الملائكة صفوف في السماء، لا يعرف ملك منهم من إلى جانبه، لم ~~يلتفت منذ خلقه الله عز وجل. وقيل: هي الملائكة تصف أجنحتها في الهواء ~~واقفة إلى أن يأمرها الله تعالى بما يشاء. والثاني: أنها الطير، كقوله ~~تعالى: والطير صافات «1» ، حكاه الثعلبي. وفي الزاجرات قولان: أحدهما: أنها ~~الملائكة التي تزجر السحاب، قاله ابن عباس والجمهور. والثاني: أنها زواجر ~~القرآن وكل ما ينهى ويزجر عن القبيح، قاله قتادة. وفي التاليات ذكرا ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنها الملائكة تقرأ كتب الله تعالى، قاله ابن مسعود والحسن ~~والجمهور. والثاني: أنهم الرسل، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: ما يتلى ~~في القرآن من أخبار الأمم، قاله قتادة. وهذا قسم بهذه الأشياء، وجوابه: إن ~~إلهكم لواحد. وقيل معناه: ورب هذه الأشياء إنه واحد. # قوله تعالى: ورب المشارق قال السدي: المشارق ثلاثمائة وستون مشرقا، ~~والمغارب مثلها، على عدد أيام السنة. فإن قيل: لم ترك ذكر المغارب؟ # فالجواب: أن المشارق تدل على المغارب، لأن الشروق قبل الغروب. ### | ### | ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 6 الى # 10] # إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) وحفظا من كل شيطان مارد (7) لا ~~يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب (8) دحورا ولهم عذاب واصب (9) ~~إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10) # قوله تعالى: إنا زينا السماء الدنيا يعني التي تلي الأرض، وهي أدنى ~~السموات إلى الأرض بزينة الكواكب قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو ~~عمرو، والكسائي: «بزينة الكواكب» مضافا، أي: بحسنها وضوئها. وقرأ حمزة، ~~وحفص عن عاصم: «بزينة» منونة وخفض «الكواكب» فجعل PageV03P535 # «الكواكب» بدلا من الزينة لأنها هي، كما تقول: مررت بأبي عبد الله ms1903 زيد ~~فالمعنى: إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب. وقرأ أبو بكر عن عاصم: «بزينة» ~~بالتنوين وبنصب «الكواكب» والمعنى: زينا السماء الدنيا بأن زينا الكواكب ~~فيها حين ألقيناها في منازلها وجعلناها ذات نور. قال الزجاج: ويجوز أن يكون ~~«الكواكب» في النصب بدلا من قوله: «بزينة» لأن قوله: «بزينة» في موضع نصب. ~~وقرأ أبي بن كعب، ومعاذ القارئ، وأبو نهيك، وأبو حصين الأسدي في آخرين: ~~«بزينة» بالتنوين «الكواكب» برفع الباء قال الزجاج: والمعنى: إنا زينا ~~السماء الدنيا بأن زينتها الكواكب وبأن زينت الكواكب. وحفظا أي: # وحفظناها حفظا. فأما المارد، فهو العاتي، وقد شرحنا هذا في قوله تعالى: ~~شيطانا مريدا «1» . # قوله تعالى: لا يسمعون قال الفراء: «لا» ها هنا كقوله تعالى: كذلك سلكناه ~~في قلوب المجرمين (200) لا يؤمنون به «2» ، ويصلح في «لا» على هذا المعنى ~~الجزم، والعرب تقول: ربطت فرسي لا ينفلت. وقال غيره: لكي لا يسمعوا إلى ~~الملأ الأعلى، وهم الملائكة الذين في السماء. وقرأ حمزة، والكسائي وخلف، ~~وحفص عن عاصم: لا يسمعون بتشديد السين، وأصله: يتسمعون، فأدغمت التاء في ~~السين. وإنما قال: إلى الملإ الأعلى لأن العرب تقول: سمعت فلانا، وسمعت من ~~فلان، وإلى فلان. ويقذفون من كل جانب بالشهب دحورا قال قتادة: أي قذفا ~~بالشهب. وقال ابن قتيبة: أي: طردا، يقال: دحرته دحرا ودحورا، أي: دفعته. ~~وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو رجاء، وأبو عبد الرحمن، والضحاك، وأيوب ~~السختياني، وابن أبي عبلة: «دحورا» بفتح الدال. وفي «الواصب» قولان: ~~أحدهما: أنه الدائم، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والفراء، وابن ~~قتيبة. # والثاني: أنه الموجع، قاله أبو صالح، والسدي. وفي زمان هذا العذاب قولان: ~~أحدهما: أنه في الآخرة. والثاني: أنه في الدنيا، فهم يخرجون بالشهب ويخبلون ~~إلى النفخة الأولى في الصور. # قوله تعالى: إلا من خطف الخطفة قرأ ابن السميفع: «خطف» بفتح الخاء وكسر ~~الطاء وتشديدها. وقرأ أبو رجاء، والجحدري: بكسر الخاء والطاء جميعا ~~والتخفيف. وقال الزجاج: خطف وخطف، بفتح الطاء وكسرها، يقال: خطفت أخطف، ~~وخطفت أخطف: إذا أخذت الشيء بسرعة، ويجوز «إلا ms1904 من خطف» بفتح الخاء وتشديد ~~الطاء، ويجوز «خطف» بكسر الخاء وفتح الطاء والمعنى: # اختطف، فأدغمت التاء في الطاء، وسقطت الألف لحركة الخاء فمن فتح الخاء ~~ألقى عليها فتحة التاء التي كانت في «اختطف» ، ومن كسر الخاء، فلسكونها ~~وسكون الطاء. فأما من روى «خطف» بكسر الخاء والطاء، فلا وجه لها إلا وجها ~~ضعيفا جدا، وهو أن يكون على إتباع الطاء كسرة الخاء. قال المفسرون: ~~والمعنى: إلا من اختلس الكلمة من كلام الملائكة مسارقة فأتبعه أي: لحقه ~~شهاب ثاقب قال ابن قتيبة: أي كوكب مضيء، يقال: أثقب نارك، أي: أضئها، ~~والثقوب: ما تذكى به النار. ### | ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 11 الى # 26] # فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب (11) بل عجبت ~~ويسخرون (12) وإذا ذكروا لا يذكرون (13) وإذا رأوا آية يستسخرون (14) ~~وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (16) أوآباؤنا الأولون (17) ~~قل نعم وأنتم داخرون (18) فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) وقالوا ~~يا ويلنا هذا يوم الدين (20) # هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون (21) احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما ~~كانوا يعبدون (22) من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) وقفوهم إنهم ~~مسؤلون (24) ما لكم لا تناصرون (25) # بل هم اليوم مستسلمون (26) PageV03P536 # قوله تعالى: فاستفتهم أي: فسلهم سؤال تقرير أهم أشد خلقا أي: أحكم صنعة ~~أم من خلقنا فيه قولان: أحدهما: أن المعنى: أم من عددنا خلقه من الملائكة ~~والشياطين والسموات والأرض، قاله ابن جير. والثاني: أم من خلقنا قبلهم من ~~الأمم السالفة، والمعنى: إنهم ليسوا بأقوى من أولئك وقد أهلكناهم بالتكذيب، ~~فما الذي يؤمن هؤلاء؟. ثم ذكر الناس فقال: إنا خلقناهم من طين لازب قال ~~الفراء، وابن قتيبة: أي: لاصق لازم، والباء تبدل من الميم لقرب مخرجيهما. ~~قال ابن عباس: هو الطين الحر الجيد اللزق. وقال غيره: هو الطين الذي ينشف ~~عنه الماء وتبقى رطوبته في باطنه فيلصق باليد كالشمع. وهذا إخبار عن تساوي ~~الأصل في خلقهم وخلق من قبلهم فمن قدر على إهلاك الأقوياء، ms1905 قدر على إهلاك ~~الضعفاء. # قوله تعالى: بل عجبت «بل» معناه: ترك الكلام في الأول والأخذ في الكلام ~~الآخر، كأنه قال: دع يا محمد ما مضى. وفي «عجبت» قراءتان قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: «بل عجبت» بفتح التاء. وقرأ علي بن ~~أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، وعكرمة، وقتادة، ~~وأبو مجلز، والنخعي، وطلحة بن مصرف، والأعمش، وابن أبي ليلى، وحمزة، ~~والكسائي في آخرين: «بل عجبت» بضم التاء، واختارها الفراء. فمن فتح أراد: ~~بل عجبت يا محمد، ويسخرون هم. قال ابن السائب: أنت تعجب منهم، وهم يسخرون ~~منك. وفي ما عجب منه قولان «1» : أحدهما: من الكفار إذ لم يؤمنوا بالقرآن. ~~والثاني: إذ كفروا بالبعث. ومن ضم، أراد الإخبار عن الله عز وجل أنه عجب، ~~قال الفراء: وهي قراءة علي وعبد الله وابن عباس وهي أحب إلي، وقد أنكر هذه ~~القراءة قوم، منهم شريح القاضي، قال: إن الله لا يعجب، إنما يعجب من لا ~~يعلم، قال الزجاج: وإنكار هذه القراءة غلط، لأن العجب من الله خلاف العجب ~~من الآدميين، وهذا كقوله تعالى: # ويمكر الله «2» وقوله: سخر الله منهم «3» ، وأصل العجب في اللغة: أن ~~الإنسان إذا رأى ما ينكره ويقل مثله، قال: قد عجبت من كذا، وكذلك إذا فعل ~~الآدميون ما ينكره الله عز وجل، جاز أن يقول عجبت. والله قد علم الشيء قبل ~~كونه. وقال ابن الأنباري: المعنى: جازيتهم على عجبهم من الحق، فسمى الجزاء ~~على الشيء باسم الشيء الذي له الجزاء، فسمى فعله عجبا وليس بعجب في ~~الحقيقة، لأن المتعجب يدهش ويتحير، والله عز وجل قد جل عن ذلك وكذلك سمي ~~تعظيم الثواب عجبا، PageV03P537 # لأنه إنما يتعجب من الشيء إذا كان في النهاية، والعرب تسمي الفعل باسم ~~الفعل إذا داناه من بعض وجوهه وإن كان مخالفا له في أكثر معانيه، قال عدي: # ثم أضحوا لعب الدهر بهم «1» فجعل إهلاك الدهر وإفساده لعبا، قال ابن ~~جرير: من ضم التاء، فالمعنى: بل عظم عندي وكبر اتخاذهم ms1906 لي شريكا وتكذيبهم ~~بتنزيلي. وقال غيره: إضافة العجب إلى الله عز وجل على ضربين: # أحدهما: بمعنى الإنكار والذم، كهذه الآية. والثاني: بمعنى الاستحسان ~~والإخبار عن تمام الرضا، كقوله عليه السلام: # (1209) «عجب ربك من شاب ليست له صبوة» . # قوله تعالى: وإذا ذكروا لا يذكرون أي: إذا وعظوا بالقرآن لا يذكرون ولا ~~يتعظون. وقرأ سعيد بن جبير، والضحاك، وأبو المتوكل، وعاصم الجحدري، وأبو ~~عمران: «ذكروا» بتخفيف الكاف. وإذا رأوا آية قال ابن عباس: يعني انشقاق ~~القمر يستسخرون قال أبو عبيدة: يستسخرون ويسخرون سواء. # قال ابن قتيبة. يقال: سخر واستسخر، كما يقال: قر واستقر، وعجب واستعجب، ~~ويجوز أن يكون: # يسألون غيرهم من المشركين أن يسخروا من رسول الله، كما يقال: استعتبته، ~~أي: سألته العتبى، واستوهبته، أي: سألته الهبة، واستعفيته: سألته العفو. ~~وقالوا إن هذا يعنون انشقاق القمر إلا سحر مبين أي: بين لمن تأمله أنه سحر. ~~أإذا متنا قد سبق بيان هذه الآية «2» . أوآباؤنا هذه ألف الاستفهام دخلت ~~على حرف العطف، كقوله: أوأمن أهل القرى «3» . وقرأ نافع، وابن عامر: «أو ~~آباؤنا الأولون» بسكون الواو ها هنا وفي الواقعة «4» . قل نعم أي: نعم ~~تبعثون وأنتم داخرون أي: # صاغرون. فإنما هي زجرة واحدة أي: فإنما قصة البعث صيحة واحدة من إسرافيل، ~~وهي نفخة البعث، وسميت زجرة، لأن مقصودها الزجر فإذا هم ينظرون قال الزجاج: ~~أي: يحيون ويبعثون بصراء ينظرون، فإذا عاينوا بعثهم، ذكروا إخبار الرسل عن ~~البعث، وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين أي: يوم الحساب والجزاء، فتقول ~~الملائكة: هذا يوم الفصل أي: يوم القضاء الذي يفصل فيه بين المحسن والمسيء ~~ويقول الله عز وجل يومئذ للملائكة: احشروا أي: اجمعوا الذين ظلموا من حيث ~~هم، وفيهم قولان: أحدهما: أنهم المشركون. والثاني: أنه عام في كل ظالم. وفي ~~أزواجهم أربعة أقوال: # أحدها: أمثالهم وأشباههم، وهو قول عمر وابن عباس، والنعمان بن بشير، ~~ومجاهد في أخرين. وروي عن عمر قال: يحشر صاحب الربا مع صاحب الربا وصاحب ~~الزنا مع صاحب الزنا وصاحب الخمر مع PageV03P538 # صاحب الخمر. والثاني: ms1907 أن أزواجهم: المشركات، قاله الحسن. والثالث: ~~أشياعهم، قاله قتادة. # والرابع: قرناؤهم من الشياطين الذين أضلوهم، قاله مقاتل. وفي قوله تعالى: ~~وما كانوا يعبدون ثلاثة أقوال: أحدها: الأصنام، قاله عكرمة، وقتادة. ~~والثاني: إبليس وحده، قاله مقاتل. والثالث: # الشياطين، ذكره الماوردي وغيره. # قوله تعالى: فاهدوهم إلى صراط الجحيم أي: دلوهم على طريقها والمعنى: ~~اذهبوا بهم إليها. # قال الزجاج: يقال: هديت الرجل: إذا دللته، وهديت العروس إلى زوجها، ~~وأهديت الهدية، فإذا جعلت العروس كالهدية، قلت: أهديتها. # قوله تعالى: وقفوهم أي: احبسوهم إنهم مسؤلون وقرأ ابن السميفع: «أنهم» ~~بفتح الهمزة. # قال المفسرون: لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط، لأن السؤال هناك. ~~وفي هذا السؤال ستة أقوال: أحدها: أنهم سئلوا عن أعمالهم وأقوالهم في ~~الدنيا. والثاني: عن «لا إله إلا الله» ، رويا جميعا عن ابن عباس. والثالث: ~~عن خطاياهم، قاله الضحاك. والرابع: سألهم خزنة جهنم ألم يأتكم نذير «1» ~~ونحو هذا، قاله مقاتل. والخامس: أنهم يسألون عما كانوا يعملون، ذكره ابن ~~جرير. والسادس: أن سؤالهم قوله تعالى: ما لكم لا تناصرون، ذكره الماوردي. ~~قال المفسرون: المعنى: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا؟! ~~وهذا جواب أبي جهل حين قال يوم بدر: نحن جميع منتصر «2» ، فقيل لهم ذلك ~~يومئذ توبيخا. والمستسلم: المنقاد الذليل والمعنى أنهم منقادون لا حيلة ~~لهم. ### | ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 27 الى # 49] # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ~~(28) قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (29) وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم ~~قوما طاغين (30) فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (31) # فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون (33) إنا ~~كذلك نفعل بالمجرمين (34) إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ~~(35) ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون (36) # بل جاء بالحق وصدق المرسلين (37) إنكم لذائقوا العذاب الأليم (38) وما ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون (39) إلا عباد الله المخلصين (40) أولئك لهم رزق ~~معلوم (41) # فواكه وهم مكرمون (42) في جنات النعيم (43) على سرر متقابلين (44) يطاف ~~عليهم بكأس من معين ms1908 (45) بيضاء لذة للشاربين (46) # لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون (47) وعندهم قاصرات الطرف عين (48) كأنهن ~~بيض مكنون (49) # قوله تعالى: وأقبل بعضهم على بعض فيهم قولان: أحدهما: الإنس على ~~الشياطين. والثاني: # الأتباع على الرؤساء يتساءلون تسآل توبيخ وتأنيب ولوم، فيقول الأتباع ~~للرؤساء: لم غررتمونا؟ # ويقول الرؤساء: لم قبلتم منا؟ فذلك قوله تعالى: قالوا يعنى الأتباع ~~للمتبوعين إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين فيه ثلاثة أقوال: أحدها: كنتم ~~تقهروننا بقدرتكم علينا، لأنكم كنتم أعز منا، رواه الضحاك. # والثاني: من قبل الدين فتضلونا عنه، قاله الضحاك، وقال الزجاج: تأتوننا ~~من قبل الدين فتخدعونا PageV03P539 # بأقوى الأسباب. والثالث: كنتم توثقون ما كنتم تقولون بأيمانكم، فتأتوننا ~~من قبل الأيمان التي تحلفونها، حكاه علي بن أحمد النيسابوري. فيقول ~~المتبوعون لهم: بل لم تكونوا مؤمنين أي: لم تكونوا على حق فنضلكم عنه، إنما ~~الكفر من قبلكم. وما كان لنا عليكم من سلطان فيه قولان: # أحدهما: أنه القهر. والثاني: الحجة. فيكون المعنى على الأول: وما كان لنا ~~عليكم من قوة نقهركم بها ونكرهكم على متابعتنا، وعلى الثاني: لم نأتكم بحجة ~~على ما دعوناكم إليه كما أتت الرسل. # قوله تعالى: فحق علينا قول ربنا أي: فوجبت علينا كلمة العذاب، وهي قوله ~~تعالى: لأملأن جهنم «1» إنا لذائقون العذاب جميعا نحن وأنتم، فأغويناكم أي: ~~أضللناكم عن الهدى بدعائكم إلى ما نحن عليه، وهو قوله تعالى: إنا كنا ~~غاوين. # ثم أخبر عن الأتباع والمتبوعين بقوله تعالى: فإنهم يومئذ في العذاب ~~مشتركون، والمجرمون ها هنا: المشركون، إنهم كانوا في الدنيا إذا قيل لهم لا ~~إله إلا الله أي: قولوا هذه الكلمة يستكبرون أي: يتعظمون عن قولها، ويقولون ~~أإنا لتاركوا آلهتنا المعنى: أنترك عبادة آلهتنا لشاعر أي: لاتباع شاعر؟! ~~يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد الله تعالى عليهم فقال: بل أي: ~~ليس الأمر على ما قالوا، بل جاء بالحق وهو التوحيد والقرآن، وصدق المرسلين ~~الذين كانوا قبله والمعنى أنه أتى بما أتوا به. ثم خاطب المشركين بما بعد ~~هذا إلى قوله تعالى: إلا عباد ms1909 الله المخلصين يعني الموحدين. # قال أبو عبيدة: والعرب تقول: إنكم لذاهبون إلا زيدا. وفي ما استثناهم منه ~~قولان: أحدهما: من الجزاء على الأعمال، فالمعنى: إنا لا نؤاخذهم بسوء ~~أعمالهم، بل نغفر لهم، قاله ابن زيد. والثاني: # من دون العذاب، فالمعنى: فإنهم لا يذوقون العذاب، قاله مقاتل. # قوله تعالى: أولئك لهم رزق معلوم فيه قولان: أحدهما: أنه الجنة، قاله ~~قتادة. والثاني: أنه الرزق في الجنة، قاله السدي، فعلى هذا، في معنى ~~«معلوم» قولان: أحدهما: أنه بمقدار الغداة والعشي، قاله ابن السائب. ~~والثاني: أنهم حين يشتهونه يؤتون به، قاله مقاتل. # ثم بين الرزق فقال: فواكه وهي جمع فاكهة وهي الثمار كلها، رطبها ويابسها ~~وهم مكرمون بما أعطاهم الله. وما بعد هذا قد تقدم تفسيره «2» إلى قوله ~~تعالى: يطاف عليهم بكأس من معين قال الضحاك: كل كأس ذكرت في القرآن، فإنما ~~عني بها الخمر، قال أبو عبيدة: الكأس: الإناء بما فيه والمعين: الماء ~~الطاهر الجاري. قال الزجاج: الكأس: الإناء الذي فيه الخمر، وتقع الكأس على ~~كل إناء مع شرابه، فإن كان فارغا فليس بكأس. والمعين: الخمر يجري كما يجري ~~الماء على وجه الأرض من العيون. # قوله تعالى: بيضاء قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن، قال أبو ~~سليمان الدمشقي: # ويدل على أنه أراد بالكأس الخمر، أنه قال: «بيضاء» فأنث ولو أراد الإناء ~~على انفراده، أو الإناء والخمر، لقال: أبيض. وقال ابن جرير: إنما أراد ~~بقوله: «بيضاء» الكأس، ولتأنيث الكأس أنثت البيضاء. قوله تعالى: لذة قال ~~ابن قتيبة: أي: لذيذة، يقال: شراب لذاذ: إذا كان طيبا. وقال PageV03P540 # الزجاج: أي: ذات لذة. لا فيها غول فيه سبعة أقوال: أحدها: ليس فيها صداع، ~~رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: ليس فيها وجع بطن، رواه العوفي عن ~~ابن عباس، وبه قال مجاهد وابن زيد. # والثالث: ليس فيها وجع ولا صداع رأس، قاله قتادة. والرابع: ليس فيها أذى ~~ولا مكروه، قاله سعيد بن جبير. والخامس: لا تغتال عقولهم، قاله السدي. وقال ~~الزجاج: لا تغتال عقولهم ms1910 فتذهب بها ولا يصيبهم منها وجع. والسادس: ليس فيها ~~إثم، حكاه ابن جرير. والسابع: ليس فيها شيء من هذه الآفات، لأن كل من ناله ~~شيء من هذه الآفات قيل: قد غالته غول، فالصواب أن يكون نفي الغول عنها يعم ~~جميع هذه الأشياء، هذا اختيار ابن جرير. قوله تعالى: ولا هم عنها ينزفون ~~قرأ حمزة، والكسائي: بكسر الزاي ها هنا وفي الواقعة، وفتح عاصم الزاي ها ~~هنا، وكسرها في الواقعة «1» . وقرأ ابن كثير ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~بفتح الزاي في السورتين، قال الفراء: فمن فتح، فالمعنى: لا تذهب عقولهم ~~بشربها. يقال للسكران: نزيف ومنزوف ومن كسر، ففيه وجهان: أحدهما: لا ينفدون ~~شرابهم، أي: هو دائم أبدا. والثاني: لا يسكرون، قال الشاعر: # لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا «2» # قوله تعالى: وعندهم قاصرات الطرف فيه قولان: أحدهما: أنهن نساء قد قصرن ~~طرفهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم. وأصل القصر: الحبس، قال ابن زيد: ~~إن المرأة منهن لتقول لزوجها: # وعزة ربي ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك، فالحمد لله الذي جعلني زوجك ~~وجعلك زوجي. # والثاني: أنهن قد قصرن طرف الأزواج عن غيرهن، لكمال حسنهن، سمعته من ~~الشيخ أبي محمد بن الخشاب النحوي. # وفي العين ثلاثة أقوال: أحدها: حسان العيون، قاله مجاهد. والثاني: عظام ~~الأعين، قاله السدي. وابن زيد. والثالث: كبار العيون حسانها، وواحدتهن ~~عيناء، قاله الزجاج. # قوله تعالى: كأنهن بيض مكنون في المراد بالبيض ها هنا ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه اللؤلؤ، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال أبو عبيدة. ~~والثاني: بيض النعام، قاله الحسن، وابن زيد، والزجاج. قال جماعة من أهل ~~اللغة: والعرب تشبه المرأة الحسناء في بياضها وحسن لونها ببيضة النعامة، ~~وهو أحسن ألوان النساء، وهو أن تكون المرأة بيضاء مشربة صفرة. والثالث: أنه ~~البيض حين يقشر قبل أن تمسه الأيدي، قاله السدي، وإلى هذا المعنى ذهب سعيد ~~بن جبير، وقتادة، وابن جرير. # فأما المكنون، فهو المصون. فعلى القول الأول: هو مكنون ms1911 في صدفه، وعلى ~~الثاني: هو مكنون بريش النعام، وعلى الثالث: هو مكنون بقشره. ### | ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 50 الى # 61] # فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) ~~يقول أإنك لمن المصدقين (52) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون ~~(53) قال هل أنتم مطلعون (54) # فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) قال تالله إن كدت لتردين (56) ولولا نعمة ~~ربي لكنت من المحضرين (57) أفما نحن بميتين (58) إلا موتتنا الأولى وما نحن ~~بمعذبين (59) # إن هذا لهو الفوز العظيم (60) لمثل هذا فليعمل العاملون (61) PageV03P541 # قوله تعالى: فأقبل بعضهم على بعض يعني أهل الجنة يتساءلون عن أحوال كانت ~~في الدنيا. # قال قائل منهم إني كان لي قرين فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه الصاحب في ~~الدنيا. والثاني: أنه الشريك، رويا عن ابن عباس. والثالث: أنه الشيطان، ~~قاله مجاهد. والرابع: أنه الأخ قال مقاتل: وهما الأخوان المذكوران في سورة ~~الكهف «1» في قوله تعالى: واضرب لهم مثلا رجلين والمعنى: كان لي صاحب أو أخ ~~ينكر البعث، يقول أإنك لمن المصدقين قال الزجاج: هي مخففة الصاد، من صدق ~~يصدق فهو مصدق، ولا يجوز ها هنا تشديد الصاد، قال المفسرون: والمعنى: أإنك ~~لمن المصدقين بالبعث؟ وقرأ بكر بن عبد الرحمن القاضي عن حمزة: «المصدقين» ~~بتشديد الصاد. قوله تعالى: أإنا لمدينون أي: # مجزيون بأعمالنا، يقال: دنته بما صنع، أي: جازيته. فأحب المؤمن أن يرى ~~قرينه الكافر، فقال لأهل الجنة: هل أنتم مطلعون أي: هل تحبون الاطلاع إلى ~~النار لتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهلها؟ وقرأ ابن عباس، والضحاك، وأبو ~~عمران، وابن يعمر: «هل أنتم مطلعون» بإسكان الطاء وتخفيفها «فأطلع» بهمزة ~~مرفوعة وسكون الطاء. وقرأ أبو رزين وابن أبي عبلة: «مطلعون» بكسر النون، ~~قال ابن مسعود: # اطلع ثم التفت إلى أصحابه فقال: لقد رأيت جماجم القوم تغلي قال ابن عباس: ~~وذلك أن في الجنة كوى ينظر منها أهلها إلى النار. قوله تعالى: فرآه يعني ~~قرينة الكافر في سواء الجحيم أي: في وسطها. وقيل: إنما سمي الوسط سواء، ~~لاستواء المسافة منه إلى الجوانب. ms1912 قال خليد العصري: والله لولا أن الله ~~عرفه إياه، ما عرفه، لقد تغير حبره وسبره. فعند ذلك قال تالله إن كدت ~~لتردين قال المفسرون: معناه: والله ما كدت إلا تهلكني يقال: أرديت فلانا، ~~أي: أهلكته. ولولا نعمة ربي أي: إنعامه علي بالإسلام لكنت من المحضرين معك ~~في النار. # قوله تعالى: أفما نحن بميتين فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إذا ذبح الموت، ~~قال أهل الجنة: # أفما نحن بميتين (58) إلا موتتنا الأولى التي كانت في الدنيا وما نحن ~~بمعذبين فيقال لهم: لا فعند ذلك قالوا: إن هذا لهو الفوز العظيم فيقول الله ~~تعالى: لمثل هذا فليعمل العاملون، قاله ابن السائب. # وقيل: يقول ذلك للملائكة. والثاني: أنه قول المؤمن لأصحابه، فقالوا له: ~~إنك لا تموت، فقال: «إن هذا لهو الفوز العظيم» ، قاله مقاتل. وقال أبو ~~سليمان الدمشقي: إنما خاطب المؤمن أهل الجنة بهذا على طريق الفرح بدوام ~~النعيم، لا على طريق الاستفهام، لأنه قد علم أنهم ليسوا بميتين، ولكن أعاد ~~الكلام ليزداد بتكراره على سمعه سرورا. والثالث: أنه قول المؤمن لقرينه ~~الكافر على جهة التوبيخ بما كان ينكره، ذكره الثعلبي. # قوله تعالى: لمثل هذا يعنى النعيم الذي ذكره في قوله: أولئك لهم رزق ~~معلوم «2» ، فليعمل العاملون، وهذا ترغيب في طلب ثواب الله عز وجل بطاعته. ### | ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 62 الى # 74] # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) إنها ~~شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رؤس الشياطين (65) فإنهم لآكلون ~~منها فمالؤن منها البطون (66) # ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم (67) ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم (68) إنهم ~~ألفوا آباءهم ضالين (69) فهم على آثارهم يهرعون (70) ولقد ضل قبلهم أكثر ~~الأولين (71) # ولقد أرسلنا فيهم منذرين (72) فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) إلا ~~عباد الله المخلصين (74) PageV03P542 # أذلك خير يشير إلى ما وصف لأهل الجنة نزلا قال ابن قتيبة: أي: رزقا، ~~ومنه: إقامة الأنزال، وأنزال الجنود: أرزاقها، وقال الزجاج: النزل ها هنا: ~~الريع والفضل، تقول: هذا طعام نزل ونزل، بتسكين الزاي وضمها والمعنى: أذلك ~~خير ms1913 في باب الأنزال التي تتقوت ويمكن معها الإقامة، أم نزل أهل النار؟! وهو ~~قوله تعالى: أم شجرة الزقوم. واختلف العلماء هل هذه الشجرة في الدنيا، أم ~~لا؟ فقال قطرب: هي شجرة مرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. وقال غيره: ~~الزقوم: ثمرة شجرة كريهة الطعم. وقيل: إنها لا تعرف في شجر الدنيا، وإنما ~~هي في النار، يكره أهل النار على تناولها. قوله تعالى: إنا جعلناها فتنة ~~للظالمين يعني للكافرين، وفي المراد بالفتنة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لما ذكر أنها في النار، افتتنوا وكذبوا، فقالوا: كيف يكون في ~~النار شجرة، والنار تأكل الشجر؟، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة «1» ، وقال ~~السدي: فتنة لأبي جهل وأصحابه. والثاني: أن الفتنة بمعنى العذاب، قاله ابن ~~قتيبة. والثالث: أن الفتنة بمعنى الاختبار، اختبروا بها فكذبوا، قاله ~~الزجاج. # قوله تعالى: تخرج في أصل الجحيم أي: في قعر النار. قال الحسن: أصلها في ~~قعر النار، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. طلعها أي: ثمرها، وسمي طلعا، ~~لطلوعة كأنه رؤس الشياطين. # فإن قيل: كيف شبهها بشيء لم يشاهد؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه قد ~~استقر في النفوس قبح الشياطين- وإن لم تشاهد- فجاز تشبيهها بما قد علم ~~قبحه، قال امرؤ القيس: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال # قال الزجاج: هو لم ير الغول ولا أنيابها، ولكن التمثيل بما يستقبح أبلغ ~~في باب المذكر أن يمثل بالشياطين، وفي باب المؤنث أن يشبه بالغول. # والثاني: أن بين مكة واليمن شجرا يسمى رؤوس الشياطين، فشبهها بها، قاله ~~ابن السائب. # والثالث: أنه أراد بالشياطين: حيات لها رؤوس ولها أعراف، فشبه طلعها ~~برءوس الحيات، ذكره الزجاج. قال الفراء: والعرب تسمي بعض الحيات شيطانا، ~~وهو حية ذو عرف قبيح الوجه. # قوله تعالى: فإنهم لآكلون منها أي: من ثمرها فمالؤن منها البطون وذلك ~~أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلئ بطونهم. ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ~~قال ابن قتيبة: أي: لخلطا من الماء الحار يشربونه عليها. قال أبو عبيدة: ~~تقول العرب: كل شيء خلطته بغيره فهو مشوب. قال ms1914 المفسرون: إذا أكلوا الزقوم ~~ثم شربوا عليه الحميم، شاب الحميم الزقوم في بطونهم فصار شوبا له. ثم إن ~~مرجعهم أي: بعد أكل الزقوم وشرب الحميم لإلى الجحيم وذلك أن الحميم خارج من ~~الجحيم، فهم يوردونه PageV03P543 # كما تورد الإبل الماء، ثم يردون إلى الجحيم ويدل على هذا قوله: يطوفون ~~بينها وبين حميم آن «1» . # وألفوا بمعنى وجدوا. ويهرعون مشروح في هود «2» ، والمعنى أنهم يتبعون ~~آباءهم في سرعة. # ولقد ضل قبلهم أي: قبل هؤلاء المشركين أكثر الأولين من الأمم الخالية. # قوله تعالى: إلا عباد الله المخلصين يعني الموحدين، فإنهم نجوا من ~~العذاب. قال ابن جرير: # وإنما حسن الاستثناء، لأن المعنى: فانظر كيف أهلكنا المنذرين إلا عباد ~~الله. ### | ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 75 الى # 82] # ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (75) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) ~~وجعلنا ذريته هم الباقين (77) وتركنا عليه في الآخرين (78) سلام على نوح في ~~العالمين (79) # إنا كذلك نجزي المحسنين (80) إنه من عبادنا المؤمنين (81) ثم أغرقنا ~~الآخرين (82) # ولقد نادانا نوح أي: دعانا. وفي دعائه قولان: أحدهما: أنه دعا مستنصرا ~~على قومه. # والثاني: أن ينجيه من الغرق فلنعم المجيبون نحن والمعنى: إنا أنجيناه، ~~وأهلكنا قومه. وفي الكرب العظيم قولان: أحدهما: أنه الغرق. والثاني: أذى ~~قومه. وجعلنا ذريته هم الباقين وذلك أن نسل أهل السفينة انقرضوا غير نسل ~~ولده، فالناس كلهم من ولد نوح، وتركنا عليه أي: تركنا عليه ذكرا جميلا في ~~الآخرين وهم الذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة. قال الزجاج: وذلك الذكر ~~الجميل قوله تعالى: سلام على نوح في العالمين وهم الذين جاءوا من بعده، ~~والمعنى: تركنا عليه أن يصلى عليه في الآخرين إلى يوم القيامة. قوله تعالى: ~~إنا كذلك نجزي المحسنين قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في ~~العالمين. ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 83 الى 101] # وإن من شيعته لإبراهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم (84) إذ قال لأبيه ~~وقومه ماذا تعبدون (85) أإفكا آلهة دون الله تريدون (86) فما ظنكم برب ~~العالمين (87) # فنظر نظرة في النجوم (88) فقال إني سقيم (89) فتولوا عنه مدبرين (90) ~~فراغ إلى آلهتهم ms1915 فقال ألا تأكلون (91) ما لكم لا تنطقون (92) # فراغ عليهم ضربا باليمين (93) فأقبلوا إليه يزفون (94) قال أتعبدون ما ~~تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون (96) قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في ~~الجحيم (97) # فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين (98) وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ~~(99) رب هب لي من الصالحين (100) فبشرناه بغلام حليم (101) # قوله تعالى: وإن من شيعته لإبراهيم أي: من أهل دينه وملته. والهاء في ~~«شيعته» عائدة على نوح في قول الأكثرين وقال ابن السائب: تعود إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم، واختاره الفراء. فإن قيل: كيف يكون من شيعته وهو قبله؟ ~~فالجواب: أنه مثل قوله تعالى: حملنا ذريتهم «3» فجعلها ذريتهم وقد سبقتهم، ~~وقد شرحنا هذا فيما مضى «4» . قوله تعالى: إذ جاء ربه أي: صدق الله وآمن به ~~بقلب سليم من الشرك وكل دنس، وفيه أقوال ذكرناها في الشعراء «5» . ~~PageV03P544 # قوله تعالى: ماذا تعبدون هذا استفهام توبيخ، كأنه وبخهم على عبادة غير ~~الله. أإفكا أي: # أتأفكون إفكا وتعبدون آلهة سوى الله؟! فما ظنكم برب العالمين إذا لقيتموه ~~وقد عبدتم غيره؟! كأنه قال: فما ظنكم أن يصنع بكم؟ فنظر نظرة في النجوم فيه ~~قولان: أحدهما: أنه نظر في علم النجوم، وكان القوم يتعاطون علم النجوم، ~~فعاملهم من حيث هم، وأراهم أني أعلم من ذلك ما تعلمون، لئلا ينكروا عليه ~~ذلك. قال ابن المسيب: رأى نجما طالعا، فقال: إني مريض غدا. والثاني: أنه ~~نظر إلى النجوم، لا في علمها. فإن قيل: فما كان مقصوده؟ فالجواب أنه كان ~~لهم عيد، فأراد التخلف عنهم ليكيد أصنامهم، فاعتل بهذا القول. # قوله تعالى: إني سقيم من معاريض الكلام، ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن ~~معناه: سأسقم، قاله الضحاك. قال ابن الأنباري: أعلمه الله عز وجل أنه ~~يمتحنه بالسقم إذا طلع نجم يعرفه، فلما رأى النجم، علم أنه سيسقم. والثاني: ~~إني سقيم القلب عليكم إذ تكهنتم بنجوم لا تضر ولا تنفع، ذكره ابن الأنباري. ~~والثالث: أنه سقم لعلة عرضت له، حكاه الماوردي. وذكر السدي أنه خرج معهم ~~إلى يوم عيدهم، فلما كان ms1916 ببعض الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي ~~رجلي، فتولوا عنه مدبرين (90) فراغ إلى آلهتهم أي: مال إليها- وكانوا قد ~~جعلوا بين يديها طعاما لتبارك فيه على زعمهم- فقال إبراهيم استهزاء بها ألا ~~تأكلون. # وقوله تعالى: ضربا باليمين في اليمين ثلاثة أقوال: أحدها: أنها اليد ~~اليمنى، قاله الضحاك. # والثاني: بالقوة والقدرة، قاله السدي، والفراء. والثالث: باليمين التي ~~سبقت منه، وهي قوله: وتالله لأكيدن أصنامكم «1» . حكاه الماوردي. قال ~~الزجاج: «ضربا» مصدر والمعنى: فمال على الأصنام يضربها ضربا باليمين وإنما ~~قال: «عليهم» ، وهي أصنام، لأنهم جعلوها بمنزلة ما يميز. فأقبلوا إليه ~~يزفون قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر والكسائي: «يزفون» ~~بفتح الياء وكسر الزاي وتشديد الفاء. وقرأ حمزة، والمفضل عن عاصم: «يزفون» ~~برفع الياء وكسر الزاي وتشديد الفاء. وقرأ ابن السميفع وأبو المتوكل ~~والضحاك: «يزفون» بفتح الياء وكسر الزاء وتخفيف الفاء. وقرأ ابن أبي عبلة ~~وأبو نهيك: «يزفون» بفتح الياء وسكون الزاي وتخفيف الفاء. قال الزجاج: أعرب ~~القراءات فتح الياء وتشديد الفاء، وأصله من زفيف النعام، وهو ابتداء عدو ~~النعام، يقال: زف النعام يزف وأما ضم الياء، فمعناه: يصيرون إلى الزفيف، ~~وأنشدوا: # فأضحى حصين قد أذل وأقهرا «2» أي: صار إلى القهر. وأما كسر الزاي مع ~~تخفيف الفاء، فهو من: وزف يزف، بمعنى أسرع يسرع، ولم يعرفه الكسائي ولا ~~الفراء، وعرفه غيرهما. قال المفسرون: بلغهم ما صنع إبراهيم، فأسرعوا، فلما ~~انتهوا إليه، قال لهم محتجا عليهم: أتعبدون ما تنحتون بأيديكم والله خلقكم ~~وما تعملون، قال ابن جرير: في «ما» وجهان «3» : أحدهما: أن تكون بمعنى ~~المصدر، فيكون المعنى: والله PageV03P545 # خلقكم وعملكم. والثاني: أن تكون بمعنى «الذي» ، فيكون المعنى: والله ~~خلقكم وخلق الذي تعملونه بأيديكم من الأصنام، وفي هذه الآية دليل على أن ~~أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه. فلما لزمتهم الحجة قالوا ابنوا له بنيانا ~~وقد شرحنا قصته في سورة الأنبياء «1» ، وبينا معنى الجحيم في البقرة «2» ، ~~والكيد الذي أرادوا به: إحراقه. # ومعنى قوله تعالى: فجعلناهم الأسفلين أن إبراهيم علاهم بالحجة حيث سلمه ~~الله من ms1917 كيدهم وحل الهلاك بهم. وقال يعني إبراهيم إني ذاهب إلى ربي في هذا ~~الذهاب قولان: أحدهما: أنه ذاهب حقيقة، ثم في وقت قوله هذا قولان: أحدهما: ~~أنه حين أراد هجرة قومه فالمعنى: إني ذاهب إلى حيث أمرني ربي عز وجل سيهدين ~~إلى حيث أمرني، وهو الشام، قاله الأكثرون. والثاني: حين ألقي في النار، ~~قاله سليمان بن صرد فعلى هذا، في المعنى قولان: أحدهما: ذاهب إلى الله ~~بالموت، سيهدين إلى الجنة. والثاني: ذاهب إلى ما قضى به ربي سيهدين إلى ~~الخلاص من النار. والقول الثاني: # إني ذاهب إلى ربي بقلبي وعملي ونيتي، قاله قتادة. # فلما قدم الأرض المقدسة، سأل ربه الولد فقال: رب هب لي من الصالحين أي: ~~ولدا صالحا من الصالحين، فاجتزأ بما ذكر عما ترك، ومثله: وكانوا فيه من ~~الزاهدين «3» ، فاستجاب له، وهو قوله تعالى: فبشرناه بغلام حليم وفيه قولان ~~«4» : أحدهما: أنه إسحاق. والثاني: أنه إسماعيل. قال الزجاج. هذه البشارة ~~تدل على أنه مبشر بابن ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السن ويوصف بالحلم. ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 102 الى 113] # فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ~~ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (102) فلما ~~أسلما وتله للجبين (103) وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت الرؤيا إنا ~~كذلك نجزي المحسنين (105) إن هذا لهو البلاء المبين (106) # وفديناه بذبح عظيم (107) وتركنا عليه في الآخرين (108) سلام على إبراهيم ~~(109) كذلك نجزي المحسنين (110) إنه من عبادنا المؤمنين (111) # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (112) وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ~~ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (113) # قوله تعالى: فلما بلغ معه السعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد ~~بالسعي ها هنا: العمل، قاله ابن عباس. والثاني: أنه المشي، والمعنى: مشى مع ~~أبيه، قاله قتاده. قال ابن قتيبة: بلغ أن ينصرف معه PageV03P546 # ويعينه. قال ابن السائب: كان ابن ثلاث عشرة سنة. والثالث: أن المراد ~~بالسعي: العبادة، قاله ابن زيد فعلى هذا، يكون قد بلغ. # قوله تعالى: إني ms1918 أرى في المنام أني أذبحك أكثر العلماء على أنه لم ير أنه ~~ذبحه في المنام. وإنما المعنى أنه أمر في المنام بذبحه، ويدل عليه قوله ~~تعالى: افعل ما تؤمر. وذهب بعضهم إلى أنه رأى أنه يعالج ذبحه، ولم ير إراقة ~~الدم. قال قتادة: ورؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا، فعلوه. وذكر السدي عن ~~أشياخه أنه لما بشر جبريل سارة بالولد، قال إبراهيم: هو إذا لله ذبيح، فلما ~~فرغ من بنيان البيت، أتي في المنام، فقيل له: أوف بنذرك. واختلفوا في ~~الذبيح على قولين «1» : أحدهما: أنه إسحاق، قاله عمر بن الخطاب، وعلي بن ~~أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وأبو ~~هريرة، وأنس، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، ومسروق، وعبيد بن عمير، والقاسم ~~بن أبي بزة، ومقاتل بن سليمان، واختاره ابن جرير. وهؤلاء يقولون: كانت هذه ~~القصة بالشام. وقيل: طويت له الأرض حتى حمله إلى المنحر بمنى في ساعة. ~~والثاني: أنه إسماعيل، قاله ابن عمر، وعبد الله بن سلام، والحسن البصري، ~~وسعيد بن المسيب، والشعبي، ومجاهد، ويوسف بن مهران، وأبو صالح، ومحمد بن ~~كعب القرظي، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن سابط. # واختلفت الرواية عن ابن عباس، فروى عنه عكرمة أنه إسحاق، وروى عنه عطاء، ~~ومجاهد، والشعبي، وأبو الجوزاء، ويوسف بن مهران أنه إسماعيل، وروى عنه سعيد ~~بن جبير كالقولين. وعن سعيد بن جبير، وعكرمة، والزهري، وقتادة، والسدي ~~روايتان. وكذلك عن أحمد رضي الله عنه روايتان. ولكل قوم حجة ليس هذا ~~موضعها، وأصحابنا ينصرون القول الأول. PageV03P547 ### | الإشارة إلى قصة الذبح # ذكر أهل السير والتفسير «1» أن إبراهيم لما أراد ذبح ولده، قال له: انطلق ~~فنقرب قربانا إلى الله عز وجل، فأخذ سكينا وحبلا، ثم انطلق، حتى إذا ذهبا ~~بين الجبال، قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ # قال: يا بني إني رأيت في المنام أني أذبحك، فقال له: اشدد رباطي حتى لا ~~أضطرب، واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليك من دمي فتراه أمي فتحزن، وأسرع ~~مر السكين ms1919 على حلقي ليكون أهون للموت علي، فإذا أتيت أمي فاقرأ عليها ~~السلام مني فأقبل عليه إبراهيم يقبله ويبكي ويقول: نعم العون أنت يا بني ~~على أمر الله عز وجل، ثم إنه أمر السكين على حلقه فلم يحك شيئا. وقال ~~مجاهد: لما أمرها على حلقه انقلبت، فقال: ما لك؟ قال: انقلبت، قال: اطعن ~~بها طعنا. وقال السدي: ضرب الله على حلقه صفيحة من نحاس وهذا لا يحتاج ~~إليه، بل منعها بالقدرة أبلغ. قالوا: فلما طعن بها، نبت، وعلم الله منهما ~~الصدق في التسليم، فنودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، هذا فداء ابنك فنظر ~~إبراهيم، فإذا جبريل معه كبش أملح. # قوله تعالى: فانظر ماذا ترى لم يقل له ذلك على وجه المؤامرة في أمر الله ~~عز وجل، ولكن أراد أن ينظر ما عنده من الرأي. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: ~~«ماذا تري» بضم التاء وكسر الراء فيها قولان: أحدهما: ماذا تريني من صبرك ~~أو جزعك، قاله الفراء. والثاني: ماذا تبين، قاله الزجاج. # وقال غيره: ماذا تشير. قوله تعالى: افعل ما تؤمر قال ابن عباس: افعل ما ~~أوحي إليك من ذبحي ستجدني إن شاء الله من الصابرين على البلاء. # قوله تعالى: فلما أسلما أي: استسلما لأمر الله عز وجل فأطاعا ورضيا. وقرأ ~~علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، والأعمش ~~وابن أبي عبلة: «فلما سلما» بتشديد اللام من غير همز قبل السين والمعنى: ~~سلما لأمر الله عز وجل. وفي جواب قوله: «فلما أسلما» قولان: أحدهما: أن ~~جوابه: «وناديناه» ، والواو زائدة، قاله الفراء. والثاني: أن الجواب محذوف ~~لأن في الكلام دليلا عليه والمعنى: فلما فعل ذلك، سعد وأجزل ثوابه، قاله ~~الزجاج. قوله تعالى: وتله للجبين قال ابن قتيبة: أي: صرعه على جبينه فصار ~~أحد جبينيه على الأرض، وهما جبينان، والجبهة بينهما، وهي ما أصاب الأرض في ~~السجود، والناس لا يكادون يفرقون بين الجبين والجبهة، فالجبهة مسجد الرجل ~~الذي يصيبه ندب السجود، والجبينان يكتنفانها، من كل جانب جبين. # قوله تعالى: وناديناه ms1920 قال المفسرون: نودي من الجبل: يا إبراهيم (104) قد ~~صدقت الرؤيا وفيه قولان: أحدهما: قد عملت ما أمرت، وذلك أنه قصد الذبح بما ~~أمكنه، وطاوعه الابن بالتمكين من الذبح، إلا أن الله تعالى صرف ذلك كما ~~شاء، فصار كأنه قد ذبح وإن لم يتحقق الذبح. والثاني: أنه رأى في المنام ~~معالجة الذبح، ولم ير إراقة الدم، فلما فعل في اليقظة ما رأى في المنام، ~~قيل له: «قد صدقت الرؤيا» . وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو عمران، ~~والجحدري: «قد صدقت الرؤيا» بتخفيف الدال، وها هنا تم الكلام. ثم قال ~~تعالى: إنا كذلك أي: كما ذكرنا من العفو من ذبح ولده PageV03P548 # نجزي المحسنين. إن هذا لهو البلاء المبين فيه قولان: أحدهما: النعمة ~~البينة، قاله ابن السائب، ومقاتل. والثاني: الاختبار العظيم، قاله ابن زيد، ~~وابن قتيبة. فعلى الأول، يكون قوله هذا إشارة إلى العفو عن الذبح. وعلى ~~الثاني، يكون إشارة إلى امتحانه بذبح ولده. # قوله تعالى: وفديناه يعني الذبيح بذبح وهو بكسر الذال اسم ما ذبح، وبفتح ~~الذال مصدر ذبحت، قاله ابن قتيبة. ومعنى الآية: خلصناه من الذبح بأن جعلنا ~~الذبح فداء له. وفي هذا الذبح ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنه كان كبشا أقرن ~~قد رعى في الجنة قبل ذلك أربعين عاما، قاله ابن عباس في رواية مجاهد، وقال ~~في رواية سعيد بن جبير: هو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه، كان في ~~الجنة حتى فدي به. والثاني: أن إبراهيم فدى ابنه بكبشين أبيضين أعينين ~~أقرنين، رواه أبو الطفيل عن ابن عباس. # والثالث: أنه ما فدي إلا بتيس من الأروى، أهبط عليه من ثبير، قاله الحسن. ~~وفي معنى عظيم أربعة أقوال: أحدها: لأنه كان قد رعى في الجنة، قاله ابن ~~عباس وسعيد بن جبير. والثاني: لأنه ذبح على دين إبراهيم وسنته، قاله الحسن. ~~والثالث: لأنه متقبل، قاله مجاهد. وقال أبو سليمان الدمشقي: # لما قربه ابن آدم رفع حيا فرعى في الجنة ثم جعل فداء للذبيح، فقبل مرتين. ~~والرابع: لأنه عظيم الشخص والبركة، ذكره الماوردي. ms1921 # قوله تعالى: وتركنا عليه ... قد فسرناه في هذه السورة «2» . # قوله تعالى: وبشرناه بإسحاق من قال: إن إسحاق الذبيح، قال: بشر إبراهيم ~~بنبوة إسحاق، وأثيب إسحاق بصبره النبوة، وهذا قول ابن عباس في رواية عكرمة، ~~وبه قال قتادة، والسدي. ومن قال: الذبيح إسماعيل، قال: بشر الله إبراهيم ~~بولد يكون نبيا بعد هذه القصة، جزاء لطاعته وصبره، وهذا قول سعيد بن ~~المسيب. قوله تعالى: وباركنا عليه وعلى إسحاق يعني بكثرة ذريتهما، وهم ~~الأسباط كلهم ومن ذريتهما محسن أي: مطيع لله وظالم وهو العاصي له. وقيل: ~~المحسن: المؤمن، والظالم: الكافر. ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 114 الى 132] # ولقد مننا على موسى وهارون (114) ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ~~(115) ونصرناهم فكانوا هم الغالبين (116) وآتيناهما الكتاب المستبين (117) ~~وهديناهما الصراط المستقيم (118) # وتركنا عليهما في الآخرين (119) سلام على موسى وهارون (120) إنا كذلك ~~نجزي المحسنين (121) إنهما من عبادنا المؤمنين (122) وإن إلياس لمن ~~المرسلين (123) # إذ قال لقومه ألا تتقون (124) أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين (125) ~~الله ربكم ورب آبائكم الأولين (126) فكذبوه فإنهم لمحضرون (127) إلا عباد ~~الله المخلصين (128) # وتركنا عليه في الآخرين (129) سلام على إل ياسين (130) إنا كذلك نجزي ~~المحسنين (131) إنه من عبادنا المؤمنين (132) # قوله تعالى: ولقد مننا على موسى وهارون أي: أنعمنا عليهما بالنبوة. وفي ~~الكرب PageV03P549 # العظيم قولان: أحدهما: استعباد فرعون وبلاؤه، وهو معنى قول قتادة. ~~والثاني: الغرق، قاله السدي. قوله تعالى: ونصرناهم فيه قولان: أحدهما: أنه ~~يرجع إلى موسى وهارون وقومهما. # والثاني: أنه يرجع إليهما فقط، فجمعا، لأن العرب تذهب بالرئيس إلى الجمع، ~~لجنوده وأتباعه، ذكرهما ابن جرير. وما بعد هذا قد تقدم بيانه «1» ، إلى ~~قوله: وإن إلياس لمن المرسلين # فيه قولان: # أحدهما: أنه نبي من أنبياء بني إسرائيل، قاله الأكثرون. والثاني: أنه ~~إدريس، قاله ابن مسعود، وقتادة، وكذلك كان يقرأ ابن مسعود، وأبو العالية، ~~وأبو عثمان النهدي: «وإن إدريس» مكان «إلياس» . قوله تعالى: إذ قال لقومه ~~ألا تتقون أي: ألا تخافون الله فتوحدونه وتعبدونه؟! أتدعون بعلا فيه ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه بمعنى الرب، قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو عبيدة، وابن ~~قتيبة. ms1922 وقال الضحاك: # كان ابن عباس قد أعياه هذا الحرف، فبينا هو جالس، إذ مر أعرابي قد ضلت ~~ناقته وهو يقول: من وجد ناقة أنا بعلها؟ فتبعه الصبيان يصيحون به: يا زوج ~~الناقة، يا زوج الناقة، فدعاه ابن عباس فقال: # ويحك، ما عنيت ببعلها؟ قال: أنا ربها، فقال ابن عباس: صدق الله: «أتدعون ~~بعلا» : ربا. وقال قتادة: هذه لغة يمانية. والثاني: أنه اسم صنم كان لهم، ~~قاله الضحاك، وابن زيد. وحكى ابن جرير أنه به سميت «بعلبك» . والثالث: أنها ~~امرأه كانوا يعبدونها، حكاه محمد بن إسحاق. قوله تعالى: الله ربكم قرأ ابن ~~كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: «الله ربكم» بالرفع. ~~وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف ويعقوب: «الله» بالنصب. قوله تعالى: ~~فكذبوه فإنهم لمحضرون النار إلا عباد الله المخلصين الذين لم يكذبوه، فإنهم ~~لا يحضرون النار. ### | الإشارة إلى القصة # ذكر أهل العلم بالتفسير والسير أنه لما كثرت الأحداث بعد قبض حزقيل، ~~وعبدت الأوثان، بعث الله تعالى إليهم إلياس. قال ابن إسحاق: وهو إلياس بن ~~تشبي بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران، فجعل يدعوهم فلا يسمعون منه، ~~فدعا عليهم بحبس المطر، فجهدوا جهدا شديدا، واستخفى إلياس خوفا منهم على ~~نفسه. ثم إنه قال لهم يوما: إنكم قد هلكتم جهدا، وهلكت البهائم والشجر ~~بخطاياكم، فاخرجوا بأصنامكم وادعوها، فإن استجابت لكم، فالأمر كما تقولون، ~~وإن لم تفعل، علمتم أنكم على باطل فنزعتم عنه، ودعوت الله ففرج عنكم، ~~فقالوا: أنصفت، فخرجوا بأوثانهم، فدعوا فلم تستجب لهم، فعرفوا ضلالهم، ~~فقالوا: ادع الله لنا، فدعا لهم فأرسل المطر وعاشت بلادهم، فلم ينزعوا عما ~~كانوا عليه، فدعا إلياس ربه أن يقبضه إليه ويريحه منهم، فقيل له: اخرج يوم ~~كذا إلى مكان كذا، فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج فأقبل فرس من ~~نار، فوثب عليه، فانطلق به، وكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة ~~المطعم والمشرب، فطار في الملائكة، فكان إنسيا ملكيا، أرضيا سماويا «2» . # قوله تعالى: سلام على ms1923 إل ياسين قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي: PageV03P550 # «إلياسين» موصولة مكسورة الألف ساكنة اللام، فجعلوها كلمة واحدة وقرأ ~~الحسن مثلهم، إلا أنه فتح الهمزة، وقرأ نافع، وابن عامر، وعبد الوارث، ~~ويعقوب إلا زيدا: «إل ياسين» مقطوعة، فجعلها كلمتين. وفي قراءة الوصل ~~قولان: أحدهما: أنه جمع لهذا النبي وأمته المؤمنين، به، وكذلك يجمع ما ينسب ~~إلى الشيء بلفظ الشيء، فتقول: رأيت المهالبة، تريد: بني المهلب، والمسامعة، ~~تريد: بني مسمع. والثاني: أنه اسم النبي وحده، وهو اسم عبراني، والعجمي من ~~الأسماء قد يفعل به هذا، كما يقال: ميكال وميكائيل، ذكر القولين الفراء ~~والزجاج. فأما قراءة من قرأ: «إل ياسين» مفصولة، ففيها قولان: أحدهما: أنهم ~~آل هذا النبي المذكور، وهو يدخل فيهم، كقوله صلى الله عليه وسلم: # (1210) «اللهم صل على آل أبي أوفى» ، فهو داخل فيهم، لأنه هو المراد ~~بالدعاء. # والثاني: أنهم آل محمد صلى الله عليه وسلم قاله الكلبي. وكان عبد الله بن ~~مسعود يقرأ: «سلام على إدراسين» وقد بينا مذهبه في أن إلياس هو إدريس. # فإن قيل: كيف قال: «إدراسين» وإنما الواحد إدريس، والمجموع إدريسي، لا ~~إدراس ولا إدراسي؟. فالجواب: أنه يجوز أن يكون لغة، كإبراهيم وإبراهام، ~~ومثله: # قدني من نصر الخبيبين قدي «1» # وقرأ أبي بن كعب، وأبو نهيك: «سلام على ياسين» بحذف الهمزة واللام. ### | ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 133 الى # 138] # وإن لوطا لمن المرسلين (133) إذ نجيناه وأهله أجمعين (134) إلا عجوزا في ~~الغابرين (135) ثم دمرنا الآخرين (136) وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) # وبالليل أفلا تعقلون (138) # قوله تعالى: إذ نجيناه «إذ» ها هنا لا يتعلق بما قبله، لأنه لم يرسل إذ ~~نجي، ولكنه يتعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد إذ نجيناه. وقد تقدم تفسير ~~ما بعد هذا «2» إلى قوله تعالى: وإنكم لتمرون عليهم مصبحين # هذا خطاب لأهل مكة، كانوا إذا ذهبوا إلى الشام وجاءوا، مروا على قرى قوم ~~لوط صباحا ومساء، أفلا تعقلون # فتعتبرون؟! PageV03P551 ### | ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 139 الى # 148] # وإن يونس لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك المشحون (140) فساهم فكان ~~من ms1924 المدحضين (141) فالتقمه الحوت وهو مليم (142) فلولا أنه كان من المسبحين ~~(143) # للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144) فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) ~~وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (147) ~~فآمنوا فمتعناهم إلى حين (148) # قوله تعالى: إذ أبق # قال المبرد: تأويل «أبق» : تباعد وقال أبو عبيدة: فزع وقال الزجاج: # هرب وقال بعض أهل المعاني: خرج ولم يؤذن له، فكان بذلك كالهارب من مولاه. ~~قال الزجاج: # والفلك: السفينة، والمشحون: المملوء، وساهم بمعنى قارع، من المدحضين # أي: المغلوبين قال ابن قتيبة: يقال: أدحض الله حجته، فدحضت، أي: أزالها ~~فزالت، وأصل الدحض: الزلق. ### | الإشارة إلى قصته # قد شرحنا بعض قصته في آخر يونس وفي الأنبياء «1» على قدر ما تحتمله ~~الآيات، ونحن نذكر ها هنا ما تحتمله. قال عبد الله بن مسعود: لما وعد يونس ~~قومه العذاب بعد ثلاث، جأروا إلى الله عز وجل واستغفروا، فكف عنهم العذاب، ~~فانطلق مغاضبا حتى انتهى إلى قوم في سفينة، فعرفوه فحملوه، فلما ركب ~~السفينة وقفت، فقال: ما لسفينتكم؟ قالوا: لا ندري، قال: لكني أدري، فيها ~~عبد آبق من ربه، وإنها والله لا تسير حتى تلقوه، فقالوا: أما أنت يا نبي ~~الله فو الله لا نلقيك، قال: فاقترعوا، فمن قرع فليقع، فاقترعوا، فقرع ~~يونس، فأبوا أن يمكنوه من الوقوع، فعادوا إلى القرعة حتى قرع يونس ثلاث ~~مرات. وقال طاوس: إن صاحب السفينة هو الذي قال: إنما يمنعها أن تسير أن ~~فيكم رجلا مشؤوما فاقترعوا لنلقي أحدنا، فاقترعوا فقرع يونس ثلاث مرات. # قال المفسرون: وكل الله به حوتا، فلما ألقى نفسه في الماء التقمه، وأمر ~~أن لا يضره ولا يكلمه، وسارت السفينة حينئذ. ومعنى التقمه: ابتلعه. وهو ~~مليم قال ابن قتيبة: أي: مذنب، يقال: ألام الرجل: إذا أتى ذنبا يلام عليه، ~~قال الشاعر: # ومن يخذل أخاه فقد ألاما «2» قوله تعالى: فلولا أنه كان من المسبحين فيه ~~ثلاثة أقوال «3» : أحدها: من المصلين، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. ~~والثاني: من العابدين، قاله مجاهد، ووهب بن منبه. والثالث: قول لا ms1925 إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين «4» ، قاله الحسن. وروى عمران القطان عن ~~الحسن قال: # والله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت فعلى هذا القول، يكون تسبيحه ~~في بطن الحوت. PageV03P552 # وجمهور العلماء على أنه أراد: لولا ما تقدم له قبل التقام الحوت إياه من ~~التسبيح، للبث في بطنه إلى يوم يبعثون قال قتادة: لصار بطن الحوت له قبرا ~~إلى يوم القيامة، ولكنه كان كثير الصلاة في الرخاء، فنجاه الله تعالى بذلك. # وفي قدر مكثه في بطن الحوت خمسة أقوال «1» : أحدها: أربعون يوما، قاله ~~أنس بن مالك، وكعب، وأبو مالك، وابن جريج، والسدي. والثاني: سبعة أيام، ~~قاله سعيد بن جبير، وعطاء. # والثالث: ثلاثة أيام، قاله مجاهد، وقتادة. والرابع: عشرون يوما، قاله ~~الضحاك. والخامس: بعض يوم، التقمة ضحى، ونبذه قبل غروب الشمس، قاله الشعبي. # قوله تعالى: فنبذناه قال ابن قتيبة: أي ألقيناه بالعراء وهي الأرض التي ~~لا يتوارى فيها بشجر ولا غيره، فكأنه من عري الشيء. قوله تعالى: وهو سقيم ~~أي: مريض قال ابن مسعود: # كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس له ريش. وقال سعيد بن جبير: أوحى الله ~~تعالى إلى الحوت أن ألقه في البر، فألقاه لا شعر عليه ولا جلد ولا ظفر. ~~قوله تعالى: وأنبتنا عليه شجرة من يقطين قال ابن عباس: هو القرع، وقد قال ~~أمية بن أبي الصلت قبل الإسلام: # فأنبت يقطينا عليه برحمة ... من الله لولا الله ألفي ضاحيا # قال الزجاج: كل شجرة لا تنبت على ساق وإنما تمتد على وجه الأرض نحو القرع ~~والبطيخ والحنظل، فهي يقطين، واشتقاقه من: قطن بالمكان: إذا أقام، فهذا ~~الشجر ورقه كله على وجه الأرض، فلذلك قيل له: يقطين. قال ابن مسعود: كان ~~يستظل بها ويصيب منها فيبست فبكى عليها، فأوحى الله إليه: أتبكي على شجرة ~~أن يبست، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم؟ # وقال يزيد بن عبد الله بن قسيط: قيض الله له أروية من الوحش تروح عليه ~~بكرة وعشيا فيشرب من لبنها حتى ms1926 نبت لحمه. فإن قيل: ما الفائدة في إنبات ~~شجرة اليقطين عليه دون غيرها؟ فالجواب: أنه خرج كالفرخ على ما وصفنا، وجلده ~~قد ذاب، فأدنى شيء يمر به يؤذيه، وفي ورق اليقطين خاصية، وهي أنه إذا ترك ~~على شيء، لم يقربه ذباب، فأنبته الله عليه ليغطيه ورقها ويمنع الذباب ريحه ~~أن يسقط عليه فيؤذيه. # قوله تعالى: وأرسلناه إلى مائة ألف اختلفوا، هل كانت رسالته قبل التقام ~~الحوت إياه، أم بعد ذلك؟ على قولين: أحدهما: أنها كانت بعد نبذ الحوت إياه، ~~على ما ذكرنا في سورة يونس «2» ، وهو مروي عن ابن عباس. والثاني: أنها كانت ~~قبل التقام الحوت له، وهو قول الأكثرين، منهم الحسن، ومجاهد، وهو الأصح، ~~والمعنى: وكنا أرسلناه إلى مائة ألف، فلما خرج من بطن الحوت، أمر أن يرجع ~~إلى قومه الذين أرسل إليهم. وفي قوله: أو ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بمعنى ~~«بل» ، قاله ابن عباس، والفراء. والثاني: أنها بمعنى الواو، قاله ابن ~~قتيبة، وقد قرأ أبي بن كعب، ومعاذ القارئ، وأبو المتوكل، وأبو عمران ~~الجوني: «ويزيدون» من غير ألف. والثالث: أنها على أصلها، والمعنى: أو ~~يزيدون في تقديركم إذا رآهم الرائي قال: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون. وفي ~~زيادتهم أربعة أقوال: PageV03P553 # (1211) أحدها: أنهم كانوا مائة ألف يزيدون عشرين ألفا، رواه أبي بن كعب ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنهم كانوا مائة ألف وثلاثين ألفا. والثالث: مائة ألف وبضعة ~~وثلاثين ألفا، رويا عن ابن عباس. والرابع: أنهم كانوا يزيدون سبعين ألفا، ~~قاله سعيد بن جبير، ونوف. # قوله تعالى: فآمنوا في وقت إيمانهم قولان: أحدهما: عند معاينة العذاب. ~~والثاني: حين أرسل إليهم يونس فمتعناهم إلى حين إلى منتهى آجالهم. ### | ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 149 الى # 163] # فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) أم خلقنا الملائكة إناثا وهم ~~شاهدون (150) ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ولد الله وإنهم لكاذبون ~~(152) أصطفى البنات على البنين (153) # ما لكم كيف تحكمون (154) أفلا تذكرون (155) أم لكم سلطان مبين (156) ~~فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) وجعلوا بينه وبين الجنة ms1927 نسبا ولقد علمت ~~الجنة إنهم لمحضرون (158) # سبحان الله عما يصفون (159) إلا عباد الله المخلصين (160) فإنكم وما ~~تعبدون (161) ما أنتم عليه بفاتنين (162) إلا من هو صال الجحيم (163) # قوله تعالى: فاستفتهم أي: سل أهل مكة سؤال توبيخ وتقرير، لأنهم زعموا أن ~~الملائكة بنات الله وهم شاهدون أي: حاضرون. ألا إنهم من إفكهم أي: كذبهم ~~ليقولون (151) ولد الله حين زعموا أن الملائكة بناته. # قوله تعالى: أصطفى البنات قال الفراء: هذا استفهام فيه توبيخ لهم، وقد ~~تطرح ألف الاستفهام من التوبيخ، ومثله: أذهبتم طيباتكم و «أذهبتم» يستفهم ~~بها ولا يستفهم، ومعناهما واحد. وقرأ أبو هريرة وابن المسيب والزهري وابن ~~جماز عن نافع، وأبو جعفر، وشيبة: «لكاذبون اصطفى» بالوصل غير مهموز ولا ~~ممدود وقال أبو علي: وهو على وجه الخير، كأنه قال: اصطفى البنات على البنين ~~فيما يقولون كقوله: ذق إنك أنت العزيز الكريم «1» . # قوله تعالى: ما لكم كيف تحكمون لله بالبنات ولأنفسكم بالبنين؟! أم لكم ~~سلطان مبين أي: # حجة بينة على ما تقولون، فأتوا بكتابكم # الذي فيه حجتكم. وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنهم قالوا: هو وإبليس أخوان، رواه العوفي عن ابن عباس قال الماوردي: وهو ~~قول الزنادقة والذين يقولون: الخير من الله، والشر من إبليس. والثاني: أن ~~كفار قريش قالوا: الملائكة بنات الله، والجنة صنف من الملائكة يقال لهم: ~~الجنة، قاله مجاهد. والثالث: أن اليهود قالت: إن الله تعالى PageV03P554 # تزوج إلى الجن فخرجت من بينهم الملائكة، قاله قتادة، وابن السائب. فخرج ~~في معنى الجنة قولان: # أحدهما: أنهم الملائكة. والثاني: الجن. فعلى الأول، يكون معنى قوله ~~تعالى: ولقد علمت الجنة أي: علمت الملائكة إنهم أي: إن هؤلاء المشركين ~~لمحضرون النار. وعلى الثاني: «ولقد علمت الجنة إنهم» أي: إن الجن أنفسها ~~«لمحضرون» الحساب. # قوله تعالى: إلا عباد الله المخلصين يعني الموحدين. وفيما استثنوا منه ~~قولان: أحدهما: أنهم استثنوا من حضور النار، قاله مقاتل. والثاني: مما يصف ~~أولئك، وهو معنى قول ابن السائب. # قوله تعالى: فإنكم يعني المشركين وما تعبدون من دون ms1928 الله، ما أنتم عليه ~~أي: على ما تعبدون بفاتنين أي: بمضلين أحدا، إلا من هو صال الجحيم أي: من ~~سبق له في علم الله أنه يدخل النار. ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 164 الى 182] # وما منا إلا له مقام معلوم (164) وإنا لنحن الصافون (165) وإنا لنحن ~~المسبحون (166) وإن كانوا ليقولون (167) لو أن عندنا ذكرا من الأولين (168) # لكنا عباد الله المخلصين (169) فكفروا به فسوف يعلمون (170) ولقد سبقت ~~كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم ~~الغالبون (173) # فتول عنهم حتى حين (174) وأبصرهم فسوف يبصرون (175) أفبعذابنا يستعجلون ~~(176) فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين (177) وتول عنهم حتى حين (178) # وأبصر فسوف يبصرون (179) سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلام على ~~المرسلين (181) والحمد لله رب العالمين (182) # ثم أخبر عن الملائكة بقوله تعالى: وما منا والمعنى: ما منا ملك إلا له ~~مقام معلوم أي: مكان في السموات مخصوص يعبد الله فيه وإنا لنحن الصافون قال ~~قتادة: صفوف في السماء. وقال السدي: # هو الصلاة. وقال ابن السائب: صفوفهم في السماء كصفوف أهل الدنيا في ~~الأرض. قوله تعالى: وإنا لنحن المسبحون فيه قولان: أحدهما: المصلون. ~~والثاني: المنزهون لله عز وجل عن السوء. وكان عمر بن الخطاب إذا أقيمت ~~الصلاة أقبل على الناس بوجهه وقال: يا أيها الناس استووا، فإنما يريد الله ~~بكم هدي الملائكة، وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون. # ثم عاد إلى الإخبار عن المشركين، فقال: وإن كانوا ليقولون اللام في ~~«ليقولون» لام توكيد والمعنى: وقد كان كفار قريش يقولون قبل بعثة النبي صلى ~~الله عليه وسلم: لو أن عندنا ذكرا أي: كتابا من الأولين أي: مثل كتب ~~الأولين، وهم اليهود والنصارى، لكنا عباد الله المخلصين أي: لأخلصنا ~~العبادة لله عز وجل. فكفروا به فيه اختصار تقديره: فلما آتاهم ما طلبوا ~~كفروا به فسوف يعلمون عاقبة كفرهم، وهذا تهديد لهم. ولقد سبقت كلمتنا أي: ~~تقدم وعدنا للمرسلين بنصرهم، والكلمة قوله تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي «1» ، إنهم لهم المنصورون بالحجة، إن جندنا # يعني حزبنا المؤمنين هم الغالبون # بالحجة أيضا والظفر. ms1929 فتول عنهم أي: أعرض عن كفار مكة حتى حين أي: حتى ~~تنقضي مدة إمهالهم. وقال مجاهد: حتى نأمرك بالقتال فعلى هذا، الآية محكمة. ~~وقال في رواية: حتى PageV03P555 # الموت، وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: حتى القيامة فعلى هذا، يتطرق ~~نسخها. وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية السيف. # قوله تعالى: وأبصرهم أي: انظر إليهم إذا نزل بهم العذاب. قال مقاتل بن ~~سليمان، هو العذاب ببدر وقيل: أبصر حالهم بقلبك فسوف يبصرون ما انكروا، ~~وكانوا يستعجلون بالعذاب تكذيبا به، فقيل: أفبعذابنا يستعجلون. فإذا نزل ~~يعني العذاب. وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران، والجحدري، وابن يعمر: «فإذا نزل» ~~برفع النون وكسر الزاي وتشديدها بساحتهم أي: بفنائهم وناحيتهم. والساحة: # فناء الدار. قال الفراء: العرب تكتفي بالساحة والعقوة من القوم، فيقولون: ~~نزل بك العذاب، وبساحتك. قال الزجاج: فكان عذاب هؤلاء القتل فساء صباح ~~المنذرين أي: بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب. # ثم كرر ما تقدم توكيدا لوعده بالعذاب، فقال: وتول عنهم حتى حين الآيتين. # ثم نزه نفسه عن قولهم بقوله تعالى: سبحان ربك رب العزة قال مقاتل: يعني ~~عزة من يتعزز من ملوك الدنيا. قوله تعالى: عما يصفون أي: من اتخاذ النساء ~~والأولاد. وسلام على المرسلين فيه وجهان: أحدهما: تسليمه عليهم إكراما لهم. ~~والثاني: إخباره بسلامتهم. والحمد لله رب العالمين على هلاك المشركين ونصرة ~~الأنبياء والمؤمنين. والله أعلم بالصواب. # PageV03P556 ### | سورة ص # ويقال لها: سورة داود، وهي مكية كلها بإجماعهم. # (1212) فأما سبب نزولها: فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قريشا شكوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي، ما تريد من ~~قومك؟ فقال: «يا عم، إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم ~~الجزية بها العجم» ، قال: كلمة؟ قال: «كلمة واحدة» ، قال: ما هي؟ قال: «لا ~~إله إلا الله» ، فقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا، فنزلت فيهم: ص والقرآن ~~إلى قوله تعالى: إن هذا إلا اختلاق. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة ص (38) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن ms1930 الرحيم # ص والقرآن ذي الذكر (1) بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) كم أهلكنا من ~~قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) # واختلفوا في معنى «ص» على سبعة أقوال «1» :. أحدها: أنه قسم أقسم الله ~~به، وهو من أسمائه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: أنه بمعنى: ~~صدق محمد صلى الله عليه وسلم، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: صدق الله، قاله الضحاك، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: معناه: ~~صادق فيما وعد. وقال الزجاج: معناه: الصادق الله تعالى. والرابع: أنه اسم ~~من أسماء القرآن، أقسم الله به، قاله قتادة. # والخامس: أنه اسم حية رأسها تحت العرش وذنبها تحت الأرض السفلى، حكاه أبو ~~سليمان الدمشقي، وقال: أظنه عن عكرمة. والسادس: أنه بمعنى: حادث القرآن، ~~أي: انظر فيه، قاله الحسن، وهذا على قراءة من كسروا، منهم ابن عباس، ~~والحسن، وابن أبي عبلة، قال ابن جرير: فيكون المعنى: صاد PageV03P557 # بعملك القرآن، أي: عارضه. وقيل: اعرضه على عملك، فانظر أين هو منه. ~~والسابع: أنه بمعنى: # صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به وأحبوه، حكاه الثعلبي، وهذا ~~على قراءة من فتح، وهي قراءة أبي رجاء، وأبي الجوزاء، وحميد، ومحبوب عن أبي ~~عمرو. قال الزجاج: والقراءة «صاد» بتسكين الدال، لأنها من حروف التهجي. وقد ~~قرئت بالفتح وبالكسر، فمن فتحها، فعلى ضربين: # أحدهما: لالتقاء الساكنين. والثاني: على معنى: أتل «صاد» ، وتكون صاد ~~اسما للسورة لا ينصرف ومن كسر، فعلى ضربين: أحدهما: لالتقاء الساكنين أيضا. ~~والثاني: على معنى: صاد القرآن بعملك، من قولك: صادى يصادي: إذا قابل ~~وعادل، يقال: صاديته: إذا قابلته. # قوله تعالى: ذي الذكر في المراد بالذكر ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنه ~~الشرف، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي. والثاني: البيان، قاله قتادة. ~~والثالث: التذكير، قاله الضحاك. # فإن قيل: أين جواب القسم بقوله تعالى: ص والقرآن ذي الذكر؟ فعنه خمسة ~~أجوبة: أحدها: # أن «ص» جواب لقوله: «والقرآن» ، ف «ص» في معناها، كقولك: وجب والله، نزل ~~والله، حق والله، قاله الفراء، وثعلب. والثاني: أن ms1931 جواب «ص» قوله تعالى كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن ومعناه: لكم، فلما طال الكلام، حذفت اللام، ومثله: ~~والشمس وضحاها ... قد أفلح «2» ، فإن المعنى: لقد أفلح، غير أنه لما اعترض ~~بينهما كلام، تبعه قوله تعالى: قد أفلح، حكاه الفراء وثعلب أيضا. والثالث: ~~أنه قوله تعالى: إن كل إلا كذب الرسل «3» ، حكاه الأخفش. والرابع: أنه قوله ~~تعالى: إن ذلك لحق تخاصم أهل النار «4» قاله الكسائي، وقال الفراء: لا نجده ~~مستقيما في العربية، لتأخره جدا عن قوله تعالى: والقرآن. والخامس: أن جوابه ~~محذوف تقديره: والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقول الكفار، ويدل على هذا ~~المحذوف قوله تعالى: بل الذين كفروا في عزة وشقاق، ذكره جماعة من المفسرين، ~~وإلى نحوه ذهب قتادة. والعزة: الحمية والتكبر عن الحق. وقرأ عمرو بن العاص ~~وأبو رزين وابن يعمر وعاصم الجحدري ومحبوب عن أبي عمرو: «في غرة» بغين ~~معجمة وراء غير معجمة. # والشقاق: الخلاف والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سبق بيان ~~الكلمتين مشروحا «5» . # ثم خوفهم بقوله تعالى: كم أهلكنا من قبلهم من قرن يعنى الأمم الخالية ~~فنادوا عند وقوع الهلاك بهم. وفي هذا النداء قولان: أحدهما: أنه الدعاء. ~~والثاني: الاستغاثة. # قوله تعالى «6» : ولات حين مناص وقرأ الضحاك، وأبو المتوكل، وعاصم ~~الجحدري، وابن PageV03P558 # يعمر: «ولات حين» بفتح التاء ورفع النون. قال ابن عباس: ليس حين يروه ~~فرار. وقال عطاء: في لغة أهل اليمن «لات» بمعنى «ليس» . وقال وهب بن منبه: ~~هي بالسريانية. وقال الفراء: «لات» بمعنى «ليس» ، فالمعنى: ليس بحين فرار. ~~ومن القراء من يخفض «لات» ، والوجه النصب، لأنها في معنى «ليس» أنشدني ~~المفضل: # تذكر حب ليلى لات حينا ... وأضحى الشيب قد قطع القرينا # قال ابن الأنباري: كان الفراء والكسائي والخليل وسيبويه والأخفش وأبو ~~عبيدة يذهبون إلى أن التاء في قوله تعالى: «ولات» منقطعة من «حين» ، قال: ~~وقال أبو عبيدة: الوقف عندي على هذا الحرف «ولا» ، والابتداء «تحين» لثلاث ~~حجج: إحداهن: أن تفسير ابن عباس يشهد لها، لأنه قال: ليس حين يروه فرار فقد ms1932 ~~علم أن «ليس» هي أخت «لا» وبمعناها. والحجة الثانية: أنا لا نجد في شيء من ~~كلام العرب «ولات» ، إنما المعروفة «لا» . والحجة الثالثة: أن هذه التاء، ~~إنما وجدناها تلحق مع «حين» ومع «الآن» ومع ال «أوان» ، فيقولون: كان هذا ~~تحين كان ذلك، وكذلك: «تأوان» ، ويقال: اذهب تلان، ومنه قول أبي وجزة ~~السعدي: # العاطفون تحين ما من عاطف ... والمطعمون زمان ما من مطعم # وذكر ابن قتيبة عن ابن الأعرابي أن معنى هذا البيت: «العاطفونه» بالهاء، ~~ثم تبتدئ: «حين ما من عاطف» قال ابن الأنباري: وهذا غلط، لأن الهاء إنما ~~تقحم على النون في مواضع القطع والسكون، فأما مع الاتصال، فإنه غير موجود، ~~وقال علي بن أحمد النيسابوري: النحويون يقولون في قوله تعالى: # «ولات» : هي «لا» زيدت فيها التاء كما قالوا: ثم وثمت، ورب وربت، وأصلها ~~هاء وصلت ب «لا» ، فقالوا: «لاه» فلما وصلوها، جعلوها تاء والوقف عليها ~~بالتاء عند الزجاج وأبي علي، وعند الكسائي بالهاء، وعند أبي عبيد الوقف على ~~«لا» . فأما المناص، فهو الفرار. قال الفراء: النوص في كلام العرب: التأخر، ~~والبوص: التقدم، قال إمرؤ القيس: # أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص # وقال أبو عبيدة: المناص: مصدر ناص ينوص، وهو المنجى والفوز. ### | ### | [سورة ص (38) : الآيات 4 الى # 11] # وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) أجعل الآلهة ~~إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب (5) وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على ~~آلهتكم إن هذا لشيء يراد (6) ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا ~~اختلاق (7) أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا ~~عذاب (8) # أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب (9) أم لهم ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما فليرتقوا في الأسباب (10) جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب (11) # PageV03P559 # قوله تعالى: وعجبوا يعني الكفار أن جاءهم منذر منهم يعني رسولا من أنفسهم ~~ينذرهم النار. # أجعل الآلهة إلها واحدا لأنه دعاهم إلى الله وحده وأبطل عبادة آلهتهم. # (1213) وهذا قولهم لما ms1933 اجتمعوا عند أبي طالب، وجاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «أتعطوني كلمة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، وهي ~~«لا إله إلا الله» ، فقاموا يقولون: «أجعل الآلهة إلها واحدا» ، ونزلت هذه ~~الآية فيهم. # إن هذا الذي يقول محمد من أن الآلهة إله واحد لشيء عجاب أي: لأمر عجب. ~~وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو العالية، وابن يعمر، وابن السميفع: ~~«عجاب» بتشديد الجيم. قال اللغويون: العجاب والعجاب والعجيب بمعنى واحد، ~~كما يقال: كبير وكبار وكبار، وكريم وكرام وكرام، وطويل وطوال وطوال، وأنشد ~~الفراء: # جاءوا بصيد عجب من العجب ... أزيرق العينين طوال الذنب # قال قتادة: عجب المشركون أن دعي الله وحده وقالوا: أيسمع لحاجاتنا جميعا ~~إله واحد! قوله تعالى: وانطلق الملأ منهم قال المفسرون: لما اجتمع أشراف ~~قريش عند أبي طالب وشكوا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما سبق ~~بيانه، نفروا من قول: «لا إله إلا الله» ، وخرجوا من عند أبي طالب، فذلك ~~قوله تعالى: وانطلق الملأ منهم. والانطلاق: الذهاب بسهولة، ومنه طلاقة ~~الوجه. والملأ: # أشراف قريش. فخرجوا يقول بعضهم لبعض: امشوا. وأن بمعنى «أي» فالمعنى: أي: ~~امشوا. # قال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى: انطلقوا بأن امشوا، أي: انطلقوا بهذا ~~القول. وقال بعضهم: # المعنى: انطلقوا يقولون: امشوا إلى أبي طالب فاشكوا إليه ابن أخيه، ~~واصبروا على آلهتكم أي: اثبتوا على عبادتها إن هذا الذي نراه من زيادة ~~أصحاب محمد لشيء يراد أي: لأمر يراد بنا. # ما سمعنا بهذا الذي جاء به محمد من التوحيد في الملة الآخرة وفيها ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: النصرانية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وإبراهيم بن المهاجر ~~عن مجاهد، وبه قال محمد بن كعب القرظي، ومقاتل. والثاني: أنها ملة قريش، ~~رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال قتادة. والثالث: اليهودية والنصرانية، ~~قاله الفراء، والزجاج والمعنى أن اليهود أشركت بعزير، والنصارى، قالت: ثالث ~~ثلاثة، فلهذا أنكرت التوحيد. # إن هذا الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا اختلاق أي: كذب. ms1934 أأنزل ~~عليه الذكر يعنون القرآن. # «عليه» يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بيننا أي: كيف خص بهذا ~~دوننا وليس بأعلانا نسبا ولا أعظمنا شرفا؟! قال الله تعالى: بل هم في شك من ~~ذكري أي: من القرآن والمعنى أنهم ليسوا على يقين مما يقولون، إنما هم شاكون ~~بل لما قال مقاتل: «لما» بمعنى «لم» كقوله تعالى: ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم. وقال غيره: هذا تهديد لهم والمعنى أنه لو نزل بهم العذاب، علموا أن ~~ما قاله محمد حق. # وأثبت ياء عذاب في الحالين يعقوب. # قال الزجاج: ولما دل قولهم: «أأنزل عليه الذكر» على حسدهم له، أعلم الله ~~عز وجل أن الملك PageV03P560 # والرسالة إليه، فقال: أم عندهم خزائن رحمة ربك؟! قال المفسرون: ومعنى ~~الآية: أبأيديهم مفاتيح النبوة فيضعونها حيث شاؤوا؟! والمعنى: ليست ~~بأيديهم، ولا ملك السموات والأرض لهم، فإن ادعوا شيئا من ذلك فليرتقوا في ~~الأسباب قال سعيد بن جبير: أي في أبواب السماء. وقال الزجاج: فليصعدوا في ~~الأسباب التي توصلهم إلى السماء. # قوله تعالى: جند أي: هم جند. والجند: الأتباع فكأنه قال: هم أتباع مقلدون ~~ليس فيهم عالم راشد. وما زائدة، وهنالك إشارة إلى بدر. والأحزاب: جميع من ~~تقدمهم من الكفار الذي تحزبوا على الأنبياء. قال قتادة: أخبر الله نبيه وهو ~~بمكة أنه سيهزم جند المشركين، فجاء تأويلها يوم بدر. ### | ### | [سورة ص (38) : الآيات 12 الى # 15] # كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (12) وثمود وقوم لوط وأصحاب ~~الأيكة أولئك الأحزاب (13) إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (14) وما ينظر ~~هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق (15) # قوله تعالى: كذبت قبلهم قوم نوح قال أبو عبيدة: قوم من العرب يؤنثون ~~«القوم» ، وقوم يذكرون، فإن احتج عليهم بهذه الآية، قالوا: وقع المعنى على ~~العشيرة، واحتجوا بقوله تعالى: كلا إنها تذكرة «1» ، قالوا: والمضمر مذكر. # قوله تعالى: وفرعون ذو الأوتاد فيه ستة أقوال «2» : أحدها: أنه كان يعذب ~~الناس بأربعة أوتاد يشدهم فيها، ثم يرفع صخرة فتلقى على الإنسان فتشدخه، ~~قاله ابن ms1935 مسعود، وابن عباس، وكذلك قال الحسن، ومجاهد: كان يعذب الناس ~~بأوتاد يوتدها في أيديهم وأرجلهم. والثاني: أنه ذو البناء المحكم، روي عن ~~ابن عباس أيضا، وبه قال الضحاك، والقرظي، واختاره ابن قتيبة، قال: والعرب ~~تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت الأوتاد، يريدون أنه دائم شديد، ~~وأصل هذا، أن البيت من بيوتهم يثبت بأوتاد، قال الأسود بن يعفر: # في ظل ملك ثابت الأوتاد «3» # والثالث: أن المراد بالأوتاد: الجنود، رواه عطية عن ابن عباس، وذلك أنهم ~~كانوا يشدون ملكه ويقوون أمره كما يقوي الوتد الشيء. والرابع: أنه كان يبني ~~منارا يذبح عليها الناس. والخامس: أنه كان له أربع أسطوانات، فيأخذ الرجل ~~فيمد كل قائمة إلى أسطوانة فيعذبه، روي القولان عن سعيد بن جبير. # والسادس: أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب له عليها، قاله عطاء، ~~وقتادة. # ولما ذكر المكذبين، قال: أولئك الأحزاب فأعلمنا أن مشركي قريش من هؤلاء ~~«4» ، وقد عذبوا PageV03P561 # وأهلكوا. فحق عقاب أثبت الياء فيها في الحالين يعقوب. وما ينظر أي: وما ~~ينتظر هؤلاء يعني كفار مكة إلا صيحة واحدة وفيها قولان: أحدهما: أنها ~~النفخة الأولى، قاله مقاتل. والثاني: # النفخة الأخيرة، قاله ابن السائب. # وفي الفواق قراءتان. قرأ حمزة، وخلف، والكسائي: بضم الفاء. وقرأ الباقون: ~~بفتحها. وهل بينهما فرق، أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنهما لغتان بمعنى ~~واحد، وهو معنى قول الفراء، وابن قتيبة، والزجاج. قال الفراء: والمعنى: ما ~~لها من راحة ولا إفاقة، وأصله من الإفاقة في الرضاع إذا ارتضعت البهيمة ~~أمها ثم تركتها حتى تنزل شيئا من اللبن، فتلك الإفاقة. # (1214) وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العيادة قدر فواق ~~ناقة» . # ومن يفتح الفاء، فهي لغة جيدة عالية. وقال ابن قتيبة: الفواق والفواق ~~واحد، وهو أن تحلب الناقة وتترك ساعة حتى تنزل شيئا من اللبن، ثم تحلب، فما ~~بين الحلبتين فواق. فاستعير الفواق في موضع المكث والانتظار. وقال الزجاج: ~~الفواق: ما بين حلبتي الناقة، وهو مشتق من الرجوع، لأنه يعود اللبن إلى ~~الضرع بين الحلبتين، ms1936 يقال: أفاق من مرضه، أي: رجع إلى الصحة. والثاني: أن ~~من فتحها، أراد: ما لها من راحة. ومن ضمها، أراد: فواق الناقة، قاله أبو ~~عبيدة. # وللمفسرين في معنى الكلام أربعة أقوال «1» : أحدها: ما لها من رجعة، ثم ~~فيه قولان: أحدهما: # ما لها من ترداد، قاله ابن عباس، والمعنى أن تلك الصيحة لا تكرر. ~~والثاني: ما لها من رجوع إلى الدنيا، قاله الحسن، وقتادة، والمعنى أنهم لا ~~يعودون بعدها إلى الدنيا. والثاني: ما لهم منها من إفاقة، بل تهلكهم، قاله ~~ابن زيد. والثالث: ما لها من فتور ولا انقطاع، قاله ابن جرير. والرابع: ما ~~لها من راحة، حكاه جماعة من المفسرين. ### | ### | [سورة ص (38) : الآيات 16 الى # 20] # وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (16) اصبر على ما يقولون واذكر ~~عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب (17) إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي ~~والإشراق (18) والطير محشورة كل له أواب (19) وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة ~~وفصل الخطاب (20) # قوله تعالى: وقالوا ربنا عجل لنا قطنا في سبب قولهم هذا قولان: أحدهما: ~~أنه لما ذكر لهم ما في الجنة، قالوا هذا، قاله سعيد بن جبير، والسدي: ~~والثاني: أنه لما نزل قوله تعالى: PageV03P562 # فأما من أوتي كتابه بيمينه ... الآيات «1» ، قالت قريش: زعمت يا محمد أنا ~~نؤتى كتبنا بشمائلنا؟! فعجل لنا قطنا، يقولون ذلك تكذيبا له، قاله أبو ~~العالية ومقاتل. وفي المراد بالقط أربعة أقوال «2» : أحدها: أنه الصحيفة، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال الفراء: القط في كلام العرب: الصك. وقال ~~أبو عبيدة: # القط: الكتاب، والقطوط: الكتب بالجوائز وإلى هذا المعنى ذهب الحسن ومقاتل ~~وابن قتيبة. # والثاني: أن القط: الحساب، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أنه ~~القضاء، قاله عطاء الخراساني، والمعنى أنهم لما وعدوا بالقضاء بينهم، سألوا ~~ذلك. الرابع: أنه النصيب، قاله سعيد بن جبير. قال الزجاج: القط: النصيب، ~~وأصله: الصحيفة يكتب للإنسان فيها شيء يصل إليه، واشتقاق القط من قططت، أي: ~~قطعت، فالنصيب: هو القطعة من الشيء. ثم في هذا القول للمفسرين قولان: # أحدهما: أنهم ms1937 سألوه نصيبهم من الجنة، قاله سعيد بن جبير. والثاني: سألوه ~~نصيبهم من العذاب، قاله قتادة. وعلى جميع الأقوال، إنما سألوا ذلك استهزاء، ~~لتكذيبهم بالقيامة. اصبر على ما يقولون أي: من تكذيبهم وأذاهم وفي هذا ~~قولان: أحدهما: أنه أمر بالصبر، سلوكا لطريق أولي العزم، وهذا محكم. # والثاني: أنه منسوخ بآية السيف فيما زعم الكلبي. # قوله تعالى: واذكر عبدنا داود في وجه المناسبة بين قوله: «إصبر» وبين ~~قوله: «واذكر عبدنا داود» قولان: أحدهما: أنه أمر أن يتقوى على الصبر بذكر ~~قوة داود على العبادة والطاعة. والثاني: أن المعنى: عرفهم أن الأنبياء ~~عليهم السلام- مع طاعتهم- كانوا خائفين مني، هذا داود مع قوته على العبادة، ~~لم يزل باكيا مستغفرا، فكيف حالهم مع أفعالهم؟! فأما قوله: ذا الأيد فقال ~~ابن عباس: هي القوة في العبادة. وفي «الصحيحين» من حديث عبد الله بن عمرو ~~قال: # (1215) قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «أحب الصيام إلى الله صيام ~~داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام ~~نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه» . # وفي الأواب أقوال قد ذكرناها في بني اسرائيل «3» . إنا سخرنا الجبال معه ~~يسبحن قد ذكرنا تسبيح الجبال معه في سورة الأنبياء «4» ، وذكرنا معنى العشي ~~في مواضع مما تقدم «5» ، وذكرنا معنى الإشراق في الحجر «6» عند قوله تعالى ~~مشرقين. قال الزجاج: الإشراق: طلوع الشمس وإضاءتها. وروي عن ابن عباس أنه ~~قال: طلبت صلاة الضحى، فلم أجدها إلا في هذه الآية. وقد ذكرنا عنه أن صلاة ~~الضحى مذكورة في النور «7» في قوله تعالى: بالغدو والآصال. PageV03P563 # قوله تعالى: والطير محشورة وقرأ عكرمة، وأبو الجوزاء، والضحاك، وابن أبي ~~عبلة: «والطير محشورة» بالرفع فيهما، أي: مجموعة إليه، تسبح الله معه كل له ~~في هاء الكناية قولان: أحدهما: # ترجع إلى داود، أي: كل لداود أواب أي: رجاع إلى طاعته وأمره، والمعنى: كل ~~له مطيع بالتسبيح معه، هذا قول الجمهور. والثاني: أنها ترجع إلى الله ~~تعالى، فالمعنى: كل مسبح لله، قاله السدي. # قوله تعالى: وشددنا ملكه أي: ms1938 قويناه. وفي ما شد به ملكه قولان: أحدهما: ~~أنه الحرس والجنود قال ابن عباس: كان يحرسه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل. ~~والثاني: أنه هيبة ألقيت له في قلوب الناس وهذا المعنى مروي عن ابن عباس ~~أيضا. قوله تعالى: وآتيناه الحكمة وفيها أربعة أقوال: أحدها: أنها الفهم، ~~قاله ابن عباس، والحسن وابن زيد. والثاني: الصواب، قاله مجاهد. # والثالث: السنة، قاله قتادة. والرابع: النبوة، قاله السدي. # وفي فصل الخطاب أربعة أقوال: أحدها: علم القضاء والعدل، قاله ابن عباس ~~والحسن. # والثاني: بيان الكلام، روي عن ابن عباس أيضا. وذكر الماوردي أنه البيان ~~الكافي في كل غرض مقصود. والثالث: قوله: «أما بعد» ، وهو أول من تكلم بها، ~~قاله أبو موسى الأشعري والشعبي. # والرابع: تكليف المدعي البينة، والمدعى عليه اليمين، قاله شريح وقتادة ~~وهو قول حسن لأن الخصومة إنما تفصل بهذا. ### | [سورة ص (38) : الآيات 21 الى 26] # وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داود ففزع منهم ~~قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا ~~إلى سواء الصراط (22) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال ~~أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن ~~كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) فغفرنا ~~له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (25) # يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا ~~يوم الحساب (26) # قوله تعالى: وهل أتاك نبأ الخصم قال أبو سليمان: المعنى: قد أتاك فاستمع ~~له نقصص عليك. واختلف العلماء في السبب الذي امتحن لأجله داود عليه السلام ~~بما امتحن به على خمسة أقوال «1» : أحدها: أنه قال: يا رب قد أعطيت إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لو وددت أنك PageV03P564 # أعطيتني مثله، فقال ms1939 الله تعالى: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ~~ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به وأعطيتك كما أعطيتهم؟ قال: نعم، فبينما هو في ~~محرابه إذ وقعت عليه حمامة، فأراد أن يأخذها فطارت، فذهب ليأخذها، فرأى ~~امرأة تغتسل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال السدي. والثاني: # أنه ما زال يجتهد في العبادة حتى برز له قرناؤه من الملائكة وكانوا يصلون ~~معه ويسعدونه بالبكاء، فلما استأنس بهم، قال: أخبروني بأي شيء أنتم موكلون؟ ~~قالوا: ما نكتب عليك ذنبا، بل نكتب صالح عملك ونثبتك ونوفقك ونصرف عنك ~~السوء، فقال في نفسه: ليت شعري كيف أكون لو خلوني ونفسي وتمنى أن يخلى بينه ~~وبين نفسه ليعلم كيف يكون، فأمر الله تعالى قرناءه أن يعتزلوه ليعلم أنه لا ~~غناء به عن الله عز وجل فلما فقدهم، جد واجتهد ضعف عبادته إلى أن ظن أنه قد ~~غلب نفسه، فأراد الله تعالى أن يعرفه ضعفه، فأرسل إليه طائرا من طيور ~~الجنة، فسقط في محرابه، فقطع صلاته ومد يده إليه، فتنحى عن مكانه، فأتبعه ~~بصره، فإذا امرأة أوريا، هذا قول وهب بن منبه. والثالث: أنه تذاكر هو وبنو ~~إسرائيل، فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود في ~~نفسه أنه سيطيق ذلك، فلما كان يوم عبادته، أغلق أبوابه وأمر أن لا يدخل ~~عليه أحد وأكب على قراءه الزبور، فإذا حمامة من ذهب، فأهوى إليها فطارت، ~~فتبعها فرأى المرأة، رواه مطر عن الحسن. والرابع: أنه قال لبني إسرائيل حين ~~ملك: والله لأعدلن بينكم، ولم يستثن، فابتلي، رواه قتادة عن الحسن. ~~والخامس: # أنه أعجبه كثرة عمله، فابتلي، قاله أبو بكر الوراق. ### | الإشارة إلى قصة ابتلائه # قد ذكرنا عن وهب أنه قال: كانت الحمامة من طيور الجنة. وقال السدي تصور ~~له الشيطان في صورة حمامة. قال المفسرون: إنه لما تبع الحمامة رأى امرأة من ~~بستان على شط بركة لها تغتسل، وقيل: بل على سطح لها فعجب من حسنها، فحانت ~~منها التفاتة فرأت ظله، فنفضت شعرها، فغطى ms1940 بدنها فزاده ذلك إعجابا بها، ~~فسأل عنها فقيل: هذه امرأة أوريا، وزوجها في غزاة فكتب داود إلى أمير ذلك ~~الجيش أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وكذا، وقدمه قبل التابوت، وكان من قدم ~~على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح عليه أو يستشهد، ففعل ذلك، ففتح ~~عليه فكتب إلى داود يخبره فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا، ففتح له، ~~فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا، فقتل في المرة الثالثة، فلما انقضت ~~عدة المرأة تزوجها داود، فهي أم سليمان، فلما دخل بها لم يلبث إلا يسيرا ~~حتى بعث الله # PageV03P565 # عز وجل ملكين في صورة إنسيين، وقيل: لم يأته الملكان حتى جاء منها سليمان ~~وشب، ثم أتياه فوجداه في محراب عبادته، فمنعهما الحرس من الدخول، فتسوروا ~~المحراب عليه، وعلى هذا الذي ذكرناه من القصة أكثر المفسرين، وقد روى نحوه ~~العوفي عن ابن عباس، وروي عن الحسن وقتادة والسدي، ومقاتل في آخرين. # وذكر جماعة من المفسرين «1» أن داود لما نظر إلى المرأة، سأل عنها، وبعث ~~زوجها إلى الغزاة مرة بعد مرة إلى أن قتل، فتزوجها وروي مثل هذا عن ابن ~~عباس، ووهب، والحسن في جماعة. # وهذا لا يصح من طريق النقل، ولا يجوز من حيث المعنى، لأن الأنبياء منزهون ~~عنه. # وقد اختلف المحققون في ذنبه الذي عوتب عليه على أربعة أقوال: أحدها: أنه ~~لما هويها، قال لزوجها: تحول لي عنها، فعوتب على ذلك. وقد روى سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس قال: ما زاد داود على أن قال لصاحب المرأة: أكفلنيها وتحول لي ~~عنها ونحو ذلك روي عن ابن مسعود «2» . وقد حكى أبو سليمان الدمشقي أنه بعث ~~إلى أوريا فأقدمه من غزاته، فأدناه وأكرمه جدا، إلى أن قال له يوما: أنزل ~~لي عن امرأتك وانظر أي امرأة شئت في بني إسرائيل أزوجكها، أو أي أمة شئت ~~أبتاعها لك، فقال: لا أريد بامرأتي بديلا فلما لم يجبه إلى ما سأل، أمره أن ~~يرجع إلى غزاته. والثاني: أنه تمنى ms1941 تلك المرأة حلالا، وحدث نفسه بذلك، ~~فاتفق غزو أوريا من غير أن يسعى في سبب قتله ولا في تعريضه للهلاك، فلما ~~بلغة قتله، لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده، ثم تزوج امرأته، فعوتب ~~على ذلك. # وذنوب الأنبياء عليهم السلام وإن صغرت، فهي عظيمة عند الله عز وجل. ~~والثالث: أنه لما وقع بصره عليها، أشبع النظر إليها حتى علقت بقلبه «3» . ~~والرابع: أن أوريا كان قد خطب تلك المرأة، فخطبها داود مع علمه بأن أوريا ~~قد خطبها، فتزوجها، فاغتم أوريا، وعاتب الله تعالى داود إذ لم يتركها ~~لخاطبها الأول «4» واختار القاضي أبو يعلى هذا القول، واستدل عليه بقوله ~~تعالى: وعزني في الخطاب، قال: # فدل هذا على أن الكلام إنما كان بينهما في الخطبة، ولم يكن قد تقدم تزوج ~~الآخر، فعوتب داود عليه السلام لشيئين ينبغي للأنبياء التنزه عنهما: ~~أحدهما: خطبته على خطبة غيره. والثاني: إظهار الحرص على التزويج مع كثرة ~~نسائه، ولم يعتقد ذلك معصية، فعاتبه الله تعالى عليها قال: فأما ما روي أنه ~~نظر إلى المرأة فهويها وقدم زوجها للقتل، فإنه وجه لا يجوز على الأنبياء، ~~لأن الأنبياء لا يأتون المعاصي مع العلم بها. # قال الزجاج: إنما قال: «الخصم» بلفظ الواحد، وقال: «تسوروا» بلفظ ~~الجماعة، لأن قولك: PageV03P566 # خصم، يصلح للواحد والاثنين والجماعة والذكر والأنثى، تقول، هذا خصم، وهي ~~خصم، وهما خصم، وهم خصم وإنما يصلح لجميع ذلك لأنه مصدر، تقول: خصمته أخصمه ~~خصما. والمحراب ها هنا كالغرفة، قال الشاعر: # ربة محراب إذا جئتها ... لم ألقها أو أرتقي سلما «1» # و «تسوروا» يدل على علو. قال المفسرون: كانا ملكين، وقيل: هما جبريل ~~وميكائيل عليهما السلام أتياه لينبهاه على التوبة وإنما قال: «تسوروا» وهما ~~اثنان، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء، والاثنان فما فوقهما جماعة. # قوله تعالى: إذ دخلوا على داود قال الفراء: يجوز أن يكون معنى «تسوروا» : ~~دخلوا، فيكون تكرارا ويجوز أن يكون «إذ» بمعنى «لما» ، فيكون المعنى: إذ ~~تسوروا المحراب لما دخلوا، ولما تسوروا إذ دخلوا. قوله تعالى: ms1942 ففزع منهم ~~وذلك أنهما أتيا على غير صفة مجيء الخصوم، وفي غير وقت الحكومة، ودخلا ~~تسورا من غير إذن «2» . وقال أبو الأحوص: دخلا عليه وكل واحد منهما آخذ ~~برأس صاحبه. وخصمان مرفوع بإضمار «نحن» ، قال ابن الأنباري: المعنى: نحن ~~كخصمين، ومثل خصمين، فسقطت الكاف، وقام الخصمان مقامهما، كما تقول العرب: ~~عبد الله القمر حسنا، وهم يريدون: مثل القمر، قالت هند بنت عتبة ترثي أباها ~~وعمها: # من حس لي الأخوين كالغصنين ... أو من راهما # أسدين في غيل يحيد القوم ... عن عرواهما # صقرين لا يتذللان ... ولا يباح حماهما # رمحين خطيين في ... كبد السماء تراهما # أرادت: مثل أسدين، ومثل صقرين، فأسقطت مثلا وأقامت الذي بعده مقامه. ثم ~~صرف الله عز وجل النون والألف في «بعضنا» إلى «نحن» المضمر، كما تقول ~~العرب: نحن قوم شرف أبونا، ونحن قوم شرف أبوهم، والمعنى واحد. والحق ها ~~هنا: العدل. ولا تشطط أي: لا تجر، يقال: شط وأشط: إذا جار. وقرأ ابن أبي ~~عبلة: «ولا تشطط» بفتح التاء وضم الطاء قال الفراء: بعض العرب يقول: شططت ~~علي في السوم، وأكثر الكلام «أشططت» بالألف، وشطت الدار: تباعدت. قوله ~~تعالى: # واهدنا إلى سواء الصراط أي: إلى قصد الطريق والمعنى: احملنا على الحق. ~~فقال داود: تكلما، فقال أحدهما: إن هذا أخي قال ابن الأنباري: المعنى: قال ~~أحد الخصمين اللذين شبه الملكان بهما: # إن هذا أخي، فأضمر القول لوضوح معناه له تسع وتسعون نعجة قال الزجاج: كني ~~عن المرأة بالنعجة. PageV03P567 # وقال غيره: العرب تشبه النساء بالنعاج، وتوري عنها بالشاء والبقر. قال ~~ابن قتيبة: ورى عن ذكر النساء بذكر النعاج، كما قال عنترة: # يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم # يعرض بجارية، يقول: أي صيد أنت لمن حل له أن يصيدك! فأما أنا، فإن حرمة ~~الجوار قد حرمتك علي. وإنما ذكر الملك هذا العدد لأنه عدد نساء داود. # قوله تعالى: ولي نعجة واحدة فتح الياء حفص عن عاصم، وأسكنها الباقون. ~~فقال أكفلنيها قال ابن قتيبة: أي: ضمها إلي ms1943 واجعلني كافلها. وقال الزجاج: ~~انزل أنت عنها واجعلني أنا أكفلها. قوله تعالى: وعزني في الخطاب أي: غلبني ~~في القول. وقرأ عمر بن الخطاب وأبو رزين العقيلي والضحاك وابن يعمر وابن ~~أبي عبلة: «وعازني» بألف، أي: غالبني. قال ابن مسعود وابن عباس في قوله: # «وعزني في الخطاب» : ما زاد على أن قال: انزل لي عنها. وروى العوفي عن ~~ابن عباس قال: إن دعوت ودعا كان أكثر، وإن بطشت وبطش كان أشد مني. فإن قيل: ~~كيف قال الملكان هذا، وليس شيء منه موجودا عندهما؟ فالجواب: أن العلماء ~~قالوا: إنما هذا على سبيل المثل والتشبيه بقصة داود، وتقدير كلامهما: ما ~~تقول إن جاءك خصمان فقالا كذا وكذا؟ وكان داود لا يرى أن عليه تبعة فيما ~~فعل، فنبهه الله بالملكين. وقال ابن قتيبة: هذا مثل ضربه الله له ونبهه على ~~خطيئته. وقد ذكرنا آنفا أن المعنى: # نحن كخصمين. قوله تعالى: قال يعني داود لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ~~قال الفراء: أي: # بسؤاله نعجتك، فإذا ألقيت الهاء من السؤال، أضفت الفعل إلى النعجة، ~~ومثله: لا يسأم الإنسان من دعاء الخير «1» ، أي: من دعائه بالخير، فلما ~~ألقى الهاء، أضاف الفعل إلى الخير، وألقى من الخير الباء، وأنشدوا: # فلست مسلما ما دمت حيا ... على زيد بتسليم الأمير # أي: بتسليم على الأمير. # قوله تعالى: إلى نعاجه أي: ليضمها إلى نعاجه. قال ابن قتيبة: المعنى: ~~بسؤال نعجتك مضمومة إلى نعاجه، فاختصر. قال: ويقال «إلى» بمعنى «مع» . فإن ~~قيل: كيف حكم داود قبل أن يسمع كلام الآخر؟ فالجواب: أن الخصم الآخر اعترف، ~~فحكم عليه باعترافه، وحذف ذكر الاعتراف اكتفاء بفهم السامع، والعرب تقول: ~~أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال، أي: فاتجرت فكسبت، ويدل عليه قول السدي: إن ~~داود قال للخصم الآخر: ما تقول؟ قال: نعم، أريد أن آخذها منه فأكمل بها ~~نعاجي وهو كاره، قال: إذا لا ندعك، وإن رمت هذا ضربنا منك هذا- ويشير إلى ~~أنفه وجبهته- فقال: # أنت يا داود أحق أن يضرب هذا منك حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم ms1944 يكن ~~لأوريا إلا واحدة، فنظر داود فلم ير أحدا، فعرف ما وقع فيه «2» . قوله ~~تعالى: وإن كثيرا من الخلطاء يعني الشركاء، واحدهم: # خليط، وهو المخالط في المال، وإنما قال هذا، لأنه ظنهما شريكين، إلا ~~الذين آمنوا أي: فإنهم لا يظلمون أحدا، وقليل ما هم «ما» زائدة، والمعنى: ~~وقليل هم، وقيل: المعنى: هم قليل، يعني الصالحين الذين لا يظلمون. ~~PageV03P568 # قوله تعالى: وظن داود أي: أيقن وعلم أنما فتناه فيه قولان: أحدهما: ~~اختبرناه. والثاني: # ابتليناه بما جرى له من نظره إلى المرأة وافتتانه بها «1» . وقرأ عمر بن ~~الخطاب: «أنما فتناه» بتشديد التاء والنون جميعا. وقرأ أنس بن مالك، وأبو ~~رزين، والحسن، وقتادة، وعلي بن نصر عن أبي عمرو: # «أنما فتناه» بتخفيف التاء والنون جميعا، يعني الملكين، قال أبو علي ~~الفارسي: يريد صمدا له. وفي سبب علمه وتنبيه على ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أن الملكين أفصحا له بذلك، على ما ذكرناه عن السدي. والثاني: أنهما عرجا ~~وهما يقولان: قضى الرجل على نفسه، فعلم أنه عني بذلك، قاله وهب. # والثالث: أنه لما حكم بينهما، نظر أحدهما إلى صاحبه وضحك، ثم صعدا إلى ~~السماء وهو ينظر، فعلم أن الله تعالى ابتلاه بذلك، قاله مقاتل. # قوله تعالى: فاستغفر ربه قال المفسرون: لما فطن داود بذنبه خر راكعا، قال ~~ابن عباس: # أي: ساجدا، وعبر عن السجود بالركوع، لأنهما بمعنى الانحناء. وقال بعضهم: ~~المعنى: فخر بعد أن كان راكعا. # فصل: واختلف العلماء هل هذه من عزائم السجود؟ على قولين: أحدهما: ليست من ~~عزائم السجود، قاله الشافعي. والثاني: أنها من عزائم السجود، قاله أبو ~~حنيفة وعن أحمد روايتان. # قال المفسرون: فبقي في سجوده أربعين ليلة، لا يرفع رأسه إلا لوقت صلاة ~~مكتوبة أو حاجة لا بد منها، ولا يأكل ولا يشرب، فأكلت الأرض من جبينه، ونبت ~~العشب من دموعه، ويقول في سجوده: رب داود، زل داود زلة أبعد مما بين المشرق ~~والمغرب. وقال مجاهد: نبت البقل من دموعه حتى غطى رأسه، ثم نادى: رب قرح ~~الجبين وجمدت العين وداود ms1945 لم يرجع إليه في خطيئته شيء، فنودي: أجائع فتطعم، ~~أم مريض فتشفى، أم مظلوم فينتصر لك؟ فنحب نحيبا هاج كل شيء نبت، فعند ذلك ~~غفر له. وقال ثابت البناني: اتخذ داود سبع حشايا من شعر وحشاهن من الرماد، ~~ثم بكى حتى أنفذها دموعا، ولم يشرب شرابا إلا ممزوجا بدموع عينيه. وقال وهب ~~بن منبه: نودي: يا داود ارفع رأسك فإنا قد غفرنا لك، فرفع رأسه وقد زمن ~~وصار مرعشا «2» . فأما قوله: وأناب فمعناه: رجع من ذنبه تائبا إلى ربه، ~~فغفرنا له ذلك يعني الذنب وإن له عندنا لزلفى قال ابن قتيبة: أي: تقدم ~~وقربة. # قوله تعالى: وحسن مآب قال مقاتل: حسن مرجع، وهو ما أعد الله له في الجنة. ~~قوله تعالى: # يا داود المعنى: وقلنا له يا داود إنا جعلناك أي: صيرناك خليفة في الأرض ~~أي: تدبر أمر العباد من قبلنا بأمرنا، فكأنك خليفة عنا فاحكم بين الناس ~~بالحق أي: بالعدل ولا تتبع الهوى أي: لا تمل مع ما تشتهي إذا خالف أمر الله ~~عز وجل فيضلك عن سبيل الله أي: عن دينه إن الذين يضلون وقرأ أبو نهيك، وأبو ~~حيوة، وابن يعمر: «يضلون» بضم الياء. قوله تعالى: بما نسوا يوم الحساب فيه ~~قولان: أحدهما: بما تركوا العمل ليوم الحساب، قاله السدي. قال الزجاج: لما ~~تركوا العمل لذلك اليوم، صاروا بمنزلة الناسين. والثاني: أن في الكلام ~~تقديما وتأخيرا، تقديره: لهم عذاب شديد يوم PageV03P569 # الحساب بما نسوا، أي: تركوا القضاء بالعدل، وهو قول عكرمة. ### | [سورة ص (38) : الآيات 27 الى 29] # وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين ~~كفروا من النار (27) أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في ~~الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28) كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولوا الألباب (29) # قوله تعالى: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا أي: عبثا ذلك ظن ~~الذين كفروا أن ذلك خلق لغير شيء، وإنما خلق للثواب والعقاب. أم نجعل الذين ~~آمنوا قال مقاتل: # (1216) قال كفار قريش للمؤمنين: ms1946 إنا نعطى في الآخرة مثل ما تعطون، فنزلت ~~هذه الآية. # (1217) وقال ابن السائب: نزلت في الستة الذين تبارزوا يوم بدر، علي رضي ~~الله عنه، وحمزة رضي الله عنه، وعبيدة بن الحارث رضي الله عنه، وعتبة، ~~وشيبة، والوليد بن عتبة، فذكر أولئك بالفساد في الأرض لعملهم فيها ~~بالمعاصي، وسمى المؤمنين بالمتقين لاتقائهم الشرك، وحكم الآية عام. # قوله تعالى: كتاب أي: هذا كتاب، يعني القرآن، وقد بينا معنى بركته في ~~سورة الأنعام «1» . # ليدبروا آياته وقرأ عاصم في رواية: «ليتدبروا آياته» بالتاء خفيفة الدال، ~~أي: ليتفكروا فيها فيتقرر عندهم صحتها وليتذكر بما فيه من المواعظ أولوا ~~الألباب، وقد سبق بيان هذا. ### | [سورة ص (38) : الآيات 30 الى 44] # ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب (30) إذ عرض عليه بالعشي ~~الصافنات الجياد (31) فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت ~~بالحجاب (32) ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33) ولقد فتنا سليمان ~~وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) # قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) ~~فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) والشياطين كل بناء وغواص ~~(37) وآخرين مقرنين في الأصفاد (38) هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ~~(39) # وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (40) واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني ~~الشيطان بنصب وعذاب (41) اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42) ووهبنا له ~~أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب (43) وخذ بيدك ضغثا فاضرب ~~به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب (44) # قوله تعالى: نعم العبد يعني به سليمان. وفي الأواب أقوال قد تقدمت في بني ~~إسرائيل «2» ، أليقها بهذا المكان أنه رجاع بالتوبة إلى الله تعالى مما يقع ~~منه من السهو والغفلة. # قوله تعالى: إذ عرض عليه بالعشي وهو ما بعد الزوال الصافنات وهي الخيل، ~~وفي معنى PageV03P570 # الصافنات قولان: أحدهما: أنها القائمة على ثلاث قوائم، وقد أقامت الأخرى ~~على طرف الحافر من يد أو رجل وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد، وابن زيد، واختاره ~~الزجاج، وقال: ms1947 هذا أكثر قيام الخيل إذا وقفت كأنها تراوح بين قوائمها، قال ~~الشاعر: # ألف الصفون فما يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا # والثاني: أنها القائمة، سواء كانت على ثلاث أو غير ثلاث، قال الفراء: على ~~هذا رأيت العرب، وأشعارهم تدل على أنه القيام خاصة. وقال ابن قتيبة: الصافن ~~في كلام العرب: الواقف من الخيل وغيرها، (1218) ومنه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «من سره أن يقوم له الرجال صفونا، فليتبوأ مقعده من النار» ، ~~أي: # يديمون القيام له. # فأما الجياد، فهي السراع في الجري. وفي سبب عرضها عليه أربعة أقوال: ~~أحدها: أنه عرضها لأنه أراد جهاد عدو له، قاله علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه. والثاني: أنها كانت من دواب البحر. # قال الحسن: بلغني أنها كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة. وقال إبراهيم ~~التيمي: كانت عشرين فرسا ذات أجنحة. وقال ابن زيد: أخرجتها له الشياطين من ~~البحر. والثالث: أنه ورثها من أبيه داود عليه السلام، فعرضت عليه، قاله وهب ~~بن منبه، ومقاتل. والرابع: أنه غزا جيشا، فظفر به وغنمها، فدعا بها فعرضت ~~عليه، قاله ابن السائب. وفي عددها أربعة أقوال: أحدها: ثلاثة عشر ألفا، ~~قاله وهب. والثاني: عشرون ألفا، قاله سعيد بن مسروق. والثالث: ألف فرس، ~~قاله ابن السائب ومقاتل. # والرابع: عشرون فرسا، وقد ذكرناه عن إبراهيم التيمي. قال المفسرون: ولم ~~تزل تعرض عليه إلى أن غابت الشمس، ففاتته صلاة العصر، وكان مهيبا لا يبتدئه ~~أحد بشيء، فلم يذكروه، ونسي هو، فلما غابت الشمس ذكر الصلاة، فقال إني ~~أحببت فتح الياء أهل الحجاز وأبو عمرو حب الخير وفيه قولان: أحدهما: أنه ~~المال، قاله سعيد بن جبير والضحاك. والثاني: حب الخيل، قاله قتادة والسدي. # والقولان يرجعان إلى معنى واحد، لأنه أراد بالخير الخيل، وهي مال. وقال ~~الفراء: العرب تسمي الخيل: الخير. # (1219) قال الزجاج: وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخيل: زيد ~~الخير. PageV03P571 # ومعنى «أحببت» : آثرت حب الخير على ذكر ربي وكذلك قال غير الزجاج: «عن» ~~بمعنى «على» ms1948 . وقال بعضهم: يحتمل المعنى: فشغلني عن ذكر ربي. وقال أبو ~~عبيدة: معنى الكلام: أحببت حبا، ثم أضاف الحب إلى الخير. وقال ابن قتيبة: ~~سمى الخيل خيرا، لما فيها من الخير. والمفسرون على أن المراد بذكر ربه: ~~صلاة العصر، قاله علي وابن مسعود وقتادة في آخرين. وقال الزجاج: لا أدري هل ~~كانت صلاة العصر مفروضة أم لا!، إلا أن اعتراضه الخيل شغله عن وقت كان يذكر ~~الله فيه حتى توارت بالحجاب قال المصنف: وأهل اللغة يقولون: يعني الشمس، ~~ولم يجر لها ذكر، ولا أحسبهم أعطوا في هذا الفكر حقه، لأن في الآية دليلا ~~على الشمس، وهو قوله: «بالعشي» ومعناه: # عرض عليه بعد زوال الشمس حتى توارت الشمس بالحجاب، ولا يجوز الإضمار إلا ~~أن يجري ذكر أو دليل ذكر فيكون بمنزلة الذكر وأما الحجاب، فهو ما يحجبها عن ~~الأبصار. # قوله تعالى: ردوها علي قال المفسرون: لما شغله عرض الخيل عليه عن الصلاة، ~~فصلاها بعد خروج وقتها، اغتم وغضب، وقال: ردوها علي، يعني: أعيدوا الخيل ~~علي فطفق قال ابن قتيبة: # أي أقبل مسحا قال الأخفش: أي: يمسح مسحا. فأما السوق، فجمع ساق، مثل دور ~~ودار. وهمز السؤق ابن كثير، قال أبو علي: وغير الهمز أحسن منه. وقرأ أبو ~~عمران الجوني، وابن محيصن: # «بالسؤوق» مثل الرؤوس. وفي المراد بالمسح ها هنا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ضربها بالسيف. # (1220) روى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «فطفق ~~مسحا بالسوق والأعناق» قال: # «بالسيف» . وروى مجاهد عن ابن عباس قال: مسح أعناقها وسوقها بالسيف. وقال ~~الحسن، وقتادة، وابن السائب: قطع أعناقها وسوقها، وهذا اختيار السدي، ~~ومقاتل، والفراء، وأبي عبيدة، والزجاج، وابن قتيبة، وأبي سليمان الدمشقي، ~~والجمهور. # والثاني: أنه جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبا لها، رواه علي بن أبي ~~طلحة عن ابن عباس. وقال مجاهد: مسحها بيده، وهذا اختيار ابن جرير، والقاضي ~~أبو يعلى. # والثالث: أنه كوى سوقها وأعناقها وحبسها في سبيل الله تعالى، حكاه ~~الثعلبي. # والمفسرون على القول الأول، وقد اعترضوا ms1949 على القول الثاني، وقالوا: أي ~~مناسبة بين شغلها إياه عن الصلاة وبين مسح أعرافها حبا لها؟! ولا أعلم ~~قوله: «حبا لها» يثبت عن ابن عباس. وحملوا قول مجاهد: «مسحها بيده» أي: ~~تولى ضرب أعناقها. فإن قيل: فالقول الأول يفسد بأنه لا ذنب للحيوان، فكيف ~~وجه العقوبة إليه وقصد التشفي بقتله، وهذا يشبه فعل الجبارين، لا فعل ~~الأنبياء؟ فالجواب: أنه لم يكن ليفعل ذلك إلا وقد أبيح له، وجائز أن يباح ~~له ما يمنع منه في شرعنا، على أنه إذا ذبحها كانت قربانا، وأكل لحمها جائز، ~~فما وقع تفريط. قال وهب بن منبه: لما ضرب سوقها وأعناقها، شكر الله تعالى ~~له ذلك، فسخر له الريح مكانها، وهي أحسن في المنظر، وأسرع في السير، وأعجب ~~في الأحدوثة. PageV03P572 # قوله تعالى: ولقد فتنا سليمان أي: ابتليناه وامتحناه بسلب ملكه وألقينا ~~على كرسيه أي: على سريره جسدا وفيه قولان «1» : # أحدهما: أنه شيطان، قاله ابن عباس، والجمهور. وفي اسم ذلك الشيطان ثلاثة ~~أقوال: أحدها: # صخر، رواه العوفي عن ابن عباس. وذكر العلماء أنه كان شيطانا مريدا لم ~~يسخر لسليمان. والثاني: # آصف، قاله مجاهد: إلا أنه ليس بالمؤمن الذي عنده الاسم الأعظم، إلا أن ~~بعض ناقلي التفسير حكى أنه آصف الذي عنده علم من الكتاب، وأنه لما فتن ~~سليمان سقط الخاتم من يده فلم يثبت، فقال آصف: أنا أقوم مقامك إلى أن يتوب ~~الله عليك، فقام في مقامه، وسار بالسيرة الجميلة، وهذا لا يصح، ولا ذكره من ~~يوثق به. والثالث: حبقيق، قاله السدي والمعنى: أجلسنا على كرسيه في ملكه ~~شيطانا. ثم أناب أي: رجع: وفيما رجع إليه قولان: أحدهما: تاب من ذنبه، قاله ~~قتادة. والثاني: # رجع إلى ملكه، قاله الضحاك. وفي سبب ابتلاء سليمان بهذا خمسة أقوال «2» : ~~أحدها: أنه كانت له امرأة يقال لها: جرادة، فكان بين بعض أهلها وبين قوم ~~خصومة، فقضى بينهم بالحق، إلا أنه ود أن الحق كان لأهلها، فعوقب حين لم يكن ~~هواه فيهم واحدا، وأوحى الله تعالى إليه أنه سيصيبك بلاء، فكان ms1950 لا يدري ~~أيأتيه من السماء، أو من الأرض، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: ~~أن زوجته جرادة كانت آثر النساء عنده، فقالت له يوما: إن أخي بينه وبين ~~فلان خصومة، وإني أحب أن تقضي له، فقال: نعم، ولم يفعل، فابتلي لأجل ما ~~قال، قاله السدي. والثالث: أن زوجته جرادة كان قد سباها في غزاة له، وكانت ~~بنت ملك فأسلمت، وكانت تبكي عنده بالليل والنهار، فسألها عن حالها، فقالت: ~~أذكر أبي وما كنت فيه، فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورته في داري فأتسلى ~~بها، ففعل، فكانت إذا خرج سليمان، تسجد له هي وولائدها أربعين صباحا، فلما ~~علم سليمان، كسر تلك الصورة، وعاقب المرأة وولائدها ثم تضرع إلى الله تعالى ~~مستغفرا مما كان في داره، فسلط الشيطان على خاتمه، هذا قول وهب بن منبه «3» ~~. والرابع: أنه احتجب عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله تعالى إليه: يا ~~سليمان، احتجبت عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور عبادي ولم تنصف ~~مظلوما من ظالم؟! فسلط الشيطان على خاتمه، قاله سعيد بن المسيب. والخامس: ~~أنه قارب امرأة من نسائه في الحيض أو غيره، قاله الحسن «4» . # والقول الثاني: أن المراد بالجسد الذي ألقي على كرسيه: أنه ولد له ولد ~~فاجتمعت الشياطين، فقال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد، لم ننفك من البلاء، ~~فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخبله، فعلم بذلك PageV03P573 # سليمان، فأمر السحاب فحمله، وعدا ابنه في السحاب خوفا من الشياطين، ~~فعاتبه الحق تعالى على تخوفه من الشياطين، ومات الولد، فألقي على كرسيه ~~ميتا جسدا، قاله الشعبي «1» . والمفسرون على القول الأول. ونحن نذكر قصة ~~ابتلائه على قول الجمهور. ### | الإشارة إلى ذلك # اختلف العلماء في كيفية ذهاب خاتم سليمان على قولين: أحدهما: أنه كان ~~جالسا على شاطئ البحر، فوقع منه في البحر، قاله علي رضي الله عنه. والثاني: ~~أن شيطانا أخذه، وفي كيفية ذلك أربعة أقوال: أحدها: أنه دخل ذات يوم الحمام ~~ووضع الخاتم تحت فراشه، فجاء الشيطان فأخذه وألقاه في البحر، وجعل الشيطان ~~يقول: ms1951 أنا نبي الله، قاله سعيد بن المسيب. والثاني: أن سليمان قال للشيطان: # كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك، فأعطاه إياه فنبذه في البحر ~~فذهب ملك سليمان وقعد الشيطان على كرسيه، قاله مجاهد. والثالث: أنه دخل ~~الحمام ووضع خاتمه عند أوثق نسائه في نفسه، فأتاها الشيطان فتمثل لها في ~~صورة سليمان وأخذ الخاتم منها، فلما خرج سليمان طلبه منها فقالت: قد دفعته ~~إليك، فهرب سليمان وجاء الشيطان فجلس على ملكه. قاله سعيد بن جبير. ~~والرابع: أنه دخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه الشيطان في البحر ~~فذهب ملك سليمان وألقي على الشيطان شبهه قاله قتادة. # فأما قصة الشيطان، فذكر أكثر المفسرين أنه لما أخذ الخاتم رمى به في ~~البحر، وألقي عليه شبه سليمان، فجلس على كرسيه، وتحكم في سلطانه. وقال ~~السدي: لم يلقه في البحر حتى فر من مكان سليمان. وهل كان يأتي نساء سليمان؟ ~~فيه قولان «2» : أحدهما: أنه لم يقدر عليهن، قاله الحسن، وقتادة. والثاني: ~~أنه كان يأتيهن في زمن الحيض، فأنكرنه، قاله سعيد بن المسيب والأول أصح. # قالوا: وكان يقضي بقضايا فاسدة، ويحكم بما لا يجوز، فأنكره بنو إسرائيل، ~~فقال بعضهم لبعض: إما أن تكونوا قد هلكتم أنتم، وإما أن يكون ملككم قد هلك، ~~فاذهبوا إلى نسائه فاسألوهن، فذهبوا، فقلن: إنا والله قد أنكرناه فلم يزل ~~على حاله إلى أن انقضى زمن البلاء. # وفي كيفية بعد الشيطان عن مكان سليمان أربعة أقوال: أحدها: أن سليمان وجد ~~خاتمه فتختم به، ثم جاء فأخذ بناصية الشيطان، قاله سعيد بن المسيب. ~~والثاني: أن سليمان لما رجع إلى ملكه وجاءته الريح والطير والشياطين، فر ~~الشيطان حتى دخل البحر، قاله مجاهد. والثالث: أنه لما مضى أربعون ~~PageV03P574 # يوما، طار الشيطان من مجلسه، قاله وهب. والرابع: أن بني إسرائيل لما ~~أنكروه، أتوه فأحدقوا به، ثم نشروا التوراة فقرؤوا فطار من بين أيديهم حتى ~~ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت، قاله السدي. وفي قدر ~~مكث الشيطان قولان: أحدهما: أربعون يوما، قاله الأكثرون. والثاني: ms1952 # أربعة عشر يوما، حكاه الثعلبي. # وأما قصة سليمان عليه السلام، فإنه لما سلب خاتمه، ذهب ملكه، فانطلق ~~هاربا في الأرض، قال مجاهد: كان يستطعم فلا يطعم، فيقول: لو عرفتموني ~~أعطيتموني، أنا سليمان، فيطردونه، حتى أعطته امرأة حوتا، فوجد خاتمه في بطن ~~الحوت. وقال سعيد بن جبير: انطلق سليمان حتى أتى ساحل البحر، فوجد صيادين ~~قد صادوا سمكا كثيرا وقد أنتن عليهم بعضه، فأتاهم يستطعم، فقالوا: اذهب إلى ~~تلك الحيتان فخذ منها، فقال: لا، أطعموني من هذا، فأبوا عليه، فقال: ~~أطعموني، فإني سليمان، فوثب إليه رجل منهم فضربه بالعصا غضبا لسليمان، فأتى ~~تلك الحيتان فأخذ منها شيئا، فشق بطن حوت، فإذا هو بالخاتم. وقال الحسن: ~~ذكر لي أنه لم يؤوه أحد من الناس، ولم يعرف أربعين ليلة، وكان يأوي إلى ~~امرأة مسكينة، فبينا هو يوما على شط نهر، وجد سمكة، فأتى بها المرأة فشقتها ~~فإذا بالخاتم. وقال الضحاك: اشترى سمكة من امرأة فشق بطنها فوجد خاتمه. وفي ~~المدة التي سلب فيها الملك قولان: أحدهما: أربعون ليلة، كما ذكرنا عن ~~الحسن. والثاني: خمسون ليلة، قاله سعيد بن جبير. # قال المفسرون: فلما جعل الخاتم في يده، رد الله عليه بهاءه وملكه، فأظلته ~~الطير، وأقبل لا يستقبله جني ولا طائر ولا حجر ولا شجر إلا سجد له، حتى ~~انتهى إلى منزله، قال السدي: ثم أرسل إلى الشيطان، فجيء به، فأمر به فجعل ~~في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وأقفل، وختم عليه بخاتمه، ثم أمر به فألقي ~~في البحر، فهو فيه إلى أن تقوم الساعة. وقال وهب: جاب صخرة فأدخله فيها، ثم ~~أوثقها بالحديد والرصاص، ثم قذفه في البحر. # قوله تعالى: وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فتح الياء نافع، وأبو ~~عمرو، وفيه قولان: # أحدهما: لا يكون لأحد بعدي، قاله مقاتل، وأبو عبيدة. # (1221) وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # «إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني ms1953 الله منه، ~~فأخذته، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، ~~فذكرت دعوة أخي سليمان: وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فرددته خاسئا» . # والثاني: لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني في حياتي، كما فعل الشيطان الذي جلس ~~على كرسيه، قاله الحسن، وقتادة. وإنما طلب هذا الملك، ليعلم أنه قد غفر له، ~~ويعرف منزلته بإجابة دعوته، قاله الضحاك. ولم يكن في ملكه حين دعا بهذا ~~الريح ولا الشياطين. # فسخرنا له الريح وقرأ أبو الجوزاء، وأبو جعفر، وأبو المتوكل: «الرياح» ~~على الجمع. PageV03P575 # قوله تعالى: رخاء فيه ثلاثة أقوال: أحدها: مطيعة، رواه العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال الحسن والضحاك. والثاني: أنها الطيبة، قاله مجاهد. والثالث: ~~اللينة، مأخوذ من الرخاوة، قاله اللغويون. فإن قيل: كيف وصفها بهذا بعد أن ~~وصفها في سورة الأنبياء «1» بأنها عاصفة؟ فالجواب: أن المفسرين قالوا: كان ~~يأمر العاصف تارة ويأمر الرخاء أخرى. وقال ابن قتيبة: كأنها كانت تشتد إذا ~~أراد، وتلين إذا أراد. # قوله تعالى: حيث أصاب أي: حيث قصد وأراد. قال الأصمعي: تقول العرب: أصاب ~~فلان الصواب فأخطأ الجواب، أي: أراد الصواب. # قوله تعالى: والشياطين أي: وسخرنا له الشياطين كل بناء يبنون له ما يشاء ~~وغواص يغوصون له في البحار فيستخرجون الدر، وآخرين أي: وسخرنا له آخرين، ~~وهم مردة الشياطين، سخرهم له حتى قرنهم في الأصفاد لكفرهم، قال مقاتل: ~~أوثقهم في الحديد. وقد شرحنا معنى مقرنين في الأصفاد في سورة نبي الله ~~إبراهيم «2» عليه السلام. هذا عطاؤنا المعنى: قلنا له: هذا عطاؤنا. وفي ~~المشار إليه قولان: أحدهما: أنه جميع ما أعطي، فامنن أو أمسك أي: أعط من ~~شئت من المال، وامنع من شئت. والمن: الإحسان إلى من لا يطلب ثوابه. ~~والثاني: أنه إشارة إلى الشياطين المسخرين له فالمعنى: فامنن على من شئت ~~بإطلاقه، وأمسك من شئت منهم. وقد روي معنى القولين عن ابن عباس. # قوله تعالى: بغير حساب قال الحسن: لا تبعة عليك في الدنيا ولا في الآخرة. ~~وقال سعيد بن جبير: ms1954 ليس عليك حساب يوم القيامة. وقيل: في الكلام تقديم ~~وتأخير، تقديره: هذا عطاؤنا بغير حساب فامنن أو أمسك. # وما بعد هذا قد سبق تفسيره «3» إلى قوله: مسني الشيطان وذلك أن الشيطان ~~سلط عليه، فأضاف ما أصابه إليه. قوله تعالى: بنصب قرأ الأكثرون بضم النون ~~وسكون الصاد وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة، وابن السميفع، والجحدري، ويعقوب: ~~بفتحهما، وهل بينهما فرق؟ فيه قولان: # أحدهما: أنهما سواء، قال الفراء: هما كالرشد والرشد والعدم، والعدم، ~~والحزن والحزن، وكذلك قال ابن قتيبة، والزجاج. وقال المفسرون: والمراد ~~بالنصب: الضر الذي أصابه. والثاني: أن النصب بتسكين الصاد: الشر. ~~وبتحريكها: الإعياء، قاله أبو عبيدة. وقرأ عائشة، ومجاهد، وأبو عمران، وأبو ~~جعفر، وشيبة، وأبو عمارة عن حفص: «بنصب» بضم النون والصاد جميعا. وقرأ أبو ~~عبد الرحمن السلمي، وأبو الجوزاء، وهبيرة بن حفص: «بنصب» بفتح النون وسكون ~~الصاد. وفي المراد بالعذاب قولان: أحدهما: أنه العذاب الذي أصاب جسده. ~~والثاني: أنه أخذ ماله وولده وأهله. # قوله تعالى: اركض أي: اضرب الأرض برجلك، ومنه: ركضت الفرس، فركض فنبعت ~~عين ماء، فذلك قوله تعالى: هذا مغتسل قال ابن قتيبة: المغتسل: الماء، وهو ~~الغسول أيضا. قال الحسن: ركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها، ثم مشى نحوا من ~~أربعين ذراعا، ثم ركض برجله PageV03P576 # فنبعت عين فشرب منها وعلى هذا جمهور العلماء أنه ركض ركضتين فنبعت له ~~عينان، فاغتسل من واحدة، وشرب من الأخرى. # قوله تعالى: وخذ بيدك ضغثا كان قد حلف لئن شفاه الله ليجلدن زوجته مائة ~~جلدة. # وفي سبب هذه اليمين ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أن إبليس جلس في طريق زوجة ~~أيوب كأنه طبيب، فقالت له: يا عبد الله، إن ها هنا إنسانا مبتلى، فهل لك أن ~~تداويه؟ قال: نعم، إن شاء شفيته، على أن يقول إذا برأ: أنت شفيتني، فجاءت ~~فأخبرته، فقال: ذاك الشيطان، لله علي إن شفاني أن أجلدك مائة جلدة، رواه ~~يوسف بن مهران عن ابن عباس. والثاني: أن إبليس لقيها فقال: إني أنا الذي ~~فعلت بأيوب ما به، وأنا آله الأرض، ms1955 وما أخذته منه فهو بيدي، فانطلقي أريك، ~~فمشى بها غير بعيد، ثم سحر بصرها، فأراها واديا عميقا فيه أهلها وولدها ~~ومالها، فأتت أيوب فأخبرته، فقال: ذاك الشيطان، ويحك كيف وعى قوله سمعك، ~~والله لئن شفاني الله عز وجل لأجلدنك مائة، قاله وهب بن منبه. والثالث: أن ~~إبليس جاء إلى زوجته بسخلة، فقال: ليذبح لي هذه وقد برأ فأخبرته فحلف ~~ليجلدنها، وقد ذكرنا هذا القول في سورة الأنبياء عن الحسن. فأما الضغث، ~~فقال الفراء: هو كل ما جمعته من شيء مثل الحزمة الرطبة، قال: وما قام على ~~ساق واستطال ثم جمعته، فهو ضغث. وقال ابن قتيبة: هو الحزمة من الخلال ~~والعيدان. قال الزجاج: هو الحزمة من الحشيش والريحان وما أشبهه. # قال المفسرون: جزى الله زوجته بحسن صبرها أن أفتاه في ضربها فسهل الأمر، ~~فجمع لها مائة عود، وقيل: مائة سنبلة، وقيل: كانت أسلا، وقيل: من الإذخر، ~~وقيل: كانت شماريخ، فضربها بها ضربة واحدة ولم يحنث في يمينه. وهل ذلك خاص ~~له، أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه عام، وبه قال ابن عباس، وعطاء بن أبي ~~رباح وابن أبي ليلى. والثاني: أنه خاص لأيوب، قاله مجاهد. ### | فصل: # وقد اختلف الفقهاء فيمن حلف أن يضرب عبده عشرة أسواط فجمعها كلها وضربه ~~بها ضربة واحدة، فقال مالك، والليث بن سعد: لا يبر، وبه قال أصحابنا. وقال ~~أبو حنيفة والشافعي: إذا أصابه في الضربة الواحدة كل واحد منها، فقد بر ~~واحتجوا بعموم قصة أيوب عليه الصلاة والسلام. PageV03P577 # قوله تعالى: إنا وجدناه صابرا أي: على البلاء الذي ابتليناه به. ### | ### | [سورة ص (38) : الآيات 45 الى # 54] # واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (45) إنا ~~أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46) وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار (47) ~~واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار (48) هذا ذكر وإن للمتقين ~~لحسن مآب (49) # جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50) متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة ~~وشراب (51) وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) هذا ما توعدون ليوم الحساب (53) ~~إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (54) # قوله ms1956 تعالى واذكر عبادنا وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وحميد، وابن محيصن، وابن ~~كثير: # «عبدنا» إشارة إلى إبراهيم، وجعلوا إسحاق ويعقوب عطفا عليه، لأنه الأصل ~~وهما ولداه، والمعنى: # اذكر صبرهم، فإبراهيم ألقي في النار، وإسحاق أضجع للذبح، ويعقوب صبر على ~~ذهاب بصره وابتلي بفقد ولده ولم يذكر إسماعيل معهم، لأنه لم يبتل كما ~~ابتلوا. أولي الأيدي يعني القوة في الطاعة والأبصار البصائر في الدين ~~والعلم. قال ابن جرير: وذكر الأيدي مثل، وذلك لأن باليد البطش، وبالبطش ~~تعرف قوة القوي، فلذلك قيل للقوي: ذو يد وعنى بالبصر: بصر القلب، وبه تنال ~~معرفة الأشياء. وقرأ ابن مسعود، والأعمش، وابن أبي عبلة: «أولي الأيد» بغير ~~ياء في الحالين. قال الفراء: # ولها وجهان: أحدهما: أن يكون القارئ لهذا أراد الأيدي، فحذف الياء، وهو ~~صواب، مثل الجوار والمناد. والثاني: أن يكون من القوة والتأييد، من قوله ~~تعالى: وأيدناه بروح القدس «1» . قوله تعالى: # إنا أخلصناهم أي: اصطفيناهم وجعلناهم لنا خالصين، فأفردناهم بمفردة من ~~خصال الخير ثم أبان عنها بقوله تعالى: ذكرى الدار. وفي المراد بالدار ها ~~هنا قولان: أحدهما: الآخرة. والثانية: # الجنة. وفي الذكرى قولان: أحدهما: أنها من الذكر، فعلى هذا يكون المعنى: ~~أخلصناهم بذكر الآخرة، فليس لهم ذكر غيرها، قاله مجاهد، وعطاء، والسدي. ~~وكان الفضيل بن عياض يقول: هو الخوف الدائم في القلب. والثاني: أنها ~~التذكير، فالمعنى أنهم يدعون الناس إلى الآخرة وإلى عبادة الله تعالى، قاله ~~قتادة. وقرأ نافع: «بخالصة ذكرى الدار» فأضاف «خالصة» إلى «ذكرى الدار» قال ~~أبو علي: # تحتمل قراءة من نون وجهين: أحدهما: أن تكون «ذكرى» بدلا من «خالصة» ، ~~والتقدير: أخلصناهم بذكر الدار. والثاني: أن يكون المعنى: أخلصناهم بأن ~~يذكروا الدار بالتأهب للآخرة والزهد في الدنيا. # ومن أضاف، فالمعنى: أخلصناهم بإخلاصهم ذكرى الدار بالخوف منها. وقال ابن ~~زيد أخلصناهم بأفضل ما في الجنة. قوله تعالى: وإنهم عندنا لمن المصطفين أي: ~~من الذين اتخذهم الله صفوة فصفاهم من الأدناس الأخيار الذين اختارهم. واذكر ~~إسماعيل واليسع وذا الكفل أي: اذكرهم بفضلهم وصبرهم لتسلك طريقهم، واليسع ms1957 ~~نبي، واسمه أعجمي معرب، وقد ذكرناه في سورة الأنعام «2» ، وشرحنا في سورة ~~الأنبياء «3» قصة ذي الكفل، وتكلمنا في سورة البقرة «4» في اسم إسماعيل. ~~وزعم مقاتل أن إسماعيل هذا ليس بابن إبراهيم. PageV03P578 # قوله تعالى: هذا ذكر أي: شرف وثناء جميل يذكرون به أبدا. وإن للمتقين ~~لحسن مآب أي: # حسن مرجع يرجعون إليه في الآخرة. ثم بين ذلك المرجع، فقال: جنات عدن ~~مفتحة لهم الأبواب قال الفراء: إنما رفعت «الأبواب» لأن المعنى: مفتحة لهم ~~أبوابها، والعرب تجعل الألف واللام خلفا من الإضافة، فيقولون: مررت على رجل ~~حسن العين، قبيح الأنف، والمعنى: حسنة عينه، قبيح أنفه، ومنه قوله تعالى: ~~فإن الجحيم هي المأوى «1» والمعنى: مأواه. وقال الزجاج: المعنى: مفتحة لهم ~~الأبواب منها، فالألف واللام للتعريف، لا للبدل. قال ابن جرير: والفائدة في ~~ذكر تفتح الأبواب، أن الله تعالى أخبر عنها أن أبوابها تفتح لهم بغير فتح ~~سكانها لها بيد، ولكن بالأمر، قال الحسن: هي أبواب تكلم، فتكلم: انفتحي، ~~انغلقي. # قوله تعالى: وعندهم قاصرات الطرف قد مضى بيانه في سورة الصافات «2» . قال ~~الزجاج: # والأتراب: اللواتي أسنانهن واحدة وهن في غاية الشباب والحسن. # قوله تعالى: هذا ما توعدون قرأ أبو عمرو، وابن كثير بالياء، والباقون ~~بالتاء. # قوله تعالى: ليوم الحساب اللام بمعنى «في» . والنفاد: الانقطاع. قال ~~السدي: كلما أخذ من رزق الجنة شيء، عاد مثله. ### | ### | [سورة ص (38) : الآيات 55 الى # 66] # هذا وإن للطاغين لشر مآب (55) جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) هذا ~~فليذوقوه حميم وغساق (57) وآخر من شكله أزواج (58) هذا فوج مقتحم معكم لا ~~مرحبا بهم إنهم صالوا النار (59) # قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار (60) قالوا ~~ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (61) وقالوا ما لنا لا نرى ~~رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62) أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار (63) ~~إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64) # قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار (65) رب السماوات ~~والأرض وما بينهما العزيز الغفار (66) # قوله تعالى: هذا المعنى: هذا ms1958 الذي ذكرناه وإن للطاغين يعني الكافرين لشر ~~مآب، ثم بين ذلك بقوله تعالى: جهنم والمهاد: الفراش. هذا فليذوقوه قال ~~الفراء: في الآية تقديم وتأخير، تقديرها: هذا حميم وغساق فليذوقوه وإن شئت ~~جعلت الحميم مستأنفا، كأنك قلت: هذا فليذوقوه، ثم قلت: منه حميم، ومنه ~~غساق، كقول الشاعر: # حتى إذا ما أضاء الصبح في غلس ... وغودر البقل ملوي ومحصود «3» # فأما الحميم، فهو الماء الحار. وأما الغساق، ففيه لغتان، قرأ حمزة، ~~والكسائي، وخلف، وحفص: بالتشديد، وكذلك في عم يتساءلون، تابعهم المفضل في ~~عم يتساءلون وقرأ الباقون بالتخفيف، وفي الغساق أربعة أقوال «4» : أحدها: ~~أنه الزمهرير، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. PageV03P579 # وقال مجاهد: الغساق لا يستطيعون أن يذوقوه من برده. والثاني: أنه ما يجري ~~من صديد أهل النار، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال عطية، وقتادة، وابن ~~زيد. والثالث: أن الغساق: عين في جهنم تسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية أو ~~عقرب أو غيرها، فيستنقع، فيؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة، فيخرج وقد سقط ~~جلده ولحمه عن العظام، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه، قاله كعب. والرابع: # أنه ما يسيل من دموعهم، قاله السدي. قال أبو عبيدة: الغساق: ما سال، ~~يقال: غسقت العين والجرح. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن قتيبة ~~قال: لم يكن أبو عبيدة يذهب إلى أن في القرآن شيئا من غير لغة العرب، وكان ~~يقول: هو اتفاق يقع بين اللغتين، وكان غيره يزعم أن الغساق: # البارد المنتن بلسان الترك. وقيل: فعال، من غسق يغسق فعلى هذا يكون ~~عربيا، وقيل في معناه: إنه الشديد البرد، يحرق من برده. وقيل: هو ما يسيل ~~من جلود أهل النار من الصديد. # قوله تعالى: وآخر قرأ أبو عمرو والمفضل: «وأخر» بضم الهمزة من غير مد، ~~فجمعا لأجل نعته بالأزواج، وهي جمع. وقرأ الباقون بفتح الألف ومده على ~~التوحيد، واحتجوا بأن العرب تنعت الاسم إذا كان فعلا بالقليل والكثير قال ~~الفراء: تقول: عذاب فلان ضروب شتى، وضربان مختلفان وإن شئت جعلت الأزواج ~~نعتا ms1959 للحميم والغساق والآخر، فهن ثلاثة، والأشبه أن تجعله صفة لواحد. # وقال الزجاج: من قرأ «وآخر» بالمد فالمعنى: وعذاب آخر من شكله أي: مثل ~~الأول. ومن قرأ: # «وأخر» فالمعنى: وأنواع أخر، لأن قوله: أزواج بمعنى أنواع. وقال ابن ~~قتيبة: «من شكله» أي من نحوه، «أزواج» أي أصناف. وقال ابن جرير: «من شكله» ~~أي: من نحو الحميم: قال ابن مسعود في قوله: «وآخر من شكله» : هو الزمهرير. ~~وقال الحسن: لما ذكر الله تعالى العذاب الذي يكون في الدنيا قال: «وآخر من ~~شكله» أي وآخر لم ير في الدنيا. # قوله تعالى: هذا فوج هذا قول الزبانية للقادة المتقدمين في الكفر إذا ~~جاءوهم بالأتباع. وقيل: # بل هو قول الملائكة لأهل النار كلما جاءوهم بأمة بعد أمة. والفوج: ~~الجماعة من الناس وجمعه: # أفواج. والمقتحم: الداخل في الشيء رميا بنفسه. قال ابن السائب: إنهم ~~يضربون بالمقامع، فيلقون أنفسهم في النار ويثبون فيها خوفا من تلك المقامع. ~~فلما قالت الملائكة ذلك لأهل النار، قالوا: لا مرحبا بهم، فاتصل الكلام ~~كأنه قول واحد، وإنما الأول من قول الملائكة، والثاني من قول أهل النار وقد ~~بينا مثل هذا في قوله: ليعلم أني لم أخنه بالغيب «1» . والرحب والرحب: ~~السعة. والمعنى: لا اتسعت بهم مساكنهم. قال أبو عبيدة: تقول العرب للرجل: ~~لا مرحبا بك أي: لا رحبت عليك الأرض. وقال ابن قتيبة: معنى قولهم: «مرحبا ~~وأهلا» أي: أتيت رحبا أي: سعة، وأهلا أي: أتيت أهلا لا غرباء فائنس ولا ~~تستوحش، وسهلا، أي: أتيت سهلا لا حزنا، وهو في مذهب الدعاء، كما تقول: لقيت ~~خيرا. قال الزجاج: و «مرحبا» منصوب بقوله: رحبت بلادك مرحبا، وصادفت مرحبا، ~~فأدخلت «لا» على ذلك المعنى. # قوله تعالى: إنهم صالوا النار أي: داخلوها كما دخلناها ومقاسون حرها. ~~فأجابهم القوم، PageV03P580 # ف قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا إن قلنا: إن هذا قول ~~الأتباع للرؤساء فالمعنى: أنتم زينتم لنا الكفر، وإن قلنا: إنه قول الأمة ~~المتأخرة للأمة المتقدمة، فالمعنى: أنتم شرعتم لنا الكفر وبدأتم به قبلنا، ms1960 ~~فدخلتم النار قبلنا فبئس القرار أي: بئس المستقر والمنزل. قالوا ربنا من ~~قدم لنا هذا أي: # من سنه وشرعه فزده عذابا ضعفا في النار وقد شرحناه في الأعراف «1» . وفي ~~القائلين لهذا قولان: # أحدهما: أنه قول جميع أهل النار، قاله ابن السائب. والثاني: قول الأتباع. ~~قاله مقاتل. # قوله تعالى: وقالوا يعني أهل النار ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من ~~الأشرار قال المفسرون: إذا دخلوا النار، نظروا فلم يروا من كان يخالفهم من ~~المؤمنين، فيقولون ذلك. قال مجاهد: يقول أبو جهل في النار: أين صهيب، أين ~~عمار، أين خباب، أين بلال؟! قوله تعالى: أتخذناهم سخريا قرأ أبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي: «من الأشرار اتخذناهم» بالوصل على الخبر، أي: إنا ~~اتخذناهم، وهؤلاء يبتدئون بكسر الهمزة. وقرأ الباقون بقطع الألف وفتحها على ~~معنى الاستفهام، وهؤلاء يبتدئون بفتح الهمزة. وقال الفراء: وهذا استفهام ~~بمعنى التعجب والتوبيخ، والمعنى أنهم يوبخون أنفسهم على ما صنعوا ~~بالمؤمنين. و «سخريا» يقرأ بضم السين وكسرها. وقد شرحناها في آخر سورة ~~المؤمنون «2» أم زاغت عنهم الأبصار أي: وهم معنا في النار ولا نراهم؟! وقال ~~أبو عبيدة: «أم» ها هنا بمعنى «بل» . # قوله تعالى: إن ذلك لحق قال الزجاج: أي: إن الذي وصفناه عنهم لحق، ثم بين ~~ما هو، فقال: هو تخاصم أهل النار وقرأ أبو الجوزاء، وأبو الشعثاء، وأبو ~~عمران، وابن أبي عبلة: «تخاصم» برفع الصاد وفتح الميم، وكسر اللام من «أهل» ~~. وقرأ أبو مجلز، وأبو العالية، وأبو المتوكل، وابن السميفع: «تخاصم أهل» ~~بفتح الصاد والميم ورفع اللام. ### | [سورة ص (38) : الآيات 67 الى 88] # قل هو نبأ عظيم (67) أنتم عنه معرضون (68) ما كان لي من علم بالملإ ~~الأعلى إذ يختصمون (69) إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين (70) إذ قال ~~ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (72) فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون (73) إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين (74) قال يا إبليس ما منعك ~~أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين ms1961 (75) قال أنا خير منه ~~خلقتني من نار وخلقته من طين (76) # قال فاخرج منها فإنك رجيم (77) وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (78) قال رب ~~فأنظرني إلى يوم يبعثون (79) قال فإنك من المنظرين (80) إلى يوم الوقت ~~المعلوم (81) # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين (83) قال فالحق ~~والحق أقول (84) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (85) قل ما أسئلكم ~~عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (86) # إن هو إلا ذكر للعالمين (87) ولتعلمن نبأه بعد حين (88) # قوله تعالى: قل هو نبأ عظيم النبأ: الخبر. وفي المشار إليه قولان: ~~أحدهما: أنه القرآن، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور. والثاني: أنه البعث ~~بعد الموت، قاله قتادة. أنتم عنه معرضون أي: PageV03P581 # لا تتفكرون فيه فتعلمون صدقي في نبوتي، وأن ما جئت به من الأخبار عن قصص ~~الماضين لم أعلمه إلا بوحي من الله تعالى. ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ~~ما كان لي من علم بالملإ الأعلى يعني الملائكة إذ يختصمون في شأن آدم حين ~~قال الله تعالى: إني جاعل في الأرض خليفة «1» والمعنى: إني ما علمت هذا إلا ~~بوحي، إن يوحى إلي أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير أي: إلا أني نبي ~~أنذركم وأبين لكم ما تأتونه وتجتنبونه. إذ قال ربك هذا متصل بقوله: ~~«يختصمون» وإنما اعترضت تلك الآية بينهما. قال ابن عباس: اختصموا حين ~~شووروا في خلق آدم، فقال الله تعالى لهم: إني جاعل في الأرض خليفة، وهذه ~~الخصومة منهم إنما كانت مناظرة بينهم. وفي مناظرتهم قولان: أحدهما: أنه ~~قولهم: # أتجعل فيها من يفسد فيها «2» ، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنهم ~~قالوا: لن يخلق الله خلقا إلا كنا أكرم منه وأعلم، قاله الحسن هذا قول أكثر ~~المفسرين. # (1222) وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رأيت ربي عز وجل، ~~فقال لي: فيم يختصم الملأ PageV03P582 # الأعلى؟ قلت: أنت أعلم يا رب، قال: في الكفارات والدرجات، فأما الكفارات، ~~فإسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد ~~الصلاة. وأما الدرجات فإفشاء ms1962 السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس ~~نيام» . # قوله تعالى: أستكبرت أي: أستكبرت بنفسك حين أبيت السجود أم كنت من ~~العالين أي: من قوم يتكبرون؟! قوله تعالى: فإنك رجيم أي: مرجوم بالذم ~~واللعن. قوله تعالى: إلى يوم الوقت المعلوم وهو وقت النفخة الأولى، وهو حين ~~موت الخلائق. وقوله: فبعزتك يمين بمعنى: # فو عزتك. وما أخللنا به في هذه القصة فهو مذكور في الأعراف «1» والحجر ~~«2» وغيرهما مما تقدم. قوله تعالى: قال فالحق والحق أقول قرأ عاصم إلا ~~حسنون عن هبيرة، وحمزة، وخلف، وزيد عن يعقوب: # «فالحق» بالرفع في الأول ونصب الثاني، وهذا مروي عن ابن عباس. ومجاهد، ~~قال ابن عباس في معناه: فأنا الحق وأقول الحق وقال غيره: خبر الحق محذوف، ~~تقديره: الحق مني. وقرأ محبوب عن أبي عمرو بالرفع فيهما قال الزجاج: من ~~رفعهما جميعا، كان المعنى: فأنا الحق والحق أقول. وقرأ ابن كثير، ونافع، ~~وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: بالنصب فيهما. قال الفراء: وهو على معنى ~~قولك: حقا لآتينك، ووجود الألف واللام وطرحهما سواء، وهو بمنزلة قولك: حمدا ~~لله، وقال مكي بن أبي طالب: انتصب الحق الأول على الإغراء، أي: اتبعوا الحق ~~واسمعوا والزموا الحق. # وقيل: هو نصب على القسم، كما تقول: الله لأفعلن، فتنصب حين حذفت الجار، ~~لأن تقديره وبالحق وأما الحق الثاني، فيجوز أن يكون الأول، وكرره توكيدا، ~~ويجوز أن يكون منصوبا ب «أقول» كأنه قال: وأقول الحق. وقرأ ابن عباس، ~~ومجاهد، وعكرمة، وأبو رجاء، ومعاذ القارئ، والأعمش: # «فالحق» بكسر القاف «والحق» بنصبها. وقرأ أبو عمران الجوني بكسر القافين. ~~جميعا. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو نهيك: «فالحق» بالنصب «والحق» ~~بالرفع. # قوله تعالى: لأملأن جهنم منك أي: من نفسك وذريتك. قل ما أسئلكم عليه من ~~أجر أي: على تبليغ الوحي وما أنا من المتكلفين أي: لم أتكلف إتيانكم من قبل ~~نفسي إنما أمرت أن آتيكم، ولم أقل القرآن من تلقاء نفسي إنما أوحي إلي. إن ~~هو أي: ما هو، يعني القرآن إلا ذكر أي: موعظة للعالمين. ولتعلمن يا ms1963 معاشر ~~الكفار نبأه أي: خبر صدق القرآن بعد حين وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: بعد ~~الموت. والثاني: يوم القيامة، رويا عن ابن عباس، وبالأول يقول قتادة، ~~وبالثاني يقول عكرمة «3» . والثالث: يوم بدر، قاله السدي ومقاتل. وقال ابن ~~السائب: من بقي إلى أن ظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ذلك، ومن ~~مات علمه بعد الموت. وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية ~~السيف، ولا وجه لذلك. PageV03P583 ### | الجزء الرابع ### | فهرس الموضوعات # الموضوع الصفحة 39- تفسير ### | سورة الزمر # 7 40- تفسير سورة غافر 29 41- تفسير سورة فصلت 45 42- تفسير سورة الشورى ~~58 43- تفسير سورة الزخرف 72 44- تفسير سورة الدخان 87 45- تفسير سورة ~~الجاثية 96 46- تفسير سورة الأحقاف 102 47- تفسير سورة محمد 115 48- تفسير ~~سورة الفتح 125 49- تفسير سورة الحجرات 141 50- تفسير سورة ق 156 51- تفسير ~~سورة الذاريات 167 52- تفسير سورة الطور 175 53- تفسير سورة النجم 183 54- ~~تفسير سورة القمر 196 55- تفسير سورة الرحمن 205 56- تفسير سورة الواقعة ~~218 57- تفسير سورة الحديد 232 58- تفسير سورة المجادلة 241 الموضوع الصفحة ~~59- تفسير سورة الحشر 253 60- تفسير سورة الممتحنة 266 61- تفسير سورة الصف ~~276 62- تفسير سورة الجمعة 280 63- تفسير سورة المنافقون 286 64- تفسير ~~سورة التغابن 291 65- تفسير سورة الطلاق 295 66- تفسير سورة التحريم 304 ~~67- تفسير سورة الملك 313 68- تفسير سورة القلم 318 69- تفسير سورة الحاقة ~~328 70- تفسير سورة المعارج 335 71- تفسير سورة نوح 341 72- تفسير سورة ~~الجن 346 73- تفسير سورة المزمل 352 74- تفسير سورة المدثر 358 75- تفسير ~~سورة القيامة 368 76- تفسير سورة الإنسان 374 77- تفسير سورة المرسلات 382 ~~78- تفسير سورة النبإ 387 # PageV04P005 # الموضوع الصفحة 79- تفسير سورة النازعات 393 80- تفسير سورة عبس 399 81- ~~تفسير سورة التكوير 405 82- تفسير سورة الانفطار 410 83- تفسير سورة ~~المطففين 413 84- تفسير سورة الانشقاق 419 85- تفسير سورة البروج 423 86- ~~تفسير سورة الطارق 428 87- تفسير سورة الأعلى 431 88- تفسير سورة الغاشية ~~434 89- تفسير سورة الفجر 437 90- تفسير سورة البلد 446 91- تفسير سورة ~~الشمس 450 92- تفسير سورة الليل 453 93- تفسير سورة الضحى 456 94- تفسير ms1964 ~~سورة الشرح 460 95- تفسير سورة التين 463 96- تفسير سورة العلق 466 الموضوع ~~الصفحة 97- تفسير سورة القدر 469 98- تفسير سورة البينة 475 99- تفسير سورة ~~الزلزلة 477 100- تفسير سورة العاديات 480 101- تفسير سورة القارعة 483 ~~102- تفسير سورة التكاثر 485 103- تفسير سورة العصر 487 104- تفسير سورة ~~الهمزة 488 105- تفسير سورة الفيل 490 106- تفسير سورة قريش 493 107- تفسير ~~سورة الماعون 495 108- تفسير سورة الكوثر 497 109- تفسير سورة الكافرون 499 ~~110- تفسير سورة النصر 501 111- تفسير سورة المسد 502 112- تفسير سورة ~~الإخلاص 505 113- تفسير سورة الفلق 507 114- تفسير سورة الناس 510 # PageV04P006 # سورة الزمر # وتسمى سورة الغرف ### | فصل في نزولها: # روى العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية، وبه قال الحسن، ومجاهد، ~~وعكرمة، وقتادة، وجابر بن زيد. وروي عن ابن عباس أنه قال: فيها آيتان نزلتا ~~بالمدينة: # قوله: الله نزل أحسن الحديث «1» وقوله: يا عبادي الذين أسرفوا «2» وقال ~~مقاتل: فيها من المدني: # قل يا عبادي الذين أسرفوا الآية، وقوله: للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ~~«3» . وفي رواية أخرى عنه قال: فيها آيتان مدنيتان: يا عبادي الذين أسرفوا ~~وقوله: يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم «4» . وقال بعض السلف: فيها ثلاث ~~آيات مدنيات: قل يا عبادي الذين أسرفوا إلى قوله: وأنتم لا تشعرون «5» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الزمر # (39) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~فاعبد الله مخلصا له الدين (2) ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه ~~أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم ~~فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (3) لو أراد الله أن يتخذ ~~ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار (4) # قوله تعالى: تنزيل الكتاب قال الزجاج: الكتاب هاهنا القرآن، ورفع «تنزيل» ~~من وجهين: # أحدهما: الابتداء، ويكون الخبر من الله، فالمعنى: نزل من عند الله. ~~والثاني: على إضمار: هذا تنزيل الكتاب ومخلصا منصوب على الحال فالمعنى: ~~فاعبد ms1965 الله موحدا لا تشرك به شيئا. قوله تعالى: ألا لله الدين الخالص يعني: ~~الخالص من الشرك، وما سواه ليس بدين الله الذي أمر به وقيل: # المعنى: لا يستحق الدين الخالص إلا الله «6» . والذين اتخذوا من دونه ~~أولياء يعني آلهة، ويدخل PageV04P007 # في هؤلاء اليهود حين قالوا: عزير ابن الله والنصارى لقولهم: المسيح ابن ~~الله «1» ، وجميع عباد الأصنام، ويدل عليه قوله بعد ذلك: لو أراد الله أن ~~يتخذ ولدا. قوله تعالى: ما نعبدهم أي: # يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى أي: إلا ليشفعوا لنا إلى ~~الله. والزلفى: القربى، وهو اسم أقيم مقام المصدر، فكأنه قال: إلا ليقربونا ~~إلى الله تقريبا. إن الله يحكم بينهم أي: بين أهل الأديان فيما كانوا ~~يختلفون فيه من أمر الدين. وذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، ~~ولا وجه لذلك. # قوله تعالى: إن الله لا يهدي أي: لا يرشد من هو كاذب في قوله: إن الآلهه ~~تشفع كفار أي: كافر باتخاذها آلهة، وهذا إخبار عمن سبق عليه القضاء بحرمان ~~الهداية. # لو أراد الله أن يتخذ ولدا أي: على ما يزعم من ينسب ذلك إلى الله لاصطفى ~~أي: لاختار مما يخلق. قال مقاتل: أي: من الملائكة. ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 5] # خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار (5) # قوله تعالى: خلق السماوات والأرض بالحق أي: لم يخلقهما لغير شيء. قوله ~~تعالى: يكور الليل على النهار قال أبو عبيدة: يدخل هذا على هذا. قال ابن ~~قتيبة: وأصل التكوير: اللف، ومنه كور العمامة. وقال غيره. التكوير: طرح ~~الشيء بعضه على بعض. قوله تعالى: وسخر الشمس والقمر أي: ذللهما للسير على ~~ما أراد كل يجري لأجل مسمى أي: إلى الأجل الذي وقت الله للدنيا. وقد شرحنا ~~معنى العزيز في البقرة «2» ومعنى الغفار في طه «3» . ### | [سورة الزمر (39) : آية 6] # خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ~~يخلقكم ms1966 في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له ~~الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) # قوله تعالى: خلقكم من نفس واحدة يعني آدم ثم جعل منها زوجها أي: قبل ~~خلقكم جعل منها زوجها، لأن حواء خلقت قبل الذرية، ومثله في الكلام أن تقول: ~~قد أعطيتك اليوم شيئا، ثم الذي أعطيتك أمس أكثر هذا اختيار الفراء. وقال ~~غيره: ثم أخبركم أنه خلق منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام أي: خلق ثمانية ~~أزواج، وقد بيناها في سورة الأنعام «4» . # قوله تعالى: خلقا من بعد خلق أي: نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظما ثم لحما ~~ثم أنبت الشعر، إلى غير ذلك من تقلب الأحوال إلى إخراج الأطفال، هذا قول ~~الجمهور. وقال ابن زيد: خلقا في البطون من بعد خلقكم في ظهر آدم. قوله ~~تعالى: في ظلمات ثلاث ظلمة البطن، وظلمة الرحم، PageV04P008 # وظلمة المشيمة «1» ، قاله الجمهور، وابن زيد معهم. وقال أبو عبيدة: إنها ~~ظلمة صلب الأب، وظلمة بطن المرأة، وظلمة الرحم. # قوله تعالى: فأنى تصرفون أي: من أين تصرفون عن طريق الحق بعد هذا ~~البيان؟! ### | [سورة الزمر (39) : آية 7] # إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه ~~عليم بذات الصدور (7) # قوله تعالى: إن تكفروا فإن الله غني عنكم أي: عن إيمانكم وعبادتكم ولا ~~يرضى لعباده الكفر فيه قولان: أحدهما: لا يرضاه للمؤمنين، قاله ابن عباس. ~~والثاني: لا يرضاه لأحد وإن وقع بإرادته، وفرق بين الإرادة والرضى، وقد ~~أشرنا إلى هذا في البقرة عند قوله: والله لا يحب الفساد «2» . وإن تشكروا ~~يرضه لكم أي: يرضى ذلك الشكر لكم، إنه عليم بذات الصدور أي: بما في القلوب. ### | [سورة الزمر (39) : آية 8] # وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان ~~يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك ms1967 ~~من أصحاب النار (8) # قوله تعالى: وإذا مس الإنسان ضر اختلفوا فيمن نزلت على قولين: أحدهما: في ~~عتبة ابن ربيعة، قاله عطاء. والثاني: في أبي حذيفة بن المغيرة، قاله مقاتل. ~~والضر: البلاء والشدة. منيبا إليه أي: راجعا إليه من شركه. ثم إذا خوله أي: ~~أعطاه وملكه نعمة منه بعد البلاء الذي أصابه، كالصحة بعد المرض، والغنى بعد ~~الفقر نسي أي: ترك ما كان يدعوا إليه، وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: نسي الدعاء ~~الذي كان يتضرع به إلى الله تعالى. والثاني: نسي الضر الذي كان يدعو الله ~~إلى كشفه. والثالث: نسي الله الذي كان يتضرع إليه. قال الزجاج: وقد تدل ~~«ما» على الله عز وجل، كقوله: ولا أنتم عابدون ما أعبد. وقال الفراء: ترك ~~ما كان يدعو إليه. وقد سبق معنى الأنداد «3» ومعنى ليضل عن سبيل الله «4» . ~~قوله تعالى: قل تمتع بكفرك لفظه لفظ الأمر ومعناه التهديد، ومثله: فتمتعوا ~~فسوف تعلمون «5» . ### | ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 9 الى # 10] # أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب (9) قل يا ~~عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله ~~واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (10) PageV04P009 # قوله تعالى: أمن هو قانت قرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، وأبو جعفر، والمفضل ~~عن عاصم، وزيد عن يعقوب: «أمن» بالتخفيف وقرأ الباقون: بالتشديد. فأما ~~المشددة، فمعناها: أهذا الذي ذكرنا خير، أمن هو قانت؟ والأصل في «أمن» : أم ~~من، فأدغمت الميم في الميم. وأما المخففة، ففي تقديرها ثلاثة أوجه: أحدها: ~~أنها بمعنى النداء. قال الفراء: فسرها الذين قرءوا بها فقالوا: يا من هو ~~قانت، وهو وجه حسن، والعرب تدعو بالألف كما تدعو بياء، فيقولون: يا زيد ~~أقبل، و: أزيد أقبل، فيكون المعنى: أنه ذكر الناسي الكافر، ثم قص قصة ~~الصالح بالنداء، كما تقول: فلان لا يصوم ولا يصلي، فيا من يصوم أبشر. ~~والثاني: أن تقديرها: أمن هو قانت كمن ليس بقانت؟! ms1968 والثالث: أمن هو قانت ~~كمن جعل لله أندادا؟! وقد ذكرنا معنى القنوت في سورة البقرة «1» ومعنى آناء ~~الليل في آل عمران «2» . # قوله تعالى: ساجدا وقائما يعني في الصلاة. وفيمن نزلت فيه هذه الآية خمسة ~~أقوال «3» : # أحدها: أنه أبو بكر الصديق، رواه عطاء عن ابن عباس. والثاني: عثمان بن ~~عفان، قاله ابن عمر. # والثالث: عمار بن ياسر، قاله مقاتل. والرابع: ابن مسعود، وعمار، وصهيب، ~~وأبو ذر، قاله ابن السائب. والخامس: أنه رسول الله- صلى الله عليه وسلم، ~~حكاه يحيى بن سلام. قوله تعالى: يحذر الآخرة أي: # عذاب الآخرة. وقد قرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، وعروة، وسعيد ~~بن جبير، وأبو رجاء، وأبو عمران: «يحذر عذاب الآخرة» بزيادة «عذاب» . ~~ويرجوا رحمة ربه فيها قولان: أحدهما: # أنها المغفرة، قاله ابن السائب. والثاني: الجنة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون أن ما وعد الله من الثواب والعقاب ~~حق والذين لا يعلمون. وباقي الآية قد تقدم في الرعد «4» ، وكذلك قوله: ~~للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة قد تقدم في النحل «5» . وفي قوله: وأرض ~~الله واسعة قولان: أحدهما: أنه حث لهم على الهجرة من مكة إلى حيث يأمنون. ~~والثاني: أنها أرض الجنة رغبهم فيها. إنما يوفى الصابرون الذين صبروا لأجل ~~الله تعالى على ما نالهم بغير حساب أي: يعطون عطاء كثيرا أوسع من أن يحسب ~~وأعظم من أن يحاط به، لا على قدر أعمالهم. ### | ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 11 الى # 18] # قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) وأمرت لأن أكون أول ~~المسلمين (12) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (13) قل الله أعبد ~~مخلصا له ديني (14) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا ~~أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (15) # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد ~~فاتقون (16) والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم ~~البشرى فبشر عباد (17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ms1969 أولئك الذين ~~هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب (18) PageV04P010 # قوله تعالى: قل إني أمرت. # (1223) قال مقاتل: وذلك أن كفار قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ما حملك على الذي أتيتنا به؟! ألا تنظر إلى ملة آبائك فتأخذ بها؟! ~~فنزلت هذه الآية. # والمعنى: قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين أي: أمرت أن أعبده على ~~التوحيد والإخلاص السالم من الشرك، وأمرت لأن أكون أول المسلمين من هذه ~~الأمة. قل إني أخاف إن عصيت ربي بالرجوع إلى دين آبائي، عذاب يوم عظيم وقد ~~اختلفوا في نسخ هذه الآية كما بينا في نظيرتها في الأنعام «1» . قل الله ~~أعبد مخلصا له ديني بالتوحيد، فاعبدوا ما شئتم، وهذا تهديد، وبعضهم يقول: ~~هو منسوخ بآية السيف، وهذا باطل، لأنه لو كان أمرا كان منسوخا، فأما أن ~~يكون بمعنى الوعيد، فلا وجه لنسخه. قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم بأن ~~صاروا إلى النار وخسروا أهليهم فيه ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنهم خسروا ~~الحور العين اللواتي أعددن لهم في الجنة لو أطاعوا، قاله الحسن، وقتادة. ~~والثاني: خسروا الأهل في النار، إذ لا أهل لهم فيها، قاله مجاهد، وابن زيد. ~~والثالث: # خسروا أهليهم الذين كانوا في الدنيا، إذ صاروا إلى النار بكفرهم، وصار ~~أهلوهم إلى الجنة بإيمانهم، قاله الماوردي. قوله تعالى: لهم من فوقهم ظلل ~~من النار وهي الأطباق من النار. وإنما قال: ومن تحتهم ظلل لأنها ظلل لمن ~~تحتهم ذلك الذي وصف الله من العذاب يخوف الله به عباده المؤمنين. # قوله تعالى: والذين اجتنبوا الطاغوت. # (1224) روى ابن زيد عن أبيه أن هذه الآية والتي بعدها نزلت في ثلاثة نفر ~~كانوا في الجاهلية يوحدون الله تعالى: زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر، ~~وسلمان الفارسي، رضى الله عنهم قال: # أولئك الذين هداهم الله بغير كتاب ولا نبي. # وفي المراد بالطاغوت هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: الشياطين، قاله مجاهد. ~~والثاني: الكهنة، قاله ابن السائب. والثالث: الأوثان، قاله مقاتل، فعلى قول ~~مقاتل هذا: إنما قال: «يعبدوها» لأنها مؤنثة. # وقال الأخفش: ms1970 إنما قال: «يعبدوها» لأن الطاغوت في معنى جماعة، وإن شئت ~~جعلته واحدا مؤنثا. PageV04P011 # قوله تعالى: وأنابوا إلى الله أي: رجعوا إليه بالطاعة لهم البشرى بالجنة ~~«فبشر عبادي» بياء، وحرك الياء أبو عمرو. ثم نعتهم فقال: الذين يستمعون ~~القول وفيه قولان: أحدها: أنه القرآن، قاله الجمهور. فعلى هذا، في معنى ~~فيتبعون أحسنه أقوال قد شرحناها في الأعراف «1» عند قوله: # وأمر قومك يأخذوا بأحسنها. والثاني: أنه جميع الكلام. ثم في المعنى ~~قولان. أحدهما: أنه الرجل يجلس مع القوم فيسمع كلامهم، فيعمل بالمحاسن ~~ويحدث بها، ويكف عن المساوئ ولا يظهرها، قاله ابن السائب. والثاني: أنه لما ~~ادعى مسيلمة أنه قد أتى بقرآن، وأتت الكهنة بالكلام المزخرف في الأباطيل، ~~فرق المؤمنون بين ذلك وبين كلام الله، فاتبعوا كلام الله، ورفضوا أباطيل ~~أولئك، قاله أبو سليمان الدمشقي. ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 19 الى 20] # أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار (19) لكن الذين اتقوا ~~ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف ~~الله الميعاد (20) # قوله تعالى: أفمن حق عليه كلمة العذاب قال ابن عباس: سبق في علم الله أنه ~~في النار. فإن قيل: كيف اجتمع في هذه الآية استفهامان بلا جواب؟ قيل: أما ~~الفراء، فإنه يقول: هذا مما يراد به استفهام واحد، فسبق الاستفهام إلى غير ~~موضعه فرد إلى موضعه الذي هو له، فيكون المعنى: أفأنت تنقذ من في النار من ~~حقت عليه كلمة العذاب؟ ومثله: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم ~~مخرجون «2» فرد «أنكم» مرتين، والمعنى: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم؟ ومثله: ~~لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ثم قال: فلا تحسبنهم «3» فرد «تحسبن» ~~مرتين، والمعنى: لا تحسبن الذين يفرحون بمفازة من العذاب. وقال الزجاج: ~~يجوز أن يكون في الكلام محذوف، تقديره: أفمن حق عليه كلمة العذاب فيتخلص ~~منه أو ينجو، أفأنت تنقذه؟ قال المفسرون: أفأنت تخلصه مما قدر له فتجعله ~~مؤمنا؟ # والمعنى: ما تقدر على ذلك. قال عطاء: يريد بهذه الآية أبا لهب ms1971 وولده ومن ~~تخلف من عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان. # قوله تعالى: لكن الذين اتقوا وقرأ أبو المتوكل، وأبو جعفر «لكن» بتشديد ~~النون وفتحها. قال الزجاج: والغرف: هي المنازل الرفيعة في الجنة، من فوقها ~~غرف أي: منازل أرفع منها. وعد الله منصوب على المصدر فالمعنى: وعدهم الله ~~غرفا وعدا. ومن قرأ: «وعد الله» بالرفع فالمعنى: ذلك وعد الله. ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 21] # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به ~~زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى ~~لأولي الألباب (21) # قوله تعالى: أنزل من السماء ماء قال الشعبي: كل ما في الأرض فمن السماء ~~ينزل فسلكه ينابيع قال ابن قتيبة: أي: أدخله فجعله ينابيع، أي: عيونا تنبع، ~~ثم يهيج أي: ييبس. قال الأصمعي: يقال للنبت إذا تم جفافه: قد هاج يهيج ~~هيجا. فأما الحطام، فقال أبو عبيد: هو ما يبس PageV04P012 # فتحات من النبات، ومثله الرفات. قال مقاتل: هذا مثل ضرب للدنيا، بينا ترى ~~النبت أخضر، إذ تغير فيبس ثم هلك، وكذلك الدنيا وزينتها. وقال غيره: هذا ~~البيان للدلالة على قدرة الله عز وجل. ### | ### | [سورة الزمر (39) : آية # 22] # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ~~ذكر الله أولئك في ضلال مبين (22) # قوله تعالى: أفمن شرح الله صدره قال الزجاج: جوابه متروك، لأن الكلام دال ~~عليه، تقديره: # أفمن شرح الله صدره فاهتدى كمن طبع على قلبه فلم يهتد؟ ويدل على هذا ~~قوله: فويل للقاسية قلوبهم. # (1225) وقد روى ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه ~~الآية، فقلنا: يا رسول الله، وما هذا الشرح؟ فذكر حديثا قد ذكرناه في قوله: ~~فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام «1» . # قوله تعالى: فهو على نور فيه أربعة أقوال. أحدها: اليقين، قاله ابن عباس. ~~والثاني: كتاب الله يأخذ به وينتهي إليه، قاله قتادة. والثالث: البيان، ~~قاله ابن السائب. والرابع: الهدى، قاله ms1972 مقاتل. # وفيمن نزلت هذه الآية؟ فيه ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنها نزلت في أبي ~~بكر الصديق، وأبي بن خلف، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: في علي وحمزة ~~وأبي لهب وولده، قاله عطاء. والثالث: في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ~~أبي جهل، قاله مقاتل. PageV04P013 # قوله تعالى: فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله قد بينا معنى القساوة في ~~البقرة «1» . فإن قيل: كيف يقسو القلب من ذكر الله عز وجل؟ فالجواب: أنه ~~كلما تلي عليهم ذكر الله الذي يكذبون به، قست قلوبهم عن الإيمان به. وذهب ~~مقاتل في آخرين إلى أن «من» هاهنا بمعنى «عن» قال الفراء: كما تقول: أتخمت ~~عن طعام أكلته، ومن طعام أكلته وإنما قست قلوبهم من ذكر الله، لأنهم جعلوه ~~كذبا فأقسى قلوبهم ومن قال: قست قلوبهم عنه، أراد: أعرضت عنه. وقد قرأ أبي ~~بن كعب، وابن أبي عبلة، وأبو عمران: «قلوبهم عن ذكر الله» مكان قوله: «من» ~~. ### | [سورة الزمر (39) : آية 23] # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ~~ومن يضلل الله فما له من هاد (23) # قوله تعالى: الله نزل أحسن الحديث يعني القرآن وقد ذكرنا سبب نزولها في ~~أول يوسف «2» . # قوله تعالى: كتابا متشابها فيه قولان: أحدهما: أن بعضه يشبه بعضا في الآي ~~والحروف، فالآية تشبه الآية، والكلمة تشبه الكلمة، والحرف يشبه الحرف. ~~والثاني: أن بعضه يصدق بعضا، فليس فيه اختلاف ولا تناقض. # وإنما قيل له: مثاني لأنه كررت فيه القصص والفرائض والحدود والثواب ~~والعقاب. # فإن قيل: ما الحكمة في تكرار القصص، والواحدة قد كانت تكفي؟ # فالجواب: أن وفود العرب كانت ترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن، فيكون ذلك كافيا لهم، وكان يبعث إلى ~~القبائل المتفرقة بالسور المختلفة، فلو لم تكن الأنباء والقصص مثناة مكررة، ~~لوقعت قصة موسى إلى قوم، وقصة عيسى إلى قوم، وقصة نوح إلى قوم، فأراد الله ms1973 ~~تعالى أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها إلى كل سمع. فأما فائدة ~~تكرار الكلام من جنس واحد، كقوله تعالى: فبأي آلاء ربكما تكذبان «3» ، ~~وقوله: لا أعبد ما تعبدون «4» ، وقوله تعالى: # أولى لك فأولى «5» وما أدراك ما يوم الدين «6» فسنذكرها في سورة الرحمن ~~عز وجل. # قوله تعالى: تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم أي: تأخذهم قشعريرة، وهو ~~تغير يحدث في جلد الإنسان من الوجل. # (1226) وروى العباس بن عبد المطلب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «إذا اقشعر جلد العبد من PageV04P014 # خشية الله، تحاتت ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها» . # وفي معنى الآية ثلاثة أقوال «1» : أحدها: تقشعر من وعيده، وتلين عند ~~وعده، قاله السدي. # والثاني: تقشعر من الخوف، وتلين من الرجاء. والثالث: تقشعر الجلود ~~لإعظامه، وتلين عند تلاوته، ذكرهما الماوردي. وقال بعض أهل المعاني: مفعول ~~الذكر في قوله تعالى: إلى ذكر الله محذوف، لأنه معلوم والمعنى: تطمئن ~~قلوبهم إلى ذكر الله الجنة والثواب. قال قتادة: هذا نعت أولياء الله، تقشعر ~~جلودهم وتلين قلوبهم، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما هذا في ~~أهل البدع، وهذا من الشيطان. # (1227) وقد روى أبو حازم، قال: مر ابن عمر برجل ساقط من أهل العراق، ~~فقال: ما شأنه؟ # فقالوا: إنه إذا قرئ عليه القرآن يصيبه هذا، قال: إنا لنخشى الله عز وجل، ~~وما نسقط. # (1228) وقال عامر بن عبد الله بن الزبير: جئت أبي، فقال لي: أين كنت؟ ~~فقلت: وجدت قوما، ما رأيت خيرا منهم قط، يذكرون الله عز وجل فيرعد واحدهم ~~حتى يغشى عليه من خشية الله عز وجل، فقعدت معهم، فقال: لا تقعد معهم بعدها ~~أبدا، قال: فرآني كأني لم يأخذ ذلك في، فقال: # رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن، ورأيت أبا بكر وعمر ~~يتلوان القرآن فلا يصيبهم هذا من خشية الله PageV04P015 # تعالى، أفترى أنهم أخشى لله من أبي بكر وعمر؟ قال: فرأيت ذلك كذلك. وقال ~~عكرمة: سئلت أسماء بنت أبي بكر: هل كان أحد من السلف ms1974 يغشى عليه من الخوف؟ ~~قالت: لا، ولكنهم كانوا يبكون. # (1229) وقال عبد الله بن عروة بن الزبير: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر، ~~كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ ~~قالت: كانوا كما نعتهم الله تعالى، تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم. فقلت لها: ~~إنا ناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن، خر أحدهم مغشيا عليه، فقالت: أعوذ ~~بالله من الشيطان الرجيم. # وكان جواب يرعد عند الذكر، فقال له إبراهيم النخعي: إن كنت تملكه، فما ~~أبالي أن لا أعتد بك، وإن كنت لا تملكه، فقد خالفت من كان قبلك. # قوله تعالى: ذلك هدى الله في المشار إليه قولان: أحدهما: أنه القرآن، ~~قاله مقاتل. والثاني: أنه ما ينزل بالمؤمنين عند تلاوة القرآن من اقشعرار ~~الجلود عند الوعيد، ولينها عند الوعد، قاله ابن الأنباري. ### | ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 24 الى # 28] # أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم ~~تكسبون (24) كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25) ~~فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ~~(26) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرآنا ~~عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28) # قوله تعالى: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب أي: شدته. قال الزجاج: جوابه ~~محذوف، تقديره: كمن يدخل الجنة؟ وجاء في التفسير أن الكافر يلقى في النار ~~مغلولا، ولا يتهيأ له أن يتقيها إلا بوجهه. ثم أخبر عما يقول الخزنة للكفار ~~بقوله تعالى: وقيل للظالمين يعني الكافرين ذوقوا ما كنتم تكسبون أي: جزاء ~~كسبكم. # قوله تعالى: كذب الذين من قبلهم أي: من قبل كفار مكة فأتاهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون أي: وهم آمنون غافلون عن العذاب، فأذاقهم الله الخزي يعني ~~الهوان والعذاب، ولعذاب الآخرة أكبر مما أصابهم في الدنيا لو كانوا يعلمون، ~~ولكنهم لا يعلمون ذلك. ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن أي: وصفنا لهم من كل ~~مثل أي: من كل شبه يشبه أحوالهم. # قوله تعالى: قرآنا ms1975 عربيا قال الزجاج: «عربيا» منصوب على الحال، المعنى: ~~ضربنا للناس في هذا القرآن في حال عربيته وبيانه، فذكر «قرآنا» توكيدا، كما ~~تقول: جاءني زيد رجلا صالحا، وجاءني عمرو إنسانا عاقلا، فذكر رجلا وإنسانا ~~توكيدا. قوله تعالى: غير ذي عوج روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: غير ~~مخلوق. وقال غيره: مستقيم غير مختلف. PageV04P016 ### | ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 29 الى # 31] # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) إنك ميت وإنهم ميتون (30) ثم إنكم يوم ~~القيامة عند ربكم تختصمون (31) # قوله تعالى: ضرب الله مثلا ثم بينه فقال: رجلا فيه شركاء متشاكسون قال ~~ابن قتيبة: أي: # مختلفون، يتنازعون ويتشاحون فيه، يقال: رجل شكس. وقال اليزيدي: الشكس من ~~الرجال: الضيق الخلق. قال المفسرون: وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، ~~فإن الكافر يعبد آلهة شتى، فمثله بعبد يملكه جماعة يتنافسون في خدمته، ولا ~~يقدر أن يبلغ رضاهم أجمعين والمؤمن يعبد الله وحده، فمثله بعبد لرجل واحد، ~~قد علم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاكس الخلطاء فيه، ~~فذلك قوله تعالى: سلما لرجل. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو إلا عبد الوارث في ~~غير رواية القزاز، وأبان عن عاصم: «ورجلا سالما» بألف وكسر اللام وبالنصب ~~والتنوين فيهما والمعنى: ورجلا خالصا لرجل قد سلم له من غير منازع. ورواه ~~عبد الوارث إلا القزاز كذلك، إلا أنه رفع الاسمين، فقال: «ورجل سالم لرجل» ~~، وقرأ ابن أبي عبلة: «سلم لرجل» بكسر السين ورفع الميم. وقرأ الباقون: ~~ورجلا سلما بفتح السين واللام وبالنصب فيهما والتنوين. والسلم، بفتح السين ~~واللام، معناه الصلح، والسلم، بكسر السين مثله. قال الزجاج: من قرأ: «سلما» ~~و «سلما» فهما مصدران وصف بهما، فالمعنى، ورجلا ذا سلم لرجل وذا سلم لرجل ~~فالمعنى: ذا سلم والسلم: الصلح، والسلم، بكسر السين مثله. وقال ابن قتيبة: ~~من قرأ «سلما لرجل» أراد: سلم إليه فهو سلم له. وقال أبو عبيدة: السلم ~~والسلم الصلح. # قوله تعالى: هل ms1976 يستويان مثلا هذا استفهام معناه الإنكار، أي: لا يستويان، ~~لأن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه ما لا يستحقه صاحب الشركاء ~~المتشاكسين. وقيل: لا يستويان في باب الراحة، لأن هذا قد عرف الطريق إلى ~~رضى مالكه، وذاك متحير بين الشركاء. قال ثعلب: # وإنما قال: «هل يستويان مثلا» ولم يقل: مثلين، لأنهما جميعا ضربا مثلا ~~واحدا، ومثله: وجعلنا ابن مريم وأمه آية «1» ، ولم يقل: آيتين، لأن شأنهما ~~واحد. وتم الكلام هاهنا، ثم قال: الحمد لله أي: له الحمد دون غيره من ~~المعبودين بل أكثرهم لا يعلمون والمراد بالأكثر الكل. ثم أخبر نبيه بما بعد ~~هذا الكلام أنه يموت، وأن الذين يكذبون يموتون، وأنهم يجتمعون للخصومة عند ~~الله عز وجل، المحق والمبطل، والمظلوم والظالم «2» . PageV04P017 # (1230) وقال ابن عمر: نزلت هذه الآية وما ندري ما تفسيرها، وما نرى أنها ~~نزلت إلا فينا وفي أهل الكتابين، حتى قتل عثمان، فعرفت أنها فينا نزلت. وفي ~~لفظ آخر: حتى وقعت الفتنة بين علي ومعاوية. ### | ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 32 الى # 35] # فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين (32) والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) لهم ما ~~يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34) ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (35) # قوله تعالى: فمن أظلم ممن كذب على الله بأن دعا له ولدا وشريكا وكذب ~~بالصدق إذ جاءه وهو التوحيد والقرآن أليس في جهنم مثوى للكافرين أي: مقام ~~للجاحدين؟! وهذا استفهام بمعنى التقرير يعني: إنه كذلك. # قوله تعالى: والذي جاء بالصدق فيه أربعة أقوال «1» : أحدها: أنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قاله علي بن أبي طالب، وابن عباس، وقتادة، وابن ~~زيد. ثم في الصدق الذي جاء به قولان: أحدهما: أنه «لا إله إلا الله» ، رواه ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد ابن جبير. والثاني: القرآن، قاله ~~قتادة. # وفي الذي صدق به ثلاثة أقوال: أحدها: أنه رسول الله صلى الله عليه ms1977 وسلم ~~أيضا، هو جاء بالصدق، وهو صدق به، قاله ابن عباس، والشعبي. والثاني: أنه ~~أبو بكر، قاله علي بن أبي طالب. والثالث: أنهم المؤمنون، قاله قتادة، ~~والضحاك، وابن زيد. # والقول الثاني: أن الذي جاء بالصدق: أهل القرآن، وهو الصدق الذي يجيبون ~~به يوم القيامة، وقد أدوا حقه، فهم الذين صدقوا به، قاله مجاهد. والثالث: ~~أن الذي جاء بالصدق الأنبياء، قاله الربيع، فعلى هذا، يكون الذي صدق به: ~~المؤمنون. والرابع: أن الذي جاء بالصدق: جبريل، وصدق به: محمد، قاله السدي. # قوله تعالى: أولئك هم المتقون أي: الذين اتقوا الشرك وإنما قيل: «هم» ، ~~لأن معنى «الذي» معنى الجمع، كذلك قال اللغويون، وأنشد أبو عبيدة، والزجاج: ~~PageV04P018 # فإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم، كل القوم، يا أم خالد «1» # قوله تعالى: ليكفر الله عنهم المعنى: أعطاهم ما شاؤوا ليكفر عنهم أسوأ ~~الذي عملوا، أي: ليستر ذلك بالمغفرة ويجزيهم أجرهم بمحاسن أعمالهم، لا ~~بمساوئها. ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 36 الى 38] # أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من ~~هاد (36) ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام (37) ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون ~~الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات ~~رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) # قوله تعالى: أليس الله بكاف عبده. # (1231) ذكر المفسرون أن مشركي مكة قالوا: يا محمد، ما تزال تذكر آلهتنا ~~وتعيبها، فاتق أن تصيبك بسوء، فنزلت هذه الآية. والمراد بعبده هاهنا: محمد ~~صلى الله عليه وسلم. # وقرأ حمزة، والكسائي: «عباده» على الجمع، وهم الأنبياء، لأن الأمم قصدتهم ~~بالسوء فالمعنى أنه كما كفى الأنبياء قبلك يكفيك، وقرأ سعد بن أبي وقاص، ~~وأبو عمران الجوني: «بكافي» مثبتة الياء «عبده» بكسر الدال والهاء من غير ~~ألف. وقرأ أبي بن كعب، وأبو العالية، وأبو الجوزاء، والشعبي مثله، إلا أنهم ~~أثبتوا الألف في «عباده» وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ms1978 جعفر، وشيبة، ~~والأعمش: # «بكاف» بالتنوين، «عباده» على الجمع. وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء ~~العطاردي: «يكافي» بياء مرفوعة قبل الكاف وياء ساكنة بعد الفاء «عباده» على ~~الجمع. # ويخوفونك بالذين من دونه أي: بالذين يعبدون من دونه، وهم الأصنام. ثم ~~أعلم بما بعد هذا أن الإضلال والهداية إليه تعالى، وأنه منتقم ممن عصاه. ثم ~~أخبر أنهم مع عبادتهم، يقرون أنه الخالق. ثم أمر أن يحتج عليهم بأن ما ~~يعبدون لا يملك كشف ضر ولا جلب خير. وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: ~~«كاشفات ضره» و «ممسكات رحمته» منونا. والباقون: «كاشفات ضره» و «ممسكات ~~رحمته» على الإضافة. ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 39 الى 41] # قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون (39) من يأتيه عذاب ~~يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40) إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن ~~اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل (41) # قوله تعالى: قل يا قوم اعملوا ذكر بعض المفسرين أنها والآية التي تليها ~~نسخت بآية السيف. # قوله تعالى: إنا أنزلنا عليك الكتاب يعني القرآن للناس أي: لجميع الخلق ~~بالحق ليس فيه PageV04P019 # باطل. وتمام الآية مفسر في آخر يونس «1» ، وذكروا أنه منسوخ بآية السيف. ### | [سورة الزمر (39) : آية 42] # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى ~~عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (42) # قوله تعالى: الله يتوفى الأنفس حين موتها أي: يقبض الأرواح حين موت ~~أجسادها والتي لم تمت أي: ويتوفى التي لم تمت في منامها. فيمسك أي: عن ~~الجسد والنفس التي قضى عليها الموت وقرأ حمزة، والكسائي: «قضي» بضم القاف ~~وفتح الياء، «الموت» بالرفع. ويرسل الأخرى إلى الجسد إلى أجل مسمى وهو ~~انقضاء العمر إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون في أمر البعث «2» . وروى سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس قال: تلتقي أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام، ~~فيتعارفون ويتساءلون، ثم ترد أرواح الأحياء إلى أجسادها، فلا يخطأ بشيء ~~منها، فذلك قوله: إن في ms1979 ذلك لآيات لقوم يتفكرون. وقال ابن عباس في رواية ~~أخرى: في ابن آدم نفس وروح، فبالنفس العقل والتمييز، وبالروح النفس ~~والتحريك، فإذا نام العبد، قبض الله نفسه ولم يقبض روحه «3» . وقال ابن ~~جريج: في الإنسان روح ونفس، بينهما حاجز، فهو تعالى يقبض النفس عند النوم ~~ثم يردها إلى الجسد عند الانتباه، فإذا أراد إماتة العبد في نومه، لم يرد ~~النفس وقبض الروح. وقد اختلف العلماء، هل بين النفس والروح فرق «4» ؟ على ~~قولين: قد ذكرتهما في «الوجوه والنظائر» ، وزدت هذه الآية شرحا في ~~PageV04P020 # «باب التوفي» في كتاب «النظائر» . وذهب بعض العلماء إلى أن التوفي ~~المذكور في حق النائم هو نومه. # وهذا اختيار الفراء وابن الأنباري فعلى هذا، يكون معنى توفي النائم: قبض ~~نفسه عن التصرف، وإرسالها: إطلاقها باليقظة للتصرف. ### | ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 43 الى # 44] # أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ~~(43) قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون (44) # قوله تعالى: أم اتخذوا يعني كفار مكة «1» . وفي المراد بالشفعاء قولان: ~~أحدهما: أنها الأصنام، زعموا أنها تشفع لهم في حاجاتهم، قاله الأكثرون. ~~والثاني: الملائكة، قاله مقاتل. # قل أولو كانوا لا يملكون شيئا من الشفاعة ولا يعقلون أنكم تعبدونهم؟! ~~وجواب هذا الاستفهام محذوف، تقديره: أولو كانوا بهذه الصفة تتخذونهم؟!. # قل لله الشفاعة جميعا أي: لا يملكها أحد إلا بتمليكه، ولا يشفع عنده أحد ~~إلا بإذنه. ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 45 الى 48] # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين ~~من دونه إذا هم يستبشرون (45) قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46) ولو أن للذين ~~ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة ~~وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق ~~بهم ما كانوا به يستهزؤن (48) # قوله تعالى: وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون ms1980 بالآخرة فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: انقبضت عن التوحيد، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: استكبرت، ~~قاله قتادة. والثالث: # نفرت، قاله أبو عبيدة، والزجاج. قوله تعالى: إذا ذكر الذين من دونه يعني ~~الأصنام إذا هم يستبشرون يفرحون. وما بعد هذا قد تقدم تفسيره «2» إلى قوله ~~تعالى: وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. قال السدي: ظنوا أن أعمالهم ~~حسنات، فبدت لهم سيئات. وقال غيره: عملوا أعمالا ظنوا أنها تنفعهم، فلم ~~تنفع مع شركهم. قال مقاتل: ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا أنه نازل بهم ~~فهذا PageV04P021 # القول يحمل وجهين: أحدهما: أنهم كانوا يرجون القرب من الله بعبادة ~~الأصنام، فلما عوقبوا عليها، بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون. والثاني: أن ~~البعث والجزاء لم يكن في حسابهم. وروي عن محمد بن المنكدر أنه جزع عند ~~الموت وقال: أخشى هذه الآية أن يبدو لي ما لا أحتسب. قوله تعالى: وحاق بهم ~~أي: نزل بهم ما كانوا به يستهزؤن أي: ما كانوا ينكرونه ويكذبون به. ### | ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 49 الى # 52] # فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على ~~علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49) قد قالها الذين من قبلهم فما ~~أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50) فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من ~~هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين (51) أولم يعلموا أن الله ~~يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (52) # قوله تعالى: فإذا مس الإنسان ضر دعانا قال مقاتل: هو أبو حذيفة بن ~~المغيرة، وقد سبق في هذه السورة نظيرها «1» . وإنما كنى عن النعمة بقوله ~~تعالى: أوتيته، لأن المراد بالنعمة: الإنعام. # على علم عندي، أي: على خير علمه الله عندي. وقيل: على علم من الله بأني ~~له أهل، قال الله تعالى: بل هي يعني النعمة التي أنعم الله عليه بها فتنة ~~أي: بلوى يبتلى بها العبد ليشكر أو يكفر، ولكن أكثرهم لا يعلمون أن ذلك ~~استدراج لهم وامتحان. وقيل: «بل هي» ms1981 أي: المقالة التي قالها «فتنة» . قد ~~قالها يعني تلك الكلمة، وهي قوله عز وجل: «إنما أوتيته على علم» الذين من ~~قبلهم وفيهم قولان: أحدهما: أنهم الأمم الماضية، قاله السدي. والثاني: ~~قارون، قاله مقاتل. # قوله تعالى: فما أغنى عنهم أي: ما دفع عنهم العذاب ما كانوا يكسبون وفيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: من الكفر. والثاني: من عبادة الأصنام. والثالث: من الأموال. ~~فأصابهم سيئات ما كسبوا أي: جزاء سيئاتهم، وهو العذاب. ثم أوعد كفار مكة، ~~فقال: والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين أي: ~~إنهم لا يعجزون الله ولا يفوتونه. قال مقاتل: ثم وعظهم ليعلموا وحدانيته ~~حين مطروا بعد سبع سنين، فقال: أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر إن في ذلك أي: في بسط الرزق وتقتيره لآيات لقوم يؤمنون. ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 53 الى 55] # قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53) وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ~~من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ~~ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون (55) # قوله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم في سبب نزولها أربعة ~~أقوال: # (1232) أحدها: أن ناسا من المشركين كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا ~~فأكثروا، ثم أتوا رسول PageV04P022 # الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن ~~لما عملنا كفارة، فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # (1233) والثاني: أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر ~~من المسلمين كانوا قد أسلموا، ثم عذبوا فافتتنوا، فكان أصحاب رسول الله ~~يقولون: لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا، قوم تركوا دينهم بعذاب عذبوه ~~فنزلت هذه الآية، فكتبها عمر إلى عياش والوليد وأولئك النفر، فأسلموا ~~وهاجروا وهذا قول ابن عمر. # والثالث: أنها نزلت في وحشي وهذا القول ذكرناه مشروحا في آخر الفرقان «1» ~~عن ms1982 ابن عباس. # (1234) والرابع: أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل ~~النفس التي حرم الله لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد فعلنا ذلك؟! فنزلت ~~هذه الآية وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. # ومعنى أسرفوا على أنفسهم ارتكبوا الكبائر. والقنوط بمعنى اليأس. وأنيبوا ~~بمعنى ارجعوا إلى الله من الشرك والذنوب، وأسلموا له أي: أخلصوا له ~~التوحيد. و «تنصرون» بمعنى تمنعون. # واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم قد بيناه في قوله عز وجل: يأخذوا بأحسنها «2» ~~. ### | ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 56 الى # 59] # أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56) ~~أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) أو تقول حين ترى العذاب لو ~~أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت ~~وكنت من الكافرين (59) # قوله تعالى: أن تقول نفس قال المبرد: المعنى: بادروا قبل أن تقول نفس، ~~وحذرا من أن تقول نفس. وقال الزجاج: خوف أن تصيروا إلى حال تقولون فيها هذا ~~القول. ومعنى يا حسرتى يا PageV04P023 # ندامتا ويا حزنا. والتحسر: الاغتمام على ما فات. والألف في «يا حسرتا» هي ~~ياء المتكلم، والمعنى: # يا حسرتي، على الإضافة. قال الفراء: والعرب تحول الياء إلى الألف في كل ~~كلام معناه الاستغاثة ويخرج على لفظ الدعاء، وربما أدخلت العرب الهاء بعد ~~هذه الألف، فيخفضونها مرة، ويرفعونها أخرى. وقرأ الحسن، وأبو العالية، وأبو ~~عمران، وأبو الجوزاء: «يا حسرتي» بكسر التاء، على الإضافة إلى النفس. وقرأ ~~معاذ القارئ، وأبو جعفر: «يا حسرتاي» ، بألف بعد التاء وياء مفتوحة، قال ~~الزجاج: # وزعم الفراء أنه يجوز «يا حسرتاه على كذا» بفتح الهاء، و «يا حسرتاه» ~~بالضم والكسر، والنحويون أجمعون لا يجيزون أن تثبت هذه الهاء مع الوصل. # قوله تعالى: في جنب الله فيه خمسة أقوال: أحدها: في طاعة الله تعالى، ~~قاله الحسن. # والثاني: في حق الله، قاله سعيد بن جبير. والثالث: في أمر الله، قاله ~~مجاهد، والزجاج. والرابع: في ذكر الله، قاله عكرمة، والضحاك. ms1983 والخامس: في ~~قرب الله روي عن الفراء أنه قال: الجنب: القرب، أي: في قرب الله وجواره، ~~يقال: فلان يعيش في جنب فلان، أي: في قربه وجواره فعلى هذا يكون المعنى: ~~على ما فرطت في طلب قرب الله تعالى، وهو الجنة. # قوله تعالى: وإن كنت لمن الساخرين أي: وما كنت إلا من المستهزئين بالقرآن ~~وبالمؤمنين في الدنيا. أو تقول لو أن الله هداني أي: أرشدني إلى دينه لكنت ~~من المتقين الشرك فيقال لهذا القائل: بلى قد جاءتك آياتي قال الزجاج: و ~~«بلى» جواب النفي، وليس في الكلام لفظ النفي، غير أن معنى «لو أن الله ~~هداني» : ما هديت، فقيل: «بلى قد جاءتك آياتي» . وروى ابن أبي سريج عن ~~الكسائي: «جاءتك» ، «فكذبت» ، «واستكبرت» ، «وكنت» ، بكسر التاء فيهن، ~~مخاطبة للنفس. ومعنى «استكبرت» : تكبرت عن الإيمان بها. ### | ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 60 الى # 61] # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى ~~للمتكبرين (60) وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم ~~يحزنون (61) # قوله تعالى: ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله فزعموا أن له ولدا ~~وشريكا وجوههم مسودة. وقال الحسن: هم الذين يقولون: إن شئنا فعلنا، وإن ~~شئنا لم نفعل. وباقي الآية قد ذكرناه آنفا. قوله تعالى: وينجي الله الذين ~~اتقوا بمفازتهم وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: # «بمفازتهم» . قال الفراء. وهو كما قد تقول: قد تبين أمر القوم وأمورهم، ~~وارتفع الصوت والأصوات، والمعنى واحد. وفيها للمفسرين ثلاثة أقوال: أحدها: ~~بفضائلهم، قاله السدي. والثاني: بأعمالهم، قاله ابن السائب، ومقاتل. ~~والثالث: بفوزهم من النار. قال المبرد: المفازة: مفعلة من الفوز، وإن جمع ~~فحسن، كقولك: السعادة والسعادات، والمعنى: ينجيهم الله بفوزهم، أي: بنجاتهم ~~من النار وفوزهم بالجنة. ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 62 الى 63] # الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) له مقاليد السماوات والأرض ~~والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63) # قوله تعالى: له مقاليد السماوات والأرض قال ابن قتيبة: أي: مفاتيحها ~~وخزائنها، لأن مالك المفاتيح مالك الخزائن، ms1984 واحدها: إقليد، وجمع على غير ~~واحد، كما قالوا: مذاكير جمع ذكر، ويقال: هو # PageV04P024 # فارسي معرب. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي: الإقليد: المفتاح، فارسي ~~معرب، قال الراجز: # لم يؤذها الديك بصوت تغريد ... ولم تعالج غلقا باقليد # والمقليد: لغة في الإقليد، والجمع: مقاليد. وللمفسرين في المقاليد قولان: ~~أحدهما: المفاتيح، قاله ابن عباس. والثاني: الخزائن، قاله الضحاك. وقال ~~الزجاج: تفسيره أن كل شيء في السموات والأرض، فهو خالقه وفاتح بابه. قال ~~المفسرون: مفاتيح السموات: المطر، ومفاتيح الأرض: النبات. ### | ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 64 الى # 66] # قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64) ولقد أوحي إليك وإلى ~~الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (65) بل الله ~~فاعبد وكن من الشاكرين (66) # قوله تعالى: أفغير الله تأمروني أعبد قرأ نافع، وابن عامر: «تأمروني ~~أعبد» مخففة، غير أن نافعا فتح الياء، ولم يفتحها ابن عامر. وقرأ ابن كثير: ~~«تأمروني» بتشديد النون وفتح الياء، وقرأ الباقون بسكون الياء. وذلك حين ~~دعوه إلى دين آبائه أيها الجاهلون أي: فيما تأمرون. # قوله تعالى: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك فيه تقديم وتأخير، ~~تقديره: ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك، وكذلك أوحي إلى الذين من ~~قبلك. قال أبو عبيدة: ومجازها مجاز الأمرين اللذين يخبر عن أحدهما ويكف عن ~~الآخر. قال ابن عباس: هذا أدب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~وتهديد لغيره، لأن الله عز وجل قد عصمه من الشرك. وقال غيره: إنما خاطبه ~~بذلك، ليعرف من دونه أن الشرك يحبط الأعمال المتقدمة كلها ولو وقع من نبي. ~~وقرأ أبو عمران وابن السميفع ويعقوب: # «لنحبطن» بالنون، «عملك» ، بالنصب. بل الله فاعبد أي: وحد. ### | [سورة الزمر (39) : آية 67] # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67) # قوله تعالى: وما قدروا الله حق قدره. # (1235) سبب نزولها أن رجلا من أهل الكتاب أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا أبا القاسم، بلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق ms1985 على إصبع ~~والأرضين على إصبع والشجر على إصبع والثرى على إصبع؟ # فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، قاله ابن مسعود. وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين نحوه عن ابن ~~مسعود. PageV04P025 # وقد فسرنا أول هذه الآية في الأنعام «1» . قال ابن عباس: هذه الآية في ~~الكفار، فأما من آمن بأنه على كل شيء قدير، فقد قدر الله حق قدره. ثم ذكر ~~عظمته بقوله تعالى: والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه. # (1236) وقد أخرج البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # «يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، ~~أين ملوك الأرض؟» . # (1237) وأخرجا من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«يطوي الله عز وجل السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: ~~أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون؟» . قال ابن عباس: الأرض والسموات ~~كلها بيمينه. وقال سعيد بن جبير: السموات قبضة والأرضون قبضة. ### | ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 68 الى # 70] # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ ~~فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68) وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب ~~وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون (69) ووفيت كل نفس ~~ما عملت وهو أعلم بما يفعلون (70) # قوله تعالى: ونفخ في الصور فصعق وقرأ ابن السميفع، وابن يعمر، والجحدري: ~~«فصعق» بضم الصاد من في السماوات ومن في الأرض أي: ماتوا من الفزع وشدة ~~الصوت. وقد بينا هذه الآية والخلاف في الذين استثنوا في سورة النمل «2» . ~~ثم نفخ فيه أخرى وهي نفخة البعث فإذا هم يعني الخلائق قيام ينظرون. قوله ~~تعالى: وأشرقت الأرض بنور ربها أي: أضاءت. والمراد بالأرض: # عرصات القيامة. قوله تعالى: ووضع الكتاب فيه قولان: أحدهما: كتاب ~~الأعمال، قاله قتادة، ومقاتل. والثاني: الحساب، قاله السدي. وفي الشهداء ~~قولان: أحدهما: أنهم الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، قاله ms1986 الجمهور. ثم ~~فيهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم المرسلون من الأنبياء. والثاني: # أمة محمد يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وتكذيب الأمم إياهم، رويا عن ابن ~~عباس رضي الله عنه. # والثالث: الحفظه، قاله عطاء. الرابع: النبيون والملائكة وأمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم والجوارح، قاله ابن زيد. # والثاني: أنهم الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، قاله قتادة، والأول ~~أصح. ووفيت كل نفس ما عملت أي: جزاء عملها وهو أعلم بما يفعلون أي: لا ~~يحتاج إلى كاتب ولا شاهد. PageV04P026 ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 71 الى 75] # وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (71) قيل ادخلوا أبواب جهنم ~~خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (72) وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة ~~زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم ~~فادخلوها خالدين (73) وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض ~~نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين (74) وترى الملائكة حافين من ~~حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ~~(75) # قوله تعالى: وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا قال أبو عبيدة: الزمر: ~~جماعات في تفرقة بعضهم على إثر بعض، واحدها: زمرة. قوله تعالى: رسل منكم ~~أي: أنفسكم. وكلمة العذاب هي قوله تعالى: لأملأن جهنم «1» . قوله تعالى: ~~فتحت أبوابها قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «فتحت» «وفتحت» ~~مشددتين، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: بالتخفيف. وفي هذه الواو ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنها زائدة، روي عن جماعة من اللغويين منهم الفراء. والثاني: ~~أنها واو الحال فالمعنى: جاءوها وقد فتحت أبوابها، فدخلت الواو لبيان أن ~~الأبواب كانت مفتحة قبل مجيئهم، وحذفت من قصة أهل النار لبيان أنها كانت ~~مغلقة قبل مجيئهم، ووجه الحكمة في ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أن أهل الجنة ~~جاءوها وقد فتحت أبوابها ليستعجلوا السرور والفرح إذا رأوا الأبواب مفتحة، ~~وأهل النار يأتونها وأبوابها ms1987 مغلقة ليكون أشد لحرها، ذكره أبو إسحاق ابن ~~شاقلا من أصحابنا. والثاني: أن الوقوف على الباب المغلق نوع ذل، فصين أهل ~~الجنة عنه، وجعل في حق أهل النار، ذكره لي بعض مشايخنا والثالث: أنه لو وجد ~~أهل الجنة بابها مغلقا لأثر انتظار فتحه في كمال الكرم، ومن كمال الكرم غلق ~~باب النار إلى حين مجيء أهلها، لأن الكريم يعجل المثوبة، ويؤخر العقوبة، ~~وقد قال عز وجل: ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم «2» قال المصنف: هذا ~~وجه خطر لي. والقول الثالث: أن الواو زيدت، لأن أبواب الجنة ثمانية، وأبواب ~~النار سبعة، والعرب تعطف في العدد بالواو على ما فوق السبعة على ما ذكرناه ~~في قوله تعالى: ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم «3» ، حكى هذا القول والذي قبله ~~الثعلبي. واختلف العلماء أين جواب هذه الآية على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ~~الجواب محذوف، قاله أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج في آخرين. وفي تقدير هذا ~~المحذوف قولان: أحدهما: أن تقديره: حتى إذا جاؤها إلى آخر الآية ... سعدوا، ~~قاله المبرد. # والثاني: حتى إذا جاؤها إلى قوله تعالى: فادخلوها خالدين.. دخلوها، وإنما ~~حذف، لأن في الكلام دليلا عليه، وهذا اختيار الزجاج. والقول الثاني: أن ~~الجواب: قال لهم خزنتها، والواو زائدة، ذكره الأخفش، قال: ومثله في الشعر. ~~PageV04P027 # فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ... إلا كلمة حالم بخيال «1» # أي: فإذا ذلك. والثالث: الجواب: حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها، والواو ~~زائدة، حكاه الزجاج عن قوم من أهل اللغة. # وفي قوله تعالى: طبتم خمسة أقوال: أحدها: أنهم إذا انتهوا إلى باب الجنة ~~وجدوا عند بابها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فيشربون من إحداهما، فلا ~~يبقى في بطونهم أذى ولا قذى إلا خرج، ويغتسلون من الأخرى، فلا تغبر جلودهم ~~ولا تشعث أشعارهم أبدا. حتى إذا انتهوا إلى باب الجنة قال لهم عند ذلك ~~خزنتها: «سلام عليكم طبتم» ، رواه عاصم بن ضمرة عن علي رضى الله عنه «2» ، ~~وقد ذكرنا في الأعراف «3» نحوه عن ابن عباس. والثاني: طاب لكم المقام، قاله ~~ابن عباس. # والثالث: ms1988 طبتم بطاعة الله، قاله مجاهد. والرابع: أنهم طيبوا قبل دخول ~~الجنة بالمغفرة، واقتص من بعضهم لبعض، فلما هذبوا قالت لهم الخزنة: طبتم، ~~قاله قتادة «4» . والخامس: كنتم طيبين في الدنيا، قاله الزجاج. فلما دخلوها ~~قالوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده بالجنة وأورثنا الأرض أي أرض الجنة نتبوأ ~~منها حيث نشاء منها أي: نتخذ فيها من المنازل ما نشاء. وحكى أبو سليمان ~~الدمشقي أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يدخلون الجنة قبل الأمم، فينزلون ~~منها حيث شاؤوا، ثم تنزل الأمم بعدهم فيها، فلذلك قالوا: نتبوأ من الجنة ~~حيث نشاء يقول الله عز وجل: فنعم أجر العاملين أي: نعم ثواب المطيعين في ~~الدنيا الجنة. # قوله تعالى: وترى الملائكة حافين من حول العرش: أي محدقين به، يقال: حف ~~القوم بفلان: إذا أحدقوا به ودخلت «من» للتوكيد، كقولك: ما جاءني من أحد. ~~يسبحون بحمد ربهم قال السدي، ومقاتل: بأمر ربهم. وقال بعضهم: يسبحون بالحمد ~~له حيث دخل الموحدون الجنة. وقال ابن جرير: التسبيح هاهنا بمعنى الصلاة. # قوله تعالى: وقضي بينهم أي: بين الخلائق بالحق أي: بالعدل وقيل الحمد لله ~~رب العالمين هذا قول أهل الجنة شكرا لله تعالى على إنعامه. قال المفسرون: ~~ابتدأ الله ذكر الخلق بالحمد فقال: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض «5» ~~وختم غاية الأمر- وهو استقرار الفريقين في منازلهم- بالحمد لله بهذه الآية، ~~فنبه على تحميده في بداية كل أمر وخاتمته. PageV04P028 ### | سورة الغافر # قال أبو سليمان الدمشقي: ويقال لها: سورة الطول «1» . وهي مكية! قاله ابن ~~عباس، والحسن: # ومجاهد، وعكرمة، وقتادة. وحكي عن ابن عباس وقتادة أن فيها آيتين نزلتا ~~بالمدينة: قوله: الذين يجادلون في آيات الله والتي بعدها «2» . قال الزجاج: ~~وذكر أن الحواميم كلها نزلت بمكة. # قال ابن قتيبة: يقال: إن «حم» اسم من أسماء الله أضيفت هذه السورة إليه. ~~كأنه قيل: سورة الله، لشرفها وفضلها، فقيل: آل حاميم، وإن كان القرآن كله ~~سور الله، وإن هذا كما يقال: بيت الله، وحرم الله، وناقة الله، قال الكميت: # وجدنا لكم في آل حاميم آية ms1989 ... تأولها منا تقي ومعرب «3» # وقد تجعل «حم» اسما للسورة، ويدخل الإعراب ولا يصرف، ومن قال هذا في ~~الجميع: # الحواميم، كما يقال: «طس» والطواسين. وقال محمد بن القاسم الأنباري: ~~العرب تقول: وقع في الحواميم، وفي آل حميم، أنشد أبو عبيدة: # حلفت بالسبع اللواتي طولت ... وبمئين بعدها قد أمئيت # وبمثان ثنيت فكررت ... وبالطواسين اللواتي ثلثت # وبالحواميم اللواتي سبعت # فمن قال: وقع في آل حاميم، جعل حاميم اسما لكلهن ومن قال: وقع في ~~الحواميم، جعل «حم» كأنه حرف واحد بمنزلة قابيل وهابيل. # وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: من الخطأ أن تقول: قرأت الحواميم، ~~وليس من كلام العرب، والصواب أن تقول: قرأت آل حاميم. وفي حديث ابن مسعود: ~~«إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات» «4» ، وقال الكميت: # وجدنا لكم في آل حاميم آية PageV04P029 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة غافر (40) : الآيات 1 الى # 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب وقابل التوب ~~شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (3) ما يجادل في آيات الله ~~إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) # كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ~~وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5) وكذلك حقت كلمة ~~ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار (6) الذين يحملون العرش ومن حوله ~~يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة ~~وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7) ربنا وأدخلهم ~~جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز ~~الحكيم (8) # وفي (حم) أربعة أقوال «1» : أحدها: قسم أقسم الله به وهو من أسمائه عز ~~وجل، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس: قال أبو سليمان: وقد قيل: إن جواب ~~القسم قوله تعالى: إن الذين كفروا ينادون «2» . والثاني: أنها حروف من ~~أسماء الله عز وجل، ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن «آلر» و «حم» و «ن» حروف ms1990 ~~الرحمن، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: أن الحاء مفتاح اسمه «حميد» ، ~~والميم مفتاح اسمه «مجيد» ، قاله أبو العالية. والثالث: أن الحاء مفتاح كل ~~اسم لله ابتداؤه حاء، مثل «حكيم» ، و «حليم» ، و «حي» ، والميم مفتاح كل ~~اسم له ابتداؤه ميم مثل «ملك» ، و «متكبر» ، و «مجيد» ، حكاه أبو سليمان ~~الدمشقي. وروي نحوه عن عطاء الخراساني. والثالث: أن معنى «حم» : # قضي ما هو كائن، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وروي عن الضحاك والكسائي مثل ~~هذا، كأنهما أرادا الإشارة إلى حم، بضم الحاء وتشديد الميم. قال الزجاج: ~~وقد قيل في «حم» : حم الأمر. والرابع: أن «حم» اسم من أسماء القرآن، قاله ~~قتادة. وقرأ ابن كثير: «حم» بفتح الحاء وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: ~~بكسرها واختلف عن الباقين. قال الزجاج: أما الميم فساكنة في قراءة القراء ~~كلهم إلا عيسى بن عمر، فإنه فتحها وفتحها على ضربين. أحدهما: أن يجعل «حم» ~~اسما للسورة، فينصبه ولا ينونه، لأنه على لفظ الأسماء الأعجمية نحو هابيل ~~وقابيل. والثاني: على معنى: اتل حم والأجود أن يكون فتح لالتقاء الساكنين ~~حيث جعله اسما للسورة، ويكون حكاية حروف الهجاء. # قوله تعالى: تنزيل الكتاب أي: هذا تنزيل الكتاب. والتوب: جمع توبة، وجائز ~~أن يكون مصدرا من تاب يتوب توبا. والطول: الفضل. قال أبو عبيدة: يقال: فلان ~~ذو طول على قومه، أي: ذو فضل. وقال ابن قتيبة: يقال: طل علي يرحمك الله، ~~أي: تفضل. قال الخطابي: ذو: حرف النسبة، والنسبة في كلامهم على ثلاثة أوجه: ~~بالياء، كقولهم: أسدي، وبكري. والثاني: على الجمع، كقولهم: المهالبة، ~~والمسامعة، والأزارقة. والثالث: ب «ذي» و «ذات» ، كقولهم: رجل مال، أي: ذو ~~مال، وكبش صاف، أي: ذو صوف، وناقة ضامر، أي: ذات ضمر، فقوله: ذو الطول، ~~معناه: أهل الطول والفضل. PageV04P030 ### | ### | [سورة غافر (40) : الآيات 4 الى # 6] # ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) ~~كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق ms1991 فأخذتهم فكيف كان عقاب (5) وكذلك حقت كلمة ربك على ~~الذين كفروا أنهم أصحاب النار (6) # قوله تعالى: ما يجادل في آيات الله أي: ما يخاصم فيها بالتكذيب لها ~~ودفعها بالباطل إلا الذين كفروا وباقي الآية في آل عمران «1» والمعنى: إن ~~عاقبة أمرهم إلى العذاب كعاقبة من قبلهم. # قوله تعالى: وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه فيه قولان: أحدهما: ليقتلوه، ~~قاله ابن عباس، وقتادة. والثاني: ليحبسوه ويعذبوه، ويقال للأسير: أخيذ، ~~حكاه ابن قتيبة. قال الأخفش: وإنما قال: # «ليأخذوه» فجمع على الكل، لأن الكل مذكر ومعناه معنى الجماعة. وما بعد ~~هذا مفسر في الكهف «2» إلى قوله تعالى: فأخذتهم أي: عاقبتهم وأهلكتم فكيف ~~كان عقاب استفهام تقرير لعقوبتهم الواقعة بهم وكذلك أي: مثل الذي حق على ~~الأمم المكذبة حقت كلمة ربك بالعذاب، وهي قوله عز وجل: لأملأن جهنم «3» ، ~~على الذين كفروا من قومك. وقرأ نافع، وابن عامر: «حقت كلمات ربك» ، أنهم ~~قال الأخفش: لأنهم أو بأنهم أصحاب النار. ### | [سورة غافر (40) : الآيات 7 الى 9] # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون ~~للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ~~وقهم عذاب الجحيم (7) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8) وقهم السيئات ومن تق السيئات ~~يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم (9) # ثم أخبر بفضل المؤمنين فقال: الذين يحملون العرش وهم أربعة أملاك، فإذا ~~كان يوم القيامة جعلوا ثمانية ومن حوله قال وهب بن منبه: حول العرش سبعون ~~ألف صف من الملائكة يطوفون به، ومن وراء هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة ليس ~~فيهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبحه الآخر. وقال غيره: الذين حول العرش هم ~~الكروبيون وهم سادة الملائكة. وقد ذكرنا في السورة المتقدمة معنى قوله ~~تعالى: يسبحون بحمد ربهم «4» . قوله تعالى: ربنا أي يقولون: ربنا وسعت كل ~~شيء رحمة وعلما قال الزجاج: هو منصوب على التمييز. وقال غيره: المعنى: وسعت ~~رحمتك وعلمك كل شيء فاغفر ms1992 للذين تابوا من الشرك واتبعوا سبيلك وهو دين ~~الإسلام. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله عز وجل: وقهم السيئات قال قتادة: يعني ~~العذاب. ### | [سورة غافر (40) : الآيات 10 الى 12] # إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى ~~الإيمان فتكفرون (10) قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا ~~بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (11) ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن ~~يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير (12) # قوله تعالى: إن الذين كفروا ينادون لمقت الله قال المفسرون «5» : لما ~~رأوا أعمالهم PageV04P031 # وأدخلوا النار مقتوا أنفسهم لسوء فعلهم، فناداهم مناد: لمقت الله إياكم ~~في الدنيا: إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم. ثم أخبر ~~عما يقولون في النار بقوله تعالى: ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين وهذا ~~مثل قوله تعالى: وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم «1» وقد فسرناه ~~هنالك. قوله تعالى: فهل إلى خروج أي: من النار إلى الدنيا لنعمل بالطاعة من ~~سبيل؟ # وفي الكلام اختصار، تقديره: فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك وقيل لهم: ذلكم ~~يعني العذاب الذي نزل بهم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم أي: إذا قيل «لا ~~إله إلا الله» أنكرتم، وإن جعل له شريك آمنتم، فالحكم لله فهو الذي حكم على ~~المشركين بالنار، وقد بينا في سورة البقرة «2» معنى العلي، وفي الرعد «3» ~~معنى الكبير. ### | ### | [سورة غافر (40) : الآيات 13 الى # 17] # هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب ~~(13) فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14) رفيع الدرجات ذو ~~العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق (15) يوم ~~هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ~~(16) اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب (17) # هو الذي يريكم آياته أي: مصنوعاته التي تدل على وحدانيته وقدرته، والرزق ~~هاهنا: # المطر، سمي رزقا، لأنه سبب الأرزاق. و «يتذكر» بمعنى يتعظ، و «ينيب» ms1993 ~~بمعنى يرجع إلى الطاعة. # ثم أمر المؤمنين بتوحيده فقال: فادعوا الله مخلصين له الدين أي: موحدين. # قوله تعالى: رفيع الدرجات قال ابن عباس: يعني رافع السموات، وحكى ~~الماوردي عن بعض المفسرين قال: معناه: عظيم الصفات. قوله تعالى: ذو العرش ~~أي: خالقه ومالكه. قوله تعالى: يلقي الروح فيه خمسة أقوال: أحدها: أنه ~~القرآن. والثاني: النبوة. والقولان مرويان عن ابن عباس. وبالأول قال ابن ~~زيد، وبالثاني قال السدي. والثالث: الوحي قاله قتادة، وإنما سمي القرآن ~~والوحي روحا، لأن قوام الدين به كما أن قوام البدن بالروح. والرابع: جبريل، ~~قاله الضحاك. # والخامس: الرحمة، حكاه إبراهيم الحربي. قوله تعالى: من أمره فيه ثلاثة ~~أقوال: أحدها: من قضائه، قاله ابن عباس. والثاني: بأمره، قاله مقاتل. ~~والثالث: من قوله تعالى، ذكره الثعلبي. قوله تعالى: على من يشاء من عباده ~~يعني الأنبياء. لينذر في المشار إليه قولان: أحدهما: أنه الله عز وجل. ~~والثاني: النبي الذي يوحى إليه. والمراد ب يوم التلاق: يوم القيامة وأثبت ~~ياء «التلاقي» في الحالين ابن كثير ويعقوب، وأبو جعفر وافقهما في الوصل ~~والباقون بغير ياء في الحالين. وفي سبب تسميته بذلك خمسة أقوال: أحدها: أنه ~~يلتقي فيه أهل السماء والأرض، رواه يوسف بن مهران عن ابن PageV04P032 # عباس: والثاني: يلتقي فيه الأولون والآخرون، روي عن ابن عباس أيضا. ~~والثالث: يلتقي فيه الخلق والخالق، قاله قتادة ومقاتل. والرابع: يلتقي ~~المظلوم والظالم، قاله ميمون بن مهران. والخامس: يلتقي المرء بعمله، حكاه ~~الثعلبي. # قوله تعالى: يوم هم بارزون أي: ظاهرون من قبورهم لا يخفى على الله منهم ~~شيء. فإن قيل: # فهل يخفى عليه منهم اليوم شيء؟. فالجواب: أن لا، غير أن معنى الكلام ~~التهديد بالجزاء وللمفسرين فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لا يخفى عليه مما عملوا ~~شيء، قاله ابن عباس. والثاني: لا يستترون منه بجبل ولا مدر، قاله قتادة. ~~والثالث: أن المعنى: أبرزهم جميعا، لأنه لا يخفى عليه منهم شيء، حكاه ~~الماوردي. # قوله تعالى: لمن الملك اليوم اتفقوا على أن هذا يقوله الله عز وجل بعد ~~فناء الخلائق. ms1994 # واختلفوا في وقت قوله عز وجل له على قولين: أحدهما: أنه يقوله عند فناء ~~الخلائق إذا لم يبق مجيب. # فيرد هو على نفسه فيقول: لله الواحد القهار، قاله الأكثرون. والثاني: أنه ~~يقوله يوم القيامة. وفيمن يجيبه حينئذ قولان: أحدهما: أنه يجيب نفسه وقد ~~سكت الخلائق لقوله تعالى قاله عطاء. والثاني: أن الخلائق كلهم يجيبونه ~~فيقولون: «لله الواحد القهار» ، قاله ابن جريج. ### | ### | [سورة غافر (40) : الآيات 18 الى # 19] # وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ~~ولا شفيع يطاع (18) يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (19) # قوله تعالى: وأنذرهم يوم الآزفة فيه قولان: أحدهما: أنه يوم القيامة، ~~قاله الجمهور. قال ابن قتيبة: وسميت القيامة بذلك لقربها، يقال: أزف شخوص ~~فلان، أي: قرب. والثاني: أنه يوم حضور المنية، قاله قطرب. قوله تعالى: إذ ~~القلوب لدى الحناجر وذلك أنها ترتقي إلى الحناجر فلا تخرج ولا تعود، هذا ~~على القول الأول، وعلى الثاني: القلوب هي النفوس تبلغ الحناجر عند حضور ~~المنية قال الزجاج: وكاظمين منصوب على الحال، والحال محمولة على المعنى لأن ~~القلوب لا يقال لها: كاظمين، وإنما الكاظمون أصحاب القلوب فالمعنى: إذ قلوب ~~الناس لدى الحناجر في حال كظمهم. قال المفسرون: «كاظمين» أي: مغمومين ~~ممتلئين خوفا وحزنا، والكاظم: الممسك للشيء على ما فيه، وقد أشرنا إلى هذا ~~عند قوله تعالى: والكاظمين الغيظ «1» . ما للظالمين يعني الكافرين من حميم ~~أي: قريب ينفعهم ولا شفيع يطاع فيهم فتقبل شفاعته. يعلم خائنة الأعين قال ~~ابن قتيبة: الخائنة والخيانة واحد. وللمفسرين فيها أربعة أقوال: أحدها: أنه ~~الرجل يكون في القوم فتمر به المرأة فيريهم أنه يغض بصره، فإذا رأى منهم ~~غفلة لحظ إليها، فإن خاف أن يفطنوا له غض بصره، قاله ابن عباس. والثاني: ~~أنه نظر العين إلى ما نهي عنه، قاله مجاهد. والثالث: الغمز بالعين، قاله ~~الضحاك والسدي. قال قتادة: هو الغمز بالعين فيما لا يحبه الله ولا يرضاه. ~~والرابع: النظرة بعد النظرة، قاله ابن السائب. قوله تعالى: وما تخفي الصدور ~~فيه ثلاثة ms1995 أقوال: أحدها: ما تضمره من الفعل أن لو قدرت على ما نظرت إليه، ~~قاله ابن عباس. والثاني: الوسوسة، قاله السدي. والثالث: ما PageV04P033 # يسره القلب من أمانة أو خيانة، حكاه الماوردي. ### | ### | [سورة غافر (40) : الآيات 20 الى # 25] # والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع ~~البصير (20) أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من ~~قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان ~~لهم من الله من واق (21) ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا ~~فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب (22) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان ~~مبين (23) إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب (24) # فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا ~~نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال (25) # قوله تعالى: والله يقضي بالحق أي: يحكم به فيجزي بالحسنة والسيئة. والذين ~~يدعون من دونه من الآلهة. وقرأ نافع، وابن عامر: «تدعون» بالتاء، على معنى: ~~قل لهم: لا يقضون بشيء أي: لا يحكمون بشيء ولا يجازون به وقد نبه الله عز ~~وجل بهذا على أنه حي، لأنه إنما يأمر ويقضي من كان حيا، وأيد ذلك بذكر ~~السمع والبصر، لأنهما إنما يثبتان لحي، قاله أبو سليمان الدمشقي. وما بعد ~~هذا قد تقدم بعضه «1» . وبعضه ظاهر إلى قوله تعالى: كانوا هم أشد منهم قوة ~~وقرأ ابن عامر: «أشد منكم» بالكاف، وكذلك هو في مصاحفهم، وهو على الانصراف ~~من الغيبة إلى الخطاب، وما كان لهم من الله أي: من عذاب الله من واق يقي ~~العذاب عنهم. ذلك أي: ذلك العذاب الذي نزل بهم بأنهم كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينات ... إلى آخر الآية. ثم ذكر قصة موسى وفرعون ليعتبروا. # وأراد بقوله تعالى: اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه أعيدوا القتل عليهم كما ~~كان أولا، قاله ابن عباس. وقال قتادة: كان فرعون قد كف عن قتل الولدان، ~~فلما بعث الله موسى، أعاد عليهم القتل ليصدهم بذلك عن متابعة موسى. قوله ~~تعالى: ms1996 وما كيد الكافرين إلا في ضلال أي: إنه يذهب باطلا ويحيق بهم ما ~~يريده الله عز وجل. ### | [سورة غافر (40) : الآيات 26 الى 34] # وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر ~~في الأرض الفساد (26) وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن ~~بيوم الحساب (27) وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن ~~يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك ~~صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (28) يا قوم ~~لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال ~~فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (29) وقال الذي آمن ~~يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب (30) # مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ~~(31) ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد (32) يوم تولون مدبرين ما لكم من ~~الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد (33) ولقد جاءكم يوسف من قبل ~~بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من ~~بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34) PageV04P034 # وقال فرعون ذروني أقتل موسى وإنما قال هذا، لأنه كان في خاصة فرعون من ~~يمنعه من قتله خوفا من الهلاك وليدع ربه الذي يزعم أنه أرسله فليمنعه من ~~القتل إني أخاف أن يبدل دينكم أي: عبادتكم إياي أو أن يظهر في الأرض الفساد ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: # «وأن» بغير ألف. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «أو أن» بألف قبل الواو، ~~على معنى: إن لم يبدل دينكم أوقع الفساد، إلا أن نافعا وأبا عمرو قرآ: ~~«يظهر» بضم الياء «الفساد» بالنصب. وقرأ الباقون: # «يظهر» بفتح الياء «الفساد» بالرفع، والمعنى: يظهر الفساد بتغيير ~~أحكامنا، فجعل ذلك فسادا بزعمه وقيل: يقتل أبناءكم كما تفعلون ms1997 بهم. # فلما قال فرعون هذا، استعاذ موسى بربه فقال: إني عذت بربي وربكم قرأ ابن ~~كثير، وعاصم، وابن عامر: «عذت» مبينة الذال، وأدغمها أبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو جعفر، وخلف من كل متكبر أي: متعظم عن الإيمان. فقصد فرعون ~~قتل موسى، فقال حينئذ رجل مؤمن من آل فرعون وفي الآل هاهنا قولان «1» : ~~أحدهما: أنه بمعنى الأهل والنسب، قال السدي ومقاتل: كان ابن عم فرعون، وهو ~~المراد بقوله تعالى: وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى «2» . والثاني: # أنه بمعنى القبيلة والعشيرة، قال قتادة ومقاتل: كان قبطيا. وقال قوم: كان ~~إسرائيليا، وإنما المعنى: قال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون. وفي اسمه ~~خمسة أقوال: أحدها: حزبيل، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: حبيب، قاله ~~كعب. والثالث: سمعون، بالسين المهملة، قاله شعيب الجبائي. الرابع: # جبريل. والخامس: شمعان، بالشين المعجمة، رويا عن ابن إسحاق، وكذلك حكى ~~الزجاج «شمعان» بالشين، وذكره ابن ماكولا بالشين المعجمة أيضا. والأكثرون ~~على أنه آمن بموسى لما جاء. وقال الحسن: كان مؤمنا قبل مجيء موسى. وكذلك ~~امرأة فرعون، قال مقاتل: كتم إيمانه من فرعون مائة سنة. # قوله تعالى: أتقتلون رجلا أن يقول أي: لأن يقول ربي الله وهذا استفهام ~~إنكار وقد جاءكم بالبينات أي بما يدل على صدقه وإن يك كاذبا فعليه كذبه أي ~~لا يضركم ذلك وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم من العذاب. وفي «بعض» ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بمعنى «كل» ، قاله أبو عبيدة، وأنشد للبيد: ~~PageV04P035 # تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يعتلق بعض النفوس حمامها # أراد: كل النفوس. والثاني: أنها صلة، والمعنى: يصبكم الذي يعدكم، حكي عن ~~الليث. # والثالث: أنها على أصلها، ثم في ذلك قولان أحدهما: أنه وعدهم النجاة إن ~~آمنوا، والهلاك إن كفروا، فدخل ذكر البعض لأنهم على أحد الحالين. والثاني: ~~أنه وعدهم على كفرهم الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة، فصار هلاكهم في ~~الدنيا بعض الوعد، ذكرهما الماوردي. # قال الزجاج: هذا باب من النظر يذهب فيه المناظر إلى إلزام الحجة بأيسر ما ~~في الأمر، ms1998 وليس في هذا نفي إصابة الكل، ومثله قول الشاعر: # قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون من المستعجل الزلل «1» # وإنما ذكر البعض ليوجب الكل، لأن البعض من الكل، ولكن القائل إذا قال: ~~أقل ما يكون للمتأني إدراك بعض الحاجة، وأقل ما يكون للمستعجل الزلل، فقد ~~أبان فضل المتأني على المستعجل، بما لا يقدر الخصم أن يدفعه، فكأن المؤمن ~~قال لهم: أقل ما يكون في صدقه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم وفي بعض ذلك ~~هلاككم، قال: وأما بيت لبيد: فإنه أراد ببعض النفوس: نفسه وحدها. # قوله تعالى: إن الله لا يهدي أي: لا يوفق للصواب من هو مسرف وفيه قولان: # أحدهما: أنه المشرك، قاله قتادة. والثاني: أنه السفاك الدم، قاله مجاهد. # قوله تعالى: ظاهرين في الأرض أي: عالين في أرض مصر فمن ينصرنا أي: من ~~يمنعنا من بأس الله أي: من عذابه والمعنى: لا تتعرضوا للعذاب بالتكذيب وقتل ~~النبي فقال فرعون عند ذلك: ما أراكم من الرأي والنصيحة إلا ما أرى لنفسي ~~وما أهديكم أي: أدعوكم إلا إلى طريق الهدى في تكذيب موسى والإيمان بي، وهذا ~~يدل على أنه انقطع عن جواب المؤمن. وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم ~~مثل يوم الأحزاب قال الزجاج: أي: مثل يوم حزب حزب والمعنى: # أخاف أن تقيموا على كفركم فينزل بكم من العذاب مثل ما نزل بالأمم المكذبة ~~رسلهم. قوله تعالى: # يوم التناد قرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «التناد» ~~بغير ياء. وأثبت الياء في الوصل والوقف ابن كثير، ويعقوب، وافقهم أبو جعفر ~~في الوصل. وقرأ أبو بكر الصديق، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، ~~وأبو العالية، والضحاك: «التناد» بتشديد الدال. قال الزجاج: # أما إثبات الياء فهو الأصل، وحذفها حسن جميل، لأن الكسرة تدل على الياء، ~~وهو رأس آية، وأواخر هذه الآيات على الدال، ومن قرأ بالتشديد، فهو من ~~قولهم: ند فلان، وند البعير: إذا هرب على وجهه، ويدل على هذا قوله: «يوم ~~تولون مدبرين» وقوله تعالى: يوم يفر المرء ms1999 من أخيه «2» قال أبو علي: معنى ~~الكلام: إني أخاف عليكم عذاب يوم التناد. قال الضحاك: إذا سمع الناس زفير ~~جهنم وشهيقها ندوا فرارا منها في الأرض، فلا يتوجهون قطرا من أقطار الأرض ~~إلا رأوا ملائكة، فيرجعون من حيث جاءوا. وقال غيره: يؤمر بهم إلى النار ~~فيفرون ولا عاصم لهم. فأما قراءة التخفيف، فهي من النداء، وفيها للمفسرين ~~أربعة أقوال: أحدها: أنه عند نفخة الفزع ينادي الناس بعضهم بعضا. ~~PageV04P036 # (1238) روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يأمر الله ~~عز وجل إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السموات ~~والأرض إلا من شاء الله، فتسير الجبال، وترج الأرض، وتذهل المراضع، وتضع ~~الحوامل، ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو قوله: # «يوم التناد» . # والثاني: أنه نداء أهل الجنة والنار بعضهم بعضا كما ذكر في الأعراف «1» ، ~~وهذا قول قتادة. # والثالث: أنه قولهم: يا حسرتنا، يا ويلتنا، قاله ابن جريج. والرابع: أنه ~~ينادى فيه كل أناس بإمامهم بسعادة السعداء وشقاوة الأشقياء. # قوله تعالى: يوم تولون مدبرين فيه قولان: أحدهما: هربا من النار. ~~والثاني: أنه انصرافهم إلى النار. قوله تعالى: ما لكم من الله من عاصم أي: ~~من مانع. # قوله تعالى: ولقد جاءكم يوسف وهو يوسف بن يعقوب، ويقال: إنه ليس به، وليس ~~بشيء. قوله تعالى: من قبل أي: من قبل موسى بالبينات وهي الدلالات على ~~التوحيد، كقوله تعالى: أأرباب متفرقون خير ... الآية «2» ، وقال ابن ~~السائب: البينات: تعبير الرؤيا وشق القميص، PageV04P037 # وقيل: بل بعثه الله تعالى بعد موت ملك مصر إلى القبط. قوله تعالى: فما ~~زلتم في شك مما جاءكم به أي: من عبادة الله وحده حتى إذا هلك أي: مات قلتم ~~لن يبعث الله من بعده رسولا أي: إنكم أقمتم على كفركم وظننتم أن الله لا ~~يجدد إيجاب الحجة عليكم كذلك أي: مثل هذا الضلال يضل الله من هو مسرف أي: ~~مشرك مرتاب أي: شاك في التوحيد وصدق الرسل. ### | ### | [سورة غافر (40) : الآيات 35 الى # 37] # الذين يجادلون في آيات ms2000 الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند ~~الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) وقال فرعون يا ~~هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (36) أسباب السماوات فأطلع إلى إله ~~موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد ~~فرعون إلا في تباب (37) # قوله تعالى: الذين يجادلون قال الزجاج: هذا تفسير المسرف المرتاب، ~~والمعنى: هم الذين يجادلون في آيات الله. قال المفسرون: يجادلون في إبطالها ~~والتكذيب بها بغير سلطان، أي: بغير حجة أتتهم من الله. كبر مقتا أي: كبر ~~جدالهم مقتا عند الله وعند الذين آمنوا، والمعنى: يمقتهم الله ويمقتهم ~~المؤمنون بذلك الجدال. كذلك أي: كما طبع الله على قلوبهم حتى كذبوا وجادلوا ~~بالباطل، يطبع على كل قلب متكبر عن عبادة الله وتوحيده. وقد سبق بيان معنى ~~الجبار في هود «1» . وقرأ أبو عمرو: «على كل قلب» بالتنوين، وغيره من ~~القراء السبعة يضيفه. وقال أبو علي: # المعنى: يطبع على جملة القلب من المتكبر. واختار قراءة الإضافة الزجاج، ~~قال: لأن المتكبر هو الإنسان لا القلب. فإن قيل: لو كانت هذه القراءة أصوب ~~لتقدم القلب على الكل؟ فالجواب: أن هذا جائز عند العرب، قال الفراء: تقدم ~~هذا وتأخره واحد، سمعت بعض العرب يقول: هو يرجل شعره يوم كل جمعة، يريد: كل ~~يوم جمعة، والمعنى واحد. وقد قرأ ابن مسعود وأبو عمران الجوني: «على قلب كل ~~متكبر» بتقديم القلب. # قال المفسرون: فلما وعظ المؤمن فرعون وزجره عن قتل موسى، قال فرعون ~~لوزيره: يا هامان ابن لي صرحا وقد ذكرناه في القصص «2» . قوله تعالى: لعلي ~~أبلغ الأسباب أسباب السماوات قال ابن عباس وقتادة: يعني أبوابها. وقال أبو ~~صالح: طرقها. وقال غيره: المعنى: لعلي أبلغ الطرق من سماء الى سماء. وقال ~~الزجاج: لعلي أبلغ ما يؤديني إلى السموات. وما بعد هذا مفسر في القصص «3» ~~إلى قوله تعالى: وكذلك أي: ومثل ما وصفنا زين لفرعون سوء عمله وصد عن سبيل ~~الهدى. قرأ عاصم، وحمزة والكسائي: «وصد» بضم الصاد، ms2001 والباقون بفتحها، وما ~~كيد فرعون في إبطال آيات موسى إلا في تباب أي: في بطلان وخسران. ### | [سورة غافر (40) : الآيات 38 الى 40] # وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (38) يا قوم إنما هذه ~~الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (39) من عمل سيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ~~يرزقون فيها بغير حساب (40) PageV04P038 # ثم عاد الكلام إلى نصيحة المؤمن لقومه، وهو قوله: اتبعون أهدكم سبيل ~~الرشاد أي: # طريق الهدى، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع يعني: الحياة في هذه ~~الدار متاع يتمتع بها أياما ثم تنقطع وإن الآخرة هي دار القرار التي لا ~~زوال لها. من عمل سيئة فيها قولان: أحدهما: أنها الشرك، ومثلها جهنم، قاله ~~الأكثرون. والثاني: المعاصي، ومثلها: العقوبة بمقدارها، قاله أبو سليمان ~~الدمشقي. فعلى الأول، العمل الصالح: التوحيد، وعلى الثاني، هو على الإطلاق. ~~قوله تعالى: # فأولئك يدخلون الجنة قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «يدخلون» بضم الياء. وقرأ ~~نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: بالفتح، وعن عاصم كالقراءتين. وفي قوله: ~~بغير حساب قولان: أحدهما: # أنهم لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة، قاله مقاتل. والثاني: أنه يصب ~~عليهم الرزق صبا بغير تقتير، قاله أبو سليمان الدمشقي. ### | ### | [سورة غافر (40) : الآيات 41 الى # 46] # ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (41) تدعونني لأكفر ~~بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار (42) لا ~~جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى ~~الله وأن المسرفين هم أصحاب النار (43) فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري ~~إلى الله إن الله بصير بالعباد (44) فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل ~~فرعون سوء العذاب (45) # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب (46) # قوله تعالى: ويا قوم ما لي أدعوكم أي ما لكم، كما تقول: ما لي أراك ~~حزينا، معناه: ما لك، ومعنى الآية: أخبروني ms2002 كيف هذه الحال، أدعوكم إلى ~~النجاة من النار بالإيمان وتدعونني إلى النار أي إلى الشرك الذي يوجب ~~النار؟! ثم فسر الدعوتين بما بعد هذا. # ومعنى ليس لي به علم أي: لا أعلم هذا الذي ادعوه شريكا له. وقد سبق بيان ~~ما بعد هذا «1» إلى قوله تعالى: ليس له دعوة وفيه قولان: أحدهما: ليس له ~~استجابة دعوة، قاله السدي. والثاني: # ليس له شفاعة، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: وأن مردنا إلى الله أي: مرجعنا والمعنى أنه يجازينا ~~بأعمالنا. وفي المسرفين قولان قد ذكرناهما عند قوله عز وجل: مسرف كذاب «2» ~~. # قوله تعالى: فستذكرون ما أقول لكم وقرأ ابن مسعود، وأبو العالية، وأبو ~~عمران الجوني، وأبو رجاء: «فستذكرون» بفتح الذال وتخفيفها وتشديد الكاف ~~وفتحها وقرأ أبي بن كعب، وأيوب السختياني بفتح الذال والكاف وتشديدهما ~~جميعا. أي: إذا نزل العذاب بكم، ما أقول لكم في الدنيا من النصيحة؟! وأفوض ~~أمري إلى الله أي: أرده، وذلك أنهم تواعدوه لمخالفته دينهم إن الله بصير ~~بالعباد أي: بأوليائه وأعدائه. ثم خرج المؤمن عنهم، فطلبوه فلم يقدروا ~~عليه، ونجا مع PageV04P039 # موسى لما عبر البحر، فذلك قوله تعالى: فوقاه الله سيئات ما مكروا أي: ما ~~أرادوا به من الشر وحاق بآل فرعون لما لجوا في البحر سوء العذاب قال ~~المفسرون: هو الغرق. قوله تعالى: النار يعرضون عليها غدوا وعشيا «1» ، قال ~~ابن مسعود وابن عباس: إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود يعرضون على النار ~~كل يوم مرتين فيقال: يا آل فرعون هذه داركم. وروى ابن جرير قال: حدثنا عبد ~~الكريم بن أبي عمير، قال: حدثنا حماد بن محمد البلخي قال: سمعت الأوزاعي، ~~وسأله رجل، فقال: # رأينا طيورا تخرج من البحر فتأخذ ناحية الغرب بيضا، فوجا فوجا، لا يعلم ~~عددها إلا الله، فإذا كان العشي رجع مثلها سودا، قال: وفطنتم إلى ذلك؟ قال: ~~نعم، قال: إن تلك الطير في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على النار غدوا ~~وعشيا، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها وصارت سوداء، فينبت عليها من ms2003 ~~الليل رياش بيض، وتتناثر السود، ثم تغدو ويعرضون على النار غدوا وعشيا، ~~فذلك دأبها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله عز وجل: أدخلوا آل ~~فرعون أشد العذاب «2» . # (1239) وقد روى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة ~~والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل ~~النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة» . # وهذه الآية تدل على عذاب القبر، لأنه بين ما لهم في الآخرة فقال: ويوم ~~تقوم الساعة أدخلوا PageV04P040 # قرأ ابن كثير، وابن عامر وأبو عمرو، وأبو بكر وأبان عن عاصم: «الساعة ~~ادخلوا» بالضم، وضم الخاء على معنى الأمر لهم بالدخول، والابتداء على قراءة ~~هؤلاء بضم الألف. وقرأ الباقون: بالقطع مع كسر الخاء على جهة الأمر ~~للملائكة بإدخالهم، وهؤلاء يبتدئون بفتح الألف. ### | ### | [سورة غافر (40) : الآيات 47 الى # 52] # وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل ~~أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (47) قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن ~~الله قد حكم بين العباد (48) وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم ~~يخفف عنا يوما من العذاب (49) قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا ~~بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (50) إنا لننصر رسلنا ~~والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51) # يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52) # قوله تعالى: وإذ يتحاجون في النار المعنى: واذكر لقومك يا محمد إذ ~~يختصمون، يعني أهل النار، والآية مفسرة في إبراهيم «1» . والذين استكبروا ~~هم القادة. ومعنى إنا كل فيها أي: نحن وأنتم، إن الله قد حكم بين العباد ~~أي: قضى هذا علينا وعليكم. ومعنى قول الخزنة لهم: # فادعوا أي: نحن لا ندعو لكم وما دعاء الكافرين إلا في ضلال أي: إن ذلك ~~يبطل ولا ينفع. # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ms2004 فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أن ذلك بإثبات حججهم. # والثاني: بإهلاك عدوهم. والثالث: بأن العاقبة تكون لهم. وفصل الخطاب: أن ~~نصرهم حاصل لا بد منه، فتارة يكون بإعلاء أمرهم كما أعطى داود وسليمان من ~~الملك ما قهرا به كل كافر، وأظهر محمدا صلى الله عليه وسلم على مكذبيه، ~~وتارة يكون بالانتقام من مكذبيهم بانجاء الرسل وإهلاك أعدائهم، كما فعل ~~بنوح وقومه وموسى وقومه، وتارة يكون بالانتقام من مكذبيهم بعد وفاة الرسل، ~~كتسليطه بختنصر على قتلة يحيى بن زكريا. وأما نصرهم يوم يقوم الأشهاد، فإن ~~الله منجيهم من العذاب، وواحد الأشهاد شاهد، كما أن واحد الأصحاب صاحب. وفي ~~الأشهاد ثلاثة أقوال: أحدها: الملائكة، شهدوا للأنبياء بالإبلاغ وعلى الأمم ~~بالتكذيب، قاله مجاهد، والسدي. قال مقاتل: وهم الحفظة من الملائكة. # والثاني: الملائكة والأنبياء، قاله قتادة. والثالث: أنهم أربعة: الأنبياء ~~والملائكة والمؤمنون والجوارح، قاله ابن زيد. # قوله تعالى: يوم لا ينفع قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «تنفع» بالتاء، ~~والباقون بالياء لأن المعذرة والاعتذار بمعنى الظالمين معذرتهم أي: لا يقبل ~~منهم إن اعتذروا ولهم اللعنة أي: البعد من الرحمة. وقد بينا في الرعد «2» ~~أن «لهم» بمعنى «عليهم» ، وسوء الدار: النار. ### | [سورة غافر (40) : الآيات 53 الى 68] # ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (53) هدى وذكرى لأولي ~~الألباب (54) فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والإبكار (55) إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) لخلق ~~السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) # وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ~~ما تتذكرون (58) إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ~~(59) وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين (60) الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله ~~لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ذلكم الله ربكم خالق كل ms2005 ~~شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (62) # كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون (63) الله الذي جعل لكم الأرض ~~قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم ~~فتبارك الله رب العالمين (64) هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له ~~الدين الحمد لله رب العالمين (65) قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون ~~الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين (66) هو الذي ~~خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم ~~لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون ~~(67) # هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (68) ~~PageV04P041 # ولقد آتينا موسى الهدى من الضلالة، يعني التوراة وأورثنا بني إسرائيل ~~الكتاب بعد موسى، وهو التوراة أيضا في قول الأكثرين، وقال ابن السائب: ~~التوراة والإنجيل والزبور، والذكرى بمعنى التذكير. فاصبر على أذاهم إن وعد ~~الله حق في نصرك، وهذه الآية في هذه السورة في موضعين «1» ، وقد ذكروا أنها ~~منسوخة بآية السيف. ومعنى «سبح» : صل. وفي المراد بصلاة العشي والإبكار ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الصلوات الخمس، قاله ابن عباس. والثاني: صلاة ~~الغداة وصلاة العصر، قاله قتادة. والثالث: أنها صلاة كانت قبل أن تفرض ~~الصلوات، ركعتان غدوة، وركعتان عشية، قاله الحسن. # وما بعد هذا قد تقدم آنفا «2» إلى قوله: إن في صدورهم إلا كبر الآية، ~~نزلت في قريش والمعنى: ما يحملهم على تكذيبك إلا ما في صدورهم من التكبر ~~عليك، وما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر، لأن الله تعالى مذلهم، فاستعذ بالله ~~من شرهم ثم نبه على قدرته بقوله: لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~أي: من إعادتهم، وذلك لكثرة أجزائها وعظم جرمها، فنبههم على قدرته على ~~إعادة الخلق. ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعني الكفار حين لا يستدلون بذلك ~~على PageV04P042 # التوحيد. وقال مقاتل «1» . عظمت اليهود الدجال وقالوا: إن صاحبنا يبعث في ~~آخر الزمان وله سلطان، فقال الله: إن الذين ms2006 يجادلون في آيات الله لأن ~~الدجال من آياته، بغير سلطان أي: بغير حجة، فاستعذ بالله من فتنة الدجال. ~~قال: والمراد ب «خلق الناس» : الدجال، وإلى نحو هذا ذهب أبو العالية، ~~والأول أصح «2» . # وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ادعوني أستجب لكم فيه قولان: أحدهما: وحدوني ~~واعبدوني أثبكم، قاله ابن عباس. والثاني: سلوني أعطكم، قاله السدي. إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتي فيه قولان: أحدهما: عن توحيدي. والثاني: عن دعائي ~~ومسألتي سيدخلون جهنم قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم، وعباس بن الفضل عن ~~أبي عمرو: «سيدخلون» بضم الياء، والباقون بفتحها، والداخر: # الصاغر. وما بعد هذا قد سبق في مواضع متفرقة «3» إلى قوله: ولتبلغوا أجلا ~~مسمى وهو أجل الحياة إلى الموت ولعلكم تعقلون توحيد الله وقدرته. ### | ### | [سورة غافر (40) : الآيات 69 الى # 74] # ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (69) الذين كذبوا ~~بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (70) إذ الأغلال في أعناقهم ~~والسلاسل يسحبون (71) في الحميم ثم في النار يسجرون (72) ثم قيل لهم أين ما ~~كنتم تشركون (73) # من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله ~~الكافرين (74) # ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله يعني القرآن، يقولون: ليس من عند ~~الله، أنى يصرفون أي: كيف صرفوا عن الحق إلى الباطل؟! وفيهم قولان: أحدهما: ~~أنهم المشركون، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم القدرية، ذكره جماعة من ~~المفسرين، وكان ابن سيرين يقول: إن لم تكن نزلت في القدرية فلا أدري فيمن ~~نزلت. # وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو رزين، وأبو مجلز، والضحاك، وابن يعمر، ~~وابن أبي عبلة: # «والسلاسل يسحبون» بفتح اللام والياء. وقال ابن عباس: إذا سحبوها كان أشد ~~عليهم. # قوله تعالى: يسجرون قال مجاهد: توقد بهم النار فصاروا وقودها. # قوله تعالى: أين ما كنتم تشركون مفسر في الأعراف «4» . وفي قوله: لم نكن ~~ندعوا من قبل شيئا قولان: أحدهما: أنهم أرادوا أن الأصنام لم تكن شيئا، ~~لأنها لم تكن تضر ولا تنفع، وهو قول ms2007 الأكثرين. والثاني: أنهم قالوه على وجه ~~الجحود، قاله أبو سليمان الدمشقي، كذلك أي: كما أضل الله هؤلاء يضل ~~الكافرين. PageV04P043 ### | [سورة غافر (40) : الآيات 75 الى 85] # ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (75) ادخلوا ~~أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76) فاصبر إن وعد الله حق ~~فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون (77) ولقد أرسلنا رسلا ~~من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون (78) ~~الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) # ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ~~(80) ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون (81) أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض ~~فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (82) فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما ~~عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (83) فلما رأوا بأسنا قالوا ~~آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين (84) # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده ~~وخسر هنالك الكافرون (85) # ذلكم العذاب الذي نزل بكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق أي: ~~بالباطل وبما كنتم تمرحون وقد شرحنا المرح في بني إسرائيل «1» ، وما بعد ~~هذا قد تقدم بتمامه «2» إلى قوله: وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن ~~الله وذلك لأنهم كانوا يقترحون عليه الآيات فإذا جاء أمر الله وهو قضاؤه ~~بين الأنبياء وأممهم، والمبطلون: أصحاب الباطل. # قوله تعالى: ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم أي: حوائجكم في البلاد. قوله ~~تعالى: أي آيات الله تنكرون # استفهام توبيخ. قوله تعالى: فما أغنى عنهم في «ما» قولان: أحدهما: أنها ~~للنفي. والثاني: أنها للاستفهام، ذكرهما ابن جرير. # قوله تعالى: فرحوا بما عندهم من العلم في المشار إليهم قولان: أحدهما: ~~أنهم الأمم المكذبة، قاله الجمهور، ثم في معنى الكلام ms2008 قولان: أحدهما: أنهم ~~قالوا: نحن أعلم منهم لن نبعث ولن نحاسب، قاله مجاهد. والثاني: فرحوا بما ~~كان عندهم أنه علم، قاله السدي. والقول الثاني: أنهم الرسل، والمعنى: فرح ~~الرسل لما هلك المكذبون ونجوا بما عندهم من العلم بالله إذ جاء تصديقه، ~~حكاه أبو سليمان وغيره. قوله تعالى: وحاق بهم يعني بالمكذبين العذاب الذي ~~كانوا به يستهزئون. # والبأس: العذاب. ومعنى سنت الله: أنه سن هذه السنة في الأمم، أي: أن ~~إيمانهم لا ينفعهم إذا رأوا العذاب، وخسر هنالك الكافرون. # فإن قيل: كأنهم لم يكونوا خاسرين قبل ذلك؟ فعنه جوابان. أحدهما: أن «خسر» ~~بمعنى «هلك» ، قاله ابن عباس. والثاني: أنه إنما بين لهم خسرانهم عند نزول ~~العذاب، قاله الزجاج. PageV04P044 # سورة فصلت # مكية كلها بإجماعهم، ويقال لها: سجدة المؤمن، ويقال لها: المصابيح. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة فصلت # (41) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم ~~يعلمون (3) بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (4) # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك ~~حجاب فاعمل إننا عاملون (5) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكاة ~~وهم بالآخرة هم كافرون (7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ~~ممنون (8) # قوله تعالى: تنزيل قال الفراء: يجوز أن يرتفع «تنزيل» ب حم، ويجوز أن ~~يرتفع بإضمار «هذا» . وقال الزجاج: «تنزيل» مبتدأ، وخبره «كتاب فصلت آياته» ~~، هذا مذهب البصريين، وقرآنا منصوب على الحال، المعنى: بينت آياته في حال ~~جمعه، لقوم يعلمون أي لمن يعلم. قوله تعالى: # فأعرض أكثرهم يعني أهل مكة فهم لا يسمعون تكبرا عنه، وقالوا قلوبنا في ~~أكنة أي: في أغطية فلا نفقه قولك. وقد سبق بيان «الأكنة» و «الوقر» في ~~الأنعام «1» . ومعنى الكلام: إنا في ترك القبول منك بمنزلة من لا يسمع ولا ~~يفهم، ومن بيننا وبينك حجاب أي: حاجز في النحلة والدين. # قال الأخفش: «ومن» هاهنا للتوكيد. ms2009 # قوله تعالى: فاعمل فيه قولان: أحدهما: اعمل في إبطال أمرنا إنا عاملون ~~على إبطال أمرك. # والثاني: اعمل على دينك إنا عاملون على ديننا. قل إنما أنا بشر مثلكم أي: ~~لولا الوحي لما دعوتكم. فاستقيموا إليه أي: توجهوا إليه بالطاعة. واستغفروه ~~من الشرك. # قوله تعالى: الذين لا يؤتون الزكاة فيه خمسة أقوال «2» : أحدها: لا ~~يشهدون أن «لا إله إلا PageV04P045 # الله» ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، والمعنى: لا ~~يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد. والثاني: لا يؤمنون بالزكاة ولا يقرون ~~بها، قاله الحسن، وقتادة. والثالث: لا يزكون أعمالهم، قاله مجاهد، والربيع. ~~والرابع: لا يتصدقون، ولا ينفقون في الطاعات، قاله الضحاك، ومقاتل. ~~والخامس: لا يعطون زكاة أموالهم، قال ابن السائب: كانوا يحجون ويعتمرون ولا ~~يزكون. # قوله تعالى: غير ممنون أي: غير مقطوع ولا منقوص. ### | ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 9 الى # 12] # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب ~~العالمين (9) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في ~~أربعة أيام سواء للسائلين (10) ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11) فقضاهن سبع سماوات في ~~يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير ~~العزيز العليم (12) # قوله تعالى: خلق الأرض في يومين قال ابن عباس: في يوم الأحد والاثنين، ~~وبه قال عبد الله بن سلام، والسدي، والأكثرون. وقال مقاتل: في يوم الثلاثاء ~~والأربعاء. # (1240) وقد أخرج مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال: # «خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق ~~الشجر فيها يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم ~~الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس» ، وهذا الحديث يخالف ما تقدم وهو ~~أصح. # قوله تعالى: وتجعلون له أندادا قد شرحناه في البقرة «1» ، وذلك الذي فعل ~~ما ذكر رب العالمين. وجعل فيها رواسي أي: جبالا ثوابت ms2010 من فوق الأرض، وبارك ~~فيها بالأشجار والثمار والحبوب والأنهار، وقيل: البركة فيها: أن ينمي فيها ~~الزرع، فتخرج الحبة حبات، والنواة نخلة وقدر فيها أقواتها قال أبو عبيدة: ~~هي جمع قوت، وهي الأرزاق وما يحتاج إليه. وللمفسرين في هذا التقدير خمسة ~~أقوال «2» : أحدها: أنه شقق الأنهار وغرس الأشجار، قاله ابن عباس. والثاني: ~~أنه قسم أرزاق العباد والبهائم، قاله الحسن. والثالث: أقواتها من المطر، ~~قاله مجاهد. والرابع: قدر لكل بلدة ما لم PageV04P046 # يجعله في الأخرى كما أن ثياب اليمن لا تصلح إلا ب «اليمن» والهروية ب ~~«هراة» ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة، قاله عكرمة والضحاك. والخامس: قدر ~~البر لأهل قطر، والتمر لأهل قطر، والذرة لأهل قطر، قاله ابن السائب. قوله ~~تعالى: في أربعة أيام أي: في تتمة أربعة أيام. قال الأخفش: # ومثله أن تقول: تزوجت أمس امرأة، واليوم ثنتين، وإحداهما التي تزوجتها ~~أمس. قال المفسرون: # يعني: الثلاثاء والأربعاء، وهما مع الأحد والإثنين أربعة أيام. قوله ~~تعالى: سواء قرأ أبو جعفر: # «سواء» بالرفع. وقرأ يعقوب، وعبد الوارث: «سواء» بالجر. وقرأ الباقون من ~~العشرة: بالنصب. قال الزجاج: من قرأ بالخفض، جعل «سواء» من صفة الأيام ~~فالمعنى: في أربعة أيام مستويات تامات ومن نصب، فعلى المصدر فالمعنى: استوت ~~سواء واستواء ومن رفع، فعلى معنى: هي سواء. وفي قوله: للسائلين وجهان: ~~أحدهما: للسائلين القوت، لأن كلا يطلب القوت ويسأله. والثاني: لمن يسأل: في ~~كم خلقت الأرض؟ فيقال: خلقت في أربعة أيام سواء، لا زيادة ولا نقصان. قوله ~~تعالى: # ثم استوى إلى السماء قد شرحناه في البقرة «1» وهي دخان وفيه قولان: ~~أحدهما: أنه لما خلق الماء أرسل عليه الريح فثار منه دخان فارتفع وسما، ~~فسماه سماء. والثاني: أنه لما خلق الأرض أرسل عليها نارا، فارتفع منها دخان ~~فسما. قوله تعالى: فقال لها وللأرض قال ابن عباس: قال للسماء: أظهري شمسك ~~وقمرك ونجومك، وقال للأرض: شققي أنهارك، وأخرجي ثمارك، طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين قال الزجاج: هو منصوب على الحال، وإنما لم يقل: طائعات، لأنهن ~~جرين مجرى ms2011 ما يعقل ويميز، كما قال في النجوم: وكل في فلك يسبحون «2» ، قال: ~~وقد قيل: أتينا نحن ومن فينا طائعين. # فقضاهن أي: خلقهن وصنعهن، قال أبو ذؤيب الهذلي: # وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع «3» # معناه: عملهما وصنعهما. # قوله تعالى: في يومين قال ابن عباس وعبد الله بن سلام: وهما يوم الخميس ~~ويوم الجمعة. # وقال مقاتل: الأحد والإثنين، لأن مذهبه أنها خلقت قبل الأرض. وقد بينا ~~مقدار هذه الأيام في الأعراف «4» . وأوحى في كل سماء أمرها فيه قولان: ~~أحدهما: أوحى ما أراد، وأمر بما شاء، قاله مجاهد، ومقاتل. والثاني: خلق في ~~كل سماء خلقها، قاله السدي. # قوله تعالى: وزينا السماء الدنيا أي: القربى إلى الأرض بمصابيح وهي ~~النجوم، والمصابيح: السرج، فسمي الكوكب مصباحا، لإضاءته وحفظا قال الزجاج: ~~معناه: وحفظناها من استماع الشياطين بالكواكب حفظا. PageV04P047 ### | ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 13 الى # 18] # فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13) إذ جاءتهم الرسل ~~من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ~~ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (14) فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير ~~الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ~~وكانوا بآياتنا يجحدون (15) فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات ~~لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ~~(16) وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب ~~الهون بما كانوا يكسبون (17) # ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (18) # قوله تعالى: فإن أعرضوا عن الإيمان بعد هذا البيان فقل أنذرتكم صاعقة ~~الصاعقة: المهلك من كل شيء والمعنى: أنذرتكم عذابا مثل عذابهم. وإنما خص ~~القبيلتين، لأن قريشا يمرون على قرى القوم في أسفارهم. إذ جاءتهم الرسل من ~~بين أيديهم أي: أتت آباءهم ومن كان قبلهم ومن خلفهم أي: من خلف الآباء، وهم ~~الذين أرسلوا إلى هؤلاء المهلكين ألا تعبدوا أي بأن لا تعبدوا إلا الله ~~قالوا لو شاء ربنا أي لو أراد دعوة الخلق لأنزل ms2012 ملائكة. # قوله تعالى: فاستكبروا أي: تكبروا عن الإيمان وعملوا بغير الحق. وكان هود ~~قد تهددهم بالعذاب فقالوا: نحن نقدر على دفعه بفضل قوتنا. والآيات هاهنا: ~~الحجج. وفي الريح الصرصر أربعة أقوال: أحدها: أنها الباردة، قاله ابن عباس، ~~وقتادة، والضحاك. وقال الفراء: هي الريح الباردة تحرق كالنار، وكذلك قال ~~الزجاج: هي الشديدة البرد جدا فالصرصر متكرر فيها البرد، كما تقول: أقللت ~~الشيء وقلقلته، فأقللته بمعنى رفعته، وقلقلته: كررت رفعه. والثاني: أنها ~~الشديدة السموم، قاله مجاهد. والثالث: الشديدة الصوت، قاله السدي، وأبو ~~عبيدة، وابن قتيبة. والرابع: الباردة الشديدة، قاله مقاتل. # قوله تعالى: في أيام نحسات قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «نحسات» ~~بإسكان الحاء وقرأ الباقون: بكسرها. قال الزجاج: من كسر الحاء، فواحدهن ~~«نحس» ، ومن أسكنها، فواحدهن «نحس» والمعنى: مشؤومات. وفي أول هذه الأيام ~~ثلاثة أقوال «1» : أحدها: غداة يوم الأحد، قاله السدي. # والثاني: يوم الجمعة، قاله الربيع بن أنس. والثالث: يوم الأربعاء، قاله ~~يحيى بن سلام. والخزي: # الهوان. # قوله تعالى: وأما ثمود فهديناهم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: بينا لهم، قاله ~~ابن عباس، وسعيد بن جبير. وقال قتادة: بينا لهم سبيل الخير والشر. والثاني: ~~دعوناهم، قاله مجاهد. والثالث: دللناهم على مذهب الخير، قاله الفراء. قوله ~~تعالى: فاستحبوا العمى أي اختاروا الكفر على الإيمان فأخذتهم صاعقة العذاب ~~الهون أي ذي الهوان، وهو الذي يهينهم. PageV04P048 ### | ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 19 الى # 25] # ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (19) حتى إذا ما جاؤها شهد ~~عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) وقالوا لجلودهم لم ~~شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ~~ترجعون (21) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ~~ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22) وذلكم ظنكم الذي ظننتم ~~بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23) # فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين (24) وقيضنا ~~لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد ms2013 ~~خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (25) # قوله تعالى: ويوم يحشر أعداء الله وقرأ نافع: «نحشر» بالنون «أعداء» ~~بالنصب. قوله تعالى: # فهم يوزعون أي: يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا. حتى إذا ما جاؤها يعني ~~النار التي حشروا إليها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم، وفي المراد ~~بالجلود ثلاثة أقوال: أحدها: الأيدي والأرجل. والثاني: الفروج، رويا عن ابن ~~عباس. والثالث: أنه الجلود نفسها، حكاه الماوردي. وقد أخرج مسلم في أفراده ~~من حديث أنس بن مالك قال: # (1241) كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال: «هل تدرون مم ~~أضحك؟» قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا ~~رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز علي إلا ~~شاهدا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام الكاتبين ~~شهودا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، ~~قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت أناضل» . # قوله تعالى: قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء أي: مما نطق. وهاهنا تم ~~الكلام. وما بعده ليس من جواب الجلود. # قوله تعالى: وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم. # (1242) روى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث ابن مسعود قال: كنت ~~مستترا بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر، قرشي وختناه ثقفيان، أو ثقفي وختناه ~~قرشيان، كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال ~~أحدهم: أترون الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخران: إنا إذا PageV04P049 # رفعنا أصواتنا سمعه، وإن لم نرفع لم يسمع، وقال الآخر: إن سمع منه شيئا ~~سمعه كله، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: وما ~~كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم إلى قوله: من الخاسرين. # ومعنى «تستترون» : تستخفون «أن يشهد» أي: من أن يشهد «عليكم سمعكم» لأنكم ~~لا تقدرون على الاستخفاء من جوارحكم، ولا تظنون أنها تشهد ولكن ظننتم أن ~~الله لا يعلم كثيرا مما تعملون قال ابن ms2014 عباس: كان الكفار يقولون: إن الله ~~لا يعلم ما في أنفسنا، ولكنه يعلم ما يظهر، وذلكم ظنكم أي: أن الله لا يعلم ~~ما تعملون، أرداكم أهلككم. فإن يصبروا أي: على النار فهي مسكنهم، وإن ~~يستعتبوا أي: يسألوا أن يرجع لهم إلى ما يحبون، لم يرجع لهم، لأنهم لا ~~يستحقون ذلك. # يقال: أعتبني فلان، أي: أرضاني بعد إسخاطه إياي. واستعتبته، أي: طلبت منه ~~أن يعتب، أي: # يرضى. قوله تعالى: وقيضنا لهم قرناء أي: سببنا لهم قرناء من الشياطين ~~فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ما بين أيديهم ~~من أمر الآخرة أنه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب، وما خلفهم من أمر ~~الدنيا، فزينوا لهم اللذات وجمع الأموال وترك الإنفاق في الخير. والثاني: # ما بين أيديهم من أمر الدنيا، وما خلفهم من أمر الآخرة، على عكس الأول. ~~والثالث: ما بين أيديهم: # ما فعلوه، وما خلفهم: ما عزموا على فعله. وباقي الآية قد تقدم تفسيره «1» ~~. ### | ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 26 الى # 28] # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26) ~~فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون (27) ~~ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا ~~يجحدون (28) # قوله تعالى: وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن أي: لا تسمعوه ~~والغوا فيه أي: عارضوه باللغو، وهو الكلام الخالي عن فائدة. وكان الكفار ~~يوصي بعضهم بعضا: إذا سمعتم القرآن من محمد وأصحابه فارفعوا أصواتكم حتى ~~تلبسوا عليهم قولهم. وقال مجاهد: والغوا فيه بالمكاء والصفير والتخليط من ~~القول على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ لعلكم تغلبون فيسكتون. # قوله تعالى: ذلك جزاء أعداء الله يعني العذاب المذكور. وقوله: النار بدل ~~من الجزاء لهم فيها دار الخلد أي: دار الإقامة. قال الزجاج: النار هي ~~الدار، ولكنه كما تقول: لك في هذه الدار دار السرور، وأنت تعني الدار ~~بعينها، قال الشاعر: # أخو رغائب يعطيها ويسألها ... يأبى الظلامة منه النوفل الزفر ms2015 «2» ~~PageV04P050 ### | ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 29 الى # 32] # وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت ~~أقدامنا ليكونا من الأسفلين (29) إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم ~~توعدون (30) نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي ~~أنفسكم ولكم فيها ما تدعون (31) نزلا من غفور رحيم (32) # قوله تعالى: وقال الذين كفروا لما دخلوا النار ربنا أرنا الذين أضلانا ~~وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «أرنا» بسكون الراء. قال المفسرون: يعنون ~~إبليس وقابيل، لأنهما سنا المعصية، نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين ~~أي: في الدرك الأسفل، وهو أشد عذابا من غيره. ثم ذكر المؤمنين فقال: إن ~~الذين قالوا ربنا الله أي: وحدوه ثم استقاموا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: # استقاموا على التوحيد، قاله أبو بكر الصديق، ومجاهد. والثاني: على طاعة ~~الله وأداء فرائضه، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة. والثالث: على الإخلاص ~~والعمل إلى الموت، قاله أبو العالية، والسدي. # (1243) وروى عطاء عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق، ~~وذلك أن المشركين قالوا: ربنا الله، والملائكة بناته، وهؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله، فلم يستقيموا، وقالت اليهود: # ربنا الله، وعزير ابنه، ومحمد ليس بنبي، فلم يستقيموا، وقالت النصارى: ~~ربنا الله، والمسيح ابنه، ومحمد ليس بنبي، فلم يستقيموا، وقال أبو بكر: ~~ربنا الله وحده، ومحمد عبده ورسوله، فاستقام. # قوله تعالى: تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا أي: بأن لا تخافوا. وفي وقت ~~نزولها عليهم قولان «1» : أحدهما: عند الموت، قاله ابن عباس، ومجاهد فعلى ~~هذا في معنى «ألا تخافوا» قولان: # أحدهما: لا تخافوا الموت، ولا تحزنوا على أولادكم، قاله مجاهد. والثاني: ~~لا تخافوا ما أمامكم، ولا تحزنوا على ما خلفكم، قاله عكرمة، والسدي. والقول ~~الثاني: تتنزل عليهم إذا قاموا من القبور، قاله قتادة فيكون معنى «ألا ~~تخافوا» : أنهم يبشرونهم بزوال الخوف والحزن يوم القيامة. قوله تعالى: # نحن أولياؤكم # قال المفسرون: هذا قول الملائكة لهم، والمعنى: نحن الذين كنا نتولاكم ms2016 في ~~الدنيا، لأن الملائكة تتولى المؤمنين وتحبهم لما ترى من أعمالهم المرفوعة ~~إلى السماء، وفي الآخرة # أي: # ونحن معكم في الآخرة لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة. وقال السدي: هم الحفظة ~~على ابن آدم، فلذلك قالوا: «نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة» # وقيل: هم الملائكة الذين يأتون لقبض الأرواح. # قوله تعالى: ولكم فيها # أي: في الجنة. نزلا قال الزجاج: معناه: أبشروا بالجنة تنزلونها نزلا. ~~وقال الأخفش: لكم فيها ما تشتهي أنفسكم أنزلناه نزلا. ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 33 الى 36] # ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين (33) ~~ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم (34) وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ ~~عظيم (35) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ~~(36) PageV04P051 # قوله تعالى: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله فيمن أريد بهذا ثلاثة أقوال ~~«1» : أحدها: أنهم المؤذنون. روى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # (1244) «نزلت في المؤذنين» ، وهذا قول عائشة، ومجاهد، وعكرمة. # (1245) والثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى شهادة أن لا ~~إله إلا الله، قاله ابن عباس، والسدي، وابن زيد. والثالث: أنه المؤمن أجاب ~~الله إلى ما دعاه، ودعا الناس إلى ذلك وعمل صالحا في إجابته، قاله الحسن. # وفي قوله تعالى: وعمل صالحا ثلاثة أقوال: أحدها: صلى ركعتين بعد الأذان، ~~وهو قول عائشة، ومجاهد، وروى إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم: «ومن ~~أحسن قولا ممن دعا إلى الله» قال: الأذان «وعمل صالحا» قال: الصلاة بين ~~الأذان والإقامة. والثاني: أدى الفرائض وقام لله بالحقوق، قاله عطاء. ~~والثالث: صام وصلى، قاله عكرمة. # قوله تعالى: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة قال الزجاج: «لا» زائدة مؤكدة ~~والمعنى: ولا تستوي الحسنة والسيئة، وللمفسرين فيهما ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أن الحسنة: الإيمان، والسيئة: الشرك، قاله ابن عباس.. والثاني: الحلم ~~والفحش، قاله الضحاك. والثالث: ms2017 النفور والصبر، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: ادفع بالتي هي أحسن وذلك كدفع الغضب بالصبر، والإساءة ~~بالعفو، فإذا فعلت ذلك صار الذي بينك وبينه عداوة كالصديق القريب «2» . ~~وقال عطاء. هو السلام على من تعاديه إذا PageV04P052 # لقيته. قال المفسرون: وهذه الآية منسوخة بآية السيف. قوله تعالى: وما ~~يلقاها أي: ما يعطاها. # قال الزجاج: ما يلقى هذه الفعلة: وهي دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا ~~على كظم الغيظ وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم من الخير. وقال السدي: إلا ذو جد. ~~وقال قتادة: الحظ العظيم: الجنة فالمعنى: ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة. # قوله تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ قد فسرناه في الأعراف «1» . ### | ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 37 الى # 39] # ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ~~واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (37) فإن استكبروا فالذين عند ~~ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون (38) ومن آياته أنك ترى الأرض ~~خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه ~~على كل شيء قدير (39) # قوله تعالى: فإن استكبروا أي: تكبروا عن التوحيد والعبادة فالذين عند ربك ~~يعني الملائكة يسبحون أي: يصلون. و «يسأمون» بمعنى يملون. وفي موضع السجدة ~~قولان «2» : # أحدهما: أنه عند قوله: «يسأمون» ، قاله ابن عباس، ومسروق، وقتادة، ~~واختاره القاضي أبو يعلى، لأنه تمام الكلام. والثاني: أنه عند قوله: إن ~~كنتم إياه تعبدون، روي عن أصحاب عبد الله، والحسن، وأبي عبد الرحمن. # قوله تعالى: ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة قال قتادة: غبراء متهشمة، قال ~~الأزهري: إذا يبست الأرض ولم تمطر، قيل: خشعت. قوله تعالى: اهتزت أي: تحركت ~~بالنبات وربت أي علت، لأن النبت إذا أراد أن يظهر ارتفعت له الأرض وقد سبق ~~بيان هذا «3» . ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 40 الى 42] # إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من ~~يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير (40) إن الذين ~~كفروا بالذكر لما جاءهم ms2018 وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42) # قوله تعالى: إن الذين يلحدون في آياتنا قال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وقد ~~شرحنا معنى الإلحاد في النحل «4» وفي المراد به هاهنا خمسة أقوال: أحدها: ~~أنه وضع الكلام على غير موضعه، PageV04P053 # رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: أنه المكاء والصفير عند تلاوة القرآن، ~~قاله مجاهد. والثالث: أنه التكذيب بالآيات، قاله قتادة. والرابع: أنه ~~المعاندة، قاله السدي. والخامس: أنه الميل عن الإيمان بالآيات، قاله مقاتل. # قوله تعالى: لا يخفون علينا هذا وعيد بالجزاء أفمن يلقى في النار خير أم ~~من يأتي آمنا يوم القيامة وهذا عام، غير أن المفسرين ذكروا فيمن أريد به ~~سبعة أقوال: أحدها: أنه أبو جهل وأبو بكر الصديق، رواه الضحاك عن ابن عباس. ~~والثاني: أبو جهل وعمار بن ياسر، قاله عكرمة. والثالث: أبو جهل ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، قاله ابن السائب، ومقاتل. والرابع: أبو جهل وعثمان بن ~~عفان، حكاه الثعلبي. # والخامس: أبو جهل وحمزة، حكاه الواحدي. والسادس: أبو جهل وعمر بن الخطاب. ~~والسابع: # الكافر والمؤمن، حكاهما الماوردي. # قوله تعالى: اعملوا ما شئتم قال الزجاج: لفظه لفظ الأمر، ومعناه الوعيد ~~والتهديد. قوله تعالى: إن الذين كفروا بالذكر يعني القرآن ثم أخذ في وصف ~~الذكر وترك جواب «إن» ، وفي جوابها هاهنا قولان: أحدهما: أنه «أولئك ينادون ~~من مكان بعيد» ، ذكره الفراء. والثاني: أنه متروك، وفي تقديره قولان: ~~أحدهما: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم كفروا به. والثاني: إن الذين ~~كفروا يجازون بكفرهم. # قوله تعالى: وإنه لكتاب عزيز فيه أربعة أقوال: أحدها: منيع من الشيطان لا ~~يجد إليه سبيلا، قاله السدي. والثاني: كريم على الله، قاله ابن السائب. ~~والثالث: منيع من الباطل، قاله مقاتل. # والرابع: يمتنع على الناس أن يقولوا مثله، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: لا يأتيه الباطل فيه ثلاثة أقوال. أحدها: التكذيب، قاله سعيد ~~بن جبير. والثاني: # الشيطان. والثالث: التبديل، رويا عن مجاهد. قال قتادة: لا يستطيع إبليس ~~أن ينقص ms2019 منه حقا ولا يزيد فيه باطلا، وقال مجاهد: لا يدخل فيه ما ليس منه. ~~وفي قوله: من بين يديه ولا من خلفه ثلاثة اقوال: أحدها: بين يدي تنزيله ~~وبعد نزوله. والثاني: أنه ليس قبله كتاب يبطله ولا يأتي بعده كتاب يبطله. ~~والثالث: لا يأتيه الباطل في إخباره عما تقدم ولا في إخباره عما تأخر. ### | ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 43 الى # 44] # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم ~~(43) ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياتهء أعجمي وعربي قل هو ~~للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ~~ينادون من مكان بعيد (44) # قوله تعالى: ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك فيه قولان: أحدهما: ~~أنه قد قيل فيمن أرسل قبلك: ساحر وكاهن ومجنون. وكذبوا كما كذبت، هذا قول ~~الحسن، وقتادة، والجمهور. # والثاني: ما تخبر إلا بما أخبر الأنبياء قبلك من أن الله غفور، وأنه ذو ~~عقاب، حكاه الماوردي. قوله تعالى: ولو جعلناه يعني الكتاب الذي أنزل عليه ~~قرآنا أعجميا أي: بغير لغة العرب لقالوا لولا فصلت آياته أي: هلا بينت ~~آياته بالعربية حتى نفهمه؟! ء أعجمي وعربي قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وحفص عن عاصم: «آعجمي» بهمزة ممدودة، وقرأ حمزة، والكسائي وأبو ~~بكر # PageV04P054 # عن عاصم: «أأعجمي» بهمزتين، والمعنى: أكتاب أعجمي ونبي عربي؟! وهذا ~~استفهام إنكار أي: لو كان كذلك لكان أشد لتكذيبهم. قل هو يعني القرآن للذين ~~آمنوا هدى # من الضلالة وشفاء للشكوك والأوجاع. و «الوقر» : الصمم فهم في ترك القبول ~~بمنزلة من في أذنه صمم. وهو عليهم عمى أي: ذو عمى. قال قتادة: صموا عن ~~القرآن وعموا عنه، أولئك ينادون من مكان بعيد أي: إنهم لا يسمعون ولا ~~يفهمون كالذي ينادي من بعيد. ### | ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 45 الى # 46] # ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~وإنهم لفي شك منه مريب (45) من ms2020 عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك ~~بظلام للعبيد (46) # قوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتاب هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمعنى: كما آمن بكتابك قوم وكذب به قوم. فكذلك كتاب موسى، ولولا ~~كلمة سبقت من ربك في تأخير العذاب إلى أجل مسمى وهو القيامة لقضي بينهم ~~بالعذاب الواقع بالمكذبين وإنهم لفي شك من صدقك وكتابك، مريب أي: موقع لهم ~~الريبة. ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 47 الى 48] # إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد (47) ~~وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص (48) # قوله تعالى: إليه يرد علم الساعة سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: أخبرنا عن الساعة إن كنت رسولا كما تزعم، قاله مقاتل «1» . ~~ومعنى الآية: لا يعلم قيامها إلا هو، فإذا سئل عنها فعلمها مردود إليه. وما ~~تخرج من ثمرات قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن ~~عاصم: # «من ثمرة» . وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «من ثمرات» على الجمع ~~من أكمامها أي: # أوعيتها. قال ابن قتيبة: أي: من المواضع التي كانت فيها مستترة، وغلاف كل ~~شيء: كمه، وإنما قيل: # كم القميص، من هذا. قال الزجاج: الأكمام: ما غطى، وكل شجرة تخرج ما هو ~~مكمم فهي ذات أكمام، وأكمام النخلة: ما غطى جمارها من السعف والليف والجذع، ~~وكل ما أخرجته النخلة فهو ذو أكمام، فالطلعة كمها قشرها، ومن هذا قيل ~~للقلنسوة: كمة، لأنها تغطي الرأس، ومن هذا كما القميص، لأنهما يغطيان ~~اليدين. # قوله تعالى: ويوم يناديهم أي: ينادي الله تعالى المشركين أين شركائي ~~الذين كنتم تزعمون قالوا آذناك قال الفراء، وابن قتيبة: أعلمناك، وقال ~~مقاتل: أسمعناك ما منا من شهيد فيه قولان: أحدهما: أنه من قول المشركين ~~والمعنى: ما منا من شهيد بأن لك شريكا، فيتبرؤون يومئذ مما كانوا يقولون، ~~هذا قول مقاتل. والثاني: ms2021 أنه من قول الآلهة التي كانت تعبد والمعنى: ما منا ~~من شهيد لهم بما قالوا، قاله الفراء، وابن قتيبة. PageV04P055 # قوله تعالى: وضل عنهم أي بطل عنهم في الآخرة ما كانوا يدعون أي يعبدون في ~~الدنيا وظنوا أي أيقنوا ما لهم من محيص وقد شرحنا المحيص في سورة النساء ~~«1» . ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 49 الى 52] # لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط (49) ولئن أذقناه ~~رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت ~~إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من ~~عذاب غليظ (50) وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر ~~فذو دعاء عريض (51) قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن ~~هو في شقاق بعيد (52) # قوله تعالى: لا يسأم الإنسان قال المفسرون: المراد به الكافر فالمعنى: لا ~~يمل الكافر من دعاء الخير أي: من دعائه بالخير، وهو المال والعافية. وإن ~~مسه الشر وهو الفقر والشدة، والمعنى: إذا اختبر بذلك يئس من روح الله وقنط ~~من رحمته. وقال أبو عبيدة: اليؤوس، فعول من يأس، والقنوط، فعول من قنط. # قوله تعالى: ولئن أذقناه رحمة منا أي: خيرا وعافية وغنى، ليقولن هذا لي ~~أي: هذا واجب لي بعملي وأنا محقوق به، ثم يشك في البعث فيقول: وما أظن ~~الساعة قائمة أي: لست على يقين من البعث ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده ~~للحسنى يعني الجنة، أي: كما أعطاني في الدنيا يعطيني في الآخرة فلننبئن ~~الذين كفروا أي: لنخبرنهم بمساوئ أعمالهم. وما بعده قد سبق «2» إلى قوله ~~تعالى: ونأى بجانبه قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، «ونأى» مثل «نعى» ، ~~وقرأ ابن عامر: «وناء» مفتوحة النون، ممدودة والهمزة بعد الألف. وقرأ حمزة: ~~«نئى» مكسورة النون والهمزة. فذو دعاء عريض قال الفراء، وابن قتيبة: معنى ~~العريض: الكثير، وإن وصفته بالطول أو بالعرض جاز في الكلام. قل يا محمد ~~لأهل مكة أرأيتم إن كان القرآن ms2022 من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في ~~شقاق أي خلاف للحق بعيد عنه؟ وهو اسم والمعنى: فلا أحد أضل منكم. وقال ابن ~~جرير: معنى الآية: ثم كفرتم به، ألستم في شقاق للحق وبعد عن الصواب؟! فجعل ~~مكان هذا باقي الآية. ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 53 الى 54] # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف ~~بربك أنه على كل شيء شهيد (53) ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل ~~شيء محيط (54) # قوله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم فيه خمسة أقوال «3» : ~~أحدها: في الآفاق: PageV04P056 # فتح أقطار الأرض، وفي أنفسهم: فتح مكة، قاله الحسن، ومجاهد، والسدي. ~~والثاني: أنها في الآفاق: وقائع الله في الأمم الخالية، وفي أنفسهم: يوم ~~بدر، قاله قتادة، ومقاتل. والثالث: أنها في الآفاق: إمساك القطر عن الأرض ~~كلها، وفي أنفسهم: البلايا التي تكون في أجسادهم، قاله ابن جريج. # والرابع: أنها في الآفاق: آيات السماء كالشمس والقمر والنجوم، وفي ~~أنفسهم: حوادث الأرض، قاله ابن زيد. وحكي عن ابن زيد أن التي في أنفسهم: ~~سبيل الغائط والبول، فإن الإنسان يأكل ويشرب من مكان واحد، ويخرج من ~~مكانين. والخامس: أنها في الآفاق: آثار من مضى قبلهم من المكذبين، وفي ~~أنفسهم: كونهم خلقوا نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما إلى أن نقلوا إلى العقل ~~والتمييز، قاله الزجاج. # قوله تعالى: حتى يتبين لهم أنه الحق في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ~~ترجع إلى القرآن. # والثاني: إلى جميع ما دعاهم إليه الرسول. وقال ابن جرير: معنى الآية: حتى ~~يعلموا حقيقة ما أنزلنا على محمد وأوحينا إليه من الوعد له بأنا مظهر ودينه ~~على الأديان كلها. أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد أي: أو لم يكف به أنه ~~شاهد على كل شيء؟! قال الزجاج: المعنى: أو لم يكفهم شهادة ربك؟! ومعنى ~~الكفاية هاهنا: أنه قد بين لهم ما فيه كفاية في الدلالة على توحيده وتثبيت ~~رسله. # PageV04P057 # سورة الشورى # وتسمى: سورة حم، عسق. ms2023 وهي مكية، رواه العوفي وغيره عن ابن عباس، وبه قال ~~الحسن، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والجمهور. وحكي عن ابن عباس وقتادة قالا: ~~إلا أربع آيات نزلن بالمدينة، أولها: قل لا أسئلكم عليه أجرا «1» وقال ~~مقاتل: فيها من المدني قوله: ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا إلى ~~قوله: بذات الصدور «2» وقوله: والذين إذا أصابهم البغي إلى قوله: من سبيل ~~«3» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الشورى # (42) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) عسق (2) كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ~~(3) له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم (4) # تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن ~~في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (5) والذين اتخذوا من دونه أولياء ~~الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل (6) # قوله تعالى: حم قد سبق تفسيره. قوله تعالى: عسق فيه ثلاثة أقوال «4» . ~~أحدها: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس. والثاني: أنه حروف من أسماء ثم فيه خمسة أقوال: أحدها: أن العين علم ~~الله، والسين سناؤه، والقاف قدرته، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال الحسن. ~~والثاني: أن العين فيها عذاب، والسين فيها مسخ، والقاف فيها قذف، رواه أبو ~~الجوزاء عن ابن عباس. والثالث: أن الحاء من حرب، والميم من تحويل ملك، ~~والعين من عدو مقهور، والسين استئصال بسنين كسني يوسف، والقاف من قدرة الله ~~في ملوك الأرض، قاله عطاء. # والرابع: أن العين من عالم، والسين من قدوس، والقاف من قاهر، قاله سعيد ~~بن جبير. والخامس: أن العين من العزيز، والسين من السلام، والقاف من ~~القادر، قاله السدي. والثالث: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. ~~PageV04P058 # قوله تعالى: كذلك يوحي إليك فيه أربعة أقوال «1» : أحدها: أنه كما أوحيت ~~«حم عسق» إلى كل نبي، كذلك نوحيها إليك، قاله أبو صالح عن ابن عباس «2» . ~~والثاني: كذلك نوحي إليك أخبار الغيب كما أوحينا إلى من قبلك، رواه عطاء عن ~~ابن عباس. ms2024 والثالث: أن «حم عسق» نزلت في أمر العذاب، فقيل: كذلك نوحي إليك ~~أن العذاب نازل بمن كذبك كما أوحينا ذلك إلى من كان قبلك، قاله مقاتل. # والرابع: أن المعنى: هكذا نوحي إليك، قاله ابن جرير. # وقرأ ابن كثير: «يوحى» بضم الياء وفتح الحاء كأنه إذا قيل: من يوحي؟ قيل: ~~الله. وروى أبان عن عاصم: «نوحي» بالنون وكسر الحاء. # تكاد السماوات يتفطرن قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة: «تكاد» بالتاء ~~«يتفطرن» بياء وتاء مفتوحة وفتح الطاء وتشديدها. وقرأ نافع، والكسائي، ~~«يكاد» بالياء «يتفطرن» مثل قراءة ابن كثير. وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن ~~عاصم: «تكاد» بالتاء «ينفطرن» بالنون وكسر الطاء وتخفيفها، أي: يتشققن من ~~فوقهن أي: من فوق الأرضين من عظمة الرحمن وقيل: من قول المشركين: «اتخذ ~~الله ولدا» . # ونظيرها التي في مريم «3» . والملائكة يسبحون بحمد ربهم قال بعضهم: يصلون ~~بأمر ربهم وقال بعضهم: ينزهونه عما لا يجوز في صفته ويستغفرون لمن في الأرض ~~فيه قولان: أحدهما: أنه أراد المؤمنين، قاله قتادة، والسدي. والثاني: أنهم ~~كانوا يستغفرون للمؤمنين، فلما ابتلي هاروت وماروت استغفروا لمن في الأرض. ~~ومعنى استغفارهم: سؤالهم الرزق لهم، قاله ابن السائب. وقد زعم قوم منهم ~~مقاتل أن هذه الآية منسوخة بقوله: ويستغفرون للذين آمنوا «4» ، وليس بشيء، ~~لأنهم إنما يستغفرون للمؤمنين دون الكفار، فلفظ هذه الآية عام، ومعناها ~~خاص، ويدل على التخصيص قوله: # ويستغفرون للذين آمنوا لأن الكافر لا يستحق أن يستغفر له. # قوله تعالى: والذين اتخذوا من دونه أولياء يعني كفار مكة اتخذوا آلهة ~~فعبدوها من دونه الله حفيظ عليهم أي: حافظ لأعمالهم ليجازيهم بها وما أنت ~~عليهم بوكيل أي: لم نوكلك بهم فتؤخذ بهم. وهذه الآية عند جمهور المفسرين ~~منسوخة بآية السيف، ولا يصح. ### | ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 7 الى # 9] # وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع ~~لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (7) ولو شاء الله لجعلهم أمة ~~واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم ms2025 من ولي ولا نصير (8) أم ~~اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحي الموتى وهو على كل شيء قدير ~~(9) PageV04P059 # قوله تعالى: وكذلك أي: ومثل ما ذكرنا أوحينا إليك قرآنا عربيا ليفهموا ما ~~فيه لتنذر أم القرى يعني مكة، والمراد: أهلها، وتنذر يوم الجمع أي: وتنذرهم ~~يوم الجمع، وهو يوم القيامة، يجمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات ~~والأرضين لا ريب فيه أي: لا شك في هذا الجمع أنه كائن، ثم بعد الجمع ~~يتفرقون، وهو قوله: فريق في الجنة وفريق في السعير. ثم ذكر سبب افتراقهم ~~فقال: ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة أي على دين واحد، كقوله: لجمعهم على ~~الهدى «1» ولكن يدخل من يشاء في رحمته أي في دينه والظالمون وهم الكافرون ~~ما لهم من ولي يدفع عنهم العذاب ولا نصير يمنعهم منه. أم اتخذوا من دونه أي ~~بل اتخذ الكافرون من دون الله أولياء يعني آلهة يتولونهم فالله هو الولي أي ~~ولي أوليائه، فليتخذوه وليا دون الآلهة وقال ابن عباس: وليك يا محمد وولي ~~من اتبعك. ### | ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 10 الى # 14] # وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه ~~أنيب (10) فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام ~~أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11) له مقاليد ~~السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم (12) شرع لكم ~~من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ~~الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) وما تفرقوا إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم ~~وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب (14) # قوله تعالى: وما اختلفتم فيه من شيء أي: من أمر الدين وقيل: بل هو عام ~~فحكمه إلى الله فيه قولان: أحدهما: ms2026 علمه عند الله. والثاني: هو يحكم فيه. ~~قال مقاتل: وذلك أن أهل مكة كفر بعضهم بالقرآن وآمن بعضهم، فقال الله: أنا ~~الذي أحكم فيه ذلكم الله الذي يحكم بين المختلفين هو ربي عليه توكلت في ~~مهماتي وإليه أنيب أي أرجع في المعاد. فاطر السماوات قد سبق بيانه «2» ، ~~جعل لكم من أنفسكم أي من مثل خلقكم أزواجا نساء ومن الأنعام أزواجا أصنافا ~~ذكورا وإناثا، والمعنى أنه خلق لكم الذكر والأنثى من الحيوان كله يذرؤكم ~~فيها ثلاثة أقوال: # أحدها: يخلقكم، قاله السدي. والثاني: يعيشكم، قاله مقاتل. والثالث: ~~يكثركم، قاله الفراء. وفي قوله فيه قولان: أحدهما: أنها على أصلها، قاله ~~الأكثرون. فعلى هذا في هاء الكناية ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها ترجع إلى بطون الإناث وقد تقدم ذكر الأزواج، قاله زيد بن ~~أسلم. فعلى هذا يكون المعنى: يخلقكم في بطون النساء، وإلى نحو هذا ذهب ابن ~~قتيبة، فقال: يخلقكم في الرحم أو في الزوج وقال ابن جرير: يخلقكم فيما جعل ~~لكم من أزواجكم ويعيشكم فيما جعل لكم من الأنعام. PageV04P060 # والثاني: أنها ترجع إلى الأرض، قاله ابن زيد فعلى هذا يكون المعنى: ~~يذرؤكم فيما خلق من السموات والأرض. والثالث: أنها ترجع إلى الجعل المذكور، ~~ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: # يعيشكم فيما جعل من الأنعام، قاله مقاتل، والثاني: يخلقكم في هذا الوجه ~~الذي ذكر من جعل الأزواج، قاله الواحدي. والقول الثاني: أن «فيه» بمعنى ~~«به» والمعنى: يكثركم بما جعل لكم، قاله الفراء والزجاج. قوله تعالى: ليس ~~كمثله شيء قال ابن قتيبة: أي: ليس كهو شيء، والعرب تقيم المثل مقام النفس، ~~فتقول: مثلي لا يقال له هذا، أي: أنا لا يقال لي هذا. وقال الزجاج: الكاف ~~مؤكدة والمعنى: ليس مثله شيء، وما بعد هذا قد سبق بيانه «1» إلى قوله: شرع ~~لكم أي: بين وأوضح من الدين ما وصى به نوحا وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~تحليل الحلال وتحريم الحرام، قاله قتادة. والثاني: تحريم الأخوات والأمهات، ~~قاله الحكم. والثالث: التوحيد وترك الشرك. قوله تعالى: # والذي أوحينا إليك ms2027 أي: من القرآن وشرائع الإسلام. قال الزجاج: المعنى: ~~وشرع الذي أوحينا إليك وشرع لكم ما وصى به إبراهيم وموسى وعيسى. وقوله: أن ~~أقيموا الدين تفسير قوله: وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى وجائز أن يكون ~~تفسيرا ل ما وصى به نوحا ولقوله: والذي أوحينا إليك ولقوله: وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى، فيكون المعنى: شرع لكم ولمن قبلكم إقامة الدين وترك ~~الفرقة، وشرع الاجتماع على اتباع الرسل. وقال مقاتل: أن أقيموا الدين يعني ~~التوحيد ولا تتفرقوا فيه أي لا تختلفوا كبر على المشركين أي عظم على مشركي ~~مكة ما تدعوهم إليه يا محمد من التوحيد. # قوله تعالى: الله يجتبي إليه أي: يصطفي من عباده لدينه من يشاء ويهدي إلى ~~دينه، من ينيب أي: يرجع إلى طاعته. ثم ذكر افتراقهم بعد أن أوصاهم بترك ~~الفرقة، فقال: وما تفرقوا يعني أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم فيه ~~ثلاثة أقوال: أحدها: من بعد كثرة علمهم للبغي. # والثاني: من بعد أن علموا أن الفرقة ضلال. والثالث: من بعد ما جاءهم ~~القرآن، بغيا منهم على محمد صلى الله عليه وسلم. ولولا كلمة سبقت من ربك في ~~تأخير المكذبين من هذه الأمة إلى يوم القيامة، لقضي بينهم بإنزال العذاب ~~على المكذبين وإن الذين أورثوا الكتاب يعني اليهود والنصارى من بعدهم أي: ~~من بعد أنبيائهم لفي شك منه أي: من محمد صلى الله عليه وسلم. ### | ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 15 الى # 16] # فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من ~~كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة ~~بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) والذين يحاجون في الله من ~~بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد (16) # قوله تعالى: فلذلك فادع قال الفراء: المعنى، فالى ذلك، تقول: دعوت إلى ~~فلان، ودعوت PageV04P061 # لفلان، و «ذلك» بمعنى «هذا» ، وللمفسرين فيه قولان «1» : أحدهما: أنه ~~القرآن، قاله ابن السائب. # والثاني: أنه التوحيد، قاله ms2028 مقاتل. قوله تعالى: ولا تتبع أهواءهم يعني ~~أهل الكتاب، لأنهم دعوه إلى دينهم. قوله تعالى: وأمرت لأعدل بينكم قال بعض ~~النحويين: المعنى: أمرت كي أعدل. وقال غيره: المعنى: أمرت بالعدل. وتقع ~~«أمرت» على «أن» ، وعلى «كي» ، وعلى «اللام» يقال: أمرت أن أعدل، وكي أعدل، ~~ولأعدل. ثم في ما أمر أن يعدل فيه قولان: أحدهما: في الأحكام إذا ترافعوا ~~إليه. # والثاني: في تبليغ الرسالة. قوله تعالى: الله ربنا وربكم أي: هو آلهنا ~~وإن اختلفنا، فهو يجازينا بأعمالنا، فذلك قوله: لنا أعمالنا أي: جزاؤها. لا ~~حجة بيننا وبينكم قال مجاهد: لا خصومة بيننا وبينكم. ### | فصل: # وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أنها اقتضت الاقتصار على الإنذار، وذلك قبل ~~القتال، ثم نزلت آية السيف فنسختها، قاله الأكثرون. والثاني: أن معناها: إن ~~الكلام- بعد ظهور الحجج والبراهين- قد سقط بيننا، فعلى هذا هي محكمة، حكاه ~~شيخنا علي بن عبيد الله عن طائفة من المفسرين. # قوله تعالى: والذين يحاجون في الله أي: يخاصمون في دينه. قال قتادة: هم ~~اليهود، قالوا: # كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن خير منكم. وعلى قول مجاهد: هم ~~المشركون، طمعوا أن تعود الجاهلية. قوله تعالى: من بعد ما استجيب له أي: من ~~بعد إجابة الناس إلى الإسلام حجتهم داحضة أي: خصومتهم باطلة. ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 17 الى 20] # الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب (17) ~~يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها ~~الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18) الله لطيف بعباده ~~يرزق من يشاء وهو القوي العزيز (19) من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ~~ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب (20) # قوله تعالى: الله الذي أنزل الكتاب يعني القرآن بالحق أي: لم ينزله لغير ~~شيء والميزان فيه قولان: أحدهما: أنه العدل، قاله ابن عباس، وقتادة، ~~والجمهور. والثاني: أنه الذي يوزن به، حكي عن مجاهد. ومعنى إنزاله إلهام ~~الخلق أن يعملوا به، وأمر الله ms2029 عز وجل إياهم بالإنصاف. # وسمي العدل ميزانا لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية بين الخلق. وتمام ~~الآية مشروح في الأحزاب «2» . PageV04P062 # قوله تعالى: يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها لأنهم لا يخافون ما فيها، إذ ~~لم يؤمنوا بكونها، فهم يطلبون قيامها استبعادا واستهزاء والذين آمنوا ~~مشفقون أي: خائفون منها لأنهم يعلمون أنهم محاسبون ومجزيون، ولا يدرون ما ~~يكون منهم ويعلمون أنها الحق أي: أنها كائنة لا محالة ألا إن الذين يمارون ~~في الساعة أي: يخاصمون في كونها لفي ضلال بعيد حين لم يتفكروا، فيعلموا ~~قدرة الله على إقامتها. الله لطيف بعباده قد شرحنا معنى اسمه «اللطيف» في ~~الأنعام «1» ، وفي عباده ها هنا قولان: أحدهما: أنهم المؤمنون. والثاني: ~~أنه عام في الكل. ولطفه بالفاجر: أنه لا يهلكه. يرزق من يشاء أي: يوسع له ~~الرزق. قوله تعالى: من كان يريد حرث الآخرة قال ابن قتيبة: أي عمل الآخرة، ~~يقال: فلان يحرث للدنيا، أي: يعمل لها ويجمع المال فالمعنى من أراد بعمله ~~الآخرة نزد له في حرثه أي: نضاعف له الحسنات. قال المفسرون: من أراد العمل ~~لله بما يرضيه، أعانه الله على عبادته، ومن أراد الدنيا مؤثرا لها على ~~الآخرة لأنه غير مؤمن بالآخرة، يؤته منها، وهو الذي قسم له، وما له في ~~الآخرة من نصيب لأنه كافر بها لم يعمل لها. ### | فصل: # اتفق العلماء على أن أول هذه الآية إلى «حرثه» محكم، واختلفوا في باقيها ~~على قولين: # أحدهما: أنه منسوخ بقوله: عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد «2» ، وهذا قول ~~جماعة منهم مقاتل. # والثاني: أن الآيتين محكمتان متفقتان في المعنى، لأنه لم يقل في هذه ~~الآية: نؤته مراده، فعلم أنه إنما يؤتيه الله ما أراد، وهذا موافق لقوله: ~~«لمن نريد» ، ويحقق هذا أن لفظ الآيتين لفظ الخبر ومعناهما معنى الخبر، ~~وذلك لا يدخله النسخ، وهذا مذهب جماعة منهم قتادة. ### | ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 21 الى # 24] # أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل ~~لقضي بينهم وإن الظالمين ms2030 لهم عذاب أليم (21) ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا ~~وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن ~~عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير (22) ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف ~~حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور (23) أم يقولون افترى على الله ~~كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه ~~عليم بذات الصدور (24) # قوله تعالى: أم لهم شركاء يعني كفار مكة والمعنى: ألهم آلهة شرعوا أي ~~ابتدعوا لهم دينا لم يأذن به الله؟! ولولا كلمة الفصل وهي: القضاء السابق ~~بأن الجزاء يكون في القيامة لقضي بينهم في الدنيا بنزول العذاب على ~~المكذبين. والظالمون في هذه الآية والتي تليها: # يراد بهم المشركون. والإشفاق: الخوف. والذي كسبوا: هو الكفر والتكذيب، ~~وهو واقع بهم يعني جزاءه. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ذلك يعني: ما تقدم ~~ذكره من الجنات الذي يبشر الله عباده قال أبو سليمان الدمشقي: «ذلك» بمعنى: ~~هذا الذي أخبرتكم به بشرى يبشر الله بها عباده. وقرأ PageV04P063 # ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «يبشر» بفتح الياء وسكون الباء ~~وضم الشين. # قوله تعالى: قل لا أسئلكم عليه أجرا في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال: # (1246) أحدها: أن المشركين كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بمكة، فنزلت هذه الآية، رواه الضحاك عن ابن عباس. # (1247) والثاني: أنه لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وليس في يده سعة، ~~فقال الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله به، وليس في يده سعة، فاجمعوا له ~~من أموالكم ما لا يضركم، ففعلوا ثم أتوه به، فنزلت هذه الآية، وهذا مروي عن ~~ابن عباس أيضا. # (1248) والثالث: أن المشركين اجتمعوا في مجمع لهم، فقال بعضهم لبعض: ~~أترون محمدا يسأل على ما يتعاطاه أجرا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. # والهاء في «عليه» كناية عما جاء به من الهدى. وفي الاستثناء هاهنا قولان: ~~أحدهما: أنه ms2031 من الجنس، فعلى هذا يكون سائلا أجرا. وقد أشار ابن عباس في ~~رواية الضحاك إلى هذا المعنى، ثم قال: # نسخت هذه بقوله: قل ما سألتكم من أجر فهو لكم الآية «1» ، وإلى هذا ~~المعنى ذهب مقاتل. والثاني: # أنه استثناء من غير الأول، لأن الأنبياء لا يسألون على تبليغهم أجرا، ~~وإنما المعنى: لكني أذكركم المودة في القربى، وقد روى هذا المعنى جماعة عن ~~ابن عباس، منهم العوفي، وهذا اختيار المحققين، وهو الصحيح، فلا يتوجه النسخ ~~أصلا. # وفي المراد بالقربى خمسة أقوال: أحدها: أن معنى الكلام: إلا أن تودوني ~~لقرابتي منكم، قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد في الأكثرين. قال ابن عباس: ~~ولم يكن بطن من بطون قريش إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة. ~~والثاني: إلا أن تودوا قرابتي، قاله علي بن الحسين، وسعيد بن جبير، والسدي. ~~ثم في المراد بقرابته قولان: # (1249) أحدهما: علي وفاطمة وولدها، وقد رووه مرفوعا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. والثاني: أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة ويقسم فيهم الخمس ~~وهم بنو هاشم وبنو المطلب. PageV04P064 # والثالث: أن المعنى: إلا أن توددوا إلى الله تعالى فيما يقربكم إليه من ~~العمل الصالح، قاله الحسن، وقتادة. والرابع: إلا أن تودوني، كما تودون ~~قرابتكم، قاله ابن زيد. والخامس: إلا أن تودوا قرابتكم وتصلوا أرحامكم، ~~حكاه الماوردي. والأول: أصح. # قوله تعالى: ومن يقترف أي: من يكتسب حسنة نزد له فيها حسنا أي: نضاعفها ~~بالواحدة عشرا فصاعدا. وقرأ ابن السميفع، وابن يعمر، والجحدري: «يزد له» ~~بالياء إن الله غفور للذنوب شكور للقليل حتى يضاعفه. أم يقولون أي: بل يقول ~~كفار مكة افترى على الله كذبا حين زعم أن القرآن من عند الله! فإن يشإ الله ~~يختم على قلبك فيه قولان: أحدهما: يختم على قلبك فينسيك القرآن، قاله ~~قتادة. والثاني: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يشق عليك قولهم: إنك ~~مفتر، قاله مقاتل، والزجاج. قوله تعالى: ويمح الله الباطل قال الفراء: ليس ~~بمردود على «يختم» فيكون جزما، وإنما هو مستأنف، ومثله مما ms2032 حذفت منه الواو ~~ويدع الإنسان بالشر «1» . وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير. # تقديره: والله يمحو الباطل. وقال الزجاج: الوقف عليها «ويمحوا» بواو وألف ~~والمعنى: والله يمحو الباطل على كل حال، غير أنها كتبت في المصاحف بغير ~~واو، لأن الواو تسقط في اللفظ لالتقاء الساكنين، فكتبت على الوصل، ولفظ ~~الواو ثابت والمعنى: ويمحو الله الشرك ويحق الحق بما أنزله من كتابه على ~~لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. ### | ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 25 الى # 27] # وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون (25) ~~ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب ~~شديد (26) ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما ~~يشاء إنه بعباده خبير بصير (27) # قوله تعالى: وهو الذي يقبل التوبة عن عباده قد ذكرناه في براءة «2» . # قوله تعالى: ويعلم ما تفعلون أي: من خير وشر. قرأ حمزة والكسائي، وحفص عن ~~عاصم بالتاء، وقرأ الباقون بالياء، على الإخبار عن المشركين والتهديد لهم. ~~و «يستجيب» بمعنى يجيب، وفيه قولان: أحدهما: أن الفعل فيه لله، والمعنى: ~~يجيبهم إذا سألوه وقد روى قتادة عن أبي إبراهيم اللخمي ويستجيب الذين آمنوا ~~قال: يشفعون في إخوانهم ويزيدهم من فضله قال: يشفعون في إخوان إخوانهم. ~~والثاني: أنه للمؤمنين فالمعنى: يجيبونه. والأول أصح. قوله تعالى: ولو بسط ~~الله الرزق لعباده. # (1250) قال خباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى ~~أموال بني قريظة والنضير فتمنيناها، فنزلت هذه الآية. PageV04P065 # ومعنى الآية: لو أوسع الله الرزق لعباده لبطروا وعصوا وبغى بعضهم على ~~بعض، ولكن ينزل بقدر ما يشاء أي: ينزل أمره بتقدير ما يشاء مما يصلح أمورهم ~~ولا يطغيهم إنه بعباده خبير بصير فمنهم من لا يصلحه إلا الغنى، ومنهم من لا ~~يصلحه إلا الفقر. ### | ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 28 الى # 31] # وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (28) ~~ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا ~~يشاء ms2033 قدير (29) وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير (30) ~~وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31) # وهو الذي ينزل الغيث يعني المطر وقت الحاجة من بعد ما قنطوا أي: يئسوا، ~~وذلك أدعى لهم إلى شكر منزله وينشر رحمته في الرحمة هاهنا قولان: أحدهما: ~~المطر، قاله مقاتل. والثاني: # الشمس بعد المطر، حكاه أبو سليمان الدمشقي. وقد ذكرنا «الولي» في سورة ~~النساء «1» و «الحميد» في البقرة «2» . قوله تعالى: وما أصابكم من مصيبة ~~وهو ما يلحق المؤمن من مكروه فبما كسبت أيديكم من المعاصي. وقرأ نافع، وابن ~~عامر: «بما كسبت أيديكم» بغير فاء، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام ~~ويعفوا عن كثير من السيئات فلا يعاقب بها. وقيل لأبي سليمان الداراني: ما ~~بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم؟ قال: إنهم علموا أن الله تعالى ~~إنما ابتلاهم بذنوبهم، وقرأ هذه الآية. وقوله تعالى: وما أنتم بمعجزين في ~~الأرض إن أراد الله عقوبتكم، وهذا يدخل فيه الكفار والعصاة كلهم. ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 32 الى 36] # ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (32) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد ~~على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33) أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن ~~كثير (34) ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص (35) فما أوتيتم ~~من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون (36) # قوله تعالى: ومن آياته الجوار في البحر والمراد بالجوار: السفن. قرأ ابن ~~كثير ونافع وأبو عمرو: # «الجواري» بياء في الوصل، إلا أن ابن كثير يقف أيضا بياء، وأبو عمرو بغير ~~ياء، ويعقوب يوافق ابن كثير، والباقون بغير ياء في الوصل والوقف قال أبو ~~علي: والقياس ما ذهب إليه ابن كثير، ومن حذف فقد كثر حذف مثل هذا في ~~كلامهم. كالأعلام قال ابن قتيبة: كالجبال، واحدها: علم. وروي عن الخليل بن ~~أحمد أنه قال: كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم. # قوله تعالى: إن يشأ يسكن الريح ms2034 التي تجريها فيظللن يعني الجواري رواكد ~~على ظهره أي: سواكن على ظهر البحر لا يجرين. أو يوبقهن أي: يهلكهن ويغرقهن، ~~والمراد أهل السفن، PageV04P066 # ولذلك قال: بما كسبوا أي: من الذنوب ويعف عن كثير من ذنوبهم، فينجيهم من ~~الهلاك. # ويعلم الذين يجادلون قرأ نافع، وابن عامر: «ويعلم» بالرفع على الاستئناف ~~وقطعه من الأول: وقرأ الباقون بالنصب، قال الفراء: هو مردود على الجزم إلا ~~أنه صرف، والجزم إذا صرف عنه معطوفه نصب. وللمفسرين في معنى الآية قولان: ~~أحدهما: ويعلم الذين يخاصمون في آيات الله حين يؤخذون بالغرق أنه لا ملجأ ~~لهم. والثاني: أنهم يعلمون بعد البعث أنه لا مهرب لهم من العذاب. قوله ~~تعالى: # فما أوتيتم من شيء أي: ما أعطيتم من الدنيا فهو متاع تتمتعون به، ثم يزول ~~سريعا، وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا لا للكافرين، لأنه إنما أعد لهم ~~في الآخرة العذاب. ### | ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 37 الى # 43] # والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (37) ~~والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ~~ينفقون (38) والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (39) وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (40) ولمن انتصر ~~بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) # إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم ~~عذاب أليم (42) ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (43) # قوله تعالى: والذين يجتنبون كبائر الإثم وقرأ حمزة، والكسائي: «كبير ~~الإثم» على التوحيد من غير ألف، والباقون بألف. وقد شرحنا الكبائر في سورة ~~النساء «1» . وفي المراد بالفواحش هاهنا قولان: # أحدهما: الزنا. والثاني: موجبات الحدود. # قوله تعالى: وإذا ما غضبوا هم يغفرون أي: يعفون عمن ظلمهم طلبا لثواب ~~الله تعالى. والذين استجابوا لربهم أي: أجابوه فيما دعاهم إليه. وأمرهم ~~شورى بينهم قال ابن قتيبة: أي يتشاورون فيه بينهم، وقال الزجاج: المعنى ~~أنهم لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه. # قوله تعالى: والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون اختلفوا في ms2035 هذا البغي ~~على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بغي الكفار على المسلمين، قال عطاء: هم ~~المؤمنون الذين أخرجهم الكفار من مكة وبغوا عليهم، ثم مكنهم الله منهم ~~فانتصروا. وقال زيد بن أسلم: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فرقتين بمكة، فرقة كانت تؤذى فتعفو عن المشركين، وفرقة كانت تؤذى فتنتصر، ~~فأثنى الله عز وجل عليهم جميعا، فقال في الذين لم ينتصروا: وإذا ما غضبوا ~~هم يغفرون، وقال في المنتصرين: والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون أي: من ~~المشركين. وقال ابن زيد: ذكر المهاجرين، وكانوا صنفين، صنفا عفا، وصنفا ~~انتصر، فقال: # وإذا ما غضبوا هم يغفرون، فبدأ بهم، وقال في المنتصرين: والذين إذا ~~أصابهم البغي هم ينتصرون أي: من المشركين وقال: والذين استجابوا لربهم إلى ~~قوله: «ينفقون» وهم الأنصار: ثم ذكر الصنف الثالث فقال: والذين إذا أصابهم ~~البغي هم ينتصرون من المشركين. والثاني: أنه بغي المسلمين على المسلمين ~~خاصة. والثالث: أنه عام في جميع البغاة، سواء كانوا مسلمين أو كافرين. ### | فصل: # واختلف في هذه الآية علماء الناسخ والمنسوخ، فذهب بعض القائلين بأنها في ~~المشركين PageV04P067 # إلى أنها منسوخة بآية السيف، فكأنهم يشيرون إلى أنها أثبتت الانتصار بعد ~~بغي المشركين، فلما جاز لنا أن نبدأهم بالقتال، دل على أنها منسوخة. ~~وللقائلين بأنها في المسلمين قولان: أحدهما: أنها منسوخة بقوله: ولمن صبر ~~وغفر «1» فكأنها نبهت على مدح المنتصر، ثم أعلمنا أن الصبر والغفران أمدح، ~~فبان وجه النسخ. والثاني: أنها محكمة، لأن الصبر والغفران فضيلة، والانتصار ~~مباح، فعلى هذا تكون محكمة، وهو الأصح. # فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية- وظاهرها مدح المنتصر- وبين آيات الحث ~~على العفو؟ # فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه انتصار المسلمين من الكافرين، وتلك رتبة ~~الجهاد كما ذكرنا عن عطاء. # والثاني: أن المنتصر لم يخرج عن فعل أبيح له، وإن كان العفو أفضل، ومن لم ~~يخرج من الشرع بفعله، حسن مدحه. قال ابن زيد: جعل الله المؤمنين صنفين! صنف ~~يعفو، فبدأ بذكره، وصنف ينتصر. # والثالث: أنه إذا بغي على المؤمن فاسق، فلأن ms2036 له اجتراء الفساق عليه، وليس ~~للمؤمن أن يذل نفسه، فينبغي له أن يكسر شوكة العصاة لتكون العزة لأهل ~~الدين. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ ~~عليهم الفساق، فإذا قدروا عفوا، وقال القاضي أبو يعلى: هذه الآية محمولة ~~على من تعدى وأصر على ذلك، وآيات العفو محمولة على أن يكون الجاني نادما. # قوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها قال مجاهد والسدي: هو جواب القبيح، ~~إذا قال له كلمة إجابة بمثلها من غير أن يعتدي. وقال مقاتل: هذا في القصاص ~~في الجراحات والدماء. فمن عفا وأصلح فلم يقتص وأصلح العمل فأجره على الله ~~إنه لا يحب الظالمين يعني من بدأ بالظلم. وإنما سمى المجازاة سيئة، لما ~~بينا عند قوله: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه «2» قال الحسن: إذا كان يوم ~~القيامة نادى مناد: ليقم من كان أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا. ولمن ~~انتصر بعد ظلمه أي: بعد ظلم الظالم إياه والمصدر هاهنا مضاف إلى المفعول، ~~ونظيره: من دعاء الخير «3» وبسؤال نعجتك «4» ، فأولئك يعني المنتصرين ما ~~عليهم من سبيل أي: من طريق إلى لوم ولا حد، إنما السبيل على الذين يظلمون ~~الناس أي: يبتدئون بالظلم ويبغون في الأرض بغير الحق أي: يعملون فيها ~~بالمعاصي. قوله تعالى: ولمن صبر فلم ينتصر وغفر إن ذلك الصبر والتجاوز لمن ~~عزم الأمور وقد شرحناه في آل عمران «5» . ### | ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 44 الى # 46] # ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب ~~يقولون هل إلى مرد من سبيل (44) وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون ~~من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم (45) وما كان لهم من أولياء ينصرونهم ~~من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل (46) # قوله تعالى: ومن يضلل الله فما له من ولي أي: من أحد يلي هدايته بعد ~~إضلال الله إياه. وترى الظالمين يعني المشركين لما رأوا العذاب ms2037 في الآخرة ~~يسألون الرجعة إلى الدنيا PageV04P068 # يقولون هل إلى مرد من سبيل؟ وتراهم يعرضون عليها أي: على النار خاشعين ~~أي: خاضعين متواضعين من الذل ينظرون من طرف خفي وفيه أربعة أقوال: أحدها: ~~من طرف ذليل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقال الأخفش: ينظرون ~~من عين ضعيفة. وقال غيره: «من» بمعنى «الباء» . والثاني: # يسارقون النظر، قاله قتادة، والسدي. والثالث: ينظرون ببعض العين، قاله ~~أبو عبيدة. والرابع: أنهم ينظرون إلى النار بقلوبهم، لأنهم قد حشروا عميا، ~~فلم يروها بأعينهم، حكاه الفراء، والزجاج، وما بعد هذا قد سبق بيانه «1» ~~إلى قوله: ينصرونهم من دون الله أي: يمنعونهم من عذاب الله. ### | ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 47 الى # 50] # استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجإ ~~يومئذ وما لكم من نكير (47) فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك ~~إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما ~~قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور (48) لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء ~~يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ~~ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير (50) # قوله تعالى: استجيبوا لربكم أي: أجيبوه، فقد دعاكم برسوله من قبل أن يأتي ~~يوم وهو يوم القيامة لا مرد له من الله أي: لا يقدر أحد على رده ودفعه ما ~~لكم من ملجإ تلجؤون إليه، وما لكم من نكير قال مجاهد: من ناصر ينصركم، وقال ~~غيره: من قدرة على تغيير ما نزل بكم. فإن أعرضوا عن الإجابة فما أرسلناك ~~عليهم حفيظا لحفظ أعمالهم إن عليك إلا البلاغ أي: ما عليك إلا أن تبلغهم. ~~وهذا عند المفسرين منسوخ بآية السيف. قوله تعالى: وإنا إذا أذقنا الإنسان ~~منا رحمة فرح بها قال المفسرون: المراد به: الكافر والرحمة: الغنى والصحة ~~والمطر ونحو ذلك، والسيئة: # المرض والفقر والقحط ونحو ذلك، والإنسان هاهنا: اسم جنس، فلذلك قال: وإن ~~تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم أي: بما ms2038 سلف من مخالفتهم فإن الإنسان كفور بما ~~سلف من النعم. لله ملك السماوات والأرض أي: له التصرف فيها بما يريد، يهب ~~لمن يشاء إناثا يعني البنات ليس فيهن ذكر، كما وهب للوط صلى الله عليه ~~وسلم، فلم يولد له إلا البنات ويهب لمن يشاء الذكور يعني البنين ليس معهم ~~أنثى، كما وهب لإبراهيم عليه الصلاة والسلام، فلم يولد له إلا الذكور. أو ~~يزوجهم يعني الإناث والذكور، قال الزجاج: ومعنى «يزوجهم» : يقرنهم، وكل ~~شيئين يقترن أحدهما بالآخر، فهما زوجان، ويقال لكل واحد منهما: زوج، تقول: ~~عندي زوجان من الخفاف، يعني اثنين. وفي معنى الكلام للمفسرين قولان: ~~أحدهما: أنه وضع المرأة غلاما ثم جارية ثم غلاما ثم جارية، قاله مجاهد، ~~والجمهور. والثاني: أنه وضع المرأة جارية وغلاما توأمين، قاله ابن الحنفية. ~~قالوا: وذلك كما جمع لمحمد صلى الله عليه وسلم فإنه وهب له بنين وبنات، ~~ويجعل من يشاء عقيما لا يولد له، كيحيى بن زكريا عليهما السلام. وهذه ~~الأقسام موجودة في سائر الناس، وإنما ذكروا الأنبياء تمثيلا. PageV04P069 ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 51 الى 53] # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51) وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما ~~كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) صراط الله الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور (53) # قوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا. قال المفسرون: # (1251) سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تكلم ~~الله وتنظر إليه إن كنت نبيا صادقا كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فقال لهم: «لم ~~ينظر موسى إلى الله» ، ونزلت هذه الآية. # والمراد بالوحي هاهنا: الوحي في المنام. أو من وراء حجاب كما كلم موسى. ~~أو يرسل قرأ نافع، وابن عامر: «يرسل» بالرفع فيوحي بسكون الياء. وقرأ ~~الباقون: «يرسل» بنصب اللام «فيوحي» ms2039 بتحريك الياء، والمعنى: «أو يرسل ~~رسولا» كجبرائيل «فيوحي» ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذنه ما يشاء. قال ~~مكي بن أبي طالب: من قرأ «أو يرسل» بالنصب، عطفه على معنى قوله: «إلا وحيا» ~~لأنه بمعنى: إلا أن يوحي. ومن قرأ بالرفع، فعلى الابتداء، كأنه قال: أو هو ~~يرسل. قال القاضي أبو يعلى: وهذه الآية محمولة على أنه لا يكلم بشرا إلا من ~~وراء حجاب في دار الدنيا. قوله تعالى: # وكذلك أي: وكما أوحينا إلى الرسل أوحينا إليك، وقيل: الواو عطف على أول ~~السورة، فالمعنى: كذلك نوحي إليك وإلى الذين من قبلك. وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا قال ابن عباس: # هو القرآن، وقال مقاتل: وحيا بأمرنا. # قوله تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب وذلك أنه لم يكن يعرف القرآن قبل ~~الوحي ولا الإيمان فيه ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنه بمعنى الدعوة إلى ~~الإيمان، قاله أبو العالية. والثاني: أن المراد به: # شرائع الإيمان ومعالمه، وهي كلها إيمان، وقد سمى الصلاة إيمانا بقوله: ~~وما كان الله ليضيع إيمانكم «2» هذا اختيار ابن قتيبة، ومحمد بن إسحاق بن ~~خزيمة. والثالث: أنه ما كان يعرف الإيمان حين كان في المهد وإذ كان طفلا ~~قبل البلوغ، حكاه الواحدي. والقول ما اختاره ابن قتيبة، وابن خزيمة، وقد ~~اشتهر في الحديث عنه عليه السلام أنه كان قبل النبوة يوحد الله، ويبغض ~~اللات والعزى، ويحج ويعتمر، ويتبع شريعة إبراهيم عليه السلام «3» . قال ~~الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله: من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~على دين قومه، فهو قول سوء، أليس كان لا يأكل ما ذبح على النصب؟ وقال ابن ~~قتيبة: PageV04P070 # قد جاء في الحديث أنه كان على دين قومه أربعين سنة «1» . ومعناه: أن ~~العرب لم يزالوا على بقايا من دين إسماعيل، من ذلك حج البيت، والختان، ~~وإيقاع الطلاق إذا كان ثلاثا، وأن للزوج الرجعة في الواحدة والاثنتين، ودية ~~النفس مائة من الإبل، والغسل من الجنابة، وتحريم ذوات المحارم بالقرابة ~~والصهر، وكان عليه الصلاة والسلام على ما كانوا ms2040 عليه من الإيمان بالله ~~والعمل بشرائعهم في الختان والغسل والحج، وكان لا يقرب الأوثان، ويعيبها. ~~وكان لا يعرف شرائع الله التي شرعها لعباده على لسانه، فذلك قوله: ما كنت ~~تدري ما الكتاب يعني القرآن ولا الإيمان يعني شرائع الإيمان ولم يرد ~~الإيمان الذي هو الإقرار بالله، لأن آباءه الذين ماتوا على الشرك كانوا ~~يؤمنون بالله ويحجون له البيت مع شركهم. قوله تعالى: ولكن جعلناه في هاء ~~الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى القرآن. والثاني: # إلى الإيمان. نورا أي: ضياء ودليلا على التوحيد نهدي به من نشاء من ~~عبادنا إلى دين الحق. # وإنك لتهدي أي: لتدعو إلى صراط مستقيم وهو الإسلام. PageV04P071 # سورة الزخرف # وهي مكية بإجماعهم. وقال مقاتل: هي مكية، إلا آية، وهي قوله: وسئل من ~~أرسلنا «1» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الزخرف # (43) : الآيات 1 الى 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) والكتاب المبين (2) إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (3) وإنه ~~في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) # أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين (5) وكم أرسلنا من نبي في ~~الأولين (6) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزؤن (7) فأهلكنا أشد منهم ~~بطشا ومضى مثل الأولين (8) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~خلقهن العزيز العليم (9) # الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (10) # قوله تعالى: حم قد تقدم بيانه. والكتاب المبين قسم بالقرآن. إنا جعلناه ~~قال سعيد بن جبير: أنزلناه. وما بعد هذا قد تقدم بيانه «2» إلى قوله: وإنه ~~يعني القرآن في أم الكتاب قال الزجاج: أي: في أصل الكتاب، وأصل كل شيء: ~~أمه، والقرآن مثبت عند الله عز وجل في اللوح المحفوظ. قوله تعالى: لدينا ~~أي: عندنا لعلي أي: رفيع. وفي معنى الحكيم قولان: أحدهما: # محكم، أي: ممنوع من الباطل، قاله مقاتل. والثاني: حاكم لأهل الإيمان ~~بالجنة ولأهل الكفر بالنار، ذكره أبو سليمان الدمشقي، والمعنى: إن كذبتم به ~~يا أهل مكة فإنه عندنا شريف عظيم المحل. قوله تعالى: أفنضرب عنكم الذكر ~~صفحا قال ابن قتيبة: أي: نمسك ms2041 عنكم فلا نذكركم صفحا، أي: # إعراضا، يقال: صفحت عن فلان: إذا أعرضت عنه، والأصل في ذلك أن توليه صفحة ~~عنقك، قال كثير يصف امرأة: # صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن مل منها ذلك الوصل ملت «3» # أي: معرضة بوجهها، يقال ضربت عن فلان كذا: إذا أمسكته، وأضربت عنه. أن ~~كنتم قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: «أن كنتم» بالنصب، أي: ~~لأن كنتم قوما مسرفين. # وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي: «إن كنتم» بكسر الهمزة. قال الزجاج: وهذا ~~على معنى الاستقبال، PageV04P072 # أي: إن تكونوا مسرفين نضرب عنكم الذكر. وفي المراد بالذكر قولان «1» : ~~أحدهما: أنه ذكر العذاب، فالمعنى: أفنمسك عن عذابكم ونترككم على كفركم؟! ~~وهذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد، والسدي. والثاني: أنه القرآن، فالمعنى: ~~أفنمسك عن إنزال القرآن من أجل أنكم لا تؤمنون به؟! وهو معنى قول قتادة، ~~وابن زيد. وقال قتادة: «مسرفين» بمعنى مشركين. ثم أعلم نبيه أني قد بعثت ~~رسلا فكذبوا فأهلكت المكذبين بالآيات التي تلي هذه. # قوله تعالى: أشد منهم أي: من قريش بطشا أي: قوة ومضى مثل الأولين أي: سبق ~~وصف عقابهم فيما أنزل عليك. وقيل: سبق تشبيه حال أولئك بهؤلاء في التكذيب، ~~فستقع المشابهة بينهم في الإهلاك. ثم أخبر عن جهلهم حين أقروا بأنه خالق ~~السموات والأرض ثم عبدوا غيره بالآية التي تلي هذه ثم التي تليها مفسرة في ~~طه «2» إلى قوله: لعلكم تهتدون أي: لكي تهتدوا في أسفاركم إلى مقاصدكم. ### | ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 11 الى # 14] # والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون (11) ~~والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (12) لتستووا ~~على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر ~~لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14) # قوله تعالى: والذي نزل من السماء ماء بقدر قال ابن عباس: يريد أنه ليس ~~كما أنزل على قوم نوح بغير قدر فأغرقهم، بل هو بقدر ليكون نافعا. ومعنى ~~«أنشرنا» أحيينا. # قوله تعالى: كذلك ms2042 تخرجون قرأ حمزة، والكسائي، وابن عامر: «تخرجون» بفتح ~~التاء وضم الراء، والباقون بضم التاء وفتح الراء. وما بعد هذا قد سبق «3» ~~إلى قوله تعالى: لتستووا على ظهوره قال أبو عبيدة: هاء التذكير ل «ما» . ثم ~~تذكروا نعمة ربكم إذ سخر لكم ذلك المركب في البر والبحر، وما كنا له مقرنين ~~قال ابن عباس ومجاهد: أي: مطيقين، قال ابن قتيبة: يقال: أنا مقرن لك، أي: # مطيق لك، ويقال: هو من قولهم: أنا قرن لفلان: إذا كنت مثله في الشدة، فإن ~~قلت: أنا قرن لفلان- بفتح القاف- فمعناه: أن تكون مثله بالسن. وقال أبو ~~عبيدة: «مقرنين» أي: ضابطين، يقال: فلان مقرن لفلان: أي: ضابط له. # قوله تعالى: وإنا إلى ربنا لمنقلبون أي: راجعون في الآخرة. ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 15 الى 18] # وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين (15) أم اتخذ مما يخلق ~~بنات وأصفاكم بالبنين (16) وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم (17) أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين (18) # قوله تعالى: وجعلوا له من عباده جزءا أما الجعل هاهنا، فمعناه: الحكم ~~بالشيء، وهم الذين PageV04P073 # زعموا أن الملائكة بنات الله والمعنى: جعلوا له نصيبا من الولد، قال ~~الزجاج: وأنشدني بعض أهل اللغة بيتا يدل على أن معنى «جزء» معنى الإناث- ~~ولا أدري البيت قديم أو مصنوع: # إن أجزأت حرة، يوما، فلا عجب ... قد تجزئ الحرة المذكار أحيانا # أي: آنثت، ولدت أنثى. # قوله تعالى: إن الإنسان يعني الكافر لكفور أي: جحود لنعم الله عز وجل ~~مبين أي: ظاهر الكفر. ثم أنكر عليهم فقال: أم اتخذ مما يخلق بنات وهذا ~~استفهام توبيخ وإنكار وأصفاكم أي: أخلصكم بالبنين. وإذا بشر أحدهم بما ضرب ~~للرحمن مثلا أي: بما جعل لله شبها، وذلك أن ولد كل شيء شبهه وجنسه. والآية ~~مفسرة في النحل «1» . # قوله تعالى: أومن ينشؤا قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص: «ينشأ» بضم ~~الياء وفتح النون وتشديد الشين وقرأ الباقون: بفتح الياء وسكون النون. قال ~~المبرد: تقديره: أو يجعلون من ينشأ في ms2043 الحلية قال أبو عبيدة: الحلية: ~~الحلى. قال المفسرون: والمراد بذلك: البنات، فإنهن ربين في الحلي. والخصام ~~بمعنى المخاصمة، غير مبين حجة. قال قتادة: قلما تتكلم امرأة بحجتها إلا ~~تكلمت بالحجة عليها. وقال بعضهم: هي الأصنام. ### | ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 19 الى # 25] # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسئلون (19) وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يخرصون (20) أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) بل قالوا ~~إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22) وكذلك ما أرسلنا من ~~قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على ~~آثارهم مقتدون (23) # قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به ~~كافرون (24) فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين (25) # قوله تعالى: وجعلوا الملائكة قال الزجاج: الجعل هاهنا بمعنى القول والحكم ~~على الشيء، تقول: قد جعلت زيدا أعلم الناس، أي: قد وصفته بذلك وحكمت به. ~~قال المفسرون: وجعلهم الملائكة إناثا قولهم: هن بنات الله. قوله تعالى: ~~الذين هم عباد الرحمن قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، ويعقوب، وأبان عن ~~عاصم، والشيزري عن الكسائي: «عند الرحمن» بنون من غير ألف، وقرأ الباقون: ~~«عباد الرحمن» ومعنى هذه القراءة: جعلوا له من عباده بنات. والقراءة الأولى ~~موافقة لقوله: # إن الذين عند ربك «2» ، وإذا كانوا في السماء كان أبعد للعلم بحالهم. ~~أشهدوا خلقهم قرأ نافع، والمفضل عن عاصم: «أأشهدوا» بهمزتين، الأولى مفتوحة ~~والثانية مضمومة. وروى المسيبي عن نافع: # «أو شهدوا» ممدودة من أشهدت، والباقون لا يمدون. «أشهدوا» من شهدت، أي: ~~أحضروه فعرفوا أنهم إناث؟! وهذا توبيخ لهم إذ قالوا فيما يعلم بالمشاهدة من ~~غير مشاهدة. ستكتب شهادتهم على الملائكة أنها بنات الله. PageV04P074 # (1252) وقال مقاتل: لما قال الله عز وجل: أشهدوا خلقهم، سئلوا عن ذلك ~~فقالوا: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فما يدريكم أنها إناث؟» ~~فقالوا: سمعنا من آبائنا، ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا، ms2044 فقال الله: ستكتب ~~شهادتهم ويسئلون عنها في الآخرة. # وقرأ أبو رزين، ومجاهد: «سنكتب» بنون مفتوحة «شهادتهم» بنصب التاء، ~~ووافقهم ابن أبي عبلة في «سنكتب» وقرأ: «شهاداتهم» بألف. # قوله تعالى: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم في المكني عنهم قولان: ~~أحدهما: أنهم الملائكة، قاله قتادة، ومقاتل في آخرين. والثاني: الأوثان، ~~قاله مجاهد. وإنما عنوا بهذا أنه لو لم يرض عبادتنا لها لعجل عقوبتنا، فرد ~~عليهم قولهم بقوله: ما لهم بذلك من علم. وبعض المفسرين يقول: إنما أشار ~~بقوله: «ما لهم بذلك من علم» إلى ادعائهم أن الملائكة إناث، قال: ولم يتعرض ~~لقولهم: «لو شاء الرحمن ما عبدناهم» لأنه قول صحيح والذي اعتمدنا عليه أصح، ~~لأن هذه الآية كقوله: لو شاء الله ما أشركنا «1» ، وقوله: أنطعم من لو يشاء ~~الله أطعمه «2» ، وقد كشفنا عن هذا المعنى هنالك. # و «يخرصون» بمعنى: يكذبون. وإنما كذبهم، لأنهم اعتقدوا أنه رضي منهم ~~الكفر دينا. أم آتيناهم كتابا من قبله أي: من قبل هذا القرآن، أي: بأن ~~يعبدوا غير الله فهم به مستمسكون يأخذون بما فيه. بل قالوا إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة أي: على سنة وملة ودين وإنا على آثارهم مهتدون فجعلوا ~~أنفسهم مهتدين بمجرد تقليد الآباء من غير حجة ثم أخبر أن غيرهم قد قال هذا ~~القول، فقال: # وكذلك أي: وكما قالوا قال مترفو القرى من قبلهم، وإنا على آثارهم مقتدون ~~بهم. قال أولو جئتكم وقرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم: «قال أولو جئتكم» بألف. ~~قال أبو علي: فاعل «قال» النذير، المعنى: فقال لهم النذير. وقرأ أبو جعفر: ~~«أولو جئناكم» بألف ونون بأهدى أي: بأصوب وأرشد. قال الزجاج: ومعنى الكلام: ~~قل: أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئتكم بأهدى منه؟! وفي هذه الآية ~~إبطال القول بالتقليد. قال مقاتل: فردوا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون ثم رجع إلى الأمم الخالية، فقال: ~~فانتقمنا منهم الآية. ### | ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 26 الى # 30] # وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون ms2045 (26) إلا الذي فطرني ~~فإنه سيهدين (27) وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (28) بل متعت ~~هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين (29) ولما جاءهم الحق قالوا هذا ~~سحر وإنا به كافرون (30) # قوله تعالى: إنني براء قال الزجاج: البراء بمعنى البريء، والعرب تقول ~~للواحد: أنا البراء منك، وكذلك للإثنين والجماعة، وللذكر والأنثى، يقولون: ~~نحن البراء منك والخلاء منك، لا يقولون: نحن البراءان منك، ولا البراءون ~~منك، وإنما المعنى: أنا ذو البراء منك، ونحن ذو البراء PageV04P075 # منك، كما يقال: رجل عدل، وامرأة عدل. وقد بينا استثناء إبراهيم ربه عز ~~وجل مما يعبدون عند قوله: # إلا رب العالمين «1» . قوله تعالى: وجعلها يعني كلمة التوحيد، وهي: «لا ~~إله إلا الله» ، كلمة باقية في عقبه أي: فيمن يأتي بعده من ولده، فلا يزال ~~فيهم موحد لعلهم يرجعون إلى التوحيد كلهم إذا سمعوا أن أباهم تبرأ من ~~الأصنام ووحد الله عز وجل. # ثم ذكر نعمته على قريش فقال: بل متعت هؤلاء وآباءهم والمعنى: إني أجزلت ~~لهم النعم ولم أعاجلهم بالعقوبة حتى جاءهم الحق وهو القرآن ورسول مبين وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فكان ينبغي لهم أن يقابلوا النعم بالطاعة للرسول، ~~فخالفوا. ولما جاءهم يعني قريشا في قول الأكثرين. وقال قتادة: هم اليهود. ~~والحق القرآن. ### | ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 31 الى # 35] # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (31) أهم يقسمون ~~رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض ~~درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (32) ولولا أن يكون ~~الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها ~~يظهرون (33) ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن (34) وزخرفا وإن كل ذلك لما ~~متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (35) # قوله تعالى: وقالوا لولا أي: هلا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين ~~عظيم أما القريتان، فمكة والطائف، قاله ابن عباس، والجماعة وأما عظيم مكة، ~~ففيه قولان «2» : أحدهما: الوليد بن المغيرة القرشي، رواه العوفي وغيره عن ~~ابن ms2046 عباس، وبه قال قتادة، والسدي. والثاني: عتبة بن ربيعة، قاله مجاهد. وفي ~~عظيم الطائف خمسة أقوال: أحدها: حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، رواه العوفي ~~عن ابن عباس. والثاني: مسعود بن عمرو بن عبيد الله، رواه الضحاك عن ابن ~~عباس. والثالث: أنه أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي، رواه ليث عن مجاهد، ~~وبه قال قتادة. والرابع: أنه ابن عبد ياليل، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. ~~والخامس: كنانة بن عبد بن عمرو بن عمير الطائفي، قاله السدي. # فقال الله عز وجل ردا عليهم وإنكارا: أهم يقسمون رحمت ربك يعني النبوة، ~~فيضعونها حيث شاؤوا، لأنهم اعترضوا على الله بما قالوا. نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم المعنى أنه إذا كانت الأرزاق بقدر الله، لا بحول المحتال- وهو دون ~~النبوة- فكيف تكون النبوة؟! قال قتادة: إنك لتلقى ضعيف الحيلة عيي اللسان ~~قد بسط له الرزق، وتلقى شديد الحيلة بسيط اللسان وهو مقتور عليه. قوله ~~تعالى: ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات فيه قولان: أحدهما: بالغنى والفقر. ~~والثاني: بالحرية والرق ليتخذ بعضهم بعضا سخريا # وقرأ ابن السميفع، وابن محيصن: «سخريا» بكسر السين. ثم فيه قولان: ~~أحدهما: # يستخدم الأغنياء الفقراء بأموالهم، فيلتئم قوام العالم، وهذا على القول ~~الأول. والثاني: ليملك بعضهم بعضا بالأموال فيتخذونهم عبيدا، وهذا على ~~الثاني. قوله تعالى: ورحمت ربك فيها قولان: أحدهما: PageV04P076 # النبوة خير من أموالهم التي يجمعونها، قاله ابن عباس. والثاني: الجنة خير ~~مما يجمعون في الدنيا، قاله السدي. # قوله تعالى: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة فيه قولان: أحدهما: لولا أن ~~يجتمعوا على الكفر، قاله ابن عباس. والثاني: على إيثار الدنيا على الدين، ~~قاله ابن زيد. قوله تعالى: لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ~~لهوان الدنيا عندنا. قال الفراء: إن شئت جعلت اللام في «لبيوتهم» مكررة، ~~كقوله: يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه «1» وإن شئت جعلتها بمعنى «على» ، ~~كأنه قال: جعلنا لهم على بيوتهم، تقول للرجل: جعلت لك لقومك الأعطية، أي: ~~جعلتها من أجلك لهم. # قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «سقفا» ms2047 على التوحيد. وقرأ الباقون: ~~«سقفا» بضم السين والقاف جميعا «2» . قال الزجاج: والسقف واحد يدل على ~~الجمع فالمعنى: جعلنا لبيت كل واحد منهم سقفا من فضة ومعارج وهي الدرج ~~والمعنى: وجعلنا معارج من فضة، وكذلك «ولبيوتهم أبوابا» أي من فضة وسررا أي ~~من فضة. قوله تعالى: عليها يظهرون قال ابن قتيبة: أي: يعلون، يقال: ظهرت ~~على البيت: إذا علوت سطحه. قوله تعالى: وزخرفا وهو الذهب والمعنى: ويجعل ~~لهم مع ذلك ذهبا وغنى وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا المعنى: لمتاع ~~الحياة الدنيا، و «ما» زائدة. وقرأ عاصم، وحمزة: «لما» بالتشديد، فجعلاه ~~بمعنى «إلا» والمعنى: إن ذلك يتمتع به قليلا ثم يزول والآخرة عند ربك ~~للمتقين خاصة لهم. ### | ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 36 الى # 40] # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) وإنهم ليصدونهم ~~عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك ~~بعد المشرقين فبئس القرين (38) ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب ~~مشتركون (39) أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (40) ~~PageV04P077 # قوله تعالى: ومن يعش فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يعرض، قاله الضحاك عن ابن ~~عباس، وبه قال قتادة، والفراء، والزجاج. والثاني: يعم، روي عن ابن عباس ~~أيضا، وبه قال عطاء، وابن زيد. # والثالث: أنه البصر الضعيف، حكاه الماوردي. وقال أبو عبيدة: تظلم عينه ~~عنه. وقال الفراء: من قرأ: # «يعش» ، فمعناه: يعرض، ومن نصب الشين، أراد: يعم عنه قال ابن قتيبة: لا ~~أرى القول إلا قول أبي عبيدة، ولم نر أحدا يجيز «عشوت عن الشيء» : أعرضت ~~عنه، إنما يقال: «تعاشيت عن كذا» ، أي: # تغافلت عنه، كأني لم أره، ومثله: تعاميت، والعرب تقول: «عشوت إلى النار» ~~: إذا استدللت إليها ببصر ضعيف، قال الحطيئة: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد # ومنه حديث ابن المسيب: «أن إحدى عينيه ذهبت، وهو يعشو بالأخرى» ، أي: ~~يبصر بها بصرا ضعيفا. قال المفسرون: ومن يعش عن ذكر الرحمن فلم يخف ms2048 عقابه ~~ولم يلتفت إلى كلامه نقيض له أي: نسبب له شيطانا فنجعل ذلك جزاءه فهو له ~~قرين لا يفارقه. وإنهم يعني الشياطين ليصدونهم يعني الكافرين، أي: يمنعونهم ~~عن سبيل الهدى وإنما جمع، لأن «من» في موضع جمع، ويحسبون يعني كفار بني آدم ~~إنهم على هدى. حتى إذا جاءنا وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم: «جاءنا» واحد، يعني الكافر. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو ~~بكر عن عاصم: «جاءانا» بألفين على التثنية، يعنون الكافر وشيطانه. وجاء في ~~التفسير أنهما يجعلان يوم البعث في سلسلة، فلا يفترقان حتى يصيرهما الله ~~إلى النار، قال الكافر للشيطان: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين أي: بعد ما ~~بين المشرقين وفيهما قولان: أحدهما: أنهما مشرق الشمس في أقصر يوم في ~~السنة، ومشرقها في أطول يوم، قاله ابن السائب، ومقاتل. والثاني: أنه أراد ~~المشرق والمغرب، فغلب ذكر المشرق، كما قالوا: سنة العمرين، يريدون: أبا بكر ~~وعمر، وأنشدوا من ذلك: # أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع «1» # يريد: الشمس والقمر وأنشدوا: # فبصرة الأزد منا والعراق لنا ... والموصلان ومنا مصر والحرم # يريد: الجزيرة والموصل، وهذا اختيار الفراء، والزجاج. # قوله تعالى: فبئس القرين أي: أنت أيها الشيطان. ويقول الله عز وجل يومئذ ~~للكفار: ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أي: أشركتم في الدنيا أنكم في العذاب ~~مشتركون أي: لن ينفعكم الشركة في العذاب، لأن لكل واحد منه الحظ الأوفر. ~~قال المبرد: منعوا روح التأسي، لأن التأسي يسهل المصيبة، وأنشد للخنساء أخت ~~صخر بن مالك في هذا المعنى: # ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي # وقرأ ابن عامر: «إنكم» بكسر الألف. ثم أخبر عنهم بما سبق لهم من الشقاوة ~~بقوله: أفأنت تسمع الصم ... الآية. PageV04P078 ### | ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 41 الى # 44] # فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (41) أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم ~~مقتدرون (42) فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43) وإنه لذكر ~~لك ولقومك وسوف تسئلون (44) # قوله ms2049 تعالى: فإما نذهبن بك قال أبو عبيدة: معناها: فإن نذهبن وقال ~~الزجاج: دخلت «ما» توكيدا للشرط، ودخلت النون الثقيلة في «نذهبن» توكيدا ~~أيضا والمعنى: إنا ننتقم منهم إن توفيت أو نرينك ما وعدناهم ووعدناك فيهم ~~من النصر. قال ابن عباس: ذلك يوم بدر. وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله: فإما ~~نذهبن بك منسوخ بآية السيف، ولا وجه له. # قوله تعالى: وإنه يعني القرآن لذكر لك أي شرف لك بما أعطاك الله ولقومك ~~في قومه ثلاثة أقوال: أحدها: العرب قاطبة. والثاني: قريش. والثالث: جميع من ~~آمن به. # (1253) وقد روى الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~سئل: لمن هذا الأمر من بعدك؟ # لم يخبر بشيء، حتى نزلت هذه الآية، فكان بعد ذلك إذا سئل قال: «لقريش» ~~وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فهم من هذا أنه يلي على المسلمين ~~بحكم النبوة وشرف القرآن، وأن قومه يخلفونه من بعده في الولاية لشرف القرآن ~~الذي أنزل على رجل منهم. ومذهب مجاهد أن القوم هاهنا: العرب، والقرآن شرف ~~لهم إذ أنزل بلغتهم. # قال ابن قتيبة: إنما وضع الذكر موضع الشرف لأن الشريف يذكر. وفي قوله: ~~وسوف تسئلون قولان. أحدهما: عن شكر ما أعطيتم من ذلك. والثاني: عما لزمكم ~~فيه من الحقوق. ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 45 الى 56] # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (45) ~~ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إني رسول رب العالمين (46) ~~فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (47) وما نريهم من آية إلا هي أكبر ~~من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون (48) وقالوا يا أيها الساحر ادع ~~لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) # فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون (50) ونادى فرعون في قومه قال يا ~~قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون (51) أم أنا ~~خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين (52) فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب ~~أو ms2050 جاء معه الملائكة مقترنين (53) فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين (54) # فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين (55) فجعلناهم سلفا ومثلا ~~للآخرين (56) # قوله تعالى: وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا إن قيل: كيف يسأل الرسل وقد ~~ماتوا قبله؟ فعنه ثلاثة أجوبة «1» : أحدها: أنه لما أسري به جمع له ~~الأنبياء فصلى بهم، ثم قال له جبريل: سل من أرسلنا PageV04P079 # قبلك ... الآية. فقال: لا أسأل، قد اكتفيت، رواه عطاء عن ابن عباس، وهذا ~~قول سعيد بن جبير، والزهري، وابن زيد، قالوا: جمع له الرسل ليلة أسري به، ~~فلقيهم، وأمر أن يسألهم، فما شك ولا سأل. والثاني: أن المراد: اسأل مؤمني ~~أهل الكتاب من الذين أرسلت إليهم الأنبياء، روي عن ابن عباس، والحسن، ~~ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي في آخرين. قال ابن الأنباري: والمعنى سل ~~أتباع من أرسلنا قبلك، كما تقول: السخاء حاتم، أي: سخاء حاتم، والشعر زهير، ~~أي: شعر زهير. # وعند المفسرين أنه لم يسأل على القولين. وقال الزجاج: هذا سؤال تقرير، ~~فإذا سأل جميع الأمم، لم يأتوا بأن في كتبهم: أن اعبدوا غيري. والثالث: أن ~~المراد بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم: خطاب أمته، فيكون المعنى سلوا، ~~قاله الزجاج. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: إذا هم منها يضحكون استهزاء بها ~~وتكذيبا. # وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها يعني ما ترادف عليهم من الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس «1» ، فكانت كل آية أكبر من التي ~~قبلها، وهي العذاب المذكور في قوله: # وأخذناهم بالعذاب، فكانت عذابا لهم، ومعجزات لموسى عليه السلام. قوله ~~تعالى: وقالوا يا أيها الساحر، في خطابهم له بهذا ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم ~~أرادوا: يا أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيما، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. والثاني: أنهم قالوه على جهة الاستهزاء، قاله الحسن. # والثالث: أنهم خاطبوه بما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر، قاله ~~الزجاج. قوله تعالى: إننا لمهتدون أي: مؤمنون بك. فدعا موسى، فكشف عنهم، ~~فلم يؤمنوا. وقد ذكرنا ما تركناه هاهنا في الأعراف «2» . قوله ms2051 تعالى: تجري ~~من تحتي أي: من تحت قصوري أفلا تبصرون عظمتي وشدة ملكي؟! أم أنا خير قال ~~أبو عبيدة: أراد: بل أنا خير. وحكى الزجاج عن سيبويه والخليل أنهما قالا: ~~عطف «أنا» ب «أم» على «أفلا تبصرون» فكأنه قال: أفلا تبصرون أم أنتم ~~بصراء؟! لأنهم إذا قالوا: # أنت خير منه، فقد صاروا عنده بصراء. قال الزجاج: والمهين: القليل يقال: ~~شيء مهين، أي: قليل. # وقال مقاتل: «مهين» بمعنى ذليل ضعيف. قوله تعالى: ولا يكاد يبين أشار إلى ~~عقدة لسانه التي كانت به ثم أذهبها الله عنه، فكأنه عيره بشيء قد كان وزال، ~~ويدل على زواله قوله تعالى: قد أوتيت سؤلك يا موسى «3» ، وكان في سؤاله ~~واحلل عقدة من لساني «4» . وقال بعض العلماء: ولا يكاد يبين الحجة ولا يأتي ~~ببيان يفهم. فلولا أي: فهلا ألقي عليه أسورة من ذهب وقرأ حفص عن عاصم: ~~«أسورة» بغير ألف. قال الفراء: واحد الأساورة إسوار، وقد تكون الأساورة جمع ~~أسورة، كما يقال في جمع الأسقية: الأساقي، وفي جمع الأكرع: الأكارع. وقال ~~الزجاج: يصلح أن تكون الأساورة جمع الجمع، تقول: أسورة وأساورة، كما تقول: ~~أقوال وأقاويل، ويجوز أن تكون جمع إسوار، وإنما صرفت أساورة، لأنك ضممت ~~الهاء إلى أساور، فصار اسما واحدا، وصار له مثال في الواحد، نحو «علانية» . ~~PageV04P080 # قال المفسرون: إنما قال فرعون هذا، لأنهم كانوا إذا سودوا الرجل منهم ~~سوروه بسوار. أو جاء معه الملائكة مقترنين فيه قولان: أحدهما: متتابعين، ~~قاله قتادة: والثاني: يمشون معه، قاله الزجاج. # قوله تعالى: فاستخف قومه قال الفراء: استفزهم وقال غيره: استخف أحلامهم ~~وحملهم على خفة الحلم بكيده وغروره فأطاعوه في تكذيب موسى. فلما آسفونا قال ~~ابن عباس: # أغضبونا. قال ابن قتيبة: الأسف: الغضب، يقال: أسفت آسف أسفا، أي: غضبت. ~~فجعلناهم سلفا أي: قوما تقدموا. وقرأها أبو هريرة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ~~وحميد الأعرج: «سلفا» بضم السين وفتح اللام، كأن واحدته سلفة من الناس، مثل ~~القطعة، يقال: تقدمت سلفة من الناس، أي: قطعة منهم. وقرأ حمزة، والكسائي: ~~«سلفا» بضم السين ms2052 واللام، وهو جمع «سلف» ، كما قالوا: خشب وخشب، وثمر وثمر، ~~ويقال: هو جمع سليف، وكله من التقدم. وقال الزجاج: السليف جمع قد مضى ~~والمعنى: جعلناهم سلفا متقدمين ليتعظ بهم الآخرون. قوله تعالى: ومثلا أي: ~~عبرة وعظة. ### | ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 57 الى # 66] # ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) وقالوا أآلهتنا خير أم ~~هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58) إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ~~وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59) ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض ~~يخلفون (60) وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61) # ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (62) ولما جاء عيسى بالبينات قال قد ~~جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون (63) ~~إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (64) فاختلف الأحزاب من ~~بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم (65) هل ينظرون إلا الساعة أن ~~تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66) # قوله تعالى: ولما ضرب ابن مريم مثلا أكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت ~~في مجادلة ابن الزبعرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل قوله: إنكم ~~وما تعبدون من دون الله ... الآية «1» . وقد شرحنا القصة في سورة الأنبياء ~~«2» . والمشركون هم الذين ضربوا عيسى مثلا لآلهتهم وشبههوه بها، لأن تلك ~~الآية إنما تضمنت ذكر الأصنام، لأنها عبدت من دون الله، فألزموه عيسى، ~~وضربوه مثلا لأصنامهم، لأنه معبود النصارى، والمراد بقومه: المشركون. فأما ~~يصدون فقرأ ابن عامر، ونافع، والكسائي: بضم الصاد، وكسرها الباقون قال ~~الزجاج: ومعناهما جميعا: يضجون، ويجوز أن يكون معنى المضمومة: يعرضون. وقال ~~أبو عبيدة: من كسر الصاد، فمجازها: يضجون، ومن ضمها، فمجازها: يعدلون. # قوله تعالى: وقالوا أآلهتنا خير أم هو المعنى: ليست خيرا منه، فإن كان في ~~النار لأنه عبد من دون الله، فقد رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلته. ما ضربوه ~~لك إلا جدلا أي: ما ذكروا عيسى إلا ليجادلوك به، لأنهم قد علموا أن المراد ~~ب حصب جهنم «3» ما ms2053 اتخذوه من الموات بل هم قوم خصمون أي: أصحاب خصومات. ~~PageV04P081 # قوله تعالى: وجعلناه مثلا أي: آية وعبرة لبني إسرائيل يعرفون به قدرة ~~الله على ما يريد، إذ خلقه من غير أب. ثم خاطب كفار مكة، فقال: ولو نشاء ~~لجعلنا منكم فيه قولان: # أحدهما: أن المعنى: لجعلنا بدلا منكم ملائكة ثم في معنى «يخلفون» ثلاثة ~~أقوال: أحدها: # يخلف بعضهم بعضا، قاله ابن عباس. والثاني: يخلفونكم ليكونوا بدلا منكم، ~~قاله مجاهد. والثالث: # يخلفون الرسل فيكونون رسلا إليكم بدلا منهم، حكاه الماوردي. # والقول الثاني: أن المعنى: «ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة» أي: قلبنا ~~الخلقة فجعلنا بعضكم ملائكة يخلفون من ذهب منكم، ذكره الماوردي. # قوله تعالى: وإنه لعلم للساعة في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع ~~إلى عيسى عليه السلام. ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: نزول عيسى من ~~أشراط الساعة يعلم به قربها، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك ~~والسدي. والثاني: أن إحياء عيسى الموتى دليل على الساعة وبعث الموتى، قاله ~~ابن إسحاق. والقول الثاني: أنها ترجع إلى القرآن، قاله الحسن وسعيد بن ~~جبير. وقرأ الجمهور: «لعلم» بكسر العين وتسكين اللام وقرأ ابن عباس وأبو ~~رزين وأبو عبد الرحمن وقتادة وحميد وابن محيصن بفتحهما. قال ابن قتيبة: من ~~قرأ بكسر العين فالمعنى أنه يعلم به قرب الساعة، ومن فتح العين واللام فإنه ~~بمعنى العلامة والدليل. # قوله تعالى: فلا تمترن بها أي: فلا تشكن فيها واتبعون على التوحيد هذا ~~الذي أنا عليه صراط مستقيم. ولما جاء عيسى بالبينات قد شرحنا هذا في سورة ~~البقرة «1» . قال قد جئتكم بالحكمة وفيها قولان: أحدهما: النبوة، قاله ~~عطاء، والسدي. والثاني: الإنجيل، قاله مقاتل. # ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه أي: من أمر دينكم وقال مجاهد: «بعض الذي ~~تختلفون فيه» من تبديل التوراة وقال ابن جرير: من أحكام التوراة. وقد ذهب ~~قوم إلى أن البعض هاهنا بمعنى الكل. # وقد شرحنا ذلك في حم المؤمن «2» قال الزجاج: والصحيح أن البعض لا يكون في ~~معنى الكل، وإنما بين لهم عيسى ms2054 بعض الذي اختلفوا فيه مما احتاجوا إليه وقد ~~قال ابن جرير: كان بينهم اختلاف في أمر دينهم ودنياهم، فبين لهم أمر دينهم ~~فقط. وما بعد هذا قد سبق بيانه «3» إلى قوله: هل ينظرون يعني كفار مكة. ### | ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 67 الى # 73] # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67) يا عباد لا خوف عليكم ~~اليوم ولا أنتم تحزنون (68) الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (69) ادخلوا ~~الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون (70) يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون (71) # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72) لكم فيها فاكهة كثيرة ~~منها تأكلون (73) # قوله تعالى: الأخلاء أي في الدنيا يومئذ أي في القيامة بعضهم لبعض عدو ~~لأن الخلة إذا كانت في الكفر والمعصية صارت عداوة يوم القيامة وقال مقاتل: ~~نزلت في أمية بن خلف وعقبة بن PageV04P082 # أبي معيط إلا المتقين يعني الموحدين. فإذا وقع الخوف يوم القيامة نادى ~~مناد يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، فيرفع الخلائق رؤوسهم، ~~فيقول: الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين، فينكس الكفار رؤوسهم. قرأ نافع، ~~وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «يا عبادي» بإثبات الياء في ~~الحالين وإسكانها، وحذفها في الحالين ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وحفص، ~~والمفضل عن عاصم، وخلف. وفي أزواجهم قولان: أحدهما: زوجاتهم. والثاني: # قرناؤهم. وقد سبق معنى تحبرون «1» . # قوله تعالى: يطاف عليهم بصحاف قال الزجاج: واحدها صحفة، وهي القصعة. ~~والأكواب، واحدها: كوب، وهو إناء مستدير لا عروة له قال الفراء: الكوب: ~~الكوز المستدير الرأس الذي لا أذن له، وقال عدي: # متكئا تصفق أبوابه ... يسعى عليه العبد بالكوب «2» # وقال ابن قتيبة: الأكواب: الأباريق التي لا عرى لها. وقال شيخنا أبو ~~منصور اللغوي: وإنما كانت بغير عرى ليشرب الشارب من أين شاء، لأن العروة ~~ترد الشارب من بعض الجهات. # قوله تعالى: وفيها ما تشتهيه الأنفس وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: ~~«تشتهيه» بزيادة هاء. وحذف الهاء كإثباتها في المعنى. قوله تعالى: وتلذ ~~الأعين يقال: لذذت الشيء، ms2055 واستلذذته، والمعنى: ما من شيء اشتهته نفس أو ~~استلذته عين إلا وهو في الجنة، وقد جمع الله تعالى جميع نعيم الجنة في هذين ~~الوصفين، فإنه ما من نعمة إلا وهي نصيب النفس أو العين، وتمام النعيم ~~الخلود، لأنه لو انقطع لم تطب. وتلك الجنة يعني التي ذكرها في قوله: ~~«ادخلوا الجنة» التي أورثتموها قد شرحنا هذا في الأعراف «3» عند قوله: ~~أورثتموها. ### | ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 74 الى # 83] # إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون (74) لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون (75) ~~وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76) ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ~~قال إنكم ماكثون (77) لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون (78) # أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون (79) أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون (80) قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (81) ~~سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون (82) فذرهم يخوضوا ويلعبوا ~~حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (83) # قوله تعالى: إن المجرمين يعني الكافرين، لا يفتر أي: لا يخفف عنهم وهم ~~فيه يعني في العذاب مبلسون قال ابن قتيبة: آيسون من رحمة الله. وقد شرحنا ~~هذا في الأنعام «4» . وما ظلمناهم أي: ما عذبناهم على غير ذنب ولكن كانوا ~~هم الظالمين لأنفسهم بما جنوا عليها. قال الزجاج: # والبصريون يقولون: «هم» هاهنا فصل، كذلك يسمونها، ويسميها الكوفيون: ~~العماد. قوله تعالى: PageV04P083 # ونادوا يا مالك وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن مسعود، وابن ~~يعمر: «يا مال» بغير كاف مع كسر اللام. قال الزجاج: وهذا يسميه النحويون: ~~الترخيم، ولكني أكرهها لمخالفة المصحف. قال المفسرون: يدعون مالكا خازن ~~النار فيقولون: ليقض علينا ربك أي: ليمتنا والمعنى: أنهم توسلوا به ليسأل ~~الله تعالى لهم الموت فيستريحوا من العذاب فيسكت عن جوابهم مدة، فيها أربعة ~~أقوال: # أحدها: أربعون عاما، قاله عبد الله بن عمرو، ومقاتل. والثاني: ثلاثون ~~سنة، قاله أنس. والثالث: ألف سنة، قاله ابن عباس. والرابع: مائة سنة، قاله ~~كعب. وفي سكوته عن جوابهم هذه المدة قولان. # أحدهما: أنه سكت حتى ms2056 أوحى الله إليه أن أجبهم، قاله مقاتل. والثاني: لأن ~~بعد ما بين النداء والجواب أخزى لهم وأذل. قال الماوردي: فرد عليهم مالك ~~فقال: إنكم ماكثون أي: مقيمون في العذاب. لقد جئناكم بالحق أي: أرسلنا ~~رسلنا بالتوحيد ولكن أكثركم قال ابن عباس: يريد: كلكم كارهون لما جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: أم أبرموا أمرا في «أم» قولان: أحدهما: أنها للاستفهام. ~~والثاني: بمعنى «بل» . # والإبرام: الإحكام. وفي هذا الأمر ثلاثة أقوال: أحدها: المكر برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليقتلوه أو يخرجوه حين اجتمعوا في دار الندوة وقد سبق ~~بيان القصة «1» ، قاله الأكثرون. والثاني: أنه إحكام أمرهم في تكذيبهم، ~~قاله قتادة. والثالث: أنه: إبرام أمرهم ينجيهم من العذاب، قاله الفراء. ~~فإنا مبرمون أي: # محكمون أمرا في مجازاتهم. أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم وهو ما يسرونه من ~~غيرهم ونجواهم ما يتناجون به بينهم بلى والمعنى: إنا نسمع ذلك ورسلنا يعني ~~من الحفظة لديهم يكتبون. قل إن كان للرحمن ولد في «إن» قولان «2» : أحدهما: ~~أنها بمعنى الشرط، والمعنى: إن كان له ولد في قولكم وعلى زعمكم، فعلى هذا ~~في قوله: فأنا أول العابدين أربعة أقوال: أحدها: فأنا أول الجاحدين، رواه ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أن أعرابيين اختصما ~~إليه، فقال أحدهما: إن هذا كانت لي في يده أرض، فعبدنيها، فقال ابن عباس: ~~الله أكبر، فأنا أول PageV04P084 # العابدين الجاحدين أن لله ولدا. والثاني: فأنا أول من عبد الله مخالفا ~~لقولكم، هذا قول مجاهد. وقال الزجاج: معناه: إن كنتم تزعمون للرحمن ولدا، ~~فأنا أول الموحدين. والثالث: فأنا أول الآنفين لله مما قلتم، قاله ابن ~~السائب، وأبو عبيدة «1» . قال ابن قتيبة: يقال: عبدت من كذا، أعبد عبدا، ~~فأنا عبد وعابد، قال الفرزدق: # وأعبد أن تهجى تميم بدارم «2» # أي: آنف. وأنشد أبو عبيدة: # وأعبد أن أسبهم بقومي ... وأوثر دارما وبني رزاح # والرابع: أن معنى الآية: كما أني لست أول عابد لله، فكذلك ليس له ولد ~~وهذا ms2057 كما تقول: إن كنت كاتبا فأنا حاسب، أي: لست كاتبا ولا أنا حاسب حكى ~~هذا القول الواحدي عن سفيان بن عيينة. والقول الثاني: أن «إن» بمعنى «ما» ، ~~قاله الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد فيكون المعنى: # ما كان للرحمن ولد، فأنا أول من عبد الله على يقين أنه لا ولد له. وقال ~~أبو عبيدة: الفاء على هذا القول بمعنى الواو. # قوله تعالى: فذرهم يعني كفار مكة يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم حتى ~~يلاقوا وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وابن محيصن وأبو جعفر: «حتى يلقوا» ~~بفتح الياء والقاف وسكون اللام من غير ألف. والمراد: يلاقوا يوم القيامة، ~~وهذه الآية عند الجمهور منسوخة بآية السيف. ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 84 الى 89] # وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم (84) وتبارك ~~الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون ~~(85) ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ~~(86) ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87) وقيله يا رب إن ~~هؤلاء قوم لا يؤمنون (88) # فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون (89) # قوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله قال مجاهد، وقتادة: ~~يعبد في السماء ويعبد في الأرض. وقال الزجاج: هو الموحد في السماء وفي ~~الأرض. وقرأ عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عباس، وابن السميفع، وابن ~~يعمر، والجحدري: «في السماء الله وفي الأرض الله» بألف ولام من غير تنوين ~~ولا همز فيهما. وما بعد هذا قد سبق بيانه «3» إلى قوله: ولا يملك الذين ~~يدعون من دونه الشفاعة. # (1254) سبب نزولها أن النضر بن الحارث ونفرا معه قالوا: إن كان ما يقول ~~محمد حقا، فنحن PageV04P085 # نتولى الملائكة، فهم أحق بالشفاعة من محمد، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # وفي معنى الآية قولان «1» : أحدهما: أنه أراد بالذين يدعون من دونه: ~~آلهتهم، ثم استثنى عيسى وعزير والملائكة، فقال: إلا من شهد بالحق وهو أن ~~يشهد أن لا إله إلا الله وهم يعلمون بقلوبهم ما شهدوا به ms2058 بألسنتهم، وهذا ~~مذهب الأكثرين، منهم قتادة. والثاني: أن المراد بالذين يدعون: # عيسى وعزير والملائكة الذين عبدهم المشركون بالله لا يملك هؤلاء الشفاعة ~~لأحد إلا من شهد أي: # إلا لمن شهد بالحق وهي كلمة الإخلاص وهم يعلمون أن الله عز وجل خلق عيسى ~~وعزير والملائكة، وهذا مذهب قوم، منهم مجاهد. وفي الآية دليل على أن شرط ~~جميع الشهادات أن يكون الشاهد عالما بما يشهد به. # قوله تعالى: وقيله يا رب قال قتادة: هذا نبيكم يشكو قومه إلى ربه. وقال ~~ابن عباس: شكا إلى الله تخلف قومه عن الإيمان. قرأ ابن كثير، ونافع، وابن ~~عامر، وأبو عمرو: «وقيله» بنصب اللام وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه أضمر ~~معها قولا، كأنه قال: وقال قيله، وشكا شكواه إلى ربه. والثاني: # أنه عطف على قوله: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله فالمعنى: ~~ونسمع قيله، ذكر القولين الفراء، والأخفش. والثالث: أنه منصوب على معنى: ~~وعنده علم الساعة ويعلم قيله، لأن معنى «وعنده علم الساعة» : يعلم الساعة ~~ويعلم قيله، هذا اختيار الزجاج. وقرأ عاصم وحمزة: «وقيله» بكسر اللام ~~والهاء حتى تبلغ إلى الياء والمعنى: وعنده علم الساعة وعلم قيله. وقرأ أبو ~~هريرة وأبو رزين وسعيد بن جبير وأبو رجاء والجحدري وقتادة وحميد برفع اللام ~~والمعنى: ونداؤه هذه الكلمة: يا رب ذكر علة الخفض والرفع الفراء والزجاج. # قوله تعالى: فاصفح عنهم أي: فأعرض عنهم وقل سلام فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~قل خيرا بدلا من شرهم، قاله السدي. والثاني: اردد عليهم معروفا، قاله ~~مقاتل. والثالث: قل ما تسلم به من شرهم، حكاه الماوردي. فسوف يعلمون فيه ~~ثلاثة أقوال: أحدها: يعلمون عاقبة كفرهم. والثاني: # أنك صادق. والثالث: حلول العذاب بهم، وهذا تهديد لهم: «فسوف يعلمون» . ~~وقرأ نافع، وابن عامر: «تعلمون» بالتاء. ومن قرأ بالياء، فعلى الأمر للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بأن يخاطبهم بهذا، قاله مقاتل فنسخت آية السيف الإعراض ~~والسلام. PageV04P086 # سورة الدخان # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الدخان # (44) : الآيات 1 الى 9] # بسم الله الرحمن ms2059 الرحيم # حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ~~(3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4) # أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6) ~~رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (7) لا إله إلا هو يحيي ~~ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (8) بل هم في شك يلعبون (9) # قوله عز وجل: حم والكتاب المبين قد تقدم بيانه، وجواب القسم إنا أنزلناه ~~والهاء كناية عن الكتاب، وهو القرآن في ليلة مباركة وفيها قولان «1» . ~~أحدهما: أنها ليلة القدر، وهو قول الأكثرين. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: ~~أنزل القرآن من عند الرحمن ليلة القدر جملة واحدة، فوضع في السماء الدنيا، ~~ثم أنزل نجوما. وقال مقاتل: نزل القرآن كله في ليلة القدر من اللوح المحفوظ ~~إلى السماء الدنيا. والثاني: أنها ليلة النصف من شعبان، قاله عكرمة. قوله ~~تعالى: إنا كنا منذرين أي: مخوفين عقابنا. فيها أي: في تلك الليلة يفرق كل ~~أي: يفصل. وقرأ أبو المتوكل، وأبو نهيك، ومعاذ القارئ: «يفرق» بفتح الياء ~~وكسر الراء «كل» بنصب اللام أمر حكيم أي: محكم. قال ابن عباس: يكتب من أم ~~الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر والأرزاق ~~والآجال، حتى الحاج، وإنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في ~~الموتى. وعلى ما روي عن عكرمة أن ذلك في ليلة النصف من شعبان، والرواية عنه ~~بذلك مضطربة قد خولف الراوي لها، فروي عن عكرمة أنه قال: في ليلة القدر، ~~وعلى هذا المفسرون. # قوله تعالى: أمرا من عندنا قال الأخفش: «أمرا» و «رحمة» منصوبان على ~~الحال المعنى: إنا أنزلناه آمرين أمرا وراحمين رحمة. قال الزجاج: ويجوز أن ~~يكون منصوبا ب «يفرق» بمنزلة يفرق فرقا، لأن «أمرا» بمعنى «فرقا» . قال ~~الفراء: ويجوز أن تنصب الرحمة بوقوع «مرسلين» عليها، فتكون الرحمة هي النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقال مقاتل: «مرسلين» بمعنى منزلين هذا القرآن، أنزلناه ~~رحمة لمن آمن به. وقال PageV04P087 # غيره: «أمرا من عندنا» أي: إنا نأمر ms2060 بنسخ ما ينسخ من اللوح إنا كنا ~~مرسلين الأنبياء، رحمة منا بخلقنا. رب السماوات قرأ ابن كثير ونافع وأبو ~~عمرو وابن عامر: «رب» بالرفع. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: «رب» ~~بكسر الباء. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: بل هم يعني الكفار في شك مما ~~جئناهم به يلعبون يهزئون به. ### | ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 10 الى # 16] # فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (10) يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) ~~ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ~~(13) ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (14) # إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون (15) يوم نبطش البطشة الكبرى إنا ~~منتقمون (16) # فارتقب أي: فانتطر يوم تأتي السماء بدخان مبين اختلفوا في هذا الدخان ~~ووقته على ثلاثة أقوال «1» أحدها: أنه دخان يجيء قبل قيام الساعة. # (1255) فروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن ~~الدخان يجيء فيأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. وروى ~~عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم، فقال: ما نمت ~~الليلة حتى أصبحت، قلت: لم؟ قال: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يطرق ~~الدخان، وهذا المعنى مروي عن علي، وابن عمر، وأبي هريرة، والحسن. # والثاني: أن قريشا أصابهم جوع، فكانوا يرون بينهم وبين السماء دخانا من ~~الجوع. PageV04P088 # (1256) فروى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث مسروق، قال: كنا عند ~~عبد الله، فدخل علينا رجل، فقال: جئتك من المسجد وتركت رجلا يقول في هذه ~~الآية يوم تأتي السماء بدخان مبين: يغشاهم يوم القيامة دخان يأخذ بأنفاسهم ~~حتى يصيبهم منه كهيئة الزكام فقال عبد الله: من علم علما فليقل به، ومن لم ~~يعلم فليقل: الله أعلم، إنما كان هذا لأن قريشا لما استعصت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد، حتى أكلوا ~~العظام والميتة، وجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة ~~الدخان من الجهد، فقالوا: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، ms2061 فقال الله ~~تعالى: إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون، فكشف عنهم، ثم عادوا إلى ~~الكفر، فأخذوا يوم بدر، فذلك قوله: يوم نبطش البطشة الكبرى، وإلى نحو هذا ~~ذهب مجاهد وأبو العالية والضحاك وابن السائب ومقاتل. # والثالث: أنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء بالغبرة، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: هذا عذاب أي: يقولون: هذا عذاب. ربنا اكشف عنا العذاب فيه ~~قولان: # أحدهما: الجوع. والثاني: الدخان إنا مؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن. أنى لهم الذكرى أي: من أين لهم التذكر والاتعاظ بعد نزول هذا ~~البلاء، وحالهم أنه قد جاءهم رسول مبين أي: ظاهر الصدق؟! ثم تولوا عنه أي: ~~أعرضوا ولم يقبلوا قوله وقالوا معلم مجنون أي: هو معلم يعلمه بشر، مجنون ~~بادعائه النبوة قال الله تعالى: إنا كاشفوا العذاب قليلا أي: زمانا يسيرا ~~«1» . وفي العذاب قولان: أحدهما: # الضر الذي نزل بهم كشف بالخصب، هذا على قول ابن مسعود. قال مقاتل: كشفه ~~إلى يوم بدر. # والثاني: أنه الدخان، قاله قتادة. قوله تعالى: إنكم عائدون فيه قولان: ~~أحدهما: إلى الشرك، قاله ابن PageV04P089 # مسعود. والثاني: إلى عذاب الله، قاله قتادة. قوله تعالى: يوم نبطش البطشة ~~الكبرى وقرأ الحسن، وابن يعمر، وأبو عمران: «يوم تبطش» بتاء مرفوعة وفتح ~~الطاء «البطشة» بالرفع. قال الزجاج: المعنى: # واذكر يوم نبطش، ولا يجوز أن يكون منصوبا بقوله: «منتقمون» ، لأن ما بعد ~~«إنا» لا يجوز أن يعمل فيما قبلها. وفي هذا اليوم قولان: أحدهما: يوم بدر، ~~قاله ابن مسعود وأبي بن كعب وأبو هريرة وأبو العالية ومجاهد والضحاك. ~~والثاني: يوم القيامة، قاله ابن عباس والحسن. والبطش: الأخذ بقوة. ### | ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 17 الى # 29] # ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (17) أن أدوا إلي عباد الله ~~إني لكم رسول أمين (18) وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين (19) ~~وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون (20) وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21) # فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون (22) فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23) ~~واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24) كم ms2062 تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ~~ومقام كريم (26) # ونعمة كانوا فيها فاكهين (27) كذلك وأورثناها قوما آخرين (28) فما بكت ~~عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (29) # قوله تعالى: ولقد فتنا أي: ابتلينا قبلهم أي: قبل قومك قوم فرعون بارسال ~~موسى إليهم وجاءهم رسول كريم وهو موسى بن عمران. وفي معنى «كريم» ثلاثة ~~أقوال: أحدها: حسن الخلق، قاله مقاتل. والثاني: كريم على ربه، قاله الفراء. ~~والثالث: شريف وسيط النسب، قاله أبو سليمان. قوله تعالى: أن أدوا أي: بان ~~أدوا إلي عباد الله وفيه قولان: أحدهما: أدوا إلى ما أدعوكم إليه من الحق ~~باتباعي، روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس. فعلى هذا ينتصب «عباد الله» ~~بالنداء. قال الزجاج: ويكون المعنى: أن أدوا إلي ما آمركم به يا عباد الله. ~~والثاني: أرسلوا معي بني إسرائيل، قاله مجاهد، وقتادة، والمعنى: أطلقوهم من ~~تسخيركم، وسلموهم إلي. وأن لا تعلوا على الله فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لا ~~تفتروا عليه، قاله ابن عباس. والثاني: لا تعتوا عليه، قاله قتادة. # والثالث: لا تعظموا عليه، قاله ابن جريج إني آتيكم بسلطان مبين أي: بحجة ~~تدل على صدقي. فلما قال هذا تواعدوه بالقتل فقال: وإني عذت بربي وربكم أن ~~ترجمون وفيه قولان: أحدهما: أنه رجم القول، قاله ابن عباس فيكون المعنى: أن ~~يقولوا: شاعر أو مجنون. والثاني: القتل، قاله السدي. وإن لم تؤمنوا لي ~~فاعتزلون أي: فاتركوني لا معي ولا علي، فكفروا ولم يؤمنوا، فدعا ربه أن ~~هؤلاء قال الزجاج: من فتح «أن» ، فالمعنى: بأن هؤلاء ومن كسر، فالمعنى: ~~قال: إن هؤلاء، و «إن» بعد القول مكسورة. وقال المفسرون: المجرمون هاهنا: ~~المشركون. فأجاب الله دعاءه، وقال: فأسر بعبادي ليلا يعني بالمؤمنين «1» ~~إنكم متبعون يتبعكم فرعون وقومه فأعلمهم أنهم يتبعونهم، وأنه سيكون ~~PageV04P090 # سببا لغرقهم. واترك البحر رهوا أي: ساكنا على حاله بعد أن انفرق لك، ولا ~~تأمره أن يرجع كما كان حتى يدخله فرعون وجنوده. والرهو: مشي في سكون. قال ~~قتادة: لما قطع موسى عليه السلام البحر، عطف يضرب البحر بعصاه ليلتئم، وخاف ms2063 ~~أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: واترك البحر رهوا أي كما هو طريقا يابسا. ~~قوله تعالى: إنهم جند مغرقون أخبره الله عز وجل بغرقهم ليطمئن قلبه في ترك ~~البحر على حاله. كم تركوا أي: بعد غرقهم من جنات وقد فسرنا الآية في ~~الشعراء «1» . فأما «النعمة» فهو العيش اللين الرغد. وما بعد هذا قد سبق ~~بيانه «2» إلى قوله: وأورثناها قوما آخرين يعني بني إسرائيل. فما بكت عليهم ~~السماء أي على آل فرعون، وفي معناه ثلاثة أقوال «3» : أحدها: أنه على ~~الحقيقة. # (1257) روى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من ~~مسلم إلا وله في السماء بابان، باب يصعد فيه عمله، وباب ينزل منه رزقه، ~~فإذا مات بكيا عليه» وتلا صلى الله عليه وسلم هذه الآية. وقال علي رضي الله ~~عنه: إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء، وإن ~~آل فرعون لم يكن لهم في الأرض مصلى ولا في السماء مصعد عمل، فقال الله ~~تعالى: فما بكت عليهم السماء والأرض، وإلى نحو هذا ذهب ابن عباس والضحاك ~~ومقاتل. وقال ابن عباس: الحمرة التي في السماء PageV04P091 # بكاؤها. وقال مجاهد: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين ~~صباحا، فقيل له: # أو تبكي؟ قال: وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود؟! ~~وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل؟!. # والثاني: أن المراد: أهل السماء وأهل الأرض، قاله الحسن، ونظير هذا قوله ~~تعالى: حتى تضع الحرب أوزارها «1» ، أي: أهل الحرب. والثالث: أن العرب تقول ~~إذا أرادت تعظيم مهلك عظيم: أظلمت الشمس له، وكسف القمر لفقده، وبكته الريح ~~والبرق والسماء والأرض، يريدون المبالغة في وصف المصيبة، وليس ذلك بكذب ~~منهم، لأنهم جميعا متواطئون عليه، والسامع له يعرف مذهب القائل فيه ونيتهم ~~في قولهم: أظلمت الشمس كادت تظلم، وكسف القمر: كاد يكسف، ومعنى «كاد» : هم ~~أن يفعل ولم يفعل قال ابن مفرغ يرثي رجلا: # الريح تبكي شجوه ms2064 ... والبرق يلمع في غمامه «2» # وقال الآخر: # الشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك- نجوم الليل والقمرا «3» # أراد: الشمس طالعة تبكي عليه، وليست مع طلوعها كاسفة النجوم والقمر، ~~لأنها مظلمة، وإنما تكسف بضوئها، فنجوم الليل بادية بالنهار، فيكون معنى ~~الكلام: إن الله لما أهلك قوم فرعون لم يبك عليهم باك، ولم يجزع جازع، ولم ~~يوجد لهم فقد، هذا كله كلام ابن قتيبة. ### | ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 30 الى # 42] # ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30) من فرعون إنه كان عاليا من ~~المسرفين (31) ولقد اخترناهم على علم على العالمين (32) وآتيناهم من الآيات ~~ما فيه بلؤا مبين (33) إن هؤلاء ليقولون (34) # إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين (35) فأتوا بآبائنا إن كنتم ~~صادقين (36) أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا ~~مجرمين (37) وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما ~~إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون (39) # إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (40) يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ~~ينصرون (41) إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم (42) # قوله تعالى: من العذاب المهين يعني قتل الأبناء واستخدام النساء والتعب ~~في أعمال فرعون، إنه كان عاليا أي: جبارا. ولقد اخترناهم يعني بني إسرائيل ~~على علم علمه الله فيهم على عالمي زمانهم، وآتيناهم من الآيات كانفراق ~~البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، إلى غير ذلك ما فيه بلؤا مبين ~~أي: نعمة ظاهرة. # ثم رجع إلى ذكر كفار مكة، فقال إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى ~~يعنون التي تكون في الدنيا وما نحن بمنشرين أي: بمبعوثين، فأتوا بآبائنا ~~أي: ابعثوهم لنا PageV04P092 # إن كنتم صادقين في البعث. وهذا جهل منهم من وجهين: أحدهما: أنهم قد رأوا ~~من الآيات ما يكفي في الدلالة فليس لهم أن يتنطعوا «1» . والثاني: أن ~~الإعادة للجزاء وذلك في الآخرة، لا في الدنيا. ثم خوفهم عذاب الأمم قبلهم، ~~فقال: أهم خير أي: أشد وأقوى أم قوم تبع؟! أي: ليسوا خيرا منهم. # (1258) روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله ms2065 عليه وسلم أنه قال: «ما أدري ~~تبعا، نبي، أو غير نبي» . # وقالت عائشة: لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا، ألا ترى أن الله تعالى ~~ذم قومه ولم يذمه. # وقال وهب: أسلم تبع ولم يسلم قومه، فلذلك ذكر قومه ولم يذكر. وذكر بعض ~~المفسرين أنه كان يعبد النار، فأسلم ودعا قومه- وهم حمير- إلى الإسلام، ~~فكذبوه. فأما تسميته ب «تبع» فقال أبو عبيدة: كل ملك من ملوك اليمن كان ~~يسمى: تبعا، لأنه يتبع صاحبه، فموضع «تبع» في الجاهلية موضع الخليفة في ~~الإسلام، وقال مقاتل: إنما سمي تبعا لكثرة أتباعه، واسمه: ملكيكرب. وإنما ~~ذكر قوم تبع، لأنهم كانوا أقرب في الهلاك إلى كفار مكة من غيرهم. # وما بعد هذا قد تقدم «2» إلى قوله تعالى: إن يوم الفصل وهو يوم يفصل الله ~~عز وجل بين العباد ميقاتهم أي: ميعادهم أجمعين يأتيه الأولون والآخرون. يوم ~~لا يغني مولى عن مولى شيئا فيه قولان: أحدهما: لا ينفع قريب قريبا، قاله ~~مقاتل. وقال ابن قتيبة: لا يغني ولي عن وليه بالقرابة أو غيرها. والثاني: ~~لا ينفع ابن عم ابن عمه، قاله أبو عبيدة. ولا هم ينصرون أي، لا يمنعون من ~~عذاب الله، إلا من رحم الله وهم المؤمنون، فإنه يشفع بعضهم في بعض. ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 43 الى 59] # إن شجرة الزقوم (43) طعام الأثيم (44) كالمهل يغلي في البطون (45) كغلي ~~الحميم (46) خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم (47) # ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48) ذق إنك أنت العزيز الكريم (49) إن ~~هذا ما كنتم به تمترون (50) إن المتقين في مقام أمين (51) في جنات وعيون ~~(52) # يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين (53) كذلك وزوجناهم بحور عين (54) يدعون ~~فيها بكل فاكهة آمنين (55) لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم ~~عذاب الجحيم (56) فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم (57) # فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (58) فارتقب إنهم مرتقبون (59) ~~PageV04P093 # إن شجرة الزقوم قد ذكرناها في الصافات «1» . و «الأثيم» : الفاجر وقال ~~مقاتل: هو أبو جهل. وقد ذكرنا معنى «المهل» في الكهف «2» . # قوله تعالى: يغلي في البطون قرأ ابن ms2066 كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم: ~~«يغلي» بالياء والباقون: بالتاء. فمن قرأ «تغلي» بالتاء، فلتأنيث الشجرة ~~ومن قرأ بالياء، حمله على الطعام، قال أبو علي الفارسي: ولا يجوز أن يحمل ~~الغلي على المهل، لأن المهل ذكر للتشبيه في الذوب، وإنما يغلي ما شبه به ~~كغلي الحميم وهو الماء الحار إذا اشتد غليانه. # قوله تعالى: خذوه أي: يقال للزبانية: خذوه فاعتلوه وقرأ ابن كثير، ونافع، ~~وابن عامر، ويعقوب: بضم التاء وكسرها الباقون قال ابن قتيبة: ومعناه: قودوه ~~بالعنف، يقال: جيء بفلان يعتل إلى السلطان، و «سواء الجحيم» : وسط النار. ~~قال مقاتل: الآيات في أبي جهل يضربه الملك من خزان جهنم على رأسه بمقمعة من ~~حديد فتنقب عن دماغه، فيجري دماغه على جسده، ثم يصب الملك في النقب ماء ~~حميما قد انتهى حره، فيقع في بطنه، ثم يقول له الملك: ذق العذاب إنك أنت ~~العزيز الكريم هذا توبيخ له بذلك وكان أبو جهل يقول: أنا أعز قريش وأكرمها. ~~وقرأ الكسائي: «ذق أنك» بفتح الهمزة والباقون: بكسرها. قال أبو علي: من ~~كسرها، فالمعنى: أنت العزيز في زعمك، ومن فتح، فالمعنى: بأنك. # فإن قيل: كيف سمي بالعزيز وليس به؟! فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ~~قيل ذلك استهزاء به، قاله سعيد بن جبير، ومقاتل. والثاني: أنت العزيز ~~الكريم عند نفسك، قاله قتادة. والثالث: أنت العزيز في قومك، الكريم على ~~أهلك، حكاه الماوردي. # ويقول الخزان لأهل النار: إن هذا ما كنتم به تمترون أي: تشكون في كونه. ~~ثم ذكر مستقر المتقين فقال: إن المتقين في مقام أمين قرأ نافع وابن عامر: ~~«في مقام» بضم الميم والباقون: # بفتحها. قال الفراء: المقام، بفتح الميم: المكان، وبضمها: الإقامة. قوله ~~تعالى: أمين أي: أمنوا فيه الغير والحوادث. وقد ذكرنا «الجنات» في البقرة ~~«3» ، وذكرنا معنى «العيون» ومعنى «متقابلين» في الحجر «4» ، وذكرنا ~~«السندس والإستبرق» في الكهف «5» . # قوله تعالى: كذلك أي: الأمر كما وصفنا وزوجناهم بحور عين قال المفسرون: ~~المعنى: # قرناهم بهن، وليس من عقد التزويج. قال أبو عبيدة: المعنى: جعلنا ذكور ms2067 أهل ~~الجنة أزواجا بحور عين من النساء، تقول للرجل: زوج هذه النعل الفرد بالنعل ~~الفرد، أي: اجعلهما زوجا، والمعنى: # جعلناهم اثنين اثنين. وقال يونس: العرب لا تقول: تزوج بها، إنما يقولون: ~~تزوجها. ومعنى وزوجناهم بحور عين: قرناهم. وقال ابن قتيبة: يقال: زوجته ~~امرأة، وزوجته بامرأة. وقال أبو علي الفارسي: والتنزيل على ما قال يونس، ~~وهو قوله تعالى: زوجناكها «6» ، وما قال: زوجناك بها. فأما الحور، فقال ~~مجاهد: الحور: النساء النقيات البياض. وقال الفراء: الحوراء: البيضاء من ~~الإبل قال: # وفي «الحور العين» لغتان: حور عين، وحير عين، وأنشد: PageV04P094 # أزمان عيناء سرور المسير ... وحوراء عيناء من العين الحير # وقال أبو عبيدة: الحوراء: الشديدة بياض بياض العين، الشديدة سواد سوادها. ~~وقد بينا معنى «العين» في الصافات «1» . # قوله تعالى: يدعون فيها بكل فاكهة آمنين فيه قولان: أحدهما: آمنين من ~~انقطاعها في بعض الأزمنة. والثاني: آمنين من التخم والأسقام والآفات. قوله ~~تعالى: إلا الموتة الأولى فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بمعنى «سوى» ، ~~فتقدير الكلام: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة التي ذاقوها في الدنيا ~~ومثله: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف «2» ، وقوله: # خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك «3» أي: سوى ما شاء ~~لهم ربك من الزيادة على مقدار الدنيا، هذا قول الفراء، والزجاج. والثاني: ~~أن السعداء حين يموتون يصيرون إلى الروح والريحان وأسباب من الجنة يرون ~~منازلهم منها، وإذا ماتوا في الدنيا، فكأنهم ماتوا في الجنة، لاتصالهم ~~بأسبابها، ومشاهدتهم إياها، قاله ابن قتيبة. والثالث: أن «إلا» بمعنى «بعد» ~~، كما ذكرنا في أحد الوجوه في قوله: إلا ما قد سلف «4» ، وهذا قول ابن ~~جرير. قوله تعالى: فضلا من ربك أي: فعل الله ذلك بهم فضلا منه. فإنما ~~يسرناه أي: سهلناه، والكناية عن القرآن بلسانك أي: بلغة العرب لعلهم ~~يتذكرون أي: لكي يتعظوا فيؤمنوا، فارتقب أي: انتظر بهم العذاب إنهم مرتقبون ~~هلاكك وهذه عند أكثر المفسرين منسوخة بآية السيف، وليس بصحيح. PageV04P095 ### | سورة الجاثية # وتسمى: سورة الشريعة. روى العوفي ms2068 وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية، ~~وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة والجمهور. وقال مقاتل: هي مكية كلها. ~~وحكي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: هي مكية إلا آية، وهي قوله: قل للذين ~~آمنوا يغفروا «1» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الجاثية (45) : الآيات 1 الى # 13] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) إن في السماوات والأرض ~~لآيات للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (4) # واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض ~~بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5) تلك آيات الله نتلوها عليك ~~بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون (6) ويل لكل أفاك أثيم (7) يسمع ~~آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) ~~وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) # من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله ~~أولياء ولهم عذاب عظيم (10) هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من ~~رجز أليم (11) الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من ~~فضله ولعلكم تشكرون (12) وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ~~إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (13) # قوله تعالى: حم تنزيل الكتاب قد شرحناه في أول المؤمن. # قوله تعالى: وفي خلقكم أي: من تراب ثم من نطفة إلى أن يتكامل خلق الإنسان ~~وما يبث من دابة أي: وما يفرق في الأرض من جميع ما خلق على اختلاف ذلك في ~~الخلق والصور آيات تدل على وحدانيته. قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو ~~عمرو، وابن عامر: «آيات» رفعا «وتصريف الرياح آيات» رفعا أيضا. وقرأ حمزة، ~~والكسائي: بالكسر فيهما. والرزق هاهنا بمعنى المطر. قوله تعالى: # تلك آيات الله أي: هذه حجج الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله ~~أي: بعد حديثه وآياته يؤمن هؤلاء المشركون؟! PageV04P096 # قوله تعالى: ويل لكل أفاك أثيم روى أبو صالح عن ms2069 ابن عباس أنها نزلت في ~~النضر بن الحارث. # وقد بينا معناها في الشعراء «1» ، والآية التي تليها مفسرة في لقمان «2» ~~. # قوله تعالى: وإذا علم من آياتنا شيئا قال مقاتل: معناه: إذا سمع. وقرأ ~~ابن مسعود: «وإذا علم» برفع العين وكسر اللام وتشديدها. قوله تعالى: اتخذها ~~هزوا أي: سخر منها، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت: إن شجرة الزقوم طعام ~~الأثيم «3» فدعا بتمر وزبد، وقال: تزقموا فما يعدكم محمد إلا هذا، وإنما ~~قال: أولئك لأنه رد الكلام إلى معنى «كل» . من ورائهم جهنم قد فسرناه في ~~إبراهيم «4» ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا من الأموال، ولا ما عبدوا من ~~الآلهة. قوله تعالى: هذا هدى يعني القرآن والذين كفروا به، لهم عذاب من رجز ~~أليم قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: # «أليم» بالرفع على نعت العذاب. وقرأ الباقون: بالكسر على نعت الرجز. ~~والرجز بمعنى العذاب، وقد شرحناه في الأعراف «5» . قوله تعالى: جميعا منه ~~أي: ذلك التسخير منه لا من غيره، فهو من فضله. # وقرأ عبد الله بن عمرو، وابن عباس، وأبو مجلز، وابن السميفع، وابن محيصن، ~~والجحدري: «جميعا منة» بفتح النون وتشديدها وتاء منصوبة منونة. وقرأ سعيد ~~بن جبير: «منه» بفتح الميم ورفع النون والهاء مشددة النون. ### | [سورة الجاثية (45) : الآيات 14 الى 22] # قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا ~~يكسبون (14) من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون (15) ~~ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على العالمين (16) وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون (17) ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء ~~الذين لا يعلمون (18) # إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي ~~المتقين (19) هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (20) أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم ms2070 ساء ما يحكمون (21) وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس ~~بما كسبت وهم لا يظلمون (22) # قوله تعالى: قل للذين آمنوا يغفروا ... الآية، في سبب نزولها أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنهم نزلوا في غزاة بني المصطلق على بئر يقال لها: «المريسيع» ، ~~فأرسل عبد الله بن أبي غلامة ليستقي الماء، فأبطأ عليه، فلما أتاه قال له: ~~ما حبسك؟ قال: غلام عمر، ما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقرب أبي بكر، وملأ لمولاه، فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء ~~إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، فبلغ قوله عمر، فاشتمل سيفه يريد التوجه ~~إليه، فنزلت هذه الآية، رواه عطاء PageV04P097 # عن ابن عباس «1» . # (1259) والثاني: أنها لما نزلت: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا «2» قال ~~يهودي بالمدينة يقال له فنحاص: احتاج رب محمد. فلما سمع بذلك عمر، اشتمل ~~على سيفه وخرج في طلبه، فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية، فبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم في طلب عمر، فلما جاء، قال: «يا عمر، ضع سيفك» وتلا عليه ~~الآية، رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس. # (1260) والثالث: أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل ~~مكة كانوا في أذى شديد من المشركين قبل أن يؤمروا بالقتال، فشكوا ذلك إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، قاله القرظي، والسدي. # والرابع: أن رجلا من كفار قريش شتم عمر بن الخطاب، فهم عمر أن يبطش به، ~~فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل «3» . # ومعنى الآية: قل للذين آمنوا: اغفروا، ولكن شبه بالشرط والجزاء، كقوله: ~~قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة «4» ، وقد مضى بيان هذا. وقوله: للذين ~~لا يرجون أي: لا يخافون وقائع الله في الأمم الخالية، لأنهم لا يؤمنون به، ~~فلا يخافون عقابه. وقيل: لا يدرون أنعم الله عليهم، أم لا. # وقد سبق بيان معنى «أيام الله» في سورة إبراهيم «5» . ### | فصل: # وجمهور المفسرين على أن هذه الآية منسوخة، لأنها تضمنت الأمر بالإعراض عن ~~المشركين. واختلفوا في ناسخها ms2071 على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه قوله: فاقتلوا ~~المشركين «6» ، رواه معمر عن قتادة. والثاني: أنه قوله في الأنفال: فإما ~~تثقفنهم في الحرب «7» ، وقوله في براءة: وقاتلوا المشركين كافة «8» ، رواه ~~سعيد عن قتادة. والثالث: أنه قوله: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا «9» ، ~~قاله أبو صالح. # قوله تعالى: ليجزي قوما وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: «لنجزي» بالنون ~~«قوما» يعني الكفار، فكأنه قال: لا تكافئوهم أنتم لنكافئهم نحن. وما بعد ~~هذا قد سبق «10» إلى قوله: PageV04P098 # ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب يعني التوراة والحكم وهو الفهم في الكتاب، ~~ورزقناهم من الطيبات يعني المن والسلوى وفضلناهم على العالمين أي: عالمي ~~زمانهم. وآتيناهم بينات من الأمر فيه قولان: # أحدهما: بيان الحلال والحرام، قاله السدي. والثاني: العلم بمبعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم وشواهد نبوته، ذكره الماوردي. وما بعد هذا قد تقدم ~~بيانه «1» إلى قوله: ثم جعلناك على شريعة من الأمر «2» سبب نزولها أن رؤساء ~~قريش دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملة آبائه، فنزلت هذه الآية، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. # فأما قوله: على شريعة فقال ابن قتيبة: أي على ملة ومذهب، ومنه يقال: شرع ~~فلان في كذا: إذا أخذ فيه، ومنه «مشارع الماء» وهي الفرض التي شرع فيها ~~الوارد. قال المفسرون: ثم جعلناك بعد موسى على طريقة من الأمر، أي: من ~~الدين فاتبعها. والذين لا يعلمون كفار قريش. إنهم لن يغنوا عنك أي: لن ~~يدفعوا عنك عذاب الله إن اتبعتهم، وإن الظالمين يعني المشركين. والله ولي ~~المتقين الشرك. والآية التي بعدها مفسرة في آخر الأعراف «3» . أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات # سبب نزولها أن كفار مكة قالوا للمؤمنين: إنا نعطى في الآخرة مثلما تعطون ~~من الأجر، قاله مقاتل «4» . # والاستفهام هاهنا استفهام إنكار. و «اجترحوا» بمعنى اكتسبوا. سواء محياهم ~~ومماتهم # قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وزيد عن يعقوب: «سواء» نصبا وقرأ ~~الباقون: بالرفع. فمن رفع، فعلى الابتداء ومن نصب، جعله مفعولا ثانيا، على ~~تقدير: أن نجعل محياهم ومماتهم سواء والمعنى: إن هؤلاء يحيون مؤمنين ~~ويموتون ms2072 مؤمنين، وهؤلاء يحيون كافرين ويموتون كافرين وشتان ما هم في الحال ~~والمآل ساء ما يحكمون # أي: بئس ما يقضون. ثم ذكر بالآية التي تلي هذه أنه خلق السموات والأرض ~~بالحق، أي: للحق والجزاء بالعدل، لئلا يظن الكافر أنه لا يجزى بكفره. ### | ### | [سورة الجاثية (45) : الآيات 23 الى # 31] # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) وقالوا ما هي إلا ~~حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يظنون (24) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ~~ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (25) قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى ~~يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (26) ولله ملك السماوات ~~والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون (27) # وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون ~~(28) هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (29) فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين ~~(30) وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما ~~مجرمين (31) PageV04P099 # قوله تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه قد شرحناه في الفرقان «1» . وقال ~~مقاتل: نزلت هذه الآية في الحارث بن قيس السهمي. قوله تعالى: وأضله الله ~~على علم أي: على علمه السابق فيه أنه لا يهتدي وختم على سمعه أي: طبع عليه ~~فلم يسمع الهدى وعلى قلبه فلم يعقل الهدى، وقد ذكرنا الغشاوة والختم في ~~(البقرة) «2» . فمن يهديه من بعد الله أي: من بعد إضلاله إياه أفلا تذكرون ~~فتعرفوا قدرته على ما يشاء؟!. وما بعد هذا مفسر في سورة المؤمنون «3» إلى ~~قوله: وما يهلكنا إلا الدهر أي: # اختلاف الليل والنهار وما لهم بذلك من علم أي: ما قالوه عن علم، إنما ~~قالوه شاكين فيه. ومن أجل هذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام: # (1261) «لا تسبوا الدهر ms2073 فإن الله هو الدهر» ، أي: هو الذي يهلككم، لا ما ~~تتوهمونه من مرور الزمان. # وما بعد هذا ظاهر، وقد تقدم بيانه «4» إلى قوله: يخسر المبطلون يعني ~~المكذبين الكافرين أصحاب الأباطيل والمعنى: يظهر خسرانهم يومئذ. وترى كل ~~أمة قال الفراء ترى أهل كل دين جاثية قال الزجاج: أي: جالسة على الركب، ~~يقال: قد جثا فلان جثوا: إذا جلس على ركبتيه، ومثله: جذا يجذو. والجذو أشد ~~استيفازا من الجثو، لأن الجذو: أن يجلس صاحبه على أطراف أصابعه. قال ابن ~~قتيبة: والمعنى أنها غير مطمئنة. # قوله تعالى: كل أمة تدعى إلى كتابها فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كتابها ~~الذي فيه حسناتها وسيئاتها، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنه ~~حسابها، قاله الشعبي، والفراء، وابن قتيبة. # والثالث: كتابها الذي أنزل على رسوله، حكاه الماوردي. ويقال لهم: اليوم ~~تجزون ما كنتم تعملون. هذا كتابنا وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كتاب ~~الأعمال الذي تكتبه الحفظة، قاله ابن السائب. والثاني: # اللوح المحفوظ، قاله مقاتل. والثالث: القرآن، والمعنى أنهم يقرءونه ~~فيدلهم ويذكرهم، فكأنه ينطق عليهم، قاله ابن قتيبة. # قوله تعالى: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون أي: نأمر الملائكة بنسخ ~~أعمالكم، أي بكتبها وإثباتها. وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ، من ~~اللوح المحفوظ، تستنسخ الملائكة كل عام ما PageV04P100 # يكون من أعمال بني آدم، فيجدون ذلك موافقا ما يعملونه. قالوا: والاستنساخ ~~لا يكون إلا من أصل. # قال الفراء: يرفع الملكان العمل كله، فيثبت الله منه ما فيه ثواب أو ~~عقاب، ويطرح منه اللغو. وقال الزجاج: نستنسخ ما تكتبه الحفظة، ويثبت عند ~~الله عز وجل. # قوله تعالى: في رحمته قال مقاتل: في جنته. # قوله تعالى: أفلم تكن آياتي فيه إضمار، تقديره: فيقال لهم ألم تكن آياتي، ~~يعني آيات القرآن تتلى عليكم فاستكبرتم عن الإيمان بها وكنتم قوما مجرمين ~~قال ابن عباس: كافرين. ### | [سورة الجاثية (45) : الآيات 32 الى 37] # وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن ~~نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ms2074 (32) وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزؤن (33) وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم ~~النار وما لكم من ناصرين (34) ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم ~~الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون (35) فلله الحمد رب ~~السماوات ورب الأرض رب العالمين (36) # وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (37) # قوله تعالى: وإذا قيل إن وعد الله بالبعث حق أي: كائن والساعة قرأ حمزة: ~~«والساعة» بالنصب لا ريب فيها أي: كائنة بلا شك قلتم ما ندري ما الساعة أي ~~أنكرتموها إن نظن إلا ظنا أي: # ما نعلم ذلك إلا ظنا وحدسا، ولا نستيقن كونها. # وما بعد هذا قد تقدم «1» إلى قوله: وقيل اليوم ننساكم أي: نترككم في ~~النار كما نسيتم لقاء يومكم هذا أي: كما تركتم الإيمان والعمل للقاء هذا ~~اليوم. ذلكم الذي فعلنا بكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا أي: مهزوءا بها ~~وغرتكم الحياة الدنيا حتى قلتم: إنه لا بعث ولا حساب فاليوم لا يخرجون وقرأ ~~حمزة، والكسائي: «لا يخرجون» بفتح الياء وضم الراء. وقرأ الباقون: «لا ~~يخرجون» بضم الياء وفتح الراء منها أي: من النار ولا هم يستعتبون أي: لا ~~يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله عز وجل، لأنه ليس بحين توبة ولا اعتذار. # قوله تعالى: وله الكبرياء فيه ثلاثة أقوال: أحدها: السلطان، قاله مجاهد. ~~والثاني: الشرف، قاله ابن زيد. والثالث: العظمة، قاله يحيى بن سلام، ~~والزجاج. PageV04P101 ### | سورة الأحقاف # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الأحقاف (46) : الآيات 1 الى # 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ما خلقنا السماوات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون (3) قل ~~أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (4) # فصل في نزولها «1» : روى العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية، ~~وبه قال الحسن، ms2075 ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والجمهور. وروي عن ابن عباس وقتادة ~~أنهما قالا: فيها آية مدنية، وهي قوله: قل أرأيتم إن كان من عند الله «2» . ~~وقال مقاتل: نزلت بمكة غير آيتين: قوله: قل أرأيتم إن كان من عند الله، ~~وقوله: فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل «3» . نزلتا بالمدينة. # وقد تقدم تفسير فاتحتها «4» إلى قوله: وأجل مسمى وهو أجل فناء السموات ~~والأرض، وهو يوم القيامة. قوله تعالى: قل أرأيتم مفسر في فاطر «5» إلى ~~قوله: ائتوني بكتاب «6» ، وفي الآية اختصار، تقديره: فإن ادعوا أن شيئا من ~~المخلوقات صنعة آلهتهم، فقل لهم: ائتوني بكتاب من قبل هذا أي: من قبل ~~القرآن فيه برهان ما تدعون من أن الأصنام شركاء الله، أو أثارة من علم وفيه ~~ثلاثة أقوال «7» : أحدها: أنه الشيء يثيره مستخرجه، قاله الحسن. والثاني: ~~بقية من علم تؤثر عن PageV04P102 # الأولين، قاله ابن قتيبة، وإلى نحوه ذهب الفراء، وأبو عبيدة. والثالث: ~~علامة من علم، قاله الزجاج. # وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين، وأيوب السختياني، ويعقوب: «أثرة» بفتح الثاء، ~~مثل شجرة. ثم ذكروا في معناها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الخط، قاله ابن عباس ~~وقال: هو خط كانت العرب تخطه في الأرض، قال أبو بكر بن عياش: الخط هو ~~العيافة. والثاني: أو علم تأثرونه عن غيركم، قاله مجاهد. # والثالث: خاصة من علم، قاله قتادة. وقرأ أبي بن كعب، وأبو عبد الرحمن ~~السلمي، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن يعمر: «أثرة» بسكون الثاء من غير ~~ألف بوزن نظرة. وقال الفراء: قرئت «أثارة» و «أثرة» ، وهي لغات، ومعنى ~~الكل: بقية من علم، ويقال: أو شيء مأثور من كتب الأولين، فمن قرأ «أثارة» ~~فهو المصدر، مثل قولك: السماحة والشجاعة، ومن قرأ «أثرة» فإنه بناه على ~~الأثر، كما قيل: # قترة، ومن قرأ «أثرة» فكأنه أراد قوله: «الخطفة» «1» و «الرجفة» «2» . ~~وقال اليزيدي: الأثارة: البقية والأثرة، مصدر أثره يأثره، أي: يذكره ~~ويرويه، ومنه: حديث مأثور. ### | ### | [سورة الأحقاف (46) : الآيات 5 الى # 8] # ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة ms2076 وهم عن ~~دعائهم غافلون (5) وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ~~(6) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر ~~مبين (7) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو ~~أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (8) # قوله تعالى: من لا يستجيب له يعني الأصنام وهم عن دعائهم غافلون لأنها ~~جماد لا تسمع، فإذا قامت القيامة صارت الآلهة أعداء لعابديها في الدنيا. ثم ~~ذكر بما بعد هذا أنهم يسمون القرآن سحرا وأن محمدا افتراه. قوله تعالى: فلا ~~تملكون لي من الله شيئا أي: لا تقدرون على أن تردوا عني عذابه، أي: فكيف ~~أفتري من أجلكم وأنتم لا تقدرون على دفع عذابه عني؟! هو أعلم بما تفيضون ~~فيه أي: بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التكذيب والقول بأنه سحر كفى ~~به شهيدا بيني وبينكم أن القرآن جاء من عند الله وهو الغفور الرحيم في ~~تأخير العذاب عنكم. وقال الزجاج: إنما ذكر هاهنا الغفران والرحمة ليعلمهم ~~أن من أتى ما أتيتم ثم تاب فإن الله تعالى غفور له رحيم به. ### | [سورة الأحقاف (46) : الآيات 9 الى 10] # قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين (9) قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم ~~به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين (10) # قوله تعالى: قل ما كنت بدعا من الرسل أي: ما أنا بأول رسول. والبدع ~~والبديع من كل شيء: # المبتدأ وما أدري ما يفعل بي ولا بكم وقرأ ابن يعمر، وابن أبي عبلة: «ما ~~يفعل» بفتح الياء ثم فيه PageV04P103 # قولان: أحدهما: أنه أراد بذلك ما يكون في الدنيا. ثم فيه قولان «1» : # (1262) أحدهما: أنه لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، رأى في المنام أنه هاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء، ms2077 فقصها على ~~أصحابه، فاستبشروا بذلك لما يلقون من أذى المشركين. ثم إنهم مكثوا برهة لا ~~يرون ذلك، فقالوا: يا رسول الله متى تهاجر إلى الأرض التي رأيت؟ فسكت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ~~يعني لا أدري، أخرج إلى الموضع الذي رأيته في منامي أم لا؟ ثم قال: إنما هو ~~شيء رأيته في منامي، وما أتبع إلا ما يوحى إلي، رواه أبو صالح عن ابن عباس. ~~وكذلك قال عطية: ما أدري هل يتركني بمكة أو يخرجني منها. # والثاني: ما أدري هل أخرج كما أخرج الأنبياء قبلي، أو أقتل كما قتلوا، ~~ولا أدري ما يفعل بكم، أتعذبون أم تؤخرون؟ أتصدقون أم تكذبون؟ قاله الحسن. # والقول الثاني: أنه أراد ما يكون في الآخرة. # (1263) روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية، نزل بعدها ~~ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر «2» وقال: ليدخل المؤمنين ~~والمؤمنات جنات ... الآية «3» ، فأعلم ما يفعل به وبالمؤمنين. وقيل: إن ~~المشركين فرحوا عند نزول هذه الآية وقالوا: ما أمرنا وأمر محمد إلا واحد، ~~ولولا أنه ابتدع ما يقوله لأخبره الذي بعثه بما يفعل به، فنزل قوله: ليغفر ~~لك الله ... الآية، فقال الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله، فماذا يفعل بنا؟ ~~فنزلت: ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات ... الآية وممن ذهب إلى هذا القول ~~أنس وعكرمة وقتادة. وروي عن الحسن ذلك. # قوله تعالى: قل أرأيتم إن كان من عند الله يعني القرآن وكفرتم به وشهد ~~شاهد من بني إسرائيل وفيه قولان «4» : أحدهما: أنه عبد الله بن سلام، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال PageV04P104 # الحسن، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. والثاني: أنه موسى بن عمران ~~عليه السلام، قاله الشعبي، ومسروق. فعلى القول الأول يكون ذكر المثل صلة، ~~فيكون المعنى: وشهد شاهد من بني إسرائيل عليه، أي: على أنه من عند الله، ~~فآمن الشاهد، وهو ابن سلام واستكبرتم يا معشر اليهود. وعلى الثاني يكون ~~المعنى: وشهد موسى ms2078 على التوراة التي هي مثل القرآن أنها من عند الله، كما ~~شهد محمد على القرآن أنه كلام الله، «فآمن» من آمن بموسى والتوراة ~~«واستكبرتم» أنتم يا معشر العرب أن تؤمنوا بمحمد والقرآن. # فإن قيل: أين جواب «إن» قيل: هو مضمر وفي تقديره ستة أقوال: أحدها: أن ~~جوابه: فمن أضل منكم، قاله الحسن. والثاني: أن تقدير الكلام: وشهد شاهد من ~~بني إسرائيل على مثله فآمن، أتؤمنون؟ قاله الزجاج. والثالث: أن تقديره: ~~أتأمنون عقوبة الله؟ قاله أبو علي الفارسي. والرابع: أن تقديره: أفما ~~تهلكون؟ ذكره الماوردي. والخامس: من المحق منا ومنكم ومن المبطل؟ ذكره ~~الثعلبي. # والسادس: أن تقديره: أليس قد ظلمتم؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين، ذكره الواحدي. ### | ### | [سورة الأحقاف (46) : الآيات 11 الى # 16] # وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا ~~به فسيقولون هذا إفك قديم (11) ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب ~~مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين (12) إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (13) أولئك أصحاب الجنة ~~خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون (14) ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ~~حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده ~~وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ~~وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين ~~(15) # أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ~~وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (16) # قوله تعالى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا الآية، في سبب نزولها خمسة ~~أقوال «1» : أحدها: PageV04P105 # أن الكفار قالوا: لو كان دين محمد خيرا ما سبقنا إليه اليهود، فنزلت هذه ~~الآية، قاله مسروق «1» . # والثاني: أن امرأة ضعيفة البصر أسلمت، وكان الأشراف من قريش يهزئون بها ~~ويقولون: والله لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا هذه إليه، فنزلت هذه ~~الآية، قاله أبو الزناد ms2079 «2» . والثالث: أن أبا ذر الغفاري أسلم واستجاب به ~~قومه إلى الإسلام، فقالت قريش: لو كان خيرا ما سبقونا إليه، فنزلت هذه ~~الآية، قاله أبو المتوكل «3» . والرابع: أنه لما اهتدت مزينة وجهينة ~~وأسلمت، قالت أسد وغطفان: لو كان خيرا ما سبقنا إليه رعاء الشاء، يعنون ~~مزينة وجهينة، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب «4» . # والخامس: أن اليهود قالوا: لو كان دين محمد خيرا ما سبقتمونا إليه، لأنه ~~لا علم لكم بذلك، ولو كان حقا لدخلنا فيه، ذكره أبو سليمان الدمشقي وقال: ~~هو قول من يقول: إن الآية نزلت بالمدينة ومن قال: هي مكية، قال: هو قول ~~المشركين. فقد خرج في «الذين كفروا» قولان: أحدهما: أنهم المشركون. ~~والثاني: اليهود. # وقوله: لو كان خيرا أي: لو كان دين محمد خيرا ما سبقونا إليه. فمن قال: ~~هم المشركون، قال: أرادوا: إنا أعز وأفضل ومن قال: هم اليهود، قال: أرادوا: ~~لأنا أعلم. # قوله تعالى: وإذ لم يهتدوا به أي: بالقرآن فسيقولون هذا إفك قديم أي: كذب ~~متقدم، يعنون أساطير الأولين. ومن قبله كتاب موسى أي: من قبل القرآن ~~التوراة. وفي الكلام محذوف، تقديره: فلم يهتدوا، لأن المشركين لم يهتدوا ~~بالتوراة. إماما قال الزجاج: هو منصوب على الحال ورحمة عطف عليه وهذا كتاب ~~مصدق المعنى: مصدق للتوراة لسانا عربيا منصوب على الحال المعنى: مصدق لما ~~بين يديه عربيا وذكر «لسانا» توكيدا، كما تقول: جاءني زيد رجلا صالحا، ~~تريد: جاءني زيد صالحا. # قوله تعالى: لينذر الذين ظلموا قرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ~~«لينذر» بالياء. وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب: «لتنذر» بالتاء. وعن ابن كثير ~~كالقراءتين. «والذين ظلموا» المشركون وبشرى أي وهو بشرى للمحسنين وهم ~~الموحدون يبشرهم بالجنة. # وما بعد هذا قد تقدم تفسيره «5» إلى قوله: بوالديه حسنا وقرأ عاصم، ~~وحمزة، والكسائي: PageV04P106 # إحسانا بألف. حملته أمه كرها قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «كرها» ~~بفتح الكاف، وقرأ الباقون بضمها. قال الفراء: والنحويون يستحبون الضم ~~هاهنا، ويكرهون الفتح، للعلة التي بيناها عند قوله: وهو كره لكم «1» ، قال ~~الزجاج: والمعنى: ms2080 حملته على مشقة ووضعته على مشقة. # وفصاله أي: فطامه. وقرأ يعقوب: «وفصله» بفتح الفاء وسكون الصاد من غير ~~ألف ثلاثون شهرا. قال ابن عباس: «ووضعته كرها» يريد به شدة الطلق. واعلم أن ~~هذه المدة قدرت لأقل الحمل وأكثر الرضاع فأما الأشد، ففيه أقوال قد تقدمت ~~واختار الزجاج أنه بلوغ ثلاث وثلاثين سنة، لأنه وقت كمال الإنسان في بدنه ~~وقوته واستحكام شأنه وتمييزه. وقال ابن قتيبة: أشد الرجل غير أشد اليتيم، ~~لأن أشد الرجل: الاكتهال والحنكة وأن يشتد رأيه وعقله، وذلك ثلاثون سنة، ~~ويقال: ثمان وثلاثون سنة، وأشد الغلام: أن يشتد خلقه ويتناهى نباته. وقد ~~ذكرنا بيان الأشد في الانعام «2» وفي يوسف «3» وهذا تحقيقه. واختلفوا فيمن ~~نزلت هذه الآية على ثلاثة أقوال: # (1264) أحدها: أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وذلك أنه صحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في تجارة، فنزلوا منزلا فيه ~~سدرة، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب ~~هناك يسأله عن الدين، فقال له: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال: ذاك محمد ~~بن عبد الله بن عبد المطلب، فقال: هذا والله نبي، وما استظل تحتها أحد بعد ~~عيسى إلا محمد نبي الله، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، فكان لا ~~يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفاره وحضره، فلما نبئ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم- وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة- ~~صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ أربعين سنة قال: رب أوزعني أن ~~أشكر نعمتك التي أنعمت علي، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الأكثرون: ~~قالوا: فلما بلغ أبو بكر أربعين سنة، دعا الله عز وجل بما ذكره في هذه ~~الآية، فأجابه الله، فأسلم والداه وأولاده ذكورهم وإناثهم، ولم يجتمع ذلك ~~لغيره من الصحابة. # والقول الثاني: أنها نزلت في سعد ms2081 بن أبي وقاص، وقد شرحنا قصته في ~~العنكبوت «4» ، وهذا مذهب الضحاك، والسدي. والثالث: أنها نزلت على العموم، ~~قاله الحسن. # وقد شرحنا في سورة النمل «5» معنى قوله: أوزعني. # قوله تعالى: وأن أعمل صالحا ترضاه قال ابن عباس: أجابه الله- يعني أبا ~~بكر- فأعتق تسعة من المؤمنين كانوا يعذبون في الله عز وجل، ولم يرد شيئا من ~~الخير إلا أعانه الله عليه، واستجاب له في ذريته فآمنوا، إني تبت إليك أي: ~~رجعت إلى كل ما تحب. PageV04P107 # قوله تعالى: أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «يتقبل» ~~«ويتجاوز» بالياء المضمومة فيهما. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، ~~وخلف: «نتقبل» و «نتجاوز» بالنون فيهما، وقرأ أبو المتوكل، وأبو رجاء، وأبو ~~عمران الجوني: «يتقبل» «ويتجاوز» بياء مفتوحة فيهما، يعني أهل هذا القول، ~~والأحسن بمعنى الحسن. في أصحاب الجنة أي: في جملة من يتجاوز عنهم، وهم ~~أصحاب الجنة. وقيل: «في» بمعنى «مع» . وعد الصدق قال الزجاج: هو منصوب، ~~لأنه مصدر مؤكد لما قبله، لأن قوله: «أولئك الذين نتقبل عنهم» بمعنى الوعد، ~~لأنه وعدهم القبول بقوله: «وعد الصدق» ، يؤكد ذلك قوله: الذي كانوا يوعدون ~~أي: على ألسنة الرسل في الدنيا. ### | ### | [سورة الأحقاف (46) : الآيات 17 الى # 20] # والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما ~~يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين ~~(17) أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس ~~إنهم كانوا خاسرين (18) ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا ~~يظلمون (19) ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض ~~بغير الحق وبما كنتم تفسقون (20) # قوله تعالى: والذي قال لوالديه أف لكما «1» قرأ أبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي. وأبو بكر عن عاصم: «أف لكما» بالخفض من غير تنوين. وقرأ ابن ~~كثير، وابن عامر: ms2082 بفتح الفاء. وقرأ نافع، وحفص عن عاصم: «أف» بالخفض ~~والتنوين. وقرأ ابن يعمر: «أف» بتشديد الفاء مرفوعة منونة. وقرأ حميد، ~~والجحدري: «أفا» بتشديد الفاء وبالنصب والتنوين. وقرأ عمرو بن دينار: «أف» ~~بتشديد الفاء وبالرفع من غير تنوين. وقرأ أبو المتوكل، وعكرمة، وأبو رجاء: ~~«أف لكما» باسكان الفاء خفيفة. وقرأ أبو العالية، وأبو عمران: «أفي» بتشديد ~~الفاء وياء ساكنة ممالة. # (1265) وروي عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، ~~كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام، وهو يأبى، وعلى هذا جمهور المفسرين. # (1266) وقد روي عن عائشة أنها كانت تنكر أن تكون الآية نزلت في عبد ~~الرحمن، وتخلف PageV04P108 # على ذلك وتقول: لو شئت لسميت الذي نزلت فيه. # قال الزجاج: وقول من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن، باطل بقوله: أولئك ~~الذين حق عليهم القول فأعلم الله أن هؤلاء لا يؤمنون، وعبد الرحمن مؤمن، ~~والتفسير الصحيح أنها نزلت في الكافر العاق. وروي عن مجاهد أنها نزلت في ~~عبد الله بن أبي بكر، وعن الحسن أنها نزلت في جماعة من كفار قريش قالوا ذلك ~~لآبائهم. # قوله تعالى: وقد خلت القرون من قبلي فيه قولان: أحدهما: مضت القرون فلم ~~يرجع منهم أحد، قاله مقاتل. والثاني: مضت القرون مكذبة بهذا، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. # قوله تعالى: وهما يستغيثان الله أي: يدعوان الله له بالهدى ويقولان له: ~~ويلك آمن أي: # صدق بالبعث، فيقول ما هذا الذي تقولان إلا أساطير الأولين وقد سبق شرحها. # قوله تعالى: أولئك يعني الكفار الذين حق عليهم القول أي: وجب عليهم قضاء ~~الله أنهم من أهل النار في أمم أي: مع أمم. فذكر الله تعالى في الآيتين قبل ~~هذه من بر والديه وعمل بوصية الله عز وجل، ثم ذكر من لم يعمل بالوصية ولم ~~يطع ربه ولا والديه، إنهم كانوا خاسرين وقرأ ابن السميفع، وأبو عمران: ~~«أنهم» بفتح الهمزة. ثم قال: ولكل درجات مما عملوا أي: منازل ومراتب بحسب ~~ما اكتسبوه من إيمان وكفر، فيتفاضل أهل الجنة في الكرامة، وأهل ms2083 النار في ~~العذاب وليوفيهم أعمالهم قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو: «وليوفيهم» ~~بالياء، وقرأ الباقون: بالنون أي: # جزاء أعمالهم. # قوله تعالى: ويوم يعرض المعنى: واذكر لهم يوم يعرض الذين كفروا على النار ~~أذهبتم أي: # ويقال لهم: أذهبتم، قرأ ابن كثير: «آذهبتم» بهمزة مطولة. وقرأ ابن عامر: ~~«أأذهبتم» بهمزتين. وقرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: ~~«أذهبتم» على الخبر، وهو توبيخ لهم. قال الفراء والزجاج: العرب توبخ بالألف ~~وبغير الألف، فتقول: أذهبت وفعلت كذا؟! وذهبت ففعلت؟! قال المفسرون: ~~والمراد بطيباتهم: ما كانوا فيه من اللذات مشتغلين بها عن الآخرة معرضين عن ~~شكرها. # ولما وبخهم الله بذلك، آثر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصالحون ~~بعدهم اجتناب نعيم العيش ولذته ليتكامل أجرهم ولئلا يلهيهم عن معادهم. # (1267) وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو مضطجع على خصفة وبعضه على التراب وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا، ~~فقال: يا رسول الله، أنت نبي الله وصفوته، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش ~~الديباج والحرير؟! فقال صلى الله عليه وسلم: «يا عمر، إن أولئك قوم عجلت ~~PageV04P109 # لهم طيباتهم، وهي وشيكة الانقطاع، وإنا أخرت لنا طيباتنا» . # وروى جابر بن عبد الله قال: رأى عمر بن الخطاب لحما معلقا في يدي، فقال: ~~ما هذا يا جابر؟ # فقلت: اشتهيت لحما فاشتريته، فقال: أو كلما اشتهيت اشتريت يا جابر؟! أما ~~تخاف هذه الآية: # أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا. وروي عن عمر أنه قيل له: لو أمرت أن ~~نصنع لك طعاما ألين من هذا، فقال: إني سمعت الله عير أقواما فقال: أذهبتم ~~طيباتكم في حياتكم الدنيا. # قوله تعالى: تستكبرون في الأرض أي: تتكبرون عن عبادة الله والإيمان به. ### | ### | [سورة الأحقاف (46) : الآيات 21 الى # 25] # واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ~~ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) قالوا أجئتنا ~~لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (22) قال إنما ms2084 العلم ~~عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون (23) فلما رأوه ~~عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها ~~عذاب أليم (24) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك ~~نجزي القوم المجرمين (25) # قوله تعالى: واذكر أخا عاد يعني هودا إذ أنذر قومه بالأحقاف قال الخليل: ~~الأحقاف: الرمال العظام، وقال ابن قتيبة: واحد الأحقاف: حقف، وهو من الرمل: ~~ما أشرف من كثبانه واستطال وانحنى. وقال ابن جرير: هو ما استطال من الرمل ~~ولم يبلغ أن يكون جبلا. واختلفوا في المكان الذي سمي بهذا الاسم على ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه جبل بالشام، قاله ابن عباس، والضحاك. والثاني: أنه واد، ~~ذكره عطية. وقال مجاهد: هي أرض. وحكى ابن جرير أنه واد بين عمان ومهرة. ~~وقال ابن إسحاق: كانوا ينزلون ما بين عمان وحضر موت، واليمن كله. والثالث: ~~أن الأحقاف: رمال مشرفة على البحر بأرض يقال لها: الشحر، قاله قتادة. # قوله تعالى: وقد خلت النذر أي: قد مضت الرسل من قبل هود ومن بعده بإنذار ~~أممها ألا تعبدوا إلا الله والمعنى: لم يبعث رسول قبل هود ولا بعده إلا ~~بالأمر بعبادة الله وحده. وهذا كلام اعترض بين إنذار هود وكلامه لقومه، ثم ~~عاد إلى كلام هود فقال إني أخاف عليكم. # قوله تعالى: لتأفكنا أي: لتصرفنا عن عبادة آلهتنا بالإفك. # قوله تعالى: إنما العلم عند الله أي: هو يعلم متى يأتيكم العذاب. فلما ~~رأوه يعني ما يوعدون في قوله: «بما تعدنا» عارضا أي: سحاب يعرض من ناحية ~~السماء. قال ابن قتيبة: # العارض: السحاب. قال المفسرون: كان المطر قد حبس عن عاد، فساق الله إليهم ~~سحابة سوداء، فلما رأوها فرحوا وقالوا هذا عارض ممطرنا فقال لهم هود: بل هو ~~ما استعجلتم به، ثم بين ما هو فقال: # ريح فيها عذاب أليم، فنشأت الريح من تلك السحابة، تدمر كل شيء أي: تهلك ~~كل شيء مرت به من الناس والدواب والأموال. قال عمرو بن ميمون: لقد كانت ms2085 ~~الريح تحتمل الظعينة فترفعها حتى ترى كأنها جرادة، فأصبحوا يعني عادا لا ~~يرى إلا مساكنهم قرأ عاصم، وحمزة: «لا يرى» برفع الياء «إلا مساكنهم» برفع ~~النون. وقرأ علي، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، وقتادة، والجحدري: «لا # PageV04P110 # ترى» بتاء مضمومة. وقرأ أبو عمران، وابن السميفع: «لا ترى» بتاء مفتوحة ~~«إلا مسكنهم» على التوحيد. وهذا لأن السكان هلكوا، فقيل: أصبحوا وقد غطتهم ~~الريح بالرمل فلا يرون. ### | ### | [سورة الأحقاف (46) : الآيات 26 الى # 28] # ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى ~~عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (26) ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا ~~الآيات لعلهم يرجعون (27) فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا ~~آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون (28) # ثم خوف كفار مكة، فقال عز وجل: ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه في «إن» ~~قولان: # أحدهما: أنها بمعنى «لم» فتقديره: فيما لم نمكنكم فيه، قاله ابن عباس، ~~وابن قتيبة. وقال الفراء: هي بمنزلة «ما» في الجحد، فتقدير الكلام: في الذي ~~لم نمكنكم فيه. والثاني: أنها زائدة والمعنى: فيما مكناكم فيه، وحكاه ابن ~~قتيبة أيضا. # ثم أخبر أنه جعل لهم آلات الفهم، فلم يتدبروا بها، ولم يتفكروا فيما ~~يدلهم على التوحيد، قال المفسرون: والمراد بالأفئدة: القلوب وهذه الآلات لم ~~ترد عنهم عذاب الله. # ثم زاد كفار مكة في التخويف، فقال: ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى كديار ~~عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم من الأمم المهلكة وصرفنا الآيات أي: بيناها ~~لعلهم يعني أهل القرى يرجعون عن كفرهم. وهاهنا محذوف، تقديره: فما رجعوا عن ~~كفرهم. فلولا أي: فهلا نصرهم أي: منعهم من عذاب الله الذين اتخذوا من دون ~~الله قربانا آلهة يعني الأصنام التي تقربوا بعبادتها إلى الله على زعمهم ~~وهذا استفهام إنكار، معناه: لم ينصروهم بل ضلوا عنهم أي: لم ينفعوهم عند ~~نزول العذاب وذلك يعني دعاءهم الآلهة إفكهم أي: كذبهم، وقرأ ms2086 سعد بن أبي ~~وقاص وابن يعمر وأبو عمران: «وذلك أفكهم» بفتح الهمزة وقصرها وفتح الفاء ~~وتشديدها ونصب الكاف. وقرأ أبي بن كعب وابن عباس وأبو رزين والشعبي وأبو ~~العالية والجحدري: «أفكهم» بفتح الهمزة وقصرها ونصب الكاف والفاء وتخفيفها. ~~قال ابن جرير: أي: أضلهم. وقال الزجاج: معناها: صرفهم عن الحق فجعلهم ~~ضلالا. وقرأ ابن مسعود وأبو المتوكل: «آفكهم» بفتح الهمزة ومدها وكسر الفاء ~~وتخفيفها ورفع الكاف، أي: مضلهم. ### | [سورة الأحقاف (46) : الآيات 29 الى 32] # وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ~~فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (29) قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل ~~من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (30) يا ~~قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ~~(31) ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء ~~أولئك في ضلال مبين (32) # قوله تعالى: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن وبخ الله عز وجل بهذه الآية ~~كفار قريش بما آمنت به # PageV04P111 # الجن. وفي سبب صرفهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنهم صرفوا إليه بسبب ما حدث من رجمهم بالشهب. روى البخاري ومسلم في ~~الصحيحين من حديث ابن عباس قال: # (1268) انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين ~~إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، ~~فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت ~~علينا الشهب، قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ~~فانظروا ما هذا الأمر، فمر النفر الذين توجهوا نحو تهامة بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو ب «نخلة» وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن ~~تسمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى ~~قومهم فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد «1» ، فأنزل الله على ~~نبيه قل أوحي إلي أنه ms2087 استمع نفر من الجن «2» . # (1269) وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على الجن، ولا رآهم، وإنما أتوه وهو ب «نخلة» فسمعوا القرآن. # والثاني: أنهم صرفوا إليه لينذرهم وأمر أن يقرأ عليهم القرآن هذا مذهب ~~جماعة، منهم قتادة. # (1270) وفي أفراد مسلم من حديث علقمة قال: قلت لعبد الله: من كان منكم مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ فقال: ما كان منا معه أحد، فقدناه ذات ~~ليلة ونحن بمكة، فقلنا: اغتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو استطير، ~~فانطلقنا نطلبه في الشعاب، فلقيناه مقبلا من نحو حراء، فقلنا: يا رسول ~~الله، أين كنت؟ لقد أشفقنا عليك، وقلنا له: بتنا الليلة بشر ليلة بات بها ~~قوم حين فقدناك، فقال: «إنه أتاني داعي الجن، فذهبت أقرئهم القرآن» ، فذهب ~~بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. # (1271) وقال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني ~~أمرت أن أقرأ على الجن، فأيكم يتبعني؟» فاطرقوا، ثم استتبعهم فأطرقوا ثم ~~استتبعهم الثالثة فأطرقوا، فأتبعه عبد الله بن مسعود، فدخل PageV04P112 # نبي الله صلى الله عليه وسلم شعبا يقال له: «شعب الحجون» ، وخط على عبد ~~الله خطا ليثبته به، قال: فسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم، فلما رجع قلت: يا نبي الله، ما اللغط الذي سمعت؟ قال: # «اجتمعوا إلي في قتيل كان بينهم، فقضيت بينهم بالحق» . # والثالث: أنهم مروا به وهو يقرأ، فسمعوا القرآن. # (1272) فذكر بعض المفسرين أنه لما يئس من أهل مكة أن يجيبوه، خرج إلى ~~الطائف ليدعوهم إلى الإسلام- وقيل: ليلتمس نصرهم- وذلك بعد موت أبي طالب، ~~فلما كان ببطن نخلة قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر، فمر به نفر من أشراف جن ~~نصيبين، فاستمعوا القرآن. # فعلى هذا القول والقول الأول، لم يعلم بحضورهم حتى أخبره الله تعالى وعلى ~~القول الثاني: # علم بهم حين جاءوا. وفي المكان الذي سمعوا فيه تلاوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم قولان: أحدهما: الحجون، وقد ms2088 ذكرناه عن ابن مسعود، وبه قال قتادة. ~~والثاني: بطن نخلة، وقد ذكرناه عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. وأما النفر، ~~فقال ابن قتيبة: يقال: إن النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة. وللمفسرين في ~~عدد هؤلاء النفر ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم كانوا سبعة، قاله ابن مسعود وزر ~~بن حبيش ومجاهد، ورواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: تسعة، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. والثالث: اثني عشر ألفا، روي عن عكرمة، ولا يصح، لأن النفر لا ~~يطلق على الكثير. # قوله تعالى: فلما حضروه أي: حضروا استماعه، وقضي يعني: فرغ من تلاوته ~~ولوا إلى قومهم منذرين أي: محذرين عذاب الله عز وجل إن لم يؤمنوا. وهل ~~أنذروا قومهم من قبل أنفسهم، أم جعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا ~~إلى قومهم؟ فيه قولان. # قال عطاء: كان دين أولئك الجن اليهودية، فلذلك قالوا: من بعد موسى. # قوله تعالى: أجيبوا داعي الله يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل ~~على أنه أرسل إلى الجن والإنس. # قوله تعالى: يغفر لكم من ذنوبكم «من» هاهنا صلة. # قوله تعالى: فليس بمعجز في الأرض أي لا يعجز الله تعالى وليس له من دونه ~~أولياء أي أنصار يمنعونه من عذاب الله تعالى أولئك الذين لا يجيبون الرسل ~~في ضلال مبين. ### | [سورة الأحقاف (46) : الآيات 33 الى 35] # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن ~~يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير (33) ويوم يعرض الذين كفروا على النار ~~أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (34) ~~فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون (35) # ثم احتج على إحياء الموتى بقوله: أولم يروا ... إلى آخر الآية. والرؤية ~~هاهنا بمعنى العلم. # ولم يعي أي: لم يعجز عن ذلك يقال: عي فلان بأمره، إذا لم يهتد له ولم ~~يقدر عليه. قال الزجاج: يقال: ms2089 عييت بالأمر، إذا لم تعرف وجهه، وأعييت، إذا ~~تعبت. PageV04P113 # قوله تعالى: بقادر قال أبو عبيدة والأخفش: الباء زائدة مؤكدة. وقال ~~الفراء: العرب تدخل الباء مع الجحد، مثل قولك: ما أظنك بقائم، وهذا قول ~~الكسائي، والزجاج: وقرأ يعقوب: «يقدر» بياء مفتوحة مكان الباء وسكون القاف ~~ورفع الراء من غير ألف. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: كما صبر أولوا العزم ~~أي: ذوو الحزم والصبر وفيهم عشرة أقوال «1» : # أحدها: أنهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، وعطاء الخراساني، وابن ~~السائب. والثاني: نوح، وهود، وإبراهيم، ومحمد صلى الله عليه وسلم، قاله أبو ~~العالية الرياحي. والثالث: أنهم الذين لم تصبهم فتنة من الأنبياء، قاله ~~الحسن. # والرابع: أنهم العرب من الأنبياء، قاله مجاهد، والشعبي. والخامس: أنهم ~~إبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، قاله ~~السدي. والسادس: أن منهم إسماعيل، ويعقوب وأيوب، وليس منهم آدم، ولا يونس، ~~ولا سليمان، قاله ابن جريج. والسابع: أنهم الذين أمروا بالجهاد والقتال، ~~قاله ابن السائب، وحكي عن السدي. والثامن: أنهم جميع الرسل، فإن الله لم ~~يبعث رسولا إلا كان من أولي العزم، قاله ابن زيد، واختاره ابن الأنباري، ~~وقال: «من» دخلت للتجنيس لا للتبعيض، كما تقول: قد رأيت الثياب من الخز ~~والجباب من القز. والتاسع: أنهم الأنبياء الثمانية عشر المذكورون في سورة ~~(الأنعام) ، قاله الحسين بن الفضل. العاشر: أنهم جميع الأنبياء إلا يونس، ~~حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: ولا تستعجل لهم يعني العذاب، قال بعض المفسرين: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم ضجر بعض الضجر، وأحب أن ينزل العذاب بمن أبى من قومه، ~~فأمر بالصبر. # قوله تعالى: كأنهم يوم يرون ما يوعدون أي: من العذاب لم يلبثوا في الدنيا ~~إلا ساعة من نهار لأن ما مضى كأنه لم يكن وإن كان طويلا. وقيل: لأن مقدار ~~مكثهم في الدنيا قليل في جنب مكثهم في عذاب الآخرة. وهاهنا تم الكلام. ثم ~~قال: بلاغ أي: هذا القرآن وما فيه ms2090 من البيان بلاغ عن الله إليكم. وفي معنى ~~وصف القرآن بالبلاغ قولان: أحدهما: أن البلاغ بمعنى التبليغ. والثاني: أن ~~معناه: الكفاية، فيكون المعنى: ما أخبرناهم به لهم فيه كفاية وغنى. # وذكر ابن جرير وجها آخر، وهو أن المعنى: لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، ذلك ~~لبث بلاغ، أي: # ذلك بلاغ لهم في الدنيا إلى آجالهم، ثم حذفت «ذلك لبث» اكتفاء بدلالة ما ~~ذكر في الكلام عليها. وقرأ أبو العالية، وأبو عمران: «بلغ» بكسر اللام ~~وتشديدها وسكون الغين من غير ألف. # قوله تعالى: فهل يهلك وقرأ أبو رزين وأبو المتوكل وابن محيصن: «يهلك» ~~بفتح الياء وكسر اللام، أي عند رؤية العذاب إلا القوم الفاسقون الخارجون عن ~~أمر الله عز وجل؟!. PageV04P114 ### | سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم # وفيها قولان: أحدهما: أنها مدنية، قاله الأكثرون، منهم مجاهد، ومقاتل، ~~وحكي عن ابن عباس وقتادة أنها مدنية، إلا آية منها نزلت عليه بعد حجه حين ~~خرج من مكة وجعل ينظر إلى البيت، وهي قوله: وكأين من قرية هي أشد قوة من ~~قريتك «1» . والثاني: أنها مكية، قاله الضحاك، والسدي. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة محمد (47) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (1) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح ~~بالهم (2) ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق ~~من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (3) فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب ~~الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع ~~الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض ~~والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم (4) # سيهديهم ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) # قوله تعالى: الذين كفروا أي: بتوحيد الله وصدوا الناس عن الإيمان به، وهم ~~مشركو قريش، أضل أعمالهم أي: أبطلها، ولم يجعل لها ثوابا، فكأنها لم تكن، ~~وقد كانوا يطعمون الطعام، ويصلون الأرحام، ويتصدقون، ويفعلون ms2091 ما يعتقدونه ~~قربة. والذين آمنوا وعملوا الصالحات يعني أصحاب محمد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وآمنوا بما نزل على محمد وقرأ ابن مسعود: «نزل» بفتح النون ~~والزاي وتشديدها. وقرأ أبي بن كعب ومعاذ القارئ: «أنزل» بهمزة مضمومة ~~مكسورة الزاي. وقرأ أبو رزين وأبو الجوزاء وأبو عمران: «نزل» بفتح النون ~~والزاي وتخفيفها، كفر عنهم سيئاتهم أي غفرها لهم وأصلح بالهم أي حالهم، ~~قاله قتادة، والمبرد. # قوله تعالى: ذلك قال الزجاج: معناه: الأمر ذلك، وجائز أن يكون: ذلك ~~الإضلال، لاتباعهم الباطل، وتلك الهداية والكفارات باتباع المؤمنين الحق، ~~كذلك يضرب الله للناس أمثالهم أي: # كذلك يبين أمثال حسنات المؤمنين وسيئات الكافرين كهذا البيان. قوله ~~تعالى: فضرب الرقاب إغراء، PageV04P115 # والمعنى: فاقتلوهم «1» ، لأن الأغلب في موضع القتل ضرب العنق حتى إذا ~~أثخنتموهم أي: أكثرتم فيهم القتل فشدوا الوثاق يعني في الأسر وإنما يكون ~~الأسر بعد المبالغة في القتل. و «الوثاق» اسم من الإيثاق تقول: أوثقته ~~إيثاقا ووثاقا، إذا شددت أسره لئلا يفلت فإما منا بعد قال أبو عبيدة: إما ~~أن تمنوا، وإما أن تفادوا، ومثله: سقيا، ورعيا، وإنما هو سقيت ورعيت. وقال ~~الزجاج: إما مننتم عليهم بعد أن تأسروهم منا، وإما أطلقتموهم بفداء. ### | فصل: # وهذه الآية محكمة عند عامة العلماء. وممن ذهب إلى أن حكم المن والفداء ~~باق لم ينسخ ابن عمر، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وأحمد، والشافعي. وذهب ~~قوم إلى نسخ المن والفداء بقوله: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم «2» ، وممن ~~ذهب إلى هذا ابن جريح، والسدي، وأبو حنيفة وقد أشرنا إلى القولين في براءة. # قوله تعالى: حتى تضع الحرب أوزارها قال ابن عباس: حتى لا يبقى أحد من ~~المشركين. وقال مجاهد: حتى لا يكون دين إلا دين الإسلام. وقال سعيد بن ~~جبير: حتى يخرج المسيح. وقال الفراء: # حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم. وفي معنى الكلام قولان: # أحدهما: حتى يضع أهل الحرب سلاحهم قال الأعشى: # وأعددت للحرب أوزارها: ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا # وأصل «الوزر» ما حملته، فسمى السلاح «أوزارا» لأنه يحمل، هذا قول ms2092 ابن ~~قتيبة. # والثاني: حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن ~~يسلموا ولا يعبدوا إلا الله، ذكره الواحدي. # قوله تعالى: ذلك أي: الأمر ذلك الذي ذكرنا ولو يشاء الله لانتصر منهم ~~بإهلاكهم أو تعذيبهم بما شاء ولكن أمركم بالحرب ليبلوا بعضكم ببعض فيثيب ~~المؤمن ويكرمه بالشهادة، ويخزي الكافر بالقتل والعذاب. قوله تعالى: والذين ~~قتلوا قرأ أبو عمرو، وحفص عن عاصم: «قتلوا» بضم القاف وكسر التاء والباقون: ~~«قاتلوا» بألف. قوله تعالى: سيهديهم فيه أربعة أقوال: أحدها: PageV04P116 # يهديهم إلى أرشد الأمور، قاله ابن عباس. والثاني: يحقق لهم الهداية، قاله ~~الحسن. والثالث: إلى محاجة منكر ونكير. والرابع: إلى طريق الجنة، حكاهما ~~الماوردي. وفي قوله: عرفها لهم قولان: # أحدهما: عرفهم منازلهم فيها فلا يستدلون عليها ولا يخطئونها، هذا قول ~~الجمهور، منهم مجاهد وقتادة واختاره الفراء، وأبو عبيدة. والثاني: طيبها ~~لهم، رواه عطاء عن ابن عباس. قال ابن قتيبة: وهو قول أصحاب اللغة، يقال: ~~طعام معرف، أي مطيب. وقرأ أبو مجلز وأبو رجاء وابن محيصن: «عرفها لهم» ~~بتخفيف الراء. ### | [سورة محمد (47) : الآيات 7 الى 14] # يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) والذين ~~كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (8) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط ~~أعمالهم (9) أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها (10) ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم (11) # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم (12) وكأين ~~من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم (13) أفمن ~~كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم (14) # قوله تعالى: إن تنصروا الله أي: تنصروا دينه ورسوله ينصركم على عدوكم ~~ويثبت أقدامكم عند القتال. وروى المفضل عن عاصم: «ويثبت» بالتخفيف. والذين ~~كفروا فتعسا لهم قال الفراء: # المعنى: فأتعسهم الله، والدعاء قد يجري مجرى الأمر والنهي. قال ابن ~~قتيبة: ms2093 هو من قولك: تعست، أي: عثرت وسقطت. وقال الزجاج: التعس في اللغة: ~~الانحطاط والعثور. وما بعد هذا قد سبق بيانه «1» إلى قوله: دمر الله عليهم ~~أي: أهلكهم الله وللكافرين أمثالها أي: أمثال تلك العاقبة. ذلك الذي فعله ~~بالمؤمنين من النصر، وبالكافرين من الدمار بأن الله مولى الذين آمنوا أي: ~~وليهم. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ويأكلون كما تأكل الأنعام أي: إن ~~الأنعام تأكل وتشرب، ولا تدري ما في غد، فكذلك الكفار لا يلتفتون إلى ~~الآخرة. و «المثوى» : المنزل. وكأين مشروح في آل عمران «2» . # والمراد بقريته: مكة وأضاف القوة والإخراج إليها، والمراد أهلها ولذلك ~~قال: أهلكناهم. قوله تعالى: أفمن كان على بينة من ربه فيه قولان: أحدهما: ~~أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله أبو العالية. # والثاني: أنه المؤمن، قاله الحسن. وفي «البينة» قولان: أحدهما: القرآن، ~~قاله ابن زيد. والثاني: # الدين، قاله ابن السائب. كمن زين له سوء عمله يعني عبادة الأوثان، وهو ~~الكافر واتبعوا أهواءهم بعبادتها. PageV04P117 ### | [سورة محمد (47) : آية 15] # مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل ~~الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ~~(15) # مثل الجنة التي وعد المتقون أي: صفتها، وقد شرحناه في الرعد «1» . و ~~«المتقون» عند المفسرين: الذين يتقون الشرك. و «الآسن» المتغير الريح، قاله ~~أبو عبيدة، والزجاج. وقال ابن قتيبة: # هو المتغير الريح والطعم، و «الآجن» نحوه. وقرأ ابن كثير: «غير أسن» بغير ~~مد. وقد شرحنا قوله: # لذة للشاربين في الصافات «2» : قوله تعالى: من عسل مصفى أي: من عسل ليس ~~فيه عكر ولا كدر كعسل أهل الدنيا. قوله تعالى: كمن هو خالد في النار قال ~~الفراء: أراد: من كان في هذا النعيم، كمن هو خالد في النار؟!. قوله تعالى: ~~ماء حميما أي: حارا شديد الحرارة. و «الأمعاء» جميع ما في البطن من ~~الحوايا. ### | ### | [سورة محمد (47) : الآيات ms2094 16 الى # 18] # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا ~~قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم (16) والذين ~~اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ~~فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم (18) # قوله تعالى: ومنهم من يستمع إليك يعني المنافقين. وفيما يستمعون قولان: ~~أحدهما: أنه سماع خطبة رسول صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة. والثاني: سماع ~~قوله على عموم الأوقات. فأما الذين أوتوا العلم، فالمراد بهم: علماء ~~الصحابة. # قوله تعالى: ماذا قال آنفا قال الزجاج: أي: ماذا قال الساعة، وهو من ~~قولك: استأنفت الشيء: إذا ابتدأته، وروضة أنف: لم ترع، أي: لها أول يرعى ~~فالمعنى: ماذا قال في أول وقت يقرب منا. وحدثنا عن أبي عمر غلام ثعلب أنه ~~قال: «آنفا» مذ ساعة. وقرأ ابن كثير، في بعض الروايات عنه: # «أنفا» بالقصر، وهذه قراءة عكرمة، وحميد، وابن محيصن. قال أبو علي: يجوز ~~أن يكون ابن كثير توهم، مثل حاذر وحذر، وفاكه وفكه. وفي استفهامهم قولان: ~~أحدهما: لأنهم لم يعقلوا ما يقول، ويدل عليه باقي الآية. والثاني: أنهم ~~قالوه استهزاء. # قوله تعالى: والذين اهتدوا فيهم قولان: أحدهما: أنهم المسلمون، قاله ~~الجمهور. والثاني: # قوم من أهل الكتاب كانوا على الإيمان بأنبيائهم وبمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به، قاله عكرمة. وفي الذي ~~زادهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الله عز وجل. والثاني: قول الرسول. والثالث: # استهزاء المنافقين زاد المؤمنين هدى، ذكرهن الزجاج. وفي معنى الهدى ~~قولان: أحدهما: أنه العلم. # والثاني: البصيرة. وفي قوله: وآتاهم تقواهم ثلاثة أقوال: أحدها: ثواب ~~تقواهم في الآخرة، قاله السدي. والثاني: اتقاء المنسوخ والعمل بالناسخ، ~~قاله عطية. والثالث: أعطاهم التقوى مع الهدى، فاتقوا معصيته خوفا من ~~عقوبته، قاله أبو سليمان الدمشقي. وينظرون بمعنى ينتظرون، أن تأتيهم وقرأ ~~أبي بن كعب، وأبو الأشهب، وحميد: «إن تأتهم» بكسر الهمزة من غير ياء بعد ~~التاء. والأشراط: # العلامات قال أبو ms2095 عبيدة: الأشراط: الأعلام، وإنما سمي الشرط- فيما ترى- ~~لأنهم أعلموا أنفسهم. # قال المفسرون: ظهور النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة، وانشقاق ~~القمر والدخان وغير ذلك. فأنى لهم PageV04P118 # أي: فمن أين لهم إذا جاءتهم الساعة ذكراهم؟! قال قتادة: أنى لهم أن ~~يذكروا ويتوبوا إذا جاءت؟! ### | ### | [سورة محمد (47) : الآيات 19 الى # 21] # فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم ~~متقلبكم ومثواكم (19) ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة ~~محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي ~~عليه من الموت فأولى لهم (20) طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا ~~الله لكان خيرا لهم (21) # قوله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله قال بعضهم: اثبت على علمك، وقال ~~قوم: المراد بهذا الخطاب غيره وقد شرحنا هذا في فاتحة الأحزاب. وقيل: إنه ~~كان يضيق صدره بما يقولون، فقيل له: # اعلم أنه لا كاشف لما بك إلا الله. # فأما قوله: واستغفر لذنبك فإنه كان يستغفر في اليوم مائة مرة، وأمر أن ~~يستغفر للمؤمنين والمؤمنات إكراما لهم لأنه شفيع مجاب. والله يعلم متقلبكم ~~ومثواكم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: # متقلبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة، وهو معنى قول ابن عباس. والثاني: ~~متقلبكم في أصلاب الرجال إلى أرحام النساء، ومقامكم في القبور، قاله عكرمة. ~~والثالث: «متقلبكم» بالنهار و «مثواكم» أي: مأواكم بالليل، قاله مقاتل. # قوله تعالى: ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة قال المفسرون: سألوا ربهم ~~أن ينزل سورة فيها ثواب القتال في سبيل الله، اشتياقا منهم إلى الوحي وحرصا ~~على الجهاد، فقالوا: «لولا» أي: هلا وكان أبو مالك الأشجعي يقول: «لا» ~~هاهنا صلة، فالمعنى: لو أنزلت سورة، شوقا منهم إلى الزيادة في العلم، ورغبة ~~في الثواب والأجر بالاستكثار من الفرائض. وفي معنى «محكمة» ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها التي يذكر فيها القتال، قاله قتادة. والثاني: أنها التي يذكر ~~فيها الحلال والحرام. والثالث: # التي لا منسوخ فيها، حكاهما أبو سليمان الدمشقي. ومعنى قوله: وذكر فيها ~~القتال أي: ms2096 فرض فيها الجهاد. وفي المراد بالمرض قولان: أحدهما: النفاق، ~~قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والجمهور. والثاني: الشك، قاله مقاتل. # قوله تعالى: ينظرون إليك أي: يشخصون نحوك بأبصارهم ينظرون نظرا شديدا كما ~~ينظر الشاخص ببصره عند الموت، لأنهم يكرهون القتال، ويخافون إن قعدوا أن ~~يتبين نفاقهم. # فأولى لهم قال الأصمعي: معنى قولهم في التهديد: «أولى لك» أي: وليك ~~وقاربك ما تكره. # وقال ابن قتيبة: هذا وعيد وتهديد، تقول للرجل- إذا أردت به سوءا، ففاتك- ~~أولى لك، ثم ابتدأ، فقال: طاعة وقول معروف ### | .... # وقال سيبويه والخليل: المعنى: طاعة وقول معروف أمثل. وقال الفراء: الطاعة ~~معروفة في كلام العرب، إذا قيل لهم: افعلوا كذلك، قالوا: سمع وطاعة، فوصف ~~الله قولهم قبل أن تنزل السورة أنهم يقولون: سمع وطاعة، فإذا نزل الأمر ~~كرهوا. وأخبرني حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قال الله ~~تعالى: فأولى، ثم قال: لهم أي: للذين آمنوا منهم (طاعة) ، فصارت «أولى» ~~وعيدا لمن كرهها، واستأنف الطاعة ب «لهم» والأول عندنا كلام # PageV04P119 # العرب، وهذا غير مردود، يعني حديث أبي صالح. وذكر بعض المفسرين أن الكلام ~~متصل بما قبله والمعنى: فأولى لهم أن يطيعوا وأن يقولوا معروفا بالإجابة. ~~قوله تعالى: فإذا عزم الأمر قال الحسن: جد الأمر. وقال غيره: جد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجهاد، ولزم فرض القتال، وصار الأمر معروفا ~~عليه. وجواب «إذا» محذوف، تقديره: فإذا عزم الأمر نكلوا يدل على المحذوف ~~فلو صدقوا الله أي: في إيمانهم وجهادهم لكان خيرا لهم من المعصية والكراهة. ### | ### | [سورة محمد (47) : الآيات 22 الى # 28] # فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) أولئك ~~الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) أفلا يتدبرون القرآن أم على ~~قلوب أقفالها (24) إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ~~الشيطان سول لهم وأملى لهم (25) ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله ~~سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم (26) # فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم (27) ذلك بأنهم اتبعوا ms2097 ~~ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم (28) # قوله تعالى: فهل عسيتم إن توليتم في المخاطب بهذا أربعة أقوال: أحدها: ~~المنافقون، وهو الظاهر. والثاني: منافقو اليهود، قاله مقاتل. والثالث: ~~الخوارج، قاله بكر بن عبد الله المزني. والرابع: # قريش، حكاه جماعة منهم الماوردي. وفي قوله: توليتم قولان «1» : أحدهما: ~~أنه بمعنى الإعراض. فالمعنى: إن أعرضتم عن الإسلام أن تفسدوا في الأرض بأن ~~تعودوا إلى الجاهلية يقتل بعضكم بعضا، ويغير بعضكم على بعض، ذكره جماعة من ~~المفسرين. والثاني: أنه من الولاية لأمور الناس، قاله القرظي. فعلى هذا ~~يكون معنى «أن تفسدوا في الأرض» : بالجور والظلم. وقرأ يعقوب: # «وتقطعوا» بفتح التاء والطاء وتخفيفها وسكون القاف، ثم ذم من يريد ذلك ~~بالآية التي بعد هذه. وما بعد هذا قد سبق «2» إلى قوله: أم على قلوب ~~أقفالها «أم» بمعنى «بل» ، وذكر الأقفال استعارة، والمراد أن القلب يكون ~~كالبيت المقفل لا يصل إليه الهدى. قال مجاهد: الران أيسر من الطبع، والطبع ~~أيسر من الإقفال، والإقفال أشد ذلك كله. وقال خالد بن معدان: ما من آدمي ~~إلا وله أربع أعين، عينان في رأسه لدنياه وما يصلحه من معيشته، وعينان في ~~قلبه لدينه وما وعد الله من الغيب، فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه ~~اللتان في قلبه، وإذا أراد به غير ذلك طمس عليهما، فذلك قوله: «أم على قلوب ~~أقفالها» . # قوله تعالى: إن الذين ارتدوا على أدبارهم أي: رجعوا كفارا وفيهم قولان: ~~أحدهما: أنهم المنافقون، قاله ابن عباس، والسدي، وابن زيد. والثاني: أنهم ~~اليهود، قاله قتادة، ومقاتل من بعد ما تبين لهم الهدى أي: من بعد ما وضح ~~لهم الحق. ومن قال: هم اليهود، قال: من بعد أن تبين لهم PageV04P120 # وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته في كتابهم. وسول بمعنى زين. ~~وأملى لهم قرأ أبو عمرو، وزيد عن يعقوب: «وأملي لهم» بضم الهمزة وكسر اللام ~~وبعدها ياء مفتوحة. وقرأ يعقوب إلا زيدا، وأبان عن عاصم كذلك، إلا أنهما ~~أسكنا الياء. وقرأ الباقون بفتح الهمزة واللام. وقد سبق ms2098 معنى الإملاء «1» . # قوله تعالى: ذلك قال الزجاج: المعنى: الأمر ذلك، أي: ذلك الإضلال بقولهم: ~~للذين كرهوا ما نزل الله وفي الكارهين قولان: أحدهما: أنهم المنافقون، فعلى ~~هذا في معنى قوله: # سنطيعكم في بعض الأمر ثلاثة أقوال: أحدها: في القعود عن نصرة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، قاله السدي. # والثاني: في الميل إليكم والمظاهرة على محمد صلى الله عليه وسلم والثالث: ~~في الارتداد بعد الإيمان، حكاهما الماوردي. والثاني: أنهم اليهود، فعلى هذا ~~في الذي أطاعوهم فيه قولان: أحدهما: في أن لا يصدقوا شيئا من مقالة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قاله الضحاك. والثاني: في كتم ما علموه من نبوته، ~~قاله ابن جريج. # والله يعلم إسرارهم قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم، والوليد عن ~~يعقوب: بكسر الألف على أنه مصدر أسررت: وقرأ الباقون: بفتحها على أنه جمع ~~سر، والمعنى أنه يعلم ما بين اليهود والمنافقين من السر. # قوله تعالى: فكيف إذا توفتهم الملائكة؟ أي: فكيف يكون حالهم حينئذ؟ وقد ~~بينا في الأنفال «2» معنى قوله: يضربون وجوههم وأدبارهم. # قوله تعالى: وكرهوا رضوانه أي: كرهوا ما فيه الرضوان، وهو الإيمان ~~والطاعة. ### | ### | [سورة محمد (47) : الآيات 29 الى # 34] # أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (29) ولو نشاء ~~لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ~~(30) ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم (31) إن ~~الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن ~~يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (32) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم (33) # إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ~~(34) # قوله تعالى: أم حسب الذين في قلوبهم مرض أي: نفاق أن لن يخرج الله ~~أضغانهم قال الفراء: أي لن يبدي الله عداوتهم وبغضهم لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقال الزجاج: أي: لن يبدي عداوتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم ويظهره ~~على نفاقهم. ولو نشاء لأريناكهم أي: لعرفناكهم، ms2099 تقول: قد أريتك هذا الأمر، ~~أي: قد عرفتك إياه، المعنى: لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة، وهي ~~السيماء فلعرفتهم بسيماهم أي: بتلك العلامة ولتعرفنهم في لحن القول أي: في ~~فحوى القول، فدل بهذا على أن قول القائل وفعله يدل على نيته. وقول الناس: ~~قد لحن فلان، تأويله: قد أخذ في ناحية عن الصواب، وعدل عن الصواب إليها. ~~وقول الشاعر: # منطق صائب وتلحن أحيانا ... ، وخير الحديث ما كان لحنا «3» PageV04P121 # تأويله: خير الحديث من مثل هذه ما كان لا يعرفه كل أحد، إنما يعرف قولها ~~في أنحاء قولها. # قال المفسرون: ولتعرفنهم في فحوى الكلام ومعناه ومقصده، فإنهم يتعرضون ~~بتهجين أمرك والاستهزاء بالمسلمين. قال ابن جرير: ثم عرفه الله إياهم. # قوله تعالى: ولنبلونكم أي: ولنعاملنكم معاملة المختبر بأن نأمركم بالجهاد ~~حتى نعلم العلم الذي هو علم وجود، وبه يقع الجزاء وقد شرحنا هذا في ~~العنكبوت «1» . # قوله تعالى: ونبلوا أخباركم أي: نظهرها ونكشفها باباء من يأبى القتال ولا ~~يصبر على الجهاد. # وقرأ أبو بكر عن عاصم: «وليبلونكم» بالياء «حتى يعلم» بالياء «ويبلو» ~~بالياء فيهن. وقرأ معاذ القارئ، وأيوب السختياني: «أخياركم» بالياء جمع ~~«خير» . # قوله تعالى: إن الذين كفروا ... الآية، اختلفوا فيمن نزلت على أربعة ~~أقوال: أحدها: أنها في المطعمين يوم بدر، قاله ابن عباس. والثاني: أنها ~~نزلت في الحارث بن سويد، ووحوح الأنصاري، أسلما ثم ارتدا، فتاب الحارث ورجع ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى صاحبه أن يرجع حتى مات، قاله السدي ~~«2» . والثالث: أنها في اليهود، قاله مقاتل. والرابع: أنها في قريظة ~~والنضير، ذكره الواحدي. # قوله تعالى: ولا تبطلوا أعمالكم اختلفوا في مبطلها على أربعة أقوال: ~~أحدها: المعاصي والكبائر، قاله الحسن. والثاني: الشك والنفاق، قاله عطاء. ~~والثالث: الرياء والسمعة، قاله ابن السائب. والرابع: بالمن. # (1273) وذلك أن قوما من الأعراب قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: أتيناك طائعين، فلنا عليك حق، فنزلت هذه الآية، ونزل قوله: يمنون ~~عليك أن أسلموا «3» ، هذا قول مقاتل. قال القاضي أبو يعلى: وهذا يدل على ms2100 أن ~~كل من دخل في قربة لم يجز له الخروج منها قبل إتمامها، وهذا على ظاهره في ~~الحج، فأما في الصلاة والصيام، فهو على سبيل الاستحباب «4» . ### | [سورة محمد (47) : الآيات 35 الى 38] # فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ~~(35) إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا ~~يسئلكم أموالكم (36) إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) ها ~~أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل ~~عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم (38) PageV04P122 # قوله تعالى: فلا تهنوا أي: فلا تضعفوا وتدعوا إلى السلم قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم: «إلى السلم» بفتح ~~السين وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: بكسر السين، والمعنى: لا تدعوا الكفار ~~إلى الصلح ابتداء. وفي هذا دلالة على أنه لا يجوز طلب الصلح من المشركين، ~~ودلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل مكة صلحا، لأنه نهاه عن ~~الصلح. قوله تعالى: وأنتم الأعلون أي: أنتم أعز منهم، والحجة لكم، وآخر ~~الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات والله معكم بالعون والنصرة ولن يتركم ~~قال ابن قتيبة: أي لن ينقصكم ولن يظلمكم، يقال: وترتني حقي، أي: بخستنيه. ~~قال المفسرون: المعنى: لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا. # قوله تعالى: ولا يسئلكم أموالكم أي: لن يسألكموها كلها. # قوله تعالى: فيحفكم قال الفراء: يجهدكم. وقال ابن قتيبة: يلح عليكم بما ~~يوجبه في أموالكم تبخلوا، يقال: أحفاني بالمسألة وألحف: إذا ألح. وقال ~~السدي: إن يسألكم جميع ما في أيديكم تبخلوا. ويخرج أضغانكم وقرأ سعد بن أبي ~~وقاص، وابن عباس، وابن يعمر: «ويخرج» بياء مرفوعه وفتح الراء «أضغانكم» ~~بالرفع. وقرأ أبي بن كعب، وأبو رزين، وعكرمة، وابن السميفع، وابن محيصن، ~~والجحدري: «وتخرج» بتاء مفتوحة ورفع الراء «أضغانكم» بالرفع. وقرأ ابن ~~مسعود، والوليد عن يعقوب: «ونخرج» بنون مرفوعة وكسر الراء «أضغانكم» بنصب ~~النون، أي: يظهر بغضكم ms2101 وعداوتكم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولكنه فرض ~~عليكم يسيرا. وفيمن يضاف إليه هذا الإخراج وجهان: # أحدهما: إلى الله عز وجل. والثاني: البخل، حكاهما الفراء. وقد زعم قوم أن ~~هذه الآية منسوخة بآية الزكاة، وليس بصحيح لأنا قد بينا أن معنى الآية: إن ~~يسألكم جميع أموالكم، والزكاة لا تنافي ذلك. # قوله تعالى: ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله يعني ما فرض عليكم ~~في أموالكم فمنكم من يبخل بما فرض عليه من الزكاة ومن يبخل فإنما يبخل عن ~~نفسه أي: على نفسه بما ينفعها في الآخرة والله الغني عنكم وعن أموالكم ~~وأنتم الفقراء إليه وإلى ما عنده من الخير والرحمة وإن تتولوا عن طاعته ~~يستبدل قوما غيركم أطوع له منكم ثم لا يكونوا أمثالكم بل خيرا منكم. وفي ~~هؤلاء القوم ثمانية أقوال: # أحدها: أنهم العجم، قاله الحسن، وفيه حديث يرويه أبو هريرة قال: # (1274) لما نزلت: وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم كان سلمان إلى جنب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، PageV04P123 # فقالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين إذا تولينا استبدلوا بنا؟ فضرب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على منكب سلمان، فقال: «هذا وقومه، والذي ~~نفسي بيده! لو أن الدين معلق بالثريا لتناوله رجال من فارس» . # والثاني: فارس والروم، قاله عكرمة. والثالث: من يشاء من جميع الناس، قاله ~~مجاهد. والرابع: # يأتي بخلق جديد غيركم. وهو معنى قول قتادة. والخامس: كندة والنخع، قاله ~~ابن السائب. والسادس: # أهل اليمن، قاله راشد بن سعد، وعبد الرحمن بن جبير، وشريح بن عبيد. ~~والسابع: الأنصار، قاله مقاتل. والثامن: أنهم الملائكة، حكاه الزجاج وقال: ~~فيه بعد لأنه لا يقال للملائكة «قوم» إنما يقال ذلك للآدميين، قال: وقد ~~قيل: إن تولى أهل مكة استبدل الله بهم أهل المدينة، وهذا معنى ما ذكرنا عن ~~مقاتل. PageV04P124 ### | سورة الفتح # وهي مدنية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الفتح (48) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ms2102 ذنبك وما تأخر ~~ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما (2) وينصرك الله نصرا عزيزا (3) # قوله تعالى: إنا فتحنا لك فتحا مبينا الآية. # (1275) سبب نزولها أنه لما نزل قوله: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم «1» ، ~~قال اليهود: كيف نتبع رجلا لا يدري ما يفعل به؟! فاشتد ذلك على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. وفي المراد ~~بالفتح أربعة أقوال «2» . # أحدها: أنه كان يوم الحديبية، قاله الأكثرون. قال البراء بن عازب: نحن ~~نعد الفتح بيعة الرضوان. وقال الشعبي: هو فتح الحديبية، غفر له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، ~~ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. قال الزهري: لم يكن فتح أعظم ~~من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن ~~الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر بهم سواد الإسلام، ~~قال مجاهد: يعني بالفتح ما قضى الله له من نحر الهدي بالحديبية وحلق رأسه. ~~وقال ابن قتيبة: إنا فتحنا لك فتحا أي: قضينا لك قضاء عظيما، ويقال للقاضي: ~~الفتاح. قال الفراء: والفتح قد يكون صلحا، ويكون أخذ الشيء عنوة، ويكون ~~بالقتال. وقال غيره: معنى الفتح في اللغة: فتح المنغلق، والصلح الذي جعل مع ~~المشركين بالحديبية كان مسدودا متعذرا حتى فتحه الله تعالى. PageV04P125 ### | الإشارة إلى قصة الحديبية # (1276) روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في ~~النوم كأن قائلا يقول له: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين، فأصبح ~~فحدث الناس برؤياه، وأمرهم بالخروج للعمرة فذكر أهل العلم بالسير أنه خرج ~~واستنفر أصحابه للعمرة، وذلك في سنة ست، ولم يخرج بسلاح إلا السيوف في ~~القرب «1» . # (1277) وساق هو وأصحابه البدن، فصلى الظهر ب «ذي الحليفة» ، ثم دعا ~~بالبدن فجللت، ثم أشعرها وقلدها، وفعل ذلك أصحابه، وأحرم ولبى، فبلغ ~~المشركين خروجه، فأجمع رأيهم على صده عن المسجد الحرام، وخرجوا حتى عسكروا ~~ب «بلدح» ، وقدموا مائتي فارس ms2103 إلى كراع الغميم «2» ، وسار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى دنا من الحديبية قال الزجاج: وهي بئر، فسمي المكان باسم ~~البئر قالوا: وبينها وبين مكة تسعة أميال، فوقفت يدا راحلته، فقال ~~المسلمون: حل حل «3» ، يزجرونها، فأبت، فقالوا: # خلأت القصواء- والخلاء في الناقة مثل الحران في الفرس- فقال: «ما خلأت، ~~ولكن حبسها حابس الفيل، أما والله لا يسألوني خطة فيها تعظيم حرمة الله إلا ~~أعطيتهم إياها» ، ثم جرها فقامت، فولى راجعا عوده على بدئه حتى نزل على ثمد ~~«4» من أثماد الحديبية قليل الماء، فانتزع سهما من كنانته فغرزه فيها، ~~فجاشت لهم بالرواء، وجاءه بديل بن ورقاء في ركب فسلموا وقالوا: جئناك من ~~عند قومك وقد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم، يقسمون، لا يخلون بينك وبين ~~البيت حتى تبيد خضراءهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم نأت لقتال ~~أحد إنما جئنا لنطوف بهذا البيت، فمن صدنا عنه قاتلناه» . فرجع بديل فأخبر ~~قريشا، فبعثوا عروة بن مسعود، فكلمه بنحو ذلك، فأخبر قريشا، فقالوا: نرده ~~من عامنا هذا، ويرجع من قابل فيدخل مكة ويطوف بالبيت، فأرسل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عثمان بن عفان، قال: «اذهب إلى قريش فأخبرهم أنا لم نأت ~~لقتال أحد، وإنما جئنا زوارا لهذا البيت، معنا الهدي ننحره وننصرف، فأتاهم ~~فأخبرهم، فقالوا: لا كان هذا أبدا، ولا يدخلها العام، وبلغ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل، فقال: «لا نبرح حتى نناجزهم» «5» ، فذاك ~~حين دعا المسلمين إلى بيعة الرضوان، فبايعهم تحت PageV04P126 # الشجرة. وفي عددهم يومئذ أربعة أقوال: # (1278) أحدها: ألف وأربعمائة، قاله البراء، وسلمة بن الأكوع، وجابر، ~~ومعقل بن يسار. # (1279) والثاني: ألف وخمسمائة، روي عن جابر أيضا، وبه قال قتادة. # (1280) والثالث: ألف وخمسمائة وخمس وعشرون، رواه العوفي عن ابن عباس. # (1281) والرابع: ألف وثلاثمائة، قاله عبد الله بن أبي أوفى. # (1282) قال: وضرب يومئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله على يمينه ~~لعثمان، وقال: إنه ذهب في حاجة الله ورسوله. وجعلت الرسل تختلف بينهم، ~~فأجمعوا على الصلح، ms2104 فبعثوا سهيل بن عمرو في عدة رجال فصالحه كما ذكرنا في ~~براءة «1» فأقام بالحديبية بضعة عشر يوما، ويقال: عشرين ليلة، ثم انصرف. # (1283) فلما كان ب «ضجنان» نزل عليه: إنا فتحنا لك فتحا مبينا، فقال ~~جبريل: يهنيك يا رسول الله، وهنأه المسلمون. # والقول الثاني: أن هذا الفتح فتح مكة، رواه مسروق عن عائشة، وبه قال ~~السدي. وقال بعض من ذهب إلى هذا: إنما وعد بفتح مكة بهذه الآية. والثالث: ~~أنه فتح خيبر، قاله مجاهد، والعوفي، وعن أنس بن مالك كالقولين. والرابع: ~~أنه القضاء له بالإسلام، قاله مقاتل. وقال غيره: حكمنا لك بإظهار دينك ~~والنصرة على عدوك. # قوله تعالى: ليغفر لك الله قال ثعلب: اللام لام «كي» ، والمعنى «2» : لكي ~~يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح، فلما انضم إلى المغفرة شيء ~~حادث، حسن معنى «كي» ، وغلط من قال: PageV04P127 # ليس الفتح سبب المغفرة. قوله تعالى: ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال ابن ~~عباس: والمعنى: «ما تقدم» في الجاهلية و «ما تأخر» ما لم تعلمه، وهذا على ~~سبيل التأكيد، كما تقول: فلان يضرب من يلقاه ومن لا يلقاه. قوله تعالى: ~~ويتم نعمته عليك فيه أربعة أقوال: أحدها: أن ذلك في الجنة. والثاني: أنه ~~بالنبوة والمغفرة، رويا عن ابن عباس. والثالث: بفتح مكة والطائف وخيبر، ~~حكاه الماوردي. والرابع: # بإظهار دينك على سائر الأديان، قاله أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: ~~ويهديك صراطا مستقيما أي: # ويثبتك عليه وقيل: ويهدي بك، وينصرك الله على عدوك نصرا عزيزا قال ~~الزجاج: أي: نصرا ذا عز لا يقع معه ذل. ### | ### | [سورة الفتح (48) : الآيات 4 الى # 10] # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله ~~جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (4) ليدخل المؤمنين والمؤمنات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند ~~الله فوزا عظيما (5) ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ~~الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم ~~جهنم وساءت مصيرا (6) ولله جنود السماوات والأرض ms2105 وكان الله عزيزا حكيما (7) ~~إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8) # لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا (9) إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على ~~نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما (10) # قوله تعالى: هو الذي أنزل السكينة أي: السكون والطمأنينة في قلوب ~~المؤمنين لئلا تنزعج قلوبهم لما يرد عليهم، فسلموا لقضاء الله، وكانوا قد ~~اشتد عليهم صد المشركين لهم عن البيت، حتى قال عمر: علام نعطي الدنية في ~~ديننا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # (1284) «أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني» . # ثم أوقع الله الرضى بما جرى في قلوب المسلمين، فسلموا وأطاعوا. ليزدادوا ~~إيمانا وذلك أنه كلما نزلت فريضة زاد إيمانهم. ولله جنود السماوات والأرض ~~يريد أن جميع أهل السموات والأرض ملك له، لو أراد نصرة نبيه بغيركم لفعل، ~~ولكنه اختاركم لذلك، فاشكروه. # قوله تعالى: ليدخل المؤمنين ... الآية. # (1285) سبب نزولها أنه لما نزل قوله: إنا فتحنا لك قال أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: هنيئا لك يا PageV04P128 # رسول الله بما أعطاك الله، فما لنا؟ فنزلت هذه الآية، قاله أنس بن مالك. # (1286) قال مقاتل: فلما سمع عبد الله بن أبي بذلك، انطلق في نفر إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما لنا عند الله؟ فنزلت: ويعذب المنافقين ~~... الآية. # قال ابن جرير كررت اللام في «ليدخل» على اللام في «ليغفر» ، فالمعنى: إنا ~~فتحنا لك ليغفر لك الله ليدخل المؤمنين، ولذلك لم يدخل بينهما واو العطف، ~~والمعنى: ليدخل وليعذب. # قوله تعالى: عليهم دائرة السوء قرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين ~~والباقون بفتحها. # قوله تعالى: وكان ذلك أي: ذلك الوعد بإدخالهم الجنة وتكفير سيئاتهم عند ~~الله أي في حكمه فوزا عظيما لهم والمعنى: أنه حكم لهم بالفوز، فلذلك وعدهم ~~إدخال الجنة. # قوله تعالى: الظانين بالله ظن السوء فيه خمسة أقوال: أحدها: أنهم ظنوا أن ~~لله شريكا. # والثاني: أن الله لا ينصر محمدا وأصحابه. والثالث: أنهم ms2106 ظنوا به حين خرج ~~إلى الحديبية أنه سيقتل أو يهزم ولا يعود ظافرا. والرابع: أنهم ظنوا أنهم ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة واحدة عند الله. والخامس: ظنوا أن ~~الله لا يبعث الموتى. وقد بينا معنى «دائرة السوء» في براءة «1» . وما بعد ~~هذا قد سبق بيانه «2» إلى قوله: لتؤمنوا بالله ورسوله قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو: «ليؤمنوا» بالياء «ويعزروه ويوقروه ويسبحوه» كلهن بالياء، والباقون: ~~بالتاء، على معنى: قل لهم: إنا أرسلناك، لتؤمنوا، وقرأ علي بن أبي طالب ~~وابن السميفع: «ويعززوه» بزاءين. وقد ذكرنا في الأعراف «3» معنى «ويعزروه» ~~عند قوله: «وعزروه ونصروه» . قوله تعالى: وتوقروه أي: تعظموه وتبجلوه. ~~واختار كثير من القراء الوقف هاهنا، لاختلاف الكناية فيه وفيما بعده. قوله ~~تعالى: وتسبحوه هذه الهاء ترجع إلى الله عز وجل. والمراد بتسبيحه هاهنا: ~~الصلاة له. قال المفسرون: والمراد بصلاة البكرة: الفجر، وبصلاة الأصيل: ~~باقي الصلوات الخمس. قوله تعالى: إن الذين يبايعونك يعني بيعة الرضوان ~~بالحديبية. وعلى ماذا بايعوه؟ فيه قولان: # (1287) أحدهما: أنهم بايعوه على الموت، قاله عبادة بن الصامت. # (1288) والثاني: على أن لا يفروا، قاله جابر بن عبد الله. ومعناهما ~~متقارب، لأنه أراد: على أن لا تفروا ولو متم. PageV04P129 # وسميت بيعة، لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة، وكان العقد مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فكأنهم بايعوا الله عز وجل، لأنه ضمن لهم الجنة ~~بوفائهم. يد الله فوق أيديهم فيه أربعة أقوال: أحدها: يد الله في الوفاء ~~فوق أيديهم. والثاني: يد الله في الثواب فوق أيديهم. والثالث: يد الله ~~عليهم في المنة بالهداية فوق أيديهم بالطاعة، ذكر هذه الأقوال الزجاج. ~~والرابع: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم، ذكره ابن جرير، وابن كيسان. # قوله تعالى: فمن نكث أي: نقض ما عقده من هذه البيعة فإنما ينكث على نفسه ~~أي: يرجع ذلك النقض عليه ومن أوفى بما عاهد عليه الله من البيعة فسيؤتيه ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر وأبان عن عاصم: «فسنؤتيه» بالنون. وقرأ ~~عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: بالياء أجرا ms2107 عظيما وهو الجنة. قال ابن ~~السائب: فلم ينكث العهد منهم غير رجل واحد يقال له: الجد بن قيس، وكان ~~منافقا. ### | [سورة الفتح (48) : الآيات 11 الى 14] # سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا ~~أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) بل ظننتم أن لن ينقلب ~~الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء ~~وكنتم قوما بورا (12) ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا ~~(13) ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله ~~غفورا رحيما (14) # قوله تعالى: سيقول لك المخلفون من الأعراب (1289) قال ابن إسحاق: لما ~~أراد العمرة استنفر من حول المدينة من أهل البوادي والأعراب ليخرجوا معه، ~~خوفا من قومه أن يعرضوا له بحرب أو بصد، فتثاقل عنه كثير منهم، فهم الذين ~~عنى الله بقوله: سيقول لك المخلفون من الأعراب، (1290) قال أبو صالح، عن ~~ابن عباس: وهم غفار ومزينة وجهينة وأشجع والديل وأسلم. قال يونس النحوي: ~~الديل في عبد القيس ساكن الياء. والدول من حنيفة ساكن الواو، والدئل في ~~كنانة رهط أبي الأسود الدؤلي. # فأما المخلفون، فإنهم تخلفوا مخافة القتل. شغلتنا أموالنا وأهلونا أي: ~~خفنا عليهم الضيعة PageV04P130 # فاستغفر لنا أي: ادع الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك يقولون بألسنتهم ما ليس ~~في قلوبهم أي: ما يبالون استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم. قوله تعالى: فمن ~~يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا # قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: «ضرا» بضم الضاد والباقون: بالفتح. قال أبو ~~علي: «الضر» بالفتح: # خلاف النفع، وبالضم: سوء الحال، ويجوز أن يكونا لغتين كالفقر والفقر، ~~وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم يدفع عنهم الضر. ويعجل لهم النفع بسلامة أنفسهم ~~وأموالهم، فأخبرهم الله تعالى أنه إن أراد بهم شيئا، لم يقدر أحد على دفعه ~~عنهم، بل كان الله بما تعملون خبيرا من تخلفهم وقولهم عن المسلمين أنهم ms2108 ~~سيهلكون، وذلك قوله: بل ظننتم أي: توهمتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى ~~أهليهم أي لا يرجعون إلى المدينة، لاستئصال العدو إياهم، وزين ذلك في ~~قلوبكم وذلك من تزيين الشيطان. قوله تعالى: وكنتم قوما بورا قد ذكرناه في ~~الفرقان «1» . ### | [سورة الفتح (48) : آية 15] # سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن ~~يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل ~~تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) # وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: سيقول المخلفون الذين تخلفوا عن الحديبية إذا ~~انطلقتم إلى مغانم وذلك أنهم لما انصرفوا عن الحديبية بالصلح وعدهم الله ~~فتح خيبر، وخص بها من شهد الحديبية فانطلقوا إليها، فقال هؤلاء المخلفون: ~~ذرونا نتبعكم، قال الله تعالى: يريدون أن يبدلوا كلام الله وقرأ حمزة، ~~والكسائي، وخلف: «أن يبدلوا كلم الله» بكسر اللام. وفي المعنى قولان: # أحدهما: أنه مواعيد الله بغنيمة خيبر لأهل الحديبية خاصة، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أمر الله نبيه أن لا يسير معه منهم أحد، وذلك أن الله وعده وهو ~~بالحديبية أن يفتح عليه خيبر، ونهاه أن يسير معه أحد من المتخلفين، قاله ~~مقاتل. وعلى القولين: قصدوا أن يجيز لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~يخالف أمر الله، فيكون تبديلا لأمره. # قوله تعالى: كذلكم قال الله من قبل فيه قولان: أحدهما: قال: إن غنائم ~~خيبر لمن شهد الحديبية، وهذا على القول الأول. والثاني: قال: لن تتبعونا، ~~وهذا قول مقاتل. # فسيقولون بل تحسدوننا أي: يمنعكم الحسد من أن نصيب معكم الغنائم. ### | ### | [سورة الفتح (48) : الآيات 16 الى # 17] # قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو ~~يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل ~~يعذبكم عذابا أليما (16) ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على ~~المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول ~~يعذبه عذابا أليما (17) # قوله تعالى: ستدعون إلى قوم المعنى: إن ms2109 كنتم تريدون الغزو والغنيمة ~~فستدعون إلى جهاد قوم أولي بأس شديد. وفي هؤلاء القوم ستة أقوال «2» : ~~أحدها: أنهم فارس، رواه ابن أبي طلحة عن ابن PageV04P131 # عباس، وبه قال عطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني، وابن أبي ليلى، وابن ~~جريج في آخرين. # والثاني: فارس والروم، قاله الحسن، ورواه ابن أبي نجيج عن مجاهد. ~~والثالث: أنهم أهل الأوثان، رواه ليث عن مجاهد. والرابع: أنهم الروم، قاله ~~كعب. والخامس: أنهم هوازن وغطفان، وذلك يوم حنين، قاله سعيد بن جبير، ~~وقتادة. والسادس: بنو حنيفة يوم اليمامة، وهم أصحاب مسيلمة الكذاب، قاله ~~الزهري، وابن السائب، ومقاتل. قال مقاتل: خلافة أبي بكر في هذه بينة مؤكدة. ~~وقال رافع بن خديج: كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعي أبو بكر إلى ~~قتال بني حنيفة، فعلمنا أنهم هم. # وقال بعض أهل العلم: لا يجوز أن تكون هذه الآية إلا في العرب، لقوله: ~~تقاتلونهم أو يسلمون، وفارس والروم إنما يقاتلون حتى يسلموا أو يؤدوا ~~الجزية. وقد استدل جماعة من العلماء على صحة إمامة أبي بكر وعمر بهذه ~~الآية، لأنه إن أريد بها بنو حنيفة، فأبو بكر دعا إلى قتالهم، وإن أريد بها ~~فارس والروم، فعمر دعا إلى قتالهم، والآية تلزمهم اتباع طاعة من يدعوهم، ~~وتتوعدهم على التخلف بالعقاب. قال القاضي أبو يعلى: وهذا يدل على صحة ~~إمامتهما إذا كان المتولي عن طاعتهما مستحقا للعقاب. قوله تعالى: فإن ~~تطيعوا قال ابن جريج: فإن تطيعوا أبا بكر وعمر، وإن تتولوا عن طاعتهما كما ~~توليتم عن طاعة محمد صلى الله عليه وسلم في المسير إلى الحديبية. وقال ~~الزجاج: المعنى: إن تبتم وتركتم نفاقكم وجاهدتم، يؤتكم الله أجرا حسنا، وإن ~~توليتم فأقمتم على نفاقكم، وأعرضتم عن الإيمان والجهاد كما توليتم على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعذبكم عذابا أليما. قوله تعالى: ليس على ~~الأعمى حرج قال المفسرون: عذر الله أهل الزمانة الذين تخلفوا عن المسير إلى ~~الحديبية بهذه الآية. قوله تعالى: يدخله جنات قرأ نافع، وابن عامر: «ندخله» ms2110 ~~و «نعذبه» بالنون فيهما والباقون: بالياء. ### | ### | [سورة الفتح (48) : الآيات 18 الى # 24] # لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم ~~فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18) ومغانم كثيرة يأخذونها وكان ~~الله عزيزا حكيما (19) وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف ~~أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما (20) وأخرى لم ~~تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا (21) ولو قاتلكم ~~الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (22) # سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) وهو الذي كف ~~أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما ~~تعملون بصيرا (24) # ثم ذكر الذين أخلصوا نيتهم وشهدوا بيعة الرضوان بقوله: لقد رضي الله عن ~~المؤمنين وقد # PageV04P132 # ذكرنا سبب هذه البيعة آنفا. وإنما سميت بيعة الرضوان، لقوله: لقد رضي ~~الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة. روى إياس بن سلمة بن الأكوع عن ~~أبيه، قال: # (1291) بينما نحن قائلون زمن الحديبية، نادى منادي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أيها الناس، البيعة، البيعة، نزل روح القدس، قال: فثرنا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت شجرة سمرة، فبايعناه. # (1292) وقال عبد الله بن مغفل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت ~~الشجرة يبايع الناس، وإني لأرفع أغصانها عن رأسه. وقال بكير بن الأشج: كانت ~~الشجرة بفج نحو مكة. قال نافع: كان الناس يأتون تلك الشجرة فيصلون عندها، ~~فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فأوعدهم فيها، وأمر بها فقطعت. # قوله تعالى: فعلم ما في قلوبهم أي: من الصدق والوفاء، والمعنى: علم أنهم ~~مخلصون فأنزل السكينة عليهم يعني الطمأنينة والرضى حتى بايعوا على أن ~~يقاتلوا ولا يفروا وأثابهم أي: عوضهم على الرضى بقضائه والصبر على أمره ~~فتحا قريبا وهو خيبر، ومغانم كثيرة يأخذونها أي: من خيبر، لأنها كانت ذا ~~عقار وأموال. فأما قوله بعد هذا: وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فقال ms2111 ~~المفسرون: هي الفتوح التي تفتح على المسلمين إلى يوم القيامة. فعجل لكم هذه ~~فيها قولان: # أحدهما: أنها غنيمة خيبر، قاله مجاهد وقتادة والجمهور. والثاني: أنه ~~الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، رواه العوفي ~~عن ابن عباس. # قوله تعالى: وكف أيدي الناس عنكم فيهم ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنهم ~~اليهود هموا أن يغتالوا عيال المسلمين الذين خلفوهم في المدينة، فكفهم الله ~~عن ذلك، قاله قتادة. والثاني: أنهم أسد وغطفان جاءوا لينصروا أهل خيبر، ~~فقذف الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا عنهم، قاله مقاتل. وقال الفراء: # كانت أسد وغطفان مع أهل خيبر، فقصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فصالحوه، وخلوا بينه وبين خيبر. وقال غيرهما: بل همت أسد وغطفان باغتيال ~~أهل المدينة، فكفهم الله عن ذلك. والثالث: أنهم أهل مكة كفهم الله بالصلح، ~~حكاهما الثعلبي وغيره. ففي قوله: «عنكم» قولان: أحدهما: أنه على أصله، قاله ~~الأكثرون. والثاني: عن عيالكم، قاله ابن قتيبة، وهو مقتضى قول قتادة. ~~ولتكون آية للمؤمنين في المشار إليها قولان: أحدهما: أنها الفعلة التي ~~فعلها بكم من كف أيديهم عنكم كانت آية للمؤمنين، فعلموا أن الله تعالى ~~متولي حراستهم في مشهدهم ومغيبهم. والثاني: أنها خيبر كان فتحها علامة ~~للمؤمنين في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما وعدهم به. ~~PageV04P133 # قوله تعالى: ويهديكم صراطا مستقيما فيه قولان: أحدهما: طريق التوكل عليه ~~والتفويض إليه، وهذا على القول الأول. والثاني: يزيدكم هدى بالتصديق بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من وعد الله تعالى بالفتح والغنيمة. # قوله تعالى: وأخرى المعنى: وعدكم الله مغانم أخرى وفيها أربعة أقوال: ~~أحدها: أنها ما فتح للمسلمين بعد ذلك. روى سماك الحنفي عن ابن عباس: «وأخرى ~~لم تقدروا عليها» قال: ما فتح لكم من هذه الفتوح، وبه قال مجاهد. والثاني: ~~أنها خيبر، رواه عطية، والضحاك عن ابن عباس، وبه قال ابن زيد. والثالث: ~~فارس والروم، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الحسن، وعبد الرحمن بن أبي ~~ليلى. والرابع: مكة، ms2112 ذكره قتادة، وابن قتيبة. قوله تعالى: قد أحاط الله بها ~~فيه قولان: # أحدهما: أحاط بها علما أنها ستكون من فتوحكم. والثاني: حفظها لكم ومنعها ~~من غيركم حتى فتحتموها. قوله تعالى: ولو قاتلكم الذين كفروا هذا خطاب لأهل ~~الحديبية، قاله قتادة والذين كفروا مشركو قريش. فعلى هذا يكون المعنى: لو ~~قاتلوكم يوم الحديبية لولوا الأدبار لما في قلوبهم من الرعب ثم لا يجدون ~~وليا لأن الله قد خذلهم. قال الزجاج: المعنى: لو قاتلك من لم يقاتلك لنصرت ~~عليه، لأن سنة الله النصرة لأوليائه. و «سنة الله» منصوبة على المصدر، لأن ~~قوله: «لولوا الأدبار» معناه: سن الله عز وجل خذلانهم سنة. وقد مر مثل هذا ~~في قوله: كتاب الله عليكم «1» ، وقوله: صنع الله «2» . قوله تعالى: وهو ~~الذي كف أيديهم عنكم. # (1293) روى أنس بن مالك أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة «3» النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم سلما، فاستحياهم، وأنزل الله هذه الآية. # (1294) وروى عبد الله بن مغفل قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالحديبية في أصل الشجرة، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا، فثاروا ~~في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم ~~فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل جئتم في ~~عهد؟» أو «هل جعل لكم أحد أمانا؟» قالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم، ونزلت هذه ~~الآية. PageV04P134 # (1295) وذكر قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلا، فأتوه ~~باثني عشر فارسا من الكفار، فأرسلهم. # (1296) وقال مقاتل: خرجوا يقاتلون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهزمهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالطعن والنبل حتى أدخلهم بيوت مكة. # قال المفسرون: ومعنى الآية: إن الله تعالى ذكر منته إذ حجز بين الفريقين ~~فلم يقتتلا حتى تم الصلح بينهم. وفي بطن مكة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~الحديبية، قاله أنس. والثاني: وادي مكة، قاله السدي. والثالث: التنعيم، ms2113 ~~حكاه أبو سليمان الدمشقي. فأما «مكة» فقال الزجاج: «مكة» لا تنصرف لأنها ~~مؤنثة، وهي معرفة، ويصلح أن يكون اشتقاقها كاشتقاق «بكة» ، والميم تبدل من ~~الباء، يقال: # ضربة لازم، ولازب، ويصلح أن يكون اشتقاقها من قولهم: امتك الفصيل ما في ~~ضرع الناقة: إذا مص مصا شديدا حتى لا يبقي فيه شيئا، فيكون سميت بذلك لشدة ~~الازدحام فيها، قال: والقول الأول أحسن. وقال قطرب: مكة من تمككت المخ: إذا ~~أكلته. وقال ابن فارس: تمككت العظم: إذا أخرجت مخه والتمكك: الاستقصاء. # (1297) وفي الحديث: «لا تمككوا على غرمائكم» . وفي تسمية «مكة» أربعة ~~أقوال: # أحدها: لأنها مثابة يؤمها الخلق من كل فج، وكأنها هي التي تجذبهم إليها، ~~وذلك من قول العرب: امتك الفصيل ما في ضرع الناقة. والثاني: أنها سميت ~~(مكة) من قولك: بككت الرجل: إذا وضعت منه ورددت نخوته، فكأنها تمك من ظلم ~~فيها، أي: تهلكه وتنقصه، وأنشدوا: # يا مكة، الفاجر مكي مكا ... ولا تمكي مذحجا وعكا «1» # والثالث: أنها سميت بذلك لجهد أهلها. والرابع: لقلة الماء بها. # وهل مكة وبكة واحد؟ قد ذكرناه في آل عمران «2» . # قوله تعالى: من بعد أن أظفركم عليهم أي: بهم يقال: ظفرت بفلان، وظفرت ~~عليه. قوله تعالى: وكان الله بما تعملون بصيرا قرأ أبو عمرو: «يعملون» ~~بالياء والباقون: بالتاء. ### | ### | [سورة الفتح (48) : الآيات 25 الى # 26] # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ~~ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما (25) إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها ~~وأهلها وكان الله بكل شيء عليما (26) PageV04P135 # قوله تعالى: هم الذين كفروا يعني أهل مكة وصدوكم عن المسجد الحرام أن ~~تطوفوا به وتحلوا من عمرتكم والهدي قال الزجاج: أي: وصدوا الهدي معكوفا أي: ~~محبوسا أن يبلغ أي: عن أن يبلغ محله قال المفسرون: ms2114 «محله» منحره، وهو حيث ~~يحل نحره ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات وهم المستضعفون بمكة لم تعلموهم ~~أي: لم تعرفوهم أن تطؤهم بالقتل. ومعنى الآية: لولا أن تطئوا رجالا مؤمنين ~~ونساء مؤمنات بالقتل، وتوقعوا بهم ولا تعرفونهم، فتصيبكم منهم معرة وفيها ~~أربعة أقوال: أحدها: إثم، قاله ابن زيد. والثاني: غرم الدية، قاله ابن ~~إسحاق. والثالث: # كفارة قتل الخطأ، قاله ابن السائب. والرابع: عيب بقتل من هو على دينكم، ~~حكاه جماعة من المفسرين. وفي الآية محذوف، تقديره: لأدخلتكم من عامكم هذا ~~وإنما حلت بينكم وبينهم ليدخل الله في رحمته أي: في دينه من يشاء من أهل ~~مكة، وهم الذين أسلموا بعد الصلح لو تزيلوا قال ابن عباس: لو تفرقوا. وقال ~~ابن قتيبة، والزجاج: لو تميزوا. قال المفسرون: لو انماز المؤمنون من ~~المشركين لعذبنا الذين كفروا بالقتل والسبي بأيديكم. وقال قوم: لو تزيل ~~المؤمنون من أصلاب الكفار لعذبنا الكفار. وقال بعضهم: قوله: «لعذبنا» جواب ~~لكلامين، أحدهما: «لولا رجال» ، والثاني: # «لو تزيلوا» وقوله: إذ جعل من صلة قوله: لعذبنا. والحمية: الأنفة ~~والجبرية. # (1298) قال المفسرون: وإنما أخذتهم الحمية حين أراد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دخول مكة، فقالوا: # يدخلون علينا، وقد قتلوا أبناءنا وإخواننا فتتحدث العرب بذلك! والله لا ~~يكون ذلك، فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين فلم يدخلهم ما دخل ~~أولئك فيخالفوا الله في قتالهم. # (1299) وقيل: الحمية ما تداخل سهيل بن عمرو من الأنفة أن يكتب في كتاب ~~الصلح ذكر «الرحمن الرحيم» وذكر «رسول الله» صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: وألزمهم كلمة التقوى فيه خمسة أقوال: # (1300) أحدها: «لا إله إلا الله» ، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ~~وعكرمة وقتادة PageV04P136 # والضحاك والسدي وابن زيد في آخرين، وقد روي مرفوعا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعلى هذا يكون معنى: # «ألزمهم» : حكم لهم بها، وهي التي تنفي الشرك. # والثاني: «لا إله إلا الله والله أكبر» ، قاله ابن عمر. وعن علي بن أبي ~~طالب كالقولين. # والثالث: «لا إله إلا الله وحده لا شريك ms2115 له، له الملك وله الحمد وهو على ~~كل شيء قدير» ، قاله عطاء بن أبي رباح. والرابع: «لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله» ، قاله عطاء الخراساني. والخامس: «بسم الله الرحمن الرحيم» ، ~~قاله الزهري. فعلى هذا يكون المعنى أنه لما أبى المشركون أن يكتبوا هذا في ~~كتاب الصلح، ألزمه الله المؤمنين وكانوا أحق بها # من المشركين وكانوا أهلها في علم الله تعالى. ### | [سورة الفتح (48) : الآيات 27 الى 28] # لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ~~محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا ~~قريبا (27) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا (28) # قوله تعالى: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق. # (1301) قال المفسرون. سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~أري في المنام قبل خروجه إلى الحديبية قائلا يقول له: لتدخلن المسجد الحرام ~~إلى قوله: لا تخافون ورأى كأنه هو وأصحابه يدخلون مكة وقد حلقوا وقصروا، ~~فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، فلما خرجوا إلى الحديبية حسبوا أنهم يدخلون مكة ~~في عامهم ذلك، فلما رجعوا ولم يدخلوا قال المنافقون: أين رؤياه التي رأى؟ ~~فنزلت هذه الآية، فدخلوا في العام المقبل. # وفي قوله: إن شاء الله ستة أقوال «1» : أحدها: أن «إن» بمعنى «إذ» ، قاله ~~أبو عبيدة، وابن قتيبة. والثاني: أنه استثناء من الله، وقد علمه، والخلق ~~يستثنون فيما لا يعلمون، قاله ثعلب فعلى هذا يكون المعنى أنه علم أنهم ~~سيدخلونه، ولكن استثنى على ما أمر الخلق به من الاستثناء. والثالث: أن ~~المعنى: لتدخلن المسجد الحرام إن أمركم الله به، قال الزجاج. والرابع: أن ~~الاستثناء يعود إلى دخول بعضهم أو جميعهم، لأنه علم أن بعضهم يموت، حكاه ~~الماوردي. والخامس: أنه على وجه الحكاية. # لما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في المنام أن قائلا يقول: «لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين» ، حكاه القاضي أبو يعلى. والسادس: أنه ~~يعود إلى الأمن والخوف، فأما الدخول، فلا شك ms2116 فيه، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: آمنين من العدو محلقين رؤسكم ومقصرين من الشعر لا تخافون ~~عدوا. PageV04P137 # فعلم ما لم تعلموا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: علم أن الصلاح في الصلح. ~~والثاني: أن في تأخير الدخول صلاحا. والثالث: فعلم أن يفتح عليكم خيبر قبل ~~ذلك. # قوله تعالى: فجعل من دون ذلك فتحا قريبا فيه قولان «1» : أحدهما: فتح ~~خيبر، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عطاء، وابن زيد، ومقاتل. ~~والثاني: صلح الحديبية، قاله مجاهد والزهري وابن إسحاق. وقد بينا كيف كان ~~فتحا في أول السورة. وما بعد هذا مفسر في براءة «2» : إلى قوله وكفى بالله ~~شهيدا وفيه قولان: أحدهما: أنه شهد على نفسه أنه يظهره على الدين كله، قاله ~~الحسن. والثاني: كفى به شهيدا أن محمدا رسوله، قاله مقاتل. ### | [سورة الفتح (48) : آية 29] # محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في ~~التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه ~~يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ~~مغفرة وأجرا عظيما (29) # قوله تعالى: محمد رسول الله وقرأ الشعبي، وأبو رجاء، وأبو المتوكل، ~~والجحدري: «محمدا رسول الله» بالنصب فيهما. قال ابن عباس: شهد له بالرسالة. ~~قوله تعالى: والذين معه يعني أصحابه، والأشداء: جمع شديد. قال الزجاج: ~~والأصل: أشدداء، نحو نصيب وأنصباء، ولكن الدالين تحركتا، فأدغمت الأولى في ~~الثانية، ومثله: من يرتد منكم «3» . قوله تعالى: رحماء بينهم الرحماء جمع ~~رحيم، والمعنى أنهم يغلظون على الكفار، ويتوادون بينهم تراهم ركعا سجدا يصف ~~كثرة صلاتهم يبتغون فضلا من الله وهو الجنة ورضوانا وهو رضى الله عنهم. ~~وهذا الوصف لجميع الصحابة عند الجمهور. # (1302) وروى مبارك بن فضاله عن الحسن البصري أنه قال: «والذين معه» أبو ~~بكر «أشداء على الكفار» عمر «رحماء بينهم» عثمان «تراهم ركعا سجدا» علي بن ~~أبي طالب «يبتغون فضلا من الله ورضوانا» طلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد ~~وسعيد ms2117 وأبو عبيدة. # قوله تعالى: سيماهم أي: علامتهم في وجوههم، وهل هذه العلامة في الدنيا، ~~أم في الآخرة؟ فيه قولان «4» : أحدهما: في الدنيا. ثم فيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنها السمت الحسن، قاله ابن PageV04P138 # عباس في رواية ابن أبي طلحة وقال في رواية مجاهد: أما إنه ليس بالذي ~~ترون، ولكنه سيما الإسلام وسمته وخشوعه، وكذلك قال مجاهد: ليس بندب التراب ~~في الوجه، ولكنه الخشوع والوقار والتواضع. والثاني: أنه ندى الطهور وثرى ~~الأرض، قاله سعيد بن جبير. وقال أبو العالية: لأنهم يسجدون على التراب لا ~~على الأثواب. وقال الأوزاعي: بلغني أنه ما حملت جباههم من الأرض. # والثالث: أنه السهوم، فإذا سهم وجه الرجل من الليل أصبح مصفارا. قال ~~الحسن البصري: «سيماهم في وجوههم» : الصفرة وقال سعيد بن جبير: أثر السهر ~~وقال شمر بن عطية: هو تهيج في الوجه من سهر الليل. # والقول الثاني: أنها في الآخرة. ثم فيه قولان: أحدهما: أن مواضع السجود ~~من وجوههم يكون أشد وجوههم بياضا يوم القيامة، قاله عطية العوفي، وإلى نحو ~~هذا ذهب الحسن، والزهري. وروى العوفي عن ابن عباس قال: صلاتهم تبدو في ~~وجوههم يوم القيامة. والثاني: أنهم يبعثون غرا محجلين من أثر الطهور، ذكره ~~الزجاج. # قوله تعالى: ذلك مثلهم أي: صفتهم، والمعنى أن صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه في التوراة هذا. فأما قوله: ومثلهم في الإنجيل ففيه ثلاثة ~~أقوال «1» : أحدها: أن هذا المثل المذكور أنه في التوراة هو مثلهم في ~~الإنجيل. قال مجاهد: مثلهم في التوراة والإنجيل واحد. والثاني: أن المتقدم ~~مثلهم في التوراة. فأما مثلهم في الإنجيل فهو قوله: كزرع، وهذا قول الضحاك ~~وابن زيد. والثالث: أن مثلهم في التوراة والإنجيل كزرع، ذكر هذه الأقوال ~~أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: أخرج شطأه وقرأ ابن كثير، وابن عامر: ~~«شطأه» بفتح الطاء والهمزة. وقرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: ~~«شطأه» بسكون الطاء. وكلهم يقرأ بهمزة مفتوحة. وقرأ أبي بن كعب، وأبو ~~العالية، وابن أبي عبلة: «شطاءه» بفتح الطاء وبالمد والهمزة وبألف. قال أبو ~~عبيدة: ms2118 أي: فراخه، يقال: أشطأ الزرع فهو مشطئ: إذا أفرخ فآزره أي: ساواه ~~وصار مثل الأم. وقرأ ابن عامر: «فأزره» مقصورة الهمزة مثل فعله. وقال ابن ~~قتيبة: آزره: أعانه وقواه فاستغلظ أي: غلظ فاستوى على سوقه وهي جمع «ساق» ، ~~وهذا مثل ضربه الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم إذ خرج وحده، فأيده ~~بأصحابه، كما قوى الطاقة من الزرع بما نبت منها حتى كبرت وغلظت واستحكمت. ~~وقرأ ابن كثير: «على سؤقه» مهموزة، والباقون: # بلا همزة. وقال قتادة: في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، وفيمن ~~أريد بهذا المثل قولان «2» : # أحدهما: أن أصل الزرع: عبد المطلب «أخرج شطأه» أخرج محمدا صلى الله عليه ~~وسلم فآزره: بأبي بكر فاستغلظ: بعمر فاستوى: بعثمان على سوقه: علي بن أبي ~~طالب، رواه سعيد بن جبير عن PageV04P139 # ابن عباس. والثاني: أن المراد بالزرع: محمد صلى الله عليه وسلم «أخرج ~~شطأه» : أبو بكر «فآزره» : بعمر «فاستغلظ» : # بعثمان «فاستوى على سوقه» : بعلي يعجب الزراع: يعني المؤمنين «ليغيظ بهم ~~الكفار» وهو قول عمر لأهل مكة: لا يعبد الله سرا بعد اليوم، رواه الضحاك عن ~~ابن عباس، ومبارك عن الحسن. قوله تعالى: # ليغيظ بهم الكفار أي: إنما كثرهم وقواهم ليغيظ بهم الكفار، وقال مالك بن ~~أنس «1» : من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقد أصابته هذه الآية. وقال ابن إدريس لا آمن أن يكونوا قد ضارعوا الكفار، ~~يعني الرافضة، لأن الله تعالى يقول: «ليغيظ بهم الكفار» . قوله تعالى: وعد ~~الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما قال الزجاج: في ~~«من» قولان: أحدهما: أن يكون تخليصا للجنس من غيره، كقوله: فاجتنبوا الرجس ~~من الأوثان «2» ، ومثله أن تقول: أنفق من الدراهم، أي: اجعل نفقتك من هذا ~~الجنس، قال ابن الأنباري: معنى الآية: وعد الله الذين آمنوا من هذا الجنس، ~~أي: من جنس الصحابة. والثاني: أن يكون هذا الوعد لمن أقام منهم على الإيمان ~~والعمل الصالح. PageV04P140 ### | سورة الحجرات # وهي مدنية بإجماعهم (1303) روى ثوبان عن رسول ms2119 الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «إن الله أعطاني السبع الطول مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان ~~الإنجيل، وأعطاني مكان الزبور المثاني، وفضلني ربي بالمفصل» . # أما السبع الطول فقد ذكرناها «عند قوله» : ولقد آتيناك سبعا من المثاني ~~«1» . وأما المئون، فقال ابن قتيبة: هي ما ولي الطول، وإنما سميت بالمئين، ~~لأن كل سورة تزيد على مائة آية أو تقاربها، والمثاني: # ما ولي المئين من السور التي دون المائة، كأن المئين مباد، وهذه مثان. ~~وأما المفصل فهو ما يلي المثاني من قصار السور، وإنما سميت مفصلا لقصرها ~~وكثرة الفصول فيها بسطر: بسم الله الرحمن الرحيم. وقد ذكر الماوردي في أول ~~«تفسيره» في المفصل ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنه من أول سورة (محمد) إلى ~~آخر القرآن، قاله الأكثرون. والثاني: من سورة (قاف) إلى آخره، حكاه عيسى بن ~~عمر عن كثير من الصحابة. والثالث: من (الضحى) إلى آخره، قاله ابن عباس. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الحجرات (49) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله ~~سميع عليم (1) يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا ~~تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) إن ~~الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ~~لهم مغفرة وأجر عظيم (3) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله في سبب ~~نزولها أربعة أقوال: # (1304) أحدها: أن ركبا من بني تميم قدموا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن PageV04P141 # معبد، وقال عمر: أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، ~~وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل قوله: يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله إلى قوله: ولو أنهم صبروا، فما ~~كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ~~رواه عبد ms2120 الله بن الزبير. # (1305) والثاني: أن قوما ذبحوا قبل أن يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم النحر، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا الذبح، فنزلت ~~هذه الآية، قاله الحسن. # (1306) والثالث: أنها نزلت في قوم كانوا يقولون: لو أنزل الله في كذا ~~وكذا! فكره الله ذلك، وقدم فيه، قاله قتادة. # (1307) والرابع: أنها نزلت في عمرو بن أمية الضمري، وكان قد قتل رجلين من ~~بني سليم قبل أن يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن السائب. # وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. وروى ~~العوفي عنه قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه، وروي عن عائشة رضي الله ~~عنها في هذه الآية قالت: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم. ومعنى الآية على ~~جميع الأقوال «1» : لا تعجلوا بقول أو فعل قبل أن يقول رسول PageV04P142 # الله صلى الله عليه وسلم أو يفعل. قال ابن قتيبة: يقال فلان يقدم بين يدي ~~الإمام وبين يدي أبيه، أي: يعجل بالأمر والنهي دونه. فأما «تقدموا» فقرأ ~~ابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو رزين، وعائشة، وأبو عبد الرحمن السلمي، ~~وعكرمة، والضحاك وابن سيرين، وقتادة، وابن يعمر، ويعقوب: بفتح التاء والدال ~~وقرأ الباقون: بضم التاء وكسر الدال. قال الفراء: كلاهما صواب، يقال: قدمت، ~~وتقدمت وقال الزجاج: # كلاهما واحد فأما «بين يدي الله ورسوله» فهو عبارة عن الأمام، لأن ما بين ~~يدي الإنسان أمامه فالمعنى: لا تقدموا قدام الأمير. # قوله تعالى: لا ترفعوا أصواتكم في سبب نزولها قولان: # (1308) أحدهما: أن أبا بكر وعمر رفعا أصواتهما فيما ذكرناه آنفا في حديث ~~ابن الزبير، وهذا قول ابن أبي مليكة. # (1309) والثاني: أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وكان جهوري الصوت، ~~فربما كان إذا تكلم تأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوته. قاله مقاتل. # قوله تعالى: ولا تجهروا له بالقول فيه قولان. أحدهما: أن الجهر بالصوت في ~~المخاطبة، قاله الأكثرون. والثاني: لا تدعوه باسمه يا محمد كما يدعو بعضكم ~~بعضا ولكن ms2121 قولوا: يا رسول الله، ويا نبي الله، وهو معنى قول سعيد بن جبير ~~والضحاك ومقاتل. قوله تعالى: أن تحبط أعمالكم قال ابن قتيبة: لئلا تحبط. ~~وقال الأخفش: مخافة أن تحبط، قال أبو سليمان الدمشقي: وقد قيل معنى الإحباط ~~هاهنا: نقص المنزلة، لا إسقاط العمل من أصله كما يسقط بالكفر. قوله تعالى: ~~إن الذين يغضون أصواتهم. # (1310) قال ابن عباس: لما نزل قوله: لا ترفعوا أصواتكم تألى أبو بكر أن ~~لا يكلم رسول PageV04P143 # الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار، فأنزل الله في أبي بكر: «إن ~~الذين يغضون أصواتهم» . # والغض: النقص كما بينا عند قوله: قل للمؤمنين يغضوا «1» . أولئك الذين ~~امتحن الله قلوبهم قال ابن عباس: أخلصها للتقوى من المعصية. وقال الزجاج: ~~اختبر قلوبهم فوجدهم مخلصين، كما تقول: قد امتحنت هذا الذهب والفضة، أي: ~~اختبرتهما بأن أذبتهما حتى خلصا، فعلمت حقيقة كل واحد منهما. وقال ابن ~~جرير: اختبرها بامتحانه إياها، فاصطفاها وأخلصها للتقوى. ### | ### | [سورة الحجرات (49) : الآيات 4 الى # 5] # إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) ولو أنهم صبروا ~~حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم (5) # قوله تعالى: إن الذين ينادونك من وراء الحجرات في سبب نزولها ثلاثة ~~أقوال: # (1311) أحدها: أن بني تميم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنادوا على الباب: يا محمد اخرج إلينا، فإن مدحنا زين وإن ذمنا شين، فخرج ~~وهو يقول: «إنما ذلكم الله» فقالوا: نحن ناس من بني تميم جئنا بشاعرنا ~~وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال: «ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت، ولكن ~~هاتوا» ، فقال الزبرقان بن بدر لشاب منهم: قم فاذكر فضلك وفضل قومك، فقام ~~فذكر ذلك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس، فأجابه، وقام ~~شاعرهم، فأجابه حسان، فقال الأقرع بن حابس: والله ما أدري ما هذا الأمر؟! ~~تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولا، وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر، ثم دنا ~~فأسلم، فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم، وارتفعت الأصوات وكثر ~~اللغط عند رسول ms2122 الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، هذا قول جابر بن ~~عبد الله في آخرين. # (1312) وقال ابن اسحاق: نزلت في جفاة بني تميم، وكان فيهم الأقرع بن ~~حابس، وعيينة بن PageV04P144 # حصن، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم المنقري، وخالد بن مالك، وسويد بن ~~هشام، وهما نهشليان، والقعقاع بن معبد، وعطاء ابن حابس، ووكيع بن وكيع. # (1313) والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى بني ~~العنبر، وأمر عليهم عيينة بن حصن الفزاري، فلما علموا بذلك هربوا وتركوا ~~عيالهم، فسباهم عيينة، فجاء رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائل، فجعلوا ينادون: يا محمد اخرج إلينا، ~~حتى أيقظوه، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. # (1314) والثالث: أن ناسا من العرب قال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا ~~الرجل، فإن يكن نبيا نكن أسعد الناس به، وإن يكن ملكا نعش في جناحه، ~~فجاؤوا، فجعلوا ينادون: يا محمد، يا محمد، فنزلت هذه الآية، قاله زيد بن ~~أرقم. # فأما «الحجرات» فقرأ أبي بن كعب، وعائشة، وأبو عبد الرحمن السلمي، ومجاهد ~~وأبو العالية، وابن يعمر، وأبو جعفر، وشيبة: بفتح الجيم وأسكنها أبو رزين، ~~وسعيد بن المسيب، وابن أبي عبلة وضمها الباقون. قال الفراء: وجه الكلام أن ~~تضم الحاء والجيم، وبعض العرب يقول: الحجرات والركبات، وربما خففوا فقالوا: ~~«الحجرات» والتخفيف في تميم، والتثقيل في أهل الحجاز. وقال ابن قتيبة: واحد ~~الحجرات حجرة، مثل ظلمة وظلمات، قال المفسرون: وإنما نادوا من وراء ~~الحجرات، لأنهم لم يعلموا في أي الحجر رسول الله. # قوله تعالى: ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم قال الزجاج: ~~أي: لكان الصبر خيرا لهم، وفي وجه كونه خيرا لهم قولان: أحدهما: لكان خيرا ~~لهم فيما قدموا له من فداء ذراريهم، فلو صبروا خلى سبيلهم بغير فداء، قاله ~~مقاتل. والثاني: لكان أحسن لآدابهم في طاعة الله ورسوله، ذكره الماوردي. ~~قوله تعالى: والله غفور رحيم أي: لمن تاب منهم. ### | ### | [سورة الحجرات (49) : الآيات 6 الى # 8] # يا أيها ms2123 الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في ~~كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره ~~إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة ~~والله عليم حكيم (8) PageV04P145 # قوله عز وجل: إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا. # (1315) نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى بني المصطلق ليقبض صدقاتهم، وقد كانت بينه وبينهم عداوة في ~~الجاهلية، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم إنه رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن بني المصطلق قد ~~منعوا الصدقة وأرادوا قتلي، فصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث ~~إليهم، فنزلت هذه الآية. # وقد ذكرت القصد في كتاب «المغني» وفي «الحدائق» مستوفاة، وذكرت معنى ~~«فتبينوا» في سورة النساء «1» ، والنبأ: الخبر، و «أن» بمعنى «لئلا» ، ~~والجهالة هاهنا: أن يجهل حال القوم، فتصبحوا على ما فعلتم من إصابتهم ~~بالخطأ نادمين. ثم خوفهم فقال: واعلموا أن فيكم رسول الله أي إن كذبتموه ~~أخبره الله فافتضحتم، ثم قال: لو يطيعكم في كثير من الأمر أي مما تخبرونه ~~فيه بالباطل لعنتم أي لوقعتم في عنت. قال ابن قتيبة: وهو الضرر والفساد. ~~وقال غيره: هو الإثم والهلاك. وذلك أن المسلمين لما سمعوا أن أولئك القوم ~~قد كفروا قالوا: # (1316) ابعث إليهم يا رسول الله واغزهم واقتلهم. # ثم خاطب المؤمنين فقال: ولكن الله حبب إليكم الإيمان إلى قوله: والعصيان، ~~ثم عاد إلى الخبر عنهم فقال: أولئك هم الراشدون أي: المهتدون إلى محاسن ~~الأمور، فضلا من الله قال الزجاج: المعنى: ففعل بكم ذلك فضلا، أي: للفضل ~~والنعمة. ### | [سورة الحجرات (49) : الآيات 9 الى 10] # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما ~~بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما ms2124 المؤمنون إخوة فأصلحوا بين ~~أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10) PageV04P146 # قوله تعالى: وإن طائفتان ... الآية، في سبب نزولها قولان: # (1317) أحدهما: ما روى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث أنس بن مالك ~~قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي، فركب ~~حمارا وانطلق معه المسلمون يمشون، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: إليك عني، فو الله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله ~~لحمار رسول الله أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد ~~منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أنزلت ~~فيهم «وإن طائفتان ... » الآية. # (1318) وقد أخرجا جميعا من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خرج يعود سعد بن عبادة، فمر بمجلس فيهم عبد الله بن أبي، وعبد الله بن ~~رواحة، فخمر ابن أبي وجهه بردائه، وقال: لا تغبروا علينا، فذكر الحديث، وأن ~~المسلمين والمشركين واليهود استبوا. وقد ذكرت الحديث بطوله في «المغني» و ~~«الحدائق» . # (1319) وقال مقاتل: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار وهو ~~على حمار له، فبال الحمار، فقال عبد الله بن أبي: أف، وأمسك على أنفه، فقال ~~عبد الله بن رواحة: والله لهو أطيب ريحا منك، فكان بين قوم ابن أبي وابن ~~رواحة ضرب بالنعال والأيدي والسعف، ونزلت هذه الآية. # (1320) والقول الثاني: أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مماراة ~~في حق بينهما، فقال أحدهما: لآخذن حقي عنوة، وذلك لكثرة عشيرته، ودعاه ~~الآخر ليحاكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل الأمر بينهما حتى ~~تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال، قاله قتادة. # وقال مجاهد: المراد بالطائفتين: الأوس والخزرج اقتتلوا بالعصي بينهم. ~~وقرأ أبي بن كعب، وابن مسعود، وأبو عمران الجوني: «اقتتلا» على فعل اثنين ~~مذكرين. وقرأ أبو المتوكل الناجي، وأبو الجون، وابن أبي عبلة: «اقتتلتا» ~~بتاء وألف بعد اللام على فعل اثنين مؤنثتين. وقال الحسن وقتادة والسدي ~~فأصلحوا بينهما «1» بالدعاء إلى حكم ms2125 كتاب الله عز وجل والرضى بما فيه لهما ~~وعليهما PageV04P147 # فإن بغت إحداهما طلبت ما ليس لها ولم ترجع إلى الصلح فقاتلوا التي تبغي ~~حتى تفيء أي ترجع إلى أمر الله أي إلى طاعته في الصلح الذي أمر به. قوله ~~تعالى: وأقسطوا أي: اعدلوا في الإصلاح بينهما. # قوله تعالى: إنما المؤمنون إخوة قال الزجاج: إذا كانوا متفقين في دينهم ~~رجعوا باتفاقهم إلى أصل النسب، لأنهم لآدم وحواء، فإذا اختلفت أديانهم ~~افترقوا في النسب. # قوله تعالى: فأصلحوا بين أخويكم قرأ الأكثرون: «بين أخويكم» بياء على ~~التثنية. وقرأ أبي بن كعب، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، وقتادة، ~~وأبو العالية، وابن يعمر، وابن أبي عبلة، ويعقوب: «بين إخوتكم» بتاء مع كسر ~~الهمزة على الجمع. وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو رزين، وأبو عبد الرحمن ~~السلمي، والحسن، والشعبي، وابن سيرين: «بين إخوانكم» بالنون وألف قبلها. ~~قال قتادة: # ويعني بذلك الأوس والخزرج. ### | ### | [سورة الحجرات (49) : آية # 11] # يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا ~~نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ~~بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11) # قوله تعالى: لا يسخر قوم من قوم هذه الآية نزلت على ثلاثة أسباب فأما ~~أولها إلى قوله تعالى: خيرا منهم فنزلت على سبب، وفيه قولان: # (1321) أحدهما: أن ثابت بن قيس بن شماس جاء يوما يريد الدنو من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكان به صمم، فقال لرجل بين يديه: افسح، فقال له ~~الرجل: قد أصبت مجلسا، فجلس مغضبا، ثم قال للرجل: من أنت؟ قال: أنا فلان، ~~فقال ثابت: أنت ابن فلانة!! فذكر أما له كان يعير بها في الجاهلية، فأغضى ~~الرجل ونكس رأسه، ونزل قوله تعالى: لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. # (1322) والثاني: أن وفد تميم استهزءوا بفقراء أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما رأوا من ms2126 رثاثة حالهم، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك ومقاتل. # وأما قوله تعالى: ولا نساء من نساء فنزلت على سبب، وفيه ثلاثة أقوال: ~~PageV04P148 # (1323) أحدها: أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عيرن أم سلمة ~~بالقصر، فنزلت هذه الآية، قاله أنس بن مالك. وزعم مقاتل أن عائشة استهزأت ~~من قصر أم سلمة. # (1324) والثاني: أن امرأتين من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم سخرتا ~~من أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت أم سلمة قد خرجت ذات ~~يوم وقد ربطت أحد طرفي جلبابها على حقوها، وأرخت الطرف الآخر خلفها، ولا ~~تعلم، فقالت إحداهما للأخرى: انظري ما خلف أم سلمة كأنه لسان كلب، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. # (1325) والثالث: أن صفية بنت حيي بن أخطب أتت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن: يا يهودية بنت يهوديين، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «هلا قلت: إن أبي هارون، وإن عمي موسى، وإن زوجي ~~محمد» ، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. # وأما قوله تعالى: ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب فنزلت على سبب، ~~وفيه ثلاثة أقوال: # (1326) أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولهم ألقاب ~~يدعون بها، فجعل الرجل يدعو الرجل بلقبه، فقيل له: يا رسول الله، إنهم ~~يكرهون هذا، فنزل قوله تعالى: ولا تنابزوا بالألقاب، قاله أبو جبيرة بن ~~الضحاك. # (1327) والثاني: أن أبا ذر كان بينه وبين رجل منازعة، فقال له الرجل: يا ~~ابن اليهودية، فنزلت: # «ولا تنابزوا بالألقاب» ، قاله الحسن. PageV04P149 # (1328) والثالث: أن كعب بن مالك الأنصاري كان بينه وبين عبد الله بن أبي ~~حدرد الأسلمي كلام، فقال له: يا أعرابي، فقال له عبد الله: يا يهودي، فنزلت ~~فيهما: ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب، قاله مقاتل. # وأما التفسير، فقوله تعالى: لا يسخر قوم من قوم أي: لا يستهزئ غني بفقير، ~~ولا مستور عليه ذنبه بمن لم يستر عليه، ولا ذو حسب بلئيم الحسب، وأشباه ذلك ~~مما يتنقصه به، ms2127 عسى أن يكون عند الله خيرا منه. وقد بينا في البقرة «1» أن ~~القوم اسم الرجال دون النساء، ولذلك قال: «ولا نساء من نساء» و «تلمزوا» ~~بمعنى تعيبوا، وقد سبق بيانه «2» . والمراد بالأنفس هاهنا: الإخوان. ~~والمعنى: لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين لأنهم كأنفسكم. والتنابز: التفاعل ~~من النبز، وهو مصدر، والنبز الاسم. # والألقاب جمع لقب، وهو اسم يدعى به الإنسان سوى الاسم الذي سمي به. قال ~~ابن قتيبة: «ولا تنابزوا بالألقاب» أي لا تتداعوا بها. والألقاب والأنباز ~~واحد. # (1329) ومنه الحديث: «نبزهم الرافضة» أي: لقبهم. # وللمفسرين في المراد بهذه الألقاب أربعة أقوال «3» : أحدها: تعيير التائب ~~بسيئات قد كان عملها، رواه عطية العوفي عن ابن عباس. والثاني: أنه تسميته ~~بعد إسلامه بدينه قبل الإسلام، كقوله لليهودي إذا أسلم: يا يهودي، وهذا ~~مروي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني، ~~والقرظي. والثالث: أنه قول الرجل للرجل: يا كافر، يا منافق، قاله عكرمة. ~~والرابع: أنه تسميته بالأعمال السيئة، كقوله: يا زاني يا سارق، يا فاسق، ~~قاله ابن زيد. قال أهل العلم: والمراد بهذه الألقاب: ما يكرهه المنادى به، ~~أو يعد ذما له. فأما الألقاب التي تكسب حمدا وتكون صدقا، فلا تكره، كما قيل ~~لأبي بكر: عتيق، ولعمر: فاروق، ولعثمان: ذو النورين، ولعلي: أبو تراب: ~~ولخالد: PageV04P150 # سيف الله، ونحو ذلك. وقوله: بئس الاسم الفسوق أي: تسميته فاسقا أو كافرا ~~وقد آمن، ومن لم يتب من التنابز فأولئك هم الظالمون وفيه قولان: أحدهما: ~~الضارون لأنفسهم بمعصيتهم، قاله ابن عباس. والثاني: هم أظلم من الذين قالوا ~~لهم ذلك، قاله ابن زيد. ### | ### | [سورة الحجرات (49) : آية # 12] # يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ~~ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا ~~الله إن الله تواب رحيم (12) # قوله تعالى: اجتنبوا كثيرا من الظن قال ابن عباس: نهى الله تعالى المؤمن ~~أن يظن بالمؤمن شرا. # وقال سعيد بن جبير: هو الرجل يسمع من أخيه كلاما ms2128 لا يريد به سوءا، أو ~~يدخل مدخلا لا يريد به سوءا، فيراه أخوه المسلم فيظن به سوءا. وقال الزجاج: ~~هو أن يظن بأهل الخير سوءا. فأما أهل السوء والفسق، فلنا أن نظن بهم مثل ~~الذي ظهر منهم. قال القاضي أبو يعلى: هذه الآية تدل على أنه لم ينه عن جميع ~~الظن والظن على أربعة أضرب. محظور، ومأمور به، ومباح، ومندوب إليه، فأما ~~المحظور، فهو سوء الظن بالله تعالى، والواجب: حسن الظن بالله، وكذلك سوء ~~الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة محظور، وأما الظن المأمور به، فهو ما ~~لم ينصب عليه دليل يوصل إلى العلم به، وقد تعبدنا بتنفيذ الحكم فيه، ~~والاقتصار على غالب الظن، وإجراء الحكم عليه واجب، وذلك نحو ما تعبدنا به ~~من قبول شهادة العدول، وتحري القبلة، وتقويم المستهلكات، وأروش الجنايات ~~التي لم يرد بمقاديرها توقيف، فهذا وما كان من نظائره قد تعبدنا فيه بأحكام ~~غالب الظنون. فأما الظن المباح، فكالشاك في الصلاة إذا كان إماما، أمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالتحري والعمل على ما يغلب في ظنه، وإن فعله كان ~~مباحا، وإن عدل عنه إلى البناء على اليقين كان جائزا. # (1330) وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ~~ظننتم فلا تحققوا» ، وهذا من الظن الذي يعرض في قلب الإنسان في أخيه فيما ~~يوجب الريبة، فلا ينبغي له أن يحققه. # وأما الظن المندوب إليه، فهو إحسان الظن بالأخ المسلم يندب إليه ويثاب ~~عليه. # (1331) فأما ما روي في الحديث: «احترسوا من الناس بسوء الظن» ، فالمراد: ~~الإحتراس بحفظ المال، مثل أن يقول: إن تركت بابي مفتوحا خشيت السراق. # قوله تعالى: إن بعض الظن إثم قال المفسرون: هو ما تكلم به مما ظنه من ~~السوء بأخيه المسلم، فإن لم يتكلم به فلا بأس، وذهب بعضهم إلى أنه يأثم ~~بنفس ذلك الظن وإن لم ينطق به. قوله تعالى: ولا تجسسوا وقرأ أبو رزين ~~والحسن والضحاك وابن سيرين وأبو رجاء وابن يعمر: بالحاء. # قال أبو عبيدة: التجسس والتحسس واحد، ms2129 وهو التبحث، ومنه الجاسوس. وروي عن ~~يحيى بن أبي PageV04P151 # كثير أنه قال: التجسس، بالجيم: البحث عن عورات الناس، وبالحاء: الاستماع ~~لحديث القوم. قال المفسرون: التجسس: البحث عن عيب المسلمين وعوراتهم ~~فالمعنى: لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه ليطلع عليه إذ ستره الله. وقيل لابن ~~مسعود: هذا الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا، فقال: إنا نهينا عن التجسس، ~~فإن يظهر لنا شيء نأخذه به. # قوله تعالى: ولا يغتب بعضكم بعضا أي: لا يتناول بعضكم بعضا بظهر الغيب ~~بما يسوؤه. # (1332) وقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ما ~~الغيبة؟ قال: «ذكرك أخاك بما يكره. قال: # أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته، ~~وإن لم يكن فقد بهته» . # ثم ضرب الله للغيبة مثلا، فقال: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا وقرأ ~~نافع «ميتا» بالتشديد. قال الزجاج: وبيانه أن ذكرك بسوء من لم يحضر، بمنزلة ~~أكل لحمه وهو ميت لا يحس بذلك. قال القاضي أبو يعلى: وهذا تأكيد لتحريم ~~الغيبة، لأن أكل لحم المسلم محظور، ولأن النفوس تعافه من طريق الطبع، ~~فينبغي أن تكون الغيبة بمنزلته في الكراهة. # قوله تعالى: فكرهتموه وقرأ الضحاك، وعاصم الجحدري: «فكرهتموه» برفع الكاف ~~وتشديد الراء. قال الفراء: أي وقد كرهتموه فلا تفعلوه، ومن قرأ «فكرهتموه» ~~أي: فقد بغض إليكم، والمعنى واحد. قال الزجاج: والمعنى: كما تكرهون أكل ~~لحمه ميتا فكذلك تجنبوا ذكره بالسوء غائبا. قوله تعالى: واتقوا الله أي في ~~الغيبة إن الله تواب على من تاب رحيم به. ### | [سورة الحجرات (49) : آية 13] # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) # قوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى في سبب نزولها ثلاثة ~~أقوال: # (1333) أحدها: نزلت في ثابت بن قيس وقوله في الرجل الذي لم يفسح له: أنت ~~ابن فلانة، وقد ذكرناه عن ابن عباس في قوله: لا يسخر قوم ms2130 من قوم. # (1334) والثاني: أنه لما كان يوم الفتح أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بلالا فصعد على ظهر الكعبة فأذن، PageV04P152 # وأراد أن يذل المشركين بذلك، فلما أذن، قال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي ~~قبض أسيدا قبل اليوم، وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب ~~الأسود مؤذنا؟! وقال سهيل بن عمرو: إن يكره الله شيئا يغيره، وقال أبو ~~سفيان: أما أنا فلا أقول شيئا، فإني إن قلت شيئا لتشهدن علي السماء، ~~ولتخبرن عني الأرض، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. # (1335) والثالث: أن عبدا أسود مرض فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ثم قبض فتولى غسله وتكفينه ودفنه، فأثر ذلك عند الصحابة، فنزلت هذه الآية، ~~قاله يزيد بن شجرة. # فأما المراد بالذكر والأنثى، فآدم وحواء. والمعنى: إنكم تتساوون في النسب ~~وهذا زجر عن التفاخر بالأنساب. فأما الشعوب، فهي جمع شعب. وهو الحي العظيم، ~~مثل مضر وربيعة، والقبائل دونها، كبكر من ربيعة، وتميم من مضر، هذا قول ~~الجمهور من المفسرين وأهل اللغة. وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد بالشعوب ~~الموالي، وبالقبائل العرب. وقال أبو رزين: الشعوب: أهل الجبال الذين لا ~~يعتزون لأحد، والقبائل: قبائل العرب. وقال أبو سليمان الدمشقي: وقد قيل إن ~~القبائل هي الأصول، والشعوب هي البطون التي تتشعب منها، وهذا ضد القول ~~الأول. # قوله تعالى: لتعارفوا أي: ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب وبعده. قال ~~الزجاج: # المعنى: جعلناكم كذلك لتعارفوا، لا لتفاخروا. ثم أعلمهم أن أرفعهم عنده ~~منزلة أتقاهم، وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس، والضحاك، وابن يعمر، وأبان عن ~~عاصم: «لتعرفوا» بإسكان العين وكسر الراء من غير ألف. وقرأ مجاهد، وأبو ~~المتوكل، وابن محيصن: «لتعارفوا» بتاء واحدة مشددة وبألف مفتوحة الراء ~~مخففة. وقرأ أبو نهيك، والأعمش: «لتتعرفوا» بتاءين مفتوحة الراء وبتشديدها ~~من غير ألف. # قوله تعالى: إن أكرمكم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، وأبو ~~الجوزاء: «أن» بفتح الهمزة. قال الفراء: من فتح «أن» فكأنه قال: لتعارفوا ~~أن الكريم التقي، ولو كان كذلك لكانت ms2131 «لتعرفوا» ، غير أنه يجوز «لتعارفوا» ~~على معنى: ليعرف بعضكم بعضا أن أكرمكم عند الله أتقاكم. ### | [سورة الحجرات (49) : الآيات 14 الى 18] # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم ~~(14) إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) قل أتعلمون الله ~~بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم (16) ~~يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان إن كنتم صادقين (17) إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير ~~بما تعملون (18) # قوله تعالى: قالت الأعراب آمنا. PageV04P153 # (1336) قال مجاهد: نزلت في أعراب بني أسد بن خزيمة. ووصف غيره حالهم، ~~فقال: قدموا المدينة في سنة مجدبة، فأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين، ~~وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارهم، وكانوا يمنون على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيقولون: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك، فنزلت ~~فيهم هذه الآية. # (1337) وقال السدي: نزلت في أعراب مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار، وهم ~~الذين ذكرهم الله تعالى في سورة الفتح، وكانوا يقولون: آمنا بالله، ليأمنوا ~~على أنفسهم، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا، فنزلت فيهم هذه الآية. # (1338) وقال مقاتل: كانت منازلهم بين مكة والمدينة، فكانوا إذا مرت بهم ~~سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا، ليأمنوا على ~~دمائهم وأموالهم، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية ~~استنفرهم فلم ينفروا معه. # قوله تعالى: قل لم تؤمنوا أي: لم تصدقوا ولكن قولوا أسلمنا قال ابن ~~قتيبة: استسلمنا من خوف السيف، وانقدنا. قال الزجاج: الإسلام: إظهار الخضوع ~~والقبول لما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك يحقن الدم، فإن ~~كان معه اعتقاد وتصديق بالقلب، فذلك الإيمان، فأخرج الله هؤلاء من الإيمان ~~بقوله: ولما يدخل الإيمان في قلوبكم أي: لم تصدقوا، إنما أسلمتم تعوذا من ms2132 ~~القتل، وقال مقاتل: # «ولما» بمعنى «ولم» يدخل التصديق في قلوبكم. # قوله تعالى: وإن تطيعوا الله ورسوله قال ابن عباس: إن تخلصوا الإيمان لا ~~يلتكم قرأ أبو عمرو: «يألتكم» بألف وهمز وروي عنه بألف ساكنة مع ترك ~~الهمزة. وقرأ الباقون: «يلتكم» بغير ألف ولا همز. فقراءة أبي عمرو من ألت ~~يألت، وقراءة الباقين من لات يليت، قال الفراء: وهما لغتان، قال الزجاج: ~~معناهما واحد. والمعنى: لا ينقصكم. وقال أبو عبيدة: فيها ثلاث لغات: ألت ~~يألت، تقديرها: أفك يأفك، وألات يليت، تقديرها: أقال يقيل، ولات يليت، قال ~~رؤبة: # وليلة ذات ندى سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت # قوله تعالى: من أعمالكم أي: من ثوابها. ثم نعت الصادقين في إيمانهم ~~بالآية التي تلي هذه، ومعنى: يرتابوا يشكوا. وإنما ذكر الجهاد، لأن الجهاد ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فرضا في ذلك PageV04P154 # الوقت، أولئك هم الصادقون في إيمانهم، فلما نزلت هاتان الآيتان أتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحلفون أنهم مؤمنون صادقون، فنزلت هذه الآية. # قوله تعالى: قل أتعلمون الله بدينكم و «علم» بمعنى «أعلم» ولذلك دخلت ~~الباء في قوله: # «بدينكم» والمعنى: أتخبرون الله بالدين الذي أنتم عليه؟!، أي: هو عالم ~~بذلك لا يحتاج إلى أخباركم وفيهم نزل قوله تعالى: يمنون عليك أن أسلموا ~~قالوا: أسلمنا ولم نقاتلك، والله تعالى أعلم. # PageV04P155 ### | سورة ق # ويقال لها: سورة الباسقات. روى العوفي وغيره عن ابن عباس أنها مكية، ~~وكذلك قال الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والجمهور. وحكي عن ابن عباس ~~وقتادة أن فيها آية مدنية، وهي قوله تعالى: ولقد خلقنا السماوات والأرض ... ~~الآية «1» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة ق (50) : الآيات 1 الى # 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # ق والقرآن المجيد (1) بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء ~~عجيب (2) أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3) قد علمنا ما تنقص الأرض ~~منهم وعندنا كتاب حفيظ (4) # بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج (5) # قوله تعالى: ق قرأ الجمهور بإسكان الفاء. وقرأ أبو ms2133 عبد الرحمن السلمي، ~~وأبو المتوكل، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء: «قاف» بنصب الفاء. وقرأ أبو رزين، ~~وقتادة: «قاف» برفع الفاء. وقرأ الحسن، وأبو عمران: «قاف» بكسر الفاء. وفي ~~«ق» خمسة أقوال «2» : أحدها: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: أنه جبل من زبرجدة خضراء، قاله أبو ~~صالح عن ابن عباس. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: خلق الله جبلا يقال له: «ق» ~~محيط بالعالم، PageV04P156 # وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض، فإذا أراد الله عز وجل أن يزلزل ~~قرية، أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك القرية. وقال مجاهد: هو جبل ~~محيط بالأرض. وروي عن الضحاك أنه من زمردة خضراء، وعليه كنفا السماء، وخضرة ~~السماء منه. والثالث: أنه جبل من نار في النار، قاله الضحاك في رواية عنه ~~عن ابن عباس. والرابع: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. والخامس: أنه ~~حرف من كلمة. ثم فيه خمسة أقوال: أحدها: أنه افتتاح اسمه «قدير» ، قاله أبو ~~العالية. والثاني: أنه افتتاح أسمائه: القدير والقاهر والقريب ونحو ذلك، ~~قاله القرظي. والثالث: أنه افتتاح «قضي الأمر» وأنشدوا: # قلنا لها قفي فقالت قاف # معناه: أقف، فاكتفت بالقاف من «أقف» ، حكاه جماعة منهم الزجاج. والرابع: ~~قف عند أمرنا ونهينا، ولا تعدهما، قاله أبو بكر الوراق. والخامس: قل يا ~~محمد، حكاه الثعلبي. # قوله تعالى: والقرآن المجيد قال ابن عباس، وابن جبير: المجيد: الكريم. ~~وفي جواب هذا القسم أربعة أقوال: أحدها: أنه مضمر، تقديره: ليبعثن بعد ~~الموت. قاله الفراء، وابن قتيبة، ويدل عليه قول الكفار: هذا شيء عجيب. ~~والثاني: أنه قوله: قد علمنا ما تنقص الأرض منهم، فيكون المعنى: # قاف والقرآن المجيد لقد علمنا، فحذفت اللام لأن ما قبلها عوض منها، ~~كقوله: والشمس وضحاها ... # قد أفلح «1» أي: لقد أفلح، أجاز هذا القول الزجاج. والثالث: أنه قوله: ما ~~يلفظ من قول «2» ، حكي عن الأخفش. والرابع: أنه في سورة أخرى، حكاه أبو ~~سليمان الدمشقي، ولم يبين في أي سورة. # قوله تعالى: بل ms2134 عجبوا مفسر في «ص» «3» إلى قوله: شيء عجيب أي: معجب. أإذا ~~متنا قال الأخفش: هذا الكلام على جواب، كأنه قيل لهم: إنكم ترجعون، فقالوا: ~~أإذا متنا وكنا ترابا؟ وقال غيره: تقدير الكلام: ق والقرآن ليبعثن، فقال: ~~أإذا متنا وكنا ترابا والمعنى: أنبعث إذا كنا كذلك؟! وقال ابن جرير: لما ~~تعجبوا من وعيد الله على تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذا شيء ~~عجيب، كان كأنه قال لهم: ستعلمون إذا بعثتم ما يكون حالكم في تكذيبكم ~~محمدا، فقالوا: أإذا متنا وكنا ترابا؟! قوله تعالى: ذلك رجع أي: رد إلى ~~الحياة بعيد قال ابن قتيبة: أي لا يكون. قد علمنا ما تنقص الأرض منهم أي ما ~~تأكل من لحومهم ودمائهم وأشعارهم إذا ماتوا، يعني أن ذلك لا يعزب عن علمه ~~وعندنا مع علمنا بذلك كتاب حفيظ أي حافظ لعددهم وأسمائهم ولما تنقص الأرض ~~منهم، وهو اللوح المحفوظ قد أثبت فيه ما يكون. بل كذبوا بالحق وهو القرآن. ~~والمريج: المختلط، قال ابن قتيبة: يقال مرج أمر الناس، ومرج الدين، وأصل ~~هذا أن يقلق الشيء ولا يستقر، يقال: مرج الخاتم في يدي: إذا قلق للهزال. ~~قال المفسرون: ومعنى اختلاط أمرهم: أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه ~~وسلم مرة ساحر، ومرة شاعر، ومرة معلم، ويقولون للقرآن مرة سحر، ومرة مفترى، ~~ومرة رجز، فكان أمرهم ملتبسا مختلطا عليهم. ### | ### | [سورة ق (50) : الآيات 6 الى # 15] # أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج (6) ~~والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (7) تبصرة ~~وذكرى لكل عبد منيب (8) ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب ~~الحصيد (9) والنخل باسقات لها طلع نضيد (10) # رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج (11) كذبت قبلهم قوم نوح ~~وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون وإخوان لوط (13) وأصحاب الأيكة وقوم ~~تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق ~~جديد (15) PageV04P157 # ثم دلهم على قدرته على البعث بقوله: أفلم ينظروا ms2135 إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها بغير عمد وزيناها بالكواكب وما لها من فروج أي: من صدوع وشقوق، ~~والزوج: الجنس. والبهيج: # الحسن، قاله أبو عبيدة. وقال ابن قتيبة: البهيج: الذي يبتهج به. # قوله تعالى: تبصرة وذكرى لكل عبد منيب قال الزجاج: أي: فعلنا ذلك لنبصر ~~وندل على القدرة. والمنيب: الذي يرجع إلى الله ويفكر في قدرته. # قوله تعالى: ونزلنا من السماء ماء وهو المطر مباركا أي: كثير الخير، فيه ~~حياة كل شيء فأنبتنا به جنات وهي البساتين وحب الحصيد أراد: الحب الحصيد، ~~فأضافه إلى نفسه، كقوله: # لهو حق اليقين «1» وقوله: من حبل الوريد «2» فالحبل هو الوريد، وكما ~~يقال: صلاة الأولى، يراد: # الصلاة الأولى، ويقال: مسجد الجامع، يراد: المسجد الجامع، وإنما تضاف هذه ~~الأشياء إلى أنفسها لاختلاف لفظ اسمها، وهذا قول الفراء، وابن قتيبة. وقال ~~غيرهما: أراد حب النبت الحصيد. # والنخل أي: وأنبتنا النخل باسقات و «بسوقها» : طولها قال ابن قتيبة: ~~يقال: بسق الشيء يبسق بسوقا: إذا طال، والنضيد: المنضود بعضه فوق بعض، وذلك ~~قبل أن يتفتح، فاذا انشق جف طلعه وتفرق فليس بنضيد. قوله تعالى: رزقا ~~للعباد أي: أنبتنا هذه الأشياء للرزق وأحيينا به أي: # بالمطر بلدة ميتا كذلك الخروج من القبور. # ثم ذكر الأمم المكذبة بما بعد هذا، وقد سبق بيانه إلى قوله: فحق وعيد أي: ~~وجب عليهم عذابي. أفعيينا بالخلق الأول هذا جواب لقولهم: ذلك رجع بعيد. ~~والمعنى: أعجزنا عن ابتداء الخلق، وهو الخلق الأول، فنعيا بالبعث وهو الخلق ~~الثاني؟! وهذا تقرير لهم، لأنهم اعترفوا أنه الخالق وأنكروا البعث بل هم في ~~لبس أي في شك من خلق جديد وهو البعث. ### | ### | [سورة ق (50) : الآيات 16 الى # 22] # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ~~(16) إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد (18) وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (19) ~~ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (20) # وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) لقد ms2136 كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك ~~غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) PageV04P158 # ولقد خلقنا الإنسان يعني ابن آدم ونعلم ما توسوس به نفسه أي ما تحدثه به ~~نفسه. وقال الزجاج: نعلم ما يكنه في نفسه. قوله تعالى: ونحن أقرب إليه أي ~~بالعلم من حبل الوريد الحبل هو الوريد، وإنما أضافه إلى نفسه لما شرحناه ~~آنفا في قوله: «وحب الحصيد» «1» . قال الفراء: والوريد: # عرق بين الحلقوم والعلباوين. وعنه أيضا قال: عرق بين اللبة والعلباوين. ~~وقال الزجاج: الوريد: عرق في باطن العنق، وهما وريدان، والعلباوان: ~~العصبتان الصفراوان في متن العنق، واللبتان: مجرى القرط في العنق. وقال ابن ~~الأنباري: اللبة حيث يتذبذب القرط مما يقرب من شحمة الأذن. وحكى بعض ~~العلماء أن الوريد: عرق متفرق في البدن مخالط لجميع الأعضاء، فلما كانت ~~أبعاض الإنسان يحجب بعضها بعضا، أعلم أن علمه لا يحجبه شيء. والمعنى: ونحن ~~أقرب إليه حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان الموكلان بابن آدم يتلقيان ~~عمله. وقوله: إذ يتلقى المتلقيان أي: يأخذان ذلك ويثبتانه عن اليمين كاتب ~~الحسنات وعن الشمال كاتب السيئات. قال الزجاج: والمعنى: عن اليمين قعيد، ~~وعن الشمال قعيد، فدل أحدهما على الآخر، فحذف المدلول عليه، قال الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف # وقال آخر: # رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئا، ومن أجل الطوى رماني «2» # المعنى: كنت منه بريئا. وقال ابن قتيبة: القعيد بمعنى قاعد، كما يقال: ~~«قدير» بمعنى «قادر» ، ويكون القعيد بمعنى مقاعد، كالأكيل والشريب بمنزلة: ~~المؤاكل والمشارب. # قوله تعالى: ما يلفظ يعني الانسان، أي: ما يتكلم من كلام فيلفظه، أي ~~يرميه من فمه، إلا لديه رقيب أي: حافظ، وهو الملك الموكل به، إما صاحب ~~اليمين، وإما صاحب الشمال عتيد قال الزجاج: العتيد: الثابت اللازم. وقال ~~غيره: العتيد: الحاضر معه أينما كان. # (1339) وروى أبو أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كاتب ~~الحسنات على يمين الرجل، وكاتب PageV04P159 # السيئات على يساره، فكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة ~~كتبها له صاحب اليمين عشرا، ms2137 وإذا عمل سيئة، وأراد صاحب الشمال أن يكتبها، ~~قال صاحب اليمين: أمسك، فيمسك عنه سبع ساعات، فإن استغفر منها لم يكتب عليه ~~شيء، وإن لم يستغفر كتب عليه سيئة واحدة» . وقال ابن عباس: جعل الله على ~~ابن آدم حافظين في الليل، وحافظين في النهار. واختلفوا هل يكتبان جميع ~~أفعاله وأقواله على قولين «1» : أحدهما: أنهما يكتبان عليه كل شيء حتى ~~أنينه في مرضه، قاله مجاهد. # والثاني: أنهما لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يوزر، قاله عكرمة. فأما ~~مجلسهما فقد نطق القرآن بأنهما عن اليمين وعن الشمال، وكذلك ذكرنا في حديث ~~أبي أمامة. # (1340) وقد روى علي كرم الله وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري فيما لا ~~يعنيك» ، وروي عن الحسن والضحاك قالا: # مجلسهما تحت الشعر على الحنك. # قوله تعالى: وجاءت سكرة الموت وهي غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب ~~على عقله وتدله على أنه ميت بالحق وفيه وجهان: أحدهما: أن معناه: جاءت ~~بحقيقة الموت. والثاني: بالحق من أمر الآخرة، فأبانت للانسان ما لم يكن ~~بينا له من أمر الآخرة. ذكر الوجهين الفراء، وابن جرير. # وقرأ أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «وجاءت سكرة الحق بالموت» ، قال ابن ~~جرير: ولهذه القراءة وجهان. أحدهما: أن يكون الحق هو الله تعالى، فيكون ~~المعنى: وجاءت سكرة الله بالموت. والثاني: # أن تكون السكرة هي الموت، أضيفت إلى نفسها، كقوله: إن هذا لهو حق اليقين ~~«2» ، فيكون المعنى: # وجاءت السكرة الحق بالموت، بتقديم «الحق» . وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران: ~~«وجاءت سكرات» PageV04P160 # على الجمع «الحق بالموت» بتقديم «الحق» . وقرأ أبي بن كعب، وسعيد بن ~~جبير: «وجاءت سكرات الموت» على الجمع «بالحق» بتأخير «الحق» . قوله تعالى: ~~ذلك أي فيقال للانسان حينئذ: «ذلك» : # أي ذلك الموت ما كنت منه تحيد أي تهرب وتفر. وقال ابن عباس: تكره. قوله ~~تعالى: ونفخ في الصور يعني نفخة البعث ذلك اليوم يوم الوعيد أي يوم وقوع ~~الوعيد. قوله تعالى: معها سائق فيه ms2138 قولان: أحدهما: أن السائق ملك يسوقها ~~إلى محشرها، قاله أبو هريرة: والثاني: أنه قرينها من الشياطين، سمي سائقا ~~لأنه يتبعها وإن لم يحثها. وفي (الشهيد) ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ملك يشهد ~~عليها بعملها، قاله عثمان بن عفان والحسن. وقال مجاهد: الملكان سائق وشهيد. ~~وقال ابن السائب: # السائق الذي كان يكتب عليه السيئات، والشهيد الذي كان يكتب الحسنات. ~~والثاني: أنه العمل يشهد على الإنسان، قاله أبو هريرة. والثالث: الأيدي ~~والأرجل تشهد عليه بعمله، قاله الضحاك. وهل هذه الآيات عامة، أم خاصة؟ فيها ~~قولان: أحدهما: أنها عامة، قاله الجمهور. والثاني: خاصة في الكافر، قاله ~~الضحاك ومقاتل. # قوله تعالى: لقد كنت أي: ويقال له: لقد كنت في غفلة من هذا اليوم، وفي ~~المخاطب بهذه الآيات ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الكافر، قاله ابن عباس، وصالح ~~بن كيسان في آخرين. والثاني: أنه عام في البر والفاجر، قاله حسين بن عبد ~~الله بن عبيد الله بن عباس، واختاره ابن جرير. والثالث: أنه النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وهذا قول ابن زيد. فعلى القول الأول يكون المعنى: لقد كنت في ~~غفلة من هذا اليوم في الدنيا بكفرك به وعلى الثاني: كنت غافلا عن أهوال ~~القيامة فكشفنا عنك غطاءك الذي كان في الدنيا يغشى قلبك وسمعك وبصرك. وقيل ~~معناه: أريناك ما كان مستورا عنك وعلى الثالث: لقد كنت قبل الوحي في غفلة ~~عما أوحي إليك، فكشفنا عنك غطاءك بالوحي فبصرك اليوم حديد وفي المراد ~~بالبصر قولان: أحدهما: البصر المعروف، قاله الضحاك. والثاني: العلم، قاله ~~الزجاج. وفي قوله: «اليوم» قولان: أحدهما: أنه يوم القيامة، قاله الأكثرون. ~~والثاني: أنه في الدنيا، وهذا على قول ابن زيد. فأما قوله: «حديد» فقال ابن ~~قتيبة: الحديد بمعنى الحاد. أي: فأنت ثاقب البصر. ثم فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: فبصرك حديد إلى لسان الميزان حين توزن حسناتك وسيئاتك، قاله ~~مجاهد. والثاني: أنه شاخص لا يطرف لمعاينة الأخرة، قاله مقاتل. والثالث: ~~أنه العلم النافذ، قاله الزجاج. ### | ### | [سورة ق (50) : الآيات 23 الى # 29] # وقال قرينه هذا ما ms2139 لدي عتيد (23) ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (24) مناع ~~للخير معتد مريب (25) الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد ~~(26) قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (27) # قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد (28) ما يبدل القول لدي وما ~~أنا بظلام للعبيد (29) # قوله تعالى: وقال قرينه قال مقاتل: هو ملكه الذي كان يكتب عمله السيئ في ~~دار الدنيا، يقول لربه: قد كتبت ما وكلتني به، فهذا عندي معد حاضر من عمله ~~الخبيث، فقد أتيتك به وبعمله. وفي «ما» قولان: أحدهما: أنها بمعنى «من» ~~قاله مجاهد. والثاني: أنها بمعنى الشيء، فتقديره: هذا شيء لدي عتيد، قاله ~~الزجاج. وقد ذكرنا معنى العتيد في هذه السورة «1» ، فيقول الله تعالى: ~~ألقيا في جهنم. PageV04P161 # وفي معنى هذا الخطاب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مخاطبة للواحد بلفظ الخطاب ~~للاثنين، قال الفراء: # والعرب تأمر الواحد والقوم بأمر الاثنين، فيقولون للرجل: ويلك ارحلاها ~~وازجراها، سمعتها من العرب، وأنشدني بعضهم: # فقلت لصاحبي لا تحبسانا ... بنزع أصوله واجتز شيحا «1» # وأنشدني أبو ثروان: # فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا # ونرى أن ذلك منهم، لأن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه اثنان، وكذلك ~~الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى الكلام على صاحبيه، ألا ترى الشعر أكثر ~~شيء قيلا: يا صاحبي ويا خليلي. قال امرؤ القيس: # خليلي مرا بي على أم جندب ... نقضي لبانات الفؤاد المعذب «2» # ثم قال: # ألم تر أني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب # فرجع إلى الواحد، وأول كلامه اثنان، وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل، وقال: ~~«ألقيا» خطاب للخازن، يعني خازن النار. والثاني: أنه فعل ثني توكيدا، كأنه ~~لما قال: «ألقيا» ، ناب عن ألق ألق، وكذلك: قفا نبك، معناه: قف قف، فلما ~~ناب عن فعلين، ثني، قاله المبرد. والثالث: أنه أمر للملكين، يعني السائق ~~والشهيد، وهذا اختيار الزجاج. فأما «الكفار» ، فهو أشد مبالغة من الكافر. # و «العنيد» قد فسرناه في هود «3» . # قوله تعالى: مناع للخير في المراد ms2140 بالخير هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: ~~الزكاة المفروضة، قاله قتادة. والثاني: أنه الإسلام، يمنع الناس من الدخول ~~فيه، قاله الضحاك، ومقاتل، وذكر أنها نزلت في الوليد بن المغيرة، منع بني ~~أخيه عن الإسلام. والثالث: أنه عام في كل خير من قول أو فعل، حكاه ~~الماوردي. قوله تعالى: معتد أي: ظالم لا يقر بالتوحيد مريب أي: شاك في ~~الحق، من قولهم: # أراب الرجل: إذا صار ذا ريب. قوله تعالى: قال قرينه فيه قولان: أحدهما: ~~شيطانه، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والجمهور. وفي الكلام اختصار تقديره: ~~إن الإنسان ادعى على قرينه من الشياطين أنه أضله فقال: ربنا ما أطغيته أي ~~لم يكن لي قوة على إضلاله بالإكراه، وإنما طغى هو بضلاله. والثاني: # أنه الملك الذي كان يكتب السيئات. ثم فيما يدعيه الكافر على الملك قولان: ~~أحدهما: أنه يقول: زاد علي فيما كتب، فيقول الملك: ما أطغيته، أي ما زدت ~~عليه، قاله سعيد بن جبير. والثاني: أنه يقول: # كان يعجلني عن التوبة، فيقول: ربنا ما أطغيته، هذا قول الفراء. # قوله تعالى: ولكن كان في ضلال بعيد أي: بعيد من الهدى، فيقول الله تعالى: ~~PageV04P162 # لا تختصموا لدي. في هذا الخصام قولان: أحدهما: أنه اعتذارهم بغير عذر، ~~قاله ابن عباس. والثاني: أنه خصامهم مع قرنائهم الذين أغووهم، قاله أبو ~~العالية. فأما اختصامهم فيما كان بينهم من المظالم في الدنيا، فلا يجوز أن ~~يهمل، لأنه يوم التناصف. # قوله تعالى: وقد قدمت إليكم بالوعيد أي: قد أخبرتكم على ألسن الرسل ~~بعذابي في الآخرة لمن كفر. ما يبدل القول لدي فيه قولان: أحدهما: ما يبدل ~~القول فيما وعدته من ثواب وعقاب، قاله الأكثرون. والثاني: ما يكذب عندي ولا ~~يغير القول عن جهته، لأني أعلم الغيب وأعلم كيف ضلوا وكيف أضللتموهم، هذا ~~قول ابن السائب واختيار الفراء وابن قتيبة، ويدل عليه أنه قال تعالى: ما ~~يبدل القول لدي ولم يقل: ما يبدل قولي وما أنا بظلام للعبيد فأزيد على ~~إساءة المسيء، أو أنقص من إحسان المحسن. ### | ### | [سورة ق (50) : الآيات 30 ms2141 الى # 40] # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (30) وأزلفت الجنة للمتقين ~~غير بعيد (31) هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (32) من خشي الرحمن بالغيب وجاء ~~بقلب منيب (33) ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود (34) # لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد (35) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم ~~بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص (36) إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ~~ألقى السمع وهو شهيد (37) ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام وما مسنا من لغوب (38) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب (39) # ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (40) # يوم نقول لجهنم قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر وحمزة، والكسائي: ~~«يوم نقول» بالنون المفتوحة وضم القاف. وقرأ نافع، وأبو بكر، والمفضل عن ~~عاصم: «يوم يقول» بالياء المفتوحة وضم القاف. وقرأ أبي بن كعب، والحسن، ~~وعبد الوارث عن أبي عمرو: «يوم يقال» بياء مضمومة وفتح القاف وإثبات ألف. ~~قال الزجاج: وانتصاب «يوم» على وجهين، أحدهما: على معنى: ما يبدل القول لدي ~~في ذلك اليوم. والثاني: على معنى: وأنذرهم يوم نقول لجهنم. # فأما فائدة سؤاله إياها، وقد علم هل امتلأت أم لا، فإنه توبيخ لمن ~~أدخلها، وزيادة في مكروهه، ودليل على تصديق قوله: لأملأن جهنم «1» . # وفي قولها: هل من مزيد قولان عند أهل اللغة: أحدهما: أنها تقول ذلك بعد ~~امتلائها، فالمعنى: هل بقي في موضع لم يمتلئ؟ أي: قد امتلأت. والثاني: أنها ~~تقول تغيظا على من عصى الله تعالى، وجعل الله فيها أن تميز وتخاطب، كما جعل ~~في النملة أن قالت: ادخلوا مساكنكم «2» ، وفي المخلوقات أن تسبح بحمده. # قوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين اي قربت للمتقين الشرك غير بعيد أي ~~جعلت عن يمين العرش حيث يراها أهل الموقف، ويقال لهم: هذا الذي ترونه ما ~~توعدون، وقرأ عثمان بن PageV04P163 # عفان، وابن عمر، ومجاهد، وعكرمة، وابن محيصن: «يوعدون» بالياء لكل أواب ~~وفيه أقوال قد ذكرناها في بني إسرائيل «1» . وفي حفيظ قولان: أحدهما: ~~الحافظ لذنوبه ms2142 حتى يرجع عنها قاله ابن عباس. والثاني: الحافظ لأمر الله ~~تعالى، قاله مقاتل. # قوله تعالى: من خشي الرحمن بالغيب قد بيناه في (الأنبياء) «2» وجاء بقلب ~~منيب أي: راجع إلى طاعة الله عن معصيته. ادخلوها أي: يقال لهم: أدخلوا ~~الجنة بسلام وذلك أنهم سلموا من عذاب الله، وسلموا فيها من الغموم والتغير ~~والزوال، وسلم الله وملائكته عليهم ذلك يوم الخلود في الجنة، لأنه لا موت ~~فيها ولا زوال. لهم ما يشاؤن فيها وذلك أنهم يسألون الله حتى تنتهي ~~مسائلهم، فيعطون ما شاؤوا، ثم يزيدهم ما لم يسألوا، فذلك قوله: ولدينا ~~مزيد. وللمفسرين في المراد بهذا المزيد ثلاثة أقوال: # (1341) أحدها: أنه النظر إلى الله عز وجل روى علي رضي الله عنه عن النبي ~~عليه السلام في قوله: «ولدينا مزيد» قال: «يتجلى لهم» . وقال أنس بن مالك ~~في قوله: «ولدينا مزيد» : يتجلى لهم الرب تعالى في كل جمعة. # (1342) والثاني: أن السحاب يمر بأهل الجنة، فيمطرهم الحور، فتقول الحور: ~~نحن اللواتي قال الله عز وجل: «ولدينا مزيد» ، حكاه الزجاج. # والثالث: أن الزيادة على ما تمنوه وسألوا مما لم تسمع به أذن ولم يخطر ~~على قلب بشر، ذكره أبو سليمان الدمشقي. # ثم خوف كفار مكة بما بعد هذا إلى قوله: فنقبوا في البلاد قرأ الجمهور ~~«فنقبوا» بفتح النون والقاف مع تشديدها. وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس، ~~والحسن، وابن السميفع، ويحيى بن يعمر كذلك، إلا أنهم كسروا القاف على جهة ~~الأمر تهددا. وقرأ عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، وابن أبي ~~عبلة، وعبيد عن أبي عمرو: «فنقبوا» بفتح القاف وتخفيفها. قال الفراء: ومعنى ~~«فنقبوا» : ساروا في البلاد، فهل كان لهم من الموت من محيص فأضمرت «كان» ~~هاهنا، كقوله: # أهلكناهم فلا ناصر لهم «3» أي: فلم يكن لهم ناصر. ومن قرأ «فنقبوا» بكسر ~~القاف، فإنه كالوعيد والمعنى: اذهبوا في البلاد وجيئوا فهل من الموت من ~~محيص؟! وقال الزجاج: «نقبوا» : طوقوا وفتشوا، فلم تروا محيصا من الموت. قال ~~امرؤ القيس: # لقد نقبت في الآفاق حتى ... رضيت ms2143 من الغنيمة بالإياب PageV04P164 # فأما المحيص فهو المعدل وقد استوفينا شرحه في سور النساء «1» . # قوله تعالى: إن في ذلك يعني الذي ذكره من إهلاك القرى لذكرى أي: تذكرة ~~وعظة لمن كان له قلب قال ابن عباس: أي: عقل. قال الفراء: وهذا جائز في ~~اللغة أن تقول: ما لك قلب، وما معك قلبك، تريد العقل. وقال ابن قتيبة: لما ~~كان القلب موضعا للعقل كنى به عنه. وقال الزجاج: # المعنى: لمن صرف قلبه إلى التفهم أو ألقى السمع أي: استمع مني وهو شهيد ~~أي: وقلبه فيما يسمع. وقال الفراء: «وهو شهيد» أي: شاهد ليس بغائب. # قوله تعالى: ولقد خلقنا السماوات والأرض. # (1343) ذكر المفسرون أن اليهود قالت: خلق الله السموات والأرض وما بينهما ~~في ستة أيام، آخرها يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، فلذلك لا نعمل فيه ~~شيئا، فنزلت هذه الآيات، فأكذبهم الله عز وجل بقوله: وما مسنا من لغوب. قال ~~الزجاج: واللغوب: التعب والإعياء. # قوله تعالى: فاصبر على ما يقولون أي: من بهتهم وكذبهم. قال المفسرون: ~~ونسخ معنى قوله: # «فاصبر» بآية السيف وسبح بحمد ربك أي: صل بالثناء على ربك والتنزيه له ~~مما يقول المبطلون قبل طلوع الشمس وهي صلاة الفجر. وقبل الغروب فيها قولان: # أحدهما: صلاة الظهر والعصر، قاله ابن عباس. والثاني: صلاة العصر، قاله ~~قتادة. # (1344) وروى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث جرير بن عبد الله، قال: ~~كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة البدر، فقال: «إنكم سترون ربكم ~~عيانا كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا ~~على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فافعلوا» وقرأ: «فسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل الغروب» . # قوله تعالى: ومن الليل فسبحه فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها صلاة الليل ~~كله، أي وقت صلى منه، قاله مجاهد. والثاني: صلاة العشاء، قاله ابن زيد. ~~والثالث: صلاة المغرب والعشاء، قاله مقاتل. # قوله تعالى: وأدبار السجود قرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، وخلف: بكسر ~~الهمزة وقرأ الباقون بفتحها. قال الزجاج: من فتح ms2144 ألف «أدبار» فهو جمع دبر، ~~ومن كسرها فهو مصدر: أدبر يدبر إدبارا. # وللمفسرين في هذا التسبيح ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الركعتان بعد صلاة ~~المغرب، روي عن عمر، وعلي، والحسن بن علي، رضي الله عنهم، وأبي هريرة، ~~والحسن، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، PageV04P165 # وقتادة في آخرين، وهو رواية العوفي عن ابن عباس. والثاني: أنه النوافل ~~بعد المفروضات، قاله ابن زيد. والثالث: أنه التسبيح باللسان في أدبار ~~الصلوات المكتوبات، رواه مجاهد عن ابن عباس. وروي عن أبي الأحوص أنه قال في ~~جميع التسبيح المذكور في هاتين الآيتين كذلك. ### | [سورة ق (50) : الآيات 41 الى 45] # واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب (41) يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك ~~يوم الخروج (42) إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير (43) يوم تشقق الأرض ~~عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (44) نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم ~~بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد (45) # قوله تعالى: واستمع يوم يناد المناد قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن ~~عامر «ينادي المنادي» بياء في الوصل. ووقف ابن كثير بياء، ووقف نافع وأبو ~~عمرو بغير ياء. ووقف الباقون ووصلوا بياء. قال أبو سليمان الدمشقي: المعنى: ~~واستمع حديث يوم ينادي المنادي. قال المفسرون: والمنادي: # إسرافيل، يقف على صخرة بيت المقدس فينادي: يا أيها الناس هلموا إلى ~~الحساب، إن الله يأمركم أن تجتمعوا لفصل القضاء وهذه هي النفخة الأخيرة. ~~والمكان القريب: صخرة بيت المقدس. قال كعب ومقاتل: هي أقرب الأرض إلى ~~السماء بثمانية عشر ميلا. وقال ابن السائب باثني عشر ميلا. قال الزجاج: ~~ويقال: إن تلك الصخرة في وسط الأرض. # قوله تعالى: يوم يسمعون الصيحة وهي هذه النفخة الثانية بالحق أي: بالبعث ~~الذي لا شك فيه ذلك يوم الخروج من القبور. إنا نحن نحيي ونميت أي: نميت في ~~الدنيا ونحيي للبعث وإلينا المصير بعد البعث، وهو قوله: يوم تشقق الأرض ~~عنهم قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: «تشقق» بتشديد الشين وقرأ الباقون ~~بتخفيفها سراعا أي: فيخرجون منها سراعا ذلك حشر علينا يسير أي: هين. ثم عزى ~~نبيه فقال: ms2145 نحن أعلم بما يقولون في تكذيبك، يعني كفار مكة وما أنت عليهم ~~بجبار قال ابن عباس: لم تبعث لتجبرهم على الاسلام إنما بعثت مذكرا، وذلك ~~قبل أن يؤمر بقتالهم وأنكر الفراء هذا القول فقال: العرب لا تقول: «فعال من ~~أفعلت» ، لا يقولون: «خراج» يريدون «مخرج» ولا «دخال» يريدون «مدخل» ، إنما ~~يقولون: «فعال» من «فعلت» ، وإنما الجبار هنا في موضع السلطان من الجبرية، ~~وقد قالت العرب في حرف واحد: «دراك» من «أدركت» وهو شاذ، فإن جعل هذا على ~~هذه الكلمة فهو وجه. وقال ابن قتيبة: بجبار أي: بمسلط. والجبار: الملك، سمي ~~بذلك لتجبره، يقول: لست عليهم بملك مسلط. قال اليزيدي: لست بمسلط فتقهرهم ~~على الإسلام. وقال مقاتل: # لتقتلهم. وذكر المفسرون أن قوله: وما أنت عليهم بجبار منسوخ بآية السيف. # قوله تعالى: فذكر بالقرآن أي: فعظ به من يخاف وعيد وقرأ يعقوب: «وعيدي» ~~بياء في الحالين، أي: ما أوعدت من عصاني من العذاب. # PageV04P166 # سورة الذاريات # مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الذاريات # (51) : الآيات 1 الى 23] # بسم الله الرحمن الرحيم # والذاريات ذروا (1) فالحاملات وقرا (2) فالجاريات يسرا (3) فالمقسمات ~~أمرا (4) # إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لواقع (6) والسماء ذات الحبك (7) إنكم ~~لفي قول مختلف (8) يؤفك عنه من أفك (9) # قتل الخراصون (10) الذين هم في غمرة ساهون (11) يسئلون أيان يوم الدين ~~(12) يوم هم على النار يفتنون (13) ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون ~~(14) # إن المتقين في جنات وعيون (15) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك ~~محسنين (16) كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (17) وبالأسحار هم يستغفرون ~~(18) وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (19) # وفي الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) وفي السماء ~~رزقكم وما توعدون (22) فو رب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ~~(23) # قوله تعالى: والذاريات ذروا يعني الرياح، يقال: ذرت الريح التراب تذروه ~~ذروا: إذا فرقته. قال الزجاج: يقال: ذرت فهي ذارية، وأذرت فهي مذرية، بمعنى ~~واحد. والذاريات، مجرورة على القسم، المعنى: أحلف بالذاريات وهذه الأشياء، ~~والجواب إنما توعدون لصادق، قال قوم: المعنى: # ورب ms2146 الذاريات، ورب الجاريات. قوله تعالى: فالحاملات وقرا يعني السحاب ~~التي تحمل وقرها من الماء. فالجاريات يسرا يعني السفن تجري ميسرة في الماء ~~جريا سهلا. فالمقسمات أمرا يعني الملائكة تقسم الأمور على ما أمر الله به. ~~قال ابن السائب: والمقسمات أربعة، جبريل، وهو صاحب الوحي والغلظة، ~~وميكائيل، وهو صاحب الرزق والرحمة، وإسرافيل، وهو صاحب الصور واللوح، ~~وعزرائيل، وهو قابض الأرواح. وإنما أقسم بهذه الأشياء لما فيها من الدلالة ~~على صنعه وقدرته. ثم ذكر المقسم عليه فقال: إنما توعدون أي: من الثواب ~~والعقاب يوم القيامة لصادق أي: لحق. وإن الدين فيه قولان: أحدهما: الحساب. ~~والثاني: الجزاء لواقع أي: لكائن. # ثم ذكر قسما آخر فقال: والسماء ذات الحبك وقرأ عمر بن الخطاب، وأبو رزين: ~~«الحبك» بكسر الحاء والباء جميعا. وقرأ عثمان بن عفان، والشعبي، وأبو ~~العالية، وأبو حيوة: «الحبك» بكسر الحاء وإسكان الباء. وقرأ أبي بن كعب، ~~وابن عباس، وأبو رجاء، وابن أبي عبلة: «الحبك» برفع الحاء وإسكان الباء. ~~وقرأ ابن مسعود، وعكرمة: «الحبك» بفتح الحاء والباء جميعا. وقرأ أبو ~~الدرداء، وأبو الجوزاء، وأبو المتوكل، وأبو عمران الجوني، وعاصم الجحدري: ~~«الحبك» بفتح الحاء وكسر الباء. # PageV04P167 # ثم في معنى «الحبك» أربعة أقوال: أحدها: ذات الخلق الحسن، رواه ابن أبي ~~طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة. والثاني: البنيان المتقن، قاله مجاهد. ~~والثالث: ذات الزينة، قاله سعيد بن جبير. وقال الحسن: حبكها: نجومها. ~~والرابع: ذات الطرائق، قاله الضحاك واللغويون. وقال الفراء: الحبك: # تكسر كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة، والماء القائم إذا مرت به ~~الريح، والشعرة الجعدة تكسرها حبك، وواحد الحبك: حباك وحبيكة. وقال الزجاج: ~~أهل اللغة يقولون: الحبك: الطرائق الحسنة، والمحبوك في اللغة: ما أجيد ~~عمله، وكل ما تراه من الطرائق في الماء وفي الرمل إذا أصابته الريح فهو ~~حبك. وروي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: هذه هي السماء السابعة. # ثم ذكر جواب القسم الثاني، قال: إنكم يعني أهل مكة لفي قول مختلف في أمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم، ms2147 بعضكم يقول: شاعر، وبعضكم يقول: مجنون. وفي ~~القرآن، بعضكم يقول: سحر، وبعضكم يقول: # كهانة ورجز، إلى غير ذلك. يؤفك عنه من أفك أي: يصرف عن الإيمان به من صرف ~~فحرمه. والهاء في «عنه» عائدة إلى القرآن، وقيل: يصرف عن هذا القول، أي: من ~~أجله وسببه، عن الإيمان من صرف. وقرأ قتادة: «من أفك» بفتح الألف والفاء. ~~وقرأ عمرو بن دينار: «من أفك» بفتح الألف وكسر الفاء. قتل الخراصون قال ~~الفراء: يعني: لعن الكذابون الذين قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم ساحر ~~وكذاب وشاعر، خرصوا ما لا علم لهم به. وفي رواية العوفي عن ابن عباس: أنهم ~~الكهنة. وقال ابن الأنباري: # والقتل إذا أخبر عن الله به فهو بمعنى اللعنة، لأن من لعنه الله فهو ~~بمنزلة المقتول الهالك. # قوله تعالى: الذين هم في غمرة أي في عمى وجهالة بأمر الآخرة ساهون أي ~~غافلون. # والسهو: الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه. يسئلون أيان يوم الدين أي ~~يقولون: يا محمد متى يوم الجزاء؟! تكذيبا منهم واستهزاء. ثم أخبر عن ذلك ~~اليوم، فقال: يوم هم على النار قال الزجاج: «اليوم» منصوب على معنى: يقع ~~الجزاء يوم هم على النار يفتنون أي يحرقون ويعذبون، ومن ذلك يقال للحجارة ~~السود التي كأنها قد أحرقت بالنار: الفتين. قوله تعالى: ذوقوا المعنى: يقال ~~لهم: ذوقوا فتنتكم وفيها قولان: أحدهما: تكذيبكم، قاله ابن عباس. والثاني: ~~حريقكم، قاله مجاهد. قال أبو عبيدة: هاهنا تم الكلام، ثم ائتنف، فقال: هذا ~~الذي كنتم به تستعجلون قال المفسرون: يعني الذي كنتم تستعجلونه في الدنيا ~~استهزاء. # ثم ذكر ما وعد الله لأهل الجنة فقال: إن المتقين في جنات وعيون وقد سبق ~~شرح هذا «1» . # قوله تعالى: آخذين قال الزجاج: هو منصوب على الحال، فالمعنى: في جنات ~~وعيون في حال أخذ ما آتاهم ربهم قال المفسرون: أي ما أعطاهم الله من ~~الكرامة إنهم كانوا قبل ذلك محسنين في أعمالهم. # وفي الآية وجه آخر: «آخذين ما آتاهم ربهم» أي: عاملين بما أمرهم به من ~~الفرائض «إنهم ms2148 كانوا قبل» أن تفرض الفرائض عليهم، «محسنين» أي: مطيعين، ~~وهذا معنى قول ابن عباس في رواية مسلم البطين. # ثم ذكر إحسانهم فقال: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون والهجوع: النوم ~~بالليل دون النهار. وفي «ما» قولان: أحدهما: النفي. ثم في المعنى قولان: ~~أحدهما: كانوا يسهرون قليلا من الليل. قال أنس بن مالك، وأبو العالية: هو ~~ما بين المغرب والعشاء. والثاني: كانوا ما ينامون قليلا من الليل. ~~PageV04P168 # واختار قوم الوقف على قوله: «قليلا» على معنى: كانوا من الناس قليلا، ثم ~~ابتدأ فقال: «من الليل ما يهجعون» على معنى نفي النوم عنهم البتة، وهذا ~~مذهب الضحاك، ومقاتل. والقول الثاني: أن «ما» بمعنى الذي، فالمعنى: كانوا ~~قليلا من الليل الذي يهجعونه، وهذا مذهب الحسن، والأحنف بن قيس، والزهري. ~~وعلى هذا يحتمل أن تكون «ما» زائدة. # قوله تعالى: وبالأسحار هم يستغفرون وقد شرحناه في آل عمران «1» . # قوله تعالى: وفي أموالهم حق أي: نصيب، وفيه قولان: أحدهما: أنه ما يصلون ~~به رحما، أو يقرون به ضيفا، أو يحملون به كلا، أو يعينون به محروما، وليس ~~بالزكاة، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الزكاة، قاله قتادة، وابن سيرين. ~~قوله تعالى: للسائل وهو الطالب. وفي «المحروم» ثمانية أقوال: # أحدها: أنه الذي ليس له سهم في فيء المسلمين، وهو المحارف «2» ، قاله ابن ~~عباس. وقال إبراهيم: # هو الذي لا سهم له في الغنيمة. والثاني: أنه الذي لا ينمى له شيء، قاله ~~مجاهد، وكذلك قال عطاء: # هو المحروم في الرزق والتجارة. والثالث: أنه المسلم الفقير، قاله محمد بن ~~علي. والرابع: أنه المتعفف الذي لا يسأل شيئا، قاله قتادة، والزهري. ~~والخامس: أنه الذي يجيء بعد الغنيمة، وليس له فيها سهم، قاله الحسن بن محمد ~~ابن الحنفية. والسادس: أنه المصاب ثمرته وزرعه أو نسل ماشيته، قاله ابن ~~زيد. والسابع: أنه المملوك، حكاه الماوردي. والثامن: أنه الكلب، روي عن عمر ~~بن عبد العزيز، وكان الشعبي يقول: أعياني أن أعلم ما المحروم. وأظهر ~~الأقوال قول قتادة والزهري، لأنه قرنه بالسائل، والمتعفف لا يسأل- ولا يكاد ~~الناس ms2149 يعطون من لا يسأل- ثم يتحفظ بالتعفف من ظهور أثر الفاقة عليه، فيكون ~~محروما من قبل نفسه حين لم يسأل، ومن قبل الناس حين لا يعطونه، وإنما يفطن ~~له متيقظ. وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة، ولا يصح. # قوله تعالى: وفي الأرض آيات كالجبال والأنهار والأشجار والثمار وغير ذلك ~~للموقنين بالله عز وجل الذين يعرفونه بصنعه. وفي أنفسكم آيات إذ كنتم نطفا ~~ثم عظاما، ثم علقا، ثم مضغا إلى غير ذلك من أحوال الاختلاف ثم اختلاف الصور ~~والألوان والطبائع، وتقويم الأدوات، والسمع والبصر والعقل، وتسهيل سبيل ~~الحدث، إلى غير ذلك من العجائب المودعة في ابن آدم. وتم الكلام عند قوله: # وفي أنفسكم، ثم قال: أفلا تبصرون قال مقاتل: أفلا تبصرون كيف خلقكم ~~فتعرفوا قدرته على البعث. # قوله تعالى: وفي السماء رزقكم وقرأ أبي بن كعب، وحميد، وأبو حصين الأسدي: ~~«أرزاقكم» براء ساكنة، وبألف بين الزاي والقاف. وقرأ ابن مسعود، والضحاك، ~~وأبو نهيك: «رازقكم» بفتح الراء وكسر الزاي وبألف بينهما. وعن ابن محيصن ~~كهاتين القراءتين. وفيه قولان: أحدهما: أنه المطر، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وليث عن مجاهد، وهو قول الجمهور. والثاني: الجنة، رواه ابن نجيح عن ~~مجاهد. وفي قوله: وما توعدون قولان: أحدهما: أنه الخير والشر كلاهما يأتي ~~من السماء، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد. والثاني: ~~الجنة، رواه ليث عن مجاهد. قال أبو PageV04P169 # عبيدة: في هذه الآية مضمر مجازه: عند من في السماء رزقكم، وعنده ما ~~توعدون، والعرب تضمر، قال نابغة ذبيان: # كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن «1» # أراد: كأنك جمل من جمال بني أقيش. # قوله تعالى: إنه لحق قال الزجاج: يعني ما ذكره من أمر الآيات والرزق وما ~~توعدون وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما أنكم تنطقون قرأ حمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «مثل» برفع اللام. وقرأ الباقون بنصب اللام. ~~قال الزجاج: فمن رفع «مثل» فهي من صفة الحق، والمعنى: إنه لحق مثل نطقكم ms2150 ~~ومن نصب فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون في موضع رفع، إلا أنه لما أضيف إلى ~~«أن» فتح. والثاني: أن يكون منصوبا على التأكيد، على معنى: إنه لحق حقا مثل ~~نطقكم، وهذا الكلام كما تقول: إنه لحق كما أنك تتكلم. ### | ### | [سورة الذاريات (51) : الآيات 24 الى # 37] # هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال ~~سلام قوم منكرون (25) فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26) فقربه إليهم قال ~~ألا تأكلون (27) فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم (28) # فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) قالوا كذلك قال ~~ربك إنه هو الحكيم العليم (30) قال فما خطبكم أيها المرسلون (31) قالوا إنا ~~أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) لنرسل عليهم حجارة من طين (33) # مسومة عند ربك للمسرفين (34) فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما ~~وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (36) وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب ~~الأليم (37) # قوله تعالى: هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين «هل» بمعنى «قد» في قول ~~ابن عباس، ومقاتل، فيكون المعنى: قد أتاك فاستمع نقصصه عليك، وضيفه: هم ~~الذين جاءوا بالبشرى. وقد ذكرنا عددهم في هود «2» ، وذكرنا هناك معنى ~~الضيف. وفي معنى «المكرمين» أربعة أقوال: أحدهما: # لأنه أكرمهم بالعجل، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. والثاني: ~~بأن خدمهم هو وامرأته بأنفسهما، قاله السدي. والثالث: أنهم مكرمون عند ~~الله، قاله عبد العزيز بن يحيى. والرابع: لأنهم أضياف، والأضياف مكرمون، ~~قاله أبو بكر الوراق. # قوله تعالى: فقالوا سلاما قد ذكرناه في هود «3» . # قوله تعالى: قوم منكرون قال الزجاج: ارتفع على معنى: أنتم قوم منكرون. ~~وللمفسرين في سبب إنكارهم أربعة أقوال: أحدها: لأنه لم يعرفهم، قاله ابن ~~عباس. والثاني: لأنهم سلموا عليه، فأنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك ~~الأرض، قاله أبو العالية. والثالث: لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان. ~~والرابع: لأنه رأى فيهم صورة البشر وصورة الملائكة. PageV04P170 # قوله تعالى: فراغ إلى أهله قال ابن قتيبة: أي: عدل إليهم في خفية، ولا ~~يكون الرواغ إلا أن ms2151 تخفي ذهابك ومجيئك. قوله تعالى: فجاء بعجل سمين وكان ~~مشويا فقربه إليهم قال الزجاج: # والمعنى: فقربه إليهم ليأكلوا منه، فلم يأكلوا، فقال: ألا تأكلون؟! على ~~النكير، أي: أمركم في ترك الأكل مما أنكره. قوله تعالى: فأوجس منهم خيفة قد ~~شرحناه في هود «1» . وذكرنا معنى: «غلام عليم» في (الحجر) «2» . فأقبلت ~~امرأته وهي: سارة. قال الفراء وابن قتيبة: لم تقبل من موضع إلى موضع، وإنما ~~هو كقولك: أقبل يشتمني، وأقبل يصيح ويتكلم أي: أخذ في ذلك، والصرة: الصيحة. ~~وقال أبو عبيدة: الصرة: شدة الصوت. وفيما قالت في صيحتها قولان: أحدهما: ~~أنها تأوهت، قاله قتادة. # والثاني: أنها قالت: يا ويلتا، ذكره الفراء. قوله تعالى: فصكت وجهها فيه ~~قولان: أحدهما: لطمت وجهها، قاله ابن عباس. والثاني: ضربت جبينها تعجبا، ~~قاله مجاهد، ومعنى الصك، ضرب الشيء بالشيء العريض. وقالت عجوز قال الفراء: ~~هذا مرفوع بإضمار «أتلد عجوز» . وقال الزجاج: المعنى: # أنا عجوز عقيم، فكيف ألد؟! وقد ذكرنا معنى «العقيم» في هود «3» . قالوا ~~كذلك قال ربك أنك ستلدين غلاما والمعنى: إنما نخبرك عن الله عز وجل، وهو ~~حكيم عليم يقدر أن يجعل العقيم ولودا، فعلم حينئذ إبراهيم أنهم ملائكة. قال ~~فما خطبكم مفسر في الحجر «4» . # قوله تعالى: حجارة من طين قال ابن عباس: هو الآجر. قوله تعالى: مسومة عند ~~ربك قد شرحناه في هود «5» . قوله تعالى: للمسرفين قال ابن عباس: للمشركين. ~~قوله تعالى: فأخرجنا من كان فيها، أي: من قرى لوط من المؤمنين وذلك قوله ~~تعالى: فأسر بأهلك الآية «6» . فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وهو لوط ~~وابنتاه، وصفهم الله عز وجل بالإيمان والإسلام، لأنه ما من مؤمن إلا وهو ~~مسلم. وتركنا فيها آية أي: علامة للخائفين من عذاب الله تدلهم على أن الله ~~أهلكهم. وقد شرحنا هذا في العنكبوت «7» وبينا المكني عنها. ### | ### | [سورة الذاريات (51) : الآيات 38 الى # 51] # وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين (38) فتولى بركنه وقال ساحر ~~أو مجنون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم (40) وفي عاد إذ ~~أرسلنا عليهم ms2152 الريح العقيم (41) ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ~~(42) # وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (43) فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم ~~الصاعقة وهم ينظرون (44) فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين (45) وقوم ~~نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين (46) والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ~~(47) # والأرض فرشناها فنعم الماهدون (48) ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ~~(49) ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) ولا تجعلوا مع الله إلها ~~آخر إني لكم منه نذير مبين (51) # قوله تعالى: وفي موسى اي وفيه ايضا آية إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين ~~أي بحجة ظاهرة PageV04P171 # فتولى اي أعرض بركنه قال مجاهد: بأصحابه. وقال ابو عبيدة: «بركنه» و ~~«بجانبه» سواء، إنما هي ناحيته وقال ساحر اي وقال لموسى: هذا ساحر أو مجنون ~~وكان أبو عبيدة يقول: «أو» بمعنى الواو. فأما «اليم» فقد ذكرناه في الأعراف ~~«1» و «مليم» في الصافات «2» . # قوله تعالى: وفي عاد اي في إهلاكهم آية ايضا إذ أرسلنا عليهم الريح ~~العقيم وهي التي لا خير فيها ولا بركة، لا تلقح شجرا ولا تحمل مطرا، وإنما ~~هي للإهلاك. وقال سعيد بن المسيب: هي الجنوب. ما تذر من شيء أتت عليه أي من ~~أنفسهم وأموالهم إلا جعلته كالرميم اي كالشيء الهالك البالي، قال الفراء: ~~الرميم: نبات الأرض إذا يبس وديس. وقال الزجاج: الرميم: الورق الجاف ~~المتحطم مثل الهشيم. وفي ثمود آية ايضا إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فيه ~~قولان: أحدهما: أنه قيل لهم: تمتعوا في الدنيا إلى وقت انقضاء آجالكم تهددا ~~لهم. والثاني: أن صالحا قال لهم بعد عقر الناقة: # تمتعوا ثلاثة أيام: فكان الحين وقت فناء آجالهم، فعتوا عن أمر ربهم قال ~~مقاتل: عصوا أمره فأخذتهم الصاعقة يعني العذاب، وهو الموت من صيحة جبريل. ~~وقرأ الكسائي وحده: «الصعقة» بسكون العين من غير الف وهي الصوت الذي يكون ~~عن الصاعقة. قوله تعالى: وهم ينظرون فيه قولان: أحدهما: يرون ذلك عيانا، ~~والثاني: وهم ينتظرون العذاب فأتاهم صبيحة يوم السبت. قوله تعالى: فما ms2153 ~~استطاعوا من قيام فيه قولان: أحدهما: ما استطاعوا نهوضا من تلك الصرعة. ~~والثاني: ما أطاقوا ثبوتا لعذاب الله وما كانوا منتصرين أي ممتنعين من ~~العذاب. # قوله تعالى: وقوم نوح من قبل قرأ أبو عمرو إلا عبد الوارث، وحمزة، ~~والكسائي: بخفض الميم، وروى عبد الوارث رفع الميم. والباقون بنصبها. وقال ~~الزجاج: من خفض (القوم) فالمعنى: # وفي قوم نوح آية، ومن نصب فهو عطف على معنى قوله: «فأخذتهم الصاعقة» فإن ~~معناه: أهلكناهم، فيكون المعنى: وأهلكنا قوم نوح، والأحسن- والله أعلم- أن ~~يكون محمولا على قوله: «فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم» لأن المعنى: ~~أغرقناه، وأغرقنا قوم نوح. # والسماء بنيناها المعنى: وبنينا السماء بنيناها بأيد أي بقوة، وكذلك قال ~~ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وسائر المفسرين واللغويين: «بأيد» اي: بقوة. وفي ~~قوله: وإنا لموسعون خمسة أقوال: أحدها: لموسعون الرزق بالمطر، قاله الحسن. ~~والثاني: لموسعون السماء، قاله ابن زيد. # والثالث: لقادرون، قاله ابن قتيبة. والرابع: لموسعون ما بين السماء ~~والأرض، قاله الزجاج. # والخامس: لذو سعة لا يضيق عما يريد، حكاه الماوردي. # قوله تعالى: والأرض فرشناها فنعم الماهدون قال الزجاج: هذا عطف على ما ~~قبله منصوب بفعل مضمر محذوف يدل عليه قوله: «فرشناها» فالمعنى فرشنا الأرض ~~فرشناها «فنعم الماهدون» أي: فنعم الماهدون نحن. قال مقاتل: «فرشناها» أي: ~~بسطناها مسيرة خمسمائة عام، وهذا بعيد، وقد قال قتادة: # الأرض عشرون ألف فرسخ، والله تعالى أعلم. # قوله تعالى: ومن كل شيء خلقنا زوجين اي: صنفين ونوعين كالذكر والأنثى، ~~والبر والبحر، PageV04P172 # والليل والنهار، والحلو والمر، والنور والظلمة، وأشباه ذلك لعلكم تذكرون ~~فتعلموا أن خالق الأزواج واحد. ففروا إلى الله بالتوبة من ذنوبكم والمعنى: ~~اهربوا مما يوجب العقاب من الكفر والعصيان إلى ما يوجب الثواب من الطاعة ~~والإيمان. ### | [سورة الذاريات (51) : الآيات 52 الى 60] # كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون (52) ~~أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53) فتول عنهم فما أنت بملوم (54) وذكر فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين (55) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) # ما أريد منهم من رزق وما ms2154 أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو القوة ~~المتين (58) فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون (59) ~~فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون (60) # قوله تعالى: كذلك أي: كما كذبك قومك وقالوا: ساحر أو مجنون كانوا من قبلك ~~يقولون للأنبياء. قوله تعالى: أتواصوا به أي: أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب؟، ~~وهذا استفهام توبيخ. وقال أبو عبيدة: أتواطئوا عليه فأخذه بعضهم من بعض؟!. ~~قوله تعالى: بل هم قوم طاغون اي: يحملهم الطغيان فيا أعطوا من الدنيا على ~~التكذيب والمشار إليهم اهل مكة. فتول عنهم فقد بلغتهم فما أنت عليهم بملوم ~~لأنك قد أديت الرسالة. ومذهب أكثر المفسرين أن هذه الآية منسوخة ولهم في ~~ناسخها قولان: أحدهما: أنه قوله: وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين. والثاني: ~~آية السيف. وفي قوله: # «وذكر» قولان: أحدهما: عظ، قاله مقاتل. والثاني: ذكرهم بأيام الله وعذابه ~~ورحمته، قاله الزجاج. # قوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أثبت الياء في «يعبدون» و ~~«يطعمون» و «لا يستعجلون» في الحالين يعقوب. واختلفوا في هذه الآية على ~~أربعة أقوال: أحدها: إلا لآمرهم أن يعبدوني، قاله علي بن أبي طالب، واختاره ~~الزجاج. والثاني: إلا ليقروا بالعبودية طوعا وكرها، قاله ابن عباس وبيان ~~هذا قوله: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله «1» . والثالث: أنه خاص في حق ~~المؤمنين. # قال سعيد بن المسيب: ما خلقت من يعبدني إلا ليعبدني. وقال الضحاك والفراء ~~وابن قتيبة: هذا خاص لأهل طاعته، وهذا اختيار القاضي ابي يعلى فإنه قال: ~~معنى هذا الخصوص لا العموم، لأن البله والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت ~~الخطاب وإن كانوا من الإنس فكذلك الكفار يخرجون من هذا بدليل قوله: ولقد ~~ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس «2» ، فمن خلق للشقاء ولجهنم لم يخلق ~~للعبادة. والرابع: إلا ليخضعوا إلي ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة: الذل ~~والانقياد. وكل الخلق خاضع ذليل لقضاء الله عز وجل، لا يملك خروجا عما قضاه ~~الله عز وجل، هذا مذهب جماعة من أهل المعاني. # قوله تعالى: ما أريد منهم من رزق أي: ms2155 ما أريد أن يرزقوا أنفسهم وما أريد ~~أن يطعمون أي أن يطعموا أحدا من خلقي، لأني أنا الرزاق. وإنما أسند الإطعام ~~إلى نفسه، لأن الخلق عيال الله، ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه. PageV04P173 # (1345) وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «يقول الله عز وجل يوم القيامة. يا ابن آدم: استطعمتك فلم تطعمني» ، ~~اي: لم تطعم عبدي. # فأما الرزاق فقرأ الضحاك، وابن محيصن: «الرازق» بوزن «العالم» . قال ~~الخطابي: هو المتكفل بالرزق القائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها. ~~والمتين الشديد القوة الذي لا تنقطع قوته ولا يلحقه في أفعاله مشقة. وقد ~~روى قتيبة عن الكسائي أنه قرأ: «المتين» بكسر النون. وكذا قرأ أبو رزين، ~~وقتادة، وأبو العالية، والأعمش. قال الزجاج: ذو القوة المتين أي: ذو ~~الاقتدار الشديد، ومن رفع «المتين» فهو صفة الله عز وجل، ومن خفضه جعله صفة ~~للقوة، لأن تأنيث القوة كتأنيث الموعظة، فهو كقوله: فمن جاءه موعظة من ربه ~~«1» . # قوله تعالى: فإن للذين ظلموا يعني مشركي مكة ذنوبا أي: نصيبا من العذاب ~~مثل ذنوب أصحابهم الذين أهلكوا، كقوم نوح وعاد وثمود. قال الفراء: الذنوب ~~في كلام العرب: الدلو العظيمة، ولكن العرب تذهب بها إلى النصيب والحظ، قال ~~الشاعر: # لنا ذنوب ولكم ذنوب ... فإن أبيتم فلنا القليب «2» # والذنوب، يذكر ويؤنث. وقال ابن قتيبة، أصل الذنوب: الدلو العظيمة، وكانوا ~~يستقون، فيكون لكل واحد ذنوب، فجعل «الذنوب» مكان «الحظ والنصيب» . # قوله تعالى: فلا يستعجلون أي: بالعذاب إن أخروا إلى يوم القيامة، وهو ~~يومهم الذي يوعدون، ويقال: هو يوم بدر. PageV04P174 # سورة الطور # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الطور # (52) : الآيات 1 الى 16] # بسم الله الرحمن الرحيم # والطور (1) وكتاب مسطور (2) في رق منشور (3) والبيت المعمور (4) # والسقف المرفوع (5) والبحر المسجور (6) إن عذاب ربك لواقع (7) ما له من ~~دافع (8) يوم تمور السماء مورا (9) # وتسير الجبال سيرا (10) فويل يومئذ للمكذبين (11) الذين هم في خوض يلعبون ~~(12) يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (13) هذه النار التي كنتم ms2156 بها تكذبون (14) # أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون (15) اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء ~~عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون (16) # قوله تعالى: والطور هذا قسم بالجبل الذي كلم الله عز وجل عليه موسى عليه ~~السلام، وهو بأرض مدين واسمه زبير. وكتاب مسطور أي: مكتوب، وفيه أربعة ~~أقوال: أحدها: أنه اللوح المحفوظ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: كتب ~~أعمال بني آدم، قاله مقاتل والزجاج. # والثالث: التوراة. والرابع: القرآن، حكاهما الماوردي. قوله تعالى: في رق ~~قال أبو عبيدة: الرق: # الورق. فأما المنشور فهو المبسوط. قوله تعالى: والبيت المعمور فيه قولان: # أحدهما: أنه بيت في السماء. وفي أي سماء هو؟ فيه ثلاثة أقوال: # (1346) أحدها: أنه في السماء السابعة، رواه أنس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # (1347) وحديث مالك بن صعصعة الذي أخرج في «الصحيحين» يدل عليه. # والثاني: أنه في السماء السادسة، قاله علي رضي الله عنه. # (1348) والثالث: أنه في السماء الدنيا، رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وقال ابن عباس: هو PageV04P175 # حيال الكعبة يحجه كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون فيه حتى تقوم ~~الساعة، يسمى الضراح. # وقال الربيع بن أنس: كان البيت المعمور مكان الكعبة في زمان آدم، فلما ~~كان زمن نوح أمر الناس بحجه، فعصوه فلما طغى الماء رفع فجعل بحذاء البيت في ~~السماء الدنيا. # والثاني: أنه البيت الحرام، قاله الحسن، وقال أبو عبيدة: ومعنى «المعمور» ~~: الكثير الغاشية. # قوله تعالى: والسقف المرفوع فيه قولان: أحدهما: أنه السماء، قاله علي رضي ~~الله عنه والجمهور. والثاني: العرش، قاله الربيع. قوله تعالى: والبحر فيه ~~قولان. أحدهما: أنه بحر تحت العرش ماؤه غليظ يمطر العباد منه بعد النفخة ~~الأولى أربعين صباحا فينبتون في قبورهم، قاله علي رضي الله عنه. والثاني: ~~أنه بحر الأرض، ذكره الماوردي. وفي المسجور أربعة أقوال: أحدها: المملوء، ~~قاله الحسن وأبو صالح وابن السائب وجميع اللغويين. والثاني: أنه الموقد، ~~قاله مجاهد، وابن زيد. # وقال شمر بن عطية: هو بمنزلة التنور المسجور. والثالث: أنه اليابس الذي ms2157 ~~قد ذهب ماؤه ونضب، قاله أبو العالية. وروي عن الحسن، قال: تسجر، يعني ~~البحار، حتى يذهب ماؤها فلا يبقى فيها قطرة. # وقول هذين يرجع إلى معنى قول مجاهد. # (1349) وقد نقل في الحديث أن الله تعالى يجعل البحار كلها نارا، فتزاد في ~~نار جهنم. # والرابع: أن «المسجور» المختلط عذبه بملحه، قاله الربيع بن أنس. فأقسم ~~الله تعالى بهذه الأشياء للتنبيه على ما فيها من عظيم قدرته على أن تعذيب ~~المشركين حق، فقال: إن عذاب ربك لواقع أي: # لكائن في الآخرة. ثم بين متى يقع، فقال: يوم تمور السماء مورا وفيه ثلاثة ~~أقوال: أحدها: تدور دورا رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وهو ~~اختيار الفراء وابن قتيبة والزجاج. والثاني: تحرك تحركا، رواه ابن ابي طلحة ~~عن ابن عباس، وبه قال قتادة. وقال أبو عبيدة «تمور» أي: تكفأ، وقال الأعشى. # كأن مشيتها من بيت جارتها ... مور السحابة لا ريث ولا عجل # والثالث: يموج بعضها في بعض لأمر الله تعالى، قاله الضحاك. # وما بعد هذا قد سبق بيانه «1» إلى قوله: الذين هم في خوض يلعبون (12) أي: ~~يخوضون في حديث محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والاستهزاء، ويلهون ~~بذكره، فالويل لهم يوم يدعون قال ابن قتيبة: أي: # يدفعون، يقال: دععته أدعه أي: دفعته، ومنه قوله يدع اليتيم «2» ، قال ابن ~~عباس: يدفع في PageV04P176 # أعناقهم حتى يردوا النار. وقال مقاتل: تغل أيديهم إلى أعناقهم وتجمع ~~نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون إلى جهنم على وجوههم، حتى إذا دنوا منها ~~قالت لهم خزنتها: هذه النار التي كنتم بها تكذبون (14) في الدنيا أفسحر هذا ~~العذاب الذي ترون؟ فإنكم زعمتم أن الرسل سحرة أم أنتم لا تبصرون النار؟ ~~فلما ألقوا فيها قال لهم خزنتها: اصلوها. وقال غيره: لما نسبوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم إلى أنه ساحر يغطي على الأبصار بالسحر، وبخوا عند رؤية ~~النار بهذا التوبيخ، وقيل: اصلوها أي: # قاسوا شدتها فاصبروا على العذاب أو لا تصبروا سواء عليكم الصبر والجزع ~~إنما تجزون جزاء ما كنتم تعملون من ms2158 الكفر والتكذيب. ### | ### | [سورة الطور (52) : الآيات 17 الى # 20] # إن المتقين في جنات ونعيم (17) فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب ~~الجحيم (18) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (19) متكئين على سرر ~~مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20) # ثم وصف ما للمؤمنين بما بعد هذا، وقوله: فكهين قرئت بألف وبغير ألف. وقد ~~شرحناها في يس «1» ، ووقاهم أي: صرف عنهم، والجحيم مذكور في البقرة «2» . ~~كلوا أي يقال لهم: # كلوا واشربوا هنيئا تأمنون حدوث المرض عنه. قال الزجاج: المعنى: لينهكم ~~ما صرتم إليه، وقد شرحنا هذا في سورة النساء. ثم ذكر حالهم عند أكلهم ~~وشربهم، فقال: متكئين على سرر وقال ابن جرير: فيه محذوف تقديره: على نمارق ~~على سرر، وهي جمع سرير مصفوفة قد وضع بعضها إلى جنب بعض. وباقي الآية مفسر ~~في سورة الدخان «3» . ### | [سورة الطور (52) : الآيات 21 الى 28] # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من ~~عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين (21) وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون ~~(22) يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم (23) ويطوف عليهم غلمان لهم ~~كأنهم لؤلؤ مكنون (24) وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (25) # قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (26) فمن الله علينا ووقانا عذاب ~~السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم (28) # قوله تعالى: واتبعتهم ذريتهم قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي،: ~~«واتبعتهم» بالتاء «ذريتهم» واحدة بهم ذريتهم واحدة أيضا. وقرأ نافع: ~~«واتبعتهم ذريتهم» واحدة «بهم ذرياتهم» جمعا. # وقرأ ابن عامر: «وأتبعناهم ذرياتهم» «بهم ذرياتهم» جمعا في الموضعين. ~~واختلفوا في تفسيرها على ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناها: واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم من المؤمنين في الجنة وإن كانوا لم يبلغوا أعمال ~~آبائهم تكرمة من الله تعالى لآبائهم المؤمنين باجتماع أولادهم معهم، روى ~~هذا المعنى سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: واتبعتهم ذريتهم بإيمان، ~~أي: بلغت أن آمنت، ألحقنا بهم ذريتهم الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان. وروى ~~هذا المعنى العوفي عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. ومعنى هذا القول، أن ~~أولادهم ms2159 الكبار، تبعوهم بإيمان منهم، وأولادهم الصغار تبعوهم PageV04P177 # بإيمان الآباء، لأن الولد يحكم له بالإسلام تبعا لوالده. والثالث: ~~«وأتبعناهم ذرياتهم» بإيمان الآباء فأدخلناهم الجنة، وهذا مروي عن ابن عباس ~~أيضا. # قوله تعالى: وما ألتناهم قرأ نافع: وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم وحمزة، ~~والكسائي: «وما ألتناهم» بالهمزة وفتح اللام. وقرأ ابن كثير: «ما ألتناهم» ~~بكسر اللام. وروى ابن شنبوذ عن قنبل عنه «وما لتناهم» بإسقاط الهمزة مع كسر ~~اللام. وقرأ أبو العالية، وأبو نهيك، ومعاذ القارئ بإسقاط الهمزة مع فتح ~~اللام. وقرأ ابن السميفع «وما آلتناهم» بمد الهمزة وفتحها. وقرأ الضحاك، ~~وعاصم الجحدري: # «وما ولتناهم» بواو مفتوحة من غير همزة وبنصب اللام. وقرأ ابن مسعود، ~~وأبو المتوكل: «وما ألتهم» مثل: جعلتهم. وقد ذكرنا هذه الكلمة في الحجرات ~~«1» ، والمعنى: ما نقصنا الآباء بما أعطينا الذرية. # كل امرئ بما كسب رهين أي: مرتهن بعمله لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، وقيل: هذا ~~الكلام يختص بصفة أهل النار، وذلك الكلام قد تم. # قوله تعالى: وأمددناهم قال ابن عباس: هي الزيادة على الذي كان لهم. # قوله تعالى: يتنازعون قال أبو عبيدة: أي: يتعاطون ويتداولون: وأنشد ~~الأخطل: # نازعته طيب الراح الشمول وقد ... صاح الدجاج وحانت وقعة الساري # قال الزجاج: يتناول هذا الكأس من يد هذا، وهذا من يد هذا. فأما الكأس فقد ~~شرحناها في الصافات «2» . # قوله تعالى: لا لغو فيها ولا تأثيم قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «لا لغو فيها ~~ولا تأثيم» نصبا، وقرأ الباقون: «لا لغو فيها ولا تأثيم» رفعا منونا، قال ~~ابن قتيبة: أي لا تذهب بعقولهم فيلغوا ويرفثوا فيأثموا كما يكون ذلك في خمر ~~الدنيا. وقال غيره: التأثيم: تفعيل من الإثم، يقال: آثمه: إذا جعله ذا إثم. # والمعنى أن تلك الكأس لا تجعلهم آثمين. ويطوف عليهم للخدمة غلمان لهم ~~كأنهم في الحسن والبياض لؤلؤ مكنون أي: مصون لم تمسه الأيدي. # (1350) وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا نبي الله، هذا ~~الخادم، فكيف المخدوم؟ فقال: «إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة ~~البدر ms2160 على سائر الكواكب» . # قوله تعالى: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال ابن عباس: يتذاكرون ما ~~كانوا فيه في الدنيا من الخوف والتعب، وهو قوله: قالوا إنا كنا قبل في ~~أهلنا أي: في دار الدنيا مشفقين أي: خائفين من العذاب، فمن الله علينا ~~بالمغفرة ووقانا عذاب السموم أي: عذاب النار. وقال الحسن: # السموم من أسماء جهنم. وقال غيره: سموم جهنم، وهو ما يوجد من نفحها ~~وحرها، إنا كنا من قبل ندعوه أي: نوحده ونخلص له إنه هو البر وقرأ نافع ~~والكسائي: «أنه» بفتح الهمزة. وفي معنى «البر» ثلاثة أقوال: أحدها: الصادق ~~فيما وعد، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: اللطيف، رواه PageV04P178 # ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: العطوف على عباده المحسن إليهم الذي ~~عم ببره جميع خلقه، قاله أبو سليمان الخطابي. ### | ### | [سورة الطور (52) : الآيات 29 الى # 34] # فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون (29) أم يقولون شاعر نتربص به ~~ريب المنون (30) قل تربصوا فإني معكم من المتربصين (31) أم تأمرهم أحلامهم ~~بهذا أم هم قوم طاغون (32) أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) # فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين (34) # قوله تعالى: فذكر أي: فعظ بالقرآن فما أنت بنعمة ربك أي: بإنعامه عليك ~~بالنبوة بكاهن وهو الذي يوهم أنه يعلم الغيب ويخبر عما في غد من غير وحي. ~~والمعنى: إنما تنطق بالوحي لا كما يقول فيك كفار مكة. أم يقولون شاعر أي: ~~هو شاعر. وقال أبو عبيدة: «أم» بمعنى «بل» ، قال الأخطل: # كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا # لم يستفهم، إنما أوجب أنه رأى. قوله تعالى: نتربص به ريب المنون فيه ~~قولان: أحدهما: أنه الموت، قاله ابن عباس. والثاني: حوادث الدهر، قاله ~~مجاهد، قال ابن قتيبة: حوادث الدهر وأوجاعه ومصائبه، و «المنون» الدهر، قال ~~أبو ذؤيب: # أمن المنون وريبه تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع # هكذا أنشدناه أصحاب الأصمعي عنه، وكان يذهب إلى أن المنون الدهر، قال: ~~وقوله «والدهر ليس بمعتب» يدل على ذلك، كأنه قال: «أمن ms2161 الدهر وريبه ~~تتوجع؟!» قال الكسائي: العرب تقول: لا أكلمك آخر المنون، أي: آخر الدهر. # قوله تعالى: قل تربصوا أي: انتظروا بي ذلك فإني معكم من المتربصين أي: من ~~المنتظرين عذابكم، فعذبوا يوم بدر بالسيف. وبعض المفسرين يقول: هذا منسوخ ~~بآية السيف، ولا يصح، إذ لا تضاد بين الآيتين. قوله تعالى: أم تأمرهم ~~أحلامهم بهذا قال المفسرون: كانت عظماء قريش توصف بالأحلام، وهي العقول، ~~فأزرى الله بحلومهم، إذ لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل. وقيل لعمرو بن ~~العاص: ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله تعالى بالعقول؟! فقال: تلك ~~عقول كادها بارئها، أي: # لم يصحبها التوفيق. # وفي قوله: أم تأمرهم وقوله أم هم قولان: أحدهما: أنهما بمعنى «بل» قاله ~~أبو عبيدة. # والثاني: بمعنى ألف الاستفهام، قاله الزجاج: قال: والمعنى: أتأمرهم ~~أحلامهم بترك القبول ممن يدعوهم إلى التوحيد ويأتيهم على ذلك بالدلائل، أم ~~يكفرون طغيانا وقد ظهر لهم الحق؟! وقال ابن قتيبة: المعنى: أم تدلهم عقولهم ~~على هذا؟! لأن الحلم يكون بالعقل، فكني عنه به. # قوله تعالى: أم يقولون تقوله أي افتعل القرآن من تلقاء نفسه؟ والتقول: ~~تكلف القول، ولا يستعمل إلا في الكذب بل أي ليس الأمر كما زعموا لا يؤمنون ~~بالقرآن استكبارا. فليأتوا بحديث مثله في نظمه وحسن بيانه. وقرأ أبو رجاء ~~وأبو نهيك ومورق العجلي وعاصم الجحدري: # «بحديث مثله» بغير تنوين إن كانوا صادقين أن محمدا تقوله. # PageV04P179 ### | ### | [سورة الطور (52) : الآيات 35 الى # 43] # أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) أم خلقوا السماوات والأرض بل لا ~~يوقنون (36) أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون (37) أم لهم سلم يستمعون ~~فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين (38) أم له البنات ولكم البنون (39) # أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) ~~أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) أم لهم إله غير الله سبحان ~~الله عما يشركون (43) # قوله تعالى: أم خلقوا من غير شيء فيه أربعة أقوال: أحدها: أم خلقوا من ~~غير رب خالق؟ # والثاني: أم خلقوا ms2162 من غير آباء ولا أمهات، فهم كالجماد لا يعقلون؟ ~~والثالث: أم خلقوا من غير شيء كالسماوات والأرض؟ أي: إنهم ليسوا بأشد خلقا ~~من السماوات والأرض. لأنها خلقت من غير شيء، وهم خلقوا من آدم، وآدم من ~~تراب. والرابع: أم خلقوا لغير شيء؟ فتكون «من» بمعنى اللام. # والمعنى: ما خلقوا عبثا فلا يؤمرون ولا ينهون. قوله تعالى: أم هم ~~الخالقون فلذلك لا يأتمرون ولا ينتهون؟ لأن الخالق لا يؤمر ولا ينهى. # قوله تعالى: بل لا يوقنون بالحق، وهو توحيد الله وقدرته على البعث. # قوله تعالى: أم عندهم خزائن ربك فيه ثلاثة أقوال: أحدها: المطر والرزق، ~~قاله ابن عباس. # والثاني: النبوة، قاله عكرمة. والثالث: علم ما يكون من الغيب، ذكره ~~الثعلبي، وقال الزجاج: المعنى: # أعندهم ما في خزائن ربك من العلم، وقيل: من الرزق، فهم معرضون عن ربهم ~~لاستغنائهم؟!. قوله تعالى: أم هم المصيطرون قرأ ابن كثير: «المسيطرون» ~~بالسين. وقال ابن عباس: المسلطون. قال أبو عبيدة: «المصيطرون» : الأرباب. ~~يقال تسيطرت علي، اتخذتني خولا، قال: ولم يأت في كلام العرب اسم على ~~«مفيعل» إلا خمسة أسماء: مهيمن، ومجيمر ومسيطر ومبيطر ومبيقر. فالمهيمن: ~~الله الناظر المحصي الذي لا يفوته شيء. ومجيمر: جبل: والمسيطر: المسلط ~~ومبيطر: بيطار والمبيقر: الذي يخرج من أرض إلى أرض، يقال: بيقر: إذا خرج من ~~بلد إلى بلد، قال امرؤ القيس: # ألا هل أتاها والحوادث جمة ... بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا؟ # قال الزجاج: المسيطرون: الأرباب المسلطون، يقال: قد تسيطر علينا وتصيطر: ~~بالسين والصاد، والأصل السين، وكل سين بعدها طاء، فيجوز أن تقلب صادا، ~~تقول: سطر وصطر، وسطا علينا وصطا. قال المفسرون: معنى الكلام: أم هم ~~الأرباب فيفعلون ما شاؤوا ولا يكونون تحت أمر ولا نهى؟! قوله تعالى: أم لهم ~~سلم أي: مرقى ومصعد إلى السماء يستمعون فيه أي: عليه الوحي، كقوله: في جذوع ~~النخل «1» ، فالمعنى: يستمعون الوحي فيعلمون أن ما هم عليه حق فليأت ~~مستمعهم إن ادعى ذلك بسلطان مبين أي، بحجة واضحة كما أتى محمد بحجة على ~~قوله. أم ms2163 له البنات ولكم البنون هذا إنكار عليهم حين جعلوا لله البنات. أم ~~تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أي: هل سألتهم أجرا على ما جئت به، فأثقلهم ~~ذلك الذي تطلبه منهم فمنعهم عن الاسلام؟ والمغرم بمعنى الغرم، وقد شرحناه ~~في براءة «2» . PageV04P180 # قوله تعالى: أم عندهم الغيب هذا جواب لقولهم: «نتربص به ريب المنون» ~~والمعنى: أعندهم الغيب؟ وفيه قولان: أحدهما: أنه اللوح المحفوظ، فهم يكتبون ~~ما فيه ويخبرون الناس. قاله ابن عباس. والثاني: أعندهم علم الغيب فيعلمون ~~أن محمدا يموت قبلهم فهم يكتبون أي، يحكمون فيقولون: سنقهرك. والكتاب: ~~الحكم. # (1351) ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سأقضي بينكما بكتاب الله» ~~أي: بحكم الله عز وجل وإلى هذا المعنى ذهب ابن قتيبة. # قوله تعالى: أم يريدون كيدا وهو ما كانوا عزموا عليه في دار الندوة وقد ~~شرحنا ذلك في قوله: وإذ يمكر بك الذين كفروا «1» ومعنى هم المكيدون هم ~~المجزيون بكيدهم، ولأن ضرر ذلك عاد عليهم فقتلوا ببدر وغيرها. أم لهم إله ~~غير الله أي ألهم إله يرزقهم ويحفظهم غير الله؟ والمعنى أن الأصنام ليست ~~بآلهة لأنها لا تنفع ولا تدفع. ثم نزه نفسه عن شركهم بباقي الآية. ### | [سورة الطور (52) : الآيات 44 الى 49] # وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم (44) فذرهم حتى يلاقوا ~~يومهم الذي فيه يصعقون (45) يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون ~~(46) وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) واصبر لحكم ~~ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) # ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم (49) # ثم ذكر عنادهم فقال: وإن يروا كسفا من السماء ساقطا والمعنى: لو سقط بعض ~~السماء عليهم، لما انتهوا عن كفرهم، ولقالوا: هذه قطعة من السحاب قد ركم ~~بعضه على بعض. فذرهم أي خل عنهم حتى يلاقوا قرأ أبو جعفر «يلقوا» بفتح ~~الياء والقاف وسكون اللام من غير ألف يومهم وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~يوم موتهم. والثاني: يوم القيامة. والثالث: يوم النفخة الأولى. قوله تعالى: # يصعقون قرأ عاصم، وابن ms2164 عامر: «يصعقون» برفع الياء، من أصعقهم غيرهم، ~~والباقون بفتحها، من صعقوا هم. وفي قوله: يصعقون قولان: أحدهما: يموتون. ~~والثاني: يغشى عليهم، كقوله: وخر موسى صعقا «2» ، وهذا يخرج على قول من ~~قال: هو يوم القيامة، فإنهم يغشى عليهم من الأهوال. # وذكر المفسرون أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولا يصح، لأن معنى الآية ~~الوعيد. قوله تعالى: # يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا هذا اليوم الأول: والمعنى: لا ينفعهم مكرهم، ~~ولا يدفع عنهم العذاب ولا هم ينصرون أي: يمنعون من العذاب: قوله تعالى: وإن ~~للذين ظلموا أي: أشركوا عذابا دون ذلك أي: قبل ذلك اليوم وفيه أربعة أقوال ~~«3» : أحدها: أنه عذاب القبر، قاله البراء، وابن عباس. PageV04P181 # والثاني: عذاب القتل يوم بدر، وروي عن ابن عباس أيضا، وبه قال مقاتل. ~~والثالث: مصائبهم في الدنيا، قاله الحسن، وابن زيد. والرابع: عذاب الجوع، ~~قاله مجاهد. # قوله تعالى: ولكن أكثرهم لا يعلمون أي: لا يعلمون ما هو نازل بهم. واصبر ~~لحكم ربك أي: لما يحكم به عليك فإنك بأعيننا قال الزجاج: فإنك بحيث نراك ~~ونحفظك ونرعاك، فلا يصلون إلى مكروهك. وذكر المفسرون: أن معنى الصبر نسخ ~~بآية السيف، ولا يصح، لأنه لا تضاد. وسبح بحمد ربك حين تقوم فيه ستة أقوال: ~~أحدها: صل لله حين تقوم من منامك، قاله ابن عباس. والثاني: # قل: سبحانك اللهم وبحمدك حين تقوم من مجلسك، قاله عطاء وسعيد بن جبير ~~ومجاهد في آخرين. # والثالث: قل: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ~~حين تقوم في الصلاة، قاله الضحاك. والرابع: سبح الله إذا قمت من نومك، قاله ~~حسان بن عطية. والخامس: صل صلاة الظهر إذا قمت من نوم القائلة، قاله زيد بن ~~أسلم. والسادس: اذكر الله بلسانك حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة، ~~قاله ابن السائب. قوله تعالى: ومن الليل فسبحه قال مقاتل: صل المغرب وصل ~~العشاء وإدبار النجوم قرأ زيد عن يعقوب، وهارون عن أبي عمرو، والجعفي عن ~~أبي بكر: «وأدبار النجوم» بفتح الهمزة وقرأ ms2165 الباقون بكسرها وقد شرحناها في ~~«ق» «1» والمعنى: صل له في إدبار النجوم، أي: حين تدبر، أي: تغيب بضوء ~~الصبح. وفي هذه الصلاة قولان: # (1352) أحدهما: أنها الركعتان قبل صلاة الفجر، رواه علي رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول الجمهور. والثاني: أنها صلاة الغداة، ~~قاله الضحاك، وابن زيد. PageV04P182 # سورة النجم # وهي مكية بإجماعهم، إلا أنه قد حكي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: إلا ~~آية منها، وهي الذين يجتنبون كبائر الإثم «1» وكذلك قال مقاتل (1353) قال: ~~وهذه أول سورة أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النجم # (53) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3) إن ~~هو إلا وحي يوحى (4) # قوله تعالى: والنجم إذا هوى هذا قسم. وفي المراد بالنجم خمسة أقوال «2» : ~~أحدها: أنه الثريا، رواه العوفي عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد. قال ~~ابن قتيبة: والعرب تسمي الثريا- وهي ستة أنجم- نجما. وقال غيره: هي سبعة، ~~فستة ظاهرة، وواحد خفي يمتحن به الناس أبصارهم. # والثاني: الرجوم من النجوم، يعني ما يرمى به الشياطين، رواه عكرمة عن ابن ~~عباس. والثالث: أنه القرآن نزل نجوما متفرقة، قاله عطاء عن ابن عباس، ~~والأعمش عن مجاهد. وقال مجاهد: كان ينزل نجوما ثلاث آيات وأربع آيات ونحو ~~ذلك. والرابع: نجوم السماء كلها، وهو مروي عن مجاهد أيضا. # والخامس: أنها الزهرة: قاله السدي. # فعلى قول من قال: النجم: الثريا، يكون «هوى» بمعنى «غاب» ومن قال: هو ~~الرجوم، يكون هويها في رمي الشياطين، ومن قال: القرآن، يكون معنى «هوى» : ~~نزل، ومن قال: نجوم السماء كلها، ففيه قولان: أحدهما: أن هويها أن تغيب. ~~والثاني: أن تنتثر يوم القيامة. # قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر هذه السورة كلها بفتح أواخر آياتها. وقرأ ~~أبو عمرو ونافع بين الفتح والكسر. وقرأ حمزة والكسائي ذلك كله بالإمالة. ~~PageV04P183 # قوله تعالى: ما ضل صاحبكم هذا جواب القسم والمعنى: ما ضل عن طريق الهدى، ~~والمراد ms2166 به: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ينطق عن الهوى أي: ما يتكلم ~~بالباطل. وقال أبو عبيدة: «عن) بمعنى الباء. # وذلك أنهم قالوا: إنه يقول القرآن من تلقاء نفسه. إن هو أي: ما القرآن ~~إلا وحي من الله يوحى وهذا مما يحتج به من لا يجيز للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يجتهد، وليس كما ظنوا، لأن اجتهاد الرأي إذا صدر عن الوحي، جاز أن ~~ينسب إلى الوحي. ### | ### | [سورة النجم (53) : الآيات 5 الى # 18] # علمه شديد القوى (5) ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7) ثم دنا ~~فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9) # فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) ما كذب الفؤاد ما رأى (11) أفتمارونه على ما ~~يرى (12) ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) # عندها جنة المأوى (15) إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) ما زاغ البصر وما طغى ~~(17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18) # قوله تعالى: علمه شديد القوى وهو جبريل عليه السلام علم النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ابن قتيبة: وأصل هذا من «قوى الحبل» وهي طاقاته، الواحدة: ~~قوة ذو مرة أي: ذو قوة، وأصل المرة: الفتل. قال المفسرون: وكان من قوته أنه ~~قلع قريات لوط وحملها على جناحه فقلبها، وصاح بثمود فأصبحوا خامدين. قوله ~~تعالى: فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى فيه قولان: أحدهما: فاستوى جبريل، ~~(وهو) يعني النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى أنهما استويا بالأفق الأعلى ~~لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله الفراء. والثاني: # فاستوى جبريل، و (هو) يعني جبريل. بالأفق الأعلى على صورته الحقيقية. # (1354) لأنه كان يتمثل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هبط عليه ~~بالوحي في صورة رجل، وأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراه على ~~حقيقته، فاستوى في أفق المشرق، فملأ الأفق. فيكون المعنى: فاستوى جبريل ~~بالأفق الأعلى في صورته، هذا قول الزجاج. قال مجاهد: والأفق الأعلى: هو ~~مطلع الشمس. وقال غيره: إنما قيل له: «الأعلى» لأنه فوق جانب المغرب في ~~صعيد الأرض لا في الهواء. # قوله تعالى: ثم دنا ms2167 فتدلى قال الفراء: المعنى: ثم تدلى فدنا، ولكنه جائز ~~أن تقدم أي الفعلين شئت إذا كان المعنى فيهما واحدا، فتقول: قد دنا فقرب، ~~وقرب فدنا، وشتم فأساء، وأساء فشتم، ومنه قوله: اقتربت الساعة وانشق القمر ~~«1» ، المعنى- والله أعلم-: انشق القمر واقتربت الساعة. قال PageV04P184 # ابن قتيبة، المعنى: تدلى فدنا، لأنه تدلى للدنو، ودنا بالتدلي، وقال ~~الزجاج: دنا بمعنى قرب، وتدلى: # زاد في القرب، ومعنى اللفظتين واحد. وقال غيرهم: أصل التدلي: النزول إلى ~~الشيء حتى يقرب منه، فوضع موضع القرب. وفي المشار إليه بقوله: «ثم دنا» ~~ثلاثة أقوال «1» : أحدها، أنه الله عز وجل. # (1355) روى البخاري ومسلم في الصحيحين. من حديث شريك بن أبي نمر عن أنس ~~بن مالك قال: دنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى. # (1356) وروى أبو سلمة عن ابن عباس: «ثم دنا» قال: دنا ربه فتدلى. # وهذا اختيار مقاتل. قال: دنا الرب من محمد ليلة أسري به، فكان منه قاب ~~قوسين أو أدنى. وقد كشفت هذا الوجه في كتاب المغني وبينت أنه ليس كما يخطر ~~بالبال من قرب الأجسام وقطع المسافة، لأن ذلك يختص بالأجسام، والله منزه عن ~~ذلك. والثاني: أنه محمد دنا من ربه، قاله ابن عباس، والقرظي. والثالث: أنه ~~جبريل. ثم في الكلام قولان: أحدهما: دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى ~~من الأرض، فنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن، وقتادة. ~~والثاني: دنا جبريل من ربه عز وجل فكان منه قاب قوسين أو أدنى، قاله مجاهد. # قوله تعالى: فكان قاب قوسين أو أدنى وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين: «فكان ~~قاد قوسين» بالدال. # وقال أبو عبيدة: القاب والقاد: القدر. وقال ابن فارس: القاب: القدر. ~~ويقال: بل القاب: ما بين PageV04P185 # المقبض والسية، ولكل قوس قابان. وقال ابن قتيبة: سية القوس: ما عطف من ~~طرفيها. وفي المراد بالقوسين قولان: أحدهما: أنها القوس التي يرمى بها، ~~قاله ابن عباس، واختاره ابن قتيبة، فقال: قدر قوسين، وقال الكسائي: أراد ~~بالقوسين: قوسا واحدا. والثاني: أن القوس: الذراع: ms2168 فالمعنى: كان بينهما قدر ~~ذراعين، حكاه ابن قتيبة وهو قول ابن مسعود، وسعيد بن جبير، والسدي. قال ابن ~~مسعود: دنا جبريل منه حتى كان قدر ذراع أو ذراعين. # قوله تعالى: أدنى فيه قولان: أحدهما: أنها بمعنى «بل» ، قاله مقاتل. ~~والثاني: أنهم خوطبوا على لغتهم، والمعنى: كان على ما تقدرونه أنتم قدر ~~قوسين أو أقل، هذا اختيار الزجاج. # قوله تعالى: فأوحى إلى عبده ما أوحى # فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أوحى الله إلى محمد كفاحا بلا واسطة، وهذا على ~~قول من يقول: إنه كان في ليلة المعراج. والثاني: أوحى جبريل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما أوحى الله إليه، رواه عطاء عن ابن عباس. والثالث: أوحى ~~الله إلى جبريل ما يوحيه، روي عن عائشة رضي الله عنها، والحسن، وقتادة. # قوله تعالى: ما كذب الفؤاد ما رأى قرأ أبو جعفر، وهشام عن ابن عامر، ~~وأبان عن عاصم: «ما كذب» بتشديد الذال، وقرأ الباقون بالتخفيف. فمن شدد ~~أراد: ما أنكر فؤاده ما رأته عينه ومن خفف أراد: ما أوهمه فؤاده أنه رأى، ~~ولم ير بل صدق الفؤاد رؤيته. وفي الذي رأى قولان «1» : أحدهما: أنه رأى ربه ~~عز وجل، قاله ابن عباس وأنس والحسن وعكرمة. والثاني: أنه رأى جبريل في ~~صورته التي خلق عليها، قاله ابن مسعود وعائشة. قوله تعالى: أفتمارونه قرأ ~~حمزة والكسائي والمفضل وخلف ويعقوب: «أفتمرونه» . قال ابن قتيبة: معنى ~~«أفتمارونه» : أفتجادلونه، من المراء، ومعنى «أفتمرونه» : # أفتجحدونه. قوله تعالى: ولقد رآه نزلة أخرى قال الزجاج: أي رآه مرة أخرى. ~~قال ابن عباس: رأى محمد ربه وبيان هذا أنه تردد لأجل الصلوات مرارا، فرأى ~~ربه في بعض تلك المرات مرة أخرى. قال كعب: إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته ~~بين محمد وموسى، فرآه محمد مرتين، وكلمه موسى مرتين. # (1357) وقد روي عن ابن مسعود أن هذه الرؤية لجبريل أيضا، رآه على صورته ~~التي خلق عليها. فأما سدرة المنتهى فالسدرة: شجرة النبق. # (1358) وقد صح في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ms2169 ~~«نبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة» . وفي مكانها قولان: ~~PageV04P186 # (1359) أحدهما: أنها فوق السماء السابعة، وهذا مذكور في الصحيحين من حديث ~~مالك بن صعصعة. قال مقاتل: وهي عن يمين العرش. # (1360) والثاني: أنها في السماء السادسة، أخرجه مسلم في أفراده عن ابن ~~مسعود، وبه قال الضحاك. # قال المفسرون: وإنما سميت سدرة المنتهى، لأنه إليها منتهى ما يصعد به من ~~الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها، وإليها ~~ينتهي علم جميع الملائكة. # قوله تعالى: عندها وقرأ معاذ القارئ وابن يعمر وأبو نهيك: «عنده» بهاء ~~مرفوعة على ضمير مذكر جنة المأوى قال ابن عباس: هي جنة يأوي إليها جبريل ~~والملائكة. وقال الحسن: هي التي يصير إليها أهل الجنة. وقال مقاتل: هي جنة ~~إليها تأوي أرواح الشهداء. وقرأ سعيد بن المسيب والشعبي وأبو المتوكل وأبو ~~الجوزاء وأبو العالية: «جنه المأوى» بهاء صحيحة مرفوعة. قال ثعلب: # يريدون أجنه، وهي شاذة. وقيل: معنى «عندها» : أدركه المبيت يعني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: إذ يغشى السدرة ما يغشى. # (1361) روى مسلم في أفراده من حديث ابن مسعود قال: غشيها فراش من ذهب. # (1362) وفي حديث مالك بن صعصعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لما غشيها من أمر الله ما غشيها، تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ~~يصفها من حسنها» . وقال الحسن ومقاتل: تغشاها الملائكة أمثال الغربان حين ~~يقعن على الشجرة. وقال الضحاك: غشيها نور رب العالمين. # قوله تعالى: ما زاغ البصر أي ما عدل بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يمينا ولا شمالا وما طغى أي ما زاد ولا جاوز ما رأى: وهذا وصف أدبه صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك المقام. لقد رأى من آيات ربه الكبرى فيه قولان «1» : # أحدهما: لقد رأى من آيات ربه العظام. والثاني: لقد رأى من آيات ربه الآية ~~الكبرى. وللمفسرين في المراد بما رأى من الآيات ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه ~~رأى رفرفا أخضر من الجنة قد سد الأفق، ms2170 قاله ابن مسعود. والثاني: أنه رأى ~~جبريل في صورته التي يكون عليها في السماوات، قاله ابن زيد. والثالث: # أنه رأى من أعلام ربه وأدلته الأعلام والأدلة الكبرى، قاله ابن جرير. ### | ### | [سورة النجم (53) : الآيات 19 الى # 26] # أفرأيتم اللات والعزى (19) ومناة الثالثة الأخرى (20) ألكم الذكر وله ~~الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى (22) إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ~~ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم ~~من ربهم الهدى (23) # أم للإنسان ما تمنى (24) فلله الآخرة والأولى (25) وكم من ملك في ~~السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ~~(26) PageV04P187 # قال الزجاج: فلما قص الله تعالى هذه الأقاصيص قال: أفرأيتم اللات والعزى ~~المعنى: أخبرونا عن هذه الآلهة التي تعبدونها هل لها من القدرة والعظمة ~~التي وصف بها رب العزة شيء؟!. فأما «اللات» فقرأ الجمهور بتخفيف التاء، وهو ~~اسم صنم كان لثقيف اتخذوه من دون الله، وكانوا يشتقون لأصنامهم من أسماء ~~الله تعالى فقالوا من «الله» : اللات: ومن «العزيز» : العزى. قال أبو ~~سليمان الخطابي: كان المشركون يتعاطون «الله» اسما لبعض أصنامهم، فصرفه ~~الله إلى اللات صيانة لهذا الاسم وذبا عنه. وقرأ ابن عباس وأبو رزين وأبو ~~عبد الرحمن السلمي والضحاك وابن السميفع ومجاهد وابن يعمر والأعمش، وورش عن ~~يعقوب: «اللات» بتشديد التاء ورد في تفسير ذلك عن ابن عباس ومجاهد أن رجلا ~~كان يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقال الزجاج: زعموا ~~أن رجلا كان يلت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمي الصنم: اللات. وكان ~~الكسائي يقف عليها بالهاء، فيقول: «اللاه» وهذا قياس، والأجود الوقف ~~بالتاء، لاتباع المصحف. وأما «العزى» ففيها قولان: أحدهما: أنها شجرة ~~لغطفان كانوا يعبدونها، قاله مجاهد. والثاني: صنم لهم، قاله الضحاك. # قال: وأما «مناة» فهو صنم لهذيل وخزاعة يعبده أهل مكة. وقال قتادة: بل ~~كانت للأنصار. وقال أبو عبيدة: كانت اللات والعزى ومناة أصناما من حجارة في ~~جوف الكعبة يعبدونها. وقرأ ابن كثير: # «ومناءة» ms2171 ممدودة مهموزة. فأما قوله: الثالثة فانه نعت ل «مناة» ، هي ~~ثالثة الصنمين في الذكر، و «الأخرى» نعت لها. قال الثعلبي: العرب لا تقول ~~للثالثة: الأخرى، وإنما الأخرى نعت للثانية فيكون في المعنى وجهان: أحدهما: ~~أن ذلك لوفاق رؤوس الآية، كقوله مآرب أخرى «1» ولم يقل، أخر، قاله الخليل. ~~والثاني: أن في الآية تقديما وتأخيرا تقديره: أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ~~ومناة الثالثة، قاله الحسين بن الفضل. # قوله تعالى: ألكم الذكر قال ابن السائب: إن مشركي قريش قالوا للأصنام ~~والملائكة: بنات الله، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره، فقال الله ~~تعالى منكرا عليهم: ألكم الذكر وله الأنثى؟ # يعني الأصنام وهي إناث في أسمائها. تلك إذا قسمة ضيزى قرأ عاصم ونافع ~~وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي: «ضيزى» بكسر الضاد من غير همز وافقهم ~~ابن كثير في كسر الضاد لكنه همز. وقرأ أبي بن كعب ومعاذ القارئ: «ضيزى» ~~بفتح الضاد من غير همز. قال الزجاج: الضيزى في كلام العرب: الناقصة ~~الجائرة، يقال: ضازه يضيزه: إذا نقصه حقه، ويقال: ضأزه يضأزه بالهمز. وأجمع ~~النحويون أن أصل ضيزى: ضوزى، وحجتهم أنها نقلت من «فعلى» من ضوزى إلى ضيزى، ~~لتسلم الياء، كما قالوا: أبيض وبيض، وأصله: بوض، فنقلت الضمة إلى الكسرة. ~~وقرأت على بعض العلماء باللغة: في «ضيزى» لغات يقال: ضيزى وضوزى وضؤزى ~~وضأزى على «فعلى» مفتوحة ولا يجوز PageV04P188 # في القرآن إلا «ضيزى» بياء غير مهموزة وإنما لم يقل النحويون: إنها على ~~أصلها لأنهم لا يعرفون في الكلام «فعلى» صفة، إنما يعرفون الصفات على ~~«فعلى» بالفتح، نحو سكرى وغضبى، أو بالضم نحو حبلى وفضلى. # قوله تعالى: إن هي يعني الأوثان إلا أسماء والمعنى: إن هذه الأوثان التي ~~سموها بهذه الأسامي لا معنى تحتها، لأنها لا تضر ولا تنفع، فهي تسميات ~~ألقيت على جمادات، ما أنزل الله بها من سلطان أي: لم ينزل كتابا فيه حجة ~~بما يقولون: إنها آلهة. ثم رجع إلى الإخبار عنهم بعد الخطاب لهم فقال: إن ~~يتبعون في أنها آلهة إلا الظن وما ms2172 تهوى الأنفس وهو ما زين لهم الشيطان، ~~ولقد جاءهم من ربهم الهدى وهو البيان بالكتاب والرسول، وهذا تعجيب من حالهم ~~إذ لم يتركوا عبادتها بعد وضوح البيان. ثم أنكر عليهم تمنيهم شفاعتها فقال: ~~أم للإنسان يعني الكافر ما تمنى من شفاعة الأصنام فلله الآخرة والأولى أي ~~لا يملك فيهما أحد شيئا إلا بإذنه، ثم أكد هذا بقوله: وكم من ملك في ~~السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا فجمع في الكناية، لأن معنى الكلام الجمع إلا ~~من بعد أن يأذن الله في الشفاعة لمن يشاء ويرضى والمعنى أنهم لا يشفعون إلا ~~لمن رضي الله عنهم. ### | ### | [سورة النجم (53) : الآيات 27 الى # 30] # إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) وما لهم ~~به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (28) فأعرض عن ~~من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) ذلك مبلغهم من العلم إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى (30) # قوله تعالى: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة أي بالبعث ليسمون الملائكة تسمية ~~الأنثى وذلك حين زعموا أنها بنات الله، وما لهم بذلك من علم أي ما يستيقنون ~~أنها إناث إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا أي لا يقوم ~~مقام العلم فالحق هاهنا بمعنى العلم. فأعرض عن من تولى عن ذكرنا يعني ~~القرآن، وهذا عند المفسرين منسوخ بآية السيف. قوله تعالى: ذلك مبلغهم من ~~العلم قال الزجاج: إنما يعلمون ما يحتاجون إليه في معايشهم، وقد نبذوا أمر ~~الآخرة. قوله تعالى: هو أعلم بمن ضل عن سبيله الآية: والمعنى أنه عالم ~~بالفريقين فيجازيهم. ### | [سورة النجم (53) : الآيات 31 الى 32] # ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي ~~الذين أحسنوا بالحسنى (31) الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ~~إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون ~~أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) # قوله ms2173 تعالى: ولله ما في السماوات وما في الأرض هذا إخبار عن قدرته وسعة ~~ملكه، وهو كلام معترض بين الآية الأولى وبين قوله: ليجزي الذين أساؤا لأن ~~اللام في «ليجزي» متعلقة بمعنى الآية الأولى، لأنه إذا كان أعلم بهما جازى ~~كلا بما يستحقه، وهذه لام العاقبة، وذلك أن علمه بالفريقين أدى إلى جزائهم ~~باستحقاقهم، وإنما يقدر على مجازاة الفريقين إذا كان واسع الملك، فلذلك ~~أخبر به في قوله: ولله ما في السماوات وما في الأرض. قال المفسرون: و ~~«أساؤوا» بمعنى أشركوا، و «أحسنوا» # PageV04P189 # بمعنى وحدوا. والحسنى: الجنة. والكبائر مذكورة في سورة النساء «1» . ~~وقيل: كبائر الإثم. كل ذنب ختم بالنار، والفواحش كل ذنب فيه الحد. وقرأ ~~حمزة والكسائي والمفضل وخلف: «يجتنبون كبير الإثم» واللمم في كلام العرب: ~~المقاربة للشيء. وفي المراد به هاهنا ستة أقوال: أحدها: ما ألموا به من ~~الإثم والفواحش في الجاهلية، فإنه يغفر في الإسلام، قاله زيد بن ثابت. ~~والثاني: أن يلم بالذنب مرة ثم يتوب ولا يعود، قاله ابن عباس والحسن ~~والسدي. والثالث: أنه صغار الذنوب، كالنظرة والقبلة وما كان دون الزنا، ~~قاله ابن مسعود وأبو هريرة والشعبي ومسروق. # (1363) ويؤيد هذا حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان ~~النطق، والنفس تشتهي وتتمنى، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج» ، فإن تقدم بفرجه كان ~~الزنا، وإلا فهو اللمم. # والرابع: أنه ما يهم به الإنسان، قاله محمد ابن الحنفية. والخامس: أنه ~~ألم بالقلب، أي: خطر، قاله سعيد بن المسيب. والسادس: أنه النظر من غير ~~تعمد، قاله الحسين بن الفضل. فعلى القولين الأولين يكون الاستثناء من ~~الجنس، وعلى باقي الأقوال ليس من الجنس.. # قوله تعالى: إن ربك واسع المغفرة قال ابن عباس: لمن فعل ذلك ثم تاب. ~~وهاهنا تم الكلام. # ثم قال: هو أعلم بكم يعني قبل خلقكم إذ أنشأكم من الأرض يعني آدم عليه ~~السلام وإذ أنتم أجنة جمع جنين والمعنى أنه علم ما تفعلون ms2174 وإلى ماذا ~~تصيرون، فلا تزكوا أنفسكم أي: لا تشهدوا لها أنها زكية بريئة من المعاصي. ~~وقيل: لا تمدحوها بحسن أعمالها. وفي سبب نزول هذه الآية قولان: # (1364) أحدهما: أن اليهود كانوا إذا هلك لهم صبي، قالوا: صديق، فنزلت هذه ~~الآية، هذا قول عائشة رضي الله عنها. # والثاني: أن ناسا من المسلمين قالوا: قد صلينا وصمنا وفعلنا، يزكون ~~أنفسهم، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل «2» . # قوله تعالى: هو أعلم بمن اتقى فيه ثلاثة أقوال: أحدها: عمل حسنة وارعوى ~~عن معصية، قاله علي رضي الله عنه. والثاني: أخلص العمل لله، قاله الحسن. ~~الثالث: اتقى الشرك فآمن، قاله الثعلبي. PageV04P190 ### | ### | [سورة النجم (53) : الآيات 33 الى # 41] # أفرأيت الذي تولى (33) وأعطى قليلا وأكدى (34) أعنده علم الغيب فهو يرى ~~(35) أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) # ألا تزر وازرة وزر أخرى (38) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) وأن سعيه ~~سوف يرى (40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى (41) # قوله تعالى: أفرأيت الذي تولى اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: # (1365) أحدها: أنه الوليد بن المغيرة، وكان قد تبع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على دينه، فعيره بعض المشركين، وقال: تركت دين الأشياخ وضللتهم؟ ~~قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه ~~أن يتحمل عنه عذاب الله عز وجل، ففعل، فأعطاه بعض الذي ضمن له، ثم بخل ~~ومنعه، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد، وابن زيد. # (1366) والثاني: أنه النضر بن الحارث أعطى بعض فقراء المسلمين خمس قلائص ~~حتى ارتد عن إسلامه، وضمن له أن يحمل عنه إثمه، قاله الضحاك. # (1367) والثالث: أنه أبو جهل، وذلك أنه قال: والله ما يأمرنا محمد إلا ~~بمكارم الأخلاق، قاله محمد بن كعب القرظي. # والرابع: أنه العاص بن وائل السهمي، وكان ربما وافق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في بعض الأمور، قاله السدي «1» . # ومعنى «تولى» : أعرض عن الإيمان. وأعطى قليلا فيه أربعة أقوال: أحدها: ~~أطاع قليلا ثم عصى. قاله ابن عباس. والثاني: أعطى قليلا من نفسه بالاستماع ms2175 ~~ثم أكدى بالانقطاع. قال مجاهد. # والثالث: أعطى قليلا من ماله ثم منع، قاله الضحاك. والرابع: أعطى قليلا ~~من الخير بلسانه ثم قطع، قاله مقاتل. قال ابن قتيبة: ومعنى «أكدى» : قطع، ~~وهو من كدية الركية، وهي الصلابة فيها، وإذا بلغها الحافر يئس من حفرها، ~~فقطع الحفر، فقيل لكل من طلب شيئا فلم يبلغ آخره، أو أعطى ولم يتم: # أكدى. قوله تعالى: أعنده علم الغيب فهو يرى فيه قولان: أحدهما: فهو يرى ~~حاله في الآخرة، قاله الفراء، والثاني: فهو يعلم ما غاب عنه من أمر الآخرة ~~وغيرها، قاله ابن قتيبة. قوله تعالى: أم لم ينبأ بما في صحف موسى يعني ~~التوراة، وإبراهيم أي: وصحف إبراهيم. # (1368) وفي حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن الله تعالى أنزل ~~على إبراهيم عشر صحائف، وأنزل PageV04P191 # على موسى قبل التوراة عشر صحائف» . # قوله تعالى: الذي وفى قرأ سعيد بن جبير، وأبو عمران الجوني، وابن السميفع ~~اليماني «وفى» بتخفيف الفاء. قال الزجاج: قوله: «وفى» أبلغ من «وفى» لأن ~~الذي امتحن به من أعظم المحن. # وللمفسرين في الذي وفى عشرة أقوال: # (1369) أحدها: أنه وفى عمل يومه بأربع ركعات في أول النهار، رواه أبو ~~أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنه وفى في كلمات كان يقولها. # (1370) روى سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ لأنه كان ~~يقول كلما أصبح وكلما أمسى: فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون «1» وختم ~~الآية. # والثالث: أنه وفى الطاعة فيما فعل بابنه، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه ~~قال القرظي. والرابع: # أنه وفى ربه جميع شرائع الإسلام، روى هذا المعنى عكرمة عن ابن عباس. ~~والخامس: أنه وفى ما أمر به من تبليغ الرسالة، روي عن ابن عباس أيضا. ~~والسادس: أنه عمل بما أمر به، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وقال ~~مجاهد: وفى ما فرض عليه. والسابع: أنه وفى بتبليغ هذه الآيات، ms2176 وهي: «ألا ~~تزر وازرة وزر أخرى» وما بعدها، وهذا مروي عن عكرمة، ومجاهد، والنخعي. ~~والثامن: # وفى شأن المناسك، قاله الضحاك. والتاسع: أنه عاهد أن لا يسأل مخلوقا ~~شيئا، فلما قذف في النار قال له جبريل، ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، فوفى ~~بما عاهد، ذكره عطاء بن السائب. العاشر: أنه أدى الأمانة، قاله سفيان بن ~~عيينة. # ثم بين ما في صحفهما فقال: ألا تزر وازرة وزر أخرى أي: لا تحمل نفس حاملة ~~حمل أخرى والمعنى: لا تؤخذ بإثم غيرها. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى قال ~~الزجاج: هذا في صحفهما أيضا ومعناه: ليس للإنسان إلا جزاء سعيه، إن عمل ~~خيرا جزي عليه خيرا، وإن عمل شرا جزي شرا. # واختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال: أحدها: أنها منسوخة ~~بقوله: PageV04P192 # واتبعتهم ذريتهم بإيمان «1» فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء، قاله ابن ~~عباس، ولا يصح، لأن لفظ الآيتين لفظ خبر، والأخبار لا تنسخ. والثاني: أن ~~ذلك كان لقوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى غيرهم، ~~قاله عكرمة. واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي سألته: # (1371) إن أبي مات ولم يحج، فقال: «حجي عنه» . # والثالث: أن المراد بالإنسان هاهنا: الكافر، فأما المؤمن، فله ما سعى وما ~~سعي له، قاله الربيع بن أنس. والرابع: أنه ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق ~~العدل، فأما من باب الفضل، فجائز أن يزيده الله عز وجل ما يشاء، قاله ~~الحسين بن الفضل. والخامس: أن معنى «ما سعى» : ما نوى، قاله أبو بكر ~~الوراق. والسادس: ليس للكافر من الخير إلا ما عمله في الدنيا، فيثاب عليه ~~فيها حتى لا يبقى له في الآخرة خير، ذكره الثعلبي. والسابع: أن اللام بمعنى ~~«على» ، فتقديره: ليس على الإنسان إلا ما سعى. والثامن: أنه ليس له إلا ~~سعيه، غير أن الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه في تحصيل قرابة وولد يترحم ~~عليه وصديق، وتارة يسعى في خدمة الدين والعبادة، فيكتسب محبة أهل الدين، ~~فيكون ذلك سببا حصل ms2177 بسعيه، حكى القولين شيخنا علي بن عبيد الله الزاغوني. # قوله تعالى: وأن سعيه سوف يرى فيه قولان: أحدهما: سوف يعلم، قاله ابن ~~قتيبة. والثاني: # سوف يرى العبد سعيه يوم القيامة، أي: يرى عمله في ميزانه، قاله الزجاج. # قوله تعالى: يجزاه الهاء عائدة على السعي الجزاء الأوفى أي: الأكمل ~~الأتم. ### | ### | [سورة النجم (53) : الآيات 42 الى # 55] # وأن إلى ربك المنتهى (42) وأنه هو أضحك وأبكى (43) وأنه هو أمات وأحيا ~~(44) وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) من نطفة إذا تمنى (46) # وأن عليه النشأة الأخرى (47) وأنه هو أغنى وأقنى (48) وأنه هو رب الشعرى ~~(49) وأنه أهلك عادا الأولى (50) وثمود فما أبقى (51) # وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى (52) والمؤتفكة أهوى (53) ~~فغشاها ما غشى (54) فبأي آلاء ربك تتمارى (55) # وأن إلى ربك المنتهى أي: منتهى العباد ومرجعهم. قال الزجاج: هذا كله في ~~صحف إبراهيم وموسى. قوله تعالى: وأنه هو أضحك وأبكى. قالت عائشة: # (1372) مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم يضحكون، فقال: «لو تعلمون ~~ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا» ، فنزل جبريل عليه السلام بهذه ~~الآية، فرجع إليهم، فقال «ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل، فقال: إئت ~~هؤلاء فقل لهم: إن الله يقول: وأنه هو أضحك وأبكى. وفي هذا تنبيه على أن ~~جميع الأعمال بقضاء الله وقدره حتى الضحك والبكاء. وقال مجاهد: أضحك أهل ~~الجنة. وأبكى أهل النار. وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء ~~بالمطر. PageV04P193 # قوله تعالى: وأنه هو أمات في الدنيا وأحيا للبعث. وأنه خلق الزوجين أي: ~~الصنفين الذكر والأنثى من جميع الحيوانات، من نطفة إذا تمنى فيه قولان: ~~أحدهما: إذا تراق في الرحم، قاله ابن السائب. والثاني: إذا تخلق وتقدر. وأن ~~عليه النشأة الأخرى وهي الخلق الثاني للبعث يوم القيامة. # وأنه هو أغنى فيه أربعة أقوال: أحدها: أغنى بالكفاية، قاله ابن عباس. ~~والثاني: بالمعيشة، قاله الضحاك. والثالث: بالأموال، قاله أبو صالح. ~~والرابع: بالقناعة، قاله سفيان. وفي قوله: وأقنى ثلاثة أقوال: أحدها: أرضى ~~بما أعطى، قاله ابن عباس. والثاني: أخدم، قاله الحسن، ms2178 وقتادة. وعن مجاهد ~~كالقولين. والثالث: جعل للإنسان قنية، وهو أصل مال. قاله أبو عبيدة. قوله ~~تعالى: وأنه هو رب الشعرى قال ابن قتيبة: هو الكوكب الذي يطلع بعد الجوزاء، ~~وكان ناس من العرب يعبدونها. # قوله تعالى: وأنه أهلك عادا الأولى قرأ ابن كثير، وعاصم، وابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي: # «عادا الأولى» منونة. وقرأ نافع، وأبو عمرو: «عادا لولى» موصولة مدغمة. ~~ثم فيهم قولان: أحدهما: # أنهم قوم هود، وكان لهم عقب فكانوا عادا الأخرى، هذا قول الجمهور. ~~والثاني: أن قوم هود هم عاد الأخرى، وهم من أولاد عاد الأولى، قاله كعب ~~الأحبار، وقال الزجاج: وفي «الأولى» لغات، أجودها سكون اللام وإثبات ~~الهمزة، والتي تليها في الجودة ضم اللام وطرح الهمزة، ومن العرب من يقول: # لولى، يريد: الأولى، فتطرح الهمزة لتحرك اللام. # قوله تعالى: وقوم نوح من قبل أي: من قبل عاد وثمود إنهم كانوا هم أظلم ~~وأطغى من غيرهم، لطول دعوة نوح إياهم، وعتوهم. والمؤتفكة قرى قوم لوط أهوى ~~أي: أسقط، وكان الذي تولى ذلك جبريل بعد أن رفعها، وأتبعهم الله بالحجارة، ~~فذلك قوله: فغشاها أي: ألبسها ما غشى يعني الحجارة فبأي آلاء ربك تتمارى ~~هذا خطاب للإنسان، لما عدد الله ما فعله مما يدل على وحدانيته قال: # فبأي نعم ربك التي تدل على وحدانيته تتشكك؟ وقال ابن عباس: فبأي آلاء ربك ~~تكذب يا وليد، يعني الوليد ابن المغيرة. ### | [سورة النجم (53) : الآيات 56 الى 62] # هذا نذير من النذر الأولى (56) أزفت الآزفة (57) ليس لها من دون الله ~~كاشفة (58) أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون ولا تبكون (60) # وأنتم سامدون (61) فاسجدوا لله واعبدوا (62) # قوله تعالى: هذا نذير فيه قولان: أحدهما: أنه القرآن، نذير بما أنذرت ~~الكتب المتقدمة، قاله قتادة. والثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~نذير بما أنذرت به الأنبياء، قاله ابن جريج. # قوله تعالى: أزفت الآزفة أي: دنت القيامة، ليس لها من دون الله كاشفة فيه ~~قولان: أحدهما: # إذا غشيت الخلق شدائدها وأهوالها لم يكشفها أحد ولم يردها، قاله عطاء، ~~وقتادة، والضحاك. # والثاني: ms2179 ليس لعلمها كاشف دون الله، أي: لا يعلم علمها إلا الله، قاله ~~الفراء، قال: وتأنيث «كاشفة» كقوله: فهل ترى لهم من باقية «1» يريد: من ~~بقاء والعافية والباقية والناهية كله في معنى المصدر. # وقال غيره: تأنيث «كاشفة» على تقدير: «نفس كاشفة» . PageV04P194 # قوله تعالى: أفمن هذا الحديث قال مقاتل: يعني القرآن تعجبون تكذيبا به ~~وتضحكون استهزاء ولا تبكون مما فيه من الوعيد؟! ويعني بهذا كفار مكة. وأنتم ~~سامدون فيه خمسة أقوال. أحدها: # لاهون، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الفراء والزجاج. قال أبو عبيدة: ~~يقال: دع عنك سمودك، أي: لهوك. والثاني: معرضون، قاله مجاهد. والثالث: أنه ~~الغناء، وهي لغة يمانية، يقولون: اسمد لنا، أي: تغن لنا، رواه عكرمة عن ابن ~~عباس. وقال عكرمة: هو الغناء بالحميرية. والرابع: غافلون، قاله قتادة. ~~والخامس: أشرون بطرون، قاله الضحاك. # قوله تعالى: فاسجدوا لله فيه قولان «1» : أحدهما: أنه سجود التلاوة، قاله ~~ابن مسعود. والثاني: # سجود الفرض في الصلاة. قال مقاتل: يعني بقوله: «فاسجدوا» : الصلوات ~~الخمس. # وفي قوله: واعبدوا قولان: أحدهما: أنه التوحيد. والثاني: العبادة. ~~PageV04P195 ### | سورة القمر # وهي مكية بإجماعهم، وقال مقاتل: مكية غير آية سيهزم الجمع «1» ، وحكي عنه ~~أنه قال: إلا ثلاث آيات، أولها: أم يقولون نحن جميع منتصر إلى قوله: وأمر ~~«2» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة القمر (54) : الآيات 1 الى # 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقتربت الساعة وانشق القمر (1) وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ~~(2) وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) ولقد جاءهم من الأنباء ما ~~فيه مزدجر (4) # حكمة بالغة فما تغن النذر (5) # (1373) قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين، فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «إن فعلت تؤمنون؟» قالوا: نعم، فسأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ربه أن يعطيه ما قالوا، فانشق القمر فرقتين، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ينادي: «يا فلان يا فلان اشهدوا» ، وذلك بمكة قبل الهجرة. # (1374) وقد روى البخاري ومسلم في (صحيحيهما) من ms2180 حديث ابن مسعود قال: انشق ~~القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «اشهدوا» . وقد روى حديث الانشقاق جماعة منهم: عبد الله بن ~~عمر وحذيفة وجبير بن مطعم وابن عباس وأنس بن مالك. PageV04P196 # وعلى هذا جميع المفسرين، إلا أن قوما شذوا فقالوا: سينشق يوم القيامة. ~~وقد روى عثمان بن عطاء عن أبيه نحو ذلك، وهذا القول الشاذ لا يقاوم ~~الإجماع، ولأن قوله: وانشق لفظ ماض، وحمل لفظ الماضي على المستقبل يفتقر ~~إلى قرينة تنقله ودليل، وليس ذلك موجودا. وفي قوله: «وإن يروا آية يعرضوا» ~~دليل على أنه قد كان ذلك. ومعنى اقتربت: دنت والساعة القيامة. وقال الفراء: ~~فيه تقديم وتأخير، تقديره: انشق القمر واقتربت الساعة. وقال مجاهد: انشق ~~القمر فصار فرقتين، فثبتت فرقة، وذهبت فرقة وراء الجبل. وقال ابن زيد: لما ~~انشق القمر كان يرى نصفه على قعيقعان، والنصف الآخر على أبي قبيس. # (1375) قال ابن مسعود: لما انشق القمر قالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة، ~~فاسألوا السفار، فسألوهم فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنزل الله عز وجل: اقتربت ~~الساعة وانشق القمر. # قوله تعالى: وإن يروا آية أي: آية تدلهم على صدق الرسول، والمراد بها ~~هاهنا: انشقاق القمر يعرضوا عن التصديق ويقولوا سحر مستمر فيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: ذاهب، من قولهم: مر الشيء واستمر: إذا ذهب، قاله مجاهد وقتادة ~~والكسائي والفراء فعلى هذا يكون المعنى: هذا سحر، والسحر يذهب ولا يثبت. ~~والثاني: شديد قوي، قاله أبو العالية والضحاك وابن قتيبة، قال: وهو مأخوذ ~~من المرة، والمرة: الفتل. والثالث: دائم، حكاه الزجاج. # قوله تعالى: وكذبوا يعني كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وما عاينوا من ~~قدرة الله تعالى واتبعوا أهواءهم ما زين لهم الشيطان وكل أمر مستقر فيه ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أن كل أمر مستقر بأهله، فالخير يستقر بأهل الخير، ~~والشر يستقر بأهل الشر، قاله قتادة. والثاني: لكل حديث منتهى وحقيقة، قاله ~~مقاتل. # والثالث: أن قرار تكذيبهم مستقر، وقرار تصديق المصدقين مستقر حتى يعلموا ms2181 ~~حقيقته بالثواب والعقاب، قاله الفراء. # قوله تعالى: ولقد جاءهم يعني أهل مكة من الأنباء أي: من أخبار الأمم ~~المكذبة في القرآن ما فيه مزدجر قال ابن قتيبة: أي: متعظ ومنتهى. # قوله تعالى: حكمة بالغة قال الزجاج: هي مرفوعة لأنها بدل من «ما» ، ~~فالمعنى: ولقد جاءهم حكمة بالغة. وإن شئت رفعتهما بإضمار: هو حكمة بالغة. و ~~«ما» في قوله فما تغن النذر PageV04P197 # جائز أن يكون استفهاما بمعنى التوبيخ، فيكون المعنى: أي شيء تغني النذر؟! ~~وجائز أن يكون نفيا، على معنى، فليست تغني النذر. قال المفسرون: والمعنى: ~~جاءهم القرآن وهو حكمة تامة قد بلغت الغاية، فما تغني النذر إذا لم ~~يؤمنوا؟! ### | ### | [سورة القمر (54) : الآيات 6 الى # 8] # فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر (6) خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث ~~كأنهم جراد منتشر (7) مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر (8) # فتول عنهم قال الزجاج: هذا وقف التمام، ويوم منصوب بقوله: «يخرجون من ~~الأجداث» . # وقال مقاتل: فتول عنهم إلى يوم يدع الداعي أثبت هذه الياء في الحالين ~~يعقوب وافقه أبو جعفر، وأبو عمرو في الوصل، وحذفها الأكثرون في الحالين. و ~~«الداعي» : إسرافيل ينفخ النفخة الثانية إلى شيء نكر وقرأ ابن كثير: «نكر» ~~خفيفة أي: إلى أمر فظيع. وقال مقاتل: «النكر» بمعنى المنكر، وهو القيامة، ~~وإنما ينكرونه إعظاما له. والتولي المذكور في الآية منسوخ عند المفسرين ~~بآية السيف. # قوله تعالى: خشعا أبصارهم قرأ أهل الحجاز، وابن عامر، وعاصم: «خشعا» بضم ~~الخاء وتشديد الشين من غير ألف. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «خاشعا» ~~بفتح الخاء وألف بعدها وتخفيف الشين. قال الزجاج: المعنى: يخرجون خشعا، و ~~«خاشعا» منصوب على الحال، وقرأ ابن مسعود: «خاشعة» ولك في أسماء الفاعلين ~~إذا تقدمت على الجماعة التوحيد والتأنيث والجمع تقول: مررت بشبان حسن ~~أوجههم، وحسان أوجههم، وحسنة أوجههم، قال الشاعر: # وشباب حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد «1» # قال المفسرون: والمعنى أن أبصارهم ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب. ~~والأجداث: القبور، وإنما شبههم بالجراد المنتشر، لأن الجراد لا جهة ms2182 له ~~يقصدها، فهو أبدا مختلف بعضه في بعض، فهم يخرجون فزعين ليس لأحد منهم جهة ~~يقصدها. والداعي: إسرافيل. وقد أثبت ياء «الداعي» في الحالين ابن كثير، ~~ويعقوب تابعهما في الوصل نافع، وأبو عمرو والباقون بحذفها في الحالين. وقد ~~بينا معنى «مهطعين» في سورة إبراهيم «2» . والعسر: الصعب الشديد. ### | [سورة القمر (54) : الآيات 9 الى 22] # كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) فدعا ربه أني ~~مغلوب فانتصر (10) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا ~~فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) # تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر (14) ولقد تركناها آية فهل من مدكر (15) ~~فكيف كان عذابي ونذر (16) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) كذبت ~~عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) # إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (19) تنزع الناس كأنهم ~~أعجاز نخل منقعر (20) فكيف كان عذابي ونذر (21) ولقد يسرنا القرآن للذكر ~~فهل من مدكر (22) PageV04P198 # قوله تعالى: كذبت قبلهم أي: قبل أهل مكة قوم نوح فكذبوا عبدنا نوحا ~~وقالوا مجنون وازدجر قال أبو عبيدة: افتعل من زجر. قال المفسرون: زجروه عن ~~مقالته فدعا عليهم نوح ربه ب أني مغلوب فانتصر أي: فانتقم لي ممن كذبني. ~~قال الزجاج: وقرأ عيسى بن عمر النحوي: # «إني» بكسر الألف، وفسرها سيبويه فقال: هذا على إرادة القول، فالمعنى: ~~قال: إني مغلوب ومن فتح، وهو الوجه، فالمعنى: دعا ربه ب أني مغلوب. # قوله تعالى: ففتحنا أبواب السماء قرأ ابن عامر «ففتحنا» بالتشديد. فأما ~~المنهمر، فقال ابن قتيبة: # هو الكثير السريع الانصباب، ومنه يقال: همر الرجل: إذا أكثر من الكلام ~~وأسرع. وروى علي رضي الله عنه أن أبواب السماء فتحت بالماء من المجرة، وهي ~~شرج السماء. وعلى ما ذكرنا من القصة في هود «1» أن المطر جاءهم، يكون هو ~~المراد بقوله: ففتحنا أبواب السماء. قال المفسرون: جاءهم الماء من فوقهم ~~أربعين يوما، وفجرت الأرض من تحتهم عيونا أربعين يوما. فالتقى الماء وقرأ ~~أبي بن كعب وأبو رجاء وعاصم الجحدري: «المآءان» بهمزة وألف ونون ms2183 مكسورة. ~~وقرأ ابن مسعود: «المايان» بياء وألف ونون مكسورة من غير همز. وقرأ الحسن ~~وأبو عمران: «الماوان» بواو وألف وكسر النون. # قال الزجاج: يعني بالماء: ماء السماء وماء الأرض، ويجوز الماءان، لأن اسم ~~الماء اسم يجمع ماء الأرض وماء السماء. قوله تعالى: على أمر قد قدر فيه ~~قولان: أحدهما: كان قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض، قاله مقاتل. والثاني: ~~قد قدر في اللوح المحفوظ، قاله الزجاج. فيكون المعنى: على أمر قد قضي ~~عليهم، وهو الغرق. # قوله تعالى: وحملناه يعني نوحا على ذات ألواح ودسر قال الزجاج. أي: على ~~سفينة ذات ألواح. قال المفسرون: ألواحها: خشباتها العريضة التي منها جمعت. ~~وفي الدسر أربعة أقوال: أحدها: # أنها المسامير، رواه الوالبي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والقرظي، وابن ~~زيد. وقال الزجاج: الدسر: # المسامير والشرط التي تشد بها الألواح، وكل شيء نحو السمر أو إدخال شيء ~~في شيء بقوة وشدة قهر فهو دسر، يقال: دسرت المسمار أدسره وأدسره. والدسر: ~~واحدها دسار، نحو حمار، وحمر. # والثاني: أنه صدر السفينة، سمي بذلك لأنه يدسر الماء، أي: يدفعه، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن وعكرمة ومنه الحديث في العنبر أنه شيء ~~دسره البحر، أي: دفعه. والثالث: أن الدسر: # أضلاع السفينة، قاله مجاهد. والرابع: أن الدسر: طرفاها وأصلها، والألواح: ~~جانباها، قاله الضحاك. # قوله تعالى: تجري بأعيننا أي: بمنظر ومرأى منا جزاء قال الفراء: فعلنا به ~~وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم ثوابا لمن كفر به. وفي المراد ب «من» ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الله عز وجل، وهو مذهب مجاهد، فيكون المعنى: ~~عوقبوا لله ولكفرهم به. والثاني: أنه نوح كفر به وجحد أمره، قاله الفراء. ~~والثالث: أن «من» بمعنى «ما» فالمعنى: جزاء لما كان كفر من نعم الله عند ~~الذين أغرقهم، حكاه ابن جرير. وقرأ قتادة: «لمن كان كفر» بفتح الكاف ~~والفاء. # قوله تعالى: ولقد تركناها في المشار إليها قولان: أحدهما: أنها السفينة، ~~قال قتادة: أبقاها الله على الجودي حتى أدركها أوائل هذه الأمة. والثاني: ~~أنها ms2184 الفعلة، فالمعنى: تركنا هذه الفعلة وأمر سفينة PageV04P199 # نوح «آية» ، أي: علامة ليعتبر بها، فهل من مدكر وأصله مدتكر، فأبدلت ~~التاء دالا على ما بينا في قوله: وادكر بعد أمة «1» . قال ابن قتيبة: أصله: ~~مذتكر، فأدغمت التاء في الذال ثم قلبت دالا مشددة. قال المفسرون: والمعنى: ~~هل من متذكر يعتبر بذلك؟ فكيف كان عذابي ونذر وفي هذه السورة «ونذر» ستة ~~مواضع، أثبت الياء فيهن في الحالين يعقوب، تابعه في الوصل ورش، والباقون ~~بحذفها في الحالين. وقوله: «فكيف كان عذابي» استفهام عن تلك الحالة، ومعناه ~~التعظيم لذلك العذاب. قال ابن قتيبة: والنذر هاهنا جمع نذير، وهو بمعنى ~~الإنذار، ومثله النكير بمعنى الإنكار. قال المفسرون: وهذا تخويف لمشركي ~~مكة. # ولقد يسرنا القرآن أي سهلناه للذكر أي للحفظ والقراءة فهل من مدكر أي من ~~ذاكر يذكره ويقرؤه والمعنى: هو الحث على قراءته وتعلمه، قال سعيد بن جبير: ~~ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن. وأما الريح الصرصر، فقد ~~ذكرناها في حم السجدة «2» . # قوله تعالى: في يوم نحس مستمر قرأ الحسن: «في يوم» بالتنوين، على أن ~~اليوم منعوت بالنحس. والمستمر: الدائم الشؤم، استمر عليهم بنحوسه. وقال ابن ~~عباس: كانوا يتشاءمون بذلك اليوم. وقيل: إنه كان يوم أربعاء في آخر الشهر. ~~تنزع الناس أي: تقلعهم من الأرض من تحت أقدامهم فتصرعهم على رقابهم فتدق ~~رقابهم فتبين الرأس عن الجسد، ف كأنهم أعجاز نخل وقرأ أبي بن كعب، وابن ~~السميفع: «أعجز نخل» برفع الجيم من غير ألف بعد الجيم. وقرأ ابن مسعود، ~~وأبو مجلز، وأبو عمران: «كأنهم عجز نخل» بضم العين والجيم. ومعنى الكلام: ~~كأنهم أصول نخل منقعر أي: منقلع. وقال الفراء: المنقعر: المنصرع من النخل. ~~قال ابن قتيبة: يقال: قعرته فانقعر، أي قلعته فسقط. قال أبو عبيدة: والنخل ~~يذكر ويؤنث، فهذه الآية على لغة من ذكر، وقوله: أعجاز نخل خاوية «3» على ~~لغة من أنث. وقال مقاتل: شبههم حين وقعوا من شدة العذاب بالنخل الساقطة ~~التي لا رؤوس لها، وإنما شبههم بالنخل لطولهم، وكان ms2185 طول كل واحد منهم اثني ~~عشر ذراعا. ### | ### | [سورة القمر (54) : الآيات 23 الى # 32] # كذبت ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال ~~وسعر (24) أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (25) سيعلمون غدا من ~~الكذاب الأشر (26) إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) # ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر (28) فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ~~(29) فكيف كان عذابي ونذر (30) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم ~~المحتظر (31) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (32) # قوله تعالى: كذبت ثمود بالنذر فيه قولان: أحدهما: أنه جمع نذير. وقد بينا ~~أن من كذب نبيا واحدا فقد كذب الكل. والثاني: أن النذر بمعنى الإنذار كما ~~بينا في قوله: «فكيف كان عذابي ونذر» فكأنهم كذبوا الإنذار الذي جاءهم به ~~صالح، فقالوا أبشرا منا قال الزجاج: هو منصوب بفعل مضمر والذي ظهر تفسيره، ~~المعنى: أنتبع بشرا منا واحدا، قال المفسرون: قالوا: هو آدمي مثلنا، وهو ~~PageV04P200 # واحد فلا نكون له تبعا إنا إذا إن فعلنا ذلك لفي ضلال أي: خطأ وذهاب عن ~~الصواب وسعر قال ابن عباس: أي: جنون. قال ابن قتيبة: هو من تسعرت النار: ~~إذا التهبت، يقال: ناقة مسعورة، أي: كأنها مجنونة من النشاط. وقال غيره: ~~لفي شقاء وعناء لأجل ما يلزمنا من طاعته. # ثم أنكروا أن يكون الوحي يأتيه فقالوا: أألقي الذكر أي: أنزل الوحي عليه ~~من بيننا أي: # كيف خص من بيننا بالنبوة والوحي؟! بل هو كذاب أشر وفيه قولان: أحدهما: ~~أنه المرح المتكبر، قاله ابن قتيبة. والثاني: البطر، قاله الزجاج. # قوله تعالى: سيعلمون غدا قرأ ابن عامر وحمزة: «ستعلمون» بالتاء «غدا» فيه ~~قولان: # أحدهما: يوم القيامة، قاله ابن السائب. والثاني: عند نزول العذاب بهم، ~~قاله مقاتل. # قوله تعالى: إنا مرسلوا الناقة وذلك أنهم سألوا صالحا أن يظهر لهم ناقة ~~من صخرة، فقال الله تعالى: إنا مرسلوا الناقة أي: مخرجوها كما أرادوا فتنة ~~لهم أي: محنة واختبارا فارتقبهم أي فانتظر ما هم صانعون واصطبر على ما ~~يصيبك من الأذى، ms2186 ونبئهم أن الماء قسمة بينهم أي: بين ثمود وبين الناقة، يوم ~~لها ويوم لهم، فذلك قوله: كل شرب محتضر يحضره صاحبه ويستحقه. قوله تعالى: # فنادوا صاحبهم واسمه قدار بن سالف فتعاطى قال ابن قتيبة: تعاطى عقر ~~الناقة فعقر أي: قتل وقد بينا هذا في الأعراف «1» . # قوله تعالى: إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة وذلك أن جبريل عليه السلام صاح ~~بهم وقد أشرنا إلى قصتهم في هود «2» فكانوا كهشيم المحتظر قال ابن عباس: هو ~~الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك دون السباع، فما سقط من ذلك وداسته ~~الغنم، فهو الهشيم. وقد بينا معنى «الهشيم» في الكهف «3» . وقال الزجاج: ~~الهشيم: ما يبس من الورق وتكسر وتحطم، والمعنى: كانوا كالهشيم الذي يجمعه ~~صاحب الحظيرة بعد أن بلغ الغاية في الجفاف، هو يجمع ليوقد. وقرأ الحسن: ~~«المحتظر» بفتح الظاء، وهو اسم الحظيرة والمعنى: كهشيم المكان الذي يحتظر ~~فيه الهشيم من الحطب. وقال سعيد بن جبير: هو التراب الذي يتناثر من ~~الحيطان. وقال قتادة: كالعظام النخرة المحترقة. والمراد من جميع ذلك: أنهم ~~بادوا وهلكوا حتى صاروا كالشيء المتحطم. ### | ### | [سورة القمر (54) : الآيات 33 الى # 40] # كذبت قوم لوط بالنذر (33) إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم ~~بسحر (34) نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا ~~بالنذر (36) ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) # ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر (38) فذوقوا عذابي ونذر (39) ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر (40) # قوله تعالى: إنا أرسلنا عليهم حاصبا قال المفسرون: هي الحجارة التي قذفوا ~~بها إلا آل لوط يعني لوط وابنتيه نجيناهم من ذلك العذاب بسحر قال الفراء: ~~«سحر» هاهنا يجري لأنه نكرة، كقوله: نجيناهم بليل، فإذا ألقت العرب منه ~~الباء لم يجر، لأن لفظهم به بالألف واللام، يقولون: ما PageV04P201 # زال عندنا منذ السحر، لا يكادون يقولون غيره، فإذا حذفت منه الألف واللام ~~لم يصرف. وقال الزجاج: إذا كان السحر نكرة يراد به سحر من الأسحار، انصرف، ~~فإذا أردت سحر يومك، لم ينصرف. قوله تعالى: ms2187 كذلك نجزي من شكر قال مقاتل: من ~~وحد الله تعالى لم يعذب مع المشركين. # قوله تعالى: ولقد راودوه عن ضيفه أي: طلبوا أن يسلم إليهم أضيافه، وهم ~~الملائكة فطمسنا أعينهم وهو أن جبريل ضرب أعينهم بجناحه فأذهبها. وقد ذكرنا ~~القصة في سورة هود «1» . وتم الكلام هاهنا، ثم قال: فذوقوا أي: فقلنا لقوم ~~لوط لما جاءهم العذاب: ذوقوا عذابي ونذر أي: ما أنذركم به لوط، ولقد صبحهم ~~بكرة أي: أتاهم صباحا عذاب مستقر أي: نازل بهم. قال مقاتل: # استقر بهم العذاب بكرة. قال الفراء: والعرب تجري «غدوة» و «بكرة» ولا ~~تجريهما، وأكثر الكلام في «غدوة» ترك الإجراء، وأكثر في «بكرة» أن تجرى، ~~فمن لم يجرها جعلها معرفة، لأنها اسم يكون أبدا في وقت واحد بمنزلة «أمس» و ~~«غد» ، وأكثر ما تجري العرب «غدوة» إذا قرنت بعشية، يقولون: إني لآتيهم ~~غدوة وعشية، وبعضهم يقول: «غدوة» فلا يجريها و «عشية» فيجريها، ومنهم من لا ~~يجري «عشية» لكثرة ما صحبت «غدوة» . وقال الزجاج: الغدوة والبكرة إذا كانتا ~~نكرتين نونتا وصرفتا، فإذا أردت بهما بكرة يومك وغداة يومك، لم تصرفهما، ~~والبكرة هاهنا نكرة، فالصرف أجود، لأنه لم يثبت رواية في أنه كان في يوم ~~كذا في شهر كذا. ### | ### | [سورة القمر (54) : الآيات 41 الى # 46] # ولقد جاء آل فرعون النذر (41) كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز ~~مقتدر (42) أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر (43) أم يقولون ~~نحن جميع منتصر (44) سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) # بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر (46) # قوله تعالى: ولقد جاء آل فرعون يعني القبط النذر فيهم قولان: أحدهما: أنه ~~جمع نذير، وهي الآيات التي أنذرهم بها موسى. والثاني: أن النذر بمعنى ~~الإنذار وقد بيناه آنفا، فأخذناهم بالعذاب أخذ عزيز أي: غالب في انتقامه ~~مقتدر قادر على هلاكهم. ثم خوف أهل مكة فقال: # أكفاركم يا معشر العرب خير أي: أشد وأقوى من أولئكم وهذا استفهام معناه ~~الإنكار والمعنى: ليسوا بأقوى من قوم نوح وعاد وثمود، وقد أهلكناهم أم لكم ~~براءة من العذاب ms2188 أنه لا يصيبكم ما أصابهم في الزبر أي: في الكتب المتقدمة، ~~أم يقولون نحن جميع منتصر المعنى: أيقولون: # نحن يد واحدة على من خالفنا فننتصر منهم؟ وإنما وحد المنتصر للفظ الجميع، ~~فإنه على لفظ «واحد» وإن كان اسما للجماعة سيهزم الجمع وروى أبو حاتم بن ~~يعقوب: «سنهزم» بالنون، «الجمع» بالنصب، «وتولون» بالتاء، ويعني بالجمع: ~~جمع كفار مكة ويولون الدبر ولم يقل: الأدبار، وكلاهما جائز قال الفراء: ~~مثله أن يقول: إن فلانا لكثير الدينار والدرهم. وهذا مما أخبر الله به نبيه ~~من علم الغيب، فكانت الهزيمة يوم بدر. # قوله تعالى: والساعة أدهى قال مقاتل: هي أفظع وأمر من القتل. قال الزجاج: ~~ومعنى الداهية: الأمر الشديد الذي لا يهتدى لدوائه ومعنى «أمر» : أشد مرارة ~~من القتل والأسر. PageV04P202 ### | [سورة القمر (54) : الآيات 47 الى 55] # إن المجرمين في ضلال وسعر (47) يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس ~~سقر (48) إنا كل شيء خلقناه بقدر (49) وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ~~(50) ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر (51) # وكل شيء فعلوه في الزبر (52) وكل صغير وكبير مستطر (53) إن المتقين في ~~جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55) # قوله تعالى: إن المجرمين في ضلال وسعر في سبب نزولها قولان: # (1376) أحدهما: أن مشركي مكة جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يخاصمون في القدر، فنزلت هذه الآية إلى قوله: خلقناه بقدر، انفرد بإخراجه ~~مسلم من حديث أبي هريرة. # (1377) وروى أبو أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذه ~~الآية نزلت في القدرية» . # (1378) والثاني: أن أسقف نجران جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا محمد تزعم أن المعاصي بقدر، وليس كذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أنتم خصماء الله» ، فنزلت: إن المجرمين إلى قوله: بقدر، قاله عطاء. # قوله تعالى: وسعر فيه ثلاثة أقوال: أحدها: الجنون. والثاني: العناء، وقد ~~ذكرناهما في صدر السورة. والثالث: أنه نار تستعر عليهم، قاله الضحاك. فأما ~~سقر فقال الزجاج: هي اسم من أسماء جهنم لا ينصرف لأنها ms2189 معرفة، وهي مؤنثة. ~~وقرأت على شيخنا أبي منصور قال: سقر: اسم لنار الأخرة أعجمي، ويقال: بل هو ~~عربي، من قولهم: سقرته الشمس: إذا أذابته، سميت بذلك لأنها تذيب الأجسام. ~~وروى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # (1379) «إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أمر مناديا فنادى نداء يسمعه ~~الأولون والآخرون: أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية، فيؤمر بهم إلى النار، ~~يقول الله تعالى: ذوقوا مس سقر (48) إنا كل شيء خلقناه بقدر. # وإنما قيل لهم: «خصماء الله» لأنهم يخاصمون في أنه لا يجوز أن يقدر ~~المعصية على العبد ثم يعذبه عليها. وروى هشام بن حسان عن الحسن قال: والله ~~لو أن قدريا صام حتى يصير كالحبل، ثم صلى حتى يصير كالوتر، ثم أخذ ظلما ~~وزورا حتى ذبح بين الركن والمقام لكبه الله على وجهه في سقر PageV04P203 # إنا كل شيء خلقناه بقدر. # (1380) وروى مسلم في أفراده من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» . # وقال ابن عباس: كل شيء بقدر حتى وضع يدك على خدك. وقال الزجاج: معنى ~~«بقدر» أي: # كل شيء خلقناه بقدر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، ونصب «كل شيء» ~~بفعل مضمر المعنى: إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر. # قوله تعالى: وما أمرنا إلا واحدة قال الفراء: أي: إلا مرة واحدة، وكذلك ~~قال مقاتل: مرة واحدة لا مثنوية لها. وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد: إن ~~قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر. وقال ابن السائب: المعنى: وما أمرنا ~~بمجيء الساعة في السرعة إلا كلمح البصر. ومعنى اللمح بالبصر: النظر بسرعة. ~~ولقد أهلكنا أشياعكم أي: أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم الماضية فهل ~~من مدكر أي متعظ وكل شيء فعلوه يعني الأمم. وفي الزبر قولان: أحدهما: أنه ~~كتب الحفظة. والثاني: اللوح المحفوظ. وكل صغير وكبير أي: من الأعمال ~~المتقدمة مستطر أي: # مكتوب، قال ابن قتيبة: هو «مفتعل من «سطرت» : إذا كتبت، وهو ms2190 مثل «مسطور» ~~. قوله تعالى: في جنات ونهر قال الزجاج: المعنى: في جنات وأنهار، والاسم ~~الواحد يدل على الجميع، فيجتزأ به من الجميع. أنشد سيبويه والخليل: # بها جيف الحسرى، فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب # يريد: وأما جلودها، ومثله: # في حلقكم عظم وقد شجينا # ومثله: # كلوا في نصف بطنكم تعيشوا # وحكى ابن قتيبة عن الفراء أنه وحد لأنه رأس آية، فقابل بالتوحيد رؤوس ~~الآي، قال: ويقال: # النهر: الضياء والسعة، من قولك: أنهرت الطعنة: إذا وسعتها، قال قيس بن ~~الخطيم يصف طعنة: # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها # أي: أوسعت فتقها. قلت: وهذا قول الضحاك. وقرأ الأعمش «ونهر» . # قوله تعالى: في مقعد صدق أي: مجلس حسن وقد نبهنا على هذا المعنى في قوله: ~~أن لهم قدم صدق «1» . فأما المليك، فقال الخطابي: المليك: هو المالك، وبناء ~~فعيل للمبالغة في الوصف، ويكون المليك بمعنى الملك، ومنه هذه الآية. ~~والمقتدر مشروح في الكهف «2» . PageV04P204 # سورة الرحمن # وفي نزولها قولان: أحدهما: أنها مكية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، ~~وبه قال الحسن وعطاء ومقاتل والجمهور، إلا أن ابن عباس قال: سوى آية، وهي ~~قوله: يسئله من في السماوات والأرض «1» . والثاني: أنها مدنية، رواه عطية ~~عن ابن عباس. وبه قال ابن مسعود. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الرحمن # (55) : الآيات 1 الى 13] # بسم الله الرحمن الرحيم # الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان (4) # الشمس والقمر بحسبان (5) والنجم والشجر يسجدان (6) والسماء رفعها ووضع ~~الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان (9) # والأرض وضعها للأنام (10) فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (11) والحب ذو ~~العصف والريحان (12) فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) # قوله عز وجل: الرحمن (1) علم القرآن. قال مقاتل: # (1381) لما نزل قوله: اسجدوا للرحمن «2» ، قال كفار مكة: وما الرحمن؟! ~~فأنكروه وقالوا: لا نعرف الرحمن، فقال تعالى: «الرحمن» الذي أنكروه هو الذي ~~«علم القرآن» . # وفي قوله: علم القرآن قولان «3» : أحدهما: علمه محمدا، وعلمه محمد أمته، ~~قاله ابن السائب. والثاني: يسر القرآن، قاله الزجاج. # قوله عز وجل: ms2191 خلق الإنسان فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه اسم جنس، فالمعنى: خلق الإنسان جميعا، قاله الأكثرون. فعلى ~~هذا، في «البيان» ستة أقوال: أحدها: النطق والتمييز، قاله الحسن. والثاني: ~~الحلال والحرام، قاله قتادة. والثالث: ما يقول وما يقال له، قاله محمد بن ~~كعب. والرابع: الخير والشر، قاله الضحاك. والخامس: طرق PageV04P205 # الهدى، قاله ابن جريج. والسادس: الكتابة والخط، قاله يمان. # والثاني: أنه آدم، قاله ابن عباس، وقتادة. فعلى هذا في «البيان» ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أسماء كل شيء. والثاني: بيان كل شيء. والثالث: اللغات. # والقول الثالث: أنه محمد صلى الله عليه وسلم، علمه بيان كل شيء ما كان ~~وما يكون، قاله ابن كيسان. # قوله عز وجل: الشمس والقمر بحسبان أي: بحساب ومنازل، لا يعدوانها، قاله ~~ابن عباس وقتادة وأبو مالك وقد كشفنا هذا المعنى في الأنعام «1» . قال ~~الأخفش: أضمر الخبر، وأظنه- والله أعلم- أراد: يجريان بحسبان. قوله تعالى: ~~والنجم والشجر يسجدان في النجم قولان: أحدهما: أنه كل نبت ليس له ساق، وهو ~~مذهب ابن عباس، والسدي، ومقاتل، واللغويين. والثاني: أنه نجم السماء، ~~والمراد به: جميع النجوم، قاله مجاهد. فأما الشجر: فكل ماله ساق. قال ~~الفراء: سجودهما: # أنهما يستقبلان الشمس إذا أشرقت، ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء. وقد ~~أشرت في النحل «2» إلى معنى سجود ما لا يعقل. قال أبو عبيدة: وإنما ثني ~~فعلهما على لفظهما. # قوله عز وجل: والسماء رفعها وإنما فعل ذلك ليحيا الحيوان وتمتد الأنفاس ~~بينها وبين الأرض، وأجرى الريح بينها وبين الأرض، كيما يتروح الخلق. ولولا ~~ذلك لماتت الخلائق كربا.. # قوله عز وجل: ووضع الميزان فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه العدل، قاله ~~الأكثرون، منهم مجاهد والسدي واللغويون. قال الزجاج: وهذا لأن المعادلة: ~~موازنة الأشياء. والثاني: أنه الميزان المعروف، ليتناصف الناس في الحقوق، ~~قاله الحسن، وقتادة، والضحاك. والثالث: أنه القرآن، قاله الحسن بن الفضل. # قوله عز وجل: ألا تطغوا ذكر الزجاج في «أن» وجهين: أحدهما: أنها بمعنى ~~اللام والمعنى: لئلا تطغوا. والثاني: أنها للتفسير، فتكون «لا» للنهي ~~والمعنى أي لا تطغوا، أي لا تجاوزوا ms2192 العدل. قوله عز وجل: ولا تخسروا ~~الميزان قال ابن قتيبة، أي: لا تنقصوا الوزن. # فأما الأنام، ففيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم الناس، رواه عكرمة عن ابن ~~عباس. والثاني: كل ذي روح، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~والشعبي، وقتادة، والسدي، والفراء. # والثالث: الإنس والجن، قاله الحسن، والزجاج. # قوله عز وجل: فيها فاكهة أي: ما يتفكه به من ألوان الثمار والنخل ذات ~~الأكمام والأكمام: الأوعية والغلف وقد استوفينا شرح هذا في حم السجدة «3» . # قوله عز وجل والحب يريد: جميع الحبوب، كالبر والشعير وغير ذلك. وقرأ ابن ~~عامر: # «والحب» بنصب الباء «ذا العصف» بالألف «والريحان» بنصب النون. وقرأ حمزة، ~~والكسائي إلا ابن أبي سريج، وخلف: «والحب ذو العصف والريحان» بخفض النون ~~وقرأ الباقون بضم النون. # وفي «العصف» قولان: أحدهما: أنه تبن الزرع وورقه الذي تعصفه الرياح، قاله ~~ابن عباس. PageV04P206 # وكذلك قال مجاهد: هو ورق الزرع. قال ابن قتيبة: العصف: ورق الزرع، ثم ~~يصير إذا جف ويبس وديس تبنا. والثاني: أن العصف: المأكول من الحب، حكاه ~~الفراء. # وفي «الريحان» أربعة أقوال: أحدها: أنه الورق، رواه عكرمة عن ابن عباس، ~~وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي. قال الفراء: الريحان في كلام العرب: ~~الرزق، يقولون: خرجنا طلب ريحان الله، وأنشد الزجاج للنمر بن تولب: # سلام الإله وريحانه ... ورحمته وسماء درر # والثاني: خضرة الزرع، رواه الوالبي عن ابن عباس. قال أبو سليمان الدمشقي: ~~فعلى هذا سمي ريحانا، لاستراحة النفس بالنظر إليه. والثالث: أنه ريحانكم ~~هذا الذي يشم، روى العوفي عن ابن عباس قال: «الريحان» : ما أنبتت الأرض من ~~الريحان، وهذا مذهب الحسن والضحاك وابن زيد. والرابع: أنه ما لم يؤكل من ~~الحب، والعصف: المأكول منه، حكاه الفراء. # قوله عز وجل: فبأي آلاء ربكما تكذبان فإن قيل: كيف خاطب اثنين، وإنما ذكر ~~الإنسان وحده؟ فعنه جوابان ذكرهما الفراء: أحدهما: أن العرب تخاطب الواحد ~~بفعل الاثنين كما بينا في قوله: # ألقيا في جهنم «1» . والثاني: أن الذكر أريد به: الإنسان والجان، فجرى ~~مجرى الخطاب لهما من ms2193 أول السورة إلى آخرها. قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى ~~في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الإنسان وتعليم البيان وخلق ~~الشمس والقمر والسماء والأرض، خاطب الجن والإنس، فقال: فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان أي: فبأي نعم ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة، لأنها كلها ~~منعم بها عليكم في دلالتها إياكم على وحدانيته وفي رزقه إياكم ما به ~~قوامكم. وقال ابن قتيبة: الآلاء: النعم، واحدها: ألا، مثل: قفا، وإلا، مثل: ~~معى. ### | ### | [سورة الرحمن (55) : الآيات 14 الى # 25] # خلق الإنسان من صلصال كالفخار (14) وخلق الجان من مارج من نار (15) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (16) رب المشرقين ورب المغربين (17) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (18) # مرج البحرين يلتقيان (19) بينهما برزخ لا يبغيان (20) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (21) يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) فبأي آلاء ربكما تكذبان (23) # وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام (24) فبأي آلاء ربكما تكذبان (25) # قوله عز وجل: خلق الإنسان يعني آدم من صلصال قد ذكرنا في الحجر «2» ~~الصلصال والجان. فأما قوله: كالفخار فقال أبو عبيدة: خلق من طين يابس لم ~~يطبخ، فله صوت إذا نقر، فهو من يابسه كالفخار. والفخار: ما طبخ بالنار. ~~وأما المارج، فقال ابن عباس: هو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت. ~~وقال مجاهد: هو المختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي ~~يعلو النار إذا أوقدت. وقال مقاتل: هو لهب النار الصافي من غير دخان. وقال ~~أبو عبيدة: المارج: خلط من النار. وقال ابن قتيبة: المارج: لهب النار، من ~~قولك: قد مرج الشيء: إذا اضطرب ولم يستقر. وقال الزجاج: هو اللهب المختلط ~~بسواد النار. وإن قيل قد أخبر الله تعالى عن PageV04P207 # خلق آدم عليه السلام بألفاظ مختلفة، فتارة يقول: خلقه من تراب «1» ، ~~وتارة: «من صلصال» ، وتارة: «من طين لازب» «2» ، وتارة: «كالفخار» ، وتارة: ~~«من حمأ مسنون» «3» فالجواب: أن الأصل التراب فجعل طينا، ثم صار كالحمإ ~~المسنون، ثم صار صلصالا كالفخار، فهذه أخبار عن حالات أصله. فإن قيل: ما ~~الفائدة في تكرار قوله: «فبأي آلاء ربكما تكذبان» الجواب أن ms2194 ذلك التكرير ~~لتقرير النعم وتأكيد التذكير بها. قال ابن قتيبة: من مذاهب العرب التكرار ~~للتوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار للتخفيف والإيجاز لأن افتنان ~~المتكلم والخطيب في الفنون أحسن من اختصاره في المقام على فن واحد، يقول ~~القائل: والله لا أفعله، ثم والله لا أفعله، إذا أراد التوكيد وحسم الأطماع ~~من أن يفعله، كما تقول: والله أفعله، بإضمار «لا» إذا أراد الاختصار، ويقول ~~القائل للمستعجل: اعجل اعجل، وللرامي: ارم ارم، قال الشاعر: # كم نعمة كانت له وكم وكم # وقال الآخر: # هلا سألت جموع كندة ... يوم ولوا أين أينا «4» # وربما جاءت الصفة فأرادوا توكيدها، واستوحشوا من إعادتها ثانية لأنها ~~كلمة واحدة، فغيروا منها حرفا ثم أتبعوها الأولى، كقولهم، عطشان نطشان، ~~وشيطان ليطان، وحسن بسن. قال ابن دريد: ومن الإتباع: جائع نائع، ومليح ~~قريح، وقبيح شقيح، وشحيح نحيح، وخبيث نبيث، وكثير نثير، وسيغ ليغ، وسائغ ~~لائغ، وحقير نقير، وضئيل بئيل، وخضر مضر، وعقريب نقريب، وثقة نقة، وكن إن، ~~وواحد فاحد، وحائر بائر، وسمج لمج. قال ابن قتيبة: فلما عدد الله تعالى في ~~هذه السورة نعماءه، وأذكر عباده آلاءه، ونبههم على قدرته، جعل كل كلمة من ~~ذلك فاصلة بين كل نعمتين، ليفهمهم النعم ويقررهم بها، كقولك للرجل: ألم ~~أبوئك منزلا وكنت طريدا؟ أفتنكر هذا؟ ألم أحج بك وأنت صرورة؟ # أفتنكر هذا؟. # (1382) وروى الحاكم أبو عبد الله في «صحيحه» من حديث جابر بن عبد الله ~~قال: قرأ علينا PageV04P208 # رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: «ما لي ~~أراكم سكوتا؟! للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد» ~~. # قوله عز وجل: رب المشرقين قرأ أبو رجاء، وابن أبي عبلة: «رب المشرقين ورب ~~المغربين» بالخفض، وهما مشرق الصيف ومشرق الشتاء ومغرب الصيف ومغرب الشتاء ~~للشمس والقمر جميعا. # قوله تعالى: مرج البحرين أي: أرسل العذب والملح وخلاهما وجعلهما يلتقيان، ~~بينهما برزخ أي: حاجز ms2195 من قدرة الله تعالى لا يبغيان أي: لا يختلطان. فيبغي ~~أحدهما على الآخر. وقال ابن عباس: بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام. ~~وقال الحسين: «مرج البحرين» يعني بحر فارس والروم، بينهما برزخ، يعني ~~الجزائر وقد سبق بيان هذا في الفرقان «1» . قوله عز وجل: يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان قال الزجاج: إنما يخرج من البحر الملح، وإنما جمعهما، لأنه إذا ~~خرج من أحدهما فقد أخرج منهما، ومثله وجعل القمر فيهن نورا «2» . وقال أبو ~~علي الفارسي: أراد: يخرج من أحدهما، فحذف المضاف. وقال ابن جرير: إنما قال ~~«منهما» لأنه يخرج من أصداف البحر عن قطر السماء. فأما اللؤلؤ والمرجان، ~~ففيهما قولان: أحدهما: أن المرجان: ما صغر من اللؤلؤ، واللؤلؤ: # العظام، قاله الأكثرون، منهم ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والفراء. وقال ~~الزجاج: اللؤلؤ: اسم جامع للحب الذي يخرج من البحر، والمرجان: صغاره. ~~والثاني: أن اللؤلؤ: الصغار، والمرجان: # الكبار، قاله مجاهد، والسدي، ومقاتل. قال ابن عباس: إذا أمطرت السماء، ~~فتحت الأصداف أفواهها، فما وقع فيها من مطر فهو لؤلؤ وقال ابن جريج. حيث ~~وقعت قطرة كانت لؤلؤة. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: ذكر بعض أهل ~~اللغة أن المرجان أعجمي معرب. قال أبو بكر، PageV04P209 # يعني ابن دريد: ولم أسمع فيه بفعل منصرف، وأحر به أن يكون كذلك. قال ابن ~~مسعود: المرجان: # الخرز الأحمر. وقال الزجاج: المرجان أبيض شديد البياض. وحكى القاضي أبو ~~يعلى أن المرجان: # ضرب من اللؤلؤ كالقضبان. # قوله عز وجل: وله الجوار يعني السفن المنشآت قال مجاهد: هو ما قد رفع ~~قلعه من السفن دون ما لم يرفع قلعه، القلع مكسور القاف. وقال ابن قتيبة: هن ~~اللواتي أنشئن، أي: ابتدئ بهن في البحر، وقرأ حمزة: «المنشئات» ، فجعلهن ~~اللواتي ابتدأن، يقال: أنشأت السحابة تمطر: إذا ابتدأت، وأنشأ الشاعر يقول. ~~والأعلام: الجبال، وقد سبق هذا «1» . ### | ### | [سورة الرحمن (55) : الآيات 26 الى # 30] # كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (27) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (28) يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو في ms2196 شأن (29) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (30) # قوله عز وجل: كل من عليها فان أي: على الأرض، وهي كناية عن غير مذكور، ~~«فان» أي هالك. ويبقى وجه ربك أي: ويبقى ربك ذو الجلال والإكرام قال أبو ~~سليمان الخطابي: الجلال: # مصدر الجليل، يقال: جليل بين الجلالة والجلال. والإكرام: مصدر أكرم يكرم ~~إكراما والمعنى أنه يكرم أهل ولايته وأن الله مستحق أن يجل ويكرم، ولا ~~يجحدونه ولا يكفروا به وقد يحتمل أن يكون المعنى: أنه يكرم أهل ولايته ~~ويرفع درجاتهم وقد يحتمل أن يكون أحد الأمرين- وهو الجلال- مضافا إلى الله ~~تعالى بمعنى الصفة له، والآخر مضافا إلى العبد بمعنى الفعل منه، كقوله ~~تعالى: هو أهل التقوى وأهل المغفرة فانصرف أحد الأمرين إلى الله تعالى وهو ~~المغفرة، والآخر إلى العباد وهو التقوى. # قوله تعالى: يسئله من في السماوات والأرض المعنى أن الكل يحتاجون إليه ~~فيسألونه وهو غني عنهم كل يوم هو في شأن مثل أن يحيي ويميت، ويعز ويذل، ~~ويشفي مريضا، ويعطي سائلا، إلى غير ذلك من أفعاله. وقال الحسين بن الفضيل: ~~هو سوق المقادير إلى المواقيت. # (1383) قال مقاتل: وسبب نزول هذه الآية أن اليهود قالت: إن الله لا يقضي ~~في يوم السبت شيئا، فنزلت: كل يوم هو في شأن. # (1384) عن عبد الله بن منيب «2» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما ~~سئل عن ذاك الشأن: «يغفر ذنبا PageV04P210 # ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين» . ### | ### | [سورة الرحمن (55) : الآيات 31 الى # 36] # سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) فبأي آلاء ربكما تكذبان (32) يا معشر الجن ~~والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون ~~إلا بسلطان (33) فبأي آلاء ربكما تكذبان (34) يرسل عليكما شواظ من نار ~~ونحاس فلا تنتصران (35) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (36) # قوله عز وجل: سنفرغ لكم قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن ~~عامر: «سنفرغ» بنون مفتوحة. وقرأ ابن مسعود، وعكرمة، والأعمش، وحمزة، ~~والكسائي، وعبد الوارث: «سيفرغ» بياء مفتوحة. وقرأ ابن السميفع، وابن يعمر، ~~وأبو عبيدة، وعاصم الجحدري والحلبي عن عبد الوارث: # «سيفرغ» ms2197 بضم الياء وفتح الراء. قال الفراء: هذا وعيد من الله تعالى، لأنه ~~لا يشغله شيء عن شيء، تقول للرجل الذي لا شغل له: قد فرغت لي، قد فرغت ~~تشتمني؟! أي: قد أخذت في هذا وأقبلت عليه؟ وقال الزجاج: الفراغ في اللغة ~~على ضربين. أحدهما: الفراغ من شغل. والآخر: القصد للشيء، تقول: قد فرغت مما ~~كنت فيه، أي: قد زال شغلي به، وتقول: سأتفرغ لفلان، أي: سأجعله قصدي، ومعنى ~~الآية: سنقصد لحسابكم. فأما «الثقلان» فهما الجن والإنس، سميا بذلك لأنهما ~~ثقل الأرض. # قوله عز وجل: أن تنفذوا أي: تخرجوا يقال: نفذ الشيء من الشيء: إذا خلص ~~منه، كالسهم ينفذ من الرمية والأقطار: النواحي والجوانب وفي معنى الكلام ~~ثلاثة أقوال: أحدها: إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموا، ~~قاله ابن عباس. والثاني: إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار ~~السموات والأرض فاهربوا واخرجوا منها والمراد: أنكم حيثما كنتم أدرككم ~~الموت، هذا قول الضحاك ومقاتل في آخرين. والثالث: إن استطعتم أن تجوزوا ~~أطراف السموات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا وإنما يقال ~~لهم هذا يوم القيامة، ذكره ابن جرير. قوله عز وجل: لا تنفذون إلا بسلطان ~~فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لا تنفذون إلا في سلطان الله عز وجل، لأنه مالك كل ~~شيء، قاله ابن عباس. والثاني: لا تنفذون إلا بحجة، قاله مجاهد. # والثالث: لا تنفذون إلا بملك، وليس لكم ملك، قاله قتادة. # قوله عز وجل: يرسل عليكما فثنى على اللفظ. وقد جمع في قوله: إن استطعتم ~~على المعنى. فأما «الشواظ» ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لهب النار، قاله ~~ابن عباس. وقال مجاهد: هو اللهب الأخضر المنقطع من النار. والثاني: الدخان، ~~قاله سعيد بن جبير. والثالث: النار المحضة، قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: ~~هي النار التي تأجج لا دخان فيها، ويقال: شواط وشواظ. وقرأ ابن كثير بكسر ~~الشين وقرأ أيضا هو وأهل البصرة: «ونحاس» بالخفض، والباقون برفعها. وفي ~~«النحاس» قولان: # أحدهما: أنه دخان النار، رواه أبو صالح عن ms2198 ابن عباس، وبه قال سعيد بن ~~جبير والفراء وأبو عبيدة وابن قتيبة والزجاج، ومنه قول الجعدي يذكر امرأة: # تضيء كضوء سراج السليط ... لم يجعل الله فيه نحاسا # وذكر الفراء في السليط ثلاثة أقوال: أحدها: أنه دهن السنام، وليس له دخان ~~إذا استصبح به. # والثاني: أنه دهن السمسم. والثالث: أنه الزيت. والقول الثاني: أنه الصفر ~~المذاب يصب على # PageV04P211 # رؤوسهم، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة. قال مقاتل: ~~والمراد بالآية: كفار الجن والإنس، يرسل عليهما في الآخرة لهب النار والصفر ~~الذائب، وهي خمسة أنهار تجري على رؤوس أهل النار، ثلاثة أنهار من تحت العرش ~~على مقدار الليل، ونهران على مقدار أنهار الدنيا، فلا تنتصران أي: فلا ~~تمتنعان من ذلك «1» . ### | ### | [سورة الرحمن (55) : الآيات 37 الى # 45] # فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (37) فبأي آلاء ربكما تكذبان (38) ~~فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان (39) فبأي آلاء ربكما تكذبان (40) يعرف ~~المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام (41) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (42) هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون (43) ~~يطوفون بينها وبين حميم آن (44) فبأي آلاء ربكما تكذبان (45) # قوله تعالى: فإذا انشقت السماء أي: انفرجت من المجرة لنزول من فيها يوم ~~القيامة فكانت وردة وفيها قولان: أحدهما: كلون الفرس الوردة، قاله أبو ~~صالح، والضحاك. وقال الفراء: الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى ~~الصفرة، فإذا اشتد الحر كانت وردة حمراء، فإذا كان بعد ذلك كانت وردة إلى ~~الغبرة، فشبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل وكذلك قال الزجاج: «فكانت ~~وردة» كلون فرس وردة، والكميت: الورد يتلون، فيكون لونه في الشتاء خلاف ~~لونه في الصيف، ولونه في الصيف خلاف لونه في الشتاء، والسماء تتلون من ~~الفزع الأكبر. وقال ابن قتيبة: المعنى: فكانت حمراء في لون الفرس الورد. ~~والثاني: أنها وردة النبات وقد تختلف ألوانها، إلا أن الأغلب عليها الحمرة، ~~ذكره الماوردي. وفي الدهان قولان: أحدهما: أنه واحد، وهو الأديم الأحمر، ~~قاله ابن عباس. والثاني: أنه جمع دهن، والدهن تختلف ألوانه بخضرة وحمرة ~~وصفرة، حكاه اليزيدي، وإلى ms2199 نحوه ذهب مجاهد، وقال الفراء: شبه تلون السماء ~~بتلون الوردة من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن. # قوله تعالى: فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~لا يسألون ليعلم حالهم، لأن الله تعالى أعلم منهم بذلك. والثاني: لا يسأل ~~بعضهم بعضا عن حاله لاشتغال كل واحد منهم بنفسه، روي القولان عن ابن عباس. ~~والثالث: لا يسألون عن ذنوبهم لأنهم يعرفون بسيماهم، فالكافر أسود الوجه، ~~والمؤمن أغر الوجه محجل من أثر وضوئه، قاله الفراء. قال الزجاج: لا يسأل ~~أحد عن ذنبه ليستفهم، ولكنه يسأل سؤال توبيخ وتقريع. # قوله عز وجل: يعرف المجرمون بسيماهم قال الحسن: بسواد الوجوه، وزرق ~~الأعين فيؤخذ بالنواصي والأقدام فيه قولان: أحدهما: أن خزنة جهنم تجمع بين ~~نواصيهم إلى أقدامهم من وراء ظهورهم ثم يدفعونهم على وجوههم في النار، قاله ~~مقاتل. والثاني: يؤخذ بالنواصي والأقدام فيسحبون إلى النار، ذكره الثعلبي. ~~وروى مردويه الصائغ، قال: صلى بنا الإمام صلاة الصبح فقرأ سورة «الرحمن» ~~ومعنا علي بن الفضيل بن عياض، فلما قرأ «يعرف المجرمون بسيماهم» خر علي ~~مغشيا عليه حتى فرغنا من الصلاة، فلما كان بعد ذلك قلنا له: أما سمعت ~~الإمام يقرأ «حور مقصورات في الخيام» ؟ قال: PageV04P212 # شغلني عنها «يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام» . # قوله عز وجل: هذه جهنم أي يقال لهم: هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ~~يعني المشركين يطوفون بينها وقرأ أبو العالية وأبو عمران الجوني: «يطوفون» ~~بياء مضمومة مع تشديد الواو، وقرأ الأعمش مثله إلا أنه بالتاء. قوله عز وجل ~~وبين حميم آن قال ابن قتيبة: الحميم: الماء الحار، والآني: الذي قد انتهت ~~شدة حره. قال المفسرون: المعنى أنهم يسعون بين عذاب الحميم وبين عذاب ~~الجحيم، إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم الشديد الحرارة. ### | ### | [سورة الرحمن (55) : الآيات 46 الى # 53] # ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) فبأي آلاء ربكما تكذبان (47) ذواتا أفنان ~~(48) فبأي آلاء ربكما تكذبان (49) فيهما عينان تجريان (50) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (51) فيهما من كل فاكهة زوجان (52) فبأي ms2200 آلاء ~~ربكما تكذبان (53) # قوله عز وجل: ولمن خاف مقام ربه جنتان فيه قولان: أحدهما: قيامه بين يدي ~~الله عز وجل يوم الجزاء. والثاني: قيام الله على عبده بإحصاء ما اكتسبه. ~~وجاء في التفسير، أن العبد يهم بمعصية فيتركها خوفا من الله عز وجل فله ~~جنتان، وهما بستانان ذواتا أفنان فيه قولان: أحدهما: أنها الأغصان، وهي جمع ~~فنن، وهو الغصن المستقيم طولا، وهذا قول مجاهد، وعكرمة، وعطية، والفراء، ~~والزجاج. # والثاني: أنها الألوان والضروب من كل شيء، وهي جمع فن، وهذا قول سعيد بن ~~جبير. وقال الضحاك: ذواتا ألوان من الفاكهة. وجمع عطاء بين القولين، فقال: ~~في كل غصن فنون من الفاكهة. # قوله تعالى: فيهما عينان تجريان قال ابن عباس: تجريان بالماء الزلال، ~~إحداهما: السلسبيل، والأخرى: التسنيم. وقال عطية: إحداهما: من ماء غير آسن، ~~والأخرى: من خمر. وقال أبو بكر الوراق: فيهما عينان تجريان لمن كانت له في ~~الدنيا عينان تجريان من البكاء. # قوله عز وجل: فيهما من كل فاكهة زوجان أي: صنفان ونوعان. قال المفسرون: ~~فيهما من كل ما يتفكه به نوعان، رطب ويابس، لا يقصر أحدهما عن الآخر في ~~فضله. ### | [سورة الرحمن (55) : الآيات 54 الى 61] # متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان (54) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (55) فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (56) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (57) كأنهن الياقوت والمرجان (58) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (59) هل جزاء الإحسان إلا الإحسان (60) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (61) # متكئين هذا حال المذكورين على فرش جمع فراش بطائنها جمع بطانة، وهي التي ~~تحت الظهارة. وقال أبو هريرة: هذه البطائن، فما ظنكم بالظهائر؟! وقال ابن ~~عباس: إنما ترك وصف الظواهر، لأنه ليس أحد يعلم ما هي. وقال قتادة: ~~البطائن: هي الظواهر بلغة قوم. وكان الفراء يقول: # قد تكون البطانة ظاهرة، والظهارة باطنة، لأن كل واحد منهما قد يكون وجها، ~~والعرب تقول: هذا ظهر السماء، وهذا بطن السماء، لظاهرها، وهو الذي تراه، ~~وقال ابن الزبير يعيب قتلة عثمان: خرجوا عليه كاللصوص من وراء القرية، ms2201 ~~فقتلهم الله كل قتلة، ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب. يعني هربوا ليلا ~~فجعلوا ظهور الكواكب بطونا، وذلك جائز في العربية. وأنكر هذا القول ابن ~~قتيبة جدا، وقال: # PageV04P213 # إنما أراد الله أن يعرفنا- من حيث نفهم- فضل هذه الفرش وأن ما ولي الأرض ~~منها إستبرق، وإذا كانت البطانة كذلك، فالظهارة أعلى وأشرف. وهل يجوز لأحد ~~أن يقول لوجه مصل: هذا بطانته، ولما ولي الأرض منه: هذا بطانته؟! وإنما ~~يجوز هذا في ذي الوجهين المتساويين، تقول لما وليك من الحائط: # هذا ظهر الحائط، ويقول جارك لما وليه: هذا ظهر الحائط، وكذلك السماء ما ~~ولينا منها: ظهر، وهي لمن فوقها: بطن. وقد ذكرنا الإستبرق في سورة الكهف ~~«1» . # قوله عز وجل: وجنى الجنتين دان قال أبو عبيدة: أي: ما يجتنى قريب لا يعني ~~الجاني. # قوله عز وجل فيهن قاصرات الطرف قد شرحناه في الصافات «2» . وفي قوله: ~~«فيهن» قولان: # أحدهما: أنها تعود إلى الجنتين وغيرهما مما أعد لصاحب هذه القصة، قاله ~~الزجاج. والثاني: أنها تعود إلى الفرش، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. # قوله عز وجل: لم يطمثهن قرأ الكسائي بضم الميم، والباقون بكسرها، وهما ~~لغتان: يطمث ويطمث، مثل يعكف ويعكف. وفي معناه قولان: أحدهما: لم يفتضهن ~~والطمث: النكاح بالتدمية، ومنه قيل للحائض: طامث، قاله الفراء. والثاني: لم ~~يمسسهن يقال: ما طمث هذا البعير حبل قط، أي: ما مسه، قاله أبو عبيدة. قال ~~مقاتل: وذلك لأنهن خلقن من الجنة فعلى قوله، هذا صفة الحور. # وقال الشعبي: هن من نساء الدنيا لم يمسسهن مذ أنشئن خلق. وفي الآية دليل ~~على أن الجني يغشى المرأة كالإنسي. # قوله عز وجل: كأنهن الياقوت والمرجان قال قتادة: هن في صفاء الياقوت ~~وبياض المرجان. # وذكر الزجاج أن أهل التفسير وأهل اللغة قالوا: هن في صفاء الياقوت وبياض ~~المرجان، والمرجان: # صغار اللؤلؤ، وهو أشد بياضا. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: ~~«الياقوت» فارسي معرب، والجمع «اليواقيت» ، وقد تكلمت به العرب، قال مالك ~~بن نويرة اليربوعي: # لن يذهب اللؤم تاج قد حبيت به ms2202 ... من الزبرجد والياقوت والذهب # قوله عز وجل: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان قال الزجاج، أي: ما جزاء من ~~أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة. وقال ابن عباس: هل جزاء من ~~قال: «لا إله إلا الله» وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا ~~الجنة. وروى أنس بن مالك قال: # (1385) قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، وقال: «هل تدرون ما ~~قال ربكم» ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن ربكم يقول: هل جزاء من ~~أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة» ؟! PageV04P214 ### | [سورة الرحمن (55) : الآيات 62 الى 78] # ومن دونهما جنتان (62) فبأي آلاء ربكما تكذبان (63) مدهامتان (64) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (65) فيهما عينان نضاختان (66) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (67) فيهما فاكهة ونخل ورمان (68) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (69) فيهن خيرات حسان (70) فبأي آلاء ربكما تكذبان (71) # حور مقصورات في الخيام (72) فبأي آلاء ربكما تكذبان (73) لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جان (74) فبأي آلاء ربكما تكذبان (75) متكئين على رفرف خضر ~~وعبقري حسان (76) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (77) تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام (78) # قوله تعالى: ومن دونهما جنتان قال الزجاج: المعنى: ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان، وله من دونهما جنتان. وفي قوله: «ومن دونهما» قولان: أحدهما: دونهما ~~في الدرج، قاله ابن عباس. # والثاني: دونهما في الفضل، كما روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # (1386) «جنتان من ذهب وجنتان من فضة» وإلى نحو هذا ذهب ابن زيد، ومقاتل. # قوله تعالى: مدهامتان قال ابن عباس وابن الزبير: خضراوان من الري. وقال ~~أبو عبيدة: من خضرتهما قد اسودتا. قال الزجاج: يعني أنهما خضراوان تضرب ~~خضرتهما إلى السواد، وكل نبت أخضر فتمام خضرته وريه أن يضرب إلى السواد. ~~قوله تعالى: ضاختان # قال أبو عبيدة: فوارتان. # وقال ابن قتيبة: تفوران، و «النضخ» أكثر من «النضح» . وفيما يفوران به ~~أربعة أقوال: أحدهما: بالمسك والكافور، قاله ابن مسعود. والثاني: بالماء، ~~قاله ابن عباس. والثالث: بالخير والبركة، قاله الحسن. # والرابع: بأنواع الفاكهة، قاله سعيد بن جبير. # قوله تعالى: ونخل ms2203 ورمان قال ابن عباس: نخل الجنة: جذوعها زمرد أخضر، ~~وكربها: ذهب أحمر، وسعفها: كسوة أهل الجنة، منها مقطعاتهم وحللهم. وقال ~~سعيد بن جبير: نخل الجنة: # جذوعها من ذهب، وعروقها من ذهب، وكرانيفها من زمرد، ورطبها كالدلاء أشد ~~بياضا من اللبن، وألين من الزبد، وأحلى من العسل، ليس له عجم. قال أبو ~~عبيد: الكرانيف: أصول السعف الغلاظ، الواحدة: كرنافة. وإنما أعاد ذكر النخل ~~والرمان- وقد دخلا في الفاكهة- لبيان فضلهما كما ذكرنا في قوله: وملائكته ~~ورسله وجبريل وميكال «1» ، هذا قول جمهور المفسرين واللغويين. وحكى الفراء ~~والزجاج أن قوما قالوا: ليسا من الفاكهة قال الفراء: وقد ذهبوا مذهبا، ولكن ~~العرب تجعلهما فاكهة. # قال الأزهري: ما علمت أحدا من العرب قال في النخيل والكروم وثمارها: إنها ~~ليست من الفاكهة، PageV04P215 # وإنما قال من قال، لقلة علمه بكلام العرب، فالعرب تذكر أشياء جملة ثم تخص ~~شيئا منها بالتسمية تنبيها على فضل فيه، كقوله: «وجبريل وميكال» فمن قال: ~~ليسا من الملائكة كفر، ومن قال: ثمر النخل والرمان ليس من الفاكهة جهل. ~~قوله تعالى: فيهن يعني في الجنان الأربع خيرات يعني الحور. وقرأ معاذ ~~القارئ، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك: «خيرات» بتشديد الياء. قال اللغويون: # أصله «خيرات» بالتشديد، فخفف، كما قيل: هين وهين، ولين ولين. # (1387) وروت أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «خيرات الأخلاق ~~حسان الوجوه» . # قوله تعالى: حور مقصورات قد بينا في سورة الدخان «1» معنى الحور. # وفي المقصورات قولان: أحدهما: المحبوسات في الحجال، قاله ابن عباس، وهو ~~مذهب الحسن، وأبي العالية، والقرظي، والضحاك، وأبي صالح. والثاني: ~~المقصورات الطرف على أزواجهن، فلا يرفعن طرفا إلى غيرهم، قاله الربيع. وعن ~~مجاهد كالقولين. والأول أصح، فإن العرب تقول: امرأة مقصورة وقصيرة وقصورة: ~~إذا كانت ملازمة خدرها، قال كثير: # لعمري لقد حببت كل قصيرة ... إلي، وما تدري بذاك القصائر # عنيت قصيرات الحجال، ولم أرد ... قصار الخطى، شر النساء البحاتر # وبعضهم ينشده: قصورة، وقصورات والبحاتر: القصار. # وفي «الخيام» قولان: أحدهما: أنها البيوت. والثاني: خيام تضاف إلى ~~القصور. # (1388) وقد روى البخاري ومسلم ms2204 في الصحيحين من حديث أبي موسى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # «إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها في السماء ستون ~~ميلا، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى بعضهم بعضا» . # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن مسعود وابن عباس: الخيام: در مجوف. ~~وقال ابن عباس: الخيمة لؤلؤة واحدة أربعة فراسخ في أربعة فراسخ، لها أربعة ~~آلاف مصراع من ذهب. # قوله تعالى: متكئين على رفرف، وقرأ عثمان بن عفان، وعاصم الجحدري، وابن ~~محيصن: # «على رفارف» جمع غير مصروف. وقرأ الضحاك، وأبو العالية، وأبو عمران ~~الجوني مثلهم، إلا أنهم PageV04P216 # صرفوا «رفارف» قال ثعلب: إنما لم يقل: أخضر، لأن الرفرف جمع، واحدته: ~~رفرفة، كقوله: الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا «1» ولم يقل: الخضر، لأن ~~الشجر جمع، تقول: هذا حصى أبيض، وحصى أسود، قال الشاعر: # أحقا عباد الله أن لست ماشيا ... بهرجاب ما دام الأراك به خضرا # واختلف المفسرون في المراد بالرفرف على ثلاثة أقوال: أحدها: فضول المجالس ~~والبسط، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال أبو عبيدة: هي: الفرش والبسط. وحكى ~~الفراء، وابن قتيبة: أنها المجالس. وقال النقاش: الرفرف: المجالس الخضر فوق ~~الفرش. والثاني: أنها رياض الجنة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سعيد ~~بن جبير رياض الجنة: خضراء مخصبة. والثالث: أنها الوسائد، قاله الحسن. # قوله تعالى: وعبقري حسان فيه قولان: أحدهما: أنها الزرابي، قاله ابن ~~عباس، وعطاء، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، وكذلك قال ابن قتيبة: العبقري: ~~الطنافس الثخان. قال أبو عبيدة: يقال لكل شيء من البسط: عبقري. والثاني: ~~أنه الديباج الغليظ، قاله مجاهد. قال الزجاج: أصل العبقري في اللغة أنه صفة ~~لكل ما بولغ في وصفه، وأصله أن عبقر: بلد كان يوشى فيه البسط وغيرها، فنسب ~~كل شيء جيد إليه، قال زهير: # بخيل عليها جنة عبقرية ... جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا # وقرأ عثمان بن عفان وعاصم الجحدري وابن محيصن: «وعباقري» بألف مكسورة ~~القاف مفتوحة الياء من غير تنوين قال الزجاج: ms2205 لا وجه لهذه القراءة في ~~العربية، لأن الجمع الذي بعد ألفه حرفان، نحو: مساجد ومصباح، لا يجوز أن ~~يكون فيه مثل عباقري، لأن ما جاوز الثلاثة لا يجمع بياء النسب، فلو جمعت ~~«عبقري» فإن جمعه «عباقرة» ، كما أنك لو جمعت «مهلبي» كان جمعه «مهالبة» ، ~~ولم تقل: # «مهالبي» ، قال: فإن قيل «عبقري» واحد، و «حسان» جمع، فكيف جاز هذا؟ ~~فالأصل أن واحدة هذا «عبقرية» والجمع «عبقري» ، كما تقول: ثمرة وثمر، ولوزة ~~ولوز، ويكون أيضا «عبقري» اسما للجنس. # وقرأ الضحاك وأبو العالية وأبو عمران: «وعباقري» بألف مع التنوين. # قوله عز وجل: تبارك اسم ربك فيه قولان: أحدهما: أن ذكر «الاسم» صلة، ~~والمعنى: تبارك ربك. والثاني: أنه أصل، قال ابن الأنباري: المعنى: تفاعل من ~~البركة، أي: البركة تكتب وتنال وتكسب بذكر اسمه. وقد بينا معنى «تبارك» في ~~«الأعراف» «2» ، وذكرنا في هذه السورة معنى ذي الجلال والإكرام «3» ، وكان ~~ابن عامر يقرأ: «ذو الجلال» وكذلك هي في مصاحف أهل الشام والباقون: «ذي ~~الجلال» وكذلك هي في مصاحف أهل الحجاز والعراق، وهم متفقون على الموضع ~~الأول أنه «ذو» . PageV04P217 ### | سورة الواقعة # وفيها قولان: أحدهما: أنها مكية، قاله الأكثرون، منهم ابن عباس، والحسن، ~~وعطاء وعكرمة، وقتادة، وجابر، ومقاتل، وحكي عن ابن عباس أن فيها آية مدنية ~~وهي قوله: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (82) . والثاني: أنها مدنية، رواه ~~عطية عن ابن عباس. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 1 الى # 12] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2) خافضة رافعة (3) إذا رجت ~~الأرض رجا (4) # وبست الجبال بسا (5) فكانت هباء منبثا (6) وكنتم أزواجا ثلاثة (7) فأصحاب ~~الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة (9) # والسابقون السابقون (10) أولئك المقربون (11) في جنات النعيم (12) # قوله تعالى: إذا وقعت الواقعة قال أبو سليمان الدمشقي: لما قال المشركون: ~~متى هذا الوعد، متى هذا الفتح؟! نزل قوله: إذا وقعت الواقعة، قال أبو ~~سليمان الدمشقي فالمعنى: يكون إذا وقعت. # قال المفسرون: والواقعة: القيامة، وكل آت يتوقع يقال له إذا كان: قد وقع، ~~والمراد بها ms2206 هاهنا: النفخة في الصور لقيام الساعة. ليس لوقعتها أي لمجيئها ~~وظهورها كاذبة أي: كذب، كقوله عز وجل: # لا تسمع فيها لاغية «1» أي: لغوا. قال الزجاج: و «كاذبة» مصدر، كقولك ~~عافاه الله عافية، وكذب كذبة، فهذه أسماء في موضع المصدر. وفي معنى الكلام ~~قولان: أحدهما: لا رجعة لها ولا ارتداد، قاله قتادة. والثاني: ليس الإخبار ~~عن وقوعها كذبا، حكاه الماوردي. # قوله عز وجل: خافضة أي: هي خافضة رافعة وقرأ أبو رزين، وأبو عبد الرحمن، ~~وأبو العالية، والحسن، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة، واليزيدي في اختياره: ~~«خافضة رافعة» بالنصب فيهما. # وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: أنها خفضت فأسمعت القريب، ورفعت فأسمعت ~~البعيد، رواه العوفي عن ابن عباس، وهذا يدل على أن الواقعة صيحة القيامة. ~~والثاني: أنها خفضت ناسا، ورفعت آخرين، رواه عكرمة عن ابن عباس. قال ~~المفسرون: تخفض أقواما إلى أسفل السافلين في النار، وترفع أقواما إلى عليين ~~في الجنة. PageV04P218 # قوله عز وجل: إذا رجت الأرض رجا أي: حركت حركة شديدة وزلزلت، وذلك أنها ~~ترتج حتى يتهدم ما عليها من بناء، ويتفتت ما عليها من جبل. وفي ارتجاجها ~~قولان: أحدهما: أنه لإماتة من عليها من الأحياء. الثاني: لإخراج من في ~~بطنها من الموتى. # قوله عز وجل: وبست الجبال بسا فيه قولان: أحدهما: فتتت فتا، رواه ابن أبي ~~طلحة عن ابن عباس. وبه قال مجاهد. قال ابن قتيبة: فتت حتى صارت كالدقيق ~~والسويق المبسوس. والثاني: لتت، قاله قتادة: وقال الزجاج: خلطت ولتت. قال ~~الشاعر: # لا تخبزن خبزا وبس بسا # وفي «الهباء» أقوال قد ذكرناها في الفرقان «1» . وذكر ابن قتيبة أن ~~الهباء المنبث: ما سطع من سنابك الخيل، وهو من «الهبوة» ، والهبة: الغبار. ~~والمعنى: كانت ترابا منتشرا. # قوله عز وجل: وكنتم أزواجا أي: أصنافا ثلاثة. فأصحاب الميمنة وفيهم ~~ثمانية أقوال «2» : # أحدها: أنهم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت ذريته من صلبه، قاله ابن ~~عباس. والثاني: أنهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، قاله الضحاك والقرظي. ~~والثالث: أنهم الذين كانوا ميامين على أنفسهم، أي: مباركين، قاله ms2207 الحسن ~~والربيع. والرابع: أنهم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن، قاله زيد بن أسلم. # والخامس: أنهم الذين منزلتهم عن اليمين، قاله ميمون بن مهران. والسادس: ~~أنهم أهل الجنة، قاله السدي. والسابع: أنهم أصحاب المنزلة الرفيعة، قاله ~~الزجاج. والثامن: أنهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، ذكره علي بن ~~أحمد النيسابوري. قوله عز وجل: ما أصحاب الميمنة قال الفراء: # عجب نبيه صلى الله عليه وسلم منهم والمعنى: أي شيء هم؟! قال الزجاج: وهذا ~~اللفظ في العربية مجراه مجرى التعجب، ومجراه من الله عز وجل في مخاطبة ~~العباد ما يعظم به الشأن عندهم، ومثله: ما الحاقة «3» ، ما القارعة «4» قال ~~ابن قتيبة: ومثله أن تقول: زيد ما زيد أي رجل هو! وأصحاب المشئمة ما أصحاب ~~المشئمة أي: أصحاب الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى: الشؤمى، والجانب ~~الأيسر الأشأم، ومنه قيل: اليمن والشؤم، فاليمن: كأنه ما جاء عن اليمين، ~~والشؤم ما جاء عن الشمال، ومنه سميت اليمن و «الشأم» لأنها عن يمين الكعبة ~~وشمالها. قال المفسرون: أصحاب الميمنة: هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين، ~~ويعطون كتبهم بأيمانهم وتفسير أصحاب المشأمة على ضد تفسير أصحاب الميمنة ~~سواء، PageV04P219 # والمعنى: أي قوم هم؟! ماذا أعد لهم من العذاب؟! قوله عز وجل: والسابقون ~~السابقون فيهم خمسة أقوال: أحدها: أنهم السابقون إلى الإيمان من كل أمة، ~~قاله الحسن، وقتادة. والثاني: أنهم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن ~~سيرين. والثالث: أهل القرآن، قاله كعب. والرابع: الأنبياء، قاله محمد بن ~~كعب. والخامس: السابقون إلى المساجد وإلى الخروج في سبيل الله، قاله عثمان ~~بن أبي سودة. وفي إعادة ذكرهم قولان: أحدهما: أن ذلك للتوكيد. # والثاني: أن المعنى: السابقون إلى طاعة الله تعالى هم السابقون إلى رحمة ~~الله، ذكرهما الزجاج. قوله عز وجل: أولئك المقربون قال أبو سليمان الدمشقي: ~~يعني عند الله في ظل عرشه وجواره. ### | ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 13 الى # 26] # ثلة من الأولين (13) وقليل من الآخرين (14) على سرر موضونة (15) متكئين ~~عليها متقابلين (16) يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) # بأكواب وأباريق وكأس من معين ms2208 (18) لا يصدعون عنها ولا ينزفون (19) وفاكهة ~~مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون (21) وحور عين (22) # كأمثال اللؤلؤ المكنون (23) جزاء بما كانوا يعملون (24) لا يسمعون فيها ~~لغوا ولا تأثيما (25) إلا قيلا سلاما سلاما (26) # قوله تعالى: ثلة من الأولين (13) الثلة: الجماعة غير محصورة العدد. وفي ~~الأولين والآخرين هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أن الأولين: الذين كانوا من ~~زمن آدم إلى زمن نبينا صلى الله عليه وسلم، والآخرين: هذه الأمة. والثاني: ~~أن الأولين: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخرين: التابعون. ~~والثالث: أن الأولين والآخرين: من أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ~~فعلى الأول يكون المعنى: إن السابقين جماعة من الأمم المتقدمة الذين سبقوا ~~بالتصديق لأنبيائهم من جاء بعدهم مؤمنا، وقليل من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، لأن الذين عاينوا الأنبياء أجمعين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين نبينا ~~وصدق به. وعلى الثاني: أن السابقين: جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهم الأولون من المهاجرين والأنصار، وقليل من التابعين وهم ~~الذين اتبعوهم باحسان. وعلى الثالث: أن السابقين: الأولون من المهاجرين ~~والأنصار، وقليل ممن جاء بعدهم لعجز المتأخرين أن يلحقوا الأولين، فقليل ~~منهم من يقاربهم في السبق. وأما «الموضونة» ، فقال ابن قتيبة هي المنسوجة، ~~كأن بعضها أدخل في بعض، أو نضد بعضها على بعض، ومنه قيل للدرع: # موضونة، ومنه قيل: وضين الناقة، وهو بطان من سيور يدخل بعضه في بعض. قال ~~الفراء: سمعت بعض العرب يقول: الآجر موضون بعضه على بعض، أي: مسروح، ~~وللمفسرين في معنى «موضونة» قولان: أحدهما: مرمولة بالذهب رواه مجاهد عن ~~ابن عباس، وقال عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت، وهذا معنى ما ذكرناه عن ابن ~~قتيبة، وبه قال الأكثرون. والثاني: مصفوفة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. ~~وما بعد هذا ما تقدم بيانه «1» إلى قوله: ولدان مخلدون الولدان: الغلمان. ~~وقال الحسن البصري: هؤلاء أطفال لم يكن لهم حسنات فيجزون بها، ولا سيئات ~~فيعاقبون عليها، فوضعوا بهذا الموضع. وفي المخلدين قولان: أحدهما: أنه من ~~الخلد، والمعنى: أنهم مخلدون للبقاء ms2209 لا يتغيرون، وهم على سن واحد. قال ~~الفراء: والعرب تقول للإنسان إذا كبر ولم يشمط «2» ، أو لم تذهب أسنانه عن ~~PageV04P220 # الكبر: إنه لمخلد، هذا قول الجمهور. والثاني: أنهم المقرطون، ويقال: ~~المسورون، ذكره الفراء، وابن قتيبة، وانشدوا في ذلك: # ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أقاوز الكثبان «1» # قوله عز وجل: بأكواب وأباريق الكوب: إناء لا عروة له ولا خرطوم، وقد ~~ذكرناه في الزخرف «2» ، والأباريق: آنية لها عرى وخراطيم وقرأت على شيخنا ~~أبي منصور اللغوي قال: الإبريق: # فارسي معرب، وترجمته من الفارسية أحد شيئين إما أن يكون: طريق الماء، أو: ~~صب الماء على هينة، وقد تكلمت به العرب قديما، قال عدي بن زيد: # ودعا بالصبوح يوما فجاءت ... قينة في يمينها إبريق # وباقي الآية في «الصافات» «3» . # قوله عز وجل لا يصدعون عنها ولا ينزفون فيه قولان: أحدهما: لا يلحقهم ~~الصداع الذي يلحق شاربي خمر الدنيا. و «عنها» كناية عن الكأس المذكورة، ~~والمراد بها: الخمر، وهذا قول الجمهور. # والثاني: لا يتفرقون عنها، من قولك: صدعته فانصدع، حكاه ابن قتيبة. قوله ~~«ولا ينزفون» مفسر في «الصافات» «4» . # قوله عز وجل: مما يتخيرون أي: يختارون، تقول: تخيرت الشيء: إذا أخذت ~~خيره. # قوله عز وجل: ولحم طير قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير، فيصير ممثلا ~~بين يديه على ما اشتهي. وقال مغيث بن سمي: يقع على أغصان شجرة طوبى كأمثال ~~البخت. فإذا اشتهى الرجل طيرا دعاه، فيجيء حتى يقع على خوانه، فيأكل من أحد ~~جانبيه قديدا والآخر شواء، ثم يعود طيرا فيطير فيذهب. # قوله عز وجل: وحور عين قرأ ابن كثير وعاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر: ~~«وحور عين» بالرفع فيهما. وقرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل عن عاصم: ~~بالخفض فيهما. وقرأ أبي بن كعب وعائشة وأبو العالية وعاصم الجحدري: «وحورا ~~عينا» بالنصب فيهما. قال الزجاج: والذين رفعوا كرهوا الخفض، لأنه معطوف على ~~قوله: يطوف عليهم، قالوا: والحور ليس مما يطاف به، ولكنه مخفوض على غير ما ~~ذهب إليه هؤلاء لأن المعنى: يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ينعمون بها، ms2210 ~~فكذلك ينعمون بلحم طير، وكذلك ينعمون بحور عين، والرفع أحسن، والمعنى فلهم ~~حور عين، ومن قرأ «وحورا عينا» حمله على المعنى، لأن المعنى: يعطون هذه ~~الأشياء ويعطون حورا عينا، إلا أنها تخالف المصحف فيكره. ومعنى كأمثال ~~اللؤلؤ أي: صفاؤهن وتلألؤهن شديد كصفاء اللؤلؤ وتلألئه. والمكنون: الذي لم ~~يغيره الزمان واختلاف أحوال في الاستعمال، فهن كاللؤلؤ حين يخرج من صدفه. ~~جزاء منصوب مفعول له والمعنى: يفعل بهم ذلك جزاء بأعمالهم، وجوز أن يكون ~~منصوبا على أنه مصدر لأن معنى «يطوف عليهم ولدان مخلدون» : يجازون جزاء ~~بأعمالهم وأكثر النحويين على هذا الوجه. PageV04P221 # قوله عز وجل: لا يسمعون فيها لغوا قد فسرنا معنى اللغو والسلام في سورة ~~مريم «1» ومعنى التأثيم في الطور «2» ومعنى «ما أصحاب اليمين» في أول هذه ~~السورة «3» . # فإن قيل: التأثيم لا يسمع فكيف ذكره مع المسموع؟. فالجواب: أن العرب ~~يتبعون آخر الكلام أوله، وإن لم يحسن في أحدهما ما يحسن في الآخر، فيقولون: ~~أكلت خبزا ولبنا، واللبن لا يؤكل، إنما حسن هذا لأنه كان مع ما يؤكل، قال ~~الفراء: أنشدني بعض العرب: # إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا # قال: والعين لا تزجج إنما تكحل، فردها على الحاجب لأن المعنى يعرف، وأنشد ~~آخر: # ولقيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا # وأنشدني: # علفتها تبنا وماء باردا # والماء لا يعلف وإنما يشرب، فجعله تابعا للتبن، قال الفراء: وهذا هو وجه ~~قراءة من قرأ، «وحور عين» بالخفض، لإتباع آخر الكلام أوله، وهو وجه ~~العربية. ### | ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 27 الى # 40] # وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (27) في سدر مخضود (28) وطلح منضود (29) ~~وظل ممدود (30) وماء مسكوب (31) # وفاكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ولا ممنوعة (33) وفرش مرفوعة (34) إنا ~~أنشأناهن إنشاء (35) فجعلناهن أبكارا (36) # عربا أترابا (37) لأصحاب اليمين (38) ثلة من الأولين (39) وثلة من ~~الآخرين (40) # وقد شرحنا معنى قوله: وأصحاب اليمين في قوله: فأصحاب الميمنة «4» . وقد ~~روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أصحاب اليمين: أطفال المؤمنين. # قوله عز وجل: في سدر مخضود. # (1389) سبب نزولها أن المسلمين نظروا إلى ms2211 وج، وهو واد بالطائف مخضب، ~~فأعجبهم سدره. # قالوا: يا ليت لنا مثل هذا؟ فنزلت هذه الآية، قاله أبو العالية، والضحاك. # وفي المخضود ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الذي لا شوك فيه، رواه ابن أبي طلحة ~~عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، وقسامة بن زهير. وقال ابن قتيبة: كأنه خضد ~~شوكه. أي: قلع. # (1390) ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة: «لا يخضد شوكها» . ~~PageV04P222 # والثاني: أنه الموقر حملا، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ~~والضحاك. والثالث: # أنه الموقر الذي لا شوك فيه، ذكره قتادة. # وفي الطلح قولان: أحدهما: أنه الموز، قاله علي، وابن عباس، وأبو هريرة، ~~وأبو سعيد الخدري، والحسن، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أنه ~~شجر عظام كبار الشوك، قال أبو عبيدة: هذا هو الطلح عند العرب، قال الحادي: # بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا # فإن قيل: ما الفائدة في الطلح؟ فالجواب أن له نورا وريحا طيبة، فقد وعدهم ~~ما يعرفون ويميلون إليه، وإن لم يقع التساوي بينه وبين ما في الدنيا، وقال ~~مجاهد: كانوا يعجبون ب «وج» وظلاله من طلحه وسدره، فأما المنضود، فقال ابن ~~قتيبة: هو الذي قد نضد بالحمل أو بالورق والحمل من أوله إلى آخره، فليس له ~~ساق بارزة، وقال مسروق: شجر الجنة نضد من أسفلها إلى أعلاها. # قوله عز وجل: وظل ممدود أي: دائم لا تنسخه الشمس. وماء مسكوب أي: جار غير ~~منقطع. # قوله عز وجل لا مقطوعة ولا ممنوعة فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لا مقطوعة في ~~حين دون حين، ولا ممنوعة بالحيطان والنواطير إنما هي مطلقة لمن أرادها، هذا ~~قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، ولخصه بعضهم فقال: لا مقطوعة ~~بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. والثاني: لا تنقطع إذا جنيت، ولا تمنع من ~~أحد إذا أريدت، روي عن ابن عباس. والثالث: لا مقطوعة بالفناء، ولا ممنوعة ~~بالفساد، ذكره الماوردي. # قوله عز وجل: وفرش مرفوعة فيها قولان: أحدهما: أنها الحشايا المفروشة ~~للجلوس والنوم. # وفي رفعها قولان: أحدهما: أنها مرفوعة فوق السرر. والثاني: أن ms2212 رفعها: ~~زيادة حشوها ليطيب الاستمتاع بها.. والثاني: أن المراد بالفرش: النساء ~~والعرب تسمي المرأة: فراشا وإزارا ولباسا وفي معنى رفعهن ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنهن رفعن بالجمال على نساء أهل الدنيا، والثاني: رفعن عن الأدناس، ~~والثالث: رفعن في القلوب لشدة الميل إليهن. # قوله تعالى: إنا أنشأناهن إنشاء يعني النساء. قال ابن قتيبة: اكتفى بذكر ~~الفرش لأنها محل النساء عن ذكرهن. وفي المشار إليهن قولان: أحدهما: أنهن ~~نساء أهل الدنيا المؤمنات ثم في إنشائهن قولان: أحدهما: أنه إنشاؤهن من ~~القبور، قاله ابن عباس. والثاني: إعادتهن بعد الشمط والكبر صغارا، قاله ~~الضحاك. والثاني: أنهن الحور العين، وإنشاؤهن: إيجادهن عن غير ولادة، قاله ~~الزجاج: # والصواب أن يقال: إن الإنشاء عمهن كلهن، فالحور أنشئن ابتداء، والمؤمنات ~~أنشئن بالإعادة وتغيير الصفات وقد روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: PageV04P223 # (1391) «إن من المنشآت اللاتي كن في الدنيا عجائز عمشا رمصا» . # قوله عز وجل: فجعلناهن أبكارا أي: عذارى. قال ابن عباس: لا يأتيها زوجها ~~إلا وجدها بكرا. # قوله عز وجل: عربا قرأ الجمهور: بضم الراء. وقرأ حمزة، وخلف: بإسكان ~~الراء قال ابن جرير هي لغة تميم وبكر. وللمفسرين في معنى «عربا» خمسة ~~أقوال: أحدها: أنهن المتحببات إلى أزواجهن، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه ~~قال سعيد بن جبير، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: أنهن العواشق، رواه علي ~~بن أبي طلحة عن ابن عباس. وبه قال الحسن، وقتادة، ومقاتل، والمبرد، وعن ~~مجاهد كالقولين. # والثالث: الحسنة التبعل، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال أبو عبيدة. ~~والرابع: المغنجات، قاله عكرمة. والخامس: الحسنة الكلام، قاله ابن زيد. ~~فأما الأتراب فقد ذكرناهن في ص «1» . # قوله عز وجل: ثلة من الأولين (39) وثلة من الآخرين هذا من نعت أصحاب ~~اليمين. وفي الأولين والآخرين خلاف، قد سبق شرحه «2» . وقد زعم أنه لما ~~أنزلت الآية الأولى، وهي قوله: «وقليل من الآخرين» وجد المؤمنون من ذلك ~~وجدا شديدا حتى أنزلت «وثلة من الآخرين» فنسختها. وروي عن عروة بن رويم نحو ~~هذا المعنى. ms2213 # قلت: وادعاء النسخ هاهنا لا وجه له لثلاثة أوجه: أحدها: أن علماء الناسخ ~~والمنسوخ لم يوافقوا على هذا. والثاني: أن الكلام في الآيتين خبر، والخبر ~~لا يدخله النسخ. فهو هاهنا لا وجه له. # والثالث: أن الثلة بمعنى الفرقة والفئة قال الزجاج: اشتقاقهما من القطعة، ~~والثل: الكسر والقطع. # فعلى هذا قد يجوز أن تكون الثلة في معنى القليل. ### | ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 41 الى # 56] # وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (41) في سموم وحميم (42) وظل من يحموم ~~(43) لا بارد ولا كريم (44) إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (45) # وكانوا يصرون على الحنث العظيم (46) وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أإنا لمبعوثون (47) أوآباؤنا الأولون (48) قل إن الأولين والآخرين ~~(49) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم (50) # ثم إنكم أيها الضالون المكذبون (51) لآكلون من شجر من زقوم (52) فمالؤن ~~منها البطون (53) فشاربون عليه من الحميم (54) فشاربون شرب الهيم (55) # هذا نزلهم يوم الدين (56) # قوله عز وجل: ما أصحاب الشمال قد بينا أنه بمعنى التعجب من حالهم ~~والمعنى: ما لهم، وما أعد لهم من الشر؟! ثم بين سوء منقلبهم فقال: في سموم ~~قال ابن قتيبة: هو حر النار. قوله عز وجل: # وظل من يحموم قال ابن عباس: ظل من دخان: قال الفراء: اليحموم: الدخان ~~الأسود، لا بارد ولا كريم فوجه الكلام الخفض تبعا لما قبله، ومثله زيتونة ~~لا شرقية ولا غربية «3» ، وكذلك قوله: # وفاكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ولا ممنوعة، ولو رفعت ما بعد «لا» لكان ~~صوابا، والعرب تجعل الكريم PageV04P224 # تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا ينوي به الذم، فتقول: ما هذه الدار بواسعة ~~ولا كريمة، وما هذا بسمين ولا كريم. قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم ~~المنظر. قوله عز وجل: إنهم كانوا قبل ذلك أي: # في الدنيا مترفين أي: متنعمين في ترك أمر الله، فشغلهم ترفهم عن الاعتبار ~~والتعبد. وكانوا يصرون أي: يقيمون على الحنث وفيه أربعة أقوال: أحدها: أنه ~~الشرك، قاله ابن عباس، والحسن، والضحاك وابن زيد. والثاني: الذنب العظيم ~~الذي لا يتوبون منه، قاله مجاهد. وعن قتادة كالقولين. ms2214 والثالث: أنه اليمين ~~الغموس، قاله الشعبي. والرابع: الشرك والكفر بالبعث، قاله الزجاج. قوله عز ~~وجل: أوآباؤنا الأولون قال أبو عبيدة: الواو متحركة لأنها ليست بواو إنما ~~هي «وآباؤنا» ، فدخلت عليها ألف الاستفهام فتركت مفتوحة. وقرأ أهل المدينة، ~~وابن عامر،: «أو آباؤنا» بإسكان الواو. وقد سبق بيان ما لم نذكره هاهنا «1» ~~إلى قوله: فشاربون شرب الهيم قرأ أهل المدينة، وعاصم، وحمزة: «شرب الهيم» ~~بضم الشين والباقون بفتحها.. وأكثر أهل نجد يقولون: شربا بالفتح، أنشدني ~~عامتهم: # تكفيه حزة فلذ إن ألم بها ... من الشواء ويكفي شربه الغمر «2» # وزعم الكسائي أن قوما من بني سعد بن تميم يقولون: «شرب الهيم» بالكسر. ~~وقال الزجاج: # «الشرب» المصدر، و «الشرب» بالضم: الاسم. قال: وقد قيل: إنه مصدر أيضا. ~~وفي «الهيم» قولان: # أحدهما: الإبل العطاش، رواه ابن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~مجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك وقتادة. قال ابن قتيبة: هي الإبل يصيبها داء ~~فلا تروى من الماء، يقال: بعير أهيم، وناقة هيماء. والثاني: أنها الأرض ~~الرملة التي لا تروى من الماء، وهو مروي عن ابن عباس أيضا. قال أبو عبيدة: ~~الهيم: ما لا يروى من رمل أو بعير. # قوله عز وجل: هذا نزلهم أي: رزقهم، وروى عباس عن أبي عمرو: «نزلهم» بسكون ~~الزاي، أي رزقهم وطعامهم. وفى «الدين» قولان قد ذكرناهما في الفاتحة «3» . ### | ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 57 الى # 62] # نحن خلقناكم فلولا تصدقون (57) أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم ~~نحن الخالقون (59) نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (60) على أن ~~نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون (61) # ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون (62) # قوله عز وجل: نحن خلقناكم أي أوجدناكم ولم تكونوا شيئا، وأنتم تقرون بهذا ~~فلولا أي: # فهلا تصدقون بالبعث؟! ثم احتج على بعضهم بالقدرة على ابتدائهم فقال: ~~أفرأيتم ما تمنون قال الزجاج: أي: ما يكون منكم من المني، يقال: أمنى الرجل ~~يمني، ومنى يمني، فيجوز على هذا «تمنون» بفتح التاء إن ثبتت به رواية. قوله ~~عز وجل: أأنتم تخلقونه أم نحن ms2215 الخالقون أي تخلقون ما تمنون بشرا؟! وفيه ~~تنبيه على شيئين: أحدهما: الامتهان: إذ خلق من الماء المهين بشرا سويا. ~~والثاني: PageV04P225 # أن من قدر على خلق ما شاهدتموه من أصل وجودكم كان أقدر على خلق ما غاب ~~عنكم من إعادتكم. # قوله عز وجل: نحن قدرنا بينكم الموت وقرأ ابن كثير: «قدرنا» بتخفيف ~~الدال. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: قضينا عليكم بالموت. والثاني: سوينا ~~بينكم في الموت. وما نحن بمسبوقين (60) على أن نبدل أمثالكم قال الزجاج: ~~المعنى: إن أردنا أن نخلق خلقا غيركم لا يسبقنا سابق، ولا يفوتنا ذلك. # قال ابن قتيبة: لسنا مغلوبين على أن لم نستبدل بكم أمثالكم. قوله عز وجل: ~~وننشئكم في ما لا تعلمون # وفيه أربعة أقوال: أحدها: نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا ~~بمن كان قبلكم. # قاله الحسن. والثاني: ننشئكم في حواصل طير سود تكون ب «برهوت» كأنها ~~الخطاطيف، قاله سعيد بن المسيب. والثالث: نخلقكم في أي خلق شئنا، قاله ~~مجاهد. والرابع: نخلقكم في سوى خلقكم، قاله السدي. قال مقاتل: نخلقكم سوى ~~خلقكم في ما لا تعلمون من الصور. قوله عز وجل: ولقد علمتم النشأة الأولى ~~وهي ابتداء خلقكم من نطفة وعلقة فلولا تذكرون أي: فهلا تعتبرون فتعلموا ~~قدرة الله فتقروا بالبعث. ### | ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 63 الى # 74] # أفرأيتم ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) لو نشاء ~~لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (65) إنا لمغرمون (66) بل نحن محرومون (67) # أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ~~(69) لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون (70) أفرأيتم النار التي تورون ~~(71) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن (72) # نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (73) فسبح باسم ربك العظيم (74) # قوله عز وجل: أفرأيتم ما تحرثون أي: ما تعملون في الأرض من إثارتها، ~~وإلقاء البذر فيها، أأنتم تزرعونه أي: تنبتونه؟! وقد نبه هذا الكلام على ~~أشياء منها إحياء الموتى، ومنها الامتنان بإخراج القوت، ومنها القدرة ~~العظيمة الدالة على التوحيد. # قوله عز وجل: لجعلناه يعني الزرع حطاما قال عطاء: تبنا لا قمح فيه. وقال ms2216 ~~الزجاج: # أبطلناه حتى يكون منحطما لا حنطة فيه، ولا شيء. قوله عز وجل: فظلتم وقرأ ~~الشعبي وابو العالية وابن أبي عبلة: «فظلتم» بكسر الظاء وقد بيناه في قوله: ~~ظلت عليه عاكفا «1» . قوله عز وجل: # تفكهون قرأ أبي بن كعب وابن السميفع والقاسم بن محمد وعروة: «تفكنون» ~~بالنون. وفي المعنى أربعة أقوال: أحدها: تعجبون، قاله ابن عباس ومجاهد ~~وعطاء ومقاتل. قال الفراء: تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم. والثاني: تندمون، ~~قاله الحسن والزجاج. وعن قتادة كالقولين. قال ابن قتيبة: يقال «تفكهون» : ~~تندمون، ومثلها: تفكنون، وهي لغة لعكل. والثالث: تلاومون، قاله عكرمة. ~~والرابع: # تتفجعون، قاله ابن زيد. # قوله عز وجل: إنا لمغرمون قال الزجاج: أي: تقولون: قد غرمنا وذهب زرعنا. ~~وقال ابن قتيبة: «لمغرمون» أي: لمعذبون. قوله عز وجل: بل نحن محرومون أي: ~~حرمنا ما كنا نطلب من الريع في الزرع. وقد نبه بهذا على أمرين: أحدهما: ~~إنعامه عليهم إذ لم يجعل زرعهم حطاما. والثاني: قدرته PageV04P226 # على إهلاكهم كما قدر على إهلاك الزرع. فأما المزن، فهي السحاب، واحدتها: ~~مزنة. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: التي تورون قال أبو عبيدة: أي تستخرجون، ~~من أوريت، وأكثر ما يقال: وريت. # وقال ابن قتيبة: «تورون» أي: تقدحون، تقول: أوريت النار: إذا قدحتها. # قوله عز وجل: أأنتم أنشأتم شجرتها في المراد بشجرتها ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أنها الحديد، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنها الشجرة التي تتخد ~~منها الزنود، وهو خشب يحك بعضه ببعض فتخرج منه النار، هذا قول ابن قتيبة، ~~والزجاج. والثالث: أن شجرتها: أصلها، ذكره الماوردي. قوله عز وجل: نحن ~~جعلناها تذكرة قال المفسرون: إذا رآها الرائي ذكر نار جهنم، وما يخافه من ~~عذابها، فاستجار بالله منها ومتاعا أي: منفعة للمقوين وفيهم أربعة أقوال: ~~أحدها: أنهم المسافرون، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك. قال ابن قتيبة: ~~سموا بذلك لنزولهم القوى، وهو القفر. وقال بعض العلماء: المسافرون أكثر ~~حاجة إليها من المقيمين، لأنهم إذا أوقدوها هربت منهم السباع واهتدى بها ~~الضال. والثاني: أنهم المسافرون والحاضرون، ms2217 قاله مجاهد. والثالث: أنهم ~~الجائعون.، قال ابن زيد: # المقوي: الجائع في كلام العرب. والرابع: أنهم الذين لا زاد معهم ولا مال ~~لهم، قاله أبو عبيدة. # قوله عز وجل: فسبح باسم ربك العظيم قال الزجاج: لما ذكر ما يدل على ~~توحيده، وقدرته، وإنعامه، قال: «فسبح باسم ربك» أي: برئ الله ونزهه عما ~~يقولون في وصفه. وقال الضحاك: معناه: # فصل باسم ربك، أي: استفتح الصلاة بالتكبير. وقال ابن جرير: سبح بذكر ربك ~~وتسميته. وقيل: الباء زائدة. والاسم يكون بمعنى الذات، والمعنى: فسبح ربك. ### | ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 75 الى # 82] # فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) إنه لقرآن ~~كريم (77) في كتاب مكنون (78) لا يمسه إلا المطهرون (79) # تنزيل من رب العالمين (80) أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) وتجعلون رزقكم ~~أنكم تكذبون (82) # قوله عز وجل: فلا أقسم في «لا» قولان: أحدهما: أنها دخلت توكيدا. ~~والمعنى: # فأقسم، ومثله لئلا يعلم أهل الكتاب «1» ، قاله الزجاج، وهو مذهب سعيد بن ~~جبير. والثاني: أنها على أصلها. ثم في معناها قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى ~~ما تقدم، ومعناه: النهي، تقدير الكلام: فلا تكذبوا، ولا تجحدوا ما ذكرته من ~~النعم والحجج، قاله الماوردي. والثاني: أن «لا» ردا لما تقوله الكفار في ~~القرآن: إنه سحر، وشعر، وكهانة، ثم استأنف القسم على أنه قرآن كريم، قاله ~~علي بن أحمد النيسابوري. وقرأ الحسن: فلأقسم بغير ألف بين اللام والهمزة. # قوله عز وجل: بمواقع وقرأ حمزة، والكسائي: «بموقع» على التوحيد. قال أبو ~~علي: # مواقعها: مساقطها. ومن أفرد، فلأنه اسم جنس. ومن جمع فلاختلاف ذلك. وفي ~~«النجوم» قولان: # أحدهما: نجوم السماء، قاله الأكثرون. فعلى هذا في مواقعها ثلاثة أقوال: ~~أحدها: انكدارها وانتثارها يوم القيامة، قاله الحسن. والثاني: منازلها، ~~قاله عطاء، وقتادة. والثالث: مغيبها في PageV04P227 # المغرب، قاله أبو عبيدة. والثاني: أنها نجوم القرآن، رواه سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس. فعلى هذا سميت نجوما لنزولها متفرقة، ومواقعها: نزولها. قوله: ~~وإنه لقسم الهاء كناية عن القسم. وفي الكلام تقديم وتأخير، تقديره: وإنه ~~لقسم عظيم لو تعلمون عظمه. ms2218 ثم ذكر المقسم عليه فقال تعالى: # إنه لقرآن كريم والكريم: اسم جامع لما يحمد، وذلك أن فيه البيان والهدى ~~والحكمة، وهو معظم عند الله عز وجل. # قوله عز وجل: في كتاب فيه قولان: أحدهما: أنه اللوح المحفوظ، قاله ابن ~~عباس. والثاني: # أنه المصحف الذي بأيدينا، قاله مجاهد، وقتادة. وفي «المكنون» قولان: ~~أحدهما: مستور من الخلق، قاله مقاتل، وهذا على القول الأول. والثاني: مصون، ~~قاله الزجاج. # قوله عز وجل: لا يمسه إلا المطهرون من قال: إنه اللوح المحفوظ، فالمطهرون ~~عنده: # الملائكة، وهذا قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد وسعيد بن جبير. فعلى هذا ~~يكون الكلام خبرا. # ومن قال: هو المصحف، ففي المطهرين أربعة أقوال «1» : أحدها: أنهم ~~المطهرون من الأحداث، قاله الجمهور. فيكون ظاهر الكلام النفي، ومعناه ~~النهي. والثاني: المطهرون من الشرك، قاله ابن السائب. # والثالث: المطهرون من الذنوب والخطايا، قاله الربيع بن أنس. والرابع: أن ~~معنى الكلام: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به، حكاه الفراء. # قوله عز وجل: تنزيل أي: هو تنزيل. والمعنى: هو منزل، فسمي المنزل تنزيلا ~~على اتساع اللغة، كما تقول للمقدور: قدر، وللمخلوق: خلق. # قوله عز وجل: أفبهذا الحديث يعني: القرآن أنتم مدهنون فيه قولان: أحدهما: ~~مكذبون، قاله ابن عباس، والضحاك، والفراء. والثاني: ممالئون الكفار على ~~الكفر به، قاله مجاهد. قال أبو عبيدة: # المدهن: المداهن وكذلك قال ابن قتيبة «مدهنون» أي: مداهنون. يقال: أدهن ~~في دينه، وداهن. # وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون. # (1392) روى مسلم في «صحيحه» من حديث ابن عباس قال: مطر الناس على عهد ~~رسول PageV04P228 # الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أصبح من ~~الناس شاكر، ومنهم كافر» . قالوا: هذه رحمة آتية وضعها الله حيث شاء. وقال ~~بعضهم: لقد صدق نوء كذا، وكذا، فنزلت هذه الآية «فلا أقسم بمواقع النجوم» ~~حتى بلغ «أنكم تكذبون» . # (1393) وروى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث زيد بن خالد الجهني، ~~قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر ~~سماء كانت من ms2219 الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ~~ربكم» ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. ~~فأما المؤمن فقال: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذاك مؤمن بي، كافر بالكوكب. ~~وأما من قال: # مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب» . # وللمفسرين في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أن الرزق هاهنا بمعنى ~~الشكر. # (1394) روت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: وتجعلون رزقكم قال: # «شكركم» ، وهذا قول علي بن أبي طالب وابن عباس. وكان علي يقرأ «وتجعلون ~~شكركم» . # والثاني: أن المعنى: وتجعلون شكر رزقكم تكذيبكم، قاله الأكثرون. وذلك ~~أنهم كانوا يمطرون، فيقولون: مطرنا بنوء كذا. والثالث: أن الرزق بمعنى ~~الحظ. فالمعنى: وتجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون، ذكره الثعلبي. ~~وقرأ أبي بن كعب، والمفضل عن عاصم «وتكذبون» بفتح التاء، وإسكان الكاف، ~~مخففة الذال. ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 83 الى 96] # فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84) ونحن أقرب إليه ~~منكم ولكن لا تبصرون (85) فلولا إن كنتم غير مدينين (86) ترجعونها إن كنتم ~~صادقين (87) # فأما إن كان من المقربين (88) فروح وريحان وجنة نعيم (89) وأما إن كان من ~~أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين (91) وأما إن كان من المكذبين ~~الضالين (92) # فنزل من حميم (93) وتصلية جحيم (94) إن هذا لهو حق اليقين (95) فسبح باسم ~~ربك العظيم (96) PageV04P229 # قوله عز وجل: فلولا أي: فهلا إذا بلغت الحلقوم يعني: النفس، فترك ذكرها ~~لدلالة الكلام، وأنشدوا من ذلك: # إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر «1» قوله عز وجل: وأنتم يعني أهل الميت ~~تنظرون إلى سلطان الله وأمره والثاني تنظرون للإنسان في تلك الحالة، ولا ~~تملكون له شيئا ونحن أقرب إليه منكم فيه قولان: أحدهما: ملك الموت أدنى ~~إليه من أهله ولكن لا تبصرون الملائكة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. ~~والثاني: ونحن أقرب إليه منكم بالعلم والقدرة والرؤية ولكن لا تبصرون أي: ~~لا تعلمون، والخطاب للكفار، ذكره الواحدي. # قوله عز وجل: فلولا إن كنتم غير ms2220 مدينين فيه خمسة أقوال: أحدها: محاسبين، ~~رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعكرمة. ~~والثاني: موقنين، قاله مجاهد. # والثالث: مبعوثين، قاله قتادة. والرابع: مجزيين. ومنه يقال: دنته، وكما ~~تدين تدان، قاله أبو عبيدة. # والخامس: مملوكين أذلاء، من قولك: دنت له بالطاعة، قاله ابن قتيبة. قوله ~~عز وجل: ترجعونها أي: تردون النفس. والمعنى: إن جحدتم الإله الذي يحاسبكم ~~ويجازيكم، فهلا تردون هذه النفس؟! فإذا لم يمكنكم ذلك، فاعلموا أن الأمر ~~لغيركم. قال الفراء: وقوله عز وجل: ترجعونها هو جواب لقوله عز وجل: فلولا ~~إذا بلغت الحلقوم ولقوله عز وجل: فلولا إن كنتم غير مدينين فإنهما أجيبتا ~~بجواب واحد. ومثله قوله عز وجل: فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف ~~عليهم «2» . # ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت فقال عز وجل: فأما إن كان يعني: الذي بلغت ~~نفسه الحلقوم من المقربين عند الله. قال أبو العالية: هم السابقون فروح أي: ~~فله روح. والجمهور يفتحون الراء. وفي معناها ستة أقوال «3» : أحدها: الفرح، ~~رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: # الراحة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: المغفرة والرحمة، رواه ~~العوفي عن ابن عباس. # والرابع: الجنة، قاله مجاهد. والخامس: روح من الغم الذي كانوا فيه، قاله ~~محمد بن كعب. # والسادس: روح في القبر، أي: طيب نسيم، قاله ابن قتيبة. وقرأ أبو بكر ~~الصديق، وأبو رزين، والحسن، وعكرمة وابن يعمر، وقتادة، ورويس عن يعقوب، ~~وابن أبي سريج عن الكسائي: «فروح» برفع الراء. وفي معنى هذه القراءة قولان: ~~أحدهما: أن معناها: فرحمة، قاله قتادة. والثاني: فحياة وبقاء، قاله ابن ~~قتيبة. وقال الزجاج: معناه: فحياة دائمة لا موت معها. وفي «الريحان» أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنه الرزق، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: أنه ~~المستراح، رواه ابن أبي طلحة عن PageV04P230 # ابن عباس. والثالث: أنه الجنة، قاله مجاهد، وقتادة. والرابع: أنه الريحان ~~المشموم. وقال أبو العالية: # لا تخرج روح أحد من المقربين من الدنيا حتى يؤتى بغصن من ms2221 ريحان الجنة، ~~فيشمه، ثم تقبض فيه روحه، وإلى نحو هذا ذهب الحسن. وقال أبو عمران الجوني: ~~بلغنا أن المؤمن إذا قبض روحه تلقى بضبائر الريحان من الجنة، فتجعل روحه ~~فيه. # قوله عز وجل: فسلام لك من أصحاب اليمين فيه ثلاثة أقوال: أحدها: فسلامة ~~لك من العذاب، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: تسلم عليه الملائكة، ~~وتخبره أنه من أصحاب اليمين، قاله عطاء. والثالث: أن المعنى: أنك ترى فيهن ~~ما تحب من السلامة، وقد علمت ما أعد لهم من الجزاء، قاله الزجاج. قوله عز ~~وجل: وأما إن كان من المكذبين أي: بالبعث الضالين عن الهدى فنزل وقد بيناه ~~في هذه السورة «1» . # قوله عز وجل: إن هذا يعني ما ذكر في هذه السورة لهو حق اليقين أي هو ~~اليقين حقا، فأضافه إلى نفسه، كقولك: صلاة الأولى، وصلاة العصر، ومثله: ~~ولدار الآخرة «2» ، وقد سبق هذا المعنى، وقال قوم: معناه: وإنه للمتقين ~~حقا. وقيل للحق: اليقين. # قوله عز وجل: فسبح باسم ربك العظيم قد ذكرناه في هذه السورة «3» . ~~PageV04P231 ### | سورة الحديد # وفيها قولان: أحدهما: أنها مدنية، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، وقتادة، ومقاتل. والثاني: أنها مكية، ~~قاله ابن السائب. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الحديد (57) : الآيات 1 الى # 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (1) له ملك السماوات ~~والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (2) هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن وهو بكل شيء عليم (3) هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير (4) # له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور (5) يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور (6) آمنوا بالله ورسوله ~~وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ~~(7) # قوله عز وجل: ms2222 سبح لله ما في السماوات والأرض أما تسبيح ما يعقل، فمعلوم، ~~وتسبيح ما لا يعقل، قد ذكرنا معناه في قوله عز وجل: وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده «1» . قوله عز وجل: هو الأول قال أبو سليمان الخطابي: الأول هو ~~السابق للأشياء والآخر الباقي بعد فناء الخلق والظاهر بحجته الباهرة، ~~وبراهينه النيرة، وشواهده الدالة على صحة وحدانيته. ويكون: الظاهر فوق كل ~~شيء بقدرته. # وقد يكون الظهور بمعنى العلو، ويكون بمعنى الغلبة. والباطن: هو المحتجب ~~عن أبصار الخلق الذي لا يستولي عليه توهم الكيفية، وقد يكون معنى الظهور ~~والبطون: احتجابه عن أبصار الناظرين، وتجليه لبصائر المتفكرين. ويكون ~~معناه: العالم بما ظهر من الأمور والمطلع على ما بطن من الغيوب. قوله: # هو الذي خلق السماوات والأرض مفسر في الأعراف «2» إلى قوله عز وجل: يعلم ~~ما يلج في الأرض وهو مفسر في سبأ «3» إلى قوله عز وجل: وهو معكم أين ما ~~كنتم أي: بعلمه وقدرته. وما بعده ظاهر إلى قوله عز وجل: آمنوا بالله ورسوله ~~قال المفسرون: هذا الخطاب لكفار قريش وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه يعني: ~~المال الذي كان بأيدي غيرهم، فأهلكهم الله، وأعطى قريشا ذلك المال، فكانوا ~~فيه خلفاء من مضى. PageV04P232 ### | ### | [سورة الحديد (57) : الآيات 8 الى # 11] # وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم ~~إن كنتم مؤمنين (8) هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات ~~إلى النور وإن الله بكم لرؤف رحيم (9) وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ~~ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ~~والله بما تعملون خبير (10) من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله ~~أجر كريم (11) # قوله عز وجل: وما لكم لا تؤمنون بالله هذا استفهام إنكار، والمعنى: أي ~~شيء لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا بالله وقد أخذ ميثاقكم قرأ أبو ~~عمرو «أخذ» بالرفع. وقرأ الباقون «أخذ» ms2223 بفتح الخاء ميثاقكم بالفتح. والمراد ~~به: حين أخرجتم من ظهر آدم إن كنتم مؤمنين بالحجج والدلائل. قوله: عز وجل: ~~هو الذي ينزل على عبده يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم آيات بينات يعني: # القرآن ليخرجكم من الظلمات يعني الشرك إلى نور الإيمان وإن الله بكم لرؤف ~~رحيم حين بعث الرسول ونصب الأدلة. ثم حثهم على الإنفاق فقال: وما لكم ألا ~~تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض أي: أي شيء لكم في ترك ~~الإنفاق مما يقرب إلى الله عز وجل وأنتم ميتون تاركون أموالكم؟! ثم بين فضل ~~من سبق بالإنفاق فقال: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وفيه قولان: ~~أحدهما: أنه فتح مكة، قاله ابن عباس، والجمهور. والثاني: أنه فتح الحديبية، ~~قاله الشعبي. والمعنى: لا يستوي من أنفق قبل ذلك وقاتل ومن فعل ذلك بعد ~~الفتح. قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق. أولئك أعظم درجة ~~قال ابن عباس: أعظم منزلة عند الله. قال عطاء: درجات الجنة تتفاضل، فالذين ~~أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها. قال الزجاج: لأن المتقدمين كانت بصائرهم، ~~أنفذ. # ونالهم من المشقة أكثر وكلا وعد الله الحسنى أي: وكلا الفريقين وعده الله ~~الجنة. وقرأ ابن عامر «وكل» بالرفع. قوله عز وجل: من ذا الذي يقرض الله ~~قرضا حسنا فيضاعفه له قرأ ابن كثير، وابن عامر «فيضعفه» مشددة العين بغير ~~ألف، إلا أن ابن كثير يضم الفاء، وابن عامر يفتحها. وقرأ نافع وأبو عمرو، ~~وحمزة، والكسائي «فيضاعفه» بالألف وضم الفاء، وافقهم عاصم إلا أنه فتح ~~الفاء. قال أبو علي: يضاعف ويضعف بمعنى واحد، إلا أن الرفع في «يضاعف» هو ~~الوجه، لأنه محمول على «يقرض» . أو على الانقطاع من الأول كأنه قال: فهو ~~يضاعف. ويحمل قول الذي نصب على المعنى، لأنه إذا قال: من ذا الذي يقرض ~~الله، معناه: أيقرض الله أحد قرضا فيضاعفه. والآية مفسرة في البقرة «1» . ~~والأجر الكريم: الجنة. ### | [سورة الحديد (57) : الآيات 12 الى 15] # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم ms2224 وبأيمانهم بشراكم ~~اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم (12) ~~يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ~~ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب (13) ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم ~~أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله ~~الغرور (14) فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي ~~مولاكم وبئس المصير (15) PageV04P233 # قوله عز وجل: يسعى نورهم قال المفسرون: يضيء لهم نور عملهم على الصراط ~~على قدر أعمالهم. قال ابن مسعود: منهم من نوره مثل الجبل، وأدناهم نورا ~~نوره على إبهامه يطفئ مرة، ويوقد أخرى. وفي قوله عز وجل: وبأيمانهم قولان: ~~أحدهما: أنه كتبهم يعطونها بأيمانهم، قاله الضحاك. # والثاني: أنه نورهم يسعى، أي: يمضي بين أيديهم، وعن أيمانهم، وعن ~~شمائلهم، والباء بمعنى: # «في» . و «في» بمعنى «عن» ، وهذا قول الفراء. # قوله تعالى: بشراكم اليوم هذا قول الملائكة لهم. قوله تعالى: انظرونا ~~نقتبس وقرأ حمزة: # «أنظرونا» بقطع الهمزة، وفتحها، وكسر الظاء، قال المفسرون: تغشى الناس ~~يوم القيامة ظلمة شديدة، فيعطى المؤمنون النور، فيمشي المنافقون بنور ~~المؤمنين، قالوا: انظرونا نقتبس من نوركم، قيل ارجعوا وراءكم في القائل لهم ~~قولان: أحدهما: أنهم المؤمنون، قاله ابن عباس. والثاني: الملائكة، قاله ~~مقاتل، وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: ارجعوا إلى المكان الذي قبستم ~~فيه النور، فيرجعون، فلا يرون شيئا. والثاني: ارجعوا فاعملوا عملا يجعله ~~الله لكم نورا. والثالث: أن المعنى: لا نور لكم عندنا. قوله: فضرب بينهم ~~بسور قال ابن عباس: هو الأعراف، وهو سور بين الجنة والنار باطنه فيه الرحمة ~~وهي الجنة وظاهره يعني من وراء السور من قبله العذاب وهو جهنم. وقد ذهب قوم ~~إلى أن السور يكون ببيت المقدس في مكان السور الشرقي بين الوادي الذي يسمى: ~~وادي جهنم، وبين الباب الذي يسمى: باب الرحمة، وإلى نحو هذا ذهب عبادة بن ~~الصامت، وعبد الله بن عمر، وكعب. # قوله ms2225 عز وجل: ينادونهم أي: ينادي المنافقون المؤمنين من وراء السور: ألم ~~نكن معكم أي: على دينكم نصلي بصلاتكم، ونغزو معكم؟! فيقول لهم المؤمنون: ~~بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم فيه قولان: أحدهما: تربصتم بالتوبة. ~~والثاني: تربصتم بمحمد الموت، وقلتم: يوشك أن يموت فنستريح وارتبتم شككتم ~~في الحق وغرتكم الأماني يعني ما كانوا يتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين ~~حتى جاء أمر الله وفيه قولان: أحدهما: أنه الموت. والثاني: إلقاؤهم في ~~النار وغركم بالله الغرور أي غركم الشيطان بحكم الله وإمهاله فاليوم لا ~~يؤخذ منكم فدية وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب «لا تؤخذ» بالتاء، أي: ~~بدل وعوض عن عذابكم. وهذا خطاب للمنافقين، ولهذا قال عز وجل: ولا من الذين ~~كفروا. # قوله عز وجل: هي مولاكم قال أبو عبيدة: أي: أولى بكم. ### | ### | [سورة الحديد (57) : الآيات 16 الى # 17] # ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا ~~يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير ~~منهم فاسقون (16) اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات ~~لعلكم تعقلون (17) # قوله عز وجل: ألم يأن للذين آمنوا اختلفوا فيمن نزلت على قولين: # PageV04P234 # (1395) أحدهما: أنها نزلت في المؤمنين. قال ابن مسعود: ما كان بين ~~إسلامنا، وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل المؤمنون يعاتب ~~بعضهم بعضا. # والثاني: أنها نزلت في المنافقين، قاله أبو صالح عن ابن عباس «1» . قال ~~مقاتل: سأل المنافقون سلمان الفارسي فقالوا: حدثنا عن التوراة، فإن فيها ~~العجائب، فنزلت هذه الآية «2» . # وقال الزجاج: نزلت هذه الآية في طائفة من المؤمنين حثوا على الرقة ~~والخشوع. فأما من كان وصفه الله عز وجل بالخشوع، والرقة، فطبقة من المؤمنين ~~فوق هؤلاء. فعلى الأول: يكون الإيمان حقيقة. وعلى الثاني: يكون المعنى: ~~«ألم يأن للذين آمنوا» بألسنتهم. قال ابن قتيبة: المعنى: ألم يحن. # تقول: آن الشيء: إذا حان. # قوله عز وجل: أن تخشع قلوبهم أي ترق وتلين لذكر الله. المعنى: أنه يجب أن ~~يورثهم الذكر خشوعا ms2226 وما نزل من الحق قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن ~~عامر وحمزة والكسائي «وما نزل» بفتح النون والزاي مع تشديد الزاي. وقرأ ~~نافع وحفص، والمفضل عن عاصم «نزل» بفتح النون وتخفيف الزاي. وقرأ أبو عبد ~~الرحمن السلمي وأبو العالية وابن يعمر، ويونس بن حبيب عن أبي عمرو، وأبان ~~عن عاصم «نزل» برفع النون وكسر الزاي مع تشديدها. وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء ~~«وما أنزل» بهمزة مفتوحة وفتح الزاي. وقرأ أبو مجلز، وعمرو بن دينار مثله ~~إلا أنه بضم الهمزة وكسر الزاي. # و «الحق» القرآن ولا يكونوا قرأ رويس عن يعقوب «ولا تكونوا» بالتاء ~~كالذين أوتوا الكتاب يعني اليهود والنصارى فطال عليهم الأمد وهو الزمان. ~~وقال ابن قتيبة: الأمد: الغاية. والمعنى: أنه بعد عهدهم بالأنبياء ~~والصالحين فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون وهم الذين لم يؤمنوا بعيسى ومحمد ~~عليهما السلام اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها أي يخرج منها النبات بعد ~~يبسها، فكذلك يقدر على إحياء الأموات قد بينا لكم الآيات الدالة على ~~وحدانيته وقدرته لعلكم تعقلون أي لكي تتأملوا. ### | ### | [سورة الحديد (57) : الآيات 18 الى # 19] # إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم ~~(18) والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم ~~أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (19) # قوله عز وجل: إن المصدقين والمصدقات قرأ ابن كثير، وعاصم إلا حفصا بتخفيف ~~الصاد فيهما على معنى التصديق. وقرأ الباقون بالتشديد على معنى الصدقة. ~~قوله عز وجل: أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم اختلفوا في نظم الآية ~~على قولين «3» : أحدهما: أن تمام الكلام عند قوله عز وجل: PageV04P235 # أولئك هم الصديقون ثم ابتدأ فقال عز وجل والشهداء عند ربهم هذا قول ابن ~~عباس، ومسروق، والفراء في آخرين. والثاني: أنها على نظمها، والواو في ~~«والشهداء» واو النسق، ثم في معناها قولان: # أحدهما: أن كل مؤمن صديق شهيد، قاله ابن مسعود ومجاهد. والثاني: أنها ~~نزلت في قوم مخصوصين، وهم ثمانية نفر سبقوا إلى الإسلام: أبو ms2227 بكر، وعمر، ~~وعثمان، وعلي، وحمزة بن عبد المطلب، وطلحة، والزبير، وسعد، وزيد، قاله ~~الضحاك. وفي الشهداء قولان: أحدهما: أنه جمع شاهد. ثم فيهم قولان: أحدهما: ~~أنهم الأنبياء خاصة، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم الشاهدون عند ربهم على ~~أنفسهم بالإيمان بالله، قاله مجاهد. والقول الثاني: أنه جمع شهيد، قاله ~~الضحاك، ومقاتل. ### | ### | [سورة الحديد (57) : الآيات 20 الى # 21] # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون ~~حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا ~~متاع الغرور (20) سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ~~أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم (21) # قوله عز وجل: اعلموا أنما الحياة الدنيا يعني: الحياة في هذه الدار لعب ~~ولهو أي: غرور تنقضي عن قليل. وذهب بعض المفسرين «1» إلى أن المشار بهذا ~~إلى حال الكافر في دنياه، لأن حياته تنقضي على لهو ولعب وتزيين الدنيا، ~~وتفاخر يفاخر قرناءه وجيرانه، ويكاثرهم بالأموال والأولاد، فيجمع من غير ~~حله، ويتطاول على أولياء الله بماله، وخدمه، وولده، فيفنى عمره في هذه ~~الأشياء، ولا يلتفت إلى العمل للآخرة. ثم بين لهذه الحياة شبها، فقال: كمثل ~~غيث يعني: مطرا أعجب الكفار وهم الزراع، وسموا كفارا، لأن الزارع إذا ألقى ~~البذر في الأرض كفره، أي: غطاه نباته أي ما نبت من ذلك الغيث ثم يهيج أي ~~ييبس فتراه مصفرا بعد خضرته وريه ثم يكون حطاما أي ينحطم، وينكسر بعد يبسه. ~~وشرح هذا المثل قد تقدم في يونس عند قوله عز وجل إنما مثل الحياة الدنيا ~~«2» ، وفي الكهف عند قوله عز وجل: واضرب لهم مثل الحياة الدنيا «3» . قوله ~~عز وجل: وفي الآخرة عذاب شديد أي: لأعداء الله ومغفرة من الله ورضوان ~~لأوليائه وأهل طاعته. وما PageV04P236 # بعد هذا مذكور في آل عمران «1» ، إلى قوله: ذلك فضل الله فبين أنه لا ~~يدخل الجنة أحد إلا بفضل ms2228 الله. ### | ### | [سورة الحديد (57) : الآيات 22 الى # 24] # ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ~~إن ذلك على الله يسير (22) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ~~والله لا يحب كل مختال فخور (23) الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن ~~يتول فإن الله هو الغني الحميد (24) # قوله عز وجل: ما أصاب من مصيبة في الأرض يعني: قحط المطر، وقلة النبات، ~~ونقص الثمار ولا في أنفسكم يعني الأمراض، وفقد الأولاد إلا في كتاب وهو ~~اللوح المحفوظ من قبل أن نبرأها أن نخلقها، يعني: الأنفس إن ذلك على الله ~~يسير أي: إن إثبات ذلك على كثرته هين على الله عز وجل لكيلا تأسوا أي: ~~تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا ولا تفرحوا بما آتاكم قرأ أبو عمرو- الا ~~اختيار اليزيدي- بالقصر على معنى: جاءكم من الدنيا. وقرأ الباقون بالمد على ~~معنى: ما أعطاكم الله منها. وأعلم أنه من علم أن ما قضي لا بد أن يصيبه قبل ~~حزنه وفرحه. وقد روى قتيبة بن سعيد قال: دخلت بعض أحياء العرب، فإذا بفضاء ~~من الأرض فيه من الإبل ما لا يحصى عدده كلها قد مات، فسألت عجوزا: لمن كانت ~~هذه الإبل؟ فأشارت إلى شيخ على تل يغزل الصوف، فقلت له: يا شيخ لك كانت هذه ~~الإبل؟ قال: كانت باسمي، قلت: فما أصابها؟ قال: ارتجعها الذي أعطاها، قلت: # فهل قلت في ذلك شيئا؟ قال: نعم، قلت: # لا والذي أنا عبد في عبادته ... والمرء في الدهر نصب الرزء والحزن # ما سرني أن إبلي في مباركها ... وما جرى في قضاء الله لم يكن # وما بعد هذا قد ذكرناه في سورة النساء «2» ، والذي قيل في البخل هناك هو ~~الذي قيل هاهنا إلى قوله: ومن يتول أي: عن الإيمان فإن الله هو الغني عن ~~عباده الحميد إلى أوليائه. وقد سبق معنى الاسمين في البقرة «3» . وقرأ نافع ~~وابن عامر «فإن الله الغني الحميد» ليس فيها «هو» وكذلك هو في مصاحف أهل ~~المدينة، والشام. ms2229 ### | [سورة الحديد (57) : آية 25] # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (25) # قوله عز وجل: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات أي: بالآيات والحجج وأنزلنا معهم ~~الكتاب ببيان الشرائع، والأحكام. وفي «الميزان» قولان: أحدهما: أنه العدل، ~~قاله ابن عباس، وقتادة. # والثاني: أنه الذي يوزن به، قاله ابن زيد ومقاتل. فعلى القول الأول: يكون ~~المعنى: أمرنا بالعدل. # وعلى الثاني: ووضعنا الميزان، أي: أمرنا به ليقوم الناس بالقسط أي: لكي ~~يقوموا بالعدل. قوله عز وجل: وأنزلنا الحديد فيه قولان: أحدهما: أن الله ~~تعالى أنزل مع آدم السندان، والكلبتين، والمطرقة، قاله ابن عباس. والثاني: ~~أن معنى «أنزلنا» : أنشأنا وخلقنا، كقوله عز وجل: PageV04P237 # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج «1» . قوله عز وجل: فيه بأس شديد قال ~~الزجاج: وذلك أنه يمتنع به، ويحارب به ومنافع للناس يستعملونه في أدواتهم، ~~وما ينتفعون به من آنية وغيرها. قوله عز وجل: # وليعلم الله هذا معطوف على قوله تعالى: ليقوم الناس، والمعنى: ليتعامل ~~الناس بالعدل وليعلم الله من ينصره بالقتال في سبيله، ونصرة دينه، وذلك أنه ~~أمر في الكتاب الذي أنزل بذلك. وقد سبق معنى قوله عز وجل: وليعلم الله في ~~مواضع. وقوله عز وجل: بالغيب أي: ولم ير الله، ولا أحكام الآخرة، وإنما ~~يجهد ويثاب من أطاع بالغيب. ### | ### | [سورة الحديد (57) : الآيات 26 الى # 27] # ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد ~~وكثير منهم فاسقون (26) ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم ~~وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ~~ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين ~~آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون (27) # قوله عز وجل: وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب يعني: الكتب فمنهم يعني: ~~من الذرية مهتد وكثير منهم فاسقون فيه قولان: أحدهما: كافرون، قاله ابن ~~عباس. والثاني: عاصون، قاله مقاتل. قوله عز وجل: ثم قفينا ms2230 على آثارهم أي: ~~أتبعنا على آثار نوح، وإبراهيم، وذريتهما بعيسى وكان آخر أنبياء بني ~~إسرائيل، وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه يعني: الحواريين وغيرهم من أتباعه ~~على دينه رأفة وقد سبق بيانها «2» والمعنى أنهم كانوا متوادين، كما وصف ~~الله تعالى أصحاب نبينا عليه السلام، فقال عز وجل: رحماء بينهم «3» . # قوله عز وجل: ورهبانية ابتدعوها ليس هذا معطوفا على ما قبله، وإنما انتصب ~~بفعل مضمر، يدل عليه ما بعده، تقديره: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، أي: ~~جاءوا بها من قبل أنفسهم، وهي غلوهم في العبادة، وحمل المشاق على أنفسهم في ~~الامتناع عن المطعم والمشرب والملبس والنكاح، والتعبد في الجبال ما كتبناها ~~عليهم أي: ما فرضناها عليهم. # وفي قوله عز وجل: إلا ابتغاء رضوان الله قولان: # أحدهما: أن الاستثناء يرجع إلى قوله عز وجل: ابتدعوها والمعنى ابتدعوها ~~طلبا لرضوان الله، ولم يكتبها عليهم، وهذا قول الجمهور. وتقديره: ما ~~كتبناها عليهم إلا أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، ذكره علي بن عيسى ~~والرماني عن قتادة وزيد بن أسلم. # والثاني: أنه راجع إلى قوله عز وجل: «ما كتبناها» ثم في معنى الكلام ~~قولان: أحدهما: ما كتبناها عليهم بعد دخولهم فيها تطوعا إلا ابتغاء رضوان ~~الله. قال الحسن: تطوعا بابتداعها ثم كتبها الله عليهم. وقال الزجاج: لما ~~ألزموا أنفسهم ذلك التطوع لزمهم إتمامه، كما أن الإنسان إذا جعل على نفسه ~~صوما لم يفترض عليه، لزمه أن يتمه. قال القاضي أبو يعلى: والابتداع قد يكون ~~بالقول، وهو ما PageV04P238 # ينذره ويوجبه على نفسه، وقد يكون بالفعل بالدخول فيه. وعموم الآية تتضمن ~~الأمرين، فاقتضى ذلك أن كل من ابتدع قربة، قولا أو فعلا، فعليه رعايتها ~~وإتمامها. والثاني: أن المعنى: ما أمرناهم منها إلا بما يرضي الله عز وجل، ~~لا غير ذلك، قاله ابن قتيبة. # قوله عز وجل: فما رعوها حق رعايتها في المشار إليهم قولان: أحدهما: أنهم ~~الذين ابتدعوا الرهبانية، قاله الجمهور. ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنهم ما رعوها لتبديل دينهم وتغييرهم له، قاله عطية العوفي. ~~والثاني: لتقصيرهم فيما ms2231 ألزموه أنفسهم. والثالث: لكفرهم برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما بعث، ذكر القولين الزجاج: والثاني: أنهم الذين اتبعوا ~~مبتدعي الرهبانية في رهبانيتهم، ما رعوها بسلوك طريق أوليهم، روى هذا ~~المعنى سعيد بن جبير عن ابن عباس. # قوله عز وجل: فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم فيهم ثلاثة أقوال: أحدها: ~~الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وكثير منهم فاسقون وهم الذين لم ~~يؤمنوا به. والثاني: أن الذين آمنوا: المؤمنون بعيسى عليه السلام ~~والفاسقون: المشركون. والثالث: أن الذين آمنوا: مبتدعو الرهبانية، ~~والفاسقون: متبعوهم على غير القانون الصحيح. ### | [سورة الحديد (57) : الآيات 28 الى 29] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ~~ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) لئلا يعلم أهل ~~الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم (29) # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله عامة ~~المفسرين على أن هذا الخطاب لليهود والنصارى، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا ~~بموسى وعيسى اتقوا الله، وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم يؤتكم ~~كفلين أي نصيبين، وحظين من رحمته. قال الزجاج: الكفل: كساء يمنع الراكب أن ~~يسقط، فالمعنى: يؤتكم نصيبين يحفظانكم من هلكة المعاصي. وقد بينا معنى ~~«الكفل» في سورة النساء. وفي المراد بالكفلين هاهنا قولان: أحدهما: أن ~~أحدهما لإيمانهم بمن تقدم من الأنبياء، والآخر لإيمانهم بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، قاله ابن عباس. والثاني: أن أحدهما: أجر الدنيا. والثاني: أجر ~~الآخرة، قاله ابن زيد. # قوله عز وجل: ويجعل لكم نورا. فيه أربعة أقوال: أحدها: القرآن، رواه سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس. والثاني: تمشون به على الصراط، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس. والثالث: الهدى، قاله مجاهد. والرابع: الإيمان، قاله ابن السائب. # قوله عز وجل: لئلا يعلم «لا» زائدة. قال الفراء: والعرب تجعل «لا» صلة في ~~كل كلام دخل في آخره أو أوله جحد، فهذا مما جعل في آخره جحد. والمعنى: ms2232 ~~ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ألا يقدرون أي: ~~أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله والمعنى: أنه جعل الأجرين لمن آمن ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ليعلم من لم يؤمن به أنه لا أجر لهم ولا نصيب في ~~فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء فآتاه المؤمنين. هذا تلخيص قول ~~الجمهور في هاتين الآيتين. # PageV04P239 # (1396) وقد ذهب قوم إلى أنه لما نزل في مسلمي أهل الكتاب قوله: الذين ~~آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون إلى قوله عز وجل: أولئك يؤتون أجرهم ~~مرتين «1» افتخروا على المسلمين بزيادة الأجر، فشق ذلك على المسلمين، فنزلت ~~هاتان الآيتان، وهذا المعنى في رواية أبي صالح عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. ~~فعلى هذا يكون الخطاب للمسلمين، ويكون المعنى: يؤتكم أجرين ليعلم مؤمنو أهل ~~الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله الذي خصكم به فإنه فضلكم على ~~جميع الخلائق. وقال قتادة: لما نزل قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وآمنوا برسوله الآية، حسد أهل الكتاب المسلمين، فأنزل الله تعالى: ~~لئلا يعلم أهل الكتاب الآية. PageV04P240 ### | سورة المجادلة # وهي مدنية في قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعكرمة وقتادة والجمهور. ~~وروي عن عطاء أنه قال: العشر الأول منها مدني، والباقي مكي. وعن ابن ~~السائب: أنها مدنية سوى آية، وهي قوله عز وجل: ما يكون من نجوى ثلاثة «1» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة المجادلة (58) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع ~~تحاوركما إن الله سميع بصير (1) # قوله تعالى: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها. # (1397) أما سبب نزولها، فروي عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ~~تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، ولقد جاءت المجادلة فكلمت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأنا في جانب البيت أسمع كلامها، ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي ~~زوجها وتقول: يا رسول الله، أبلى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا ms2233 كبر سني، ~~وانقطع ولدي، ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل ~~بهذه الآيات. # فأما تفسيرها، فقوله عز وجل: قد سمع الله قال الزجاج: إدغام الدال في ~~السين حسن لقرب المخرجين لأنهما من حروف طرف اللسان، وإدغام الدال في السين ~~تقوية للحرف، وإظهار الدال جائز PageV04P241 # لأنه وإن قرب من مخرج السين فله حيز على حدة، ومن موضع الدال الطاء ~~والتاء، فهذه الأحرف الثلاثة موضعها واحد، والسين والزاي والصاد من موضع ~~واحد، وهي تسمى حروف الصفير. وفي اسم هذه المجادلة ونسبتها أربعة أقوال: ~~أحدها: خولة بنت ثعلبة، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال عكرمة وقتادة ~~والقرظي. والثاني: خولة بنت خويلد، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثالث: خولة ~~بنت الصامت، رواه العوفي عن ابن عباس. والرابع: خولة بنت الدليج، قاله أبو ~~العالية، واسم زوجها: # أوس بن الصامت، وكانا من الأنصار. # (1398) قال ابن عباس: كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنت علي ~~كظهر أمي، حرمت عليه، فكان أول من ظاهر في الإسلام أوس، ثم ندم، وقال ~~لامرأته: انطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسليه، فأتته، فنزلت هذه ~~الآيات. فأما مجادلتها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان كلما قال ~~لها: قد حرمت عليه، تقول: # والله ما ذكر طلاقا، فقال: ما أوحي إلي في هذا شيء، فجعلت تشتكي إلى ~~الله. وتشتكي بمعنى تشكو. # يقال: اشتكيت ما بي وشكوته، بمعنى شكوى شاك أي أشكيته. وقالت: إن لي صبية ~~صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا. فأما التحاور، فهو ~~مراجعة الكلام. قال عنترة في فرسه: # لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي ### | ### | [سورة المجادلة (58) : الآيات 2 الى # 4] # الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ~~ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور (2) والذين ~~يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم ~~توعظون به والله بما تعملون ms2234 خبير (3) فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من ~~قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ~~وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم (4) # قوله عز وجل: الذين يظاهرون منكم من نسائهم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ~~«يظهرون» بفتح الياء وتشديد الظاء والهاء وفتحهما من غير ألف. وقرأ أبو ~~جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي: بفتح الياء وتشديد الظاء وبألف وتخفيف ~~الهاء. وقرأ عاصم «يظاهرون» بضم الياء وتخفيف الظاء والهاء وكسر الهاء في ~~الموضعين مع إثبات الألف. وقرأ ابن مسعود «يتظاهرون» بياء وتاء وألف. وقرأ ~~أبي بن كعب «يتظهرون» بياء وتاء وتخفيف الظاء وتشديد الهاء من غير ألف. ~~وقرأ الحسن وقتادة والضحاك «يظهرون» بفتح الياء وفتح الظاء مخففة، مكسورة ~~الهاء مشددة. والمعنى: تقولون لهن: أنتن كظهور أمهاتنا ما هن أمهاتهم قرأ ~~الأكثرون بكسر التاء. وروى المفضل عن عاصم رفعها. والمعنى ما اللواتي تجعلن ~~كالأمهات بأمهات لهم إن أمهاتهم أي ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم قال ~~الفراء: وانتصاب «الأمهات» هاهنا بإلقاء الباء، وهي قراءة عبد الله «ما هن ~~بأمهاتهم» ، ومثله: ما هذا بشرا «1» ، المعنى: PageV04P242 # ما هذا ببشر، فلما ألقيت الباء أبقي أثرها، وهو النصب، وعلى هذا كلام أهل ~~الحجاز. فأما أهل نجد فإنهم إذا ألقوا الباء رفعوا، فقالوا: «ما هن ~~أمهاتهم» و «ما هذا بشر» أنشدني بعض العرب: # ركاب حسيل آخر الصيف بدن ... وناقة عمرو ما يحل لها رحل # ويزعم حسل أنه فرع قومه ... وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل # قوله عز وجل: وإنهم يعني: المظاهرون ليقولون منكرا من القول لتشبيههم ~~الزوجات بالأمهات، والأمهات محرمات على التأبيد، بخلاف الزوجات وزورا أي: ~~كذبا وإن الله لعفو غفور إذ شرع الكفارة لذلك. # قوله عز وجل: ثم يعودون لما قالوا «1» اللام في «لما» بمعنى «إلى» ، ~~والمعنى: ثم يعودون إلى تحليل ما حرموا على أنفسهم من وطء الزوجة بالعزم ~~على الوطء، قال الفراء: معنى الآية: يرجعون عما قالوا، وفي نقض ما قالوا. ~~وقال سعيد بن جبير: المعنى: يريدون أن يعودوا للجماع ms2235 الذي قد حرموه على ~~أنفسهم. وقال الحسن، وطاوس، والزهري: العود: هو الوطء. وهذا يرجع إلى ما ~~قلناه. وقال الشافعي: هو أن يمسكها بعد الظهار مدة يمكنه طلاقها فيها فلا ~~يطلقها. فإذا وجد هذا، استقرت عليه الكفارة، لأنه قصد بالظهار تحريمها، فإن ~~وصل إلى ذلك بالطلاق فقد جرى على ما ابتدأه، وان سكت عن الطلاق، فقد ندم ~~على ما ابتدأ به، فهو عود إلى ما كان عليه، فحينئذ تجب الكفارة. وقال داود: # هو إعادة اللفظ ثانيا، لأن ظاهر قوله عز وجل: يعودون يدل على تكرير ~~اللفظ. قال الزجاج: وهذا قول من لا يدري اللغة. وقال أبو علي الفارسي: ليس ~~في هذا كما ادعوا، لأن العود قد يكون إلى شيء لم يكن الإنسان عليه قبل. ~~وسميت الآخرة معادا، ولم يكن فيها أحد ثم عاد إليها. قال الهذلي: # وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى الحق شيئا واستراح العواذل # وقد شرحنا هذا في قوله عز وجل: وإلى الله ترجع الأمور «2» . وقال ابن ~~قتيبة: من توهم أن الظهار لا يقع حتى يلفظ به ثانية، فليس بشيء، لأن الناس ~~قد أجمعوا أن الظهار يقع بلفظ واحد. وإنما تأويل الآية: أن أهل الجاهلية ~~كانوا يطلقون بالظهار، فجعل الله حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في ~~الجاهلية، وأنزل قوله عز وجل: والذين يظاهرون من نسائهم يريد في الجاهلية ~~«ثم يعودون لما قالوا» في الإسلام، أي: يعودون لما كانوا يقولونه من هذا ~~الكلام، فتحرير رقبة قال PageV04P243 # المفسرون: المعنى: فعليهم، أو فكفارتهم تحرير رقبة «1» ، أي: عتقها. وهل ~~يشترط أن تكون مؤمنة؟ # فيه عن أحمد روايتان. قوله عز وجل: من قبل أن يتماسا وهو: كناية عن ~~الجماع، على أن العلماء قد اختلفوا هل يباح للمظاهر الاستمتاع باللمس ~~والقبلة؟ وعن أحمد روايتان. وقال أبو الحسن الأخفش: تقدير الآية: والذين ~~يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة لما قالوا ثم يعودون إلى نسائهم. # فصل: إذا وطئ المظاهر قبل أن يكفر أثم، واستقرت الكفارة، وقال أبو حنيفة: ~~يسقط الظهار والكفارة. واختلف العلماء فيما يجب عليه ms2236 إذا فعل ذلك، فقال ~~الحسن، وسعيد بن المسيب، وطاوس، ومجاهد وإبراهيم، وابن سيرين: عليه كفارة ~~واحدة، وقال الزهري، وقتادة في آخرين: عليه كفارتان. # فإن قال: أنت علي كظهر أمي اليوم، بطل الظهار بمضي اليوم، هذا قول ~~أصحابنا وأبي حنيفة، والثوري، والشافعي، وقال ابن أبي ليلى، ومالك، والحسن ~~بن صالح: هو مظاهر أبدا. واختلفوا في الظهار من الأمة، فقال ابن عباس: ليس ~~من الأمة ظهار، وبه قال سعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، وأبو حنيفة، ~~والشافعي، وقال سعيد بن جبير، وطاوس، وعطاء، والأوزاعي، والثوري، ومالك: هو ~~ظهار. ونقل أبو طالب عن أحمد أنه قال: لا يكون مظاهرا من أمته، ولكن يلزمه ~~كفارة الظهار، كما قال في المرأة إذا ظاهرت من زوجها لم تكن مظاهرة، ~~وتلزمها كفارة الظهار. واختلفوا فيمن قال: أنت علي كظهر أبي، فقال مالك: هو ~~مظاهر، وهو قول أصحابنا، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يكون مظاهرا. ~~واختلفوا فيمن ظاهر مرارا، فقال أبو حنيفة، والشافعي: إن كان في مجالس، ~~فكفارات، وإن كان في مجلس واحد، فكفارة: قال القاضي أبو يعلى: وعلى قول ~~أصحابنا يلزمه كفارة واحدة، سواء كان في مجلس واحد، أو في مجالس، ما لم ~~يكفر، وهذا قول مالك. # قوله عز وجل: ذلكم توعظون به قال الزجاج: ذلكم التغليظ توعظون به. ~~والمعنى: أن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار. قوله عز وجل: فمن لم ~~يجد يعني: الرقبة فصيام شهرين أي: فعليه صيام شهرين «2» متتابعين من قبل أن ~~يتماسا فمن لم يستطع الصيام فكفارته إطعام ستين مسكينا ذلك أي: الفرض ذلك ~~الذي وصفنا لتؤمنوا بالله ورسوله أي: تصدقوا بأن الله أمر بذلك، وتصدقوا ~~بما أتى به الرسول وتلك حدود الله يعني: ما وصفه الله من الكفارات في ~~الظهار وللكافرين عذاب أليم قال ابن عباس: لمن جحد هذا وكذب به. ~~PageV04P244 ### | [سورة المجادلة (58) : الآيات 5 الى 7] # إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا ~~آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (5) يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما ~~عملوا أحصاه ms2237 الله ونسوه والله على كل شيء شهيد (6) ألم تر أن الله يعلم ما ~~في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة ~~إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ~~ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم (7) # قوله عز وجل: إن الذين يحادون الله ورسوله قد ذكرنا معنى المحادة في ~~التوبة «1» ، ومعنى «كبتوا» في آل عمران عند قوله عز وجل: أو يكبتهم «2» ، ~~وقال ابن عباس: أخزوا يوم الخندق بالهزيمة كما أخزي الذين من قبلهم ممن ~~قاتل الرسل. قوله عز وجل: يوم يبعثهم الله جميعا أي: من قبورهم فينبئهم بما ~~عملوا من معاصيه، وتضييع فرائضه أحصاه الله أي: حفظه الله عليهم ونسوه ~~والله على كل شيء من أعمالهم في السر والعلانية شهيد. ألم تر أي: ألم تعلم. ~~قوله عز وجل: ما يكون من نجوى ثلاثة وقرأ أبو جعفر «ما تكون» بالتاء. قال ~~ابن قتيبة: النجوى: السرار. وقال الزجاج: ما يكون من خلوة ثلاثة يسرون ~~شيئا، ويتناجون به إلا هو رابعهم أي: عالم به. و «نجوى» الزجاج: ما يكون من ~~خلوة ثلاثة يسرون شيئا، ويتناجون به إلا هو رابعهم أي: عالم به. و «نجوى» ~~مشتق من النجوة، وهو ما ارتفع. وقرأ يعقوب «ولا أكثر» بالرفع. وقال الضحاك: ~~«إلا هو معهم» أي: # علمه معهم. ### | [سورة المجادلة (58) : الآيات 8 الى 10] # ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم ~~والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في ~~أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8) يا ~~أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ~~وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) إنما النجوى من ~~الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون (10) # قوله عز وجل: ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى في سبب ms2238 نزولها قولان: # (1399) أحدهما: نزلت في اليهود والمنافقين، وذلك أنهم كانوا يتناجون فيما ~~بينهم دون المؤمنين، وينظرون إلى المؤمنين، ويتغامزون بأعينهم، فإذا رأى ~~المؤمنون نجواهم قالوا: ما نراهم إلا قد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين ~~خرجوا في السرايا، قتل أو موت، أو مصيبة، فيقع ذلك في قلوبهم، ويحزنهم، فلا ~~يزالون كذلك حتى تقدم أصحابهم. فلما طال ذلك وكثر، شكا المؤمنون إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا ~~عن ذلك، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. PageV04P245 # والثاني: أنها نزلت في اليهود، قاله مجاهد «1» . # (1400) قال مقاتل: وكان بين اليهود وبين رسول الله موادعة، فإذا رأوا ~~رجلا من المسلمين وحده تناجوا بينهم فيظن المسلم أنهم يتناجون بقتله أو بما ~~يكره فيترك الطريق من المخافة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا وعادوا إليها، فنزلت هذه الآية. وقال ابن ~~السائب: نزلت في المنافقين «2» . والنجوى: بمعنى المناجاة ثم يعودون إلى ~~المناجاة التي نهوا عنها ويتناجون قرأ حمزة، ويعقوب إلا زيدا، وروحا ~~«ويتنجون» وقرأ الباقون «ويتناجون» بألف. وفي معنى تناجيهم بالإثم والعدوان ~~وجهان: أحدهما: يتناجون بما يسوء المسلمين، فذلك الإثم والعدوان، ويوصي ~~بعضهم بعضا بمعصية الرسول. والثاني: يتناجون بعد نهي الرسول لهم، ذلك هو ~~الإثم والعدوان ومعصية الرسول. # قوله عز وجل: وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله اختلفوا فيمن نزلت على ~~قولين: # (1401) أحدهما: أنها نزلت في اليهود. قالت عائشة رضي الله عنها: جاء ناس ~~من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليك يا أبا ~~القاسم، فقلت: السام عليكم، وفعل الله بكم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: مه يا عائشة، فإن الله لا يحب الفحش، ولا التفحش، فقلت: يا رسول ~~الله، ترى ما يقولون؟ # فقال: ألست ترين أرد عليهم ما يقولون، وأقول: وعليكم، قالت: فنزلت هذه ~~الآية في ذلك. قال الزجاج: والسام: الموت. # والثاني: أنها نزلت في المنافقين، رواه عطية عن ابن عباس. # قال المفسرون: ومعنى ms2239 «حيوك» سلموا عليك بغير سلام الله عليك، وكانوا ~~يقولون: السام عليك. فإذا خرجوا يقولون في أنفسهم، أو يقول بعضهم لبعض: لو ~~كان نبيا عذبنا بقولنا له ما نقول. # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فيها قولان: أحدهما: نزلت ~~في المنافقين، فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بزعمهم، وهذا قول عطاء ومقاتل. ~~والثاني: أنها في المؤمنين، والمعنى: # أنه نهاهم عن فعل المنافقين واليهود، وهذا مذهب جماعة، منهم الزجاج. # قوله عز وجل: فلا تتناجوا هكذا قرأ الجماعة بألف. وقرأ يعقوب وحده «فلا ~~تتنجوا» . فأما «البر» فقال مقاتل: هو الطاعة، و «التقوى» ترك المعصية. ~~وقال أبو سليمان الدمشقي: «البر» الصدق، PageV04P246 # و «التقوى» ترك الكذب. ثم ذكر أن ما يفعله اليهود والمنافقون، من ~~الشيطان، فقال عز وجل: إنما النجوى من الشيطان أي: من تزيينه، والمعنى: ~~إنما يزين لهم ذلك ليحزن الذين آمنوا وقد بينا آنفا ما كان يحزن المؤمنين ~~من هذه النجوى وليس بضارهم شيئا أي: وليس الشيطان بضار المؤمنين شيئا إلا ~~بإذن الله أي: بإرادته وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي: فليكلوا أمورهم ~~إليه. ### | [سورة المجادلة (58) : آية 11] # يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله ~~لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات والله بما تعملون خبير (11) # قوله عز وجل: إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس وقرأ عاصم «في المجالس» على ~~الجمع، وذلك أن كل جالس له مجلس، فالمعنى: ليفسح كل رجل منكم في مجلسه «1» ~~. # (1402) قال المفسرون: نزلت في نفر من المؤمنين كانوا يسابقون إلى مجلس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أقبل المهاجرون وأهل السابقة، لم يجدوا ~~موضعا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يليه أولو الفضل ليحفظوا ~~عنه، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة جالس في صفة ضيقة في ~~المسجد، جاء نفر من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس بن شماس، فسلموا وانتظروا أن ~~يوسعوا لهم، فأوسعوا لبعضهم، وبقي بعضهم، فشق ذلك ms2240 على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: قم يا فلان، قم يا فلان، حتى أقام من المجلس على عدة من ~~هو قائم من أهل السابقة، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه من ~~أقامهم الكراهة، وتكلم المنافقون في ذلك وقالوا: والله ما عدل، فنزلت هذه ~~الآية. # وقال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ~~أقبل مقبل ضنوا بمجلسهم، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض. قال المفسرون: ~~ومعنى «تفسحوا» توسعوا وذلك أنهم كانوا يجلسون متصافين حول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلا يجد غيرهم مجلسا عنده، فأمرهم أن يوسعوا لغيرهم ليتساوى ~~الناس في الحظ منه، ويظهر فضيلة المقربين إليه من أهل بدر وغيرهم. # وفي المراد «بالمجلس» هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مجلس الحرب ومقاعد ~~القتال، كان الرجل يأتي القوم في الصف، فيقول لهم: توسعوا، فيأبون عليه ~~لحرصهم على القتال، وهذا قول ابن عباس والحسن وأبي العالية والقرظي. ~~والثاني: أنه مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد. وقال قتادة: ~~كان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم ومن حوله خاصة. والثالث: مجالس الذكر ~~كلها، روي عن قتادة أيضا. وقرأ علي بن أبي طالب عليه السلام وأبو رزين وأبو ~~عبد الرحمن ومجاهد والحسن وعكرمة وقتادة وابن أبي عبلة والأعمش: «تفسحوا في ~~المجالس» بألف على الجمع. # قوله عز وجل: يفسح الله لكم أي: يوسع الله لكم الجنة، والمجالس فيها. ~~PageV04P247 # وإذا قيل انشزوا قرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم «انشزوا فانشزوا» ~~برفع الشين فيهما. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: بكسر الشين ~~فيهما. ومعنى «انشزوا» قوموا. قال الفراء: وهما لغتان. # وفي المراد بهذا القيام خمسة أقوال «1» : أحدها: أنه القيام إلى الصلاة، ~~وكان رجال يتثاقلون عنها، فقيل لهم: إذا نودي للصلاة فانهضوا، هذا قول ~~عكرمة، والضحاك. والثاني: أنه القيام إلى قتال العدو، قاله الحسن. والثالث: ~~أنه القيام إلى كل خير، من قتال، أو أمر بمعروف، ونحو ذلك، قاله مجاهد. # (1403) والرابع: أنه الخروج من بيت ms2241 رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك ~~أنهم كانوا إذا جلسوا في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أطالوا ليكون كل ~~واحد منهم آخرهم عهدا به، فأمروا أن ينشزوا إذا قيل لهم: انشزوا، قاله ابن ~~زيد. والخامس: أن المعنى: قوموا وتحركوا وتوسعوا لإخوانكم، قاله الثعلبي. # قوله عز وجل: يرفع الله الذين آمنوا منكم أي: يرفعهم بإيمانهم على من ليس ~~بمنزلتهم من أهل الإيمان ويرفع الذين أوتوا العلم على من ليس بعالم. وهل ~~هذا الرفع في الدنيا، أم في الآخرة؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه إخبار عن ~~ارتفاع درجاتهم في الجنة. والثاني: أنه ارتفاع مجالسهم في الدنيا، فيكون ~~ترتيبهم فيها بحسب فضائلهم في الدين والعلم. وكان ابن مسعود يقول: أيها ~~الناس: # افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم، فإن الله يرفع المؤمن العالم فوق من ~~لا يعلم درجات. ### | ### | [سورة المجادلة (58) : الآيات 12 الى # 13] # يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك ~~خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم (12) أأشفقتم أن تقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون (13) # قوله عز وجل: إذا ناجيتم الرسول في سبب نزولها قولان. # (1404) أحدهما: أن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا ~~عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه، PageV04P248 # فأنزل هذه الآية، قاله ابن عباس. # (1405) والثاني: أنها نزلت في الأغنياء، وذلك أنهم كانوا يكثرون مناجاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فنزلت هذه الآية، فأما أهل العسرة فلم يجدوا ~~شيئا، وأما أهل الميسرة فبخلوا، واشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فنزلت الرخصة، قاله مقاتل بن حيان. # (1406) وإلى نحوه ذهب مقاتل بن سليمان، إلا أنه قال: فقدر الفقراء حينئذ ~~على مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقدم أحد من أهل الميسرة ~~صدقة غير ms2242 علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # (1407) وروى مجاهد عن علي رضي الله عنه قال: آية في كتاب الله لم يعمل ~~بها أحد قبلي، ولن يعمل بها أحد بعدي، آية النجوى. كان لي دينار، فبعته ~~بعشرة دراهم، فكلما أردت أن أناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمت ~~درهما، فنسختها الآية الأخرى أأشفقتم أن تقدموا الآية. # قوله عز وجل: ذلك خير لكم وأطهر أي: تقديم الصدقة على المناجاة خير لكم، ~~لما فيه من PageV04P249 # طاعة الله، وأطهر لذنوبكم فإن لم تجدوا يعني: الفقراء فإن الله غفور رحيم ~~إذ عفا عمن لا يجد. # قوله عز وجل: أأشفقتم أي: خفتم بالصدقة الفاقة وتاب الله عليكم أي: ~~فتجاوز عنكم، وخفف بنسخ إيجاب الصدقة. قال مقاتل بن حيان: إنما كان ذلك عشر ~~ليال. قال قتادة: ما كان إلا ساعة من نهار. ### | ### | [سورة المجادلة (58) : الآيات 14 الى # 20] # ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون ~~على الكذب وهم يعلمون (14) أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا ~~يعملون (15) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين (16) لن ~~تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (17) يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم ~~على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (18) # استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب ~~الشيطان هم الخاسرون (19) إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين ~~(20) # قوله عز وجل: ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم نزلت في ~~المنافقين الذين تولوا اليهود، ونقلوا إليهم أسرار المؤمنين. # (1408) وقال السدي، ومقاتل: نزلت في عبد الله بن نبتل المنافق، وذلك أنه ~~كان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرفع حديثه إلى اليهود، فدخل ~~عليه يوما، وكان أزرق، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: علام تشتمني ~~أنت وأصحابك؟ فحلف بالله ما فعل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ms2243 «فعلت» ~~فانطلق فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما سبوه، فأنزل الله هذه الآيات. # (1409) وروى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه من حديث ابن عباس، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان في ظل حجرة من حجره، وعنده نفر من المسلمين، ~~فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا أتاكم فلا تكلموه، ~~فجاء رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: علام تشتمني أنت ~~وفلان وفلان؟ فانطلق الرجل فدعاهم، فحلفوا بالله واعتذروا إليه، فأنزل الله ~~تعالى: يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون الآية. # فأما التفسير، فالذين تولوا: هم المنافقون، والمغضوب عليهم: هم اليهود ما ~~هم منكم يعني: # المنافقين ليسوا من المسلمين، ولا من اليهود ويحلفون على الكذب وهو ما ~~ذكرنا في سبب نزولها. # وقال بعضهم: حلفوا أنهم ما سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تولوا ~~اليهود وهم يعلمون أنهم كذبة اتخذوا أيمانهم جنة أي: سترة يتقون بها القتل. ~~قال ابن قتيبة: المعنى: استتروا بالحلف، فكلما ظهر لهم شيء يوجب معاقبتهم ~~حلفوا كاذبين. فصدوا عن سبيل الله فيه قولان: أحدهما: صدوا الناس عن دين ~~الإسلام، قاله السدي. والثاني: صدوا المؤمنين عن جهادهم بالقتل وأخذ مالهم. ~~قوله عز وجل: PageV04P250 # فيحلفون له قال مقاتل، وقتادة: يحلفون لله في الآخرة أنهم كانوا مؤمنين، ~~كما حلفوا لأوليائه في الدنيا ويحسبون أنهم على شيء من أيمانهم الكاذبة ألا ~~إنهم هم الكاذبون في قولهم وأيمانهم. # قوله عز وجل: استحوذ عليهم الشيطان قال أبو عبيدة: غلب عليهم، وحاذهم، ~~وقد بينا هذا في سورة النساء عند قوله عز وجل: ألم نستحوذ عليكم «1» ، وما ~~بعد هذا ظاهر إلى قوله عز وجل: # أولئك في الأذلين أي: في المغلوبين، فلهم في الدنيا ذل، وفي الآخرة خزي. ### | [سورة المجادلة (58) : الآيات 21 الى 22] # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (21) لا تجد قوما يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم ~~أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ms2244 ~~ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه ~~أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (22) # قوله عز وجل: كتب الله أي: قضى الله لأغلبن أنا ورسلي وفتح الياء نافع، ~~وابن عامر. # قال المفسرون: من بعث من الرسل بالحرب، فعاقبة الأمر له، ومن لم يبعث ~~بالحرب، فهو غالب بالحجة إن الله قوي عزيز أي: مانع حزبه من أن يذل. # قوله عز وجل: لا تجد قوما الآية. اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: # (1410) أحدها: نزلت في أبي عبيدة بن الجراح، قتل أباه يوم أحد، وفي أبي ~~بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، فقال: يا رسول الله دعني أكون في الرعلة ~~الأولى، فقال: متعنا بنفسك يا أبا بكر، وفي مصعب بن عمير، قتل أخاه عبيد بن ~~عمير يوم أحد، وفي عمر قتل خاله العاص بن هشام يوم بدر. وفي علي وحمزة قتلا ~~عتبة وشيبة يوم بدر، قاله ابن مسعود. # (1411) والثاني: أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وذلك أن أبا ~~قحافة سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصكه أبو بكر صكة شديدة سقط منها، ~~ثم ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أو فعلته» ؟ قال: نعم. قال: فلا تعد إليه، فقال أبو بكر: والله لو ~~كان السيف قريبا مني لقتلته، فنزلت هذه الآية، قاله ابن جريج. # (1412) والثالث: نزلت في عبد الله بن عبد الله بن أبي، وذلك أنه كان ~~جالسا إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشرب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ماء، فقال عبد الله: يا رسول الله أبق فضلة من شرابك، قال: وما تصنع ~~PageV04P251 # بها؟ فقال: أسقيها أبي، لعل الله سبحانه يطهر قلبه، ففعل، فأتى بها أباه، ~~فقال: ما هذا؟ قال: فضلة من شراب رسول الله جئتك بها لتشربها، لعل الله ~~يطهر قلبك، فقال: هلا جئتني ببول أمك! فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: يا رسول ms2245 الله، ائذن لي في قتل أبي، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ارفق به، وأحسن إليه، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. # (1413) والرابع: أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة ~~يخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عزم على قصدهم، قاله مقاتل، ~~واختاره الفراء، والزجاج. # وهذه الآية قد بينت أن مودة الكفار تقدح في صحة الإيمان، وأن من كان ~~مؤمنا لم يوال كافرا وإن كان أباه أو ابنه أو أحدا من عشيرته. # قوله عز وجل: أولئك، يعني: الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله كتب في ~~قلوبهم الإيمان وقرأ المفضل عن عاصم «كتب» برفع الكاف والنون من «الإيمان» ~~. وفي معنى «كتب» خمسة أقوال: أحدها: أثبت في قلوبهم الإيمان، قاله الربيع ~~بن أنس. والثاني: جعل، قاله مقاتل. والثالث: # كتب في اللوح المحفوظ أن في قلوبهم الإيمان، حكاه الماوردي. والرابع: حكم ~~لهم بالإيمان. وإنما ذكر القلوب، لأنها موضع الإيمان، ذكره الثعلبي. ~~والخامس: جمع في قلوبهم الإيمان حتى استكملوه، قاله الواحدي. قوله عز وجل: ~~وأيدهم أي قواهم بروح منه في المراد «بالروح» هاهنا خمسة أقوال: أحدها: أنه ~~النصر، قاله ابن عباس والحسن. فعلى هذا سمي النصر روحا لأن أمرهم يحيا به. ~~والثاني: الإيمان، قاله السدي. والثالث: القرآن، قاله الربيع. والرابع: ~~الرحمة، قاله مقاتل. والخامس: جبريل عليه السلام أيدهم به يوم بدر، ذكره ~~الماوردي. فأما حزب الله فقال الزجاج: هم الداخلون في الجمع الذين اصطفاهم ~~الله وارتضاهم، و «ألا» كلمة تنبيه وتوكيد للقصة. PageV04P252 ### | سورة الحشر # وهي مدنية كلها بإجماعهم، وذكر المفسرون أن جميعها نزل في بني النضير. ~~وكان ابن عباس يسمي هذه السورة «سورة بني النضير» وهذه الإشارة إلى قصتهم. # (1414) ذكر أهل العلم بالتفسير والسير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خرج إلى مسجد قباء، ومعه نفر من أصحابه، فصلى فيه، ثم أتى بني النضير، ~~فكلمهم أن يعينوه في دية رجلين كان قد آمنهما، فقتلهما عمرو بن أمية الضمري ~~وهو لا يعلم، فقالوا: نفعل، وهموا بالغدر ms2246 به، وقال عمرو بن جحاش: أنا أظهر ~~على البيت، فأطرح عليه صخرة، فقال سلام بن مشكم: لا تفعلوا، والله ليخبرن ~~بما هممتم به، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فنهض سريعا، فتوجه ~~إلى المدينة، فلحقه أصحابه، فقالوا: قمت ولم نشعر؟! فقال: همت يهود بالغدر، ~~فأخبرني الله بذلك، فقمت، وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن ~~مسلمة: أن اخرجوا من بلدتي، فلا تساكنوني، وقد هممتم بما هممتم به، وقد ~~أجلتكم عشرا. فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه، فمكثوا أياما يتجهزون، فأرسل ~~إليهم ابن أبي: لا تخرجوا، فإن معي ألفين من قومي وغيرهم، وتمدكم قريظة، ~~وحلفاؤكم من غطفان، وطمع حيي فيما قال ابن أبي، فأرسل إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إنا لا نخرج، فاصنع ما بدا لك، فكبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فكبر المسلمون لتكبيره، وقال: # حاربت يهود، ثم سار إليهم في أصحابه، فلما رأوه، قاموا على حصونهم معهم ~~النبل والحجارة، فاعتزلتهم قريظة، وخذلهم ابن أبي وحلفاؤهم من غطفان، وكان ~~رئيسهم كعب بن الأشرف قد خرج إلى مكة فعاقد المشركين على التظاهر على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأخبر الله نبيه بذلك، فبعث محمد بن مسلمة فاغتره ~~فقتله، وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطع نخلهم، فقالوا: نحن نخرج ~~عن بلادك، فأجلاهم عن المدينة، فمضى بعضهم إلى الشام، وبعضهم إلى خيبر، ~~وقبض أموالهم وسلاحهم، فوجد خمسين درعا، وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين ~~سيفا. # فأما التفسير فقد ذكرنا فاتحة هذه السورة في أول الحديد. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الحشر (59) : الآيات 1 الى # 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) هو الذي أخرج ~~الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا ~~أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ~~الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار (2) ~~ولولا أن كتب ms2247 الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب ~~النار (3) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ~~(4) # ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي ~~الفاسقين (5) PageV04P253 # قوله تعالى: هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب يعني: يهود بني ~~النضير من ديارهم أي: من منازلهم لأول الحشر فيه أربعة أقوال: أحدها: أنهم ~~أول من حشر وأخرج من داره، قاله ابن عباس. وقال ابن السائب: هم أول من نفي ~~من أهل الكتاب. والثاني: أن هذا كان أول حشرهم، والحشر الثاني: إلى أرض ~~المحشر يوم القيامة، قاله الحسن. # (1415) قال عكرمة: من شك أن المحشر إلى الشام فليقرأ هذه الآية، وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم يومئذ: اخرجوا، فقالوا: إلى أين؟ قال: ~~إلى أرض المحشر. # والثالث: أن هذا كان أول حشرهم وأن الحشر الثاني: نار تحشرهم من المشرق ~~إلى المغرب، قاله قتادة. والرابع: هذا كان أول حشرهم من المدينة، والحشر ~~الثاني: من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام في أيام ~~عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قاله مرة الهمداني. # قوله عز وجل: ما ظننتم يخاطب المؤمنين أن يخرجوا من ديارهم لعزهم، ~~ومنعتهم، وحصونهم وظنوا: يعني: بني النضير أن حصونهم تمنعهم من سلطان الله ~~فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وذلك أنه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بقتالهم وإجلائهم، ولم يكونوا يظنون أن ذلك يكون، ولا يحسبونه وقذف في ~~قلوبهم الرعب لخوفهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: لقتل سيدهم ~~كعب بن الأشرف يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين قرأ أبو عمرو «يخربون» ~~بالتشديد. وقرأ الباقون «يخربون» بالتخفيف وهل بينهما فرق، أم لا؟ فيه ~~قولان: أحدهما: أن المشددة معناها: النقض والهدم. والمخففة معناها: # يخرجون منها ويتركونها خرابا معطلة، حكاه ابن جرير. وروي عن أبي عمرو أنه ~~قال: إنما اخترت التشديد، لأن بني النضير نقضوا منازلهم، ولم يرتحلوا عنها ~~وهي معمورة. والثاني: أن القراءتين بمعنى واحد. والتخريب ms2248 والإخراب لغتان ~~بمعنى، حكاه ابن جرير عن أهل اللغة. وللمفسرين فيما فعلوا بمنازلهم أربعة ~~أقوال: أحدها: أنه كان المسلمون كلما ظهروا على دار من دورهم هدموها ليتسع ~~لهم مكان القتال، وكانوا هم ينقبون دورهم، فيخرجون إلى ما يليها، قاله ابن ~~عباس. والثاني: أنه كان المسلمون كلما هدموا شيئا من حصونهم نقضوا هم ما ~~يبنون به الذي خربه المسلمون، قاله الضحاك. # والثالث: أنهم كانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم، أو العمود، أو الباب، ~~يستحسنونه، فيهدمون PageV04P254 # البيوت، وينزعون ذلك منها، ويحملونه معهم، ويخرب المؤمنون باقيها، قاله ~~الزهري. والرابع: أنهم كانوا يخربونها لئلا يسكنها المؤمنون، حسدا منهم، ~~وبغيا، قاله ابن زيد. # قوله عز وجل: فاعتبروا يا أولي الأبصار الاعتبار: النظر في الأمور، ليعرف ~~بها شيء آخر من جنسها، و «الأبصار» العقول. والمعنى: تدبروا ما نزل بهم ~~ولولا أن كتب الله أي: قضى عليهم الجلاء وهو خروجهم من أوطانهم. وذكر ~~الماوردي بين الإخراج والجلاء فرقين: أحدهما: أن الجلاء: ما كان مع الأهل ~~والولد، والإخراج: قد يكون مع بقاء الأهل والولد. والثاني: أن الجلاء لا ~~يكون إلا لجماعة. والإخراج: قد يكون لواحد ولجماعة. والمعنى: لولا أن الله ~~قضى عليهم بالخروج لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، كما فعل بقريظة ولهم في ~~الآخرة مع ما حل بهم في الدنيا عذاب النار (3) ذلك الذي أصابهم بأنهم شاقوا ~~الله وقد سبق بيان الآية «1» . قال القاضي أبو يعلى: # فقد دلت هذه الآية على جواز مصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من ~~غير سبي ولا استرقاق، ولا جزية، ولا دخول في ذمة، وهذا حكم منسوخ إذا كان ~~في المسلمين قوة على قتالهم، لأن الله تعالى أمر بقتال الكفار حتى يسلموا، ~~أو يؤدوا الجزية. وإنما يجوز هذا الحكم إذا عجز المسلمون عن مقاومتهم فلم ~~يقدروا على إدخالهم في الإسلام أو الذمة، فيجوز لهم حينئذ مصالحتهم على ~~الجلاء من بلادهم. وفي هذه القصة دلالة على جواز مصالحتهم على مجهول من ~~المال. # (1416) لأن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على أرضهم، وعلى الحلقة ms2249 «2» ~~، وترك لهم ما أقلت الإبل، وذلك مجهول. # وقوله عز وجل: ما قطعتم من لينة. # (1417) سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير ~~وقطع، فنزلت هذه الآية، أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر. # (1418) وذكر المفسرون أنه لما نزلت ببني النضير تحصنوا في حصونهم، فأمر ~~بقطع نخيلهم، PageV04P255 # وإحراقها، فجزعوا، وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح، أفمن الصلاح ~~عقر الشجر، وقطع النخل؟ وهل وجدت فيما أنزل عليك الفساد في الأرض؟ فشق ذلك ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجد المسلمون في أنفسهم من قولهم. ~~واختلف المسلمون، فقال بعضهم: لا تقطعوا، فإنه مما أفاء الله علينا. وقال ~~بعضهم: بل نغيظهم بقطعها، فنزلت الآية بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من ~~قطعه من الإثم، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله تعالى. # وفي المراد «باللينة» ستة أقوال «1» : أحدها: أنه النخل كله ما خلا ~~العجوة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وبه قال عكرمة، وقتادة، والفراء. ~~والثاني: أنها النخل والشجر، رواه عطاء عن ابن عباس. # والثالث: أنها ألوان النخل كلها إلا العجوة، والبرنية، قاله الزهري، وأبو ~~عبيدة، وابن قتيبة. وقال الزجاج: # أهل المدينة يسمون جميع النخيل: الألوان، ما خلا البرني، والعجوة. وأصل ~~«لينة» لونة، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. والرابع: أنها النخل كله، ~~قاله مجاهد وعطية، وابن زيد. قال ابن جرير: معنى الآية: ما قطعتم من ألوان ~~النخيل. والخامس: أنها كرام النخل، قاله سفيان. والسادس: أنها ضرب من النخل ~~يقال لتمرها: اللون، وهي شديدة الصفرة، ترى نواه من خارج، وكان أعجب تمرهم ~~إليهم، قاله مقاتل. وفي عدد ما قطع المسلمون ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم ~~قطعوا وأحرقوا ستة نخلات، قاله الضحاك. والثاني: # أحرقوا نخلة وقطعوا نخلة، قاله ابن إسحاق. والثالث: قطعوا أربع نخلات، ~~قاله مقاتل. # قوله عز وجل فبإذن الله قال يزيد بن رومان ومقاتل: بأمر الله. قوله عز ~~وجل: وليخزي الفاسقين يعني اليهود. وخزيهم: أن يريهم أموالهم يتحكم فيها ~~المؤمنون كيف أحبوا. والمعنى: # وليخزي الفاسقين أذن في ذلك، ms2250 ودل على المحذوف قوله: فبإذن الله. ### | [سورة الحشر (59) : الآيات 6 الى 10] # وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله ~~يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (6) ما أفاء الله على رسوله ~~من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي ~~لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (7) للفقراء المهاجرين الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ~~ورسوله أولئك هم الصادقون (8) والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون ~~من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (9) والذين جاؤ من بعدهم ~~يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا ~~غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم (10) PageV04P256 # قوله عز وجل: وما أفاء الله على رسوله أي: ما رد عليهم منهم يعني: من بني ~~النضير فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب قال أبو عبيدة: الإيجاف: الإيضاع، ~~والركاب: الإبل. قال ابن قتيبة: # يقال: وجف الفرس والبعير، وأوجفته، ومثله: الإيضاع، وهو الإسراع في ~~السير. وقال الزجاج: معنى الآية: أنه لا شيء لكم في هذا، إنما هو لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خاصة. # قال المفسرون: طلب المسلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخمس ~~أموال بني النضير لما أجلوا، فنزلت هذه الآية تبين أنها فيء لم تحصل لهم ~~بمحاربتهم، وإنما هو بتسليط رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو له خاصة، ~~يفعل فيه ما يشاء. # (1419) فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين، ولم يعط ~~الأنصار منه شيئا، إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم: أبو دجانة، وسهل بن ~~حنيف، والحارث بن الصمة. # ثم ذكر حكم الفيء فقال عز وجل: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى أي: ~~من أموال ms2251 كفار أهل القرى فلله أي: يأمركم فيه بما أحب، وللرسول بتحليل الله ~~إياه. وقد ذكرنا «ذوي القربى واليتامى» في الأنفال «1» وذكرنا هناك الفرق ~~بين الفيء والغنيمة. ### | ### | فصل # «2» : # واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فذهب قوم إلى أن المراد بالفيء هاهنا: # الغنيمة التي يأخذها المسلمون من أموال الكافرين عنوة، وكانت في بدو ~~الإسلام للذين سماهم الله هاهنا دون الغانمين الموجفين عليها، ثم نسخ ذلك ~~بقوله تعالى في الأنفال: PageV04P257 # واعلموا أنما غنمتم من شيء الآية «1» ، هذا قول قتادة ويزيد بن رومان. ~~وذهب قوم إلى أن هذا الفيء: ما أخذ من أموال المشركين ما لم يوجف عليه من ~~خيل ولا ركاب، كالصلح، والجزية، والعشور، ومال من مات منهم في دار الإسلام ~~ولا وارث له، فهذا كان يقسم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة ~~أخماس، فأربعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل بها ما يشاء، والخمس ~~الباقي للمذكورين في هذه الآية. # واختلف العلماء فيما يصنع بسهم الرسول بعد موته على ما بيناه في الأنفال، ~~فعلى هذا تكون هذه الآية مبينة لحكم الفيء، والتي في الأنفال «2» مبينة ~~لحكم الغنيمة، فلا يتوجه النسخ. # قوله تعالى: كي لا يكون يعني الفيء دولة وهو اسم للشيء يتداوله القوم. ~~والمعنى: لئلا يتداوله الأغنياء بينهم فيغلبون الفقراء عليه. قال الزجاج: ~~الدولة: اسم الشيء يتداول. والدولة، بالفتح: # الفعل والانتقال من حال إلى حال وما آتاكم الرسول من الفيء فخذوه وما ~~نهاكم عن أخذه فانتهوا وهذا نزل في أمر الفيء، وهو عام في كل ما أمر به، ~~ونهى عنه. قال الزجاج: ثم بين من المساكين الذين لهم الحق، فقال عز وجل: ~~للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم قال المفسرون: # يعني بهم المهاجرين يبتغون فضلا من الله أي: رزقا يأتيهم ورضوانا رضى ~~ربهم حين خرجوا إلى دار الهجرة أولئك هم الصادقون في إيمانهم. ثم مدح ~~الأنصار حين طابت نفوسهم عن الفيء، فقال تعالى: والذين تبوؤا الدار يعني: ~~دار الهجرة، وهي المدينة والإيمان من قبلهم فيها تقديم وتأخير، تقديره: ms2252 ~~والذين تبوءوا الدار من قبلهم، أي: من قبل المهاجرين، والإيمان عطف على ~~«الدار» في الظاهر، لا في المعنى، لأن «الإيمان» ليس بمكان يتبوأ، وإنما ~~تقديره: وآثروا الإيمان، وإسلام المهاجرين قبل الأنصار، وسكنى الأنصار ~~المدينة قبل المهاجرين. وقيل: الكلام على ظاهره، والمعنى: تبوءوا الدار ~~والإيمان قبل الهجرة يحبون من هاجر إليهم وذلك أنهم شاركوهم في منازلهم، ~~وأموالهم ولا يجدون في صدورهم حاجة أي: حسدا وغيظا مما أوتي المهاجرون. ~~وفيما أوتوه قولان: أحدهما: مال الفيء، قاله الحسن. وقد ذكرنا آنفا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط من ~~الأنصار غير ثلاثة نفر. والثاني: الفضل والتقدم، ذكره الماوردي. # قوله عز وجل: ويؤثرون على أنفسهم يعني الأنصار يؤثرون المهاجرين على ~~أنفسهم بأموالهم ومنازلهم ولو كان بهم خصاصة أي فقر وحاجة، فبين الله عز ~~وجل أن إيثارهم لم يكن عن غنى. وفي سبب نزول هذا الكلام قولان: # (1420) أحدهما: أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أصابه ~~الجهد، فقال: يا رسول الله، إني جائع فأطعمني، فبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى أزواجه: هل عندكن شيء؟ فكلهن قلن: والذي بعثك بالحق ~~PageV04P258 # ما عهدنا إلا الماء، فقال: ما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يطعمك ~~هذه الليلة. ثم قال: «من يضيف هذا هذه الليلة يرحمه الله؟» فقام رجل فقال: ~~أنا يا رسول الله، فأتى به منزله، فقال لأهله: هذا ضيف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأكرميه ولا تدخري عنه شيئا، فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية، ~~فقال: قومي فعلليهم عن قوتهم حتى يناموا ولا يطعموا شيئا، ثم أصبحي سراجك ~~فإذا أخذ الضيف ليأكل، فقومي كأنك تصلحين السراج، فأطفئيه، وتعالي نمضغ ~~ألسنتنا لأجل ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يشبع، ففعلت ذلك، فظن ~~الضيف أنهما يأكلان معه، فشبع هو، وباتا طاويين، فلما أصبحا غدوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلما نظر اليهما تبسم، ثم قال: ضحك الله الليلة، ~~أو عجب ms2253 من فعالكما، فأنزل الله ويؤثرون على أنفسهم الآية. خرجه البخاري ~~ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة، وفي بعض الألفاظ عن أبي هريرة. أن ~~الضيف كان من أهل الصفة، والمضيف كان من الأنصار، وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لقد عجب من فعالكما أهل السماء» . # (1421) والثاني: أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدي له ~~رأس شاة، فقال: إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا، فبعث به إليه، فلم يزل ~~يبعث به واحد إلى واحد حتى تناولها سبعة أهل أبيات، حتى رجعت إلى أولئك، ~~فنزلت هذه الآية، قاله ابن عمر. # (1422) وروي نحو هذه القصة عن أنس بن مالك قال: أهدي لبعض الصحابة رأس ~~شاة مشوي، وكان مجهودا، فوجه به إلى جار له فتناوله تسعة أنفس، ثم عاد إلى ~~الأول، فنزلت هذه الآية. # قوله عز وجل: ومن يوق شح نفسه قرأ ابن السميفع، وأبو رجاء «ومن يوق» ~~بتشديد القاف. # قال المفسرون: هو أن لا يأخذ مما نهاه الله عنه، ولا يمنع شيئا أمره الله ~~بأدائه. والمعنى: أن الأنصار ممن وقي شح نفسه حين طابت أنفسهم بترك الفيء ~~للمهاجرين. ### | فصل: # وقد اختلف العلماء في الشح والبخل، هل بينهما فرق، أم لا؟ فقال ابن جرير: ~~الشح في كلام العرب: هو منع الفضل من المال. وقال أبو سليمان الخطابي: الشح ~~أبلغ في المنع من البخل، وإنما الشح بمنزلة الجنس والبخل بمنزلة النوع، ~~وأكثر ما يقال في البخل إنما هو في أفراد الأمور وخواص الأشياء، والشح عام، ~~فهو كالوصف اللازم للإنسان من قبل الطبع والجبلة. وحكى الخطابي عن بعضهم ~~أنه قال: البخل: أن يضن بماله، والشح: أن يبخل بماله ومعروفه. وقد روى أبو ~~الشعثاء أن رجلا أتى ابن مسعود فقال: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ~~ذاك؟ قال: # أسمع الله يقول: «ومن يوق شح نفسه» وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي ~~شيء، فقال: ليس ذاك بالشح الذي ذكره الله في القرآن، الشح: أن تأكل مال ~~أخيك ظلما، ms2254 إنما البخل، وبئس الشيء البخيل. PageV04P259 # (1423) وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «برىء من الشح ~~من أدى الزكاة، وقرى الضيف، وأعطى في النائبة» . # قوله عز وجل: والذين جاؤ من بعدهم يعني التابعين إلى يوم القيامة. قال ~~الزجاج: إن المعنى: ما أفاء الله على رسوله فلله وللرسول ولهؤلاء المسلمين، ~~وللذين يجيئون من بعدهم إلى يوم القيامة ما أقاموا على محبة أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ودليل هذا قوله عز وجل: والذين جاؤ من بعدهم أي: ~~الذين جاءوا في حال قولهم: ربنا اغفر لنا ولإخواننا فمن ترحم على أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن في قلبه غل لهم، فله حظ من فيء ~~المسلمين، ومن شتمهم ولم يترحم عليهم، أو كان في قلبه غل لهم، فما جعل الله ~~له حقا في شيء من فيء المسلمين بنص الكتاب. وكذلك روي عن مالك بن أنس رضي ~~الله عنه أنه قال: من تنقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كان في ~~قلبه عليهم غل، فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا هذه الآيات «1» . ### | ### | [سورة الحشر (59) : الآيات 11 الى # 17] # ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن ~~أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله ~~يشهد إنهم لكاذبون (11) لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ~~ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون (12) لأنتم أشد رهبة في صدورهم من ~~الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون (13) لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو ~~من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون (14) كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ~~(15) # كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف ~~الله رب العالمين (16) فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء ~~الظالمين (17) # قوله عز وجل: ألم تر إلى الذين نافقوا ms2255 يعني: عبد الله بن أبي وأصحابه ~~يقولون لإخوانهم في الدين، لأنهم كفار مثلهم، وهم اليهود لئن أخرجتم من ~~المدينة لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أي: في خذلانكم أحدا أبدا فكذبهم الله ~~تعالى في ذلك بقوله: والله يشهد إنهم لكاذبون ثم ذكر أنهم يخلفونهم ما ~~وعدوهم من الخروج والنصر بالآية التي تلي هذه، فكان الأمر على ما ذكر الله ~~تعالى، لأنهم أخرجوا فلم يخرج معهم المنافقون، وقوتلوا فلم ينصروهم، ومعنى ~~ولئن نصروهم: لئن قدر وجود نصرهم، لأن الله نفى نصرهم، فلا يجوز وجوده. ~~وقوله عز وجل: ثم لا ينصرون يعني: بني النضير. # قوله عز وجل: لأنتم أشد يعني: المؤمنين أشد رهبة في صدورهم وفيهم قولان: ~~PageV04P260 # أحدهما: أنهم المنافقون، قاله مقاتل. والثاني: بنو النضير، قاله الفراء. # قوله عز وجل: لا يقاتلونكم جميعا فيهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود، قاله ~~الأكثرون. # والثاني: اليهود والمنافقون، قاله ابو سليمان الدمشقي. والمعنى: أنهم لا ~~يبرزون لحربكم، إنما يقاتلون متحصنين في قرى محصنة أو من وراء جدر وقرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، وأبان «من وراء جدار» بألف. # وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي «جدر» بضم الجيم والدال. ~~وقرأ أبو بكر الصديق، وابن أبي عبلة «جدر» بفتح الجيم والدال جميعا، وقرأ ~~عمر بن الخطاب، ومعاوية، وعاصم الجحدري «جدر» بفتح الجيم وسكون الدال. وقرأ ~~علي بن أبي طالب، وأبو عبد الرحمن السلمي، وعكرمة، والحسن، وابن سيرين، ~~وابن يعمر «جدر» بضم الجيم وإسكان الدال بأسهم بينهم شديد وفيه قولان: ~~أحدهما: عداوة بعضهم لبعض شديدة. والثاني: أن بأسهم بينهم فيما وراء الحصون ~~شديد، وإذا خرجوا إليكم فهم أجبن خلق الله. # قوله عز وجل: تحسبهم جميعا فيهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود والمنافقون، ~~قاله مقاتل. # والثاني: بنو النضير، قاله الفراء. قوله عز وجل: وقلوبهم شتى قال الزجاج: ~~أي هم مختلفون لا تستوي قلوبهم، ولا يتعاونون بنيات مجتمعة، لأن الله تعالى ~~ناصر حزبه، وخاذل أعدائه. قوله عز وجل: ذلك يعني ذلك الاختلاف بأنهم قوم لا ~~يعقلون ما فيه الحظ لهم. # ثم ضرب لليهود مثلا، ms2256 فقال عز وجل: كمثل الذين من قبلهم قريبا وفيه ثلاثة ~~أقوال: أحدها: # أنهم بنو قينقاع. وقال ابن عباس: كانوا بنو قينقاع يهودا، وكانوا وادعوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم غدروا، فحصرهم، ثم نزلوا على حكمه أن له ~~أموالهم، ولهم النساء والذرية. فالمعنى: مثل بني النضير فيما فعل بهم كبني ~~قينقاع. والثاني: أنهم كفار قريش يوم بدر، قاله مجاهد. والمعنى: مثل هؤلاء ~~اليهود كمثل المشركين الذين كانوا من قبلهم قريبا، وذلك لقرب غزوة بني ~~النضير من غزاة بدر. والثالث: أنهم بنو قريظة، فالمعنى: مثل بني النضير ~~كبني قريظة ذاقوا وبال أمرهم بأن قتلت مقاتلتهم، وسبيت ذراريهم، وهؤلاء ~~أجلوا عن ديارهم فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم في الآخرة. ثم ضرب ~~لليهود والمنافقين مثلا فقال عز وجل: كمثل الشيطان. والمعنى: مثل المنافقين ~~في غرورهم بني النضير، وقولهم: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، ولئن قوتلتم ~~لننصرنكم، كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر وفيه قولان «1» : أحدهما: أنه ~~مثل ضربه الله تعالى للكافر في طاعة الشيطان، وهو عام في جميع الناس، قاله ~~مجاهد. والثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى لشخص معين، وعلى هذا جمهور ~~المفسرين، وهذا شرح قصته: # ذكر أهل التفسير أن عابدا من بني إسرائيل كان يقال له: برصيصا تعبد في ~~صومعة له أربعين سنة لا يقدر عليه الشيطان، فجمع إبليس يوما مردة الشياطين، ~~فقال: ألا أحد منكم يكفيني برصيصا، فقال PageV04P261 # الأبيض، وهو صاحب الأنبياء: أنا أكفيكه، فانطلق على صفة الرهبان، فأتى ~~صومعته، فناداه فلم يجبه، وكان لا ينفتل عن صلاته إلا في كل عشرة أيام، ولا ~~يفطر إلا في كل عشرة أيام، فلما رأى أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل ~~صومعته، فلما انفتل برصيصا، اطلع فرآه منتصبا يصلي على هيئة حسنة، فناداه: ~~ما حاجتك؟ فقال: إني أحببت أن أكون معك، أقتبس من عملك، وأتأدب بأدبك، ~~ونجتمع على العبادة، فقال برصيصا: إني لفي شغل عنك، ثم أقبل على صلاته، ~~وأقبل الأبيض يصلي، فلم يقبل إليه برصيصا أربعين يوما، ثم انفتل، فرآه ms2257 ~~يصلي، فلما رأى شدة اجتهاده قال: ما حاجتك؟ فأعاد عليه القول، فأذن له، ~~فصعد إليه، فأقام معه حولا لا يفطر إلا كل أربعين يوما، ولا ينفتل من صلاته ~~إلا في كل أربعين يوما، وربما زاد على ذلك، فلما رأى برصيصا اجتهاده، أعجبه ~~شأنه وتقاصرت إليه نفسه، فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا: إني منطلق ~~عنك، فإن لي صاحبا غيرك ظننت أنك أشد اجتهادا مما أرى، وكان يبلغنا عنك غير ~~الذي أرى، فاشتد ذلك على برصيصا، وكره مفارقته، فلما ودعه قال له الأبيض: ~~إن عندي دعوات أعلمكها، يشفي الله بها السقيم، ويعافي بها المبتلي، فقال ~~برصيصا: إني أكره هذه المنزلة، لأن لي في نفسي شغلا، فأخاف أن يعلم الناس ~~بهذا، فيشغلوني عن العبادة. فلم يزل به حتى علمه إياها، ثم انطلق إلى إبليس ~~فقال: قد والله أهلكت الرجل، فانطلق الأبيض، فتعرض لرجل فخنقه، ثم جاءه في ~~صورة رجل متطبب، فقال لأهله: إن بصاحبكم جنونا فأعالجه؟ قالوا: نعم، فقال ~~لهم: إني لا أقوى على جنيه، ولكن سأرشدكم إلى من يدعو له فيعافى فقالوا له: ~~دلنا. فقال: # انطلقوا إلى برصيصا العابد فإن عنده اسم الله الأعظم، فانطلقوا إليه ~~فسألوه فدعا بتلك الكلمات، فذهب عنه الشيطان، وكان الأبيض يفعل بالناس ذلك، ~~ثم يرشدهم إلى برصيصا، فيعافون، فلما طال ذلك عليه انطلق إلى جارية من بنات ~~ملوك إسرائيل، لها ثلاثة إخوة، فخنقها، ثم جاء إليهم في صورة متطبب، فقال: ~~أعالجها؟ قالوا: نعم. قال: إن الذي عرض لها مارد لا يطاق، ولكن سأرشدكم إلى ~~رجل تدعونها عنده، فإذا جاء شيطانها دعا لها، قالوا: ومن هو؟ قال: برصيصا، ~~قالوا: وكيف لنا أن يقبلها منا، وهو أعظم شأنا من ذلك؟! قال: إن قبلها، ~~وإلا فضعوها في صومعته، وقولوا له: هي أمانة عندك، فانطلقوا اليه، فأبى ~~عليهم، فوضعوها عنده. وفي بعض الروايات أنه قال: ضعوها في ذلك الغار، وهو ~~غار إلى جنب صومعته، فوضعوها، فجاء الشيطان فقال له: انزل إليها فامسحها ~~بيدك تعافى، وتنصرف إلى أهلها، فنزل، فلما دنا ms2258 إلى باب الغار دخل الشيطان ~~فيها، فإذا هي تركض، فسقطت عنها ثيابها، فنظر العابد إلى شيء لم ير مثله ~~حسنا وجمالا، فلم يتمالك أن وقع عليها، وضرب على أذنه، فجعل يختلف اليها ~~إلى أن حملت، فقال له الشيطان: ويحك يا برصيصا قد افتضحت، فهل لك أن تقتل ~~هذه وتتوب؟! فإن سألوك عنها قلت: جاء شيطانها، فذهب بها، فلم يزل به حتى ~~قتلها، ودفنها، ثم رجع إلى صومعته، فأقبل على صلاته إذ جاء إخوتها يسألون ~~عنها، فقالوا: يا برصيصا! ما فعلت أختنا؟ قال: قد جاء شيطانها فذهب بها، ~~ولم أطقه، فصدقوه، وانصرفوا. وفي بعض الروايات أنه قال: دعوت لها، فعافاها ~~الله، ورجعت اليكم، فتفرقوا ينظرون لها أثرا، فلما أمسوا جاء الشيطان إلى ~~كبيرهم في منامه، فقال: ويحك: إن برصيصا فعل بأختك كذا وكذا، وإنه دفنها في ~~موضع كذا من جبل كذا، فقال: هذا حلم، وبرصيصا خير من ذلك، فتتابع عليه ثلاث ~~ليال، وهو لا يكترث، فانطلق إلى الأوسط كذلك، ثم إلى الأصغر، بمثل ذلك، ~~فقال الأصغر لإخوته: لقد رأيت كذا # PageV04P262 # وكذا، فقال الأوسط: وأنا والله، فقال الأكبر: وأنا والله، فأتوا برصيصا، ~~فسألوه عنها، فقال: قد أعلمتكم بحالها، فكأنكم اتهمتموني، فقالوا: لا والله ~~واستحيوا، وانصرفوا، فجاءهم الشيطان فقال: # ويحكم إنها لمدفونة في موضع كذا وكذا، وإن إزارها لخارج من التراب، ~~فانطلقوا، فحفروا عنها، فرأوها، فقالوا: يا عدو الله لم قتلتها؟ اهبط، ~~فهدموا صومعته، ثم أوثقوه، وجعلوا في عنقه حبلا، ثم قادوه إلى الملك فأقر ~~على نفسه، وذلك أن الشيطان عرض له، فقال: تقتلها ثم تكابر، فاعترف، فأمر ~~الملك بقتله وصلبه، فعرض له الأبيض، فقال: أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا ~~صاحبك الذي علمتك الدعوات، ويحك ما اتقيت الله في أمانة خنت أهلها، أما ~~استحييت من الله؟! ألم يكفك ذلك حتى أقررت ففضحت نفسك وأشباهك بين الناس؟! ~~فإن مت على هذه الحالة لم تفلح، ولا أحد من نظرائك، قال: فكيف أصنع؟ قال: ~~تطيعني في خصلة حتى أنجيك، وآخذ بأعينهم، وأخرجك من مكانك، قال: ما ms2259 هي؟ ~~قال: تسجد لي، فسجد له، فقال: هذا الذي أردت منك، صارت عاقبة أمرك أن كفرت ~~إني بريء منك ثم قتل. فضرب الله هذا المثل لليهود حتى غرهم المنافقون، ثم ~~أسلموهم «1» . # قوله عز وجل: إني أخاف الله ونصب ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ياء «إني» ~~وأسكنها الباقون. وقد بينا المعنى في الأنفال «2» فكان عاقبتهما يعني: ~~الشيطان وذلك الكافر. ### | [سورة الحشر (59) : الآيات 18 الى 20] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون (18) ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ~~أولئك هم الفاسقون (19) لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم ~~الفائزون (20) # قوله عز وجل: ولتنظر نفس ما قدمت لغد أي: لينظر أحدكم أي شيء قدم؟ عملا ~~صالحا ينجيه؟ أم شيئا يوبقه؟ ولا تكونوا كالذين نسوا الله أي: تركوا أمره ~~فأنساهم أنفسهم أي: أنساهم حظوظ أنفسهم- فلم يعملوا بالطاعة، ولم يقدموا ~~خيرا. قال ابن عباس: يريد قريظة، والنضير، وبني قينقاع. ### | [سورة الحشر (59) : الآيات 21 الى 24] # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك ~~الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (21) هو الله الذي لا إله إلا هو عالم ~~الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم (22) هو الله الذي لا إله إلا هو الملك ~~القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون ~~(23) هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في ~~السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (24) PageV04P263 # قوله عز وجل: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل أخبر الله تعالى بهذا عن ~~تعظيم شأن هذا القرآن، وأنه لو جعل في جبل- على قساوته وصلابته- تمييزا، ~~كما جعل في بني آدم، ثم أنزل عليه القرآن لتشقق خشية من الله، وخوفا أن لا ~~يؤدي حق الله في تعظيم القرآن. و «الخاشع» : المتطأطئ الخاضع، و «المتصدع» ~~: المتشقق. وهذا توبيخ لمن لا يحترم القرآن، ولا يؤثر في قلبه مع الفهم ~~والعقل، ويدلك على هذا المثل قوله عز وجل: وتلك الأمثال نضربها للناس ثم ~~أخبر ms2260 بعظمته وربوبيته، فقال عز وجل: هو الله الذي لا إله إلا هو قال ~~الزجاج: قوله عز وجل: هو الله رد على قوله عز وجل في أول السورة سبح لله ما ~~في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم. # فأما هذه الأسماء، فقد سبق ذكر «الله» و «الرحمن» و «الرحيم» في الفاتحة، ~~وذكرنا معنى «عالم الغيب والشهادة» في الأنعام «1» . و «الملك» في سورة ~~المؤمنين «2» . # فأما «القدوس» فقرأ أبو الأشهب، وأبو نهيك، ومعاذ القارئ بفتح القاف. قال ~~أبو سليمان الخطابي: «القدوس» : الطاهر من العيوب، المنزه عن الأنداد ~~والأولاد. و «القدس» : الطاهر. ومنه سمي: بيت المقدس، ومعناه: المكان الذي ~~يتطهر فيه من الذنوب. وقيل للجنة: حظيرة القدس، لطهارتها من آفات الدنيا. ~~والقدس: السطل الذي يتطهر فيه، ولم يأت من الأسماء على فعول بضم الفاء الا ~~«قدوس» و «سبوح» وقد يقال أيضا: قدوس، وسبوح بالفتح فيهما، وهو القياس في ~~الأسماء، كقولهم: سفود، وكلوب. # فأما «السلام» فقال ابن قتيبة: سمى نفسه سلاما، لسلامته مما يلحق الخلق ~~من العيب والنقص والفناء. وقال الخطابي: معناه ذو السلام. والسلام في صفة ~~الله سبحانه وتعالى: هو الذي سلم من كل عيب، وبرئ من كل آفة ونقص يلحق ~~المخلوقين. قال: وقد قيل: هو الذي سلم الخلق من ظلمه. # فأما «المؤمن» ، ففيه ستة أقوال: أحدها: أنه الذي أمن الناس ظلمه، وأمن ~~من آمن به عذابه، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: أنه المجير، قاله القرظي. ~~والثالث: الذي يصدق المؤمنين إذا وحدوه، قاله ابن زيد. والرابع: أنه الذي ~~وحد نفسه، لقوله عز وجل: شهد الله أنه لا إله إلا هو، ذكره الزجاج. ~~والخامس: أنه الذي يصدق عباده وعده، قاله ابن قتيبة. والسادس: أنه يصدق ~~ظنون عباده المؤمنين، ولا يخيب آمالهم. # (1424) كقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ربه عز وجل: «أنا ~~عند ظن عبدي بي» ، حكاه الخطابي. # فأما «المهيمن» ففيه أربعة أقوال: أحدها: أنه الشهيد، قاله ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة والكسائي. # قال الخطابي: ومنه قوله عز وجل: ومهيمنا عليه «3» ، فالله الشاهد ms2261 على ~~خلقه بما يكون منهم من قول أو فعل. والثاني: الأمين، قاله الضحاك، قال ~~الخطابي: أصله: مؤيمن، فقلبت الهمزة هاء، لأن الهاء PageV04P264 # أخف عليهم من الهمزة. ولم يأت مفيعل في غير التصغير، إلا في ثلاثة أحرف ~~«مسيطر» و «مبيطر» و «مهيمن» وقد ذكرنا في سورة الطور «1» عن أبي عبيدة، ~~أنها خمسة أحرف. والثالث: المصدق فيما أخبر، قاله ابن زيد. والرابع: أنه ~~الرقيب على الشيء، والحافظ له، قاله الخليل. قال الخطابي: وقال بعض أهل ~~اللغة. الهيمنة: القيام على الشيء، والرعاية له، وأنشد: # ألا إن خير الناس بعد نبيه ... مهيمنه التاليه في العرف والنكر # يريد القائم على الناس بعد بالرعاية لهم. وقد زدنا هذا شرحا في المائدة ~~«2» ، وبينا معنى «العزيز» في البقرة «3» . # فأما «الجبار» ، ففيه أربعة أقوال: أحدها: أنه العظيم، قاله ابن عباس. ~~والثاني: أنه الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما يريد، قاله القرظي والسدي. ~~وقال قتادة: جبر خلقه على ما شاء. وحكى الخطابي: أنه الذي جبر الخلق على ما ~~أراد من أمره ونهيه، يقال: جبره السلطان وأجبره. والثالث: # أنه الذي جبر مفاقر الخلق، وكفاهم أسباب المعاش والرزق. والرابع: أنه ~~العالي فوق خلقه، من قولهم: تجبر النبات: إذا طال وعلا، ذكر القولين ~~الخطابي. # فأما «المتكبر» ففيه خمسة أقوال: أحدها: أنه الذي تكبر عن كل سوء، قاله ~~قتادة. والثاني: أنه الذي تكبر عن ظلم عباده، قاله الزجاج. والثالث: أنه ذو ~~الكبرياء، وهو الملك، قاله ابن الأنباري. # والرابع: أنه المتعالي عن صفات الخلق. والخامس: أنه الذي يتكبر على عتاة ~~خلقه إذا نازعوه العظمة، فيقصمهم، ذكرهما الخطابي، قال: والتاء في ~~«المتكبر» تاء التفرد، والتخصص، لا تاء التعاطي والتكلف، والكبر لا يليق ~~بأحد من المخلوقين، وإنما سمة العبد الخضوع والتذلل. وقيل: إن المتكبر من ~~الكبرياء الذي هو عظمة الله، لا من الكبر الذي هو مذموم في الخلق. # وأما «الخالق» فقال الخطابي: هو المبتدئ للخلق المخترع له على غير مثال ~~سبق، فأما في نعوت الآدميين، فمعنى الخلق التقدير: كقول زهير: # ولأنت تفري ما خلقت وبعض ... القوم يخلق ms2262 ثم لا يفري # يقول: إذا قدرت شيئا قطعته، وغيرك يقدر ما لا يقطعه، أي: يتمنى ما لا ~~يبلغه. # والبارئ: الخالق. يقال: برأ الله الخلق يبرؤهم. و «المصور» : هو الذي ~~أنشأ خلقه على صور مختلفة ليتعارفوا بها. ومعنى: التصوير: التخطيط ~~والتشكيل. وقرأ الحسن، وأبو الجوزاء، وأبو عمران، وابن السميفع «البارئ ~~المصور» بفتح الواو والراء جميعا، يعنون: آدم عليه السلام. وما بعد هذا قد ~~تقدم بيانه «4» إلى آخر السورة. PageV04P265 ### | سورة الممتحنة # وهي مدنية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الممتحنة (60) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ~~وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن ~~كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم ~~بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل (1) إن يثقفوكم ~~يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون ~~(2) لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما ~~تعملون بصير (3) # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء. # (1425) ذكر أهل التفسير أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن سارة ~~مولاة عمرو بن صيفي بن هاشم أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى ~~المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة، فقال لها: # «أمسلمة جئت؟» قالت: لا، قال: «فما جاء بك؟» قالت: أنتم الأهل والعشيرة ~~والموالي، وقد احتجت حاجة شديدة، فقدمت عليكم لتعطوني. قال لها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «فأين أنت من شباب أهل مكة؟» وكانت مغنية، فقالت: ما ~~طلب مني شيء بعد وقعة بدر، فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد ~~المطلب وبني المطلب، فكسوها، وحملوها، وأعطوها، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة، ~~فكتب معها كتابا إلى أهل مكة، وأعطاها عشرة دنانير على أن توصل الكتاب إلى ~~أهل مكة: وكتب في الكتاب من حاطب ms2263 إلى أهل مكة إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يريدكم، فخذوا حذركم، فخرجت به سارة، ونزل جبريل فأخبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بما فعل حاطب، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، ~~وعمارا، والزبير، وطلحة، والمقداد، وأبا مرثد، وقال: # «انطلقوا حتى تأتوا «روضة خاخ» ، فإن فيها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى ~~المشركين، فخذوه منها، وخلوا سبيلها، فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها» ~~فخرجوا حتى أدركوها، فقالوا لها: أين الكتاب؟ # فحلفت بالله ما معها من كتاب، ففتشوا متاعها فلم يجدوا شيئا، فهموا ~~بالرجوع، فقال علي: والله ما PageV04P266 # كذبنا ولا كذبنا. وسل سيفه، وقال: أخرجي الكتاب، وإلا ضربت عنقك، فلما ~~رأت الجد أخرجته من ذؤابتها، فخلوا سبيلها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى حاطب، فأتاه، فقال له: «هل تعرف هذا الكتاب؟» ~~قال: نعم. قال: «فما حملك على ما صنعت؟» فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ ~~أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من ~~المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته، وكنت غريبا فيهم، وكان أهلي بين ~~ظهرانيهم، فخشيت على أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدا، وقد علمت أن الله ينزل ~~بهم بأسه، وكتابي لا يغني عنهم شيئا، فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعذره، ونزلت هذه السورة تنهى حاطبا عما فعل، وتنهى المؤمنين أن يفعلوا ~~كفعله، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله: دعني أضرب عنق هذا المنافق، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على ~~أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» . # (1426) وقد أخرج هذا الحديث في «الصحيحين» مختصرا، وفيه ذكر علي، ~~والزبير، وأبي مرثد فقط. # قوله عز وجل: تلقون إليهم بالمودة وفيه قولان: أحدهما: أن الباء زائدة، ~~والمعنى: تلقون إليهم المودة، ومثله: ومن يرد فيه بإلحاد بظلم «1» ، هذا ~~قول الفراء، وأبي عبيدة، وابن قتيبة، والجمهور. والثاني: تلقون إليهم أخبار ~~النبي صلى الله ms2264 عليه وسلم وسيره بالمودة التي بينكم وبينه، قاله الزجاج. # قوله عز وجل: وقد كفروا الواو للحال والمعنى، وحالهم أنهم كفروا بما ~~جاءكم من الحق، وهو القرآن، يخرجون الرسول وإياكم من مكة أن تؤمنوا أي ~~تفعلوا ذلك لإيمانكم بالله PageV04P267 # كنتم خرجتم هذا شرط، جوابه متقدم، وفي الكلام تقديم وتأخير. قال الزجاج: ~~معنى الآية: إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أولياء. # قوله عز وجل: تسرون إليهم بالمودة الباء في «المودة» حكمها حكم الأولى. ~~قال المفسرون: # والمعنى: تسرون إليهم النصيحة وأنا أعلم بما أخفيتم من المودة للكفار وما ~~أعلنتم أي: أظهرتم بألسنتكم. وقال ابن قتيبة: المعنى: كيف تستترون بمودتكم ~~لهم مني وأنا أعلم بما تضمرون وما تظهرون؟! قوله عز وجل: ومن يفعله منكم ~~يعني: الإسرار والإلقاء إليهم فقد ضل سواء السبيل أي: # أخطأ طريق الهدى. ثم أخبر بعداوة الكفار فقال عز وجل: إن يثقفوكم أي: ~~يظفروا بكم يكونوا لكم أعداء لا موالين ويبسطوا إليكم أيديهم بالضرب والقتل ~~وألسنتهم بالسوء وهو: الشتم وودوا لو تكفرون فترجعون إلى دينهم. والمعنى: ~~أنه لا ينفعكم التقرب إليهم بنقل أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: لن تنفعكم أرحامكم أي: قراباتكم. والمعنى: ذوو أرحامكم، ~~أراد: لن ينفعكم الذين عصيتم الله لأجلهم، يوم القيامة يفصل بينكم قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو: «يفصل» برفع الياء، وتسكين الفاء، ونصب الصاد. وقرأ ابن ~~عامر: «يفصل بينكم» برفع الياء، والتشديد، وفتح الصاد، وافقه حمزة، ~~والكسائي، وخلف، إلا أنهم كسروا الصاد. وقرأ عاصم، غير المفضل، ويعقوب، ~~بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد، وتخفيفها. وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس، ~~وأبو العالية: «نفصل» بنون مرفوعة، وفتح الفاء، مكسورة الصاد مشددة، وقرأ ~~أبو رزين، وعكرمة، والضحاك: «نفصل» بنون مفتوحة، ساكنة الفاء، مكسورة الصاد ~~خفيفة، أي: نفصل بين المؤمن والكافر وإن كان ولده. قال القاضي أبو يعلى «1» ~~: في هذه القصة دلالة على أن الخوف على المال والولد لا يبيح التقية في ~~إظهار الكفر، كما يبيح في الخوف على ms2265 النفس، ويبين ذلك أن الله تعالى فرض ~~الهجرة، ولم يعذرهم في التخلف لأجل أموالهم وأولادهم. وإنما ظن حاطب أن ذلك ~~يجوز له ليدفع به عن ولده كما يجوز له أن يدفع عن نفسه بمثل ذلك عند ~~التقية، وإنما قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق لأنه ظن أنه فعل ذلك عن ~~غير تأويل. PageV04P268 ### | ### | [سورة الممتحنة (60) : الآيات 4 الى # 9] # قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآؤا ~~منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ~~وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (4) ~~ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم (5) ~~لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ومن يتول فإن ~~الله هو الغني الحميد (6) عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم ~~مودة والله قدير والله غفور رحيم (7) لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم ~~في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب ~~المقسطين (8) # إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا ~~على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9) # قوله عز وجل: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم وقرأ عاصم: «أسوة» بضم ~~الألف، وهما لغتان، أي: اقتداء حسن به وبمن معه. وفيهم قولان: أحدهما: أنهم ~~الأنبياء. والثاني: المؤمنون إذ قالوا لقومهم إنا برآؤا منكم قال الفراء: ~~تقول أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم وقومه فتبرأت من أهلك كما تبرؤوا من ~~قومهم؟!. # قوله عز وجل: إلا قول إبراهيم لأبيه قال المفسرون: والمعنى: تأسوا ~~بإبراهيم إلا في استغفاره لأبيه فلا تأسوا به في ذلك، فإنه كان عن موعدة ~~وعدها إياه وما أملك لك من الله من شيء أي: ما أدفع عنك عذاب الله إن أشركت ~~به، وكان من دعاء إبراهيم وأصحابه: ms2266 ربنا عليك توكلنا إلى قوله عز وجل: # العزيز الحكيم قال الفراء: قولوا أنتم: ربنا عليك توكلنا. وقد بينا معنى ~~قوله عز وجل: لا تجعلنا فتنة للذين كفروا في يونس «1» . ثم أعاد الكلام في ~~ذكر الأسوة فقال عز وجل: لقد كان لكم فيهم أي: في إبراهيم ومن معه، وذلك ~~أنهم كانوا يبغضون من خالف الله. # قوله عز وجل: لمن كان يرجوا الله بدل من قوله عز وجل: لكم وبيان أن هذه ~~الأسوة لمن يخاف الله، ويخشى عقاب الآخرة. # قوله عز وجل: ومن يتول أي: يعرض عن الإيمان ويوال الكفار فإن الله هو ~~الغني عن خلقه الحميد إلى أوليائه. فلما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار ~~عادوا أقرباءهم. فأنزل الله تعالى: عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين ~~عاديتم منهم أي: من كفار مكة مودة ففعل ذلك، بأن أسلم كثير منهم يوم الفتح، ~~وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، فانكسر أبو ~~سفيان عن كثير مما كان عليه حتى هداه الله للإسلام والله قدير على جعل ~~المودة والله غفور لهم رحيم بهم بعد ما أسلموا. # قوله عز وجل: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين اختلفوا فيمن ~~نزلت على خمسة أقوال «2» : PageV04P269 # (1427) أحدها: أنها في أسماء بنت أبي بكر، وذلك أن أمها قتيلة بنت عبد ~~العزى، قدمت عليها المدينة بهدايا، فلم تقبل هداياها، ولم تدخلها منزلها، ~~فسألت لها عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فأمرها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدخلها منزلها، وتقبل هديتها، وتكرمها، ~~وتحسن إليها، قاله عبد الله بن الزبير. # (1428) والثاني: أنها نزلت في خزاعة وبني مدلج، وكانوا صالحوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه، ولا يعينوا عليه أحدا، قاله ابن ~~عباس. وروي عن الحسن البصري أنها نزلت في خزاعة، وبني الحارث بن عبد مناف، ~~وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فداموا على الوفاء به. # (1429) والثالث: نزلت في قوم من بني ms2267 هاشم منهم العباس، قاله عطية العوفي ~~ومرة الهمداني. # والرابع: أنها عامة في جميع الكفار، وهي منسوخة بقوله عز وجل: فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم «1» ، قاله قتادة. والخامس: نزلت في النساء ~~والصبيان، حكاه الزجاج. قال المفسرون: # وهذه الآية رخصة في صلة الذين لم ينصبوا الحرب للمسلمين، وجواز برهم، وإن ~~كانت الموالاة منقطعة. # قوله عز وجل: ولم يخرجوكم من دياركم أي: من مكة أن تبروهم وتقسطوا إليهم ~~أي: تعاملوهم بالعدل فيما بينكم وبينهم. # قوله عز وجل: وظاهروا على إخراجكم أي: أعانوا على ذلك أن تولوهم والمعنى: ~~إنما ينهاكم عن أن تولوا هؤلاء، لأن مكاتبتهم بإظهار ما أسره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم موالاة. وذكر بعض المفسرين أن معنى PageV04P270 # هذه الآية والتي قبلها منسوخ بآية السيف. قال ابن جرير: لا وجه لادعاء ~~النسخ، لأن بر المؤمنين للمحاربين سواء كانوا قرابة أو غير قرابة، غير محرم ~~إذا لم يكن في ذلك تقوية لهم على الحرب بكراع أو سلاح، أو دلالة لهم على ~~عورة أهل الإسلام. ويدل على ذلك حديث أسماء وأمها الذي سبق «1» . ### | [سورة الممتحنة (60) : الآيات 10 الى 11] # يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم ~~بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ~~ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم ~~الله يحكم بينكم والله عليم حكيم (10) وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ~~فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به ~~مؤمنون (11) # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن. # (1430) قال ابن عباس: إن مشركي مكة صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عام الحديبية على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم. ومن أتى أهل مكة من ~~أصحابه، فهو لهم، وكتبوا بذلك الكتاب، وختموه، فجاءت سبيعة بنت الحارث ~~الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب والنبي بالحديبية، فأقبل ms2268 زوجها وكان كافرا، ~~فقال: يا محمد اردد علي امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا، ~~وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فنزلت هذه الآية. # (1431) وذكر جماعة من العلماء منهم محمد بن سعد كاتب الواقدي أن هذه ~~الآية نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي أول من هاجر من النساء ~~إلى المدينة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدمت المدينة في هدنة ~~الحديبية، فخرج في أثرها أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة، فقالا: يا محمد ~~أوف لنا بشروطنا، وقالت أم كلثوم: يا رسول الله أنا امرأة، وحال النساء إلى ~~الضعف ما قد علمت، فتردني إلى الكفار يفتنوني عن ديني، ولا صبر لي؟! فنقض ~~الله العهد في النساء، وأنزل فيهن المحنة، وحكم فيهن بحكم رضوه كلهم، ونزل ~~في أم كلثوم: فامتحنوهن فامتحنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامتحن ~~النساء بعدها يقول: والله ما أخرجكن الا حب الله ورسوله، وما خرجتن لزوج ~~ولا مال؟ فإذا قلن ذلك تركن، فلم يرددن إلى أهليهن. # وقد اختلف العلماء في المرأة التي كانت سببا لنزول هذه الآية على ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنها PageV04P271 # سبيعة، وقد ذكرناه عن ابن عباس: والثاني: أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، ~~وقد ذكرناه عن جماعة من أهل العلم، وهو المشهور. والثالث: أميمة بنت بشر من ~~بني عمرو بن عوف، ذكره أبو نعيم الأصبهاني، قال الماوردي: وقد اختلف أهل ~~العلم هل دخل رد النساء في عقد الهدنة لفظا أو عموما؟ # فقالت طائفة: قد كان شرط ردهن في عقد الهدنة لفظا صريحا، فنسخ الله تعالى ~~ردهن من العقد، ومنع منه، وأبقاه في الرجال على ما كان. وقالت طائفة من ~~العلماء: لم يشترط ردهن في العقد صريحا، وإنما أطلق العقد، وكان ظاهر ~~العموم اشتماله مع الرجال، فبين الله عز وجل خروجهن عن عمومه، وفرق بينهن ~~وبين الرجال لأمرين: أحدهما: أنهن ذوات فروج فحرمن عليهم. والثاني: أنهن ~~أرق قلوبا، وأسرع تقلبا منهم فأما المقيمة على شركها فمردودة ms2269 عليهم. وقال ~~القاضي أبو يعلى: وإنما لم يرد النساء عليهم لأن النسخ جائز بعد التمكين من ~~الفعل وإن لم يقع الفعل. # قال المفسرون: والمراد بقوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأنه هو الذي تولى امتحانهن، ويراد به سائر المؤمنين عند ~~غيبته صلى الله عليه وسلم. قال ابن زيد: وإنما أمرنا بامتحانهن، لأن المرأة ~~كانت إذا غضبت على زوجها بمكة، قالت: لألحقن بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وفيما كان يمتحنهن به ثلاثة أقوال: # (1432) أحدها: أنه كان يمتحنهن ب «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا ~~عبده ورسوله» رواه العوفي عن ابن عباس. # (1433) والثاني: أنه كان يستحلف المرأة بالله: ما خرجت من بغض زوج، ولا ~~رغبة عن أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله، روي ~~عن ابن عباس أيضا. # (1434) والثالث: أنه كان يمتحنهن بقوله عز وجل: إذا جاءك المؤمنات ~~يبايعنك فمن أقرت بهذا الشرط قالت: قد بايعتك، هذا قول عائشة عليها السلام. # قوله عز وجل: الله أعلم بإيمانهن أي: إن هذا الامتحان لكم، والله أعلم ~~بهن، فإن علمتموهن مؤمنات وذلك يعلم من إقرارهن، فحينئذ لا يحل ردهن إلى ~~الكفار لأن الله تعالى لم يبح مؤمنة لمشرك وآتوهم يعني أزواجهن الكفار ما ~~أنفقوا يعني: المهر. قال مقاتل: هذا إذا تزوجها مسلم. فإن لم يتزوجها أحد، ~~فليس لزوجها الكافر شيء ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن وهي ~~المهور. ### | ### | فصل: # # عندنا إذا هاجرت الحربية بعد دخول زوجها بها، وقعت الفرقة على انقضاء ~~عدتها. فإن أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها فهي امرأته، وهذا قول الأوزاعي، ~~ومالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: PageV04P272 # تقع الفرقة باختلاف الدارين. # قوله عز وجل: ولا تمسكوا بعصم الكوافر قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن ~~عامر، وحمزة، والكسائي: «تمسكوا» بضم التاء، والتخفيف، وقرأ أبو عمرو، ~~ويعقوب: «تمسكوا» بضم التاء، وبالتشديد، وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والحسن، ~~وابن يعمر، وأبو حيوة: «تمسكوا» بفتح التاء، والميم، والسين مشددة. و ~~«الكوافر» جمع ms2270 كافرة، والمعنى: إن الله تعالى نهى المؤمنين عن المقام على ~~نكاح الكوافر، وأمرهم بفراقهن. وقال الزجاج: المعنى: أنها كفرت، فقد زالت ~~العصمة بينها وبين المؤمن، أي: قد انبت عقد النكاح. وأصل العصمة: الحبل، ~~وكل ما أمسك شيئا فقد عصمه. # قوله عز وجل: وسئلوا ما أنفقتم أي: إن لحقت امرأة منكم بأهل العهد من ~~الكفار مرتدة، فاسألوهم ما أنفقتم من المهر إذا لم يدفعوها إليكم وليسئلوا ~~ما أنفقوا يعني: المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم مؤمنات إذا تزوجن منكم، ~~فليسأل أزواجهن الكفار من تزوجهن منكم «ما أنفقوا» وهو المهر. والمعنى: ~~عليكم أن تغرموا لهم الصداق كما يغرمون لكم. # قال أهل السير: وكانت أم كلثوم حين هاجرت عاتقا «1» لم يكن لها زوج فبعثت ~~إليه قدر مهرها، فلما هاجرت تزوجت زيد بن حارثة «2» . # قوله عز وجل: ذلكم حكم الله يعني ما ذكر في هذه الآية. ### | ### | فصل: # # وذكر بعضهم في قوله عز وجل: ولا تمسكوا بعصم الكوافر أنه نسخ ذلك في ~~حرائر أهل الكتاب بقوله عز وجل: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب «3» ، ~~وهذا تخصيص لا نسخ. # قوله تعالى: وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم قال الزجاج: ~~أي: أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم. وقرأ ابن مسعود، والأزهري، ~~والنخعي: «فعقبتم» بغير ألف، وبفتح العين والقاف، وبتخفيفها. وقرأ ابن ~~عباس، وعائشة والحسن وحميد، والأعمش «فعقبتم» مثل ذلك، إلا أن القاف مشددة. ~~قال الزجاج: المعنى في التشديد والتخفيف واحد، فكانت العقبى لكم بأن غلبتم. ~~وقرأ أبي بن كعب، وعكرمة، ومجاهد: «فأعقبتم» بهمزة ساكنة العين، مفتوحة ~~القاف خفيفة. وقرأ معاذ القارئ، وأبو عمران الجوني: «فعقبتم» بفتح العين، ~~وكسر القاف وتخفيفها من غير ألف فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ~~أي: أعطوا الأزواج من رأس الغنيمة ما أنفقوا من المهر. # (1435) وذكر بعض المفسرين أن هذه الآية نزلت في عياض بن غنم، كانت زوجته ~~مسلمة، وهي أم الحكم بنت أبي سفيان، فارتدت، فلحقت بمكة، فأمر الله ~~المسلمين أن يعطوا زوجها من الغنيمة بقدر ما ساق إليها من ms2271 المهر، ثم نسخ ~~ذلك بقوله عز وجل: براءة من الله ورسوله «4» إلى رأس الخمس ... PageV04P273 ### | فصل: # قال القاضي أبو يعلى: وهذه الأحكام في أداء المهر، وأخذه من الكفار، ~~وتعويض الزوج من الغنيمة، أو من صداق قد وجب رده على أهل الحرب، منسوخة عند ~~جماعة من أهل العلم. وقد نص الإمام أحمد رضي الله عنه على هذا. قلت: وكذا ~~قال مقاتل: كل هؤلاء الآيات نسختها آية السيف. ### | ### | [سورة الممتحنة (60) : آية # 12] # يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا ~~يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم ~~(12) # قوله عز وجل: إذا جاءك المؤمنات يبايعنك. # (1436) قال المفسرون: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جاءته ~~النساء يبايعنه، فنزلت هذه الآية، وشرط في مبايعتهن هذه الشرائط المذكورة ~~في الآية، فبايعهن وهو على الصفا، فلما قال: ولا يزنين، قالت هند: أو تزني ~~الحرة؟ فقال: ولا يقتلن أولادهن، فقالت: ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا، ~~فأنتم وهم أعلم. # (1437) وقد صح في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصافح في البيعة ~~امرأة، وإنما بايعهن بالكلام. # وقد سمينا من أحصينا من المبايعات في كتاب «التلقيح» على حروف المعجم، ~~وهن أربعمائة وسبع وخمسين امرأة، والله الموفق. # قوله عز وجل: ولا يقتلن أولادهن قال المفسرون: هو الوأد الذي كانت ~~الجاهلية تفعله. # قوله عز وجل: ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن فيه ثلاثة ~~أقوال: أحدها: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم، قاله ابن عباس، والجمهور، ~~وذلك أن المرأة كانت تلتقط المولود، فتقول لزوجها: هذا ولدي منك، وذلك ~~البهتان المفترى. وإنما قال: بين أيديهن وأرجلهن لأن الولد إذا وضعته الأم ~~يسقط بين يديها ورجليها. وقيل: معنى يفترينه بين أيديهن: ما أخذته لقيطا ~~وأرجلهن ما ولدنه من زنا. والثاني: أنه السحر. والثالث: المشي بالنميمة، ~~والسعي في الفساد، ذكرهما الماوردي. # قوله عز وجل: ولا يعصينك في معروف فيه ثلاثة ms2272 أقوال: # (1438) أحدها: أنه النوح، قاله ابن عباس: وروي مرفوعا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. PageV04P274 # (1439) والثاني: أنه لا يدعين ويلا، ولا يخدشن وجها ولا ينشرن شعرا، ولا ~~يشققن ثوبا، قاله زيد بن أسلم. # والثالث: أنه جميع ما يأمرهن به رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرائع ~~الإسلام، وآدابه، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي هذه الآية دليل على أن طاعة ~~الولاة إنما تلزم في المباح دون المحظور. # قوله عز وجل: فبايعهن المعنى: إذا بايعنك على هذه الشرائط فبايعهن. ### | [سورة الممتحنة (60) : آية 13] # يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة ~~كما يئس الكفار من أصحاب القبور (13) # قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم وهم ~~اليهود. # (1440) وذلك أن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار ~~المسلمين، يتقربون إليهم بذلك ليصيبوا من ثمارهم وطعامهم، فنزلت هذه الآية. # قوله عز وجل: قد يئسوا من الآخرة وذلك أن اليهود بتكذيبهم محمدا، وهم ~~يعرفون صدقه قد يئسوا من أن يكون لهم في الآخرة خير، والمعنى: قد يئسوا من ~~ثواب الآخرة، هذا قول الجمهور، وهو الصحيح. # وقال قتادة: قد يئسوا أن يبعثوا، كما يئس الكفار فيه قولان: أحدهما: كما ~~يئس الكفار، من بعث من في القبور، قاله ابن عباس. والثاني: كما يئس الكفار ~~الذين ماتوا من ثواب الآخرة، لأنهم أيقنوا بالعذاب، قاله مجاهد. ~~PageV04P275 # سورة الصف # ويقال لها: سورة الحواريين وفيها قولان: أحدهما: أنها مدنية، قاله ابن ~~عباس: والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والجمهور. والثاني: مكية، قاله ابن ~~يسار. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الصف # (61) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون (3) إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (4) # قوله عز وجل: لم تقولون ما لا تفعلون في سبب نزولها خمسة أقوال «1» : ~~PageV04P276 # (1441) أحدها: ms2273 ما روى أبو سلمة عن عبد الله بن سلام، قال: قعدنا نفرا من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى ~~الله عز وجل عملناه، فأنزل الله: سبح لله ما في السماوات إلى آخر السورة. # (1442) والثاني: أن الرجل كان يجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: ~~فعلت كذا وكذا، وما فعل، فنزلت لم تقولون ما لا تفعلون رواه عكرمة عن ابن ~~عباس، وكذلك قال الضحاك: كان الرجل يقول: قاتلت، ولم يقاتل، وطعنت، ولم ~~يطعن، وصبرت ولم يصبر، فنزلت هذه الآية. # (1443) والثالث: أن ناسا من المسلمين كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد: ~~وددنا أن الله تعالى دلنا على أحب الأعمال إليه، فلما نزل الجهاد، كرهه ناس ~~من المؤمنين، فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. # (1444) والرابع: أن صهيبا قتل رجلا يوم بدر، فجاء رجل فادعى أنه قتله ~~وأخذ سلبه، فقال صهيب: أنا قتلته يا رسول الله، فأمره أن يدفع سلبه إلى ~~صهيب، ونزلت هذه الآية، رواه سعيد بن المسيب عن صهيب. # (1445) والخامس: أن المنافقين كانوا يقولون للنبي وأصحابه: لو قد خرجتم ~~خرجنا معكم، ونصرناكم. فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم نكصوا عنه، فنزلت ~~هذه الآية، قاله ابن زيد. # قوله عز وجل: كبر مقتا عند الله قال الزجاج: «مقتا» منصوب على التمييز، ~~والمعنى: كبر PageV04P277 # قولكم ما لا تفعلون مقتا عند الله. ثم أعلم عز وجل ما الذي يحبه، فقال عز ~~وجل: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص أي: بنيان ~~لاصق بعضه ببعض، فأعلم أنه يحب من يثبت في الجهاد، ويلزم مكانه كثبوت ~~البنيان المرصوص. ويجوز أن يكون عنى أن يستوي ثباتهم في حرب عدوهم حتى ~~يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص. وللمفسرين في المراد ب ~~«المرصوص» قولان: أحدهما: أنه الملتصق بعضه ببعض، فلا يرى فيه خلل لإحكامه، ~~قاله الأكثرون. والثاني: أنه المبني بالرصاص وإلى نحو هذا ذهب الفراء، وكان ~~أبو بحرية يقول: كانوا يكرهون القتال على ms2274 الخيل، ويستحبون القتال على الأرض ~~لهذه الآية. اسم أبي بحرية: عبد الله بن قيس التراغمي، يروي عن معاذ، وكأنه ~~أشار بذلك إلى أن الفرسان لا يصطفون في الغالب إنما يصطف الرجالة. ### | [سورة الصف (61) : الآيات 5 الى 9] # وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم ~~فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين (5) وإذ قال ~~عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من ~~التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا ~~هذا سحر مبين (6) ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام ~~والله لا يهدي القوم الظالمين (7) يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله ~~متم نوره ولو كره الكافرون (8) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله ولو كره المشركون (9) # قوله عز وجل: وإذ قال موسى المعنى: اذكر لمن يؤذيك من المنافقين ما صنعته ~~بالذين آذوا موسى. وقد ذكرنا ما آذوا به موسى في الأحزاب «1» . # قوله عز وجل: فلما زاغوا أي: مالوا عن الحق أزاغ الله قلوبهم أي: أمالها ~~عن الحق جزاء لما ارتكبوه، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله عز وجل: يأتي من بعدي ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم «من بعدي اسمه» بفتح ~~الياء. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم «من بعدي اسمه» ~~بإسكان الياء ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وفيهم قولان: أحدهما: أنهم ~~اليهود، قاله مقاتل. والثاني: النصارى حين قالوا: عيسى ابن الله، قاله أبو ~~سليمان الدمشقي. وقرأ ابن مسعود، وعاصم الجحدري، وطلحة بن مصرف وهو «يدعي ~~إلى الإسلام» بفتح الياء، والدال، وتشديدها، وبكسر العين، وما بعد هذا في ~~براءة «2» إلى قوله عز وجل: متم نوره قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وحفص ~~عن عاصم وخلف «متم نوره» مضاف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر ~~عن عاصم «متم» رفع منون. ### | [سورة الصف (61) : الآيات 10 الى ms2275 14] # يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون ~~بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون (11) يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن ~~طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (12) وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح ~~قريب وبشر المؤمنين (13) يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال ~~عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ~~فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ~~فأصبحوا ظاهرين (14) PageV04P278 # قوله عز وجل: هل أدلكم على تجارة قال المفسرون: نزلت هذه الآية حين ~~قالوا: لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا به أبدا، فدلهم الله على ~~ذلك، وجعله بمنزلة التجارة لمكان ربحهم فيه «1» . # قوله عز وجل: تنجيكم قرأ ابن عامر «تنجيكم» بالتشديد. وقرأ الباقون ~~بالتخفيف. ثم بين التجارة، فقال عز وجل: تؤمنون بالله إلى قوله عز وجل: ~~يغفر لكم فإن قيل: كيف قال: # تؤمنون بالله وقد قال: يا أيها الذين آمنوا وقد سبق ذلك الجواب عنه بنحو ~~الجواب عن قوله: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا «2» وقد سبق ذلك. قال الزجاج: وقوله: «يغفر ~~لكم» جواب قوله: «تؤمنون» «وتجاهدون» ، لأن معناه معنى الأمر. والمعنى: ~~آمنوا بالله وجاهدوا، يغفر لكم، أي: إن فعلتم ذلك، يغفر لكم. وقد غلط بعض ~~النحويين، فقال: هذا جواب «هل» وهذا غلط بين، لأنه ليس إذا دلهم على ما ~~ينفعهم غفر لهم، إنما يغفر لهم إذا عملوا بذلك. ومن قرأ «يغفر لكم» بإدغام ~~الراء في اللام، فغير جائز عند سيبويه، والخليل، لأنه لا تدغم الراء في ~~اللام في قولهم. وقد رويت عن أبي عمرو بن العلاء، وهو إمام عظيم، ولا أحسبه ~~قرأها إلا وقد سمعها من العرب. وقد زعم سيبويه والخليل وجميع البصريين، ما ~~خلا أبا عمرو، أن اللام تدغم في الراء، وأن الراء لا تدغم في اللام، وحجتهم ~~أن الراء حرف مكرر قوي، فإذا أدغمت في اللام ذهب ms2276 التكرير منها. وما بعد هذا ~~قد سبق إلى قوله عز وجل: # وأخرى تحبونها قال الفراء: والمعنى: ولكم في العاجل مع ثواب الآخرة أخرى ~~تحبونها، ثم فسرها فقال عز وجل نصر من الله وفتح قريب وفيه قولان: # أحدهما: أنه فتح مكة، قاله ابن عباس. والثاني: فتح فارس والروم، قاله ~~عطاء. # قوله عز وجل: وبشر المؤمنين أي: بالنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة. ثم ~~حضهم على نصر دينه ب قوله عز وجل: كونوا أنصار الله قرأ ابن كثير، ونافع، ~~وابو عمرو كونوا أنصار الله # منونة. # وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي «أنصار الله» مضاف، ومعنى الآية: ~~دوموا على ما أنتم عليه، وانصروا دين الله مثل نصرة الحواريين لما قال لهم ~~عيسى: من أنصاري إلى الله وحرك نافع ياء «من أنصاري إلى الله» وقد سبق ~~تفسير هذا الكلام. # قوله عز وجل: فآمنت طائفة من بني إسرائيل بعيسى وكفرت طائفة فأيدنا الذين ~~آمنوا بعيسى على عدوهم وهم مخالفو عيسى، كذلك قال ابن عباس، ومجاهد، ~~والجمهور، وقال مقاتل: تم الكلام عند قوله عز وجل: وكفرت طائفة، فأيدنا ~~الذين آمنوا بمحمد على عدوهم فأصبحوا ظاهرين بمحمد على الأديان، وقال ~~إبراهيم النخعي: أصبح من آمن بعيسى ظاهرين بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم ~~أن عيسى كلمة الله وروحه بتعليم الحجة. قال ابن قتيبة: فأصبحوا ظاهرين أي: ~~غالبين عليهم بمحمد. من قولك: ظهرت على فلان: إذا علوته، وظهرت على السطح: ~~إذا صرت فوقه. PageV04P279 ### | سورة الجمعة # وهي مدنية كلها بإجماعهم وقد سبق شرح فاتحتها «1» . وقرأ أبو الدرداء، ~~وأبو عبد الرحمن السلمي، وعكرمة، والنخعي، والوليد عن يعقوب الملك القدوس ~~العزيز الحكيم بالرفع فيهن. # فإن قيل: فما الفائدة في إعادة ذكر التسبيح في هذه السورة؟ # فالجواب: أن ذلك لاستفتاح السور بتعظيم الله عز وجل، كما تستفتح ب «بسم ~~الله الرحمن الرحيم» وإذا جل المعنى في تعظيم الله، حسن الاستفتاح به. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الجمعة (62) : الآيات 1 الى # 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسبح لله ما في السماوات وما في ms2277 الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم (1) هو ~~الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ~~وهو العزيز الحكيم (3) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ~~(4) # قوله عز وجل: هو الذي بعث في الأميين يعني: العرب، وكانوا لا يكتبون وقد ~~شرحنا هذا المعنى في البقرة «2» رسولا يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم منهم ~~أي: من جنسهم ونسبهم. # فإن قيل: فما وجه الامتنان في أنه بعث نبيا أميا «3» ؟ فعنه ثلاثة أجوبة: ~~أحدها: لموافقة ما تقدمت PageV04P280 # البشارة به في كتب الأنبياء. والثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب ~~إلى موافقتهم. والثالث: # لئلا يظن به أنه يعلم كتب من قبله. وما بعد هذا في سورة البقرة «1» إلى ~~قوله عز وجل: وإن كانوا من قبل، أي: وما كانوا قبل بعثه إلا في ضلال مبين ~~بين، وهو الشرك. # قوله عز وجل: وآخرين منهم فيه قولان: أحدهما: وبعث محمدا في آخرين منهم، ~~أي: من الأميين. والثاني: ويعلم آخرين منهم، ويزكيهم. # وفي المراد بالآخرين أربعة أقوال: أحدها: أنهم العجم، قاله ابن عمر، ~~وسعيد بن جبير، وهي رواية ليث عن مجاهد. فعلى هذا إنما قال: «منهم» ، لأنهم ~~إذا أسلموا صاروا منهم، إذ المسلمون يد واحدة، وملة واحدة. والثاني: أنهم ~~التابعون، قاله عكرمة، ومقاتل. والثالث: جميع من دخل في الإسلام إلى يوم ~~القيامة، قاله ابن زيد، وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد. والرابع: أنهم ~~الأطفال، حكاه الماوردي. # قوله عز وجل لما يلحقوا بهم: أي: لم يلحقوا بهم. # قوله عز وجل: ذلك فضل الله يعني: الإسلام والهدى والله ذو الفضل العظيم ~~بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم. ### | ### | [سورة الجمعة (62) : الآيات 5 الى # 8] # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل ~~القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين (5) قل يا أيها ~~الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن ms2278 كنتم ~~صادقين (6) ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (7) قل ~~إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون (8) # ثم ضرب لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة مثلا، فقال عز وجل: مثل الذين ~~حملوا التوراة أي: كلفوا العمل بما فيها ثم لم يحملوها أي: لم يعملوا ~~بموجبها، ولم يؤدوا حقها كمثل الحمار يحمل أسفارا وهي جمع سفر. والسفر: ~~الكتاب، فشبههم بالحمار لا يعقل ما يحمل، إذ لم ينتفعوا بما في التوراة، ~~وهي دالة على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا المثل يلحق من لم يعمل ~~بالقرآن ولم يفهم معانيه بئس مثل القوم ذم مثلهم، والمراد ذمهم، واليهود ~~كذبوا بالقرآن وبالتوراة حين لم يؤمنوا بمحمد والله لا يهدي القوم الظالمين ~~أنفسهم بتكذيب الأنبياء. # قوله عز وجل: إن زعمتم أنكم أولياء لله وذلك أن اليهود، قالوا: نحن ولد ~~إسرائيل الله، ابن ذبيح الله، ابن خليل الله، ونحن أولى بالله عز وجل من ~~سائر الناس، وإنما تكون النبوة فينا. فقال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة ~~والسلام: قل لهم إن كنتم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت لأن الآخرة ~~خير لأولياء الله من الدنيا. وقد بينا هذا وما بعده في البقرة «2» إلى قوله ~~عز وجل: قل إن الموت الذي تفرون منه وذلك أن اليهود علموا أنهم قد أفسدوا ~~على أنفسهم أمر الآخرة بتكذيبهم محمدا، PageV04P281 # وكانوا يكرهون الموت، فقيل لهم: لا بد من نزوله بكم بقوله عز وجل: فإنه ~~ملاقيكم، قال الفراء: العرب تدخل الفاء في كل خبر كان اسمه مما يوصل، مثل: ~~«من» و «الذي» فمن أدخل الفاء هاهنا ذهب «بالذي» إلى تأويل الجزاء. وفي ~~قراءة عبد الله «إن الموت الذي تفرون منه ملاقيكم» وهذا على القياس، لأنك ~~تقول: إن أخاك قائم، ولا تقول: فقائم، ولو قلت: إن ضاربك فظالم، لجاز، لأن ~~تأويله: إن رجلا يضربك فظالم. وقال الزجاج: إنما جاز دخول الفاء، لأن في ~~الكلام معنى الشرط والجزاء. ويجوز أن يكون ms2279 تمام الكلام عند قوله عز وجل: ~~«تفرون منه» كأنه قيل: إن فررتم من أي موت كان من قتل أو غيره «فإنه ~~ملاقيكم» وتكون «فإنه» استئنافا بعد الخبر الأول. ### | [سورة الجمعة (62) : الآيات 9 الى 10] # يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (10) # قوله عز وجل: إذا نودي للصلاة وهذا هو النداء الذي ينادى به إذا جلس ~~الإمام على المنبر، ولم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء ~~سواه. # (1446) كان إذا جلس على المنبر أذن بلال على باب المسجد، وكذلك كان على ~~عهد أبي بكر، وعمر، فلما كثر الناس على عهد عثمان أمر بالتأذين الأول على ~~دار له بالسوق، يقال لها: «الزوراء» وكان إذا جلس أذن أيضا. # قوله عز وجل: للصلاة أي: لوقت الصلاة. وفي «الجمعة» ثلاث لغات. ضم الجيم ~~والميم، وهي قراءة الجمهور. وضم الجيم مع إسكان الميم، وبها قرأ أبو عبد ~~الرحمن السلمي، وأبو رجاء، وعكرمة، والزهري، وابن أبي ليلى، وابن أبي عبلة، ~~والأعمش. وبضم الجيم مع فتح الميم، وبها قرأ أبو مجلز، وأبو العالية، ~~والنخعي، وعدي بن الفضل عن أبي عمرو. وقال الزجاج: من قرأ بتسكين الميم، ~~فهو تخفيف الجمعة لثقل الضمتين. وأما فتح الميم، فمعناها: الذي يجمع الناس، ~~كما تقول: # رجل لعنة: يكثر لعنة الناس، وضحكة: يكثر الضحك. وفي تسمية هذا اليوم بيوم ~~الجمعة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه فيه جمع آدم. # (1447) روى سلمان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدري ما ~~الجمعة؟» قلت: لا. قال: «فيه جمع أبوك» ، يعني: تمام خلقه في يوم الجمعة. # والثاني: لاجتماع الناس فيه للصلاة. والثالث: لاجتماع المخلوقات فيه، ~~لأنه اليوم الذي فرغ فيه من خلق الأشياء. PageV04P282 # وفي أول من سماها بالجمعة قولان: أحدهما: أنه كعب بن لؤي سماها بذلك، ~~وكان يقال ليوم الجمعة: العروبة. قاله أبو سلمة. وقيل: ms2280 إنما سماها بذلك ~~لاجتماع قريش فيه. والثاني: أن أول من سماها بذلك الأنصار، قاله ابن سيرين. # قوله عز وجل: فاسعوا إلى ذكر الله وفي هذا السعي ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ~~المشي، قاله ابن عباس. وكان ابن مسعود يقرؤها «فامضوا» ويقول: لو قرأتها ~~«فاسعوا» لسعيت حتى يسقط ردائي. قال عطاء: هو الذهاب والمشي إلى الصلاة. # والثاني: أن المراد بالسعي: العمل، قاله عكرمة، والقرظي، والضحاك، فيكون ~~المعنى: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله بالتفرغ له، والاشتغال بالطهارة ~~ونحوها. # والثالث: أنه النية بالقلب، قاله الحسن. وقال ابن قتيبة: هو المبادرة ~~بالنية والجد. # وفي المراد «بذكر الله» قولان: أحدهما: أنه الصلاة، قاله الأكثرون. ~~والثاني: موعظة الإمام، قاله سعيد بن المسيب. # قوله عز وجل: وذروا البيع أي: دعوا التجارة في ذلك الوقت. وعندنا: لا ~~يجوز البيع في وقت النداء، ويقع البيع باطلا في حق من يلزمه فرض الجمعة، ~~وبه قال مالك خلافا للأكثرين. ### | فصل: # تجب الجمعة على من سمع النداء من المصر، إذا كان المؤذن صيتا، والريح ~~ساكنة. # وقد حده مالك بفرسخ، ولم يحده الشافعي. وعن أحمد في التحديد نحوهما. وتجب ~~الجمعة على أهل القرى. وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا على أهل الأمصار. ويجوز ~~لأهل المصر أن يقيموا الجمعة في الصحراء القريبة من المصر خلافا للشافعي. ~~ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين. وعن أحمد: أقله خمسون. وعنه: أقله ثلاثة. ~~وقال أبو حنيفة: تنعقد بثلاثة والإمام، والعدد شرط في الخطبة. وقال أبو ~~حنيفة في إحدى الروايتين: يصح أن يخطب منفردا. وهل تجب الجمعة على العبيد؟ ~~فيه عن أحمد روايتان. وعندنا: تجب على الأعمى إذا وجد قائدا، خلافا لأبي ~~حنيفة. ولا تنعقد الجمعة بالعبيد والمسافرين، خلافا لأبي حنيفة. وهل تجب ~~الجمعة والعيدان من غير إذن سلطان؟ فيه عن أحمد روايتان. وتجوز الجمعة في ~~موضعين في البلد مع الحاجة. وقال مالك، والشافعي، وأبو يوسف: لا تجوز إلا ~~في موضع واحد. وتجوز إقامة الجمعة قبل الزوال خلافا لأكثرهم، وإذا وقع ~~العيد يوم الجمعة أجزأ حضوره عن يوم الجمعة، ms2281 وبه قال الشعبي والنخعي، خلافا ~~للأكثرين، والمستحب لأهل الأعذار أن يصلوا الظهر في جماعة. وقال أبو حنيفة: ~~يكره. ولا يجوز السفر يوم الجمعة بعد الزوال. وقال أبو حنيفة: يجوز. وهل ~~يجوز السفر بعد طلوع الفجر؟ فيه عن الإمام أحمد روايتان. ونقل عن أحمد رضي ~~الله عنه أنه لا يجوز الخروج في الجمعة إلا للجهاد. وقال أبو حنيفة: يجوز ~~لكل سفر. وقال الشافعي: # لا يجوز أصلا. # والخطبة شرط في الجمعة. وقال داود: هي مستحبة. والطهارة لا تشترط في ~~الخطبة، خلافا للشافعي تصح في أحد قوليه. والقيام ليس بشرط في الخطبة، ~~خلافا للشافعي. ولا تجب القعدة بين الخطبتين، خلافا له أيضا. # ومن شرط الخطبة: التحميد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقراءة ~~آية، والموعظة. وقال أبو حنيفة: # PageV04P283 # يجوز أن يخطب بتسبيحة. # والخطبتان واجبتان. وأما القراءة في الخطبة الثانية، فهي شرط، خلافا ~~للشافعي. # والسنة للإمام إذا صعد المنبر، واستقبل الناس: أن يسلم، خلافا لأبي ~~حنيفة، ومالك. وهل يحرم الكلام في حال سماع الخطبة؟ فيه عن أحمد روايتان. ~~ويحرم على المستمع دون الخاطب، خلافا للأكثرين. ولا يكره الكلام قبل ~~الابتداء بالخطبة، وبعد الفراغ منها، خلافا لأبي حنيفة. # ويستحب له أن يصلي تحية المسجد والإمام يخطب، خلافا لأبي حنيفة، ومالك. # وهل يجوز أن يخطب واحد، ويصلي آخر، فيه عن أحمد روايتان. # قوله عز وجل: ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون أي: إن كان لكم علم بالأصلح ~~فإذا قضيت الصلاة أي: فرغتم منها فانتشروا في الأرض هذا أمر إباحة وابتغوا ~~من فضل الله إباحة لطلب الرزق بالتجارة بعد المنع منها بقوله تعالى: وذروا ~~البيع وقال الحسن، وسعيد بن جبير: هو طلب العلم. ### | [سورة الجمعة (62) : آية 11] # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير ~~من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (11) # قوله عز وجل: وإذا رأوا تجارة. # (1448) سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة، ~~إذ أقبلت عير قد قدمت، فخرجوا إليها حتى لم يبق ms2282 معه إلا إثنا عشر رجلا، ~~فنزلت هذه الآية. # (1449) أخرجه البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث جابر بن عبد الله، قال ~~الحسن: # وذلك أنهم أصابهم جوع، وغلاء سعر، فلما سمعوا بها خرجوا إليها، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لو اتبع آخرهم أولهم التهب عليهم الوادي نارا» ~~. # (1450) قال المفسرون: كان الذي قدم بالتجارة دحية بن خليفة الكلبي، قال ~~مقاتل: وذلك قبل PageV04P284 # أن يسلم. قالوا: قدم بها من الشام، وضرب لها طبل يؤذن الناس بقدومها. ~~وهذه كانت عادتهم إذا قدمت عير. قال جابر بن عبد الله: كانت التجارة طعاما ~~«1» . وقال أبو مالك: كانت زيتا «2» . والمراد باللهو: ضرب الطبل. وانفضوا ~~بمعنى: تفرقوا عنك، فذهبوا إليها. والضمير للتجارة. وإنما خصت برد الضمير ~~إليها، لأنها كانت أهم إليهم، هذا قول الفراء، والمبرد. وقال الزجاج: ~~المعنى: # وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه، فحذف خبر أحدهما، ~~لأن الخبر الثاني يدل على الخبر المحذوف. وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة ~~«انفضوا إليهما» على التثنية. وعن ابن مسعود، وابن أبي عبلة «انفضوا إليه» ~~على ضمير مذكر وتركوك قائما وهذا القيام كان في الخطبة قل ما عند الله من ~~ثواب الصلاة والثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من اللهو ومن ~~التجارة والله خير الرازقين لأنه يرزق من يؤمن به ويعبده، ومن يكفر به ~~ويجحده، فهو يعطي من سأل، ويبتدئ من لا يسأل، وغيره إنما يرزق من يرجو ~~منفعته، ويقبل على خدمته. PageV04P285 ### | سورة المنافقون # وهي مدنية بإجماعهم (1451) وذكر أهل التفسير أنها نزلت في عبد الله بن ~~أبي ونظرائه. وكان السبب أن عبد الله خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في ~~خلق كثير من المنافقين إلى المريسيع، وهو ماء لبني المصطلق طلبا للغنيمة، ~~لا للرغبة في الجهاد، لأن السفر كان قريبا. فلما قضى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم غزاته، أقبل رجل من جهينة، يقال له: سنان، وهو حليف لعبد الله بن ~~أبي، ورجل من بني غفار يقال له: جهجاه بن سعيد، وهو أجير لعمر ms2283 بن الخطاب ~~لاستقاء الماء، فدار بينهما كلام، فرفع الغفاري يده فلطم الجهني، فأدماه، ~~فنادى الجهني: يا آل الخزرج، فأقبلوا، ونادى الغفاري: يا آل قريش، فأقبلوا، ~~فأصلح الأمر قوم من المهاجرين. فبلغ الخبر عبد الله بن أبي، فقال وعنده ~~جماعة من المنافقين: والله ما مثلكم ومثل هؤلاء الرهط من قريش إلا مثل ما ~~قال الأول: سمن كلبك يأكلك، ولكن هذا فعلكم بأنفسكم، آويتموهم في منازلكم، ~~وأنفقتم عليهم أموالكم، فقووا وضعفتم. وايم الله: لو أمسكتم أيديكم لتفرقت ~~عن هذا جموعه، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وكان في ~~القوم زيد بن أرقم، وهو غلام يومئذ لا يؤبه له، فقال لعبد الله: أنت والله ~~الذليل القليل، فقال: إنما كنت ألعب، فأقبل زيد بالخبر إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال عمر: دعني أضرب عنقه. فقال: إذن ترعد له آنف كبيرة، ~~قال: فإن كرهت أن يقتله رجل من المهاجرين، فمر سعد بن عبادة، أو محمد بن ~~مسلمة، أو عباد بن بشر فيقتله، فقال: # إذن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، فأرسل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى عبد الله بن أبي، فأتاه، فقال: # أنت صاحب هذا الكلام؟ فقال: والذي أنزل عليك ما قلت شيئا من هذا، وإن ~~زيدا لكذاب، فقال من حضر: لا يصدق عليه كلام غلام، عسى الله أن يكون قد ~~وهم، فعذره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفشت الملامة في الأنصار لزيد، ~~وكذبوه، وقال له عمه: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمون، ومقتوك! PageV04P286 # فاستحيا زيد، وجلس في بيته. فبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من ~~أمر أبيه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بلغني أنك تريد قتل عبد ~~الله بن أبي، لما بلغك عنه. فإن كنت فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، ~~فإني أخشى أن يقتله غيري، فلا تدعني نفسي حتى أقتل قاتله، فأدخل النار، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل تحسن ms2284 صحبته ما بقي معنا» ، وأنزل ~~الله سورة المنافقين في تصديق زيد، وتكذيب عبد الله، فأرسل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى زيد فقرأها عليه، وقال: إن الله قد صدقك. ولما أراد عبد ~~الله بن أبي أن يدخل المدينة جاء ابنه، فقال: ما وراءك، قال: ما لك ويلك؟ ~~قال: لا والله لا تدخلها أبدا إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعلم ~~اليوم من الأعز، ومن الأذل. فشكا عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما صنع ابنه، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خل عنه حتى ~~يدخل، فلما نزلت السورة وبان كذبه قيل له: يا أبا حباب: # إنه قد نزلت فيك آيات شداد، فاذهب إلى رسول الله ليستغفر لك، فلوى به ~~رأسه، فلذلك قوله عز وجل: لووا رؤسهم وقيل: إن الذي قال له هذا عبادة بن ~~الصامت. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة المنافقون (63) : الآيات 1 الى # 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل ~~الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون (3) وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع ~~لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله ~~أنى يؤفكون (4) # قوله عز وجل: إذا جاءك المنافقون يعني: عبد الله بن أبي وأصحابه قالوا ~~نشهد إنك لرسول الله وهاهنا تم الخبر عنهم. ثم ابتدأ فقال عز وجل: والله ~~يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون وإنما جعلهم كاذبين، ~~لأنهم أضمروا غير ما أظهروا «1» . قال الفراء: إنما كذب ضميرهم. # اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله قد ذكرناه في المجادلة «2» . قال ~~القاضي أبو يعلى: وهذه الآية تدل على أن قول القائل: «أشهد» يمين. لأنهم ~~قالوا: «نشهد» فجعله يمينا بقوله عز وجل: اتخذوا أيمانهم جنة وقد قال أحمد، ~~والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة: ms2285 أشهد، وأقسم، وأعزم، وأحلف، كلها أيمان. ~~وقال الشافعي: «أقسم» ليس بيمين. وإنما قوله: «أقسم بالله» يمين إذا أراد ~~اليمين. PageV04P287 # قوله تعالى: ذلك أي: ذلك الكذب بأنهم آمنوا باللسان ثم كفروا في السر ~~فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون الإيمان والقرآن وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ~~يعني: أن لهم أجساما ومناظر. # (1452) قال ابن عباس: كان عبد الله بن أبي جسيما فصيحا، ذلق «1» اللسان، ~~فإذا قال، سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله. وقال غيره: المعنى: يصغي إلى ~~قولهم، فيحسب أنه حق كأنهم خشب قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وابن عامر: وحمزة: «خشب» بضم الخاء، والشين جميعا، وهو جمع خشبة. مثل ثمرة، ~~وثمر. وقرأ الكسائي: خشب بضم الخاء، وتسكين الشين، مثل: بدنة، وبدن، وأكمة، ~~وأكم. وعن ابن كثير، وأبي عمرو، مثله. وقرأ أبو بكر الصديق، وعروة، وابن ~~سيرين: # «خشب» بفتح الخاء، والشين جميعا. وقرأ أبو نهيك، وأبو المتوكل، وأبو ~~عمران خشب بفتح الخاء، وإسكان الشين، فوصفهم الله بحسن الصور، وإبانة ~~النطق، ثم أعلم أنهم في ترك التفهم والاستبصار بمنزلة الخشب. والمسندة: ~~الممالة إلى الجدار. والمراد: أنها ليست بأشجار تثمر وتنمي، بل هي خشب ~~مسندة إلى حائط. ثم عابهم بالجبن فقال عز وجل: يحسبون كل صيحة عليهم أي: لا ~~يسمعون صوتا إلا ظنوا أنهم قد أتوا لما في قلوبهم من الرعب أن يكشف الله ~~أسرارهم، وهذه مبالغة في وصفهم بالجبن. وأنشدوا في هذا المعنى: # ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسومة تدعو عبيدا وأزنما «2» # أي: لو طارت عصفورة لحسبتها من جبنك خيلا تدعو هاتين القبيلتين. # قوله عز وجل: هم العدو فاحذرهم أن تأمنهم: ولا تأمنهم على سرك، لأنهم ~~عيون لأعدائك من الكفار. قاتلهم الله أنى يؤفكون مفسر في براءة «3» . ### | ### | [سورة المنافقون (63) : الآيات 5 الى # 8] # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم ورأيتهم يصدون وهم ~~مستكبرون (5) سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن ~~الله لا يهدي القوم الفاسقين (6) هم الذين يقولون لا تنفقوا على من ms2286 عند ~~رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون ~~(7) يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون (8) # قوله عز وجل: وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله قد بينا سببه في ~~نزول السورة «4» لووا رؤسهم وقرأ نافع، والمفضل عن عاصم، ويعقوب: «لووا» ~~بالتخفيف. واختار أبو عبيد التشديد. PageV04P288 # وقال: لأنهم فعلوا ذلك مرة بعد مرة. قال مجاهد: لما قيل لعبد الله بن ~~أبي: تعال يستغفر لك رسول الله لوى رأسه، وقال: ماذا قلت؟ وقال مقاتل: ~~عطفوا رؤوسهم رغبة عن الاستغفار. وقال الفراء: # حركوها استهزاء بالنبي وبدعائه. # قوله عز وجل: ورأيتهم يصدون أي: يعرضون عن الاستغفار. وهم مستكبرون أي: # متكبرون عن ذلك. ثم ذكر أن استغفاره لهم لا ينفعهم، ب قوله عز وجل: سواء ~~عليهم أستغفرت لهم وقرأ أبو جعفر: «آستغفرت» بالمد. # قوله عز وجل: هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله قد بينا ~~أنه قول ابن أبي. # وينفضوا بمعنى: يتفرقوا ولله خزائن السماوات والأرض قال المفسرون: خزائن ~~السموات: المطر، وخزائن الأرض: النبات. والمعنى: أنه هو الرزاق لهؤلاء ~~المهاجرين، لا أولئك، ولكن المنافقين لا يفقهون أي: لا يعلمون أن الله ~~رازقهم في حال إنفاق هؤلاء عليهم يقولون لئن رجعنا أي من هذه الغزوة. وقد ~~تقدم ذكرها وهذا قول ابن أبي ليخرجن الأعز يعني: نفسه، وعنى ب الأذل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وقرأ الحسن: «لنخرجن» بالنون مضمومة وكسر الراء ~~«الأعز» بنصب الزاي والأذل منصوب على الحال بناء على جواز تعريف الحال. أو ~~زيادة «أل» فيه أو بتقدير «مثل» المعنى: لنخرجنه ذليلا على أي حال ذل. ~~والكل نصبوا «الأذل» فرد الله عز وجل عليه فقال: ولله العزة وهي: # المنعة والقوة ولرسوله وللمؤمنين بإعزاز الله ونصره إياهم ولكن المنافقين ~~لا يعلمون ذلك. ### | [سورة المنافقون (63) : الآيات 9 الى 11] # يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ~~ذلك فأولئك هم الخاسرون (9) وأنفقوا ms2287 من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (10) ولن ~~يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون (11) # قوله عز وجل: لا تلهكم أي: لا تشغلكم. # في المراد بذكر الله هاهنا أربعة أقوال: أحدها: طاعة الله في الجهاد، ~~قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: الصلاة المكتوبة، قاله عطاء، ومقاتل. ~~والثالث: الفرائض من الصلاة، وغيرها، قاله الضحاك. والرابع: أنه على ~~إطلاقه. قال الزجاج: حضهم بهذا على إدامة الذكر. # قوله عز وجل: وأنفقوا من ما رزقناكم في هذه النفقة ثلاثة أقوال «1» : ~~أحدها: أنه زكاة الأموال، قاله ابن عباس. والثاني: أنها النفقة في الحقوق ~~الواجبة بالمال، كالزكاة والحج، ونحو ذلك، وهذا PageV04P289 # المعنى مروي عن الضحاك. والثالث: أنه صدقة التطوع، ذكره الماوردي. فعلى ~~هذا يكون الأمر ندبا، وعلى ما قبله يكون أمر وجوب. # قوله عز وجل: من قبل أن يأتي أحدكم الموت قال الزجاج: أي: من قبل أن ~~يعاين ما يعلم منه أنه ميت. # قوله عز وجل: لولا أخرتني أي: هلا أخرتني إلى أجل قريب يعني بذلك ~~الاستزادة في أجله ليتصدق ويزكي، وهو قوله عز وجل: فأصدق قال أبو عبيدة: ~~«فأصدق» نصب، لأن كل جواب بالفاء للاستفهام منصوب. تقول: من عندك فآتيك. ~~هلا فعلت كذا فأفعل كذا، ثم تبعتها وأكن من الصالحين بغير واو. وقال أبو ~~عمرو: إنما هي، وأكون، فذهبت الواو من الخط. كما يكتب أبو جاد، أبجد، هجاء، ~~وهكذا يقرؤها أبو عمرو «وأكون» بالواو، ونصب النون. والباقون يقرءون «وأكن» ~~بغير واو. قال الزجاج: من قرأ «وأكون» فهو على لفظ فأصدق. ومن جزم «أكن» ~~فهو على موضع «فأصدق» لأن المعنى: إن أخرتني أصدق وأكن. وروى أبو صالح عن ~~ابن عباس «فأصدق» أي: أزكي مالي وأكن من الصالحين أي: أحج مع المؤمنين، ~~وقال في قوله عز وجل: والله خبير بما تعملون والمعنى: بما تعملون، وقرأ أبو ~~بكر عن عاصم يعملون بالياء والباقون بالتاء، من التكذيب بالصدقة. # قال مقاتل: يعني: المنافقين. ms2288 وروى الضحاك عن ابن عباس، ما من أحد يموت، ~~قد كان له مال لم يزكه، وأطاق الحج فلم يحج، إلا سأل الله الرجعة عند ~~الموت، فقالوا له: إنما يسأل الرجعة الكفار، فقال: أنا أتلو عليكم به ~~قرآنا، ثم قرأ هذه الآية. # PageV04P290 ### | سورة التغابن # وفيها قولان: أحدهما: أنها مدنية، قاله الجمهور، منهم ابن عباس، والحسن، ~~ومجاهد، وعكرمة، وقتادة. والثاني: أنها مكية، قاله الضحاك، وقال عطاء بن ~~يسار: هي مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة قوله عز وجل: يا أيها ~~الذين آمنوا إن من أزواجكم واللتان بعدها. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة التغابن (64) : الآيات 1 الى # 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير (1) هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير (2) ~~خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير (3) يعلم ما في ~~السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور (4) # ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (5) ~~ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله والله غني حميد (6) # وقد سبق تفسير فاتحتها إلى قوله عز وجل: فمنكم كافر ومنكم مؤمن وفيه ~~قولان «1» : # أحدهما: أن الله خلق بني آدم مؤمنا وكافرا، رواه الوالبي عن ابن عباس. ~~والأحاديث تعضد هذا القول. # (1453) كقوله صلى الله عليه وسلم: «خلق فرعون في بطن أمه كافرا، وخلق ~~يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا» . # (1454) وقوله: «فيؤمر الملك بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي ~~أم سعيد» . PageV04P291 # والثاني: أن تمام الكلام عند قوله عز وجل: خلقكم ثم وصفهم، فقال عز وجل: ~~فمنكم كافر ومنكم مؤمن، واختلف أرباب هذا القول فيه على أربعة أقوال: ~~أحدها: فمنكم كافر يؤمن، ومنكم مؤمن يكفر، قاله أبو الجوزاء عن ابن عباس. ~~والثاني: فمنكم كافر في حياته مؤمن في العاقبة، ومنكم مؤمن في حياته كافر ~~في العاقبة، قاله أبو سعيد الخدري. ms2289 والثالث: فمنكم كافر بالله مؤمن ~~بالكوكب، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكوكب، قاله عطاء بن أبي رباح، وعنى بذلك ~~شأن الأنواء. # والرابع: فمنكم كافر بالله خلقه، ومؤمن بالله خلقه، حكاه الزجاج، والكفر ~~بالخلق مذهب الدهرية، وأهل الطبائع. وما بعد هذا قد سبق إلى قوله عز وجل: ~~وصوركم فأحسن صوركم قال الزجاج: # أي: خلقكم أحسن الحيوان كله. وقرأ الأعمش «صوركم» بكسر الصاد. ويقال في ~~جمع الصورة: # صور، وصور، وصور، كما يقال في جمع لحية: لحى، ولحى. وذكر ابن السائب أن ~~معنى فأحسن صوركم أحكمها. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى: ويعلم ما تسرون ~~روى المفضل عن عاصم «يسرون» و «يعلنون» بالياء فيهما ألم يأتكم نبأ الذين ~~كفروا من قبل هذا خطاب لأهل مكة خوفهم ما نزل بالكفار قبلهم، فذلك قوله عز ~~وجل: فذاقوا وبال أمرهم أي: جزاء أعمالهم، وهو ما أصابهم من العذاب في ~~الدنيا ولهم عذاب أليم في الآخرة ذلك الذي أصابهم بأنه كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينات فينكرون ذلك، ويقولون: أبشر أي: ناس مثلنا يهدوننا والبشر اسم جنس ~~معناه الجمع، وإن كان لفظه واحدا فكفروا وتولوا أي: أعرضوا عن الإيمان ~~واستغنى الله عن إيمانهم وعبادتهم. ### | [سورة التغابن (64) : الآيات 7 الى 18] # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم ~~وذلك على الله يسير (7) فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما ~~تعملون خبير (8) يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ~~ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (9) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب ~~النار خالدين فيها وبئس المصير (10) ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن ~~يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم (11) # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين ~~(12) الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون (13) يا أيها الذين ~~آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا ~~فإن الله غفور ms2290 رحيم (14) إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم ~~(15) فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق ~~شح نفسه فأولئك هم المفلحون (16) # إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (17) ~~عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم (18) # قوله عز وجل: زعم الذين كفروا كان ابن عمر يقول: «زعموا» كناية الكذب. ~~وكان مجاهد يكره أن يقول الرجل: زعم فلان. # قوله عز وجل: وذلك على الله يسير يعني: البعث والنور هو القرآن، وفيه ~~بيان أمر البعث والحساب والجزاء. # PageV04P292 # قوله عز وجل: يوم يجمعكم هو منصوب بقوله تعالى: لتبعثن ثم لتنبؤن بما ~~عملتم يوم يجمعكم ليوم الجمع وهو يوم القيامة. وسمي بذلك لأن الله تعالى ~~يجمع فيه الجن والإنس، وأهل السماء، وأهل الأرض. قوله: ذلك يوم التغابن ~~تفاعل من الغبن، وهو فوت الحظ. والمراد في تسميته يوم القيامة بيوم التغابن ~~فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه ليس من كافر إلا وله منزل وأهل في الجنة، فيرث ~~ذلك المؤمن، فيغبن حينئذ الكافر، ذكر هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس. ~~والثاني: غبن أهل الجنة أهل النار، قاله مجاهد، والقرظي. والثالث: أنه يوم ~~غبن المظلوم الظالم، لأن المظلوم كان في الدنيا مغبونا، فصار في الآخرة ~~غابنا، ذكره الماوردي. والرابع: أنه يوم يظهر فيه غبن الكافر بتركه ~~للإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، ذكره الثعلبي. قال الزجاج: وإنما ~~ذكر ذلك مثلا للبيع والشراء، كقوله عز وجل: فما ربحت تجارتهم «1» ، وقوله ~~عز وجل: هل أدلكم على تجارة «2» وما بعد هذا ظاهر إلى قوله عز وجل: يكفر ~~عنه سيئاته قرأ نافع، وابن عامر، والمفضل عن عاصم «نكفر» «وندخله» بالنون ~~فيهما. والباقون: بالياء ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله قال ابن عباس: ~~بعلمه وقضائه. # قوله: ومن يؤمن بالله يهد قلبه فيه ستة أقوال: أحدها: يهد قلبه لليقين، ~~فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، رواه علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس. وقال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم ms2291 أنها من ~~قبل الله تعالى، فيسلم، ويرضى. والثاني: يهد قلبه للاسترجاع، وهو أن يقول: ~~إنا لله، وإنا إليه راجعون، قاله مقاتل. والثالث: أنه إذا ابتلي صبر، وإذا ~~أنعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر، قاله ابن السائب، وابن قتيبة. والرابع: يهد ~~قلبه، أي: يجعله مهتديا، قاله الزجاج. # والخامس: يهد وليه بالصبر والرضى، قاله أبو بكر الوراق. والسادس: يهد ~~قلبه لاتباع السنة إذا صح إيمانه، قاله أبو عثمان الحيري. وقرأ أبو بكر ~~الصديق، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك: «يهد» بياء مفتوحة. ونصب الدال «قلبه» ~~بالرفع. قال الزجاج: هذا من هدأ يهدأ: إذا سكن. فالمعنى: إذا سلم لأمر الله ~~سكن قلبه. وقرأ عثمان بن عفان، والضحاك، وطلحة بن مصرف، والأزرق عن حمزة: ~~«نهد» بالنون. وقرأ علي بن أبي طالب، عليه السلام وأبو عبد الرحمن: «يهد ~~قلبه» بضم الياء، وفتح الدال «قلبه» بالرفع. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله عز ~~وجل: إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم. # (1455) سبب نزولها أن الرجل كان يسلم. فإذا أراد الهجرة منعه أهله، ~~وولده، وقالوا: ننشدك الله أن تذهب وتدع أهلك وعشيرتك وتصير إلى المدينة ~~بلا أهل ولا مال. فمنهم من يرق لهم، ويقيم فلا يهاجر، فنزلت هذه الآية. ~~فلما هاجر أولئك، ورأوا الناس فقد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوا أهليهم ~~الذين منعوهم، فأنزل الله تعالى: وإن تعفوا وتصفحوا إلى آخر الآية، هذا قول ~~ابن عباس. # وقال الزجاج: لما أرادوا الهجرة قال لهم أزواجهم، وأولادهم: قد صبرنا لكم ~~على مفارقة الدين ولا PageV04P293 # نصبر لكم على مفارقتكم، ومفارقة الأموال، والمساكن، فأعلم الله عز وجل أن ~~من كان بهذه الصورة، فهو عدو، وإن كان ولدا، أو كانت زوجة. وقال مجاهد: كان ~~حب الرجل ولده وزوجته يحمله على قطيعة رحمه ومعصية ربه. وقال قتادة: كان من ~~أزواجهم، وأولادهم من ينهاهم عن الإسلام، ويثبطهم عنه، فخرج في قوله عز ~~وجل: عدوا لكم ثلاثة أقوال: أحدها: بمنعهم من الهجرة، وهذا على قول ابن ~~عباس. والثاني: بكونهم سببا للمعاصي، وهذا على قول مجاهد. والثالث: بنهيهم ms2292 ~~عن الإسلام، وهذا على قول قتادة. # قوله عز وجل: فاحذروهم قال الفراء: لا تطيعوهم في التخلف. # قوله عز وجل: نما أموالكم وأولادكم فتنة # أي: بلاء وشغل عن الآخرة. فالمال والأولاد يوقعان في العظائم إلا من عصمه ~~الله. وقال ابن قتيبة: أي: إغرام. يقال: فتن فلان بالمرأة، وشغف بها، أي: ~~أغرم بها. وقال أهل المعاني: إنما دخل «من» في قوله عز وجل: إن من أزواجكم ~~لأنه ليس كل الأزواج، والأولاد أعداء. ولم يذكر «من» في قوله عز وجل: نما ~~أموالكم وأولادكم فتنة # لأنها لا تخلو من الفتنة، واشتغال القلب بها. # (1456) وقد روى بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب، ~~فجاء الحسن، والحسين، عليهما السلام، عليهما قميصان أحمران يمشيان، ~~ويعثران، فنزل من المنبر، فحملهما، فوضعهما بين يديه ثم قال: «صدق الله عز ~~وجل: نما أموالكم وأولادكم فتنة # نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان، ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي، ~~ورفعتهما» . # قوله عز وجل: الله عنده أجر عظيم # أي: ثواب جزيل، وهو الجنة. والمعنى: لا تعصوه بسبب الأولاد، ولا تؤثروهم ~~على ما عند الله من الأجر العظيم فاتقوا الله ما استطعتم أي: ما أطقتم ~~واسمعوا ما تؤمرون به وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم وفي هذه النفقة ثلاثة ~~أقوال: أحدها: # الصدقة، قاله ابن عباس. والثاني: نفقة المؤمن على نفسه، قاله الحسن. ~~والثالث: النفقة في الجهاد، قاله الضحاك. ومن يوق شح نفسه حتى يعطي حق الله ~~في ماله. وقد تقدم بيان هذا في سورة الحشر وما بعده سبق بيانه إلى آخر ~~السورة «1» . PageV04P294 # سورة الطلاق # وتسمى سورة النساء القصرى، وهي مدنية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن ~~الرحيم ### | سورة الطلاق # (65) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ~~ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود ~~الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ~~(1) # قوله عز وجل: يا أيها النبي إذا طلقتم ms2293 النساء قال الزجاج: هذا خطاب للنبي ~~عليه السلام. # والمؤمنون داخلون معه فيه. ومعناه: إذا أردتم طلاق النساء، كقوله عز وجل: ~~إذا قمتم إلى الصلاة «1» . وفي سبب نزول هذه الآية قولان: # (1457) أحدهما: أنها نزلت حين طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة، ~~وقيل له: راجعها، فإنها صوامة PageV04P295 # قوامة، وهي من إحدى زوجاتك في الجنة، قاله أنس بن مالك. # (1458) والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن عمر، وذلك أنه طلق امرأته ~~حائضا، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ~~قاله السدي. # قوله عز وجل: لعدتهن أي: لزمان عدتهن، وهو الطهر. وهذا للمدخول بها، لأن ~~غير المدخول بها لا عدة عليها. والطلاق على ضربين «1» : سني، وبدعي. # فالسني: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، فذلك هو الطلاق للعدة، لأنها ~~تعتد بذلك الطهر من عدتها، وتقع في العدة عقيب الطلاق، فلا يطول عليها زمان ~~العدة. # والطلاق البدعي: أن يقع في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، فهو ~~واقع، وصاحبه آثم. PageV04P296 # فإن جمع الطلاق الثلاث في طهر واحد، فالمنصوص من مذهبنا أنه بدعة. # قوله تعالى: وأحصوا العدة أي: زمان العدة. وفي إحصائه فوائد. منها: ~~مراعاة زمان الرجعة، وأوان النفقة، والسكنى، وتوزيع الطلاق على الإقراء إذا ~~أراد أن يطلق ثلاثا، وليعلم أنها قد بانت، فيتزوج بأختها، وأربع سواها. # قوله عز وجل: واتقوا الله ربكم أي: فلا تعصوه فيما أمركم به. لا تخرجوهن ~~من بيوتهن فيه دليل على وجوب السكنى. ونسب البيوت إليهن، لسكناهن قبل ~~الطلاق فيهن، ولا يجوز لها أن تخرج في عدتها إلا لضرورة ظاهرة. فإن خرجت ~~أثمت إلا أن يأتين بفاحشة وفيها أربعة أقوال «1» : # أحدها: أن المعنى: إلا أن يخرجن قبل انقضاء المدة، فخروجهن هو الفاحشة ~~المبينة، وهذا قول عبد الله بن عمر، والسدي، وابن السائب. والثاني: أن ~~الفاحشة: الزنا، رواه مجاهد، عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والشعبي، وعكرمة، ~~والضحاك. فعلى هذا يكون المعنى: إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن. ~~والثالث: أن الفاحشة: أن ms2294 تبدو على أهله، فيحل لهم إخراجها، رواه محمد بن ~~إبراهيم عن ابن عباس. والرابع: أنها إصابة حد، فتخرج لإقامة الحد عليها، ~~قاله سعيد بن المسيب. # قوله عز وجل: وتلك حدود الله يعني: ما ذكر من الأحكام ومن يتعد حدود الله ~~التي بينها، وأمر بها فقد ظلم نفسه أي: أثم فيما بينه وبين الله تعالى لا ~~تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا أي: يوقع في قلب الزوج المحبة لرجعتها بعد ~~الطلقة والطلقتين. وهذا يدل على أن المستحب في الطلاق تفريقه، وأن لا يجمع ~~الثلاث. ### | ### | [سورة الطلاق (65) : الآيات 2 الى # 3] # فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ~~وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا (3) # قوله عز وجل: فإذا بلغن أجلهن أي: قاربن انقضاء العدة فأمسكوهن بمعروف ~~وهذا مبين في البقرة «2» وأشهدوا ذوي عدل منكم قال المفسرون: أشهدوا على ~~الطلاق، أو المراجعة. واختلف العلماء: هل الإشهاد على المراجعة واجب، أم ~~مستحب؟ وفيه عن أحمد روايتان، وعن الشافعي قولان، ثم قال للشهداء: وأقيموا ~~الشهادة لله أي: اشهدوا بالحق، وأدوها على الصحة، طلبا لمرضاة الله تعالى، ~~وقياما بوصيته. وما بعده قد سبق بيانه إلى قوله عز وجل: ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا. PageV04P297 # (1459) فذكر أكثر المفسرين أنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، أسر العدو ~~ابنا له، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وشكا إليه الفاقة، فقال: اتق ~~الله واصبر، وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ففعل الرجل ذلك، فغفل ~~العدو عن ابنه، فساق غنمهم، وجاء بها إلى المدينة، وهي أربعة آلاف شاة، ~~فنزلت هذه الآية. # وفي معناها للمفسرين خمسة أقوال: أحدها: ومن يتق الله ينجه من كل كرب في ~~الدنيا والآخرة، قاله ابن عباس. والثاني: أن مخرجه: علمه بأن ما أصابه ms2295 من ~~عطاء أو منع، من قبل الله، وهو معنى قول ابن مسعود. والثالث: ومن يتق الله، ~~فيطلق للسنة، ويراجع للسنة، يجعل له مخرجا، قاله السدي. # والرابع: ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة، يجعل له مخرجا من النار إلى ~~الجنة، قاله ابن السائب. # والخامس: يجعل له مخرجا من الحرام إلى الحلال، قاله الزجاج. والصحيح أن ~~هذا عام، فإن الله تعالى يجعل للتقي مخرجا من كل ما يضيق عليه. ومن لا ~~يتقي، يقع في كل شدة. قال الربيع بن خثيم: # يجعل له مخرجا من كل ما يضيق على الناس ويرزقه من حيث لا يحتسب أي: من ~~حيث لا يأمل، ولا يرجو. قال الزجاج: ويجوز أن يكون: إذا اتقى الله في ~~طلاقه، وجرى في ذلك على السنة، رزقه الله أهلا بدل أهله. قوله: ومن يتوكل ~~على الله فهو حسبه أي: من وثق به فيما نابه، كفاه الله ما أهمه إن الله ~~بالغ أمره وروى حفص، والمفضل عن عاصم «بالغ أمره» مضاف. والمعنى: يقضي ما ~~يريد، قد جعل الله لكل شيء قدرا أي: أجلا ومنتهى ينتهي إليه، قدر الله ذلك ~~كله، فلا يقدم ولا يؤخر. # قال مقاتل: قد جعل الله لكل شيء من الشدة والرخاء قدرا، فقدر متى يكون ~~هذا الغني فقيرا، وهذا الفقير غنيا. ### | [سورة الطلاق (65) : الآيات 4 الى 5] # واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي ~~لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره ~~يسرا (4) ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له ~~أجرا (5) # قوله عز وجل: واللائي يئسن من المحيض في سبب نزولها قولان: أحدهما: أنها ~~لما نزلت عدة PageV04P298 # المطلقة، والمتوفى عنها زوجها في البقرة «1» . # (1460) قال أبي بن كعب: يا رسول الله: إن نساء من أهل المدينة يقلن: قد ~~بقي من النساء ما لم يذكر فيه شيء. قال: «وما هو؟» قال: الصغار والكبار، ~~وذوات الحمل، فنزلت هذه الآية، قاله عمرو بن سالم. # (1461) والثاني: لما نزل ms2296 قوله عز وجل: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم ~~الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم الآية «2» قال خلاد بن ~~النعمان الأنصاري: يا رسول الله، فما عدة التي لا تحيض، وعدة التي لم تحض، ~~وعدة الحبلى؟ فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. ومعنى الآية: إن ارتبتم، أي: ~~شككتم فلم تدروا ما عدتهن فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن كذلك. ### | فصل # «3» : # قال القاضي أبو يعلى: والمراد بالارتياب هاهنا: ارتياب المخاطبين في ~~مقدار عدة PageV04P299 # الآيسة والصغيرة كم هو؟ وليس المراد به ارتياب المعتدات في اليأس من ~~المحيض، أو اليأس من الحمل للسبب الذي ذكر في نزول الآية. ولأنه لو أريد ~~بذلك النساء لتوجه الخطاب إليهن، فقيل: إن ارتبتن، أو ارتبن، لأن الحيض ~~إنما يعلم من جهتهن. # وقد اختلف في المرأة إذا تأخر حيضها لا لعارض كم تجلس؟ فمذهب أصحابنا ~~أنها تجلس غالب مدة الحمل، وهو تسعة أشهر، ثم ثلاثة. والعدة: هي الثلاثة ~~التي بعد التسعة. فإن حاضت قبل السنة بيوم، استأنفت ثلاث حيض، وإن تمت ~~السنة من غير حيض، حلت، وبه قال مالك. أبو حنيفة، والشافعي في الجديد: تمكث ~~أبدا حتى يعلم براءة رحمها قطعا، وهو أن تصير في حد لا يحيض مثلها، فتعتد ~~بعد ذلك ثلاثة أشهر. # قوله عز وجل: واللائي لم يحضن يعني: عدتهن ثلاثة أشهر أيضا، لأنه كلام لا ~~يستقل بنفسه، فلا بد له من ضمير، وضميره تقدم ذكره مظهرا، وهو العدة ~~بالشهور. وهذا على قول أصحابنا محمول على من لم يأت عليها زمان الحيض: أنها ~~تعتد ثلاثة أشهر. فأما من أتى عليها زمان الحيض، ولم تحض، فإنها تعتد سنة. # قوله عز وجل: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن عام في المطلقات، ~~والمتوفى عنهن أزواجهن، وهذا قول عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وأبي مسعود ~~البدري، وأبي هريرة، وفقهاء الأمصار. وقد روي عن ابن ms2297 عباس أنه قال: تعتد ~~آخر الأجلين. ويدل على قولنا عموم الآية. وقول ابن مسعود: من شاء لاعنته، ~~ما نزلت وأولات الأحمال إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها، وقول أم سلمة: # (1462) إن سبيعة وضعت بعد وفاة زوجها بأيام، فأمرها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن تتزوج. # قوله عز وجل: ومن يتق الله: فيما أمر به يجعل له من أمره يسرا يسهل عليه ~~أمر الدنيا والآخرة، وهذا قول الأكثرين. وقال الضحاك: ومن يتق الله في طلاق ~~السنة، يجعل له من أمره يسرا في الرجعة ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق ~~الله بطاعته يكفر عنه سيئاته أي: يمح عنه خطاياه ويعظم له أجرا في الآخرة. ### | ### | [سورة الطلاق (65) : الآيات 6 الى # 7] # أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات ~~حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا ~~بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (6) لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر ~~عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله ~~بعد عسر يسرا (7) PageV04P300 # أسكنوهن من حيث سكنتم و «من» صلة، قوله: من وجدكم قرأ الجمهور بضم الواو. ~~وقرأ أبو هريرة، وأبو عبد الرحمن، وأبو رزين، وقتادة، وروح عن يعقوب بكسر ~~الواو. وقال ابن قتيبة: أي: # بقدر وسعكم. وقرأ ابن يعمر، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة: بفتح الواو. ~~والوجد: المقدرة، والغنى يقال: افتقر فلان بعد وجد. قال الفراء: يقول: على ~~ما يجد، فإن كان موسعا عليه، وسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان مقترا ~~عليه، فعلى قدر ذلك. # قوله عز وجل: ولا تضآروهن بالتضييق عليهن في المسكن، والنفقة، وأنتم ~~تجدون سعة. قال القاضي أبو يعلى: والمراد بهذا: المطلقة الرجعية دون ~~المبتوتة، بدليل قوله عز وجل: لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا «1» ~~وقوله: فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف «2» فدل ذلك على ~~أنه أراد الرجعية. # وقد اختلف الفقهاء في المبتوتة «3» : هل لها سكنى، ونفقة ms2298 في مدة العدة، ~~أم لا؟ فالمشهور عند أصحابنا: أنه لا سكنى لها ولا نفقة، وهو قول ابن أبي ~~ليلى. وقال أبو حنيفة: لها السكنى، والنفقة. # وقال مالك والشافعي: لها السكنى، دون النفقة. وقد رواه الكوسج عن الإمام ~~أحمد رضي الله عنه ويدل على الأول. # (1463) حديث فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: إنما ~~النفقة للمرأة على زوجها ما كانت له PageV04P301 # عليها الرجعة، فإذا لم يكن له عليها الرجعة، فلا نفقة ولا سكنى. ومن حيث ~~المعنى: إن النفقة إنما تجب لأجل التمكين من الاستمتاع، بدليل أن الناشز لا ~~نفقة لها. # واختلفوا في الحامل، والمتوفى عنها زوجها، فقال ابن مسعود، وابن عمر، ~~وأبو العالية، والشعبي، وشريح، وإبراهيم: نفقتها من جميع المال، وبه قال ~~مالك، وابن أبي ليلى، والثوري. وقال ابن عباس، وابن الزبير، والحسن، وسعيد ~~بن المسيب، وعطاء: نفقتها في مال نفسها، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه. وعن ~~أحمد كالقولين. # قوله عز وجل: فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن يعني: أجرة الرضاع. وفي هذا ~~دلالة على أن الأم إذا رضيت أن ترضعه بأجرة مثله، لم يكن للأب أن يسترضع ~~غيرها وأتمروا بينكم بمعروف، أي: لا تشتط المرأة على الزوج فيما تطلبه من ~~أجرة الرضاع، ولا يقصر الزوج عن المقدار المستحق وإن تعاسرتم في الأجرة، ~~ولم يتراض الوالدان على شيء فسترضع له أخرى لفظه لفظ الخبر، ومعناه: # الأمر: أي: فليسترضع الوالد غير والدة الصبي. لينفق ذو سعة من سعته أمر ~~أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات أولادهن على قدر سعتهم. وقرأ ~~ابن السميفع «لينفق» بفتح القاف. ومن قدر عليه رزقه أي: ضيق عليه من ~~المطلقين. وقرأ أبي بن كعب، وحميد «قدر عليه» بضم القاف، وتشديد الدال. ~~وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة «قدر» بفتح القاف وتشديد الدال «رزقه» بنصب ~~القاف. فلينفق مما آتاه الله على قدر ما أعطاه من المال لا يكلف الله نفسا ~~إلا ما آتاها أي: على قدر ما أعطاها من المال سيجعل الله بعد عسر يسرا ms2299 أي: ~~بعد ضيق وشدة، غنى وسعة، وكان الغالب عليهم حينئذ الفقر، فأعلمهم أنه سيفتح ~~عليهم بعد ذلك. ### | [سورة الطلاق (65) : الآيات 8 الى 11] # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها ~~عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا (9) أعد الله لهم ~~عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ~~ذكرا (10) رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا (11) # قوله عز وجل: وكأين أي: وكم من قرية عتت عن أمر ربها ورسله، أي: عن أمر ~~رسله. # والمعنى: عتا أهلها. قال ابن زيد: عتت، أي: كفرت، وتركت أمر ربها، فلم ~~تقبله. # وفي باقي الآية قولان: أحدهما: أن فيها تقديما، وتأخيرا. والمعنى: ~~عذبناها عذابا نكرا في الدنيا بالجوع، والسيف، والبلايا، وحاسبناها حسابا ~~شديدا في الآخرة، قاله ابن عباس، والفراء في آخرين. والثاني: أنها على ~~نظمها، والمعنى: حاسبناها بعملها في الدنيا، فجازيناها بالعذاب على مقدار ~~عملها، فذلك قوله عز وجل: وعذبناها فجعل المجازاة بالعذاب محاسبة. والحساب ~~الشديد: هو PageV04P302 # الذي لا عفو فيه، والنكر: المنكر فذاقت وبال أمرها أي: جزاء ذنبها وكان ~~عاقبة أمرها خسرا في الدنيا، والآخرة، وقال ابن قتيبة: الخسر: الهلكة. # قوله عز وجل: قد أنزل الله إليكم ذكرا أي: قرآنا رسولا أي: وبعث رسولا، ~~قاله مقاتل. # وإلى نحوه ذهب السدي. وقال ابن السائب: الرسول هاهنا: جبرائيل، فعلى هذا: ~~يكون الذكر والرسول جميعا منزلين. وقال ثعلب: الرسول: هو الذكر. وقال غيره: ~~معنى الذكر هاهنا: الشرف. # وما بعده قد تقدم «1» إلى قوله عز وجل: قد أحسن الله له رزقا يعني: الجنة ~~التي لا ينقطع نعيمها. ### | [سورة الطلاق (65) : آية 12] # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن ~~الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (12) # قوله: ومن الأرض مثلهن أي: ms2300 وخلق الأرض بعددهن. وجاء في الحديث: أن كثافة ~~كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وما بينها وبين الأخرى كذلك، وكثافة كل أرض ~~خمسمائة عام، وما بينها وبين الأرض الأخرى كذلك. # (1464) وقد روى أبو الضحى عن ابن عباس قال: في كل أرض آدم مثل آدمكم، ~~ونوح مثل نوحكم، وإبراهيم مثل إبراهيمكم، وعيسى كعيسى، فهذا الحديث تارة ~~يرفع إلى ابن عباس، وتارة يوقف على أبي الضحى، وليس له معنى إلا ما حكى أبو ~~سليمان الدمشقي، قال: سمعت أن معناه: إن في كل أرض خلقا من خلق الله لهم ~~سادة، يقوم كبيرهم ومتقدمهم في الخلق مقام آدم فينا، وتقوم ذريته في السن ~~والقدم كمقام نوح. وعلى هذا المثال سائرهم. وقال كعب: ساكن الأرض الثانية: ~~الريح العقيم، وفي الثالثة: حجارة جهنم، والرابعة: كبريت جهنم، والخامسة: ~~حيات جهنم، والسادسة: # عقارب جهنم، والسابعة: فيها إبليس «2» . # قوله عز وجل: يتنزل الأمر بينهن، في الأمر قولان: أحدهما: أنه قضاء الله ~~وقدره، قاله الأكثرون. قال قتادة: في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من ~~خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه. والثاني: أنه الوحي، قاله مقاتل. # قوله عز وجل: لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء ~~علما المعنى أعلمكم هذا لتعلموا قدرته على كل شيء وعلمه بكل شيء. ~~PageV04P303 # سورة التحريم # وهي مدنية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة التحريم # (66) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور ~~رحيم (1) قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم (2) ~~وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف ~~بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم ~~الخبير (3) إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو ~~مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4) # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ms2301 مسلمات مؤمنات قانتات تائبات ~~عابدات سائحات ثيبات وأبكارا (5) # قوله عز وجل: لم تحرم ما أحل الله لك في سبب نزولها قولان: # (1465) أحدهما: أن حفصة ذهبت إلى أبيها تتحدث عنده، فأرسل النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى جاريته، فظلت PageV04P304 # معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة، فرجعت حفصة، فوجدتها ~~في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها، وغارت غيرة شديدة. فلما دخلت حفصة قالت: قد ~~رأيت من كان عندك. والله لقد سؤتني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «والله ~~لأرضينك، وإني مسر إليك سرا فاحفظيه» ، قالت: وما هو؟ قال: «إني أشهدك أن ~~سريتي هذه علي حرام رضى لك» ، وكانت عائشة وحفصة متظاهرتين على نساء النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فقالت لها: أبشري، إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه فتاته. فنزلت هذه الآية رواه العوفي عن ابن ~~عباس. # (1466) وقد روي عن عمر نحو هذا المعنى، وقال فيه: فقالت حفصة: كيف ~~تحرمها، عليك،؟! فحلف لها أن لا يقربها، فقال لها: «لا تذكريه لأحد» فذكرته ~~لعائشة، فآلى أن لا يدخل على نسائه شهرا، فنزلت هذه الآية. # (1467) وقال الضحاك: قال لها: «لا تذكري لعائشة ما رأيت» فذكرته، فغضبت ~~عائشة، ولم تزل بنبي الله حتى حلف أن لا يقربها، فنزلت هذه الآية، وإلى هذا ~~المعنى: ذهب سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، والشعبي، ومسروق، ومقاتل، ~~والأكثرون. # (1468) والثاني: ما روى عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يحب الحلواء والعسل، وكان إذا انصرف من صلاة العصر دخل على نسائه، ~~فدخل على حفصة بنت عمر، واحتبس عندها، فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها ~~امرأة من قومها عكة من عسل «1» ، فسقت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ~~أما والله لنحتالن له، فقلت لسودة: إنه سيدنو منك إذا دخل عليك، فقولي له: ~~يا رسول الله أكلت مغافير، فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي: ~~جرست نحله العرفط «2» وسأقول ذلك وقولي أنت يا صفية ذلك، فلما دنا من ms2302 سودة ~~قالت له ذلك ولما دخل علي قلت له مثل ذلك فلما دار إلى صفية قالت له مثل ~~ذلك فلما دار إلى حفصة قالت له: يا رسول الله أسقيك منه؟ قال: لا حاجة لي ~~فيه. قالت: تقول سودة: سبحان الله، والله لقد حرمناه. قلت لها: اسكتي. ~~أخرجه البخاري ومسلم في «الصحيحين» . # (1469) وفي رواية ابن أبي مليكة عن ابن عباس: أن التي شرب عندها العسل ~~سودة، فقالت له PageV04P305 # عائشة: إني لأجد منك ريحا، ثم دخل على حفصة، فقالت: إني أجد منك ريحا، ~~فقال: إني أراه من شراب شربته عند سودة، والله لا أشربه، فنزلت هذه الآية. # (1470) وفي حديث عبيد بن عمير عن عائشة أن التي شرب عندها العسل زينب بنت ~~جحش، فتواطأت حفصة وعائشة أن تقولا له ذلك القول. قال أبو عبيدة: المغافير: ~~شيء شبيه بالصمغ فيه حلاوة. وخرج الناس يتمغفرون: إذا خرجوا يجتنونه. ~~ويقال: المغاثير بالثاء، مثل جدث، وجدف. # وقال الزجاج: المغافير: صمغ متغير الرائحة. فخرج في المراد بالذي أحل ~~الله له قولان «1» : أحدهما: # أنه جاريته. والثاني: العسل. # قوله عز وجل: تبتغي مرضات أزواجك أي: تطلب رضاهن بتحريم ذلك. والله غفور ~~رحيم PageV04P306 # غفر الله لك التحريم قد فرض الله لكم قال مقاتل: قد بين لكم تحلة أيمانكم ~~أي: كفارة أيمانكم، وذلك البيان في المائدة «1» قال المفسرون: وأصل «تحلة» ~~تحلله على وزن تفعلة، فأدغمت، والمعنى: # قد بين الله لكم تحليل أيمانكم بالكفارة، فأمره الله أن يكفر يمينه، ~~فأعتق رقبة. واختلفوا هل حرم مارية على نفسه بيمين، أم لا؟ على قولين: ~~أحدهما: أنه حرمها من غير ذكر يمين، فكان التحريم موجبا لكفارة اليمين، ~~قاله ابن عباس. والثاني: أنه حلف يمينا حرمها بها، قاله الحسن. والشعبي، ~~وقتادة، والله مولاكم أي: وليكم وناصركم. # قوله تعالى: وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا يعني: حفصة من غير خلاف ~~علمناه. # وفي هذا السر ثلاثة أقوال: أحدها: أنه قال لها: إني مسر إليك سرا ~~فاحفظيه، سريتي هذه علي حرام، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال عطاء، ms2303 ~~والشعبي، والضحاك، وقتادة، وزيد بن أسلم، وابنه، والسدي «2» . # (1471) والثاني: أنه قال لها: أبوك، وأبو عائشة، واليا الناس من بعدي، ~~فإياك أن تخبري أحدا، ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. # والثالث: أنه أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي، قاله ميمون بن مهران ~~«3» . # قوله عز وجل: فلما نبأت به أي: أخبرت به عائشة وأظهره الله عليه أي: أطلع ~~الله نبيه على قول حفصة لعائشة، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا ~~شديدا، لأنه استكتم حفصة ذلك، ثم دعاها، فأخبرها ببعض ما قالت، فذلك قوله ~~عز وجل: عرف بعضه وأعرض عن بعض وفي الذي عرفها إياه قولان: # (1472) أحدهما: أنه حدثها ما حدثتها عائشة من شأن أبي بكر وعمر، وسكت عما ~~أخبرت PageV04P307 # عائشة من تحريم مارية، لأنه لم يبال ما أظهرت من ذلك، رواه أبو صالح عن ~~ابن عباس. # (1473) والثاني: أن الذي عرف: تحريم مارية، والذي أعرض عنه: ذكر الخلافة ~~لئلا ينتشر، قاله الضحاك، وهذا اختيار الزجاج: قال: ومعنى عرف بعضه عرف ~~حفصة بعضه وقرأ الكسائي «عرف» بالتخفيف. قال الزجاج: على هذه القراءة قد ~~عرف كل ما أسره، غير أن المعنى جار على بعضه، كقوله عز وجل: وما تفعلوا من ~~خير يعلمه الله «1» ، أي: يعلمه ويجازي عليه، وكذلك: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره «2» أي: ير جزاءه. فقيل: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم طلق حفصة تطليقة، فكان ذلك جزاءها عنده، فأمره الله أن يراجعها. # (1474) وقال مقاتل بن حيان: لم يطلقها، وإنما هم بطلاقها، فقال له جبريل: ~~لا تطلقها، فإنها PageV04P308 # صوامة قوامة. وقال الحسن: ما استقصى كريم قط، ثم قرأ عرف بعضه وأعرض عن ~~بعض، وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن السميفع «عراف» برفع العين، وتشديد ~~الراء وبألف، «بعضه» بالخفض. # قوله عز وجل: فلما نبأها به أي: أخبر حفصة بإفشائها السر قالت من أنبأك ~~هذا أي: من أخبرك بأني أفشيت سرك؟ قال نبأني العليم الخبير ثم خاطب عائشة ~~وحفصة، فقال: إن تتوبا إلى الله أي: من التعاون على رسول ms2304 الله صلى الله ~~عليه وسلم بالإيذاء فقد صغت قلوبكما قال ابن عباس: زاغت، وأثمت. قال ~~الزجاج: عدلت، وزاغت عن الحق. قال مجاهد: كنا نرى قوله عز وجل: فقد صغت ~~قلوبكما شيئا هينا حتى وجدناه في قراءة ابن مسعود: فقد زاغت قلوبكما. وإنما ~~جعل القلبين جماعة لأن كل اثنين فما فوقهما جماعة. وقد أشرنا إلى هذا في ~~قوله عز وجل: فإن كان له إخوة «1» وقوله تعالى: إذ تسوروا المحراب «2» . ~~قال المفسرون: وذلك أنهما أحبا ما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~اجتناب جاريته، وإن تظاهرا عليه وقرأ ابن مسعود، وأبو عبد الرحمن ومجاهد، ~~والأعمش «تظاهرا» بتخفيف الظاء، أي: تعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالإيذاء فإن الله هو مولاه أي: وليه في العون، والنصرة وجبريل وليه وصالح ~~المؤمنين وفي المراد بصالح المؤمنين ستة أقوال: أحدها: أنهم أبو بكر وعمر، ~~قاله ابن مسعود، وعكرمة، والضحاك. والثاني: أبو بكر، رواه مكحول عن أبي ~~أمامة. والثالث: عمر بن الخطاب قاله سعيد بن جبير، ومجاهد. والرابع: خيار ~~المؤمنين، قاله الربيع بن أنس. والخامس: أنهم الأنبياء، قاله قتادة، ~~والعلاء بن زياد العدوي، وسفيان. والسادس: أنه علي بن أبي طالب عليه ~~السلام، حكاه الماوردي، قاله الفراء: «وصالح المؤمنين» موحد في مذهب جميع، ~~كما تقول: لا يأتيني إلا سائس الحرب، فمن كان ذا سياسة للحرب، فقد أمر ~~بالمجيء، ومثله قوله عز وجل: والسارق والسارقة «3» ، قوله: والذان يأتيانها ~~منكم «4» ، وقوله: إن الإنسان خلق هلوعا «5» في كثير من القرآن يؤدي معنى ~~الواحد عن الجميع. # قوله عز وجل: والملائكة بعد ذلك ظهير أي: ظهرا، وهذا مما لفظه لفظ ~~الواحد، ومعناه الجمع، ومثله ثم يخرجكم طفلا «6» ، وقد شرحناه هناك. ثم خوف ~~نساءه، فقال عز وجل: عسى ربه إن طلقكن. PageV04P309 # (1475) وسبب نزولها ما روى أنس عن عمر بن الخطاب قال: بلغني بعض ما آذى ~~به رسول الله نساؤه، فدخلت عليهن، فجعلت أستقرئهن، واحدة واحدة، فقلت: ~~والله لتنتهن، أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن، فنزلت هذه الآية. ~~والمعنى: واجب من الله ms2305 إن طلقكن رسوله أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات ~~أي: خاضعات لله بالطاعة مؤمنات مصدقات بتوحيد الله قانتات أي: طائعات ~~سائحات فيه قولان: أحدهما: صائمات، قاله ابن عباس، والجمهور. وقد شرحنا هذا ~~المعنى عند قوله عز وجل: السائحون «1» . والثاني: مهاجرات، قاله زيد بن أسل ~~وابنه. «والثيبات» جمع ثيب، وهي المرأة التي قد تزوجت، ثم ثابت إلى بيت ~~أبويها، فعادت كما كانت غير ذات زوج. «والأبكار» : # العذارى. ### | ### | [سورة التحريم (66) : الآيات 6 الى # 8] # يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ~~عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (6) يا ~~أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون (7) يا أيها ~~الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ~~ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا ~~معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا ~~إنك على كل شيء قدير (8) # قوله عز وجل: قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقاية النفس: بامتثال الأوامر، ~~واجتناب النواهي، ووقاية الأهل: بأن يؤمروا بالطاعة، وينهوا عن المعصية. ~~وقال علي رضي الله عنه: علموهم وأدبوهم، قوله: وقودها الناس والحجارة قد ~~ذكرناه في البقرة «2» قوله عليها ملائكة غلاظ وهم خزنتها غلاظ على أهل ~~النار شداد عليهم. وقيل: غلاظ القلوب شداد الأبدان. # (1476) وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: خزنة النار تسعة عشر، ما بين ~~منكبي أحدهم مسيرة سنة، وقوته أن يضرب بالمقمعة، فيدفع بتلك الضربة سبعين ~~ألفا، فيهوون في قعر جهنم لا يعصون الله ما أمرهم أي: لا يخالفونه فيما ~~يأمر ويفعلون ما يؤمرون فيه قولان: أحدهما: لا يتجاوزون ما يؤمرون. ~~والثاني: يفعلونه في وقته لا يؤخرونه، ولا يقدمونه. ويقال لأهل النار: يا ~~أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم. # قوله عز وجل: توبوا إلى الله توبة نصوحا قرأ أبو بكر عن عاصم، وخارجة عن ~~نافع «نصوحا» بضم النون. والباقون بفتحها. قال الزجاج: فمن فتح فعلى ms2306 صفة ~~التوبة، ومعناه: توبة بالغة في النصح، PageV04P310 # و «فعول» من أسماء الفاعلين التي تستعمل للمبالغة في الوصف. تقول: رجل ~~صبور، وشكور. ومن قرأ بالضم، فمعناه: ينصحون فيها نصوحا، يقال: نصحت له ~~نصحا، ونصاحة، ونصوحا. وقال غيره: # من ضم أراد: توبة نصح لأنفسكم. وقال عمر بن الخطاب: التوبة النصوح: أن ~~يتوب العبد من الذنب وهو يحدث نفسه أنه لا يعود. وسئل الحسن البصري عن ~~التوبة النصوح، فقال: ندم بالقلب، واستغفار باللسان، وترك بالجوارح، وإضمار ~~أن لا يعود. وقال ابن مسعود: التوبة النصوح تكفر كل سيئة، ثم قرأ هذه ~~الآية. # قوله عز وجل: يوم لا يخزي الله النبي قد بينا معنى «الخزي» في آل عمران ~~«1» وبينا معنى قوله عز وجل: نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم في الحديد ~~«2» يقولون ربنا أتمم لنا نورنا وذلك إذا رأى المؤمنون نور المنافقين يطفأ ~~سألوا الله تعالى أن يتمم لهم نورهم، ويبلغهم به الجنة. قال ابن عباس: ليس ~~أحد من المسلمين إلا يعطى نورا يوم القيامة. فأما المنافق فيطفأ نوره، ~~والمؤمن مشفق مما رأى من إطفاء نور المنافق، فهم يقولون: ربنا أتمم لنا ~~نورنا. ### | [سورة التحريم (66) : الآيات 9 الى 12] # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير (9) ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت ~~عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا ~~النار مع الداخلين (10) وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ~~ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ~~(11) ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ~~ربها وكتبه وكانت من القانتين (12) # قوله عز وجل: جاهد الكفار والمنافقين قد شرحناه في براءة «3» . # قوله عز وجل: ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح قال المفسرون منهم ~~مقاتل: هذا المثل يتضمن تخويف عائشة وحفصة أنهما إن أغضبتا ربهما لم يغن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما شيئا. قال مقاتل: # اسم امرأة ms2307 نوح «والهة» وامرأة لوط «واهلة» . # قوله عز وجل: كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين: نوحا ولوطا عليهما ~~السلام فخانتاهما. # (14777) قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، إنما كانت خيانتهما في ~~الدين، كانت امرأة نوح تخبر الناس أنه مجنون، وكانت امرأة لوط تدل على ~~الأضياف، فإذا نزل بلوط ضيف بالليل أوقدت النار، وإذا نزل بالنهار دخنت ~~لتعلم قومه أنه قد نزل به ضيف. وقال السدي: كانت خيانتهما: كفرهما. ~~PageV04P311 # وقال الضحاك: نميمتهما، وقال ابن السائب: نفاقهما. # قوله عز وجل: فلم يغنيا عنهما من الله شيئا، أي: يدفعا عنهما من عذاب ~~الله شيئا. وهذه الآية تقطع طمع من ركب المعصية ورجا أن ينفعه صلاح غيره. ~~ثم أخبر أن معصية الغير لا تضر المطيع بقوله: وضرب الله مثلا للذين آمنوا ~~امرأت فرعون وهي آسية بنت مزاحم. وقال يحيى بن سلام: # ضرب الله المثل الأول يحذر به عائشة وحفصة رضي الله عنهما. ثم ضرب لهما ~~هذا المثل يرغبهما في التمسك بالطاعة. وكانت آسية قد آمنت بموسى. قال أبو ~~هريرة: ضرب فرعون لامرأته أوتادا في يديها ورجليها، وكانوا إذا تفرقوا عنها ~~أظلتها الملائكة، فقالت: رب ابن لي عندك بيتا في الجنة فكشف الله لها عن ~~بيتها في الجنة حتى رأته قبل موتها، قوله: ونجني من فرعون وعمله فيه قولان: ~~أحدهما: # أن عمله: جماعه. والثاني: أنه دينه رويا عن ابن عباس، قوله: ونجني من ~~القوم الظالمين يعني أهل دينه المشركين. # قوله عز وجل: والتي أحصنت فرجها قد ذكرنا فيه قولين في سورة الأنبياء «1» ~~فمن قال: هو فرج ثوبها، قال «الهاء» في قوله تعالى: فنفخنا فيه ترجع إليه، ~~وذلك أن جبريل مد جيب درعها، فنفخ فيه، ومن قال: هو مخرج الولد، قال: ~~«الهاء» كناية عن غير مذكور، لأنه إنما نفخ في درعها لا في فرجها. # قوله عز وجل: وصدقت بكلمات ربها وفيه قولان: أحدهما: أنه قول جبريل إنما ~~أنا رسول ربك # «2» . والثاني: الكلمات هي التي تضمنتها كتب الله المنزلة. وقرأ أبي بن ~~كعب، وأبو مجلز، وعاصم الجحدري ms2308 «بكلمة ربها» على التوحيد وكتبه قرأ ابن ~~كثير، وابن عامر، وحمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم «وكتابه» على التوحيد، ~~وقرأ أبو عمرو، وحفص عن عاصم، وخارجة عن نافع «وكتبه» جماعة، وهي التي ~~أنزلت على الأنبياء، ومن قرأ «وكتابه» فهو اسم جنس على ما بينا في خاتمة ~~البقرة «3» وقد بينا فيها القنوت مشروحا «4» . ومعنى الآية وكانت من ~~القانتين، ولذلك لم يقل: من القانتات. PageV04P312 ### | سورة الملك # وهي مكية كلها بإجماعهم (1478) قال ابن مسعود: هي المانعة من عذاب القبر. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الملك (67) : الآيات 1 الى # 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) الذي خلق الموت والحياة ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) الذي خلق سبع سماوات طباقا ~~ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور (3) ثم ارجع ~~البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4) # ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم ~~عذاب السعير (5) وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (6) إذا ألقوا ~~فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور (7) تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج ~~سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما ~~نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير (9) # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (10) فاعترفوا بذنبهم ~~فسحقا لأصحاب السعير (11) # قوله عز وجل: تبارك قد شرحناه في الأعراف «1» . # قوله عز وجل: الذي بيده الملك قال ابن عباس: يعني: السلطان يعز ويذل. # قوله عز وجل: الذي خلق الموت والحياة قال الحسن: خلق الموت المزيل ~~للحياة، والحياة التي PageV04P313 # هي ضد الموت «1» قوله: ليبلوكم أيكم أحسن عملا قد شرحناه في هود «2» ، ~~قال الزجاج: والمعلق ب أيكم مضمر تقديره: ليبلوكم، فيعلم أيكم أحسن عملا ~~وهذا علم وقوع. وارتفعت «أي» بالابتداء، ولا يعمل فيها ما قبلها، لأنها على ~~أصل الاستفهام، ومثله أي الحزبين أحصى «3» . والمعنى: # خلق الحياة ليختبركم فيها. وخلق الموت ليبعثكم ويجازيكم. ms2309 وقال غيره: ~~اللام في «ليبلوكم» متعلق بخلق الحياة دون خلق الموت، لأن الابتلاء ~~بالحياة. قوله: الذي خلق سبع سماوات طباقا أي: خلقهن مطابقات، أي: بعضها ~~فوق بعض ما ترى يا ابن آدم في خلق الرحمن من تفاوت قرأ حمزة والكسائي: «من ~~تفوت» بتشديد الواو من غير ألف. وقرأ الباقون بألف. قال الفراء: وهما ~~بمنزلة واحدة، كما تقول: تعاهدت الشيء وتعهدته والتفاوت: الاختلاف. وقال ~~ابن قتيبة: التفاوت: # الاضطراب والاختلاف وأصله من الفوت وهو أن يفوت شيء شيئا، فيقع الخلل، ~~ولكنه متصل بعضه ببعض. # قوله عز وجل: فارجع البصر كرر البصر هل ترى من فطور وقرأ أبو عمرو، وحمزة ~~والكسائي «هل ترى» بإدغام اللام في التاء، أي: هل ترى فيها فروجا وصدوعا. # قوله عز وجل: ثم ارجع البصر كرتين أي: مرة بعد مرة ينقلب إليك البصر ~~خاسئا قال ابن قتيبة: # أي: مبعدا، من قولك: خسأت الكلب: إذا باعدته وهو حسير أي: كليل منقطع عن ~~أن يلحق ما نظر إليه. وقال الزجاج: قد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللا. # قوله عز وجل: ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح قد شرحناه في حم السجدة ~~«4» . قوله: وجعلناها رجوما للشياطين أي: يرجم بها مسترقو السمع. وقد سبق ~~بيان هذا المعنى «5» وأعتدنا لهم: في الآخرة عذاب السعير وهذا وما بعده قد ~~سبق بيانه إلى قوله: سمعوا لها شهيقا أي: صوتا مثل صوت الحمار. وقد بينا ~~معنى الشهيق في هود «6» وهي تفور أي: تغلي بهم كغلي المرجل تكاد تميز أي: ~~تتقطع من تغيظها عليهم كلما ألقي فيها فوج أي: جماعة منهم سألهم خزنتها ألم ~~يأتكم نذير وهذا سؤال توبيخ. # قوله عز وجل: إن أنتم أي: قلنا للرسل: إن أنتم إلا في ضلال أي: في ذهاب ~~عن الحق بعيد. قال الزجاج: ثم اعترفوا بجهلهم فقالوا: لو كنا نسمع أي: سماع ~~من يعي ويفكر أو نعقل PageV04P314 # عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار فسحقا. وهو منصوب على المصدر، ~~المعنى: أسحقهم الله سحقا، أي: باعدهم الله من رحمته ms2310 مباعدة، والسحيق: ~~البعيد. وكذلك روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس «فسحقا» أي: بعدا. وقال سعيد ~~بن جبير، وأبو صالح: السحق: واد في جهنم يقال له: # سحق. ### | ### | [سورة الملك (67) : الآيات 12 الى # 15] # إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير (12) وأسروا قولكم أو ~~اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (13) ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ~~(14) هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه ~~النشور (15) # قوله عز وجل: إن الذين يخشون ربهم بالغيب قد شرحناه في سورة الأنبياء «1» ~~لهم مغفرة لذنوبهم وأجر كبير وهو: الجنة. ثم عاد إلى خطاب الكفار، فقال عز ~~وجل: وأسروا قولكم أو اجهروا به قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ~~ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخبره جبريل بما قالوا، فيقول ~~بعضهم: أسروا قولكم حتى لا يسمع إله محمد «2» . # قوله عز وجل: ألا يعلم من خلق أي: ألا يعلم ما في الصدور خالقها؟! ~~واللطيف مشروح في الأنعام «3» والخبير في سورة البقرة «4» . # قوله عز وجل: هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا أي: مذللة سهلة لم يجعلها ~~ممتنعة بالحزونة والغلظ. # قوله عز وجل: فامشوا في مناكبها فيه ثلاثة أقوال: أحدها: طرقاتها، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. والثاني: جبالها، رواه ابن أبي طلحة عن ~~ابن عباس، وبه قال قتادة، واختاره الزجاج، قال: لأن المعنى: سهل لكم السلوك ~~فيها، فإذا أمكنكم السلوك في جبالها، فهو أبلغ في التذليل. والثالث: في ~~جوانبها، قاله مقاتل، والفراء، وأبو عبيدة، واختاره ابن قتيبة، قال: ومنكبا ~~الرجل: جانباه. # قوله عز وجل: وإليه النشور أي: إليه تبعثون من قبوركم. ### | [سورة الملك (67) : الآيات 16 الى 19] # أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (16) أم أمنتم من في ~~السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) ولقد كذب الذين من ~~قبلهم فكيف كان نكير (18) أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما ~~يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير (19) # ثم خوف الكفار ms2311 فقال: أأمنتم قرأ ابن كثير: «وإليه النشور أأمنتم» وقرأ ~~نافع، وأبو عمرو: PageV04P315 # «النشور آمنتم» بهمزة ممدودة. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ~~«أأمنتم» بهمزتين، من في السماء قال ابن عباس: أمنتم عذاب من في السماء، ~~وهو الله عز وجل؟! وتمور بمعنى: تدور. # قال مقاتل: والمعنى: تدور بكم إلى الأرض السفلى. # قوله عز وجل: أن يرسل عليكم حاصبا وهي: الحجارة، كما أرسل على قوم لوط ~~فستعلمون كيف نذير أي: كيف كانت عاقبة إنذاري لكم في الدنيا إذا نزل بكم ~~العذاب ولقد كذب الذين من قبلهم يعني: كفار الأمم فكيف كان نكير أي: إنكاري ~~عليهم بالعذاب. # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات أي: تصف أجنحتها في الهواء، وتقبض ~~أجنحتها بعد البسط، وهذا معنى الطيران، وهو بسط الجناح وقبضه بعد البسط ما ~~يمسكهن أن يقعن إلا الرحمن. ### | ### | [سورة الملك (67) : الآيات 20 الى # 27] # أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور ~~(20) أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (21) أفمن ~~يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (22) قل هو الذي ~~أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (23) قل هو الذي ~~ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24) # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (25) قل إنما العلم عند الله وإنما ~~أنا نذير مبين (26) فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي ~~كنتم به تدعون (27) # قوله عز وجل: أمن هذا الذي هو جند لكم هذا استفهام إنكار. ولفظ «الجند» ~~موحد، فلذلك قال عز وجل: «هذا الذي هو» والمعنى: لا جند لكم ينصركم أي: ~~يمنعكم من عذاب الله إن أراده بكم، إن الكافرون إلا في غرور وذلك أن ~~الشيطان يغرهم، فيقول: إن العذاب لا ينزل بكم، أمن هذا الذي يرزقكم المطر ~~وغيره إن أمسك الله ذلك عنكم بل لجوا في عتو أي: تماد في كفر ونفور عن ~~الإيمان. # ثم ضرب مثلا، فقال عز وجل: أفمن يمشي مكبا على ms2312 وجهه قال ابن قتيبة: أي لا ~~يبصر يمينا، ولا شمالا ولا من بين يديه. يقال: أكب الله فلانا على وجهه، ~~بالألف، وكبه الله لوجهه، وأراد: # الأعمى. قال المفسرون: هذا مثل للمؤمن، والكافر، و «السوي» : المعتدل، ~~أي: الذي يبصر الطريق. # وقال قتادة: هذا في الآخرة يحشر الله الكافر مكبا على وجهه، والمؤمن يمشي ~~سويا. # قوله عز وجل: قليلا ما تشكرون فيه قولان: أحدهما: أنهم لا يشكرون، قاله ~~مقاتل: والثاني: # أنهم يشكرون قليلا، قاله أبو عبيدة. # قوله عز وجل: ذرأكم في الأرض أي: خلقكم ويقولون متى هذا الوعد يعنون ~~الوعد: بالعذاب فلما رأوه زلفة أي: رأوا العذاب قريبا منهم سيئت وجوه الذين ~~كفروا قال الزجاج: أي: تبين فيها السوء. وقال غيره: قبحت بالسواد وقيل هذا ~~الذي كنتم به تدعون فيه قولان: أحدهما: أن «تدعون» بالتشديد، بمعنى تدعون ~~بالتخفيف، وهو «تفتعلون» من الدعاء. يقال: دعوت، وادعيت، كما يقال: # خبرت واختبرت، ومثله: يدكرون، ويذكرون، هذا قول الفراء، وابن قتيبة. ~~والثاني: أن المعنى: هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل والأكاذيب، ~~تدعون أنكم إذا متم لا تبعثون؟! وهذا اختيار الزجاج. # PageV04P316 # وقرأ أبو رزين، والحسن، وعكرمة، وقتادة والضحاك، وابن أبي عبلة، ويعقوب: ~~«تدعون» بتخفيف الدال، وسكونها، بمعنى تفعلون من الدعاء. وقال قتادة: كانوا ~~يدعون بالعذاب. ### | [سورة الملك (67) : الآيات 28 الى 30] # قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب ~~أليم (28) قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين ~~(29) قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (30) # قوله عز وجل: قل أرأيتم إن أهلكني الله بعذاب ومن معي من المؤمنين «1» . ~~قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «معي» بفتح ~~الياء. وقرأ أبو بكر عن عاصم، والكسائي: «معي» بالإسكان أو رحمنا فلم ~~يعذبنا فمن يجير الكافرين أي يمنعهم ويؤمنهم من عذاب أليم ومعنى الآية: إنا ~~مع إيماننا، بين الخوف والرجاء: فمن يجيركم مع كفركم من العذاب؟! أي: لأنه ~~لا رجاء لكم كرجاء ms2313 المؤمنين قل هو الرحمن الذي نعبد فستعلمون وقرأ الكسائي: # «فسيعلمون» بالياء عند معاينة العذاب من الضال نحن أم أنتم. # قوله عز وجل: إن أصبح ماؤكم غورا قد بيناه في الكهف «2» فمن يأتيكم بماء ~~معين أي: بماء ظاهر تراه العيون، وتناله الأرشية. PageV04P317 ### | سورة القلم # وهي مكية كلها بإجماعهم إلا ما حكي عن ابن عباس وقتادة أن فيها من المدني ~~قوله عز وجل: إنا بلوناهم إلى قوله عز وجل: لو كانوا يعلمون. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة القلم (68) : الآيات 1 الى # 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # ن والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) وإن لك لأجرا غير ~~ممنون (3) وإنك لعلى خلق عظيم (4) # فستبصر ويبصرون (5) بأيكم المفتون (6) إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ~~وهو أعلم بالمهتدين (7) # قوله عز وجل: ن قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وحفص: ~~ن والقلم النون في آخر الهجاء من نون ظاهرة عند الواو، وهذا اختيار الفراء. ~~وروى أبو بكر عن عاصم أنه كان لا يبين النون من «نون» . وبها قرأ الكسائي، ~~وخلف، ويعقوب، وهو اختيار الزجاج. وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وقتادة، ~~والأعمش: «نون والقلم» بكسر النون وقرأ الحسن، وأبو عمران، وأبو نهيك: «ن ~~والقلم» برفع النون.. # وفي معنى (نون) سبعة أقوال «1» : أحدها: أنها الدواة. # (1479) روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أول ما ~~خلق الله القلم، ثم خلق النون، PageV04P318 # وهي الدواة» وهذا قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير، وبه قال الحسن ~~وقتادة. # والثاني: أنه آخر حروف الرحمن، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثالث: أنه ~~الحوت الذي على ظهر الأرض، وهذا المعنى في رواية أبي ظبيان عن ابن عباس، ~~وهو مذهب مجاهد، والسدي، وابن السائب «1» . والرابع: أنه لوح من نور، قاله ~~معاوية بن قرة. والخامس: أنه افتتاح اسمين «نصير» ، و «ناصر» قاله عطاء. ~~والسادس: أنه قسم بنصرة الله للمؤمنين، قاله القرظي. والسابع: أنه نهر في ~~الجنة، قاله جعفر الصادق. # وفي «القلم» قولان «2» : أحدهما: أنه ms2314 الذي كتب به في اللوح المحفوظ. ~~والثاني: أنه الذي يكتب به الناس. وإنما أقسم به، لأن كتبه إنما تكتب ~~ويسطرون بمعنى: يكتبون. # وفي المشار إليهم قولان: أحدهما: أنهم الملائكة. وفيما أرادوا بما ~~يكتبونه قولان: أحدهما: أنه الذكر، قاله مجاهد، والسدي. والثاني: أعمال بني ~~آدم، قاله مقاتل. والقول الثاني: أنهم جميع الكتبة، حكاه الثعلبي، قوله: ما ~~أنت بنعمة ربك بمجنون أي: ما أنت بإنعام ربك عليك بالإيمان والنبوة بمجنون. ~~قال الزجاج: هذا جواب قولهم: إنك لمجنون. وتأويله: فارقك الجنون بنعمة ~~الله. # قوله عز وجل: وإن لك بصبرك على افترائهم عليك. ونسبتهم إياك إلى الجنون ~~لأجرا غير ممنون أي: غير مقطوع ولا منقوص، وإنك لعلى خلق عظيم فيه ثلاثة ~~أقوال «3» : # أحدها: دين الإسلام، قاله ابن عباس. والثاني: أدب القرآن، قاله الحسن. ~~والثالث: الطبع الكريم. وحقيقة «الخلق» : ما يأخذ به الإنسان نفسه من ~~الآداب، فسمي خلقا، لأنه يصير كالخلقة في صاحبه. فأما ما طبع عليه فيسمى: ~~«الخيم» فيكون الخيم: الطبع الغريزي. والخلق: الطبع المتكلف. # هذا قول الماوردي. # (1480) وقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالت: كان خلقه القرآن. # تعني: كان على ما أمره الله به في القرآن. PageV04P319 # قوله عز وجل: فستبصر ويبصرون يعني: أهل مكة. وهذا وعيد لهم بالعذاب. ~~والمعنى: # سترى ويرون إذا نزل بهم العذاب ببدر. بأيكم المفتون وفيه أربعة أقوال: ~~أحدها: الضال، قاله الحسن. والثاني: الشيطان، قاله مجاهد. والثالث: ~~المجنون، قاله الضحاك. والمعنى: الذي قد فتن بالجنون. والرابع: المعذب، ~~حكاه الماوردي. # وفي الباء قولان: أحدهما: أنها زائدة، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة. ~~وأنشدوا: # نحن بنو جعدة أصحاب الفلج ... نضرب بالسيف ونرجو بالفرج «1» # والثاني: أنها أصلية، وهذا قول الفراء، والزجاج. قال الزجاج: ليس كونها ~~لغوا بجائز في العربية في قول أحد من أهلها. # وفي الكلام قولان للنحويين: أحدهما: أن «المفتون» هاهنا: الفتون. ~~والمصادر تجيء على المفعول. تقول العرب: ليس هذا معقود رأي، أي: عقد رأي، ~~تقول: دعه إلى ميسوره، أي: يسره. # والمعنى: بأيكم الجنون. والثاني: ms2315 بأيكم المفتون بالفرقة التي أنت فيها، ~~أم بفرقة الكفار؟ فيكون المعنى: في أي الفرقتين المجنون. وقد ذكر الفراء ~~نحو ما شرحه الزجاج. وقد قرأ أبي بن كعب، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: «في ~~أي المفتون» . ثم أخبر أنه عالم بالفرقتين بما بعد هذا. ### | ### | [سورة القلم (68) : الآيات 8 الى # 16] # فلا تطع المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9) ولا تطع كل حلاف مهين ~~(10) هماز مشاء بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) # عتل بعد ذلك زنيم (13) أن كان ذا مال وبنين (14) إذا تتلى عليه آياتنا ~~قال أساطير الأولين (15) سنسمه على الخرطوم (16) # قوله عز وجل: فلا تطع المكذبين وذلك أن رؤساء أهل مكة دعوه إلى دين ~~آبائه، فنهاه الله أن يطيعهم ودوا لو تدهن فيدهنون فيه سبعة أقوال «2» : ~~أحدها: لو ترخص فيرخصون، قاله ابن عباس. PageV04P320 # والثاني: لو تصانعهم في دينك فيصانعون في دينهم، قاله الحسن. والثالث: لو ~~تكفر فيكفرون، قاله عطية، والضحاك، ومقاتل. والرابع: لو تلين لهم فيلينون ~~لك، قاله ابن السائب. والخامس: لو تنافق وترائي فينافقون ويراءون، قاله زيد ~~بن أسلم. والسادس: ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم. وكانوا ~~أرادوه على أن يعبد آلهتهم مدة، ويعبدوا الله مدة، قاله ابن قتيبة. وقال ~~أبو عبيدة: هو من المداهنة. والسابع: لو تقاربهم فيقاربوك، قاله ابن كيسان. # قوله تعالى: ولا تطع كل حلاف وهو كثير الحلف بالباطل مهين وهو الحقير ~~الدنيء. وروى العوفي عن ابن عباس قال: المهين: الكذاب. واختلفوا فيمن نزل ~~هذا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الوليد بن المغيرة، قاله ابن عباس، ~~ومقاتل. والثاني: الأخنس بن شريق، قاله عطاء، والسدي. # والثالث: الأسود بن عبد يغوث، قاله مجاهد. # قوله عز وجل: هماز قال ابن عباس: هو المغتاب. وقال ابن قتيبة: هو العياب. # قوله عز وجل: مشاء بنميم أي: يمشي بين الناس بالنميمة، وهو نقل الكلام ~~السيء من بعضهم إلى بعض ليفسد بينهم «1» ، قوله: مناع للخير فيه قولان: ~~أحدهما: أنه منع ولده وعشيرته الإسلام، قاله ابن عباس. والثاني: مناع ~~للحقوق في ماله، ذكره الماوردي. # قوله ms2316 عز وجل: معتد أي ظلوم أثيم فاجر عتل بعد ذلك أي مع ما وصفناه به. # وفي «العتل» سبعة أقوال: أحدها: أنه العاتي الشديد المنافق، قاله ابن ~~عباس. والثاني: أنه الموفر الجسم، قاله الحسن. والثالث: الشديد الأشر، قاله ~~مجاهد. والرابع: القوي في كفره، قاله عكرمة. # والخامس: الأكول الشروب القوي الشديد، قاله عبيد بن عمير. والسادس: ~~الشديد الخصومة بالباطل، قاله الفراء. والسابع: أنه الغليظ الجافي، قاله ~~ابن قتيبة. # وفي «الزنيم» أربعة أقوال «2» : أحدها: أنه الدعي في قريش وليس منهم، ~~رواه عطاء عن ابن عباس، وهذا معروف في اللغة أن الزنيم: هو الملصق في القوم ~~وليس منهم، وبه قال الفراء، وأبو عبيدة وابن قتيبة. قال حسان: # وأنت زنيم نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد ~~PageV04P321 # والثاني: أنه الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها، رواه سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس. # والثالث: أنه الذي له زنمة مثل زنمة الشاة. وقال ابن عباس: نعت فلم يعرف ~~حتى قيل: زنيم، فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها. ولا يعلم أن الله ~~تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغه من ذكر عيوب الوليد، لأنه وصف بالحلف، ~~والمهانة، والعيب للناس، والمشي بالنميمة، والبخل، والظلم، والإثم، ~~والجفاء، والدعوة، فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة، قال الزجاج: ~~والزنمتان: # المعلقتان عند حلوق المعزى. وقال ابن فارس: هي التي تتعلق من أذنها. ~~والرابع: أنه الظلوم، رواه الوالبي عن ابن عباس. # قوله عز وجل: أن كان ذا مال وبنين قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~والكسائي، وحفص عن عاصم: «أن كان» على الخبر، أي: لأن كان. والمعنى لا تطعه ~~لماله وبنيه. وقرأ ابن عباس بهمزتين، الأولى: مخففة. والثانية: ملينة، وفصل ~~بينهما بألف أبو جعفر. وقرأ حمزة: «أأن كان» بهمزتين مخففتين على ~~الاستفهام، وله وجهان: أحدهما: ألأن كان ذا مال تطيعه؟ -! والثاني: ألأن ~~كان ذا مال وبنين؟! إذا تتلى عليه آياتنا يكفر بها؟ فيقول: أساطير الأولين ~~ذكر القولين الفراء. وقرأ ابن مسعود: «أن كان» بهمزة واحدة ms2317 مقصورة. ثم ~~أوعده فقال عز وجل: سنسمه على الخرطوم الخرطوم: # الأنف. وفي هذه السمة ثلاثة أقوال: أحدها: سنسمه بالسيف، فنجعل ذلك علامة ~~باقية على أنفه ما عاش، فقاتل يوم بدر فخطم بالسيف، قاله ابن عباس. ~~والثاني: سنلحق به شيئا لا يفارقه، قاله قتادة، واختاره ابن قتيبة. ~~والثالث: أن المعنى: سنسود وجهه. قال الفراء: و «الخرطوم» وإن كان قد خص ~~بالسمة، فإنه في مذهب الوجه، لأن بعض الوجه يؤدي عن البعض. وقال الزجاج: ~~سنجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوههم. وجائز- ~~والله أعلم- أن يفرد بسمة لمبالغته في عداوته لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتبين بها عن غيره. ### | [سورة القلم (68) : الآيات 17 الى 41] # إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين (17) ولا ~~يستثنون (18) فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (19) فأصبحت كالصريم (20) ~~فتنادوا مصبحين (21) # أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين (22) فانطلقوا وهم يتخافتون (23) أن ~~لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (24) وغدوا على حرد قادرين (25) فلما رأوها ~~قالوا إنا لضالون (26) # بل نحن محرومون (27) قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون (28) قالوا ~~سبحان ربنا إنا كنا ظالمين (29) فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون (30) قالوا ~~يا ويلنا إنا كنا طاغين (31) # عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون (32) كذلك العذاب ~~ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (33) إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم ~~(34) أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) ما لكم كيف تحكمون (36) # أم لكم كتاب فيه تدرسون (37) إن لكم فيه لما تخيرون (38) أم لكم أيمان ~~علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون (39) سلهم أيهم بذلك زعيم ~~(40) أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين (41) # قوله عز وجل: إنا بلوناهم يعني: أهل مكة، أي: ابتليناهم بالجوع، والقحط ~~كما بلونا أصحاب الجنة حين هلكت جنتهم. # PageV04P322 ### | وهذه الإشارة إلى قصتهم # «1» # ذكر أهل التفسير أن رجلا كان بناحية اليمن له بستان، وكان مؤمنا. وذلك ~~بعد عيسى ابن مريم عليه السلام، وكان يأخذ منه قدر قوته، وكان يتصدق ~~بالباقي. وقيل: كان يترك ms2318 للمساكين ما تعداه المنجل، وما يسقط من رؤوس ~~النخل، وما ينتثر عند الدباس، فكان يجتمع من هذا شيء كثير، فمات الرجل عن ~~ثلاثة بنين، فقالوا: والله إن المال لقليل، وإن العيال لكثير، وإنما كان ~~أبونا يفعل هذا إذ كان المال كثيرا، والعيال قليلا، وأما الآن فلا نستطيع ~~أن نفعل هذا. فعزموا على حرمان المساكين، وتحالفوا بينهم ليغدون قبل خروج ~~الناس، فليصرمن نخلهم، فذلك قوله عز وجل: إذ أقسموا أي: # حلفوا ليصرمنها أي: ليقطعن نخلهم مصبحين أي: في أول الصباح. وقد بقيت من ~~الليل ظلمة لئلا يبقى للمساكين شيء. # وفي قوله عز وجل: ولا يستثنون قولان: أحدهما: لا يقولون: إن شاء الله، ~~قاله الأكثرون. # والثاني: لا يستثنون حق المساكين، قاله عكرمة، فطاف عليها طائف من ربك ~~أي: من أمر ربك. قال الفراء: الطائف لا يكون إلا بالليل. قال المفسرون: بعث ~~الله عليها نارا بالليل، فاحترقت، فصارت سوداء، فذلك قوله عز وجل: فأصبحت ~~كالصريم وفيه ثلاثة أقوال: # أحدها: كالرماد الأسود، قاله ابن عباس. والثاني: كالليل المسود، قاله ~~الفراء. وكذلك قال ابن قتيبة: أصبحت سوداء كالليل محترقة. والليل: هو ~~الصريم، والصبح أيضا: صريم، لأن كل واحد منهما ينصرم عن صاحبه. والثالث: ~~أصبحت قد ذهب ما فيها من الثمر، فكأنه قد صرم، أي: قطع، وجذ حكاه ابن قتيبة ~~أيضا. # قوله عز وجل: فتنادوا مصبحين أي: نادى بعضهم بعضا لما أصبحوا أن اغدوا ~~على حرثكم يعني: # الثمار والزروع والأعناب إن كنتم صارمين أي: قاطعين للنخل، فانطلقوا أي: ~~ذهبوا إلى جنتهم وهم يتخافتون قال ابن قتيبة: يتشاورون ب أن لا يدخلنها ~~اليوم عليكم مسكين. # قوله: وغدوا على حرد فيه ثمانية أقوال: أحدها: على قدرة، قاله ابن عباس. ~~والثاني: على فاقة، قاله الحسن في رواية. والثالث: على جد، قاله الحسن في ~~رواية، وقتادة، وأبو العالية، والفراء! ومقاتل. # والرابع: على أمر مجمع قد أسسوه بينهم، قاله مجاهد، وعكرمة. والخامس: أن ~~الحرد، اسم الجنة، PageV04P323 # قاله السدي. والسادس: أنه الحنق والغضب على المساكين، قاله الشعبي، ~~وسفيان، وأنشد أبو عبيدة: # أسود ms2319 شرى لاقت أسود خفية ... تساقوا على حرد دماء الأساود «1» # والسابع: أنه المنع، مأخوذ من حاردت السنة فليس فيها مطر، وحاردت الناقة ~~فليس لها لبن، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة. والثامن: أنه القصد. يقال: حردت ~~حردك، أي: قصدت قصدك، حكاه الفراء، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. وأنشدوا: # قد جاء سيل كان من أمر الله ... يحرد حرد الجنة المغلة # أي: يقصد قصدها. قال ابن قتيبة: وفيها لغتان: حرد، وحرد، كما يقال: ~~الدرك، والدرك. # وقوله: قادرين فيه ثلاثة أقوال: أحدها: قادرين على جنتهم عند أنفسهم، ~~قاله قتادة. والثاني: # قادرين على المساكين، قاله الشعبي. والثالث: أن المعنى: منعوا وهم ~~قادرون، أي: واجدون، قاله ابن قتيبة، قوله: فلما رأوها محترقة قالوا إنا ~~لضالون أي: قد ضللنا طريق جنتنا، فليست هذه. ثم علموا أنها عقوبة، فقالوا: ~~بل نحن محرومون أي: حرمنا ثمر جنتنا بمنعنا المساكين قال أوسطهم أي أعدلهم، ~~وأفضلهم لولا أي: هلا تسبحون وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: هلا تستثنون عند ~~قولكم: # ليصرمنها مصبحين قاله ابن جريج والجمهور. والمعنى: هلا قلتم: إن شاء ~~الله. قال الزجاج: وإنما قيل للاستثناء: تسبيح، لأن التسبيح في اللغة: ~~تنزيه الله عز وجل عن السوء. والاستثناء تعظيم لله، وإقرار بأنه لا يقدر ~~أحد أن يفعل فعلا إلا بمشيئة الله. والثاني: أنه كان استثناؤهم قول: «سبحان ~~الله» قاله أبو صالح. والثالث: هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم، ~~حكاه الثعلبي. وقوله تعالى: قالوا سبحان ربنا فنزهوه أن يكون ظالما فيما ~~صنع، وأقروا على أنفسهم بالظلم فقالوا: إنا كنا ظالمين بمنعنا المساكين ~~فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون أي: يلوم بعضهم بعضا في منع المساكين حقوقهم. ~~يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا. ويقول الآخر: أنت فعلت، ثم نادوا على ~~أنفسهم بالويل، فقالوا: يا ويلنا إنا كنا طاغين حين لم نصنع ما صنع آباؤنا، ~~ثم رجعوا إلى الله تعالى فسألوه أن يبدلهم خيرا منها، فذلك قوله: عسى ربنا ~~أن يبدلنا خيرا منها. وقرأ قوم: «يبدلنا» بالتخفيف، وهما لغتان. وفرق قوم ~~بينهما، فقالوا: التبديل: تغيير حال الشيء ms2320 وصفته والعين باقية. والإبدال: ~~إزالة الشيء ووضع غيره مكانه. # ونقل أن القوم أخلصوا، فبدلهم الله جنة العنقود منها وقر بغل «2» . # قوله عز وجل: كذلك العذاب ما فعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا. وهاهنا قصة ~~أهل الجنة. ثم قال عز وجل: ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون يعني: ~~المشركين. ثم ذكر ما للمتقين عنده بما بعد هذا، فقال المشركون: إنا لنعطى ~~في الآخرة أفضل مما يعطون، فقال تعالى مكذبا لهم: أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين قال الزجاج: هذه ألف الاستفهام مجازها هاهنا مجاز التوبيخ ~~والتقرير. # قوله عز وجل: كيف تحكمون أي: كيف تقضون بالجور، أم لكم كتاب أنزل من عند ~~الله فيه هذا تدرسون أي: تقرؤون ما فيه إن لكم في ذلك الكتاب لما تخيرون ~~أي: ما تختارون وتشتهون. وقرأ أبو الجوزاء، وعاصم الجحدري، وأبو عمران: «أن ~~لكم» بفتح الهمزة. وهذا تقريع PageV04P324 # لهم، وتوبيخ على ما يتمنون من الباطل، سلهم أيهم بذلك زعيم أم لكم أيمان ~~علينا بالغة أي: ألكم عهود على الله تعالى حلف لكم على ما تدعون بأيمان ~~بالغة، أي: مؤكدة. وكل شيء متناه في الجودة والصحة فهو بالغ. ويجوز أن يكون ~~المعنى: بالغة إلى يوم القيامة، أي: تبلغ تلك الأيمان إلى يوم القيامة في ~~لزومها وتوكيدها إن لكم لما تحكمون لأنفسكم به من الخير والكرامة عند الله ~~تعالى. قال الفراء: والقراء على رفع «بالغة» إلا الحسن فإنه ينصبها على ~~مذهب المصدر، كقوله عز وجل: # حقا. ومعنى الآية: هل لكم أيمان علينا بالغة بأن لكم ما تحكمون؟! لما ~~كانت اللام في جواب «إن» كسرتها. # قوله عز وجل: سلهم أيهم بذلك زعيم فيه قولان: أحدهما: أنه الكفيل، قاله ~~ابن عباس، وقتادة. والمعنى: أيهم كفل بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين من ~~الخير. والثاني: أنه الرسول، قاله الحسن. # قوله عز وجل: أم لهم شركاء يعني: الأصنام التي جعلوها شركاء لله تعالى، ~~والمعنى: ألهم أرباب يفعلون بهم هذا الذي زعموا. وقيل: يشهدون لهم بصدق ما ~~ادعوا فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين في أنها شركاء ms2321 لله. وإنما أضيف ~~الشرك إليهم لادعائهم أنهم شركاء لله. ### | ### | [سورة القلم (68) : الآيات 42 الى # 47] # يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) خاشعة أبصارهم ~~ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (43) فذرني ومن يكذب ~~بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) وأملي لهم إن كيدي متين (45) ~~أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) # أم عندهم الغيب فهم يكتبون (47) # يوم يكشف المعنى: فليأتوا بها يوم يكشف عن ساق. قرأ الجمهور: «يكشف» بضم ~~الياء، وفتح الشين. وقرأ ابن أبي عبلة، وعاصم الجحدري، وأبو الجوزاء، بفتح ~~الياء، وكسر الشين. وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس: «تكشف» بتاء مفتوحة، وبكسر ~~الشين. وقرأ ابن مسعود، وأبو مجلز، وابن يعمر، والضحاك: «نكشف» بنون مفتوحة ~~مع كسر الشين. وهذا اليوم هو يوم القيامة. وقد روى عكرمة عن ابن عباس: يوم ~~يكشف عن ساق قال: يكشف عن شدة، وأنشدوا: # وقامت الحرب بنا على ساق # وهذا قول مجاهد، وقتادة. # قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناته ~~والجد فيه، شمر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة، هذا قول الفراء ~~وأبي عبيدة، واللغويين. وقد أضيف هذا الأمر إلى الله تعالى. # (1481) فروي في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه «يكشف عن PageV04P325 # ساقه» ، وهذا إضافة إليه، لأن الكل له وفعله. وقال أبو عمر الزاهد: ~~الساق: يراد بها النفس «1» ، ومنه قول علي رضي الله عنه: أقاتلهم ولو تلفت ~~ساقي، أي: نفسي. فعلى هذا يكون المعنى: يتجلى لهم. # قوله تعالى: ويدعون إلى السجود يعني: المنافقين فلا يستطيعون كأن في ~~ظهورهم سفافيد الحديد. قال النقاش: وليس ذلك بتكليف لهم أن يسجدوا، وهم ~~عجزة، ولكنه توبيخ لهم بتركهم السجود خاشعة أبصارهم أي: خاضعة ترهقهم ذلة ~~أي: تغشاهم وقد كانوا يدعون إلى السجود يعني: # بالأذان في دار الدنيا، ويؤمرون بالصلاة المكتوبة وهم سالمون أي: معافون ~~ليس في أصلابهم مثل سفافيد الحديد. وفي هذا وعيد لمن ترك صلاة الجماعة. ms2322 ~~وكان كعب يقول: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات ~~فذرني ومن يكذب بهذا الحديث يعني: القرآن. والمعنى: خل بيني وبينه. قال ~~الزجاج: أي: لا تشغل قلبك به، كله إلي فأنا أكفيك أمره. وذكر بعض المفسرين ~~أن هذا القدر من الآية إلى قوله: «الحديث» منسوخ بآية السيف. وما بعد هذا ~~مفسر في الأعراف «2» إلى قوله عز وجل: أم تسئلهم أجرا فإنها مفسرة والتي ~~تليها في الطور «3» . ### | [سورة القلم (68) : الآيات 48 الى 52] # فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) لولا أن ~~تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) فاجتباه ربه فجعله من ~~الصالحين (50) وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ~~ويقولون إنه لمجنون (51) وما هو إلا ذكر للعالمين (52) # قوله عز وجل: فاصبر لحكم ربك أي: اصبر على أذاهم لقضاء ربك الذي هو آت. ~~وقيل: معنى الأمر بالصبر منسوخ بآية السيف. # قوله عز وجل: ولا تكن كصاحب الحوت وهو يونس. وفي ماذا نهي أن يكون مثله ~~قولان: # أحدهما: أنه العجلة، والغضب، قاله قتادة. والثاني: الضعف عن تبليغ ~~الرسالة، قاله ابن جرير. قال ابن الأنباري: وهذا لا يخرج يونس من أولي ~~العزم، لأنها خطيئة. ولو قلنا: إن كل مخطئ من الأنبياء ليس من أولي العزم، ~~خرجوا كلهم إلا يحيى. ثم أخبر عن عقوبته إذ لم يصبر، فقال عز وجل: إذ نادى ~~وهو مكظوم قال الزجاج: مملوء غما وكربا. # قوله عز وجل: لولا أن تداركه وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وابن أبي عبلة: ~~«لولا أن تداركته» بتاء خفيفة، وبتاء ساكنة بعد الكاف مع تخفيف الدال. وقرأ ~~أبو هريرة، وأبو المتوكل: «تداركه» بتاء واحدة خفيفة مع تشديد الدال. وقرأ ~~أبي بن كعب: «تتداركه» بتاءين خفيفتين نعمة من ربه فرحمه بها، وتاب عليه من ~~معاصيه لنبذ بالعراء وهو مذموم وقد بينا معنى «العراء» في الصافات «4» . ~~ومعنى الآية: أنه نبذ غير مذموم لنعمة الله عليه بالتوبة والرحمة. وقال ابن ~~جريج: نبذ بالعراء، وهي أرض المحشر، فالمعنى: ms2323 أنه كان يبقى مكانه إلى يوم ~~القيامة فاجتباه ربه أي: استخلصه واصطفاه، وخلصه PageV04P326 # من الذم فجعله من الصالحين فرد عليه الوحي، وشفعه في قومه ونفسه، قوله: ~~وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم قرأ الأكثرون بضم الياء، من ~~أزلقته، وقرأ أهل المدينة، وأبان بفتحها من زلقته أزلقه، وهما لغتان ~~مشهورتان في العرب. قال الزجاج: يقال: زلق الرجل رأسه أزلقه: إذا حلقه. وفي ~~معنى الآية للمفسرين قولان «1» : # (1482) أحدهما: أن الكفار قصدوا أن يصيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالعين، وكان فيهم رجل يمكث اليومين والثلاثة لا يأكل شيئا، ثم يرفع جانب ~~خبائه، فتمر به النعم، فيقول: لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه، فما ~~تذهب إلا قليلا حتى يسقط منها عدة، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالعين، فعصم الله نبيه، وأنزل هذه الآية، وهذا ~~قول الكلبي، وتابعه قوم من المفسرين تلقفوا ذلك من تفسيره، منهم الفراء. # والثاني: أنهم كانوا ينظرون إليه بالعداوة نظرا سديدا يكاد يزلقه من ~~شدته، أي: يلقيه إلى الأرض. وهذا مستعمل في كلام العرب. يقول القائل: نظر ~~إلي فلان نظرا كاد يصرعني. وأنشدوا: # يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرا يزيل مواطئ الأقدام # أي: ينظر بعضهم إلى بعض نظرا شديدا بالعداوة يكاد يزيل الأقدام، وإلى هذا ~~ذهب المحققون، منهم ابن قتيبة، والزجاج. ويدل على صحته أن الله تعالى قرن ~~هذا النظر بسماع القرآن، وهو قوله تعالى: لما سمعوا الذكر والقوم كانوا ~~يكرهون ذلك أشد الكراهة، فيحدون النظر إليه بالبغضاء. وإصابة العين، إنما ~~تكون مع الإعجاب والاستحسان، لا مع البغض فلا يظن بالكلبي أنه فهم معنى ~~الآية. قوله: # وما هو يعني: القرآن إلا ذكر أي: موعظة. PageV04P327 # سورة الحاقة # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الحاقة # (69) : الآيات 1 الى 12] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدراك ما الحاقة (3) كذبت ثمود وعاد ~~بالقارعة (4) # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (5) وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية (6) ~~سخرها عليهم سبع ليال وثمانية ms2324 أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز ~~نخل خاوية (7) فهل ترى لهم من باقية (8) وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات ~~بالخاطئة (9) # فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية (10) إنا لما طغى الماء حملناكم في ~~الجارية (11) لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية (12) # الحاقة: القيامة. قال الفراء: إنما قيل لها: حاقة، لأن فيها حواق الأمور. ~~وقال الزجاج: إنما سميت الحاقة، لأنها تحق كل إنسان بعمله من خير وشر. # قوله عز وجل: ما الحاقة هذا استفهام، معناه التفخيم لشأنها، كما تقول: ~~زيد، ما زيد؟ على التعظيم لشأنه. ثم زاد في التهويل بأمرها، فقال عز وجل: ~~وما أدراك ما الحاقة أي: لأنك لم تعاينها، ولم تدر ما فيها من الأهوال. ثم ~~أخبر عن المكذبين بها، فقال عز وجل: كذبت ثمود وعاد بالقارعة قال ابن عباس: ~~القارعة: اسم من أسماء يوم القيامة. قال مقاتل: وإنما سميت بالقارعة، لأن ~~الله تعالى يقرع أعداءه بالعذاب. وقال ابن قتيبة: القارعة: القيامة لأنها ~~تقرع، يقال: أصابتهم قوارع الدهر. وقال الزجاج: لأنها تقرع بالأهوال. وقال ~~غيرهم: لأنها تقرع القلوب بالفزع. # فأما بالطاغية ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها طغيانهم وكفرهم، قاله ابن ~~عباس، ومجاهد، ومقاتل، وأبو عبيدة وابن قتيبة. قال الزجاج: ومعنى الطاغية ~~عند أهل اللغة: طغيانهم. و «فاعلة» قد يأتي بمعنى المصادر، نحو عاقبة، ~~وعافية. والثاني: بالصيحة الطاغية، قاله قتادة. وذلك أنها جاوزت مقدار ~~الصياح، فأهلكتهم. والثالث: أن الطاغية: عاقر الناقة، قاله ابن زيد. والريح ~~الصرصر قد فسرناها في حم السجدة «1» . والعاتية: التي جاوزت المقدار. وجاء ~~في التفسير أنها عتت على خزانها يومئذ، فلم يكن لهم عليها سبيل. ~~PageV04P328 # قوله عز وجل: سخرها عليهم أي أرسلها وسلطها. والتسخير: استعمال الشيء ~~بالاقتدار. # وفي قوله عز وجل: حسوما ثلاثة أقوال «1» : أحدها: تباعا، قاله ابن عباس. ~~قال الفراء: # الحسوم: التباع، يقال في الشيء إذا تتابع فلم ينقطع أوله عن آخره: حسوم. ~~وإنما أخذ- والله أعلم- من حسم الداء: إذا كوي صاحبه، لأنه يحمى ثم يكوى، ~~ثم يتابع الكي عليه. والثاني: كاملة، قاله الضحاك. فيكون المعنى: أنها حسمت ms2325 ~~الليالي والأيام فاستوفتها على الكمال، لأنها ظهرت مع طلوع الشمس، وذهبت مع ~~غروبها. قال مقاتل: هاجت الريح غدوة، وسكنت بالعشي في اليوم الثامن، وقبضت ~~أرواحهم في ذلك اليوم، ثم بعث الله طيرا أسود فالتقطهم حتى ألقاهم في ~~البحر. والثالث: أنها حسمتهم، فلم تبق منهم أحدا، أي: أذهبتهم وأفنتهم، هذا ~~قول ابن زيد، قال الزجاج: وهذا هو الذي توجبه اللغة. # قوله عز وجل: فترى القوم فيها أي: في تلك الليالي والأيام صرعى وهو جمع ~~صريع، لأنهم صرعوا بموتهم كأنهم أعجاز نخل أي: أصول نخل خاوية أي: بالية. ~~وقد بينا هذا في سورة القمر «2» . # قوله عز وجل: فهل ترى لهم من باقية فيه ثلاثة أقوال: أحدها: من بقاء، ~~قاله الفراء. والثاني: # من بقية، قاله أبو عبيدة. قال: وهو مصدر كالطاغية. والثالث: هل ترى لهم ~~من أثر؟ قاله ابن قتيبة، قوله: وجاء فرعون ومن قبله قرأ أبو عمرو، ويعقوب، ~~والكسائي، وأبان: بكسر القاف، وفتح الباء. # والباقون: بفتح القاف، وإسكان الباء. فمن كسر القاف أراد به: من يليه ~~ويحف به من جنوده وأتباعه. # ومن فتحها أراد من كان قبله من الأمم الكافرة. وفي «المؤتفكات» ثلاثة ~~أقوال: أحدها: قرى قوم لوط. # والمعنى: وأهل المؤتفكات، قاله الأكثرون. والثاني: أنهم الذين ائتفكوا ~~بذنوبهم، أي: هلكوا بالذنوب التي أعظمها الإفك، وهو الكذب، قاله الزجاج. ~~والثالث: أنه قارون وقومه، حكاه الماوردي. # قوله عز وجل: بالخاطئة قال ابن قتيبة: أي: بالذنوب، وقال الزجاج: ~~الخاطئة: الخطأ العظيم فعصوا رسول ربهم أي: كذبوا رسلهم فأخذهم أخذة رابية ~~أي: زائدة على الأخذات، قوله: إنا لما طغى الماء أي: تجاوز حده حتى علا على ~~كل شيء في زمن نوح حملناكم يعني: حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم في الجارية ~~وهي: السفينة التي تجري في الماء لنجعلها # أي: لنجعل تلك الفعلة التي فعلنا من إغراق قوم نوح، ونجاة من حملنا معه ~~تذكرة # أي: عبرة، وموعظة وتعيها أذن واعية # أي PageV04P329 # أذن واعية أي أذن تحفظ ما سمعت، وتعمل به. وقال الفراء: لتحفظها كل أذن، ~~فتكون عظة لمن ms2326 يأتي بعده. ### | ### | [سورة الحاقة (69) : الآيات 13 الى # 37] # فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ~~(14) فيومئذ وقعت الواقعة (15) وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16) والملك ~~على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (17) # يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (18) فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول ~~هاؤم اقرؤا كتابيه (19) إني ظننت أني ملاق حسابيه (20) فهو في عيشة راضية ~~(21) في جنة عالية (22) # قطوفها دانية (23) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24) ~~وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه (25) ولم أدر ما ~~حسابيه (26) يا ليتها كانت القاضية (27) # ما أغنى عني ماليه (28) هلك عني سلطانيه (29) خذوه فغلوه (30) ثم الجحيم ~~صلوه (31) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه (32) # إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) ولا يحض على طعام المسكين (34) فليس ~~له اليوم هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) لا يأكله إلا الخاطؤن ~~(37) # قوله عز وجل: فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وفيها قولان: أحدهما: أنها ~~النفخة الأولى، قاله عطاء. والثاني: الأخيرة، قاله ابن السائب، ومقاتل. ~~قوله: وحملت الأرض والجبال أي: حملت الأرض والجبال وما فيها فدكتا دكة ~~واحدة أي: كسرتا، ودقتا دقة واحدة، لا يثنى عليها حتى تستوي بما عليها من ~~شيء، فتصير كالأديم الممدود. وقد أشرنا إلى هذا المعنى في الأعراف عند قوله ~~عز وجل: # جعله دكا «1» . قال الفراء: وإنما قال: فدكتا، ولم يقل: فدككن، لأنه جعل ~~الجبال كالشيء الواحد، كقوله عز وجل: أن السماوات والأرض كانتا رتقا «2» ~~وانشدوا: # هما سيدانا يزعمان وإنما ... يسوداننا أن يسرت غنماهما «3» # والعرب تقول: قد يسرت الغنم: إذا ولدت، أو تهيأت للولادة. # قوله عز وجل: فيومئذ وقعت الواقعة أي: قامت القيامة وانشقت السماء لنزول ~~من فيها من الملائكة فهي يومئذ واهية فيه قولان: أحدهما: أن وهيها: ضعفها ~~وتمزقها من الخوف، قاله مقاتل. # والثاني: أنه تشققها، قاله الفراء: والملك يعني: الملائكة، فهو اسم جنس ~~على أرجائها أي: على جوانبها. قال الزجاج: ورجاء كل شيء: ناحيته، مقصور. ~~والتثنية: رجوان، والجمع: أرجاء. ms2327 وأكثر المفسرين على أن المشار إليها ~~السماء. قال الضحاك: إذا انشقت السماء كانت الملائكة على حافتها حتى يأمرهم ~~الله تعالى، فينزلون إلى الأرض، فيحيطون بها، ومن عليها. وروي عن سعيد بن ~~جبير أنه قال: على أرجاء الدنيا. # قوله عز وجل: ويحمل عرش ربك فوقهم فيه ثلاثة أقوال «4» : أحدها: فوق ~~رؤوسهم، أي: العرش PageV04P330 # على رؤوس الحملة، قاله مقاتل. والثاني: فوق الذين على أرجائها، أي: أن ~~حملة العرش فوق الملائكة الذين هم على أرجائها. والثالث: أنهم فوق أهل ~~القيامة، حكاهما الماوردي، يومئذ أي: # يوم القيامة ثمانية فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ثمانية أملاك. # (1483) وجاء في الحديث أنهم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أمدهم ~~الله بأربعة أملاك آخرين، وهذا قول الجمهور. # والثاني: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله عز وجل، قاله ~~ابن عباس، وابن جبير، وعكرمة. والثالث: ثمانية أجزاء من الكروبيين لا يعلم ~~عددهم إلا الله عز وجل، قاله مقاتل. # (1484) وقد روى أبو داود في «سننه» من حديث جابر بن عبد الله عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من ~~حملة العرش، أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» . # قوله عز وجل: يومئذ تعرضون على الله لحسابكم لا تخفى عليه. قرأ حمزة، ~~والكسائي: «لا يخفى» بالياء. وقرأ الباقون بالتاء. والمعنى: لا يخفى عليه ~~منكم خافية أي: نفس خافية، أو فعلة خافية. # (1485) وفي حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يعرض ~~الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال، ومعاذير، وأما الثالثة، ~~فعندها تتطاير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله، وكان عمر بن ~~الخطاب يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزينوا ~~للعرض الأكبر، يومئذ لا تخفى منكم خافية. قوله: فيقول هاؤم قال الزجاج: ~~«هاؤم» أمر للجماعة بمنزلة هاكم. تقول للواحد: ها يا رجل، وللاثنين: هاؤما ~~يا رجلان. وللثلاثة: هاؤم يا رجال. قال المفسرون: إنما يقول هذا ثقة ~~بسلامته وسرورا ms2328 بنجاته. وذكر مقاتل أنها نزلت في أبي PageV04P331 # سلمة بن عبد الأسد «1» . # قوله عز وجل: إني ظننت أي: علمت وأيقنت في الدنيا أني ملاق حسابيه أي: ~~أبعث، وأحاسب في الآخرة فهو في عيشة أي: في حالة من العيش راضية قال ~~الفراء: أي: فيها الرضى. # وقال الزجاج: أي: ذات رضى يرضاها من يعيش فيها. وقال أبو عبيدة: مجازها ~~مجاز مرضية، قوله: # في جنة عالية أي: عالية المنازل قطوفها أي: ثمارها دانية أي: قريبة ممن ~~يتناولها، وهي جمع قطف. والقطف: ما يقطف من الثمار. قال البراء بن عازب: ~~يتناول الرجل الثمرة وهو نائم. # قوله عز وجل: كلوا أي: يقال لهم: كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم أي: ~~قدمتم من الأعمال الصالحة في الأيام الخالية الماضية، وهي أيام الدنيا. ~~وأما من أوتي كتابه بشماله قال مقاتل: نزلت في الأسود بن عبد الأسد، قتله ~~حمزة ببدر، وهو أخو أبي سلمة. وقيل: نزلت في أبي جهل «2» . # قوله عز وجل: يا ليتني لم أوت كتابيه وذلك لما يرى فيه من القبائح ولم ~~أدر ما حسابيه لأنه لا حاصل له في ذلك الحساب، إنما كله عليه. وكان ابن ~~مسعود، وقتادة، ويعقوب، يحذفون الهاء من «كتابيه» ، و «حسابيه» في الوصل. ~~قال الزجاج: والوجه أن يوقف على هذه الهاءات، ولا توصل، لأنها أدخلت للوقف. ~~وقد حذفها قوم في الأصل، ولا أحب مخالفة المصحف، وكذلك قوله تعالى: وما ~~أدراك ما هيه «3» . # قوله عز وجل: يا ليتها يعني: الموتة التي ماتها في الدنيا كانت القاضية ~~أي: القاطعة للحياة، فكأنه تمنى دوام الموت، وأنه لم يبعث للحساب. # قوله هلك عني سلطانيه فيه قولان: أحدهما: ضلت عني حجتي، قاله مجاهد، ~~وعكرمة، والضحاك، والسدي. والثاني: زال عني ملكي، قاله ابن زيد. # قوله عز وجل: خذوه أي: يقول الله تعالى: خذوه فغلوه أي: اجمعوا يده إلى ~~عنقه ثم الجحيم صلوه أي: أدخلوه النار. وقال الزجاج: اجعلوه يصلى النار. ~~قوله: ثم في سلسلة وهي: حلق منتظمة ذرعها سبعون ذراعا وقال ابن عباس: بذراع ~~الملك. وقال نوف الشامي: كل ms2329 ذراع سبعون باعا، الباع أبعد مما بينك وبين ~~مكة، وكان في رحبة الكوفة. وقال سفيان: كل ذراع سبعون ذراعا. وقال مقاتل: ~~ذرعها سبعون ذراعا بالذراع الأول. ويقال: إن جميع أهل النار في تلك ~~السلسلة. # قوله عز وجل: فاسلكوه أي: أدخلوه. قال الفراء: وذكر أنها تدخل في دبر ~~الكافر فتخرج من رأسه، فذلك سلكه فيها. والمعنى: ثم اسلكوا فيه السلسلة، ~~ولكن العرب تقول: أدخلت رأسي في القلنسوة، وأدخلتها في رأسي. ويقال: الخاتم ~~لا يدخل في يدي، وإنما اليد تدخل في الخاتم، وإنما استجازوا ذلك، لأن معناه ~~معروف. # قوله عز وجل: إنه كان لا يؤمن بالله العظيم أي: لا يصدق بوحدانيته وعظمته ~~PageV04P332 # ولا يحض على طعام المسكين أي: لا يطعمه، ولا يأمر بإطعامه فليس له اليوم ~~هاهنا حميم أي: قريب ينفعه، أي: يشفع له ولا طعام إلا من غسلين في ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه صديد أهل النار، قاله ابن عباس. قال مقاتل: إذا سال ~~القيح، والدم، بادروا أكله قبل أن تأكله النار. والثاني: شجر يأكله أهل ~~النار، قاله الضحاك، والربيع. والثالث: أنه غسالة أجوافهم، قاله يحيى بن ~~سلام. قال ابن قتيبة: وهو «فعلين» من «غسلت» كأنه غسالة. # قوله عز وجل: إلا الخاطؤن يعني: الكافرين. ### | [سورة الحاقة (69) : الآيات 38 الى 43] # فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39) إنه لقول رسول كريم (40) ~~وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (42) # تنزيل من رب العالمين (43) # قوله عز وجل: فلا أقسم «لا» رد لكلام المشركين، كأنه قيل: ليس الأمر كما ~~يقول المشركون أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون وقال قوم: «لا» زائدة ~~مؤكدة والمعنى: أقسم بما ترون، وما لا ترون، فأراد جميع الموجودات. وقيل: ~~الأجسام والأرواح إنه يعني: القرآن لقول رسول كريم فيه قولان: أحدهما: محمد ~~صلى الله عليه وسلم، قاله الأكثرون. والثاني: جبريل، قاله ابن السائب، ~~ومقاتل. # قال ابن قتيبة: لم يرد أنه قول الرسول، وإنما أراد أنه قول الرسول عن ~~الله تعالى، وفي الرسول ما يدل على ذلك، فاكتفى ms2330 به من أن يقول عن الله، ~~قوله: وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون وقرأ ابن كثير: # «يؤمنون» و «يذكرون» بالياء فيهما. قال الزجاج: «ما» مؤكدة، وهي لغو في ~~باب الإعراب. والمعنى: قليلا تؤمنون. وقال غيره: أراد نفي إيمانهم أصلا. ~~وقد بينا معنى «الكاهن» في الطور «1» قال الزجاج: وقوله عز وجل: «تنزيل» ~~مرفوع ب «هو» مضمرة يدل عليها قوله عز وجل: «وما هو بقول شاعر» هو تنزيل. ### | [سورة الحاقة (69) : الآيات 44 الى 52] # ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) لأخذنا منه باليمين (45) ثم لقطعنا منه ~~الوتين (46) فما منكم من أحد عنه حاجزين (47) وإنه لتذكرة للمتقين (48) # وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) وإنه لحسرة على الكافرين (50) وإنه لحق ~~اليقين (51) فسبح باسم ربك العظيم (52) # قوله عز وجل: ولو تقول علينا أي: لو تكلف محمد أن يقول علينا ما لم نقله ~~لأخذنا منه باليمين أي: لأخذناه بالقوة والقدرة، قاله الفراء، والمبرد، ~~والزجاج. قال ابن قتيبة: إنما أقام اليمين مقام القوة، لأن قوة كل شيء في ~~ميامنه. # قوله عز وجل: ثم لقطعنا منه الوتين وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل ~~بالقلب، فإذا انقطع بطلت القوى، ومات صاحبه. قال أبو عبيدة: الوتين: نياط ~~القلب، وأنشد الشماخ: # إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين # وقال الزجاج: الوتين: عرق أبيض غليظ كأنه قصبة. # قوله عز وجل: فما منكم من أحد عنه حاجزين أي: ليس منكم أحد يحجزنا عنه، ~~وإنما قال تعالى: حاجزين لأن أحدا يقع على الجمع، كقوله عز وجل: لا نفرق ~~بين أحد من رسله «2» ، PageV04P333 # هذا قول الفراء، وأبي عبيدة، والزجاج. ومعنى الكلام: لا يتكلف الكذب ~~لأجلكم مع علمه أنه لو تكلف ذلك لعاقبناه، ثم لم يقدر على دفع عقوبتنا عنه ~~وإنه يعني: القرآن لحسرة على الكافرين في يوم القيامة. يندمون إذا لم ~~يؤمنوا به وإنه لحق اليقين إضافة إلى نفسه لاختلاف اللفظين، كقوله عز وجل: ~~ولدار الآخرة «1» . وقال الزجاج: المعنى: وإنه لليقين حق اليقين، وقد شرحنا ~~هذا المعنى، وما بعدها في الواقعة «2» . PageV04P334 ### | سورة المعارج # ويقال لها: ms2331 سورة سأل سائل، ويقال لها: سورة الواقع. وهي مكية كلها ~~بإجماعهم. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة المعارج (70) : الآيات 1 الى # 18] # بسم الله الرحمن الرحيم # سأل سائل بعذاب واقع (1) للكافرين ليس له دافع (2) من الله ذي المعارج ~~(3) تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (4) # فاصبر صبرا جميلا (5) إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا (7) يوم تكون ~~السماء كالمهل (8) وتكون الجبال كالعهن (9) # ولا يسئل حميم حميما (10) يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ~~ببنيه (11) وصاحبته وأخيه (12) وفصيلته التي تؤويه (13) ومن في الأرض جميعا ~~ثم ينجيه (14) # كلا إنها لظى (15) نزاعة للشوى (16) تدعوا من أدبر وتولى (17) وجمع فأوعى ~~(18) # قوله عز وجل: سأل سائل، قال المفسرون: # (1486) نزلت في النضر بن الحارث حين قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السماء «1» ، وهذا مذهب الجمهور، منهم ابن عباس، ~~ومجاهد. وقال الربيع بن أنس: هو أبو جهل. قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر: ~~«سال» بغير همز. والباقون: بالهمز. فمن قرأ: # «سأل» بالهمز ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: دعا داع على نفسه بعذاب واقع. ~~والثاني: سأل سائل عن عذاب واقع لمن هو؟ وعلى من ينزل؟ ومتى يكون؟ وذلك على ~~سبيل الاستهزاء، فتكون الباء بمعنى «عن» ، وأنشدوا: # فإن تسألوني بالنساء فإنني ... خبير بأدواء النساء طبيب «2» PageV04P335 # والثالث: سأل سائل عذابا واقعا، والباء زائدة. # ومن قرأ بلا همز ففيه قولان: أحدهما: أنه من السؤال أيضا، وإنما لين ~~الهمزة، يقال: سأل، وسال، وأنشد الفراء: # تعالوا فسالوا يعلم الناس أينا ... لصاحبه في أول الدهر نافع # والثاني: المعنى: سال واد في جهنم بالعذاب للكافرين، وهذا قول زيد بن ~~ثابت، وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن. وكان ابن عباس في آخرين يقرءون «سال ~~سيل» بفتح السين، وسكون الياء من غير ألف ولا همز. وإذا قلنا: إنه من ~~السؤال، فقوله عز وجل: «للكافرين» جواب للسؤال، كأنه لما سأل: لمن هذا ~~العذاب؟ قيل: للكافرين. والواقع: الكائن. والمعنى: أن العذاب الذي سأله هذا ~~الكافر كائن لا محالة في الآخرة للكافرين ms2332 ليس له دافع قال الزجاج: المعنى: ~~ذلك العذاب واقع من الله للكافرين. # قوله عز وجل: ذي المعارج فيه قولان: أحدهما: أنها السموات، قاله ابن ~~عباس. وقال مجاهد: هي معارج الملائكة. قال ابن قتيبة: وأصل «المعارج» ~~الدرج، وهي من عرج: إذا صعد. قال الفراء: لما كانت الملائكة تعرج إليه، وصف ~~نفسه بذلك. قال الخطابي: المعارج: الدرج، واحدها: # معرج، وهو المصعد، فهو الذي يصعد إليه بأعمال العباد، وبأرواح المؤمنين. ~~فالمعارج: الطرائق أي يصعد فيها. والثاني: أن المعارج: الفواضل والنعم، ~~قاله قتادة. # قوله عز وجل: تعرج الملائكة قرأ الكسائي: «يعرج» بالياء. والروح وفي ~~«الروح» قولان: # أحدهما: أنه جبريل، قاله الأكثرون. والثاني: أنه روح الميت حين تقبض، ~~قاله قبيصة بن ذؤيب. # قوله عز وجل: إليه أي: إلى الله تعالى في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ~~فيه قولان: # أحدهما: أنه يوم القيامة، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، والقرظي، وهذا ~~هو مقدار يوم القيامة من وقت البعث إلى أن يفصل بين الخلق. # (1487) وفي الحديث: «إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة ~~مكتوبة» . # وقيل: بل لو ولي حساب الخلق سوى الله عز وجل لم يفرغ منه في خمسين ألف ~~سنة، والحق يفرغ منه في ساعة من نهار. وقال عطاء: يفرغ الله من حساب الخلق ~~في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا. فعلى هذا يكون المعنى: ليس له دافع من ~~الله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. وقيل: المعنى: سأل سائل بعذاب واقع ~~في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير. # والثاني: أنه مقدار صعود الملائكة من أسفل الأرض إلى العرش لو صعده غيرهم ~~قطعه في PageV04P336 # خمسين ألف سنة، وهذا معنى قول مجاهد. # قوله عز وجل: فاصبر أي: اصبر على تكذيبهم إياك صبرا جميلا لا جزع فيه، ~~وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم، ثم نسخ بآية السيف، إنهم يرونه يعني: العذاب ~~بعيدا غير كائن ونراه قريبا كائنا، لأن كل ما هو آت قريب. ثم أخبر متى يكون ~~فقال ms2333 عز وجل: يوم تكون السماء كالمهل وقد شرحناه في الكهف «1» وتكون الجبال ~~كالعهن أي: كالصوف، فشبهها في ضعفها ولينها بالصوف. وقيل: شبهها به في ~~خفتها وسيرها، لأنه قد نقل أنها تسير على صورها، وهي كالهباء. قال الزجاج: ~~«العهن» الصوف. # واحدته: عهنة، ويقال: عهنة، وعهن، مثل: صوفة، وصوف. وقال ابن قتيبة: ~~«العهن» الصوف المصبوغ. # قوله عز وجل: ولا يسئل حميم حميما (10) قرأ الأكثرون: «يسأل» بفتح الياء. ~~والمعنى: لا يسأل قريب عن قرابته، لاشتغاله بنفسه. وقال مقاتل: لا يسأل ~~الرجل عن قرابته، ولا يكلمه من شدة الأهوال. وقرأ معاوية، وأبو رزين، ~~والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وابن محيصن، وابن أبي عبلة، وأبو ~~جعفر بضم الياء. والمعنى: لا يقال للحميم: أين حميمك؟ # قوله عز وجل: يبصرونهم أي: يعرف الحميم حميمه حتى يعرفه، وهو مع ذلك لا ~~يسأل عن شأنه، ولا يكلمه اشتغالا بنفسه. يقال: بصرت زيدا كذا: إذا عرفته ~~إياه. قال ابن قتيبة: معنى الآية: لا يسأل ذو قرابة عن قرابته، ولكنهم ~~يبصرونهم، أي: يعرفونهم. وقرأ قتادة، وأبو المتوكل، وأبو عمران «يبصرونهم» ~~بإسكان الباء، وتخفيف الصاد، وكسرها. # قوله عز وجل: يود المجرم يعني: يتمنى المشرك لو قبل منه هذا الفداء يومئذ ~~ببنيه (11) وصاحبته وهي الزوجة وفصيلته قال ابن قتيبة: أي: عشيرته. وقال ~~الزجاج: هي أدنى قبيلته منه. # ومعنى تؤويه تضمه، فيود أن يفتدي بهذه المذكورات ثم ينجيه من ذلك الفداء ~~كلا لا ينجيه ذلك إنها لظى قال الفراء هو اسم من أسماء جهنم فلذلك لم يجر ~~لها ذكر «2» ، وقال غيره: معناها في اللغة: اللهب الخالص، وقال ابن ~~الأنباري: سميت لظى لشدة توقدها وتلهبها، يقال: هو يتلظى، أي: # يتلهب ويتوقد. وكذلك النار تتلظى يراد به هذا المعنى. وأنشدوا: # جحيما تلظى لا تفتر ساعة ... ولا الحر منها غابر الدهر يبرد # نزاعة للشوى قرأ الجمهور «نزاعة للشوى» بالرفع على معنى: هي نزاعة. وقرأ ~~عمر بن الخطاب، وأبو رزين، وابن عبد الرحمن، ومجاهد، وعكرمة، وابن أبي ~~عبلة، وحفص عن عاصم «نزاعة» بالنصب. قال الزجاج: وهذا على ms2334 أنها حال مؤكدة، ~~كما قال تعالى: هو الحق مصدقا ويجوز أن ينصب على معنى «إنها تتلظى نزاعة» . ~~وفي المراد ب الشوى أربعة أقوال: أحدها: جلدة الرأس، قاله مجاهد. والثاني: ~~محاسن الوجه، قاله الحسن، وأبو العالية. والثالث: العصب، والعقب، قاله ابن ~~جبير. والرابع: الأطراف: اليدان، والرجلان، والرأس، قاله الفراء، والزجاج. # قوله عز وجل: تدعوا من أدبر عن الإيمان وتولى عن الحق. قال المفسرون: ~~تقول: إلي يا PageV04P337 # مشرك، إلي يا منافق وجمع فأوعى قال الفراء: أي جمع المال في وعاء فلم يؤد ~~منه زكاة، ولم يصل منه رحما. ### | [سورة المعارج (70) : الآيات 19 الى 44] # إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا ~~(21) إلا المصلين (22) الذين هم على صلاتهم دائمون (23) # والذين في أموالهم حق معلوم (24) للسائل والمحروم (25) والذين يصدقون ~~بيوم الدين (26) والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (27) إن عذاب ربهم غير ~~مأمون (28) # والذين هم لفروجهم حافظون (29) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم ~~غير ملومين (30) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (31) والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون (32) والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) # والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) أولئك في جنات مكرمون (35) فمال الذين ~~كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن الشمال عزين (37) أيطمع كل امرئ منهم ~~أن يدخل جنة نعيم (38) # كلا إنا خلقناهم مما يعلمون (39) فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا ~~لقادرون (40) على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين (41) فذرهم يخوضوا ~~ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (42) يوم يخرجون من الأجداث سراعا ~~كأنهم إلى نصب يوفضون (43) # خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون (44) # قوله عز وجل: إن الإنسان خلق هلوعا قال مقاتل: عنى به أمية بن خلف الجمحي ~~«1» . وفي الهلوع سبعة أقوال: أحدها: أنه الموصوف بما يلي هذه الآية، رواه ~~عطية عن ابن عباس، وبه قال أبو عبيدة، والزجاج. والثاني: أنه الحريص على ما ~~لا يحل له، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: # البخيل، قاله الحسن، والضحاك. والرابع: الشحيح، قاله ابن جبير. والخامس: ~~الشره، قاله مجاهد. # والسادس: ms2335 الضجور، قاله عكرمه، وقتادة، ومقاتل، والفراء. والسابع: الشديد ~~الجزع، قاله ابن قتيبة. # قوله عز وجل: إذا مسه الشر أي: إذا أصابه الفقر جزوعا لا يصبر، ولا يحتسب ~~وإذا مسه الخير أصابه المال منوعا يمنعه من حق الله إلا المصلين وهم أهل ~~الإيمان بالله. وإنما استثنى الجمع من الإنسان، لأنه اسم جنس الذين هم على ~~صلاتهم دائمون وفيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم الذين يحافظون على ~~المكتوبات، وهو معنى قول ابن مسعود. والثاني: أنهم لا يلتفتون عن أيمانهم ~~وشمائلهم في الصلاة، قاله عقبة بن عامر، واختاره الزجاج. قال: ويكون ~~اشتقاقه من الدائم، وهو الساكن، كما جاء في الحديث أنه: PageV04P338 # (1488) نهى عن البول في الماء الدائم. # والثالث: أنهم الذين يكثرون فعل التطوع، قاله ابن جبير. والذين في ~~أموالهم حق معلوم قد سبق شرح هذه الآية والتي بعدها في الذاريات «1» وبينا ~~معنى «يوم الدين» في «الفاتحة» . وما بعد هذا قد شرحناه في المؤمنين «2» ~~إلى قوله عز وجل: «لأماناتهم» قرأ ابن كثير وحده: «لأمانتهم» والذين هم ~~بشهاداتهم قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن ~~عاصم: «بشهادتهم» على التوحيد. وقرأ حفص عن عاصم: «بشهاداتهم» جمعا، قائمون ~~أي: يقيمون فيها بالحق ولا يكتمونها، فمال الذين كفروا قبلك مهطعين. # (1489) نزلت في جماعة من الكفار جلسوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يستهزئون بالقرآن، ويكذبون به. قال الزجاج: والمهطع: المقبل ببصره على ~~الشيء لا يزايله، وكانوا ينظرون إلى النبي نظرة عداوة. # وقد سبق الخلاف في قوله تعالى: مهطعين «3» . # قوله: عن اليمين وعن الشمال عزين. قال الفراء: العزون: الحلق، الخلق ~~الجماعات، واحدتها: # عزة. # (1490) وكانوا يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: لئن دخل ~~هؤلاء الجنة، كما يقول محمد، فلندخلنها قبلهم، فنزل قوله تعالى: أيطمع كل ~~امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم وقرأ ابن مسعود، والحسن، وطلحة بن مصرف، ~~والأعمش، والمفضل عن عاصم «أن يدخل» بفتح الياء، وضم الخاء. # وقال أبو عبيدة: عزين جمع عزة، مثل ثبة، وثبين، فهي جماعات في تفرقة. # قوله عز وجل: ms2336 كلا أي: لا يكون ذلك إنا خلقناهم مما يعلمون فيه قولان: # أحدهما: من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، فالمعنى: لا يستوجب الجنة أحد ~~بما يدعيه من الشرف على غيره، إذ الأصل واحد، وإنما يستوجبها بالطاعة. # والثاني: إنا خلقناهم من أقذار. فبما يستحقون الجنة ولم يؤمنوا؟! (1491) ~~وقد روى بشر بن جحاش عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه تلا هذه الآية إنا ~~خلقناهم مما يعلمون ثم PageV04P339 # بزق، وقال: يقول الله عز وجل: أنى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه؟! حتى ~~إذا سويتك، وعدلتك، مشيت بين بردين، وللأرض منك وئيد، فجمعت، ومنعت، حتى ~~إذا بلغت التراقي قلت: # أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟!» . # قوله عز وجل: فلا أقسم قد تكلمنا عليه في الحاقة «1» والمراد بالمشارق، ~~والمغارب: # مشرق كل يوم ومغربه، إنا لقادرون (40) على أن نبدل خيرا منهم أي: نخلق ~~أمثل منهم، وأطوع لله حين عصوا وما نحن بمسبوقين مفسر في الواقعة «2» فذرهم ~~يخوضوا في باطلهم ويلعبوا أي: يلهوا في دنياهم حتى يلاقوا وقرأ ابن محيصن ~~«يلقوا يومهم الذي يوعدون» وهو يوم القيامة. وهذا لفظ أمر، معناه الوعيد. ~~وذكر المفسرون أنه منسوخ بآية السيف. وإذا قلنا: إنه وعيد بلقاء يوم ~~القيامة، فلا وجه للنسخ، يوم يخرجون من الأجداث سراعا أي: يخرجون بسرعة ~~كأنهم يستبقون. # قوله عز وجل: كأنهم إلى نصب قرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم بضم النون ~~والصاد. قال ابن جرير: وهو واحد الأنصاب، وهي آلهتهم التي كانوا يعبدونها. ~~فعلى هذا يكون المعنى: كأنهم إلى آلهتهم التي كانوا يعبدونها يسرعون. وقرأ ~~ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي بفتح النون وسكون ~~الصاد، وهي في معنى القراءة الأولى، إلا أنه مصدر. كقول القائل: نصبت الشيء ~~أنصبه نصبا. قال قتادة: معناه: كأنهم إلى شيء منصوب يسرعون. وقال ابن جرير: ~~تأويله: كأنهم إلى صنم منصوب يسرعون. وقرأ ابن عباس، وأبو مجلز، والنخعي ~~«نصب» برفع النون، وإسكان الصاد. # وقرأ الحسن، وأبو عثمان النهدي، وعاصم الجحدري «إلى نصب» بفتح النون ~~والصاد جميعا. قال ابن قتيبة: النصب: ms2337 حجر ينصب أو صنم، يقال: نصب، ونصب، ~~ونصب. وقال الفراء: النصب والنصب واحد، وهو مصدر، والجمع: الأنصاب. وقال ~~الزجاج: النصب، والنصب: العلم المنصوب. قال الفراء: والإيفاض: الإسراع. # قوله عز وجل: ترهقهم ذلة قرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وعمرو بن دينار ~~«ذلة ذلك اليوم» بغير تنوين، وبخفض الميم. وباقي السورة قد تقدم بيانه «3» ~~. PageV04P340 ### | سورة نوح # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة نوح (71) : الآيات 1 الى # 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم (1) ~~قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (3) يغفر ~~لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون (4) # قوله تعالى: أن أنذر قومك أي: بأن أنذر قومك. و «العذاب الأليم» : الغرق. # قوله تعالى: أن اعبدوا الله قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والكسائي، ~~وعلي بن نصر عن أبي عمرو «أن اعبدوا الله» بضم النون. وقرأ عاصم، وحمزة، ~~وعبد الوارث عن أبي عمرو «أن اعبدوا الله» ، بكسر النون. قال أبو علي: من ~~ضم كره الكسرة قبل الضمة. # قوله عز وجل: وأطيعون أثبت الياء في الحالين يعقوب. # قوله عز وجل: من ذنوبكم «من» هاهنا صلة. والمعنى: يغفر لكم ذنوبكم، قاله ~~السدي ومقاتل. وقال الزجاج: إنما دخلت «من» هاهنا لتختص الذنوب من سائر ~~الأشياء. ولم تدخل لتبعيض الذنوب، ومثله: فاجتنبوا الرجس من الأوثان «1» ~~وذهب بعض أهل المعاني إلى أنها للتبعيض. # والمعنى يغفر لكم من ذنوبكم إلى وقت الإيمان ويؤخركم أي: عن العذاب إلى ~~أجل مسمى وهو منتهى آجالهم. والمعنى: فتموتوا عند منتهى آجالكم غير ميتة ~~المعذبين إن أجل الله فيه ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنه أجل الموت، قاله ~~مجاهد. فيكون المعنى: إن أجل الله الذي أجلكم إليه لا يؤخر إذا جاء، فلا ~~يمكنكم حينئذ الإيمان. والثاني: أنه أجل البعث، قاله الحسن. والثالث: أجل ~~PageV04P341 # العذاب، قاله السدي ومقاتل. ### | ### | [سورة نوح (71) : الآيات 5 الى # 24] # قال رب إني ms2338 دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا فرارا (6) ~~وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ~~وأصروا واستكبروا استكبارا (7) ثم إني دعوتهم جهارا (8) ثم إني أعلنت لهم ~~وأسررت لهم إسرارا (9) # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ~~ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (12) ما لكم لا ~~ترجون لله وقارا (13) وقد خلقكم أطوارا (14) # ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا (15) وجعل القمر فيهن نورا وجعل ~~الشمس سراجا (16) والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) ثم يعيدكم فيها ويخرجكم ~~إخراجا (18) والله جعل لكم الأرض بساطا (19) # لتسلكوا منها سبلا فجاجا (20) قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ~~ماله وولده إلا خسارا (21) ومكروا مكرا كبارا (22) وقالوا لا تذرن آلهتكم ~~ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (23) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد ~~الظالمين إلا ضلالا (24) # قوله عز وجل: فلم يزدهم دعائي إلا فرارا أي: تباعدا من الإيمان وإني كلما ~~دعوتهم إلى الإيمان والطاعة جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا صوتي ~~واستغشوا ثيابهم أي: غطوا بها وجوههم لئلا يروني وأصروا على كفرهم ~~واستكبروا عن الإيمان بك واتباعي ثم إني دعوتهم جهارا أي: أعلنت لهم ~~بالدعاء. قال ابن عباس: بأعلى صوتي ثم إني أعلنت لهم أي: كررت الدعاء معلنا ~~وأسررت لهم إسرارا قال ابن عباس: يريد أكلم الرجل بعد الرجل. في السر، ~~وأدعوه إلى توحيدك وعبادتك فقلت استغفروا ربكم قال المفسرون «1» : منع الله ~~عنهم القطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، فقال لهم نوح: استغفروا ربكم ~~من الشرك، أي: استدعوا مغفرته بالتوحيد يرسل السماء عليكم مدرارا قد شرحناه ~~في أول الأنعام «2» ومعنى الكلام أنه أخبرهم أن الإيمان يجمع لهم خير ~~الدنيا والآخرة. # قوله عز وجل: ما لكم لا ترجون لله وقارا فيه أربعة أقوال: أحدها: لا ترون ~~لله عظمة، قاله ابن عباس. والثاني: لا تخافون لله عظمة، قاله الفراء وابن ~~قتيبة. والثالث: لا ترون لله طاعة، قاله ابن زيد. # والرابع: لا ترجون عاقبة الإيمان والتوحيد، ms2339 قاله الزجاج. # قوله وقد خلقكم أطوارا أي: وقد جعل لكم في أنفسكم آية تدل على توحيده من ~~خلقه إياكم من نطفة، ثم من علقة شيئا بعد شيء إلى آخر الخلق. قال ابن ~~الأنباري: الطور: الحال، وجمعه: أطوار. # وقال ابن فارس: الطور: التارة، طورا بعد طور، أي: تارة بعد تارة. وقيل: ~~أراد بالأطوار: اختلاف PageV04P342 # المناظر والأخلاق، من طويل، وقصير، وغير ذلك، ثم قررهم، فقال عز وجل: ألم ~~تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة «طباق» ~~بتنوين القاف، وكسرها من غير ألف. وقد بينا هذا في سورة الملك «1» . # قوله عز وجل: وجعل القمر فيهن نورا فيه قولان «2» : أحدهما: أن وجه القمر ~~قبل السموات، وظهره قبل الأرض، يضيء لأهل السموات، كما يضيء لأهل الأرض، ~~وكذلك الشمس، هذا قول عبد الله بن عمر. والثاني: أن القمر في السماء ~~الدنيا. وإنما قيل: «فيهن» لأنهن كالشيء الواحد، ذكره الأخفش والزجاج، ~~وغيرهما. وهذا كما تقول: أتيت بني تميم، وإنما أتيت بعضهم، وركبت في السفن، ~~قوله: وجعل الشمس سراجا يستضيء بها العالم والله أنبتكم من الأرض يعني: أن ~~مبتدأ خلقكم من الأرض، وهو آدم نباتا قال الخليل: معناه: فنبتم نباتا، وقال ~~الزجاج: «نباتا» محمول في المصدر على المعنى، لأن المعنى أنبتكم: جعلكم ~~تنبتون نباتا. قال ابن قتيبة: هذا مما جاء فيه المصدر على غير المصدر، لأنه ~~جاء على نبت، ومثله وتبتل إليه تبتيلا «3» فجاء على «بتل» . # قال الشاعر: # وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا «4» # فجاء على اتبعت. # وقال الآخر: # وإن شئتم تعاودنا عوادا # فجاء على «عاودنا» ، وإنما تجيء المصادر مخالفة للأفعال، لأن الأفعال وإن ~~اختلفت أبنيتها، واحدة في المعنى. # قوله عز وجل: سبلا فجاجا قال الفراء: هي الطرق الواسعة. # قوله عز وجل: واتبعوا من لم يزده ماله وولده قرأ أهل المدينة، وابن عامر، ~~وعاصم «وولده» بفتح اللام والواو. وقرأ الباقون «ولده» بضم الواو، وسكون ~~اللام. قال الزجاج: وهما بمعنى واحد، مثل العرب، والعرب، والعجم، والعجم. ~~وقرأ الحسن، وأبو العالية، ms2340 وابن يعمر، والجحدري: # «وولده» بكسر الواو، وإسكان اللام. قال المفسرون: المعنى: أن الأتباع، ~~والفقراء اتبعوا رأي الرؤساء والكبراء. PageV04P343 # قوله عز وجل: ومكروا مكرا كبارا وقرأ أبو رجاء، وأبو عمران: «كبارا» برفع ~~الكاف، وتخفيف الباء. وقرأ أبو يعمر، وأبو الجوزاء، وابن محيصن «كبارا» ~~بكسر الكاف مع تخفيف الباء والمعنى «كبيرا» يقال: كبير وكبار وكبار وقد ~~شرحنا هذا في أول ص. ومعنى «المكر» : السعي في الفساد: وذلك أن الرؤساء ~~منعوا أتباعهم عن الإيمان بنوح وقالوا لا تذرن آلهتكم أي: لا تدعن عبادتها ~~ولا تذرن ودا قرأ أبو جعفر، ونافع بضم الواو. والباقون بفتحها. وهذا الاسم ~~وما بعده أسماء آلهتهم. # وجاء في التفسير أن هذه أسماء قوم صالحين، كانوا بين آدم ونوح، فنشأ قوم ~~بعدهم يأخذون بأخذهم في العبادة، فقال لهم إبليس: لو صورتم صورهم كان أنشط ~~لكم، وأشوق للعبادة، ففعلوا. ثم نشأ قوم بعدهم، فقال لهم إبليس: إن الذين ~~من قبلكم كانوا يعبدونهم، فعبدوهم وكان ابتداء عبادة الأوثان من ذلك الوقت. ~~وسميت تلك الصورة بهذه الأسماء، لأنهم صوروها على صور أولئك القوم المسمين ~~بهذه الأسماء. وقيل: إنما هي أسماء لأولاد آدم، مات منهم واحد، فجاء ~~الشيطان فقال: هل لكم أن أصور لكم صورته، فتذكرونه بها؟ فصورها. ثم مات ~~آخر، فصور لهم صورته، إلى أن صور صورا خمسة. # ثم طال الزمان، وتركوا عبادة الله، فقال لهم الشيطان: ما لكم لا تعبدون ~~شيئا؟ فقالوا: من نعبد؟ قال: # هذه آلهتكم، وآلهة آبائكم، ألا ترونها مصورة في مصلاكم؟! فعبدوها. # وقال الزجاج: هذه الأصنام كانت لقوم نوح، ثم صارت إلى العرب، فكان «ود» ~~لكلب، و «سواع» لهمدان، و «يغوث» لمذحج، و «يعوق» لكنانة و «نسر» لحمير، ~~وقال مقاتل: إنما كان «سواع» لهذيل و «يعوق» لهمدان «ويغوث» لبني غطيف، وهم ~~حي من بني مراد. وقيل: لما جاء الطوفان غطى على هذه الأصنام وطمها التراب، ~~فلما ظهرت بعد الطوفان صارت إلى هؤلاء المذكورين، قال الواقدي: كان «ود» ~~على صورة رجل، و «سواع» على صورة امرأة، و «يغوث» على صورة ms2341 أسد، و «يعوق» ~~على صورة فرس، و «نسر» على صورة النسر من الطير. # قوله عز وجل: وقد أضلوا كثيرا فيه قولان: أحدهما: وقد أضلت الأصنام كثيرا ~~من الناس، أي: ضلوا بسببها. والثاني: وقد أضل الكبراء كثيرا من الناس. ولا ~~تزد الظالمين يعني: الكافرين إلا ضلالا وهذا دعاء من نوح عليهم، لما أعلمه ~~الله أنهم لا يؤمنون. ### | [سورة نوح (71) : الآيات 25 الى 28] # مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (25) ~~وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي ~~مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا (28) # قوله تعالى: مما خطيئاتهم «ما» : صلة. والمعنى من خطيئاتهم: أي من أجلها، ~~وسببها وقرأ أبو عمرو «مما خطاياهم» وقرأ أبو الجوزاء، والجحدري «خطيئتهم» ~~من غير ألف أغرقوا فأدخلوا نارا قال ابن السائب: المعنى: سيدخلون في الآخرة ~~نارا، فجاء لفظ الماضي بمعنى الاستقبال، لأن الوعد حق، هذا قول الأكثرين. ~~وقال الضحاك: فأدخلوا نارا في الدنيا، وذلك أنهم كان يغرقون من جانب، ~~ويحترقون في الماء من جانب. # قوله عز وجل: فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا أي: لم يجدوا أحدا يمنعهم ~~من عذاب الله. # PageV04P344 # قوله عز وجل: ديارا قال ابن قتيبة: أي: أحدا. يقال: ما بالمنازل ديار، ~~أي: ما بها أحد، وهو من الدار، أي: ليس بها نازل دارا. وقال الزجاج: أصلها: ~~«ديوار» فيعال، فقلبت الواو ياء، وأدغمت إحداهما في الأخرى. وإنما دعا ~~عليهم نوح، لأن الله عز وجل أوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ~~«1» . # قوله عز وجل: يضلوا عبادك وذلك أن الرجل منهم كان ينطلق بابنه إلى نوح، ~~فيحذره تصديقه. # قوله عز وجل: ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا قال المفسرون: إن الله تعالى ~~أخبر نوحا أنهم لا يلدون مؤمنا، فلذلك علم الفاجر الخارج عن الطاعة. # قوله عز وجل: رب اغفر لي ولوالدي قال الحسن: وذلك أنهما كانا ms2342 مؤمنين. ~~وقرأ أبو بكر الصديق، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، والجحدري، والجوني ~~«ولوالدي» ساكنة الياء على التوحيد. # وقرأ ابن مسعود، وأبو العالية، وابن يعمر، والزهري، والنخعي «ولولدي» من ~~غير ألف على التثنية، قوله: ولمن دخل بيتي وقرا حفص عن عاصم «بيتي» بفتح ~~الياء. وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: منزله، قاله ابن عباس. والثاني: مسجده، ~~قاله الضحاك. والثالث: سفينته، حكاه الثعلبي. # قوله عز وجل: وللمؤمنين والمؤمنات هذا عام في كل من آمن ولا تزد الظالمين ~~يعني: الكافرين إلا تبارا أي: هلاكا ومنه قوله عز وجل: تبرنا تتبيرا «2» . ~~PageV04P345 ### | سورة الجن # كلها مكية بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الجن (72) : الآيات 1 الى # 17] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي ~~إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ ~~صاحبة ولا ولدا (3) وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) # وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (5) وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا (6) وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن ~~يبعث الله أحدا (7) وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) ~~وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (9) # وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10) وأنا منا ~~الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا (11) وأنا ظننا أن لن نعجز الله في ~~الأرض ولن نعجزه هربا (12) وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا ~~يخاف بخسا ولا رهقا (13) وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك ~~تحروا رشدا (14) # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15) وأن لو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم ماء غدقا (16) لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ~~(17) # قوله عز وجل: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن قد ذكرنا سبب نزول هذه ~~الآية في (الأحقاف) «1» وبينا هنالك سبب استماعهم. ومعنى «النفر» وعددهم، ~~فأما ms2343 قوله عز وجل: قرآنا عجبا فمعناه: بليغا يعجب منه لبلاغته يهدي إلى ~~الرشد أي: يدعو إلى الصواب من التوحيد والإيمان ولن نشرك بربنا أي: لن نعدل ~~بربنا أحدا من خلقه. وقيل: عنوا إبليس، أي: لا نطيعه في الشرك بالله. # قوله عز وجل: وأنه تعالى جد ربنا اختلف القراء في اثنتي عشرة همزة في هذه ~~السورة، وهي: # «وأنه تعالى» ، «وأنه كان يقول» ، «وأنا ظننا» ، «وأنه كان رجال» ، ~~«وأنهم ظنوا» ، «وأنا لمسنا» ، «وأنا كنا» ، «وأنا لا ندري» ، «وأنا منا» ، ~~«وأنا ظننا أن لن نعجز الله» ، «وأنا لما سمعنا» ، «وأنا منا» ، ففتح ~~PageV04P346 # الهمزة في هذه المواضع ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم، ~~ووافقهم أبو جعفر في ثلاثة مواضع «وأنه تعالى» ، «وأنه كان يقول» ، «وأنه ~~كان رجال» ، وكسر الباقيات. وقرأ الباقون بكسرهن. وقال الزجاج: والذي ~~يختاره النحويون في هذه السورة أن ما كان من الوحي قيل فيه: # «أن» بالفتح، وما كان من قول الجن قيل: «إن» بالكسر، معطوف على قوله عز ~~وجل: إنا سمعنا قرآنا عجبا وعلى هذا يكون المعنى: وقالوا: إنه تعالى جد ~~ربنا، وقالوا: إنه كان يقول سفيهنا. فأما من فتح، فذكر بعض النحويين: يعني ~~الفراء، أنه معطوف على الهاء في قوله عز وجل: فآمنا به وبأنه تعالى جد ~~ربنا. وكذلك ما بعد هذا. وهذا رديء في القياس، لا يعطف على الهاء المتمكنة ~~المخفوضة إلا بإظهار الخافض. ولكن وجهه أن يكون محمولا على معنى أمنا به، ~~فيكون المعنى: وصدقنا أنه تعالى جد ربنا. # وللمفسرين في معنى تعالى جد ربنا سبعة أقوال: أحدها: قدرة ربنا، قاله ابن ~~عباس. والثاني: # غنى ربنا، قاله الحسن. والثالث: جلال ربنا، قاله مجاهد، وعكرمة. والرابع: ~~عظمة ربنا، قاله قتادة. # والخامس: أمر ربنا، قاله السدي. والسادس: ارتفاع ذكره وعظمته، قاله ~~مقاتل. والسابع: ملك ربنا وثناؤه وسلطانه، قاله أبو عبيدة. # قوله: وأنه كان يقول سفيهنا فيه قولان: أحدهما: أنه إبليس، قاله مجاهد، ~~وقتادة. والثاني: أنه كفارهم، قاله مقاتل. و «الشطط» : الجور، والكذب، وهو: ~~وصفه بالشريك، والولد، ثم قالت ms2344 الجن: # وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا وقرأ يعقوب: «أن لن ~~تقول» بفتح القاف، وتشديد الواو. # والمعنى: ظنناهم صادقين في قولهم: لله صاحبة وولد، وما ظنناهم يكذبون حتى ~~سمعنا القرآن، يقول الله عز وجل: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن وذلك أن الرجل في الجاهلية كان إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض قال: ~~أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح. # (1492) ومنه حديث كردم بن أبي السائب الأنصاري، قال: خرجت مع أبي إلى ~~المدينة في حاجة، وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ~~فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب، فأخذ حملا من ~~الغنم، فوثب الراعي فنادى: يا عامر الوادي جارك، فنادى مناد لا نراه: يا ~~سرحان أرسله. فإذا الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة، فأنزل الله ~~تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وأنه كان رجال من الإنس الآية. ~~PageV04P347 # وفي قوله عز وجل: فزادوهم رهقا قولان: أحدهما: أن الإنس زادوا الجن رهقا ~~لتعوذهم بهم، قاله مقاتل. والمعنى: أنهم لما استعاذوا بسادتهم قالت السادة: ~~قد سدنا الجن والإنس. والثاني: أن الجن زادوا الإنس رهقا، ذكره الزجاج. قال ~~أبو عبيدة: زادوهم سفها وطغيانا. وقال ابن قتيبة: زادوهم ضلالا. وأصل ~~الرهق: العيب. ومنه يقال: فلان يرهق في دينه. # قوله عز وجل: وأنهم ظنوا بقول الله عز وجل: ظن الجن كما ظننتم أيها الإنس ~~المشركون أنه لا بعث. وقالت الجن: وأنا لمسنا السماء أي: أتيناها فوجدناها ~~ملئت حرسا شديدا وهم الملائكة الذين يحرسونها من استراق السمع وشهبا جمع ~~شهاب، وهو النجم المضيء وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع أي: كنا نستمع، ~~فالآن حين حاولنا الاستماع بعد بعث محمد صلى الله عليه وسلم رمينا بالشهب. ~~ومعنى «رصدا» قد أرصد له المرمى به وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ~~بإرسال محمد إليهم، فيكذبونه، فيهلكون أم أراد بهم ربهم رشدا ms2345 وهو أن يؤمنوا ~~فيهتدوا، قاله مقاتل. # والثاني: أنه قول كفرة الجن، والمعنى: لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ~~بحدوث الرجم بالكواكب، أم صلاح؟ قاله الفراء. ثم أخبروا عن حالهم، فقالوا: ~~وأنا منا الصالحون وهم المؤمنون المخلصون ومنا دون ذلك فيه قولان: أحدهما: ~~المشركون. والثاني: أنهم أهل الشر دون الشرك كنا طرائق قددا قال الفراء: ~~أي: فرقا مختلفة أهواؤنا. وقال أبو عبيدة: واحد الطرائق: طريقة، وواحد ~~القدد: قدة، أي: ضروبا وأجناسا ومللا. قال الحسن، والسدي: الجن مثلكم، ~~فمنهم قدرية، ومرجئة، ورافضة. # قوله عز وجل: وأنا ظننا أي: أيقنا أن لن نعجز الله في الأرض أي: لن نفوته ~~إذا أراد بنا أمرا ولن نعجزه هربا أي: أنه يدركنا حيث كنا وأنا لما سمعنا ~~الهدى وهو القرآن الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم آمنا به أي: صدقنا ~~أنه من عند الله عز وجل، فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا أي: نقصا من الثواب ~~ولا رهقا أي: ولا ظلما ومكروها يغشاه وأنا منا المسلمون قال مقاتل: ~~المخلصون لله ومنا القاسطون وهم المردة. قال ابن قتيبة: القاسطون: ~~الجائرون. يقال: قسط: إذا عدل، إذا جاور، وأقسط: إذا عدل. قال المفسرون: هم ~~الكافرون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا أي: توخوه، وأموه. ثم انقطع كلام ~~الجن. قال مقاتل: ثم رجع إلى كفار مكة فقال عز وجل: وأن لو استقاموا على ~~الطريقة يعني: طريقة الهدى، وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن، ~~ومجاهد وقتادة والسدي، واختاره الزجاج، قال: لأن الطريقة هاهنا بالألف ~~واللام معرفة، فالأوجب أن تكون طريقة الهدى: وذهب قوم إلى أن المراد بها ~~طريقة الكفر، قال محمد بن كعب، والربيع، والفراء، وابن قتيبة، وابن كيسان. ~~فعلى القول الأول يكون المعنى: لو آمنوا لوسعنا عليهم لنفتنهم أي: لنختبرهم ~~فيه فننظر كيف شكرهم. والماء الغدق: الكثير. وإنما ذكر الماء مثلا، لأن ~~الخير كله يكون بالمطر، فأقيم مقامه إذ كان سببه. # وعلى الثاني: يكون المعنى: لو استقاموا على الكفر فكانوا كفارا كلهم، ~~لأكثرنا لهم المال لنفتنهم ms2346 فيه عقوبة واستدراجا، ثم نعذبهم على ذلك. وقيل: ~~لأكثرنا لهم الماء فأغرقناهم، كقوم نوح، قوله: # ومن يعرض عن ذكر ربه يعني: القرآن يسلكه قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وابن عامر «نسلكه» بالنون. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي يسلكه بالياء. عذابا ~~صعدا قال ابن قتيبة: أي: # PageV04P348 # عذابا شاقا. يقال: تصعدني الأمر: إذا شق علي. ومنه قول عمر: ما تصعدني ~~شيء ما تصعدتني خطبة النكاح. ونرى أصل هذا كله من الصعود، لأنه شاق، فكني ~~به عن المشقات. وجاء في التفسير أنه جبل في النار يكلف صعوده، وسنذكره عند ~~قوله عز وجل: سأرهقه صعودا «1» إن شاء الله تعالى. ### | [سورة الجن (72) : الآيات 18 الى 28] # وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) وأنه لما قام عبد الله ~~يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا ~~(20) قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) قل إني لن يجيرني من الله أحد ~~ولن أجد من دونه ملتحدا (22) # إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين ~~فيها أبدا (23) حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا ~~(24) قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن ~~خلفه رصدا (27) # ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا (28) # قوله عز وجل: وأن المساجد لله فيها أربعة أقوال: أحدها: أنها المساجد ~~التي هي بيوت للصلوات، قاله ابن عباس. قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا ~~دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا، فأمر الله عز وجل المسلمين أن يخلصوا له إذا ~~دخلوا مساجدهم. والثاني: الأعضاء التي يسجد عليها العبد، قاله سعيد بن ~~جبير، وابن الأنباري، وذكره الفراء. فيكون المعنى، لا تسجدوا عليها لغيره. ~~والثالث: # أن المراد بالمساجد هاهنا: البقاع كلها، قاله الحسن. فيكون المعنى: أن ~~الأرض كلها مواضع للسجود، فلا تسجدوا عليها لغير خالقها. والرابع: أن ms2347 ~~المساجد: السجود، فإنها جمع مسجد. يقال: # سجدت سجودا، ومسجدا، كما يقال: ضربت في الأرض ضربا، ومضربا، ثم يجمع، ~~فيقال: # المساجد، والمضارب. قال ابن قتيبة: فعلى هذا يكون واحدها: مسجدا، بفتح ~~الجيم. والمعنى: # أخلصوا له، ولا تسجدوا لغيره. ثم رجع إلى ذكر الجن فقال عز وجل: وأنه لما ~~قام عبد الله يعني محمدا صلى الله عليه وسلم يدعوه أي: يعبده. وكان يصلي ~~ببطن نخلة على ما سبق بيانه في الأحقاف «2» كادوا يكونون عليه لبدا قرأ ~~الأكثرون: بكسر اللام، وفتح الباء. وقرأ هشام عن ابن عامر، وابن محيصن ~~«لبدا» بضم اللام، وفتح الباء مع تخفيفها. قال الفراء: ومعنى القراءتين ~~واحد. يقال: لبدة، ولبدة. قال الزجاج: والمعنى: كادوا يركب بعضهم بعضا. ~~ومنه اشتقاق اللبد الذي يفترش. وكل شيء أضفته إلى شيء فقد لبدته. وقرأ قوم ~~منهم الحسن، والجحدري: «لبدا» بضم اللام مع تشديد الباء. قال الفراء: # فعلى هذه القراءة تكون صفة للرجال، كقولك: ركعا وركوعا، وسجدا وسجودا. ~~وقال الزجاج: هو جمع لا بد، مثل راكع، وركع. # وفي معنى الآية ثلاثة أقوال «3» : أحدها: أنه من إخبار الله تعالى عن ~~الجن يحكي حالهم. PageV04P349 # والمعنى: أنه لما قام يصلي كاد الجن لازدحامهم عليه يركب بعضهم بعضا، ~~حرصا على سماع القرآن، رواه عطية عن ابن عباس. والثاني: أنه من قول الجن ~~لقومهم لما رجعوا إليهم، فوصفوا لهم طاعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وائتمامهم به في الركوع، والسجود، فكأنهم قالوا: لما قام يصلي كاد ~~أصحابه يكونون عليه لبدا. وهذا المعنى في رواية ابن جبير عن ابن عباس. ~~والثالث: أن المعنى: لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة تلبدت ~~الإنس والجن، وتظاهروا عليه، ليبطلوا الحق الذي جاء به، قاله الحسن، ~~وقتادة، وابن زيد. # قوله عز وجل: قل إنما أدعوا ربي قرأ عاصم، وحمزة «قل إنما أدعو ربي» بغير ~~ألف. وقرأ الباقون «قال» على الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال ~~مقاتل: إن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك جئت بأمر ms2348 عظيم لم ~~يسمع بمثله فارجع عنه، فنزلت هذه الآية «1» . # قوله عز وجل: قل إني لا أملك لكم ضرا أي: لا أدفعه عنكم ولا أسوق إليكم ~~رشدا أي: خيرا، أي: إن الله تعالى يملك ذلك، لا أنا قل إني لن يجيرني من ~~الله أحد أي: إن عصيته لم يمنعني منه أحد، وذلك أنهم قالوا له: اترك ما ~~تدعو إليه ونحن نجيرك ولن أجد من دونه ملتحدا قد بيناه في الكهف «2» قوله: ~~إلا بلاغا من الله فيه وجهان، ذكرهما الفراء: أحدهما: أنه استثناء من قوله ~~عز وجل: لا أملك لكم ضرا ولا رشدا إلا أن أبلغكم. والثاني: لن يجيرني من ~~الله أحد إن لم أبلغ رسالته. وبالأول قال ابن السائب. وبالثاني قال مقاتل. ~~وقال بعضهم: المعنى: لن يجيرني من عذاب الله إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت ~~به، فذلك البلاغ هو الذي يجيرني. ومن يعص الله ورسوله بترك الإيمان ~~والتوحيد. # قوله عز وجل: حتى إذا رأوا يعني: الكفار ما يوعدون من العذاب في الدنيا، ~~وهو القتل، وفي الآخرة فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا أي: جندا ونصيرا، ~~أهم، أم المؤمنون؟ قل إن أدري أي: ما أدري أقريب ما توعدون من العذاب أم ~~يجعل له ربي أمدا أي: غاية وبعدا. # وذلك لأن علم الغيب لله وحده فلا يظهر أي: فلا يطلع على غيبه الذي يعلمه ~~أحدا من الناس إلا من ارتضى من رسول لأن من الدليل على صدق الرسل إخبارهم ~~بالغيب. والمعنى: أن من ارتضاه للرسالة أطلعه على ما شاء من غيبه. وفي هذا ~~دليل على أن من زعم أن النجوم تدله على الغيب فهو كافر. ثم ذكر أنه يحفظ ~~ذلك الذي يطلع عليه الرسول فقال عز وجل: فإنه يسلك من بين يديه أي: # من بين يدي الرسول ومن خلفه رصدا أي: يجعل له حفظة من الملائكة يحفظون ~~الوحي من أن يسترقه الشياطين، فتلقيه إلى الكهنة، فيتكلمون به قبل أن يخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم الناس. وقال الزجاج يسلك PageV04P350 # من بين ms2349 يدي الوحي. والرصد من الملائكة يدفعون الشياطين عن أن تستمع ما ~~ينزل من الوحي. # قوله عز وجل: ليعلم فيه خمسة أقوال «1» : أحدها: ليعلم محمد صلى الله ~~عليه وسلم أن جبرائيل قد بلغ إليه، قاله ابن جبير. والثاني: ليعلم محمد صلى ~~الله عليه وسلم أن الرسل قبله قد أبلغوا رسالات ربهم وأن الله قد حفظها ~~فدفع عنها، قاله قتادة. والثالث: ليعلم مكذبو الرسل أن الرسل قد أبلغوا ~~رسالات ربهم، قاله مجاهد. # والرابع: ليعلم الله عز وجل ذلك موجودا ظاهرا يجب به الثواب، فهو كقوله ~~عز وجل: ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم «2» قاله ابن قتيبة. والخامس: ~~ليعلم النبي أن الرسل قد أتته، ولم تصل إلى غيره، ذكره الزجاج. وقرأ رويس ~~عن يعقوب «ليعلم» بضم الياء على ما لم يسم فاعله. وقال ابن قتيبة: ويقرأ ~~«لتعلم» بالتاء، يريد: لتعلم الجن أن الرسل قد بلغت عن إلههم بما رجوا من ~~استراق السمع، قوله: # وأحاط بما لديهم أي: علم الله ما عند الرسل وأحصى كل شيء عددا فلم يفته ~~شيء حتى الذر والخردل. PageV04P351 # سورة المزمل # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم إلا أنه قد روي عن ابن ~~عباس أنه قال: سوى آيتين منها، قوله عز وجل واصبر على ما يقولون والتي ~~بعدها «1» . وقال ابن يسار، ومقاتل: فيها آية مدنية، وهي قوله عز وجل: إن ~~ربك يعلم أنك تقوم «2» . ### | سورة المزمل # (73) : الآيات 1 الى 18] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2) نصفه أو انقص منه قليلا (3) ~~أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا ~~(6) إن لك في النهار سبحا طويلا (7) واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) ~~رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا (9) # واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) وذرني والمكذبين أولي ~~النعمة ومهلهم قليلا (11) إن لدينا أنكالا وجحيما (12) وطعاما ذا غصة ~~وعذابا أليما (13) يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا (14) # إنا أرسلنا إليكم ms2350 رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) ~~فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا (16) فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل ~~الولدان شيبا (17) السماء منفطر به كان وعده مفعولا (18) # قوله عز وجل: يا أيها المزمل وقرأ أبي بن كعب، وأبو العالية، وأبو مجلز، ~~وأبو عمران، والأعمش «المتزمل» بإظهار التاء. وقرأ عكرمة، وابن يعمر: ~~«المزمل» بحذف التاء، وتخفيف الزاي. # قال اللغويون: «المزمل» الملتف في ثيابه، وأصله «المتزمل» فأدغمت التاء ~~في الزاي، فثقلت. وكل من التف بثوبه فقد تزمل. قال الزجاج: وإنما أدغمت ~~فيها لقربها منها. # (1493) قال المفسرون: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتزمل في ثيابه في ~~أول ما جاء جبريل فرقا منه حتى أنس به. وقال السدي: كان قد تزمل للنوم. ~~وقال مقاتل: خرج من البيت وقد لبس ثيابه، فناداه جبريل: يا PageV04P352 # أيها المزمل. وقيل: أريد به متزمل النبوة. قال عكرمة في معنى هذه الآية: ~~زملت هذا الأمر، فقم به. # وقيل: إنما لم يخاطب بالنبي والرسول هاهنا، لأنه لم يكن بعد قد بلغ، ~~وإنما كان في بدء الوحي. # قوله عز وجل: قم الليل أي: للصلاة. وكان قيام الليل فرضا عليه إلا قليلا ~~(2) نصفه هذا بدل من الليل، كما تقول: ضربت زيدا رأسه. فإنما ذكرت زيدا ~~لتوكيد الكلام، لأنه أوكد من قولك: # ضربت رأس زيد. والمعنى: قم من الليل النصف إلا قليلا، وهو قوله: أو انقص ~~منه قليلا أي: من النصف أو زد عليه أي: على النصف. قال المفسرون: انقص من ~~النصف إلى الثلث، أو زد عليه إلى الثلثين، فجعل له سعة في مدة قيامه، إذا ~~لم تكن محدودة، فكان يقوم ومعه طائفة من المؤمنين فشق ذلك عليه وعليهم، ~~فكان الرجل لا يدري كم صلى، وكم بقي من الليل، فكان يقوم الليل كله مخافة ~~أن لا يحفظ القدر الواجب فنسخ ذلك عنه وعنهم بقوله عز وجل: إن ربك يعلم أنك ~~تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل ~~والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ms2351 ما تيسر من القرآن علم أن سيكون ~~منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في ~~سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله ~~قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا ~~واستغفروا الله إن الله غفور رحيم الآية، هذا مذهب جماعة من المفسرين. ~~وقالوا: ليس في القرآن سورة نسخ آخرها أولها سوى هذه السورة. وذهب قوم إلى ~~أنه نسخ قيام الليل في حقه بقوله عز وجل: ومن الليل فتهجد به نافلة لك «1» ~~ونسخ في حق المؤمنين بالصلوات الخمس وقيل: نسخ عن الأمة، وبقي فرضه عليه ~~أبدا. وقيل: إنما كان مفروضا عليه دونهم. وفي مدة فرضه قولان: أحدهما: سنة، ~~قال ابن عباس: كان بين أول (المزمل) وآخرها سنة. والثاني: ستة عشر شهرا، ~~حكاه الماوردي. # قوله عز وجل: ورتل القرآن قد ذكرنا الترتيل في الفرقان «2» . # قوله عز وجل: إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا وهو القرآن. وفي معنى ثقله ستة ~~أقوال «3» : # (1494) أحدها: أنه كان يثقل عليه إذا أوحي إليه، وهذا قول عائشة رضي الله ~~عنها قالت: لقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن ~~جبينه ليتفصد عرقا. # والثاني: أن العمل به ثقيل في فروضه وأحكامه، قاله الحسن، وقتادة. ~~والثالث: أنه يثقل في PageV04P353 # الميزان يوم القيامة، قاله ابن زيد. والرابع: أنه المهيب، كما يقال للرجل ~~العاقل: هو رزين راجح، قاله عبد العزيز بن يحيى. والخامس: أنه ليس بالخفيف ~~ولا السفساف، لأنه كلام الرب عز وجل، قاله الفراء. والسادس: أنه قول له وزن ~~في صحته وبيانه ونفعه، كما تقول: هذا كلام رصين، وهذا قول له وزن: إذا ~~استجدته، ذكره الزجاج. # قوله عز وجل: إن ناشئة الليل قال ابن مسعود، وابن عباس: هي قيام الليل ~~بلسان الحبشة. # وهل هي في وقت مخصوص من الليل، أم في جميعه؟ فيه قولان: # أحدهما: أنها في جميع الليل. وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه قال: ~~الليل كله ناشئة. # وإلى هذا ms2352 ذهب اللغويون. قال ابن قتيبة: ناشئة الليل: ساعاته الناشئة، من ~~نشأت: إذا ابتدأت. وقال الزجاج: ناشئة الليل: ساعات الليل، كل ما نشأ منه، ~~أي: كل ما حدث. قال أبو علي الفارسي: كأن المعنى: إن صلاة ناشئة الليل، أو ~~عمل ناشئة الليل. # والثاني: أنها في وقت مخصوص من الليل. وفيه خمسة أقوال «1» : أحدها: أنها ~~ما بين المغرب والعشاء، قاله أنس بن مالك. والثاني: أنها القيام بعد النوم، ~~وهذا قول عائشة، وابن الأعرابي. وقد نص عليه الإمام أحمد في رواية المروذي. ~~والثالث: أنها ما بعد العشاء، قاله الحسن، ومجاهد، وقتادة، وأبو مجلز. ~~والرابع: أنها بدء الليل، قاله عطاء، وعكرمة. والخامس: أنها القيام من آخر ~~الليل، قاله يمان، وابن كيسان. # قوله عز وجل: هي أشد وطئا قرأ ابن عامر، وأبو عمرو «وطاء» بكسر الواو مع ~~المد، وهو مصدر واطأت فلانا على كذا مواطأة، وأراد أن القراءة في الليل ~~يتواطأ فيها قلب المصلي ولسانه وسمعه على التفهم للقرآن والإحكام لتلاوته. ~~ومنه قوله تعالى: ليواطؤا عدة ما حرم الله «2» . وقرأ الباقون «وطأ» بفتح ~~الواو مع القصر. والمعنى: إنه أثقل على المصلي من ساعات النهار، من قول ~~العرب: # اشتدت على القوم وطأة السلطان: إذا ثقل عليهم ما يلزمهم. # (1495) ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اشدد وطأتك على مضر» . ~~ذكر معنى القراءتين ابن قتيبة. # وقرأ ابن محيصن «أشد وطاء» بفتح الواو، والطاء، وبالمد. # قوله عز وجل: وأقوم قيلا أي: أخلص للقول وأسمع له، لأن الليل تهدأ فيه ~~الأصوات فتخلص القراءة، ويفرغ القلب لفهم التلاوة، فلا يكون دون سمعه ~~وتفهمه حائل. # قوله عز وجل: إن لك في النهار سبحا طويلا أي: فراغا لنومك وراحتك، فاجعل ~~ناشئة الليل PageV04P354 # بعبادتك، قاله ابن عباس، وعطاء. وقرأ يحيى بن يعمر، وابن مسعود، وأبو ~~عمران، وابن أبي عبلة «سبخا» بالخاء المعجمة. قال الزجاج: ومعناها في اللغة ~~صحيح. يقال سبخت القطن بمعنى نفشته. # ومعنى نفشته: وسعته، فيكون المعنى: إن لك في النهار توسعا طويلا. # قوله عز وجل: واذكر اسم ربك أي: بالنهار ms2353 أيضا وتبتل إليه تبتيلا قال ~~مجاهد: أخلص له إخلاصا. وقال ابن قتيبة: انقطع إليه، من قولك: بتلت الشيء: ~~إذا قطعته. وقال الزجاج: انقطع إليه في العبادة. ومنه قيل لمريم: البتول، ~~لأنها انقطعت إلى الله عز وجل في العبادة. وكذلك صدقة بتلة: # منقطعة من مال المصدق. والأصل في مصدر تبتل تبتيلا. وإنما قوله عز وجل ~~«تبتيلا» محمول على معنى: تبتل، رب المشرق قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ~~وحفص عن عاصم «رب» بالرفع. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن ~~عاصم بالخفض. وما بعد هذا قد سبق إلى قوله عز وجل: واصبر على ما يقولون من ~~التكذيب لك والأذى واهجرهم هجرا جميلا لا جزع فيه. وهذه الآية عند المفسرين ~~منسوخة بآية السيف، وذرني والمكذبين أي: لا تهتم بهم، فأنا أكفيكهم أولي ~~النعمة يعني: التنعم. # وفيمن عني بهذا ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم المطعمون ببدر، قاله مقاتل بن ~~حيان. والثاني: أنهم بنو المغيرة بن عبد الله، قاله مقاتل بن سليمان. ~~والثالث: أنه المستهزئون، وهم صناديد قريش، حكاه الثعلبي. # قوله عز وجل: ومهلهم قليلا قالت عائشة: فلم يكن إلا اليسير حتى كانت وقعة ~~بدر، وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، وليس بصحيح. # قوله عز وجل: إن لدينا أنكالا وجحيما وهي القيود، واحدها: نكل. وقد شرحنا ~~معنى «الجحيم» في البقرة «1» وطعاما ذا غصة وهو الذي لا يسوغ في الحلق. ~~وفيه للمفسرين أربعة أقوال: # أحدها: أنه شوك يأخذ الحلق فلا يدخل ولا يخرج، قاله ابن عباس، وعكرمة. ~~والثاني: الزقوم، قاله مقاتل. والثالث: الضريع، قاله الزجاج. والرابع: ~~الزقوم والغسلين والضريع، حكاه الثعلبي. # قوله عز وجل: يوم ترجف الأرض قال الزجاج: هو منصوب بقوله عز وجل: إن ~~لدينا أنكالا والمعنى: ينكل الكافرين ويعذبهم يوم ترجف الأرض أي: تزلزل ~~وتحرك أغلظ حركة. # قوله عز وجل: وكانت الجبال قال مقاتل: المعنى: وصارت بعد الشدة، والقوة ~~كثيبا قال الفراء: «الكثيب» : الرمل. و «المهيل» : الذي تحرك أسفله، فينهال ~~عليك من أعلاه. والعرب تقول: # مهيل ومهيول، ومكيل ومكيول. ms2354 وقال الزجاج: الكثيب جمعه: كثبان، وهي: القطع ~~العظام من الرمل. # والمهيل: السائل. # قوله عز وجل: إنا أرسلنا إليكم يعني أهل مكة رسولا يعني: محمدا صلى الله ~~عليه وسلم شاهدا عليكم بالتبليغ وإيمان من آمن، وكفر من كفر وعصى كما ~~أرسلنا إلى فرعون رسولا وهو موسى عليه السلام. # والوبيل: الشديد. قال ابن قتيبة: هو من قولك: استوبلت إذا استوخمته ~~المكان ويقال: كلأ مستوبل PageV04P355 # أي: لا يستمرأ. قال الزجاج: الوبيل: الثقيل الغليظ جدا. ومنه قيل للمطر ~~العظيم: وابل. قال مقاتل: # والمراد بهذا الأخذ الوبيل: الغرق. وهذا تخويف لكفار مكة أن ينزل بهم ~~العذاب لتكذيبهم، كما نزل بفرعون: # قوله عز وجل: فكيف تتقون إن كفرتم يوما أي: عذاب يوم. وقال الزجاج: ~~المعنى: بأي شيء تتحصنون من عذاب يوم من هوله يشيب الصغير من غير كبر. وقرأ ~~أبي بن كعب، وأبو عمران «نجعل الولدان» بالنون. # قوله عز وجل: السماء منفطر به قال الفراء: السماء تذكر وتؤنث. وهي هاهنا ~~في وجه التذكير. قال الشاعر: # فلو رفع السماء إليه قوما ... لحقنا بالسماء مع السحاب # قال الزجاج: وتذكير السماء على ضربين: أحدهما: على أن معنى السماء معنى ~~السقف. # والثاني: على قولهم: امرأة مرضع على جهة النسب. فالمعنى: السماء ذات ~~انفطار، كما أن المرضع ذات الرضاع. وقال ابن قتيبة: ومعنى الآية: السماء ~~منشق به، أي: فيه، يعني في ذلك اليوم. # قوله عز وجل: كان وعده مفعولا وذلك أنه وعيد بالبعث، فهو كائن لا محالة. ### | [سورة المزمل (73) : الآيات 19 الى 20] # إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (19) إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى ~~من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار ~~علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم ~~مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل ~~الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا ms2355 وأعظم أجرا ~~واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (20) # إن هذه يعني: آيات القرآن تذكرة أي: تذكير وموعظة فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا. # قوله عز وجل: إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى أي: أقل من ثلثي الليل ونصفه ~~وثلثه قرأ ابن كثير، وأهل الكوفة بفتح الفاء والثاء. والباقون: بكسرهما. # قوله عز وجل: وطائفة من الذين معك يعني: المؤمنين والله يقدر الليل ~~والنهار يعلم مقاديرهما، فيعلم القدر الذي تقومونه من الليل علم أن لن ~~تحصوه وفيه قولان: # أحدهما: لن تطيقوا قيام ثلثي الليل، ولا ثلث الليل، ولا نصف الليل، قاله ~~مقاتل. # والثاني: لن تحفظوا مواقيت الصلاة، قاله الفراء، قاله: فتاب عليكم أي: ~~عاد عليكم بالمغفرة والتخفيف فاقرؤا ما تيسر عليكم من القرآن يعني: في ~~الصلاة، من غير أن يوقت وقتا. وقال الحسن: هو ما يقرأ في صلاة المغرب ~~والعشاء. ثم ذكر أعذارهم فقال عز وجل: علم أن سيكون منكم مرضى فلا يطيقون ~~قيام الليل وآخرون يضربون في الأرض وهم المسافرون للتجارة يبتغون من فضل ~~الله أي: من رزقه فلا يطيقون قيام الليل وآخرون يقاتلون في سبيل الله وهم ~~المجاهدون فلا يطيقون قيام # PageV04P356 # الليل فاقرؤا ما تيسر منه ذكروا أن هذا نسخ عن المسلمين بالصلوات الخمس، ~~فذلك قوله عز وجل: # وأقيموا الصلاة أي: الصلوات الخمس في أوقاتها «1» وأقرضوا الله قرضا حسنا ~~وقد سبق بيانه «2» . قال ابن عباس: يريد سوى الزكاة في صلة الرحم وقرى ~~الضيف، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله أي: تجدوا ثوابه في ~~الآخرة. هو خيرا قال أبو عبيدة: المعنى: تجدوه خيرا. قال الزجاج: # ودخلت «هو» فصلا. وقال المفسرون: ومعنى «خيرا» أي: أفضل مما أعطيتم وأعظم ~~أجرا من الذي تؤخرونه إلى وقت الوصية عند الموت. PageV04P357 # سورة المدثر # وهي مكية بإجماعهم قال مقاتل: فيها من المدني آية، وهي قوله عز وجل: وما ~~جعلنا عدتهم إلا فتنة «1» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المدثر # (74) : الآيات 1 الى 37] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2) وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4) # والرجز ms2356 فاهجر (5) ولا تمنن تستكثر (6) ولربك فاصبر (7) فإذا نقر في ~~الناقور (8) فذلك يومئذ يوم عسير (9) # على الكافرين غير يسير (10) ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ~~ممدودا (12) وبنين شهودا (13) ومهدت له تمهيدا (14) # ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (16) سأرهقه صعودا (17) ~~إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) # ثم قتل كيف قدر (20) ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) ~~فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) # إن هذا إلا قول البشر (25) سأصليه سقر (26) وما أدراك ما سقر (27) لا ~~تبقي ولا تذر (28) لواحة للبشر (29) # عليها تسعة عشر (30) وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم ~~إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا ~~إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض ~~والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ~~وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر (31) كلا والقمر (32) ~~والليل إذ أدبر (33) والصبح إذا أسفر (34) # إنها لإحدى الكبر (35) نذيرا للبشر (36) لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ~~(37) # فأما سبب نزولها، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد ~~الله قال: # (1496) حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جاورت بحراء شهرا، فلما ~~قضيت جواري نزلت فاستبطنت PageV04P358 # بطن الوادي، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني، وعن شمالي، فلم أر ~~أحدا، ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو في الهواء، يعني: جبريل عليه السلام، ~~فأقبلت إلى خديجة، فقلت: دثروني دثروني، فأنزل الله عز وجل: يا أيها المدثر ~~(1) قم فأنذر. # (1497) قال المفسرون: فلما رأى جبريل وقع مغشيا عليه، فلما أفاق دخل إلى ~~خديجة، ودعا بماء فصبه عليه، وقال: دثروني، فدثروه بقطيفة، فأتاه جبريل ~~فقال: يا أيها المدثر وقرأ أبي بن كعب، وأبو عمران، والأعمش «المتدثر» ~~بإظهار التاء، وقرأ أبو رجاء، وعكرمة، وابن يعمر «المدثر» بحذف التاء، ~~وتخفيف الدال. قال اللغويون: وأصل «المدثر» المتدثر، فأدغمت التاء، كما ~~ذكرنا في المتزمل، وهذا قول الجمهور من التدثير بالثياب، وقيل ms2357 المعنى: يا ~~أيها المدثر بالنبوة، وأثقالها. قال عكرمة: # دثرت هذا الأمر فقم به.. # قوله عز وجل: قم فأنذر كفار مكة العذاب إن لم يوحدوا وربك فكبر أي: عظمه ~~عما يقول عبدة الأوثان وثيابك فطهر فيه ثمانية أقوال «1» : # أحدها: لا تلبسها على معصية، ولا على غدر. قال غيلان بن سلمة الثقفي: # وإني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من غدرة أتقنع «2» # روى هذا المعنى عكرمة عن ابن عباس. # والثاني: لا تكن ثيابك من مكسب غير طاهر، روي عن ابن عباس أيضا. # والثالث: طهر نفسك من الذنب، قاله مجاهد! وقتادة. ويشهد له قول عنترة: # فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم # أي: نفسه، وهذا مذهب ابن قتيبة. قال: المعنى: طهر نفسك من الذنوب، فكنى ~~عن الجسم PageV04P359 # بالثياب، لأنها تشتمل عليه. قالت ليلى الأخيلية وذكرت إبلا: # رموها بأثواب خفاف فلا ترى ... لها شبها إلا النعام المنفرا # أي: ركبوها، فرموها بأنفسهم! والعرب تقول للعفاف: إزار، لأن العفيف كأنه ~~استتر لما عف. # والرابع: وعملك فأصلح، قاله الضحاك. الخامس: خلقك فحسن، قاله الحسن، ~~والقرظي. # والسادس: وثيابك فقصر وشمر، قاله طاوس. والسابع: قلبك فطهر، قاله سعيد بن ~~جبير. ويشهد له قول امرئ القيس. # فإن تك قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # أي: قلبي من قلبك. # والثامن: اغسل ثيابك بالماء، ونقها، قاله ابن سيرين، وابن زيد. # قوله عز وجل: والرجز فاهجر قرأ الحسن، وأبو جعفر، وشيبة، وعاصم إلا أبا ~~بكر، ويعقوب، وابن محيصن، وابن السميفع «والرجز» بضم الراء. والباقون ~~بكسرها. ولم يختلفوا في غير هذا الموضع. قال الزجاج: ومعنى القراءتين واحد. ~~وقال أبو علي: قراءة الحسن بالضم، وقال: هو اسم صنم. وقال قتادة: صنمان: ~~إساف، ونائلة. ومن كسر، الرجز: العذاب. فالمعنى: ذو العذاب فاهجر. # وفي معنى: «الرجز» للمفسرين فيه ستة أقوال «1» : أحدها: أنه الأصنام، ~~والأوثان، قاله ابن عباس. ومجاهد، وعكرمة وقتادة، والزهري، والسدي، وابن ~~زيد. والثاني: أنه الإثم، روي عن ابن عباس أيضا. والثالث: الشرك، قاله ابن ~~جبير، والضحاك. والرابع: الذنب، قاله ms2358 الحسن. والخامس: # العذاب، قاله ابن السائب. قال الزجاج: الرجز في اللغة: العذاب، ومعنى ~~الآية: اهجر ما يؤدي إلى عذاب الله. والسادس: الشيطان، قاله ابن كيسان. # قوله: ولا تمنن تستكثر فيه أربعة أقوال «2» : أحدها: لا تعط عطية تلتمس ~~بها أفضل منها، قاله PageV04P360 # ابن عباس، وعكرمة، وقتادة. قال المفسرون: معناه: أعط لربك وأرد به الله، ~~فأدبه بأشرف الآداب. # ومعنى «لا تمنن» : لا تعط شيئا من مالك لتعطى أكثر منه. وهذا الأدب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم خاصة، وليس على أحد من أمته إثم أن يهدي هدية يرجو بها ~~ثوابا أكثر منها. والثاني: لا تمنن بعملك تستكثره على ربك، قاله الحسن. ~~والثالث: لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه، قاله مجاهد. والرابع: لا تمنن ~~على الناس بالنبوة لتأخذ عليها منهم أجرا، قاله ابن زيد. # قوله عز وجل: ولربك فيه أربعة أقوال: أحدها: لأجل ربك. والثاني: لثواب ~~ربك. والثالث: # لأمر ربك. والرابع: لوعد ربك فاصبر فيه قولان: أحدهما: على طاعته ~~وفرائضه. والثاني: على الأذى والتكذيب. # قوله عز وجل: فإذا نقر في الناقور أي: نفخ في الصور. وهل هذه النفخة هي ~~الأولى أو الثانية؟ # فيه قولان: فذلك يومئذ يوم عسير أي: تعسر الأمر فيه على الكافرين غير ~~يسير غير هين، قوله: ذرني قد شرحناه في المزمل «1» ومن خلقت أي: ومن خلقته ~~وحيدا فيه قولان «2» : أحدهما: خلقته وحيدا في بطن أمه لا مال له ولا ولد، ~~قاله مجاهد. والثاني: خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد، قاله الزجاج. # (1498) قال ابن عباس: جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال: يا عم ~~إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا، فإنك أتيت محمدا تتعرض لمقالته، فقال: ~~قد علمت قريش أني من أكثرها مالا. قال: فقل منه قولا يبلغ قومك أنك منكر ~~له، قال: وماذا أقول؟ فو الله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، والله ما ~~يشبهها الذي يقول، والله إن لقوله حلاوة، وإن عليه ms2359 طلاوة، وإنه لمثمر أعلاه ~~مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، ~~قال: فدعني حتى أفكر فيه. فقال: هذا سحر يؤثر: يأثره عن غيره، PageV04P361 # فنزلت: ذرني ومن خلقت وحيدا ... الآيات كلها. # (1499) وقال مجاهد: قال الوليد لقريش: إن لي إليكم حاجة فاجتمعوا في دار ~~الندوة، فقال: # إنكم ذوو أحساب وأحلام، وإن العرب يأتونكم، وينطلقون من عندكم على أمر ~~مختلف، فأجمعوا على شيء واحد. ما تقولون في هذا الرجل؟ قالوا: نقول: إنه ~~شاعر. فعبس عندها، وقال: قد سمعنا الشعر فما يشبه قوله الشعر. فقالوا: ~~نقول: إنه كاهن، قال: إذن يأتونه فلا يجدونه يحدث بما يحدث به الكهنة، ~~فقالوا: نقول: إنه مجنون، قال: إذن يأتونه فلا يجدونه مجنونا. فقالوا: ~~نقول: إنه ساحر. # قال: وما الساحر؟ قالوا: بشر يحببون بين المتباغضين، ويبغضون بين ~~المتحابين، قال: فهو ساحر، فخرجوا لا يلقى أحد منهم النبي إلا قال: يا ~~ساحر، فاشتد ذلك عليه، فأنزل الله عز وجل: يا أيها المدثر إلى قوله عز وجل: ~~ومن خلقت وحيدا وذكر بعض المفسرين أن قوله عز وجل: ذرني ومن خلقت وحيدا ~~منسوخ بآية السيف. ولا يصح. # قوله عز وجل: وجعلت له مالا ممدودا في معنى الممدود ثلاثة أقوال: أحدها: ~~كثيرا، قاله أبو عبيدة. والثاني: دائما، قاله ابن قتيبة. والثالث: غير ~~منقطع، قاله الزجاج. # وللمفسرين في مقداره أربعة أقوال: أحدها: غلة شهر بشهر، قاله عمر بن ~~الخطاب. والثاني: # ألف دينار، قاله ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير. قال الفراء: ونرى أن ~~الممدود: جعل غاية للعدد، لأن الألف غاية للعدد يرجع في أول العدد من ~~الألف. والثالث: أربعة آلاف، قاله قتادة. والرابع: أنه بستان كان له ~~بالطائف لا ينقطع خيره شتاء ولا صيفا، قاله مقاتل. # قوله تعالى: وبنين شهودا أي: حضورا معه لا يحتاجون إلى التصرف والنفر ~~فيغيبوا عنه. # وفي عددهم أربعة أقوال: أحدها: عشرة، قاله مجاهد. والثاني: ثلاثة عشر، ~~قاله ابن جبير. # والثالث: اثنا عشر، قاله السدي. والرابع: سبعة، قاله مقاتل. قوله: ومهدت ~~له تمهيدا أي: ms2360 بسطت له العيش، وطول العمر، ثم يطمع أن أزيد فيه قولان: ~~أحدهما: أيطمع أن أدخله الجنة. قاله الحسن. # والثاني: أن أزيده من المال والولد، قاله مقاتل. # إلى قوله: كلا أي: لا أفعل فمنعه الله المال والولد حتى مات فقيرا، إنه ~~كان لآياتنا عنيدا أي: معاندا. # وفي المراد بالآيات هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه القرآن قاله ابن جبير. ~~والثاني: الحق، قاله مجاهد. والثالث: رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ~~السدي. # قوله عز وجل: سأرهقه صعودا قال الزجاج: سأحمله على مشقة من العذاب وقال ~~غيره: PageV04P362 # سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له منها. وقال ابن قتيبة: «الصعود» : ~~العقبة الشاقة، وكذلك «الكؤود» . # (1500) وفي حديث أبي سعيد عن نبي الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز ~~وجل: سأرهقه صعودا قال: جبل من نار يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده عليه ذابت، ~~فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت وإذا رفعها عادت. يصعد سبعين خريفا، ~~ثم يهوي فيه كذلك أبدا. # (1501) وذكر ابن السائب أنه جبل من صخرة ملساء في النار، يكلف أن يصعدها ~~حتى إذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها، ثم يكلف أن يصعدها، فذلك دأبه أبدا، ~~يجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع الحديد، فيصعدها في ~~أربعين سنة. # قوله تعالى: إنه فكر أي: تفكر ماذا يقول في القرآن وقدر القول في نفسه ~~فقتل أي: # لعن كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر أي: لعن على أي حال قدر من الكلام. ~~وقيل: «كيف» هاهنا بمعنى التعجب والإنكار والتوبيخ. فإنما كرر تأكيدا ثم ~~نظر في طلب ما يدفع به القرآن، ويرده ثم عبس وبسر قال اللغويون: أي: كره ~~وجهه وقطب. يقال: بسر الرجل وجهه، إذا قبضه. وأنشدوا لتوبة: # وقد رابني منها صدود رأيته ... وإعراضها عن حاجتي وبسورها «1» # قال المفسرون: كره وجهه، ونظر بكراهية شديدة، كالمهتم المتفكر في الشيء ~~ثم أدبر عن الإيمان واستكبر أي: تكبر حين دعي إليه فقال إن هذا أي: ما هذا ~~القرآن إلا سحر يؤثر أي: # يروى عن السحرة إن ms2361 هذا إلا قول البشر أي: من كلام الإنس، وليس من كلام ~~الله تعالى، فقال الله تعالى: سأصليه سقر أي: سأدخله النار. وقد ذكرنا ~~«سقر» في سورة القمر «2» ، قوله: وما أدراك ما سقر لعظم شأنها لا تبقي ولا ~~تذر أي: لا تبقي لهم لحما إلا أكلته، ولا تذرهم إذا أعيدوا فيها خلقا جديدا ~~لواحة أي: مغيرة يقال: لاحته الشمس، أي: غيرته. وأنشدوا: PageV04P363 # يا ابنة عمي لاحني الهواجر # وقرأ ابن مسعود، وابن السميفع، وابن عبلة «لواحة» بالنصب. # وفي «البشر» قولان: أحدهما: أنه جمع بشرة، وهي جلدة الإنسان الظاهرة، ~~وهذا قول مجاهد، والفراء، والزجاج. والثاني: أنهم الإنس من أهل النار، قاله ~~الأخفش، وابن قتيبة في آخرين. # قوله عز وجل: عليها تسعة عشر وهم خزنتها. # (1502) مالك ومعه ثمانية عشر، أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم كالصياصي ~~يخرج لهب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، يسع كف أحدهم ~~مثل ربيعة ومضر. قد نزعت منهم الرحمة. فلما نزلت هذه الآية قال أبو جهل: ~~يخوفكم محمد بتسعة عشر، ما له من الجنود إلا هؤلاء! أيعجز كل عشرة منكم أن ~~يبطشوا بواحد منهم، ثم يخرجون من النار! فقال أبو الأشد «1» قال مقاتل: # اسمه: أسيد بن كلدة. وقال غيره: كلدة بن خلف الجمحي: يا معشر قريش: أنا ~~أمشي بين أيديكم وأدفع عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر، فندخل ~~الجنة، فأنزل الله تعالى: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة لا آدميين، فمن ~~يطيقهم ومن يغلبهم؟! وما جعلنا عدتهم في هذه القلة إلا فتنة أي: ضلالة ~~للذين كفروا حتى قالوا ما قالوا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب أن ما جاء به ~~محمد حق، لأن عدتهم في التوراة تسعة عشر، ويزداد الذين آمنوا من أهل الكتاب ~~إيمانا أي: تصديقا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذ وجدوا ما يخبرهم به موافقا ~~لما في كتابهم ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون أي: ولا يشك هؤلاء ~~في عدة الخزنة. # وليقول الذين في قلوبهم مرض وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه النفاق، ذكره ~~الأكثرون. والثاني: أنه الشك، ms2362 قاله مقاتل، وزعم أنهم يهود أهل المدينة، ~~وعنده أن هذه الآية مدنية. والثالث: أنه الخلاف، قاله الحسين بن الفضل. ~~وقال: لم يكن بمكة نفاق. وهذه مكية. فأما «الكافرون» فهم مشركو العرب، ماذا ~~أراد الله أي: أي شيء أراد الله بهذا الحديث والخبر مثلا والمثل يكون بمعنى ~~الحديث نفسه ومعنى الكلام: يقولون ما هذا من الحديث كذلك أي: كما أضل من ~~أنكر عدة الخزنة، وهدى من صدق يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وأنزل في قول ~~أبي جهل: أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر: وما يعلم جنود ربك إلا هو ~~يعني: من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار. وذلك أن لكل واحد من ~~هؤلاء التسعة عشر من الأعوان ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، وذكر الماوردي ~~في وجه الحكمة في كونهم تسعة عشرة قولا محتملا، فقال: التسعة عشر: عدد يجمع ~~أكثر القليل، وأقل الكثير، لأن الآحاد أقل الأعداد، وأكثرها تسعة، وما سوى ~~الآحاد كثير. وأقل الكثير: عشرة، فوقع الاقتصار على عدد يجمع أقل الكثير، ~~وأكثر القليل. ثم رجع إلى ذكر النار فقال عز وجل: وما هي إلا ذكرى أي: ما ~~PageV04P364 # النار في الدنيا إلا مذكرة بنار الآخرة كلا أي: حقا والقمر (32) والليل ~~إذ أدبر قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم ~~«إذا أدبر» وقرأ نافع، وحمزة، وحفص، والفضل عن عاصم، ويعقوب وخلف، «إذ» ~~بسكون الذال من غير ألف بعدها «أدبر» بسكون الدال، وبهمزة قبلها. # وهل معنى القراءتين واحد، أم لا؟ فيه قولان «1» : أحدهما: أنهما لغتان ~~بمعنى واحد. يقال: دبر الليل، وأدبر، ودبر الصيف وأدبر، هذا قول الفراء. ~~والأخفش، وثعلب. والثاني: أن «دبر» بمعنى خلف، و «أدبر» بمعنى ولى. يقال: ~~دبرني فلان: جاء خلفي، وإلى هذا المعنى ذهب أبو عبيدة وابن قتيبة. # قوله عز وجل: إذا أسفر أي: أضاء وتبين إنها يعني: سقر لإحدى الكبر قال ~~ابن قتيبة: # الكبر، جمع كبرى، مثل الأول والأولى، والصغر والصغرى. وهذا كما يقال: ~~إنها لإحدى العظائم. # قال الحسن: ms2363 والله ما أنذر الله بشيء أدهى منها. # وقال ابن السائب، ومقاتل: أراد بالكبر: دركات جهنم السبعة. # قوله عز وجل: نذيرا للبشر قال الزجاج: نصب «نذيرا» على الحال. والمعنى: ~~إنها لكبيرة في حال الإنذار. وذكر «النذير» ، لأن معناه معنى العذاب. ويجوز ~~أن يكون «نذيرا» منصوبا متعلقا بأول السورة، على معنى: قم نذيرا للبشر. # قوله عز وجل: لمن شاء منكم بدل من قوله عز وجل: «للبشر» ، أن يتقدم أو ~~يتأخر فيه أربعة أقوال: أحدها: أن يتقدم في طاعة الله أو يتأخر عن معصيته، ~~قاله ابن جريج. والثاني: أن يتقدم إلى النار، أو يتأخر عن الجنة، قاله ~~السدي. والثالث: أن يتقدم في الخير، أو يتأخر إلى الشر، قاله يحيى بن سلام. ~~والرابع: أن يتقدم في الإيمان، أو يتأخر عنه. والمعنى: أن الإنذار قد حصل ~~لكل أحد ممن أقر أو كفر. ### | [سورة المدثر (74) : الآيات 38 الى 56] # كل نفس بما كسبت رهينة (38) إلا أصحاب اليمين (39) في جنات يتساءلون (40) ~~عن المجرمين (41) ما سلككم في سقر (42) # قالوا لم نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44) وكنا نخوض مع ~~الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى أتانا اليقين (47) # فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48) فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم ~~حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة (51) بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة (52) # كلا بل لا يخافون الآخرة (53) كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره (55) وما ~~يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة (56) # قوله عز وجل: كل نفس بما كسبت رهينة فيه ثلاثة أقوال: أحدها: كل نفس ~~بالغة مرتهنة بعملها لتحاسب عليه إلا أصحاب اليمين وهم أطفال المسلمين، ~~فإنه لا حساب عليهم، لأنه لا ذنوب عليهم، قاله علي رضي الله عنه واختاره ~~الفراء. والثاني: كل نفس من أهل النار مرتهنة في النار، إلا أصحاب ~~PageV04P365 # اليمين، وهم المؤمنون، فإنهم في الجنة، قاله الضحاك. والثالث: كل نفس ~~مرتهنة بعملها لتحاسب عليه إلا أصحاب اليمين، فإنهم لا يحاسبون، قاله ابن ~~جريج. # قوله عز وجل: يتساءلون (40) عن المجرمين قال مقاتل: إذا خرج ms2364 أهل التوحيد ~~من النار قال المؤمنون لمن بقي في النار: ما سلككم في سقر قال الفراء: وهذه ~~الآية تقوي أنهم الولدان لأنهم لم يعرفوا الذنوب فسألوا ما سلككم في سقر؟ ~~قال المفسرون: سلككم بمعنى: أدخلكم. وقال مقاتل: ما حبسكم فيها؟ قالوا لم ~~نك من المصلين لله في دار الدنيا ولم نك نطعم المسكين أي: لم نتصدق لله ~~وكنا نخوض مع الخائضين أهل الباطل والتكذيب وكنا نكذب بيوم الدين أي: بيوم ~~الجزاء والحساب حتى أتانا اليقين وهو الموت. يقول الله تعالى: فما تنفعهم ~~شفاعة الشافعين وهذا إنما جرى بعد شفاعة الأنبياء والملائكة والشهداء ~~والمؤمنين. وهذا يدل على أن نفع الشفاعة لمن آمن. قوله: فما لهم عن التذكرة ~~معرضين؟ يعني: كفار قريش حين نفروا من القرآن والتذكير بمواعظه. والمعنى: ~~لا شيء لهم في الآخرة إذ أعرضوا عن القرآن ولم يؤمنوا به، ثم شبههم في ~~نفورهم عنه بالحمر، فقال عز وجل: # كأنهم حمر مستنفرة قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر، والمفضل عن عاصم بفتح ~~الفاء. والباقون بكسرها. قال أبو عبيدة، وابن قتيبة: من قرأ بفتح الفاء ~~أراد: مذعورة، استنفرت فنفرت، ومن قرأ بكسر الفاء أراد: نافرة: قال الفراء: ~~أهل الحجاز يقولون: حمر مستنفرة. وناس من العرب يكسرون الفاء. والفتح أكثر ~~في كلام العرب. وقراءتنا بالكسر. أنشدني الكسائي: # احبس حمارك إنه مستنفر ... في إثر أحمرة عمدن لغرب # «وغرب» موضع. # وفي «القسورة» سبعة أقوال: أحدها: أنه الأسد، رواه يوسف بن مهران عن ابن ~~عباس: وبه قال أبو هريرة، وزيد بن أسلم، وابنه. قال ابن عباس: الحمر ~~الوحشية إذا عاينت الأسد هربت منه، فكذلك هؤلاء المشركون إذا سمعوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم هربوا منه، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة، والزجاج. قال ابن ~~قتيبة: # كأنه من القسر والقهر. والأسد يقهر السباع. والثاني: أن القسورة: الرماة، ~~رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال أبو موسى الأشعري، ومجاهد، وقتادة، ~~والضحاك، ومقاتل، وابن كيسان. والثالث: أن القسورة: حبال الصيادين، رواه ~~عكرمة عن ابن عباس. والرابع: أنهم عصب الرجال، رواه ms2365 أبو حمزة عن ابن عباس. ~~واسم أبي حمزة: نصر بن عمران الضبعي. والخامس: أنه ركز الناس، وهذا في ~~رواية عطاء أيضا عن ابن عباس. وركز الناس: حسهم وأصواتهم. والسادس: أنه ~~الظلمة والليل، قاله عكرمة. والسابع: أنه النبل، قاله قتادة. # قوله عز وجل: بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة فيها ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن نتبعك، فليصبح عند ~~رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله تعالى إلى فلان بن فلان يؤمر فيه ~~باتباعك قاله الجمهور «1» . والثاني: أنهم أرادوا براءة من النار أن لا ~~يعذبوا بها، قاله أبو صالح. والثالث: أنهم قالوا: كان الرجل إذا أذنب في ~~بني إسرائيل وجده مكتوبا إذا أصبح في رقعة. PageV04P366 # فما بالنا لا نرى ذلك؟ فنزلت هذه الآية، قاله الفراء. فقال الله تعالى: ~~كلا أي: لا يؤتون الصحف بل لا يخافون الآخرة أي: لا يخشون عذابها. فالمعنى: ~~أنهم لو خافوا النار لما اقترحوا الآيات بعد قيام الدلالة كلا أي: حقا. ~~وقيل: معنى (كلا) : ليس الأمر كما يريدون ويقولون إنه يعني القرآن تذكرة ~~أي: تذكير وموعظة فمن شاء ذكره الهاء عائدة على القرآن فالمعنى: فمن شاء أن ~~يذكر القرآن ويتعظ به ويفهمه، ذكره. ثم رد المشيئة إلى نفسه فقال عز وجل: ~~وما يذكرون إلا أن يشاء الله أي: إلا أن يريد لهم الهدى هو أهل التقوى أي: ~~أهل أن يتقى وأهل المغفرة أي: أهل أن يغفر لمن تاب. # (1503) روى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية، ~~فقال: «قال ربكم عز وجل: أنا أهل أن أتقى، فلا يشرك بي غيري. وأنا أهل لمن ~~اتقى أن يشرك بي غيري أن أغفر له» . PageV04P367 ### | سورة القيمة # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة القيامة (75) : الآيات 1 الى # 15] # بسم الله الرحمن الرحيم # لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) أيحسب الإنسان ألن ~~نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) # بل يريد ms2366 الإنسان ليفجر أمامه (5) يسئل أيان يوم القيامة (6) فإذا برق ~~البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) # يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) كلا لا وزر (11) إلى ربك يومئذ ~~المستقر (12) ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر (13) بل الإنسان على نفسه ~~بصيرة (14) # ولو ألقى معاذيره (15) # قوله تعالى: لا أقسم اتفقوا على أن المعنى «قسم» واختلفوا في «لا» فجعلها ~~بعضهم زائدة، كقوله تعالى: لئلا يعلم أهل الكتاب «1» وجعلها بعضهم توكيدا ~~للقسم كقولك: لا والله لا أفعل، وجعلها بعضهم ردا على منكري البعث. ويدل ~~عليه أنه «أقسم» على كون البعث. قال ابن قتيبة: زيدت «لا» على نية الرد على ~~المكذبين، كما تقول: لا والله ما ذاك كما تقول: ولو حذفت جاز، ولكنه أبلغ ~~في الرد. وقرأ ابن كثير إلا ابن فليح «لأقسم» بغير ألف بعد اللام فجعلها ~~لاما دخلت على «أقسم» ، وهي قراءة ابن عباس، وأبي عبد الرحمن، والحسن، ~~ومجاهد، وعكرمة. وابن محيصن. قال الزجاج: # من قرأ «لأقسم» فاللام لام القسم والتوكيد. وهذه القراءة بعيدة في ~~العربية، لأن لام القسم لا تدخل على الفعل المستقبل إلا مع النون، تقول: ~~لأضربن زيدا. ولا يجوز: لأضرب زيدا. # قوله عز وجل: ولا أقسم بالنفس اللوامة قال الحسن: أقسم بالأولى ولم يقسم ~~بالثانية. وقال قتادة: حكمها حكم الأولى. # وفي «النفس اللوامة» ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنها المذمومة، قاله ابن ~~عباس. فعلى هذا: هي التي تلوم نفسها حين لا ينفعها اللوم. والثاني: أنها ~~النفس المؤمنة، قاله الحسن. قال: لا ترى المؤمن PageV04P368 # إلا يلوم نفسه على كل حال. والثالث: أنها جميع النفوس. قال الفراء: ليس ~~من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت خيرا قالت: هلا ~~زدت. وإن كانت عملت سوءا قالت: ليتني لم أفعل «1» . # قوله عز وجل: أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه المراد بالإنسان هاهنا: ~~الكافر. # وقال ابن عباس: يريد أبا جهل. # (1504) وقال مقاتل: عدي بن ربيعة وذلك أنه قال: أيجمع الله هذه العظام؟ ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: # «نعم» ، فاستهزأ منه، فنزلت هذه الآية. قال ms2367 ابن الأنباري: وجواب القسم ~~محذوف كأنه: ليبعثن ليحاسبن، فدل قوله عز وجل: أيحسب الإنسان ألن نجمع ~~عظامه على الجواب، محذوف. # وقوله عز وجل: بلى وقف حسن. ثم يبتدأ قادرين على معنى: بلى نجمعها ~~قادرين، ويصلح نصب «قادرين» على التكرير: بلى فليحسبنا قادرين على أن نسوي ~~بنانه وفيه قولان: أحدهما: # أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف البعير، وحافر الحمار، فيعدم ~~الارتفاق بالأعمال اللطيفة، كالكتابة والخياطة، هذا قول الجمهور. والثاني: ~~نقدر على تسوية بنانه كما كانت، وإن صغرت عظامها، ومن قدر على جمع صغار ~~العظام، كان على جمع كبارها أقدر، هذا قول ابن قتيبة، والزجاج. # وقد بينا معنى البنان في الأنفال «2» . # قوله عز وجل: بل يريد الإنسان ليفجر أمامه فيه قولان: أحدهما: يكذب بما ~~أمامه من البعث والحساب، قاله ابن عباس. والثاني: يقدم الذنب ويؤخر التوبة، ~~ويقول: سوف أتوب، قاله سعيد بن جبير. فعلى هذا: يكون المراد بالإنسان: ~~المسلم. وعلى الأول: الكافر. # قوله عز وجل: يسئل أيان يوم القيامة أي: متى هو؟ تكذيبا به، وهذا هو ~~الكافر، فإذا برق البصر قرأ أهل المدينة، وأبان عن عاصم «برق» بفتح الراء، ~~والباقون بكسرها: قال الفراء: العرب تقول: برق البصر يبرق، وبرق يبرق: إذا ~~رأى هولا يفزع منه. و «برق» أكثر وأجود. قال الشاعر: # فنفسك فانع ولا تنعني ... وداو الكلوم ولا تبرق «3» # بالفتح. يقول: لا تفزع من هول الجراح التي بك. قال المفسرون: يشخص بصر ~~الكافر يوم القيامة، فلا يطرف لما يرى من العجائب التي كان يكذب بها في ~~الدنيا. وقال مجاهد: برق البصر عند الموت. # قوله عز وجل: وخسف القمر قال أبو عبيدة: خسف وكسف بمعنى واحد، أي: ذهب ~~ضوءه. PageV04P369 # قوله عز وجل: وجمع الشمس والقمر إنما قال: «جمع» لتذكير القمر، هذا قول ~~أبي عبيدة. وقال الفراء: إنما لم يقل: جمعت، لأن المعنى: جمع بينهما وفي ~~معنى الآية قولان: # أحدهما: جمع بين ذاتيهما. وقال ابن مسعود: جمعا كالبعيرين القرينين. وقال ~~عطاء بن يسار: # يجمعان ثم يقذفان في البحر. وقيل: يقذفان في النار. ms2368 وقيل: يجمعان، ~~فيطلعان من المغرب. والثاني: # جمع بينهما في ذهاب نورهما، قاله الفراء، والزجاج. # قوله عز وجل: يقول الإنسان يعني: المكذب بيوم القيامة أين المفر قرأ ~~الجمهور بفتح الميم، والفاء، وقرأ ابن عباس، ومعاوية، وأبو رزين وأبو عبد ~~الرحمن، والحسن، وعكرمة، والضحاك والزهري، وابن يعمر، وابن أبي عبلة: بكسر ~~الفاء. قال الزجاج: فمن فتح، فالمعنى: أين الفرار؟ ومن كسر، فالمعنى: أين ~~مكان الفرار؟ تقول: جلست مجلسا بالفتح، يعني: جلوسا. فإذا قلت: مجلسا ~~بالكسر. فأنت تريد المكان. # قوله عز وجل: كلا لا وزر قال ابن قتيبة: لا ملجأ. وأصل الوزر: الجبل الذي ~~يمتنع فيه إلى ربك يومئذ المستقر # أي: المنتهى والمرجع. ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # فيه ستة أقوال: أحدها: بما قدم قبل موته، وما سن من شيء فعمل به بعد ~~موته، قاله ابن مسعود، وابن عباس. والثاني: ينبأ بأول عمله وآخره. قاله ~~مجاهد. والثالث: بما قدم من الشر، وأخر من الخير. قاله عكرمة. والرابع: بما ~~قدم من فرض، وأخر من فرض، قاله الضحاك. والخامس: بما قدم من المعصية، وأخر ~~من الطاعة. # والسادس: بما قدم من أمواله، وما خلف للورثة قاله زيد بن أسلم. قوله عز ~~وجل: بل الإنسان على نفسه بصيرة # قال الفراء: المعنى: بل على الإنسان من نفسه بصيرة، أي رقباء يشهدون عليه ~~بعمله، وهي: # الجوارح. قال ابن قتيبة: فلما كانت جوارحه منه، أقامها مقامه. وقال أبو ~~عبيدة: جاءت الهاء في «بصيرة» في صفة الذكر، كما كانت في: رجل راوية، ~~وطاغية، وعلامة. # قوله عز وجل: ولو ألقى معاذيره. # وفي المعاذير قولان: أحدهما: أنه جمع عذر، فالمعنى: لو اعتذر، وجادل عن ~~نفسه، فعليه من يكذب عذره، وهي: الجوارح، وهذا قول الأكثرين. والثاني: أن ~~المعاذير جمع معذار، وهو: الستر. # والمعاذير: الستور. فالمعنى: ولو أرخى ستوره، هذا قول الضحاك، والسدي، ~~والزجاج. فيخرج في معنى «ألقى» قولان: أحدهما: قال، ومنه: فألقوا إليهم ~~القول «1» ، وهذا على القول الأول. # والثاني: أرخى، وهذا على القول الثاني. ### | ### | [سورة القيامة (75) : الآيات 16 الى # 25] # لا تحرك به ms2369 لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه ~~فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه (19) كلا بل تحبون العاجلة (20) # وتذرون الآخرة (21) وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) ووجوه ~~يومئذ باسرة (24) تظن أن يفعل بها فاقرة (25) # قوله عز وجل: لا تحرك به لسانك PageV04P370 # (1505) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعالج من التنزيل شدة، وكان يشتد عليه حفظه، وكان إذا نزل عليه الوحي يحرك ~~لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي، مخافة أن لا يحفظه، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. معناها: لا تحرك بالقرآن لسانك لتعجل بأخذه إن علينا ~~جمعه وقرآنه # قال ابن قتيبة: أي: ضمه وجمعه في صدرك فإذا قرأناه # أي: جمعناه فاتبع قرآنه # أي: # جمعه. قال المفسرون: يعني: اقرأه إذا فرغ جبريل من قراءته «1» . قال ابن ~~عباس: فاتبع قرآنه، أي: # اعمل به. وقال قتادة: فاتبع حلاله وحرامه ثم إن علينا بيانه فيه أربعة ~~أقوال: أحدها: نبينه بلسانك، فتقرؤه كما أقرأك جبريل. وكان إذا أتاه جبريل ~~أطرق، فإذا ذهب، قرأه كما وعده الله، قاله ابن عباس. # والثاني: إن علينا أن نجزي به يوم القيامة بما فيه من وعد ووعيد، قاله ~~الحسن. والثالث: إن علينا بيانه: # ما فيه من الأحكام، والحلال، والحرام، قاله قتادة. والرابع: علينا أن ~~ننزله قرآنا عربيا، فيه بيان للناس، قاله الزجاج. # قوله عز وجل: كلا قال عطاء: أي: لا يؤمن أبو جهل بالقرآن وبيانه، وقال ~~ابن جرير: # والمعنى: ليس الأمر كما تقولون من أنكم لا تبعثون، ولكن دعاكم إلى قيل ~~ذلك محبتكم للعاجلة. # قوله عز وجل: بل تحبون العاجلة قرأ ابن كثير، وأبو عمرو «بل يحبون ~~العاجلة ويذرون» بالياء فيهما. وقرأ الباقون بالتاء فيهما. والمراد: كفار ~~مكة، يحبونها ويعملون لها «ويذرون الآخرة» أي: # يتركون العمل إيثارا للدنيا عليها. # قوله عز وجل: وجوه يومئذ ناضرة أي: مشرقة بالنعم إلى ربها ناظرة روى عطاء ~~عن ابن عباس قال: إلى الله ناظرة. قال الحسن: حق لها أن تنضر وهي تنظر إلى ~~الخالق، ms2370 وهذا مذهب عكرمة. ورؤية الله عز وجل حق لا شك فيها. والأحاديث ~~صحيحة صحاح، قد ذكرت جملة منها في «المغني» و «الحدائق» . # قوله عز وجل: ووجوه يومئذ باسرة قال ابن قتيبة: أي: عابسة مقطبة. # قوله عز وجل: تظن قال الفراء: أي: تعلم، و «الفاقرة» يقال: إنه الداهية. ~~قال ابن قتيبة: إنه من فقارة الظهر، كأنها تكسره، يقال: فقرت الرجل إذا ~~كسرت فقاره، كما يقال: رأسته: إذا ضربت رأسه، وبطنته: إذا ضربت بطنه. قال ~~ابن زيد: والفاقرة: دخول النار. قال ابن السائب: هي أن تحجب عن ربها، فلا ~~تنظر إليه. PageV04P371 ### | [سورة القيامة (75) : الآيات 26 الى 40] # كلا إذا بلغت التراقي (26) وقيل من راق (27) وظن أنه الفراق (28) والتفت ~~الساق بالساق (29) إلى ربك يومئذ المساق (30) # فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ذهب إلى أهله يتمطى (33) ~~أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى (35) # أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) ألم يك نطفة من مني يمنى (37) ثم كان ~~علقة فخلق فسوى (38) فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى (39) أليس ذلك بقادر ~~على أن يحيي الموتى (40) # قوله عز وجل: كلا قال الزجاج: «كلا» ردع وتنبيه. المعنى: ارتدعوا عما ~~يؤدي إلى العذاب. وقال غيره: معنى «كلا» : لا يؤمن الكافر بهذا. # قوله عز وجل: إذا بلغت يعني: النفس. وهذه كناية عن غير مذكور. والتراقي ~~العظام المكتنفة لنقرة النحر عن يمين وشمال. وواحدة التراقي ترقوة، ويكنى ~~ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت، وقيل من راق # فيه قولان: أحدهما: أنه قول الملائكة بعضهم لبعض: من يرقى روحه، ملائكة ~~الرحمة، أو ملائكة العذاب؟ رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس، وبه قال أبو ~~العالية ومقاتل. # والثاني: أنه قول أهله: هل من راق يرقيه بالرقى؟ وهو مروي عن ابن عباس ~~أيضا، وبه قال عكرمة، والضحاك، وأبو قلابة، وقتادة، وابن زيد، وأبو عبيدة، ~~وابن قتيبة، والزجاج. # قوله عز وجل: وظن أي: أيقن الذي بلغت روحه التراقي أنه الفراق للدنيا ~~والتفت الساق بالساق فيه خمسة أقوال: أحدها: أمر الدنيا بأمر الآخرة، رواه ~~الوالبي عن ابن عباس: ms2371 وبه قال مقاتل. # والثاني: اجتمع فيه الحياة والموت، قاله الحسن. وعن مجاهد كالقولين. ~~والثالث: التفت ساقاه في الكفن، قاله سعيد بن المسيب. والرابع: التفت ساقاه ~~عند الموت، قاله الشعبي. والخامس: الشدة بالشدة، قاله قتادة. آخر شدة ~~الدنيا بأول شدة الآخرة. # قوله عز وجل: إلى ربك يومئذ المساق أي: إلى الله المنتهى، قوله: فلا صدق ~~ولا صلى قال أبو عبيدة: «لا» هاهنا في موضع «لم» . قال المفسرون هو أبو جهل ~~ولكن كذب بالقرآن وتولى عن الإيمان ثم ذهب إلى أهله يتمطى أي: رجع إليهم ~~يتبختر ويختال. قال الفراء: يتمطى أي: يتبختر، لأن الظهر هو المطا، فيلوي ~~ظهره متبخترا. وقال ابن قتيبة: أصله يتمطط، فقلبت الطاء فيه، كما قيل: # يتظنى، أي: يتظنن، ومنه المشية المطيطاء. وأصل الطاء في هذا كله دال. ~~إنما هو مد يده في المشي إذا تبختر. يقال: مططت ومددت بمعنى. # قوله عز وجل: أولى لك فأولى قال ابن قتيبة: هو تهديد ووعيد. وقال الزجاج: ~~العرب تقول: # أولى لفلان: إذا دعت عليه بالمكروه، ومعناه: وليك المكروه يا أبا جهل. # قوله عز وجل: أيحسب الإنسان يعني: أبا جهل أن يترك سدى قال ابن قتيبة: ~~أي: يهمل فلا يؤمر ولا ينهى ولا يعاقب، يقال: أسديت الشيء، أي: أهملته. ثم ~~دل على البعث ب قوله عز وجل: # ألم يك نطفة من مني يمنى قرأ أبن كثير، ونافع، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر ~~عن عاصم: «تمنى» بالتاء. وقرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم، ويعقوب «يمنى» ~~بالياء. وعن أبي عمرو كالقراءتين. وقد شرحنا هذا في النجم «1» ثم كان علقة ~~بعد النطفة فخلق فيه الروح، وسوى خلقه فجعل منه أي: PageV04P372 # خلق من مائه أولادا ذكورا وإناثا أليس ذلك الذي فعل هذا بقادر على أن ~~يحيي الموتى وقرأ أبو بكر الصديق، وأبو رجاء، وعاصم الجحدري «يقدر» على أن ~~يحيي الموتى وهذا تقرير لهم، أي: إن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة. # (1506) قال ابن عباس: إذا قرأ أحدكم هذه الآية، فليقل: اللهم بلى. ~~PageV04P373 ### | سورة الإنسان # سورة هل أتى: ms2372 ويقال لها: سورة الدهر وفيها ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنها ~~مدنية كلها، قاله الجمهور منهم، مجاهد وقتادة. والثاني: # مكية، قاله ابن يسار، ومقاتل، وحكي عن ابن عباس. والثالث: أن فيها مكيا ~~ومدنيا. # ثم في ذلك قولان: أحدهما: أن المكي منها آية، وهي قوله عز وجل: ولا تطع ~~منهم آثما أو كفورا وباقيها جميعه مدني، قاله الحسن وعكرمة. والثاني: أن ~~أولها مدني إلى قوله عز وجل: إنا نحن نزلنا عليك القرآن «2» ومن هذه الآية ~~إلى آخرها مكي، حكاه الماوردي. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الإنسان (76) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إنا هديناه السبيل ~~إما شاكرا وإما كفورا (3) # قوله تعالى: هل أتى قال الفراء: معناه: قد أتى. و «هل» تكون خبرا، وتكون ~~جحدا، فهذا من الخبر، لأنك تقول: هل وعظتك؟ هل أعطيتك؟ فتقرره بأنك قد فعلت ~~ذلك. والجحد، أن تقول: # وهل يقدر أحد على مثل هذا؟ وهذا قول المفسرين، وأهل اللغة. وفي هذا ~~الإنسان قولان: أحدهما: # أنه آدم عليه السلام. والحين الذي أتى عليه: أربعون سنة، وكان مصورا من ~~طين لم ينفخ فيه الروح، هذا قول الجمهور. والثاني: أنه جميع الناس، روي عن ~~ابن عباس، وابن جريج، فعلى هذا يكون الإنسان اسم جنس، ويكون الحين زمان ~~كونه نطفة، وعلقة، ومضغة. # قوله عز وجل: لم يكن شيئا مذكورا المعنى: أنه كان شيئا، غير أنه لم يكن ~~مذكورا. # قوله عز وجل: إنا خلقنا الإنسان يعني: ولد آدم من نطفة أمشاج قال ابن ~~قتيبة: أي: # أخلاط. يقال: مشجته، فهو مشيج، يريد: اختلاط ماء المرأة بماء الرجل. # قوله تعالى: نبتليه قال الفراء: هذا مقدم، ومعناه التأخير، لأن المعنى: ~~خلقناه وجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه. قال الزجاج: المعنى: جعلناه كذلك ~~لنختبره وقوله عز وجل: إنا هديناه السبيل PageV04P374 # أي بينا له سبيل الهدى بنصب الأدلة، وبعث الرسول «1» إما شاكرا أي: ~~خلقناه إما شاكرا وإما كفورا وقال ms2373 الفراء: بينا له الطريق إن شكر، أو كفر. ### | [سورة الإنسان (76) : الآيات 4 الى 31] # إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا (4) إن الأبرار يشربون من كأس ~~كان مزاجها كافورا (5) عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون ~~بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ~~ويتيما وأسيرا (8) # إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) إنا نخاف من ربنا ~~يوما عبوسا قمطريرا (10) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا (11) ~~وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها ~~شمسا ولا زمهريرا (13) # ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) ويطاف عليهم بآنية من فضة ~~وأكواب كانت قواريرا (15) قواريرا من فضة قدروها تقديرا (16) ويسقون فيها ~~كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) # ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) وإذا رأيت ~~ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (20) عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور ~~من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم ~~مشكورا (22) إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا (23) # فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا (24) واذكر اسم ربك بكرة ~~وأصيلا (25) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (26) إن هؤلاء يحبون ~~العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا ~~بدلنا أمثالهم تبديلا (28) # إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (29) وما تشاؤن إلا أن يشاء ~~الله إن الله كان عليما حكيما (30) يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد ~~لهم عذابا أليما (31) # قوله عز وجل: إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة ~~«سلاسل» بغير تنوين، ووقفوا بألف، ووصله أبو عمرو بألف من غير تنوين ~~والباقون يصلون بالتنوين ويقفون بألف. # قال مكي بن أبي طالب النحوي: «سلاسل» و «قوارير» أصله أن لا ينصرف، ومن ~~صرفه من القراء، فإنها لغة لبعض العرب. وقيل: إنما صرفه لأنه وقع في المصحف ~~بالألف، فصرفه لاتباع خط المصحف. قال مقاتل: السلاسل في أعناقهم، والأغلال ~~في أيديهم. وقد ms2374 شرحنا معنى «السعير» في سورة النساء «2» . # قوله عز وجل: إن الأبرار واحدهم بر، وبار، وهم الصادقون. وقيل: المطيعون. ~~وقال الحسن: وهم الذين لا يؤذون الذر يشربون من كأس أي: من إناء فيه شراب ~~كان مزاجها يعني: PageV04P375 # مزاج الكأس كافورا وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الكافور المعروف، قاله ~~مجاهد، ومقاتل، فعلى هذا في المراد «بالكافور» ثلاثة أقوال: أحدها: برده، ~~قاله الحسن. والثاني: ريحه، قاله قتادة. # والثالث: طعمه، قاله السدي. والثاني: أنه اسم عين في الجنة، قاله عطاء، ~~وابن السائب. والثالث: أن المعنى: مزاجها كالكافور لطيب ريحه، وأجازه ~~الفراء، والزجاج. # قوله عز وجل: عينا قال الفراء: هي المفسرة للكافور، وقال الأخفش: هي ~~منصوبة على معنى: أعني عينا. وقال الزجاج: الأجود أن يكون المعنى: من عين، ~~قوله: يشرب بها فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يشرب منها. والثاني: يشربها، ~~والباء صلة. والثالث: يشرب بها عباد الله الخمر يمزجونها بها. # وفي هذه العين قولان: أحدهما: أنها الكافور الذي سبق ذكره. والثاني: ~~التسنيم، وعباد الله هاهنا: أولياؤه يفجرونها تفجيرا قال مجاهد: يقودونها ~~إلى حيث شاؤوا من الجنة. قال الفراء: حيث ما أحب الرجل من أهل الجنة فجرها ~~لنفسه. # قوله عز وجل: يوفون بالنذر قال الفراء: فيه إضمار «كانوا» يوفون بالنذر. ~~وفيه قولان «1» : # أحدهما: يوفون بالنذر إذا نذروا في طاعة الله، قاله مجاهد، وعكرمة. ~~والثاني: يوفون بما فرض الله عليهم، قاله قتادة. ومعنى «النذر» في اللغة: ~~الإيجاب. فالمعنى يوفون بالواجب عليهم، قوله: ويخافون يوما كان شره مستطيرا ~~قال ابن عباس: فاشيا. وقال ابن قتيبة: فاشيا منتشرا. يقال: استطار الحريق: ~~إذا انتشر، واستطار الفجر: إذا انتشر الضوء. وأنشدوا للأعشى: PageV04P376 # فبانت وقد أسأرت في الفؤاد ... صدعا على نأيها مستطيرا «1» # وقال مقاتل: كان شره فاشيا في السموات، وانشقت، وتناثرت الكواكب، وفزعت ~~الملائكة، وكورت الشمس والقمر في الأرض، ونسفت الجبال، وغارت المياه، وتكسر ~~كل شيء على وجه الأرض من جبل، وبناء، وفشا شر يوم القيامة فيهما. # قوله عز وجل: ويطعمون الطعام على حبه اختلفوا فيمن نزلت على قولين: # (1507) أحدهما: نزلت في علي ms2375 بن أبي طالب. آجر نفسه يسقي نخلا بشيء من ~~شعير ليلة حتى أصبح، فلما قبض الشعير طحن ثلثه، وأصلحوا منه شيئا يأكلونه، ~~فلما استوى أتى مسكين، فأخرجوه إليه، ثم عمل الثلث الثاني، فلما تم أتى ~~يتيم، فأطعموه، ثم عمل الثلث الباقي، فلما تم جاء أسير من المشركين، ~~فأطعموه وطووا يومهم ذلك، فنزلت هذه الآيات، رواه عطاء عن ابن عباس. # (1508) والثاني: أنها نزلت في أبي الدحداح الأنصاري صام يوما، فلما أراد ~~أن يفطر جاء مسكين، ويتيم، وأسير، فأطعمهم ثلاثة أرغفة، وبقي له ولأهله ~~رغيف واحد، فنزلت فيهم هذه الآية، قاله مقاتل. # وفي هاء الكناية في قوله عز وجل على حبه قولان: أحدهما: ترجع إلى الطعام، ~~فكأنهم كانوا يؤثرون وهم محتاجون إليه، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، ~~والزجاج، والجمهور. والثاني: أنها ترجع إلى الله تعالى، قاله الداراني. وقد ~~سبق معنى «المسكين واليتيم» «2» . وفي الأسير أربعة أقوال «3» : أحدها: # أنه المسجون من أهل القبلة، قاله مجاهد، وعطاء وسعيد بن جبير. والثاني: ~~أنه الأسير المشرك، قاله الحسن، وقتادة. والثالث: المرأة، قاله أبو حمزة ~~الثمالي. والرابع: العبد، ذكره الماوردي. PageV04P377 # فصل: وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية تضمنت مدحهم على إطعام الأسير ~~المشرك. # قال: وهذا منسوخ بآية السيف. وليس هذا القول بشيء، فإن في إطعام الأسير ~~المشرك ثوابا، وهذا محمول على صدقة التطوع. فأما الفرض فلا يجوز صرفه إلى ~~الكفار، ذكره القاضي أبو يعلى. # قوله عز وجل: إنما نطعمكم لوجه الله أي: لطلب ثواب الله. قال مجاهد، وابن ~~جبير: أما إنهم ما تكلموا بهذا، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى به عليهم ~~ليرغب في ذلك راغب. # قوله عز وجل: لا نريد منكم جزاء أي: بالفعل ولا شكورا بالقول إنا نخاف من ~~ربنا يوما أي: ما في يوم عبوسا قال ابن قتيبة: أي: تعبس فيه الوجوه، فجعله ~~من صفة اليوم، كقوله عز وجل: في يوم عاصف «1» ، أراد: عاصف الريح: فأما ~~«القمطرير» فروى ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: أنه الطويل. وروى عنه العوفي ~~أنه قال: هو الذي ms2376 يقبض فيه الرجل ما بين عينيه ووجهه. فعلى هذا يكون اليوم ~~موصوفا بما يجري فيه، كما قلنا في «العبوس» لأن اليوم لا يوصف بتقبيض ما ~~بين العينين. وقال مجاهد، وقتادة: «القمطرير» الذي يقلص الوجوه، ويقبض ~~الحياة، وما بين الأعين من شدته. وقال الفراء: هو الشديد. يقال: يوم ~~قمطرير، ويوم قماطر، وأنشدني بعضهم. # بني عمنا هل تذكرون بلاءنا ... عليكم إذا ما كان يوم قماطر # وقال أبو عبيدة: العبوس، والقمطرير، والقماطر، والعصيب، والعصبصب: أشد ما ~~يكون من الأيام، وأطوله في البلاء. # قوله عز وجل: فوقاهم الله شر ذلك اليوم بطاعتهم في الدنيا ولقاهم نضرة ~~أي: حسنا وبياضا في الوجوه، وسرورا لا انقطاع له. وقال الحسن: النضرة في ~~الوجوه والسرور في القلوب وجزاهم بما صبروا على طاعته، وعن معصيته جنة ~~وحريرا وهو لباس أهل الجنة متكئين فيها قال الزجاج: هو منصوب على الحال، ~~أي: جزاهم جنة في حال اتكائهم فيها. وقد شرحنا هذا في الكهف «2» . # قوله عز وجل: لا يرون فيها شمسا فيؤذيهم حرها ولا زمهريرا وهو البرد ~~الشديد. والمعنى: لا يجدون فيها الحر والبرد. وحكي عن ثعلب أنه قال: ~~الزمهرير: القمر، وأنشد: # وليلة ظلامها قد اعتكر ... قطعتها والزمهرير ما زهر # أي: لم يطلع القمر. # قوله عز وجل: ودانية قال الفراء: المعنى: وجزاهم جنة، ودانية عليهم ~~ظلالها، أي: قريبة منهم ظلال أشجارها وذللت قطوفها تذليلا قال ابن عباس: ~~إذا هم أن يتناول من ثمارها تدلت إليه حتى يتناول ما يريد. وقال غيره: قربت ~~إليهم مذللة كيف شاؤوا، فهم يتناولونها قياما، وقعودا، ومضطجعين، فهو كقوله ~~عز وجل: قطوفها دانية «3» . فأما «الأكواب» فقد شرحناها في (الزخرف) «4» ~~قوله: كانت قواريرا أي: تلك الأكواب هي قوارير، ولكنها من فضة. قال ابن ~~عباس: لو ضربت فضة الدنيا حتى جعلتها مثل جناح الذباب، لم ير الماء من ~~ورائها، وقوارير الجنة من فضة في صفاء PageV04P378 # القارورة. وقال الفراء. وابن قتيبة: هذا على التشبيه، المعنى: كأنها من ~~فضة، أي: لها بياض كبياض الفضة وصفاء كصفاء القوارير. وكان نافع، والكسائي، ~~وأبو بكر ms2377 عن عاصم يقرءون «قواريرا قواريرا» فيصلونهما جميعا بالتنوين. ~~ويقفون عليهما بالألف. وكان ابن عامر وحمزة يصلانهما جميعا بغير تنوين، ~~ويقفان عليهما بغير ألف. وكان ابن كثير يصل الأول بالتنوين، ويقف بغير ألف. ~~ويصل الثاني بغير تنوين وروى حفص عن عاصم أنه كان يقرأ «سلاسل» و «قوارير ~~قوارير» يصل الثلاثة بغير تنوين، ويقف على الثلاثة بالألف. وكان أبو عمرو ~~يقرأ الأول «قواريرا» فيقف عليه بألف، ويصل بغير تنوين. # وقال الزجاج: الاختيار عند النحويين أن لا تنصرف «قوارير» لأن كل جمع ~~يأتي بعد ألفه حرفان لا ينصرف. ومن قرأ «قواريرا» يصرف الأول لأنه رأس آية، ~~ويترك صرف الثاني لأنه ليس بآخر آية. ومن صرف الثاني: أتبع اللفظ اللفظ، ~~لأن العرب ربما قلبت إعراب الشيء لتتبع اللفظ اللفظ، كما قالوا: # جحر ضب خرب. وإنما الخرب من نعت الجحر. # قوله عز وجل: قدروها تقديرا وقرأ ابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو ~~عمران، والجحدري، وابن يعمر «قدروها» برفع القاف، وكسر الدال، وتشديدها. ~~وقرأ حميد، وعمرو بن دينار «قدروها» بفتح القاف، والدال، وتخفيفها. ثم في ~~معنى الآية قولان: أحدهما: قدروها في أنفسهم، فجاءت على ما قدروا، قاله ~~الحسن. وقال الزجاج: جعل الإناء على قدر ما يحتاجون إليه ويريدونه على ~~تقديرهم. والثاني: قدروها على مقدار لا يزيد ولا ينقص، قاله مجاهد. وقال ~~غيره: قدروا الكأس على قدر ريهم، لا يزيد عن ريهم فيثقل الكف، ولا ينقص منه ~~فيطلب الزيادة، وهذا ألذ الشراب. فعلى هذا القول يكون الضمير في «قدروا» ~~للسقاة والخدم. وعلى الأول للشاربين. # قوله عز وجل: ويسقون فيها يعني في الجنة كأسا كان مزاجها زنجبيلا والعرب ~~تضرب المثل بالزنجبيل والخمر ممزوجين. قال المسيب يصف فم امرأة: # فكأن طعم الزنجبيل به ... إذ ذقته وسلافة الخمر «1» # وقال آخر: # كأن القرنفل والزنجبيل ... باتا بفيها وأريا مشارا «2» # الأري: العسل. والمشار: المستخرج من بيوت النحل. قال مجاهد: الزنجبيل: ~~اسم العين التي منها شراب الأبرار. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: ~~الزنجبيل معرب. قال: وقال الدينوري: ينبت في أرياف عمان، ms2378 وهي عروق تسري في ~~الأرض، وليس بشجرة تؤكل رطبا، وأجود ما يحمل من بلاد الصين. قال الزجاج: ~~وجائز أن يكون فيها طعم الزنجبيل، والكلام فيه كالكلام السابق في الكافور. ~~وقيل: شراب الجنة على برد الكافور، وطعم الزنجبيل، وريح المسك. # قوله عز وجل: عينا فيها قال الزجاج: يسقون عينا. وسلسبيل: اسم العين، إلا ~~أنه صرف لأنه رأس آية. وهو في اللغة: صفة لما كان في غاية السلاسة. فكأن ~~العين وصفت وسميت بصفتها. وقرأت PageV04P379 # على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: قوله عز وجل تسمى سلسبيلا قيل: هو اسم ~~أعجمي نكرة، فلذلك يصرف. وقيل: هو اسم معرفة، إلا أنه أجري، لأنه رأس آية. ~~وعن مجاهد قال: حديدة الجرية. وقيل: سلسبيل: سلس ماؤها، مستفيد لهم. وقال ~~ابن الأنباري: السلسبيل صفة الماء، لسلسه وسهولة مدخله في الحلق. يقال: ~~شراب سلسل، وسلسال، وسلسبيل. وحكى الماوردي: أن عليا عليه السلام قال: ~~المعنى: سل سبيلا إليها، ولا يصح. # قوله عز وجل: ويطوف عليهم ولدان مخلدون قد سبق بيانه «1» إذا رأيتهم ~~حسبتهم لؤلؤا منثورا أي: في بياض اللؤلؤ وحسنه، واللؤلؤ إذا انتثر من الخيط ~~على البساط كان أحسن منه منظوما. وإنما شبهوا باللؤلؤ المنثور، لانتشارهم ~~في الخدمة. ولو كانوا صفا لشبهوه بالمنظوم. قوله: وإذا رأيت ثم يعني: # الجنة رأيت نعيما لا يوصف وملكا كبيرا أي: عظيما واسعا لا يريدون شيئا ~~إلا قدروا عليه، ولا يدخل عليهم ملك إلا باستئذان. # قوله عز وجل: عاليهم قرأ أهل المدينة، وحمزة، والمفضل عن عاصم بإسكان ~~الياء، وكسر الهاء. وقرأ الباقون بفتح الياء، إلا أن الجعفي عن أبي بكر قرأ ~~«عاليتهم» بزيادة تاء مضمومة. وقرأ أنس بن مالك، ومجاهد وقتادة «عليهم» ~~بفتح اللام، وإسكان الياء من غير تاء، ولا ألف. # قال الزجاج: فأما تفسير إعراب «عاليهم» بإسكان الياء، فيكون رفعه ~~بالابتداء، ويكون الخبر ثياب سندس وأما «عاليهم» بفتح الياء، فنصبه على ~~الحال من شيئين، أحدهما من الهاء والميم، والمعنى: يطوف على الأبرار ولدان ~~مخلدون عالي الأبرار ثياب سندس، لأنه قد وصف أحوالهم في الجنة، ms2379 فيكون ~~المعنى: يطوف عليهم في هذه الحال هؤلاء. ويجوز أن يكون حالا من الولدان. # المعنى: إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا في حال علو الثياب. وأما ~~«عاليهم» فقد قرئت بالرفع وبالنصب، وهما وجهان جيدان في العربية، إلا أنهما ~~يخالفان المصحف، فلا أرى القراءة بهما، وتفسيرها كتفسير «عاليهم» . # قوله عز وجل: ثياب سندس خضر قرأ ابن عامر، وأبو عمرو، «خضر» رفعا ~~«وإستبرق» خفضا. # وقرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم «خضر» خفضا «وإستبرق» رفعا. وقرأ نافع، ~~وحفص عن عاصم «خضر وإستبرق» كلاهما بالرفع. وقرأ حمزة، والكسائي «خضر ~~وإستبرق» كلاهما بالخفض. قال الزجاج: من قرأ خضر بالرفع، فهو نعت الثياب، ~~ولفظ الثياب لفظ الجمع، من قرأ «خضر» فهو من نعت السندس، والسندس في المعنى ~~راجع إلى الثياب. ومن قرأ «وإستبرق» رفعا فهو نسق على «ثياب» والمعنى: ~~عليهم إستبرق. ومن خفض عطفه على السندس، فيكون المعنى: عليهم ثياب من هذين ~~النوعين وقد بينا في الكهف «2» معنى السندس، والإستبرق والأساور. # قوله عز وجل: وسقاهم ربهم شرابا طهورا فيه قولان: أحدهما: لا يحدثون ولا ~~يبولون عن شرب خمر الجنة. قاله عطية. والثاني: لأن خمر الجنة طاهرة، وليست ~~بنجسة كخمر الدنيا، قاله الفراء: وقال أبو قلابة: يؤتون بعد الطعام بالشراب ~~الطهور فيشربون فتضمر بذلك بطونهم، ويفيض من PageV04P380 # جلودهم عرق مثل رشح المسك. # قوله عز وجل: إن هذا يعني: ما وصف من نعيم أهل الجنة كان لكم جزاء ~~بأعمالكم وكان سعيكم أي: عملكم في الدنيا بطاعة الله مشكورا قال عطاء: ~~يريد: شكرتكم عليه، وأثيبكم عليه أفضل الثواب إنا نحن نزلنا عليك القرآن ~~تنزيلا، أي: فصلناه في الإنزال، فلم ننزله جملة واحدة فاصبر لحكم ربك قد ~~سبق بيانه في مواضع «1» . والمفسرون يقولون: هو منسوخ بآية السيف، ولا يصح، ~~قوله: # ولا تطع منهم أي: من مشركي أهل مكة آثما أو كفورا «أو» بمعنى الواو، ~~كقوله: أو الحوايا «2» . وقد سبق بيان هذا. # وللمفسرين في المراد بالآثم وفي الكفور ثلاثة أقوال: أحدها: أنهما صفتان ~~لأبي جهل. والثاني: # أن الآثم: عتبة بن ربيعة، ms2380 والكفور الوليد بن المغيرة. والثالث: الآثم: ~~الوليد. والكفور: عتبة، وذلك أنهما قالا له: ارجع عن هذا الأمر ونحن نرضيك ~~بالمال والتزويج. قوله واذكر اسم ربك أي: اذكره بالتوحيد في الصلاة بكرة ~~يعني: الفجر وأصيلا يعني: العصر. وبعضهم يقول: الظهر والعصر ومن الليل ~~فاسجد له يعني: المغرب والعشاء. وسبحه ليلا طويلا وهي: صلاة الليل كل فريضة ~~عليه، وهي لأمته تطوع إن هؤلاء يعني: كفار مكة يحبون العاجلة أي يعني: ~~الدار العاجلة، وهي الدنيا ويذرون وراءهم يعني: أمامهم يوما ثقيلا أي: ~~عسيرا شديدا. والمعنى: أنهم يتركون الإيمان به، والعمل له. ثم ذكر قدرته، ~~فقال عز وجل: نحن خلقناهم وشددنا أسرهم أي: خلقهم، قاله ابن عباس، ومجاهد، ~~وقتادة، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج. قال ابن قتيبة: يقال: امرأة حسنة ~~الأسر، أي: حسنة الخلق كأنها أسرت أي: شدت. وأصل هذا من الإسار، وهو: القد. ~~الذي تشد به الأقتاب يقال: ما أحسن ما أسر قتبه، أي: ما أحسن ما شده بالقد. ~~وروي عن أبي هريرة قال: مفاصلهم. وعن الحسن قال: أوصالهم بعضا إلى بعض ~~بالعروق والعصب، قوله: وإذا شئنا بدلنا أمثالهم أي: إذا شئنا أهلكناهم ~~وأتينا بأشباههم، فجعلناهم بدلا منهم إن هذه تذكرة وقد شرحنا الآية في ~~المزمل «3» . # قوله عز وجل: وما تشاؤن إيجاد السبيل إلا أن يشاء الله ذلكم، وقرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، «وما يشاءون» بالياء. # قوله عز وجل: يدخل من يشاء في رحمته قال المفسرون: والرحمة هاهنا: الجنة ~~والظالمين المشركين. قال أبو عبيدة: نصب «الظالمين» بالجوار، المعنى: ولا ~~يدخل الظالمين في رحمته. وقال الزجاج: إنما نصب «الظالمين» لأن قبله ~~منصوبا. المعنى: يدخل من يشاء في رحمته، ويعذب الظالمين، فيكون قوله عز ~~وجل: أعد لهم تفسيرا لهذا المضمر، وقرأ أبو العالية، وأبو الجوزاء، وابن ~~أبي عبلة «والظالمون» رفعا. PageV04P381 ### | سورة المرسلات # وهي مكية كلها في قول الجمهور وحكي عن ابن عباس، وقتادة، ومقاتل أن فيها ~~آية مدنية، وهي قوله عز وجل: وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون «1» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة المرسلات (77) : الآيات 1 ms2381 الى 50] # بسم الله الرحمن الرحيم # والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات عصفا (2) والناشرات نشرا (3) فالفارقات ~~فرقا (4) # فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) إنما توعدون لواقع (7) فإذا النجوم ~~طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) # وإذا الجبال نسفت (10) وإذا الرسل أقتت (11) لأي يوم أجلت (12) ليوم ~~الفصل (13) وما أدراك ما يوم الفصل (14) # ويل يومئذ للمكذبين (15) ألم نهلك الأولين (16) ثم نتبعهم الآخرين (17) ~~كذلك نفعل بالمجرمين (18) ويل يومئذ للمكذبين (19) # ألم نخلقكم من ماء مهين (20) فجعلناه في قرار مكين (21) إلى قدر معلوم ~~(22) فقدرنا فنعم القادرون (23) ويل يومئذ للمكذبين (24) # ألم نجعل الأرض كفاتا (25) أحياء وأمواتا (26) وجعلنا فيها رواسي شامخات ~~وأسقيناكم ماء فراتا (27) ويل يومئذ للمكذبين (28) انطلقوا إلى ما كنتم به ~~تكذبون (29) # انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب (30) لا ظليل ولا يغني من اللهب (31) إنها ~~ترمي بشرر كالقصر (32) كأنه جمالت صفر (33) ويل يومئذ للمكذبين (34) # هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) ويل يومئذ للمكذبين ~~(37) هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين (38) فإن كان لكم كيد فكيدون (39) # ويل يومئذ للمكذبين (40) إن المتقين في ظلال وعيون (41) وفواكه مما ~~يشتهون (42) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43) إنا كذلك نجزي ~~المحسنين (44) # ويل يومئذ للمكذبين (45) كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (46) ويل يومئذ ~~للمكذبين (47) وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48) ويل يومئذ للمكذبين (49) # فبأي حديث بعده يؤمنون (50) # قوله تعالى: والمرسلات عرفا (1) فيه أربعة أقوال «2» : أحدها: أنها ~~الرياح يتبع بعضها بعضا، رواه PageV04P382 # أبو العبيدين عن ابن مسعود، والعوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة. ~~والثاني: أنها الملائكة التي أرسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه، رواه مسروق ~~عن ابن مسعود، وبهذا قال أبو هريرة ومقاتل. # وقال الفراء: هي الملائكة. # فأما قوله عز وجل: عرفا فإنها: أرسلت بالمعروف، ويقال: تتابعت كعرف ~~الفرس. والعرب تقول: يركب الناس إلى فلان عرفا واحدا: إذا توجهوا إليه ~~فأكثروا. قال ابن قتيبة: يريد أن الملائكة متتابعة بما ترسل به. وأصله من ~~عرف الفرس، لأنه طرف مستو، بعضه في إثر بعض فاستعير للقوم يتبع بعضهم بعضا. ~~والثالث: أنهم الرسل بما يعرفون به من المعجزات، هذا معنى قول أبي صالح، ms2382 ~~ذكره الزجاج. والرابع: أنها الملائكة والريح، قاله أبو عبيدة. قال: ومعنى ~~«عرفا» : يتبع بعضها بعضا. يقال: # جاءوني عرفا. # وفي «العاصفات» قولان: أحدهما: أنها الرياح الشديدة الهبوب، قاله ~~الجمهور. والثاني: # الملائكة، قاله مسلم بن صبيح. قال الزجاج: تعصف بروح الكافر. # وفي «الناشرات» خمسة أقوال: أحدها: أنها الرياح تنشر السحاب، قاله ابن ~~مسعود، والجمهور. # والثاني: الملائكة تنشر الكتب، قاله أبو صالح. والثالث: الصحف تنشر على ~~الله تعالى بأعمال العباد، قاله الضحاك. والرابع: البعث للقيامة تنشر فيه ~~الأرواح، قاله الربيع. والخامس: المطر ينشر النبات، حكاه الماوردي. # وفي «الفارقات» أربعة أقوال «1» : أحدها: الملائكة تأتي بما يفرق بين ~~الحق والباطل، قاله الأكثرون. والثاني: آي القرآن فرقت بين الحلال والحرام، ~~قاله الحسن، وقتادة، وابن كيسان. # والثالث: الريح تفرق بين السحاب فتبدده، قاله مجاهد. والرابع: الرسل، ~~حكاه الزجاج. # وفي «الملقيات ذكرا» قولان: أحدهما: الملائكة تبلغ ما حملت من الوحي إلى ~~الأنبياء، وهذا مذهب ابن عباس، وقتادة، والجمهور. والثاني: الرسل يلقون ما ~~أنزل عليهم إلى الأمم، قاله قطرب. # قوله عز وجل: عذرا أو نذرا وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو بكر عن ~~عاصم «عذرا» خفيفا «أو نذرا» ثقيلا. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص، ~~وخلف «عذرا أو نذرا» خفيفتان. # قال الفراء: وهو مصدر، مثقلا كان أو مخففا. ونصبه على معنى: أرسلت بما ~~أرسلت به إعذارا من الله وإنذارا. وقال الزجاج: المعنى: فالملقيات عذرا أو ~~نذرا. ويجوز أن يكون المعنى: فالملقيات ذكرا للإعذار والإنذار. وهذه ~~المذكورات مجرورات بالقسم. وجواب القسم إنما توعدون لواقع قال المفسرون: إن ~~ما توعدون به من أمر الساعة، والبعث، والجزاء لواقع، أي: لكائن. ثم ذكر متى ~~يقع فقال عز وجل: فإذا النجوم طمست أي: محي نورها وإذا السماء فرجت: شقت ~~وإذا الجبال نسفت قال الزجاج: أي: ذهب بها كلها بسرعة. يقال: انتسفت الشيء: ~~إذا أخذته بسرعة. PageV04P383 # قوله عز وجل: وإذا الرسل أقتت قرأ أبو عمرو «وقتت» بواو مع تشديد القاف. ~~ووافقه أبو جعفر، إلا أنه خفف القاف. وقرأ الباقون: «أقتت» بألف مكان الواو ~~مع ms2383 تشديد القاف. قال الزجاج: # وقتت وأقتت بمعنى واحد. فمن قرأ «أقتت» بالهمز، فإنه أبدل الهمزة من ~~الواو لانضمام الواو. وكل واو انضمت، وكانت ضمتها لازمة، جاز أن تبدل منها ~~بهمزة. وقال الفراء: الواو إذا كانت أول حرف، وضمت، همزت. تقول: صلى القوم ~~أحدانا. وهذه أجوه حسان. ومعنى «أقتت» : جمعت لوقتها يوم القيامة. وقال ابن ~~قتيبة: جمعت لوقت، وهو يوم القيامة. وقال الزجاج: جعل لها وقت واحد لفصل ~~القضاء بين الأمة. # قوله عز وجل: لأي يوم أجلت أي: أخرت. وضرب الأجل لجمعهم، يعجب العباد من ~~هول ذلك اليوم. ثم بينه فقال عز وجل: ليوم الفصل وهو يوم يفصل الله تعالى ~~فيه بين الخلائق. ثم عظم ذلك اليوم بقوله: وما أدراك ما يوم الفصل (14) ويل ~~يومئذ للمكذبين بالبعث. ثم أخبر الله تعالى عما فعل بالأمم المكذبة، فقال: ~~ألم نهلك الأولين يعني بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم ثم نتبعهم ~~الآخرين والقراء على رفع العين في «نتبعهم» ، وقد قرأ قوم منهم أبو حيوة ~~بإسكان العين. قال الفراء: # «نتبعهم» مرفوعة. ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود «وسنتبعهم الآخرين» . ولو ~~جزمت على معنى: ألم نقدر على إهلاك الأولين وإتباعهم الآخرين كان وجها ~~جيدا. وقال الزجاج: الجزم عطف على «نهلك» ، ويكون المعنى: لمن أهلك أولا ~~وآخرا. والرفع على معنى: ثم نتبع الأول والآخر من كل مجرم. وقال مقاتل: ثم ~~نتبعهم الآخرين: يعني: كفار مكة كذبوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن ~~جرير: الأولون: قوم نوح، وعاد، وثمود، والآخرون: قوم إبراهيم، ولوط، ومدين. # قوله عز وجل: كذلك أي: مثل ذلك نفعل بالمجرمين يعني: المكذبين. فإن قيل: ~~ما الفائدة في تكرار قوله عز وجل: ويل يومئذ للمكذبين؟ فالجواب: أنه أراد ~~بكل آية منها غير ما أراد بالأخرى، لأنه كلما ذكر شيئا قال: ويل يومئذ ~~للمكذبين بهذا. # قوله عز وجل: ألم نخلقكم قرأ قالون عن نافع بإظهار القاف. وقرأ الباقون ~~بإدغامها. # قوله عز وجل: من ماء مهين أي: ضعيف فجعلناه في قرار مكين يعني: الرحم إلى ~~قدر معلوم ms2384 وهو مدة الحمل فقدرنا قرأ أهل المدينة، والكسائي «فقدرنا» ~~بالتشديد. وقرأ الباقون: بالتخفيف. # وهل بينهما فرق؟ فيه قولان: # أحدهما: أنهما لغتان بمعنى واحد. قال الفراء: تقول العرب: قدر عليه، وقدر ~~عليه. وقد احتج من قرأ بالتخفيف فقال: لو كانت مشددة لقال: فنعم القادرون، ~~فأجاب الفراء فقال: قد تجمع العرب بين المعنيين، كقوله تعالى: فمهل ~~الكافرين أمهلهم رويدا «1» . قال الشاعر: # وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا «2» # يقول: ما أنكرت إلا ما يكون في الناس. PageV04P384 # والثاني: أن المخففة من القدرة والملك، والمشددة من التقدير والقضاء. ثم ~~بين لهم صنعه ليعتبروا فيوحدوه، فقال عز وجل: ألم نجعل الأرض كفاتا قال ~~اللغويون: الكفت في اللغة: الضم. # والمعنى: أنها تضم أهلها أحياء على ظهرها، وأمواتا في بطنها. قال ابن ~~قتيبة: يقال: اكفت هذا إليك، أي: ضمه. وكانوا يسمون بقيع الغرقد: كفتة، ~~لأنه مقبرة يضم الموتى. # وفي قوله عز وجل: أحياء وأمواتا قولان: أحدهما: أن المعنى: تكفتهم أحياء ~~وأمواتا، قاله الجمهور. قال الفراء: وانتصب الأحياء والأموات بوقوع الكفات ~~عليهم، كأنك قلت: ألم نجعل الأرض كفات أحياء وأموات، فإذا نونت نصبت كما ~~يقرأ أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) يتيما «1» وقال الأخفش: انتصب على ~~الحال. # والقول الثاني: أن المعنى: ألم نجعل الأرض أحياء بالنبات والعمارة، ~~وأمواتا بالخراب واليبس، هذا قول مجاهد، وأبي عبيدة. # قوله عز وجل: وجعلنا فيها رواسي قد سبق بيانه شامخات أي: عاليات ~~وأسقيناكم قد سبق معنى «أسقينا» «2» ومعنى «الفرات» «3» والمعنى: أن هذه ~~الأشياء أعجب من البعث. ثم ذكر ما يقال لهم في الآخرة: انطلقوا إلى ما كنتم ~~به تكذبون في الدنيا، وهو النار انطلقوا إلى ظل قرأ الجمهور هذه الثانية ~~بكسر اللام على الأمر. وقرأ أبي بن كعب، وأبو عمران، ورويس عن يعقوب بفتح ~~اللام على الخبر بالفعل الماضي. قال ابن قتيبة: «والظل» هاهنا: ظل من دخان ~~نار جهنم سطع، ثم افترق ثلاث فرق، وكذلك شأن الدخان العظيم إذا ارتفع أن ~~يتشعب، فيقال لهم: كونوا فيه إلى أن يفرغ من ms2385 الحساب، كما يكون أولياء الله ~~في ظل عرشه، أو حيث شاء من الظل، ثم يؤمر بكل فريق إلى مستقره من الجنة ~~والنار لا ظليل أي: لا يظلكم من حر هذا اليوم بل يدنيكم من لهب النار إلى ~~ما هو أشد عليكم من حر الشمس. قال مجاهد: تكون شعبة فوق الإنسان، وشعبة عن ~~يمينه، وشعبة عن شماله، فتحيط به. وقال الضحاك: الشعب الثلاث: هي الضريع، ~~والزقوم، والغسلين. فعلى هذا القول يكون هذا بعد دخول النار. # قوله عز وجل: ولا يغني من اللهب أي: لا يدفع عنكم لهب جهنم. ثم وصف النار ~~فقال عز وجل إنها ترمي بشرر، وهو جمع شررة، وهو ما يتطاير من النار متفرقا ~~كالقصر قرأ الجمهور بإسكان الصاد على أنه واحد القصور المبنية. وهذا المعنى ~~في رواية ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وهو قول الجمهور. وقرأ ابن عباس، وأبو ~~رزين، ومجاهد، وأبو الجوزاء «كالقصر» بفتح الصاد. وفي أفراد البخاري من ~~حديث ابن عباس قال: كنا نرفع الخشب بقصر ثلاثة أذرع أو أقل فنرفعه للشتاء، ~~فنسميه: # القصر. قال ابن قتيبة: من فتح الصاد أراد: أصول النخل المقطوعة المقلوعة. ~~وقال الزجاج: أراد أعناق الإبل. وقرأ سعد بن أبي وقاص، وعائشة، وعكرمة، ~~وأبو مجلز، وأبو المتوكل، وابن يعمر «كالقصر» بفتح القاف، وكسر الصاد. وقرأ ~~ابن مسعود، وأبو هريرة، والنخعي «كالقصر» برفع القاف والصاد جميعا. وقرأ ~~أبو الدرداء، وسعيد بن جبير «كالقصر» بكسر القاف، وفتح الصاد، وقرأ أبو ~~العالية، وأبو عمران، وأبو نهيك، ومعاذ القارئ «كالقصر» بضم القاف وإسكان ~~الصاد. PageV04P385 # قوله عز وجل: كأنه جمالت قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وأبو بكر عن عاصم «جمالات» بألف، وكسر الجيم. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن ~~عاصم «جمالة» على التوحيد. وقرأ رويس عن يعقوب «جمالات» بضم الجيم. وقرأ ~~أبو رزين، وحميد، وأبو حيوة «جمالة» برفع الجيم على التوحيد. قال الزجاج: ~~من قرأ «جمالات» بالكسر، فهو جمع جمال، كما تقول: # بيوت، وبيوتات، وهو جمع الجمع، فالمعنى: كأن الشرارات كالجمالات. ومن قرأ ~~«جمالات» ms2386 بالضم، فهو جمع «جمالة» ، وهو القلس من قلوس سفن البحر، ويجوز أن ~~يكون جمع جمل وجمال وجمالات، ومن قرأ جمالة فهو جمع جمل وجمالة، كما قيل: ~~حجر، وحجارة. وذكر، وذكارة. # وقرئت «جمالة» على ما فسرناه في جمالات بالضم. و «الصفر» هاهنا: السود. ~~يقال للإبل التي هي سود تضرب إلى الصفرة: إبل صفر. وقال الفراء: الصفر: سود ~~الإبل لا يرى الأسود من الإبل إلا وهو مشرب صفرة، فلذلك سمت العرب سود ~~الإبل: صفرا، كما سموا الظباء: أدما لما يعلوها من الظلمة في بياضها، قال ~~الشاعر: # تلك خيلي منه وتلك ركابي ... هن سور أولادها كالزبيب # قوله عز وجل: هذا يوم لا ينطقون قال المفسرون: هذا في بعض مواقف القيامة. ~~قال عكرمة: # تكلموا واختصموا، ثم ختم على أفواههم، فتكلمت أيديهم، وأرجلهم، فحينئذ لا ~~ينطقون ولا يؤذون لهم فيعتذرون. وقال ابن الأنباري: لا ينطقون بحجة تنفعهم. ~~وقرأ أبو رجاء، والقاسم بن محمد، والأعمش، وابن أبي عبلة «هذا يوم لا ~~ينطقون» بنصب الميم. # قوله عز وجل: هذا يوم الفصل أي: بين أهل الجنة وأهل النار جمعناكم يعني: ~~مكذبي هذه الأمة والأولين من المكذبين الذين كذبوا أنبياءهم فإن كان لكم ~~كيد فكيدون أثبت فيها الياء في الحالين يعقوب، أي: إن قدرتم على حيلة، ~~فاحتالوا لأنفسكم. ثم ذكر ما للمؤمنين، فقال عز وجل: # إن المتقين في ظلال يعني: ظلال الشجر، وظلال أكنان القصور وعيون الماء ~~وهذا قد تقدم بيانه، إلى قوله عز وجل: كلوا أي: ويقال لهم: كلوا واشربوا ~~هنيئا بما كنتم تعملون في الدنيا بطاعة الله. # ثم قال لكفار مكة: كلوا وتمتعوا قليلا في الدنيا إلى منتهى آجالكم إنكم ~~مجرمون أي: مشركون بالله. # قوله عز وجل: وإذا قيل لهم اركعوا فيه قولان: أحدهما: أنه حين يدعون إلى ~~السجود يوم القيامة، رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: أنه في الدنيا ~~كانوا إذا قيل لهم: اركعوا، أي صلوا لا يركعون أي: لا يصلون. وإلى نحو هذا ~~ذهب مجاهد في آخرين، وهو الأصح. # (1509) وقيل: نزلت في ثقيف حين أمرهم ms2387 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالصلاة، فقالوا: لا نحني، فإنها مسبة علينا، فقال: «لا خير في دين ليس فيه ~~ركوع» . # قوله عز وجل: فبأي حديث بعده يؤمنون أي: إن لم يصدقوا بهذا القرآن، فبأي ~~كتاب بعده يصدقون، ولا كتاب بعده. PageV04P386 ### | سورة النبأ # ويقال لها: سورة عم يتساءلون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن ~~الرحيم ### | [سورة النبإ (78) : الآيات 1 الى 40] # بسم الله الرحمن الرحيم # عم يتساءلون (1) عن النبإ العظيم (2) الذي هم فيه مختلفون (3) كلا ~~سيعلمون (4) # ثم كلا سيعلمون (5) ألم نجعل الأرض مهادا (6) والجبال أوتادا (7) ~~وخلقناكم أزواجا (8) وجعلنا نومكم سباتا (9) # وجعلنا الليل لباسا (10) وجعلنا النهار معاشا (11) وبنينا فوقكم سبعا ~~شدادا (12) وجعلنا سراجا وهاجا (13) وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) # لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ألفافا (16) إن يوم الفصل كان ميقاتا ~~(17) يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا (18) وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) # وسيرت الجبال فكانت سرابا (20) إن جهنم كانت مرصادا (21) للطاغين مآبا ~~(22) لابثين فيها أحقابا (23) لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) # إلا حميما وغساقا (25) جزاء وفاقا (26) إنهم كانوا لا يرجون حسابا (27) ~~وكذبوا بآياتنا كذابا (28) وكل شيء أحصيناه كتابا (29) # فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا (30) إن للمتقين مفازا (31) حدائق وأعنابا ~~(32) وكواعب أترابا (33) وكأسا دهاقا (34) # لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) جزاء من ربك عطاء حسابا (36) رب ~~السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا (37) يوم يقوم ~~الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا (38) ذلك ~~اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا (39) # إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ~~ليتني كنت ترابا (40) # قوله تعالى: عم يتساءلون أصله «عن ما» فأدغمت النون في الميم، وحذفت ألف ~~«ما» كقولهم: # فيم، وبم. # (1510) قال المفسرون: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل المشركون ~~يتساءلون بينهم، فيقولون: ما الذي أتى به؟ ويتجادلون، ويختصمون فيما بعث ~~به، فنزلت هذه الآية. واللفظ لفظ استفهام. والمعنى: PageV04P387 # تفخيم القصة، كما يقولون: أي شيء زيد؟ إذا أردت تعظيم شأنه. ثم بين ms2388 ما ~~الذي يتساءلون عنه، فقال عز وجل: عن النبإ العظيم يعني: عن الخبر العظيم ~~الشأن. وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: القرآن، قاله مجاهد، ومقاتل، والفراء. قال ~~الفراء: فلما أجاب صارت «عم» كأنها في معنى: لأي شيء يتساءلون عن القرآن. ~~والثاني: البعث، قاله قتادة. والثالث: أنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~حكاه الزجاج. # قوله عز وجل: الذي هم فيه مختلفون من قال: إنه القرآن، فإن المشركين ~~اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو سحر، وقال بعضهم: هو شعر، وقال بعضهم: أساطير ~~الأولين، إلى غير ذلك. وكذلك من قال: هو أمر النبي صلى الله عليه وسلم. ~~فأما من قال: إنه البعث والقيامة، ففي اختلافهم فيه قولان: # أحدهما: أنهم اختلفوا فيه لما سمعوا به، فمنهم من صدق وآمن، ومنهم من ~~كذب، وهذا معنى قول قتادة. والثاني: أن المسلمين والمشركين اختلفوا فيه، ~~فصدق به المسلمون، وكذب به المشركون، قاله يحيى بن سلام. # قوله عز وجل: كلا قال بعضهم: هي ردع وزجر. وقال بعضهم: هي نفي لاختلافهم، ~~والمعنى: ليس الأمر على ما قالوا، سيعلمون عاقبة تكذيبهم حين ينكشف الأمر ~~ثم كلا سيعلمون وعيد على إثر وعيد. وقرأ ابن عامر «ستعلمون» في الحرفين ~~بالتاء. ثم ذكر صنعه ليعرفوا توحيده، فقال عز وجل: ألم نجعل الأرض مهادا ~~أي: فراشا وبساطا والجبال أوتادا للأرض لئلا تميد وخلقناكم أزواجا أي: ~~أصنافا، وأضدادا، ذكورا، وإناثا، سودا وبيضا، وحمرا وجعلنا نومكم سباتا قال ~~ابن قتيبة: أي: راحة لأبدانكم. وقد شرحنا هذا في الفرقان «1» وشرحنا هناك ~~قوله عز وجل: وجعلنا الليل لباسا. # قوله عز وجل: وجعلنا النهار معاشا أي: سببا لمعاشكم. والمعاش: العيش، كل ~~شيء يعاش به، فهو معاش. والمعنى: جعلنا النهار مطلبا للمعاش. وقال ابن ~~قتيبة: معاشا، أي: عيشا، وهو مصدر وبنينا فوقكم سبعا شدادا قال مقاتل: هي ~~السموات، غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين مثل ذلك وهي فوقكم ~~يا بني آدم. فاحذروا أن تعصوا فتخر عليكم. # قوله عز وجل: وجعلنا سراجا يعني: الشمس وهاجا قال ابن عباس: هو المضيء. ms2389 ~~وقال اللغويون: الوهاج: الوقاد. وقيل: الوهاج يجمع النور والحرارة. # قوله عز وجل: وأنزلنا من المعصرات فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ~~السموات، قاله أبي بن كعب، والحسن، وابن جبير. والثاني: أنها الرياح، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة ومقاتل. قال زيد بن ~~أسلم: هي الجنوب. فعلى هذا القول تكون «من» بمعنى «الباء» ، وتقديره: ~~بالمعصرات. وإنما قيل للرياح: معصرات، لأنها تستدر المطر. والثالث: أنها ~~السحاب، رواه الوالبي عن ابن عباس، وبه قال أبو العالية. والضحاك، والربيع، ~~قال الفراء: السحابة المعصر: التي تتحلب بالمطر ولما يجتمع، مثل الجارية ~~المعصر، قد كادت تحيض، ولما تحض. وكذلك قال ابن قتيبة: شبهت السحاب بمعاصير ~~الجواري، والمعصر: الجارية التي قد دنت من الحيض. وقال PageV04P388 # الزجاج: إنما قيل للسحاب: معصرات، كما قيل: أجز الزرع، فهو مجز أي: صار ~~إلى أن يجز، فكذلك السحاب إذا صار إلى أن يمطر فقد أعصر. # قوله عز وجل: ماء ثجاجا قال مقاتل: أي: مطرا كثيرا منصبا يتبع بعضه بعضا. ~~وقال غيره: # يقال: ثج الماء يثج: إذا انصب لنخرج به أي: بذلك الماء حبا ونباتا وفيه ~~قولان: # أحدهما: أن الحب: ما يأكله الناس، والنبات: ما تنبته الأرض مما يأكل ~~الناس والأنعام، هذا قول الجمهور. قال الزجاج: كل ما حصد حب، وكل ما أكلته ~~الماشية من الكلإ، فهو نبات. # والثاني: أن الحب: اللؤلؤ، والنبات: العشب. قال عكرمة: ما أنزل الله من ~~السماء قطرا، إلا نبت به في البحر لؤلؤا، وفي الأرض عشبا. # قوله عز وجل: وجنات يعني: بساتين ألفافا قال أبو عبيدة: أي: ملتفة من ~~الشجر ليس بينها خلال، الواحدة: لفاء، وجنات لف، وجمع الجمع: ألفاف. قال ~~المفسرون: فدل بذكر المخلوقات على البعث. ثم أخبر عن يوم القيامة فقال عز ~~وجل: إن يوم الفصل أي: يوم القضاء بين الخلائق كان ميقاتا لما وعد الله من ~~الثواب والعقاب. يوم ينفخ في الصور فتأتون من قبوركم أفواجا أي: زمرا زمرا ~~من كل مكان وفتحت السماء قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر ms2390 ~~«وفتحت» بالتشديد. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بالتخفيف، وإنما تفتح لنزول ~~الملائكة فكانت أبوابا أي: ذات أبواب وسيرت الجبال عن أماكنها فكانت سرابا ~~أي: كالسراب، لأنها تصير هباء منثورا فيراها الناظر كالسراب بعد شدتها ~~وصلابتها إن جهنم كانت مرصادا قال المبرد: مرصادا يرصدون به، أي: هو معد ~~لهم يرصد بها خزنتها الكفار. وقال الأزهري: المرصاد: المكان الذي يرصد فيه ~~الراصد العدو. ثم بين لمن هي مرصاد فقال عز وجل: للطاغين قال ابن عباس: ~~للمشركين مآبا أي: مرجعا. # قوله عز وجل: لابثين وقرأ حمزة «لبثين» والمعنى: فيهما واحد. يقال: هو ~~لابث بالمكان، ولبث. ومثله طامع، وطمع، وفاره، وفره. وأما الأحقاب فجمع ~~حقب، وقد ذكرنا الاختلاف فيه في الكهف «1» . # فإن قيل: ما معنى ذكر الأحقاب، وخلودهم في النار لا نفاد له؟ فعنه ~~جوابان: # أحدهما: أن هذا لا يدل على غاية، لأنه كلما مضى حقب تبعه حقب ولو أنه ~~قال: لابثين فيها عشرة أحقاب أو خمسة دل على غاية، هذا قول ابن قتيبة، ~~والجمهور. وبيانه أن زمان أهل الجنة والنار يتصور دخوله تحت العدد، وإن لم ~~يكن له غاية. كقوله: بكرة وعشيا، مثل هذا أن كلمات الله تعالى داخلة تحت ~~العدد وإن لم تكن لها نهاية. # والثاني: أن المعنى: أنهم يلبثون فيها أحقابا لا يذوقون في الأحقاب بردا ~~ولا شرابا فأما خلودهم في النار فدائم. هذا قول الزجاج. وبيانه أن الأحقاب ~~حد لعذابهم بالحميم والغساق، فإذا انقضت الأحقاب عذبوا بغير ذلك من العذاب. ~~PageV04P389 # وفي المراد «بالبرد» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه برد الشراب. روى أبو صالح ~~عن ابن عباس قال: لا يذوقون فيها برد الشراب، ولا الشراب. والثاني: أنه ~~الروح والراحة، قاله الحسن، وعطاء. والثالث: # أنه النوم، قاله مجاهد، والسدي، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، وأنشدوا: # فإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا «1» # قال ابن قتيبة: النقاخ: الماء، والبرد: النوم، سمي بذلك لأنه تبرد فيه ~~حرارة العطش. وقال مقاتل: لا يذوقون فيها بردا ينفعهم من حرها، ولا شرابا ~~ينفعهم من عطش ms2391 إلا حميما وغساقا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر ~~«غساقا» بالتخفيف. وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضل، وحفص عن عاصم بالتشديد ~~وقد تقدم «2» ذكر الحميم، والغساق جزاء وفاقا قال الفراء: وفقا لأعمالهم ~~وقال غيره: جوزوا جزاء وفاقا لأعمالهم على مقدارها، فلا ذنب أعظم من الشرك، ~~ولا عذاب أعظم من النار إنهم كانوا لا يرجون حسابا فيه قولان: أحدهما: لا ~~يخافون أن يحاسبوا، لأنهم لا يؤمنون بالبعث، قاله الجمهور. والثاني: لا ~~يرجون ثواب حساب، لأنهم لا يؤمنون بالبعث، قاله الزجاج. # قوله عز وجل: وكذبوا بآياتنا كذابا أي: بما جاء به الأنبياء قال الفراء: ~~الكذاب بالتشديد لغة يمانية فصيحة يقولون: كذبت به كذابا، وخرقت القميص ~~خراقا، وكل «فعلت» فمصدره في لغتهم مشدد. قال لي أعرابي منهم على المروة ~~يستفتيني: الحلق أحب اليك، أم القصار؟ وأنشدني بعض بني كلاب: # لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي ... وعن حوج قضاؤها من شفائيا # وأما أهل نجد، فيقولون: كذبت به تكذيبا. وقال أبو عبيدة: الكذاب أشد من ~~الكذاب، وهما مصدر المكاذبة. قال الأعشى: # فصدقتها وكذبتها ... والمرء ينفعه كذابه # قوله عز وجل: وكل شيء أحصيناه قال الزجاج: «كل» منصوب بفعل مضمر تفسيره: # أحصيناه، والمعنى: وأحصينا كل شيء، وكتابا توكيد ل «أحصيناه» ، لأن معنى ~~«أحصيناه» و «كتبناه» فيما يحصل ويثبت واحد. فالمعنى: كتبناه كتابا. قال ~~المفسرون: وكل شيء من الأعمال أثبتناه في اللوح المحفوظ فذوقوا أي: فيقال ~~لهم: ذوقوا جزاء فعالكم فلن نزيدكم إلا عذابا (30) إن للمتقين الذين لم ~~يشركوا مفازا وفيه قولان: أحدهما: متنزها، قاله ابن عباس، والضحاك. ~~والثاني: # فازوا بأن نجوا من النار بالجنة، ومن العذاب بالرحمة، قاله قتادة. قال ~~ابن قتيبة: «مفازا» في موضع «فوز» قوله: حدائق قال ابن قتيبة: الحدائق: ~~بساتين نخل، واحدها: حديقة. # قوله عز وجل: وكواعب قال ابن عباس: الكواعب: النواهد. قال ابن فارس: ~~يقال: كعبت المرأة كعابة، فهي كاعب: إذا نتأ ثديها. وقد ذكرنا معنى ~~«الأتراب» في ص «3» . # قوله عز وجل: وكأسا دهاقا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الملأى، رواه أبو ~~صالح ms2392 عن ابن PageV04P390 # عباس، وبه قال الحسن، وقتادة، وابن زيد. والثاني: أنها المتتابعة. رواه ~~مجاهد عن ابن عباس، وبه قال ابن جبير. وعن مجاهد كالقولين. والثالث: أنها ~~الصافية، قاله عكرمة. # قوله عز وجل: لا يسمعون فيها أي: في الجنة إذا شربوها لغوا وقد ذكرناه في ~~الطور «1» وغيرها، ولا كذابا أي: لا يكذب بعضهم بعضا، لأن أهل الدنيا إذا ~~شربوا الخمر تكلموا بالباطل وأهل الجنة منزهون عن ذلك. قال الفراء. وقراءة ~~علي رضي الله عنه «كذابا» بالتخفيف، كأنه- والله أعلم- لا يتكاذبون فيها. ~~وكان الكسائي يخفف هذه ويشدد، «وكذبوا بآياتنا كذابا» لأن «كذبوا» يقيد ~~«الكذاب» بالمصدر، وهذه ليست مقيدة بفعل يصيرها مصدرا، وقد ذكرنا عن أبي ~~عبيدة أن الكذاب بالتشديد والتخفيف مصدر المكاذبة. وقال أبو علي الفارسي: ~~«الكذاب» بالتخفيف مصدر «كذب» ، مثل «الكتاب» مصدر «كتب» . # قوله عز وجل: جزاء قال الزجاج: المعنى: جازاهم بذلك جزاء، وكذلك «عطاء» ~~لأن معنى أعطاهم وجازاهم واحد. وحسابا معناه: ما يكفيهم، أي: فيه كل ما ~~يشتهون. يقال: أحسبني كذا بمعنى كفاني. رب السماوات قرأ نافع، وابن كثير، ~~وأبو عمرو، والمفضل «رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن» برفع الباء من ~~«رب» والنون من الرحمن على معنى: هو رب السموات. وقرأ عاصم، وابن عامر بخفض ~~الباء والنون على الصفة من «ربك» . وقرأ حمزة والكسائي بكسر الباء ورفع ~~النون، واختار هذه القراءة الفراء. ووافقه على هذا جماعة، وعللوا بأن الرب ~~قريب من المخفوض، والرحمن بعيد منه. # قوله عز وجل: لا يملكون منه خطابا فيه قولان: أحدهما: لا يملكون الشفاعة ~~إلا بإذنه قاله ابن السائب. والثاني: لا يقدر الخلق أن يكلموا الرب إلا ~~بإذنه، قاله مقاتل. # قوله تعالى: يوم يقوم الروح فيه سبعة أقوال «2» : # (1511) أحدها: أنه جند من جند الله تعالى، وليسوا بملائكة، رواه ابن عباس ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: هم خلق على صورة بني آدم ~~يأكلون ويشربون. # والثاني: أنه ملك أعظم من السموات والجبال، والملائكة، قاله ابن مسعود، ~~ومقاتل بن سليمان. # وروى عطاء عن ابن عباس قال: ms2393 الروح: ملك ما خلق الله ملكا أعظم منه، فإذا ~~كان يوم القيامة قام هو وحده صفا، وقامت الملائكة كلهم صفا واحدا، فيكون ~~عظم خلقه مثل صفوفهم. PageV04P391 # والثالث: أنها أرواح الناس تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ~~ترد إلى الأجساد، رواه عطية عن ابن عباس. والرابع: أنه جبريل عليه السلام ~~قاله الشعبي، وسعيد بن جبير، والضحاك. # والخامس: أنهم بنو آدم، قاله الحسن، وقتادة. والسادس: أنه القرآن، قاله ~~زيد بن أسلم. والسابع: # أنهم أشرف الملائكة، قاله مقاتل بن حيان. # قوله عز وجل: والملائكة صفا قال الشعبي: هما سماطان، سماط من الروح، ~~وسماط من الملائكة. فعلى هذا يكون المعنى: يوم يقوم الروح صفا، والملائكة ~~صفا. وقال ابن قتيبة: معنى قوله عز وجل: صفا صفوفا. # قوله عز وجل: لا يتكلمون يعني: الخلق كلهم إلا من أذن له الرحمن في ~~الكلام وقال صوابا أي: قال في الدنيا صوابا، وهو الشهادة بالتوحيد عند أكثر ~~المفسرين. وقال مجاهد: قال حقا في الدنيا، وعمل به ذلك اليوم الحق أي ~~الكائن الواقع بلا شك فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا أي: # مرجعا إليه بطاعته. ثم خوف كفار مكة، فقال عز وجل: نا أنذرناكم عذابا ~~قريبا # وهو عذاب الآخرة، وكل آت قريب وم ينظر المرء ما قدمت يداه # أي: يرى عمله مثبتا في صحيفته خيرا كان أو شرا، يقول الكافر يا ليتني كنت ~~ترابا # قال الحسن: إذا سمع الله الخلائق يوم القيامة وقضى الثقلين الجن والإنس ~~وأروا منازلهم قال لسائر الخلق: كونوا ترابا فحينئذ يقول الكافر يا ليتني ~~كنت ترابا. وحكى الزجاج أن معنى: يا ليتني كنت ترابا. يا ليتني لم أبعث. ~~وحكى الثعلبي عن بعض أشياخه. أنه رأى في بعض التفاسير أن الكافر هاهنا: ~~إبليس، وذلك أنه عاب آدم، لأنه خلق من التراب فتمنى يوم القيامة أنه كان ~~بمكان آدم، فقال: يا ليتني كنت ترابا. # PageV04P392 # سورة النازعات # مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النازعات # (79) : الآيات 1 الى 14] # بسم الله الرحمن الرحيم # والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا ms2394 (2) والسابحات سبحا (3) فالسابقات ~~سبقا (4) # فالمدبرات أمرا (5) يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها الرادفة (7) قلوب يومئذ ~~واجفة (8) أبصارها خاشعة (9) # يقولون أإنا لمردودون في الحافرة (10) أإذا كنا عظاما نخرة (11) قالوا ~~تلك إذا كرة خاسرة (12) فإنما هي زجرة واحدة (13) فإذا هم بالساهرة (14) # قوله عز وجل: والنازعات فيه سبعة أقوال «1» : أحدها: أنها الملائكة تنزع ~~أرواح الكفار، قاله علي، وابن مسعود، وروى عطية عن ابن عباس قال: هي ~~الملائكة تنزع نفوس بني آدم، وبه قال مسروق. والثاني: أنه الموت ينزع ~~النفوس، قاله مجاهد. والثالث: أنها النفس حين تنزع، قاله السدي. # والرابع: أنها النجوم تنزع من أفق الى أفق تطلع ثم تغيب، قاله الحسن، ~~وقتادة، وأبو عبيدة، والأخفش، وابن كيسان. والخامس: أنها القسي تنزع ~~بالسهم، قاله عطاء وعكرمة. والسادس: أنها الوحوش تنزع وتنفر، حكاه ~~الماوردي. والسابع: أنها الرماة، حكاه الثعلبي. # وقوله عز وجل: غرقا اسم أقيم مقام الإغراق. قال ابن قتيبة: والمعنى: ~~والنازعات إغراقا، كما يغرق النازع في القوس، يعني: أنه يبلغ به غاية ~~المد.. # قوله عز وجل: والناشطات نشطا فيه خمسة أقوال: أحدها: أنها الملائكة. ثم ~~في معنى الكلام قولان: أحدهما: أنها حين تنشط أرواح الكفار حتى تخرجها ~~بالكرب والغم، قاله علي عليه السلام. # قال مقاتل: ينزع ملك الموت روح الكافر، فإذا بلغت ترقوته غرقها في حلقه، ~~فيعذبه في حياته، ثم ينشطها من حلقه- أي: يجذبها- كما ينشط السفود من الصوف ~~المبتل. والثاني: أنها تنشط. أرواح المؤمنين بسرعة كما ينشط العقال من يد ~~البعير إذا حل عنها، قاله ابن عباس. وقال الفراء: الذي سمعته PageV04P393 # من العرب: كأنما أنشط من عقال، بألف. تقول: إذا ربطت الحبل في يد البعير: ~~نشطته، فإذا حللته قلت: أنشطته. # والقول الثاني: أنها أنفس المؤمنين تنشط عند الموت للخروج، وهذا مروي عن ~~ابن عباس أيضا. # وبيانه أن المؤمن يرى منزله من الجنة قبل الموت فتنشط نفسه لذلك. ~~والثالث: أن الناشطات: الموت ينشط نفس الإنسان، قاله مجاهد. والرابع: ~~النجوم تنشط من أفق إلى أفق، أي: تذهب، قاله قتادة، وأبو عبيدة، والأخفش. ~~ويقال لبقر الوحش: نواشط، لأنها تذهب ms2395 من موضع إلى موضع. قال أبو عبيدة: ~~والهموم تنشط بصاحبها. قال هميان بن قحافة: # أمست همومي تنشط المناشطا ... الشام بي طورا وطورا واسطا # والخامس: أنها النفس حين تنشط بالموت، قاله السدي. # قوله عز وجل: والسابحات سبحا فيه ستة أقوال: # أحدها: أنها الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين، قاله علي عليه السلام. قال ~~ابن السائب: يقبضون أرواح المؤمنين كالذي يسبح في الماء. فأحيانا ينغمس، ~~وأحيانا يرتفع، يسلونها سلا رفيقا، ثم يدعونها حتى تستريح. والثاني: أنهم ~~الملائكة ينزلون من السماء مسرعين، كما يقال للفرس الجواد: سابح: إذا أسرع ~~في جريه، قاله مجاهد، وأبو صالح، والفراء. والثالث: أنه الموت يسبح في نفوس ~~بني آدم، روي عن مجاهد أيضا. والرابع: أنها السفن تسبح في الماء، قاله ~~عطاء. والخامس: أنها النجوم، والشمس، والقمر، كل في فلك يسبحون، قاله ~~قتادة، وأبو عبيدة. والسادس: أنها الخيل، حكاه الماوردي. # قوله عز وجل: فالسابقات سبقا فيه خمسة أقوال: أحدها: أنها الملائكة. ثم ~~في معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تسبق الشياطين بالوحي إلى ~~الأنبياء، قاله علي عليه السلام ومسروق. والثاني: # أنها تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، قاله مجاهد، وأبو روق. والثالث: ~~سبقت بني آدم الى إلإيمان، قاله الحسن. # والقول الثاني: أنها أنفس المؤمنين تسبق الملائكة شوقا إلى لقاء الله، ~~فيقبضونها وقد عاينت السرور، قاله ابن مسعود. والثالث: أنه الموت يسبق إلى ~~النفوس، روي عن مجاهد أيضا. والرابع: # أنها الخيل، قاله عطاء. والخامس: أنها النجوم يسبق بعضه بعضا في السير، ~~قاله قتادة. # قوله عز وجل: فالمدبرات أمرا قال ابن عباس: هي الملائكة. قال عطاء: وكلت ~~بأمور عرفهم الله العمل بها. وقال عبد الرحمن بن سابط: يدبر أمر الدنيا ~~أربعة: جبريل، وهو موكل بالرياح والجنود. وميكائيل، وهو موكل بالقطر ~~والنبات. وملك الموت، وهو موكل بقبض الأنفس. # وإسرافيل، وهو ينزل بالأمر عليهم. وقيل: بل جبريل للوحي، وإسرافيل للصور. ~~وقال ابن قتيبة: # فالمدبرات أمرا: تنزل بالحلال والحرام. فإن قيل: أين جواب هذه الأقسام ~~ففيه جوابان: أحدهما: أن الجواب قوله عز وجل: إن في ذلك لعبرة ms2396 لمن يخشى، ~~قاله مقاتل. والثاني: أن الجواب مضمر، تقديره: # لتبعثن، ولتحاسبن، ويدل على هذا قوله عز وجل أإذا كنا عظاما نخرة قاله ~~الفراء. # قوله عز وجل: يوم ترجف الراجفة، وهي النفخة الأولى التي تموت منها جميع ~~الخلائق. # PageV04P394 # و «الراجفة» صيحة عظيمة فيها تردد واضطراب كالرعد إذا تمحض. و «ترجف» ~~بمعنى: تتحرك حركة شديدة تتبعها الرادفة وهي: النفخة الثانية ردفت الأولى، ~~أي: جاءت بعدها وكل شيء جاء بعد شيء فهو يردفه قلوب يومئذ واجفة أي: شديدة ~~الاضطراب لما عاينت من أهوال يوم القيامة أيضا أبصارها خاشعة أي: ذليلة ~~لمعاينة النار. قال عطاء: وهذه أبصار من لم يمت على الإسلام. ويدل على هذا ~~أنه ذكر منكري البعث، فقال عز وجل: يقولون أإنا لمردودون في الحافرة قرأ ~~ابن عامر وأهل الكوفة «أإنا» بهمزتين مخففتين على الاستفهام، وقرأ الباقون ~~بتخفيف الأولى وتليين الثانية، وفصل بينهما بألف وأبو عمرو. في الحافرة وفي ~~معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: إن الحافرة: الحياة بعد الموت. والمعنى: # أنرجع أحياء بعد موتنا؟! وهذا قول ابن عباس، وعطية، والسدي. قال الفراء: ~~يعنون: أنرد إلى أمرنا الأول إلى الحياة؟! والعرب تقول: أتيت فلانا، ثم ~~رجعت على حافرتي، أي: رجعت من حيث جئت. # قال أبو عبيدة: يقال: رجع فلان في حافرته، وعلى حافرته: إذا رجع من حيث ~~جاء، وهذا قول الزجاج. والثاني: أنها الأرض التي تحفر فيها قبورهم، فسميت ~~حافرة، والمعنى: محفورة، كما يقال: # ماء دافق «1» وعيشة راضية «2» وهذا قول مجاهد والخليل. فيكون المعنى: ~~أإنا لمردودون إلى الأرض خلقا جديدا؟! قال ابن قتيبة: «في الحافرة» أي: إلى ~~أول أمرنا. ومن فسرها بالأرض، فإلى هذا يذهب، لأنا منها بدأنا. قال الشاعر: # أحافرة على صلع وشيب ... معاذ الله من سفه وعار # كأنه قال: أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والصبا «بعد ما شبت ~~وصلعت» . # والثالث: أن الحافرة: النار، قاله ابن زيد. # قوله عز وجل: أإذا كنا عظاما نخرة وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ~~«ناخرة» قال الفراء: وهما بمعنى واحد في ms2397 اللغة. مثل طمع، وطامع وحذر، ~~وحاذر. وقال الأخفش: هما لغتان. # وقال الزجاج: يقال: نخر العظم ينخر، فهو نخر. مثل عفن الشيء يعفن، فهو ~~عفن. وناخرة على معنى: عظاما فارغة، يجيء فيها من هبوب الرياح كالنخير. قال ~~المفسرون: والمراد أنهم أنكروا البعث، وقالوا: نرد أحياء إذا متنا وبليت ~~عظامنا؟! تلك إذا كرة خاسرة أي: إن رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا مما ~~يعدنا به محمد، فأعلمهم الله بسهولة البعث عليه، فقال عز وجل: فإنما هي ~~يعني النفخة الأخيرة زجرة واحدة أي: صيحة في الصور يسمعونها من إسرافيل وهم ~~في بطون الأرض فيخرجون فإذا هم بالساهرة وفيها أربعة أقوال «3» : أحدها: أن ~~الساهرة: وجه الأرض، قاله ابن عباس: # ومجاهد، وعكرمة والضحاك، واللغويون. قال الفراء: كأنها سميت بهذا الاسم، ~~لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم. والثاني: أنه جبل عند بيت المقدس، قاله وهب ~~بن منبه. والثالث: أنها جهنم، قاله قتادة. # والرابع: أنها أرض الشام، قاله سفيان. PageV04P395 ### | ### | [سورة النازعات (79) : الآيات 15 الى # 33] # هل أتاك حديث موسى (15) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16) اذهب إلى ~~فرعون إنه طغى (17) فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك فتخشى (19) # فأراه الآية الكبرى (20) فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر فنادى ~~(23) فقال أنا ربكم الأعلى (24) # فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (26) ~~أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) رفع سمكها فسواها (28) وأغطش ليلها ~~وأخرج ضحاها (29) # والأرض بعد ذلك دحاها (30) أخرج منها ماءها ومرعاها (31) والجبال أرساها ~~(32) متاعا لكم ولأنعامكم (33) # قوله عز وجل: هل أتاك حديث موسى أي: قد جاءك. وقد بينا هذا في طه «1» وما ~~بعده إلى قوله عز وجل: طوى (16) اذهب قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو «طوى ~~اذهب» غير مجراة. وقرأ الباقون «طوى» منونة، فقل هل لك إلى أن تزكى وقرأ ~~ابن كثير، ونافع، «تزكى» بتشديد الزاي، أي: تطهر من الشرك وأهديك إلى ربك ~~أي: أدعوك إلى توحيده، وعبادته فتخشى عذابه فأراه الآية الكبرى وفيها ~~قولان: أحدهما: أنها اليد والعصا، قاله جمهور المفسرين. والثاني: ms2398 أنها اليد ~~قاله الزجاج. # قوله عز وجل: فكذب أي بأنها من الله، وعصى نبيه ثم أدبر أي: أعرض عن ~~الإيمان يسعى أي: يعمل بالفساد في الأرض فحشر لما اجتمعوا فقال أنا ربكم ~~الأعلى أي: أنا لا رب فوقي. وقيل أراد أن الأصنام أرباب، وأنا ربها وربكم. ~~وقيل: أراد: أنا رب السادة والقادة. # قوله عز وجل: فأخذه الله نكال الآخرة والأولى فيه أربعة أقوال «2» : ~~أحدها: أن الأولى قوله: ما علمت لكم من إله غيري «3» والآخرة قوله: أنا ~~ربكم الأعلى قاله ابن عباس، وعكرمة، والشعبي، ومقاتل، والفراء. ورواه ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد. قال ابن عباس: وكان بينهما أربعون سنة. قال السدي: فبقي ~~بعد الآخرة ثلاثين سنة. قال الفراء: فالمعنى: أخذه الله أخذا نكالا للآخرة ~~والأولى. # والثاني: المعنى: جعله الله نكال الدنيا والآخرة، أغرقه في الدنيا، وعذبه ~~في الآخرة، قاله الحسن، وقتادة. وقال الربيع بن أنس: عذبه الله في أول ~~النهار بالغرق، وفي آخره بالنار. والثالث: أن الأولى: # تكذيبه وعصيانه. والآخرة قوله: أنا ربكم الأعلى قاله أبو رزين. والرابع: ~~أنها أول أعماله وآخرها، رواه منصور عن مجاهد. قال الزجاج: النكال: منصوب، ~~مصدر مؤكد، لأن معنى أخذه الله: نكل الله به نكال الآخرة والأولى: فأغرقه ~~في الدنيا ويعذبه في الآخرة. # قوله عز وجل: إن في ذلك الذي فعل بفرعون لعبرة أي عظة لمن يخشى الله. # ثم خاطب منكري البعث، فقال عز وجل: أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها قال ~~الزجاج: ذهب بعض النحويين الى أن قوله عز وجل: بناها من صفة السماء، فيكون ~~المعنى: أم السماء التي بناها. وقال PageV04P396 # قوم: السماء ليس مما توصل، ولكن المعنى: أأنتم أشد خلقا أم السماء أشد ~~خلقا. ثم بين كيف خلقها، فقال عز وجل بناها قال المفسرون: أخلقكم بعد الموت ~~أشد عندكم، أم السماء في تقديركم؟ وهما في قدرة الله واحد. ومعنى: «بناها» ~~رفعها. وكل شيء ارتفع فوق شيء فهو بناء. # ومعنى رفع سمكها رفع ارتفاعها وعلوها في الهواء فسواها بلا شقوق، ولا ~~فطور، ولا تفاوت، يرتفع ms2399 فيه بعضها على بعض وأغطش ليلها أي: أظلمه فجعله ~~مظلما. قال الزجاج: يقال: غطش الليل وأغطش، وغبش وأغبش، وغسق وأغسق، وغشي ~~وأغشى، كله بمعنى أظلم. # قوله عز وجل: وأخرج ضحاها أي: أبرز نهارها. والمعنى: أظهر نورها بالشمس. ~~وإنما أضاف النور والظلمة إلى السماء لأنهما عنها يصدران والأرض بعد ذلك ~~أي: بعد خلق السماء دحاها أي: # بسطها. وبعض من يقول: إن الأرض خلقت قبل السماء يزعم أن «بعد» هاهنا ~~بمعنى «قبل» ، كقوله تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر «1» وبعضهم ~~يقول: هي بمعنى «مع» ، كقوله عز وجل: # عتل بعد ذلك زنيم «2» ، ولا يمتنع أن تكون الأرض خلقت قبل والسماء، ثم ~~دحيت بعد كمال السماء، وهذا مذهب عبد الله بن عمرو بن العاص. وقد أشرنا إلى ~~هذا الخلاف في البقرة «3» . ونصبت الأرض بمضمر تفسيره قوله عز وجل: دحاها. # أخرج منها ماءها أي: فجر العيون منها ومرعاها وهو ما يأكله الناس ~~والأنعام والجبال أرساها قال الزجاج: أي: أثبتها متاعا لكم أي: للإمتاع، ~~لأن معنى أخرج منها ماءها ومرعاها: أمتع بذلك. # وقال ابن قتيبة: «متاعا لكم» أي: منفعة. ### | [سورة النازعات (79) : الآيات 34 الى 46] # فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) يوم يتذكر الإنسان ما سعى (35) وبرزت ~~الجحيم لمن يرى (36) فأما من طغى (37) وآثر الحياة الدنيا (38) # فإن الجحيم هي المأوى (39) وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ~~(40) فإن الجنة هي المأوى (41) يسئلونك عن الساعة أيان مرساها (42) فيم أنت ~~من ذكراها (43) # إلى ربك منتهاها (44) إنما أنت منذر من يخشاها (45) كأنهم يوم يرونها لم ~~يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (46) # قوله عز وجل: فإذا جاءت الطامة الكبرى والطامة: الحادثة التي تطم على ما ~~سواها، أي: تعلو فوقه، وفي المراد بها هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: النفخة ~~الثانية التي فيها البعث. والثاني: أنها حين يقال لأهل النار: قوموا إلى ~~النار. والثالث: أنها حين يساق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. # قوله عز وجل: يتذكر الإنسان ما سعى أي: ما عمل من خير وشر وبرزت الجحيم ~~لمن يرى أي: ms2400 # لأبصار الناظرين. قال مقاتل: يكشف عنها الغطاء فينظر إليها الخلق. وقرأ ~~أبو مجلز، وابن السميفع «لمن ترى» بالتاء. وقرأ ابن عباس، ومعاذ القارئ ~~«لمن رأى» بهمزة بين الراء والألف. # قوله تعالى: فأما من طغى في كفره وآثر الحياة الدنيا على الآخرة فإن ~~الجحيم هي المأوى قال الزجاج: أي هي المأوى له. وهذا جواب فإذا جاءت الطامة ~~فإن الأمر كذلك. # قوله عز وجل: وأما من خاف مقام ربه قد ذكرناه في سورة الرحمن «4» . ~~PageV04P397 # قوله عز وجل: ونهى النفس عن الهوى أي: عما تهوى من المحارم. قال مقاتل: ~~هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر مقامه للحساب، فيتركها. # قوله عز وجل: يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قد سبق في الأعراف «1» فيم ~~أنت من ذكراها أي: # لست في شيء من علمها وذكرها. والمعنى: إنك لا تعلمها إلى ربك منتهاها أي: ~~منتهى علمها إنما أنت منذر من يخشاها وقرأ أبو جعفر «منذر» بالتنوين. ومعنى ~~الكلام: إنما أنت مخوف من يخافها. # والمعنى: إنما ينفع إنذارك من يخافها. وهو المؤمن بها. وأما من لا يخافها ~~فكأنه لم ينذر كأنهم يعني: كفار قريش يوم يرونها أي: يعاينون القيامه لم ~~يلبثوا في الدنيا. وقيل: في قبورهم إلا عشية أو ضحاها أي: قدر آخر النهار ~~من بعد العصر، أو أوله إلى أن ترتفع الشمس. قال الزجاج: والهاء والألف في ~~«ضحاها» عائد إلى العشية. والمعنى: إلا عشية، أو ضحى العشية. قال الفراء: # فإن قيل: للعشية ضحى، إنما الضحى لصدر النهار؟. # فالجواب: أن هذا ظاهر في كلام العرب أن يقولوا: آتيك العشية، أو غداتها، ~~أو آتيك الغداة أو عشيتها، فتكون العشية في معنى «آخر» ، والغداة في معنى ~~«أول» . أنشدني بعض بني عقيل: # نحن صبحنا عامرا في دارها ... عشية الهلال أو سرارها # أراد: عشية الهلال، أو عشية سرار العشية، فهذا أشد من قولهم: آتيك الغداة ~~أو عشيتها. PageV04P398 ### | سورة عبس # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة عبس (80) : الآيات 1 الى # 16] # بسم الله الرحمن الرحيم # عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) وما يدريك ms2401 لعله يزكى (3) أو يذكر ~~فتنفعه الذكرى (4) # أما من استغنى (5) فأنت له تصدى (6) وما عليك ألا يزكى (7) وأما من جاءك ~~يسعى (8) وهو يخشى (9) # فأنت عنه تلهى (10) كلا إنها تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) في صحف مكرمة ~~(13) مرفوعة مطهرة (14) # بأيدي سفرة (15) كرام بررة (16) # قوله تعالى: عبس وتولى. # (1512) قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يناجي عتبة ~~بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، وأمية وأبيا ابني خلف، ويدعوهم إلى الله ~~تعالى، ويرجو إسلامهم، فجاء ابن أم مكتوم الأعمى، فقال: # علمني يا رسول الله مما علمك الله، وجعل يناديه، ويكرر النداء، ولا يدري ~~أنه مشتغل بكلام غيره حتى ظهرت الكراهية في وجهه صلى الله عليه وسلم لقطعه ~~كلامه، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل على القوم يكلمهم، ~~فنزلت هذه الآيات، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه بعد ذلك، ~~ويقول: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي. PageV04P399 # (1513) وذهب قوم، منهم مقاتل، إلى أنه إنما جاء ليؤمن، فأعرض عنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم اشتغالا بالرؤساء، فنزلت فيه هذه الآيات. # ومعنى: عبس قطب وكلح وتولى أعرض بوجهه أن جاءه أي: لأن جاءه. وقرأ أبي بن ~~كعب، والحسن، وأبو المتوكل، وأبو عمران، «آن جاءه» بهمزة واحدة مفتوحة ~~ممدودة. وقرأ ابن مسعود، وابن السميفع «أأن» بهمزتين مقصورتين مفتوحتين. ~~والأعمى هو ابن مكتوم، واسمه عمرو بن قيس. وقيل: اسمه عبد الله بن عمرو وما ~~يدريك لعله يزكى أي: يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح، وما يتعلمه منك، وقال ~~مقاتل: لعله يؤمن أو يذكر أي: يتعظ بما يتعلمه من مواعظ القرآن فتنفعه ~~الذكرى قرأ حفص عن عاصم «فتنفعه» بفتح العين، والباقون بضمها. قال الزجاج: ~~من نصب، فعلى جواب «لعل» ، ومن رفع، فعلى العطف على «يزكى» . # قوله عز وجل: أما من استغنى قال ابن عباس: استغنى عن الله وعن الإيمان ~~بماله. قاله مجاهد: # «أما من استغنى» عتبة، وشيبة، فأنت له تصدى. قرأ ابن كثير، ونافع «تصدى» ~~بتشديد الصاد. وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، «تصدى» ms2402 ~~بفتح التاء، والصاد وتخفيفهما وقرأ أبي بن كعب، وأبو الجوزاء، وأبو عمرو بن ~~دينار: «تتصدى» بتاءين مع تخفيف الصاد، قال الزجاج: # والأصل: تتصدى، ولكن حذفت التاء الثانية لاجتماع تاءين، ومن قرأ «تصدى» ~~بإدغام التاء، فالمعنى أيضا: تتصدى، إلا أن التاء أدغمت في الصاد لقرب مخرج ~~التاء من الصاد. قال ابن عباس: «تصدى» تقبل عليه بوجهك. وقال ابن قتيبة: ~~تتعرض. وقرأ ابن مسعود وابن السميفع، والجحدري «تصدى» بتاء واحدة مضمومة، ~~وتخفيف الصاد. # قوله عز وجل: وما عليك أي: أي شيء عليك في أن لا يسلم من تدعوه إلى ~~الإسلام؟ يعني: # أنه ليس عليه إلا البلاغ. # قوله وأما من جاءك يسعى فيه قولان: أحدهما: يمشي. والثاني: يعمل في ~~الخير، وهو ابن أم مكتوم وهو يخشى الله فأنت عنه تلهى وقرأ ابن مسعود، ~~وطلحة بن مصرف، وأبو الجوزاء «تتلهى» بتاء واحدة خفيفة مرفوعة. قال الزجاج: ~~أي: تتشاغل عنه. يقال: لهيت عن الشيء ألهى عنه: إذا تشاغلت عنه. # قوله عز وجل: كلا أي: لا تفعل ذلك: إنها في المكني عنها قولان: أحدهما: ~~آيات القرآن، قاله مقاتل. والثاني: هذه السورة، قاله الفراء. «والتذكرة» ~~بمعنى التذكير فمن شاء ذكره مفسر في آخر المدثر «1» . ثم أخبر بجلالة ~~القرآن عنده فقال عز وجل: في صحف مكرمة أي: هو في صحف، أي: في كتب مكرمة، ~~وفيها قولان: أحدهما: أنها اللوح المحفوظ، قاله مقاتل. والثاني: كتب ~~الأنبياء، ذكره الثعلبي. فعلى هذا يكون معنى مرفوعة عالية القدر، وعلى ~~الأول يكون رفعها كونها في السماء. PageV04P400 # وفي معنى مطهرة أربعة أقوال: أحدها: مطهرة من أن تنزل على المشركين، قاله ~~الحسن. # والثاني: مطهرة من الشرك والكفر، قاله مقاتل: والثالث: لأنه لا يمسها إلا ~~المطهرون، قاله الفراء. # والرابع: مطهرة من الدنس، قاله يحيى بن سلام. # قوله عز وجل: بأيدي سفرة فيهم قولان: أحدهما: أنهم الملائكة، قاله ~~الجمهور. والثاني: # أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قاله وهب بن منبه. # وفي معنى «سفرة» ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنهم الكتبة، قاله ابن عباس، ~~ومجاهد، وأبو عبيدة، وابن قتيبة: والزجاج. ms2403 قال الزجاج: واحدهم: سافر، ~~وسفرة، مثل كاتب وكتبة، وكافر، وكفرة، وإنما قيل للكتاب: سفر، وللكاتب: ~~سافر، لأن معناه أنه يبين الشيء، ويوضحه. يقال: أسفر الصبح: # إذا أضاء. وسفرت المرأة: إذا كشفت النقاب عن وجهها. ومنه: سفرت بين ~~القوم، أي: كشفت ما في قلب هذا، وقلب هذا، لأصلح بينهم. والثاني: أنهم ~~القراء، قاله قتادة. والثالث: أنهم السفراء، وهم المصلحون، قال الفراء: ~~تقول العرب: سفرت بين القوم، أي: أصلحت بينهم، فجعلت الملائكة إذا نزلت ~~بوحي الله، كالسفير الذي يصلح بين القوم. قال الشاعر: # وما أدع السفارة بين قومي ... وما أمشي بغش إن مشيت # قوله عز وجل: كرام أي: على ربهم بررة أي: مطيعين. قال الفراء: واحد ~~«البررة» في قياس العربية: بار، لأن العرب لا تقول: فعلة ينوون به الجمع ~~إلا الواحد، ومنه فاعل، مثل كافر، وكفرة، وفاجر، وفجرة. ### | ### | [سورة عبس (80) : الآيات 17 الى # 32] # قتل الإنسان ما أكفره (17) من أي شيء خلقه (18) من نطفة خلقه فقدره (19) ~~ثم السبيل يسره (20) ثم أماته فأقبره (21) # ثم إذا شاء أنشره (22) كلا لما يقض ما أمره (23) فلينظر الإنسان إلى ~~طعامه (24) أنا صببنا الماء صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا (26) # فأنبتنا فيها حبا (27) وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ونخلا (29) وحدائق غلبا ~~(30) وفاكهة وأبا (31) # متاعا لكم ولأنعامكم (32) # قوله عز وجل: قتل الإنسان أي: لعن، والمراد بالإنسان هاهنا: الكافر. # وفيمن عنى بهذا القول ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أشار إلى كل كافر، قاله ~~مجاهد. والثاني: أنه أمية بن خلف، قاله الضحاك. والثالث: عتبة بن لهب، قاله ~~مقاتل. # وفي قوله عز وجل: ما أكفره ثلاثة أقوال: أحدها: ما أشد كفره، قاله ابن ~~جريج. والثاني: أي شيء أكفره؟ قاله السدي. فعلى هذا يكون استفهام توبيخ. ~~والثالث: أنه على جهة التعجب. وهذا التعجب يؤمر به الآدميون والمعنى: ~~اعجبوا أنتم من كفره، قاله الزجاج. # قوله عز وجل: من أي شيء خلقه ثم فسره عز وجل: من نطفة خلقه. وفي معنى ~~«فقدره» ثلاثة أقوال: أحدها: قدر أعضاء رأسه. وعينيه، ويديه، ورجليه، قاله ~~ابن السائب. والثاني: قدره أطوارا: # نطفة، ثم ms2404 علقة، إلى آخر خلقه، قاله مقاتل. PageV04P401 # والثالث: فقدره على الاستواء، قاله الزجاج. # قوله: ثم السبيل يسره فيه قولان «1» : أحدهما: سهل له العلم بطريق الحق ~~والباطل، قاله الحسن، ومجاهد. قال الفراء. والمعنى: ثم يسره للسبيل. ~~والثاني: يسر له السبيل في خروجه من بطن أمه، قاله السدي، ومقاتل، قوله عز ~~وجل: فأقبره قال الفراء: أي جعله مقبورا، ولم يجعله ممن يلقى للسباع ~~والطير، فكأن القبر مما أكرم به المسلم. ولم يقل: قبره، لأن القابر هو ~~الدافن بيده. # والمقبر الله، لأنه صيره مقبورا. فليس فعله كفعل الآدمي. والعرب تقول: ~~بترت ذنب البعير، والله أبتره. وعضبت قرن الثور، والله أعضبه وطردت فلانا ~~عني، والله أطرده، أي: صيره طريدا. وقال أبو عبيدة: أقبره: أي أمر أن يقبر، ~~وجعل له قبرا. قالت بنو تميم لعمر بن هبيرة لما قتل صالح بن عبد الرحمن: ~~أقبرنا صالحا، فقال: دونكموه. والذي يدفن بيده هو القابر. قال الأعشى: # لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم يسلم إلى قابر «2» # قوله عز وجل: ثم إذا شاء أنشره أي: بعثه. يقال: أنشر الله الموتى فنشروا، ~~ونشر الميت: حيي هو بنفسه، واحدهم ناشر. قال الأعشى: # حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر # قوله عز وجل: كلا قال الحسن: حقا لما يقض ما أمره به ربه، ولم يؤد ما فرض ~~عليه. وهل هذا عام أم خاص؟ فيه قولان «3» : أحدهما: أنه عام. قال مجاهد: لا ~~يقضي أحد أبدا كل ما افترض الله عليه. والثاني: أنه خاص للكافر لم يقض ما ~~أمر به من الإيمان والطاعة، وقاله يحيى بن سلام ولما ذكر خلق ابن آدم، ذكر ~~رزقه ليقبو ويسد بالنبات على البعث، فقال عز وجل: فلينظر الإنسان إلى طعامه ~~قال مقاتل: يعني به عتبة بن أبي لهب. ومعنى الكلام: فلينظر الإنسان كيف خلق ~~الله طعامه الذي جعله سببا لحياته؟ ثم بين فقال عز وجل: أنا قرأ ابن كثير، ~~ونافع وأبو عمرو، وابن عامر «إنا» بالكسر. # وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي أنا صببنا بفتح الهمزة في الوصل ms2405 وفي ~~الابتداء، ووافقهم رويس على فتحها في الوصل، فإذا ابتدأ كسر. قال الزجاج: ~~من كسر «إنا» فعلى الابتداء والاستئناف، ومن فتح، فعلى البدل من الطعام، ~~المعنى: فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا. قال المفسرون: أراد بصب الماء: ~~المطر PageV04P402 # ثم شققنا الأرض بالنبات شقا (26) فأنبتنا فيها حبا يعني جميع الحبوب التي ~~يتغذى بها وعنبا وقضبا قال الفراء: هو الرطبة. وأهل مكة يسمون القت: القضب. ~~قال ابن قتيبة ويقال: إنه سمي بذلك، لأنه يقضب مرة بعد مرة، أي: يقطع، ~~وكذلك القصيل، لأنه يقصل، أي: يقطع. # قوله عز وجل: وزيتونا ونخلا (29) وحدائق غلبا قال الفراء: كل بستان عليه ~~حائط، فهو حديقة، وما لم يكن عليه حائط لم يقل: حديقة. والغلب: ما غلظ من ~~النخل. قال أبو عبيدة: يقال: شجرة غلباء: إذا كانت غليظة. وقال ابن قتيبة: ~~الغلب: الغلاظ الأعناق. وقال الزجاج: هي المتكاثفة، العظام. # قوله عز وجل: وفاكهة يعني: ألوان الفاكهة وأبا فيه قولان: أحدهما: أنه ما ~~ترعاه البهائم. # قاله ابن عباس، وعكرمة، واللغويون. قال الزجاج: هو جميع الكلأ التي ~~تعتلفه الماشية. والثاني: أنه الثمار الرطبة، رواه الوالبي عن ابن عباس. # قوله: متاعا لكم ولأنعامكم قد بيناه في السورة التي قبلها «1» . ### | [سورة عبس (80) : الآيات 33 الى 42] # فإذا جاءت الصاخة (33) يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) ~~وصاحبته وبنيه (36) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) # وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة مستبشرة (39) ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ~~ترهقها قترة (41) أولئك هم الكفرة الفجرة (42) # قوله عز وجل: فإذا جاءت الصاخة (33) وهي الصيحة الثانية. قال ابن قتيبة: ~~الصاخة تصخ صخا أي: تصم. يقال: رجل أصخ، وأصلخ: إذا كان لا يسمع. والداهية ~~صاخة أيضا. وقال الزجاج: هي الصيحة التي تكون عليها القيامة، تصخ الأسماع، ~~أي: تصمها، فلا تسمع إلا ما تدعى به لإحيائها. ثم فسر في أي وقت تجيء فقال ~~عز وجل: يوم يفر المرء من أخيه قال المفسرون: # والمعنى «2» : لا يلتفت الإنسان إلى أحد من أقاربه، لعظم ما هو فيه. قال ~~الحسن: أول من يفر من أخيه هابيل، ومن أمه ms2406 وأبيه إبراهيم، ومن صاحبته نوح ~~ولوط، ومن ابنه نوح. وقال قتادة: يفر هابيل من قابيل، والنبي صلى الله عليه ~~وسلم من أمه، وإبراهيم من أبيه، ولوط من صاحبته، ونوح من ابنه. # قوله عز وجل: لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه قال الفراء: أي: يشغله عن ~~قرابته. وقال ابن قتيبة: أي: يصرفه ويصده عن قرابته، يقال: اغن عني وجهك، ~~أي: اصرفه، واغن عني السفيه. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والزهري، وأبو ~~العالية، وابن السميفع، وابن محيصن، وابن أبي عبلة «يعنيه» بفتح الياء، ~~والعين غير معجمة. قال الزجاج: معنى الآية: له شأن لا يقدر مع الاهتمام به ~~على الاهتمام بغيره، وكذلك قراءة من قرأ «يعنيه» بالعين، معناه له شأن لا ~~يهمه معه غيره. PageV04P403 # (1514) وقد روى أنس بن مالك قال: قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~أنحشر عراة؟ قال: نعم. قالت: # واسوءتاه، فأنزل الله عز وجل: لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. # قوله عز وجل: وجوه يومئذ مسفرة أي: مضيئة قد علمت ما لها من الخير ضاحكة ~~لسرورها مستبشرة أي: فرحة بما نالها من كرامة الله عز وجل ووجوه يومئذ ~~عليها غبرة أي: غبار. وقال مقاتل: # أي: سواد وكآبة ترهقها أي: تغشاها قترة أي: ظلمة. وقال الزجاج: يعلوها ~~سواد كالدخان. ثم بين من أهل هذه الحال، فقال عز وجل: أولئك هم الكفرة ~~الفجرة وهو جمع كافر وفاجر. PageV04P404 # سورة التكوير # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة التكوير # (81) : الآيات 1 الى 14] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2) وإذا الجبال سيرت (3) وإذا ~~العشار عطلت (4) # وإذا الوحوش حشرت (5) وإذا البحار سجرت (6) وإذا النفوس زوجت (7) وإذا ~~الموؤدة سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9) # وإذا الصحف نشرت (10) وإذا السماء كشطت (11) وإذا الجحيم سعرت (12) وإذا ~~الجنة أزلفت (13) علمت نفس ما أحضرت (14) # (1515) روى أبو عبد الله الحاكم في «صحيحه» من حديث عبد الله بن عمر، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة ~~فليقرأ قوله تعالى: إذا الشمس ms2407 كورت. PageV04P405 # وفي قوله عز وجل: كورت أربعة أقوال: أحدها: أظلمت، رواه الوالبي عن ابن ~~عباس، وكذلك قال الفراء: ذهب ضوؤها، وهذا قول قتادة، ومقاتل. والثاني: ~~ذهبت، رواه عطية عن ابن عباس، وكذلك قال مجاهد: اضمحلت. والثالث: غورت، روي ~~عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن الأنباري، وهذا من قول الناس بالفارسية: ~~كور بكرد. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: # هو بالفارسية كور بور. # والرابع: أنها تكور مثل العمامة، فتلف وتمحى، قاله أبو عبيد. قال الزجاج: ~~ومعنى «كورت» جمع ضوؤها، ولفت كما تلف العمامة. يقال: كورت العمامة على ~~رأسي أكورها: إذا لففتها. قال المفسرون: تجمع الشمس بعضها إلى بعض، ثم تلف ~~ويرمى بها في البحر. وقيل: في النار. وقيل: # تعاد إلى ما خلقت منه. # قوله عز وجل: وإذا النجوم انكدرت أي: تناثرت، وتهافتت. يقال: انكدر ~~الطائر في الهواء: إذا انقض وإذا الجبال سيرت عن وجه الأرض، واستوت مع ~~الأرض وإذا العشار عطلت قال المفسرون وأهل اللغة: النوق الحوامل، وهي التي ~~أتى عليها في الحمل عشرة أشهر فقيل لها: العشار لذلك، وذلك الوقت أحسن زمان ~~حملها، وهي تضع إذا وضعت لتمام في سنة، فهي أنفس ما للعرب عندهم، فلا ~~يعطلونها، إلا لإتيان ما يشغلهم عنها، وإنما خوطبت العرب بأمر العشار، لأن ~~أكثر عيشهم ومالهم من الإبل، ومعنى «عطلت» سيبت وأهملت، لإشتغالهم عنها ~~بأهوال القيامة. # قوله تعالى: وإذا الوحوش يعني: دواب البر حشرت وفيه قولان: أحدهما: ماتت، ~~قاله ابن عباس. والثاني: جمعت إلى يوم القيامة، قاله السدي. وقد زدنا هذا ~~شرحا في الأنعام «1» . # قوله عز وجل: وإذا البحار سجرت قرأ ابن كثير، وأبو عمرو «سجرت» بتخفيف ~~الميم، وقرأ الباقون بتشديدها. وفي المعنى ثلاثة أقوال: أحدها: أوقدت ~~فاشتعلت نارا، قاله علي وابن عباس. # والثاني: يبست، قاله الحسن. والثالث: ملئت بأن صارت بحرا واحدا، وكثر ~~ماؤها، قاله ابن السائب والفراء، وابن قتيبة. # قوله عز وجل: وإذا النفوس زوجت فيه ثلاثة أقوال «2» : أحدها: قرنت ~~بأشكالها. قاله عمر رضي الله عنه، الصالح مع الصالح في الجنة، ms2408 والفاجر مع ~~الفاجر في النار، وهذا قول الحسن، وقتادة. # والثاني: ردت الأرواح إلى الأجساد، فزوجت بها، قاله الشعبي. وعن عكرمة ~~كالقولين. والثالث: # زوجت أنفس المؤمنين بالحور العين، وأنفس الكافرين بالشياطين، قاله عطاء، ~~ومقاتل. # قوله عز وجل: وإذا الموؤدة سئلت قال اللغويون: الموؤودة: البنت تدفن وهي ~~حية، وكان هذا من فعل الجاهلية. يقال: وأد ولده، أي: دفنه حيا. قال ~~الفرزدق: # ومنا الذي منع الوائدات ... فأحيا الوئيد فلم يؤاد # يعني: صعصعة بن صوحان، وهو جد الفرزدق. قال الزجاج: ومعنى سؤالها تبكيت ~~قاتلها في PageV04P406 # القيامة، لأن جوابها: قتلت بغير ذنب. وقيل: سئلت: طلبت، كما تقول: سألته ~~حقي وإنما طلبت لتبكيت قاتلي. ومثل هذا التبكيت قوله عز وجل: أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين «1» وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن ~~مسعود، وابن عباس، وأبو عبد الرحمن، وابن يعمر، وابن أبي عبلة، وهارون عن ~~أبي عمرو «سألت» بفتح السين، وألف بعدها بأي ذنب قتلت بإسكان اللام، وضم ~~التاء الأخيرة. وسؤالها هذا أيضا تبكيت لقاتليها. قال ابن عباس: كانت ~~المرأة في الجاهلية إذا حملت، فكان أوان ولادها حفرت حفيرة، فتمخضت على رأس ~~الحفيرة، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفيرة، وإن ولدت غلاما حبسته. # قوله عز وجل: وإذا الصحف نشرت قرأ نافع، وعاصم، وأبو جعفر، وابن عامر، ~~ويعقوب «نشرت» بالتخفيف، والباقون بالتشديد. والمراد بالصحف: صحائف أعمال ~~بني آدم نشرت للحساب وإذا السماء كشطت قال الفراء: يعني نزعت، فطويت. وفي ~~قراءة عبد الله «قشطت» بالقاف، وهكذا تقول قيس، وتميم، وأسد، بالقاف. وأما ~~قريش، فتقوله بالكاف، والمعنى واحد. والعرب تقول: # القافور، والكافور، والقسط، والكسط. وإذا تقارب الحرفان في المخرج تعاقبا ~~في اللغات، كما يقال: # جدث، وجدف. قال ابن قتيبة: كشطت كم يكشط الغطاء عن الشيء، فطويت. وقال ~~الزجاج: قلعت كما يقلع السقف. وسعرت أوقدت. وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن ~~عاصم «سعرت» مشددة. # قال الزجاج: المعنى واحد. إلا أن معنى المشدد: أوقدت مرة بعد مرة. وأزلفت ~~قربت من المتقين. وجواب هذه الأشياء علمت نفس ما ms2409 أحضرت أي: إذا كانت هذه ~~الأشياء علمت في ذلك الوقت كل نفس ما أحضرت من عمل، فأثيبت على قدر عملها. ~~وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال في قوله عز وجل: علمت نفس ما أحضرت: لهذا ~~جرى الحديث. وقال ابن عباس: من أول السورة إلى هاهنا اثنتا عشرة خصلة، ستة ~~في الدنيا، وستة في الآخرة. ### | [سورة التكوير (81) : الآيات 15 الى 29] # فلا أقسم بالخنس (15) الجوار الكنس (16) والليل إذا عسعس (17) والصبح إذا ~~تنفس (18) إنه لقول رسول كريم (19) # ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) مطاع ثم أمين (21) وما صاحبكم بمجنون (22) ~~ولقد رآه بالأفق المبين (23) وما هو على الغيب بضنين (24) # وما هو بقول شيطان رجيم (25) فأين تذهبون (26) إن هو إلا ذكر للعالمين ~~(27) لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين ~~(29) # قوله عز وجل: فلا أقسم لا زائدة، والمعنى: أقسم بالخنس وفيها خمسة أقوال: # أحدها: أنها خمسة أنجم تخنس بالنهار فلا ترى، وهي: زحل، وعطارد، ~~والمشتري، والمريخ. # وبه قال مقاتل، وابن قتيبة. وقيل: اسم المشتري: البرجس. واسم المريخ: ~~بهرام. والثاني: أنها النجوم، قاله الحسن وقتادة على الإطلاق، وبه قال أبو ~~عبيدة. والثالث: أنها بقر الوحش، قاله ابن مسعود. والرابع: الظباء، رواه ~~العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. والخامس: الملائكة، حكاه ~~الماوردي. والأكثرون على أنها النجوم. قال ابن قتيبة: وإنما سماها خنسا، ~~لأنها تسير في البروج PageV04P407 # والمنازل، كسير الشمس والقمر، ثم تخنس، أي: ترجع، بينا يرى أحدها في آخر ~~البروج كر راجعا إلى أوله، وسماها كنسا، لأنها تكنس، أي: تسير كما تكنس ~~الظباء. وقال الزجاج: تخنس، أي: تغيب، وكذلك تكنس تدخل في كناسها، أي: تغيب ~~في المواضع التي تغيب فيها. وإذا كان المراد الظباء فهي تدخل الكناس، وهو ~~الغصن من أغصان الشجر. ووقف يعقوب على «الجواري» بالياء. # قوله عز وجل: والليل إذا عسعس فيه قولان: أحدهما: ولى، قاله ابن عباس، ~~وابن زيد، والفراء. والثاني: أقبل، قاله ابن جبير، وقتادة. قال الزجاج: ~~يقال: عسعس الليل: إذا أقبل. # وعسعس: إذا ms2410 أدبر. واستدل من قال: إن المراد: إدباره ب قوله عز وجل: ~~والصبح إذا تنفس وأنشد أبو عبيدة لعلقمة بن قرط: # حتى إذا الصبح لها تنفسا ... وانجاب عنها ليلها وعسعسا # وفي قوله عز وجل: تنفس قولان: أحدهما: أنه طلوع الفجر، قاله علي رضي الله ~~عنه وقتادة. # والثاني: طلوع الشمس، قاله الضحاك. وقال الزجاج: معناه: إذا امتد حتى ~~يصير نهارا بينا. وجواب القسم في قوله: فلا أقسم بالخنس وما بعده قوله: إنه ~~لقول رسول كريم يعني: أن القرآن نزل به جبريل. وقد بينا هذا في الحاقة «1» ~~. ثم وصف جبريل ب قوله عز وجل: ذي قوة وهو كقوله عز وجل: # ذو مرة وقد شرحناه في النجم «2» ذي قوة عند ذي العرش مكين يعني: في ~~المنزلة مطاع ثم أمين أي: في السموات تطيعه الملائكة. فمن طاعة الملائكة ~~له: أنه أمر خازن الجنة ليلة المعراج حتى فتحها لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فدخلها ورأى ما فيها، وأمر خازن جهنم ففتح له عنها حتى نظر إليها. وقرأ أبي ~~بن كعب، وابن مسعود، وأبو حيوة «ثم أمين» بضم الثاء. ومعنى «أمين» على وحي ~~الله ورسالاته. وقال أبو صالح: أمين على أن يدخل سبعين سرادقا من نور بغير ~~إذن. # قوله عز وجل: وما صاحبكم بمجنون يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، والخطاب ~~لأهل مكة. قال الزجاج: # وهذا أيضا من جواب القسم، وذلك أنه أقسم أن القرآن نزل به جبريل، وأن ~~محمدا ليس بمجنون كما يقول أهل مكة. # قوله تعالى: ولقد رآه بالأفق المبين قال المفسرون: رأى محمد صلى الله ~~عليه وسلم جبريل على صورته بالأفق. # وقد ذكرنا هذا في سورة النجم «3» . # قوله عز وجل: وما هو يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم على الغيب أي: على ~~خبر السماء الغائب عن أهل الأرض بضنين قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ~~ورويس «بظنين» بالظاء، وقرأ الباقون بالضاد. # قال ابن قتيبة: من قرأ بالظاء، فالمعنى: ما هو بمتهم على ما يخبر به عن ~~الله، ومن قرأ بالضاد، فالمعنى: ليس ببخيل عليكم ms2411 بعلم ما غاب عنكم مما ~~ينفعكم. وقال غيره: ما يكتمه كما يكتم الكاهن ليأخذ الأجر عليه. # قوله عز وجل: وما هو يعني: القرآن بقول شيطان رجيم قال مقاتل: وذلك أن ~~كفار مكة قالوا: إنما يجيء به الشيطان، فيلقيه على لسان محمد. PageV04P408 # قوله عز وجل: فأين تذهبون قال الزجاج: معناه: فأي طريق تسلكون أبين من ~~هذه الطريقة التي قد بينت لكم؟ قوله: إن هو أي: ما هو، يعني: القرآن إلا ~~ذكر للعالمين أي: موعظة للخلق أجمعين لمن شاء منكم أن يستقيم على الحق ~~والإيمان. والمعنى: أن القرآن إنما يتعظ به من استقام على الحق. وقد بينا ~~سبيل الإستقامة، فمن شاء أخذ في تلك السبيل. ثم أعلمهم أن المشيئة في ~~التوفيق إليه بما بعد هذا، وقد بينا هذا في سورة الإنسان «1» . # (1516) قال أبو هريرة: لما نزلت لمن شاء منكم أن يستقيم قالوا: الأمر ~~إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فنزل قوله تعالى: وما تشاؤن ~~إلا أن يشاء الله رب العالمين وقيل: القائل لذلك أبو جهل. وقرأ أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه، وأبو المتوكل، وأبو عمران: «وما يشاءون» بالياء. ### | فصل: # وقد زعم بعض ناقلي التفسير أن قوله عز وجل: لمن شاء منكم أن يستقيم وقوله ~~عز وجل في (عبس) «2» : فمن شاء ذكره، وقوله عز وجل في سورة الإنسان «3» وفي ~~سورة المزمل «4» : # فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا كله منسوخ بقوله عز وجل: وما تشاؤن إلا أن ~~يشاء الله ولا أرى هذا القول صحيحا، لأنه لو جاز وقوع مشيئتهم مع عدم ~~مشيئته توجه النسخ. فأما إذ أخبر أن مشيئتهم لا تقع إلا بعد مشيئته، فليس ~~للنسخ وجه. PageV04P409 ### | سورة الانفطار # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الانفطار (82) : الآيات 1 الى 19] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (2) وإذا البحار فجرت (3) ~~وإذا القبور بعثرت (4) # علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (6) الذي ~~خلقك فسواك فعدلك (7) في أي صورة ما شاء ركبك (8) كلا ms2412 بل تكذبون بالدين (9) # وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) يعلمون ما تفعلون (12) إن ~~الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14) # يصلونها يوم الدين (15) وما هم عنها بغائبين (16) وما أدراك ما يوم الدين ~~(17) ثم ما أدراك ما يوم الدين (18) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر ~~يومئذ لله (19) # قوله عز وجل: إذا السماء انفطرت انفطارها: انشقاقها. وانتثرت بمعنى ~~تساقطت. # وفجرت بمعنى فتح بعضها في بعض فصارت بحرا واحدا. وقال الحسن: ذهب ماؤها، ~~وبعثرت بمعنى أثيرت. قال ابن قتيبة: قلبت فأخرج ما فيها. يقال: بعثرت ~~المتاع وبحثرته: إذا جعلت أسفله أعلاه. # قوله عز وجل: علمت نفس ما قدمت وأخرت هذا جواب الكلام. وقد شرحناه في ~~قوله عز وجل: ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # «1» . # قوله عز وجل: يا أيها الإنسان فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه عني به أبو ~~الأشد «2» ، وكان كافرا، قاله ابن عباس، ومقاتل. وقد ذكرنا اسمه في المدثر ~~«3» . والثاني: أنه الوليد بن المغيرة، قاله عطاء. # والثالث: أنه أبي بن خلف، قاله عكرمة. والرابع: أنه أشار الى كل كافر، ~~ذكره الماوردي. # قوله عز وجل: ما غرك قال الزجاج: أي: ما خدعك وسول لك حتى أضعت ما وجب ~~عليك؟. وقال غيره: المعنى: ما الذي أمنك من عقابه وهو كريم متجاوز إذ لم ~~يعاقبك عاجلا؟ وقيل PageV04P410 # للفضيل بن عياض: لو أقامك الله سبحانه يوم القيامة، وقال: ما غرك بربك ~~الكريم، ماذا كنت تقول؟ # قال: أقول: غرني ستورك المرخاة. وقال يحيى بن معاذ: لو قال لي: ما غرك ~~بي؟ قلت: برك سالفا وآنفا. وقيل: لما ذكر الصفة التي هي الكرم هاهنا دون ~~سائر صفاته، كان كأنه لقن عبده الجواب، ليقول: غرني كرم الكريم. # قوله عز وجل: الذي خلقك ولم تك شيئا فسواك إنسانا تسمع وتبصر فعدلك قرأ ~~ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر «فعدلك» بالتشديد. وقرأ عاصم، ~~وحمزة، والكسائي «فعدلك» بالتخفيف. قال الفراء: من قرأ بالتخفيف. فوجهه- ~~والله أعلم-: فصورك إلى أي صورة ما شاء، إما حسن، وإما قبيح، وإما طويل، ~~وإما قصير. وقيل: في ms2413 صورة أب، في صورة عم، في صورة بعض القرابات تشبيها. ~~ومن قرأ بالتشديد، فإنه أراد- والله أعلم-: جعلك معتدلا، معدل الخلق. وقال ~~غيره: عدل أعضاءك فلم تفضل يد على يد، ولا رجل على رجل، وعدل بك أن يجعلك ~~حيوانا بهيما. # قوله عز وجل: في أي صورة ما شاء ركبك قال الزجاج: يجوز أن تكون «ما» ~~زائدة. ويجوز أن تكون بمعنى الشرط والجزاء، فيكون المعنى: في أي صورة ما ~~شاء أن يركبك فيها ركبك. وفي معنى الآية أربعة أقوال: أحدها: في أي صورة من ~~صور القرابات ركبك، وهو معنى قول مجاهد. والثاني: # في أي صورة، من حسن، أو قبيح أو طويل، أو قصير، أو ذكر، أو أنثى، وهو ~~معنى قول الفراء. # والثالث: إن شاء أن يركبك في غير صورة الإنسان ركبك، قاله مقاتل. وقال ~~عكرمة: إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير. والرابع: إن شاء في ~~صورة إنسان بأفعال الخير. وإن شاء في صورة حمار بالبلادة والبله، وإن شاء ~~في صورة كلب بالبخل، أو خنزير بالشر، ذكره الثعلبي. # قوله عز وجل: بل تكذبون بالدين وقرأ أبو جعفر بل يكذبون «بالياء» أي: ~~بالجزاء والحساب، فيزعمون أنه غير كائن. ثم أعلمهم أن أعمالهم محفوظة، فقال ~~تعالى: وإن عليكم لحافظين أي: من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم كراما على ~~ربهم كاتبين يكتبون أعمالكم يعلمون ما تفعلون من خير وشر، فيكتبونه عليكم. # قوله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم وذلك في الآخرة إذا دخلوا الجنة وإن ~~الفجار وفيهم قولان: # أحدهما: أنهم المشركون. والثاني: الظلمة. ونقل عن سليمان بن عبد الملك ~~أنه قال لأبي حازم: يا ليت شعري ما لنا عند الله؟ فقال له: اعرض عملك على ~~كتاب الله، فإنك تعلم ما لك عنده، فقال: # وأين أجده؟ قال: عند قوله عز وجل: إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار ~~لفي جحيم قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين. # قوله عز وجل: يصلونها يعني: يدخلون الجحيم مقاسين حرها يوم الدين أي: يوم ~~الجزاء على الأعمال وما ms2414 هم عنها أي: الجحيم بغائبين وهذا يدل على تخليد ~~الكفار. وأجاز بعض العلماء أن تكون «عنها» كناية عن يوم القيامة، فتكون ~~فائدة الكلام تحقيق البعث. ويشتمل هذا على الأبرار والفجار. ثم عظم ذلك ~~اليوم ب قوله عز وجل: وما أدراك ما يوم الدين ثم كرر ذلك تفخيما لشأنه، ~~وكان ابن السائب يقول: الخطاب بهذا للإنسان الكافر، لا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # PageV04P411 # قوله عز وجل: يوم لا تملك نفس لنفس قرأ ابن كثير، وأبو عمرو «يوم» ~~بالرفع، والباقون: # بالفتح. قال الزجاج: من رفع «اليوم» ، فعلى أنه صفة لقوله عز وجل: يوم ~~الدين. ويجوز أن يكون رفعه بإضمار «هو» ، ونصبه على معنى: هذه الأشياء ~~المذكورة تكون يوم لا تملك نفس لنفس شيئا قال المفسرون: ومعنى الآية أنه لا ~~يملك الأمر أحد إلا الله ولم يملك أحدا من الخلق شيئا كما ملكهم في الدنيا. ~~وكان مقاتل يقول: لا تملك نفس لنفس كافرة شيئا من المنفعة. والقول على ~~الإطلاق أصح، لأن مقاتلا فيما أحسب خاف نفي شفاعة المؤمنين. والشفاعة إنما ~~تكون عن أمر الله وتمليكه. # PageV04P412 # سورة المطففين # وفيها ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنها مكية، قاله ابن مسعود، والضحاك، ~~ويحيى بن سلام. # والثاني: مدنية، قاله ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة، ومقاتل، إلا أن ~~ابن عباس، وقتادة قالا: # فيها ثمان آيات مكية، من قوله عز وجل: إن الذين أجرموا «2» إلى آخرها. ~~وقال مقاتل: فيها آية مكية، وهي قوله عز وجل: إذا تتلى عليه آياتنا قال ~~أساطير الأولين «3» . والثالث: أنها نزلت بين مكة، والمدينة، قاله جابر بن ~~زيد وابن السائب، وذكر هبة الله بن سلامة المفسر أنها نزلت في الهجرة بين ~~مكة والمدينة، نصفها يقارب مكة، ونصفها يقارب المدينة. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المطففين # (83) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم ~~أو وزنوهم يخسرون (3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) # ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب العالمين (6) # قوله عز وجل: ويل للمطففين. # (1517) قال ابن عباس: لما ms2415 قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ~~كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله تعالى: ويل للمطففين فأحسنوا الكيل ~~بعد ذلك. # وقال السدي: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وبها رجل يقال ~~له: أبو جهينة، ومعه صاعان، يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، فأنزل الله هذه ~~الآية «4» . وقد شرحنا معنى «الويل» في البقرة «5» قال ابن قتيبة: # المطفف: الذي لا يوفي الكيل، يقال: إناء طفان: إذا لم يكن مملوءا. وقال ~~الزجاج: إنما قيل: مطفف، PageV04P413 # لأنه لا يكاد يسرق في الميزان والمكيال إلا الشيء الطفيف، وإنما أخذ من ~~طف الشيء، وهو جانبه. # قوله عز وجل: الذين إذا اكتالوا على الناس أي: من الناس. ف «على» بمعنى ~~«من» في قول المفسرين واللغويين. قال الفراء: «على» ، و «من» يعتقبان في ~~هذا الموضع، لأنك إذا قلت: اكتلت عليك، فكأنك قلت: أخذت ما عليك كيلا، وإذا ~~قلت: اكتلت منك كيلا، فهو كقولك: استوفيت منك. قال الزجاج: المعنى: إذا ~~اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، وكذلك إذا اتزنوا، ولم يذكر «إذا ~~اتزنوا» ، لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع فيما يكال ويوزن، فأحدهما ~~يدل على الآخر وإذا كالوهم أي: كالوا لهم أو وزنوهم أي: وزنوا لهم يخسرون ~~أي: ينقصون في الكيل، والوزن. # فعلى هذا لا يجوز أن يقف على «كالوا» ، ومن الناس من يجعل «هم» توكيدا ~~لما كالوا، ويجوز أن يقف على «كالوا» والاختيار الأول. قال الفراء: سمعت ~~أعرابية تقول: # إذا صدر الناس أتينا التاجر، فيكيلنا المد والمدين إلى الموسم المقبل. # قوله عز وجل: ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون؟! قال الزجاج: المعنى: لو ظنوا ~~أنهم يبعثون ما نقصوا في الكيل والوزن ليوم عظيم يعني به يوم القيامة يوم ~~يقوم الناس اليوم منصوب بقوله عز وجل «مبعوثون» . قال المفسرون: والظن ~~هاهنا بمعنى العلم واليقين. ومعنى يقوم الناس، أي: من قبورهم لرب العالمين ~~أي: لأمره، أو لجزائه وحسابه. وقيل يقومون بين يديه لفصل القضاء. # (1518) وفي «الصحيحين» من حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: ms2416 في هذه الآية: «يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» . وقال كعب: ~~يقفون ثلاثمائة عام. قال مقاتل: وذلك إذا أخرجوا من قبورهم. ### | ### | [سورة المطففين (83) : الآيات 7 الى # 28] # كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) وما أدراك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) ~~ويل يومئذ للمكذبين (10) الذين يكذبون بيوم الدين (11) # وما يكذب به إلا كل معتد أثيم (12) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير ~~الأولين (13) كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) كلا إنهم عن ربهم ~~يومئذ لمحجوبون (15) ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) # ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (17) كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ~~(18) وما أدراك ما عليون (19) كتاب مرقوم (20) يشهده المقربون (21) # إن الأبرار لفي نعيم (22) على الأرائك ينظرون (23) تعرف في وجوههم نضرة ~~النعيم (24) يسقون من رحيق مختوم (25) ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس ~~المتنافسون (26) # ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بها المقربون (28) # قوله عز وجل: كلا ردع وزجر، أي: ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا. ~~وهاهنا تم الكلام عند كثير من العلماء. وكان أبو حاتم يقول: «كلا» ابتداء ~~يتصل بما بعده على معنى «حقا» PageV04P414 # إن كتاب الفجار قال مقاتل: إن كتاب أعمالهم لفي سجين وفيها أربعة أقوال: ~~أحدها: أنها الأرض السابعة، وهذا قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، ~~ومقاتل. وروي عن مجاهد قال: «سجين» صخرة تحت الأرض السابعة، جعل كتاب ~~الفاجر تحتها، وهذه علامة لخسارتهم، ودلالة على خساسة منزلتهم. والثاني: أن ~~المعنى: إن كتابهم لفي سفال، قاله الحسن. والثالث: لفي خسار، قاله عكرمة. # والرابع: لفي حبس، فعيل من السجن، قاله أبو عبيدة. # قوله عز وجل: وما أدراك ما سجين هذا تعظيم لأمرها. وقال الزجاج: أي: ليس ~~ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك. # قوله عز وجل: كتاب مرقوم أي: ذلك الكتاب الذي في سجين كتاب مرقوم، أي: ~~مكتوب. # قال ابن قتيبة: والرقم: الكتاب. قال ابن ذؤيب «1» : # عرفت الديار كرقم الدواة ... يزبره الكاتب الحميري # وأنشده الزجاج: «يذبرها» بالذال المعجمة، وكسر الباء. قال الأصمعي: يقال: ~~زبر: كتب، وذبر: قرأ. وروى أبو عمرو عن ثعلب، ms2417 عن ابن الأعرابي، قال: ~~الصواب: زبرت- بالزاي- كتبت. # وذبرت- بالذال- أتقنت ما حفظت. قال: والبيت يزبرها، بالزاي والضم. وقال ~~ابن قتيبة: يروى «يزبرها» و «يذبرها» وهو مثله، يقال: زبر الكتاب يزبره، ~~ويذبره. وذبره يذبره، ويذبره. وقال قتادة: # رقم له بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه الكافر. وقيل: المعنى: إنه ~~مثبت لهم كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به. # قوله عز وجل: ويل يومئذ للمكذبين هذا منتظم بقوله عز وجل يوم يقوم الناس، ~~وما بينهما كلام معترض. وما بعده قد سبق بيانه إلى قوله عز وجل: كلا بل ران ~~على قلوبهم قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر «بل ران» بفتح الراء مدغمة، ~~وقرأ أبو بكر عن عاصم «بل ران» مدغمة بكسر الراء. # وقرأ حفص عن عاصم «بل» بإظهار اللام «ران» بفتح الراء وقرأ حمزة والكسائي ~~بإدغام اللام بكسر الراء، قال اللغويون: أي: غلب على قلوبهم يقال: الخمر ~~ترين على عقل السكران. قال الزجاج: # قرئت بإدغام اللام في الراء، لقرب ما بين الحرفين، وإظهار اللام جائز، ~~لأنه من كلمة، والرأس من كلمة أخرى. ويقال: ران على قلبه الذنب يرين رينا: ~~إذا غشي على قلبه، ويقال: غان يغين غينا، والغين كالغيم الرقيق، والرين ~~كالصدأ يغشى على القلب. وسمعت شيخنا أبا منصور اللغوي يقول: # الغين يقال: بالراء، وبالغين، ففي القرآن كلا بل ران. # (1519) وفي الحديث: «إنه ليغان على قلبي» وكذلك الراية تقال بالراء، ~~وبالغين، والرميصاء تكتب «بالغين» ، وبالراء، لأن الرمص يكتب بهما. قال ~~المفسرون: لما كثرت معاصيهم وذنوبهم أحاطت بقلوبهم. قال الحسن: هو الذنب ~~على الذنب حتى يعمى القلب. PageV04P415 # قوله عز وجل: كلا أي: لا يصدقون. ثم استأنف إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ~~قال ابن عباس: إنهم عن النظر إلى ربهم يومئذ لمحجوبون، والمؤمن لا يحجب عن ~~رؤيته. وقال مالك بن أنس: لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. ~~وقال الشافعي: لما حجب قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضى «1» . وقال ~~الزجاج: وهذه الآية دليل على أن الله عز وجل ms2418 يرى في القيامة. ولولا ذلك ما ~~كان في هذه الآية فائدة، ولا خست منزلة الكفار بأنهم يحجبون عن ربهم. ثم ~~بعد حجبهم عن الله يدخلون النار، فذلك قوله عز وجل: ثم إنهم لصالوا الجحيم. # قوله عز وجل: ثم يقال أي: تقول خزنة النار: هذا العذاب الذي كنتم به ~~تكذبون (17) كلا أي: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه. ثم أعلم أين محمل كتاب ~~الأبرار لفي عليين فقال عز وجل: # لفي عليين وفيها سبعة أقوال «2» : أحدها: الجنة، رواه عطاء عن ابن عباس. ~~والثاني: أنه لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش فيه أعمالهم مكتوبة، روي ~~عن ابن عباس أيضا. والثالث: أنها السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين، ~~قاله كعب، وهو مذهب مجاهد، وابن زيد. والرابع: أنها قائمة العرش اليمنى، ~~وقال مقاتل: ساق العرش. والخامس: أنه سدرة المنتهى، قاله الضحاك. والسادس: # أنه في علو وصعود إلى الله عز وجل قاله الحسن. وقال الفراء: في ارتفاع ~~بعد ارتفاع. والسابع: أنه أعلى الأمكنة، قاله الزجاج. # قوله عز وجل: وما أدراك ما عليون هذا تعظيم لشأنها. # قوله عز وجل: كتاب مرقوم الكلام فيه كالكلام في الآية التي قبلها. # قوله عز وجل: يشهده المقربون أي: يحضر المقربون من الملائكة ذلك المكتوب، ~~أو ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين. وما بعد هذا قد سبق بيانه «3» إلى ~~قوله عز وجل ينظرون ففيه قولان: # أحدهما: إلى ما أعطاهم الله من الكرامة. # والثاني: إلى أعدائهم حين يعذبون. # قوله عز وجل: تعرف في وجوههم نضرة النعيم وقرأ أبو جعفر، ويعقوب «تعرف» ~~بضم التاء، وفتح الراء «نضرة» بالرفع. قال الفراء: بريق النعيم ونداه. قال ~~المفسرون: إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعيم، لما ترى من الحسن والنور. ~~وفي «الرحيق» ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الخمر، قاله الجمهور. ثم اختلفوا أي الخمر هي على أربعة ~~أقوال: أحدها: أجود PageV04P416 # الخمر، قاله الخليل بن أحمد. والثانية: الخالصة من الغش، قاله الأخفش. ~~والثالث: الخمر البيضاء، قاله مقاتل. والرابع: الخمر العتيقة، حكاه ابن ~~قتيبة. # والقول الثاني: أنه عين في الجنة ms2419 مشوبة بالمسك، قاله الحسن. # والثالث: أنه الشراب الذي لا غش فيه، قاله ابن قتيبة، والزجاج. # وفي قوله عز وجل: مختوم ثلاثة أقوال: أحدها: ممزوج، قاله ابن مسعود. ~~والثاني: مختوم على إنائه، وإلى نحو هذا ذهب مجاهد. والثالث: أنه ختام، أي: ~~عاقبة ريح، وتلك العاقبة هي قوله عز وجل: ختامه مسك، أي عاقبته. هذا قول ~~أبي عبيدة. # قوله: ختامه مسك قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، ~~وحمزة «ختامه» بكسر الخاء، وبفتح التاء، وبألف بعدهما، مرفوعه الميم. وقرأ ~~الكسائي «خاتمه» بخاء مفتوحة، بعدها ألف، وبعده تاء مفتوحة. وروى الشيزري ~~عنه «خاتمه» مثل ذلك، إلا أنه يكسر التاء. وقرأ أبي بن كعب، وعروة، وأبو ~~العالية: «ختمه مسك» بفتح الخاء والتاء وبضم الميم من غير ألف. وللمفسرين ~~في قوله تعالى: ختامه مسك أربعة أقوال: أحدها: خلطه مسك، قاله ابن مسعود، ~~ومجاهد. والثاني: أن ختمه الذي يختم به الإناء مسك، قاله ابن عباس. ~~والثالث: أن طعمه وريحه مسك، قاله علقمة. والرابع: أن آخر طعمه مسك، قاله ~~سعيد بن جبير، والفراء، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج في آخرين. # قوله عز وجل: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون أي: فليجدوا في طلبه، وليحرصوا ~~عليه بطاعة الله. والتنافس: كالتشاح على الشيء، والتنازع فيه. # قوله عز وجل: ومزاجه من تسنيم فيه قولان: أحدهما: أنه اسم عين في الجنة، ~~قال ابن مسعود: وهي عين في الجنة يشربها المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب ~~اليمين. والثاني: أن التسنيم الماء، قاله الضحاك. قال مقاتل: وإنما سمي ~~تسنيما، لأنه يتسنم عليه من جنة عدن، فينصب عليهم انصبابا، فيشربون الخمر ~~من ذلك الماء. قال ابن قتيبة: يقال: إن التسنيم أرفع شراب في الجنة. # ويقال: إنه يمتزج بماء ينزل من تسنيم، أي: من علو. وأصل هذا من سنام ~~البعير، ومن تسنيم القبور. # وهذا أعجب إلي، لقول المسيب بن علس في وصف امرأة: # كأن بريقتها للمزاج ... من ثلج تسنيم شيبت عقارا # أراد: كأن بريقتها عقارا شيبت للمزاج من ثلج تسنيم، يريد: جبلا. قال ~~الزجاج: المعنى: # ومزاجه من ms2420 تسنيم عينا تأتيهم من تسنيم، أي: من علو يتسنم عليهم من الغرف. ~~ف «عينا» في هذا القول منصوبة، كما قال عز وجل: أو إطعام في يوم ذي مسغبة ~~(14) يتيما «1» . ويجوز أن تكون «عينا» منصوبة بقوله: يسقون عينا، أي: من ~~عين. وقد بينا معنى «يشرب بها» في «هل أتى» «2» . ### | [سورة المطففين (83) : الآيات 29 الى 36] # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (29) وإذا مروا بهم ~~يتغامزون (30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) وإذا رأوهم قالوا ~~إن هؤلاء لضالون (32) وما أرسلوا عليهم حافظين (33) # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) على الأرائك ينظرون (35) هل ~~ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36) PageV04P417 # قوله عز وجل: إن الذين أجرموا أي: أشركوا كانوا من الذين آمنوا يعني ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل عمار، وبلال، وخباب وغيرهم يضحكون ~~على وجه الإستهزاء بهم وإذا مروا # يعني: المؤمنين بهم # أي: بالكفار يتغامزون # أي: يشيرون بالجفن والحاجب استهزاء بهم وإذا انقلبوا يعني: الكفار إلى ~~أهلهم انقلبوا فكهين أي: متعجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم. وقرأ أبو ~~جعفر، وحفص عن عاصم، وعبد الرزاق عن ابن عامر «فكهين» بغير ألف. وقد شرحنا ~~معنى القراءتين في «يس» «1» قوله: وإذا رأوهم أي: رأوا أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قالوا إن هؤلاء لضالون يقول الله تعالى: وما أرسلوا يعني ~~الكفار عليهم أي: على المؤمنين حافظين يحفظون أعمالهم عليهم، أي: لم يوكلوا ~~بحفظ أعمالهم فاليوم يعني: في الآخرة الذين آمنوا من الكفار يضحكون إذا ~~رأوهم يعذبون في النار. قال أبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها: اخرجوا، ~~وتفتح لهم أبوابها، فإذا أقبلوا يريدون الخروج، غلقت أبوابها دونهم. ~~والمؤمنون على الأرائك ينظرون إليهم فذلك قوله: فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون إليهم عذاب عدوهم. قال مقاتل: لكل رجل من ~~أهل الجنة ثلمة ينظرون إلى أعداء الله كيف يعذبون، فيحمدون الله على ما ~~أكرمهم به، فهم يكلمون أهل النار ويكلمونهم إلى أن تطبق النار على أهلها، ~~فتسد حينئذ الكوى. # قوله تعالى: هل ms2421 ثوب الكفار وقرأ حمزة، والكسائي، وهارون عن أبي عمرو «هل ~~ثوب» بإدغام اللام. أي: هل جوزوا وأثيبوا على استهزائهم بالمؤمنين في ~~الدنيا؟ وهذا الإستفهام بمعنى التقرير. PageV04P418 ### | سورة الانشقاق # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الانشقاق (84) : الآيات 1 الى # 14] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) وإذا الأرض مدت (3) وألقت ما ~~فيها وتخلت (4) # وأذنت لربها وحقت (5) يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6) ~~فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) وينقلب إلى أهله ~~مسرورا (9) # وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعوا ثبورا (11) ويصلى سعيرا ~~(12) إنه كان في أهله مسرورا (13) إنه ظن أن لن يحور (14) # قوله عز وجل: إذا السماء انشقت (1) قال المفسرون: انشقاقها من علامات ~~الساعة. وقد ذكر ذلك في مواضع من القرآن. وأذنت لربها أي: استمعت وأطاعت في ~~الانشقاق، من الأذن، وهو الاستماع للشيء والإصغاء إليه، وأنشدوا: # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا «1» # وحقت أي: حق لها أن تطيع ربها الذي خلقها وإذا الأرض مدت قال ابن عباس: ~~تمد مد الأديم، ويزاد في سعتها. وقال مقاتل: لا يبقى جبل ولا بناء إلا دخل ~~فيها. # قوله عز وجل: وألقت ما فيها من الموتى والكنوز وتخلت أي: خلت من ذلك، فلم ~~يبق في باطنها شيء. واختلفوا في جواب هذه الأشياء المذكورات على أربعة ~~أقوال: أحدها: أنه متروك، لأن المعنى معروف قد تردد في القرآن. والثاني: ~~أنه يا أيها الإنسان، كقول القائل: إذا كان كذا وكذا فيا أيها الناس ترون ~~ما عملتم، فيجعل: يا أيها الإنسان هو الجواب، وتضمر فيه الفاء، فكأن ~~المعنى: ترى الثواب والعقاب إذا السماء انشقت، ذكر القولين الفراء. ~~والثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: «يا أيها الإنسان إنك كادح ~~إلى ربك كدحا فملاقيه إذا السماء انشقت» قاله المبرد. والرابع: أن الجواب ~~مدلول عليه بقوله عز وجل: «فملاقيه» . فالمعنى: إذا كان يوم القيامة لقي ~~الإنسان عمله، قاله الزجاج. # قوله عز وجل: إنك ms2422 كادح إلى ربك كدحا فيه قولان: أحدهما: إنك عامل لربك ~~عملا، قاله ابن PageV04P419 # عباس. والثاني: ساع إلى ربك سعيا، قاله مقاتل. قال الزجاج: و «الكدح» في ~~اللغة: السعي، والدأب في العمل باب الدنيا والآخرة. قال تميم بن مقبل: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # وفي قوله عز وجل: إلى ربك قولان: أحدهما: عامل لربك. وقد ذكرناه عن ابن ~~عباس. # والثاني: إلى لقاء ربك، قاله ابن قتيبة. # وفي قوله عز وجل: فملاقيه قولان: أحدهما: فملاق عملك. والثاني: فملاق ~~ربك، ذكرهما الزجاج. # قوله عز وجل: فسوف يحاسب حسابا يسيرا وهو أن تعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها ~~الله له. # (1520) وفي «الصحيحين» من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: من نوقش الحساب هلك، فقلت: يا رسول الله، فإن الله ~~يقول: «فسوف يحاسب حسابا يسيرا» ؟! قال: # ذلك العرض» . # قوله عز وجل: وينقلب إلى أهله يعني: في الجنة من الحور العين والآدميات ~~مسرورا بما أوتي من الكرامة وأما من أوتي كتابه وراء ظهره قال المفسرون: ~~تغل يده اليمنى إلى عنقه، وتجعل يده اليسرى وراء ظهره فسوف يدعوا ثبورا قال ~~الزجاج: يقول: يا ويلاه، يا ثبوراه، وهذا يقوله كل من وقع في هلكة. # قوله عز وجل: ويصلى سعيرا قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والكسائي ~~«ويصلى» بضم الياء، وتشديد اللام. وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة «ويصلى» ~~بفتح الياء خفيفة، إلا أن حمزة والكسائي يميلانها. وقد شرحناه في سورة ~~النساء «1» . قوله عز وجل: إنه كان في أهله يعني في الدنيا مسرورا باتباع ~~هواه، وركوب شهواته إنه ظن أن لن يحور أي: لن يرجع إلى الآخرة، ولن يبعث ~~وهذه صفة الكافر. قال اللغويون: الحور في اللغة: الرجوع، وأنشدوا للبيد: # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع ### | [سورة الانشقاق (84) : الآيات 15 الى 25] # بلى إن ربه كان به بصيرا (15) فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) ~~والقمر إذا اتسق (18) لتركبن طبقا عن طبق (19) # فما لهم لا يؤمنون ms2423 (20) وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (21) بل الذين ~~كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) فبشرهم بعذاب أليم (24) # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (25) PageV04P420 # قوله عز وجل: بلى قال الفراء: المعنى: بلى ليحورون، ثم استأنف، فقال عز ~~وجل: إن ربه كان به بصيرا قال المفسرون: بصيرا به على سائر أحواله. # قوله عز وجل: فلا أقسم قد سبق بيانه. # وأما «الشفق» فقال ابن قتيبة: هما شفقان: الأحمر، والأبيض، فالأحمر: من ~~لدن غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء ثم يغيب، ويبقى الشفق الأبيض إلى نصف ~~الليل. وللمفسرين في المراد «بالشفق» هاهنا ستة أقوال: أحدها: أنه الحمرة ~~التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس. # (1521) وقد روى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«الشفق: الحمرة» ، وهذا قول عمر، وابنه، وابن مسعود، وعبادة، وأبي قتادة، ~~وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وأبي هريرة، وأنس، وابن المسيب، وابن جبير، ~~وطاوس، ومكحول، ومالك، والأوزاعي، وأبي يوسف، والشافعي، وأبي عبيد، وأحمد، ~~وإسحاق، وابن قتيبة، والزجاج. قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول وعليه ثوب ~~مصبوغ كأنه الشفق، وكان أحمر. # والثاني: أنه النهار. والثالث: الشمس، روي القولان عن مجاهد. والرابع: ~~أنه ما بقي من النهار، قاله عكرمة. والخامس: السواد الذي يكون بعد ذهاب ~~البياض، قاله أبو جعفر بن محمد بن علي. # والسادس: أنه البياض، قاله عمر بن عبد العزيز. # قوله عز وجل: والليل وما وسق أي: وما جمع وضم. وأنشدوا: # إن لنا قلائصا حقائقا ... مستوسقات لو يجدن سائقا «1» # قال أبو عبيدة: وما وسق ما علا فلم يمنع منه شيء، فإذا جلل الليل الجبال، ~~والأشجار، والبحار، والأرض، فاجتمعت له، فقد وسقها. وقال بعضهم: معنى: «ما ~~وسق» : ما جمع مما كان منتشرا بالنهار في تصرفه إلى مأواه. # قوله عز وجل: والقمر إذا اتسق قال الفراء: اتساقه: واجتماعه واستواؤه ~~ليلة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، إلى ست عشرة. # قوله عز وجل: لتركبن طبقا عن طبق قرأ ابن كثير، وحمزة والكسائي «لتركبن» ~~بفتح التاء والباء جميعا، وفي معناه ms2424 قولان: أحدهما: أنه خطاب لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. ثم في معناه قولان: أحدهما: لتركبن سماء بعد سماء، ~~قاله ابن مسعود، والشعبي، ومجاهد. والثاني: لتركبن حالا بعد حال، قاله ابن ~~عباس، وقال: هو نبيكم. # والقول الثاني: أن الإشارة إلى السماء. والمعنى: أنها تتغير ضروبا من ~~التغيير، فتارة كالمهل، وتارة كالدهان، روي عن ابن مسعود أيضا. PageV04P421 # قرأ عاصم، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر «لتركبن» بفتح التاء وضم الباء، ~~وهو خطاب لسائر الناس ومعناه: لتركبن حالا بعد حال. وقرأ ابن مسعود، وأبو ~~الجوزاء، وأبو الأشهب «ليركبن» بالياء، ونصب اللام. وقرأ أبو المتوكل، وأبو ~~عمران، وابن يعمر «ليركبن» بالياء، ورفع الباء. و «عن» بمعنى «بعد» . وهذا ~~قول عامة المفسرين واللغويين، وأنشدوا للأقرع بن حابس: # إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره ... وساقني طبق منه إلى طبق # ثم في معنى الكلام خمسة أقوال «1» : أحدها: أنه الشدائد، والأهوال، ثم ~~الموت، ثم البعث، ثم العرض، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الرخاء بعد الشدة، ~~والشدة بعد الرخاء، والغنى بعد الفقر، والفقر بعد الغنى، والصحة بعد السقم، ~~والسقم بعد الصحة، قاله الحسن. والثالث: أنه كون الإنسان رضيعا ثم فطيما ثم ~~غلاما ثم شابا ثم شيخا، قاله عكرمة. والرابع: أنه تغير حال الإنسان في ~~الآخرة بعد الدنيا، فيرتفع من كان وضيعا، ويتضع من كان مرتفعا، وهذا مذهب ~~سعيد بن جبير. والخامس: أنه ركوب سنن من كان قبلهم من الأولين، قاله أبو ~~عبيدة. وكان بعض الحكماء يقول: من كان اليوم على حالة، وغدا على حالة أخرى، ~~فليعلم أن تدبيره إلى سواه. # قوله عز وجل: فما لهم يعني: كفار مكة لا يؤمنون بمحمد والقرآن، وهو ~~استفهام إنكار وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون فيه قولان: أحدهما: لا ~~يصلون، قاله عطاء، وابن السائب. # والثاني: لا يخضعون له، ويستكينون، قاله ابن جرير، واختاره القاضي أبو ~~يعلى. قال: وقد احتج بها قوم على وجوب سجود التلاوة، وليس فيها دلالة على ~~ذلك، وإنما المعنى: لا يخشعون، ألا ترى أنه أضاف السجود إلى جميع القرآن، ~~والسجود ms2425 يختص بمواضع منه. # قوله عز وجل: بل الذين كفروا يكذبون بالقرآن، والبعث، والجزاء والله أعلم ~~بما يوعون في صدورهم ويضمرون في قلوبهم من التكذيب. قال ابن قتيبة: «يوعون» ~~: يجمعون في قلوبهم. وقال الزجاج: يقال: أوعيت المتاع في الوعاء، ووعيت ~~العلم. # قوله عز وجل: فبشرهم بعذاب أليم أي: أخبرهم بذلك. وقال الزجاج: اجعل ~~للكفار بدل البشارة للمؤمنين بالجنة والرحمة، العذاب الأليم. و «الممنون» ~~عند أهل اللغة: المقطوع. PageV04P422 ### | سورة البروج # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة البروج (85) : الآيات 1 الى 22] # بسم الله الرحمن الرحيم # والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) قتل أصحاب ~~الأخدود (4) # النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعود (6) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين ~~شهود (7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) الذي له ~~ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد (9) # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم ~~عذاب الحريق (10) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ذلك الفوز الكبير (11) إن بطش ربك لشديد (12) إنه هو يبدئ ويعيد ~~(13) وهو الغفور الودود (14) # ذو العرش المجيد (15) فعال لما يريد (16) هل أتاك حديث الجنود (17) فرعون ~~وثمود (18) بل الذين كفروا في تكذيب (19) # والله من ورائهم محيط (20) بل هو قرآن مجيد (21) في لوح محفوظ (22) # قوله تعالى: والسماء ذات البروج قد ذكرنا البروج في الحجر «1» واليوم ~~الموعود هو يوم القيامة بإجماعهم وفي قوله: وشاهد ومشهود فيه أربعة وعشرون ~~قولا «2» : # (1522) أحدها: أن الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، رواه أبو ~~هريرة عن PageV04P423 # رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه قال علي، وابن عباس في رواية، وابن ~~زيد. فعلى هذا سمي يوم الجمعة شاهدا، لأنه يشهد على كل عامل بما يعمل فيه، ~~وسمي يوم عرفة مشهودا، لأن الناس يشهدون فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة. ~~والثاني: أن الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم النحر، قاله ابن عمر. # والثالث: أن الشاهد: الله عز وجل، والمشهود: يوم القيامة، رواه الوالبي ~~عن ابن عباس. والرابع: أن الشاهد: يوم ms2426 عرفة، والمشهود: يوم القيامة، رواه ~~مجاهد عن ابن عباس. والخامس: أن الشاهد: # محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود: يوم القيامة، رواه يوسف بن مهران عن ~~ابن عباس، وبه قال الحسن بن علي. # والسادس: أن الشاهد: يوم القيامة، والمشهود: الناس، قاله جابر بن عبد ~~الله. والسابع: أن الشاهد: # يوم الجمعة، والمشهود: يوم القيامة، قاله الحسن. والثامن: أن الشاهد: يوم ~~التروية، والمشهود: يوم عرفة، قاله سعيد بن المسيب. والتاسع: أن الشاهد: هو ~~الله، والمشهود: بنو آدم، قاله سعيد بن جبير. والعاشر: أن الشاهد: محمد، ~~والمشهود: يوم عرفة، قاله الضحاك. والحادي عشر: أن الشاهد آدم، والمشهود: ~~يوم القيامة، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. والثاني عشر: أن الشاهد: ابن ~~آدم، والمشهود: يوم القيامة، رواه ليث عن مجاهد، وبه قال عكرمة. والثالث ~~عشر: أن الشاهد: آدم، وذريته، والمشهود يوم القيامة، قاله عطاء بن يسار. ~~والرابع عشر: أن الشاهد: الإنسان، والمشهود: # الله عز وجل، قاله محمد بن كعب. والخامس عشر: أن الشاهد: يوم النحر، ~~والمشهود: يوم عرفة، قاله إبراهيم. والسادس عشر: أن الشاهد: عيسى ابن مريم ~~عليه السلام، والمشهود: أمته، قاله أبو مالك. ودليله قوله عز وجل: وكنت ~~عليهم شهيدا «1» . والسابع عشر: أن الشاهد: محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والمشهود: أمته، قاله عبد العزيز بن يحيى، وبيانه: وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا «2» . والثامن عشر: # أن الشاهد: هذه الأمة، والمشهود: سائر الناس، قاله الحسين بن الفضل، ~~ودليله: لتكونوا شهداء على الناس «3» . والتاسع عشر: أن الشاهد: الحفظة، ~~والمشهود: بنو آدم، قاله محمد بن علي الترمذي، وحكي عن عكرمة نحوه. ~~والعشرون: أن الشاهد: الحق، والمشهود: الكون، قاله الجنيد. والحادي ~~والعشرون: أن الشاهد، الحجر الأسود، والمشهود: الحجاج. والثاني والعشرون: ~~أن الشاهد: الأنبياء والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم، وبيانه: وإذ أخذ ~~الله ميثاق النبيين الآية «4» . والثالث والعشرون: أن الشاهد: PageV04P424 # الله عز وجل، والملائكة، وأولو العلم، والمشهود: لا إله إلا الله، ~~وبيانه: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم «1» ، حكى هذه ~~الأقوال الثلاثة الثعلبي. والرابع والعشرون: أن ms2427 الشاهد: الأنبياء والمشهود: ~~الأمم، حكاه شيخنا علي بن عبيد الله. # وفي جواب القسم أقوال: أحدها: أنه قوله عز وجل: إن بطش ربك لشديد قاله ~~قتادة، والزجاج. # والثاني: أنه قوله تعالى: قتل أصحاب الأخدود، كما أن القسم في قوله عز ~~وجل: والشمس وضحاها ... قد أفلح، حكاه الفراء. والثالث: أنه متروك، وهذا ~~اختيار ابن جرير. # قوله عز وجل: قتل أصحاب الأخدود أي: لعنوا. والأخدود: شق يشق في الأرض، ~~والجمع: # أخاديد. وهؤلاء قوم حفروا حفائر في الأرض وأوقدوا فيها النار، وألقوا ~~فيها من لم يكفر. # واختلف العلماء فيهم على ستة أقوال «2» : # (1523) أحدها: أنه ملك كان له ساحر فبعث إليه غلاما يعلمه السحر، فكان ~~الغلام يمر على راهب، فأعجبه أمره، فتبعه، فعلم به الملك، فأمره أن يرجع عن ~~دينه، فقال: لا أفعل، فاجتهد الملك في إهلاكه، فلم يقدر، فقال الغلام: لست ~~بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. اجمع الناس في صعيد واحد، واصلبني على جذع، ~~وارمني بسهم من كنانتي، وقل: بسم الله رب الغلام، ففعل، فمات الغلام، فقال ~~الناس: آمنا برب الغلام، فخد الأخاديد، وأضرم فيها النار، وقال: فمن لم ~~يرجع عن دينه فاقحموه فيها، ففعلوا، وهذا مختصر الحديث، وفيه طول، وقد ~~ذكرته في «المغني» و «الحدائق» بطوله من حديث صهيب عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # (1524) والثاني: أن ملكا من الملوك سكر، فوقع على أخته، فلما أفاق قال ~~لها: ويحك: كيف المخرج؟ فقالت له: اجمع أهل مملكتك فأخبرهم أن الله عز وجل ~~قد أحل نكاح الأخوات، فإذا ذهب هذا في الناس وتناسوه، خطبتهم فحرمته. ففعل ~~ذلك، فأبوا أن يقبلوا ذلك منه، فبسط فيهم السوط، ثم PageV04P425 # جرد السيف، فأبوا، فخد لهم أخدودا، وأوقد فيه النار، وقذف من أبى قبول ~~ذلك، قاله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. # (1525) والثالث: أنهم أناس اقتتل مؤمنوهم وكافروهم، فظهر المؤمنون، ثم ~~تعاهدوا أن لا يغدر بعضهم ببعض، فغدر الكفار، فأخذوهم، فقال لهم رجل من ~~المؤمنين: أوقدوا نارا، واعرضوا عليها، فمن تابعكم على دينكم، فذاك الذي ~~تحبون، ومن ms2428 لم يتابعكم أقحم النار فاسترحتم منه. ففعلوا، فجعل المسلمون ~~يقتحمونها، ذكره قتادة. # (1526) والرابع: أن قوما من المؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، فأرسل ~~إليهم جبار من عبدة الأوثان، فعرض عليهم الدخول في دينه فأبوا، فخد لهم ~~أخدودا، وألقاهم فيه، قاله الربيع بن أنس. # (1527) والخامس: أن جماعة آمنوا من قوم يوسف بن ذي نواس بعد ما رفع عيسى، ~~فخد لهم خدا، وأوقد فيه النار، فأحرقهم كلهم، فأنزل الله تعالى: قتل أصحاب ~~الأخدود وهم: يوسف بن ذي نواس وأصحابه، قاله مقاتل. # والسادس: أنهم قوم كانوا يعبدون صنما، ومعهم قوم يكتمون إيمانهم، فعلموا ~~بهم، فخدوا لهم أخدودا، وقذفوهم فيه، حكاه الزجاج. # واختلفوا في الذين أحرقوا على خمسة أقوال: أحدها: أنهم كانوا من الحبشة، ~~قاله علي عليه السلام. والثاني: من بني إسرائيل، قاله ابن عباس. والثالث: ~~من أهل اليمن، قاله الحسن. قال الضحاك: كانوا من نصارى اليمن، وذلك قبل ~~مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة. والرابع: من أهل نجران، ~~قاله مجاهد. والخامس: من النبط، قاله عكرمة. # وفي عددهم ثلاثة أقوال: أحدها: اثنا عشر ألفا، قاله وهب. والثاني: سبعون ~~ألفا، قاله ابن السائب. والثالث: ثمانون رجلا، وتسع نسوة، قاله مقاتل. # قوله عز وجل: النار ذات الوقود هذا بدل من «الأخدود» كأنه قال: قتل أصحاب ~~النار، و «الوقود» مفسر في البقرة «1» وقرأ أبو رزين العقيلي، وأبو عبد ~~الرحمن السلمي، والحسن، ومجاهد، وأبو العالية، وابن يعمر وابن أبي عبلة ~~«الوقود» بضم الواو إذ هم عليها قعود أي: عند النار. وكان الملك وأصحابه ~~جلوسا على الكراسي عند الأخدود يعرضون المؤمنين على الكفر، فمن أبى ألقوه ~~وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود أي: حضور، فأخبر الله عز وجل في هذه ~~الآيات بقصة قوم بلغ من إيمانهم ويقينهم أن صبروا على التحريق بالنار، ولم ~~يرجعوا عن دينهم. # قوله عز وجل: وما نقموا منهم وقرأ ابن أبي عبلة «نقموا» بكسر القاف. قال ~~الزجاج: أي: ما PageV04P426 # أنكروا عليهم إيمانهم. وقد شرحنا معنى «نقموا» في المائدة «1» وبراءة «2» ~~وشرحنا معنى العزيز الحميد ms2429 في البقرة «3» . # قوله عز وجل: والله على كل شيء شهيد أي: لم يخف عليه ما صنعوا، فهو شهيد ~~عليهم بما فعلوا. # قوله عز وجل: إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات أي: أحرقوهم، وعذبوهم. ~~كقوله عز وجل: # يوم هم على النار يفتنون «4» ثم لم يتوبوا من شركهم وفعلهم ذلك فلهم عذاب ~~جهنم بكفرهم ولهم عذاب الحريق بما أحرقوا المؤمنين، وكلا العذابين في جهنم ~~عند الأكثرين وقد ذهب الربيع بن أنس في جماعة إلى أن النار ارتفعت إلى ~~الملك وأصحابه فأحرقتهم، فذلك عذاب الحريق في الدنيا. قال الربيع: وقبض ~~الله أرواح المؤمنين قبل أن تمسهم النار. وحكى الفراء أن المؤمنين نجوا من ~~النار، وأنها ارتفعت فأحرقت الكفرة. # قوله عز وجل: ذلك الفوز الكبير لأنهم فازوا بالجنة. وقال بعض المفسرين: ~~فازوا من عذاب الكفار، وعذاب الآخرة. # قوله عز وجل: إن بطش ربك لشديد قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب إذا أخذ ~~الظلمة والجبابرة لشديد. # قوله عز وجل: إنه هو يبدئ ويعيد فيه قولان: أحدهما: يبدئ الخلق ويعيدهم، ~~قاله الجمهور. # والثاني: يبدئ العذاب في الدنيا على الكفار ثم يعيده عليهم في الآخرة، ~~رواه العوفي عن ابن عباس. # وقد شرحنا في هود «5» معنى «الودود» و «المجيد» . # قوله عز وجل: ذو العرش المجيد وقد قرأ حمزة، والكسائي، والمفضل عن عاصم ~~«المجيد» بالخفض، وقرأ غيرهم بالرفع، فمن رفع «المجيد» جعله من صفات الله ~~عز وجل، ومن كسر جعله من صفة العرش. # قوله عز وجل: هل أتاك حديث أي: قد أتاك حديث الجنود وهم الذين تجندوا على ~~أولياء الله. ثم بين من هم، فقال عز وجل: فرعون وثمود بل الذين كفروا يعني ~~مشركي مكة في تكذيب لك وللقرآن، أي: لم يعتبروا بمن كان قبلهم والله من ~~ورائهم محيط أي لا يخفى عليه شيء من أعمالهم بل هو قرآن مجيد أي: كريم، ~~لأنه كلام الله، وليس كما يقولون: شعر، وكهانة، وسحر. وقرأ أبو العالية، ~~وأبو الجوزاء، وأبو عمران، وابن السميفع «بل قرآن مجيد» بغير تنوين وبخفض ~~«مجيد» في لوح محفوظ ms2430 وهو اللوح المحفوظ، منه نسخ القرآن وسائر الكتب، فهو ~~محفوظ عند الله محروس به من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان منه. وقرأ ~~نافع «محفوظ» رفعا على نعت القرآن فالمعنى: إنه محفوظ من التحريف والتبديل. ~~PageV04P427 # سورة الطارق # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الطارق # (86) : الآيات 1 الى 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # والسماء والطارق (1) وما أدراك ما الطارق (2) النجم الثاقب (3) إن كل نفس ~~لما عليها حافظ (4) # فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب ~~والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8) يوم تبلى السرائر (9) # فما له من قوة ولا ناصر (10) # قوله عز وجل: والسماء والطارق قال ابن قتيبة: الطارق: النجم، سمي بذلك، ~~لأنه يطرق، أي: # يطلع ليلا، وكل من أتاك ليلا، فقد طرقك، ومنه قول هند ابنة عتبة: # نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق # تريد: إن أبانا نجم في شرفه وعلوه. # قوله عز وجل: وما أدراك ما الطارق قال المفسرون: وذلك أن هذا الاسم يقع ~~على كل ما طرق ليلا، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدري ما المراد به ~~حتى تبينه بقوله عز من قائل: النجم الثاقب يعني: # المضيء، كما بينا في الصافات» # وفي المراد بهذا النجم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه زحل، قاله علي رضي الله ~~عنه. وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: هو زحل، ومسكنه في السماء السابعة ~~لا يسكنها غيره من النجوم، فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء، هبط، فكان ~~معها، ثم رجع إلى مكانه من السماء السابعة، فهو طارق حين ينزل، وطارق حين ~~يصعد. والثاني: أنه الثريا، قاله ابن زيد. والثالث: # أنه اسم جنس، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. # قوله عز وجل: إن كل نفس وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل «إن» بالتشديد ~~«كل» بالنصب لما عليها حافظ وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم وحمزة، وأبو ~~حاتم عن يعقوب «لما» بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف. قال الزجاج: هذه ~~الآية جواب القسم، ومن خفف فالمعنى: لعليها حافظ و «ما» ومن شدد، فالمعنى: ~~إلا، ms2431 قال: فاستعملت «لما» في موضع «إلا» في موضعين: أحدهما: هذا. # والآخر: في باب القسم. تقول: سألتك لما فعلت، بمعنى: إلا فعلت. قال ~~المفسرون: المعنى: ما PageV04P428 # من نفس إلا عليها حافظ. وفيه قولان: أحدهما: أنهم الحفظة من الملائكة، ~~قاله ابن عباس. قال قتادة: يحفظون على الإنسان عمله من خير أو شر. والثاني: ~~حافظ يحفظ الإنسان حتى حين يسلمه إلى المقادير، قاله الفراء. ثم نبه على ~~البعث ب قوله عز وجل: فلينظر الإنسان مم خلق أي: من أي شيء خلقه ربه؟ ~~والمعنى: فلينظر نظر التفكر والاستدلال ليعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر ~~على إعادته. # قوله جل جلاله: من ماء دافق قال الفراء: معناه: مدفوق، كقول العرب. سر ~~كاتم، وهم ناصب، وليل نائم، وعيشة راضية. وأهل الحجاز يجعلون المفعول ~~فاعلا. قال الزجاج: ومذهب سيبويه وأصحابه أن معناه النسب إلى الاندفاق، ~~والمعنى: من ماء ذي اندفاق. # قوله عز وجل: يخرج من بين الصلب وقرأ ابن مسعود، وابن سيرين، وابن ~~السميفع، وابن أبي عبلة «الصلب» بضم الصاد، واللام جميعا. يعني: يخرج من ~~صلب الرجل وترائب المرأة. قال الفراء: # يريد يخرج من الصلب والترائب. يقال: يخرج من بين هذين الشيئين خير كثير. ~~بمعنى: يخرج منهما. # وفي «الترائب» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه موضع القلادة، قاله ابن عباس. قال ~~الزجاج: قال أهل اللغة أجمعون: الترائب: موضع القلادة من الصدر، وأنشدوا ~~لامرئ القيس: # مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل # قرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي: السجنجل: المرآة بالرومية. وقيل: هي ~~سبيكة الفضة، وقيل: السجنجل: الزعفران، وقيل: ماء الذهب. ويروى البيت: ~~«بالسجنجل» . والثاني: أن الترائب: # اليدان والرجلان والعينان، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. ~~والثالث: أنها أربعة أضلاع من يمنة الصدر، وأربعة أضلاع من يسرة الصدر، ~~حكاه الزجاج. # قوله عز وجل: إنه الهاء كناية عن الله عز وجل على رجعه الرجع: رد الشيء ~~إلى أول حاله. # وفي هذه الهاء قولان: أحدهما: أنها تعود على الإنسان. ثم في المعنى ~~قولان: أحدهما: أنه على إعادة الإنسان حيا بعد ms2432 موته قادر، قاله الحسن، ~~وقتادة. قال الزجاج: ويدل على هذا القول قوله عز وجل: يوم تبلى السرائر. ~~والثاني: أنه على رجعه من حال الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن ~~الصبا إلى النطفة قادر، قاله الضحاك. والقول الثاني: أنها تعود على الماء. ~~ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: رد الماء في الإحليل، قاله مجاهد. ~~والثاني: على رده في الصلب، قاله عكرمة، والضحاك. والثالث: على حبس الماء ~~فلا يخرج، قاله ابن زيد. # قوله عز وجل: يوم تبلى السرائر تختبر السرائر التي بين العبد وبين ربه ~~حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤديها من مضيعها، فإن الإنسان مستور في الدنيا، ~~لا يدري أصلى، أم لا؟ أتوضأ، أم لا؟ فإذا كان يوم القيامة أبدى الله كل سر، ~~فكان زينا في الوجه، أو شينا. وقال ابن قتيبة: تختبر سرائر القلوب. # قوله عز وجل: فما له من قوة أي: فما لهذا الإنسان المنكر للبعث من قوة ~~يمتنع بها من عذاب الله ولا ناصر ينصره. ### | [سورة الطارق (86) : الآيات 11 الى 17] # والسماء ذات الرجع (11) والأرض ذات الصدع (12) إنه لقول فصل (13) وما هو ~~بالهزل (14) إنهم يكيدون كيدا (15) # وأكيد كيدا (16) فمهل الكافرين أمهلهم رويدا (17) # PageV04P429 # قوله عز وجل: والسماء ذات الرجع أي: ذات المطر، وسمي المطر رجعا لأنه ~~يجيء ويرجع ويتكرر والأرض ذات الصدع أي: ذات الشق. وقيل لها هذا، لأنها ~~تتصدع وتتشقق بالنبات، هذا قول المفسرين وأهل اللغة في الحرفين. # قوله عز وجل: إنه لقول فصل يعني به القرآن، وهذا جواب القسم. والفصل: ~~الذي يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما وما هو بالهزل أي: ~~باللعب. والمعنى: إنه جد، ولم ينزل باللعب. وبعضهم يقول: الهاء في «إنه» ~~كناية عن الوعيد المتقدم ذكره. # قوله عز وجل: إنهم يعني مشركي مكة يكيدون كيدا أي: يحتالون وهذا الاحتيال ~~في المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم حين اجتمعوا في دار الندوة. وأكيد ~~كيدا أي: أجازيهم على كيدهم بأن أستدرجهم من حيث لا يعلمون، فأنتقم منهم في ~~الدنيا بالسيف، وفي ms2433 الآخرة بالنار. فمهل الكافرين هذا وعيد من الله عز وجل ~~لهم. ومهل وأمهل لغتان جمعتا هاهنا. ومعنى الآية: مهلهم قليلا حتى أهلكهم، ~~ففعل الله ذلك ببدر، ونسخ الإمهال بآية السيف. قال ابن قتيبة: ومعنى ~~«رويدا» مهلا، ورويدك. بمعنى أمهل. # قال الله تعالى: فمهل الكافرين أمهلهم رويدا أي: قليلا، فإذا لم يتقدمها ~~«أمهلهم» كانت بمعنى «مهلا» . # ولا يتكلم بها إلا مصغرة ومأمورا بها، وجاءت في الشعر بغير تصغير في غير ~~معنى الأمر. # قال الشاعر: # كأنها مثل من يمشي على رود # أي: على مهل. # PageV04P430 ### | سورة الأعلى # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الأعلى (87) : الآيات 1 الى # 13] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح اسم ربك الأعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) والذي أخرج ~~المرعى (4) # فجعله غثاء أحوى (5) سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر ~~وما يخفى (7) ونيسرك لليسرى (8) فذكر إن نفعت الذكرى (9) # سيذكر من يخشى (10) ويتجنبها الأشقى (11) الذي يصلى النار الكبرى (12) ثم ~~لا يموت فيها ولا يحيى (13) # وفي معنى سبح خمسة أقوال «1» : أحدها: قل: سبحان ربي الأعلى، قاله ~~الجمهور. والثاني: # عظم. والثالث: صل بأمر ربك، روي القولان عن ابن عباس. والرابع: نزه ربك ~~عن السوء، قاله الزجاج. والخامس: نزه اسم ربك وذكرك إياه أن تذكره وأنت ~~معظم له، خاشع له، ذكره الثعلبي. # وفي قوله عز وجل: اسم ربك قولان: أحدهما: أن ذكر الاسم صلة، كقول لبيد بن ~~ربيعة: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # والثاني: أنه أصلي، وقال الفراء: قوله: سبح اسم ربك وسبح باسم ربك، سواء ~~في كلام العرب. # قوله عز وجل: الذي خلق فسوى أي: فعدل الخلق. وقد أشرنا إلى هذا المعنى في ~~«الإنفطار» «2» : والذي قدر وقرأ الكسائي وحده «قدر» بالتخفيف فهدى فيه ~~سبعة أقوال «3» : أحدها: PageV04P431 # قدر الشقاوة والسعادة، وهدى للرشد والضلالة، قاله مجاهد. والثاني: جعل ~~لكل دابة ما يصلحها وهداها إليه، قاله عطاء. والثالث: قدر مدة الجنين في ~~الرحم ثم هداه للخروج، قاله السدي. والرابع: # قدرهم ذكورا ms2434 وإناثا، وهدى الذكر لإتيان الأنثى، قاله مقاتل. والخامس: أن ~~المعنى: قدر فهدى وأضل، فحذف «وأضل» ، لأن في الكلام دليلا عليه، حكاه ~~الزجاج. والسادس: قدر الأرزاق، وهدى إلى طلبها. والسابع: قدر الذنوب، وهدى ~~إلى التوبة، حكاهما الثعلبي. # قوله عز وجل: والذي أخرج المرعى أي: أنبت العشب، وما ترعاه البهائم ~~فجعله: بعد الخضرة غثاء قال الزجاج، أي: جففه حتى جعله هشيما جافا كالغثاء ~~الذي تراه فوق ماء السيل. وقد بينا هذا في سورة المؤمنون «1» . فأما قوله ~~عز وجل: أحوى فقال الفراء: الأحوى: الذي قد اسود من القدم، والعتق، ويكون ~~أيضا: أخرج المرعى أحوى: أسود من الخضرة، فجعله غثاء كما قال عز وجل: ~~مدهامتان «2» . # قوله عز وجل: سنقرئك فلا تنسى قال مقاتل: سنعلمك القرآن، ونجمعه في قلبك ~~فلا تنساه أبدا. # قوله عز وجل: إلا ما شاء الله فيه ثلاثة أقوال: أحدها: إلا ما شاء الله ~~أن ينسخه فتنساه، قاله الحسن، وقتادة. والثاني: إلا ما شاء الله أن تنساه ~~ثم تذكره بعد. حكاه الزجاج. والثالث: أنه استثناء ألا يقع، قال الفراء: لم ~~يشأ أن ينسى شيئا، فإنما هو كقوله تعالى: خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا ما شاء ربك «3» ، ولا يشاء. # قوله عز وجل: إنه يعلم الجهر من القول والفعل وما يخفى منهما ونيسرك ~~لليسرى أي: # نسهل عليك عمل الخير فذكر أي: عظ أهل مكة إن نفعت الذكرى وفي «إن» ثلاثة ~~أقوال: أحدها: # أنها الشرطية، ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: أن قبلت الذكرى، قاله ~~يحيى بن سلام. والثاني: # إن نفعت وإن لم تنفع، قاله علي بن أحمد النيسابوري. والثاني: أنها بمعنى ~~«قد» ، فتقديره: قد نفعت الذكرى، قاله مقاتل. والثالث: أنها بمعنى «ما» ~~فتقديره: فذكر ما نفعت الذكرى، حكاه الماوردي. # قوله عز وجل: سيذكر أي سيتعظ بالقرآن من يخشى الله يتجنبها # ويتجنب الذكرى الأشقى. الذي يصلى النار الكبرى أي: العظيمة الفظيعة لأنها ~~أشد من نار الدنيا ثم لا يموت فيها فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه. وقال ابن ~~جرير: تصير نفس أحدهم في حلقه، ms2435 فلا تخرج فتفارقه فيموت، ولا ترجع إلى ~~موضعها من الجسم فيحيا. ### | [سورة الأعلى (87) : الآيات 14 الى 19] # قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ربه فصلى (15) بل تؤثرون الحياة الدنيا ~~(16) والآخرة خير وأبقى (17) إن هذا لفي الصحف الأولى (18) # صحف إبراهيم وموسى (19) # قوله عز وجل: قد أفلح قال الزجاج: أي: صادف البقاء الدائم، والفوز من ~~تزكى فيه خمسة أقوال: أحدها: من تطهر من الشرك بالإيمان، قاله ابن عباس. ~~والثاني: من أعطى صدقة الفطر، قاله أبو سعيد الخدري، وعطاء، وقتادة. ~~والثالث: من كان عمله زاكيا، قاله الحسن، والربيع. والرابع: أنها ~~PageV04P432 # زكوات الأموال كلها، قاله أبو الأحوص. والخامس: تكثر بتقوى الله. ومعنى ~~الزاكي: النامي الكثير، قاله الزجاج. # قوله عز وجل: وذكر اسم ربه قد سبق بيانه «1» . وفي قوله عز وجل: فصلى ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها الصلوات الخمس، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: صلاة ~~العيدين، قاله أبو سعيد الخدري. والثالث: صلاة التطوع، قاله أبو الأحوص. ~~والقول قول ابن عباس في الآيتين، فإن هذه السورة مكية بلا خلاف، ولم يكن ~~بمكة زكاة، ولا عيد. # قوله عز وجل: بل تؤثرون الحياة الدنيا قرأ أبو عمرو، وابن قتيبة، وزيد عن ~~يعقوب «بل يؤثرون» بالياء، والباقون بالتاء، واختار الفراء والزجاج التاء، ~~لأنها رويت عن أبي بن كعب: «بل أنتم تؤثرون» . فإن أريد بذلك الكفار، ~~فالمعنى: أنهم يؤثرون الدنيا على الآخرة، لأنهم لا يؤمنون بها. وإن أريد به ~~المسلمون، فالمعنى: يريدون الاستكثار من الدنيا على الاستكثار من الثواب. ~~قال ابن مسعود: # إن الدنيا عجلت لنا، وإن الآخرة نعتت لنا، وزويت عنا، فأخذنا بالعاجل ~~وتركنا الآجل. # قوله عز وجل: والآخرة خير يعني الجنة أفضل وأبقى أي: أدوم من الدنيا. # إن هذا لفي الصحف الأولى في المشار إليه أربعة أقوال: أحدها: أنه قوله عز ~~وجل: والآخرة خير وأبقى قاله قتادة. والثاني: هذه السورة، قاله عكرمة، ~~والسدي. والثالث: أنه لم يرد السورة، ولا ألفاظها بعينها، وإنما أراد أن ~~الفلاح لمن تزكى وذكر اسم ربه فصلى، في الصحف الأولى، كما هو في القرآن، ~~قاله ابن ms2436 قتيبة. والرابع: أنه من قوله عز وجل: قد أفلح من تزكى إلى قوله: ~~وأبقى قاله ابن جرير. # ثم بين الصحف الأولى ما هي، فقال: صحف إبراهيم وموسى وقد فسرناها في ~~النجم «2» . PageV04P433 ### | سورة الغاشية # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الغاشية (88) : الآيات 1 الى # 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # هل أتاك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة (2) عاملة ناصبة (3) تصلى ~~نارا حامية (4) # تسقى من عين آنية (5) ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) لا يسمن ولا يغني من ~~جوع (7) # قوله تعالى: هل أتاك أي: قد أتاك، قال قطرب. وقال الزجاج: المعنى: هذا لم ~~يكن من علمك ولا من علم قومك. # وفي «الغاشية» قولان: أحدهما: أنها القيامة تغشى الناس بالأهوال، قاله ~~ابن عباس، والضحاك، وابن قتيبة. والثاني: أنها النار تغشى وجوه الكفار، ~~قاله سعيد بن جبير، والقرظي، ومقاتل. # قوله عز وجل: وجوه يومئذ خاشعة أي: ذليلة وفيها قولان: أحدهما: أنها وجوه ~~اليهود والنصارى، قاله ابن عباس. والثاني: أنه جميع الكفار، قاله يحيى بن ~~سلام. # قوله عز وجل: عاملة ناصبة فيه أربعة أقوال: أحدها: أنهم الذين عملوا ~~ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام، كعبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب، ~~مثل الرهبان وغيرهم، رواه عطاء عن ابن عباس. والثاني: أنهم الرهبان، وأصحاب ~~الصوامع، رواه أبو الضحى عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وزيد بن أسلم. ~~والثالث: عاملة ناصبة في النار بمعالجة السلاسل والأغلال، لأنها لم تعمل ~~لله في الدنيا، فأعملها وأنصبها في النار، وروى هذا المعنى العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال الحسن. وقال قتادة: تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها ~~وأنصبها في النار بالانتقال من عذاب إلى عذاب. قال الضحاك: يكلفون ارتقاء ~~جبل من حديد في النار. وقال ابن السائب: يخرون على وجوههم. وقال مقاتل: ~~عاملة في النار تأكل من النار، ناصبة للعذاب. والرابع: عاملة في الدنيا ~~بالمعاصي ناصبة في النار يوم القيامة، قاله عكرمة والسدي. والكلام هاهنا ~~على الوجوه، والمراد أصحابها. وقد بينا معنى «النصب» في قوله عز ms2437 وجل: لا ~~يمسهم فيها نصب «1» . # قوله عز وجل: تصلى نارا حامية قرأ أهل البصرة وعاصم إلا حفصا «تصلى» بضم ~~التاء. والباقون PageV04P434 # بفتحها. قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله، تسقى من عين ~~آنية أي: متناهية في الحرارة. قال الحسن: قد أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، ~~فدفعوا إليها وردا عطاشا. # قوله عز وجل: ليس لهم طعام إلا من ضريع فيه ستة أقوال: أحدها: أنه نبت ذو ~~شوك لاطئ بالأرض، وتسميه قريش «الشبرق» فإذا هاج سموه: ضريعا، رواه العوفي ~~عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة. والثاني: أنه شجر من نار، ~~رواه الوالبي عن ابن عباس. والثالث: أنها الحجارة، قاله ابن جبير. والرابع: ~~أنه السلم، قاله أبو الجوزاء. والخامس: أنه في الدنيا: الشوك اليابس الذي ~~ليس له ورق، وهو في الآخرة شوك من نار، قاله ابن زيد. والسادس: أنه طعام ~~يضرعون إلى الله تعالى منه، قاله ابن كيسان. # قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على ~~الضريع، فأنزل الله تعالى: لا يسمن ولا يغني من جوع وكذبوا، فإن الإبل إنما ~~ترعاه ما دام رطبا، وحينئذ يسمى شبرقا، لا ضريعا، فإذا يبس وسمي ضريعا لم ~~يأكله شيء. # فإن قيل: إنه قد أخبر في هذه الآية: ليس لهم طعام إلا من ضريع وفي مكان ~~آخر ولا طعام إلا من غسلين «1» فكيف الجمع بينهما؟ # فالجواب: أن النار دركات، وعلى قدر الذنوب تقع العقوبات، فمنهم من طعامه ~~الزقوم، ومنهم من طعامه غسلين، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه ~~الصديد. قاله ابن قتيبة. ### | [سورة الغاشية (88) : الآيات 8 الى 26] # وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) في جنة عالية (10) لا تسمع فيها ~~لاغية (11) فيها عين جارية (12) # فيها سرر مرفوعة (13) وأكواب موضوعة (14) ونمارق مصفوفة (15) وزرابي ~~مبثوثة (16) أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) # وإلى السماء كيف رفعت (18) وإلى الجبال كيف نصبت (19) وإلى الأرض كيف ~~سطحت (20) فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22) # إلا من تولى وكفر (23) فيعذبه الله العذاب الأكبر (24) إن إلينا إيابهم ms2438 ~~(25) ثم إن علينا حسابهم (26) # قوله عز وجل: وجوه يومئذ ناعمة أي: في نعمة وكرامة لسعيها في الدنيا ~~راضية والمعنى: رضيت بثواب عملها في جنة عالية قد فسرناه في «الحاقة» «2» ~~لا تسمع فيها لاغية قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ورويس «لا يسمع» بياء مضمومة. ~~«لاغية» بالرفع. وقرأ نافع كذلك إلا أنه بتاء مضمومة، والباقون بتاء ~~مفتوحة، ونصب «لاغية» لا تسمع فيها كلمة لغو فيها سرر مرفوعة قال ابن عباس: ~~ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد، والدر، والياقوت، مرتفعة ما لم يجيء أهلها، ~~فإذا أراد أن يجلس عليها صاحبها، تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى ~~موضعها وأكواب موضوعة عندهم. وقد ذكرنا «الأكواب» في الزخرف «3» ونمارق وهي ~~الوسائد، واحدها: نمرقة بضم النون. # قال الفراء: وسمعت بعض كلب تقول: نمرقة، بكسر النون والراء مصفوفة بعضها ~~إلى جنب بعض، والزرابي: الطنافس التي لها خمل رقيق مبثوثة كثيرة. وقال ابن ~~قتيبة: مبثوثة كثيرة مفرقة. قال PageV04P435 # المفسرون: لما نعت الله سبحانه وتعالى ما في الجنة، عجب من ذلك أهل ~~الكفر، فذكرهم صنعه، فقال عز وجل: أفلا ينظرون إلى الإبل. # (1528) وقال قتادة: ذكر الله ارتفاع سرر الجنة، وفرشها، فقالوا: كيف ~~نصعدها، فنزلت هذه الآية. قال العلماء: وإنما خص الإبل من غيرها لأن العرب ~~لم يروا بهيمة قط أعظم منها، ولم يشاهدوا الفيل إلا الشاذ منهم، ولأنها ~~كانت أنفس أموالهم وأكثرها، لا تفارقهم ولا يفارقونها، فيلاحظون فيها العبر ~~الدالة على قدرة الخالق، من إخراج لبنها من بين فرث ودم وعجيب خلقها، وهي ~~على عظمها مذللة للحمل الثقيل، وتنقاد للصبي الصغير، وليس في ذوات الأربع ~~ما يحمل عليه وقره وهو بارك فيطيق النهوض به سواها. وقرأ ابن عباس، وأبو ~~عمران الجوني، والأصمعي عن أبي عمرو «الإبل» بإسكان الباء وتخفيف اللام. ~~وقرأ أبي بن كعب، وعائشة، وأبو المتوكل، والجحدري، وابن السميفع، ويونس بن ~~حبيب وهارون كلاهما عن أبي عمرو «الإبل» بكسر الباء، وتشديد اللام. قال ~~هارون: قال أبو عمرو «الإبل» بتشديد اللام: السحاب الذي يحمل الماء. # قوله عز وجل: كيف ms2439 خلقت وقرأ علي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبو العالية، ~~وأبو عمران، وابن أبي عبلة «خلقت» بفتح الخاء، وضم التاء. وكذلك قرءوا: ~~«رفعت» و «نصبت» و «سطحت» . # قوله عز وجل: وإلى السماء كيف رفعت من الأرض حتى لا ينالها شيء بغير عمد ~~وإلى الجبال كيف نصبت على الأرض لا تزول ولا تتغير وإلى الأرض كيف سطحت أي: ~~بسطت. والسطح: بسط الشيء، وكل ذلك يدل على خالقه فذكر أي: فعظ إنما أنت ~~مذكر أي: واعظ، ولم يكن حينئذ أمر بغير التذكير، ويدل عليه قوله عز وجل: ~~لست عليهم بمصيطر أي: بمسلط، فتقتلهم وتكرههم على الإيمان. ثم نسختها آية ~~السيف. وقرأ أبو رزين، وأبو عبد الرحمن، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة والحلواني ~~عن ابن عامر «بمسيطر» بالسين. وقد سبق بيان «المسيطر» في قوله عز وجل أم هم ~~المصيطرون «1» . # قوله عز وجل: إلا من تولى هذا استثناء منقطع معناه: لكن من تولى وكفر بعد ~~التذكير. # وقرأ ابن عباس، وعمرو بن العاص، وأنس بن مالك، وأبو مجلز، وقتادة، وسعيد ~~بن جبير «ألا من تولى» بفتح الهمزة وتخفيف اللام فيعذبه الله العذاب الأكبر ~~وهو أن يدخله جهنم، وذلك أنهم قد عذبوا في الدنيا بالجوع، والقتل، والأسر، ~~فكان عذاب جهنم هو الأكبر إن إلينا إيابهم وقرأ أبي بن كعب، وعائشة، وعبد ~~الرحمن، وأبو جعفر «إيابهم» بتشديد الياء، أي: رجوعهم ومصيرهم بعد الموت ثم ~~إن علينا حسابهم قال مقاتل: أي: جزاءهم. PageV04P436 ### | سورة الفجر # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الفجر (89) : الآيات 1 الى # 14] # بسم الله الرحمن الرحيم # والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) والليل إذا يسر (4) # هل في ذلك قسم لذي حجر (5) ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد ~~(7) التي لم يخلق مثلها في البلاد (8) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) # وفرعون ذي الأوتاد (10) الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد ~~(12) فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد (14) # قوله تعالى: والفجر قال ابن عباس: الفجر: انفجار الظلمة عن الصبح، وانفجر ~~الماء: انفتح. # قال شيخنا ms2440 علي بن عبيد الله: الفجر: ضوء النهار إذا انشق عنه الليل، وهو ~~مأخوذ من الانفجار، يقال: # انفجر النهر ينفجر انفجارا: إذا انشق فيه موضع لخروج الماء: ومن هذا سمي ~~الفاجر فاجرا، لأنه خرج عن طاعة الله. # وللمفسرين في المراد بهذا الفجر ستة أقوال: أحدها: أنه الفجر المعروف ~~الذي هو بدء النهار، قاله علي رضي الله عنه. وروى أبو صالح عن ابن عباس ~~قال: هو انفجار الصبح كل يوم، وبهذا قال عكرمة، وزيد بن أسلم، والقرظي. ~~والثاني: صلاة الفجر، رواه عطية عن ابن عباس. والثالث: النهار كله، فعبر ~~عنه بالفجر، لأنه أوله، وروى هذا المعنى أبو نصر عن ابن عباس. والرابع: أنه ~~فجر يوم النحر خاصة قاله مجاهد. والخامس: أنه فجر أول يوم من ذي الحجة، ~~قاله الضحاك. والسادس: أنه أول يوم من المحرم تنفجر منه السنة قاله قتادة. # قوله عز وجل: وليال عشر فيها أربعة أقوال «1» : أحدها: أنه عشر ذي الحجة، ~~رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي ومقاتل. ~~والثاني: أنها العشر الأواخر من رمضان، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس. ~~والثالث: العشر الأول من رمضان، قاله الضحاك. والرابع: # العشر الأول من المحرم، قاله يمان بن رئاب. PageV04P437 # قوله عز وجل: والشفع والوتر قرأ حمزة، والكسائي، وخلف «والوتر» بكسر ~~الواو، وفتحها الباقون، هما لغتان، قال الفراء الكسر لقريش وتميم وأسد، ~~والفتح لأهل الحجاز. وللمفسرين في «الشفع والوتر» عشرون قولا: # (1529) أحدها: أن الشفع: يوم عرفة ويوم الأضحى، والوتر: ليلة النحر، رواه ~~أبو أيوب الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # (1530) والثاني: أن الشفع يوم النحر، والوتر: يوم عرفة. رواه جابر بن عبد ~~الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه قال ابن عباس، عكرمة والضحاك. # (1531) والثالث: أن الشفع والوتر: الصلاة، منها الشفع، ومنها الوتر، رواه ~~عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال قتادة. # والرابع: أن الشفع: الخلق كله، والوتر: الله تعالى، رواه العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال مجاهد في رواية ms2441 مسروق، وأبو صالح. والخامس: أن الوتر: آدم ~~شفع بزوجته، رواه مجاهد عن ابن عباس. # والسادس: أن الشفع يومان بعد يوم النحر، وهو النفر الأول، والوتر: اليوم ~~الثالث، وهو النفر الأخير، قاله عبد الله بن الزبير، واستدل بقوله عز وجل: ~~فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه «1» . والسابع: أن الشفع: صلاة الغداة، ~~والوتر: صلاة المغرب، حكاه عطية. والثامن: أن الشفع: الركعتان من صلاة ~~المغرب، والوتر: الركعة الثالثة، قاله أبو العالية، والربيع بن أنس. ~~والتاسع: أن الشفع والوتر: الخلق كله، منه شفع، ومنه وتر، قاله ابن زيد ~~ومجاهد في رواية. والعاشر: أنه العدد، منه شفع، ومنه وتر، وهذا والذي قبله ~~مرويان عن الحسن. والحادي عشر: أن الشفع: عشر ذي الحجة، والوتر: أيام منى ~~الثلاثة، قاله الضحاك. والثاني عشر: أن الشفع: هو الله، لقوله عز وجل: ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم «2» والوتر: هو الله، لقوله عز وجل: قل ~~هو الله أحد، قاله سفيان بن عيينة. PageV04P438 # والثالث عشر: أن الشفع: هو آدم وحواء. والوتر: الله تعالى، قاله مقاتل بن ~~سليمان. والرابع عشر: أن الشفع: الأيام والليالي، والوتر: اليوم الذي لا ~~ليلة بعده، وهو يوم القيامة، قاله مقاتل بن حيان. # والخامس عشر: الشفع: درجات الجنان، لأنها ثمان، والوتر: دركات النار ~~لأنها سبع، فكأن الله تعالى أقسم بالجنة والنار، قاله الحسين بن الفضل. ~~والسادس عشر: الشفع: تضاد أوصاف المخلوقين بين عز وذل، وقدرة وعجز، وقوة ~~وضعف، وعلم وجهل، وموت وحياة. والوتر: انفراد صفات الله عز وجل، عز بلا ذل، ~~وقدرة بلا عجز، وقوة بلا ضعف، وعلم بل جهل، وحياة بلا موت، قاله أبو بكر ~~الوراق. والسابع عشر: أن الشفع: الصفا والمروة، والوتر: البيت. والثامن ~~عشر: أن الشفع: مسجد مكة والمدينة، والوتر: بيت المقدس. والتاسع عشر: أن ~~الشفع: القران في الحج والتمتع، والوتر: # الإفراد. والعشرون: الشفع: العبادات المتكررة كالصلاة، والصوم، والزكاة، ~~والوتر: العبادة التي لا تتكرر، كالحج، حكى هذه الأقوال الأربعة الثعلبي. # قوله عز وجل: والليل إذا يسر قرأ ابن كثير، ويعقوب «يسري» بياء ms2442 في الوصل ~~والوقف، وافقهما في الوصل نافع وأبو عمرو. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ~~والكسائي «يسر» بغير ياء في الوصل والوقف. قال الفراء، والزجاج: الاختيار ~~حذفها لمشاكلتها لرؤوس الآيات، ولاتباع المصحف. وفي قوله عز وجل: والليل ~~إذا يسر قولان: أحدهما: أن الفعل له، فيه قولان: أحدهما: إذا يسري ذاهبا، ~~قاله الجمهور، وهو اختيار الزجاج. والثاني: إذا يسري مقبلا، قاله قتادة. # والقول الثاني: أن الفعل لغيره، والمعنى: إذا يسري فيه، كما يقال: ليل ~~نائم، أي: ينام فيه، قاله الأخفش، وابن قتيبة. وفي المراد بهذا الليل ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه عام في كل ليلة، وهذا الظاهر. # والثاني: أنه ليلة المزدلفة، وهي ليلة جمع: قاله مجاهد وعكرمة. والثالث: ~~ليلة القدر، حكاه الماوردي. # قوله عز وجل: هل في ذلك أي هل في ذلك المذكور من الأمور التي أقسمنا بها ~~قسم لذي حجر أي: لذي عقل، وسمي العقل حجرا، لأنه يحجر صاحبه عن القبيح، ~~وسمي عقلا، لأنه يعقل عما لا يحسن، وسمي العقل النهى، لأنه ينهى عما لا ~~يحل. ومعنى الكلام: أن من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه ~~الأشياء، فيه دلائل على توحيد الله وقدرته، فهو حقيق أن يقسم به لدلالته. # وجواب القسم قوله عز وجل: إن ربك لبالمرصاد فاعترض بين القسم، وجوابه ~~قوله: ألم تر كيف فعل ربك بعاد فخوف أهل مكة بإهلاك من كان أشد منهم. وقرأ ~~ابن مسعود، وابن يعمر «بعاد إرم» بكسر الدال من غير تنوين على الإضافة. وفي ~~إرم أربعة أقوال «1» : أحدها: أنه اسم بلدة، قال الفراء. ولم PageV04P439 # يجر «إرم» لأنها اسم بلدة ثم فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها دمشق، قاله ~~سعيد بن المسيب، وعكرمة، وخالد الربعي. والثاني: الإسكندرية، قاله محمد بن ~~كعب. والثالث: أنها مدينة صنعها شداد بن عاد، وهذا قول كعب. وسيأتي ذكره إن ~~شاء الله. # والقول الثاني: أنه اسم أمة من الأمم، ومعناه: القديمة، قاله مجاهد. ~~والثالث: أنه قبيلة من قوم عاد، قاله قتادة ومقاتل. قال الزجاج: وإنما لم ~~تنصرف «إرم» ms2443 لأنها جعلت اسما للقبيلة ففتحت، وهي في موضع خفض. والرابع: أنه ~~اسم لجد عاد، لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، قاله ابن اسحاق. قال ~~الفراء: فإن كان اسما لرجل على هذا القول، فإنما ترك إجراؤه، لأنه كالعجمي، ~~وقال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى: وهي إرم، وهي التي قال الله تعالى: ~~وأنه أهلك عادا الأولى «1» وهل قوم هود عاد الأولى، أم لا؟ فيه قولان قد ~~ذكرناهما في النجم «2» . # وفي قوله عز وجل: إرم ذات العماد أربعة أقوال «3» : أحدها: لأنهم كانوا ~~أهل عمد وخيام يطلبون الكلأ حيث كان، ثم يرجعون إلى منازلهم، فلا يقيمون في ~~موضع، روى هذا المعنى عطاء عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، والفراء. ~~والثاني: أن معنى ذات العماد: ذات الطول، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال ~~مقاتل، وأبو عبيدة. قال الزجاج: يقال: رجل معمد: إذا كان طويلا. # والثالث: ذات القوة والشدة، مأخوذ من قوة الأعمدة، قاله الضحاك. والرابع: ~~ذات البناء المحكم بالعماد، قاله ابن زيد. وقيل: إنما سميت ذات العماد ~~لبناء بناه بعضهم. # قوله عز وجل: التي لم يخلق مثلها في البلاد وقرأ أبو المتوكل، وأبو ~~الجوزاء، وأبو عمران: «لم تخلق» بتاء مفتوحة ورفع اللام «مثلها» بنصب ~~اللام. وقرأ معاذ القارئ، وعمرو بن دينار: «لم نخلق» بنون مفتوحة ورفع ~~اللام «مثلها» بنصب اللام. وفي المشار إليها قولان: أحدهما: لم يخلق مثل ~~تلك القبيلة في الطول والقوة، وهذا معنى قول الحسن. والثاني: المدينة لم ~~يخلق مثل مدينتهم ذات العماد، قاله عكرمة. PageV04P440 # وقد جاء في التفسير صفات تلك المدينة. وهذه الإشارة إلى ذلك. # (1532) روى وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له ~~شردت، فبينما هو في صحارى عدن وقع على مدينة في تلك الفلوات عليها حصن، ~~وحول الحصن قصور كثيرة. فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا يسأله عن إبله، فلم ~~ير خارجا ولا داخلا، فنزل عن دابته، وعقلها، وسل سيفه، ودخل من باب الحصن، ~~فلما دخل الحصن ms2444 إذا هو ببابين عظيمين لم ير أعظم منهما والبابان مرصعان ~~بالياقوت الأبيض والأحمر، فلما رأى ذلك دهش ففتح أحد البابين، فإذا هو ~~بمدينة لم ير أحد مثلها، وإذا قصور، كل قصر منها فيه غرف وفوق الغرف غرف ~~مبنية بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت. # ومصاريع تلك الغرف مثل مصاريع المدينة، يقابل بعضها بعضا، مفروشة كلها ~~باللؤلؤ، وبنادق من مسك وزعفران. فلما عاين ذلك، ولم ير أحدا، هاله ذلك، ثم ~~نظر إلى الأزقة فإذا هو في كل زقاق منها شجر قد أثمر، وتحت الشجر أنهار ~~مطردة يجري ماؤها من قنوات من فضة. فقال الرجل: إن هذه هي الجنة، فحمل معه ~~من لؤلؤها، ومن بنادق المسك والزعفران ورجع إلى اليمن، فأظهر ما كان معه. # وبلغ الأمر إلى معاوية، فأرسل إليه. فقص عليه ما رأى، فأرسل معاوية إلى ~~كعب الأحبار، فلما أتاه قال له: يا أبا إسحاق: هل في الدنيا مدينة من ذهب ~~وفضة؟ قال: نعم أخبرك بها وبمن بناها؟ إنما بناها شداد بن عاد، والمدينة: ~~«إرم ذات العماد» ، قال: فحدثني حديثها، فقال: إن عادا المنسوب إليه عاد ~~الأولى، كان له ولدان: شديد، وشداد. فلما مات ملكا بعده، ثم مات شديد وبقي ~~شداد، فملك الأرض، ودانت له الملوك، وكان مولعا بقراءة الكتب، فكان إذا مر ~~بذكر الجنة دعته نفسه إلى بناء مثلها PageV04P441 # عتوا على الله تعالى فأمر بصنع «إرم ذات العماد» فأمر على عملها مائة ~~قهرمان مع كل قهرمان ألف من الأعوان، وكتب إلى ملوك الأرض أن يمدوه بما في ~~بلادهم من الجواهر، فخرج القهارمة يسيرون في الأرض ليجدوا ما يوافقه حتى ~~وقعوا على صحراء عظيمة نقية من التلال، وإذا هم بعيون مطردة فقالوا: # هذه صفة الأرض التي أمر الملك أن يبنى بها، فوضعوا أساسها من الجزع ~~اليماني، وأقاموا في بنائها ثلاثمائة سنة، وكان عمر شداد تسعمائة سنة، فلما ~~أتوه وقد فرغوا منها قال: انطلقوا، واجعلوا عليها حصنا، واجعلوا حول الحصن ~~ألف قصر، عند كل قصر ألف علم يكون في كل قصر من تلك القصور ms2445 وزير من وزرائي، ~~ففعلوا، فأمر الوزراء- وهم ألف وزير- أن يتهيؤوا للنقلة إلى «إرم ذات ~~العماد» ، وكان الملك وأهله في جهازهم عشر سنين، ثم ساروا إليها، فلما ~~كانوا منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليه، وعلى من كان معه صيحة من ~~السماء فأهلكتهم جميعا، ولم يبق منهم أحد. # وروى الشعبي عن دغفل الشيباني عن علماء حمير قالوا: لما هلك شداد بن عاد ~~ومن معه من الصيحة، ملك بعده ابنه مرثد بن شداد، وقد كان أبوه خلفه بحضرموت ~~على ملكه وسلطانه، فأمر بحمل أبيه من تلك المفازة إلى حضرموت، وأمر بدفنه ~~فحفرت له حفيرة في مغارة، فاستودعه فيها على سرير من ذهب، وألقى عليه سبعين ~~حلة منسوجة بقضبان الذهب، ووضع عند رأسه لوحا عظيما من ذهب وكتب عليه: # اعتبر يا أيها المغرور ... بالعمر المديد # أنا شداد بن عاد ... صاحب الحصن المشيد # وأخو القوة والبأساء ... والملك الحشيد # دان أهل الأرض لي ... من خوف وعدي ووعيدي # وملكت الشرق والغرب ... بسلطان شديد # وبفضل الملك والعدة ... فيه والعديد # فأتى هود وكنا ... في ضلال قبل هود # فدعانا لو قبلناه ... إلى الأمر الرشيد # فعصيناه ونادى ... ما لكم هل من محيد # فأتتنا صيحة تهوي ... من الأفق البعيد # فتوافينا كزرع ... وسط بيداء حصيد # قوله عز وجل: وثمود الذين جابوا الصخر أي قطعوه ونقبوه. قال ابن إسحاق: ~~والوادي: وادي القرى. وقرأ الحسن: «بالوادي» بإثبات الياء في الحالين ~~وفرعون ذي الأوتاد مفسر في سورة ص «1» الذين طغوا في البلاد يعني: عادا، ~~وثمود، وفرعون، عملوا بالمعاصي، وتجبروا على أنبياء الله فأكثروا فيها ~~الفساد القتل والمعاصي فصب عليهم ربك سوط عذاب قال ابن قتيبة: وإنما قال: ~~سوط عذاب، لأن التعذيب قد يكون بالسوط، وقال الزجاج: أي جعل سوطه الذي ~~ضربهم به العذاب. PageV04P442 # إن ربك لبالمرصاد أي: يرصد من كفر به بالعذاب، والمرصد: الطريق، وقد ~~شرحناه في قوله عز وجل: # كانت مرصادا «1» . ### | [سورة الفجر (89) : الآيات 15 الى 30] # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما ~~إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ms2446 فيقول ربي أهانن (16) كلا بل لا تكرمون ~~اليتيم (17) ولا تحاضون على طعام المسكين (18) وتأكلون التراث أكلا لما ~~(19) # وتحبون المال حبا جما (20) كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك ~~والملك صفا صفا (22) وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ~~(23) يقول يا ليتني قدمت لحياتي (24) # فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) ولا يوثق وثاقه أحد (26) يا أيتها النفس ~~المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (28) فادخلي في عبادي (29) # وادخلي جنتي (30) # قوله عز وجل: فأما الإنسان فيمن عنى به أربعة أقوال: أحدها: عتبة بن ~~ربيعة، وأبو حذيفة بن المغيرة، رواه عطاء عن ابن عباس. والثاني: أبي بن ~~خلف، قاله ابن السائب. والثالث: أمية بن خلف، قاله مقاتل. والرابع: أنه ~~الكافر الذي لا يؤمن بالبعث، قال الزجاج: وابتلاه بمعنى اختبره بالغنى ~~واليسر فأكرمه بالمال ونعمه بما وسع عليه من الإفضال فيقول ربي أكرمن فتح ~~ياء «ربي» «أكرمني» «ربي» أهانني» أهل الحجاز، وأبو عمرو، أي: فضلني بما ~~أعطاني، ويظن إنما، أعطاه من الدنيا لكرامته عليه وأما إذا ما ابتلاه ~~بالفقر فقدر عليه رزقه وقرأ أبو جعفر، وابن عامر «فقدر» بتشديد الدال، ~~والمعنى: ضيق عليه بأن جعله على مقدار البلغة فيقول ربي أهانن أي هذا ~~الهوان منه لي حين أذلني بالفقر. # واعلم أن من لا يؤمن بالبعث، فالكرامة عنده زيادة الدنيا، والهوان قلتها. # قوله عز وجل: كلا أي: ليس الأمر كما ظن. قال مقاتل: ما أعطيت من أغنيت ~~هذا الغنى لكرامته علي، ولا أفقرت من أفقرت لهوانه علي. وقال الفراء: ~~المعنى: لم يكن ينبغي له أن يكون هكذا، إنما ينبغي أن يحمد الله على ~~الأمرين: الفقر، والغنى. ثم أخبر عن الكفار فقال عز وجل: بل لا تكرمون ~~اليتيم قرأ أهل البصرة «يكرمون» و «يحضون» و «يأكلون» و «يحبون» بالياء ~~فيهن، والباقون بالتاء. ومعنى الآية: إني أهنت من أهنت من أجل أنه لا يكرم ~~اليتيم. والآية تحتمل معنيين: أحدهما: # أنهم كانوا لا يبرونه. والثاني: لا يعطونه حقه من الميراث، وكذلك كانت ~~عادة الجاهلية لا يورثون النساء ms2447 ولا الصبيان. ويدل على المعنى الأول قوله ~~عز وجل: ولا تحاضون على طعام المسكين وقرأ أبو جعفر، وأهل الكوفة «تحاضون» ~~بألف مع فتح التاء. وروى الشيزري عن الكسائي كذلك إلا أنه ضم التاء. ~~والمعنى: لا يأمروه بإطعامه لأنهم لا يرجون ثواب الآخرة. ويدل على المعنى ~~قوله عز وجل: # وتأكلون التراث أكلا لما قال ابن قتيبة: التراث: الميراث، والتاء فيه ~~منقلبة عن واو، كما قالوا: # تجاه، والأصل: وجاه، وقالوا: تخمة، والأصل: وخمة. ولما أي: شديدا، وهو من ~~قولك: # لممت بالشيء: إذا جمعته، وقال الزجاج: هو ميراث اليتامى. PageV04P443 # قوله عز وجل: وتحبون المال أي: تحبون جمعه حبا جما أي: كثيرا فلا تنفقونه ~~في خير كلا أي: ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر. ثم أخبر عن تلهفهم على ما سلف ~~منهم حين لا ينفعهم، فقال عز من قائل: إذا دكت الأرض دكا دكا أي: مرة بعد ~~مرة، فتكسر كل شيء عليها. قوله: وجاء ربك قد ذكرنا هذا المعنى في قوله عز ~~وجل: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله «1» . # قوله عز وجل: والملك صفا صفا أي: تأتي ملائكة كل سماء صفا على حدة، قال ~~الضحاك: # يكونون سبعة صفوف، وجيء يومئذ بجهنم. # (1533) روى مسلم في أفراده من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ~~ألف ملك يجرونها» . قال مقاتل: يجاء بها فتقام عن يسار العرش. # قوله عز وجل: يومئذ أي: يوم يجاء بجهنم يتذكر الإنسان أي: يتعظ الكافر ~~ويتوب. وقال مقاتل: هو أمية بن خلف وأنى له الذكرى أي: كيف له بالتوبة وهي ~~في القيامة لا تنفع يقول يا ليتني قدمت العمل الصالح في الدنيا لحياتي في ~~الآخرة التي لا موت فيها فيومئذ لا يعذب عذابه أحد قرأ الكسائي، ويعقوب، ~~والمفضل «لا يعذب» و «لا يوثق» بفتح الذال والثاء، والباقون بكسرها، فمن ~~فتح، أراد: لا يعذب عذاب الكافر أحد، ومن كسر أراد: لا يعذب عذاب الله أحد، ~~أي كعذابه، وهذه ms2448 القراءة تختص بالدنيا، والأولى تختص بالآخرة. # قوله عز وجل: يا أيتها النفس المطمئنة اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال ~~«2» : # أحدها: في حمزة بن عبد المطلب لما استشهد يوم أحد، قاله أبو هريرة، ~~وبريدة الأسلمي. # والثاني: في عثمان بن عفان حين أوقف بئر رومة، قاله الضحاك. والثالث: في ~~خبيب بن عدي لما صلبه أهل مكة، قاله مقاتل. والرابع: في أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه، حكاه الماوردي. والخامس: # في جميع المؤمنين، قاله عكرمة. وفي معنى المطمئنة ثلاثة أقوال: أحدها: ~~المؤمنة، قاله ابن عباس. وقال الزجاج: المطمئنة بالإيمان. والثاني: الراضية ~~بقضاء الله، قاله مجاهد. والثالث: الموقنة بما وعد الله، قاله قتادة. # واختلفوا في أي حين يقال لها ذلك على قولين: أحدهما: عند خروجها من ~~الدنيا، قاله الأكثرون. والثاني: عند البعث يقال لها: ارجعي إلى صاحبك، ~~وإلى جسدك، فيأمر الله الأرواح أن تعود إلى الأجساد، رواه العوفي عن ابن ~~عباس، وبه قال عطاء، وعكرمة والضحاك. # وفي قوله عز وجل: ارجعي إلى ربك راضية أربعة أقوال: أحدها: ارجعي إلى ~~صاحبك الذي كنت في جسده، وهذا المعنى في رواية العوفي عن ابن عباس، وبه قال ~~عكرمة والضحاك. والثاني: PageV04P444 # ارجعي إلى ربك بعد الموت في الدنيا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: ~~ارجعي إلى ثواب ربك، قاله الحسن. والرابع: يا أيتها النفس المطمئنة إلى ~~الدنيا ارجعي إلى الله تعالى بتركها، حكاه الماوردي. # قوله عز وجل: فادخلي في عبادي أي: في جملة عبادي المصطفين. قال أبو صالح: ~~يقال لها عند الموت: ارجعي إلى ربك، فإذا كان يوم القيامة قيل لها: فادخلي ~~في عبادي وقال الفراء: ادخلي مع عبادي. وقرأ سعد بن أبي وقاص، وأبي بن كعب، ~~وابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وأبو العالية، وأبو عمران «في عبدي» على ~~التوحيد. قال الزجاج: فعلى هذه القراءة- والله أعلم- يكون المعنى: # ارجعي إلي ربك، أي: إلى صاحبك الذي خرجت منه، فادخلي فيه. # PageV04P445 ### | سورة البلد # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة البلد (90) : الآيات 1 الى # 10] # بسم الله الرحمن الرحيم ms2449 # لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2) ووالد وما ولد (3) لقد ~~خلقنا الإنسان في كبد (4) # أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يقول أهلكت مالا لبدا (6) أيحسب أن لم يره ~~أحد (7) ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) # وهديناه النجدين (10) # قوله عز وجل: لا أقسم قال الزجاج: المعنى: أقسم. و «لا» دخلت توكيدا، ~~كقوله عز وجل: # لئلا يعلم أهل الكتاب «1» وقرأ عكرمة، ومجاهد، وأبو عمران، وأبو العالية: ~~«لأقسم» قال الزجاج: # وهذه القراءة بعيدة في العربية، وقد شرحنا هذا في أول القيامة «2» . # قوله عز وجل: وأنت حل بهذا البلد فيه ثلاثة أقوال: و (البلد) هاهنا: مكة ~~«3» . # أحدها: حل لك ما صنعته في هذا البلد من قتل وغيره، قاله ابن عباس، ~~ومجاهد. قال الزجاج: # يقال: رجل حل، وحلال، ومحل، قال المفسرون: والمعنى: إن الله تعالى وعد ~~نبيه أن يفتح مكة على يديه بأن يحلها له، فيكون فيها حلا. والثاني: وأنت ~~محل بهذا البلد غير محرم في دخوله، يعني: عام الفتح، حلالا، قاله الحسن، ~~وعطاء. والثالث: وأنت حل عند المشركين بهذا البلد يستحلون إخراجك وقتلك، ~~ويحرمون قتل الصيد، حكاه الثعلبي. # قوله عز وجل: ووالد وما ولد فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه آدم. وما ولد، ~~قاله الحسن، ومجاهد، والضحاك، وقتادة والثاني: إن الوالد إبراهيم، وما ولد: ~~ذريته «4» ، قاله أبو عمران الجوني. PageV04P446 # والثالث: أنه عام في كل والد وما ولد، حكاه الزجاج. # قوله عز وجل: لقد خلقنا الإنسان هذا جواب القسم. وفيمن عنى بالإنسان خمسة ~~أقوال: # أحدها: أنه اسم جنس، وهو معنى قول ابن عباس. والثاني: أنه أبو الأشد ~~الجمحي، وقد سبق ذكره، قاله الحسن. # (1534) والثالث: أنه الحارث بن عامر بن نوفل، وذلك أنه أذنب ذنبا، فأمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة، فقال: لقد ذهب مالي في الكفارات، ~~والنفقات منذ دخلت في دين محمد، قاله مقاتل. # والرابع: آدم عليه السلام، قاله ابن زيد. والخامس: الوليد بن المغيرة، ~~حكاه الثعلبي. # قوله عز وجل: في كبد فيه ثلاثة أقوال: أحدها: في نصب، رواه الوالبي عن ~~ابن عباس، ms2450 وبه قال الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو عبيدة، وأنهم قالوا: ~~في شدة. قال الحسن: يكابد الشكر على السراء والصبر على الضراء، ولا يخلو من ~~أحدهما، ويكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة. وقال ابن قتيبة: في شدة غلبة ~~ومكابدة لأمور الدنيا والآخرة، فعلى هذا يكون من مكابدة الأمر، وهي ~~معاناته. والثاني: أن المعنى: خلق منتصبا يمشي على رجلين، وسائر الحيوان ~~غير منتصب، رواه مقسم عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، والضحاك، وعطية، ~~والفراء، فعلى هذا يكون معنى الكبد: الاستواء والاستقامة. والثالث: في وسط ~~السماء، قال ابن زيد «1» : (لقد خلقنا الإنسان) يعني: آدم (في كبد) أي: في ~~وسط السماء. # قوله عز وجل: أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يعني الله عز وجل أي: أيحسب أن ~~لن نقدر على بعثه، ومعاقبته؟! يقول أهلكت مالا لبدا أي: كثيرا، قال أبو ~~عبيدة: هو فعل من التلبد، وهو المال الكثير بعضه على بعض، قال ابن قتيبة: ~~وهو المال كأن بعضه على بعض. قال الزجاج: وهو فعل للكثرة، كما يقال: رجل ~~حطم: إذا كان كثير الحطم. وقرأ أبو بكر الصديق، وعائشة، وأبو عبد الرحمن، ~~وقتادة، وأبو العالية، وأبو جعفر «لبدا» بضم اللام، وتشديد الباء مفتوحة. ~~وقرأ عمر بن الخطاب، وأبو المتوكل، وأبو عمران «لبدا» برفع اللام وتسكين ~~الباء خفيفة. وقرأ عثمان بن عفان، والحسن، ومجاهد «لبدا» برفع اللام والباء ~~وتخفيفهما. وقرأ علي بن أبي طالب وأبو الجوزاء «لبدا» بكسر اللام، وفتح ~~الباء مخففة. وفيما قال لأجل ذلك قولان: أحدهما: أنه أراد: أهلكت مالا ~~كثيرا في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم قاله ابن السائب، فكأنه استطال بما ~~أنفق. والثاني: أنفقت في سبيل الله وفي الكفارات مالا كثيرا، قاله مقاتل. ~~فكأنه ندم على ما أنفق. # قوله عز وجل: أيحسب أن لم يره أحد يعني الله عز وجل. والمعنى: أيظن أن ~~الله لم ير نفقته، ولم يحصها؟! وكان قد ادعى إنفاق ما لم ينفق. PageV04P447 # قوله عز وجل: ألم نجعل له عينين المعنى: ألم نجعل به ما يدل على أن ms2451 الله ~~قادر على بعثه؟! قوله عز وجل: وهديناه النجدين فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ~~سبيل الخير والشر، قاله علي، والحسن، والفراء. وقال ابن قتيبة: يريد طريق ~~الخير والشر. وقال الزجاج: النجدين: الطريقين الواضحين والنجد: المرتفع من ~~الأرض، فالمعنى: ألم نعرفه طريق الخير والشر كتبين الطريقين العاليين. ~~والثاني: سبيل الهدى والضلال، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: هو سبيل الشقاوة ~~والسعادة. # والثالث: الثديين ليتغذى بلبنهما، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال ابن ~~المسيب، والضحاك، وقتادة. ### | [سورة البلد (90) : الآيات 11 الى 20] # فلا اقتحم العقبة (11) وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13) أو إطعام ~~في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15) # أو مسكينا ذا متربة (16) ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة (17) أولئك أصحاب الميمنة (18) والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب ~~المشأمة (19) عليهم نار مؤصدة (20) # قوله عز وجل: فلا اقتحم العقبة قال أبو عبيدة: فلم يقتحم العقبة في ~~الدنيا. وقال ابن قتيبة: # فلا هو اقتحم العقبة. قال الفراء: لم يضم إلى قوله عز وجل: فلا اقتحم ~~العقبة كلاما آخر فيه «لا» ، والعرب لا تكاد تفرد «لا» في كلام حتى يعيدوها ~~عليه في كلام آخر، كقوله تعالى: فلا صدق ولا صلى، ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون. ومعنى: «لا» موجود في آخر هذا الكلام، فاكتفى بواحدة من الأخرى، ~~ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة، فقال: فك رقبة. أو إطعام في يوم ذي مسغبة ~~ثم كان من الذين آمنوا فسرها بثلاثة أشياء. فكأنه قال في أول الكلام: فلا ~~فعل ذا، ولا ذا ولا ذا. وذهب ابن زيد في آخرين إلى أن المعنى: أفلا اقتحم ~~العقبة؟ على وجه الاستفهام، والمعنى: فهلا أنفق ماله في فك الرقاب والإطعام ~~ليجاوز بذلك العقبة؟! فأما: الاقتحام فقد بيناه في (ص) «1» . وفي العقبة ~~سبعة أقوال: أحدها: أنه جبل في جهنم، قاله ابن عمر. والثاني: عقبة دون ~~الجسر، قاله الحسن. والثالث: سبعون دركة في جهنم، قاله كعب. # والرابع: الصراط، قاله مجاهد، والضحاك والكلبي. والخامس: نار دون الجسر، ~~قاله قتادة. # والسادس: طريق النجاة، قاله ms2452 ابن زيد. والسابع: أن ذكر العقبة هاهنا مثل ~~ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي ~~يتكلف صعود العقبة. يقول: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة، والإطعام، ~~ذكره علي بن أحمد النيسابوري في آخرين. # قوله عز وجل: وما أدراك ما العقبة قال سفيان بن عيينة: كل ما فيه «وما ~~أدراك» ، فقد أخبره به، وكل ما فيه «وما يدريك» فإنه لم يخبره به. قال ~~المفسرون: المعنى: وما أدراك ما اقتحام العقبة؟. # ثم بينه فقال عز وجل: فك رقبة قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، إلا عبد الوارث، ~~والكسائي، والداجوني عن ابن ذكوان «فك» بفتح الكاف «رقبة» بالنصب «أو أطعم» ~~بفتح الهمزة والميم وسكون الطاء من غير ألف، فعل ماض. وقرأ عاصم، وابن ~~عامر، وحمزة «فك» برفع الكاف «رقبة» بالخفض «أو إطعام» بألف، ومعنى فك ~~الرقبة: تخليصها من أسر الرق، وكل شيء أطلقته فقد فككته ومن قرأ «فك رقبة» ~~PageV04P448 # على الفعل، فهو تفسير اقتحام العقبة بالفعل، واختاره الفراء، لقوله عز ~~وجل: ثم كان من الذين آمنوا قال ابن قتيبة: والمسغبة: المجاعة. يقال: سغب ~~يسغب سغوبا: إذا جاع يتيما ذا مقربة أي ذا قرابة «1» أو مسكينا ذا متربة ~~أي: ذا فقر كأنه لصق بالتراب. وقال ابن عباس: هو المطروح في التراب لا يقيه ~~شيء. ثم بين أن هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان بقوله عز وجل: ثم كان من ~~الذين آمنوا و «ثم» هاهنا بمعنى الواو، كقوله عز وجل: ثم الله شهيد «2» . # قوله عز وجل: وتواصوا بالصبر على فرائض الله وأمره وتواصوا بالمرحمة أي ~~بالتراحم بينهما. # وقد ذكرنا أصحاب الميمنة والمشأمة في الواقعة «3» قال الفراء: و ~~«المؤصدة» : المطبقة. قال مقاتل: # يعني أبوابها عليهم مطبقة فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل ~~فيها روح آخر الأبد. وقال ابن قتيبة: يقال: أوصدت الباب وآصدته: إذا ~~أطبقته. وقال الزجاج: المعنى: أن العذاب مطبق عليهم. # قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والكسائي وأبو بكر عن عاصم «موصدة» بغير ~~همزة هاهنا ms2453 وفي «الهمزة» «4» . وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وحفص عن عاصم بالهمز ~~في الموضعين. PageV04P449 ### | سورة الشمس # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الشمس (91) : الآيات 1 الى # 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # والشمس وضحاها (1) والقمر إذا تلاها (2) والنهار إذا جلاها (3) والليل ~~إذا يغشاها (4) # والسماء وما بناها (5) والأرض وما طحاها (6) ونفس وما سواها (7) فألهمها ~~فجورها وتقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) # وقد خاب من دساها (10) # قوله عز وجل: والشمس وضحاها (1) في المراد «بضحاها» ثلاثة أقوال: # أحدها: ضوؤها، قاله مجاهد، والزجاج. والضحى: حين يصفو ضوء الشمس بعد ~~طلوعها. # والثاني: النهار كله، قاله قتادة، وابن قتيبة. والثالث: حرها، قاله ~~السدي، ومقاتل قوله: والقمر إذا تلاها فيه قولان: # أحدهما: إذا تبعها، قاله ابن عباس في آخرين. ثم في وقت اتباعه لها ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه في أول ليلة من الشهر يرى القمر إذا سقطت الشمس، قاله ~~قتادة. والثاني: أنه في الخامس عشر يطلع القمر مع غروب الشمس، حكاه ~~الماوردي. والثالث: أنه في النصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها ~~القمر في الإضاءة وخلفها في النور، حكاه علي بن أحمد النيسابوري. # والقول الثاني: إذا ساواها، قاله مجاهد. وقال غيره: إذا استدار، فتلا ~~الشمس في الضياء والنور، وذلك في الليالي البيض. # قوله عز وجل: والنهار إذا جلاها في المكنى عنها قولان: أحدهما: أنها ~~الشمس، قاله مجاهد، فيكون المعنى: والنهار، إذا بين الشمس، لأنها تتبين إذا ~~انبسط النهار. والثاني: أنها الظلمة فتكون كناية عن غير مذكور، لأن المعنى ~~معروف، كما تقول: أصبحت باردة، وهبت شمالا، وهذا قول الفراء، واللغويين ~~قوله: والليل إذا يغشاها أي: يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق. والسماء ~~وما بناها في «ما» قولان: أحدهما: بمعنى «من» تقديره «ومن بناها» ، قاله ~~الحسن، ومجاهد، وأبو عبيدة. وبعضهم يجعلها بمعنى الذي. والثاني: أنها بمعنى ~~المصدر، تقديره: وبناها، وهذا مذهب قتادة، والزجاج. # وكذلك القول في «وما طحاها» «وما سواها» وقد قرأ أبو عمران الجوني في ~~آخرين «ومن بناها» ومن طحاها» «ومن سواها» كله بالنون. قال أبو عبيدة: ~~ومعنى ms2454 «طحاها» بسطها يمينا وشمالا، ومن كل # PageV04P450 # جانب، قال ابن قتيبة: يقال: خير طاح، أي: كثير متسع. # وفي المراد «بالنفس» هاهنا قولان: أحدهما: آدم، قاله الحسن. والثاني: ~~جميع النفوس، قاله عطاء. وقد ذكرنا معنى «سواها» في قوله عز وجل: فسواك ~~فعدلك. قوله: فألهمها فجورها وتقواها الإلهام: إيقاع الشيء في النفس. قال ~~سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها، وقال ابن زيد: جعل ذلك فيها بتوفيقه ~~إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور. # قوله عز وجل: قد أفلح من زكاها قال الزجاج: هذا جواب القسم. والمعنى: لقد ~~أفلح، ولكن اللام حذفت لأن الكلام طال، فصار طوله عوضا منها. وقال ابن ~~الأنباري: جوابه محذوف. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: قد أفلحت نفس زكاها ~~الله عز وجل، قاله ابن عباس، ومقاتل والفراء، والزجاج. والثاني: قد أفلح من ~~زكى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال، قاله قتادة، وابن قتيبة. ومعنى زكاها: ~~أصلحها وطهرها من الذنوب. قوله: وقد خاب من دساها فيه قولان: كالذي قبله. # فإن قلنا: إن الفعل لله، فمعنى «دساها» : خذلها، وأخملها، وأخفى محلها ~~بالكفر والمعصية، ولم يشهرها بالطاعة والعمل الصالح. # وإن قلنا: الفعل للإنسان، فمعنى «دساها» : أخفاها بالفجور. قال الفراء: ~~ويروى أن «دساها» دسسها لأن البخيل يخفي منزله وماله. وقال ابن قتيبة: ~~والمعنى: دسى نفسه، أي: أخفاها بالفجور والمعصية. والأصل من دسست، فقلبت ~~السين ياء، كما قالوا: قصيت أظفاري، أي: قصصتها. فكأن النطف بارتكاب ~~الفواحش دس نفسه، وقمعها، ومصطنع المعروف شهر نفسه ورفعها، وكانت أجواد ~~العرب تنزل الربا للشهرة. واللئام تنزل الأطراف لتخفي أماكنها. وقال ~~الزجاج: معنى «دساها» جعلها قليلة خسيسة. ### | [سورة الشمس (91) : الآيات 11 الى 15] # كذبت ثمود بطغواها (11) إذ انبعث أشقاها (12) فقال لهم رسول الله ناقة ~~الله وسقياها (13) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (14) ولا ~~يخاف عقباها (15) # قوله عز وجل: كذبت ثمود بطغواها أي: كذبت رسولها بطغيانها. والمعنى: أن ~~الطغيان حملهم على التكذيب. قال الفراء: أراد بطغواها: طغيانها، وهما ~~مصدران، إلا أن الطغوى أشكل برءوس الآيات، فاختير لذلك. وقيل: كذبوا العذاب ~~إذ انبعث أي: انتدب ms2455 أشقاها وهو: عاقر الناقة يعقرها فقال لهم رسول الله وهو ~~صالح ناقة الله قال الفراء: نصب الناقة على التحذير، وكل تحذير فهو نصب. ~~وقال ابن قتيبة: احذروا ناقة الله وشربها. وقال الزجاج: المعنى: ذروا «ناقة ~~الله» وذروا «سقياها» قال المفسرون: سقياها: شربها من الماء. والمعنى: لا ~~تتعرضوا ليوم شربها فكذبوه في تحذيره إياهم العذاب بعقرها فعقروها وقد بينا ~~معنى «العقر» في الأعراف «1» فدمدم عليهم ربهم قال الزجاج: أي: أطبق عليهم ~~العذاب. يقال: دمدمت على الشيء: إذا أطبقت فكررت الإطباق. وقال المؤرج: ~~الدمدمة: إهلاك باستئصال. PageV04P451 # وفي قوله عز وجل: فسواها قولان: أحدهما: سوى بينهم في الإهلاك، قاله ~~السدي، ويحيى بن سلام. وقيل: سوى الدمدمة عليهم. والمعنى: أنه أهلك صغيرهم، ~~وكبيرهم. والثاني: # سوى الأرض عليهم. قال مقاتل: سوى بيوتهم على قبورهم. وكانوا قد حفروا ~~قبورا فاضطجعوا فيها، فلما صيح بهم فهلكوا زلزلت بيوتهم فوقعت على قبورهم. # قوله عز وجل: ولا يخاف عقباها قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر «فلا» ~~بالفاء، وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة والشام. وقرأ الباقون بالواو، وكذلك ~~هي في مصاحف مكة، والكوفة، والبصرة. # وفي المشار إليه ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنه الله عز وجل، فالمعنى: لا ~~يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم، ولا يخشى عقبى ما صنع، قاله ابن عباس، ~~والحسن. والثاني: أنه الذي عقرها، فالمعنى: أنه لم يخف عقبى ما صنع، وهذا ~~مذهب الضحاك والسدي، وابن السائب. فعلى هذا في الكلام تقديم وتأخير، ~~تقديره: إذ انبعث أشقاها وهو لا يخاف عقباها. والثالث: أنه نبي الله صالح ~~لم يخف عقباها، حكاه الزجاج. PageV04P452 ### | سورة الليل # وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | [سورة الليل (92) : الآيات 1 الى # 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق الذكر والأنثى (3) إن ~~سعيكم لشتى (4) # فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل ~~واستغنى (8) وكذب بالحسنى (9) # فسنيسره للعسرى (10) وما يغني عنه ماله إذا تردى (11) # قوله عز وجل: والليل إذا يغشى قال ابن عباس: يغشى بظلمته ms2456 النهار. وقال ~~الزجاج: يغشى الأفق، ويغشى جميع ما بين السماء والأرض قوله: والنهار إذا ~~تجلى أي: بان وظهر من بين الظلمة، وما خلق الذكر والأنثى (3) في «ما» ~~قولان. وقد ذكرناهما عند قوله عز وجل: وما بناها «1» . وفي «الذكر والأنثى» ~~قولان: أحدهما: آدم وحواء، قاله ابن السائب، ومقاتل. والثاني: أنه عام، ~~ذكره الماوردي. قوله عز وجل: إن سعيكم لشتى هذا جواب القسم. قال ابن عباس: ~~إن أعمالكم لمختلفة، عمل للجنة، وعمل للنار. وقال الزجاج: سعي المؤمن ~~والكافر مختلف، بينهما بعد. وفي سبب نزول هذه السورة قولان: # (1535) أحدهما: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه اشترى بلالا من أمية بن ~~خلف وأبي بن خلف ببردة وعشرة أواق، فأعتقه، فأنزل الله عز وجل: والليل إذا ~~يغشى إلى قوله عز وجل: إن سعيكم لشتى يعني: سعي أبي بكر، وأمية وأبي، قاله ~~عبد الله بن مسعود. # (1536) والثاني: أن رجلا كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، ~~وكان الرجل إذا PageV04P453 # صعد النخلة ليأخذ منها الثمر، فربما سقطت الثمرة، فيأخذها صبيان الفقير، ~~فينزل الرجل من نخلته حتى يأخذ الثمرة من أيديهم، فإن وجدها في فم أحدهم ~~أدخل أصبعه حتى يخرجها، فشكا ذلك الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلقي ~~النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة، فقال: «تعطيني نخلتك التي فرعها في ~~دار فلان ولك بها نخلة في الجنة؟» فقال الرجل: إن لي نخلا وما فيه نخلة ~~أعجب إلي منها، ثم ذهب الرجل، فقال رجل ممن سمع ذلك الكلام: يا رسول الله ~~أتعطيني نخلة في الجنة إن أنا أخذتها؟ قال: نعم، فذهب الرجل، فلقي صاحب ~~النخلة، فساومها منه، فقال له: أما شعرت أن محمدا أعطاني بها نخلة في ~~الجنة؟ فقلت: # ما لي نخلة أعجب إلي منها، فقال له: أتريد بيعها؟ قال: لا، إلا أن أعطى ~~بها ما لا أظنني أعطى، قال: ما مناك؟ قال: أربعون نخلة، فقال: أنا أعطيك ~~أربعين نخلة، وأشهد له ناسا، ثم ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2457 فقال ~~له: إن النخلة قد صارت في ملكي، وهي لك، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى صاحب الدار، فقال: النخلة لك ولعيالك، فأنزل الله عز وجل: والليل إذا ~~يغشى إلى قوله عز وجل: إن سعيكم لشتى رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال عطاء: ~~الذي اشتراها من الرجل أبو الدحداح، أخذها بحائط له، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآيات إلى قوله عز وجل: إن سعيكم لشتى أبو الدحداح، وصاحب النخلة. # قوله عز وجل: فأما من أعطى واتقى قال ابن مسعود: يعني: أبا بكر الصديق ~~وهذا قول الجمهور. # وقال عطاء: هو أبو الدحداح. وفي المراد بهذا العطاء ثلاثة أقوال: أحدها: ~~أعطى من فضل ماله، قاله ابن عباس. والثاني: أعطى الله الصدق من قلبه، قاله ~~الحسن. والثالث: أعطى حق الله عليه، قاله قتادة. # وفي قوله عز وجل: واتقى ثلاثة أقوال: أحدها: اتقى الله، قاله ابن عباس. ~~والثاني: اتقى البخل، قاله مجاهد. والثالث: اتقى محارم الله التي نهى عنها، ~~قاله قتادة. # وفي «الحسنى» ستة أقوال: أحدها: أنه «لا إله إلا الله» ، رواه عطية عن ~~ابن عباس، وبه قال الضحاك. والثاني: الخلف، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه ~~قال الحسن. والثالث: الجنة، قاله مجاهد. والرابع: نعم الله عليه، قاله ~~عطاء. والخامس: بوعد الله أن يثيبه، قاله قتادة، ومقاتل. # والسادس: الصلاة، والزكاة، والصوم، قاله زيد بن أسلم. # قوله عز وجل: فسنيسره لليسرى ضم أبو جعفر سين «اليسرى» وسين «العسرى» ~~وفيه قولان: # أحدهما: للخير، قاله ابن عباس. والمعنى: نيسر ذلك عليه. والثاني: للجنة، ~~قاله زيد بن أسلم. # قوله وأما من بخل قال ابن مسعود: يعني بذلك أمية وأبي ابني خلف. وقال ~~عطاء: هو صاحب النخلة. PageV04P454 # قال المفسرون: وأما من بخل بالنفقة في الخير والصدقة. وقال قتادة: بحق ~~الله عز وجل، قوله: # واستغنى أي عن ثواب الله فلم يرغب فيه وكذب بالحسنى وقد سبقت الأقوال ~~فيها. # وفي «العسرى» قولان: أحدهما: النار، قاله ابن مسعود. والثاني: الشر، قاله ~~ابن عباس. # والمعنى: سنهيؤه للشر فيؤديه إلى الأمر العسير، وهو ms2458 عذاب النار. # ثم ذكر أن ما أمسكه من ماله لا ينفعه، فقال عز وجل: وما يغني عنه ماله ~~الذي يبخل به عن الخير إذا تردى وفيه قولان: أحدهما: إذا تردى في جهنم، ~~قاله ابن عباس، وقتادة. والمعنى: إذا سقط فيها. والثاني: إذا مات فتردى في ~~قبره، قاله مجاهد. ### | [سورة الليل (92) : الآيات 12 الى 21] # إن علينا للهدى (12) وإن لنا للآخرة والأولى (13) فأنذرتكم نارا تلظى ~~(14) لا يصلاها إلا الأشقى (15) الذي كذب وتولى (16) # وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما لأحد عنده من نعمة ~~تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف يرضى (21) # قوله عز وجل: إن علينا للهدى قال الزجاج: المعنى: إن علينا أن نبين طريق ~~الهدى من طريق الضلال. قوله: وإن لنا للآخرة والأولى أي: فليطلبا منا ~~فأنذرتكم نارا تلظى أي: تتوقد وتتوهج لا يصلاها إلا الأشقى يعني: المشرك ~~الذي كذب الرسول وتولى عن الإيمان. قال أبو عبيدة: والأشقى بمعنى الشقي. ~~والعرب تضع «أفعل» في موضع «فاعل» . قال طرفة: # تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد # قال الزجاج: وهذه الآية هي التي من أجلها زعم أهل الإرجاء أنه لا يدخل ~~النار إلا كافر، وليس كما ظنوا. هذه نار موصوفة بعينها، ولأهل النار منازل. ~~فلو كان من لا يشرك لا يعذب لم يكن في قوله عز وجل ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء «1» فائدة. وكان «ويغفر ما دون ذلك» كلاما لا معنى له. # قوله عز وجل: وسيجنبها أي: يبعد عنها، فيجعل منها على جانب الأتقى يعني: ~~أبا بكر الصديق في قول جميع المفسرين، الذي يؤتي ماله يتزكى أي: يطلب أن ~~يكون عند الله زاكيا، ولا يطلب الرياء، ولا السمعة وما لأحد عنده من نعمة ~~تجزى أي: لم يفعل ذلك مجازاة ليد أسديت إليه. PageV04P455 # سورة الضحى # وهي مكية بإجماعهم اتفق المفسرون: على أن هذه السورة نزلت بعد انقطاع ~~الوحي مدة. ثم اختلفوا في سبب انقطاعه على ثلاثة أقوال: # (1538) أحدها: أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذي ms2459 ~~القرنين، وعن أصحاب الكهف، وعن الروح، فقال: سأخبركم غدا، ولم يقل: إن شاء ~~الله، فاحتبس عنه الوحي. # والثاني: لقلة النظافة في بعض أصحابه. وقد ذكرنا هذين القولين في سورة ~~مريم «1» . والثالث: # لأجل جرو كان في بيته، قاله زيد بن أسلم «2» . # وفي مدة احتباسه عنه أقوال قد ذكرناها في مريم «3» . # (1539) وروى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث جندب قال: قالت امرأة ~~من قريش PageV04P456 # للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أرى شيطانك إلا قد ودعك، فنزلت والضحى (1) ~~والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما قلى، جندب: هو ابن سفيان، والمرأة: ~~يقال لها: أم جميل امرأة أبي لهب. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الضحى (93) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما قلى (3) وللآخرة خير لك ~~من الأولى (4) # ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) ألم يجدك يتيما فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7) ~~ووجدك عائلا فأغنى (8) فأما اليتيم فلا تقهر (9) # وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث (11) # وفي المراد «بالضحى» أربعة أقوال: أحدها: ضوء النهار، قاله مجاهد. ~~والثاني: صدر النهار، قاله قتادة. والثالث: أول ساعة من النهار إذا ترحلت ~~الشمس، قاله السدي، ومقاتل. والرابع: النهار كله، قاله الفراء. # وفي معنى «سجى» خمسة أقوال «1» : أحدها: أظلم. والثاني: ذهب، رويا عن ابن ~~عباس. # والثالث: أقبل، قاله سعيد بن جبير. والرابع: سكن، قاله عطاء، وعكرمة، ~~وابن زيد. فعلى هذا: في معنى «سكن» قولان: أحدهما: استقر ظلامه، قال ~~الفراء: «سجى» يعني أظلم وركد في طوله. كما يقال: بحر ساج، وليل ساج: إذا ~~ركد وأظلم. ومعنى: ركد: سكن. قال أبو عبيدة، يقال: ليلة ساجية، وساكنة، ~~وشاكرة. قال الحادي: # يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النساج # قال ابن قتيبة: «سجى» بمعنى سكن، وذلك عند تناهي ظلامه وركوده. # والثاني: سكن الخلق فيه، ذكره الماوردي. # والخامس: امتد ظلامه، قاله ابن الأعرابي. # قوله عز وجل: ما ودعك ربك وقرأ عمر بن الخطاب، وأنس، وعروة، وأبو ~~العالية، وابن يعمر، وابن أبي عبلة، وأبو حاتم عن يعقوب «ما ms2460 ودعك» بتخفيف ~~الدال. وهذا جواب القسم. قال أبو عبيدة: «ما ودعك» من التوديع كما يودع ~~المفارق، و «ما ودعك» مخففة من ودعه يدعه وما قلى أي: # أبغض. # قوله عز وجل: وللآخرة خير لك من الأولى قال عطاء، أي خير لك من الدنيا. ~~وقال غيره: # الذي لك في الآخرة أعظم مما أعطاك من كرامة الدنيا. # قوله عز وجل: ولسوف يعطيك ربك في الآخرة من الخير فترضى بما تعطى. قال ~~علي PageV04P457 # والحسن: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى. # (1540) قال ابن عباس: عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفتح على ~~أمته من بعده كفرا كفرا، فسر بذلك، فأنزل الله عز وجل: وللآخرة خير لك من ~~الأولى (4) ولسوف يعطيك ربك فترضى. # قوله عز وجل: ألم يجدك يتيما فيه قولان: أحدهما: جعل لك مأوى إذ ضمك إلى ~~عمك أبي طالب، فكفاك المؤونة، قاله مقاتل. والثاني: جعل لك مأوى لنفسك ~~أغناك به عن كفالة أبي طالب، قاله ابن السائب. # قوله تعالى: ووجدك ضالا فهدى فيه ستة أقوال: أحدها: ضالا عن معالم ~~النبوة، وأحكام الشريعة، فهداك إليها، قاله الجمهور منهم الحسن، والضحاك. ~~والثاني: أنه ضل وهو صبي صغير في شعاب مكة، فرده الله إلى جده عبد المطلب، ~~رواه أبو الضحى عن ابن عباس. والثالث: أنه لما خرج مع ميسرة غلام خديجة أخذ ~~إبليس بزمام ناقته، فعدل به عن الطريق، فجاء جبريل، فنفخ إبليس نفخة وقع ~~منها إلى الحبشة، ورده إلى القافلة، فمن الله عليه بذلك قاله سعيد بن ~~المسيب. والرابع: أن المعنى: ووجدك في قوم ضلال، فهداك للتوحيد والنبوة، ~~قاله ابن السائب. والخامس: ووجدك نسيا، فهداك إلى الذكر. ومثله: أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى «1» قاله ثعلب. والسادس: # ووجدك خاملا لا تذكر ولا تعرف، فهدى الناس إليك حتى عرفوك، قاله عبد ~~العزيز بن يحيى، ومحمد بن علي الترمذي. # قوله عز وجل: ووجدك عائلا قال أبو عبيدة: أي: ذا فقر. وأنشد: # وما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل «2» # أي: يفتقر. قال ابن ms2461 قتيبة: العائل: الفقير، كان له عيال، أو لم يكن يقال: ~~عال الرجل: إذا افتقر. وأعال: إذا كثر عياله. # وفي قوله: فأغنى قولان: أحدهما: أرضاك بما أعطاك من الرزق، قاله ابن ~~السائب، واختاره الفراء فقال: لم يكن غناه عن كثرة المال، ولكن الله رضاه ~~بما آتاه. والثاني: فأغناك بمال خديجة عن أبي طالب، قاله جماعة من ~~المفسرين. # قوله عز وجل: فأما اليتيم فلا تقهر فيه قولان: أحدهما: لا تحقر، قاله ~~مجاهد. والثاني: لا تقهره على ماله، قاله الزجاج. PageV04P458 # قوله: وأما السائل فيه قولان: أحدهما: سائل البر، قاله الجمهور. والمعنى: ~~إذا جاءك السائل، فإما أن تعطيه، وإما أن ترده ردا لينا. ومعنى فلا تنهر لا ~~تنهره، يقال: نهره وانتهره: إذا استقبله بكلام يزجره. والثاني: أنه طالب ~~العلم، قاله يحيى بن آدم في آخرين. # قوله عز وجل: وأما بنعمة ربك فحدث في النعمة ثلاثة أقوال: أحدها: النبوة. ~~والثاني: القرآن، رويا عن مجاهد. والثالث: أنها عامة في جميع الخيرات، وهذا ~~قول مقاتل. # (1541) وقد روي عن مجاهد قال: قرأت على ابن عباس. فلما بلغت «والضحى» ~~قال: كبر إذا ختمت كل سورة حتى تختم. وقرأت على أبي بن كعب فأمرني بذلك. # (1542) قال علي بن أحمد النيسابوري: ويقال: إن الأصل في ذلك أن الوحي لما ~~فتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال المشركون: قد هجره شيطانه ~~وودعه، اغتم لذلك، فلما نزل «والضحى» كبر عند ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فرحا بنزول الوحي، فاتخذه الناس سنة. PageV04P459 ### | سورة الشرح # وهي مكية بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الشرح (94) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ~~ذكرك (4) # فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ~~ربك فارغب (8) # قوله تعالى: ألم نشرح لك صدرك الشرح: الفتح بإذهاب ما يصد عن الإدراك. ~~والله تعالى فتح صدر نبيه للهدى والمعرفة بإذهاب الشواغل التي تصد «1» عن ~~إدراك الحق. ومعنى هذا الإستفهام التقرير، أي: فعلنا ms2462 ذلك «2» ووضعنا عنك ~~وزرك أي: حططنا عنك إثمك الذي سلف في الجاهلية، قاله ابن عباس، والحسن، ~~وقتادة، والضحاك، والفراء، وابن قتيبة في آخرين. وقال الزجاج: المعنى: # أنه غفر ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال ابن قتيبة: وأصل الوزر: ما حمله ~~الإنسان على ظهره، فشبه بالحمل فجعل مكانه. وبمعنى أنقض ظهرك أثقله حتى سمع ~~نقيضه، أي: صوته. وهذا مثل، يعني: أنه لو كان حملا يحمل لسمع نقيض الظهر ~~منه. وذهب قوم إلى أن المراد بهذا تخفيف أعباء النبوة التي يثقل القيام بها ~~الظهر، فسهل الله له ذلك حتى تيسر عليه الأمر. وممن ذهب إلى هذا عبد العزيز ~~بن يحيى. # قوله عز وجل: ورفعنا لك ذكرك فيه خمسة أقوال: # (1543) أحدها: ما روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه سأل جبريل عن هذه الآية، PageV04P460 # فقال: قال الله عز وجل: إذا ذكرت ذكرت معي. قال قتادة: فليس خطيب، ولا ~~متشهد، ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا ~~رسول الله، وهذا قول الجمهور. # والثاني: رفعنا لك ذكرك بالنبوة، قاله يحيى بن سلام. والثالث: رفعنا لك ~~ذكرك في الآخرة كما رفعناه في الدنيا، حكاه الماوردي. والرابع: رفعنا لك ~~ذكرك عند الملائكة في السماء. والخامس: بأخذ الميثاق لك على الأنبياء، ~~وإلزامهم الإيمان بك، والإقرار بفضلك، حكاهما الثعلبي. # قوله عز وجل: فإن مع العسر يسرا ضم سين «العسر» وسين «اليسر» أبو جعفر و ~~«العسر» مذكور في الآيتين بلفظ التعريف. و «اليسر» مذكور بلفظ التنكير، فدل ~~على أن العسر واحد، واليسر اثنان. قال ابن مسعود، وابن عباس في هذه الآية: ~~لن يغلب عسر يسرين. قال الفراء: العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة صارت ~~اثنتين، كقولك: إذا كسبت درهما فأنفق درهما، فالثاني غير الأول، وإذا ~~أعادتها معرفة، فهي من قولك: إذا كسبت درهما فأنفق الدرهم، فالثاني هو ~~الأول. ونحو هذا قال الزجاج: # ذكر العسر بالألف واللام، ثم ثنى ذكره، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين. ~~وقال ms2463 الحسين بن يحيى الجرجاني- ويقال له: صاحب النظم-: معنى الكلام: لا ~~يحزنك ما يعيرك به المشركون من الفقر «فإن مع العسر يسرا» عاجلا في الدنيا، ~~فأنجزه بما وعده الله، بما فتح عليه، ثم ابتدأ فصلا آخر فقال: «إن مع العسر ~~يسرا» والدليل على ابتدائه تعريه من الفاء والواو، وهو وعد لجميع المؤمنين ~~أي أن مع عسر المؤمنين يسرا في الآخرة، فمعنى قولهم: لن يغلب عسر يسرين: لن ~~يغلب عسر الدنيا اليسر الذي وعده الله المؤمنين في الدنيا، واليسر الذي ~~وعدهم في الآخرة، إنما يغلب أحدهما، وهو يسر الدنيا. # فأما يسر الآخرة، فدائم لا ينقطع، كقوله صلى الله عليه وسلم: # (1544) «شهرا عيد لا ينقصان» ، أي: لا يجتمعان في النقص. وحكي عن العتبي ~~قال: كنت ذات ليلة في البادية بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت من الشعر، ~~فقلت: # أرى الموت لمن أصبح ... مغموما له أروح # فلما جن الليل سمعت هاتفا يهتف: # ألا يا أيها المرء الذي ... الهم به برح # وقد أنشد بيتا لم ... يزل في فكره يسبح # إذا اشتد بك العسر ... ففكر في «ألم نشرح» # فعسر بين يسرين ... إذا أبصرته فافرح # فحفظت الأبيات وفرج الله غمي. PageV04P461 # قوله عز وجل: فإذا فرغت فانصب أي: فادأب في العمل، وهو من النصب، والنصب: ~~التعب، الدؤوب في العمل. وفي معنى الكلام ستة أقوال أحدها: فإذا فرغت من ~~الفرائض فانصب في قيام الليل، قاله ابن مسعود. والثاني: فإذا فرغت من ~~الصلاة فانصب في الدعاء، قاله ابن عباس، والضحاك، ومقاتل. والثالث: فإذا ~~فرغت من جهالة عدوك فانصب لعبادة ربك، قاله الحسن وقتادة. # والرابع: فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عمل آخرتك، قاله مجاهد. ~~والخامس: فإذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك، قاله الشعبي والزهري. ~~والسادس: إذا صح بدنك فاجعل صحتك نصبا في العبادة، ذكره علي بن أبي طلحة. # قوله وإلى ربك فارغب قال الزجاج: اجعل رغبتك إلى الله عز وجل وحده. # PageV04P462 # سورة التين # وفيها قولان: أحدهما: أنها مكية، قاله الجمهور، منهم الحسن، وعطاء. ~~والثاني: أنها مدنية، حكاه ms2464 الماوردي عن ابن عباس، وقتادة. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة التين # (95) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد الأمين (3) لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم (4) # ثم رددناه أسفل سافلين (5) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ~~ممنون (6) فما يكذبك بعد بالدين (7) أليس الله بأحكم الحاكمين (8) # قوله عز وجل: والتين والزيتون فيها سبعة أقوال «1» : أحدها: أنه التين ~~المعروف، والزيتون المعروف، قاله ابن عباس، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، ~~وجابر بن زيد، وإبراهيم. وذكر بعض المفسرين أنه إنما أقسم بالتين لأنها ~~فاكهة مخلصة من شائب التنغيص، وهو يدل على قدرة من هيأه على تلك الصفة، ~~وجعل الواحد منه على مقدار اللقمة، وإنما أقسم بالزيتون لكثرة الانتفاع به. # والثاني: أن التين: مسجد نوح الذي بنى على الجودي. والزيتون: بيت المقدس، ~~رواه عطية عن ابن عباس. والثالث: التين: المسجد الحرام، والزيتون: المسجد ~~الأقصى، قاله الضحاك. والرابع: التين: # مسجد دمشق، والزيتون: بيت المقدس، قاله كعب، وقتادة، وابن زيد. والخامس: ~~أنهما جبلان، قاله عكرمة في رواية. وروي عن قتادة قال: التين: الجبل الذي ~~عليه دمشق، والزيتون: الجبل الذي عليه بيت المقدس. والسادس: أن التين: مسجد ~~أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد إيلياء، قاله القرظي. # والسابع: أن التين: جبال ما بين حلوان إلى همذان، والزيتون: جبال الشام، ~~حكاه الفراء. فأما وطور سينين فالطور: جبل. وفيه قولان «2» : أحدهما: أنه ~~الجبل الذي كلم الله موسى عليه، قاله كعب الأحبار في الأكثرين. والثاني: ~~أنه جبل بالشام، قاله قتادة. # فأما سينين فهو لغة في سيناء. وقد قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ~~وسعد بن أبي وقاص، وأبو العالية، وأبو مجلز «وطور سيناء» ممدودة مهموزة، ~~مفتوحة السين. وقرأ ابن مسعود، PageV04P463 # وأبو الدرداء، وأبو حيوة «وطور سيناء» مثلهم إلا أنهم كسروا السين. وقرأ ~~أبو رجاء، والجحدري «سينين» كما في القرآن، لكنهما فتحا السين. وقال ابن ~~الأنباري: «سينين» هو سيناء. # واختلفوا في معناه فقيل: معناه: الحسن. وقيل: المبارك. وقيل: إنه اسم ~~للشجر الذي حوله. # وقد شرحنا هذا في ms2465 سورة المؤمنون «1» قال الزجاج: وقد قرئ هاهنا «وطور ~~سيناء» وهو أشبه لقوله عز وجل: وشجرة تخرج من طور سيناء. وقال مقاتل: كل ~~جبل فيه شجر مثمر فهو سينين، وسيناء بلغة النبط. # قوله عز وجل: وهذا البلد الأمين يعني: مكة يأمن فيه الخائف في الجاهلية، ~~والإسلام «2» . قال الفراء: ومعنى «الأمين» الآمن. والعرب تقول للآمن: ~~أمين. # قال الشاعر: # ألم تعلمي يا أسم ويحك أنني ... حلفت يمينا لا أخون أميني # يريد آمني. # قوله عز وجل: لقد خلقنا الإنسان هذا جواب القسم. وفي المراد بالإنسان ~~هاهنا خمسة أقوال «3» : أحدها: أنه كلدة بن أسيد، قاله ابن عباس. والثاني: ~~الوليد بن المغيرة، قاله عطاء. والثالث: # أبو جهل بن هشام. والرابع: عتبة، وشيبة، حكاهما الماوردي. والخامس: أنه ~~اسم جنس، وهذا مذهب كثير من المفسرين، وهو معنى قول مقاتل. # قوله عز وجل: في أحسن تقويم فيه أربعة أقوال «4» : أحدها: في أعدل خلق. ~~والثاني: منتصب القامة، رويا عن ابن عباس. والثالث: في أحسن صورة، قاله أبو ~~العالية. والرابع: في شباب وقوة، قاله عكرمة. # قوله: ثم رددناه أسفل سافلين فيه قولان «5» : أحدهما: إلى أرذل العمر، ~~رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، وإبراهيم، وقتادة. وقال الضحاك: ~~إلى الهرم بعد الشباب، والضعف بعد PageV04P464 # القوة. والسافلون: هم الضعفاء، والزمنى، والأطفال، والشيخ الكبير أسفل ~~هؤلاء جميعا، قال الفراء: # وإنما قال: «سافلين» على الجمع، لأن الإنسان في معنى جمع. تقول: هذا أفضل ~~قائم، ولا تقول: # قائمين، لأنك تريد واحدا، فإذا لم ترد واحدا ذكرته بالتوحيد وبالجمع. ~~والثاني: إلى النار، قاله الحسن، وأبو العالية، ومجاهد. والمعنى: إنا نفعل ~~هذا بكثير من الناس. تقول العرب: أنفق فلان ماله على فلان، وإنما أنفق ~~بعضه، ومثله قوله عز وجل: الذي يؤتي ماله يتزكى «1» لم يرد كل ماله. ثم ~~استثنى من الإنسان فقال عز وجل: إلا الذين آمنوا لأن معنى الإنسان الكثير. ~~وللمفسرين في معنى الاستثناء قولان: أحدهما: إلا الذين آمنوا، فإنهم لا ~~يردون إلى الخرف، وأرذل العمر وإن عمروا طويلا، وهذا على القول الأول. قال ~~ابن عباس: ms2466 من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. وقال إبراهيم النخعي: إذا ~~بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل كتب له ما كان يعمل، وهو قوله عز ~~وجل: # فلهم أجر غير ممنون وقال ابن قتيبة: المعنى: إلا الذين آمنوا في وقت ~~القوة والقدرة، فإنهم في حال الكبر غير منقوصين وإن عجزوا عن الطاعات، لأن ~~الله عز وجل يعلم أنه لو لم يسلبهم القوة لم ينقطعوا عن أفعال الخير، فهو ~~يجري لهم أجر ذلك. والثاني: إلا الذين آمنوا، فإنهم لا يردون إلى النار. ~~وهذا على القول الثاني. وقد شرحنا معنى «الممنون» في «ن» «2» . # قوله عز وجل: فما يكذبك بعد بالدين فيه قولان: أحدهما: فما يكذبك أيها ~~الإنسان بعد هذه الحجة «بالدين» أي: ما الذي يجعلك مكذبا بالجزاء؟!، وهذا ~~توبيخ للكافر، وهو معنى قول مقاتل. # وزعم أنها نزلت في عدي بن ربيعة. والثاني: فمن يقدر على تكذيبك بالثواب ~~والعقاب بعد ما تبين له خلقنا الإنسان على ما وصفنا، قاله الفراء. فأما ~~«الدين» فهو الجزاء. والمشار إليه بذكره إلى البعث، كأنه استدل بتقلب ~~الأحوال على البعث. # قوله عز وجل: أليس الله بأحكم الحاكمين أي: بأقضى القاضين. قال مقاتل: ~~يحكم بينك وبين مكذبيك. وذكر بعض المفسرين: أن معنى هذه الآية تسليته في ~~تركهم والإعراض عنهم. ثم نسخ هذا المعنى بآية السيف. PageV04P465 ### | سورة العلق # وتسمى: سورة القلم، وسورة اقرأ، وهي مكية بإجماعهم. وهي أول ما نزل من ~~القرآن. وقيل: # إنما أنزل عليه في أول الوحي خمس آيات منها، ثم نزل باقيها في أبي جهل. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة العلق (96) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) ~~الذي علم بالقلم (4) # علم الإنسان ما لم يعلم (5) # قوله تعالى: اقرأ قرأ أبو جعفر بتخفيف الهمزة في الحرفين. قال أبو عبيدة: ~~المعنى: «اقرأ اسم ربك» والباء زائدة. # وقال المفسرون: المعنى: اذكر اسمه مستفتحا به قراءتك. وإنما قال عز وجل: ~~الذي خلق لأن الكفار كانوا يعلمون ms2467 أنه الخالق دون أصنامهم. والإنسان هاهنا: ~~ابن آدم. والعلق: جمع علقة، وقد بيناها في سورة الحج «1» قال الفراء: لما ~~كان الإنسان في معنى الجمع جمع العلق مع مشاكلة رؤوس الآيات.. # قوله تعالى: اقرأ تكرير للتأكيد. ثم استأنف فقال عز وجل: وربك الأكرم قال ~~الخطابي: # الأكرم: الذي لا يوازيه كريم، ولا يعادله في الكرم نظير. وقد يكون الأكرم ~~بمعنى الكريم، كما جاء الأعز والأطول، بمعنى العزيز والطويل. وقد سبق تفسير ~~الكريم. # قوله عز وجل: الذي علم بالقلم أي: علم الإنسان الكتابة بالقلم علم ~~الإنسان ما لم يعلم من الخط، والصنائع، وغير ذلك. وقيل: المراد بالإنسان ~~هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم. ### | [سورة العلق (96) : الآيات 6 الى 19] # كلا إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى (7) إن إلى ربك الرجعى (8) أرأيت ~~الذي ينهى (9) عبدا إذا صلى (10) # أرأيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) أرأيت إن كذب وتولى ~~(13) ألم يعلم بأن الله يرى (14) كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (15) # ناصية كاذبة خاطئة (16) فليدع ناديه (17) سندع الزبانية (18) كلا لا تطعه ~~واسجد واقترب (19) # قوله عز وجل: كلا أي: حقا. وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله علمه. ثم ~~استأنف فقال PageV04P466 # عز وجل: إن الإنسان ليطغى يعني: أبا جهل. وكان إذا أصاب مالا أشر وبطر في ~~ثيابه، ومراكبه، وطعامه قوله: أن رآه استغنى قال ابن قتيبة: أي: أن رأى ~~نفسه استغنى. و «الرجعى» المرجع. # قوله عز وجل: أرأيت الذي ينهى معنى: أرأيت: تعجيب المخاطب، وإنما كررها ~~للتأكيد والتعجيب. والمراد بالناهي هاهنا: أبو جهل. # (1545) قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ ~~قالوا: نعم. قال: # فبالذي يحلف به لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته. فقال له: ها هو ذاك ~~يصلي. فانطلق ليطأ على رقبته، فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي ~~بيديه، فأتوه، فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ فقال: # إن بيني وبينه خندقا من نار، وهولا وأجنحة. وقال نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم: «والذي نفسي بيده لو دنا مني لاختطفته ms2468 الملائكة عضوا عضوا» ، فأنزل ~~الله تعالى: أرأيت الذي ينهى إلى آخر السورة. # (1546) وقال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاء أبو جهل ~~فقال: ألم أنهك عن هذا؟! فانصرف إليه النبي صلى الله عليه وسلم فزبره «1» ، ~~فقال أبو جهل: والله إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل الله تعالى: # فليدع ناديه (17) سندع الزبانية قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته ~~زبانية الله. # قال المفسرون: والمراد بالعبد هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: ~~كانت الصلاة صلاة الظهر. # قوله عز وجل: أرأيت إن كان على الهدى يعني المنهي وهو النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # قوله عز وجل: أرأيت إن كذب وتولى يعني: الناهي، وهو أبو جهل، قال الفراء: ~~والمعنى: # أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى، وهو كاذب متول عن الذكر، وأي شيء أعجب من ~~هذا؟! وقال ابن الأنباري: تقديره: أرأيته مصيبا. # قوله عز وجل: ألم يعلم يعني أبا جهل بأن الله يرى ذلك فيجازيه كلا أي: لا ~~يعلم ذلك لئن لم ينته عن تكذيب محمد وشتمه وإيذائه لنسفعا بالناصية السفع: ~~الأخذ، والناصية: مقدم شعر الرأس. قال أبو عبيدة: يقال: سفعت بيده، أي: ~~أخذت بها. وقال الزجاج: يقال: سفعت بالشيء: إذا قبضت عليه وجذبته جذبا ~~شديدا. والمعنى: لنجرن ناصيته إلى النار. PageV04P467 # قوله عز وجل: ناصية قال أبو عبيدة: هي بدل، فلذلك جرها. قال الزجاج: ~~والمعنى: بناصية صاحبها كاذب خاطئ، كما يقال: نهاره صائم، وليله قائم، أي: ~~هو صائم في نهاره، قائم في ليله فليدع ناديه أي: أهل ناديه، وهم أهل مجلسه ~~فليستنصرهم سندع الزبانية قال عطاء: هم الملائكة الغلاظ الشداد، وقال ~~مقاتل: هم خزنة جهنم. وقال قتادة: الزبانية في كلام العرب: الشرط. قال ~~الفراء: كان الكسائي يقول: لم أسمع للزبانية بواحد، ثم قال بأخرة: واحد ~~الزبانية: زبني، فلا أدري أقياسا منه أو سماعا. وقال أبو عبيدة: واحد ~~الزبانية: زبنية، وهو كل متمرد من إنس، أو جان. يقال: # فلان زبنية عفرية. قال ابن قتيبة: وهو مأخوذ من الزبن، وهو ms2469 الدفع، كأنهم ~~يدفعون أهل النار إليها. # وقال ابن دريد: الزبن: الدفع. يقال: ناقة زبون: إذا زبنت حالبها. ودفعته ~~برجلها. وتزابن القوم: # تدارؤوا. واشتقاق الزبانية من الزبن. والله أعلم. # قوله عز وجل: كلا أي: ليس الأمر على ما عليه أبو جهل لا تطعه في ترك ~~الصلاة واسجد أي: صل لله واقترب إليه بالطاعة، وهذا قول الجمهور أن قوله عز ~~وجل: واقترب خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: إنه خطاب لأبي جهل: ~~ثم فيه قولان: أحدهما: أن المعنى: اسجد أنت يا محمد، واقترب أنت يا أبا جهل ~~إلى النار، قاله زيد بن أسلم. والثاني: واقترب يا أبا جهل تهددا له، رواه ~~أبو سليمان الدمشقي عن بعض القدماء وهذا يشرحه حديث أبي هريرة الذي قدمناه. # (1547) وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أقرب ما ~~يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء» . PageV04P468 ### | سورة القدر # وفيها قولان: أحدهما: أنها مكية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: ~~أنها مدنية، قاله الضحاك، ومقاتل. قال الماوردي: الأول قول الأكثرين. وقال ~~الثعلبي: الثاني قول الأكثرين. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة القدر (97) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر (2) ليلة القدر ~~خير من ألف شهر (3) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) # سلام هي حتى مطلع الفجر (5) # قوله عز وجل: إنا أنزلناه يعني: القرآن في ليلة القدر وذلك أنه أنزل جملة ~~في تلك الليلة إلى بيت العزة، وهو بيت في السماء الدنيا. وقد ذكرنا هذا ~~الحديث في أول كتابنا. والهاء في «إنا أنزلناه» كناية عن غير مذكور. وقال ~~الزجاج: قد جرى ذكره في قوله عز وجل: إنا أنزلناه في ليلة مباركة. # فأما ليلة القدر ففي تسميتها بذلك خمسة أقوال: أحدها: أن القدر: العظمة، ~~من قولك: # لفلان قدر، قاله الزهري. ويشهد له قوله عز وجل: وما قدروا الله حق قدره ~~«1» . والثاني: أنه من الضيق، أي: هي ليلة تضيق فيها الأرض عن ms2470 الملائكة ~~الذين ينزلون، قاله الخليل بن أحمد، ويشهد له قوله: ومن قدر عليه رزقه «2» ~~. والثالث: أن القدر: الحكم كأن الأشياء يقدر فيها، قاله ابن قتيبة. # والرابع: لأن من لم يكن له قدر صار بمراعاتها ذا قدر، قاله أبو بكر ~~الوراق. والخامس: لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر، وتنزل فيها رحمة ذات قدر، ~~وملائكة ذوو قدر، حكاه شيخنا علي بن عبيد الله. ### | فصل # «3» : اختلف العلماء هل ليلة القدر باقية، أم كانت في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خاصة؟ والصحيح بقاؤها. PageV04P469 # وهل هي في جميع السنة، أم في رمضان؟ وفيه قولان: أحدهما: في رمضان، قاله ~~الجمهور والثاني: في جميع السنة، قاله ابن مسعود. # واختلف القائلون بأنها في شهر رمضان هل تختص ببعضه دون بعض؟ على قولين: ~~أحدهما: أنها في العشر الأواخر، قاله الجمهور، وأكثر الأحاديث الصحاح تدل ~~عليه. # (1548) وقد روى البخاري في أفراده من حديث ابن عباس، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، في تاسعة تبقى، ~~أو سابعة تبقى أو في خامسة تبقى» . # (1549) وفي حديث أبي بكرة قال: ما أنا بملتمسها لشيء سمعته من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، إلا في العشر الأواخر، فإني سمعته يقول: «التمسوها في ~~تسع يبقين، أو سبع يبقين، أو خمس يبقين، أو ثلاث يبقين، أو آخر ليلة» . # والقول الثاني: أنها في جميع رمضان، قاله الحسن البصري. # واختلف القائلون بأنها في العشر الأواخر هل تختص ليالي الوتر دون الشفع؟ ~~على قولين: # أحدهما: أنها تختص الأفراد، قاله الجمهور. والأحاديث الصحاح كلها تدل ~~عليه. # (1550) وقد أخرج البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ابتغوها في العشر الأواخر في الوتر ~~منها» . # والثاني: أنها تكون في الشفع كما تكون في الوتر، قاله الحسن. وروي عن ~~الحسن ومالك بن أنس قالا: هي ليلة ثماني عشرة. # واختلف القائلون بأنها في الأفراد في أخص الليالي بها على خمسة أقوال: ~~أحدها: أن الأخص بها ليلة إحدى ms2471 وعشرين. # (1551) فروى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري قال: ~~اعتكف PageV04P470 # رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط واعتكفنا معه، فلما أصبحنا ~~صبيحة عشرين رجع، ورجعنا معه، وأري ليلة القدر، ثم أنسيها، فقال: «إني رأيت ~~ليلة القدر، ثم أنسيتها وأراني أسجد في ماء وطين، فمن اعتكف فليرجع إلى ~~معتكفه، وهاجت علينا السماء آخر تلك العشية، وكان سقف المسجد عريشا من ~~جريد، فوكف المسجد فو الذي هو أكرمه، وأنزل عليه الكتاب لرأيته يصلي بنا ~~المغرب ليلة إحدى وعشرين، وإن جبهته وأرنبة أنفه لفي الماء والطين، وهذا ~~مذهب الشافعي. # والثاني: أن الأخص بها ليلة ثلاث وعشرين. # (1552) وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليلة ثلاث ~~وعشرين: «اطلبوها الليلة» . # (1553) وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان منكم ~~يريد أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث وعشرين» . # (1554) وروى مسلم في أفراده من حديث عبد الله بن أنيس، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: أريت ليلة القدر، ثم نسيتها، وأراني صبيحتها أسجد في ~~ماء وطين. قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأبصرته وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه. قال: وكان عبد الله بن ~~أنيس يقول: ليلة ثلاث وعشرين. # (1555) والثالث: ليلة خمس وعشرين وروى هذا المعنى أبو بكرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # والرابع: ليلة سبع وعشرين. # (1556) روى مسلم في أفراده من حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: من كان متحريا PageV04P471 # فليتحرها ليلة سبع وعشرين، يعني: ليلة القدر، وهذا مذهب علي وأبي بن كعب. # (1557) وكان أبي يحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، وبه قال ابن عباس، ~~وعائشة، ومعاوية. واختاره أحمد بن حنبل رضي الله عنه. # وروى ابن عباس: أنه استدل على ذلك بشيئين: أحدهما: أنه قال: إن الله ~~تعالى خلق الإنسان على سبعة أصناف، يشير إلى قوله عز وجل: ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة ms2472 الآيات «1» . ثم جعل رزقه في سبعة أصناف يشير إلى قوله عز ~~وجل. أنا صببنا الماء صبا «2» ثم يصلي الجمعة على رأس سبعة أيام. وجعل ~~السموات سبعا، والأرضين سبعا، والمثاني سبعا «3» ، فلا أرى ليلة القدر إلا ~~ليلة السابعة. # والثاني: أنه قال: قوله عز وجل: سلام هي الكلمة السابعة والعشرون، فدل ~~على أنها كذلك. # واحتج بعضهم فقال: ليلة القدر كررت في هذه السورة ثلاث مرات، وهي تسعة ~~أحرف، والتسعة إذا كررت ثلاثا فهي سبع وعشرون، وهذا تنبيه على ذلك. # والقول الخامس: أن الأولى طلبها في أول ليلة من رمضان، قاله أبو رزين ~~العقيلي. # وروى أيوب عن أبي قلابة أنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر. # فأما الحكمة في إخفائها فليتحقق اجتهاد العباد في ليالي رمضان طمعا منهم ~~في إدراكها، كما أخفى ساعة الجمعة، وساعة الليل، واسمه الأعظم، والصلاة ~~الوسطى، والولي في الناس. # قوله عز وجل: وما أدراك ما ليلة القدر هذا على سبيل التعظيم والتشوق إلى ~~خيرها. # قوله عز وجل: ليلة القدر خير من ألف شهر قال مجاهد: قيامها والعمل فيها ~~خير من قيام ألف شهر وصيامها ليس فيها ليلة القدر، وهذا قول قتادة، واختيار ~~الفراء، وابن قتيبة، والزجاج. # (1558) وروى عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر له ~~رجل من بني إسرائيل حمل السلاح PageV04P472 # على عاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لذلك، وتمنى أن يكون ذلك في أمته، فأعطاه الله ليلة القدر، وقال: هي خير من ~~ألف شهر التي حمل فيها الاسرائيلي السلاح في سبيل الله عز وجل. # وذكر بعض المفسرين أنه كان الرجل فيما مضى لا يستحق أن يقال له: عابد حتى ~~يعبد الله ألف شهر كانوا يعبدون فيها. # قوله عز وجل: تنزل الملائكة «1» قال أبو هريرة: الملائكة ليلة القدر في ~~الأرض أكثر من عدد الحصا. # وفي «الروح» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه جبريل، قاله الأكثرون. # (1559) وفي حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كانت ms2473 ليلة ~~القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو ~~قاعد يذكر الله عز وجل. # والثاني: أن الروح: طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة ~~ينزلون من لدن غروب الشمس إلى طلوع الفجر، قاله كعب، ومقاتل بن حيان. # والثالث: أنه ملك عظيم يفي بخلق من الملائكة، قاله الواقدي. # قوله عز وجل: فيها أي: في ليلة القدر بإذن ربهم أي: بما أمر به وقضاه من ~~كل أمر قال ابن قتيبة: أي: بكل أمر. قال المفسرون: يتنزلون بكل أمر قضاه ~~الله في تلك السنة إلى قابل. وقرأ ابن عمر، وابن عباس وأبو العالية، وأبو ~~عمرو الجوني «من كل امرئ» بكسر الراء وبعدها همزة مكسورة منونة، وبوصل ~~اللام من غير همز. # ولهذه القراءة وجهان: أحدهما: من كل ملك سلام. والثاني: أن تكون «من» ~~بمعنى «على» تقديره: على كل أمر من المسلمين سلام من الملائكة، كقوله عز ~~وجل: ونصرناه من القوم الذين كذبوا والقراءة الموافقة لخط المصحف هي ~~الصواب. ويكون تمام الكلام عند قوله عز وجل «من كل أمر» ثم ابتدأ فقال عز ~~وجل: سلام هي أي: ليلة القدر سلام. # وفي معنى السلام قولان: أحدهما: أنه لا يحدث فيها داء ولا يرسل فيها ~~شيطان، قاله مجاهد. # والثاني: أن معنى السلام: الخير والبركة، قاله قتادة. وكان بعض العلماء ~~يقول: الوقف على «سلام» على معنى تنزل الملائكة بالسلام. PageV04P473 # قوله عز وجل: حتى مطلع الفجر قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، ~~وابن عامر، وحمزة «مطلع» بفتح اللام. وقرأ الكسائي بكسرها. قال الفراء: ~~والفتح أقوى في قياس العربية، لأن المطلع بالفتح: الطلوع، وبالكسر: الموضع ~~الذي تطلع منها، إلا أن العرب تقول: طلعت الشمس مطلعا، بالكسر، وهم يريدون ~~المصدر، كما تقول: أكرمتك كرامة، فتجتزئ بالاسم من المصدر. وقد شرحنا هذا ~~المعنى في «الكهف» «1» عند قوله عز وجل: مطلع الشمس. شرحا كافيا، ولله ~~الحمد. PageV04P474 # سورة البينة # وتسمى سورة لم يكن «1» . وفيها قولان: أحدهما: أنها مدنية، قاله الجمهور. ~~والثاني: مكية، قاله أبو صالح ms2474 عن ابن عباس، واختاره يحيى بن سلام. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة البينة # (98) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ~~(1) رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة (2) فيها كتب قيمة (3) وما تفرق الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) # وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك دين القيمة (5) إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار ~~جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية (6) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك هم خير البرية (7) جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه (8) # قوله عز وجل: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى ~~والمشركين أي: # ومن المشركين، وهم عبدة الأوثان منفكين أي: منفصلين وزائلين- يقال: فككت ~~الشيء، فانفك، أي: انفصل- والمعنى: لم يكونوا زائلين عن كفرهم وشركهم حتى ~~تأتيهم أي: أتتهم، فلفظه لفظ المستقبل، ومعناه الماضي. والبينة الرسول، وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم وذلك أنه بين لهم ضلالهم وجهلهم. # وهذا بيان عن نعمة الله على من آمن من الفريقين إذ أنقذهم. وذهب بعض ~~المفسرين إلى أن معنى الآية: # لم يختلفوا أن الله يبعث إليهم نبيا حتى بعث فافترقوا. وقال بعضهم: لم ~~يكونوا ليتركوا منفكين عن حجج الله حتى أقيمت عليهم البينة، والوجه هو ~~الأول. والرسول هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى يتلوا صحفا أي: ما ~~تضمنته الصحف من المكتوب فيها، وهو القرآن. ويدل على ذلك أنه كان يتلو ~~القرآن عن ظهر قلبه لا من كتاب. ومعنى «مطهرة» أي: من الشرك والباطل. فيها ~~أي: في الصحف كتب قيمة أي: عادلة مستقيمة تبين الحق من الباطل، وهي الآيات. ~~قال مقاتل: وإنما قيل لها: # كتب لما جمعت من أمور شتى. PageV04P475 # قوله عز وجل: وما تفرق الذين أوتوا الكتاب يعني: من لم يؤمن منهم إلا من ~~بعد ما جاءتهم البينة ms2475 وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه محمد صلى الله عليه ~~وسلم. والمعنى: لم يزالوا مجتمعين على الإيمان به حتى بعث، قاله الأكثرون. ~~والثاني: القرآن، قاله أبو العالية. والثالث: ما في كتبهم من بيان نبوته، ~~ذكره الماوردي. وقال الزجاج: وما تفرقوا في كفرهم بالنبي إلا من بعد أن ~~تبينوا أنه الذي وعدوا به في كتبهم. # قوله عز وجل: وما أمروا أي: في كتبهم إلا ليعبدوا الله. أي: إلا أن ~~يعبدوا الله. قال الفراء: والعرب تجعل اللام في موضع «أن» في الأمر ~~والإرادة كثيرا، كقوله عز وجل: يريد الله ليبين لكم «1» ، ويريدون ليطفؤا ~~نور الله «2» . وقال في الأمر: وأمرنا لنسلم «3» . # قوله عز وجل: مخلصين له الدين أي: موحدين لا يعبدون سواه حنفاء على دين ~~إبراهيم ويقيموا الصلاة المكتوبة في أوقاتها ويؤتوا الزكاة عند وجوبها وذلك ~~الذي أمروا به هو دين القيمة قال الزجاج: أي دين الأمة القيمة بالحق. ويكون ~~المعنى: ذلك الدين دين الملة المستقيمة «4» . # قوله عز وجل: أولئك هم خير البرية قرأ نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر ~~بالهمزة في الكلمتين وقرأ الباقون بغير همز فيهما. قال ابن قتيبة: البرية: ~~الخلق. وأكثر العرب والقراء على ترك همزها لكثرة ما جرت عليه الألسنة، وهي ~~فعيلة بمعنى مفعولة. ومن الناس من يزعم أنها مأخوذة من بريت العود، ومنهم ~~من يزعم أنها من البرى وهو التراب أي خلق من التراب، وقالوا: لذلك لا يهمز، ~~وقال الزجاج: # لو كانت من البري وهو التراب لما قرنت بالهمز، وإنما اشتقاقها من برأ ~~الله الخلق، وقال الخطابي: # أصل البرية الهمز، إلا أنهم اصطلحوا على ترك الهمز فيها. وما بعده ظاهر ~~إلى قوله عز وجل: رضي الله عنهم قال مقاتل: رضي الله عنهم بطاعته ورضوا عنه ~~بثوابه. وكان بعض السلف يقول: إذا كنت لا ترضى عن الله، فكيف تسأله الرضى ~~عنك؟! قوله عز وجل: ذلك لمن خشي ربه أي خافه في الدنيا، وتناهى عن معاصيه ~~«5» . PageV04P476 # سورة الزلزلة # وفيها قولان: أحدهما: أنها مدنية، قاله ابن عباس، وقتادة، ومقاتل، ~~والجمهور. والثاني: # مكية، ms2476 قاله ابن مسعود، وعطاء وجابر. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الزلزلة # (99) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) وأخرجت الأرض أثقالها (2) وقال الإنسان ما ~~لها (3) يومئذ تحدث أخبارها (4) # بأن ربك أوحى لها (5) يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8) # قوله عز وجل: إذا زلزلت الأرض زلزالها أي: حركت حركة شديدة، وذلك عند ~~قيام الساعة. # وقال مقاتل: تتزلزل من شدة صوت إسرافيل حتى ينكسر كل ما عليها من شدة ~~الزلزلة ولا تسكن حتى تلقي ما على ظهرها من جبل، أو بناء، أو شجر، ثم تتحرك ~~وتضطرب، فتخرج ما في جوفها. وفي وقت هذه الزلزلة قولان: أحدهما: أنها تكون ~~في الدنيا، وهي من أشراط الساعة، قاله الأكثرون. # والثاني: أنها زلزلة يوم القيامة، قاله خارجة بن زيد في آخرين. قال ~~الفراء: حدثني محمد بن مروان، قال: قلت للكلبي: أرأيت قول الله عز وجل: إذا ~~زلزلت الأرض زلزالها؟ فقال: هذه بمنزلة قوله عز وجل: ويخرجكم إخراجا «1» ~~فأضيف المصدر إلى صاحبه. وأنت قائل في الكلام: لأعطينك عطيتك، تريد عطية. ~~والزلزال بالكسر المصدر، وبالفتح: الاسم. وقد قرأ أبو العالية، وأبو عمران، ~~وأبو حيوة والجحدري «زلزالها» بفتح الزاي. # قوله عز وجل: وأخرجت الأرض أثقالها فيه قولان «2» : أحدهما: ما فيها من ~~الموتى، قاله ابن عباس. والثاني: كنوزها، قاله عطية. وجمع الفراء بين ~~القولين، فقال: لفظت ما فيها من ذهب، أو فضة أو ميت. # قوله عز وجل: وقال الإنسان ما لها فيه قولان: أحدهما: أنه اسم جنس يعم ~~الكافر والمؤمن، PageV04P477 # وهذا قول من جعلها من أشراط الساعة، لأنها حين ابتدأت لم يعلم الكل أنها ~~من أشراط الساعة، فسأل بعضهم بعضا حتى أيقنوا. والثاني: أنه الكافر خاصة، ~~وهذا قول من جعلها زلزلة القيامة، لأن المؤمن عارف بها فلا يسأل عنها، ~~والكافر جاحد لها لأنه لا يؤمن بالبعث، فلذلك يسأل. # قوله عز وجل: يومئذ تحدث أخبارها قال الزجاج: «يومئذ» منصوب بقوله عز ~~وجل: إذا زلزلت وأخرجت ms2477 ففي ذلك اليوم تحدث بأخبارها، أي: تخبر بما عمل ~~عليها. # (1560) وفي حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على ~~كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا. # قوله عز وجل: بأن ربك أوحى لها قال الفراء: تحدث أخبارها بوحي الله وإذنه ~~لها. قال ابن عباس: أوحى لها، أي: أوحى إليها، وأذن لها أن تخبر بما عمل ~~عليها. وقال أبو عبيدة: «لها» بمعنى «إليها» . قال العجاج: # وحى لها القرار فاستقرت قوله عز وجل: يومئذ يصدر الناس أي: يرجعون عن ~~موقف الحساب أشتاتا أي: # فرقا. فأهل الإيمان على حدة وأهل الكفر على حدة ليروا أعمالهم وقرأ أبو ~~بكر الصديق، وعائشة، والجحدري: «ليروا» بفتح الياء. قال ابن عباس: أي ليروا ~~جزاء أعمالهم. فالمعنى: أنهم يرجعون عن الموقف فرقا لينزلوا منازلهم من ~~الجنة والنار. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: تحدث أخبارها بأن ربك ~~أوحى لها ليروا أعمالهم يومئذ يصدر الناس أشتاتا. فعلى هذا: يرون ما عملوا ~~من خير أو شر في موقف العرض. PageV04P478 # قوله: فمن يعمل مثقال ذرة قال المفسرون: من يعمل في الدنيا مثقال ذرة من ~~الخير أو الشر يره، وقرأ أبان عن عاصم «ير» بضم الياء في الحرفين. وقد بينا ~~معنى «الذرة» في سورة النساء وفي معنى هذه الرؤية قولان: أحدهما: أنه يراه ~~في كتابه. والثاني: يرى جزاءه. # (1561) وذكر مقاتل: أنها نزلت في رجلين كانا بالمدينة، كان أحدهما يستقل ~~أن يعطي السائل الكسرة، أو التمرة، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، فأنزل ~~الله عز وجل هذا يرغبهم في القليل من الخير، ويحذرهم اليسير من الشر. ~~PageV04P479 ### | سورة العاديات # وفيها قولان: أحدهما: أنها مكية، قاله ابن مسعود، وعطاء، وعكرمة، وجابر. ~~والثاني: مدنية، قاله ابن عباس، وقتادة، ومقاتل. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة العاديات (100) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # والعاديات ضبحا (1) فالموريات قدحا (2) فالمغيرات صبحا (3) فأثرن به نقعا ~~(4) # فوسطن به ms2478 جمعا (5) إن الإنسان لربه لكنود (6) وإنه على ذلك لشهيد (7) ~~وإنه لحب الخير لشديد (8) أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) # وحصل ما في الصدور (10) إن ربهم بهم يومئذ لخبير (11) # قوله عز وجل: والعاديات فيه قولان: # أحدهما: أنها الإبل في الحج، قاله علي، وابن مسعود، وعبيد بن عمير، ~~والقرظي، والسدي. # وروي عن علي أنه قال: والعاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة ~~إلى منى. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال هذا في صفة وقعة بدر. قال: وما ~~كان معنا يومئذ إلا فرس. وفي بعض الحديث أنه كان معهم فرسان. # والثاني: أنها الخيل في سبيل الله، قاله ابن عباس، والحسن، وعطاء، ~~ومجاهد، وأبو العالية، وعكرمة، وقتادة، وعطية، والربيع، واللغويون. وكان ~~ابن عباس يذهب إلى أن هذا كان في سرية، (1562) فروى عكرمة عن ابن عباس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلا، فلم يأته خبرها شهرا، فنزلت ~~والعاديات ضبحا ضبحت بمناخرها فالموريات قدحا قدحت بحوافرها الحجارة فأورت ~~نارا فالمغيرات صبحا صبحت القوم بغارة فأثرن به نقعا أثارت بحوافرها التراب ~~فوسطن به جمعا قال: صبحت الحي جميعا. # (1563) وقال مقاتل: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى حيين من ~~كنانة واستعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري، فأبطأ عنه خبرها، فجعل ~~اليهود والمنافقون إذا رأوا رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تناجوا، فيظن الرجل أنه قد قتل أخوه أو أبوه، أو عمه، فيجد من ذلك، فنزلت: ~~والعاديات ضبحا PageV04P480 # فأخبر الله عز وجل كيف فعل بهم. قال الفراء: الضبح: أصوات أنفاس الخيل ~~إذا عدون. وقال ابن قتيبة: الضبح: صوت حلوقها إذا عدت. وقال الزجاج: ضبحها: ~~صوت أجوافها إذا عدت. # قوله عز وجل: فالموريات قدحا فيه خمس أقوال «1» : أحدها: أنها الخيل توري ~~النار بحوافرها إذا جرت، وهذا قول الجمهور. قال الزجاج: إذا عدت الخيل ~~بالليل، فأصابت بحوافرها الحجارة، انقدحت منها النيران. والثاني: أنها ~~نيران المجاهدين إذا أوقدت، روي عن ابن عباس. والثالث: مكر الرجال في ~~الحرب، قاله مجاهد، ms2479 وزيد بن أسلم. والرابع: نيران الحجيج بالمزدلفة، قاله ~~القرظي. # والخامس: أنها الألسنة إذا ظهرت بها الحجج وأقيمت بها الدلائل على الحق ~~وفضح بها الباطل، قاله عكرمة. # قوله عز وجل: فالمغيرات صبحا هي التي تغير على العدو عند الصباح، هذا قول ~~الأكثرين. وقال ابن مسعود: فالمغيرات صبحا حين يفيضون من جمع. # قوله عز وجل: فأثرن به قال الفراء: يريد به الوادي ولم يذكر قبل ذلك، ~~وهذا جائز، لأن الغبار لا يثار إلا من موضع. والنقع: الغبار، ويقال: ~~التراب. وقال الزجاج: المعنى: فأثرن بمكان عدوهن، ولم يتقدم ذكر المكان، ~~ولكن في الكلام دليل عليه، قوله: فوسطن به جمعا قال المفسرون: المعنى: ~~توسطن جمعا من العدو، فأغارت عليهم. وقال ابن مسعود: فوسطن به جمعا، يعني ~~مزدلفة. # قوله عز وجل: إن الإنسان لربه لكنود هذا جواب القسم. والإنسان هاهنا: ~~الكافر. قال الضحاك: نزلت في الوليد بن المغيرة، وقال مقاتل: نزلت في قرط ~~بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي وفي «الكنود» ثلاثة أقوال: # (1564) أحدها: أنه الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده، رواه أبو ~~أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والثاني: أنه الكفور، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك. والثالث: ~~لوام لربه يعد المصيبات، وينسى النعم، قاله الحسن. قال ابن قتيبة: والأرض ~~الكنود: التي لا تنبت شيئا. # قوله عز وجل: وإنه على ذلك لشهيد في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ~~ترجع إلى الله عز PageV04P481 # وجل، تقديره: وإن الله على كفره لشهيد. والثاني: أنها ترجع إلى الإنسان، ~~تقديره: إن الإنسان شاهد على نفسه أنه كنود، روي القولان عن ابن عباس «1» . # قوله عز وجل: وإنه يعني: الإنسان لحب الخير يعني: المال لشديد. # وفي معنى الآية قولان: أحدهما: وإنه من أجل حب المال لبخيل، هذا قول ~~الحسن، وابن قتيبة، والزجاج. قال أبو عبيدة: ويقال للبخيل: شديد، ومتشدد ~~قال طرفة. # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الباخل المتشدد # والثاني: وإنه للخير لشديد الحب، وهذا اختيار الفراء. قال: فكأن الكلمة ~~لما تقدم فيها الحب، وكان ms2480 موضعه أن يضاف إليه «شديد» ، حذف الحب من آخره ~~لما جرى ذكره في أوله، ولرؤوس الآيات. ومثله: اشتدت به الريح في يوم عاصف ~~«2» فلما جرى ذكر الريح قبل اليوم طرحت من آخره. # قوله عز وجل: أفلا يعلم يعني: الإنسان المذكور إذا بعثر ما في القبور أي: ~~أثير وأخرج وحصل ما في الصدور أي: ميز واستخرج. والتحصيل: تمييز ما يحصل. ~~وقال ابن عباس: أبرز ما فيها، وقال ابن قتيبة: ميز ما فيها من الخير والشر. ~~وقال أبو سليمان الدمشقي: المعنى: لو علم الإنسان الكافر ما له في ذلك ~~اليوم لزهد في الكفر، وبادر إلى الإسلام. ثم ابتدأ فقال عز وجل: إن ربهم ~~بهم يومئذ لخبير وقال غيره: إنما قرئت «إن» بالكسر لأجل اللام، ولو لاها ~~كانت مفتوحة بوقوع العلم عليها. # فإن قيل: أليس الله خبيرا بهم في كل حال، فلم خص ذلك اليوم؟ # فالجواب أن المعنى: أنه يجازيهم على أفعالهم يومئذ، ومثله: أولئك الذين ~~يعلم الله ما في قلوبهم «3» ، معناه: يجازيهم على ذلك، ومثله: يوم هم ~~بارزون لا يخفى على الله منهم شيء «4» . PageV04P482 ### | سورة القارعة # وهي مكية بإجماعهم وقد ذكرنا تفسير فاتحتها في أول «الحاقة» . # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة القارعة (101) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ما القارعة (3) يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث (4) # وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة ~~راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) فأمه هاوية (9) # وما أدراك ما هيه (10) نار حامية (11) # قوله عز وجل: يوم يكون الناس قال الزجاج اليوم منصوب على الظرف. المعنى: ~~يكون يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه غوغاء ~~الجراد، قاله الفراء. قال ابن قتيبة: غوغاء الجراد: صغاره، ومنه قيل لعامة ~~الناس: غوغاء. والثاني: أنه طير ليس ببعوض ولا ذبان، قاله أبو عبيدة. ~~والثالث: أنه ما تهافت في النار من البعوض، قاله ابن قتيبة. وكذلك قال ~~الزجاج: # الفراش ما يرى كصغار البق يتهافت في النار. وشبه الناس في وقت البعث به ms2481 ~~وبالجراد المنتشر، لأنهم إذا بعثوا ماج بعضهم في بعض. وذكر الماوردي: أن ~~هذا التشبيه للكفار، فهم يتهافتون في النار يوم القيامة تهافت الفراش. # فأما «المبثوث» فهو المنتشر المتفرق. # قوله عز وجل: وتكون الجبال كالعهن وقد شرحناه في (سأل سائل) «1» ، و ~~«المنفوش» الذي قد ندف. قال مقاتل: وتصير الجبال كالصوف المندوف. فإذا رأيت ~~الجبل قلت: هذا جبل: فإذا مسسته لم تر شيئا، وذلك من شدة الهول. # قوله عز وجل: فأما من ثقلت موازينه، أي: رجحت بالحسنات، وقد بينا هذه ~~الآية في أول الأعراف «2» وبينا معنى «عيشة راضية» في الحاقة «3» . # قوله عز وجل: فأمه هاوية، قرأ ابن مسعود، وطلحة بن مصرف، والجحدري «فإمه» ~~PageV04P483 # بكسر الهمزة. فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أم رأسه هاوية، يعني: أنه يهوي في ~~النار على رأسه، هذا قول عكرمة، وأبي صالح. والثاني: أنها كلمة عربية، كان ~~الرجل إذا وقع في أمر شديد قالوا: هوت أمه، قاله قتادة. والثالث: أن ~~المعنى، فمسكنه النار. وإنما قيل لمسكنه: أمه، لأن الأصل السكون إلى ~~الأمهات. فالنار لهذا كالأم، إذ لا مأوى له غيرها، هذا قول ابن زيد، ~~والفراء، وابن قتيبة، والزجاج، ويدل على صحة هذا. # (1565) ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا مات العبد ~~تلقى روحه أرواح المؤمنين، فتقول له: ما فعل فلان؟ فإذا قال: مات، قالوا: ~~ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم، وبئست المربية. # قوله عز وجل: وما أدراك ما هيه يعني: الهاوية. قرأ حمزة، ويعقوب «ما هي» ~~بحذف الهاء الأخيرة في الوصل، وإثباتها في الوقف. وقرأ الباقون بإثباتها في ~~الحالين. قال الزجاج: الهاء في «هيه» دخلت في الوقف، لتبيين فتحة الياء، ~~فالوقف «هيه» والوصل هي نار. والذي يجب اتباع المصحف. # والهاء فيه ثابتة فيوقف عليها، ولا توصل، قوله: نار حامية أي: حارة قد ~~انتهى حرها. PageV04P484 # سورة التكاثر # وهي مكية بإجماعهم وفي سبب نزولها قولان: # (1566) أحدهما: أن اليهود قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر ~~من بني فلان، فألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا، فنزلت ms2482 هذه فيهم، قاله قتادة. # (1567) والثاني: أن حيين من قريش: بني عبد مناف، وبني سهم كان بينهما ~~لحاء، فقال هؤلاء: نحن أكثر سيدا، وأعز نفرا. وقال أولئك مثل هذا، فتعادوا ~~السادة والأشراف أيهم أكثر، فكثرهم بنو عبد مناف، ثم قالوا: نعد موتانا، ~~فزاروا القبور، فعدوا موتاهم، فكثرهم بنو سهم، لأنهم كانوا أكثر عددا في ~~الجاهلية، فنزلت هذه فيهم قاله ابن السائب، ومقاتل. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة التكاثر # (102) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف ~~تعلمون (4) # كلا لو تعلمون علم اليقين (5) لترون الجحيم (6) ثم لترونها عين اليقين ~~(7) ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم (8) # قوله تعالى: ألهاكم وقرأ أبو بكر الصديق، وابن عباس، والشعبي، وأبو ~~العالية، وابن عمران، وابن أبي عبلة: «أألهاكم» بهمزتين مقصورتين على ~~الاستفهام. وقرأ معاوية، وعائشة «آلهاكم» بهمزة واحدة ممدودة استفهاما ~~أيضا. ومعنى ألهاكم: شغلكم عن طاعة الله وعبادته. # وفي المراد بالتكاثر ثلاثة أقوال: أحدها: التكاثر بالأموال والأولاد، ~~قاله الحسن. والثاني: # التفاخر بالقبائل والعشائر، قاله قتادة. والثالث: التشاغل بالمعاش ~~والتجارة، قاله الضحاك. # وفي قوله عز وجل: حتى زرتم المقابر قولان: أحدهما: حتى أدرككم الموت على ~~تلك الحال، فصرتم في المقابر زوارا ترجعون منها إلى منازلكم من الجنة أو ~~النار، كرجوع الزائر إلى منزله. # والثاني: حتى زرتم المقابر فعددتم من فيها من موتاكم. PageV04P485 # قوله عز وجل: كلا قال الزجاج، هي ردع وتنبيه. والمعنى: ليس الأمر الذي ~~ينبغي أن يكونوا عليه التكاثر. # قوله عز وجل: سوف تعلمون هذا وعيد والمعنى سوف تعلمون عاقبة تكاثركم ~~وتفاخركم إذا نزل بكم الموت. وقيل: العلم الأول: يقع عند نزول الموت. ~~والثاني: عند نزول القبر. # قوله عز وجل: كلا لو تعلمون علم اليقين المعنى: لو تعلمون الأمر علما ~~يقينا لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر، والتفاخر. وجواب «لو» محذوف وهو ما ~~ذكرنا. ثم أوعدهم وعيدا آخر فقال عز وجل. لترون الجحيم قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة «لترون» «ثم لترونها» بفتح التاء. فيها ~~وقرأ ابن ms2483 عامر والكسائي (لترون الجحيم) بضم التاء (ثم لترونها) بفتح التاء، ~~وقرأ مجاهد، وعكرمة، وحميد، وابن أبي عبلة «لترون» ثم «لترونها» بضم التاء ~~فيهما من غير همز، ثم لترونها عين اليقين أي: مشاهدة، فكان المراد ب «عين ~~اليقين» نفسه، لأن عين الشيء: ذاته. # قوله عز وجل: ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم اختلفوا، هل هذا السؤال عام، أم ~~لا؟ على قولين: أحدهما: أنه خاص للكفار، قاله الحسن. والثاني: عام، قاله ~~قتادة. وللمفسرين في المراد بالنعيم عشرة أقوال: # (1568) أحدها: أنه الأمن والصحة، رواه ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وتارة يأتي موقوفا عليه، وبه قال مجاهد والشعبي. # (1569) والثاني: أنه الماء البارد، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # والثالث: أنه خبز البر والماء العذب، قاله أبو أمامة. والرابع: أنه ملاذ ~~المأكول والمشروب، قاله جابر بن عبد الله. والخامس: أنه صحة الأبدان، ~~والأسماع، والأبصار، قاله ابن عباس. وقال قتادة: # هو العافية. والسادس: أنه الغداء، والعشاء، قاله الحسن. والسابع: الصحة ~~والفراغ، قاله عكرمة. # والثامن: كل شيء من لذة الدنيا، قاله مجاهد. والتاسع: أنه إنعام الله على ~~الخلق بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم، قاله القرظي. والعاشر: أنه صنوف ~~النعم، قاله مقاتل. # والصحيح أنه عام في كل نعيم، وعام في جميع الخلق، فالكافر يسأل توبيخا ~~إذا لم يشكر المنعم، ولم يوحده. والمؤمن يسأل عن شكرها. # (1570) وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: ~~«ثلاث لا أسأل عبدي عن شكرهن وأسأله عما سوى ذلك، بيت يكنه، وما يقيم به ~~صلبه من الطعام، وما يواري به عورته من اللباس» . PageV04P486 ### | سورة العصر # وفيها قولان: أحدهما: أنها مكية، قاله ابن عباس، وابن الزبير، والجمهور. ~~والثاني: مدنية، قاله مجاهد، وقتادة، ومقاتل. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة العصر (103) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3) # قوله عز وجل: والعصر فيه ثلاثة أقوال «1» : # أحدها: أنه الدهر، قاله ابن عباس، وزيد بن ms2484 أسلم، والفراء، وابن قتيبة. ~~وإنما أقسم بالدهر لأن فيه عبرة للناظر من مرور الليل والنهار على تقدير لا ~~ينخرم. والثاني: أنه العشي، وهو ما بين زوال الشمس وغروبها، قاله الحسن ~~وقتادة. والثالث: صلاة العصر، قاله مقاتل. # قوله عز وجل: إن الإنسان لفي خسر قال الزجاج: هو جواب القسم. والإنسان ~~هاهنا بمعنى الناس، كما تقول: كثر الدرهم في أيدي الناس تريد الدراهم. ~~والخسر والخسران في معنى واحد. قال أهل المعاني: الخسر: هلاك رأس المال أو ~~نقصه. والإنسان إذا لم يستعمل نفسه وعمره فيما يوجب له الربح الدائم، فهو ~~في خسران، لأنه عمل في إهلاك نفسه وعمره، وهما أكبر رأس ماله، إلا الذين ~~آمنوا أي: صدقوا الله ورسوله، وعملوا بالطاعة وتواصوا بالحق أي: بالتوحيد، ~~والقرآن، واتباع الرسول وتواصوا بالصبر على طاعة الله، والقيام بشريعته. ~~وقال إبراهيم في تفسير هذه السورة: إن الإنسان إذا عمر في الدنيا لفي نقص ~~وضعف، إلا المؤمنين، فإنهم يكتب لهم أجور أعمالهم التي كانوا يعملون في ~~شبابهم وصحتهم. PageV04P487 ### | سورة الهمزة # وهي مكية بإجماعهم قال هبة الله المفسر: وقد قيل: إنها مدنية. واختلف ~~المفسرون هل نزلت في حق شخص بعينه، أم نزلت عامة؟ على قولين: أحدهما: نزلت ~~في حق شخص بعينه. # ثم فيه ستة أقوال «1» : أحدها: الأخنس بن شريق، رواه أبو صالح عن ابن ~~عباس، وبه قال السدي، وابن السائب. والثاني: العاص بن وائل السهمي، قاله ~~عروة. والثالث: جميل بن عامر، قاله ابن أبي نجيح. والرابع: الوليد بن ~~المغيرة، قاله ابن جريج، ومقاتل. والخامس: أمية بن خلف، قاله ابن إسحاق. ~~والسادس: أبي بن خلف، حكاه الماوردي. # والقول الثاني: أنها نزلت عامة لا في شخص بعينه، قاله مجاهد. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الهمزة (104) : الآيات 1 الى 9] # بسم الله الرحمن الرحيم # ويل لكل همزة لمزة (1) الذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ماله أخلده (3) ~~كلا لينبذن في الحطمة (4) # وما أدراك ما الحطمة (5) نار الله الموقدة (6) التي تطلع على الأفئدة (7) ~~إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة (9) # قوله عز وجل: ويل لكل همزة ms2485 لمزة اختلفوا في الهمزة واللمزة هل هما [بمعنى ~~واحد، أم مختلفان؟] على قولين: أحدهما: أنهما مختلفان. # ثم فيهما سبعة أقوال: أحدها: أن الهمزة: المغتاب، واللمزة: العياب، قاله ~~ابن عباس. والثاني: # أن الهمزة: الذي يهمز الإنسان في وجهه. واللمزة: يلمزه إذا أدبر عنه، ~~قاله الحسن، وعطاء، وأبو العالية. والثالث: أن الهمزة: الطعان في الناس، ~~واللمزة: الطعان في أنساب الناس، قاله مجاهد. # والرابع: أن الهمزة: بالعين، واللمزة: باللسان، قاله قتادة. والخامس: أن ~~الهمزة: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمزة: الذي يلمزهم بلسانه، قاله ~~ابن زيد. والسادس: أن الهمزة: الذي يهمز بلسانه، واللمزة: الذي يلمز بعينه، ~~قاله سفيان الثوري. والسابع: أن الهمزة: المغتاب، واللمزة: # الطاعن على الإنسان في وجهه، قاله مقاتل. PageV04P488 # والقول الثاني: أن الهمزة: العياب الطعان، واللمزة مثله. وأصل الهمز ~~واللمز: الدفع، قاله ابن قتيبة، وكذلك قال الزجاج: الهمزة اللمزة: الذي ~~يغتاب الناس ويعضهم، قال ابن فارس: والعضيهة الكذب والبهتان قال الشاعر: # إذا لقيتك عن كره تكاشرني ... وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة # قوله عز وجل: الذي جمع مالا قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، ~~وخلف، وروح: «جمع» بالتشديد. والباقون بالتخفيف. # قوله عز وجل: وعدده قرأ الجمهور بتشديد الدال. وقرأ أبو عبد الرحمن ~~السلمي والحسن وابن يعمر بتخفيفها. وللمفسرين في معنى الكلام قولان: ~~أحدهما: أحصى عدده، قاله السدي. # والثاني: أعده لما يكفيه في السنين، قاله عكرمة. قال الزجاج: من قرأ ~~«عدده» بالتشديد، فمعناه: عدده للدهور. ومن قرأ «عدده» بالتخفيف، فمعناه: ~~جمع مالا وعدده. أي: وقوما اتخذهم أنصارا. # قوله عز وجل: يحسب أن ماله أخلده أخلده بمعنى يخلده، والمعنى: يظن ماله ~~مانعا له من الموت، فهو يعمل عمل من لا يظن أنه يموت كلا أي: لا يخلده ماله ~~ولا يبقى له لينبذن أي: # ليطرحن في الحطمة وهو اسم من أسماء جهنم. سميت بذلك لأنها تحطم ما يلقى ~~فيها، أي: # تكسره، فهي تكسر العظم بعد أكلها اللحم. ويقال للرجل الأكول: إنه لحطمة. ~~وقرأ أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبد الرحمن، والحسن، وابن ms2486 أبي ~~عبلة، وابن محيصن: «لينبذان» بألف ممدودة، وبكسر النون، وتشديدها، أي: هو ~~وماله. # قوله عز وجل: التي تطلع على الأفئدة أي: تأكل اللحم والجلود حتى تقع على ~~الأفئدة فتحرقها. # وقال الفراء: يبلغ ألمها للأفئدة. والاطلاع والبلوغ قد يكونان بمعنى ~~واحد، والعرب تقول: متى طلعت أرضنا؟ أي: بلغت. وقال ابن قتيبة: تطلع على ~~الأفئدة، أي: تقوى عليها وتشرف. وخص الأفئدة، لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد ~~مات صاحبه، فأخبر أنهم في حال من يموت، وهم لا يموتون. وقد ذكرنا تفسير ~~«المؤصدة» في سورة البلد «1» . # قوله عز وجل: في عمد قرأ حمزة والكسائي، وخلف، وعاصم إلا حفصا بضم العين، ~~وإسكان الميم. وقرأ الباقون بفتحهما. قال الفراء وهما حيطان للعمود، وقرأ ~~هارون عن ابن عمرو بضم العين وإسكان الميم. قال المفسرون: وهي أوتاد ~~الأطباق التي تطبق على أهل النار. و «في» بمعنى الباء. والمعنى: مطبقة ~~بعمد. قال قتادة: وكذلك هو في قراءة عبد الله. وقال مقاتل: أطبقت الأبواب ~~عليهم، ثم شدت بأوتاد من حديد، حتى يرجع عليهم غمها وحرها. و «ممددة» صفة ~~العمد، أي: أنها ممدودة مطولة، وهي أرسخ من القصيرة. وقال قتادة: هي عمد ~~يعذبون بها في النار. وقال أبو صالح: # «عمد ممددة» قال: القيود الطوال. PageV04P489 ### | سورة الفيل # وهي مكية بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الفيل (105) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) وأرسل ~~عليهم طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة من سجيل (4) # فجعلهم كعصف مأكول (5) # قوله تعالى: ألم تر فيه قولان: أحدهما: ألم تخبر، قاله الفراء. والثاني: ~~ألم تعلم، قاله الزجاج. ومعنى الكلام معنى التعجب. وأصحاب الفيل هم الذين ~~قصدوا تخريب الكعبة وفي سبب قصدهم لذلك قولان «1» : أحدهما: أن أبرهة بني ~~بيعة وقال: لست منتهيا حتى أضيف إليها حج العرب، فسمع بذلك رجل من بني ~~كنانة، فخرج، فدخلها ليلا، فأحدث فيها، فبلغ ذلك أبرهة، فحلف ليسرن إلى ~~الكعبة فيهدمها، قاله ابن عباس. والثاني: أن قوما من قريش خرجوا في تجارة ms2487 ~~إلى أرض النجاشي فنزلوا في جنب بيعة فأوقدوا نارا، وشووا لحما، فلما رحلوا ~~هبت الريح فاضطرم المكان نارا، فغضب النجاشي لأجل البيعة، فقال له كبراء ~~أصحابه- منهم حجر بن شراحيل، وأبو يكسوم-: لا تحزن، فنحن نهدم الكعبة، قاله ~~مقاتل. وقال ابن اسحاق: أبو يكسوم اسمه أبرهة بن الأشرم. وقيل: كان أبرهة ~~صاحب جيشه وقيل: وزيره، وحجر من قواده. ### | ذكر الإشارة إلى القصة # ذكر أهل التفسير أن أبرهة لما سار بجنوده إلى الكعبة ليهدمها خرج معه ~~بالفيل، فلما دنا من مكة أمر أصحابه بالغارة على نعم الناس، فأصابوا إبلا ~~لعبد المطلب، وبعث بعض جنوده، فقال: سل عن شريف مكة، وأخبره أني لم آت ~~لقتال، وإنما جئت لأهدم هذا البيت، فانطلق حتى دخل مكة، فلقي عبد المطلب بن ~~هاشم، فقال: إن الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأت لقتال إلا أن تقاتلوه، ~~إنما جاء لهدم هذا البيت، ثم ينصرف عنكم، فقال عبد المطلب: ما له عندنا ~~قتال، وما لنا به يد، إنا سنخلي بينه وبين ما جاء له، فإن هذا بيت الله ~~الحرام، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام، فإن يمنعه، فهو بيته PageV04P490 # وحرمه، وإن يخل بينه وبين ذلك، فو الله ما لنا به قوة. قال: فانطلق معي ~~إلى الملك، فلما دخل عبد المطلب على أبرهة أعظمه، وأكرمه، ثم قال لترجمانه: ~~قل له: ما حاجتك إلى الملك؟ فقال له الترجمان، فقال: حاجتي أن يرد علي ~~مائتي بعير أصابها. فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين ~~رأيتك، ولقد زهدت الآن فيك، حين جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك لأهدمنه، ~~فلم تكلمني فيه، وكلمتني لإبل أصبتها. فقال عبد المطلب: أنا رب هذه الإبل، ~~ولهذا البيت رب سيمنعه. # فأمر بإبله فردت عليه، فخرج، وأخبر قريشا، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ~~ورؤوس الجبال خوفا من معرة الجيش إذا دخل، ففعلوا، فأتى عبد المطلب الكعبة، ~~فأخذ بحلقة الباب، وجعل يقول: # يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع منهم حماكا # إن عدو البيت من عاداكا ms2488 ... إمنعهم أن يخربوا قراكا # وقال أيضا: # لا هم إن المرء يمنع ... رحله وحلاله فامنع حلالك # لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم عدوا محالك # جروا جميع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك # عمدوا حماك بكيدهم ... جهلا وما رقبوا جلالك # إن كنت تاركهم وكع ... بتنا فأمر ما بدا لك # ثم إن أبرهة أصبح متهيئا للدخول، فبرك الفيل، فبعثوه فأبى، فضربوه، فأبى، ~~فوجهوه إلى اليمن راجعا، فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، وإلى ~~المشرق ففعل مثل ذلك، فوجهوه إلى الحرم، فأبى، فأرسل الله طيرا من البحر. # واختلفوا في صفتها، فقال ابن عباس: كانت لهم خراطيم كخراطيم الطير، وأكف ~~كأكف الكلاب. وقال عكرمة: كانت لها رؤوس كرؤوس السباع. وقال ابن إسحاق: ~~كانت أمثال الخطاطيف. # واختلفوا في ألوانها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها كانت خضراء، قاله ~~عكرمة، وسعيد بن جبير. # والثاني: سوداء، قاله عبيد بن عمير. والثالث: بيضاء، قاله قتادة. وقال: ~~وكان مع كل طير ثلاثة أحجار، حجران في رجليه، وحجر في منقاره. # واختلفوا في صفة الحجارة فقال بعضهم: كانت كأمثال الحمص والعدس. وقال ~~عبيد بن عمير: # بل كان الحجر كرأس الرجل وكالجمل، فلما غشيت القوم أرسلتها عليهم، فلم ~~تصب تلك الحجارة أحدا إلا هلك. وكان الحجر يقع على رأس الرجل، فيخرج من ~~دبره. وقيل: كان على كل حجر اسم الذي وقع عليه، فهلكوا ولم يدخلوا الحرم، ~~وبعث الله على أبرهة داء في جسده، فتساقطت أنامله، وانصدع صدره قطعتين عن ~~قلبه، فهلك، ورأى أهل مكة الطير قد أقبلت من ناحية البحر، فقال عبد المطلب: ~~إن هذه الطير غريبة. ثم إن عبد المطلب بعث ابنه عبد الله على فرس ينظر إلى ~~القوم، فرجع يركض وهو يقول: هلك القوم جميعا، فخرج عبد المطلب وأصحابه ~~فغنموا أموالهم. وقيل: لم ينج من القوم إلا أبو يكسوم، فسار، وطائر يطير ~~على رأسه من فوقه، ولا يشعر به، حتى دخل على النجاشي، فأخبره بما أصاب ~~القوم، فلما أتم كلامه رماه الطائر فمات، فأرى الله تعالى النجاشي كيف # PageV04P491 # كان هلاك أصحابه. # واختلفوا كم ms2489 كان بين مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين هذه القصة ~~على ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد عام ~~الفيل، وهو الأصح. والثاني: كان بينهما ثلاث وعشرون سنة، قاله أبو صالح عن ~~ابن عباس. والثالث: أربعون سنة، حكاه مقاتل. # قوله عز وجل: ألم يجعل كيدهم وهو ما أرادوا من تخريب الكعبة في تضليل أي: ~~في ذهاب. # والمعنى: أن كيدهم ضل عما قصدوا له، فلم يصلوا إلى مرادهم وأرسل عليهم ~~طيرا أبابيل. # وفي «الأبابيل» خمسة أقوال: أحدها: أنها المتفرقة من هاهنا وهاهنا، قاله ~~ابن مسعود، والأخفش. والثاني: أنها المتتابعة التي يتبع بعضها بعضا، قاله ~~ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل. والثالث: # الكثيرة، قاله الحسن، وطاوس. والرابع: أنها الجمع بعد الجمع، قاله عطاء، ~~وأبو صالح، وكذلك قال أبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج: «الأبابيل» : جماعات ~~في تفرقة. والخامس: المختلفة الألوان، قاله زيد بن أسلم. قال الفراء، وأبو ~~عبيدة: «الأبابيل» لا واحد لها. # قوله عز وجل: ترميهم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وابن يعمر وحميد وأبو ~~حنيفة «يرميهم» بالياء. وقد بينا معنى «سجيل» في هود «2» ومعنى «العصف» في ~~سورة الرحمن «3» عز وجل. # في معنى «مأكول» ثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون أراد به أنه أخذ ما فيه من ~~الحب فأكل، وبقي هو لا حب فيه. والثاني: أن يكون أراد العصف مأكول البهائم، ~~كما يقال للحنطة: هذا المأكول ولما يؤكل. وللماء: هذا المشروب ولما يشرب، ~~يريد أنهما مما يؤكل ويشرب، ذكرهما ابن قتيبة. والثالث: # أن المأكول هاهنا: الذي وقع فيه الأكال. فالمعنى: جعلهم كورق الزرع الذي ~~جف وأكل: أي: وقع فيه الأكال، قاله الزجاج. PageV04P492 ### | سورة قريش # ويقال لها: سورة لإيلاف وفيها قولان: أحدهما: أنها مكية، قاله الجمهور. ~~والثاني: مدنية، قاله الضحاك، وابن السائب. # واختلف القراء في «لإيلاف» «1» فقرأ ابن عامر «لإلاف» بغير ياء بعد ~~الهمزة، مثل: لعلاف. وقرأ أبو جعفر بياء ساكنة من غير همز. وروى حماد بن ~~أحمد عن الشموني «2» بهمزتين مخففتين، الأولى: # مكسورة، والثانية: ساكنة على وزن لفعلان. وقرأ الباقون ms2490 بهمزة بعدها ياء ~~ساكنة، مثل لعيلاف. # وفي لام «لإيلاف» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها موصولة بما قبلها، المعنى: ~~فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، أي أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش. وما ~~قد ألفوا من رحلة الشتاء، والصيف هذا قول الفراء والجمهور. والثاني: أنها ~~لام التعجب، كأن المعنى: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، وتركهم ~~عبادة رب هذا البيت، قاله الأعمش، والكسائي. والثالث: أن معناها متصل بما ~~بعدها. المعنى: فليعبد هؤلاء رب هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، ~~لأنهم كانوا في الرحلتين آمنين، وإذا عرض لهم عارض قالوا: نحن أهل حرم الله ~~فلا يتعرض لهم، قال الزجاج: وهذا الوجه قول النحويين الذي ترتضي أقوالهم. ~~وقال ابن قتيبة: بعض الناس يذهب إلى أن هذه السورة وسورة الفيل واحدة، ~~وأكثر الناس على أنهما سورتان، وإن كانتا متصلتي الألفاظ. والمعنى: أن ~~قريشا كانت بالحرم آمنة من الأعداء. والحرم واد جديب لا زرع فيه ولا شجر، ~~وإنما كانت قريش تعيش فيه بالتجارة وكانت لهم رحلتان في كل سنة، رحلة في ~~الشتاء، ورحلة في الصيف إلى الشام. ولولا هاتان الرحلتان لم يكن به مقام. ~~ولولا أنهم بمجاورة البيت لم يقدروا على التصرف، فلما قصد أصحاب الفيل هدم ~~الكعب أهلكهم الله لتقيم قريش بالحرم، فذكرهم الله نعمته بالسورتين. ~~والمعنى: أنه أهلك أولئك ليؤلف قريشا هاتين الرحلتين اللتين بها معاشهم، ~~ومقامهم بمكة. تقول: ألفت موضع كذا: إذا لزمته، وألفنيه الله، كما تقول: ~~لزمت موضع كذا وكذا، وألزمنيه الله، وكرر «لإيلاف» للتوكيد، كما تقول: # أعطيتك المال لصيانة وجهك صيانة عن كل الناس. وقال الزجاج: يقال: ألفت ~~المكان ألفا، وآلفته إيلافا بمعنى واحد. PageV04P493 # وأما قريش فهم ولد لنضر بن كنانة، وكل من لم يلده النضر فليس بقرشي. ~~وقيل: هم ولد فهر بن مالك بن النضر فمن لم يلده فهر فليس بقرشي. وإنما سموا ~~قريشا لتجارتهم وجمعهم المال. # والقرش: الكسب. يقال: هو يقرش لعياله، ويقترش، أي: يكتسب. وقد سأل معاوية ~~ابن عباس لم سميت قريش قريشا؟ فقال ابن عباس: بدابة تكون في ms2491 البحر يقال ~~لها: القريش لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته. وأنشد: # وقريش هي التي تسكن البحر ... بها سميت قريش قريشا # تأكل الغث والسمين ولا تترك ... فيه لذي الجناحين ريشا # وقال ابن الأنباري: قال قوم: سموا قريشا بالاقتراش وهو وقوع الرماح بعضها ~~على بعض. قال الشاعر: # ولما دنا الرايات واقترش القنا ... وطار مع القوم القلوب الرواجف # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة قريش (106) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # لإيلاف قريش (1) إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2) فليعبدوا رب هذا البيت ~~(3) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (4) # قوله عز وجل: إيلافهم قرأ أبو جعفر وابن فليح عن ابن كثير، والوليد بن ~~عتبة عن ابن عامر، والثعلبي عن ابن ذكوان، عنه «إلا فهم» بهمزة مكسورة من ~~غير ياء بعدها، مثل: علافهم. وروى الخزاعي عن ابن فليح، وأبان بن تغلب عن ~~عاصم «إلفهم» بسكون اللام أيضا. ورواه الشموني إلا حمادا بهمزتين مكسورتين ~~بعدهما ياء ساكنة، ورواه حماد كذلك إلا أنه حذف الياء. وقرأ الباقون بهمزة، ~~بعدها ياء ساكنة مثل «عيلافهم» . وجمهور العلماء على أن الرحلتين كانتا ~~للتجارة، وكانوا يخرجون إلى الشام في الصيف، وإلى اليمن في الشتاء لشدة برد ~~الشام. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانوا يشتون بمكة، ويصيفون ~~بالطائف. قال الفراء: والرحلة منصوبة بإيقاع الفعل عليها. # قوله عز وجل: ليعبدوا رب هذا البيت # أي: ليوحدوه الذي أطعمهم من جوع أي: بعد الجوع، كما تقول: كسيتك من عري، ~~وذلك أن الله آمنهم بالحرم، فلم يتعرض لهم في رحلتهم، وكان ذلك سببا ~~لإطعامهم بعد ما كانوا فيه من الجوع. وروى عطاء عن ابن عباس قال: كانوا في ~~ضر ومجاعة حتى جمعهم هاشم على الرحلتين، فكانوا يقسمون ربحهم بين الغني ~~والفقير حتى استغنوا. # قوله عز وجل: وآمنهم من خوف وذلك أنهم كانوا آمنين بالحرم، إن حضروا ~~حماهم، وإن سافروا قيل: هؤلاء أهل الحرم، فلا يعرض لهم أحد. # PageV04P494 ### | سورة الماعون # ويقال لها: سورة أرأيت وفيها قولان: أحدهما: مكية، قاله الجمهور. ~~والثاني: مدنية، ms2492 روي عن ابن عباس، وقتادة. # وقال هبة الله المفسر: نزل نصفها بمكة في العاص بن وائل، ونصفها بالمدينة ~~في عبد الله بن أبي المنافق. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الماعون (107) : الآيات 1 الى 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2) ولا يحض على طعام ~~المسكين (3) فويل للمصلين (4) # الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم يراؤن (6) ويمنعون الماعون (7) # قوله عز وجل: أرأيت الذي يكذب بالدين اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على ~~ستة أقوال: # أحدها: أنها نزلت في رجل من المنافقين، قاله ابن عباس. والثاني: أنها ~~نزلت في عمرو بن عائذ، قاله الضحاك. والثالث: في الوليد بن المغيرة، قاله ~~السدي. والرابع: في العاص بن وائل، قاله ابن السائب. والخامس: في أبي سفيان ~~بن حرب، قاله ابن جريج. والسادس: في أبي جهل، حكاه الماوردي. # وفي «الدين» أربعة أقوال: أحدها: أنه حكم الله عز وجل، قاله ابن عباس. ~~والثاني: الحساب، قاله مجاهد، وعكرمة. والثالث: الجزاء، حكاه الماوردي. ~~والرابع: القرآن، حكاه بعض المفسرين. # ويدع بمعنى يدفع. وقد ذكرناه في قوله عز وجل: يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ~~والمعنى: أنه يدفع اليتيم عن حقه دفعا عنيفا ليأخذ ماله. وقد بينا فيما سبق ~~أنهم كانوا لا يورثون الصغير، وقيل: # يدفع اليتيم إبعادا له، لأنه لا يرجو ثواب إطعامه ولا يحض على طعام ~~المسكين أي: لا يطعمه، ولا يأمر بإطعامه لأنه مكذب بالجزاء. # قوله عز وجل: فويل للمصلين. الذين هم عن صلاتهم ساهون» # نزل هذا في المنافقين الذين PageV04P495 # لا يرجون لصلاتهم ثوابا، ولا يخافون على تركها عقابا. فإن كانوا مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلوا رياء، وإن لم يكونوا معه لم يصلوا، فذلك قوله: ~~الذين هم يراؤن وقال ابن مسعود: والله ما تركوها البتة ولو تركوها البتة ~~كانوا كفارا، ولكن تركوا المحافظة على أوقاتها. وقال ابن عباس: يؤخرونها عن ~~وقتها. # ونقل عن أبي العالية أنه قال: هو الذي لا يدري عن كم انصرف، عن شفع، أو ~~عن وتر. ورد هذا بعض ms2493 العلماء فقال: هذا ليس بشيء، لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد سها في صلاته «1» ، ولأنه قال عز وجل: عن صلاتهم ولم يقل: في ~~صلاتهم، ولأن ذاك لا يكاد يدخل تحت طوق ابن آدم. # قلت: ولا أظن أبا العالية أراد السهو النادر، وإنما أراد السهو الدائم، ~~وذلك ينبئنا عن التفات القلب عن احترام الصلاة، فيتوجه الذم إلى ذلك لا إلى ~~السهو. وفي الماعون ستة أقوال: # (1571) أحدها: الإبرة، والماء، والنار، والفأس، وما يكون في البيت من هذا ~~النحو، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى نحو هذا ذهب ابن ~~مسعود وابن عباس في رواية. وروى عنه أبو صالح أنه قال: الماعون: المعروف ~~كله حتى ذكر القدر، والقصعة، والفأس. وقال عكرمة: ليس الويل لمن منع هذا، ~~إنما الويل لمن جمعهن، فرأى في صلاته، وسها عنها، ومنع هذا. قال الزجاج: ~~والماعون في الجاهلية: كل ما كان فيه منفعة كالفأس، والقدر، والدلو، ~~والقداحة، ونحو ذلك، وفي الإسلام أيضا. # والثاني: أنه الزكاة، قاله علي، وابن عمر، والحسن، وعكرمة، وقتادة. ~~والثالث: أنه الطاعة، قاله ابن عباس في رواية. والرابع: المال، قاله سعيد ~~بن المسيب، والزهري. والخامس: المعروف، قاله محمد بن كعب. والسادس: الماء، ~~ذكره الفراء عن بعض العرب قال: وأنشدني: # يمج صبيره الماعون صبا # والصبير: السحاب. PageV04P496 ### | سورة الكوثر # وفيها قولان: أحدهما: أنها مكية، قاله ابن عباس، والجمهور. والثاني: ~~مدنية، قاله الحسن، وعكرمة، وقتادة. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الكوثر (108) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أعطيناك الكوثر (1) فصل لربك وانحر (2) إن شانئك هو الأبتر (3) # وفي «الكوثر» ستة أقوال: أحدها: أنه نهر في الجنة. # (1572) روى البخاري في أفراده من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: بينا أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه قباب الدر ~~المجوف. قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك عز وجل: ~~فإذا طينه، أو طينته مسك أذفر. # (1573) وروى مسلم أيضا في أفراده من حديث أنس أيضا قال: ms2494 أغفى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما فقلنا له: لم ضحكت؟ فقال: ~~«إنه أنزلت علي آنفا سورة» فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك ~~الكوثر حتى ختمها. وقال: «هل تدرون ما الكوثر؟» فقالوا: الله ورسوله أعلم. ~~قال: «هو نهر أعطانيه الله ربي عز وجل في الجنة عليه خير كثير ترد عليه ~~أمتي يوم القيامة آنيته عدد نجوم كواكب السماء، يختلج العبد منهم، فأقول: ~~يا رب إنه من أمتي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» . # والثاني: أن الكوثر: الخير الكثير الذي أعطي نبينا صلى الله عليه وسلم، ~~قاله ابن عباس. والثالث: العلم والقرآن، قاله الحسن. والرابع: النبوة، قاله ~~عكرمة. والخامس: أنه حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يكثر الناس ~~PageV04P497 # عليه، قاله عطاء. والسادس: أنه كثرة أتباعه، وأمته، قاله أبو بكر بن ~~عياش. # قوله عز وجل: فصل لربك وفي هذه الصلاة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها صلاة ~~العيد. وقال قتادة: صلاة الأضحى. والثاني: أنها صلاة الصبح بالمزدلفة، قاله ~~مجاهد. والثالث: الصلوات الخمس، قاله مقاتل. # وفي قوله عز وجل: وانحر خمسة أقوال «1» : أحدها: اذبح يوم النحر، رواه ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال عطاء ومجاهد والجمهور. والثاني: وضع ~~اليمنى على اليسرى عند النحر في الصلاة رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس وهو ~~قول علي رضي الله عنه، قال ابن جرير: فيكون المعنى ضع اليمنى على اليسرى ~~عند النحر في الصلاة. والثالث: أنه رفع اليدين بالتكبير إلى النحر، قاله ~~أبو جعفر محمد بن علي. والرابع: أن المعنى: صل لله، وانحر لله، فإن ناسا ~~يصلون لغيره، وينحرون لغيره، قاله القرظي. والخامس: أنه استقبال القبلة ~~بالنحر، حكاه الفراء. # قوله عز وجل: إن شانئك اختلفوا فيمن عنى بذلك على خمسة أقوال «2» : # أحدها: أنه العاص بن وائل السهمي. # (1574) قاله ابن عباس: نزلت في العاص بن وائل، لقي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على باب المسجد فوقف يحدثه حتى دخل العاص المسجد، وفيه أناس من ~~صناديد قريش، ms2495 فقالوا له: من الذي كنت تحدث؟ قال: ذلك الأبتر، يعني النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وكانوا يسمون من ليس له ابن: أبتر، فأنزل الله عز وجل هذه ~~السورة. وممن ذهب إلى أنها نزلت في العاص سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة. # والثاني: أنه أبو جهل، روي عن ابن عباس أيضا. والثالث: أبو لهب، قاله ~~عطاء. والرابع: # عقبة بن أبي معيط، قاله شمر بن عطية. والخامس: أنه عنى به جماعة من قريش، ~~قاله عكرمة. # والشانئ: المبغض، والأبتر: المنقطع عن الخير. PageV04P498 ### | سورة الكافرون # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الكافرون (109) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم عابدون ما أعبد ~~(3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) # ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) لكم دينكم ولي دين (6) # وفيها قولان: أحدهما: أنها مكية، قاله ابن مسعود، والحسن، والجمهور. ~~والثاني: مدنية، روي عن قتادة. ذكر سبب نزولها: اختلفوا على ثلاثة أقوال ~~«1» : # (1575) أحدها: أن رهطا من قريش منهم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، ~~والأسود بن عبد يغوث لقوا العباس بن عبد المطلب، فقالوا: يا أبا الفضل: لو ~~أن ابن أخيك أسلم بعض آلهتنا لصدقناه بما يقول ولآمنا بإلهه، فأتاه العباس ~~فأخبره فنزلت هذه السورة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. # (1576) والثاني: أن عتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف لقيا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالا يا محمد: لا ندعك حتى تتبع ديننا، ونتبع دينك، فإن كان ~~أمرنا رشدا كنت قد أخذت بحظك منه، وإن كان أمرك رشدا كنا قد أخذنا بحظنا ~~منه، فنزلت هذه السورة، قاله عبيد بن عمير. # (1577) والثالث: أن قريشا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن ~~نتبع دينك عاما، وترجع إلى ديننا عاما، فنزلت هذه السورة، قاله وهب. قال ~~مقاتل في آخرين: نزلت هذه السورة في أبي جهل وفي المستهزئين، ولم يؤمن من ~~الذين نزلت فيهم أحد. وأما قوله ms2496 عز وجل: لا أعبد فهو في موضع PageV04P499 # «من» ولكنه جعل مقابلا لقوله عز وجل: ما تعبدون وهي الأصنام. # وفي تكرار الكلام قولان «1» : أحدهما: أنها لتأكيد الأمر، وحسم أطماعهم ~~فيه، قاله الفراء. وقد أنعمنا شرح هذا في سورة الرحمن «2» . والثاني: أن ~~المعنى: لا أعبد ما تعبدون في حالي هذه ولا أنتم في حالكم هذه، عابدون ما ~~أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم فيما أستقبل، وكذلك أنتم، فنفى عنه وعنهم ذلك ~~في الحال والاستقبال، وهذا في قوم بأعيانهم، أعلمه الله عز وجل أنهم لا ~~يؤمنون، كما ذكرنا عن مقاتل، فلا يكون حينئذ تكرارا، هذا قول ثعلب، ~~والزجاج. وقوله عز وجل: لكم دينكم ولي دين فتح ياء «ولي» نافع، وحفص، وأبان ~~عن عاصم. وأثبت ياء «ديني» في الحالين يعقوب. وهذا منسوخ عند المفسرين بآية ~~السيف. PageV04P500 # سورة النصر # وهي مدنية بإجماعهم (1578) وفي أفراد مسلم من حديث ابن عباس أنها آخر ~~سورة نزلت جميعا. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النصر # (110) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (2) ~~فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3) # قوله عز وجل: إذا جاء نصر الله أي: معونته على الأعداء. والفتح: فتح مكة ~~قال الحسن: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قالت العرب: أما إذ ~~ظفر محمد بأهل الحرم، وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان ~~فدخلوا في دين الله أفواجا. قال أبو عبيدة: والأفواج: جماعات في تفرقة. # قوله عز وجل: فسبح بحمد ربك فيه قولان: أحدهما: أنه الصلاة، قاله ابن ~~عباس. والثاني: # التسبيح المعروف، قاله جماعة من المفسرين. قال المفسرون: نعيت إليه نفسه ~~بنزول هذه السورة، وأعلم أنه قد اقترب أجله، فأمر بالتسبيح والاستغفار ~~ليختم له عمره بالزيادة في العمل الصالح «1» . قال ابن عباس: إذا جاء نصر ~~الله والفتح: داع من الله، ووداع من الدنيا. قال قتادة: وعاش بعد نزول هذه ~~السورة سنتين. PageV04P501 ### | سورة المسد # وهي مكية بإجماعهم بسم الله الرحمن ms2497 الرحيم ### | [سورة المسد (111) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبت يدا أبي لهب وتب (1) ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) سيصلى نارا ذات ~~لهب (3) وامرأته حمالة الحطب (4) # في جيدها حبل من مسد (5) # (1579) وسبب نزولها ما رواه البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين «1» صعد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على الصفا فقال: «يا صباحاه» . فاجتمعت إليه قريش، ~~فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتكم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم، أو ممسيكم، أما ~~كنتم تصدقوني؟» قالوا: بلى. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» . قال ~~أبو لهب: تبا لك، ألهذا دعوتنا جمعا؟ فأنزل الله تعالى: تبت يدا أبي لهب ~~ومعنى: تبت خسرت يدا أبي لهب وتب أي: وخسر هو. قال الفراء: الأول: دعاء، ~~والثاني: خبر، كما يقول الرجل: # أهلكك الله وقد أهلكك، وجعلك الله صالحا وقد جعلك. وقيل: ذكر يديه، ~~والمراد نفسه، ولكن هذا عادة العرب يعبرون ببعض الشيء عن جميعه، كقوله عز ~~وجل: ذلك بما قدمت يداك «2» . وقال مجاهد: «تبت يدا أبي لهب وتب» ولد أبي ~~لهب. فأما أبو لهب فهو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن اسمه عبد ~~العزى. وقرأ ابن كثير وحده «أبي لهب» بإسكان الهاء. قال أبو علي: يشبه أن ~~يكون كالسمع والسمع، والنهر والنهر. # فإن قيل: كيف كناه الله عز وجل، وفي الكنية نوع تعظيم؟ فعنه جوابان: ~~أحدهما: أنه إن صح أن اسمه عبد العزى، فكيف يذكره الله بهذا الاسم وفيه ~~معنى الشرك؟! والثاني: أن كثيرا من الناس اشتهروا بكناهم، ولم يعرف لهم ~~أسماء. قال ابن قتيبة: خبرني غير واحد عن الأصمعي أن أبا عمرو بن العلاء، ~~وأبا سفيان بن العلاء اسماهما كناهما، فإن كان اسم أبي لهب كنيته، فإنما ~~ذكره بما لا يعرف إلا به. # قوله عز وجل: ما أغنى عنه ماله، قال ابن مسعود: PageV04P502 # (1580) لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقربيه إلى الله عز وجل قال ~~أبو ms2498 لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقا، فإني أفتدي بمالي، وولدي، فقال الله ~~عز وجل: ما أغنى عنه ماله وما كسب قال الزجاج: و «ما» في موضع رفع. المعنى: ~~ما أغنى عنه ماله وكسبه أي: ولده. وكذلك قال المفسرون: # المراد بكسبه هاهنا: ولده. و «أغنى» بمعنى يغني سيصلى نارا ذات لهب أي: ~~تلتهب عليه من غير دخان وامرأته أي: ستصلى امرأته، وهي أم جميل بنت حرب أخت ~~أبي سفيان. وفي هذا دلالة على صحة نبوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ~~لأنه أخبر بهذا المعنى أنه وزوجته يموتان على الكفر، فكان ذلك، إذا لو قالا ~~بألسنتهما: قد أسلمنا، لوجد الكفار متعلقا في الرد على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، غير أن الله علم أنهما لا يسلمان باطنا ولا ظاهرا، فأخبره بذلك. # قوله عز وجل: حمالة الحطب فيه أربعة أقوال «1» : أحدها: أنها كانت تمشي ~~بالنميمة، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي، والفراء. قال ابن قتيبة: فشبهوا ~~النميمة بالحطب، والعداوة والشحناء بالنار، لأنهما يقعان بالنميمة، كما ~~تلتهب النار بالحطب. والثاني: أنها كانت تحتطب الشوك، فتلقيه في طريق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليلا، رواه عطية عن ابن عباس. وبه قال الضحاك، ~~وابن زيد. والثالث: أن المراد بالحطب: الخطايا، قاله سعيد بن جبير. ~~والرابع: أنها كانت تعير رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر، وكانت تحتطب ~~فعيرت بذلك، قال قتادة. وليس بالقوي، لأن الله تعالى وصفه بالمال. وقرأ ~~عاصم وحده حمالة الحطب بالنصب. # قال الزجاج: من نصب «حمالة» فعلى الذم. والمعنى: أعني: حمالة الحطب. ~~والجيد: العنق. # والمسد في لغة العرب: الحبل إذا كان من ليف المقل. وقد يقال لما كان من ~~أوبار الإبل من الحبال: # مسد. قال الشاعر: # ومسد أمر من أيانق «2» # وقال ابن قتيبة: المسد عند كثير من الناس: الليف دون غيره، وليس كذلك، ~~إنما المسد: كل ما ضفر وفتل من الليف وغيره. # واختلف المفسرون: في المراد بهذا الحبل على ثلاثة أقوال «3» : أحدها: ~~أنها حبال كانت تكون PageV04P503 # بمكة، رواه العوفي عن ms2499 ابن عباس وقال الضحاك: حبل من شجر كانت تحتطب به. ~~والثاني: أنه قلادة من ودع، قاله قتادة. والثالث: أنه سلسلة من حديد ذرعها ~~سبعون ذراعا، قاله عروة بن الزبير، وقال غيره: المراد بهذا الحبل: السلسلة ~~التي ذكرها الله تعالى في النار، طولها سبعون ذراعا. والمعنى: أن تلك ~~السلسلة قد فتلت فتلا محكما، فهي في عنقها تعذب بها في النار. # PageV04P504 ### | سورة الإخلاص # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الإخلاص (112) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا ~~أحد (4) # وفيها قولان: أحدهما: أنها مكية، قاله ابن مسعود، والحسن، وعطاء، وعكرمة، ~~وجابر. # والثاني: مدنية، روي عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك. # (1581) وقد روى البخاري في أفراده من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» . # (1582) وروى مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إنها تعدل ثلث القرآن» . وفي سببها نزولها ثلاثة أقوال: # (1583) أحدها: أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم انسب لنا ~~ربك، فنزلت هذه السورة، قاله أبي بن كعب. # (1584) والثاني: أن عامر بن الطفيل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إلام تدعونا يا محمد؟ قال: إلى الله عز وجل. قال: صفه لي، أمن ذهب هو، أو ~~من فضة، أم من حديد، فنزلت هذه السورة، قاله ابن عباس. # (1585) والثالث: أن الذين قالوا هذا، قوم من أحبار اليهود قالوا: من أي ~~جنس هو، وممن PageV04P505 # ورث الدنيا، ولمن يورثها؟ فنزلت هذه السورة، قاله قتادة، والضحاك. وقرأ ~~ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي «أحد الله» وقرأ أبو ~~عمرو «أحد الله» بضم الدال، ووصلها باسم الله. قال الزجاج: هو كناية عن ذكر ~~الله عز وجل. والمعنى: الذي سألتم تبيين نسبته هو الله. # و «أحد» مرفوع على معنى: هو أحد، فالمعنى: هو الله، وقرئت «أحد الله ~~الصمد» بتنوين أحد، وقرئت «أحد الله الصمد» بترك التنوين، ms2500 وقرئت بإسكان ~~الدال «أحد الله» وأجودها الرفع بإثبات التنوين، وكسر التنوين لسكونه وسكون ~~اللام في «الله» ، ومن حذف التنوين، فلالتقاء الساكنين أيضا، ومن أسكن أراد ~~الوقف ثم ابتدأ «الله الصمد» وهو أردؤها. # فأما «الأحد» فقال ابن عباس، وأبو عبيدة: هو الواحد. وفرق قوم بينهما. ~~وقال أبو سليمان الخطابي: الواحد: هو المنفرد بالذات، فلا يضاهيه أحد. # والأحد: هو المنفرد بالمعنى، لا يشاركه فيه أحد. وأصل «الأحد» عند ~~النحويين: الوحد، ثم أبدلوا عن الواو الهمزة وفي «الصمد» أربعة أقوال: # (1586) أحدها: أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج، رواه ابن عباس عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الصمد: السيد الذي كمل في سؤدده. ~~وقال أبو عبيدة: هو السيد الذي ليس فوقه أحد. والعرب تسمي أشرافها: الصمد. ~~قال الأسدي: # لقد بكر الناعي بخيري بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # وقال الزجاج: هو الذي ينتهي إليه السؤدد، فقد صمد له كل شيء أي قصد قصده. ~~وتأويل صمود كل شيء له: أن في كل شيء أثر صنعه. وقال ابن الأنباري: لا خلاف ~~بين أهل اللغة أن الصمد: السيد الذي ليس فوقه أحد تصمد إليه الناس في ~~أمورهم وحوائجهم. # والثاني: أنه الذي لا جوف له، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن جبير، ~~وعكرمة، والضحاك، وقتادة، والسدي. وقال ابن قتيبة: وكان الدال من هذا ~~التفسير مبدلة من تاء، والمصمت من هذا. والثالث: أنه الدائم. والرابع: ~~الباقي بعد فناء الخلق، حكاهما الخطابي وقال: أصح الوجوه الأول، لأن ~~الاشتقاق يشهد له، فإن أصل الصمد: القصد. يقال: اصمد صمد فلان، أي اقصد ~~قصده. # فالصمد: السيد الذي يصمد إليه في الأمور، ويقصد في الحوائج. # قوله عز وجل: لم يلد قال مقاتل: لم يلد فيورث ولم يولد فيشارك، وذلك أن ~~مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الرحمن. وقالت اليهود: عزير ابن الله، ~~وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فبرأ الله نفسه من ذلك. # وقوله عز وجل: ولم يكن له كفوا أحد قرأ الأكثرون بالتثقيل ms2501 والهمز. ورواه ~~حفص بالتثقيل وقلب الهمز واوا. وقرأ حمزة بسكون الفاء. والكفء: المثل ~~المكافئ. فيه تقديم وتأخير، تقديره: ولم يكن له أحد كفوا، فقدم وأخر لتتفق ~~رؤوس الآيات. PageV04P506 ### | سورة الفلق # بسم الله الرحمن الرحيم ### | [سورة الفلق (113) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق (2) ومن شر غاسق إذا وقب (3) ومن شر ~~النفاثات في العقد (4) # ومن شر حاسد إذا حسد (5) # وفيها قولان: أحدهما: أنها مدنية، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ~~قتادة في آخرين. # والثاني: أنها مكية، رواه كريب عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وعطاء، ~~وعكرمة، وجابر. والأول أصح، ويدل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر ~~وهو مع عائشة، فنزلت عليه المعوذتان. # (1587) فذكر أهل التفسير في سبب نزولهما: أن غلاما من اليهود كان يخدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل به اليهود حتى أخذ مشاطة رأس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وعدة أسنان من مشطه، فأعطاها اليهود فسحروه فيها. ~~وكان الذي تولى ذلك لبيد بن أعصم اليهودي. ثم دسها في بئر لبني زريق، يقال ~~لها: بئر ذروان. # ويقال: ذي أروان، فمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتثر شعر رأسه، ~~وكان يرى أنه يأتي النساء وما يأتيهن، ويخيل إليه أن يفعل الشيء، وما ~~يفعله، فبينا هو ذات يوم نائم أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر ~~عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما بال الرجل؟ قال: طب. قال: وما طب؟ قال: ~~سحر. # قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: وبم طبه؟ قال: بمشط ومشاطة. ~~قال: وأين هو؟ قال: # في جف طلعة تحت راعوفة في بئر ذروان. والجف: قشر الطلع. والراعوفة: صخرة ~~تترك في أسفل البئر إذا حفرت. فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقي عليها، ~~فانتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عائشة أما شعرت أن الله ~~أخبرني بدائي، ثم بعث عليا، والزبير، وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء تلك البئر، ~~ثم رفعوا الصخرة، وأخذوا ms2502 الجف، وإذا فيه مشاطة رأسه، وأسنان مشطه، وإذا وتر ~~معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبرة، فأنزل الله عز وجل المعوذتين، ~~فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة. ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة حين ~~انحلت العقدة الأخيرة، وجعل جبريل يقول: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ~~ومن حاسد وعين، والله يشفيك. فقالوا: يا رسول الله أفلا نأخذ الخبيث ~~فنقلته؟ فقال: «أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن أثير على الناس شرا» . ~~PageV04P507 # (1588) وقد أخرج البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث عائشة رضي الله ~~عنها حديث سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد بينا معنى «أعوذ» في أول ~~كتابنا. وفي الفلق ستة أقوال «1» : # أحدها: أنه الصبح، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وسعيد بن ~~جبير، ومجاهد، وقتادة، والقرظي وابن زيد، واللغويون قالوا: ويقال: هذا أبين ~~من: فلق الصبح وفرق الصبح. والثاني: # أنه الخلق كله. رواه الوالبي عن ابن عباس. وكذلك قال الضحاك: العلق: ~~الخلق كله. والثالث: سجن في جهنم، روي عن ابن عباس أيضا. وقال وهب والسدي: ~~جب في جهنم. وقال ابن السائب: واد في جهنم. والرابع: شجرة في النار، قاله ~~عبد الله بن عمر. والخامس: أنه كل ما انفلق عن شيء كالصبح، والحب، والنوى، ~~وغير ذلك، قاله الحسن. قاله الزجاج: وإذا تأملت الخلق بان لك أن أكثره عن ~~انفلاق، كالأرض بالنبات، والسحاب بالمطر. والسادس: أنه اسم من أسماء جهنم، ~~قاله أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد الحبلي. # قوله عز وجل: من شر ما خلق وقرأ ابن السميفع، وابن يعمر: «خلق» بضم ~~الخاء، وكسر اللام. فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه عام، وهو الأظهر. والثاني: ~~أن شر ما خلق: إبليس وذريته، قاله الحسن. والثالث: جهنم، حكاه الماوردي. # وفي «الغاسق» أربعة أقوال: أحدها: أنه القمر، روت عائشة قالت: نظر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر، فقال: # (1589) «استعيذي بالله من شره فإنه الغاسق إذا وقب» ، رواه الترمذي، ~~والنسائي في كتابيهما. # قال ابن قتيبة: ويقال: الغاسق: القمر ms2503 إذا كسف فاسود. ومعنى وقب دخل في ~~الكسوف. PageV04P508 # (1590) والثاني: أنه النجم، رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # والثالث: أنه الليل، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والقرظي، والفراء، ~~وأبو عبيد، وابن قتيبة، والزجاج. قال اللغويون: ومعنى «وقب» دخل في كل شيء ~~فأظلم. و «الغسق» الظلمة. وقال الزجاج: الغاسق: البارد، وقيل لليل: غاسق، ~~لأنه أبرد من النهار. والرابع: أنه الثريا إذا سقطت، وكانت الأسقام، ~~والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها، قاله ابن زيد. # فأما النفاثات فقال ابن قتيبة: هن السواحر ينفثن، أي: يتفلن إذا سحرن، ~~ورقين. قال الزجاج: يتفلن بلا ريق، كأنه نفخ. وقال ابن الأنباري: قال ~~اللغويون: تفسير نفث: نفخ نفخا ليس معه ريق، ومعنى تفل: نفخ نفخا معه ريق. ~~وقال ذو الرمة: # ومن جوف ماء عرمض الحفل فوقه ... متى تحس منه ماتح القوم يتفل # وقد روى ابن أبي سريج «النافثات» بألف قبل الفاء مع كسر الفاء وتخفيفها. ~~وقال بعض المفسرين: المراد بالنفاثات هاهنا: بنات لبيد أعصم اليهودي سحرن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ومن شر حاسد يعني: اليهود حسدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ذكرنا ~~حد الحسد في البقرة. # والحسد: أخس الطبائع. وأول معصية عصي الله بها في السماء حسد إبليس لآدم، ~~وفي الأرض حسد قابيل لهابيل. PageV04P509 # سورة الناس # وفيها قولان: أحدهما: أنها مدنية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: ~~أنها مكية، رواه أبو كريب عن ابن عباس. # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الناس # (114) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3) من شر الوسواس الخناس ~~(4) # الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة والناس (6) # فإن قيل: لم خص الناس هاهنا بأنه ربهم، وهو رب كل شيء؟ فعنه جوابان ~~جوابان: أحدهما: # لأنهم معظمون متميزون على غيرهم. والثاني: لأنه لما أمر بالاستعاذة من ~~شرهم أعلم أنه ربهم، ليعلم أنه هو الذي يعيذ من شرهم. ولما كان في الناس ~~ملوك قال عز وجل: ملك الناس ولما كان ms2504 فيهم من يعبد غيره قال عز وجل: إله ~~الناس. والوسواس الشيطان، وهو الخناس يوسوس في الصدور، فإذا ذكر الله، خنس، ~~أي: كف وأقصر. قال الزجاج: الوسواس هاهنا: ذو الوسواس. وقال ابن قتيبة: ~~الصدور هاهنا: القلوب. قال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا ~~سها وغفل، وسوس، فإذا ذكر الله، خنس. # قوله عز وجل: من الجنة والناس الجنة: الجن. وفي معنى الآية قولان: ~~أحدهما: يوسوس في صدور الناس جنتهم وناسهم، فسمى الجن هاهنا ناسا، كما ~~سماهم رجالا في قوله عز وجل: # يعوذون برجال من الجن وسماهم نفرا بقوله عز وجل: استمع نفر من الجن هذا ~~قول الفراء. وعلى هذا القول يكون الوسواس موسوسا للجن، كما يوسوس للإنس. ~~والثاني: أن الوسواس: الذي يوسوس في صدور الناس، هو من الجنة، وهم من الجن. ~~والمعنى: من شر الوسواس الذي هو من الجن. ثم عطف قوله عز وجل: والناس على ~~الوسواس والمعنى: من شر الوسواس، ومن شر الناس كأنه أمر أن يستعيذ من الجن ~~والإنس «1» ، وهذا قول الزجاج. # تم الكتاب بحمد الله ومنه. PageV04P510 # فهذا آخر «زاد المسير» ، والحمد لله على الإنعام الغزير، وإذ قد بلغنا ~~بحمد الله مرادنا فيما أملنا، فلا يعتقدن من رأى اختصارنا أنا أقللنا، فقد ~~أشرنا بما ذكرنا إلى ما تركنا ودللنا، فليكن الناظر في كتابنا متيقظا لما ~~أغفلنا، فإنا ضمنا الاختصار مع نيل المراد، وقد فعلنا. ومن أراد زيادة بسط ~~في التفسير، فعليه بكتابنا «المغني» في التفسير. فإن أراد مختصرا، فعليه ~~بكتابنا المسمى ب «تذكرة الأريب في تفسير الغريب» . والحمد لله رب ~~العالمين، أولا وآخرا وباطنا وظاهرا وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله ~~أجمعين، وعلى أبيه آدم، وذريته الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين، ~~وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. # ووافق الفراغ من هذا المجلد وهو آخر الكتاب يوم الاثنين حادي والعشرين ~~شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وثمانين وثمان مائة على يد العبد الفقير إلى ~~الله تعالى أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خليفة غفر الله له ولوالديه ولجميع ms2505 ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك قريب ~~مجيب الدعوات، ونقل هذا المجلد جميعه من أصل ثم من أصل المصنف وعليه سماع ~~المصنف وهو الشيخ الإمام العالم الأوحد جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن ~~علي ابن الجوزي مصنفه رضي الله عنه وأرضاه والحمد لله رب العالمين. # بلغ مقابلته بحسب الطاقة والإمكان ونعوذ بالله من الزيادة والنقصان. # PageV04P511 ### | الفهارس ### | 1- # فهرس الأحاديث القدسية 515 2- فهرس الأحاديث والآثار النبوية 516 3- فهرس ~~قوافي الأشعار 533 4- فهرس أنصاف الأبيات 549 5- المصادر والمراجع 550 # PageV04P513 ### | 1- # فهرس الأحاديث القدسية طرف الحديث الجزء/ الصفحة أحل عليكم رضواني، فلا ~~أسخط عليكم أبدا 2/ 277 ادخلوا الجنة (لأصحاب الأعراف) ، فإني قد غفرت لكم ~~2/ 125 إذا هم عبدي بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه 2/ 429 أصبح من عبادي ~~مؤمن بي وكافر، فأما المؤمن فقال: مطرنا بفضل الله 4/ 229 أعددت لعبادي ~~الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت 3/ 441 أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟ 2/ ~~277 أنا أبلغهم عنكم 1/ 347 أنا أهل أن أتقى فلا يشرك بي غيري 4/ 367 أنا ~~العزيز، فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز 3/ 507 أنا عند ظن عبدي بي 4/ ~~264 أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه 3/ 470 أنا الملك، أين الجبارون؟ ~~أين المتكبرون؟ 4/ 26 أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ 4/ 26 انفخ نفخة الفزع ~~(يقولها عز وجل لإسرائيل) 4/ 37 أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه؟ 4/ 340 ~~إني خلقت عبادي حنفاء 3/ 423 ثلاث لا أسأل عبدي عن شكرهن، وأسأله عما سوى ~~ذلك 4/ 486 قسمت الصلاة بيني وبين عبدي 2/ 542 كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، ~~وبالكرام الكاتبين شهودا 4/ 49 لم تقنط عبادي؟ نبئ عبادي أني أنا الغفور ~~الرحيم 2/ 536 من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن جاء بالسيئة ~~فجزاء سيئة مثلها 2/ 97 هل جزاء من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة؟! 4/ ~~214 يا آدم، قم فابعث بعث النار 3/ 221 يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني 4/ ~~174 يا أهل الجنة، هل رضيتم؟ 2/ 277 يا داود، إني إذا رضيت عن ms2506 عبدي ملأتها ~~بتمرة 2/ 103 يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ 3/ 582 # PageV04P515 ### | 2- # فهرس الأحاديث والآثار النبوية طرف الحديث الجزء/ الصفحة- الألف- آخر آية ~~أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم 1/ 13 آخر آية أنزلت: واتقوا 1/ 13 آخر ~~آية نزلت: لقد جاءكم 1/ 13 آخر آية نزلت: يستفتونك 1/ 13 آخر سورة نزلت ~~جميعا: إذا جاء 1/ 13، 4/ 501 آذني أصلي عليه 2/ 286 آلى صلى الله عليه ~~وسلم أن لا يدخل على نسائه شهرا 3/ 460، 4/ 305 الآيتان من آخر سورة البقرة ~~من قرأهما في ليلة كفتاه 1/ 254 ائتني بأربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك 3/ ~~281 ابتغوها في العشر الأواخر في الوتر منها 4/ 470 أبطأت علي حتى ساء ظني ~~واشتقت إليك 3/ 140 أبكي للذي عرض علي أصحابك من الفداء 2/ 224 أبوك وأبو ~~عائشة واليا الناس من بعدي 4/ 307 أتبع السيئة الحسنة تمحها 2/ 407 أتحلف ~~1/ 297 أتدرون ما أخبارها 4/ 478 أتدرون ما المعيشة الضنك 3/ 180 أتدري ما ~~الجمعة؟ 4/ 282 أتردين عليه حديقته؟ 1/ 203 أتركهم حتى يتوب تائبهم 2/ 65 ~~أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين 1/ 255 أتريدين أن ترجعي إلى ~~رفاعة؟ 1/ 204 طرف الحديث الجزء/ الصفحة أتعطوني كلمة تملكون بها العرب ~~وتدين لكم بها العجم 3/ 560 اتق الله 3/ 467 اتق الله حيثما كنت 2/ 407 اتق ~~الله واصبر وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله 4/ 298 اتقوا فراسة ~~المؤمن فإنه ينظر بنور الله 2/ 539 أجاز صلى الله عليه وسلم للمحرم قتل ~~الحية والعقرب 1/ 585 اجتمعوا إلي في قتيل كان بينهم 4/ 113 اجتنبوا السبع ~~الموبقات 1/ 396 أجدني مغموما 3/ 206 أجدني مكروبا 3/ 206 أجورهم: يدخلهم ~~الجنة 1/ 503 أحب صلى الله عليه وسلم أن يرى جبريل على حقيقته 4/ 184 أحب ~~الصيام إلى الله تعالى صيام داود 3/ 563 احبسوا علي الركب 2/ 275 احترسوا ~~من الناس بسوء الظن 4/ 151 أحسنت 1/ 577 اختصم يهود المدينة ونصارى نجران ~~1/ 102 أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان 2/ 167 أخذ صلى الله عليه وسلم ~~كفا من تراب فرماهم به 2/ 247 اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن 2/ 232 ~~اخرج ms2507 يا أبا بكر، فهذا حين دلكت الشمس 3/ 45 اخرج يا فلان من المسجد فانك ~~منافق 3/ 484 اخرجوا إلى أرض المحشر 4/ 254 # PageV04P516 # طرف الحديث الجزء/ الصفحة اخرجوا إليه واكتموا 2/ 203 أخرهم إلى ليلة ~~الجمعة 2/ 472 ادعوا لي المقداد 1/ 472 ادعوا لي المقداد 1/ 452 إذا أحب ~~الله عبدا قال: يا جبريل إني أحب فلانا فأحبوه 3/ 149 إذا اجتمع أهل النار ~~في النار ومعهم 2/ 523 إذا أخذتم الساحر فاقتلوه 3/ 167 إذا اقشعر جلد ~~العبد من خشية الله تحاتت ذنوبه 4/ 14 إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء ~~صلصلة 3/ 497 إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أمر مناديا 4/ 203 إذا دخل ~~أهل الجنة الجنة وأهل النار النار 3/ 132 إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ~~ولا يثرب 2/ 469 إذا ظننتم فلا تحققوا 4/ 151 إذا قال الإمام: غير المغضوب ~~عليهم 1/ 22 إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان 2/ 185 إذا كانت ~~ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة 4/ 473 إذا مات العبد تلقى روحه ~~أرواح المؤمنين 4/ 484 إذا مضت على النطفة خمس وأربعون ليلة 2/ 500 إذن ~~ترعد له آنف كبيرة 4/ 286 أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله 4/ 331 إذن ~~يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه 4/ 286 اذهب إلى قريش فأخبرهم أنا لم نأت ~~لقتال أحد، وإنما جئنا زوارا 4/ 126 اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل ~~النار ولكنك من أهل الجنة 4/ 143 اذهب # فاذكرها علي 3/ 468 اذهب فاطرحه في القبض 2/ 186 اذهب فخذ سيفك 2/ 187 ~~اذهب فسلهم عما كانوا يضحكون منه 2/ 274 أرأيتكم إن أخبرتكم أن العدو ~~مصبحكم أو ممسيكم 4/ 502 اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ~~2/ 129 ارجع اليه فادعه 2/ 488 ارفق به وأحسن إليه 4/ 252 أرني المفتاح إن ~~كنت تؤمن بالله واليوم الآخر 1/ 423 أري صلى الله عليه وسلم أنه يدخل مكة ~~هو وأصحابه 3/ 34 أري صلى الله عليه وسلم بني أمية على المنابر فساءه 3/ 35 ~~أري صلى الله عليه وسلم في المنام قبل خروجه ms2508 إلى الحديبية قائلا يقول له: ~~لتدخلن المسجد الحرام 4/ 137 أريت ليلة القدر ثم أنسيتها 4/ 471 استشار صلى ~~الله عليه وسلم الناس يوم خرج إلى بدر 1/ 534 استعيذي بالله من شره، فإنه ~~الغاسق إذا وقب 4/ 508 اسجدوا للرحمن 2/ 495 اسق ثم أرسل إلى جارك 1/ 428 ~~اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر 1/ 428 اسقه عسلا 2/ 570 أشترط ~~لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا 2/ 302 اشهدوا 4/ 196 أصبح من الناس ~~شاكر ومنهم كافر 4/ 229 اصبروا فإني لم أومر بالقتال 3/ 240 أضعفوا على ~~العباس الفداء 2/ 226 اطلبوها الليلة (ليلة ثلاث وعشرين) 4/ 471 اعتكف صلى ~~الله عليه وسلم العشر الأوسط واعتكفنا معه 4/ 470 أعوذ بك من دعاء لا يسمع ~~1/ 111 أقتلته بعد ما قال: آمنت! 1/ 453 اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل ~~عمران 1/ 24 أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد 4/ 468 # PageV04P517 # اكتب: لا يستوي القاعدون 1/ 454 ألا احتطت فان البضع ما بين السبع والتسع ~~2/ 441، 3/ 416 ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم 3/ 129 ألا أخبركم ~~بخير من ذلك؟ 1/ 327 ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى 4/ 192 ~~ألا أراكم تضحكون؟ 2/ 536 ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم 2/ 258 ألا ~~إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع 1/ 248 ألا أنبئكم بأكبر الكبائر 1/ 397، ~~398 ألا رجل صالح يحرسني الليلة 1/ 568 ألا يحج بعد العام مشرك 2/ 232 ~~التمسوها في العشر الأواخر من رمضان 4/ 470 التمسوها في تسع يبقين أو سبع ~~يبقين 4/ 470 الذي في عينيه بياض 3/ 197 الذين إذا رأوا ذكر الله عز وجل 2/ ~~337 ألست ترين أرد عليهم ما يقولون 4/ 246 ألك بينة؟ 1/ 297 الله أخبرني 2/ ~~226 الله (يمنعني منك) 1/ 568 اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا 3/ 427 ~~اللهم ارزق ثعلبة مالا 2/ 282 اللهم اشدد وطأتك على مضر 4/ 354 اللهم أعني ~~على قريش بسنين كسني يوسف 3/ 268 اللهم اكفنيهما بما شئت 2/ 487 اللهم أنجز ~~ما وعدتني 2/ 191 اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه 1/ 547 اللهم صل ~~على آل أبي ms2509 أوفى 3/ 551 اللهم لا نبغيها، ما أعطاكم الله خير 1/ 99 اللهم ~~لا يعلون علينا 1/ 328 اللهم هؤلاء أهلي 1/ 289 اللهم هؤلاء أهل بيتي ~~وخاصتي 3/ 463 اللهم هل بلغت 3/ 152 ألم أعهد إليكم ألا تبرحوا؟ أظننتم 1/ ~~342 ألم أنه عن القتال 3/ 444 ألم يقل الله: استجيبوا لله وللرسول إذا ~~دعاكم 2/ 200 إلى الله عز وجل (أدعكم) 4/ 505 إلى شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأني رسول الله 1/ 507 إلي عباد الله، أنا رسول الله 1/ 335 أما أنا فقد ~~شفاني الله وأكره أن أثير على الناس شرا 4/ 507 أما إنهم لم يكونوا ~~يعبدونهم، ولكنهم 2/ 252 أما إني لو قلت نعم لوجبت 1/ 591 أما ترضى أن تكون ~~مثل نبي الله 2/ 281 أما السابق فيدخل الجنة بغير حساب 3/ 513 أما ما ظهر ~~فالإسلام وما سوى الله من خلقك 3/ 433 أما والله لا يسألوني خطة فيها تعظيم ~~حرمة الله إلا أعطيتهم إياها 4/ 126 أمر صلى الله عليه وسلم بالصفح عنهم 1/ ~~101 أمر صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب 1/ 514 أمر صلى الله عليه وسلم ~~عليا أن يتخذ طعاما ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين 3/ 28 أمروا أن لا ~~يخونوا ولا يدخروا 1/ 604 أمسك عليك زوجك واتق الله 3/ 467 أمسلمة جئت؟ 4/ ~~266 أن أبا لبابة ربط نفسه إلى سارية 2/ 203 أن إبليس جاء حواء فقال: ما ~~يدريك 2/ 177 إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي 4/ 40 إن ~~الإسلام لا يقال 3/ 225 أن الأولى كانت نسيانا من موسى 3/ 99 # PageV04P518 # طرف الحديث الجزء/ الصفحة إن الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن ~~يمشيه 3/ 55 إن الله تعالى أعطاني السبع الطول مكان التوراة 4/ 141 أن الله ~~تعالى أنزل على إبراهيم عشر صحائف 4/ 191 إن الله تعالى بعثني مبلغا ولم ~~يبعثني متعنتا 3/ 460 إن الله تعالى حاط حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من ~~فضة 3/ 254 إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها 1/ 51 إن الله طيب لا ~~يقبل إلا الطيب 3/ 115 إن الله ms2510 تعالى في ثلاث ساعات يبقين من الليل ينظر في ~~الكتاب 2/ 501 إن الله قد صدقك 4/ 287 إن الله قد منعني أن أقبل صدقتك 2/ ~~282 إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا 4/ 190 إن الله كتب عليكم الحج ~~1/ 590 إن الله لا يقبض العلم انتزاعا 3/ 52 إن الله لا يقبل إلا الطيب 1/ ~~590 إن الله لم يمسخ قوما أو يهلك قوما فيجعل لهم نسلا ولا عاقبة 1/ 563 إن ~~الله يتعاهد المؤمن # بالبلاء كما يتعاهد 1/ 179 أن الله تعالى يجعل البحار كلها نارا 4/ 176 ~~إن الله عز وجل يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الناس 2/ 103 إن الله تعالى ~~يسلم على أهل الجنة 3/ 471 إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة 1/ 222 إن ~~الله تعالى ينزل في كل ليلة ويوم 1/ 110 أن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول ~~الله 2/ 531 أن تجعل لله ندا وهو خلقك 1/ 398، 3/ 328 أن تزاني حليلة جارك ~~1/ 398، 3/ 328 أن تصدق وأنت صحيح شحيح 1/ 303 طرف الحديث الجزء/ الصفحة إن ~~تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم 3/ 52 أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك 1/ ~~398، 3/ 328 أن ثلاثة خرجوا فلجؤوا إلى غار، فانطبقت عليهم صخرة 2/ 428 أن ~~جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبا سفيان 2/ 203 أن ~~جبريل جعل يدس الطين في فم فرعون 2/ 348 إن الجنة لا يدخلها العجائز 3/ 197 ~~إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين 1/ 209 أن داود سأل ربه أن يريه ~~الميزان 2/ 103 إن الدخان يجيء فيأخذ بأنفاس الكفار 4/ 88 إن ربكم حيي كريم ~~1/ 46 إن ربكم يقول كل يوم: أنا العزيز 3/ 507 إن الرجل من بني إسرائيل كان ~~إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيرا 1/ 574 إن الرجل يقول في الجنة: ما ~~فعل صديقي 3/ 343 أن زكريا كان نجارا 3/ 120 إن الزمان قد استدار لهيئته ~~يوم خلق الله السموات والأرض 1/ 165، 2/ 234 إن شئت أنبأتك بأبواب الخير 3/ ~~440 إن عجزتم عن الليل أن تكابدوه وعن العدو 3/ 88 ms2511 إن عفريتا من الجن تفلت ~~علي البارحة ليقطع علي صلاتي 3/ 575 إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ~~3/ 103 إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ~~4/ 178 إن فعلت تؤمنون؟ 4/ 196 إن فعلت تصدقوني؟ 2/ 65 إن في المعاريض ~~لمندوحة عن الكذب 3/ 196 إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته 4/ 152 إن كان ~~وسادك إذا لعريض 1/ 149 # PageV04P519 # طرف الحديث الجزء/ الصفحة إن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف ~~2/ 445 إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة 4/ 216 إن مقعد ~~ملكيك على ثنيتيك ولسانك قلمهما 4/ 160 إن ملكا كان يجيب عنك، فلما رددت 1/ ~~491 إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء ~~والشهداء 2/ 337 إن من المنشآت اللاتي كن في الدنيا عجائز عمشا رمصا 4/ 224 ~~إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل 3/ 94 إن موسى كان رجلا حييا 3/ 486 ~~إن هذه الآية نزلت في القدرية 4/ 203 إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم ~~3/ 110 أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى 1/ 310 أن يطعمها إذا طعم ~~ويكسوها 1/ 200 أنا أكرم ولد آدم على ربه 2/ 451 الإنابة إلى دار الخلود، ~~والتجافي عن دار الغرور 2/ 75 أنا بين خيرتين: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ~~2/ 286 إنا حاملوك على ولد الناقة 3/ 197 أنا عبد الله ورسوله لن أخالف ~~أمره 4/ 128 أنا على ملة إبراهيم 1/ 304 أنا فرطكم على الحوض 3/ 161 أنا ~~المنذر 2/ 484 أنت صاحب هذا الكلام؟ 4/ 286 أنت القائل: أتجعل نهبي ونهب ~~العبيد 3/ 530 أنت الهادي يا علي، بك يهتدى من بعدي 2/ 484 أنتم بعدة أصحاب ~~طالوت يوم لقاء جالوت 1/ 226 أنتم خصماء الله 4/ 203 أنشدك الله الذي أنزل ~~التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني 1/ 547 طرف الحديث الجزء/ الصفحة ~~أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أتجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين ~~2/ 53 انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين 4/ 196 ms2512 ~~انصرفوا أيها الناس، فقد عصمني الله تعالى 1/ 568 انطلق صلى الله عليه وسلم ~~في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ 2/ 526، 4/ 112 انطلقوا إلى هذا ~~المسجد الظالم أهله فاهدموه 2/ 297 انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ 4/ 266 انظر ~~فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود 4/ 149 انظر في ذلك 1/ 465 أنفقه على نفسك ~~1/ 180 أنفقها على خادمك 1/ 180 أنفقها على قرابتك 1/ 180 أنفقها على ~~والديك 1/ 180 أنفقها في سبيل الله، وهو أحسنها 1/ 180 إنك قلت لها: إني لا ~~أدري ما يصيبني في وجهي 2/ 226 إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها 1/ 314 ~~إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر 4/ 165 إنكم لتعلمون أن الذي جئت ~~به حق 1/ 416 إنكن أكثر أهل النار 2/ 446 إنما النفقة للمرأة على زوجها ما ~~كانت له عليها الرجعة 4/ 301 إنما ذلكم الله 4/ 144 إنما سمي الخضر لأنه ~~جلس على فروة بيضاء 3/ 97 إنما سمى الله البيت: العتيق، لأن الله أعتقه 3/ ~~234 إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قاله لقمان 2/ 49 إنه أتاني داعي الجن ~~فذهبت أقرئهم القرآن 4/ 112 إنه أنزلت علي آنفا سورة 4/ 497 إنه أول من سن ~~القتل 1/ 536 إنه ذهب في حاجة الله ورسوله 4/ 127 إنه سيأتيكم إنسان ينظر ~~إليكم بعيني شيطان 4/ 250 # PageV04P520 # طرف الحديث الجزء/ الصفحة إنه طلوع الشمس من مغربها 2/ 95 إنه عبد الله ~~وروحه وكلمته إلى مريم 1/ 292 إنه كان ذهبا وفضة 3/ 104 إنه لا يصلي هذه ~~الصلاة أحد من أهل الكتاب 1/ 316 إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه ~~من صلاة مكتوبة 4/ 336 إنه ليغان على قلبي 4/ 415 أنه ملك # كان له ساحر فبعث إليه غلاما 4/ 425 إنه واد في جهنم 3/ 138 إنها تذهب ~~حتى تسجد بين يدي ربها 3/ 524 إنها تعدل ثلث القرآن 4/ 505 إنها الحنظلة 2/ ~~512 إنها ذات وبر وريش 3/ 369 إنها (الزهرة) فتنت ملكين 1/ 95 إنها في علم ~~الله قليل 3/ 434 إنها النخلة 2/ 510 أنهم قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية ~~آبائهم 2/ 123 إني أراه من ms2513 شراب شربته عند سودة 4/ 306 إني أشهدك أن سريتي ~~هذه علي حرام رضى لك 4/ 305 إني أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني؟ 4/ ~~112 إني رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها 4/ 471 إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب ~~إلا فرج الله عنه 3/ 210 إني لست بشاعر ولا ينبغي لي 3/ 531 إني لما خرجت، ~~جاء جبريل عليه السلام 2/ 536 إني والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله ~~1/ 499 أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ 1/ 547 الأواه: الخاشع الدعاء ~~المتضرع 2/ 306 أوفاهما وأطيبهما 3/ 382 أو فعلته؟ 4/ 251 أو ليس قد بين ~~الله تعالى ذلك 1/ 504 أول سورة أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ~~4/ 183 طرف الحديث الجزء/ الصفحة أول ما خلق الله القلم ثم خلق النون 4/ ~~318 أول ما نزل من القرآن: اقرأ 1/ 12 أول من يكسى من أهل النار يوم ~~القيامة إبليس 3/ 314 أي ذلك كتبت فهو كذلك 2/ 584 أي شيء تحبون؟ 2/ 65 أي ~~عم، قل معي: لا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله 2/ 304 أيام الله: نعم ~~الله 2/ 504 إيت بني النجار فأقرئهم مني السلام وقل 1/ 450 أيكم أحسن عقلا، ~~وأروع عن محارم الله عز وجل 2/ 359 أيكم يحتمل خبيبا عن خشبته وله الجنة 1/ ~~171 أيما حلف كان في الجاهلية 1/ 401 أين الذهب الذي تركته عند أم الفضل 2/ ~~226 أين ترون أن أصلي بكم 1/ 110 أيها الناس، البيعة، البيعة 4/ 133- ~~الباء- بئس عبد الله 2/ 546 الباقيات الصالحات: لا إله إلا الله 3/ 88 بخ ~~بخ، ذاك مال رابح 1/ 304 برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف 4/ 260 ~~البرق: مخاريق يسوق بها الملك السحاب 1/ 40 بالسيف 3/ 572 بشر الكنازين بكي ~~في الجباه 2/ 256 بشراهم: الجنة 2/ 339 بعث صلى الله عليه وسلم أبا بكر ~~أميرا على الموسم ليقيم للناس 2/ 231 بعث صلى الله عليه وسلم إلى بعض ~~فراعنة العرب يدعوه 2/ 487 بعث صلى الله عليه وسلم سرية إلى بني العنبر ~~وأمر عليهم عيينة 4/ 145 # PageV04P521 # طرف الحديث الجزء/ الصفحة بعث صلى الله ms2514 عليه وسلم غلاما يقال له مدلج إلى ~~عمر 3/ 304 بعث صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليقبض ~~صدقاتهم 4/ 146 بعثنا صلى الله عليه وسلم في سرية، فغنمنا إبلا 2/ 188 ~~البكر بالبكر، جلد مائة وتغريب عام 3/ 276 البكر تستأمر في نفسها 1/ 340 بل ~~إلى كتاب الله 1/ 269 بل أنا وا رأساه 3/ 207 بل تحسن صحبته ما بقي معنا 4/ ~~287 بلى فانكحيه فإني قد رضيته لك 3/ 465 بلى والله، لأستغفرن لأبي كما ~~استغفر إبراهيم 2/ 305 بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها 1/ 569 البيت ~~المعمور: في السماء الدنيا 4/ 175 البيت المعمور: في السماء السابعة 4/ 175 ~~بينا أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف 4/ 497 بينما أنا ~~في الحطيم (أو في الحجر) 3/ 8 بينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون 3/ 370 ~~بيني وبينكم التوراة 1/ 269- التاء- تحب ذلك؟ 2/ 307 تخرج الدابة معها خاتم ~~سليمان وعصا موسى 3/ 370 تخرج الدابة من شعب أجياد 3/ 370 تدرون أي يوم ~~ذلك؟ 3/ 221 تسع، أعظمهن الإشراك بالله 1/ 397 تسم المؤمن بين عينيه وتكتب ~~بين عينيه مؤمن 3/ 371 تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار 3/ 46 تشويه ~~النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ 3/ 271 تعطيني نخلتك التي فرعها في دار ~~فلان ولك بها نخلة في الجنة؟ 4/ 454 تقعد أيام أقرائها 1/ 198 طرف الحديث ~~الجزء/ الصفحة تنزيه الله عن كل سوء 3/ 7 توضأ وضوءا حسنا ثم قم فصل 2/ 405 ~~التيمم: ضربة للوجه والكفين 1/ 413- الثاء- ثماني عشرة سنة 3/ 205- الجيم- ~~جاء الحق وزهق الباطل 3/ 49 جاء رجل فقال: حدثني يا محمد عن إلهك 2/ 487 ~~جاءت المجادلة فكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم 4/ 241 جاورت بحراء شهرا ~~فلما قضيت جواري 4/ 358 جبل من نار يكلف أن يصعده 4/ 363 جعل صلى الله عليه ~~وسلم البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة 3/ 237 جلس في فروة بيضاء فاخضرت 3/ ~~97 جنان الفردوس أربع، ثنتان من ذهب 3/ 113 الجنة مائة درجة، ما بين كل ~~درجتين 3/ 113 جنتان من ذهب وجنتان من فضة 4/ 215- الحاء- حاربت يهود 4/ ~~253 الحج عرفة 1/ 164 ms2515 حجي عنه 4/ 193 حرض صلى الله عليه وسلم على الصف ~~الأول فازدحموا 2/ 532 حرق صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع 4/ 255 ~~الحزن: الجوع 3/ 513 حسدته صلى الله عليه وسلم اليهود على مقامه بالمدينة ~~3/ 43 الحمد الله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام 2/ 34 الحمد ~~الله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر 3/ 79- الخاء- خالق الناس بخلق حسن ~~2/ 407 # PageV04P522 # طرف الحديث الجزء/ الصفحة خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا 1/ ~~382 خرج صلى الله عليه وسلم يعود سعد بن عبادة، فمر بمجلس فيه عبد الله بن # أبي 4/ 147 خلق الله تعالى آدم بعد العصر يوم الجمعة 1/ 51 خلق الله ~~تعالى آدم طوله ستون ذراعا 1/ 51 خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق ~~الجبال فيها يوم الأحد 2/ 126، 4/ 46 خلق فرعون في بطن أمه كافرا 4/ 291 ~~خلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا 4/ 291 خير صلى الله عليه وسلم بريرة ~~بين المقام مع زوجها وفراقه 1/ 391 خيرات الأخلاق حسان الوجوه 4/ 216 خيركم ~~قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم 2/ 10- الدال- دثروني 4/ 359 دخل ~~صلى الله عليه وسلم بيت المقدس وصلى فيه بالأنبياء 3/ 8 دخل صلى الله عليه ~~وسلم مكة وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما 3/ 49 دعا صلى الله عليه وسلم على ~~قريش بسنين كسني يوسف 4/ 89 دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى 1/ 113 دنا ~~الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى 4/ 185 دواب الأرض 1/ ~~127- الذال- ذكرك أخاك بما يكره 4/ 152 ذلك الى الله عز وجل 3/ 52 ذلك ~~العرض 4/ 420- الراء- رأى صلى الله عليه وسلم إدريس في السماء الرابعة 3/ ~~135 رأى صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلق عليها 4/ 186 رأى صلى ~~الله عليه وسلم عسكر المشركين في المنام قبل لقائهم 2/ 214 رأى صلى الله ~~عليه وسلم في المنام أنه هاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء 4/ 104 رأى صلى ~~الله عليه وسلم في النوم كأن قائلا يقول له: # لتدخلن المسجد الحرام 4/ 126 رأيت ms2516 ربي عز وجل فقال لي: فيم يختصم الملأ ~~الأعلى؟ 3/ 582 الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له 2/ 338 ربح ~~البيع يا أبا يحيى 1/ 173 رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل: اجعلني 2/ 450 رحم ~~الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد 2/ 391 الركعتان قبل صلاة الفجر 4/ ~~182 رمى صلى الله عليه وسلم يوم خيبر بسهم، فأقبل السهم 2/ 196 رميتهم ~~بالسرقة على غير بينة! 1/ 466 الروح: جند من جند الله تعالى 4/ 391- الزاي- ~~الزيادة: النظر إلى وجه الله عز وجل 2/ 326- السين- سابقنا سابق ومقتصدنا ~~ناج وظالمنا مغفور له 3/ 511 سأخبركم غدا 4/ 456 سأقضي بينكما بكتاب الله ~~4/ 181 سأل صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل أن يجعل ملك فارس والروم في أمته ~~1/ 270 سأل صلى الله عليه وسلم اليهود عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره 1/ 358 ~~سألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة 2/ 40 سبأ رجل من العرب 3/ ~~358 سبحان مقلب القلوب 3/ 466 # PageV04P523 # طرف الحديث الجزء/ الصفحة سبى صلى الله عليه وسلم ريحانة القرظية فلم يدن ~~منها حتى أسلمت 3/ 477 سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أثر فيه 3/ ~~166 سدرة المنتهى فوق السماء السابعة 4/ 187 سدرة المنتهى في السماء ~~السادسة 4/ 187 سقتني حفصة شربة عسل 4/ 305 سلاني 1/ 266 سلوني، فو الله لا ~~تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا بينته لكم 1/ 590 سمى صلى الله ~~عليه وسلم زيد الخيل: زيد الخير 3/ 571 سنوا بهم سنة أهل الكتاب 1/ 519 سوف ~~أستغفر لهم أكثر من سبعين، لعل الله يغفر لهم 2/ 284 سوموا، فإن الملائكة ~~قد سومت 1/ 321- الشين- شاهت الوجوه 2/ 195 الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: ~~يوم عرفة 4/ 423 شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة 2/ 494 شغلونا عن الصلاة ~~الوسطى صلاة العصر 1/ 214 الشفع والوتر: الصلاة، منها الشفع ومنها الوتر 4/ ~~438 الشفع: يوم عرفة ويوم الأضحى، والوتر: # ليلة النحر 4/ 438 الشفع: يوم النحر، والوتر: يوم عرفة 4/ 438 الشفق: ~~الحمرة 4/ 421 شهرا عيد لا ينقصان 4/ 461 شيبتني هود وأخواتها 2/ 355- ~~الصاد- صالح صلى الله عليه وسلم يهود ms2517 على أرضهم وعلى الحلقة 4/ 255 صدق ~~الله عز وجل: إنما أموالكم وأولادكم فتنة 4/ 294 صدق الله وكذب بطن أخيك 2/ ~~570 صدقة تصدق الله بها عليكم 1/ 460 الصراط المستقيم: الإسلام 2/ 325 ~~الصراط المستقيم: كتاب الله 1/ 20، 2/ 325 صلى صلى الله عليه وسلم إلى بيت ~~المقدس ستة عشر شهرا 1/ 118 صلى صلى الله عليه وسلم بذي قرد، فصف الناس ~~خلفه 1/ 459 صلى صلى الله عليه وسلم يوم الخندق الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء بعد ما غاب الشفق 1/ 216 صلى صلى الله عليه وسلم يوم الفتح خمس ~~صلوات بوضوء واحد 1/ 520 الصمد: السيد الذي يصمد إليه في الحوائج 4/ 506 ~~الصور: قرن ينفخ فيه ثلاث نفخات 2/ 45 الصوم جنة، والصدقة تكفر الخطيئة 3/ ~~440- الضاد- الضبع صيد، وفيه كبش إذا قتله المحرم 1/ 585 ضحك الله الليلة، ~~أو عجب من فعالكما 4/ 259 ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله 3/ 498 ضعوا ~~هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا 2/ 231- الطاء- الطاء: طور سيناء، ~~والسين الإسكندرية 3/ 334 طلق إحداهما 1/ 390 الطوفان: الموت 2/ 148، 3/ ~~402 طولها ستون ذراعا 3/ 370- العين- عبد سوء 2/ 547 عجب ربك من شاب ليست ~~له صبوة 3/ 538 عرضت علي أمتي وأعلمت من يؤمن بي 1/ 351 عفي لأمتي عما حدثت ~~به أنفسها ما لم تتكلم 2/ 428 علام تشتمني أنت وأصحابك؟ 4/ 250 على ملة ~~إبراهيم 1/ 269 # PageV04P524 # طرف الحديث الجزء/ الصفحة علي وفاطمة وولداها 4/ 64 عليكم منازلكم، فإنما ~~يكتب آثاركم 3/ 519 عمدا فعلته يا عمر 1/ 520 العيادة فواق ناقة 3/ 562- ~~الغين- الغاسق: النجم 4/ 509 غدا أخبركم بذلك 3/ 76 غراما: دائما 3/ 327 ~~غشيها فراش من ذهب 4/ 187 غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ 1/ 477- ~~الفاء- فأخرجوا التوراة، فإني مكتوب فيها 1/ 269 فإن أخبارها أن تشهد على ~~كل عبد وأمة 4/ 478 فأنت الحبر السمين 2/ 53 فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ~~ربها 2/ 564 فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته 2/ 527 فإني نذير لكم ~~بين يدي عذاب شديد 4/ 502 فأين أنت من شباب أهل مكة؟ 4/ 266 فبينا أنا أمشي ~~سمعت صوتا من السماء 1/ 13 فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ms2518 صلى الله عليه ~~وسلم في الحضر أربعا 1/ 459 فكذلك يحيي الله الموتى، وتلك آيته في خلقه 3/ ~~507 فلا تعد إليه 4/ 251 فلا تكن في مرية من لقاء موسى ربه 3/ 443 فما حملك ~~على ما صنعت؟ 4/ 267 فما رأيت عبقريا يفري فري عمر 3/ 128 فما يدريكم أنها ~~إناث؟ 4/ 75 فهلموا إلى التوراة 1/ 269 فيؤمر الملك بأربع كلمات: بكتب رزقه ~~وأجله 4/ 291 فيه جمع أبوك 4/ 282- القاف- قال جبريل: ألا أراك وضعت اللأمة ~~3/ 458 قال جبريل: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب 1/ 515 قال ذو الخويصرة: اعدل ~~يا رسول الله 2/ 269 قال علي: آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي 4/ ~~249 قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا 1/ 183 قال عمر: لو اتخذنا من ~~مقام إبراهيم 1/ 109 قالت اليهود: من يأتيك من الملائكة؟ 1/ 90 قام قيام ~~ليلة بآية يرددها 1/ 606 قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا 1/ 268 قد ~~أذنت لك 2/ 266 قد حرمت عليه 4/ 242 قد سمع الله ما تقول، فإن شاء أجابك 1/ ~~480 قد فعلت 3/ 139 قد قبلتك 3/ 465 قد كنت أحب أن أراك على غير جوار 3/ ~~329 القرن: أربعون سنة 2/ 9 القرن: مائة سنة 2/ 10 قسم صلى الله عليه وسلم ~~أموال بني النضير بين المهاجرين 4/ 257 قضى صلى الله عليه وسلم على أهل ~~الأموال حفظها بالنهار 3/ 203 قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم ~~القيامة 3/ 388 قل له: إن رسول الله يقول: بعني كذا 3/ 182 قلتم كذا وكذا ~~2/ 275 قم يا فلان، فإنك منافق 3/ 484 قم يا فلان، قم يا فلان 4/ 247 ~~القنطار: اثنا عشر ألف أوقية 1/ 264 القنطار: ألف ومائتا أوقية 1/ 264 ~~القنطار: ألف ومائتا دينار 1/ 264 القوة: الرمي 2/ 221 # PageV04P525 # طرف الحديث الجزء/ الصفحة قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد 3/ 481 ~~قيام العبد من الليل 3/ 440 قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدا 1/ 69 قيل ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي 4/ 147- الكاف- ~~كاتب الحسنات على يمين الرجل 4/ 159 كاد يصيبنا ms2519 في خلافك بلاء 2/ 225 كان ~~صلى الله عليه وسلم إذا جلس على المنبر أذن بلال 4/ 282 كان صلى الله عليه ~~وسلم إذا دفن الميت وقف على قبره 2/ 286 كان صلى الله عليه وسلم إذا سئل: ~~لمن هذا الأمر من بعدك؟ # لم يخبر بشيء 4/ 79 كان صلى الله عليه وسلم إذا صلى بالمسجد الحرام قام ~~رجلان 2/ 209 كان صلى الله عليه وسلم إذا صلى رفع بصره إلى السماء 3/ 255 ~~كان صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة يبايع الناس 4/ 133 كان ثعلبة يقول: ~~إنما يعطي محمد من يشاء 2/ 269 كان جبريل يتمثل لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا هبط عليه بالوحي في صورة رجل 4/ 184 كان (خلقه القرآن 4/ 319 كان ~~ذو الكفل رجلا لا ينزع عن ذنب 3/ 208 كان صلى الله عليه وسلم قد عاهد يهود ~~قريظة أن لا يحاربوه 2/ 219 كان صلى الله عليه وسلم لا يقبل الجزية إلا من ~~أهل الكتاب 1/ 594 كان ليعقوب أخ مؤاخ، فقال له ذات يوم 2/ 465 كان صلى ~~الله عليه وسلم يتزمل في ثيابه في أول ما جاء جبريل فرقا منه حتى أنس به 4/ ~~352 كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من بوار الأيم 3/ 315 كان صلى الله عليه ~~وسلم يثقل عليه إذا أوحي إليه 4/ 353 كان يجاء بالغنيمة فيقسمها صلى الله ~~عليه وسلم على خمسة 2/ 211 كان صلى الله عليه وسلم يجهز بالقراءة في ~~الصلوات كلها 1/ 26 كان صلى الله عليه وسلم يحب أن يليه أولو الفضل ليحفظوا ~~عنه 4/ 247 كان صلى الله عليه وسلم يخطب فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان ~~أحمران 4/ 294 كان صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ أقبلت عير 4/ 284 ~~كان صلى الله عليه وسلم يراوح بين قدميه، يقوم على رجل 3/ 150 كان صلى الله ~~عليه وسلم يرفع صوته بالقرآن بمكة 3/ 60 كان صلى الله عليه وسلم يستحلف ~~المرأة بالله: ما خرجت من بغض زوج 4/ 272 كان (إسرائيل) يسكن البدو فاشتكى ~~عرق النسا 1/ 305 كان يصعد لإدريس من ms2520 العمل مثلما يصعد 3/ 135 كان صلى الله ~~عليه وسلم يصلي بمكة عند الصفا فجهر بالقرآن 3/ 61 كان صلى الله عليه وسلم ~~يطعم معه بعض أصحابه فأصابت يد رجل منهم يد عائشة 3/ 479 كان صلى الله عليه ~~وسلم يعالج من التنزيل شدة وكان يشتد عليه حفظه 4/ 371 كان صلى الله عليه ~~وسلم يكتب: باسمك اللهم 3/ 60 كان صلى الله عليه وسلم يمتحنهن بشهادة أن لا ~~إله إلا الله 4/ 272 كان صلى الله عليه وسلم يوما يناجي عتبة وأبا جهل ~~وأمية.. # فجاء ابن أم مكتوم 4/ 399 كانا من جلد حمار ميت 3/ 153 كانت الأولى من ~~موسى نسيانا 3/ 95 كانت الملائكة تحج إلى البيت قبل آدم 1/ 111 كانوا أهل ~~قرية لئاما 3/ 101 كانوا مائة ألف يزيدون عشرين ألفا 3/ 554 الكبائر: ~~الإشراك بالله، وعقوق الوالدين 1/ 397 الكبائر سبع: الإشراك بالله أولهن 1/ ~~396 الكبائر: الشرك بالله، وقتل النفس 1/ 397 كتب صلى الله عليه وسلم إلى ~~هجر يدعوهم الى الإسلام 1/ 594 كذا أنزلت علي فاكتبها 2/ 55 كذب إبراهيم ~~ثلاث كذبات 2/ 457، 3/ 196 كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا 3/ 530 كفى بها ~~حماقة قوم أو ضلالة قوم أن يرغبوا عما جاء به نبيهم 3/ 411 # PageV04P526 # طرف الحديث الجزء/ الصفحة كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما ~~كان من يحيى بن زكريا 1/ 279 كل خير أرجوه من ربي 3/ 197 كل شيء بقدر حتى ~~العجز والكيس 4/ 204 كل مال أديت زكاته فليس بكنز 2/ 254 كل مولود يولد على ~~الفطرة 2/ 13، 3/ 422 كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم 1/ 300 كلمة ~~التقوى: لا إله إلا الله 4/ 136 كلهم في الجنة 3/ 511 كم من عذق رداح في ~~الجنة لأبي الدحداح 1/ 221 كنا نتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~العشر 1/ 11 كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد 3/ 449 الكنود: الذي يأكل ~~وحده، ويمنع رفده 4/ 484 كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم 1/ 323- اللام- لا ~~آكل حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله 3/ 318 لا أجد ما أحملكم ~~عليه 2/ 289، 3/ 21 لا ألفين ms2521 أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له ~~رغاء 1/ 343 لا إله إلا الله 3/ 557 لا، بل أستأني 3/ 33 لا، بل لكل من عبد ~~من دون الله 3/ 215 لا، بل للناس كافة 2/ 405 لا، بل هم الذين يصلون وهم ~~مشفقون 3/ 265 لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم 1/ 244 لا تجالسوهم ولا ~~تكلموهم 2/ 290 لا تجعلوا بيوتكم مقابر 1/ 24 لا تحلفوا بآبائكم 1/ 367 لا ~~تذكري لعائشة ما رأيت 4/ 305 لا تذكريه لأحد 4/ 305 طرف الحديث الجزء/ ~~الصفحة لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها 2/ 95 لا تسبوا ~~الدهر، فإن الله هو الدهر 4/ 100 لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق 3/ 57 لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم 3/ 410 لا ~~تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها 1/ 537 لا تقوم ~~الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها 2/ 95 لا تكرهن أحدا من أصحابك على المسير ~~معك 1/ 181 لا تمككوا على غرمائكم 4/ 135 لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن ~~الكتابة 3/ 275 لا حاجة لي فيه 4/ 305 لا خير في دين ليس فيه ركوع 4/ 386 ~~لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب 1/ 23 لا، فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد ~~من دون الله 1/ 298 لا نبرح حتى نناجزهم 4/ 126 لا، ولكن لا يبلغ عني إلا ~~رجل مني 2/ 232 لا يبقى على رأس مائة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد 3/ 97 ~~لا يتم بعد حلم 2/ 212 لا يخضد شوكها 4/ 222 لا يصلين أحد العصر إلا في بني ~~قريظة 3/ 458 لا يضرك بأيهما بدأت 3/ 530 لا يقبل الله دعاء من قلب غافل ~~لاه 1/ 146 لا ينحني له 2/ 474 لأستغفرن لك ما لم أنه عنك 2/ 304 لأمثلن ~~بكذا وكذا منهم 1/ 324 لئن ظفرت بقاتل حمزة لأمثلن به مثلة 2/ 594 لسرادق ~~النار أربعة جدر كثف 3/ 80 لعن صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله ~~وشاهديه وكاتبه 1/ 247 لعن صلى الله عليه وسلم الزهرة وقال: إنها فتنت ~~ملكين ms2522 1/ 95 # PageV04P527 # طرف الحديث الجزء/ الصفحة لعن صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة 2/ ~~545، 3/ 167 لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة 3/ 254 لقد حكمت ~~بحكم الله من فوق سبعة أرقعة 3/ 459 لقد ختمت بما تكلمت به يا ابن الخطاب ~~3/ 258 لقد ذهبتم فيها عريضة 1/ 325 لقد عجب من فعالكما أهل السماء 4/ 259 ~~لقريش 4/ 79 لكن الله يدري، وسيقضي بينهما 2/ 25 لم أومر بذلك 1/ 576 لم ~~نأت لقتال أحد إنما جئنا لنطوف بهذا البيت 4/ 126 لم يدخل صلى الله عليه ~~وسلم بيت المقدس ولم يصل فيه 3/ 8 لم يصافح صلى الله عليه وسلم في البيعة ~~امرأة 4/ 274 لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شك ولا سأل 2/ 350 لم ~~ينظر موسى إلى الله 4/ 70 لما أراد صلى الله عليه وسلم العمرة استنفر من ~~حول المدينة 4/ 130 لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير ~~خضر 1/ 347 لما انصرف صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع عنه اللأمة واغتسل ~~3/ 458 لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعا 1/ 567 لما بويع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليلة العقبة 2/ 204 لما تزوج صلى الله عليه وسلم زينب دعا ~~القوم فطعموا 3/ 478 لما حاصر صلى الله عليه وسلم قريظة سألوه أن يصالحهم ~~2/ 202 لما دعا صلى الله عليه وسلم على أهل مكة بالجرب فقحطوا 2/ 322 لما ~~غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت 4/ 187 لما قدم صلى الله عليه وسلم ~~المدينة كانت تنوبه نوائب وليس في يده # سعة 4/ 64 لما كان يوم الفتح أمر صلى الله عليه وسلم بلالا فصعد على ظهر ~~الكعبة فأذن 4/ 152 لما مات النجاشي أمرهم صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه ~~1/ 103 طرف الحديث الجزء/ الصفحة لما نزل عليه صلى الله عليه وسلم القرآن ~~صلى هو وأصحابه فأطال القيام 3/ 150 لما هزم الله المشركين يوم بدر 2/ 224 ~~لما يئس (من أهل مكة أن يجيبوه خرج إلى الطائف ليدعوهم 4/ 113 لمن عمل بها ~~من أمتي 2/ 405 ms2523 لو اتبع آخرهم أولهم التهب عليهم الوادي نارا 4/ 284 لو ~~أعطاني لأوفيته، إني لأمين في السماء أمين في الأرض 1/ 363 لو أمرت أحدا أن ~~يسجد لأحد لأمرت المرأة 1/ 200 لو أن يوسف قال: إني حفيظ عليم إن شاء الله، ~~لملك من وقته 2/ 450 لو أنزل الله بأسه باليهود لآمنوا 1/ 106 لو تعلمون ما ~~أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا 4/ 193 لو رأيتم الطير تخطفنا فلا تبرحوا ~~من مكانكم 1/ 334 لو كان على أبيك دين قضيته أفكان ذلك يجزئ عنه؟ 1/ 168 ~~لولا أن بني إسرائيل استثنوا لم يعطوا 1/ 77 لولا أن تحزن النساء، أو تكون ~~سنة بعدي لتركته 2/ 594 ليت شعري ما فعل أبواي؟ 1/ 106 ليس لبني النضير على ~~بني قريظة فضل في عقل ولا دم 1/ 557 ليلة خمس وعشرين 4/ 471 ليهنك العلم يا ~~أبا المنذر 1/ 229- الميم- المؤمن أكرم على الله عز وجل من بعض الملائكة 3/ ~~40 ما أخت خالك منك؟ 3/ 197 ما أدري تبعا، نبي أو غير نبي 4/ 93 # PageV04P528 # طرف الحديث الجزء/ الصفحة ما أردت بما أرى 2/ 297 ما الذي أثنى الله به ~~عليكم؟ 2/ 300 ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا 2/ 294 ما أنا بالذي يسأل ~~ربه هذا 3/ 52 ما أوحي إلي في هذا شيء 4/ 242 ما بالشعر بعثت ولا بالفخار ~~أمرت ولكن هاتوا 4/ 144 ما بهذا بعثت وقد أبلغتكم ما أرسلت به 3/ 52 ما ~~تجرع عبد جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ يكظمها 1/ 326 ما ترى يا ابن ~~الخطاب 2/ 224 ما توضأ عبد فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة، إلا غفر له 1/ ~~523 ما خلأت، ولكن حبسها حابس الفيل 4/ 126 ما السموات السبع في الكرسي إلا ~~كحلقة ملقاة في أرض فلاة 1/ 230 ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة ~~أيام تباعا 1/ 179 ما ظنك باثنين الله ثالثهما 2/ 261 ما علي لو فعلت والله ~~يعلم إني لكاره 3/ 42 ما عند رسول الله ما يطعمك هذه الليلة 4/ 259 ما ~~عندنا اليوم شيء 3/ 21 الماعون: الإبرة والماء والنار والفأس 4/ 496 ms2524 ما ~~كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية 2/ 527 ما لي أراك محزونا؟ 1/ 430 ~~ما لي أراكم سكوتا؟ 4/ 209 ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار ~~2/ 121 ما من أحد يلقى الله تعالى إلا وقد هم بخطيئة 2/ 430 ما من رجل لا ~~يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاع أقرع 1/ 353 ما من مسلم إلا ~~وله في السماء بابان 4/ 91 ما من مسلم دعا الله تعالى بدعوة ليس فيها قطيعة ~~رحم ولا إثم 1/ 146 طرف الحديث الجزء/ الصفحة ما نفعني مال قط ما نفعني مال ~~أبي بكر 1/ 534 ما هزم قوم إذا بلغوا اثني عشر ألفا من قلة 2/ 195 ما يغني ~~عنه قميصي من عذاب الله تعالى 2/ 286 ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة ~~الأعين 3/ 468 متعنا بنفسك يا أبا بكر 4/ 251 متعها ولو بقلنسوتك 1/ 212 ~~مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين 1/ 489 مرا بثعلبة وبفلان 2/ ~~282 مرجت عهودهم وأماناتهم 3/ 324 مرحبا بمن عاتبني فيه ربي 4/ 399 مررت ~~بقبر أمي فصليت ركعتين 2/ 303 مستقرها تحت العرش 3/ 524 معاذ الله، ما بذلك ~~بعثني 1/ 298 المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء 2/ 114 المغضوب عليهم: ~~اليهود 1/ 21 مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله 2/ 37 المقسطون في الدنيا ~~على منابر من لؤلؤ 1/ 369 ملعون من أتى النساء في أدبارهن 1/ 193 ملك من ~~الملائكة موكل بالسحاب 1/ 39 من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ (إذا ~~الشمس كورت) 4/ 405 من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أحبني 1/ 436 من أعطاكه؟ ~~1/ 561 من أغلق بابه فهو آمن 3/ 444 من توضأ وضوئي، ثم صلى الظهر غفر له ما ~~كان بينها وبين صلاة الصبح 2/ 407 من حفظ خواتيم سورة الكهف كانت له نورا ~~3/ 63 من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف 3/ 63 من حفظ عشر آيات من أول ~~سورة الكهف 3/ 63 من رغب عن سنتي فليس مني 1/ 577 من زوجك؟ 3/ 197 من سره ~~أن يقوم له الرجال صفونا ms2525 3/ 571 # PageV04P529 # طرف الحديث الجزء/ الصفحة من طاف بالبيت لم يرفع قدما ولم يضع أخرى إلا ~~كتب الله له بها حسنة 1/ 306 من عقر جواده 2/ 135 من قتل قتيلا فله كذا ~~وكذا، ومن أسر 2/ 186 من كان متحريا فليتحرها ليلة سبع وعشرين 4/ 471 من ~~كان منكم يريد أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث وعشرين 4/ 471 من لعن ~~شيئا لم يكن للعنه أهلا رجعت 1/ 566 من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ~~لم يزدد من # الله إلا بعدا 3/ 408 من مخاطبة العبد ربه 4/ 49 من نسي صلاة فليصلها إذا ~~ذكرها 3/ 154 من نوقش الحساب هلك 4/ 420 من هؤلاء؟ 2/ 293 من وجد الزاد ~~والراحلة 1/ 308 من يضيف هذا هذه الليلة يرحمه الله 4/ 259 مه يا عائشة، ~~فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش 4/ 246- النون- ناد: يا معشر الأنصار، يا ~~أصحاب السمرة 2/ 247 ناولني حصيات 2/ 247 ناولني كفا من حصباء 2/ 195 نبزهم ~~الرافضة 4/ 150 نبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة 4/ 186 نبي ~~ضيعه قومه 1/ 531 نحن الآخرون السابقون يوم القيامة 1/ 178 نحن معاشر ~~الأنبياء لا نورث 3/ 118 النخلة لك ولعيالك 4/ 454 نزل صلى الله عليه وسلم ~~يوم بدر وبينه وبين الماء رملة 2/ 192 نزلت المائدة من السماء خبزا ولحما ~~1/ 603 نزلت في المؤذنين 4/ 52 طرف الحديث الجزء/ الصفحة نصرت بالصبا ~~وأهلكت عاد بالدبور 2/ 215 نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر ~~4/ 294 نعم 3/ 44 نعم، (نهيت عن القتال في الشهر الحرام) 1/ 156 نعم، ومن ~~لم يسجدهما فلا يقرأهما 3/ 251 نعم، يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم ~~3/ 533 النعيم: الأمن والصحة 4/ 486 النعيم: الماء البارد 4/ 486 نفاعا ~~حيثما توجهت 3/ 130 نهى (أن تنكح المرأة على عمتها 1/ 392 نهى (عن البول في ~~الماء الدائم 4/ 339 نهى (عن قتل النساء والصبيان 1/ 544 نهى (عن متعة ~~النساء 1/ 392 نور يقذفه الله في القلب فينفتح القلب 2/ 75- الهاء- هات ~~المفتاح 1/ 423 هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني 2/ 282 هذا ما اصطلح عليه ~~محمد بن عبد ms2526 الله وسهيل بن عمرو 2/ 237 هذا ما أوحي إلي أنه محرم على ~~المسلمين وعلى اليهود 2/ 89 هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو أن هذا الدين ~~معلق بالثريا لتناوله رجال من فارس 4/ 124 هذه أمتي، بالحق يأخذون ويعطون ~~2/ 173 هذه لكم، وقد أعطي القوم مثلها 2/ 173 هل أعطاك أحد شيئا؟ 1/ 561 هل ~~تدرون ما الكوثر؟ 4/ 497 هل تدرون ما قال ربكم؟ 4/ 214، 229 هل تدرون مم ~~أضحك؟ 4/ 49 # PageV04P530 # طرف الحديث الجزء/ الصفحة هل تعرف هذا الكتاب؟ 4/ 267 هل جئتم في عهد؟ 4/ ~~134 هل جعل لكم أحد أمانا؟ 4/ 134 هل عندكن شيء؟ 4/ 258 هل متعتها بشيء؟ 1/ ~~212 هل مررت بوادي أهلك محلا ثم مررت به يهتز خضرا؟ 3/ 507 هلا قلت: إن أبي ~~هارون وإن عمي موسى وإن زوجي محمد 4/ 149 هلك المصرون 2/ 426 هم الجن، وإن ~~الشيطان لا يخبل أحدا في داره 2/ 221 هم اليوم أربعة 4/ 331 هم قوم هذا 1/ ~~560 همت يهود بالغدر فأخبرني الله بذلك 4/ 253 هو قرن ينفخ فيه 2/ 45 هو ~~لكم كالمائدة لبني إسرائيل 1/ 99 هو مسجدي هذا 2/ 298 هو نهر أعطانيه ربي ~~عز وجل في الجنة 4/ 497- الواو- والذي بعثني بالحق، لو فعلا لأمطر الوادي ~~1/ 289 والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن 4/ 505 والذي نفسي بيده، لو ~~دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا 4/ 467 والذي نفسي بيده، ما أنزل في ~~التوراة ولا في الانجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها 1/ 17 والله ~~لأرضينك، وإني مسر إليك سرا فاحفظيه 4/ 305 والله لأمثلن بسبعين منهم 2/ ~~594 والله لو باعني أو أسلفني لقضيته 3/ 182 والله ما أخرجكن الا حب الله ~~ورسوله 4/ 271 وإليك نسعى ونحفد 2/ 572 وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا ~~أعذرهم 2/ 293 وأي شيء أقول فيه! هو عبد الله 1/ 502 وتجعلون رزقكم، قال: ~~شكركم 4/ 229 وجدني في أهل غنيمة بشق 2/ 551 الورود: الدخول، لا يبقى بر ~~ولا فاجر إلا دخلها 3/ 143 وفى عمل يومه بأربع ركعات في أول النهار 4/ 192 ~~ولا تجزي عن أحد بعدك 2/ 250 ولذكر الله إياكم ms2527 أكبر من ذكركم إياه 3/ 409 ~~وما تصنع بها؟ 4/ 251 وما هي يا عبد الله؟ 1/ 187 وما يدريك يا عمر لعل ~~الله اطلع على أهل بدر 4/ 267 ومم ذاك؟ 3/ 465 ومن صاحبكم 1/ 502 ويأتيك من ~~لم تزوده بالأخبار 3/ 531 ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره خير من كثير 2/ ~~281 ويسعى بذمتهم أدناهم 2/ 239 ويل: واد في جهنم 1/ 82- الياء- يؤتى بجهنم ~~يومئذ لها سبعون ألف زمام 4/ 444 يؤتى بالرجل الطويل الأكول الشروب العظيم ~~2/ 103، 3/ 112 يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه 3/ ~~330 يؤتى يوم القيامة بناس إلى الجنة 3/ 132 يا أبا المنذر، أتدري أي آية ~~من كتاب الله معك أعظم؟ 1/ 229 # PageV04P531 # طرف الحديث الجزء/ الصفحة يا أبا ذر، أتدري فيما انتطحتا؟ 2/ 25 يا أبا ~~ذر، تدري أين ذهبت الشمس؟ 2/ 563 يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق ~~السموات والأرض 1/ 155 يا ثوبان، ما غير وجهك؟ 1/ 430 يا جابر، لا أراك ~~ميتا من وجعك هذا 1/ 504 يا جبريل، لم اتخذ الله إبراهيم خليلا؟ 1/ 478 يا ~~جبريل، ما يمنعك أن تزورنا 3/ 139 يا جد، هل لك في جلاد بني الأصفر؟ 2/ 266 ~~يا رب، كيف أصنع؟ إنما أنا وحدي يجتمع علي الناس 1/ 568 يا رب، كيف بالغضب ~~2/ 181 يا رحمن يا رحيم 3/ 60 يا صباحاه 4/ 502 يا عائشة، أما شعرت أن الله ~~أخبرني بدائي 4/ 507 يا عبد الله، هذه مؤمنة 1/ 187 يا عم، إنما أريد منهم ~~كلمة تذل لهم بها # العرب 3/ 557 يا عماه، إن الله قد عصمني من الجن والإنس 1/ 568 يا عمر، ~~إن أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم 4/ 109 يا عمر، ضع سيفك 4/ 98 يا عمرو، صليت ~~بأصحابك وأنت جنب؟ 1/ 396 يا فلان، أخرج فإنك منافق 2/ 293 يا فلان، يا ~~فلان، اشهدوا 4/ 196 يا معشر الشباب، عليكم بالباءة 3/ 293 يا معشر قريش، ~~اشتروا أنفسكم من الله 3/ 350 يا مقداد، أقتلت رجلا قال: لا إله إلا الله ~~1/ 452 يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة 2/ 282 يا يهودي، إن الإسلام يسبك ~~الرجال ms2528 3/ 225 يأجوج أمة، ومأجوج أمة 3/ 109 يأمر الله عز وجل إسرافيل ~~بالنفخة الأولى 4/ 37 يبسطها ويمدها مد الأديم 2/ 520 يتجلى لهم الرب 4/ ~~164 يجزئك الثلث 2/ 203 يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل 1/ 119 يحشر ~~الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا 3/ 217 يخرج رجل من النار قد ذهب حبره ~~وسبره 1/ 551 يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار ~~2/ 121 يطوي الله عز وجل السموات يوم القيامة 4/ 26 يعرض الناس يوم القيامة ~~ثلاث عرضات 4/ 331 يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما 4/ 211 يقبض الله الأرض ~~يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه 4/ 26 يقرب إليه فيكرهه، فإذا أدني منه ~~شوى 2/ 508 يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه 4/ 414 يكشف ربنا عن ساقه ~~4/ 325 يمنعني الله منك 1/ 525 يوضع في مسامعهم مسامير من نار 3/ 214 # PageV04P532 ### | 3- # فهرس القوافي القافية: الشاعر: ج/ ص- الألف- جزى: أبو النجم: 1/ 605 ~~العلا: أبو النجم: 1/ 605 وإن شرا فا:: 1/ 26 إلا أن تا:: 1/ 26 ألا تا:: ~~1/ 26 ألا فا:: 1/ 26 السرى:: 3/ 102 ما مضى:: 3/ 154 اليمنى:: 3/ 383 ~~يبلى:: 3/ 383- الهمزة- وراءها: قيس بن الخطيم: 4/ 204 نساء: زهير بن أبي ~~سلمى: 1/ 66 السواء: زهير بن أبي سلمى: 1/ 290 بقاء: زهير بن أبي سلمى: 1/ ~~290 نشاء: زهير بن أبي سلمى: 1/ 431 كفاء: حسان بن ثابت: 1/ 91 هواء: حسان ~~بن ثابت: 2/ 518 ضوضاء: الحارث بن حلزة: 1/ 437 مبوؤها: إبراهيم بن هرمة: ~~2/ 134 الأحياء: عدي بن الرعلاء: 1/ 271 البناء:: 2/ 123 القافية: الشاعر: ~~ج/ ص الأعداء:: 2/ 220 السواء:: 2/ 220- الباء- العجب:: 3/ 560 الذنب:: 3/ ~~560 صبا:: 4/ 496 مخضبا: الأعشى: 3/ 64 واصبا: أبو الأسود الدؤلي: 2/ 564 ~~دائبا:: 2/ 260 طنبا: أوس بن حجر: 2/ 527 صليبا: الهذلي: 1/ 509 قريبا: ~~الأعشى: 2/ 145 يتذبذب: النابغة الذبياني: 1/ 44 مذهب: النابغة الذبياني: ~~2/ 507 ومذنب: الكميت بن زيد: 2/ 23 ومعرب: الكميت بن زيد: 4/ 29 فتصوبوا: ~~النابغة الجعدي: 2/ 179 يغضبوا: ابن الضريبة: 2/ 366 وعقرب:: 1/ 331 أرغب:: ~~2/ 506 والمهلب:: 3/ 83 عاتب:: 1/ 386 صاحب:: 1/ 386 سارب:: 2/ 485 # PageV04P533 # القافية الشاعر ج/ ص الأسباب:: 2/ 429 الطرب: الكميت: 1/ 280 غضبوا: ابن ~~قيس الرقيات: ms2529 2/ 280 العرب: ابن قيس الرقيات: 2/ 280 منقضب: ذو الرمة: 2/ ~~527 ولا ندب: ذو الرمة: 2/ 533 الكذوب: ابن الزبعرى: 1/ 27 مجيب: كعب بن ~~سعد الغنوي: 1/ 36 و 146 و 348 وقليب: كعب بن سعد الغنوي: 2/ 238 دبيب: ~~علقمة بن عبدة: 1/ 39 فصليب: علقمة بن عبدة: 1/ 232 و 290 و 430 و 4/ 204 ~~طبيب: علقمة بن عبدة: 3/ 326 و: 4/ 335 لبيب: المضرب بن كعب: 1/ 506 لغريب ~~ضابئ البرجمي: 2/ 255 يصوب:: 1/ 49 ذنوب:: 1/ 175 و 2/ 138 طبيب:: 2/ 115 ~~تشيب: 2/ 115 ذنوب:: 4/ 174 القليب:: 4/ 174 وغاربه: أبو الغمر الكلابي: 1/ ~~470 وأخاطبه: ذو الرمة: 2/ 530 وملاعبة: ذو الرمة: 2/ 530 ثاقبه:: 1/ 36 ~~كذابه: الأعشى: 4/ 390 طلابها: أبو ذؤيب: 1/ 316 جوابها: الفرزدق: 1/ 358 و ~~2/ 398 ثوابها:: 1/ 331 أبي كعب:: 3/ 213 القافية الشاعر ج/ ص الكواكب: بشر ~~بن أبي خازم: 2/ 527 المعذب: امرؤ القيس: 4/ 162 تطيب: امرؤ القيس: 4/ 162 ~~تطيب امرؤ القيس: 4/ 162 لغرب:: 4/ 366 عائبي: أبو الغول الطهوي: 1/ 402 ~~العقارب: جرير: 2/ 89 الكتائب: النابغة الذبياني: 2/ 280 الكواكب: النابغة ~~الذبياني: 2/ 565 بالحواجب: القناني: 2/ 385 وبالشراب: امرؤ القيس: 3/ 29 ~~بالإياب امرؤ القيس: 4/ 164 السحاب:: 4/ 356 نشب: عمرو بن معديكرب: 1/ 242 ~~و 2/ 382 النقب: دريد بن الصمة: 1/ 527 والذهب: مالك بن نويرة: 4/ 214 ~~الذنب:: 1/ 55 تأويب: سلامة بن جندل: 3/ 513 بالكوب: عدي بن زيد: 4/ 83 ~~كالزبيب:: 4/ 386- التاء- طولت:: 4/ 29 أمئيت:: 4/ 29 فكررت:: 4/ 29 ثلثت:: ~~4/ 29 سبعت:: 4/ 29 مقيتا: أحيحة بن الجلاح: 1/ 441 أتيتا:: 2/ 426 هيتا:: ~~2/ 426 # PageV04P534 # القافية الشاعر ج/ ص أسكتا:: 2/ 426 لهيتا:: 2/ 426 البغت: يزيد بن ضبة: ~~2/ 21 ودعوت: قيس لبنى: 2/ 503 وقضيت: قيس لبنى: 2/ 503 سريت رؤبة:: 4/ 154 ~~ليت: رؤبة: 4/ 154 ميت:: 1/ 271 واستقيت:: 1/ 271 مشيت:: 4/ 401 مقيت:: 1/ ~~441 برت كثير عزة: 1/ 196 و: 581 تقلت كثير عزة: 2/ 267 ملت: كثير عزة: 4/ ~~72 فاستقرت: العجاج: 4/ 478 فاقفعلت:: 1/ 23 واللاتي:: 1/ 381 لداتي:: 1/ ~~381- الجيم- الفلج:: 3/ 231 و 4/ 320 بالفرج:: 3/ 126 و 231 و 4/ 320 ~~الساج:: 4/ 457 النساج:: 4/ 457 تأججا:: 3/ 329 تهملج: النابغة الجعدي: 3/ ~~372- الحاء- أروح:: 4/ 461 برح:: 4/ 461 يسنح:: 4/ 461 نشرح:: 4/ 461 ~~القافية ms2530 الشاعر ج/ ص فافرح:: 4/ 461 ورمحا: ابن الزبعرى: 1/ 522 و 4/ 222 ~~الصروحا: أبو ذؤيب الهذلي: 3/ 365 شيحا المضرس بن ربعي: 4/ 162 أكدح: تميم ~~بن مقبل: 1/ 416 و 3/ 420 و 4/ 420 يبرح: ذو الرمة: 1/ 41 أملح:: 1/ 38 و ~~100 أروح:: 3/ 83 الطوائح: نهشل بن حري: 2/ 529 الرياح: الهذلي: 1/ 199 ~~مذبوح: أبو ذؤيب الهذلي: 3/ 81 الريح:: 2/ 131 وأستريح:: 2/ 131 كشوحها: ~~النمر بن تولب: 1/ 323 راح: جرير: 1/ 50 و 3/ 302 و 414 جناحي: جرير: 3/ ~~383 بقرواح: أوس بن حجر: 1/ 470 القماح: بشر بن أبي خازم: 3/ 518 والجناح:: ~~3/ 156 رزاح:: 4/ 85 وذبائح:: 2/ 456- الدال- من أحد: منظور الوبري: 1/ 287 ~~من أسد: منظور الوبري: 1/ 287 في العدد: منظور الوبري: 1/ 287 الصمد: سبرة ~~الأسدي: 4/ 506 معد: الحارث بن دوس: 4/ 198 وبرد:: 2/ 568 الممتاد: رؤبة: ~~1/ 601 # PageV04P535 # القافية الشاعر ج/ ص تغريد:: 4/ 25 بإقليد:: 4/ 25 بردا: العرجي: 1/ 583 ~~و 4/ 390 بعدا:: 1/ 23 وجدا:: 1/ 23 جهدا:: 1/ 23 بها بدا:: 1/ 509 محمدا: ~~الأعشى: 1/ 381 مخلدا: حطائط بن يعفر: 2/ 383 جلمدا: الأحوص: 3/ 30 جامدا: ~~الأحوص: 3/ 30 الذائدا:: 1/ 464 واحدا:: 1/ 464 باردا:: 1/ 522 و 4/ 222 ~~نكدا:: 2/ 132 صردا:: 2/ 552 بددا:: 2/ 552 الوالدة:: 2/ 346 جيدها:: 2/ ~~390 والبعد: الحطيئة: 1/ 555 قدوا: الحطيئة: 2/ 238 الفرد: حسان بن ثابت: ~~4/ 321 يخلد: حسان بن ثابت: 3/ 113 ويولد:: 2/ 171 يبرد:: 4/ 337 سبد: ~~الراعي النميري: 2/ 270 سود: الأعشى: 1/ 323 بعيد: عروة بن حزام: 2/ 130 ~~ومحصود # : 2/ 327 و: 3/ 579 المجلود:: 2/ 420 تعود:: 3/ 199 وقعود:: 3/ 199 أمده: ~~الطرماح: 1/ 273 عهد: الحكم بن عبدل: 1/ 470 العبد: المقنع الكندي: 2/ 178 ~~عن خد:: 2/ 208 أصدي:: 2/ 208 ضحى: غد عدي بن زيد: 2/ 66 المتردد عدي بن ~~زيد: 3/ 153 متهجد: النابغة الذبياني: 3/ 47 يرشد: النابغة الذبياني: 3/ 47 ~~نقعد: امرؤ القيس: 3/ 154 قدي: حميد الأرقط: 3/ 551 موقد الحطيئة: 4/ 78 ~~يوأد: الفرزدق: 4/ 406 [مخلدي] : طرفة: 3/ 420 تزود: طرفة: 3/ 531 بأوحد: ~~طرفة: 3/ 421 و 4/ 455 المتشدد: طرفة: 4/ 482 باليد:: 2/ 489 المتعمد:: 3/ ~~164 أم خالد الأشهب بن رميلة: 1/ 37 و: 4/ 19 الأساود: الأشهب بن رميلة: 4/ ~~324 وتالد: متمم بن نويرة: 1/ 351 رماد: ms2531 حسان بن ثابت: 3/ 361 الأوتاد: ~~الأسود بن يعفر: 3/ 561 وغادي:: 1/ 112 فقد: النابغة الذبياني: 1/ 47 ~~البرد:: 2/ 392 شديد: أبو زبيد الطائي: 2/ 157 المنجود: أبو زبيد الطائي: ~~2/ 444 بمردود: هانئ بن شكيم: 2/ 471 # PageV04P536 # القافية الشاعر ج/ ص وثمود:: 1/ 41 جحود:: 1/ 41 رود:: 4/ 430 المديد:: ~~4/ 442 المشيد:: 4/ 442 الحشيد:: 4/ 442 وعيدي:: 4/ 442 شديد:: 4/ 442 ~~والعديد:: 4/ 442 هود:: 4/ 442 الرشيد:: 4/ 442 محيد:: 4/ 442 البعيد:: 4/ ~~442 حصيد:: 4/ 442 حدادها: الأعشى: 1/ 151 [فادها] : الأعشى: 1/ 387- ~~الراء- أو مضر: لبيد: 1/ 38 اعتذر: لبيد: 2/ 287 و 288 و 4/ 431 أنتصر: ~~امرؤ القيس: 1/ 259 و 2/ 516 نكر: عبيدة بن همام: 1/ 298 و 437 نسر: النمر ~~بن تولب: 1/ 513 درر: النمر بن تولب: 4/ 207 معتصر: ابن أحمر: 2/ 445 ~~الضجر:: 1/ 172 الشجر:: 2/ 552 ضرر:: 2/ 552 اعتكر:: 4/ 378 زهر:: 4/ 378 ~~المسير:: 4/ 95 القافية الشاعر ج/ ص الحير:: 4/ 95 سمرا: الفرزدق: 1/ 335 ~~قدرا: ذو الرمة: 1/ 501 تمرا:: 2/ 209 وزبرا:: 2/ 209 خضرا:: 4/ 217 أحمرا: ~~امرؤ القيس: 2/ 60 بيقرا: امرؤ القيس: 4/ 180 أضمرا: الفرزدق: 2/ 335 ~~مسكرا: الفرزدق: 3/ 23 أبجرا: الأبيرد الرياحي: 3/ 541 وأقهرا: المخبل ~~السعدي: 3/ 545 المنفرا: ليلى الأخيلية: 4/ 360 موفرا:: 2/ 429 مشارا: ~~الأعشى: 1/ 340 و 4/ 379 نارا: أبو دؤاد الإيادي: 1/ 401 [واستنارا] : ~~الراعي النميري: 2/ 94 ووقارا: أبو عريف الكلبي: 2/ 247 الإزارا: ابن أحمر: ~~2/ 360 عقارا: المسيب بن علس: 4/ 417 إعصارا:: 1/ 240 حمارا:: 1/ 309 ~~مستعارا:: 2/ 116 و 435 إكبارا:: 2/ 436 نفرا: الربيع بن منيع الفزاري: 3/ ~~532 والقمرا: جرير: 4/ 92 سكرا:: 2/ 569 كفورا: الأسود بن عامر بن جوين: 1/ ~~437 كبيرا: أمية بن أبي الصلت: 2/ 128 سريرا: أمية بن أبي الصلت: 2/ 128 ~~صورا: أمية بن أبي الصلت: 2/ 128 # PageV04P537 # القافية الشاعر ج/ ص ذكورا: الأعشى: 4/ 116 مستطيرا: الأعشى: 4/ 377 ~~والفقيرا:: 1/ 175 كسيرا:: 3/ 571 ستر: مسكين الدارمي: 1/ 38 الخدر: مسكين ~~الدارمي: 1/ 38 وقر: مسكين الدارمي: 1/ 38 الدهر: حاتم الطائي: 2/ 139 ~~الفقر: حاتم الطائي: 2/ 139 الصدر: حاتم الطائي: 4/ 230 الفجر: أبو صخر ~~الهذلي: 2/ 470 الشكر: أبو صخر الهذلي: 3/ 209 أجر:: 1/ 55 يعصر:: 2/ 444 ~~المقادر: ذو الرمة: 3/ 64 القصائر: كثير عزة: 4/ 216 ms2532 البحاتر: كثير عزة: 4/ ~~216 عامر:: 2/ 429 الهواجر:: 4/ 364 قماطر:: 4/ 378 الصفر: الأعشى: 1/ 246 ~~الزفر: أعشى باهلة: 1/ 312 و 4/ 50 الغمر: أعشى باهلة: 4/ 225 الصدور: ~~العباس بن مرداس: 2/ 345 و 3/ 224 بور: ابن الزبعرى: 3/ 315 القدور:: 1/ ~~114 و 2/ 236 و 366 صور:: 1/ 236 لمغرور:: 1/ 263 الصور:: 2/ 45 القافية ~~الشاعر ج/ ص لصبور:: 2/ 516 كثير:: 2/ 571 قذور:: 2/ 571 يضره: النابغة ~~الذبياني: 1/ 339 و: 2/ 381 مره: النابغة الذبياني: 2/ 381 يسره: النابغة ~~الذبياني: 2/ 381 نشورها: خالد بن زهير الهذلي: 1/ 68 و 340 وبسورها: توبة ~~بن الحمير: 4/ 363 الجمر: عمران بن حطان: 1/ 106 الجزر: خرنق بنت هفان: 1/ ~~498 الأزر: خرنق بنت هفان: 1/ 498 شهر: زهير بن أبي سلمى: 2/ 298 و 552 لا ~~يفري: زهير بن أبي سلمى: 3/ 258 و 4/ 265 البحر: ذو الرمة: 2/ 316 الخمر: ~~المسيب بن علس: 4/ 379 عمرو: عبد الرحمن المحاربي: 3/ 212 بنكر: زيد بن ~~عمرو بن نفيل: 3/ 395 ضر: زيد بن عمرو بن نفيل: 3/ 395 بالغدر:: 1/ 88 أبي ~~بكر:: 1/ 225 وذا ظفر:: 2/ 88 ولا ظفري:: 2/ 88 بني صخر:: 2/ 464 إلى وكر:: ~~2/ 516 الصدر:: 3/ 148 والنكر:: 4/ 265 وحمير: لبيد: 1/ 29 المسحر: لبيد: ~~3/ 29 منكر: عبيد بن وهب العبسي: 3/ 72 الحميري: أبو ذؤيب: 4/ 415 # PageV04P538 # القافية الشاعر ج/ ص لعامر: الراعي النميري: 1/ 44 عامر: الراعي النميري: ~~3/ 226 بالجرائر: الشنفري: 2/ 43 الناشر: الأعشى: 2/ 131 و 4/ 402 قابر: ~~الأعشى: 4/ 402 للحوافر: زيد الخيل: 2/ 563 المواطر:: 1/ 22 المقادر:: 1/ ~~22 المقادر:: 3/ 246 وانتظاري: عدي بن زيد: 1/ 49 اعتصاري: عدي بن زيد: 2/ ~~445 نهار: ربيع بن زياد: 1/ 293 الأسحار: ربيع بن زياد: 1/ 293 الساري: ~~الأخطل: 4/ 178 إزاري:: 1/ 148 وعار:: 4/ 395 قدر: جرير: 1/ 38 عوري: ابن ~~مقبل: 2/ 524 دعر: ابن مقبل: 3/ 382 بالسور:: 3/ 231 منثور: الفرزدق: 3/ 39 ~~القدور:: 1/ 259 أظفور:: 2/ 88 زور:: 2/ 128 غدور:: 2/ 255 الأمير:: 3/ 568 ~~دارها:: 4/ 398 سرارها:: 4/ 398- الزاي- الأجراز:: 3/ 65 القافية الشاعر ج/ ~~ص عز بزا: الخنساء: 1/ 487 و 2/ 319 اللمزة: زياد الأعجم: 2/ 269 و 4/ 489 ~~مبزي: رؤبة: 1/ 70 بالرجز: رؤبة: 1/ 70- السين- الأخماس: رؤبة: 2/ 29 ~~وإبلاس: رؤبة: 2/ 29 بسا:: 4/ 219 ms2533 مكرسا: العجاج: 2/ 29 وأبلسا: العجاج: 2/ ~~29 تنفسا: علقمة بن قرط: 4/ 408 وعسعسا: علقمة بن قرط: 4/ 408 التباسا: ~~النابغة الجعدي: 1/ 36 لباسا: النابغة الجعدي: 4/ 211 بئيسا: ذو الإصبع ~~العدواني: 2/ 164 رأس:: 3/ 213 المجلس: المهلهل: 1/ 89 و 3/ 43 الجلس:: 1/ ~~78 الفوارس: ذو الرمة: 3/ 71 نفسي: الخنساء: 4/ 78 بالتأسي: الخنساء: 4/ 78 ~~حندس:: 3/ 82 السندس:: 3/ 82 الجواميس: جرير: 2/ 563- الشين- قريشا:: 4/ ~~494 ريشا:: 4/ 494 # PageV04P539 # القافية الشاعر ج/ ص- الصاد- وتبوص: امرؤ القيس: 3/ 559 خميص:: 1/ 30 و ~~192 2/ 136 و 563 و 4/ 204 حريص:: 2/ 122- الضاد- تقضى: رؤبة: 1/ 250 بعضا: ~~رؤبة: 1/ 250 بالمعضى: رؤبة: 2/ 544 أرضى:: 2/ 368 ما مضى:: 3/ 154 بعض: ~~طرفة: 3/ 122 نقضي:: 2/ 416 عرضي:: 2/ 416 تبيضضي:: 2/ 429- الطاء- ~~المناشطا: هميان بن قحافة: 4/ 394 واسطا: هميان بن قحافة: 4/ 394- العين- ~~خدع: سويد بن أبي كاهل: 1/ 31 رتع: سويد بن أبي كاهل: 2/ 417 المستمع:: 1/ ~~54 جذع:: 2/ 149 أضع:: 2/ 149 بصاع:: 2/ 429 مدفعا: امرؤ القيس: 1/ 436 و ~~2/ 364 أشنعا: مقاس العائذي: 2/ 39 المقنعا: جرير: 1/ 434 مصنعا:: 2/ 456 ~~القافية الشاعر ج/ ص أطمعا:: 2/ 517 ممنعا:: 4/ 162 اتباعا: القطامي: 4/ ~~343 ذراعا:: 2/ 389 قد ينعا: الأحوص أو يزيد: 2/ 61 مضطجعا: الأعشى: 2/ 291 ~~والصلعا: الأعشى: 2/ 385 و 4/ 384 خدوعا:: 1/ 294 رفعه: الأضبط بن قريع: 1/ ~~561 تدفع: أبو ذؤيب الهذلي: 1/ 227 ترقع: أبو ذؤيب الهذلي: 1/ 544 تبع: أبو ~~ذؤيب الهذلي: 4/ 47 يجزع: أبو ذؤيب الهذلي: 4/ 179 الخشع: جرير: 2/ 416 ~~وتقطع: أوس بن حجر: 2/ 464 أتقنع: غيلان بن سلمة: 4/ 359 مدمع:: 1/ 502 ~~أطمع:: 2/ 166 مجمع:: 2/ 341 و 3/ 166 نوازع: النابغة الذبياني: 1/ 41 ~~سابع: النابغة الذبياني: 1/ 58 الأصابع: النابغة الذبياني: 2/ 434 ساطع: ~~لبيد: 1/ 175 و 3/ 397 و 4/ 420 الأصابع: لبيد: 2/ 507 الزعازع: الفرزدق: ~~2/ 158 الطوالع: الفرزدق: 4/ 78 الودائع: بيهس العذري: 3/ 95 طالع: عبد ~~الله بن # رواحة: 3/ 198 المضاجع: عبد الله بن رواحة: 3/ 198 مجاشع:: 2/ 107 نافع:: ~~4/ 336 # PageV04P540 # القافية الشاعر ج/ ص وجيع: عمرو بن معديكرب: 1/ 487 صديع: عمرو بن ~~معديكرب: 2/ 545 رجوع: قيس بن ذريح: 2/ 343 رجوعها: الأحوص: 3/ 262 مصرعي: ~~خبيب بن عدي: 1/ 170 ممزع: خبيب بن عدي: 1/ 170 والأقرع: العباس بن مرداس: ms2534 ~~3/ 530 بجائع: امرأة من قشير: 1/ 373 فارع: مقيس بن صبابة: 1/ 450 راجع: ~~مقيس بن صبابة: 1/ 450 القصاع: الحطيئة: 1/ 211 ربوع: الشماخ: 2/ 99 ~~القنوع: الشماخ: 3/ 239- الفاء- قاف:: 1/ 26 و 4/ 157 [الأكفا] :: 2/ 505 و ~~506 أوجفا: العجاج: 2/ 406 فزلفا: العجاج: 2/ 406 احقوقفا: العجاج: 2/ 406 ~~دنفا: العجاج: 3/ 46 تزحلفا: العجاج: 3/ 46 الوظيفا: الهذلي: 2/ 506 مشرف: ~~الفرزدق: 1/ 532 مجلف: الفرزدق: 3/ 164 تقصف:: 2/ 470 المخلف:: 2/ 470 ~~وزائف: المزرد: 3/ 78 نزاحف:: 1/ 286 تحانف:: 1/ 286 كاسف:: 2/ 509 القافية ~~الشاعر ج/ ص الرواجف:: 4/ 494 مختلف: عمرو بن امرئ القيس: 2/ 255 أو المرار ~~الأسدي و 3/ 501 و 4/ 159 طرف: جرير: 3/ 194 تنغرف: قيس بن الخطيم: 3/ 283 ~~خلاف:: 1/ 353 الأعراف:: 2/ 123- القاف- المصطلق:: 3/ 100 وانطلق:: 3/ 100 ~~نطق:: 3/ 101 تلق:: 3/ 284 طارق: هند بنت عتبة: 4/ 428 النمارق: هند بنت ~~عتبة: 4/ 428 ساق:: 4/ 325 بالمضيق:: 3/ 333 السرادقا: الفرزدق: 3/ 80 ~~حقائقا:: 4/ 421 سائقا:: 4/ 421 دقيقا:: 1/ 112 لبيقا:: 1/ 112 يبرق: ذو ~~الرمة: 1/ 41 الغرق: العباس بن عبد المطلب: 3/ 525 شرق:: 3/ 337 وتنطلق:: ~~3/ 337 تذوق: حميد بن ثور: 2/ 490 إبريق: عدي بن زيد: 4/ 221 يذوق:: 1/ 281 ~~أطيق:: 3/ 392 # PageV04P541 # القافية الشاعر ج/ ص تشقق: عقفان بن قيس: 2/ 88 تفتق: الشماخ أو المزرد: ~~3/ 17 تبرق: طرفة: 4/ 369 موثق:: 1/ 42 متألق:: 1/ 42 أيانق: عمارة بن ~~طارق: 4/ 503 شقاق: بشر بن أبي خازم: 1/ 570 مراق: عوف بن الأحوص: 2/ 43 ~~العراق:: 2/ 128 مهراق:: 2/ 128 طبق: الأقرع بن حابس: 4/ 422- الكاف- ~~حلالك: عبد المطلب: 4/ 491 محالك: عبد المطلب: 4/ 491 عيالك: عبد المطلب: ~~4/ 491 جلالك: عبد المطلب: 4/ 491 بدا لك: عبد المطلب: 4/ 491 مكا:: 4/ 135 ~~وعكا:: 4/ 135 عذلكا:: 1/ 116 مثلكا:: 1/ 116 مباركا: أبو خالد القناني: 1/ ~~16 إيثاركا: أبو خالد القناني: 1/ 16 أنا ذلكا: خفاف بن ندبة: 1/ 27 ~~عزائكا: الأعشى: 1/ 198 نسائكا: الأعشى: 1/ 198 مالكا:: 1/ 297 سواكا: عبد ~~المطلب: 4/ 491 حماكا: عبد المطلب: 4/ 491 عاداكا: عبد المطلب: 4/ 491 ~~القافية الشاعر ج/ ص قراكا: عبد المطلب: 4/ 491 الدوالك: ذو الرمة: 3/ 46- ~~اللام- الطفل: لبيد: 1/ 24 سأل: لبيد: 1/ 49 وعجل: لبيد: 2/ 187 فاضمحل: ~~لبيد: 2/ 490 [غفل] : لبيد: 3/ 47 وحائل: الطرماح: 2/ 529 مقبلا: ms2535 أوس بن ~~حجر: 1/ 205 أعضلا: أوس بن حجر: 1/ 205 أسهلا: عمر بن أبي ربيعة: 1/ 500 ~~المغفلا:: 1/ 381 أرملا:: 2/ 467 المطافلا:: 1/ 59 الأوعالا: الفرزدق: 1/ ~~78 الأبطالا: الفرزدق: 3/ 23 خيالا: الأخطل: 2/ 48 و 4/ 179 ميكالا: جرير: ~~1/ 91 أبوالا: أمية بن أبي الصلت: 1/ 175 مقالا: الحطيئة: 3/ 122 ~~الأبطالا:: 2/ 389 الطوالا:: 2/ 389 وقبالا:: 4/ 223 والجبالا:: 4/ 223 ~~فصلا: عدي بن زيد: 1/ 71 يخون إلى: الأعشى: 2/ 133 حملا: الأخطل: 2/ 575 ~~معقولا: الراعي النميري: 2/ 420 تحويلا: ابن رواحة: 3/ 113 # PageV04P542 # القافية الشاعر ج/ ص السبيلا:: 1/ 309 الجبلة:: 3/ 347 أمر الله:: 4/ 324 ~~المغله:: 4/ 324 قالها: الخنساء: 1/ 290 أوعالها: الخنساء: 1/ 290 أمثالها: ~~الخنساء: 1/ 290 ما لها: الخنساء: 2/ 464 حبالها: الأعشى: 1/ 311 أطفالها: ~~الأعشى: 2/ 467 إبقالها: عامر بن جوين الطائي: 2/ 444 و 3/ 14 ثعل: ابن ~~همام السلولي: 1/ 294 يستهل: تأبط شرا: 2/ 386 البقل: زهير بن أبي سلمى: 3/ ~~259 فيستعلوا: زهير بن أبي سلمى: 4/ 217 القتل:: 1/ 84 رحل:: 4/ 243 أصل:: ~~4/ 243 منزل: ورقة بن نوفل: 1/ 90 وأطول: الفرزدق: 2/ 153 و 3/ 421 أول: ~~معن بن أوس: 2/ 188 و 3/ 421 لأميل: الأحوص: 3/ 421 العواذل: الهذلي: 4/ ~~243 والوسائل:: 1/ 544 البطل: الأعشى: 1/ 34 وينتعل: الأعشى: 2/ 122 عجل: ~~الأعشى: 4/ 176 ما يئل: الأعشى: 3/ 93 هطل: الأعشى: 3/ 418 الأصل: الأعشى: ~~3/ 418 القافية الشاعر ج/ ص الأمل: الراعي النميري: 3/ 379 الزلل: القطامي: ~~4/ 36 حملوا:: 2/ 464 الإبل:: 2/ 464 معازيل: عبدة بن الطبيب: 2/ 179 يعيل: ~~أحيحة بن الجلاح: 2/ 249 و 4/ 458 طويل: مجنون ليلى: 2/ 490 أقول:: 1/ 111 ~~و 2/ 141 قليل:: 1/ 239 جزيل:: 2/ 327 فمطيل:: 2/ 327 أو كله:: 2/ 113 فلا ~~أحله:: 2/ 113 آجله: توبة بن مضرس: 1/ 539 كاهله: ابن ميادة: 2/ 51 أنامله: ~~ضابئ البرجمي: 2/ 489 [حلائله] : ضابئ البرجمي: 3/ 154 حواصله:: 2/ 568 ~~نواصله:: 3/ 262 يستبيلها: الفرزدق: 1/ 55 قبيلها: الأعشى: 3/ 54 والأهل: ~~المنخل: 2/ 416 قبلي: أبو ذؤيب الهذلي: 2/ 506 بالمهل: ذو الرمة: 3/ 316 ~~رسل:: 1/ 81 و 3/ 246 لا أقلي:: 3/ 85 التبقل: أبو النجم: 1/ 71 ونهشل: أبو ~~النجم: 1/ 71 مقتل: امرؤ القيس: 1/ 259 بكلكل: امرؤ القيس: 1/ 259 # PageV04P543 # القافية الشاعر ج/ ص يفعل: امرؤ القيس: 2/ 343 ms2536 تنجلي: امرؤ القيس: 2/ 398 ~~مرحل: امرؤ القيس: 2/ 398 تنسل: امرؤ القيس: 4/ 360 كالسجنجل: امرؤ القيس: ~~4/ 429 ممحل: عبد قيس بن خفاف: 1/ 279 فانزل: عبد قيس بن خفاف: 1/ 279 ~~الأعزل: لبيد: 2/ 270 بهيضل: أبو كبير الهذلي: 2/ 522 فانزل: عنترة العبسي: ~~3/ 180 المتحول: هدبة بن خشرم: 3/ 392 يتفل: ذو الرمة: 4/ 509 ذائل: ~~النابغة الذبياني: 1/ 93 عوامل: الهذلي: 1/ 464 بالأصائل: أبو ذؤيب الهذلي: ~~2/ 184 حابل:: 1/ 325 والأغلال: أمية بن أبي الصلت: 1/ 34 الأذيال: أمية بن ~~أبي الصلت: 1/ 59 إسرال: أمية بن أبي الصلت: 1/ 59 العقال: أمية بن أبي ~~الصلت: 2/ 524 أمثالي: امرؤ القيس: 1/ 210 ميال: امرؤ القيس: 2/ 326 إذلال: ~~امرؤ القيس: 1/ 276 و 2/ 326 وأوصالي: امرؤ القيس: 1/ 538 و 2/ 464 أغوال: ~~امرؤ القيس: 3/ 543 مالي: زيد الخيل: 2/ 383 دلال: أمية بن عائذ الهذلي: 2/ ~~181 الهلال: جرير: 2/ 416 و 3/ 335 المحال: الأعشى: 2/ 488 يبالي: الأعشى: ~~2/ 488 هلال: لبيد: 2/ 530 القافية الشاعر ج/ ص [بالرجال] : عدي بن زيد: 3/ ~~538 بخيال: تميم بن مقبل: 4/ 28 الذليل: سري السقطي: 1/ 179 وقيل: سري ~~السقطي: 1/ 179 القتيل: عنترة الطائي: 2/ 208 عقيل: الراعي: 3/ 101 برسول: ~~كثير عزة: 3/ 336 بالعقول:: 2/ 116 قلله: جميل بن معمر: 2/ 435 برجله: أم ~~الأحنف: 1/ 116 هزله: أم الأحنف: 1/ 116 مثله: أم الأحنف: 1/ 116 خليله: ~~ابن رواحة: 3/ 222- الميم- إبرهم: عبد المطلب: 1/ 107 ينتقم: الأعشى: 1/ ~~296 حرم: الأعشى: 2/ 347 حطم: الحطم البكري: 1/ 507 غنم: الحطم البكري: 1/ ~~507 وضم: الحطم البكري: 1/ 507 لم ينم: الحطم البكري: 1/ 507 كالزلم: الحطم ~~البكري: 1/ 507 القدم: الحطم البكري: 1/ 507 من صمم: المثقب العبدي: 2/ 18 ~~كم وكم:: 1/ 163 و 4/ 208 القوم:: 3/ 196 اليوم:: 3/ 196 سلما: وضاح اليمن: ~~1/ 277 و 3/ 567 أينما: النمر بن تولب: 1/ 436 مبهما: حاتم الطائي: 1/ 514 # PageV04P544 # القافية الشاعر ج/ ص بمنطقها فما: حميد بن ثور: 1/ 259 و 3/ 355 موشما: ~~حميد بن ثور: 2/ 109 لها ابنما: الملتمس: 2/ 253 ميسما: المتلمس: 3/ 56 ~~لصمما: المتلمس: 3/ 165 وأزنما: العوام # بن شوذب: 4/ 288 وتمما:: 1/ 18 يتندما:: 1/ 318 درهما:: 2/ 401 الدما:: ~~2/ 401 راهما: هند بنت عتبة: 3/ 567 عرواهما: ms2537 هند بنت عتبة: 3/ 567 حماهما: ~~هند بنت عتبة: 3/ 567 تراهما: هند بنت عتبة: 3/ 567 غنماهما: أبو أسيدة ~~الدبيري: 4/ 330 سلاما: جرير: 1/ 78 لماما: جرير: 2/ 109 غراما: بشر بن أبي ~~خازم: 3/ 328 ألاما: أم عمير الحنفي: 3/ 552 الطعاما:: 1/ 58 [السناما] :: ~~3/ 85 ولا ذمما:: 2/ 238 و 239 هامة: يزيد بن مفرغ: 1/ 432 غمامه: يزيد بن ~~مفرغ: 4/ 92 طعم:: 3/ 169 عقم:: 3/ 246 منظم:: 1/ 239 يقدم:: 2/ 514 جاحم: ~~الأعشى: 1/ 106 راغم: الأعشى: 2/ 346 إبراهم: عبد المطلب: 1/ 107 القافية ~~الشاعر ج/ ص قائم: عبد المطلب: 1/ 107 رواغم:: 1/ 445 والغلام: أوس بن ~~غلفاء: 1/ 280 السلام: المثقب العبدي: 2/ 552 أثام: بلعاء بن قيس: 3/ 329 ~~الحمام:: 1/ 259 السلام:: 2/ 96 السقم: العرجي: 2/ 464 والرحم:: 3/ 103 ~~والحرم:: 4/ 78 مذءوم: حسان بن ثابت: 2/ 107 يتيم:: 1/ 84 حكيم:: 2/ 219 ~~والحتوم:: 2/ 469 محروم:: 3/ 142 سمه: رؤبة: 1/ 16 مقدمه:: 1/ 16 سمه:: 1/ ~~16 حمامها: لبيد: 4/ 36 عقيمها: كثير عزة: 2/ 529 نسيمها:: 2/ 131 همي: ~~رؤبة: 1/ 36 غمي: رؤبة: 1/ 36 عكم: الحطيئة: 1/ 298 الرجم: النابغة الجعدي: ~~1/ 132 و 3/ 23 أم الهيثم: عنترة العبسي: 1/ 65 مخرم: عنترة العبسي: 2/ 233 ~~و 324 و 3/ 142 لم تحرم: عنترة العبسي: 3/ 568 مكلمي: عنترة العبسي: 4/ 242 # PageV04P545 # القافية الشاعر ج/ ص بمحرم: عنترة العبسي: 4/ 359 المذمم: الأعشى: 1/ 172 ~~من الدم: الأعشى: 2/ 417 التكلم: زهير بن أبي سلمى: 1/ 331 المرجم: زهير بن ~~أبي سلمى: 3/ 74 المتخيم: زهير بن أبي سلمى: 3/ 143 مجثم: زهير بن أبي ~~سلمى: 3/ 327 زهدم: سحيم بن وثيل: 2/ 496 مطعم: أبو وجزة السعدي: 3/ 559 ~~بمعظم:: 1/ 119 وأنعمي:: 1/ 227 لمأثم:: 1/ 331 لم تكلم:: 3/ 93 النواسم: ~~ذو الرمة: 1/ 33 أم القاسم: ابن الرقاع: 1/ 70 و 434 جاسم: ابن الرقاع: 1/ ~~229 بنائم: ابن الرقاع: 1/ 229 بنائم: جرير: 2/ 340 و 3/ 500 بدارم: ~~الفرزدق: 4/ 85 والأداهم:: 2/ 137 سلام: الحطيئة: 1/ 93 شمام: الفرزدق: 1/ ~~163 بالسهام: لبيد: 1/ 350 النعام: حسان بن ثابت: 2/ 239 الأيام: جرير: 3/ ~~25 أقوام:: 1/ 138 لأقوام:: 1/ 195 أحلام:: 1/ 195 الأقدام:: 4/ 327 ~~الرحيم: جرير: 1/ 120 و 2/ 313- النون- شزن: الأعشى: 1/ 241 أنكرن: الأعشى: ~~1/ 267 يأتين: الأعشى: 1/ 267 قد ms2538 عدن: الأعشى: 2/ 277 الجمعين:: 2/ 45 ~~النقعين:: 2/ 45 الصورين:: 2/ 45 ومينا: عدي بن زيد: 1/ 65 أين أينا: عبيد ~~بن الأبرص: 1/ 163 و 4/ 208 لحنا: مالك بن أسماء: 4/ 121 عريانا: سوار بن ~~المضرب: 2/ 110 ومسانا: أمية بن أبي الصلت: 2/ 268 عمرانا:: 2/ 346 ~~أحيانا:: 4/ 74 العالمينا: الحطيئة: 1/ 18 سبعينا: لبيد: 1/ 19 الجاهلينا: ~~عمرو بن كلثوم: 1/ 35 لاعبينا: عمرو بن كلثوم: 1/ 40 جنينا: عمرو بن كلثوم: ~~1/ 438 العيونا: عمرو بن كلثوم: 3/ 127 مأمونا: عمران بن حطان: 1/ 90 لينا: ~~تميم بن مقيل: 1/ 313 سجينا: تميم بن مقبل: 2/ 393 شجينا: المسيب بن زيد ~~مناة: 1/ 430 و 3/ 224 و 4/ 204 دفينا: أبو طالب: 2/ 19 عيونا: أبو طالب: ~~2/ 19 دينا: أبو طالب: 2/ 19 مبينا: أبو طالب: 2/ 19 جنونا: حسان بن ثابت: ~~2/ 255 # PageV04P546 # القافية الشاعر ج/ ص آمينا:: 1/ 23 لما جينا:: 1/ 59 إسرائينا:: 1/ 59 ~~تشكونا:: 1/ 84 يوصينا:: 1/ 84 جافونا:: 1/ 84 لما جينا:: 1/ 110 ~~اسماعينا:: 1/ 110 متينا:: 1/ 311 القرينا:: 3/ 559 والعيونا:: 4/ 222 إنه: ~~ابن قيس الرقيات: 3/ 165 المباين: المعطل الهذلي: 2/ 436 المساكن:: 2/ 346 ~~دانوا: الفند الزماني: 1/ 250 أذنوا: قعنب بن أم صاحب: 1/ 587 و 4/ 419 ~~دفنوا: قعنب بن أم صاحب: 2/ 141 و 3/ 506 رهين: النابغة الذبياني: 1/ 34 ~~الظنون: النابغة الذبياني: 2/ 380 فيهون: كثير عزة: 2/ 102 ميزانه:: 2/ 103 ~~بشن: النابغة الذبياني: 2/ 217 و 4/ 170 الفرقدان: عمرو بن معديكرب: 1/ 448 ~~طهيان: الأحول الكندي: 1/ 598 و 3/ 70 والشبهان: الأحول الكندي: 3/ 231 ~~بأرسان: امرؤ القيس: 2/ 392 رماني: ابن أحمر: 4/ 159 الأركان:: 2/ 391 ~~باني:: 2/ 391 القافية الشاعر ج/ ص حقان:: 2/ 404 بالإحسان:: 3/ 101 ~~الكثبان:: 4/ 221 والحزن:: 4/ 237 لم يكن:: 4/ 237 اللعين: الشماخ: 1/ 127 ~~الوتين: الشماخ: 4/ 333 يليني: المثقب العبدي: 1/ 140 و 316 و 2/ 367 و 576 ~~و 3/ 518 يبتغيني: المثقب العبدي: 1/ 140 و 316 الحزين: المثقب العبدي: 2/ ~~306 والزيتون: أبو طالب: 2/ 60 تخوفيني: أبو حية النميري: 3/ 395 ~~تستتليني:: 2/ 329 أميني:: 4/ 464- الهاء- فشفاها: ليلى الأخيلية: 1/ 206 ~~سقاها: ليلى الأخيلية: 1/ 206 و 280 و 3/ 99 قلاها:: 1/ 313 [عيناها] :: 1/ ~~522 ابتناها:: 3/ 407 حاديها: طفيل الغنوي: 1/ 60 لاقيها: حسان بن ms2539 ثابت: 2/ ~~364 نبنيها:: 2/ 171 المده: رؤبة: 1/ 16 تألهي: رؤبة: 1/ 16 ولهله: رؤبة: ~~1/ 35 مهمه: رؤبة: 1/ 35 العمه: رؤبة: 1/ 35 # PageV04P547 # القافية الشاعر ج/ ص- الياء- بدا ليا: عبد الله بن معاوية: 1/ 329 باقيا: ~~النابغة الجعدي: 2/ 209 الخواليا: عنترة العبسي: 2/ 358 ذاليا: عنترة ~~العبسي: 2/ 358 لجاميا: الفرزدق: 2/ 430 ورائيا: سوار بن المضرب: 2/ 468 و ~~507 ضاحيا: أمية بن أبي الصلت: 3/ 553 ناهيا:: 3/ 530 القافية الشاعر ج/ ص ~~شفائيا:: 4/ 390 معاوية: علي بن أبي طالب: 2/ 89 الحاويه: علي بن أبي طالب: ~~2/ 89 أنجيه: سحيم بن وثيل: 2/ 461 كالأرشيه: سحيم بن وثيل: 2/ 461 قنسري: ~~العجاج: 1/ 48 دواري: العجاج: 1/ 48 غني:: 2/ 139 # PageV04P548 ### | 4- # أنصاف الأبيات التي لم تعرف قوافيها الشاعر: الجزء: الصفحة لمن الظعائن ~~سيرهن تزحف: الأعشى: 2/ 194 وشر المنايا ميت بين أهله:: 1/ 89 فقتلا بتقتيل ~~وضربا بضربكم:: 1/ 165 كلوا في نصف بطنكم تعيشوا:: 1/ 192 و 2/ 136 و 4/ ~~204 تخاطأت إليك أحشاؤه:: 3/ 22 وإن شئتم تعاودنا عوادا:: 4/ 343 يمج صبيرة ~~الماعون صبا:: 4/ 496 # PageV04P549 ### | 5- # المصادر والمراجع أهم المراجع والمصادر في التخريج: ### | 1- # صحيح البخاري. بترقيم فؤاد عبد الباقي، طبع دار المعرفة. ### | 2- # صحيح مسلم. بترقيم فؤاد عبد الباقي، طبع دار إحياء التراث العربي. ### | 3- # سنن أبي داود. بترقيم محيي الدين عبد الحميد، طبع دار إحياء السنة ~~النبوية. ### | 4- # سنن الترمذي. بترقيم أحمد شاكر ثم فؤاد عبد الباقي ثم إبراهيم عطوة عوض، ~~طبع دار إحياء التراث العربي. ### | 5- # سنن النسائي جزء وصفحة، طبع دار القلم. ### | 6- # سنن ابن ماجة. بترقيم فؤاد عبد الباقي، طبع دار الفكر. ### | 7- # سنن الدارمي جزء وصفحة، طبع دار صادر. ### | 9- # مسند الطيالسي. بترقيم دار الباز، طبع دار المعرفة. ### | 10- # صحيح ابن حبان. بترقيم شعيب الأرناؤوط، طبع مؤسسة الرسالة. ### | 11- # مستدرك الحاكم جزء وصفحة، طبع دار المعرفة. ### | 12- # سنن الدارقطني. طبع مكتبة المتنبي. ### | 13- # سنن البيهقي. طبع دار الفكر. ### | 14- # موطأ الإمام مالك. بترقيم فؤاد عبد الباقي، طبع دار الكتب العلمية. ### | 15- # مسند الشافعي. طبع دار الكتب العلمية. ### | 16- # مجمع الزوائد. طبع دار الكتاب العربي. ### | 17- # مسند الفردوس للديلمي. طبع دار الكتب العلمية. ### | 18- # الكامل لابن عدي. طبع دار الفكر. ### | 19- # العلل المتناهية لابن ms2540 الجوزي. طبع دار الكتب العلمية. ### | 20- # سيرة ابن هشام. طبع دار المكتبة التوقيفية. ### | 21- # المنتقى لابن الجارود. بترقيم عبد الله عمر البارودي، طبع دار الجنان. ### | 22- # المطالب العالية لابن حجر. بترقيم حبيب الرحمن الأعظمي، طبع دار المعرفة. # المراجع اللغوية المعتمدة في هذا العمل: ### | 1- # لسان العرب، طبع دار بيروت. ### | 2- # القاموس المحيط. طبع دار الفكر. ### | 3- # مختار الصحاح للرازي. طبع دار الكتاب العربي. # PageV04P550 ### | 4- # المغرب للمطرزي. طبع مكتبة أسامة بن زيد. ### | 5- # المصباح المنير للفيومي. طبع دار الفكر. # كتب الرجال المعتمدة: ### | 1- # الجرح والتعديل، للرازي. ### | 2- # الكامل في الضعفاء، لابن عدي. ### | 3- # الضعفاء، للعقيلي. ### | 4- # المجروحون، لابن حبان. ### | 5- # ميزان الاعتدال، للذهبي. ### | 6- # لسان الميزان، لابن حجر. ### | 7- # تقريب التهذيب، لابن حجر. ### | 8- # الضعفاء والمتروكون، لابن الجوزي. ### | 9- # وفيات الأعيان، لابن خلكان. ### | 10- # الوافي بالوفيات، للصفدي. ### | 11- # الديباج المذهب، لابن فرحون. ### | 12- # جذوة الاقتباس، لابن القاضي. ### | 13- # تذكرة الحفاظ، للذهبي. ### | 14- # بغية الملتمس، لابن عميرة الضبي. # الكتب المعتمدة في الحكم على الحديث: ### | 1- # نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، للإمام الحافظ جمال الدين الزيلعي ~~رحمه الله. ### | 2- # الدراية في تلخيص نصب الراية، لابن حجر. ### | 3- # تلخيص الحبير في تخريج الرافعي الكبير، لابن حجر. ### | 4- # العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، لابن الجوزي. ### | 5- # العلل، لابن أبي حاتم الرازي. PageV04P551 ms2541